الفقه والمسائل الطبية
الشيخ محمد آصف المحسني
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
الفِقهُ
والمَسائِل الطِبّيّة
بقلم
سماحة آية الله
الشيخ محمد آصف المحسني
يقول الدكتور الكسيس كاريل، المتوفّى ١٩٤٤:
إنّ علوم التشريح والفسيولوجيا والكيمياء والنفس والاجتماع، وغيرها من العلوم، لم تعطنا نتائج قطعيّة في ميادينها عن ماهيّة الإنسان، وإنّ الإنسان، الذي يعرفه العلماء، ليس إلاّ إنساناً بعيداً جدّاً عن الإنسان الحقيقي.
فالإنسان كائنٌ مجهولٌ لنفسه، وسيظلّ جهلنا به إلى الأبد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ لله رَبِّ العالمين، مُنزل الوَحي على المرسلين، والصلاة على محمّدٍ وآلهِ خَير الخَلق أجمعين، والسلام على جميعِ عبادِ الله الصالحين، لاسِيّما عَلى الشُهداء والعلماء المُجْتَهدين.
أمّا بعد، إنّ المنظّمة الإسلاميّة للعلوم الطبيّة في الكويت عقدت ندوات علميّة، دعت فيها الأطباء، وأهل العلم ممّن لهم معلومات فقهيّة، فعنون الأطبّاء المسائل الطبيّة المستجدّة، وذكر أهل العلم أحكامها الشرعية، من وجهة نظرهم، أو نظر المذاهب الأربعة غالباً(١) ، ثمّ تصدّت المنظّمة لطبع ما دارت في تلك الندوات العلميّة المفيدة المباركة في سبعة أجزاء باسم:
( الإسلام والمشكلات الطبيّة المعاصرة ) على نحو ما يلي:
___________________
(١) ابتداءً من ١١ شعبان ١٤٠٣ ه- الموافق ٢٤ مايو ١٩٨٣ م، وانتهاءً بأواخر جمادى الآخرة ١٤١٤، الموافق ديسمبر ١٩٩٣ م.
أوّلاً : الإنجاب في ضوء الإسلام.
ثانياً : الحياة الإنسانية، بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي.
ثالثاً : الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبّيّة.
رابعاً :... لم أجده.
خامساً :... لم أجده.
سادساً : رؤية إسلامية لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
سابعاً : رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز.
فشكراً كثيراً: للأطباء المتديّنين، ولأهل العلم المتفقّهين، والمخلصين القائمين بأعمال الثبت والطبع، والله يُحبُّ المحسنين، كما أشكر ولدي، مسؤول سفارة الجمهورية الإسلامية الأفغانية في الكويت، واعظ زاده - وهو من أعضاء الحركة الإسلامية الأفغانية - حيث أهدى إليّ هذه الأجزاء، سوى الرابع والخامس حيث لم يوجدا.
فقصدت بفضل الله وعونه أنْ أنقل منهما بعض المطالب(١) ، ثمّ أذكر الحكم الفقهي من الفقه الجعفري، بحسب اجتهادي، فإنْ أصبت فهو من فضل ربي، وإنْ أخطأت فهو من قصوري أو من تقصيري، وأسأل الله - تبارك وتعالى - أنْ يجعله نافعاً لإخواني من أهل العلم، ولجميع المؤمنين، وأنْ يتقبّله منّي بكرمه السابق، وفضله الواسع.
___________________
(١) من غير التزام بمراعاة ترتيب مطالب تلك الأجزاء في كتابي هذا ؛ كما تعلمون فيما بعد.
المسألة الأُولى
حُكمُ التداوي في الفقه
جواز التداوي من الواضحات التي تسالم الكلّ عليه. وفي موثّقة الحسين بن علوان، المروي في قرب الإسناد عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، قال: قيل يارسول الله، أنتداوى ؟
قال: ( نعم، فتداووا فإنّ الله لم يُنزل داءً إلاّ وقد أنزل له دواءً )(١) .
أقول : وهل أمرهصلىاللهعليهوآله بالتداوي للوجوب، أو للإرشاد ؟
فيه وجهان، نعم يجب التداوي من الأمراض الخطيرة لوجوب دفع الضرر، كما يجب تداوي الأطفال والمجانين على أوليائهم حسب قضيّة الولاية.
ثمّ الظاهر جوازه، بل وجوبه، وإن احتمل الضرر فيه احتمالاً مرجوحاً أو مساوياً ؛ لصحيح يونس بن يعقوب عن الصادقعليهالسلام : الرجل يشرب الدواء ويقطع العرق، وربّما انتفع به، وربما قتله؟
قال: ( يشرب ويقطع )(٢) .
وربما يتخيّل بعض أهل العلم عدم وجوب التداوي مطلقاً، حتّى من الأمراض المهلِكة ؛ لاستبداله بالدعاء والتوكّل، قال الله تعالى:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه ) (٣) ، وقال تعالى:( ادْعُونِيَ أسْتَجِبْ لَكُمْ ) (٤) .
___________________
(١) ص١٧٩ ج١٧ الوسائل، ولابُدّ لاعتبار الرواية من إثبات أنّ نسخة قرب الإسناد الواصلة الى صاحب الوسائل قد وصلت بسندٍ معتبرٍ، وفيه بحث طويل عميق ذكرناه في محلّه. وعلى كل أخرجه بألفاظ مختلفة: أحمد، وأبو داود، والنسائي، والتزمذي، لاحظ ص٥٦٠ وص٥٧ ج٦ ( رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة ).
(٢) ص١٩٤ روضة الكافي.
(٣) الطلاق آية ٣.
(٤) غافر آية ٦٠.
أقول : لكنّهما لا ينفيان وجوب التداوي وحده، بل لزوم تحصيل المعاش والنفقة، وتحصيل كلّ أمرٍ متوقّفٌ على أسبابه أيضاً، حتّى تحصيل العلم أيضاً !
بل لازم هذا التخيّل عدم وجوب حفظ النفس ! وهو كما ترى.
وهل يمكن أنْ يفتي عاقل بجواز ترك شرب الماء، أو أكل الطعام للمضطّر الذي يشرف على الهلاك ؟
والحلّ أنّ التوكّل لا ينافي السعي إلى تحصيل الأسباب، ولا هي تنافيه ( واعقل راحلتك وتوكّل على الله )(١) ، والدعاء لم يُشرَّع لإبطال الأسباب الطبيعيّة قطعاً، والأئمّةعليهمالسلام تداووا، وأمروا أتباعهم بالتداوي، كما في الأحاديث الكثيرة(٢) ، بل ورد في بعض الأحاديث أنّ مَن يترك أُموراً لا يُستجاب دعاءه.
ثمّ إنّ التداوي كما قد يجب على المريض، يجب العلاج على الطبيب - أيضاً - وإنْ جاز له أخذ الأُجرة على طبابته إذا قدر المريض عليه.
وفي رواية محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام المرويّ في التهذيب، قال: سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس فيأخذ عليه جعلاً ؟
قال: ( لا بأس )(٣) .
قال الفقيه اليزديقدسسره في خاتمة كتاب الإجارة من العروة الوثقى:
( السابعة عشرة ): لا بأس بأخذ الأُجرة على الطبابة، وإنْ كانت من الواجبات الكفائيّة ؛ لأنّها كسائر الصنائع، واجبة بالعرض لانتظام نظام معائش
___________________
(١) ج٧١ ص١٣٧ و ج١٠٣ ص٥، بحار الأنوار نسخة الكومبيوتر.
(٢) لاحظ الجزء ٦٢ من بحار الأنوار.
(٣) ص٣ ج٥٩، بحار الأنوار، والسند صحيح على المشهور، ولنا في صحّة طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد بحث ذكرناه في( بحوث في علم الرجال ) .
العباد، بل يجوز وإنْ وجبت عيناً، لعدم من يقوم بها غيره، ويجوز اشتراط كون الدواء عليه مع التعيين الرافع للغَرَر، ويجوز - أيضاً - مقاطعته على المعالجة إلى مدّة، أو مطلقاً، بل يجوز المقاطعة عليها بقيد البُرء، أو بشرطه إذا كان مظنوناً بل مطلقاً.
وما قيل من عدم جواز ذلك ؛ لأنّ البُرء بيد الله، فليس اختياريّاً له، وأنّ اللاّزم مع إرادة ذلك أنْ يكون بعنوان الجعالة لا الإجارة.
فيه: إنّه يكفي كون مقدّماته العاديّة اختياريّة، ولا يضرّ التخلّف في بعض الأوقات، كيف ؟! وإلاّ لم يصحّ بعنوان الجعالة أيضاً(١) .
أقول : وعلّق سيّدنا الأُستاذ الخوئي على قوله ( بل مطلقاً ): يشكل الحكم بالصحّة في فرض التقييد مع الظن بالبُرء أيضاً، نعم لا تبعد الصحّة مع الاطمئنان به.
كما أنّه علّق على الجزء الأخير من كلامه: الفرق بين الجعالة والإجارة من هذه الجهة ظاهرٌ(٢) .
وقالقدسسره في منهاج الصالحين: تجوز الإجارة على الطبابة سواءٌ أكانت بمجرّد وصف العلاج، أم بالمباشرة كجبر الكسير، وتجوز المقاطعة على العلاج بقيد البُرء إذا كانت العادة تقضي ذلك، كما في سائر موارد الإجارة على الأعمال الموقوفة على مقدّمات غير اختياريّة للأجير، وكانت توجد حينها عادةً(٣) . وتبعه بعض تلاميذه عليه.
___________________
(١) العروة الوثقى ٢/٤٢٠ - ٤٢١ طبعة مدينة العلم.
(٢) نفس المصدر.
(٣) منهاج الصالحين ٢/١٠٢ طبعة مدينة العلم.
فائدة
نذكر فيها بعض الروايات المعتبرة سنداً:
١ - قال الصادقعليهالسلام : ( قال موسى بن عمران: ياربّ من أين الداء ؟ قال: مني. قال: فالشفاء ؟ قال: مني. قال: فما يصنع عبادك بالمُعالِج ؟ قال: يطيب بأنفسهم، فيومئذٍ سُمّي المعالج الطبيب )(١) .
أقول : أيّ سُمّي بالطبيب لرفعه الهمّ عن نفوس المرضى بالرفق والتدبير، وليس الشفاء منهم، وفي بعض كتب اللغة: طَبَّ: تأنّى للأُمور وتلطّف، وفي بعض النسخ بالياء المثنّاة ( يطيب ).
وليس المراد أنّ الطبيب مشتقٌّ من مادّة الطيب، بل المراد أنّ تسميته بالطبيب لتداويه عن الهموم، فتطيب بذلك.
أقول : الشفاء لا ينافي التداوي ؛ لأنّهما من العلل الطوليّة، وصنع المُعالِج هو تشخيص الداء وتعيين الدواء فقط، والشفاء من الله تعالى.
٢ - كتب ابن أُذينة إلى الصادقعليهالسلام يسأله عن الرجل ينعت له الدواء من ريح البواسير، فيشربه بقدر أسكرجة من نبيذ ليس يريد به اللّذة ( و ) إنّما يريد به الدواء ؛ فقال: ( لا، ولا جرعة ).
وقال: ( إنّ الله - عزّ وجلّ - لم يجعل في شيءٍ ممّا حرّم شفاءً ولا دواءً )(٢) .
أقول : اتّفقت أحاديثنا على منع التداوي بالخمر(٣) ، وهذا الحديث
___________________
(١) ص٨٨ روضة الكافي.
(٢) ص٨٨ ج٥٩ بحار الأنوار نقلاً عن الكافي.
(٣) لاحظ ص٢٠٢ وما بعدها ج٢٤ جامع الأحاديث.
يمنعه بمطلق الحرام. لكن، لو فرض بطريق قطعي مورداً: توقّف حياة أحد على شرب مسكر، أو خمر، أو على شرب دواءٍ فيه خمر ؛ جاز شربه أو لعلّه فرض نادر جدّاً.
٣ - قال الصادقعليهالسلام : ( ما من دواءٍ إلاّ وهو شارع إلى الجسد ينظر ( سارع إلى الجسد ينتظر خ ) متى يؤمر به فيأخذه )(١) .
أقول : كأنّ الحديث يشير إلى موضوعٍ علميّ، وهو ما ثبت في علم الطب وغيره من مناعة البدن، وستعرفها في المسألة الخامسة والثلاثين، إنْ شاء الله تعالى.
نظر المذاهب الأربعة حول التداوي
نقل بعض أهل السنّة أنّ العلاج عند الإمام أحمد رخصة، وتركه درجة أعلى، وعند الشافعي: التداوي أفضل من تركه، ومذهب أبي حنيفة أنّه ( أي التداوي ) مؤكّد حتّى أنّه يقارب الوجوب، ومذهب مالك: أنّه يستوي فعله وتركه(٢) .
___________________
(١) روضة الكافي ص٨٨.
(٢) ص٦٢٤ وص٦٢٥ الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
المسألة الثانية
أثر الاضطرار والحرج والضرر والحاجة في رفع الأحكام الإلزاميّة
والبحث الأوّل في الاضطرار، قال الله تعالى:
( وَمَالَكُمْ ألاّ تَأكُلُوا ممّا ذُكِر اسْمُ الله عَلَيهِ وَقَد فَصَّل لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيكُم إلاّ ما اضْطُررْتُم إلَيهِ ) ( الأنعام: ١١٩ ).
وقال تعالى:
( إنَّما حَرَّمَ عَليكُمْ المَيْتَةَ والدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيِرَ وما أُهلّ به لِغَير الله فَمَن اضطُرَّ غَيَر بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إثْمَ عَلَيه... ) (البقرة: ١٧٣).
ولاحظ سورة المائدة(٣) ، والأنعام (١٤٥)، والنحل (١١٥).
وكلّ هذه الآيات وردت في مورد أكل المحرّمات الخاصّة.
وقال رسول الله -صلىاللهعليهوآله - كما في حسنة حريز المرويّة في الخصال، عن الصادقعليهالسلام :
( رُفع ( وضع ) عن أُمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق، ما لم ينطق بشفته)(١) .
وفي موثّقة سماعة - على إشكالٍ في صحّة طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد في المشيخة، عن الصادقعليهالسلام : (... ولن يكلّفه الله ما لا طاقة له به )(٢) .
وفي موثّ-قةٍ أُخرى له - على إشكالٍ عرفته -: ( وليس شيء ممّا حرّم الله
___________________
(١) ص٨٨ ج١، مقدّمة جامع الأحاديث، الطبعة الأُولى.
(٢) ص٤٨٣ ج٥، الوسائل نسخة الكومبيوتر.
إلاّ وقد أحلّه لمَن اضطرّ إليه )(١) . وقريب منها موثّ-قة أبي بصير(٢) .
وفي صحيح محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل والمرأة يذهب بصره، فيأتيه الأطباء، فيقولون: نداويك شهراً أو أربعين ليلة مستلقياً كذلك يصلي ؟ فرخّص في ذلك، وقال:( فمَن اضطُرّ غَير باغٍ وَلا عادٍ فلا إثم عليه ) (٣) .
أقول : مورد الرواية ظاهراً الحاجة أو الحرج، ولكنّ الإمام طبّق عليه الاضطرار. ثمّ إنّ الحديث يدلّ على تعميم الآية لمطلق المحرّمات من دون اختصاصٍ لها بالأكل المحرّم، فلا تغفل، وفي صحيح حفص البختري عن الصادقعليهالسلام قال: سمعته يقول في المغمى عليه: ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر(٤) .
وبالجملة : الاضطرار رافع للتكليف كما في الأحاديث الكثيرة. والتّتبع بالكومبيوتر سهل.
( البحث الثاني في الحرج ):
قال الله تعالى:( وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ( الحج: ٧٨ ).
وقال تعالى:( لِّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيِض حَرَجٌ ) (الفتح: ١٧ ) و ( النور: ٦١ ).
وفي صحيح زرارة عن الباقرعليهالسلام في قوله تعالى:( مَا يُريدُ الله
___________________
(١) ص٢٢٨ ج٢٣ المصدر.
(٢) ص٤٨٣ ج٥ نفس المصدر.
(٣) ص٤٩٦ نفس المصدر.
(٤) ص٢٧٣ج ١ جامع الأحاديث.
ليَجْعَلَ عَليكُم مِنْ حَرَجٍ ) : والحرج الضيق(١) .
وفي صحيح بريد العجلي، عنهعليهالسلام : (... ولم يجعل الله تبارك وتعالى في الدين من ضيق، فالحرج أشدّ من الضيق )(٢) .
وعليه فيمكن أن يُحمل الضيق في الحديث السابق، على مرتبة عالية منه دفعاً للتعارض، فافهم.
وفي موثّقة أبي بصير - على إشكالٍ في صحّة طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد في المشيخة-: ( فإنَّ الدين ليس بضيّق، فإنّ الله يقول:( مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ في الدِين مِنْ حَرَجٍ ) )(٣) .
قال سيِّدنا الأُستاذ الحكيمقدسسره في مستمسكه:... فلا يكون الحرج مجوّزاً لفعل المحرّمات عندهم، وإنْ كان مجوّزاً لترك الواجبات، فلا يجوز الزنا للحرج، ولا يجوز أكل مال الغير للحرج... وإن كان الفرق بين الواجبات والمحرّمات في ذلك غير ظاهر، ومقتضى دليل نفيه نفي التحريم كنفي الوجوب(٤) .
أقول : والحقّ جريان نفي الحرج في مطلق الأحكام الإلزاميّة الحرجيّة من الواجبات والمحرّمات، لكن لابُدّ أن يعلم أنّ للحرج مراتب متفاوتة، والأحكام الإلزاميّة - أيضاً - لها مراتب من حيث الأهميّة، فلا يمكن نفي حرمة الزنا واللواط والمساحقة، لمَن لا زوج له بدعوى الحرج، وهو ظاهر، فإذا رُوعيت هذه النكتة حسب الذوق الشرعي، والارتكاز المتشرّعي في جريان قاعدة نفي الحرج، لا يبقى وجهٌ للتفصيل بين الواجبات والمحرّمات.
___________________
(١) ص٣٦٤ ج٣ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
(٢) ص١٩١ ج١ أُصول الكافي.
(٣) ص١٦٣ ج١ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
(٤) ص٢٤٧ ج١٤.
( البحث الثالث في الضرر ):
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما في موثّقة زرارة عن الباقرعليهالسلام : ( لا ضرر ولا ضرار )(١) .
فكلّ حكمٍ ضرريٍّ يُنفى بهذا.
وأعلم أنّ البحث حول قاعدة نفي الضرر والضرار طويل، مذكور في علم أُصول الفقه، بل ألَّف غيرُ واحدٍ من الأعلام حولها رسالة مستقلّة.
( البحث الرابع في الحاجة ):
قال الله تعالى:( يُرِيُد الله بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بكُمُ العُسْر ) ( البقرة: ١٨٥ ).
وفي صحيح الثمالي المروي في الكافي عن الباقرعليهالسلام قال: سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إمّا كسر وإمّا جرح في مكان لا يصلح النظر إليه، يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر إليها ؟ قال: ( إذا اضطرّت إليه فليعالجها ( فيعالجها - جامع )، إن شاءت )(٢) ، فلاحظ.
أقول : الحديث يدلّ على جواز نظر الطبيب إلى المريضة لاضطرارها، وتقييد النظر إليها بعدم إمكان العلاج بالنظر إليها بالنظر إلى المرآة، كما عن بعض الفقهاء خلاف إطلاق الصحيحة، فلا نلتزم به، والله أعلم بأحكامه.
___________________
(١) ص٣٢ ج١٨ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
(٢) ص١٧٢ ج١٤ الوسائل ( الطبعة المتوسطة ).
المسألة الثالثة
ما يتعلّق بضمان الطبيب وعدمه
( الأوّل ) : إذا تبرّأ الطبيب من الضمان، وقبل المريض أو وليّه، ولم يقصّر في الاجتهاد والاحتياط ؛ فالأظهر براءته من ضمان الفساد إن اتّفق بمباشرته، كما اختاره جماعةٌ من المحقّقين، بل عن المسالك أنّه المشهور، واستدل له بخبر السكوني: ( من تطبّب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليّه، وإلاّ فهو ضامن )، وبأنّ العلاج ممّا تمسّ الحاجة إليه، فلو لم يشرع الإبراء تعذّر العلاج كما في الشرائع(١) .
وعن ابن إدريس أنّه لا يبرء ؛ لأنّه إسقاط الحقّ قبل ثبوته(٢) .
وفي الجواهر:... على أنّه ينبغي الجزم به ( أي بالإبراء ) إذا أخذ بعنوان الشرطيّة في عقد إجارة الطبيب مثلاً، إذ هو حينئذٍ يكون كاشتراط سقوط خيار الحيوان والمجلس ونحوهما ممّا يندرج تحت قولهمعليهمالسلام : ( المؤمنون عند شروطهم )... وليس هذا من الإبراء قبل ثبوت الحق، بل من الإذن في الشيء المقتضية ( المقتضى ظ ) لعدم ثبوته نحو الإذن في أكل المال مثلاً.
أقول : وما ذكره صاحب الجواهر موجّه، وأمّا ما ذكره المحقّق في الشرائع من الوجهين ففيه نظر وإن قبله صاحب الجواهر ؛ لضعف الخبر
___________________
(١) ص ٤٧ ج ٤٣ جواهر الكلام.
(٢) نفس المصدر.
سنداً، ولتردّد في الثاني.
وهنا شيء، وهو أنّه إذا كان الطبيب قاصراً، ولكنّ المريض يعتقد مهارته، فقَبِل إبراءه فأفسد لجهله، ففي براءته نظر أو منع، فإنّ الطبيب مدلّس حينئذٍ.
( الثاني ) : الطبيب يضمن ما يتلف بعلاجه إن كان قاصراً - سواء كان قصوره في علاج المرض، أو في تشخيصه - وإنْ أذن المريض بالعلاج، ويظهر منهم نفي الخلاف فيه بل عن التنقيح الإجماع عليه(١) .
لكن قد يُقال بسقوط الضمان فيه بسبب الإذن، وردّ بقاعدة الضمان على كلّ مُتْلف خصوصاً في الدماء التي ورد فيها:
( أنّه لا يبطل دم امرئ مسلم )(٢) ، والإذن كعدمها بعد النهي عنه شرعاً، بل لو جوّزنا المباشرة للحاذق بلا إذنٍ لقاعدة الإحسان، أو أوجبناها عليه مقدّمةً لحفظ النفس المحترمة، لما ينافي ذلك الضمان الذي هو من باب الأسباب، كما في تأديب الزوجة والصبي ونحوهما، فتأمّل.
( الثالث ) : قالوا: يضمن الطبيب العارف الحاذق إذا عالج: صبيّاً، أو مجنوناً، أو مملوكاً، من غير إذن الولي والمالك، أو عالج عاقلاً حرّاً من غير إذنٍ فيه(٣) .
وقيل: إنّه لا خلاف فيه ظاهراً(٤) .
( الرابع ) : الطبيب العارف ( علماً وعملاً ) إذا أذن له المريض في العلاج، ولم يقصّر هو فيه، فعالج وآل علاجه إلى التلف في النفس أو الطرف
___________________
(١) جواهر الكلام ص ٤٤ ج ٤٣.
(٢) لاحظ ج ٤٣ من الجواهر.
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر.
فعن ابن إدريس: أنّه لا يضمن ؛ للأصل، ولأنّ الضمان يسقط بالإذن، ولأنّه فعلٌ سائغٌ شرعاً فلا يستعقب ضماناً(١) .
وعن جمعٍ من الأعلام: أنّه يضمن لمباشرته للإتلاف.
وفي الجواهر: وإن لم يصرّحوا أو أكثرهم بالإذن.
وعن المحقّق: نسبة ضمان الطبيب المُتْلف بعلاجه بقول مطلق إلى الأصحاب(٢) .
وأُجيب عن ما استدلّ به ابن إدريس بأنّ الإذن في العلاج ليس إذناً في الإتلاف، والجواز الشرعي لا ينافي الضمان، كما في الضرب للتأديب، نعم، وحيث أنّه غير متعمد لا يُقتص منه ؛ ثمّ إنّ فعل الطبيب في المقام من شِبْه العمد، فالضمان في ماله لا على عاقلته.
( الخامس ) : قال الفقيه اليزديقدسسره في كتاب الإجارة من العروة الوثقى: إذا أفسد الأجير للخياطة أو القصارة أو لتفصيل الثوب ضَمَن، وكذا الحجّام في حجامته أو الختان في ختنه، وكذا الكحّال أو البيطار، وكلّ من آجر نفسه لعمل في المستأجر، إذا أفسده يكون ضامناً إذا تجاوز عن الحدّ المأذون وإنْ كان بغير قصده ؛ لعموم مَن أتلف، وللصحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يعطى الثوب ليصبغه، فقالعليهالسلام :
( كلّ عاملٍ أعطيته أجراً على أنْ يُصلح فأفسد فهو ضامن )(٣) .
___________________
(١) جواهر الكلام ج ٤٣ ص ٤٥.
(٢) نفس المصدر ص ٤٦.
(٣) وهو صحيح الحلبي المروي في الفقيه. ورواه في الكافي والتهذيبين عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عنهعليهالسلام بلفظ: سُئل عن القصار يفسد ؟
قال: ( كلّ أجيرٍ يُعطى الأجر على أن يُصلح فيفسد فهو ضامن ). ص ٥١ ج ١٩ جامع الأحاديث.
بل ظاهر المشهور ضمانه وإن لم يتجاوز عن الحدّ المأذون فيه، ولكنّه مشكل، فلو مات الولد بسبب الختان، مع كون الختّان حاذقاً من غير أنْ يتعدّى عن محلّ القطع، بأنْ كان أصل الختان مُضرّاً به، في ضمانه إشكال(١) .
أقول : لم يظهر لي فرق بين المقام وبين الطبيب المباشر للعلاج إذا أفسده، حيث أفتى صاحب العروة والسيّد الخوئي هناك بضمانه مطلقاً، وفي المقام قيّد الضمان بتجاوز الحدّ المأذون(٢) ؟.
وعلّق السيّد الأُستاذ الخوئيرحمهالله على قوله ( لكنّه مشكل ): بل الأقوى عدم الضمان(٣) .
أقول : ولعلّه لعدم صدق إفساد الطبيب حينئذٍ(٤) .
ثمّ قال السيّد الخوئيرحمهالله : ومع ذلك، الظاهر هو الضمان في مسألة الختان، إلاّ إذا كان المقتول به هو الذي سلّم نفسه له مع استجماعه شرائط التكليف(٥) .
وذكر في كتابه توضيح المسائل: إنْ مات الطفل بالختان ؛ يضمن الطبيب، تجاوز الحدّ المعمول به في ختانه أم لم يتجاوز، وإن تضرّر به الطفل، فإنْ قطع أكثر من المعمول به يضمن، وإلاّ ففي ضمانه إشكال، والأحوط الرجوع إلى الصلح. ( كتاب الإجارة، المسألة ٢٢١٢ ).
وقال بعض أهل العصر في منهاج الصالحين: الختّان إنْ قصّر أو أخطأ
___________________
(١) العروة الوثقى ج ٢ ص ٣٩٣ - ٣٨٤.
(٢) نعم مفهوم كلام السيّد الأُستاذ الخوئي في منهاج الصالحين ( ١٠١ ج٢ الطبعة الثامنة ) عدم الفرق بينهما في قيد التجاوز عن الحدّ وعدمه، في الضمان وعدمه فلاحظ.
(٣) العروة الوثقى ج٢ / ٣٩٤.
(٤) فيجري في حقّ الطبيب في المسألة الرابعة أيضاً بلا فرق.
(٥) نفس المصدر.
في عمله كأن تجاوز عن الحدّ المتعارف، فتضرّر أو مات الطفل كان ضامناً، وإنْ تضرّر أو مات بأصل الختان لم يكن عليه ضمان، إذا لم يعهد إليه إلاّ إجراء عمليّة الختان دون تشخيص ما إذا كان الطفل يتضررّ بها أم لا، ولم يكن يعلم بتضرّره مسبقاً.
أقول : في غير ما أنجز الأمر إلى القتل، المدار في الضمان هو صدق الإفساد، فإذا لم يصدق فلا موجب للضمان، فالأرجح عدم الضمان إذا كان حاذقاً ولم يتجاوز الحدّ المأذون طبّاً، وفي القتل يرجع إلى إطلاق ما دلّ على لزوم الديّة على مَن قتل خطأً أو شبه عمد، نعم، إذا لم يستند القتل إلى الطبيب لا وجه لضمانه ؛ وما ذكره بعض أهل العصر، كما نقلناه عنه آنفاً، لا يخلو من وجه، والله العالم.
وكلّ ما ذكرنا في هذا الأمر جارٍ في الأمر الرابع فتأمّل.
( السادس ) : إذا قال الطبيب من غير مباشرة: لو كنت مريضاً بمثل هذا المرض لشربت الدواء الفلاني، فلا ضمان عليه لعدم موجبه. وإن قال: الدواء الفلاني نافع للمرض الفلاني، ففي العروة: فلا ينبغي الإشكال في عدم ضمانه(١) .
أقول : وقاعدة الغرور تشمل المقام، وإذا كان أجيراً يشمله قولهعليهالسلام : ( كلّ عاملٍ أعطيته أجراً على أنْ يصلح فأفسد فهو ضامن )(٢) ، إلاّ أنْ يدّعي انصراف الحديث إلى فرض المباشرة، مع أنّه كسابقه ظاهراً.
وفي الجواهر ( ص٤٩ ج٤٣ ): أمّا إذا قال ( الطبيب ): أظنّ أنّ هذا الدواء نافع لهذا الداء، أو لو كنت أنا لفعلت كذا، ممّا لم تكن فيه مباشرة
___________________
(١) العروة الوثقى ٢: ٣٩٤.
(٢) المصدر.
منه وإنّ فعل المريض العاقل المختار، أو وليّه ذلك اعتماداً على القول المزبور فإنّ المتّجه فيه عدم الضمان ؛ للأصل وغيره، كما أنّ المتّجه عدم شيءٍ عليه حيث لم يعلم الحال ؛ لاحتمال الموت بغير العلاج.
أقول : ما ذكر صاحب الجواهر من فرض أخذ الظنّ في كلام الطبيب، أوضح في نفي الضمان عنه من فرض صاحب العروة ( قدس سره ما ).
وأمّا إن كان الطبيب آمراً، ففي العروة: ففي ضمانه إشكال، الاّ أن يكون سبباً وكان أقوى من المباشر، وأشكل منه إذا كان واصفاً للدواء من دون أن يكون آمراً، كأنْ يقول: دوائك كذا و كذا، بل الأقوى فيه عدم الضمان(١) .
أقول : وتبعه عليه سيّدنا الأُستاذ الخوئيقدسسره .
وقال بعض أهل العصر في منهاج الصالحين: لو عالج الطبيب المريض مباشرةً، أو وصف له الدواء حسب ما يراه، فاستعمله المريض وتضرّر أو مات، كان ضمانه عليه وإن لم يكن مقصّراً.
أقول : فلاحظ وتأمّل.
( السابع ) : يحرم للصيدليّات إيتاء الأدوية المخالِفة لنظر الأطباء وكتابتهم، كما يحرم إيتاء الأدوية التي مضى وقتها وهي غير نافعة للمرض.
وإذا علم البائع أنّ الطبيب خان المريض أو اشتبه، وأنّ هذا الدواء مهلك أو قاتل له إن استعمله ؛ يجب عليه إعلام المريض بالحال، ويحسن الإعلام إذا كان الضرر جزئيّاً أو كانّ الدواء غير مفيدٍ له، فإنّ الله سبحانه يقول:
( إنَّ الله يأمُرُ بِاْلعَدْلِ وَالإحْسَان ) (٢) . ويقول:( وتَعَاونُوا عَلَى البِرِّ وَالتَقّوَى ) (٣) .
___________________
(١) العروة الوثقى ٢: ٣٩٤.
(٢) النمل آية ٩٠.
(٣) المائدة آية ٢.
خاتمة
قال صاحب الجواهر بعد ذكر روايات أكثرها ضعاف سنداً، وليست بحجّة:
ولا يخفى عليك ما في هذه النصوص من الفوائد، منها... وجوب العلاج لمن كان له بصيرة فيه، ومنها عدم اعتبار الاجتهاد في علم الطبّ، بل يكفي للمداوي المداوى بالتجربيّات العاديّة ونحوها ممّا جرت السيرة والطريقة به، وخصوصاً للعجائز والأطفال(١) .
أقول : هذا بالنسبة إلى التداوي بالعقاقير غير المضرّة لا بأس به، وأمّا التداوي بالأدوية الكيمياويّة المضرّة أو القاتلة كما هي المتداولة اليوم، فلا يجوز لغير الاختصاصي الحاذق الخبير ضرورة حرمة الإضرار بالناس وهلاكهم، وهذا ظاهر، فليتّق الله مَن يسمّون أنفسهم بالأطباء، ويقتلون الناس أو ينقصونهم(٢) ، كما أنّه فليتّق الله مَن يسمّون أنفسهم بالعلماء والفقهاء، ويضلّون المؤمنين عن سبيل الله، وكأنّ الفتوى في عصرنا صارت مباحاً مطلقاً للجميع.
___________________
(١) جواهر الكلام ٤٣ / ٥٠.
(٢) قال بعض الشعراء :
ملكالموت رفت پيش خدا |
گفت سبحان ربي الأعلى |
|
داكترى است در فلان كوچه |
منيكى مى كشم واو صدتا |
|
يابفرما كه جان او گيرم |
يا مرا كار ديگرى فرما |
المسألة الرابعة
أحكام المسّ والنظر
يجوز لكلٍّ من الجنسين النظر إلى بدن مماثله ومسّه من دون شهوة وريبة، إلاّ العورتين فيحرم النظر إليهما ومسّهما، وإنْ لم يكن عن تلذذ(١) .
يحرم على الرجل النظر إلى المرأة - سوى وجهها وكفّيها - بتفصيلٍ مذكورٍ في الكتب المبسوطة الفقهيّة(٢) ، كما يحرم على المرأة النظر إلى الرجل - أيضاً - بتفصيلٍ مقرّرٍ في محلّه.
ويحرم على كلّ من الجنسين مسّ بدن الآخر وإنْ لم يكن عن تلذّذ، بل كان الماسّ أو الممسوس عجوزاً.
ولا ملازمة بين جواز النظر والمسّ، فكم من امرأةٍ جاز النظر إليها ويحرم مسّها، وإنْ شئت فقل: إنّ حرمة مسّ غير المحارم لم يطرأ عليها استثناء أصلاً، كما طرأ على حرمة النظر إلى غير المحارم.
فكلّ عمليّة طبيّة جراحيّة أو غير جراحيّة أو غير طبيّة إذا استلزمت النظر المحرّم أو المسّ المحرّم، لا تجوز، لا سيّما النظر إلى العورة أو مسّها، فإنّ الحرمة فيه آكد.
فجواز مباشرة الطبيب أو الطبيبة للعلاج، وجواز تداوي المريض أو المريضة إذا اشتملتا على النظر والمسّ المحرّمين موقوف على توفّر شروط
___________________
(١) يظهر من بعض الروايات جواز النظر إلى عورة مَن ليس بمسلم وأنّها كعورة حمار، وأفتى به بعض المحدثين، لاحظ بحثه في كتابنا: حدود الشريعة، ج٢ مادّة النظر...
(٢) لا حظ كتابنا: حدود الشريعة، ج٢ مادّة النظر.
ثلاثة:
١ - استلزام المرض مشقةً وحرجاً للمريض. وحرج المريض يكفي لجواز العمليّة المذكورة له، وللطبيب - كما سبق - دليله في المسألة الثانية، فليس كلّ مرضٍ جزئي، أو غرضٍ تجمّلي يجوز التدخّل للطبيب والتمكين للمريض أو المُراجِع، فكما يحرم النظر والمسّ على الطبيب يحرم الكشف والتمكين على المريض والمُراجِع، ومنه يظهر أنّ مجرّد جواز منع الحمل من دون تحقّق حرج وضرر لا يزيل حرمة النظر والمسّ على الطبيب ومُراجِعه.
٢ - لا يحلّ مسّ العورة مطلقاً، ولا مسّ بدن الجنس المُخالِف إذا كانت الحاجة ترتفع بلبس الساتر، من أيّ نوعٍ كان ممّا يمنع عن التماس المباشر.
٣ - إذا أمكن التداوي والعلاج عند المماثل لا يجوز الرجوع إلى المخالِف، حتّى من جهة النظر الى العورة أو مسّها مع حرمتها على المماثل والمخالِف ؛ وذلك فإنّ حرمتهما على المخالف أشدّ وآكد.
وقيل بتقديم المحارم على غيرهم مع عدم إمكان المماثل، إذا أمكن، والله العالم.
ثمّ إنّه إذا حرمت العملية تبطل الإجارة، فلا يملك الطبيب الأُجرة، فيحرم عليه أخذها إلاّ إذا وهبها له المريض أو المريضة أو المُراجِع بقطع النظر عن بطلان الإجارة، والله أعلم.
وسيأتي في المسألة الثانية والعشرين، والثالثة والعشرين، ما يتعلّق بالمس والنظر، وإفشاء السرّ وغيره، إنْ شاء الله تعالى.
فروع فقهيّة:
١ - عورة الأُنثى عبارة عن فرجها وحلقة دبرها، وعورة الذكر عبارة
عن حلقة دبره وآلته التناسليّة لا غيرها، وعورة الطفل غير المميّز لا بأس بمسّها والنظر إليها، لضرورة أو غير ضرورة.
٢ - ما اشتهر بين بعض العوام مِن أنّ الطبيب محرم للمريض كلام باطل لا أصل له، والطبيب كغيره في حرمة النظر والمسّ، كما أنّ المريض كغيره يجب عليه أنْ يحفظ نفسه عن نظر الطبيب ومسّه، وإنّما يجوز النظر والمسّ بمقدار الضرورة، على ما عرفت.
٣ - إذا ترتفع الضرورة بالنظر أو المسّ في دقيقتين، تحرم زيادة النظر والمس ولو بمقدار ثانية، كما إذا ارتفعت الضرورة بمسّ ثلاث سنتمترات، أو النظر إليها يحرم مسّ الزائد أو النظر إليه.
٤ - ما ذكرنا في حقّ الأطبّاء والمرضى، يجري في حقّ المضمّدين والمضمّدات أيضاً، ولا يجوز للمريض أو المريضة قبول الجنس المخالِف للتضميد إذا استلزم النظر أو المس المحرّم، إلاّ مع توفّر الشروط، وإذا أمكن في المستشفيات الشخصيّة اشتراط المضمّد المماثِل وجب ذلك على المريض.
٥ - يحرم على مساعِدات الأطبّاء مسّ أيديهنّ لأبدانهم، وإن استلزمته المقرّرات الإداريّة، والرسوم الحكوميّة.
المسألة الخامسة
بِدءُ الحياة الإنسانيّة
السؤال المقصود بالإجابة هنا هو أنّه متى تبدأ الحياة الإنسانيّة ؟
وستعلم في الأبحاث الآتية أنّ مطلق الحياة ثابتة في مني الرجل والمرأة، وبعد التحامهما وصيرورتهما خليّة، ثمّ إلى كتلة خلايا، ثمّ إلى حوصلة عالقة بالرحم، ثمّ منغرسة فيه والروح لم تُنفخ بعد في جنينٍ ميّت.
وإليك عدّةٌ من الآراء في المقام:
( القول الأوّل ) : المشهور في ألسنة المسلمين وأذهانهم: أنّ الحياة الإنسانيّة تبدأ بنفخ الروح في الجنين، والمشهور عند أهل النظر منهم: أنّه بعد أربعة أشهرٍ من الحمل.
واعترضه بعض الأطبّاء الماهرين المتديّنين بأنّ علم الطب لا يرى لاستقبال الروح أثر، وقال: مسألة: إنّ الجنين آنذاك يكتسب الإدراك، أو الخيال، أو تبدو عليه أمارات الرضاء والغضب، هي للأسف الشديد من باب الفولكلور أو من باب التحمّس لوجهة نظر معيّنة، ومحاولة تأييدها علميّاً بغير سندٍ علمي(١) .
أقول : اعتراضه متين لكنّه مقلوب عليه، فكما لا يصل الطبيب إلى أثرٍ للروح بعد أربعة أشهرٍ من الحمل، كذا لا يصل إلى نفيه أيضاً، فلا يحقّ له إنكاره أيضاً.
والخلط بين حدود العلوم التجريبيّة والفلسفة أو الدين أوجب
___________________
(١) ص ٥٧، الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
زلّة جماعات كثيرة من المادّيين فضّلوا وأضّلوا، وتوضيح المقام محتاج إلى بسطٍ في الكلام، لكنّه لا يناسب هذا الكتاب.
( القول الثاني ) : لحظة التحام الحيوان المنوي بالبويضة هي بداية الحياة الإنسانيّة، اختاره بعض الأطبّاء المُشار إليه آنفاً، واستدلّ عليه بتحقّق كائن في هذا الدور تنطبق عليه جميع الشروط التالية:
١ - أنْ تكون له بداية واضحة معروفة.
٢ - أنْ يكون قادراً على النموّ ما لم يحرم أسبابه.
٣ - أنْ يُفضي نموّه إلى الإنسان جنيناً ووليداً وطفلاً وصبيّاً وشابّاً وشيخاً وكهلاً، إنْ نسأ الله له في الأجل.
٤ - أنّ ما سبقه من دور لا يمكن أنْ ينمو فيُفضي إلى إنسان.
٥ - أنْ تكتمل له الحصيلة الإرثيّة لجنس الإنسان عامّةً، وكذلك له هو فرداً بذاته، مختلفاً عن غيره من الأفراد منذ بدء الخليقة وحتّى قيام الساعة.
وقال: هذه الشروط الخمسة تتوفّر جميعاً في البويضة ( البيضة ) الملقّحة، وهي لا تتوفّر في غيرها، ولا تنطبق على ما قبلها ولا ما بعدها.
واستشهد عليه - أيضاً - بتأجيل عقوبة الإعدام شرعاً إنْ كان المحكوم عليها حاملاً دون تقييد الحمل بزمانٍ خاص، كما استشهد بقوله تعالى:( وإذْ أنْتُم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمّهاتكم ) (١) ، قال مَن هؤلاء الأجنّة ؟
أنتم وأنا الإنسان(٢) وأنكر أن تكون حياة الجنين قبل تمام أربعة أشهر نباتيّة أو حيوانيّة، فإنّ النبات - تعريفاً - ليس له جهاز حركيّ فعّال، ولا جهاز عصبي، وأُسلوبه الغذائي مختلف، وهو يقتات على الضوء ويستهلك ثاني
___________________
(١) النجم آية ٣٢.
(٢) ص ٣٠٣، الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
أُوكسيد الكربون ويفرز الأوكسجين
وأحجم أنْ يصفها بأنّها حياة حيوانيّة، وقد يسعد جماعة داروين أنْ نقرّر أنّ جنين الإنسان بدور حيواني !!!(١) .
أقول : الشرائط الخمسة لا تثبت أنّ حياة البيضة الملقّحة حياة إنسانيّة ؛ لعدم الملازمة بينهما عرفاً وطباً وعقلاً وشرعاً، فهي ليست شروطاً للحياة الإنسانيّة، حتّى تترتّب عليها ترتب المعلول على علّتها، وتأجيل إعدام الحامل إنّما هو لأجل أنّ حملها في مصيره إلى الإنسانيّة لا أنّه إنسان بالفعل حتّى في شهره الأوّل، وهذا الاشتباه قد صدر من غير واحدٍ من أعضاء الندوة، كما يظهر من مطالعة الكتاب ( أي كتاب بداية الحياة الإنسانيّة ونهايتها ) وغيرها، نعم حرمة الإجهاض، ولزوم تأخير إعدام الحامل، وحكم الخروج عن العدّة وأمثالها، أحكام شرعيّة تتّبع موضوعاتها، ولا معنى للتلاعب بعناوينها.
والاستدلال بقوله تعالى:( وإذْ أنْتُم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمهاتكم ) (٢) ضعيف، إذْ لا شك في أنّ المراد به: أنَّكم كنتم أجنّة، أو ما يؤدّي معناه، ولا يُراد به أنَّكم الآن أجنّة !! كما أنّ الإنسان كان تراباً ولم يكن بإنسان.
على أنّ لازم هذا القول أنْ يكون نهاية الحياة الإنسانيّة بموت خلاياه
___________________
(١) ادّعى بعض الباحثين: أنّ ١٢٥ مليون خليّة تموت في جسم الإنسان كلّ دقيقة، وتحلّ محلّها خلايا جديدة... وتتساقط الخلايا من الجسم كما تتساقط أوراق الشجر الميّتة من أشجارها، وأنّ الذرّات التي تكوّن جسم أيّ إنسان منّا غير موقوفة عليه... فهي تأتي من مصادر شتّى... وبعد أن تغادر الجسم تذهب إلى مصادر شتّى. فجسم الإنسان يموت ويحيى، ثمّ يموت ويحيى في الحياة الدنيا، والإنسان نفسه حيّ يُرزق... إذن فَسِرُّ الحياة غير معلّقٍ بموت الجسم أو حياته. ص ٣٦٥، نفس المصدر.
(٢) النجم آية ٣٢.
لا بموت المخّ، كما ذهب إليه أطبّاء الأعصار الأخيرة.
ثمّ المفهوم من الآية الخامسة في سورة الحجّ بطلان هذا القول، فإنّ مدلولها أنّ الإنسان خُلِق ونشأ من النُطفة والعلقة والمُضغة، لا أنّه عينها. على هذا القائل إشكال آخر تعرّض له، ولم يقدر على حلّه ودفعه، فلاحِظ.
( القول الثالث ) : أنّ الحياة على أقسام:
١ - الحياة الخليّة، وهي حياة البويضة المخصبة.
٢ - الحياة النسيجيّة، وهي انقسام الخليّة المتكررة وانغراسها في جدار الرحم واستمرار نموّها.
٣ - الحياة الإنسانيّة في الأُسبوع الثاني عشر من وقت تخصيب البويضة، الذي أصبح فيه للجنين كيان أو وجود، فهو يقفز ويلعب وينام ويصحو ويحس ويفزّع، كلّ ذلك تزامناً مع اكتمال تكوين المخّ، وبداية قيامه بوظائفه من ظهور محركّات التنفّس، وإشارات المخّ الكهربائيّة الدالّة على نشاط وعمل قشرة المخّ والنصفين الكرويين، وهذه المرحلة تقف كعلامة هامّة على طريق نموّ وتطوّر الجنين، كما أنّ هذه العلامات والظواهر التي تحدث، هي عكس العلامات التي تُوصف في مرحلة وفاة المخّ عند موت الإنسان. ومن هنا يمكننا أنْ نصفها بمرحلة ميلاد المخّ، أو بداية الحياة الإنسانيّة.
وفي نهاية هذا الأُسبوع: يكون الجنين قد بلغ تسع سنتيمترات طولاً، و٤٥ جراماً وزناً.
ومن السهل التعرّف على هذه المرحلة وتحديدها على وجه الدقّة بالفحص بجهاز السونار، لبيان الحركات التنفّسية وأنشطة الجنين المختلفة(١) .
___________________
(١) ص ٦٩ نفس المصدر.
ويزيد هذا القائل: وفي أثناء الأُسبوع الثاني عشر تظهر على الجنين خمسة مظاهر جديدة وهامّة، كلّها تشير إلى اكتمال تكوين مخّ الجنين، وبداية ظهور الكيان الإنساني في الجنين، ويبدو ذلك من:
١ - تتصور ّحركات الجنين حركات مركّبة متوافقة، لا انقباضات تشنّجيّة مثل: ثني الظهر، ورفع الرأس، والالتفات بالوجه إلى الجانبين، وكذلك حركات مركّبة للفم والشفتين واللسان والفكّين شبه حركات الرضاعة.
٢ - ظهور الحركات التنفّسيّة، وليس المقصود هنا أنّ الجنين يتنفّس الهواء، فالرئتان لا تعملان في فترة الحمل، إلاّ أنّ هذه الحركات التنفّسيّة تؤدّي إلى التنفّس بعد الولادة.
٣ - مرور الجنين في هذه المرحلة بفترات متتابعة ومنتظمة من النشاط والحركة،بعضها فترات روحة وسكون، وقد تكون فترات يقظة ونوم.
٤ - بدء عمل ونشاط قشرة المخّ كما سبق ذكره.
٥ - بداية ظهور حركات بناء على تنبيهات من الخارج. وهذا يعني: أنّ مراكز عليا في المخّ قد تدخلّت(١) في حدوث هذه الحركة ؛ وذلك بناءً على انفعالات حسّيّة في مخّ الجنين، أدرك بها حدوث شيءٍ غير مألوف، ويُستنتج من هذا وجود الحسّ، كذلك الوعي بالمحيط الذي يوجد فيه الجنين(٢) .
___________________
(١) ص ٦٧ و ص٦٨ نفس المصدر، وقال في محلٍ آخر: وكذلك التفاعل معه بالحركة الذاتيّة النابعة من إرادته. ص ٦٥، نفس المصدر.
(٢) وقال في محلٍ آخر ( ص٢١٠، نفس المصدر ): رأي علمي جديد يعتمد على اعتبار اكتمال تكوين المخّ... ولا اقصد هنا بالطبع اكتمال نضوج المخّ ، أقول:
=
أقول : صحّ ما ذكره أولا، فهو لا يدلّ على مدّعاه ؛ لأنّ الحسّ والحركة الإراديّة تجامعان الحياة الحيوانية، وتنفيان الحياة النباتية فقط، ولا تتطلّبان الحياة الإنسانيّة بخصوصها حتّى يقال: إنّ مخّه يدرك الكليّات أو يحاول أنْ يثبت ملزوم إدراك الكليّات، وهو تعلّق الروح الإنسانيّة بالجنين، فهذا القائل لم يقدر على إثبات مدّعاه، هذا إذا فرضنا وجود نفس حيوانية في الإنسان، منحازة عن الروح الإنسانيّة، وكانت هي المصدر للحسّ والحركة الإراديّة، وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلك وأنّ الحسّ والحركة الإراديّة، وإن كانا في الحيوانات مستندين الى النفس الحيوانية، لكنّهما في الإنسان مستندان إلى النفس الناطقة الإنسانيّة فقط، ولا روح حيوانية مستقلّة في الإنسان، فَصِحّة هذا القول يثبت مدعى قائله لا محالة، فلا بُدّ من بلوغ ما ادّعاه إلى درجة القطع، فإنّه بالفعل مشكوك.
والمظنون أنّ ما تقدّم من إيراد بعض الأطباء على القول الأوّل ناظر الى ادّعاء هذا القائل، حيث وصفه بأنّه من باب الفلكلور، أو من باب التحمّس لوجهة نظر معيّنة، ومحاولة تأييدها علميّاً بغير سندٍ علمي.
( القول الرابع ) : إنّ بدء الحياة الإنسانيّة ليس لحظة الالتحام بل وقت العلوق، إذ ليست كلّ بويضة ( بييضة ) ملقّحة هي لا بدّ أنْ تنغرس في الرحم، يمكن أن يتسبّب اللولب لتصريفها ؛ لأنّه لا تبدأ الحياة فعلاً إلاّ حين تصبح ملتصقة بالأُم وبالرحم، أي: إذا انغرست في الرحم، وهو ما عبّر عنه بعض الأطبّاء بالاندغام، مأخوذاً من كلمة العلوق(١) .
___________________
=
اكتمال تكوين المخّ في الأُسبوع الثاني عشر محتاج إلى آراء حسيّة للأطبّاء، فلا بُدّ من الفحص والرجوع.
(١) ص ٣٢٤، نفس المصدر.
( القول الخامس ) : إنّه تستغرق رحلة الإنسان من خليّة واحدة إلى ١٦ خليّة في المعمل حوالي ٤ - ٥ أيّام ( ومن خليّة إلى ٦ بلايين خليّة - فترة الحمل - حوالي ٢٨٣ يوماً ).
ولقد اصطلح طبياً ( علميّاً ) على أنّ تسمّى مرحلة نموّ الإنسان داخل الرحم منذ أنْ تأخذ الخليّة الملحقة في الانقسام إلى الثمانية ( ٨ ) أسابيع الأُولى من الحياة بالجنين، ويسمّى الجنين في الفترة الباقية من الحمل بالمولود !
والسبب في هذه التسمية هو: أنّ الجنين في مرحلة نموّه داخل الرحم يمرّ بمرحلتين هامّتين من التكوين:
الأُولى والتي تمتدّ ثمانية أسابيع، يكون الجنين فيها في حالة تكوين وتشكيل ونمو مضطرد في الخلايا.. والناظر اليه في تلك المرحلة يجد كتلةً من الخلايا التجاويفيّة والقنوات.. ( على شكل علقة ثمّ مُضغة ) ليس لها سمة الإنسان السوي، وأهمّ ما يميّز هذه المرحلة من الناحية التشريحيّة هو ظهور ( الميزاب العصبي ) وهو بداية تكوين الجهاز العصبي ( الحسّي ) عند الجنين، وبعد هذه المرحلة يأخذ الجنين داخل الرحم مظهراً آخر في النموّ، ويمكن للناظر إليه ( أي بعد مرحلة الثمانية الأسابيع الأُولى ) أنْ يميّز شكل إنسانٍ آخذٍ في النموّ... وقد وصف ذلك في آية الخلق والتطوّر داخل الرحم:...( ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أحْسَنُ الخَالِقِين ) .
إذا يمكن القول بأنّ الجنين هو إنسان في الأسابيع ٦ - ٨، ومنها ما هو حياته داخل الرحم، أو في أنبوبة اختبار في محمل طفل الأنابيب(١) .
___________________
(١) ص ٤٤١، الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
أقول : هذه الأقوال الأربعة لعلماء الطب الذي هو في حال تطوّره وطريق تكامله، وقد عرفت أنّها ضعيفة غير قابلة للاعتماد، وقبل الانتقال إلى القول الحق لا بُدّ من بيان أمرٍ هامٍّ يجب الالتفات إليه، ومراعاته في كلّ باب، وهو أنّ ما ذكره أهل الطب وساير العلوم التجربيّة على أقسام:
منها : ما ثبت بالحسّ والتجربة، بحيث لا يقبل الترديد، وهذا ممّا لا شكّ في قبوله بحكم العقل والفطرة، فإنْ وُجد في القرآن المجيد، أو الأحاديث المعتبرة ما يخالفه بظاهره ؛ وجب ردّ علم هذا الظاهر من الكتاب والسنّة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا معنى للتعبّد به على خلاف الحسّ، كما بُيّن ذلك في علم الكلام بأوضح برهان.
ومنها : ما هو است-نباطات وآراء ظنّيّة من هؤلاء العلماء الاختصاصيّين، ولا عبرة بها، كما لا قيمة بآراء الفقهاء والأُصوليّين والمجتهدين من علماء الدين، بل وآراء الصحابة العدول والسلف الصالح ( رض ) في مقابل الأدلّة الشرعيّة من ظواهر الكتاب والسنّة، ولا يجوز لنا تقليدهم بحال، فإنّ قداسة أحدٍ، أمرٌ، وتقليده أمرٌ آخرٍ، ولا ملازمة بينهما.
ومنها : ما هو مبنيٌّ على الإحصائيّات المحدودة محلاًّ ووقتاً، وهذا أيضاً لا اعتبار به، فليس كلّ ما ذُكر أو بُني عليه في العلوم أمراً حسّيّاً وحقيقة واقعيّة يجب قبوله، كما ربّما يتخيّل مَن لا فهم له، كما أنّه لا يجوز ردّ ما ثبت بطريقٍ حسّيٍّ أو قطعيٍّ: كالحسّ لأجل فتوى سلف، أو حديث ضعيف بل معتبر، فإنّ الأحاديث كظواهر الكتاب ظنّيّة، والظنّ يضمحلّ عند العلم بخلافه، اللّهم إلاّ عند من لا عقل له.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ البحث هنا عن عدّه أُمورٍ تناسب المقام على نحو الاختصار:
١ - أقسام الحياة وحقيقتها، ومعنى حياة الجنين في أدواره وأطواره.
٢ - الفوارق الرئيسيّة بين الحيوان والإنسان عند الفلاسفة.
٣ - تركّب الإنسان من البدن والنفس.
٤ - الروح والنفس تتحّدان أو تتعدّدان.
٥ - متى تبدأ الحياة الإنسانيّة.
فأقول مستعيناً بالله تعالى، ومتوكّلاً عليه في إصابة الحق:
( البحث الأوّل ) : من الخير والحقّ أنْ نعترف صريحاً بأنّه لا علم بحقيقة الحياة، كما لا علم لنا بحقيقة منبعها، وهو الروح، وإنّما نعرف الحياة بآثارها المذكورة في البيولوجيا، من التغذية والتنمية والتنفّس وتوليد المثل والحسّ والحركة ونحوها.
ومن المشهور بل المحسوس أنّ الحياة ثلاثة أقسام: نباتيّة وحيوانيّة وإنسانيّة، فإنْ دلّ دليل عقلي أو علمي على انحصار الحياة بهذه الأقسام ؛ فنقول: إنّ حياة الجنين ما لم يكن له حس وحركة إراديّة حياة نباتيّة(١) ، وحينما وُجد له الحسّ والحركة الإراديّة فحياته حيوانيّة(٢) ، ولا محذور فيه، ولا تعلّق لهذا القول بقول داروين وأصحابه بوجه، ولا تتحقّق الحياة الإنسانيّة دون تعلّق الروح الإنسانيّة به، كما ستعرف.
وإنْ لم يدلّ دليل عليه فلا مانع من جعل حياة الخلايا المذكورة المسمّاة بالجنين قسماً رابعاً.
والإنسان في سيره العلمي ربّما يصل إلى أقسامٍ أُخر من الحياة، وهذا هو الأظهر، إذْ لنا أنْ نقول: بأنّ حياته تعالى، وحياة الملائكة: نوعان آخران
___________________
(١) وإن ثبت أنّ حياة كلّ خليّة حياة حيوانيّة، فتأمّل.
(٢) ذكرنا ما يتعلّق بالمقام في آخر القول الثالث عن قريب، فلا تغفل منه.
من الحياة.
( البحث الثاني ) : ذكر بعض الحكماء المتعمّقين أُموراً من خواصّ الإنسان:
١ - النطق والبيان(١) .
٢ - استنباط الصنائع العمليّة الغريبة. وأمّا ما يصدر من الحيوانات سيّما من النحل في بناء البيوت المسدّسة، فهو ليس من تدبير نفسها الشخصيّة الجزئيّة عن استنباط وإلاّ لم يكن على وتيرةٍ واحدةٍ، بل صدورها عن إلهامٍ وتسخيرٍ من مدبّرات أمرها !
٣ - الحالة الانفعاليّة المسمّاة بالتعجّب وما يتبعه من الضحك التابعة لإدراكه للأشياء النادرة، ويتبع إدراكه للأشياء المؤذيّة انفعال يسمّى الضجرة ويتبعه البكاء.
٤ - أنّ المشاركة المصلحيّة تقتضي المنع من بعض الأفعال، والحثّ على بعضها الآخر، ثمّ إنّ الإنسان يعتقد ذلك من حين صغره، ويستمرّ نشوؤه عليه، فحينئذٍ يتأكّد فيه اعتقاد وجوب الامتناع من أحدهما والإقدام على الآخر، فيسمّى الأوّل قبيحاً والثاني حسناً جميلاً.
وأمّا مثل أنّ الأسد المعلَّم لا يأكل صاحبه، والفرس العتيق النجيب لا يسافح أُمّه، فليس ذلك من جهة اعتقاد في النفس بل لهيئةٍ نفسانيّةٍ أُخرى.
٥ - الخجالة، فإنّها حالة انفعاليّة تحصل عند إدراكه بأنّ الغير اطّلع على أنّه ارتكب قبيحاً.
___________________
(١) الصغار والخرس لا يتكلّمون. والقرآن يُخبر عن نطق الهدهد والنملة، والعلم الحديث - أيضاً - ربّما يبحث عن نطق بعض الحيوانات، كما أشرنا في كتابنا مقالات.
وفي المقام بحث.
٦ -٧ - الخوف والرجاء، فإنّ الإنسان إذا ظنّ أنّ أمراً يحدث في المستقبل يضرّه فيعرض له الخوف، أو ينفعه فيعرض له الرجاء، وأمّا سائر الحيوانات فإنّهما يحصلان لها بالفعل لا لأجل الظن بحدوث موجبيهما في المستقبل، كنقل النمل البُرّ بالسرعة إلى حُجَرِها منذرةً بالمطر، فإنّها إمّا أن يتخيّل أنّ هناك مؤذٍ يكون، أو مطر ينزل...
وبالجملة : إنّ الأفعال الحُكميّة والعقليّة إنّما تصدر من الإنسان من جهة نفسه الشخصيّة، ومن سائر الحيوانات من جهة عقلها النوعيّة تدبيراً كليّاً.
٨ - ما يتّصل بما ذكر من أنّ الإنسان له أنْ يروي في أُمور مستقبلة، هل ينبغي أنْ يفعلها أو لا ينبغي ؟
فحينئذٍ يفعل وقت ما حكمت به رؤيته وتدبيره أنْ يفعله، ولا يفعل هذا وقتاً آخر، بحسب ما يقتضي رؤيته ألاّ يفعله، ما كان يصح أن يفعله في الوقت الأوّل، وكذا العكس، وأمّا الحيوانات الأخرى فليس لها ذلك، وإنّما لها من الإعدادات ما يكون على ضربٍ واحدٍ مطبوعٍ فيها، وافقت عاقبتها أو خالفت.
٩ - تذكّر أُمورٍ غابت عن ذهن الإنسان، والحيوانات الأُخرى لا تقدر على مثله.
١٠ - أخصّ خواصّ الإنسان: تصوّر المعاني الكلّيّة المجرّدة عن المادّة، والاهتداء إلى التصديقات والتصوّرات المجهولة، وأخصّ من هذا: اتصال النفوس الإنسانيّة بالعالم الإلهي، بحيث تفنى عن ذاتها وتبقى ببقائه، وحينئذٍ يكون الحقّ سمعه وبصره ورجله ويده، وهناك التخلّق بأخلاق الله تعالى(١) .
___________________
(١) لا حظ ص ٧٨ إلى ص٨٢ ج٩ من أسفار الشيرازي.
أقول : لم يكن للقدماء من الفلاسفة وغيرهم علم تجريبي دقيق، بخصوصيّات الحيوانات، وإنّما يعرفون منها أُموراً كلّيّةً عامّةً لا غير، فلا اعتماد بآرائهم في جميع الموضوعات التي لا تعرف بمجرّد العقل، ولذا أخطأوا خطأً كثيراً في الأجسام العلويّة والأفلاك والنجوم، وأصبح اليوم معرفة الشباب المتعلّمين بالسماويّات أكثر من معرفة: الفارابي وابن سينا والسهروردي وصدر الدين الشيرازي وسائر مشاهير الفلسفة، ولعلّه لا لوم على أحدٍ إذا ادّعى أنّه لا معرفة صحيحة لهؤلاء الحدْسيّين من الفلاسفة بالسماء وكواكبها ونجومها، وما يتعلّق بها أصلاً !!!
وعلّة الاشتباه أنّهم غلطوا في تمييزهم بين حدود الفلسفة والعلوم، فحاولوا إثبات ما يحتاج إثباته إلى الحسّ والتجربة بالعقل المجرّد، وظنّوا أنّ لهم الصلاحيّة في جميع أقسام العلوم ؛ كما أنّ المادّيّين اليوم مشوا على عكس ذلك، فإذا لم يجدوا شيئاً في حقلهم العلمي نفوه مطلقاً تخيّلاً منهم أنّه لا حقائق خارج الحسّ. والحق أنّ للحسّ مداراً خاصّاً وللعقل مركزاً خاصّاً، ولا بُدّ من مراعاة ذلك حتّى لا يضلّ الباحث، ولا يطمث معالم الحق، وتفصيل البحث في محلّه.
وعلى كلٍّ، مجموع هذه الخواص يكفي لتمييز الإنسان عن الحيوان، ولا نستطيع أنْ ندّعي أنّ شيئاً من تلك الخواص لا يوجد في الحيوانات، بل البحوث الحديثة تثبت خلاف ذلك، وربّما تثبت التجربة العلميّة في المستقبل حقائق أهمّ، وأكثر، وأعجب للحيوانات ممّا اكتشفته لحدّ الآن.
والذي أراه مميِّزاً جوهريّاً بين الإنسان والحيوان - بعد اشتراكهما في الإحساس والحركة الإراديّة وجملة من الأُمور الأُخر - هو تعلّق الروح بالإنسان المستتبع لقدرته على الإدراكات الكلّيّة الكثيرة، التي أوجبت تحوّل حياة الإنسان من المرحلة الابتدائية المظلمة الشبيهة بحياة الحيوانات إلى
هذه المرحلة، ثمّ في المستقبل إلى المراحل التي لا تقع في ذهننا اليوم، ومن المحسوس عجز الحيوانات عن هذا التحوّل.
( البحث الثالث ) في حقيقة الإنسان:
إنّ الإنسان له بدن مادّي محسوس، وله نفس إنسانيّة سوى البدن، والكلام فيه تارةً من جهة العقل، وأُخرى من جهة دلالة القرآن، وثالثة من جهة العلم.
ونحن نذكر في الجهة الأُولى، كلام بعض المفسِّرين من أهل المعقول، وإنْ كان لنا نقاش أو إيراد على بعض كلامه، ثمّ إنّ بحثه وإن كان في تجرّد النفس لكنّه يفي بالمقام، قال:
هل النفس مجرّدة عن المادة ؟
( ونعني بالنفس: ما يُحكى عنه كلّ واحدٍ منّا بقوله: أنا ؛ وبتجرّدها عدم كونها أمراً ماديّاً ذا انقسام وزمان ومكان ).
إنّا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: ب-: أنا، ولا نشكّ أنّ كلّ إنسانٍ هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حيناً من أحيان حياتنا وشعورنا، وليس هو شيئاً من أعضائنا وأجزاء بدننا التي نشعر بها بالحسّ، أو بنحوٍ من الاستدلال، كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواسّ الظاهرة من البصر واللمس ونحو ذلك، وأعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحسّ والتجربة، فإنّا ربّما نغفل عن كلّ واحدٍ منها، وعن كلّ مجموعٍ منها، حتّى عن مجموعها التام الذي نسمّيه بالبدن، ولا نغفل قطّ عن المشهود الذي نعبِّر عنه: ب-: أنا، فهو غير البدن وغير أجزائه.
وأيضاً : لو كان هو البدن، أو شيئاً من أعضائه أو أجزائه أو خاصّةٍ من الخواص الموجودة فيها - وهي جميعاً مادّيّة، ومن حكم المادّة التغيّر
التدريجي وقبول الانقسام والتجزّي - لكان مادّيّاً متغيّراً وقابلاً للانقسام، وليس كذلك، فإنّ كلّ أحدٍ إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانيّة اللاّزمة لنفسه، وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه ؛ وجده معنىً مشهوداً واحداً باقياً على حاله من غير أدنى تعدّدٍ وتغيّر، كما يجد بدنه وأجزاء بدنه، والخواصّ الموجودة معها متغيّرة متبدّلة من كلّ جهةٍ في مادّتها وشكلها وسائر أحوالها وصورها، وكذا وجده معنىً بسيطاً غير قابلٍ للانقسام والتجزّي، كما يجد البدن وأجزائه وخواصّه - وكلّ مادّة وأمرٍ مادّيٍّ كذلك - ؛ فليست النفس هي البدن ولا جزءاً من أجزائه، ولا خاصّة من خواصّه، سواء أدركناه بشيءٍ من الحواسّ، أو بنحوٍ من الاستدلال، أو لم ندرك ؛ فإنّها جميعاً مادّية كيفما فُرضت، ومن حكم المّادة التغيّر وقبول الانقسام، والمفروض أنْ ليس في مشهودنا المسمّى بالنفس شيء من هذه الأحكام ؛ فليست النفس بمادّيّة بوجه.
وأيضاً، هذا الذي نشاهده، نشاهده أمراً واحداً بسيطاً، ليس فيه كثرة من الأجزاء، ولا خليط من خارج، بل هو واحد صِرْف، فكلّ إنسانٍ يشاهد ذلك من نفسه، ويرى أنّه هو وليس بغيره، فهذا المشهود أمرٌ مستقلٌّ في نفسه، لا ينطبق عليه حدّ المادّة، ولا يوجد فيه شيء من أحكامها اللاّزمة، فهو جوهر مجرّد عن المادّة متعلّق بالبدن نحو تعلّق يوجب اتحاداً ما له بالبدن، وهو التعلّق التدبيري ؛ وهو المطلوب.
وقد أنكر تجرّد النفس جميع المادّيّين، وجمعٌ من الإلهيّين من المتكلّمين والظاهريّين من المحدثين، واستدلّوا على ذلك، وردّوا ما ذُكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلّف من غير طائل.
قال المادّيّون: إنّ الأبحاث العلميّة على تقدّمها وبلوغها اليوم إلى غاية
الدقّة في فحصها وتجسّسها، لم تجد خاصّة من الخواصّ البدنيّة إلاّ وجدت علّتها المادّيّة، ولم تجد أثراً روحيّاً لا يقبل الانطباق على قوانين المادّة حتّى تحكم بسببها بوجود روح مجرّدة.
قالوا: وسلسلة الأعصاب تؤدّي الإدراكات إلى العضو المركزي وهو الجزء الدماغي، على التوالي وفي نهاية السرعة، ففيه مجموعة متّحدة ذات وضع واحد لا يتميّز أجزائها ولا يُدرك بطلان بعضها وقيام الآخر مقامه، وهذا الواحد المتحصّل هو نفسنا التي نشاهدها ونحكي عنها ب-: أنا.
فالذي نرى أنّه غير جميع أعضائنا صحيح، إلاّ أنّه لا يثبت أنّه غير البدن وغير خواصّه، بل هو مجموعة متّحدة من جهة التوالي والتوارد لا نغفل عنه، فإنّ لازم الغفلة عنه - على ما تبيّن - بطلان الأعصاب، ووقوفها عن أفعالها وهو الموت، والذي نرى أنّه ثابت صحيح لكنّه لا من جهة ثباته وعدم تغيّره في نفسه بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الإدراكيّة وسرعة ورودها، كالحوض الذي يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوء دائماً، فما فيه من الماء يجده الحسّ واحداً ثابتاً، وهو بحسب الواقع لا واحدٌ ولا ثابت، وكذا يجد عكس الإنسان، أو الشجر أو غيرهما فيه واحداً ثابتا، وليس واحداً ثابتاً بل هو كثيرٌ متغيّر تدريجاً بالجريان التدريجي الذي لأجزاء الماء فيه، وعلى هذا النحو وجود الثبات والوحدة والشخصيّة التي نرى في النفس.
قالوا: فالنفس التي يُقام البرهان على تجرّدها من طريق المشاهدة الباطنيّة، هي في الحقيقة مجموعة من خواصّ طبيعيّة، وهي: الإدراكات العصبيّة، التي هي نتائج حاصلة من التأثير والتأثّر المتقابلين بين جزء المادّة الخارجيّة وجزء المركّب العصبي، ووحدتها وحدة اجتماعيّة لا وحدة واقعيّة حقيقيّة.
أقول : أمّا قولهم: ( إنّ الأبحاث العلميّة المبتنية على الحسّ والتجربة، لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح، ولا وجدت حكماً من الأحكام غير قابل التعليل إلاّ بها )، فهو كلام حقٍّ لا ريب فيه، لكنّه لا ينتج انتفاء النفس المجرّدة التي أُقيم البرهان على وجودها، فإنّ العلوم الطبيعيّة الباحثة عن أحكام الطبيعة، وخواص المادّة، إنّما تقدر على تحصيل خواصّ موضوعها الذي هو المادّة، وإثبات ما هو من سنخها، وكذا الخواص والأدوات المادّيّة، التي نستعملها لتتميم التجارب المادّيّة، إنّما لها أن تحكم في الأُمور المادّيّة، وأمّا ما وراء المادّة والطبيعة فليس لها أن تحكم فيها نفياً ولا إثباتاً، وغاية ما يشعر البحث المادّي به هو عدم الوجدان، وعدم الوجدان غير عدم الوجود، وليس من شأنه - كما عرفت - أن يجد ما بين المادّة التي هي موضوعها ولا بين أحكام المادّة وخواصّها، التي هي نتائج بحثها، أمراً مجرّداً خارجاً عن سنخ المادّة، وحكم الطبيعة.
والذي جرّأهم على هذا النفي ؛ زعمهم أنّ المثبتين لهذه النفس المجرّدة، إنّما أثبتوها لعثورهم إلى أحكام حيويّة من وظائف الأعضاء، ولم يقدروا على تعليلها العلمي، فأثبتوا النفس المجرّدة لتكون موضوعاً مُبْدئاً لهذه الأفاعيل، فلمّا حصل العلم اليوم على عللها الطبيعيّة لم يبق وجهٌ للقول بها. ونظير هذا الزعم ما زعموه في باب إثبات الصانع.
وهو اشتباهٌ فاسدٌ، فإنّ المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك، ولم يسندوا بعض الأفاعيل البدنيّة إلى البدن، فيما علله ظاهرة، وبعضها إلى النفس فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنيّة بلا واسطة وإلى النفس بواسطتها، وإنّما أسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن ألبتّة، وهو علم الإنسان بنفسه ومشاهدته ذاته، كما مرّ.
وأمّا قولهم: ( إنّ الإنيّة المشهودة للإنسان على صفة الوحدة، هي عدّة من الإدراكات العصبيّة الواردة على المركز، على التوالي، وفي نهاية السرعة - ولها وحدة اجتماعية - ) فكلام لا محصّل له، ولا ينطبق عليه الشهود النفساني ألبتّة، وكأنّهم ذهلوا عن شهودهم النفساني ؛ فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسّيّة إلى الدماغ، واشتغلوا بالبحث عمّا يلزم ذلك من الآثار التالية، وليت شعري، إذا فرض أنّ هناك أُموراً كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها ألبتّة، وهذه الأُمور الكثيرة التي هي الإدراكات أُمور مادّيّة ليس ورائها شيء آخر إلاّ نفسها، وأنّ الأمر المشهود الذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة، فمِن أين حصل هذا الواحد الذي لا نشاهد غيره ؟!
ومن أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها عياناً ؟!
والذي ذكروه من وحدتها الاجتماعية كلام أشبه بالهزل منه بالجد ؛ فإنّ الواحد الاجتماعي هو كثير في الواقع من غير وحدة، وإنّما وحدتها في الحسّ أو الخيال - كالدار الواحد والخطّ الواحد مثلاً - لا في نفسه، والمفروض، في محلّ كلامنا، أنّ الإدراكات والشعورات الكثيرة في نفسها هي شعور واحد عند نفسها، فلازم قولهم:
إنّ هذه الإدراكات في نفسها كثيرة لا ترجع إلى وحدة أصلاً، وهي بعينها شعور واحد نفساني واقعاً، وليس هناك أمر آخر له هذه الإدراكات الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة، كما يدرك الحاسّة أو الخيال المحسوسات، أو المخيّلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعية، فإنّ المفروض أنّ مجموع الإدراكات الكثيرة في نفسها، نفس الإدراك النفساني الواحد في نفسه، ولو قيل: إنّ المُدْرك هاهنا الجزء الدماغي، يدرك الإدراكات الكثيرة على نعت الوحدة ؛ كان الإشكال بحاله، فإنّ المفروض: أنّ إدراك الجزء الدماغي نفس هذه الإدراكات الكثيرة
المتعاقبة بعينها، لا أنّ للجزء الدماغي قوّة إدراك تتعلّق بهذه الإدراكات، كتعلّق القوى الحسيّة بمعلوماتها الخارجيّة وانتزاعها منها صوراً حسّيّة، فافهم ذلك.
والكلام في كيفيّة حصول الثبات والبساطة في هذا المشهود، الذي هو متغيّر متجزّئ في نفسه كالكلام في حصول وحدته، مع أنّ هذا الفرض أيضاً - أعني أن تكون الإدراكات الكثيرة المتوالية المتعاقبة مشعورةً بشعورٍ دماغيٍّ على نعت الوحدة - نفسه فرض غير صحيح، فما شأن الدماغ والقوّة التي فيه، والشعور الذي لها، والمعلوم الذي عندها ؟!
وهي جميعاً أُمورٌ مادّيّةٌ، ومن شأن المادّة والمادّي الكثرة والتغيّر وقبول الانقسام، وليس في هذه الصورة العلميّة شيء من هذه الأوصاف والنعوت، وليس غير المادة والمادي هناك شيء.
وقولهم: ( إنّ الأمر يشتبه على الحسّ أو القوّة المُدْرِكة، فيدرك الكثير المتجزّي المتغيّر واحداً بسيطاً ثابتاً ) غلط واضح، فإنّ الغلط والاشتباه من الأُمور النسبيّة التي تحصل بالمقايسة والنسبة، لا من الأُمور النفسيّة، مثال ذلك أنّا نشاهد الأجرام العظيمة السماويّة صغيرة كالنقاط البيض، ونغلط في مشاهدتنا هذه على ما تبيّنه البراهين العلميّة، وكثير من مشاهدات حواسّنا، إلاّ أنّ هذه الأغلاط، إنّما تحصل وتوجد إذا قايسنا ما عند الحسّ ممّا في الخارج من واقع هذه المشهودات، وأمّا ما عند الحسّ في نفسه، فهو أمرٌ واقعيٌّ كنقطة بيضاء لا معنى لكونه غلطاً ألبتّة.
والأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ حواسّنا وقوانا المُدْرِكة إذا وجدت الأُمور الكثيرة المتغيِّرة المتجزّية على صفة الوحدة والثبات والبساطة ؛ كانت القوى المُدْرِكة غالطة في إدراكها، مشتبهة في معلومها
بالقياس إلى المعلوم الذي في الخارج، وأمّا هذه الصورة العلميّة الموجودة عند القوّة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها ألبتّة، ولا يمكن أن يُقال للأمر الذي هذا شأنه: إنّه مادّي لفقده أوصاف المادّة العامّة.
فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ الحجّة التي أوردها المادّيون من طريق الحسّ والتجربة إنّما ينتج عدم الوجدان، وقد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود ( وهو مدَّعاهم ) مكان عدم الوجدان، وما صوّروه لتقرير الشهود النفساني - المثبت لوجود أمرٍ واحدٍ بسيطٍ ثابتٍ - تصوير فاسد، لا يوافق لا الأُصول المادّيّة المسلِّمة بالحسّ والتجربة، ولا واقع الأمر الذي هو عليه في نفسه.
وأمّا ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد، في أمر النفس، وهو أنّه الحالة المتّحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحيّة من الإدراك والإرادة والرضا والحب وغيرها، المنتجة لحالة متّحدة مؤلّفة، فلا كلام لنا فيه، فإن لكلّ باحثٍ أنّ يفترض موضوعاً، ويضعه موضوعاً لبحثه، وإنّما الكلام فيه من حيث وجوده وعدمه في الخارج والواقع، مع قطع النظر عن فرض الفارض وعدمه، وهو البحث الفلسفي، كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث.
وقال قوم آخرون من نُفاة تجرّد النفس من الملِّيّين: إنّ الذي يتحصّل من الأُمور المربوطة بحياة الإنسان: كالتشريح والفيزيولوجي، إنّ هذه الخواص الروحيّة الحيويّة تستند إلى جراثيم الحياة والسلولات التي هي الأُصول في حياة الإنسان، وسائر الحيوان، وتتعلّق بها، فالروح خاصّة، وأثر مخصوص فيها لكلّ واحدٍ منها أرواح متعدّدة، فالذي يسمّيه الإنسان روحاً لنفسه، ويحكي عنه ب-: أنا: مجموعة متكوّنة من أرواح غير محصورة على نعت الاتحاد
والاجتماع، ومن المعلوم أنّ هذه الكيفيّات الحيويّة، والخواصّ الروحيّة، تبطل بموت الجراثيم والسلولات، وتفسد بفسادها، فلا معنى للروح الواحدة المجرّدة الباقية بعد فناء التركيب البدني، غاية الأمر أنّ الأُصول المادّيّة المكتشَفة بالبحث العلمي لمّا لم تفِ بكشف رموز الحياة ؛ كان لنا أن نقول: إنّ العلل الطبيعيّة لا تفي بإيجاد الروح، فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة، وأمّا الاستدلال على تجرّد النفس من جهة العقل محضاً فشيء لا يقبله ولا يصغي إليه العلم اليوم، لعدم اعتمادها على غير الحسّ والتجربة، هذا.
أقول : وأنت خبير بأنّ جميع ما أوردناه على حجّة الماديّين وارد على هذه الحجّة المختلَقة من غير فرق، ونزيدها أنّها مخدوشة:
أوّلاً : بأنّ عدم وفاء الأُصول العلميّة المكتَشَفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح والحياة، لا ينتج عدم وفائها أبداً، ولا عدم انتهاء هذه الخواص إلى العلل المادّيّة في نفس الأمر على جهلٍ منّا، فهل هذا إلاّ مغالطة وُضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم ؟!
وثانياً : بأنّ استناد بعض حوادث العالم - وهي الحوادث المادّيّة - إلى المادّة وبعضها الآخر - وهي الحوادث الحيويّة - إلى أمر وراء المادّة - وهو الصانع - قول بأصلين في الإيجاد، ولا يرتضيه المادّي ولا الإلهي، وجميع أدلّة التوحيد تُبطله.
وهنا إشكالات أُخر أوردوها على تجرّد النفس، مذكورة في الكتب الفلسفيّة والكلاميّة، غير أنّ جميعها ناشئة عن عدم التأمّل والإمعان فيما مرّ من البرهان، وعدم التثبّت في تعقّل الغرض منه ؛ ولذلك أضربنا عن إيرادها، والكلام
عليها، فمَن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانّها، والله الهادي(١) انتهى كلامه.
وأمّا الكلام في الجهة الثانية - وهي دلالة القرآن والسنّة على أنّ للإنسان روحاً ونفساً غير البدن، فنقتصر فيه على نقل جملةٍ من الآيات الكريمة:
١ -( وَ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (آل عمران ١٦٩ - ١٧١ ).
٢ -( وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لٰکِنْ لاَ تَشْعُرُونَ ) ( البقرة ١٥٤ ).
٣ - (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غُدُوّاً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدْخِلُوا آل فروعون أشدّ العذاب ) ( المؤمن ٤٥ - ٤٦ ).
واعلم أنّ هذه الآيات الثلاث تدلّ على أمرين:
أوّلهما : الحياة البرزخيّة للشهداء وأئمّة الكفر فقط دون غيرهما، أي لا يُستفاد منها عموم الحياة البرزخيّة للجميع، والاستدلال عليه بآيات أُخر لا يخلو عن منع وإشكال.
ثانيهما : أنّ للإنسان شيئاً آخر وراء البدن لا يموت بموت البدن وفنائه، وهو المستحقّ للثواب والعذاب، وهو الذي يُسمّى بالروح والنفس.
٤ -( فَلَوْ لاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) ( الواقعة ٨٣ ).
___________________
(١) ص ٣٦٤ إلى ٣٧٠ ج١ تفسير الميزان.
٥ -( کَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي ) ( القيامة ٢٦ ).
٦ -( إِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ کَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ الَّذِي وُکِّلَ بِکُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّکُمْ تُرْجَعُونَ ) ( السجدة ١٠ ).
أقول : ملك الموت لا يتوفّى الجسم الذي يُدفن في الأرض ويضلّ فيها، بل يتوفّى النفس.
