الفتاوى الميسرة العبادات - المعاملات

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: عبد الهادي محمد تقي الحكيم
متون فقهية ورسائل عملية

الفتاوى المُيسّرة

العبادات -‏ المعاملات

عبد الهادي محمّد تقي الحكيم

وِفْق فتاوى

سَماحة آية الله العظمى

السيّد عليّ الحُسيني السيستاني

( دام ظلّه الوارف )



هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلمية في الشبكة



الفتاوى المُيسّرة

العبادات -‏ المعاملات

عبد الهادي محمّد تقي الحكيم

و فْق فتاوى

سماحة آية الله العظمى

السيّد عليّ الحسيني السيستاني

( دام ظلّه الوارف )





بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي )

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين وبعد:‏

فقد حرصت على أنْ يكون أُسلوب كتابتي للفتاوى الميسّرة سهلاً بسيطاً، سائداً في التخاطب المُعتاد اليوم بين الكتّاب وقارئيهم، مألوفاً، ساعياً قدر الإمكان لحلّ عُقدة غُموض النصّ الفقهي وإبهامه على جُلِّ قارئيه المُحتاجين إليه العاملين به من غير أهله.

مِن خلال طريقة عرضٍ مشوّقة تستدرج القارئ وتستميله وتستحثّه على الإحاطة بما ينبغي له أنْ يُحيط به مِن تعاليم دينه القويم.

مختاراً من الأحكام أكثرها أهمّية وحاجةً للمكلّفين يعقبونها إذا أرادوا المزيد بمراجعة ما هو أوسع

مادّة وأكثر تفصيلاً مِن كتب الفقه الإسلامي ورسائله العمليّة الأُخرى.


‏محاولاً هنا وهناك إعادة وصل اللحمة في قلب القارئ الكريم بين عِلمَي الفقه والأخلاق.. بين العمل الذي يؤدّيه وروح العمل الذي يؤدّيه.

مقسّماً البحث الى محاور ثلاثة مخصّصاً المِحور الأوّل للعبادات، جاعلاً مِن الصلاة التي هي ( عمود الدين إنْ قُبِلت قُبِل ما سِواها وإنْ رُدّت رُدّ ما سِواها ) مدار مِحوَر العبادات وقلبه.

ولأنّ ( لا صلاة إلاّ بطهور ) فإنّ هيكليّة البحث تستدعيني وصولاً الى الصلاة أنْ أبدأ -‏ بعد حواريّة التقليد طبعاً -‏ بما يسلب طهارة الجسد مِن ( نجاسات) على اختلافها، ثُمّ أُثنّي فاذكر ما يُعيد للجسد نقاءه من ( مطهّرات ) على اختلافها كذلك، حتّى إذا انتهيت من ذلك كلّه ووصلت إلى الصلاة وصلتها كما ينبغي أنْ يكون عليه الواصل، الواقف بين يدَي ربَّه متطهّراً، نقيّاً مُخلصاً.

مُعرّجاً بعد الصلاة على ما يَتطلّب مثلها النقاء والطهارة كالصوم والحجّ.

ثُمّ ثنّيت فخصّصت المِحور الثاني للمعاملات الماليّة مِن بيعٍ وشِراءٍ ووكالةٍ وإجارةٍ وشركة وغيرها.

ثُم عُدت فخصّصت المِحور الثالث لأحوال الإنسان الخاصّة مِن زواجٍ وطلاقٍ ونذرٍ وعهدٍ ويمينٍ وغيرها.

مُردِفاً إيّاها بحواريّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،


مُختتماً البحث كلّه بحواريّتين عامّتين منوّعتين.

وطِبقاً لهذه الخطّة فسينتظم الموضوعات التسلسل التالي:‏

حواريّة التقليد، حواريّة النجاسة، حواريّة الطهارة، حواريّة الجنابة، حواريّة الحيض، حواريّة النفاس، حواريّة الاستحاضة، حواريّة الموت، حواريّة الوضوء، حواريّة الغُسل، حواريّة التيمّم، حواريّة الجبيرة، حواريّة الصلاة، حواريّة الصلاة الثانية، حواريّة الصوم، حواريّة الحجّ، حواريّة الزكاة، حواريّة الخُمس، حواريّة التجارة وما يُلحق بها، حواريّة الذباحة والصيد، حواريّة الزواج، حواريّة الطلاق، حواريّة النذر والعهد واليمين، حواريّة الوصيّة، حواريّة الإرث، حواريّة الوقف، حواريّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثُمّ الحواريّتان العامّتان المنوّعتان.

وقد حظيت ( هذه النسخة ) بمراجعة وافية مِن قِبَل مكتب سماحة آية الله العظمى السيّد على الحسيني السيستاني ( مدّ ظله الوارف ) في النجف الأشرف للتأكّد مِن مطابقتها لفتاوى سماحته، وقد أجرى عليها المكتب التصحيحات اللازمة لتصبح هذه النسخة بعدها مطابقة لفتاوى سماحته ( مدّ ظله ) تماماً.

راجياً أنْ أكون قد حقّقت ما عزمت عليه، شاكراً بامتنان مَن أعانني على ما نهضتُ به، خاصّاً بالذكر الجميل مكتب سماحة سيّدنا في النجف الأشرف لما بذله مِن جُهدٍ في تدقيق هذه النسخة، سائلاً الله عزّ وجلّ أنْ يجعلني ممّن

( أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ


اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ) ، وأنْ يجعل عملي خالصاً له وحده( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) ( ...غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) .

والحمد لله ربِّ العالمين

المؤلّف


إضاءة:‏

الأحكام الشرعيّة الموضوعة بين قوسين معقوفتَين [ ] هي احتياطات وجوبيّة، أنت مخيَّر بين أنْ تعمل بها، أو أنْ تقلّد فيها مجتهداً آخر، مع مراعاة الأعلم فالأعلم.



توطئة



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ها أنذا اليوم أكملتُ السنة الخامسة عشرة من عمري، لم أدرك حينَ أفَقتُ مِن نومي صبيحته أنّ يومي هذا سيكون مسكوناً بالدهشة، والمفاجأة، والترقّب، والزهو، والانبهار ممهوراً بالمُتعة، والشغَف، والمحبّة ولذّة الاكتشاف، يوماً سينقُلني مِن مرحلةٍ سلَفَت ويضَعني على أعقاب مرحلةٍ أُخرى بدأت.

‎‎‎‎‎‎‎‎ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏استيقظت مُبكّراً كعادتي كلّ يوم، وما أنْ أنهيت واجباتي اليوميّة المُعتادة -‏ تلك التي تفصل بين يقظتي وجلوسي إلى مائدةِ الإفطار الصباحيّة -‏ حتّى أبصرت على وجه أبي شيئاً ما مختلفاً عمّا كنت آلفه منه كلّ يوم، شيئاً ما جعلني أُخمّن أنّ أمراً يخُصّني باتَ يُراوده ويشغله، ويستأثر باهتمامه.

فالعينان المفتوحتان أكثر مِن المعتاد، كما لو كانتا تحدّقان في الفراغ، والشفتان المضمومتان الملمومتان بعض الشيء كما لو كانتا تتهيّآن لقولٍ مُثير تهمُّ أنْ تفضي الشفة به ثُمّ تمسك، والأصابع التي تنقر بانتظام وتُتابع نقرات وقورة على مائدةِ الإفطار: ‏تُنبئ بأنّ القلب


ممتلئ َ بعصارة أمرٍ هام، ويُوشك لفرض امتلائه أنْ يفيض.

وما أنْ جلَسْت قِبالته على الطرف الثاني مِن المائدة حتّى بادرني، وفي عينيه فرَحٌ رزين مكتوم قائلاً:‏

-‏ اليوم يا بني ودّعتَ مرحلةً سلَفت مِن عمرك، واستقبَلْت مرحلةً جديدة بدأت...‏‏ اليوم أصبحت في نظر المشرّع الإسلامي رجُلاً تامّ الأهليّة لأنْ تُكلَّف...‏ اليوم مَنّ الله عليك فخاطبك بالتكليف، وتلطّف فأمَرَك ونَهاك.

وأضاف أبي:‏

-‏ كنتَ حتّى البارحة في نظر المشرّع الإسلامي طِفلاً لم تبلغ بعد مرحلة الرجال فتركَك وشأنَك، أمّا اليوم فقد تغيّر كلّ شيء.. أنت اليوم رجلٌ كالرجال، مُعتَرَفٌ لك بالرجولة والأهليّة التامّة للخطاب، وحين بلغ بك النضج هذه المرحلة، وأسلمَك إليها، مَنَّ الله عليك فخاطبك بأمره ونهيه.

* عفواً لم أفهَم قصدَك كيف يمنّ الله عليّ فيأمرني ؟ أيكون الأمر مِنَّة ؟ كيف يكون ذلك ؟

-‏ دعني أوضّح لك الأمر بمثالٍ حتّى تعرف كيف يكون أمره لك مِنَّةً عليك... أنت الآن طالبٌ في المدرسة، تقف مع زملاءٍ لك طلاّب، بينكم الذكي، والمواظب، والمجدّ، والملتزم، والواعي، وبينكم غيرهُم، تقفون مستعدّين لأمرٍ مّا جديد سيفجؤكم، تقفون ويمرّ السيّد المدير يستعرضكم، وما أنْ تلتقي عيناه بعينيك حتّى


يَتريّث، ويتطلّع إليك برضى أوّل الأمر، ثُمّ يزفّ إليك -‏ مبتسماً ‌-‏ بُشرى انتقالك لمرحلةٍ طالما حلِمت بها، معترفاً لك مِن خلال ذلك بأهليّتك التامّة لمرحلتك الجديدة، متوجّهاً إليك مميّزاً لك من بين زملائك، بأمرٍ ما ينمُّ عن اعتراف بأهليّتك.

‏ألا تشعر يؤمئذٍ باعتزازٍ من نوعٍ خاصّ لأمره، وحُبّ لِما أمرَك به، مشوبٌ بالاعتداد، والثقة بالنفس، لتوجيهه الخطاب إليك دون غيرك مِن أقرانك، متبوعٌ بسعيٍ حثيثٍ لتنفيذ ما أمَرَك به..‏

كلّ ذلك والآمر مدير مدرستك، فكيف سيكون شعورَك لو كان الآمر هو السيّد المدير العام ؟! بل كيف سيكون الحال لو كان الآمر هو السيّد المفتش العام ؟!

كيف سيكون شعورك لو كان الآمر...‏؟

‏ ‎‎ واستمرّ أبي يرتقي بالأمر المخاطب رتبةً رتبة، ومع كلّ رتبة يرتقيها يتجلّى لي أكثر فأكثر شيءٌ ما كان خافياً عليَّ مِن قَبل.. كما لو أنّي أفقت للتوِّ من سُباتٍ عميق، وما أنْ وصَل أبي إلى أمر الله عزّ وجلّ وخطابه إليَّ، وتكليفه إيّايَّ حتّى صُعِقت.

‏* الله يخاطبني أنا... يأمرني أنا.. أنا !.‏

‏-‏ نعم يا بني.. الله يخاطبك أنت.. أنت ابن خَمس عشرة سنة.. ويكلّفك أنت.. أنت ابن خمس عشرة سنة.. ويأمرُك أنت.. وينهاك أنت.


* أوَ أستحق أنا كلّ هذا التكريم.. خالِق الخلْق كلّهم يشرِّفني فيكلّفني، جبّار السمَوَات والأرض يتلطّف فيأمرني وينهاني.. ما أحلى يومي هذا، وما أجمل سنّتي هذه.. ما أبهى الرّجولة.

‏-‏ عليك يا بني أنْ تطيع ما أمَرك به خالقُك فشرّفك به.

‏* بل سأسعى بشغفٍ عاشقٍ إلى تطبيق تكاليفه وأحكامه الحبيبة، ولكن.

-‏ ولكن ماذا...؟

* ولكن ما هي هذه التكاليف التي كلّفني بها ؟ وما هي أحكامه التي وجّهها إليَّ ؟

-‏ الأحكام الشّرعيّة على خمسةِ أنحاء.. واجباتٌ ومحرّمات ومستحبّات ومكروهات ومُباحات.

‏* وما هي الواجبات ؟ وما هي المحرّمات ؟ وما هي المستحبّات ؟ والمكروهات ؟ والمباحات ؟

-‏ كلُّ ما تحتّم عليك فعلُه فهو مِن الواجبات كالصلاة والصوم، والحجّ، والزكاة، والخُمس، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وغيرها كثير.

‏وكل ما تحتّم عليك تركه فهو من المحرّمات كشرب الخمر، والزّنا، والسرقة، والتبذير، والكذب، وغيرها كثير.

‏وكلّ ما حسُن فعله من دون إلزام وتُثاب عليه إنْ كان بقصدِ القربة فهو من المستحبّات، كالصدقة على الفقير، والنّظافة، وحُسن


الخُلق، وقضاء حاجة المؤمن المحتاج، وصلاة الجماعة، واستعمال الطيب، وغيرها كثير.

‏وكلّ ما حسُن تركُه والابتعاد والنأي عنه مِن دون إلزام وتُثاب على تركه إنْ كان بقصد القربة فهو مِن المكروهات، كتأخير زواج الرجل والمرأة، والغلاء في المهر، وردّ طلب المؤمن المحتاج إلى القرض مع القدرةِ عليه، وغيرها كثير.

‏أمّا ما تُركَت لك حريّة الاختيار فيه، أنْ تفعله أو تتركه فهو مِن المباحات كالأكل، والشُرب، والنوم، والجلوسِ، والسفر، والسياحة، وغيرها كثير.

‏* وأنّى لي أنْ أفرز الواجبات عن المستحبّات، والمحرّمات عن المكروهات كيف أعرف أنّ هذا واجبٌ فأفعله وأُؤدّيه وألتزم به، وهذا حرامٌ فأجتنبه وأدَعه وأتركه وأنأى عنه كيف أعرف أنْ...‏

قاطعني أبي مُبتسماً، ثمّ نظر إليَّ نظرة رحمة وإشفاق وهَمَّ أنْ يقول شيئاً إلاّ أنّه أعرض عنه مُؤثراً التريّث، ثُمّ انكفأ فَغَاصَ في تأمّلٍ عميق.

‏وساد لوهلةٍ صمتٌ عميق كثيف كالفراغ لَم استطع أنْ أُخمِّن خلاله ما دار في رأس أبي، غير أنّي كنت أرقب سحابةً داكنة مُعتمة تمرُّ متأنّيةً على جبهته ثُمّ تتشطّر فتُغطّي بقيّة قَسَمَات وجههِ وصولاً إلى شفَتَيه اللّتين انفرجتا عن صوتٍ ضعيف، فيه مِن الرّقِة والعَطف الشيء الكثير.


-‏ ستميّز الواجبات عن المحرّمات، والمُستحبّات مِن المكروهات إذا استعرضت كتب علم ( الفقه الإسلامي ) وستجد أنّ لبعضها أركاناً وأجزاء وشرائط، ولبعضها حَرَكَاتٌ خاصّة يجب أنْ تؤدّى بها، ولبعضها خصوصيّات لا يُمكن أنْ تحيد عنها، ولبعضها.. ولبعضها..‏

‏راجع كُتب الفقه الإسلامي وستجد فيها ضالّتك.. ثمّ ستكشف بعد ذلك أنّه علم واسع، غزير، كتبت فيه مِئات المجلّدات، وأشبع العلماء مسائله بحثاً، وتمحيصاً، بعُمق قلَّ نظيره في علوم إنسانيّة أُخرى.

‏* وهل يجب عليَّ أنْ ألُمَّ بكلِّ هذهِ الكتب لأعرف ما يَجِب عليَّ أنْ أفعله ؟‏

‏-‏ بل يكفيك أنْ تُراجع أخصرَها وأيسرَها على الفهم، وستجد أنّها قُسِّمت إلى قسمين:‏

قِسم خاصٌّ بالعبادات، وقِسمٌ خاصٌّ بالمعاملات.

‏* وما العبادات ؟ وما المعاملات ؟

-‏ تمهَّل قليلاً، وراجع كُتُب الفقه الإسلامي، وستَعرِف تدريجيّاً ما أنت الآن بصدد معرفته.

‏* * *

ورحت أعدو إلى المكتبة، علّني أعثرُ على كتب الفقه الإسلامي هذه.. أعدو ويعدو شوقي وحاجتي وما أنْ وقَعَت عيناي


عليها حتّى أسَرتْني فرحةٌ غامرة، هزّت كياني كلّه هزّاً عنيفاً، أو هكذا خُيّل إليَّ.

‏ها هي ذِي كتب الفقه الإسلامي، لقد وصلْتُ أخيراً إلى غايتي..‏

‏سأقرؤها، وسأجد فيها إجاباتٍ شافية عن أسئلتي.... وسأستريح.

‏وعدت إلى غرفتي لهفان مسرعاً، مزهوّاً بما أنجزت، فتحت الباب على عجَل، ودخلت الغرفة على عجَل، وفتحت كتابي على عجل، وما أنْ بدأت أقرأ حتّى ارتسمت على ملامحي خطوطٌ مِن غرابة متوحّشة أوّل الأمر، سُرعان ما تحوَّلت إلى دهشةٍ مكتومة، ثُمّ استقرّت متّخذة شكلَ وجَعٍ حارقٍ متوهّجٍ مؤلم.

‏لقد وجدت نفسي أقرأ كثيراً، ولا أفهم شيئاً ذا بال ممّا قرأت.

‏ترى كيف لي أنْ أعالج حيرتي، وحيرتي مِن نوعٍ خاصٍّ غيرُ مألوف ؟‏

‏وكابرت، قلت: ‏فلأُواصل القراءة، ومحاوَلَة الفهم، وإعادة القراءة وإعادة محاولة الفهم، علّني أستفيد.

‏ومرّ الوقت ثقيلاً، بطيئاً، متأنّياً، كان صدري يرزح خلاله تحت ثقلٍ ضاغط، جاثم، لا ينفك يطاردني، ويضيِّق خناقه عليَّ، وبينَ يدي الكتاب وأنا أتلو، ثمّ أتلو، ثمّ أعيد تلاوة ما تلوت، ولا أفهم شيئاً.

‏وبدأت سُحُب الخيبة تتجمّع حولي شيئاً فشيئاً، ثُمّ راحت تتحوّل تدريجيّاً إلى ما يشبه سحابةٍ من حُزنٍ شفيف تطلع بين عيني.


لقد قرأت كثيراً، وعليَّ أنْ أعترف أنّني لم أفهم شيئاً ذا بال ممّا قرأت.

