الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة

مؤلف: السيد السند السعيد القاضي نور الله التستري
مناظرات وردود

الصوارم المهرقة في جواب

الصواعق المحرقة

السيد السند السعيد القاضي نور الله التستري

الشهيد في سنة ١٠١٩ هجرية قمرية.

وطاب ثراهقدس‌سره

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى

قريبة إنشاء الله تعالى.


الصوارم المهرقة في جواب

الصواعق المحرقة

تأليف

السيد السند السعيد القاضي نور الله التستري

الشهيد في سنة ١٠١٩ هجرية قمرية.

قدس‌سره وطاب ثراه

عنيّ بتصحيحه

السيد جلال الدين المحدث

طهران چابخانة نهضت


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما حجر عنا حجارة إبن حجر وصير نار صواعقه رمادا بلا أثر فبهت الذي كفر وكأنه التقم الحجر والشكر على ما أيدنا بصوارم حجج قاطعة حاكمة فيما شجر وأعلمنا إنا على الحق الذي لا يزدجر ولو ساقونا إلى سعفات هجر ثم الصلاة على سيد الوبر والمدر الذي سبح في كفه الحصى وإستلمه الحجر وعلى إثنتي عشرة عينا بإشارتهم الى الحجر قد نبع الماء منه وإنفجر وشهد بإمامتهم البيت والركن والحجر وبعد فإن الشيخ الجاهل الجامد الحامل للزجاج الكامل في نقص الفطرة وسوء المزاج أبو المدر إبن حجر رخام الإنحراف وبرام الأعوجاج وراج بمشاركة إسم الحافظ العسقلاني بعض الرواج قد أظهر في مقام إيراد الشبهة والإحتجاج غاية الحماقة واللجاج فلم يميز العذب الفرات من الملح الأجاج ولا ضوء الصبح على المظلم الداج ورام رمي الناس بالحجر مع كون بيته من الزجاج بل حاول بيد قاصرة عن إقتباس قبس الإحتحاج وقدم داحضة في ميادين الحجاج


معارضة المقتبسين عن مشكاة القرآن والولاية بالطبع الوهاج ومبارزة رجال المنايا وأسود الهياج المتدرعين بسوابغ ولاء أدلاء المنهاج المؤيدين بصوارم كأنها لذي الفقار نتاج مطفئة بحدة ماءها الأجاج حر صواعق كل متمجس أجاج فبادر الي تسويد كتاب يستهزء به الألباب لبيان حقية خلافة أبي فصيل وإبن الخطاب ومع إحتوائه على المصادرة وسوء المكابرة وإنطوائه على الأحاديث الموضوعة والآثار المصنوعة والإيرادات الباردة والإعتراضات الجامدة سماه بالصواعق المحرقة لمحا الى إنه يحرق قلوب الشيعة ويخرق صدور تلك الفرقة الناجية الرفيعة وسيكشف لك ضوء ما قابلناه به من الصوارم المهرقة إنه لا يحرق إلا لحيته ولا يخرق إلا أليته والله يحق الحق ويهدي السبيل.

١ ـ قال: أحرقه الله بنار صواعقه في خطبة كتابه المذموم : الحمد لله الذي خص نبيه محمداً بأصحاب كالنجوم وأوجب على الكافة تعظيمهم وإعتقاد حقية ماكانوا عليه من حقائق المعارف والعلوم.

أقول : أشار بقوله أصحاب كالنجوم الى مارووا من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابي كالنجوم فبأيهم أقتديتم إهتديتم وفيه بحث سنداً ومتناً.

أما أولاً فلما قال بعض الفضلاء من أولاد الشافعي في شرح كتاب الشفاء للقاضي عياض المالكي إن حديث أصحابي كالنجوم أخرجه الدار قطني في الفضائل وإبن عبد في العلم من طريقه من حديث جابر وقال هذا إسناد لا يقوم به حجة لأن في طريقه الحارث بن غضين وهو مجهول ورواه عبد بن حميد في مسنده من رواية عبدالرحيم بن زيد عن أبيه عن المسيب عن عمر قال البزار منكر ولا يصح ورواه إبن عدي في الكامل


من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عن عمر بلفظ بأيهم أخذتم بدل قوله إقتديتم واسناده ضعيف لأجل حمزة لأنه متهم بالكذب ورواه البيهقي في المدخل من حديث إبن عباس وقال متنه مشهور واسانيده ضعيفة لم يثبت في هذا الباب اسناد وقال ابن حزم إنه مكذوب موضوع باطل وقال الحافظ زين الدين العراقي وكان ينبغي للمصنف أن لا يذكر هذا الحديث بصيغة الجزم لما عرفت حاله عند علماء الفن إنتهى كلام شارح الشفاء وهو كاف شاف في الرد على أهل الشفاء

وأما ثانيا فلأن المخاطبين في متن الحديث بلفظ إقتديتم وإهتديتم إن كانوا هم الصحابة أو الصحابة مع غيرهم فلا يستقيم إذ لا مساغ للفصيح أن يقول لأصحابه أولهم مع غير هم أصحابي كالنجوم بأيهم إقتديتم وهو ظاهر وإن كانوا غير الصحابة فهو خلاف الظاهر إذ الظاهر {ن كل من خاطبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا الخطاب المتبادر من الخطاب الشفاهي كان بمرأى منهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكان صحابيا ولو سلم ذلك لكان الظاهر اخبار رواية بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لجميع من اسلم غير الصحابة اصحابي كالنجوم الخ ولما لم يكن في روايتكم شيء من هذا التخصيص بطل إدعاؤكم في ذلك

وأيضا يلزم على هذا التقدير {ن كل من إقتدى بقول بعض الجهال بل الفساق من الصحابة او المنافقين منهم وترك العمل بقول بعض العلماء الصالحين منهم يكون مهتدياً وان يكون المقتدي بقتلة عثمان والذي تقاعد عن نصرته تابعاً للحق مهتديا وان يكون المقتدي بعائشة وطلحة والزبير الذين بغوا وخرجوا على عليعليه‌السلام وقتلوه مهتديا وان يكون المقتول من


الطرفين في الجنة ولو إن رجلا إقتدى بمعاوية في صفين فحارب معه الى نصف النهار ثم عاد في نصفه فحارب مع عليعليه‌السلام الى آخر النهار لكان في الحالين جميعا مهتديا تابعا للحق والتوالي بأسرها باطلة ضرورة وإتفاقا والذي يسد باب كون عموم الصحابة كالنجوم ماقال الفاضل التفتازاني في شرح المقاصد من أن ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على السنة الثقاة يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طرق الحق وبلغ حد الظلم والفسق وكان الباعث عليه الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرئاسات والميل الى اللذات والشهوات إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقى النبي بالخير موسوماً إلا إن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآلله وآله ذكر والها محامل وتأويلات بها يليق وذهبوا إلى إنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والأنصار المبشرين بالثواب في دار القرار إنتهى.

ويتوجه على ماذكره آخراً من تعليل ذكر العلماء المحامل والتأويلات لما وقع بين الصحابة بحسن ظنهم فيه إن بعد العلم بوقوع ماوقع بينهم لا وجه لحسن الظن بالكل الى التعصب فيهم وأما من زعموه كبار الصحابة وعنوا به الثلاثة فهم أول من أسس أساس الظلم والعدوان بغصب الخلافة عن أهل البيت والإقدام بكيت وكيت وإنما صاروا كباراً بغصبهم الخلافة وحكومتهم على الناس بالجلافة ولهذا قال بعض علماء الامة كل زينته الخلافة إلا علي بن أبي طالبعليه‌السلام وروى هذا الشيخ الجامد في الفصل الثالث في ثناء الصحابة والسلف على عليعليه‌السلام


انه لما دخل عليعليه‌السلام الكوفة دخل عليه حكيم من العرب فقال والله ياأمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زينتك ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج اليك منك اليها إنتهي

وأما ماذكره من البشارة لهم بالثواب في دار القرار فإن أشار به الى حديث بشارة العشرة فهو موضوع لا يصح إلا في واحد منهعليه‌السلام كما سيأتي بيانه وإن أشار به الى غيره من الأحاديث فلعل بعد ظهور صحته يكون بشارة الثواب فيه مشروطا بشروطه كما روي عن مولانا الرضاعليه‌السلام إنه لما سئل عن صحة رواية قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « من قال لا إله إلا الله وجبت له الجنة» فقال نعم بشروطها وأنا من شروطها أي من ملة شروطها الإعتقاد بإمامتي ووجوب طاعتي والحاصل إنه لا يتحتم بمجرد الصحابية الحكم بإن الإيمان والعدالة وحسن الظن فيهم واستيهالهم للإقتداء بهم والإستهداء منهم وذلك لأنه لاريب في أن الصحابي من لقي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤمنا به وموته على الإسلام وإن الإيمان والعدالة مكسبان ليسا طبيعين جبليين فالصحابي كغيره في إنه لايثبت إيمانه إلا بحجة لكن قد جازف اهل السنة كل المجازفة فحكموا بعدالة كل الصحابة من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس وقد كان فيهم المقهورون على الإسلام والداخلون على غير بصيرة والشكاك كما وقع من فلتات ألسنتهم كثيرا وكان فيهم شاربوا الخمر وقاتلوا النفس وسارقوا الرداء وغيرها من المناكير بل كان فيهم المنافقون كما أخبر به الباري جل ثناؤه ورواه البخاري في صحيحه وغيره في غيره وكانوا في عهدهصلى‌الله‌عليه‌وآله ساكنين في مدينته يصحبونه ويجلسون في مجلسه ويخاطبهم ويخاطبونه ويدعون بالصحابة ولم يكونوا بالنفاق معروفين ولا متميزين ظاهراً قال الله سبحانه


ولو نشاء لأربكناهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول بل كان فيهم من يبتغي له الغوائل ويتربص به الدوائر ويمكر ويسعى في هدم أمره كما ذكره أبو بكر أحمد البيهقي في كتاب دلائل النبوة حيث قال أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وذكر الإسناد مرفوعا الى ابي الأسود عن عروة قال لما رحع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك الى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر به ناس من أصحابه فأتمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق وارادوا ان يسلكوه معه فأخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خبرهم فقال من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم فأخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله العقبة وأخذ الناس بطن الوادي إلا النفر الذين أرادوا المكر به فاستعدوا أو تلثموا وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه وامر عمارا ان يأخذ بزمام الناقة وامر حذيفه ان يسوقها فبينما هم يسيرون إذ سمعوا ذكرة القوم من ورائهم قد غشوهم فغضب رسول الله وامر حذيفة ان يردهم فرجعوا متلثمين فرعبهم الله حين ابصروا حذيفة وظن ان مكرهم قد ظهر واسرعوا حتى خالطوا الناس واقبل حذيفة حتى اقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلما ادركه قال له اضرب الراحلة ياحذيفة وامش انت ياعمار فاسرعوا وخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ياحذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط والركب احداً ؟ فقال حذيفة عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة الليل غشيتهم وهم متلثمون فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله هل علمتما ما شأن الركب وما أرادوا ؟ قالا لا يارسول الله (ص) قال فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت لي العقبة طرحوني منها قالا أفلا تأمر بهم يارسول الله إذا جاءك


الناس فنضرب أعناقهم قال أكره أن يتحدث الناس فيقولون أن محمدا قد وضع يده في أصحابه فسماهم لهم ثم قال أكتماهم وفي كتاب أبان بن عثمان قال الأعمش وكانوا إثني عشر سبعة من قريش وعلى تقدير ثبوت الإيمان والعدالة يمكن زوالهما كما في بلعم صاحب موسىعليه‌السلام حيث قال سبحانه وتعالى واتلو عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون وكان بلعم أوتي علم بعض كتب الله وقيل يعرف إسم الله الأعظم ثم كفر بآيات الله وكما وقع من الطامة الكبرى في سبعين الفا من بني إسرائيل واولاد الأنبياء الذين كانوا في دين موسىعليه‌السلام فإرتدوا في حياته بمحرد غيبته عنهم مدة قليلة الى الطور وإستضعفوا وصيه هارون النبي (ع) وكادوا يقتلونه ويدفعونه باليد والرجل وإقتدوا بالسامري في عبادة العجل وإذا كان هذا حال هؤلاء النجباء من أولاد الأنبياء الذين لم يدنسهم سبق الشرك والكفر في حياة نبيهم ووجود نبي آخر ووصيه فيهم فما ظنك بحال جماعة مضى أكثر عمرهم في الكفر والجاهليه بعد وفاة نبيهم مع أنه لم يكن يحصل لهؤلاء عن ذلك العجل الحنيد جاه أو مال عتيد وكان لمن وافق أبا بكر في غصب خلافة نبينا الحميد من طمع الجاه والمال ما ليس عليه مزيد فعقدوا لواء السلطنة بسيفهم خالد بن الوليد وسدوا لسان أبي سفيان بتفويض ولاية الشام إلى ولده يزيد ودفعوا فتنة الزبير بما أراد وأريد وفضوا الى غيرهم كالمغيرة وأبا عبيدة حكومة صنعاء وزبيد الى غير ذلك مما يطول به النشيد وإذا كان كذلك


فلا بد من تتبع أحوالهم واقوالهم في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

وبعد موته ليعلم من مات منهم على الإيمان والعدالة ومن مات ميتة الجاهلية مثل أبي بكر الذي إدعى الإمامة ونص الكتاب والحديث المتواتر ودليل العقل ناطق بأنه حق عليعليه‌السلام ومن فاطمةعليها‌السلام أرثها وكتاب الله ناطق بأن لها الإرث

وقتاله لبني حنيف الملتزمين للدين الحنيف الى غير ذلك مما يخالف الشرع الشريف وعمر الذي إدعى ما إدعاه وقال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرض موته من الهجر والهذيان ما قال وفعل مافعل من منع كتابته (ص) ما يصون الأمة من الضلال وإقدامه بتخريق الكتاب الذي كتبه أبو بكر لفاطمةعليها‌السلام في أخذها لفدك وقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالين وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما وإحداثه بدعة الجماعة في التراويح

وتفضيل العرب على العجم في العطايا ، الى غير ذلك من الطوام التي لا تحملها المطايا ، وعثمان الذي ولى أمور المسلمين وولى عليهم من لا يصلح لها مع ظهور فسقه وفساد حاله ودعائه حكم بن العاص طريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإيوائه وإعطائه المال العظيم من بيت مال المسلمين رعاية لقرابته وإعراضا عن الدين وهتكاً لحرمة سيد المرسلين وإيذائه لأبي ذر وعمار بن ياسر وإبن مسعود وغيرهم من أكابر الصحابة الذين كانوا أسود الغابة وغيرها مما هو بهذه المثابة ومعاوية الطليق الباغي الفاسق الذي مال عن علي وسمّ الحسنعليهما‌السلام وغيّر سنّة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في كثير من الأحكام حتى إنه كان يلبس الحرير فقال له إبن عباس رض : إن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال « إنه محرم على رجال أمتي » فقال هواناً : لا أرى به بأساً فقال إبن عباس : من عذيري من معاوية إبن


أبي سفيان أنا أقول له قال رسول الله وهو يقول أنا لا أرى بأسا الى غير ذلك من المناكير والأباطيل الصادرة عنهم التي لا يحتملها مقام المقال ويضيق عن ذكرها المجال

وروى مسلم في صحيحه عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنه قال : ليردنّ على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم رفعوا الي واختلجوا دوني فلا قولن أي أصيحابي أصيحابي فليقالن إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك إنتهى

ومثله مذكور في صحيح البخاري الذي هو أصح كتب الأحاديث عندهم في تفسير قوله تعالى : وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم الآية

قال النووي في حديث مسلم « أما إختلجوا فمعناه إقتطعوا وأما اصحابي فقد وقع في الروايات مصغرا مكررا وفي بعض النسخ أصحابي مكبرا مكرراً

وقال القاضي هذا دليل لصحة تأويل من تأول إنهم أهل الردة ولهذا قال فيهم سحقاً سحقاً ولا يقول ذلك في مذنبي الأمة بل يشفع لهم ويهتم لأمره قال وقيل هؤلاء صنفان أحدهما عصاة مرتدون عن الإستقامة لا عن الإسلام وهؤلاء مبدلون الأعمال الصالحة بالسيئة والثاني مرتدون الى الكفر حقيقة ناكصون على أعقابهم واسم التبديل يشمل الصنفين إنتهى.

واقول : بل المراد بالمرتدين المحدثون في دين الله الغاصبون للخلافة والآكلون لمال فدك ظلما وجورا على فاطمةعليها‌السلام ولهذا قال فيهم في بعض الروايات سحقا سحقا فافهم واذا كان الحال بهذا المنوال من الإختلاف ووقع الإرتداد من الصحابة فلا يجوز الحكم بالإيمان والعدالة لأحد منهم إلا إذا تحقق إتصافه بهما وموته عليهما ولا يعلم ذلك إلا بتتبع الأحوال وإستقراء الآثار الدالة على بقاء الإيمان والعدالة أو الزوال

قال الفاضل التفتازاني في التلويح « إن الجزم بالعدالة يختص بمن


إشتهر بطول الصحبة على طريق التتبع والأخذ عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والباقون كسائر الناس فيهم عدول وغير عدول »

وقال الفقيه الأسنوي الشافعي « إن المراد من قول العلماء : الصحابة بأسرهم عدول مطلقا إن مجرد الصحبة شاهد التعديل مغن عن البحث عنهم فإن ظهر عن أحد منهم ما يفضي الى التفسير فليس بعدل كسارق رداء صفوان ومن ثبت زنائه ولذا غير بعضهم عبارتهم بأن قال : انهم عدول إلا من تحققنا قيام المانع فيه وليس المراد من كونه عدولا إنه يلزم إتصافهم بذلك ويستحيل خلافه فإن هذا معنى العصمة المختصة بالأنبياءعليهم‌السلام إنتهى كلامه.

ومن العجب إنه زاد بعضهم في المجازفة والمخارفة فحكم بأنهم كلهم كانوا مجتهدين وهذا مما يقطع من له أدنى عقل بفساده لأنه كان فيهم الأعراب ومن أسلم قبل موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بيسير والأميون الذين يجهلون أكثر قواعد الإحكام وشرائع الدين فضلاً عن الخوض فيه في الإستدلال كيف والإجتهاد ملكة لا تحصل إلا بعد فحص كثير وممارسة تامة بغير خلاف ، وإمكان حصول التفقه والإجتهاد لهم لا يمنعه إلا إنه لا يقتضي الحكم بذلك لأنه خلاف العلم العادي والذي ألجأهم الى هذا القول البارد السمج الناشيء عن العصبية ما قد تحققوه من وقوع الإختلاف والفتن بينهم وإنه كان يفسق ويكفر بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض ، فحاولوا أن يجعلوا له طريقا الى التخلص كما جوّزوا الأتمام بكل بر وفاجر ليروّجوا أمر الفساق الجهال من خلفائهم وأئمتهم.

وأما ثالثا فلما ذكر شارح الشفاء ايضا من أن للقائل بالمذهب المختار من أن


قول الصحابي ليس بحجة مطلقاً أن يقول : الحديث وإن كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الإهتداء بهم في كل ما يقتدى فيه وعند ذلك فيمكن حمله على الإقتداء بهم فيما يروونه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وليس الحمل على غيره بأولى من الحمل عليه إنتهى

ويؤيد وجوب إرتكاب التخصيص فيه إن هذا الشيخ الجامد المتولد من الحجر ، إستحسن أن يكون المراد بأهل البيت الذين هم أمان في الحديث الذي أسبقنا(١) نقله من علمائهم معللاً بأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم ولا ريب إن إستحسان التخصيص المذكور في ذلك الحديث يوجب إستحسان مثله في هذا الحديث بطريق أولى وما ذكره من التعليل يقتضي وجوب التأويل بذلك كما لا يخفى ولنعم ماقال بعض الفضلاء رحمة الله تعالى عليهم :

( شعر )

( صحابه كرچه ايشان كالنجومند

ولي بعض كواكب نحس وشومند )

وإذا بطل الحمل على العموم بطل إستدلالهم بذلك على إستيهال الصحابة الثلاثة وأمثالهم بالإقتداء بهم ووضع الخلافة فيهم والإستهداء منهم فوجب تنزيله على اصحابهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أهل بيتهعليهم‌السلام لدلالة الآية والرواية والإتفاق على عدالتهم وطهارتهم بل على علو عصمتهم فوجب الإعتصام بحبلهم المتين والإقتداء بهديهم المبين

٢ ـ قال : فإني سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقيقة خلافة الصديق وإمارة ابن الخطاب فأجبت الى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجناب ، ثم سئلت في إقرائه لكثرة الشيعة والرفضة ونحوهما الآن بمكة المشرفة أشرف بلاد الإسلام فأجبت الى

____________________

(١) كذا كان والظاهر إنه سهو لأنه لم يسبق شيئا بالنسبة الى هذا الحديث.


ذلك رجاء لهداية بعض من زل به قدمه عن واضح المسالك.

أقول : أيها الشيخ الجامد ، لعمرك ما زدت بذلك إلا إبراز زلة قدمك وإظهار جهلك المركب على الشيعة بحيث يضحكون على تأليف هذا لما أشرنا اليه من إبتنائه على مجرد المصادرة وسوء المكابره الذين أخذتهما بإرث التعصب من الأشاعرة …. لكن قد عمى منكم القلب والبصر والمسمار لا يؤثر في الحجر

ثم إن أراد بالرفضه الغلاة من الشيعة الذين قالوا بإلوهية عليعليه‌السلام أو نبوته فهم كانوا جماعة قليلة قد حكم سائر طوائف الشيعة أيضاً بكفرهم بل بنجاستهم العينية وقد إنقرضوا قبل خمسمائة من زماننا هذا

وأن اراد بهم الشيعة الإمامية الذين هم عيون طوائف الشيعة المدار عليهم الطاعنين في خلافة المشايخ الثلاثة فليس في تلقبهم بهذا الأجل ماذكر شناعة كما يشعر به سياق كلام هذا الشيخ الجاهل وأصحابه لأنه مآل هذا الرفض يرجع عند التحقيق الى رفض الباطل وهو إعتقاد صحة خلافة المشايخ الثلاثة وإنما الشناعة في أصل تلقب مخالفيهم بأهل السنة والجماعة فإن هذا اللقب قد وضع في زمان معاوية وأرادوا بالسنة سنة معاوية من سب عليعليه‌السلام على المنابر ونحوه من الكفر والبدعة وبالجماعة جماعته كما يشعر به ما سيذكره هذا الجامد في باب خلافة الحسنعليه‌السلام حيث قال « وكان نزول الحسن عن الخلافة في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين فسمي هذا العام عام الجماعة لإجتماع الأمة على خليفة واحد إنتهى

ثم لما ظهرت دولة بني العباس ومعاداتهم لبني أمية وأتباعهم خافوا عن الحمل على ذلك وقالوا مرادنا بالسنة سنة النبي وبالجماعة جماعة أصحابه فقد ظهر إنهم في الحقيقة أهل السنة والجماعة


لا أهل سنة النبي وجماعته ولنعم ماقال صاحب الكشاف فيهم :

( لجماعة سموا هواهم سنة

وجماعة حمر لعمري موكفة )

قد شبهوه بخلقه فتخوفوا

شنع الورى فتستروا بالبلكفة(١)

٣ ـ قال : المقدمة الأولى ، اعلم أن الحامل الداعي الى التأليف في ذلك ، وان كنت قاصرا عن حقائق ما هنالك ، ما أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع وغيره إنه صلى الله عليه

____________________

(١) ذكرهما الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ، قال ربي أرني أنظر اليك ، قال لن تراني ولكن إنظر الى الجبل فإن إستقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً ، وخر موسى صعقاً فلما أفاق ، قال سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين وهي الآية الثانية والأربعون بعد المائة من سورة الأعراف يعير بهما القائلين بالرؤية وعبارته قبل البيتين هكذا ( ٣٥٠ /١ المطبوع بمصر سنة ١٣٠٧ ) « ثم تعجب من المتسمين بالإسلام ، المتسمين بأهل السنة والجماعة ، كيف إتخذوا هذه العظيمة مذهبا ؟ ولا يغرنك تسترهم بالبلفكة فإنه من منصوبات أ شياخهم والقول ماقال بعض العدلية فيهم لجماعة سمو الخ »

وانت خبير بأن صريح عبارته إنهما من إنشائات بعض العدلية ويمكن أن يقال إن هذا التعبير خوفاً من متعصبي العامة وجهالهم ولذا قال محب الدين الأفندي في كتاب تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات المطبوع في ذيل الجزء الثاني من الكشاف (ص ٨٨ ) بعد نقل البيتين « البيتان للزمخشري عند قوله تعالى : لن تراني ولكن إنظر الى الجبل الى آخر الآية

موكفة من الأكاف وهو البردعة

والبلتفة قولك بلا كيف يقرر مذهبه في نفي الرؤية ويقدح في أهل السنة والجماعة الذين يصدقون بأن رؤية الله تعالى حق ويقولون نرى ربنا يوم القيامة بل كيف كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته » وكان الشافعيرضي‌الله‌عنه يتمسك في إثبات الرؤية بقوله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال لم حجب الكفار بالسخط دل على أن الأولياء يرونه في الرضا وسئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن رؤية العباد ربهم يوم القيامة فقال منهم من ينظر الى ربه في الجمعة مرة ومنهم من ينظر الى ربه بكرة وعشية رزقنا الله تعالى رؤيته في الآخرة كما رزقنا في الدنيا بكرمه معرفته ولقد عورض ما أنشده وأنشأه من الهذيان بأبيات ذكرها السكوني في التمييز وهي

سميت جهلاً صدر أمة أحمد

وذوي البصائر بالحمير الموكفة

ورميتهم عن نبعة سميتها

رمى الوليد غدا يمزق مصحفه

وزعمت إن قد شبهوه بخلقه

وتخوفوا وتستروا بالبلكفة

نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى

فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفة

وجب الخسار عليك فانظر منصفا

في آية الأعراف فهي المنصفة

أترى الكريم أتى بجهل ما أتى؟

وأوتوا شيوخك ما أتوا عن معرفه ؟

=


وآله قال « إذا ظهرت الفتن ( أو قال البدع ) وسب أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل الله له صرفا ولا عدلاً

أقول : إعترافه بالقصور عن حقائق هذه المسألة حق كما سيظهر وليس فيه هضم نفس كما قد يتوهمه بعض أوليائه وما ذكره من الحديث فلا يصلح حاملا باعثاً على تأليفه هذا ، لجواز أن يكون المراد من البدع ما أبدعه خلفائه الثلاثة في دين رب العالمين كما أشرنا اليه سابقا وسيأتي لاحقاً والمراد بمن سب من الأصحاب هو مولانا أمير

____________________

=ويؤيد كونهما للزمخشري ما هو مشهور منه ومذكور في ترجمته حتى ترجمته المطبوعة في آخر الكشاف ايضاً ( ٥٧٣ /٢ ) من قوله :

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به

وأكتمه كتمانه لي أسلم

فإن حنفياً قلت قالوا بأنني

أبيح الطلا وهو الشراب المحرم

وإن مالكيا قالوا بأنني

أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم

وإن شافعيا قلت قالوا بأنني

أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

وإن حنبليا قلت قالوا بأنني

ثقيل حلو لي بغير مجسم

وإن قلت من أهل الحديث وحزبه

يقولون تيس ليس يدري ويفهم

تعجبت من هذا الزمان وأهله

فما أحد من ألسن الناس يسلم

وأخرني دهري وقدم معشرا

على إنهم لا يعلمون وأعلم

ومذ أفلح الجهال أيقنت أنني

أنا الميم والأيام أفلح وأعلم


المؤمنينعليه‌السلام ومن تابعه من المهاجرين والأنصار فإن معاوية ومن بعده من فراعنة بني أمية سبوهم على منابرهم ثمانين سنة كما هو المشهور المذكور على ألسنة الجمهور.

٤ ـ قال : والطبراني « من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ».

أقول : هذا حجة عليه لا له حيث وقر في كتابه هذا جماعة هم أول من أبدعوا في دين الإسلام بل حجة على الصحابة الذين وقروا الثلاثة ومكنوهم من غصب الخلافة وإحداث فنون البدع والكثافة.

٥ ـ قال : وسيتلى عليك ما تعلم منه علما قطعيا إن الرافضة والشيعة وما نحوهما من أكابر أهل البدعة.


أقول : لعمرك ، أن هذا العلم إنما حصل لك من فرط تقليدك للآباء والأمهات ، ونموك في عدواة أهل الحق من شيعة الأئمة الهداة ، وإلا فالإستدلال على ذلك بما نسجته من الطامات ، والأحاديت الموضوعات، التي وضعها أمثالك لنصرة المذهب ، لا يصير حجة على الخصم ولا يورث ظناً ضعيفا فضلاً عن العلم القطعي ولو سلم أنها من أكابر أهل البدعة فأكبرهم أكابر خلفائك الثلاث وسينجلي لك إنما ذكرته مكابرة إنشاء الله تعالى.

٦ ـ قال : وأخرج المحاملي والطبراني والحاكم عن عويمر بن ساعدانه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال « إن الله إختارني وإختار لي أصحاب فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهاراً فمن حفظني فيهم حفظه الله ومن آذاني فيهم آذاه الله.

آقول : لو صح هذا الحديث فالمراد بالوزراء فيه عليعليه‌السلام والجميع بالتعظيم كما قاله المفسرون فيما نزل في شأنه (ع) من قوله تعالى والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون إذا لم يتعدد وزيرهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو الأصل بل كان واحداً وهو عليعليه‌السلام عند الشيعة ولو سلم إن المراد غيره فهو من الأنصار لما سيذكر هذا الرجل في الفصل الأول من الباب الأول رواية عن أحمد مايدل على حصر الوزارة في الأنصار وعلى هذا يكون لفظ الأنصار في هذا الحديث بمنزلة عطف تفسير للوزراء فإفهم وكذا الكلام في الأصهار لظهور أن الأصهار على تقدير سليم كون عثمان صهراً للنبي (ص) أيضاً لا يبلغ مرتبة الجمعية بالأتفاق.


٧ ـ قال : وأخرج هو يعني أبا ذر الهروي والذهبي عن إبن عباس مرفوعاً « يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فإقتلوهم فإنهم مشركون.

أقول : بعد منع صحة السند قد مر إن الكلام في هذا المبحث في كل عصر إنما كان مع الشيعة الأمامية دون من لايعبأ بهم من الغلاة ، ومن الظاهر الذي لايخفى على كل أحد إن الإمامية لا يقولون بتعدد الآله ولا بإلوهية أحد من الأئمة المعصومينعليهم‌السلام حتى يكونوا مشركين فلو صح الحديث كان المراد من الرفضه المذكوره فيه الغلاة من الشيعة الذين يفرطون في حبّ عليعليه‌السلام الى أن يعتقدوا الربوبية فيه كما يدل عليه الحديث الذي سيذكره بعد ذلك بقوله : وأخرج الدارقطني عن علي كرم الله وجهه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله « سيأتي من بعدي قوم لهم نبز يقال لهم الرافضه فإن أدركتهم فإقتلهم فإنهم مشركون، قال قلت يارسول الله ما العلامة فيهم ؟ قال يفرطونك بما ليس فيك ويطعون على السلف » إنتهى

بل المراد بالرافضة كلما وقع في آثار السلف هم الغلاة وجعله شاملا للشيعة الإمامية تعنت من مخالفيهم وأما قوله « ويطعنون على السلف » فمن إضافات الخلف فهو خلف باطل كما لا يخفى.

٨ ـ قال : الطبراني عن إبن عباسرضي‌الله‌عنه « من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ».

أقول : الظاهر إن المراد سب جميع الأصحاب بحيث يدخل فيه المقبول


منهم والمردود على أن يكون الإضافة في أصحابي للإستغراق ولا كلام في أن ساب الجميع ملعون بل الظاهر إن المراد كون السب لأجل الصحابية لا لأجل إستحقاق ذلك الصحابي لذلك وهذا يرجع الى عداوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ريب في أن عداوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوجب اللعن

وأيضاً المراد من السب الشتم والقذف دون اللعن الذي ربما يرتكبه الشيعة بالنسبة الى بعض المردودين من الصحابة والإخفاء في أن الشتم لا يحل بالنسبة الى كافر ذمي فضلا ً عن مسلم أو من ظاهره الإسلام وأما اللعن فهو دعاء من المظلوم أو من وليه على الظالم وليس بممنوع شرعاً بل قد يستحب كما صرح به الفاضل النيشابوري في تفسيره ويدل عليه لعن الجاري الشرع بين المتلاغين المسلمين بل الصحابيين بنص الكتاب وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « لعن الله المحلل والمحلل له » مع جواز التحليل بنص الكتاب أيضاً غاية الأمر إنهما ليسا بحسنين في شرع التكرم كما لا يخفى تدبر.

٩ ـ قال : الطبراني والحاكم عن جعدة بن هبيرة نقلاً ( يعني عن النبي ) « خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والآخرون أراذل » ومسلم عن أبي هريرة « خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم الحديث ».

أقول : بعد إلإغماض عما في السند لا دلالة لهذين الحديثين وأمثالهما مما تركنا ذكره على ما قصده هذا الرجل من خيرية جميع الناس الموجودين في قرن النبي (ص) حتى بعض الصحابة الذين حكم عليهم الشيعة بكونهم أشراراً فإن قولنا أن قريش


أفصح العرب وأكرمهم مثلا لايقتضي لغة وعرفا أن يكون كل واحد من آحاده كذلك لظهور وجود الآحاد المتصفة بأضداد ذلك من العي واللؤم فيهم بل قد أطبقوا على أن طائفة تيم قوم أبي بكر قاطبة من أرذال قريش وقد نقلوا النص على ذلك عن أبي سفيان وغيره عند البيعة على أبي بكر على أن هذا الحديث معارض بما رواه هذا الجامد في أواخر كتابه عند بيان وقوع الخلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة حيث قال ذهب أبو عمر بن عبدالبر الى إنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة وأحتج على ذلك بخبر عمر قال كنت جالسا عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : أتدرون أي خلق أفضل إيماناً ؟ قلنا الملائكة وحق لهم بل غيرهم قلنا الأنبياء قال وحق لهم بل غيرهم ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيماناً » وبحديث « مثل أمتي مثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله » وبخبر « ليدركن المسبح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا » الحديث وقال صاحب الإستغاثة(١) في بدع الثلاثة : إن مضمون هذا الحديث مخالف لحقائق النظر ، خارج عن العدل والحكمة ، وذلك لأنه إن كان خيرتهم وفضلهم من جهة تقدم خلقهم في الأزمنة المتقدمة لما بعدها فقد زعموا إن أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل من الأمم التي مضت قبلها ، وإن محمدا (ص) أفضل من الأنبياءعليهم‌السلام الذين

____________________

(١) وهو الشريف أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي العلوي المتوفى في سنة ٣٥٢ المترجم حاله والمبين إعتبار كتابه هذا في كتب التراجم والأخبار.


تقدموه قبل عصره وكان الواحب على طرد هذه العلة أن يكون كل أمة أفضل من التي بعدها فلما أوجبوا آخر الأمم أفضل ممن تقدمهم وآخر الأنبياء أفضل من تقدمه كان لا معنى لهذا الخبر ، في تفضيل القرن الأول على القرن الثاني من هذه الأمة ، بل يجب فيه النظر والتميز وما يلزم من أحوال ما نقل الينا من سيرة من تقدم عصرنا هذا أن يكون من تأخر افضل من تقدم منهم وذلك إنا وجدنا القرن الذي كان في عصر الرسول والقرن الذي كان بعده والقرن الثالث ممن كان في عصر الفراعنة والطواغيت من ملوك بني أمية الذين كانوا يقتلون أهل بيت الرسول ، ويسبون أمير المؤمنينعليه‌السلام ويلعنونه على المنابر ، وأهل عصرهم من فقائهم وحكامهم الى غير ذلك منهم فهم على ذلك متبعون وبإفعالهم مقتدون وبإمامتهم قائلون ولهم على ذلك معينون بوجوه المعونة من حامل سلاح الى حاكم الى خطيب الى تاجر الى غير ذلك من صنوف الأمة وسباب المعونة ولسنا نجد في عصرنا هذا من كثر من ذلك شيئاً بل نجد الغالب على أهل عصرنا هذا الرغبة عن ذلك والذم عن فاعله والتنزه عن كثير منه إلا من لا يظهر بمذهبه بينهم فيجب أن يكونوا في حق النظر افضل من أهل ذلك العصر الذي كانت هذه صفتهم

قال : فإن قالوا إن أهل عصر الرسول لأجل مشاهدتهم له ومجاهدتهم معه أفضل وكذلك سبيل من شاهدهم من بعد الرسول من التابعين ونقلوا الينا العلوم وآلأخبار عنهم ومنهم قيل لهم اليس كل من تقدم خلقته في ذلك العصر فهو فعل الله فلا حمد للمتقدم في تقدم خلقه ولا صنع له في ذلك ولا فعل يحمد اليه ولا يذم منه فلا بد من نعم فيقال لهم أفتقولون إن الله تعالى يحمد العباد على افعاله ويذمهم عليها ؟ فإن قالوا ذلك جهلوا


عند كل ذي فهم وكفى بالجهل لصاحبه خزيا وإن قالوا لا قيل لهم فإذا كان كذلك وجب في حق النظر أن يكون من شاهد الرسول ورأى دلائل المعجزات والعلامات وظهر له البرهان وأسفر له البيان بقول يشهد فيه القرآن لاعذر له في تقصير عن حق ولا دخول في باطل فإن الحجة بذلك ألزم وعليه أوجب وكان من أشكل عليه منهم شيء في تفسير آية وتحقيق معنى في كتاب الله أو سنته يرجع في ذلك الى الرسول فأثبت له الحق منه واليقين ونفى عنه الشك والزيغ فمن قصد منهم بعد هذا الحال الى خلاف الواجب كان حقيقا على الله أن لا يقبل له عذرا ولا يقبل له عثرة وأما من كان في عصرنا هذا الذي قد إختلفت فيه الأقاويل وتضادت المذاهب وتشتت الآراء وتباينت الأهواء وظلت المعارف ونقصت البصائر وعدمت التحقيقات إذ ليس من يرجع اليه بزعم أهل الغفلة من صفته في تحقيق الأشياء صفة الرسول فيثبت لنا اليقين وينفى عنا الشك فيها فعذرهم مقبول وعثرتهم مغفورة بل أقول : لو أوجبت إن من يرتكب من أهل هذا العصر مائة ذنب أعذر ممن إرتكب في ذلك العصر ذنبا واحدا أو قلت إن من إستبصر في هذا العصر في دينه فشغل نفسه لمعرفة بصيرته حتى عرف من ذلك ما نجا به بتوفيق الله فيما سعى له من الطلب أفضل من عشرة مستبصرين كانوا في ذلك العصر لقلت حقا ولكان صدقا وإذا كان الحل على ماوصفت فيجب أن يكون مستبصرنا أفضل من مستبصرهم إذ كان البرهان قد قطع عذرهم والبيان قد أزاح عللهم بقرعه لأسماعهم صباحا ومساء ومشاهدتهم أياه بأبصارهم من غير تكلف منهم في طلبه وذلك كله معدوم في عصرنا بل نشاهد من الجهل ونباشر من وجوه الباطل مايضل به ذهن الحكيم ويطيش فيه قلب العليم ويذهل معه


عقولهم ويزول معه إفهامهم حتى يسعى الساعي منا الدهر الطويل يقطع المسافة ويجوب البلدان الشاسعة يتذلل للرجال ويخضع لكل صاحب نوال أما أن يهلك ولم يدرك البغية وأما أن يمن الله عليه بالبصيرة بعد جهد جهيد وعناء شديد وتعب كديد مع تقية المستبصرين وخوف العارفين من إظهار ذلك للظالمين وكشفه للراغبين فأي ظلم أم أي جور أبين من ظلم تفضيل أولئك فيما إرتكبوه دونه ؟، أو كم بين من إستبصر في دينه تبصرة يزول معه كل شك ويثبت معه كل يقين من بيان النبي المرسل وبرهان الكتاب المنزل وبين من يستبصر في دينه بأخبار متضادة وأقاويل مختلفة وبيان غير شاف وبرهان غير كاف ! حتى يسعى ويطلب ويميز وينظر ويعتبر ويختبر بسهر ليله وظمأ نهاره وتعب بدنه وتصاغر نفسه وتذلل قدره ، هل هذا إلا جور من قائله وظلم ظاهر من موجبه ؟ حقيق على الله أن يوجب لمستبصري أهل هذا العصر بما وصفنا من أحوالهم أضعاف مايوجب لمستبصري أهل ذلك العصر ولا يبعد الله إلا من ظلم وقال بما لايعلم.

وإن قالوا إن الله عز وجل قد قال في كتابه السابقون السابقون ، أولئك المقربون قيل لهم قد قال الله عز وجل وصدق الله والأمر في ذلك بين واضح ، والحكمة فيه مستقيمة وذلك إن السابق لا يجوز في الحكمة أن يقع في الإيمان إلا بين أهل العصر الحاضرين المشاهدين لندب الداعي لهم الى السباق ، ومحال في الحكمة وفي العدل أن يسابق الله بين قوم خلقهم ومكنهم من أحوال الإجابة وبين قوم لم يخلقهم هذا ظاهر الفساد بعيد من الرشاد بين المحال فضيع من المقال لكنه عز وجل سابق بين الحاضرين من أهل عصر الرسول ولعمري إن من سبق منهم الىالإيمان أفضل وأجل


وأقرب منزلة وأعلى درجة ممن لحق من تقدمه فلا ينكر هذا ذو فهم ولكن المنكر قول من زعم أن الله سابق بين من خلق وبين من لم يخلق فمن قال أن الصحابة قد سبقونا بالايمان ويريد بذلك تقدمهم في عصرهم وتأخر عصرنا من عصرهم فيما قدم الله من خلقهم واخر خلقنا فذلك كلام صحيح وقول فصيح كما أن من تقدم ايضاً من الأمم في الاعصار التي كانت قبل الصحابة كانوا متقدمين على الصحابة باعصارهم سابقا من آمن منهم على مؤمني الصحابة وتقدم خلقهم عليهم ليس في ذلك فضل لهم على من جاء بعدهم

ومن قال إن الصحابة سبقونا بالإيمان بمعنى التسابق بيننا وبينهم الى الإيمان فكان لهم بسبقهم ذلك الفضل علينا لأجل تأخرنا عنه كان ذلك قولاً محالاً شنيعاً لان تأخرنا عن عصرهم من فعل الله لا من فعلنا والله لا يذمنا على افعاله ولو كان لأهل عصر الصحابة علينا فضل في إيمانهم بتقدمهم علينا في الأعصار والخلق لوجب على هذه القضية أن يكون إيمان من تقدمهم من الأمم السالفة أفضل من إيمانهم بتقدمهم عليهم في الأعصار فلما كانوا يمنعون ذلك ويوجبون الفضل لأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على من تقدمهم من الأمة كانت إيجابهم تفاضل أوائل هذه الأمة على أواخرها فاسداً وهذا ما لانطلقه نحن ايضاً في مذاهبنا لكنا نقول إن أهل كل عصر يتفاضلون بينهم ومن سبق منهم الى الإيمان فهو أفضل ممن تأخر عنه فلحق بالسابق من أهل عصره ولسنا نفضل أهل عصر الرسول على من جاء بعدهم في الأعصار المتأخرة كما لا نفضل أهل الأعصار المتأخرة على من تقدمهم لكنا نفاضل بين أهل كل عصر بعضهم على بعض بما وصفنا من السبق الى الإيمان دون أن يكونوا فاضلين على من تقدمهم ولا على من تأخر عنهم فهذا ماتعلق به أهل الغفلة


والضلالة ، وظهر بحمد الله مافيه من الوضع والجهالة.

١٠ ـ قال : وكفى فخراً لهم إن الله تبارك وتعالى شهد لهم بأنهم خير الناس حيث قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس فإنهم أول داخل في هذا الخطاب وكذلك شهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله في الحديث المتفق على صحته « خير القرون قرني » ولا مقام أعظم من مقام قوم إرتضاهم الله عز وجل لصحبة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونصرته قال الله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم الإية وقال تعالى : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه فتأمل ذلك فإنك تنجو من قبيح ماإختلقته الرافضة عليهم مما هم بريئون منه كما سيأتي بسط ذلك وإيضاحه فالحذر الحذر من إعتقاد أدنى شائبة من شوائب البغض فيهم معاذ الله لم يختر الله لأكمل أنبيائه إلا أكمل من عداهم من بقية الأمم كما اعلمنا ذلك بقوله « كنتم خير أمة أخرجت للناس » ومما يرشدك الى ان مانسبوه اليهم كذب مختلق عليهم ، انهم لم ينقلوا شيئاً منه باسناد عرفت رجاله ولا عدلت نقلته وانما هو من افكهم وحمقهم وجهلهم وافترائهم على الله سبحانه فإياك أن تدع الصحيح وتتبع السقيم ميلاً الى الهوى والعصبية ويتلى عليك عن علي وعن أكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة سيما الشيخان وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة مافيه مقنع لمن ألهم رشده وكيف يسوغ لمن هو من العترة النبوية أو من المتمسكين بحبلهم أن يعدل عما تواتر عن إمامهم علي من قوله « إن خيرهذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر » وزعم الرافضة إن ذلك تقية سيتكرر عليك رده وبيان بطلانه وإن ذلك أدى بعض الرافضة الى إن كفر علياً قال لأنه أعان الكفار


على كفرهم فقاتلهم الله ما أحمقهم واجهلهم.

اقول : فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنه لادلة في الآية على ماقصده من خيرية الصحابة المبحوث فيهم كما عرفته قبل ذلك عندما تكلمنا على دلالة حديث خير القرون قرني الحديث وعلى ذلك فما ذكره من كون المشايخ الثلاثة أول داخل في هذا الخطاب أول البحث كما لا يخفى

وأما قوله « وكذلك شهد رسول الله الخ » فقد عرفت أيضاً هنالك كذب دلالته على الشهادة بما قصده والله يشهد إن المنافقين لكاذبون.

وأما ثانياً فلأن قوله « ولا مقام أعظم من مقام إرتضاهم الله لصحبة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله الخ » مردود بأن الله تعالى ما إرتضاهم لصحبة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله بل إبتلى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله بصحبتهم زيادة في ثوابه وتحصيلاً برفع درجاته ولغيرهما من المصالح والحكم على إن صحبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنما ينفع كريم الأصل شريف الذات وأما الخسيس الدني فإنما يزيده فساد الحال والمآل كما قال شاعر الشيعة.

شعر دون شود از قرب بزرگان خراب

جيفه دهد بوى بد از آفتاب

وقال شاعر اهل السنة : شعر

هر كرا روى ببهبود نبود

ديدن روى نبي سود نبود

وأما الإية المذكورة فصريحة في إرادة غيرهم لمكان وصف الأشداء على الكفار


والثلاثة كان مدارهم على الفرار وولى الأدبار كما حق في كتب الأحاديث والأخبار وأما قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين فقد بينا أيضاً في ضمن الحديث المذكور سابقاً عدم دلالته على مدعاه على إنا لانسلم كون المشايخ الثلاثة من السابقين الأولين فإن السابقين الأولين من المهاجرين هم الذين هاجروا الهجرة الأولى وهي الهجرة الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حصاره بمكة حين حاصرت قريش بني هاشم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شعب عبدالمطلب اربع سنين والأمة مجتمعة على إن أبا بكر وعمر لم يكونا معهم في ذلك الموطن بل لانسلم كون أولهم من المهاجرين مطلقاً كما سيأتي بيانه في الموضع اللائق به إنشاء الله تعالى

وأما ثالثا فلأن ما إختلقه من نسبة الإختلاق الى الشيعة فهم براء منه لأن الشيعة عن آخرهم أجل مكاناً وفضلاً عن أعمال المصادرة والإحتجاج على خصامهم بما رووه من طرق أهل البيتعليهم‌السلام كما فعل هذا الرجل في كتابه هذا من الإحتجاج على الشيعة بالأحاديث المروية من طريق أهل نحلته ، المتسمين بأهل السنة بل الشيعة إلتزموا أن يحتجوا بما في كتب أهل السنة عليهم ، لعلمهم بإنه إدعى الى تلقيه بالقبول ، ووافق راى الجميع متى رجعوا الى الأصول وإن ذلك أتم في الورود وقيام الحجة بشهادة الخصم أوكد وإن تعددت الشهود فمن أين جاء الإفتراء والإختلاق لولا إنه ليس للناصب في الآخرة من خلاق.

وأما رابعاً فلأن ماذكره من إن الله تعالى لم يختر لأكمل أنبيائه إالأكمل من عداهم من بقية الأمم نقول في جوابه نعم لم يختر له إلا الأكمل لكن الشأن في إثبات إن الثلاثة معدودة في الأكمل والشيعة من وراء المنع بأسانيد معتبرة متفق عليها


مروية من طرق أهل البيتعليهم‌السلام وطريق أهل السنة.

وأما خامساً فلأن قوله « ومما يرشدك الخ » ليس فيه رشاد ولا إرشاد ولا أدري ماأرى من تكرر نسبة إختلاقه الى الشيعة لم يذكره مبهماً بأنهم لم ينقلوا شيئاً منه بإسناد عرف رجاله وعدلة نقلته إذ كان لا بد من ذكر ذلك حتى ننظر في صحة نسبته وفسادها وإلا فالإبهام والإجمال دليل الأفك والإنحلال على إنا نقول إنه إن أراد إن الشيعة نقلوا مانقلوا في قدح المشايخ الثلاثة بإسناد لم يعرف أهل السنة حال الرجال المذكورة فيه ولم يحكموا بعدالة رجاله فهذا غير واقع بل هم لم ينقلوا شيئاً إلزاماً لأهل السنة إلا من كتبهم المعتبرة نعم إذا تنبهوا حينئذ بما في المنقول من كتبهم من الدلالة على الطعن والقدح في أسلافهم إحتالوا في رده تارة بضعف الراوي ، وتارة بالتأويل البعيد الطويل الذي يرفع الأمان عن فهم الكلام وكفى بذلك إلزاماً وخزياً

وإن أراد إن الشيعة لم يبحثوا عن حال رجال إسناد ذلك المنقول وعدالتهم فذلك لايهمهم ولا يقدح في إحتجاجهم على أهل السنة بل يكفي فيه كون ذلك مسطوراً في الكتب المعتبرة لأهل السنة كصحاحهم الست ومسند إبن حنبل ونحوه من كتب المناقب التي ألفها أكابرهم ومشاهيرهم.

وأما سادساً فلأن ماذكره من بطلان زعم الرافضة إن مايتلى عن عليعليه‌السلام وعن أكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة المبحوث فيهم واقع تقية مدخول بأن نسبة الشيعة الى القول بكون ذلك على إطلاقه واقعاً على سبيل التقية كاذبة بل ربما يقدحون في بعض الرجال المذكورة في سند ما نقله أهل السنه عنهمعليهم‌السلام في مدح من علم عدم إستحقاقه للمدح بدلائل أخرى وأما حمل البعض على التقية


فليس بباطل سيما إذا قامت القرينة الحالية والمقالية على أعمال ذلك وأي قرائن واسباب وإمارات أظهر مما روي عنهعليه‌السلام يوم الإكراه على البيعة مخاطباً للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في ضريحه « ياإبن أم إن القوم إستضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين » ويردد ذلك ويكرره ومما روى عنه في الشكاية عن غصبهم للخلافة عنه وتقمصهم إياها ما هو مصرح به في الخطبة الشقشقية المشهورة المذكورة في نهج البلاغة وفي قولهعليه‌السلام ايضاً « اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي وكفأوا إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري وقالوا إلا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً فنظرت فإذاً ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي فظننته بهم عن المنية ، فأغضيت على القذى وجرعت ريقي علىالشذى ، وصبرت من كضم الغيض على أمر من العلقم وآلم للقلب من حز الشفار الى غير ذلك من الكلمات التي تواتر معناها على إن هذا الكلام إنما يحتاج اليه في دفع الشبهة متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنينعليه‌السلام ومتى بينا كلام في أسباب الخوف والتقية وترك النزاع والإنكار على صحة النص ظهر الأمر ظهوراً بدفع الشبة عن أصله لأنه إذا كان هوعليه‌السلام المنصوص عليه بالإمامة والمشار اليه بينهم بالخلافة ثم رآهم بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تنازعوا الأمر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصاً ولا أعطوا فيه عهداً ثم صاروا الى إحدى الجهتين بطريق الإختيار وصمموا على إن ذلك هو الواجب الذي لايعدل عنه ولا حق سواه علمعليه‌السلام إن ذلك مويس من نزوعهم ورجوعهم ومخيف من ناحيتهم


وإنهم إذا إستجازوا إطراح عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فهم بأن يطرحوا إنكار ذاعرة «كذا كان » عليهم ويعرضوا عن وعظه وتذكيره أولى وأحرى بل ذلك يورث الجرم بأن النكير عليهم ودفعهم عما إختاروه قد كان مؤدياً الى غاية المكروه ونهاية المحذور وبعبارة أخرى إنما يسوغ أن يقال ذلك إذا لم يكن هناك إمارة تقتضي الخوف وتدعو الى سوء الظن وإذا فرضنا إن القوم كانوا على أحوال السلام متظاهرين متمسكين بأوامر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله جارين على سنته وطريقته ولا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا للخوف من جهتهم طريق وأما إذا فرضنا إنهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه فالأمر منعكس منقلب وحسن الظن لاوجه له وسوء الظن هو الواجب ولا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة أن يجمعوا بين المتضادات ويفرضوا إن القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه وهم مع ذلك على أحوال السلامة المعهودة منه التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها وأجملها وأما أصل شرعية التقية فلا أعلم من محققي أهل السنة من ينكر ذلك وقد فصلنا الكلام في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب والنقتصر هاهنا بما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم الآية حيث قال : « التقية إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين وأما مايرجع ضرره الى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البتة وقال : التقية جائزة لصون النفس وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم


فيها بالجواز لقولهعليه‌السلام « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » ولقولهعليه‌السلام « من قتل دون ماله فهو شهيد » ولأن الحالة الى المال شديدة والماء إذا بيع بالعين سقط فرض الوضوء وجاز الإقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال فكيف لايجوز هاهنا والله أعلم ثم قال : قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتاً قبل دولة الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ثم قال : وروي عن الحسن إن التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيامة وهذا القول احسن لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ويزيد ذلك وضوحاً مارواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عايشة من المتفق عليه وذكره شارح الوقاية من الحنفية في كتاب الحج وهو إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لعائشة لولا إن لقومك عهداً بالجاهلية وفي رواية عهد حديث بالكفر وأخاف أن ينكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم فادخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغت به أساس إبراهيم الحديث » وإذا كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع علو شأنه وسطوع برهانه كما يتقي القوم الذين هم أعيان الصحابة من سوء تواطئهم في هدم الكعبة وإصلاح بنائها فما ظنك بعده بشأن عليعليه‌السلام ومن عاداه من أهل البيت الذين قتلوا آباء هؤلاء وأعمامهم وأقاربهم كما فصل في الأحاديث الأخر فتدبر

وأما سابعاً فلأن ماذكره من إن بعض الرافضة كفر علياً لأجل أعمال التقية مدفوع بأنا لانعلم هذا البعض ولا عبرة بكلام المجاهيل سيما إذا كان دليلهم المذكور على ذلك من أوهن الأباطيل.

١١ ـ قال : المقدمة الثانية ، إعلم أيضاً إن الصحابة أجمعوا على إن نصب


الامام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه اهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واختلافهم في التعيين لا يقدح الاجمـاع المذكور وتلك الاهية لما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قام ابوبكر خطيباً كما سايأتي فقال ايها الناس من كان يعبد محّمداً ص فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فأن الله حي لايموت لابد لهذا الامر ممن يقوم بــه فأنظروا وهاتوا آراء كم فقالوا ننظر فيه ثم ذلك الوجوب عندنا معشر اهل السنة والجماعة وعند اكثر المعتزلة بالسمع أي من جهة التواتر والاجماع المذكور وقال كثير بالعقل ووجه ذلك الوجوب انهصلى‌الله‌عليه‌وآله امر باقامة الحدود وسد الغثور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ بيضة الاسلام وهي لاتتم الا بالإمام وما لايتم الواجب المطلق الا به وكان مقدوراً فهو واجب ولان في نصبه جلب منافع لاتحصى ودفع مضار لاتستقصى وكل ما كان كذلك يكون واجباً أما الصغرى على مافي شرح المقاصد فتكاد تلحق بالضروريات بل بالمشاهدات بشهادة مانراه من الفتن والفساد وانفضام امور العباد بمجرد موت الإمام وان لم يكن على ماينبغي من الصلاح والسداد واما الكبرى فبالإجماع عندنا وبالضرورة عند من قال بالوجوب عقلاً من ..المعتزلة كأبي الحسين والجاحظ والخياط والكعبي انتهى.

أقول : فيه بحث من وجوه

أما أولاً فانه إن اراد انعقاد الإجماع على أن نصب الإمام واجب على الأمة فبطلانه ظاهر لظهور الخلاف من الإمامية والمعتزلة كما لايخفى وايضاً وجوب نصبه على الأمة يقتضي انهم اذا لم يتفقوا لم يحصل إنعقاد الإمامة


بل يجب أعاده النظر مرة بعد أخرى وقد لايثمر شيء من ذلك اتفاقهم لإختلاف الآراء غالباً وهو يبطل تعليقها على رأي الأمة والألزم تعذر نصب الإمام أو جواز، عمل كل فريق برأيه فيكون منصوب كل فريق اماماً عليهم خاصة هذا خلف.

واما ثانيا فلأن من اشتغل بذلك عن دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان جائراً جاهلاً زنديقاً لاعالماً عادلاً ولا صديقاً فلا يستلزم ذلك مطلوبه والشيعة يستدلون بفعلهم الشنيع هذا على عصيانهم بل على عدم إيمانهم وإختيارهم الدنيا على الآخرة وذلك لأنهم يذكرون حديثاً وهو أن « من صلى على مغفور غفر له ذنوبه » فلو كانوا مصدقين بما جاء به النبي (ص) لما أعرضوا عن هذه السعادة الكبرى والمغفرة العظمى مع إن المصلحة والمشورة في أمور الدين والدنيا ماتفوت بيوم أو يومين فلو كان لهم إيمان ومروة لصبروا لدفنه والصلاة عليه والتعزية لأهل البيتعليهم‌السلام وإدخالهم في المشورة إذ كان النزاع معهم والحاصل إنهم إنما إشتغلوا في أمر الخلافة لأنهم إغتنموا الفرصة بغيبة عليعليه‌السلام وأصحابه وأشتغالهم بتجهيز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتدفينه وعلموا إنه لو حضر عليعليه‌السلام مجلس إشتغالهم بأمر الخلافة لفات الأمر منهم وإلا فلم يكن في تأخير ذلك عن تجهيز النبي مضنة فوته وعدم إستدراكه بل لو صبروا واشتغلوا مع عليعليه‌السلام وسائر بني هاشم بدفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومصابهم به والحزن له والصلاة عليه المرغب فيها لكان أولى لإجتماع الناس حينئذ أكثر مما كان قبل دفنه وليت شعري كيف صار ذلك واجباً فورياً ؟ مع إنه حين أراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يكتب في مرض موته كتاباً في هذا الباب منع منه عمر وقال : حسبنا كتاب الله كما ذكره


هذا الجامد فيما سيجيء وأيضاً كيف أوجبوا المسارعة الى إنعقاد الإمامة حفظاً للدين عن الشين ، ولم يسارعوا لأجل الدين ، أيام أحد وبدر وخيبر وحنين، بل هربوا فيها راجعين بخفي حنين(١) ، ذاهلين عن وضع أرجلهم في كل أين، وقد فروا من الزحف يوم الأحزاب، وعمرو بن عبد ود يناديهم ويطلبهم بالأسامي والألقاب، فصمتوا وخمدوا جميعهم عن الجواب، ولم يقم اليه أحد من شهودهم بل ضلوا ماكثين

____________________

(١) تلميح الى المثل المعروف عند العرب من قولهم « رجع بخفي حنين » قال الميداني بعد ذكره ( ص٢٥٥ من مجمع الأمثال المطبوع بإيران وص ١٧١ من المطبوع بمصر » : قال أبو عبيد : أصله إن حنيناً كان إسكافاً من أهل الحيرة فسامه إعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه فاراد غيض الإعرابي فلما إرتحل الإعرابي أخذ حنين أحد خفيه فطرحه في الطريق ثم القى الآخر في موضع آخر فلما مر الإعرابي بأحدهما قال ماأشبه هذا الخف بخف حنين ولو كان معه آخر لأخذته ومضى فلما إنتهى الى الآخر ندم على تركه الأول وقد كمن له حنين فلما مضى الإعرابي في طلب الأول عمد حنين الى راحلته وما عليها فذهب بها وأقبل الإعرابي وليس معه إلا الخفان فقال له قومه ماذا جئت به من سفرك؟ قال جئتكم بخفي حنين فذهبت مثلاً [ يضرب عند اليأس عند الحاجة والرجوع بالخيبة ] وقال إبن السكيت : حنين كان رجلاً شديداً إدعى الى أسد بن هاشم بن عبد مناف فأتى عبدالمطلب وعليه خفان أحمران فقال ياعم أنا إبن أسد بن هاشم فقال عبدالمطلب لا وثياب إبن هاشم ماأعرف شمائل هاشم فيك فارجع فرجع فقالوا رجع حنين بخفيه فصار مثلاً.


ناكثين لسابق عهودهم وكذلك ما أظهروا يوم مرحب(١) لا مرحباً لهم ما للرجال من عزيمة، بل إنهزموا أقبح هزيمة، فلما لم يظهر منهم المسابقة والمسارعة في تلك المشاهد لنصرة الدين، علم إن مسابقتهم يوم السقيفة إنما كانت لنيل الرياسة طلباً للجاه

____________________

(١) يريد بيوم مرحب يوم خيبر أسم بطل معروف من يهود خيبر ويومه معروف ومشهور عند أهل الأخبار والسير وقصه فرار أبي بكر وعمر في هذه الغزوة مذكورة في كتب الخاصة والعامة « كمسند أحمد بن حنبل وغيره » واعترف به كل مخالف وموافق، وعدو وصديق ، قال الفاضل المعاصر الدكتور محمد حسنين هيكل في تاريخه المسمى بحياة محمد (ص) عند ذكره وقائع هذه الغزوة « ص ٣٧٥ س ٢٤ من الطبعة الثانية » : « وتتابعت الأيام، فبعث الرسول ابا بكر براية الى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع ولم يكن الحصن قد فتح وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه حظ أبي بكر فدعى الرسول اليه في الغداة علي بن أبي طالب ثم قال له: خذ هذه الراية فمض بها حتى يفتح الله عليك. ومضى علي بالراية ، فلما دنى من الحصن خرج اليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطاح ترسه؛ فتناول علي باباً كان عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الحصن » وقد أجاد إبن أبي الحديد المعتزلي البغدادي في بائيته المعروفة «وهي إحدى العلويات السبعة ».

وما أنس لا أنس للذين تقدّما

وفرّهما والفرّ قد علما حوب

وللراية العظمى وقد ذهبا بها

ملابس ذل فوقها وجلابيب

يشلهما من آل موسى شمر دل

طويل نجاد السيف أجيد يعبوب

يمج منوناً سيفه وسنانه

ويلهب ناراً غمده والأنانيب

أحضرهما أم حضر أخرج غاضب

وذانهما أم ناعم الخد مخضوب

عذرتكما إن الحمام لمبغض

وإن بقاء النفس للنفس محبوب

ليكره طعم الموت والموت طالب

فكيف يلذ الموت والموت مطلوب

دعا قصب العلياء يملكها إمرء

بغير أفاعيل الدناءة مقضوب

يرى إن طول الحرب والبؤس راحة

وإن دوام السلم والخفض تعذيب

فلله عيناً من رآه مبارزاً

وللحرب كأس بالمنية مقطو

وقد صدر عن خاتم النبين (ص) بعد هذا الفتح المبين، حديث في حق أمير المؤمنين (ع) يشتمل على فضائل جمة ومناقب جليلة منها قوله (ص) « لولا أن تقول فيك طائفة من أمتي ماقالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب رجليك » الخ وهو مشهور بين الخاصة والعامة واليه يشير شاعر الشيعة « وهو السيد علي الواعظ القايني (ره) المترجم حاله في مجالس المؤمنين للمصنف (ره) » بقوله في قصيدة مطولة فارسية مذكورة في المجالس المذكور:

بو العجب قومي گه منكر ميشوند از فضل او

زان خبر كايشان روايت روز خيبر كرده اند


( شعر )

وعلى الخلافة سابقوك وما

سبقوك في أحد ولا بدر(١)

وأما ثالثاً فلأن ما نسبه من الخطبة الى أبي بكر مع ركاكته من أوضح الموضوعات أما الأول فلظهور سوء الأدب في خطابه للناس بقوله « من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات » وهل كان هناك من يعبد محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يعتقد إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يموت؟ اللهم إلا أن يقال إنه قال ذلك رداً على ماروى من إن عمر قال في ذلك اليوم لمصلحة زورها في نفسه « والله ما مات محمد وسيعود ويقطع أيدي رجال وأرجلهم بما قالوا إنه مات » لكن المشهور عندهم إنه رد عليه أبو بكر هناك من ساعته ورجع هو الى قول أبي بكر فلم يبق حاجة الى تكرار الرد عليه في خطبته البليغة هذه

وأما الثانى فلأنه كيف يصح ما فيها من دعاء الناس الى إحالة آراءهم في ذلك وطلب الناس المهلة عنه للنظر فيه مع ما شحنوا به كتبهم

____________________

(١) يناسب ذلك ماروى من إن الصادقعليه‌السلام مر بدار عرس سمع منها صوت الدف ومغنية تغني وتقول:

أبا حسن سيدي أنت أنت

وصي المهيمن لو أنصفوك

وانت جعلت قريشاً عبيداً

ولولا حسامك كانوا ملوكا

وأنت المقدم في النائبات

فعند الخلافة لم أخروك

فقالعليه‌السلام بشروها بالجنة فلما سمعت الجارية المغنية ذلك القت الدف وتابت الى الله تعالى ولما كان مناسباً لهذا المقام ذكرناه ها هنا.


من أن بيعتهم لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة إنما وقعت فلتة وبغتة حتى رووا عن عمر ما سيذكره هذا الشيخ فيما سيأتي من أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها عن المسلمين فمن عاد الى مثلها فاقتلوه.

وأما رابعاً فلأن مبادرة القوم الى تصديق أبي بكر في إيجابه النظر في ذلك يجوز أن يكون لإعقتقادهم إرادة التفحص عن إمام منصوب من الله تعالى لا لإختيار إمام من عند أنفسهم ثم لما ظهر عليهم خلافه واتضح آثار العدوان سكتوا فغاية الأمر إنعقاد الإجماع السكوتي عن جماعة في ذلك ووهنه ظاهر.

وأما خامساً فلأن وجوب المشار اليه بقوله « وذلك الوجوب عندنا » أعم من الوجوب على الله أو على الأمة فلا يصح إطلاق ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع لأن ماذهب اليه أهل السنة هو الوجوب السمعي على الأمة لا الوجوب على الله أيضاً فالصواب أن يقال إن ذلك الوجوب الأعم عندنا وعند أكثر المعتزلة على الأمة بالسمع الخ.

وأما سادساً فلأن ماذكره من أن أكثر المعتزلة على الوجوب سمعاً كذب صريح يشهد به عبارة الشرح الجديد للتجريد حيث قال «إختلفوا في نصب الإمام بعد إنقراض زمان النبوة هل يجب أم لا ؟ وعلى تقدير وجوبه على الله أم علينا ؟ عقلاً أم سمعاً؟ فذهب اهل السنة الى إنه واجب علينا سمعاً وقالت المعتزلة والزيدية بل عقلاً وذهبت الإمامية على إنه واجب الله تعالى عقلاً إنتهى.

وأما سابعاً فلأن قوله وقال كثير بالعقل إن اردا به الوجوب العقلى على الأمة يلزم إهمال ذكر القول بوجوبه على الله تعالى عقلاً وإن اراد به وجوبه على الله تعالى


عقلاً يلزم إهمال ذكر القول بوجوبه على الأمة عقلاً فيختل كلامه في تحرير محل النزاع كما لايخفى.

وأما ثامناً فلأن القول بكون الوجوب في ذلك سمعياً غير مسموع لأن الوجوب السمعي منحصر في الكتاب والسنة والإجماع والكل مفقود هاهنا بإعتراف الخصم ومنهم صاحب المواقف حيث قال « وإذا ثبت حصول الإمامة بالإختيار والبيعة فاعلم إن ذلك الحصول لا يفتقر الى الإجماع من جميع أهل الحل والعقد إذ لم يقم عليه أي على هذا الإفتقار دليل من العقل والسمع بل الواحد والإثنان من اهل الحل والعقد كاف في ثبوت الإمامة ووجوب إتباع الإمام على اهل الإسلام وذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين إكتفوا في عقد الإمامة المذكور من الواحد والإثنين كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبدالرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا في عقدها إجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد فضلاً عن إجماع الأمة من علماء الأنصار ومجتهدي جميع أقطارها هذا ولم ينكر عليهم أحد وعليه أي على الإكتفاء بالواحد والإثنين بعقد الإمامة إنطوت الأعصار بعدهم الى وقتنا هذا » إنتهى

وقد علم من كلامه هذا إنهم جعلوا عمل الغاصب للخلافة حجة فيها على الأمة لظهور إن النزاع إنما هو فيهم وفي عدم إستحقاقهم لذلك وإلا فما الدليل العقلي والنقلي من الكتاب والسنة على إن مجرد البيعة بل مجرد بيعة الواحد والإثنين حجة ؟ ومن أين ثبت لعمر إمامة أبي بكر حتى بايعه ؟ وكيف علم أبو بكر إنه إمام حتى إدعى ذلك ؟ ولعل هذا اول ما أباح على اهل السنة كهذا الشيخ الجاهل في كتابه هذا ارتكاب المصادرة وسوء المكابرة فما بقي لهم في المسألة إلا الإعتماد على حسن الظن


بمن قام الف دليل على سوء افعاله وركاكة اقواله كما سيتضح إنشاء الله تعالى والملخص إن نصب الإمام واجب على الله تعالى عقلاً كما برهن عليه في موضعه مفصلاً وقد أبان عن ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونص على من كان أهلاً للإمامة في يوم الغدير وغيره من المواقف والأزمان وحيث كان هذا الإيجاب عند اهل البيتعليهم‌السلام وسائر بني هاشم واتباعهم شائعاً ذائعاً بحيث لم يظنوا صدور الخلاف لأحد من الأصحاب لم يشتغلوا به عن دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما سيعترف به هذا الشيخ الجاهل في أوائل الفصل الأول من الباب الأول وإنما إشتغل به من الأصحاب من قصد غصب منصب الإمامة وعادى علياً طلباً لثارات الجاهلية فاغتنموا الفرصة بإشتغال بني هاشم بتجهيز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وجلوس عليعليه‌السلام للمصيبة فسارعوا الى تقرير ولي الأمر ولبسوا الأمر على الناس بإيهام إن قعود عليعليه‌السلام في قعر بيته إنما كان لتركه الخلافة وإعراضه عنها فانخدع الناس بذلك وضم اليه إختلاف الأنصار فيما بينهم فلم يصبروا أن يفرغ بني هاشم من مصاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيستقر الأمر مقره فبايعوا أبا بكر بحضوره وعقدوا البيعة الفلتة الفاسدة لأبي بكر بعد أعمال وجوه أخرى من التلبيس وتطميع الناس واستمالتهم بتفويض إمارة البلاد ونحوها فظهر إن قول هذا الشيخ حيث إشتغلوا به عن دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على عمومه في محل المنع فتأمل

وأما تاسعاً فلأن ماذكره أولاً في وجه الوجوب على الأمة سمعاً غير متجه لأنه لا يقتضي كون نصب الإمام واجباً سمياً على الأمة كما إدعاه لظهور إن أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بإقامة الحدود وسد الثغور ونحوهما على آحاد الأمة ليس


على أن يفعلها كل أحد منهم بإستقلال بل بأمر الإمام كما يرشد اليه قوله وهي لا تتم إلا بالإمام فهذا راجع الى بيان مايجب على معاونة الإمام في الأمور المذكورة لا الى وجوب أصل الإمامة فالواجب المطلق في الأمر بما ذكر هو الوجوب المتعلق بإطاعة الأمة لا الوجوب المتعلق بنصب الإمام ولا يلزم من سمعية الأول سمعية الثاني على إن لقائل أن يمنع قولهم « إن ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف كان واجباً » وإنما تصدق هذه المقدمة لو إمتنع تكليف مالا يطلق وهو غير ممتنع عندهم فلم يتم الدليل للأشاعرة وايضاً الذي يقوم عليه الدليل هو وجوب مقدمة الواجب بمعنى كونه مما لا بد منه في تحقيق ماهي مقدمة له لا الوجوب الشرعي الذي قصدوه في هذا المقام وتحقيق ذلك يطلب من كتب الأصول لأصحابنا أيدهم الله تعالى.

وأما عاشراً فلأن ماذكره ثانياً بقوله « ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى ودفع مضار لا تستقصى الخ » مردود بأن الضرر المضنون أما ديني وهو تقريب المكلفين وتبعيدهم وذلك لايحصل إلا من إمام مؤيد من عند الله بالآيات والبينات عارف بجزئيات التكاليف العقلية والشرعية مما لا يعرفها إلا الراسخون ولا يرضى بحكمه إلا المتقون، بخلاف من نصبه الرعية على وفق آرائهم، ومقتضى شهواتهم ، حيث جوزوا ترجيح المرجوح وتفضيل المفضول واستأثروا إتباع الظالم الجاهل الذي لا يعرف شيئاً من ضروريات الدين كما ينبغي، بل لا يهتدي بضروريات العقل أيضاً لينالوا بوسيلته الى مرداتهم الجاهلية والمالية

وأما دنيوي كالهرج والمرج والفتن ولا نزاع لنا في حصوله في الجملة من نصب رئيس يختاره طائفة من الناس بينهم لئلا يختل


أمر معاشهم إلا إن نصبه ربما يؤدي الى المفاسد الدينية كإتباع العلماء القاصرين لرأيه وإعتقاده وتأليفهم كتباً على طبق مرضاته ووضعهم أحاديث كذلك فاستمر بينهم كابراً عن كابر حتى شاع في وقته كما وقع في زمان بني أمية وبني العباس فقالوا بعد مدة إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون.

١٢ ـ قال : المقدمة الثالثة الإمامة تثبت أما بنص من الإمام على إستخلاف واحد من أهلها وأما بعقدها من أهل الحل والعقد لمن عقدت له من اهلها كما سيأتي بيان ذلك في الأبواب وأما بغير ذلك كما هو مبين في محله واعلم إنه يجوز نصب المفضول مع وجود من هو أفضل منه لإجماع العلماء بعد الخلفاء الراشدين على إمامة بعض من قريش مع وجود أفضل منه منهم ولأن عمر جعل الخلافة بين ستة من العشرة منهم عثمان وعلي وهما أفضل أهل زمانهما فلوا تعين الأفضل لعين عثمان فدل عدم تعيينه إنه يجوز نصب غير عثمان وعلي مع وجودهما والمعنى في ذلك إن غير الأفضل قد يكون أقدر منه على القيام بمصالح الدين وأعرف بتدبير الملك وأوفق لإنتظام حال الرعية وأوثق في إندفاع الفتنة انتهى.

اقول : اولاً التحقيق إن الإمامة لا تثبت إلا بنص من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو من الإمام المنصوص على إمامته وأما القسمان الآخران اللذان ذكرهما هذا الشيخ الجامد فقد أشرنا الى بطلانهما إجمالاً وسيأتي الكلام فيهما تفضيلاً إنشاء الله تعالى

وثانياً إنه إن اراد بدعوى إجماع العلماء على إمامة المفضول مع وجود الفاضل إجماع جميع العلماء فالمنع عليه ظاهر كيف وسائر أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الى هذا الزمان على طرف الخلاف وإن


أراد إجماع علماء اهل السنة فهو مصادرة ظاهرة لاتقوم حجة على الخصم الشيعى كما لايخفى وتفضيل الكلام وتحقيق المرام إنه قد دل العقل والنقل على إنه يجب أن يكون الإمام أكمل وافضل في جميع اوساط المحامد كالعلم والزهد والكرم والشجاعة والعفة وغير ذلك من الصفات الحميدة والأخلاق المرضية وبالجملة يجب أن يكون أشرفهم نسباً واعلاهم قدراً واكملهم خلقاً وخلقاً كما وجب ذلك في النبي بالنسبة الى إمته وهذا الحكم متفق عليه من أكثر العقلاء إلا إن أهل السنة خالفوا في أكثره كالأعلمية والأشجعية لأن أبا بكر لم يكن كذلك مع إن عمر وأبا عبيدة نصباه إماماً وكذا عمر لم يكن كذلك وقد نصبه ابو بكر إماماً ولم يفطنوا بأن هذا الإختيار السوء قد وقع مواضعة ومخادعة من القوم حرصاً على الخلافة وعداوة لإمام الكافة كما يكشف عنه قول طلحة حين كتب أبو بكر وصيته لعمر بالولاية والخلافة بعده حيث قال مخاطباً لعمر « وليته أمس وولاك اليوم » الى غير ذلك من المكائد والحيل والخدع التي إستعملوها في غصب الخلافة عن اهلها وكذلك فريق من المعتزلة منهم عبدالحميد بن أبي الحديد المدائني قالوا يجوز تقديم المفضول على الفاضل لمصلحة ما وقالوا إن علياًعليه‌السلام أفضل من أبي بكر لكن جاز تقديم أبي بكر عليه لمصلحة وهذا القول غير مقبول إذ يقبح من اللطيف الخبير أن يقدم المفضول المحتاج الى التكميل على الفاضل الكامل عقلاً ونقلاً كما في النبوة ومنشأ شبهتهم في هذا التجويز إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قدم عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وكذا قدم أسامة بن زيد عليهما مع إنهما أفضل من كل منهما والجواب بعد تسليم افضليتهما والإغماض عن إن هذه الأفضلية إنما توهم لهما بعد


غصبهما للخلافة إنهما إنما قدما عليهما في أمر الحرب فقط وقد كانا أعلم من منهما فيه قطعاً كما دلت عليه الأخبار والآثار هذا إن جعلنا التقديم والتأخير منوطاً بإختيار الله تعالى وأما إن جعلناه منوطاً بإحتيار الأمة كما هو مذهب الجمهور فهو أيضاً غير مقبول لأنه يقبح في العقول ايضاً أن يجعل المفضول المبتدي في الفقه مقدماً على إبن عباسرضي‌الله‌عنه وذلك بين عند كل عاقل والمخالف فيه مكابر.

ومن العجائب إن إبن أبي الحديد المعتزلي خالف هاهنا مقتضى ما أجمع عليه من القول بالحسن والقبح العقليين ونسب هذا التقديم الذي ذهب اليه الى الله عز وجل فقال في خطبة شرحه لنهج البلاغة « وقدم المفضول على الفاضل لمصلحة إقتضاها التكليف » وهذا في غاية مايكون من السخف، ولأنه نسب ما هو قبيح عقلاً الى الله عز وجل ، مع إنه عدلي المذهب ، فقد خالف مذهبه، ولهذا حملت الشكايات الواردة من عليعليه‌السلام عن الصحابة، والتظلم منهم في الخطبة الموسومة بالشقشقية وغيرها على ذلك ولا يخفى إن الحمل على ذلك مما لا وجه له سوى التحامل على عليعليه‌السلام لأن هذا التقديم إن كان من الله تعالى، لم يصح من عليعليه‌السلام الشكاية مطلقاً لأنها حينئذ تكون رداً على الله، والرد عليه على حد الكفر وإن كان من الخلق فإن كان هذا التقديم لمصلحة المكلفين وعلم بها جميع الخلق غير عليعليه‌السلام فقد نسبهعليه‌السلام الى الجهل بما عرفه عامة الخلق وإن كان لا لمصلحة كان تقديماً بمجرد التشهي فلم تكن الشكاية على الوجه الذي توهمه فلا وجه لحملها عليه هذا والعقل والنقل كما اشرنا اليه دال على قبح ذلك أما العقل فظاهر وأما النقل فلأن القرآن نص على إنكار ذلك حيث قال تعالى أفمن يهدي الى الحق


احق أن يتبع أمن لايهدي الى أن يهدي فمالكم كيف تحكمون وقال تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ثم أقول يمكن أن يستدل على عدم جواز تفضيل المفضول يقول أبي بكر « أقيلوني فإني لست بخيركم وعلي فيكم » فاحفظ هذا فإنه بذلك حقيق.

وثالثاً إنما ذكره من التعليل العليل بقوله « ولأن عمر جعل الخلافة الخ » قد مر مافيه مع إبتنائه لمجرد حسن الظن الذي لايغني من الحق شيئاً.

ورابعاً إن قوله « والمعنى في ذلك إن غير الأفضل قد يكون اقدر منه الخ » فيه إنه إن عنى بالأقدر المذكور فيه إنه لايعرف مصالح الدين لكنه أقدر على إقامتها فهذا لايسمن ولايغني من جوع لأن إقامة مصالح الدين فرع العلم بها وهو ظاهر وإن عنى به إنه أقدر بإقامتها مع العلم بها من غير أحتياج وإستناد الى إستعلامها عن غير فهو خلاف المفروض لأن مثل هذا الشخص ليس بمفضول في العلم بل أقل الأمر أن يكون مساوياً لغيره وأما مجرد معرفة تدبير الملك وإنتظام حال الرعية فلا يجدي في الدين لأن ذلك التدبير والإنتظام يجب أن يكون على الوجه الشرعي الخالي عن شوائب الجور والظلم الذي لا يحصل إلا ممن إتصف بالعلم والعفة والزهد والشجاعة بل بالعصمة كما سنحققه دون الوجه العرفي السياسي الحاصل من معاوية الباغي وجروه يزيد، والوليد الجبار العنيد ، الذي إستهدف المصحف المجيد، والحجاج الظالم الفاتك الشديد ، واللص المتغلب الدوانيقي ونحوهم من كل شيطان مريد، فإنهم كانوا يدفعون الفتنة الموهمة على الملك والرعية وعلى خصوص سلطنتهم وجاههم وقتل كل متهم، وصلب كل عدو مظنون وإحراق بيوتهم وبيوت اقوامهم وجيرانهم وضرب أعناقهم الى غير ذلك من العذاب والنكال بلا ثبوت ذنب


منهم شرعا نعم ظلم الشيخين كان مختصاً بأهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم ولهذا إستقام لهم الأمر بمعونة غيرهم من أعداء أهل البيت بخلاف عثمان فإنه لما عم ظلمه وظلم عماله على البلاد والعباد، إختل أمره وآل الى قتله على رؤوس الأشهاد، وبالجملة إن حفظ الحوزة على الوجة المشتمل على الإنتظام الظاهري ودفع الهرج والمرج ورفع تطاول بعض الآحاد قد يترتب على وجود الخلفاء المجازية والملوك الجائرة بل بوجود الشحنة والعسس بل وربما يحصل هذا القسم من الإنتظام بهم دون غيرهم من الخلفاء الحقيقة فإنهم بموجب سياساتهم العرفية المذكورة ونحوها ربما يدفعون تطاول آحاد الناس على غيرهم من الرعية بوجه لايتيسر لغيرهم من الخلفاء الأمجاد لكنهم أنفسهم وأولياء دولتهم يعملون مع ضعفاء العباد ، ما يشاؤون من الجور والفساد ، ولو وقع خلل في أحكام الدين القويم، واعوجاج في اركان الطريق المستقيم، عجزوا عن الإصلاح والقويم كما اشار اليه عبدالله بن الحر في جملة قوله

( شعر(١) )

تبيت النشاوى من أمية نوماً

وبالطف قتلى ما ينام حميمها

وما ضيع(٢) الإسلام إلا قبيلة(٣) تأمر نوكها ودام نعيمها(٤)

وأضحت(٥) قناة الدين في كف ظالم إذا إعوج منها جانب لايقيمها

____________________

(١) نقل إبن شهر آشوب ره هذه الأبيات في كتاب المناقب من دون تسمية لقائلها [ صفحة ٢٣٢ من ج ٢ من النسخة المطبوعة في سنة ١٣١٧ القمرية الهجرية ونقلها المجلسي ره عن المناقب في البحار « ص ٢٥٦ من ج ١٠ من النسخة المطبوعة بنفقة أمين الضرب ره ]

(٢) المناقب والبحار « قتل »

(٣) المناقب والبحار « عصابة »

(٤) المناقب والبحار « نام زعيمها »

(٥) المناقب والبحار « فاضحت »


وليتأمل ذو الرأي السديد إن فيما وقع في ايام من صحاح أهل السنة سلطنه بل خلافته كيزيد، عليه من اللعنة مايربو ويزيد، من قتل الحسينعليه‌السلام وشيعته من حفظ حوزة الإسلام أو في قتله لأهل المدينة الطيبة وإفتضاض الف بكر من أولاد الصحابة والتابعين الكرام رعاية نظام الأنام أو في رمي المناجيق على الكعبة وتخريب بيت الله الحرام أمارة لما إختل من النظام أو دعوة لمن دخلها الى دار السلام هذا مع إنا لا نسلم إن الثلاثة كانوأ أعرف بحفظ الحوزة وحفظ حال الرعية ولو كانوا كذلك لما أمر النبي عليهما عمرو بن العاص مرة وزيد بن حارثة مرة وزيد بن أسمامة تارة أخرى وقد إشتهر إن أكثر ما إستعمله عمر من تدبير فتح العجم ونشر الإسلام في بلادهم إنما كان بإشارة عليعليه‌السلام وإنه كتب صفحة من قبيل الجفر والتكسيرا وجب عقدها على راية أهل الإسلام إنتكاس رايه العجم وقد ذكر بعض الجمهور على ما في كتاب الشافي من مقاتلة أبي بكر لأصحاب مسيلمة الكذاب وأمثالهم مشهورين بين أهل السنة بأهل الردة إنما كان بإشارة عليعليه‌السلام نعم كانعليه‌السلام محترزاً عن إستعمال الغدر والمكيدة والحيلة والخديعة التي يعد العرب مستعملها من الدهاة وكانوا يصفون معاوية بذلك ويقولون إنما وقع الإختلاف في عسكر عليعليه‌السلام لأن معاوية كان صاحب الدهاء دونه ولما سمععليه‌السلام قال « لولا الدين(١) لكنت من أدهى العرب » فتدبر.

____________________

(١) نقل السيد الرضي ره في نهج البلاغة مايحقق هذا المرام بهذه العبارة « ومن كلام لهعليه‌السلام : والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة والله ما إستغفل بالمكيدة ولا إستغمز بالشديدة » وقال إبن أبي الحديد في شرحه كلاماً مفصلاً منه هذا « أعلم إن السائس لايتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيده امره وتوطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ماقلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله وأمير المؤمنين كان مقيداً بقيود الشريعة مدفوعاً الى إتباعها ورفض مايصلح إعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن الشرع موافقاً فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب ولا ناسبين اليه ما هو منزه عنه لكنه كان مجتهداً يعمل بالقياس والإستحسان والمصالح والمرسلة ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء بالإستنباط من اصول يقتضي خلاف مايقتضيه عموم النصوص ويكيد خصمه ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة ويؤدب بالدرة والسوط من يتغلب على ظنه إنه يستوجب ذلك ويصفح من آخرين قد إجترموا مايستحقون به التأديب كل ذلك بقوة إجتهاده وما يؤديه اليه نظره ولم يكن أمير المؤمنينعليه‌السلام يرى ذلك وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها الى الإجتهاد وإلا قيسته ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل مساقاً واحداً ولا يرفع إلا بالكتاب والنص فاختلفت طريقتاهما بالخلافة والسياسة وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة والسياسة وكان عليعليه‌السلام كثير الحلم والصفح والتجاوز فازدادت خلافة ذاك قوة وخلافة هذا ليناً ولم يمن عمر بما مني به عليعليه‌السلام من فتنة عثمان الخ » وهو كلام نافع طويل الذيل جداً ينبغي إن يلاحظ ويراجع ومن اراده فليطلبه منه هناك « وهو أواخر الجزء العاشر من شرح النهج لصاحب الكلام ».


١٣ ـ قال : واشتراط العصمة في الإمام وكونه هاشمياً وظهور معجزة على يده يعلم بها صدقه من خرافات نحو الشيعة وجهالاتهم لما سيأتي بيانه وإيضاحه من حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان مع إنتفاء ذلك فيهم ومن جهالاتهم ايضاً قولهم إن غير المعصوم يسمى ظالماً فيتناوله قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين وليس


كما زعموا إذ الظالم لغة من يضع الشيء في غير محله وشرعاً العاصي وغير المعصوم قد يكون محفوظاً فلا يصدر عنه ذنب او صدر عنه ويتوب منه حالا توبة نصوحا فالآية لاتتناوله وانما تتناول العاصي على أن العهد في الآية كما يحتمل ان يكون المراد به الإمامة العظمى يحتمل ايضاً ان يكون المراد به النبوة أو الإمامة في الدين او نحوهما من مراتب الكمال وهذه الجهالة منهم انما اخترعوها ليبنوا عليها بطلان خلافة غير علي كرم الله وجهه وسيأتي مايرد عليهم ويبين عنادهم وجهلهم وضلالهم نعوذ بالله من الفتن والمحن انتهى.

اقول : يتوجه عليه :

اولاً ان الإمامية الذين ينبغي ان يكون وجه الكلام معهم انما اشترطوا العصمة دون الهاشمية وان اتفق كون الأئمة المعصومين من بني هاشم ودون اظهار المعجزة وان صدر عنهم ذلك حسبما ذكره مؤلف شواهد النبوة وغيره.