٧ -( وَ لَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلاَئِکَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَکُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ.. ) ( الأنعام ٩٣ ).
٨ -( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِکُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذٰلِکَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَکَّرُونَ ) ( الزمر ٤٢)(١) .
___________________
(١) وقد يُقال أنّ قوله تعالى( هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاکُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُکُمْ فِيهِ ) ( الأنعام ٦٠ )، يدلّ على موت الإنسان في المنام، والحال أنّه حيّ نائم.
وقد يُجاب عنه بأنّ الموت والنوم يشتركان في انقطاع تصرّف النفس في البدن، كما أنّ البعث بمعنى الإيقاظ بعد النوم يشارك البعث بمعنى الإحياء بعد الموت في عود النفس إلى تصرّفها في البدن بعد الانقطاع، فلأجله عُدت الإنامة توفياً، وإن شئت فقل إنّ التوفّي على قسمين: توفّي مؤقّت وهو الإنامة، وتوفّي يستمر وهو الإماتة كما يُستفاد من قوله تعالى:
( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِکُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرَى... ) ( الزمر آية ٤٢).
ويقول بعض الأطبّاء: إنّ حياة النوم ليست بها حسّ ولا وعي ولا حركة.
ويجب أن نعرف أنّ للنوم درجات، والدرجات السطحيّة منه يخالطها بعض اليقظة، وبعض الحسّ والحركة من تقليب وخلافه.
وأمّا الدرجات العميقة فلا، ونفس الشيء يحدث في التخدير وفقد الوعي المؤقّت، وفقد الوعي الدائم كتلف قشرة المخّ الكامل ( ص ٣٤٤ الحياة الإنسانيّة ).
أقول : وبعد فقد بقى الفرق العلمي بين الموت والنوم، وأخواته المشار إليها، وكذا الجنون وبيانه على عهدة العلوم.
وسيأتي في الفصل الثاني من المسألة التاسعة
=
( البحث الرابع ) : النفس والروح مفهومان لحقيقةٍ واحدةٍ، فهما موجود واحد قطعاً، ومهما قيل في الفرق بينهما فهو بلحاظ الاعتبارات والمراتب لا غير، فإنّ كلّ إنسان يُدرك من ضميره أنّه واحد لا اثنان !
وتخيّل التعدّد من أوهام العوام، ومَن بحكمهم من مدّعي العلم المبتلين بالجهل المركّب.
ويناسب هنا أنْ نرجع إلى الكتاب والسنّة ؛ لنرى رأيهما في حقّهما وما يتعلّق بهما من خصوصياتهما.
أمّا الروح فقد استُعملت في القرآن في معانٍ مختلفةٍ غير ما به حياة الإنسان وشخصيّته، بل ليس فيه أنّ آدمعليهالسلام أعطاه الله روحاً، وإنّما فيه أنّه تعالى نفخ في آدم من روحه ( الحجر ٢٩ - ص٧٢ ) كما ورد ( مثله ) في حقّ عيسىعليهالسلام ، فلعلّ المراد من النفخ هو الإحياء فقط لا أنّ آدم وعيسى صاحبا روح(١) .
وأمّا قوله تعالى:( ويسئلونك عن الرُّوح قُلِ الرُّوح من أمر ربّي ) فالمراد بها مجهول، ويُحتمل أنّها الروح الأمين، أو روح القُدُس(٢) ، أو أُريد به ما أُريد بقوله تعالى:( تَنَزَّلُ الْمَلاَئِکَةُ وَ الرُّوحُ ) ، وبقوله:( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلاَئِکَةُ صَفّاً ) ، أو روح الإنسان. لكن في الأحاديث أنّه خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل...(٣) .
وأمّا قوله تعالى:( أُولٰئِکَ کَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) ( المجادلة ٢٢ ) فهي الروح المؤيّدة للمؤمنين - رزقنا الله بفضله -
___________________
=
عشرة حول النسيج الشبكي ما ينفع للمقام، وكذا في الفصل الرابع في جواب الإشكال السابع.
(١) نعم الأحاديث تدلّ على أن للإنسان روحاً كما تأتي.
(٢) بناءً على أنّه غير الروح الأعلين أي جبرئيل وفيه بحث.
(٣) لاحظ ج١٨ وغيره من بحار الأنوار.
وليست بروح تنشأ منها الحياة الإنسانية، كما لا يخفى.
وأما النفس والأنفس فقد وردت في القرآن كثيراً، وإليك بعض ما يتعلّق بها:
١ - النفس هي المسؤولة عن أعمال الإنسان كقوله تعالى:( ثُمَّ تُوَفَّى کُلُّ نَفْسٍ مَا کَسَبَتْ ) ( البقرة ٢٨١ )، وقوله:
( وَ وُفِّيَتْ کُلُّ نَفْسٍ مَا کَسَبَتْ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) (١) .
والآيات الدالّة عليه كثيرة(٢) .
٢ - أنّها تذوق الموت وإليها أُسند القتل، كقوله تعالى:( کُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) ( آل عمران ١٨٠ )، ( الأنبياء ٢٥ )، ( العنكبوت ٥٧ ).
٣ - أنّها تُلْهَم فجورها وتقواها.
٤ - أنّها المكلّفة:( لاَ يُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) ( البقرة ٢٨٦ )، ولاحظ سورة الأنعام ١٥٢، والأعراف ٤٢، والمؤمنون ٦٢، والطلاق ٧.
٥ - أنّها أمّارة بالسوء، وأنّها لوّامة، ومطمئنة وترجع إلى ربّها راضيةً مرضيّة.
٦ - أنّها متنعّمة في الجنّة، ( الزخرف ٧١ - فُصّلت ٣١ )(٣) .
وأمّا الأحاديث المعتَبَرة الواردة في المقام فقد استوفيناها في موسوعتنا الحديثيّة( معجم الأحاديث المعتبرة ) وذكرنا بعضها في سائر كتبنا ( گوناگون ج١ - عقايد براى همه وغيرها )، وإليك جملة منها:
١ - صحيح أبي ولاّد المروي في الكافي عن الإمام الصادقعليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر
___________________
(١) آل عمران أية ٢٥.
(٢) البقرة ٤٨، ١٢٣، ٢٨١، آل عمران ٢٥..
(٣) ونسب إلى النفس - أيضاً - زائداً على ما في المتن: الإيمان والتفريط في جنب الله، والوسوسة، والتسويل، والشّحّ، والاشتهاء، والهوى، والأكنان، والحرج، والإخفاء، والاستيقان في آيات أُخر.
حول العرش، فقال: ( لا، المؤمن أكرم على الله مِن أن يجعل روحه في حوصلة طير ( و ) لكن في أبدان كأبدانهم )(١) .
٢ - صحيح محمّد بن قيس المروي في الخصال عن الإمام الباقرعليهالسلام قال: سأل الشامي... عن العين التي تأوي إليها أرواح المشركين ؟ فقال: ( هي عينٌ يُقال لها سلمى )(٢) .
٣ - صحيح الكناسي المروي في الكافي، عن الباقرعليهالسلام ...: ( إنّ لله جنّة خلقها الله في المغرب... وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كلّ مساء... وإنّ لله ناراً في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار... )(٣) .
٤ - صحيح الأحول المروي فيه قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الروح التي في آدم قوله:( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) (٤) ، قال: ( هذه روح مخلوقة، والروح في عيسى مخلوقة)(٥) .
٥ - حسنة حمران، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ:( وَرُوحٌ مِنْهُ ) (٦) قال: ( هي روح الله مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى )(٧) .
٦ - صحيح أبي بصير المروي في الكافي، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ:( وَ يَسْأَلُونَکَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (٨) ،
___________________
(١) ص ٢٦٨ ج٦ بحار الأنوار.
(٢) ص ٢٧٤ نفس المصدر.
(٣) ص ٢٩٠ المصدر.
(٤) الحجر آية ٢٩.
(٥) ص ١٣٣ ج١ الكافي.
(٦) النساء آية ١٧١.
(٧) الكافي ١: ١٣٣.
(٨) الإسراء آية ٨٥.
قال: ( خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل(١) ... )
٧ - معتبرة ابن أبي يعفور المرويّة في العلل عن الصادقعليهالسلام :
( إنّ الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها في الميثاق ائتلف ههنا، وما تناكر منها في الميثاق اختلف ههنا )(٢) .
أقول : هذا المضمون وارد في عدّة من الأحاديث، لكنّ أكثرها ضعيفة سنداً فتكون مؤيّدة لها.
٨ - موثّقة ابن بكير، عن الباقرعليهالسلام : (... وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفَي عام)(٣) .
أقول : خلقة الأرواح قبل الأبدان بألفي عام وردت في جملة من الأحاديث(٤) ، ولا يبعد حصول الاطمئنان بصدور بعضها عن الأئمّةعليهمالسلام ، والظاهر أنّها تنافي قول بعض الفلاسفة: إنّ الروح جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء، ولذا أوّله في الأسفار تأويلاً باطلاً.
واعلم أنّ الروح لا تُطلق على الإنسان المركّب منها ومن البدن، بل يطلق على نفسها فقط، بخلاف النفس، فإنّها تطلق على خصوص معناها، كما تُطلق على معنىً يُعبّر عنه بالفارسيّة بكلمة ( خود، خودتان، خودما )، أي: على مجموع الإنسان، كقوله تعالى:( فسلِّموا على أنفُسِكُم ) (٥) ، بل ربّما على ما استحال البدن والنفس فيه ؛ كما في حقّه تعالى:( وَ يُحَذِّرُکُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (٦) .
___________________
(١) الكافي ١: ٢٧٣، نسخة الكومبيوتر.
(٢) ص ١٣٩ ص ٥٨ البحار.
(٣) ص ١٣٨ ج ١ الكافي.
(٤) النور آية ٦١.
(٥) لاحظ ج٥٨ وغيره من بحار الأنوار.
(٦) آل عمران آية ٢٨ و ٣٠.
بقي شيء وهو: أنّ عوام المسلمين يزعمون أنّ الروح لا تأمر بالشرّ بل تأمر بالخير دائماً، وأمّا النفس، فهي تأمر بالخير والشرّ، ولعلّ وجه هذا الزعم أنّ القرآن أسند الشرّ إلى النفس ولم يسنده إلى الروح، لكنّ القرآن لم يفصّل القول في الروح الإنسانيّة، كما عرفت، وما تقدّم من الأحاديث المعتبرة يكفي في ضعف الزعم المذكور.
وبالجملة : هما مفهومان لمصداقٍ واحدٍ كما عرفت.
وأمّا الكلام في الجهة الثالثة - وهي دلالة العلم على وجود الروح - فهو طويل نقتصر فيه هنا على كلام بعض الفضلاء فقط ؛ حتى لا يطول بنا المقام:
والمادّة التي يتكوّن منها الدماغ، هي عين المادّة التي تنشأ منها بقيّة أعضاء الجسد، ونوع الحياة الذي يتسبّب في نشوء الجميع واحد. فإنّ أصل الجنين خليّة واحدة ثمّ تتكثّر، وعليه، يلزم أن تكون الوظائف التي تقوم بها مختلف أعضاء الجسم من جنسٍ واحدٍ دون اختلاف تخصّصاتها، وهي وظائف غير إراديّة ولا فكريّة، لأنّها اللاّرادة، ويستحيل بحسب سنن الكون وموجوداته أن يتولّد - بصورة آليّة - المريد من غير المريد والمفكِّر من غير المفكِّر.
وماقيل من أنّ: الإرادة، والفكر، والشعور، وغيرها من الأنشطة الإنسانيّة الاختياريّة، إنّما تنشأ من الدماغ نتيجة تفاعلات كيميائية وفيزيائية، غير صحيح ؛ فإنّ كلّ تفاعلٍ لابُدّ له من عامل، فهو إن كان خارجيّاً يلزم استناد إرادته وأفكاره ومشاعره المختلفة غير اختياريّة له، مع أن المادّيّين لم يستطيعوا - ولن يستطيعوا - ولا مرّة واحدة أن يضعوا العناصر والمركّبات في أنابيب الاختبار، ثمّ يدفعونها بالتأشيرات المعنويّة بدلاً من العوامل المادّيّة المعهودة.
وإن كان داخليّاً فما هو ؟
هل هو مجرد احتكاك الخلايا والأعصاب، أم هو مجرد وصول الدماء إلى عروق الدماغ، أم هو شيءٌ آخر ؟
فليكن أيّ شيء فلماذا تتحدّد وتختلف نتائج ذلك التفاعل الكيميائي المزعوم، باختلاف الأشخاص من جهة، وباختلاف الأزمان والساعات والأحوال في الشخص الواحد من جهةٍ أُخرى ؟
إنّ محتويات الأدمغة واحدة في الأشخاص والأزمان، وأنشطتهما المادّيّة واحدة، فلماذا تتعدّد إذن نتائج التفاعلات التي تحدث فيها ؟
فتتعدّد الأفكار، وتتعدّد المشاعر والأحاسيس، وتعدّد الاكتشافات، وتتعدّد المواهب عند الأشخاص، بل وتعدّد عند الشخص الواحد في ساعتين...، أقول : ولا تفسير له سوى الإقرار بوجود الروح...(١) . انتهى ما أردنا نقله.
واعلم أنّ الاعتقاد بوجود الروح، لا ينقص من أهميّة المخّ وعظم عمله، فلا تغفل، ويقول طبيب مسلم: إنّ كثيراً من العلماء، ذكروا أنّ المظاهر النفسيّة: كالوعي، والإدراك، والانفعال، والذاكرة، والقدرة على التعلّم، والإحساس النهائي للّذّة والألم، وكلّ هذه المظاهر النفسيّة لم يثبت علميّاً - إلى الآن - أنّ مراكزها النهائيّة موجودة في خلايا المخّ.
والحقيقة أنّنا نتعلّم الطبّ حسب المدرسة الغربيّة، التي ينفصل عندها العلم عن الدين، فهي ترى: أنّ المظاهر النفسيّة عبارة عن تفاعلات كيمياوية معقّدة تحدث داخل خلايا المخّ، وهذا أمر لم يثبت علميّاً للآن(٢) .
أقول : ولتأثير الروح والمخّ وأهمّيّة كلتيهما لنضرب مثلاً، ونشبّه
___________________
(١) ص ١٢٧ إلى ص١٣١ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة، نقلنا عنها بعض القليل مع الاختصار.
(٢) ص٨٦ نفس المصدر.
الروح بالمصوِّر، وخلايا المخّ بجهاز التصوير، والصورة كما تحتاج إلى المصوِّر تحتاج إلى آلة التصوير ولا يغني أحدهما عن الآخر في إنتاج الصورة.
( البحث الخامس ) في بدء حياة الإنسان.
المتدبّر في البحثين الأخيرين، يقتنع بسهولة أنّ الحياة الإنسانيّة إنّما هي بتعلّق الروح بالبدن، كما أنّ موت الإنسان بانقطاع هذا التعلّق نهائياً، ولا ربط لحياة الخلايا بحياة الإنسان، ولا موته بموتها، وهذا الذي اعتقده علماء الإسلام، هو الصحيح المطابق للبراهين العقليّة أيضاً.
وإنْ شئت فقل: إنّ قوام إنسانيّة الإنسان بروحه لا ببدنه، وإنّ فُرض موجوداً تامّاً في الخارج وكان جميع خلاياه حيّة، فالجنين مهما تكامل وتنامى فهو - قبل تعلّق الروح - جنين الإنسان، وما يؤل إلى الإنسان وليس بإنسان نفسه.
متى تتعلّق الروح بالبدن ؟
هذا هو السؤال المهمّ في المقام، ولا يصلح علم الطب وعلم الأجنّة، وسائر العلوم للإجابة عليه، لحدّ الآن، ولا أظنّ اهتداء العقل إليه أيضاً، فلا بُدّ من الرجوع إلى الدين فيه، لكنّ القرآن الكريم - وحسب فهمي - ليس فيه ما يدلّ على توقيت تعلّق الروح بالبدن، سوى قوله تعالى:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (١) ، ولا بُعد في إرادة تعلّق الروح بالجنين من هذه الآية، إذ إنشاء الجنين مخلوقاً آخر لا يناسب إلاّ صيرورته ذات روح، ويؤكِّده قوله:( فَتَبَارَکَ اللَّهُ... ) ، بل يدلّ على إرادة التعلّق المذكور بعض الروايات المعتبرة الآتية، لكن لا يُستفاد أنّ تعلق الروح
___________________
(١) المؤمنون آية ١٤.
بالجنين في أيّ شهرٍ من شهور الحمل، وإنّما يُستفاد من الآية المذكورة أنّه بعد كسوة العظام لحماً. وإن قدّر الطب بشكلٍ دقيقٍ محسوسٍ على تعيين زمن كسوتها لحماً لم يقدر على زمان تعلّق الروح بالجنين، إذ لا دليل على أنّه بعدها بلا فصل، بل ظاهر قوله:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ ) ، الفصل بينهما، فلا يبقى أمامنا للحصول على جواب السؤال المذكور سوى الأحاديث، فنقول:
١ - الصحيح المرويّ في التهذيب عن أمير المؤمنينعليهالسلام :
(... فإذا أُنشئ فيه خلقٌ آخر، وهو الروح، فهو حينئذٍ نفس، ألف دينار كاملة إن كان ذكراً، وإن كان أُنثى فخمسمئة دينار )(١) .
٢ - صحيح محمّد بن مسلم المرويّ في الكافي، قال:
سألت أبا جعفرعليهالسلام ... قلت: فما صفة النطفة التي تُعرف بها ؟
فقال: ( النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة، فتمكث في الرحم إذا صارت أربعين يوماً، ثمّ تصير إلى علقة.
قلت: فما صفة خلقة العلقة التي تُعرف بها ؟
فقال: هي علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة تمكث في الرحم بعد تحويلها عن النطفة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة.
قلت: فما صفة المضغة وخلقتها التي تُعرف بها ؟
قال: هي مضغة لحمٍ حمراءَ فيها عروقٌ خضرٌ مشتبكة، ثمّ تصير إلى عظم.
قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظماً ؟
فقال: إذا كان عظماً شقّ له السمع والبصر، ورُتّبت جوارحه، فإذا كان كذلك فإنّ فيه الديّة كاملة )(٢) ، ورواه الشيخ في تهذيبه بتفاوت(٣) .
أقول : لم يذكر في هذا الصحيح توقيت المضغة بأربعين يوماً، ولا
___________________
(١) ص ٢٨٥ ج ١٠ نسخة الكومبيوتر.
(٢) ص ٣٤٥ ج ٧ الكافي.
(٣) ص ٤٧٥ ج ٢٦ جامع الأحاديث.
يضر، فإنّه مذكور في صحيح زرارة وغيره، الآتية في مسألة الإجهاض(١) . ولم يذكر تعلّق الروح بالجنين أيضاً.
أقول : لا يُفهم من هذه الأحاديث مع الآية أنّ بدء الحياة الإنسانيّة، في أوّل الشهر الخامس من الحمل، أي في اليوم ١٢١ من الحمل، بل يُحتمل نفخ الروح بأطول من ذلك، كما لا يخفى، بل في رواية أبي شبل:
( هيهاتَ يا أبا شبل، إذا مضت الخمسة الأشهر فقد صارت فيه الحياة، وقد استوجب الديّة)(٢) ، ولعلّه اشتباه ومحرّف الأربعة الأشهر، لكنّه محتمل، إذ لا يخالفه نصٌّ معتبر، سوى معتبرة ابن الجهم الآتية(٣) ، ولا بُدّ لك أن تُلاحظ ما يأتي من الآية والأحاديث في المسألة الآتية، مع هذه الأحاديث جمعاً.
ومقتضى النظر الدقيق، أنّ جميع الأحاديث لا تدلّ على أنّ نفخ الروح يكون في أوّل الشهر الخامس من الحمل، حتّى معتبرة ابن الجهم في المطلب الأوّل من المسألة الآتية، وإنْ كانت مشعرة بها، نعم مدلولها نفخ الروح في الجنين بعد أربعة أشهر، فلاحظ وتأمّل جيّداً، والله العالم.
ولعلّه لأجل ما ذكرنا ؛ قال صاحب الجواهرقدسسره في باب الدية ( ص٣٦٥ ج٤٣ ): بل عن ظاهر الأصحاب عدم اعتبار مضيّ الأربعة أشهر في الحكم بحياته على وجه يترتّب عليه الديّة، وإن قال الصادقعليهالسلام في خبر زرارة:
( السّقط إذا تمّ له أربعة أشهر غُسِّل )(٤) .
وأفتى الأصحاب بمضمونه، إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي تحقّق العنوان في المقام.
أقول : أي حياة الجنين لوجوب الدية الكاملة.
___________________
(١) لاحظ ص ٦٤ هذا الكتاب.
(٢) جامع الأحاديث ٢٦ / ٤٨١.
(٣) الكافي ٧: ٣٤٦، نسخة الكومبيوتر.
(٤) الكافي ٣: ٢٠٦.
المسألة السادسة
حول إجهاض الجنين(١)
الإجهاض: إلقاء حَمْلٍ ناقص الخَلْق بغير تمام، سواء من المرأة أو من غيرها، وكثيراً ما يُعبّر عن الإجهاض بالإسقاط، أو الطرح أو الإلقاء، وفي المقام مطالب ننقلها عن الأطبّاء:
١ - الثابت في علم الأجنّة أنّ الحياة موجودة في الحيوان المنوي قبل التلقيح، وموجودة في البويضة قبل الالتقاء، وقد يلتقي الحيوان المنوي والبويضة ويُسفر عن ذلك حمل عنقود وليس إنساناً، والحمل العنقودي ليس جنيناً، وإنّما مجرد خلايا لا تكون في مجموعها أي شكل من الأشكال، وإنّما شكلها شكل عنقود العنب، وبعد فترةٍ من الزمن يتقلّص الرحم ويطرد هذا المحتوى، ولكن ليس فيه ما يدلّ على الإنسان، أو على صورة الإنسان، أو على الحياة، وهو - أيضاً - نتيجة التقاء الحيوان المنوي بالبويضة(٢) .
٢ - فترة الإنشاء - يعني به قوله تعالى:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) (٣) -
___________________
(١) الإجهاض - كما في معاجم اللُّغة واستعمال الفقهاء - هو إلقاء الحمْل ناقص الخَلْق، أو ناقص المدّة.
وقد أطلق مجمع اللُّغة العربية كلمة الإجهاض: على خروج الجنين قبل الشهر الرابع، وكلمة الإسقاط على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع. هكذا قيل.
(٢) قال بعض الأطباء: إنّ البويضة المخصبة من ناحية خلويّة بالتأكيد هي ليست الجنين، إنّ جزءً يسيراً منها يتكوّن منه الجنين، وهذا يحدث في اليوم العاشر بعد العلوق، وقد لا يحدث فتكون بويضةً فاسدةً لا ينتج عنها جنين، وقد يحدث منها حمل عنقودي، وقد يحدث توأم... ص٦٧٧، الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبّيّة.
(٣) المؤمنون آية ١٤.
حسبما رأيناه في الفيلم: أنّه في الأُسبوع السادس أو السابع بعد الفترة من الأُسبوع الأوّل إلى الأُسبوع السادس كانت مجموعة من الأنسجة لم تظهر بالفيلم، وإنّما ظهر لنا من بعد الأُسبوع السادس، وبعد الأربعين يوماً بدأ يتخلّق، بدأ يظهر الرأس وتظهر الأطراف، بدء خَلْقٍ آخر... ( و) من بعد الأُسبوع السادس ما هو إلاّ نموٌّ وليس تكويناً جديداً(١) .
٣ - إنّ الجنين يتحرّك ويتحرّك من قبل نهاية الشهر الرابع بزمن ٍطويل، ولكنّ السيّدة لا تحس به ؛ لأنّ الكيس المائي الذي يسبح فيه يكون في البداية كبيراً فسيحاً بالنسبة لجسمه الصغير، ويمرّ زمن حتّى يكبر الجنين، فتستطيع لكماته وركلاته أنْ تطال جدار الرحم ؛ فتشعر بها السيّدة بعد أربعة أشهر من الحمل، بل إنّ لدينا الآن من الأجهزة ما نسمع به دقّات قلب الجنين وهو في الأُسبوع الخامس، ولدينا من الأجهزة ما نرصد به حركة الجنين حتّى مِن قبل ذلك...(٢) .
وقيل: إنّ الحركة متّصلة قبل ذلك ؛ لأنّ الخلايا منذ المراحل الأُولى في حركة، حتّى إنْ لم ترها الأجهزة ؛ لأنّ الخلايا تتحرّك، وترتّب نفسها إلى آخره(٣) .
٤ - مبرِّرات الإجهاض في الغرب قد اتّسعت حتّى بلغت خاتمة المطاف بالإجهاض حسب الطلب !!!
ومن المبرِّرات: الدواعي الطبّيّة، لكن وسع في بعض البلاد مدلولها فبدأت بالخطر على حياة الأُمّ إن استمرّ الحمل، ثمّ الخطر على صحّتها، ثمّ على صحّتها الجسميّة، أو النفسيّة، ثمّ عليها في الحاضر وفي المستقبل المنظور، ثمّ على الصحّة الجسميّة أو
___________________
(١) ص٢٣٤ وص٢٣٥، الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) ص٢٥٤ وص٢٥٥، نفس المصدر.
(٣) ص٢٨٢، نفس المصدر.
النفسيّة لأفراد الأُسرة الآخرين، بما فيهم الأبناء الشرعيّون أو الأبناء بالتبنّي، ويدخل فيها الدواعي الجنينيّة ؛ كالحالات التي يتيقّن، أو يترجّح فيها أنّ الجنين مصابٌ بمرضٍ، أو عاهةٍ، أو مات فعلاً.
ومنها الدواعي الإنسانيّة: كالحمل الناتج عن الاغتصاب، أو وقاع القاصرة أو المجنونة.
ومنها الدواعي الطبّيّة الاجتماعية: كغزارة الإنجاب، أو تقارب الولادات والآثار الجسمية، أو النفسية التي لا ترقى لدرجة المرض.
ومنها - أيضاً - صغر السن أو كبره(١) .
٥ - ربّما أُبيح الإجهاض كوسيلةٍ لتحديد النّسْل، ولتخفيف حدّة الانفجار، فزاد عدد حالات الإجهاض القانوني من ربع حالات الحَمْل، ثمّ جاوزها في بعض الدول، ورأت الدولة أنّ الأُمّة تمارس لوناً من الانتحار بالانقراض !
ولا حاجة إلى تفصيل هذا البحث(٢) .
٦ - تظهر الحقيقة في إباحة الإجهاض من كلام بعض الأطبّاء، حيث أعلن في الإذاعة البريطانيّة: أنّ قانون الإجهاض الجديد قد احتضنته مجموعة من المشاغبين، قليلة العدد ولكن قويّة التنظيم، غزت الرأي العام بالدعاية المُغْرِضة المحرِّفة، وسخّروا الصحافة في غسل مخّ الأُمّة بشعار: الإجهاض حسب الطلب، وبأموال مجلوبة من الخارج طبعوا وروّجوا كُتيّباً يشرح القانون الجديد بأُسلوب مُغْرِض... وعندما عرضنا المساهمة في البحث ؛ قال أحد أعضاء البرلمان: نحن هنا لنشرّع لا لنسمع لآراء الفنّيين(٣) .
___________________
(١) ص٢٤٢ وص٢٤٣، نفس المصدر.
(٢) لاحظ ص٢٤٤، نفس المصدر.
(٣) ص٢٤٥، نفس المصدر.
٧ - الآثار المباشرة لتنفيذ قانون إباحة الإجهاض.
أوّلاً : زيادة مضطردة في حالات الإجهاض لدرجة شغلت من أسرّة المستشفيات، ومن وقت الأطبّاء الاختصاصيّين ما عطّل علاج المريضات بالأمراض الأُخرى(١) .
ثانياً : كان من بين النساء المُجْهِضات ٤٤ بالمئة فقط متزوّجات، وأمّا ال- ٥٦ بالمئة الباقية فكانت أحمال سفاح في بنات ( ٣٧ بالمئة ) أو مطلقات وأرامل ( ٩ بالمئة )، وفي أمريكا بلغت نسبة حمل السفاح بين المُجْهِضات درجة أعلى(٢) من ذلك، فقانون إباحة الإجهاض إنّما يلبّي الحاجة إلى السفاح.
ثالثاً : كانت ثلاث مستشفيات خاصّة في لندن - وبطبع الحال في جميع المدن الكبيرة الغربيّة أو معظمها - تجري من الإجهاضات أكثر ممّا تجريه مستشفيات منطقة لندن المجّانيّة الحكومية...، وهذا يدلّ على مدى الاستغلال التجاري للإجهاض.
رابعاً : رغم إباحة موانع الحَمْل وإباحة الإجهاض، فقد زادت نسبة
___________________
(١) وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ في أمريكا وحدها قد تمّ إجهاض أكثر من ٢٥ مليون حَمْل في عامٍ واحدٍ، كما أوردت بعض المجلاّت عام ١٩٨٣.
وأشارت منظمة الصحّة العالميّة في تقريرها عام ١٩٨٤ أنّ حالات الإجهاض الجنائي أو المتعمّد قد بلغت أكثر من ٢٥ مليون حالة سنويّاً. ص١٨٣، الرؤية الإسلامية لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
وقيل إنّه يتمّ قتل ( ٤٠ ) مليون جنين كلّ عام في العالم بواسطة الإجهاض المحدث ( وهو الذي كان يُطلق عليه في الماضي الإجهاض الجنائي ) نصفهم - على الأقل - بصورةٍ غير قانونيّة ؛ ويؤدّي ذلك إلى وفاة مئتي ألف امرأة، وإصابة مئات الآلاف بأمراض مختلفة، وجعل عددٍ كبيرٍ منهنّ يعانين من العُقْم الدائم. ص٢١٠، نفس المصدر فاعتبروا يا أُولي الأبصار.
(٢) ص٢٤٦ الإنجاب في ضوء الإسلام.
ولادات السِّفاح إلى الولادات الحلال زيادة كبيرة... ممّا يدلّ على أنّ لبّ القضيّة هو تفشّي الإباحة الجنسيّة(١) .
إذا علمت ما حكاه الأطبّاء المسلمون الخبراء حول الإجهاض وبعض حالات الجنين ؛ فهنا مطالب لا بُدّ من ذكرها:
( المطلب الاَوّل ) حول نظر الدين في حالات الجنين.
١ - قال الله تعالى:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ کُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (٢) لِنُبَيِّنَ لَکُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُکُمْ طِفْلاً... ) ( الحجّ ٥ ).
٢ - وقال تعالى:
( وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَکِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ (٣) عِظَاماً فَکَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ (٤) فَتَبَارَکَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) ( المؤمنون ١٢ - ١٤ ).
___________________
(١) ص٢٤٦، الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) ونُقل في مجمع البيان في تفسيره وجهين، أوّلهما: تامّة الخَلْق وغير تامّة. وثانيهما: مصوَّرة وغير مصوَّرة، وهي ما كان سقطاً لا تخطيط فيه ولا تصوير.
أقول : الثاني يرجع إلى الأوّل، كما في الميزان أيضاً، لكنّ هذا التفسير بكلا وجهيه بعيد عن سياق الآية، كبعد خبر سلام المرويّ في الكافي في تفسير الآية عن سياقها.
(٣) لعلّ المراد: من المضغة عظاماً، وليس المراد أنّ المضغة بتمامها تصير عظاماً.
(٤) قيل المراد به نفخ الروح. وقيل نبات الشعر والأسنان وإعطاء الفهم، وقيل الذكوريّة والأُنوثيّة كما في المجمع، والأوّل هو الصحيح ؛ للنص الصحيح ( ص٢٨٥ ج١٠ التهذيب ) الآتي، ولأنّ تعلّق الروح بالجسد من أهمّ مراحل خلقة الإنسان، ولولا إرادته من هذه الجملة( ثُمّ أنشأناه خلقاً آخر ) لزوم إهماله في القرآن، وهو بعيد غاية البعد.
وعلى كلٍّ، قيل إنّ النطفة الماء القليل أو مطلق الماء، والعلقة القطعة من الدم الجامد، والمضغة القطعة من اللّحم الممضوغة.
ومدلول الآيتين أنّ مراحل الحمل أو الجنين في الرحم هي:
١ - كونه نطفة.
٢ - ثمّ كونه علقة.
٣ - ثمّ كونه مضغة. ( وإن لم نفهم معنى كونها مخلَّقةً وغير مخلَّقةٍ، كما أُشير في الحاشية ).
٤ - ثمّ كونه عظاماً(١) ولعلّه على وجهٍ أشرنا إليه في الحاشية.
٥ - ثمّ كسو العظام لحماً ( أي كونه ذا عظام مستورة باللّحم ).
٦ - إنشاءه خلقاً آخر ( أي نفخ فيه الروح فصار حيّاً بحياةٍ إنسانيّةٍ، على ما ذكرنا في الحاشية ).
ولم يوقّت القرآن هذه الحالات المترتّبة بوقتٍ معيّنٍ، فإذا ثبت في علم الطب، وعلم الأجنّة ثبوتاً حسّيّاً أو قطعيّاً(٢) تحديدها ؛ فالأخذ به لا ينافي القرآن، كما هو واضح.
نعم قد يُقال: إن الطبّ ينكر صيرورة النطفة علقة ومضغة، بل هي تنقلب إلى كتلة من الخلايا، فتنموا حتّى تكتمل وتصير بدن إنسان(٣) .
___________________
(١) ادّعى بعض الأطبّاء في كتابه - على ما ترجم لي بعض الأطبّاء المؤمنين بعض جملاته - أنّ أوّل عَظمٍ يُخلق هي الترقوة، يبتدئ من اليوم الخامس والثلاثين إلى اليوم الثاني والأربعين من الحمل، وأمّا تكميل العظام ففي الذكور إلى عشرين سنة، وفي الإناث إلى ١٨ سنة. وهذا ينافي الأحاديث الآتية جزماً.
(٢) وستقف في خلال مباحث الكتاب على تحديدات من بعض الأطباء، وتقدّم بعضها عن قريب.
(٣) قيل: إنّ النطفة في علم الأجنّة تُطلق على المنيّ، والمضغة على كتلة الخلايا الناتجة في أيّام قليلة من انقسام البييضة الملقّحة.
وأمّا العلوق فيستمرّ من آخر اليوم الرابع من الإخصاب، وتنغرس العلقة في بِطانة الرحم في اليوم السابع، ولا تكون بعد
=
لكنّ بعض المؤمنين في لندن أتحفني بشريطة فيديويّة وقال:
إنّ عالِماً من كندا اعترف أنّ ما ذكره القرآن حول حالات الجنين هو المطابق للمشاهَدَة الحسيّة، فأنا أؤمن بأنّ القرآن كلام الله، لكنّني لا أتديّن بدين الإسلام، ولا أرجع عن ديني ؛ فإنّ أهلي من الأساقفة !
وأنا أردت ترجمة كلامه لكنّ صوت الشريط لم يكن حسناً فما قدرت على فهم كلامه تفصيلاً.
وبالجملة: رغم سعيي في باكستان لمشاهدة فيلم في ذلك لم أعثر عليه، فما دام لم أرَ الفيلم ؛ لا أستطيع الكلام حول هذا الادّعاء نفياً أو إثباتاً.
وأمّا الأحاديث فإليك ما وجدت منها من غير ما هو ضعيف سنداً:
١ - صحيح البزنطي المرويّ في قرب الإسناد عن الرضاعليهالسلام :
(... إنّ النطفة تكون في الرحم ثلاثين يوماً، وتكون عَلَقةً ثلاثين يوماً، وتكون مُضْغةً ثلاثين يوماً، وتكون مخلَّقةً وغير مخلَّقةٍ ثلاثين يوماً، وإذا تمّت الأربعة أشهر ؛ بعث الله تبارك وتعالى مَلَكَين خلاّقين يصوّرانه، ويكتبان رزقه
___________________
=
ذلك علقة. ص٥٧، الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
أقول : وهذا نوع من التأويل.
وقال بعض الفضلاء من أهل السنّة: وإذا كان بعض العلماء من مفسّرين وفقهاء أوّلوا الحديث، وتلك الآيات القرآنية، بما يتعارض مع بعض المُعطيات الجديدة من الحقائق العلميّة في مجال الطب ؛ فإنّما يرجع ذلك إلى أخذهم المعنى اللُّغوي للعلقة والمُضغة، وحمل الحديث والآيات عليه بصورة تطابقيّة، مع أنّ الحيوان ( الجنين - ظ ) قد يكون على شكل علقة مع ظهور بعض الأعضاء فيه كالعينين - مثلاً - وقد يكون وجه الشبه مع العلقة كون الرأس وبقيّة الجسم على مستوى واحد ؛ لعدم وجود الأطراف، وكذلك المضغة، ليس من الضروري أن تكون قطعة لحمٍ لا خِلْقة فيها، بل إنّها قد تكون مختلفةً كما وصفها القرآن في بعض المواضع. ص ٢٦٣ و ٢٦٤، الإنجاب في ضوء الإسلام.
أقول : ما ذكره تأويل آخر ضعيف ولا مجوِّز لرفع اليد عن المعاني اللُّغوية في تفسير الآيات، إلاّ بدليل معتبر. نعم المُضغة قد تكون غير مختلفة وقد تكون مختلفة.
وأجله شقيّاً أو سعيداً ). ص١٥٤ ج٥ بحار الأنوار.
أقول : مُضافاً إلى عدم فهم كونها مخلّقةً وغير مخلقة حتّى يُفهم جعل ثلاثين يوماً لهما، يرد عليه أنّ عدد الثلاثين يخصّ هذه الرواية، ولا يوجد في غيرها، وكأنّه شاذّ على أنْ السند وإن كان صحيحاً لكن الظاهر عدم وصول نسخة قرب الإسناد - وهو مصدر الحديث - إلى المجلسيرحمهالله مؤلِّف البحار، بسندٍ متّصلٍ صحيحٍ وإنّما ينقل عنه بالوجادة، كما سنح لي أخيراً، فلا تكون الأحاديث المنقولة منه في البحار والوسائل بمعتبرة.
٢ - معتبرة الحسن بن الجهم المرويّ في الكافي ( ج٦ ص١٣ ) قال: سمعت أبا الحسن الرضاعليهالسلام يقول:
( قال أبو جعفر -عليهالسلام -: إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً، ثمّ تصير علقةً أربعين يوماً، ثمّ تصير مُضْغَةً أربعين يوماً، فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاّقين فيقولان: يا ربّ ما تخلق ذكراً أو أُنثى ؟(١) فيُؤمرون...
٣ - صحيح زرارة الطويل المرويّ في الكافي ( ج٦ ص١٣ ) عن أبي جعفرعليهالسلام :
(... فتصل النطفة إلى الرحم فتتردّد فيه أربعين يوماً ( صباحاً خ )، ثمّ تصير علقةً أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغةً أربعين يوماً، ثمّ(٢) تصير
___________________
(١) المتّفق عليه الآن بين الأطبّاء أنّ الذكورة والأُنوثة تحدَّدان عند التقاء الحيوان المنويّ بالبيضة، وأنّ الحيوان المنويّ يحمل الجسم الصبغي الذكري أو الأُنثوي. ص٥٨، الحياة الإنسانيّة.
لكن يمكن عدم علم المَلَكَين بالحال فيسألان عن خلق آلة الذكوريّة والأُنوثيّة، لكن إذا ثبت في علم الأجنّة خلق الآلة المذكورة قبل تمام الأربعة الأشهر كما تقدّم في آخر البند الثاني في أوّل هذه المسألة ( بعد الأُسبوع السادس ما هو إلاّ نموّ وليس تكويناً جديداً ) فلا بُدّ من ردّ علم هذه الجملة إلى مَن صدرت عنه.
(٢) يحتمل زيادة كلمة ( ثمّ ) بأن تكون صيرورة الجنين ذا لحمٍ تجري فيه عروق
=
لحماً تجري فيه عروقٌ مشتبكةٌ، ثمّ يبعث الله مَلَكَين خلاّقين يخلقان في الأرحام ما يشاء الله، فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم، وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء(١) ، فينفخان فيها روح الحياة والبقاء، ويشقّان له السمع والبصر وجميع الجوارح وجميع ما في البطن بإذن الله، ثمّ يوحي الله إلى المَلَكَين اكتبا عليه قضائي ونافذ أمري... )
وفي صحيحٍ آخر لزرارة - بل هو مختصر حديثه الطويل المتقدّم ظاهراً -:
( ثمّ يبعث الله مَلَكَين خلاّقَين، فيُقال لهما: اخلقا كما يريد الله ذكراً أو أُنثى ) ( ج٦ ص١٦ الكافي ).
بقي أُمور ممّا يتعلّق بهذه الأحاديث المذكورة هنا وفي آخر المسألة المتقدّمة:
( الأوّل ) : إنّ الأحاديث لم تذكر لحالة العظام وكسوها لحماً مدّةً كما ذكرتها لحالة كون الجنين نطفة وعلقة ومُضْغة، بل بعضها أهملهما أساساً، وهذا عجيب.
___________________
=
مشتبكة داخلة في زمن كونه مُضْغة، كما تقدّم في صحيح محمّد بن مسلم في آخر المسألة السابقة، وقد يتوهّم أنّ ظاهر قوله تعالى:( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَکَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ) يوافق هذه الصحيحة دون صحيحة محمّد بن مسلم. لكنّه ممنوع كما لا يخفى.
(١) ولعلّه إشارة إلى الحياة الكامنة في الحيوان المنوي والبييضة كما هي، غير بعيدة، وهذه الجملة خير مسكِّن للأطبّاء الذين يدّعون: أنّ حياة الجنين قبل تمام أربعة أشهر لم تكن معلومة في الأزمنة السابقة.
قال بعض الأطبّاء: الحقيقة أنّ الحياة متّصلة، ليست في الحيوان المنوي والبويضة فقط، لكن من خَلْق آدم إلى يوم القيامة، متّصلة باستمرار لم تنقطع أبداً، خَلْق النطفة هو اتّحاد هاتين... ص٢٨٤، الإنجاب في ضوء الإسلام.
( الثاني ) : ظاهر صحيح محمّد بن مسلم السابق: أنّ شق السمع والبصر، وترتيب الجوارح، بعد خلقة العظام.
وظاهر معتبرة ابن الجهم: أنّ خلق ما يتحقّق به الذكورة والأُنوثة بعد تمام أربعة أشهر، وهذا ينطبق على سابقه نوع انطباق.
وظاهر صحيح زرارة: أنّ شقّ البصر والسمع، وجميع الجوارح، وجميع ما في البطن - أي بطن الجنين ظهراً - إنّما هو حين نفخ الروح فيه، أي كلّ ذلك بعد أربعة أشهر، وكلّ ذلك مخالفٌ لما يقوله الأطبّاء - كما ستمرّ أقوالهم بك بعد ذلك - فإنْ ثبتت أقوالهم بالحسّ أو القطع، فلا بُدّ من تأويل هذه الظواهر، أو ردّها إلى مَن صدرت عنه، فإنّ التأويل الخارج عن المتفاهم العُرفي كلفة لم نُؤمر بها.
( الثالث ) : مرّ في الحاشية دعوى بعض الأطبّاء: أنّ العظام تبدأ في التكوّن في الأُسبوع الخامس ( ٣٥ يوماً بعد الحمل )، فإنْ صحّ فهو ينافي الأحاديث جزماً.
الأقاويل حول تطوّر الجنين
١ - قال بعض الكتّاب: في الأُسبوع الثالث يتكوّن أوّل ظواهر الرأس والقلب، ثمّ يتكّون في جانب الجنين شيءٌ مدوّر متّصل بسرّة الجنين، وذلك الشيء هو الذي يأخذ عصارة الغذاء والماء والهواء، التي تستفيد منها الأُم بواسطة أجهزتها، ويعطيها للجنين، ومن الأُسبوع السادس يتكّون حول الجنين ثلاثة حجابات لحفظه عن الهواء والماء والنور وغيره، ولعلّه المراد بقوله تعالى:( فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ) (١) .
___________________
(١) الزُّمَر آية ٦.
وقيل: كما هو معروف: إنّ الجنين في الأسابيع الثمان الأُوَل من الحمل ليس له أعضاء، أو أنسجة يمكن الاستفادة من نقلها، وبعد تلك المدّة ( ٦ - ٨ أسابيع ) تأخذ أعضاء الجنين وأطرافه في النموّ.
٢ - أوصت لجنة وارنوك في بريطانيا بجواز التجارب على الجنين في الأيام الأربعة عشر الأُولى على اعتبار أنّ تكوّن الجهاز العصبي يبدأ بعدها...(١) .
٣ - لاحظ ما مرّ في البند الثاني والثالث في أوّل هذه المسألة.
٤ - لاحظ مايأتي نقله في أوائل المسألة الثامنة حول أطفال الأنابيب.
٥ - لاحظ ما يأتي في أوائل المسألة السابعة والعشرين حول المبيضين وزرع الخصية.
( المطلب الثاني ) : يحرم الإجهاض مطلقاً - قبل ولوج الروح أو بعده - ولم يُنقل عن أحدٍ من فقهاء الشيعة خلاف في ذلك، وأمّا فقهاء أهل السنّة فجمع منهم على جوازه قبل ولوجها، ولهم أقاويل، لكن حرّموه بعد الولوج على ما قيل(٢) .
ودليل الحرمة عندنا حديثان:
أحدهما : معتبرة إسحاق المرويّة في الفقيه:
قلت لأبي الحسنعليهالسلام : المرأة تخاف الحبل، فتشرب الدواء، فتلقي ما في بطنها - قال: ( لا.
فقلت: إنّما هو نطفة ؛ فقال: إنّ أوّل ما يُخلق نطفة )(٣) .
ثانيهما : صحيح رفاعة المرويّ في الكافي:
قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : اشتري الجارية فربّما احتبس طمثها من فساد دمٍ أو ريح في رحم فتُسقى دواءً لذلك، فتطمث من يومها ؟ فقال لي: ( لا تفعل ذلك.
فقلت له: إنّما
___________________
(١) ص١٧٤ الرؤية الإسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
(٢) الإنجاب على ضوء الإسلام ص ٣٦٠.
(٣) ص١٥ ج١٩ الوسائل.
ارتفع طمثها منها شهراً، ولو كان ذلك من حبل إنّما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل، فقال لي:
إنّ النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة، ثمّ إلى مُضْغَةٍ، ثمّ إلى ما شاء الله، وإنّ النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يُخلق منها شيء، فلا تسقها الدواء إذا ارتفع طمثها شهراً وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه )(١) .
أقول : لا يبعد أنّ قيد الشهر لم يكن له خصوصيّة، وإنّما ذكره الإمام تبعاً لفرض السائل، والملاك هو مطلق ارتفاع الطمث، ومنه يظهر دلالة الحديث على وجوب الاحتياط، وعدم إجراء استصحاب عدم الحبل كما هو القاعدة في كلّ ما شكّ في حدوثه، وهذا يحكي عن اهتمام الشارع بالنطفة.
( المطلب الثالث ) : في حكم الإجهاض الوضعي، وهو لزوم الديّة.
١ - ديّة الجنين إذا كان بحكم المسلم الحرّ، وكان تامّ الخِلْقة ولم تلجه الروح: مئة دينار، كما نقله في الجواهر عن المشهور، ولم ينسب الخلاف فيه إلاّ إلى النعماني ؛ فإنّه أوجب الديّة كاملة، وإلاّ إلى الإسكافي، فأوجب فيه غرّة عبداً أو أمَةً إذا كانت الأمُّ مسلمة، وقدر قيمة الغرّة قدر نصف عشر الديّة(٢) .
٢ - ظاهر الروايات عدم الفرق بين الذكر والأُنثى في الديّة هنا ( أي فيما لم تلجه الروح ) ولم ينقل الخلاف فيه إلاّ عن الشيخرحمهالله في مبسوطه.
٣ - لو كان الحمل زائداً عن واحدٍ فلكلّ واحدٍ ديّته، كما في الشرائع والجواهر.
٤ - لم يوجب الفقهاء الكفّارة على المُجْهِض ؛ لعدم صدق القاتل عليه
___________________
(١) ص٣٣٨ ج٢، الوسائل نسخة الكومبيوتر.
(٢) لاحظ ج ٤٣ من الجواهر.
بعد فرض عدم ولوج الروح في الجنين.
٥ - في إجهاض الجنين الذي ولجته الروح قطعاً ديّة كاملة للذكر، ونصفها للأُنثى(١) في الحرّ المسلم، بلا خلاف للنصوص.
٦ - تجب الكفّارة في فرض ولوج الروح مع مباشرة الجناية، بلا خلاف ولا إشكال ؛ لتحقّق موجِبها كما في الجواهر(٢) .
٧ - هذا كلّه في الجنين الذي ولجته الروح والذي لم تلجه وكان تامّ الخِلْقة، وأمّا إذا لم يتمّ خلقته ففي ديّته قولان:
أحدهما : غرّة عبد أو أمة،والأُخرى : - وهو الأشهر بل المشهور -: توزيع الديّة ( أي مئة دينار ) على المراتب، ففيه عظماً ثمانون ديناراً، ومضغة ستّون، وعلقة أربعون.
وفي الجواهر: وتتعلّق بكلّ واحدٍ من هذه المراتب الثلاث، أُمور ثلاثة: وجوب الديّة، وانقضاء العدّة للمطلَّقة - ضرورة صدق وضع الحمل بسقوطه - وصيرورة الأمَة أمّ ولد، وأمّا النطفة فلا يتعلّق بها إلاّ الديّة وهي عشرون ديناراً بعد إلقائها في الرحم، فجنى عليها الجاني وأسقطها، دون العدّة لعدم صدق وضع الحمل معها ودون الاستيلاد أيضاً(٣) .
أقول : في كلامه الأخير نظر.
٨ - لو ألقت الأُمّ حملها مباشرةً، أو تسبيباً ؛ فعليها ديّة ما ألقته، قيل بلا خلاف ولا إشكال، ولا نصيب لها من هذه الديّة بلا خلاف ولا إشكال مع العمد.
___________________
(١) لم يوجب فقيه القصاص هنا، فحال الجنين عندهم ليست كحال المولود، ويمكن أن نجعل هذا دليلاً على تقديم حياة الأُمّ على حياة الجنين، إذا دار الأمر بين موت أحدهما، وحفظ الآخر كما يأتي.
(٢) لاحظ ص٣٥٥ إلى ص٣٦٦ ج٤٣ منها.
(٣) لاحظ الجواهر ص٢٥٢ إلى ص٢٧٣ ج٣٢ في البحث عن عدّة الحامل.
٩ - ولو أفزعها مفزع، فألقته، فالديّة على المفزع بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر(١) .
١٠ - ديّة أعضاء الجنين وجراحاته بنسبة ديّته، قيل: بلا خلاف يوجد(٢) .
١١ - يرث ديّة الجنين مَن يرث المال منه - لو كان حيّاً مالكاً ثمّ مات - على ما ذكروه في كتاب الميراث.
١٢ - مَن أفزع مجامعاً فعزل، فعلى المفزع عشرة دنانير كما ذكروه(٣) .
وهل تتعلّق الديّة بإتلاف الجنين في الأنبوبة ؟
والأظهر تعلّقها به إذا كان في مسيرة إلى الكمال والإنسانيّة، وأمّا إذا لم يكن كذلك، وإنّما وضع فيها لمجرّد الاختبار العلمي أو التلقيح ؛ فلا كما يظهر من صحيح رفاعة المتقدّم(٤) ، فلاحِظ وتأمّل.
( المطلب الرابع ) في مبرّرات الإجهاض:
لا شكّ في بطلان جملة من المبرِّرات المقبولة عند الغربيّين، وأنّها غير مشروعة، ولا نطيل المقام بذكرها، وإنّما نذكر ما يمكن أنْ يكون مبرِّراً عندنا:
١ - الخطر على حياة الأُمّ في فرض استمرار الحَمْل.
٢ - الخطر على صحّة الأُم.
٣ - استلزام الحمل والولادة حرجاً شديداً للأُمّ.
٤ - موت الجنين.
___________________
(١ و ٢) راجع ج ٤٣ من الجواهر.
(٣) لاحظ ص٣٧٣ وغيرها ج٤٣ من الجواهر.
(٤) تقدّم في ص ٦٧.
٥ - كون الجنين مصاباً بمرضٍ أو عاهة.
٦ - كونه عن زنا، سواء عن إكراه، أو عن مطاوعة من المرأة.
أمّا المورد الأوّل، ففي فرض عدم ولوج الروح، لا إشكال عندي في جواز الإجهاض، بل في لزومه ؛ لدوران الأمر بين الأهم والمهم، ولزوم تقديم الأهمّ، كما قرّر في البحث عن المرجّحات في باب التزاحم.
وأمّا الديّة فلا يبعد لزوم أدائها عليها ؛ لعدم ترتّبها على خصوص الإسقاط المحرَّم، فلاحظ.
وأمّا بعد ولوج الروح فيه، ففيه بحث طويل، ملخّصه: إنّ حفظ النفس - ولو في بطن الأُمّ - واجب، فإذا ماتت الأُمّ وجب إخراجه سالماً بشقّ بطنها حسب ما يراه الطبيب، بل مقتضى القاعدة وجوب إخراجه وإن علم بعدم بقاء الطفل إلاّ دقائق يسيرة ؛ فما نقل عن الحنابلة والمالكيّة من عدم جواز شقّ بطن الحامل إذا ماتت، ولو رأينا الولد يضطرب في بطنها معلِّلين: أنّه هتك حرمة متيقّنة لإبقاء حياة موهومة، باطل جزماً.
نعم إذا عُلِمَ عدم إمكان إخراجه حيّاً لم يجب.
وكذا يجب إخراجه حيّاً إذا عُلِمَ أنّ بقاءه في رحمها - ولو مع فرض حياتها - يوجب تلفه أو تلف أُمّه.
وأمّا إذا دار الأمر بين حفظ الولد وإتلاف الأُمّ وعكسه لعدم إمكان التحفّظ على كليهما ففيه إشكال، يقول صاحب الجواهرقدسسره : وأمّا لو كانا معاً حيّين وخشي على كلٍّ منهما، فالظاهر الصبر إلى أن يقضي الله، ولا ترجيح شرعاً، والأُمور الاعتباريّة من غير دليل شرعي لا يُلتفت إليها(١) .
___________________
(١) جواهر الكلام ج ٤ ص ٣٧٨.
واختاره صاحب العروة الوثقى ؛ فقال:
ينتظر قضاء الله سبحانه وتعالى حتّى يتعلّق بموت أحدهما(١) ، وتبعه كلّ مَن علّق على كتابه مِن أرباب الفتوى.
وقال بعض الفضلاء من أهل السنّة: المعروف أنّ فقهاء المذاهب لا يرون جواز إجهاض الجنين لإنقاذ حياة الأُم، ولم يُخالف في ذلك إلاّ قلّة(٢) ، واستدلّ بعضهم عليه بأنّ موت الأُمّ به موهوم، فلا يجوز قتل آدمي لأمر موهوم.
لكن اللّجنة العلميّة للموسوعة الفقهيّة التي تصدر عن وزارة الأوقاف في الكويت، أفتوا بأنّ الحفاظ على حياة الأُمّ أولى بالاعتبار من بقاء الجنين ؛ لأنّها الأصل، وحياتها ثابتة بيقين، ولأنّ بقاء الجنين سيؤدي غالباً إلى وفاته بموت أمّه(٣) .
أقول : وقد ذكرنا قبل عشرين سنة تقريباً في كتابنا حدود الشريعة ( ج٣ ص٢١٤ إلى ص٢١٦ ) جواز قتل الجنين حفاظاً على حياة الأُمّ، وذكرنا دليله هنا فراجعه إنْ شئت، ولا أدري هل به قائل منّا أو لا، وإن كان بعض العلماء الذين أدخل كتابي - حدود الشريعة بتمام أجزائها - في موسوعته الفقهيّة مع الاختصار(٤) ، اختاره وقد استدلّ هو عليه بوجهين آخرين - أيضاً - لا يخلو بعض كلامه عن إشكال، أو منعٍ عندي(٥) .
___________________
(١) لاحظ أحكام الدفن من العروة الوثقى.
(٢) حاشية ص٢٨٥، الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٣) ص٢٥٩، الإنجاب في ضوء الإسلام، ولاحظ ص٤٢٢ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
(٤) الفقه ج ٩٢ ص ٨٢.
(٥) ص٨١ ج٩٢ الفقه.
وأمّا المورد الثاني، فإنْ كان في رفع صحّة الأُم حرجاً شديداً عليه ؛ جاز إسقاط الجنين الذي لم تلجه الروح بعد ؛ لقاعدتي نفي الحرج والعسر، بل ولقاعدة نفي الضرر، وأمّا إذا ولجتها الروح، فلا تجري تلك القواعد في المقام ؛ لأنّها امتنانية في حقّ جميع المكلّفين، فلا معنى لإجرائها لنفع بعض وضرر بعض آخر.
أقول : لا مانع من صحّة هذا القول المشتهر بالنسبة لقاعدة نفي الضرر في المقام، وأمّا بالنسبة إلى قاعدة نفي الحرج والعسر فلا نسلّمها، فإنّ في شمول مثل قوله تعالى:( مَا جَعَلَ عَلَيْکُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (١) ، ومثل قوله:( يريد اللهُ بكم اليسر ) ، للجنين منع واضح، بل في شموله للأطفال غير المميّزين بل المميّزين، إشكال، فإنّ القدر المتيقَّن من الخطاب فيهما( عليكم - بكم ) هم المكلّفون، ولكن مع ذلك لا يتيسر الفتوى بجواز اتلافهما لصحة اُمها لقوله تعالى:
( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ ) (٢) ، وغيره، والله العالم.
ومنه يظهر الحال في المورد الثالث، فإنّه كالثاني في الحكم.
وأمّا المورد الرابع فلا شكّ في لزوم إخراجه، ولا ديّة فيه قطعاً، بل إذا تتضرّر الأُمّ ببقائه لزم اخراجه في الجملة ؛ كما أنّه يجوز إجهاض الحمل المسمّى بالعنقودي أو الحمل الحويصلي، فإنّه حمل ينتج عنه تكوين كتلة من الأنسجة على شكل حويصلات مائيّة تشبه عنقود العنب في مظهرها، ولا تكون جنيناً أو إنساناً سويّاً، وقيل:
إنّ إجهاض مثله واجب طبّي، وتخليص الرحم منه فور تشخيصه ضروري ؛ تلافياً لحدوث مضاعفات
___________________
(١) الحجّ آية ٧٨.
(٢) المائدة آية ٣٢.
خطيرة على المرأة(١) .
أقول : وهنا مورد آخر جاز إجهاضه ولا ديّة أيضاً، هو ما أشار إليه بعض الأطبّاء بقوله: بعد ما سبق كما أنّه معروف - علميّاً - أنْ ليس كلّ لقاحٍ بين حيوانٍ منويٍّ وبويضةٍ يكون الناتج عنه جنيناً قابلاً للحياة، بل قد يتولّد عن ذلك جنين عقيم، أو غير مكتمل، ويستمرّ وجوده في الرحم إلى فترةٍ زمنيّةٍ قد تصل إلى عدّة أسابيع قبل أنْ يُجهض تلقائيّاً، أو يُعمل على تخليص الرحم منه(٢) .
أقول : لكن إذا فُرض إجهاضه تلقائيّاً غير حرجيٍّ للمرأة ؛ لا يجوز لها تعجيل العمل على تخليص الرحم عنه، إذا استلزم مسّ العورة والنظر إليها، بل ونظر الأجنبي إلى بدنها.
وأمّا المورد الخامس، فإنّ فرض أنّ المرض أو العاهة يسبب بعد الولادة حرجاً شديداً للوالدين، لا مانع من إجهاضه قبل تعلّق الروح به، وكذا إذا كان على صورة غير إنسان، كما رأيناها في بعض النشريّات اليوميّة، فإنّه لا دليل على منع إتلاف جنين غير الإنسان، ولا على لزوم الديّة فيه، وأمّا إذا فرضنا أنّ الصورة صورة غير إنسان، والوعي وعي إنسان - وقد أثبته علم الأجنّة فرضاً - ففي إجهاضه إشكال.
وأمّا بعد ولوج الروح، فلا يجوز إجهاضه قطعاً ؛ لأنّه نفس محترمة، فتشمله الآيات الناهية عن قتلها.
وأمّا المورد الأخير، فلا يجوز إتلافه الأبناء على قولٍ ضعيفٍ لبعض القدماء بكفر ولد الزنا(٣) ، وإذا فرض أنّ حمله أو ولادته يوجب حرجاً
___________________
(١ و ٢) ص٣٦١ الإنجاب في ضوء الإسلام، ولعلّ المراد به الحمل الحويصلي الذي ذكرناه أوّلاً، فالموردان واحد.
(٣) صراط الحقّ ج ٢ ص ٤٠٩.
شديداً للأُمّ، فإنْ كان الزنا عن اختيارها فلا يجوز له إجهاضه ؛ لعدم جريان قاعدتي نفي الحرج ونفي الضرر في حقها، وإنْ كان عن إكراه: فإنْ كان بعد نفخ الروح فيه فلا يجوز أيضاً لِمَا عرفت، وإنْ كان قبله: فلا يبعد جوازه في الجملة، والله أعلم. ويأتي مورد آخر للجواز في المسألة الثامنة إنْ شاء الله.
فرع:
إذا اعتدى أبٌ مثلاً على ابنته ( العياذ بالله ) أو ما يشبه ذلك ونتج منه حمل، فهل يجوز إجهاضه ؟
فإنّ مثل هذا الولد يكون مرفوضاً رفضاً باتّاً من أفراد المجتمع، على أنّ نسبة تعرّض هذا الجنين للتشوّه نسبة عالية حسب القوانين الوراثية العلميّة، ولذا نرى الإسلام إنّما أباح زواج الأقارب من الدرجة الرابعة(١) ، ولم يسمح بدرجة قرابة أقلّ من ذلك - كما في بعض المجتمعات - لِما لهذا الزواج من إضرار صحّيّة، قد أثبتها العلم الحديث فيما بعد.
أقول : لا خصوصيّة للمورد وأمثاله من زنى المحارم وإنّما عنونّاه تبعاً لبعض الأطبّاء، وهو داخل في المورد الخامس والسادس المتقدِّم، وعرفت حكمهما.
( المطلب الخامس ) : قد سبق أنّ الحياة متحقّقة في منيّ الرجل قبل التلقيح كتحقّقها في البييضات قبل الالتقاء، وقد خلق الله المرأة لتفرز واحدةً منها في كلِّ شهر، يعني: حوالي ثلاثين سنة: ثلاثمئة وستّون بييضة، لكنّ المرأة تنجب خمسة أو عشرة أو خمسة عشرة أو عشرين، فتُهدر بإرادة الله
___________________
(١) الدرجة الأُولى: الآباء والأُمّهات والأولاد.
الدرجة الثانية: الإخوة والأخوات.
الدرجة الثالثة: الأعمام والخالات والأخوال ومَن يقابلهم، وكلّ هؤلاء لا يجوز نكاحهم.
تعالى من هذه البييضات أكثر من الثلاثمئة، والحيوانات المنويّة يقذف منها في كلّ مرّة أربعمئة مليون، وكلّ واحدٍ من هذه قادر على أنْ ينجب إن وصل إلى البييضة، فهذه طبيعة الخِلْقة(١) .
وقد تقدّم في المسألة السابقة: أنّه لا منافاة بين هذه الحياة، وبين ما يقول به المسلمون من الحياة الحادثة بعد الأربعة الأشهر من الحمل، فإنّ الأُولى حياة غير إنسانيّة، والثانية حياة إنسانيّة ناشئة عن الروح الإنسانيّة، وقد أشار الإمام الباقرعليهالسلام في صحيح زرارة المتقدّم في أواسط هذه المسألة إلى هاتين الحياتين معاً، وقد أشار إليه - أيضاً - في رواية سعيد بن المسيّب التابعيّ عن الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهالسلام المرويّة في الكافي والتهذيب، حينما يشرح مراحل الجنين وحدودها ومقدار الديّة، حتّى قالعليهالسلام :
( فإن طرحته وهي نسمة مخلّقة له عظم ولحم مرتّب الجوارح، وقد نفخ فيه روح العقل ؛ فإنّ عليه ديّة كاملة ).
قلت له: أرأيت تحوّله في بطنها من حالٍ إلى حال، أبروح كان ذلك أم بغير روح ؟
قال: ( بروح عدا ( غذاء - يب ) الحياة القديم المنقول في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ولولا أنّه كان فيه روح عدا الحياة(٢) ما تحوّل من حالٍ بعد حال في الرّحم، وما كان إذن على مَن قتله ديّة وهو في
___________________
(١) ص٢٨٠ الإنجاب في ضوء الإسلام. ولكن قال بعض آخر: كلّ دفعةٍ من الإفراغ للمني، يكون فيه من الحيوانات المجهريّة التي تشابه العلقة ثلاثمئة واثني عشر مليون ومئة وثمانون ألف، كما عن جماعةٍ من المكتشفين، كما أنّ في المرأة في مبيضها ثلاثمئة ألف بيضة قابلة للإخصاب.
أقول : لاحظ القولين حتّى تعلم أنّ كلّ ما يقوله الأطبّاء - وكذا سائر العلماء - ليس بصحيح، ولا يجوز قبوله باسم العلم الجديد من دون تحقيق وتثبّت.
(٢) هكذا في جامع الأحاديث ص٤٧٦ ج٢٦ نقلاً عن الكافي والتهذيب، لكن في نسختي من التهذيب ص٢٨٢ ج١٠: روح غذاء الحياة.
تلك الحال )(١) .
وبالجملة : الحياة الخلويّة غير الحياة الإنسانيّة، فالأُولى أسبق من الثانية وأبقى منها.
يقول بعض الأطبّاء: من المعروف أنّ الإنسان عندما يموت وتنتهي حياته الإنسانيّة - التي لا خلاف عليها ولا خلاف على موته - تستمرّ خلاياه في الحياة إلى فترةٍ تطول أو تقصر من الوقت، والقلب يستمرّ في النبض بعد تنفيذ الإعدام... وتنقل من الموتى أعضاء إلى الأحياء: كقلب وكلية وكبد(٢) .
( المطلب السادس ) : مقتضى بعض الأحاديث: أنّ الحبلى المحكومة بالإعدام يؤجَّل إعدامها حتّى تضع ما في بطنها، وترضع ولدها، كمُعْتَبرة عمّار، قال: سألت أبا عبداللهعليهالسلام عن مُحصَنةٍ زنت وهي حبلى، قال: ( تقرّ حتّى تضع ما في بطنها، وترضع ولدها ثمّ تُرجم )(٣) .
بل في بعض الأحاديث - في قصّة زانية مُحْصَنة - فلمّا مضى الحولان أتت المرأة، فقالت: أرضعته حولين، فطهّرني يا أمير المؤمنين، فتجاهل عنها، وقال: ( أُطهّرك بماذا ؟
فقالت: إنّي زنيت فطهّرني... ؛ قال: فانطلقي فاكفليه حتّى يعقل أن يأكل ويشرب، ولا يتردّى من سطح لا يتهوّر في بئر... )(٤) .
أقول : لكنّ التأجيل المذكور في هذا الحديث ربّما يستند إلى عدم اكتمال الإقرار أربع مرّات، وتحقيقه في الفقه.
( المطلب السابع ) : قيل إنّ اللّولب يُستعمل لمنع الحمل، بمعنى أنّه
___________________
(١) تقدّم بيان المصدر آنفاً.
(٢) ص٢٧٩ الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٣) ص٢٨ ج٤ الفقيه.
(٤) الكافي ج ٧ ص ١٨٥ نسخة الكومبيوتر.
يمنع انغراس البويضة الملقحة في جدار الرحم(١) .
وقيل: اللّولب النحاسي يمنع تلقيح البويضة ولا يمنع التصاق البويضة الملقَّحة بالرحم. وبالتالي فهو ليس عامل إجهاض(٢) .
أقول : على الأوّل يستشكل جوازه إذا دخلت البييضة الملقَّحة الرحم، أو يحرم وعلى الثاني يجوز، وتشخيص الموضوع على عهدة الطبّ، على نحو لا يوجد اختلاف الأطبّاء فيه.
___________________
(١) لاحظ ص٢٩٠ وص٣٢٢ وص٣٢٦، الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) ص٦٣٦، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
المسألة السابعة
حكم المنع من الحمل
للمنع عن الحمل طرق مختلفة، إليك بيان جملة منها مع حكمها الشرعي:
١ - الإخصاء، ويمكن أن نستدلّ على حرمته بأنّه: إضرارٌ مهمّ بالنفس، وهو محرّم، فلاحظ.
ويحرم الإضرار بالغير مطلقاً، نعم في معتبرة يونس بن يعقوب، قال:
سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الإخصاء فلم يجبني، فسألت أبا الحسنعليهالسلام ؛ قال: ( لا بأس به )(١) .
فيُفهم منه أنّ إخصاء الغير مع رضائه جائز، لكن حمله صاحب الوسائل(٢) على إخصاء الحيوان، ويؤكّده رواية قرب الإسناد، عن يونس، عن أبي الحسنعليهالسلام ، قال: سألته عن إخصاء الغنم ؛ قال: ( لا بأس به )(٣) .
أقول : والله العالم.
٢ - العزل، وتدلّ أحاديثنا على جوازه - ولو على كراهة -، ففي صحيح ابن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن العزل ؛ فقال: ( ذلك إلى الرجل يصرفه حيث يشاء ).
وفي صحيحٍ آخر له - بنظر المشهور - (... أمّا الحرّة فإنّي أكره ذلك، إلاّ أن يشترط عليها حيث يتزوّجها )(٤) .
___________________
(١) ص٣٤١ ج٣ الفقيه وص٥٢٢ ج١١ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
(٢) المصدر.
(٣) ص٥٢٣ ج١١ الوسائل وفي الجواهر ( ص١٩٢ ج٣٤ ) حول بحث التنكيل بعد نقل الحديث: ويتفرّع على ذلك انعتاق الخِصيان على مواليهم الذين يفعلون بهم ذلك، فلا يصحّ شراؤهم لمَن يعلم بالحال.
(٤) لاحظ الأحاديث في ص٢١٢ وما بعدها ج٢٠ جامع أحاديث الشيعة.
٣ - أكل الحبوبات الرائجة. وهو أيضاً جائز بعذر أو بدون عذر ؛ لأصالة الحليّة أو أصالة البراءة، ولا فرق في جواز أكله بين الزوج والزوجة.
وأمّا إذا استلزم ضرراً فإن كان جزئيّاً فهو غير حرام، وإن فرض مهمّاً فلا يجوز أكلها من هذه الجهة.
٤ - ٥ - جعل الشيء في الرحم أو في الآلة الذكوريّة، أو عليها، أو في الجهاز التناسلي للمرأة يمنع عن الحمل مؤقتاً، وهو أيضاً جائز، عملاً بأصالة البراءة، نعم يحرم من أجل نظر الأجنبي، أو الأجنبيّة إلى العورة ومسّها، وكذا نظر الأجنبي إلى بدن المرأة، فإن كان منع الحمل واجباً شرعيّاً لضررٍ على صحّة المرأة أو حياتها، فلا مانع من النظر ومسّ العورة أو بدن الأجنبيّة أو الأجنبي على الأجنبيّة ؛ فإن حرمتها ترتفع كما عرفت فيما سبق، وإن لم يكن واجباً فلا يجوز ؛ لعدم رفع الحرمة الشرعيّة لمجرّد الراحة عن مشقّة الحمل، فافهم جيّداً.
وأمّا إذا كان الحمل أو الولادة حرجيّة لها لجهات زائداً على ما هو المتعارف، فلا يبعد القول بجوازها.
٦ - ٧ - جعل الشيء في بدن المرأة أو الرجل ليمنع من الحمل دائماً، فإن استلزم حراماً آخر من النظر واللّمس، فلا يجوز لغير ضرورةٍ أو حرجٍ، وإن لم يستلزم فقد حرّمه بعض فقهائنا، ولعلّه لحرمة الإضرار بالنفس، لكنّها ممنوعة.
ولم أفت للسائلين لحدّ الآن بجوازه، ورأيت بعض المراجع حديثاً أفتى بجوازه، وهذا الفرض هو ما يُسمّى عند الأطبّاء بمنع الحمل الجراحي.
تنبيه : الإمساك عن الحمل والولادة بغير عذر، مرجوح، ففي صحيح محمد بن مسلم(١) عن الصادقعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ( تزوّجوا بكراً
___________________
(١) ص٥٨ نفس المصدر، ولاحظ أقوال المذاهب كلّها في ص٣٨٣ وما بعدها من الإنجاب في ضوء الإسلام.
ولوداً، ولا تزوّجوا حسناء جميلة عاقراً ؛ فإنّي أُباهي بكم الأُمم يوم القيامة ).
ثمّ إنّ منع الحمل بلحاظ غايته قد يكون واجباً، وقد يكون حراماً وقد يكون مباحاً أو راجحاً أو مرجوحاً، واليك بعض أقسامه:
١ - يجب منع الحمل على الأُمّ إذا كان الحمل أو الولادة خطراً على حياتها أو على صحّتها إلى حدٍ كبيرٍ.
٢ - منع الحمل لأجل الانفجار السكّاني، كما هو مورد البحث في كثيرٍ من الدول، إمّا واجب وإمّا راجح، والحكم فيه راجح إلى الحاكم الشرعي، بعد الإحاطة الكاملة بالقضيّة وحسن تشخيص الموضوع.
٣ - منع الحمل لعلم الطبيب بان الولد سيكون مجنوناً أو مشوهاً جداً، راجح، ولا دليل على وجوبه.
٤ - منع الحمل بداع عصبيّةٍ دينيّةٍ، بحيث تتحوّل الأقلّيّات غير المسلمة إلى أغلبيّات، أو الأغلبيّات المسلمة إلى أقلّيّات.
وقد حكى طبيبٌ مسلمٌ: أنّه زار مركزاً طبّيّاً في أسيوط من بلاد مصر، حيث إنّ التعداد العام فيه ٥٠ بالمئة مسلمين و٥٠ بالمئة مسيحيين، فهاله بعد رؤية السجلاّت أنّ جميع المعقّمات كنّ مسلمات، وأن الطائفة الأُخرى لديها أوامرها بالتكاثر والنماء.
أقول : وفي المورد ونظائره، يمكن للحاكم الشرعي الحكم بتحريم منع الحمل، رغماً للحكومات الخائنة الفاسقة في البلاد الإسلاميّة.
ثمّ إنّك عرفت أنّه لولا جهة ملزمة فعلاً وتركاً، كان منع الحمل في حدّ نفسه مرجوحاً للحديث المذكور.
توضيحٌ طبّيٌّ حول التعقيم
التعقيم عمليّة جراحيّة لا يتناول الشهيّة إلى الجنس، أو القدرة عليه، ولا يعطّل إلا القدرة على الإنجاب.
للرجل قناتان ملويّتان وبالعمليّة تسدّان، وللمرأة قناتا فالوب، وبإغلاقهما يحصل التعقيم.
وأمّا رفع التعقيم بفتح القناتين في الرجل والمرأة، فلا ينجح دائماً المئة في المئة، وربّما يبقى الرجل أو المرأة عقيماً أبداً.
ثمّ التعقيم قد يكون بربط الأنابيب، وقد يكون بقطعها، أو بطرق مختلفة يركّب عليها حلقة من المطّاط، وربّما يحصل بإزالة رحم المرأة، ويشبّهه طبيبٌ مسلمٌ بقتل الذبابة بالرصاص !
ويقول طبيبٌ آخر: إذا كان اللولب يسبّب لها نزيفاً، والحبوب يخشى منها أنّها تخثِّر الدم، فهناك وسائل أُخرى، مثل بعض الأشياء التي توضع محليّاً في المهبل، وإذ وقعت عليها الحيوانات المحليّة قتلت الحيوانات المنويّة، فإذا وضع لها عازل داخل المهبل وزوجها ليس عازلا نسمّيه الكبود، ووضعنا في المهبل بعض هذه الأدوية التي تقتل الحيوانات المنويّة، فيكون فيه ثلاثة خطوط دفاع، أظنّ أنّها في مجموعها يعادل الحبوب وزيادة.
أقول : المشكلة الشرعيّة في هذه المسألة المُبتلى بها اليوم، هي النظر إلى العورة ومسّها، سواء كانا من الطبيب أو الطبيبة، فإنّهما محرّمان، وكذا نظر الطبيب الأجنبي إلى بدن المرأة، ولا ترتفع الحرمة بمجرّد عدم إرادة الزوجين عدم الإنجاب ومنع الحمل، ما لم يكن الحمل - لعلّةٍ من العلل - حرجيّاً وضرريّاً.
المسألة الثامنة
أطفال الأنابيب
مقدّمة في تعريف عدم الخصوبة والإنجاب وسببه:
وهو عدم القدرة على الحمل لمدّة سنة على الأقل، مع الاتّصال المنتظم بين الرجل وزوجته، وسبب عدم الإنجاب يشترك فيه الرجل والمرأة، حيث إنّ الرجل يتسبّب في حوالي ٣٠ بالمئة من حالات عدم الإنجاب، والمرأة تسبّب في حوالي ٤٠ بالمئة، وكليهما معاً في حوالي ٣٠ بالمئة(١) .
ومن الأسباب الرئيسيّة لعدم الإنجاب في المرأة هو انسداد البوقين، ويحدث ذلك في حدود ٤٠ بالمئة، ومنذ سنوات بدأت محاولات في التغلّب على مشكلة انسداد البوقين في المرأة بطريقين في نفس الزمن:
أولاً : عمليّة طفل الأنابيب التي نجحت في ١٩٧٨ في انجلترا.
ثانياً : استبدال الأُنبوبة المسدودة بأُخرى سليمة وطبيعيّة ومفتوحة من امرأةٍ أُخرى، وفي عمليّة النقل التي تستغرق ساعات طويلة، يتمّ تغذية الأُنبوبة بالمحاليل بواسطة الأوعية الدمويّة التي تتّصل بها وتغذّيها(٢) .
إذا عرفت هذا فإليك ما ذكره بعض الأطبّاء:
___________________
(١) لا اعتماد على هذه الإحصائيّات غالباً فإنّها تختلف في مكان إلى مكانٍ آخر، ومن زمانٍ إلى زمانٍ آخر بل من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، وفي نفس المسألة ادّعى بعض المؤلّفين ما يغاير هذا الإحصاء.
(٢) لاحظ ص٤٥٣ وص ٤٥٤ وص٤٥٦، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
الحيوان المنوي والبويضة كذراعي المقصّ كلّ منهما لا يقصّ فإذا اشتبكا كان المقصّ، وكان مكوّناً منهما معاً إذا التحم الحيوان المنوي وبه ٢٣ كروموزوماً، والبويضة وفيها ٢٣ كروموزوماً، إذ الحيوان يمثّل حصّة الأب وهي ٢٣ كروموزوماً، والبويضة تمثّل حصّة الأُمّ وهي ٢٣ كروموزوماً، إذا التحما نتجت خليّة واحدة هي ٤٦ كروموزوماً ٢٣ منها من الأب و٢٣ منها من الأُمّ، هذه الخليّة الواحدة هي بداية الإنسان، أوّل دور تكوين الإنسان وأمام هذه الخليّة بعد هذا أنّها تنقسم إلى ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢، ٦٤، ١٢٨، وهكذا، وتبتدئ بالتدريج تكون الخلايا منها كبيرة قليلاً، وخلايا صغيرة قليلاً وخلايا متوسّطة، وخلايا طلعت فوق، وخلايا نزلت إلى تحت بالتدريج.
العين لا تلحظ هذا التدرّج، ولكن على مدى شهرين يتكوّن إنسانٌ صغيرٌ.
من الشهر الثالث هذا الانسان الصغير يكبر، ولا يتكوّن فيه شيء جديد بعد، ولكن يكبر.
نقل الجنين من رحم امرأة إلى رحم امرأة أخرى:
إذا كنّا نقول: المرأة يعني أُنثى الإنسان، فالإجابة سلبيّة، لم يمكن إلى الآن نقل جنين من رحم امرأة ؛ لأنّ انتزاع جنين من رحم امرأة سيميت الجنين قطعاً. ولكن إذا بدا تكوّن هذا الجنين في الخارج في أُنبوبة الاختبار، وكان هذا الجنين في أُنبوبة الاختبار من التحام منوي وبويضة من رجل وامرأة، والتحم المنوي والبويضة فتكوّنت الخليّة الوحيدة الواحدة التي بها ٤٦ كروموزوماً، وانقسمت إلى اثنين والاثنين إلى أربع، والأربع إلى ثمان، فالثمانية هذه يمكن أن تودع رحم امرأةٍ أُخرى، ولديها فرص أن تعلق، ويستمرّ الحمل حملاً عاديّاً حتّى يولد، وعندما يولد نقول إنّه طفل أُنبوبة الاختبار.
ولكن يبقى أنّ التي ولدته في الحقيقة، ولكن لأنّ تكوّنه، أي بداية اللقاح بين المني والبويضة كان خارج الجسم في أُنبوبة الاختبار ؛ فلذلك يسمّونه طفل أُنبوبة الاختبار.
نقل جنين من أُنثى إلى أُنثى أمكن في الحيوان، فيحضر العلماء النعجة وتُلقّح تلقيحاً صناعيّاً، وحالما تحمل يفتحون بطنها ويشقّون الرحم، وينسلونه ويستخرجون الأجنّة وتوضع في رحم أرنبة، فيمكن أن تعيش فيها وتسافر الأرنبة ويفتحونها مرّةً ثانية بعد مدّة ويأخذون الأجنّة وتوضع في نعجةٍ فتعيش فيها. أمّا في الإنسان فلم يمكن ذلك إلى الآن(١) .
إذا تقرّر ذلك فنرجع إلى بيان أقسام الموضوع، وبيان أحكامها الشرعيّة:
( القسم الاول ) : أن يكون طفل الأُنبوب من الحيوان المنوي للزوج وبييضة الزوجة، فهذا ممّا لا إشكال في جوازه، سواء كانت لنقصٍ في المرأة أو بغير عذر، نعم المانع هو حرمة النظر والمسّ، كما أشرنا إليه فيما سبق فإذا باشره الزوج - مثلاً - فلا إشكال فيه مطلقا.
لا يُقال: الحرمة ترتفع بالضرورة، كما سبق، وعجز المرأة عن الحمل ضرورة.
فإنّا نقول : إنّ مثل هذه الضرورة لا ترفع الحرمة، ولا أقل من كونه مشكلاً.
وعلى كلٍّ، يُلحق الولد بالزوجين، وإن كان النقل لأجل حرمة النظر
___________________
(١) ص٢١٧ الإنجاب في ضوء الإسلام.
وفي إنكاره إمكان نقل جنين إنسان إلى إنسانٍ آخر نظر، ولابُدّ من الانتظار إلى المستقبل، وليس من حقّ العلم والطبيب البحث عن عدم الإمكان.
والمسّ محرّماً ضرورة عدم تأثير هذه المحرّمة في صحّة انتساب الولد إلى والديه.
وما حُكي عن الشافعيّة: بأنه لو قذف رجل منيّه إلى الخارج بعمليّة محرّمة ( كالاستمناء )، ثمّ أخذ هذا المني فوضعه في رحم امرأته، أنّهم يرفضون هذا النسب، ضعيف إلى الغاية فلا يُلتفت إليه.
( القسم الثاني ) : التحام الحيوان المنوي مع بيضة امرأةٍ أجنبيّةٍ، ثمّ نقلها من الأُنبوبة إلى رحمها.