‏لقد وجدت نفسي أمام كلماتٍ لم تطرق سمعي مِن قبل.. فلم أعرف ماذا تعني كلمات ( النصاب، والبيّنة، والمؤنة، والأرش، والمسافة الملفّقة، والحول، والدرهم البغلّي، والأبق، والذمّيّ ).

‏كما أخذَت تتقافز أمام عيني مُفردات وتركيبات يبدو أنّها مصطلحاتٌ خاصّة بعِلمٍ لم يسبق لي دراسته، فلم أدرِ ما المقصود ب-‏ ( العلم الإجمالي، والشبهة المحصورة، والحكم التكليفي، والحكم الوضعي، والشبهة الموضوعة، والأحوَط لزوماً، والتجزّي في الاجتهاد والصدْق العُرفي، والمَناط، والمشقّة النوعيّة ).

‏وقرأت بعد ذلك جُملاً مسبوكةً سبْكاً خاصّاً، لم أعتدْه من قَبل، وجُملاً عالجَت قضايا لا وجود لها في حياتي المُعاشة اليوم، لا أدري لماذا ذُكِرت ؛ وجُملاً فيها مِن التشقيق والتفريع والعُمُق والتشطير الدقيق للاحتمالات، تركتني في حيرة من أمرها.

‏فلَم أفهم ماذا تعني -‏ مثَلاً -‏ جملة :

( إذا عُلِم البُلوغ والتعلّق ولم يُعلَم السابق منهما لم تجب الزكاة، سَواءٌ عَلِم تاريخ التعلّق وجهِل تاريخ البُلوغ، أمْ عَلِم تاريخ البُلوغ وجهِل تاريخ التعلّق أو جهِل التاريخان، وكذا الحكم في المجنون إذا كان جُنونه سابقاً وطرَأ العقل، أمّا إذا كان عقَلَه سابقاً وطرأ الجنون، فإنْ علِم تاريخ التعلّق وجبَت الزكاة دون بقيّة الصوَر ).‏


ولا جملة: ‏( الظنّ بالركعات كاليقين، أمّا الظن بالأفعال فكونه كذلك محلُّ إشكال، فالأحوط فيما إذا ظنّ بفعل الجزء في المحل أنْ يمضي ويعيد الصلاة، وفيما إذا ظنّ بعدَم الفعل بعد تجاوِز المحل أنْ يرجِع ويتداركه ويُعيد أيضاً ).

‏ولا جملة: ‏( الأقوى أنّ التيمّم رافعٌ للحدَث رفْعاً ناقصاً لا يجزي مع الاختيار، لكن لا تجِب فيه نيّة الرفع ولا نيّة الاستباحة للصلاة مثلاً ).

‏ولم أعِ المقصود ب-‏ ( إذا توضّأ في حالِ ضِيق الوقت عن الوضوء، فإنْ قصد أمر الصلاة الأدائي بطَل، وإنْ قصَد أمر غايةٍ أُخرى -‏ ولو الكون على الطهارة -‏ صحّ ).

‏ولا بجملة: ‏( يكفي في استمرار القصد بقاء قصد نوع السفر، وإنْ عدَل عن الشخص الخاص).

‏ولا بجملة: ‏( فلو أحدَث بالأصغر أثناء الغُسل أتمَّه وتوضّأ، ولكن لا يترك الاحتياط بالاستئناف بقصد ما عليه مِن التمام أو الإتمام، ويتوضّأ ).

‏ولا بجملة: ‏( مناط الجهر والإخفات الصدق العرفي ).

‏وغيرها كثير ممّا وقعت عيناي عليه، ولم أدرك كنهه.

‏ودارت الدّنيا في عيني.. ثمّ دارت دورةً ثانية.

تُرى: ‏كيف يتسنّى لي أنْ أعرف حلال الله فآتي به ؟ وحرام الله فأجتنبه ؟


ورفعت رأسي إلى السماء، وفي عيني نثيث من عصارة دمع محترق، وتَمتَمتُ.

‏اِلهي ! أعلم أنّك كلّفتني، ولكنّي لا أعلم بماذا كلّفتني..‏

‏اِلهي ! أنّى لي أنْ أعرف ما طلَبتَ منّي، لأنجز ما طلبت منّي.

‏اللهمّ أعنِّي على فهم ما أقرأ.

‏اللهمّ أعِن كتب الفقه على الإفصاح عمّا تريد قوله، لأُحقِّق ما تُريد قوله.

‏* * * ‏


‏وانتظرت أبي على المائدة الليليّة مساء اليوم..‏

‎ وحين حلّ المساء بدَت عيوني متعبة، قلقة، منكسرة الأجفان أوّل الأمر.‏ ثُمّ ما لبِثت أنْ أخذَت تومض ببريقٍ كالفضّة امتزج فيه الأسى بالإصرار على التحدّي.

وما أنْ انتظمت بنا المائدة، وحضر أبي حتّى أخذ قلبي يدقّ، وتورّدت وجنتاي، وارتفعت درجة حرارة أُذُنَيّ كأنّ حُمّي مفاجئة اشعلَتهما، وداهمني شعورٌ بالحرَج، والخجَل، والحيرة، والارتباك، والتردّد، وأنا أُعيد في ذاكرتي وأردّد كلمات وجملاً توحي بالعجز عن استيعاب مادّة مقروءة.

‏واستنجدت بشجاعتي وبعزمي على الاعتراف بالنقص، وقلت لأبي:‏‏

* لقد راجعت كتب الفقه فاستعصت عليّ، وأبت أنْ تفتح لي قلبها.. ‏

وما كِدت أنهي حرفي الأخير مِن كلمتي الأخيرة، حتّى شردَت عينا أبي، وغارتا -‏ كما يبدو -‏ في مستنقع من الماضي عميق، ثمّ عادتا بعد برهة كمَن يعود مِن سفَرٍ شاقٍ ممضّ طويل، ودارتا حول عيني كأنّهما تريدان أنْ تقولا شيئاً، غير أنّ شفتيه انفرجتا عن صوتٍ خافتٍ مشوبٍ بحزنٍ عميق:‏

-‏ لقد مررْت بتجربةٍ شبيهةٍ بتجربتك، عندما كنت في حدود


سِنّك.

‏لقد قرأت كتب الفقه فلَم أفهم منها شيئاً ذا بال، مثلك تماماً.. غير أنّي لم أمتلك شجاعتك فأعترف بعجزي عن فهمها.

‏لقد حالت تربيتي المُحافظة، وحَجَزَ حيائي الشديد، بيني وبين سؤال أبي عن بعض خصوصيّات مرحلة المراهقة ثمّ الرجولة، فلم أَكُن أُدرك أنّ البلوغ قد يتحقّق بغير العمُر الزمني المحدّد له، إلى أنْ.. وقاطعت أبي:‏‏

* وهل يتحقّق البلوغ بغير ذلك ؟

-‏ نعم يا بنيّ، يتحقّق البُلوغ في الذكر إذا توفّرت إحدى علامات ثلاث: ‏-‏

أوّلها : ‏أنْ ينهي خَمس عشرة سنة قمريّة مِن عمره.

ثانيها : ‏أنْ يخرج السائل المنوي منه سَواء خرج باتِّصالٍ جنسي أَم باحتلامٍ، أَم بغيرهما.

ثالثها : ‏أنْ ينبت الشعر الخشِن على العانة، أقول الشعر الخشِن المُشابِه لشعر الرأس لأستثني بذلك الشعر الناعِم الذي يُغطّي -‏ عادةً -‏ أكثر مناطق الجسم كاليدين مثلاً.

‏* والعانة ؟

-‏ العانة: ‏منطقةٌ تقع أسفَل البطن فوقَ نقطة اتّصال العضو التناسلي بجدار البطن مباشرة.

‏هذه علامات البلوغ للذكر، أمّا الأُنثى ؟


-‏ يتحقّق البلوغ في الأُنثى إذا أنْهَت تِسْعَ سنين قمريّة مِن عمرها.

‏أما وقد أفصحت لك اليوم عن قصوري، وتلكّئي، وعجزي عن استيعاب كتب الفقه، فاسمح لي أنْ أقترح عليك -‏ تحت ضغط الحاجة -‏ أنْ تعقد لي جَلَسات تتناوَل فيها بالشرح والتبسيط كلّ ما عَسُر عليَّ فهمه، ممّا يتوجَّب عليَّ فهمه والإحاطة به واستبيانه، لتطبيق حكمي الشرعي، صحيحاً كما شرّعه الله سبحانه وتعالى لي، وأمرني به.

‏* ويا حبّذا لو كانت جَلَسَاتنا تنهج نهج الحِوار والمساءلة.

‏-‏ كما تُحِب.

‏* ولكن بماذا سنبدأ حواريّتنا الأُولى ؟

-‏ سنبدؤها ب-‏( التقليد ) فهو الأساس الذي سيُحدّد لنا شكل تقاطيع وملامح ما سنطبِّقه مِن فقهنا.

‏* اتفقنا.

‏* * * *



( حِواريّة التقليد )



قال أبي -‏ وهو يبدأ حواريّة التقليد: ‏-‏‏

-‏ دعني أشرح لك أوّلاً معنى التقليد.

التقليد:

أنْ ترجع إلى فقيهٍ لتطبّق فتواه، فتفعل ما انتهى رأيه إلى فعله، وتترُك ما انتهى رأيه إلى تركِه، مِن دون تفكير، وإعادة نظر، وتمحيص، فكأنّك وضَعت عمَلَك في رقَبَتِه ( كالقلادة ) محمّلاً إياه مسؤوليّة عمَلِك أمام الله.

‏ولماذا نقلِّد ؟

-‏ عرفتَ فيما مضى أنّ الشارع المقدّس قد أمرك، ونهاك.. أمرَك بواجبات يتحتّم عليك أنْ تؤدّيها، ونهاك عن محرّمات يتحتّم عليك أنْ تمتنع عنها، ولكنْ بماذا أمرك، وعن ماذا نهاك ؟ بعض ما أمرك به واضح في الشريعة تستطيع -‏ ربّما -‏ من خِلال ما ربّتك عليه بيئتك الملتزمة أنْ تشخّصه، وبعض ما نهاك عنه واضح كذلك تستطيع -‏ ربّما -‏ مِن خلال تنشئتِك المحافظة أنْ تميّزه والكثير الكثير ما بين هذه وتلك مِن الواجبات والمحرّمات، ستبقى مجهولةً لك وللكثيرين مِن أمثالك غائبةً أو غائمة.

أضاف أبي:


-‏ أنت تعرف أنّ الشريعة الإسلامية قد ألَمَّت بجميع جوانب حياتك المختلفة، فوضعت لكلّ واقعة منها حكماً، فكيف ستعرف حكمك الشرعي وأنت تُمارس نشاطاتك الحياتيّة المختلفة، كيف ستعرف أنّ هذا الفعل يحلّه الشارع المقدَّس فتُباشره، وأنّ هذا العمل يُحرّمه الشارع المقدّس فتنأَى عنه وتُجانبه.

‏تُرى هل يُمكنك أنْ ترجع في كلّ صغيرةٍ وكبيرة إلى الأدلّة الشرعيّة لتستخرج منها حكمك الشرعي ؟

* ولِمَ لا !!‏

-‏ لقد بَعُدَت الشقّة يا بني، بين عصرِك وعصرِ التشريع، وقد أضفى هذا البُعد ؛ مع ضَياع كثير مِن النصوص الشرعيّة، وتغيّر لغة وأساليب وأنماط التعبير، ووجود الوضّاعين -‏ الذين اختلقوا أحاديثَ كثيرة وسرّبوها مع أحاديثنا المعتبرة -‏ صعوبات ومعوّقات عسَّرت عمليّة استخراج الحكم الشرعي.

‏ثُمّ أضافت مُشكلة وثاقة ناقلي الروايات لذلك عقدةً أُخرى في طريق الساعين لاستخراج الحكم الشرعي.

‏ثُمّ لنفترض أنّك استطعت أنْ تتحقّق بشكلٍ ما مِن وثاقة رواة النصّ وصدقهم، ودقّتهم فيما ينقلون، وضبطهم ؛ وأنّك استطعت أنْ تختزل الزمن لتضبط نبض إيقاع المفردات في دلالتها على معانيها، فهل ستستطيع أنْ تهضم علماً عميقاً، واسعاً، متشعّباً يحتاج إلي مقدّمات طويلة، وسير أغوارٍ عميقة، لتحصل منه بعد ذلك على ما


أنت بصدد معرفته، والبحث عنه واستيبانه.

‏* وكيف العمل إذاً..؟‏

-‏ ترجع إلى المتخصّصين في هذا العِلم أي ( الفقهاء )، فتأخذ أحكامك منهم.‏. ( تقلّدهم ) ليس هذا في مجال عِلم الفقه فقط، بل في كلّ علم لقد أفرَزت الحضارة الحديثة مبدأ التخصّص في العلوم، حيث أصبح لكلّ علم رجاله ومُتخصّصوه يُرجَع إليهم كلّما طرأت حاجةٌ ما لشأنٍ مِن شؤون ذلك العِلم.

واستطرد أبي قائلاً:‏‏

-‏ لنأخذ مثلاً لذلك مِن عِلم الطب.. فلو مرِضت -‏ عافاك الله -‏ فماذا ستفعل ؟

* أُراجع الطبيب، وأعرض عليه حالتي المرضيّة ليشخّص المرض وليصف لي الدواء المناسب بعد ذلك.

‏-‏ ولماذا لا تشخِّص أنت بنفسك مرضك وتصف الدواء ؟

* لست طبيباً.

‏-‏ كذلك الحال في علم الفقه أنت محتاج إلى مراجعة الفقيه المتخصِّص لمعرفة أمر الله ونهيه، أو لعرض مشكلتك الشرعيّة عليه، كاحتياجك إلى مراجعة الطبيب المتخصِّص، لمعرفة أمرٍ طبّي ما، أو لعرض حالتك المرضيّة عليه.

‏فكما أنّك محتاج إلى ( تقليد ) الطبيب في مجال اختصاصه، أنتَ محتاج إلى ( تقليد ) الفقيه في مجال اختصاصه.


وكما أنّك ستبحث عن طبيبٍ فاضل، عالِم في مجال اختصاصه ولا سيّما إذا كان مرضك خطيراً، فأنت مُلزَم بالبحث عن فقيهٍ بارع في مجال اختصاصه ( لتقلّده ) وتأخذ منه حُكمك الشرعي كلّما استدعتك الظروف المُعاشة لاستيضاح حُكمٍ شرعيٍّ ما، فيها.

‏* وكيف أعرف أنّ هذا الرجل فقيه ؟ أو أنّه أعلم الفقهاء وأفضلهم ؟

قال أبي مُجيباً:‏‏

-‏ دعني أسألك.. كيف تعرف أنّ هذا الطبيب فاضل أو أنّه أفضل الأطباء في مجال اختصاصه لتراجعه، وتسلّمه جسَدَك، يفعل به ما يراه مناسباً لعلاجه ؟

* قلت له:‏‏

أعرف ذلك من سُؤال المهتمّين بشؤون الطب، العارفين به، ممَّن لهم علم، ومعرفة، ودراية، و( خبرة ) وتجربة فيه، أو أعرفُه لشهرته بين الناس و( شيوع ) وانتشار وذيوع اسمه في هذا الحقل العلمي.

‏-‏ بالضبط.. وكذلك تعرف الفقيه، أو الفقيه الأعلم.

‏تسأل شخصاً ملتزماً بالواجبات، وتاركاً للمحرّمات، ثقةً، تتوفّر فيه القدرة، والمعرفة، والعِلم والعدالة و( الخبرة ) على تمييز المستوي العلمي للأشخاص في مجال الاختصاص.

‏أو ( يشيع ) ويشتهر ويذيع بين الناس، فقاهةُ شخصٍ، أو


أعلميّته بين سائر الفقهاء، بحيث تجعلك تلك الشهرة الواسعة وذلك الذيوع والانتشار، و(الشيوع) متأكّداً وواثقاً مِن فقاهته أو أعلميّته.

‏* وهل هناك شروط أُخرى فيمن يَجب علينا تقليده، بعد أنْ نبلغ مبلغ الرجال، عدا شرط الفقاهة ؟

-‏ أنْ يكون مقلَّدك: ‏رجلاً، بالغاً، عاقلاً، مؤمناً، عادلاً، حيّاً غير ميّت، طاهر المولد -‏ أي أنّ تكون ولادته قد تمّت وفق مقاييس وضوابط شرعيّة -‏ وألاّ يكون كثير الخطأ والنسيان والغفلة.

‏حسناً ها أنذا ذا قد بلغت مبلغ الرجال، وقد عرفت منك شيئاً عن التقليد فماذا يجب عليَّ أنْ أفعل الآن ؟

-‏ تقلّد أعلم فُقهاء عصرك، وتعمل بما يفتي به في شؤونك المختلفة.. في أحكام وضوئك -‏ مثلاً -‏ وغُسلك، وتيمّمك، وصلاتك، وصومك، وحجّك، وخُمسك، وزكاتك، وغيرها كما تقلّده في معاملاتك.. في أحكام بيعك -‏ مثلاً -‏ وشرائك، وحوالتك، وزواجك، وزراعتك، وإجارتك، ورهنك، ووصيّتك، وهِبتك، ووقفك و.. و..

‏* ورحت أعدّد مع أبي.‏.

وأمرك بالمعروف، ونهيُك عن المنكر، وإيمانك بالله، وأنبيائه ورُسُله و..‏

-‏ كلا.. الإيمان بالله وتوحيده، ونبوّة نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وإمامة الأئمّة الاثني عشرعليهم‌السلام ، والمَعاد.. هذه أُمور لا يجوز


التقليد فيها فهِي مِن أُصول الدين، ولا يجوز التقليد في أُصول الدين، بل يجب أنْ يعتقد كلّ مسلم بها اعتقاداً جازماً لا شكّ فيه، ولا شُبهة ولا ضبابيّة ولا التواء، واصلاً إلى إيمانٍ قاطع بالله، باحثاً عنه بجهوده، مُسخّراً ما منحه الله مِن طاقات فكريّة فيه منتهياً مِن خلال ذلك كلّه إلى قناعة تامّة راسخة لا تتزعزع به..‏

‏* طيّب.. ألا يحقُّ لي أنْ أُقلّد فقيهاً مَع وجود فقيهٍ أعلَم منه في مجال اختصاصه ؟

-‏ يمكنك ذلك شرط أنْ لا تعلَم بوجود اختلاف بين فتاوى مقلَّدك وفتاوى الأعلم في مسائلك التي تحتاجها لتعمل بها.