وثانياً ان اثبات حقية خلافة ابي بكر وعمر مع انتفاء العصمة فيهم انما يوجب خرافة من اشترط العصمة في الإمامة لو لم يثبت ذلك ببرهان من العقل والنقل وإلا فغاية الأمر تعارض الإثباتين فجاز ان يكون الخرافة والجهل في هذا الشيخ الخرف والجهلاء من اهل نخلته على إن لنا بحمد الله تعالى على ذلك دلائل عقلية ونقلية لايخفي وقعها على أولي الطبائع الزكية

أما النقلية فما ذكره هذا الشيخ الجامد بعيد ذلك من قوله تعالى لاينال عهدي الظالمين وسنوضح دلالته على المقصود بحيث لا يبقى للخصم مجال الإنكار والجحود وقوله تعالى كونوا مع الصادقين و


غير المعصوم لايعلم صدقه فلا يجب الكون معه فيجب الكون مع المعصوم وهم أهل البيتعليهم‌السلام كما نطق به آية التطهير على ماأوضحناه في شرح كشف الحق ونهج الصدق

وأما العقلية فلأن الإمام قائم مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وله الولاية العامة في الدين والدنيا وساد مسده فكما انه إشترط في النبي اتفاقاً فكذا في الإمام الزاماً وبالجملة ان الأدلة على عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دالة على عصمة الأمامعليه‌السلام وهي إنتفاء فائدة بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لو لم يكن معصوماً لظهور انتفاء نصب الإمام ايضاً على تقدير عدم عصمته وللزم والتسلسل لو لم يكن الأمام معصوماً وقد شبهوا هذا بدليل وجوب انتهاء سلسلة الممكنات على الواجب لئلا يلزم التسلسل ولأن الأمر بإتباعه امر مطلق فلو وقع منه معصية لزم ان يكون الله آمراً لنا بفعل المعصية وهو قبيح عقلاً لا يفعله الحكيم تعالى لما ثبت من الأدلة الدالة على إمتناع القبائح منه تعالى ولأنه لو فعل المنكر فان لم يعترض عليه لزم سقوط النهي والمنكر وان انكر عليه لزم سقوط محله عن القلوب فلا يحصل فائدة نصبه ولأن الإمام حافظ للشرع بمعنى انه مؤيد منفذ لأحكامه بين الناس جميعاً وكل من كان حافظاً للشرع بهذا الوجه لابد من عصمته.

أما الصغرى فلا إعتبار عموم الرياسة في الدنيا والدين في الإمامة كما سبق

وأما الكبرى فلأن من كان حافظاً للشرع بالوجه المذكور لابد ان يكون آمناً عند الناس من تغيير شيء من احكامه بالزيادة والنقصان وإلا لم يحصل الوثوق بقوله وفعله فلا يتابعه العباد فيهما فتختل الرياسة العامة وتنتفي فائدة الإمامة لا يقال إن هذا الدليل يقتضي ان تكون العصمة شرطاً في المجتهد ايضاً لأنه حافظ للشرع فلا بد ان يكون معصوماً ليؤمن


من الزيادة والنقصان وكذا الكلام في الدليل المذكور قبله لأنه لو فعل المعصية سقط من القلوب وانتفت فائدة الآجتهاد او سقط حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلاهما باطل لكنها ليست بشرط اتفاقاً لأنا نقول المجتهد ليس حافظاً للشرع بين جميع الناس بل مظهر له على من قلده فلا يجب فيه أن يكون آمناً من الزيادة والنقصان على سبيل القطع بل يكفي حسن الظن بصدقه بعد ثبوت الإجتهاد ولذلك شرط العدالة فيه وبالجملة مرتبة الإجتهاد لكونها دون مرتبة الإمامة تحصل باستجماع شرائطها المشهورة المسطورة في كتب الأصول ويكفي في وجوب العمل بقول المجتهد حسن الظن بصدقه المتفرع على ثبوت عدالته بعد حصول شرائط الإجتهاد كما تقرر في محله بخلاف مرتبة الإمامة فإنها رياسة عامة بحسب الدين والدنيا ومن البين إنها لاتحصل لشخص إلا بعد أن يكون آمناً من الزيادة والنقصان في أحكام الشرع وإلا لإختلت تلك الرياسة العامة وإنتفت فائدة الإمامة كما لايخفى على من له طبع سليم وعقل مستقيم.

ولا يبعد ان يقال ايضاً إن كلاً من جواز الإجتهاد وجواز تقليد المجتهد في ايام غيبة الإمام من باب الرخصة في أكل لحم الميتة عند الخمصة لئلا تتعطل الأحكام الشرعية وإنما الجائز بحسب اصل الشرع هو الإجتهاد في زمن حضور النبي أو الإمام عند كونه في ناحية بعيدة عنهما يمكنه إستعلام ما إستبهم من الأحكام بالكتابة اليهما ونحوها إذ مع حضور النبي والإمام المعصومين في الأحوال والأقوال يرجع المجتهدون اليهما في مواضع الإشتباه والإشكال وبإعلام كل منهما يحصل التقصي عن الحق والضلال فلا يحتاج الى إعتبار عصمة المجتهد مع حضور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله


والإمام الذي يمكن الرجوع اليه في تحقيق الأحكام والكشف عن مسائل الحلال والحرام فإن قيل عمدة ماذكرتم معشر الإمامية في عصمة الأنبياء والأئمة إن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض من بعثة الأنبياء ونصب الإمام أعني قبول أقوالهم وإمتثال أوامرهم ونواهيهم فبينوا لنا وجه القدح إذ قد طال الكلام في هذه المسألة بين الفريقين قلت لاشك إن من تجوز عليه الكبائر والمعاصي فإن النفس لا تسكن ولا تطمئن الى قبول قوله مثل ما تطمئن الى قول من لايجوز عليه شيء من ذلك جزماً قال الشريف الرضيرضي‌الله‌عنه هذا معنى قولنا إن وقوع الكبائر والمعاصي منفرّ عن القبول والإمتثال والمرجع فيها الى العادات وليس ذلك مما يستخرج بالدليل ومن رجع الى العادة علم صدق ماذكرناه فإن الكبائر في باب التنكير لا تنحط عن المهاجاة التي تدل على خسة صاحبها وعن المجون والسخافة ولا خلاف في إنها ممتنعة منهم فإن قيل أو ليس قد جوز كثير من الناس الكبائر على الأنبياء والأئمة ومع ذلك لم ينفروا عن قبول أقوالهم وإمتثال أوامرهم وهذا يناقض قولكم إن الكبائر منفرة قلنا هذا كلام من لم يعرف معنى النفس وحصول الإطمئنان ولا يشك عاقل في إن النفس حال عدم تجويز الكبائر أقرب منها الى ذلك عند تجويزها وقد يبعد الأمر عند الشيء ولا يرتفع كما يقرب من الشيء ولا يقع عنده إلا ترى إن عبوس الداعي الى طعامه وتضجره منفر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه وقد يقع ماذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من أن يكون منفراً وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من الحضور والتناول وقد يرتفع عنده ذلك لايقال هذا يقتضي أن لاتقع الكبائر عنهم حال النبوة


والإمامة وأما قبلها فلا لزوال حكمها بالتوبة المسقطة للعقاب والذم ولم يبق وجه يقتضي التنكير لأنا نقول إنا لم نجعل المانع عن ذلك إستحقاق العقاب والذنب فقط بل ولزوم التنفير أيضاً وذلك حاصل بعد النبوة ولهذا نجد ذلك من حال الواعظ الداعي الى الله وقد عهد منه الإقدام على كبائر الذنوب وإن تاب عنها بخلاف من لم يعهد منه ذلك والضرورة فارقة بين الرجلين فيما يقتضي القبول والنفور وكثيراً مانشاهد إن الناس يعيرون من عهد منه القبائح المتقدمة وإن حصلت منه التوبة والنزاهة ويجعلونها نقصاً وعيباً وقدحاً غاية ما في الباب إن الكبائر بعد التوبة أقل تنفيراً منها قبل التوبة ولا يخرج بذلك عن كونها منفرة إن قلت فلم قلتم إن الصغائر لاتجوز عليهم مطلقاً ولا تنفير فيها قل بل التنفير حاصل فيها ايضاً عن التأمل لأن إطمئنان النفس وسكونها إنما هو مع الأمن عن ذلك لا مع تجويزها والفرق بأن الصغائر لا توجب عقاباً وذماً ساقط لأن المعتبر التنفير كما ذكرنا مراراً ألا ترى إن كثيراً من المباحاة منفرة ولا ذم ولا عقاب فيها وكيف لايكون ذلك موجباً للتنغير مع إن الخصم حصل على بعض الإجتهادات البعيدة من المشاهدة بكونه منفراً للعوام مع تصريحهم لأن المجتهد المخطيء مثاب قال أبو المعاني الجويني في رسالته المعمولة في بيان حقية مذهب الشافعي قد إتفق للشافعي أصل مقطوع ببطلانه على وجه أجمعت الأمة شارقة وغاربة أرضاً فأرضاً طولاً وعرضاً على بطلان ذلك الأصل وهو إنه لم يجوز نسخ السنة بالكتاب ولم يجوز نسخ الكتاب بالسنة وهذا أمحل المحالات والعامي إذا سمع هذا يستنفر طبعه وينزوي عن تقليده والإقتداء به الجواب قلنا هذا الأصل غير مقطوع ببطلانه فإنه إنما لم يجوز نسخ السنة المتواترة بالكتاب


لأن الله تعالى الى آخره وتقرير الكلام على هذا التفصيل والتنقيح من نفائس المباحث فاحفظة فإنه بذلك حقيق.

وثالثاً إن أحداً من الشيعة سيما من الإمامية لم يقل بأن غير المعصوم يكون ظالماً كيف وغير المعصوم قد يكون عادلاً في جميع ايام عمره كما ذكره نعم قد إستدلوا بالآية التي ذكرها على عدم صلاحية المشايخ الثلاثة للإمامة بما حاصله إنهم كانوا كفاراً في الأصل وإنما أسلموا بعد تماديهم في الكفر والضلالة والكافر ظالم بقوله تعالى والكافرون هم الظالمون والظالم لايصلح للإمامة لأن ابراهيم على نبينا وعليه‌السلام حين طلب الإمامة لذريته وقال « ومن ذريتي » قال الله تعالى في جوابه لا ينال عهدي الظالمين يعني إن الإمامة لاتصل مني ومن جانبي الى أحد من الموصوفين بالظلم وأورد عليه الفاضل القوشچي في شرحه على التجريد بأن غاية ماتدل عليه الآية إن الظالم في حال الظلم لا ينال عهد الإمامة ولا يلزم من ظلم الثلاثة وكفرهم قبل الخلافة أن لا ينالوها حال إسلامهم وعدم إتصافهم بالظلم وفيه نظر ظاهر لأن لفظة من في قوله ومن ذريتي تبعيضة كما هو الظاهر وصرح به المفسرون وحينئذ نقول إن سؤال ابراهيمعليه‌السلام الإمامة لذريته الظالمين أما إن كان لبعض ذريته المسلمين العادلين في تمام عمره أو لذريته الظالمين في تمام عمرهم أو لذريته المسلمين العادلين في بعض أيام عمره الظالمين في بعضه الآخر لكن يكون مقصودهعليه‌السلام نيلهم لذلك حال إسلامهم وعدالتهم أو الأعم من هذا القسم والقسم الأول فعلى الأول يلزم عدم مطابقة الجواب للسؤال وعلى الثاني يلزم طلب الجليل ، وذلك المنصب الجليل ، للكافر والظالم حال الكفر والتضليل ، وهذا مما لايصدر عن أدنى عاقل ، بل جاهل من رعية وعن الثالث والرابع يحصل


المطلوب وهو إن الإمامة مما لا ينالها من كان كافراً ظالماً في الجملة وفي بعض أيام عمره فظهر إن الخرافة والجهالة إنما صدرت عن هذا الشيخ الخرف المبهوت الذي ينسج عليه أموراً واهية كنسج العنكبوت فمقصود الإمامة عنه يفوت.

ورابعاً إن ماذكره في العلاوة مردود بأن أكثر المفسرين من أهل السنة أيضاً حملوا العهد على الإمامة وهو الظاهر أيضاً من سوق الآية ومدار الإستدلال في النقليات على هذا ما لم يقم دليل آخر على خلافه يستدعي العدول عنه وإقامة الحجة على شطر من علماء مذهبكم كاف لنا في الإلزام بل يلزم الباقين التقصي عن مقتضاها لقولهعليه‌السلام « الكفر ملة واحدة » على إنه يلزم من إشتراط العصمة والعدالة في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في جميع ايام عمره إشتراطه في الإمام بطريق أولى لعدم تأييد الإمام بالوحي العاصم عن الخطأ.

وخامساً إن مانسبه الى الإمامية من إختراع إشتراط العصمة في الأئمة معارض بمثله فإن لهم أن يقولوا إن أهل السنة إنما إخترعوا نفي إشتراط عصمة الأئمة حفظاً لحال مشايخهم الثلاثة الفاقدين للعصمة وبناء لصحة خلافتهم والله ولي العصمة.

١٤ ـ : الباب الأول في بيان

كيفية خلافة الصديق والإستدلال على حقيتها بالأدلة النقلية والعقلية وما يتبع ذلك وفيه فصول الفصل الأول في بيان كيفيتها

روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما الذين هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتد به إن عمر خطب الناس مراجعة من الحج فقال في خطبته


قد بلغني ان فلاناً منكم يقول لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امره ان يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة إلا وأنها كذلك إلا إن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من يقطع اليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون الى أبي بكر وقلت له يا أبا بكر إنطلق بنا الى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم أن نقصدهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم قالا اين تريدون يامعشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى وجدناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا فقالوا سعد بن عبادة فقلت ماله قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فاثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن انصار الله وكتيبة الإسلام وانتم يامعشر المهاجرين رهط منا وقد رفت رافة منكم أي ذب قوم منكم بالإستعلاء والترفع علينا تريدون أي تخزنونا من أصلها وتخضنونا من الأمر أي تنحونا عنه وتستبدون به دوننا فلما سكت اردت أن أتكلم وقد كنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن اقولها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني والله ماترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهة وأفضل حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم من خير فانتم اهله ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هو أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لك أحد هذين الرجلين وأخذ بيدي ويد ابي عبيدة بن الجراح فلم أكره ما قال غيرها وكان والله إن أقدم فيضرب عنقي لا يقربني


ذلك من أثم أحب اليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار أي جذيلها المحكك وغديقها المرحب منا أمير ومنكم أمير يامعشر قريش وكثر اللفظ وارتفعت الأصوات حتى خشيت الإختلاف فقلت إبسط يدل يا أبا بكر فبسط يده وبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار والله ماوجدنا فيما حضرنا أمر هو أوفق من مبايعة أبي بكر وخشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فأما أن نبايعهم على مانرضى وأما أن نخالفهم فيكون فيه فساد انتهى

أقول يتوجه عليه إنه إن اراد إجماع من يعتد به من أهل السنة على صحة ما في الكتابين فهو مصادرة لا يتمشى مع من هو طرف البحث من الشيعة وإن اراد إجماع من يعتد به من الشيعة على صحة مافيهما فبطلانه ظاهر لأن البخاري ومسلم وأضرابهما وضاعون كذابون عند الشيعة بل حكموا بحماقة البخاري وقصور فهمه عن التميز بين الصحيح والضعيف لأمور شتى منها ماصرح به بعض الجمهور من إن البخاري حدث عن المتهم في دينه كعباد بن يعقوب الرواجي واحتج بحديث من اشتهر عنه النصب والبغض لعليعليه‌السلام كمحمد بن زياد الأبهاني وحريز بن عثمان الرحبي واتفق البخاري ومسلم على الإحتجاح بحديث أبي معاوية وعبيد الله بن موسى وقد إشتهر عنهم الغلو ومنها ماذكره فقهاء الحنفية في بحث الرضاع من كافيهم وكفايتهم من بلادته وقصور إدراكه عن فهم معاني الأخبار والفتوى بما يضحك منه الصبيان حتى أجمعوا علماء بخارا على إخراجه منها وطرده بأسوأ حال ومن هذا حاله كيف يعتمد على نقله وكيف يقال إن كتابه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى على إن الكرماني شارح البخاري قد روى في أوائل شرحه مايدل على إن صحيح البخاري لن يتم في أيام حياته بل كان كثيراً من مواضعه مبيضاً كان على حواشيه ملحقات وعلى أوساطه


قطعات إستصعبوا الإهتداء الى مواضع ربطها وإنما رتبه عدة من تلامذته البخاريين على حسب ماوصل اليه فهمهم ومن البين إنه لو بقي البخاري بعد ذلك مدة لجاز ان يرجع عن الحكم بصحة بعض ما أودع فيه وتصرف فيه بزيادة ونقصان فكيف يعتمد بمثل هذا الأبتر الواهي الذي قد لعب به جماعة من نواصب بخارى وفساقها في تحقيق الكلام الإلهي سيما الأوامر والنواهي وكذا الكلام في مسلم كما فصلنا في شرح كتاب كشف الحق ونهج الصدق ولو سلم صحة نقلهما ذلك عن عمر فالكلام مع عمر وإنه هو الذي عقد البيعة لأبي بكر ظلماً وجوراً على أهل البيتعليهم‌السلام ولعلمه بأن أبا بكر يجعل الخلافة فيه بعده قال طلحة وليته أمس وولاك اليوم فكيف يسمع كلامه في كيفية خلافة أبي بكر مع ما إشتمل عليه من الأكاذيب الظاهرة وناهيك في ذلك ماقال إبن أبي الحديد المعتزلي من مصححي خلافة الثلاثة إن عمر هو الذي وطأ الأمر لأبي بكر وقام فيه حتى وقع في صدر المقداد وكسر سيف الزبير وكان قد اشهر سيفه عليهم ولهذا إن أبا بكر لما صعد المنبر قام إثني عشر رجلاً ستة من المهاجرين وستة من الأنصار فانكروا على أبي بكر في فعله وقيامه مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ورووا أحاديث في حق علي (ع) ووجوب خلافته لما سمعوا من النص عليه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى إن ابا بكر أفحم على المنبر ولم يرد جواباً فقام عمر وقال يالكع إذا كنت لا تستطيع أن ترد جواباً فلم أقمت نفسك هذا المقام وانزله من المنبر وجاءوا في الإسبوع الثاني ومع معاذ بن جبل مائة رجل ومع خالد بن الوليد كذلك شاهري سيوفهم حتى دخلوا المسجد وعليعليه‌السلام جالس في نفر من أصحابه فقال عمر والله ياأصحاب علي لئن ذهب رجل منكم يتكلم بالذي تكلم به أمس لنأخذن الذي فيه عيناه فقام سلمان الفارسي وقال سمعت رسول الله (ص) قال بينما حبيبي وقرة عيني جالس


في مسجدي إذ وثب عليه طائفة من كلاب أهل النار يريد قتله ولا شك إنكم هم فأومى اليه عمر بالسيف فجذبه علي حتى جلد به الأرض وقال ياإبن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا وبجمعكم تكافروننا والله لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتكم أينا أقل عدداً واضعف ناصراً وقال لأصحابه تفرقوا انتهى فاحسن تأمله وهل هذا إلا مصادرة.

١٥ ـ قال : وفي رواية إن أبا بكر إحتج على الأنصار بخبر الأئمة من قريش وهو حديث صحيح ورد من طرق نحو أربعين صحابياً.

أقول : الحديث صحيح ويؤيده قولهعليه‌السلام في صحاح الأحاديث إن الإسلام لايزال عزيزاً ما مضى فيهم إثني عشر خليفة كلهم من قريش لكن المراد من الخليفة الأول القريشي علي (ع) إلا إنهم لما أوقعوا في القلوب إنهعليه‌السلام تقاعد من تصدى الخلافة كما ذكرناه سابقاً موهوا ذلك بجواز العدول الى قريشي آخر فتدبر.

١٦ ـ قال : وأخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن إبن مسعود رض إنه قال لما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فاتاهم عمر بن الخطاب فقال يامعشر الأنصار الستم تعلمون إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس وأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقال الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر انتهى.

اقول : أولاً إن رواية الحاكم لهذا الحديث عن إبن مسعود كاذبة بل هي مما رواه الحسن البصري عن عائشة وقال إنه نص خفي على إمامة أبي بكر والحسن البصري ممن قدح فيه الشيعة والشافعي حيث نقل عنه إبن المعالي الجويني إنه قال فيه كلام وأما عائشة


فمع ظهور عداوتها لأمير المؤمنينعليه‌السلام وكذبها عند الشيعة كما سيجيء بيانها متهمة في خصوص هذه الرواية لما فيها من جر نفع لها ولأبيها وبالجملة الشيعة لا تسلم إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بذلك وإنما أمرت به عائشة فقالت للمؤذن مر أبا بكر فليصل بالناس فظن إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمرها بذلك ولما تفطن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك خرج متكئاً علىعليعليه‌السلام وفضل بن العباس ونحى أبا بكر عن المحراب وصلى مع الناس والأنصار أعلم من أن يصدقوا بهذا الحديث الواهي الذي لا دلالة له على مطلوب أولياء أبي بكر بإحدى الدلالات كما سنوضحه وقد صرح بذلك إبن أبي الحديد المعتزلي في قصيدته الكبيرة المشهورة حيث قال في مدح عليعليه‌السلام تعريضاً بأبي بكر.

شعــــــــــــــر ولا كان معزولاً غداة براءة

ولا في صلاة أم فيها مؤخراً

وأهل السنة يوافقون في خروج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على الوجه المذكور لكن يقولون إنه صلى خلف أبي بكر وقد صرح بذك الشارح الجديد للتجريد حيث قال واستخلفه في الصلاة في مرضه وصلى خلفه انتهى وفيه إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لو عجز عن الصلاة فكيف خرج وصلى خلفه ولو لم يعجز فلم إستخلفه المهم إلا أن يقال للدلالة على خلافته كما توهمه بعضهم وفساد هذه الدلالة ظاهر جداً لأن الإمامة الصغرى بمعزل عن الإمامة الكبرى بدليل إنها تجوز خلف قريش وغيرهم إتفاقاً والإمامة الكبرى لاتصح في غير قريش على قول أهل السنة بل عندهم إنه يجوز الصلاة خلف كل مفضول بل كل بر وفاجر فكيف تقاس الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة ومما ضحك به السيد الشريف الجرجاني على لحيتهم إنه قال في شرحه للمواقف وأما مارواه البخاري بإسناده الى


عروة عن أبيه عن عائشة إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه فكان يصلي بهم قال عروة فوجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في نفسه خفة فخرج الى المحراب فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والناس يصلون بصلاة أبي بكر أي بتكبيره فهو إنما كان في وقت آخر إنتهى وفيه مافيه فتأمل فيه على إن الإستخلاف لايقتضي الدوام إذ الفعل لا دلالة له على التكرار والدوام إن ثبت خلافته بالفعل وإن ثبت بالقول فكذا كيف وقد جرت العادة بالتبقية مدة الغيبة والإنعزال عند مجيء المستخلف وأيضاً ذلك معارض بأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أستخلف علياًعليه‌السلام في غزوة تبوك في المدينة وما عزله وإذا كان خليفة على المدينة كان خليفة في سائر وظائف الإمامة لأنه لا قائل بالفصل والترجيح معنا لأن الإستخلاف على المدينة أقرب الى الإمامة الكبرى لأنه متضمن لأمور الدين والدنيا بخلاف الإستخلاف في الصلاة وهو ظاهر.

١٧ ـ قال : وأخرج إبن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري إنهم لما إجتمعوا بالسقيفة بدار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يامعشر المهاجرين إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا إستعمل الرجل منكم يقرن معه رجل منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم فتتابعت خطباؤهم على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال أتعلمون إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان من المهاجرين وخليفة من المهاجرين ونحن كنا أنصاره فاخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والأنصار وصعد أبو بكر المنبر ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعى به فجاء فقال قلت إبن عمة رسول الله صلى الله عليه وحواريه اردت ان تشق عصا المسلمين فقال لاتثريب ياخليفة رسول الله صلى الله


عليه وسلم فقام فبايعه ثم نظر بوجوه القوم فلم ير علياً فدعى به فجاء فقال قلت إبن عم رسول الله صلى الله عليه وختنه على بنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب ياخليفة رسول الله صلى الله عليه فقام فبايع أنتهى.

أقول: بعد الإغماض عن عدم صلاحية الحديث للإحتجاج به على الخصم كما مر إن قول زيد إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان من المهاجرين باطل لأن المهاجر الشرعي من هاجر الى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والأنصار أنصاره فلا معنى لوصف الرسول (ص) بالمهاجر ولا وصف أبي بكر به لأنه لم يهاجر الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بل كان معه في الفرار من مكة الى المدينة ولو سلم كون المجيء مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هجرة اليه في الجملة فلا نسلم تحقيق باقي شرائط الهجرة الشرعية في أبي بكر كالإيمان والعدالة فإنهما شرط في تحقيق الهجرة والنصرة الشرعيتين ولو لم يشترط ذلك لزم أن يكون المؤلفة القلوب الذين هاجروا اليه من بلادهم لنصرته مهاجرين وانصاراً شرعية وبطلانه ظاهر وقد روي مؤلف المشكاة في أوائل كتاب الإيمان مايؤيد هذا المعنى حيث قال عن عبدالله بن عمر قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه والمهاجر من هجر مانهى الله عنه الحديث ولو سلم فأي ملازمة بين كون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المهاجرين وكون خليفته أيضاً من المهاجرين مع إنه معارض بدعوى إن رسول الله صلى عليه وآله كان من بني هاشم فكان خليفة من بني هاشم وبأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من أولاد عبدالمطلب فكان خليفة منهم بل هذان أقيس من قياس زيد وكيف نجعل هذا الكلام الواهي من زيد بن ثابت أو من الواضع عليه حجة ثابتة على الخصم وبذلك يستدل على وضع الباقي وإنه لا يصلحه طبيب ولا راق


١٨ ـ قال : وروي إبن إسحاق عن الزهري عن أنس إنه لما بويع يوم السقيفة جاش من الغد على المنبر فقام عمر فتكلم قبله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني إثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم ابو بكر فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليتكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وأن أسأت فقوموني الخ.

اقول : الزهري وأنس عند الشيعة مستحدث موضوع وقد ذكر الزندويسي الحنفي في كتاب الروضة إن ابا حنيفة طعن في أنس وذكر أبو المعالي الجويني الشافعي أيضاً في رسالته المعمولة في بيان أحقية مذهب الشافعي إن أبا حنيفة طعن في أنس ولم يعمل بحديثه وحديث إبن عمر وأبي هريرة وأضرابهم قط فالشيعة في ذلك أعذر ثم لايخفى إن الإمام الذي إحتمل صدور الإساءة عن نفسه وإحتياجه فيها الى تقويم غيره له لا يصلح للإمامة الكبرى عند من لم يكابر عقله وحمل ذلك على هضم النفس تعسف صريح كما سيجيء بيانه انشاء الله تعالى عن قريب.

١٩ ـ قال : وأخرج أحمد إن ابا بكر لما خطب بهم يوم السقيفة لم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأنهم إلا ذكره وقال لقد علمتم إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولقد علمت ياسعد أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال وانت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم فقال له سعد صدقت نحن الوزراء وانتم الأمراء ويؤخذ منه ضعف ماحكاه إبن عبد البر إن سعد أبى أن يبايع أبا بكر حتى لقى الله تعالى انتهى.


اقول: بعد تسليم صحة ماأخرجه أحمد لا دلالة فيه على بيعة سعدرضي‌الله‌عنه لأبي بكر بل الظاهر من كلامه إن كلاً من قريش والأنصار صنف على حياله من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لاطاعة لأحدهما على الآخر كما لا طاعة لأحدهما على الآخر كما لا طاعة لأمراء السلطان على وزرائه وبالعكس وأين هذا من الدلالة على البيعة بل الذي ذكره أبو بكر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأن الأنصار يدل على أن بيعة أبي بكر إذا لم يسلكه سعد مع كونه سيد الأنصار وسلك غيره يكون باطلاً وبهذا يظهر إن حكم هذا الشيخ الجاهل يضعف ماحكاه إبن عبد البر ضعيف بل أجوف معتل.

٢٠ ـ قال: وفي رواية لإبن سعد عن أبي بكر إنه قال في خطبة أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره وولله لوددت أن بعضكم كفانيه إلا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل ماعمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم اقم به كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به إلا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحدكم فراعوني فإذا رأيتموني إستقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا إن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني عصيت فاتنبوني انتهى

أقول: لو كان كارهاً للخلافة لما سارع مع عمر الى سقيفة بني ساعدة لإستجلابها ولما رضى بإنتزاعها من أهلها وهو عليعليه‌السلام ولما أغمض عن وقوع اصحابه على صدر المقداد وكسرهم سيف الزبير عند قولهم نحن لانرضى بخلافة أبي بكر ولصبروا على فراغ أهل البيت عن دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأن النص أو الظاهر كان فيهم وأما إظهاره لوداده إن بكفيه غيره فهو كذب من الأول ولو كان صادقاً في ذلك لما إرتكبه من أول الأمر ولسلمه الى من علمه متعيناً له أو طرحه حتى يلتقطه


الراغبون المشتاقون له كعمر وطلحة والزبير وعثمان وسعد بن أبي وقاص وأمثالهم مع إن قوله لست بخير من أحدكم يدل دلالة واضحة على إعترافه بمفضوليته من الكل فلا يصلح للإمامة والجواب بأن هذا إنما وقع على سبيل التواضع كقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تفضلوني على يونس بن متي وإنه لا خلاف في إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل الأنبياء يونس ومن هو أعظم منه كإبراهيم وموسى وعيسىعليهم‌السلام وما ذلك إلا كرم وتواضع منه عليه أفضل الصلاة والسلام مدفوع بأن قياس ذلك على نهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قياس مع الفارق إذ الإنشاء لايحتمل الصدق والكذب بخلاف الأخبار ولهذا قالت الإمامية كثرهم الله تعالى لا يخلو قول أبي بكر من أحد قسمين أما أن يكون صدقاً أو كذباً فعلى الأول لايصلح للإمامة لكونه مفضولاً وعلى الثاني لذلك الكذب فالتواضع هاهنا لا ينفع المجيب كما لايخفى على اللبيب وأيضاً ما تضمنه آخر كلامه من التماس التقويم من رعيته والإعتراف بأن له شيطاناً يعتريه دليل واضح على عدم صلوحه للإمامة فالحديث حجة على الشيخ الجاهل لا له.

٢١ ـ قال: واخرج الحاكم إن أبا قحافة لما سمع بولاية إبنه قال هل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا واضع لما رفعتم ولا رافع لما وضعتم إنتهى.

اقول: في هذا الحديث شهادة من أبي قحافة على إن إبنه أبا بكر كان قبل الخلافة وضيعاً مهيناً وإنه لم يكن صالحاً للخلافة وهذه شهادة لا يعتريها جرح كما لايخفى فالحديث حجة على الناصبة ولعمري إنه مع ظهور دلالته على ماذكرناه كيف لم ينتبه له هذا الشيخ وأورده زعماً منه إنه من دلائل فضيلة أبي بكر فتأمل فإن الفكر فيه طويل.


٢٢ ـ قال:

الفصل الثاني في بيان إنعقاد الإجماع على ولايته

قد علم مما قدمناه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذلك وإنما حكى عن تخلف سعد بن عبادة عن البيعة مردود ومما يصرح بذلك أيضاً ما أخرجه الحاكم وصححه عن إبن مسعود قال ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلف أبو بكر فانظر الى ماصح عن إبن مسعود وهو من أكابر الصحابة وفقهائهم ومتقدميهم من حكاية الإجماع من الصحابة جميعاً على خلافة أبي بكر ولذلك كان هو الأحق بالخلافة عند جميع أهل السنة والجماعة في كل عصر منا الى الصحابة وكذلك هو أحق بالخلافة عند جميع المعتزلة وأكثر الفرق وإجماعهم على خلافته قاض بإجماعهم على إنه أهل لها مع إنه من الظهور بحيث لايخفى فلا يقال إنها واقعة يحتمل إنها لم تبلغ بعضهم ولو بلغت الكل لربما أظهر بعضهم خلافاً على إن هذا إنما يتوهم إن لو لم يصح عن بعض الصحابة المشاهدين لذلك الأمر من أوله الى آخره حكاية الإجماع وأما بعد أن صح عن مثل إبن مسعود حكاية إجماعهم كلهم فلا يتوهم ذلك اصلاً سيما وعلي (ع) ممن حكى الإجماع في ذلك أيضاً كما سيأتي عنه إنه لما قدم البصرة سأل عن مسيره هل هو بإشارة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فذكر مبايعته هو وبقية الصحابة لأبي بكر وإنه لم يختلف عليه منهم إثنان إنتهى.

أقول: قد مرنا على ماقدمه من دعوى الإجماع وبينا لما نقلناه من كلام صاحب المواقف الناطق بأنهم لم يشترطوا في عقد البيعة لأبي بكر إجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد إن رده على ماحكى من تخلف سعد بن عبادة مردود بأن المتخلف أبداً كان سعد وأولاده وخواص أصحابه والى ستة اشهر عليعليه‌السلام وسائر بني هاشم ومواليهم كما سيجيء وأما حكم الحاكم بصحة نقل الإجماع عن إبن مسعود فلا حكم


له عندنا وكذا حكم الوسائط التي بينه وبين إبن مسعود من الوضاعين لنصرة مذهب أهل السنة كإمامهم نعيم بن حماد الخزاعي كما ذكره عبدالعظيم المنذري الشافعي في خاتمة كتاب الترغيب والترهيب على إن ماروى الحاكم عن إبن مسعودرضي‌الله‌عنه إنما هو مجرد ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء وأما قوله وقد رأى الصحابة جميعاً ان يستخلف أبو بكر الخ فقد إكتفى ذلك المستدل بذلك القدر من كلام إبن مسعود على صحة خلافة أبي بكر لزعمه إنه مما رآه الصحابة قاطبة فلا يلزم منه تصحيح إبن مسعود لإنعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر وأيضاً إن اراد بالمسلمين الكل فلا نسلم إطباق آراء الكل على خلافة ابي بكر وإن اراد البعض فقد رأى كل في صاحبه حسناً مثل ما رآه الشيعة في علي وغيرهم في غيره فمن أين ثبت بذلك الخلافة التي رآها الكل

إن قيل يلزم من ذلك تخطئة أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من المهاجرين والأنصار

قلت اللازم تخطئة بعضهم كما عرفت ولا إستبعاد فيه لوقوع أشد من ذلك في أصحاب موسى من بني إسرائيل حيث إستضعفوا وصية هارون وكادوا يقتلونه فارتدوا وتابعوا السامري في عبادة العجل وقد تواتر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنه قال يقع في أمتي كل ما وقع في الأمم السابقة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ولو سلم فالإمامة عندهم ليست بنص من الله ولا سنة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاجتماع بعضهم عليه لا يمسى إجماعاً عند الكل بل غايته أن يكون كعدولهم عن أكل المن والسلوى الى أكل الفوم والبصل وأما مارواه من إجماع أهل السنة في سائر الأعصار على حقية أبي بكر بالخلافة فلا رواج له في سوق الخصم وكذا إجماع المعتزلة على ذلك على إن المعتزلة لم يقولوا بالأحقية بل هم مجتمعون على أحقية عليعليه‌السلام من سائر الصحابة لذلك لكنهم صححوا خلافة المفضول عنهعليه‌السلام لتجويزهم تفضيل المفضول


كما مر بيانه مع دفعه سابقاً وأما قوله فلا يقال إنها واقعة يحتمل إنها لم تبلغ بعضهم الخ فمدفوع بما نقلناه سابقاً عن صاحب المواقف من عدم إنعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر في أوائل الأمر بل مطلقاً وأما دعوى حصول الإجماع عن الباقي بعد طول الأزمنة فهو من قبيل الرجم بالغيب والرمي في الضلام ولو كان المدعي إبن مسعود ومن أين علم إبن مسعود إتمام الإجماع على ذلك من علماء الأنصار ومجتهدي أقطارها مع حكم جماعة من العلماء كالنظام وفخر الدين الرازي في المعالم على عدم إمكان العلم بذلك كما حقق في الأصول وأيضاً إشتراط الأكثر ان لا يتخلف أحد من المجمعين الى إنقراض الكل كما ذكر في الأصول أيضاً ولا ريب إن العلم بهذا أشد إمتناعاً من الأول وأيضاً قد إختلفوا في إن الإجماع هل هو بنفسه حجة أو لا بد فيه من سند هو الدليل والحجة حقيقة والسند الذي لهم في ذلك ما مر من قياس استحقاق إمامة الصلاة الموضوعة على أبي بكر على إستحقاق الإمامة الكبرى وقد عرفت مافيه إن إثبات شرعية القياس دونه خرط القتاد ولهم به أيضاً خلاف واختلاف وعلماء أهل البيتعليهم‌السلام والظاهرية ينكرون حجيته ولهم على ذلك أدلة عقلية ونقلية لا يسع المقام ذكرها ولغيرهم ايضاً في شروطه إختلاف كثير وعلى تقدير ثبوته الملحق بالمحال إنما يكون في موضع يتحقق هناك علة في الأصل ويستوي فيها الفرع مع الأصل ولا ظهور للعلة ها هنا بل الفرق ظاهر بجواز الصلاة عندهم خلف كل فاسق وفاجر ولأن أمر إمامة الصلاة أمر واحد لايحتاح فيه الى علم كثير أو شجاعة وتدبير وغيرها والإمامة الكبرى خلافة وحكومة في جميع أمور الدين والدنيا ويحتاج فيها الى العلوم والشرئط الكثيرة التي لم يوجد واحد منها في ابي بكر فلا يصح قياس هذا على ذاك على إن الأصل غير ثابت عند الشيعة كما قررناه سابقاً وأما ما رواه عن مولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام في ذلك فآثار الوضع عليه لائحة إذ لامعنى لأن يجاب


عند السؤال عنهعليه‌السلام من كون مسيره بإشارة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذكر مبايعته هو وبقية الأصحاب لأبي بكر فتدبر.

٢٣ ـ قال: وأيضاً فالأمة اجتمعت على حقية إمامة احد الثلاثة أبي بكر وعلي والعباس ثم أنهما لم ينازعاه بل بايعاه فتم بذلك الإجماع له على إمامته دونهما إذ لو لم يكن على الحق لنازعاه كما نازع على معاوية مع قوة شوكة معاوية عدة وعدداً على شوكة أبي بكر فاذا لم يبال علي بها ونازعه فكانت منازعته لأبي بكر أولى وأحرى فحيث لم ينازعه دل على إعترافه بحقية خلافته ولقد سأله العباس في أن يبايعه فلم يقبل ولو علم نصاً عليه لقبل سيما ومعه الزبير مع شجاعته وبنو هاشم وغيره ومر أن الأنصار كرهوا بيعة ابي بكر وقالوا منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر بخبر الأئمة من قريش فانقادوا له واطاعوه وعلي (ع) اقوى منهم شوكة وعدداً وشجاعة فلو كان معه نص لكان أحرى بالمنازعة وأحق بالإجابة انتهى.

أقول: ماذكره أولاً من دليل إجماع الأمة على حقية خلافة الثلاثة ساقط جداً لأنه إدعى فيه عدم نزاع أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد فصلنا سابقاً إنهعليه‌السلام نازع ولم يبايع ابا بكر الى ستة اشهر وطلب عن أنس من الصحابة الشهادة على نصبهعليه‌السلام يوم الغدير فلم يشهد عناداً فدعىعليه‌السلام حتى صار مبروصاً وكذا لم يشهد زيد بن أرقم فصار بدعائهعليه‌السلام أعمى ونزاع سلمان وأبي ذر ومقداد وعمار وخالد بن سعيد الأموي ومالك بن نويرة الحنفي وغيرهم واحتجاجهم على أبي بكر في ذلك مشهور وفي كتب المتقدمين من الجمهور مسطور وأما ترك النزاع آخراً والبيعة لأبي بكر بعد ستة أشهر فلا يدل على صحة خلافته لأن المعتبر في باب الإمامة إنما هو الرضا والتسليم دون الصفقة باليد ألا ترى إن من نأى عن محل الإمام


وبلده يعد مبايعاً له من حيث رضى وسلم وإنقاد وإن لم يضرب بيده وإنما يراد الصفقة ليكون إمارة الرضا فإذا ظهر ما هو أولى منها يعتبر بها ولم يحتج اليها فلما وقع الإتفاق على تأخر أمير المؤمنينعليه‌السلام عن البيعة يجب أن يكون محمولاً عن التأخر عن إظهار الرضا والتسليم دون الصفقة باليد ولو كان راضياً بالأمر ومسلماً للعقد لم يعتبر بصفقته ولا عوتب على تأخره ولا قيل في ذلك ماقيل وجرى ماجرى ومن صواب الجواب ماروى إنه لما إتصل بعلي بن أبي طالبعليه‌السلام إن الناس قالوا ما باله لم ينازع ابا بكر وعمر كما نازع طلحة والزبير وعائشة قال إن لي بسبعة من الأنبياء إسوة أولهم نوحعليه‌السلام قال الله تعالى مخبراً عنه رب إني مغلوب فانتصر فإن قلتم إنه ماكان مغلوباً فقد كذبتم القرآن وإن كان كذلك فعلي أعذر والثاني إبراهيم (ع) وهو خليل الرحمن حيث يقول واعتزلكم وما تدعون من دون الله فإن قلتم إنه إعتزلهم من غير مكروه فقد كفرتم وإن قلتم إنه رأى المكروه فاعتزلهم فالوصي أعذر وإبن خالته لوطعليه‌السلام إذ قال لقومه لو إن لي بكم قوة أو آوي الى ركن شديد فإن قلتم إن كان له بهم قوة فقد كذبتم القرآن وإن قلتم إنه ماكان له بهم قوة فالوصي أعذر ويوسفعليه‌السلام إذ يقول رب السجن أحب اليّ مما تدعونني اليه فإن قلتم إنه دعيّ الى غير مكروه يسخط الله فقد كفرتم وإن قلتم إنه دعي الى مايسخط الله تعالى فاختار السجن فالوصي أعذر وموسى بن عمرانعليه‌السلام إذ يقول فررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين فإن قلتم إنه فر منهم من غير خوف فقد كفرتم وإن قلتم فر منهم خوفاً فالوصي اعذر وهارونعليه‌السلام إذ يقول يا إبن أم إن القوم إستضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بيّ الأعداء فإن قلتم إنهم ما إستضعفوه كفرتم وإن قلتم إنهم إستضعفوه واشرفوا على قتله فالوصي أعذر ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث هرب الى الغار فإن قلتم إنه هرب من غير خوف أخافوه فقد كفرتم وإن


قلتم إنهم أخافوه فلم يسعه الا الهرب فالوصي أعذر فقام الناس اليه بأجمعهم وقالوا ياأمير المؤمنين قد علمنا إن القول قولك ونحن المذنبون التائبون وقد عذرك الله تعالى انتهى.

ومما يعارض دعواهم الإجماع الطوعي على إمامة أبي بكر الإجماع على إمامة معاوية بإتفاق الناس بعد تسليم الحسعليه‌السلام الأمر له فكانوا بأمرهم مظهرين للرضا بإمامته وتنفيذ أحكامه وكافين عن النكير عليه حتى سميّ ذلك العام عام الجماعة وكلما يدعي هاهنا من إنكار باطن وخوف تقية وعدم الطوع والرضا يمكن أن يدعي بعينه فيما تقدم وكذا يعارض أيضاً بالإجماع على قتل عثمان وخلعه فإن الناس كانوا بين قاتل وخاذل وكاف عن النكير وهذه إمارات الرضا عندكم ويدل على ما ذكرنا ماسيذكره هذا الشيخ الجامد من إنه لما توفيت فاطمة إستنكر عليعليه‌السلام وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر وأدل من ذلك عبارة صحيح البخاري حيث قال لما توفيت فاطمةعليها‌السلام تولت وجوه الناس عن عليعليه‌السلام فضرع الى بيعة أبي بكر فإن لفظ ضرع صريح في الإلجاء والإكراه فافهم ويرشد اليه ايضاً أحتجاج عليعليه‌السلام يوم الشورى بما ذكره هذا الشيخ أيضاً في هذا الكتاب وكذا الأشعار المنسوبة اليه في ديوانه الشريف الذي جمعه بعض الجمهور والملخص إن الدعوى لا تثبت إلا بالدليل أو بقبول الخصم والخصم ه الشيعة ينكرون إمامة أبي بكر ولا دليل عقلياً ولا نقلياً لهم غير الإماع المذكور وقد عرفت بطلانه إنفاً فتكون إمامتهم باطلة وأما مازعم من إن نزاعهعليه‌السلام مع أبي بكر كان اولى من نزاعه مع معاوية فساقط جداً بل الأمر بالعكس بطريق أولى فإن الفرق بين النزاع مع الشيوخ الثلاثة التي زعم القوم كونهم مستأهلين للخلافة الحقيقة الإلهية وكونهم من السابقين الأولين من المهاجرين الصديقين وبين النزاع مع معاوية الطليق الذي لم يدرك الإسلام في زمن


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلا ستة أشهر وكانت إمامته بالسلطنة والملك والغلبة فرق مابين الفرق والقدم ومع قطع النظر عن علو شأنه في نظر قريش وإنه من حيث إرادتهم دفع عليعليه‌السلام عن مقامه به ودنو كعب معاوية في نظرهم كان المسلمون حديثي عهد بالجاهلية في زمان ابي بكر وأخويه ولم يكونوا راسخين في الإسلام بل كانوا مستعدين للإرتداد وإفناء الإسلام عن اصله بأدنى سبب وأقل فتنة بخلاف الزمان الذي وصلت فيه الخلافة الى عليعليه‌السلام كما لايخفى وأيضاً من البين إما حصل له في أول خلافته من إجماع أكثر المهاجرين وسائر الأنصار وإعراب البوادي والقفار عليهم كان وافياً في نظر العقل لدفع معاوية وعزله وإزالة بدعه وتجبره على المسلمين ومخالفته لدين سيد المرسلين لكن عائشة وطلحة والزبير فرقوا جمعيتهعليه‌السلام بالخروج والبغي عليه عند ذلك وجرأوا معاوية أيضاً على منازعته والخروج عليه بل كاتبوه والتمسوا منه خروجه من الشام معاونة لهم غاية الأمر إنه أخر الخروج تأنفاً عن لزوم متابعتهم ثم خرج مستقلاً الى حرب عليعليه‌السلام في صفين وكان آثار غلبة عليعليه‌السلام في طول أيام تلك الحرب ظاهرة حتى عجز أصحاب معاوية ورفعوا المصاحف على رؤوس رماحهم صلحاً وشفاعة لكن جماعة من رؤساء عسكر أمير المؤمنينعليه‌السلام كأشعث بن قيس وعبدالله بن وهب الراسبي وأمثالهما الذين إستمالهم معاوية مكراً وخدعة مرقوا عن الدين فقلبوا الأمر وألجأوهعليه‌السلام الى قبول الحكمين ومع ذلك حيث لم يتم أمر الحكمين إغتنم معاوية فرصة الهرب الى الشام ورجع أمير المؤمنينعليه‌السلام الى حرب الخوارج المارقين كما فصل في كتاب السير والتواريخ وأما ماذكره من سؤال العباس مبايعته لهعليه‌السلام وعدم قبولهعليه‌السلام لذلك ففيه إن الوجه فيه إنهعليه‌السلام كان يعرف بطلان الأمر وكلام العباس كان على الظاهر ولا يمتنع أن يغلب في ظنه


مالا يغلب على ظن العباس فلا يكون في أمثاله دلالة على صواب ماجرى من العقد لأبي بكر وإنما يدل على إن ما بذله له العباس من البيبعة لم يكن عنده صواباً وبالجملة لما رأى العباس إن القوم شرعوا الإمامة ن جهة الإختيار وأوهموا إن الطريق الى الإمامة أراد أن يحتج عليهم بمثل حجتهم ويسلك في إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام مسلكهم على سبيل الإستظهار عليهم وإلا زالت لشبهتهم ولما علمعليه‌السلام إن العباس ليس ممن لا يصلح معاضداً معارضاً في هذا الأمر توقف عن قبوله ويؤيد هذا ماروى عنهعليه‌السلام إنه قال في تلك الأيام لو كان حمزة وجعفر حيين لما طمع في هذا الأمر أحد ولكني قد إبتليت بجلفين جافين عباس وعقيل وأما ماذكره من إن الأنصار كرهوا بيعة أبي بكر الخ فاقول نعم لكن الشيخين وأتباعهما من قريش أوقعوا في أوهام الأنصار وغيرهم إن قعود عليعليه‌السلام في بيته لتجهيز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ترك عنه عليه اسلام للخلافة المتعينة له عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلهذا إجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وأرادوا عقد الإمارة لواحد منهم على أنفسهم لإنتظام أمورهم ولم يظهر لهم خلاف ما توهموه أولاً إلا بعد ما غلب عليهم صناديد قريش وأخذوا منهم البيعة الفاسدة لأبي بكر فلتة كما مر فلم يسعهم نقضها بعد ذلك والرجوع الى عليعليه‌السلام ظاهراً إلا من شذ منهم كسعد بن عبادة وأولادهرضي‌الله‌عنه م وتفصيل ذلك مذكور في كتاب الفتوح وكتاب روضة الصفا فخذ ماصفا وأما قوله « فدفعهم أبو بكر بخبر الأئمة من قريش » فالظاهر إنه مما وضعوه وأوقعوا في أوهام الأنصار إنه حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأن عمر قد ناقض ذلك فيما بعد وقال حين أظهر الشك في إستحقاق كل واحد من الستة الذي جعلهم شورى لو كان سالم مولى حذيفة حياً ما يحابي فيه شك وسالم عبد لأمرأة من الأنصار وهي اعتقته وحازت ميراثه وأما قوله وعلي أقوى منهم شوكة


وعدداً فمن أوضح الأكاذيب كما سمعت آنفاً كيف وقد أجمع جميع طوائف قريش الذين كانوا يبغضون علياًعليه‌السلام للثارات الجاهلية على خلافة أبي بكر كما صرح بهعليه‌السلام فيما نقلناه سابقاً من قوله في بعض شكاياته « اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وكفأوا إنائي وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري » فكيف لا يكونعليه‌السلام عنهم في خوف وحذر مع إن اصحابه من بني هاشم وغيرهم كانوا بالنسبة اليه مبغضين كما نقل عن النبي (ص) في أوائل الخاتمة التي عقدها البيان ما أخبر به مما حصل على إله من البلاء والقتل من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلاً وتشريداً وإن أشد اقوام لنا بغضاً بنو أمية وبنوا المغيرة وبنوا المخزوم » فهؤلاء الطالبون لثاراتهم عنهعليه‌السلام إتفقوا على منع عليعليه‌السلام عن الخلافة وهجموا على إستخلاف أبي بكر رغماً لهعليه‌السلام ولهذا ذكر ايضاً في الفتوح وغيره إن في حرب صفين كان من قريش مع عليعليه‌السلام خمسة نفر وهم محمد بن ابي بكر ربيبهعليه‌السلام وجعد بن هبيرة المخزومي بن أختهعليه‌السلام وابو الربيع بن أبي العاص بن ربيعة الذين كان ابوه ابو العاص سلفه ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن أخت معاوية بن ابي سفيان وهاشم بن عتبة بن أبي وقاصرضي‌الله‌عنه وكان مع معاوية ثلاث عشر قبيلة من قريش مع اهلهم وعيالهم ولا يخفى على الفطن اللبيب إن إجماعهم وإجتماعهم على باطل معاوية في الأواخر دليل على جواز إجماعهم على باطل أبي بكر واخويه في الأوائل وتوضيح المقال والكشف عن سريرة الحال مارواه بعض السلف عن حذيفةرضي‌الله‌عنه إنه قال حدثني بريدة الأسلمي إنه لما قمنا من مكاننا في غدير خم نريد مضاربنا سمعت رجلاً يقول لصاحبه ما رأيت اليوم ما فعل بإبن عمه ؟ لو قدر أن يصيره نبياً بعده لفعل فقال له صاحبه اسكت لو فقدنا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله لم نر


من هذا شيئاً ثم لما رحل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن غدير خم ورأى إن ابا بكر وعمر وأبا عبيدة يتناجون في إنكار تلك الخطبة في شأن عليعليه‌السلام أمر منادياً ينادي إلا لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون وارتحلعليه‌السلام فلما نزل منزلاً آخر أتي سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة فوجدهم يسار بعضهم بعضاً فوقف عليهم وقال اليس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى ان يجتمع ثلاثة نفر على سر؟ والله لئن لم تخبروني بما أنتم عليه لآتين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولأعرفنه ذلك منكم فقال ابو بكر ياسالم عليك عهد الله وميثاقه إن نحن أخبرناك بما نحن فيه فإن أحببت أن تدخل معنا دخلت وإن أبيت كتمت علينا فقال سالم ذلك لكم عليّ فاعطاهم عهد الله وميثاقه إنه إن لم يدخل معهم يكتمه عليهم قالو إجتمعنا على أن نتعاقد اليوم أن نمنع محمداً مما إفترضه علينا من ولاية علي بن ابي طالبعليه‌السلام فقال لهم سالم انا والله به اولى من يخالفكم على ذلك الأمر والله ماطلعت شمس على أهل بيت أبغض اليّ من بني هاشم ولا في بني هاشم أبغض اليّ من عليعليه‌السلام فاصنعوا ما بدا لكم فإني واحد منكم فتعاقدوا في وقتهم ذلك ثم تفرقوا قال حذيفة ثم إنهم أتو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لهم ماكنتم يومكم هذا تتناجون فيه ؟ قالوا يارسول الله ماإلتقينا غير وقتنا هذا فنظر اليهم مغضباً ثم قال وما الله بغافل عما تعملون ثم امر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرحيل حتى دخل المدينة واجتمع القوم بها وكتبوا صحيفة على حسب ماتعاقدوا عليه من التنكب عما بايعوا عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في إستخلاف عليعليه‌السلام وإن الأمر لأبي بكر بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم بعده لعمر بن الخطاب ثم بعده للحي من أحد الرجلين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة وأشهدوا على ذلك أربعة وثلاثين رجلاً أربعة عشر رجلاً أصحاب العقبة وعشرين


رجلاً غيرهم وهم سعيد بن العاص الأموي واسامة بن زيد والوليد بن أبي ربيعة وسعيد بن زيد بن نفيل وأبو سفيان بن حرب وسفيان بن أمية وأبوحذيفة بن عتبة ومعاذ بن جبل وبشير بن أبي سعيد الأنصاري وسعد بن عمر وحكيم بن حزان الأسدي وصهيب بن سنان الرومي والعباس بن مرداس السلمي وأبو مطيع بن أسد العبدي وقعد إبن عمرو وسالم مولى أبي حذيفة وسعيد بن مالك وخالد بن عرفطة ومروان بن الحكم والأشعث بن قيس قال حذيفة حدثتني أسماء بنت عميس زوجة ابي بكر إن القوم إجتمعوا في دار أبي بكر فتآمروا في ذلك وأسماء تسمع جميع كلامهم فأمروا سعيد بن العاص أن يكتب على آفاق منهم بسم الله الرحمن الرحيم من المهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيه إتفقوا جميعاً بعد إن إجتهدوا في آرائهم وكتبوا هذه الصحيفة نصراً منهم للإسلام وليقتدي بهم من جاء بعدهم أما بعد فإن الله بمنه وكرمه بعث محمداً رسولاً الى الناس كافة بدينه الذي إرتضاه لعباده فأدى ما أمر به حتى إذا أكمل الدين وبين الفرائض والسنن والحلال والحرام فقبضه اليه مكرماً من غير أن يستخلف من بعده أحداً فجعل الإختيار الى المسلمين ليختاروا لأنفسهم من وثقوا برأيه ودينه وإن للمسلمين في رسول الله إسوة حسنة في ترك الإستخلاف فإنهعليه‌السلام لم يستخلف على الناس اصلاً لئلا يجري ذلك في أهل ملة واحدة فيكون إرثاً لهم دون سائر المسلمين ولئلا تكون دولة بين الأغنياء منهم ولئلا يقول الذي يستخلفه إن هذا الأمر باق في عقبه من ولد الى ولد الى يوم القيامة والذي يجب على المسلمين عند مضي كل خليفة أن يجمعوا أهل الصلاح وذوي الرأي منهم


ليشاوروا في أمورهم فمن رأوه مستحقاً للخلافة بدينه وفضله ولوه أمورهم وجعلوه القيم عليهم لأنه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم لخلافة فإن إدعى أحد إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إستخلف رجلاً بعينه بحيث نصبه للناس بإسمه ونسبه كان كاذباً في دعواه وأتى بخلاف مايعرفه اصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخالف إجماع المسلمين وإن إدعى مدع إن خلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وراثة لأهل بيته فقد أبطل وأحال وخالف قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله « نحن معاشر الأنبياء لانورث فما تركناه صدقة » وإن إدعى مدع إن الخلافة لاتصلح إلا لرجل واحد لجميع الناس وإنها مقصورة فيه وإن قال قائل إن الخلافة تتلو النبوة فقد كذب لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال اصحابي كالنجوم بأيهم إقتديتم إهتديتم وإن إدعى مدع إنه يستحق بقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فليس ذلك له لأن الله تعالى قال إن اكرمكم عند الله اتقاكم فمن رضي بما إجتمع عليه اصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد هدى وعمل بالصواب ومن كره ذلك وخالف أمرهم فقد عاند جماعة من المسلمين فليقاتلوه فإن في ذلك صلاح الأمة فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال الإجتماع لأمتي رحمة والفرقة عذاب ولا تجتمع أمتي على ضلال أبداً وإن المسلمين يد واحدة على من سواهم وإنه لايخرج من جماعة المسلمين إلا مفارق معاند مضاهر عليهم فقد اباح الله ورسوله دمه وأحل قتله وكتب سعيد بن العاص باتفاق من أثبت إسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في محرم سنه عشر من الهجرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وسلم ثم دفعت الصحيفة الى ابي عبيدة بن الجراح فوجه بها الى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة الى أن ولي عمر بن الخطاب


فأخرجها وهي التي تمناها أمير المؤمنينعليه‌السلام لما توفي عمر فوقف به وهو مسجى بثوبه وقال ما أحب أن القى الله تعالى إلا بصحيفة هذه المسجى قال حذيفة فلما فرغوا من ذلك أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في المسجد فجلسوا معه فالتفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الى أبي عبيدة وقال بخ بخ لك يا أبا عبيدة من مثلك وقد أصبحت أمين قوم من هذه الأمة على باطلهم ثم قرأ فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ولقد أصبح نفر من أصحابي ماهم في فعلهم دون مشركي قريش لما كتبوا صحيفتهم وعلقوها في الكعبة ولا إن الله أمرني بالإعراض عنهم لأمر هو بالغه لقدمتهم وضربت أعناقهم قال حذيفة فوالله لقد رأيت هؤلاء النفر قد إستقبلتهم الرعدة فلم يملك أحد منهم نفسه ولم يخف على كل من حضر مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المهاجرين والأنصار إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يؤمهم انتهى.

ومما ينبغي أن ينبه عليه إن أبا عبيدة هو الذي جادل وخاصم مع عليعليه‌السلام في أمر الخلافة عند إحضارهم له عندهم بعد بيعة السقيفة ليأخذوا منه البيعة أيضاً كما هو المذكور المشهور في التواريخ المعتبرة من كتب أهل السنة والجماعة ولهذا قال شاعر أهل البيتعليهم‌السلام مشيراً الى الخائن أبي عبيده الذي سماه القوم أميناً.

شعر غلط الأمين غجازها عن حيدر

والله ما كان الأمين أمينا

وقد ذهب ذلك علىالسيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف فزعم إن هذا البيت من شعر الغلاة وإن المراد من الأمين جبرئيلعليه‌السلام وإن ضمير جازها راجع الى النبوة فإنهم والذي يزيد أيضاً حالما بيناه وتثبيتاً لما نقلناه إنه قد ترشح عن بعضهم


عند مراجعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن الغدير إنكار كون ذلك العهد وحياً من الله تعالى كما صرح به الثعلبي من رؤساء مفسريهم حيث قال لما كان رسول الله بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد عليعليه‌السلام فقال من كنت مولاه فعلي مولاه فشاع ذلك وطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث بن نعمان الفهري القرشي فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى أتى الأبطح فنزل عن ناقته فأناقها وعقلها وأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في ملأ من أصحابه فقال يامحمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله الا الله وإنك رسول الله فقبلناه منك وأمرتنا أن نصلي خمس صلوات فقبلناه منك وأمرتنا أ نصوم شهراً قبلناه منك وأمرتنا أن نزكي أموالنا فقبلناه منك وأمرتنا أن نحج البيت فقبلناه منك ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي إبن عمك ففضلته علينا وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه هذا شيء منك أم من الله ؟ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والذي لا إله إلا هو إنه من الله فولى الحارث بن نعمان الفهري يريد راحلته وهو يقول الله إن كان مايقول محمد حقاً فامطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب اليم فما وصل اليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله وأنزل الله تعالى سئل سائل بعذاب واقع، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج وقد روى هذه الرواية النقاش من علماء الجمهور في تفسيره ايضاً وذكرها بعض الشافعية في كتابه الموسوم بالفصول المهمة في مناقب الأئمة فتأمل وانصف واستقم كما أمرت ولا تتبع الهوى فإنه سبيل من غوى

وأما ماذكره من إنهعليه‌السلام كان أقوى شجاعة فنقول نعم لكن بمعنى إنه أشجع من آحاد شجعان الدنيا لا عن جميع الناس مجتمعاً ومزدحماً عليه وإلا لزم إنثلام عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في عدم قتل الكفار في أول الأمر ثم في عام الحديبية حيث صالح معهم واعطاهم الذمة كما زعمه عمر مع حضور من معه من عليعليه‌السلام وحلق كثير من الصحابة حتى أبي بكر الأشجع كما يتناقض هذا الشيخ المكابر بدعواه له فيما سيأتي والجواب


الجواب بل توقف علي (ع) عن الحرب مع هؤلاء المتظاهرين بالإسلام أظهر في الصواب كما لا يخفى على أولي الألباب.

٢٤ ـ قال: ولا يقدح في حكاية الإجماع تأخر علي والزبير والعباس وطلحة مدة لأمور

منها إنهم رأوا إن الأمر تم بمن تيسر حضوره حينئذ من أهل الحل والعقد

ومنها إنهم لما جاءوا وبايعوا إعتذروا كما مر عن الأولين من طرق بأنهم أخروا عن المشورة مع إن لهم فيها حقاً لا للقدح في خلافة الصديق هذا مع الإحتياج في هذا الأمر لخطره الى المشورة التامة ولهذا مر عن عمر بسند صحيح إن تلك البيعة كانت فلتة لكن وقى الله شرها انتهى.

اقول: أولاً إن عدم القدح مقدوح كيف والإجماع إتفاق جميع أهل الحل والعقد فإذا تخلف البعض لا ينعقد الإجماع

وثانياً إنما ذكره في وجه عدم القدح أولاً من إنهم رأوا إن الأمر بمن تيسر حضوره من أهل الحل والعقد غير متجه بل هو رأي فاسد لا دليل عليه من العقل والنقل

وثالثاِ إن ماذكره من إنهم لما جاءوا وبايعوا إعتذروا الخ مردود بما مر من إن بيعتهم في ثاني الحال لم يكن عن طيب النفس والرضا والتسليم وعلى تقدير التسليم يلزم أن تكون خلافته قبل ذلك واقعة على غير سبيل المؤمنين وكفى به منقصة

وأما ماذكره كذباً وإفتراء من إعتذارهم بأنهم أخروا عن المشورة مع إن لهم فيها حقاً مدخول بأن المشورة لم تقع في بيعة أبي بكر اصلاً كما يذكره هذا الشيخ الجاهل متصلاً بذلك من قوله وعن عمر بسند صحيح إن تلك البيعة كانت فلتة فكيف يتوقعون هم إدخالهم في المشوررة دون سائر المهاجرين والأنصار حتى يعتذروا بالتأخير بذلك العذر الواهي بل لا معنى لتأخرهم عن المشورة أصلاً ولا لكونهم فيها حقاً قطعاً.


٢٥ ـ قال: لكن جمع بعضهم بين الخبر المار عن عائشة الدال على تأخر بيعة عليعليه‌السلام الى موت فاطمة وبين الخبر الذي مر عن أبي سعيد من إن علياً والزبير بايعا من أول الأمر بأن علياً بايع اولاً ثم إنقطع عن أبي بكر لما وقع بينه وبين فاطمة ماوقع في مخلفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم بعد موتها بايعه مبايعة أخرى فتوهم من ذلك بعض من لايعرف باطن الأمر إن تخلفه إنما هو لعدم رضاه ببيعته فاطلق ذلك من اطلق ومن ثم أظهر علي مبايعته لأبي بكر

ثانياً بعد موتها على المنبر لازالت هذه الشبهة انتهى.

اقول : سيفرق هذا الجمع ماسيذكره قبيل الفصل الخامس حيث قال: إن أبا بكر أرسل اليهم بعد ذلك يعني الى علي والعباس والزبير والمقداد فجاءوا فقال للصحابة هذا علي ولا بيعة لي على عنقه وهو بالخيار في أمره إلا فإنكم بالخيار جميعاً في بيعتكم إياي فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من بايعه الخ وأيضاً لا وجه لتجديد البيعة الواقعة على رؤوس الأشهاد لأجل إنقطاع المبايع وعزلته في بيته في بعض الأغراض من غير إظهاره لمن بايعه ليخلعه وينكر عليه وإلا لوجب تجديد بيعة كل من سافر عن أبي بكر مثلاً بعد البيعة الى مدة ثم رجع اليه وهل هذا إلا إضحوكة يتلهى بها الصبيان كما إن فساد تقييد ذلك التجديد ووقوعه على المنبر مما يكاد يبصره العميان.

٢٦ـ قال: وحى النووي بأسانيد صحيحة عن سفيان الثوري إن من قال: إن علياً كان أحق بالولاية فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين وما أراه يرفع له عمل الى السماء إنتهى.

اقول: النووي عندنا أحقر من نواة الحشف البالي، والثوري عجل جسد له خوار عالي؛ وتخطئة أبي بكر وعمر واتباعهما مما وافق فيه السماوات والأرض فلا يبالي بها


الشيعة يوم العرض، بل يرون ذلك من ارفع اعمال الفرض وقد سبق منا زيادة كلام يتعلق بما في هذه التخطئة فيما كتبناه على اوائل الفصل الثاني فتذكر.

٢٧ ـ

قال: الفصل الثالث في النصوص السمعية الدالة على خلافته من القرآن والسنة

أما النصوص القرآنية فمنها قوله يا أيها الذين آمنوا من يتردد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم أخرج البيهقي عن الحسن البصري انه قال: هو والله أبو بكر لما إردت العرب جاهدهم هو وأصحابه حتى ردهم الى الإسلام انتهى.

اقول: ليس لأحد ممن حاربهم ابو بكر باصحابه من اهل الردة كما ذكره إبن حزم في مسئلة احكام المرتدين من كتابه الموسوم بالمجلى حيث قال: ان المتسمين باهل الردة قسمان قسم لم يؤمن قط كأصحاب مسيلمة وسجاح فهؤلاء حربيون لم يسلموا قط لايختلف أحد في إنه يقبل توبتهم وإسلامهم والثاني قوم أسلموا ولم يكفروا بعد إسلامهم لكن منعوا الزكاة من أن يدفعوها الى أبي بكر فعلى هذا قوتلوا ولم يختلف الحنفيون والشافعيون في إن هؤلاء ليس لهم حكم المرتد أصلاً وهم قد خالفوا فعل أبي بكر فيهم ولا نسميهم أهل الردة ودليل ماقلناه شعر الحطيئة المشهور الذي يقول فيه:

شعر أطعنا رسول الله ما كان بيننا

فيا لهفاً مابال دين أبي بكر

أيورثها بكر إذا مات بعده

فتلك لعمر الله قاصمة الظهر

وأين التي طالبتم فمنعتم

لك التمر أو أحلى لديّ من التمر

فيا ليتني دودان رحلي وناقتي

عشبة نجد بالرماح أبو بكر


(إنتهى ) بل قد ذكر صاحب الفتوح عند ذكر بني حنيف وبني كندة إن منشأ مخالفة طوائف العرب الذين منعوا أبا بكر في أيام خلافته عن الزكاة حتى سماهم بأهل الردة وقاتلهم عليه إنما كا إعتقادهم حقية خلافة أهل البيتعليهم‌السلام وقدحهم في خلافة أبي بكر فقد روى بعض المتقدمين إنه لما بويع لأبي بكر دخل مالك بن نويرة سيد بني حنيفرضي‌الله‌عنه المدينة لينظر من قام بالأمر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يوم الجمعة فلما دخل المسجد وصعد ابو بكر ليخطب على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما نظر اليه قال هذا أخو تيم ؟ قالوا نعم قال فما فعل وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإتباعه وموالاته فقال له المغيرة بن شعبة إنك غبت وشهدنا الأمر يحدث بعد الأمر فقال مالك بالله ماحدث شيء ولكنكم خنتم الله في رسوله ثم تقدم الى أبي بكر وقال يا أبا بكر لما رقيت منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصي رسول الله جالس فقال ابو بكر إخرجوا الإعرابي البوال على عقبيه من المسجد فقام اليه عمر وخالد وقنفذ فلم يزالوا يلكزونه في ظهره حتى أخرجوه من المسجد كرهاً بعد إهانة وضرب فركب مالك راحلته وهو يقول:

شعر أطعنا رسول الله ماكان بيننا

فيا قوم ما شأني وشأن ابي بكر

إذا مات بكر قام بكر مقامه

فتلك وبيت الله قاصمة الظهر

فلو قام بالأمر الوصي عليهم

أقمنا ولو كان القيام على الجمر

قال الرواي فلما توطأ الأمر لأبي بكر بعث خالد بن الوليد في جيش وقال علمت ماقال إبن نويرة في المسجد على رؤوس الأشهاد وما أنشده من شعره ولسنا نأمن من أن ينفتق علينا منه فتق لا يلتأم والرأي أن تخدعه وتقتله وتقتل كل من يبارزك دونه وتسبي


حريمهم إتهاماً لهم بأنهم قد إرتدوا ومنعوا الزكاة فسار خالد وجرى من فعله ما إشتهر من الغلبة والغدر ، الذي يضيق بإستماعه الصدر ،على إنه روى عن الباقرعليه‌السلام وإبن عباس وعماررضي‌ الله‌ عنهما إن هذه الآية قد وردت في شأن الناكثين من اصحاب الجمل الذين جاهدهم عليعليه‌السلام بل الظاهر إن المراد من الآية ما هو أعم من ذلك بأن يكون خطاباً لكافة المؤمنين في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وإعلاماً منه تعالى إن منهم من يرتد بعد وفاته بالتساهل على وصيته وإنكارهم للنص عليه وذلك هو ما يقوله جمهور أصحابنا من إن دافعي النص كفرة والإرتداد هو قطع الإسلام بما يوجب الكفر فيكون ذلك شاملاً لأصحاب الجمل وغيرهم وهو قول عليعليه‌السلام يوم الجمل « ماقوتل أهل هذه الآية حتى اليوم » ذلك حق وصدق فإن منكري إمامته من المتقدمين لم يقع بينه وبينهم قتال بل أول قتال وقع له بعهد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله هو حرب الجمل ولذلك قال ماقال ومهما أمكن حمل الكلام على عمومه كان أولى ويدل على إن الإرتداد بإنكار النص والقيام على مخالفة أمير المؤمنينعليه‌السلام ذكر أوصافهعليه‌السلام في متن الآية بقوله « يحبهم ويحبونه » فهو كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله له يوم خيبر « لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كراراً غير فرار » فإن الوصف بمحبته لله ومحبة الله له وصف مجمع عليه في عليعليه‌السلام محتلف فيه في أبي بكر ثم قال تعالى إذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ومعلوم بلا خلاف حالة أمير المؤمنينعليه‌السلام في التخاشع والتواضع عند غضبه وإيذائه مارأى قط طائشاً ولا مستطيراً في حال من الأحوال ومعلوم حال أبي بكر وعمر في هذا الباب أما الأول فلأنه أعترف طوعاً بأن له شيطاناً يعتريه عند غضبه وأما الثاني فكان معروفاً بالحدة والعجلة مشهوراً بالفضاضة والغلضة وأما النصرة على الكفار فإنما تكون بقتالهم وجهادهم والإنتصاف منهم وهذه حال لم يسبق أمير المؤمنينعليه‌السلام


اليها سابق ولا لحقه فيها لاحق ثم قال تعالى يجاهدون في سبيل الله وهذا وصف امير المؤمنينعليه‌السلام مستحق له بالإجماع وهو منتف عن أبي بكر وصاحبه بالإجماع لأنه لا قتيل لهما في الإسلام ولا جهاد بين يدي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وكذا قوله تعالى ولا يخافون لومة لائم فإن الخوف من لومة اللائم إنما ان يتوهم في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين الذين كان أكثرهم من أصحاب سيد الآنام ومتظاهرين بالإسلام وأما قتال من زعموا إنه إرتد من العرب في زمان أبي بكر فلم يكن فيه توهم لومة اللائم حتى يوصف فاعله بعدم خوفه من ذلك وبهذا التفسير والتقرير سقط إستدلاله بالآية على خلافة أبي بكر وهو ظاهر جداً ويزيده سقوطاً إن فخر الدين الرازي قال عند تفسير هذه الآية « إ هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين إتفقوا على إمامة أبي بكر لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة عليعليه‌السلام لكان كلهم مرتدين ولجاء الله بقوم يحاربهم ويردهم الى الحق ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص » وأجاب عنه العلامة النيشابوري الشافعي في تفسيره بقوله « ولناصر مذهب الشيعة ان يقول ما يدريك إنه تعالى لا يجيء بقوم يحاربهم ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل » ثم قال خوفاً وتقية: إن هذا الجواب إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن إعتقاد إرتداد الصحابة الكرام أمر فضيع إنتهى وفي عذره هذا ايضاً إشارات لا تخفى على أولي النهى وإذا عرفت مما ذكرناه وما لم نذكره من القرائن والآثار في شأن القوم الذين وصفهم الله تعالى بالصفة التي إشتق منها إسم نبيه فدعاه بنبيه فقد إطلعت على حقيقة النسبة التي بين النبي والولي وظهر لك إن إنكار الإمامة كإنكار النبوة وإنكار النبوة كإنكار إلوهية الله تعالى فعلم إن معرفة الإمام والإعتراف بحقه شرط الإيمان رغماً لأنف من يتأنف عن ذلك


ولولا ذلك لم يحكم الله سبحانه وتعالى على منكرذ بالإرتداد إذ محصل معنى الآية وعيد لمن انكرها وارتد بذلك عن دين الإسلام قوم يعرفون صاحبها ويعترفون بحقه يحبهم الله ويحبونه لمحبتهم اياه والقيام بمودته والبرائة من اعدائه اللهم اجعلنا من زمرة الذين انعمت عليهم بمحبة احبائك والبرائة من اعدائك انك على كل شيء قدير وبالإجابة والتفضل حقيق جدير وأما الرواية في ذلك عن الحسن البصري فقد ر إنه ضعيف فلا يفيد برهانه القسمي ونح نعارضه باضعاف ذلك القسم على خلافه فليضحك قليلاً وليبك كثيراً.

٢٧ ـ قال: قال النووي في تهذيبه: واستدل أصحابنا على عظيم علم الصديق بقوله في الحديث الثابت في الصحيحين « والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقاتلتهم على منعه » واستدل الشيخ ابو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على إن أبا بكر أعلم الصحابة لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم إن قوله هو الصواب فرجعوا اليه انتهى.

اقول: قد بينا سابقاً نقلاً عن إبن حزم إن من منع أبا بكر عن إداء الزكاة اليه لم كونوا مرتدين حقيقة إتفاقاً وإنهم لم يمنعوا الزكاة مستحلين في الدين بل منعوه عن أبي بكر لإعتقادهم عدم إستحقاقه للخلافة كما مر فحكمه بقتالهم يكون جهلاً لا علماً وبالجملة إن اراد بذلك العلم العلم الذي كان يسدعيه إنتظام خلافته وحصول مصلحته بالإنتقام منهم فهو مسلم لكن لا يجدي نفعاً وإن اراد العلم المطابق لحكم الله تعالى ورسوله فهو ممنوع كيف وقد روى صاحب الفتوح ما سيعترف به هذا الشيخ الجامد عند تقرير


الشبهة الخامسة من أن عمر أنكر على ذلك وخاطب خالد بن الوليد الذي إرتكب ذلك بقوله « ياعدو الله » وأراد أن يقتص منه بقتله لمالك بن نويرة سيد بني حنيف فنصحه ابو بكر فقال له لا تلم خالداً فإنه سيف الله وإنما فعل مافعل بأمري وكانت المصلحة فيه فلم يتكلم عمر في ذلك مدة خلافة أبي بكر حتى وصلت الخلافة اليه وهرب عنه خالد الى الشام وجمع عمر من بقيّ من قوم مالك وأخذ ماكان من نسائهم وذراريهم عند المسلمين وسلمهم اليهم فإن كان حكم أبي بكر علماً كان منع عمر جهلاً وإن كان بالعكس فالعكس فليختر أوليائهما من هذين ماشاؤا ويدل على ماذكرناه من إنهم لم يجحدوا اصل الزكاة لأنه لايعقل من مالك وأصحابه ذلك مع القيام على الصلاة فإنهما جميعاً في قرن واحد لأن العلم الضروري حاصل للكل بأنهما من دينهعليه‌السلام وشريعته على حد واحد وهل نسبة مالك الى الردة مع ماذكرناه إلا قدح في الإصول ونقض في الدين من إن الزكاة معلومة ضرورة من دينهعليه‌السلام وقد روي جميع أهل النقل إن ابي بكر وصى الجيش الذين أنفذهم بأن يؤذنوا ويقيموا فإن أذن القوم بأذانهم واقاموا كفوا عنهم فإن لم يفعلوا أعادوا عليهم فجعل إمارة الإسلام والبراءة من الردة إلاذان والإقامة وقصة مالك معروفة عند من تأملها من النقل لأنه كان على صدقات قومه والياً من قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما بلغته وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمسك عن أخذ الصدقات من قومه وقال لهم تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونظر مايكون من أمر وقد صرح بذلك في بعض أشعاره المشهورة المذكورة في كتاب الكافي وغيره وروي بعضهم أنه أخذ الصدقات وفرقها على فقراء قومه والله أعلم وإذ قد علم بما قررناه إنما ذكره هذا الشيخ الجامد من تصويب جميع الصحابة بقتالهم كذب صريح إرتكبه ترويجاً لحال أبي بكر وسداً لباب الطعن القديم المشهور في ذلك عليه


ومن أين يثبت العلم لمن لم يعلم من القرآن الذي عرضوه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مراراً معنى الأب والكلالة وغيرهما مما فصل في كتب الجمهور، هذا وسيجيء منافي ذكر هذا الرجل للشبهة الثانية من شبهة الشيعة مايزيد المطلوب وضوحاً فلا تغفل.

٢٩ ـ قال: ومن الآيات الدالة على خلافته أيضاً قل للمخالفين من الأعراب ستدعون الى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وأن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً اليماً فإن قلت يمكن ان يراد بالداعي في الآية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو عليعليه‌السلام قلت لايمكن ذلك مع قوله تعالى قل لن تتبعونا ومن ثم لم يدعوا الى محاربة في حياتهصلى‌الله‌عليه‌وآله إجماعاً كما مر وأما عليعليه‌السلام فلم يتفق له في خلافته قتال لطلب الإسلام بل لطلب الإمامة ورعاية حقوقها وأما من بعده فهم عندنا ظلمة وعندهم كفار فتعين إن ذلك الداعي الذي يجب بإتباعه الأجر الحسن وبعصيانه العذاب أحد الخلفاء الثلاثة وحينئذ سيلزم عليه خلافة ابي بكر على كل تقدير لأن حقية خلافة الآخرين فرع عن حقية خلافته إذ هما فرعاها النانشئان عنها المتربتان عليها.

اقول: قد علم مما قدمنا في تقرير الآية السابقة إن هذه الآية أيضاً إنما تنطبق على عليعليه‌السلام في قتاله الطوائف الثلاثة ولو سلم إن مفاد هذه الآية مافهمه هذا الشيخ الجامد فغاية مايلزم منه ترتب الثواب على فعل المأمور به في الآية والعقاب على تركه من حيث إنه كان إطاعة أو مخالفة لله تعالى ولا يلزم منه ترتبها على مجرد إطاعة الداعي المذكور في الآية أو على مجرد مخالفته من حيث إنه إطاعته أو مخالفته حتى يلزم منه فضيلة الداعي وكون إطاعته مثلاً من حيث إنه إطاعته مستلزمة للثواب


والعقاب وكيف يلزم ماذكر وقد صح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله « إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » وأما ماذكره من إنه لم يتفق لعليعليه‌السلام في خلافته قتال لطلب الإسلام بل لطلب الإمامة ورعاية حقوقها فبطلانه واضح لأن طلب الإمامة طلب الإسلام لأن الإمامة عندنا من أصول دين الإسلام كما يدل عليه وجوه من الأدلة

منها الحديث المشهور المتفق عليه من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « من مات ولم يعرف أمام زمانه مات ميتة جاهلية » لظهور إن الجاهل لشيء من الفروع لا يكون ميتة كذلك قال الشريف الرضيرضي‌الله‌عنه : قد تعلق أبو علي الجبائي من المعتزلة على عدم كون المراد من الآية من حاربهم امير المؤمنينعليه‌السلام من أهل الجمل وأهل صفين وأهل النهر بقوله تعالى فيها أو يسلمون وإنهم كانوا مسلمين وأول ما فيه إنهم غير مسلمين عنده وعند اصحابه لأن الكبائر تخرج عن الإسلام عندهم كما تخرج عن الإيمان إذ كان الإيمان هو الإسلام على مذهبهم ثم مذهبنا في محاربي أمير المؤمنينعليه‌السلام معروف لأنهم عندنا كانوا كفاراً

لوجوه منها إن من حاربه كان مستحلاً لقتله مظهراً لأنه في إرتكابه على حق ونحن نعلم إن من أظهر إستحلال شرب جرعة خمر فهو كافر بالإجماع وإستحلال دم المؤمن فضلاً عن أفاضلهم وأكابرهم أعظم من شرب الخمر واستحلاله فيجب أن يكونوا من هذا الوجه كفاراً

ومنها وإنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لهعليه‌السلام بلا خلاف بين أهل النقل « حربك ياعلي حربي وسلمك سلمي » ونحن نعلم إنه لم يرد إلا التشبيه بينهما في الأحكام ومن أحكام محاربي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الكفر بلا خلاف

ومنها إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له بلا خلاف أيضاً « اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله » وقد ثبت عندنا أن العداوة من الله لا تكون إلا للكفار الذين يعادونه دون فساق أهل الملة إنتهى فلا يلزم إسلام هؤلاء قطعاً ولا مزاعمه من خلافة ابي بكر وأما تعليله لذلك بأن حقية خلافة الآخرين


فرع خلافتهما الى آخره فالخلف فيه ظاهر لأنا لا نسلم أصل خلافة أبي بكر فضلاً عن كونه أصلاً بالنسبة الى خلافة عليعليه‌السلام وهل هذا إلا مصادرة ظاهرة.

٣٠ـ قال: ومن تلك الآيات أيضاً قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما إستخلف الذين من قبلهم وليمكننهم دينهم الذي إرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً قال إبن كثير هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق انتهى.

اقول: لا إنطباق له بما قصده اصلاً إذ لم يتحقق الى يومنا هذا تبديل الخوف بالأمن في أكثر الأقطار ولا إنتفاء الشرك بالكلية كما يدل عليه قوله تعالى لا يشركون بي شيئاً وإنما تنطبق الآية على خلافة المهدي المنتظرعليه‌السلام لما دل عليه الحديث المتواتر المتفق عليه في أنه من إنه عند ظهوره يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

٣١ ـ قال: ومنها قوله تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله اولئك هم الصادقون وجه الدلالة إن الله سماهم صادقين ومن شهد الله سبحانه له بالصدق لا يكذب فلزم إنما أطبقوا عليه من قولهم لأبي بكر ياخليفة رسول الله صادقون فيه فحينئذ كانت الآية ناصة على خلافته انتهى.

اقول : فيه نظر ظاهر لأنه قد وصف الله تعالى بالصدق من تكاملت له الشرائط المذكورة

ومنها ما هو مشاهد كالهجرة والإخراج من الديار والأموال

ومنها ماهو باطن لايعلمه الا الله تعالى وهو إبتغاء الفضل والرضوان من الله ونصرة الله ورسوله ولا ريب إن الإعتبار في


ذلك ليس بما يظهر بالبواطن والنيات ولا نسلم إن المهاجرين الذين اطبقوا على خلافة أبي بكر كانوا ممن تكاملت لهم الشرائط حتى يلزم أن يكونوا متصفين بالصدق فيجب على الخصوم أن يثبتوا إجتماع هذه الصفات في كل من هاجر وأخرج من دياره وأمواله ولا يثب ذلك إلا بدليل من خارج ووجوده أبعد من وجود العنقاء ونقول بوجه آخر إن أراد إن الآية تدل على صدق المجموع من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله كما إستدل به صاحب الشرح المسمى بالتحقيق في أصول الحنفية فهب أن يكون كذلك لكن هذا في الحقيقة يرجع الى الإستدلال بالإجماع الذي أثبتوا حجيته بهذه الأمة لا بالآية وقد مر إن الإجماع غير ثابت في حق خلافة أبي بكر وإن اراد به صدق بعضهم فلا يفيد إلا إذا أثبت إن ذلك البعض قالوا لأبي بكر خليفة رسول الله ودون إثباته خرط القتاد على إن القول بذلك إنما يجدي لو قصد القائل به الخلافة الحقيقية الإلهية أما لو قصد به المعنى اللغوي وهو مجيء واحد خلف آخر فلا يثبت مطلوبهم كما لا يخفى.

٣٢ ـ قال: ومنها قوله تعالى إهدنا السراط المستقيم، سراط الذين أنعمت عليهم قال الفخر الرازي: هذه الآية تدل على إمامة أبي بكر لأنا ذكرنا إن تقدير الآية إهدنا سراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى إن الذين أنعم عليهم من هم بقوله تعالى اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك إن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر فكان معنى الآية إن الله تعالى أمر أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالماً لما جاز الإقتداء به فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر انتهى.

اقول: تسمية أبي بكر بالصديق إنما كان من عند أولياءه الكذابين الذين صدقوه لأغراض لا تخفى على أولي النهى وقصدوا بهذه التسمية ترويج أمره لا من عند الله


تعالى وعند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فكونه داخلاً في الآية غير مسلم ولو ثبت مازعمه من كون أبي بكر رأس الصديقين ورئيسهم لكفى ذلك في إثبات خلافته ولا حاجة معه الى إنظمام الآية اليه كما لا يخفى.

٣٣ ـ قال: وأما النصوص الواردة عنه المصرحة بخلافته والمشيرة اليها فكثيرة جداً.

أقول ـ إن كان مرجع الضمير في عنه هو أبا بكر كما هو الظاهر فتوجه التهمة والمصادرة اليه ظاهر؛ وإن كان المرجع هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فجميع ماروي في شأنه عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله موضوعات عندنا لا تنهض أيضاً حجة علينا خصوصاً وقد ساعدنا في ذلك إمام محدثي أهل السنة وأفضل متأخريهم الشيخ مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس في كتابه المشهور الموسوم بسفر السعادة حيث قال: إنما ورد في فضائل أبي بكر فهي من المفتريات التي يشهد بديهية العقل بكذبها إنتهى فتدبر.

٣٤ ـ قال: الأول أخرج الشيخان عن جبير بن مطعم قال: أتت أمرأة الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأمرها أن ترجع اليه فقالت أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تقول الموت قال « إن لم تجديني فأتي ابا بكر » وأخرج إبن عساكر عن إبن عباس قال جائت إمرأة الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسأله شيئاً فقال لها تعودين فقالت يارسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت فقال إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي.

اقول: لانسلم صحة الحديث كسائر ما رووه في مدحه ولو سلم جاز حمل الخليفة على المعنى اللغوي كما مر إذ لم يتبين في الحديث إن أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله برجوع السائل اليه أولاً والى أبي بكر ثانياً كان في أمر ديني يتعلق بالخلافة الشرعية فجاز أن


يكون في أمر ديوي لا إختصاص له بالخلافة الخقيقية.