أقول : نفس عمليّة الالتحام ليست بمحرّمة، ولم يستشكل أحد في المراحيض المشتركة بين الأجانب والأجنبيّات، كما أنّه لا إشكال في بنك الدم، وبنك المني المشتركين من جهة الاختلاط.
نعم هنا بحث فقهي آخر في الأعضاء المبانة من الإنسان، من جهة جواز النظر إليها ومسّها للجنس المخالف الأجنبي حتّى في مثل شعر المرأة المنفصل عنها، ومن جهة وجوب الغسّل بمسّ القطعة المبانة من الميّت، فلاحظ العروة الوثقى والمستمسك وحدود الشريعة.
وأمّا نقل هذه النطفة إلى رحم الأجنبيّة ( غير الزوجة ) فهو غير جائز، لكنّه لا لأجل صدق الزنا، فإنّه منتفٍ في الفرض جزماً، ودعوى كونه زنا صراح، غلط فاحش، بل لفهم ذلك من بناء الشرع، ولو من ارتكاز المشترعة، وللنصّ الوارد المذكور في المسألة التاسعة الآتية.
ويمكن أن نستدلّ على حرمة العمليّة ( إدخال مني الأجنبي في رحم امرأةٍ بقوله تعالى:( وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ...
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذٰلِکَ فَأُولٰئِکَ هُمُ العَادُونَ ) (١) .
بناءً على عدم الفرق في حفظ الفرج بين الرجال والنساء، وحفظ الفرج مطلقٌ يشمل حفظه عن فرج الآخر ومنيّه.
وكذا قوله تعالى:( وَ الْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحَافِظَاتِ ) (٢) .
لكن في الاستدلال بالآيتين بحثاً، لاحتمال انصرافهما إلى خصوص الزنا ؛ لعدم تعارف نقل المني من غير عمل الزنا في تلك الأعصار حتّى نادراً. على أنّ الآية الثانية ( الأحزاب ٣٥ ) لا تدلّ على الوجوب، إلاّ أن يُدّعى أنّه معلوم من الخارج، وأنّ حفظ الفرج محكوم بالوجوب دائماً. ومنه يظهر الإشكال في الاستدلال على المقام ( حرمة نقل ماء الرجل إلى رحم الأجنبيّة ) بقوله تعالى:( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) (٣) .
على أنّ صحيح أبي بصير(٤) يدلّ على أنّ المراد من الحفظ في الآية هو حفظها عن النظر فقط، ففيه قال الصادقعليهالسلام : ( كلّ آيةٍ في القرآن في ذكر الفرج فهي من الزنا، إلاّ هذه الآية فإنّها من النظر ). وقريب منه رواية أبي عمر الزبيدي(٥) .
ولكنّ الثانية ضعيفة سنداً، وأمّا الأُولى، وإن كان سندها صحيحاً لكنّ مصدرها - وهو تفسير القمّي - لم تصل نسخته إلى صاحب الوسائل والبحار بطريقٍ معتَبَرٍ، فيشكل الاعتماد على رواياته وذكرنا بحثه في محلّه.
فالعمدة هو ارتكاز المتشرّعة، وما يأتي من الحديث في حرمة
___________________
(١) المؤمنون آية ٥.
(٢) الأحزاب آية ٣٥.
(٣) النور آية ٣١.
(٤) ص١٠١ ج٢ تفسير القمّي وص١٣٠ ج٣ تفسير البرهان.
(٥) ص١٦٦ ج١٥ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
العمليّة.
وإن استلزمت النظر إلى فرج المرأة ولمسها، فهما محرّمان آخران، فتكون العمليّة محرّمة بثلاث حرمات.
والاعتذار بأنّ زوج مثل هذه المرأة عقيم، باطل فإنّه لا يّعّد ضرورةً تُباح لأجله المحرّمات، وإلا لأباح الزنا في الأعصار المتقدّمة، التي لم ينجح الطبّ إلى هذا الحدّ، فتأمّل.
وأمّا الحكم الوضعي(١) ، فبالنسبة إلى الأمومة، يكون الأظهر صحّة النسب، وأنّ الولد ولدها فإنّها صاحبة البويضة وهي الحامل وهي الوالدة ؛ فيترتّب عليهما جميع أحكام الولد والأُمّ، سوى الميراث، إذ قد يتوهّم أنّه لا يرث، ولا يورث على مذهبنا من عدم إرث ولد الزنا وإيراثه، لكنّه توهّمٌ خاطئ، إذ لا يمكن إحرازهما غالباً ولا يحصل العلم بها، والمفروض أنّ عنوان الزنا لا يصدق على المقام جزماً، فلا مانع من التوارث.
وأمّا بالنسبة إلى الأُبوّة، فإن اشتبه الحال بين استناد الولد إلى الزوج
___________________
(١) الاعتبار الشرعي إن كان فيه بعث أو زجر، فهو المسمّى بالحكم التكليفي: كالوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة، وإن لم يكن فيه بعث وزجر، فهو الحكم الوضعي: كالجزئيّة والشرطيّة، والسببيّة والضمان، والصحّة والبطلان، والأُبوّة والأُمومة، والأُخوة والولديّة، وأمثال ذلك، وإن رتّب عليها حكم تكليفي آخر.
وهل الحكم الوضعي مجعول مستقلّ، أو هو منتزع من الحكم التكليفي، أو فيه تفصيل ؟ فيه بحث طويل مذكور في أُصول الفقه.
وعلى كلٍّ، ليس المراد بالحكم الوضعي هنا الأحكام العرفيّة غير الشرعيّة.
الأجنبي فالولد ولد الزوج ؛ لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( الولد للفراش وللعاهر الحَجَر )(١) ، وإن لم يشتبه الحال بل علم أنّ الولد من نطفة الأُنبوبة المفروضة أنّها من الأجنبي - كما إذا كان الزوج غائباً، أو علم عدم قربه منها وإن كان حاضراً، أو كانت المرأة خليّة غير مزوّجة - فلا مورد هنا للحديث ؛ لاختصاصه بفرض الشكّ، كما يأتي في المسألة الآتية.
وليس الحديث وارداً في إلحاق ولد الغير بالزوج، فإنّه ظلم وباطل لا يقبله ارتكاز المتشرّعة.
ويمكن أن يُقال: إنّ النطفة إذا لم تستقرّ في رحم المرأة بعقدٍ صحيحٍ شرعيٍّ، لا يُنسب الولد إلى صاحبها، ولا يصحّ النسب بها، كما ربّما يظهر من كلمات بعض الفقهاء(٢) .
لكنّها دعوى غير مدلّلة، فإنّ المتيقّن أنّ ولد الزنا لا يرث ولا يورث شرعاً، وأمّا أنّه ليس بولد، فهذا لا دليل عليه، بل هو ولد عرفاً وحقيقةً، ولم يثبت اصطلاح خاصّ للشرع في الولد، فالحقّ أنّ الرجل في المقام أب ووالد والولد ولده، ويترتّب عليهما جميع أحكام الأبوّة والبنوّة، حتّى الميراث بعد عدم صدق الزنا في المقام.
وبالجملة : لا فرق بين الرجل والمرأة في صدق الوالدين عليهما.
( القسم الثالث ) : نقل البييضة الملقّحة - سواء كانت من الزوجين كما في القسم الأول، أو من غيرهما كما في القسم الثاني، إلى الرحم امرأةٍ غير صاحبة البييضة، سواء كانت مزوّجة أو خليّة.
وحكمه التكليفي والوضعي يُفهم ممّا ذكرنا في القسم الثاني، بلا فرق
___________________
(١) لاحظ ج١٩ و٢١ و٢٦ من الوسائل نسخة الكومبيوتر، وسيأتي - أيضاً - بيان المصادر في المسألة الآتية.
(٢) الفقه لاحظ ص٢٠٦ ج ٦٤.
سوى تعيين الأُمّ، وأنّ هذا الولد يُنسب إلى امرأةٍ ولدته أو إلى صاحبة البييضة، إذ فيه قولان:
القول الأوّل : إنّ أُمّ الولد هي صاحبة البييضة، فإنّ أصل الولد منها، وسوف يرث خصائص البييضة، وصاحبة الرحم لا تعطيه إلا غذاءً كالمرضعة، ولا تعطيه أيّ توريثٍ لأيّ صفةٍ وراثيّةٍ.
أقول : لا دليل قاطع على عدم تأثير الرحم في حال الجنين وإيراثه الخصائص، فربّما يقف الطبّ غداً أو بعد غدٍ عليه، بل يقول بعض الأطبّاء(١) : إنّ الولد في الحقيقة بصرف النظر عن أصل البويضة، ليس فقط نتاج الكروموزمات الوراثيّة، فقد ثبت طبّيّاً الآن - وهو الاتجاه الطبّي الجديد - إن الإنسان نتاج العوامل الوراثيّة وتفاعلها مع البيئة المحيطة، وأشدّ هذه البيئات التصاقا به هو رحم أُمّه، فبصرف النظر عن الكروموزومات التي تحمل الشفرة الوراثيّة، إلاّ أنّ هذا السلوك الوراثي يتأثّر بالبيئة...، فيمكن أن يكون الطفل يحمل كروموزومات المبيض الأصل الذي استنبط منه، ولكنّ وجوده وتكوّنه وتغيّره صحيّاً وجسميّاً - وقد يكون والله أعلم نفسيّاً - متأثّر بالرحم الذي حمل فيه...
أقول : لا بُعد في صحّة القول الثاني، وأنّ الأُمّ هي الحامل الوالدة ؛ استناداً إلى ظاهر آيات قرآنيّة، كقوله تعالى:
( وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِکُمْ ) (٢) ، وقوله تعالى:( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ کُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ کُرْهاً ) (٣) ، وقوله تعالى:( وَ اللَّهُ أَخْرَجَکُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِکُمْ ) (٤) ، وقوله تعالى:( إنّ
___________________
(١) ص٣٢١ وص٢٣٢ الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) النجم آية ٣٢.
(٣) الاحقاف آية ١٥.
(٤) النحل آية ٧٨.
أُمَّهَاتُهُمْ إِلاّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ ) (١) ، هذه الآية الأخيرة لمكان حصرها، أوضح دلالةً من غيرها على المطلوب.
ولعلّ متوهّماً يتوهّم أنّ المراد بالحصر المذكور، إنّما هو بالنسبة إلى الأزواج المظاهرين لا بالنسبة إلى مثل المقام، لكنّه غفل من أنّ ذلك لا يمنع عن الأخذ بإطلاقه الشامل للمقام، وقد تقرّر في محلّه أنّ المورد غير مخصّص ولا مقيَّد، والعبرة بالظهور عند العقلاء.
ولازم ذلك : جواز الزواج بين صاحبة البويضة والولد، ولا مجال لإلحاقها بالمرضعة في التحريم، حتّى وإن تمّت أركان القياس، فإنّه باطل في فقه الأماميّة، نعم الاحتياط الشديد ترك مثل هذا الزواج، كما أنّ لازم القول الأول جواز الزواج بين الولد والوالدة، إذا لم يشرب من لبنها بمقدارٍ معتَبَرٍ في التحريم، ودعوى كونها كالمرضعة، باطلة.
وبقي أمرٌ آخر وهو أنّ إسقاط مثل هذا الحمل، هل يجوز للحامل، وكذا لزوجها - إذا كانت متزوّجة - ؟
أقول : إذا كانت الحامل غافلة أو نائمة أو مكروهة ومقهورة، في انتقال النطفة، فلا يبعد لها جواز الإسقاط وكذا لزوجها ؛ لأنّ هذا من حقوقهما، والنصّ الآتي على حرمة الإلقاء منصرف عن هذه الصورة ؛ ولأنّه ضررٌ وحرجٌ نفسيٌّ وإهانة لهما.
نعم إذا أقدمت المرأة على ذلك عمداً، أو عصيانا، فيشكل جواز إسقاطه لها وكذا الزوج، فلاحظ.
وهذا الحكم يجري في القسم الثاني أيضاً.
هذا كلّه قبل أن تلج الروح في الجنين، وأمّا بعده فلا يجوز بحالٍ ؛ لما مرّ.
___________________
(١) المجادلة آية ٢.
( القسم الرابع ) : نقل النطفة من الزوجين إلى زوجةٍ أُخرى لهذا الزوج، بأن تكون إحداهما لها مبيض وليس لها رحم - مثلا - والأُخرى لها رحم ولا تعطي بيضة.
أقول : أمّا الحكم الوضعي فأبوّة الزوج ممّا لا نقاش فيه، كما أنّ مقتضى ما مرّ من الاستدلال بظاهر الآيات هو أُمومة الحامل الوالدة، دون صاحبة البويضة، ويُفهم حكم جميع صور هذا القسم ممّا سبق، وإنّما الكلام في حكمه التكليفي، وأنّ العمل المذكور جائز أم حرام ؟
قد يكون احتمال الحرمة من جهة رجوع هذا العمل إلى المساحقة المحرّمة في المعنى، ولكنّه ممنوعٌ جدّاً.
وقد يكون الادعاء: فهم مبغوضيّة العمل المذكور - إي إقرار مني امرأةٍ في رحم امرأةٍ أُخرى - من مذاق الشرع، وإن لم يدلّ دليلٌ لفظيٌّ على حرمته، لكنّها إن ثبتت في حدّ نفسها فهي في المقام غير معلومة، خصوصاً إذا فرضنا الزوجتين غافلتين، وكان القائم بالعمليّة هو الزوج، فلعلّ المتمسّك بأصالة البراءة غير ملوم.
وقد يكون من جهة عدم رضا بعض الثلاثة بالعمل المذكور، وصور الموضوع تسعة، تحصل من قيام بعضهم مستبدّاً بنقل النطفة ورضا الآخرين، وكراهتهما أو كراهة أحدهم.
ومحصّل الكلام : أنّه لا يجوز قيام صاحبة البويضة بنقل النطفة، مستبدّة مع كراهة ضرّتها الحامل والزوج، فإنّ عملها تصرّف من دون رضاهما، وإيذاء للحامل وابتلاء بمشقّة الحمل والولادة، وهو حرام، بل للحامل إسقاطه قبل ولوج الروح ؛ لِمَا مرّ.
وأمّا قيام الزوج بالعمليّة مع كراهتهما أو كراهة احديهما ففيه احتمالان: وجه الجواز دعوى أنّ المفهوم من مجموع ما ورد في باب النكاح أنّ للزوج حقّ الاستيلاد ولو من دون إذن الزوجة، ويؤيّده قوله تعالى( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) ، ووجه الحرمة أنّ المتيقّن من حقّه ما إذا كانت البييضة من الحامل الوالدة، لا في مثل مفروض البحث فإنّ حقّه غير محرز.
وأمّا قيام الحامل بها مع كراهة صاحبة البيضة، فلا يبعد عدم جوازه ؛ لأنّ تصرّفها في البييضة مع أنّها حقّ صاحبتها غير جائز، إذ التصرّف في حقّ الغير كالتّصرّف في مال الغير حرام.
وهذا الحكم جارٍ بالنسبة إلى استبداد الزوج وتصرفّه فيها دون رضى صاحبتها به.
وأمّا إذا رضيتا، ولكنّ الزوج كارهٌ، ففيه وجهان: وجه الجواز أنّ للمرأة الحمل والولادة وإن لم يرض بهما الزوج، ووجه الحرمة دعوى عدم ثبوت هذا الحقّ لها، ويؤيّده جواز العزل له وإن كرهته الزوجة، لكنّ الحرمة غير ثابتة، كما لا يخفى على المتأمّل، والحقّ المذكور ثابت لها ولا ينافيه جواز العزل له.
ونظير المقام ما إذا هيّجت الزوجة شهوة زوجها ثمّ جامعته بقصد الاستيلاد على كراهة زوجها بالولد، ولم أجد نصّاً يتعلّق بالمقام، بل لا أذكر مَن تعرّض له في الفقه.
( القسم الخامس ) : نقل نطفة الزوجين إلى الزوجة كما في الفرض الأوّل، لكن بعد وفاة زوجها.
ويمكن أن تُوخذ بييضة أو أكثر من حيوانٍ منويٍّ من الزوج، ويُستعان باثنين في الشهر الأوّل، ويوضع الباقي في ثلاّجة يجمد إلى فترة بعد سنة أو سنتين، أو يمكن حتّى بعد وفاة الزوج، ويمكن أن توضع
هذه الأجنّة مرّةً أُخرى في الرحم(١) .
أقول : في المقام مطالب:
( الأوّل ) لا يبعد بطلان الزوجيّة او انتهائها بموت أحد الزوجين، فإنّ المفهوم حسب المتفاهم العرفي قيامها بالأحياء دون الأموات، ولا بين الأحياء والأموات، فالميّت كان زوجاً لا أنّه بالفعل زوجٌ للحيّ أو الحيّة، وعليه فلا مجال لاستصحاب بقاء الزوجيّة، لعدم بقاء الموضوع.
وأمّا ما ورد من جواز غسل كلّ منهما للأخر إذا مات، والنظر إليه، فمع الغضّ عن تعارضه بغيره، لا يُستفاد منه بقاء الزوجيّة، فإنّه حكم تعبّدي نلتزم به، كما نلتزم بولاية الزوج على زوجته الميّتة، لأجل النص.
والذي يؤكّد أو يدلّ على ما ذكرنا، استنكار المتشرّعة وطء الزوج زوجته الميّتة، بل أرسل بعض الفقهاء حرمته إرسال المسلّمات، وتجويز بعض المعاصرين وطئها كأنّه ناشٍ عن التعجيل في التأليف.
ويدلّ على بطلان الزوجيّة بموت أحداهما نكاح الخامسة فور موتها، أو تزويج أُختها، فتدبّر ولاحظ ص٣٢٧ ج٢ من كتابنا حدود الشريعة، حول حكم وطء الزوجة الميّتة.
( الثاني ) : بناءً على بطلان الزوجيّة، لا يجوز نقل تلك النطفة إلى رحم الزوجة بعد موت زوجها إلا بناءً على الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به.
ويُلحق بموت الزوج في الحكم طلاق الزوجة، بل الحكم فيه أظهر، ولا يبعد جوازه للزوج في العدّة الرجعيّة، فهو منه رجوع.
___________________
(١) لاحظ ص١٩٤ وص١٩٥ وص١٩٩ الإنجاب في ضوء الإسلام.
( الثالث ) : وأمّا الحكم الوضعي، فالولد ولدهما كما عرفت وجهه، لكن في إرثه من أبيه الميّت إشكالاً، بل ذكر بعض المعاصرين: نعم الظاهر المستفاد من النصوص، بل وفتاويهم: لزوم أن يكون الحمل حال حياة الأب في إرثه منه... فلا يرث مثل هذا الولد(١) ، نعم لامانع - ظاهراً - أن يرث هذا الولد من أقرباء أبيه إذا ماتوا بعد استقراره في الرحم للإطلاق.
وأمّا إذا فرضنا أنّه نما في الأُنبوبة، وولد خارج الرحم، ففي كونه ولداً لصاحب البيضة إشكال أو منع ؛ لقوله تعالى:( إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ) وما ذكره بعض المعاصرين من نفي البُعد في إرثه من الأُمّ، وأقربائها لصدق الولد محجوج بالآية الكريمة، وحمل الولادة في الآية على ما يعمّ حياة الولد في الأُنبوبة خلاف الظاهر جدّاً.
نعم، لا مانع من كونه ولداً بالنسبة إلى الأب كما مرّ، لكنّ في إرثه منه إذا مات الأب قبل حياته التامّة خارج الأُنبوبة، إشكالا، لعدم صدق الحمل عليه، وهو الموضوع، أو الشرط للميراث.
نعم إذا لم تُقسّم التركة لمانعٍ، أو لعدم وارثٍ آخر، فخرج ولد الأُنبوبة حيّاً لا بُعد في إرثه من تركة أبيه، والله أعلم بحقيقة أحكامه.
بقي في المقام أمران
١ - قال بعض الأطبّاء: البويضة المخصبة هي التقاء الحيوان المنوي بالبويضة، وهذا يحدث في الجزء الوحشي من الأُنبوبة، ثمّ بعد ذلك تتّجه نحو الرحم وتتكوّن منها العلقة، وبعد ذلك يحدث الاندغام، والاندغام هذا هو الحمل، ولذلك التعريف العلمي للحمل هو اندغام البويضة المخصبة
___________________
(١) ص١٤٨ ج٨٢ الفقه.
الحيّة في أنسجة حيّة(١) .
أقول : وقبول هذا بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة محتاج إلى تأمّل.
٢ - نقل عن جريدة فرنسيّة: أنّه وضع الأطبّاء بويضة ملقّحة في رحم قردة تنمو، وقالوا: إنّ هذه العمليّة لم تنجح، ولكن عدم نجاحها لا يعود إلى استحالتها علميّاً، ولكن لبعض أخطاء وقعت، وسيعيدون العمليّة.
أقول : وذكرت بعض النشريّات اليوميّة: أنّ أحداً من أهالي قرية صغيرة قرب ماسكو، جامع خنزيرةً فأولدها مولوداً يشبه الخنزير، في بعض مظاهر بدنه والإنسان في بعضها الآخر.
وبالجملة : إذا وُلد مولود من ماء إنسانٍ وحيوان، سواء بالجماع أو بوسيلة طبّيّة، وكذا إذا نقلت البيضة المخصبة من إنسانين في رحم حيوان، أو من حيوانين في رحم إنسان فولد مولود، فما هو حكمه ؟
أقول : إذا ولد مولود إنساناً بدناً ونفساً فيجري عليه حكم الإنسان، وإن شبه الحيوان في بعض أجزاء بدنه، ويترتّب عليه أحكام النسب بالإضافة إلى الإنسان، إمّا مطلقا كما في فرض وساطة الآلات الطبّيّة، أو في غير الميراث، كما في فرض الزنا على ما سبق بيانه، نعم في فرض تولّده من حيوان أُنثى لا تثبت أُمومة صاحبة البييضة في حقّه.
وإذا كان حيواناً فلا يترتّب عليه أحكام الإنسان، وكذا إذا شكّ في كونه إنساناً أو حيواناً، فلاحظ - وتأمّل.
وأمّا إذا كان إنساناً روحاً وحيواناً بدناً، ففي مثل ذلك لابُدّ من الاحتياط، فلا يجوز قتله وإيذائه، وغصب ماله، للإطلاقات، كقوله تعالى:
___________________
(١) ص٣١٢ الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ... ) (١) ، وغيره، بل يُحتمل شموله لإطلاقات أدلّة الحدود والقصاص.
ودعوى انصراف الإطلاقات عن مثل هذا الفرد الشاذّ ضعيفة، فإنّها - كما ذُكر في أُصول الفقه - تشمل الأفراد الشائعة والنادرة كمن له رأسان، مثلا، والمسلّم بطلان اختصاص المطلقات بالأفراد النادرة.
وأمّا بالنسبة إلى نكاحه - ذكراً كان أو أُنثى - فلا يجوز بحسب الاحتياط، والله العالم.
وأمّا إذا كان إنساناً بدنا وحيواناً فكراً، ففي إلحاقه بالإنسان أو بالحيوان إشكال.
ويقول الشهيد الثانيرحمهالله في بحث نجاسة الكلب والخنزير: وما تولّد منهما وإن باينهما في الاسم ( نجس )، وأمّا المتولّد من أحدهما وطاهر فإنّه يتبع في الحكم الاسم ولو لغيرهما، فإن انتفى المماثل فالأقوى طهارته، وإن حرم لحمه للأصل فيهما، انتهى كلامه.
أقول : في الحيوان يكفي صدق الاسم عرفاً، وأمّا في الإنسان فلابُدّ من العلم بتحقّق روحه. ثمّ إنّ في حكم الشهيدرحمهالله بنجاسة المتولّد منهما مع تباين الاسم إشكال، وكذا في كون الأصل في اللحوم هو الحرمة، وليس هنا موضع بحثه.
___________________
(١) المائدة آية ٢٣.
المسألة التاسعة
إقرار المنيّ في رحم الأُنثى الأجنبيّة
قد يكون ذلك بالطريق المعتاد، فهو الزنا المحرَّم كتاباً وسنةً وإجماعاً، بل ضرورة من الدين.
وقد يكون بالوسائل الحديثة الطبيّة من دون المباشرة، كما إذا فرّغ الرجل منيّه(١) في ظرفٍ خاصٍّ، فتدخلهُ امرأة بوسيلة الإبرة ونحوها في رحم امرأةٍ، من دون النظر إلى فرجها، فضلاً عن مسّه إذا أمكن ذلك.
والكلام تارةً في حكمه التكليفي، وأُخرى في حكمه الوضعي.
أمّا الأوّل، فلا أظن خلافاً بين الفقهاء في كونه هو الحرمة، لا لأجل أنّه زنا، فإنّه مكابرة وزوراً وليس بزنا جزماً، بل بعنوان إدخال المنيّ في رحم أجنبيّة وإقراره فيه. وكما يحرم ذلك على الرجل يحرم قبوله على المرأة أيضاً.
ففي حديث علي بن سالم عن الصادقعليهالسلام المروي في الكافي ( ج٥ ص٥٤١ )، قال:
( أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أقرّ نطفته في رحمٍ يحرم عليه ).
ورواه البرقي في محاسنه، والصدوق في عقاب الأعمال.
وفي حديث الفقيه المرسَل عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
( لن يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند الله عزّ وجلّ من رجلٍ قتل نبيّاً، أو هدم الكعبة التي جعلها الله قبلةً لعباده، أو أفرغ مائه في امرأةٍ حراماً ).
وهذا الحديث ينهى عن إفراغ المنيّ في مطلق بدن المرأة دون
___________________
(١) سواء كان إفراغه حراماً كما في الاستمناء، أو حلالاً كما في فرض ملاعبة الزوج مع زوجته.
خصوص رحمها، فلاحظ.
وفي رواية الدعائم: (... واشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من أقرّ نطفته في رحمٍ محرّم عليه ).
وفي رواية الجعفريّات والدعائم، عن عليّ، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
( ما من ذنبٍ أعظم عند الله تبارك وتعالى بعد الشرك من نطفة حرام، وضعها في رحم لا تحل له ).
وقريبة منها رواية العوالي.
لاحظ كلّ هذه الروايات في ص٣٤٦ ج٢٠ من جامع الأحاديث.
أقول : الأحاديث كلّها ضعاف إسناداً، لكن إذا لوحظت مع المرتكز عند المتشرّعة، واستنكارهم للعمل المذكور، يكفي للحكم بالتحريم إنْ شاء الله تعالى.
وأمّا الثاني، فبيانه موقوف على ذكر الأقسام، فانّ إقرار منيّ الرجل إنْ لم يستلزم حملاً فلا بحث فيه ولا أثر له، سوى الحرمة التكليفيّة، والتعزير في الدنيا، واستحقاق العقاب في الآخرة، وإن استلزم الحمل، فالمرأة إمّا خليّة وإمّا مزوّجة، وعلى الثاني قد يشتبه الحمل بين كونه من ماء الزوج أو من ماء الأجنبي، وقد يعلم استناده إلى أحدهما.
فإذا علم استناد الولد إلى ماء الزوج، أو شكّ فيه واشتبه الحال، فالولد ولد الزوج بلا إشكال، ولا يُنسب إلى الأجنبي صاحب الماء، سواء نقل ماءه بطريق الزنا، أو بطريقٍ طبيٍّ في رحم المرأة، أمّا في فرض العِلم فواضح، وأمّا في صورة الشكّ ؛ فلقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( الولد للفراش وللعاهر الحَجَر )(١) .
وأمّا إذا علم أنّ المولود من ماء الأجنبي - سواء بطريق الزنا أو غيره، وسواء
___________________
(١) الكافي ج٧ ص١٦٣، التهذيب ج٩ ص٣٤٦، جامع الأحاديث ج٢٤ ص٤٨٠.
كانت المرأة خليّة أو متزوّجة، فهو ولد صاحب الماء وولد المرأة - سواء كانت زانيةً أم لا، سواء كانت متعمِّدةً في انتقال الماء إلى رحمها أو جاهلة أو مُكْرَهة - ويترتّب على الولد ووالديه جميع أحكام النسب، سوى حكم واحد في فرض الزنا، فإنّ ولد الزنا عند مشهور فقهائنا لا يرث ولا يورث مطلقاً(١) ، ومع عدم صدق الزنا لا مانع من التوارث أيضاً، وهذا هو الأظهر عندي.
وبالجملة : ولد الزنا وولد الحرام - كما في فرض نقل المنيّ بطريقٍ طبّيٍّ، وكما في وطء الزوجة الحائض والنفساء والمُحْرِمة بإحرام الحجّ والعمرة أو المعتكفة، وفي شهر رمضان وفي المسجد - ولد لصاحب الماء وللحامل الوالدة لغةً وعرفاً وطبّاً، ولم يثبت من الشريعة اصطلاح خاصّ في الأُبوّة والأُمومة والبنوّة مغايراً للعرف واللّغة، وإنّما الثابت منه عدم التوارث بين ولد الزنا والزاني والزانية.
وممّا يدلّ على ذلك: أنّه لا يُظنّ بفقيه يبيح تزويج ولد الزنا بأبيه الزاني، أو تزوّجه بأُمّه الزانية، بل لا يُظنّ بأحدٍ يفتي بصحّة زواجه مع أولادهما وأقربائهما. وما حُكي عن الشافعي من عدم تحريم البنت على أبيها الزاني واضح المنع.
واعلم أنّ المستفاد من كلام جمعٍ من فقهائنا بعد حرمة النكاح ولو عن نسب غير شرعي كالزنا بلا خلاف بينهم أنّهم لا يرون هذا النسب ثابتاً، وأورد الشهيد الثانيرحمهالله في مسالكه(٢) بأنّ المعتبر إنْ كان هو صدق الولد لغةً ؛ لزم ثبوت باقي الأحكام المترتّبة على الولد كإباحة النظر، وعتقه على القريب، وتحريم حليلته، وعدم القِوَد من الوالد بقلته ( وصلة الرحم وجواز الربا، على قول، والعقل ) وغير ذلك، وإنْ كان المعتبر لحوقه به شرعاً فاللاّزم انتفاء الجميع، فالتفصيل
___________________
(١) لاحظ كتاب الميراث في الكتب الفقهيّة.
(٢) لاحظ ص٢٠٦ وما بعدها ج٦٤ الفقه.
غير واضح.
وربّما أُجيب عنه: بأنّ حرمة النكاح خرجت للإجماع، وغيره بقي على أصلها، لكنّ الإجماع ممنوع، والحقّ ما عرفته، والاحتياط لا يخفى سبيله.
كلام حول حديث:
في صحيح الحلبي المرويّ في الكافي والتهذيبين(١) عن الصادقعليهالسلام :
(أيّما رجل وقع على وليدة قوم حراماً، ثمّ اشتراها فادّعى ( ثمّ ادّعى - كا ) ولدها فإنّه لا يورث عنه شيء ؛ فإنّ رسول الله -صلىاللهعليهوآله - قال:
( الولد للفراش وللعاهر الحَجَر، ولا يورث ولد الزنا إلاّ رجل يدّعى ابن وليدته، وأيّما رجل أقرّ بولده، ثمّ انتفى منه فليس ذلك له ولا كرامة، يلحق به ولده إذا كان من امرأته أو وليدته ). وللحديث أسانيد ضعيفة أُخرى.
أقول : ربّما يُظن أنّ ظاهر هذا الحديث، أنّ عدم الإيراث مستند إلى قولهصلىاللهعليهوآله الدال على نفي الوَلديّة والنسب، فهذا هو دليل مَن قال ببطلان النسب غير الشرعي مطلقاً.
وفيه: أنّ الإمامعليهالسلام علّل عدم إرث الولد في فرض الفراش، والشكّ في نسبه إلى الحديث النبوي الدالّ على إلحاق الولد بالفراش في فرض تحقّقه، ولا يدلّ كلامهعليهالسلام ولا الحديث النبوي على نفي نسب ولد الزنا عن الزاني في فرض عدم الفراش، أو في فرض العِلم بعدم كون الولد من نطفة الزوج أو المالك، وحصول اليقين بكونه من ماء الزاني. على أنّ هنا روايات معتبرة الأسانيد ؛ تدلّ على صحّة النسب المذكور في فرض عدم الفراش.
ففي صحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : ( قضى علي -عليهالسلام -
___________________
(١) ص١٦٢ ج٧ الكافي، وص٣٦٤ ج٩ التهذيب، وص١٨٥ ج٤ الاستبصار، ولاحظ ج٢٤ ص٤٨٠ جامع الأحاديث، ولاحظ ص٧٤٣ الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبيّة آراء أهل السنّة في نسب ولد الزنا، وكذا في ص١٧٠ وص١٧١، الإنجاب في ضوء الإسلام.
في ثلاثةٍ وقعوا على امرأةٍ في طهرٍ واحدٍ، وذلك في الجاهليّة قبل أنْ يظهر الإسلام، فأقرع بينهم، فجعل الولد لمَن قرع، وجعل عليه ثُلثَي الديّة للآخرين ( للأخيرين - صا )، فضحك رسول الله -صلىاللهعليهوآله - حتّى بدت نواجذه(١) ، قال: وما أعلم فيها شيئاً إلاّ ما قضى علي )(٢) .
وقريب منه صحيح أبي بصير عن الباقرعليهالسلام ، وصحيح معاوية بن عمّار، وعن الصادقعليهالسلام ، فإنّ هذا المعنى يُستفاد منهما(٣) ، وكذا صحيح الحلبي على المشهور(٤) .
وفي صحيح محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٥) قال:
( إذا وقع الحرُّ والعبدُ والمُشرك بامرأةٍ في طهرٍ واحدٍ، فادّعوا الولد ؛ أُقرع بينهم، فكان الولد للّذي يخرج سهمه )(٦) .
فهذه الروايات واضحة الدلالة في صحّة النسب من الزنا عند عدم الفراش، بل لو لم يكن إجماع أمكن أنْ يُقال بصحّة التوارث - أيضاً - في هذا الفرض - وهو فرض عدم الفراش، بل يمكن أن نستدلّ عليها - أي صحّه التوارث بصحيحي حنان عن الصادقعليهالسلام أيضاً(٧) بعد حملهما على فرض عدم الفراش، وكون المرأة خليّة، فلاحظ وتأمّل.
ولاحظ صحيح محمّد بن قيس، فإنّه يخالف بقيّة الروايات(٨) .
___________________
(١) النواجذ: أقصى الأسنان، وهي: أربعة في أقصى الأسنان.
(٢) ص١١٦ ج ٢١ جامع الأحاديث.
(٣) ص١١٧ المصدر.
(٤) ص١٢١ المصدر.
(٥) ص١١٨ نفس المصدر.
(٦) ص٤٨١ ج٢٤ جامع الأحاديث.
(٧) نفس المصدر.
(٨) ص١٢٠ ج٢١ المصدر.
ثمّ إنّ الحديث النبويّ إنّما نفى الولد عن الزاني، وألحقه بصاحب الفراش، وأمّا الزانية فلم يتعرّض الحديث لنفي الولد عنها ؛ فهي أُمّه، وهذا شاهد آخر على ضعف قول مَن يُبطل النسب غير الشرعيّ من فقهائنا وفقهاء العامّة ؛ نعم لا توارث بينها وبينه لِما عرفت، فلا ملازمة بين النسب وعدم التوارث.
ثمّ إنّ نفي الولد عن الزاني، وإلحاقه بصاحب الفراش، إنّما هو في فرض الشكّ دون العلم بكونه مخلوقاً من ماء الزاني، كما ذكرنا سابقاً، وربّما تدلّ بعض كلمات أهل السنّة على الإلحاق، حتّى في فرض العلم، وأنّ سبيل نفيه عنه هو اللّعان فقط، لكنّه ضعيف جدّاً ؛ فإنّه مخالف بسيرة العقلاء، والطبائع الإنسانيّة، وظلم على الزوج، وإحقاق باطل، كما لا يخفى، ويؤكِّده عدم نفي الولد عن الزانية ؛ للعلم بكون الولد من بييضتها، ونفيه عن الزاني لا مطلقاً بل في صورة وجود الفراش، وهو فرض الشكّ في كون الولد منه، أو من صاحب الفراش.
فروع:
١ - لو مات أحد الزوجين وكان له ولد عن زنى، فهل للآخر نصيبه الأعلى أو الأدنى ؟
فإن قلنا ببطلان النسب فالنصيب الأعلى، وإن قلنا بصحّته فالنصيب الأدنى، إذْ لم يقيّد الولد في لسان الأدلّة بكونه يستحق الإرث.
هذا هو مقتضى القاعدة، ولم أقف عاجلاً على بحثٍ لأحدٍ حول الموضوع.
٢ - لو كان الزنا من الرجل فقط كما في فرض إغمائها، أو نومها وإكراهها وقهرها، وأمثال ذلك، فلا يبعد جريان التوارث بين الولد وأُمّه، فلاحظ وتأمّل.
وإمّا إذا كان الولد عن شبهةٍ، فالنّسبُ ثابتٌ إجماعاً بقسميه عليه، كما في الجواهر.
٣ - تقدّم في المسألة المتقدّمة أنّ نفي التوارث يختصّ بالزنا دون نقل الماء إلى الرحم - بطريقٍ طبّيٍّ غير الزنا - وإن كان النقل محرّماً.
المسألة العاشرة
بنوك الألبان
البنك يقوم بجمع لبن الأُمّهات عن طريق التبرّع، أو البيع، ثمّ تبريده وحفظه في ثلاجات لمدّة ثلاثة أشهر، أو تجفيفه وإعطائه للأطفال المحتاجين للرضاعة الطبيعية.
والأسئلة المتعلِّقة به أربعة:
١ - ماذا يحدث إذا رضع طفل وطفلة من هذا اللبن ثمّ كبرا وأرادا التزاوج، فهل تقف مسألة ( الأُمّهات في الرضاعة ) عقبةً في زواجهما ؟
٢ - إذا كانت في الأُمّهات التي تُجمع ألبانهنّ، الكافرات، فألبانهنّ نجسة، حتّى من الكتابيّات عند المشهور من فقهاء الأماميّة، فهل يجوز لأولياء الأطفال سقيهم الحليب النجس ؟
٣ - أعلن علماء الاجتماع أنّه لو تحقّق هذا المشروع، وشرب الجيل الجديد لبن تلك النساء مجفّفاً أو معقّماً، فإنّه سيخرج إلى الدنيا جيل فاسد، لا ندري كيف نسوّيه ونضبط اتصالاته وسلوكيّاته(١) ، فهل الخوف على المفاسد الأخلاقيّة لا يوجب تحريم المشروع المذكور ؟
٤ - ادّعى بعضٌ: أنّ الإرضاع بهذه الطريقة، له مضارّ أكثر عن نفعه عند الأطبّاء(٢) .
أقول : أمّا السؤال الأوّل فجوابه أنّه لا عقبة - في زواجهما حتّى وإنْ
___________________
(١) ص٤٦٢ الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) ص٤٦٣ نفس المصدر.
علما - على فرضٍ بعيدٍ موهومٍ - أنّهما شربا من لبن امرأةٍ واحدة، عند المشهور من فقهاء الإماميّة، فإنّهم اعتبروا الامتصاص من الثدي شرطاً في التحريم، وعن مستند النراقيرحمهالله في ضمن الشروط: أنْ يرتضع من الثدي، فلو وجر في حلقه، أو احتقن أو أكله جبناً لم ينشر الحرمة على المشهور بين الأصحاب(١) ، بل ظاهر التذكرة الإجماع عليه(٢) ، وعن المسالك لا نعلم فيه خلافاً لأحد من أصحابنا إلاّ ابن الجنيد(٣) .
أقول : لكن نقل عن الشيخرحمهالله في مواضع من مبسوطه خلاف المشهور(٤) ، وعن المفاتيح وشرحها اختياره(٥) .
ثمّ دليل المشهور أمران:
أوّلهما : عدم صدق مفهوم الرضاع والإرضاع والارتضاع بالوجور ومن الكأس، ولذا لا يصدق على مَن شرب لبن البقر من الكوب - مثلاً - أنّه ارتضع من البقر !
بل يقول الفقيه المتتبّع الماهر، صاحب الجواهررحمهالله :
بل لا يبعد أنْ يكون في حكم وجور الحليب الوجور من الثدي، فإنّ المعتبر هو ما كان بالتقامه الثدي وامتصاصه، كما صرّح به في كشف اللثام، بل قد يشكّ في جريان حكمه بالامتصاص من غير رأس الثدي، فضلاً عن الامتصاص من غير الثدي كثقبٍ ونحوه، بل وفي جذب الصبي اللبن من الثدي بغير الفم، فتأمّل(٦) .
___________________
(١) جواهر الكلام ج ٢٩ ص ٢٩٤.
(٢) الفقه ج ٦٤ ص ٢٩٢.
(٣) جواهر الكلام ج ٢٩ ص ٢٩٤.
(٤) نفس المصدر.
(٥) الفقه ج ٦٤ ص ٢٩٢.
(٦) جواهر الكلام ج ٢٩ ص ٢٩٤.
ثانيهما : صحيح الحلبي المرويّ في الكافي ( ج٥ ص٤٤٥ ) عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال:
( جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين، فقال: إنّ امرأتي حلبت من لبنها في مكوك - أي طاس يُشرب به -فاسقته جاريتي، فقال: أوجع امرأتك وعليك بجاريتك، وهو هكذا في قضاء علي-عليهالسلام -)(١) .
أقول : الاستدلال بالحديث على المقام، موقوف على أنّ الجارية كان عمرها ما دون الحولين، وهو غير ثابت، بل ربما يشعر قولهعليهالسلام : ( عليك بجاريتك ) بكبرها، وإيجاع المرأة من جهة قصدها تحريم الجارية على زوجها ؛ فالعمدة في إثبات فتوى المشهور هو مفهوم الرضاع الوارد في القرآن(٢) والحديث، فإنّه إلقام الثدي والتقامه، وتناول ما ينزل من الثدي كما قيل.
وعن جمهور فقهاء أهل السنّة ومنهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنّ الرضاع المحرِم ( بكسر الراء ) كلّ ما يصل إلى جوف الصبي عن طريق حلقه مثل الوجور، بل ألحقوا به السعوط، وهو أنْ يصيب اللبن في أنفه، بل بالغ بعضهم فألحق الحقنة عن طريق الدبر بالوجور والسعوط.
وعن جماعة من أهل السنّة، الوقوف على مفهوم الرضاع كما هو مذهب مشهور فقهائنا الإماميّة(٣) .
ودليل هؤلاء الذين أهملوا عنوان الرضاع من جمهور أهل السنّة، وبعض علماء الشيعة: أنّ الغاية المطلوبة هي إنبات اللحم وشدّ العظم، وهي تحصل بغير المصّ أيضاً.
___________________
(١) ص٤١٢ ج٢٢ جامع الأحاديث.
(٢) النساء آية ٢٣.
(٣) ص٥١ وص٥٢، الإنجاب في ضوء الإسلام.
وأورد عليه بعض أهل السنّة: بأنّه لو كانت العلّة هي إنشاز العظم، وإنبات اللحم بأي شيءٍ كان، لوجب أنّ نقول اليوم بأنّ نقل دم امرأة إلى طفل يحرمها عليه ويجعلها أُمّه ؛ لأنّ التغذي بالدم في العروق أسرع وأقوى تأثيراً من اللبن.
أقول : وإنْ قيل: إنّ العلة الإنبات والإنشاز باللبن فقط ؛ نقول له: فَلِمَ لا تقول باللبن من طريق الامتصاص، حتّى وافق قولك القرآن ؟!
وأمّا السؤال الثاني، فالظاهر جواز سقي الحليب النجس للأطفال، ففي معتبرة عبد الرحمان، قال:
سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : هل يصلح للرجل أنْ ترضع له اليهوديّة والنصرانيّة والمشرِكة ؟
قال: ( لا بأس. وقال: امنعوهنّ من شرب الخمر )(١) .
وأمّا السؤال الثالث، فهو لا يوجب الحرمة الشرعيّة إلاّ في بعض الصور الخطرة وهو غير ثابت، نعم لا ينبغي الشكّ في حسن الاجتناب عن لبن غير الأُمّ، ثمّ عن لبن غير العاقلات الصالحات، وقد نبّه عليه الفقهاء في كتاب النكاح.
وأمّا السؤال الرابع، فإن أثبت الطبُّ مضارّ مهمّة لصحّة الطفل، فيمكن القول بمنع المشروع المذكور وإلاّ فلا.
___________________
(١) ص٣٩٨ ج٢١ جامع أحاديث الشيعة، وبهذا أخذت تشريعات الأحوال الشخصيّة الأخيرة في مصر، وأقرّه مجمع البحوث الإسلاميّة منذ أكثر من عشر سنين، كما في ص١٠٨ الإنجاب في ضوء الإسلام.
المسألة الحادية عشرة
معرفة جنس الجنين
لم يثبت في القرآن والسنّة المعتبرة أنّ الإنسان لا يمكن معرفته بجنس الجنين، وأنّ غير الله سبحانه لا يعلم ما في الأرحام.
نعم تخيّل جماعة من أهل العلم أنّ قوله تعالى:
( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ( لقمان ٣٤ )، يدلّ على نفي علم غيره تعالى بهذه الأُمور الخمسة، ولكنّه تخيّلٌ واهٍ، إذ لا يُستفاد الحصر منه، وإثبات شيءٍ لشيءٍ لا يوجب نفيه عمّا عداه كما اشتهر - نعم ثبت أنّ علم الساعة خاصّ به تعالى - وأمّا أنّه لا يعلم ما في الأرحام غيرُه تعالى فهو دعوى جُزافيّة. وكذا لا يدلّ على حصره به تعالى قوله تعالى:
( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ) (الرعد ٨ ).
وأمّا الروايات الواردة حول الآية الأُولى النافية، لعلم غيره تعالى بما ذكر فيها من الأُمور الخمسة(١) فلم تصحّ سنداً.
فمَن أخبر اليوم بأنّ الجنين ذكر أو أُنثى لم يخالف الدين، ولا داعي لتكذيبه، بل الطبّ اليوم قادر على معرفة ذلك في الجملة، والله تعالى هو الذي علّم الإنسان ذلك.
___________________
(١) بحار الأنوار، المجلّد ٧ ص ٣٠٠، صراط الحق ج ٣ ص ٣٨٣.
يقول بعض الأطبّاء: هناك إنجازان عمليّان، وهما:
١ - معرفة جنس الجنين بشفط بعض من السائل المحيط به بواسطة إبرة من الرحم، وفيه بعض خلايا الجنين منفوضة عن سطح جسمه، وبفحص هذه الخلايا يُعرف جنس الجنين.
٢ - اكتشاف الاختلاف بين المنويّ المُفْضِي للذكورة، والمنويّ المُفْضِي للأُنوثة في طائفة من الصفات: كالكتلة، والسرعة، والقدرة على اختراق المخاط اللزج في قناة عنق الرحم، والاستجابة للتفاعل الكيميائي لمخاط عنق الرحم وغير ذلك.
وقد تمّ هذا في النطاق الحيواني، ويطبّق في صناعة تربية الحيوان، وذلك بتحضير كمّيّةٍ كبيرةٍ من السائل المنويّ، تجمع من عددٍ كبيرٍ من الفحول، أمكن فصلها لقسمين، أحدهما: ترجّح فيه المنويّات المُفْضِية إلى الأُنوثة، والآخر: ترجّح فيه المنويّات المُفْضِية إلى الأُنوثة(١) .
أقول : واليوم يخبر الأطبّاء بوسيلة التلفزيون الحاملات عن جنس حملهنّ.
___________________
(١) ص٣٧، الإنجاب في ضوء الإسلام.
المسألة الثانية عشرة
التحكّم في جنس الجنين
هل يجوز للوالدين اختيار جنسٍ للجنين على جنسٍ آخر إذا أمكن ذلك طباً ؟ إمّا خارج الرحم وقبل انعقاد النطفة كما إذا عولج ماء الزوجين ثمّ يدخل رحمها أو بأشكال آخر ؟ إمّا داخل الرحم(١) إذا لم يستلزم محرماً آخر من المسّ والنظر المحرّمين ؟(٢) .
قد يُقال بحرمة التحكّم المذكور فإنّه مناقض لروح الإسلام ولروح العدالة الإلهيّة، وقيل: إنّه من الوأد، وقيل: إنّه تدخّل في مشيئة الله، وقيل: إنّه مخالف لقوله تعالى:( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ) ( الشورى ٤٩ ).
كلّ ذلك غلط وتوهّم بل واضح الضعف، فلا نشتغل بردّه.
والعمدة في المنع في المقام وغيره، هو قوله تعالى حكايةً عن الشيطان - لعنه الله -:
( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الأَنْعَامِ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ) ( النساء ١١٩ ).
___________________
(١) قيل ليس من الممكن تغيير جنس المبيض داخل الرحم ؛ لأنّ التحام حيوان منويّ بييضة أنهى الموضوع وختمه،أقول : العلم في تطوّر، وليس من حقّ الطبيب وغيره الحكم بالاستحالة وعدم الإمكان، والعلم إنّما يصلح للإخبار عن الوقوع وعدم الوقوع حسب الظروف فلاحظ.
(٢) مجرّد علاقة أحد الزوجين بجنسٍ خاصٍّ لا يبيح له وللطبيب النظر واللّمس المحرّمين.
قال الطبرسيرحمهالله في مجمع البيان: أي لآمرنّهم بتغيير خلق الله فليغيّرنّه، واختُلف في معناه، فقيل: يريد دين الله وأمره، عن ابن عبّاس، وإبراهيم، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وجماعة، وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، ويؤيّده قوله تعالى:
( فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) (١) ، وأراد بذلك تحريم الحلال وتحليل الحرام.
وقيل: أراد معنى الخصاء عن... عن ابن عبّاس... وقيل: إنّه الوشم، عن ابن مسعود، وقيل: إنّه أراد الشمس والقمر والحجارة، عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها، عن الزجّاج، انتهى(٢) .
أقول : الأخير خلاف الظاهر جدّاً أو غلط، فإنّ العدول عن الانتفاع الصحيح بمخلوق ليس تغييراً له، وأمّا القولان الوسطان فهما أيضاً ضعيفان ؛ لأنّهما من التقييد من دون مقيّد.
وعلى الجملة: إنْ أُريد من تغيير الخلق - الذي هو بمعنى المخلوق، ضرورة عدم قدرة البشر على تغيير الخلق بمعنى المصدر، والله غالب على أمره - مطلقه، لزم تخصيص الأكثر المستهجن جدّاً لجواز تغيير أكثر المخلوقات من النبات والجماد والحيوان، بل الإنسان(٣) - وإنْ شئت فقل: إنّ حياة الإنسان وحوائجه الأوّليّة موقوفة على تغيير المخلوقات، حتّى لا يمكن أكله من دون تغيير، وكلّ ذلك جائز بالضرورة الدينيّة - وإنْ أُريد بعضه فلابُدّ
___________________
(١) الروم آية ٣٠.
(٢) مجمع البيان، في تفسير سورة الروم آية ٣٠.
(٣) يجوز كثير من العمليّات الطبيّة وغير الطبيّة في حقّه، وجواز إزالة شعره سوى اللّحية وغير ذلك.
لاثباته من دليل معتبر وهو مفقود، مع لزوم استهجان تقييد الأكثر تخصيصه كما قرر في أُصول الفقه.
وأمّا الوجه الأوّل، فلا يترتّب عليه محذور أصلاً، سوى أنّه مخالف لظاهر الكلمة، وأنّ حمل الخلق على الدين محتاج إلى دليل مفقود، واستعماله فيه إنّ صحّ في قوله:( لا تبديل لخلق الله ) لا يوجب صحّته في المقام وغيره من غير دليل ؛ نعم يمكن أن يُقال: إنّ قوله تعالى:( فَلَيُبَتّكُنَّ آذان الأنعام ) ، سواء كان التبتيك بمعنى التشقيق أو القطع، قرينة على أنّ المراد بالخلق الدين، فإنّه من تغيير الخلق، ولا معنى بعنوانه في مقابله إذا أُريد بالخلق المخلوق التكويني.
ويدلّ على تفسير الخلق بالدين حديثان مذكوران في بحار الأنوار ص٢٢١ وما بعدها ج٦٤ نسخة الكومبيوتر، لكنّ سندهما ضعيف، فلا اعتماد عليهما.
ويُحتمل أنْ يُراد بتغيير الخلق مطلقه بغرض تحريم الحلال، ويؤكِّده أنّ تبتيك غير محرّم بعنوانه، وليس من الشيطان إلاّ بقصد تحريم الحلال، كما كان أهل الجاهليّة يفعلونه، وعليه فيقرب القولان في تفسير الآية، وهذا عندي أحسن الأقوال، فإنْ تمّ فهو، وإلاّ فلا بُدّ من الحكم بدخول الآية في المتشابِهات.
والمتحصّل من جميع ما مرّ: جواز التحكّم في جنس الجنين في حدّ نفسه، ما لم يستلزم محرّماً آخر، اعتماد على أصالة البراءة، نعم إذا فرضنا أنّه ينجرّ إلى الاختلال بالتوازن العام الموجود بين الجنسين فنحكم بحرمته ؛ فإنّه يترتّب عليه مفاسد كما لا يخفى.
تفصيل وتوضيح
قال بعض الأطبّاء: إنّ نسبة الجنسيّة الأوّليّة عند بدء الإخصاب، عندما يكون الجنين خليّةً واحدةً بالتحام المنويّ ببويضته، الإحصاء ١٣٠ من الذكور لكل ١٠٠ من الإناث، وفي فترة الحمل يكون المُجهَض تلقائيّاً من الذكور أكثر من المجهَض تلقائيّاً من الإناث، فعند الميلاد وفي إحصائيّات العالم ككل، تكون النسبة مئة وستّة من الذكور لكلّ مئة من الإناث ؛ ذلك أنّ الهالك الذكري، في فترة الحمل، أكثر بكثير من الهالك الأُنثوي، على مستوى العالم...
وفي نهاية السنة الأُولى من العمر تكون النسبة ١٠٣ من الذكور لكلّ ١٠٠ من الإناث ؛ وذلك أنّ معدّل وفيّات العام الأوّل من الذكور تزيد قليلاً على معدّلاتها من الإناث، وعند سنّ البلوغ فما بعدها، تكاد النسبة تتساوى بينهما، حتّى تميل إلى جانب الإناث مرّة أُخرى عند الوفاة(١) .
ويقول طبيبٌ آخر: إنّ دوائر الإحصاء في أمريكا - مثلاً - أخذت ونشرت في وثائق رسميّة دوليّة أنّ النساء يلدن كثرةً من الذكور بعد كلّ حرب(٢) ؛ لأنّ الحرب تحصد الرجال غالباً، ولا يلدن الإناث إلاّ قليلاً، وهناك توازن وتعادل في كلّ شيءٍ وحتّى في الجمادات: الذهب والفضّة والطين والحجر...(٣) ، وقد يُقال: إنّه في بعض البلاد الإناث أكثر ولادةً من الذكور، وفي
___________________
(١) ص١٠٦ وص١٠٧، الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) الدعوى محتاجة إلى إراءة دليل مقنع.
(٣) المصدر ص ١٠١.
البلاد التي تزيد نسبة ولادة الذكور، ت-نقلب النسبة المذكورة في سنين الزواج، فيقلّ عدد الذكور من عدد الإناث.
ويقول اشلي مونتاغون في كتابه ( المرأة الجنس الأفضل ):
إنّ عدد الإناث الصالحات للتزويج يزيد عدد الذكور الصالحين للتزويج في جميع أرجاء العالم أبداً.
وكتب باحثٌ أنّ في بريطانيا تزيد النساء على الرجال بمليونين.
ولزيادة الإناث شواهد أُخرى.
وهذا هو فلسفة تشريع تعدّد الزوجات في شريعة الإسلام.
المسألة الثالثة عشرة
تغيير الجنس
عمليّات تغيير الجنس تجري الآن في الغرب في مراكز كثيرة كعمليّة روتينيّة، سواء كان تحويل الذكر إلى أُنثى أو العكس، وفي الأوّل يجري: استئصال العضو الذكري، وبناء مهبل، وعملية إخصاء، وتكبير الثديين، وفي الحالة الثانية: استئصال الثديين، وبناء عضو ذكري، وإلغاء القناة التناسليّة الأُنثويّة بدرجات متفاوتة، ويصحب كلّ ذلك علاج نفسي وهرموني.
وهؤلاء المرضى يشعرون بكراهية للجنس الذي ولدوا عليه، نتيجةً لعوامل مختلفة، وقد يعود أغلبها إلى فترات مبكِّرة في حياة الإنسان، وتربية غير سليمة، وهم لا يوجد أي لبس في تحديد جنسهم، سواء مظهريّاً أو غيره عند الولادة ( كحالات خنثى غير الكاملة ).
وكثير منهم يقوم بدوره كاملاً، ويتزوّج وينجب على حالته التي خلقه الله سبحانه وتعالى عليها، ثمّ ينتاب هؤلاء المرضى شعوراً يأخذ بالطغيان، وطالما كان مكبوتاً لرغبةٍ في التخلّي عن جنسه الطبيعي، هكذا قال بعض الأطبّاء.
أقول : ربّما يُدّعى أنّه في تغيير الجنس يبقى الجنس هو الجنس، وإنّما يتغيّر الشكل فقط.
وعلى كلٍّ، الكلام تارةً في حكمه التكليفي وأنّه جائز أو حرام، واُخرى في حكمه الوضعي، وما يترتّب على الفرد بعد العمليّة وتغيير الجنس.
أمّا الأوّل، فعمدة ما يحرِّم العمل المذكور هو لمس العورة والبدن والنظر إليهما، فإنّهما حرامان على الفاعل والمفعول، نعم إذا كان الطبيب
وطالبة التغيير - أو الطبيبة وطالبه - زوجان وان عقد أحدهما على الآخر بالفعل للعمليّة المذكورة ففي جواز العمل بحث، لبطلان الزوجيّة بمجرّد خروج أحد الزوجين عن جنسه، فالعمليّة المذكورة إنّما تجوز لهما ما لم يبطل عقد الزواج وبعده تحرم ؛ لأنّهما أجنبيّان.
ولا مانع عنها مع الغضّ عن حرمة اللمس والنظر بعدما سبق الكلام حول قوله تعالى:( فَلَيُغيَرنّ خلق الله ) ، إلاّ إذا كثرت العمليات حتّى يقرب من الاختلال بالتوازن العام بين الجنسين.
وأمّا الثاني، فإن تمّ تغيير الجنس نفساً وعضواً بشكلٍ كامل، فلا إشكال في ترتّب الأحكام المتعلِّقة بالجنس الفعلي على الفرد المذكور، ويبطل زواجه السابق، ويجوز له الزواج بالجنس المخالِف بالفعل، وهكذا في سائر الأحكام، فإنّ الأحكام تابعة لموضوعاتها حدوثاً وبقاءً، ولا يجب حفظ الموضوعات لحفظ الأحكام إلاّ فيما دلّ الدليل الخاصّ عليه.
وأمّا إذا تغيّر أكثر الأعضاء، وبقي بعضها الآخر، أو تغيّر كلّ الأعضاء وبقيت الخواص النفسيّة، والتمايلات الجنسية السابقة، ففي ترتيب الأحكام المتعلّقة بالجنسيّة الجديدة عليه نظر، كما يشكل حينئذٍ ترتيب الأحكام المترتّبة على الجنسيّة السابقة عليه أيضاً.
وبالجملة: حيث لا ضابط دقيق لنا يفترق به المذكّر عن المؤنّت بصورةٍ واضحةٍ، فلا بُدّ من اليقين بصيرورة أحد، من أحد الجنسين، جنساً آخر، في ترتيب الأحكام عليه وفي فرض الشكّ لا بُدّ من الاحتياط، كما يحتاط في الخنثى المشكلة - إن ثبتت - ونفينا كونه جنساً ثالثاً، وملاك وجوب هذا الاحتياط هو العلم الإجمالي بكون الفرد ذكراً أو أُنثى على ما تقرّر في أُصول الفقه.
ولاحظ ما يأتي حول الخنثى في المسألة الثلاثين، فإنّه ينفعك في المقام.
المسألة الرابعة عشرة
الإنجاب بلا زواج
يقول بعض الأطبّاء حول الاستنساخ والنسخ ( COLONING )
تمهيد:
١ - في نواة كلّ خليّةٍ إنسانيّةٍ ستّة وأربعون جسماً صبغيّاً، هي التي تحمل مجموع الصفات الحيويّة لكلّ فردٍ إنسانيّ.
٢ - كلّ خليّةٍ إنسانيّةٍ تنقسم، تعطي اثنتين على ذات الهيئة وعلى الستّة والأربعين جسماً صبغيّاً.. ويتوالى الانقسام إلى أجيال من الخلايا المثيلة.
٣ - يُستثنى من ذلك الخليّة المنويّة الناضجة.. وخليّة البويضة الناضجة.. ففي كلّ منهما ثلاثة وعشرون جسماً صبغيّاً فقط.. فهذا استثناء من القاعدة العامّة.. فإذا التقيا فالتحما كانت منهما خليّة البيضة.. أُولى مراحل الإنسان، وبها إذن، ستة وأربعون جسماً صبغيّاً...
٤ - وتشذّ ( البيضة ) كذلك عن سائر الخلايا، في أنّها إن شرعت في الانقسام لم تنتج أجيالاً من الخلايا المثيلة.. بل أجيالاً من الخلايا المختلفة، لا إلى تكوين بلايين من الخلايا المتشابهة، ولكن إلى التخلّق والنّماء لتكوين إنسانٍ جديد.
مثال توضيحي:
١- لو أخذنا خليّةً من جلد ضفدع - مثلاً - ووضعناها في البيئة الغذائيّة
المناسبة فسيتوالى انقسامها لتعطي ملايين من خلايا الجلد.
٢- ولكن لو أخذنا خليّةً منويّةً وخليّةً بويضيّةً للضفدع والضفدعة قد دمجناهما، فإن الانقسامات لن تفضي إلى خلايا متشابهة، ولكن إلى ضفدع.
الجديد العلمي:
لو أخذنا خليّةً من جلد ضفدع وحصلنا منها على نواتها، وأخذنا خليّة بويضة ونزعنا منها نواتها ورميناها، ثمّ أودعنا نواة خليّة الجلد في سائل خليّة البويضة ؛ فإنّ الخليّة الجديدة ( نواة خليّة جلديّة في سائل خليّة بويضيّة ) تشرع في الانقسام، مفضية إلى ضفدع، هو صورة وراثيّة طبق الأصل من الضفدع الأصيل..
الإنجاز العلمي إذن:
١- إنجاب بغير تزاوج ذكرٍ وأُنثى.
٢- الحصول على نسخة طبق الأصل، وقابلة للتكرار بأي عدد من الضفدع الأصل.
القضيّة المطروحة:
تمّ ذلك في الضفدع.
من الناحية النظريّة ستتّسع دائرة التطبيق، فماذا لو أمكن ذلك في الإنسان ؟
من نتائج التطبيق:
إيجابيّات
استنساخ أعداد كبيرة من العباقرة والموهوبين وراثيّاً.
سلبيات:
١ - فتح باب الإنجاب بلا زواج.
٢ - ليست المواهب ولا الفضائل نتيجة الوراثة فحسب.
٣ - احتمال الكوارث المرضيّة الجامعة في هؤلاء المتشابهين وراثيّاً، فالمعروف أنّ التغاير والتشاكل في الوراثة من أسباب حماية الجنس البشري وارتقائه(١) .
ويقول طبيب آخر في هذا الموضوع:
أمّا موضوع التكاثر اللاّتزاوجي الذي أُطلق عليه( الاستنساخ ) فأُحب أنْ أضع فيه بعض النقاط على الحروف، فطريقة الاستنساخ ليست وسيلة تكاثر، أعني ليس أنّ شخصاً أنتج شخصاً آخر بوسيلة لا تزاوجيّة، أي بغير تزاوج، ولكنّ المهمّ هنا أنّ هذا الوليد تكون فيه جميع الخصائص الوراثيّة لهذا الكائن، وهذا لا يحدث إطلاقاً في أيّ تكاثر بطريقة التزاوج ؛ لأنّ كلّ مولود نصفه من الأُمّ ونصفه من الأب، أمّا هذا المولود فكلّه من الأب، أو كلّه من الأُمّ، إذا حصل يجب أن يكون كلّه من الأب ؛ لأجل أن يرث جميع الخصائص الممتازة.
___________________
(١) ص١٣١ وص١٣٢، الإنجاب في ضوء الإسلام.
هذا الخيال صار حقيقةً مؤكّدةً، وأنتج ٢٠ ضفدعةً واحدة في عمليّة واحدة، فكلّها معبَّر عنها بأنّها توائم الأب ؛ لأنّها نسخة طبق الأصل من هذا الأب ولكنّها أصغر منه سنّاً ؛ لأنّها اُنتجت بعد عشرين سنة أو أربعين سنة، ولكنّها صورة دقيقة للغاية، كأنّها التوأم المتشابه(١) .
وعرّف الاستنساخ أو النسخ طبيب ثالث بقوله: إنّه يريد به المختصّون محاولة تقديم كائن، أو خليّة، أو جزيء يمكنه التكاثر عن غير طريق التلقيح ومن غير نقص أو إضافة للمحتوى الوراثي(٢) .
أقول في المقام مطالب:
١ - إذا حصل العلم من مذاق الشرع(٣) بعدم رضاه بتحقّق إنسان من رجل وامرأة بهذا النحو(٤) لا نكاح بينهما حتّى إذا لم يستلزم الزنا وحراماً آخر فيقيّد جواز العمليّة من الوجهة الدينيّة بأخذ الخليّتين المذكورتين من الزوجين فإنّها إنجاب بلا جماع لا بلا طرفين كما لا يخفى، وإلاّ فلا.
٢ - الظاهر جواز العمليّة المذكورة خارج الرحم لأصالة البراءة، نعم في صحّة نسبه إلى رجل أُخذت الخليّة من جسده، وإلى امرأة صاحبة البويضة غير واضح ؛ فإنّه لم يخلق من مائه:( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) (٥) ، وأمّا صاحبة البويضة فإنّها غير حامل وغير والدة ،
___________________
(١) ص١٧٥ نفس المصدر.
(٢) ص١٥٥ نفس المصدر.
(٣) هذا ما يُسمّى بالدليل اللُبّي في مقابل الدليل اللّفظي، والدليل اللّفظي غير متوفّر بنظري في المقام.
(٤) أي من منيّ امرأة وخليّة جسديّة من رجل.
(٥) الطارق آية ٦.
( إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ ) (١) ، فلاحظ.
وعلى كلٍّ، لا مانع من فرض إنسان أُمّ له شرعاً ( أو لا والد له ) فلا تحرم العمليّة المذكورة مادامت إرادة هذا المولود حرّةً، واختياره غير مسلوب فلاحظ، ومادامت الصفات المورثة ممّا لم تكن مبغوضة للشرع.
٣ - إذا ثبت في علم الطب - ولمّا يثبت لعدم وقوع الفرض حتّى تناله التجربة - أنّ الكوارث المرضيّة الجامعة في هؤلاء المتشابهين وراثياً ذات مخاطر فتحرم العمليّة لأجلها، فكما يحرم الإضرار بالغير الموجود يحرم التوسط في إيجاد موجود محفوف بالضرر والنقص.
٤ - لا سلبيّات للعمليّة سوى احتمال تلك الكوارث، تعتمد عليها في منع العمليّة شرعاً، وما قيل، من سلبيات أُخر، ضعيف أيضاً(٢) .
٥ - إذا حملته صاحبة البويضة وولدته فإنّها أُمّه جزماً، وإنْ شككنا أو نفينا نسبه عن الرجل، فإنّ مريم أمّ عيسىعليهاالسلام بلا شكّ، ولا والد لهعليهالسلام .
___________________
(١) المجادلة آية ٢.
(٢) الإنجاب في ضوء الإسلام ص١٥٦.
المسألة الخامسة عشرة
المستقبل البيوتكنولوجي للإنسان ومعطيات النظام الاجتماعي
توصّل علماء الطبّ والبيولوجيا والكيمياء إلى اكتشاف بعض خبايا ميكانيكيّة الخليّة الحيّة، وصاغوا بعض القوانين العلميّة التي تحكم الشِّفْرة الوراثيّة للخليّة، ثمّ شرعوا بعد ذلك، في هندسة المستقبل الوراثيّة للأنواع الحيّة، إمّا عن طريق تجزئة الخلايا( الهندسة الوراثيّة ) وإمّا عن طريق اتّحاد الخلايا( الهندسة المشيجيّة ) .
واستعمل العلماء هذه الطرق، في التحكّم في التكوين الخلقي للخليّة، وفي تطويرها، فهناك ما يُسمّى بالتكاثر بالخلايا الجسديّة، حيث يراود العلماء الأمل، في تحويل الخليّة الجسديّة إلى خليّة جنينيّة يمكن لها أن تتكاثر، مثلها في ذلك مثل أصلها وهو البويضة الملقّحة، وذلك بعد تخليصها من القفل الكيميائي الذي يمنعها من محاكاة أصلها.
ومن بين الاستخدامات المتصوَّرة لتكنيك التكاثر بالخلايا الجسديّة بعث الذات البيولوجية للإنسان، وقوام هذا الاستخدام، هو نسخ نسخة طبق الأصل من الإنسان الذي أُخذت من جسده الخليّة الجسديّة. ويقال: إنّه من الممكن تحقيق نفس الغرض حتّى إذا أُخذت الخليّة من جثّة الإنسان، مادام أنّ هذه الخليّة ذاتها لم تمت. وبذلك يمكن ضمان بقاء العباقرة على قيد الحياة لتستفيد البشريّة من علمهم.
ولا بأس من أن أذكر تطبيقاً آخر للإمكانيّات البيولوجية الحديثة التي
ترتّب عليها كسر الحدود الفاصلة بين الأنواع المختلفة للكائنات.
فمما تفتّقت عنه قريحة العلماء: فكرة خلط خلايا بشريّة بخلايا نباتيّة أو حيوانيّة، لنصل بذلك إلى الإنسان الخضري ( الكلورفيلي ) أو الإنسان المجتر. ويستهدف العلماء من أبحاثهم هذه إنتاج سلالة بشريّة جديدة، يدخل في تكوينها بعض الصفات النباتيّة أو الحيوانيّة المرغوبة، كجعل الإنسان ذاتي التغذية، يعتمد على ذاته في غذائه كالنبات ( التمثيل الضوئي ).
ويفكّر العلماء - أيضاً - في إنتاج طراز جديد من الجنس البشري، عن طريق استخدام طريقة التكاثر الجسدي في تنمية الخلايا المختلطة، وبعد التأكّد من نجاح إنتاج هذا الطراز الجديد، فيمكن تعميمه بالطريق الطبيعي أي التكاثر الجنسي.
ولم يقف التلاعب بالحياة على المستوى العضوي، بل إنّ الفكر العلمي الحديث يتّجه إلى ابتداع طرق التحكّم في إرادة الإنسان بأجهزة الكترونية، وهذا هو الإنسان الالكتروني، الذي يمكنه إشباع رغباته وحاجاته عن طريق أزرار مركّبة على جسده.
ورغم ما يُقال عن تكنولوجيا التكاثر من أنّها ما زالت في طور الخيال، وأنّها لا تعدو أن تكون حاليّاً مجرّد أضغاث أحلام، إلاّ أنّ استخدامها الناجح على مستوى الحيوان والنبات، شجّع العلماء على التفكير في تطبيق قوانينها العلميّة على الجنس البشري، وما زراعة الأجنّة، أو طفل الأُنبوب، إلاّ تجسيد حيّ لطموح الإنسان في التحكّم في خلقته وصفاته، ولعلّ جهود العلماء في هذا المضمار، تجسّد رغبة الإنسان في التوصّل إلى إكسير الحياة ؛ ليكرّس بذلك خلوده وانتصاره على الموت، الذي هو مع ذلك سنّة الله في خلقه، ونذكر هنا أنّ أحد المليونيرات الأجانب طلب إنتاج نسخة من ذاته
وأبدى استعداده لتمويل أبحاث التكاثر الجسدي. ومثل هذا التفكير يحمل في طيّاته معاني كثيرة يفهمها كلّ لبيب(١) .
وقال بعضٌ آخر من الأطبّاء: موضوع الهندسة الوراثيّة في غاية الأهمّيّة، لسبب أنْ تقرّر أنّ كلّ القرارات الإلهيّة الموجودة داخل الخليّة يبدأ البحث فيها بمنتهى الدقّة، وهي تمثّل ٣٠٠ مليون جزئيّة. العالم بدأ في دراستها علميّاً واعتمد لها ١٥ مليار دولار، فتولّت ثلاث دول هذه العمليّة: أمريكا واليابان وألمانيا الغربيّة.
ومن المنتظر أنْ يتمّ الكشف عن هذه الجينوم، أو هذه الوثيقة بعد ١٥ عاماً...(٢) .
وقيل: إنّ بداية الإنسان ما هو إلاّ خليّة واحدة فيها نواة، إذا درسنا هذه النواة نجد أنّ فيها الحقيبة الوراثية، عبارة عن ٤٦ صبغ موجودين بين ٢٣ من الأب و٢٣ من الأُمّ، هذه الصبغيّات تحمل مورِّثات، هذه المورِّثات سواءٌ كانت تتحكّم في الصفات الطبيعيّة، أم الصفات المرضيّة، عددها كبير جدّاً يُقدّر بحوالي ٢ مليون مورِّث لغاية الآن، نحن الآن لم نعرف تقريباً أكثر من (٤٣٤٠) مورِّث بعضها يقيني وبعضها ليس بيقيني... ربّما يكون الأب سليماً من مرض، ثمّ يُبتلى ابنه به لوجود الصفات الوراثيّة في نواة الخليّة، انتهى كلامه بتغيير(٣) .
أقول : هذا البحث - من ناحيةٍ علميّةٍ - طويل عريض عميق جداً، ويُقال: إنّ العلم قادر على إيجاد لونٍ خاصٍّ لشعر المولود، وكيفيّة وجهه إلى
___________________
(١) الإنجاب في ضوء الإسلام ص ١٣٨ وما بعدها.
(٢) ص ٦٣٦ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
(٣) ص ٤٩١ وص ٤٩٢ نفس المصدر، ولم أفهم وجه التفاوت بين الرقمين ( ٣٠٠ مليون ) و ( حوالي مليونين ).
غير ذلك من الإنجازات المحيِّرة للعقول العامّيّة، وتحقيق هذه المسائل وأحكامها الفقهيّة ربّما يحتاج إلى تأليفٍ مستقلٍّ، وكلّ ميسّر لما خلق لأجله.
وحيث لا سبيل لي إلى جزئيّات هذه المسألة وإلى عشرين أعشارها ؛ نقتصر على ذكر بعض الأحكام الشرعيّة، حسب ما أدّى إليه نظري، والله العاصم والهادي:
التغيير في جنين الإنسان أو نطفته ربّما يكون على نحو نعلم بعدم رضا هذا الإنسان بعد ولادته وإدراكه وبلوغه بل يتنفّر منه ويتأذّى، بل يكون له ضرريّاً، وهذا غير مباح حتّى إذا طلبه الزوجان، إذ لا ولاية لهما على أولادهما بهذه السعة والإطلاق، وقد لا نعلم بذلك أو نعلم رضاه به، وهو على أقسام:
القسم الأوّل: إن التغيير قد ينجرّ إلى ما يستلزم إفراطه في الشهوة الجنسيّة، أكثر ممّا هو عليه الآن، أو تمايله الشديد في القتل والتعدّي.
وبالجملة: يصل الإنسان بوسيلة العمليّة الطبّيّة والبيولوجية والكيمياوية إلى حدٍّ تقوى غرائزه الحيوانيّة، بحيث تضعف به قواه العقلانية، ويختلّ به النظام الاجتماعي، والسلوك الأخلاقي، والاقتضاء الروحاني، وهذا حرام غير جائز بلا شبهة، ومخالف لهدف خِلقة الإنسان، وقد لا يستلزم ذلك بل إلى حدٍّ ما من الشرور، وفي جوازه نظر وبحث.
القسم الثاني: قد ينجرّ إلى ما يرغِّبه في الطاعات والخيرات، بحيث يسلب إرادته للشرور والمعاصي، والظاهر عدم جوازه ؛ لأنّ الطاعة المقبولة المطلوبة من الإنسان ما صدر عنه باختياره:( وَ لَوْ شَاءَ لَهَدَاکُمْ
أَجْمَعِينَ ) (١) .
ومنه يظهر حرمة ما يرغبه في المعاصي بحيث يسلب عنه إرادة الصالحات، بطريق أولى.
القسم الثالث: وقد يرغِّبه الى الأفعال الصالحة والأخلاق الحميدة من غير سلب اختياره، وعندي أنّه جائزٌ بل حسن، يظهر وجهه ممّا ورد في حق الأُمّ المرضِعة وغير ذلك.
القسم الرابع: وقد ينجرّ إلى سلب إرادة الإنسان وجعله تابعاً في أفعاله - سواء كانت مباحة أو غير مباحة - إلى إرادة الغير، صالحاً كان أو شريراً، فهذا - أيضاً - غير جائز، فإنّه مضادٌّ لغرض الخِلقة، فإنّ الله سبحانه خلق الإنسان للتكامل الحاصل من العبوديّة، وإطاعة الربّ في جميع شئون الحياة، وهذا التكامل لا يحصل إلاّ بكونه مريداً مختاراً لا مجبوراً مضطرّاً.
القسم الخامس: وقد ينجرّ إلى تغييرات جسمانيّة بداع التجمّل والتحسّن، وهذا لا بأس به في حدّ نفسه، حتّى إذا سبّب طول قامته أو قصرها أو هزاله أو سمنه، فضلاً عن بياض وجهه، وشباهة عينه بعين الظبي، واصفرار لون شعره ونحو ذلك.
وقد تقدّم حكم بعض مانقلناه في أوّل الكلام هنا في المسائل المتقدّمة، والله الموفِّق.
___________________
(١) النحل آية ٩.
المسألة السادسة عشرة
التحكّم في معطيات الوراثة
عرّفت الوراثة بانتقال الصفات من الأُصول إلى الفروع، أو من السَّلف إلى الخَلَف، وهي تشمل إلى جانب الخصائص، الأمراض القابلة للتوريث(١) .
قيل: إنّ الصور المطروحة على بساط البحث لا تعدو ثلاثة أنواع، هي:
١ - النسخ ( الاستنساخ )، وهو الحصول على نسخ من الكائن دون التزاوج.
٢ - المزج بين صفات وخصائص معيّنة في المخلوق بالتصرّف في مورِّثاته.
٣ - استصفاء جنس معيّن باستبقاء عنصره في الطّور الأوّل للجنين(٢) .
أقول : أمّا الأوّل، فقد مرّ توضيحه وحكمه.
وأمّا الثاني، فقد سمّاه بعض الأطبّاء بالاستبدال، وهو كما عرّفه المختصّون: التمويل على ما للحامض النووي ( النوويك ) من خصائص ولاسيّما خاصّة الالتحام عند قصّه بحيث يمكن التحكّم في إبدال المورِّثات من خلال عمليّات معقّدة يعود تحقّق نتائجها إلى تلك الخصائص في الحامض المذكور.
___________________
(١) ص ١٤٩ الإنجاب في ضوء الإسلام.
(٢) ص ١٥١ نفس المصدر.
فإن اتّجه هذا التصرّف إلى العلاج من علّة، سواءٌ كانت مرضاً وراثيّاً قائماً بالجسم، أم انحرافاً في الطبيعة الأصليّة، أم تقاصراً عن القدر المألوف فيها ؛ فإنّه ممّا يندرج في التصرّفات المشروعة شرعاً، وإمّا إن اتّجه إلى سلب الإرادة حتّى في جانب الخير، أو إلى الانحراف بالسجايا إلى الميول الشرّيرة، فلا يجوز، كما لا يجوز كلّ ما يُؤثر على الفطرة الأصليّة، سواء كان بأسباب مادّيّة منضبطة: كالإسكار والتخدير، والإكراه الملجئ أو بأسباب أُخرى خاصّة، كالذي يتعاطاه السحرة النافثون في العُقَد، أو الحسدة هواة الإصابة بالعين، أو المرجفون، وما إلى ذلك من المؤثِّرات المعنويّة، أو النفسيّة السلبيّة أو المفسدة.
فلا يقلّ عن هذه التصرّفات في الخطورة، ما يصل إليه الإنسان من نتائج بالوسائل المادّيّة المختبريّة والإجراءات الطبيّة، فكلّ مِن هذا وذاك استجابة لأمر الشيطان، ومطاوعة لنزغاته بالقيام بالتصرّف المُعْتَبر سبباً تنشأ عنه مسبِّبات منسجمة مع ذلك التغيير، فإنّ الله ربط الأسباب بالمسبِّبات، والحكم كما يتعلّق بالمباشر، يتعلّق بالتسبّب إذا ما توفّرت صلته السببيّة كما ذكره بعضهم(١) ولا يخلو عن متانةٍ وصحّةٍ.
وأمّا الثالث، وهو التحكّم في جنس الجنين بعد تشخيصه(٢) فهو - أيضاً - في حدّ نفسه جائز، وقد مرّ تفصيله.
___________________
(١) ص١٥٨ نفس المصدر.
(٢) وفسّر الاستصفاء بعضهم بالاصطفاء لأحد الجنسين على الآخر.
المسألة السابعة عشرة
حكم البييضات الفائضة
تبقى من البييضات المخصبة في أُنبوبة المختبر، إذ يمكن تلقيح عشرين بويضة ولا يحتاج إلاّ إلى اثنين أو ثلاثة، فما هو حكم البقيّة الفائضة ؟
الأسئلة الشرعيّة المتعلِّقة بالمقام أُمور:
١ - هل يجوز إهدارها والإزهاق بها أو يحرم ؟
٢ - هل تجب الديّة بإهدارها ؟
٣ - هل يُعزل لها من الإرث سهمها ؟
٤ - ما هو الحكم بالنسبة إلى عدّة صاحبتها ؟
٥ - هل يُعطّل الحدّ الشرعي بالنسبة إلى صاحبتها ؟
٦ - مَن يملك التصرّف فيها ؟
٧ - هل يجوز نقلها في رحم صاحبتها بعد وفاة زوجها، أو بعد طلاقها ؟
وإليك أجوبة هذه الأسئلة مستعيناً بالله تعالى:
أمّا السؤال الأوّل فجوابه: أنّه لا مصرف للبييضات الفائضة إلاّ رحم صاحبتها أيّام حياة زوجها، فإن أمكن وجب إبقائها على الأحوط، حتّى تُنقل إليها، وإن لم يمكن - ولو بانصراف صاحبتها عنها - فلا بُدّ من إتلافها ؛ حذراً من استعمالها على نحو الحرام شرعاً.
نعم، إذا كانت البييضات في الأُنبوبة في مسير حياتها الإنسانيّة، وأمكن ذلك طبّيّاً، ولم يستلزم المؤنات الكثيرة ؛ فالأحوط لزوماً إبقاءها، بل إذا تعلّق
بها الروح وجب حفظها، مهما أمكن ؛ فإنّها نفسٌ محترمةٌ يحرم إتلافها، بلا فرق بين كونها في رحم، أو في أُنبوبة، أو في محلٍّ آخر.
وجواب السؤال الثاني: أنّه إذا وجب إهدارها لا ديّة لها، وإذا تعلّق بها الروح، وأمكن حفظها، وجبت الديّة جزماً على مَن أتلفها، وإذا لم تتعلّق بها الروح، وكان في مسيرها إلى الحياة الإنسانيّة فالأحوط لزوماً وجوب الديّة بالشرطين المذكورين، ( أيّ إمكان حياتها إلى ولادتها في الأُنبوبة طبّاً، ووجود مَن يقوم بمؤنتها ).