‏* لو قلّدت الأعلم، ولم تكُن له فتوى في مسألة ما تخصّني ؟ أو كانت له فتوى ولم يسعني استعلامها ؟

-‏ ترجع إلى الأعلَم مِن بعده أي مَن يتلوه في العِلم مِن الفقهاء.

‏ وإذا كان الباقون متساوين في العِلم فماذا أفعل ؟‏

‏-‏ ترجع إلى مِن كان أورَع من غيره، أي أكثر تثبّتاً وحِيطةً في الرأي الذي يتّخذه والفتوى التي يصدرها.

‏* وإذا لم يكن بعضهم أورَع مِن بعض ؟

-‏ يمكنك أنْ تطبّق عمَلَك على فتوى أيٌّ منهم إلاّ في بعض الحالات المعيّنة حيثُ يجب فيها أنْ تعمل بالاحتياط ولا يسعُني في هذا المقام أنْ اشرحها لك.


‏* حسناً.. أستطيع حين أُراجع الطبيب أنْ أعرف رأيه في حالتي الصحّية لو استدعت صحّتي مراجعته فكيف أستطيع أنْ أعرف فتوى مقلَّدي في مسائلي الشرعيّة ؟ كيف أصل إلى فتاواه لأُطبّقها ؟ هل أُراجعه في كلّ مسألة ؟

-‏ تستطيع معرفة فتاواه.. بسؤاله مباشرةً عنها، أو بسؤالِ مَن تثق بنقله ومعرفته وأمانته في نقل تِلك الفتاوى، أو بمراجعة كتبه الفقهيّة، كرسالته العمليّة مع الاطمئنان بصحّتها.

‏* إذاً أطلب منك وأنت الثقة الأمين أنْ تعينني على معرفة فتاوى مقلّدي.

‏ ابتسم أبي بوقار رزين، واعتدل في جِلسَتِه بينما راحت عيناه توميَ بوميض موعد جلسة قادمة.

‏* قلت: ‏نبدأ بالصلاة.

‏-‏ قال: ‏نبدأ بالصلاة.

‏وأضاف:‏‏

-‏ غير أنّ الصلاة تتطلّب طهارة الانسان مِن كلّ ما يدنِّس طهارته.

‏* وما الّذي يدنِّس طهارة الانسان ؟

-‏ تدنّس طهارة الانسان:‏‏

١ -‏ أُمور ماديّة تقع في نِطاق عمَل الحواسّ كالنجاسات.

٢ -‏ وأُمور معنويّة غير مُدرَكة بالحواسّ لو ( حدَثت ) بأحدِ


أسبابها مِن جنابةٍ أو حيضٍ أو استحاضة أو نِفاسٍ أو مسِّ ميّتٍ أو نومٍ أو خُروجِ بولٍ أو غائطٍ أو ريح، لَلَزِم إزالتها بالوضوء أو الغُسل أو التيمّم.

‏وتستدعينا هيكليّة البحث وصولاً إلى الصلاة أنْ نبدأ حوارنا ( بالنجاسات )، فنتعرّف عليها أوّلاً، ثُمّ نتعرّف بعد ذلك على ( مطهّراتها )، لنضمن طهارة الجسَد مِن كلّ ما يَسلِب طهارته، ويخدِش نقاءه.

‏ثُمّ نثنّي فنتحاوَر بما لو ( حدَث ) لوجَب ( غَسله بالوضوء ) أو ( مسحه بالتيمّم ) سَواء أحدَث مِن بولٍ أم غائطٍ أم ريحٍ أم نومٍ أم استحاضة قليلة أم غيرها.

‏ونستأنف، فنتجاذب أطراف الحديث بما لو ( حدَث ) لوجب ( غَسله بالغُسل ) أو ( مسحه بالتيمّم ) سَواء أحدَث من جنابةٍ أم حيضٍ أم استحاضةٍ أم نفاسٍ أم مسّ ميّت.

‏رافعين مِن طريقنا كلّ ما يعترض أو يعيق فرصة التقرّب لله عزّ وجلّ بالصلاة، فائزين بعد ذلك بلذّة الوقوف بين يديه مكبّرين مهلّلين حامدين موحّدين منعّمين بولَعِ ذِكره ودُعائه، راجين أنْ يجعلنا ممّن ترسَّخت أشجار الشوق إليه في حدائق صدورهم، وأخذَت لوعة محبّته بمجامع قلوبهم.

‏متناولين بعد الصلاة ما يتطلّب مثلها الطهارة كالصوم والحجّ وغيرها.


‏* إذن سنبدأ بالنجاسات أولاً ؟

-‏ نعم سنبدأ بها أوّلا يوم غدٍ إنْ شاء الله.

‏* إن شاء الله.

* * *



( حواريّة النَّجاسة )



بدأ أبي حوارَه وفي عينيه بريقٌ مِن حزمٍ رصين قائلاً:‏

دعني أضَع أمامك قاعدةً عامّة ذات أثرٍ كبير في حياتك وهي( كُلُّ شيء طاهر ) كلُّ شيء.. البحار، والأمطار، والأنهار، والأشجار، والصحارى والجبال، والشوارع والعمارات والبيوت والأجهزة والأدوات، والملابس المختلفة وإخوانك المسلمون.. و.. و.. كلُّ شيء طاهر..‏

كُلُّ شيء حتّى يتنجّس، إلاّ..‏

* إلاّ ماذا ؟

-‏ إلاّ ما كان نجِساً بطبيعته، بتكوينه، بذاته،( بعينه ) .

‏‏‏* وما الذي يكون نجِساً بطبيعته، بذاته ؟

-‏ عشرة أشياء سأعدّدها لك على شكلِ نقاطٍ متسلسلة:‏

‏( ‏١، ٢ ) بول الإنسان وغائطه :‏ وبول وغائط كُلُّ حيوان يحرم أكل لحمه، إذا كانت لهذا الحيوان نفسٌ سائلة كالقطّة [ وكذا بول ما ليست له نفس سائلة إذا كان ذا لحم ].

‏* ‏‏‏ وما النفس السائلة ؟

-‏ مصطلحٌ سيمرّ عليك أكثر مِن مرّة في هذا الحوار، يحسن


أنْ نلقي عليه بعض الضوء.

ونقول: ‏لهذا الحيوان نفسٌ سائلة.. إذا اندفع الدم منه بقوّة عند ذبحه لوجود شريان عنده كالدجاج.

ونقول: ‏ليس لهذا الحيوان نفسٌ سائلة.. إذا سال الدم منه عند ذبحه بفُتور، وهدوء، وأناة لِعدَم وجود شريان عنده كالسّمك.

‏( ٣ ) الميتة : ‏من الحيوان ذي النفس السائلة وإنْ كان حلالاً أكله، وكذلك أجزاؤها الحيّة المقطوعة منها.

‏‏‏* وما هي الميتة ؟

-‏ كلُّ ما مات مِن دون أنْ يُذبَح على الطريقة الشرعيّة الإسلامية.

‏‏‏* مثلاً ؟

-‏ الحيوان الّذي يموت لمرضٍ -‏ مثلاً -‏ أو بِحادِث، أو يُذبح بطريقةٍ غير شرعيّة، هذه كلّها مِن الميتة ؟

‏‏‏* وإذا مات الانسان فهل ينجس بدنه ؟

-‏ نعم إلاّ الشهيد ومَن اغتسل لإجراء الحدِّ عليه أو القَصاصِ منه.

‏‏‏* وهل يبقى غيرهما نجِساً ؟

-‏ لا، بل يطهر بدن الميّت المسلم بالأغسال الثلاثة التي سأشرحها لك في حواريّةٍ قادمة.

( ٤ ) مني الإنسان ، ومني كلّ حيوانٍ ذي نفسٍ سائلة [وإن كان


هذا الحيوان مأكولَ اللحم ].

‏( ٥ ) الخارج مِن جسَد الإنسان ، ومِن جسَد كلّ حيوان ذي نفسٍ سائلة.

‏‏‏* ودمُ الحيوان الذي ليس له نفسٌ سائلة ؟

-‏ طاهر كدَم السمك.

( ٦ ) الكلب البرّي بكلّ أجزاء جسده، حيّاً وميّتاً.

‏( ٧ ) الخنزير البري بكل اجزاء جسده، حياً وميتاً.‏

‏‏‏* والكلب والخنزير البحريان..؟

-‏ طاهران.

( ٨ ) الخمر [ويلحق بها الفقاع].

( ٩ ) الكافر حيّاً وميّتاً غير المسيحي واليهودي والمجوسي.

‏( ١٠ ) عرق الحيوان الجلال : ‏وهو الحيوان الذي تعوَّد أكل عذرة الإنسان.

هذه الأشياء العشرة نجسة بطبيعتها، وتنتقل النجاسة منها إلى كلّ ما لاقاها ومسّها واحتكّ بها مع وجود البلل والرطوبة.

‏‏‏* وإذا لم يُوجد بلل ورطوبة بينهما ؟

-‏ إذا لم يكن هناك بلل ورطوبة فلا تنتقل النجاسة ؛ لأنّها لا تنتقل في حالة الجفاف ولا في حالة وجود النداوة المحضة أبداً.

‏‏‏* هل بول أو غائط الحيوانات التي يحلّ أكلها كالبقر، والغنم، والدجاج، والطيور بأنواعها المختلفة، والعصافير، والزرازير طاهر أو


نجس...؟

-‏ طاهر.

‏‏‏* ومخلّفات الخفاش...؟

-‏ طاهرة.‏

‏‏‏* والريش مِن الميتة، والوبَر، والصوف، والأظافر، والقرون، والعِظام، والأسنان، والمناقير، والمخالِب..؟

-‏ كلّها طاهرة.

‏‏‏* واللحم الذي نشتريه لنأكله، فنلاحظ عليه دماً ؟

-‏ هذا الدم طاهر.. وكلّ دمٍ يبقى متخلّفاً في الذبيحة بعد ذبحها بطريقةٍ شرعيّة، طاهر غير نَجِس.

‏‏‏* وفضلات الجُرذ والفأر..؟

-‏ نجِسة غير طاهرة ولو فكّرت قليلاً فيما عددت لك مِن نقاط، لاستطعت أنْ تُجيب عن هذا التساؤل بنفسك.. نعم لأجبت عنه بنفسك، ذلك أنّ لها شرياناً يتدفّق منه الدم عند الذبح.

* وعاد لعينَي أبي ذلك البريق الرصين الّذي لمَحته في أوّل حوارنا هذا فحدَّق بي، ثُمّ أردَف قائلاً.

-‏ لقد بدأت معك حواريّتي هذه بقاعدةٍ عامّة ذات أثرٍ كبير في حياتك، وسأختتمها بقواعد عامّة هي الأخرى ذات أثرٍ كبير في حياتك.

القاعدة الأولى : ‏كلّ شيء كان طاهراً فيما مضى ثُمّ تشكّ، هل


تنجّس بعد ذلك أو بقيَ على طهارته السابقة.. فهو طاهرٌ.

‏‏‏* اضرب لي مثلاً على ذلك.

-‏ شرشف نومك مثلاً، كان طاهراً سابقاً، وتشكُّ الآن، هل لاقتهُ نجاسةٌ ما فنجّسته أو بقيَ على طهارته السابقة ؟ تقول: ‏شرشف نومي طاهر.

القاعدة الثانية : ‏كلّ شيء كان نجِساً فيما مضى ثُمّ تشكّ، هل طهّرته بعد ذلك أم بقيَ على نجاسته السابقة ؟ فهو نجِس.

‏‏‏* مثلاً ؟

-‏ يدُك مثلاً كانت نجِسة، أنت متأكّد مِن ذلك قبل الآن، وشكَكْت بعد ذلك، هل طهّرتها مِن نجاستها السابقة، أم لم تُطهّرها منها ؟

تقول: ‏يدي نجِسة.

القاعدة الثالثة : ‏كلُّ شيء لا تعلم حالته السابقة، أنَجِساً كان هو قبل الآن أم طاهراً ؟ فهو الآن طاهر.

‏‏‏* مثلاً ؟

-‏ سائلٌ في كأس تجهل حالته السابقة لا تدري أنجِساً كان فيما مضى أم طاهراً تقول: ‏هذا السائل طاهر.

القاعدة الرابعة : ‏كلّ شيءٍ تشكّ، هل أصابته نجاسة فتنجّس بها أو أخطأته فلم تُصِبه، عندئذٍ لا يجب عليك الفحص والتحرّي والتدقيق لتتأكّد مِن طهارته، بل تقول: ‏هو طاهرٌ، مِن دونِ حاجةٍ إلى


فحصٍ واستكشاف، حتّى ولو كان الفحص سهلاً يسيراً عليك.

‏‏‏* مثلاً ؟

-‏ ثوبُك كان طاهراً أنت متأكّد من ذلك قبل الآن، وشكَكت الآن هل أصابه بولٌ فتنجّس به أو بقِي على طهارته السابقة ؟

عندئذ.. لا يجب عليك فحص ثوبك، والبحث عن أثر البول فيه، حتّى لو كان ذلك البحث والفحص سهلاً يسيراً عليك، بل تقول: ‏ثوبي طاهر.

* * *


( حواريّة الطهارة )



قَبل أنْ يَحضر أبي جَلَسة حِوارنا هذه، كنت مستغرقاً في تأمّل عميق، محاولاً تطبيق المعلومات النظريّة.. تلك التي سلَفَت في ( حواريّة النجاسة ) على واقع حياتي اليوميّة المُعاشة، مُصحّحاً مِن خلال ذلك موروثاتي الخاطئة عن النجاسة، منتظراً بشغف وترقّب أنْ ألحظ في جَلَسة اليوم كيف ستستعيد الأشياء طهارتها الأُولى ونقاءَها الجميل بعد أنْ صافحتها يدُ النجاسة فلوّثتها.

وما أنْ حضَر أبي حتّى بدأته:‏

‏‏‏ قلت لي أمس: ‏إنّ الأشياء الطاهرة تفقد طهارتها لو لاقت النجاسة تُرى كيف ستستعيد تلك الأشياء طهارتها المفقودة ؟

-‏ أكثر ما يُعيد للأشياء المُتنجّسة طهارتها السابقة المسلوبة ( الماء ) أنْ تغتسل مِن أدرانها بالماء، أو أنْ تُغسل به، لذلك فسنبدأ ب-‏..‏

المطهّر الأوّل: ‏الماء.

أضاف أبي.

-‏ الماء: ‏مطلقٌ ومضاف.

‏‏‏* وما الماء المُطلق ؟


-‏ الماء المطلق.. ذلك الذي نشربه نحن، وتشربه الحيوانات ويسقى به الزرع..‏ ماء المحيطات والبحار والأنهار والآبار والجداول والأمطار، ماء الأنابيب الّذي يصلنا عبر خزّانات المياه المنتشرة في المُدن والقرى والنواحي، ويبقى الماء مطلقاً حتّى لو اختلط مع قليل من الطين أو الرمل كمياه الشطوط والأنهار.

‏‏‏*والماء المضاف ..؟

-‏ الماء المضاف تعرفه بسهولة من إضافة لفظٍ آخر إلى الماء كلّما نطقت به، فتقول: ‏ماء الورد، ماء الرمان، ماء العنب، ماء الجزر ماء البطيخ، وماء مساحيق الغسيل، وهو كما تلاحظ من الأمثلة ليس ممّا يعنينا أمره هنا، فنحن نتحّدث عن الماء ذاك الذي نُطهّر به ونشربه، نتحدّث عن الماء لا عن ماء الرمّان وماء العنب مثلاً.

ثمّ إنّ الماء أو الماء المُطلق على قسمين: ‏معتصِمٌ وغيرُ معتصِم.

‏‏‏*ماء معتصم !! ماذا تعني ؟

-‏الماء المعتصم : ‏هو الماء الذي لا يتنجّس بملاقاة النجاسة إلاّ إذا تأثّر بها لونه أو طعمه أو رائحته،والماء غير المعتصِم هو الماء الذي يتنجّس بمجرّد ملاقاته للنجاسة وإنْ لم تتأثّر بها إحدى صِفاته الثلاث ‏.‏

‏‏‏* وما هي المياه المعتصمة ؟

-‏ هي :


‏‏١ -‏ الماء الكثير : ‏وهو ما بلغ قدر الكُر أي ما كان مكعّبه ٣٦ شبراً، كماء الاِسالة (الصنبور) ذاك الّذي يصل اِلى بيوتنا من خزّانات المياه الكبيرة المنتشرة في المدن أو من محطّات ضخّ المياه، وماء خزاناتنا الموضوعة على سطوح منازلنا اِذا كانت بحجم الكر، وماء خزاناتنا الصغيرة اِذا اتّصل بها ماء الاسالة (الصنبور) ما لم ينقطع.‏

٣ -‏ الماء الجاري : كمياه الأنهار والروافد والجداول والعيون.

‏٤ -‏ ماء المطر إثناء هطوله.

هذه هي المياه المعتصمة.

‏‏‏* وما هي المياه غير المعتصمة ؟

-‏ هي مياه الأحواض الصّغيرة والأواني والقناني والكُؤوس ونحوها مِن المياه الراكدة غير ماء البئر التي يقلّ مقدارها عن الكُر ويصطلح عليه ب-‏( الماء القليل ) وقد عرفت أنّها تتنجّس بمجرّد ملاقاتها للنجاسة.

‏‏‏* والماء المضاف ؟

-‏ حكمه حكم الماء القليل يتنجّس بملاقاته للنّجاسة سَواء أكانت كمّيته كبيرة أم قليلة كالشاي مثلاً، وتُلحق بالماء المضاف السوائل الأخرى، كالحليب والنفط ومحاليل الأدوية وغيرها وأنّها تتنجّس بمجرّد ملاقاتها للنّجاسة.

ثُمّ أردف أبي قائلاً:‏


كلّ ماءٍ قليل اتّصل به الماء الكثير صار كثيراً فيكون معتصماً ما لَم ينقطع عنه، فخزّان الماء الصغير إذا جرى عليه أُنبوب الإسالة صار كثيراً، وماء القدر الموضوع في المَغسلة إذا فتحت عليه أُنبوب الماء المتّصل بالكُر، فاتّصل ماء القدر بماء الأُنبوب صار ماء القدر كثيراً، كلّ ذلك، مادام الاتصال موجوداً وهكذا..‏

‏‏‏* حسناً.. ماذا لو وَقَعت قطَرات مِن الدم في خزّان ماء راكد بحجمٍ كُر..؟

-‏ لا يتنجّس إلاّ إذا كثُرت القطَرات فتغيّر لون ماء الكُر فاصفرّ بتأثير لون الدم.

‏‏‏* ولو وقَعَت في إناءٍ صغير ؟

-‏ لنجَّست الإناء.