٣٥ ـ قال: الثاني، أخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبدالله بن عمر قال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول « يكون خلفي إثنى عشر خليفة ابو بكر لا يلبث إلا قليلاً » قال الأئمة صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من عدة طرق اخرجه الشيخان وغيرهما فمن تلك الطرق « لايزال هذا الأمر عزيزاً ينصرون على من ناواهم عليه الى إثني عشر خليفة كلهم من قريش » رواه عبدالله بن أحمد بسند صحيح ومنها « لا يزال هذا الأمر صالحاً » ومنها « لايزال هذا الأمر ماضياً » رواه أحمد ومنها « لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنى عشر رجلاً » ومنها «إن هذا الأمر لاينقضي حتى يمضي فيهم إثني عشر خليفة » ومنها لايزال الإسلام عزيزاً منيعاً الى إثني عشر خليفة » رواها مسلم ومنها للبنرار « لايزال أمر أمتي قائماً حتى يمضي إثنى عشر خليفة كلهم من قريش » زاد ابو داود فلما رجع الى منزله أتته قريش فقال ثم يكون ماذا ؟ قال : ثم يكون الهرج » ومنها لأبي داود « لايزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم إثني عشر خليفة كلهم يجتمع عليه الأمة » وعن إبن مسعود بسند حسن إنه سئل « كم يملك هذه الأمة من خليفة ؟ فقال : سألنا عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال إثني عشر كعدة نقباء بني إسرائيل » قال القاضي عياض: لعل المراد بالإثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها إنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والإجتماع على من يقوم بالخلافة وقد وجد هذا فيمن إجتمع عليه الناس الى أن إضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة في زمن الوليد بن يزيد فاتصلت تلك الفتن بينهم الى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم قال شيخ الإسلام في فتح الباري: كلام القاضي هذا أحسن ماقيل في هذا الحديث وارجحه لتأييده بقوله في بعض طرقه صحيحة كلهم يجتمع عليه الناس والمراد باجتماعهم إنقيادهم لبيعته والذي إجتمعوا عليه هم الخلفاء الثلاثة ثم علي الى أن وقع أمر


الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم إجتمعوا عليه عند صلح الحسن ثم على ولده يزيد لم ينتظم للحسين امر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد إختلفوا الى أن أجتمعوا على عبدالملك بعد قتل إبن الزبير ثم على أولاده الأربعة؛ الوليد، فسليمان، فيزيد، فهشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبدالعزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر الوليد بن يزيد بن عبدالملك اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام فوليّ نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه فانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لوقوع الفتن بين من بقيّ من بني أمية ولخروج المغرب الأقصى عن العباسيين بتغلب المروانيين على الأندلس الى أن تسموا بالخلافة وانفطر الأمر الى أن لم يبق في الخلافة إلا الإسم بعد أن كان يخطب لعبدالملك في جميع اقطار الأرض شرقاً وغرباً يميناً وشمالاً مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد إمارة في شيء الا بأمر الخليفة وقيل: المراد وجود إثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام الى يوم القيامة يعملون بالحق وإن لم يتولوا أو يؤيده قول أبي الجلد كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليه المراد بالهرج الفتن الكبار كالدجال وما بعده وبالإثني عشر الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وقيل: يحتمل أن يضم اليهم المهدي العباسي لأنه في العباسيين كعمر بن عبدالعزيز بالأمويين والطاهر العباسي ايضاً لما أوتيه من العدل ويبقى الإثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من اهل بيت المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وحمل بعض المحديثن الحديث السابق على من يأتي بعد المهدي لرواية « ثم يلي الأمر بعده إثني عشر رجلاً ستة من ولد الحسن وخمسة من ولد الحسينعليهم‌السلام وآخر من غيرهم لكن سيأتي في الكلام لى الآية الثانية عشر من فضائل أهل البيت إن هذه الرواية واهية جداً فلا يعول عليها إنتهى


اقول: قد إستدل أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم بالصحاح من هذه الأحاديث على حقية خلافة الأئمة الإثني عشرعليهم‌السلام إذ لا قائل بانحصار الأئمة في هذا العدد سوى الإمامية فإن الإمامة والخلافة على ما دل عليه دليل العقل والنقل أن يكون الشخص المتصف بها معصوماً منصوصً من الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا يقدح في ذلك عدم جريان احكام بعض الأئمةعليهم‌السلام في الظاهر ولهذا قالعليه‌السلام مشيراًالى الحسنينعليهما‌السلام « إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا » وبالجملة لايقدح في مرادنا كونهمعليهم‌السلام منعوا الخلافة والمنصب الذي إختارهم الله له واستبد غيرهم به إذ لم يقدح في نبوة الأنبياءعليهم‌السلام تكذيب من كذبهم ولا وقع الشك فيهم لإنحراف من إنحرف عنهم ولا شوه وجوه محاسنهم تقبيح من قبحها ولا نقص شرفهم خلاف من عاندهم ونصب لهم العداوة وجاهرهم بالعصيان وقال عليعليه‌السلام « وما على المؤمنين من عضاضة في ان يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه ولا مرتاباً في بيقينه » وقال عمار بن ياسررضي‌الله‌عنه « والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا إنا على الحق وإنهم على الباطل » وهذا واضح لمن تأمله قال السيد الفاضل رضي الدين علي بن طاوسرضي‌الله‌عنه في كتاب ربيع الشيعة: وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت أحاديث النص على عد الأئمة الإثني عشرعليهم‌السلام كما نقلته الشيعة الإمامية ولم تنكر ماتضمنه الخبر فهو أدل دليل على إن الله تعالى سخرهم لروايته إقامة لحجته وإعلاء لكلمته وما هذا الأمر إلا كالخارق للعادة، والخارج عن الأمور المعتادة، لا يقدر عليه الا الله سبحانه الذي يذلل الصعب، ويقلب القلب، ويسهل العسير، وهو على كل شيء قدير.

وأما إستدلال هذا الشيخ الجامد بها على خلافة الثلاثة وعلي والحسن وبعض من بعدهم من بني أمية وبني العباس ففيه نظر من وجوه

أما أولاً فلمنع صحة الحديث الأول سيما واول راويه عبدالله بن عمر الذي لم يعمل بحديثه أبو حنيفة قط كما مر سابقاً بشهادة


أبي المعالي الجويني الشافعي والذي لم يعرف من غاية الجهل كيفية طلاق إمرأته والذي قعد عن بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام ثم جاء بعد ذلك الى الحجاج وطرقه ليلاً وقال هات يدك أبايعك لأمير المؤمنين عبدالملك فإني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول« من مات وليس عليه بيعة إمام فموتته جاهلية »فانكر عليه الحجاج ذلك مع كفره وعتوه وقال له: بالأمس تقعد عن بيعة علي بن أبي طالبعليه‌السلام وأنت اليوم تأتيني تسألني البيعة من عبدالملك بن مروان؛ يدي عنك مشتغلة لكن هذه رجلي وقد روي الحميدي في الجمع بين الصحيحين من تلزمة بيعة يزيد بن معاوية ما يتعجب منه العاقل فمن ذلك في المتفق عليه من الحديث الحادي والثمانين عن نافع قال لما خلع أهل المدينه يزيد بن معاوية جمع إبن عمر حشمه وولده وقال : إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول « لكل غادر لواء يوم القيامة » وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله وإني لأعلم عذراً أعظم من أن يبايع رجل على بيعة الله ورسوله ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم رجلاً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا وإنه الفيصل بيني وبينه هذا لفظه أفما كان علي بن أبي طالب وولدهعليهم‌السلام أو أحد من بني هاشم يجرون مجرى يزيد فى أن يبايعه إنه هذا من الطرايف ..!

وأما ثانياً فلأن ما في روايته عن أبي داود من وصف الإثني عشر بكون كلهم مجمعاً عليه الأمة مخل في مطلوبه لأن أحداً من الخلافاء الثلاثة بل الأربعة لم يجتمع عليه الأمة إجتماعاً حقيقياً شرعياً بل تخلف عن كل واحد جماعة وإنما ثبتت خلافتهم عند أهل السنة ببيعة الواحد الإثنين كما مر وإن اردا بذلك الإجتماع الإجتماع اللغوي فعلى تقدير تحققه في بعضهم فهو لايصلح إمارة على الخلافة الحقيقة حتى يليق من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجعل ذلك إمرة عليه وبهذا يضعف كلام قاضيهم وشيخ إسلامهم كما يظهر عند التأمل.

وأما ماذكره شيخ إسلامهم من إن المراد بإجماعهم إنقيادهم لبيعته فهو إصلاح


جديد منه في رسم الإجماع ومع ذلك لا يؤدي الى طائل على أن حصول الإنقياد الباطني في ذلك للثلاثة وإضطرابهم غير مسلم كما مر.

وأما ثالثاً فلأنه يلزم على تأويل قاضيهم أن يكون معاوية الباغي، وجروه الخمير العاوي، داخلاً في الخلفاء الذين يكون الإسلام بهم عزيزاً

ومما إفتخر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بوجودهم بعده وفساد ذلك ظاهر جداً هذا مع إعتراف محققي الجمهور بأن معاوية وجروه لن يكونا من الخلفاء بل كانا من ملوك الإسلام وكذلك الكلام في إبن الزبير فقد قال إبن عبد البر الشافعي في كلام الإستيعاب « إنه كانت فيه خلال لا تصلح معها للخلافة لأنه كان بخيلاً ضيق العطن، سيء الخلق، حسوداً كثير الخلاف، أخرج محمد بن الحنفية ونفي عبدالملك بن العباس الى الطائف » وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :« مازال الزبير يعد منا أهل البيت حتى نشأ عبدالله؛ انتهى » ومع ظهور بغيه وفساده لم يلحقه الندامة على ذلك أصلاً وكان مصراً على عداوة أهل البيتعليهم‌السلام حتى ذكر في كتاب كشف الغمة ذلك وغيره « إنه في أيام إمارته كان يخطب ولا يصلي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقيل له في ذلك فقال: إن له أهيل سوء إذا ذكرته اشروا وشمخوا بإنوفهم » وأيضاً يلزم خلوا الأزمنة الفاصلة بي الخليفتين الصالحين المنتجبين لهم من بني أمية وما بعد تمام الإثني عشر منهم عن الخليفة والإمام فيلزم عليهم أن يكون الأحكام المنوطة على آراء الخلفاء خصوصاً عند الشافعي معطلة في تلك الأزمنة الخالية وهو كما ترى.

وأما رابعاً فلأن قوله « لم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك » مدخول بأن الحسينعليه‌السلام كان إماماً معصوماً ولطفاً عظيماً من الحق سبحانه الى الخير وهم أختاروا النار، بإطفاء نوره في هوى يزيد الخمار كما إن زكريا ويحيى كان لطفين من الله تعالى الى الخلق واختار الخلق في قتلهما الضلالة على الهدى اولئك الذين إشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت


تجارتهم وما كانوا مهتدين

ولقد إتضح بما قررناه بقاء هذه الأحاديث صريحة في إن خلفاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونقباءهم الأئمة الإثنى عشر من اهل البيتعليهم‌السلام كما اشرنا اليه سابقاً وإن كل مانقله هذا الشيخ إلا برد من التأويلات الباردة لايوجب برد الخاطر ولقد أنضف حيث شهد بما ذكرنا المولى فصيح الدين الدشتبياضي الذي كان إستاذ الأمير علي شير المشهور برسالته الموسومة بإلجام البغاة وإلزام الغلاة حيث قال : وقد أشكل على مفهوم الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « إن هذا الأمر لاينقضي حتى يمضي فيهم إثنى عشر خليفة كلهم من قريش » وفي رواية « لايزال الإسلام عزيزاً الى إثني عشر خليفة كلهم من قريش » قال في شرح المشارق والمصابيح « يريد بهذا الأمر الخلافة وأما العدد فقيل: ينبغي أن يحمل على العادلين منهم فإنهم إذا كانوا على سنة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وطريقته يكونون خلفاء وإلا فلا ولا يلزم أن يكون على الولاء هذا ماقالوه لكن لإمتنع فيه والله أعلم بما هو المراد منه» انتهى كلام الفصيح، وكفى بهم نصح النصيح، لمن سلك الإعوجاج الفضيح

ومما ينبغي أن ينبه عليه ان قوله « ولكن لإمتنع فيه » قد وقع على سبيل رعاية الأدب لأصحابه وإلا فبطلانه ظاهر جداً كما عرفت

والحاصل إنه إن اعتبر خلافة إثني عشر على الولاء يلزم أن يكون معاوية الباغي، وجروه الغاوي والوليد الزنديق المرتد المريد، المستهدف لمصحف المجيد ، وأمثالهم من الخلفاء والأئمة الذين يكون بهم الإسلام عزيزاً وهذا مما لا يتفوه به مسلم

وايضاً يلزم أن تكون الأحكام المنوطة على آراء خلفاء الدين خصوصاً على مذهب الشافعي معطلة بعد إنقضاء هؤلاء الإثني عشر الى يوم الدين وإن لم يعتبر ذلك واعتبر إنتخاب العادلين منهم فمع لزوم خطائهم في بعض الإنتخابات يلزم خلوا الأزمنة الفاصلة بين الخليفتين العادلين منهم عن


الخليفة والإمام، مع مايلزم ذلك من تعطيل الأحكام كما مر فتدبر.

٣٦ ـ قال: الثالث اخرج أحمد والترمذي وحسنه أبن ماجه والحاكم وصححه عن حذيفة قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر انتهى.

اقول:

يتوجه عليه القدح من وجوه

أما أولاً فلأن في إسناده خللاً لأنه يعري الى عبدالملك بن عمر عن ربعي بن خداش ثم يرفعونه منهما تارة الى حذيفة اليماني ؛ وتارة الى حفصة بنت عمر، فأما عبدالملك فهو من أهل الشام ، واخلاف محاربي أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن المشهورين بالنصب والعداوة له، ولم يزل يتقرب الي بني أمية بتوليد الأخبار الكاذبة في أبي بكر وعمر، والطعن على أمير المؤمنينعليه‌السلام حتى قلدوه القضاء وكان يقبل فيه الرشى ويحكم بالجور والعدوان وكان متظاهراً بالفجور والعبث بالنساء، وله مع كلثم بنت سريع حيث قاضى بينها وبين أخيها الوليد بن سريع قصة مشهورة مذكورة في كتب الجمهور نقلها صاحب كتاب الأنوار من أصحابنا، طويناها على غرها لضيق المقام ثم إن ربعي بن خداش عند اصحاب الحديث من المعدودين في جملة الروافض المتهمين على أبي بكر وعمر فأضافته اليه مع ماوصفناه ظاهر البطلان

وأما روايته عن حفصة بنت عمر فهي من أظهر البراهين على فساده ووجوب سقوطه في الإحتجاج لأن حفصة متهمة فيما روته من فضل أبيها وصاحبه لعداوتهما لأمير المؤمنينعليه‌السلام وظاهرها ببغضه لهوى أختها عائشة ولما تضمنه من جر النفع اليها والى أبيها.

وأما ثانياً فلأنه إن اريد به تخصيص الإقتداء بهما من كل وجه فيلزم نفي إمامة


عليعليه‌السلام وعثمان والإقتداء بهما ومنافاته لما رووه من حديث « أصحابي كالنجوم بأيهم إقتديتم إهتديتم »

وان أريد به الإقتداء بهما في الجملة فجاز أن يكون المراد الإقتداء بهما في بعض الأمور بل يكون قضية في واقعة فلا يجب إستحقاقهما للإمامة.

وأما ثالثاِ فلأنه قد ظهر إختلاف كثير بين أبي بكر وعمر فيلزم أن يكون الناس مأمورين بالعمل بالمختلفين وذلك لا يليق بحال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأما رابعاً فلأنه لو صح هذا الحديث بالمعنى الذي فهموه منه لكان نصاً على إمامتهما، ولم وقعت المنازعة بين الصحابة في تعيين الإمام بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد وقعت؛ فمال بعضهم الى عليعليه‌السلام ، وبعضهم الى أبي بكر، وقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولما إحتاج أبو بكر في مدافعة الأنصار الى الإحتجاج عليهم بعشيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقومه، وما شاكل ذلك كان يقول « يامعشر الأنصار قد أمركم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيركم بالإقتداء بنا في جميع الأمور فليس لكم مخالفة أمرهعليه‌السلام

ونحن نعلم قطعاً إنه مع وجود مثل هذه الحجة لا يتمسك بغيرها فلما لم يذكرها علمنا إنه موضوع.

وأما خامساً فالتطرق تهمة التحريف في روايه ولعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال « إقتدوا بالذين من بعدي ابا بكر وعمر » على أن كونا مأمورين بالإقتداء واللذن بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كتاب الله وعترته كما ذكر في الخبر المشهور المتفق عليه وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي » هذا وقال شيخنا الأجل إبن بابويه القميرحمه‌الله في كتاب أخبار عيون الرضا « إنهم لم يرووا إن النبي صلوات الله عليه قال إقتدوا بالذين من بعدي ابي بكر وعمر وإنما رووا أبا بكر وعمر منهم من روى أبو بكر وعمر فلو كانت


الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصب إقتدوا بالذين من بعدي كتاب الله والعترة يا أبا بكر وعمر ومعنى قوله بالرفع إقتدوا أبو بكر وعمر بالذين من بعدي من كتاب الله والعترة « إنتهى »

لا يقال على هذا التقدير يكونان داخلين تحت مطلق الأمر في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله إقتدوا فما الفائدة في افرادهما لأنا نقول الفائدة ماعلمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شدة خلافهما في ذلك وقد نطق القرآن بإفراد مادخل تحت مطلق العموم كقوله تعالى فاكهة ونخل ورمان وقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح فإنه ليس يمتنع أن يؤتي في الأمر بلفظ الجمع ثم يتبعه بالإشارة الى إثنين على التخصيص بوجهين؛

أحدهما التأكيد كما ذكرناه

والثاني أن تكون العبارة عن الإثنين بمعنى الجمع إتساعاً لتبيينه به عن الواحد وليس فيه من معاني الجمع شيء كما قال سبحانه هذان خصمان إختصموا وقال هل آتيكم نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ( الى قوله ) خصمان وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط ما تعلقت به الناصبة في الحديث ولم يبق لهم فيه شبهة كما لا يخفى.

٣٧ ـ قال: الرابع، أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدريرضي‌الله‌عنه قال خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: إن الله تبارك وتعالى خير عبداً بين الدنيا وبين ماعنده فاختار ذلك العبد ما عند الله فبكى ابو بكر وقال بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه ان يخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عبد خيره الله فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المخير وكان ابو بكر اعلمنا فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ام من آمن الناس علي في صحبته وماله ابو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لأتخذت ابا بكر خليلاً ولكن اخوة الإسلام ومودته، لا يبقين باب الا سد الا باب أبي بكر » وفي لفظ لهما « لا يبقين في المسجد خوخة الى خوخة ابي بكر » وفي آخر للبخاري « ليس في الناس أحد


آمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة؛ ولو كنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبا بكر خليلاً ولكن خلة الإسلام أفضل؛ سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر » وفي آخر لإبن عدي « سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب ابي بكر » وطرقه كثيرة قال العلماء: في هذه الأحاديث إشارة الى خلافة الصديق؛ لأن الخليفة يحتاج الى القرب من المسجد لشدة إحتياج الناس الى ملازمته للصلاة بهم وغيرها انتهى.

اقول:

أولاً لايخفى مافي الحديث الأول من ركاكة بعض فصوله؛ وعدم الإرتباط بينها، الدالين على كونه موضوعاً غير صادر عن الفصيح فضلاً عن أفصح العربعليه‌السلام ومما يلحق بذلك مافيه من تعجب القوم عن بكاء أبي بكر، إذ لاعجب في بكاء المؤمنين السامع لوجود عبد خيره الله تعالى بين الدنيا والآخرة فيبكي لعدم ظن نفسه من ذلك القبيل الا أن يكون تعجبهم لإستبعادهم إيمانه ولين قلبه عند ذكر الله تعالى، وذكر الصالحين المختارين.

وثانياً إنه معارض بما في مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق « إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بسد الأبواب إلا باب علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فتكلم الناس فخطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب عليعليه‌السلام (١) فقال فيه قائلكم والله،ماغلقت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته » انتهى، وقد نقل هذا الشيخ الجاهل هذه الرواية فيما سيذكره من فضائل عليعليه‌السلام عن أحمد، وأيضاً عن زيد بن ارقم، ثم ذكر في دفع المعارضة ما لايجري عليه القلم، واما حديث خوخة أبي بكر فلا يصلح لأن يكون موازياً بالدلالة

____________________

(١) ما أحسن قول من قال بالفارسية مشيراً الى هذه المنقبة الجليلة: كشايش از درديگر مجو بغير على كه باب غير على را بگل بر آورد ند


على الفضل لفتح الباب وهذا ظاهر من تفسير الجوهري الخوخة بالكوة في جدار يوازي الصفة إنتهى مع إن هذا ايضاً معارض بما رواه إبن الأثير في النهاية حيث قال: عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: إلا خوخة علي انتهى مع إن حديثي الباب والخوخة المرويين في شأن ابي بكر ليسا متفق عليهما فلا يصلحان للإحتجاج بهما على الخصم بل الخصم يقول إن أولياء أبي بكر لما تفطنوا بأن روايتهم لذينك الحديثين في شأ عليعليه‌السلام ازراء لجلالة قد ابي بكر عندهم وضعوا هذه في مقابلهما تروجياً لشأنه، وبالجملة نحن إنما نحتج برواية من لم يعتقد كون عليعليه‌السلام افضل الصحابة على الإطلاق فإن أتيتم من فضائل الثلاثة برواية ممن لم يعتقد أفضليتهم قد تمت المعارضة وإلا فلا.

وثالثاً فلأن ماتضمنه الحديث الحادي الأول من قوله: كنت متخذاً خليلاً الى آخره مع إنه ليس بمتفق عليه بدلالة كلمة لو علي إنه لم يقع فكيف يقابل بما روي إتفاقاً من إتخاذهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام أخاً والأخوة أفضل من الخلة مع إن في رواية إبن مردويه الحافظ إنه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأن عليعليه‌السلام في حرف التحقيق وصيغة الحزم » إن خليلي ووزيري وخليفتي وخير من اتركه بعدي، يقضي ديني وينجز موعدي، علي بن ابي طالبعليه‌السلام ، فلا يعارض ما روي في شأن ابي بكر ماروي في شأن عليعليه‌السلام » وأين المخيل من المحقق المجزوم به.

ورابعاً فلأن قوله « الخليفة يحتاج الى القرب من المسجد » غير مسلم وقوله « لشدة إحتياج الناس الى ملازمتة للصلاة بهم » إنما يدل على إحتياج الناس الى القرب دونه والحاصل إن شدة إحتياج الناس الى صلاة أبي بكر بهم في المسجد لايقتضي قربه الى المسجد كما لايقتضي قرب الناس الى المسجد وإنما يقتضي مسافة وزماناً يمكن له ولهم الوصول


الى الصلاة فيه عادة فهو والناس في القرب والبعد سواء.

٣٨ ـ قال: الخامس، أخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: بعثني بنو المصطلق الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أسأله الى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال الى أبي بكر » ومن لازم دفع الصدقة اليه كونه خليفة إذ هو المتولي قبض الصدقات انتهى.

اقول: لو صح الحديث مع كون أول رواية انس الذي مر مافيه من القوادح فإنما يدل على مقصود أولياء أبي بكر إن لو كان المراد بدفع الصدقة اليه بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الدفع على وجه التولية ومن الجائز أن يكون المراد الدفع اليه على وجه كونه مصرفاً فان أبا بكر بعد بذل أمواله في سبيل الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما زعمه أهل السنة صار فقيراً صعلوكاً لم يبق له شيء حتى روى هذا الشيخ الجامد في اواخر ماسيذكر من الفصل الرابع فيما ورد من كلام العرب والصحابة وغيرهم في فضل أبي بكر إنه كا يعمل في السوق ولما بويع أصبح وعلى ساعده أبراد وهو ذاهب الى السوق فقال له عمر، أين تريد؟ قال السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال فمن أين أطعم عيالي؟ قال إنطلق يقرض لك ابو عبيدة الى آخره وأخرج البخاري « إن بنته أسماء كانت تنقل النوى من ارض الزبير الذي اقطعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على رأسها » وهي من منى على ثلثي فرسخ وغاية الأمر أن يستبعد ذلك لظن إن صدقات ذلك القوم ربما كان شيئاً كثيراً زيد على إستحقاق أبي بكر وأهله وليس بشيء لأن أبا بكر وفقراء أهله أيضاً كانوا معاً كثيراً وقد روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إن خير الصدقة ما ابقت غني

إن قيل إن دفع الصدقة الى المصرف بغير إذن


الإمام غير جائز

قلت: هذا لم يعلم من دين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على أصل الخضم إذ ليس هناك إمام منصوب منصوص من الله تعالى ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمن أين علم وجوب الدفع اليه وعدم جوازه الى غيره ولهذا دفعوا بنوا حنيف صدقات قومهم الى فقرائهم كما مر.

٣٩ ـ قال: السادس أخرج مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إدعي لي اباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولي ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر انتهى.

اقول: فيه بحث

أما أولاً فلظهور تهمة عائشة في مثل هذه الرواية من حيث جرها بذلك نفعاً وشرفاً لها ولأبيها، ومن حيث ظهور عداوتها لعليعليها‌السلام ، كما يدل عليه تصفح أخبارهم وتتبع آثارهم، منها ماأخرجه البخاري في صحيحه من قول عائشة « إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج في مرضه ويده اليمنى على كتف رجل واليسرى على كتف إبن عباس» وقال إبن عباس « اتعرف من الرجل الذي لم تسمه ؟ قال: لا، قال: هو علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وأخرج أيضاً في قضية الأفك قول عائشة « أما أسامة فقال بما يعلم من نفسه ومن براءة اهله: إلزم أهلك، واما علي (عليه‌السلام ) فقال: النساء كثيرة ولن يضيق الله عليك وسل الجارية تصدقك الحديث» وكذا اخرج قول العثماني لآخر » أبلغك إن علياً كان فيمن رمى به عائشة بالإفك » وقال إبن قتيبة في كتاب السياسة والإمامة « لما قال طلحة لعائشة قد بويع علي (ع) فقال: مالعلي يتولى على رقابنا؟ لا أدخل المدينة ولعلي فيها سلطان ورجعت» قال : ولما أتي عائشة خبر أهل الشام إنهم ردوا بيعة عليعليه‌السلام ، وأبوا أن يبايعوه أمرت فعمل لها هودج من حديد وجعل فيها موضع لعينها ثم خرجت ومعها طلحة والزبير و


عبدالله بن الزبير ومحمد بن طلحة انتهى.

وكيف ينكر عناد عائشة مع عليعليه‌السلام وقد أخبر بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحذرها عن ذلك كما سيذكره هذا الشيخ الكذوب الناسي في الباب الثامن في خلافة عليعليه‌السلام في ذيل ماقدمه هناك من قصة قتل عثمان حيث قال « وقد أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في واقعة الجمل، وصفين، وقتال عائشة وطلحة والزبير علياً كما أخرجه الحاكم وصححه البيهقي عن ام سلمه قالت ذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خروج أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: إنظري حميراء ان لاتكوني أنت واخرج البزار وأبو نعيم عن أبن عباس مرفوعاً أيتكن صاحبة الجمل الأحمر ؟ تخرج حتى ينبحها كلاب الحوأب، يقتل حولها قتلى كثيرة ثم تنجوا بعدما كادت » ( انتهى ) وروي إنما لما وصلت الى الحوأب ونبحها كلابه تذكرت كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فحاضت حيضة للرجوع ثم منعها عنادها وبغضها لعليعليه‌السلام فعادوا لما نهوا عنه.

وأما ثانياً فلأن الحديث بعد فرض صحته التي تلحق بفرض المحال لو كان مفاده مافهموه لكان نصاً على خلافة أبي بكر؛ مع إنه لم يتمسك به عند منازعته مع الأنصار ولا بعده و« لاعطر بعد عروس(١) » فدل على إنه من موضوعات عائشة أو مفتريات غيرها من أولياءه وسيورد علينا هذا الشيخ الجامد المتحجر مثل هذا البحث فيما سيأتي حيث يقول « واحتمال إن ثمة نصاً غير مازعموه يعلمه علي أو أحد من المهاجرين والأنصار باطل وإلا لأوردة العالم به يوم السقيفة حين تكلموا بالخلافة أو مابعده لوجوب إيراده حينئذ » ( إنتهى ).

وأما ثالثاً فإن هذا الجامد سينكر في حديث الغدير كون الأولى بمعنى الولي والإمام مع إن مبنى إستدلاله ها هنا عليه كما لايخفى.

____________________

(١) مثل معروف: يضرب لمن ولايؤخر عنه نفيس ، أو في ذم إذخار الشيء وقت الحاجة« أقرب الموارد »


واما رابعا فلانه يجوز ان يكون قوله « يأبى » من جملة مقول قول القائل أي يقول قائل يأبى الله والمؤمنون الا ابا بكر وبهذا القول تقع فتنة بين المسلمين وحينئذ لا دلالة للحديث على إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبر عن إباء الله تعالى لخلافة غير أبي بكر كما فهموه فلا حجة فيه على الشيعة أصلاً.

٤٠ ـ قال : السابع، أخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال : مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قال العلماء : في هذا الحديث أوضح دلالة على إن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة ، وقد إستدل الصحابة أنفسهم بهذا على إنه أحق بالخلافة، منهم عمر ومر كلامه في فصل المبايعة ومنهم عليعليه‌السلام فقد أخرج إبن عساكر عنه « لقد أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ابا بكررضي‌الله‌عنه أن يصلي بالناس وإني لشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضيناه لدنيانا، مارضيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لديننا ووجه ماتقرر من إن الأمر بتقديمه للصلاة كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة إن القصد الذاتي من نصب الإمام العالم إقامة شعائر الدين على الوجه المأمور به من إداء الواجبات وترك المحرمات، وإحياء السنن، وإماتة البدع، وأما الأمور الدنيوية وتدبيرها كإستيفاء الأموال من وجوهها وإيصالها لمستحقيها ودفع الظلم ونحو ذلك فليس مقصوداً بالذات بل ليتفرغ الناس لأمور دينهم إذ لايتم تفرغهم له إلا إذا إنتظمت أمور معاشهم بنحو الأمن على الأنفس والأموال ووصول كل ذي حق الى حقه فلذلك رضي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمر الدين وهو الإمامة العظمى أبا بكر بتقديمه للإمامة في الصلاة كما ذكرنا ومن ثم أجمعوا على ذلك كما مر.

اقول: هذا الحديث المروي عن أبي موسى الأشعري مقيم الفتنة ،ومضل ـ


الأمة ، الذي أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنه إمام الفرقة المرتدة ونحوه من الأحاديث سندهم القاصر لإجماعهم الناقص على خلافة ابي بكر كما صرح به ها هنا أيضاً بقوله « ومن ثمت أجمعوا على ذلك كما مر » وقد مر منا أيضاً إنه لايصلح ذلك سنداً لإجماعهم، وإن قياس إمامة الصلاة على الإمامة العظمى قياس مع الفارق من وجوه عديدة،وحاشى عن عليعليه‌السلام باب مدينة العلم بل عن أقل عبيدة المقتبسين من مشكاة أنوار علومه أن يستدلوا بذلك القياس، الذي يضحك منه أول من قاس.

وتمسكهم بإستدلال عمر على ذلك مع ظهور فساده إنما هو من قبيل إستشهاد إبن آوى بذنبه

وأما ماذكره من « إن الأمر بتقديمه للصلاة كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة » فهو مخالف إتفاق متقدميهم على فقدان النص في شأن الكل

وأما ماذكره من « إن القصد الذاتي من نصب الإمام إقامة شعائر الدين » فمردود بأنه

إن اراد به إن المقصود الذاتي في نصب الإمام ذلك، والأمور الدنيوية تبع له فهب أن يكون كذلك لكن لايفيد ذلك مطلوبه وإنما يفيده لو لم يكن مقصوداً بالذات في الدين وهذا غير لازم من ذلك وكيف لاتكون الأمور الدنيوية كإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحماية بيضة الإسلام ونحوها من الأمور المتعلقة بحفظ النظام وإنفاذ المعروف وإزالة المنكر وإصلاح المعاش والمعاد مقصوداً أصليا في الدين ؟

وإن اراد به إن المقصود الأصلي في الدين من نصب الإمام ذلك وما عداه مقصود بالتبع فغير مسلم بل الكل مقصود بالذات من الدين كما اوضحناه وتقريره المذكور لايفي بإثبات خلافه كما ليخفي.

٤١ ـ قال : واخرج أحمد عن سفينه وأخرجه ايضاً عن اصحاب السنن وصححه إبن حبان وغيره قال: سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك.


أقول : هذا الحديث بعد تسليم صحته معارض بما نقله صاحب تفسير المدارك من الحديث المشتمل على السؤال عن الحق وعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأقسامه الى أن عطف على الأقسام السابقة بقوله « والخلافة إذا إنتهت الى عليعليه‌السلام » وكذا معارض بما سبق من الأخبار المشتملة على خلافة إثني عشر

وأما ماذكره بعيد ذلك في دفع المعارضة هذا الشيخ المبهوت، فهو أوهن من نسج العنكبوت.

قال :

الفصل الرابع في بيان إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هل نص على خلافة أبي بكر؟

اعلم إنهم إختلفوا في ذلك، ومن تأمل الأحاديث التي قدمناها علم من إن اكثرها إنه نص عليها نصاً ظاهراً وعلى ذلك جماعة من المحدثين وهو الحق؛ وقال جمهور أهل السنة رضوان الله عليهم والمعتزلة والخوارج: لم ينص على أحد.

اقول: قد إمتثلنا وتأملنا الأحاديث الحادثة التي قدمها ومررنا عليها بأنها بعد تسليم صحتها لا دلالة لها على مقصوده وبالجملة إن الأحاديث التي زعم دلالتها على التنصيص في شأن أبي بكر إنما هي من مفتريات شرذمة قليلة من حشوية أهل النص في أبي بكر وهذا لاينافي إنكار جمهور أهل السنة والمعتزلة بوجود النص فيه في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع قطع النظر عن جرأتهم على تخطئة جمهور أهل السنة في إنكار وجود النص بل على خرق إجماعهم على الإنكار كما ذكره النووي في شرح صحيح مسلم « نقول لو كان هناك نص لكان أبو بكر أعلم به ، ولقال أطيعوني مستدلاً به ، ولما قال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولما توقف عليعليه‌السلام في البيعة الى ستة اشهر ، ولما قال أبو بكر: وددت إني سئلت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن


هذا الأمر وكنا لا ننازعه اهله ، ولما قال العباس لعليعليه‌السلام أمدد يدك أبايعك حتى يقول الناس بايع عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إبن عمه، ولم يختلف فيك إثنان ولما قال أبو سفيان يا بني عبد مناف ارضيتم أن يلي عليكم تيم؟ والله لأملئن الوادي خيلاً ورجلاً، ولما سل الزبير بن العوام سيفه قائلاً: أنا لا أرضى بخلافة ابي بكر، ولما قال عمر لأبي عبيدة إبسط يدك أبايعك، ولما قال أبو بكر: بايعوا عمر أو ابا عبيدة » الى غير ذلك مما هو مذكور في صحاح أحاديثهم ومعتبرات سيرهم وتواريخهم

ثم لايخفى إن دلالة ماذكره آخراً من الأحاديث التي لم نذكرها تحرزاً عن تضييع الوقت على عدم التنصيص ظاهرة وما إرتكبه بدفع التعارض عن التأويلات الباردة، والتوجيهات الكاسدة، مما لايروج على ذلك بصيرة نافذة.

٤٢ ـ قال: فلزم من ذلك بطلان مانقله الشيعة وغيرهم من الأكاذيب وسودوا به أوراقهم من نحو خبر « أنت الخليفة بعدي » وخبر « سلموا على علي بإمرة المؤمنين » وغير ذلك مما يأتي إذ لاوجود لما نقلوه فضلاً عن إشتهاره كيف وما نقلوه لم يبلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها إذ لم يصل علمه لأئمة الحديث المسابرين على التنقيب عنه كما إتصل كثير مما ضعفوه وكيف يجوز في العادة أن ينفرد هؤلاء بعلم صحة تلك الأحاديث ؟ الى آخر ماذكر.

أقول: الشيعة يدعون التواتر المعنوي في بعض ماحكم هذا الشيخ الجاهل بعدم وجوده وساعدهم فيها جمع كثير من نقاد محدثي أهل السنة كالحاكم، وإبن جرير الطبري، وإبن الأثير الجزري، وكفى به حجة

وأيضاً من شرائط حصول العلم التواتري لسامع الخبر أن لايكون السابق ممن سبق الى إعتقاد نفي مخبره بشبهة أو تقليد وألف بالباطل وأكثر أهل السنة أشد تورطاً من الكفرة في تقليد الآباء واقتداء آثارهم فكيف


يحصل العلم التواتري بما يخالف أهواءهم وأهواء آباءهم من الأحاديث الدالة على بطلان خلافة أبي بكر قال الغزالي في موضع من المقاصد مخاطباً لغيره: إن هذا تحقيق الأمر فيما نحن فيه وعليه، وإنما يثبت بطول الألف في سمعه فلا يزال النفرة عن نقيضه في طبعه إذ قطع الضعفاء عن المؤلوف شديد عجز عنه الأنبياء فكيف غيرهم؟ انتهى.

وبالجملة قد وصل علم الطبقة الأولى بل الثانية من أهل السنة أيضاً الى ذلك بطريق التواتر لكنهم أخفوها واطبقوا على سد باب نقلها الى من بعدهم فانتفى تواترها في طبقات متأخريهم من مدوني الحديث فلا يوجب ذلك عدم تواترها مطلقاً ولو بين علماء الشيعة تدبر.

ويؤيد إنهم لم يزالوا يخفون الأحاديث الدالة على فضائل أمير المؤمنين ماشهد به فخر الدين الرازي في تفسير الفاتحة من سعي بني أمية في محو آثار أهل البيتعليهم‌السلام وماأخرجه الجزري في جامع الأصول في الفصل الثالث في التلبية بعرفة ومزدلة عن سعيد بن جبير قال: كنت مع إبن عباس بعرفات فقال: مالي لا أسمع الناس يلبون؟ قلت يخافون من معاوية فخرج إبن عباس من فسطاطه فقال لبيك اللهم لبيك فإنهم قد تركوا السنة على بغض عليعليه‌السلام وذوي القربى وما رواه هذا الجامد في ذيل الفصل الآتي المتضمن للأحاديث الواردة في بغض أهل البيت كفاطمة وولديها حيث قال عند ذكر الآثار المترتبة على قتل الحسينعليه‌السلام : وحكى عن الزهري إنه قدم الشام يريد الغزو، فدخل على عبدالملك بن مروان فأخبره إنه يوم قتل عليعليه‌السلام لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وتحته دم؛ ثم قال له: لم يبق من يعرف هذا غيري وغيرك فلا يخبر به ، قال فما أخبرت به إلا بعده انتهى.

وأما ماذكره ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة مع إقراره بصحة خلافة أبي بكر وعمر بقوله : وما أقول في رجل أقر له أعدائه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان


فضائله، فقد علمت إنه إستولى بنو أمية على بلدان الإسلام في شرق الأرض وغربها واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتخويف عليه ووضع المعائب والمثالب ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة او يرفع له ذكراً حتى حضروا أن يسمى أحداً بإسمه فما زاده ذلك إلا رفعة سمواً ؛ وكان كالمسك كلما ستر إنتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره؛ وكالشمس لاتستر بالراح؛ وكضو النار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة إنتهى

ولايخفى إن مراده بقوله « ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله » إنه لم يمكن ذلك لجميع الأعداء كما يدل عليه قوله آخراً « إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة » وقال صاحب الفتوح في فتح من أول كتابه « إن ها هنا أخباراً أخر لم نذكرها لئلا يجعلها الشيعة متمسكاً لهم » وكم مثل هذه في بطون كتبهم … ! فتأمل وانصف.

٤٣ ـ قال: نعم روى آحاداً خبر « أ نت مني بمنزلة هارون من موسى » وخبر « من كنت مولاه فعلي مولاه » وسيأتي الجواب عنهما واضحاً مبسوطاً، وإنه لادلالة لواحد منهما على خلافة علي لا نصاً ولا إشارة وإلا لزم نسبة جميع الصحابة الى الخطأ وهو باطل لعصمتهم من أن يجتمعوا على ضلالة فإجماعهم على خلاف مازعمه أولئك المبتدعة الجهال قاطع بأن ما توهموه من هذين الحديثين غير مراد إن لو فرض إحتمالهما لم قالوه فكيف وهما لايحتملانه كما يأتي فظهر إن ما سودوا به اوراقهم من تلك الأحاديث لا يدل لما زعموه

واحتمال إن ثم نصاً غير مازعموه يعلم عليعليه‌السلام أو واحد من المهاجرين أو الأنصار باطل ايضاً وإلا لأورده العالم به يوم السقيفة حين تكلموا بالخلافة أو فيما بعده لوجوب إيراده حينئذ وقولهم « ترك عليعليه‌السلام {يراده مع علمه به للتقية باطل » إذ لاخوف يتوهمه من له أدنى مسكة وإحاطة بعلم أحوالهم في مجرد ذكره


لهم ومنازعته في الأمامة به كيف وقد نازع من هو أضعف منه وأقل شوكة ومنعة من غير أن يقيم دليلاً على مايقوله ومع ذلك فلم يؤذ بكلمة فضلاً عن أن يقتل فبأن بطلان هذه التقية المشمومة عليهم سيما وعليعليه‌السلام قد علم بواقعة الحباب وبعدم إيذائه بقول أو بفعل م إن دعواه لا دليل عليها ومع ضعفه وضعف قومه بالنسبة لعليعليه‌السلام وقومه

وأيضاً فيمتنع عادة من مثلهم إنه يذكره لهم ولا يرجعون اليه كيف وهم أطوع لله وأعمل بالوقوف عند حدوده وأبعد عن إتباع حظوظ النفس لعصمتهم السابقة وللخبر الصحيح « خير القرون قرني ثم الذين يلونه » وأيضاً ففيهم العشرة المبشرون في الجنة ومنهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة كما صح من طرق فلا يتوهم فيهم وهم بهذه الأوصاف الجليلة إنهم يتركون العمل بما يرويه لهم من يقبل روايته بلا دليل أرجح يعولون عليه انتهى.

اقول : شهرة الحديث الأول وبلوغه حد التواتر ، لاينكره غير المعاند المكابر،

وأما الحديث الثاني فقد أثبت محمد بن جرير الطبري وإبن الأثير الجزري في رسالته الموسومة بأسنى المطالب تواتره من طرق كثيرة

وأما ما إستدل به ها هنا على عدم دلالة الحديثين على خلافة عليعليه‌السلام بقوله « وإلا لزم نسبة جميع الصحابة الى الخطأ « الى آخره » فالخطأ فيه ظاهر كيف ودلالة الحديثين ليست مما ينبغي بإستلزامهما لبعض المحذورات نعم ربما يستدل(١) المعنى المفاد من اللفظ الدال على الملزوم غير مراد وأين(٢) لزوم ماذكره من نسبة جميع الصحابة الى الخطأ إذ قد سبق(٣) أبي بكر بإعتراف المحققين من أهل السنة فاللازم إنما هو نسبة جماعة من الصحابة لأجل غصب الخلافة من أهل البيتعليهم‌السلام الى الخطأ وبطلانه

____________________

(١) و(٢) و(٣) هذه الموارد كذا في النسختين اللتين عندي.


غير مسلم بل هو دال على المطلوب وبما قررناه ظهر ضعف مافرع على ما أسرد بقوله « فإجماعهم؛ الى آخره » من إنه « فظهر إن ما سودوا به » فاتضح إن ماسود به هذا الشيخ الجامد بياض أوراق كتابه سود به وجهه عند المحصلين.

وأما قوله « إحتمال إن ثمة نصاً غير ما زعموه ؛ الى آخره » ففيه إن(١) لامحتمل كما يدل عليه مسند بن حنبل ومناقب الخوارزمي ومناقب إبن المغازلي وغير ذلك وأما إستدلاله على بطلان هذا الإحتمال بقوله « وإلا لاورده العالم به يوم السقيفة الى آخره » فباطل لأن علياًعليه‌السلام وسائر بني هاشم ومواليهم وتابيعهم من المهاجرين إستدلوا به فيها وأما الأنصار فقد مر أن أبا بكر وأبا عبيدة وسالماً مولى حذيفة أوقعوا في قلوب الأنصار وغيرهم ممن سمع النص في شأن عليعليه‌السلام وشبهوا الأمر على الناس وعلى الأنصار فيه إنهعليه‌السلام ترك الخلافة وقعد في قعر بيته حزناً على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلهذا لم يورده أحد من الطائفتين

وأما من عداهما من قريش كبني أمية وبني مخزوم وبني المغيرة فاعانوهم على خذلان عليعليه‌السلام بأخذ حقه منه إنتقاماً لثارات الجاهلية كما مر

وأما إستبعاده ترك عليعليه‌السلام لإيراد النص تقية فقد مر مافية أيضاً من البيعة لأبي بكر في السقيفة وطلبوا عنهعليه‌السلام البيعة قد إحتج عليهم بالنص ولم يلتفتوا وجواز التقية كانت موجودة هناك

ولا بأس أن نوضح ذلك هاهنا

ونقول: لايخفى على من تتبع كتب الجمهور في الأحاديث والسير عدم تساوي متابعيه وأنصارهعليه‌السلام في ايام خلافته ومحاربته الناكثين والقاسطين والمارقين وفقدانه لذلك في أيام خلافة الثلاثة وإختياره للسكوت عن طلب حقه حينئذ والمنازعة والمقاتلة معهم فقد نقل عن أمير المؤمنين إن ذات من أيام واقعة صفين ركب مع عسكر كثير ولما نظر الى كثرتهم قال لأصحابه: كنت أنتظر هذه الكثرة ولها لزمت الصبر وقد روي

____________________

(١) هنا بياض بمقدار ثلاث كلمات في النسختين اللتين عندي.


من طريق الجمهور أيضاً إنه قال حين أفضى الأمر اليه وقد سألوه (ع) بما نقضي ياأمير المؤمنين ؟ فقال (ع) إقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة واحدة أو أموت كما مات أصحابي فدل على إنه قد أخر القضاء بمذهبه في كثير من الأحكام خوف الإختلاف عليه وانتظر الإجماع من أهل الخلاف أو جود المصلحة

ويؤيد ذلك ماذكره هذا الشيخ الجاهل في مواضع متعددة من كتابه هذا مما يشعر بعداوة الناس وحسدهم لعليعليه‌السلام وإظهارهم لذلك في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعد وفاته منها ماذكره في أثناء الباب التالي لهذا الباب من « إن بني تيم وبني عدي كانوا أعداء بني هاشم في الجاهليه » ومنها ما ذكره في آخر الفصل الثالث في ثناء الصحابة « إن ما نفر الناس عن علي إلا إنه لا يبالي بأحد » وفي موضع آخر عن السلفي في الطيوريات من « إن علياًعليه‌السلام كان كثير الأعداء » ومنه ماذكره في الفضل الأول من الباب العاشر في فضائل اهل البيتعليهم‌السلام عند ذكره الآية السادسة وهو قوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله حيث روي عن الباقرعليه‌السلام إنه قال في هذه الآية « نحن والناس والله » ومنها ماذكره في دلائل الآية العاشرة وهو « إن علياًعليه‌السلام شكى الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن حسد الناس إياه ومنها ماذكره في هذا الباب ايضاً في(١) المقصد الثاني من مقاصد الآية الرابعة عشر وهو قوله قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى حيث قال : وصح إن العباس شكى الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مايلقون من قريش ومن تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم فغضبصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غضباً شديداً حتى إحمر وجهه ودر عرق بين عينيه وقال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله. وفي رواية صحيحة ايضاً قال: ما بال

____________________

(١) هنا بياض بمقدار نصف سطر في إحدى النسختين اللتين عندي


أقوام فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والله لايدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني » ومنها ماذكره في هذا المقصد ايضاً « إنهم رغبوا بريدة على إسقاط عليعليه‌السلام عن عين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال « وكذلك وقع لبريدة إنه كان مع عليعليه‌السلام باليمن مغاضباً عليه فأراد شكايته بجارية أخذها من الخمس فقيل له: إخبره ليسقط علي من عينه (ص) ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسمع من وراء الباب فخرج مغضباً فقال: مابال أقوام ينتقصون علياً من نقص علياً فقد نقصني ومن فارق علياً فقد فارقني، إن علياً مني وأنا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. يابريدة اما علمت إن لعلي اكثر من الجارية التي أخذ » (الحديث) فليتأمل الناظر المنصف إن الصحابة الذين رغبوا بريدة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما تمنوا أن يسقط عليعليه‌السلام عن عينهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانوا جالسين من وراء باب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث يسمعه هوصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه الملازمون له أو جماعة من أجلاف الأعراب(١) والبراري ذلك اليوم على ذلك الجناب لعله(٢) هذا الشيخ أيضاً في خاتمة كتابه من وجه المصلحة(٣) لقتله عثمان وتسليمهم الى معاوية يجري في(٤) كما لايخفى على من تأمل في ذلك الوجه فتوجه وتأمل وأما إستعباده(٥) لزعمه إنه نازع بعد ذلك من هو أقل شوكة ففيه إنه(٦) نازع من هو أقل شوكة منهعليه‌السلام كالناكثين والقاسطين والمارقين(٧) إن اراد من هو أقل شوكة من أبي بكر وعمر فكذلك ولعل قائلاً يقول : كان في قصده

____________________

(١) و(٢) و(٣) و(٤ ) و(٥) و(٦) و(٧) في كل واحد من هذه المواضع بياض في كلتا النسختين اللتين عندي.


أن يقول إنهعليه‌السلام نازع بعد ذلك من هو أكثر شوكة من الثلاثة وحينئذ يتوجه منه اكثرية شوكة من نازع عليهعليه‌السلام معهم ولو سلم فشوكة عليعليه‌السلام عند وصول الخلافة اليه بإجتماع عظماء المهاجرين كان أكثر ممن نازعه فلا يفيد كون شوكة طرف نزاعه أكثر

وأما ماذكره من « إنه يمتنع عادة أن يذكر النص لهم ولا يرجعون اليه ؛ « الى آخره » ففيه إن العادة في ذلك غير منضبطة لظهور إن الشيطان وحب الدنيا قد تدعو الى العادة السيئة

وأما ما أردف به العادة من حس الظن بهم فقد عرفت مافيه من السوء ثم في إستعماله العصمة ها هنا في أن الثلاثة مريداً به الحفظ عن الكبائر كما مر إصطلاحهم عليه سابقاً مع تبادر العصمة الحقيقية منه الى الإفهام تلبيساً وتدليساً للعوام إلا من عصمه الله فتدبر.

وأما إستدلاله بخبر « خير القرون قرني » فقد مر عدم دلالته على خيرية الصحابة المبحوث فيهم وإنه لايلزم من خيرية أهل قرن وعصرخيرية كل أحد من آحاد أهله وإلا لزم خيرية وليد بن عقبة الذي نزلت الآية على فسقه عندما بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الى أخذ صدقات بني المصطلق(١) الصحابة ومن سرق منهم الى غير ذلك كما(٢) الثلاثة من هذا القبيل لولا مجرد حسن ظن(٣) إن العشرْة المبشرين كانوا في(٤) العشرة وهو سعيد بن نفيل وهو في ذلك(٥) جمله من تضمنه الخبر شبهة وطريق الى التهمة على إنا نعلم(٦) أن يعلم مكلفاً يجور أن يقع منه القبيح والحسن وليس بمعصوم من الذنوب(٧) الجنة لأن ذلك تغرية بالقبيح

ومما يبين بطلان هذا الخبر(٨) ولأحتج به له في مواطن وقع فيها الى الإحتجاج(٩) أيضاً لما حوصر وطولب بخلع نفسه وهموا بقتله وقد رأيناه

____________________

(١) و(٢) و(٣) و(٤) و(٥) و(٦ ) و(٧) و(٨) و(٩ ) هذه الموارد في النسختين اللتين عندي كانت كذا.


إحتج باشياء تجري مجرى الفضائل والمناقب وذكر القطع له بالجنة أو مافي معناه لو كان معه لأحتج به وذكروه، وفي عدول الجماعة عن ذكره دلالة واضحة على بطلانه(١) لو كان من خالف كتاب الله وغير سنن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحارب مع عليعليه‌السلام مرة بعد اخرى وغير ذلك مما قدمنا من قبائح أكثر العشرة داخلاً في الجنة لجاز أن يقال: إن فرعون وهامان في الجنة أيضاً

وأما توصيفه ابا عبيدة بكونه أمين الأمة فجوابه إنه: ماوصفه بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنما وصفه بذلك ابو بكر وعمر لإعانته إياهما في غصب الخلافة عن أهل البيتعليهم‌السلام واتفاقه مع الأنصار وارتكابه لبيعة أبي بكر بعد عمر وعدوله عن عليعليه‌السلام (٢) مع هذا الوصف عن النار، ولنعم ماقيل في بعض الأشعار : شعر

غلط الأمين فجازها عن حيدر

والله ماكان الأمين اميناً

٤٤ ـ قال:

الفصل الخامس، في ذكر شبة الشيعة والرافضة ونحوهما وبيان بطلانها بأوضح الأدلة واظهرها.

الأولى ـ زعموا إنه صلىالله عليه وسلم لم يول أبا بكر عمداً يقيم فيه قوانين الشرع والسياسة فدل ذلك على إنه لا يحسنهما وإذا لم يحسنهما لم تصح إمامته لأن من شرط الإمام أن يكون شجاعاً والجواب عن ذلك بطلان مازعموه من إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يوله عملاً ففي البخاري عن سلمة بن الأكوع « غزوت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات ، مرة علينا ابو بكر ومرة علينا اسامة وولاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحج بالناس سنه تسع وما زعموه من إنه لا يحسن ذلك

____________________

(١) و(٢) كذا في النسختين اللتين عندي في الموضعين.


باطل أيضاً كيف وعلي كرم الله وجهه معترف بأنه أشجع الصحابة فقد أخرج البزار في مسنده عن عليعليه‌السلام إنه قال « أخبروني من أشجع الناس ؟ قالوا: أنت قال: أما إني مابارزت أحداً إلا إنتصفت منه، ولكن إخبروني بأشجع الناس ؟ قالوا لانعلم، فمن ؟ قال: أبو بكر إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عريشاً فقلنا من يكون مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لئلا يهوي اليه أحد من المشركين. فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يهوي اليه أحد إلا أهوى اليه فهذا أشجع الناس انتهى.

اقول: الحجة التي سماها الشيخ المحجوج المبهوت شبهة قطعية وجوابه عنه ضعيف لما يلوح على ما تشبث به من حديث البخاري وصحيحه من إثار الوضع

أما أولاً فلما مر من القدح في البخاري وصحيحه.

وأما ثانياً فلأنه لاوجه لما ذكر فيه من عد سلمة تسع غزوات من غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويكتفي بذكر من كان عليها في مرتين منها وبالجملة مرة اسامة مشهورة فليبين أولياءه إن مرة ابي بكر في أي بعث كانت ؟ وأظن إن بيانه أصعب من خرط القتاد لو لم يرتكبوا وضعاً آخر.

وأما ماذكره من دعوى ولاية أبي بكر للحج فسيأتي مافيه للشبهة الثانية فانتظر.

وأما ماذكره من إعتراف عليعليه‌السلام بأن أبا بكر أشجع منه فهو من أغرب المحال، واكذب المقال، الذي تكاد تنشق منه الجبال، وفي الفاظه من المجمجة التي لاتصدر عن الفصيح ما لا يخفى على من جاوز قليلاً عن حد الأطفال؛ واغرب من الكل إنه جعل إختياره لكونه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العريش شجاعة مع ظهور إن ذلك كان تستراً عن المبارزة خوفاً وجبناً كما صرح به إبن أبي الحديد المعتزلي وفي بعض قصائده المشهورْة وبالجملة الوجه في إحتباس أبي بكر في العريش معروف لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعهد منه الجبن والهلع لما ظهر في مقام


بعد مقام كما أشار اليه إبن أبي الحديد أيضاً في قوله : شعر وليس بنكر في حني فراره ففي أحد قد فر خوفاً وحخيبرا

فلو تركه يختلط بالمحاربين لم يأمن أن يظهر من جبنه وخوره ما يكون سبباً للهزيمة، وطريقاً الى إستظهار المشركين فاجلسه معه ليكفي هذه المؤنة ويكفي في هذا الوجه أن يكون ماذكرناه جائزاً فتدبر.

٤٥ ـ قال: وقال بعضهم: ومن الدليل على إنه أشجع من عليعليه‌السلام إن علياًعليه‌السلام أخبره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتله على يد إبن ملجم فكان إذا لقيّ إبن ملجم يقول له متى تخضب هذه بهذه؟ وكان يقول : إنه قاتلي كما يأتي في أواخر ترجمته فحينئذ كان إذا دخل في الحرب ولاقى الخصم يعلم إنه لاقدرة له على قتله فهو معه كأنه نائم على فراش وأما أبو بكر فلم يخبر بقاتله وكان إذا دخل الحرب لايدري يقتل أو لا فمن يدخل الى الحرب وهو لايدري كذلك يقاسي من الكر والفر، والجزع والفزع، مايقاسي بخلاف من يدخلها كأنه نائم على فراشه انتهى.

اقول: من أين علم هذا القائل الذي صوبه الشيخ المخطيء إن علياًعليه‌السلام علم ذلك بإخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أول امره لا بإلهام أو نور فراسة أو قرائن تظهر على صفحات وجه إبن ملجم عليه اللعنة وفلتات لسانه عند وجوده عليه اللعنة في ايام خلافتهعليه‌السلام في الكوفة مع إن هذا الشيخ الكذوب الناسي لم ينسب ذلك عندما سيذكر في ترجمتهعليه‌السلام الى أخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولو سلم إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبرهعليه‌السلام بقتله على يد إبن ملجم عليه اللعنة لكن لم يدله عليه بعينه حتى يعرض عنه في الحروب ويتعرض لغيره ولو سلم إنه دله عليه بعينه فالغالب


أن يكون المحارب ملثماً دارعاً مستوراً في الحديد والبيضة بحيث لايعرفه اصحابه حينئذ لا أن يتكلم معهم فكيف أمكن الإحتراز عنه ولو سلم إنه دله عليه بعينه ولم يمكن ستره في السلاح عند الحرب فابتلاء المحارب ليس بمجرد أن يصير مقتولاً بل إصابة السهام والنصال أعضاءه ربما كان أصعب من الموت حتى ربما يتمنى المصاب به الموت بدلاً عن اصابة الجرح بل يقطع يده أو يداه، بل رجله أو رجلاه أو يمثل به ويترك على ذلك الحال السوء فكيف يكون دخول أمير المؤمنينعليه‌السلام في الحرب بمجرد علمه بعدم قتله بيد غير إبن ملجم عليه اللعنة مثل من نام على فراشه وإنما النائم على فراش الجبن من كان يتستر دائماً في العريش، ولم يصبه في حروب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شوك من الحشيش، وهو خليفة أهل السنة وشجاعهم. على إن ماذكره معارض بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما إخبر علياًعليه‌السلام بذلك أخبر بذلك ابا بكر وعمر بما هو أتم من ذلك في ضمن ماذكره هذا الشيخ الجاهل في كتابه هذا وبزعمه من النصوص الواردة المصرحة بخلافة أبي بكر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ففي بعضها « إنه أي ابا بكر الخليفة بعدي » وفي بعضها « إقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر » وفي بعضها « إقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر » الى غير ذلك مما في معناها.

٤٦ ـ قال: ومن باهر شجاعته ما وقع له من قتال أهل الردة فقد أخرج الإسماعيلي عن عمر إنه لما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إرتد من إرتد من العرب وقالوا لا نصلي ولا نزكي، فأتيت ابا بكر فقلت: ياخليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تألف الناس فارفق بهم فانهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جباراً في الجاهلية خواراً في الإسلام بماذا شئت أتألفهم؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفتري هيهات، هيهات، مضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما إستمسكوا


السيف في يدي وإن منعوني عقالاً قال: عمر فوجدته في ذلك أمضى مني وأصرم وأدأب الناس على إمور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم » فعلم بما تقرر عظم شجاعته ولقد كان عنده صلي الله عليه وسلم وكذلك الصحابة من العلم بشجاعته وثباته في الأمر ما أوجب لهم تقديمه للإمامة العظمى إذ هذين الوصفان هما الأهمان في أمر الإمامة لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه الى قتال أهل الردة وغيرهم.

أقول: يتوجه عليه أولاً إنه لادلالة لما ذكره على شجاعة أبي بكر لأن الشجاعة إنما تعرف في الشخص بمبارزته لنفسه الى الأبطال ومصادفة الرماح ومصافحة السفاح وأن لا يتستر بالعريش ولا يهرب براية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كالإماء ولا يذهب فيها عريضته كما قاله سيد الإنبياء وإنما ثبت في فتوحهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقتال من إتهمهم أبو بكر بالردة الشجاعة لمباشرتها بأنفسهم لا بغيرهم وتوضيح ذلك إن الشجاعة لاتعرف بالحس لصاحبها فقط ولا بإدعائها وإنما هي شيء في الطبع يمده الإكتساب والطريق اليها أحد أمرين أما الخبر منها من جهة علام الغيوب فيعلم خلقه حال الشجاع وأما أن يظهر منه أفعال يعلم بها حاله فمبارزة الأقران ومقاومة الشجعان، ومنازلة الأبطال، والصبر عند اللقاء وترك الفرار عند تحقق القتال، ولا يعلم ذلك أيضاً بأول وهلة ولا يفعل واحد حتى يتكرر ذلك على حد يتميز به صاحبه ممن حصل له ذلك على وجه الإتفاق أو على سبيل الهوج والهلع بالتدبير وإذا كان الخبر عن الله تعالى بشجاعة أبي بكر معدوماً وكان النقل الدال على الشجاعة غير موجود فكيف يجوز لعاقل أن يدعي له الشجاعة بقول قاله ليس له دلالة على شيء من ذلك عند أهل النظر لاسيما ودلائل جبنه وخوفه وضعفه أظهر من أن يحتاج فيها الى التأمل وذلك إنه لم يبارز قط قرناً ولا قادم قط بطلاً ولا سفك


بيده دما وقد شهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مشاهده وكان لكل واحد من الصحابة اثر في الجهاد إلا له وفر في المشاهد الثلاثة كما ذكرنا سابقاً واسلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها مع مع كتب الله عليه من الجهاد فكيف يحتمع دلائل الجبن ودلائل الشجاعة لرجل واحد في وقت واحد لولا إن العصبية تميل بالعبد الى الهوى على إن الإنسان قد يغضب فيقول لوشاء مني هذا السلطان هذا الأمر ماقبلته، وإن في جوازنا لشيخاً ضعيف الجسم ظاهر الجبن يصلي بنا في مسجدنا فما يحدث أمر يضجره وينكره إلا قال والله لأصيرن الى هذا أو لإجاهدن فيه ولو إجتمعت على فيه عساكر وجه الأرض بل أقول الظاهر إن أبا بكر قال هذا القول عند غضبه بمخالفة القوم له ولا خلاف بين ذوي العقول إن الغضبان ربما يعتريه عند غضبه من هيجان الطباع مايفسد عليه رأيه حتى يقدم من القول ما لايفي به عند سكون نفسه ويعمل من الأعمال مايندم عليه عند زوال الغضب عنه فلا يكون في وقوع ذلك منه دليل على شجاعته وقد صرح بذلك في خطبته المشهورة عند اصحابة المذكورة سابقاً في كتاب هذا الشيخ الجاهل ويجعلونها من مفاخره حيث يقول: إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج من الدنيا وليس أحد من الأمة يطالبه بضربة سوط فما فوقها وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معصوماً من الخطأ تأتيه ملائكة بالوحي فلا تكلفوني ما كنتم تكلفونه فإن لي شيطاناً يعتريني عند غضبي ، فإذا رأيتموني مغضباً فاجتنبوني على إن مغلوبية من سماهم بأهل الردة عن عساكر أهل المدينة من المهاجرين والأنصار ومن يحق بهما كان أمراً ظاهراً لا يحتاج الى زيادة تكلف من رئيسهم ومع هذا لم يقسم ابو بكر بالله تعالى أن يقاتل أهل الردة بنفسه وإنما اقسم بأن يقاتلهم بإنفاذ جيش من المهاجرين والأنصار اليهم ولهذا أنفذ اليهم خالداً مع جماعة من الفريقين وليس في يمينه بالله سبحانه لينفدن


خالداً وأصحابه الى حربهم دليل على شجاعته في نفسه كما لايخفى بل هو في ذلك إلابراق والإرعاد الشديد، وبعث خالد بن الوليد نظير من لايقدر على شيء بنفسه ويحكم به على غيره فيستهزأ عليه ويقال إن مثله كمثل من يقول لغيره بالفارسية « بگير وببند وبدست من بهلوانش ده » فليضحك أوليائه عليه قليلاً وليبكوا كثيراً ولقد أنطق الله تعالى الشيخ الجاهل بالحق فاعترف بأن وصفي الشجاعة والثبات هما الأهمان في أمر الإمامة فإنهم وبما قررناه يتضح للناضر دفع سائر ماسرده في إثبات شجاعة أبي بكر فلا حاجة لنا الى التعرض لها وتضييع الوقت به فتأمل.

٤٧ ـ قال: الشبهة الثانية زعموا أيضاً إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما ولاه قراءه براءة على الناس بمكة عزله وولى علياً فدل ذلك على عدم اهليته وجوابها بطلان مازعموا هنا أيضاً وإنما إتبعوه علياًعليه‌السلام لقراءه براءة لأن عادة العرب في أخذ العهد ونبذه أن يتولاه الرجل أو واحد من بني عمه ولذلك لم يعزل أبا بكر عن إمرة الحج بل أبقاه أميراً وعلياً مأموراً له في مات عدا القراءة على إن علياً لم ينفرد بالأذان بذلك ففي صحيح البخاري إن ابا هريرة قال بعثني ابو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال أحمد بن عبدالرحمن ثم أردف رسول الله صلي الله عليه وسلم علي بن أبي طالبعليه‌السلام فامره أن يؤذن ببراءة قال ابو هريرة فاذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة أن لايحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فتأمله تجد علياً إنما أذن مع مؤذني أبي بكر إنتهى.

أقول: دعوى ولاية أبي بكر للحج بالناس كذب صريح وإنما أدى اليه إيصال إيات البراءة الى الكفار في ايام الحج فلم يتم لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد عزله قبل وصوله بعليعليه‌السلام كما هو المشهور في كتب الجمهور ورواية جامع الأصول ومسند احمد بن حنبل وغيرهما صريحة في رجوع أبي بكر عن الطريق وغاية ما أجاب


به الجاحظ عن ذلك واعتمد عليه أهل السنة ماذكره هذا الشيخ الجاهل المقلد من بناء عزل أبي بكر على رعاية عادة العرب في عقد الحلف وحل العقد واقول في الرد عليه إنه لو كان إنفاد عليعليه‌السلام لأجل ما تعارف بين العرب في العهود كما زعموه واخترعوه لما خفي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اولاً ومعاذ الله أن يجري النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سنته وأحكامه على عادات الجاهلية وقد بين ذلكعليه‌السلام لما رجع اليه أبو بكر فسأله عن السبب في أخذ السورة منه فقال أوحي اليّ أن لايؤدي عني إلا أنا أو رجل مني ولم يذكر الجاحظ الإضافة التي إفتراها هذا الشيخ الكذوب فبقي إن السر في ذلك التنبيه على لياقة عليعليه‌السلام للإيداء عند الله تعالى دون ابي بكر كما يدل عليه الشيعة ومن لم يره الله سبحانه اهلاً لأداء آيات قليلة الى أهل قريته وهم أهله وأقاربه جدير أن لايكون أهلاً لأدنى ولاية فضلأ عن الإمامة والرياسة العامة وهو ظاهر، لا ينكره إلا جاهل او مكابر.

والحاصل إن بين العزل والولاية فرقاً عظيماً وبوناً بعيداً على من رزق الحجى وفي المثل السائر « العزل طلاق الرجال » فإن كانت ولايته من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بحسن إختياره فعزله من الله تعالى بحسن إختياره لأن فعله تعالى على باطن الأحوال وفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على ظاهرها فلا وجه في إنفاد الرجل أولاً وأخذها منه ثانياً إلا ما ذكرنا من التنبيه على الفضل والتنويه بالإسم والتعلية للذكر لمن إرتضي لتأديتها وعكس ذلك فيمن عزل وايضاً لولا إن الحكمة في إبلاغ عليعليه‌السلام ما أشرنا اليه من مدخلية خصوص حضوره في إنتظام الحج وكف المشركين لبأسه وخوفه عن تعرض المسلمين ونحو ذلك من الحكم لأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمه العباس أو أخاه عقيلاً أو جعفراً مع كونهم أكبر سناً منه أو غيرهم من بني هاشم وقد روي إنهعليه‌السلام قد قتل جماعة من


أهل مكة ولم يخرج أكثر صناديدهم من بيوتهم خوفاً منه وفي حديث عن الباقرعليه‌السلام إنه لما نام عليّ علي السلام أيام التشريق ينادي ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت بعد اليوم عريان قام خداش وسعيد أخوا عمروا بن عبد ود فقالا وما تبرأنا على أربعة اشهر بل برئنا منك ومن إبن عمك ليس بيننا وبين إبن عمك إلا السيف وإن شئت بدأنا بك فقالعليه‌السلام هلموا ثم قال: واعلموا إنكم غير معجزي الله الآيه ولو سلم إن ولاية الحج لم تنسخ لكان الكلام باقيا: لأنه إذا كان ما ولي مع تطاول الزمان إلا هذه الولاية ثم سلب شطرها الأفخم الأعظم منها فليس ذلك إلا تنبيهاً على ماذكرناه

وأما ماذكره « من قوله بل أبقاه أميراً وعلياً مأموراً » فهو كسائر كلماته مجرد دعوى لا يعجز أحد عن الإتيان بما يضادها

وأما ما إستدل به على عدم إنفراد عليعليه‌السلام بالأذان من حديث البخاري فلا دلالة له على ذلك لأن أبا هريرة لم يكن عبدا ولا خادماً ولا أجيراً لأبي بكر وإنما كان فقيراً من أهل الصفة قد صار رفيقاً له في تلك السنة لأداء الحج فلو سلم إنه بنفسه لم يعاون مؤذني عليعليه‌السلام فغاية الأمر إن ابا بكر أشار اليه بذلك تألفاً لهعليه‌السلام وأما مانقله عن ابي هريرة من إنه قال: فأذن معنا علي يوم النحر الى إخره فمقلوب بأنه لما إعترف سابقاً بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولى علياًعليه‌السلام في أداء البراءة والإذان بها رعاية لعادة العرب فكان هو الأصل والعمدة في ذلك فكيف يتأتى لأبي هريرة أن يعكس الأمر ويجعل نفسه مع ابي بكر اصلاً ويقول إذن معنا عليعليه‌السلام مع إن كذب أبي هريرة في أحاديثه مما ملأ الخافقين وقد دلت أحاديث أهل السنة على إن التهمة له بالكذب كانت معلومة بين الصحابة فمن ذلك مارواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس والستين بعد المائة


في المتفق عليه في مسند أبي هريرة عن أبي رزين قال خرج الينا ابو هريرة فضرب يده على جبهته وقال إنكم تحدثون على إني أكذب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخبر ومن ذلك مارواه الحميدي أيضاً في الجمع بين الصحيحين في مسند عبدالله بن عمر في الحديث الرابع والعشرين بعد المائة من المتفق عليه إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم امر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية فقيل لإبن عمر إن أبا هريرة يقول أو كلب زرع فقال إبن عمر إن لأبي هريرة زرعاً ومن ذلك مافيه من الحديث الستين بعد المائة من المتفق عليه في مسند أبي هريرة يروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبع جنازة فله قيراط من الأجر فقال إبن عمر لقد أثر علينا أبو هريرة وروى ياقوت الحموي الشافعي عند ذكر احوال البحرين واهله إنه إتفق لأبي هريرة مع عمر بن الخطاب واقعة شهد فيها عليه بأنه عدو الله وعدو المسلمين وحكم عليه بالخيانة وأوجب عليه عشرة الف دينار الزمه بها بعد ولايته البحرين ولهذه التهمة لم يعمل أبو حنيفة بأحاديثه قط كما ذكر أبو المعالي الجويني إمام الشافعية في رسالته المعمولة في بيان أحقية مذهب الشافعي والزندويسي الحنفي في الباب الثالث والمائة من كتابه الموسوم بالروضة هذا مع ما علم إن أبا هريرة فارق علي بن أبي طالبعليه‌السلام وبني هاشم وظهر من عداوته له وانظمامه الى معاوية ما لا يحتاج الى روايته لظهوره في التواريخ والسير وعند علماء الإسلام فتأمل.

٤٨ ـ قال: الثالثة زعموا إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما ولاه الصلاة أيام مرضه عزله عنها وجوابها إن ذلك من قبائح كذبهم وافترائهم فقبحهم الله وخذلهم كيف وقد قدمنا في سابع الأحاديث الدالة على خلافته من الأحاديث الصحيحة المتواترة ماهو صريح في بقائه إماماً يصلي بالناس الى أن توفي رسول الله صلى الله عليه


وسلم وفي البخاري عن أنس قال إن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر اليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبه أيصل الصف وظن إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد أن يخرج الى الصلاة قال أنس وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأشار اليهم بيده أن أتموا صلواتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر ثم قبض الضحى من ذلك اليوم.

فتأمل عظيم إفترائهم وحمقهم على إن صلاته بالناس خلافة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متفق عليها مجمع منا ومنهم على وقوعها فمن إدعى إنعزاله عنها فعليه البيان انتهى

اقول: ماذكره من أن الشيعة قالوا إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولاه الصلاة أيام مرضه كذب قبيح وافتراء صريح عليهم فإنهم لم يقولوا بذلك بل قالوا إن عائشة بنته أشارت اليه بذلك فلما أحس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك خرج الى المسجد مسارعاً معتمداً على أمير المؤمنينعليه‌السلام وفضل بن العباسرضي‌الله‌عنه حتى نحى أبا بكر عن المحراب وصلى بنفسه مع الناس وبهذا يظهر فساد ماذكره في العلاوة أيضاً من إتفاق الشيعة معهم في صلاته خلافة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فليس عليهم إثبات عزله لأنه فرع إثبات توليته ودون إثباته خرط القتاد

وأما مانقله من الأحاديث فقد بيناه سابقاً على ما نعتقده في شأن أمثالها مع معارضة حديث البخاري المنقول في شرح المواقف لها وإن إتيان هذا الشيخ الجاهل بمثلها في مرتبة المصادرة وتكرار ذلك منه دليل على وقاحته وحماقته كما ما لايخفى.

٤٣ ـ قال: الرابعة زعموا إنه أحرق من قال : أنا مسلم وقطع يد السارق


اليسرى وتوقف في ميراث الجدة حتى روى له إن لها السدس وإن ذلك قادح في خلافته وجوابها بطلان زعمهم قدح ذلك في خلافته وبيانه إن ذلك لا يقدح إلا إذا ثبت إنه ليس فيه أهلية للإجتهاد وليس كذلك بل هو من أكابر المجتهدين بل هو أعلم الصحابة على الإطلاق للأدلة الواضحة على ذلك منها ما أخرجه البخاري وغيره إن عمر في صلح الحديبية سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك الصلح وقال علام نعطي الدنية في ديننا ؟ فاجابه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم ذهب الى أبي بكر فسأله عما سئل عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير أن يعلم بجواب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحابه بمثل ذلك سواء بسواء ومنها ما أخرجه ابو القاسم البغوي وابو بكر الشافعي في فوائده وإبن عساكر عن عائشة قالت: لما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إشرأب النفاق أي رفع رأسه وارتدت العرب وانحازت الأنصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها أي فتتها فما إختلفوا في لفظه إلا طار أبي بعبائها وفصلها قالوا أين ندفن رسول الله (ص) فما وجدنا عند أحد في ذلك علماً فقال: ابو بكر سمعت رسل اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد في ذلك علماً فقال :ابو بكر سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة قال بعضهم : وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم ندفنه بمكة مولده ومنشأه وبعضهم بمسجده وبعضهم في البقيع وبعضهم ببيت المقدس مدفن الأنبياء حتى اخبرهم ابو بكر بما عنده من العلم قال ابن زنجويه : وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا اليه فيها ومر آنفاً خبر « أتاني جبرئيل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر » وخبر « إن الله يكره أن يخطأ ابو بكر » سنده صحيح وخبر


« لاينبغي لقوم فيهم ابو بكر أن يؤمهم غيره » ومر أول الفصل الثالث خبر « إنه وعمر كانا يفتيان الناس في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » وعن تهذيب النووي أن اصحابنا إستدلوا على عظيم علمه بقوله : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة الى آخره وإن الشيخ ابا إسحاق إستدل به على إنه أعلم الصحابة لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسالة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم إن قوله هو الصواب.

اقول: عدم القدح في أبي بكر على تقدير ثبوت أهليته للإجتهاد مقدوح من وجه:

أما أولاً فلأنه لايجوز إلإجتهاد على الإمام إذ بالإجتهاد لم يحصل الجزم بأن مايقوله من عند الله.

وأما ثانياً فلأن المجتهد قد يخطأ فحينئذ يجوز على الإمام الخطأ وذلك ينافي الإمامة لإشتراط العصمة فيها كما برهنا عليه سابقاً.

وأما ثالثاً فلأنا قد اشرنا في ما مضى الى إن من شرائط الإمامة العلم بجميع أحكام الدين، وإن ذلك شرط واجب وإلإ لإنتفى فائدة نصبه بعين ماذكرنا في إشتراط العصمة بل العصمة تستلزم هذا العلم فمن ظهر منه نقصان في هذا العلم لا يجوز أن يكون إماماً وقد ظهر عن ابي بكر في مسائل كثيرة الإعتراف على نفسه بأنه لايعرف الحكم وقد بين اصحابنا رضوان الله عليهم الفرق بين الأمير والحاكم وبين الإمام من حيث كانت ولاية الإمام عامة وولاية من عداه خاصة وبينوا إن الحاكم والأمير يجب ان يكونا عالمين بالحكم في جميع ما أسند اليهما وأن لا يذهب عليهما شيء من ذلك إلا إنه لما كانت ولايتهما خاصة لم يجب أن يكونا عالمين بجميع أحكام الدين والإمام بخلاف ذلك لان ولايته عامة كنبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن كمال النقص وللؤم أن يقوم أحد مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يعلم المسائل الضرورية التي يحتاج اليها الناس.


وأما رابعاً فلأنه يتوجه عليه معارضة بالمثل من إنه لايثبت إجتهاد ابي بكر إلا إذا ثبت إنما صدر عنه من أمثال الأحكام المذكورة القادحة ضرورة في كل إنسان عاقل لهم نصيب من معرفة الأحكام الشرعية يمكن أن يصدر من له أهلية الإجتهاد وإذا كان إثبات ذلك محالاً أو ملحقاً بالتشكيك في الضروريات كان ذلك قادحاً في خلافته

وأما أول ماذكره من الأدلة التي زعم وضوح دلالتها على أهلية أبي بكر للإجتهاد فمدخول بأن جواب ابي بكر عن ذلك من غير ان يعلم جواب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قبله غير مسلم وإن كان ذلك الجواب مما يظهر للعاقل المشاهد بخصوصيات تلك الواقعة بأدنى تأمل فغاية مايلزم من ذلك قصور فهم عمر لإكمال عقل أبي بكر

وأما الثاني منها فمردود بأن الإختلاف في موضع الدفن غير واقع كيف وقد صح إتفاقاً إنه مع أصحابه قد إشتغلوا بالخلافة عن دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصى بذلك الى أهل بيته في أيام حياته كما نقله غير هذا الرواي الغاوي ولو سلم فلا إجتهاد في نقل خبر وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بشيء كدفنه فيما نحن فيه كما لايسمى إيصال بعض خدمة السلطان وصيته الى بعض العساكر أو امره الى بعض الرعية إجتهاداً إذ ليس في مثله إستنباط الفرع من الأصل الذي هو حاصل معنى الإجتهاد شرعاً بل ليس فيه إجتهاد لغوي أيضاً كما لايخفى مع إن قول أبي بكر « سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ما من نبي؛ الى آخره » دعوى لابرهان له بها سوى دعوى سماعه لذلك وهو كما ترى

وأما ماذكره من وقوع الإختلاف في ميراثه فغير واقع أيضاً غاية الأمر إنه لما أخذ فدك عن فاطمةعليها‌السلام وإدعت النحلة فيها ثم الميراث تنزلاً إفترى أبو بكر لدفع دعواهاعليها‌السلام ذلك فقالت لها: أترث اباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئاً فريا ! اللهم إلا أن يقال: أراد بالإجتهاد الإجتهاد اللغوي في دفعهاعليها‌السلام عن حقها بتكلف الكذب والحيل فإن


هذا مسلم عند الشيعة ثم لايخفى مافي عبارته من البعد عن كلام المحصلين فإنه ذكر أولاً الخلاف في موضع دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم الخلاف في ميراثه صلوات الله وسلامه عليه وآله ثم قال متصلاً بهذا: قال بعضهم: وهذا أول إختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم ندفنه بمكة الى آخره

وأما ماذكره من خبر نزول جبرئيلعليه‌السلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر الله تعالى له أن يستشير أبا بكر ففيه إنه على فرض صحته فإنما كان لتأليف قلبه وإلا فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنما كان يعمل بالوحي الإلهي كما نطق به القرآن الكريم وكان غنياً عن مشاورتهم وتعليمهم كما لايخفى على من عرف علو شأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو حقه لكن أهل السنة حيث جعلوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع أبي بكر الجاهل كفرسي رهان فقد حرموا عن حق معرفته وقد يقال إنما كان يستشير أصحابه ليستخرج بذلك دخائلهم وضمائرهم ويطلع على حسن نيانهم وفسادهم فلا فضل في هذه المشاورة وعلى هذا فقس سائر موضوعاتهم.

٥٠ ـ قال: لايقال بل عليعليه‌السلام أعلم منه للخبر الآتي في فضائله « أنا مدينة العلم وعلي بابها » لأنا نقول سيأتي إن ذلك الحديث مطعون فيه وعلى تسليم صحته او حسنه فأبو بكر محرابها رواية « من أراد العلم فليأت الباب » لاتقتضي إلا علمية فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الإيضاح والتفرغ للناس بخلاف الأعلم على إن تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس « أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها» فهذه صريحة في إن أبا بكر أعلمهم وحينئذ فالأمر بقصد الباب إنما هو لنحو ماقلناه لا لزيادة شرفه على ماقبله لما هو معلوم ضرورة إن كلاً من الأساس والحيطان والسقف أعلى من الباب وشذ بعضهم فأجاب بمعنى« وعلي


بابها» أي من علو على حد قراءة هذا سراط علي مستقيم برفع علي وتنوينه كما قرأ به يعقوب أنتهى.

اقول: يتوجه عليه إن طعنه على الحديث مطعون بأنه يكفي بكونه حجة عليه وعلى أصحابه رواية الترمذي من محدثي أصحابه ذلك في صحيحه ورواية البغوي ما في معناه من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « أنا دار الحكمة وعلي بابها » لكن قد سبق إن مدار أهل السنة على إنه إذا إحتجت الشيعة عليهم من أحاديث صحاحهم بما يقدح في اصل من اصولهم يطعنون فيه على قدر حيلتهم ولا يستحيون عن الناس ولا عن سلفهم وهذا كما ترى على إنا قد اسبقنا إن الإنصاف إعتماد الطرفين على ما إتفق بينهما من الأحاديث وهذا الحديث كذلك فضلاً عن صحته فلا يجدي القدح فيه عناداً وهرباً عن قبول الإلزام

وأما ما قاله من قوله « فأبو بكر محرابها » فمع ظهور عدم إتجاهه دليل على جرأته على الوضع لأن هذا ليس بمذكور فيما سيذكره من حديث الفردوس ولا في غيره

وأما ماذكره من إن رواية « من اراد العلم فليأت الباب » لا تقضي إلا علمية الأعلمية الى إخره ففساده ظاهر لظهور إن المراد بالباب في هذا الخبر وما في معناه عن الحافظ للشيء الذي لا يشذ عنه شيء ولا يخرج إلا منه ولا يدخل إلا به وإذا ثبت إنهعليه‌السلام الحافظ لعلوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحكمه ثبت إحاطته لما عند غير الأعلم أيضاً من زيادة الإيضاح والبيان وثبت الأمر بالتوصل به الى العلم والحكمة فوجب إتباعه والأخذ عنه وهذا حقيقة معنى الإمام كما لايخفى على ذوي الإفهام

أما زعمه من كون ذلك الحديث معارضاً لخبر رواه الجهنمي صاحب كتاب الفردوس من باب تسمية الشيء بإسم ضده فأثار الوضع عليه لائحة

أما أولاً فلأن المدينة لايكون لها سقف وإنما السقف للبيوت والدور وحاشى كلام الفصيح فضلاً عن الأفصح من الإشتمال علي مثل


هذا السخف الصريح

وأما ثانياً فلا، راويه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أبو هريرة المرمي بالكذب ، المتهم بالوضع

وأما ثالثاً فلأن الكلام ليس بالعلو والإنخفاض والثبات وعدمه بل في الإتيان لأخذ العلم من صاحب المدينة ولا مدخل لأساس المدينة وحيطانها وسقفها في ذلك بل لو كان اساسها من الرمل والتراب وحيطانها وسقفها من السعف والأشواك لأمكن ذلك

وأيضاً الحديث إنما روي على كون لفظ علي فيه أسماً علماً لمولانا أمير المؤمنينعليه‌السلام لا على كونه فعيلاً بمعنى الفاعل باقياً عليه فلو جاز التأويل العليل الذي تمحله شاب منهم لجاز أن يكون المراد بعلي في قوله تعالى « سراط علي مستقيم » إسم مولانا أمير المؤمنين (ع) بأن يكون مضافاً اليه السراط ولعل هذا اصعب على الناصبة من اصل الحديث ولعمري إن جرأتهم على وضع أمثال هذه الكلمات المشتملة على التمحلات الظاهرة لاتوجب إلا زيادة شناعتهم وإشاعة عداوتهم لأهل البيتعليهم‌السلام .

٥١ ـ قال: فثبت بجميع ماقررناه إنه من أكابر المجتهدين بل أكبرهم علىالإطلاق وإذا ثبت إنه مجتهد فلا عتب عليه في التحريق لأن ذلك الرجل كان زنديقاً وفي قبول توبته خلاف

وأما النهي عن التحريق فيحتمل إنه لم يبلغه، ويحتمل إنه بلغه وتأوله على غير نحو الزنديق، وكم من أدلة تبلغ المجتهدين ويؤولونها لما قام عندهم، لا ينكر ذلك إلا جاهل بالشريعة وحامليها وأما قطعه يسار السارق فيحتمل إنه خطأ من الجلاد، ويحتمل إنه لسرقة ثانية ومن أين علم إنها للسرقة الأولى، وإنه قال للجلاد إقطع يساره؟ وعلى التنزل فالآية شاملة لما فعله؛ فيحتمل إنه كان يرى بقائها على إطلاقها وإن قطعهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اليمنى في الأولى ليس على التحتم بل الإمام مخير في ذلك وعلى فرض إجماع في المسألة فيحتمل إنهم أجمعوا على ذلك بعده


وأما توقفه في مسئلة الجدة الى أن بلغه الخبر فينبغي سياق حديثه فان فيه ابلغ رد على المعترين اخرج اصحاب الأربعة ومالك عن قبيصة قال: جاءت الجدة الى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله وما علمت لك في سنة نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اعطاها السدس فقال ابوبكر هل معك غيرك فقام محمد بن مسلم فقال مثل ما قال المغيرة فانفذه لها ابو بكر فتأمل هذا السياق تجده قاضياً بالكمال الأسنى لأبي بكر فانه نظر أولاً في القرآن وفي محفوظاته من السنة فلم أجد لها شيئاً ثم إستشار المسلمين ليستخرج ما عندهم من شيء حفظوه فاخرج المغيرة وابن مسلم ما حفظاه فقضى به وطلبه إنضمام آخر الى المغيرة احتياط فقط أذ الرواية لا يشترط فيها تعدد على أنه غير بدع من المجتهدين يبحث عن مدارك الأحكام.

اقول: قد عرفت بما قررناه من بطلان جميع ما قرره نفي ذلك الثبوت، وانه اوهن من نسج العنكبوت

واما ماذكره من ان « النهي عن التحريق فيحتمل أنه لم يبلغه فهو مخالف لما إدعاه سابقاً من كمال أبي بكر

وأما إحتماله لتأويله على نحو غير الزنديق من غير قرينة ظاهرة مقتضية لذلك التأويل الممقوت، فهو من قبيل تأويلات ملاحدة الموت، ولو جاز أمثال هذا التأويل العليل لأرتفع الأمان عن دلالة القرآن المبين، وسنن سيد المرسلين، وخرجا عن كونهما دليلاً للمحققين، حجة على البطلين

وأما قوله «ان قطعه يسار السارق فيحتمل إنه خطأ من الجلاد » فوجه الخطأ فيه ظاهر فإن قطع يد ذلك السارق لم يكن من خلاء بحيث يكون الجلاد منفرداً بل كان في ملاء مشاهد القوم من الصحابة وغيرهم فاذا كان من غلط الجلاد فلم


لم يفهمه احد من الحاضرين والعقل يحكم باستحالة تواطؤ الجميع على الغلط فمغلط الجلاد غالطاً

وأما قوله « فمن اين علم انها للسرقة الأولى، وانه قال للجلاد إقطع يساره » ففيه ان من قدح في أبي بكر بتلك لارواية انما قدح لوجدانه اياها في كتب الحديث والسير مشتملة على تلك الخصوصيات فعلم ان قوله « من أين علم » نفخ من غير ضرام على إن التخطئة قد توجهت من الصحابة المعاصرين الشاهدين لحكمه الفاسد فلو كانت للسرقة الأولى ما نسبوه الى الخطأ لايقال: يحتمل أن يكون ذلك لعدم علمهم انه في المرتبة الثانية لأنا نقول لو كان كذلك وسلم عن التخطئة

وأما قوله « وعلى التنزل فالآية شاملة لما فعله؛ الى آخره » فنازل جداً لأن الشمول قد خص بفعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على رؤس الأشهاد فالغفلة عن ذلك لا تليق بحال من قام مقامه ص وكذلك الكلام في قوله « إنقطع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اليمنى في الأولى ليس على التحتم » لما تقرر في الإصول إن فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مالم يعلم وجهه محمول على الوجوب

وأما قولة« وعلى فرض اجماع في المسئلة » فمدخول بظهور قطعية هذا الإجماع ظهوراً لاينكره إلا هذا الشيخ الفارض الذي فرض على نفسه إصلاح معايب أبي بكر بكل حيلة ووسيلة على إنه لو جاز ذنعقاد هذا الإجماع بعد فعل أبي بكر بكل حيلة ووسيلة على إنه لو جاز إنعقاد هذا الإجماع بعد فعل أبي بكر لجاز أن يقال في الإجماع الذي إدعاه هذا الشيخ مراراً في خلافة ابي بكر إنما إنعقد بعد غصبه الخلافة كما وقع نظيره لمعاوية ولعله لا يرضى بذلك فتأمل.