وعلى كلٍّ، الأحوط للطبيب أنْ لا يخصب البيضات أكثر من حاجة صاحبتها.
وجواب الثالث: أنّها إذا تعلّق بها الروح، وخرجت من الأُنبوبة إنسانا حيّاً يرث أباه، وقد مرّ الإشكال في نسبه إلى صاحبة البويضة، فإنّ الحكم بأُمومتها مع قوله تعالى:( إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ) (١) مشكل، وإذا علموا بعدم خروجها حيّةً فلا يعزل له سهم، وأمّا إذا شكّ فالأحوط عزل السهم له، وكذا إذا علم بخروجه حيّاً من الأُنبوبة.
ويمكن أن يُقال بعدم وجوب عزل سهمٍ له، لأنّ موضوعه الحمل، ولا يصدق على ما في الأُنبوبة حمل بوجه، فإذا خرج حيّاً وقد قسّم الورثة الإرث بينهم، عليهم أن يردّ كلُّ واحدٍ من سهمهم ما يبلغ حقّ الحيّ المذكور.
وأمّا جواب الرابع: فهو منفيٌّ جزماً، فإنّ وجود البييضة في الأُنبوبة لا تجعلها حاملاً، وهذا واضح.
___________________
(١) المجادلة آية ٢.
وجواب الخامس: أنّه لا يُعطّل الحدّ عليها، نعم إذا فرضنا الجنين في معرض الخروج عن الأُنبوبة حيّاً، ولا توجد له حاضنة ومربّية سواها، ففي جريان الحدّ عليها تردّد، وتحقيقه في محلّه.
وجواب السادس: أنْ حق الأولويّة لصاحب الحيوان المنوي وصاحبة البويضة، وإذا مات أحدهما سقط حقّ الاستفادة عن البويضة المخصَّبة نهائيّاً كما ظهر ممّا سبق.
وأمّا جواب الأخير فقد اتّضح ممّا سبق، وأنّ النقل المذكور غير جائز.
بقي في المسألة أُمورٌ ينبغي ذكرها:
١ - إذا أُخصبت البييضة بحيوانٍ منويٍّ من غير الزوج، ثمّ تزوّج بصاحبتها، فهل يجوز نقلها إلى رحمها بعد الزواج ؟ فيه وجهان: أقربهما الجواز لعدم المانع، وهذا غير مَن حملت من أجنبي ثمّ زُوّجته، فإنّ الولد ولد زنا، ولا يرث من الرجل، ولا يخرج الولد بالعقد اللاحق عمّا انعقد عليه من الزنا بلا شبهة. نعم هو ولده لغةً وطبّاً، ولكنّه ليس بولده بحيث يرث منه ويورِث، كما مرّ.
٢ - إنّ زراعة خلايا بشريّة جنينيّة من خلال ثقب صغير بالجمجمة بمقدار ستّة مليمترات مكعّبة، بالأُسلوب الجراحي المجسّم، قد تمّت في تشيكوسلوفاكيا في أغسطس ١٩٨٩(١) ، فإذا أمكنت زراعة البييضات الفائضة في ذلك فلا بأس به شرعاً، كما أنّ زراعة خلايا بشريّة من جنينٍ ساقطٍ - أيضاً - لا مانع منه، لكنّ جواز الأوّل في فرض كون البييضات الفائضة
___________________
(١) ص٦٥ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
من صاحبة الجنين لا غير، كما عرفت سابقاً، نعم الخلايا غير المنويّة من أحد لا بأس بزراعتها في بدن جنينٍ آخر.
٣ - قيل: يمكن الاحتفاظ باللقيحة الى خمسين سنة، يعني حتّى إلى ما بعد المعدّل الأقصى لعمر الأبوين، إذ المعتاد أنْ لا يباشر الأطبّاء عملية التلقيح المُجرى إلاّ ما بعد الثلاثين سنة من عمر الأبوين(١) .
٤ - قيل: إنّه يمكن استخراج خمسين بويضة من امرأةٍ واحدةٍ، وإنّ أحد مراكز أطفال الأنابيب كان لديه ١٢٠٨ جنيناً فائضاً، أُودعت الثلاّجات وجمدت من ٤٣٢ امرأة أُجريت لهنّ عمليّة طفل الأُنبوب(٢) .
أقول : للحكومة منع إنشاء الأجنّة الفائضة عن مقدار الحاجة بتاتاً ؛ سدّاً لذرائع الفساد والحرام، لأجل حصول الثروة - كما منعت ألمانيا الغربية على ما نُقل - بل الأحسن منع استخراج البييضات الفائضة عن حاجة الزوجين مطلقاً.
___________________
(١) ص١١١ وص١١٢ نفس المصدر.
(٢) ص١٧٤ نفس المصدر.
المسألة الثامنة عشرة
في دفع الموت في الجملة
من الممكن قدرة الطبّ - في مستقبلٍ قريبٍ أو بعيدٍ - على حفظ الصحّة العامّة للبدن وحفظ خلاياه عن الفتور والفساد، فلا يُستبدل الشباب بالهرم والشيخوخة، فيدفع الموت ويطيل عمر الإنسان، بل تأثير الطبّ في دفع الأمراض المُهْلِكة، وتكثير النسل الإنساني، وطول العمر في الجملة، واقعٌ بالفعل ومن زمنٍ ولا مجال لإنكاره.
وقد يُتوهم حرمة دفع الموت شرعاً لجريان سنّة الله، على أنّ كلّ نفس ذائقة الموت، قال الله سبحانه وتعالى:
( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ... ) (١) ، وقال تعالى:( وَ اللَّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاکُمْ ) (٢) ، وقال سبحانه:( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيکُمْ ) (٣) .
أقول : إنْ أراد هذا القائل أنّ الله تعالى أراد موت كلِّ إنسانٍ حين أجله، استناداً إلى هذه الآيات وأمثالها، فلا يجوز دفعه ؛ لأنّه تعجيز له تعالى ! فهو هذيان، والقائل به جاهل بالله وقدرته، وربّما لا يكون مؤمناً، قال الله تعالى:
( وَ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ کُنْ فَيَکُونُ ) (٤) ، وقال تعالى:( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ) ، وقال سبحانه:( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي
___________________
(١) النساء آية ٧٨.
(٢) النحل آية ٧٠.
(٣) الجمعة آية ٨.
(٤) البقرة آية ١١٧.
السموات ولا في الأرض ) (١) وقال تعالى:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) (٢) .
وبالجملة: بطلان هذا التخيّل على ضوء العقل والدين غير خفي، وقد ثبت في محلّه أنّ الكائنات تفتقر إليه تعالى في وجودها وصفاتها وأفعالها، حدوثاً وبقاءً.
على أنّ تأثير الأسباب في المسبَّبات، ووصول الإنسان الساعي إلى الأسباب - أيضاً - من سنّة الله ومشيئته، وقال سبحانه:( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ ) (٣) ، وقال سبحانه:
( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ ) (٤) .
وهل علم الإنسان وقدرته إلاّ قطرة مفاضة من علمه وقدرته اللذين لا يت-ناهيان.
ولبّ الكلام: أنّ البحث في إرادته التشريعيّة التي هي بمعنى طلبه تعالى شيئاً أو تركاً من المكلَّف، من طريق إرادته واختياره، فقد يمتثله المكلَّف وقد يعصيه. لا في إرادته التكوينيّة التي يستحيل تخلّف المراد عنها، بناءً على وحدة واجب الوجود واستحالة الشرك. وهذا، فليكن ببال القرّاء في جميع مطالب هذا الكتاب وغيره.
وإن أراد القائل المذكور أنّ دفع الموت حرام على المكلَّفين، فهذا شيءٌ ممكنٌ عقلاً، لكنّه باطلٌ ؛ لعدم دليل في الكتاب والسنّة يدلّ على
___________________
(١) فاطر آية ٤٤.
(٢) الأنفال آية ٥٩.
(٣) البقرة آية ٢٥٥.
(٤) الرحمن آية ٣٣.
حرمته، بل لا شكّ في جواز المواظبة على أساس التوصيات الطبّيّة على صحّة البدن، وطول العمر، ولزوم العلاج على المريض بكلّ الوسائل الممكنة، كما سبق.
وإنْ أراد أنّ الله سبحانه وتعالى أخبر بانّ كلّ إنسانٍ يموت، وهذا يكشف عن عدم إمكان دفع الموت، فكلّ محاولةٍ له تصبح فاشلةً لا محالة، فتحرم لكونها عبثاً وإسرافاً للمال، فممنوع أيضاً ؛ لأنّ الطبّ لا يدّعي - ولا يصحّ له أن يدّعي - دفع الموت عن الإنسان بنحوٍ مطلق، وأنّه لا يموت أصلاً، ضرورة أنّ للموت أسباباً، غير صحّة البدن ونشاط الخلايا، كالغرق والحرق والقتل وافتراس مفترس وغير ذلك، والله سبحانه قادر على إماتة الإنسان بكلّ هذه الأسباب.
والطبُ إنّما يدّعي دفع الموت عن طريقٍ واحدٍ وسببٍ فاردٍ، فلا تناقض بين الأخبار عن موت كلّ أحدٍ، وقدرة الطبّ على دفع الموت عن بعض الأفراد، وهي من قدرة الله وتقديره.
وفي الدِّين ما يؤيّد إمكان الطبّ على دفع الموت وتطويل العمر: بحفظ الخلايا، ودفع الأمراض، من بقاء عيسى بن مريمعليهالسلام على أظهر الأقوال، بل وببقاء الخضرعليهالسلام كما اشتهر، وببقاء وليّ العصر، وناموس الدهر، المهدي الموعود المنتظر - عجّل الله تعالى فرجه - على عقيدتنا الشيعيّة الإماميّة.
فإن قيل: إنّ القرآن يقول بأنّ لكلّ أُمّةٍ أجلٌ لا يستقدمون منه ساعة ولا يستأخرون(١) ، فأيّ أثر للطّب ؟
يُقال له: لا شكّ في صدق القرآن في
___________________
(١) الأعراف آية ٣٤، ويونس آية ٤٩.
إخباره، لكن من أين علمت أنّ أجل مَن ينتفع بالطبّ، ويستفيد من العلم الحديث ثمانون سنةً فقط لا ألف ومئة وثمانون سنة، أو أنّه مليون سنة.
والواقع أنّ كثيراً من مدّعي العلم، الذين ليسوا من الراسخين في المعارف الإسلاميّة، وجميع الملحدين المادّيّين، يتخيّلون إرادة الله تعالى وأفعاله في عرض الأسباب الطبيعيّة، فتحيّروا ضلالةً وجهالةً، بل ألحد المادّيّون بأنّ الأسباب المادّيّة تُغني عن الخالق المدبِّر المريد، ولو علموا أنّ إرادة الله وأفعاله في طول الأسباب المادّيّة، وأنّ الموجودات محتاجة إلى إفاضته تعالى في جميع شؤنها حدوثاً وبقاءً ؛ لم يضلّوا ولن يلحدوا، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أنّ هدانا الله.
نعم أجل كلّ إنسانٍ يُحدّد في ضمن الأسباب المادّيّة لا خارجها، وفهم ذلك ينفعك في مقامات كثيرة بإذن الله المنّان دائم الفضل.
وفي الأخير تخيّل متخيّل: أنّ دفع الموت يهدم تشريع الميراث الذي اهتمّ به الشارع، وهو خبط عشواء، فإنّ أحكام الإرث تترتّب على الموت وإنّما اهتمّ بها الشارع في فرض الموت، فإذا زال الموضوع أو تأخّر زالت الأحكام أو تأخّرت بتبعه، كما أنّ الأحكام المتعلّقة بالسفر والمسافر، من قصر الصلاة وإفطار صوم رمضان تزول بزواله.
وبالجملة: الأحكام لا توجب حفظ الموضوع بل تترتّب إذا تحقّق، وليكن هذا واضحاً.
ولنا أنْ نقول على سبيل النقض والجدل: إنّ الإيمان بالله وباليوم الآخر وبالرسولصلىاللهعليهوآله واجب ومن أهمّ الواجبات، فيجب حفظ الحياة، وإطالة العمر، لحفظ الإيمان بالله تعالى وتحصيل مرضاته !
المسألة التاسعة عشرة
نهاية الحياة الإنسانيّة
( ١ )
نظر الشريعة الإسلاميّة
المفهوم من القرآن المجيد أنّ موت الإنسان - وهو نهاية الحياة الإنسانيّة - بأخذ روحه، وهو انقطاع اتّصال الروح وتدبيرها عن البدن انقطاعاً نهائيّاً غير مؤقّت.
قال الله تعالى:( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا... ) (١) ، وقال:( قُلْ يَتَوَفَّاکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ الَّذِي وُکِّلَ بِکُمْ ) (٢) ، وقال:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِکَةُ ) (٣) ... وقال:( كلّ نفسٍ ذائقة الموت ) (٤) ، وقال:( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) (٥) ، وقال:( إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) (٦) ، وقال:( إذا بلغت التراقي ) (٧) - بناءً على رجوع الضمير المستتر في كلمة( بلغت ) إلى النفس أو الروح وقوله:( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى
___________________
(١) الزمر آية ٤٢.
(٢) السجدة آية ١١.
(٣) النحل آية ٣٢.
(٤) آل عمران ١٨٣ وغيرها.
(٥) الأنعام آية ٩٣.
(٦) الواقعة آية ٨٣.
(٧) القيامة آية ٢٦.
رَبِّکِ... ) (١) ، وغيرها من الآيات.
وليكن هذا واضحاً مسلّماً غير قابل للخلاف والنقاش في الشريعة الإسلاميّة(٢) …، لكن لحظة انقطاع الروح غير محسوسة ولا منصوصة، فهل لها علامة طبيّة وما هي ؟
هل هي سكون القلب عن النبض كما يقول به الأطبّاء القدامى ؟
أو موت جذع المخّ كما يعتقد به الأطبّاء الجدد ؟ أو كلاهما ؟
لا شكّ أنّ إدراك الكليّات والعواطف الإنسانيّة: كالإيثار، وحبّ العلم والكمال، وحب الله تعالى، وغيرها، من أبرز آثار الروح والنفس الإنسانيّة، بل وكذا الإحساس والحركة الإراديّة.
وربّما يتوهّم متوهّمٌ أنّ الحسّ والحركة الإراديّة من خواصّ النفس الحيوانيّة دون الإنسانيّة لثبوتهما في الحيوانات أيضاً، لكنّه توهُّمٌ خاطئ، فإنّهما وإن وُجدا في الحيوان والإنسان معاً، لكن ليس للإنسان نفسٌ حيوانيّة في قِبال النفس الإنسانيّة، ليستند إليها الحسّ والحركة، بل هما يستندان إلى النفس الإنسانيّة، ومن هنا جعل الاستهلال والحركة في المولود علامتين لحياته في الأحاديث(٣) .
كما لا شكّ في علم الطبّ، وعلم الجنين، وغيرهما، لحدّ الآن أنّ القلب - كاليد والرجل والأنف والكبد والكلية ونحوها - لا حسّ له ولا علم ولا إدراك، بل هو أجنبي عن العواطف الإنسانيّة أيضاً، وهي من آثار المخّ
___________________
(١) الفجر آية ٢٨.
(٢) والمتأمِّل المتدبِّر في هذه الآيات يفهم أنّ قوله تعالى:( ثمّ أنشأناه خلقاً آخر ) يُراد به ظاهراً إنشاء اتصال الروح بالجنين، وبه تبدأ الحياة الإنسانيّة. فافهم ذلك جيّداً.
(٣) ص٣٥٠ وص٣٥١ ج٢٤ جامع أحاديث الشيعة.
والدماغ.
وبتعبيرٍ دقيقٍ: عندنا أنّها من آثار الروح بتوسّط المخّ.
وثبت علميّاً - أيضاً - أنّ للقلب حركة قبل تمام أربعة أشهر بكثير، وتُسمع دقات قلب الجنين بالآلات الحديثة الطبّيّة، فليس الحياة الإنسانيّة تدور مدار حركة القلب حدوثاً، ولا بعد في أن لا تدور مدارها في البقاء والاستدامة، فكما تبدأ حركة القلب قبل الحياة الإنسانيّة، يمكن بقاءها بعد نهايتها، خلافاً للأطبّاء المتقدِّمين.
وحينئذٍ هل يصح أنْ نذهب إلى قول الأطبّاء الجدد بأنّ موت جذع المخِّ هو علامة انقطاع الروح عن البدن ؟
وهذا يتوقّف على أمرين:
١ - إثبات انقطاع الروح عند موته نهائيّاً وكليّاً عن البدن، ولا يكفي ذهاب الوعي والحسّ وغيرهما، إذ لعلّه لفساد الآلة - وهو المخّ - دون انقطاع الروح، كذهاب البصر بفساد العين، فلا تبصر الروح لكن عدم إبصارها لا يكشف عن انقطاع علاقتها عن البدن، فاحتمال بقاء الروح واتّصاله ببعض البدن - ولو ضعيفاً وفي الجملة ولدقائق قصيرة - لا نافي له، والعلوم التجربية - ولو في المرحلة الراهنة - قاصرة عن نفي الاحتمال المذكور، كما أنّ العقل عاجز عنه - أيضاً - والدين ساكت عنه.
٢ - إثبات أنّ المخّ غير قابل للتعويض، ولا للإصلاح عند خرابه، بخلاف القلب، فإنّه قابلٌ للتعويض حتّى بقلبٍ بلاستيكي.
لكنّ عدم تيسّر تعويضه وإصلاحه، لعلّه لقصور الطبّ في دوره الحاضر، لا لعدم إمكان التعويض أو الإصلاح في نفسه، وما أدراك ما هو تطوّر الطبّ في مستقبلٍ بعيدٍ أو قريب(١) ؟
فحصول الموت وحدوثه
___________________
(١) ويمكن أن يُدفع هذا الإيراد بما سيجيء في الفصل الرابع، في جواب الاعتراض الرابع، فتأمّل.
بسكون القلب وإن لم يدلّ عليه دليل، بل هو مرجوح لكنّه بموت جذع المخّ - أيضاً - لم يصل إلى حدّ اليقين، وإنْ كان راجحاً.
ولو سألتني عن الحقّ، ف أقول لك: إنّ لحظة بدء الحياة الإنسانيّة(١) ، ولحظة نهايتها لم تثبتا بدليلٍ قاطعٍ، فإنّ تعلّق الروح وانقطاعها غير محسوسَين، ولا مُدرَكين للعقل، ولا منصوصَين بنصٍّ قاطعٍ دينيّ.
ثمرة القولين:
ربّما يموت المخّ - ونعني به جذعه لا قشره - والقلب ينبض، وهذا على قسمين:
الأوّل: ينبض القلب تلقائيّاً.
الثاني: ينبض بآلةٍ صناعيّةٍ بحيث لولاها لسكن القلب بالمرّة.
لا يبعد الحكم على صاحب المخّ المذكور بالموت على الفرض الثاني، فإنّ قلبه كمخّه مات هو ميّت، وتحريك قلبه بآلة خارجيّة لا تؤثِّر في إعادة حياته أو إدامتها، وفي الفرض الأوّل، الحكم بموته مبنيٌّ على القولين المذكورين عند الأطبّاء قديماً وحديثاً.
وستعرف أنّ للميّت أحكاماً كثيرة يختلف ترتيبها في هذه الفاصلة(٢) ، فللبحث المذكور ثمرات كثيرة شرعيّة، أهمّها عند الأطبّاء: نزع
___________________
(١) تقدّم أنّ ما دلّ على تعلّق الروح بعد تمام أربعة أشهر بالجنين، غير خالٍ عن النقاش والخلل.
(٢) يقول طبيبٌ: عند توقّف الدورة الدمويّة، إذا كان ضغط الدم عند المريض طبيعيّاً، وهو في سكتةٍ قلبيّةٍ مفاجِئةٍ، فإمكانيّة أخذ عضوٍ لكي يُزرع لآخر لا تتجاوز وقتاً كبيراً من بين ١٥ إلى ٢٠ دقيقة. ( ص٥٧٢ الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها ).
ويقول طبيبٌ آخر:... ولكن الآن وبواسطة التطوّرات الطبّيّة والعلوم الحيويّة
=
القلب لزرعه في بدن غيره في هذه الفاصلة العابرة، إذ تأخيره ربّما يُفسد القلب فلا يصلح للزرع.
وإمّا الكِلية، فإن أوصى صاحبها بنزعها مطلقاً، ومن دون تحديدٍ بزمانٍ ما بعد الموت، أو صرّح به بالفعل، فيجوز نزعه في تلك الفاصلة، إذا لم يكن له خطر زائد على حياته القصيرة، وإمّا إن علّقه على موته، فحاله حال القلب في الجواز، وعدمه على القولين.
توضيح وتقييم:
أقول : لتوضيح محلّ البحث نذكر صوراً تخطر بالبال عاجلاً:
( الأُولى ): موت تمام المخّ، أي جذعه وقشرته وتوقّف القلب.
( الثانية ): موت تمام المخّ، وحركة القلب صناعيّةٌ بعد توقّفه.
( الثالثة ): موت تمام المخّ مع حركة القلب تلقائيّاً.
( الرابعة ): حركة القلب صناعيّة بعد توقّفه، ثمّ تجديد عمل المخّ بعد موته.
___________________
=
أمكن تغذية القلب والرئة والأعضاء الأُخرى، بوسائل صناعيّة لمدّة معيّنة أقصاها أسبوعان، ولو أنّ المخّ قد سبق وإن مات، وفي نظري أنّ الإنسان كما نعرفه أيضاً قد مات، وهذه التطوّرات - مع الأسف - خلقت اختلافاً في تحديد وقت الموت... هل هو وقوف القلب، كما في التعريف الطبّي القديم ؟
أو وقوف عمل المخّ، كما في التعريف الجديد، والذي يؤدّي إلى وقوف أعمال الأعضاء الأُخرى إذا لم نجد الوسائل الصناعيّة ؟
وقد يصل الفرق في وقت الموت إلى أُسبوعين بسبب اختلاف التعريف، انتهى.
أقول: فيه نظر يظهر ممّا ذكرنا في المتن آنفاً.
( الخامسة ): موت المخّ وتوقّف القلب مع حياة بعض أعضاء البدن.
( السادسة ): موت جذع قشرة المخّ وحياة جذع المخّ مع الصورة المتقدِّمة.
أقول : وفي الصورة الأُولى موت الفرد متحقّق عند جميع الأطبّاء القدامى والجدد.
وليكن في الثانية - أيضاً - كذلك عندهم، إذ لا أثر للتحريك الصناعي المذكور.
والثالثة: هي محلُّ الخلاف بين القدماء والمتأخِّرين من الأطبّاء، فعلى قول الأوّلين يُحكم بحياة الفرد، وعلى قول الآخرين بموته.
وفي الرابعة: لا مجوّز للحكم بموت الفرد، بل هو حيّ بحياة إنسانيّة.
وفي الخامسة: يحكمون بموته، فلاحظ أقسام الحياة في الفصل الرابع الآتي ذكره عن قريب.
وفي السادسة: احتمالان:
الأوّل: أنّ موت قشرة المخّ يستلزم بطلان الحياة الإنسانيّة، إن صحّ ما ادّعى بعض الأطبّاء من أنّ قشرة المخّ هي التي تميّز الإنسان عن الحيوان، بما رزقه الله من مَلَكَات إنسانيّة، وقال: إنّ جذع المخّ هو الحدّ الأدنى اللاّزم للحياة. ولا عبرة بالحياة غير الإنسانيّة، كما يأتي في الجواب عن الاعتراض السابع في الفصل الرابع.
الثاني: أنّ بقاء الحياة في جذع المخّ تكشف عن بقاء علقة الروح الإنسانيّة بالبدن، وفقدان الوعي وسائر المَلَكَات لفساد الآلة والعضو، فلا يكشف عن بطلان الحياة الإنسانيّة، ولا اقل من الشكّ في ذلك فيعامل معه معاملة الإنسان الحيّ استصحاباً.
وبعد، فإنّ تحديد انقطاع علاقة الروح بالبدن بالدقّة في الفروض المذكورة - سوى الأوّلَين - غير واضح تماماً، والله العالم.
( ٢ )
موضع المخّ(١) من وجود الإنسان
الخليّة وإن تمثّل حياةً إلاّ أنّ حياة الغالبيّة العظمى من خلايا جسد الإنسان، وكذلك أعضائه التي يحتويها هذا الجسد، لها حياتها المستقلّة عن حياة الإنسان كفرد ؛ بدليل أنّنا يمكن أنْ نأخذ بعض خلايا من جسم الإنسان لزراعتها ودراستها بالمعمل، ولا تفقد حياتها بخروجها من جسم الإنسان، ومن الأمثلة الأُخرى استئصال كلية حيّة من جسم إنسان لزراعتها في جسم إنسانٍ آخر، إنّها لا تفقد حياتها، ولا تكسب حياةً جديدة من الجسد المنقولة إليه، بل تحيا بحياتها الأُولى طالما توافرت لها إمكانيّة الغذاء المناسب.
فالقلب والرئتان والكبد والكلى يمكن استئصالها واستبدالها بأعضاء أُخرى إنسانيّة، أو حتّى بلاستيكية، مع استمراريّة الذات الإنسانيّة وعدم تغيّرها إلاّ المخّ.
قد نظنّ الآن أنّ النفس الإنسانيّة تكمن في مخّ الإنسان ؛ لأنّه مكان استقبال جميع الحواسّ من: سمعٍ وبصرٍ وشمٍّ وذوقٍ ولمسٍ، إنّه مكان الاستقبال الوحيد من العالم الخارجي، كما أنّه يحتوي على مخازن الذاكرة من قراءات وسمع وبصر وغيرها والخبرات السابقة ومكان التفكير والابتكار، وبه تمّ إرساء الطباع والعادات والمثل المكتَسبة والمميِّزة لكلّ إنسانٍ، ومكان تواجد الغرائز الموروثة، كما أنّه مصدر الأفعال المترتّبة على ما
___________________
(١) الدماغ يبدأ تكوينه بعد تلقيح البويضة بأسابيع، ويكتمل في الأُسبوع الثاني عشر. ص١٢٧ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
يستقبله من معلومات.
ولو نظرنا بتكبيرٍ مجهريٍّ داخل المخّ ؛ لوجدناه يتكوّن من ملايين الخلايا العصبيّة، التي تشبه البطّاريّات الكهربائيّة الصغيرة، يترجم فيها كلّ شيءٍ من: أحاسيس وأفكار ورغبات إلى ومضات كهربائيّة، تحملها أسلاكٌ دقيقة معزولة تنتهي إلى أطرافٍ دقيقةٍ تترجم هذه الومضات السابقة إلى طاقات كيميائيّة، تقوم بدورها بتنبيه خلايا أُخرى، وهكذا تستقبل الأحاسيس من سمعيّة وبصريّة، وخلافه وتنفّذ المهام من فكر وأفعال.
وهنا يجب أنْ نلاحظ أنّ جميع الأحاسيس الواردة للمخّ، وأيضاً جميع الإشارات الصادرة عنه لتنفيذ المهام، تصل منها للعلم إلى مكان معيّن للمخّ يكون باستمرار على علمٍ تامٍّ بمجريات الأُمور، وذلك هو جذع المخّ، وعلى الأدق: نسيج معيّن داخله يُسمّى النسيج الشبكي.
وهذا الجزء له تأثيرٌ كبيرٌ على أجزاء المخّ الأُخرى، وقد أثبتت البحوث الكثيرة أنّ هذا النسيج الشبكي هو المسؤول عن وَعي الإنسان(١) ، وأنّه إذا فقد الإنسان وعيه لسبب أو آخر فإنّ ذلك يحدث ؛ لأنّ هذا النسيج قد تعرض لضررٍ ما، وذلك كالإصابة في الحوادث، أو بالتأثير من السموم أو الأمراض.
ويدخل في ذلك التخدير أو تعاطي العقاقير من منوِّمةٍ ومهدِّئةٍ مهلوسةٍ، وهو المسؤول عن نوم الإنسان ويقظته... ويبدو لنا الآن أنّ هذا
___________________
(١) قيل: يمكن أنْ يتلف النصفان الكرويان ويستمرّ الإنسان في الحياة ؛ لأنّ جذع المخّ هو الذي ينظّم التنفّس، وبالتالي يستمرّ المريض أو المصاب في الحياة، وإنّما ذهاب النصفين الكرويين يعني: فقده للإحساس وللحركة وللفهم وللكلام وللسمع، ولكنّه كائنٌ حيّ بالحياة الجسديّة، ص٧٧ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
هو في الغالب مكمن النفس الإنسانيّة(١) .
وعند توقّف القلب عن العمل نهائيّاً لأيّ سببٍ من الأسباب، يتبعه فوراً فقدان الوعي وتوقّف التنفّس، وهما وظيفتان من وظائف المخّ الذي لا يتحمّل توقّف دورته الدمويّة إلاّ لثوان معدودة، ولو أنّ الخلايا تظلّ حيّةً لبضع دقائق، إلاّ أنّها تتوقّف في أثنائها عن العمل(٢) .
وأمّا العضلات والعِظام والجلد، فقد تستطيع الحياة لمدّة ساعات بعد توقّف القلب والدورة الدمويّة. وقد يمكن أحياناً أن يعود القلب للعمل، ويبدأ التنفّس الذاتي في العمل من جديد ( في الدقائق اليسيرة ) ويعود الإنسان إلى وعيه، ففي هذه الفترة الحرجة التي يُعتبر الإنسان فيها ميّتاً بكلّ المقاييس الإكلينيكيّة الطبيّة، ولكنّه بالفعل لا يكون ميّتاً ؛ لأنّ مخّه ومن ثمّ معظم أعضاء الجسم لا زالت حيّةً.
وقد يعود القلب والتنفّس للعمل بعد فترة الدقائق الأربع، بعددٍ من الثواني ولكنّ قشرة المخّ الحسّاسة قد تكون تلفت جزئيّاً أو كليّاً على حين تستمرّ أجزاء المخّ الأُخرى، ومنها جذع المخّ في العمل، وقد يحدث هذا التلف نفسه نتيجة هبوطٍ شديدٍ في ضغط الدم لفترةٍ طويلةِ حتّى بدون
___________________
(١) وسيأتي توضيح حول كيفيّة تعلّق الروح بالبدن عن قريب، إن شاء الله، ولا عبرة بتعابير مثل الكمون والمكمن وأمثالهما فإنّها غير دقيقة.
(٢) لكن نقلت وكالات الأنباء في الشهر السابع من ١٩٩٦ م: أنّ امرأةً صينيّة توقّف قلبها ٤٥ دقيقة إثر اتّصالها بالبرق، ثمّ رجع قلبها إلى الحركة، واحتيت وقال الأطبّاء: إنّه لم يُرَ لحدّ الآن مَن رجع إلى الحياة بعد توقّف قلبه وجهاز تنفّسه في هذا الوقت الطويل.
ولاحظ أوّل حاشية في الفصل الرابع جواباً لهذه المشكلة، فما ذكرته وكالات الأنباء إنّما يصير مشكلةً إذا علم الأطبّاء توقّف القلب، لا توقّفه عن النبض فقط.
توقّف القلب والتنفّس، وذلك لوصول الغذاء للمخّ بكمّيّات غير كافية في هذه المدّة، وقد يحدث ذلك نتيجة إصابة شديدة غير مميتة للمخّ، ولا علاج حينئذٍ، فخلايا المخّ التي تموت لا يمكن تعويضها.
وفي حالة فقدٍ كاملٍ للوعي يستمرّ هذا الإنسان في حياة جسديّة مدّة حياةٍ كاملة ؛ على هذا الوضع بالرعاية الطبيّة، ويتنفّس ذاتيّاً ؛ لأنّ جذع المخّ سليم، لكن مثل هذه الحياة لا يكون إلاّ داخل مستشفى، وهي بالتأكيد كارثة اقتصادية، مع انعدام الأمل في عودة المريض إلى وعيه، وقد شُوهد مريض كذلك استمرّت حياته ( ١٥ ) عاماً في أُوربا(١) .
وقد يموت المخّ أوّلاً فيؤدّي إلى وفاة الإنسان، حتّى إذا كانت بقيّة الأعضاء الأُخرى، بما في ذلك القلب سليمة، كما في بعض إصابات الرأس الشديدة في حوادث الطرق، أو السقوط من أماكن مرتفعة وغير ذلك، فيموت المخّ بالكامل، أو أساساً جذع المخّ، وطبيعي تبدأ سلسلة الموت في هذه الحالة بفقد الوعي، وتوقّف التنفّس وانقطاع الأُوكسجين عن الدم، إنّ الدورة الدمويّة التي ما تزال تعمل، ينقص فيها الأُوكسجين ويتراكم ثاني أوكسيد الكربون، وبالتدريج تموت بقيّة الأعضاء الأُخرى، ولا يعود المخّ بتزويد الجسم بالأُوكسجين بواسطة أجهزة التنفّس الصناعي، فإنّ خلايا
___________________
(١) إذا قلنا إنّه لسلامة جذع مخّه حيّ ومحكوم بالحياة، لكن لا يبعد أنْ نقول بعدم وجوب حفظه عن الموت ؛ لأنّ هذا الوجوب لم يدل عليه دليلٌ لفظيٌّ نتمسّك بإطلاقه، كما لا يخفى على الخبير المتعمّق في الفقه، ولا يشتبه عليك وجوب حفظ النفس المحترمة بحرمة قتله وبينهما بونٌ بعيدٌ، وعليه، فإذا لم يدفع المال لحفظه - والحال هذه - وقطع الطبيب الآلات الطبّيّة فمات نهائيّاً لا ترجع تبعة موته إلى أحد، فقد أماته الله سبحانه وتعالى، فلاحظ وتأمّل، ولاحظ ما ذكرنا في ج٣ من كتابنا حدود الشريعة، مادّة الحفظ ؛ تعلم أنّ وجوب الحفظ لا يشمل مثل المقام.
المخّ التالفة لا يمكن تعويضها.
والخلاصة: إنّ توقف القلب عن العمل لا يعني بالضرورة الوفاة ( فترة الدقائق الأربع ) كما أنّ استمرار القلب في العمل بعد موت المخّ لا يعني الحياة(١) .
وقال بعضهم: إنّ المخّ يحتمل توقّف القلب أقل من أربع دقائق، فإذا القلب يعود لعمله بعد ذلك بقي المخّ تالفاً، كما أنّ توقّف التنفّس يتبعه توقّف القلب بعد أقل من ذلك(٢) .
وخلاصة ذلك: أنّ موت الإنسان بموت مخّه، وأمّا تحديد وقت وفاة المخّ فهنا أكثر من طريقة له ولكنّ أكثرها دقةً وتحديداً هي أن يُوصَل أي مريض مصاب بإصابة شديدة بالمخّ بأجهزة تخطيط المخّ، أو أجهزة قياس عمل المخّ، أو أجهزة فحص عمل جذع المخّ، فإنّها دقيقة تقوم بتحديد المطلوب(٣) .
___________________
(١) انتخبنا ما في المتن ممّا ذُكر في ص٣٣٤ إلى ص٣٤٢ من الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
(٢) قيل: يخرج من المخّ عشرات الألياف العصبيّة ( الأعصاب ) من خلال ثقوب في الجمجمة والعمود الفقري، كما أنّ الكثير من الشرايين والأوردة تنقل إليه ومنه الدم اللاّزم لتغذيته، إن الجهاز العصبي المركزي، والمخّ بصفةٍ خاصّةٍ، لا يتحمّل تغييرات فيزيائيّة أو كيميائيّة في المحيط الذي يعيش فيه إلاّ في نطاق محدود جدّاً، فمثلاً:
التغيير في درجات الحرارة بالنسبة لأعضاء أُخرى كالجلد تتحمّل إلى عشر أو عشرين درجة مئويّة صعوداً أو هبوطاً من الدرجة العادية ( ٣٧ ) إلاّ أنّ المخّ لا يتحمّل انخفاضاً أكثر من درجتين وإلاّ ابتدأ عمله في التأثّر، وقد يغيب الإنسان عن وعيه فيما يشبه النوم، وهذا ما حدث لجيوش نابليون عند هجومها على روسيا في الشتاء القارس البرد، وسبب اندحاره وهزيمته. كما أنّ ازدياد درجة حرارة المخّ عن ثلاث درجات قد يسبّب أيضاً فقدان الوعي، وقد يُصاب الإنسان بما يُسمّى ضربة شمس، ص٥٧ وص٥٨ رؤية إسلاميّة لزراعة الأعضاء البشريّة.
(٣) أظنّ آراء الأطبّاء في ذلك مختلفة، وبعضهم لا يطمئن بتحديد المطلوب فلا بُدّ من البحث في ذلك، ولاحظ ما يأتي في ص١٥٥ تجد صدق ما قلنا.
( ٣ )
أيضاً المخّ والقلب
ولمّا كان قرار تشخيص الموت يتبعه إيقاف الأجهزة الصناعيّة، ووقف أجهزة التنفّس يتبعه توقّف القلب، فقد كان من الضروري تمحيص هذه القضيّة ( أي اعتبار موت جذع الدماغ موتاً للمريض ) بصورةٍ أُخرى، فأجريت دراسة استقصائيّة للحالات التي تمّ فيها تشخيص موت الدماغ، ولكنّ الأجهزة لم توقف لسبب من الأسباب، وقد زادت على سبعمئة حالة، وقد ماتت الحالات جميعاً رغم استمرار الأجهزة. هذا وقد توقف القلب فيها بعد ساعات أو أيّام من موت الدماغ، وكان متوسّط المدّة ثلاثة أيّام ونصف إلى أربعة أيّام ونصف يوم، وأقصى مدّة سُجّلت لاستمرار القلب في الدقّ هي أربعة عشر يوماً(١) ... ولم يعش أحد ( من هذه الحالات ٧٠٠)...(٢) .
القلب يمكنه أن يتوقّف عن العمل تماماً بسبب قطع الأُوكسجين عنه، أو قطع وصول الدم الذي يحمل الأُوكسجين إليه، إمّا تلقائيّاً بسبب المرض أو بواسطة الجرّاح أثناء عمليّات القلب المفتوح.
وإذا حدث ذلك وحرارة القلب طبيعيّة ( أي بدون تبريد ) فإنّ القلب يبقى حيّاً، أو قابلاً للحياة لمدّةٍ تتراوح بين ٢٠ إلى ٣٠ دقيقة بدون تلفٍ كبيرٍ، وإذا عاد الأُوكسجين إلى القلب خلال هذه المّدة ( بعودة الدورة الدمويّة
___________________
(١) يتّجه هنا سؤال وهو أنّ اختلاف المدّة من ساعات إلى أربعة عشر يوماً هل لا يكون دليلاً على عدم علّيّة مشخّصة محدّدة من موت جذع المخّ لموت الشخص، فلابُدّ هنا من الانتظار حتّى تشخيص الحلقة المفقودة. فتأمّل فيه.
(٢) ص ٣٥٧ الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها.
التاجيّة ) يعود القلب إلى العمل كما كان، وإذا زادت فترة قطع الأُوكسجين يزداد التلف تدريجاً حتّى إذا وصلت المدّة إلى ٩٠ - ١٠٠ دقيقة ( أو أقل ) يفقد القلب قابليّته للحياة.
وأمّا مع التبريد فيحتمل القلب قطع الأُوكسجين ساعات بدون تلف(١) وبالنسبة للمخّ فتوجد ظروف مشابِهة لما ذُكر عن القلب إلاّ أنّ المخّ يفقد قابليّته إذا انقطع عنه الأُوكسجين لمدّة دقائق معدودة ( ٣ - ٥ دقائق ) وحرارته طبيعيّة، ومع التبريد يمكن للمخّ أن يعود للعمل بعد عدّة ساعات من التوقّف إذا عادت إليه الدمويّة الحاملة للأُوكسجين(٢) .
موت القلب ليس موت الفرد:
يمكن ان يتوقّف القلب عن العمل تماماً بصفة موقتة اوبصفة دائمة وتستمر حياة صاحبه بجسده وذكره وعاطفته وحواسه وإدراكه وكل مقومات شخصيته مادامت هناك مضخة بديله تضخ الدم وتسيره عبراً للدورة الدموية، وهذه المضخة يمكن أنْ تكون قلباً عضوياً آخر من إنسان أو حيوان أو تكون آلية(٣) .
موت المخّ موت الفرد:
موت المخّ يؤدّي بالضرورة إلى موت صاحبه. نعم من الممكن أنْ يتوقف المخّ عن العمل جزئيّاً لسبب ما، ثمّ يعود إلى حالته الطبيعيّة ما لم
___________________
(١) ص ٣٨٧ نفس المصدر.
(٢) ص ٣٨٨ نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر، وقيل القلب يتوقّف أحياناً عن النبض، ويظهر كأنّه مات ولكنّه لم يمت، وله قابليّة الحياة. وهنا التفرقة بين سكون القلب والموت، ص٥٢٩ نفس المصدر.
وقيل إنّ القلب كأيّ عضو في الجسم محتاج إلى غذاء وهواء: يعني الأُوكسجين، فإذا توقّفت دورة الدم لأي سببٍ كان يتوقّف عن العمل، ففيه جهاز كهربائي يساعده أو ينظِّم نبضه، ص٥٣٥ نفس المصدر.
يفقد الحياة أو القابليّة للحياة تماماً، وأمّا إذا فقد القابليّة للحياة، وانعدمت كلّ المؤشِّرات الكهربائيّة فيه، فلا يمكن إصلاحه بعد ذلك، ولا يمكن للإنسان الحياة بدونه، ولا يوجد للمخّ بديل.
( ٤ )
اعتراضات على هذا القول وأجوبتها
١ - كيف يُحكم بموت إنسانٍ بموت مخّه، وربّما قلبه ما زال ينبض ؟
أُجيب عنه: بأنّ حياة عضوٍ لا يتعارض مع موت صاحبه، فمثلاً الشعر يستمر في النموّ لمدّة ٢٤ ساعة أو أكثر بعد موت صاحبه ودفنه، وبدون أيّ دورةٍ دمويّةٍ جاريةٍ، والقلب العضوي يمكنه أن يستمرّ خارج الجسد منفصلاً عن صاحبه مدّةً، إذا وُفّر له الغذاء والحرارة المناسبة، وفي هذا الأثناء يكون صاحبه قد مات ودُفن، وكذلك كثير من أعضاء الجسد.
وجدير بالذكر هنا أنْ نعلم أنّ الحياة على أقسام:
فمنها الحياة الإنسانيّة الواعية.
ومنها الحياة الجسديّة، وهي الحياة أثناء النوم، وأثناء التخدير وتعاطي السموم في إصابات المخّ، وحالات الغيبوبة وحالات وفاة قشر المخّ، هذه الحياة موجودة وفيها روح(١) .
ومنها الحياة العضويّة، وهي تكون بعد وفاة جذع المخّ، ولا زالت بعض الأعضاء موجودة حيّة. طبعاً ذلك يستدعي وجود تنفّس صناعي.
___________________
(١) نعم الفرق بين القسمين في مجرّد الوعي ونحوه، وأمّا كيفيّة علاقة الروح الإنسانيّة بالجسد في كلٍّ من الحالتين فهي مجهولة عندنا، أو بالأدق: عندي !
ومنها الحياة النسيجيّة.
ومنها الحياة الخلويّة(١) .
فلابُدّ من عدم اشتباه بعضها ببعضٍ آخر.
٢ - ولو أنّه لا يوجد حاليّاً بديل كامل للمخّ فإنّه يوجد بديل لأحد وظائفه، وهو تحريك الجهاز التنفّسي عن طريق آلة التنفّس، ممّا يوفّر الأُوكسجين للقلب وبقيّة الجسد، فيمكن له الاحتفاظ بقابليّتهم للحياة ولو لفترة من الزمان، فلماذا لا تُستعمل آلة التنفّس لفترة غير محدودة ؟
وأُجيب عنه، أوّلاً: بعدم إمكان الحفاظ على هذه الحالة لفترات غير محدودة، إذ تتدهور الحالة تدريجاً حتّى يتوقّف القلب العضوي والأعضاء الأُخرى، بالرغم من كلّ الآلات المستعملة.
وثانياً: بأنّه في أثناء الإبقاء على حياة بعض الأعضاء، يكون هنا انعدام تامّ لحركة الإنسان، وفكره وعاطفته وحواسّه وإدراكه، وكلّ مقوِّمات شخصيّته.
وثالثاً: بأنّ حياة بعض الأعضاء لا تعني بالضرورة حياة صاحبه(٢) .
وقد ذكر بعض الباحثين مثالاً لعدم دلالة نبض القلب على الحياة: بإنسانٍ قُطع رأسه، تلقّفه الأطبّاء وحفظوا الجسد المفصول ؛ فبقي القلب الموصول بالأجهزة نابضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن لأحدٍ أنْ يدّعي بقاءَ الروح في جسدٍ بلا رأس، مهما كانت خلاياه حيّةً(٣) .
٣ - إذا كان قياس الدماغ - أي كهرباء الدماغ - يكفي بالحكم بالموت فلماذا تحدد السلطات الصحيّة في المملكة المتّحدة عام ( ١٩٧٧ ) شروطاً
___________________
(١) ص٥٢٥ الحياة الإنسانيّة.
(٢) ص٣٩٠ وص٣٩١ الحياة الإنسانيّة.
(٣) ص٤٢٥ نفس المصدر.
فلا بُدّ من توافرها لتشخيص موت الدماغ ؟
منها على سبيل المثال:
أوّلاً: أنْ يكون المريض في حالة غيبوبة عميقة، وأن نستبعد أسباب الغيبوبَة القابلة للعلاج كليّاً أو جزئيّاً، مثل العقاقير المهدّئة أو المنوِّمة، أو الانخفاض الشديد في حرارة الجسم.
ثانياً: أنْ يكون المريض معتمداً على أجهزة التنفّس الصناعي لانعدام التنفس التلقائي.
ثالثاً: ألاّ يكون هناك شكّ في وجود تلفٍ في الدماغ غير قابلٍ للعلاج، مثل: إصابة بالرأس، أو نزيف تلقائيّ بالدّماغ، أو بعد عمليّة جراحيّة في المخّ ونحو ذلك.
رابعاً: أنْ يثبت الفحص السريري علامات موت جذع الدماغ، كاتّساع العينين اتساعاً ثابتاً لا يتأثّر بالضوء، وانعدام التأثّر الانعكاسي في منطقة الأعصاب القحفيّة(١) ، وهكذا.
خامساً: انعدام الاستجابة لمحاولات تنبيه التنفّس التلقائي(٢) .
وأجاب عنه بعض الأطبّاء: بأنّ وضع هذه الشروط لمجرّد التأكيد والاحتياط، لا لغير ذلك. لكنّ موضوع الاحتياط هو الاحتمال المنافي للعلم، إذ مع العلم لا معنى للاحتياط.
٤ - ليس من الإمكان ببعيد مجيء يومٍ يتمكّن العلم المتطور من إعادة النشاط الكهربائي للدماغ، أو نقل جذع الدماغ من بدنٍ إلى بدنٍ آخر(٣) .
___________________
(١) في المنجد: القِحف ج أقحاف وقحوف وقحفة: العظم الذي فوق الدماغ. ما انفلق من الجمجمة فانفصل. إناء من خشب مثل قحف الرأس كأنّه نصف قدح..
(٢) ص٣٥٥ نفس المصدر السابق.
(٣) إذا فرضنا حياة فردٍ بنقل مخّ فردٍ آخر كزيد، فإن وجدنا الفرد المذكور بأفكاره
=
أقول : لكنّنا نتكلّم الآن حسب الظروف الموجودة، فلابدّ أنْ نقول بموت الفرد بموت جذع مخّه، حتّى إذا جاء نَصْرُ العلم وفَتْح الطبّ ؛ فنقول بما اقتضاه الوقت.
٥ - الحكايات الكثيرة المتفرِّقة التي يتناقلها الناس من أنّ فلاناً مات ثمّ صار حيّاً قبل الدفن، أو بعد الدفن، ثمّ رجع إلى الأحياء، أو مات مرّةً أُخرى في قبره كما فهم ذلك بعد نبش قبره، وهذه الحكايات وإن لم نصدّق بجميعها لكن لا مجال لتكذيب كلّها، ففي هذه الموارد بالطبع كان القلب متوقّفاً طيلة تلك المدّة، والمريض لا وعي له ولا إدراك ولا حراك، وسواءٌ مات المخ أم لم يمت، فإنّ حياةً مثل هذا الفرد يبطل القول المذكور.
وأجاب عنه بعض الأطبّاء: بأنّ مردّ هذا في الغالب إلى خطأٍ في التشخيص، فلعلّهم تبيّنوا توقّف قلبه بحبس نبضه، أو حبس نبض شرايين الرقبة، أو الاستماع إلى صدره، وقد تعجز الحواسّ الطبيعيّة عن أنْ تذكر الاختلاجات الضعيفة، ولعلّهم إنْ رسم لهم رسّام القلب الكهربائي، كانوا يستنبطون أنّه حيّ..(١) .
٦ - نُقل عن جريدة الأهرام ( ٣٠/٩/١٩٨٤ ) خبرٌ وهو:
___________________
=
وعواطفه وجميع مشخّصاته السابقة، فهو ينقض القول السائد اليوم بأنّ موت الفرد بموت مخّه. وأمّا إنْ وجدناه بمشخصات زيد وذاكرته وأفكاره واتجاهاته فلا ينقضه ؛ لإمكان القول أو صحّته بأنّ هذا الفرد لم يحيى، بل الحي هو زيد ببدن ذلك الفرد، ومثل هذا الفرض سيوجب أسئلةً شرعيّةً وأخلاقيّةً واجتماعيّةً وروحيّةً، وأمره غامض جدّاً لا سيّما بالنسبة إلى الزوجة والأولاد والأقرباء.
وأظهر من هذا الفرض فرض زرع رأس أحدٍ في بدن آخر، إذا قدر الطبُّ عليه في دهر.
(١) ص٥٤٩ الحياة الإنسانيّة.
حالة وضع أثارت اهتمام العلماء في العالَم أجمع، تلك حالة السيّدة الفلنديّة انجاليتالو ٣٢ عاماً، التي وضعت طفلها الرابع وهي في غيبوبة تامّة منذ شهرين ونصف، وقد دخلت الأُمّ في هذه الغيبوبة إثر إصابتها بنزيفٍ في المخّ.
والغريب أنّ الأُمّ قد توفّيت بعد أنْ وضعت طفلها ماركو بيومين... فقد كانت الأُمّ تتنفّس صناعيّاً، وتتغذّى بالأنابيب، ويُنقل لها دمٌ مرّةً أُسبوعا، وذلك لمدّة عشرة أسابيع(١) .
وأُجيب عنه: بأنّ الأُمّ لم تكن حيّة وليس لها روح، وإنّما هي استُعملت كحاضنةٍ صناعيّةٍ للجنين الذي في جوفها.
٧ - إنّ تعطيل الحواسّ لا يستلزم فقد الحياة، وإلاّ لكان النائم والمجنون والمغشيّ عليه فاقدين للحياة. ألا ترى أنّ القرآن الكريم لم يحكم على أصحاب الكهف - مع الغيبوبة الطويلة ( ٣٠٩ أعوام ) بأنّهم أموات بل المستفاد من قوله تعالى:
( وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) (٢) حياتهم، وكذا في قوله سبحانه:( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) (٣) قيل ذلك لطول شعورهم ونموّ أظافرهم ولحاهم، إلى غير ذلك ممّا يغيّر الملامح، ويخيف عند زيادته عن المألوف.
أقول : مرّ جواب هذا مجملاً في بعض المسائل المتقدِّمة ( بداية الحياة الإنسانيّة ).
ويقول بعض الأطباء: إنّ كلّ غيبوبة لا تدلّ على موت المخّ، ولا بدّ أن يستبعد الطبيب هنا الأسباب التي تؤدّي إلى غيبوبة قابلة للعلاج، كالمواد المخدِّرة والبرودة الشديدة في البلاد التي فيها بردٌ شديدٌ، وعندما لا يتأكّد
___________________
(١) ص٤٤٧ نفس المصدر.
(٢ و ٣) الكهف آية ١٨.
عندنا سبب الغيبة لا نشخِّص موت جذع الدماغ(١) .
وأوضحه بعض الاختصاصيّين بقوله: إنّ جذع المخّ نسمّيه المراحل الدنيا أو الأقل، وأمّا المراحل العليا أو المراكز العليا فهي مرحلة القشرة.
المراحل الدنيا لا تعني أهمّيّتها بالنسبة للحياة بالعكس من المراحل العليا - المنطقة العليا هي التي تميّز الإنسان عن الحيوان، بما رزقه الله تعالى من ملكات إنسانيّة - ولكنّ المراحل ( أو المنطقة) الدنيا هي الحدّ الأدنى اللاّزم للحياة هو جذع المخّ ؛ لذلك قيل المعتوه ليس ميّتاً ؛ لأنّه فقد الخاصّة العليا وهي قشرة المخّ، ولكنّه مازال يحتفظ بالحد الأدنى وهو جذع المخّ، هو فيصل التعريف بين الحياة والموت(٢) .
٨ - يقول طبيبٌ: كانت عندنا مريضة كان فيها كسر، عملنا لها عمليّة قلب مفتوح وعلى طول العمليّات توفّيت، عملنا لها عمليّة إنعاش، عملنا لها مرّتين، وبعدها صحت واستمرّت، وبعد العمليّة ما صحت وظلت فاقدةً الوعي لمدّة ثلاثة أشهر، وبعد ثلاثة أشهر والرئيس أقنعني بأنّ توقف كلّ حاجةٍ وتتركها تموت ؛ لأنّها انتهت، فأنا طرحت عليه وقلت له: إنّني سمعت أشياء تجريبيّة على الحيوانات أنّ بعضهم يعطيها جرعةً كبيرة من الكورتيزون وهي متوفّرة أصلاً، وما في ضررٍ نجرّب عليها، وفعلاً أُعطيت الجرعة العاديّة ثلاثين مرّة، وبعد ثلاث ساعات صحت، خرجت من المستشفى وذهبت إلى بيتها(٣) .
وأُجيب عنه: أنّه بطبيعة الحال لم يكن جذع المخّ قد مات.
___________________
(١) ص٥١٨ الحياة الإنسانيّة.
(٢) ص٥٤١ نفس المصدر.
(٣) ص٥١٨ نفس المصدر.
( ٥ )
شواهد على صحّة قول الأطبّاء الجدد
١ - حركة القلب توجد في الجنين قبل تعلّق الروح الإنسانيّة، فلا تتعلّق بالحياة الإنسانيّة في الابتداء والانتهاء، كما ذكرناه سابقاً أيضاً.
لا يُقال: المخّ أيضاً يتكامل في الأُسبوع الثاني عشر - كما سبق أيضاً - فقياساً على قولك، يُقال: إنّ عمل المخّ لا يدلّ على الحياة.
فإنّا نقول: مطلق العمل لا يدلّ على تحقّق الحياة الإنسانيّة، بل العمل الخاصّ وهو العمل الإرادي، وإدراك الكلّيّات والعواطف وسائر الملكات، ولو في الجملة وأنّى لك بإثباتها، فلاحظ.
٢ - من صفات الروح أو آثارها العواطف الإنسانيّة والإدراك، وحيث إنّهما تذهبان بذهاب المخّ فلم تبق الحياة الإنسانيّة فيكشف أنّ الروح تدور مدار المخّ، وإن احتمل ذهاب العواطف لفساد المحلّ، فلا يُحتمل ذلك في إدراك الكلّيّات التي يستقلّ به الروح.
٣ - الإدراكات الحسيّة من الحواس الخمس، كلّها تنشأ وترجع إلى المخّ دون القلب العضوي، بل نسبته إلى الإدراكات كنسبة اليد والرجل والأنف والبطن والعضد - مثلاً - إليها، كما هو واضح في مثل هذه الأعصار.
وربّما يمكن أنْ يتوهّم أحدٌ: بأنّ الإدراكات الحسيّة لمكان اتّصاف الحيوانات، أو معظمها بها أو بأكثرها لا تخصّ الروح الإنسانيّة، بل الروح الحيوانيّة.
وجوابه: أنّها في الإنسان ترجع إلى روحه الإنسانيّ، إذ لا تتعدّد أرواحه، وليس له روحان حيوانيّ وإنسانيّ.
٤ - لو كان الروح متعلِّقة بالقلب حدوثاً وبقاءً ؛ لذهبت بذهابه وتعويضه بقلب بلاستيكي، لكنّها باقيةٌ بتمام مشخّصاتها مع التعويض المذكور.
فهذه الأُمور إنْ لم تكن بتمامها دلائل على موت الفرد بموت مخّه، فلا أقل من كونها شواهد عليه.
( ٦ )
عجيبة
المخّ بما له من المكانة المعقّدة المهمّة التي تحيّر العقول، وهو جهازٌ لا نظير ولا مثيل له في الكون - ظاهراً - وقد قيل: لو أراد الإنسان أن يصنع مثله من الفِلزّ لما وسعته كرة الأرض !!! فسبحانَ من مبدعٍ وحكيمٍ وقديرٍ وعليمٍ وخالقٍ، وعنت الوجوه للحيّ القيّوم.
ولكن مع ذلك فقد أهمله القرآن المجيد، ولم يذكره مطلقاً - حسب فهمي القاصر - لا من حيث دلالته على صفات الله الكماليّة والجماليّة ( الثبوتيّة الذاتيّة والفعليّة ) ولا من حيث بيان أعظم سننه بعد الروح على الإنسان، ولا من حيث تعلّق الروح به. وهذا ممّا لا أفهم له وجهاً.
ما للتراب وللعلوم وإنّما |
يسعى ليعلم أنّه لا يعلمُ |
( ٧ )
علاقة الروح بالبدن
مقتضى الآيات القرآنيّة والأحاديث المعتبَرة والبراهين العقليّة - على
ما سبق بعضها في مسألة بداية الحياة الإنسانيّة - أنّ للإنسان روحاً ونفساً وبدناً، وهذا أمرٌ مقطوعٌ لا ريب فيه.
وتقدّم أنْ قلنا: إنّ الروح والنفس مفهومان منطبقان على مصداقٍ واحدٍ جزماً أو وجداناً.
والكلام هنا في بيان كيفيّة علاقة الروح بالبدن، وفيها احتمالات أو أقوال:
١ - علاقة الروح بالبدن علاقة الحال بالمحلّ، كما عن أهل السنّة ( الأشاعرة ) حيث قالوا: إنّ الإنسان مكوّن من جسد وروح تحلّ في هذا الجسد مادام صالحاً لاستقبال الروح(١) ، ونسمّيه بالعلاقة الحلوليّة كحلول الأمراض بالبدن، وكحلول جملة من الأعراض بالجسم.
٢ - علاقتها به كعلاقة العرض بموضوعه ( حسب المصطلح في الكلام والحكمة )، نسبه الرازي إلى المعتزلة ( الذين يتبعون العقل في المعارف بدل متابعة أبي الحسن الأشعري )، وأنهم قالوا: إنّ الحياة عرض قائم بالجسم، أي أنّ الروح عرض قائم بذلك الجسم، فجعلوا الروح غير منفصلة عن الجسم، كما هي منفصلة عنه على القول الأوّل(٢) .
لكن لا وثوق لنا بنقل الرازي، فلا يثبت هذا عن المعتزلة، ولم يمكنني - في هذا البلد البعيد عن العلم وأهله - الرجوع إلى كتبهم، والله العالم.
٣ - أو كعلاقة الراكب بالمركب ؟
٤ - أو كعلاقة المظروف بالظرف ؟
٥ - أو كعلاقة المَلِك بمملكته ورئيس الجمهوريّة ببلاده، فهي علاقة
___________________
(١ و ٢) ص٤٦٥ الحياة الإنسانيّة، نقلاً عن تفسير الرازي.
تدبيريّة.
لا يُستفاد من الآيات المتضمّنة لبيان نفس الإنسان شيء من تلك الخصوصيّات على ما أفهم - وفهمي قاصر - وكذا من قوله تعالى:( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) (١) ، بناءً على نظارته إلى الروح كما هو الأظهر - وقد مرّت الإشارة إليه في مسألة بداية الحياة الإنسانيّة.
نعم ما ورد في آدم وعيسىعليهماالسلام ربّما يشير إلى موضوعنا هذا، كقوله سبحانه وتعالى:( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) ( السجدة ٩ ).
وقوله تعالى:( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ( الحجر ٢٩ - ص٧٢ ).
وقوله تعالى:( وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ) ( الأنبياء ٩١ ).
وقوله تعالى:( وَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ) (التحريم ١٢).
أقول : أولاً: أنّه لا فرق بين آدم وعيسىعليهماالسلام وغيره من الآدميّين في كيفيّة نفخ الروح(٢) .
وثانياً: أنّ هذه الروح هي روح الإنسان لا شيء غيرها، وإضافتها إلى الله سبحانه كإضافة البيت والكتاب والأهل إليه ( بيت الله كتاب الله أهل الله )، وهي إضافة تشريفيّة فقط، وتؤكِّد هذا جملةٌ من الأحاديث:
ففي صحيح الأحول المروي في الكافي ( ج١ ص١٣٣ ) قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الروح التي في آدمعليهالسلام قوله: ( فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي )، قال: ( هذه روح مخلوقة والروح في عيسى مخلوقة ).
___________________
(١) المؤمنون آية ١٤.
(٢) نعم مقتضى الآية الأخيرة أنّ نفخ الروح في الجنين من فرج أُمّه، ومقتضى بعض الروايات أنّه من فمها، والعمدة هي الآية الكريمة.
وفي حسنة حمران ( نفس المصدر ): سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ:( وروح منه ) ، قال:
( هي روح الله مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى ).
وفي صحيح محمّد بن مسلم المروي عن معاني الأخبار، قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله عزّ وجلّ:
( ونفخت فيه من روحي ) ، قال: ( روح اختاره الله واصطفاه وخَلقه وأضافه إلى نفسه، وفضّله على جميع الأرواح، فنفخ منه في آدم ) ج١٤ ص١١ بحار الأنوار.
وثالثاً: أنّ الآيات والأحاديث لا تدلاّن على أنّ الله نفخ الروح في آدم وعيسى ؛ حتّى يُقال بمثله في جميع بني آدم فيصحّ القول الأوّل ونحوه، بل مدلولها أن الله نفخ من الروح فيهما، فالروح منفوخ منها لا منفوخة، وهذا يظهر بأدَنى تعمّقٍ في الآيات الكريمة.
وأنا أظنّ - والله العالم العاصم الهادي - أنّ المراد بالنفخ هو الإحياء، فمعنى الآيات على هذا: أنّ الله أحيى آدم وعيسى من الروح، فالروح مبدأ الحياة لا نفسها، والظاهر أنّ علاقة الروح بالبدن تدبيريّة، فليست بداخلة في البدن ولا راكبة ولا البدن ظرفها، وإذا قلنا بتجرّد الروح كما هو الظاهر، فلا بُدّ من اختيار هذا القول عقلاً.
فإنْ قال قائلٌ: فما تقول في قوله تعالى:( فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) (١) الدال على دخول الروح في البدن ؟
فقد أُجيب عنه بأنّ بلوغ النفس الحلقوم كناية عن الإشراف التامّ للموت، فليس المراد حركة الروح من الأسفل إلى الحلقوم حركة مكانيّة، وكذا الكلام في قوله تعالى:( کَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ) (٢) .
___________________
(١) الواقعة آية ٣٦.
(٢) القيامة آية ٢٦.
والأظهر عندي : أنّه لا دليل على رجوع الضمير في قوله تعالى:( بَلَغَتِ ) إلى الروح، ويُحتمل قويّاً رجوعه إلى الحياة الإنسانيّة القائمة بجميع البدن والرأس الناشئة من الروح كما ذكرنا قبيل هذا، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مستمسكٌ لمَن يظنّ أنّ الروح داخلة في البدن، وتخرج منه خروج جسم من جسم.
وأمّا قوله تعالى في حقّ مجاهدي غزوة الخندق:( وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) (١) ، فلا تكون قرينة على أنّ الضمير في الآيتين المُشار إليهما - أيضاً - يرجع إلى القلوب، على أنّه - أيضاً - كناية جزماً، والله أعلم وهو الهادي.
( ٨ )
الروح مجرّدة أو جسم لطيف ؟
ذهب جمعٌ من المتكلّمين إلى أنّها جسم لطيف، وذهب جمعٌ من الحكماء إلى أنّها مجرّدة عن المادّة ولواحقها كالزمان والمكان، بل مال الحكيم السبزواريرحمهالله تبعاً لشهاب الدين السهروردي شيخ الإشراق إلى أنّها لا ماهيّة لها أيضاً(٢) ، وقبوله بل تصوّره مشكل.
فالروح على المشهور عند الحكماء جوهر مجرّد له نحو اتّصال وعلاقة بالبدن، وقد أُقيمت عليه دلائل عقليّة وعلميّة، ولا بأس بالاعتماد على مجموعها، ومَن شاء فليراجع إلى محالّها فان نقلها وتفصيلها لا تناسب هذا الكتاب، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقائق الأُمور وبواطن الأشياء.
___________________
(١) الأحزاب آية ١٠.
(٢) شرح المنظومة.
( ٩ )
القلب في القرآن
ذُكِرَتْ لفظتا القلب والقلوب في آيات كثيرة من القرآن، وأُسندت إليه في تلك الآيات أُمور كثيرة: كالإثم، والاطمئنان، والغفلة، والمرض، والختم، والهداية، والرعب، وعدم الفقه، والزيغ، والتقوى، والتعقل وعدمه، والعمى، والتقلّب، والاشمئزاز، والكظم، والقفل، وإنزال السكينة، وإنزال الوحي، وجعل الرأفة، والرحمة، والكسب، والأُلفة، والخير، والتعمد، والطهارة، وزينة الاِيمان، وعدم دخول الاِيمان، والطبع، والحسرة، والوجل، والريب، والغيظ، واللهو، والإخبات، وامتحان التقوى، والخشوع، وغير ذلك.
والقلب عضوٌ عضليٌّ أجوفٌ يستقبل الدم من الأوردة، ويدفعه في الشرايين في الجهة اليسرى من التجويف الصدري.
نعم، ذكر أهل اللّغة له معانٍ أُخرى: كالعقل واللُّبّ والفؤاد( عن مختار الصحاح ) ، ووسط الشيء ولبّه ومحضه وخالص الشيء وخياره( عن المعجم الوسيط ) ، ونفس الشيء وحقيقته(عن لسان العرب ) .
وفي المنجد : القلب...: العقل، قلب الجيش وسطه، قلب كلّ شيءٍ لبّه ومحضه، ويقال: رجل قلب، أي: خالص النسب.
فمعان القلب بعد معناه المعروف: هو العقل - واليه يرجع اللّبّ ظاهراً - وخالص الشيء ومحضه وخياره، ونفس الشيء وحقيقته، هذه المفاهيم الأخيرة يصحّ انطباقها على الروح، وعليه فالقلب هو العضو الخاص
المعروف والعقل والروح(١) .
وحيث إنّ الأُمور المنسوبة إليه في القرآن كلّها من صفات النفس والروح قطعاً، ونسبتها إلى القلب العضلي كنسبتها إلى سائر الأعضاء من اليد والرجل ونحوهما في البطلان، تعيّن حمل القلب على معنى الروح، وحينئذٍ فلا إشكال.
لكنّ تأويل آيات القرآن بهذه السهولة غير ميسّر، بل هو غير جائز ما لم يدعمه دليلٌ شرعيٌّ معتَبَر، إذا لم يثبت أنّ النفس أو الروح معنى حقيقي أو منصرف إليه لفظ القلب، كما هو كذلك عندنا، إذ المفهوم المتبادر ما يقصده الأطبّاء، فلاحظ.
على أنّ في تأويل القرآن - وهو السند الأصيل للإسلام والنبوّة الخاتميّة - مع الغضّ عن منعه الشرعي إشكالاً قويّاً ليس هنا موضع بيانه، والذي يمكن أنْ يركن إليه في فهم معنى القلب آيات نذكر بعضها.
١ - قوله سبحانه وتعالى:( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (٢) ( الحجّ ٤٦ ).
٢ -( وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِکُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِکُمْ ) ( آل عمران ١٥٤ ).
٣ -( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) ( الأحزاب ٤ ).
٤ -( وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) ( الأحزاب ١٠ ).
أقول : الآية الأُولى ظاهرة بل صريحة على أنّ المراد بالقلب الذي وُصف بالعمى هو العضو المعروف، ضرورة أنّ العقل والروح ليسا في
___________________
(١) وهل هو في المعنيين الأخيرين حقيقة لغوية، أو مجاز أخذوه من الاستعمالات الخاصّة فيه وجهان.
(٢) ومن عجيب التأويل فيه: حمل الصدر على الجمجمة، وحمل القلب على المخّ !!!
الصدر.
والآية الثانية كالنّصّ على تباين الصدر والقلب إن لم يحمل قوله تعالى:وليمحص ... على أنّه عطف بيان، كما هو الأظهر حسب القاعدة، وإلاّ لدلت على اتّحاد الصدر والقلب، وحينئذٍ لابُدّ من حملهما على معنى ثالث ضرورة تباين العضوان المادّيّان، وعلى كلٍّ لا يُستفاد منها المراد من القلب على فرض كون العطف لغير البيان.
والثالثة كالأُولى ظاهرة في إرادة العضو المشهور.
وأمّا الرابعة فتُحمل على المعنى الكنائي، كشدّة حال الصحابة الحاضرين في غزوة الأحزاب، سواء أُريد بالقلوب معناها المتبادر أو الأرواح.
فإن جعلنا الآيتين الأُولى والثالثة قرينتين عامّتين لجميع الموارد المستعملة فيها القلب فهو، وإلاّ فيبقى معناه مجهولاً في محدودة تفسير الآيات الكريمة، إلاّ أنّ يُدّعى تبادره إلى العضو المشهور، وأنّ الروح أو العقل معنى مجازي لا يُحمل عليه لفظ القلب إلاّ مع القرينة، فتأمّل.
وجعل بعض المفسّرين قوله تعالى:( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) ( البقرة ٢٢٥ )، من الشواهد على إرادة النفس والروح من القلب، فإنّ التعقّل والتفكّر، والحبّ والبغض، والخوف، وأمثال ذلك، وإنْ أمكن أنْ ينسبها أحد إلى القلب باعتقاد أنّه العضو المدرك في البدن على ما ربّما يعتقده العامّة، كما يُنسب السمع إلى الأُذن، والإبصار إلى العين، والذوق إلى اللسان، لكنّ الكسب والاكتساب ممّا لا يُنسب إلاّ إلى الإنسان ألبتّة(١) .
___________________
(١) ص٢٢٤ ج٢ تفسير الميزان، ولمؤلِّفهرحمهالله بيان في معنى القلب في القرآن، لم نر
=
أقول : الكسب المستتبع للمؤاخذة قد يكون بأعمال جوارحيّة، وقد يكون بأفعال أو صفات قلبيّة، كما يظهر ممّا ذكرناه في أوّل هذا البحث، فما ذكره هذا القائل لا يُعتمد عليه.
ثمّ إنّ المنقول عن ابن سينا: أنّه رجّح كون الإدراك للقلب بمعنى أنّ دخالة الدماغ فيه دخالة الآلة، فللقلب الإدراك، وللدماغ الوساطة(١) .
أقول : وضعفه ظاهر، وكم للفلاسفة تخرّصات بالغيب، وحدسيات باطلة، وتحكّمات بغير حقٍّ، فهمناها من العلم الحديث المبنيّ على الحسّ، نعم هو حقّ إنْ بدّلنا القلب بالروح.
والمقام عندي من المشكلات، ولا يهتدي فكري القاصر إلى فهم مراده تعالى من القلب، فادعوه متضرّعاً وراجياً، ربّ زدني علماً وما كنا لنهتدي لولا أنْ هديتنا.
ولُبّ التحيّر: أنّ نسبة الذوق، والشمّ، والسمع، والبصر، واللمس، إلى الأعضاء الخمسة ظاهرة ؛ لأنّها محالّ هذه الإدراكات، وإنْ لم تكن مدركاتها، ولكنّ نسبة الأُمور المتقدّمة في أوّل هذا البحث إلى القلب العضلي غير صحيحة، إلاّ إذا وجد بينه وبين الروح رابطة مصحّحة لنسبة أفعالها، وصفاتها إليه، وهذه الرابطة لم تثبتها العلوم التجريبيّة، ولا البراهين العقليّة لحد الآن، والعلم في تطورّه بعد، والله العالم.
نعم لا شكّ في وجود رابطة لائقة بين الروح والمخّ كرابطة المصوّر
___________________
=
فيه شيئاً مفيداً، ومن شاء فليراجعه. واعلم أنّ نسبة السمع إلى الأذن، والبصر إلى العين، والذوق إلى اللسان - مثلا - نسبة صحيحة، وإن كان المدرك هو الروح على ما هو الحقّ، لعلاقة شبه الحال والمحلّ، وأمّا نسبة الإدراك إلى القلب كنسبته إلى اليد - مثلاً - غير صحيحة، بعدما كشفت العلوم بطلان ما تزعمه العامّة من كون القلب مدركاً، فاهماً.
(١) تفسير الميزان ج ٢ ص ٢٢٥.
وجهاز التصوير، لكن حتّى اليوم إذا قلت لأحدٍ: حُبّك في مخّي، لربّما ضحك الناس، بخلاف ما لو قلت، حُبّك في قلبي ! لكنّ المتّبع هو العقل، أو العلم، دون حسبان العوام، وإنْ كان الحكم ببطلان حسبانهم في المقام لا يخلو عن زيادة جرأة.
فإن قلت: إنّ حسبان العوام ذلك نشأ من ظاهر القرآن المجيد، بعدما فسّر المفسِّرون آياته، أو ترجمها المترجمون، وذكرها المبلِّغون والمرشدون، فإذا أوجبنا تأويلها للقرينة الخارجيّة ؛ لا تبقى مشكلة في ردّ اعتقاد العوام بدرك القلب وفهمه.
قلت : أوّلاً إنّ المراد بالعوام ليس خصوص المسلمين، كما زعمت، بل مطلق الناس أو غالبهم، فإنّ نسبة العلم والفهم والحبّ والبغض وغير ذلك إلى القلب، موجودة مستعملة في لغات غير المسلمين، ممّن لم يسمعوا استعمالات القرآن المجيد، فكان معظم العقلاء من الآدميين اعتقدوا ذلك، وإلى هذا ينظر قولنا: إنّ ردّ حسبانهم في المقام لا يخلو عن زيادة جرأة.
وثانياً: إنّا لم نوجب تأويل الآيات القرآنيّة، بل منعنا منه وانتظرنا تطوّر العلم، حتّى يتوصّل إلى الحلقة المفقودة المتوسّطة بين الصفات النفسيّة، والقلب.
( ١٠ )
الصدر في القرآن
في القرآن آيات تدلّ على نسبة جملةٍ من الأُمور إلى الصدر:( بَل
هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) (١) ،( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (٢) ،( يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) (٣) ،( إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ) (٤) ،( وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِکُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِکُمْ ) (٥) ،( مِمَّا يَکْبُرُ فِي صُدُورِکُمْ ) (٦) ،( حَاجَةً فِي صُدُورِکُمْ ) (٧) ،( وَ نَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) (٨) ،( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) (٩) ، وغيرها.
وفي المنجد: الصدر ج الصدور: ما دون العنق إلى فضاء الجوف، وله معانٍ أُخر:
١- أعلى مقدم كل شيء.
٢- أوّل كل شيء كالنهار.
٣- الطائفة من الشيء.
٤- الوزير الأكبر.
ولاحظ مختار الصحاح، ولسان العرب، والمعجم الصحيح، وغيرها.
ولا يبعد إطلاقه على هذه المعاني بعناية معناه الأوّل، فيكون استعماله فيها مجازيّاً، فلاحظ.
والمتبادر من لفظ الصدر - ولو في مثل أعصارنا - هو المعنى الأوّل، إلاّ إذا قامت القرينة على غيره، ومن حسن الاتفاق أنّ أهل اللُّغة الفارسيّة - أيضاً - ينسبون إلى الصدر ( سينه ) بعض ما ينسبه إليه في العربيّة.
___________________
(١) العنكبوت آية ٤٩.
(٢) غافر آية ١١.
(٣) الناس آية ٥.
(٤) آل عمران آية ٢٩.
(٥) آل عمران آية ١٤٥.
(٦) الإسراء آية ٥١.
(٧) الغافر آية ٨٠.
(٨) الأعراف آية ٤٣.
(٩) الشرح آية ١.
وعلى كلٍّ، يجري فيه السؤال المذكور في القلب بتفاوتٍ ما، كما لا يخفى.
تتمة:
القرآن يسند بعض الصفات والافعال التابعة للادراك أو الدالة عليه إلى أشياء ثلاثة: النفس والقلب والصدر، وربما يسند شيء واحد كالاخفاء والحاجة والوسوسة إلى النفس والصدر، والاطمئنان إلى القلب والنفس، أليس هذا مشعراً بوحدة هذه الاشياء مصداقاً ولو في عدة من الآيات لا في جميعها؟ تأمل ثم اقض، فإنه أمر مهم في المقام ولا اعلم من ذكره.
( ١١ )
علامات الموت والحياة
يقول الشهيد الأوّلرحمهالله في مبحث احتضار اللمعة:... إلاّ مع الاشتباه فيصبر عليه ثلاثة أيّام.
ويقول: الشهيد الثانيرحمهالله في شرحها: إلاّ أنْ يعلم قبلها ( أي قبل ثلاثة أيّام ) لتغيّر وغيره من أمارات الموت، كانخساف صدغيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخلاع كفّه من ذراعيه، واسترخاء قدميه، وتقلّص أُنثييه إلى فوق مع تدلي الجلدة، ونحو ذلك(١) .
وعن بعضهم أنّ علامته: زوال النور من بياض العين وسوادها، وذهاب التنفس وزوال النبض، وعن جالينوس: الاستبراء بنبض عروق بين الأُنثيين، أو عروق يلي الحالب والذكر
___________________
(١) ص٢٤ وص٢٥ ج٤ جواهر الكلام.
بعد الغمز الشديد، أو عرق في باطن الإلية، أو تحت اللسان، أو في بطن المنخر.
أقول : وقد أحسن صاحب الجواهررحمهالله حيث قال بعد نقل تلك العلامات: إنّ المدار على العلم الذي تطمئنّ به النفس... فاحتمال إناطة الحكم بهذه العلامات وان لم تفده - أي العلم - في غاية الضعف ؛ لظهور الأخبار... في كون المدار على العلم ن كما صرّح به في الموثّق، وأنّ تعليق الحكم على التغيير إنّما هو لإفادته ذلك غالباً.
وعن المحقّقرحمهالله في المعتبر: ويجب التربّص مع الاشتباه، حتّى تظهر علامات الموت وحدّه العلم، وهو إجماع، وعن تذكرة العلاّمة: أنّه لا يجوز التعجيل مع الاشتباه، حتّى تظهر علامات الموت، ويتحقّق العلم به بالإجماع(١) .
أقول : فإنْ علم المكلّف به فهو، وإلاّ فلابُد من الرجوع إلى الاختصاصيّين ؛ حتّى يطمئنّ بقولهم بالموت.
وأمّا الأحاديث المتعلّقة بالمقام فإليك بعضها:
١ - موثّق عمّار عن الصادقعليهالسلام المروي في الكافي وغيره: ( الغريق يُحبس حتّى يتغيّر، ويعلم أنّه قد مات ثمّ يُغسّل ويُكفّن ). وسَئل عن المصعوق ؟ قال: ( إذا صعق حبس يومين ثمّ يغسّل ويكفّن ).
٢ - صحيح هشام بن الحكم عنهعليهالسلام : ( خمس ينتظر بهم إلاّ أن يتغيّروا: الغريق، المصعوق، والمبطون، والمهدوم، والمدخن ).
٣ - وفي حديث عن الكاظمعليهالسلام في المصعوق والغريق: ( ينتظر به
___________________
(١) ص٢٥ نفس المصدر.
ثلاثة أيّام إلاّ أنْ يتغيّر قبل ذلك )(١) .
ولا يبعد حمل الأخبار على حصول العلم بالموت، ولا شكّ أنّه أحوط.
وأمّا علامة الحياة، فالمذكور في الأحاديث الاستهلال والتحرّك، كصحيح ربعي، قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول في سقط إذا سقط من ( في يب ) بطن أُمّه فتحرك تحرّكاً بيّناً: ( يرث ويورث فإنّه ربّما كان أخرس ). وقريب منه حديثه الآخر، وصحيح الفضيل، وموثّقة أبي بصير، وغيرها.
وفي رواية عمر بن يزيد:... فشهدت المرأة التي قبّلتها أنّه استهلّ وصاح حين وقع إلى الأرض، ثمّ مات، قال الصادقعليهالسلام : ( على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام ).
وفي رواية ابن سنان عنهعليهالسلام : ( لا يُصلّى على المنفوس - وهو المولود الذي لم يستهلّ، ولم يصح، ولم يورث من الديّة، ولا من غيرها. ( من والديه ولا من غيرهما في يب )، وإذا استهلّ فصلّ عليه وورّثه ). ص٣٥٠ وص٣٥١ ج ٢٤ جامع الأحاديث. ويدلّ عليه غيرها أيضاً.
أقول : وجدير بالذكر: أنّ هذه الأحاديث لم تذكر نبض القلب علامةً للحياة، فهل هو تلميح إلى عدم دلالته عليها ؟
(١٢)
لا يجب تحريك القلب على كلّ حال
إذا تحقّق جذع المخّ، وتوقّف عمله بكامله، وعلم بتوقّف القلب توقّفاً
___________________
(١) ص ٤٧٥ و٤٧٦ ج٢ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
تامّاً فهو ميّت على قول جميع الأطبّاء، وعليه فلا يجب اتّصال الآلة الصناعيّة المحرّكة لقلبه به، إذ مع العلم في عدم تأثيرها في إعادة الحياة لا أثر لحركة القلب، وهذا واضح، بل مؤنة الاتصال في المستشفى نوع من الإسراف، بل ربّما تحرم جزماً، كما إذا كانت للميّت ورثة صغار، أو عليه دين للناس أو لله تعالى، وتركته على فرض صرفها في اتصال الآلة لا تفي بالدَّين المذكور.
وأمّا إذا مات قسمٌ من المخّ كقشرته، ففي وجوب وصول الآلة مع الإمكان وجهان: من كونه حيّاً في الجملة - ولو احتمالاً - فيستصحب حياته فيجب حفظها، ومن أنّ فوت القشرة فوت للمميّزات الإنسانية، كما قال بعض الأطبّاء، ولا تجب حفظ مطلق الحياة بل حياة الإنسان، فتأمّل.
وعلى كلٍّ، إنّ قتل النفس غير حفظها، وهما أمران متمايزان، والأوّل حرام عقلاً وشرعاً - كتاباً وسنّةً وإجماعاً - وأمّا الثاني، فليس على وجوبه دليلٌ لفظيٌّ واضحٌ ؛ وقوله تعالى:( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) (١) ، يدلّ على الفضل دون اللزوم، وقد ذكرنا بحثه في الجزء الثالث من كتابنا حدود الشريعة في مادّة الحفظ، وأنّ الدليل عليه لُبّي، والمتيقّن هو وجوبه في غير هذا الفرض، والمقام محتاج إلى مزيد تأمّل.
( ١٣ )
الأحكام الفقهيّة للموت
١ - انتقال الأموال إلى الورثة.
___________________
(١) المائدة آية ٣٢.
٢ - عدم استحقاق من مات قبله من الورثة.
٣ - الجناية على الميّت تختلف حكماً عن الجناية على الحيّ، فقطع رأس الحيّ يوجب القصاص دون رأس الميّت.
٤ - صحّة قضاء صلاته وصومه ووجوبهما على الولّي، وعدمهما في حياته.