‏* ‏‏‏ ولو فتحنا عليه ماء الإسالة فعاد الماء إلى صفائه ؟

-‏ لطهُر ماء الإناء [ولكنّه يعود فيتنجّس مرّة أُخرى إذا انقطع عنه ماء الإسالة لِما سيمرّ عليك مِن أنّ الإناء إذا تنجّس لَم يطهر إلاّ بغسله ثلاث مرات].

‏‏‏* لو صبَبنا مِن ماء الإبريق على شيءٍ نجِس، فهل يتنجّس ماء الإبريق ؟

-‏ كلا، لاَن النجاسة لا تتسلّق إلى عمود الماء الساقط من الإبريق، فلا عمود الماء يتنجّس ولا ماء الإبريق.

‏‏‏* وكيف يُطهّر ماء المطر الأشياء ؟

-‏ إذا تقاطر عليها، سَواء أكان المتنجّس أرضاً، أم ثياباً وأفرشة


بعد أنْ ينفذ منها أم إناء، أم ما شاكَل ذلك وشابهه بشرط أنْ يصدُق عُرفاً على النازل أنّه مطر، لا أنْ يكون مجموع ما نزل مِن السماء قطرات قليلة لا يصدُق عليها المطر.

‏‏‏* وهل يكفي في طهارتها تقاطر المطر عليها مرّة واحدة ؟

-‏ نعم يكفي إلاّ في البدن والثوب المتنجّس بالبول فإنّه يلزم فيهما التعدّد [وكذا في الإناء].

‏‏‏* وهل يطهّر المطر الماء المتنجّس ؟

-‏ نعم إذا امتزج معه.

‏‏‏* وكيف نطهّر بالماء القليل أو الكثير الأشياء المتنجّسة ؟

-‏ نطهّر كلّ شيءٍ متنجّس.. كلّ شيء بغسله بالماء قليلاً كان أو كثيراً مرّة واحدة ولكن يلزم في الغَسل بالماء القليل أنْ ينفصل ماء التطهير عن الشيء المتنجّس.

‏‏‏* وهل الأشياء المتنجّسة كلّها تَطهُر على هذا النحو ؟

-‏ نعم عدا ما يأتي:‏

‏(١) -‏ الأواني المتنجّسة بالخمر كالقناني والكؤوس وغيرها نغسُلها بالماء ثلاث مرّات.

‏(٢) -‏ الأواني إذا مات فيها الجُرذ، أو ولَغ فيها الخنزير فإنّنا نغسِلُها سَبع مرّات.

‏(٣) -‏ الأشياء المتنجّسة ببول الصبيّ الرضيع الذي لم يتَغذّ بعد بالطعام وكذلك الصبيّة، فإنّنا نصبُّ الماء عليها بمقدار ما يحيط بها، ولا حاجة إلى أكثر مِن ذلك، فلا حاجة


إلى العصر إذا كان المتنجّس ثوباً أو نحوه.

‏(٤) -‏ الأواني إذا ولَغ فيها الكلْب أو لطَعها بلسانه تُمسَح بالتراب أوّلاً ثُمّ تُغسَل بالماء مرّتين، وإنْ وقَع فيها لُعاب فمِه أو باشرها بسائر أعضائه [لزم مسحُها بالتراب أوّلاً ثُمّ غسلُها بالماء ثلاث مرّات].

‏‏‏* وما ولوغ الكلب ؟

-‏ شُربَه ما في الإناء بإطراف لسانه.

‏(٥) -‏ الملابس المتنجّسة بالبول، نغسلُها بالماء الجاري مرّةً واحدة أو نغسلها بماء الكُر أو ماء الحنفيّات مرّتين، أو تغسلها بالماء القليل مرّتين أيضاً ونعصرها، أمّا الملابس المتنجّسة بغير البول فنغسلها مرّة واحدة بالماء القليل ونعصرها أو نغسلها بالماء الكثير، من دون حاجةٍ إلى العصر.

‏(٦) -‏ البدن المتنجّس بالبول نغسله كما في الفقرة المتقدّمة، وإذا كان الغَسل بالماء القليل لزِم انفصال ماء التطهير عن البدن على النحو المتعارف.

‏(٧) -‏ باطن الإناء، إذا تنجّس بغير الخمر، أو ولوغ الكلب أو لطَعَه أو وقوع لعابه أو مباشرته بسائر أعضائه أو موت الجرذ، أو ولوغ الخنزير، فإنّنا نطهّره بغسله بالماء القليل ثلاث مرّات، أو بالماء الكثير أو الجاري أو المطهِّر [ثلاث مرّات أيضا].

‏‏‏* وظاهر الإناء..؟

-‏ يطهر بغسله مرةً واحدة، حتّى بالماء القليل.

‏‏‏* وكيف اُطهّر كفّي المتنجّسة وعندي ماءٌ قليل ؟


-‏ اِذا لم تكن متنجسة بالبول فصبّ عليها الماء مرّة واحدة، فإنْ انفصل ماء التطهير عن كفِّك فقد طهُر كفَّك.

المطهر الثاني: ‏الشمس.

‏‏‏* وماذا تطهّر الشمس ؟‏

-‏ تُطهّر الأرض وما يستقرّ عليها من الأبنية والحيطان، ويَلحَق بها في ذلك الحصُر والبَوَاري عدا ما تشتمل عليه من الخيوط [ولا تلحق بها الأبواب، والأخشاب، والأوتاد، والأشجار وأوراقها، والنباتات، والثّمار قبل قِطافها وغير ذلك من الأشياء الثّابتة على الأرض].

‏‏‏* كيف تطهّر الشمس الأرض والبناء ؟

-‏ بشُروقِها عليها حتّى تجفّ بتأثير أشعّتها مع زوال عين النجاسة عنها.

‏‏‏* وإذا كانت الأرض النجسة جافّة، وأردنا تطهيرها بالشمس ؟

-‏ صببنا عليها الماء حتّى إذا جفّفتها الشمس طهُرت.

‏‏‏* وإذا تنجّست الأرض بالبول وأشرقت عليها الشمس فجفّت ؟

-‏ طهرت الأرض إذا لم يبقَ عليها جُرْمُ البول.

‏‏‏* الحصى والتراب، والطين، والأحجار المعدودة جزءٌ من الأرض إذا تنجّست بالبول فجفّفتها الشمس ؟

-‏ طهُرت كذلك.

‏‏‏* والمسمار النابت في الأرض، أو في البناء..؟


-‏ [ليس حكمه حكم الأرض، فلا يطهر بالشمس].

المطهّر الثالث: ‏زوال عين النجاسة عن بَواطن الانسان غير المحضة وعن جسَد الحيوان.

‏‏‏* اضرب لي مثلاً على ذلك.

-‏ زوال الدم عن باطن الفم، أو باطن الأنف، أو باطن الأُذن، زوال لعين النجاسة.

فبمجرّد أنْ يزول الدّم يطهر الفم، والأنف، والأُذن والعين وهكذا من دون حاجةٍ إلى تطهيرها بالماء.

‏‏‏* وجسَد الحيوان..؟

-‏ كذلك جسَد الحيوان، فبمجرّد أنْ يزول الدم عن منقار الدجاجة يَطهُر منقارُها، وبمجرّد أنْ يزول الدّم عن فَمِ القطّة يَطهُر فمُها، وهكذا.

‏‏‏* وهل تتنجّس الإبرة -‏ إبرةُ الدواء -‏ إذا زُرِقت داخل جِسم الانسان أو الحيوان، فلاقت الدم داخل الجسم ؟

-‏ كلا، لا تتنجّس إذا خرجَت الإبرة مِن داخل الجسم وهي غير ملوّثة بالدم فملاقاة النجس داخل الجسم لا تحقّق النجاسة.

المطهّر الرابع : ‏الأرض.. كلّ ما يسمّى أرضاً مطهّرة كالحَجَر، والرمل والتراب وما فُرِش بالطابوق أو الاسمنت لا بالقير ونحوه ويشترط في الأرض أنْ تكون [يابسة] وطاهرة.

‏‏‏* وكيف أعرف أنّها طاهرة ؟


-‏ ما دُمت لا تعرف أنّها قد تنجّست فهي طاهرة، ومِن ثمَّ فهي مُطهِّرة.

‏‏‏* وماذا تُطهِّر الأرض ؟

-‏ تَطهُر باطن القدَم، والحِذاء، بالمشي عليها أو المسح بها، بشرط أنْ تزول عن القدَم والحِذاء، بسبب المشي أو المسح، النجاسةُ العالقة بهما، هذا إذا كانت النجاسة قد حصَلَت مِن الأرض النجِسة سَواء بالمشي عليها أم بغيره [وأمّا إذا كانت قد حصَلَت مِن غيرها فلا تكون الأرض مُطهِّرة لهُ حينئذٍ].

المطهّر الخامس: ‏التبعيّة.

‏‏‏* اضرب لي مثلاً على التبعيّة.

-‏ الكافر المحكوم بالنجاسة مثلاً إذا أسلَم طهُر، وطهُر ( تبعاً له ) طِفلُه الصغير الذي كان نجِساً تبعاً لأبيه والجدّ الكافر، والجدّة، والأُمّ إذا أسلَموا طَهُروا، وطهُر ( تبعاً لهم ) طِفلُهم الصغير الذي كان نجِسا تَبَعا لنجاستهم، كلّ ذلك فيما إذا كان الصغير مع مَن أسلَم بأنْ يكون تحت كفالتِه ورعايَتِه ولا يكون معه كافرٌ أقرَب منه إليه.

والخمر إذا انقلب خلاّ طهُر، وطهُر ( تبعاً له ) إناؤه الموضوع فيه.

والميّت إذا غُسّل الأغسال الثلاثة طهُر وطهُرت ( تبعاً له ) يدُ الغاسل، والسدّة التي غُسِّل عليها، وثيابه التي غُسِّل فيها.

والثوب المتنجّس إذا غسَلته بالماء القليل -‏ مثلاً -‏ طهُر،


وطهرت ( تبعاً له ) اليدُ التي غسّلته.

المطهّر السادس: ‏الإسلام.

‏‏‏* وكيف يطهر الإسلام ؟ ومَن يطهر؟

يُطهّر الإسلام الكافر المحكوم بالنجاسة بعد أنْ يُسلِم، فيَطهُر هو ويطهُر تَبَعَاً له شعرُه، وأظافره، وغير ذلك مِن أجزاء جسده التي كانت نجِسة لكُفره.

المطهّر السابع: ‏غَيبة المسلِم البالغ أو الصبيّ المميز.

‏‏‏* وما غَيبة المسلم ؟

-‏ أنْ تفارقَك صورته، فلَم تعُد تراه عينك.

‏‏‏* وإذا غاب ؟

-‏ إذا غاب طهُر، وطهُرت معه أشياؤه وأدواتُه التي في حيازته كثيابه وفراشه، وأوانيه وأمتعته، وغيرها إذا احتملْتَ تطهيره لها.

‏‏‏* اضرب لي مثلاً على ذلك.‏.‏

-‏ ثوبُ أخيك مَثَلاً كان نجِساً وهو يعلَم بذلك أو لا يعلَم ولكنّك أنتَ تعلَم بذلك سَواءٌ أكان ملتزماً بأحكامه الشرعيّة أو غير ملتزم بها.. ثُمّ غاب عنك أخوك، وعاد ثانيةً واحتملتَ أنّه طهُر ثوبُه عندئذٍ تقول: ‏ثوبُ أخي طاهر.

تقول ذلك دون حاجة إلى سُؤاله.


المطهّر الثامن: ‏الانتقال.

‏‏‏* مثلاً.

-‏ دمُ الانسان -‏ مَثَلاً -‏ ذاك الذي يتغذّى عليه البَق والبرغوث والقُمّل مِن الحشرات التي لا دمَ لها عُرفاً، إذا شربه الحيوان فاستقرّ في جوفه، ثُمّ قتلت الحيوان، فصبَغ ذلك الدم جسَدَك أو ثيابك، فهو دمٌ طاهر.

المطهّر التاسع: ‏الاستحالة.

‏‏‏* وما الاستحالة ؟

-‏ الاستحالة: ‏تبدّل شيء إلى شيءٍ آخر مختلف عنه، وتحوّله إليه لا مجرّد تبدّل اسمه أو صِفته أو تفرّق أجزائه.

‏‏‏* اضرب لي مثلاً على ذلك ؟

-‏ الخشَب المتنجّس -‏ مثلاً -‏ إذا احترق وصار رماداً، فالرماد طاهر ومُخلّفات الحيوان إذا استعملت وقوداً للنار، فرمادها في التنّور طاهر، وهكذا..‏

المطهّر العاشر: ‏خروج الدم بالمقدار الطبيعي مِن الحيوان المذكّى بطريقةٍ شرعيّةٍ ، عندئذٍ سنحكم بطهارة الدم الباقي داخله.

المطهّر الحادي عشر: ‏انقلاب الخمر خلاًّ ، ذلك أنّ الخلّ أثناء تكوّنه يتخّمّر في مرحلةٍ ما أحياناً فيتنجّس ثُمّ ينقلب بعد ذلك إلى خلّ فيطهر.

المطهّر الثاني عشر: ‏استبراء الحيوان الجلاّل:‏


فإنّ الحيوان المأكول اللحم إذا تعوّد أكلَ عذرة الإنسان حرُم أكلُ لحمه وشربُ لبنه وأصبح بَولُه ومدفوعه وعرق جِسمه نجِساً.

‏‏‏* كيف يتمّ استبراء الحيوان الجلاّل ؟

-‏ يتمّ ذلك بمنعه عن أكل النجاسة لمدّة لا يسمّى بعد مضيِّها حيواناً جلاّلاً، بل يصبح حيواناً عاديّاً.

‏‏‏وعندئذ ؟

-‏ عندئذٍ بعد استبرائه نحكُم بطهارة لحمه ولبنه وكلّ ما تقدّم.

* * * *


( حواريّة الجَنابة )



سبقني على غير العادة أبي هذا اليوم إلى جلسة الحِوار هذه.

وحين حضرت لَم يَلحظ أبي أوّل الأمر حضوري.. كان صامتاً، متأمّلاً مُطرقاً برأسه إلى الأرض مُرخياً عينيه في قلبه، تاركاً -‏ كما يبدو -‏ لمشاعره حريّة التسلّل خارج جُدران الغرفة المفضّضة ببياض الأسئلة وبراءة قلب الطفل.

وما أنْ لمَحَني حتّى عاد لعينيه حزمهما الجميل الهادئ، فرَنا إليَّ قائلاً:‏

سأبدأ حِواري بمقدّمة تسلمني إلى فحوى حديث اليوم.. إلى حواريّة الجنابة.‏ ثمّ أردَف:‏

-‏ حدّثتك في ( حواريّة النجاسة ) عن النجاسات، تلك التي تسلب مِن أجسادنا وأجسام الأشياء طهارتها الأُولى التي كانت عليها.

ثُمّ حدّثتك في ( حواريّة الطهارة ) عن المطهّرات، تلك التي تعيد مرّة أُخرى لأجسادنا وأجسام الأشياء طهارتها المغصوبة.

ولو رجَعت إلى ( النجاسات ) لوجدت أنّها أشياء مادّية طارئة على الجسد، منه، أو مِن غيره.

إن هُناك أُموراً معنويّة غير محسوسة، لو ( حدَثت ) لسلبت من الانسان طهارته، ولاحتاج بعدئذٍ إلى ما يُعيد له طهارته المسلوبة


ونقاءه الجميل المفقود.

ذلك ( الحدث ) على نحوين.. أكبر وأصغر.

فالحدَث الأكبر : ‏الجنابة والحيض والنّفاس و الاستحاضة الكثيرة ومسّ الميّت والموت.

والحدَث الأصغر : كالبَول والغائط والريح والنوم و الاستحاضة القليلة وغيرها.

والحدث الأكبر ( يغسله الغُسل ) أو ( يمسحه التيمّم ).

والحدث الأصغر ( يغسله الوضوء ) أو ( يمسحه التيمّم ).

وستتناول حواريّاتنا القادمة هذه الأُمور أمراً أمراً مبتدئين اليوم ب-‏( الجنابة ).

قلت لأبي :

‏* بماذا تتحقّق الجنابة ؟

قال:‏ تتحقّق بأحد أمرين:‏

أوّلاً : ‏خروج السائل المنوي، سَواء أخرج بمُمارسة جنسيّة، أم باحتلام، أم بعادة سريّة، أم بغير ذلك.

‏* وما هي صفات السائل المنوي ؟

-‏ سائلٌ لزِج كثيف، رائحته كرائحة العَجين المختمر، حليبيّ اللّون يميل لونه أحياناً إلى الصفرة أو الخضرة، يخرج في الغالب عند بلوغ الشهوة الجنسيّة ذروتها مصحوباً بالدفق، وملحوقاً بارتخاء وفتور


للجسد.

‏‏‏* وإذا شكَكت بأنّ هذا السائل اللزِج الخارج هل هو سائل منوي أو هو غيره من السوائل الأخرى ؟

-‏ سأعطيك علامات ثلاث: إذا اجتمعت ثلاثتهنّ فهو سائلٌ منوي.

هذه العلامات هي: ‏الشهوة، والدفق، وارتخاء الجسَد أو فتوره.

وفي المريض تكفي الشهوة.

‏‏‏* ولو تحقّقت واحدة منهنّ أو اثنتان..؟

-‏ قل إنّه ليس سائلاً منويّاً، سِوى المريض كما ذكرت قبل قليل.

‏‏‏* وهل للمرأة سائلٌ منويّ كالرجل ؟

-‏ نعَم السائل الخارج مِن مهبلِها عندما تبلغ الشهوة الجنسيّة ذروتها، بحكم السائل المنوي في الرجل سَواء في حال النوم أو في حال اليقظة.

ثانياً : ‏الاتّصال الجنسي ولو لَم يؤدّ إلى نُزول السائل المنوي، ويكفي في تحقّق الاتّصال الجنسي دخول رأس العضو التناسلي الذكري ( الحشفة ) في فرج الأنثى أو شرجها.

‏‏‏* وإذا خَرج السائل المنوي أو تحقّق الاتّصال الجنسي ؟

-‏ تحقّقت الجنابة، للفاعل والمفعول به مِن غير فرق بين الكبير والصغير، والعاقل والمجنون والحيّ والميّت.

‏‏‏* وإذا تحقّقت الجنابة..؟


-‏ وجَب عليك الغُسل لتصلّي -‏ مثلاً -‏ أو لتطوف في حجِّك فإنّ الصلاة والطواف تتوقّف صحّتهما على الغُسل، وسأشرح لك في ( حواريّة الغسل ) التي ستأتي، كيف تغتسل.