وأما ما إعترف به من توقف أبي بكر في مسئلة الجدة والسؤال فيها عن الناس فهو كاف في ظهور نقصه وقصوره وأين دنو من لم يقف على المسألة حتى سأل، من علو من قال مستوياً على عرش التحقيق « سلونني عما دون العرش، وسلوني قبل أن تفقدوني »

وأما قوله « فإنه نظر أولاً في القرآن ومحفوظاته؛ الى آخره » ففيه نظر ظاهر لأنه لو كان دأبه في الأحكام


الشرعية رعاية الإحتياط بالتأمل والتوقف والمشاورة فلم لم يتأمل في أمر الخلافة الى فراغ أهل البيتعليهم‌السلام وسائر بني هاشم من دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى يشاورهم؟ بل سارع في ذلك وأخذ البيعة الفاسدة عن الناس فلتة كما أفصح عنه عمر بقوله « كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها عن المسلمين » وقد مر.

وأما ما ذكره آخرً من أن « طلبه إنظمام آخر الى المغيرة إحتياط فقط » فهو مع إنه لايقدح في مقصودنا ليس بمتعين أن يكون منظوراً لأبي بكر لجواز أن يكون منظوره في ذلك إعتقاده لفسق المغيرة فقد روي الجمهور مستفيضاً إنه شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب ولقن الرابع وهو زياد بن أبيه حتى تلجلج في الشهادة فدفع عنه الحد هذا ومع ذلك فهو راوي شطر من أحاديث القوم فلا تغفل عنه.

٥٢ ـ قال: الخامسة زعموا إن عمر ذمه والمذموم من مثل عمر لا يصلح للخلافة وجوابها إن هذا من كذبهم وافتراءهم أيضاً ولم يقع من عمر ذم له قط وإنما الواقع منه في حقه غاية الثناء عليه واعتقاد إنه أكمل الصحابة علماً ورأياً وشجاعة كما يعلم مما قدمناه عنه في قصة المبايعة وغيرها؛ على إن إمامة عمر إنما هي بعهد أبي بكر اليه فلو قدح فيه لكان قادحاً في نفسه وإمامته.

وأما إنكاره على أبي بكر كونه لم يقتل خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة وهو مسلم ولتزوجه إمرأته من ليلته ودخل بها فلا يستلزم ذماً له ولا إلحاق نصبه لأن ذلك إنما هو من إنكار بعض المجتهدين على بعض في الفروع الإجتهادية وهذا كان شأن السلف وكانوا لايرون فيه نقصاً وإنما يرونه غاية الكمال؛ على إن الحق عدم قتل خالد لأن مالكاً إرتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما فعل أهل الردة وقد إعترف أخو مالك لعمر بذلك وتزوجه إمرأته لعله لإنقضاء عدتها بالوضع عقب موته، أو يحتمل إنها


كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الأزواج على عادة الجاهلية وعلى كل حال فخالد إتقى الله من أن يظنوا به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه، فالحق مافعله أبو بكر لا ما إعترض به عليه عمررضي ‌الله‌ عنهما ويؤيد ذلك إن عمر لما افضت الخلافة اليه لم يتعرض لخالد ولم يعاتبه في هذا الأمر قط فعلم إنه ظهر له حقية مافعله أبو بكر إنتهى.

اقول: ما أتى به من التكذيب والإنكار مكابرة على الشائع الذائع الذي ضاقت الدنيا من إمتلائه روماً لإصلاح ما أفسده الدهر من حال خلفائه « وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ».

وأما ماذكره في العلاوة من المقدمة القائلة بأن « إمامة عمر إنما هي بعهد أبي بكر اليه ؛ الى آخره » ففيه إنا نعلم إن المقدمة المذكورة تقتضي كف عمر عن القدح فيه لكن الله تعالى قد أنساه تلك المقدمة بعض الأحيان وأجرى الحق على لسانه بذكر بعض القوادح التي نقلها الثقات من ارباب السير والتواريخ ليكون حجة لأهل الحق على أهل الباطل.

وأما ماذكره من أن « إنكاره على أبي بكر في عدم قتله خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة لاستلزم ذماً له؛ الى آخره » فمدخول بأن الذم كل الذم إنما هو في إهماله إجراء حكم الشرع في شأن خالد لكن لما كان صدور الذم عليه من مثل عمر أشد عند أوليائه من المتسمين بأهل السنة خاصه الشيعة بالذكر فقوله « لايستلزم ذماً له » كما ترى.

وأما ماذكره من إجتهاده في ذلك فهو من قبيل إجتهاد أبي جهل وامثاله في مقاتلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واجتهاد معاوية في محاربة أمير المؤمنينعليه‌السلام ؛ والقائل بمثل ذلك لا يليق بالجواب، ولا يستحق الخطاب،

وأما ماذكره في العلاوة الثانية من « إن الحق إن مالكاً إرتد ورد على قومه، الى آخره » فقد عرفت بطلانه بما نقلناه سابقاً من كلام إبن حزم وغيره عند الكلام على


ماعقده هذا الشيخ المكابر من الفصل الثالث في النصوص السمعية التي زعم دلالتها على خلافة أبي بكر فتذكر واعطفه الى هذا الموضع عسى أن يزيدك وضوحاً في تحقيق المرام.

وأما ما إحتمله من تزويج خالد لأمرأة مالك بعد إنقضاء عدتها بالوضع عقب موته فمردود بأن عدة إمرأة المسلم لا تنقضي بما ذكره، نعم إستبراء الإماء المسبية من الكفار يتحقق بمثل ذلك وقد بينا إن مالكاً لم يرتد قطعاً

وأما إحتمال « إنها كانت محبوسة عنده؛ الى آخره » فمع إبتنائه أيضاً على إرتداد مالك مردود كسابقه بأنه كيف يليق بشأن عمر مع ما رووا فيه « إنه لو كان نبي بعد نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله لكان هو عمر » أن ينكر على أبي بكر ذلك الإنكار المنقول، ويحرضه على قتل خالد سيف الله المسلول، من غير علم بحال القاتل والمقتول ولعمري إنه لو قيل لإنسان: أسخف واجتهد ماقدرعلى أكثر مما أتى به هذا الشيخ من الهذيان والهذر؛ ومن بلغ الى هذه المرتبة من المكابرة، فقد كفى مؤنة خصمه في المناظرة.

وأما ماذكره من « إن خالداً إتقى الله من أن يظن به مثل هذه الرذائل؛ الى آخره» فهو مجرد حسن ظن لا يغني من الحق شيئاً ولو سلم فأول من يرد عليه هذا الإعتراض هو عمر حيث ساء الظن بخالد وهم بقتله.

وأما تسمية خالد بسيف الله فوقعت من أبي بكر لإعانته له في غصب الخلافة أولأً وقتل مالك الذي أوقع الخلل في خلافته ثانياً فانكشف المعمى، وظهر إنه لاكرامة في ذلك الإسم والمسمى.

وأما قوله « فالحق مافعله أبو بكر لا ما إعترض عليه » ففيه إن هذا الإعتراف منه ببطلان عمر في ذلك الإعتراض وهو يكفي للقدح فيهما لأنهما كالحلقة المفرغة في غصب الخلافة والبدع التي أحدثاها في الدين عن فرط الجلافة.

وأما ماذكره من التأييد فوهنه ظاهر مما قدمناه في الكلام المتعلق بالفصل الثالث ايضاً من إنه لما أفضت الخلافة الى عمر هرب خالد الى الشام واسترجع عمر بقية ماكان في أيدي


الناس من أسارى بني حنيف من النساء والذراري وسلمهم الى أزواجهم وآبائهم من بقية سيف أبي بكر تدبر.

٥٣ ـ قال: السادسة زعموا إن قول عمر « إن بيعة أبي بكر كانت فلتة لكن وقى الله شرها فمن عاد الى مثلها فاقتلوه » قادح في حقيتها وجوابها إن هذه من غباواتهم وجهالاتهم، إذ لا دلالة في ذلك مما زعموه لأن معناه إن الأقدام على مثل ذلك من غير مشورة الغير وحصول الإتفاق منه مظنة الفتنة فلا يقدمن أحد على ذلك على إني اقدمت عليه فلست على خلاف العادة ببركة صحة النية وخوف الفتنة لو حصل توان في هذا الأمر كما مر مبسوطاً في فصل المبايعة انتهى.

اقول: حاصل إحتجاج الشيعة بذلك إن ضمير« شرها» في قول عمر راجع الى البيعة فيلزم توصيف بيعة أبي بكر بالشر وهذا إزراء بجلالة قدره عندهم وكذا في لفظ الفلتة إستحقار لها ففي ماذكره عمر غاية المذمة إذ لا مذمة فوق الوصف بالشر ولقد أنطقه الله بالحق حيث إعترف في بيان المعنى بعدم حصول الإتفاق على خلافة ابي بكر وبهذا أظهر إن الغبي الجاهل هل هذا الشيخ المتحجر أو الشيعة ؟ وقد مر منا أيضاً مفصلاً في الفصل الذي ذكره ما هو الفيصل فتذكر.

٥٤ ـ قال : السابعة زعموا إنه ظالم لفاطمةعليها‌السلام بمنعه إياها من مخلف أبيها وإنه لادليل له في الخبر الذي رواه « نحن معاشر الأنبياء لانورث، ماتركناه صدقة » لأن فيه إحتجاجاً بخبر الواحد مع معارضته لآية المواريث وفيه ماهو مشهور عند الأصوليين.

وزعموا ايضاً إن فاطمةعليها‌السلام معصومة بنص إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وخبر « فاطمة بضعة مني » وهو معصوم فتكون معصومة وحينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث وجوابها

أما عن


الأول فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف وإنما حكم بما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو عنده قطعي فساوى آية المواريث في قطعية المتن.

وأما حمله على ما فهمه منه فلإنتفاء الإحتمالات التي يمكن تطرقها اليه عنه بقرينة الحال فصار عنده دليلاً قطعياً مخصصا لعموم تلك الآيات.

وأما عن الثاني فمن أهل البيت أزواجه على مايأتي في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ولسن بمعصومات إتفاقاً فكذلك بقية أهل البيت.

وأما « بضعته مني » فجاز قطعاً فلم يستلزم عصمتها وأيضاً فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الأحكام بل الظاهر إن المراد إنها كبضعة مني فيما يرجع الحنو والشفقة.

ودعواها إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نحلها فدكاً لم تأت عليها إلا بعلي وأم أيمن فلم يكمل نصاب البينة على إن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافاً بين العلماء وعدم حكمه بشاهد ويمين أما لعله لكونه ممن لايراه كثيرين من العلماء أو إنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها وزعمهم إن الحسن والحسين وأم كلثوم شهدوا لها باطل على إن شهادة الفرع والصغير غير مقبولة وسيأتي عن الإمام زين العابدين بن الحسينرضي‌الله‌عنه إنه صوب مافعله أبو بكر وقال: لو كنت مكانه لحكمت بمثل ماحكم به وعن أبنه الباقرعليه‌السلام إنه قيل: له أظلمكم الشيخان من حقكم شيئاً ؟ فقال: لا ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردل وأخرج الدار قطني إنه سأل ماكان يعمل علي في سهم ذوي القربى؟ قال: عمل فيه بما عمل أبو بكر وعمر، كان يكره أن يخالفهما.

وأما عذر فاطمة في طلبها مع روايته لها الحديث فيحتمل إنه لكونها رأت إن خبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به فاتضح عذره في المنع وعذرها في الطلب فلا يشكل عليك ذلك وتأمله فانه مهم.


اقول : فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنه يتوجه على جوابه عن الأول إن الخبر الذي رواه أبو بكر في ذلك أولى بأن يكون محل الخلاف لأنه متهم في روايته بعداوته لأهل البيتعليهم‌السلام وجرى النفع لنفسه لما روى الشيخ جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء من إن فدكاً كان بعد ذلك حبوة أبي بكر وعمر ثم إقتطعها مروان وإن عمر بن عبدالعزيز قد رد فدكاً الى بني هاشم وروي إنه ردها الى أولاد فاطمة رضي ‌الله‌ عنها انتهى وفي هذه دلالة على إتهام أبي بكر عند عمر بن عبدالعزيز أيضاً كما وقع التصريح به في الروايات الأخر على إن تخصيص الكتاب بغير الحديث المتواتر والمشهور مما خالف فيه جمع كثير فمنهم أبو حنيفة كما ذكر في شروج منها البيضاوي

وأيضاً المنصف المتأمل يجزم بأنه لاوجه لأن يكون مثل هذا الخبر موجوداً ولم يسمعه غير أبي بكر حتى نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمةعليهما‌السلام مع إنهم كانوا مداومين فى ملازمة النبي (ص) وبالجملة كيف يبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا الحكم بغير ذريته ويخفيه عمن يرثه ولا يوصي اليهم بذلك حتى يقعوا في إدعاء الباطل وإلتماس الحرام على إنه صلوات الله وسلامه عليه كان مأموراً خصوصاً في محكم الكتاب بإنذار عشيرته الأقربين وقد أخرج في جامع الأصول حديث شهر بن حوشب عن الترمذي وأبي داود « إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله تعالى ستين سنة ثم يحضرهم الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار » فأي ضرر أعظم من أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ختم ذلك عن وصيه وورثته وأودعه أجنبياً لا فائدة له فيه ظاهراً وحاشاه من ذلك إذ هو رحيم رؤوف بالأباعد؛ فضلاً عن الأقارب.

لايقال كفى تعريفاً وإعلاناً بذلك الخبر الذي ذكره


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر من كبار أصحابه لانا نقول : الكفاية ممنوعة لان أبا بكر أنما غلب على فاطمةعليها‌السلام بذلك الخبر من حيث أنه صار خليفة وقاضيا وأدعى ان علمه قد حصل بذلك من الخبر المذكور وعلم القاضي كاف في اجراء الحكم ومن البين انه لو لم سواء يتفق أختيار القوم على خلافة أبي بكر بل كان الخليفة غيره لما كان لذلك الخبر الواحد حجية عنده في إثبات كون تركة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صدقة أما عند الخليفة على تقدير كونه غير أبي بكر فلأن شهادة الواحد مردودة فضلاً عن روايته في مقام الشهادة

وأما عند المدعية أعني فاطمةعليها‌السلام فلما ظهر من إنها قد أنكرت ذلك وغضبت على أبي بكر في حكمه بما ذكر ولا مجال لأن يقال: إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما عين أبا بكر للخلافة لم يحتج الى إظهار ذلك لغيره لأن هذا خلاف ماعليه جمهور أهل السنة من عدم النص والتعيين لأحد كما مر؛ على إنه يجوز أن يكون الحديث الذي تفرد به ابو بكر من قبيل « الغرانيق العلى » الذي جوز أهل السنة إلقاء الشيطان له على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وكيف يستبعد القاء مثل ذلك له مع ماروي سابقاً عن ابي بكر من إنه قال « إن لي شيطاناً يعتريني؛ الى آخره »

وأما قوله « وإنما حكم بما سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » إن دعوى سماعه منه غير مسموع لما سمعت من إتهامه سابقاً

وأما قوله « وهو عنده قطعي » فمردود بقول شاعرنا « ومن أنتم حتى يكون لكم عند »

وأما ماذكره من قوله « وأما حمله على ما فهمه منه فلإنتفاء الإحتمالات؛ الى آخره » ففيه إن ذلك وهم لا فهم ، وانتفاء الإحتمالات غير ثابت لإحتمال أن يكون قوله « صدقة» في الحديث الحادث تميزاً ، ويكون معنى الحديث إن ماتركناه على وجه الصدقة لايورث أحد وقد وهم الراوي وهو أبو بكر في ذلك الإحتمال إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد وقف


على لفظ صدقة فظنه ابو بكر موقوفاً على الرفع بالخبرية لا على النصب بكونه تميزاً والتميز إنما هو شأن أهل الإستبصار، لا كل قاصر يكثر منه العثار ولعل هذا الشيخ المعاند اراد بقرنية الحال الذي علم بها أبو بكر إنتفاء الإحتمالات الأخر في ذلك الحديث قرنية حال أبي بكر وعمر في إرادتهما الظلم على أهل البيتعليهم‌السلام وهذا مسلم لاشك فيه.

وأما ثانياً فلأنه يتوجه على ماذكره في الجواب عن الثاني «إن من أهل البيت أزواجه على مايأتي في فضائل أهل البيت؛ الى آخره » إنا قد راجعنا الى ماذكره هناك فلم نجد فيه إلا مايجديه من ذكره احاديث موضوعة واقاويل من أهل السنة مصنوعة زعم معارضتها لما ذكره ايضاً من الأحاديث الصحيحة إتفاقاِ الدالة على خروج الأزواج فلنضرب عن نقلها هاهنا صفحاً، والنذكر من الإحتجاج الدافع للعناد واللحاج مايدمر أيضاً على ما أتى به ثمة عن غاية الإعوجاج فنقول: قد إتفق المفسرون من الشيعة والسنة على ذلك وهذا الإتفاق حجة تحققة بموافقة بعض المفسرين من اهل السنة مع الشيعة فضلاً عن أكثرهم كما إعترف به هذا الشيخ الجامد في أوائل الفصل العاشر من كتابه هذا لظهور إن ماذهب اليه بعض من طائفة حجة على الكل سيما إذا وافقهم فيه غيرهم

وأيضاً قد إنعقد الإجماع على ذلك قبل ظهور المخالف من إتباع بني أمية المعادين لأهل البيتعليهم‌السلام والمخالف الحادث لا يقدح خلافه في انعقاد الإجماع السابق

وأيضاً الذي يدل على ذلك إن من روى خلاف ذلك من المفسرين كانوا متأخرين عن قدماء المفسرين والمحدثين كالثعلبي ، واحمد بن حنبل، والظاهر إن منشأهم المتأخرين ذكر آية التظهير متصلاً بما قبله من الآية التي وقع فيها النداء على نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والخطاب معهن وفيه إن رعاية هذه المقارنة والمناسبة إنما تجب إذا


لم يمنع عنها مانع ومن البين إن تذكير ضمير« عنكم » و « يطهركم » وبعض الدلائل والقرائن الأخر الخارجة مانع عن ذلك منها ماروى هذا الشيخ في كتابه هذا من « إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما نزلت آية المباهلة جمع علياً وفاطمة والحسن والحسينعليهما‌السلام وجللهم في كساء فدكي فقال: هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا » ومنها مارواه ايضاً في الباب الحادي عشر حيث قال « في مسلم عن زيد بن ارقم إنه ص قال ً إذكركم الله في أهل بيتي قلنا لزيد: من أهل بيته نسائه؟ قال: لا ايم الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى ابيها وقومها؛ أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده » ( انتهى ) وهو مذكور في جامع الأصول ايضاً ولا يخفى إنه يفهم من قول زيد إن اطلاق أهل البيت ليس على الحقيقة اللغوية بل الحقيقة الشرعية ويمكن أن يكون مراده ان الذي يليق أن يراد في امثال الحديث المذكور من أهل البيت اهله وعصبته الذين لا يزول نسبتهم عنه اصلاً دون الأزواج وعلى التقديرين فهو مؤيد لمطلوبنا وذكر سيد المحدثين جمال الملة والدين عطاء الله الحسيني في كتاب تحفة الأحباء خمسة أحاديث أثنان منها وهما المسندان الىأم سلمة رضي ‌الله‌ عنها نص اً صريح في الباب لأن أحدهما وهو الذي نقله في جامع الترمذي وذكر إن الحاكم حكم بصحته قد إشتمل على إنه لما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عند إدخال علي وفاطمة وسبطيه في العباء ماقال، قالت أمسلمة رضي ‌الله‌ عنها: يارسول الله الست من أهل بيتك؟ قال إنك على خير أو الى خير والآخر وهو الحديث الذي نقله عن كتاب المصابيح في بيان شأن النزول لأبي العباس أحمد بن الحسن المفسر الضرير الإسفرايني قد تضمن إنه (ص) لما أدخل علياً وفاطمة وسبطيه في العباء قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي واطهار عترتي واطايب ارومتي من لحمي ودمي، اليك لا الى النار إذهب عنهم الرجس وطهرهم


تطهيراً، وكرر هذا الدعاء ثلاثاً قالت ام سلمة رضي‌ الله‌ عنها قل ت: يارسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانا معهم. قال : إنك الى خير وأنت من خير ازواجي. ثم قال السيدقدس‌سره فقد تحقق من هذه الأحاديث إن الآية إنما نزلت في شأن الخمسة المذكورينعليهم‌السلام ولهذا يقال لهم آل العباء ولله در من قال من اهل الكمال:

على الله في كل الأمور توكلي

وبالخمس اصحاب العباء توسلي

محمد المبعوث حقا وبنته

وسبطيه ثم المقتدى المرتضى علي

إن قيل: ماذكر من الأحاديث معارضة بما روي إن أم سلمة قالت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الست من أهل البيت ؟ فقال بلا إنشاء الله قلنا لانسلم صحة سندها ولو سلم نقول : إنها في هذه الرواية في معرض التهمة بجر نفع لنفسها فلا يسمع قولها وحدها ولو سلم نقول:

إن كونها من اهل البيت قد علق فيها بمشيئة الله تعالى فلا تكون من اهل البيت جزماً مع إنها لو كانت منهن لما سألته لأنها من أهل اللسان والترجيح معنا بعد التعارض وهو ظاهر.

وايضاً اهل بيت الرجل في العرف هم قرابته من عترته لأزواجه بدليل سبق الفهم الى ذلك وهو السابق الى فهم كل عصر والمتداول في أشعارهم واخبارهم فما أحد يذكر اهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في شعر أو غيره إلا وهو يريد من ذكرناه لا أزواجه ولعل مناقشة الجمهور في هذا المقام إنما نشأت من حملهم البيت في الآية والحديث على البيت المبني من الطين والخشب المشتمل على الحجرات التي كان يسكنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع أهل بيته وازواجه إذ لو اريد بالبيت ذلك لإحتمل فهمه من الآية والرواية لكن الظاهر إن المراد لأهل البيت على طبق قولهم أهل الله وأهل القرآن أهل بيت النبوة ولا ريب إن هذا منوط بحصول كمال الأهلية والإستعداد المستعقب للتنصيص والتعيين من الله ورسوله على المتصف به ولهذا إحتاجت أم سلمة رضي‌ الله ‌عنه ا الى السؤال عن


أهليتها للدخول فيهم كما مر.

وفوق ماذكرناه كلام وهو إنه لايبعد أن يكون إختلاف اسلوب آية التطهير لما قبلها على طريق الإلتفات من الأزواج الى النبي واهل بيتتهعليهم‌السلام على معنى إن تأديب الأزواج وترغيبهن الى الصلاح والسداد من توابع إذهاب الرجس والدنس عن اهل البيتعليهم‌السلام فحاصل نظم الآية على هذا إن الله تعالى رغب أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الى العفة والصلاح بأنه إنما اراد في الأزل أن يجعلكم معصومين ياأهل البيت واللائق أن يكون المنسوب الى المعصوم عفيفاً صالحاً كما قال والطيبات للطيبين

على إنه قد وقع إختلاف كثير في ترتيب المصاحف حتى إصطلح الناس على مصحف واحد والإختلاف إنما هو في الترتيب البتة لأن القرآن متواتر كما لايخفى. ثم اقول: يمكن أن يستدل على خروج الأزواج بأن الأرداة المدلول عليها في الآية بقوله تعالى يريد الله أما إن تكون إرادة محصنة لم يتبعها الفعل أو إرادة وقع الفعل عندها والأول باطل لأن ذلك لاتخصيص فيه لأهل البيت بل هو عام في جميع المكلفين ولا مدح في الإرادة المجردة واجتمعت الأمة على إن الآية فيها تفضيل أهل البيت وإبانة لهم عن سواهم فثبت الوجه الثاني وفي ثبوته مايقتضي عصمة من عني بالآية وإن شيئاً من القبائح لايجوز أن يقع منهم ولاشك في عدم القطع بعصمة الأزواج والآية موجبة للعصمة فثبت إنها فيمن عداهن من آل العباء لبطلان تعلقها بغيرهم.

وأما ماذكره هاهنا من إن « بضعة مني » مجاز فهب أن يكون كذلك لكنه يجب حمل المجاز على المعنى الأقرب الى المعنى الحقيقي كما تقرر في الأصول وهو هاهنا ترتب الأحكام التي تترتب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنها العصمة والطهارة ولو أغمضنا عن ذلك نقول: إن الإستدلال على عصمتهاعليها‌السلام إنما وقع من الشيعة بمجموع الحديث وتقريره إن النبي صلى الله


عليه وآله قال في حقهاعليها‌السلام : « فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » وفي رواية« من أغضبها فقد أغضبني » وفي رواية« يربيني مارابها » وامثالها كثيره فلو فرض عدم عصمتها لجاز عليها صدور معصية موجبة للحد أو التعزير عليها ولا ريب في إيذائها حين إذ بذلك وهو منهى عنه لما عرفت من إيذائها إيذاء الله تعالى ورسوله فلو لم تكن معصومة لزم جواز أيذائها بالحد والتعزير فلزم أن يكون إيذائهاعليها‌السلام منهياً عنه وجائزاً هذا خلف فسقط جميع مانسجه في نفي دلالة الحديث على عصمتهاعليها‌السلام

وبعبارة أخرى نقول: لاشك إن هذه الأحاديث جاءت في باب مناقبها وفضلهاعليها‌السلام

وأما من الفاظ العموم كما تقرر في الأصول فلو كانت تغضب وتتأذى بالباطل كما إحتمله الناصبي في مقام التأويل لما جاز من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يغضب لها ولو أمكن صدور الباطل منها لماساغ من النبي ص اطلاق لفظ الغضب بل كان يجب أن يقيده وعلى هذا لم يبق لها مزية على غيرها إذ يجب عليه أن يغضب لكل مسلم بل ولكل كتابي إذا أغضب بغير حق فلم يبق إلا أن غضبها مطلقاً يغضبه (ص) وذلك دليل على عصمتهاعليها‌السلام وإنها لايصدر عنها غضب إلا وهو حق وكذلك القول في حق بعلهاعليه‌السلام لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعى له على القطع في قوله :« اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله » ومثله أخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على القطع وهو قوله « يدور الحق معه حيثما دار » وقوله « علي مع الحق ؛ والحق مع علي » وقوله« من إقتدى بعلي، فقد إهتدى» كما ذكره فخر الدين الرازي في تفسير الفاتحة وكذلك آية التطهير تدل على عصمة أهل البيت جميعهم كما أوضحناها سابقاً.

وأما ماذكره من « إن دعواها إنه نحلها فدكاً لم تأت عليها إلا بعلي وأم أيمن فلم يكمل نصاب البينة ؛ الى آخره » فمدخول بأن الحكم


بالشاهد واليمين قد دل عليه الخبر وليس نسخاً لمقتضى الآية كما توهم

أما أولاً فلأن الآية دلت على الحكم بالشاهدين أو الشاهد والمرأتين وإن شهادتهما حجة وليس فيها مايدل على إمتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر الى المفهوم ولا حجة فيه فرفع الحكم الذي دل عليه المفهوم ليس بنسخ فجار الحكم بما دل عليه الخبر.

وأما ثانياً فلأن قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وأمرأتان تخيير بين إستشهاد رجلين أو رجل وأمرأتين والحكم بالشاهد واليمين زيادة في التخيير وهي ليست نسخاً. ومن قال إن الحكم بالشاهد واليمين نسخ لهذه الآية يلزمه أن يكون الوضوء بالنبيذ نسخاً لقوله تعالى فلم تجدوا ماءاً فتيمموا وقد علم بهذا ان الحكم بقصور شهادة الرجل والمرأة عن نصاب الشهادة شيء توهمه بعض الجمهور من مفهوم الآية أو إختلقوه تعمداً لهدم ماهو الحق في المسئلة مع إن أكثر الجمهور يقول بموافقتنا من تكميل البينة باليمين بل قال شارح الينابيع : إن ثبوت المال بشاهد ويمين مذهب الخلفاء الأربعة فمذهب أبي بكر حجة عليه في قضية فاطمةعليها‌السلام وعلى تقدير وقوع الإختلاف في المسئلة هل يكون وجه لوقوع قرعة رأي ابي بكر على الطرف الذي أوجب تضييع حق أهل البيتعليهم‌السلام وأخذ ضياعهم وعقارهم ، إلا قصد إضرارهم، والإهتمام في فقرهم وافتقارهم، وتفريق مواليهم وانصارهم، كيف لا و« هم الذين يقولون لاتنفقوا عليّ من عند رسول الله حتى ينفضوا ».

وأيضاً يعارض ذلك مارواه البخاري من حديث جابر « ان أبا بكر لما جاءه مال البحرين صبه على نطع وقال: من له على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين من له ص عدة ؟ فقال جابر: وعدني رسول الله بكذا وكذا فحثا له ابو بكر حثوات في حجره فكيف إستجاز إعطاء مال المسلمين من غير بينة ولم يجوز اعطاء حق


فاطمةعليها‌السلام مع البينة مع إنه لم يقل أحد إنه عرف صدق جابر لأنه سمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

وايضاً فقد رووا في صحاحهم كالبخاري « إنه لاينبغي للحاكم ان يحكم بعلمه لموضع التهمة » واي تهمة أوضح مما قررناه من معادات القوم لعلي وفاطمةعليهم‌السلام ويدل عليه تصفح اخبارهم وتتبع آثارهم ثم اقول: حاصل كلام اليعة في هذا المقام إن فدكاً كانت مما أنحله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمةعليها‌السلام وصرفه اليها في ايام حياته ويوم مات أبوها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كا ذلك في يدها وتصرفهاعليها‌السلام ولما تقمص أبو بكر بالخلافة ارسل الى فدك واخرج وكيل فاطمةعليها‌السلام وغصبه منها فنازعته في ذلك ولما طلب منهاعليها‌السلام البينة على النحلة قال له عليعليه‌السلام : حكمت فينا بخلاف ماحكم الله ورسوله في جميع المسلمين فإنك طلبت البينة من فاطمة على شيء هو في يدها وذلك قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله « البينة على المدعي واليمين على من أنكر » وأما شهادة عليعليه‌السلام وأم أيمنرضي‌الله‌عنه ا فإنما وقعت على وجه التبرع وعلى جهة الإستظهار.

وأما ماذكره في العلاوة من « إن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافاً بين العلماء » فاقول فيه: إنه لو سلم الخلاف فهل لإختيار أبي بكر الطرف المخالف لدعوى فاطمةعليها‌السلام سوى ماذكرناه من الضرروالإضرار ؟ على إنا قد بينا عصمة فاطمةعليها‌السلام بالآية والرواية والمدعي إنما إفتقر الى الشهود إذا ارتفع العصمة عنه و [ حيث ] جاز إدعائه باطلاً إستظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم وجحد الحقوق الواجبة عليهم وإذا كانت العصمة مغنية عن الشهادة وجب القطع على قول فاطمةعليها‌السلام وعلى ظلم مانعها وطالب البينة عليها

ويشهد على صحة ماذكرناه إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إستشهد على قوله في بيعه لناقة الإعرابي فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أين علمت ياخزيمة إن هذه الناقة لي ؟ أشهدت إبتياعي لها؟ فقال لا ولكني علمت إنها لك من حيث علمت صدقك وعصمتك فجاز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شهادته بشهادة رجلين وحكم بقوله فلولا إن العصمة دليل الصدق ويغني عن الشهادة لما صوب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شهادة خزيمة على ما لم يره ولم يحضره باستدلاله عليه بدليل صدقه وعصمته وبمثل هذا قال مالك بن انس على مانقل عنه إبن حزم من إنه إذا هلكت الوديعة وادعى من اودعت عنده ردها الى المودع فلا يمين عليه إذا كان ثقة .وإنا وجب قبول قول فاطمةعليها‌السلام بدلائل صدقها وعصمتها واستغنت عن الشهود لها ثبت إن الذي منعها حقها وأوجب عليها الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه وظلم في فعله وآذى الله تعالى ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بإذاء فاطمةعليها‌السلام وقد قال الله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهبناً.

وأما ماذكره من « إن زعمهم إن الحسن واتلحسين شهدا باطل » فمجرد دعوى لايعجز أحد عن الحكم ببطلانها وما ذكره من « إن شهادة الفرع والصغير باطلة » مردود بأنه كيف خفغي على أمير المؤمنينعليه‌السلام باب مدينة العلم إن شهادتهما غير مقبولة للفرعية أو للصغر؟ ولو كان عالماً كيف أقامهما شاهدين على إن عم شهادة الفرع إنما ذهب اليه مستنداً بعمل أبي بكر فلا حجة فيه.

وبعد التي نقول: أين ذهب شرع الإحسان والتكرم …! ولم لم يعامل أبو بكر مع فاطمةعليها‌السلام في فدك ماعامل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع زينب في إلتماسه عن المسلمين في أيام عسرتهم أن يردوا اليها المال العظيم الذي بعثته لفداء زوجها أبي العاص حيث أسر يوم بدر كما فصل إبن أبي الحديد الكلام في ذلك في شرح نهج البلاغة وبالجملة لو إستنزل ابو بكر المسلمين عن فدك واستوهبه عنهم كما إستوهب رسول الله صلى الله


عليه وآله المسلمين عن فداء أبي العاص بأن قال: هذه بنت نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله تطلب هذه النخلات أفتطيبون عنها نفساً ؟ أكانوا منعوها ذلك؟ وحيث لم يتأسوا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في شرع الإحسان والتكرم فلا أقل من أن يستحقوا اللعنة بمعنى البعد عن مرتبة الأبرار.

إن قلت: يتوجه على ماذكره إبن أبي الحديد إنا نمنع إمكان إستيهاب أبي بكر فدكاً من المسلمين على قياس ماأمكن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إستيهاب مابعثته زينب لأجل فداء أبي العاص لأن المال الذي بعثته كان مشتركاً بين جمع محصور من المسلمين وهم غزاة يوم بدر فأمكن الإستيهاب منهم بخلاف فدك فإنه كان صدقة مشتركة بين سائر المسلمين الغير محصورين

قلت: لو سلم كثرة المشاركين في فدك فنقول : من البين إنها على تقدير كونها صدقة لم تكن صدقة واجبة محرمة على أهل البيتعليهم‌السلام بل إنما كانمت الصدقة المستحبة المباحة عليهم أيضاً والصدقة المستحبة مما يجوز للإمام تخصيصها ببعض كما روي من سيرة الثلاثة سيما عثمان من إنه أعطى الحكم بن ابي العاص طريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلث مال افريقيا وقيل ثلاثين الفاً فلو كان ابي بكر في مقام التكرم مع أهل بيت سيد الآنام ، عليه وآله الصلاة والسلام، لخص فدكاً بفاطمةعليها‌السلام ، ولما جوز أيذاءها المستعقب للطعن والملام ، الى يوم القيامة والذي يدل على إستحباب تلك الصدقة إن من جملة تركة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله السيف والدرع والعمامة والبغلة فلو كانت تركة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صدقة واجبة لكان كل ذلك داخلاً في التركة معدوداً من الصدقة الواجبة حراماً على أمير المؤمنين فكيف جاز لهم ترك ذلك عنده ؟ وكيف إستحل امير المؤمنينعليه‌السلام التصرف في ذلك مع علمه بأنه مما حرمه الله عليه ..! وايضاً يدل عليه مارواه هذا الجامد في كتابه هذا من إن العباس رافع علياً الى أبي بكر في مطالبته بالميراث عن


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الدرع والبغلة والسيف والعمامة وزعم إنه عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنه أولى بتركة الرسول ص من إبن العم فحكم ابو بكر بها لعليعليه‌السلام وكذا يدل عليه مامر روايته عن جلال الدين السيوطي الشافعي في تاريخ الخلفاء من إن فدكا كان بعد ذلك حبوة ابي بكر وعمر ثم إقتطعها مروان وإن عمر بن عبدالعزيز قد رد فدكاًالى بني هاشم، وروي : الى أولاد فاطمة انتهى وانت خبير بأن جعل أبي بكر وعمر فدكاً حبوة لأنفسهما دون سائر المسلمين كما رواه السيوطي يدل على إنهما لو أرادا إعطائها لفاطمةعليها‌السلام لما نازعهما أحد من المسلمين ، ولما توجه اليهما حرج في الدنيا والدين لكن غلبتهم العصبية، وملكتهم الحمية الجاهلية، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

وأما مانقلله عن مولانا زين العابدينعليه‌السلام (١) فظاهر إنه إفتراء مع إن إحتمال وقوعه تقية قائم ويدل عليه إنهعليه‌السلام قد سلك

____________________

(١) بما كانت تلك النسختين اللتين عندي من الكتاب الحاضر « الصوارم المهرقة في رد الصواعق المحرقة » ملحونتين مشوشتين كنت في غالب الموارد اصحح متن الصواعق ، المدرج في تضاعيف الصوارم ، عن نسخة الصواعق المطبوعة بمصر سنة ١٣١٢ بمطبعة أحمد البابي الحلبي وجارياً على عادتي هذه ، صححت العبارة المنقولة عن الصواعق في ص ١٤٠ ـ ١٤١ من الكتاب الحاضر لي إن عبارة نسخة الصواعق التي كانت عند القاضيقدس‌سره كانت مغايرة لعبارة النسخة المطبوعة فاجبا ره عن كلام إبن حجر بما يلائم النسخة الملحونة التي كانت عنده ن الصواعق فصار الأمر سبب ظهور عدم التلائم هنا بين كلام إبن حجر وجواب القاضي عنه في موضعين :

الأول في هذه العبارة: « وسيأتي عن الإمام زين العابدين رضي‌الله‌عنهم » ففي نسخة الصواعق المطبوعة ص ٢٢ س ١ ـ ٢ هذه العبارة مكتبوبة به هكذا : وسيأتي عن الإمام ريد بن الحسن بن علي بن الحسين رضي‌الله‌عنهم » وهذه العبارة كانت في نسخة القاضي بناء على ما نقلها في صوارمه مكتوبة هكذا :« وسياتي عن الإمام زين العابدين بن الحسين ع » أعني إنه كانت مكتوبة مكان « زيد بن علي بن الحسين » على ما هو الصواب. هذه الكلمات : « زين العابدين بن الحسين » وهذا وهم كما ستعرف وجواب القاضي ره في النسخة الحاضرة الى آخره مبني على ما كان في نسخته اعني « زين العابدين» مكان « زيد » ونلفت نظر القارئ ايضا الى نكة اخرى وهي ان في عبارة النسخة المطبوعة من الصواعق هنا غلطا فاحشا عبر عن زيد بن علي بن الحسين الإمام المشهور للزيدية المعروف بزيد الشهيد بزيد بن الحسن بن علي بن الحسين اعني انه اقحم بين اسم زيد واسم ابيه علي بن الحسينعليهما‌السلام كلمتي « إبن الحسن » وهذا غلط فاحش واضح ويكشف عن ذلك تعبير إبن حجر بعيد ذلك ( حتى في هذه النسخة المطبوعة ايضاً عن أخي زيد بالباقر بهذه العبارة « وعن أخيه الباقر» ويعني به محمداً الباقر أخا زيد أبني علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام والقاضيقدس‌سره غفل عن ذلك لأنه ره أيضاً نقل هذه العبارة أعني قوله « وعن أخيه الباقر » كما مر حرفاً بحرف.=


في هذا المقال ، مسلك الإبهام والإجمال، حيث قال: « لو كنت مكانه لحكمت بمثل ماحكم به ،ولم يقل لو كنت خليفة أو إماماً كما ذكرهعليه‌السلام بمنزلة أن يقول أحد : لو كنت في مكان الشيطان، وما هو فيه من الطغيان ، لفعلت مثل ما يفعله من الشرور والطغيان، وحينئذ ليس في كلامهعليه‌السلام ما يدل على تصويب حكم ابي بكر، وكذا الكلام فيما رواه عن الباقرعليه‌السلام لأنه وقع السؤال فيه عن ظلم الشيخين ولم يقلذعليه‌السلام في مقام الجواب إنهما « ما ظلمانا » بل قال « ما ظلمنا » والظاهر إنه يكون الضمير المستتر في « ظلمنا » راجعاً الى ما هو الأقرب أعني « منزل الفرقان » وهو حق لاريب فيه؛ هذا إن قرأ لفظ « ظلمنا » بصيغة الماضي المعلوم وإن قرأ بصيغة المجهول فجاز حمل ضمير الجمع فيه على نفسه (ع) ومن معه من أولاده واصحابه ومن البين إن أبا بكر وعمر لم يظلماهعليه‌السلام حقه وإنما ظلما حق جدته وجدهعليهما‌السلام ونظير هذه الرواية ما إشتهر من

____________________

=والثاني من الموضعين المشار اليهما بعبارة « ظلمانا» الواقعة في الحديث المنقول عن الإمام الباقرعليه‌السلام زعم إبن حجر وذلك إنها مكتوبة بالنسخة المطبوعة المشار اليها هكذا « ظلمانا» بصيغة التثنية « إنظر ص ٢٢ س ٦ » والحال إنها كانت في كلتا النسختين اللتين عندي من الصوارم مكتوبة هكذا « ظلمنا» بل الف التثنية فصححناها عن الصواعق لأن سياق الكلام مقتض لكون العبارة « ظلمانا » بصيغة التثنية لا بدون الف التثنية لأن السؤال فيه عن فعل الإثنين لا الواحد « آنظر ص ٢٢ س ٦ من الصواعق وص ١٤١ س ١٤ ـ ١٦ من الصوارم » وبالجملة صححت العبارة عن الصواعق غافلاً عن إن عبارة النسخة التي كانت عند المؤلفقدس‌سره على خلاف ذلك فلما وصلنا الى هذا الموضع وجدنا العبارة هنا كما كانت هناك ملحونة والجواب ايضاً موافقاً للعبارة الملحونة فاتصحت لي حقيقة الحال فوجب إظهار ماوقع من الأمر تبرئة لذمة المؤلف رضوان الله عليه وصونا لكلامه عن نسبة التهافت اليه فإن جوابه مبني على ما كان عليه لفظ الحديث في نسخته فلا يتوجه عليه إعتراض عدم تطابق الجواب مع كلام إبن حجر كما يتراءى من العبارة عصمنا الله من الخطأ والخطل والهفوة والزلل بحق محمد وآل محمدوعليهم‌السلام


إنه سئل رجل من المخالفين عن مولانا جعفر الصادقعليه‌السلام وقال: ياإبن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ماتقول في ابي بكر وعمر ؟ فقالعليه‌السلام هما إمامان عادلان قاسطان كانا على الحق وماتا عليه فرحمة الله عليهما يوم القيامة فلما انصرف الناس قال له رجل من الخواص : يابن رسول الله لقد تعجبت مما قلت في حق أبي بكر وعمر فقالعليه‌السلام نعم هما إمامان أهل النار كما قال تعالى وجعلناهم أئمة يدعون الى النار وأما القاسطان فقد قال تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وأما العادلان فلعدولهما عن الحق كقوله تعالى : والذين كفروا بربهم يعدلون والمراد من الحق الذي كانا مستولين عليه هو أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث آذياه وغصبا حقه عنه والمراد من موتهما على الحق إنمهما ماتا على عداوته (ع) من غير ندماة على ذلك والمراد من رحمة الله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنه كان رحمة للعالمين وسيكون


مغضباً عليهما خصماً لهما منتقما منهما يوم الدين.

وأما ماذكره مما أخرجه الدار قطني فهو أوهن من القطن المنفوش، لجواز إنهعليه‌السلام اراد بقوله « وكان يكره أن يخالفهما » إنه كان يكره ذلك لكراهة من كان هناك من أولياءهما المستصوبين لأعمالهما وقد مر إنهعليه‌السلام لم يكن يقدر على تغيير كثير من بدعهما لأجل ذلك

وأما ماذكره من « إن فاطمةعليها‌السلام إنما طلبت الميراث مع الرواية المذكورة لإحتمال إنها رأت الخبر الواحد لا يخصص القرآن كما قيل به » ففيه إنه لا مساغ لهذا الإحتمال لأنهاعليها‌السلام حكمت ببطلان هذا الحديث عن اصله ونسبته الى الفرية كما مر ولو كان ذلك لأجل ماذكره هذا الشيخ الجاهل لناظرته في ذلك ولم تخاطبه بما ساءه ولم تهجره مدة حياتها الى حين وفاتها ولم توص علياًعليه‌السلام بأن تدفن ليلاً حتى لايصلي عليها أبو بكر فالإشكال باق بحاله تأمله فإنه من أهم المهمات ولو سلم بناء ماقالته فاطمةعليها‌السلام على إنها رأت إن الخبر الواحد لايخصص القرآن فهورأي قوي لايمكن لأبي بكر واولياءه إتمام الكلام في إبطاله ولو عظوا الأرض بالنواجذلأن الخبر الواحد إذا كان مخالفاً لكاب الله تعالى يكون مردوداً بقوله صلعم في الحديث المتفق عليه بين الفريقين « إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه »

إن قيل : لو صح هذا الخبر لما خص الكتاب بالخبر المتواتر ايضاً واللازم باطل

قلنا: المراد بالحديث الواجب عرضه على الكتاب هو مالم يقطع بأنه حديثه صلع كما دل عليه سياق الكلام والمتواتر ليس كذلك كما لايخفى.

٥٥ ـ قال : وتأمل أيضاً إن أبا بكر منع ازواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ثمنهن ايضاً فلم يخص المنع بفاطمة والعباس ولو كان مداره على محاباة لكان أولى من حاباه


ولده فلما لم يحاب عائشة ولم يعطها شيئاً علمنا إنه على الحق المر الذي لايخشى فيه لومة لائم إنتهى

اقول: تأملنا فوجدنا إن تركة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ماعدا فدك على فرض كونها ميراثاً لانحلة لم تكن شيئاً يعتد به ولم يكن يصل منها الى كل من النساء الا ماهو اقل من القليل كما لايخفي على العالم باخباره واحواله صلعم ولما إحتال ابي بكر في أخذ فدك عن فاطمةعليها‌السلام في الحديث المذكور لم يعط بنته عائشة وسائر الأزواج من ثمن ميراث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تحرزاً عن تطرق التناقض في قوله وفعله وبالجملة لم يكن في إيصاله الثمن القليل من تركة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الى عائشة محبة بالنسبة اليها سيما وأمكن له تلافيها عن حبوة فدك بأضعاف ذلك فاحسن تأمله.

٥٦ ـ قال: لايقال:(١) اقر ابو بكر أمهات المؤمنين في حجرهن وكان يتعين صرفها للفقراء كما فعل في فدك وكيف إستجاز هو وعمر أن يدفنا معه صلعم مع قوله تعالى لاتدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ولم دفع لعليعليه‌السلام بغله (ص) وسيفه وهو لاتحل له الصدقة ولم كان ابو بكر وعمر يعطيان عائشة في كل سنة عشرة الآف درهم فهل هذا إلا محاباة ؟ إذ هو فاضل عن نفقتها المترتبة في تركة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من فدك وغيرها لأنا نقول:

الجواب عن الأول إن الحجر ملكهن وإختصاصهن بدليل وقرن في بيوتكن أو يحتمل إنه قسمها بينهن في حياته فلم يجز إخراجهن منها كما لم يخرج فاطمة من حجرتها أو إنه رأى الصلاح في إقرارها بأيديهن كيد فاطمة في حجرتها ولأنهن في حكم المعتدات لبقاء تحريمهن ولهذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ماتركت بعد نفقة نسائي ومؤمنة عيالي فهو صدقة فإستنثاء نفقتهن صريح فيما قلناه

وعن الثاني إنه

____________________

(١) هذه العبارة الى آخرها أعني قوله : « لايقال» الى قوله :« كبقية الصحابة» ليست في النسخة المطبوعة من الصواعق في هذا الموضع والحال إن موضوعها هنا كما ترى فكأنما سقطت سهواً أو أسقطوها عمداً إذ من البعيد جداً أن تذكر في هذا الموضع منه فتأمل حتى تجد سره إنشاء الله تعالى


كان حجرة عائشة ملكها واختصاصها ولم يدفنا فيها إلا بإذنها ولهذا إستأذنها عمر في ذلك ثم اوصى أن تستأذن بعد موته خوفاً إنها لم تأذن أولاً إلا حياء منه وايضاً فالرأي في الحجر كما كان له صلعم في حياته يكون لخليفته بعده فيحتمل إنهما أرادا ذلك لمصلحة رأياها أو إنه أذن لهما في حياته أو أشار اليه كما في قضية بئر أريس ووضع أحجار مسجد قبا وغيرهما وقد اشار اليه أيضاً بكونهما أقرب الناس مكاناً له (ص) واكثر ملازمة وقد أوصى الحسنرضي‌الله‌عنه أن يدفن معهم فمنعه من ذلك مروان وغيره فما أجابوا عنه كان جوابنا

وعن الثالث إنه لم يدفع ذلك لعلي ميراثاِ ولا صدقة لما مر بطريق الوصية منه صلعم على ماورد وعلى فرض عدم الوصية فيحتمل إنه دفعهما اليهعارية أو نحوها ليستعين بهما في الجهاد ولتميزه على غيره بالشجاعة العظمى أوثر بذلك

وعن الرابع إن بر أمهات المؤمنين واجب على كل أحد والإمام بذلك أولى على إنه إنما يتوجه أن لو خصا عائشة وحفصة بذلك بل أعطياه لكل منهن وعلى إن علياًرضي‌الله‌عنه كان يفعله فإن توجه اليهما به عتب توجه اليه وعلى إن علياًرضي‌الله‌عنه لم يكن معتقداً إنه صلعم يورث وإن الشيخين ظلماه ، وإنه لما ولي وصار مخلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأرضين وغيرها بيده لم يغير شيئاً مما فعلاه ولم يقسم لبني العباس ولا لإمهات المؤمنين منها شيئأ ، ولا لإولاده من فاطمة رضي‌الله‌عنها نصيبهم ممن ورثته ، فدل ذلك على دلالة قطعية على إن إعتقاده موافق لإعتقادهما كبقية الصحبة.

أقول: جميع ماذكره في الجواب ، خارج عن الصواب ،

أما ماذكره في الجواب عن الأول فلأنا نقول كيف لم يقل إحتمال ملكية فدك في حق فاطمةعليها‌السلام عند إدعائها للنحلة كما سبق وقام هاهنا على وجه لم يقع حاجة الى الفحص عنه اصلاً ؟ مع إن احتمال ملكية الأزواج لبيوتهن مما أبطله إنشاد إبن عباسرضي‌الله‌عنه على عائشة حين


مجيئها راكبة على بغلة لمنع أن يطاف بجنازة الحسنعليه‌السلام في حجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

تجملت، تبغلت، وأنعشت، تفيلت لك التسع، من الثمن ، وللكلل، تملكت(١)

وأما ماذكره في قوله من إحتمال الإختصاص ، فليس فيه رجاء الخلاص لأنه إن اراد به الإختصاص التملكي فهو الإحتمال الإول وإن اراد به الإختصاص الإرتباطي بالسكني فيه ونحوها فلا يفيد. وقوله تعالى وقرن في بيوتكن لا يدل على الإختصاص التملكي والإلزام إن كل من قال لزوجاته مثلاً: قرن في بيوتكن. أن يكون ذلك صيغة تمليك لهن ولم يقل به احد بل ذهب بعض الفقهاء الى إن الزوجة لا ترث من بيت الزوج لأدلة مذكورة في كتب الفقه

وكذا ماذكره من إحتمال التقسيم سقيم لأنه إن اراد به ما هو على وجه التمليك فيرجع الى الإحتمال الأول ايضاً وإن اراد به مالم يكن على ذلك الوجه فلا يفيد اصلاً.

واما ماذكره من « أنهن في حكم المعتدات لبقاء تحريمهن » ففيه ان بقاء المعتدات في بيوت الازواج أنما يجب في عدة الطلاق الرجعي

____________________

(١) في المناقب لإبن شهر آشوب ص ١٧٥ج ٢ من النسخة المطبوعة في ايران سنة ١٣١٧عند ذكر وفاة الحسعليه‌السلام « قال إبن عباس فاقبلت عائشة في اربعين راكباً على بغل مرحل وهي تقول: مالي ولكم ؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لاأهوى ولا أحب فقال إبن عباس بعد كلام « وبغلت ولو عشت لفيلت »

الصقر البصـــــــري ويوم الحسن الهادي على بغلك أسرعت * ومايست ومانعت وخاصمت وقاتلت

وفي بيت رسول الله بالظلم تحكمت*هل الزوجة أولى بالمواريث من البنت

لك التسع، من الثمن، فبالكل،تحكمت* تجملت،تبغلت،ولوعشت، تفيلت


دون عدة الوفاة اؤ نحوها فإن المعتدة الغير الرجعية لا تستحق عندنا وعند فقهاء أهل السنة سكنى ولا نفقة وأيضاً لانسلم إنما في حكم الشيء حكمه حكم ذلك الشيء بل الحكم بذلك تحكم على إن أكثر علماؤنا ذهبوا الى إن الزوجة إذا لم يكن لها ولد من الزوج المتوفي لا ترث عن رقبة الأرض شيئاً ويعطى حصتها من قيمة الالات والأبنية والشجر وذهب بعضهم الى إنها انما تمنع من الدور والمساكن وقيل ترث من قيمة الأرض لا من العين وعلى التقارير الثلاثة يدخل بيت المتوفي من حين موته في ملك من عدى تلك الزوجه من الوارث فاعتدادها فيها يكون غير جائز عندنا بدون إذن الوارث

وأما ماإستدل على كونهن في حكم المعتدات بقوله صلعم «ما تركت بعد نفقة نسائي الى آخره » ففيه إن النفقة والمؤنة لاتشمل البيت كما لايخفى فلا دلالة له على مدعاه اصلاً.

وأما ماأجاب به عن الثاني من « إنه كان حجرة عائشة ملكها وأختصاصها ولم يدفنا فيها إلا بإذنها الى آخره » فمدفوع بما مر من عدم ثبوت الملكية وعدم جدوى الإختصاص ، فإذنها لايجدي لها ولا لهما الخلاص.

ومما يناسب هذا المقام ما حكاه بعض مشايخنا من إن فضال بن حسين الكوفي من اصحابنا مر بأبي حنيفة وهو في جمع كثير يملي عليهم شيئاً من فقهه وحديثه فقال لصاحب كان معه والله لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة وقال صاحبه أن أبا حنيفة قد علمت حاله وظهرت حجته قال مه، هل رأيت حجة علت على مؤمن؟ ثم دنا منه فسلم عليه فرد القوم السلام بأجمعهم فقال : يا أبا حنيفة رحمك الله إن لي أخاً يقول إن خير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي بن أبي طالب وأنا أقول إن أبا بكر خيرالناس وبعده عمر فما تقول أنت رحمك الله ؟ فاطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال كفى بمكانهما من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كرماً وفخراً أما علمت إنهما ضجيعاه في قبره ؟ فأي حجة لك أوضح من هذه ؟ فقال: له فضال إني قد قلت ذلك لأخي قال والله


لئن كان الموضع لرسول الله صلعم دونهما ظلماً بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق ، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد أساءا وما أحسنا إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما ‎ ، فاطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال لم يكن له ولا لهما خاصة ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما فقال فضال قد قلت له ذلك فقال أنت تعلم أن النبي صلعم مات عن تسع حشايا ونظرنا فإذا لكل واحدة تسع الثمن ثم نظرنا في تسع الثمن فاذا هو شبر في شبر فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفاطمة بنته تمنع التراث؟ فقال ابو حنيفة ياقوم نحوه عني فوالله إنه رافضي خبيث انتهى.

وإنما نقلناها ليظهر للناظر إنه لعدم اصل صحيح له في ذلك يهتدون به الى الحق لم تزل تدق رؤوسهم على الجدار فيجيبون عما يرد عليهم فيه على وجه الرمي في الضلام للأجوبة المتناقضة الواهية.

وأما ماذكره فيه بقوله « وأيضاً فالرأي بالحجر كما كان له صلعم في حياته يكون لخليفته بعده » فمردود بأن خلافته لم تثبت فانتفى الإعتبار برأيه سيما الرأي المردود بينما ذكره من الإحتمالات السخيفة الباردة وإنا لله وإنا اليه راجعون إذا صارت الشرائع تشرع بمثل هذا الرأي.

وأما مازعمه من النقض بوصية الحسنعليه‌السلام أن يدفن معهم فجوابنا عنه ظاهر لأنهعليه‌السلام ما أوصى إلا بطوف جنازته حول قبر النبي صلعم تجديداً للعهد به فزعمت عائشة عند حمل جنازته (ع) الى الروضة المتبركة النبوية ، على مشرفها الصلاة والسلام التحية ، إنهم يريدون دفنه عنده(ص) فركبت على البغلة مع مروان وجماعة من أتباعه للمدافعة حتى جرى بينهما وبين إبن العباسرضي‌الله‌عنه ما نقلناه سابقاً وآل الأمر أن رموا جنازة الحسنعليه‌السلام بالسهام ، وصل بعص النصال الى بدنه الشريفعليه‌السلام ،

ومما ينبغي التنبيه عليه إن المراد


من لفظ غيره في قوله « فمنعه من ذلك مروان وغيره » عائشة فاضمرها وجعلها تبعاً ومروان اصلاً حفظاً لحال عائشة بالإصلاح الكاذب فتدبر.

وأما ما أجاب به على الثالث بأنه « لم يدفع ذلك لعليعليه‌السلام ميراثاً ولا صدقة لما مر بل بطريق الوصية منه ص » فمدفوع بأن المروي أن النزاع بينهما إنما كان على وجه طلب الميراث فإنه لو كان هناك وصية لما إتحه النزاع بينهما إنما كان على وجه طلب الميراث فإنه لو كان هناك وصية لما إتحجه النزاع منهما بخلاف الإرث فإنه لما كان في اولوية العممن الأب فقط كالعباس من إبن العم من الأب والأم معاً كعلي عليه السسلام خلاف إتجه نزاع علي والعباس ظاهراً والرجوع الى أبي بكر إيقاعهما لأبي بكر في ورطة حكمه مايناقض حكمهسابقاً لأن الأنبياء لايورثون حيث حكم هاهنا بأولوية علي من العباس لما ذكر في فقه الفرائض من أن المتقرب بالسببين أولى من المتقرب بسبب واحد وما يقال : إن أولوية علي عليه اسلام بالسيف والدرع والبغلة إنما كان لكونه أشجع واقوى نصرة لدين الإسلام بها إنما يتم بالسيف والدرع دون البغلة ولو سلم فلا أقل من أن يصلح العباس للدراعة التي كانت من جملة المتنازع فيها ايضاً ثم من أين سمع أبو بكر وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها ولم يسمعه عليعليه‌السلام والعباسرضي‌الله‌عنه وهل هذا الا ترويج المتدعي بالظن والتخمين ؟

وأما إحتمال العارية فهو عار عن المعقول ؛ وما ذكره في توجيهه ليس بوجيه

وأما قوله « ولتيميزه بالشجاعة العظمى؛ الى آخره » فهو مناف لما تكلفه سابقاً من إثبات أشجعية أبي بكر فتذكر.

وأما ما أجاب بع عن الرابع من « إن بر أمهات المؤمنين واجب » فلا بر فيه ومن العجب إن بر أمهات المؤمنين واجب وبر فاطمة البتول ، وفلذة كبد الرسول، في قضية فدك لم يكن واجباً …! وهل هذا القول مع ذلك الفعل إلا عناد وبغض لسيد الأبرار وآله الطاهرين الأخيار.! وأما ماذكره في العلاوة الأولى من « إنه لم يخص عائشة وحفضة بذلك ؛ الى آخره » ففيه إنه وإن لم يخصهما في أصل العطية لكن خصهما بالزيادة وإنما


أعطي غيرهما قليلا تقليلاً لملامة الناس إياه.

وأما ماذكره في العلاوة الثانية من « أن علياً (ع) كان يفعله الى آخره» ففيه مامر من إن الخلافة ماوصلت اليهعليه‌السلام إلا بالأسم دون المعنى ؛ وقد كانعليه‌السلام معارضاً منازعاً منغصاً طول أيام ولايته وكيف يأمن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه وجعل من بايعه وجمهورهم شيعة أعدائه ومن يرى أنهم مضوا على أعدل الأمور وأفضلها وإن غاية أمر من بعدهم أن يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم وما العجب من ترك أمير المؤمنينعليه‌السلام ماترك من إظهاره بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه فيها وإنما العجب من إظهاره شيئاً من ذلك مع ما كان عليه من إشراف الفتنة وخوف الفرقة وقد كانعليه‌السلام يجهر في كل مكان لقومه بما عليه من فقد التمكن وتقاعد الأنصار وتخاذل الأعوان بما إن ذكر لطال به الكلام وهوعليه‌السلام القائل وقد إستأذنه قضاته فقالوا : بماذا نقضي يا أمير المؤمنين ؟ فقالعليه‌السلام لهم : إقضوا بما كنتم تقضون حتى تكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي يعنيعليه‌السلام من تقدم موته من أصحابه والمخلصين من شيعته الذين قبضهم الله تعالى وهو على أحوال التقية والتمسك باطناً بما أوجب الله تعالى عليهم التمسك به وهذا واضح فيما قصدناه.

وأمام ماذكره في العلاوة الثالثة من « إن علياًرضي‌الله‌عنه لم يكن معتقداً إنه يورث وإن الشيخين ظلماه » فيعارضه مرافعتهعليه‌السلام مع العباس الى أبي بكر في طلب ميراث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما رواه هذا الشيخ الناسي في كتابه هذا ومارواه مسلم في صحيحه من إنه « قال عمر للعباس وعلي : فلما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال أبو بكر : أنا ولي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجئتما أنت تطلب ميراثك من إبن أخيك: ويطلب هذا ميراث إمرأته من أبيها ، فقال : أبو بكر قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم


إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر فقلت أنا ولي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولى أبي بكر فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً والله يعلم إني لصادق بار تابع للحق فوليتهما ، ثم جئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما إدفعها الينا الى آخره » وهو صريح في إعتراف عمر بإعتقادهما بإرث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعدم إعتقادهما بخلافة عمر بل بخلافة أبي بكر أيضاً لتوقفها عليها ثم في هذا الحديث من سوء الأدب بالنسبة الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والعباس ما لايخفى على المتأمل وقد أوضحناه في شرحنا على كتاب نهج الحق(١) فإرجع اليه ، وفيه أيضاً شهادة عليعليه‌السلام والعباس في أبي بكر وعمر بالكذب والأثم والغدر والخيانة وإستمرار قولهما الى خلافة عمر وعدم تغييرهما عن شهادتهما وقلوهما ، والناصبة يكذبون جميع ذلك ويقولون إنهما رضيا بخلافة أبي بكر وعمر وإن كل مايذكر عنهم من الخلاف والشقاق فإنه من تشنيعات الشيعة وأعجب ما في ذلك هذا قول الترمذي وقوله إن علياً والعباس كان يطلبان القسمة لأنهما يعلمان إن فدكاً والعوالي صدقة ونسى قول عمر للعباس تطلب ميراثك من إبن أخيك ويطلب هذا ميثراثه من إمرأته فتدبر.

وأما ماذكره من « إنهعليه‌السلام لم يغير شيئاً مما فعلاه ؛ الى آخره » فقد مر الوجه فيه قبيل ذلك من أعماله للتقية فيه وقد قال أصحابنا في وجه تركهعليه‌السلام فدكاً لما ولى الناس وجوهاً منها رعاية التقية لما مر من إنهعليه‌السلام لما رأى إعتقاد الجمهور بحسن سيرة الشيخين وإنهما كانا على الحق لم يتمكن من الإقدام على مايدل على فساد إمامتهما لما في ذلك من الشهادة بالظلم والجور منهما ، وإنهما كانا غير مستحقين لمقامهما ؛ وكيف يتمكن من نقض أحكامهم وتغيير سننهم وإظهار خلافهم على الجماعة التي يظنون إنهم كانوا مصيبين في جميع مافعلوه وتركوه وإن إمامته مبنية على إمامتهم فإن فسدت فسدت إمامتهم وقد روى إنه

____________________

(١) يريد به كتابه المعروف الموسوم بإحقاق الحق في نقض إبطال الباطل إذ هو إسم شرحه لنهج الحق للعلامه ره


عليه‌السلام نهاهم عن الجماعة في صلاة التراويح التي ابدعها عمر فأمتنعوا ورفعوا أصواتهم قائلين « واعمراه واعمراه » حتى تركهم في خوضهم يلعبون ومنها مارواه شيخنا الأجل ابن بابويه رضوان الله عليه في اوائل كتاب العلل مرفوعاً الى الصادقعليه‌السلام قال سألته لأي علة ترك عليعليه‌السلام فدكاً لما ولى الناس ؟ قال للإقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما فتح مكة وقد باع عقيل بن أبي طالب داره فقيل له : يارسول الله الا ترجع الى دارك ؟ فقال هل ترك عقيل لنا داراً ..! إنا أهل البيت لا نسترجع شيئاً أخذ منا ظلماً فكذلك لم يسترجع فدكاً لما ولى ومنها ما رواه بإسناده الى موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال سألته لم لم يسترجع امير المؤمنينعليه‌السلام فدكاً لما ولى الناس ؟ فقال لإنا اهل بيت لا يأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا الله تعالى ، ونحن اولياء المؤمنين نحكم لهم ونأخذ حقوقهم ممن ظلمهم فدل ما ذكرناه دلالة قطعية على ما يرغم انف هذا الشيح الجاهل وأنوف أصحابه والحمد لله سبحانه.

٥٧ - قال : تنبيه : لا يعارض قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « نحن معاشر الانبياء لا نورث » قوله تعالى« وورث سليمان داود » لأن المراد ليس وراثه المال بل النبوة والملك ونحوهما بديل إختصاص سليمان بالارث مع أن له تسعة عشر أخاً فلو كان المراد المال لم يختص به سليمان وسياق « علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء » قاض بما ذكرناه ، ووراثة العلم قد وقعت في آيات منها قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب وقوله تعالى فهب لي من لدنك ولياً يرثني لأن المراد فيها ذلك أيضاً بدليل فإني خفت الموالي من ورائي أي أن يضيعوا العلم والدين وبدليل « من آل يعقوب » وهم أولاد الأنبياء على أن زكريا لم يحك أحد إنه كان له مال حتى يطلب ولداً يرثه ولو سلم فمقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأبى طلب ذلك إذ القصد


بالولد إحياء ذكر الأب والدعاء وكثير سواد الأمة فمن طلبه لغير ذلك كان ملوماً مذمواً سيّما إن قصد به حرما عصبته من إرثه لو لم يوجد له ولد إنتهى.

أقول :

ماذكره من قبيل التنبه ممن لا يتنبه

أما أولاً فلأن الأرث حقيقة في إرث المال لغة وشرعاً فإطلاقه على غيره يكون مجازاً لا يصار اليه إلا بدليل ، وما ذكره هذا الشيخ الجامد من الدليل عليل ، إذ لو أراد بإختصاص سليمان بالإرث الإختصاص الذكرى ، فهو لا ينفي أرث غيره من إخوته وإن اراد به الإختصاص الحصري ، فالآية خالية عنه وأبعد من ذلك دعواه دلالة سياق « علمنا وأوتينا » على ذلك

وأما ماذكره من الآيات التي زعم دلالتها على وراثة العلم فمدفوع إجمالاً

بما ذكرناه من إن إستعمال الوراثة في العلم مجاز بدليل إن الأرث إنتقال أمر من محل الى آخر وقد إستدل أهل السنة على بطلان قول النصارى بإنتقال العلم والحياة الى عيسىعليه‌السلام بأن المستقبل بالإنتقال لايكون إلا الذات دون الإعراض والصفات صرح بذلك الفاضل التفتازاني في شرح العقائد وغيره في غيره

وأيضاً لو كان العلم والنبوة مما يورث لم يكن على وجه الأرض إلا الأنبياء والعلماء إذ الميراث لا يجوز أن يكون لواحد من الورثة دون الآخر فأول خلق الله كان نبياً هو آدمعليه‌السلام فلو ورث ولده نبوته وعلمه لوجب أن يكون جميع ولد آدم أنبياء وعلماء وكذلك أولاد أولاده الى يوم القيامة ويلزم أيضاً قائل هذا إن يحكم بأن ورثة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قد ورثوا نبوته فهم الأنبياء فلا يجوز تقديم أبي بكر عليهم وإن صححنا خلافته كما ذكروه في إنكار تجويز تقدم المهدي على عيسىعليهم‌السلام والعجب من الناصبة إنهم لايثبتون على طريقة واحدة لأنهم إذا قال لهم الإمامية ينبغى أن تكون


الخلافة لعليعليه‌السلام لئلا يخرج سلطان محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من داره وقعر بيته قالوا هذه سنة هرقلية لا تجتمع النبوة والإمامة في بيت واحد وهاهنا يثبتون مذهبهم الهرقلي ويقولون إن النبي يتولد منه النبي ويرث منه النبوة

وأما تفصيلاً فلأنه إن أريد بالكتاب في الآية الأولى الكاغذ مع مافيه من النقوش وما يشتمل عليه من الجلد فهو مال يورث حقيقة وإن أراد به الألفاظ والمعاني فهي أعراض لا تنتقل كما مر فلا يورث.

وأما الآية الثانيه فلأنه لامجال لحمل الآية على إرث النبوة لأن الموالى في قول زكرياعليه‌السلام في خفت الموالي من ورائي هم الذين يرثون المال بالضرورة ولا يورثون النبوة بالإجتماع ولأن الموالي التي يخافوا منهم ماكانوا صالحين للنبوة لأنهم كانوا أشرارا فلا يجعلهم الله أنبياء فالمراد بقوله خفت الموالي ؛ الى آخره خفت تضييع الموالي مالي وإنفاقهم إياه في معصية الله عز وجل ولأنهم لو كانوا قائلين بها لما كان معنى للخوف من وصول إرث النبوة إليهم وطلب غيرهم لأن نبي الله عالم بأن الله تعالى لا يعطي النبوة إلا لمن يكون أهلاً لها

وما ذكره هذا الشيخ الجاهل « إن معنى : خفت الموالي من ورائي إني خفت أن يضيعوا العلم والدين » فلا معنى له لأنه يمكن تضييع الموالي لعلم زكريا ودينه مع وجود الوارث المرضي كما ضيع الفرقة الهالكة من أمة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله علمه ودينه ، ونبذوا الكتاب وأهملوا عليه قرينه ، وبالجملة لا إختصاص للعلم والدين بالولد الوارث كما يقتضي سياق الآية طلب زكرياعليه‌السلام له بل هو يشتمل جميع أمتهعليه‌السلام فيمكن لغير الولد المرضي تضييع ذلك وكذا حفظ العلم والدين لا يخص الولد بل ربما يحصل ذلك لغيره من المرضيين فلو أراد زكرياعليه‌السلام طلب من يحفظ العلم والدين عن التحريف ونحوه لقال : إبعث من يحفظ ديني فإني خفت


الموالي ( الآية ) بخلاف المال فأنه يخص أرثه بالولد عند وجوده دون الموالي من بني العم فإذا وصل الى الولد المرضي حصل الأمن من فساد الموالي السوء له

وأما ما ذكره من « أنه لم يحك أحد أنه كان لزكريا مال حتى يطلب ولداً يرثه » ففيه أن من حمل الأرث على حقيقة من أرث المال حكي ذلك مع أن عدم الحكاية لايقتضي حكاية العدم فأفهم

وأما ما ذكره من « أن مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأبي طلب ذلك ؛ الى آخره » فيرد عليه إنا قد ذكرنا أن الموالي كانوا مفسدين اشراراً خافعليه‌السلام صرفهم لماله في معصية الله عز وجل فليس في طلب الوارث المرضي لدفع هذه المفسدة ما ذكره هذا الشيخ المفسد من مفسدة قصد حرمان العصبة ولاغيرها فهو في حكمه بأن من طلب الولد لغير ذلك كان ملوماً مذموماً ملوم مذموم مدحور ، على مر الدهور.


٥٨ - قال : الثامنة زعموا أنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نص على الخلافة لعلي اجمالا قالوا : لأنا نعلم قطعاً وجود نص جلي وأن لم يبلغنا لأن عادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته قاضية بإستخلاف علي على المدينة عند غيبته عنها حتى لا يتركهم فوضى أي متساوين لا رئيس لهم فإذا لم يخل بذلك في حياته فبعد وفاته أولى وجوابها مر مبسوطاً في الفصل الرابع بإدلته ومنه إنما ترك ذلك لعلمه بأن الصحابة يقومون به ويبادرون اليه لعصمته عن الخطأ اللازم لتركهم له ومن ثم لم ينص على كثير من الأحكام بل وكلها الى آراء مجتهدين على إنا نقول : إنتفاء النص الجلي معلوم قطعاً وإلا لم يمكن ستره عادة إذ هو مما تتوفر الدواعي على نقله.

وأيضاً لو وجد نص لعلي لمنع به غيره كما منع أبو بكر مع إنه أضعف من عليرضي‌الله‌عنه عندهم الأنصار بخبر« الأئمة من قريش » فأطاعوه مع كونه خبر واحد وتركوا الإمامة وإدعائها لأجله فكيف حينئذ يتصور وجود نص جلي يقيني لعلي وهو بين قوم لا يعصون خبر الواحد في أمر الإمامة وهم من الصلابة في الدين بالمحل الأعلى


بشهادة بذلهم الأنفس والأموال ، ومهاجرتهم الأهل والوطن ، وقتلهم الأولاد والآباء في نصرة الدين ، ثم لا يحتج علي عليهم بذلك النص الجلي بل ولا قال أحد منهم عند طول النزاع في أمر الإمامة ما لكم تتنازعون فيها والنص الجلي قد عين فلاناً لها ؟

فإن زعم زاعم إن علياً قال لهم ذلك فلم يطيعوه كان جاهلاً ضالاً مفترياً منكراً للضروريات فلا يلتفت اليه

وأما الخبر الآتي من فضائل عليرضي‌الله‌عنه إنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أنشد الله من شهد يوم غدير خم ألا قام ولايقوم رجل يقول نبئت أو بلغني ألا رجل سمعت أذناه ووعاه قلبه فقام سبعة عشر صحابياً وفي رواية ثلاثون فقال :هاتوا ماسمعتم فذكروا الحديث الآتي ومن جملته « من كنت مولاه فعلي مولاه » فقال صدقتم أنا على ذلك من الشاهدين فإنما قال ذلك علي بعد أن آلت اليه الخلافة لقول أبي الطفيل راويه كما ثبت عند أحمد والبزار جمع علي الناس بالرحبة يعني بالعراق ثم قال لهم : أنشد الله من شهد يوم غدير خم الى آخره ما مر فأراد به حثهم على التمسك به والنصرة اليه حينئذ إنتهى.

أقول : لا يخفى أن الشيعة صرحوا بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نص على خلافة علي بن أبي طالبعليه‌السلام نصاً جلياً مفصلاً خالياً عن الإبهام والإجمال وإنما ذكروا هذا التقرير الإجمالي بطرق الفرض تدرجاً بذلك الى إثبات النص التفصيلي آخراً على الخصم فإن النص الإجمالي مما لا يبادر الخصم الى إنكاره من أول الأمر لإدعاء بعضهم النص الخفي على خلافة أبي بكر فقد تسامحوا في أول الأمر الى أن يتبين جلية الحال ويثبت وجود النص التفصيلي في المآل كما قال شاعرنا :

صد پايه پست كرده ام أهنك قول خويش

تابوكه اين سخن بمذاق تو در شود

وأمثال ذلك في كلام الحكماء كثيرة كما ذكره العلامة الدواني في حواشيه القديمة عن التجريد.

وأما ماذكره من سبق جوابه عن ذلك مبسوطاً فقد عرفت رده منا


مفصلاً مشروحاً.

وأما ماذكره في الجواب بقوله « ومنه إنه إنما ترك ذلك لعلمه بأن الصحابة يقومون به الى آخره » ففيه إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد بين كثيراً من الأمور التي هي دون أمر الإمامة بمراتب بل لانسبة بينها وبينه مع علمه بأن اصحابه بل كل من يقوم بالمعروف يقوم به فظهر إنما ذكره لايصلح وجهاً للترك أصلاً وبالجملة لايداني شيء من الأحكام الفرعية عظم أمر الإمامة الي هي رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد صرح القاضي البيضاوي في بحث الأخبار من منهاج الأصول لأنها من أعظم أصول الدين وهو عندنا كذلك فلا وجه لقياس تركه على ترك بعض الأحكام الفرعية.

وأما قوله « لو وجد نص لعلي لمنع به غيره » ففيه مامر مراراً من إنهعليه‌السلام منع به بعد فراغه عن دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لكن لم ينفع بعد خراب البصرة بسبق بيعة قريش على أبي بكر وإتفاقهم في ذلك الغدر والمكر.

وأما ماذكره من منع أبي بكر الأنصار بخبر « الأئمة من قريش » فإنما أتفق لما أوقعوا في أوهامهم من إن الفرد الكامل المنصوص عليه بالخلافة من قريش قد تقاعد عنها وقعد في قعر بيته حزناً على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو لغيره من الأغراض.

وأما ماذكره من « إنه لم يقل أحد منهم عند طول النزاع في أمر الإمامة مالكم تنازعون فيها والنص الجلي قد عين فلاناً لها ؟» فمردود بأن قريشاً كتموا ذلك حسداً وعداوة لعليعليه‌السلام وأما الأنصار فللتوهم المذكور ؛ ثم إن أراد بطول النزاع طول النزاع يوم وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والبيعة على أبي بكر فيه فلتة فلا طول فيه وإن أراد طول النزاع المطوي في قلوب أهل البيت بعد تقرر البيعة على أبي بكر فقد مر إن علياًعليه‌السلام وجماعة من الصحابة نازعوا ذلك ولم ينجح لسوء إتفاق معاندي قريش على أبي بكر فقالوا « لا عطر بعد عروس » وبالجملة الحديث الآتي الذي ذكره هذا الغافل صريح في تحقيق النزاع فضلاً عن


غيره مما شاع وذاع فظهر فساد تفريعه على ماقرره من الجهالات والتمويهات بقوله : « فإن زعم زاعم » الى آخره.

وأما ماذكره في تأويل الخبر الآتي الصريح في دعوى عليعليه‌السلام نصبه للخلافة يوم الغدير من « إنه إنما قال ذلك بعد أن آلت اليه الخلافة فأراد به حثهم على التمسك به والنصرة له حينئذ » فمردود بأنه على تقدير كون ذلك النص موجوداً يثبت به خلافة عليعليه‌السلام ويقوم حجة على الخصم سواء إحتج به على أبي بكر عند غصبه للخلافة أو سكت عنه تقية الى أن آلت اليه الخلافة وإرادتهعليه‌السلام من ذكر ذلك حديث على المجتمعين عليه في أيام خلافته حثهم على التمسك به والنصرة له لا يقدح في كونه نصاً على خلافته وهو ظاهر.

٥٩ ـ قال : التاسعة زعموا وجود نص على الخلافة لعلي تفصيلاً وهو قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وهي تعم الخلافة وعلى من أولي الأرحام دون أبي بكر وجوابها منع عموم الآية بل هي مطلقة فلا تكون نصاً في الخلافة وفرق ظاهر بين المطلق والعام إذ زعموا الأول بدلي والثاني شمولي إنتهى.

قال : لو سلم عدم عموم أولي الأرحام بحسب الصيغة فهو عام بحسب المدلول بقرينة السياق والسباق ودلالة قوله « بعضهم » فكأنه تعالى قال : وجميع أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض لظهور ركاكة أن يقال بعض أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض وأيضاً قد إنعقد الإجتماع على عدم تخصيص الأولوية ببعض دون بعض وأيضاً لو لم يكن المراد به العموم لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ لم يتبين إن ذلك البعض الذي هو أولى بالبعض من ذوى الأرحام بدلاً أي بعض كان ؟ نعم لقائل أن يقول في باديء النظر إن العباسرضي‌الله‌عنه كان أقرب الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عليعليه‌السلام ويجاب أولاً بأن الله سبحانه لم يذكر الأقرب الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دون أن علقه بوصف فقال : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا


الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين فشرط الأولى بالنبي الإيمان والمهاجرة ولم يكن العباس من المهاجرين بالإتفاق.

وثانياً إن أمير المؤمنينعليه‌السلام كان أقرب الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأولى بمقامه إن ثبت إن المقام موروث وذلك إن علياًعليه‌السلام كان إبن عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبيه وأمه والعباس عمه لأبيه خاصة ومن تقرب بسببين كان أقرب ممن تقرب بسبب واحد كما ذكر في فقه الفرائض ولهذا حكم أبو بكر في الدرع والسيف والبغلة وغيرها من ميراث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام دون العباس كما نقله هذا الشيخ الجامد سابقاً فتدبر.

٦٠ ـ قال : العاشرة زعموا إن من النص التفصيلي المصرح بخلافة علي قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ؛ الآية قالوا والولي أما الأحق والأولى بالتصرف كولي الصبي وأما المحب والناصر وليس له في اللغة معنى ثالث والناصر غير مراد لعموم النصرة لكل المؤمنين بنص قوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض فلم يصح الحصر بأنما في المؤمنين الموصوفين بما في الآية فتعين إنه في الآية المتصرف وهو الإمام وقد أجمع أهل التفسير على أن المراد بالذين يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون إذ علي سبب نزولها إنه سئل وهو راكع فاعطى خاتمه وأجمعوا إن غيره كأبي بكر غير مراد فتعين إنه المراد في الآية فكانت نصاً في إمامته وجوابها منع جميع ماقالوه إذ هو حزر وتخمين من غير إقامة دليل يدل له بل الولي فيها بمعنى الناصر ويلزم على مازعموه إن علياً أولى بالتصرف حال حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا سبهة في بطلانه وزعمهم الإجماع على إرادة على دون أبي بكر كذب قبيح لأن أبا بكر داخل في جملة الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة الى آخره لتكرر صيغة


الجمع فيه فكيف يحمل على الواحد ونزولها في حق عليعليه‌السلام لا ينافي شمولها لغيره ممن يجوز إشتراكه معه في تلك الصيغة وكذلك زعمهم الإجماع على نزولها في عليعليه‌السلام باطل أيضاً لقد قال الحسن وناهيك به جلالة وإمامة إنها عامة في سائر المؤمنين ويوافقه إن الباقر عمن نزلت فيه هذه الآية أهو علي ؟ فقال علي من المؤمنين ولبعض المفسرين إن قوله تعالى إن الذين آمنوا إبن سلام وأصحابه ولبعض آخر منهم قوله إنه عبادة لما تبرأ من خلفائه من اليهود وقال عكرمة وناهيك به حفظاً لعلوم مولاه ترجمان القرآن عبدالله بن عباسرضي‌الله‌عنهما إنها نزلت في أبي بكر فبطل مازعموه وأيضاً فحمل الولي على مازعموه لا يناسب ماقبلها وهو « لاتتخذ اليهود؛ الى آخره » إذ الولي فيها بمعنى الناصر جزماً ولا مابعدها وهو « ومن يتولى الله ورسوله ؛ الى آخره » إذ التولي هنا بمعنىالنصرة فوجب حمل مابينهما عليها أيضاً لتتلائم أجزاء الكلام.

أقول : جميع منوعه مكابرات مردودة والدلائل على ثبوت مقدما إستدلالنا بالآية الكريمة موجودة

أما الدليل على أن المراد بالولي الأولى بالتصرف دون المعاني الأخر فلأن حصر الولاية بالمؤمنين الموصوفين في الآية في إيتاء الزكاة حال الركوع يدل على عدم إرادة النصرة ونحوها والألزم بمقتضى الحصر أن يكون من شرط المؤمن مطلقاً إيتاء الزكاة حال الركوع وفساده ظاهر والحاصل إنه إن أريد بالولي الناصر وبالذين آمنوا جماعة من المؤمنين الذين يمكن إتصافهم بالنصرة فيستقيم الحصر حينئذ لكن لايستقيم الوصف بإيتاء الزكاة حال الركوع وإن أريد به الناصر وبالذين آمنوا عليعليه‌السلام يبطل الحصر وإن أريد به الأولى بتصرف وبهم عليعليه‌السلام يستقيم الحصر والوصف معا لأن كون إيتاء الزكاة حال الركوع


من شأن الإمام الإولى بالتصرف في أحكام المؤمنين غير مستبعد بل روي إنه قد وقعت هذه الكرامة عن باقي الأئمة المعصومينعليهم‌السلام وأيضا العطف دال على تشريك الله تعالى ورسوله ووليه في إختصاص النصرة بهم والإخفاء في إن نصرة الله ورسوله للمؤمنين مشتملة على التصرف فى أمورهم على ماينبغى فكذلك نصرة من أريد بالذين آمنوا غاية الأمر إن التصرف فى أمورهم مفهوم مشكك يختلف بالأوليه والأولوية والأشدية بل حقق إن جميع المعانى العشرة التي ذكروها للولي مرجعها الى الإولى بالتصرف كما سنبينه فيما سيورده من حديث الغدير فما نسبه الى الشيعة في تقرير كلامه من إنهم قالوا ليس له معنى ثالث مرية بلأمرية.

وأما ماأورده من « إنه يلزم على مازعموه إن علياً أولى بالتصرف في حال حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى آخره » فمردود بأنا نلتزمه ولا نسلم بطلانه لأنه لامانع عن ثبوت الولاية لهعليه‌السلام في الحال بل الظاهر إن المراد إثباتها على سبيل الدوام بدلالة إسمية الجملة وكون الولي صفة مشبهة وهما دالتان على الدوام والثبات ويؤيد ذلك إستخلاف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنينعليه‌السلام على المدينة غزوة في تبوك وعدم عزله الى زمان الوفاة فيعم الأزمان والامور للإجماع على عدم الفصل ويؤيده أيضاً حديث المنزلة على ماسيجيء لدلالته على ولايته في زمان حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومماته كما سيجيء تحقيقه إنشاء الله تعالى

وأما الدليل على ثبوت الإجماع على إن المراد من ضمائر الجمع في الآية عليعليه‌السلام وإن الجمع للتعظيم كما وقع في كثير من الآيات والاخبار فهو نقل جماعة من علماء أهل السنة كالفاضل التفتازاني والفاضل القوشجي إتفاق المفسرين على ذلك ولإجماع المنقول بخبر الواحد حجة.

وأما إستبعاد الإجماع على إرادة عليعليه‌السلام دون أبي بكر مستنداً بأن أبا بكر داخل في « جملة الذين آمنوا ؛ الى آخره » فلا يخفى مافيه لأن دخول أبي بكر أو غيره من المؤمنين بحسب عموم اللفظ لو سلم لا ينافي وقوع


الاجماع على ارادة عليعليه‌السلام فقط وأين الأرادة من الدلالة … ! وأما ماذكره من « أن نزولها في علي لاينافي شمولها لغيره ممن يجوز ؛ الى آخره » ففيه إن من منع شمول الآية لغير عليعليه‌السلام لم يستند فيه بمجرد نزولها في شأن عليعليه‌السلام بل ضم مع ذلك كون الآوصاف المذكورة فيها قد إنحصر بالإتفاق في واحد هو عليعليه‌السلام دون غيره على إنه قد قرر العلامة الحليقدس‌سره الإستدلال بالآية على وجه لا يتوجه اليه شيء من ذلك فقال : « إن لفظة إنما تفيد الحصر بالنقل عن أهل اللغة والولي يطلق على الناصر ونحوه والمتصرف ولا معنى للأول هاهنا لأن هذه الآية متخصصة ببعض الناس والنصرة عامة لقوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض إذا أثبت هذا فنقول : إن المراد بالذين آمنوا ها هنا بعض المؤمنين لأن الله تعالى وصفهم بإيتاء الزكاة حال ركوعهم وليس هذا الوصف ثابتاً لكل المؤمنين وأيضاً لو كان المراد كل المؤمنين لكان الولي والمولى عليه واحداً وذلك باطل وإذا ثبت إن المراد بعض المؤمنين كان ذلك البعض علياًعليه‌السلام لأن الأمة أجمعوا على أن المراد أما بعض المؤمنين فهو عليعليه‌السلام وأما جميع المؤمنين فيدخل عليعليه‌السلام فيهم وقد بينا أن المراد هو البعض فلو كان غير عليعليه‌السلام كان ذلك خارجاً للإجماع المركب ولإتفاق المفسرين على أن المراد بذلك هو عليعليه‌السلام » « إنتهى »

وأما إبطاله للإجماع على نزول الآية في عليعليه‌السلام بمخالفة قول الباقرعليه‌السلام وشذوذ من المفسرين لذلك فبطلانه ظاهر ومن عجيب تمحلاتهم إنهم لم يكتفوا بأن ينسبوا الكذب في ذلك الى عكرمة ومن شاكلوه حتى نسبوه الى مولانا الباقرعليه‌السلام لزعمهم أن الشيعة إذا سمعوا النسبة الى مولاهم الباقرعليه‌السلام يذهلون عن القدح فيمن رواه عنه من الجمهور فيصححونها ويجعلونها حجة على أنفسهم مر الدهور ، على


إن إتفاق أكثر المفسرين من أهل السنة يكفى إحتجاجاً بسبب ماذكرناه سابقاً من إن مايصير حجة على واحد منهم فهو حجة على الآخرين لأن مايلبق أن يعتبر لذي الإنصاف هو ماإتفق عليه الفريقان فتذكر وتأمل.

وأما ماذكره من إن حمل الولي علي مازعموه لا يناسب ماقبلها الى آخره » فمدخول بأن الولاية بمعنى الإمامة والتصرف في الأمور أعم من الولاية بمعنى النصرة في الجملة فنفي الولاية بمعنى الإمامة مفيد لنفي الولاية المنفية عن اليهود والنصارى في الآية الأولى على أتم وجه لأن نفي العام نفي الخاص مع الزائد فهو أتم في النفي فتكون المناسبة حاصلة.