٥ - وجوب العمل بوصاياه.
٦ - انتقال ما وُصّي به إلى الموصى له.
٧ - استقلال البنت في تزويجه إذا لم يكن لها جدٌّ عن أبيها.
٨ - وجوب تجهيزه.
٩ - عدم وجوب نفقة مَن تجب عليه نفقته بعد الموت.
١٠ - بطلان إذنه وتوكيله على ما فُصّل في الفقه.
١١ - حلول ديونه.
١٢ - وجوب أداء ديونه على الورثة.
١٣ - بدء العدّة على نسائه.
١٤ - جواز نكاح الخامسة بعد موت الزوجة، أو نكاح أُختها.
١٥ - لزوم أداء ديونه وحقوق الله على الورثة.
١٦ - صحّة تولية خليفة، أو تنصيب قاضٍ بدلاً عن الميّت.
١٧ - صيرورة بعض الورثة غنيّاً.
١٨ - عزل الولاة بناءً على ترتّبه على موت الإمام.
١٩ حرمة التصرّف في أمواله إذا كان الوارث صغيراً أو غير راضٍ به.
٢٠ - عدم إرثه من مورّثه إذا مات قبله.
٢١ - وجوب الغسل بمسّه في الجملة.
ولعلّ المتتبّع يجد جملةً أُخرى من هذه الأحكام.
فالبحث في تعيين الموت، وأنّه بموت جذع المخّ أو توقّف القلب ذو ثمراتٍ كبيرةٍ كثيرةٍ - كما عرفت - ومن أهمّها عند الأطبّاء: جواز قطع أعضائه - خصوصاً قلبه - إذ التأخير ولو يسيراً ربّما أفسده، ولم يصلح لزرعه في بدن المحتاج، كما قالوا، وستعرف حكمه في المسألة الآتية إنْ شاء الله تعالى.
واعلم أنّ الله سبحانه وفّقنا بعد تأليف هذا الكتاب، لتأليف كتابٍ آخر حول ما يتعلّق بالروح باسم ( روح از نظر دين وعقل وعلم روحي جديد ) وذكرنا فيه المباحث بتفصيل أكثر ممّا ذكرنا في هذه المسألة، وسوف يُطبع إن شاء الله في القريب العاجل، ومَن شاء مزيد التفصيل حول الروح، فعليه بمطالعة ذلك الكتاب
المسألة العشرون
حكم قطع أعضاء الميِّت
( الجهة الأُولى ) : في نقل الأحاديث المتعلِّقة بالموضوع.
١ - صحيح جميل، عن غير واحدٍ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال:
( قطع رأس الميّت أشدّ من قطع رأس الحي ).
٢ - صحيح مسمع كردين، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل كسر عظم ميّت ؟
فقال: ( حرمته ميّتاً أعظم من حرمته وهو حيّ ).
٣ - صحيح صفوان ( عن رجالهم صا ) قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام :
( أبى الله أنْ يظنّ بالمؤمن إلاّ خيراً، وكسرك عظامه حيّاً وميتاً سواء )(١) .
٤ - صحيح ابن سنان عن الصادقعليهالسلام في رجلٍ قطع رأس الميت ؟
قال: ( عليه الديّة ؛ لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ )(٢) .
( الجهة الثانية ) : مقتضى إطلاق هذه الأحاديث حرمة قطع أعضاء الميّت مطلقاً، سواء كان عن قصد سوءٍ وعداوةٍ، أو عن عبثٍ أو لأغراض إنسانيّة مهمّة، كما هو المتداول اليوم عند الأطباء، وقد أفتى بذلك جمعٌ من الفقهاء(٣) .
___________________
(١) ص٤٨٩ إلى ص٤٩٧ ج٢٦ جامع الأحاديث.
(٢) ص٢٤٨ ج١٩ الوسائل، هذه الأحاديث تدلّ على أنّ توهين المؤمن الحي والميّت حرام، ويحرم على المؤمن توهين نفسه أيضاً بالملاك، والظاهر أنّ الموضوع في الأحاديث مطلق المسلم، وإن لم يكن مؤمناً.
(٣) لاحظ كتب أهل الفتوى المسمّاة ب-: توضيح المسائل.
نعم إذا توقّف حياة مسلم على قطع عضوٍ من الميّت بالفعل أجازه بعضهم لتقديم وجوب حفظها على حرمة قطع عضو الميّت، فإنّه أهمّ منها.
يقول سيّدنا الأُستاذ الخوئي ( قدّس الله سرّه ): لا يجوز قطع عضو من أعضاء بدن المسلم الميّت كالعين أو العضو الآخر للزرع في بدن الحي، وإنّما يجوز ذلك فيما إذا توقّف حياة الحي عليه، وحينئذٍ يجوز، ولكن تجب الديّة على القاطع، وفي الصورتين لا بأس بزرعه في بدن الحي، وبعد الزرع يُعدّ جزأً من بدن الحي، فيترتّب عليه أحكام الحي.
وقال أيضاً: يجوز قطع عضو من بدن الكافر الميّت، أو مَن شُكّ في إسلامه لزرعه في بدن المسلم الحي، وبعد الزرع يُعدّ جزءاً من بدنه فيجري عليه حكمه، وكذا إذا زرع عضواً من الحيوان نجس العين، فيكون بعد الزرع ظاهراً.
أقول : في صيرورة الجزء النجس بعد الزرع طاهراً بتبع البدن عندي إشكال، وبقيّة كلامهرحمهالله صحيح، فافهم.
ويمكن أنْ يُقال: إنّ هذه الأحاديث لا تُثبت حكماً جديداً للميّت، سوى ما ثبت في حقّ الحي، فإذا قلنا بجواز إهداء المؤمن كليته مثلاً لأخيه المؤمن(١) ، ولا ضرر له، ولا هو هتك لحرمته عرفاً، فأيّ مانعٍ من جواز أخذها منه بعد موته بوصيّةٍ منه ؟
لا لحفظ الحياة فقط بل لدفع الحرج عنه، ولعلّه لأجل ما ذكرنا ذهب السيّدان الأستاذان العَلَمان الحكيم والخوئي - رضوان الله تعالى عليهما - إلى الجواز في فرض الوصيّة(٢) .
___________________
(١) للمؤلِّف الفقير كلية واحدة مأخوذة من أخيه الحاج محمّد عارف، جزاه الله خير الجزاء، وأطال عمره، وقد فسدت كليتاي، فأجرى طبيبٌ في لندن عمليّةً ناجحةً قبل سنوات.
(٢) لاحظ منهاج الصالحين، وتوضيح المسائل ص ٥٦٠.
وهذا هو الأظهر إنْ شاء الله تعالى - سواء كانت الوصيّة تبرعيّة أو بأخذ عوض - خلافاً لما ذكرناه في الجزء الأوّل والثاني من كتابناحدود الشريعة قبل سنوات، وأمّا في غير الوصيّة ففيه إشكال أو منع(١) ، بل ربّما يشكل القطع في فرض توقّف حياة أحدٍ بالفعل عليه ؛ لأنّ وجوب حفظ نفس محترمة، بهذا النحو لم يثبت في حقّ الأحياء، حتّى يجوز أو يجب في المقام، فتأمّل، والله العالم.
ولكن غير واحدٍ من فقهائنا المعاصرين أجازوا قطع أعضاء الميّت، عند حفظ النفس المحترمة عن الهلاك(٢) .
وأمّا جواز القطع بإذن أولياء الميّت في فرض عدم وصيّته به ففيه نظر، أو منع لعدم شمول ولايتهم لمثل ذلك فلا عبرة بإذنهم.
فإن قلت: مقتضى انصراف الأحاديث المتقدّمة هو عدم حرمة القطع، على القاطعين إن صحّت الوصيّة لا جواز الوصيّة أي صحّتها.
قلت : إنّ سلطة الإنسان على ماله وبدنه ثابتة ببناء العقلاء، وإنّما منعنا جواز قطع بعض الأعضاء وتردّدنا في جواز قطع بعض الأعضاء الأُخر في حال الحياة، لدليلٍ خارجيٍّ مفقودٍ في حال الموت، فإنّه فرق كثير بين الحالتين، ولا موضوع للضّرر بعد الموت، فلاحظ وتدبّر، وسيأتي ما يتعلّق به في المسألة الخامسة والعشرين.
وعلى كلٍّ، صرّح السيّد الأُستاذ الخوئيقدسسره بعدم وجوب الديّة على مَن قطع عضو الميّت بوصيّة منه(٣) .
___________________
(١) إن كثيراً من الناس يحتاجون إلى زرع القرنية، وإعطائهم النور، فلو جاز قطعه بلا وصيّة لاستفاد منها المحتاجون.
(٢) لاحظ فتاويهم في كتبهم الفتوائيّة.
(٣) توضيح المسائل ص ٥٦٠.
( الجهة الثالثة ) : إذا كان العضو المطلوب قطعه من الداخل: كالكلية، والقلب، والرئة، والكبد - مثلاً - جاز قطعه قبل غسل الميّت وبعده، وإذا كان من الظاهر: كاليد - مثلاً - فلابُدّ من أخذه ونزعه بعد الغسل، جمعاً بين الحكمين، إلاّ إذا كان تأخير قطعه إلى ما بعد الغسل مفسداً لزرعه في الحيّ، فإنْ كان لحفظ حياته فلا شكّ في وجوبه، فضلاً عن جوازه:( وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَکَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) (١) .
وإن كان لدفع مشقّةٍ وحرجٍ فلا يبعد الجواز، إن شاء الله، فيغسل بعد الزرع، إنْ قيل بوجوب غسل المبان من الميّت.
( الجهة الرابعة ) : هل يجب على القاطع أو الآمر في فرض جواز القطع أو وجوبه الديّة ؟
فيه احتمالات: الوجوب مطلقاً، عدمه مطلقاً بناءً على عدم اعتبار الوصيّة في جواز القطع أو وجوبه، وجوبها في فرض عدم الوصيّة وعدمها في فرض الوصيّة. ولعلّ الأخير أوجه، فلاحظ وتأمّل.
( الجهة الخامسة ) : هل يجوز قطع أعضاء الميّت للتشريح، وتعليم طلاب كليّة الطبّ بناءً على وجوب تعلّم الطبّ، بل وتعليمه وجوباً كفائيّاً ؟
لا شكّ في جوازه من ميّت غير مسلم، وهو يوجد في أكثر بلاد المسلمين اليوم أو في جميعها، ويلحق به من شُكّ في إسلامه، وإن فُرض عدم تيسّره في بلدٍ فيمكن استيراده من بلدٍ آخر، فلا ملزم لإطالة البحث، ومع وجود جثّة غير مسلمٍ لا إشكال في حرمة قطع أعضاء المسلم الميّت(٢) .
___________________
(١) المائدة ٣٢.
(٢) وفي جوازه مع وصيّة الميّت وجه بالجواز في بعض الأعضاء، وأمّا في جميعها بحيث استلزمت ترك الدفن الواجب، أو النبش المحرّم، ففيه نظر.
( الجهة السادسة ) : يجب غسل مسّ الميّت على مَن مسّه بشروطه، لأيّ غرضٍ طبّيٍّ أو عاطفيٍّ، وفي وجوبه بمسّ قطعةٍ مبانةٍ منه تفصيل، بل خلاف.
وإذا شكّ الماسُّ في أنّ الميّت الممسوس قد غُسِّل سابقاً حتّى لا يجب الغسل بمسّه أم لم يُغسّل، فيجب الغسل بمسه، فإن جاؤا به من مقابر المسلمين، يُبنى على أنّه قد غُسّل، وإلاّ ففيه نظر، ولعلّ الأظهر وجوب الغسل بمسّه، نعم إذا مسّه مع سترٍ بلاستيكي أو غيره، لم يجب الغسل بلا شكّ.
المسألة الواحدة والعشرون
حكم قطع أعضاء الحيّ
والبحث فيه من نواح:
١ - حكم أصل القطع.
٢ - المنقول منه.
٣ - الأعضاء المنقولة.
٤ - المنقول إليه.
٥ - الغاية من النقل.
٦ - كيفيّة النقل ووسيلته.
أمّا الناحية الأُولى، فلقائِلٍ أنْ يقول بحرمة قطع الحيّ بعض أعضاء بدنه للغير ؛ فإنّه إضرار بالنفس والبدن، والإضرار حرام في الشريعة، سواء بنفسه أو بغيره، وسواء انجرّ إلى تلف النفس أم لم ينجر.
ووجوب حفظ النفس المحترمة كفاية إنّما هو بالطرق المتعارفة، لا بقطع أعضاء بدن المكلّفين وزرعها في بدن المضطرّ، فإنّ هذا النحو من الحفظ لم يذكره الفقهاء، فضلاً عن وروده في الكتاب والسنّة.
أقول : الإضرار بالنفس على ثلاثة أوجه:
الأوّل : إلقاء النفس إلى التهلكة بأيّ وجهٍ كان، وهذا حرام منصوص لا إشكال فيه.
الثاني : إتلاف الأعضاء المهمّة كقطع اليد أو الرجل واللسان، أو قلع
العين، ونظائر ذلك ممّا يعلم بعدم رضى الشارع به، ومثله التسبيب لابتلاء النفس بالأمراض الخطيرة: كالسلّ والسرطان والإيدز والجذام وأمثالها، ودليل الحرمة هو العلم المذكور سواءٌ وُجد دليل لفظي عليها، أم لا وهذه الحرمة في بعض الموارد: كقلع عينٍ واحدةٍ لزرعها في رأس عالم جليل ذي مكانةٍ دينيّةٍ أعمى - مثلاً - مبنيّة على الاحتياط.
الثالث : الإضرار بأدون من الوجهين المذكورين، وهذا غير محرّم لعدم الدليل عليه، فإنّ قولهصلىاللهعليهوآله : (لا ضرر ولا ضرار )(١) ، لا يدلّ على حرمة الإضرار بالنفس ظاهراً(٢) ، والرجوع إلى أصالة البراءة، بل إلى بناء العقلاء على تسلّط الناس على أموالهم وأنفسهم يعطي الجواز، وترى العقلاء يقدمون على بعض الأضرار بمشيٍ زائدٍ، أو أكلٍ زائدٍ، أو عملٍ شاقٍّ، ولا يذمّ أحدٌ أحداً على ذلك، ولاحظ المسألة الخامسة والعشرين.
لا يجوز مساعدة المحتاج على الوجه الأوّل، بلا إشكالٍ حتّى إذا فرضنا علم المساعد بموته بعد دقائق، فإنّه لا يجوز إتلاف نفسه في هذه الدقائق اليسيرة.
وهل تجوز بالوجه الثاني، بدعوى أنّ حرمته إنّما هي إذا كان الإتلاف لغرضٍ عقلائي، فيجوز قطع أحد يديه لتُزرع في بدن مقطوع اليدين، أو قلع عينه لزرعها في رأس الأعمى، وإن لم يجز قطع اليدين وقلع العينين معاً ؟ فيه بحث واحتمالات.
وأمّا مساعدة الغير بالوجه الثالث فهي راجحة ولا إشكال فيها، وإذا توقّف حياة أحد عليها تجب.
___________________
(١) الكافي ج ٥ ص ٢٨٠ و٢٩٢. نسخة الكومبيوتر.
(٢) لاحظ بحثه في الجزء الثاني، في كتابنا حدود الشريعة في محرّماتها، ص٤٠٤ إلى ص٤١٥.
وعدم ورده في الفقه، إنّما هو لعدم إمكان هذه الأقسام من المساعدات الطبّيّة في الزمان السابق، لا لعدم وجوبها، فلاحظ.
لكنّ لأحدٍ أنْ يمنع الوجوب، لعدم دليل لفظي يتمسّك بإطلاقه في مثل المقام - كما أشرنا إليه سابقاً - والدليل اللّبّي لا يشمل ما شكّ في شموله له، بل يقتصر فيه على القدر المتيقَّن.
فإنْ قلت: إنّ إهداء كليةٍ واحدةٍ برعاية الطبيب الماهر، وإن لم يستلزم ضرراً لصاحبها بالفعل، لكنّه يخاف على نفسه إذا ابتليت كليته الأُخرى بالنقص والمرض في المستقبل، فلم تقدر على دفع سموم الدم إلى المثانة، ولم يجد من يعطيه الكلية بلا عوض، ولم يقدر هو على عوضها.
قلت : يمكن الاعتماد على استصحاب سلامتها من الأمراض، أو استصحاب عدم حدوث المرض عليها في المستقبل. لكنّ الاستصحاب المذكور لا يدفع احتمال الضرر والخوف منه ؛ فلا يجوز له إهدائها دفعاً للضرر، حتّى إذا كان هذا الغير ابنه وكان مرضه حرجيّاً للوالد، فإنّ قاعدة لا حرج معارضة أو مزاحمة بقاعدة حرمة الإضرار بالنفس.
وإن شئت فقل: يشكل إجراء قاعدة لا حرج في مثل المقام، كما أشرنا إليه في أوائل الكتاب.
إلاّ أن يُدّعى أنّ احتمال مثل هذا الضرر في المستقبل ضعيف، ولا يوجب العقلاء دفعه، فلاحظ.
وأمّا الناحية الثانية: فالمنقول منه قد يكون غير بالغ، أو مجنوناً، وقد يكون ميّتاً، وقد يكون رشيداً بالغاً، وقد يكون جنيناً أو سقطاً، وقد يكون حيواناً، وقد يكون غير محترم النفس.
أمّا الثالث: فقد مرّ حكمه، وأمّا الأوّلان فلا يجوز قطع أعضائهما لعدم ولاية الولي عليهما بهذا الحدّ، إلاّ أنْ يفرض توقّف نفقتهما على هذا العمل
وبدونه تقع سلامتهما في خطر مهم، وأمّا الرابع فله ذلك بمقدار مأذون له شرعاً كما عرفت.
ولا يجوز الأخذ من الجنين بوجه، وأمّا الذي سقط تلقائيّاً، أو أجهض في الموارد المرخّص فيها ذلك - كما سبق بيانه - فلا مانع لزرع بعض أعضائه في الغير ؛ إذا رضي الوالدان به، بعد إتيان ما يجب من تجهيزه إنْ أمكن وإلاّ قبله.
إذا كان ترك العمليّة يوجب تلف النفس المحترمة، أو مشقّة شديدة لوالدي السقط - كما إذا كان المريض من أقربائهما مثلاً - وفي غير الفرضين المذكورين ؛ يشكل ترك واجب لأجل تحصيل مالٍ غير محتاجٍ إليه.
وأمّا الحيوان فإن كان ممّا يؤكل لحمه وأخذ العضو بعد ذبحه فلا كلام، وإنْ كان غير مأكول اللحم، فإن زرع عضوه في البطن فلا إشكال فيه قبل التذكية أو بعدها، وإن زرع في الظاهر بعد تذكيته، فقد ورد في موثّقة زرارة أنّه سأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( إنّ الصلاة في وبر كلّ شيءٍ حرام أكله، فالصلاة في: وبره، وشعره، وجلده، وبوله، وروثه، وكلّ شيءٍ منه، فاسد ؛ لا تُقبل تلك الصلاة حتّى يُصلّى في غيره ممّا أحلّ الله أكله... )(١) .
وإنْ أخذ قبل تذكيته، أو أخذ من حيوانٍ نجسٍ العين، كالكلب والخنزير، فمضافاً إلى هذا الإشكال تزيد مشكلة النجاسة المُبْطلة للصلاة، بل للغسل، بل الوضوء إذا زُرع في محلّ أعضاء الوضوء، وكذا إذا أخذ من الكافر غير الكتابي.
___________________
(١) ص٣٤٥ ج٤ الوسائل نسخة الكومبيوتر نقلاً عن الكافي.
وأجاب عنه بعض الفقهاء الأجلاّء: أنّه بعد الزرع يصبح جزءً من بدن الإنسان، ومحكوماً بحكمه فلا يجري عليه حكم غير المذكّى، وحكم الكلب والخنزير والكافر، أي هو يصير طاهراً بعد الزرع بالتّبع. وأنا فيه متوقّف، والله العالم.
وأمّا الأخير فإن كان حربيّاً، أو مرتدّاً سواء كان حيّاً، أم ميّتاً فيجوز أخذ العضو منه لمسلم رضي أم لا، بعوض أم بغير عوض، وأمّا المحكوم بالإعدام حدّاً فلا يجوز ذلك في حقّه، وإنّما يجب قتله حسب ما عيّنه الشرع، وقطع العضو أمر زائد لا دليل عليه، فهو ظلمٌ محرّم.
وأمّا المحكوم بالإعدام قصاصاً فهو - أيضاً - كذلك قبل القصاص وبعده، إلاّ إذا صولح على ذلك ورضي به.
وأما الناحية الثالثة: فقد تبيّن ممّا تقدّم حول الضرر الضابطة في جواز ما يُنقل من الأعضاء وما لا يُنقل.
وعلى كلٍّ، لا شبهة في جواز نقل الدم إلى الغير بعوض أو بغير عوض، وقد صرّح بعض فقهائنا بصحّة بيعه(١) .
وأمّا الناحية الرابعة: فان كان المنقول إليه مسلماً فلا إشكال فيه، وإما إذا كان كافراً فهل يجوز للمؤمن أنْ يعطيه عضوه ؟ فيه تردد. وأمّا إذا دفع إليه بعوض، وكان في أشدّ الحاجة إليه، فالظاهر أنّه جائز، لكنّ الأحوط بل الأقوى: عدم جواز دفعه إلى الناصبي والمبتدع، ومَن يُريد تخريب الدين، وتضعيف المؤمنين، في غير فرض الاضطرار إلى ماله بخصوصه.
وقد يكون المنقول منه والمنقول إليه شخصاً واحداً. ولا بأس حينئذٍ في النقل إذا كان
___________________
(١) وهو سيّدنا الأُستاذ الخوئيقدسسره .
الفرض حفظ العضو الأهم، وقد يكون العضو بلاستيكيّاً، وهذا لا إشكال في زرعه إذا لم يكن غصبيّاً.
وأمّا الناحية الخامسة: فالغاية قد تكون حفظ النفس من التلف، وقد تكون رفع الحرج الشديد، وقد تكون مجرّد أخذ المال، أمّا مع الحاجة الشديدة إليه، أو لا معها، بل لجمع المال فقط، كما أنّ الغاية للمنتقل إليه قد تكون حفظ نفسه، وقد تكون رفع الحرج عنها، وقد تكون أغراضاً تجمّليّة بحتة، وربما تختلف الأحكام المتعلّقة بالقطع والمقطوع منه بالنسبة إلى بعض هذه الغايات حسب الفتاوى، فلابُدّ للمكلّفين من الرجوع إلى مقلَّديهم ( بفتح اللام ) في ذلك.
وأمّا الناحية السادسة: فالعمليّة قد تقترن بعدّة أُمورٍ محرّمةٍ، أو غير جائزة بعنوانها الأوّلي، ونذكر بعضها من باب المثال:
١ - ٢ - نظر الأجنبي إلى بدن الأجنبيّة وبالعكس، أو نظر أحدهما إلى عورة الآخر، ولو كان الطبيب والمريض من جنسٍ واحدٍ.
٣ - ٤ - لمس الأجنبي بدن الأجنبيّة أو بالعكس، أو لمس العورة ولو بين المثلين.
٥ - الاضطرار إلى أكل طعام وشراب نجسين ك ،ما في مستشفيات البلاد الغربيّة وغير الإسلاميّة، أيّام العمليّة حتّى حصول القدرة، وكذا عند الفحوص الطبيّة قبل العمليّة.
٦ - الاضطرار إلى أداء الصلاة في لباسٍ نجسٍ، أو بدن نجس كذلك.
٧ - الصلاة عن جلوس أو عن استلقاء أو اضطجاع لا عن قيام، حتّى يقدر عليه.
ثمّ الأربعة الأُولى متعلّقة بالمنقول منه، والمنقول إليه والطبيب ومساعديه المراقبين للمرضى في المستشفيات جميعاً.
أقول : إذا أُجريت العمليّة لحفظ النفس أو لرفع مرض حرجي لا شبهة في جواز كلّ الأُمور السبعة للمريض، والأُمور الأربعة للطبيب، إذا لم يمكن الاجتناب عن بعضها: كلبس شيءٍ مانعٍ عن المسّ بالبدن ونحو ذلك.
وأمّا إذا أُجريت للتجمّل فقط فلا ترتفع حرمة المحرّمات، ولا لزوم الواجبات في حقّهما.
وأمّا المنقول منه فإن قصد حفظ النفس المحترمة ؛ فيجوز له كلّ ذلك، كما يجوز للمنقول إليه، وإن قصد رفع المرض الحرجي، فإن كان حرجيّاً له أيضاً لمكان علاقته بالمريض، فالحكم هو الجواز لنفي الحرج، وإن لم يكن له حرجيّاً فربّما يشكل إقدامه على العمليّة وإن كان قطع العضو جائزاً لمكان تلك المحرّمات والواجبات الضمنيّة، وجريان قاعدة نفي الحرج في حقّ المنقول إليه لا يكفي للمنقول منه، وكفايته للطبيب إنّما هي بدليلٍ خاصٍّ مرّ في المسألة الثانية، إلاّ أنْ يدّعى القطع بعدم الفرق بينهما، فتأمّل.
وإنْ قصد المال لحاجةٍ شديدةٍ إليه، فالظاهر جواز الأُمور المذكورة ؛ لقاعدة نفي الحرج والضرر، وإن قصد جمع المال فقط فيشكل الأمر، حتّى في فرض حفظ حياة المنقول إليه إذا لم يقصده، فضلاً عن فرض التجمّل، بل الظاهر عدم رفع الحرمة والوجوب في حقّه، فلاحظ وتأمّل.
المسألة الثانية والعشرون
أحكام متعلّقة باللّمس والنظر وتشريح الميّت وغير ذلك
١ - هل ترتفع حرمة النظر والمسّ المحرّمين للطلاب والطالبات في كلّيّة الطبّ في مقام تعلّمهم - فإنّه واجب كفائي - وهل يفرق الحكم الشرعي بالنسبة إلى الأحياء والأموات ؟
( ج ) : أمّا المسّ فالظاهر عدم الاحتياج إليه غالباً ؛ لإمكان لبس ما يمنع مسّ البدن باليد، فلا مجوّز لرفع حرمته أصلاً، وأمّا النظر إلى الوجه والكفّين، فلا بأس به مطلقاً بغير قصد الشهوة واللّذة، وكذا إلى الكافرات بمقدار ما تعارف عدم حجابهن، بل وكذا إلى المبتذلات اللاّئي إذا نُهين لا ينتهين، وأمّا إلى بدن المسلمات غير المبتذلات فلا.
وأمّا السؤال عن جواز إلباس المساعدة للطبيب لباسه، أو نزعه، ممّا يستلزم المسّ المحرّم، وأنّه عادة رسميّة رائجة حين العمليّة، أو الفراغ منها ؟
فجوابه : أنّ حرمة المسّ لا تزول بهذه العادات غير الإسلامية.
٢ - هل يجوز الرجوع للتداوي والعمليّة إلى الجنس المخالف، إذا استلزم النظر والمسّ المحرّمين، مع إمكان الرجوع إلى المماثل أو لا يجوز ؟
( ج ) : لا يجوز الرجوع إلى الجنس المخالف، إلاّ مع تعذّر المماثل الصالح للعلاج والتشخيص، وحينئذٍ يجوز النظر والمسّ للطبيب - أيضاً - كما مرّ دليله في المسألة الثانية، ويقدّم المحارم على غيرهم، ووجهه واضح في النظر إلى غير العورة، ومسه، فإنّه يجوز لهم، وأمّا في مسّ العورة والنظر إليها
فليس حكمه بواضح، فهو أحوط.
٣ - هل يجوز النظر إلى العورة ومسّها في مقام التداوي مطلقاً أو بشرط ؟
( ج ) : يجوز بشرط تداوي المرض الحرجي للمريض، ويزيد للمخالف شرط فقد المماثل أيضاً.
وربّما قيل بتقديم المحارم على غيرهم، وهو أحوط، كما أشرنا إليه آنفاً.
٤ - هل يجب على مَن يتعلّم الطبّ الغسل بمسّ بدن الميّت، مع أنّه يتكرّر في كثيرٍ من الأيّام، بل ربّما في كلّ يومٍ مرّاتٍ ؟
( ج ) : نعم يجب الغسل عند الصلاة، وطريق التخلّص عن الغسل لبس سترٍ يمنع عن مسّ اليد ببدن الميّت مباشرةً، وهو أمرٌ سهلٌ.
وأمّا إذا مسّ القطعة المبانة منه، فعند بعض الفقهاء المعاصرين أنّه لا يجب على الماسّ الغسل(١) ، وعند المشهور وجوبه بمسّها إذا اشتملت على العظم دون المجرّد عنه كاللحم فإنّه لا يجب(٢) بمسه، وأمّا مسّ العظم المجرّد ففي وجوب الغسل به، أقوال أربعة.
هذا كلّه إذا لم يغسّل الميّت، وأمّا إذا غُسّل الميّت أو جاؤا به من مقابر المسلمين، فلا يجب الغسل بمسّه، فإنّ وجوب الغسل بمسّ الميّت إنّما هو بمسّه بعد البرودة، وقبل غسله، وبدون حائل.
٥ - إذا لم يمكن تعلّم الطبّ إلاّ بالنظر واللّمس المحرّمين فما هو الحكم ؟
( ج ) : يقول بعض الفقهاء المعاصرين: إنّه إذا توقف بقاء حياة
___________________
(١) وهو السيّد السيستاني ( طال عمره ) وهو من المراجع المشهورين اليوم.
(٢) لاحظ كتاب الطهارة من جواهر الكلام.
المسلمين - ولو في الزمان المستقبل على تعلّم الطبّ المتوقّف على النظر والمسّ المحرّمين، جازا مع الاقتصار على مقدار الضرورة، بشرط عدم التلذّذ والريبة.
٦ - هل يجوز للذكور تعلّم الأمراض النسائيّة، بحيث يصبحوا أخصّائيّين ( اختصاصيّين ) فيبتلون بالمسّ والنظر في أيّام التعلّم ؟
( ج ) : أمّا نفس التعلّم، فلا شكّ في جوازه، لجواز النظر والمسّ حين المعالجة والعمليّة بشرطٍ سبق، وأمّا النظر والمسّ في أيّام التعلّم ففي جوازهما نظر، إلاّ إذا توقّفت حياة المسلمين في المستقبل على تعلّمه الطبّ، فيجوزان.
وإذا علم أو أحتمل قيام إناث بمقدار الحاجة لتعلّم الطبّ ( قسم الأمراض النسائيّة ) فيشكل أو يحرم عليهم المسّ والنظر.
٧ - هل يجوز إجبار المتعلّمات على تعلّم الأمراض النسائيّة بمقدار حاجة النساء في هذا العصر، حتّى لا يفتقرن إلى الرجال ولا إلى إرائة أبدانهنّ لهم ؟
( ج ) : والأظهر عندي جوازه بل لزومه على الحكومة الإسلاميّة، ويمكن أنْ نسنده إلى الفهم من مذاق الشرع.
هذا إذا لم يكتف بمَن اشتغلن برضاهنّ بتعلّم الطبّ لمقدار الحاجة، وإلاّ فلا معنى للإجبار.
وعلى كلٍّ، لا يدفع وجوب الإجبار المذكور بقيام السيرة من صدر الإسلام إلى اليوم على عدمه، فإنّ الشرائط الحاضرة لم تكن متوفّرة في السابق، ومع هذا التفاوت الوسيع بين الحال والماضي لا مجال للتمسك بالسيرة، فلاحظ.
٨ - المعتدّة التي يحرم خروجها من بيتها، هل يجوز خروجها للعلاج ؟
( ج ) : المعتدّة المريضة يجوز خروجها للتداوي والعلاج ؛ لنفي الحرج
والضرر، وأمّا الطبيبة المعتدّة، فلا يجوز خروجها لعلاج المرضى إذا وجد غيرها لعلاجهم، ومع عدمه إنّما يجوز الخروج إذا لم يمكن العلاج في بيتها، واستلزم عدم خروجها تلف النفس، أو كان مرض المريض حرجيّاً لها لمكان قرابته منها مثلاً، وأمّا إذا كان المرض حرجيّاً للمريض فقط، ولم يوجد غيرها للتداوي ففي جواز خروجها من بيتها وجهان.
نعم، إذا أوجب عدم خروجها من بيتها فقدان مؤنتها المحتاج إليها بالفعل، أو عزلها من قبل إدارة المستشفى، وكان حرجيّاً لها لضيق معيشتها ؛ جاز لها الخروج بقدر الضرورة. وهذا لا يخصّ الطبيبة بل هو - كنظائره - عام.
٩ - ما معنى الضرورة المجوّزة للنظر والمسّ المحرّمين، حتّى مسّ العورة للمريض والطبيب ؟
( ج ) : للضرورة هنا معنيان: حفظ النفس من التلف، وكون تحمل المرض حرجياً للمريض، وأمّا إذا لم يبلغ المرض حدّ الحرج والضرر، فلا يبيح ما هو محرّم في نفسه للمريض والطبيب والمضمّد.
١٠ - هل يجوز للمرأة الطبيبة، أو المساعدة للطبيب أنْ تكشف عن ذراعيها في المختبر، أو محلّ العمليّة إذا ألزمها القانون بذلك ؟
( ج ) : لا يجوز لها ذلك، ولا حرمة للقوانين المخالفة لقوانين الإسلام.
١١ - أصبحت المصافحة مع الأجانب والأجنبيّات في بيئة الجامعات والكليّات والمختبرات من الواجبات العرفيّة وتاركها يوهن، فتكون له مشقّة نفسيّة، فهل ترخصونها لهنّ ؟
( ج ) : كلاّ، هي حرام في غير المحارم، إلاّ إذا كانت من وراء ساتر.
١٢ - هل يجوز تقطيع أعضاء الميّت للتشريح والتعلّم، أو للزراعة ؟
( ج ) : أمّا حكم النزع للترقيع والزراعة فقد تقدّم، وأمّا التشريح فلا يجوز بميّت مسلم، ويجوز تقطيع أعضاء الميّت غير المسلم أو مَن شكّ في إسلامه.
ويقول السيّد الأُستاذ الخوئيرضياللهعنه : نعم إذا توقّف حياة مسلمٍ حيٍّ على تشريح بدن مسلم ميّتٍ، جاز ولكن يجب على مَن يقطعه الديّة(١) .
أقول : في كلّ بلد يوجد جثّة غير مسلم فيكتفي بها لقضاء الحاجة، وأمّا إذا فرضنا عدم وجود ذلك، ولم يتيسّر لهم إلاّ الميّت المسلم، وفرضنا توقّف حياة المسلمين - ولو في المستقبل على وجود الأخصائيّين الذين لا يتيسّر لهم العلم إلاّ بالتشريح لا يبعد جواز تقطيع الميت المسلم، وهل يكون ذلك بعد الصلاة عليه أو بعد دفنه؟ فيه وجهان.
١٣ - قد تدّعي المريضة مرضاً في بدنها أو في عورتها، ولا يعلم الطبيب أنّ المرض مهمٌ أو غير مهم، يمكن تحمّله لها بلا مشقّة، أو يعلم أنّه غير حرجي، فهل يجوز له النظر أو المسّ لتشخيص المرض على نحو الدقّة ؟ وكذا الحال في المريض والطبيبة ؟
( ج ) : إذا كان المرض حرجيّاً للمريض والمريضة ؛ جاز النظر واللمس في فرض فقدان المماثل، وإذا لم يكن حرجيّاً لا يجوزان للمخالف والمماثل، وعند شكّ الطبيب في بلوغ المرض درجة الحرج، لا يبعد الاعتماد على قول المريض والمريضة في فرض عدم اتّهامهما.
١٤ - قد يشكّ الطبيب في تحقّق الضرورة المجوِّزة لمس المرأة والنظر إليها ؛ لأنّه يحتمل وجود المماثلة لها، أو يعلم بوجودها، ولكن المريضة
___________________
(١) توضيح المسائل، وغيره من كتبهقدسسره .
تدّعي أنّها راجعتها ولم تنتفع بعلاجها، فهل يكفي هذا الادّعاء للطبيب لجواز علاجها حتّى يمسّ عورتها، وكذا الكلام في حقّ الطبيبة والمريض ؟
( ج ) : أفتى بعض الفقهاء بجواز الاعتماد على قول المريض بامتناع المراجعة إلى المحرم والمماثل، والظاهر عدم الفرق بينه وبين قوله بعدم انتفاعه من المحرم أو المماثل.
وعلى كلٍّ، إذا علم بوجود المماثل ؛ لا يجوز للطبيب النظر والمس في فرض سكوت المريض.
المسألة الثالثة والعشرون
حول إفشاء الأسرار
( البحث الأوّل ) في نقل بعض الأحاديث:
١ - في الحديث الصحيح عن الباقرعليهالسلام عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( المجالس بالأمانة )(١) .
أقول : قضيّة الإطلاق عدم جواز إفشاء ما لا يرضى به أهل المجلس ؛ بل الأصل عدم الجواز إلاّ إذا أُحرز رضاهم بالإفشاء، ومع ذكر عدم الإفشاء يصير عدم الجواز آكد، وأخذ الميثاق يصير أشدّ تأكيداً.
والظاهر عدم خصوصيّة للمجلس، فيشمل الحكم المكالمات الهاتفيّة والمكاتبة وأمثالها.
نعم في شمول الحديث لغير المسلمين نظر، لاحتمال الانصراف، أو لما يُفهم من مذاق الشرع في غير أهل الذمّة.
٢ - وفي صحيح ابن سنان قال: قلت له: ( أي الإمام الصادق -عليهالسلام - ) عورة المؤمن على المؤمن حرام ؟ قال: ( نعم. قلت: يعني سفلتيه ؟ قال: ليس حيث تذهب إنّما هو إذاعة سرّه)(٢) .
أقول : فمَن لا يرضى بإذاعة صلاة ليله مثلاً، يشكل أو يحرم إذاعته ،
___________________
(١) ص٤٧١ ج٨ الوسائل، وفي الباب روايات، لكن ليس فيها ما يُعتبر سنداً، إلاّ ما ذكرناه هنا.
(٢) ص٢٩٤ ج١٢ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
فضلاً عن حرمة إذاعة ما يضرّ بماله وعرضه ونفسه(١) .
٣ - وفي معتبرة معلّى بن خنيس.. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ( قال الله عزّ وجلّ: قد نابذني من أذّل عبدي المؤمن )(٢) .
٤ - وفي صحيح ابن سنان عن الصادقعليهالسلام قال:
( قال رسول الله -صلىاللهعليهوآله -: ألا أُنبئكم بشراركم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشّاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبراء المعائب )(٣) .
والمستفاد من هذه الأحاديث الأربعة حرمة إفشاء ما في المجالس، وحرمة إذاعة أسرار المؤمن، وحرمة إذلال المؤمن، والنميمة، والتّفريق بين الأحبّة، وطلب العيب للبراء.
وأمّا حرمة الغيبة، وحرمة سوء الظن، وحرمة التجسّس، فيدلّ عليها قوله تبارك وتعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) ( الحجرات ٢ ).
وقد استُثني من حرمة الغيبة ما إذا كانت مصلحة الغيبة أقوى من تركها، وما إذا كان المغتاب ( بالفتح ) متجاهراً بالفسق، وفرض تظلّم المظلوم بإظهار ما فعل به الظالم ؛ لقوله تعالى:( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ ) (٤) ، وفي جرح الرواة، وجرح الشهود، وغير ذلك كما فُصِّل في الكتب الفقهيّة(٥) .
___________________
(١) لاحظ ص٢٢٦ ج١ من كتابنا حدود الشريعة في محرّماتها.
(٢) لاحظ بقيّة الأحاديث في ذلك في ص٢٢٩ ج١ حدود الشريعة.
(٣) ص٦١٦ ج٨ الوسائل.
(٤) النساء آية ١٤٨.
(٥) لاحظ ص٧٥ إلى ص٨٣ ج٢ حدود الشريعة.
والجدير بالذكر هنا الإشارة إلى أمرين:
١ - من جملة ما استثناه شيخنا الأنصاريقدسسره في مكاسبه المحرّمة من حرمة الغيبة قصد ردع المغتاب من المنكَر(١) ولكنّ سيّدنا الأُستاذ الخوئيقدسسره ناقشه نقاشاً متيناً(٢) .
٢ - ومن جملة ما استثناه الشيخ المذكور نصح المستشير(٣) ، فإنّ النصيحة واجبةٌ للمستشير.
أقول : أمّا وجوب النصح فيدلّ عليه صحيح معاوية بن وهب، عن الصادقعليهالسلام :
( يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب ). ومثله صحيح الحذّاء(٤) .
لكنّ النسبة بينه وبين حرمة الغيبة هي العموم من وجه، ففي مورد الاجتماع تقع المزاحمة فلابُدّ من الأخذ بالأهمّ، وهو يختلف باختلاف الموارد والحالات.
واعلم أنّه يجب حفظ الأيمان، ويحرم الحنث كتاباً وسنةً وهذا ممّا لا إشكال فيه ؛ لكن قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله كما رواه الشيعة(٥) وأهل السنّة: ( إذا رأيت خيراً من يمينك فدعها ) وهذا استثناء من وجوب حفظ الأيمان وحرمة الحنث، وهو أصلٌ مهمٌ.
___________________
(١) لاحظ المكاسب المحرَّمة.
(٢) مصباح الفقاهة بحث الغيبة.
(٣) المكاسب المحرَّمة.
(٤) ص٥٩٤ ج١١ الوسائل.
(٥) ص١٧٥ ج١٦ وسائل الشيعة.
أصلٌ مفيدٌ
لا يجب إعلام مَن أخطأ في الموضوعات، كمَن صلّى إلى غير جهة القبلة وهو يزعم أنّها القبلة، أو يفطر يوماً من رمضان وهو يزعم أنّه يوم عيد، وهكذا. نعم، إذا علم الحكم والموضوع ثمّ خالف ؛ يجب على الإنسان أمر المتخلِّف بالمعروف أو نهيه عن المنكر، وإذا جهل الحكم فيجب على الإنسان إرشاد الجاهل، وأمّا إذا علم الحكم وجهل الموضوع فلا يجب على المكلَّفين تنبيهه.
نعم، استثنوا منه النفوس والأعراض، بل بعضهم الأموال الخطيرة، فمَن زعم أنّ زيداً كافرٌ مهدور الدم، وقصد بالفعل قتله يجب على الغير بيان الواقع وأنّه غير مهدور الدم، بل وردْعه ودفْعه عنه أيضاً، أو اعتقد امرأةً أجنبيّةً زوجته فأراد مباشرتها، يجب على الغير إعلامه وردْعه، يُفهم ذلك من مذاق الشرع.
إذا تقرّرت هذه الأحكام الفقهيّة العامّة لجميع المسلمين، بل المكلّفين من غير اختصاص الأطبّاء، وإن كان الأطبّاء وموظفو الأمن العام أكثر الناس ابتلاء ببعض هذه المسائل، نذكر في كتابنا هذا عدّةً من الموارد، التي هي محلّ ابتلاء الأطبّاء المتديّنين المقيّدين بأحكام دينهم - وقليلاً ما هم - والله الموفق -.
١ - إذا علم الطبيب بعد الفحوصات الطبّيّة أنّ الرجل لن يستطيع الإنجاب، وذلك لعدم وجود حيوانات منويّة في منيّه، ثمّ يأتي بعد ذلك ويخبر الطبيب أنّه بعد العلاج استطاع أن ينجب طفلاً، فهل يجوز أو يجب
على الطبيب أن يخبره عن استحالة الإنجاب في حقّه أم لا يجوز ؟
يحتمل جواز أخبار الطبيب للزوج بأنّه لم يكن قابلاً للإنجاب، فانّ مجرّد هذا لا يدلّ على اتّهام الزوجة بالزنا المحرّم، لاحتمال انتقال النطفة إلى رحمها من الأرض ونحوها كما قد يتّفق، أو بطريقٍ طبّيٍّ على غفلةٍ منها مثلا، أو أنّها أُكرهت على الزنا، فإخبار الطبيب لا يستلزم سوء ظنٍّ بها، لكن إذا علم أو احتمل الطبيب إقدام الزوج على قتلها وإفضاحها وهتك شرفها، لا يجوز الإخبار ظاهرا ؛ لما عرفت من حرمة إذلال المؤمن مؤكّدة، بناءً على عدم الفرق بين المباشرة والتسبّب، وهذه الحرمة ثابتة في حقّه، حتّى وإن فرضنا حلفه في أوّل شغله على عدم إخفاء الحال على المريض، فإنّ الحرمة المذكورة تمنع عن العمل بالحلف ؛ كما عرفت من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله . وأمّا إذا علم أنّه لا يترتّب على إخباره إلا طلاقها فيحتمل الجواز ؛ لأنّ الطلاق غير محرم.
ثمّ إنّه إذا علم الطبيب بإقرارها، أو غيره أنّها زنت ؛ يجب عليه أن ينهاها عن نسبة الولد إلى زوجها، من باب النهي عن المنكر.
وعلى كلٍّ، إذا جاز الإخبار للطبيب فإنّما هو جائزٌ غير واجب، وله أن لا يخبر الزوج أصلا ولكن لا يدلّسه إذا سأله.
٢ - لا يجوز إخبار الطبيب السلطة أو الزوج بزنى الزوجة ؛ لحرمة الغيبة، وحرمة الإذلال، وحرمة إذاعة السرّ، كما أنّه لا يجوز للطبيب وغيره عند سؤال الزوج عن فجور زوجته أن يكذب، بل إمّا يسكت أو يتورّى.
٣ - إذا تبيّن بالفحوص الطبيّة أنّ أحد الشخصين المقبلَين على الزواج اللذين طلبا فحص ما قبل الزواج، لا ينجب أو ينجب طفلا مشوّهاً إذا ما تمّ ذلك الزواج، فهل يقوم الطبيب بإخطار الفرد الآخر منهما، أم أن النقص
المذكور يعتبر سرّاً من الأسرار التي لا يجوز إفشاءها، أو يعلّق الجواز والمنع على طلب الآخر معرفة النتيجة وعدم طلبه.
أقول : للمورد صور، فإن أقبلا على الطبيب بشرط أن يبيّن حقيقة حال كلٍّ منهما للآخر، كما لعلّه الغالب، فالظاهر وجوب إخبارهما بالحقيقة ؛ لانعقاد الإجارة مشروطة بذلك، ويقول الله تعالى:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (١) ، ولو لم يبيّن لا يستحقّ الأُجرة، وقَسَمُ الطبيب على عدم إفشاء السرّ لا يشمل المورد جزماً.
وإن أراد منه الفحص وإعلان النتيجة لكلٍّ منهما منفردا، فلا يجوز له إخبار الغير لحرمة إذاعة السرّ وللقسم - إن حلف أوّلاً على عدم إفشاء حال المرضى -.
وأمّا إذا أطلقا الطلب ولم يبيّنا أحد القسمين السابقين، فالمتبادَر من الإطلاق هو القسم الأوّل، لاسيّما مع السؤال عن النتيجة.
٤ - إذا علم الطبيب أنّ مريضه مدمن خمرٍ، وهو سائق أو طيّار، فهل يجب عليه الإبلاغ أو يحرم ؟
أقول : يجب على الطبيب، من باب النهي عن المنكر، أن ينهى المريض عن شرب الخمر أوّلاً، وعن السياقة في حال السكر ثانياً، فان لم يرتدع، أو علم الطبيب من أوّل أنّه لا يرتدع ؛ وجب عليه إبلاغ الجهات المسؤولة الحكوميّة لما مرّ ذيل عنوان ( أصل مفيد ) عن قريب، ويجوز إعلام مَن يريد السفر مع المدمن المذكور بالحال.
وبالجملة : حفظ النفوس أهمّ من حفظ عرض واحد مقصر.
٥ - إذا علم الطبيب باجتهاده، أو بإقرار المريض أنّه مبتلى بالزنا، أو
___________________
(١) المائدة آية ١.
باللّواط، أو بالمساحقة، أو بالسرقة، أو بقتل شخص أو أشخاص، مثلاً، فما هو وظيفته في الإبلاغ والسكوت ؟
وكذا غير الطبيب - إلاّ مَن كان وليّ القتيل، أو مالك المال المسروق ونحو ذلك، فيجوز له الرجوع إلى الجهات المسؤولة للقصاص وتحصيل حقّه، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
أقول : لا يجوز له الإبلاغ لما مرّ، وإنّما يجب عليه نهي المتخلّف عن المعاصي، نعم إذا علم أنّه يريد قتل شخص آخر، أو أنّه مفسد يريد إدامة فساده ؛ يجب عليه إبلاغ الحكومة لما مرّ في الأصل المفيد.
٦ - إذا علم الطبيب عن مريضته: أنّها قامت بترك وليدها غير الشرعيّ في الطريق العام تفاديا للفضيحة، فهل يسكت أو يبلّغ السلطات ؟
( ج ) : لا يجوز له ولغيره افضاح المرأة لما مرّ، وإنّما يجب عليه وعلى جميع المسلمين كفاية حفظ اللقيطة من التلف، ولو بردّها إلى أُمّها، وإذا فُرض عدم حفظه إلا بأُمّه، جاز بل وجب إبلاغ السلطات والتعريف بأُمّه.
٧ - إذا علم الطبيب أنّ المرأة المزوّجة تخون زوجها، لا يجوز له إبلاغ الزوج أو الحكومة، ولو قذفها ولم يقدر على إثبات الزنا يُجْلَد ثمانين جلدةً وهو حدّ القذف.وإذا سأله زوجها عن سبب مرضها النفسي، فهل له أن يخبره بأنّه خوف خيانتها بك ؟
لا يجوز له الكذب ولا الصدق !
٨ - إذا علم الطبيب أنّ السائق يضعف نور عينه، والسياقة خطر له وللناس، فقد مرّ حكم الطبيب المذكور، في جواب السؤال الرابع.
٩ - شخص أحد عينيه لا يبصر، وهو يطلب من الطبيب كتمانه، لئلاّ تفارقه زوجته أو خطيبته، وتطلب هي منه حال عينه، فما هو حكمه ؟ وكذا في عكس المفروض.
( ج ) : لايجوز إفشاء عيبه حتّى لزوجته بوجهٍ، بل الأظهر عدم جوازه
لخطيبته وإن لم يجز له غرّها والتدليس بل يقول لها: اذهبي به إلى طبيبٍ آخر، وأمّا إذا جاءته تستشيره لأن تتزوّج بالرجل المذكور، فقد تقدّم حكمه في بحث الغيبة، ولا بُعد في أنّه يجب عليه أن يشيرها بترك التزويج، وعدم ذكر عيب الرجل جمعاً بين الحقّين، وهكذا في فرض عكس الموضوع بلا فرق أصلاً.
١٠ - امرأة ابتُليت بأمراض خفيّة، ويأتي مَن يريد زواجها إلى الطبيب المعالِج، ويسأل عن حالها، فلا يجوز له الإخبار بأمراضها ولا غرّ الزوج، كما عرفت في السؤال السابق.
١١ - مرشد في المباحث، سبب مرضه النفسي ما أوقع الناس فيه أذى، فهل يجوز للطبيب أن يحذِّر الناس ؟
( ج ) : نعم يجوز ذلك له بل يحسن له ؛ لأنّه إحسان للأبرياء، وهو أهمّ من حفظ عرض نمّامٍ فاسقٍ، بل إذا علم أنّ الدولة الظالمة تقتل الناس بنميمته يجب عليه أن يفشي حاله ؛ لما مرّ من وجوب حفظ النفس مطلقاً، وحلف الطبيب أوّلاً على عدم الإفشاء يلغي أثره في أمثال الموارد ؛ لقولهصلىاللهعليهوآله المتقدِّم: ( إذا رأيت خيراً من يمينك فدعها ).
١٢ - مريضٌ نفسيٌّ اعترف لطبيبه بارتكابه جرماً يحاكَم من جرّائه متّهمٌ آخر، هل يُبلِّغ عنه ؟
( ج ) : إذا طلب منه المتّهم الآخر الشهادة عند الحاكم، ففي وجوب إجابته عليه تفصيل ذكرناه في ص١٧٢ وص١٧٣ ج٢ حدود الشريعة، وإذا لم يستشهده المتّهم الآخر، أو لم يكن عالماً بعلم الطبيب، لكن اتهام المتّهم لمكان قرابته من الطبيب كان حرجيّاً للطبيب المذكور ففي جواز إبلاغه وجهان، ومع فقد الأمرين المذكورين يمكن الرجوع إلى تقديم الأهمّ على
المُهمّ، فإن حفظ المتّهم أهمّ جاز له الإبلاغ، وإن كان عرض المريض أهمّ لم يجز، نعم إذا خاف على المتّهم القتل وجب الإبلاغ وبالعكس وجب السكوت، إن كان قتله غير مستحق.
١٣ - امرأة حملت سفاحاً، هل يجهض الطبيب حملها، وهل يبلِّغ عنها السلطات ؟
( ج ) : مرّ حكم الإجهاض في المسألة السادسة، وأمّا الإبلاغ عنها فلا يجوز بل لا يجوز تعييرها على ذنبها الماضي وإنّما ينصحها لئلاّ تعود إلى المعصية ثانية.
١٤ - رجل ابتلي في سفر له لمرض تناسلي فيمتنع عن زوجته وهي تسأل الطبيب عن سبب امتناعه عنها فهل يسكت الطبيب أو يصارحها ؟
( ج ) : إذا فرضنا امتناع الزوج عن جماع زوجته فلا مجوز لإفشاء عيبه وان نشأ من الزنا واما إذا لم يمتنع عنها إلا أياما معدودة وكان في مجامعته إياها ضررا لها أو يمتنع عنها مدة طويلة تصبح هي كالمعلقة فلا بد من تقديم الاهم على المهم، والاحسن أو اللازم رجوع الطبيب في ذلك إلى الحاكم الشرعي حتى يبين له الأهم من المهم.
١٥ - مريض ابتلي بالايدز - وهو مرض خطير أو قاتل كما يأتي - فيضر بحال من الزوج أو الزوجة، فما هو وظيفة الطبيب في السكوت والابلاغ ؟
١٦ - ما هو حكمه في سائر الأمراض السارية: كالجدري والكوليرا وغيرهما في الإفشاء والكتمان ؟
( ج ) : في الموردين إذا لم يطلب المريض كتمان مرضه فهو وإن يريد كتمانه ففي مثل الإيدز يأتي بحثه مفصّلاً، وعلى الجملة مع إحراز سراية المرض والإضرار بالناس، لا يحسن الكتمان لتقديم الأهمّ على المهم.
١٧ - إذا علم الطبيب أنّ الحمل ليس من الزوج فإنّه عقيم، بل هو من منيّ رجلٍ آخر بفجور الطرفين، أو بإغصاب الزوجة أو بإخصاب بيضة الزوجة بحيوانٍ منويّ لرجلٍ آخر، أو بييضة مخصبة من امرأة ورجل آخرين، فهل يسكت الطبيب أو يفشي الواقعيّة لأحد الزوجين أو كليهما - إذا كانا غافلين، وهل يجوز إبلاغه للطفل إذا بلغ حدّ الرشد والتعقّل ؟
( ج ) : لا يجب عليه الإبلاغ، نعم إنّ علم عدم وقوع المفسدة بين الزوجين جاز بيان الواقع(١) ، وإن علم بوقوعها لا يجوز، وهكذا للولد، إلاّ إذا طرأ عنوانٌ ثانويٌّ آخر.
١٨ - إذا كان الإفشاء مانعاً عن حدوث الجريمة، فما هو حكم الطبيب ؟
( ج ) : إذا كانت الجريمة ممّا يفهم من الشرع عدم الرضا بوقوعها مطلقاً إذا أمكن منعه ولو بالردع، فضلا عن النهي والإبلاغ، كالقتل والزنا واللواط والفساد ونحو ذلك، يجب عليه الإبلاغ والإفشاء للجهات القادرة على المنع، وقد نقل طبيب عن مريضة أنّ أحد محارمها يعتدي عليها، ففي مثل ذلك سكوت الطبيب يعني إدامة الزنا، ولا يرضى به الشارع بوجه، وههنا يجب على الطبيب والمرأة التوسّل بكلّ وسيلةٍ ممكنةٍ لمنع هذا العمل، ومنها الإبلاغ، لكن بنحو لا يستحقّ الطبيب حدّ القذف، إذا لم يقدر على إثبات الزنا.
وأمّا إذا كانت المعصية أدون منها فلا يجوز إفشائها، لما مرّ في بحث الغيبة في أوائل هذه المسألة.
___________________
(١) مع قطع النظر عن حلفه ابتداءً على إفشاء أسرار المرضى ومعه لا يجوز، وهكذا في سائر الأسئلة.
فإن قلت: يجب إفشاءه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ المفروض أن الإفشاء يمنع عن حدوث الجريمة.
قلت : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنّما يجبان لإحداث داعٍ في نفس المتخلّف، فهما تعجيز تشريعيّ، وإمّا التعجيز التكويني فلا يجب مطلقاً، اللّهمّ إلاّ في القتل والزنا وأمثالهما كما مرّ، فمَن يريد السبّ والغيبة، بل الافتراء، لا يجب على المسلمين وضع اليد، أو شيءٍ آخر على فمه ليعجزه عن التكلّم.
١٩ - هل يُفشي الطبيب لمريضه حقيقة مرضه، وإن علم أنّه يخشى عليه من الانهيار العصبي إذا واجهته الحقيقة: كبعض مراتب مرض السرطان وغيره، أو يجب كتمانه، وما هو الحكم إذا شكّ الطبيب في قدرة تسلّط المريض على نفسه إذا علم بحقيقة الحال ؟
( ج ) : إذا علم الطبيب بذلك الإفشاء المذكور، وإذا علم أنّ كتمانه يوجب ضرراً أكبر، فإن أمكن دفع الضرر الأكبر بالتداوي أو بإخبار من يلي أمر المريض، فالحكم هو عدم الجواز، وأمّا إذا لم يمكن دفعه بأحد الوجهين فيجب على الطبيب إخباره(١) ؛ تقديماً للأهمّ على المهمّ، وإذا شكّ في تضرّره نفسيّاً بمجرّد الإبلاغ، يجوز الإبلاغ لأصالة البراءة، وإن كان الاحتياط أولى.
___________________
(١) الوجوب من جهة عقد الإجارة أي إجارة المريض لبيان مرضه، وفي غير الإجارة الإخبار مستحبٌّ فإنّه إحسان، إلاّ في مثل القتل فإنّ الإخبار واجب، كما مرّ غير مرّة.
المسألة الرابعة والعشرون
عمليات تجوز أم لا تجوز شرعاً
١ - العلم توصّل إلى تنمية حيوانات بأضعاف حجمها العادي... وليس من المستغرَب أنْ نرى إدخال D.N.A المجمع إلى جسم الإنسان، بحيث يتولّد منها أمثال الجبابرة والمردة، التي نسمع عنها في قصص ألف ليلة وليلة(١) .
أقول :أوّلاً : إنْ قلنا بجوازه، فإنّما هو على مستوى فرد أو أفراد معدودة، وأمّا على مستوى العموم فالحكم - جوازاً وتحريماً - موقوف على ملاحظة ما يترتّب على هذا العمل من اللوازم والآثار، وإذا علمنا من مذاق الشرع، بأنّ الله لا يرضى بذلك على وجهٍ يتغيّر النوع الإنساني عن أحسن تقويمه الذي خلقه الله عليه ؛ فنحكم بحرمته.
وثانياً : إنّ تغيير حجم الأولاد، إذا لم يرض به الأولاد بعد بلوغهم، ويكون موهناً لهم عند الناس ومؤذياً لأنفسهم، لا دليل على جوازه ؛ إذ لا ولاية للأب والجد - فضلاً عن الأُمّ - على أولادهم بهذا النحو جزماً، وليس الأمر يخصّ نفس الوالدين حتّى يُقال إنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم، بل هو راجع إلى غيرهم، ولا فرق في الحكم ظاهراً بين تنقيص السليم الموجود وتعييبه، وإيجاد الموجود معيباً ناقصاً.
٢ - زوج لا يقدر على إزالة بكارة زوجته بالطريق العادي، فهل يجوز
___________________
(١) ص٢١٠ الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
له أن يطلب من الطبيب إزالتها ؟ وما هو وظيفة الطبيب والزوجة ؟
أقول : في صحيح عبد الله بن سنان، عن الصادقعليهالسلام في امرأة افتضت جاريتها بيدها، قال: ( عليها مهرها وتُجلد الثمانين )(١) .
وفي صحيح معاوية عنهعليهالسلام في حديثٍ طويلٍ: إنّ امرأة دعت نسوة فامسكن يتيمة بعدما رمتها وأُخذت عذرتها بإصبعها، فقضى أمير المؤمنينعليهالسلام : ( أنْ تُضرب المرأة حدّ القاذف، وألزمهنّ جميعاً العقر، وجعل عقرها أربعمئة درهم )(٢) .
وقد ذكرنا بحث الموضوع في كتابنا حدود الشريعة ( ج٤ ص٣٤٩ وج١ ص٢٨٢ ).
وخلاصة الكلام : أنّ الحديثين ينصرفان عن فرض قصور الزوج عن الافتضاض بالدخول، ولا يبعد أنْ نقول بالجواز في المقام، بدليل نفي العسر والحرج، ولوجوب التمكين على الزوجة، ولوجوب وطء الزوجة على الزوج في الجملة.
ثمّ إذا أمكن للزوج افتضاض زوجته في هذا الفرض بطريق صحّي، ولو بهداية الطبيب، فلا يجوز الذهاب عند الطبيبة، ولا يجوز للطبيبة - فضلاً عن الطبيب - النظر إلى عورتها ولمسها، وأمّا إذا لم يمكن فيجوز للطبيبة مباشرة العمل، وقيل يوجب تقديم الطبيبة المحرم على غير المحرم في مسّ العورة، والنظر إليها إذا أمكن، ولا شكّ أنّه أحوط.
٣ - أب لا يريد علاج ابنه أو ابنته، ولا يأذن للطبيب به لداع من الدواعي فيتركه حتّى يموت، فهل يجوز للطبيب أنْ يعالجه من دون إذن الأب المذكور ؟
___________________
(١ و٢) ص٢٣٨ وص٢٣٩ ج١٤ الوسائل.
أقول : في فرض خوف الموت على الابن والبنت ؛ يجب العلاج على الطبيب، ولو بالقوّة، ويحرم على الأب منعه، ومعنى ولاية الأب: هو العمل حسب مصلحة المولى عليه، لا ملكيّة رقابه.
ولا يبعد ذلك في علاج الأمراض الخطرة الأُخرى - أيضاً - كشلل اليدين أو الرجلين، أو السرطان، أو العمى، وأمثال ذلك، والأحوط الاستئذان من الحاكم الشرعي.
وأمّا في الأمراض الجزئيّة، فإن كانت البنت بالغةً، فلا ولاية لأحدٍ عليها في أمثال الموارد، وأمّا إن كانت صغيرةً ففي علاجها دون إذن وليّها إشكال، ولا بُدّ من مراجعة الحاكم الشرعي.
٤ - يرفض بعض الرجال فحص الطبيب للنساء اللآتي هنّ من محارمه، وبعضهم يمنعون من إجراء عمليّة جراحيّة بتوسّط الطبيب، والمفروض أنّه لا يوجد طبيبة ؟
أقول : يفهم حكمه ممّا سبق في البند الثالث، وممّا مضى في بعض المسائل المتقدِّمة، على أن ليس لكلّ محرم ولاية على محرمه، بل لا ولاية للأخ والأُمّ والجدّ لأُمّ في مذهبنا، فضلاً عن غيرهم. ولمنع المتحكّم المغتلب يرجع إلى الحكومة.
وعلى كلٍّ، في الأمراض الجزئيّة لا يجوز مباشرة الجنس المخالف، كما سبق، كما لا يجوز علاجها من دون إذن مَن به المرض.
٥ - يستنكر بعض الرجال من عمليّات تتعلّق ببعض أعضاء بدنه، فما هو وظيفة الطبيب ؟
أقول : يمكن أنّ يُفهم حكم هذا السؤال ممّا سبق بتفاوتٍ جزئيٍّ.
فرعان:
١ - في كلّ موردٍ يجب العلاج رغم كراهية المريض، أو وليّه يقع
الكلام في مؤنة العلاج، وأنّه هل يجوز أخذها من مال المريض - إذا كان له مال - أم لا ؟
فيه وجهان، والأحسن الرجوع إلى الحاكم الشرعي.
وأمّا إذا لم يكن له مال، ففي فرض خطر موته، يجب على الناس كفايةً إيتاء مؤنة العلاج.
٢ - إذا أراد أحدٌ أن يقطع يده أو رجله أو أنفه، أو أن يقلع عينه لأيّ سببٍ كان، فهل يجب على الناس منعه بالقوّة زائداً على النهي عن المنكر كما يجب ذلك في فرض إقدامه على قتله؟
فيه وجهان، من عدم دليلٍ لفظيٍّ شرعيٍّ عليه، ومن إمكان فهم ذلك من مذاق الشرع.
وعلى الثاني: يجب على الطبيب معالجة المريض، وحفظ أعضائه المهمّة، وإن لم يأذن المريض، وعلى الأوّل: لا يجب عليه بل لا يجوز إذا لم يأذن ؛ لحرمة التصرّف في بدن الغير وماله من دون رضاه.
٦ - إذا احتاجت المريضة لعمليّةٍ أو لعلاجٍ، ولا يأذن لها زوجها بالخروج، كما لا يأذن زوج الطبيبة لها أيضاً بالخروج من بيتها، ولا يتيسّر إجراء العمليّة الطبيّة في البيت، فماذا يصنع ؟
أقول : يحرم على زوج المريضة منعها من الخروج للعلاج ؛ فإنّه ظلم وإيذاء وربّما قتل لها، ويجوز لها الخروج مع التمكّن، ومع عدمه إذا تمكّنت الطبيبة من الخروج من دون إذن زوجها، وجب عليها الخروج لحفظ النفس المحترمة.
وأمّا إذا كان المرض جزئيّاً، لم يجز للمريضة والطبيبة الخروج من بيتهما من دون إذن زوجيهما، نعم في الأمراض الموجبة للحرج جاز للمريضة الخروج من بيتها مع نهي الزوج ؛ لقاعدة نفي العسر والحرج، ولا يجوز ذلك للطبيبة فتأمّل، إلاّ إذا كان مرض المريضة حرجاً لها - أيضاً - لقرابةٍ ونحوها.
٧ - إذا أصرّ زوج المريضة على حضور الطبيبة ولا يأذن للطبيب للعلاج، ويمنع زوج الطبيبة زوجته عن الخروج من البيت، كما في الليل مثلاً، فما هو الحكم الفقهي ؟
أقول : لتوضيح الحال لا بُدّ من بيان فروع وأحكامها:
أوّلاً : يجب على الطبيب أو الطبيبة علاج مَن كان في معرض التلف، وجوباً عينيّاً إذا لم يوجد معالِجٌ آخر، وإذا لم يتيسّر حفظ النفس إلاّ في مكان مخصوص كالمستشفى أو بيت المريضة ؛ يجب على الطبيبة الخروج من بيتها حتّى مع نهي زوجها عنه ؛ وذلك لوقوع التزاحم بين حرمة خروجها من بيتها من دون إذن زوجها، ووجوب حفظ النفس المحترمة، ولا شكّ في أهمّيّة الثاني من الأوّل فتسقط الحرمة المذكورة، ويحرم على زوجها منعها من الخروج، وكذا لزوج المريضة يحرم منعها من الخروج. ولا يجوز للمريضة والطبيبة، في هذا الفرض، قبول نهي زوجيهما عن خروجهما.
ثانياً : إذا وجد طبيب لعلاج المريضة، فهل يجب على الطبيبة مباشرة العلاج والتداوي - وجوباً عينياً - لعدم تحقّق النظر والمسّ المحرّمين.
الظاهر عدم الوجوب لعدم الدليل عليه، ولا فرق في ذلك بين كون المرض مُهْلِكاً أو غير مُهْلِك، ولا بين كون الطبيبة مزوّجة أم خليّة، نعم مع نهي زوجها أو عدم إذنه يحرم خروجها، وأمّا المريضة فلا يجوز لها ولوليّها اختيار الطبيب مع إمكان الطبيبة، كما لا يجوز للمريض أو وليّه اختيار الطبيبة مع إمكان الطبيب إذا كان العلاج مستلزماً للنظر والمسّ المحرَّمين، كما لا يجوز للطبيب والطبيبة لمس الجنس المخالف، والنظر إليه مع إمكان المماثل له.
ثالثاً : لا يجب على الطبيب أو الطبيبة الذهاب إلى بيت المريض إلاّ
في فرض توقّف حفظ النفس المحترمة عليه.
رابعاً : يجب الذهاب إلى الطبيب عند حفظ النفس، وإذا لم يوجد المماثل يجب الذهاب إلى الجنس المخالف، سواءٌ رضي الوالد والزوج أم لا.
وهل للزوج حقّ لينهى زوجته عن التداوي، أو العمليّة عند غير المماثل مع إمكانه، فتستحق مع التخلّف عقابين: لمخالفة الحكم الشرعيّ، ولترك حقّ الزوج، أو معصية واحدة كما إذا لم يستلزم العلاج نظراً ومسّاً محرّماً ؟
فيه وجهان، والارتكاز يدلّ على الأوّل.
خامساً : إذا كان مرضها مهلكاً ولكنّ زوجها يمنعها من الخروج، كما يمنع زوج الطبيبة إيّاها من الخروج، فحينئذٍ يتدخّل الحاكم الشرعي فيخرج أحديهما من بيتهما - حسب المصلحة - أو كلتيهما إلى المستشفى مثلاً.
المسألة الخامسة والعشرون
حكم نزع الأعضاء وبيعها
أمّا حكم نزع الأعضاء، فقد مرّ في المسألة الحادية والعشرين، وملخّص المقال أنّه لا يجوز نزع أعضاء يوجب الموت آجلاً أو عاجلاً ؛ فإنه من قتل النفس وإلقائها إلى التهلكة، وقد حرّمهما القرآن المجيد حتّى وإنْ أنقذ به نفساً محترمة من الهلاك، فإنّ هذا النحو من الإيثار لم يثبت جوازه في الشرع، فضلاً عن رجحانه.
ويلحق به في الحرمة نزع اليدين أو الرجلين أو العينين أو اللسان، وأمثال ذلك ممّا يُفهم عدم جوازه من مذاق الشرع، وكذا الابتلاء بأمراض خطيرة مضرّة بحياته وأهله كالشلل مثلاً، أو مسرية مضرّة لغيره من المسلمين، وهو لا يقدر على ضبطها وعدم نشرها.
بل لا يجوز قطع الأنف وإنْ فُرض عدم ضرره طبّاً ؛ لكونه إهانةً للقاطع عند الناس، ولا يجوز للمسلم إذلال نفسه، حتّى إذا قصد به إهداءه لغيره بعوضٍ أو بلا عوض، فتأمّل.
وهنا قسمٌ ثالثٌ لا يتّضح حكمه الشرعي كلّ الاتّضاح، كقلع إحدى العينين، فإنه وإن لم يضرّ بحياة صاحبها لكنّها عضوٌ مهمٌّ، وكقطع كليةٍ واحدةٍ لاحتمال فساد الأُخرى لسبب من الأسباب في المستقبل القريب أو البعيد، ولا يطمئنّ بتمكّنه من الحصول على كلية غيره حين الاحتياج إليها - ولا فرق في وجوب حفظ النفس من التلف الحالي والاستقبالي.
والحال أنّ حفظ النفس المؤمنة - أيضاً - واجبٌ عقلاً وله ثواب كثير ؛ لقوله تعالى:( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) (١) .
وكقطع إحدى اليدين أو الرجلين لزرعها في بدن الغير بعوضٍ أو بغير عوضٍ، حتّى إذا كان ذلك للاحتياج إلى مالٍ لأجل أداء النفقة الواجبة، أو دين الناس، أو لأداء حقّ الله كالزكاة والخمس حيث قصّر في أدائهما، ولا قدرة له اليوم إلاّ بذلك ؛ فإنّ أداء دَين الله تعالى، ودَين الناس وحقوقهم لا يجب بهذا النحو قطعاً، بل هو عاجز غير مكلَّف به فعلاً.
نعم، إذا توقّف أصل حياته على ذلك جاز أو وجب ذلك، سواء كان القطع لزرعه في بدن نفسه، أو في بدن غيره بعوضٍ يتوقّف عليه حياته، والله أعلم.
وهنا قسمٌ رابعٌ لا شكّ في جوازه، يقول السيّد الأُستاذ الخوئيرضياللهعنه : لا يجوز قطع عضو من أعضائه الرئيسيّة التي يضرّ بحياته أو يوجب نقصاً وعيباً(٢) ، نعم يجوز قطع الجلد ولحم الفخذ ممّا ينبت مكانه ثانياً، ويجوز له أخذ المال لأجل القطع(٣) .
أقول : ومن هذا القسم بيع لبن الإنسان، وإجارة المرضعة، وإخراج الدم وبيعه على الأقوى، فإنّ له منفعة محلّلة مقصودة في مثل أعصارنا، ولا نقبل دعوى الإجماع المنقول على عدم صحّة بيعه، وكذا يجوز قصّ الشعر وبيعه إذا فرض له منفعة محلّلة مقصودة.
___________________
(١) المائدة آية ٣٢.
(٢) لا دليل على حرمة كلّ ما يوجب العيب والنقص، وإلاّ لبطل استدراكه واستثناءه بقوله نعم يجوز...
(٣) أي لا لأجل صحّة البيع ( والله العالم ) وعلى كلٍّ، أخذ المال لأجل القطع لا إشكال فيه إن جاز القطع كما يجوز لإعراضه عن حقّه على العضو المقطوع.
فرع :
إذا توقّف حياة مسلم على قطع عضوٍ من بدن الإنسان، فهل يجب عليه قطعه وإيتائه له بعوضٍ أو بغير عوضٍ إذا لم يكن له خطر على حياته عاجلاً أو آجلاً، أو لا تجب بدعوى أنّ مثل هذا النحو من حفظ النفس المحترمة، غير ثابتٍ شرعاً ولا إطلاق يتمسّك به ؟
فيه وجهان. نعم، إذا أعطى أحدٌ عضوه للمريض وكان المريض فقيراً ؛ يجب على الناس دفع مؤنة العمليّة الطبّيّة وأُجرة الطبيب، وعوض العضو إن أراده صاحبه وجوباً كفائيّاً.
وأمّا حكم بيع الأعضاء، فأقول مستعيناً بالله تعالى:
اعلم أنّ المِلك على قسمين: تكويني واعتباري،والأوّل : كملكيّته تعالى للكائنات، وعليها تُحمل الآيات الدالة على أنّ له تعالى ملك السموات والأرض، وأمثالها، فالله سبحانه وتعالى أوجد الكائنات وألبسها وجودها، وهي تفتقر إليه تعالى حدوثاً وبقاءً، فملكيّته تعالى لها ليست باعتبار معتبر كملوكيّة الملوك ومالكيّة المالكين.
والثاني : كملكيّة الإنسان لأمواله مثلاً، وقوام هذه الملكيّة هو الاعتبار - أي اعتبار العرف العام أو الخاص أو الشرع، ولا واقع لها سواه - وهي تحصل بالعمل الحرّ كالإحياء والحيازة، أو بالعمل المعاوضي الجعلي كالإجارة والجعالة والمزارعة والمساقاة ونحوها، أو بالإرث والهبة والديّة والوصيّة ونحو ذلك، أو بالبيع والشراء والمضاربة وغيرها.
ثمّ إنّ للإنسان الانتفاع بأعضائه بكلّ تصرّفٍ مقدورٍ ما لم يمنعه مزاحمٌ أقوى، وهذا محسوس.
وهل الروح مالك لأعضاء بدنها أم لا ؟
وعلى الأوّل هل ملكيّتها تكوينيّة أو تشريعيّة فيه احتمالات.
وجه عدم الملكيّة مطلقاً أنّ الروح ( النفس ) ليست بعلّةٍ موجِدة وسببٍ فاعليٍّ للبدن، بل هي مدبِّرة بإذن الله، فلا تملك البدن ملكيّةً تكوينيّةً، ولم يدل دليلٌ شرعيٌّ على أنّ البدن ملك للنفس فلا تملكها ملكيّة اعتباريّة.
ووجه الملكيّة التكوينيّة أو شبهها أنّ النفس علّة قريبة لحياة البدن، ولولا الحياة لتلاشى البدن كما هو محسوس، فهي علّة لوجود البدن، وكلّ علّةٍ موجِدة مالكة لمعلولها تكويناً.
ووجه الملكيّة الاعتباريّة أنّها ناشئة عن الملكيّة التكوينيّة، فبثبوتها كما عرفت تثبت. إلاّ أنْ يقال: إنّ المتيقّن أنّ الملكيّة الاعتباريّة إنّما تنشأ عن الملكيّة التكوينيّة الذاتيّة فقط، وهي خاصّة بالله الواحد القهّار، ولا أحد غيره تثبت له هذه الملكيّة التكوينيّة الذاتيّة لدلائل التوحيد، فكلّ علّة تملك معلولها فإنّما تملكه بتمليك الله تعالى إيّاها، فلا موجب للملكيّة الاعتباريّة سوى اعتبار الخالق الواجب، ولا يُعقل اعتباره إلاّ من طريق الشرع وقواعده عامّة أو خاصّة.
وإذن، لا بُدّ من الرجوع إلى نصوص الشريعة وأُصولها.
ويمكن أنْ نثبت ملكيّة الإنسان لأعضائه - ملكيّةً اعتباريّةً، يصحّ بيعها بعد قطعها حلالاً أو حراماً بقول الصادقعليهالسلام في صحيح عبد الله بن سنان: ( كلّ شيءٍ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً، حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه )(١) .
___________________
(١) ص٥٩ ج١٢ الوسائل.
وعن موضع من التهذيب: ( كلّ شيءٍ يكون منه حرام وحلال... )(١) .
لكنّ الحديث لا يدلّ على المراد، أمّا أوّلاً: فلاختصاصه بالشبهات الموضوعيّة ظاهراً، دون الشبهات الحكميّة التي منها المقام كما هو غير خفي، وأمّا ثانياً: فلأنّه من جملة ما دلّ على أصالة البراءة، وهو أصلٌ ينفي الحكم وليس بمثبت لحكم تكليفي، ولا لحكمٍ وضعيٍّ كما في المقام، حيث يُراد إثبات الملكيّة الاعتباريّة.
فإن قلت: البراءة تنفي العقاب بأخذ الثمن وأكله - وهذا هو المقصود - وإن لم تثبت الملكيّة.
قلت : استصحاب عدم انتقال مال المشتري مقدّم على البراءة، وهو يقتضي حرمة التصرّف في المال المذكور.
وإذا بلغ الكلام إلى هذا فينبغي أن ندع الأُصول العمليّة، ونتمسّك بإطلاق ما دلّ على صحّة البيع والتجارة، كقوله تعالى:
( أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَا ) (٢) ، وقوله تعالى:( إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ) (٣) ، ولا يعتبر في المبيع إلاّ التموّل أو الملك.
قال الشيخ الأنصاري - قدّس الله روحه الطيّبة - في بحث شرائط العوضين من مكاسبه: يُشترط في كلّ منهما كونه متموّلاً ؛ لأنّ البيع لغةً مبادلة مالٍ بمالٍ، وقد احترزوا بهذا الشرط عمّا لا يُنتفع به منفعة مقصودة للعقلاء محلّلة في الشرع ؛ لأنّ الأوّل ليس بمالٍ عرفاً كالخنافس والديدان... والثاني ليس بمالٍ شرعاً كالخمر والخنزير، ثمّ قسّموا عدم الانتفاع إلى ما
___________________
(١) ج ٧ ص ٢٢٦، نسخة الكومبيوتر.
(٢) البقرة آية ٢٧٥.
(٣) النساء آية ٢٩.
يستند إلى خسّة الشيء كالحشرات، وإلى ما يستند إلى قلّته كحبّة حنطة، وذكروا أنّه ليس مالاً وإن كان يصدق عليه الملك، ولذا يحرم غصبه إجماعاً..، والأَولى أن يُقال: إنّ ما تحقّق أنّه ليس بمالٍ عرفاً، فلا إشكال ولا خلاف في عدم جواز وقوعه أحد العوضين، اذ لا بيع إلاّ في ملك، وما لم يتحقّق فيه ذلك، فإن كان أكل المال في مقابله أكلاً بالباطل عرفاً، فالظاهر فساد المقابلة، وما لم يثبت فيه ذلك فان ثبت دليل من نصٍّ أو إجماع على عدم جواز بيعه فهو، وإلاّ فلا يخفى وجوب الرجوع إلى عموم صحّة البيع والتجارة...
ثمّ إنّهم احترزوا باعتبار الملكيّة في العوضين من بيع ما يشترك فيه الناس: كالماء والكلاء والسموك والوحوش قبل اصطيادها، وتكون هذه كلّها غير مملوكة بالفعل، واحترزوا به - أيضاً - عن الأرض المفتوحة عنوة..، انتهى ما أردنا نقله من كلامهرحمهالله (١) .
والمفهوم من مجموع كلامه صحّة بيع الأعضاء المقطوعة، فإنّها مال عند العقلاء إنْ لم يدل دليل آخر على خلافها.
فإن قلت: الإنسان الحرّ غير مملوك، وغير مال، ولذا لا يجوز بيعه وهبته ولا تصحّ معاوضته بوجه، فكذا أعضاؤه.
قلت : لا دليل على جريان حكم الكلّ على البعض المقطوع لا شرعاً ولا عرفاً، ولاسيّما أنّ الحرّيّة والكرامة راجعتان إلى النفس دون البدن.
فإن قلت: جعل الديّة على الأعضاء دليل واضح على ملكيّة الإنسان لأعضائه.
قلت : ليست الديّة أرشاً وقيمةً لها لإمكان أنّها غرامة لشيء يُنتفع به ،
___________________
(١) أوّل كتاب البيع من مكاسبهرضياللهعنه .
ولذا قال الشيخ الأنصاريقدسسره في كلامٍ له حول حكم كلب الماشية في مكاسبه المحرّمة: بأنّ الديّة لو لم تدلّ على عدم التملّك - وإلاّ لكانت الواجب القيمة كائنة ما كانت - لم تدلّ على التملّك، لاحتمال كون الديّة من باب تعيين غرامة معيّنة لتفويت شيءٍ ينتفع به، لا لإتلاف مالٍ كما في إتلاف الحرّ، وممّا يؤكّد كون الديّة غرامة، هو أنّ الأصل الأوّل في قطع الأعضاء عمداً القصاص، وهو غرامة قطعاً، وفي فرض الخطأ أو المصالحة تنتقل الغرامة إلى الديّة.
إذا عرفت ذلك كلّه فنختم البحث بذكر أُمور:
١ - بناء العقلاء على سلطة الناس على أنفسهم وأموالهم في الجملة، وهذا يثبت ملكيّة الشخص على أجزاء بدنه المقطوعة فيجوز له بيعها وهبتها، فما لم يثبت من الشرع المنع نكشف منه إمضاءه، لبنائهم على هذا الأصل، وهذا هو أرجح ما يُعتمد عليه في الملكيّة الاعتباريّة للأعضاء، ولكنّ الأحوط ترك البيع والشراء.
٢ - جواز أكل العوض لا يتوقّف على إثبات الملكيّة وصحّة المعاملة وضعاً، فإنّ الإنسان أولى بأعضاء بدنه وبخمره وخنزيره، وإن لم يكن بمالكٍ لها ؛ ويصحّ أخذ مال لإعراضه عن حقّه، هذا حتّى إذا كان نزع العضو حراماً، فإنّه لا يسقط حقّه هذا عليه.