ثُمَّ إنَّه حرُمت عليك ما دمت جُنباً أمور:‏

‏(١) -‏ مسّ كتابة القرآن الكريم.

‏(٢) -‏ مسّ لفظ الجلالة ( الله ) [وأسماء الله وصفاته الخاصّة به ك-‏ ( الخالق )].

‏(٣) -‏ قراءة آية السجدة من كلّ سورة من سِور العزائم الأربع وهي ( اقرأ، والنجم، والسجدة، وفُصّلت ).‏

‏(٤) -‏ دخول المساجد أو المكث فيها، أو أخذ شيء منها أو وضع شيء فيها [وإنْ كان مِن خارجها أو في حال الاجتياز فيها].

ويجوز للجنُب اجتيازها كالدخول مِن باب والخروج من باب آخر إلاّ المسجدَين الشريفين (المسجد الحرام بمكّة ) و ( المسجد النبويّ بالمدينة )، [وتُلحق المراقد المقدّسة للمعصومينعليهم‌السلام بالمساجد].

‏‏‏* وهل يُلحق الصحن والرواق إذا لم يكن مسجداً بالمسجد فيحرُم دخولهما ؟

-‏ كلا لا يُلحقان به.

‏‏‏* قبل أنْ نودّع حواريّة الجنابة أحبّ أنْ أسألك وأخجَل.

-‏ سل ما شئت دون خجَل فلا حياء في الدّين، أقولها دائماً.


دائماً.

‏‏‏أحياناً بعد أنْ أُثار جنسيّاً أُشاهد نقطةً لزجةً لسائلٍ أبيض شفّاف تخرج مِن القضيب.

-‏ نعم هذا السائل طاهر لا يُنجّس الملابس ولا الجسد، ولا يجب عليك الغُسل ولا الوضوء إذا خرج، وهناك سائل آخر يخرج بعد البول أحياناً، إنّه كذلك طاهر ولا يجب عليك الغسل إذا خرج.

‏‏‏* والعادة السرّية ؟

-‏ العادة السرّية محرّمة يجب عليك اجتنابها وقد نزّلها الإمام الصادقعليه‌السلام في بعض النصوص المرويّة عنه منزلة الزّنا !!

* * * * *



( حواريّة الحيض )



جلس أبي على مقعده المعدُّ له في غرفة الحوار هذا اليوم، وعلي شفتيه ابتسامة عريضة جعلتني أُخمّن أنّ أمراً غيرَ مألوفٍ يراوده، جلس ليقول:‏

-‏ سأُحدثك اليوم عن الحيض.

لم أكن أعرف قبل اليوم ماذا يعني الحيض، وإن كنت أذكر أنّي قد سمِعت هذه اللفظة مِن قَبل.. غير أنّ ما أثار فضولي لمعرفتها.. أنّي سمِعتها تُلفظ منهنّ على استحياء.. تُلفظ همساً رقيقاً عاجلاً كأنّ في الكلِمة ما يُخجِل.. وبمجرّد ما تيقّنت أنّ الحديث عن الحيض قد بدأ.

خجلت ورحت أُداري خجَلي فسألت نفسي: ‏لماذا يُهيّئ الخجَل نفسه ليحضر معي.. وألح عليّ هذا التساؤل.. ثُمّ تطاوَل فاستحكم، تُرى لماذا يُهيّئ الخجَل نفسه ليحضر هنا.

واستحوذَت عليَّ الفكرة وأسَرتني.. لماذا الخجَل ولِمَ ؟ إذا كان الحيض أمراً مُخجِلاً حقّاً فكيف سيحدّثني عنه أبي هذا اليوم، ثُمّ.. لماذا يُحدّثني عن أمرٍ مُخجِل يحسن أنْ لا يتحدّث به أحد.

واستذكرت.. فموضوع حواريّاتنا كلّها يدور حول أحكامٍ شرعيّة، فلا بُدّ أنْ يكون الحيض موضوعاً يتناوله بالبحث الفقه


الإسلامي، وإذا كان الأمر كذلك ؟ فما معنى أنْ نخجل من الحديث في أمرٍ يذكره القرآن الكريم، ويتناوله النبيّ الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتحدّث عن أحكامه المعصومينعليهم‌السلام لأصحابهم، ثُمّ بعد ذلك ما معني أنْ نخجل مِن أمرٍ يجب أنْ نُحيط بأحكامه لنطبّقها أو لنُجيب مَن يسأل عنها.

وأفقت على صوت أبي يقول:‏

-‏ سبب الحيض، خروج دم الحيض، وهو دم تعتاد عليه النساء وتعرفه، يخرج في فَتَرات منتظمة كلّ شهر تقريباً ويُوصف بأنّه ( أحمر ) أو مائل إلى ( السواد ) و( حار ) و( يخرج بحرقة ودفق ).

‏‏‏* وهل هناك عمر معيّن للنساء اللاتي يأتيهن الحيض..؟

-‏ نعم، أنْ تكون قد أكملت تِسع سنوات قمريّة مِن عمرها، وأنْ لا تكون قد بلغت ستّين عاماً قمريّاً وهو سنِّ اليأس.

‏‏‏* إذن بين ٩ -‏ ٦٠ سنة ؟

-‏ نعم، فكلّ دمٍ تراه الفتاة قَبل بلوغها تسعَ سنَوات ولو بلحظة ليس بدمِ حيض، وكلّ دم تراه المرأة بعد بلوغها ستين سنة لا تكون له أحكامه.

‏‏‏* وكم يوماً يستمر نزول دم الحيض ؟

-‏ أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام تتوسّطهما ليلتان، وأكثره عشرة أيّام.

‏‏‏* وإذا استمرّ أقلّ مِن ثلاثة أيّام وانقطع ؟

-‏ ليس هذا الدم دم حيض.


‏‏* وإذا زاد على عشرة أيّام ؟

-‏ الحيض لا يزيد على عشرة أيّام.

‏‏‏* وإذا أنهت المرأة أيّام الحيض وطهُرت، ثُمّ عاد فنزل الدم ثانيةً بعد تسعة أيّام مثلاً ؟

-‏ ليس هذا الدم النازل دم حيض ؛ لأن الفترة الفاصلة بين حيضةٍ وحيضة يجب أنْ لا تقلّ عن عشرة أيّام دائماً.

‏‏‏* متى تعدّ المرأة نفسها حائضاً ؟

-‏ إذا جاءها الدم في وقت عادتها الوقتيّة أو قَبل وقت عادتها بزمنٍ قليل كيومٍ أو يومين.

‏‏‏* وكيف تكون المرأة ذات عادة وقتيّة ؟

-‏ إذا نزل منها دم الحيض مرّتين في زمانٍ خاص مِن شهرين فصاعداً.

‏‏‏* وماذا لم تكن المرأة ذات عادة وقتيّة كالفتاة التي يأتيها الدم لأوّل مرّة ، أو المضطربة تلك التي لم تستقرّ لها عادة فمتى تعدّ نفسها حائضاً ؟

-‏ تعد نفسها حائضاً إذا تحقّق أحد أمرين:‏

‏١ -‏ إذا كان الدم حاوياً على صفات دم الحيض وهي الحُمرة أو السَواد والحرارة والخروج بحرقة ودفق.

‏٢ -‏ إذا رأت الدم واطمأنّت باستمرار نزوله إلي ثلاثة أيّام فما زاد.


‏‏‏* إذا عدّت نفسها حائضاً لأحد الأُمور المتقدّمة وتركت الصلاة ولكنّ الدم انقطع قبل إكمال ثلاثة أيّام فعلِمت أنّه لم يكن بدم حيض فماذا تصنع ؟

-‏ تقضي ما فاتها من الصلاة في تلك الفترة.

‏‏‏* إذا استمر الدم النازل عشرة أيّام أو أقلّ متجاوزاً أيّام عادتها ؟

-‏ تُعتبر حائضاً طوال فترة نزول الدم وإنْ فقد بعضه صفات دم الحيض.

‏‏‏* وإذا استمر الدم أزيد مِن عشرة أيّام وكانت ذات عادة محدّدة وقتاً وعدداً ؟

-‏ تعتبر حائضاً في خصوص أيّام عادتها لا ما تقدّم عليها ولا ما تأخّر عنها.

‏‏‏* ذات العادة إذا لم ترَ الدم في وقت عادتها ونزل منها الدم بعد الوقت، واستمرّ لأزيد من عشرة أيّام وكان بعضه يحمل صفات الحيض وبعضه لا يحمل صفاته فأيّ منهما حيض ؟

-‏ الأوّل منهما، ولكن تُراعي في العدد عدد العادة السابقة، فإذا كان ما يحمل صفة الحيض أقلّ من عدد العادة أكملت العدد بإضافة بعض ما ليس بصفة الحيض، وإذا كان ما بصفة الحيض أكثر من عدد العادة تجعل خصوص مقدار عادتها حيضاً.

‏‏‏* إذا استمر الدم أزيد من عشرة أيّام ولم تكن ذات عادة


أصلاً كالمبتدئة والمضطربة والمتحيّرة فكيف تميز دم الحيض عن سِواه ؟

-‏ باختلاف الصفة فإذا كان مقدارٌ مِن الدم النازل تحمل صفات دم الحيض، وكان ما بين ثلاثة أيّام إِلى عشرة أيّام تجعله حيضاً وما سِواه دم استحاضة ذاك الذي أحدّثك عن أحكامه في حواريّة قادمة.

‏‏‏* وإذا شكّت المرأة في انقطاع دم الحيض ؟ أي: ‏شكّت بأنّها طهُرت أو لا زالت حائضاً ؟

-‏ وجب عليها الفحص.

‏‏‏* وكيف تفحص ؟

-‏ أنْ تُدخِل قِطنة في موضع الدم وتتركها بُرهة ثُمّ تخرجها فإنْ كانت بيضاء نقيّة فهي طاهرة وعليها أنْ تغتسل وتأتي بعبادتها كالصلاة والصوم مثلاً... وإنْ كانت مغموسة بالدم أو مخضّبة فهي لا زالت حائضاً.

‏‏‏* وإذا علِمت المرأة أنّها حائض ؟ فماذا تفعل ؟ وماذا تترك ؟

-‏ أحكام المرأة حال الحيض ما يأتي:‏

‏١ -‏ لا تصح منها الصلاة.. لا الصلاة الواجبة ولا المستحبة.‏

‏٢ -‏ لا تقضي ما يفوتها من صلوات إثناء الحيض.‏

‏٣ -‏ لا يصحّ منها الصوم.

‏٤ -‏ تقضي ما يفوتها مِن صومٍ في رمضان إثناء فترة الحيض


، [وكذلك الصوم المنذور في وقتٍ معيّن].

‏٥ -‏ لا يصحّ منها الطواف في الحجّ.. واجباً كان أو مستحباً.

‏٦ -‏ لا يصحّ طلاقها وهي حائض إلاّ في موارد مستثناة.

‏٧ -‏ يحرم الاتّصال الجنسي في القُبل بها أيّام الدم، ويجوز بعد انقطاعه وقبل الغُسل [بعد غسل الفرج].

‏٨ -‏ يحرم عليها كلّ ما حرُم على المجنب ( راجع حواريّة الجنابة ).

‏٩ -‏ يجب عليها أنْ تغتسل للصلاة إذا انتهت فترة الحيض ( وسأشرح لك كيف تغتسل في حواريّة الغُسل الآتية ).

* * * * *


( حواريّة النّفاس )



قال أبي: ‏سأحدّثك اليوم عن النّفاس.

‏‏‏* وما النفاس ؟

-‏ دم تراه المرأة عند الولادة أو بعدها بسبب الولادة ونسمّي المرأة عندئذٍ بالنُفَساء.

‏‏‏* وكم يستمرّ النفاس ؟

-‏ أكثر النفاس عشرة أيّام.

‏‏‏* وأقلّه.. ؟

-‏ لا حدَّ لأقلَّه، فقد يكون دقيقة وقد يكون أقلّ من ذلك.

‏‏‏* وهل يختلف النفاس بين امرأة وأخرى ؟

-‏ النُفَساء ثلاثة أقسام لكلّ منها حكمٌ خاصٌ بها.

الأوّل: ‏مَن لا يتجاوَز نزف الدم عندها عشرة أيّام.

‏‏‏* وما حكمها ؟

-‏ تعتبر فترة نزول الدم كلّها نِفاساً.

الثاني : ‏مَن يتجاوَز نزف دمها عشرة أيّام، ولها عادة عدديّة في الحيض محدّدة كأنْ تكون عادتها في الحيض خمسة أيّام من كلّ شهر.


‏‏‏* وما حكمها ؟

-‏ أنْ تعتبر مدّة عادتها نفاساً، خمسة أيّام في مثالنا السابق.

‏‏‏* والأيّام الباقية ؟

-‏ تعتبرها استحاضة.

الثالث : ‏مَن يتجاوَز نزف دمها عشرة أيّام، وليس لها عادة عدديّة في الحيض محدّدة.

‏‏‏* ما حكمها ؟

-‏ حكمها أنْ تعتبر مدّة نفاسها عشرة أيّام.

‏‏‏* إذا كانت النُفَساء ذات عادة في الحيض محدّدة، وتجاوز نزف دمها عدد أيّام عادتها وهي لا تدري هل سينقطع نزف الدم قبل عشرة أيّام، أو سيستمر إلى ما بعد العشرة ؟

-‏ يمكنها أنْ تترك العبادة اِلي تمام عشرة أيّام، فإنْ انقطع نزف الدم اعتبرت المدّة كلّها نفاساً، وإنْ تجاوز الدم اليوم العاشر تغتسل وتعمل عمل المستحاضة.

‏‏‏* وتلك المدّة الفاصلة بين نهاية عادتها وتمام العشرة ، تلك التي تركت فيها العبادة ؟

-‏ تعتبرها استحاضة، وتقضي ما فاتها فيها مِن عبادة.

‏‏‏* إذا انقطع نزف الدم في اليوم الأوّل ثُمّ عاد لينقطع مرّة أُخرى في اليوم العاشر مثلاً أو في أيِّ يوم كان قبله..؟

-‏ كان النزف الأوّل والنزف الثاني كلاهما نفاساً.


‏‏‏* وفترة النقاء الفاصلة بينهما ؟

-‏ [حكمها أنْ تجمع فيها بين أعمال الطاهرة مِن النّفاس وما تتركه النفساء].

‏‏‏* إذا انقطع نزف الدم ثمّ عاد، ثمّ انقطع، ثمّ عاد، وهكذا، ولكنّه لم يتجاوز بمجموعه عشرة أيّام ؟

-‏ كانت أيّام الدم كلّها نفاساً وأما أيّام النقاء [فتجمع فيها بين أعمال الطاهرة وتروك النُفساء].

‏‏‏* إذا أتمّت النفساء نفاسها، ثمّ رأت الدّم بعد ذلك ؟

-‏ كلّ دمٍ تراه النفساء بعد إتمام نفاسها وإِلى عشرة أيّام لاحقة فهو استحاضة، سَواءٌ أكان الدّم بصفات دم الحيض أم لم يكن، وسَواء أكان في أيّام عادتها أم لم يكن.

‏‏‏* وماذا يترتّب على النفساء من أحكام.

-‏ يترتّب عليها كلّ ما ترتّب على الحائض مِن أحكام سَواءٌ أكانت واجبات أم مستحبّات أم مكروهات أم محرّمات [حتّى حرمة قراءة آية السجدة مِن سوَر العزائم، ودخول مسجدَي مكّة والمدينة ولو علي نحو الاجتياز، ودخول المساجد الأُخرى بغير اجتياز، ووضع شيء في المساجد] راجع حواريّة الحيض.

* * * * *



( حواريّة الاستحاضة )



جلَس أبي جلسته المعتادة مُزداناً به مكانُه المخصّص له كلّ يوم، وبدأ فأضفى على حوار اليوم اسم( الاستحاضة ) .

وما أنْ أتمّت كلمة الاستحاضة تكوينها اللفظي واستوَت كجسدٍ مِن كلام حتّى خطَر في ذهني أنّ حروف الكلمة هي حروف كلمة الحيض، مُصاغة منها، أو محوّرة عنها وإذ استولى عليَّ هذا الخاطر برَق في ذهني خيطٌ من دمٍ راعف، وأخذَ يتشكّل متّخذاً هيئة امرأة.

‏‏‏فقلت: ‏وهل الاستحاضة مِن مختصّات النساء ؟

قال: ‏نعم.

‏‏‏قلت: ‏وهل هي نضح دموي..؟

قال: ‏نعم.. ولكن..‏

* ولكن ماذا ؟

-‏ لكن شرط أنْ لا يكون دم حيض، ولا نفاس، ولا جرح، ولا قرح ولا افتضاض بكارة.

قلت: ‏معنى هذا أنّ الاستحاضة هي كلّ دم لا يكون حيضاً ولا نفاساً ولا جرحاً ولا قرحاً ولا دم تمزّق غشاء البكارة.


قال: ‏نعم.

قلت: ‏هذه دِماء عديدة.

قال: ‏بعضها دليلٌ خصوبة المرأة وشبابها ألا ترى أنّها حين تشيخ وينقطع عنها دم الحيض لا تنجب.

قلتُ: ‏دم الجروح والقروح والنفاس معروف عادة ولكن كيف تعرف المرأة أنّ هذا الدم دم استحاضة وليس دم حيض.

قال: ‏تذكُر مواصفات دم الحيض ؟

قلت: ‏نعم، فهو دمٌ أحمر أو أسود، يخرج بحرقة، وحرارة.

قال: ‏غالباً ما تكون مواصفات دم الاستحاضة مُخالفة لمواصفات دم الحيض، فدم الاستحاضة غالباً أصفر اللون، ورقيق، ويخرج بلا لذعٍ ولا حرقة.

قلتُ: ‏وكيف تُشخّص المرأة أنّ هذا الدم ليس دم تمزّق غشاء البكارة إذا صادف ذلك يوم الزواج ؟

قال: ‏دم تمزّق غشاء البكارة يحيط بالقطنة، ويطوِّقها كهلالٍ مِن دم، بينما قد تنغمس القطنة بدم الاستحاضة، وقد يزيد فيتجاوزها إلى ما ربطتها به ؟

‏‏‏* إذن دم الاستحاضة قد يستوعب القطنة بخضابة ؟

-‏ نعم، وقد لا يستوعبها، فالاستحاضة على ثلاثة أقسام:‏

استحاضة كثيرة : ‏إذا انغمست القطنة بالدم وزاد، فتجاوزَها إلى ما ربطتها به ولوّثه.


واستحاضة متوسّطة : ‏إذا انغمست القطنة بالدم، ولكنّه توقف عندها فلم يتجاوَز إلى ما ربطتها به.