وأمام مابعد الآية فلا دلالة له على مقصوده إلا إذا حمل حزب الله على معنى أنصار الله كما تحمله بعضهم وهو كما ترى على أن كثيراً من آيات القرآن قد يأتي وأولها في شيء وآخرها في غيره ووسطها في معنى آخر وليس طريق الإتفاق في المعنى من محسنات الكلام ولو سلم فإنما يريد على خليفتكم عثمان الذي رتب القرآن على غير وجه فتدبر.

٦١ ـ قال : الحادية عشرة زعموا إن من النص التفصيلي المصرح بخلافة عليعليه‌السلام قوله يوم غدير خم وضع الجحفة مرجعه من حجة الوداع بعد أن جمع الصحابة وكرر عليهم « الست أولى بكم من أنفسكم » ثلاثاً وهم يجيبون بالتصديق والإعتراف ثم رفع يد عليعليه‌السلام وقال « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه ، وابغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وادر الحق معه حيثما دار » قالوا : فمعنى المولى الأولى أي فلعلي عليهم من الولاء مالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم منه بدليل قوله « الست أولى بكم » لا الناصر وإلا ما إحتاج الى جمعهم كذلك مع الدعاء له لأن ذلك يعرفه كل أحد قالوا : ولا يكون هذا الدعاء إلا لإمام معصوم مفترض الطاعة قالوا فهذا نص صريح صحيح على خلافته انتهى

وجواب هذه الشبهة التي هي أقوى شبههم يحتاج


الى مقدمة وهي بيان الحديث ومخرجيه وبيان إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعه كالترمذي والنسائي وأحمد وطرقه كثيرة جداً ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً وفي رواية لأحمد إنه سمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي وكثير من أسانيده صحاح وحسان ولا إلتفات لمن قدح في صحته ولا لمن رده بأن علياً كان باليمن لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج مع النبي ص وقول بعضهم « إن زيادة اللهم وال من والاه ؛ الى آخره موضوعة » مردود فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيراً منها وبالجملة فما زعموه مردود من وجوه نتلوها عليك وإن طالت لمسيس الحاجة اليها فاحذر أن تسأمها وتغفل عن تأملها

أحدها إن فرق الشيعة إتفقوا على إعتبار التواتر فيما يستدل به على الإمامة وقد علم نفيه لما مر من الخلافة في صحة هذا الحديث بل الطاعنون في صحته جماعة من أئمة الحديث وعدوله المرجوع اليهم فيه كأبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهما فهذا الحديث مع كونه آحاداً مختلف في صحته فكيف ساغ لهم أن يخالفوا ماإتفقوا عليه من إشتراط التواتر في أحاديث الإمامة ويحتجون بذلك ؟ ماهذا إلا تناقض قبيح وتحكم لا يعتضد بشيء من أسباب الترجيح انتهى.

اقول : من البين إنه لايعتبر في تواتر الخبر والإحتجاج بتواتره كونه متواتراً عند جميع الناس كما زعمه هذا الشيخ الخناس بل يعتبر كونه متواتراً في الجملة وإلا فيشكل بالكتاب العزيز فإنه ليس بمتواتر عند الكل ومن جميع الطرق اتفاقاً فلا يلزم مناقضة الشيعة لأنفسهم في إستدلالهم بذلك لإثبات الإمامة فإنهم يدعون تواتره من طرقهم ومن بعض طرق أهل السنة فقد ذكر الشيخ عماد الدين ابن كبير الشامي الشافعي في تاريخه عند ذكر احوال محمد بن جرير الطبري الشافعي إني رأيت كتاباً


جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير ونقل عن أبي المعالي الجويني إنه كان يتعجب ويقول شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق « من كنت مولاه فعلي مولاه » ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون ورواه إبن عقدة من الزيدية في مائة وخمس طرق وأثبت الشيخ إبن الجزري الشافعي في رسالته الموسومة بأسنى الطالب في مناقب على بن أبي طالب تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة ونسب منكره الى الجهل والعصبية وبالجملة قد بلغ هذا الخبر في التواتر والإشتهار الى حد لايوازي به خبر من الأخبار ، وتلقته محققوا الإمة بالقبول والإعتبار ، فلا يرده إلا معاند جاهل أو من لا إطلاع له على كتب الإحاديث والآثار ، فاتضح بطلان مامهده من المقدمة ومابناه عليها من الوجه الذي لا يبيض وجه عند الأخيار ، ثم أقول : إن في روايته لحديث الغدير خصوصا من طريق إستدل به لشيعة إهمالاً وإخلاص لا يخفى لأن مضمنون الحديث على الوجه المتفق عليه بين الطريق المنقول لقدماء العامة وبعض طرق أصحابنا هو إنه لما نزل حين رجوع النبي ص عن حجة الوداع قوله تعالى أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ؛ الآية نزل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بغدير خم وقت الظهر الذي لم يكن نزول المسافر فيه متعارفا ًفي يوم شديد الحر حتى إن الرجل كان يضع ردائه تحت قدميه من شدة الحر فأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بجمع الرحال وصعد عليها خطيباً بالناس ذاكراً في خطبته : إن الله تعالى أنزل عليه بلغ ما أنزل اليك من ربك ، الآية لدنو لقاء ربه وإنه يبلغ ماأمره الله بتبليغه وتوعده إن لم يبلغه ووعده بالعصمة من الناس ثم أخذ بيد عليعليه‌السلام وقال في جملة كلامه : الست أولى بكم من أنفسكم قالوا : بلا يارسول الله قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر


من نصره ، واخذل من خذله ، وادر الحق معه كيف دار » فلم ينصرف الناس حتى نزل قوله تعالى اليوم أكملت لم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الله تعالى برسالتي وبولاية على بعدى

ولا يخفى على من له شائبة من الأنصار إن مخاطبة الله تعالى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في آخر عمره ووداعه للدنيا بعد تبليغه الإسلام والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيرها من أحكام الدين بقوله إن لم تفعل فما بلغت رسالته ونزول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في زمان ومكان لا يتعارف فيهما النزول وصعوده على منبر من الرحال وقوله في حق أمير المؤمنين عليه الاسلام « من كنت مولاه فعلي مولاه » ودعائه له على الوجه المذكور ليس إلا لأمر عظيم الشأن جليل القدر كنصبه للإمامة لا لمجرد إظهار محبته ونصرته ونظائرهما سيما مع قوله « الست أولى بكم من أنفسكم » ومع وقوع هذه الصورة بعد نزول الآية السابقة ونزول الآية اللاحقة بعدها لا بد أن يكون المراد من المولى المتولي المتصرف في أمر المسلمين لا الناصر والمحب وغيرهما من معاني المولى التي سيذكرها هذا الشيخ الجاهل تقليداً لأصحابه في تجويز حمل الحديث عليها فكان المعنى على ماأوضحناه إن علياًعليه‌السلام وهو الأولى بالتصرف في حقوق الناس والتدبير لأمورهم بعدي ولا معنى للإمامة إلا هذا فتأمل.

٦٠ ـ قال : ثانيها لا نسلم إن معنى الولي ماذكروه بل معناه الناصر لأنه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق والمتصرف بالأمر والناصر والمحبوب وهو حقيقة في كل منها وتعيين بعض المعاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لايعتد به وتعميمه في مفاهيمه كلها لايسوغ لأنه كان مشتركاً لفظياً بأن تعدد وضعه بحسب تعدد معانيه كان فيه خلاف والذي عليه جمهور الأصوليين وعلماء البيان واقتضاه إستعمالات الفصحاء للمشترك إنه


لا يعم جميع معانيه على إنا لو قلنا بتعميمه على القول الآخر وبناء على إنه مشترك معنوي بان وضع وضعاً واحداً للقدر المشترك وهو القرب المعنوي من المولى بفتح فسيكون لصدقه لكل مما مر فلا يتأتى تعميمه هنا لأمتناع إرادة كل من المعتق والعتيق فتعين ارادة البعض ونحن وهم متفقون على صحة إرادة الحب بالكسر وعلي رضى الله عنه سيدنا وحبيبنا على أن كون المولى بمعنى الإمام لم يعهد لغة ولا شرعاً

أما الثاني فواضح

وأما الأول فلأن أحداً من أئمة العربية لم يذكر أن مفعلا يأتي بمعنى افعل وقوله تعالى مأواكم النار هي مولاكم أي مقركم أو ناصرتكم مبالغة في نفي النصرة كقولهم الجوع زاد من لا زاد له وأيضاً فالأستعمال من أن مفعلاً بمعنى أفعل إذ يقال هو أولى من كذا دون وأولى الرجلين دون مولاهما وحينئذ فإنما جعلنا من معانيه المتصرف في الأمور نظراً لرواية الآتية « من كنت وليه » فالغرض من التنصيص على موالاته أجتناب بغضة لأن التنصيص عليه أو في بمزيد شرفه وصدره بالست أولى بكم من أنفسكم ثلاثاً ليكون أبعث على قبولهم وكذا بالدعاء لأجل ذلك أيضاً ويرشد لما ذكرناه حثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الخطبة على أهل بيته عموماً وعلى علي خصوصاً ويرشد اليه أيضاً ما أبتدأ به هذا الحديث ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب بغدير خم تحت شجرات فقال : أيها الناس أنه قد نبأني اللطيف الخبير إنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله وأني لأظن أنى يوشك أن أدعى فأجيب وأنى مسؤول وانكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت فجزاك الله خيراً فقال أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده و رسوله وأن جنته حق وأن ناره حق وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا بلى ، نشهد بذلك قال : اللّهم


أشهد ثم قال : يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني علياً اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم قال : ياأيها الناس إني فرطكم وأنكم واردون عليّ الحوض حوض أعرض مما بين بصري الى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما الثقل الأول كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير إنهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض وأيضاً فسبب ذلك كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن إبن إسحاق إن علياً تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن فلما قضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجه خطبها تنبيهاً على قدره ورداً على من تكلم فيه كبريدة كما في البخاري إنه كان يبغضه وسبب ذلك ما صححه الذهبي إنه خرج معه الى اليمن فرأى منه جفوة فنقصه للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجعل يتغير وجهه ويقول يابريدة الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قال بلا يارسول الله قال : من كنت مولاه فعلي مولاه

وأما رواية إبن بريدة عنه لاتقع يابريدة في علي فإن علياً مني وأنا منه وهو وليكم بعدي ففي سندها الأصلح وهو وإذن وثقه إبن معين لكن ضعفه غيره على إنه شيعي وعلى تقدير الصحة فيحتمل إنه رواه بالمعنى بحسب عقيدته وعلى فرض إنه رواه بلفظه فيتعين تأويله على ولاية خاصة نظير قوله (ص) اقضاكم على علي إنه وإن لم يحتمل التأويل فالإجماع على حقية ولاية أبي بكر وفرعيها قاض بالقطع بحقيقتها لأبي بكر وبطلانها لعلي لأن مفاد الإجماع قطعي ومفاد خبر الواحد ظني ولا تعارض بين ظني وقطعي بل يعمل بالقطعي ويلغي الظني على إن الظني لاعبرة فيها عند الشيعة كما مر إنتهى.


أقول : إمتناع إرادة المعتق والمعتق والحليف والجار هاهنا ظاهر لايحتاج الى بيان وقد مر في إية تصدق الخاتم التدليل الدال على إمتناع أراده الناصر وكذا المحب اللازم له هاهنا أيضاً خصوصاً بملاحظة ما هنا من خصوصية الزمان والمكان وإن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم ينزل في الحر الشديد ووسط النهار في مكان وزمان لم يكن نزول المسافر فيهما معهوداً إلا لإبلاغ أمر عظيم كما تدل عليه أيضاً التأكيدات المذكورة في الآية والحديث الوارد في شأن نزولها وكيف يجوز أن يجمعصلى‌الله‌عليه‌وآله الجمع العظيم في مثل تلك الحال ويخطب على المنبر المعمول من الرحال ليعلم الناس من قرينه ما يعلمونهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأوضح القرائن المقالية على إمتناع حمل لفظ المولى على غير الأولى إنه لايجوز أن يرد من الحكيم تقرير بلفظ مقصور على معنى مخصوص ثم يعطف عليه بلفظ محتمل إلا ومراده المخصوص الذي ذكره وقرره دون ماعداه نزيده بياناً وإيضاحاً إنه لو قال أحد الستم تعرفون داري التي في موضع كذا ثم وصفها وذكر حدودها فإذا قالوا بلى قال فاشهدوا إن داري وقف على المساكين وكانت له دور كثيرة لم يجز أن يحمل قوله فى الدار التي وقفها إلا على إنها الدار التي قررهم على معرفتها ووصفها وكذا لو قال لهم ألستم تعرفون عبدي فلاناً الفولي فإذا قالوا بلى قال لهم فاشهدوا إن عبدي حر لوجه الله تعالى وكان له عبيد سواه لم يجز إن يقال إنه أراد إلا عتق من قررهم على معرفته دون غيره من عبيده وإن إشترك جميهم في إسم العبودية وإذا كان الأمرعلى ماذكرناه ثبت إن مراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله من كنت مولاه فعلي مولاه إنه أولى به وهو المعنى الأول الذي قدم ذكره وقرره بقوله الست أولى بكل مؤمن ومؤمنة من أنفسهم ولم يجز أن يصرف الى غيره من سائر أقسام مايحتمله وذلك يوجب أن علياًعليه‌السلام أولى بكل مؤمن من نفسه بما


ثبت إنه ص مولاهم من الحديث ومن قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فقد ظهر إن الحديث خصوصاً مع إنضمام نزول الآيتين المحفوظتين به كما تضمنه ماذكرناه سابقاً من بعض الطرق المتفق عليها برهان قاطع على إمامة مولانا أمير المؤمنين

وأما ما أستند به على كونه بمعنى الناصر من قوله « لأنه مشترك بين معان ؛ الى إخره » فهو دليل عليه لا له لظهور إنه إذا كان مشتركاً لفظياً لا يجوز حمله على خصوص الناصر أيضاً من غير دليل.

وأما ماذكره من « إن تعيين بعض معاني المشترك من غير دليل تحكم » فمدفوع بما سمعت منا سابقاً من إنا لا نسلم إنه مشترك لفظي بين المعاني المذكورة كيف وهو خلاف الأصل كما تقرر في الأصول بل هو موضوع لمعنى واحد هو الأولى والمعاني العشرة أقسام له حاصلة حقيقية بإضافتها اليه

أما الناصر فلأنه إختص بالنصرة فصار بها أولى من غيره.

وأما إبن العم فلأنه إنما سمي مولى لأنه يعقل عن إبن عمه ويحوز ميراثه فكان بذلك أولى من غيره.

وأما الجار فلإنه أولى بالملاصقة من البعيد وأولى بالشفعة في العقار من غيره.

وأما الحليف فلأنه أولى بنصرة حليفه ممن لاخلف بينه وبينه.

وأما المعتق فلأنه أولى بنصرة معتقه من غيره.

وأما المعتق فلأنه أولى بميراثه مما لايعتقه

وأما مالك الرق فلأنه أولى بتدبير عبده من غيره.

وأما ضامن الجريرة فلأنه الزم نفسه مايلزم المعتق فكان بذلك أولى ممن لم يضمن.

وأما السيد المطاع فلأنه أولى بالطاعة فاندفع ماأورد من إنتقاض التعميم في المعاني المذكورة بامتناع إرادة كل من المعتق والمعتق وذلك لأنا إنما إدعينا تعميم الأولى لا تعميم الأولى بالتصرف كما زعمه وقر عرفت إن تعميم الأولى ياتي في كل من تلك الأقسام بوجه فتوجه.

وأما ماذكره في العلاوة من « إن كون المولى بمعنى الإمام لم يعهد لغة » فإيراد على مقدمة لم يذكرها الشيعة في إستدلالهم


لأنهم لم يقولوا إن المولى وضع لمعنى الإمام إبتداء بل قالوا إنه وضع لمعنى الأولى بالتصرف والأولى بالتصرف لايكون إلا النبي أو الإمام كما إن الإنسان موضع للحيوان الناطق وهو صادق على زيد وعمر وبكر وغيرهم من الافراد لا إنه موضوع لكل منها على إنه قد ساعدنا الشارح الجديد للتجريد على كون ذلك معهوداً حيث قال : إن إستعمال المولى بمعنى المتولي والمالك للأمر والأولى بالتصرف شائع في كلام العرب منقول عن أئمة اللغة والمراد إنه إسم لهذا المعنى لا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بإنه ليس من صيغة أسم التفصيل وإنه لايستعمل إستعماله وينبغي أن يكون المراد في الحديث هذا المعنى ليطابق صدر الحديث أعني قوله « الست أولى بكم من أنفسكم » إنتهى كلامه وبه يندفع أيضاً الإعتراض الآخر الذي يذكره الشيخ الجاهل بعيد ذلك فلا تغفل

وأما قوله « الغرض من التنصيص على موالاته إجتناب بغضه ؛ الى آخره » فمشتمل على تمويهات لصرف الحديث عما هو صريح في الدلالة عليه من أولوية التصرف لما مر من ظهور إن الأولى بالتصرف فى أمور الناس من أنفسهم بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليس إلا الإمام وما نقله عن الطبراني إنما يرشد الى ماذكرنها عند الرشيد.

وأما مانقله عن الجزري في سبب الخطبة التي نقلها الطبراني فمردود بما أسبقناه من الطرق المتفق عليها للحديث الناطق بأن السبب في ذلك إنما كان نزول الوحي الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بإظهار فضائل عليعليه‌السلام ومناقبه ولايته ووجوب طاعته على الخلق ومدخول بان الإنكار على بريدة والإعتراض عليه في شكاية عليعليه‌السلام قد وقع عنه (ص) قبل ذلك وعند مراجعته مع عليعليه‌السلام من اليمن كما نقله هذا الشيخ الناسي في فضائل عليعليه‌السلام من كتابه هذا حيث قال وكذا وقع لبريدة إنه كان مع علي في اليمن فقام مغضباً عليه فأراد شكايته بجارية أخذها من الخمس فقيل له إخبره ليسقط علي من عينه ورسول الله


صلى‌الله‌عليه‌وآله يسمع من وراء الباب فخرج مغضباً فقال ما بال أقوام ينقصون علياً من نقص علياً فقد نقصني ومن فارق علياً فقد فارقني إن علياً مني وأنا منه خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم وأنا أفضل من إبراهيم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم يابريدة أما علمت إن لعلي أكثر من الجارية التي أخذ ؛ الحديث وإذا وقع فيه الإعتراض من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على بريدة عند شكايته بل على كل من توقع منه صدور مثل ماصدر عن بريدة وذكر فيه فضائل عليعليه‌السلام والحث على متابعته والنهي عن مفارقته الى غير ذلك لم يبق معه حاجة الى تكرار ذلك عن قريب في غدير خم على الوجه الذي وصفناه.

وأما ماصححه عن الذهبي ذهب الله بنوره من إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عند شكوة بريد عن عليعليه‌السلام عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله « الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قال بلى يارسول الله قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه » فهوأيضاً دليل على إمامتهعليه‌السلام لأن شكوته إنما كان لأجل جارية أخذها عليعليه‌السلام من خمس الغنائم لنفسه كما مر قبيل ذلك نقلاً عن هذا الجامد فقوله ص في جواب ذلك من كنت مولاه فعلي مولاه صريح في حكمهصلى‌الله‌عليه‌وآله على مساواة عليعليه‌السلام له فى أولوية التصرف وينادي على إرادة هذا المعنى بأعلى صوت مانقله من رواية إبن بريدة كما لا يخفى.

وأما طعنه فيها « بأن في طريقها الأصلح فليس بغريب » فإن طعن كل صالح أو أصلح روى شيئاً من فضائل عليعليه‌السلام عادة مستمرة لهم سيما إذا إستشموا منها مايوجب القدح في بعض مطالبهم وإن صححها مثل إبن معين منهم وبالجملة من قبائح عادات القوم وفضائح وقاحاتهم إنهم إذا وجدوا آية نازلة في فضائل أهل البيت ومناقبهم أو حديثاً كذلك قد إستدل به الشيعة على أفضليتهم وأحقيتهم فمع إنهم رووه أيضاً قبل ذلك في كتبهم يردونه حينئذ تارة باحداث مخالف ، وتارة بضعف الراوي ، وتارة


بالتخصيص ، وتارة بالتعميم ، وتارة بالتأويل كانهم مفوضون في وضع الدين ، موكلون في تشريع الشرائع لسيد المرسلين ولم يسمعوا كلام رب العالمين حيث قال قتل الخراصون الذين هم غمرة ساهون ، والذين يكتمون ماأنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون فما أقل حياءهم وأكثر إعتدائهم ..! فأي خير في سلفهم ؟ وأي جميل يترقب من خلفهم ؟ لا يرحمهم‌الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.

وأما ماذكره من « إنه على فرض إنه رواه بلفظه فيتعين تأويله على الآية خاصة ؛ الى آخره » ففيه إن دعوى تعين ذلك تحكم بحت لا دليل عليه سوى حفظ حال أبي بكر وأخويه وكذا الكلام في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « أقضاكم علي ».

وأما ماذكره من الإجماع على حقية ولاية أبي بكر فقد مر مراراً الكلام فيه وإنه لم يثبت أصلاً وبعد الإغماض عنه ليس كل إجماع قطعياً بل الأكثر من الإجماعات ظني فإثبات قطعية الإجماع على أبي بكر أصعب من خرط القتاد.

وأما ماذكره من « إن مفاد الخبر الواحد ظني لا عبرة به فيها عند الشيعة في الإمامة كما مر » فهب إنه كذلك لكن مانحن فيه من خبر الغدير متواتر عند الشيعة وكثير من أهل السنة كما سبق بيانه.

٦١ ـ قال : ثالثهما ، سلمنا إنه أولى لكن لانسلم إن المراد إنه الأولى بالإمامة بل بالإتباع والقرب منه فهو كقوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه ولا قاطع بل ولا ظاهر على نفي هذا الإحتمال بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر وناهيك بهما من الحديث فإنهما لما سمعاه قالا له أمسيت ياإبن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة أخرجه الدار قطني وأخرج أيضاً إنه قيل لعمر إنك تصنع بعلي شيئاً لا تصنعه بأحد من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال إنه مولاي إنتهى.

أقول : هذا المنع ساقط جداً لأن إرادة الأولى بإتباع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله


والقرب منه في هذه الآية مما يأبي عنه تقييد الأولى فيها بالأنفس وذلك لأنه لامعنى للأولوية من الناس بنفس الناس إلا الأولوية في التصرف فقياس مانحن فيه على قوله تعالى « إن اولى الناس بإبراهيم للذين إتبعوه قياس مع الفارق وهو باطل إتفاقاً

وأما ما ترقى عنه بقوله « بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر ؛ الى آخره » فهو بالإضراب والإعراب عنه أولى إذ الظاهر إن هذا الفهم إنما وقع من أوليائهما نيابة عنهما بعد خراب البصرة كما وقع إثباتهم لشجاعة أبي بكر بنيابة خالد بن الوليد له كما ذكره هذا الشيخ الجامد سابقاً وإلا فالمتواتر المشهور عند المهور المذكور في مستد أحمد بن حنبل مرفوعاً سنده الى البراء بن عازب إنه قال عمر في ذلك اليوم تهنئة لهعليه‌السلام على الولاية « بخ بخ لك ياإبن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة » ويؤيده مانقله هذا الشيخ المبهوت بعيد ذلك من إخراج بعضهم إنه قال عمر « إن علياً مولاي » فتدبر على إن فيما رواه عن أبي بكر وعمر من « إنهما قالا له أمسيت ؛ الى آخره » دليل على علو شأنه وسمو مكانه بالنسبة الى جميع المؤمنين والمؤمنات وهذا أيضاً دليل على إمامته إن لم يتشبه الناصبي السمج المهزول ، بجواز تفضيل المفضول ، الذي قد سبق إنه من أسخف الفضول ، الشاهد على قائله بأنه عن الرأي المعزول.

٦٢ ـ قال : رابعها ، سلمنا إنه أولى بالإمامة فالمراد المآل وإلا كان هو الإمام مع وجودهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا تعرض فيه لوقت المآل وكان المراد حيث يوجد عقد البيعة له فلا ينافي حينئذ تقديم الثلاثة عليه لإنعقاد الإجماع حتى من علي عليه كما مر وللأخبار السابقة المصرحة بإمامة أبي بكر وأيضاً فلا يلزم من أفضلية علي على معتقدهم بطلان تولية غيره لما مر من إن أهل السنة أجمعوا على صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل بدليل


إجماعهم على صحة خلافة عثمان وإختلافهم في أفضليته على علي وإن كان أكثرهم على إن عثمان أفضل منه كما يأتي وقد صح عن سفيان الثوري إنه قال من زعم إن علياً كان أحق بالولاية من الشيخين فقد خطأهما والمهاجرين والأنصار وما أراه يرفع له عمل مع هذا الى السماء نقل ذلك النووي عنه كما مر انتهى.

أقول : مآل هذا المقال يرجع الى التيتال(١) إذ قد أثبتنا في ذكره سابقاً من آية التصدق بالخاتم صحة كون عليعليه‌السلام إماماً مع وجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فتذكر

وأما ماذكره من « إنه حيث لم يقع التعرض لوقت المآل فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له » فتهكم ظاهر لأن المفهوم من المآل على تقدير كون مراد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك كونه (ع) أولى بالتصرف بعد النبي (ص) بلا فصل وكفى هذا في بناء الشيعة كلامهم عليه ولا يخفى إن هذا التحمل منهم نظير ماتحملوه في تأويل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في شأن علي (ع) أنت الخليفة من بعدي » حيث قالوا لايدل على البعدية بلا فصل فإن هذا أيضاً خروج عن الظاهر بلا ضرورة سوى التعصب لأبي بكر كيف وقولهم فلان صار سلطاناً بعد فلان وفلان بعد فلان لايفهم منه إلا البعدية من غير فصل فمن جاء العدول عن ذلك فيما نحن فيه.

وأما ما أتي به من تكرار دعوى إنعقاد الإجماع على أبي بكر والإشارة الى الأخبار التي زعم صراحتها فى إمامة أبي بكر فقد مر بيان بطلانها ولم يبق للناظر فيها مجال العناد.

وأما ماذكره « من إجماع أهل السنة على صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل » ففيه ما مر مراراً من إن إجماع أهل السنة لا يصير حجة على الشيعة بل هو عندهم أوهن من بيت العنكبوت على إنا قد بينا سابقاً إن العقل والعرف حاكمان بقبح ذلك ومن أضحوكاتهم الإستدلال على صحة إجماعهم هذا بإجماعهم على صحة خلافة عثمان وأنى لهم إثبات

____________________

(١) كذا في الأصلين اللذين عندي ولم نهتد لفهم المراد منه.


صحة خلافة عثمان حتى يجعل ذلك دليلاً على صحة أجماع آخر.

وأما ماكرر نقله عن سفيان الثوري فقد مر مافي الإستدلال به من المصادرة والبيان الدوري ، وظهور فساد ذلك بأول النظر الفوري.

٦٣ ـ قال : خامسها ، كيف يكون ذلك نصاً على إمامته ولم يحتج به هو ولا العباس رضي‌الله‌عنهما ولا غيرهما وقت الحاجة اليه وإنما إحتج به علي في خلافته كما مر في الجواب عن ثامنة من الشبه فسكوته عن الإحتجاج به الى أيام خلافته قاض على من عنده أدنى فهم وعقل بأنه علم منه إنه لانص فيه على خلافته عقب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على إن علياً نفسه صرح بأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينص عليه ولا على غيره كما سيأتي عنه وفي البخاري وغيره حديث خروج علي والعباس من عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطوله وهو صريح فيما ذكر من إنه (ص) لم ينص عند موته على أحد وكل عاقل يجزم بأن حديث « من كنت مولاه فعلي مولاه » ليس نصاً في إمامة علي وإلا لم يحتاج هو والعباس الى مراجعته (ص) المذكورة في حديث البخاري ولما قال العباس فإن كان هذا الأمر فينا علمناه مع قرب العهد جداً بيوم الغدير إذ بينهما نحو الشهرين وتجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين بخبر يوم الغدير مع قرب العهد وهم من هم في الحفظ والذكاء والفطنة وعدم التفريط والغفلة فيما سمعوه منهصلى‌الله‌عليه‌وآله محال عادي يجزم العاقل بأدنى بديههْ بأنه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط وبأنه حال بيعتهم لأبي بكر كانوا متذكرين لذلك الحديث عالمين به بمعناه على إنه (ص) خطب بعد يوم الغدير وأعلن بحق أبي بكر في الحديث الثالث بعد المائة التي في فضائله فانظره ثم وسياتي في الآية الرابعة في فضائل أهل البيت أحاديث إنه (ص) في مرض موته إنما حث على مودتهم ومحبتهم وإتباعهم وفي بعضها : آخر ماتكلم به النبي (ص) « إخلفوني في أهل بيتي » فتلك وصيته بهم وشتان مابينهما وبين مقام الخلافة وزعم الشيعة والرافضة


بأن الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له عناداً ومكابرة بالباطل كما مر وقولهم « إنما تركها عليّ تقية » كذب وإفتراء أيضاً لما تلوناه عليك مبسوطاً فيما مر ومنه إنه كان في منعة من قومه من كثرتهم وشجاعتهم ولذا إحتج أبي بكررضي‌الله‌عنه على الأنصار لما قالوا « منا أمير ومنكم أمير » بخبر « الأئمة من قريش » فكيف سلموا له هذا الإستدلال ؟ ولأي شيء لم يقولوا له ورد النص على إمامة علي ؟ فكيف تحتج بمثل هذا العموم ..! لقد أخرج البيهقي عن أبي حنيفةرضي‌الله‌عنه إنه قال أصل عقائد الشيعة تضليل الصحابة رضوان الله عليهم انتهى

وإنما نبهرحمه‌الله على الشيعة لأنهم أقل فحشاً في عقائدهم من الرافضة وذلك لأن الرافضة يقولون بتكفير الصحابة لأنهم عاندوا بترك النص على علي بل زاد أبو كامل من رؤوسهم فكفر علياً زاعماً إنه أعان الكفار على كفرهم وأيدهم على كتمان النصوص وعلى ستر ما لايتم الدين إلا به أي لأنه لم يرو عنه قط إنه إحتج بالنص على إمامته بل تواتر عنه إن أفضل الأئمة أبو بكر وعمر وقبل من عمر إدخاله إياه في الشورى وقد إتخذ الملحدون كلام هؤلاء السفلة الكذبة ذريعة لطعنهم في الدين والقرآن وقد تصدى بعض الأئمة للرد على الملحدين المحتجين بكلام الرافضة ومن جملة ماقاله اولئك الملحدون : وكيف يقول الله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس وقد إرتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو ستة أنفس منهم لإمتناعهم عن تقديم أبي بكر على علي الموصى به فانظر الى حجة هذا الملحد تجدها عين حجة الرافضة قاتلهم الله أنى يؤفكون ؛ بل هم أشد ضرراً على الدين من اليهود والنصارى وسائر فرق الضلال كما صرح به عليرضي‌الله‌عنه بقوله « تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة شرها من ينتحل حبنا ويفارق أمرنا » ووجهه ما إشتملوا عليه من إفترائهم من قبائح البدع وغايات العناد والكذب حتى تسلطت الملاحدة بسبب ذلك على الطعن في الدين وأئمة المسلمين بل قال القاضى أبو بكر الباقلاني إن فيما ذهبت اليه الرافضة مما ذكر إبطالاً للإسلام رأساً لأنه إذا أمكن


إجتماعهم على الكتم للنصوص : مكن فيهم نقل الكذب والتواطؤ عليه لغرض فليمكن إن سائر مانقلوه من الأحاديث زور ويمكن إن القرآن عورض بما هو أفصح منه كما تدعيه اليهود والنصارى فكتمه الصحابة وكذا مانقله سائر الأمم عن جميع الرسل يجوز الكذب فيه والزور والبهتان لأنهم إذا إدعوا ذلك في هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس فإدعائهم إياه في باقي الأمم أحرى وأولى فتأمل هذه المفاسد التي ترتبت على ما أصله هؤلاء وقد أخرج البيهقي عن الشافعيرضي‌الله‌عنه « مامن أهل إلاهواء أشد بالزور من الرافضة وكان إذا ذكرهم عابهم أشد العيب » انتهى.

اقول : أيخفى إنهعليه‌السلام أحتج بذلك في أثناء خلافة ابي بكر وخلافة عمر ويوم الشورى وإنما لم يحتح به في أول خلافة أبي بكر لأنه قد إحتجت به فاطمةعليها‌السلام فيه كما رواه الجزري في كتاب أسنى المطالب قال هكذا أخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المدني في كتابه المسلسل بالأسماء مسلسلاً من وجهين ولأنه علم علماً ضرورياً إتفاقهم على إنكاره حسداً وعناداً لهعليه‌السلام فعدل الى الإحتجاج بغيره لما كان إلزامياً لهم وقال أنا أحتج عليكم بما دعيتموه أنتم حجة على الأنصار فانصفوا إن من ذا الذي هو أقرب الى الرسول (ص) ؟ وأيضاً تعيين الطريق ليس من دأب المحصلين على أن ذكرهعليه‌السلام للحجة الثانية الصريحة في الدلالة على المقصود بعد مضي زمان لا يقدح في كونها حجة قبل ذلك أيضاً وهو ظاهر غاية الأمر أن يكون سكوتهعليه‌السلام في بعض المراتب للتقية والخوف على النفس تارة وللدين أخرى وما نقل عنه من التظلم صريح فيما ذكرناه.

وأما ماذكره من تصريح علي (ع) نفسه بعدم النص عليه فهو فرية بلا مرية وكذا ما نقله عن البخاري فاستدلاًلهم بأمثال ذلك بعد تسليم دلالتها على مطلوبهم مصادرة ظاهرة كما مر مراراً.

وأما ماذكره من أن « تجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين


لخبر يوم الغدير غير جائز » فمدخول بأن ماجوزه الشيعة هو التناسي لا النسيان فافهم ثم إنهم إنما جوزوا ذلك على جمع من الصحابة الذين تواطئوا على غصب الخلافة عن عليعليه‌السلام لا على الجميع كما زعمه وبالجملة قد إفترق الناس يوم السقيفة فمنهم من طلب الخلافة لنفسه أو قريبه ، وهؤلاء لم يظهروا النص لذلك ، ومنهم من ترك ذكره خوفاً ، ومنهم من تركه حسداً ، ومنهم من تركه لعدم علمه ، ولدخول الشبهة عليه ، ومنهم من ذكره ، وهم الأقلون كمقداد وسلمان وعمار وأبي ذر فلم يعتدوا به.

وأما ماذكره من « إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب بعد يوم الغدير وأعلن بحق أبو بكر » فبطلانه ظاهر إذ لا يتم إلا بعد إثبات حق لأبي بكر ثم إثبات صحة النقل ودون إثباتهما خرط القتاد.

وأما ماذكره من « إنه سيأتي أحاديث تدل على إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنما حث في مرض موته على مودتهم ومحبتهم » ففيه إنه لا إرتباط بما نحن فيه فمن حديث الغدير ولو أغمضنا عن ذلك فنقول إن حثهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه على مودتهم لاينفي حثه فيه على خلافة علي (ع) كما دل عليه ماروي متفقاً « من أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإحضار الدواة والبياض ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده » وأما الحصر الذي أتى به في ذلك بكلمة إنما فما أحسن في مقابله قول بعض الظرفاء :

حصرك يامن حوت محاسنه

غرائباً ماروين في عصر

أضعف من حجة النواصب في

إن إمام الهدى أبو بكر

ولو سلم إنه (ص) نص في ذلك الوقت على ذلك فقد فهو لاينفي نصه على مايدل على إمامة علي (ع) قبله كيوم الغدير.

وأما ما نسبه الى الشيعة من العناد والمكابرة في إعتقادهم كتمان طائفة من الصحابة النص على عليعليه‌السلام ففيه إنه لامكابرة ولا إستبعاد في ذلك فإنه قد ثبت مخالفة بعض القوم لرسول الله ص في حالة حياته كما نقلوه في صحاحهم من حديث إبن عباسرضي‌الله‌عنه « وقوله إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب الكتاب » ولنعم ماقال الشاعر :


تالله ماجهل الأ قوم موضعها

لكنهم ستروا وجه الذي علموا

وأما مانقله عن أبي حنيفة « من أن أصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة » فإن اراد به تضليل الصحابة الذين خالفوا علياً وغصبوا الخلافة منه بل محاربة معه فالمشايخ الثلاثة ومن تبعهم في ذلك فهو صحيح لكن لا يستدعى ذلك أن يكون القول بالتفكير بالنسبة الى غيرهم من الصحابة زائداً حادثاً لا أصل له كما يشعر به عبارته ، وأن أراد به الأعم ممن ظهر منه مجرد المخالفة وممن حاربه كطلحة والزبير ومعاوية وأتباعهم فغير صحيح لأن الشيعة عن آخرهم قائلون بأن مخالفي عليعليه‌السلام فسقة ومحاربيه كفرة كما قاله المحقق الطوسي طيب الله مشهده في كتاب التجريد فالفرق بين الشيعة والرافضة في ذلك كما ترى لأن الكل أتباع لأمير المؤمنينعليه‌السلام وتاركون للأعتقاد الباطل وأيهام الناصبة من لقب الرفض إنهم تركوا إعتقاد الحق تعنتاً وعداوة منهم للشيعة فلا يلتفت أليه كما مر نعم القول بتكفير جميع الصحابة باطل إتفاقاً ولم يوجد من الشيعة من يعتقد ذلك الى الآن كما لا يخفى.

وأما ما ذكره من أن أبا كامل من الشيعة كفر علياً أيضاً فهو شيء قد سبقه أليه صاحب المواقف وتفرد له عند تعداده لفرق الشيعة حيث قال « وأبو كامل يكفر الصحابة بترك بيعة علي ويكفر علياً بترك طلب الحق » كلامه ولا يخفى أن هذه فرية على الكاملية من الشيعة لأن نسبة تكفير عليعليه‌السلام أليهم كما هو مخالف لمفهوم تلقبهم بالشيعة مخالف أيضاً لكلام من تقدمه من الأئمة المعتبرين المعتنين بتحقيق هذا الشأن كمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل فأنه مع تقدمه في هذا الفن لم ينسب القول بتكفير عليعليه‌السلام الى الكاملية بل قال أنهم طعنوا عليه بتركه لطلب حقه وشتان بين مفهوم الطعن ومفهوم التفكير ولهذا قد يقع كثيراً الاعتراض والعتاب من الخادم بالنسبة الى مخدومه بل من المحب الى محبوبه كما روى انه لما سلم الحسن بن عليعليه‌السلام الخلافة الى


معاوية جاء اليه قيس بن سعد بن عبادة من خلص شيعتة وأخص أصحابه وخاطبه وعاتبه بقوله يامذل المؤمنين فأخذعليه‌السلام بيده ملاطفة وقرره عنده حتى سكن وجعه الحاصل من ذلك لشدة المحبة ونهاية الغبطة في شأن إمامه ومولاه وأمثال ذلك

وأما ماذكره « من زعم أبي كامل إن علياًعليه‌السلام أيدهم على كتمان النصوص وعلى ستر مالا يتم الدين إلا به » فهو من كامل إفترائه عليه مخالفته مع مانقلناه سابقا ًمن إمامة صاحب المواقف من إن كفر علياً بترك طلب الحق ولعله مراد أبي كامل بترك طلب الحق ترك طلبه بالسيف لا بإظهار الحجة كيف وقد أجمع الشيعة قاطبة على صدور إحتجاج عليعليه‌السلام على القوم مراراً كما مر مراراً وهذا كما يطعن الزيدية على إمامة من بعد الحسين من الإئمة الإثني عشرعليهم‌السلام بعد خروجهم بالسيف ثم لايخفى ما في تفسير قوله الذي نسبه الى أبي كامل بقوله ثانياً أي لأنه لم يرو عنه قط إنه إحتج بالنص الى إخره من التمحل الواهي الذي يضحك منه الغبي والداهي.

أما ماذكره من إنه قد إتخذ الملحدون كلام الشيعة ذريعة لطعنهم في الدين والقرآن ففيه إنه لا إختصاص بكلام الشيعة بذلك فقد إتخذ الملاحدة كثيراً من القرآن والحديث ذريعة الى ذلك كما نقلها المفسرون مع إبطالها وقد قال تعالى في شأن القرآن يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً فلا لوم على الشيعة إن ضل بعض الملاحدة بكلامهم من غير فهم معناه والذهول عن مقتضاه وأما مانسبه الى الشيعة « من القوم بإرتداد جميع الصحابة بعد وفاة نبيهم إلا ستة أنفس » فعلى تقدير صحة نسبته اليهم لا يخالف مدلول ماذكره من قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس لأن الخيرية الماضية المدلول عليها بقوله « كنتم » لا تنافي الإرتداد اللاحق الذي يدل عليه حيث الحوض المذكور في جامعي البخاري ومسلم والشيعة إنما ينسبون الإرتداد الى الصحابة الذين نكثوا عهد النبيعليه‌السلام وآله بإتفاقهم على غصب الخلافة ومخالفة أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومع هذا


يقولون يرجع اثر المخالفين منهم الى عليعليه‌السلام بعد إرتفاع الشبة وإيضاح المحجة ولهذا تراهم يذكرون في كتب رجال أحاديثهم من الصحابة الذين رجعوا الى عليعليه‌السلام مايزيد على ثلاثمائة أنفس وكيف يستبعد وقوع ذلك مع مانطق به القرآن الكريم وتواتر بتفاصيله الأحاديث والأخبار من إرتداد سبعين الف نفر من بني إسرائيل من أمة موسىعليه‌السلام في حال حياته وغيبته عنهم الى الطور مع وجود وصيه هارون النبيعليه‌السلام فيهم وقد ورد في الحديث المتفق عليه إنه قال نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « سيقع في أمتي ماوقع في أمة موسى حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبو لدخلتموه » وقد سبق منا في أوائل هذا التعليق مايتعلق بذلك فتذكر.

وأما مانقله عن القاضي الباقلاني من « إنه إذ أمكن إجتماعهم على الكتم للنصوص أمكن منهم نقل الكذب والتواطؤ لغرض فليمكن إن سائر مانقلوه من الأحاديث زور ويمكن إن القرآن عورض بما هو أفصح منه كما تدعيه اليهود فكتمه الصحابة ؛ الى آخره » فلا يخفى إن هذه الشبهة كما ذكره القاضي الباقلاني بين يدي شيخنا الأجل المفيدقدس‌سره وأجاب عنهقدس‌سره بما حاصله إنه لايلزم من تجويز نقل بعض الكذب وتواطؤهم عليه لغرض تجويزه تواطئهم على الكذب في سائر مانقلوه للعلم القطعي لنا ولكل من تتبع الأحاديث والأخبار بكذب هذه الكلية دون تلك الجزئية ولو كان نسبة الكذب الى الكل حقاً لما كان العلم ببطلانه شاملاً لجميع الأمة ولو فرض إنه لم يكن لأحد من العقلاء السامعين للأخبار علم ببطلان ذلك لإحتجنا في بيان فساد ذلك الى إيراد دليل على حدة لكن لما كان ذلك غرضاً ملحقاً بالمحال أغنانا الإستدلال بغيره وذا الكلام في إحتمال معارضة القرآن بما هو أفصح منه وإدعاء اليهود بجواز ذلك تعنت منهم كما لا يخفى وأيضاً لم لا يلتزمون في تجويز إخفاء الصحابة للنص على عليعليه‌السلام وكتمانه


أياه ما إلتزموه في مواضع أخرى مثل النص على رجم الزاني وموضع قطع يد السارق ووصفه الطهارة والصلاة وحدودها والصوم الزكاة والحج وغيرها من الاحكام التي وقع الإختلاف فيها مع إن تحقيق الحق والعلم به لا يحصل إلا بضرب من الإستدلال بل قد وقع النزاع من المعتزلة وغيرهم من أهل الملل والملاحدة في إنشقاق الأمر مع أن القاضي قائل بأنه كان في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مشهوراً وعلى السنة أهل عصره مذكوراً ولا يمكن أن يدعي في ذلك على المخالف العلم الإضطراري بل الأعتماد في بيان غلطهم إنما هو على نوع الإستدلال وتفصيل ماجرى من هذه المناظرة بين شيخناقدس‌سره والقاضي المذكور مسطور في ترجمتهقدس‌سره من كتابنا الموسوع بمجالس المؤمنين ثم لايخفى إن كلامه في هذا المقام مضطرب جداً فتارة ذكر عناداً مايدل على أن الشيعة هم الرفضة وتارة إن الشيعة غير الرفضة وإن الرفضة هم الغلاة وتارة إن الرفضة هم الخوارج ولا يلزمنا دفع ماأورده قاضيهم على الخوارج والغلاة فإن كلاً منهما عندنا ملحق بالكفار فتدبر

٦٤ ـ قال : سادسها مالمانع من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته السابقة يوم الغدير هذا الخليفة بعدي فعدوله الى ماسبق من قوله من كنت مولاه الى آخره ظاهر في عدم إرادة ذلك بل ورد بسند رواته مقبولون كما قاله الذهبي وله طرق عن علي رضي اله عنه قال قيل له يارسول الله من يؤم بعدك فقال أن تأمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة وأن تأمروا عمر تجدوه قوياً أمينا لايخاف في الله لومة لائم وأن تأمروا علياً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الطريق المستقيم ورواه البزاز بسند رجاله ثقات أيضاً كما قال البيهقي فهو يدل على أن أمر الإمامة موكل الى من يأمره المسلمون بالبيعة وعلى عدم النص بها لعلي وقد أخرج جمع كالبزار بسند حسن والإمام أحمد وغيرهما بسند قوي كما قاله الذهبي عن عليرضي‌الله‌عنه إنه


لما قالوا إستخلف علينا قال لا ولكن أترككم كما ترككم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخرج البزار ايضاً ورجاله رجال الصحيح « ما إستخلف رسول الله فاستخلف عليكم » وأخرجه الدار قطني ايضاً وفي بعض طرقه زيادة « دخلنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلنا يارسول الله إستخلف علينا قال لا أن يعلم الله فيكم خيراً يول عليكم خيركم ، قال علي كرم الله وجهه فعلم الله فينا خيراً فولى علينا أبا بكر » فقد ثبت بذلك إنه صرح بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يستخلف وأخرج الدارقطني عن أبي حنيفة إنه لما قدم المدينة سأل أبا جعفر الباقر عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما فقال له أبو حنيفة إنهم يقولون عندنا بالعراق إنك تتبرأ منهما فقال معاذ الله كذبوا ورب الكعبة ثم ذكر لأبي حنيفة تزويج علي بنته أم كلثوم بنت فاطمة من عمر

وإنه لو لم يكن لها أهلاً مازوجه إياها فقال له أبو حنيفة لو كتبت اليهم فقال لا يطيعوني بالكتب وتزويجه إياه يقطع ببطلان مازعمه الرافضة وإلا لكان قد تعاطى تزويج بنته من كافر على زعمهم الفاسد.

أقول : ماذكره أولاً من « إنه مالمانع للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته السابقة من التصريح بقول هذا الخليفة بعدي » مردود بجريان مثله في حق الباري سبحانه فلينازع مع الله تعالى في إنه لم فعل مايوجب حيرة المؤمنين وقال على سبيل الإطلاق والإجمال أقيموا الصلاة من غير تصريح بعدد الفريضة وعدد السنة ولا بتعيين الوقت ولم ينزل آية لبيان عدد ركعاتها وكيفية أدائها في السفر والحضر بل قال مبهما أقيموا الصلاة ليتحير أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال : بذلك الإسلوب وأتوا الزكاة من غير تعيين النصاب فأوقع الإختلاف بين الفقهاء وأحوجهم في إستنباط فروعها الى الرأي والإجتهاد فأدى ذلك الى تحقق ثلاث وسبعين فرقة وقولاً في أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وكذا الكلام في باقي أركان الشريعة فإذا جاز مثل هذا الإجمال والإبهام فيما ذكر لئلا يكون بعثة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله عبثاً ويحصل بعده الفرق بين الجاعل والعالم فلو عدل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله


والباري سبحانه في تعيين الإمام عن التصريح بالخلافة والإمامة الى التصريح بما يراد فهماً من أولوية التصرف كان جائزاً بطريق أولى لأن مسألة الإمامة عندنا عقلية لما إرتكز في عقل العقلاء من إنه يجب بعد النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله وجود إمام لا يجوز عليه الخطأ للأدلة التي كشف كتاب التجريد عنها الغطاء فتدبر.

وأما مانقلة عن الذهبي الناصبي ذهب الله بنوره فأول مافيه إنه لم يرض بمجرد الكذب حتى رفعه الى عليعليه‌السلام على إن في المنقول من قوله « وإن تأمروا علياً ولا أراكم فاعلين » دلالة صريحة على علمهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن القوم ينحرفون بعد وفاته عن عليعليه‌السلام ولا يرضون بإمامته فيؤيد ذلك مارواه إبن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب بإسناده قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام : إن الأمة ستغدر بك » وما رواه موسى بن مردويه الحافظ من الجمهور بإساده الى إبن عباس قال « خرجت أنا والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأينا حديقة فقال علي : ما أحسن هذه يارسول الله ! فال حديقتك في الجنة أحسن منها ثم مررنا بحديقة فقال : عليعليه‌السلام ماأحسن هذه يارسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : حتى مررنا بسبع حدائق فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام حدائقك في الجنة أحسن منها ثم ضرب على رأسه ولحيته وبكى حتى علا بكائه فقال عليعليه‌السلام : مايبكيك يارسول الله ؟ قال ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني ».

ومارواه هذا الشيخ الجامد في الباب الثاني فيما جاء عن أكابر أهل البيت في الثناء على الشيخين مما يدل على أن بني تميم وبني عدي كانا أعداء بني هاشم في الجاهلية وما ذكر في أول الخاتمة التي عقدها البيان ما أخبر بهصلى‌الله‌عليه‌وآله مما حصل على آله من البلاء والقتل من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلاً وتشريداً وإن أشد قوم لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو


مخزوم وفي رواية إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً وما ذكره في أواخر ذكر فضائل أهل البيتعليه‌السلام من إنه صح عن العباس شكايته الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مايلقون من قريش من تعبيسهم وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم فغضبصلى‌الله‌عليه‌وآله غضباً شديداً حتى إحمر وجهه ودر عرق بين عينيه الى إخره وغير ذلك من الأخبار والآثار وقد روي خواجه ملة الأصفهاني الشافعي إنه لم يكن بطن من بطون قريش إلا وكان لهم على أمير المؤمنينعليه‌السلام دعوى دم أراقه في سبيل الله والضغائن كان في صدورهم إنتهى.

وأما مارواه عن البزار والدارقطني والذهبي إن الروايات الدالة على عدم إستخلاف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأحد فهي موضوعات لا يثبت إلا أعمال المصادرة والإحتيال بالحيل الفاجرة.

وأما مانقله عن الدار قطني عن أبي حنيفة فهو إجمال مافصله الدميري الشافعي في كتاب حياة الحيوان وغيره في غيره وقد ذكر الدميري مايدل على إن مولانا الباقرعليه‌السلام كان يمتنع عن ملاقاة أبي حنيفة معه ولم يكن يأذنه للدخول الى مجلسه الشريف حتى إحتال أبي حنيفة ذات يوم وأدخل نفسه بين جماعة من شيعة الكوفة المأذونين عنه (ع) فدخل معهم على الإمامعليه‌السلام وسأله بما سأله وأجاب عنهعليه‌السلام فيما ذكر هاهنا من قوله لا يطيعوني بالكتب فقال أبو حنيفة : كيف يسعهم مخالفتك وأنت إبن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال له : كيف تتعجب عن مخالفتهم لي في ذلك مع كونهم غائبين عني مسيرة شهرين وأنت قد خالفت أمري بمحضري وتلقاء وجهي حيث دخلت بيتي بغير إذني ، وجلست على فراشي بغير إذني ، وإبتدأت بالسؤال بغير إذني ، ثم خرج خائباً خاسراً.

وأما ماذكره من « إنهعليه‌السلام ذكر لأبي حنيفة تزويج عليعليه‌السلام بنته ، الى آخره » فرواية الدميري خالية عنه مع إن ذلك إنما وقع تقية كما تدل عليه زائداً على ماروي من طريقنا ماروى صاحب


الإستيعاب من علماء الجمهور عند ذكر أم كلثوم « إن عمر بن الخطاب خطب الى علىعليه‌السلام إبنته أم كلثوم فذكر له صغرها فقيل له ردك فعاوده فقال : عليعليه‌السلام أبعث بها اليك فإن رضيت فهي أمرأتك فارسل بها فكشف عن إلية ساقها فقالت : لو لا إنك أمير المؤمنين للطمت عينك » إنتهى.

وما روى هذا الشيخ الناسي فيما سيجيء من كتابه هذا من أن علياًعليه‌السلام لما أبى عن إنكاح إبنته لعمر واستعذر بصغرها لم يكن يقبل منه ذلك العذر حتى الجأه الى أن يريها إياها فارسلها اليه فلما رأها عمر أخذ بها وضمها اليه وقبلها ثم إعتذر عن جانب عمر فيما فعله من الضم والتقبيل قبل وقوع العقد والتحليل بأنها لصغرها لم تبلغ حداً تشتهي حتى يحرم ذلك ولولا صغرها لما بعث بها أبوها انتهى

وإني لأقسم بالله على أن الف ضربة على جسدهعليه‌السلام واصغافه علي جسد أولاده أهون عيه من أن يرسل إنتها الكريمة الى رجل أجنبي قبل عقدها أياه ليريها فيأخذها ذلك الرجل ويضمها اليه ويقبلها ويكشف عن ساقها وهل يرضى بذلك من له أدنى غيرة من آحاد المسلمين لولا علمه بأن الامتناع عن ذلك يؤدي الى الوقوع فيما هو أعظم ضرراً منه هذا ومن هلاك نفسه وأولاده أيضا وهو خوف ثوران الفتنة بين المسلمين وارتداد الخلق وإفناء الدين فسلمعليه‌السلام وصبر وأحتسب كما أمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فانزل إبنته في ذلك منزلة آسيا إمرأه فرعون إذ الله يصف قولها رب إبن اليّ عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ولعمري إن الذين كان قد إرتكبه فرعون في بني إسرائيل من قتل أولادهم وإستباحة حريمهم في طلب موسى وما إدعاه لنفسه من الربوبية أعظم من تغلبه على آسيا إمرأته وتزويجه وهي إمرأة مؤمنة من أهل الجنة بشهادة الله تعالى بذلك وكذلك سبيل الرجل مع أم كلثوم كسبيل فرعون مع آسيا لأن الذي إدعاه لنفسه ولصاحبه من الإمامة ظلماً وتعدياً وخلافاً على الله ورسوله بدفع الأمام الذي ندبه الله ورسوله لها وإستيلائها على أمور المسلمين


على أمور المسلمين فالحكم في أموالهم وفروجهم ودمائهم بخلاف أحكام الله وأحكام رسوله أعظم عند الله من إغتصابه لألف فرج من نساء مؤمنات دون فرج واحد كيف ومن البين إن إغتصاب الفرج المذكور والخبر فيه بعض من فروع غصبهم لمنصب الإمامة وبيعتهم لأبي بكر فلتة لظهور إنهم لو تركوا الإمامة لعليعليه‌السلام وصار مستقلاً فيها لم يتجرأوا على تكليفه بإنكاح إبنته إياهم ولم يقدروا على غصب فدك وغيرهما من المفاسد المشهورة كبغي الناكثين والقاسطين وخروج المارقين وسم الحسن وقتل الحسينعليهما‌السلام كما أشار اليه دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التائية المشهوره حيث قال :

وماسهلت تلك المذاهب فيهم على الناس إلا بيعة الفلتات

فكيف لايكون غصب الإمامة مع كونه مفوتاً لنظام الكل أعظم من فوات واحد من المصالح الجزئية بالجملة عناية الأنبياء والأوصياء بمصالح الدين فوق إهتمامهم بمصالح النفس كما صرح به الفاضل النيشابوري الشافعي عند تفسير قوله تعالى في سورة يونس على نبينا وآله وعليه‌السلام ربنا ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين حيث قال « لما قدموا التضرع الى الله في أن يصون دينه عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة انفسهم فقالوا نجنا الآية وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق إهتمامهم بمصالح أنفسهم وهكذا يجب أن يكون عقيدة كل مسلم موفق انتهى ».

وأما ماذكره آخرآ من « لزوم تعاطي تزويج بنته من كافر » فمردود بأنه إن أراد لزوم تزويجها من هو كافر في الظاهر فبطلان اللازم ممنوع والسند ما سيأتي ، وإن اراد من الكافر الحقيقي فهو مسلم وليس بناء الحكم الشرعي عليه والنذكر لتوضيح ذلك ما أفاده السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه في كتاب تنزيه الأنبياء حيث قال : « فإما إنكاحهعليه‌السلام فقد ذكرنا في كتاب الشافي الجواب عن هذا الباب مشروحاً وبينا إنهعليه‌السلام ما أجاب عمر الى إنكاح إبنته الا بعد توعد وتهدد ومراجعة ومنازعة


وكلام طويل مأثورأشفق معه من سوء الحال وظهور ما لايزال يخفيه منها وإن العباسرضي‌الله‌عنه لما رأى إن الأمر يفضي الى الوحشة ووقوع الفتنة سألهعليه‌السلام رد أمرها عليه ففعل وزوجها منه وما يجري على هذا الوجه معلوم إنه على غير إختيار ولا إيثار وبينا في الكتاب الذي ذكرناه إنه لا يمتنع أن يبيح الشرع أن يناكح بالإكراه ممن لا يجوز مناكحته مع الإختيار ولا سيما إذا كان المنكح مظهراً للإسلام والتمسك بسائر الشريعة وبينا إن العقل لا يمتنع من مناكحة أنواع الكفار على سائر كفرهم وإنما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم الى الشريعة وفعل أمير المؤمنينعليه‌السلام أقوى حجة من أحكام الشرع وبينا الجواب عن إلزامهم لنا بأنه لو أكره على نكاح اليهود والنصارى لكان يجوز ذلك وفرقنا بين الأمرين بأن قلنا إن كان السؤال عما في العقل فلا فرق بين الأمرين وإن كان عما في الشرع فالإجماع يحضر أن ينكح اليهودي على كل حال وما أجمعوا على حضر نكاح من ظاهره الإسلام وهو على نوع من القبح يكفر به إذا إضطررنا الى ذلك وأكرهنا عليه فإذا قالوا مالفرق بين كفر اليهود وكفر من ذكرتم قلنا لهم أي فرق بين كفر اليهودية في جواز نكاحها عندكم وكفر الوثنية انتهى

وهو كاف شاف إنشاء الله وها هنا تفاصيل مذكورة في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب فليرجع اليه من أراد والله الموفق للسداد.

٦٥ ـ قال : سابعها قولهم : هذا الدعاء وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » لا يكون إلا لإمام معصوم دعوى لا دليل عليها إذ يجوز الدعاء بذلك لأدنى المؤمنين فضلاً عن أخصائهم شرعاً وعقلاً فلا يستلزم كونه إماماً معصوماً وأخرج أبو ذر الهروي إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال « عمر معي وأنا مع عمر ، والحق بعدي مع عمر حيث كان » ولا قيل بدلالته على إمامة عمر عقب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا


على عصمته ثم إن أرادوا بالعصمة ماثبت للأنبياء قطعاً فباطل أو لحفظ فهذا يجوز لدون علي من المؤمنين ودعواهم وجوب عصمة الإمام مبني على تحكيمهم العقل وهو ما بني عليه باطل لأمور بينها القاضي ابو بكر الباقلاني في كتابه في الإمامة أتم بيان وأوفى تحرير.

أقول : لايخفى على من له أدنى معرفة بأساليب الكلام ومقتضيات الحال والمقام إن هذا الدعاء لا يليق إلا بمن كان له أولياء ويحتاج الى النصرة ويحذر من الخذل ولا يكون ذلك إلا سلطاناً أو إمام نعم لا يستلزم ذلك الدعاء كون الإمام معصوماً لكن التقييد بالمعصوم ها هنا إنما هو من إضافات هذا الشيخ المخطيء ولا يستدعي دعوى إختصاص الدعاء المذكور بالإمامة إتصافة بالعصمة وإن كان الإمام عند الشيعة يجب أن يكون متصفاً بالعصمة في الواقع فافهم.

وأما ما أخرجه أبو ذر الهروي الخارجي فاللائح عليه وضعه في مقابل ماروى في شأن عليعليه‌السلام في الحديث المتفق عليه المشهور وهو « علي مع الحق والحق مع علي ، يدور الحق معه كيفما دار » فلظهور وضعه لم يلفتوا الى دلالته على إمامة عمر.

وأما ماذكره من « الترديد في عصمة الإمام » فمردود بإنا قد بينا سابقاً إن الإمامة نيابة عن النبي في أمور الدين والدنيا فيعتبر فيها ماأعتبر في النبوة بل الإمام أحوج الى ذلك لأن النبي مؤيد بالوحي بخلاف الإمام وقد ذكرنا هناك من الحجج العقلية والنقلية ما يفيد القطع فما زعمه هذا الباطل من البطلان باطل قطعاً وكذا ما زعمه من بناء دعوى وجوب عصمة الإمام على تحكيم العقل فإن ماقدمناه من الأدلة براهين عقليه قطعية لا إبتناء لشيء منها على تحكيم العقل في الحسن والقبح على إن تحكيم العقل فيها مع موافقة جمهور المعتزلة والماتريدية الحنفية فيه قد أقيمت عليه براهين عقلية لايمكن لمن تفرد بالخلاف فيه من الأشاعرة الفاجرة القدح فيها ولو عضوا بالحجر وقد فصلنا الكلام في ذلك في شرحنا لكتاب كشف


الحق فاليرجع اليه من أراد الحق والله يحق الحق ويبطل الباطل ببينات آياته.

٦٦ ـ قال : ثامنها انهم اشترطوا في الأمام يكون أفضل الأمة وقد ثبت بشهادة على الواجب العصمة عندهم إن أفضلها أبو بكر ثم عمر رضي‌الله‌عنهما فوجبت صحة إمامتهما كما إنعقد عليه الإجماع السابق انتهى.

اقول : قد قدمنا سابقاً بيان بطلان ماذكره ها هنا من إنعقاد الإجماع السابق ووقوع الشهادة للاحق والنحمد الله تعالى على سلامتنا عن عظيم ما إبتلوا به من المجاهرة بالباطل ، ومعارضة الحق بالكلام الغث العاطل.

٦٧ ـ قال : الشبهة الثانية عشرة زعمو إن من النص للتفصيلي على إمامة علي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له لما خرج الى تبوك وإستخلفه على المدينة « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه لانبي بعدي » قالوا ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلا لما صح الإستثناء ، ومما ثبت لهارون من موسى إستحقاقه الخلافة عنه لو عاش بعده إذا كان خليفته في حياته فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه وهو غير جائز على الأنبياء وايضاً فمن جملة منازله منه إنه كان شريكاً له في الرسالة ومن لازم ذلك وجب الطاعة لو بقي بعده فوجب ثبوت ذلك لعلي إلا أن الشركة في الرساله ممتنعة في حق علي فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عملاً بالدليل بأقصى مايمكن وجوابها إن الحديث إن كان غير صحيح كما يقوله الأمدي فظاهر وإن كان صحيحاً كما يقوله أئمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم كيف وهو في الصحيحين فهو من قبيل الآحاد وهم لايرونه حجة في الإمامة وعلى التنزيل فلا عموم له في المنازل بل المراد مادل عليه ظاهر الحديث إن علياً خليفة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مدة غيبته بتبوك


كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة وقوله إخلفني في قومي لا عموم له حتى يقتضي الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته بل المتبادر منه مامر إنه خليفتة مدة غيبته فقط وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسىعليه‌السلام إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح بإستخلافه في زمن معين ولو سلمنا تناوله لما بعد الموت وإن عدم بقاء خلافته بعده عزل له لم يستلزم نقصاً يلحقه بل إنما يستلزم كمالاً له أي كمال لأنه يصير بعده مستقلاً بالرسالة والتصرف من الله تعالى وذلك أعلى من كونه خليفة وشريكاً في الرسالة سلمنا إن الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هارون كونه أخا نبياً والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة على الخلاف فيه ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسىعليه‌السلام لو فزض إنما هو للنبوة لا للخلافة عنه وقد نفيت النبوة هنا لإستحالة كون علي نبياً فيلزم نفي مسببه الذي هو إفتراض الطاعة ونفاذ الأمر فعلم مما تقرر إنه ليس المراد من الحديث مع كونه آحاداً لا يقاوم الإجماع إلاإثبات بعض المنازل الكائنة لهارون من موسى وسياق الحديث وسببه يبينان ذلك البعض لما مر إنه إنما قاله لعلي حين إستخلفه فقال علي كما في الصحيح : أتخلفني في النساء والصبيان ؟ كأنه إستنقص تركه وراءه فقال له : إلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى حيث إستخلفه عند توجهه الى الطور إذ قاتل له إخلفني في قومي واصلح وايضاً فاستخلافه على المدينة لايستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه إفتراضاً ولا ندباً بل كونه اهلاً لها في الجمله وبه نقول وقد إستخلفصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرار أخرى غير علي كإبن أم مكتوم ولم يلزم فيه بسبب ذلك إنه أولى بالخلافة بعده انتهى.

أقول : يظهر من تفرض الأمدي من بين جميع المتسمين بأهل السنة ومحدثيهم بنفي صحة هذا الحديث إنه لما ظهر عليه قوة دلالة هذا الحديث على إمامة عليعليه‌السلام


التجأ الى القدح في صحته كما هو دأب قومه وإنما لم يوافقه غيره من المتأخرين في ذلك لما رأوه من غاية الشناعة في إنكار صحة ماملأ به المتقدمون كتبهم ولعمري لو تفطن متقدموهم لذلك لأخفوه ولم يكثروا من ذكره كما هو عادتهم في جحد الحق والشهادة بالباطل كما تشهد به مؤلفاتهم إذ كل ماندعيه فيه شواهد من كتبهم نصوص أئمتهم مما لا يقدرون على إنكاره في خيار كتبهم عن خيار مصنفيهم وقد أوضحنا ذلك في هذا التعليق بعون ولي التوفيق ولتوجه الشناعة ترى المتأخرين منهم قد عدلوا عن القدح في صحة سنده الى القدح في دلالة متنه بالتاويل والتخصيص الذي هو أشنع من الأول كما أتى به هذا الشيخ الجاهل ولا يخفى إنه يظهر مما فعله الأمدي إنه لايبالى بما في الصحيحين ولا يعتقد صحة ما فيهما من الأحاديث كلاً او بعضاً فاحفظ هذا.

وأما ماذكره من « إن الشيعة لا يروون أخبار الآحاد حجة في الإمامة » فهب أن يكون كذلك لكنهم جعلوا الإحتجاج بها إلزامياً لأهل السنة فلا يلزم أن تكون جميع دلائلهم على هذا المطلب تحقيقاً.

وأما ماذكره بعد التنزيل فهو أنزل مما تنزل منه لأن ما أتى به فيه من إنكار العموم منع للمقدمة المستدل عليها حيث إستدل الخصم على العموم بما نقله من قولهم وإلا لما صح الإستثناء فافهم وقوله « بل المراد الى آخره » مردود بان الكلام في الدلالة لا في الإرادة وانى له إثبات المراد وكيف يبقى بعد ظهور دلالة اللفظ على عموم المنازل دلالة ظاهرة للفظ الحديث على ماذكره من التخصيص المخالف للأصل والظاهر.

وأما ماذكره من « إن قول موسىعليه‌السلام : إخلفني في قومي لا عموم له الى آخره » ففيه إنه إن لم يكن له عموم بحسب الصيغة لكنه يفيد العموم بحسب العرف كما في قولنا « الله وفقنا لما تحب وترضى » فكما إن العرف يفهم هاهنا العموم لا طلب التوفيق في وقت دون وقت فكذا فيما نحن فيه يفهم أن المطلوب الخلافة الثابتة مدة حياة الخليفة لا الخلافة المستعقبة للعزل ولأن الغرض من ذلك الإستخلاف رعاية مصالح الرعية


وذلك بعد الموت أهم إذ رعايتها وقت الغلب ممكنة للمستخلف وأما بعد الموت فغير ممكنة وبالجملة لإخفاء في كون ذلك ظاهراً في العموم وبناء الدليل على الظاهر والعدول عنه من غير ضروره غير جائز وأما تخصيص الخلافة بوقت معين فمن الظاهر إنه خلاف الظاهر فكيف يدعي كونه متبادراً.

وأما ماذكره من « إن عدم الشمول لما بعد الوفاة إنما هو لقصور اللفظ » فإنما نشأ عن قصور فهمه وإلا فاللفظ قد خيط على قدر المعنى سواء بسواء كما عرفت.

واما ماذكره من « إن عزل هارون عن الخلافة بعد موسىعليه‌السلام كمال له لأنه يوجب إستقلاله في الرسالة وإن ذلك أعلى من كونه خليفة له وشريكاً في رسالته » فمدخول بأنه لو سلم إنه كان شريكاً له في النبوة والرسالة فلا يلزم إستقلاله فيها بعد وفاة موسىعليه‌السلام إذ الشركة لا تقتضي إستقلال التصرف في حصة الشريك بعد وفاته لجواز ضم آخر اليه بدله على إنه إذا كان هارون شريكاً لموسى في النبوة غير مستقل فيه كما هو صريح عبارته فيلزم منه أن يكون موسىعليه‌السلام ايضاً كذلك ولم يقل أحداً بأنهماعليهما‌السلام كانا نبياً واحدا مستقلاً وهو ظاهر وايضاً لو صح ذلك لما تميز عن هارون بكونه من أولي العزم دونه ، ولما نسب نزول التوراة اليه وحده ، ولما نسب بنو إسرائيل الى كونهم أمته وحده ، فظهر إن المراد بقوله « إشركه في أمري » المشاركة في دعوة فرعون ونحوه من الأمور وكذا المراد باستخلافه بهارون كونه خليفة بما يختص بموسىعليه‌السلام من أحكام نبوته بل الظاهر إنه لا معنى لعدم الإستقلال في النبوة سواء كان النبي مبعوثاً على نفسه أو على غيره ايضاً فتأمل.

وأما ماذكره من « إن العام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة » فضعيف جداً لأن المحققين من أئمة الأصول على كونه حجة في الباقي والمخالف شاذ لا يعتد به لكن هذا الشيخ الجاهل غلب الأمر في نسبة القوة والضعف الى المذهبين ترويجاً لما هو في صدده هاهنا والا فقد تراه في غيره من


المطالب على خلاف ذلك كما تشهد به كتب أصحابه من الشافعية في الإصول.

وأما ماذكره من « إن نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لو فرض إنما للنبوة لا للخلافة » مجرد دعوى لا دليل عليه أصلاً ولم لا يجوز أن يكون بالأمرين معاً ففي لوازم نبوة نفسه بها وفي إجراء أحكام نبوة موسىعليه‌السلام بالخلافة عنه ويؤيد هذا ماروى محمد الشهرستاني الأشعري عند بيان أحوال اليهود من كتاب الملل والنحل حيث قال « إن الأمر كان مشتركاً بين موسى وبين أخيه هارونعليهما‌السلام إذ قال إشركه في أمري فكان هو الوصي فلما مات هارون في حياته إنتقلت الوصاية الى يوشع وديعة ليوصلها الى شبير وشبر قراراً وذلك لأن الوصية والإمامة بعضها مستقروبعضها مستودع » انتهى

وهو نص في أن المراد بالمنزلة في حديث المنزلة وهو الوصاية والخلافة.

وأما ماذكره بقوله « فعلم ماتقرر إنه ليس المراد ؛ الى آخره » فهو مردود بما علمت من عدم تقرر ماذكره بل كان ذلك كالرقم على الماء والنقش على الهواء.

وأما ماذكره من « إن الحديث مع كونه آحاداً لايقاوم الإجماع » ففيه من قد بينا سابقاً من بطلان إنعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر وإنه لغاية وهنه ربما يقاومه ما هو أوهن من بيت العنكبوت فضلاً عن الخبر الواصل الى حد التواتر في الصحة والثبوت.

وأما ما إستدل به على مطلوبه من دلالة السياق بمعونة الدليل المنفصل من موضوعات البخاري ومعونة تفسيره للآية بما شاء لا يخفي وهنه ونحن نبرأ الى الله تعالى من هذا التفسير البارد الفاسد الذي هو أما زله عالم فاضل أو إفتراء كاذب فاسق ونحمده تعالى على السلامة من ذلك.

وأما ماذكره آخراً من « إنه أيضاً فاستخلافه على المدينة لا يستلزم ؛ الى آخره » فمقدوح بأن الإجماع من الأمة حاصل على إن هؤلاء لا حظ لهم بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في إمامة ولا فرض طاعة وذلك دليل ظاهر على ثبوت عزلهم أيضاً الفرق ظاهر لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله عزل إبن أم مكتوم بتولية علي عليه


السلام ولم يعزل عندما عرف إنه آخر غزواته ولو عرف إن غيره يقوم مقامه في الحروب وكشف الكروب لأستخلفه في جميع غزواته ولو عرفصلى‌الله‌عليه‌وآله بوقوع قتال في تبوك ماتركه في المدينة كما قال إبن الجوزي حين قيل له : هل جرى في تبوك قتال ؟ قال : قعدت الحرب الشجاع فمن يقاتل ؟ ولو لم يكن في هذه المنقبة الشريفة إلا عزل الغير وتوليته لكفاه شرفاً ونبلاً وأصحابنا كثرهم الله لم يستدلوا بمجرد الإستخلاف بجميع الأمور للإجماع على هذا وعدم القائل بالفرق وهذا أقوى من إستدلالهم بإمامة أبي بكر في الصلاة وعلى تقدير صدقها كما لايخفى على إنا لو أغمضنا عن دلالة الحديث على الخلافة نصاً فنقول لايشك عاقل إن منزلة هارون من موسى أعظم من منزلة غيره من أصحاب موسىعليه‌السلام فكذا منزلة على (ع) يكون أعظم وأقوى من منزلة غيره من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكون أولى بالإمامة من غيره بعده ومما يؤيد ذلك ماأخرجه صاحب جامع الإصول في صحيح النسائي عن عليعليه‌السلام قال : كانت لي منزلة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تكن لأحد من الخلائق انتهى

وها هنا زيادة تدقيق وتحقيق وشحنا بها شرحنا بكتاب كشف الحق ونهج الصدق فليطالع ثمة.

٦٨ ـ قال : الشبهة الثالثة عشرة زعموا أيضاً إن من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة علي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي « أنت أخي ووصيي ، وخليفتي وقاضي ديني » أي بكسر الدال وقوله « أنت سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين » وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « سلموا على علي بإمرة الناس وجوابها مر مبسوطاً قبيل الفصل الخامس ومنه إن هذه الأحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه (ص) ألا لعنة الله على الكاذبين ولم يقل أحد من أئمة الحديث إن شيئاً من هذه الأكاذيب بلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها بل كلهم مجتمعون على إنها محض كذب وإفتراء فإن زعم


هؤلاء الجهلة الكذبة على الله ورسوله وعلى أئمة الإسلام ومصابيح الضلام إن هذه الأحاديث صحت عندهم قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع إنكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين أفنوا أعمارهم في الأسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفي السعي الى كل من ظنوا عنده شيئاً منه حتى جمعوا الأحاديث ونقبوا عنها ، وعلموا صحيحها من سقيمها ودونها في كتبهم على غاية من الإستيعاب ونهاية من التحرير وكيف والأحاديث الموضوعة جاوزت مئات الألوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والأفتراء على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلة إنا إذا إستدللنا عليهم بالاحاديث الصحيحة الدالة صريحاً على خلافة أبي بكر كخبر « إقتدوا بالذين من بعدي » وغيره من الأخبار الناصة على خلافته التي قدمتها مستوفاة في الفصل الثالث قالوا هذا خبر واحد فلا يغني فيما يطلب فيه اليقين وإذا أرادوا أن يستدلوا على مازعموه من النص على خلافة علي أتوا أما بأخبار لاتدل بزعمهم كخبر « من كنت مولاه » وخبر «أنت مني بمزلة هارون من موسى » مع إنها آحاد وأما بأخبار باطلة كاذبة متيقنة البطلان واضحة الوضع والبهتان لاتصل الى درجة الأحاديث الضعيفة التي هي أدنى مراتب الآحاد فتأمل في هذا التناقض الصريح والجهل القبيح لكنه لفط جهلهم وعنادهم وميلهم عن الحق يزعموا التواتر فيما يوافق مذهبهم الفاسد وإن أجمع اهل الحديث والأثر على إنه كذب موضوع مختلق ويزعمون فيما يخالف مذهبهم إنه آحاد وإن إتفق اولئك على صحته وتواتر روايته تهكما وعناداً وزيغاً عن الحق فقاتلهم الله ماأجهلهم وأحمقهم انتهى.

أقول : أما الحديث الأول فهو مذكور في مسند أحمد بن حنبل من عدة طرق بالفاظ متقاربة وكذا رواه الثعالبي في تفسيره وإبن المغازلي في كتاب المناقب


بأدنى تغيير فنسبة الشيعة في رواية ذلك الى الإفتراء والإرتياب، كما أتى به هذا الشيخ المعاند في الجواب إنما نشأ من غاية العجر والإضطراب.

وأما الحديث الثاني والثالث فقد مر إنهما من المتواتر في الطبقة الأولى كافة ، وإنما إنقطع تواتره في أواخر تلك الطبقة سيما بني أمية وأتباعهم ، المنحرفين عن النصوص عليه ، المعاندين لظهور نقلها على الكافة فصار الخوف منهم واجباً لكتمان جمهور الطبقة الثانية الموجودين في حاق زمان ملكهم بذلك وبقي بين الشيعة بحالة مستسرين في نقلة طائفة بعد طائفة إن قيل : كيف يجوز على العدد الكثير وعلى من يتواتر به الإخبار من جماعة أهل السنة أن يكتموا خبراً تحتاج اليه الأمة أشد حاجة وهو في الأمر العظيم الخطير الشريف الرفيع وقد وعدوا على كتمانه ووعدوا على إذعانه لبعض ماذكرتم من الأسباب الفاسدة والأغراض الكاسدة لو جاز هذا عليهم لجاز عليهم تعمد الكذب فيما شاهدوا وعاينوا ، وما الفرق بين الكتمان والكذب ؟ قلنا : إنا لا نجيز وقوع الكتمان من العدد الكثير إلا بعد أن يتغير حالهم ويحتال عليهم محتال في إدخال شبهة عليهم يزيلهم بها عن دينهم فإذا تغيرت الحال وعملت الشبهة وزال القوم عن الدين أمكن أن يعرضوا عما قد سمعوه وعاينوه فإذا أعرضوا أمكن وقوع الكتمان على الأيام وتطاولها وما يعرض فيها من غلبة سلطان جائر يقصد الذين يدينون دين الحق فيقتلهم ويشردهم ويخوفهم حتى يسكت العلماء ويتخذ الناس رؤساء جهالاً فساقاً كمعاوية ويزيد ، عليهم من اللعن مايربوا ويزيد ، فيضلون ويضلون والدليل على صحة ماإدعيناه إنا وجدنا من أمة موسىعليه‌السلام ماتغيرت حالهم وتمكنت الشبهة في قلوبهم أعرضوا عما كانو سمعوه ووعوه من قول موسىعليه‌السلام وارتد الذي لامثل له ولم يلتفتوا مع مافي عقولهم من إن الصانع لانسبة لصنعه الى صنعة السامري الى ماكان يذكرهم به هارون (ع) وهموا بقتله وقالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجعوا الينا موسى هذا


عندما قال لهم هارون « ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ، واطيعوا أمري » وبين وقوع الكتمان على هذه الجهة وبين وقوع الكذب فرق واضح وهو إن الكتمان إذا وقع على هذه الجهة وقع شبهة يمكن معها أن يتوهم القوم إنهم على صواب ما والكذب لايمكن وقوعه من هذه الجهة ألا يمكن للمحتالين من الرؤساء أن يقولوا لقوم الذين سمعوا خبراً إن معنى هذا الكلام وغرض المخاطب لكم به لم يكن ماسبق الى قلوبكم وقد غلطتم واخطأتم ونحن أعلم بمراده ومقصوده وإن أنتم لاتقبلوا منها أفسدتم الإسلام فعند ذلك يتمكن الشيطان وينجوا الذين سبقت لهم من الله الحسنى وليس يمكن للرؤساء أن يقولوا لهم تعالوا حتى نتخرص خبراً نصنعه ونذيعه لأنهم إذا قالوا ذلك كشفوا عما تخفية صدورهم وظهر أمرهم للعامة وتبين نفاقهم فصح بما قررنا إن الكتمان يجوز وقوعه على وجه لايجوزوقوع الكذب عليه وبالجملة يجوز أن يكون السبب في إنقطاع تواتر الخبر أو كتمانه بطول الشبهة لهم في نسخه بما رووه من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « الأئمة من قريش » أو أن يكون لترك عمل الصحابة بالنص ترجيحاً لرأيهم كما وقع عن عمر حيث قال « متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » وكما قال أبو حنيفة في مقابل نص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مشروعية القرعة في بعض المشتبهات ومشروعية أشعار الهدي في الحج « إن القرعة قمار والإشعار مثله » أو لطمعهم في ترك النقل التقرب الى ملوك بني أمية ومن قبلهم ومن بعدهم من الملوك الذين سلكوا مسلكهم في بغض أهل البيتعليهم‌السلام أو كما قاله النيشابوري الشافعي في تفسير سورة طه من إن الدليل قد يكون في غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدمعليه‌السلام عداوة إبليس وإنه تعرض لسخط الله في شأنه حين إمتنع عن سجوده فكيف قبل وسوسته لولا كتاب من الله سبق


انتهى

إذ يعلم من هذا إن مجرد ظهور أدلة الشيعة على الإمامة ونحوها من مطاليبهم في نفس الأمر لا يوجب عدم خفائها على أهل السنة وكذا بالعكس وبعبارة أخرى لاوجه لأن يقال لو كان الأمر كماعليه الشيعة لما جاز على خلق كثير من علماء أهل السنة مثلاً أن لا يتفطنوا بمدلول ذلك الدليل ولا يهتدوا به الى الحق ولنعم ماقال عارف الشيرازي :

شعر زاهد أر راه برندي نبرد معذور است

عشق كاريست كه موقوف هدايت باشود

فلا بد لكل من الفريقين من الفحص عن أدله أخرى بل المباحثة والمناضرة معه حتى يتقرر له الدليل ويتضح عليه السبيل وكل من رام الحق بدون ذلك فهو في تضليل ولعله كما قال النيشابوري قد سبق كتاب من الله في أن لاينال أهل السنة مدلول دليل أهل الحق على إثبات الحق فتأمل هذا وقد مر إن من شرط حصول العلم التواتري لسامع الخبر الا يكون السامع ممن سبق الى إعتقاده نفي مخبره بشبهة أو تقليد فمتى كان السامع كذلك لا يحصل له العلم المخبر الخبر المتواتر لايقال : فعلى هذا الشرط يجب أن لايحصل لمن سبق إعتقاده نفي مكة العلم بوجودها لأنا نقول مادة النقض غير متحققة إذ لاداعي هاهنا الى سبق إعتقاد النفي فلا يطرأ فيه شبهة.

وأما ماذكره من « إنه كيف ينفرد الشيعة بعلم صحة تلك مع إنهم لم يتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث ويجهل ذلك مهرة الحديث ؛ الى آخره » ففيه إنه إن أراد إنهم لم يتصفوا برواية وصحبة لمحدث من أهل السنة فعلى تقدير تسليمه وجهه ظاهر لحصول المعاندة بينهم على وجه يتقي الشيعة منهم ، وإن أراد روا يتهم من أكابر شيعتهم وصحبتهم مع المحدثين منهم أنفسهم فلهم بحمد الله تعالى أكابر فضلاء ، محدثون علماء ، وقد دونوا في الحديث النبوي والإمامي من نفائس الكتب مايزيد على الإصول الستة لأهل السنة فمن تلك الكتب الجامع المسمى


بالكافي لمحمد بن يعقوب الكليني الرازي وكتابا التهذيب والإستبصار للشيخ أبي جعفرالطوسي وكتابا مدينة العلم ومن لايحضره الفقيه لإبن بابويه وغير ذلك لكن أهل السنة لايلتفتون الى تفاصيل أحاديث الشيعة ومؤلفاتهم الكلامية والأصوليه والفروعية حذرا من أن يظهر عليهم ويلزمهم ترك تقليد الأسلاف لا يرحمهم‌الله ولا يزكيهم.

وأيضاً فالشيعة وإن لم يتصفوا برواية وصحبة محدث من أهل السنة فقد إتصفو برواية أهل السنة منهم وصحبتهم إياهم كما يرشد اليه ماصرحوا به من أن سبعة من مشايخ البخاري كانوا من محدثي الشيعة منهم عبيد الله بن موسى وأبي معاوية كما مر وذكر الذهبي في أول كتابه الموسوم بميزان الإعتدال في أحوال الرجال أبان بن تغلبرحمه‌الله وقال إنه شيعي صلب لكنه لما كان صدوقاً فصدقه لنا وبدعته له وقد وثقه أحمد بن حنبل وإبن معين وقال إبن عدي : « إنه كان غالياً في التشيع » ثم قال « فإن قيل كيف يحكم بثقة المبتدع مع إن العدالة التي هي ضد البدعة مأخوذ في تعريف الثقة قلنا الغلو في التشيع والتشيع بلا غلو كان كثيراً في التابعين مع إنهم كانوا متحلين بحلية التدين والورع والصدق فلو ردت أحاديثهم مع كثرتها لضاع كثير من الآثار النبوية وهذه مفسدة ظاهرة» آنتهى.

ومن محدثي الشيعة الذين قد روي عنه جماعة من محدثي أهل السنة الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني الكوفي الملقب بإبن عقدة وقد ذكره الذهبي في ميزانه واليافعي وإبن كثير الشامي في تاريخهما وقالوا « أبوالعباس كوفي شيعي وهو أحد من أركان الحديث والحفاظ الكبار وكان قد سمع أحاديث كثيرة وسافر في طلب الحديث أسفاراً عديدة وإستفاد من خلق كثير واستمع منه الطبراني والدار قطني والجعامي وبن عدي وبن مظفر وبن شاهين وكان آية من أيات الله تعالى في الحفظ حتى قال الدار قطني : إن أهل بغداد أجمعوا على إنه


لم يظهر من زمان إبن مسعود الى زمان إبن عقدة من يكون أبلغ منه في حفظ الحديث » وأيضاً قال الدار قطني « سمعت منه إنه قال قد ضبطت ثلاثمائة الف حديث من أحاديث أهل البيت وبني هاشم وحفظت مائة الف حديث بأسانيدها » ونقل الذهبي عن عبدالغني بن سعيد إنه قال « سمعت عن الدارقطني إنه قال إن إبن عقده يعلم ماعند الناس ولا يعلم الناس ماعنده » وقال الثلاثة « إن إبن عقدة كان يقعد في جامع البراثي من كوفة ويذكر مثالب الشيخين عند الناس فلهذا تركوا بعض أحاديثه وإلا فلا كلام في صدقه » انتهى

وأما ماذكره من « إن محدثي أهل السنة دونوا الأحاديث في كتبهم على غاية من الإستيعاب » فهو كذب صريح ظاهر على أصحابه ايضاً لأنهم صرحوا بأن كتاب البخاري مشتمل على أربعة الآف حديث بعد إسقاط المكررات وقد نقل عنه إنه كان يحفظ مائة الف حديث وقس على هذا مسلماً وغيره جمعاً وحفظاً مع تداخل أكثر أحاديث جوامعه وقال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم « إن البخاري ومسلماً لم يلتزما إستيعاب الصحيح بل صحح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وإنهما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله لا إنه يحصر جميع مسائله هذا مع ما سمعت منا سابقاً من القدح التفصيلي في الكتابين فتذكر وأعجب من جميع ماذكر تعجبه من الشيعة في نفيهم لصحة شطر من أحاديث أهل السنة كيف ودعوى صحة تلك الأحاديث أول المسألة ومصادرة على المطلوب كما مر مراراً خصوصاً في دعوى صحة خبر « إقتدوا بالذين من بعدي » ولقد أحسن حيث حذف ذكر أبي بكر وعمر ها هنا فافهم.

وأما ماذكره من « إن الشيعة يقولون في مقابلة استدلال أهل السنة بتلك الأحاديث إنها أخبار آحاد ؛ الى آخره » فهو إفتراء عليهم بل هم لايسلمو صحتها من أول الأمر.

وأما استدلالهم بالخبر الواحد الثابت عند اهل السنة المذكور في بعض


كتبهم عليهم فإنما وقع إلزاماً كما مر مراراً ولا تناقض في ذلك وإنما التناقض عند إبن حجر البليد المتحجر الذي لم يفهم بجمود طبعه معنى التناقض كما لم يفهم بطلان المصادرة التي شحن بها كتابه هذا فتأمل.

٦٩ ـ قال : الرابعة عشر زعموا إنه لو كان أهلاً للخلافة لما قال لهم « أقيلوني أقيلوني » لأن الإنسان لايستقيل من الشيء إلا أذا لم يكن أهلاً له وجوابها منع الحصر فيما عللوا به فهو من مفترياتهم وكم وقع للسلف والخلف التورع عن أمور هم لها أهل وزيادة بل لاتكمل حقيقة الورع والزهد إلا بالإعراض عما تأهل له المعرض وأما مع عدم التأهل فالإعراض واجب لازهد ثم سببه هنا إنه أما خشي من وقوع عجز ما منه عن إستيفاء الأمور على وجهه الذي يليق بكماله له أو إنه قصد بذلك إستبانة ماعندهم وإنه هل فيهم من يود عزله فأبرز ذلك كذلك فرآهم جميعهم لا يودون ذلك أو إن خشي من لعنتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لإمام قوم وهم له كارهون فاستعلم إنه هل فيهم أحد يكرهه أولاً والحاصل إن زعمهم إن ذلك يدل على عدم الأهلية غاية في الجهالة والغباوة والحمق فلا ترفع بذلك رأساً انتهى.