ويجوز - أيضاً - أخذ المال على قطع العضو إذا كان القطع جائزاً، وكذا على مقدّماته كالذهاب إلى المستشفى والجرّاح ونحو ذلك، فانّ ذلك عمل محترم يجوز أخذ المال بإزائه.
٣ - أمّا المريض، فيجب عليه دفع المال لإعراض صاحب العضو، أو على قطعه إذا كان جائزاً، أو على مقدِّماته، وجوباً مؤكّداً إذا كانت حياته في معرض التلف، أو في معرض الابتلاء بالأمراض المزمنة، كما سبق تفصيلها ،
وفي غير الفرضين يحسن دفع المال لإحراز الصحّة والفراغ للعبادة.
ولا شيء عليه إذا كان القطع حراماً على صاحب العضو، نعم لايجوز له تشويقه عليه ؛ لأنّ التشويق على الحرام حرام، كما ذكرناه في محلّه.
٤ - يدّعي بعض الباحثين من أهل السنّة اتّفاق المحقّقين - وفي موضعٍ آخر اتّفاق الفقهاء - على أنّه لا يجوز للإنسان أنْ يبيع عضواً من أعضاء جسده أيّاً كان هذا العضو(١) ، واستدلّ عليهأوّلاً : بأنّ جسد الإنسان وما يتكوّن منه من أعضاء ليس محلاًّ للبيع والشراء، وليس سلعةً من السلع التي يصحّ فيها التبادل التجاري،وثانياً : أنّ جسد الإنسان ليس مِلكاً له على الحقيقة، وإنما المالك الحقيقي خالقه، والإنسان ما هو إلاّ أمين على هذا الجسد.
أقول : دعوى اتّفاق فقهاء أهل السنّة على بطلان بيع الأعضاء ممنوعة بعدما لم تعنون المسألة في الأزمنة السابقة وإنّما هي من المسائل المستجدّة، هذا أوّلاً.
وثانياً : إنّ العضو المقطوع مال يميل إليه العقلاء، فيتمسّك بإطلاق قوله تعالى:( أحلّ اللهُ البيع ) ، أو ببناء العقلاء على تسلّط الناس على أموالهم وأبدانهم، كما سبق، فالوجه الأوّل في كلامه مجرّد دعوى غير صحيح، لكن ذكرنا أنّه مطابق للاحتياط عندي.
وثالثاً : بأنّ ملكيّته تعالى لا تنافي ملكيّة الإنسان ؛ لأنّها في طولها لا في عرضها، والله مالك كلّ شيءٍ، فلابُدّ من البحث حول أنّ الإنسان هل هو مالك لعضوه أم لا وما هو دليل لملكيّته كما مرّ، وهذا القائل لم يهتد إليه، مع أنّه لو تمّ ما ذكره في الوجه الثاني، لمنع من صحّة هبة العضو أيضاً
___________________
(١) ص٣٠٨ وص٣٠٩، الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
للمريض، في حين أنّ هذا الباحث ذهب إلى صحّتها في الجملة، ونسب جواز التبرّع به إلى جمعٍ من فقهاء أهل السنّة، وفي آخر كلامه إلى جمهور الفقهاء بشروط وضرورة، وهذا منه تناقض، وقد عرفت - أيضاً - أنّ نسبة الحكم إلى جمهور فقهائهم حدسيّة واجتهاد منه.
المسألة السادسة والعشرون
حكم غشاء البكارة وما يتعلّق به
غشاء البكارة غشاء موجود حول فتحة المهبل الخارجيّة، ويتكوّن من طبقتين من الجلد الرقيق بينهما نسيج رخو، غنيٌّ بالأوعية الدمويّة، ولفتحة غشاء البكارة أشكال متعدّدة، فمنها: المستدير والهلالي والغربالي والمنقسم طوليّاً وقد يكون مصمتاً، أي بدون فتحةٍ في بعض الحالات النادرة، ممّا لا يسمح بمرور دم الطمث للخارج، وتراكمه في المهبل ثمّ في الرحم(١) ، ويكون هذا الغشاء في أغلب الأحيان رقيقاً، إلاّ أنّه في أحيان أُخرى يكون سميكاً، لدرجة الاحتياج لإجراء عمليّة جراحة لفضّه عند الزواج، كما أنّ درجة مرونته وتمدّده تختلف من فتاةٍ لأُخرى، وهناك نوع يُسمّى بالغشاء المطّاطي المتمدّد والذي يمكن معه إتمام الجماع بدون أنْ يتمزّق(٢) .
وفي هذا النوع قد لا يحدث إلاّ ألمٌ بسيطٌ أثناء أوّل جماع بعد
___________________
(١) في هذا الفرض لابُدّ من إجراء جراحةٍ، ويقوم الطبيب بعمل فتحة في الغشاء لنزول دم الحيض المجتمع في المهبل والرحم، ويجب أن ينتبه الجرّاح إلى ترك جزءٍ كافٍ من الغشاء حول الفتحة التي يفتحها، ليُفضّ عند الزواج، ص٤٢٧ الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبّيّة.
أقول : إذا كانت العمليّة ضروريّة لصحّة الفتاة فلا بأس بها شرعاً، ويجب عليها اختيار الطبيبة مع الإمكان، ولابُدّ لمن يقوم بالعمليّة من الاقتصار على عمل الفتحة بمقدار الضرورة، حتّى لا يضمن ولا يُحكم عليه بالغرامة الشرعيّة.
(٢) ص٤٢٥ نفس المصدر.
الزواج، وقد لا يحدث نزول دم إطلاقا ؛ لمرونة الغشاء وتمدّده وعدم تمزّقه، وقد يظنّون بها أنّها ليست عذراء(١) .
وعلى كلٍّ، يصاحب فضّ غشاء البكارة في ليلة الزفاف بعض الألم والنزيف الذي يختلف من فتاةٍ لأُخرى، ويعتمد على حدٍّ كبير على درجة تمزّق الغشاء، والذي يعتمد بدوره على نوع الغشاء ومدى سمكه ومرونته، وقد يكون النزيف شديداً بحيث يستدعي إسعاف الفتاة، والتدخّل الجراحي بربط الشرايين النازفة وخياطة مكان التمزّق لوقف النزيف(٢) .
وسبب تمزّق غشاء البكارة قبل الزواج أمران: الدخول كانت الفتاة راضية به أو مكرهة - أو وقوع حادث أدّى إلى إصابات بمنطقة الفرج، ويمكن للطبيب المتخصّص معرفة تمزّق غشاء البكارة عن حادث أو اغتصاب بسهولة، إذ إنّ التمزّق في هذه الحالة يكون حديثاً، ومصحوباً بكدمات وإصابات أُخرى بمنطقة الفرج وما حولها(٣) .
إذا تقرّر ذلك فهنا أسئلة تطلب أحكامها الشرعية:
( السؤال الأوّل ) : إنّ قيام الطبيبة أو الطبيب برتق غشاء البكارة، يُعتبر خداعاً لزوج الفتاة المستقبلي، وإنّه هو الذي خدعه، وعدم قيامه به يؤدّي للأضرار الشديدة بالفتاة وأهلها، وعدم قدرة الفتاة على الزواج حتّى لا يُفتضح أمرها، وإيذائها الشديد إذا أُجبرت على الزواج عند كشف حالها، والطبيب قد أقسم عند بدء حياته العلميّة بعدم القيام بأيّ عملٍ فيه غشّ وخداع، كما أنّه أقسم في نفس الوقت بأنّ يعمل جهده لدفع الأذى عن
___________________
(١) ص٤٢٧ نفس المصدر.
(٢) ص٤٢٦ نفس المصدر.
(٣) ص٤٢٨ نفس المصدر.
مرضاه والحفاظ على حياتهم وصحّتهم البدنيّة والنفسيّة، فما هو الحكم الشرعي ؟
أقول : جواب هذا السؤال يتوقّف على ذكر مباحث فقهيّة لابُدّ من ذكرها على نحو الاختصار، ونسأل الله العصمة عن الخطأ:
( الأوّل ) : قيل لا خلاف في حرمة تدليس الماشطة، بل أُدعى عليه، الاجماع، وقد تعرّض لتوضيح التدليس وبيان صغرياته شيخنا الأنصاريرضياللهعنه في مكاسبه المحرَّمة.
لكنّ الإجماع المنقول لا يكون دليلاً على الحرمة، وعمل الماشطة في مثل هذه الأعصار لا يُعدّ تدليساً، وكذا بعض ما عدّوه من مصاديقه ليس بتدليس.
ويمكن أنْ نستدلّ على حرمة التدليس بموثّقة بكير: في خصيٍّ دلّس نفسه لامرأة مسلمة فتزوّجها، فقال: ( يُفرّق بينهما إنْ شاءت المرأة، ويوجع رأسه، وإن رضيت به أقامت معه... )(١) .
وفي موثّقة سماعة...: ( ويوجع ظهره كما دلّس نفسه )(٢) بناءً على دلالة إيجاع الظهر أو الرأس على الحرمة، وإن نوقش فيه فيحرم التدليس لكونه من أفراد الغشّ المحرّم.
( الثاني ) : لا إشكال في حرمة الغشّ بين المسلمين، وتدلّ عليها أحاديث كثيرة(٣) ، وفي القاموس: غشّه لم يمحضه النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمر كغششه... والمغشوش الغير الخالص.
___________________
(١) ص٦٠٨ ج١٤ الوسائل الطبعة المتوسّطة.
(٢) ص٢٢٧ ج٢١ الوسائل نسخة الكومبيوتر.
(٣) الوسائل ج١٧ ص٢٦٦ وص٢٧٩ وغيرها نسخة الكومبيوتر.
وفي مكاسب الشيخ الأنصاريرحمهالله : ثمّ إنّ الغشّ يكون بإخفاء الأدنى في الأعلى: كمزج الجيّد بالرديء، أو غير المراد بالمراد: كإدخال الماء في اللبن، أو بإظهار الصفة الجيّدة المفقودة وهو: التدليس، وبإظهار الشيء على خلاف جنسه: كبيع المموّه على أنّه ذهب أو فضّة.
أقول : الدليل على أنّ التدليس من أفراد الغشّ، مضافاً إلى صدق معناه اللُّغوي عليه ( أظهر خلاف ما أضمر ) صحيح هشام قال: كنت أبيع السابري ( أي الثوب الرقيق ) في الظلال فمرّ عليّ أبو الحسن الأوّل موسىعليهالسلام راكباً، فقال لي: ( يا هشام إنّ البيع في الظلال غشّ والغشّ لا يحلّ )(١) بناءً على أنّ الظلال يظهر صورةً حسنة للّباس المذكور، لا أنّ البرودة توجد ثقلاً للّباس(٢) .
فإظهار الفتاة وصف البكارة لزوجها تدليس محرّم سواء خُلقت غير باكرة، أو فقدت بكارتها بحرام أو بغصب، أو في نوم ونحوه، أو بحادث.
لا يُقال: لا تدليس في المقام إذا لا تظهر الفتاة لخطيبها أو لزوجها صفةً مفقودةً في الواقع، فإنّ العمليّة الطبّيّة تغيّر الواقع فتصبح ذات غشاء البكارة بعد ذهابه منها، كما إذا كانت مشلولةً فأصبحت بالتداوي سليمةً.
فإنّه يُقال: إنّ غرض الأزواج من العذارى غالباً ليس نفس الغشاء، من حيث هو غشاء، بل غرضهم منه عدم كونها مدخولة لغيرهم - بطريق حلال أو حرام - فرتق غشاء البكارة الزائل بالدخول تدليس لا محالة، إذا كان العقد بانياً على بكارتها، أو شُرطت لفظاً.
___________________
(١) ص٢٠٨ ج١٢ الوسائل الطبعة المتوسّطة.
(٢) لاحظ بحث الغشّ في مكاسب الشيخ الأنصاريقدسسره وكتابنا حدود الشريعة ج٢ ص٦٤ إلى ص٦٦.
نعم في الزائل بغير الدخول لا تدليس برتقه، إلاّ إذا فُرض بناء عقد النكاح على وجود الغشاء الطبيعي بما هو هو، وهو نادر.
( الثالث ) : لا يبعد أنْ يُقال إنّه لا فرق في الشرط بين ذكره صريحاً في ضمن العقد ومتنه، وبين ذكر العقد بانياً عليه قبل العقد وحينه ؛ لشمول قولهعليهالسلام : ( المسلمون عند شروطهم )(١) ، وعليه فالبكارة سواءٌ جُعلت شرطاً في متن العقد أم كان بناء العقد عليه، فهو شرط يترتّب عليها أحكام الشرط.
( الرابع ) : هل قيام الطبيبة برتق غشاء البكارة، أو إصلاحه، أو تجديده غشّ محرّم عليه، وإن لم تقصد الغشّ والتدليس المحرّمين، بل إنّما قصدت أجرتها فقط ؟
يقول الشيخ الأنصاري في مكاسبه المحرَّمة ( ص١٨ ): فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ قصد الغير لفعل الحرام معتبر قطعاً في حرمة فعل المعين، وأنّ محل الكلام هي الإعانة على شرط الحرام بقصد تحقّق الشرط دون المشروط، وأنّها هل تُعدّ إعانةً على المشروط فتحرم، أم لا، فلا تحرم ما لم يثبت حرمة الشرط من غير جهة التجرّي، انتهى ما أردنا نقله.
أقول : لم يثبت حرمة الإعانة على مطلق الحرام، وإنّما الثابت حرمة الإعانة على الظلم، وإعانة الحكومة غير الدينيّة، والإعانة على القتل وهو من أظهر أفراد الظلم، نعم يحرم التعاون على الإثم والعدوان كما في القرآن المجيد(٢) ، لكنّ التعاون غير الإعانة على ما ذكرناه في كتابنا حدود الشريعة ( ج٢ مادّة الإعانة في حرف العين ).
___________________
(١) الوسائل ج ٢٣ ص ١٤٢ نسخة الكومبيوتر.
(٢)( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) .
وعلى كلٍّ، الحكم بحرمة إعانة الظلم، أو مطلق الحرام على قول مطلقاً، وإنْ لم يقصد تحقّق المشروط محتاج إلى تأمّل.
ثمّ إنّ عمل الطبيب إذا لم يعد غشّاً وتدليساً فلا مانع من القيام بعمل الرتق، حتّى بملاحظة قسمه في ابتداء أمره ؛ لعدم ارتكابه ما يخالف قسمه، وأمّا إن عُدّ غشّاً وتدليساً، أو قلنا بحرمة الإعانة على الحرام حتّى إذا لم يقصده أو قصد الحرام، فلا يجوز العمل المذكور، ولا عبرة بقسمه على أنّه يعمل جهده لدفع الأذى عن مرضاه، فإنّه مخصوص لا محالة بفرض عدم كون العمل محرّماً لعلّة من العلل.
( الخامس ) : إذا عادت البكارة بالعمليّة الطبّيّة، فهل يترتّب على المرأة أحكامها الفقهيّة ككفاية سكوتها في العقد، وتوقّف صحّة عقدها على إذن وليّها ولزوم كون الزوج معها سبعة أيّام من زفافها ؟
وإذا اطّلع الزوج على حقيقة الحال، هل له الخيار في فسخ عقدها ؟
إذا فتق الغشاء بالوثبة ونحوها من الأسباب، غير سبب الدخول، أو خُلقت فاقدةً للغشاء، فالظاهر أنّه لا تأثير لتجديد الغشاء المذكور في ترتّب أحكام الباكرة عليها، وعدم ترتّبها أصلاً كما هو المفهوم من مجموع الأحاديث، ومراعاة الاحتياط في هذا الفرض أحسن وأصلح، والله العالم.
وأمّا إذا زنت أو زُني بها جبراً، أو في حال غشوتها أو نومها، ففي إلحاقها بالبكر أو الثيّب إشكال واختلاف بين الفقهاء، فمنهم مَن ألحقها بالبكر كصاحبي المستند والعروة الوثقى(١) ، ومنهم مَن ألحقها بالثيّب كصاحبي الجواهر والمستمسك -رحمهمالله جميعاً -(٢) وهنا يمكن أن
___________________
(١) العروة الوثقى في فصل أولياء العقد، المسألة الثانية، ولاحظ كتاب الفقه ج ٦٤ ص ٣٣.
(٢) جواهر الكلام ج ٢٩ ص ١٨٥، الفقه ج ٦٤ ص ٣٣.
نجعل رتق الغشاء أو إصلاحه أو تجديده ذا ثمرة فنرجّح به القول الأوّل على القول الثاني، فإن إعادة الغشاء الكامل، نعم الجواب لسيّدنا الأُستاذ الحكيمقدسسره في مستمسكه، حيث يقول: إنّ البكر بمعنى ذات البكارة، ولا دخل للتزويج وعدمه فيها، فإنّه مع تسليمه لا يبقى مجال له بعد إعادة الغشاء، فلاحظ وتأمّل.
وأمّا إذا زال غشاء البكارة بدخول الزوج، ثمّ بعد الطلاق أو موت الزوج أُجريت العمليّة لتجديده، فلا شكّ في عدم ترتيب أحكام البكر عليها، بل هي ثيّب تجري عليها أحكامها، وأمّا خيار فسخ العقد إذا اشترط البكارة، ثمّ بانت ثيّباً ففيه خلاف(١) ، وعلى تقدير ثبوت الخيار نقول: لا يخلو اشتراط البكارة إمّا لأجل أنّ الزوجة لا تكون مدخولة لغيره كما هو الغالب، وإمّا لأجل الغشاء نفسه زيادةً على عدم كونها مدخولة.
أمّا الفرض الأوّل: فيختلف ثبوت الخيار باختلاف الصور المتقدِّمة، فيثبت إذا كان سبب زوال الغشاء الدخول بها، ولا يثبت في غيره من الأسباب.
وأمّا الفرض الثاني: فإن كان المراد - ولو بالانصراف - الغشاء الطبيعي، فلا ثمرة للعمليّة لثبوت الفسخ للزوج مطلقاً، وأمّا إنّ كان المراد أعمّ من الغشاء الطبيعي والصناعي، فلا خيار له وأصبح الغشاء الصناعي ذا ثمرة. هذا كلّه في الجواب عن السؤال الأوّل.
( السؤال الثاني ) : يقوم بعض الأطبّاء بخياطةٍ ورتقٍ لإصلاح غشاء البكارة المتمزّق إذا كان التمزّق بسيطاً، إلاّ أنّ هذا قد لا ينجح في بعض
___________________
(١) يقول السيّد الأُستاذ الخوئي -رضياللهعنه - في كتابه توضيح المسائل: إذا شرط الزوج بكارة الزوجة، ثمّ ظهرت عدمها بدخول رجل، ليس له - على الأحوط - خيار الفسخ، وله أخذ التفاوت بين مهر البكر وغيرها من المهر المسمّى.
الأحيان، فهل يجب شرعاً على الطبيب إبلاغ الفتاة بهذا الأمر واحتمال فشل العمليّة ؟
( ج ) : غرض الفتاة بقاء الغشاء الصناعي إلى حين الزواج، وسكوت الطبيب عن عدم النجاح الدائمي تدليس وغشّ، فلابُدّ له من الإبلاغ.
( السؤال الثالث ): يقوم بعض الأطبّاء بإجراء عمليّة رتق وإصلاح غشاء البكارة، أو عمل غشاء جديد، إذا لا يجدي الرتق والإصلاح بعد الحادث أو الاغتصاب، ومعاودة ذلك إذا لم تنجح العمليّة الأُولى، فما هو الحكم ؟
( ج ) : إذا كان عدم النجاح لأجل طول المدّة، فيجب تأخير العمليّة إلى زمانٍ قريبٍ من الزواج، حتّى لا تتعدّد العمليّة، ولا تحتاج المرأة والطبيبة إلى مسّ الفرج والنظر إليه المحرمين، فإنّ الضرورات تُقدّر بقدرها، وإن كان لنقصٍ فنّيٍّ لا بأس بالإعادة.
( السؤال الرابع ) : في حالة وجود تمزّقات بغشاء البكارة في أطفال تعرّضن لحوادث أو اغتصاب، فإنّه يُفضّل عدم إجراء عمليّة رتق أو إصلاح للغشاء فوراً ؛ وذلك لصغر أنسجة الأطفال ورقّتها، وسهولة إصابتها أثناء العمليّة إلى فشلها في كثيرٍ من الأحيان، ومن الأوفق تأجيل العمليّة إلى أنْ تبلغ الطفلة سنّ الخامسة عشرة، حيث تكون الأنسجة أكبر وأسمك، ممّا يزيد من فرض نجاح العمليّة.
( ج ) : إذا أمكنت العمليّة الناجحة قبل تمييز الطفل فهو أحسن، بل هو أحوط للأولياء، ومع عدم إمكانها لا بأس بالتّأخير المذكور، وفي كلّ صور المسألة تُقدّم الطبيبة على الطبيب، ويحرم على الفتاة وعلى الطبيب العمليّة إذا تيسّرت الطبيبة، وإذا أمكن أنْ يعقدها الطبيب - ولو عقداً مؤقّتاً - تعيّن
على الأحوط، وتحرم العمليّة على الطبيبة أيضاً.
( السؤال الخامس ) : عند حضور فتاة وزوجها عند الطبيب بعد الزواج، لفحصها للتأكّد من بكارتها لعدم نزول دمٍ أثناء أوّل جماع، وشكّ الزوج في أنّ زوجته لم تكن عذراء، ومع علم الطبيب في حالة وجود تمزّق قديمٍ بغشاء البكارة، فهل يبلّغ الزوج بذلك أم لا ؟
نعم لا مشكلة في حالة وجود غشاء البكارة المطّاطي المتمدّد، إذ يشرح الطبيب للزوج الحالة بدون أن يكون قد خدعه.
( ج ) : الظاهر عدم جواز النظر إلى العورة ومسّها للطبيب والمرأة لمثل هذا الفرض وأمثاله، ولا يجوز للزوج إجبارها على كشف عورتها عند الطبيب أو الطبيبة، ووظيفة الزوج حمل الواقعة على وجهٍ مشروعٍ سائغٍ، ولا يجوز له سوء الظنّ بزوجته.
وإذا عاينها الطبيب أو الطبيبة عصياناً، فإنْ علم بترتّب الفساد على إخباره بواقع الحال، لا يجوز له الإبلاغ، كما لا يجوز له أنْ يخدع الزوج كذباً فليتوسّل إلى حيلة، وإذا لم يترتّب الفساد، ورضيت الزوجة ببيان واقع الحال، جاز له الإبلاغ بما يعلم، وأما إذا لم ترض الزوجة ففيه بحثٌ وإشكالٌ.
( السؤال السادس ) : إذا حضرت الفتاة وحدها عند الطبيب أو الطبيبة، وكُشف تمزّق قديم بغشاء البكارة، فهل يرفض الطبيب طلبها لعمل الرتق، أو إصلاحه في جميع الأحوال ؟ أو يقوم بعملها في جميع الأحوال ؟
أو فيه تفصيل كأنْ يكتفي بإعطاء شهادة طبّيّة لها، توضّح سبب تمزّق الغشاء من الاغتصاب أو حادث(١) .
___________________
(١) يقول بعض الأطبّاء: ومصائب تصيب الفتاة فتؤدّي إلى تمزّق بكارتها كالسقطة ،
( ج ) : هذا السؤال مهمٌّ جدّاً شرعاً، ولابُدّ من ذكر مطالب في المقام، فإنّها تنفع المرضى والأطباء والطبيبات في جميع الموارد.
أوّلاً : فليعلم أنّ ما يتخيّله بعض الناس، وبعض الأطبّاء، من أنّ الطبيب محرم يجوز له المسّ والنظر ؛ خيال باطل مخالف للشرع، والطبيب كغيره في حرمة النظر إلى الجنس المخالِف، ومسّ بدنه وكذا العكس، ويحرم للطبيب والطبيبة النظر إلى عورة الغير، كما يجب على المريض حفظ عورته عن الطبيب كما يحفظ عن غيره، وإنّما يجوز النظر بشروط تقدّم ذكر بعضها في أوائل هذا الكتاب وأثنائه إلى الآن.
ثانياً : إنّ مَن تريد إصلاح الغشاء، أو رتقه، أو تجديده، لا تخلو عن أحد الحالات:
أ : أنّها خُلقت فاقدة البكارة.
ب : فتق غشاء بكارتها بأحد الحوادث غير الاختيارية، أو الاختيارية كالوثبة إمّا مع الغفلة عن استلزامها ذلك، وإمّا عن تعمّدٍ وقصدٍ إلى ذلك.
ج : أنّها اغتُصبت إمّا جبراً، وإمّا إكراها، وإمّا في حالة النوم أو الغشوة أو نحوها.
د : أنّها زنت وفجرت باختيارها، وبالفعل هي إمّا تائبة وأصلحت أمرها وتريد العمليّة للزواج، وإمّا مصرّة على فجورها وتريد العملية لمزيد العوض والمال.
___________________
=
والصدمة، والحِمل الثقيل، وطول العنوسة، وكثرة دم الحيض، والخطأ في بعض العمليّات التي يكون الغشاء محلاًّ لها، ونحو ذلك.
أقول : ويلحق بها في الحكم الدخول جبراً أو عن إكراه، أو في نوم ونحو ذلك، كما ذكره هذا الطبيب - أيضاً - لاحظ ص٥٨٨ الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
ه -: زالت بكارتها بدخولها زوجها السابق، لكنّها تريد العمليّة لتغرّ زوجها الثاني في المستقبل بأنّها باكر، أو تريدها لزوجها لمجرّد التنوّع والالتذاذ.
و : المشتهر أمرها بالزنا، أو كان أمرها - بالفعل - رُفع إلى القاضي، وهي تريد تكذيب الشهود بعذرتها الصناعيّة.
لا تجوز العمليّة ؛ لحرمة المسّ والنظر في فرض التعمّد في البند الثاني ( ب ) على وجه، ولا في فرض البند الرابع إذا لم تكن تائبةً في الفرضين، ولا في فرض البندين الأخيرين ( ه- - و ) مطلقاً ؛ إذ لا وجه لجواز ارتكاب الحرام للطرفين، نعم إنّما تجوز العمليّة في هذه الفروض إذا لم يكن المسّ والنظر بحرامين، كما إذا أجراها زوجها - بالنكاح الدائم أو المؤقّت - وأمّا بقيّة البنود والفروض فسيأتي حكمها.
وثالثاً : إذ كان ترك العمليّة المذكورة غير حرجيٍّ للمرأة، لا تجوز لها وللطبيبة إجراء العمليّة المستلزمة لمس العورة والنظر إليها، في بقيّة البنود السابقة وفروضها.
وأمّا إذا كان حرجيّاً، كما إذا فرضنا اضطرارها إلى الزواج، إمّا لشهوتها أو إجبار أهلها عليه، والزوج المستقبل لا يتحمّل فقدان بكارتها، فيؤل الأمر إلى افتضاح حالها ؛ جاز لها وللطبيبة إجراء العمليّة لقاعدة نفي الحرج والعسر، ولكن لابُدّ أن يعلم أنّ الطبيبة مقدّمةٌ على الطبيب وجوباً، والمحرم كالأب والعمّ والخال والخالة والعمّة - مثلاً - مقدّم على الأجنبي على قول، والزوج مقدّم على الكلّ قطعاً، فمع إمكان المقدّم لا تجوز للمتأخّر مباشرة العمليّة.
ثمّ الظاهر أنّ قاعدة نفي الحرج والعسر، وقاعدة نفي الضرر لا تجري فيما إذا كانت البليّة وقعت بسوء اختيار المكلَّف، نعم إذا تابت ورجعت
يمكن إجراء تلك القواعد في حقّها، كما أشرنا إليه فيما سبق أيضاً، والله العالم.
لا يُقال: ليس بناء فقهائنا على إجراء قاعدة نفي الحرج والعسر في نفي المحرّمات.
قال سيّدنا الأُستاذ الحكيمرضياللهعنه (١) : فلا يكون الحرج مجوّزاً لفعل المحرّمات عندهم، وإنْ كان مجوّزاً لترك الواجبات، فلا يجوز الزنا للحرج، ولا يجوز أكل مال الغير للحرج... وإن كان الفرق بين الواجبات والمحرّمات في ذلك غير ظاهر، ومقتضى دليل نفيه نفي التحريم كنفي الوجوب، انتهى.
فإنّه يُقال الأمر كما أفاده سيّدنا الحكيمقدسسره ، نعم إنّ نفي الحرج لا يجري فيما يعلم من مذاق الشرع عدم نفيه بالحرج: كالقتل واللّواط والزنا والمساحقة وأمثالها، وأمّا في غيرها، فلا مانع من التمسّك بإطلاق قوله تعالى:
( مَا جَعَلَ عَلَيْکُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٢) .
وبالجملة : لا يجوز مسّ الفرج والنظر إليه، إلاّ إذا كان ترك العمليّة حرجيّاً، ولم يكن إزالة الغشاء بسوء اختيارها - في غير فرض التوبة والإصلاح - ومع ذلك لابُدّ من تقديم الزوج ثمّ الطبيبة ثمّ الطبيب، بل تقديم المحرم على غيره على قول، وفّقنا الله للعمل بأحكامه إنّه هو البَرُّ الرّحيم.
فرع :
إذا زالت الغشاء بحادثٍ غير اختياريٍّ واضطرّت إلى العمليّة الطبّيّة، وليس هناك إلاّ الطبيب الأجنبي ويمكن تزويجه مؤقّتاً ليومٍ واحدٍ - مثلاً - بلا مشقّة، فهل يجب عليها تزويجه فراراً عن حرمة النظر والمسّ أم لا، وأنّ قاعدة نفي الحرج ترفع حرمتهما ؟
فيه وجهان، ولا شكّ أنّ الأوّل أحوط.
___________________
(١) ص٢٤٧ ج١٤ مستمسك العروة الوثقى ( الطبعة الجديدة ).
(٢) الحجّ آية ٧٨.
المسألة السابعة والعشرون
حول زراعة الأعضاء التناسليّة
ينقسم الجهاز التناسلي للمرأة إلى الداخلي والخارجي، ويتكوّن الداخلي من مبيضين: أحدهما على اليمين، والآخر على اليسار من قناة فالوب ( القناة الرحميّة ) والرحم والمهبل، المبيضان متّصلان بالرحم بواسطة وتر سميك على ناحية اليمين واليسار، وهما عبارة عن أكياس تحتوي على عددٍ محددٍ من البويضات عند الولادة، أي عدد البويضات داخل المبيض تكون قد تمّ تكوينها قبل ولادة الأُنثى من بطن أُمّها، ويصل عدد البويضات في المبايض إلى حوالي مليونين بويضة عند الولادة وتبدأ في التناقص لتصل إلى ٤٠٠ ألف بويضة عند البلوغ ثمّ يتناقص إلى ٤٠٠ بويضة قابلين للإخصاب، ويرجع السبب في هذا النقصان إلى مراحل النضج المتعدّد التي تمرّ بها البويضة، ابتداءً من الخليّة الأوليّة للبويضة حتّى مرحلة الناضجة قبل خروجها من المبيض، وذلك تحت تأثير هرمونات التناسل بشكل زيادة ونقصان لهذه الهرمونات، والناظر إلى تكوين الجنين معتمداً على المعلومات والحقائق، التي يمدّنا بها علم الأجنّة ؛ يجد أنّ المبيض يبدأ تكوينه في الأُنثى عند الأُسبوع ٨ - ١٢ للجنين الأُنثى وهي في بطن أُمّها، ويتكوّن من الحمل الناتج من إخصاب حيوانٍ منويٍّ يحتوي على الصبغ السيني، مع البويضة التي تحتوي أيضاً على الصبغ السيني، ثمّ تبدأ بعد ذلك عمليّة تخليق باقي الجهاز التناسلي للمرأة.
بعد ولادة الأُنثى تبدأ البويضة داخل المبيض مراحل النضج لتكوين
البويضة الناضجة الصالحة للإخصاب في الفترة ما بين الولادة وبلوغ الأُنثى سنّ البلوغ، ثمّ تبدأ هذه البويضات الناضجة بالنزول شهريّاً من المبيض، فإذا ما لُقّحت يحدث الإخصاب والحمل، أمّا إذا لم تلقّح يحدث ما نسمّيه بالطمث الشهري نتيجةً للتغييرات الهرمونيّة، فإذا ما قمنا ونقلنا هذا العضو -المبيض - من أُنثى إلى أُنثى أُخرى، فإنّنا بهذا قد نقلنا المبيض بما تحتويه من بويضات تحمل الصفات الوراثيّة، التي ورثتها الأُنثى المنقول منها المبيض من والديها إلى أُنثى أُخرى، والتي تمّ نقل المبيض لها، والأبناء الناتجين من المنقول إليها، سوف يكونون من الناحية الوراثيّة أولاد المنقول منها، وهذا هو خلط الأنساب(١) .
زرع الخصية:
قبل ولادة الطفل الذكر تكون الخصية داخل التجويف البطني، وتنزل إلى خارج البطن ( داخل الكيس ) عند الولادة.
عند تخليق الجنين الذكر، من إخصاب حيوانٍ منويٍّ يحتوي على الصبغ الصادي، لبويضةٍ تحتوي على الصبغ السيني ؛ يتحدّد جنس الجنين ذكراً، ثمّ يبدأ نتيجةً لوجود الصبغ الصادي - في هذا الجنين - تكوّن الخصية في الأُسبوع السادس من الحمل(٢) ، ثمّ تقوم هاتان الخصيتان بإفراز الهرمونات
___________________
(١) ص٤٤٥ وص٤٤٦، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
أقول : في كون ذلك خلط الأنساب نظر أو منع كما لا يخفى، ولا دليل شرعاً على منع نقل الصفات الوراثيّة إلى الغير، وأمّا نقل مني المرأة إلى امرأةٍ أُخرى، فهو وإن لم أجد دليلاً لفظيّاً على منعه في غير المساحقة ؛ لكنّ الارتكاز المتشرّعي على منعه.
(٢) وقال طبيبٌ آخر: ومن المعلوم أنّ الخصية ( الغدد التناسليّة ) تتكوّن في الحدبة
=
اللاّزمة لتكوين باقي الأعضاء الخاصّة بالجهاز التناسلي للذكر.
ووظيفة الخصية إفراز هرمون الرجولة منذ المراحل الأُولى من الحمل ؛ وذلك لتخليق باقي أعضاء الجهاز التناسلي للذكر(١) ، كما أنّها تقوم بتكوين الحيوانات المنويّة، عند بلوغ الرجل سن البلوغ، من الخلايا الأوليّة الموجودة في الخصية، والتي تحمل الصفات الوراثيّة، التي ورثتها تلك الخلايا الأوليّة والدي حامل هذه الخصية، فالخصية تقوم بدور المصنع الذي ينتج الحيوانات المنويّة بواسطة تأثير الهرمونات على المواد الأوليّة ( الخليّة الأوليّة التي تنتج الحيوان المنوي الناضج ) الموجود في الخصية.
وإذا ما تمّ نقل هذه الخصية إلى شخصٍ آخر، فإنّنا بذلك ننقل المصنع بآلاته ومعدّاته، والموادّ الأوّليّة التي يحتويها إلى مكانٍ آخر، ولا يكون دور المنقول إليه سوى تشغيل المصنع فقط، أي لن يكون له دورٌ في نقل المورّثات التي
___________________
=
التناسليّة، وتبدأ في الظهور في الأُسبوع الخامس والسادس في الجنين، ثمّ تتمايز في نهاية الأُسبوع السادس وبداية الأُسبوع السابع إلى خصية أو مبيض ؛ لأنّها تكون قبل ذلك غير متمايزة. ص٤٦٥ ( رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة ).
أقول : وعلى كلٍّ، إن ثبت هذا علميّاً ثبوتا قطعيّاً، فهو يناقض بعض الأحاديث الدالة بظاهرها على صيرورة الجنين ذكراً أو أُنثى بعد أربعة أشهر، وقد تقدّم نقل أحدها في المسألة السادسة. ولاحظ ص١٤١ ج٧ الوسائل نسخة الكومبيوتر، وفيها عن عليعليهالسلام تحوّل النطفة في الرحم أربعين يوماً، فمن أراد أن يدعو الله عزّ وجلّ ففي تلك الأربعين، قبل أن يخلق... وعلى كلّ الأحاديث المذكورة قابلة للتأويل.
(١) وظيفة إفراز الهرمونات في الأُنثى أشدّ تعقيداً من الذكر، وهي السبب في التغييرات التي تحدث في بطانة الرحم مؤدّية إلى حدوث الطمث، كما تؤثّر على جميع أجهزة الجسم.
أمّا بالنسبة إلى الذكر فهي مسؤولة عن الصفات الثانويّة للذكورة، مثل: نمو شعر العانة بصورةٍ خاصّةٍ مختلفةٍ عن الأُنثى، ونمو الشعر على الوجه، وتغيّر الصوت، وبناء العظام، وتوزيع الدهن في الجسم، وإيجاد الرغبة الجنسيّة. ص٤٦٤ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
يحملها أولاده، بل سوف يساعد على نقل الصبغيّات الوراثيّة، التي ورثها الشخص المنقول منه هذه الخصية، إلى ذريّة الشخص المنقول له الخصية.
وتعتبر هذا وكأنّنا قمنا بإخصاب بويضة زوجة الرجل، المنقولة له الخصية، بحيوانٍ منويٍّ لرجلٍ آخر، المنقولة منه الخصية، فإذا ما تمّ زرع الخصية بين الرجال فإنّنا نساعد على خلط الأنساب.
وأمّا الأعضاء التناسليّة الأُخرى: كالقضيب والرحم والأُنبوبة والمهبل، فهي كسائر أعضاء الجسد، مثل: القلب والكلية والكبد، في عدم التأثير من الناحية الوراثيّة، ولا تخلو منها الأنساب(١) .
أقول : زراعة الأعضاء التناسليّة في حدّ نفسها لا بأس بها، إن قدر الطبّ عليها يوماً ما، وإنّما يشكل من الجهتين الأخيرتين، الأُولى: حرمة النظر واللمس المحرّمين - وقد تقدّمت مفصّلة - الثانية: من جهة الجماع بها، إذ مباشرة المنقول إليه لزوجها أو لزوجته لا يخلو عن إشكال، ولا فرق في الإشكال بين المبيض، والخصية، والقضيب، والجهاز الخارجي للمرأة، وذلك لا لأجل انتساب الجهاز المذكور إلى صاحبه الأوّل حتّى إذا كان حيّاً، فإنّ الانتساب الماضي غير مضرٍّ، والانتساب الفعلي إلى صاحبه الأوّل ممنوع، بل هو منتسب إلى صاحبه الجديد، بل لأجل ارتكاز المتشرِّعة على قبح الجماع بها، وهو يكشف عن تقبيح الشارع له وتحريمه، إلاّ أنْ يُقال: إنّ قبيحه عند المتشرِّعة لا لأجل أنّهم مسلمون ومتشرّعة، ولا لأجل أنّهم العقلاء بل من أجل أنّهم من أهل الغيرة، وكثيراً ما يشتبه الأمر بين الغيرة وبين ارتكاز المتشرّعة.
وعلى كلٍّ، القبح الذي يكشف عن منع الشارع إنّما
___________________
(١) انتخبناه من ص٤٤٧ إلى ص٤٥١، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة، باختصار.
هو القبح الذي من المشهورات، عند جميع العقلاء بما هم عقلاء، ولتحقيق ذلك لابُدّ من مراجعة علم المنطق، وعلم الأُصول عند البحث عن ملازمة حكم العقل والشرع(١) ، وكذا القبح الذي يعتقده المسلمون بما هم مسلمون ؛ فإنّه يكشف عن تقبيح الشرع، فلاحظ وتدبّر.
على أنّ في زرع الخصية، بل في زرع المبيضين، مانعٌ آخر - كما تقدّم - فما قيل من جواز زرع الخصية كأنّه للجهل بما ذكره الأطبّاء.
فإن قيل: إذا فرض قدرة الطبّ على تفريغ الخصية من السائل المنويّ نهائيّاً، فأيّ مانعٍ من نقلها إلى بدن الغير إذ لا تُخلَط الأنساب حينئذٍ ؟
يُقال في جوابه - كما قيل - إنّ الحيوانات المنويّة الجديدة تتكوّن من نفس الخلايا، وليست من خلايا جديدة.
لكن الممنوع شرعاً - على نحوٍ مرّ - إقرار ماء الرجل في رحم أجنبيّة، ولم يدلّ دليل على أنّ خلاياه يجب أن لا تكون من الأجنبي، فتأمّل، فإنّ المقام محتاجٌ إلى توضيحٍ طبّيٍّ، وأنّه هل يصدق على الخلايا الماء، أو المني أم لا ؟ وما هي مقدارها ؟
فإن قيل: كيف تكون الخصية مصنعاً للمني، ويقول القرآن:( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) (٢) ؟
يقال: إنّ الخصية توجد بين الصلب والترائب في أوّل تكوينها من الناحية الجنينية، وإنّما تنزل داخل الكيس ( خارج البطن ) عند الولادة.
أقول : مرّ أنّها داخل التجويف البطني، وليس هو من الترائب التي فُسّرت بأعلى الصدر، فتأمّل.
___________________
(١) لاحظ صراط الحق ج٢، وكتاب الفصول في علم الأُصول.
(٢) الطارق آية ٥.
ثم إنّه لا فرق في الحكم، بينما كان الغرض تحصيل النسل أو مجرّد الاستمتاع، أو التجميل والتجمّل(١) ، حيث إنّ المبيضين يفرزان - بالإضافة إلى البييضات - هرمون الأُنوثة الذي يضفي على المرأة صفات الجمال الأُنثوي، من: نعومة الجلد، ونعومة الصوت، ورقّة الشعر، وتوزيع الشحوم على الجسم، كما أنّ الخصيتين تفرزان بالإضافة إلى المني هرمون الذكورة الذي يُضفي على الرجل: غلظ الصوت، ونبات شعر الوجه، وخشونة الشعر، والقوّة البدنيّة، وغير ذلك(٢) .
كما لا فرق في الحكم السابق، بين كون المأخوذ منه حيّاً أو ميّتاً، بوصيّةٍ منه أم لا، على أنّ قطع الآلة التناسليّة عن البدن بعوضٍ أو هبةٍ حرام على الحيّ ظاهراً، فلاحظ وتأمّل.
فرعان:
١ - لو فرضنا وقوع: زراعة الأعضاء التناسليّة حراماً أو حلالاً، وباشر المنتقل إليه زوجته أو زوجها فالولد ولدهما كما مرّ، إلاّ أنْ تكون الخصية المنقولة حاوية لنطفة تكوّنت قبل نزعها من مصدرها، فالولد من صاحبها ظاهراً لا من المباشر، فلاحظ.
٢ - الظاهر وجوب الديّة على مَن قطع هذه الأعضاء المزروعة كغيرها، مثل: القلب والكلية والعين، وأمثال ذلك، عملاً بإطلاق أدلّة الديّات، وعدم انصرافها إلى قطع الأعضاء الأصليّة الأوليّة، وأمّا قطع الأعضاء البلاستيكيّة
___________________
(١) بعض الأمثلة من الحاجيّات ولو لبعض الأفراد، فالتجميل في المقام ليس كلّه من الكماليّات، فإذا كان فقد اللّحية لبعض الناس حرجيّاً كان إنباتها من الحاجيّات.
(٢) ص٥٤٠ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
فلا تشملها الأدلّة لانصرافها عنها، والله أعلم، فإن انجرّ نزعها إلى الموت - كالقلب البلاستيكي - فلا شكّ في تعلّق الديّة الكاملة للنفس إنْ لم يتعمّد، وإلاّ فعليه القوَد إنْ شاء الورثة، وفي غيره يرجع إلى الحكومة، حسب اختلاف الموارد، فلاحظ.
المسألة الثامنة والعشرون
حول الحيض في فصول
( الفصل الأوّل ) : قالت بعض الطبيبات: إنّ أوّل ظهور الحيض يعيّن البلوغ للفتاة، وتكون غالباً في سنّ الحادية عشر أو أكثر قليلاً، ويستمرّ إلى مستهلّ سنّ اليأس، وتُعتبر المدّة بين ظهوره وانقطاعه ( فترة الحياة التناسليّة )، والحيض: ( الطمث ) عبارة عن نزيفٍ شهريٍّ يستمرّ بين أربعة وستّة أيّام، ويتسبّب الطمث عن تضخّمٍ في الغشاء المخاطي للرحم من الداخل، فتتّسع أوعيته من شرايين وأوردة وبامتلاء غدده المخاطيّة، وذلك قبل ظهور الطمث بأيّام قلائل.
والدورة الشهريّة تختلف كثيراً من امرأةٍ لأُخرى، وفي المتوسّط تحدث كلّ ٢٨ يوماً، وقد يحدث اختلاف، وتحدث كل ٢١ أو كل ٣٥ يوماً، وكذلك مدّة الحيضة تختلف - أيضاً - من ثلاثة إلى سبعة أيّام.
( الفصل الثاني ) : في كيفيّة حدوث الطمث:
في سنّ البلوغ تبدأ الغدّة النخاميّة تحت تأثير مراكز عليا في المخّ تنبيه الغدد الصمّاء، ومنها المبيضان، فيفرزان الهرمونات الأُنثوية فينمو الرحم، وفي كلّ دورةٍ ينمو الغشاء المبطّن للرحم، ويمتلئ بالغدد، وتتركّز فيه المواد الغذائيّة استعداداً لاستقبال البويضة الملقّحة التي تنغرس في جدار الرحم المعدّ لذلك، فإذا لم يحدث حمل تبقى البويضة بدون تلقيح، وتبدأ في الضمور ( الضمور: الهزال ) وتهبط معها الهرمونات، فيتفتّت
الغشاء المخاطي المبطّن للرحم، وينزل على هيئة دم الحيض.
والسائل الحيضي: عبارة عن دمٍ غير متجلّط مع مخاط مع بقايا خلايا الغشاء المخاطي الذي تفتّت، وتكون كمّيّته قليلة ومخاطياً في أوّل الحيض، ثمّ يكون مائلاً للحمرة، ثمّ بنّي اللون في نهاية الحيض، وعند زيادة كمّيّة الدم عن الطبيعي يتجلّط الدم، وهذا يدلّ على زيادة النزيف(١) .
( الفصل الثالث ) : في سنّ البلوغ وسنّ اليأس ( الإياس ):
واعلم أنّه يتعيّن بلوغ الفتاة بظهور أوّل طمث، ويبدأ عادةً في سن الحادية عشرة، وقليلاً ما يتأخّر للثالثة أو الرابعة عشر، ونادراً ما يكبر عن سنّ العاشرة، وتتحوّل الطفلة من دور الطفولة إلى دور الأُنوثة الكاملة، ونزول الحيض يختلف حسب الوراثة والأجناس والتغذية والحالة النفسيّة، ويختلف باختلاف الشعوب وطبيعة الحياة الاجتماعيّة.
سنّ اليأس يشمل تغييرات كثيرة، منها انقطاع الطمث، وفي العادة ينقطع الطمث عند سنّ الخامسة والأربعين إلى سنّ الخامسة والخمسين، وربّما يحدث قبل الأربعين أو بعد الخامسة والخمسين، وفي العادة ينقطع الطمث تدريجيّاً، ويحدث الطمث كلّ شهرين أو ثلاثة شهور إلى ستّة شهور، وبعد ذلك ينقطع نهائيّاً.
ومن المعروف أنّه إذا حدث سنّ البلوغ مبكِّراً تأخّر سنّ اليأس، أو العكس كذلك، وهذا يتوقّف على الجنس - أيضاً - وعلى الوراثة، وطبيعة الأكل، والحالة الاقتصادية، وقد يكبر سنّ اليأس قبل سنّ الأربعين، ويرجع السبب في ذلك إمّا للحالة النفسيّة، أو قصور في عمل المبيض، أو استئصال المبيض
___________________
(١) ص٤٣٣ وص٤٣٤، الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
أثناء عمليّةٍ جراحيّةٍ، أو أسباب أُخرى في الغدد الأُخرى، وربّما يتأخّر سنّ اليأس إلى ما بعد سنّ الخامسة والخمسين والحيض، فإذا كان الطمث منتظماً فلا بأس من ذلك، لكن إذا حدث تغيير في كمّيّته وأصبح غير منتظمٍ ؛ وجب استشارة الطبيبة النسائيّة، إذ ربّما يكون ذلك لأخذ هرمونات أُنثويّة، أو وجود أورام خبيثة ( مثل الأورام الليفيّة ) وأورام سرطانيّة بالرحم، أو أورام على المبيض...(١) .
أقول : مطالب هذه المسألة تحتاج إلى توضيحٍ طبّيٍّ أكثر من ذلك، ثمّ إلى تفكيك استنباط الأطبّاء الحدسي، والإحصائيّات غير البالغة حدّ الثبوت اليقيني، عن ما يُشاهد حسّاً بالآلات الحديثة.
والذي يصلح للاعتماد عليه في الفقه وتحديد الأحكام، وحتّى تأويل النصوص المخالفة هو الثاني لا غير، فإنّ الاستنباط الحدسي أو الإحصاء الظنّي غير حجّة لأحد.
( الفصل الرابع ) : في المباحث الفقهيّة المتعلّقة بالمقام، وهي ثلاثة على ما يخطر ببالي عاجلاً:
( الأوّل ) : تحديد سنّ اليأس وانتهاء الحيض، فإنّ الفقهاء اختلفوا فيه على أقوال ثلاثة:
فعن المشهور أنّ المرأة غير القرشيّة(٢) وغير النبطيّة تيأس ببلوغ الخمسين سنة، وأمّا هما فبلوغ ستّين سنة، وعن جمع أنّ يأس مطلق النساء ببلوغ الخمسين، بلا فرقٍ بين القرشيّة والنبطيّة وبين غيرهما، وعن العلاّمةرحمهالله - في بعض كتبه - أنّه ببلوغ الستّين مطلقاً من مبدء ولادتها(٣) .
ولا دليل معتبر على واحدٍ من هذه الأقوال رغم ادّعاء بعض الفقهاء
___________________
(١) ص٤٣٤ إلى ص٤٣٦ نفس المصدر.
(٢) القرشيّة: المنتسبة إلى النضر بن كنانة.
(٣) لاحظ ص١٦١ ج٣ من الجواهر.
صحّة بعض الأحاديث المستدلّ بها سنداً، فإنّه اشتباه على الأقوى.
( الثاني ) : هل للحيض حقيقة ممتازة طبّيّاً عن دم الاستحاضة(١) ، ودم النفاس، ودم البكارة، ودم القرحة، ونحوها ؟ فإذا ثبت ذلك طبّيّاً لابُدّ للفقهاء، والنساء اللاتي يحضن، من الرجوع إلى الطبيبات أو الأطبّاء الاختصاصيّين بذلك ؛ فإنّهم أهل الخبرة، وهم أهل الذكر في المقام.
ولدم الحيض أحكام إلزاميّة كثيرة، وتشخيصه مهمٌّ جدّاً بحسب الشرع، كحرمة الدخول والمكث في المساجد، وسقوط الصلاة، ووجوب قضاء الصوم وسقوط وجوب أدائه، وغير ذلك، ومع تعيينه طبّيّاً وقطعيّاً لا يجب بل لا يسوغ الرجوع إلى الأمارات الظنّيّة، وإن كانت منصوصة، فإنّها مختصّة بفرض عدم العلم بالواقع.
تقول طبيبة: لا يمكن التفرقة بين دم الحيض ودم الاستحاضة ؛ لأنّ المصدر واحد والتثمين واحد ولكن يمكن التفرقة بالفحص الاكلينكي، ودراسة التاريخ بين المرضى، واستبعاد أيّ حملٍ أو استبعاد أيّ مرضٍ آخر موجود(٢) .
ثمّ تقول: قد يكون هنا اختلاف دقيق، ولكن في اللون والشكل، وقد يكون هناك اختلاف كيمياوي دقيق: كوجود زيادة بعض الإنزيمات، ولكن هذا لا نستعمله في الأحوال العاديّة في المختبرات للبحث أو للتفرقة(٣) .
وقال طبيبٌ: إنّ الحيض والاستحاضة تعبيرٌ فقهيٌّ لبيان أحكامهما الشرعيّة، ولا فرق بينهما.
___________________
(١) المستفاد من بعض الأحاديث تغيّر دم الاستحاضة والحيض ماهيّةً.
(٢) ص٦٨٠ الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
(٣) ص٦٨٤ نفس المصدر.
وقال طبيبٌ آخر: أنا أعرف هرموناً بالتحديد اسمه ( بروستجلاندين ) هذا الهرمون لا شكّ هو الهرمون المسبِّب لدم الحيض، هو الهرمون الذي يجعل الرحم يتقلّص لخروج دم الحيض، فأنا أتوقّع أنّه في حالة دم الحيض بالذات تكون نسبته عالية، أمّا في حالة دم الاستحاضة تكون نسبته قليلة، فهذا من ضمن الأشياء التي نستطيع أن نأخذها من باب البحث والدراسة(١) .
فإذا وُفّق الطبّ يوماً للتحديد النهائي الواضح، بين الحيض وسائر الدماء، فينفع الفقه والفقهاء، ومن جملة ما ينتفع به هو سنّ اليأس ونهاية دم الحيض، ولها ثمرات وفوائد فقهيّة للنساء المتديّنات.
بل تنتفع به جميع الحوائض في كلّ شهرٍ، وكذا أزواجهن.
( الثالث ) : بلوغ الصبيّة حسب الروايات المعتبرة بأُمور:
١ - ففي معتبرة ابن أبي عمير(٢) ، عن غير واحدٍ، عن الصادقعليهالسلام : ( حدّ بلوغ المرأة تسع سنين ).
٢ - وفي موثّقة عمّار، عنهعليهالسلام :
(... والجارية مثل ذلك، إن أتى لها ثلاث عشرة سنة، أو حاضت قبل ذلك ؛ فقد وجبت عليها الصلاة، وجرى عليها القلم )(٣) .
ومقتضى الجمع بينهما حمل الحديث الأوّل على الاستحباب.
لكنّ في الجواهر ( في كتاب الحجر ): نعم المشهور بين الأصحاب، بل المستقرّ عليه المذهب، هو بلوغ الأُنثى بكمال تسع(٤) .
وأورد صاحب الجواهررحمهالله
___________________
(١) ص٦٨٩ وص٦٩٠ نفس المصدر.
(٢) ص٣٥٢ وص٢٥٤ ج١ جامع أحاديث الشيعة.
(٣) ص٣٢ ج١ الوسائل.
(٤) جواهر الكلام كتاب الحجر.
على موثّقة عمّار، باشتمالها على خلاف ما أجمع عليه الإماميّة: من عدم زيادة بلوغ الجارية على العشر(١) .
ومن اطمأنّ بالحكم الشرعي بهذا المقدار من الشهرة والإجماع المنقول، فهو، وإلاّ فمقتضى الجمع بين الحديثين ما عرفت.
٣ - في موثّقة عمّار المتقدّمة، وصحيحة محمّد بن مسلم، ومعتبرة إسحاق بن عمّار وصحيح ابن الحجاج، كما ذكرناها في أوائل الجزء الثالث من كتابنا حدود الشريعة، هو تحقّق بلوغها بالحيض، وحمل الروايات على أنّ الحيض كاشف لا محقّق للبلوغ خلاف الظاهر، لكنّ المستفاد من قوله تعالى:
( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) ( النساء ٦ )، أنّ انقطاع اليتم ببلوغ النكاح - أي أهليّة الجماع - نعم في الماليّات يعتبر موانسة الرشد والخلوّ من السفه.
ثمّ اليتامى جمع اليتيم واليتيمة، ولا ينافي في عمومها لهما قوله:( بَلَغُوا ) وضمائر الجمع المذكور في الآية ( هم ) لاحتمال إرادة التغليب. ولا فرق بين اليتيم وغيره في هذا الحكم بلا شبهة.
وبما عرفت من قول الطبيبة المتقدّمة يتّحد هذا مع سابقه أي: الأمر الثالث، كما لا يخفى، ولعلّ التعويل على هذا القول - أي تحقّق بلوغها بالحيض - أظهر الأقوال، ولا ينافيه التحديد بثلاث عشرة سنة في موثّقة عمّار، لتصريح الإمام بقوله: أو حاضت قبل ذلك.
ولولا فتوى المشهور لرددت رواية ابن أبي عمير بمخالفته للاعتبارات العقلائيّة كما لا يخفى.
وعلى كلٍّ، هي لا تقاوم الروايات المعتبرة الدالة على تحقّق البلوغ بالحيض
___________________
(١) المصدر.
كما لا يخفى، فلتُحمل على الندب.
وإنْ تمّ ما ذكرناه فبلوغ الصبيّة بدم الحيض، واستعدادها للنكاح، أو أن يأتي عليها ثلاث عشرة سنة، كما في موثّقة عمّار، إلاّ أنْ يُقال: إنّ قضيّة صدرها أنّ بلوغ الغلام أيضاً بثلاث عشرة سنة، وفيها: ( فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم )، والحال أنّ المشهور المدّعى عليه الإجماع - كما في الجواهر - ( في كتاب الحجر ) أنّ بلوغه بخمسة عشرة سنة، فلاحظ وتأمّل.
ثمّ إنّه يأتي في المسألة الآتية إمكان جمع الحيض وعدمه مع الحمل إنّ شاء الله تعالى.
المسألة التاسعة والعشرون
أقل مدّة الحمل وأكثرها ودم النفاس
١ - يحدث الحمل نتيجة اتّحاد الحيوان المنويّ الناضج مع البويضة الناضجة، التي تخرج من المبيض أثناء ظاهرة التبويض ( في منتصف الدورة الشهريّة )... وينمو الغشاء المبطّن للرحم أكثر ليحتضن ويغذي الجنين القادم، وبذلك تنقطع العادة الشهريّة، ومدّة الحمل الطبيعي هي ٢٨٠ يوماً من أوّل لآخر الطمث، ولكن يوجد خلاف كبير في مدّة الحمل... فتكون حوالي ٤٢ أُسبوعاً، فتكون ولادة قبل التمام التي تحدث بعد إتمام ٢٨ أُسبوعاً، وقبل إتمام ٣٧ أُسبوعاً، ويسمّى الولد خديجاً(١) ، وولادة جنين كامل النموّ، تحدث بعد إتمام ٣٧ أُسبوعاً، وقبل إتمام ٤٢ أُسبوعاً.
٢ - أكثر مدّة الحمل:
والولادة بعد التمام تحدث بعد ٢٤ أُسبوعاً، ولا يوجد موعد محدّد للولادة بعد التمام ؛ لأنّ يوم التقليح غير محدود بالضبط، وفي بعض الإحصائيّات تبين أنّه ٢٥% من الحوامل يلدن في الأُسبوع الثاني والأربعين ( ٢٩٤ يوماً )، و١٢% في الأُسبوع ٤٣ ( ٣٠١ يوماً )، و٣% من الحوامل يلدن في الأُسبوع ٤٤ ( ٣٠٨ يوماً ).
وكذلك الإحصائيّات، تبيّن أنّ وفاة المواليد حول الميلاد تزيد وتتضاعف بازدياد مدّة الحمل عن ٤٢ أُسبوعاً ؛ لسبب تليّف المشيمة ،
___________________
(١) الخديج: ناقص الخَلْق أو قبل تمام الأيّام.
ولذلك يجب التأكّد من موعد آخر طمث، وإذا تعذّر ذلك، فالآن يوجد وسائل حديثة لمعرفة عمر الجنين داخل الرحم(١) .
وقال طبيبٌ ماهرٌ: التي تقول إنّ زوجها مات، وبعد أربع سنين ولدت، هذا بقدر ما نعلم علميّاً محال، ولو ولد بعد أربع سنين لازم الولد ينزل وله أسنان وشعره طويل ؛ لأنّه جنين فينمو ويكبر كلّ يوم... كون المشيمة تخدم أربع سنين لم يُعرف هذا، ولا يمكن(٢) .
٣ - أقلّ مدّة الحمل:
إذا حدثت الولادة قبل الشهر الثامن يكون ذلك إجهاضاً، لكن في بعض المراكز المتخصّصة لرعاية الأطفال الخدّج، يمكن المحافظة والعناية على الأطفال الخدّج، حتّى ولو كانوا في ستّة أشهر، أو كان وزنهم ٨٠٠ غرام أو أكثر.
وإذا حدث نزيفٌ أثناء الحمل لا يُسمّى ذلك حيضة، بل سببه إمّا إجهاض في الشهور الأُولى للحمل وقبل الأُسبوع ٢٨، وإمّا غير ذلك من العوارض(٣) .
وقال طبيبٌ آخر: إنّ كون أقلّ الحمل ستّة أشهرٍ كلامٌ علميٌّ لا شكّ فيه، إذ الآن مع تطوّر الأجهزة العلميّة الحديثة ؛ استطاعوا أن يحتفظوا بهذا الطفل الخديج الذي وصل وزنه إلى ٨٠٠ غرام، وهذا صحيح ؛ لأنّي رأيت هؤلاء الأطفال في بريطانيا أن يصلوا عمراً كاملاً من الحياة، بهذا الوزن القليل
___________________
(١) ص٤٣٦ وص٤٣٧ الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
(٢) ص٦٨٢ نفس المصدر.
(٣) ص٤٣٨ نفس المصدر.
والذي هو ستّة شهور من الحياة(١) .
وقال بعضهم: وربّما تمكّنوا من إنقاذ أجنّةٍ عمرها عشرون أُسبوعاً، أو ما حولها في المستقبل القريب(٢) .
٤ - سائل النفاس:
هو عبارة عن الإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، ويكون عبارة عن دمٍ في أوّل أربعة أيّام، ثمّ يفتح لونه وتقلّ كمّيّة الدم حتّى يصبح عبارة عن مخاط لا لون له بعد عشرة أيّام، وقد تستمرّ إلى أربعة أسابيع، فأقلّ مدّةٍ لدم النفاس هي من أُسبوع إلى عشرة أيّام، وأكثر مدّةٍ له هي فترة النفاس، أي ستّة أسابيع أو ٤٢ يوماً ( أي مدّة عودة الجهاز التناسلي إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل(٣) )، وإذا طالت مدّة النزيف دلّ ذلك على وجود بقايا من المشيمة، ويظلّ الرحم متضمّماً...(٤) .
أقول : يستخلص ما نقلناه من الأطبّاء في أُمور:
أوّلاً : إنّ مدّة الحمل الطبيعي تسعة أشهر وعشرة أيّام، أو أكثر من عشرة أيّام، إذا كان بعض الشهور الهلاليّة التي نقصدها في المقام ناقصةً غير تامّة.
ثانياً : أقلّ مدّة الحمل ٢٨ أُسبوعاً بزيادة يوم أو أيّام ( بعد إتمام ٢٨ أُسبوعاً وقبل إتمام ٣٧ أُسبوعاً ) أي ستّة أشهر وستّة عشر يوماً، بل أكثر إن كان بعض الشهور ناقصاً على قول: وستّة أشهر على قولٍ آخر، لكن مع
___________________
(١) ص٦٨٩ نفس المصدر.
(٢) ص٢١٣ رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
(٣) وهذا ينافي حديث العرزمي الآتي، كما لا يخفى، إلاّ أن يحمل حمل الحسينعليهالسلام بعد عشرة أيّام من الحالات النادرة الاستثنائيّة التي لا يمكن إحاطة علم الطبّ بها.
(٤) ص٤٣٩ الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة.
لزوم رعايةٍ طبّيّة وأجهزةٍ حديثةٍ.
وتقدّم عن بعضهم احتمال إنقاذ أجنّة عمرها ما يقلّ عن خمسة أشهر بعشرة أيّام، وولادة جنين كامل النموّ تحدث بعد ٢٥٩ يوماً إلى ٢٩٣ يوماً.
وأكثر مدّة الحمل - حسب مجرّد بعض الإحصائيّات دون دليل قطعي - علمي ٣٠٨ يوماً ( عشرة شهور وثمانية أيّام أو أكثر من ثمانية إذا كان بعض الشهور ناقصاً )(١) وأمّا طول الحمل سنوات فهو غير ممكن.
ثالثاً : إنّ دم الحيض لا يجامع الحمل على قول طبيبة.
ورابعاً : إنّ أقل دم النفاس سبعة أيّام إلى عشرة أيّام، وأكثرها ٤٢ يوماً.
وإليك بيان الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بالمقام في فصول أربعة:
الأوّل : أكثر الحمل. وفي صحيح حماد بن عثمان: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ما تقول في رجلٍ له أربع نسوة، وطلّق واحدةً منهنّ وهو غائب عنهنّ، متى يجوز له أن يتزوّج ؟
قال: ( بعد تسعة أشهر، وفيها أجلان: فساد الحيض وفساد الحمل )(٢) .
أقول : الظاهر من قوله: ( بعد تسعة أشهر ) أنّه بعدها من الطلاق، لا من الدخول بالمطلّقة، فلا يستفاد من الرواية أنّ أكثر مدّة الحمل تسعة أشهر فقط، فإنّ الحمل من حين الوطء دون الطلاق قطعاً، فتدلّ على أنّ أكثرها
___________________
(١) ثمّ إن كان المراد من الطمث في قول الطبيبة التي نقلنا كلامها أوّلاً ( من أوّل يوم لآخر طمث ) هو الطمث الذي حُبس لأجل الحمل، فتزيد المدّة في التقديرات المذكورة بأيّام أُخر، فإنّ مبدأ الحمل بإخصاب البييضة اتفاقا ً، وإن كان المراد منه الطمث السابق على الحمل ؛ فتنقص المدّة بأيّام - كما لا يخفى - والظاهر إرادة الوجه الثاني.
(٢) ص٤٧٩ ج١٥ الوسائل.
أزيد من تسعة أشهر قطعاً.
وفي صحيح ابن الحجاج عن الكاظمعليهالسلام : ( إذا طلّق الرجل امرأته فادّعت حبلاً انتظر بها (انتظرت - الجواهر ) تسعة أشهر، فإن ولدت وإلاّ اعتدّت بثلاثة أشهر، ثمّ قد بانت منه )(١) .
استظهر منه صاحب العروة الوثقىرحمهالله أنّ أكثر الحمل سنة(٢) ، واستظهرنا منه أنّه تسعة أشهر، فلاحظ كتابنا حدود الشريعة(٣) ، لكنّه مبنيّ على عدّ الأشهر المذكورة من حين الوطء لا من حين ادّعاء الحبل، وإلاّ لدلّت على أنّ أكثر الحمل أكثر من تسعة أشهر.
قال المحقّق الحلّيرحمهالله في الشرائع: ولو طُلّقت فادّعت الحمل، صبر عليها أقصى الحمل وهو تسعة أشهر ( من حين الوطء )، وفي روايةٍ سنةً، وليست مشهورة.
ويقول الشارحرحمهالله في جواهره: إلاّ أنك قد سمعت... اختيار المصنّف كونه عشرة لا تسعة... وأحسن شيءٍ تحمل عليه هذه النصوص تفاوت مراتب الأقصى، ففي الغالب عدم تأخّره عن التسعة، وبذلك حدّه الشارع في جملة من الأحكام، وربما بلغ السنة لكنّه من الأفراد النادرة التي لا تنافي إجراء الأحكام على التسعة(٤) .
أقول : لم تثبت غلبة عدم تأخّره عن التسعة - لاسيّما بملاحظة ما تقدّم من قول الأطبّاء، ولم يثبت تحديد الشارع بالتسعة أيضاً، ولم يدلّ
___________________
(١) ص٤٤٢ نفس المصدر.
(٢) لاحظ الجزء الثاني من العروة الوثقى.
(٣) ص٣٣٥ وص٣٣٦ ج٣.
(٤) ص٢٥٧ وص٢٥٨ ج٣٢.
دليل معتبر على أنّ أكثره السَنَة، حتّى يحتاج إلى ما ذكره من بيان الغالب والنادر، فما ذكره هذا الفقيه الجليل كلّه ضعيف.
( الثاني ) : في أقلّ الحمل.
في صحيح الحلبي عن الصادقعليهالسلام :
( إذا كان للرجل منكم الجارية، يطؤها فيعتقها، فاعتدّت ونكحت فإن وضعت لخمسة أشهر فإنّه ( من ) مولاها أعتقها، وإن وضعت بعد ما تزوّجت لستّة أشهرٍ فإنّه لزوجها الأخير )(١) .
يظهر منه أنّ أقل الحمل ستّة أشهر، بناءً على عدّ المدّة من حين الوطء، لا من حين العتق أو النكاح.
وفي معتبرة العرزمي، عن الصادقعليهالسلام قال:
(كان بين الحسن والحسين -عليهماالسلام - طهر وكان بينهما في الميلاد ستّة أشهر وعشراً )(٢) .
وفي روايةٍ غير معتبرة سنداً: ( ولم يعش مولود قطّ لستّة أشهرٍ غير الحسين بن علي وعيسى بن مريم -عليهماالسلام - )(٣) .
أقول : قد اشتهر أنّ قوله تعالى:( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) (٤) ، بضميمة قوله تعالى:( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) (٥) ، يدلّ على أنّ أقلّ الحمل ستّة أشهر، ويدلّ عليه بعض الروايات غير المعتبرة أيضاً، لكنّه محل نظر أو منع، فإنّه لا دليل على وجوب الإرضاع حولين كاملين، بل قوله تعالى:( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ
___________________
(١) ص٣١٨ ج٢١ جامع الأحاديث.
(٢) ص٣١٩ نفس المصدر.
(٣) بحار الأنوار ج ١٤ ص ٢٠٧.
(٤) الأحقاف آية ١٥.
(٥) البقرة آية ٢٣٣.
الرَّضَاعَةَ ) يدلّ عل عدمه، بل في الجواهر ( ج٣١ ص٢٧٦ ):
لا خلاف في جواز الاقتصار على أحد وعشرين شهراً فيحتمل أنّه تسعة أشهر ! بل لابُدّ أنْ يكون كذلك، وإلاّ لكان الأكثر هو الولادة عن ستّة أشهر ؛ ولا يخفى ضعفه، فإنّ المستفاد من الآية المباركة نظارتها إلى الأفراد الغالبة دون النادرة جزماً، لكنّ قوله تعالى:( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (لقمان ١٤) يصلح قرينة على أنّ المراد بالحمل في قوله:( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ) ستّة أشهر.
لكن يحتمل أنّ الفصال في هذه الآية محمول على المرتبة الكاملة المستحبّة، ولا يُفسر قوله تعالى:( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) ، فافهم المقام، ولا منافاة بين كون أقلّ الحمل ستّة أشهر، وبين ما ذكره الأطبّاء من عدم بقاء المولود من دون رعاية طبّيّة مفقودة في أوائل الإسلام ؛ فإنّ نظر الطب إلى الغالب، ولا إحاطة له بجميع الأفراد والحالات النادرة جزماً.
( الثالث ) : جمع الحيض مع الحمل وعدمه.
عدم الجمع - كما ذكرته طبيبةٌ على ما سبق - هو أحد الأقوال في الفقه، ذهب إليه المحقّق في الشرائع، ونقله صاحب الجواهر عن المفيد وابن إدريس، ويدلّ عليه بعض الأحاديث.
وعن المشهور صحّة الحيض مع الحمل، ويدلّ عليه جملة من الأحاديث المعتبرة، وعن جماعةٍ من الفقهاء تقييد جمعهما بما إذا رأت الحامل الدم في العادة أو مع التقدّم قليلاً، لا ما إذا تأخّر عنها عشرين يوماً، ويدلّ عليه حديث الحسين بن نعيم الصحاف، والكلام في المقام طويل، لاحظ الجواهر ( ص٢٦١ إلى ص٢٦٦ ج٣ ).
وإذا حملنا الأحاديث الدالة على صحّة الحيض مع الحمل على الفرد
غير الغالب ترتفع المنافاة بينها وبين الطبّ، إنْ أثبت عدم الجمع بطريقٍ علميٍّ كما ذكرنا في سابقه، أو يحمل الروايات على أنّ الدم المذكور في أيّام الحمل، وان لم يكن دم حيض، إلاّ أنّه محكوم بأحكامه، فافهم.
( الرابع ) : أقلّ النفاس وأكثره:
ففي فقهنا أنّه لا حدّ لقليله، فيجوز أن يكون لحظة وأكثره عشرة أيّام كما عن المشهور، وعن جمع أنّه ١٨ يوماً، وعن ابن أبي عقيل أنّه ٢١ يوماً، ولا منافاة بين قول المشهور ما نقلناه عن بعض الأطبّاء إنْ صحّ علميّاً ؛ لإمكان أنّ الشارع إنّما رتّب أحكامه على ماله لون الدم كما في الأيّام العشرة، لا على ما لا لون له.
فائدة مهمة
قال بعض الأطبّاء الماهرين: لا تُعتبر الحيضة الواحدة دليلاً على براءة الرحم... فنزول دم مرّةً بعد مرّةٍ أُخرى قد يحدث من رحم حامل.
أقول : وهذا من أحد الدلائل على جعل العدّة ثلاثة قروء، فافهم واغتنم.
المسألة الثلاثون
بعض الأعمال التجميليّة
المطلب الأوّل : في ما يتعلّق بالشَّعر:
١ - يجوز وصل الشَّعر للمرأة مطلقاً، سواء شعر امرأةٍ أُخرى أو شعر حيوان أو شعر صناعي، ولا إشكال في ذلك للواصلة والمستوصلة على الأقوى ؛ إذ لا دليل على حرمته، وما ورد من بعض الروايات ضعيف سنداً، على أنّه يمكن حمله وحمل ما ورد من طريق أهل السنّة من أنّهصلىاللهعليهوآله لعن الواصلة والمستوصلة(١) على التدليس، فقد تقدّم أنّه حرام، وفي غير التدليس كالمرأة المزوّجة، أو التي لا تريد الزواج، أو التي تخبر خطيبها بحقيقة الحال ؛ فلا بأس به لأصالة البراءة.
نعم الوصل بشَعر الحيوان المحرّم أكله، أو نجس العين إذ لم يتيسّر فصله حين الوضوء والصلاة لا يجوز، لكنّ المنع ليس راجعاً إلى نفس العمل بل إلى بُطلان الصلاة، فهو غير مخصوص بالشَّعر بل يجري في مطلق الأعمال المؤدّية إلى عدم التمكّن من إيقاع الصلاة وغيرها من الواجبات على وجهها الصحيح، فالمنع عرضي لا ذاتي.
ثمّ إنّ فقهاء أهل السنّة اختلفوا في علّة حرمة الوصل المذكور، بعد الاتفاق على أصل الحرمة في الجملة(٢) .
___________________
(١) الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة ص ٤٦٧.
(٢) ص٤٦٦ إلى ص٥٣٦ من الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة، فإنّا أخذنا أقوال أهل السنّة من هناك.
فعن الشافعيّة والحنابلة: أنّ المعنى الذي لأجله حرم الوصل هو التدليس مطلقاً، سواء شعر الآدمي أو غيره.
أقول : وهذا هو الذي اخترته وقلت لا إنّه يحرم إذا لم يتحقّق فيه التدليس.
واعلم أنّ التدليس غير محرّم لذاته، وإنّما يحرم لأجل الإضرار بالغير، فلا بأس به في غيره كما في الهبات والضيافات، وبغرض حفظ الوقار والمقام عند الناس، وأيضاً لا يصدق التدليس بفعلٍ يوجب مجرّد رغبة المشتري والخاطب مع علمهما بحقيقة الحال، وإلاّ فيحرم مطلق التزيين: كلبس اللباس الملوَّن، وتسريح الشعر، وقِصَر اللحية للرجال ونحو ذلك، على أنّ جملة ممّا مثّلوه للتدليس فهو من أفراد التزيين في هذه الأزمان، بل في كثيرٍ من الأزمنة السابقة لعلم الرجال والنساء بالحال. وكأن الفقهاء كانوا منعزلين عن هذه الأشياء والأعمال وأهلهما فظنّوها من التدليس.
وعلى كلٍّ، تشخيص الموضوع موكول إلى العرف، ولا عبرة بنظر الفقيه(١) .
وعن المالكيّة والظاهريّة أنّه التغيير، فالتدليس بتغيير خلق الله(٢) .
أقول : أمّا التدليس فقد عرفت حرمته فهو صحيح، وأمّا تغيير خلق الله، فصدقه على وصل الشَّعر ممنوع جدّاً، وإلاّ لحرم قصره ولو جزئيّاً على المرأة وعلى الرجل، وهو كما ترى واضح البطلان، وكذا حَرُم إزالة الشّعر عن جميع البدن. والاعتذار عن جواز ذلك بالتخصيص الشائع في الأحكام باطل، فإنّ تخصيص العمومات، وتقييد المطلقات وإن كان أمراً شائعاً في
___________________
(١) لاحظ مادّة التدليس في مكاسب الشيخ الأنصاريقدسسره ص٢١ وص٢٢.
(٢) الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة ص ٤٧٢.
الفقه، غير أنّ ذلك مخصوص بما لم يأب العموم عن التخصيص كما في المقام. فإنّ قوله تعالى:( وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) لا يقبل التخصيص، فإنّ معناه أنّ أمر الشيطان في إزالة الشَّعر يجوز اتّباعه !!! ولا شيء من أمر الشيطان بجائز الاتّباع، فافهم فإنّه دقيق وبالتأمّل يليق.
والحقّ : أنّ الآية من المتشابِهات، فإنّ كثيراً من الأفعال الجائزة عند المسلمين يُعدّ من تغيير الخَلْق، ولا يلتزم أحدٌ بحرمتها، فيلزم تخصيص الأكثر المستهجن وهو قبيح، ولا يصدر عن الحكيم كما قرّر في أُصول الفقه.
نعم، إن قلنا بأنّ المراد بخلق الله، دين الله - كما رجّحناه سابقاً - زال التشابه عنها.
وعن الحنفيّة: أنّه التدليس باستعمال جزء من الآدمي، فلا يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته، بل يُدفن شعره وظفره، وسائر أجزائه المنفصلة(١) .
أقول : ارجع إلى قضاء العقلاء في عصرك وزمانك، فلا ترونهم يقضون بمنافاة وصل شعر امرأةٍ بشعر امرأةٍ للكرامة الإنسانيّة بوجهٍ من الوجوه، بل هو أولى من دفن الشعر تحت التراب لاستفادة إنسان كريم آخر منه، على أنّ التدليس لا يخصّ شعر الآدمي، بل يتحقّق في غيره قطعاً في مثل زماننا.
٢ - الأقوى جواز حلق المرأة شعر رأسها لعدم دليل على الحرمة، وإنّما يحرم عليهنّ في حالة الإحرام، بلا خلافٍ يجده صاحب الجواهر، وعن العلاّمة في مختلفه: الإجماع على الحرمة وفي حجّ الجواهر: فإنّ الظاهر عدم حرمته عليها في غير المصاب المقتضي للجَزَع... وعليه يحمل ما ورد عن
___________________
(١) لاحظ جواهر الكلام، كتاب الحجّ.
طريق أهل السنّة من المنع، وأمّا تقصير الشعر كما تعارف اليوم فلا مانع منه شرعاً(١) .
نعم إذا قلنا بحرمة التشبيه بالرجال وعكسه، وحلقت بقصده حَرُم لأجله، لكنّنا لم نجد دليلاً معتبراً على حرمة التشبيه.
٣ - لا بأس بنتف الشيب على الرجل والمرأة وخضابه، كما لا بأس باستعمال الشيب بالمعالجة، نعم نتف الشيب إذا كان بقصد تدليس الغير يحرم(٢) ، وأمّا ما رواه أبو داود والترمذي من المنع، فإن تمّ سنداً فهو محمول على الكراهة للقرينة الموجودة في الحديثين المذكورين في سننهما، واستفادة الحرمة منهما غير صحيحة.
٤ - يجوز النماص لعدم دليل على المنع، ولا أظنّ بفقهائنا تحريمه وإن لم أفز على كلامهم ؛ لضعف ما يدلّ عليه، وبالجملة حاله حال النتف، لكنّ فقهاء أهل السنّة حرّموه. وإن اختلفوا في خصوصيّاته(٣) .
٥ - يجوز علاج الشَّعر جراحيّاً بإجراء عمليّة زرع الشعر في الرأس، بحيث يكون نامياً، بشرط مراعاة المماثلة بين الفاعل والمريض، ولا يتصوّر هنا تدليس فإنّه إظهار خلاف الواقع، وفي المقام تغيير الواقع، والفرق بينهما غير خفيّ.
٦ - بناءً على حرمة حلق اللحية على الذكور، هل يجوز لهم فعل ما يمنع عن نبات اللّحية كالكوسج ؟
فالحلق المحرّم رفع، وهذا دفع، والفرق بينهما واضح.
___________________
(١) لعدم وجود دليل على المنع فيرجع إلى أصالة البراءة.
(٢) الرؤية الإسلاميّة لبعض الممارسات الطبّيّة ص ٤٧٨.
(٣) المصدر ص ٤٧٩.
والظاهر أنّه لا مانع منه إلاّ أن يدّعي أحدٌ فهم منعه من مذاق الشرع، كما لعلّه غير بعيد فيما إذا حلق مرّةً - حراماً أو غير حرام كما في فرض الغفلة أو المرض - ثمّ حلق كلّ يومٍ حتّى لا تنبت اللّحية، فإنّ هذا الحلق الثانوي المتكرّر كلّ يوم وإنْ لم يصدق عليه حلق اللّحية، لكنّ حرمته ممّا يسهل فهمها من مذاق الشرع.
بل لو قلنا بأنّ حكم اللحية من الواجبات، بعنوان إبقاء اللّحية أو نحوه لحرم القسم الأوّل أيضاً، والظاهر أنّه داخل في المحرّمات لكن على نحو الاحتياط عندنا.
وهل يجوز للنساء فعل ما ينبت اللّحية على ذقنهنّ ؟
أمّا المزوّجة التي لا يرضى زوجها به فلا شكّ في أنّه لا يجوز لها فإنّه تضييع لحقّ الزوج، وموجب لتنفّره عنها، وأمّا غيرها فالمنع مبنيٌّ على الفهم من مذاق الشرع، أو على حرمة التشبيه بالرجال إذا قصدته، وإذا أوجب إهانتها فيحرم من أجلها.
المطلب الثاني : في بعض أنواع أُخر من التجميل:
١ - يجوز التزيين للنساء بما تعارف اليوم، ويستعملنه في الشفة والعين والخد والظفر وشعر الرأس. سواء كنّ مزوّجات أو خليّات بشروط.
أوّلاً : عدم كون المادّة المزيِّنة حاجباً عن وصول الماء إلى محلّ استعماله عن البدن ؛ فيبطل به الوضوء والغسل والتيمّم، ثمّ يبطل الصلاة والطواف، وما يحمر به أظفار النساء في هذه الأزمان كذلك ؛ نعم وجدت أخيراً مادّةً تزيله فلابُدّ للمسلمات من إزالته بها حين الوضوء أو الغسل أو التيمّم، ويجب على الأزواج أمر نسائهم بذلك.
ثانياً : عدم إبداء الزينة للأجانب، فإنّا وإن قلنا بعدم ستر الوجه والكفّين عليهنّ، لكن لابُدّ من المحافظة على الزينة المثيرة لشهوة الرجال
بها.
ثالثاً : عدم كون المادّة المستعمَلة للزينة من حيوان نجس، أو ممّا لا يُؤكل لحمه، وإلاّ فلابُدّ من تطهير البدن عند الصلاة والوضوء، وإذا تنجّس الشفة يحرم الأكل إذا تنجس المأكول تنجس الشفة، على القول بمنجّسيّة المتنجّس مطلقاً.
رابعاً : لم يقصدن بذلك إضلال الشباب وإذاعة الفجور.