واستحاضة قليلة : ‏إذا لوَّن الدّم القطنة ولم يغمسها، لقلّته.

‏‏‏* وما حكم كلٍّ منها ؟

-‏ في الاستحاضة الكثيرة، يجب على المرأة أنْ تغتسل ثلاثة أغسال، غسلاً لصلاة الصبح، وغسلاً لصلاتَي الظهر والعصر إذا جمعتهما وغسلاً لصلاتي المغرب والعشاء إذا جمعتهما.

‏‏‏* وإذا فرّقت بينهما ؟

-‏ اغتسلت لكلّ صلاة.

* وهل هذا حكمها في مطلق الأحوال ؟

-‏ لا، بل هذا حكمها فيما إذا كان الدم صبيباً لا ينقطع بروزه على القطنة، وأمّا إذا كان بروزه عليها متقطّعاً بحيث تتمكّن من الاغتسال والإتيان بصلاة واحدة أو أزيَد قبل بروز الدم عليها مرّة أُخرى [فعليها تجديد الغسل كلّما برز الدم، فلو اغتسلت وصلت الظهر ثمّ برز الدم على القطنة قبل صلاة العصر أو في إثنائها وجب عليها الاغتسال لها] ولو كان الفصل بين البروزين بمقدارٍ تتمكّن فيه من الإتيان بصلاتين أو عدّة صلوات جاز لها ذلك من دون حاجةٍ الى تجديد الغُسل.

هذا في الاستحاضة الكثيرة.

وفي الاستحاضة المتوسّطة يجب عليها أنْ تتوضّأ لكلّ صلاة


[وتغتسل في كلّ يوم مرّة واحدة قبل وضوءاتها].

‏‏‏* اضرب لي مثلاً على ذلك.

-‏ قبل صلاة الفجر -‏ مثلاً -‏ اكتشفت المرأة أنّها مستحاضة فاختبرت نفسها فكانت استحاضتها متوسّطة [تغتسل] ثُمّ تتوضّأ لصلاة الفجر ويكفيها غسلها هذا لكّل صلوات ذلك اليوم مع وضوء لكلّ صلاة، فإنْ حلّ اليوم الثاني [اغتسلت] ثُمّ توضّأت وهكذا لو توالت بتلك الصفة فلم تنقص ولم تزد.

وفي الاستحاضة القليلة: ‏يجب عليها فقط أنْ تتوضّأ لكلّ صلاةٍ واجبة كانت أم مستحبة.

‏‏‏* وهل تتبدّل استحاضة المرأة مِن قسمٍ الى قسم ؟

-‏ نعم قد تتبدّل فتتحوّل القليلة الى كثيرة، والكثيرة إلى قليلة، وهكذا.

‏‏‏* وكيف تعرف المرأة بتحوّل استحاضتها ؟

-‏ [عليها أنْ تختبر نفسها قبل الصلاة لتعرف ذلك]، ثُمّ لتعمل وِفق ما تقتضيه نتيجة الاختبار، فإذا تبيّن أنّها استحاضة قليلة عمِلت بما تمليه عليها أحكام الاستحاضة القليلة، وإِنْ تبيّن أنّها استحاضة متوسّطة عمِلت بما تمليه عليها أحكام الاستحاضة المتوسّطة وهكذا.

‏‏‏* والقطنة المنقوعة بالدم والشداد وما ربطتها به إذا لاقى الدّم ؟

-‏ يحسُن بها أنْ تبدّلهما أو تُطهّرهما لكلّ صلاة إذا كانت


استحاضتها قليلة أو متوسّطة وأمّا إذا كانت كثيرة [فيلزمها ذلك أنْ أمكنها] وتتحفّظ مِن خروج الدم للفترة مِن نهاية الغُسل إلى نهاية الصلاة، إذا لم يضرّ بحالها تحفّظها.

‏‏‏* وهل عليها أنْ تُسرع إلى الصلاة بعد الإتيان بما عليها مِن الطهارة ؟

-‏ [نعم].

-‏ وماذا يترتّب على الاستحاضة مِن أحكام ؟

-‏أوّلاً : ‏يجب على المستحاضة أنْ تتطهّر بعد انقطاع الدم للصلاة الآتية بالوضوء إنْ كانت استحاضتها قليلة أو متوسّطة، وبالغسل إنْ كانت استحاضتها كثيرة.

ثانياً : ‏يحرُم على المستحاضة بأقسامها الثلاثة مسّ كتابة القرآن الكريم قبل تحصيل طهارتها، ويجوز بعدهُ قَبل إتمام صلاتها.

ثالثاً : ‏يجوز طلاق المستحاضة أثناء الاستحاضة.

رابعاً : ‏لا يترتّب على الاستحاضة ما كان يترتّب على الحيض: ‏مِن حُرمة الاتّصال الجنسي، وحرمة دخول المساجد، والمكث فيها، ووضع شيء فيها، وقراءة آيات السجدة.

خامساً : ‏يصحّ الصوم في الاستحاضة القليلة والمتوسّطة وإنْ لم تأتِ المستحاضة بما يجِب عليها للصلاة مِن الوضوء أو الغسل وأمّا المستحاضة استحاضةً كثيرة فذَهَب جمعٌ من الفقهاء رضوان الله عليهم إلى أنّ صحّة صومِها تتوقّف على إتيانها بما يجب عليها من غُسل الليلة السابقة على يوم الصوم ومن أغسال نهاريّة و لكن


الأصح أنّه لا يتوقّف على ذلك صحّة صومها.

سادساً : ‏لا يجب على المستحاضة الكثيرة الوضوء مع الأغسال ويجب على المستحاضة المتوسّطة الوضوء بعد الغُسل [الواجب عليها].

* * * * *


( حواريّة الموت )



لا أكتمكم أنّي ساعة بدأ أبي حواره عن الموت كنت متوتّراً، مستفّز الأعصاب، مستنفراً، قلِقاً، مشدوداً شدّاً عنيفاً الى وجهِ أبي ونبرات صوتِه وانحناءاتها وهو يتحدّث عن الموت ببطءٍ حذِر، ينمُّ عن توجّسٍ محسوب ‏‏‏.‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‎ ‏‏

‏‏‏‏‏لا أكتمكم كذلك أنّي كلّما تفوَّه أبي بكلمة ( الموت ) -‏ تلك الكلمة المخيفة المرعبة المجهولة -‏ أحسست بتسارع غير طبيعي لنبضٍ باتَ لفَرْط خوفي ممّا أصغي إليه يصبغ وجهي وأذنيّ، على غير قصدٍ منّي، بلونٍ قاتمٍ وينثر فوق جبهتي وأنفي حبّات مكتنزةٍ مِن عرقٍ محموم‏‏‏.

وإذ اكتسبت نبرة صوت أبي الخفيضة وشاحاً رماديّاً مِن توجّس حذِر وهو يسرد التفاصيل عن ( الموت والميّت ) راحت وتائر خوفي وقلقي تتصاعد شيئاً فشيئاً حتّى فضحَتْني‏‏.

‏ثمّ زادت، فضيّقت عليّ بعد افتضاح أمري فرجة بوّابة الاعتراف‏‏.

‏وحين لاحظ أبي أمارات الخوف على تضاريس وجهي وحدَقَات عينَيَّ طاغيةً مستحكمة سألني.‏‏


-‏ أأنت خائف..؟‏

‏* ‏‏وكيف لا أخاف !‏.

‏-‏ أخائف أنت مِن الموت أم مِن الميّت ؟‏

وإذ كنتُ أخاف من الميّت أكثر ممّا أخاف مِن الموت قلت:‏‏

‏* مِن الميّت ‏‏.

‏لقد كان خوفاً مرعباً ذاك الذي اعترفت به اليوم فلم أكن قد شاهدت طيلة عمري شخصاً يحتضر أو يموت، بل لم أكن قد سمِعت قبل يومي هذا سرداً عمّا ينبغي عليّ أنْ أفعله وأمامي مَن يحتضر أو يموت‏‏.

‏كنت قبل هذا اليوم حين أُشاهد جنازة محمولة تنتابني حالة اكتئاب مضجر، وضيقٍ موجّع، حتّى لأُحول بصري عنها لأقطع خيط الذّاكرة من أنْ يسترسل‏‏.

‏* نعم أخاف من الميّت‏‏.

‏قتلها مرّة أُخرى لأُعيد تثبيت قناعتي‏‏.

‏-‏ أتخاف من الميّت أكثر ممّا تخاف من الموت وما بعد الموت ؟‏

‏قال أبي وأضاف: ‏أتخاف مَن كان قبل لحظةِ موته حيّاً مثلك يأكل ويشرب، ويبكي ويضحك، ويتنزه ويحلم، وينام‏‏.

‏ثمّ.. ثمّ هجم عليه ما لو هجَم على كلّ حيّ لصرَعه‏‏.

‏لماذا لا تكون واقعيّاً أكثر، فتخاف مِن الموت أكثر ممّا تخاف


مِن الميّت ؟‏

‏أسألتَ نفسك أين ذهبَت كلّ تلك الأُمم السالفة وأجيالها المتعاقبة يوم ( أصبَحَت مساكنُهم أجداثاً، وأموالُهم ميراثاً، لا يعرفون مَن آثارهم، ولا يحفلون مَن بكاهم، ولا يجيبون مَن دعاهم ).

‏ فكم.. و( تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) ‏‏.

‏ثمّ أين ذهَب مَن تعرف ممّن ذهب ؟‏

‏أين آباؤك السابقون، وأجدادك الماضون.. أين فلان.. أين فلان.. أين فلان..؟! لقد ( استبدلوا بظهر الأرض بطناً، وبالسعة ضيقاً، وبالأهل غربةً، وبالنّور ظلمةً )‏‏.

‏ثمّ أنشد أبي:‏ ‏‏

كلّنا في غفلةٍ والموتُ يغدو ويَروحُ‏ُُُُُُُ

‏نُح على نفسِك يا مِسكين إنْ كنت تَنوحُ‏

‏لستَ بالباقي ولو عمّرت ما عمرّ نوحُ‏

‏وران صمتٌ كثيف على وجهه كانت الدّقائق تمُرّ فيه ثقيلةً بطيئة متأنّية كَمَن يعيد ترتيب صورة ما في ذهنه، أو يعيد تجميع شيءٍ متناثر هنا وهناك في ذاكرته حتّى قطع صوتُه حبْل ذلك الصمت قائلاً:‏‏

‏رحِمَك الله يا أبا الحسن يومَ قُلت قبل ساعة موتك: ‏( أنا بالأمسِ صاحبُكم، وأنا اليوم عِبرةٌ لكم، وغداً مُفارقكم، ليعظكم


هدوِّي، وخفوت إطراقي، وسُكون أطرافي، فإنّه أوعظ للمُعتَبرين مِن المنطِق البليغ والقَولِ المَسموع)

‏ويوم قُلت يا سيدي:‏‏

‏( واعلموا أنّه ليس لهذا الجِلد الرّقيق صبرٌ على النار، فارحموا نفوسكم فإنّكم قد جرّبتموها في مصائب الدنيا‏‏.

‏أفرأيتم جزَع أحدِكم مِن الشوكة تُصيبه، والعثرةِ تدميه، والرمضاء تحرقه ؟ فكيف إذا كان بين طابِقَين مِن نار ضجيع حجَر وقرينَ شيطان ؟‏

‏أعلمتم أنّ مالِكاً إذا غضِب على النار حطّم بعضها بعضاً لغضبه، وإذا زجَرها توثّبت بين أبوابها جزعاً مِن زجرته ) ؟!‏.

‏وأردف أبي:‏‏

‏آنَ لك وقد تكلّفت أنْ تخاف الموت لهول ما بَعد الموت: ‏( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) .

( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) ‏‏.

‏وليكن الميّت أو المحتضر مذكِّراً لك بما سيؤول إليه مصيرُك.. لا مخيفاً مرعباً لك ‏.

‏قالها أبي وصمَت ومُنذ قالها بدأت أعيد النظر بترتيب


مخاوِفي مِن جديد بتأمّل واعٍ الى أنْ قطَع أبي عليَّ تأمُّلاتي مؤكِّداً:‏

‏إذا صادف أنْ حضَرْت مُحتضراً مُسلماً فدع مخاوفك جانباً [ووجِّهه الى القبلة] ‏.

‏* وكيف أوجّهه ؟

‏-‏ ضَعه على قَفاه واجعل باطن رِجليه الى القبلة‏.

‏*‏‏ معنى هذا أنْ أُمدِّد رِجليه باتّجاه القبلة‏.

‏-‏ بالضبط سُواء أكان المُحتضر رجلاً أم امرأة، كبيراً أم صغيراً‏.

‏ويُستحب أنْ تلقّنه الشهادتين، والإقرار بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام وتقرأ عنده سورة ( الصافّات ) ليسهّل عليه النزع ويُكره أنْ يحضِر المُحتضر مُجنِب أو حائض، وأنْ يُمَس حال النزع‏.

‏* وإذا مات ؟

‏-‏ إذا مات يُستحب أنْ تُغمِض عينيه، وتَغلق فمَه، وتمدّ يدَيه الى جانبيه، وساقيه، وتُغطّيه بثوب، وتقرأ عنده القرآن وتُضيء البيت الذي كان يَسكُنُه وتُخبر المؤمنين بموته ليحضروا جنازته، ويُستَحبّ الإسراع في تجهيزه إلاّ أنْ تشتبه بموته وتشكّ فيه ‏.

‏* وإذا اشتبهت بموته ؟

‏-‏ عندئذ يجب تأخيره حتّى تتأكّد مِن موته، فإذا تأكّدت وجَب تغسيله رَجُلاً كان أو امرأة، صغيراً كان أو كبيراً‏.

‏* والسِقط..؟

‏-‏ حتى السِقط إذا أتمِّ أربعة أشهر [بل وإنْ لم يتمّها إذا كان


مستوي الخلقة] ولكن لا تَجِب الصلاة عليه ولا تُستحب‏.

‏* ومَن يغسل الميّت ؟

‏-‏ يُغسِّل الذكرَ الذكرُ وتغسِّل الأُنثى الأُنثى، إلاّ في الزوج والزوجة فيجوز لكلّ منهما تغسيل الآخر، وكذا الصبيّ المميّز سَواء الذكر والأُنثى فإنّه يجوز تغسيله للذكر والأُنثى وهكذا المحرم فإنّه يجوز له أنْ يُغسّل محرمه غير المماثل له [فيما إذا لم يوجد المماثل] ‏.

‏*‏‏ وكيف يغسّل الميِّت ؟

‏-‏ يُغسّل ثلاثة أغسال‏.

الأوّل : ‏بماء السِدْر ‏.

والثاني : ‏بماء الكافور ‏.

والثالث : ‏بالماء الخالص ‏.

‏[علي أنْ يكون الغسل ترتيبيّاً] بأنْ تغسل الرأس والرَقَبة أوّلاً، ثمّ الجانب الأيمن، ثمّ الجانب الأيسر وأنْ يكون الماء المستعمَل في الغسل طاهراً غير نجس، ومُباحاً غير مغصوب، ومطلقاً غير مضاف، وأنْ يكون السدر، والكافور مُباحين أيضاً‏.

‏*‏‏ وهل تُخلع ملابس الميت أثناء الغسل ؟

‏-‏ يجوز تغسيله بملابسه ولعلّه أفضل ممّا لو كان مجرّداً منها‏.

‏*‏‏ وكيف يكون الماء مطلقاً وتجب إضافة السدر أو الكافور إليه ؟

‏-‏ يُضاف إليه من السِدْر والكافور بمقدار لا يحوّله


الى ماءٍ مضاف ‏.

‏*‏‏ وإذا تنجّس جسَد الميّت بنجاسة خارجيّة أو بنجاسة مِن الميّت أثناء الغسل ؟

‏-‏ وجب تطهير ما تنجّس منه ولا تجب إعادة الغسل ‏.

‏*‏‏ وبعد الانتهاء مِن تغسيل الميت ؟

‏-‏ يجب تحنيطه وتكفينه‏.

‏*‏‏ وما التحنيط ؟

‏-‏ إمساس مواضع السجود السبعة بالكافور المسحوق المحتفظ برائحته، والمُباح غير المغصوب، والطاهر غير النجِس [وأنْ لم يوجب تنجّس بدن الميِّت] ويفضّل أنْ يتم التحنيط بالمسح بالكف ابتداءً من الجبهة ‏.

‏*‏‏ وبقية مواضع السجود الأُخرى ؟

‏-‏ لا ترتيب بينها‏.

‏* وكيف يكفّن الميت ؟

‏-‏ يجب تكفين الميت بقطعٍ ثلاث :

١ -‏ المِئزر [ويجب أنْ يستر ما بين السرّة والرُكبة] ‏.

٢ -‏ القميص [ويجب أنْ يستر المسافة ما بين الكتفين الى نصف الساق].

٣ -‏ الإزار: ‏ويجب أنْ يغطّي جميع الجسد [على أنْ يكون طولاً بحيث يُمكن أنْ يشدّ طرفاه العلوي والسفلي].


* وعرضاً ؟

‏-‏ وعرضاً [بحيث يقع أحد جانبيه على الآخر].

‏*‏‏ وهل هناك شروط أُخري لهذه القطَع ؟

‏-‏ نعم يشترط أنْ يكون بمجموعها ساترة لبدن الميت، وأنْ لا تكون مغصوبة، ولا من الحرير الخالص، [ولا من المذهّب، ولا من أجزاء الحيوان الذي لا يُؤكل لحمه] ولا نجِساً إلاّ في حالة الاضطرار فيجوز التكفين بغير المغصوب مِن المذكورات حينئذٍ‏.

‏*‏‏ وإذا تعذّرت القطع الثلاث ؟

‏-‏ يُكفّن الميِّت بما يتيسَّر منها‏.

‏*‏‏ وماذا بعد تغسيل الميِّت وتحنيطه وتكفينه ؟

‏-‏ تجب الصلاة عليه وإنْ كان طِفلاً قد عقل الصلاة كأنْ يكون ابن ستّ سنَوَات ‏.

‏‏*‏ وكيف يُصلّى عليه ؟

‏-‏ الصلاة على الميِّت تختلف عن الصلاة اليوميّة فهي خمس تكبيرات لا قراءة سورة فيها ولا ركوع، ولا سُجود، ولا تشهّد، ولا تسليم، بل يدعو المصليّ للميّت عقيب إحدى التكبيرات الأربع الأُوَل وأمّا في البقيّة فيتخيّر بين الصلاة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والدّعاءَ للمؤمنين وتمجيد الله تعالى.

‏* اذكر لي صورةً موجزةً لها ‏.