أوقال : الرواية المشهورة إنها قال أبو بكر عند إمتناع عليعليه‌السلام عن بيعته وإدعاء الخلافة لنفسه محتجاً عليه بما إحتج هو به على الأنصار وغيرهم « اقيلوني أقيلوني فإني لست بخيركم وعلي فيكم » ولا ريب إن شيئاً من الوجوه التي تكلف إبداءها في تأويل هذه الإقالة مما لايتمشى ولايصلح جواباً بعد أن يكون وجه إقالته ماذكرناه وعبارته مانقلناه وإن إرتكب متكلف إرجاع بعض وجوهه الى ماذكره الشارح الجديد للتجريد من إنه قصد بما ذكره التواضع وهضم النفس فيتوجه عليه أولاً ماذكرناه عند الكلام على رواية ذكرها فى أواخر الفصل الأول من الباب الأول


وثانياً إن هضم النفس فى أمر الدين غير موجه كيف ولا يبقى حينئذ وثوق لكلامه لعدم العلم بقصده بل نقل ولا يعقل ممن أعطاه الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله الإمامة والخلافة في أمور المسلمين بحسب الدين والدنيا أن يقول لهم دعوا قبولي للإمامة لأني لست بخيركم وغيري خير مني موجود فيكم لأن ذلك يصير كذباً على الله ورسوله

وثالثاً إن القول المذكور إنما وقع منه عند إنكار عليعليه‌السلام لإمامته وتعريض الناس عليه وعدم لياقته بذلك مع وجود عليعليه‌السلام كما مر فلو كان غرضه هضم النفس لما خص الخيرية لعليعليه‌السلام بل قال أقيلوني فإن كل واحد منكم خير مني كما قال عمر « كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت » مع إن هذا ايضاً في الحقيقة إعتراف بالواقع فافهم.

٧٠ ـ قال : الشبهة الخامسة عشرة زعموا ايضاً أن علياً إنما سكت عن النزاع في أمر الخلافة لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصاه ان لايوقع بعده فتنة ولا يسل سيفاً وجوابها إن هذا إفتراء وكذب حمق وجهالة مع عظيم الغباوة عما يترتب عليه إذ كيف يعقل مع هذا الذي زعموه إنه جعله إماماً والياً على الأمة بعده ومنعه من سل السيف على من إمتنع من قبول الحق ولو كان مازعموه صحيحاً لما سل علي السيف في حرب صفين وغيرها ولم قاتل بنفسه وأهل بيته وشيعته وجالد وبارز الألوف منهم وحده أعاذ الله من مخالفة وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأيضاً كيف يتعقلون إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوصيه بعدم سل السيف على من يزعمون فيهم بأنهم يجاهرون بأقبح انواع الكفر مع ما أوجبه الله من جهاد مثلهم قال بعض أئمة أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة وقد تأملت كلماتهم فرأيت قوماً أعمى الهوى بصائرهم فلم يبالوا بما ترتب على مقالاتهم من المفاسد ألا ترى الى قولهم « إن عمر قاد علياً بحمائل سيفه ، وحصر فاطمة


فهابت فاسقطت ولداً إسمه المحسن » فتقصدوا بهذه الفرية القبيحة ، والغباوة التي أورثتهم العار والبوار والفضيحة ، أيغار الصدور على عمررضي‌الله‌عنه ولم يبالوا بما يترتب على ذلك من نسبة عليرضي‌الله‌عنه الى الذل والعجز والخور بل ونسبة جميع بني هاشم وهم اهل النخوة والنجدة والأنفة الى ذلك العار اللاحق بهم الذي لا أقبح منه عليهم انتهى.

أقول : الأحمق الجاهل الغبي هو معدن التحجر والجمود ، أبو جلمود أخو سمهود ، إبن حجر الذي يحرف الكلم كملاعين اليهود ، ويفتري على خصمه بما هو بريء منه عند أهل الشهود ، ثم يعترض عليه إستجلاباً لقلوب عوام مذهبه المردود ، فإن الذي نقله الشيعة هو وصية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الى عليعليه‌السلام بأن لا يسل سيفاً على الثلاثة لا مطلقاً كما موه به وقد بينا وجه الحكمة في ذلك سابقاً بالفرق الظاهر بين زمان الثلاثة وبيان زمان الناكثين والقاسطين والمارقين.

وأما ماذكره من « إنه كيف يعقل مع جعله إماماً منعه من سل السيف على من إمتنع من قبول الحق » وما كرره به بعيد ذلك بقوله « وايضاً كيف يتعقلون إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوصيه بعدم سل السيف ؛ الى آخره » فمعارض بارسال الله تعالى موسى هارونعليهما‌السلام الى فرعون الطاغي عليه اللعنة ووصية لهما بأن « قولا له قولاً ليناً » وبعدم سل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله السيف على كفار قريش مع وجود عميه الناصرين له أبي طالب وحمزة وسائر بني هاشم وتحصنه معهم بشعب أبي طالب مدة طويلة ثم فراره بعد وفاة أبي طالب الى الغار ومنه الى المدينة وبعدم محاربته لمن صده من قريش في الحديبية عند توجهه الى الحج بل صالح معهم بكتابة عهد معهم قد تضمن شرائط منها إن من لحق محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله واصحابه من قريش فإن محمداً يرده اليهم ومن رجع من اصحاب محمد الى قريش بمكة فإن قريشاً لا ترده الى محمد ولما كتبوا في كتابة العهد « بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما


قاضى عليه محمد رسول الله قالو إنا لانعرف الإله الرحمن الرحيم ولم نقر برسالتك فالزموه أن يمحوا ذلك ويكتب بدله باسمك اللهم هذا ماقضى عليه محمد بن عبدالله ؛ الى أخره » ثم رجعصلى‌الله‌عليه‌وآله الى المدينة بلا حج حتى إعترض عمر على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنك لم تعطي هذه الدنية ؟ مع إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أشجع الناس إتفاقاً وكان معه عليعليه‌السلام وأبو بكر الذي كان أشجع الخلق بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في زعم هذا الجامد وأصحابه الجوامد وعمر الذي أيد الله به الدين على زعم المفترين ، كما هو جوابه عن هذا فهو جوابنا عن ذلك بطريق أولى للفرق الظاهر بين الكف عن قتال المتظاهرين بالإسلام والكف عن قتال المشركين والمصالحة معهم بما سماه عمر دنية

وأيضاً يمكن المعارضة بما ذكره هذا الجامد في اثناء الخاتمة المتضمنة لبيان إعتقاد أهل السنة في الصحابة من إن إمتناع عليهعليه‌السلام عن تسليم قتلة عثمان الى معاوية ومن معه من بني أمية إن ظن إن تسليمهم اليهم على الفور مع كثرة عشائرهم وإختلاطهم بعسكر علي يؤدي الى الإضطراب وتزلزل أمر الخلافة التي بها إنتظام كلمة أهل الإسلام سيما وفي بدايتها لم يستحكم الأمر فيها فرأى عليرضي‌الله‌عنه إن تأخير تسليمهم أصوب الى أن ترتسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها ويتم له إننظام شملها وإتفاق كلمة المسلمين ثم بعد يلتقطهم واحدا فواحداً ويسلمهم اليه بل يتأتى المعارضة بما فوق ما ذكرنها فإن الله تعالى قد أمهل فرعون الطاغي الكافر أعواماً وأحقاباً خائضاً في كفره وطغيانه فافهم.

وقد ذكرنا سابقاً ماإعتذر أمير المؤمنينعليه‌السلام عن ذلك بأن له في صبره على طغيان قومه وكفه عن قتالهم إسوة بسبعة من الأنبياءعليهم‌السلام فتذكر.

واما مانسبة الى أئمة أهل البيت ، فهو من مفتريات نفسه الميت.

وأما ماذكره من « إنهم قالوا إن عمر قاد علياً بحمائل سيفه » فهو مما رواه حشوية


أهل السنة وأشار اليهم معاوية فيما كتبه الى عليعليه‌السلام ويقول فيه « إنك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع » يعيره ويأنبه إنه لم يبايع طوعاً ولا رضى ببيعة أبي بكر بل إستكره عليها خاضعاً ذليلاً كالجمل إذا لم يعبر على قنطرة وشبهها فإنه يكره ويخش بالرماح وغيرها ليعبرها كرهاً فكتب اليه علياًعليه‌السلام في الجواب عن هذا ما هذا لفظه كما في نهج البلاغة « قلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة فى أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه أو مرتاباً بيقينه وهذه حجتي الى غيرك قصدها ولكني أطلقت لك منها بقدر ماسنح من ذكرها » انتهى.

وأما ماذكره « من حصر عمر لفاطمةعليها‌السلام » فهو مما نقله محمد بن عبدالكريم الشهرستاني الأشعري في كتاب الملل والنحل عن النظام المعتزلي المشارك مع جمهور أهل السنة في تصحيح خلافة أبي بكر فلعل الشيعة إحتجوا بذلك إلزاما على أهل العناد والإنكار ، فاندفع العار والبوار عن الإئمة الأطهار ، وإنما العار الشنار على من فر في مبارزة آحاد الكفار ، وولى الدبر في خيبر وأحد وحنين بلا مبالاة عن لحوق العار ، وخوف عن دخول النار.

٧١ ـ قال : خاتمة قال شيخ الإسلام مجتهد عصره التقي السبكي كنت بالجامع الأموي ظهر يوم الإثنين سادس عشر جمادي الأولى سنة خمس وخمسين وسبعمائة فأحضر اليّ شخص شق صفوف المسلمين في الجامع وهم يصلون الظهر ولم يصل وهو يقول « لعن الله من ظلم آل محمد » وقد تكرر منه ذلك فسألته من هو ؟ فقال أبو بكر قلت أبو بكر الصديق ؟ قال أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد فأمرت بسجنه وجعل غل في عنقه ثم أخذه القاضي المالكي فضربه وهو مصر على ذلك وزاد فقال إن فلاناً عدو الله


شهد عليه عندي بذلك شاهدان وقال إنه مات على غير الحق وإنه ظلم فاطمة ميراثها وإنه يعنى أبا بكر كذب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في منعه ميراثها وكرر عليه المالكي الضرب يوم الإثنين المذكور ويوم الإربعاء الذي يليه وهو مصر على ذلك ثم أحضروه يوم الخميس بدار العدل وشهد عليه في وجهه فلم ينكر ولم يقر ولكن صار كلما سئل يقول ان كنت قلت فقد علم الله تعالى فكرر السؤال عليه مرات وهو يقول هذا الجواب ثم أعيد عليه فلم يبد واقعاً ثم قيل له تب فقال تبت من ذنوبي وكرر عليه الإستتابة وهو لايزيد في الجواب على ذلك فطال البحث في المجلس على كفره وعدم قبول توبته فحكم نائب القاضي بقتله فقتل وسهل عندي قتله ماذكرته من هذا الإستدلال فهو الذي إنشرح صدري لكفره بسبه وبقتله لعدم توبته وهو منزع لم أجد غيري سبقني اليه إلا ما سيأتي من كلام النووي وضعفه وأطال السبكي الكلام في ذلك وها أنا أذكر حاصل ماقاله مع الزيادة عليه مما يتعلق بهذه المسأله وتوابعها منبهاً على ما أزيده بأي ونحوها فأقول : إدعى بعض الناس إن هذا الرجل الرافضي قتل بغير حق وشنع السبكي في الرد على مدعي ذلك بحسب ماظهر له ورآه مذهباً وإلا فمذهبنا كما ستعلمه إنه لايكفر بذلك فقال كذب من قال إنه قتل بغير حق بل قتل بحق لأنه كافر مصر على كفره وإنما قلنا إنه كافر لأمور أحدها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديث الصحيح « من رمى رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إن كان كما قال وإلا رجعت عليه » ونحن نتحقق إن أبا بكر مؤمن وليس عدو الله ويرجع على هذا القائل ماقاله بمقتضى نص هذا الحديث للحكم بكفره وإن لم يعتقد الكفر كما يكفر ملقي المصحف بقذر وإن لم يعتقد الكفر وقد حمل مالك هذا الحديث على الخوارج والذين كفروا أعلام الأمة فما إستنبطته من هذا الحديث موافق لما نص عليه مالك أي فهو موافق لقواعد مالك لا لقواعد الشافعي على


إنه ستعلم مما يأتي عن المالكية المعتمد عندهم في ذلك وهذا الحديث وإن كان خبراً واحداً إلا إن خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير وإن كان جحده لا يكفر به إذ لايكفر جاحد الظني بل القطعي وقول النووي « إن حمل مالك لهذا الحديث على الخوارج ضعيف لأن المذهب الصحيح عدم تكفيرهم » فيه نظر وإنما يتجه ضعفة إن لم يصدر منهم سبب مكفر غير الخروج والقتال ونحوهما أما مع التكفير لمن تحقق إيمانه فمن أين للنووي ذلك انتهى.

ويجاب بأن نص الشافعيرضي‌الله‌عنه وهو قوله أقبل شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية صريح بما قاله النووي مع أن المعنى يساعده وأيضاً فتصريح أئمتنا في الخوارج بأنهم لايكفرون وإن كفرونا لأنه بتأويل فلهم شبهة غير قطعية البطلان صريح بما قاله النووي ويؤيده قول الإصوليين إنما لم يكفر الشيعة والخوارج لكونهم كفروا أعلام الصحابة المستلزم لتكذيبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قطعه لهم بالجنة لأن أولئك المكفرين لم يعلموا قطعاً تزكية من كفروه على الإطلاق الى مماته وإنما يتجه كفرهم إن لو علموا ذلك لأنهم حينئذ يكونوا مكذبين لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبهذا يعلم إن جميع مايأتي عن السبكي إنما هو إختيار له مبني على غير قواعد الشافعية وهو قوله جواب الإصوليين المذكور إنما نظروا فيه الى عدم الكفر لأنه لايستلزم تكذيبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم ينظروا لما قلناه إن الحديث السابق دال على كفره وقد قال إمام الحرمين وغيره : يكفر نحو الساجد لصنم وإن لم يكذب بقلبه ولا يلزم على ذلك كفر كل من قال لمسلم ياكافر لأن محل ذلك في المقطوع بإيمانه كالعشرة المبشرين بالجنة وعبدالله بن سلم ونحوه بخلاف غيرهم لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشار الى إعتبار الباطن بقوله « إن كان كما قال وإلا رجعت عليه » نعم يلحق عندي وإن لم يذكر ذلك متكلم ولا فقيه بمن ورد النص فيهم من إجتمعه الأمة على صلاحه وإمامته :إبن المسيب والحسن وإبن سيرين ومالك والشافعي.

فإن قلت : الكفر


جحد الربوبية أو الرسالة وهذا المقتول مؤمن بالله ورسوله وآله وكثير من صحابته فكيف يكفر ؟

قلت : التكفير حكم شرعي سببه جحد ذلك أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحداً وهذا منه وهذا أحسن الأدلة في المسألة وينضم اليه خبر الحلية « من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب » والخبر الصحيح « لعن المؤمن كقتله » وأبو بكر أكبر الأولياء والمؤمنين وهذا هو المأخذ الذي ظهر لي في قتل هذا الرافضي وإن كنت لم أتقلده لافتوى ولا حكماً وإنظم الى إحتجاجي بالحديث السابق مما إشتملت عليه افعال هذا الرافضي من إظهاره ذلك في الملأ وإصراره وإعلانه البدعة وأهلها وغمصه السنة وأهلها وهذا المجموع في غاية الشناعة وقد يحصل بمجموع أمور حكم لا يحصل بكل واحد منها وهذا معنى قول مالك « تحدث للناس أحكام بقدر مايحدث لهم من الفجور » ولسنا نقول بتغيير الأحكام بتغير الزمان بل بإختلاف الصورة الحادثة وهذا نهاية ماإنشرح صدري له بقتل هذا الرجل وأما السب وحده ففيه ماقدمته وما سأذكره وإذائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر عظيم إلا إنه ينبغي ضابط(١) فيه وإلا فالمعاصي كلها تؤذيه ولم أجد في كلام أحد من العلماء إن سب الصحابي يوجب القتل إلا مايأتي من إطلاق الكفر من بعض أصحابها وأصحاب أبي حنيفة ولم يصرحوا بالقتل وقد قال إبن المنذر « لا أعلم أحداً يوجب القتل بمن سب من بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انتهى.

اقول : قد تورط هذا الشيخ الجاهل المتعصب الجامد في خاتمته هذه التي تشهد عليه بسوء خاتمته في ورطة لا نجاة له منها أبداً وأكثر فيها من الخرافات والترهات التي نسى أولها آخرها يغتر الجاهل فيظن إنه أتى بشيء غامض دقيق من إختراعاتهم

____________________

(١) - ــ قال فيماب بعد « والضابط إن كل شتم قصد به أذى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما من عبدالله بن ابي كفر وإلا فلا كما وقع من مسطح في قصة الأفك » انتهى الضابط ( كذا كان في الحاشية منه ره )


مع أن جميع ماأتي به هذا الحجر اللامنحوت وشيخه السبكي المبهوت ، أبعد ثبوتاً من حقية الجبت والطاغوت ، وأوهن ثباتاً من نسج العنكبوت ، فنقول :

أولاً إن نظر هذا الرجل في ماوقع من بعض الصحابة المرضيين عندهم ثم عنهم من سب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام أولى من نظرهم في حال من سب بعض الصحابة الذين وقع النزاع في كونهم مرضيين وذلك لأن أول من سب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مرضه الذي توفي فيه صلوات الله عليه وآله هو عمر بن الخطاب ، خليفة …… حيث قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ايتوني بدواة وكنف لأكتب كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً ؛ فقال عمر : إن الرجل ليهجر ، حسبنا كتاب الله فاعرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مغضبا؛ ثم وقع التشاجر بين الصحابة فقال بعضهم : القول ماقاله عمر، وقال آخرون القول ماقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالإنصراف عنه حيث آذوه بذلك السقط من الكلام وبالصياح عنده فسأل بعضهم من الكتابة ففتح عينيه صلوات الله عليه وآله وقال بعد ما سمعت … ! » ثم سب معاوية وبنو أمية أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام على المنابر ثمانين سنة وكذا سب أمير المؤمنينعليه‌السلام معاوية وعمرو بن العاص وأمثاله ممن كانوا مع معاوية ثم قتل الصحابة أعظم كثيراً من سبهم وقد قتل يزيد بن معاوية الحسينعليه‌السلام ونهب حريمه مع إظهار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله محبته له وإشتهار أمره وأمر أخيهعليهما‌السلام وجعل الله تعالى مودتهم أجر الرسالة التي هي أعظم الألطاف الربانية على العبيد فإن بسببها يحصل الثواب الدائم والخلاص عن العقاب السرمد ؛ ثم سب أهل السنة والجماعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث نسبوا اليه الكفر لأنه صلى يوماً صلاة الصبح وقرأ فيها سورة النجم الى أن وصل الى قوله تعالى ومناة الثالثة الأخرى وقالوا


تقرأ بعد ذلك « تلك الغرانيق العلى ، منها الشفاعة ترجى » وهذا عين الكفر وأي سب أعظم من نسبة الكفر الى من قال الله تعالى فيه وماينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ونسبوا آبائه الى الكفر وأي سب أعظم من أن يقال للشخص با إبن الكافر بل سبوا الله تعالى حيث أسندوا جميع الموجودات من الحسن والقبيح اليه تعالى فجميع شر في العالم أو ظلم أو غير ذلك فهو صادر منه تعالى الله عن ذلك وإذا سب الإنسان غيره فقال أنت كافر كان معناه إنك اوجدت الكفر وفعلته فبأي شيء يسب الله تعالى بأعظم من ذلك.

وثانياً إن ذلك الشخص الذي ذكر هذا الشيخ الجامد إنه شق صفوف الجماعة وقال في شأن أبي بكر ماقال قد إستدل على إستحقاقه لما قال فيه « من إنه ظلم فاطمةعليها‌السلام في ميراثها الى آخره » وقد أشرنا الى إثبات مقدماته فيما مر فلو فرض أن شيئاً من مقدماته كان نظرياً في نظرهم يجب عليهم مطالبته بإثباتها والدليل عليها فلو عجز عن ذلك عومل معه بما شاء وأمن الضرر والضرار لا بأن يعدلوا عن ذلك تعصباً وحيفاً ويكلف بالتوبة مما لا ذنب فيه ، ويقتل بفتوى الفقيه المتعصب السفيه ، المتشبث بالأحاديث الموضوعة والأقاويل المضطربة المخترعة لهم جرأة على الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأما قوله « وهم يصلون الظهر ولم يصل الى آخره » ففيه إنه لاحرج في عدم صلاته معهم كما يوهمه كلامه لجواز إنه تأسى في ذلك بمثل ما نقله قاضي خان الحنفي من عمل أكابر التابعين في زمان بني أمية بمثله حيث قال في كتابه الكبير الشهير « روي عن إبراهيم النخعي وابراهيم بن مهاجر إنهما كانا يتكلمان عند وقت الخطبة فقيل لإبراهيم النخعي في ذلك فقال إني صليت الظهر في داري ثم رحت الى الجمعة تقية فلذلك تأويلان

أحدهما إن الناس في ذلك الزمان كانوا فريقين فريق منهم لا يصلي الجمعة لأنه كان يرى السلطان الجائر سلطاناً وسلطانه يومئذ كان


جائراً فإنما كانوا لا يصلون الجمعة لأجل ذلك ؛

وكان فريق منهم ترك الجمعة لأن السلطان يؤخر الجمعة عن وقتها في ذلك الزمان ويصلون الظهر في دارهم ثم يصلون الجمعة مع الإمام ويجعلونها سبحة » انتهى

وبالجملة يجوز أن يعتقد ذلك الشخص عدم كون إمام تلك الصلاة مرضياً ولا يقول بما إشتهر بين أهل السنة من جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر كما هو مذهب الفرقة الناجية أيدهم الله تعالى بنصره.

وأما قوله «وسهل عندي قتله ؛ الى آخره » فالوجه فيه ظاهر بسهولة من قول شاعر أهل البيت :

شعر وما سهلت تلك المذاهب فيهم

على الناس إلا بيعة الفلتات

وأما ما أتي به من الإستدلال الذي شرح به صدر جاهليته فالظاهر إنه أشار به الى قوله « إحداها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ الى آخره » ودلالته على مازعمه من كفر ذلك الشخص ممنوعة لأن ضمير رجعت في قوله « وإلا رجعت عليه » غير راجع الى الكفر وهو ظاهر فهو أما راجع الى نتيجة ذلك القول من المقت والخزي كما هو الظاهر من سوق أمثال هذا الكلام أو راجع الى العدواة المفهومة من قوله عدو الله لكن عداوة الله تعالى شاملة للكافر والفاجر فعلى التقديرين لايلزم منه الحكم بالكفر بل الحاكم بذلك كافر لجرأته على تأويل كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تأويل الجاهلين.

وأما التشبيه بالمصحف فلا يصدر إلا عمن نبذه وراء ظهره بل القاه فيما ذكره وذلك فرع إثبات إن أبا بكر آمن بالمصحف فضلاً عن أن يكون له قدر عند الله تعالى ودون إثبات ذلك خرط القتاد كما عرفته مراراً وحققته أطواراً.

وأما ماذكره من « إن خبر الواحد يعمل به في الحكم بالتكفير » فمجرد دعوى لا دليل عليه سوى تقرير وجوب الحد والتعزير على من طعن أبا بكر بالتكفير ،

وأما تضعيف قول النووي


في عدم تكفيره للخوارج مطلقاً ولو بسبب آخر غير الخروج » فقوي لكن إذا كان ذلك السبب مما وقع الإتفاق على صلوحه للسببية من الأمة وتحقق مثل هذا السبب في الطاعن على أبي بكر الذي إختلف الأمة من غير الخوارج على كفره أو فسقه غير مسلم كما عرفت.

وأما مانقله عن السبكي من قوله « إن الإصوليين لم ينظروا لما قلناه إن الحديث السابق دال على كفره » فمردود بما أريناكه من عدم دلالته على ذلك قطعاً

وأما مانقله عن إمام الحرمين من « إنه يكفر نحو الساجد لصنم » فلا يجدي فيما نحن فيه لأن المخالف يدعي إن الطعن في أبي بكر ليس في مرتبة الطعن في ساجد الصنم فكيف يصح تنظير تكفير أبي بكر بنحو السجود للصنم.

وأما قوله « نعم يلحق عندي بمن ورد النص فيهم من إجتمعت الإمة على صلاحه وإمامته كإبن المسيب ؛ الى إخره » فنعم إلالحاق لكن ليس أحد ممن سماهم هاهنا على الصلاة ،

أما إبن المسيب فلأنه كان ناصبياً قد إشتهر عنه الرغبة عن الصلاة على جنازة مولانا زين العابدينعليه‌السلام فقيل له إلا تصلي على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالح ؟ فقال صلاة ركعتين أحب اليّ من الصلاة على الرجل الصالح من أهل البيت الصالح وروي عن مالك إنه كان خارجياً أباضياً.

وأما الحسن البصري فمع قطع النظر عن القوادح المروية فيه عن طريقة أهل البيتعليهم‌السلام قد سبق الرواية عن الشافعي إنه قال « فيه كلام ».

وأما إبن سيرين فقد كان مرائياً مصانعاً وقد قال صاحب جامع الأصول في آخر الجامع في ذكر الرجال عمران بن حطان البيدوي الخارجي وذكر إنه روي عنه محمد بن سيرين « ولا إعتداد بمن يروي عن خارجي يكفر علياًعليه‌السلام ».

وأما مالك والشافعي فقد طعن فيهما أصحاب أبي حنيفة وإبن حزم الظاهري وغيرهما وأصحاب الشافعي كإمام الحرمين والغزالي وغيره طعنوا في أبي حنيفة ومالك بل قال إبن الجوزي في المنتظم « إتفق


الكل على الطعن في أبي حنيفة ، وكذلك تعرض البخاري في صحيحه لأبي حنيفة وذلك لرده الأحاديث الصحيحة الصريحة كقوله « القرعة عندي قمار ، والأشعار مثله » وهذا كما ترى خلاف مارواه سائر المسلمين عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأما ماذكره من « إن التكفير حكم شرعي سببه جحد ذلك أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر » فمسلم لكن لانسلم ماذكره من إن سب أبي بكر من هذا القبيل والسند واضح مما أسبقناه مراراً وكذا الكلام في خبر الحلية فإنا نقول بموجبه لكن لانسلم تحلي أبي بكر بمدلوله وكونه من الأولياء فضلاً عن كونه أكبرهم وقس على هذا باقي كلماته بل سائر وجوهه الخمسة الآتية فالنضرب عنه صفحاً تحرزاً عن تضييع الوقت بأزيد من ذلك ونقول قد ذهب الشيخ الأشعري والغزالي والأمدي وفخر الدين الرازي وصاحب المواقف وصاحب المكاتيب المشهورة وأمثالهم من أكابر أهل السنة الى عدم تكفير من سب الشيخين من الشيعة والرافضة والنذكر ماذكره الغزالي في كتاب المستظهري وصاحب المكاتيب قطب الدين الأنصاري الشافعي في مكاتيبه لأن تحصيلهما ربما يتعسر أو يتعذر على سائر الناظرين ـ قال الغزالي(١) بعد جملة من الكلام في تحقيق هذا المرام « فإن قيل : فلو إعتقد معتقد فسق أبي بكر وعمر وطائفة من الصحابة ولم يعتقد كفرهم فهل تحكمون بكفره ؟ قلت لا نحكم بكفره وإنما نحكم بفسقه وضلالته ومخالفته لإجماع الأمة ونحن نعلم إن الله تعالى لم يوجب على من قذف محصناً بالزنى إلا ثمانين جلدة وإن هذا الحكم يشمل كافة الخلق ويعمهم على وتيرة واحدة ، وإنه لو قذف قاذف أبي بكر وعمر بالزنا ، مازاد على إقامة حد الله

____________________

(١) قال الرازي في نهاية العقول : « لايجوز تكفير الشيعة على السب لإعتقادهم كفر من يسبونه » منه نور الله مرقده ( كذا كان في حاشية الموضع )


المنصوص عليه في كتابه ولم يدعو لأنفسهم التميز بخاصية في الخروج عن مقتضى العموم فإن قيل : فلوا صرح مصرح بكفر أبي بكر وعمر ينبغى أن ينزل منزلة مالو كفر شخصاً آخر من آحاد المسلمين والقضاة والأمة من بعدهم ؟ قلنا هكذا نقول فلا يفارق تكفيرهم تكفير آحاد الأئمة والقضاة بل أفراد المسلمين المعروفين بالإسلام إلا في شيئين

أحدهما مخالفة الإجماع وخرقه فإن تكفير غيره ربما لايكون خارقاً لإجماع معتد به

الثاني إنه ورد في حقهم من الوعد بالجنة والثناء عليهم والحكم بصحة دينهم وثبات يقينهم وتقدمهم على الخلق إخبار كثيرة فقائل ذلك إن بلغه الأخبار ثم إعتقد مع ذلك كفرهم فهو كافر لا بتكفيره إياهم ولكن بتكذيبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمن كذبه في كلمة من أقاويله فهو كافر بالإجماع ؛ وهما قطع النظر عن التكذيب في هذه الأخبار وعن خرق الإجماع نزل تكفيرهم منزلة تكفير القضاة والأمة وآحاد المسلمين » انتهى.

كلامه قال صاحب المكاتيب بعد نقل كلام الغزالي هذا في مكاتيبه : « اگر كسي گويد كه امام غزالي فرمود كه كسيث كه اخبار در تزكيهء ايشان وارد است باور ررسيده باشد ومع هذا تكفير ايشان كند كافر است وكريمهء « اذ قال لصاحبه لا تحزن » بهمه كس رسيده چه قرآن متواتر الجميع است آنست كه قرآن متواتر الجميع نيست نسبت باهمه كس ، چه كسي هست كه غير سورهء فاتخه نخوانده وأيضا آنكس كه آيهء مذكوره باورسيده باشد على سبيل التواتر شايد كه اين كه آن صاحب مذكور در آيه ابو بكر است بر سبيل قطع نداند چه اين كه ورود آيهء مذكوره در شأن ابوبكر است از قبيل ساير شأن نزول آياتست كه در تفاسير واحاديث مذكور است و از اخبار آحاد است وايضا شايد كه آنكس بر آن باشد كه مراد از صاحب صاحب لغويست يعني كسى كه باوى همراه بود در غار واز


اين صاحبيت اصطلاحي كه كلام در آنست لازم نميآيد پس اگر كسى انكار صحابيت او بنابر اين شبهات كند چگونه او را تكفير توان كرد ؟ بلى اگر انكار صحابيت ابي بكر لذاته كفر باشد كفر او لزم آيد ليكن از سخن امام غزالي معلوم شد كه آن لذاته كفر نيست براى استلزام تكذيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفر است وچون كسى آيهء مذكوره بوى نرسيده باشد يا اعتقاد اينكه منزول ابو بكر است نداشت باشد از انكار او صحابيت ابي بكر را تكذيب بقرآن ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لازم نميآيد چه دلالت آيهء مذكوره بر معنى مذكور نه چنان دلالتي قطعي ضروريست كه اگر كسي انكار كند ظاهر حال اين باشد كه او مضمر انكار قرآنست وادعاى اين تاويل بهانه ايست كه براى خود ساخت.

اگر كسى سؤال كند كه گير كه نظر بآيه چنين است چه ميگوئي در خرق اجماع كه اكثر علماء بر آن رفته اند كه صاحب آن كافر است قال القاضي عياض في الشفاء« فأما من انكر الإجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع فاكثر المتكلمين والفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموماً وحجتهم قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين وله ماتولى ونصله جهنم ، الآية ؛ وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام » جواب گويم اگر چه مذهب غزالي در اين مسئله نه مذهب جمهور است وخرق اجماع نزد او كفر نيست چنانكه در نقل مذكور شد اما ما استناد بمذهب او ميجوئيم ومي گوئيم كه اجماعي كه خرق آن كفر است اجماعا اجماعيست كه در امور در اين انكار رفع حكميست از احكام دين چه ثمرهء أين اين انكار آنست كه شرب خمر


نمايند ودر اين خرم دينست اما اجماعي كه نه امري چنين باشد بانكار آن شخص كافر نمي شود مثلا مجمع عليه است كه اين كعبه كه امروز بر آن طواف مي كند بنا كردهء حجاج است اگر كسي اين را انكار كند او را تكفير نكنيم چه بانكار اين هيچ حكمي از احكام دين اختلال نمي يابد خواهي بناي حجاج باش خواهي بناي ديگري واجماعي كه بر صاحبيت است از اين قبيل است چه اگر كسي صاحبيت كسي از صاحبه را انكار كند با آنكه بتمام احكام دين اصولا وفروعا معترف باشد وبمضمون آن تمسك نمايد لازم نيايد از اين خرم چيزي از دين الا اينقدرهست كه اين در نفس خود باطل است چه معرفت صاحبه نه از آن قبيل است كه بنفسها از اركان اسلام است همچون ايمان بخداي وملائكه وكتب ورسل چنان كه در كلام غزالي گزشت وطوائف مبتدعه كه در شأن بعضي از صحابه نابايست گويند از خوارج وروافض هيچ از اصول وفروع دين بدان سبب از دست نكذاشته اند وانچه از اصول وفروع دي در آن بر خلاف رفته اند از براي قصور نظر است كداشته اند واجتهاد باطل ، نه از سبب آن نابايست گوئي آن إيشان رالازم شده.

أگر كسي سؤال كنند كه كسي أكر نابايست در شأن ابي بكر وعمر كويد بمجرد اين همه مستحق تعزير باشد وبس چنانچه در سخون غزالي كذشت كأن كه دل باين قدر خشنود نميشود ودوست ميدارد كباين إستحقاق تكفير درست شود.

جواب آنست كه مقصود ما أز سخن آنست كه خوارج وشيعه كافر نبا شند چه اهل علم تكفير ايشان نكرده اند ايشانرا مبتدع وضال مشرده اند وهمهء ايشان نابايست ميكو يند وعامل عمر بن عبدالعزيز از كوفه بوي نوشت كه شخصي سبب عمر بن الخطاب كرده اكر رخصت فرمائي او را قتل كنم در جواب نوشت كه جايز نيست كه كسي راكه سبب


عمر كند قتل كنند الا وقتي كه سبب بيغمبر كرده باشد اما سخني گويم كه روشني جشم تو وهر مؤمني باشد وآن اينست كه حكم إين عصر وعصر ستبق در إين باب تفاوت دارد وحكم خارجي وشيعي كه شبهه بر او مستولي شده يا بتشبه در عقائد كه اورا با آباء دست داده نا بايست ميكويد وحكم ديكري يكسان نيست جه امروز ابي بكر وعمر در نفوس بنوعي نسشته كه كسي كه تهجم بر سب وقدح در ايشان كنند كه نه از طواف خوارج وروافض باشد اين نشانه خلاعت اوست از دين چه ايشان ودين امروز كالمتلا زمين اند فيما يعرف الناس واين حكم از ابي بكر وعمر بمثل شافعي وابي حنيفه نيز متعدي گردد در مرتبه بل بهمهء ائمهء دين وعلماي متقين كه جون كسي نابايست در بارهء ايشان كويد بنوعي كه خلاعت از آن معلوم شود كافر است چه نشانهء عداوت دين است چه عالم فيما يعرف هو به صاحب دين است پس كسي كه او را دشمن دارد دين را دشمن مي دارد والا چه مرگ دارد » انتهى.

ويزيد ذلك وضوحاً ماذكره بعض فضلاء أهل السنة في شرحه للشفاء المذكور حيث قال في شرح فصل عقده مصنف الشفاء لبيان حكم الفرق المعتقدين غير إعتقاد أهل السنة من المشبهة والمجسمة والمعتزلة والشيعة وغيرهم « إنه يفهم من كلام المصنف في هذا المقام إن لمالك وأصحابه أقوالاً بالتكفير والقتل إن لم يقع لهم توبة وهو مشكل لأن القول بالتكفير في مثل هذا المقام أعني مقام » التاؤيل الإجتهاد يتعين عنه الإبعاد لأنه أمر عظيم الخطر مهول في الدين القويم ، تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ، إذ هو عبارة عن الأخبار عن شخص إن عاقبته في الآخرة هو العقوبة الدائمة وإنه في الدنيا مباح الدم والمال لا يمكن من نكاح مسلمة ولا يجري عليه أحكام الإسلام في حياته وبعد مماته والخطأ في ترك الف كافر أهون عند الله من الخطأ في سفك محجمة


من دم مسلم ثم إن هذه المسائل الإجتهادية التي يحكم فيها هذا الحكم في غاية الدقة والغموض لكثرة شبهها وإختلاف قرائن احوالها وتفاوت دواعيها والإستقصاء في معرفة الخطأ مع كثرة صنوف وجوهه والإطلاع على حقيقة التأويل وشرائطه في الأماكن ومعرفة الألفاظ المحتملة للتأويل وغير المحتملة يستدعي معرفة أهل اللغة العربيه في حقائقها ومجازاتها وإستعاراتها ومعرفة دقائق علم التوحيد وغوامضه الى غير ذلك وهذا متعذر جداً ؛ على إن ذلك مع إنضمام الأغراض وإختلاف التعصبات وتفاوت دواعي الخاصة والعامة في الأزمنة المختلفة الى تلك الفتوى وقال عليه أفضل الصلاة والسلام « أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار فإن المفتي على شفير جهنم » هذا هو التحقيق في هذا المقام لاسيما الفتوى في مثل هذا المقام ولهذا تردد أقوال الأئمة المحققين في ذلك فقال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقاضي أبو بكر والأستاذ أبو اسحاق الإسفراييني « ذكروا أقوالاً لأبي الحسن الأشعري في تكفير المتأولين متعارضة فالظاهر إنه قد تردد في ذلك » وروى عبدالجبار البيهقي الخواري عن الإمام أحمد بن الحسين البيهقي عن أبي حارة العبدوي عن الإمام أبي علي زيد بن أحمد السرخسي « إنه سمعه يقول : لما قرب حضور أجل الإمام أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني وقال إشهد على إنني لا أكفر أحداً من أهل القبلة لأنهم يستوون الى معبود واحد » وقال الإمام أبو الحسن الأشعري ايضاً في صدر كتاب المقالات : « إختلف المسلمون في أشياء كثيرة ضلل فيها بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم عن بعض إلا إن الإسلام يشمله ويعمه ألا ترى كيف سماهم مسلمين وإن كانوا مختلفين » وقال الإمام الشافعى :« أقبل شهادة من قال بالوعيد والخوارج إلا الخطابية وهم قوم يشهد بعضهم لبعض من غير تفرقة في المذهب » ووافقه الإمام أبو حنيفة في ذلك وحكى القاضي عن أبي حازم عن المزني « إنه


كان يجعل أهل القبلة مع إختلافهم في مذاهبهم مسلمين ، وقال : نمتنع عن تكفيرهم لأن المسائل التي إختلفوا فيها لطاف ودقاق يدق النظر فيها » وقال إمام الحرمين في كتاب غياث الإمم « إن قيل لنا فعلوا ما يقتضي التكفير وما يوجب التضليل والتبديع ، قلنا هذا طمع في غير مطمع فإن هذا بعيد المدرك ، عزيز المسلك ، شمل من تيار بحار التوحيد ، ومن لم يحط علماً بماهيات الحقائق ، لم يحصل من التكفير على وثائق ، ولو وغلت في جميع مايتعلق بأذيال الكلام في هذا الباب لبلغ مجلدات ثم لا يبلغ الغايات » وقال الأنصاري في نكت الأدلة « سمعت الأستاذ أبا القاسم القشيري يقول : راجعت الأستاذ أبا بكر بن فورك في هذه المسئلة مراراً ولم يحر جواباً وقال حتى أنظر فإنه دين » وقال القاضي أبو المحاسن الروياني في الحلية « ولا ينبغي أن يصلي خلف المبتدع فإن صلى لا يلزمه الإعادة لأنا لانكفر أحداً من أهل المذاهب المختلفة » وقال عليه الصلاة والسلام « من صلى صلواتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله مالنا وعليه ماعلينا » ولهذا يناكحون ويقرون عليه مع وجوب الإحتياط فهؤلاء هم العلماء اعضاء الدين واعلام الإسلام تراهم كيف يحترزون من اطلاق التكفير فبهداهم إقتده ؛ وإياك الإغترار بقول مجازف يوهمك التعصب للدين وقصده إستتباع العوام وإجتذاب الحطام والأغراض الدنيوية وهلاك الأعمال النفسية ومن خادع بالتمويه مولاه فقد باع دينه بدنياه وخسر أولاه وعقباه وليعلم الإنسان إن الدنيا زجاج ذو تلاويح وسراج في مدرك الريح والآخرة ملك أبدي وبقاء سرمدي عند جواز الحق في مقعد صدق فانظر أي الفريقين أحق بالأمن .»

٧٢ ـ قال : الباب الثاني فيما جاء عن أكابر أهل السنة من مزيد الثناء على الشيخين ليعلم برائتهما مما يقول الشيعة والرافضة من عجائب الكذب والإفتراء وليعلم بطلان مازعموه من إن علياً إنما فعل ما مر عنه تقية ومداراة وخوفاً وغير ذلك من قبائحهم


أخرج الدار قطني عن عبدالله الملقب بالمحض لقب به لأنه أول من جمع ولادة الحسن والحسينرضي‌الله‌عنه وكان شيخ بني هاشم ورئيسهم وولده كان يلقب بالنفس الزكية وكان من ائمة الدين بويع بالخلافة زمن الإمام مالك بن أنس بالمدينة فارسل المنصور جيشاً فقتلوه « إنه سئل أتمسح على الخفين ؟ فقال أمسح فقد مسح عمر فقال له السائل : إنما أسألك أنت تمسح ؟ قال ذلك أعجز لك أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي فعمر خير مني وملاء الأرض مثلي ؛ فقيل له هذا تقية فقال نحن بين القبر والمنبر اللهم هذا قولي في السر والعلانية فلا تسمع قول أحد بعدي » ثم قال من هذا الذي يزعم إن علياً كان مقهوراً ؟ وإن النبي أمره بأمر فلم ينفذه ؟ فكفى بهذا أزراء ومنقصة له » وأخرج الدار قطني أيضاً عن ولده الملقب بالنفس الزكية إنه قال لم سأل عن الشيخين « لهما عندي أفضل من علي » وأخرج عن محمد الباقر إنه قال : « أجمع بنو فاطمةرضي‌الله‌عنهم على أن يقولوا في الشيخين أحسن مايكون من القول » وأخرج أيضاً عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر « إن رجلاً جاء الى ابيه زين العابدين على بن الحسينرضي‌الله‌عنهم فقال أخبرني عن أبي بكر فقال عن الصديق ؟ فقال وتسميه الصديق ؟ فقال ثكلتك أمك قد سماه صديقاً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والمهاجرون والأنصار ومن لم يسمه صديقاً فلا صدق الله عز وجل قوله في الدنيا والآخرة إذهب فاحب أبا بكر وعمررضي‌الله‌عنهما » واخرج ايضاً عن عروة عن عبدالله « سألت أبا جعفر الباقر عن حلية السيف قال لابأس به قد حلى أبو بكر الصديقرضي‌الله‌عنه سيفه قال : قلت تقول الصديق ؟ قال نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا وفي الآخرة ».

أقول : مانقله في هذا الباب من أكابر أهل البيت ، لإحياء الميت ، وإضاءة سراجه


الفاقد للزيت ، أما فرية ناشئة من العصبية ، أو صادرة عنهم على سبيل التقية ، كما سنوضحه بعون خالق البرية ، والظاهر إن هذا الشيخ الجاهل وأصحابه الوضاعين لنصرة المذهب زعموا إنهم إذا وضعوا خبراً ينتهي إسناده الى مولانا الباقر والصادقعليهما‌السلام أو الى عبدالله المحض وولده النفس الزكيةرضي‌الله‌عنهما يغتر الشيعة بمجرد ذلك ويحكمون بإنه محض الصدف والصواب ، ويعتقدون تزكية رجال إسناده ولو كانوا من ذوي الأذانب ، فيقعون في مضيق الإفحام ، ويحصل لهم فضيح الإلزام ، وهذه غباوة لا تخفى على الورى ، وحماقة لا تصدر إلا عن الكرى ، أطرق كرى إطرق كرى ، إن النعامة في القرى وها أنا أبين ما في أكثر رواياته من أعمال التقية وجل مازعمه من الدلائل القطعية واضرب صفحاً عن التعرض للبقية تحريزاً عن تكثير السواد ، وتضييع الوقت والمداد ، في توضيح الواضح من الفساد، فأقول : أما مارواه عن عبدالله فبعد تسليم صحة سندها يتوجه عليه إن في عبارة متنها قرائن واضحة على إن السائل كان من أهل السنة وإن المسؤول عنه تكلم معه تقية :

أما أولاً فلأن السائل سئل عن فعل عبداللهرضي‌الله‌عنه في المسح على الخفين وعدمه وهو قد أجابه بجواب غير مطابق لذلك السؤال فقال إن عمر كان يفعل ذلك حتى إعترض عليه السائل بإن جوابك غير مطابق لسؤالي ثم إحتالرضي‌الله‌عنه في التخلص عنه بأن قال له « إن ذلك أعجز لك » ففي قولهرضي‌الله‌عنه هذا دليل على إن السائل كان من أهل السنة إذ لو كان من شيعته وشيعة آبائهعليهم‌السلام لكان فعل عبد من عبيدهم اْجز له من فعل عمر وأخويه فضلاً عنهرضي‌الله‌عنه .

وأما ثانياً فلأنه لولا ماذكرناه لكان الظاهر من حاله إن يستند بما علمه في المسألة من فعل جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله وآبائهعليهم‌السلام وحيث لم سيتند بفعل أحد


منهمعليهم‌السلام علم إنهم لم يكونوا ماسحين على الخفين وإنهرضي‌الله‌عنه لم يكن فاعلاً لما لم يفعله جده وآبائه الطاهرونعليهم‌السلام .

وأما ثالثاً فلأن قول السائل له ثانياً « هذا تقية » صريح في إنهرضي‌الله‌عنه كان في معرض تهمة أعماله للتقية ومن البين إن المسؤول عنه إذا علم إن سؤال السائل إنما صدر على وجه الإمتحان وإنه عند السائل متهم بالرفض وإخفاء مايعتقده خوفاً وتقية عن السائل لابد له أن يسلك في جوابه مسلك التقية حذراً عن الوقوع في التهلكة.

وأما رابعاً فلأن قولهرضي‌الله‌عنه « هذا قولي في السر والعلانية ؛ الى آخره » يحتمل أن يكون المشار اليه فيه بهذا التقية أي القول بالتقية قولي ففي كلامه هذا أيضاً أعمال التقية كما لايخفى وكذا الكلام في قوله « من هذا الذي يزعم إن علياً كان مقهوراً ؟ » فإن هذا الكلام مع صراحته في الوضع لقلة إرتباطه بكلام السائل إنما يدل على إنكار زعم مقهوريتهعليه‌السلام دائماً ومن كل أحد ولا يمكن أن يكون مراده إنكار زعم مقهوريته في الجملة والأول لايفيد مطلوب الخصم والثاني أعني إنكار زعم مقهوريته في الجملة يكاد أن يكون كفراً فكيف يكون مقصوداً من كلامهرضي‌الله‌عنه ؟ وكذا الحال ايضاً في قولهرضي‌الله‌عنه « وإن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمره بأمر فلم ينفذه ؛ الى آخره » لأن إنفاذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بشروط مذكورة في محلها وحينئذ يظهر إنهرضي‌الله‌عنه لم يرد إن من أمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لابد له من إنفاده مطلقاً وإن منع عنه مانع شرعي بل المراد وجوب إنفاده مع رفع الموانع ونحن معشر الإمامية نقول إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر علياًعليه‌السلام بأن يتولى إمامة المسلمين بعده لكن أوصاه إن لا يتنابذن الثلاثة عند ظهور المخالفة


منهم من يصبر على إذاهم ويتوقف عن محاربتهم تقية كما مر فظهر ان كل ما تكلم به عبد اللهرضي‌الله‌عنه أنما كان كلمات مجملة مبهمة ناشئة عن الخوف والتقية ولا دلالة لشئ منها على ما قصدة الخصم دلالة صريحة كما زعمه الجاهل.

وأما ما رواه عن النفس الزكية فبعد تسليم تزكية من بعده من رجاله لا يرحمهم‌الله ولا يزكيهم وجه اعمال التقية فيه ظاهر لأن قوله « لهما » كما يحتمل أن يكون اللام فيه لام التأكيد على ما اغتربه الراوي يحتمل أن يكون لام الجر بأن يكون المعنى إن لأبي بكر وعمر عندي من هو افضل من عليعليه‌السلام ويكون المراد بالافضل نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ووجه تخصيصهما باعتقاد وجود من هو أفضل من عليعليه‌السلام هو دلالة آية المباهله على المساواة بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبينهعليه‌السلام كما صرح به المحقق الطوسيرحمه‌الله في التجريد وحاصله ان الله تعالى قال في آية المباهلة حكاية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله « وانفسنا أنفسكم» وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس ها هنا عليعليه‌السلام والأتحاد محال فلم يبق إلا المساواة في الصفات الفاضلة النفسية فيكون مساوياً له في الفضل.

لا يقال : كيف يتحقق المساواة في جميع صفات النفس ومنها النبوة التي لم تحصل لعليعليه‌السلام ؟ فيجوز أن يكون النبي المتصف بهذه الصفة الكاملة العالية أعني النبوة أعظم منزلة عند الله تعالى من غير المتصف بها

لأنا نقول : إن أراد بالنبوة بعث إنسان على الوجه المخصوص فظاهر إن ذلك ليس من صفات النفس وإن أراد به الصفة الكاملة النفسية التي ينبعث منه البعث المذكور فلا يمتنع أن تكون تلك الصفة حاصلة لعليعليه‌السلام غاية الأمر إن خصوصية خاتمية نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله منعت من بعثه على الوجه المخصوص كما روى الجمهور من إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في شإن عمر « لو كان بعدي نبي لكان عمر » وبالجملة إنهعليه‌السلام كان مستجمعاً للصفات الصالحة لترتب النبوة عليها


عند ا ل له تعالى لكن خاتمية نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله منع عن بعث عليعليه‌السلام واطلاق الإسم عليه شرعاً ويؤيد ذلك مارواه محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمة الله عليه في الجامع الكافي في باب « إن الإئمة هم اركان الأرضعليهم‌السلام » بإسناده الى أبي جعفرعليه‌السلام الى أن قال : « وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام أنا قسيم الله بين الجنة والنار لايدخلهما داخل إلا على حد قسمي ، وأنا الفاروق الأكبر ، وأنا الإمام لمن بعدي ، والمؤدي عمن كان قبلي ، لا يتعدى مني الى أحد إلا أحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإني وإياه لعلى سبيل واحد إلا إنه هو المدعو بإسمه » أي الرسالة والنبوة الى إخره ؛

الحديث هذا وإيراد الألفاظ المحتملة لا يستعبد من العامل بالتقية كما مر بظهور إن هذا المقام أنسب بأعمال التقية والألغاز من الإفصاح والإبراز.

وأما مارواه عن مولانا الباقرعليه‌السلام ففيه إنما أخبر بهعليه‌السلام من إجماع بني فاطمةرضي‌الله‌عنه م على ماذكر إنما كان خوفاً وتقية عن بني أمية التابعين لهما أو عن جماعة أخرى من أتباعهما الذين كانوا في ذلك الزمان إذا سمعوا سب الشيخين من لسان أحد الشيعة بادروا في مقابله بسب عليعليه‌السلام ويؤيد هذا ماروي عن الصادقعليه‌السلام في تفسير قوله تعالى « ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فسيبوا الله عدواً بغير علم » حيث قالعليه‌السلام : « لا تسبوهم فإنهم يسبون عليكم » وأيضاً عدولهعليه‌السلام عن أن يقول إجمع المسلمون او نحوه الى قوله « أجمع بنو فاطمة » يدل على إنه إنما ذكر هذا الكلام بدفع ضرر متوجه اليهم من إتهامهم بعدم كونهم قائلين في الشيخين أحسن مايكون من القول ولولا ماذكرناه لكان أقل مايناسب مقام التأكيد أن يقول أجمع بنو هاشم حتى يشمل سائر ذرية عليعليه‌السلام من لا يكون فاطمياً وغيره من آل عباس وعقيل وجعفر ونظائرهم

وأيضاً : نحن نعلم علماً قطعياً إنعقاد الإجماع من بني فاطمةعليها‌السلام


على أن لايقولوا في أحد من آحاد المسلمين إلا أحسن مايكون من القول فإي وجه لتخصيصهعليه‌السلام ذلك الشيخين من بين جميع المسلمين ثم من بين جميع الأصحاب ثم من بين الخلفاء الأربعة لولا قيام تهمة في شأنهم وعروض خوف وتقية لهم من نسبتهم الى القدح في الشيخين والوقوع فيهما ؛ على إنا نقول : لاريب في أن أحسن القول في شإن الشيخين ما إستحقاه من المطاعن المتواترة المتداولة على السنة الشيعة وغيرهم كما إن أحسن القول في حق الشيطان لعنه والإستعاذة منه فالرواية المذكورة لنا لا علينا.

وأما مارواه عن مولانا الصادقعليه‌السلام أيضاً من التعبير عن أبي بكر بالصديق والمبالغة فيه فمدخول بإن الرجل السائل عنهعليه‌السلام إن كان من أهل السنة فوجه التقية ظاهر وإن كان من الشيعة فالظاهر إنه قد حضر هناك غيره من المخالفين أو عرفعليه‌السلام من حاله إنه إذا سمع فساد حال أبي بكر من لسانهعليه‌السلام لايطيق السكوت بعد ذلك فيطعن فيه فيقع في الضرر فشددعليه‌السلام عليه صوناً له عن الوقوع في التهلكة وهذا كما روي إن مولانا الكاظمعليه‌السلام كتب بعض الأيام الى علي بن يقطينرحمه‌الله من خلص شيعته كان من وزراء هارون العباسي « إن أغسل الرجلين في الوضوء بدل المسح » وشدد عليه في ذلك فجرى عليرحمه‌الله على ذلك أياماً بمجرد إمتثال أمرهعليه‌السلام مع علمه بأن وجوب غسل الرجلين ليس من أصول مذهب أهل البيت وقد إتفق في أثناء ذلك سعاية بعضهم لهرحمه‌الله الى هارون بنسبة الى كونه من خلص شيعة الكاظمعليه‌السلام ومن المتدينين بدين الإمامية فأمر هارون بإحضاره ذات يوم وأشغله إمتحاناً له في بعض بيوت دار الخلافة بأمر من الأمور طول اليوم وكان ينظر اليه من كون ذلك البيت سرأ ًحتى رآه إنه توضأ عند دخول وقت صلاة الظهر وغسل رجليه فاعتذر اليه وأكرمه وأساء الى من سعى فيه ولما إنقضى هذا الإمتحان أرسلعليه‌السلام إليه


كتاباً مشتملاً على أمره بالمسح وإظهار إن الأمر السابق إنما كان لعلمهعليه‌السلام بما يبتلى به من الإمتحان في الوضوء

إن قلت : إنهعليه‌السلام أما كاذب في قوله « قد سماه صديقاً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله » وهو لايليق بعصمته وطهارته ، وأما صادق وكفى به فضلاً لأبي بكر.

قلت جاز أن يكون ذلك تهكما على من زعم إن تلك الشبهة قد وقعت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأن يكون بناء على قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « من إبتلى ببليتين فليختر أيسرهما » ومضمون المقدمة مذكور في الكتب الكلامية القائلة إن إرتكاب أقل القبيحين للتخلص واجب فتدبر.

واما مارواه من خبر حلية السيف ، فبعد الإغماض عما في رجال سنده من الزيف ، يتوجه أن ذكر الصديق فيه أما من إضافات الراوي تعظيماً له كما قد يضيف الراوي المتأخر لفظ «عليه‌السلام ، ورضي‌الله‌عنه » مع فقد إنه في عبارة الراوي المتقدم أو لأجل تحصيل التميز للمخاطب من غير تصديق بمضمونه أو للإستهزاء كما في قوله تعالى « ذق أنك أنت العزيز الكريم » وللتقية عن السائل.

وأما قولهعليه‌السلام « قد حلى أبي بكر سيفه » فليس المقصود من الإستدلال عدم البأس في فعل أبي بكر من حيث إنه فعله بل بعمله ذلك زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبمحضر فيه وتقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إياه فالحجة في تقرير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا في مجرد فعل أبي بكر وهو ظاهر.

٧٣ ـ قال : وأخرج أيضاً عن جعفر الصادقرضي‌الله‌عنه إنه قال : ما أرجو من شفاعة علي شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله ولقد ولدني مرتين انتهى.

اقول : يدل على كذب هذا الخبر إن صاحب الشفاعة العظمى هو جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا يليق بهعليه‌السلام نسيان شفاعة جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإظهار


رجاء شفاعة غيره سيما أبو بكر الذي لاشافع له ولا حميم يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتىالله بقلب سليم ، اللهم إلا إن قصد به مجرد التقية فافهم.

وأما قولهعليه‌السلام « ولقد ولدني مرتين » فبيان للواقع لا للإفتخار به كيف وقد مر الإتفاق على إن قوم أبي بكر أرذل طوائف قريش وقد وقع التصريح به من أبي سفيان كما مر وقال عليعليه‌السلام في شأن محمد بن أبي بكر « إنه ولد نجيب من أهل بيت سوء » فتدبر.

٧٤ ـ قال : واخرج ايضاً عن زيد بن علي إنه قال لمن يتبرأ منهما : أعلم والله أن البراءه من الشيخين البراءة من علي فتقدم أو تأخر وزيد هذا كان إماماً جليلاً إستشهد في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة ولما صلب عرياناً جاءت العنكبوت ونسجت على عورته حتى حفظت عن رؤية الناس فإنه إستمر مصلوباً مدة طويلة وكان قد خرج وتابعه خلق من الكوفة وحضر اليه كثير من الشيعة فقالوا له إبرأ عن الشيخين ونحو نبايعك فأبى ، فقالوا إنا نرفضك فقال إذهبوا فأنتم الرافضة فمن حينئذ سموا الرافضة وسميت شيعته بالزيدية انتهى.

أقول : بعد تسليم صحة السند أرادرضي‌الله‌عنه بقوله البراءه من علي إن علياًعليه‌السلام أمر شيعته بالتقية والإحتراز عن الطعن في أبي بكر وعمر فمن تبرأ عنهما تبرأ عن عليعليه‌السلام لمخالفة أمره.

وأما ماذكره من « إن الشيعة التي حضروا اليه قالوا له إبرأ عن الشيخين ؛ الى آخره » فكذب محض لأن الشيعة لو لم يعلموا علماً قطعياً بأن زيداًرضي‌الله‌عنه على ما عليه إبائهعليهم‌السلام من فساد حال الشيخين لما حضروا اليه من أول الأمر ولما إغتروا بإظهار تبريه لهما ايضاً لتجويزهم أعماله للتورية حين إذ وإنما توهم المخالف ذلك من حال زيدرضي‌الله‌عنه وما قاله من قول بعضهم لزيد عن إضطراره


الي الحرب مع قلة الأنصار « إين أبو بكر وعمر ؟» يعني لو كانا خليفة في هذا الزمان لما إضطر زيد لذلك فقالرضي‌الله‌عنه هما أقاماني هذا المقام فتوهم بعض من سمع ذلك إن مرادهرضي‌الله‌عنه إن عدم التبري عنهما صار سبب فقد أنصاره من الشيعة وليس كذلك بل كان مراده أن غصبهما الخلافة عن آبائهعليهم‌السلام وحملهما الناس على رقاب آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أوجل إذلال زيد وسائر أولادهمرضي‌الله‌عنه م وجرأة من غصب الخلافة بعدهما من بني أمية على سفك دمائهم وإقامتهم مقام فنائهم وإلا فإنما تركه الشيعة بعد إطلاعهم على عدم رضا إمام زمانهم مولانا الصادقعليه‌السلام بخروج زيد وإنه منعه عن ذلك وأخبره بأنه لو خرج قتل فكان خروجهم معه معصية وغاية مايلزم من تسمية هؤلاء الطائفة بالرافضة رفضهم لنصرة زيد لا لنصرة الحق كما زعمه أهل الباطل.

٧٥ ـ قال : وأخرج الحافظ عمر بن شبت إن زيداً هذا الإمام الجليل قيل له : إن أبا بكر إنتزع من فاطمة فدك فقال إنه كان رحيماً فكان يكره أن يغير شيئاً ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتته فاطمةرضي‌الله‌عنه ا فقالت له إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعطاني فدك فقال هل لك بينة فشهد لها علي وأم أيمن فقال لها فبرجل وإمرأة تستحقيها ؟ ثم قال زيد والله لو رجع الأمر فيها الي ، لقضيت بقضاء ابي بكررضي‌الله‌عنه انتهى.

اقول : لايخفى ما في هذا الخبر من التناقض الدال على تلاعب زيدرضي‌الله‌عنه مع السائل تقية لأنه إذا كان أبو بكر لم يغير شيئاً تركه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد كان فدك شيئاً تركه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمةعليها‌السلام كما مر ويدل عليه قولها هاهنا « أعطاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فدك » فكان يجب عليه أن لايغيره ولا يخرجه عن يدهاعليها‌السلام وقوله قال لها « هل لك بينة » تذكر


لجوره في الحكم بطلب البينة عنهاعليها‌السلام بما مر من أن فدك كان مالاً في يد فاطمةعليها‌السلام والبينة على المدعي واليمين على من أنكر وكذا في قوله « فبرجل وإمرأة تستحقيها ؟ » تذكر بظلمه عليها في عدم إكتفائه في الشهادة على ذلك كما سبق بيانه فدلالة كلامه على الذم هو الظاهر كما لايخفى.

وأما قولهرضي‌الله‌عنه « لو رجع الأمر فيها اليّ ، لقضيت بقضاء ابي بكر » فليس أول قارورة كسرت في الإسلام لأن علياًعليه‌السلام قضى في ذلك عند رجوع الأمر اليه بما قضى أبو بكر لما مر من أن تصرفه في فدك كان يستلزم الطعن في عمل الشيخين وإنهعليه‌السلام لم يكن قادراً على تغير بدعهم والطعن على أحكامهم فكلامهرضي‌الله‌عنه دليل على وجوب أعمال التقية عليه بموافقة أبي بكر في القضاء عند رجوع الأمر اليه كما فعله آبائهعليهم‌السلام فتدبر.

٧٦ ـ قال : وأحرج ايضاً ابن عساكر عن سالم بن ابي الجعد قلت لمحمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه هل كان أبو بكر أول القوم إسلاماً قال لا ؟ قلت : فبمن علا أبو بكر ؟ قال لأنه كان أفضل إسلاماً حين أسلم حتى لحق بربه انتهى.

أقول : لا ذكر في كتب رجال الإمامية لسالم المذكور اصلاً لا في المقبولين ولا في المردودين فهو من المجهولين عندهم نعم هو مذكور في التقريب لإبن حجر العسقلاني الشافعي حيث قال : « سالم بن ابي الجعد رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي ثقة كان يرسل كثيراً » وقال عند ذكر الكنى : « إنه صدوق تكلم فيه الأزدي بغير حجة » انتهى والظاهر إنه إنما حكم بصدقه لأجل إختراعه مثل هذه الروايات والأزدي المسكين غفل عن هذه الدقيقة وإلا لما تكلم فيه ولو بحجة فافهم ثم الظاهر إن مراد السائل سؤاله عن وجه علو أبي بكر في أرض الخلافة ، وإستعلائه على عرش الإمامة ،


وقولهرضي‌الله‌عنه « لأنه كان أفضل إسلاماً حين أسلم » لا يصلح وجهاً له إلا تهكماً وإستهزاء لأن غاية مايدل عليه أفضلية إسلام أبي بكر حين إسلامه على مابعده من الأحيان وليس في ذلك دلالة على فضيلة يستحق بها الخلافة بل يدل على سوء عاقبته بمخالفته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك ونحوه بعد حين فتأمل.

٧٧ ـ قال : وأخرج الدارقطني عن سالم بن أبي حفصة وهو شيعي ولكنه ثقة قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد عن الشيخين فقالا : ياسالم تولهما وإبرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى انتهى.

اقول : وثقاة سالم هذا غير مسلمة بل هو معتل أجوف غير سالم عن القدح ، لأنه كان زيدياً بترياً سمي هو وأصحابه بذلك من قول زيدرضي‌الله‌عنه لهم « بتركم الله » على مافصل في كتب رجال أصحابنا الإمامية أيدهم الله تعالى وقد لعنهم مولانا الصادقعليه‌السلام وكذبه وكفره وقس على هذا سائر الأخبار المنقولة عنه لعنه الله.

٧٨ ـ قال : وأخرج عنه ايضاً قال دخلت على أبي جعفر وفي رواية على جعفر بن محمد فقال وأراه قال ذلك من أجلي : اللهم إني اتولى أبا بكر وعمر واجهما ، الله إن كان في نفسي غير هذا فلا نالتني شفاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة انتهى.

اقول : الظاهر إن ضمير ذلك في قول سالم الراوي « وأراه قال ذلك لأجلي » إشارة الى ماذكره بعد ذلك من قول الإمامعليه‌السلام « اللهم إني أتولى أبا بكر ؛ الى إخره » فقوله « قال ذلك من أجلي » أي لأجل خاطري صريح في إنه فهم منهعليه‌السلام أعمال التقية معه في ذلك فكيف يستدل فيه الشيخ الجاهل الذاهل على مطلوبه ثم الأولى بهم نسبة هذا الخبر الموضوع لهم الى أبي جعفرعليه‌السلام دون جعفرعليه‌السلام لأنه لايوافق الحديث المنقول عنه سابقاً الذي ترك فيه رجاء شفاعة النبي صلى الله


عليه وآله الى رجاء شفاعة أبي بكر بل الموافق له أن يقول « اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلا نالتني شفاعة أبي بكر » فافهم.

٧٩ ـ قال : ؤأخرج عن جعفر أيضاً إنه قيل له : إن فلانا يزعم إنك تتبرأ من أبي بكر وعمر فقال برأ الله من فلان إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر « ولقد مرضت فاوصيت الى خالي عبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكررضي‌الله‌عنه انتهى.

اقول : هذا ايضاً كسابقه مما ذكرهعليه‌السلام لأجل خاطر سالم لعنه الله تقية منه وضحك به على لحيته ولا دلالة في قولهعليه‌السلام « نفعني الله بقرابتي من أبي بكر » على النفع الديني ولا حصوله وحصول النفع الدنيوي منه نفسه إذ يكفي في صدق ذلك صدور هذا النفع من أولاده الصالحين كما يرشد اليه قولهعليه‌السلام « ولقد مرضت فاوصيت ؛ الى آخره » تدبر.

٨٠ ـ قال : وأخرج هو ايضاً والحافظ عمر بن شبت عن كثير قلت لأبي جعفر محمد بن علي : أخبرني أظلمكم أبو بكر وعمر من حقكم شيئاً ؟ فقل ومنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ماظلمانا من حقنا من يزن حبة خردلة قال قلت افأتولاهما جعلني الله فداك ؟ قال نعم ياكثير تولهما في الدنيا والآخرة انتهى.

اقول : إن اراد بكثير ما هو بالتصغير وهو الشاعر المشهور من مادحي أهل البيت وقد وصفه اليافعي بأنه كان شيعياً غالياً قائلاً بالرجعة فكيف يجري بينه وبين مولاه ماذكره من الكلمات وهو يبقى على خلاف ما أمره مولاه وهل الغلو في التشيع إلا تناول الشيخين بالوقيعة والتبري عنهما ؟ أو أراد الكثير بصيغة التكبير فلا إعتناء بالغير ، ولا خير في كثير.


٨١ ـ قال : وأخرج أيضاً عن الشافعيرضي‌الله‌عنه عن جعفر بن أبي طالب قال : ولينا أبو بكر خير خليفة وأرحمه لنا وأحناه علينا وفي رواية ، فما ولينا أحد من الناس مثله وفي رواية ، فما رأينا قط خيراً منه انتهى.

اقول : ـ قد إتفق الجمهور من ارباب السير والتواريخ على أن جعفر بن أبي طالب رضي‌الله‌عنهما إستشهد في غزوة مؤتة في سنة ثمان من الهجرة في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكيف أخبر لغيره عن حسن ولاية أبي بكر وخلافته ومتى رأى ذلك ؟ اللهم إلا أن يقال إنه لما روى إنهرضي‌الله‌عنه طار عند الشهادة الى الجنة فربما نزل بعده الى أسلاف الشافعي في بعض الأحيان وأخبره بذلك هذا وإذا كان هذا حال الشافعي إمامهم في الوضع والجهل المذموم ، فكيف يكون حال المأموم.

٨٢ ـ قال : وأخرج ايضاً عن ابي جعفر الباقر إنه قيل له إن فلانا حدثني إن علي بن الحسين قال هذه الآية ونزعنا ما في صدورهم من غل نزلت في أبي بكر وعمر وعلي قال والله إنها لفيهم أنزلت ، ففي من أنزلت إلا فيهم ؟ قيل فأي غل هو ؟ قال غل الجاهليه إن بني تيم وبني عدي وبني هاشم كان بينهم شيء في الجاهلية فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا فأخذ أبو بكر الخاصرة فجعل علي يسخن يده ويكمد بها خاصرة أبي بكر فنزلت هذه الآية فيهم وفي رواية له عنه ايضاً قلت لأبي جعفر وسألته عن أبي بكر وعمر فقال ومن شك فيهما فقد شك في السنة انتهى

أقول : لايخفى إن سوق الآية يدل على إن الضمير في صدورهم راجع الى الجمع المدلول عليه قبل ذلك بقوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات لانكلف نفساً إلا وسعها اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون وأما كون المنزول فيهم مجموع أبي بكر وعمر وعلي فغير مسلم عندنا وكون ذلك مروياً عن الباقرعليه‌السلام ممنوع موضوع عليه وإنما الرواية الصحيحة ما في مسند أحمد بن حنبل من إنها نزلت في عليعليه‌السلام


وأيضاً إن اريد إن مفاد الآية نزع بعض أقسام الغل عن صدورهم فلا يفيدكم وإن أريد نزع مطلق الغل فغير مسلم كيف والمذكور في ضمن هذا الخبر إن المراد نزع الغل والعداوة التي كانت بينه في الجاهلية فيجوز أن يكون في صدور الشيخين غل الحسد مع عليعليه‌السلام على ما آتاه الله من فضله كما ذكره هذا الشيخ الناسي عند ذكر الآية في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام وصرح بمثله في مواضع أخرى قد أشرنا إليها آنفاً فتذكر.

وأيضاً ينافي كون المنزول فيهم من ذكر ظاهر ماسيذكر بعد ذلك رواية عن محمد بن حاطب من إنه سئل علياًعليه‌السلام في من قتل عثمان وكان متكئاً فقال يا إبن حاطب والله إني لأرجو أن أكون انا وهو كما قال الله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل فإنه لو كان عليعليه‌السلام من ملة المنزول فيهم لكان دخوله في الآية محققاً عنده لا مرجواً له إلا أن يقال إن رجاءه لذلك إنما كان بإعتبار ضمه لعثمان معه أو يقال إن الضمير الغائب أعني هو في قوله « أنا وهو » ليس راجعاً الى عثمان بل هو راجع الى من قتل عثمان وهو محمد بن أبي بكر مع بعض أصحابه وحينئذ يكون المراد بالغل المنزوع عداوة الإسلام لا عدواة عثمان ضرورة إن عداوة عثمان عند أهل البيتعليهم‌السلام من كمال الإسلام وشرائط الإيمان كما روي « إنه قال رجل لعليعليه‌السلام : أحبك وأتولى عثمان فقال له الآن أنت أعور ، فأما أن تعمى وأما أن تبصر » على إن الظاهر من توسيط قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل بين قوله اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون وبين قوله تجري من تحتهم الأنهار إن كلا من نزع الغل من صدورهم وجريان الأنهار من تحتهم مما يتصفون به في الجنة لا في أرض الحجاز وقد صرح بذلك ايضاً صاحب الكشاف حيث قال « أي من كان في قلبه غل من أخيه في الدنيا نزع منه فسلمت قلوبهم فطهرت ولم يكن إلا التواد والتعاطف


وعن علي كرم الله وجهه لأرجو أن أكون وعثمان وطلحة والزبير منهم » إنتهى فمع توجه ما أريناكه من أقسام الإختلال على ذلك الإستدلال كيف يعقل إسناده الى الإمام المؤيد المعصومعليه‌السلام بل يمنع عن إسناده اليهعليه‌السلام ايضاً قوله « ففيمن نزلت إلا فيهم ؟ » فانه يدل على إنه لم يكن في طوائف الأصحاب وآحادهم من يصلح نزول الآية المذكورة فيهم مع إن نظير هذه الآية قد ورد في شأن الآوس والخزرج من الأنصار الذين كان بينهم في الجاهليه من الغل والإرتياب ، ما لايخفى على متتبع الإحوال ، فهذه العبارة التي لايرضى بها الفصيح تدل على إنه موضوع عليهعليه‌السلام .

وأما مانسبه في الرواية الأخرى اليهعليه‌السلام من إنه قال « من شك في ابي بكر وعمر فقد شك في السنة » فلا نشك في صدقه لأن السنة التي نسب اهل السنة أنفسهم اليها إنما هي سنة أبي بكر وعمر بل سنة معاوية في سبه علياًعليه‌السلام لا سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما أوضحناه في موضعه فيكون متفرعاً على يقين صحة خلافتهما ولا ريب إن الشك في الإصل موجب للشك في الفرع ، فتدبر.

٨٣ ـ قال : وأخرج عن ابي جعفر ايضاً عن ابيه على بن الحسين رضي‌الله‌عنهم إنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر ثم في عثمان ؛ إلا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ؟ قالوا لا ، قال فانتم الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم ، يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خاصة ، ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ؟ قالوا لا ، قال أما أنتم فقد برأتم أن تكونوا في أحد هذين الفريقين وأنا أشهد بانكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم : « والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا


ولأخواننا الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم انتهى.

اقول : ان مانقله عنهعليه‌السلام إنما يدل على إن المخاطبين لم يكونوا من الفريقين المذكورين في الآيتين ولا دلالة له على إن الثلاثة كانوا داخلين فيهما وبالحملة هذا كلام مجمل مبهم مستعمل في مقام التقية وإجماله اقوى قرينة على ذلك فلا ينتهض حجة علينا اصلأً ودعوى إن دخولهم في الآيتين قد علم من خارج غير مسموعة ، يرشد اليه وجوب خروج ابي بكر عن عموم الفقراء في الآية الأولى لأنه كان عند أوليائه غنياً ذا يسار كثير المال واسع الحال كما صرحو به وليس لهم أن يتاولوا الفقر في الآية بالفقر عند الهجرة مدعياً إنه تصدق قبل ذلك بجميع ماله كما تكلفه بعضهم لأنهم مطالبون باثبات ذلك وقد نفيناه عن أصله في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب ، بوجوه لايخفى وقعها على المتأمل الراسب وأما الآية الثانية فقد نزلت في شأن الإنصار وهو الظاهر من قوله تعالى « يحبون من يهاجر اليهم » فتدبر.

٨٤ ـ قال : واخرج ايضاً عن الحسين بن محمد بن الحنفية إنه قال ياأهل الكوفة إتقوا الله عز وجل ولا تقولوا لأبي بكر وعمر ما ليسا بأهل له إن أبا بكر الصديقرضي‌الله‌عنه كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار ثاني إثنين وإن عمر أعز الله به الدين إنتهى.

أقول : الحسين هذا ليس عنه ذكر في كتب الرجال منا ولا في كتاب التقريب الذي هو إشمل كتب أهل السنة للرجال على إنه يمكن أن يكون مراده بقوله « إتقوا الله »الأمر بالتقية كما فسر قوله تعالى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم » بأن المراد اعمالكم بالتقية فسقط الإستدلال.

وبالجملة ماروى عنه كلام مجمل مبهم لايصدر مثله إلا في مقام التقية أما لفظ « إتقوا» فلما عرفت.

وأما قوله « ولا تقولوا لأبي بكر وعمر ماليسا بأهل له » فلما مر من أن مايستأهله


الشيخان عند أهل البيت وشيعتهم هو الذم دون المدح ، فهذا الخبر لنا لاعلينا ولا ينافي هذا الحمل ماإستدل بهرضي‌الله‌عنه بعد ذلك مما يوهم إعتقادهم فيهما إتصافهما بالفضل والكمال لأن هذا مجرد وهم لايذهب اليه من له أدنى فهم.

وأما ماذكرهرضي‌الله‌عنه من صحبة الغار ، فلما سنبينه في موضعه اللائق به من إنه لا يوجب لأبي بكر إلا العار والشنار.

وأما قوله « إن عمر أعز الله به الدين » فلأنه في الحقيقة أشار الى فجوره وتذكر قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» والملخص إنه قد جرت عادة الأئمةعليهم‌السلام وأكابر شيعتهم في مقام عروض الخوف والتقية أن يضحكوا على لحية الخصام ، بإلقاء مثل هذه الكلمات الجامحة البالغة في درجات الإيهام والإبهام الذي لا يطلع على حقائقها إلا ذووا الإفهام.

٨٥ ـ قال : وأخرج أيضاً عن جندب الأسدي إن محمد بن عبدالله بن الحسنرضي‌الله‌عنه أتاه قوم من أهل الكوفة والجزيرة فسألوه عن أبي بكر وعمر فالتفت اليّ فقال إنظر الى أهل بلادك يسألوني عن أبي بكر وعمر ؟ لهما عندي أفضل من علي إنتهى.

أقول : يتوجه عليه بعد تسليم صحة سنده والإغماض عن جهالة جندب هذا الذي لم يذكر في كتب رجال الإمامية ولا في كتاب التقريب الذي هو أجمع للرجال من كتب أهل السنة إن حضور المخالفين أعني أهل الكوفة من الشيعة الخالصة واهل الجزيرة الظاهر منها جزيرة الموصل المشهور اهلها سيما الأكراد منهم بالنصب والغلو في موالاة يزيد بن معاوية دليل على أعمالهرضي‌الله‌عنه لتقية في محاورتهم وايضاً في إسلوب كلامه ركاكة تبعد صدوره عن البليغ بلا ضرورة فإن السؤال عن أبي بكر وعمر لايوجب التعجب والإضطراب الذي يشعر به قوله « إنظر الى أهل بلادك ؛ الى آخره » وايضاً مطلق السؤال عنهما لا يوجب إظهار تفضيلهما على عليعليه‌السلام على إنه قد مر إن اللام قد تكون للجر وقد تكون لمجرد التأكيد وقوله « لهما » متحمل لهما وإذا


قام الإحتمال بطل الإستدلال.

٨٦ ـ قال : وأخرج أيضاً عن فضيل بن مرزوق إنه قال قلت لعمر بن علي بن الحسين بن عليرضي‌الله‌عنه أفيكم إمام تفترض طاعته تعرفون ذلك له ، من لم يعرف ذلك له فمات ميتتة جاهلية ؟ فقال لا ولله ما ذاك فينا ،من قال هذا فهو كاذب فلت إنهم يقولون إن هذه المنزلة كانت لعلي ، إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوصى اليه ثم كانت للحسن ، إن علياً أوصى اليه ثم كانت للحسين بن علي ، إن الحسن أوصى اليه ثم كانت لعلي بن الحسين ، إن الحسين أوصى اليه ثم كانت لمحمد بن علي أي الباقر أخي عمر المذكور ، إن علي بن الحسين أوصى اليه فقال عمر بن علي بن الحسين فوالله ما أوصى أبي بحرفين إثنين فقاتلهم الله لو إن رجلاً أوصى في ماله وولده وما يترك بعده ويلهم ما هذا من الدين والله ما هؤلاء إلا متآكلين بنا إنتهى.

أقول : لقائل أن يقول إن تسمية هذا السيد بعمر إنما وقعت تقية فكيف يتوقع منه خلاف أعمال التقية مع من خالفه بالإعتقاد وايضاً يجوز أن يكون ذلك الإنكار منه حسداً على أخيه الباقر وإخفاء لإمامته وإفتراض طاعته كما وقع مثل ذلك لمحمد بن الحنفيةرضي‌الله‌عنه مع مولانا زين العابدينعليه‌السلام فإنه لما طال نزاع محمدرضي‌الله‌عنه في الإمامة دعاه عليعليه‌السلام الى حكومة الحجر الأسود بينهما ولما حضرا عنده حكم بإمامة عليعليه‌السلام وتفصيل هذه القصة مذكورة في كتاب شواهد النبوة لعبدالرحمن الجامي النقشبندي فليطالع ثمة وأيضاً القسم المذكور بقوله « فوالله ماأوصى أبي بحرفين إثنين » يدل على كذب عمر أو كذب الخبر عنه وكونه عن فضلات أخبار فضيل الذي ليس له ذكر في كتب الرجال للإمامية وإن نسبه صاحب التقريب من أهل السنة الى التشيع كيف والوصية سنة مؤكدة عند الموت وطريقة مسلوكة للنبي وآله العظام ، واصحابه الكرام ، فكيف أهمل ذلك زين العابدينعليه‌السلام .


٨٧ ـ قال : وأخرج ايضاً عنه إنه(١) سأل عنهما فقال أبرأ ممن ذكرهما إلا بخير فقيل له لعلك تقول ذلك تقية فقال إنا إذن من المشركين ولا نالتني شفاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنتهى

أقول : يدل على كذب هذا الخبر مانسب اليهعليه‌السلام من قوله « إنا إذن من المشركين » لأن التقية إخفاء الحق وإظهار غيره خوفاً عن المخالفين والمؤدي الى الشرك هو النفاق الداعي الى إبطال الباطل وإظهار الحق خوفاً فكيف يصح منهعليه‌السلام أن يستدل على نفي أعماله للتقية بأنه مستلزم للشرك اللهم إلا أن يحمل على إن مرادهعليه‌السلام هو « إني لو لم أعمل بالتقية التي هي ديني ودين آبائي لكنت من المشركين ؛ الى آخره » كما يدل عليه إشعار العبارة بكونهعليه‌السلام متهماً عند السائل فافهم.

٨٨ ـ قال : وأخرج عنه ايضاً إنه قال إن الخبثاء من أهل العراق يزعمون إنا نقع في أبي بكر وعمر وهما والداي أي لأن أمه أم فروة بنت القاسم الفقيه بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر ومن ثم سبق قوله « ولدني أبو بكر مرتين » إنتهى.

أقول : حاشى عن الإمام الصادقعليه‌السلام أن يستدل من غير ضرورة تقية على عدم وقوعه في أبي بكر وعمر لأنهما والداي لظهور أن عبدالله بن عبدالمطلب وآمنة بنت وهب كانوا والدي نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع إنه صلوات الله عليه وآله كان عند أهل السنة بريئاً عنهما ممنوعاً من الإستغفار لهما فلا وجه لذلك إلا مجاراة السائل

____________________

(١) الضمير يرجع الى أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام لتقدم ذكره في خبر نقله صاحب الصواعق ( ص ٣٣ من النسخة المطبوعة ) وتركه المؤلف « ره » هو قوله « وأخرج ايضاً عن عبدالجبار الهمداني إن جعفر الصادق أتاهم وهم يريدون أن يرتحلوا من المدينة فقال إنكم إنشاء الله من صالحي أهل مصركم فابلغوهم عني من زعم إني إمام مفترض الطاعة فأنا منه بريء ومن زعم أني أبرأ من أبي بكر وعمر فأنا منه بريء ).


لزائغ الضليل ، ودفع غائله شره بالمموه من الدليل ، على أنه لم يظهر من تقريره كيفية كون عمر احد والديه فيكون ذلك كلاما مختالا لا يليق بجناب الإمامعليه‌السلام ، كما لا يخفى على أولي الافهام.

٨٩ - قال : وأخرج أيضاً عن أبي جعفر الباقر قال : من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة انتهى.

اقول : قد ذكر سابقاً نظير هذا الحديث عن ابي جعفر الباقرعليه‌السلام وهو قوله « من شك في ابي بكر وعمر فقد شك في السنة » وقد ذكرنا عدم دلالته على مقصود القوم فتذكر.

٩٠ - قال : فهذه اقاويل المعتبرين من اهل البيت رواها عنهم الأئمة الحفاظ ، الذين عليهم المعول في معرفة الأحاديث والآثار ، وتمييز صحيحها من سقيمها بأسانيدهم المتصلة ، فكيف يسع التمسك بحبل اهل البيت ويزعم حبهم ان يعدل عما قالوه من تعظيم ابي بكر وعمر واعتقاد حقية خلافتهما وما كانا عليه وصرحوا بتكذيب من نقل عنهم خلافه ومع ذلك يرى أن ينسب اليهم ما تبرءوا منه ورأوه ذما في حقهم حتى قال زين العابدين علي بن الحسينرضي‌الله‌عنه ما : ايها الناس احبونا حب الاسلام فوالله ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عاراً وفي رواية حتى نقصتمونا الى الناس أي بسبب ما نسبوه اليهم مما هم براء منه فلعن الله من كذب على هؤلاء الائمة ورماهم بالزور والبهتان انتهى.

اقول : قد اوضحنا بعون هادي السبيل ، ان بعض ما نقله من الاقاويل عن سادات اهل البيت الجليل قد تقولوها عليهم وكذبوا في نسبتها اليهم لنصرة المذهب الذليل ، وان البقية صريحة في اعمال التقية ودفع شر اهل الإضلال والتضليل واما مدحه لحفاظ قومه بما مدحهم به فهو مصادرة على المطلوب ومجاهرة بتصديق الكذوب ، وكيف يصير


تعويلهم على هؤلاء المتهمين بالوضع عند الخصم كما مر حجة عليه أو يوجب اقباله على خبرهم والركون اليه وحاشا أن يعدل المتمسك بحبل أهل البيتعليهم‌السلام عما يظن إنه مما قالوه وأن ينسب اليه ما تبرؤا عنه واستقالوه بل القضية منعكسة لذي الألباب كما أوضحناه في كل مانسب في هذا الباب.

وأما مانقله عن مولانا زين العابدينعليه‌السلام فلا دلالة له على مقصوده فإن أئمتناعليهم‌السلام لم يزل كانوا يوصون شيعتهم بالتقية والتحرز عن الوقوع في تهلكة المخالفين من الأموية وغيرهم من أولي العصبية الجاهلية لكن ربما ضاق صدر بعض الشيعة سيما عوامهم عن كتمان ولائهم وغلا قدره بالتبري عن أعدائهم فاورث ذلك لهم في نظر الجمهور عاراً وأدى الى بغض الناصبة لهم سراً وجهاراً حتى لعنوهم على منابر بني أمية أعواماً وأعصاراً فلنعم ماقال الكاذب الملعون « لعن الله من كذب على هؤلاء الأئمة ورماهم بالزور والبهتان».

٩١ ـ قال : الباب الثاث في بيان افضلية أبي بكر على سائر هذه الأمة ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، وفي ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه وحده أو مع عمر أو مع الثلاثة أو مع غيرهم وفيه فصول ، الفصل الأول : في أفضليتهم على هذا الترتيب وفي تصريح عليرضي‌الله‌عنه بأفضلية الشيخين على سائر الأمة وفي بطلان مازعمه الرافضة والشيعة من أن ذلك قهر وتقية.

إعلم إن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة إن أفضل هذه الإمة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم إختلفوا فالأكثرون ومنهم الشافعي وأحمد وهو المشهور عن مالك إن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي وجزم الكوفية ومنهم سفيان الثوري بتفضيل علي على عثمان وقيل بالوقف عن التفاضيل بينهما وهو رواية عن مالك فقد حكى أبو عبدالله المأرزي عن المدونة إن مالكاً سئل أي الناس أفضل ببعد نبيهم ؟ فقال ابو بكر ثم عمر ثم قال أو في ذلك شك ؟ فقيل له وعلي وعثمان فقال ما أدركت أحداً ممن أقتدي به يفضل أحدهما على الآخر


إنتهى

وقولهرضي‌الله‌عنه «أو في ذلك شك ؟ » يؤيد مايأتي عن الأشعري إن تفضيل أبو بكر ثم عمر على بقية الأمة قطعى وتوقفه هذا رجع عنه وقد حكي القاضي عياض عنه إنه رجع عن التوقف الى تفضيل عثمان قال القرطبي « وهو الأصح إنشاء الله تعالى » ومال الى التوقف إمام الحرمين فقال « وتعارض الظنون في عثمان وعلي » ونقله إبن عبدالله عن جماعة عن السلف من أهل السنة منهم مالك ويحيى القطان ويحيى بن معين قال إبن معين ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة ولا شك إن من إقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم وزعم إبن عبدالبر إن حديث الإقتصار على الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان مخالف لقول أهل السنة إن علياً افضل الناس بعد الثلاثة مردود بأنه مايلزم من سكوتهم إذ ذاك عن فضله عدم تفضيله وأما حكاية ابي منصور البغدادي الإجماع على أفضلية عثمان على علي فمدخولة وإن نقل ذلك عنه بعض الحفاظ وسكت عليه لما بيناه من الخلاف ثم الذي مال اليه أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة إن تفضيل أبي بكر على من بعده قطعي وخالفه القاضي أبو بكر الباقلاني فقال إنه ظني واختاره إمام الحرمين في الإرشاد وفيه جزم صاحب المفهم في شرح مسلم ويؤيده قول إبن عبدالبر في الإستيعاب ذكر عبدالرزاق عن معمر قال : لو إن رجلاً قال عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته وكذلك لو قال : علي عندي أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله فذكرت ذلك لوكيع فاعجبه واشتهاه انتهى وليس ملحظ عدم تعنيف قائل ذلك إلا إن التفضيل المذكور ظني لا قطعي ويؤيده ايضاً ماحكاه الخطابي عن بعض مشايخه إنه كان يقول أبو بكر خير وعلي أفضل لكن قال بعضهم هذا تهافت من القول لأنه لا معنى للخيرية إلا الأفضلية فإن أريد خيرية أبي بكر من بعض الوجوه وأفضلية علي من وجه آخر لم يكن ذلك من محل الخلاف ولم يكن الأمر في ذلك خاصاً بأبي بكر


وعلي بل أبو بكر وأبو عبيدة مثلاً يقال فيهما ذلك لأن الأمانة التي في أبي عبيدة وخصه بهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يخصوا أبا بكر بمثلها فكان خيراً من أبي بكر من هذا الوجه والحاصل إن المفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل فإن أراد شيخ الخطابي ذلك وإن أبا بكر أفضل مطلقاً الى إن علياً وجدت فيه مزايا لم توجد في أبي بكر فكلامه صحيح وإلا فكلامه في غاية التهافت خلافاً لمن إنتصر له ووجه بما لا يجدي بل لايفهم

فإن قلت ينافي ما قدمته من الإجماع على أفضلية أبي بكر قول إبن عبد البر إن السلف إختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي وقوله أيضاً قبل ذلك روي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم إن علياً أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره قلت :

أما ماحكاه أولاً من إن السلف إختلفوا في تفضيلهما فهو شيء غريب إنفرد به عن غيره ممن هو أجل منه حفظاً وإطلاعاً فلا يعول عليه فكيف والحاكي لإجماع الصحابة والتابعين على تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على سائر الصحابة جماعة من أكابر الأئمة منهم الشافعيرضي‌الله‌عنه كما حكاه عنه البيهقي وغيره وإن من إختلف منهم إنما إختلف في علي وعثمان وعلى التنزل في إنه حفظ ما لم يحفظ غيره فيجاب عنه بأن الأئمة إنما أعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها ذهاباً الى أن شذوذ المخالف لايقدح فيه أو رأوا إنها حادثة بعد إنعقاد الآجماع فكانت في حيز الطرح والرد ، على إن المفهوم من كلام إبن عبد البر إن الإجماع إستقر على تفضيل الشيخين على الحسنين.