** ٢ - يجوز الوشم وفسّره علي بن غراب - كما عن معاني الأخبار للصدوقرحمهالله - بالوشم في يد المرأة أو في شيءٍ من بدنها، بأن تغرز بدنها أو ظهر كفّها بإبرة حتّى تؤثّر فيه، ثمّ تحشوها بالكحل أو شيء عن النورة فتخضرّ، ورواية علي بن غراب ضعيفة، وعلي مجهول، ويمكن حملها وحمل ما ورد من طريق أهل السنّة(١) على التدليس في تلك الأزمان، إذ الوشم في زماننا لا يحصل به التدليس غالباً، واليوم أصبح الوشم في الرجل أكثر منه في النساء، ومن العجيب أنّ رجلاً غطّى جسده كلّه بالوشم، وتحمّل عذاباً شديداً في سبيله، حيث بقي يتعرّض للوخز بالإبر يوميّاً لمدّة ستّ ساعات على مدى أربع سنوات.
أقول : لا لوم على مَن يدّعي حرمة الوشم بهذا الحدّ، لا لأجل تحمّل الإيلام إذ لا دليل على حرمته، بل لحطّ مقام الإنسانيّة واشتغاله في هذه المدّة الكثيرة بهذه الأعمال الباطلة، وأنّ الله تعالى لا يرضى للإنسان بذلك، وقد ذكرنا في محلّه حرمة الاشتغال بالملاهي.
٣ - يجوز إزالة النمش والبقع الجلديّة في الوجه وسائر البدن
___________________
(١) المصدر السابق ص ٤٩٦ و ٤٩٧.
بعمليّات جراحيّة كما تعارفت بشرط المماثلة كما سبق، ومَن تفوّه بحرمته فقد تعسّف وتحكّم.
٤ - يجوز تجميل الأسنان بالتفليج، وهو في اللُّغة من فلج الأسنان، باعد بينها، والفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيّات خلقةً، فإن تكلّف فهو التفليج، وهو عبارة عن برد الأسنان بمبرد ونحوه لتحديدها وتحسينها(١) ، وما روي في النهي عنه لم يثبت عندنا سنداً، وقد حرّمه فقهاء أهل السنّة.
والحاصل : إنّ تحسين الأسنان وتعويضها إذا فسدت لا إشكال فيه، ونشكر الله في سعة رحمته تكويناً وتشريعاً، وأمّا جواز استعمال الذهب لشدّ الأسنان، فحكمه حرمةً وجوازاً مبنيٌّ على حكم استعمال الذهب، فإنْ قلنا بتحريم التزيين بالذهب فيمكن القول بحرمته، وإنْ قلنا بأنّ المحرّم لبسه فلا يحرم، بل لا يحرم حينئذٍ ستر الأسنان المصنوعة بالذهب، كما يفعله بعضهم.
وفي الشرائع والجواهر : وكذا يحرم التختّم بالذهب، بل ومطلق التحلّي به للرجال بلا خلافٍ أجده، بل الإجماع بقسميه عليه. بل قال في موضعٍ آخر: إجماعاً أو ضرورة(٢) .
وفي موثّقة عمّار عن الصادقعليهالسلام : ( لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلّي فيه ؛ لأنّه من لباس أهل الجنّة )(٣) .
وفي صحيحة محمّد بن مسلم، عن الباقرعليهالسلام في حديث أنّ أسنانه
___________________
(١) الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبّيّة ص ٥٠٨.
(٢) جواهر الكلام ٤١ ص ٥٤.
(٣) ص٣٠٠ ج٢ الوسائل.
استرخت فشدّها بالذهب.
ونحن مع احترامنا لصاحب الجواهررضياللهعنه وفقهه وتتبّعه نقول: إنّ المتيقّن هو حرمة لبس الذهب.
ولاحظ ما ذكرنا حوله في الجزء الثاني من كتابنا: حدود الشريعة، مادّة لبس الذهب.
وأجاز أكثر فقهاء أهل السنّة شدَّ السنّ المتحركة بالذهب، سوى أبي حنيفة وأبي يوسف ؛ فقالا: إنّه محرّم ولا يباح إلاّ للضرورة(١) .
٥ - يجوز وصل عظام الإنسان بعظام الحيوانات، وبالمواد البلاستيكية الحديثة، وغيرها، وبالحديد إذا كُسر العظم أو تعيّب، نعم إذا كان في ظاهر البدن، فلابُدّ من مراعاة ما لا ينافي الوضوء والغسل وغيرهما.
٦ - يجوز قطع الإصبع الزائد، أو السنّ الزائدة لأصالة البراءة، بل ولأنّ بناء العقلاء على أنّ الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم، وهذا البناء ممضاة عند الشارع في غير ما منعه ؛ ولأنّه نقص وشين فإبقاءه عسر، وقال تعالى:
( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (٢) .
والبحث إنّما هو في قطع اليد أو الرجل أو العين أو الأنف الزائدة، والعمدة هي الثلاثة الأُولى، فهل يجوز قطعها ؟
فيه وجهان، وجه الجواز ما مرّ، ووجه المنع إمكان فهم منعه من مذاق الشرع، والأوجه الجواز.
والعمدة مَن له رأسان، فإن فرضنا أنّ كلّ رأسٍ له فكر وقصدٌ خاصٌّ به، بحيث يعلم أنّ لكلّ رأسٍ روحاً تعلق به فهما فردان، وإن كان بدنهما أو بعض بدنهما واحداً، كما رأينا صورته في هذه الأيّام في بعض النشريّات اليوميّة، فلا يجوز قطع أحدهما، وأمّا إن علمنا من وحدة القصد والفكر أنّ
___________________
(١) الرؤية الإسلاميّة لبعض المسائل الطبّيّة ص ٥١٠.
(٢) البقرة آية ١٨٥.
لهما روحاً واحدة ففي جواز قطع أحدهما وجهان، والمسألة مشكلة جدّاً(١) .
٧ - يجوز ثقب الآذان وتعليق الحلق فيها ؛ لعدم الدليل على المنع حتّى في الصبي، فإنّ ألم الثقب في مثل زماننا خفيف جدّاً، وما ذكره الغزالي وغيره من وجوه المنع(٢) ضعيفٌ جدّاً لا يُلتفت إليه.
٨ - يجوز تغيير هيئة الأعضاء بالزيادة والنقصان بعمليّة جراحيّة: كالأنف والآذان والشفة والفكّ والذقن والثديين، لرغبة في الحسن والجمال، أو بطلب من زوجها، لعدم الدليل على المنع، وأمّا تغييرها لأجل نظر المشاهدين الأجانب في السينما والتلفزيون ومحافل الفسق والفجور فلا يجوز.
لا يُقال: إنّ الفرض الأوّل أيضاً يحرم للتدليس.
فإنّا نقول: قد مرّ سابقاً أنّ التدليس إنّما يحرم إذا أوجب ضرراً للغير لا مطلقاً، على أنّ في صدق التدليس في المقام نظراً ؛ لأنّ - الفرد - سواء فيه الذكر والأُنثى - قد غيّر الواقع لا أنّه ستر الواقع بأمرٍ جميلٍ مرغوب.
٩ - يجوز استقطاع بعض أعضاء البدن وزرعه في محلّ العضو المبتور، ولا فرق في ذلك بين كون الأوّل أنفع أو الثاني ؛ فإنّ الناس مسلّطون على أنفسهم فيما لم يحرّمه الشارع، نعم يمكن أنّ نستثني منه موردين:
___________________
(١) وأمّا جواز زرع رأس آخر في بدن الإنسان، على مستوى فرد أو أفراد محدودة، ففيه نظر، لا يبعد الجواز إن لم يستلزم محذوراً آخر، لكن في إجراء أحكام مَن له الرأس أو مَن له البدن عليه بحث.
(٢) الرؤية الإسلاميّة لبعض المسائل الطبّيّة ص ٥١٣ - ٥١٧.
الأوّل : ما إذا أمكن زرع مادّة صناعيّة، أو فلزّيّة، أو عضو من حيوان، ففي مثله يشكل الأمر بجواز قطع عضو البدن، فتأمّل.
الثاني : ما إذا كان العضو الذي يُراد قطعه مهمّاً جدّاً: كقطع لسانه لإصلاح انفه، فإنّه لا يجوز جزماً، أو قلع عينه لإصلاح عضده مثلاً، وهكذا.
والبحث حول تفصيل جزئيّات هذا الاستثناء طويل جدّاً، وليس الحكم الشرعي واضحاً في جميع الصور، كما إذا دار الأمر بين فساد العينين معاً وفساد اللسان، فهل يُقطع أحدهما لأجل الآخر ؟ وأيّهما لأيهما ؟ ولِمَ ؟
وكما إذا دار الأمر بين الرِّجْلين واليدين.
وبالجملة : ترجيح الأعضاء المهمّة، التي نعلم من مذاق الشرع حرمة الإضرار بها وإفسادها، إذا دار الأمر بين إتلاف بعضها لحفظ بعضها الآخر ليس بسهل.
١٠ - يجوز للإنسان أنْ يهزل بدنه بأيّ وجه كان، مثل المشي، وتقليل الطعام، وعمليّة سحب الدهون من الجسم إذا لم يضر بسلامته ضرراً كثيراً، كما يجوز له تسمينه بأسباب مباحة.
١١ - يجوز استئصال ثدي امرأة أُصيبت بمرض سرطان الثدي، وثبت ذلك بالقطع، وكان بقاءه مضرّاً بحياتها، ويجوز لها إجراء عمليّة تجميل للثدي المستأصل. وإن شئت فقل: إنّ الأوّل واجب والثاني جائز للأصل. وربّما يمكن أن تجب - أيضاً - إذا أمر به الزوج، وكان الزوج يتنفّر من الزوجة بدون العمليّة المذكورة.
وهل مئونة العمليّة على الزوج، أو على الزوجة، أو فيه تفصيل ؟
ولابُدّ من مراجعة باب النفقات في كتاب النكاح لمعرفة الحكم.
ثمّ إنّ نزع الثدي لأجل بيعها على الغير ممّا يشكل الحكم بجوازها شرعاً، فلا يبعد تحريمه على الأحوط.
المسألة الحادية والثلاثون
ما يتعلّق بالخنثى
قال بعض الأطبّاء: ظاهرة الخنثى: هناك سبع درجات من الذكورة، وسبع درجات من الأُنوثة، كلّ أُنثى فيها سبع صفات معيّنة، على مستويات معيّنة في التركيب.
وكلّ رجلٍ أيضاً له سبع درجات إذا اختلت درجة أو أكثر من هذه، سيحدث فيه شيء من التناقض، قد يقلّ وقد يكثر، فإذا كان التناقض كاملاً، نجد مخلوقاً إنساناً جسمه جسم أنثى، وجلده جلد أنثى ومظهره مظهر أنثى، وله نعومة الأُنثى، وله فرج الأُنثى، إلاّ أن تركيبه الكروموزومي اكس واي مثل الذكر فهنا تناقض، الجسم له شكل، والتركيب الكرموزومي له شكل آخر، هذا أحد أنواع الخنوثة.
ولكن مثل هذا المخلوق، أي هذه السيّدة تتزوّج، وتكون كفئاً للزوجيّة، وقد تكون على درجةٍ عاليةٍ من الجمال الأُنثوي، وتعيش حياةً زوجيّةً سعيدةً، ولكنّها لا تحمل أيضاً.
وقد يوجد بالمقابل الرجل الذي لا تنبت له لحية، وقد تكون خصيتاه صغيرتين، وقد يكون جسمه شحميّاً كجسم المرأة، وقد يكون ذَكَره صغيراً جدّاً، وقد يكون كيسه خالياً من الخصيتين ؛ لأنّ الخصيتين لم ت-نزلا من ( إلى ظ ) الكيس، وإنّما ظلّتا في البطن، في مكانهما أيّام أن كان جنيناً، وقد يكون طرفه عند قناة البول ؛ لأنّها لا تفتح على طرف الذكر ولكن في قاعدته.
وكم من مواليد ولدت على هذه الصورة، تنظر القابلة أو المولِّدة فإذا هناك ما يشبه أن يكون ذكراً، فإذا بال المولود لن يخرج البول من طرف الذكر، وإنّما من قاعدته، ولأنّ الكيس خالٍ من الخصيتين، لا ينهض أن يعطي أو يقنع أنّه كيس، فإذا بالطفل يُسمّى باسم أُنثى. وآخر واحدة منهنّ عندي كان اسمها معصومة وولدت معصومة ولبست الفستان، وراحت المدرسة وتخرّجت من الثانويّة، وذهبت للتعيين، وفي القومسيون الطبّي أدركوا أنّها مشعرة، جسمها فيه شعر كثير، وحضرت معصومة، وجدنا أنّ تركيبها الأصلي ذكر، وأنّ في بطنها خصيتين، وأنّ كلاًّ من الشعر وكبر البظر ناتج عن الهرمونات.
ولمّا كانت قد نشأت أُنثى، فإنّها حتّى بالرّغم من أنّها ذكر لن تصلح أبداً أن تكون ذكراً، فأجريت لها عمليّة جراحيّة لإنزال الخصيتين الموجودتين في البطن ؛ لأنّهما تكونان معرّضتين للسرطان، وحتّى تتخلص من الهرمون الذكري، الذي تفرزه الخصيتان، وأزلنا معظم الذَكَر لنردّ إليها علامات الأُنوثة، وأعطيناها الهرمون الأُنثوي، فكبر لها النهدان، وأخبرنا أهلها أنّها عندما تأتي لكي تتزوّج تحضر لكي نعمل لها فرجاً صناعيّاً، لتكون جاهزةً للجنس، ولكن أعلموا خطيبها أنّها لأمرٍ ما لا تستطيع الإنجاب.
الخنوثة قد تُعقد لها المؤتمرات التي تستمرّ عدّة أيّام. ونكتفي بهذا القَدْر(١) .
وقال آخر: إنّ تحديد الجنس نعتبره خمس خطوات: الخطوة الأُولى التحديد الصبغي، إذا كان يحمل الصبغ الصادي أم الصبغ السيني بجرعةٍ
___________________
(١) ص٤٦ وص٤٦، الإنجاب في ضوء الإسلام.
مزدوجةٍ، وهذا المستوى الأوّل.
المستوى الثاني: هو نتيجة لوجود الصبغ الصادي سوف ينتج عنه تكوين الغدّة الذكريّة: التي هي التناسليّة، التي هي الخصية، ثمّ بعد ذلك يأتي دور الهرمونات في تكوين الأعضاء الذكريّة الخارجيّة والداخليّة، هذا أربع مستويات.
والمستوى الخامس: وهو بعد الولادة هذا الطفل بالنسبة لنا ذكر، هذه خمسة مستويات فإذا كانت في اتّجاهٍ واحدٍ يُعتبر هذا ذكر كامل ؛ وإذا كان فيه خلل بمعنى مستوى يؤدّي إلى الأُنوثة ومستوى يؤدّي إلى الذكورة، فهنا نبدأ في المشكلة...
الطفل المخنّث نوعان: مخنّث كاذب ومخنّث حقيقي، المخنّث الكاذب ممكن يكون خنثى لكن ذكريّة، أو خنثى أُنثويّة، يعني: الأعضاء التناسليّة الخارجية تشير أنّ فيها شيئاً من الرجولة، ولكن داخلها يبقى فيه مبيضان، أو العكس صحيح الأعضاء التناسليّة فيها تقترب إلى الأُنوثة، لكن يبقى فيه خصيتان.
أمّا النوع الثاني وهو الخصية الحقيقية، هذا يستوجب وجود المبيض، والخصيتين يعني خصية ومبيض لازم يكونوا موجودين...(١) .
إذا عرفت هذا فالكلام يقع في أُمور:
( الأمر الأوّل ) : في نقل الأحاديث المعتبرة سنداً:
١ - صحيح داود بن فرقد عن الصادقعليهالسلام قال: سُئل عن مولود ولد ( و ) له قُبُل وذَكَر، كيف يورث ؟
قال: ( إنْ كان يبول من ذكره فله ميراث الذكر، وإن كان يبول من القُبُل فله ميراث الأُنثى)(٢) .
أقول : ليس المبال موضوعاً لمجرّد الميراث، بل هو علامة الذكوريّة
___________________
(١) ص٥٣٢ وص٥٣٣، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
(٢) لاحظ كلّ ما نقله في هذا المقام من الأحاديث السبعة في ص٤٨٧ إلى ص٥٠١ ج٢٤ جامع الأحاديث.
والأُنثوية كما يدلّ الحديث الآتي، ثمّ لا مجال في مثل المفروض إعمال علامة الحيض والاحتلام كما لا يخفى، لكن تجري فيه علامة عدد الأضلاع، وهل هما مترتّبان أو يكتفي بكلٍّ منهما عن الآخر؟
فيه وجهان، ظاهر هذه الصحيحة وغيرها: تقدّم المبال على عدد الأضلاع. والله أعلم.
٢ - صحيح محمّد بن قيس - المروي في الخصال -... إلى أنْ قال ( الحسن المجتبى -عليهالسلام - ): وأمّا المؤنّث فهو الذي لا يدري أذكر هو أم أُنثى، فإنّه يُنتظر به، فإن كان ذكر احتلم، وإنْ كانت أُنثى حاضت وبدا ثدييها، وإلاّ قيل: بُل، فإنْ أصاب بوله الحائط فهو ذكر وان انتكص بوله ( على رجليه - مستدرك الوسائل ) كما انتكص بول البعير فهي امرأة.
أقول : يظهر منه تقدّم التعرّف بالحيض، وظهور الثدي، والاحتلام، على البول في فرض تيسّر الانتظار.
ثمّ إنّ ذيل الرواية ينافي ما تقدّم، لكن لا بُدّ من حمله عليه جمعاً بينهما، فانتكاص البول عبارة أُخرى عن خروجه من الفرج، وعدمه عن خروجه عن الذكر، بل هذا التعبير أحسن لعدم جواز النظر إلى العورتين معاً في غير الضرورة، فينظر إلى نفس البول يصيب الحائط مثلاً أو ينتكص.
٣ - صحيح محمّد بن قيس المروي في الفقيه، عن الباقرعليهالسلام :
( إنّ شريحاً القاضي بينما هو في مجلس القضاء إذْ أتته امرأة، فقالت: أيّها القاضي اقضِ بيني وبين خصمي، فقال لها: وَمَن خصمك ؟
قالت: أنت، قال: أفرجوا لها، فأفرجوا لها فدخلت، فقال لها ما ظلامتك ؟
قالت: إنّ لي ما للرجال وما للنساء، قال شريح فإنّ أمير المؤمنين يقضي على المبال، قالت فإنّي أبول بهما جميعاً ويسكنان معاً.
قال شريح: والله ما سمعت بأعجب من هذا، قالت وأعجب من هذا، قال: وما هو ؟
قالت: جامعني
زوجي فولدت منه، وجامعت جاريتي فولدت منّي، فضرب شريح إحدى يديه على الأُخرى متعجّباً، ثمّ جاء إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ... فقال:عليهالسلام لها: وَمَن زوجك ؟ قالت: فلان، فبعث إليه فدعاه، فقال: أتعرف هذه ؟ قال: نعم هي زوجتي، فسأله عمّا قالت، فقال: هو كذلك، فقالعليهالسلام له: لاَنت أجرأ من راكب الأسد حيث تقدم عليها بهذه الحال، ثمّ قال: يا قنبر أدخلها بيتاً مع امرأة تعد أضلاعها، فقال: يا أمير المؤمنين لا آمن(١) عليها رجلاً ولا ائتمن عليها امرأة، فقال:عليهالسلام : عليّ بدينار الخصي - وكان من صالحي أهل الكوفة وكان يثق به - فقال له: يا دينار أدخلها بيتاً وعرّها من ثيابها وامرها أن تشدّ مئزراً وعُد أضلاعها، ففعل دينار ذلك وكانت أضلاعها سبعة عشر، تسعة في اليمين وثمانية في اليسار، فألبسها ثياب الرجال والقلنسوة والنعلين وألقى عليها الرداء وألحقه بالرجال.
فقال زوجها: يا أمير المؤمنين ابنة عمّي وقد ولدت مني، تلحقها بالرجال ؟!!!
فقال: إنّي حكمت عليها بحكم الله، إنّ الله تبارك وتعالى خلق حوّاء من ضلع آدم الأيسر، وأضلاع الرجال تنقص وأضلاع النساء تمام )(٢) .
___________________
(١) قول الرجل هذا من خوفه عليها في بيت تحت نظارة الحكومة، ربّما يشبه قصص الأطفال، ولا يبعد دلالته على عدم صحّة الرواية، أو حمق الزوج.
(٢) ربّما يلوح من الحديث جواز زواج الخنثى، وإلاّ للامهما أمير المؤمنينعليهالسلام ولجرى الحدّ على الخنثى ؛ لأنّه إمّا زانية وإمّا مساحِقة، وذكر أنّ ولده من الزوج والجارية ولد شبهة أو ولد زنا. إلاّ أن يُقال: إنّ الخنثى وزوجه والجارية كانوا جاهلين قاصرين، ولا يجب، أو لا يجوز تعيير المذنب على الذنب الماضي وان قولهعليهالسلام لانت أجرأ من راكب الأسد يدلّ على حرمة الزواج أو الدخول، وولد الشبهة، ولا حكم له حتّى ينبّه عليه، وكذا ولد الزنا سوى بطلان التوارث بينه وبين والديه وهو كان خارجاً عن محلّ الابتلاء فعلاً، ولعلّهعليهالسلام بيّنه ولم يذكره الباقرعليهالسلام اختصاراً، فتأمّل. وعلى كلٍّ
=
والعجب أنّ عد الاضلاع لم يُذكر في سائر الروايات، بل ظاهر الحديثين الآتيين عدم اعتباره، وهذا عجيب.
وقال المحقّق في الشرائع: والرواية ضعيفة(١) .
ونقل في الجواهر عن الحلّي دعوى تواترها، والظاهر أنّ الرواية بطريق الصدوق صحيحة سنداً إنْ وفى الصدوق بقوله في المشيخه(٢) ، وأمّا تواترها فهو ممنوع.
وقال صاحب الجواهر(٣) : نعم لا ريب في عدم تيسّره غالباً على وجهٍ تطمئنّ النفس بمعرفة ذلك، خصوصاً في الجسم السمين، ولذا ذكروا: غير ذلك من الأمارات، وحكموا بإعطاء نصف النصيبين ؛ لعلمهم بعدم تيسّر معرفة هذه العلامة لغيرهم، ومن هنا ظنّ بعض الناس مخالفة هذه العلامة للحسّ، مدّعياً أنّه اختبر ذلك غير مرّة فلم يتحقّقها ؛ بل قيل: إنّ أهل التشريح يدّعون التساوي بين الرجل والمرأة بالأضلاع. إلاّ أنّه كما ترى بعد الرواية الصحيحة...
أقول : الطبّ الحديث قادر على الجواب الدقيق، فإذا أثبت التساوي بينهما فلا يعمل بالأمارة المذكورة، وحيث إنّ ذيل الرواية يجعلها غير قابلة لاختصاصها بموردها، فترّد إلى مَن صدر عنه.
٤ - صحيح هشام بن سالم - المروي في الكافي - عن الصادقعليهالسلام : قلت له: المولود يولد له ما للرجال وللنساء ؟ قال: يورث من حيث سبق ( يسبق خ ل ) بوله، فإن خرج منهما سواء فمن حيث ينبعث(٤) ، فإن كانا
___________________
=
الحديث يدلّ على جواز النظر، ولمس البدن في أمثال المقام. واعلم أن ذيل الحديث يشمل فاقد العورتين أيضاً.
(١و٢و٣) ص٢٨٤ ج٣٩ من الجواهر.
(٤) وفي الجواهر ( ص٢٨١ ج٣٩ ) نعم عن بعض النسخ ينبت بمعنى ينقطع. ثمّ
=
سواء، ورث ميراث الرجال والنساء(١) .
أقول : يُقيّد إطلاقه بغيره جمعاً، كما هو كذلك في تاليه.
٥ - في موثّق إسحاق بن عمّار، عن جعفر بن محمّد، عن أبيهعليهالسلام :
( إنّ عليّاً -عليهالسلام - كان يقول: الخنثى يورث من حيث يبول، فإن بال منهما جميعاً فمن أيّهما سبق البول ورث منه، فإنْ مات ولم يبل فنصف عقل المرأة ونصف عقل الرجل )(٢) .
أقول : فسّر صاحب الجواهر العقل بالميراث، وهو غير بعيد وعلى كلٍّ ظاهر الحديث - وهو عن عليٍّعليهالسلام - ينفي عدد الأضلاع أمارة على تعيين الجنس.
٦ - صحيح عبد الله بن مسكان - المروي في التهذيب - عن إسحاق المرادي، قال: سئل وأنا عنده - يعني أبا عبد اللهعليهالسلام - عن مولودٍ ليس بذكرٍ ولا أُنثى ليس له إلاّ دبر، كيف يورث؟
قال: ( يجلس الإمام ويجلس معه أُناس، ويدعو الله ويجيل السهام على أيّ ميراث يورثه، ميراث الذكر أم ميراث الأُنثى، فأيّ ذلك خرج ورث عليه. ثمّ قال: وأيّ قضيّةٍ أعدل من قضيّةٍ يُجال عليها بالسهام ؟ إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) )(٣) .
أقول : وقريب منه معتبرة ثعلبة، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
والظاهر اتّحاد الروايتين.
ثمّ إنْ كان قوله ( سئل ) مبنيّاً للفاعل ورجع الضمير إلى إسحاق فالسند
___________________
=
البعث إمّا بمعنى الثوران والقوّة والكثرة، وإمّا بمعنى الاسترسال كما في القاموس: بعثه كمنعه أرسله فانبعث لاحظ ص٢٧٩ نفس المصدر أيضاً.
(١) جامع الأحاديث ج٢٤ ص٤٩٦.
(٢) المصدر ص٤٩٧.
(٣) المصدر ٤٩٩.
مُعْتَبرٌ مطلقاً، وإن كان مبنيّاً للمفعول ونائب فاعله الإمامعليهالسلام يسقط الحديث عن الاعتبار لجهالة إسحاق المرادي، والعبارة إنْ لم تكن ظاهرة في الثاني - لا أقل - من إجمالها الموجب لعدم اعتبارها.
هذا، وروى الشيخرحمهالله في تهذيبه ( ج٩ ص٣٥٧ ) بسنده عن علي بن الحسن بن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، قال: سئل أبو عبد اللهعليهالسلام وأنا عنده عن مولود. بتفاوت ما. والظاهر وحدة الحديث، وهذا السند يعين الوجه الأوّل، فيصبح السند معتبراً.
واحتمال حذف كلمة إسحاق المرادي ( الفزاري ) عن هذا السند خلاف الظاهر، فتأمّل جيّداً.
واعلم أنّ في صحّة طريق الشيخ إلى علي بن الحسن كلام طويل جدّاً، ذكرناه في كتابنا(بحوث في علم الرجال ) - الطبعة الثالثة - في شرح مشيخة التهذيبين.
٧ - صحيح الفضيل بن يسار ( المروي في الكتب الأربعة وغيرها ) قال: سألت أبا عبد الله عن مولودٍ ليس له ما للرجال ولا ( وليس ) له ما للنساء، قال: ( ( هذا ) يقرع الإمام ( أو المقرع ) به ( عليه ) يكتب على سهمٍ عبد الله و ( يكتب ) على سهمٍ ( آخر ) أمَة الله، ثمّ يقول الإمام: اللّهم أنت الله لا إله إلاّ أنت عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون: بيِّن لنا أمر هذا المولود كيف ( حتّى ) يورث ما فرضت له في الكتاب. ثمّ يُطرح السهمان في سهامٍ مُبْهمة، ثمّ تُجال السهام على ما ( أيّهما ) خرج ورثه عليه )(١) .
___________________
(١) أشرنا أنّ كلّ هذه الأحاديث السبعة نقلناها من ٤٨٧ إلى ص٥٠١ ج٢٤ جامع الأحاديث.
أقول : الحديثان الأخيران: يبيّنان حكم نوع آخر من الخنثى، ولا يمكن تمييزه بالاحتلام والحيض، كما يمكن بإنبات اللّحية وظهور الثدي، واختلاف الأضلاع وتساويها - بناءً على اعتباره - والظاهر أنّ عدم بيانها من الإمام من أجل عدم إمكان الانتظار سنين متمادية، ولا مؤمن على حفظ حقّه أي الميراث، فأرجع رفع مشكلته إلى القرعة.
( الأمر الثاني ) : مدلول الأحاديث: أنّ لتمييز الذكر والأُنثى في الفرد الخنثى الذي له آلة الرجل وفرج المرأة علامات:
أوّلها : الحيض، وظهور الثدي، والاحتلام، وهذه الثلاثة مقدّمة على غيرها في مقام التمييز إذا أمكنت بالفعل، أو بالانتظار الميسور غير الطويل.
ثانيها : المبال، فإنْ بال من الفرج فهو أُنثى، وإن بال من الذكر فهو ذكر، وإن بال منهما جميعاً فمن أيّهما سبق البول، فإنْ تساويا في السبق فمن حيث ينبعث على إشكال في معنى الانبعاث، وضبطه كما مرّ في الحاشية السابقة.
ثالثها : تساوي الأضلاع واختلافها، على إشكال فيه، وقد سبق، وعلى فرض اعتباره فالأظهر تساوي هذه العلامة مع السابقتين، وإن كان الأحوط تقدّم الأُولى عليه بل الثانية أيضاً.
وأمّا فاقد العورتين فيتميّز بالقرعة، ويحتمل تمييزه بإنبات اللّحية، وظهور الثديين وإن لم يرد بهما نصٌّ فيه.
وعلى ضوء ما ذكرنا لا يبقى الخنثى مشكلاً، أمّا في فاقد العورتين فإنّ ما يرفع الإشكال عنه هي القرعة.
وأمّا في واجد العورتين فمورد الإشكال فيه مَن لم يتميّز بالمبال، وسبق البول وانبعاثه، وبالحيض، وظهور الثدي، والاحتلام، والعلامات غير المنصوصة كإنبات اللّحية، ونحوها ممّا
يوجب الاطمئنان بالجنس، فإذا قلنا بجريان القرعة للروايات العامّة - منها رواية ابن مسكان المتقدّمة - كما هو الأرجح فلا يبقى للخنثى المشكل مصداقاً، نعم الأحوط لزوماً في مورد موثقة إسحاق بن عمّار: الاقتصار على ما فيها من إعطاء نصف ميراث الرجال ونصف ميراث النساء.
وأمّا في غير الميراث فيرجع إلى القرعة، فإنْ صحّ ما قلنا فتزيل العقبة أمام تزويجه وتزوّجه، وسائر أحكام أحد الجنسين عليه الخاصّة به، والله أعلم.
ثمّ إنْ دخل الطفل الواجد للعورتين في أحد الصنفين بعملية طبّيّة، فإن صار واجداً لجميع أوصاف ذاك الصنف فهو محكوم بأحكامه، حتّى في الميراث، وهكذا غير الطفل، وإنْ بقي فيه بعض صفات الأُنثى ففيه إشكال.
وهل لوليّ الطفل حقٌّ في تغييره إلى أحد الجنسين ؟ فيه بحث وكلام.
( والأمر الثالث ) : نظر الفقهاء ( رض ) في ذلك:
قال المحقّقرحمهالله في الشرائع:
( مَن له فرج الرجال والنساء يرث على الفرج الذي ) يبول(١) منه... بل الإجماع بقسميه عليه... فإن بال منهما فمِن حيث ( يسبق منه البول ) بلا خلاف محقّق أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه أيضاً... ( فإنْ جاء منهما ) دفعةً ( اعتُبر الذي ينقطع أخيراً فيورث عليه ) إجماعاً في محكيّ السرائر والتحرير والمفاتيح وظاهر الغُنْية والخلاف، بل وكتاب الأعلام للمفيد(٢) . ( فإن) كانت مشكلاً بأن كان المخرجان قد ( تساويا في السبق - والتأخّر - خ ) قال في الخلاف ( يعمل
___________________
(١) الجملات الخارجيّة عن الهلالين من كلام صاحب الجواهررحمهالله .
(٢) المخالفون في المقام هم: القاضي والصدوق والاسكافي والمرتضى، فلاحظ كلامهم في الجواهر.
بالقرعة ) محتجّاً بالأخبار والإجماع، وقال في النهاية والإيجاز والمبسوط: ( نصف ميراث رجل ونصف ميراث امرأة )... بل هو المشهور نقلاً وتحصيلاً، بل عن الغُنْية الإجماع عليه ( وقال المفيد -رحمهالله - والمرتضى -رحمهالله - تُعد أضلاعه فإن استوى فهو امرأة وإن اختلفا فهو ذكر، وهي رواية شريح القاضي حكايةً لفعل عليعليهالسلام واحتجّا(١) بالإجماع ) مع ذلك ( والرواية ضعيفة والإجماع لم نتحقّقه(٢) ).
( وقال الشيخ في محكيّ مبسوطه: ولو كان الخنثى زوجاً، أو زوجة، كان له نصف ميراث الزوج، ونصف ميراث الزوجة ).
أقول : يظهر من هذا الكلام صحّة زواج الخنثى المشكل عند الشيخ الطوسيقدسسره وإنْ قال صاحب الجواهرقدسسره : لكن فيه أنّ المعلوم عدم جوازه نكاح الخنثى المشكل لأصالة حرمة الوطء.
ثمّ قال: ( مَن ليس له فرج الرجال والنساء يورث بالقرعة ) عند المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل عن السرائر وظاهر الغُنْية والتنقيح الإجماع عليه(٣) .
خاتمة
اشتهر البحث في لسان أهل العلم من أنّ الخنثى المشكل جنس ثالث، أو هو داخل في أحد الجنسين ؟
ومعنى الثاني: أنّه لا يخلو في الواقع إمّا أن يكون ذكراً أو أُنثى.
قال في الجواهر ( ج٣٩ ص٢٧٧ ): لعدم الواسطة على الظاهر من
___________________
(١) أي المفيد والمرتضى، وكذلك الحلِّي في السرائر كما في الجواهر.
(٢) وخالف صاحب الجواهر المحقّق واعترض عليه في تضعيفه الرواية والإجماع.
(٣) ص٢٩٤ ج٣٩ من الجواهر.
تقسيم الإنسان، بل مطلق الحيوان إلى الذكر والأُنثى، في جميع الأصناف، في الكتاب والسنّة على وجهٍ لا يُستطاع إنكاره، لكنّ احتمال نظارة ما في الكتاب والسنّة إلى الأغلبيّة، بل الغالبيّة العظمى، قائمٌ لا دافع له، وأمّا وجود الخنثى أو خنثى المشكل في الحيوانات فلا علم لنا، ولم أر ولم أسمع من علماء العلوم الحديثة فيه شيئاً أصلاً، وهو سؤال يعجبني جوابه.
وبناءً على ما رجّحنا من جريان القرعة في واجد العورتين، لا يبقى مصداقاً للخنثى المشكل بحسب التعبّد الشرعي، أي السلوك الفقهي، وأمّا بحسب ما نقلناه عن الطبيب الثاني، أنّ الخنثى المشكل جنس ثالث مركّب من الجنسين.
لكن المتأمّل في مجموع كلام الطبيبين السابق، يقتنع بأنّ جواب هذا السؤال مبنيٌّ على تعريفٍ دقيقٍ علميٍّ لجنس الذكر ولجنس الأُنثى، فهنالك يتبيّن حال مصاديق الخنثى المختلفة، وأنّهم داخلون في أحد الجنسين، أو يبقى بعضهم خارجاً عنهما، فيكون مشكلاً أو حقيقيّاً كما في تعبير بعض الأطبّاء.
لكنّ الكلام في صحّة هذا التعريف بعدما سبق كلامهم - وإن كان ناقصاً - في الدرجات والمستويات الجنسيّة، ولا أظنّ طبيباً يثبت صحّة تعريفه في قِبَال مَن خالفه، وذكر تعريفاً مغايراً له.
فالجواب المتعيّن عاجلاً عندي - ولست من الأطبّاء بل ولا من الفقهاء - أنّ مَن فيه خنوثة داخل في أحد الجنسين على بعض التعاريف والوجوه، وداخل في الجنس الآخر على بعض التعريفات الأُخر، وربّما لا يبقى خنثى مشكل على بعض الوجوه، والله العالم.
والنتيجة أنّ هذا السؤال ( هل الخنثى المشكل جنس مستقل أو داخل في أحد الجنسين ) جوابه مبني على الاصطلاحات، ولا مشاحّة في الاصطلاح.
المسألة الثانية والثلاثون
نصب الأجهزة التعويضية لعلاج الضعف الجنسي
إليكم ما نشرته يوميّة الوطن ذيل هذا العنوان
القاهرة - الوطن
أخيراً تمّ اكتشاف علاج أكيد وفعّال للضعف الجنسي... العلاج الجديد: عبارة عن أجهزة تعويضيّة يتمّ تركيبها داخل جسم الرجل ؛ فتؤدّي الوظيفة المطلوبة منها دون أن تتأثّر قدرته على الإنجاب.. هذه الأجهزة تعيش مع الرجل طوال حياته دون أن تتلف، ويتمّ إدخالها للجسم بعمليّة جراحيّة بسيطة، لا تستغرق أكثر من ساعةٍ واحدةٍ، ويستخدمها حاليّاً آلاف الرجال في أميركا.
وفي مصر قام الدكتور أيمن محمود شكري، أخصّائي جراحة العقم والتناسل، بتركيب هذه الأجهزة لمئات المرضى ؛ فهي أتمّ علاجٍ للضّعف الجنسي، يرحم المريض من الأدوية الكيمياويّة التي لم تحقّق أيّ نتائج فعّالة حتّى الآن. أسرار هذه الأجهزة يكشفها هذا التحقيق.
الأجهزة التعويضيّة تقوم بوظيفة الدم.. ولكي نفهم ذلك، يجب أن نعرف كيف تتمّ عمليّة الانتصاب أساساً - الكلام للدكتور أيمن محمود شكري الطبيب الوحيد الذي يقوم بتركيب هذه الأجهزة - يقول: إنّ الانتصاب يتمّ عندما تكون لدى الإنسان رغبة أساساً ؛ فيعطي المخّ إشارةً للدم لكي يتدفّق الجسم الكهفي الموجود في العضو التناسلي الذكري، وبعد
ذلك تقوم الأوردة بحبس هذا الدم داخل العضو فتحدث عمليّة الانتصاب.
فإذا حدث أيّ عطل في الأعصاب الموصلة بين المخ والجهاز التناسلي، أو في شرايين العضو الذكري، أو في الأوردة، لا تحدث عمليّة الانتصاب بصورةٍ كاملةٍ وفعّالةٍ، وهو ما نطلق عليه: الضعف الجنسي.. قد نُعالج هذا الضعف من خلال عمليّة جراحيّة لتوسيع الشرايين، أو ربط الأوردة، ولكنّ هذه العمليّة صعبة جدّاً، ولا تتعدّى نسبة نجاحها٤٠ % تقريباً.. كما أنّ هناك نوعيّة معيّنة من الناس، لا يمكن إجراء عمليّات جراحيّة معقّدة لهم، مثل: مرضى السكّر، والقلب، والفشل الكلوي.. وبصفةٍ عامّةٍ، كان تركيب الأجهزة التعويضيّة أكثر أماناً وفاعليّة لمعظم مرضى الضعف الجنسي.
يضيف أخصّائي الأجهزة التعويضيّة: أنّ هذه الأجهزة تقوم بدور الدم الذي يتدفّق داخل الجسم الكهفي للعضو الذكري، فإذا لم يتدفّق بشكلٍ كافٍ بسبب عطل في الشرايين، أو يتسرب سريعاً بسبب عطل في الأوردة فيمكن تركيب الأجهزة التعويضيّة.. هذه الأجهزة نقوم بإدخالها إلى الجسم الكهفي لتجعل العضو منتصباً، ويستطيع المريض بفضلها ممارسة العمليّة الجنسيّة في أيّ وقت.
ويعتبر ف. د أيمن شكري بأنّ فكرة الأجهزة التعويضيّة قديمة جدّاً.. بدأت عام ١٩٢٦ على يد الطبيب الأميركي ( بوجوراسي ) الذي زرع أحد ضلوع القفص الصدري داخل جسم العضو الذكري.. ثمّ كان الطبيب المصري ( البحيري ) هو أوّل من زرع هذه الأجهزة التعويضيّة داخل الجسم الكهفي للعضو الذكري، ولكنّها كانت صلبةً في ذلك الوقت، ممّا كان يجعل الشكل العام غير مقبول ؛ حيث يظلّ العضو منتصباً مدى الحياة. ومنذ
السبعينات حدث تطوّرٌ كبيرٌ في هذه الأجهزة، جعلها العلاج الأكيد والفعّال حاليّاً للضعف الجنسي - ذلك المرض الذي يعذّب صاحبه يوميّاً، والذي حار فيه ومعه الأطبّاء والعلماء - ويوجد من هذه الأجهزة نوعان.. النوع الأوّل: هو القابل للتمدّد، والثاني: القابل للانثناء.
أمّا النوع الأوّل: فيتكوّن من أُنبوبتين ومضخّة، يتمّ تركيب الأُنبوبتين في الجسم الكهفي، بينما تُوضع المضخّة داخل الكيس الذي يحمي الخصيتين، وعندما يرغب الرجل يضغط على المضخّة فتتمدّد الأنابيب.. وحينما ينتهي من الممارسة يستطيع الضغط على المضخّة مرّةً أُخرى فتنكمش الأنابيب. وميزة هذا الجهاز هي: أنّه يجعل العضو الذكري يبدو لو كان طبيعيّاً ومشكلته تكمن في ارتفاع ثمنه.
النوع الثاني: هو القابل للانثناء.. وهو يتيح ممارسة طبيعيّة جدّاً.. كما أنّه أرخص كثيراً من النوع الأوّل، وتركيبه يتمّ بسهولةٍ أكثر، ولكنّ مشكلته أنّه يجعل العضو كبيراً بصفةٍ مستمرّةٍ.. ولذلك يمكن التغلّب على هذا الحجم الكبير بثني القضيب إلى أسفل أو إلى أعلى، وعند الممارسة تجعل وضعه أفقيّاً.
ويوضّح د. أيمن شكري السبب الأساسي في عدم انتشار الأجهزة التعويضيّة كعلاج للضعف الجنسي يكمن في عدم توافر أخصّائيين في هذا المجال داخل العالم العربي.. فالمشكلة أن الضعف الجنسي مجال أساسي ( للدجل الطبّي ).. والثابت أنّ معظم الأطبّاء الذين يعملون في هذا المجال ليس لديهم شهادات عليا في هذا التخصّص، وقد عملوا به ؛ لأنّه يحقّق أرباحاً مادّيّة كبيرة، مقارنةً بالتخصّصات الطبّيّة الأُخرى.. وفي حالة توافر الأخصّائيين سوف تنتشر الأجهزة التعويضيّة دون شكّ كعلاجٍ للضّعف
الجنسي..
وهناك سبب آخر، يحول دون انتشارها، وهو: عدم معرفة الناس بطبيعة هذه الأجهزة، حيث يخاف معظم المرضى من خوض هذه التجربة.
يواصل أخصّائي جراحة التناسل أنّ نسبة نجاح عمليّة تركيب الأجهزة التعويضية تصل إلى ١٠٠% فهي عمليّة بسيطة وسهلة، لا يستغرق إتمامها أكثر من ساعة.. يتمّ خلال العمليّة استخدام أُسلوب التخدير النصفي للمريض، بمعنى أنّه يستطيع متابعة ما يحدث له خلال تركيب الجهاز.. ومثل هذه العمليّة هي الوحيدة من نوعها في العالَم التي يرى المريض نتائجها بنفسه أوّلاً بأوّل، ممّا يجعله يحسّ بالراحة والطمأنينة، ويشعر أن مشكلته قد انتهت إلى الأبد، وعادت إليه مرّةً أُخرى فحولته المفقودة.
والظاهر جواز هذه العمليّة من نظر الفقه، وعدم المانع فيه، سوى رؤية العورة ومسّها، وقد مرّ الكلام حولهما مفصّلاً ومكرّراً، فإن لم يكن له حرج ؛ فلا تجوز العمليّة إلاّ إذا كان المباشر طبيبة عقدها الرجل المريض - ولو عقداً مؤقتاً - وأمّا إذا كان بقاء المريض على حاله مستلزماً للحرج الشديد ؛ فلا تحرم العمليّة المذكورة عليه وعلى الطبيب.
المسألة الثالثة والثلاثون
زراعة الخلايا والأنسجة داخل المخّ
١ - هل هناك ما يُسمّى بزراعة المخّ ؟
أمّا وقد تمّ الآن زراعة كلّ شيءٍ بشريٍّ في جسم الإنسان تقريباً، من أطراف كالأيدي والأرجل، ومن أعضاء كالقلب والكبد والرئة.. ( والكلية )، فإنّه لم يبق ما لم يُزرع إلاّ المخّ.
إنّنا نعرف أنّه من مبادئ علم زراعة الأعضاء، أنّ العضو الذي يُنقل للزراعة، لابُدّ أن يكون عضواً حيّاً سليماً لنقله مكان عضوٍ تلف وأشرف صاحبه على الوفاة، ونحن نعلم - أيضاً - أنّ وفاة الإنسان تكون لتلف مخّه، واستئصال مخٍّ سليمٍ من شخصٍ ما، هو قتل له، فتكون الترجمة الحرفيّة لهذا العمل هو ( قتل إنسان لنقل مخّه لإنسان توفّى فعلاً ).
فالإنسان الحيّ هو الذي يملك مخّاً حيّاً مهما تلفت بعض أعضاء جسمه ؛ لأنّ أيّها يمكن تعويضه بطريقة أو أُخرى، فمثلاً: الكلى يمكن الاستعاضة عنها بالكلى الصناعيّة، أو بنقل كلى حيّة من متبرِّع، ولا يمكن أنْ يقال: نفس الشيء عن المخ ؛ لأنّ الذي توفّى بتلف مخّه لا يمكن لبشرٍ أن يبعثه بأن ينقل مخّ حيٍّ إليه.
إنّ ما يُقال عن نقل المخّ ما هو إلاّ من قبيل الخيال العلميّ، وعلى الفرض الجدلي: إذا أمكن نقل مخّ إنسانٍ حيٍّ إلى إنسانٍ متوفّى، ففي هذه الحالة يُقال: إنّ جسد المتوفّى قد نُقل إلى المخّ وليس العكس(١) .
___________________
(١) ص٥٥ وص٥٦، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
٢ - منذ عدّة سنوات ابتدأت فكرة زراعة أنسجةٍ وخلايا داخل المخّ، في بحوث أكاديميّة مختلفة، على حيوانات المعامل من فئران وغيرها ؛ وذلك لتجربة تأثير عقاقير مختلفة عليها، وكذلك لدراسة تصرّف هذه الخلايا في الظروف البيئيّة المختلفة، كما في مجال دراسة الأورام السرطانيّة سلوكيّاً وعلاجيّاً.
وحيث إنّ زراعة المخّ غير ممكنة، فماذا عن زراعة خلايا أو أنسجة سليمة في مكان آخر تالفة، فيما يشبه عمليّات الترقيع في الجلد مثلاً ؟
إنّ نجاح مثل هذه الزراعة العلاجيّة في حيوانات التجارب، قد تكون مرحلة توطئة لتطبيقها على الإنسان.
ولقد تمّ ذلك بالفعل، وكان لبلاد مثل: السويد والمكسيك قصب السبق في هذا المجال، وصدر عن مراكز أبحاثهم المئات من التقارير والبحوث، بل والأكثر من ذلك: أنّه قد تمّت بالفعل بعض التطبيقات على الإنسان.
ومن هذا الكمّ الكبير للبحوث والتجارب، التي صدرت حتّى الآن، من عددٍ كبيرٍ من الدول في أوروبّا الشرقيّة والغربيّة، والولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأمريكا الجنوبيّة، يمكننا أن نتبيّن أن هذه الأبحاث قد تشعّبت وتعدّدت اتجاهاتها، وبالتالي الأغراض التي تهدف إليها، وبصفةٍ عامّةٍ يمكننا الآن أن نقوم بتقسيمها إلى قسمين رئيسين:
أوّلاً : أبحاث تهدف إلى توفير هرمونات معيّنة داخل المخّ، وذلك لتعويض نقصٍ بها ممّا يُعتقد أنّه السبب في ظهور عوارض، أو أمراض عصبيّة، وهي ما يُسمّى بالهرمونات العصبيّة ( Neurotransmitters ) مثل الدوبامين، والكولين، والكاتيكولامين، والهدف من الزراعة هو توفيرها
بصفةٍ مستمرّةٍ من إفراز هذه الأنسجة.
ثانياً : أبحاث تهدف إلى تعويض عن أنسجة تلفت لأسباب مختلفة، كالإصابات في الحوادث، أو نتيجة الالتهابات، أو أمراض الشرايين، وكلّ ما ينتهي إلى تليّفٍ يؤدّي إلى توقّف تنبيهات الحسّ والحركة داخل الجهاز العصبي المركزي، والغرض من الزراعة هنا، هو: محاولة إعادة سريان هذه التنبيهات عن طريق قنوات الاتّصال الجديدة، والتي ستنشأ من هذه الخلايا عبر الأنسجة التالفة المتليّفة، وقد أظهرت التجارب أنّ النتائج تختلف كثيراً اعتماداً على عوامل عدّة، منها نوعيّات الأنسجة المستخدمة في الزراعة، مصادرها، أُسلوب نقلها وأماكن زراعتها بالمخّ، كما تعتمد - أيضاً - على عمر الخلايا المستخدمة وبالتّالي مرحلة نضجها.
زراعة الأنسجة بغرض توفير الهرمونات العصبيّة
١ - ( ربّما كان هذا أوّل الأهداف التي قُصدت من الزراعة، وبالذات لعلاج مرض باركنسون أو الشلل الرعّاش )(١) .
أقول : الغرض من زراعة الخلايا والأنسجة داخل المخّ، أُمورٌ منها: ماعرفته، ومنها: تحسين مظاهر شيخوخة المخّ، ومنها: علاج ضعف الذاكرة، ومنها شفاء مرض السكّر الكاذب، ومنها إعادة دورة الطمث والتبويض مرّةً أُخرى، ومنها احتمال علاج أمراض عصبيّة مستعصية، لا يوجد لها علاج حتّى الآن.
يقول طبيبٌ في هذا المقام: ثمّ هناك تساؤل آخر بل إنّه حلم البشريّة
___________________
(١) ص٦١ وص٦٢ نفس المصدر.
الأزلي الذي طالما داعب خيالها من مئات الأجيال، وهو هل لهذه الجراحات المقدرة، الصحّة والشباب ؛ فتعالج المخّ الذي هرم والجسم الذي وهن ؟!
وهل يمكن للمرأة العجوز أن تعود إلى نضارتها، وإلى إنجاب الأولاد من جديد ؟
أقول : إذا حصلت للطّبّ هذه المقدرة، بحيث يصبح قادراً على ما ذكرناه هنا على غيره، لكان كلّ تلك الأعمال جائزة شرعاً لا مانع منها، وقد تقدّم في مسألة رفع الموت عن الإنسان جواب بعض الأسئلة المتعلِّقة بالمقام أيضاً، نعم لابُدّ من التوجّه الشديد إلى عدّة أُمور:
١ - لزوم اعتبار الخبرة الكافية للمتصدّي، فإنّ جهاز المخّ معقّد فوق ما يُتصوّر، فلابُدّ من إدامة التجربة العلميّة على مخّ الحيوانات أو غيرها، حتّى حصول اليقين بالنتائج ؛ لئلاّ يضرّ الإنسان بتلفٍ في مخّه.
٢ - عدم جواز إجهاض الجنين لزراعة خلاياه في مخّ المريض ؛ فإنّ إجهاضه حرامٌ كما مرّ، نعم فيما استثنى الإجهاض من الحرمة - سواء جاز أو وجب - لا مانع منها إذا لم تحلّه الحياة، أو زالت حياته، وذلك مع مراعاة ما يتعلّق بالجنين من التجهيز، حسب ما فُصّل في الفقه.
٣ - عدم سلب اختيار الإنسان وإرادته، فإنّا نعلم بعدم رضا الشارع بذلك، والحقّ: أنّ تكليف الإنسان بالشريعة واستحقاقه الثواب والعقاب، كليهما موقوفان على اختيار الإنسان وإرادته.
وقد يتخيّل أنّ كلّ نشاطٍ اختياريٍّ يقوم به الإنسان، هو أثرٌ من آثار الروح بواسطة البدن، والبدن جنديٌّ مطيعٌ للروح، وليس الفكر والشعور والإرادة ناشئة عن الدماغ، نتيجة تفاعلات كيميائيّة وفيزيائيّة، كما يتوهّمها المادّيّون، فيمكن أن يبقى إرادة الإنسان وإن تصرّفوا في مخّه، ولكنّه تخيّلٌ خاطئ، فإنّ الأمر وإن كان كذلك، إلاّ أنّ له تأثيراً كبيراً في أعمال الروح
وتفكره، فيمكن سلب إرادة الروح بالتصرّف في بعض مواضع المخّ، وان لم يكن معلوماً قطعيّاً.
وأمّا عمليّة المخّ لتغيير الفكر، وبالتّالي لتغيير السلوك، ولو في حدود اختيار الفاعل وإرادته فهي على قسمين:
الأُولى : التغيير إلى الشرّ والفساد، وهذا لا يجوز ؛ لأنّه تعاون على الإثم والعدوان.
الثاني : التغيير إلى الخير والصلاح، وهو يجوز.
وهنا يتوجّه سؤالٌ صعبٌ، وهو أنّه ما هو المعيار للخير والصلاح ؟ وما هو المناط للشرّ والفساد ؟
وجوابه يختلف باختلاف الأديان، بل المذاهب، والحضارات، والأقوام، ولا ضابط له.
لا يُقال: مع تشخيص الخير والصلاح - من نظر الفقه - تدخل عمليّة تغيير الفكر والصفات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي حسنة بل واجبة.
فإنّه يُقال: الأمر والنهي المذكوران تشريعيّان لا تكوينيّان، وبعبارةٍ أُخرى: أنّهما لإحداث الداعي في نفس المكلَّف لإتيان المعروف وترك المنكر، ولا يجب على المكلَّف، من باب الأمر بالمعروف، إيجاد العمل بالقوّة بتوسّط المتخلّف وتارك الواجب، ولا يجب أخذ الدارجة من يد السارق، ولا وضع اليد على فم مَن يغتاب، أو يسب، أو يفتري، أو يُغنّي، ونحو ذلك، وإنْ شئت فقل:
إنّ الأمر والنهي المذكورين غير الدفع والردع، وهذا واضح.
نعم فيما علم من مذاق الشرع ذلك ؛ جاز أو وجب الدفع كما في الزنا واللواط والقتل، مثلاً.
والمقام من قبيل الدفع، ولا يدخل في باب الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المسألة الرابعة والثلاثون
نزع عضوٍ من ناقص الخِلْقة
لا يجوز انتزاع عضو من مولود ناقص الخِلْقة ظاهراً أو باطناً، كالوليد عديم الدماغ، ويُراد بعديم الدماغ: الذي يُولد وليس له قبو رأس وليس له فصّان مخّيّان، وإنّما له جذع مخّ يقوم على الوظائف الحيويّة الأساسيّة: من دورةٍ دمويّةٍ، وتنفّس بعد الانفصال حيّاً بالميلاد، ولكنّها حياة محدودة موقوتة، ثمّ يموت بعد ساعات أو أيّام أو أسابيع.
وذلك أنّه إنسانٌ حيٌّ ؛ فلا يجوز قتله، ولا الإضرار به بوجهٍ حتّى لوالديه، فضلاً عن غيرهما، ولا فرق في عدم الجواز بين قصر العمر وطوله جزماً.
ومن الأطبّاء مَن يدعو لجعل غياب المخّ مساوياً لموت المخّ، حتّى وإن كانت منطقة الجذع حيّة، ولكن قام الاعتراض على ذلك ؛ لأنّ أخذ عضوٍ حيويٍّ من إنسانٍ حيٍّ يُعتبر قتلاً، وزاد الأمر تعقيداً أنّ التشريح الدقيق أثبت وجود بقايا نسيج مخّي متلبّسة بجذع المخّ، وأنّ جذع المخّ في بعض الأحيان يكتسب القدرة على القيام ببعض وظائف المخّ النائب(١) .
وقد يُقال: إنّ تشخيص حالة اللاّدماغيّة يمكن التوصّل إليه بصورة مؤكّدة بمجرّد النظر إلى رأس المولود، وبناءً على المعايير، كعدم وجود جزءٍ كبيرٍ من الجمجمة، وكعدم وجود فروة رأسٍ في منطقة الجزء الغائب من الجمجمة، وكوجود أنسجة ليفيّة نازفة مكشوفة، وكعدم وجود نصفي كرتي
___________________
(١) ص١٧٨ وص١٧٩، رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة.
الدماغ(١) .
لكن قال بعضهم: إنّه تبيّن أنّ تشخيص موت المخّ في الوليد عديم الدماغ من الصعوبة بمكان...(٢) .
___________________
(١) ص٢٠٢ نفس المصدر.
(٢) ص١٧٩ نفس المصدر.
المسألة الخامسة والثلاثون
هل هو شخص سابق أو جديد ؟
إذا قدّر الطبّ أنْ يحتفظ جسد المريض بالتبريد قبل موته قليلاً، أو بعد موت الدماغ بدقائق، فيحفظه خمسين أو مئة سنة مثلاً، ثمّ أعاده إلى وضعه الذي كان عليه قبل التبريد، وأزال مرضه السابق فصار حيّاً سليماً(١) ، فهل هو إنسان جديد أو إنسان سابق ؟
وهنا سؤال ثانٍ، وهو أنّ مثل هذا التبريد ما هو حكمه شرعاً ؟
أمّا جواب السؤال الأوّل، فالواقع أنّ حقيقة الإنسانيّة ليست بهذا الهيكل المحسوس، وإنْ كان له دخل في أفعال الروح وتصوّراتها وأفكارها إلى حد، وإنّما قوامها بروحها الناطقة، فإن كان هذا الحيّ بالفعل من حيث عقائده وعلومه وذاكراته مثل ما كان في الحياة السابقة فهو ذاك الإنسان السابق، ويترتّب عليه جميع أحكامه الشرعيّة، وما يتعلّق بروابطه الاجتماعية والحقوقية والأخلاقية، وإن لم يكن مثل السابق، فيمكن أن يُقال بأنّه شخص جديد.
هذا هو التصوّر الابتدائي في هذا المقام لكنّ الأمر لا يخلو عن صعوبة، وذلك أوّلاً، مَن يعلم أنّ روحه - في الحياة الثانية - جديدة بعد إمكان زوال ذاكرته، وتغيّر معلوماته، وعروض النسيان عليه، كما يقول بعض
___________________
(١) كما أمكن ذلك في حقّ البييضة الملقّحة، على ما مرّ في بعض المباحث السابقة، فيمكن غرسها في رحم المرأة بعد خمسين سنة من الانجماد مثلاً.
العلماء بمثله في موضوع عالم الذرّ والميثاق، بل وكلّ مَن يقول بتقديم خَلْق الروح على البدن، يلتزم بنسيان الروح مشاهداته في تلك المرحلة قبل الولادة، ومن الممكن نسيان ذكره، وتغيّر ملكاته بعد التبريد أو بعد الحياة المجدّدة.
وثانياً : أنّه لا شاهد من التاريخ والتجربة على توارد روحين على بدنٍ واحدٍ متعاقباً.
وعلى كلٍّ، فمع الشكّ في الوحدة والتعدّد يجري استصحاب بقاء الشخصيّة، وعدم تعلّق روح آخر به وبقاء تعلّق الروح السابقة بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة.
هذا كلّه بناءً على أنّ التبريد المذكور يوجب موته، وعليه يُبطل زوجيّته لزوجتها بالموت - كما سبق بحثه - وفي لزوم ردّ ما أخذه الورثة إليه بحث.
وأمّا إذا كان الشخ-ص في حال تبريده حيّاً بنوعٍ من الحياة، فالفرد المذكور هو الفرد السابق بعينه، وحال تبريده كحال نومه.
وهل يجب عليه قضاء صلواته وصيامه ؟ فيه وجهان.
وأمّا جواب السؤال الثاني وحكم هذا التحفّظ فأقول :
الظاهر عدم وجوبه لعدم دليل على وجوب حفظ النفس بهذا النحو، فهو أمرٌ جائز بناءً على بقاء حياته، وأمّا بناءً على موته فلا يبعد تحريمه، فتأمّل ثمّ إذ قبل التبريد حراماً - أي ثبت أنّ التبريد حالة موت، وانقطاع روح عنه فهو محكوم بالموت، فإنّ شكّ الورثة في عودة حياته ؛ فيجوز لهم تقسيم ماله، ويجوز لزوجته الزواج بعد عدّة الوفاة، ولزوجها نكاح أُختها مثلاً، وكذا يجب العمل ببقيّة أحكام الموت، كقضاء عباداته، وقضاء ديونه، والعمل بوصاياه، وإن علموا بعودة حياته - ولو بحسب التجربة - فالحكم بموته لا يخلو عن إشكالٍ بل منع، والله اعلم.
المسألة السادسة والثلاثون
توضيح حول مرض الإيدز
وفيه مطالب اثنا عشر:
( الأوّل ) : أصبحت عدوى الأمراض الجنسيّة عامّةً، منتشرة في العالم على نطاقٍ واسعٍ، إذ تصاب الآن في كلّ عامٍ أكثر من مئتين وخمسين مليون حالة جديدة، وأمّا عدوى الإيدز وحده فقد أصابت خلال السنوات القليلة الماضية عدداً يقارب أربعة عشر مليوناً من البشر، وينتظر أنْ يرتفع هذا العدد بحلول سنة ألفين إلى أربعين مليوناً أو يزيد(١) ،( لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) (٢) .
وأهمّ طرق العدوى بفيروس الإيدز هو ما يأتي:
١ - الاتّصال الجنسي الذي يكون أحد طرفيه مصاباً بالعدوى، سواء بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين، هذا الطريق يمثّل أكثر من ٩٠% من حالات العدوى، وهناك ممارسات جنسيّة معيّنة تزيد من خطر انتقال العدوى، مثل تعدّد القرناء الجنسيّين، واللواط، والمخالطة الجنسيّة للبغايا، وكذلك وجود أمراض تناسليّة أُخرى(٣) .
وقيل: إنّه إذا جامع الرجل المريض بالايدز زوجته فاحتمال الإصابة نصف في المئة: لكن قيل: إنّ معنى ذلك إذا كان الرجل في شبابه قويّاً
___________________
(١) ص٤٢ رؤية إسلاميّة للمشاكل الاجتماعيّة لمرض الإيدز.
(٢) الروم آية ٤.
(٣) ص٦١ نفس المصدر.
يجامع في الأُسبوع مرّتين، وثماني مرّات في الشهر، و٩٦ مرّةً في السنة ؛ كان احتمال الإصابة أكثر من ٤٠ أو من ٥٠% في السنة الواحدة، فتصبح النسبة ضخمة(١) .
٢ - الحقن بمحاقن ملوّثة بفيروسات المرض، كما يحدث عند اشتراك مدمني المخدّرات في حقن أنفسهم بمحاقن وإبر ملوّثة.
٣ - الدم ومشتقاته، سواء بنقل الدم العلاجي، أو باستخدام الإبر والمحاقن الملوّثة بالفيروس.
٤ - انتقال العدوى من الأُمّ للجنين: دلّ استعمال أحدث طريقة لكشف جزئيّات الفيروس، على أنّ نسبة إصابة الجنين - وهو في داخل الرحم - بالعدوى هي نسبة ضئيلة لا تتجاوز عشرة بالمئة، وتحدث معظم حالات العدوى للجنين في أثناء الولادة من جرّاء تلوّث الجنين بالمفرزات التناسليّة المعدية بمعدل ثلاثين بالمائة، ولا تنتقل العدوى من الأُمّ إلى الجنين في ستّين بالمئة من الحالات(٢) .
وقال بعض الأطبّاء: إنّ الدورة الدمويّة للأُمّ والجنين لا اتّصال بينهما، والدورة الدمويّة للجنين مستقلّة تماماً عن الدورة الدمويّة للأُمّ، لكنّ بعض العوامل المرضيّة قد تخترق المشيمة، ولكن هذا لم يثبت فيما يتعلّق بالنسبة للايدز(٣) .
( الثاني ) : كلمة الإيدز مركبة في الأحرف الأُولى بالانجليزية لاسم مرضٍ خطيرٍ يُدعى:(متلازمة العوز المناعي المُكْتَسب ) وهو متلازمة أي
___________________
(١) ص٥٣٥ نفس المصدر.
(٢) ص٦٢ نفس المصدر.
(٣) ص٣٢٨ نفس المصدر.
مجموعة من الأعراض المرضيّة تتلازم وتتزامن، وهو مكتسب لأنّ الإنسان يكتسبه اكتساباً بالعدوى.
ولمّا كان الجهاز المناعي في هذا المرض يتمّ تدميره تدميراً كبيراً، فإنّ الإنسان يُصاب بعوزٍ مناعيٍّ - أي نقص شديد في عناصر المناعة - ينجم عنه عجز الإنسان عن مجابهة سائر أنواع الجراثيم، بما في ذلك تلك الجراثيم التي ليس من عادتها أن تحدث المرض في الإنسان، ولكنّها تنتهز فرصة العوز المناعي لتحدثه، ولذلك تُدعى الجراثيم الانتهازية.
ومرض الإيدز هذا يسبّبه فيروس، وهو كائن دقيق لا يُرى إلاّ بالمجهر الالكتروني، يُطلق عليه اسم ( فيروس العوز المناعي البشري ) وهو ينتقل من الإنسان إلى الإنسان بواسطة سوائل البدن التي تحتوي عليه ( المني وسوائل عنق الرحم وسائل المهبل والدم )(١) .
( الثالث ) : العدوى نزول الجرثوم بساحة البدن، أي دخوله إليه وتكاثره فيه، وليس تعني العدوى حتماً حدوث المرض ؛ لأنّ الله سبحانه قد زوّد الإنسان بجهاز مناعي، يتولّى مسؤوليّة الدفاع عن البدن ضدّ كلّ عدوى تسومه، ويقوم الجهاز المناعي بواسطة أصناف متعدّدة من الخلايا، منها ما يهاجم الجرثوم بذاته فيلتهمه أو يقتله، ومنها ما يهاجم الجرثوم بمفرزاته ( التي نسمّيها الأجسام المضادّة أو الأضداد )، ومنها ما يساعد الأصناف الأُخرى من الخلايا في الهجوم، فيقوم بدور المؤازر والمساعف، ومن أجل ذلك إذا حدثت العدوى فيمكن أن تتطوّر الأُمور في أحد اتجاهات أربعة:
___________________
(١) ص٦٠ وص٦١ نفس المصدر.
أوّلها : أنْ تتغلب وسائل المقاومة في البدن على الجرثوم وتقضي عليه، فلا تظهر أعراض المرض.
وثانيها : أنْ يتغلّب الجرثوم ابتداء على وسائل دفاع البدن فيحدث مرض عدوائي ( أي ناجم عن العدوى ) قد تكون مدته قصيرة وقد تطول، وفي النهاية إما يتغلب الجسم فيحدث الشفاء، أو يتغلب الجرثوم فتحدث الوفاة.
وثالثها : أنّ تقوم وسائل المناعة بتعويق الجرثوم المعتدي، وتضيّق عليه الخناق، ولكنّه يبقى حيّاً متربصاً، ينتهز الفرصة للانقضاض.
ورابعها : أنْ تصل الحرب بين وسائل الدفاع وبين الجرثوم إلى مرحلة هدنةٍ مسلّحةٍ، لا يقضي فيها الجسم على الجرثوم ولا يؤذي الجرثوم الجسم، ولكنّ الشخص يمكن أنْ ينقل الجرثوم إلى جسمٍ آخر ؛ فيسبب فيه العدوى، وربّما المرض، ويسمّى الشخص في هذه الحالة بحامل الجرثوم.
( الرابع ) : بعد أنْ تتمّ العدوى بهذا الفيروس، فإنّه يختفي بسرعة داخل بعض الخلايا، ويأخذ في التكاثر تدريجاً وفي تدمير هذه الخلايا.
وتمرّ العدوى في الجسم بمراحل من أهمّها مرحلة الكمون، يهاجم خلايا الجهاز المناعي ممّا يؤدّي إلى تناقص عددها شيئاً فشيئاً، حتّى تصل إلى المستوى الحرجي، الذي لا يستطيع معه الشخص المصاب مقاومة جراثيم الأمراض، أو الخلايا الضارة مثل الخلايا السرطانيّة، فيحدث ما هو معروف بمرض الإيدز ( أي الاتّصاف بأعراض وعلامات مرضيّة ظاهرة، ترافقها أمراض الجراثيم الانتهازيّة والأورام الخبيثة )(١) ، والغالب أنّ
___________________
(١) ص٦٣ نفس المصدر، في فترة ما بعد عام ١٩٨٣م عرف أن للمرض فيروساً وأعراضاً منها ارتفاع في درجة الحرارة، هزال، وفقدان للشهيّة والوزن، تضخّم في
=
المريض الذي يصل إلى هذه المرحلة يموت خلال فترة قصيرة، قد تكون أشهراً قليلة ولا تتعدّى السنتين.
وتكون مرحلة الكمون - أي ما بين العدوى وبين ظهور الأمراض المميّزة للمرض - قصيرة نسبيّاً في الأطفال ( أقل من سنتين ) وتتراوح في البالغين ما بين ٧ - ١٠ سنوات، وتقصر هذه المدّة بحدوث أمراض أُخرى مصاحبة أو سوء التغذية، أو الحمل في المرأة، ولذلك فإنّ متوسّطها في أفريقيا خمس سنين لما فيها من سوء التغذية والملاريا، مثلاً في حين يكون متوسطها في أمريكا عشر سنين بفضل التغذية الجيدة، والعلاج المناسب للأمراض المرافقة، ويكون الشخص معدياً طوال هذه المدّة(١) .
( الخامس ) : لا توجد شواهد بيّنة على انتقال العدوى من طريق الحشرات، أو الطعام، أو الشراب، أو المراحيض، أو المسابح ( حمامات السباحة ) أو المقاعد، أو أدوات الطعام المشتركة، أو حتى الملابس المستعملة، وقد ذكرت حالات معدودة في العالم كله، يعتقد فيها أنّ العدوى فيها انتقلت من طريق لبن الأُم، ويُظنّ ظنّاً أنّ المص الذي يمارسه الرضيع مع ما يرافقه من ضغط شديد على الغشاء المخاطي الرقيق في فمه قد يؤدّي إلى انتقال العدوى إذا كانت حلمة الثدي متشقّقة دامية، لكنّ الاحتمال ضئيل جدّاً(٢) ، وقيل: إنّ الطعام والشراب الملوّث، والمستقذَر، لا يبعد أنْ يكون سبباً لهذه المرض(٣) .
___________________
=
الغدد الليمفاويّة ( السهال ) ضعف في البنية، سهولة الإصابة بأمراض أُخرى نتيجة للميكروبات الانتهازيّة.
(١) ص٥٩ وص٦٠ وص٦٣ رؤية إسلاميّة للمشاكل الاجتماعيّة لمرض الإيدز.
(٢) ص٦٢ نفس المصدر.
(٣) ص٥٠٨ نفس المصدر.
( السادس ) : مدّة العزل هي طوال الحقبة التي يكون الشخص فيها معدياً، وهي محدودة في معظم الأمراض، أمّا في الإيدز فهي العمر كلّه(١) .
( السابع ) : إنّ نسبة الإصابة حتّى تتطوّر إلى مرض، خلال خمس سنوات من العدوى تتراوح ما بين: ٢٥ إلى ٣٠% من المصابين يصبحون في حالات مرضيّة، وخلال عشر سنوات ما بين: ٥٠ إلى ٦٠% يصابون بالمرض، وكلّما طالت المدّة ارتفعت نسبة التحوّل من حامل الجراثيم إلى مريض، خلال ١٤ سنة يمكن لحوالي ٩٥% من الناس الذين أُصيبوا أنْ يتحوّلوا إلى حالات مرضيّة.
( الثامن ) : وأمّا نقل الأعضاء، ففي نقل القرنيّة ثبت أنّها تنقل العدوى، كذلك نقل السعار في إحدى الحالات، وكذلك نقل الكلى في حالات كثيرة، والآن قلّت احتمالات العدوى بهذه الطريقة ؛ لأنّه يتمّ الفحص قبل نقلها.
وأمّا التشريط والحلاقة والحجامة، فيمكن نقل العدوى بشرط أن يستخدم نفس الموسى، وعليه الدم موجود، ويتمّ الحلق لشخصٍ آخر قبل أن يجف هذا الدم، فهذا محتمل معه نقل العدوى(٢) .
( التاسع ) : استقرّت كلمة العقلاء من الغربيّين على أنّ هذا المخلوق المدمِّر للحياة، إنّما نشأ أوّل ما نشأ، ثمّ ترعرع في أحشاء الشواذّ والبغايا ودمائهم، وأنّه أطلّ رأسه أوّل ما ظهر من مستنقع الإباحة التي تسود العالم الغربي، حتّى أطلقوا عليه طاعون الشواذّ، ولم ينشأ عن القرود، ولا من المصانع الحربيّة، ولا من افريقية.
___________________
(١) ص٦٥ نفس المصدر.
(٢) ص١٠٧ نفس المصدر.
هذا بالنسبة للعوامل الرئيسيّة التي أدّت إلى ولادة هذا المرض، وأمّا بالنسبة إلى طرق انتشاره، واحتلاله لمواقع جديدة من أجساد بني البشر، فإنّ أخطر قنواته هي الممارسات الجنسيّة الشاذّة والإدمان على المخدّرات والبغاء، وأما نقل الدم والتبرّع بالأعضاء، والحمل وغيرها لا تشكل في فاعليّتها سوى نسبة ضئيلة، وهي قنوات يمكن الاحتياط لها بالمراقبة والضبط(١) .
( العاشر ) : فيروس الإيدز لا ينتقل بسهولة كالأمراض المعدية الأُخرى مثل: الملاريا، والتيفوئيد، والكوليرا، والحمّى الشوكيّة، والسلّ ( التدرن )، والتهاب الكبد الفيروسي، وغير ذلك من الأمراض الجلديّة الأخرى.
( الحادي عشر ) : فيروس الإيدز لا يدخل جميع خلايا الجسم، ولكن ما يُصاب من الخلايا يسرع إليه الوصف، فلا يمكن استخراج الفيروس منه إلاّ بموت هذه الخليّة، لكن من فضل الله أنّ خلايا المناعة الأُخرى مثل الخلايا الطبيعيّة القاتلة، والخلايا الآكلة الكبيرة منها ممّا لم تُصب بالفيروس، وهذه الخلايا إذا أُعيدت إلى حالتها الصحيحة يمكن أنْ تقتل الخلايا الملوّثة بالفيروس، إذا ما وصلت إلى حالتها الطبيعيّة. وهذا ما نجد مبشّراته الآن لذلك التوازن(٢) .
( الثاني عشر ) : نقص المناعة الذي يُصاحب مرض الإيدز، يرشّح المريض لعدّة مصائب مهلكة ؛ لعدم القدرة على المقاومة.
ولتوضيح ذلك أقول مختصراً: إنّ الجراثيم أربعة:
١ - فيروسات، وهذه يسهّلها الإيدز بجميع أنواعها وأمراضها
___________________
(١) ص٤٧٤ نفس المصدر.
(٢) ص٥٢٢ نفس المصدر.
ومخاطرها ما تُعرِّض المريض لاستقبالها، وهو في الحقيقة كذلك.
٢ - فطريّات، وهذه يساعد الإيدز على انتشارها ببعض الطفيليّات.
٣ - ونوع واحد من البكتريا وهي جرثومة السلّ، وهي تعتمد في انتشارها على الخليّة اللمفاويّة، التي يدمّرها ميكروب الإيدز لدرجة أنّ سلّ الطيور الذي لا يجرؤ على إصابة الإنسان السليم، يستطيع أنْ يصيب مريض الإيدز، وهناك حلف بيلوجي بين جرثومة السلّ وجرثومة الإيدز(١) .
نعم إنّ لمرض الإيدز خطورة كبيرة على الجهاز العصبي الذي هو مكوّن من حوالي ١٠٠ مليون خليّة، هذه الخلايا إذا دخل إليها المرض فإنّه يصيب القشرة السطحيّة للمخّ وتتليّف، ويوماً بعد يوم يتكوّن مثل الحمص من الخلايا التي تموت وتتجمّع، ثمّ يصيب الخلايا ( البيزل جانجلي ) ومعناه ( خلايا في قراع المخّ ) ثمّ يبدأ فيصيب الخلايا الأُخرى المختلفة في المخّ.....
خاتمة مؤسفة
نشرت مجلّة ( زد ماغازين ) حول الإيدز ودعارة الأطفال، والأسواق الحرّة في مملكة تايلند...: وازدادت صناعة الجنس في تايلند بعد إبرام معاهدة في العام ١٩٦٧م، والتي كانت تقضي بالسماح للجنود الأمريكيّين بالإتيان إلى تايلند من فيتنام لأجل الراحة والاستجمام، وبحلول عام ١٩٧٤م وصلت أماكن اللّهو والدعارة إلى أكثر من عشرين ألف مكان، فيما رصدت دراسة دوائر الشرطة أكثر من ٤٠٠ ألف مومس وعاهرة في ذلك
___________________
(١) ص٤٤٩ المصدر.
العام بالذات... وفي يونيو ١٩٨٩ وجد باحثون بأنّ نسبة ٣،١٧% من المومسات... يحملن فيروس الإيدز الايجابي، وبحلول ديسمبر لعام ١٩٨٩ قفزت إلى أكثر من ٤،٢٠%، وفي العام ١٩٩٠ قُدّرت نسبة الأطفال العاملين في صناعة الدعارة الذين أُصيبوا بفيروس الإيدز الايجابي على صعيد البلاد كلّها بحوالي ٦٠%، وفي العام الجاري ( ١٩٩٣ ) بلغ عدد المصابين بالايدز حوالي ٦٠٠ ألف مصاب، ويزداد عدد المصابين بالايدز حوالي ١٢٠٠ شخص تايلندي في اليوم الواحد.
وفي العام ١٩٩٣ يولد ٣٠٠٠ طفل مصاب بمرض الإيدز... وتقدّر منظمة الصحّة العالميّة أنّه بحلول عام ١٩٩٧ فإنّ عدد الأشخاص المتوقّع أن يموتوا بمرض الإيدز يتراوح ما بين ١٢٥٠٠ و١٥٠٠٠٠ شخصاً(١) .
أقول : وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.
ثمّ إنّ المستفاد من هذا وممّا مرّ في المطلب التاسع وغيره(٢) أنّ سبب فيروس الإيدز هو اللواط، ومباشرة البغايا مع تعدّد القرناء، والمستفاد من غيرها أنّهما سبب الانتقال دون سبب الوجود، وعلى هذا فلم يذكر سبب وجود هذا الفيروس في كلام الأطبّاء، وكأنّه لعدم علمهم به حتّى الآن.
___________________
(١) ص٢٨١ نفس المصدر.
(٢) ص١٨١ المصدر.
المسألة السابعة والثلاثون
الأحكام الفقهيّة المتعلِّقة بمريض الإيدز وبكلّ مرضٍ مُعْدٍ
١ - يحرم على المريض بالايدز - وبكلّ مرضٍ معدٍ كجملة ما أسميناها في المطلب العاشر من المسألة السابقة - نقل مرضه إلى غيره من المسلمين، وأهل الذمّة والمعاهدين ؛ لحرمة الإضرار بهم جزماً، ويعاقَب المخالِف المتعمّد بما يراه الحاكم الشرعي صلاحاً، ويمكن تحريم نقل الجرثومة إلى الغير، وإن لم تكن بالفعل مرضاً له.
وعلى كلٍّ، الإضرار حرامٌ بأيّ وجهٍ اتفق حتّى بمثل السحر ونحوه، بل العقل يقبِّح حرمة الإضرار بالجِنّ والحيوان، وكل ما يحسّ الألم، وبمقتضى قاعدة الملازمة يمكن أنْ نقول بحرمة ذلك شرعاً، وكذا بإطلاق قولهصلىاللهعليهوآله ( لا ضرر ولا ضرار ) فيحرم الإضرار مطلقاً، إلاّ فيما دلّ الدليل الشرعي على الجواز كذبح الحيوان واستثماره.
٢ - إذا نقل المريض فيروس الإيدز - أو أيّ مرضٍ معدٍ آخر - إلى غيره فمات به ذلك الغير ولو بعد مدّة، وثبت علميّاً استناد موته إلى نقل العدوى، فإن كان الناقل متعمّداً، جاز لولّي الميّت قصاص الناقل، إذا كان المرض مهلكاً، وإذا كان الناقل جاهلاً أو غافلاً يجب عليه الديّة، على ما تقرّر في كتاب الديّات.
٣ - يستحقّ المنتقل إليه أخذ الغرامة عن الناقل، وحيث إنّه لا ديّة مذكورة له ففيه الأرش، وتكميل البحث فيه بذكر فصول ثلاثة:
( الأوّل ) : في أصل لزوم الأرش في غير ما ورد فيه الديّة:
قال صاحب الجواهررضياللهعنه في بحث ديّات الأعضاء(١) في شرح قول ماتنه: ( كلّ ما لا تقدير فيه ففيه الأرش ): المسمّى بالحكومة، وفيه يكون العبد أصلاً للحرّ كما هو - أي الحرّ - أصل له ( أي للعبد ) فيما فيه مقدّر بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافاً إلى إمكان استفادته من النصوص بالخصوص، فضلاً عن استفادة عدم بطلان الجناية، وكونها هدراً حتّى أرش الخدش من الكتاب والسنّة، فليس مع عدم تقديره إلاّ الحكومة، وإلاّ كانت جنايةً لا استيفاءً لها ولا قصاص ولا ديّة، وهو منافٍ لما يمكن القطع به من الأدلّة كتاباً وسنةً وإجماعاً.
أقول : فليكن حكم الأرش مقطوعاً بما ذكره، وببناء العقلاء عليه، وما ورد من عدم سقوط حقّ مسلم(٢) ، وما في أحاديث الجامعة المذخورة عند الأئمّةعليهمالسلام من ثبوت الأرش حتّى على الخدش والغمز.
( الثاني ) في كيفيّة الأرش:
في الشرائع والجواهر: كلّ موضعٍ قلنا فيه الأرش، أو الحكومة، فهما واحد اصطلاحاً، والمعنى أنّه يقوّم المجروح صحيحاً لو كان مملوكاً تارةً، ويقوّم مع الجناية أُخرى، ويُنسب إلى القيمة الأُولى، ويُعرف التفاوت بينهما، ويُؤخذ من الديّة للنفس لا للعضو بحسابه، أي التفاوت بين القسمين...
وكيف كان، فهذا في الحرّ الذي يكون العبد أصلاً له، في هذا الحال ضرورة توقّف معرفة الفائت على ذلك، بعد عدم التقدير من الشارع له ،
___________________
(١) ص١٦٨ ج٤٣.
(٢) الكافي ج ٧ ص ٣٠٢، والتهذيب ج ١٠ ص ٢٣٢، والفقيه ج ٤ ص ١١٤ نسخة الكومبيوتر.
والفرض كون الجملة مضمونة بالديّة فتُضمن الأجزاء منها، فيستكشف بذلك كما يستكشف تفاوت المعيب والصحيح، ثمّ يرجع بعد إلى ثمن الذي ضمن به المبيع، فكذلك هنا، وهو واضح(١) .