‏-‏ يُكبِّر التكبيرة الأولى ويتشهَّد الشهادتين، ثُمّ يُكبِّر التكبيرة


الثانية ويُصلّي على النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآلهعليهم‌السلام ، ثم يكبِّر التكبيرة الثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ثُمّ يكبِّر التكبيرة الرابعة ويدعو للميّت ثمّ يكبِّر التكبيرة الخامسة وينصرف ‏.

‏* وهل هناك أشياء معتبرة في الصلاة على الميِّت ؟

‏-‏ نعم، يعتبر فيها أُمور :

١ -‏ النيّة، مع تعيين الميّت بنحو يرفع الإبهام ‏.

٢ -‏ القيام، مع القدرة عَليه ‏.

٣ -‏ أنْ تكون بعد غسل الميّت وتحنيطه وتكفينه‏.

٤ -‏ أنْ يستقبل المصلّي القبلة في حال الاختيار ‏.

٥ -‏ أنْ يكون الميّت أمام المصلِّي ‏.

٦ -‏ أنْ يكون رأس الميّت على يمين المصلّي ورجلاه الى يساره‏.

٧ -‏ أنْ يوضع الميّت على ظهره عند الصلاة عليه‏.

٨ -‏ أنْ لا يكون حائل بين الميّت والمصلّي كالستر والجدار ولا يضرّ الستر بمثل النعش أو الميت الآخر ‏.

٩ -‏ أنْ لا يفصل بين الميِّت والمُصلّي بُعدٌ مُفرِط، وأنْ لا يعلو أحدهما على الآخر علوّاً مفرطاً، ولا يضرّ الفصل مع اتّصال الصفوف في الصلاة جماعة أو مع تعدّد الجنائز إذا صلّى عليها دفعةً واحدة‏.

١٠ -‏ أنْ يأذن وليَّ الميِّت كأبيه أو ابنه مثلاً المصلّي بأداء


الصلاة ‏.

‏‏١١ -‏ أنْ يوالي المصلّي بين التكبيرات والأدعية والأذكار ‏.

‏*‏‏ لماذا لم تذكر شرط طهارة المصليّ كأنْ يكون على وضوء أو غسل أو تيمّم ؟

‏-‏ لأنّها غير واجبة في هذه الصلاة‏.

‏*‏‏ وإذا انتهت الصلاة ؟

‏-‏ يجب دفن الميّت ويكفي فيه مواراته في الأرض مع تحقّق أمرين :.

الأوّل : ‏حفظه مِن الحيوانات المفترسة مع احتمال وجودها في المكان ‏.

والثاني : ‏إخفاء رائحته مِن النّاس مع احتمال وجود مَن يتأذي بها في المكان.

‏ويوضَع على جانبه الأيمن في قبره مع توجيه وجهه الى القبلة‏.

‏* وهل مِن شروطٍ لمكان الدفن ؟

‏-‏ نعم.‏.

١ -‏ أنْ يكون المكان مُباحاً غير مغصوب، وغير موقوف لجهة خاصّة كالمدارس والحسينيّات وأمثالها مع الإضرار بالعين الموقوفة أو المزاحمة لجهة الوقف [بل وإنْ لم يكن مضراً أو مزاحماً].

٢ -‏ ألاّ يستلزم هتك حرمة الميّت المسلِم بالدفن فيه كالمواضع القذرة والمزابل ‏.


٣ -‏ أنْ لا يُدفن في مقابر الكفّار ‏.

‏وبعد الدفن ؟

‏-‏ رُوي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( لا يأتي على الميّت أشدّ مِن أوّل ليلة، فارحموا موتاكم بالصدقة، فإنْ لم تجدوا فليصلّ أحدكم ركعتَين له، يقرأ في الأُولى بعد الحمد آيةَ الكرسي، وفي الثانية بعدَ الحمد سورة القدر عشر مرّات، يقول بعد السلام ( اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ وابعث ثوابها الى قبرِ فلان ) ويسمّي الميّت ‏.

‏* ذكرْتَ لي في حواريّةٍ سابقة غسلاً أسميته غسل مسِّ الميّت ‏.

‏-‏ نعم، يجب الغُسل على مَن مسَّ بدَن الميّت بعد أنْ يبرد وقبل إتمام تغسيله مسلماً كان الميّت أو كافراً‏.

‏‏‏* مع وجود البلل ؟

‏-‏ معه وبدونه، سَواء أكان مسَّ الميّت اضطراريّاً أم اختيارياً‏.

‏*‏‏ وماذا يترتّب على مَن مسَّ الميّت ؟

‏-‏ يترتّب عليه:‏

١ -‏ وجوب الغُسل لما يشترط في صحّته الطهارة كالصلاة، فإذا أراد أنْ يصلّي يجب عليه أنْ يغتسل أوّلاً‏.

٢ -‏ حرمة مسِّ كتابَة القرآن الكريم، وكلّ ما حرُم على المُحدِث مسُّه ‏.

‏-‏ سكَت أبي هنيئة ثمّ قال:‏


‏-‏ إذا توفّي الزّوج وجَب على زوجته العدّة مهما كان عمر الزّوجة، بما في ذلك غير المدخول بها، وتعتدّ الزّوجة غير الحامل أربعة أشهر وعشر أيّام، ويلزمها إنْ كانت بالغة عاقلة أنْ تترك في مدّة العدّة الزّينة في الجسَد والملابس حيثُ يحرُم عليها لبس الملابس التي تعتبر ملابس زينة كالملابس الحمراء مثلاً وغيرها، كما يحرُم عليها لبس الحُلِي والاكتحال واستعمال الطيب والخضاب والحمرة، بينما يحقّ للمعتدّة تنظيف الجسَد والملابس وتقليم الأظافر والاستحمام والخروج مِن البيت وخاصّه لأداء حقٍّ أو قضاء حاجةٍ أو فِعل طاعة أو ضرورة‏.

‏* والزوجة الحامل ؟

‏-‏ أمّا الزوجة الحامل إذا توفّي عنها زوجها فحكمها أنْ تبقى معتدّة حتّى تضع حملها وتلد، ثُمّ تنظر فإنْ كان قد مضى على وفاة زوجها عندما ولدت ‏أربعة أشهر وعشرة أيّام فقد انتهت عدّتها وإِنْ لم تكن قد مضت هذه المدّة تستمّر في عدّتها حتّى تبلغ هذه المدّة ‏.

* * * * *


( حواريّة الوضوء )



عن الوضوء سأحدّثك اليوم -‏ قال أبي -‏، وسأحدّثك بعده عن الغُسل والتيمّم‏ فقلت في نفسي: ‏نحن إذن على باب أوّل مطهِّر لجسدٍ سلَب منه ( حدثٌ ما ) طهارته‏.

‏ورحت استذكر على عجلٍ نماذج ممّا ( يحدث ) فيسلب طهارة جسدٍ كان متنعّماً قبل ذلك بنقائه مكسوّاً ببياض طهارته ‏.

‏وحين تمّ لي ذلك التذكّر، وطاوع ذاك الاسترجاع، عدت فسألت نفسي تُرى لماذا أتطهّر بالوضوء ؟ ثمّ عنّ لي أنْ أنقل هذا التساؤل الى أبي مادام هو أمامي الآن ‏.

‏*‏‏ ولماذا نتوضّأ ؟

‏-‏ حتّى نصلّي.. مثلاً‏.

‏حتّى نطوف حول بيت الله الحرام في الحجّ أو العمرة، مثلاً‏.

‏حتّى يجوز لنا مسّ كتابة القرآن الكريم [وأسمائه تعالى وصفاته الخاصّة به ( كالرّحمن والخالق )]، مثلاً‏.

‏* أتوضّأ بالماء طبعاً.. ولكن هل مِن شروط في الماء الذي أتوضّأ به ؟

‏-‏ نعم ‏.


١ -‏ أنْ يكون الماء طاهراً، وأعضاء وضوئك كلّها طاهرة ويكفي أنْ يكون غَسلُها للوضوء تطهيراً لها فيما لو كان الماء معتصماً‏.

٢ -‏ أنْ يكون مُباحاً غير مغصوب، وكذلك المكان الذي تتوضّأ فيه ‏.

‏وينبغي أنْ تعرف أنّ المقصود من اشتراط إباحة المكان أنّه إذا انحصر الوضوء بالمكان المغصوب سقَط عنك وجوب الوضوء، وعليك أنْ تتيمّم لكنّك لو خالفت وتوضّأت في المكان المغصوب صحّ وضوؤك وإنْ كنت آثماً‏.

٣ -‏ أنْ يكون مطلقاً غير مضاف، كماء الإسالة، وماء الكأس الذي تشربه، لا ماء الرمّان -‏ مثلاً -‏.

‏* وكيف أتوَضّأ..؟

‏-‏ بعد أنْ تنوي الوضوء تقرّباً الى الله تعالى تبدأ: ‏-‏

أوّلاً : ‏تغسل وجهك مِن منبت الشّعر أعلى الجبهة الى الذّقن طولاً، وما دارت عليه الإبهام والإصبع الوسطى عرضاً فإذا فتحت كفّك على سعتها ووضعتها على وجهك فكلّ ما استوعبته كفّك ما بين طرف الإبهام وطرف إصبعك الوسطى فهو ما تغسله من عرض وجهك ‏.

‏مع ملاحظة [أنْ تغسل وجهك مبتدئاً مِن أعلاه الى أسفله] من دون حاجة الى تخليل الشعر الكثيف‏.


ثانياً : ‏تغسل يديك من المرفق الى أطراف الأصابع مبتدئاً باليد اليمنى ثُمّ اليسرى، غاسلاً مِن أعلى المرفق ونازلاً الى أطراف أصابعك منتهياً بأصابعك دائماً‏.

‏* وما المرفق ؟

-‏ مجمع عظمَي العضد والذراع ‏.

ثالثاً : ‏تمسح مقدّم رأسك ويرجّح أنْ يكون بباطن كفّك اليمنى وأنْ تبدأ المسح من الأعلى الى الأسفل ويجزيك أنْ تمسح على الشعر المختص بالمقدّم ولا يجب المسح على البشرة‏.

رابعاً : ‏تمسح رجليك ما بين أطراف الأصابع ومفصل الساق ويرجّح أنْ تمسح رجلك اليمنى بنداوة كفّك اليمنى ورجلك اليُسرى بنداوة كفّك اليسرى، ولا يجوز المسح بماءٍ جديد [كما لا يجوز تقديم الرجل اليسرى على اليمنى في المسح].

‏ولاحظ في وضوئك ما يلي:‏

‏أ -‏ الترتيب، تغسل وجهك قبل يدِك اليمنى، ويدَك اليمنى قبل يدِك اليُسرى، وتمسح رأسك قبل مسح رجليك‏.

‏ب -‏ الموالاة: ‏ويُقصد بها التتابع العُرفي بين أفعال الوضوء، ويكفي في الحالات الطارئة، كنفاد الماء أو النسيان أنْ يكون الشروع في غَسل العضو اللاحق أو مسحه قبل أنْ تجف الأعضاء السابقة عليه فإنْ جفّت جميعها بطل الوضوء، وتجدر الإشارة الى أنّه لا يضرّ الجفاف لو كان مُسبّبه الرّياح أو الحرّ أو التجفيف إذا كان التتابع


العرفي متحقّقاً ‏.

‏ج-‏‏ المباشرة، بأنْ تتوضّأ بنفسك إنْ أمكنك ذلك ‏.

‏* وإذا لم يمكنّي ذلك ؟

‏-‏ إذا لم تستطع، يُمكن أنْ يوضّئك غيرك، فيرفع يدَك ويغسل بها وجهك، ثمّ يغسل بها يديك، ويمسح بكفِّك اليمنى رأسك، ثمّ بكفّيك رجلَيك بنداوة يدَيك‏.

‏د -‏ أنْ لا يكون هناك حائلٌ يمنع وصول ماء الوضوء الى البشرة كالصبغ والصمغ وطلاء الأظافر للنساء وغيرها، عِلماً بأنّ الدسومة لا تضرّ ولا تحجب‏

‏ه-‏ -‏ أنْ لا يكون هناك سبب يمنعك مِن استعمال الماء كالمرض، وإلاّ وجَب عليك التيمّم بدلاً مِن الوضوء ‏.

‏*‏‏ إذا توضّأت ثُمّ جاء وقت صلاة أُخرى فهل عليّ أنْ أجدّد الوضوء ؟

‏-‏ لا ما لم ينتقِض وضوؤك ‏.

‏* وكيف ومتّى ينتقض وضوئي ؟

‏-‏ نواقض الوضوء ونواسخه سبعة: ‏خروج البول، والغائط، والريح، والنّوم، وكلّ ما يُزيل العقل كالإغماء والسُكر والاستحاضة القليلة والمتوسّطة ( راجع حواريّة الاستحاضة )، والجنابة ‏.

‏ثُمّ لمِعت عينا أبي فحدست أنّ قاعدة ما أو قواعد بدأت تُلَملِم خيوطها في ذهنه فصدَّق الواقع حدسي‏.


هاهو ذا أبي يقول: ‏سأختتم حواريّتي بقواعد عامّة عن الوضوء تنفعك.‏.

القاعدة الأولى : ‏كلّ مَن توضّأ ثمّ شكَّ بعد ذلك هل انتقض وزال وضوؤه بأحد النواقض السبعة الماضية أو بقي على طهارته، فهو باقٍ على طهارته، على وضوئه‏.

‏* مثلاً ؟

‏-‏ توضّأت صباحاً أنت متأكّد مِن ذلك الآن، وحين حلّ وقت صلاة الظهر أردت أنْ تصلّي، فشككت هل دخلتَ المرافق بعد وضوئك فانتقض وضوؤك أم لم تدخلها فبقيت على طهارتك، حينئذٍ تقول: ‏أنا متوضّئ، وتُصلي ‏.

القاعدة الثانية : ‏كلّ مَن لم يتوضّأ أو توضّأ وانتقض وزال وضوؤه ثمّ شكّ بعد ذلك هل توضّأ ثانيةً أو لم يتوضّأ ؟ فهو غير متوضّئ.

‏* مثلاً ؟

‏-‏ استيقظت من نومك صباحاً، وحين حلّ وقت صلاة الظهر أردت أنْ تصلّي، فداهمك الشَّكّ، تُرى هل توضّأت بعد استيقاظي مِن نومي أو لم أتوضّأ ؛ حينئذٍ تقول إنّي غير متوضّئ فتتوضّأ وتُصلّي ‏.

القاعدة الثالثة : ‏كلّ مَن توضّأ وانتهى مِن وضوئه، ثُمّ شكّ في صحّة وضوئه بعد فراغه منه، فوضوؤه صحيح ‏.


‏* مثلاً ؟

‏-‏ توضّأت مثلاً وانتهيت مِن وضوئك، ثمّ شككت بعد ذلك، تُرى هل غسَلْت وجهي أم لم أغسله ؟ أو هل غسلي لوجهي كان صحيحاً أم لا ؟ حينئذٍ تقول: ‏وضوئي صحيح ‏.

‏* وإذا شككت في مسح الرجل اليُسرى ؟

‏-‏ تعيد مسحها إلاّ إذا كنت قد دخلت في عمل آخر بدأت بالصلاة مثلاً أو حدث الشك بعد فوت الموالاة فإنّك لا تعتني بالشك حينئذٍ‏.

‏* * * * *


( حواريّة الغُسْل )



ها نحن اليوم سنتَحَاور في الغُسل، وسأخرج عمّا قليل بعد نهاية محاورَتي هذه، مزهوّاً بما تعلّمته اليوم، تيّاهاً بما حصلت عليه، متباهياً فرِحاً بما أُوتيته، فتطهير الجسد مِن أدرانه يستهويني، وربّما أضفى عليه حبّي للماء، وولهي به، وعشقي له، طعماً إضافيّا آخر، ونكهة محبّبة لم تكن لولا الماء لترد أو تكون، فأنا عاشقٌ للماء قديم، أحببته مُذ كنت طفلاً، أتراشق به مع أمّي، وكلّما سنحت لي فرصة اللعب به والغطس فيه، والتسلّي بضربه برفق على صفحَة وجهه، والفرح بمداعبته.

وإذ تهيّأت لي فرصة تعلّم السباحة -‏ والسباحة مستحبّة كما قال لي أبي -‏ كنت أظمأ للماء كلّما أُبعدتُ عنه قسراً، ظمأً ربّما قارب ظمأ سمكةٍ ولهى أُبعدت بفضاضة عن صدرِ حبيبها الماء قسْوةً وغِلظة وشراسة وعسفاً.

نعم أنا كَلِف بالماء، مولع به، مُنذ اكتشفت أنّه المطهّر والمنظّف -‏ والنظافة من الإيمان -‏ أغسل به جسدي، وبه أغتسل.

وسيَشرح لي أبي هذا اليوم كيف أغتسل.

الغسل -‏ قال أبي -‏ قسمان: ‏ارتماسي وترتيبي.

‏‏* وما الارتماسي ؟


-‏ أنْ تغمس جسدك بالماء دفعةً واحدة، هذه صورة مبسّطة لمعناه وسيتجلّى لك مفهومه بصورةٍ أعمق في مرحلةٍ أُخرى.

‏‏* والترتيبي ؟

-‏ أنْ تغسل تمام رأسك ورقبتك وشيئاً ممّا يتّصل بها من البدن أوّلاً، ولا تنسَ غسل أُذنيك ( ما كان منهما ظاهراً دون الباطن ) ثمّ تغسل جسمك مبتدئاً بجانبك الأيمن وبعضاً ممّا يتّصل به مِن الرقبة وبعضاً من الجانب الأيسر، ثُمّ تَثني فتغسل جانبك الأيسر وشيئاً ممّا يتّصل به مِن الرقبة وشيئاً مِن الجانب الأيمن.

ويجوز أنْ تغسل البدن بعد الرأس والرقبة دفعة واحدة ولا تقسمه الى أيمن وأيسر.

‏‏* وهل للغُسل من شروط ؟

-‏ يُشترط فيه ما اشتُرط في الوضوء مِن النّية، وطهارة الماء وإباحته وإطلاقه، وطهارة أعضاء الجسد، وترتيب غَسل الأعضاء، وأنْ يُباشر المغتسِل غُسله بنفسه إنْ أمكنه، وأنْ لا يكون هناك مانع من استعمال الماء شرعاً كالمرض ( راجع حواريّة الوضوء ).

-‏ ولكنّه يختلف عن الوضوء في أمرَين أود أن تركّز عليهما:‏

‏‏* وما هما ؟

-‏الأوّل : ‏لا يُشترط في غسل كلّ عضوٍ هنا أنْ يكون غَسله من الأعلى الى الأسفل كما كان في الوضوء.