وأما ماوقع في طبعات أبن السبكي الكبرى عن بعض المتأخرين تفضيل الحسنين من إنهما بضعة فلا ينافي ذلك لما قدمناه إن المفضول قد توجه فيه مزية لا توجد في الفاضل على إن هذا تفضيل لا يرجع الى كثرة السواد بل لمزيد شرف ففي ذات أولادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الشرف ما ليس في ذات الشيخين ولكنهما أكثر ثواباً واعظم نفعاً للإسلام والمسلمين وأخشى لله تعالى وأتقى ممن عداهما من أولادهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضلاً


من غيرهم وأما ماحكاه أعني عبدالبر ثانياً عن أولئك الجماعة فلا يقتضي إنهم قائلون بأفضلية علي على أبي بكر مطلقاً بل أما من حيث تقدمه عليه إسلاماً بناء على القول بذلك أو مرادهم بتفضيل علي على غيره ما عدا الشيخين وعثمان لقيام الأدلة الصريحة على أفضلية هؤلاء عليه

فإن قلت : مامستند إجماعهم على ذلك ؟ قلت : الإجماع حجة على كل أحد وإن لم يعرف مستنده لأن الله عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة ويدل لذلك بل يصرح به قوله تعالى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا وقد أجمعوا أيضاً على إستحقاقهم الخلافة على هذا الترتيب لكن هذا قطعي كما مر بأدلته مبسوطاً.

فإن قلت : أما بين عثمان وعلي فواضح للخلاف فيه كما تقدم وأما بين أبي بكر ثم عمر ثم غيرهما فهو وإن أجمعوا عليه إلا إن في كون الإجماع حجة قطعية خلافاً فالذي عليه الأكثرون حجة قطعية مطلقاً فيقدم على الأدلة كلها ولا يعارضه دليل اصلاً ويكفر أو يبدع ويضلل مخالفه وقال الإمام الرازي والأمدي إنه ظني مطلقاً والحق في ذلك التفصيل فما إتفق عليه المعتبرون حجة قطعية وما إختلفوا فيه كالإجماع السكوتي والإجماع الذي يرد مخالفه فهو ظني وقد علمت مما قررته لك إن هذا الإجماع له مخالف نادر فهو وإن لم يعتد به في الإجماع على مافيه من الخلاف في محله لكنه يورث إنحطاطه عن الإجماع الذي لا مخالف له فالأول ظني وهذا قطعي وبهذا يترجح عند الإصوليين التفصيل المذكور وكان الأشعري من الأكثرين القائلين بأنه قطعي مطلقاً ومما يؤكد إنه ظني إن المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضلية المذكورة وإنما ظنوها فقط كما هو المفهوم من عبارات الأئمة وإشاراتهم وسبب ذلك إن المسألة إجتهادية ومن مستندها إن هؤلاء الأربعة إختارهم الله بخلافة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإقامة دينه فكان


الظاهر إن منزلتهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة وايضاً ورد في أبي بكر وغيره كعلي نصوص متعارضة ويأتي بسطها في الفضائل وهي لاتفيد القطع لأنها بأسرها آحاد وظنية الدلالة مع كونها متعارضة ايضاً وليس الإختصاص بكثرة اسباب الثواب موجباً للزيادة المستلزمة للأفضلية قطعاً بل ظناً لأنه تفضل من الله تعالى فله أن لايثيب المطيع ويثيب غيره وثبوت الإمامة وإن كان قطعياً لا يفيد القطع بالأفضلية بل غايته الظن كيف ولا قاطع على بطلان إمامة المفضول مع وجود الفاضل لكننا وجدنا السلف فضولهم وحسن ظننا بهم قاض بأنهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لأطبقوا عليه فلزمنا أتباعهم فيه وتفويض ما هو الحق فيه الى الله تعالى قال الأمدي وقد يراد بالتفضيل إختصاص أحد الشخصين عن الآخر أما بأصل فضيلة لا وجود له في الآخر كالعالم والجاهل وأما بزيادة فيها ككونه أعلم مثلاً وذلك أيضاً غير مقطوع به فيما بين الصحابة إذ ما من فضيلة تبين إختصاصها في واحد منهم إلا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها وبتقدير عدم المشاركة فقد يمكن إختصاص الآخر بفضيلة أخرى ولا سبيل الى الترجيح بكثرة الفضائل لإحتمال أن تكون الفضيلة الواحدة أرجح من فضائل كثيرة أما لزيادة شرفها في نفسها أو لزيادة كميتها فلا جزم بالأفضلية لهذا المعنى أيضاً وأيضاً فحقيقة الفضل ما هو فضل عند الله وذلك لا يطلع عليه إلا بالوحي وقد رود الثناء عليهم ولا يتحقق إدراك حقيقة ذلك الفضل عند عدم دليل قطعي متناً وسنداً إلا للمشاهدين لزمن الوحي وأحوالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معهم لظهور القرائن الدالة على التفضيل حينئذ بخلاف من لم يشهد ذلك نعم وصل الينا سمعيات أكدت عندنا الظن بذلك التفضيل على ذلك الترتيب لإفادتها له صريحاً أو إستنباطاً وسيأتي مبسوطاً في الفضائل ويؤيد ما مر إنه لا يلزم من الإجماع على الأحقية بالخلافة الإجماع على الأفضلية إن أهل السنة أجمعوا على إن عثمان أحق بالخلافة


من علي مع إختلافهم في أن أيهما أفضل وقد إلتبس هذا المقام على بعض من لافطنة عنده فظن إن من قال من الإصوليين إن أفضلية أبي بكر إنما ثبتت في الظن لا بالقطع يدل على أن خلافته كذلك وليس كما زعم على إنهم كما صرحوا بذلك صرحوا معه بأن خلافته قطعية فكيف حينئذ يتأتى ما ظنه ذلك البعض هذا ولك أن تقول أن افضلية ابي بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الأشعري أيضاً على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لأنه ورد عن علي وهو معصوم عندهم والمعصوم لايجوز عليه الكذب إن أبا بكر وعمر أفضلا الأمة قال الذهبي وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسي مملكته وبين الجم الغفير من شيعته ثم بسط الأسانيد الصحيحة في ذلك قال : ويقال « رواه عن علي نيف وثمانون نفساً وعد منهم جماعة ثم قال فقبح الله الرافضة ما أجهلهم » انتهى آ

ومما يعضد ذلك ما في البخاري عنه إنه قال خير الناس بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر فقال إبنه محمد بن الحنفية ثم أنت ؟ فقال إنما أنا رجل من المسلمين وصحح الذهبي وغيره طرقاً أخرى عن علي بذلك وفي بعضها إلا وإنه بلغني إن رجالاً يفضلوني عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر ، عليه ما على المفتري انتهى

اقول : سنبين بعون الملك الوهاب لأولى الألباب ، إن ما ذكره هذا الشيخ الجامد الممرور المرتاب في هذا الباب ، من تفضيل أبي بكر والإجماع عليه من بقية الأحزاب ، وعبدة الازلام والأنصاب ، وبطلان مازعمه الشيعة وما آلو اليه وتصريح علي بأفضلية الشيخين عليه أماني كاذبة وخيالات غير صائبة بل هي من أضغاث الأحلام أو مما زينه لهم الشيطان من الوساوس والأوهام فمن إغتر بها من الطلبة الممرورين كان حقه معاناة دماغه بما يعاني به سكان المارستان ونحن لم نشتغل بإيضاح فسادها والإفصاح عن فضيحة مفادها إلا لتحذير القاصرين من الناضرين وصونهم عن الوقوع في ورطات الخاسرين فنقول :


يتوجه على ما أطال فيه الكلام ، بما يدل على إنسلاخه عن فطرة أولي الأحلام ، وجوه من الكلام ، وضروب من الطعن والملام.

أما أولاً فلما مر من أن الكلام في مطلق الإجماع خصوصاً في دعوى إنعقاده على خلافة أبي بكر وأفضليته طويل ، وإنه لأهل السنة في تحقيقه فزع وعويل ، والنقرر حاصله ها هنا بعبارة أخرى ، هي أضبط وأحرى ، وهو إنهم أجمعوا على إن لا دليل لهم في المقامين سوى الإجماع وقد عرفوا الإجماع في كتبهم كالمحصول للرازي والمنهاج للبيضاوي والمختصر لإبن الحاجب وغيرها بأنه إتفاق جميع أهل الحل والعقد يعني المجتهدين على أمر من الأمور في وقت واحد وقد بحثوا فيه من وجوه أكثرها مذكور في شرح المختصر للقاضي عضد الأيجي فقالوا : هل الإجماع أمر ممكن أو محال ؟ وعلى تقدير الإمكان هل هو متحقق أولاً ؟ وعلى تقدير التحقق هل يمكن العلم به أم لا ؟ وعلى تقدير العلم هل يمكن إثباته بالنقل أم لا ؟ وعلى تقدير الإثبات هل يصير حجة ودليلاً أم لا ؟(١) وعلى تقدير صيرورته حجة إذا لم ينته ثبوته الى حد التواتر هل يصير حجة أم لا ؟ وقد وقع الخلاف من علماء اهل السنة في كل من هذه المراتب فيجب إثبات كل مما وقع أحد طرفي الترديد في هذه المراتب حتى يثبت حقية خلافة أبي بكر وافضليته وليت شعري إن من لم يكن قائلاً بشيء من ذلك كيف يدعي حقية إمامة أبي بكر وافضليته قطعاً أو ظناً ثم بعد ذلك يوجد خلاف آخر وهو إنه هل يشترط في حجية الإجماع أن لا يبقى من الجماعة التي أجمعوا الى ظهور المخالف وأن لايخالفهم أحد الى موت

____________________

(١) وقال النووي في باب نكاح المتعة من شرحه لصحيح مسلم « إختلف الإصوليون أي إن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسئلة مجمعاًعليها أولاً والأصح عند اصحابنا إذ لا يرفعه بل يدوم الخلاف ولا تصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليها أبداً وبه قال القاضي ابو بكر الباقلاني » كذا منه ره في الحاشية.


الجميع أم لا ؟ وأيضاً قد إختلفوا في أن الإجماع بمجرده حجة أو يحتاج الى سند هو الدليل والحجة حقيقة؟ ومن البين إن لاسند لأهل السنة في ذلك سوى ما نسجوه من القياس الفاسد وهو ما مر سابقاً من أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد إذن في مرض موته لأبي بكر أن يكون أمام الناس في صلاتهم وإذا جعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إماماً في أمر الدين ورضي به فتقديمه لأمر الدنيا وهو أمر الخلافة يكون أرضى له بطريق أولى فقد قاسوا أمر الخلافة بالإمامة في الصلاة وحسبوه سنداً للإجماع ولا يخفى فساد ذلك عند من له أدنى معرفة بالإصول لأن إثبات حجية القياس أيضاً مما إستشكله الناس ، واختلفوا في شروطه واقسامه إختلافاً يهدمه من الأساس ، وعلماء أهل البيتعليهم‌السلام ينكرون حجيته ولهم أدلة عقلية ونقلية على ذلك مذكورة في محلها وعلى تقدير ثبوته الذي دونه خرط القتاد إنما يعتبر فيما إذا كان في الأصل علة تساوي الفزع فيها الأصل وفيما نحن فيه من أمر الخلافة وإمامة الصلاة العلة ليست بظاهرة بل الفرق ظاهر لأن إمامة الصلاة أمر واحد جزئي لايعتبر فيها العلم الكثير ، ولا الشجاعة والتدبير ونحوهم إتفاقاً ولا العدالة عن أهل السنة لجواز الصلاة خلف كل بر وفاجر عندهم وأما أمر الخلافة فهو سلطنة وحكومة في جميع أمور الدين والدنيا وتحتاج الى علوم وشرائط كثيرة لم يوجد واحد منها في أبي بكر فكيف يقاس هذا بذلك وقول جمهورهم إن إمامة الصلاة من أمور الدين والخلافة من أمور الدنيا كما مر مردود بأن الفاضل القوشجي في شرحه للتجريد وغيره من محققي أهل السنة في غيره قد عرفوا الإمامة بأنها رياسة عامة في أمر الدين والدنيا نيابة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذلك كذلك على إن الأصل هاهنا ليس بثابت لأن الشيعة ينكرون إذن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر في إمامة الصلاة ويقولون إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال قولوا للناس صلوا وقالت عائشة بنت


أبي بكر لبلال قل لهم إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر أن يكون أبو بكر إماماً في الصلاة فشرعوا في الصلاة خلفه ولما إطلع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك بادر الى القيام فوضع إحدى يديه على منكب العباس وأخرى على منكب عليعليه‌السلام أو فضل وخرج الى الجماعة ونحى أبو بكر عن المحراب وصلى بنفسه المقدسة مع الناس حتى لايصير ذلك مؤدياً الى الفتنة التي وقعت آخرآ بدونه ايضاً وقد مر بعض الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة الدالة على تولي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لإمامة الصلاة حينئذ بنفسه فتذكر ، وايضاً لو سلمنا وجود القياس الصحيح فلا ريب في إن الإمامة إنما هي من الإصول ولهذا يذكر في الكتب المصنفة فيه فكيف يمكن إثباتها بالقياس الفقهي الذي لايكون إلا في الفروع ؟

وأما ماذكره صاحب المواقف من إن مسألة الإمامة ليست من الإصول ومجمع فيه العلامة الدواني بأنه بالفروع أشبه فمعارض بما ذكره القاضي البيضاوي في مبحث الأخبار من كتاب المنهاج وجمع من شارحي كلامه إن الإمامة من أعظم مسائل أصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة وبما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره في غيره من إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال « من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية » فإنه صريح في إن الإمامةْ في الإصول ضرورة إن الجاهل بشيء من الفروع وإن كان واجباً لايكون ميتته ميتة جاهلية ولا يقدح ذلك في إسلامه وأيضاً قد صرحوا بأن الإمامة صنو مرتبة النبوة وإن حقوق النبوة من حماية بيضة الإسلام وحفظ الشرع ونصب الألوية والأعلام في جهاد الكفار والبغاة والإنتصاف للمظلوم وإنفاذ المعروف وإزالة المنكر الى غير ذلك من توابع منصب النبوة ثابتة للإمامة لأنها خلافة ونيابة عنها وبالجملة لو لم تكن مسألة الإمامة مثل مسألة النبوة في كونها من أصول الذين ، وكان يكفي فيها كما في سائر الفروع ظن المجتهدين أو تقليدهم


للزم ان لا يجوز تخظئة المجتهد الذي ظن إن أبا بكر ليس بإمام وكذا تخطئة المقلد والحال إنهم إذا سمعوا من يقول : إني أعتقد إن أمير المؤمنينعليه‌السلام خليفة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بغير فصل بسبب الظن الذي قادني اليه أو بواسطة تقليد المجتهد الفلاني يخطئونه بل يكفرونه ويقتلونه وأيضاً لو لم تكن من المسائل الأصلية بل كانت من المقدمات الفرعية فلا ينبغي النزاع فيها مع أحد كسائر الأحكام الفرعية التي يجوز الخلاف فيها من غير توجه قدح وإنكار فقد علم مما فصلناه إن لادليل لهم الى إمامة أبي بكر سوى الإجماع وقد عرفت حاله وكيفية إستدلالهم به في هذا المقام مع ماتوجه اليه من النقض والإبرام وبعد تسليم الكل نقول : من البين إنه لم يقع إجماع جميع مجتهدي الإمة في وقت واحد في المدينة الطيبة على إمامة أبي بكر كما إعترف به صاحب المواقف وغيره من الجمهور كيف وقد تخلف سعد بن عبادة وأولاده عن بيعة أبي بكر ولم يكن لأحد من أهل البيتعليهم‌السلام وسائر بني هاشم وموافقيهم في تجهيز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خبر عن إجتماعهم لذلك يوم السقيفة فضلاً عن دخولهم فيه ولهذا ترى صاحب المواقف إنه بعد إرتكاب شطر من التعسفات والتمحلات إلتزم خرق إحماع القوم وإلتجأ الى القوم بأن الواحد والإثنين من أهل الحل والعقد كافي ثبوت الإمامة ووجوب إتباع الإمام علي اهل الإسلام متشبثاً بعلمه بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين إكتفوا في عقد الإمامة بذلك كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا في عقدها إجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد فضلاً عن إجتماع الأمة من علماء أنصار الإسلام ومجتهدي أقطارها انتهى ولا يخفى مافيه من الخبط الخارج عن الضبط.

أما أولاً فلأنه قد ذكر سابقاً إن الدليل على الأمامة أما النص أو الإجماع والنص


لم يوجد في حق أحد والإجماع لم ينعقد إلا على إمامة أبي بكر فيكون هو الإمام بالإجماع ويظهر من كلامه هذا إن الإمامة تثبت بالبيعة ، وإن إمامة أبي بكر قد ثبتت ببيعة عمر فقط لا بالإجماع ، وإنه لا دليل على وجوب الإجماع في ثبوت الإمامة ، وهذا كله خبط وتناقض وإضطراب.

وأما ثانياً فلأنه لادليل من العقل والنقل على كفاية بيعة واحد وإثنين في ثبوت الإمامة وكيف يكون كذلك وقد تقرر في كتب الإصول إن قول المجتهد العادل وكذا فعله ليس بحجة بل صرحوا بأن قول الخلفاء الأربعة بل قول أهل المدينة بأسرهم ليس بحجة في المسائل الفرعية التي يكفي فيها الظن فكيف يكون فعل مثل عمر وحده أو مع إثنين غيره حجة فيها هو محل النزاع العظيم ، وبمرتبه نبوة النبي الكريم.

وأما ثالثاً فلأنه من أين ثبت إمامة أبي بكر لعمر ؟ حتى بايعه ومن أين علم أبو بكر إنه إمام ؟ حتى إدعى الإمامة لنفسه.

وأما رابعاً فلأنه بعدما عرفت إن الإمامة لاتثبت بالبيعة كيف يمكن أن يقال إنها قد ثبتت عند الصحابة بالبيعة ، وعندنا بإجماعهم ، ومع الإغماض عن هذا كيف يمكن إثبات إنعقاد الإجماع عليه بعدما سمعت من الإختلافات الواقعة في الإجماع والإيرادات الواردة عليه مع إن النزاع الكلي ليس إلا في ذلك لما مر من إن الشيعة ينكرونه مطلقاً ويقولون إن أهل البيتعليهم‌السلام وسائر الهاشميين لم يرضوا بذلك وجماعة من أكابر الصحابة كانوا متفقين معهم كسلمان وابي ذر ومقداد وعمار رضي‌الله‌عنهم فيجب على العاقل الذي يتقي من الله أن يتأمل كلام الطرفين في هذه المسألة الضرورية ، ويطرح قلادة التقليد عن رقبة العصبية الجاهلية ، ويجتهد في طلب الحق بمزيد الجد والإخلاص


والإرتياب ، حتى يفيض العلم به عليه من جانب الوهاب الفياض.

وأما ثانياً فلأنا لا نسلم أن يكون من عظماء الملة وعلماء الأمة من خرج عن إجماعهم عظماء أهل البيتعليهم‌السلام وعلماء الأصحاب رضي‌الله‌عنهم كسلمان ومقداد وأبي ذر وغيرهم كما سيرويه هذا الشيخ المبهوت عن إبن عبد البر ، واف لإجماع خرج عنه أهل البيت ، ومن إشتعل سراج تحقيقهم من ذلك الزيت.

وأما ثالثاِ فلأن ماذكره من الإختلافات الكثيرة الواقعة بين أهل السنة في تفضيل بعض الخلفاء على بعض وترجيح بعضهم على بعض فلا يؤدي الى طائل ولا يرجع الى حاصل ، وهم يضحكون على هذه الترجيحات المستندة الى الروايات والأقوال المذكورة فيما بين أهل السنة بل هم ربما يرتفعون عن التلفظ بتفضيل علي على أبي بكر ويرون ذلك ازراء لجلالة قدره عليهعليه‌السلام وغزارة فضله إذ لانسبة لأبي بكر اليه في الفضل أصلاً فتفضيلهعليه‌السلام عليه يكون كقولنا « السيف امضى من العصى ، والتبرا على من الحصا » كما قال الفاضل الشاعر.

شعر يقولون لي فضل علياً عليهم

ولست أقول التبرا علي من الحصا

إذا أنا فضلت الإمام عليهم

أكن بالذي فضلته متنقصــــاً

الم ترى إن السيف تزرى بحده

مقالة هذا السيف أمضى من العصا

وعلى هذا يحمل لو صح ما سيجيء روايتهم عنهعليه‌السلام من إنه قال : من فضلني على أبي بكر جلدته جلد المفتري » كما سنوضحه عن قريب إنشاء الله تعالى فعلى ماذكرناه يكون زيادتهم تعمد تفضيل عثمان المهان المرتاب ، في إسماع شيعة مولانا أبي تراب ، كصرير الباب ، وطنين الذباب.


وأما رابعاً فإنما حكاه القاضي عياض عن الأشعري من « لأنه رجع عن التوقف الى تفضيل عثمان ) فهو من الالزاميات التي لا خلاص للشيعة عنها لكن يخدشه لأنه لم ينقل عن الأشعري ذلك غيره ولعله أظهر التوقف في مرض موته ولم يحضره سوى القاضي أو بعض مشايخه فلهذا لم يشتهر ولا بعد في هذا الاحتمال لأنهم كثيراً ماينقضون بمثله لذا لأحتج عليهم الشيعة ببعض أقوال الصحابة أو علماء أهل السنة فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً .‌ وأما خامساً فلان ما نقله أبن معين من « إن من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة » مخالف لما ذكره شيخ أهل السنة القاضي ابن خلكان في تاريخه من قوله : والحق ان محبة علي بن أبي طالب لا تجتمع مع التسنن ) انتهى ويؤيد هذا ان الجاهل نفسه نسب ماسيذكره من قول ابن عبد البر ان حديث الاقتصار علي الثلاثة مخالف لقول اهل السنة ان علياً افضل الناس بعد الثلاثة الى الزعم فقال « زعم ابن عبد البر ؛ الى أخره » فافهم.

وأما سادساً فلأنه لا طائل فيما ذكره من الإختلاف في قطيعة هذا الإجماع لما عرفت إن أصله غير ثابت قطعاً فكيف يثبت وصفه بالقطع ، اللهم إلا على مشاكلة بعض المثبتين للمحال المجوزين لركوب زيد المعدوم ، على الفرس المعدوم ، وعلى رأسه قلنسوة معدومة ، الى غير ذلك من الخرافات.

وأما سابعاً فلأن ماذكره « من إنه ليس ملحظ عدم تعنيف عبدالرزاق بما ذكره الى إن التفضيل المذكور ظني » فيه تهكم وتعنيف ظاهر إذ الظاره من عبارته إنه إعتقد فضل عليعليه‌السلام عليهم ويدل عليه ماروى ياقوت الحموي الشافعي عند ذكر بلدة صنعاء من كتابه الموسوم في معجم البلدان وغيره من المحدثين في غيره من نسبة


عبدالرزاق لعمر في بعض أحاديثه الى الحماقة وإساءة الأدب بالنسبة الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فافهم.

أما ثامناً فلأن نسبة ماذكره الشيخ الخطابي من قوله « أبو بكر خير وعلي أفضل » الى التهافت إنما نشأت من الخرافة وإلتباهت لظهور إن التهافت إنما يلزم التفضيل بمعنى الزائد في الخيرية وأما إذا حمل على ظاهره من كونه مخفف خير بالتشديد صيغة مبالغة أي كثير النفع والفائدة كما يقال « الوجود خير محض ، وإن الخير من الله والشر من العبد » فلا يلزم التهافت أصلاً وغاية مايلزم من ذلك إن لايكون ذلك الشيخ سنياً ولا شيعياً أو كان شيعياً وارتكب أعمال التقية بإيراد اللفظ المحتمل ، فتأمل.

وأما تاسعاً فلأن ما ذكره من أن ماحكاه إبن عبد البر من اختلاف السلف في تفضيله شيء غريب مردود بأنه لا غرابة فيه عند من سلم طبعه عن مرارة العصبية لكن هذا الشيخ المتعصب الجامد الناصبي لا يطيق سماع فضيلة عليعليه‌السلام فضلاً عن أفضليته لما جبل عليه من العصبية الجاهلية أو لسبق عروض الشبهة التي القت في نفسه الغبية كما سبق له وأصحابه الشبهة المانعة لهم عن قبول النصوص الجلية المتواترة في شأن الحضرة العلية المرتضوية وإلا فبعد البر أبر وأعظم عنده من أن لا يعولوا على نقله لولا إن صدر منه ذنب نقل الحكاية المذكورة وبهذا تنزل عن نفس التعويل عليه آخراً ، فافهم

وأما عاشراً فلأن ما أجاب به ثانياً عن ذلك بأن « الأئمة إنما أعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها » فمردود بأن الحكم بشذوذ هؤلاء المذكورين في حكاية إبن عبد البر من أكابر الصحابة شاذ لم يجترأ عليه أحد غيره من أهل العصبية نعم هؤلاء قليلون بالنسبة الى سائر المتفقين من قريش وغيرها على غصب الخلافة من عليعليه‌السلام والقلة محمودة


لا مذمومة كما زعمه الجمهور الشاكرون لكثرتهم ، المتحفزون بوفرتهم فإن زعمهم هذا مخالف لصريح القرآن كقوله تعالى وقليل من عبادي الشكور ، وقليل ماهم ، وما آمن معه إلا قليل ، وكم من فئة قليلة ، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ، وإن كثيراً من الناس لفاسقون ولا خير في كثير وأمثال ذلك كثير وقال بعض الحكاء « جل جناب الحق أن يكون شريعة لكل وارد ، وأن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد » وقال العارف الشاعر

شعر خليلي خطار الفيافي الى الحمى

كثير وأما الواصلون قليل ؟

فقول الشيخ الجامد الناصبي إن هؤلاء من أكابر الصحابة شاذ قليلون كقول فرعون اللعين « إن هؤلاء لشرذمة قليلون » وكذلك إتباع اكثر الإنبياء والمحققين من إمته كانوا قليلين كما لا يخفى على من نظر في قصص الأنبياء وكتب التواريخ والأنباء.

واما الحادي عشر فلأن ماذكره في العلاوة من « إن المفهوم من كلام إبن عبدالبر إن الإجماع إستقر على تفضيل الشيخين إن اراد به انفهامه من كلامه المنقول ها هنا فهو وهم لا فهم كما لايخفى ، وأن اراد به غيره فهو حوالة على المحال وأعمال للإحتيال.

وأما الثاني عشر فلأن ماذكره من « إن المراد مما وقع في الطبقات من تفضيل الحسنين ينافي بظاهره لتفضيل الشيخين لأن التفضيل حقيقة في طبيعة الفضل لا في بعض وجوعه كما حقق في موضعه فالعدول عنه مجاز لا يصار اليه من غير ضرورة ولا ضرورة داعية اليه سوى ماوقع لهذا الشيخ المبهوت ، الذي تكلف إثبات تفضيل الشيخين بنسج العنكبوت.

وأما الثالث عشر فلأن ماذكره في العلاوة من « إن هذا التفضيل لايرجع الى كثرة الثواب بل لمزيد الشرف » غير مسلم كيف وإذا كان مجرد التزويج مورثاً لا كساب


الثواب ، كما جاء به الشرع المستطاب ، فكيف لا يكون التزويج ببضعة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله موجباً له وأي ثواب قد حصل لأبي بكر يفوق ثواب عوام المسلمين حتى يلزمنا إعتباره وموازنته في هذا الباب ؟ لولا الدعوى المستندة الى مجرد حسن الظن والمجازفة البالغة حد النصاب.

وأما الرابع عشر فلأن قوله « الإجماع حجة على كل أحد وإن لم نعرف مستنده » غير مسلم عند من إشترط العلم بالمستند كما مر.

وأما الخامس عشر فلأن إستدلاله على ذلك بقوله « إن الله عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة » إستدلال في الحقيقة على ماروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله « لا تجتمع أمتي على الضلال » وهو لو صح إنما يدل على حجية الإجماع بعد تحققه لا على عدم إشتراط العلم بمستنده كما قصده على أن النظام رد عليه بأنه خبر واحد والمسألة علمية ولم يجب الرازي عنه عن ذكره إياه في المعالم وقال بعض الفضلاء إن صدر الخبر مجزوم بالنهي بمعنى لا تجتمع إمتي على حذف حرف النداء وهذا أولى وإلا لزم كذب الخبر عند أهل السنة فإن نصب الإمام واجب شرعاً عندهم على الناس واجتمعوا على تركه الآن

فإن قلت : قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « لاتجتمع أمتي على ضلالة » معناه إختياراً لا قهراً

قلت : يحتمل أن يكون إجتماعهم على إمامة أبي بكر كذلك على تقدير فلا فرح للجامد الناصب في ذلك.

وأما السادس عشر فلأنه يرد على إستدلاله بالآية أيضاً إنه لاينفي الإشتراط مع أن النظام أورد على أصل دلالته على حجية الإجماع

أولاً بان هذا الدليل إنما يتم لثبوت إن متابعة الغير عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وذلك باطل وإلا لزم أن يقال إن المسلمين أتباع اليهود في قولهم « لا إله إلا الله » بل المتابعة عبارة عن


الاتيان بمثل فعل الغير لأجل انه فعل ذلك الغير فأما لو أتى بمثل فعل الغير لا لأجل إنه فعل ذلك الغير بل لأن الدليل ساقه اليه فلم يكن متبعاً للغير إذا ثبت هذا القول حصل بين متابعة سبيل المؤمنين وبين متابعة غير سبيل المؤمنين واسطة وهي أن لا يتبع أحداً بل يتوقف الى وقت ظهور دليل وإذا حصلت هذه الواسطة لم يجزم من تحريم إتباع غير سبيل المؤمنين وجوب إتباع سبيل المؤمنين فسقط الإستدلال

وثانياً بأن لفظ السبيل لفظ مفرد غير معلى بالألف واللام فلا يفيد العموم بل يكفي في العمل به تنزيله على صورة واحدة فنحن نحمله على السبيل الذي به صاروا مؤمنين وهو الإيمان فلما قلتم إن متابعتهم في سائر الإمور واجبة إنتهى وقد نقلها الرازي في المعالم ولم يتحصل الجواب فإن كان عند الشيخ إبن حجر شيء فليأت وإلا فليعض على حجر هذا وفي الثاني من ايرادي النظام تأمل لأن السبيل وإن كان مفرداً إلا إنه مضاف الى الجميع المحلى باللام فالأولى في الرد على الإستدلال أن يقال إن النهي يحتمل أن يكون عن المجموع المركب من مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ، فتأمل.

وأما السابع عشر فلأن ماذكره من تقديم الحجة القطعية على الأدلة كلها حتى على النص القرآني محل تأمل.

وأما الثامن عشر فلأن ماذكره من « أن الحق التفصيل » باطل وقوله « فما إتفق عليه المعتبرون حجة قطعية » أن أراد به المعتبرون من أهل السنة عند طئفة أخرى منهم فهو مصادرة لا إعتبار بها وان أراد المعتبرون من الأمة عند من عداهم من جميع معتبري الأمة فمسلم ولكن أجماع الناصب خال عن هذا الإعتبار فإعتبروا يا أولي الأبصار.


وأما التاسع عشر فلأن قوله « ومن مستندها إن هؤلاء الأربعة إختارهم الله تعالى لخلافة نبيه وإقامة دينه ؛ الى آخره » إستناد على ماينقض من الجدار ووقوف على شفا جرف هاو، لأن إختيار الله تعالى لخلافة الثلاثة منهم إنما يسلم على سبيل الحكم الكوني دون التكليفي الشرعي والإختيار بهذا المعنى مشترك بين خلافتهم وسلطنة فرعون ونمرود وشداد وإستيلائهم على العباد فلا يفيد فيما هو بصدده من كون منزلتهم عند الله بحسب ترتيبهم في الخلافة ولو صح ذلك لزم ان يكون منزلة يزيد، الخمير الفاسق العنيد و عمر بن عبدالعزيز الممدوح الرشيد بحسب ترتيبهم ايضاً فى إمارة المؤمنين وأن يكون كل منهما ممن إختاره الله تعالى لتولية أمور المؤمنين وإقامة الدين واللازمان باطلان ضرورة واتفاقاً.

وأما العشرون فلأن قوله « وليس الإختصاص بكثرة أسباب الثواب موجباً للزيادة المستلزمة للإفضلية قطعاً بل ظناً ؛ الى آخره » جواب سؤال مقدر ذكره الفاضل القوشجي في شرحه للتجريد فإنه بعد ذكر ما قرره المصنف طيب الله مشهده من فضائل أمير المؤمنينعليه‌السلام قال « لاكلام في عموم مناقبه ووفور فضائله وإتصافه بالكمالات وإختصاصه بالكرامات إلا إنه لا يدل على الإفضلية بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله » إنتهى ولا يخفى على من له أدنى عقل وتمييز إن الكرامة والثواب الذي هو عوض عن العبادة على وجه التعظيم ليس غير الفضائل والكمالات التي إعترف بأنها أكثر تحققاً في عليعليه‌السلام وبعضها كان مخصوصاً به فلا معنى لأن يكون لغيره عزة وكرامة وثواب أكثر وعلى تقدير التسليم نقول كيف يتصور من العاقل أن يذهب الى عدم أولوية من يكون متصفاً بهذه الصفات الكاملة بمجرد إحتمال أن يكون غيره أفضل في الواقع إذ من الظاهر إن العاقل يقول الآن في نظرنا هذ الشخص أفضل وأحق وأليق بالإمامة الى أن يثبت


في غيره ضرورة إنه لا معنى لأن يقال إن أخذ العلم مثلاً ممن لايكون علمه معلوماً أولى وأحسن ممن يكون ذلك معلوماً منه ولهذا لا يتفوهون في إختيار أبي بكر بأنه جاز أن يكون أكثر ثواباً من عليعليه‌السلام بل يقولون جزافاً إنه كان أعرف بحفظ الحوزة وقانون الرياسة من عليعليه‌السلام وهذا ظاهر جداً عند العقل وقد ورد في النقل من القرآن والحديث أيضاً كقوله تعالى أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون يعني هل الذي يكون صاحب هداية وعلم بالحق أحق وأولى بأن يهتدى به الخلق ويقتبس الحق من أنوار هدايته وعلمه أو الذي لا هداية له ولا علم له إلا أن يتعلم العلم والهداية عن غيره فكيف تحكمون أنتم في هذا أيها العقلاء ؟ يعني من المعلوم إن العقل يحكم بأن الأول أحق وأولى بمتابعة الخلق له وإهتدائهم وإقتدائهم به وخلافه مكابرة وعناد لا يخفى على أولي النهى والعاقل من يزكي نفسه عن شوائب التقليد ولا يقول إن العلماء والمشايح السلف وآبائنا ذهبوا الى كذا وظننا بهم أنهم لم يخطئوا لأن الخطأ والغلط جائز على ماعدا الأنبياء المرسلين والأئمة الطاهرين مع إحتمال أعمال التقية ، والإفتتان بالشيطان والدنيا الدنية ، ألا ترى إن سلاطين زماننا متصفون بكمال الظلم والجور والناس بل العلماء منهم يترددون اليهم ويختارون ملازمتهم وإطاعتهم ولو منعهم رجل صالح عن متابعة ذلك الظالم وتعظيمه ودعاءه يعرضون عنه ويذمونه ولو إن ذلك الظالم أمرهم في إهانة ذلك الصالح أو قتله لأهانوه أو قتلوه بلا توقف وهذا واضح جدا وله قرائن كثيرة لا يسعها المقام وبالجملة يجب على من حاول معرفة العقائد اليقينية ، والعلم بالمقاصد الدينية ، أن يكون حين يقصد الإستدلال على العقائد التي إنما خلق لإكتتابها باليقين ، وبدون ذلك يستحيل أن ينخرط في سلك أصحاب اليقين ، وأخبار المؤمنين ، كالعقل الهيولاني لا يركن أصلاً الى ذهاب أبيه وأمه أو معلمه أو سلطانه أو معشوقه مذهباً


ويجعل كل مداره على مقتضى الدليل الذي يصححه العقل السليم ، والطبع المستقيم ، ولا يجعل لغيره مدخلاً فيه ولا يحسبن ذلك هيناً فإن النفس لأمارة غاوية تريد أن تلقيه في الهاوية فتدلس عليه إن الإعتقاد الحاصل معظمه من الأمور المذكورة إنما هو في الدليل المحض والبرهان البحت وقل من سلم من ذلك التدليس ، السانح من النفس الخسيس ، فاجعل ايها السامع سريرتك مثل ميزان عدل أي صير نسبتها الى الإعتقاد التي تدعوك نفسك اليه تدليساً وإلى نقيضه واحدة ، لتسلم من مكائدها التي من جملتها إنه يخوفك مما لا أصل له كخوفك من الميت ، اللهم إكفنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، ووفقنا للعلم والعمل بما تحبه وترضاه إنك قيب مجيب.

وأما الحادي والعشرون ـ فلأنه قولة « وثبوت الإمامة وإن كان قطعياً لايفيد القطع بالأفضلية » مردود بأن وجوب أفضلية الإمام عن رعيته في العلم والشجاعة والعدل ونحوها قد سبق منا إثباته سابقاً بما يفيد القطع فنفيه بمجرد قوله « لا يفيد » لايفيد.

وأما قوله « كيف ولا قاطع على بطلان إمامة المفضول مع وجود الفاضل » فمدخول بأن القاطع الأدله القطعية المفيدة للقطع بثبوت الحسن والقبح العقليين كما سبق الإشارة اليه إجمالاً وفضلنا الكلام فيه في شرحنا على كتاب كشف الحق وبعض رسائلنا المعمولة في خصوص هذه المسألة.

وأما الثاني والعشرون ـ فلأن السلف الذي وجد منهم التفضيل على الترتيب الوجودي الصوري نقطع بإنسلاخهم عن الفطرة الإنسانية وإنهم ممن لا يرحمهم‌الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، بإلتزام التقليد الذميم ، الذي رد الله عليه في كتابه الكريم ، معاتباً للكفار في قولهم إنا وجدنا آباءنا على إمة وإنا على آثارهم مقتدون ولنعم ماقال الشاعر الفاضل المولى فضولي البغداديرحمه‌الله


شعر از رتبه صورى خلافت مقصود

جز عرض كمال اسد الله نبود

كركشت رقم سه صفر بيش ازالفى

بيداست كه رتبه كدامين افزود

وأما ما ذكره من « إن حسن ظننا بهم قاض بأنهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لما اطبقوا عليه » مدفوع بما قدمناه من إن هذا من قبيل « إن بعض الظن ، وإنه لم ينشأ إلا من ضيق العطن ، فتفطن.

وأما الثالث والعشرون ـ فلأن ما نقله عن الأمدي مستدلاً على إن أعلمية بعض الصحابة عن بعض غير مقطوع به بقوله « إذا ما من فضيلة بين إختصاصها بواحد منهم إلا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها » فيه نظر ظاهر إذ بعدما فرض إختصاص فضيلة بواحد منهم كيف يمكن مشاركة غيره فيها ولو سلم فنقول إدعاء هذا الإختصاص مع كونه ظاهر الفساد وناشئاً عن العناد مردود بما سبق منه قبيل ذلك في ضمن جواب سؤال مقدر حيث قال « وليس الإختصاص بكثرة أسباب الثواب موجباً للزيادة المستلزمة للأفضلية قطعاً بل ظناً؛ الى آخره »اللهم إلا أن يراد الإشتراك في أصل أنواع تلك الفضائل لكن على نحو أن يدعي إشتراك الصبي القاري لصرف الزنجاني ونحوه مع معلمه المتبحر في العلوم العقلية والنقلية أو من علم الأبيض من القار ، وفتل نحو الهرة والفار ، وقلع باب قفص الأطيار ،مع من علم مادون العرش المجيد ، وقتل إبن عبد ود البطل المريد ، وقلع باب خيبر بيد التأييد ، وفي هذا من الشناعة ماليس عليها مزيد.

وأما قوله « ولا سبيل الى الترجيح بكثرة الفضائل » فغير مسلم وإنما يكون كذلك لو لم يكن الكثير من أمهات الفضائل والقليل من فروعها المنحطة بأن يكون المتصف بالكثرة مثلاً عالماً بما دون العرش من البرية ، وهاباً لألوف من الدراهم الكسروية ،


مقاتل صنوف من أبطال الجاهلية ، وصاحب تقوى محفوف بالعصمة الأزلية ، والموصوف بالقلة عالماً بخياطة ركيكة ، معطياً بفلس من الصفر ، قاتلاً لطير غير ذي ظفر ، حاملاً لتقوى مسبوق بالفسق أو الكفر ، وما نحن فيه من فضائل عليعليه‌السلام وأبي بكر الخياط المعلم للصبيان كذلك كما لا يخفى

وأيضاً قد روي أخطب خوارزم « من أراد أن ينظر الى آدم في علمه ، والى نوح في فهمه ، والى يحيى بن زكريا في زهده ، والى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر الى على بن أبي طالب » وفي رواية البيهقي « من أراد أن ينظر الى آدم في علمه ، والى نوح في حلمه ، والى إبراهيم في خلته ، والى موسى في هيبته ، والي عيسى في عبادته ، فلينظر الى علي بن أبي طالب » والجامع لمثل هذه الصفات الفاضلة المتفرقة في جماعة من الأنبياء لا يمكن أن يكون في غيره صفة فاضلة راجحة على تلك الفضائل بل مساواتهعليه‌السلام لكل واحد من هؤلاء الأنبياءعليهم‌السلام في صفة هي أخص صفات كماله يوجب أن يكون بمجموع تلك الصفات أفضل من كل واحد منهم فضلاً عن أبي بكر …، … العباري عن الملكات الفاضلة مطلقاً.

وأما الرابع والعشرون ـ فلأن ماذكره « من إنه إلتبس هذا المقام على بعض من لا فطنة له فظن ؛الى آخره » القضية فيه منعكسة إذ لايلتبس على من له أدنى مسكة إن من لايجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل ويبني صحة الخلافة على ظهور مزيد الفضل لامحيص له عن القول بإستلزام الظن في الأفضلية الظن في الخلافة ومجرد تصريح بعضهم بأن خلافة أبي بكر قطعية لا يقدح في الإستلزام كما لايخفى على من له شائبة من الشعور فقد ظهر إن الإلتباس إنما وقع لإبن حجر وإن رميه لغيره بعدم الفطنة إنما نشأ من سهم فطانته الأبتر ، وقوس طبيعته الفاقد للوتر.

وأما الخامس والعشرون ـ فلأن قوله « ولك أن تقول إن أفضلية أبي بكر ثبتت


بالقطع حتى عند الأشعري ايضاً بناء على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لأنه ورد من عليعليه‌السلام ؛ الى آخره » مردود بأن مازعم وروده عن عليعليه‌السلام إنما نقله رواة أهل السنة فلا يعتقد الشيعة شيئاً من ذلك وحينئذ لو بنى الأشعري على ذلك لكان بناء على الهواء ، ورقماً على الماء ، وأيضاً الخبر الواحد سواء إعتقد الشيعة أم لا إنما الظن ومن أين علم أن دعوى تواتر ذلك عن علىعليه‌السلام كما إدعاه الذهبى ذهب الله بنوره مما يصير حجة على الأشعري ؟ مع تصريح الجمهور في كتب الحديث بأن الخبر المتواتر قليل جداً.

واما السادس والعشرون ـ فلأن مارواه عن البخاري من حديث الخير فلا خير فيه اذ مع ما سمعت من إعتقاد الشيعة في رواية أهل السنة سيما البخاري يجوز أن يكون لفظ الخير فيها محمولا على مخفف خير بالتشديد كما مر وغاية الأمر فيه اعمال اللفظ المشترك رعاية للتقية فتدبر.

وأما السابع والعشرون ـ فلأن قوله « وفي بعضها إلا وأنه بلغني أن رجالا يفضلوني عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفتري » قريب مما رواه متصلا بهذا عن الدار قطني عن عليعليه‌السلام ايضا من انه « لا اجد احداً فضلني على ابي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري » وما رواه في الفصل الثاني الآتي عن عليعليه‌السلام ايضا حيث قال« انه لا يفضلني احد على ابي بكر الا جلدته حد المفتري » وقد اشرنا سابقا الى الجواب عنها والحاصل إنا نقول بمضمونها وانها لنا لا علينا لأن تفضيل عليعليه‌السلام على ابي بكر وعمر متضمن لثبوت اصل الفضل لهما وهو افتراء بلا امتراء بل القول بأن علياًعليه‌السلام افضل من ابي بكر وعمر يجري مجرى أن يقول أن فلانا افقه من الحمار ، واعلم من الجدار ، وقد نسب الى المأمون العباسي انه اجاب عن ذلك ايضاً


بأنكم رويتم عن إمامكم أبي بكر إنه قال « وليتكم ولست بخيركم » فأي الرجلين أصدق ؟ أبو بكر على نفسة ، أو علي على أبي بكر ! وأيضاً لا بد أن يكون في قوله هذا صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً كان الواجب عليه خلع نفسه عن الإمامة لأن كلامه سيما مع تتمته المروية متفقاً بقوله « وعلي فيكم » يدل دلالة ظاهرة على عدم تفضيل المفضول كما أشرنا اليه آنفاً وإن كان غير صادق فلا يليق أن يلي أمور المسلمين ويقوم بأحكامهم ويقيم حدودهم كذا كما لايخفى.

٩٢ ـ قال : في رواية صحيحة إنه قال لعمر وهو مسجى « صلى الله عليك ودعا له » انتهى.

أقول : بعد منع صحة الرواية لعل تلك الصلاة وقعت عنهعليه‌السلام عندما سجى عمر بثوب الكفن ووضع في بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مترصدين لدفنه في جوارهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليعليه‌السلام إنما صلى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمشاهدته لمرقده حينئذ فاشتبه الأمر على الناس ، وعلى تقدير تسليم وقوع تلك الصلاة قبل كفن عمر وإخراجه الى بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيجوز أن يكونعليه‌السلام قد إستحضر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذهنه ذلك الوقت فصلى عليه بصيغة الخطاب كما في قوله تعالى « إياك نعبد وإياك نستعين فوقع الإشتباه.

وأما الدعاء فلعله كان عليه سراً لا جهراً ولكن بأعمالهعليه‌السلام الألفاظ الإيهامية كما سبق من قول الصادق عند ذكر أبي بكر وعمر « إنهما كانا إمامين عادلين قاسطين كانا على الحق وماتا على الحق فرحمة الله عليهما يوم القيامة » فتذكر.

٩٣ ـ قال : وأخرج الحافظ أبو ذر الهروي من طرق متنوعة الدارقطني وغيرهما عن أبي جحيفة أيضاً « دخلت على علي في بيته فقلت : ياخير الناس بعد رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال مهلاً يا أبا حجيفة ألا أخبرك بخير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو بكر وعمر ويحك يا أبا حجيفة لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن » وأخباره بكونهما خيرالأمة ثبتت عنه من رواية إبنه محمد بن الحنفية وجاء عنه من طرق كثيرة بحيث يجزم من تتبعها بصدور هذا القول من علي والرافضة ونحوهم لما لم يمكنهم إنكار صدور هذا القول منه لظهوره عنه بحيث لاينكره إلا جاهل بالآثار أو مباهت قالوا إنما قال علي ذلك تقية ومر أن ذلك كذب وإفتراء وسيأتي أيضاً وأحسن مايقال في هذا المحل « ألا لعنة الله على الكاذبين ».

أقول : لا يلزم من كون أبي حجيفة صحابياً صاحباً لعليعليه‌السلام كما ذكره علماء الرجال من الطرفين أن يكون كل مانقل عنه صحيحاً لجواز أن يكون الخلل فيمن نقل عنه من أهل السنة الذين جرت عادتهم على وضع الخبر على سادات أهل البيتعليهم‌السلام وعلماء شيعتهم نصرة لضعف مذاهبهم وآراءهم الجاهلية ولو سلم يجوز أن يكون المراد من لفظ الخير في الخبر الخير المخفف من المشدد ومع ذلك يكون واقعاً تقية

وأمام مانسب اليهعليه‌السلام من قوله « لايجتمع بغضي وحب أبو بكر وعمر في قلب مؤمن » فصريح في أعمال التقية لأن نفي هذا الإجتماع يمكن أن يكون بحب المجموع وببغض المجموع وبعدم شيء من بغض علي وحب أبي بكر وعمر ويتحقق هذا بحب عليعليه‌السلام وبغضهما كما هو وظيفة المؤمن.

وأما ماذكره « من إنه لم يمكن للشيعة إنكار صدور هذا القول عن عليعليه‌السلام » فمكابرة على الواقع لأنهم كما أشرنا اليه منعوا أولاً صحة الخبر ثم تنزلوا الى إحتمال صدوره على وجه ولقد تكلمنا فيما مر على مامر وسيأتي إنشاء الله على ماسيأتي فتذكر وانتظر ولقد صدق في أحسنية أن يقال في هذا المحل « ألا لعنة الله على الكاذبين » بل هو أحسن


مايقال في عقيب كل حديث ذكره في هذا الباب ، بل هو أحسن ماذكره في هذا الكتاب ، كما لايخفى على أولي الألباب.

٩٤ ـ قال : وأخرج الدارقطني أن أبا جحيفة كان يرى إن علياً أفضل الإمة فسمع اقواماً يخالفونه فحزن حزناً شديداً فقال له علي بعد أن أخذ بيده وأدخله بيته ما أحزنك يا ابا حجيفة ؟ فذكر له الخبر فقال ألا أخبرك بخير الأمة خيرها أبو بكر ثم عمر قال أبو حجيفة فأعطيت الله عهداً أن لا أكتم هذا الحديث بعد أن شافهني به علي مابقيت وقول الشيعة والرافضة ونحوهما إنما ذكر على ذلك تقية كذب وإفتراء على الله إذ كيف يتوهم ذلك من له أدنى عقل أو فهم مع ذكره له في الخلاء في مدة خلافته لأنه قاله على منبر الكوفه وهو لم يدخلها إلا بعد فراغه من حرب أهل البصرة وذلك أقوى ما كان أمراً وأنفذ حكماً وذلك بعد مدة مديدة من موت أبي بكر وعمر قال بعض ائمة أهل البيت النبوي بعد أن ذكر ذلك فكيف يتعقل وقوع مثل هذه التقية المشومة التي أفسدوا بها عقائد أكثر أهل البيت النبوي لإظهارهم كمال المحبة والتعظيم فمالوا الى تقليدهم حتى قال بعضهم أغر الأشياء في الدنيا شريف سني فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم عليهم أولاً وآخراً إنتهى وما أحسن ماأبطل به الباقر هذه التقية المشومة لما سئل عن الشيخين فقال إني اتولاهما فقيل له إنهم يزعمون إن ذلك تقية فقال إنما يخاف الأحياء ولا يخاف الأموات فعل الله بهشام بن عبدالملك كذا وكذا أخرجه الدارقطني وغيره فانظر ما أبين هذا الإحتجاج وأوضحة من مثل هذا الإمام العظيم المجمع على جلالته وفضله بل أولئك الأشقياء يدعون فيه العصمة فيكون ماقاله واجب الصدق ومع ذلك فقد صرح لهم ببطلان تلك التقية المشومة عليهم واستدل لهم على ذلك بأن إتقاء الشيخين بعد موتهما لا وجه له إذ لا سطوة


لهما حينئذ ثم بين لهم بدعائه على هشام الذي هو والي زمنه وشوكته قائمة إنه إذا لم يتقه مع إنه يخاف ويخشى لسطوته وملكه وقوته وقهره فكيف مع ذلك يتقي الأموات الذين لا شوكة لهم ولا سطوة

وأما إذا كان هذا حال الباقر فما ظنك بعلي الذي لا نسبه بينه وبين الباقر في إقدامه وقوته وشجاعته وشدة بأسه وكثرة عدته وعدده وإنه لا يخاف بالله لومة لائم ومع ذلك فقد صح عنه بل تواتر مدح الشيخين والثناء عليهما وإنهما خير الأمة ومر أيضاً الأثر الصحيح عن مالك عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر إن علياً وقف على عمر وهو مسجى بثوبه وقال ماسبق فما أحوج علياً أن يقول ذلك تقية وما أحوج الباقر أن يرويه لإنه الصادق تقية وما أحوج الصادق أن يروه لمالك تقية فتأمل كيف يسع العاقل أن يترك مثل هذا الإسناد الصحيح ويحمله على التقية لشيء لم يصح وهو من جهالتهم وغباوتهم وكذبهم وحمقهم وما أحسن ما سلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فإنه قال « أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه وإلا لما فضلتهما كفى بي وزراً أن أحبه ثم أخالفه » ومما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشومة عليهم ما أخرجه الدارقطني « إن أبا سفيان بن حربرضي‌الله‌عنه قال لعلي باعلى صوته لما بايع الناس أبا بكر ياعلي غلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش أما والله لأملأنها عليه خيلاً ورجلاً إن شئت فقال عليرضي‌الله‌عنه ياعدو الإسلام وأهله فما أضر ذلك للإسلام وأهله » فعلم بطلان مازعموه وافتروه من إن علياً إنما بايع تقية وقهراً ولو كان لما زعموه أدنى صحة لنقل واشتهر عن علي إذ لا داعي لكتمه بل أخرج الدارقطني وروي معناه من طرق كثيرة عن علي إنه قال « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد الي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهداً لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا ردائي ولم أترك إبن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأي موضعي وموضعه


فقال له قم وصل بالناس وتركني ورضينا به لدنيانا كما رضى به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لديننا » ومر لذلك مزيد بيان في خامس الأجوبة عن خبر « من كنت مولاه فعلي مولاه » وفي الباب الثاني وفي غيرهما فراجع ذلك كله فإنه مهم.

ومما يلزم من المفاسد والمساوىء والقبائح العظيمة على مازعموه من نسبة علي الى التقية إنه كان جباناً ذليلاً مقهوراً أعاذه الله من ذلك وحروبه للبغاة لما صارت الخلافة له ومباشرته ذلك بنفسه ومبارزته للألوف من الإمور المستفيضة التي تقطع بكذب مانسبه اليه أولئك الحمقى والغلاة إذ كانت الشوكة من البغاة قوية جداً ولا شك إن بني أمية كانوا أعظم قبائل قريش شوكة وكثرة جاهلية وإسلاماً وقد كان أبو سفيان بن حرب هو قائد المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب وغيرهما وقد قال لعلي لما بويع أبو بكر ما مر آنفاً فرد عليه ذلك الرد الفاحش وأيضاً فبنو تيم ثم بنو عدي قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش فكسوة علي لهما مع إنه كما ذكر وقيامه بالسيف على المخالفين لما إنعقدت البيعة له مع قوة شكيمتهم أوضح دليل على إنه كان دائراً مع الحق حيث دار وإنه من الشجاعة بالمحل الأسنى وإنه لو كان معه وصية من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمر القيام على الناس لأنفذ وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولو كان السيف على رأسه مصلتاً ، لايرتاب في ذلك إلا من إعتقد فيهرضي‌الله‌عنه ماهو منه بريء.

ومما يلزمهم أيضاً على التقية المشومة عليهم إنهرضي‌الله‌عنه لايعتمد على قوله قط لأنه حيث لم يزل في إضطراب من أمره فكل ماقاله يحتمل إنه خالف فيه الحق خوفاً وتقية ذكره حجة الإسلام ابو حامد الغزالي وقال غيره بل يلزمهم ما هو أشنع من ذلك وأقبح كقولهم إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعين الإمامة إلا لعلي فمنع من ذلك فقال مروا أبا بكر تقية فيتطرق إحتمال ذلك الى كل ماجاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يفيد حينئذ إثبات العصمة شيئاً

وأيضاً فقد إستفاض عن عليرضي‌الله‌عنه إنه كان


لايبالي بأحد حتى إنه قيل للشافعيرضي‌الله‌عنه مانفر الناس عن علي إلا إنه كان لا يبالي بأحد فقال الشافعي إنه كان زاهداً والزاهد لايبالي بالدنيا وأهلها ، وكان عالماً والعالم لايبالي بأحد ، وكان شجاعاً والشجاع لا يبالي بأحد وكمان شريفاً والشريف لا يبالي بأحد أخرجه البيهقي وعلى تقدير إنه قال ذلك تقية فقد إنتفى مقتضيها بولايته وقد مر عنه من مدح الشيخين فيها وفي الخلوة وعلى منبر الخلافة مع غاية القوة والمنعة ما تلى عليك قريباً فلا تغفل عنه انتهى.

أقول : يتوجه على مارتبه تجحيراً على مذهبه من سقاطات المدر والحصى مدافع لا يحصى منها إن أبا جحيفة الذي إعتمد على روايته لم يكن من رجال الشيعة قطعاً كما مرت الإشارة اليه سابقاً وتوهم تشيعه من قوله « كان يرى إن علياً أفضل الإمة وإنه حزن من أستماع خلافه حزناً شديداً » لايجدي نفعاً لأن إظهار ذلك أولاً يجوز أن يكون إحتيالاً منه تحصيلاً لإلتفات بعض عوام الشيعة الى تصديق مايذكره بعد ذلك من أفضلية أبي بكر رواية عن عليهعليه‌السلام وحيث لم يكن أبو حجيفة من زمرة شيعة عليعليه‌السلام فالتقية منه متجه سواء كان في الخلاء أو في الملاء وحينئذ كيف يستبعد من له أدنى عقل وفهم إنه لامجال لتوهم التقية في هذا المقام ، لولا عروض الخلافة والجمود التام ، ثم الظاهر إن قوله « وفي خلافته » عطف على قوله « في الخلاء » وحينئذ لايرتبط به قوله لأنه « قال في منبر الكوفة الى آخره » لركاكة الإستدلال به على ماذكر ولمنافاته ماذكره أولاً من إنهعليه‌السلام أدخله بيته وقال له ذلك الخبر إلا أن يكون قبل قوله « لأنه » واو عطف قد سقط من قلم الناسخ وحينئذ لا يوجد في الكلام مايصلح لعطفه عليه إلا على تأويل بعيد ومع ذلك يصير حينئذ مآل هذا الدليل العليل متحداً مع ذكره قبله من إن علياًعليه‌السلام قال ذلك لأبي حجيفة في خلافته وعلى أي تقدير فإظهار عليعليه‌السلام ذلك في أيام


خلافته على منبر الكوفة لو صح لاينافي التقية لما مر من إن أكثر العساكر الذين كانوا معهعليه‌السلام كانوا معتقدون لحسن سيرة الشيخين وحقية خلافتهم ، محافظين على شأنهما ، ذابين عن حريم …. كما يدل عليه ماسيذكره هذا الجامد المعاند من رواية أبي ذر الهروي والدارقطني المشتملة على إعتراض من سمع سب الشيخين عن جماعة عليعليه‌السلام بأنهم لولا يرون إنك تضمر ما أعلنوه ما إجترأوا ؛ الى آخره » ولئن كانعليه‌السلام في أيام إظهاره لذلك فارغاً من بقية السيف كعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم من القاصدين لثوران الفتنة وتحريض معاوية على الخروج عليهعليه‌السلام حتى خرج في قريب من تلك الأيام ومنها إنما نقله من بعض أئمة أهل البيت من إنكار أعمالهم للتقية يتوجه عليه إنه على تقدير وجود ذلك البعض الذي لم يسمه وتسليم صحة النقل عنه يمكن أن يكون ذلك منه تقية في تقية ووصفه للتقية بالمشمومة لو صح أيضاً فلعله أراد به كونه شوماً على الأعداء كما قيل في الفارسيه.

شعر بردوست مباركست وبر دشمن شوم

وكيف لايكون كذالك مع إنه وسيلة لخلاص الأحباء عن تهلكة الأعداء وضحكهم على لحية هؤلاء.

وأما مانقله عنه ثانياً من قوله « حتى قال بعضهم غر الأشياء في الدنيا شريف سني » فوهنه ظاهر لظهور إن الشيعة كما يشعر به لقبهم هذا تابعون لأهل البيتعليهم‌السلام مقتبسون من مشكاة ولايتهم لا صنع لهم في تقرير عقائد سادتهم كما يرشد اليه حال سادات المدينة المشرفة وشرفاء مكة المعظمة وأخذ العقائد عن


أب عن جد الى الأئمة المعصومينعليه‌السلام من غير إلتفات الى غيرهم كما علم بتتبع أحوالهم فما نقله عن لسان بعض الأئمة موضوع عليه قطعاً.

ومنه إن قوله « وما أحسن ما أبطل به الباقر هذه التقية المشمومة ؛ الى آخره » يتوجه عليه بعد تسليم صحة النقل إنه لا حسن فيه للناقل لظهور إنه كلام مجمل مبهم يليق صدوره بشأن الواقع في مقام التقية وقد أشرنا أيضاً الى أن سطوة أولياء الشيخين ، والمعتقدين لبراءة سيرتهم عن الشين ، كانت تقوم مقام سطوتهما وأكثر.

وأما مانقل عن دعاءهعليه‌السلام على هشام ، فلا يجزي فيما له من المرام ، لأن كثيراً من ملوك بني أمية لم يكونوا قادرين على مؤاخذة الأشراف بمجرد صدور إنكار منهم بالنسبة اليهم وإنما كانوا يجعلون القدح في الشيخين أو تهمة القدح فيهما وسيلة الى المؤاخذه بالقتل والحبس ونحوهما ويؤيد هذا ماجري في بعض أيام الحج من تنحي المسلمين عن طريق مولانا زين العابدين هييبة منه ليسهل له إستلام الحجر مع عدم تيسر ذلك لهشام ، وإنتظاره التام لدفع الإزدحام وجرأة فرزدق الشاعر في إنشاده حينئذ على هشام ماتضمن مدح زين العابدينعليه‌السلام وذم هشام وهذه القصة مع القصيدة مشهورة مذكورة على السنة الأنام على وجه سيذكرها هذا الشيخ في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام .

ومنها إن ما ذكره بقوله « فما أحوج علياً أن يقول ذلك تقية ؛ الى آخره » مردود بما سبق مراراً من وجوه متعددة ذكرنا فيها ما أحوجهعليه‌السلام الى ذلك وحاصله ماروى أصحابنا إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما أوصى علياًعليه‌السلام لما إحتاج اليه في وقت وفاته عرفه جميع مايجري عليه من بعد من أمر واحد بعد واحد من المستولين فقال له عليعليه‌السلام على ما تأمروني أن أصنع فقال تصبر وتحتسب الى أن يعود الناس اليك طوعاً فحينئذ تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، ولا تنابذن أحداً من الثلاثة فتلقي بيدك الى التهلكة ويرتد الناس من النفاق الى الشقاق فكان عليهعليه‌السلام


حافظاً لوصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إتقاء في ذلك على المسلمين المستضعفين لئلا يرجع الناس الى الجاهلية الأولى وتثور القبائل مرتدين بالفتنة في طلب ثارات الجاهلية الى غير ذلك من المصالح الخفية والجلية.

ومنا إن قوله « وما أحسن ماسلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فإنه قال أفضل الشيخين ؛ الى أخره » مدخول بمنع كون عبدالرزاق من علماء الشيعة بل يظهر من كلام ياقوت الحموي في معجمه إنه من محدثي أهل السنة والجماعة وشيخ مشايخ حديثهم وغاية الأمر إنه كان يقدح في عثمان لكن كان يعتقد صحة خلافة الشيخين وبفضلهما لزعمه الباطل إن علياًعليه‌السلام فضلهم على نفسه وإنه في ذلك قد أطاع علياًعليه‌السلام وحينئذ فقوله وبوله سواء.

ومنها قوله « ومما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشومة ما أخرجه الدار قطني من أن أبا سفيان ؛ الى آخره » مدفوع بأن ما أخرجه الدارقطني مما يصدق دعوانها ؛ كيف وهو متضمن ماذكرنا سابقاً من إن علياًعليه‌السلام إنما كان يحترز في عدم النزاع مع الثلاثة عن مخالفة وصية سيد الأنام صلوات الله عليه وآله وإثارة فتنة تؤدي الى إفناء دين الإسلام ولهذا أغلظ على أبي سفيان في الكلام ونسبه الى العداوة مع الإشارة الى أن خلافة أبي بكر لاتضر بالإسلام وإن إثارة ماقصده من الفتنة تضر فيه وتؤدي الى إفناء الإسلام وأهله بالتمام(١) فظهر حقية ماقاله من إن علياًعليه‌السلام إنما بايع أبا بكر قهراً وتقية والله

____________________

(١) والمروي من طريق الشيعة وبعض طرق أهل السنة إن أبا سفيان جاء الى باب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال :

شعر بني هاشم لا يطمع الناس فيكم

ولاسيما تيم بن مرة أو عدي

وما الأمر إلا فيكم أو عليكم

وليس لها إلا أبو حسن علي

أبا حسن فاشدد بها كف حازم

فإنك بالأمر الذي ترتجى علي

ثم نادى بأعلى صوته : يابني هاشم ، يابني عبد مناف ، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل أما والله لو شئتم لأملأن عليهم خيلاً ورجلاً فناداه أمير المؤمنينعليه‌السلام : أرجع أبا سفيان فولله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول الله وعلى كل إمرء ما إكتسب ، وهو ولي ما أحتقب ذكره إبن طاووسرضي‌الله‌عنه في ربيع الشيعة منه نور الله مرقده « كذا في حاشية هذا الموضع من إحدى النسختين اللتين عندي ».


يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المنافقون.

ومنهما إن قوله « بل أخرج الدارقطني وروى معناه عن طرق كثيره عن علي إنه قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عهداً لجاهدت عليه ؛ الى آخره » مقدوح بعدم تسليم صحته مع إن أكثر ما ذكر فيه موافق لما أسبقناه من إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عهد الى أمير المؤمنينعليه‌السلام أن لاينازع مع الثلاثة ولا يسل السيف عند غصبهم الخلافة وحاصل الكلام المذكور إنه لو عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اليّ عهداً بأن أجاهدهم لأجل الخلافة لجاهدتهم ولكنه عهد اليّ بالصبر والسكوت فامتثلت وصيته وحفظت عهده الى أن مضوا لسبيلهم كما صرح بهعليه‌السلام في الخطبة المشهورة الموسومة بالشقشقية أيضاً.

وأما قولهعليه‌السلام « لكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى موضعي وموضعه » فيحتمل أن يكون من قبيل رؤية علي عليه لسلام موضع إراقة دم الحسين في أرض كربلاء قبل وقوع الواقعة وبالجملة يمكن أن يكون إخباراً عن رؤية ماجرى به حكم المشية التكليفية التابعة في الكون لإختيار المكلفين ولو بالإختيار السوء لا بحكم المشيئة الإرادية المساوقة للحكم الشرعي كما صرح به صاحب الأحباب من الصوفيه الشافعية التفضيلية حيث قال : فإن قلت فعلى هذا قد بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للخلافة ترتيباً فكيف خصصتها بعليعليه‌السلام ؟


قلت : إنما جاء الترتيب في اخباره عما يقع من حكم إلهي لا في إثباتهصلى‌الله‌عليه‌وآله إياه حكماً شرعياً فربما كان الحكم ثابتاً لك يتأخر وقوعه الى أجل أو لا يقع البتة فأخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ترتيب وقوعها حكماً إلهياً عن ثبوت ترتيبها حكماً شرعياً إنتهى

وأما تتمة الخبر من قصة أبي بكر بالصلاة مع الناس من انكر الموضوعات عند الشيعة كما مر بيانه وتأييده بآحدى الروايتين في ذلك للبخاري ويدل على كونه كذباً موضوعاً لإشتماله على ما لايتكلم به عاقل فضلاً عن إمام معصوم مؤيد مطالع للوح المحفوظ كعليعليه‌السلام وهو القياس الفاسد الذي نبهنا على فساده فيما مر وقد تقدم لذلك في رد خامس أجوبة هذا الجامد عن خبر « من كنت مولاه فعلي مولاه » ما لا مزيد عليه فتنه وتذكر.

ومنها إن ماذكره من نسبه إستلزام نسبة علي عليه لسلام الى التقية دليلاً على الجبن يستلزم أن يكون سيد الأنبياء جباناً ذليلاً مقهوراً ايضاً بل يستلزم أن يكون أجبن وأذل وأشد مقهورية أعاذه الله من ذلك وذلك للإجماع على إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن أقل شجاعة وقوة من عليعليه‌السلام (١) وهو مع كون

____________________

(١) بل هوصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أشجع وأقوى منهعليه‌السلام فإنهصلى‌الله‌عليه‌وآله صالح معهم في رد من جاء منهم الينا دون من ذهب منا اليهم ولما كتب عليعليه‌السلام كتاب العهد وصدره بقوله بسم الله الرحمن الرحيم قال سهل بن عمر عليه ماعليه أما بسم الله وما ندري بسم الله الرحمن الرحيم ولكن إكتب مانعرف بإسمك اللهم فوافقهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ترك كتابة البسملة وكتب بسمك اللهم ولما كتب قوله « هذا ماكاتب محمد رسول الله » قالوا نحن لا نعتقد رسالتك فاكتب محمد بن عبدالله فوافقهم فيه وترك كتابة رسول الله قال النووي في شرح صحيح مسلم « وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح » وقال قبل ذلك بورقات ، عند أوائل باب صلح الحديبية : للإمام أن يعقد الصلح على مارآه مصلحة اللمسلمين وإن كان ذلك لا يظهر لبعض الناس في بادي الرأي الى آخر ماقال منهرحمه‌الله « كذا في حاشية هذا الموضع من إحدى النسختين اللتين عندي »


أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وأبي بكر الأشجع منه ، وعمر المقدام ، بزعم هذا الجامد وغيره من بني هاشم في ملازمته لم يقاتل مع كفار قريش واختار المهاجرة من مكة الى المدينة الطيبة وبعد إمتداد المدة وتهيأ القوة والشوكة لما توجه الى مكة للحج وصدق عليه كفار قريش في الحديبية صالح معهم صلحاً سماه عمر إعطاء الدنية ورجع من الحديبية الى المدينة كما مر ولا ريب إن كل مايوجه به كف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام وسائر الصحابة والمهاجرين والأنصار عن قتال هؤلاء الكفار فهو يصلح وجهاً لكف أمير المؤمنينعليه‌السلام عن منازعة الغاصبين للخلافة بطريق أولى ضرورة إن حقية كفار قريش غير متصورة أصلاً بخلاف الغاصبين المتظاهرين بالإسلام فتدبر.

وأما حربهعليه‌السلام للبغاة فقد بينا الفرق الظاهر بينهم وبين الثلاثة الغاصبين للخلافة مرارا ًفتذكر.

ومنها إن قوله « وأيضاً فبنو تيم ثم بنو عدي قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش فسكوت علي لهما ؛ الى آخره » مدفوع بأنا لو سلمنا إن قومهما كان اضعف قبائل قريش فكفى في تقويتهم وجود مثل عمر الذي روى الجمهور إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يدعوه في بدء الإسلام ويقول اللهم قوني بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب ولو سلم ضعفهما في نفسهما أيضاً لكن أكثر ماعداهما من قبائل قريش كبني أمية وبني مخزوم وبني المغيرة كانوا يبغضون علياًعليه‌السلام لأجل هلاك آباءهم ، وأخوانهم ، واولادهم ، بيدهعليه‌السلام في غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى روي إنه لم يكن بيت من قريش إلا ولهم عليه دعوة دم أراقه في سبيل الله كما ذكره الأصفهاني الشافعي في جرحه على كتاب كشف الحق وقد ذكر الشيخ الجامد في مواضع من كتابه هذا مايدل على بغض القوم وحسدهم له فيما آتاه الله من فضله خصوصاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم والذين كانوا من أعاظم قبائل قريش فقد روى هذا الشيخ الجامد فيما ذكره


فى أول الخاتمة التي عقدها البيان ما أخبر به النبي (ص) ما حصل على آله من البلاء والقتل من قوله « إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلاً وتشريداً وإن أشد أقوام لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم » إنتهى

ولهذا إبتدأوا بعقد الرايات لعكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم من بني مخزوم على بلاد اليمن وسموا خالد بن الوليد المخزومي الفاسق الذي قال في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله « اللهم إني أبرأ اليك مما فعل خالد » سيف الله وسلطوه على مشتهياته من فروج المسلمين ودمائهم وأموالهم وسموا عبيدة بن الجراح المجروح أمين الأمة وجعلوه مشيراً لهم وأرضوا أبا سفيان بتفويض إمارة الشام ولده يزيد ووجهوا إسامة مع من كان في جيشه من الذين خافوا فتنتهم مظهرين له إبطائه على إمارته ليسكت عن مخالفتهم حتى إذا إنتهى الى نواحي الشام عزلوه واستعلموا مكانه يزيد بن أبي سفيان فما كان بين خروج أسامة ورجوعه الى المدينة إلا نحو من أربعين يوماً لما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح يامعشر المسلمين عجباً لرجل إستعملني عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فتأمر عليّ وعزلني هذا والسر في إن بني مخزوم وبنو أمية وغيرهم من صناديد قريش لم يتصدوا لغصب الخلافة بأنفسهم وإنما حملوا أبا بكر على ذلك لعدم سابقتهم في الإسلام وسرعة توجه التهمة اليهم بمعاداة عليعليه‌السلام وأهل بيته بل معاداة الأنصار ايضاً فحملوا على أبا بكر على أكتاف الناس رغماً لعليعليه‌السلام ولهم فافهم وبالجملة إن غصب الخلافة لم يكن بمجرد إتفاق بني تيم وبني عدي كما زعمه بل بإتفاق جميع طوائف قريش على ذلك كما مر مراراً وبه تحقق الفرق بين خلافة الثلاثة وزمان الناكثين والقاسطين والمارقين كما أوضحنا تارة بعد أخرى.

وأما ماذكره من « إن سكوت علي لتيم وعدي أولاً وقيامه بالسيف على آخرين آخراً دليل على إنه كان مع الحق حيث دار » فالجواب عنه إن ذاك كذلك لكن لا لأجل ماتوهمه من إعتقاد عليعليه‌السلام


على حقية خلافة الأولين بل لأجل مامر من أن السكوت في الأول لم يكن إختيارياً له والقيام بالسيف ثانياً كان بإختيار منه.

وأما قوله « وإنه لو كان معه وصية من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أمر القيام على الناس لأنفذ ؛ الى آخره » فمدخول بما قد مر أيضاً من إنه كان عندهعليه‌السلام عهدان من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحدهما إن ولاية عهد الخلافة حق له بعده والثاني أن لاينازع فيها أحداً من الثلاثة المستولين بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله للمصالح التي فصلنا فيها الكلام آنفاً فتأمل.

ومنه إن قوله « ومما يلزمهم أيضاً على هذه التقية المشومة إنهرضي‌الله‌عنه لايعتمد على قوله قط ؛ الى آخره » إن أراد به لزوم عدم إعتماد المخالفين الذين كان يتقي هوعليه‌السلام منهم فهو غير مجد له وغير مضر لنا وإن أراد عدم إعتماد أولاده الطاهرين وشيعته واصحابه المخلصين الذين عرفوا اصوله المرضية وضبطوا القرائن القائمة في مواضع أعماله للتقية فهو ممنوع إذ عندهم قواعد وعلامات وقرائن وإمارات قد اشرنا الى بعضها سابقاً بها يميزون بين مواضع أعمالهعليه‌السلام للتقية وبين غيرها على وجه لايبقى شائبة الريب لهم وبهذا التقرير أيضاً يندفع ما إدعى لزومه بعيد ذلك كما لايخفى.

ومنها إن قوله وعلى تقدير إنه قال ذلك تقية فقد إنتفى مقتضيها بولايته ؛ الى آخره » ممنوع بما مر مراراً من إنه لما كان إعتقاد جمهور من في زمان ولايته حسن سيرة الشيخين وإنهما كانا على الحق فلم يتمكنعليه‌السلام من الإقدام على مايدل على فساد إمامتهما وإنهما كانا غير مستحقين لمقامها وكيف يتمكن من ذلك وإظهار خلافهم على الجماعة التي يظنون إنهم كانوا خلفاء رسول الله حقاً وإن خلافتهعليه‌السلام مبنية على خلافتهم فإن فسدت فسدت خلافته وكيف يأمن في خلافته الخلاف عليهم وكل من بايعه وجمهورهم عبدة هؤلاء وكانوا يرون إنهم مضوا على أعدل الأمور وافضلها وإن غاية أمر من بعدهم


كعليعليه‌السلام أن يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم فتأمل وانصف.

٩٥ ـ قال : واخرج أبو ذر الهروي والدارقطني من طرق إن بعضهم مر بنفر يسبون الشيخين فاخبر علياً وقال لولا إنهم يرون إنك تضمر ماأعلنوا ما إجترأوا على ذلك فقال علي أعوذ بالله رحمهم(١) الله ثم نهض واخذ بيد ذلك المخبر وادخله المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت دموعه تتحادر على لحيته وجعل ينظر البقاع حتى إجتمع الناس ثم خطب خطبة بليغة من جملتها « مابال أقوام يذكرون أخوي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين وانا بريء مما يذكرون ، وعليه معاقب ، صاحبا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالجد والوفاء والجد في أمر الله تعالى يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لايرى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كرأيهما رأياً ولا يحب كحبهما حباً لما يرى من عزمهما في أمر الله فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون فما تجاوزوا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلكرحمهم‌الله تعالى فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق ، وحبهما قربة وبغضهما مروق ثم ذكر أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي بكر للصلاة وهو يرى مكان علي ثم ذكر إنه بايع أبو بكر ثم ذكر إستخلاف أبي بكر لعمر ثم قال إلا ولا يبلغني عن أحد إنه يبغضهما إلا جلدته حد المفتري ، وفي رواية ما إجترأوا على ذلك أي سب الشيخين إلا وهم يرون إنك موافق لهم منهم عبدالله بن سبأ وكان أول من أظهر ذلك لهما فقال علي معاذ الله أن أضمر لهما ذلك لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل وسترى ذلك إنشاء الله ثم ارسل الى إبن سبأ فسيره الى المدائن وقال لا تساكني في بلدة أبداً قال الأئمة وكان ابن سبأ هذا يهودياً فأظهر الإسلام وكان

____________________

(١) هذه الكلمة في النسخة المطبوعة من الصواعق بصيغة التثنية بخلاف نسخة المصنف كما يعلم من هنا ومن الجواب أيضاً كما سيجيء


كبير طائفة من الروافض وهم الذين أخرجهم عليرضي‌الله‌عنه لما إدعو فيه الإلهية.

أقول : يعلم من هذا الخبر وكثير من أمثاله المذكورة في هذا الكتاب بعد تسليم صحتها إنهعليه‌السلام كان في زمانه متهماً بأعمال التقية في شأن الشيخين ويظهر منه إن تجويز التقية والحكم بشرعيتها ليس من مخترعات الشيعة كما قد يتوهم وأي تقية أظهر من إنهعليه‌السلام قال في ضمن جوابه لسؤال ذلك البعض قوله «رحمهم‌الله » بضمير الجمع الظاهر في كونه راجعاً الى تلك النفر السابين المذكورين في الخبر غاية الأمر إنهعليه‌السلام سيستعيذ من سب الشيخين فيذهل بعد ذلك عن ظهور إرجاع الضمير الآتي في قوله «رحمهم‌الله » الى تلك النفر السابين ويزعم بقرنية الإستعاذة المطلقة المبهة إن ضمير الجمع راجع الى الشيخين من أجل توهمه إن تلك الإستعاذة المطلقة منصرفة الى الإستعاذة من سبهما وإن الإتيان بضمير الجمع دون التثنية للتعظيم وأما باقي الأوصاف المذكور لهما من الوزارة والسيادة وأبوة المسلمين مع إن الأخير منها غصب لما خص به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كونه أباً للمسلمين كأزواجه بكونهن إمهاتهم مسوقة تهكماً على طبق مايصفهما به أوليائهما كقوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم وقول إبن منير الطرابلسي الشيعي الإماميرحمه‌الله مهدداً لشريف زمانه الذي أوقف مملوكه المسمى بتتر عنده في جملة أبيات مضحكه منها قوله :

ليس الشريف الموسوي أبا الرضا إبن أبي مضر أبدى الحجود ولم يرد

على مملوكي تتر واليت آل أمية الطهر الميامين الغرر واقول أم المؤمنين

عقوقها إحدى الكبر الى آخره فليضحك قليلا وليبكي كثيراً.

وأما الرواية الأخرى التي ذكرها آخراً فبعد تسليم صحتها يتوجه عليه إن غاية مايدل عليه هو إستعاذة علي


عليه‌السلام عن سب الشيخين والسب مما يستعيذ منه الشيعة أيضاً ولا يجوزونه بالنسبة الى الكافر فضلاً عن المسلم والمنافق وإنما الذي جوزه هو اللعن على من يستحقه كما مر وفرق مابينهما بين.

وأما قولهعليه‌السلام « لعن الله من أظهر لهما إلا الحسن الجميل » فلا دليل فيه على عدم إستحقاق الشيخين عنده للعن المتنازع فيه لأن مراده بالحسن الجميل ما هو اللائق بهما عند الله وإن كان طعناً أو لعناً ضرورة إن الحسن الجميل بحال الجبت والطاغوت وفرعون ونمرود ليس إلا مثل ذلك ؛ ثم لايخفى إن قوله « ثم أرسل الى إبن سبأ فسيره الى المدائن ؛ الى إخره » يدل على إنه إنما سيره لأجل سبه أبا بكر وعمر وقوله بعيد ذلك « إنه أخرجه مع طائفة لما إدعوا فيه الإلهية » يدل على إن التسيير والإخراج لأجل إدعائهم الإلهية فيهعليه‌السلام فهما متناقضان وهذا من أجل آيات الوضع في الخبر فتدبر.

٩٦ ـ قال : وأخرج الدارقطني من طرق إن علياً بلغه إن رجلاً يعيب أبا بكر وعمر فاحضره وعرض له بعيبهما لعله يعترف ففطن فقال له أما والذي بعث محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحق إن لو سمعت منك الذي بلغني أو الذي نبئت عنك أو الذي ثبت عليك ببينة لأفعلن بك كذا وكذا إذا تقرر ذلك فاللائق بأهل البيت النبوي إتباع سلفهم في ذلك والإعراض عما يوشيه اليه الرافضة وغلاة الشيعة من قبيح الجهل والغباوة والعناد فالحذر الحذر عما يلقونه اليهم من إن كل من إعتقد تفضيل أبي بكر على علي كان كافراً لأن مرادهم بذلك أن قرروا عندهم تكفير الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وعلماء الشريعة وعوامهم وانه لا مؤمن غيرهم وهذا مؤد الى هدم قواعد الشريعة من أصلها وإلغاء العمل بكتب السنة وما جاء عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن صحابته واهل بيته إذ الراوي لجميع آثارهم وأخبارهم


وللأحاديث بأسرها بل والناقل للقرآن في كل عصر من عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى هلم الصحابة والتابعون وعلماء الدين إذ ليس لنحو الرافضة رواية ولا دراية يدرون بها فروع الشيعة وإنما غاية أمرهم أن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي أو نحوه والكلام في قبوله معروف عند أئمة الأثر ونقاد السنة فإذا قدحوا فيهم قدحوا في القرآن والسنة وأبطلوا الشريعة رأساً وصار الأمر كما في زمن الجاهلية الجهلاء وكيف يسع العاقل أن يعتقد كفر السواد الأعظم من أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع إقرارهم بالشهادتين وقبولهم لشيعة نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غير موجب للتكفير وهب إن علياً أفضل من أبي بكر في نفس الأمر اليس القائلون بأفضلية أبي بكر معذورين لأنهم إنما قالوا ذلك لأدلة صرحت به لهم وهم مجتهدون والمجتهد إذا أخطأ له أجر فكيف يقال حينئذ بالتكفير وهو لا يكون إلا بإنكار مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة عناداً كالصلاة والصوم.

وأماما يفتقر الى نظر وإستدلال فلا كفر بإنكاره وإن أجمع عليه على مافيه من الخلاف وانظر الى انصافنا معشر أهل السنة والجماعة الذين طهرهم الله من الرذائل والجهالات والعناد والعصب والحمق والغباوة فإننا لم نكفر القائلين بأفضلية علي على أبي بكر وإن كان ذلك عندنا خلاف ما أجمعنا عليه في كل عصر منا الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما مر في أول هذا الباب بل اقمنا لهم العذر المانع من التكفير ومن كفر الرافضة من الأئمة فلأمور أخرى من قبائحهم إنضمت الى ذلك فالحذر الحذر من إعتقاد كفر من قلبه مملو بالإيمان بغير مقتض تقليداً للجهال الضلال الغلاة وتأمل ماصح وثبت عن علي وأهل بيته من تصريحهم بتفضيل الشيخين على علي فإن هؤلاء الحمقى وإن حملوه على التقية المشومة عليهم فلا أقل من أن يكون عذراً لأهل السنة في إتباعهم لعلي وأهل بيته فيجتنب أعتقاد الكفر فيهم فإنهم لم يشقوا


عن قلب علي حتى يعلموا إن ذلك تقية بل قرائن أحواله وما كان عليه من عظم الشجاعة والإقدام وإنه لايهاب أحداً ولا يخشى بالله لومة لائم قاطعة بعدم التقية فلا أقل أن يجعلوا ذلك منهم شبهة لأهل السنة مانعة عن أعتقادهم كفرهم سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى.

اقول فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنه على تقدير تسليم صحة الخبر إنما عرض عليعليه‌السلام عيب الشيخين على ذلك الرجل لإستحبابه تكراره وليتنبه ذلك الرجل من عرض ذلك عليه على وجه غير معتاد وفي مقام محفوف بالمخالفين بأن المقام مقام التقية والتوقف عن الإعتراف بما يورث توجه البلية فقد إتقى علي نفسه وعلى مولاه في ذلك وما قوله « إذا تقرر ذلك ؛ الى آخره » ففي إنه لم يتقرر له شيء هاهنا إلا الرواية ولا دلالة لها على مافهمه منها من كف سلف أهل البيتعليهم‌السلام عن الطعن في الشيخين كما عرفت فحق أن يقال له « ثبت العرش ثم إنقش ».

وأما ثانياً فلأن تكفير من إعتقد تفضيل أبي بكر على عليعليه‌السلام مما لم يذهب اليه جمهور الشيعة وإنما الذي ذهبوا اليه الحكم بفسقهم بل لم يذهبوا الى تكفير الخلفاء الثلاثة وغيرهم من الأصحاب الذين خالفوا علياً ولم يحاربوا وإنما كفروا منهم من حاربه كالناكثين والقاسطين.

وأما ماذكره من تقرير الشيعة إنه لامؤمن غيرهم فلا يقتضي تكفير غيرهم من المسلمين لأن ذلك مبني على ماحققوه من الفرق بين المؤمن والمسلم وإن غيرهم كأهل السنة مسلمون وإنما المؤمنون من إعتقد خلافة عليعليه‌السلام عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بلا فصل وهذا الشيخ الجامد


الجاهل لما جهل ما حققه الشيعة الإمامية ونظر الى ما قرره أهل السنة من إتحاد المؤمنين والمسلمين توهم إن حسب الشيعة الإيمان في أنفسهم يستلزم نفي الإسلام عن غيرهم وليس فليس.

وأما ثالثاِ فلأن ما ذكره من تأدية تكفير اهل السنة الى هدم قواعد الشيعة من أهلها غير لازم اصلاً وإنما يلزم ذلك إن لو لم يوجد في الأمة من قام مقامهم وإذ قد ذكر إن الشيعة قد حصروا المؤمنين من الأمة المحمدية في أنفسهم فقد إنهم إعتقدوا كونهم الحافظين لأصول الإيمان وقواعد الشريعة وإنه لايضر الحاق أهل السنة بمن عداهم من الكفار وأيضاً قد إتفق المحققون من الإمامية على إن الخبر الذي يرويه السني الذي تحقق عدالته ، وإنها لايبيح وضع الحديث لنصرة المذهب وغيرها من المصالح الفاسدة يعتبر روايته فلا يلزم إلغاء العمل بجميع الأحاديث الموجودة في أهل السنة.