( الثالث ) : ما يمكن أن يُقال في المقام وبالله الاعتصام:
لا يبعد أنْ يلزم الجاني بدفع جميع ما يحتاج المريض إلى صرفه في علاجه من ثمن الأدوية وأجر الأطباء وما يصرف في مقدّمات التداوي، حتّى أجرة السيّارة، وكذا ما يفوت على المريض من منافعه اليوميّة لأجل المرض، وهذا هو طريق العقلاء في أخذ الغرامة من المعتدي، ولاحِظ الفصل الثالث من كتاب إجارة العروة الوثقى ( المسألة الثالثة )، ولا يحصل لنا علم من إجماع الجواهر، فلا يكون حجّة لنا.
على انّه لا سبيل لنا في مثل هذه الأعصار إلى قيمة العبد، ولا وجود له في بلادنا(٢) .
ولا أدري رأي أهل الاستنباط - أيّدهم الله - في هذا العصر، غير أنّ ما ذكرنا هو الأرجح.
وأمّا في الأمراض التي لا علاج لها، فتعيين أرشها موكول إلى نظر الحاكم بمشورة أهل الخبرة، منهم الأطبّاء، مضافاً إلى غرامة منافع المريض اليوميّة الفائتة لأجل المرض عليه.
ويمكن أنْ نقول في نقل فيروس الإيدز: إنّه يهدم مناعة البدن وهي واحدة، فإتلافها يوجب الديّة كاملةً. لكن قيل: إنّ هذه القاعدة في خصوص الأعضاء دون المنافع، ففي صحيح هشام بن سالم، المرويّ في
___________________
(١) لاحظ ج ٤٣ من الجواهر.
(٢) بل المسلمون اليوم أُسراء بيد الكفّار في العالم، وثلّة منهم يسعون لفكاك رقابهم منهم.
الفقيه عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ( كلّما كان في الإنسان اثنين ( اثنان - يب ) ففيهما الديّة في إحداهما ( أحدهما - يب ) نصف الديّة، وما كان ( فيه ئل ) واحداً ففيه الديّة )(١) .
أقول : تقييد الخبر أو انصرافه إلى خصوص الأعضاء محتاج إلى دليل قرينةٍ كقولهعليهالسلام في أولّ الخبر: ( اثنين )، وإلاّ فالخبر يشمل الصفات النفسيّة - أيضاً - مضافاً إلى قواه البدنيّة ؛ لأنّ الموضوع هو الإنسان، وهو مركّب من البدن والنفس دون خصوص البدن.
وربّما يورد على ما ذكره صاحب الجواهر أيضاً، أنّ الأجزاء في الحرّ ليست قيمتها منسوبة إلى قيمة الأنفس، كما هو كذلك في السلعة، فتشبيه السلعة بالنفس غير ظاهر الوجه، بل قد يكون قيمة الأجزاء عشرين أضعاف قيمة الكلّ، واللاّزم في الأرش هو التقدير حسب المناسبات العرفيّة المستفادة من حكم الشارع بمقادير الديّة، ويمكن أنّ يُجاب عنه بأنّه أهمل في باب الديّات، مثلاً: يد الخطّاط الماهر، وبعض أهل الصّنعة، لها منافع كثيرة مع عدم الاختلاف في ديّة قطع اليد.
٤ - على الحكومة أنْ تراقب كلّ المرضى بالأمراض المُعْدية - على أنْ لاينقلوا العدوى إلى الأصحّاء - مراقبةً بمقدار اللاّزم لا أزيد، والأمراض في العدوى مختلفة، وقد تقدّم في المسألة السابقة: أنّ مرض الإيدز أخفّ الأمراض المعدية، فلا بأس بذهاب المريض به إلى معاهد التعليم والتعلّم، والمعامل، والمؤسّسات الحكوميّة، وغيرها، وإنّما يراقبون في خصوص الطرق الأربعة الناقلة، إلاّ إذا ثبتت العدوى بغيرها أيضاً، فتتّسع المراقبة.
___________________
(١) ص٣٧٨ ج٢٦ جامع أحاديث الشيعة.
فائدة طبّيّة حول الأمراض المُعْدِية
الأمراض المُعْدِية التي تنتقل من المريض إلى آخر، تختلف طُرق ووسائل انتقالها من مرضٍ إلى آخر، فمنها ما ينتقل بواسطة التنفّس كأمراض الجهاز التنفسي كالأنفلونزا الرئوي، ومنها ما ينتقل بواسطة الفم كأمراض الجهاز الهضمي، مثل: الدوسنتاريا والتيفوئيد، ومنها ما ينتقل عن طريق المعاشرة الجنسيّة، مثل: الزهري والسَّيَلان، ومنها ما ينتقل بطريق الملامسة كالجدري والجذام، وبعضها ينتقل بواسطة الحقن، أو نقل الدم كالالتهاب الكبدي الفيروسي، أو بواسطة وخز الحشرات كالملاريا التي تنقلها البعوضة، أو الطاعون الذي تنقله الفئران والبراغيث، وقد يكون للمرض الواحد أكثر من وسيلة لانتقاله كالايدز، إذْ تحقّق أنّه ينتقل بالاتّصال الجنسي، وعن طريق الدم ومشتقّاته كزراعة الأعضاء، والمخدّرات التي تُؤخذ عن طريق الحقن(١) .
٥ - إذا احتمل الطبيب عند نقل دم أحد، ولو بتوسّط زرع عضوٍ منه في بدن الغير، أنّ صاحب الدم مبتلى بالايدز، أو مرضٍ معدٍ آخر، فهل يجب عليه الفحص حتّى الاطمئنان بعدمه، أو لا يجب عملاً بأصالة الصحّة، أو أصالة عدم حدوث المرض المعدي، أو أصالة البراءة عن وجوب الفحص ؟ فيه وجهان.
وربّما يُقال: إنّ الأصل في النفوس، والفروج، والأموال الكثيرة، هو: الاحتياط، دون البراءة، ومقامنا داخل في الأوّل ؛ فإنّ مرض الإيدز مهلك لا
___________________
(١) ص١٤٥ رؤية إسلاميّة للمشاكل الاجتماعيّة لمرض الإيدز.
علاج له لحدّ الآن، لكنّ هذا القول بإطلاقه لا دليل له، ويجري الاستصحاب وأصالة البراءة في كثيرٍ من جزئيّات تلك الموارد الثلاثة، كما أوضحه سيّدنا الأُستاذ الحكيمرحمهالله في الجملة، في بعض مجالس دروسه المباركة.
نعم إذا اشترط عليه المريض، أو الحكومة الإسلامية الفحصَ ؛ وجب لقولهعليهالسلام : ( المؤمنون عند شروطهم )(١) ولقوله تعالى:( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، وأمّا إذا علم الطبيب بأنّه في فرض ترك الفحص يُبتلى جمعٌ من المرضى بفيروس الإيدز لا محالة، فلا يبعد وجوب الفحص عليه، فتأمّل.
٦ - لا يجوز للمريض بالمرض المُعْدي التزويج أو التزوّج بالصحيح الغافل ؛ فإنّه إضرار به وهو واضح، وإذا كان المرض مهلكاً ولا يتيسّر التحفّظ منه للسالم من الزوجين ؛ لا يجوز للسالم إجابة المريض للزواج - بل لكلّ مصاحبة مؤدّية إلى انتقال المرض المهلك إليه - لأنّه من الإلقاء في التهلكة.
نعم إذا تباينا على ترك المجامعة - في مثل مرض الإيدز - جاز النكاح ولم يحرم(٢) ، وعلى كلٍّ، إذا رضيا بالنكاح صحّ النكاح، وإن حرم إنْ أوجب الإضرار بالنفس، فالحكم الوضعي غير الحكم التكليفي، فتدبّر فيه.
٧ - إذا تزوّج أو زُوّج جهلاً، بالمريض المُعْدي ثمّ علم، فهل له فسخ العقد إذا كانت العدوى مهلكة، أو مضرة إلى درجةٍ كبيرةٍ، ولم يتيسّر التحفّظ منها إلاّ بحرجٍ شديد ؟
ج: أمّا للزوج، فثبوت الخيار له في غاية الإشكال لما يُستفاد من
___________________
(١) تقدّم مصدره.
(٢) ويمكن أنْ يُقال بعدم حرمة النكاح في مثل الإيدز دائماً، وإنّما المحرّم هو الجماع فإنّه الطريق إلى الانتقال، نعم هو من مقدّمات الحرام.
الحصر الوارد في بعض الروايات الواردة في العيوب، على ما يأتي في المسألة الآتية، فإنّها ظاهرة في نفي الخيار في غير العيوب المذكورة في الرواية، نعم له أنْ يطلّقها، بل يجب عليه في الفرض المذكور.
وأمّا للزوجة فلا يبعد ثبوت الخيار له ؛ لقاعدة لا ضرر، التي استدلّ بها لثبوت بعض الخيارات في باب المعاملات، ولقاعدة نفي الحرج(١) .
وأيّ ضررٍ من ابتلائها بالمرض المهلك، أو تدهور صحّتها شديداً، وفي مرض الإيدز بحرمانها من لذّة الجماع ما دام العمر، إلاّ أنْ تلتذّ بالدخول ولو مع استعمال الزوج الرفال والعازل الذكري، وقلنا بكفاية ذلك لحقها، فلا خيار لها حينئذٍ، إلاّ أنْ يُقال: إنّ زوجها في معرض الموت فلها الخيار من هذه الجهة، ويلحق بالايدز كلّ مرضٍ مهلكٍ سريعٍ، فتأمّل.
وغاية ما في الباب أنْ يأمر الحاكم الشرعي الزوج بالطلاق احتياطاً، فإن عصى تفسخ هي النكاح ويطلّقها الحاكم ولاية احتياطاً.
وعدم ذهاب مشهور فقهائنا إلى ثبوت الخيار بالأمراض المُعْدية أوّلاً غير ثابت ؛ لأنّ كثيراً منهم لا تصنيف لهم، أو لم تصل إلينا مصنّفاتهم وتأليفاتهم.
وثانياً أنّ ضرر الأمراض المُعْدية لم يكن واضحة للناس والفقهاء.
وثالثاً أنّه غير مانع عن الفتوى بالدليل، وهو قاعدتا نفي الحرج
___________________
(١) هذا بناء على عدم شمول صحيح الحلبي الآتي، المرويّ في الفقيه في المسألة الآتية لعيوب الرجل كما عن جماعة، وعليه فالحصر فيه ثابت في الرجل، وأنّه لا يردّ النكاح إلاّ من عيوب، وأمّا بناءً على الأرجح من شموله لعيوب كلّ من الزوجين، وجواز ردّ النكاح لكلٍّ منهما فالحصر ثابت لكليهما، فيمكن أنْ يرفع اليد عنه هنا لقاعدتي نفي الحرج والضرر كما رفع اليد عنه في بعض الموارد الأُخر كما ستعرف، وهاتان القاعدتان جاريتان في حق الرجل والمرأة. إلاّ أنْ يُقال: إنّ جواز الطلاق من طرف الزوج يمنع عن جريان قاعدة الحرج والضرر، فتأملّ.
والضرر الرافعتان للزوم العقد بالنسبة إليها، وأمّا ما في الجواهر من قول مؤلِّفه الكبيررحمهالله : على أنّ العدوى مع اقتضائها التعدية إلى كلّ مرضٍ مُعْدٍ، ممّا لا يقول به الخصم، يمكن رفعه بإيجاب التجنب(١) ، فهو ضعيف، فإنّ الزوجيّة التي يجب تجنّب أحدهما عن الآخر فيهما حرجيّة أشدّ الحرج، وأيّ فائدةٍ لهذا الزواج الفاقد للسكون والمودّة والرحمة ؟! وليس هو من الامساك بالمعروف.
وربما يتمسّك لخيارها بقوله تعالى:( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) (٢) .
ويمكن أنْ نتمسّك له أيضاً بقوله تعالى:
( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) (٣) .
إذ لا فرق بين الإمساك المسبوق بالطلاق بعد الرجوع، وبين الإمساك الابتدائي المسبوق بالنكاح في الحكم، ومعلوم أنّ إمساك الزوجة من قبل الزوج المبتلى بالعدوى، أو المريض بالمرض المهلك قريباً في أوّل الزواج ليس بمعروف. وإذا قصد الزوج المريض بإمساكها إضرارها ؛ فهو مدلول قوله تعالى:( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) .
لكنّ الكلام أوّلاً: أنّ هذا كلّه يوجب الخيار لها، أو أنّه يسبّب جواز إجبار الحاكم الزوج على الإمساك بالمعروف، وعدم الإمساك للاعتداء، وثانياً:
___________________
(١) الجواهر ج ٣٠ ص ٣٣٠.
(٢) ويحتمل أنّ المراد من الإمساك بالمعروف هو الإمساك لسكون النفس إليها، لا لأخذ المهر منها كلاًّ، أو بعضها، كما قال تعالى بعد ذلك( ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً ) ، إلاّ أن يُقال إنّ الإطلاق لا يُقيّد بالاحتمال، وقوله لا يحلّ لكم، حكم آخر لا عين الإمساك بالمعروف ؛ فإنّه خلاف الظاهر.
(٣) البقرة آية ٢٣١.
في أنّه لو لم يقبل الزوج أمر الحاكم، ولم يطلقها أو لم يصلح شأنه - إذا كانت المشكلة اختياريّة غير قهريّة كالأمراض المُعْدية - فما هو الموقف ؟ هل يثبت الخيار للزوجة، أو يطلّقها الحاكم ولايةً عليه ؟
ثمّ إذا لم يتمّ الاستدلال بالآيات، ولا بقاعدتي نفي الضرر والحرج، بل ولا بقاعدة نفي العسر على ثبوت الخيار لها ؛ يمكن أنْ نثبته لأجل التدليس، فإنّ المرأة لو علمت بحال خاطبها، وأنّه مبتلى بالعدوى والمرض المهلك، لما رضيت بالزواج منه قطعاً(١) ، اللّهم إلاّ بعض النساء لأغراض خاصّة، وهو نادر، والسلامة من مثل هذه الأمراض وإن لم تُشترط صريحة في العقد لكنّها ممّا يبني الزوجان عليها، ويجريان عقد النكاح عليها، ولا فرق على الأظهر بين الشرط المذكور صريحاً في العقد، وبين الشرط المبنيّ عليه العقد، وسيأتي في المسألة الآتية بعض الكلام حول التدليس إن شاء الله.
٨ - لا يجب على الزوجة التمكين من الزوج المريض إذا احتملت الضرر المهمّ بالمباشرة، وربّما لا يجوز إذا كان الضرر مهلكاً أو شبهه، كما لا يجب على الزوج وطء الزوجة المريضة بالايدز ونحوه ؛ لذلك، إذا كان احتمال الضرر بعد تثبيته راجحاً عند العقلاء.
وبالجملة : حرمة الإضرار بالنفس أهمّ من وجوب أداء حقّ الزوجين، فتقدّم عليه عند التزاحم، نعم لا مانع من سائر الاستمتاعات في مرض الإيدز لما سبق من عدم نقل العدوى بها. وكذا يجب أداء حقّ الزوجين في الوطء إذا اطمأنّا بقول الطبيب الثقة الماهر بعدم العدوى مع استعمال الرفال والعازل الذكري.
وعلى الجملة : ليس البحث في الصغريات وكيفيّة العدوى، وإنّما
___________________
(١) وسكوت الزوج عن مرضه مع بناء الناس على أصالة الصحّة، وغفلة الزوجة عن احتمال مرضه تدليس.
البحث في أصلٍ كليٍّ، وأنّ حفظ الضرر المهمّ مقدّم على حقوق الزوجين، وتشخيص الضرر كمّاً وكيفاً موكول إلى الطب.
٩ - لا يجوز دخول المرضى بالأمراض المُعْدية في المدارس والمعامل والدوائر، ويجب على أولياء الأطفال منعهم عن المدارس.
وأمّا المصابون بالايدز، فلا بأس بذهابهم بين الناس مع الرقابة على مسألة الدم والمباشرة.
١٠ - لا يجب عزل الصبي عن أُمّه المصابة بالايدز، بل لا يجوز، لحقّ الحضانة، وذلك لما مرّ من عدم نقل العدوى باللبن، مع التحفّظ على مسألة الدم، والأحسن عدم إيجار المرضعة المصابة بالايدز، نعم يجب عزله عن الأُمّ المصابة بمرض يعدي باللبن، أو بالتماس الجسمي، ويسقط حقّ حضانتها.
١١ - لا يجوز إجهاض الجنين المصاب بالايدز بعد تعلّق الروح به قطعاً، وأمّا قبله فإن كانت الإصابة به مظنونة فكذلك، وإنْ كانت مقطوعة طبّاً فالحكم بجواز إجهاضه مشكل جدّاً، وإن فُرض موته أثناء سنةٍ بعد ولادته.
١٢ - إذا فرضنا قيام فئة - من الرجال أو النساء - بأمر حكومات كافرة عدوّة للمسلمين بنشر الإيدز بين المسلمين، فحكم هؤلاء الفئة حكم الساعين في الأرض فساداً.
١٣ - ليس كلّ مصاب بالايدز مجرماً ؛ لأنّه قد ينتقل المرض إليه من دون تقصير له، ولا تخلّف عن حكمٍ شرعيٍّ، فلا يجوز بهم سوء الظن.
١٤ - هل يجوز اشتراط السلامة من الإيدز، وكلّ مرضٍ مُعْدي في النكاح ؟
الظاهر عدم المانع منه.
١٥ - هل يحقّ للدولة تحتّم الفحص عن الإيدز، بل عن كلّ مرضٍ مُعْدٍ، عن كلّ مَن يريد التزويج والتزوّج، وإن استلزم مؤنةً كثيرةً على الزوجين ؟
الأولى إحالة هذا الحكم إلى الحاكم الشرعي، فيحكم باللزوم أو عدمه، حسب شرائط الظروف والوضع الصحّي، وقيل: إنّ في خلال الأشهر الثلاثة الأُولى من العدوى يمكن أنْ لا يظهر الإيدز.
١٦ - قيل: إنّه لا مانع من زواج المصاب والمصابة بالايدز ؛ لعدم الضرر عليها حينئذٍ، وقيل: إنّ جماعهما يمكن أن يُساعد على إضعاف صحّة كلّ منهما، وبالتالي يمكن أن تظهر ذريّة جديدة مصابة بالايدز، وتظهر وحدات جديدة للفيروس، إنّ فيروس الإيدز يغيّر جلده من آن إلى آخر(١) .
أقول : إذا كان احتمال الضرر المزيد ثبت طبّيّاً وكانت الزيادة خطيرة، فلا يبعد تحريم الوطء عليهما.
ثمّ إنّه يمكن أنْ يقال: إنّه لا فرق في الحكم بين نقل فيروس الإيدز إلى إنسانٍ سالمٍ وبين توليد إنسانٍ مريضٍ بالايدز من الأوّل، فإنّ العقل يقبّح كليهما، وعليه فلا يحلّ للزوجين ما يوجب حمل الزوجة بجنين يعلمان ابتلائه بالايدز ونحوه من الأمراض المهلكة، والله العالم.
١٧ - هل يضمن الطبيب إذا نقل العدوى إلى سالمٍ عمداً أو سهواً ؟
تقدّم بحثه مفصّلاً في المسألة الثالثة في أوائل الكتاب فلا نعيده هنا، فلاحظ.
١٨ - هل يجوز للمصاب أو المصابة الإحبال والحمل إذا لم يعلما
___________________
(١) ص٣٢٧ رؤية إسلاميّة للمشاكل الاجتماعيّة لمرض الإيدز.
بابتلاء الجنين بالمرض، والأصل عدم ابتلائه به بعدما تقدّم في المسألة السابقة من كون نسبة إصابة الجنين بالايدز غير عالية ؟ فيه وجهان.
١٩ - ولو اختلف الزوجان فرغب أحدهما في الحمل وامتنع الآخر عنه، فالظاهر أنّه لا وجه لإجبار الممتنع لاسيّما في مثل الإيدز، فتفطّر القلب حزناً وأسىً على الوليد الذي يتمزّق ويحترق، ولا علاج له ولا دواء.
٢٠ - هل مرض الإيدز مرض الموت ؟
ومرض الموت يُمنع فيه المريض عن التبرّعات المنجزة الزائدة عن الثلث في ماله، عند جمعٍ كثيرٍ من فقهائنا المحقّقين ( رضي الله عنه م )(١) ، فتشخيصه مهمٌّ ومفيدٌ.
قال بعض الفضلاء من أهل السنّة(٢) : إنّ الفقهاء اختلفوا في التعريف بمرض الموت اختلافاً كثيراً، لا يرجع إلى نصٍّ من كتابٍ وسنّةٍ، وإنّما مردّه إلى الاجتهاد والنظر، فقال بعضهم: مرض الموت هو الذي يُقعد الإنسان عن عمله المعتاد في حال الصحّة... وعن ابن عابدين: إنْ علم أنّ به مرضاً مهلكاً غالباً، وهو يزداد إلى الموت فهو المقبر، وإنْ لم يعلم أنّه مهلك يعتبر العجز عن الخروج للمصالح... ( رد المختار ٢/٧١٦ ) وقيّدته مجلّة الأحكام العدليّة ( ١٥٩٥م ) بأنْ يموت المريض قبل مرور سنة من الإصابة به، وقيل غير ذلك.
وقال أيضاً: والذي يُستخلص من كلام جمهور الفقهاء، وتقريرات محقّقيهم: أنّ مرض الموت هو المرض المخوف الذي يتّصل بالموت، ولو لم يكن الموت بسببه ( الأم للشافعي ٤/٣٥ - مغني المحتاج ٣/٥٠ ) فعلى هذا يُشترط لتحقّقه أنْ يتوافر فيه وصفان:
___________________
(١) الجواهر ج ٢٦ ص ٦٣.
(٢) ص٤٦١ رؤية إسلاميّة للمشاكل الاجتماعيّة لمرض الإيدز.
أحدهما : أنْ يكون مخوفاً، أي يغلب الهلاك منه عادةً أو يكثر... ويكفي الآن وقد تقّدّم علم الطب أنْ يرجع إلى الأطبّاء الخبراء في طبيعة المرض وأعراضه.
ثانيهما : أنْ يتّصل المرض بالموت سواءٌ وقع الموت بسببه، أم بسببٍ آخر خارجيٍّ عن المرض: كقتلٍ أو غرقٍ أو حريقٍ أو تصادمٍ أو غير ذلك.
وألحقوا بالمريض مرض الموت في الحكم، أشخاصا في حالات مختلفة ليس فيها مرض أو اعتلال صحّة، وإنّما توافر فيها الوصفان المشتَرَطان.
١ - ما إذا كان الشخص في الحرب، والتحمت المعركة، واختلطت الطائفتان في القتال، قالوا: فإنّ توقّع التلف هنا كتوقّع المرض أو أكثر.
٢ - ما إذا قُدِّم الشخص للقتل سواء أكان ذلك قصاصاً أو غير ذلك.
٣ - الأسير والمحبوس إذا كانا من العادة أنْ يُقتلا.
٤ - ما إذا ركب البحر وتموّج واضطرب، وهبّت الريح وخاف الغرق فهو مخوف.
أقول : يُلحق به راكب السيارة والطائرة في بعض الحالات.
٥ - المرأة الحامل إذا أتاها الطلق ( بناءً على شرائط الظروف القديمة ).
ويُشترط في هذه الحالات كلّها وما أشبهها: أنْ يتّصل حال خوف الهلاك الغالب أو الكثير بالموت، حتّى تُلحق بمرض الموت.
وقال: بناءً على هذا فإنّه يمكننا اعتبار المصاب بمرض الإيدز في مرض الموت ؛ نظراً لتوفّر مناط التعليل فيه ( كونه مخوفاً، واتّصاله بالموت ).
وقال بعضٌ آخر من أهل العلم من أهل السنّة(١) : مرض الموت هو
___________________
(١) ص٥٢٣ نفس المصدر.
المرض الذي يعقبه الموت... ومرض الإيدز يمرّ بمراحل مرحلة الإصابة، مرحلة الكمون، مرحلة التهيّج والقضاء... وفي هذه المرحلة فقط يمكن اعتباره مرض الموت ( فإنّه يصل إلى حدّ إنهاك الجسم، وقتل قوّة المناعة في الجسم، أو ظهور أمراض عصبيّة قاتلة ).
أقول : الظاهر أنّ كلّ مَن يقول بأنّ مرض الإيدز مرض الموت، يقصد هذه المرحلة، ولابُدّ أنْ يكون كذلك.
وأمّا إلحاق الأشخاص الآخرين، الذين ذكرنا أسماءهم في الموصوفين بمرض الموت، ففيه بحث، فإنّ ما استُدلّ به لمنع نفوذ التبرّعات الزائدة عن الثلث في المال، من الأحاديث الواردة من طريق الشيعة ليس الموضوع فيها مرض الموت، بل في جملةٍ منها ( عند موته )، وفي بعضها ( حضره الموت ) وفي بعضها - في حقّ المرأة - ( في مرضها ) وعلى هذا فلا يبعد شمول قولهعليهالسلام : ( عند موته ) أولئك الأشخاص ومن يشابههم بلا حاجة إلى الإلحاق.
والعمدة في المقام : هو البحث عن دلالة تلك الأحاديث، على منع التبرّعات المذكورة، ولكنّها لا تخلو عن نظر، ولذا ذهب الآخرون إلى صحّتها، وتحقيقه لا يناسب هذا الكتاب فارجع إلى الكتب المبسوطة.
وعلى كلٍّ، ليس عنوان مرض الموت مذكوراً في الأحاديث المعتَبَرة ظاهراً، فإنْ قلنا بحجْر المريض عن التبرّعات المذكورة فلابُدّ من الاكتفاء على القدر المتيقَّن، وفي غيره يرجع إلى صحّتها لبطلان القياس عندنا.
المسألة الثامنة والثلاثون
في العيوب المجوِّزة لفسخ النكاح
نذكر أوّلاً الأحاديث المعتَبَرة سنداً، ونذكر بعض الأحاديث غير المعتَبَرة أيضاً لعلّةٍ ما، ولكن نصرّح بضعفها أو النظر فيها، ونحن لا نرى في الأحاديث الضعيفة سنداً، اعتباراً وحجيّةً فلا نعتمد عليها.
١ - صحيح عبد الرحمان بن أبي عبد الله في الكتب الأربعة عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال:
( المرأة تُردّ من أربعة أشياء: من البرص، والجذام، والجنون، والقرن و ( هو - كا - تهذيبين ) العفل(١) ما لم يقع عليها، فإذا وقع عليها فلا )(٢) .
أقول : أي إذا وقع عليها بعد علمه بالعيب فلا تُردّ المرأة، كما يُفهم ممّا يأتي.
٢ - صحيح الحلبي المروي في الكافي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال سألته عن رجلٍ تزوّج إلى قومٍ فإذا امرأته عوراء ولم يبيّنوا له ؟
قال: ( يردّ النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل )(٣) .
أقول : يمكن أنْ يقال: إنّ مفاده مفاد الحديث السابق في أنّ العيوب عيوب المرأة فقط، أمّا أولاً فلذكر كلمة العفل الخاصّ بالمرأة، وأمّا ثانياً فلاحتمال كون الفعل المضارع ( يردّ ) مبنيّ للفاعل والضمير المستتر
___________________
(١) العفل: نبات لحم ينبت في قُبُل المرأة وهو القرن كما قيل.
(٢ و٣) ص١٦٧ ج٢١ جامع الأحاديث.
المرفوع فيه يرجع إلى الرجل، وعليه فلا يدلّ الحديث على أنّ هذه العيوب في الرجل أيضاً، تجوّز الخيار والردّ.
ورواه في الفقيه عن حمّاد عن الحلبي، هكذا: عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال في رجلٍ يتزوّج إلى قومٍ فإذا امرأته عوراء ولم يبيّنوا له، قال: ( لا تُردّ ( وقال - ئل ) إنّما يُردّ النكاح من البرص، والجذام، والجنون، والعفل، قلت: أرأيت إنْ كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها ؟ قال: لها المهر بما استحلّ من فرجها، ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل ما ساق إليها )(١) .
ورواه الشيخ في التهذيبين عن حمّاد، لكن طريقه إليه غير مذكور في المشيخة(٢) ، ولا عبرة بالطريق المذكور في فهرسته على ما حقّقناه في محلّه.
ثمّ إنّ اسم حمّاد منصرف إلى ابن عثمان أو ابن عيسى، وطريق الصدوق إلى كليهما معتَبَر في مشيخة الفقيه(٣) .
ثمّ إنّ احتمال كون الفعل ( يرد ) هنا مبنيّاً للمفعول أقرب أو أنسب، فإنّ الفعل السابق (ترد) كذلك جزماً(٤) .
لا يُقال: إنّ الكلام في عيوب المرأة فلا يشمل عيوب الرجل.
فإنّه يُقال: العبرة بإطلاق كلام الإمامعليهالسلام دون كلام السائل، على أنّ
___________________
(١) ص١٦٧ وص١٦٨ نفس المصدر.
(٢) نفس المصدر.
(٣) وفي نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى تصريح بأنّه ابن عثمان، وهو مؤيِّد لا دليل ؛ لأنّ النوادر لم تصل إلى المجلسي والحرّ ( رحمهما الله ) بسندٍ معتَبَر.
(٤) لكن في الجواهر ( ص٣١٩ ج٣٠ ) نقل الحديث هكذا: لا يرد. أي بصيغة الغائب المذكور فيُحتمل كونه مجهولاً، كما يُحتمل كونه معلوماً، لكن في ص٣٦٣ ج٣٠ ضبطها ب-: لا ترد فلعلّ الأوّل من غلط الطابع أو الكاتب.
الأنسب على فرض إرادة عيوب المرأة فقط التعبير ب-: ( إنّما ترد من البرص ) دون التعبير ب-: ( إنّما يرد النكاح )، واختصاص العفل بالمرأة لا ينافي إرادة الرجل والمرأة، كما لا يخفى، وسؤال الراوي بعد ذلك سؤالٌ مستقلٌّ يتعلّق ببعض مصاديق الجواب، وهذا الوجه عندي أظهر بلحاظ الحديث، وعليه فهذه العيوب مجوّزة للردّ سواء كانت في المرأة أو في الرجل، والله تعالى أعلم، وإنْ قال صاحب الجواهر ( ج٣٠ ص٣١٩ ): ولعلّه لذا ( أي لاحتمال كون الفعل معلوماً، ورجوع الضمير إلى الرجل ) لم يحكم الأكثر كما ستعرف بالخيار لها في الجذام والبرص... وعلى كلّ حالٍ فالاستدلال لا يخلو عن إشكال، انتهى.
أقول : لكنّ المشهور قالوا بخيارها بجنونه.
وعلى كلٍّ، مقتضى الحصر عدم جواز ردّ النكاح عن غير هذه العيوب.
٣ - صحيح أبي عبيدة المروي في الكافي عن أبي جعفرعليهالسلام قال في رجلٍ تزوّج امرأةً من وليّها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها ؟
قال: فقال: ( إذا دلّست العفلاء ( نفسها )، والبرصاء، والمجنونة، والمفضاة، ومَن كان بها ( من يب ) زمانة ظاهرة فإنّها تُردّ على أهلها من غير طلاق، ويأخذ الزوج المهر من وليّها الذي كان دلّسها، فإن لم يكن وليّها علم بشيءٍ من ذلك فلا شيء ( له ) وتردّ إلى أهلها. قال: وإن أصاب الزوج شيئاً ممّا أخذت منه فهو له، وإن لم يصب شيئاً فلا شيء له. وقال: وتعتدّ منه عدّة المطلّقة إن كان دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فلا عدّة عليها ( له - يب ) ولا مهر لها )(١) .
٤ - صحيح داود بن سرحان المروي في التهذيب عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: ( تردّ
___________________
(١) ص١٦٩ ج٢١ جامع الأحاديث.
على وليّها ويكون لها المهر على وليّها، وإن كان بها زمانة لا يراها الرجال، أُجيزت شهادة النساء عليها )(١) .
٥ - معتبرة غياث عن جعفر عن أبيه عليٍّعليهالسلام : في رجلٍ تزوّج امرأةً فوجدها برصاء أو جذماء، قال:
( إن كان لم يدخل بها ولم يبيّن له، فإن شاء طلّق وإن شاء أمسك، ولا صداق لها، وإذا دخل بها فهي امرأته )(٢) .
أقول : يُحمل الطلاق على معناه اللُّغوي، والدخول على الدخول بعد العلم بالعيب جمعاً بينه وبين ما مرّ.
٦ - صحيح معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجلٍ تزوّج امرأةً فعلم بعد ما تزوّجها أنّها كانت زنت، قال:
( إنْ شاء زوجها أنْ يأخذ الصداق من الذي زوّجها، ولها الصداق بما استحلّ من فرجها، وإن شاء تركها )(٣) .
أقول : ظاهر الحديث هو تخيير الزوج بين ردّ الزوجة وتركها، لا بين أخذ المهر وعدمه.
٧ - صحيح أبي الصباح، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجلٍ تزوّج امرأة فوجد بها قرناً ؟
قال: فقال: ( هذه لا تحبل، ولا يقدر زوجها على مجامعتها، يردّها على أهلها صاغرةً ولا مهر لها. قلت: فإن كان دخل بها ؟
قال: إنْ كان علم بذلك قبل أنْ ينكحها - يعني المجامعة - ثمّ جامعها فقد رضي بها، وإن لم يعلم إلاّ بعد ما جامعها، فإنْ شاء بعد أمسك، وإنْ شاء طلّق )(٤) .
___________________
(١) ص ١٦٩ ج ٢١ جامع الأحاديث.
(٢) ص١٧٠ نفس المصدر.
(٣) ص١٦٥ المصدر.
(٤) ص١٧١ المصدر.
فالمستفاد من هذه الأحاديث التي اعتمدنا عليها لاعتبار إسنادها أُمور:
١ - للزوج ردّ زوجته عن البرص والجذام والجنون والعفل والقرن، وهذا ممّا لا إشكال فيه، وكذا له ردّها عن الإفضاء والزمانة إذا دلّست للحديث الثالث، وكذا له ردّ العمياء والعرجاء للحديث الرابع، ومَن زنت قبل الزواج للحديث السادس، فله خيار الفسخ بهذه العيوب، إذا لم يكن عالِماً بها قبل العقد، أو لم يدخل بها بعد العلم بها، وإلاّ فلا خيار له.
٢ - ألحق المشهور كما في الجواهر(١) الرتق بالعيوب المذكورة، وقال صاحب الجواهررحمهالله : بل الظاهر دخوله في العفل، وهو كون الفرج ملتحماً على وجهٍ ليس للذكر مدخل فيه.
أقول : الحديث السادس يشمله بمدلوله المطابقي.
وعن الغزالي إلحاق ضيق المنفذ زائداً على المعتاد بحيث لا يمكن وطؤها إلاّ بافضائها به(٢) ، ونفى البأس عنه في الجواهر(٣) .
أقول : وهو كذلك للحديث السادس.
٣ - وفي محكي المصباح: أن الزمانة مرض يدوم زماناً طويلاً.
وعن الصحاح: أنّها آفة تكون في الحيوانات، ورجل زمن أي مبتلى بين الزمانة.
وفي المنجد: الزمانة: العاهة، عدم بعض الأعضاء، تعطيل القوى، الحب.
وقيل: إنّ المتبادر في أعصارنا منها الإقعاد، والأصل عدم النقل، والظاهر هو مدرك فتوى السيّد الأُستاذ الخوئيقدسسره حيث فسّره في كتابه توضيح المسائل ب- زمين گير، ولكنّه ضعيف، فإنّ قوله في صحيح ابن
___________________
(١) ص٣٣٧ ج٣٠.
(٢) جواهر الكلام ج ٣٠ ص ٣٣٨.
(٣) ص٣٣٨ ج٣٠.
سرحان ( وإن كان بها زمانة لا يراها الرجال ).
ظاهر في إرادة الأعمّ من الإقعاد فإنّه يراه الرجال والنساء معاً، والظاهر أنّ الإمام بعدما ذكر العرجاء البرصاء والعمياء - وهي من الزمانة الظاهرة للرجال والنساء - أراد أنْ يذكر الزمانة المخفيّة على الرجال، لكن لا دليل على تعيين الزمانة المقصودة للإمامعليهالسلام في هذا الخبر، ولا يصحّ الالتزام بها إذا فسّرناها بمطلق العاهة الطويلة زماناً.
نعم الإقعاد من أظهر مصاديقها، ولعلّه المراد في صحيح أبي عبيدة، ولعلّ هذا الصحيح هو مدرك سيّدنا الأُستاذ في فتواه، ويمكن أن نحمل عليه ما في صحيح ابن سرحان، ونقول: إنّ الإقعاد ربّما يكون ظاهراً للرجال والنساء، وربّما لا يظهر إلاّ على النساء ؛ لاحتياج معرفته لمزيد الدقّة الموقوف على خلع الخمار، لكن فيه إشكال وبحث.
وأمّا شمولها للأمراض المُعْدية المهلكة التي لا علاج لها، كالايدز مثلاً، إذا تحوّل من الكمون إلى المرض ففيه وجهان، من صحّة الانطباق، ومن عدم ذهاب المشهور إليه.
وفي شمولها لمقطوعة اليد أو الرجل أو الأُذنين، أو مجدوعة الأنف، أو مقطوعة الشفتين، ومنحنية الظهر، ومَن لا شعر على رأسها، وجهان أيضاً، من صدق الزمانة - ولو مع الأخذ بمصاديق الزمانة الظاهرة - ومن أولويّة بعضها من العرجاء، ومن عدم فتوى المشهور بثبوت الخيار، فتأمّل.
٤ - لم ينقل ُعن المشهور جواز الفسخ بزناها قبل العقد، خلافاً لظاهر الحديث السابع(١) ، ولا بوضع حملها من الزنا قبل العقد خلافاً لصحيح الحلبي(٢) ، ولا بزناها بعد العقد وقبل الدخول مع قول الكاظمعليهالسلام
___________________
(١) لاحظ ص١١٧ ج٣٠ الجواهر.
(٢) لاحظه في ص٦٠١ ج١٤ الوسائل.
في صحيح الفضيل بن يونس: ( يفرّق بينهما، وتحدّ الحدّ، ولا صداق لها )، ولا بزناه بعد العقد مع دلالة صحيحة علي بن جعفر على التفريق بينه وبين أهله، نعم التفريق غير الخيار، كما لا يخفى، لكنّ المشهور لم يقل به ظاهراً، ولعلّه لصحيحة رفاعة أنّه لا يفرق بينهما إذا زنى قبل أنْ يدخل بها(١) في خصوص زنا الرجل، ولابُدّ لتحقيق هذا الموضوع من الرجوع إلى الكتب الفقهيّة المفصلة.
٥ - تعرّضت جملةٌ من هذه الروايات لحكم المهر وردّه، ولا موجب لبحثه هنا، ومَن شاء التحقيق فيه فعليه الرجوع إلى المطوّلات الفقهيّة.
هذا كلّه ما يتعلّق بعيوب المرأة.
وأمّا عيوب الرجل الموجبة لخيارها، والمجوِّزة لردّ الزوج، فقد ثبت بعضها فيما سبق وهو: البرص، والجذام، والجنون، على الأظهر.
وأما البقيّة فإليك نقل أحاديثها المعتَبَرة:
١ - موثّقة سماعة عن الصادقعليهالسلام أنّ خصياً دلّس نفسه لامرأة، قال:
( يفرّق بينهما، وتأخذ المرأة منه صداقها، ويوجَع ظهره كما دلّس نفسه )(٢) .
٢ - موثّقة بكير، المرويّة في الكتب الأربعة عن أحدهماعليهماالسلام ، في خصي دلّس نفسه لامرأةٍ مسلمةٍ فتزوّجها، فقال: ( يُفرّق بينهما إنْ شاءت ( المرأة ) ويوجع رأسه، وإن رضيت ( به ) وأقامت معه ؛ لم يكن لها بعد رضاها ( به ) أنْ تأباه )(٣) .
___________________
(١) ص٦١٦ المصدر.
(٢) ص١٧٣ ج٢١ جامع الأحاديث.
(٣) ص ١٧٣ ج ٢١ جامع الأحاديث.
٣ - صحيح أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن امرأةٍ أبتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أتفارقه ؟ قال: ( نعم إنْ شاءت )(١) .
أقول : مدلول الحديث أنّه إذا عجز الزوج - بأيّ سببٍ كان - عن الجماع فللزوجة الخيار، وبطريقٍ أولى يثبت لها الخيار، إذا كان الزوج عاجزاً عنه قبل الزواج، وهو ظاهر.
ويعارضه الحديث السابع على وجه.
٤ - موثّقة عمّار عن الصادقعليهالسلام أنّه سُئل عن رجلٍ أخذ عن امرأته فلا يقدر على إتيانها، فقال:
( إن كان لا يقدر على إتيان غيرها من النساء، فلا يمسكها إلاّ برضاها بذلك، وإنْ كان يقدر على غيرها، فلا بأس بإمساكها )(٢) .
أقول : في الحديث احتمالان:
الأوّل : أنّ التفصيل ناظر إلى وظيفة الزوج في جواز الإمساك مطلقاً، أو مشروطاً برضاها، و أمّا المرأة فلها الفسخ سواءٌ قدر هو على غيرها أم لا ؛ عملاً بالحديث الأوّل.
الثاني : أنّ القدر المتيقَّن في مقام التخاطب في التفصيل هو فرض أخذ الزوج عن زوجها، وقد فسّره بعضهم بالسحر.
وفي المنجد: أخذه: سحره، الأُخْذة رُقْية كالسحر يُؤخذ بها.
ويحتمل كونه مقيِّداً لإطلاق الحديث السابق، ولكن لا أعتمد على التقييد المحتمل المذكور على نحو الإطلاق، بل في خصوص المسحور كما عرفت.
٥ - صحيحة محمّد بن مسلم - على المشهور - عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ( العنّين يتربّص به سنة، ثمّ إن شاءت امرأته تزوّجت، وإن شاءت
___________________
(١) ص١٧٥ نفس المصدر.
(٢) ص١٧٥ نفس المصدر.
أقامت )(١) .
أقول : في طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد، إشكال ذكرناه في كتابنا بحوث في علم الرجال ( الطبعة الثالثة ) فما لم أفز على حلّه، لا اعتمد على ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد كهذه الرواية.
٦ - موثّق حسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن عليٍّعليهالسلام : ( أنّه كان يقضي في العنّين أنْ يؤجّل سنةً من يوم ترافعه الامرأة )(٢) .
أقول : لا دليل على وصول نسخة من مصدر هذه الرواية - وهو كتاب قرب الإسناد - إلى المجلسي والحرّ - رحمهما الله - بسندٍ معتَبَرٍ، بل الظاهر أنّهما ينقلان عنه وجادة، ولا اعتبار به.
٧ - موثّقة إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيهعليهالسلام أنّ عليّاً كان يقول:
( إذا تزوّج ( الرجل ) امرأةً فوقع عليها مرّة، ثمّ أعرض عنها فليس لها الخيار لتصبر، فقد ابتُليت، وليس لأُمّهات الأولاد ولا للإماء، ما لم يمسّها من الدهر إلاّ مرّة واحدة خيار )(٣) .
أقول : قولهعليهالسلام : ( ثمّ أعرض عنها ) فيه إجمال، وغير ظاهر في مَن عجز عن الوطء، فلاحظ. وعلى تقدير إرادته منه فهو معارَض بالحديث الثالث.
٨ - صحيح أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول:
(... وهي بكر فزعمت أنّه لم يصل إليها فإنّ مثل هذا تعرف ( تعرفه ) النساء، فلينظر إليها من يوثق به منهنّ، فإذا ذكرت أنّها عذراء فعلى الإمام أنْ يؤجّله سنةً ( واحدة )، فإن وصل إليها، وإلاّ فرّق بينهما وأُعطيت نصف الصداق، ولا عدّة
___________________
(١ و٢) ص١٧٦ نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر والحديث لا يخلو عن إجمال، ويمكن أن نجعل ذيله قرينةً على إرادة الأمَة من صدره، والله العالم.
عليها )(١) .
٩ - معتبرة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيهعليهالسلام ( أنّ عليّاًعليهالسلام لم يكن يردّ من الحمق ويردّ من العسر )(٢) . إذا تقرّر ذلك فهنا مباحث:
الأوّل : للزوجة حقّ الفسخ إذا ظهر زوجها خصياً، وفي الشرائع والجواهر(٣) :
وأمّا الخصاء بالكسر والمدّ فهو سلّ الأُنثيين أي إخراجهما، وفي معناه بل قيل منه الوجاء بالكسر ورضّهما، فالمشهور بين الأصحاب أنّه عيب تتسلط به الامرأة الجاهلة على الفسخ... ولا إشكال في الوجاء مع فرض كونه فرداً منه، وإنْ كان مشكلاً إلاّ أنْ يُفهم التعليل من قولهعليهالسلام (كما دلّس نفسه ) انه بمعناه، ومنه يُستفاد ثبوت الخيار حينئذٍ في فاقد الأُنثيين خلقةً ونحوه، ممّا هو كالخصي والموجوء إنْ لم يكن داخلاً فيها.
وقيل: إنّ النصوص جميعاً اشتملت على التدليس، ولعلّ خيارها من جهته لا من حيث كونه عيباً، إلاّ أن يُقال: يكفي في التدليس عدم إخباره بنفسه، بل لو لم يكن الخصاء عيباً لم يتحقّق الخيار بتدليسه أيضاً، فتأملّ.
قال الشيخ الأنصاريقدسسره في بعض رسائله في بعض مسائل النكاح المطبوعة مع مكاسبه ( ص ٣٩٨ ): الثاني في التدليس، وهو إظهار صفة كمال في المرأة مع انتفائها عنها، أو إخفاء صفة نقص(٤) ، والفرق بينه وبين العيب أنّ منشأ الخيار في العيب مجرّد ثبوته في الواقع، وفي التدليس اشتراط الصفة، بحيث لولا الاشتراط لم يثبت، فلو تزوّجها على أنّها حرّة
___________________
(١) ص١٧٨ نفس المصدر.
(٢) التهذيب ج ٧ ص ٤٣٢ نسخة الكومبيوتر.
(٣) ص٣٣٢ وص ٣٢٤ ج٣٠.
(٤) ويكفي في الإخفاء السكوت عن بيان العيب، كما يُفهم من الأحاديث المتقدّمة.
باشتراط ذلك في متن العقد، أو ذكره قبله، بحيث أجريا العقد على ذلك، فخرجت أمَةً فله الفسخ عملاً بمقتضى الشرط، إذ ليس فائدته إلاّ التسلّط مع عدمه، انتهى.
وقال بعض المؤلِّفين: ويظهر الثمرة فيما إذا لم يدلّس نفسه لها، بل اعتقد أنّها تعلم الحال أو جهل بكونه خصياً، فإنّه ليس لها الخيار فيه بناءً على كونه من جهة التدليس، ويكون لها الخيار فيه بناءً على كونه من جهة الخصاء.
أقول : وتوقّف سيّدنا الأُستاذ الخوئيرحمهالله في ثبوت الخيار في غير فرض التدليس، وأوجب الاحتياط(١) ، ولعلّه للإشكال في صحّة الشرط في النكاح، كما سيأتي بحثه.
واعلم أنّه لا ينفكّ التدليس عن نكاح الخصي إلاّ نادراً، فإنّ المرأة لا ترضى بنكاح الخصي، وإنّما ترضى بزواج الرجل مبنيّاً عليه ولو ارتكازاً، ولا يعتبر في تحقّق الشرط ذكره قبل العقد، أو في متنه، بل يكفي الارتكاز العقلائي فيه، بحيث لو علم أحد الزوجين بانتفائه لم يقدم على النكاح، فلا فرق بين كون الخيار من ناحية التدليس أو من ناحية العيب، فالخيار لها ثابت تقييداً في الحصر المذكور في صحيح الحلبي، وفي إلحاق غير الخصي إذا لم ينزل به وجهان.
الثاني : العنن كما في الشرائع والجواهر: مرض تضعف معه القوّة عن نشر العضو بحيث يعجز عن الإيلاج، ويفسخ به العقد، بل الإجماع بقسميه عليه ،... وإنْ تجدّد بعد العقد كما هو المعروف بين الأصحاب ،
___________________
(١) الفقه ج ٦٦ ص ٢١.
بل لا أجد فيه خلافاً منا، بل الإجماع بقسميه عليه... لكن بشرط أنْ لا يطأ زوجته ولا غيرها، فلو وطأها ولو مرّة ثمّ عنّ، أو أمكنه وطء غيرها مع عننه عنها لم يثبت لها الخيار على الأظهر الأشهر.
أقول : وطء غير الزوجة مع عننه عنها لا يتمّ إلاّ برجوع المرض إلى الحالة النفسيّة، دون المرض الفيزيكي والنقص البدني، كما لا يخفى.
والعمدة أنّ هذا العنوان لم يثبت عندي بحديثٍ معتَبَرٍ سنداً، كما تعلم ممّا سبق، وإنّما العناوين المأخوذة في الأحاديث المعتَبَرة المتقدِّمة هي:
١ - غير القادر على الجماع.
٢ - المسحور غير القادر على الاتيان
٣ - المعرض عن الزوجة
٤ - غير الواصل إليها.
لكن لا يبعد الاطمئنان بصدور هذه الكلمة من جمع الروايات الواردة فيه من الإمامعليهالسلام .
الثالث : إنّ صحيح أبي بصير مطلق، وإنّه متى لم يقدر الزوج على الجماع فللمرأة المفارقة، ولا يبعد ظهوره في عجزه عن مطلق الجماع لا عن جماع الزوجة فقط، فتأمّل، إذ المنصرف إليه هو جماع الزوجة ؛ نعم هو مصرّح به في موثّقة عمّار، لكن لا يقيّد به إطلاق غيره، والمتيقَّن اختصاصه بموضوعه وهو المسحور على كلا الاحتمالين المذكورين في الموثّقة.
نعم، الإطلاق مقيَّد بما في صحيح أبي حمزة.
والنتيجة : أنّ مَن لم يقدر على جماع زوجته ولو بعد الدخول بزمان(١) فبعد مرافعة الزوجة يؤجّله الإمام سنةً، فإن قدر عليه فهو وإلاّ فلها الخيار.
وأمّا موثّقة إسحاق، فنردّ علمها إلى مَن صدرت عنه.
___________________
(١) خلافاً للأشهر، كما مرّ عن الجواهر.
الرابع : الحديث الثالث يشمل المجبوب أيضاً، إذا لم يبق له ما يمكن معه الوطء ولو بمقدار الحشفة، وإلاّ لا دليل على خيارها، نعم لا فرق في حدوث الجبّ قبل العقد أو بعده لإطلاق الحديث، خلافاً لجماعة.
الخامس : الحمق لا يوجب الخيار، كما يوجبه العسر، على ما في الحديث الأخير، والظاهر أنّ المراد به عجز الزوج عن النفقة الواجبة، لكن في الجواهر ( ص٣٢٦ ج٣٠ ) ( من العنن )، مكان ( من العسر ) وعن معلّق الجواهر أنّ الموجود في الوافي ج١٢ ص٨٤ ( الباب ٨٨ من أبواب النكاح ) نقله ( أي من العنن ) عن التهذيب أيضاً، وعليه فلا يُدرى الصحيح من المحرَّف، فلا يصحّ التمسّك بالكلمة المذكورة.
بقي في المقام فوائد مهمّة
الفائدة الأُولى : الشرط في العقد أعمّ من المذكور في متنه، ومن المركوز الذي يبني عليه المتعاقدان، بحيث لولاه لم يقدما على العقد على الأظهر، خلافاً للشيخ الأنصاري ( قدّس الله روحه الزكيّة ) في بحث خيار المجلس ( ص٢٢١ مكاسبه ) وفي بحث الشروط - حيث ذهب إلى عدم شمول أدلّة وجوب العمل بالشروط للشرط البنائي - ووفاقاً للسيّد الطباطبائي في محكّي حاشية المكاسب ص١١٨، حيث قال: في تعليل وجوب الوفاء بالشرط الذي وقع العقد مبنيّاً عليه، وإن لم يذكر في متنه: والوجه فيه صدق الشرط على هذا المقدار من التواطؤ والتباني، فيشمله عموم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) وأيضاً قيد معنوي، فيدلّ عليه عموم أوفوا بالعقود، انتهى.
وما أشار إليه في آخر كلامه هو الذي صرّح به الشيخ نفسه أيضاً ،
قال(١) .
نعم يمكن أنْ يُقال: إنّ العقد إذا وقع مع تواطئهما على الشرط كان قيداً معنويّاً له، فالوفاء بالعقد الخاص لا يكون إلاّ مع العمل بذلك الشرط، ويكون العقد بدونه تجارة لا عن تراض، إذ التراضي وقع مقيّداً بالشرط(٢) .
أقول : وعليه فلا يبقى فرق بين القولين في النتيجة ظاهراً، فلاحظ.
وعلى هذا فيمكن أن يُقال: إنّ كثيراً من العيوب والأمراض المُعْدية، وبعض الأوصاف المنفِّرة شروط بنائيّة في عقد النكاح، بل يستحي الزوج أو الزوجة عن الاعتراف بالزوجيّة في مواردها، لكنّ هذه المنفِّرات على قسمين.
قسم ممّا يتّفق عليه الزوجان، وقسم يخصّ بأحدهما هو الأكثر، فإنّ كلاًّ من الزوجين يشترط بنائيّاً وارتكازيّاً عدم العيب والنقص في الآخر، ولا بناء للآخر على اشتراط عدم العيب في نفسه، فلا يثبت الخيار عند التخلّف، وهل يصحّ مثل هذا العقد الذي يشترط أحد الزوجين بنائيّاً أشياء، ولا يقبله الآخر بنائيّاً ؟!
والجواب محتاجٌ إلى تأمّل.
الفائدة الثانية : قضيّة إطلاق قولهعليهالسلام : المسلمون عند شروطهم نفوذ الشرط في كلّ عقدٍ، حتّى في عقد النكاح، وأنّه لابُدّ من الوفاء به، لكنّ الفقهاء أبطلوا الشرط في عقد النكاح، ولم يثبتوا الخيار فيه بالشرط فيه، حتّى قال صاحب الجواهررضياللهعنه : بل لعلّ منافاته لعقد النكاح من ضروريّات الفقه(٣) ، وعن المحقّق الثاني في جامع المقاصد ( ج١ ص٢٤٤ ): وإنّما لم
___________________
(١) ص٣٨٢ المكاسب، الطبعة القديمة.
(٢) ولاحظ ص١٦٧ ج٢ الشروط للسيّد الشهيد محمّد تقي الخوئيرحمهالله .
(٣) ص١٤٩ ج٢٩ ولاحظ البحث هناك.
يدخل خيار الشرط النكاح مع تناول عموم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( المؤمنون عند شروطهم ) ؛ للإجماع، ولأنّه ليس عقد معاوضة ليشرع له اشتراط التروّي والاختيار، ولشدّة الاحتياط في الفروج ؛ ولأنّ فيه شائبة العبادة، ولأنّ رفعه متوقّف على أمرٍ معيّنٍ ( يريد به الطلاق )، فلا يقع لغيره.
فهذه وجوه خمسة في وجه عدم دخول خيار الشرط النكاح، وزاد بعضهم وجهاً سادساً، وهو استلزامه لابتذال المرأة وهو ضرر عليها.
وفي كشف اللثام: ولو شرط الخيار في النكاح بطل العقد في المشهور، وهو الوجه ؛ لأنّ فيه شائبة العبادة لا يقبل الخيار، ولم يتراضيا إلاّ بما دخله الخيار، فلم يريدا بلفظ العقد معنى النكاح، فيلغو، وابن إدريس صحّح العقد وأبطل الشرط لوجود المقتضي وهو عقد النكاح، وإنما فسد شرط الخيار، فيلغو ولا يفسد به العقد كغيره من الشروط، وللوجهين تردّد المحقّق(١) .
أقول : وقوله ( ولم يتراضيا إلاّ...) هو الذي اختاره سيّدنا الأُستاذ الخوئي بتفاوت ما(٢) ، فهذه الوجوه علل وأسباب لبطلان العقد بدخول خيار الشرط. لكن جميع هذه الوجوه غير قويّة وغير قابلة للاعتماد(٣) ، على أنّ كلمات جملةٍ من الفقهاء ربّما تدلّ على جواز الشرط في النكاح، فعن الشهيد في اللّمعة: ولو شرط كونها بنت مهيرة فظهرت بنت أمَة، فله الفسخ، وعلّله الشهيد الشارح: بمقتضى الشرط.
ويقول صاحب الجواهر(٤) عند قول المحقّق: إذا تزوّج امرأةً وشرط
___________________
(١و٢و٣) لاحظ تفصيل البحث في ص٣٠ إلى ص٤١ ج٢ من كتاب الشروط، وجعل مختار والده ( سيّدنا الأُستاذ الخوئيرحمهالله ) وجهاً مغايراً للوجوه الستّة وادّعى أنّه من ابتكار والده ).
(٤) ص٣٧٦ ج٣٠.
كونها بكراً فوجدها ثيّباً: وثبت بالإقرار أو البيّنة سبق ذلك على العقد، كان له الفسخ ؛ لانتفاء الشرط الذي قد عرفت أنّ فائدته ذلك، ولعلّه لا خلاف فيه كما لا إشكال... مع الفتوى من غير خلاف منهم في تحقّق الخيار مع شرط الصفات، ككونها بنت مهيرة ونحوها، لدليل الشرطيّة القاطع للأصل وغير متوقّف على العيب، فراجع تمام كلامه.
وعن العلاّمة في بحث تدليس القواعد: كلّ شرطٍ يشرطه في العقد يثبت له الخيار مع فقده، سواء كان دون ما وصف أو أعلى على إشكال.
ويقول المحقّق الثاني في شرح هذا الكلام: لا ريب أنّ كل ما يشترط الزوج في عقد النكاح من صفات الكمال، ممّا لا ينافي مقصود النكاح، ولا يخالف الكتاب والسنّة صحيح، فإذا تبيّن انتفاءه وخلوّها من الكمال لم يكن النكاح باطلاً ؛ لأنّ فقد الشرط لا يقتضي بطلانه، ولكن يثبت للمشترط الخيار... وذهب الشارح الفاضل ولد المصنِّف إلى بطلان هذه الشروط، محتجّاً ببعد النكاح عن قبول الخيار، قال: وإنّما يصحّ شرط الحريّة، والنسب، والبكارة، وما يرى في الكفاءة للنصّ.
ولقائلٍ أنّ يقول: إنّ النصّ لم يرد بثبوت الخيار باشتراط البكارة، فيكون اشتراطه خروجاً عن النصّ، ومع ذلك فالكتاب والسنّة واردان بصحّة الشرط السائغ الذي ينافي مقتضى النكاح، وما يلزم منه ثبوت الخيار بفواته، فيكون الخيار حينئذٍ ثابتاً بالنصّ. ولو سلم فالبعيد عن النكاح اشتراط الخيار، لا اشتراط ما يقتضى فواته الخيار(١) .
أقول : لا بُعد في أنْ يكون إنكار المشهور متعلِّقاً باشتراط الخيار في عقد النكاح، بأنّ يفسخه المشروط له متى ما شاءه بلا وجه، فإن أراد المشهور
___________________
(١) ص٤١١ ج٢ جامع المقاصد، كما في ص ٣٧ ج ٢ الشروط.
ذلك، فلا مضايقة في المنع عنه ؛ لما ذكره سيّدنا الأُستاذ الخوئيرحمهالله (١) .
وإن أرادوا شرط ما يقتضي فواته الخيار فلا نقبل، وقد عرفت من القواعد واللّمعة وشرحها، ومن الجواهر وغيرها خلافه، فما ذكره المحقّق الثاني هو الأقوى.
وخلاصة الكلام : أنّ إثبات الخيار للزوج أو الزوجة في غير الموارد المنصوصة المتقدِّمة أحد أُمور:
١ - الشرط البنائي والارتكازي إذا تخلّف، فإنّه يوجب الخيار ولو لأجل التدليس.
٢ - قاعدتا نفي الحرج والضرر وقاعدة نفي العسر.
٣ - الاشتراط في متن العقد وهذا أحسن.
الفائدة الثالثة في التدليس:
في الجواهر: هو تفعيل من المدالسة بمعنى المخادعة، والدلس محرّكاً الظلمة، فكأنّ المدلِّس لما دلّس وخدع، أظلم الأمر على المخدوع، ذكروه في كتاب البيع، وأثبتوا به الخيار إن فعل ما يظهر ضدّ الواقع كتحمير وجه الجارية... إلاّ أنّ الذي يظهر من نصوص المقام، بل هو صريح جماعةٍ من الأصحاب تحقّقه هنا ( أي في عقد النكاح ) بالسكوت عن العيب مع العلم به فضلاً عن الإخبار بضدّه(٢) .
ثمّ إنّه قد يتحقّق العيب من غير التدليس، كما لو كان خفيّاً على
___________________
(١) لاحظ كتاب الشروط لابنه الشهيد محمّد تقي الخوئيرحمهالله .
(٢) ما أفادهقدسسره من تحقّق التدليس بالسكوت نظر إلى نصوص المقام ممّا لا شكّ فيه، وهو الصحيح، ولا ينافيه ما تقدّم عن الشيخ الأنصاريقدسسره في بعض رسائله في النكاح، فإنّ الإخفاء الذي ذكره يتحقّق بالسكوت أيضاً، نعم بعض مَن عاصرناه من أهل الفتوى اختار في تفسير التدليس الإخبار بضدّ الواقع، كما تكرّر منه في جواب أسئلة مقلِّديه، وضيق الأمر على الناس.
الزوجة ووليّها، والتدليس من غير عيبٍ كالحريّة والبكارة والنسب... وفقد سائر صفات الكمال، والتدليس والعيب معاً كمن دلّس بالعيب.
وفي صحيح محمّد بن القاسم بن فضيل، عن أبي الحسنعليهالسلام في الرجل يتزوّج المرأة على أنّها بكر فيجدها ثيّباً أيجوز له أنّ يقيم عليها ؟ قال: فقال: ( قد تُفتق البكر من المركب ومن النزوة)(١) .
وفي صحيح محمّد بن جزك، قال: كتبت إلى أبي الحسنعليهالسلام أسأله عن رجلٍ تزوّج جاريةً بكراً فوجدها ثيّباً، هل يجب الصداق لها وافياً أم ينتقص ؟ قال: ( ينتقص )(٢) .
أقول : تقدّم عن الجواهر أنّه إذا ثبت سبق ذلك على العقد كان له الفسخ... ولعلّه لا خلاف فيه...
وقال أيضاً: بل لا يبعد ثبوت الخيار معه، وإنْ لم يذكر ذلك شرطاً في متن العقد، وإنّما كان بتدليس منها أو من وليّها، لما سمعته في المسائل السابقة انتهى كلامه(٣) .
وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ...: وقال في رجلٍ يتزوّج المرأة فيقول لها أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك ؟ فقال: ( تفسخ النكاح، أو قال: ترد )(٤) .
___________________
(١) ص١٨٩ ج٢١ جامع الأحاديث. ونزا ينزوا: وثب يثب. والوثبة: النهوض والقيام. وقفز: وثب.
(٢) نفس المصدر، وفي كيفيّة نقص المهر أقوال.
(٣) ص٣٧٧ ج٣٠ وقال في محلٍّ آخر ( ص١١٤ ج٣ ) بل يقوى في النظر ثبوت الخيار إذا تزوّجها على الوصف الذي دلّست به فبان الخلاف، وإن لم يشترط ذلك في متن الخيار ؛ فلاحظ وتأمّل والله العالم. انتهى.
(٤) ص٦١٤ وص٦١٥ ج١٤ الوسائل.
أقول : في نسخة الكومبيوتر من الوسائل، نقل
=
أقول : فإذا جاز لها بتدليس مثل هذا الأمر، جاز لها الردّ بتدليس أُمورٍ كثيرةٍ أُخرى بطريقٍ أولى.
نعم صحة الرواية مبينة على صحّة طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد في مشيخة التهذيب وفيه إشكال - ولا عبرة بصحّته في الفهرست - خلافاً للمشهور أو الكلّ في تصحيح طريق الشيخ إليه(١) .
وفي الجواهر: قد تكرّر منّا غير مرّة قوّة ثبوت الخيار بالتدليس بصفةٍ من صفات الكمال على وجهٍ يتزوّجها كذلك، فبان الخلاف - أي صفة كانت - لظهور نصوص التدليس فيه... بل يمكن دعوى تحصيل الإجماع منهم هنا على أنّ شرطيّة الصفات توجب الخيار إذا بان الخلاف، نعم لو كان الشرط من الأفعال أمكن القول بعدم الخيار بتعذّره، أو امتناعه ؛ للفرق بين النكاح والبيع بذلك، بل يلزم المشترط عليه بأدائه...(٢) .
وقال السيّد السيستاني: يتحقّق التدليس بتوصيف المرأة للرجل عند إرادة التزويج بالسلامة من العيب، مع العلم به بحيث صار ذلك سبباً لغروره وخداعه، فلا يتحقّق بالإخبار لا للتزويج أو لغير الزوج، والظاهر تحقّقه أيضاً بالسكوت عن بيان العيب، مع العلم به وإقدام الزوج بارتكاز السلامة
___________________
=
الرواية مسندة عن أبي عبد اللهعليهالسلام لكن في جامع الأحاديث ص١٦٥ ج٢٠ نقلها مضمرة، قال سألته وهو المصرَّح به في الجواهر، ونقل عن كشف اللّثام وغيره: أنّه لا يجدي أنّ الحلبي أعظم من أن يروي نحو ذلك عن غير الإمام، لاحتمال رجوع الضمير إلى الحلبي ويكون الراوي ( أي حمّاد ) عنه سأله ( ص١١٢ ج٣٠ )
أقول : هذا الاحتمال ضعيف خلاف الظاهر، فلاحظ، وعلى كلٍّ ادّعى الشهيد الثاني أن الأكثر على أنّه ليس للمرأة الفسخ بذلك.
(١) لاحظ كتابنا: بحوث في علم الرجال، الطبعة الثالثة.
(٢) ص٣٨٥ وص٣٨٦ ج٣٠.
منه(١) .
الفائدة الرابعة : فيما يترتّب على عدم إنفاق الزوج.
في صحيح الفضيل وربعي عن الصادقعليهالسلام في قوله عزّ وجلّ:( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ ) (٢) قال: ( إنْ أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوةٍ وإلاّ فرّق بينهما )(٣) .
وفي صحيح أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول:
( مَن كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها، ويطعمها ما يقيم صلبها ؛ كان حقّاً على الإمام أنْ يفرّق بينهما )(٤) .
أقول : ويؤيّدهما جملة من الروايات الواردة بمعناهما، غير المعتبرة سنداً، ومقتضى قوله تعالى:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (٥) . عدم قيموميّة الزوج على الزوجة في فرض عدم الإنفاق عجزاً أو عناداً، بناءً على أنّ علّة القيمومة مجموع الفضيلة الطبيعيّة والإنفاق، لا كلّ واحدة منهما.
اذا تقرّر ذلك فها هنا أبحاث:
١ - إطلاق الحديثين يشمل الفقير والواجد الممتنع، غائباً كان أو حاضراً.
٢ - هل يجري الحكم المذكور في عدم إسكان الزوجة مسكناً، خصوصاً مع احتياجها إليه ؟
فيه وجهان، من وجوبه عليه كالإطعام
___________________
(١) ص٨٧ ج٣ منهاج الصالحين.
(٢) الطلاق آية ٧.
(٣ و ٤) ص٤٥٢ ج٢١ جامع الأحاديث.
(٤) النساء آية ٣٤.
والكسوة، ومن عدم ذكره فيهما. وهكذا الكلام في عدم تهيئة الأدوية اللاّزمة.
٣ - التفريق ليس واجباً على الإمام مطلقاً، وإنّما هو لرعاية حقّ المرأة، فلو لم ترافع إلى الحاكم لم يجز له طلاقها، وإن رافعت إليه، فإن كان زوجها واجداً أجبره على الإنفاق أو الطلاق، وقد دلّ بعض الروايات المعتبرة على أنّ ( مَن كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها، ولم يطعمها ما يُقيم صلبها ؛ كان حقّاً على الإمام أن يفرّق بينهما )(١) .
٤ - قيل: يجوز لها أنْ تأخذ من مال زوجها الممتنع ما تستحقّه بدون إذنه، ولا بأس به من باب التقاص، نعم في الغائب غير الممتنع الأحوط الاستئذان من الحاكم إنْ أمكن، وإلاّ جاز للحرج.
٥ - يجوز للحاكم أخذ مال الممتنع وبيعه لنفقتها، إذا طالبت ورافعت ؛ فإنّه وليّ الممتنع.
٦ - قيل: إنّ الطلاق باين غير رجعي.
أقول : ويُحتمل الرجوع في العدّة إذا صار الزوج موسراً، بعد ما كان معسراً، أو تاب ورجع إلى البذل، فتأمّل.
٧ - إذا تبيّن للزوجة إعسار الزوج، هل لها الخيار لقاعدة لا ضرر ؟
فيه وجهان(٢) ، لكنّ الترافع إلى الحاكم يدفع الضرر، إلاّ أنّ يجعل محلّ البحث فرض فقدان الحاكم الشرعي.
٨ - إذا تعمّد الزوج في إخفائه مصرّاً على عدم البذل، أو لا يمكن للحاكم لبُعد المكان ونحو ذلك، إجباره ؛ جاز له طلاقها عند مراجعتها لإطلاق
___________________
(١) جامع الأحاديث ج ٢١ ص ٤٥٢ - ٤٥٣.
(٢) لاحظ تفصيله ص١٠٤ وص١٠٥ ج٣١ الجواهر.
الحديثين فإنّهما لم يعلِّقا الطلاق على الإجبار بين الأمرين، بل إذا علم الحاكم بامتناع الموسر ؛ جاز الطلاق وإن أمكنه إبلاغه للإطلاق المذكور ؛ فما ذكره السيّد السيستاني من التقييد(١) غير مدلِّل إلا أن يدعى الانصراف.
وهكذا الأمر في توقّف طلاق الحاكم على عدم إمكان بيع مال الممتنع له، ولا للزوجة، وإن جاز بيعه لهما أو للحاكم وحده، فإنّه تقييد للإطلاق بلا وجه سوى دعوى الانصراف، فلاحظ.
٩ - إذا امتنع الموسر عن البذل، فهل يجوز لها ترك حقوقه ؟ قيل: فيه إشكال، والاحتياط لا يُترك.
أقول : وهذا الإشكال والاحتياط يُضعِّفان بقوله تعالى:( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) (٢) ، ونحوه من الآيات الواردة في ذلك.
خاتمة هذه المسألة التي طوّلناها استطراداً لخيار المرأة:
قال السيّد السيستاني ( طال عمره ): إذا هجر الزوج زوجته كليّاً فصارت كالمعلّقة، لا هي ذات زوج ولا هي مطلّقة، جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيلزم الزوج بالعدول عن هجرها، وجعلها كالمعلّقة، أو تسريحها، لتتمكّن من الزواج من رجلٍ آخر، فإذا امتنع منهما جميعاً، بعد استنفاذ كلّ الوسائل المشروعة لإجباره، حتّى الحبس لو أمكنه، يطلّقها بطلبها ذلك، ويقع الطلاق بائناً أو رجعيّاً حسب اختلاف الموارد، ولا فرق فيما ذكرنا بين بذل الزوج نفقتها وعدمه، وأمّا إذا صارت كالمعلّقة بغير اختياره، كما لو كان الزوج محكوماً بالحبس مدّةً طويلةً، فهل يجب عليه أنْ يطلّقها إذا لم ترض
___________________
(١) منهاج الصالحين ج ٣ ص ١٠٨.
(٢) البقرة آية ١٩٤.
بالصبر ؟ فيه إشكال، فالأحوط وجوباً له الاستجابة لطلبها في الطلاق، ولكن إذا امتنع عن الطلاق فعليها الانتظار حتّى يفرّج الله عنها.
وإذا كان يؤذّيها ويشاكسها بغير وجهٍ شرعيٍّ ؛ جاز لها رفع أمرها إلى الحاكم الشرعي ليمنعه من الإيذاء والظلم، ويُلزمه بالمعاشرة معها بالمعروف، فإنْ نفع وإلاّ عزّره بما يراه الحاكم، فإن لم ينفع - أيضاً - كان لها المطالبة بالطلاق، فإن امتنع منه ولم يمكن إجباره عليه ؛ طلّقها الحاكم الشرعي، انتهى كلامه(١) .
أقول : ويمكن أنْ نستدلّ على الموضوع الأوّل بقوله تعالى:( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاّ مِنْ سَعَتِهِ ) ( النساء ١٢٩ - ١٣٠ )، بدعوى أنّ المنهيّ عنه هو جعلها كالمعلّقة، سواء كان لحبّ ضرّتها أو لسببٍ آخر، وهذا النحو من الإمساك لاحقٌ للزوج، فيصحّ للحاكم طلاقها بعد امتناع الزوج منه ؛ لأنّ الحاكم وليّ الممتنع.
وأمّا وجه الاحتياط في فرض كون ذلك من غير اختياره في الموضوع الثاني، فلعلّه لاحتمال انصراف الآية إلى فرض الاختيار، وأمّا دليل الموضوع الثالث، فهو قوله تعالى:( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ ) (٢) .
وقوله:( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) (٣) ، بتقريبٍ عرفته.
ومع تعذّر الحاكم، هل لها الخيار بقاعدة لا ضرر، ونفي الحرج والعسر، وبما تقدّم من الآيات ؟ فيه وجهان.
___________________
(١) منهاج الصالحين ج٣ ص١٠٩.
(٢) البقرة آية ٢٢٩.
(٣) البقرة آية ٢٣١.
المسألة التاسعة والثلاثون
فوائد متفرّقة طبّيّة وعلميّة
١ - قيل إنّ نطفة الرجل تحمل الأشكال المتغائرة من كروموزمات اكسواى، والذي يحدّد نوع الجنين ذكراً أم أنثى هو الرجل، أمّا المرأة فليست إلاّ كالأرض التي تُنبت ما يُزرع بها( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) (١) .
وقيل إنّ المرأة أيضاً تحدّد نوع الجنين، بإفرازاتها التي تمكِّن هذا ولا تمكِّن ذاك الحيوان المنوي، ذكراً أو أنثى.
٢ - الكليّات الخمس التي هي مقاصد التشريع: عبارة عن: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والكمال، كما قيل.
٣- قيل الاخصّائيين صحيح لغةً، وإنّما الخطأ في نطقها بكسر الخاء دون فتحها، ومعنى أخصّي يعلم فنّاً واحداً، أو تخصّص في فنٍّ واحدٍ، اختصاصيّين سليم.
٤- قال بعض الأطبّاء: من المستطاع تشخيص الحمل ولمّا يأت موعد الحيضة التي ستغيب فإنّ التبويض أي خروج البويضة - يكون قبل الحيض لمدّة أُسبوعين، ثمّ نقول وتظل البويضة قابلةً للتّلقيح يوماً واحداً، فإذا لُقّحت بدأ الحمل، وانتقل من القناة إلى الرحم في خمسة أيّام، ويعلق بجدار الرحم، ولمّا يجيء ميعاد العادة وحين تقول ( الست ) كان ميعادها أمس ولم تأت، يكون الحمل عمره أُسبوعان، ويكون قد علق، ويكون لو
___________________
(١) الإنجاب في ضوء الإسلام ص ٤٤.
تتبّعنا بالتحليل يوماً بعد يوم، نستطيع أن نشخّص أنّ هناك حملاً قبل أن يأتي موعد الحيضة التي ستغيب(١) .
٥ - إنّ كلّ خليّةٍ بشريّةٍ خلقت لكي تتكاثر عدداً معيّناً من المرّات، بعد هذه المرّات تفقد مقدراتها على التكاثر تماماً ؛ لأنّ الخلايا ستتوقّف، وكلّ كائنٍ حيٍّ خلاياه فيها عددٌ معيّنٌ من مرّات الانقسام.
السلحفاة التي تعيش مئة عامٍ خلاياها تنقسم ٩٠ مرّة، والخلايا البشريّة تنقسم من أربعين إلى خمسين مرّة(٢) .
٦ - الشايع في الأوساط الطبيّة: أنّ الجينات تحوي الخصائص الفيزيائيّة، والخصائص النفسيّة والسلوكيّة كذلك، ويتحدّثون عن مشروع كتابة القاموس الإرثي كلّه، الذي يحتوي على ثلاثة ونصف بليون قاعدة إرثيّة، وهناك مشروع لإتمام قراءة هذا القاموس وتحديده خلال عشرة أعوام(٣) .
أقول : فتبارك الله أحسن الخالقين.
٧ - بعض از نويسندگان ميگويند: زيان هائيكه آميزش جنسي با زنان حايض ببار مى اورد زياد است مانند احتمال عقيم شدن مرد وزن او إيجاد يك- محيط مساعد براى برورش ميكرب بيماريهاى آميزشي چون سفليس وسوزاك ونيز التهاب اعضاى تناسلي زن ووارد شدن مواد حيض كه آكنده از ميكروبهاى داخل بدن است در عضو تناسلي مرد وغير اينها كه در كتب طب مذكور است.
وفّقنا الله تعالى لتأليف هذا الكتاب في سنة ١٣٧٥ ه-. ش ١٤١٧ه-. ق، في إسلام آباد عاصمة الباكستان.
___________________
(١) الإنجاب على ضوء الإسلام ص ٣٠٢.
(٢) الحياة الإنسانيّة بدايتها ونهايتها ص ٦٠٧.
(٣) رؤية إسلاميّة لزراعة بعض الأعضاء البشريّة ص ٩٢.
وليعلم أن ما نقلناه عن فقهاء أهل السنّة، ولم نذكر مصدره في بعض المقامات غفلةً فالمصدر هو أحد تلك الكتب الخمسة التي ذكرنا أسمائها في أوّل هذا الكتاب.
والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلّى الله على محمّدٍ
وآله الطاهرين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين
الفهرس
الفِقهُ والمَسائِل الطِبّيّة بقلم سماحة آية الله الشيخ محمد آصف المحسني ٣
المسألة الأُولى حُكمُ التداوي في الفقه ٩
فائدة ١٢
نظر المذاهب الأربعة حول التداوي ١٣
المسألة الثانية أثر الاضطرار والحرج والضرر والحاجة في رفع الأحكام الإلزاميّة ١٤
المسألة الثالثة ما يتعلّق بضمان الطبيب وعدمه ١٨
خاتمة ٢٤
المسألة الرابعة أحكام المسّ والنظر ٢٥
فروع فقهيّة: ٢٦
المسألة الخامسة بِدءُ الحياة الإنسانيّة ٢٨
متى تتعلّق الروح بالبدن ؟ ٥٦
المسألة السادسة حول إجهاض الجنين(١) ٥٩
الأقاويل حول تطوّر الجنين ٦٨
فرع: ٧٧
المسألة السابعة حكم المنع من الحمل ٨١
توضيحٌ طبّيٌّ حول التعقيم ٨٤
المسألة الثامنة أطفال الأنابيب ٨٥
بقي في المقام أمران ٩٧
المسألة التاسعة إقرار المنيّ في رحم الأُنثى الأجنبيّة ١٠٠
فروع: ١٠٥
المسألة العاشرة بنوك الألبان ١٠٦
المسألة الحادية عشرة معرفة جنس الجنين ١١٠
المسألة الثانية عشرة التحكّم في جنس الجنين ١١٢
تفصيل وتوضيح ١١٥
المسألة الثالثة عشرة تغيير الجنس ١١٧
المسألة الرابعة عشرة الإنجاب بلا زواج تمهيد: ١١٩
المسألة الخامسة عشرة المستقبل البيوتكنولوجي للإنسان ومعطيات النظام الاجتماعي ١٢٤
المسألة السادسة عشرة التحكّم في معطيات الوراثة ١٢٩
المسألة السابعة عشرة حكم البييضات الفائضة ١٣١
المسألة الثامنة عشرة في دفع الموت في الجملة ١٣٥
المسألة التاسعة عشرة نهاية الحياة الإنسانيّة ( ١ ) نظر الشريعة الإسلاميّة ١٣٩
توضيح وتقييم: ١٤٣
( ٢ ) موضع المخّ(١) من وجود الإنسان ١٤٥
( ٣ ) أيضاً المخّ والقلب ١٥٠
( ٤ ) اعتراضات على هذا القول وأجوبتها ١٥٢
( ٥ ) شواهد على صحّة قول الأطبّاء الجدد ١٥٨
( ٦ ) عجيبة ( ٧ ) علاقة الروح بالبدن ١٥٩
( ٨ ) الروح مجرّدة أو جسم لطيف ؟ ١٦٣
( ٩ ) القلب في القرآن ١٦٤
( ١٠ ) الصدر في القرآن ١٦٨
( ١١ ) علامات الموت والحياة ١٧٠
(١٢) لا يجب تحريك القلب على كلّ حال ١٧٢
( ١٣ ) الأحكام الفقهيّة للموت ١٧٣
المسألة العشرون حكم قطع أعضاء الميِّت ١٧٦
المسألة الواحدة والعشرون حكم قطع أعضاء الحيّ ١٨١
المسألة الثانية والعشرون أحكام متعلّقة باللّمس والنظر وتشريح الميّت وغير ذلك ١٨٨
المسألة الثالثة والعشرون حول إفشاء الأسرار ١٩٤
أصلٌ مفيدٌ ١٩٧
المسألة الرابعة والعشرون عمليات تجوز أم لا تجوز شرعاً ٢٠٥
المسألة الخامسة والعشرون حكم نزع الأعضاء وبيعها ٢١١
فرع : ٢١٣
المسألة السادسة والعشرون حكم غشاء البكارة وما يتعلّق به ٢٢٠
المسألة السابعة والعشرون حول زراعة الأعضاء التناسليّة ٢٣٢
زرع الخصية: ٢٣٣
فرعان: ٢٣٧
المسألة الثامنة والعشرون حول الحيض في فصول ٢٣٩
المسألة التاسعة والعشرون أقل مدّة الحمل وأكثرها ودم النفاس ٢٤٦
فائدة مهمة ٢٥٣
المسألة الثلاثون بعض الأعمال التجميليّة ٢٥٤
المسألة الحادية والثلاثون ما يتعلّق بالخنثى ٢٦٤
خاتمة ٢٧٤
المسألة الثانية والثلاثون نصب الأجهزة التعويضية لعلاج الضعف الجنسي إليكم ما نشرته يوميّة الوطن ذيل هذا العنوان القاهرة - الوطن ٢٧٦
المسألة الثالثة والثلاثون زراعة الخلايا والأنسجة داخل المخّ ٢٨٠
زراعة الأنسجة بغرض توفير الهرمونات العصبيّة ٢٨٢
المسألة الرابعة والثلاثون نزع عضوٍ من ناقص الخِلْقة ٢٨٥
المسألة الخامسة والثلاثون هل هو شخص سابق أو جديد ؟ ٢٨٧
المسألة السادسة والثلاثون توضيح حول مرض الإيدز ٢٨٩
خاتمة مؤسفة ٢٩٦
المسألة السابعة والثلاثون الأحكام الفقهيّة المتعلِّقة بمريض الإيدز وبكلّ مرضٍ مُعْدٍ ٢٩٨
فائدة طبّيّة حول الأمراض المُعْدِية ٣٠٢
المسألة الثامنة والثلاثون في العيوب المجوِّزة لفسخ النكاح ٣١٢
بقي في المقام فوائد مهمّة ٣٢٤
المسألة التاسعة والثلاثون فوائد متفرّقة طبّيّة وعلميّة ٣٣٥
الفهرس ٣٣٨