وأما رابعاً فلأن الصحابة كما صرحوا كانوا متجاوزين عن مائة الف وكان أكثرهم ممن لم يرو حديثاً عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأما الأقلون فمنهم من روي حديثاً كثيراً كعليعليه‌السلام من الصادقين وأبي هريرة من الكاذبين ومنهم من توسط في كثرة الرواية وقلتها ومنهم من قل روايته كأبي بكر وعمر على ماذكره أهل السنة ايضاً والشيعة الإمامية إنما يقدحون في بعض رواة الصحابة في الجميع ولا في الأكثر كيف وهم قد ذكروا في كتب الرجال من الصحابة الموثقين الذين ثبتوا على ولاية عليعليه‌السلام أولاً وآخراً والذين رجعوا اليه آخراً مايزيد على ثلاثمائة صحابي معروف وعلى هذا فاللازم طرح رواية قليل من الصحابة ولا يلزم من طرح رواية أقل قليل خصوصاً قليلي الرواية هدم الشريعة وإلغاء السنة نعم يطرحون روايتهم إذا كان في سلسلة الرواية عنهم من لا يوثق به من أهل السنة كما


أشرنا اليه سابقاً وليس هذا طرحاً لرواية الصحابي من حيث إنه صحابي بل حيث إنه وضع عليه تلك الرواية.

وأما خامساً فلأنه أراد بلزوم الغاء كتب أهل السنة لزوم الغاء الكتب التي الفها أهل السنة في الحديث فبطلان اللازم غير مسلم لقيام ماهو أضعفه من كتب الشيعة الإمامية مقامه وإن اراد الغاء جميع الكتب المؤلفة في ذلك الباب لزعمه إنحصار الكتب المؤلفة في مؤلفاتهم فبطلانه ظاهر جداً ومثله في هذا الزعم الباطل مثل ماوقع في عصرنا من إن بعض المبتدئين من فقراء الطلبة واعيانهم كان يقرأ رسالة مؤلفة في واجبات الطهارة والصلاة ولم يكن يرى كتاباً آخر في الدنيا ولا سمع به فاتفق له في بعض الأيام بعد فراغه عن درسه في خدمة شيخه المرور على حلقة درس شيخ آخر يباحث كتاب المطول في المعني والبيان والمزاعم إن الكتاب منحصر في أفراد نسخ تلك الرسالة وإن كل أحد في كل حلقة درس كل يوم يقرأ ماقرأ هو في ذلك اليوم عند شيخه فجلس في تلك الحلقة وفتح كتابه قصداً لتكرار سماع درسه من تلك الرسالة وإذا سمع مراراً ماقرأه قاريء المطول وما أفاده المدرس من المعاني ولم يجد ذلك مطابقاً لما في درسه من تلك الرسالة ذلك اليوم قام عن المجلس مغتاضاً معترضاً على أولئك الجماعة بأن كل كتبهم غلط فليضحك قليلاً وليبك كثيراً على إن أصح ما إعتمدوا عليه في الرواية كتاب البخاري ثم كتاب مسلم وقد بينا فيما يتعلق بالباب الأول الذي عقده لبيان كيفية خلافة أبي بكر القدح في البخاري ومسلم وكتابيهما وأوضحنا إن روايتهما فيهما عن الوضاعين المعتمدين واحتجاجهما بحديث الناصبي والغالي والمتهم في الدين ، فمن كان إعتماده في الرواية والإحتجاج على مثل هذين الأصلين الضعيفين في المزاج ، المتكسرين بإشارة كالزجاح ، كيف يرجو الرواج بقدحه عن اصل عترتهم السالمون عن


الإعوجاج وهو الواضح غرة صحته كبياض الصبح وضوء السراج.

وأما سادساً فلأن قوله « إذ ليس لنحو الرافضة ؛ الى آخره » مردود بأنه إن أراد بنحو الرافضة مايشمل الإمامية فهو مكابرة على المتواترات المشتهرة بأن نقل أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبار أهل البيتعليهم‌السلام وآدابهم وعباداتهم وسننهم وعاداتهم ومذهبهم في أصول الفقه وفروعه ومعتقداتهم بين الشيعة الإمامية أظهر من أن يخفى وقد نقلوا عن ذلك مايزيد على ما في الصحاح الست بأسانيد معتبرة ونقحوا رجال الأسانيد بالجرج والتعديل غاية التنقيح ولم يقبلوا إلا رواية من ثبت ثقته أو إتفق عليه الفريقان كأكثر الأحاديث الواردة في طعن الثلاثة وأئمتهم ، ومجتهدوهم من لدن علي بن أبي طالبعليه‌السلام لايقصرون عن علماء فرقة من الفرق بل هم في كل زمان أعلم وأتقى والذي يشهد عليه بعناده في نفي الرواية والدراية عن الشيعة خصوصاً الإمامية ما قاله إبن الأثير الجزري في جامع الأصول من إن مجدد مذهب الإمامية في المائة الثانية علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام وما قاله محمد الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عن ذكر الباقرية والجعفرية من الشيعة إن أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادقعليهما‌السلام وهو ذو علم غزير في الدين ودأب كامل في الحكمة ، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات وقد اقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين اليه ويفيض الموالين له اسرار العلوم انتهى

وأما مازعمه من قلة عدد الشيعة فلا يوجب نقصاً في شأنهم كما مر مراراً بل هي دليل حقيتهم إذ كلما كان في الدنيا أقل فهو أعز كالأنبياء في نوع الإنسان والعلماء والأتقياء ونحو ذلك كالجواهر والمسك والمعادن.

وأما سابعاً فلأن قوله وإنما غاية أمرهم إن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي ؛ الى آخره » مدفوع بأن عدم ذكر أهل السنة لرجال الشيعة لا يدل على قلة


روايتهم فضلاً عن قلة ذكرهم إياهم ضرورة إن إقبال الخصم سيما إذا كان معانداً الى إعتبار قول الخصم وروايته وإن كان حقاً صدقاً نادر قليل جداً مع إنما يشعر به كلامه من غاية قلة المذكورين من الشيعة في خلال أحاديث أهل السنة مكابرة لا يخفى على من تتبع كتب أهل السنة سيما كتاب الميزان للذهبي وتاريخ إبن عساكر وتاريخ الكامل لإبن الأثير وتاريخ المنتظم لإبن الجوزي وتاريخ القاضي لإبن خلكان وتاريخ الشيخ عماد الدين إبن كثير الشامي وتاريخ اليافعي وانساب السمعاني ونظائرها فإن أحوال المذكورين في هذه الكتب من علماء الشيعة يبلغ مجلداً ضخما.

وأما ثامنا فلأن جمهور الشيعة لا يكفر أهل السنة في تفضيلهم لأبي بكر وإنما حكم بذلك شذوذ منهم ذهاباً منه الى إن المطلب ضروري ودعوى الشبهة والإشتباه تعنت وعناد أو لأمور أخر إنضمت الى ذلك كإعتقادهم بغض أهل السنة لعليعليه‌السلام ولهذا يعبرون عن جمهور أهل السنة بالناصبة وقد أرشدهم الى ذلك كلام القاضي إبن خلكان من علماء أهل السنة في تاريخه المشهور عند بيان أحوال علي بن جهم القرشي حيث قال ما حاصله « إن التسنن لايجتمع مع حب علي بن ابي طالب » وما كتبه أهل ما وراء النهر في زمان السلطان الأعظم الأمير تيمور وغيره من فتوى إشتراط بغض عليعليه‌السلام بقدر شعيرة أو حبة رمانة في صحة الإسلام مشهور ، وفي السنة الجمهور مذكور ، وأما مايشعر به كلامه سود الله وجهه عن زعمه لكون أهل السنة هم السواد الأعظم المراد من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « عليكم بالسواد الأعظم » لايبيض وجة دعواه اصلاً فإن السواد الأعظم بمعنى أكثر الناس على ما فهمه أهل السنة لا يركن الى إعتباره إلا القلوب الساذجة والأنفس الخالية من معرفة الحق واليقين الغافلة عن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « كلهم في النار إلا واحدة » فإنه دل على إن الناجي قليل بل نادر بالنسبة الى كثير من


السالكين كما مر مراراً ويؤيد ماذكرنا مارواه الطيبي في شرح المشكاة عن سفيان الثوري في تفسير الجماعة حيث قال لو إن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة والحق إن مرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالسواد الأعظم مولانا أمير المؤمنين عليعليه‌السلام كما يشعر به كلام الزمخشري وفخر الدين الرازي في تفسيريهما لما نزل في شأن عليعليه‌السلام من قوله تعالى وتعيها أذن واعية فإنهما قالا « فإن قيل لما قال إذن واعية على التوحيد والتنكير قلنا للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي فيهم وللدلالة على إن الأذن الواحدة إذا وعت فهو السواد الأعظم وإنما سواها لا يلتفت اليه وإن إمتلأ العالم منه » إنتهى فظهر إن الحديث النبويصلى‌الله‌عليه‌وآله لنا لا علينا.

وأما تاسعاً فلأن قوله « وهل أن علياً أفضل من أبي بكر في نفس الأمر ؛ الى آخره » مدخول بأن هذا الكلام لو تم لدل على كون الشيعة معذورين في حكمهم ببطلان خلافة الثلاثة وإستحقاقهم اللعن لأنهم أيضاً إنما حكموا بذلك لأدلة صرحت لهم وهم مجتهدون ؛ الى آخر ماذكره على إنا قد بينا عدم صراحة تلك الأدلة بل عدم دلالتها على ماقصدوه اصلاً وإنهم إنما تشبثوا بذلك عناداً وفساداً على العوام كدعوى معاوية وغيره من البغاة الغاوية إجتهادهم في الخروج على الإمام الحق عليعليه‌السلام من غير جهد أو إجتهاد في تحقق ذلك المرام مع ظهور الأمر على سائر الصحابة الكرام وعلماء تلك الأيام.

وأما عاشراً فلأن ما ذكره من « إن الشيعة لم يشقوا عن قلب علي حتى يعلموا إن ذلك تقية بل قرائن أحواله وما كان عليه من عظم الشجاعة والإقدام ؛ الى آخره » مدفوع بأن إستعلاام الأمور لا يحتاج الى شق القلوب وصدع الصدور فإنه (ع) كان يعلن لشيعته المخلصين المخصوصين به ما كان يضمره عن غيره من المخالفين وقد نصب لشيعته


في مواضع أعماله للتقية ، القرائن والإمارات الجلية كما مر سابقاً بما لا مزيد عليه فتذكر.

٩٧ ـ قال : الفصل الثاني في

ذكر فضائل أبي بكر الواردة في وحده وفيها آيات وأحاديث

أما الآيات فالأولى قوله تعالى سيجنبها الأتقى ، الذي يؤتي ماله يتزكى ، وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى ، ولسوف يرضى قال إبن الجوزي أجمعوا على إنها نرلت في أبي بكر ففيها التصريح بأنه إتقى من سائر الأمة والأتقى هو الأكرم عند الله لقوله تعالى « إن أكرمكم عند الله اتقاكم » والأكرم عند الله هو الأفضل فنتج إنه أفضل من بقية الأمة ولا يمكن حملها على علي خلافاً لما إفتراه بعض الجهلة لأن قوله تعالى وما لاحد عنده من نعمة تجزى يصرفه عن حمله على علي لأن النبي رباه فله عليه نعمة أي نعمة تجزى فإذا خرج على تعيين أبي بكر للإجماع على إن ذلك الأتقى هو أحدهما وأخرج إبن حاتم والطبراني إن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله فأنزل الله قوله وسيجنبها الأتقى الذي ، الى آخر السورة إنتهى.

اقول : فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنا لانسلم صحة الرواية في شأن أبي بكر فضلاً عن الأجماع عليه والسند ماذكره بعضهم إنها نزلت في حق أبي الدحداح وقد روى هذا ابو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الموسوم بأسباب النزول بإسناده المرفوع الى عكرمة وإبن عباس إن رجلاً في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير وصاحب النخلة يصعد ليأخذ منها التمر فربما سقطت تمرة فيأخذها صبيان الفقير فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ التمر من أيديهم فإن وجدها في أحدهم أدخل إصبعه في فيه فشكى الفقير الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مما يلقى من صاحب النخلة فقال النبي صلى


الله عليه وآله إذهب ولقى النبي ص صاحب النخلة وقال له إعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة فقال الرجل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إن لي نخلاً كثيراً وما فيها نخلة أعجب اليّ تمرة منها فكيف أعطيك ثم ذهب الرجل في شغله فقال رجل كان يسمع كلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أتعطيني ما أعطيت الرجل أعني التخلة التي في الجنة إن أنا أخذتها فقال : النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نعم فذهب الرجل ولقى صاحب النخلة فساومها منه فقال تعرف إن محمداً اعطاني نخلة في الجنة فقلت له يعجبني تمرها وأن لي نخلاِ كثيراً وما فيه كله نخلة أعجب اليّ تمراً منها ؟ فقال الرجل لصاحب النخلة أتريد بيعها ؟ قال لا إلا أن أعطي مالا أظنه أعطي قال فما مناك ؟ قال اربعون نخلة فقال الرجل لصاحب النخلة لقد جئت بعظيم ، تطلب بنخلتك المائلة اربعين نخله ؟ ثم قال الرجل أنا اعطيك اربعين نخلة فقال صاحب النخلة إشهد لي إن كنت صادقاً فمر الرجل على أناس ودعاهم واشهد لصاحب النخلة ثم ذهب الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : يارسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن النخلة صارت في ملكي فهي لك فذهب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الى الفقير وقال له : النخلة لك ولعيالك فانزل الله تعالى والليل إذا يغشى السورة وعن عطاء إنه قال اسم الرجل أبو الدحداح فأما من اعطي وأتقى هو أبو الدحداح وأما من بخل واستغنى صاحب النخلة وهو سمرة حبيب وقوله لا يصليها إلا الأشقى ، الذي كذب وتولى المراد به صاحب النخلة وقوله يجنبها الأتقى هو أبو الدحداح ولا يخفى إن مع وجود هذه الرواية إدعاء نزوله في أبي بكر ثم حصر نزولها فيه يكون باطلاً مع ما لايخفي من شدة إرتباط هذه الرواية لمتن الآية بخلاف ما روى إنه نزلت في شأن أبي بكر حين إشترى جماعة يؤذيهم المشركون فأعتقهم في الله تعالى إذ لايقال لمن يؤذي عبده إنه بخيل ولا إنه كذب وتولى فتدبر.


وأما ثانياً فلأنه يرد على إستدلالهم بهذه الآية ما أورده كثير منهم كصاحب المواقف وغيره على إستدلالنا بحديث الطير حيث قالوا إنه لايدل على إن علياًعليه‌السلام أحب الخلق مطلقاً ب يمكن أن يكون أحب الخلق بالنظر الى شيء إذ يصح الإستفسار بأن يقال أحب خلقك في كل شيء أو في بعض الأشياء على غيره الزيادة لا في كل شيء بل جاز أن يكون غيره أزيد ثواباً منه في شيء آخر وذلك إن للمعارض أن يقول إن هذه الآية لاتدل على أن أبا بكر إتقى الخلق مطلقاً لجواز الترديد والإستفسار بانه أتقى الكل أو البعض ومن كل وجه أو من بعض الوجوه كما ذكرتم في حديث الطير حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.

وأما ثالثاً فلأنا لانسلم إن معنى قوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ما فهمه بل المراد به كما صرحه به بعض المفسرين « إن اكرمكم عند الله أعملكم بالتقية » وأما رابعاً فلأنه إن اريد بالأتقى من كان أتقى من جميع المؤمنين عند نزول الآية فينحصر في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن إرتكب التخصيص وإن أريد به كان أتقى من بعض المؤمنين فلا يلزم منه أفضلية أبي بكر وأكرميته مطلقاً فضلاً عن عليعليه‌السلام لوجهين الأول إنا لانسلم حينئذ إن علياًعليه‌السلام داخل في ذلك البعض حتى يكون ابو بكر أفضل منه الثاني إن الأكرم عند الله هو الذي يكون أتقى من جميع المؤمنين كما قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا الأتقى من بعض المؤمنين وبالجملة إذا تطرق التخصيص في الأتقى سقط الإستدلال بظاهر المقال.

وأما خامساً فلأنا لانسلم رواية الشيعة ذلك في شأن عليعليه‌السلام بل إنما ذكروا ذلك على سبيل الإحتمال في مقام البحث والجدال ولهذا لايوجد في تفاسيرهم المتداولة


عن هذه الرواية عين ولا أثر وإنما إحتملوا ذلك لمناسبة قوله تعالى ويأتون الزكاة وهم راكعون في حق عليعليه‌السلام إتفاقاً لقوله تعالى ها هنا الأتقى ، الذي يؤتي ماله يتزكى ومناسبة ماورد في حقهعليه‌السلام أيضاً من قوله ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا ، إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا لقوله وما لا حد عنده من نعمة تجزى ، إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى

وأما سادساً فلأنه إن كان المراد بقوله تعالى وما لا حد عنده من نعمة تجزى أن لايكون عنده نعمة يكافيء عليها أعم من أن يكون ذلك الأحد من الذين آتاهم شيئاً أم لا فلا نسلم إن أبا بكر كان بهذه المثابة إذ الظاهر إنه لا يوجد شخص لا يكون لأحد في حقه حق نعمة من طعام أو شراب ونحوهما مع إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يسلم من ذلك لكونه في حجر تربية عمه أبي طالبرضي‌الله‌عنه ومع أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يحرض أصحابه على التحبب والإتحاد وأكل بعضهم من بيوت بعض والقول بأن مثل ذلك ليس نعمة تجزى مكابرة ظاهرة وغاية الأمر أن يكون جزاءه أقل ويرشد الى ماذكرنا قول الشاعر على طبق كلام أهل العرف في محاوراتهم

شعر حق نان ونمك تبه كردن بشكند مرد را سرو كردن

هر آنكس باتودارد حق آبي فراموشش مكن در هيج بابي

وإن كان المراد به أن لايكون عنده لأحد من الذين آتاهم النعمة نعمة تجزى كما هو الظاهر ويدل عليه سياق الآية أي لم يفعل الأتقى مايفعل من إيتاء المال وإنفاقه في سبيل الله الا إبتغاء وجه ربه الأعلى فلا نسلم إنه لايجوز أن يكون المراد به علياًعليه‌السلام خصوصاً مع قيام القرائن والمناسبات التي مر ذكرها.


وأما سابعاً فلأن إستدلاله على صرف حمله عن عليعليه‌السلام بقوله « إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رباه ؛ الى آخره » مدخول بأنه مر منا إنه ليس المقصود في الآية نفي مجرد نعمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك الأتقى بل نفى نعمة كل واحد من آحاد الناس وكما إن علياًعليه‌السلام كان في حجر تربية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ابو بكر في حجر ابيه وامه والفرق بين التربيتين تحكم صرف لا يقوم به بليد ، أو مكابر عنيد.

وأما ثامناً فلأن أقل الأمر إن عند أبي بكر نعمة هداية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فكيف ينفي عنه نعمة الكل حتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وما توهمه رئيس المشككين فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير من أن نعمة الهداية لا تجزي مستدلاً عليه بقوله تعالى قل لا أسئلكم عليه أجراً معارض بل مخصص بقوله تعلى أيضاً قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ويدل على إن المراد من الأجر المنفي في مثل هذه الآية هو المال لا مطلق الأجر قوله تعالى في سورة هو حكاية عن نوحعليه‌السلام ويا قوم لا أسئلكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله ؛ الآية والضمير في عليه راجع الى ماسبق من قوله إني لكم نذير مبين.

وأما تاسعاً فلأن قوله آخراً « للإجماع على إن ذلك الأتقى هو أحدهما لا غير » يناقض ظاهر قوله أولاً « إجمعوا على إنها نزلت في أبي بكر » لأن الإجماع على الواحد المعين غير الإجماع على المردد بين الإثنين كما لا يخفى ولنعم ماقيل « الكذوب لاحافضة له فاحفظ هذا.

٩٨ ـ قال : الآية الثانية قوله تعالى والليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى ، وما خلق الذكر والأنثى ، إن سعيكم لشتى وأخرج إبن أبي حاتم عن إبن مسعود إن أبا بكر إشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أوراق فاعتقه لله فانزل الله هذه الآية أي إن سعي أبي بكر وأمية وأبي لمفترق فرقاً عظيماً فشتان ما بينهما انتهى.


اقول : بعد تسليم صحة رواية النزول في كون معنى الآية ماذكره هذا الشيخ النازل لا دلالة فيها إلا على الفرق بين سعي أبي بكر وسعي كافرين وليس في هذا فضيلة كما لا فضيلْة بين فرعون ونحوه من كل جبار عنيد في أن يقال : إنه أصلح من الشيطان المريد.

٩٩ ـ قال : الآية الثالثة قوله تعالى ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها أجمع المسلمون على إن المراد بالصاحب ها هنا أبو بكر ومن ثم من انكر صحبته كفر إجماعاً واخرج إبن أبي حاتم عن إبن عباس إن الضمير في فانزل الله سكينته عليه لأبي بكر ولا ينافيه وأيده بجنود إرجاعاً للضمير في كل الى مايليق به وجلالة إبن عباس قاضية بأنه لولا علمه في ذلك نصاً لما حمل الآية عليه مع مخالفة ظاهرها له انتهى.

اقول : الإستدلال بهذه الإيه على فضيلة أبي بكر أما من حيث مجرد كونه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار ، وأما من حيث وصفه بكونه ثاني إثنين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه كما ذكر فخر الدين اتلرازي في تفسيره ، أو من حيث تسميته صاحباً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا دلالة لشيء منها على ذلك ؛

أما الأول فلأنه شاهد عليه بالنقص والعار ، وإستحقاقه لسخط الملك الجبار ، لا الفضيلة والإعتبار لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يأخذه معه للأنس به كما توهموه لأن الله تعالى قد آنسه بالملائكة ووحيه وتصحيح إعتقاده إنه تعالى ينجز له جميع ماوعده وإنما أخذه لأنه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه إحتياطاً في تمام سره ولم دخل معهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار في حرز حريز ومكان مصون بحيث يأمن الله تعالى على نبيه


صلى‌الله‌عليه‌وآله مع ما ظهر له من تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه لم يثق مع هذه الأمور بالسلامة ولا صدق بالآيه وأظهر الحزن والمخافة حتى غلبه بكاءه وتزايد قلقه واضطرابه وابتلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في تلك الحال بمماشاته واضطر الى مداراته ونهاه عن الحزن وزجزه النبي ونهي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وزجره لا يتوجه بالحقيقة إلا الى القبيح ولا سبيل الى صرفه الى المجاز بغير دليل وقد ظهر من جزعه وبكائه ما يكون في مثله فساد الحال في الإختفاء فهو إنما نهى عن إستلزامه ما وقع منه ولو سكن نفسه الى ما وعد الله تعالى ونبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصدقه فيما أخبره به من نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه ولا إنزعج قلبه في الموضع الذي يقتضي سكوته فتدبر.

وأما الثاني فلأن قوله تعالى ثاني إثنين بيان حال للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله باعتبار دخوله الغار ثانياً ودخول أبي بكر أولاً كما نقل السير لا عكس ذلك كما توهموه وعلى التقديرين لا فضيلة فيه لأبي بكر لأنه إخبار عن عدد ونحن نعلم ضرورة إن مؤمناً وكافراً إثنان كما نعلم إن مؤمنا ومؤمن إثنان فليس في الإستدلال بذكر هذا العدد طائل يعتمد عليه وكذا الإستدلال بما يلزمه ما إجتماع أبي بكر مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك المكان لأن المكان يجتمع فيه المؤمنون والكفار وأيضاً فإن مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أشرف من الغار وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار وفي ذلك قوله تعالى فما للذين كفروا قبلك مهطعين ، عن اليمين وعن الشمال عزين وايضاً فإن سفينة نوح قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة فاستدلالهم بالآية على إن أبا بكر كان ثاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار ثم التخطي عنه الى كونه ثانياً في الشرف والفضل كما فعله فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير كما ترى ، وبالجملة لفظ « ثاني إثنين » في الآية لايستلزم كون أبي بكر ثاني إثنين للنبي في الشرف لما عرفت من إنه كان متقدماً في دخول الغار والحصول فيه والنبي


صلى‌الله‌عليه‌وآله تأخر عنه في الدخول وأما التفاوت بحسب الشرف والرتبة فلم يستعمل الآية فيها ولا هو لازم منها والألزم أن يكون المعنى على ما أوضحناه إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤخر عن أبي بكر في الشرف والفضل وهذا كفر صريح كما لا يخفى فاتضح إن استعماله لتلك العبارة في شأن أبي بكر وتداولها في مدحه على رؤوس منابر إنما هو حيلة منه في أيهامهم للعوام إن صريح عبارة الآية نازلة في شأن ابي بكر وإنه ثاني إثنين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في جميع الأمور وقد بينا بحمد الله تعالى ضعف حيلتهم ووهن وسيلتهم.

وأما الثالث فلأن الصاحب المذكور في متن مانقله من الإجماع على تقدير صحة النقل أعم من الصاحب اللغوي والإصطلاحي كالمذكور في أصل الآية وحينئذ لا فضيلة فيه لأبي بكر إذ لامانع من أن يكون صاحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمعنى كافراً أو فاسقاً كيف وقد سمى الله تعالى في محكم كتابه ايضاً الكافر صاحباً لهم كما في قوله تعالى عن لسان يوسفعليه‌السلام ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ وقد صرح القاضي البيضاوي في تفسيره وغيره بأن المراد ياصاحبي في السجن وحينئذ تسمية أبي بكر بالصاحب لا تدل على إسلامه وسلامته فضلاً عن أن تدل على فضله وكرامته فأي فضيلة في آية الغار يفتخر فيها لأبي بكر ؟ لولا المكابرة والعناد والبعد عن فهم المراد ولقد ظهر بما قررناه إنه إنما يلزم من الإجماع المذكور بعد صحته تكفير من أنكر صحبة أبي بكر مطلقاً لا صحبته بالمعنى الإصطلاحي المتنازع فيه.

وأما ما أخرجه إبن أبي حاتم عن إبن عباس فالمنافاة فيه ظاهرة ولو وافق فيه لإبن عباس جميع من في الدنيا وإنما يندفع لو لم يكن نزول السكينة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يعاقبه مع إنه وقع حكاية نزولها عليه في مواضع من القرآن كما سيأتي ولا ريب في أن إرتكاب إنفكاك الضمير بلا قرينة ظاهرة لا يليق بفصيح الكلام فضلاً عن أفصح الكلام.

وأما ماذكره من « إن جلالة إبن عباس قاضية بأنه لولا علم ؛ الى آخره »


فمدفوع بأنه لاكلام في جلالة إبن عباسرضي‌الله‌عنه لكن الكلام في رداءة الراوي عنه المتهم بإباحته للوضع على أفضل من إبن عباس من نصرة مذهبه كإبن أبي حاتم أو غيره من الوسائط المذكورة في الإسناد هذا وقد أفاد بعض أجلة مشايخناقدس‌سره إن الله سبحانه لم ينزل السكينة على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله في موطن كان معه فيه أحد من أهل الإيمان إلا عمه بنزول السكينة وشملهم بذلك كما في قوله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ولم لم يكن مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الغار إلا أبو بكر أفرد الله سبحانه نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالسكينة وأيده بجنود لم تروها فلو كان الرجل مؤمناً يجري مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم ولولا إنه أحدث بحزنه في الغار منكراً لأجله توجه النهى اليه عن إستدامته لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المواطن على ماجاء في القرآن ، ونطق به محكم الذكر بالبيان وهذا ما أبين لمن تأمله إنشاء الله وقد ألفنا قبل ذلك في تحقيق هذه الآية الكريمة رسالة شريفة قد تعرضنا فيها لتشكيكات فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير لم نغادر فيها صغيراً ولا كبيراً ينفعك اليها المصير والله سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

١٠٠ ـ قال : الآية الرابعة قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون أخرج البزار وإبن عساكر إن علياً قال في تفسيرها : الذي جاء بالحق هو محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذي صدق به أبو بكر قال إبن عساكر : هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلي إنتهى.

أقول : قد نقل صاحب كشف الغمة عن الحافض أبي بكر موسى بن مردويه


بإسناده إن الذي جاء بالصدق محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله والذي صدق به علي بن أبي طالبعليه‌السلام وأما نزول ذلك في شأن أبي بكر فهو شيء قد تفرد به فخر الدين الرازي الصديقي بمجرد ملاحظة مناسبة التصديق المذكور في الآية لما وضع أولياء أبي بكر من لقب الصديق عليه وهذا دأب الرجل في تفسير كثير من الآيات كما لايخفى على المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير ؛ ولو حاولوا إثبات وجود رواية نزول الآية في شأن أبي بكر في شيء من كتب المتقدمين على الرازي ومن تبعه كإبن عساكر بلا إستعمال كذب وميل ، فرجعوا بخفي حنين ومن وقاحات الرازي إنه لم يكتف في ذلك بالكذب على الله تعالى حتى وضع ذلك على لسان عليعليه‌السلام قاصداً به سد باب تجويز القاصرين من الناضر من كون ذلك وارداً في عليعليه‌السلام ثم لدفع التهمة التي غلبت على الكاذب الخائن الخائف نسب ذلك الى المفسرين على الإجمال ، ولكن الذكي الفطن لا يخفى عليه حقيقة الحال ، ويدل على عدم ورود الرواية في شأن أبي بكر وعلي وصول الرواية الدالة على إن المراد بالآية هو علي الى الرازي ماذكره بعد ذلك حيث قال : إنه هذا يتناول أسبق الناس الى التصديق وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل أما أبو بكر وأما علي لكن هذا اللفظ على أبي بكر اولى لأن علياًرضي‌الله‌عنه كان في وقت البعث صغيراً فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت ومعلوم إن إقدامه على التصديق لايفيد لمزيد قوة وشوكة في الإسلام فكان حمل هذا اللفظ على ابي بكر أولي إنتهى

ووجه دلالته على الأمرين بل على ماذكرنا من إنه بني على مجرد المناسبة إنه لو كان هناك رواية في شأن أبي بكر لذكرها ولما إحتاج الى تكلف الإستدلال المذكور ولا الى ذكر عليعليه‌السلام فيه ولو على سبيل الإحتمال ؛ على إن الإستدلال المذكور كسائر تشكيكاته ظاهر البطلان لأن درجة النبوة اعلى مرتبة الإسلام « خ ل : الإيمان» وإذا جاز نبوة الصبي كان صحة إيمانه أجوز وقد قال تعالى


في شأن يحيىعليه‌السلام وآتيناه الحكم صبيا وقال حكاية عن عيسىعليه‌السلام في صباه إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وقال في شأن يوسفعليه‌السلام في حال صباه وعند القاءه في غيابة الجب وأوحينا اليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ولا يشعرون وقال سبحانه وتعالى ففهمناها سليمان وكل آتيناه حكما وعلماً وكان عمره عندما جعل نبياً أحدى عشر سنة وإذا جاز أن يكون الصبي صاحب النبوة والوحي جاز أن يكون صاحب الإيمان بطريق أولى وأيضاً كما لايقال لمن تولد مؤمناً في فطرة الإسلام إنه آمن لأنه ولد عليه فكذا في علي لأنه تولد في حضرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يعبد صنماً قط لكن أبو بكر قد عهد الأصنام أزيد من أربعين سنة فكان عليه الإتيان بالإيمان بعدما لم يكن مؤمناً وأيضاً فعند أصحابنا إن علياًعليه‌السلام حين آمن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان عمره خمسة عشر سنه وقيل أربعة عشر والروايتان جائتا أيضاً من طريق الخصم ذكر ذلك شارح الطوالع عن أصحابه في شرحه والعاقولي في شرحه للمصابيح قال « روى الحسن البصري إن عمره كان خمسة عشر سنة عند إسلامه » وأما شارح الطوالع فروى أربع عشر سنة وهذا ما جاء في صحيح البخاري قد تجاوز البلوغ لأنه أول نقل عن المغيرة إنه قال : إحتلمت وانا إبن إثني عشر سنة وايضاً فقد روي إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دعاه الى الإسلام وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله لايدعو الى الإسلام إلا من يصح منه ذلك كما قاله المأمون حين ناظر أبا العتاهية وايضاً قد صح واشتهر إنهعليه‌السلام كتب الى معاوية أبياتاً من جملتها قولهعليه‌السلام :

شعر سبقتكم الى الإسلام طراً

غلاماً مابلغت أوان حلمي

ولم ينكر عليه معاوية مع عداوته وتعنته فكيف يزيد عليه الرازي وهو من جماعته في ذلك وأيضاً مرجع الإسلام الى التصديق بما جاء به


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنه رسول الله وذلك من التكاليف العقلية ومعلوم إن التكليف بالعقليات إنما يتوقف على كمال العقل وإن كان الرجل إبن خمس سنين أو خمسين سنة وعليعليه‌السلام قد كان كاملاً عقله حين أسلم والبلوغ إنما هو شرط في التكاليف الشرعيه الفرعية على إنه لا يمتنع أن يكون من خصائصه صحة إسلامه حال الصبا والصغر كما كان إبنه الحسنعليه‌السلام يطالع اللوح المحفوظ في حال رضاعه كما شهد به الشيخ إبن حجر العسقلاني شارح البخاري في شرح حديث وضع الحسن في رضاعه تمرة من تمرات الصدقة في فيه سهواً وإشارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اليه برميها عن فيه قائلاً « كخ كخ » وإعتراضه عليه بقوله : أما علمت إن الصدقة حرام علينا ؟ وبالجملة يجوز إختصاصهعليه‌السلام بمزيد فضيلة في الخلقة أوجب حصول البلوغ الشرعي قبل العدد وما ذاك بعجب منه فإنه مظهر العجائب ومنبع الغرائب.

وأما ماذكره الرازي « من إنه لما كان لتصديق أبي بكر مزيد قوة للإسلام كان حمل هذا اللفظ عليه أولى » فمع قطع النظر عما ذكرناه وعن إن مثل هذا المزيد والزيادة قد حصل أيضاً بتصديق غير أبي بكر كحمزةرضي‌الله‌عنه ورؤساء الأنصار ومن شاكلهم معارض بما روى جلال الدين السيوطي الشافعي في كتاب الوجيز عن عباد بن عبدالله قال سمعت علياً يقول : أنا عبدالله وأخو رسوله ، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب وهذا الحديث مما أخرجه النسائي وصححه الحاكم على شرط البخاري ومسلم كذا في تذكرة الموضوعات وبما قاله الرازي المذكور نفسه في تفسير قوله تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ؛ الآية إنه روي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنه قال : الصديقون ثلاثة ؛ حبيب النجار مؤمن آل يس ؛ ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ، والثالث علي بن أبي طالب وهو أفضلهم انتهى

ووجه المعارضة ظاهر إذ في كل الحديثين وقع التعبير


عنهعليه‌السلام بالصديق الأكبر أما الحديث الأول فظاهر جداً وأما الثاني فللتصريح فيه بأنه أفضل الصديقين الثلاثة فيكون أكبر وأكمل وحمل اللفظ على الفرد الأكمل المتبادر الى الفهم عرفاً أولى وأجدر ، على إنما وقع في الحديث الثاني من حصر الصديقين في الثلاثة بنفي كون أبي بكر من الصديقين أصلاً ورأساً فضلاً عن أن يكون مراداً من لفظ الآية والله ولي الصدق والتصديق ، وبيده أعنة التحقيق وأزمة التوفيق.

١٠١ ـ قال : الآية الخامسة قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان أخرج إبن أبي حاتم عن إبن شودب إنها نزلت في أبي بكر إنتهى.

أقول : لانسلم صحة ماذكره في شأن النزول لأنه خبر واحد مجهول عند الخصم وأقل خبر واحد يليق تلقيه بالقبول كونه مروياً عن إثنين من الفريقين كما أشرنا اليه سابقاً هذا مع إقتضاء لفظ من الموصولة العموم والشمول.

١٠٢ ـ قال : الآية السادسة قوله تعالى وشاورهم في الأمر أخرج الحاكم عن إبن عباس إنها نزلت في أبي بكر وعمر ويؤيده الخبر الآتي : إن الله أمرني أن أستشير أبا بكر وعمر إنتهى.

أقول : بعد تسليم صحة الخبر لا دلالة في الآية على فضل أبي بكر وصاحبه عمر لجواز أن يكون ذلك الأمر لتأليف قلوبهم وتطييب خواطرهم لا للحاجة الى رأيهم فغاية مايلزم منها أن يكونا من مؤلفة القلوب وقال بعض مشايخنا قدس الله سره : إن الله تعالى أعلم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إن في إمته بل في صحابته الملازمين له كما مر من رواية البيهقي في دلائل النبوة وغيره من يتبغى له الغوائل ، ويتربص به الدوائر ، ويسر خلافه ، ويبطن مقته ، ويسعى في هدم أمره ، وينافقه في دينه ، ولم يعرفه أعيانهم ، ولا دله عليهم


بأسمائهم ، فقال تعالى : ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ، نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم وقال جل إسمه وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم الى بعض هل يريكم من أحد ثم إنصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون وقال تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لايرضى عن القوم الفاسقين ، ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون وقال جلت عظمته وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وأن قولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون وقال عز قائلاً ولا ينفقون إلا وهم كارهون وقال جل ذكره وإذا أقاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً ثم قال تبارك وتعالى بعد أن نبأ عنهم في الجملة ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ثم أمره بمشورتهم ليصل بما يظهر منهم الى باطنهم فإن الناصح يبدو نصيحته في مشورته والغاش المنافق يظهر ذلك في مقالته فاستشارهمصلى‌الله‌عليه‌وآله لذلك ولأن الله تعالى جعل مشورتهم الطريق له الى معرفتهم ، ألا ترى إنهم لما أشاروا ببدر عليه في الأسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحتهم كشف الله تعالى ذلك وذمهم عليه وأبان عن إدغالهم فيه فقال جل قائلاً ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فوجه التوبيخ اليهم والتعنيف على رأيهم وأبان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن حالهم فعلم إن المشورة بهم لم تكن للفقر الى آرائهم وإنما كانت لما ذكرناه.

١٠٣ ـ قال : الآية السابعة قوله تعالى فإن الله هو موليه وجبريل وصالح مؤمنين اخرج الطبراني عن عمر ، وإبن عباس إنها نزلت فيهما انتهى.


اقول : إخراج الطبراني الخارجي وحده من دون مشاركة واحد من فريق الخصم معه خارج عن الإعتبار كما سبقالتصريح به ولإشعار ، مع إنه نقل صاحب كشف الغمة رواية نزولها في شأن عليعليه‌السلام عن عز الدين عبدالرزاق المحدث الحنبلي وعن الحافظ أبي بكر بن مردويه بإسناده الى أسماء بنت عميس وهي مذكورة في تفسير أبي يوسف بن سفيان النسوي بإسناده الى إبن عباس ورواها السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن إب عباس ورواها الثعلبي في تفسيره بإسنادين الى غير ذلك وايضأص حمل لفظ صالح مفرداً على رجلين إثنين مخالف للوضع والإستعمال لأنه موضوع للمفرد وقد استعمل في الجمع للتعظيم وأما إستعماله في إثنين فقط فلم نجده في كلام الفصحاء.

وأما ماذكره الرازي هاهنا « من إنه يجوز أن يراد بلفظ صالح مفرداً الواحد والإثنان والجمع مستنداً الى ، ماقاله أبو علي الفارسي من إنه قد جاء فعيل مقرداً يراد به الكثرة كقوله تعالى ولايسأل حميم حميماً فضعفه ظاهر لأن قياس فاعل على فعيل بلا سند يقيد به غير مسموع ولو سلم فحميم إنما أريد به الكثرة الشاملة للإثنين فما فوقهما بقرينة تنكيره الذي قد يكون للتكثير وربما يتعين فيه لمعاونة الحال والمقام ولا تكير فيما نحن فيه فيكون قياس صالح في ذلك على حميم قياساً مع الفارق كما لايخفى ؛ هذا والذي شجع الطبراني على وضع هذا الخبر مناسبة نزول ما في الآية من العتاب في شأن عائشة وحفصة وإن أبا بكر وعمر أبواهما فحمل صالح المؤمنين كحمل الجاهلين على أبي بكر وعمر وذهب كما قال غيره من أتباعه الى إن مراد الإية إنهما كانا ينصحان بتقيتهما بترك الأفعال التي تكون للضرات وليس الأمر كما زعموه بل الوجه في التعبير هاهنا بصالح المؤمنين عن عليعليه‌السلام ماروي إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فوض ولاية طلاق نسائه الى عليعليه‌السلام ولهذا روى إنه بقية عائشة على عنادها بعد إنقضاء حرب الجمل


أيضاً وامتنعت عن أمر عليعليه‌السلام في مضيها الى المدينة المشرفة وكونها في بيتها الذي أسكنها الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه ارسلعليه‌السلام إبن عباسرضي‌الله‌عنه اليها مهدداً لها بأنك لو لم تنتهي عن العناد والخلاف لطلقتك بما أنت تفرق من ولايتي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك فلا يبقى لك رجاء شفاعة أصلاً فسكتت وإرتحلت في الحال.

١٠٤ ـ قال : الآية الثامنة قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور أخرج عبد بن حميد عنه مجاهد لما نزل : إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما قال أبو بكر : يارسول الله ماأنزل الله عليه خيراً إلا اشركنا فيه فنزل : هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور انتهى

اقول : ظاهر الآية عموم صلواته تعالى ورحمته لسائر عباده وإن غاية ذلك في الكل إخراجهم من الظلمة الى النور لكن الكلام في إن هذه الغاية والمصلحة والغرض هل حصلت في شأن أبي بكر من الفاتحة الى الخاتمة أولاً ؟ مع إن الخصم من وراء المنع على أصل الإخراج تدبر

١٠٥ ـ قال : الآية التاسعة قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ، وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وان أعمل صالحاً ترضاه واصلح لي في ذريتي إني تبت وإني من المسلمين ، اولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ماعملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون أخرج إبن عساكر عن إبن عباس إن ذلك جميعه نزل في أبي بكر ومن


تأمل ذلك وجد فيه من العظيم المنقبة له والمنة عليه ما لم يوجد نظيره لأحد من أصحابة انتهى.

اقول : الكلام في صحة رواية هذا الخبر ايضا كسوابقه ولا دلالة لشيء من الاوصاف والالقاب التي اثبتها اولياء ابي بكر له ولعلهم زعموا مناسبة قوله تعالى وبلغ اربعين سنة لما صححه جماعة منهم لبعض المصالح من أن عمر ابي بكر كان عند اسلامه اربعين سنة مع أن الخلاف في ذلك بالزيادة عليه مشهور بينهم ايضا وايضا لم يكن ما تضمنته الآية من قوله تعالى رب اوزعني ؛ الآية نازلة عند اسلام ابي بكر فكيف تلاه ابو بكر وقال عند بلوغه اربعين سنة : رب اوزعني الآية وهذا أوضح آية من آيات وضع الخبر كما لايخفى.

١٠٦ ـ قال : الآية العاشرة قوله تعالى « ونزعنا ما في صدورهم من غل أخواناً على سرر متقابلين » نزلت في أبي بكر وعمر كما مر ذلك عن علي بن الحسينرضي‌الله‌عنه ما انتهى.

أقول : قد مر بنا أيضاً منع صحة الرواية عن علي بن الحسينعليهما‌السلام في ذلك وعارضناه بما في مسند أحمد بن حنبل من إنها نزلت في عليعليه‌السلام وقد تكلمنا على دلالة متن الآية على ماقصدوه بوجه ينزع غل الملال ويزيل صدأ ذهن الناظر في المقال.

١٠٧ ـ قال الآية الحادية عشر قوله تعالى ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولو القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا واليصفحوا ، إلا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم نزلت كما في البخاري وغيره عن عائشة في أبي بكر لما حلف أن لاينفق على مسطح لكونه كان في جملة من رمى عائشة بالأفك الذي تولى الله


سبحانه ببرائتها منها بالآيات التي أنزلها في شأنها ولما نزلت قال أبو بكر بلا والله ياربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع أي ينفق عليه وفي رواية البخاري عنها أيضاً في حديث الأفك الطويل وأنزل الله تعالى إن الذين جاؤا بالأفك عصبة منكم ؛ العشر الآيات كلها فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة وقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال في عائشة ماقال فانزل الله : وليأتل أولو الفضل منكم والسعة وذكرت الآية السابقة ثم قالت : قال أبو بكر بلا والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبداً.

١٠٨ ـ قال :تنبيه ، علم من حديث الأفك المشار اليه إن من نسب عائشة الى الزنا كان كافراً وقد صرح بذلك أئمتنا وغيرهم لأن في ذلك تكذيب النصوص القرآنية ومكذبها كافر بإجماع المسلمين وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الرافضة لأنهم ينسبونها الى ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون إنتهى.

اقول : فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأن مارواه عن البخاري في شأن النزول معارض لما قال غيره من أهل السنة من إنها نزلت في جمع من الصحابة حلفوا أن لا يصدقوا على من تكلم لشيء من الأفك ولا يواسوهم ويؤيدهم لفظ أولوا بصيغة الجمع وعلى تقدير إنه ورد في قصة مسطح ومنع أبي بكر الصدقة عنه لما لا يجوز أن يكون نزولها في شأن مسطح إصالة وفي أبي بكر بالعرض وما الذي جعل القضية منعكسة ؟ مع ظهور إن المقصود الأصلي من الآية المواساة مع مسطح وسد خلته والرد على من خالف ذلك كما


لايخفى.

وأما ثانياً فلأنه على التقادير لادلالة للآية على مدح ابي بكر ولعلهم توهموا هذا من الوصف العنواني في لفظي الفضل والسعة وجهلوا إن مثل هذا الوصف قد يعرض للكافر السخي الذي له فضل حاجة وغنى وسعة بل قد يجتمع مع الذم فيقال إن القوم الفلاني مع كونهم من أولي الفضل والسعة يبخلون بما آتيهم الله تعالى ويقال أن أبا بكر المتمول عند أهل السنة وأضرابه من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد بخلوا عند نزول آية النجوى عن تقديم صدقه بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى نسخت الآية فافهم ومن العجب إن فخر الدينن الرازي قال في تفسيره لهذه الآية أولاً إن المراد من قوله تعالى ولا يأتل أولو الفضل لايقصروا في أن يحسنوا فحمل الفضل على الإحسان والإعطاء ثم نسى ذلك بعد سطور وأصر في أن المراد بالفضل زيادة الثواب والعلم ولايقدرون على إنفاق الرحم وصلتهم بل على أقل من ذلك وهو ظاهر.

وأما ثالثاِ فلأنا نترقى عن ذلك ونقول بل الآية قادحة في أبي بكر لأشتمالها على نهيه تعالى عما أتي به أبو بكر من الحلف على أن لاينفق مسطحاً ومن معه كما روي في شأن النزول فدلت الآية على معصية أبي بكر وما أجاب به الرازي المتسمى بالإمام في هذا المقام « من إن النهى لايدل على وقوعه إذ قال الله تعالى لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا تطع الكافرين والمنافقين ولا يدل ذلك على إنه صلي الله عليه وسلم أطاعهم ؛ الى إخره » مدخول بأن مجرد النهى وإن لم يدل على ذلك إلا إن مارواه هذا المجيب هاهنا من شأن النزول صريح في الوقوع حيث قال : لما نزلت إية الأفك قال : ابو بكر المسطح وقرابته : قوموا فلستم مني ، ولست منكم ولا يدخلن عليّ أحد منكم فقال أنشدكم مسطح الله والإسلام وأنشدكم


القرابة والرحم أن لايخرجنا الى أحد فما كان لنا في أول الأمر من ذنب فلم يقبل عذره ، وقال : إنطلقوا أيها القوم فخرجوا لايدرون أين يتوجهون من الأرض ؛ الى آخره » فإنه صريح في ترك النفقة بل مطلق المواساة معه ولو في يوم والإنكار مكابرة ؛ على إن المنع عن الحلف الواقعه قطعاً كاف في ثبوت المعصية كما لايخفى وحمل النهى عن التنزه عن ترك الأولى كما إرتكبه من ضيق الخناق مردود بأن الأصل بالنهى التحريم وحمله على التنزيل من ترك الأولى في شأن الأنبياءعليهم‌السلام إنما إرتكبه العلماء بمعاونة قيام دليل عصمتهم وإذ لاعصمة لأبي بكر إتفاقاً يكون الحمل فيه محالاً تأمل.

وأما رابعاً فلأن ماذكره هذا الشيخ الجامد الغافل في التنبيه أفك محض على غلاة الشيعة الذين يحكم الإمامية الإثني عشريه من الشيعة بكفرهم وكونهم نجس العين كسائر الكفار عندهم فكيف على الإمامية كما يشعر به إطلاق كلامه وإن وقع منه التصريح سابقاً بالفرق بين الغلاة من الشيعة والشيعة الإمامية وإن الرافضة هم الغلاة دون الإمامية ولعله إطلق في العبارة تنفيراً للعوام عن مذهب الشيعة الإمامية الأعلام وتروجياً لمذهبه الزيف المموه بزخارف الأوهام.

١٠٩ ـ قال : الآية الثانية عشرة قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار ؛ الآية أخرج إبن عساكر ، عن إبن عيينه قال : عاتب الله المسلمين كلهم في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ إلا تنصره فقد نصره الله ؛ الآية.

أقول : قد مر الكلام عند ذكر إستدلاله بتمام هذه الآية على فضيلة أبي بكر

وأما ماذكره هاهنا « من إخراج إبن عساكر إنه تعالى عاتب المسلمين كلهم في رسول الله إلا أبا بكر وحده » فمدخول بأن هذا لم يعلم من الآية أصلاً فإن مرافقة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفرار


عما لايطاق الى الغار لايسمى نصرة له لغة ولا عرفاً وإنما كان يتحقق نصرة أبي بكر له لو حصل منه نصرته في مكة بالغلبة على الكفار وليس فليس ، ومن تصدى لإثبات دالة الآية على النصرة فنحن في صدد الإستفادة ؛ على إن الحصر المستفاد من قوله « إلا أبا بكر وحده » ممنوع كيف وقد روي أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد إتخذ عند الفرار الى الغار ثم منه الى المدينة عبدالله بن أرقط خاداماً وعامر بن فهيرة مع شركه دليلاً فقد نصرهمشرك ومسلم آخر غير أبي بكر كيف يستقيم الحصر.

١١٠ ـ قال : وأما الأحاديث فهي كثيرة مشهورة وقد مر في الفصل الثالث من الباب الأول منها جملة إذ الإربعة عشر السابقة ثم ، الدالة على خلافته وغيرها من رفيع شأنه وقدره غاية في كماله وغرة في فضائله وأفضاله فلذلك بنيت عليها في العد هاهنا

فقلت : الحديث الخامس عشر : أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص إنه سئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال أي الناس أحب اليك ؟ قال : عائشة ، فقلت من الرجال ؟ فقال أبوها ، فقلت : ثم من ؟ فقال عمر بن الخطاب فعد رجالاً وفي رواية « لست أسألك عن أهلك إنما أسألك عن أصحابك » انتهى.

اقول : قد إقتصرت إحترازاً عن زيادة تضييع الوقت على التعرض للمشهور والمعتمد من هذه الأحاديث عندهم وتركت غيره الذي صرح هو بضعفه ، أو ما وقع به التكرار لسابقه فى المعنى ن أو لم يكن له دلالة على فضيلة يعتد بها مع تساوي جميعها في الوضع عندنا ؛ ثم أقول : إحتجاج هذا الشيخ الخارجي عن الشيعة بما أخرجه الناكث لعهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإبنته الغازية المجاهدة في سبيل الجبت والطاغوت حقيق بأن تضحك منه الثكلى بواحدها ، اليائسة عن بعلها ومعاهدها ؛ ومما ينادي على وضع الخبر بأعلى صوت إنه لايعقل أن يسأل أحد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أي الناس أحب اليك فيتبادر


ذهنهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الناس الى النساء منهم دون الرجال فيجيب بما نسب اليه من الجواب ؛ على إنه يحتمل إن يكون مراد السائل بالناس من عدا أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما يرشد اليه الرواية الأخرى وحينئذ لايلزم من ذلك إثبات فضيلة يعتد بها لأبي بكر ولا نزاع للشيعة في أن يكون أبي بكر أحب الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من عمر لأنه ينزل منزلة أن يقال : يزيد أحب اليّ من فرعون ، أو بالعكس ، تأمل.

١١١ ـ قال : وأخرج(١) أيضاً عن ابي هريرة كنا معشر أصحاب رسول الله ونحن متوافرون نقول : أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم نسكت والترمذي عن جابر إن عمر قال لأبي بكر : ياخير الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال أبو بكر أمكا إنك إن قلت ذلك فلقد سمعته يقول : ماطلعت الشمس على خير من عمر ومر إنه تواتر عن علي : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر و.إنه قال : لايفضلني أحد على أبي بكر وعمر لأجلدته حد المفتري أخرجه أبن عساكر انتهى.

اقول : قد مر الكلام مستوفى في بيان كذب أبي هريرة وإتهامه بذلك رواية عن الحميدي وغيره فرواية البخاري عنه كروايه الجبت الطاغوت ، أو بعض القرامطة عن ملاحدة الموت ، وأما ما في رواية الترمذي « من قول عمر لأبي بكر : ياخير الناس ، وشهادة أبي بكر لعمر بأن لالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له مثل ذلك » فهو من قبيل إستشهاد إبن آوى بذنبه وبالعكس فإن كلام كلا منهما من ذوي الأذناب المعدودين في « إن شر الدواب ».

وأما الحديث المفترى على عليعليه‌السلام « من إنه قال لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري » فقد مر إنه بعد تسليم عدم كونه مفترى ، لنا لا علينا فتذكر.

____________________

(١) يعني به إبن عساكر لتقدم ذكره عند نقل الحديث الذي سبق ذكره في الصواعق وتركه المصنف ره فمن أراده فاليراجع ص ٤٠ من نسخة الصواعق المطبوعة سنه ١٣١٢ بمصر في مطبعة أحمد البابي.


١١٢ ـ قال : أخرج الترمذي عن أبي هريرة إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ماخلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافيه الله بها يوم القيامة ، وما نفعني مال أحد قط مانفعني مال أبي بكر إنتهى.

أقول : نظير هذه الرواية ماسيرويه بعد ذلك عن إبن عساكر عن عائشة وعروة إن أبا بكر يوم أسلم وله اربعون الف دينار « وفي لفظ » اربعون الف درهم أنفقها على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويتوجه عليه العجب في روايتهم الإنفاق لرجل قد عرف مذ كان بالفقر وسوء الحال ومن إطلع على النقل والآثار وأشرف على السير والأخبار لم يخف عليه فقر أبي بكر وصعلكته وحاجته ومسكنته وضيق معيشته وضعف حيلته وإنه كان في الجاهلية معلماً وفي الإسلام خياطاً كما ذكره البخاري في صحيحه وكان أبوه سيء الحال يكابد فقراً مهلكاً ومعيشة ضنكى لكسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي لا يقدر على غيره فلما عمي وعجز إبنه عن القيام به إلتجأ الى عبدالله بن جدعان أحد رؤساء مكة فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لإحضار الأضياف وجعل له على ذلك مايقوته من الطعام فمن أين كان لأبي بكر هذا المال ، وهذه حاله وحال أبيه في الفقر والإختلال قال البكري المصري في سيره « قيل : إنه لما بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سنة ثلاث عشرة من عام الفيل خرج مع أبي طالب الى الشام فأقبل سبعة من الروم يقصدون قتلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستقبلهم بحيراء ونبههم على إنه رسول من الله تعالى « فبايعوه وأقاموا معه ورده أبو طالب وبعث معه ابو بكر بلالاً وفيه وهمان الأول بايعوه على أي شيء ؟ الثاني أبو بكر لم يكن حاضراً ولا كان في حال من يملك ولا ملك بلالاً إلا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاماً » إنتهى كلامه وأيضاً قد صح عندهم إنه لما نزلت آية النجوى لم يعمل بها من الصحابة سوى عليعليه‌السلام فإذا بخل أبو بكر بدرهم أو درهمين يقدم بين يدي نجوى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


والنظر الى وجهه الكريم وما يفيده خطابه القويم مقدار عشرة ليال كما نقله إبن المرتضى من أهل السنة في تفسيره والزمخشري الحنفي في الكشاف حتى ينزل آية أخرى مابقيت(١) على ذلك محال أن ينفق مثلاً ذلك المال الذي رووه لأحد ومن عجيب مناقضتهم مارووه بقولهم عن عبدالله بن عباسرضي‌الله‌عنه في تفسير قوله تعالى ووجدك عائلاً فأغنى قال إبن عباس أغناه بأن جعل دعوته مستجابة فلو شاء أن يصير الجبال ذهباً لصارت بإذن الله تعالى » فمن يكون كذلك كيف يحتاج الى مال أبي بكر وكيف يقال نقض تفسيراتهم لهذه الآية إن أبا بكر أغناه ، وأيضاً يتوجه أن من أنفق المال العظيم على رجل محال أن لايعرف موطنه وحيث أنفقه ولسنا نعرف أن لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله موطناً من غير مكة والمدينة فإن زعموا إن أبا بكر أنفق هذا المال بمكة قبل الهجرة قيل لهم على ما أنفق هذا المال ؟ وفيم صرفه ؟ هل كان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة من الحشم والعيال ما أنفق عليهم هذا المال كله من زمان إسلام أبا أبي بكر الى وقت الهجرة ؟ فهذا من أبين المحال وإن قالوا : إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جهز الجيوش في مكة بذلك المال ظهر فضائحهم لأنه بإجماع الأمة لم يشهر سيفاً بمكة ولم يأمر به ولا أطلق لأصحابة محاربة أحد من المشركين بها وإنما كان أسلم معه إذ ذلك اربعون رجلاً فلما إشتد عليهم الأذى من قريش وشكوا ذلك الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولى عليهم جعفر بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه وأخرجهم معه الى أرض النجاشي ملك الحبشة فكانوا هناك الى أن هاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفتح كثيراً من فتوحه فقدموا عليه بعد سنين من الهجرة ولقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بشهادة الخاص والعام أغنى قريش بعد تزويجه بخديجة وكانت خديجة باقية الى سنة الهجرة لا يحتاج مع مالها الى مال غيرها حتى لقد كان من إستظهاره بذلك عن أبي طالب ع إن ضم علي بن أبي طالبعليه‌السلام الى نفسه تخفيفاً بذلك عن أبي طالب

____________________

(١) كذا في النسختين اللتين عندي ؟


في المأونة وما وجدنا في شيء من الأخبار إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد تزوجه بخديجة رضي‌الله‌عنها إحتاج الى أحد من الناس فإن أهل الأثر مجموعون على إن خديجة كانت أيسر قريش وأكثرهم مالاً وتجارة وأما بعد الهجرة الى المدينة فقد علم أهل الأثر إن أبا بكر ورد المدينة وهومحتاج الى مواساة الأنصار في المال والدار وفتح الله تعالى على رسوله عن قريب من غنائم الكفار وبلدانهم ماكان بذلك أغنى العرب ، على إن أبا إسحاق من أكابر محدثي أهل السنة قد روي مايكذب ذلك حيث روى إن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يركب ناقة حتى قام بثمنها من ماله فمن لم يستحل ركوب ناقة غيره من غير إعطاء ثمنها فكيف يستحل غيرها ويؤيده ما سيرويه هذا الشيخ الجامد عن البخاري « من إنه لم يأخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن » فتفطن.

١١٣ ـ قال : أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن ابي بكر إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له بالغار : ياأبا بكر ، ماظنك بإثنين الله ثالثهما انتهى.

اقول :

أولاِ إن وجه التهمة فيه ظاهر لأن الراوي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو أبو بكر فلعله أراد بوضع ذلك أن يخبر لنفسه نفعاً وشرفاً.

وثانياً إنه لو سلم صحته فلا نفع فيه ولا شرف يختص بأبي بكر لأن كونهما إثنين الله ثالثهما ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله « مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم » وهذا عام في حق كل مؤمن وكافر وكون المصاحبة موجبة لتشريفه معارض بما مر من قوله تعالى للكافرين قال له صاحبه وهو يحاوره ، اكفرت بالذي خلقك وكما إحتمل أن يقال إنه إستصحبه في هذا السفر لأجل الشفقة إحتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه كما يقوله الشيعة وأجاب فخر الدين الرازي في تفسيره عن هذا بأن


كون الله رابعاً لكل ثلاثة مشترك وكونه ثاني إثنين الله ثالثهما تشريف زائد إختص الله أبا بكر به ؛ على إن المعية هنالك في العلم والتدبير وها هنا بالصحبة والموافقة فأين أحديهما من الأخرى ؟ والصحبة في قوله « له صاحبه » مقرونة بما يقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله « أكفرت » وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله « ولا تحزن إن الله معنا » والعجب إن الشيعة إذا حلفوا قالوا وحق خمسة سادسهم جبرئيل ، واستنكروا أن يقال : وحق إثنين الله ثالثهما انتهى.

اقول : فيه نظر

أما اولاً فلأن ماذكره « من أن يكون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك ، وكونه ثاني إثنين تشريف زائد إختص الله تعالى أبا بكر به مردود بأن كونه ثاني إثنين إنما يكون شرفاً وفضيلة له لو كان ثانياً مطلقاً لكنه قد قيد كونه ثانياً بكونه في الغار وهذا الشرف كان حاصلاً للحية التي لسعت أبا بكر في الغار كما قال الشيخ العارف الموحد الأوحديقدس‌سره :

بشب هجرت وحمايت غار

بدم عنكبوت وصحبة مار

وإن إحتمل أن يكون مراده بصحبة مار صحبة أبي بكر فافهم.

وأما ثانياً فإنما ذكره في العلاوة كاد أن يكون كفراً بالله ورسوله لدلالته على أن معية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالصحبة والموافقة أعظم وأشرف من معية الله تعالى له بالعلم والتدبير ؛ على إنا لانسلم إن معية أبي بكر بالنسبة الى النبي كان بصحبة الإصطلاحية والموافقة المعنوية.


وأما ثالثاً فلأن ماذكره « من إن الصحبة في قوله « قال له صاحبه » مقرونة بما يقتضي الإهانة ؛ الى آخره » مدمفوع بأن الكلام في دلالة لفظ الصحبة والقرينة على تقدير تسليم وجودها لا يجدي في ذلك بل اللازم من إستعمال الصحبة في مقام الإهانة أن لا يكون للفظ الصحبة دلالة على التعظيم أصلاً ولو سلم فنقول إن ما ذكره كلام على السند الأخص لأن هاهنا آية أخرى تدل على أن يوسفعليه‌السلام قال لكافرين كانا معه في السجن : صاحبي ، من غير أن يكون بإهانة وإذلال وهي قوله تعالى حكاية عنه على نبينا وآله وعليه‌السلام ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار كما مر بيانه في ذكر آية الغار.

وأما رابعاً فلأن تعجبه عن الشيعة في حلفهم بما ذكر من أعجب الأعجب لأنهم إعتقدوا إن الخمسة التي سادسهم حبرئيل يكون الله تعالى ثاني كل منهم وثالث كل إثنين منهم وهكذا فلذلك إستغنوا عن الحلف بذلك المركب الوضعي الوهمي الذي لانسبة لأحد جزئيه وهو أبو بكر الى الله تعالى بل وإلى رسوله ايضاً وأيضاً فلا حق لأبي بكر من نظر الشيعة حتى يتجه لهم الحلف بحق إثنين أحدهما أبو بكر بل هو عندهم بمن أضاع حق الله تعالى وحق نبيه وأهل بيته عليه وعليهم‌السلام كما سبق فيه الكلام وكأن من يتوقع صدور هذا القسم من القسم على الشيعة لم يسمع القصة التي ذكرها غوث الحكماء الأمير غياث الدين منصور الشيرازيرحمه‌الله في شرح الهياكل حيث قال : إن رجلاً جباناً ضعيفاً يدعى بعثمان أخذ حية عظيمة أضعفها البرد فاسقطت قواها فكان يلعب بها حتى أشرقت عليها الشمس فانتعشت واشتدت وعضت فهرب الصاحب منها فلما فارقها صادف شيعياً كان بينهما عداوة قديمة وأخبره عن حاله وقال له خذ لي هذه الحية بحق عثمان ، فقال الشيعي : إنظروا أي رجل ، يزاول أي صنعة ، ثم يأمر


أي شخص ، الى أي عمل ، بأي قسم ! فليضحك قليلاً وليبك كثيراً.

١١٤ ـ قال : وأخرج الطبراني عن معاذ إن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال : رأيت إني وضعت في كفة وأمتي في كفة فعدلتها ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم رفع الميزان إنتهى.

أقول : من اللطائف المشهورة إن بعض أهل السنة ممن كان يعرف تشيع بهلول العاقل المشهور قصد إرغامه فذكر عنده هذا الحديث فقال بهلول بديهة لو صح ما في هذا الخبر من تعادل كل من أبي بكر وعمر وعثمان مع الأمة في الوزن فقد كان في ذلك الميزان عين أي قصور ولهذا رفع الميزان سريعاً.

١١٥ ـ قال : أخرج الترمذي عن عليرضي‌الله‌عنه إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال رحم الله أبا بكر زوجني إبنته ، وحملني الى دار الهجرة ، وأعتق بلالاً من ماله وما نفعني مال في الإسلام ما أنفعني مال أبا بكر وقوله « وحملني الى دار الهجرة » قد ينافيه حديث البخاري إنه لم يأخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن إلا أن يجمع بأن أخذها أولاً بالثمن ثم أبرأ أبو بكر ذمته انتهى.

اقول : يدل على وضعه

أولاً مع قطع النظر عن خصوصة الترمذي الراوي ومقرره الغاوي ماذكره من منافاته لحديث البخاري ويوم التأويل ليل اليل، وإن كان طبع الناصب الغاوي الى صحة الأول أميل.

وثانياً قوله « زوجني إبنته » فإنه لايظهر المنة في مثل هذا إلا الرجل المهان الخسيس الذي تكرم به الرجل المطاع الشريف بتزويج إبنته منه ومن البين إنعكاس الأمر فيما


نحن فيه فإن رذالة قوم أبي بكر ومهانة نفسه بشهادة أبي سفيان عليه بذلك كما مر ، وكونه خياطاً في الإسلام ومعلماً للصبيان في الجاهلية مما لايخفى ولنعم ماقيل :

شعر كفى المرء نقصاً أن يقال بأنه

معلم صبيان وإن كان فاضلاً

وأما نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو هو الذي خطب له أبو طالبرضي‌الله‌عنه عند نكاحه بخديجة رضي‌الله‌عنها ومن شاهده من قريش حضور بقوله « الحمد الله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً يجبى اليه ثمرات كل شيء وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه ثم إبن أخي محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح ، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه ؛ الى آخره».

وثالثاً إن اعتاق أبي بكر لبلال من ماله لايصلح لأن يصير على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكم من عبد لله أعتقه غير أبي بكر من المهاجرين والأنصار في زمانهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع إحتمال أن يكون أعتاقه لبلال في كفارة قسم أو صوم أو إظهار ونحو ذلك فلا منه له في ذلك على الله تعالى ولا على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ورابعاً إن نفعه بمال أبي بكر مما قد أبطلناه سابقاً وسيأتي عليه لاحقاً بما حاصله إنه لم يكن ذا مال لا في الجاهلية ولا في الإسلام وكأن الترمذي الراوي ، وهذا الشيخ الجامد الغاوي الذين تفردلا بوضع هذه الرواية وتقريرها قد أقرضا أبا بكر قرضاً قد نما رباءه نمو تضعيف ببيوت الشطرنج ولم يتمكن أبو بكر من إيداءه فأرادا إظهاره بتصرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المال الذي أقرضه أبو بكر منهما بوضع هذه الرواية ليطالبوا ورثته من بني فاطمةعليها‌السلام بل عصبته من سائر بني هاشم بذلك وغفلوا عما قال أبو بكر من « إن معاشر الأنبياء لا يورثون » وعن التعصيب عند أهل البيتعليهم‌السلام باطل فليضحك قليلاً


وليبك كثيراً.

١١٦ ـ قال : وأخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي قال : جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم ، فقال لي ياربيعة رد عليّ مثلها حتى يكون قصاصاً فقلت لا أفعل فقال أبو بكر لقولن أولأ ستعدين عليك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت ما أنا بفاعل فانطلق أبو بكر الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فانطلقت أتلوه وجاء أناس من أسلم فقالوا لي رحمالله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال لك ماقال ؟ ـ فقلت أتدرون من هذا ؟ هذا ابو بكر ثاني إثنين ، وهذا ذو شيبة المسلمين ؛ إياكم لا يلتفت ، فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيغضب لغضبه فيغضب الله تعالى لغضبهما فيهلك ربيعة قالوا فما تأمرنا ؟ ـ قلت إرجعوا وانطلق ابو بكر وتبعته وحدي حتى أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فحدثه الحديث كما كان فرفع اليّ رأسه فقال ياربيعة مالك والصديق ؟ ـ فقلت يارسول الله كان كذا وكذا فقال لي كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أجل لا ترد عليه ولكن قل : غفر الله لك ياأبا بكر فقلت : غفر الله لك ياأبا بكر.

اقول : هذا يدل على جهل أبي بكر في أحكام الشريعة وتناوله لربيعة لمكروه قبيح ثم تكليفه بذكر مثل ذلك القبيح قصاصاً فلا فضيلة فيه أصلاً بل هو نقيصة كاملة كما لايخفى ونظير ذلك ما وقع عن بعضهم حيث سئل عن حكم من أدخل إصبعاً أو خشباً في دبر إنسان فأجاب بأن جزاءه أن يفعل به مثل ذلك الفعل مستدلاً بقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها والفقيه النبيه ، خبير بما فيه ، فتأمل.

١١٧ ـ قال : وأخرج عن أبي هريرة قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : عرج بي الى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها إسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي وورد هذا الحديث أيضاً من رواية إبن عباس ، وإبن عمر ، وأنس ، وأبي سعيد ، وأبي الدرداء


وأسانيدها كلها ضعيفة لكنها ترتقي بمجموعها الى درجة الحسن إنتهى.

أقول : هذا الحديث مع كونه أول رواية أبي هريرة عبارته ركيكة ومفهومة غير محصل فلا يصدر عن الفصيح وكيف ينقش في السماوات التي هي الأجرام الشريفة أسم أبي بكر في أزل الآزال ، مع سبق كفره على زمان الحال ، ولقد انطقه الله بالحق حيث قال : إن أسانيدها كلها ضعيفة.

وأما ماذكره بقوله « لكن ترتقي بمجموعها الى درجة الحسن » فإنما يسلم لو لم يكن الضعف بالغاً الى درجة الوضع مع إن إمارات الوضع عليه ظاهرة لفظاً ومعنى وإسناداً كما عرفت ثم الظاهر إنهم وضعوا هذا في مقابلة الحديث المتفق عليه الذي ذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنه مكتوب على العرش « محمد رسول الله ، أيدته بعلي » إنتهى وأين هذا من ذاك ! ونعم ماقال بعض أهل الإدراك :

إسم على العرش مكتوب كما نقلوا من يستطيع له محواً وترقيناً (!)

١١٨ قال : وأخرج البغوي وإبن عساكر عن إبن عمر قال كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبرئيل فقال : يامحمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ؟ ـ فقال ياجبرئيل إنفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله يقرءعليه‌السلام ويقول قل له : أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال : ابو بكر أسخط على ربي ؟ أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض ، أنا عن ربي راض.

اقول : هذا من غرائب موضوعاتهم وذلك من وجوه

أما أولاً فلأنه أول روايه إبن عمر الذي سمعت منا القدح فيه سابقاً وإن أبا حنيفة لم يعمل بحديثه أبداً.

____________________

(١) هو من قصيدة للقاضي نظام الدين محمد بن قاضي القضاة الأصفهاني على ماذكره في مجالس المؤمنين.


وأما ثانياً فلأن بعد هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الى المدينة وقبل فتح مكة قد فتح الله تعالى عليه وعلى أصحابه من غنائم الكفار وبلدانهم ما أزال فقرهم فكان لبس أبي بكر للعباء المبتذل المذكور للرزق والتلبس لا للفقر فلا وجه لسؤال الحكيم الخبير وجه فقره الى لبس تلك العباءة عنه.

وأما ثالثاً فلأن مانسبه الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله « أنفق ماله على قبل لفتح » مردود بما ذكرنا سابقاً من إتفاق أهل الأثر على إن أبا بكر ورد المدينة وهو محتاج الى مواساة الأنصار ، في المال والدار ، فمن أين حصل له المال الذي أنفقه على سيد الأبرار ؟ ومما نقلناه عن البكحري المصري من إن أبا بكر لم يكن في زمان سافر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع أبي طالبرضي‌الله‌عنه الى الشام بحال من يملك ، ولا ملك بلال إلا بعد ثلاثين سنة فافهم.

وأما رابعاً فلأنه لا يعقل ما تضمنه الحديث من سؤال الله تعالى عن رضا عبده عنه ولو فرضنا إن العبد قال لربه : إني لست براض عنك هل كان جوابه غير أن يقول له : فاخرج عن أرضي وسمائي بالسرعة وبالدار ؟ وهل كان علاجه غير أن يدق رأسه على الجدار ؟ أو يعض كإبن حجر بالأحجار.

١١٩ ـ قال : وأخرج إبن عساكر إنه قيل لأبي بكر في مجمع من الصحابة : هل شربت الخمر في الجاهلية ؟ ـ فقال أعوذ بالله فقيل له لم ؟ ـ قال وكنت أصون عرضي ، وأحفظ مروءتي فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال صدق أبو بكر ، صدق أبو بكر ، وهو مرسل غريب سنداً ومتناً إنتهى.

أقول : ومع قطع النظر عن الغرابة والإرسال يكذبه مارواه هذا الشيخ الكذوب الذي لاحافظة له عن إبن عساكر ايضاً متصلاً في الذكر لهذه الرواية من قول عائشة ولقد ترك أبو بكر وعثمان شرب الخمر في الجاهليه فظهر إن الحديث موضوع للعصبية الجاهلية


٢١٠ - قال : وأخرج إبن عساكر بسند صحيح عن عائشة قالت والله ماقال أبو بكر شعراً قط في الجاهلية والإسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية إنتهى.

أقول : إن عدم قوله للشعر إنما كان لعدم شعوره وفقد موزونيته وجمود طبعه وخمود سليقته لا لترفعه عن النسبة الى الشعر كما هو شأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإلا فليس مطلق الشعر مما يستحب لغير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الترفع عنه ولو كان كذلك لما إجتمع لأمير المؤمنينعليه‌السلام ديوان من الشعر وكيف يتأتى أن يقال مطلق الشعر قبيح ؟ اورد من كلمهصلى‌الله‌عليه‌وآله « إن من الشعر لحكمة ».

١٢١ ـ قال : أخرج أبو نعيم وإبن عساكر عن إبن عباس إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ماكلمت أحداً في الإسلام إلا ابى عليّ وراجعني الكلام إلا إبن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله وإستقام عليه وفي رواية لإبن إسحاق « مادعوت أحداً الى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا ابا بكر ماعتم أي تلبث عنه حين ذكرته وما تردد فيه » قال البيهقي وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان سبق له فيه تفكر ونظر فأسلم في الحال إنتهى.

أقول : إنما أسلم أو إستسلم أبو بكر طمعاً في جاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودولته الذي وجد الأخبار عنه عن بعض الرهابين وأحبار أهل الكتاب فلسبق هذا الوجدان والطمع إستسلم ولم يتردد بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ويؤيد ماذكرناه مانقله آخراً عن البيهقي فافهم.

١٢٢ ـ قال : وأخرج الترمذي وإبن حيان في صحيحه عن أبي بكر إنه قال ألست أحق الناس بها أي بالخلافة ؟ الست أول من أسلم ؟ الحديث والطبراني في الكبير وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبي قال سألت إبن عباس أي الناس كان أول إسلاماً ؟ ـ قال ابو بكر الم تسمع قول حسان.


شعر إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة

فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها

إلا النبي وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحود مشهده

وأول الناس منهم صدق الرسلا

ومن ثم ذهب خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم الى إنه أول الناس إسلاماً بل إدعى بعضهم عليه الإجماع وجمع بين هذا وغيره من الأحاديث المنافية له بأنه أول الرجال إسلاماً وخديجة أول في النساء وعليّ أو الصبيان وزيد أول الموالي وبلال أول الأرقاء وخالف بذلك إبن كثير فقال : إن الظاهر إن أهل بيته آمنوا قبل كل أحد ، زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجته أم أيمن وعلي وورقة ويؤيده ماصح عن سعد بن أبي وقاص إنه أسلم قبله أكثر من خمسة قال : ولكن كان خيرنا إسلاماً إنتهى.

اقول إن قول أبي بكر « الست أحق الناس بها ؟ أي الخلافة » مجرد دعوى ولهذا لم يجب عنه أحد من السامعين لها هناك بالنفي ولا الإثبات.

وأما مانقله عن الطبراني فجميع رجال إسناده عندنا مطعون سيما عامر الشعبي الذي تخلف عن الحسينعليه‌السلام وخرج مع عبدالرحمن بن محمد الأشعث وقال له الحجاج : أنت المعين علينا ؟ ـ فقال نعم ، ماكنا بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وهو الذي دخل بيت المال فسرق في خفه مائة درهم

وأما ماذكره من قول حسان ففيه إن قوله وبوله عندنا سواء لأنه قد إنحرف كغيره بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن أهل البيتعليهم‌السلام وظهر عداوته لعليعليه‌السلام في مواضع شتى منها إنه لما عزل عليعليه‌السلام قيساً عن حكومة مصر وخرج قيس من مصر ووصل الى المدينة متوجهاً الى خدمة عليعليه‌السلام واللحوق به في حرب صفين دخل عليه حسان وبالغ في دلالته الى الإنحراف عن عليعليه‌السلام واللحوق مع معاوية


حتى أنكر عليه قيسرضي‌الله‌عنه ذلك فشتمه وأخرجه من مجلسه وقد روى شيخنا المفيدقدس‌سره في كتاب الإرشاد إنه لما أنشد حسان في غدير خم قصيدته المشهورة المتضمنة لما وقع في ذلك اليوم من نصب عليعليه‌السلام بالخلافة والولاية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لاتزال ياحسان مؤيداً بروح القدس مانصرتنا بلسانك » وإنما إشترط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الدعاء له لعلمه على الإطلاق ومثل ذلك ما إشترط الله في مدح أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يمدحهن من غير إشتراط لعلمه تعالى بن منهن من تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح ولاإكرام فقال يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن إتقيتن ؛ الآية ولم يجعلهن في ذلك حسب ماجعل أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في محل الإكرام والمدحة حيث يقول في إيثارهم المسكين واليتيم والأسير على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا ، إنما نطعمكم لوجه الله ؛ الى قوله تعالى : وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً فقطع لهم بالجزاء ولم يشترط لهم كما إشترط لغيرهم بإختلاف الإحوال على مابيناه.

وأما ماإدعاه من تقدم إسلام أبي بكر مستنداً الىالأخبار الموضوعة تارة ، والى نقل بعضهم للإجماع في ذلك أخرى ، ثم تكلف الجمع بما لا يمكن جمعهما بقنطار من الغرا ، فأعماله الحيلة وإختراع الوسيلة ووضع الكذب لنصرة مذهب القبيلة عليها ظاهر والحق تأخر إسلامه كما نقله عن إبن كثير فصححه عن سعد بن ابي وقاص ويؤيده ماذكره إبن الأثير في كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة عن ضمرة بن ربيعة إنه قال : كان إسلام ابي بكر مسبباً عن إسلام خالد بن سعيد الأموي وذكر في هذا قصة طويلة وأما غيرهم فقد قالوا إنه كان ثامن الأصحاب في الإيمان.


٢٢١ ـ قال :

الفصل الثالث في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه مع ضميمة غيره كعمر وعثمان وعلي وغيرهم اليـه

أخرج الحاكم في الكنى ، وإبن عدي في الكامل ، والخطيب في تاريخه ، عن إبي هريرة إن رسول الله ( صلعم ) قال : أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السماوات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين « إنتهى ».

أقول : هذا الحديث موضوع في مقابلة ماروى عن قوله (ص) « محمد وعلي خير البشر ، من أبى فقد كفر ، وقد كفى مؤنة القدح فيه ودفع مايعرض فيه العامي من الحيرة ، كون أول رواية أبا هريرة.

٣٢١ ـ قال : أخرج الطبراني ، عن أبي الدرداء « إقتدوا بالذين من بعدي ، أبي بكر وعمر فإنهما حبل الله الممدود ، من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها » وله طرق مرت في أحاديث الخلافة إنتهى.

أقول : قد سبق منا الكلام على مقدمة هذا الحديث فيما ذكره هذا الشيخ الجامد من أحاديث الخلافة وأما الزيادة المذكورة ها هنا فقد وضعوها في مقابلة ما روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسو اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ؛ الثقيلن ، وأحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل مدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » وما رواه الزمخشري بإسناده قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « فاطمة مهجة قلبي ، وإبناها ثمرة فؤادي ، وبعلها نور بصري ، والأئمة من ولدها أمناء ربي ، وحبل ممدود بينه وبين خلقه من إعتصم بهم نجى ومن تخلف عنهم هوى ».

٤٢١ ـ قال : وأخرج الترمذي عن أبي سعيد إن النبي ( صلعم ) قال :


مامن نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض ، فأما وزيراي من أهل السماء فجبرئيل وميكائيل ، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر ( انتهى ).

أقول : سنذكر بعد ذلك أخباراً أخر في هذا المعنى أيضاً ويتوجه على الكل ان الوزارة في اللغة تستعمل بمعنى المعونة ، ومعونة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تكون إلا من جهتين لا ثالث لهما ،

منهما المعونة في التأدية والإبلاغ من الناس من دين الله عز وجل الذي جاء به من عنده كما قال تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً فكان هارون مبلغاً مع موسى مؤدياً معه رسالات الله تعالى معيناً له على دين الله تعالى ،

الوجه الثاني هو المعونة بمجاهدة الكفار ومحاربتهم ولم يكن ابو بكر معيناً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بشيء من هذين الوجهين وهو ظاهر ولا نعرف في معونة الرسول وجهاً ثالثاِ وذلك إن في الوزارة لسائر الناس ما يكون معه الرأي والمشاورة والتدبير وقد قدمنا الإشارة الى إن هذا مما لايجوز أن يظن لأحد مع رسول الله ( صلعم ) لأن الرسل لايستعملون آراءهم وتدبيرهم دون تدبير الله وأمره وإنما هو يصيرونه عن أمر الله ونهيه وتدبيره في وجوب متصرفاتهم من حرب الى سلم ، الى تقديم ، الى تأخير ، الى غير ذلك ، ومن كا الله مدبره ومختاراً له في متصرفاته كان مستغنياً عن مشاورة رعيته وتدبيرهم معه وهذا ما لا يجوز ان نظنه دونهم في نبي ولا رسول ولا حجة لله يحتج بها على عباده ،

وأيضاً يكذب ماذكره من إن لكل نبي وزيرين من أهل الأرض إن موسى عله السلام مع كونه نبياً من أولي العزم لم يسمع أحد له غير هارونعليه‌السلام وزيراً ، فظهر إن في الخبر وضعاً وتزويراً.

١٢٦ـ قال : وأخرج أحمد والترمذي عن علي وإبن ماجه عنه ايضاً وعن أبي جحيفة وأبو يعلي في مسنده وأيضاً في المختار عن أنس ، والطبراني في الأوسط


عن جاب ر، وعن أبي سعيد إن رسول الله ( صلعم ) قال : هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النيين والمرسلين يعنى أبا بكر وعمر « انتهى ».

أقول : للعل هذا الشيخ الجاهل إنما يبالغ في ذكرة الكثرة من رجال هذا الحديث وتعدد طرقهم فيه إظهاراً لفضله وكثرة تتبعه على المحدثين من أصحابه وإلا فلا يخفى على أحد إن ذلك لاينجع في الإحتجاج على الشيعة فإن ذلك عندهم يوجب زيادة التهمة لا الظن بالصحة وهو ظاهر ، على إنهم كما قال صاحب كتاب الإستغاثة في بدع الثلاثة رووا حديثاً آخر أبطلوا به هذا الحديث ، وذلك لانهم رووا بإجماع منهم ومن غيرهم إن الرسول ( صلعم ) قال : « اهل الجنة يدخلون الجنة جرداً ومرداً مكحلين » فإذا كانوا كذلك فلا كهول هناك ليكونا سيديهم ولو كان هناك أيضاً كهول كما زعموا هل كانت إمامة أبي بكر وعمر ورياستهما على الكهول دون الشباب والمشايخ أو كانت على الجميع ؟ فإن قالوا : إنها كانت على الكهول دون غيرهم بانت فضيحتهم ، وإن قالوا : بل كانت على جميعهم ، قيل لهم : فالسيد في كلام العرب هو الرئيس وليس في الرياسة أجل من الإمامة فإذا كانا إمامين على الكهول وغيرهم فهما رئيسان على جميعهم وإذا كانا رئيسين على الجميع فهما سيدا الجميع وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة في قول الرسول ( صلعم) « هما سيدا كهول أهل الجنة » ولعمري لو كان ذلك منه صحيحاً لبخسهما حقهما إذ قال : وما سيدا كهول أهل الجنة وهما سيدا الكهول والمشيايخ والشباب بزعمكم فهذا مايشتغل به ذوقهم « إنتهى ».

وقد يقال : معنى قوله « هما سيدا كهول أهل الجنة » إنهما سيدا الكهول الذين يدخلون الجنة ، ولا يلزم منه كون بعض أهل الجنة كهولاً حين كونه في الجنة

وأقول يتوجه عليه مع ما مر في كلام صاحب الإستغاثة من لزوم نقص إمامتهم وقصرها على الكهول وقوع التعارض بينه وبين ما روي الجمهور في صحاح أحاديثهم أيضاً إن النبي (صلعم) قال : « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » وذلك


لأن إسلوب الحديثين وسوقهما بعد تكلف التقديرالمذكور ويقتضي وجوه مناسبة في الموضعين أعني لسيد الكهول مع الكهول في الكهول ، ولسيد الشباب مع الشباب في الشباب ، ولم يكن الحسن والحسينعليهما‌السلام شابين عند الوفاة حتى يقال : هما سيدا الشباب الذين يدخلون الجنة وأبو بكر وعمر سيدا الكهول الذين يدخلون الجنة فيلزم التعارض قطعاً وقال العاقولي في شرحه للمصابيح في تفسير حديث السبطين (ع) إنه لم يرد به شن الشباب لأنهما (ع) ماتا وقد كهلا بل مايفعله الشباب من المروءة كما يقال : فلان فتى وإن كان شيخاً إذا كان ذا مروءة وفتوة إنتهى فعلى هذا التفسير المجمع عليه يكونا هما سيديّ الشباب والكهول وسيديّ أبي بكر وعمر ، إن كان لهما فتوة ومروءة وفيه تكذيب صريح لحديث « سيدا كهول أهل الجنة » فتدبر.

١٢٧ ـ قال : الباب الرابع في خلافة عمر ، إنا لانحتاج في هذا الى قيام البرهان على حقية خلافة عمر لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم إنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر حقية خلافة عمر فكيف وقد قام الإجماع ونصوص الكتاب والسنة على حقية خلافة أبي بكر.

اقول : لقد أبطلنا بتوفيق الله تعالى ومنه جميع ماذكره في حقية خلافة أبي بكر من الأدلة القاصرة ، والتهكمات الفاجرة ، النائة عن سوء المصادرة ، وأثبتنا بطلان خلافته بتشييد أركان دلائل الشيعة على غصبه لها بخلافته فقد كفانا ذلك مؤنة الكلام في إبطال خلافة عمر وتضييع الوقت فيه ، لأن بطلان الأول يستلزم بطلان الثاني ، وكذا الكلام في خلافة عثمان والله المستعان في كل الأمور


الفهرس

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة تأليف السيد السند السعيد القاضي نور الله التستري الشهيد في سنة ١٠١٩ هجرية قمرية قدس‌سره وطاب ثراه ٣

أقول : فيه بحث من وجوه ٣٤

اقول : يتوجه عليه : ٥٠

١٤ ـ : الباب الأول في بيان ٥٦

٢٢ ـ قال: الفصل الثاني في بيان إنعقاد الإجماع على ولايته ٦٧

قال: الفصل الثالث في النصوص السمعية الدالة على خلافته من القرآن والسنة ٨٣

تجارتهم وما كانوا مهتدين ٩٩

يتوجه عليه القدح من وجوه ١٠٠

اقول: فيه بحث ١٠٦

الفصل الرابع في بيان إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هل نص على خلافة أبي بكر؟ ١١٠

الفصل الخامس، في ذكر شبة الشيعة والرافضة ونحوهما وبيان بطلانها بأوضح الأدلة واظهرها ١١٩

هذا السخف الصريح ١٣٥

ماذكره من قبيل التنبه ممن لا يتنبه ١٦٧

اقول فيه نظر من وجوه ٢٩٨

ذكر فضائل أبي بكر الواردة في وحده وفيها آيات وأحاديث اقول : فيه نظر من وجوه ٣٠٤

اقول : فيه نظر من وجوه ٣٢١

اقول : فيه نظر ٣٢٩


اقول : يدل على وضعه ٣٣١

اقول : هذا من غرائب موضوعاتهم وذلك من وجوه ٣٣٤

الفصل الثالث في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه مع ضميمة غيره كعمر وعثمان وعلي وغيرهم اليـه ٣٣٩

الفهرس ٣٤٣


الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة

مؤلف: السيد السند السعيد القاضي نور الله التستري
تصنيف: مناظرات وردود
الصفحات: 344