-‏الثاني : ‏لا يُشترط في الغُسل الموالاة والتتابع كما كان في


الوضوء، فيمكنك أنْ تغسل الرأس والرّقبة، ثمّ تغسِل بقيّة جسَدِك بعد فترة حتّى لو جفَّ رأسَك، كما أنّك في الوضوء حين تغسل وجهك وتمرّ على شعر حاجبيك مثلاً تغسل ظاهرهما، وحين تمسح رأسك تمسح ظاهر الشَعر منه، بينما يجب في الغُسل أنْ توصل الماء الى بشرة الرأس، وكذلك في شعر الحاجبين والشارب واللحية، ثمّ إنّه..‏

‏‏* ثمّ ماذا ؟

-‏ ثمّ إنّ غُسل الجنابة يُغني عن الوضوء..‏

‏‏* معنى هذا أنّي إذا اغتسلت للصلاة فلا أتوضّأ بعد الغُسل ؟‏

-‏ نعم، تصلّي بغُسلك رأساً بلا وضوء كما أنّه إذا اجتمعت عليك أغْسال متعدّدة كغُسل الجنابة والجُمعة مثلاً جاز لك أنْ تغتسل غُسْلاً واحداً بقصد الجميع، ولك أنْ تنوي خُصوص غُسل الجنابة فيغنيك عن غيره [نعم في خُصوص غُسل الجُمعة لابدّ مِن نيّته ولو إجمالا فلا يُغني عنه غُسلٌ آخر].

‏‏* وإذا احتاجت المرأة الى غُسل الجنابة وغُسل الحيض والجُمعة مثلاً ؟

-‏ يمكنها أنْ تغتسل غُسلاً واحداً بنيّة الجميع، أو تنوي غُسل الجنابة فيكفيها ذلك عن غيره عدا غسل الجمعة كما عرفت.

أضاف أبي:‏

سأذكر لك ملاحظات تنفعك في غُسلِك.


١ -‏ تأكّد مِن أنّك أزلت كلّ أثرٍ للسائل المنوي كان على جسدِك قَبل أنْ تبدأ بالغُسل.

‏٢ -‏ تدخل المرافق لتتبوّل قَبل أنْ تبدأ بالغُسل لتُخرج بقايا السائل المنوي مع البول.

‏٣ -‏ يجب أنْ تزيْل كلّ حاجبٍ أو حائلٍ يمنع وصول الماء الى البشرة كالصمغ مثلاً، أمّا إذا تعذّر أو تعسَّر عليك إزالته فانتقل الى التيمّم أمّا إذا كان الحاجب في مواضع التيمّم [فاجمع بين الغُسل والتيمّم].

٤ -‏ كلّ شكٍّ يعتريك في صحّة غَسلِ عضوٍ بعد الانتهاء من غَسلِه لا ترتّب عليه أثراً ولا تعره أيّ اهتمام.

ولو اعتراك شكٌّ في غَسل تمام الرّأس والرّقبة وأنت تغسل بقيّة جسدك [لزِمك العود لتتدارك غَسل المقدار المشكوك].

‏‏* غُسل الجنابة، والحيض والنفاس والاستحاضة، والموت، ومسّ الميّت، هذه كلّها أغسال واجبة سبَق أنْ حدّثتني عنها، ولكنّه مرّ عليّ في الحِوار غُسل أسميته أنت ( غُسل الجُمعة ) فهل هناك أغسال أُخرى لم تذكرها لي ؟

-‏ نعم ؛ هناك أغسال أُخرى كثيرة، ولكنّها مستحبّة غير واجبة سأعدّد لك بعضها: ‏‏

أ -‏ غُسل الجمعة وهو مستحبّ مؤكّد ووقته مِن طلوع الفجر الى الغروب والأفضل الإتيان به قبل الزوال.


ب -‏ غُسل الإحرام.

ح-‏ -‏ غُسل يومَي العيدين ( الفطر والأضحى )، ووقتهما مِن طلوع الفجر الى الغروب والأفضل الإتيان به قبل صلاة العيد.

د -‏ غُسل اليوم الثامن والتاسع مِن شهر ذي الحّجة الحرام وأفضله في اليوم التّاسع أنْ يكون عند الزوال.

ه -‏ غُسل الليلة الأولى وليلة السابع عشر وليلة التاسع عشر وليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك.

و -‏ غُسل الاستخارة.

ز -‏ غُسل الاستسقاء.

ج -‏ غُسل دخول مكّة.

ط -‏ غُسل زيارة الكعبة الشريفة.

ي -‏ غُسل دخول مسجد النبّيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهذه الأغسال كلّها تغني عن الوضوء.

وهناك غيرها كثير ممّا لا يسَع المجال في هذه العجالة لذكرها بعضها يُغني عن الوضوء وهي التي ثبت استحبابها شرعاً، وبعضها لا يُغني وهي التي لم يثبت استحبابها بدليلٍ معتبر وإنّما نأتي بها برجاء المطلوبيّة.

‏‏* بقي أنْ أسألك سؤالي الأخير وهو: ‏إذا لم استبريَ بالبول بعد الجنابة، فلم أبُل، واغتسلْت وانتهى كلُّ شيء، ثُمّ خرج سائل منوي بعد ذلك ولو قطرة ؟


-‏ يجب عليك الغُسل ثانيةً حتّى ولو خرج السائل المنوي بدون شهوة وبدون مداعبة.

كما يجب عليك الغُسل ثانيةً إذا علِمت أنّ هذا الذي خرَج الآن هو مَنِي ولو في غير الصورة المتقدِّمة.

* * * * *


( حواريّة التيمّم )



حين قال أبي سنتحدّث يوماً عن التيمّم، أحسست أنّ هذه الكلمة ليست غريبةً عليَّ، بل هي أليفة ودافئة، غير أنّي ساعتها لم أستطع تحديد سبب هذا الدفء، ومنشأ تلك العذوبة وسرّ نكهة ذاك العطر.

وما أنْ حلَّ يوم الحوار حتّى اكتشفت علَّة تلك الأُلفة المحببّة، فلفظة( التيمّم ) سبَق أنْ قرأتها وسمعتها وأنا أتلو القرآن الكريم، أو أستمع إليه مقروءاً بصوتِ أحدِ مقرئيه المشهورين فقد عوّدني أبي أنْ أقرأ كلّ يوم مِن كتاب الله العزيز ما يتيسّر لي قراءته، وقد درجت على هذه المنوال كلّ يومٍ تقريباً..‏

أقرأه فيتطيّب بتلاوته فمي، وقلبي، ورئتيَّ، وذاكرتي.

وأتدبّره فأعيد على هداه ترتيب قناعاتي وأولويّاتي، وأقوِّم وفق نهجه أبجديّات سُلوكي، وتصرّفاتي في مجتمعي، ومع أفراد أُسرتي، ومعارفي، وإخواني وأصدقائي.

ولكّني رغم اكتشافي لأُلفة تلك المفردة وطيبها، إلاّ أنّي لم أتمكّن مِن استحضار الآية القرآنيّة الكريمة التي تضمّنتها ولا استذكار اسم السورة التي وردت فيها، ولذلك فقد بدأت حواري


اليوم بالسؤال التّالي:‏

‏‏* أبي.. لقد حاولت استحضار اسم السورة التي وردت فيها لفظة ( التيمّم ) فلم تُسعفني ذاكرتي.

-‏ إنّها سورة ( النساء ) قال تعالى: ‏( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ): ‏( ...وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ) .

لقد بيّنَت الآية الكريمة -‏ كما تلاحظ -‏ متى، وبماذا، وكيف نتيمَّم، ولنبدأ بهنّ واحدةً واحدة.

‏‏* ومتى يا أبي أتَيَمّم ؟

-‏ تَتَيمَّم عِوَضاً عن الغُسل، أو الوضوء، وبدلاً عنهما في مواضع منها: ‏-‏

‏١ -‏ إذا لم تَجد مِن الماء ما يكفيك للغُسل أو الوضوء كلٌّ في محلّه.

‏٢ -‏ إذا وجدت الماء، ولكنّه لم يتيسّر لك الوصول إليه للعجز عنه تكويناً بشللٍ في أطرافك مثلاً -‏ لا قدّر الله -‏ أو لتوقّفه على ارتكاب عملٍ محرّم كالتصرّف في إناءٍ مغصوب يوجد فيه الماء المُباح أو لخوفِك على نفسِك أو عِرضك أو مالك.

‏٣ -‏ إذا خفت العطَش على نفسك أو على أيِّ شخصٍ آخر يرتبط بك ويكون من شأنك التحفّظ عليه والاهتمام بشأنه، بل حتّى


الحيوان الذي يهمّك أمرُه، ولم يكن عندك مِن الماء ما يكفي لرفع العطش والطهارة المائيّة معاً.

‏٤ -‏ إذا ضاق الوقت بحيث لا يتّسع لزمن غُسلِك أو وضوئك مع أداء الصلاة بتمامها في الوقت.

‏٥ -‏ إذا كان تحصيل الماء للغُسل أو الوضوء أو استعماله فيهما مستلزماً للحرَج والمشقّة بحدٍّ يصعب عليك تحمّله، كما إذا توقّف تحصيله على الاستيهاب الموجب للذلِّ والهوان، أو كان الماء متغيّراً ممّا يتنفّر منه طبعك فتجد حرجاً ومشقّة شديدة في استعماله.

‏٦ -‏ إذا كنت مًكلَّفاً بواجبٍ يتعيّن عليك صرف الماء فيه، كاِزالة النّجاسة عن المسجد.

‏٧ -‏ إذا خِفت على نفسك الضرر من استعمال الماء في الغُسل أو الوضوء ؛ لأنّ استعماله يسبّب مرضاً، أو يطوّره ويُعقِّده أو يطيل أمد شِفائه ولم يكن المورد مِن موارد المسح على (الجبيرة).

‏‏* وما الجبيرة..؟

-‏ سأحدِّثك عنها تفصيلاً في حواريّتنا القادمة.

‏‏عرفت الآن متى أتيمّم ولكن بماذا أتيمّم ؟

-‏ تتيّمم بوجه الأرض من ترابٍ أو رملٍ، أو حجَرٍ، أو حصى، أو ما شاكل شرط أنْ يكون ما تتيمّم به طاهراً، [نظيفاً] وغير مغصوب.

‏‏وكيف أتيمّم ؟

-‏ سأتيمّم أمامك لتتعلّم.. قال أبي ذلك وبدأ.. فخلَع خاتماً


كان في يدِه، وضرَب بباطن كفّيه [معاً] على الأرض ضربةً واحدة، ثمّ ضمّهما ليمسح بهما المنطقة الفاصلة بين حدّ شعر الرّأس، وطرف الأنف الأعلى، ماسِحاً بباطن كفّيه جبهته [وجبينه] مِن قصاص الشعر الى الحاجبَين وحين وصَل بالمسح الى طرف الأنف الأعلى توقّف، ورفع كفّيه عن طرف أنفه ثمّ مسح بباطن كفّه الأيسر تمام ظاهر كفّه الأيمن مِن الزند الى أطراف الأصابع، ومسح بعد ذلك بباطن كفه الأيمن تمام ظاهر كفّه الأيسر من الزند الى إطراف الأصابع.

‏‏* أبهذه البساطة والسّرعة ينتهي التيمُّم ؟

-‏ نعم، وليس التيمّم وحده فقط بهذه السهولة واليسر.

قال تعالى: ‏( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) .

‏‏وهل للتيمّم من شروط ؟

-‏ نعم:‏

‏١ -‏ أنْ تكون معذوراً لا تستطيع الغُسل أو الوضوء كما مرّ سابقاً.

‏٢ -‏ أنْ تنوي التيمّم قربة لله تعالى.

‏٣ -‏ أن يكْون ما تتيمّم به طاهراً، [نظيفاً]، وغير مغصوب، ولا ممزوجاً بغيره ممّا لا يصحّ التيمّم به كرَماد الخشب مثلاً إلاّ إذا كان المزيج مستهلكاً.

‏٤ -‏ [أنْ يعلَق شيء ممّا تتيمّم به بيدَيك فلا يجزي التيمّم على


الحجَر الأملس الّذي لا غِبار عليه].

‏٥ -‏ [أنْ يكون مسحَك الجبهة مِن الأعلى الى الأسفل].

‏٦ -‏ أنْ لا تتيمَّم إلاّ مع اليأس مِن زوال العُذر قبل انتهاء الوقت إذا كان تيمُّمك للصلاة أو أيّ واجبٍ آخر له وقتٌ محدّد.

‏٧ -‏ أنْ تُباشر التيمّم بنفسك قدر الإمكان.

‏٨ -‏ أنْ تتابع المسح فلا تفصل بين أفعال التيمّم بما يخّل بهيئته عُرفاً.

‏٩ -‏ أنْ لا يكون هناك فاصل أو حائل بين ما تمسح به وما تمسحه، أي بين كفّك وجبهتك مثلاً.

‏١٠ -‏ أنْ تمسح جبهتك قبل كفّك اليمنى، وكفّك اليمنى قبل اليسرى.

‏‏* إذا كنت معذوراً من استعمال الماء للغُسل أو الوضوء بسببِ مرَضي فتيمّمت وصلّيت، ثُم راجعت الطبيب فسمَح لي باستعمال الماء وكان هناك وقت للصلاة ؟

-‏ صلاتُك صحيحة ولا يجب عليك إعادتها إذا كان تيمّمك مشروعاً كأنْ تكون قد تيمّمت مع يأسك مِن زوال عُذرك في الوقت.

‏‏* إذا منعني الطبيب مِن استعمال الماء عدّة أيّام لمرضٍ،


فتمّمت وصلّيت، ثُمّ سمَح لي باستعمال الماء بعد شفائي، فهل أعيد صلوات الأيّام الماضية التي صلّيتها بالتيمّم ؟

-‏ كلا، لا تعدها.

‏‏* إذا تيمّمت بعد دخول وقت الصلاة وصلّيت، ثُمّ حلّ وقت صلاةٍ أُخرى ولم يرتفع العذر، فهل أتيَمّم مرّة أُخرى لهذه الصلاة ؟

-‏ كلا، لا حاجة لإعادة التيمّم مادام العُذر موجوداً وكنت لا تترقّب زوال عذرك، أنت محتفظ بعدُ بتيمّمك.

‏‏* إذا تيمّمت بدلاً من غُسل الجنابة فهل أتوضّأ للصلاة ؟

-‏ كلا، فهو يُغنيك عن الغُسل والوضوء معاً.

‏‏* وإذا تيمّمت للغُسل ثُمّ دخلت الى المرافق مثلاً أو نمتُ، فهل أتيمّم مرّة أُخرى للوضوء أو أتيمَّم للغُسل ؟

-‏ توضّأ إنْ استطعت وإلاّ فتيمّم بدلاً مِن الوضوء.

‏‏* إذا شككت في مسح الجبهة أو مسح الكفّ اليُمنى وأنا أمسح الكفّ اليُسرى ؟

-‏ لا تعر شكّك هذا أيَّ اهتمام.

‏‏* وإذا شككت فيهما بعد انتهائي من التيمّم ؟

-‏ كذلك لا تَعِر شكّك هذا أيّ اهتمام.

* * * * *


( حواريّة الجبيرة )



قلت لأبي -‏ وقد حضَرَت ساعة الحوار -‏: ‏ذكرْت لي أمس( الجبيرة ) وأرجأت الحديث عنها الى اليوم.

-‏ نعم، فإذا وضعت على جُرحٍ أو قَرحِ أو كَسر، لُفافة أو ما شابهها، فقد صنعتَ ( جبيرة ).

‏‏* قد عرفت الجُرح والكَسر ولكن ما هو القَرح ؟

-‏ القروح هي الدماميل التي تكون في البدن.

‏‏* وكيف اغتسل أو أتوضّأ أو أتيمّم مع وجود الجبيرة ؟

-‏ إذا أمكنك رفع الجبيرة بدون ضرَر أو حرج فارفعها، واغسل أو امسح تحتها، ما يجب عليك غسله أو مسحه كلٌ بحسبه.

‏‏* وإذا لم يُمكن رفع الجبيرة لضررٍ أو حرَج ؟

-‏ اِغسل ما حول الجبيرة ممّا يمكنك غسله مِن البشرة، وامسح على الجبيرة عوضاً عن الجزء المغطّى بالجبيرة سَواءً كان ممّا يُغسل قبل الجبيرة كما لو كانت الجبيرة على ذراع اليد، أو ممّا يُمسح كما لو كانت على الرجل، ولا حظ ما يأتي:‏

‏١ -‏ أنْ يكون ظاهر الجبيرة -‏ ذاك الّذي تمسح عليه بيدك المبلولة -‏ طاهراً، ولا يهمّك نجاسة باطن الجبيرة المُلاصق للجرح.


٢ -‏ [أنْ لا تكون الجبيرة مغصوبة].

‏٣ -‏ أنْ يكون حجم الجبيرة بالمقدار المعتاد والمتعارف والطبيعي لحجم الجُرح أو الكَسر.

‏‏* وإذا كان حجم الجبيرة أكبر من حجم الجرح ؟

-‏ ارفع المقدار الزائد واغسل ما تحته أو امسحه كلٌّ في مورده.

‏‏* وإذا لم يمكنّي رفعه أو كان فيه ضَرر على الموضع المُصاب.

-‏ لا ترفعه، وتوضّأ بالمسح على الجبيرة.

‏‏* وإذا كان رفع المقدار الزائد حرجيّاً أو كان مضرّاً بالموضع السليم دون الموضع المُصاب.

-‏ تيمَّم بدلاً عن الوضوء إذا لم تكن الجبيرة في مواضع التيمم [وإلاّ فاجمع بينهما].

‏‏* إذا استوعبت الجبيرة تمام وجهي، أو تمام إحدى يدَي أو رجلَي.

فكيف أصنع في الوضوء ؟

-‏ تتوضّأ بالمسح على الجبيرة.

‏‏* وإذا استوعبت جميع الأعضاء أو معظمها ؟

-‏ [اجمع بين الوضوء مع المسح على الجبيرة، وبين التيمّم].

‏‏* وإذا كان في وجهي أو يدَي جُرحٌ أو قَرح مكشوف بدون لفاف، ولكنّ الطبيب منعني من إيصال الماء إليه فكيف أتوضّأ ؟

-‏ اغسل ما حوله واترك غسل الموضع المُصاب.

‏‏* وإذا كان في وجهي أو يدي كسرٌ مكشوف يضرّه الماء ولا جرح فيه فكيف أتوضّأ ؟


-‏ انتقل من الوضوء الى التيمّم.

‏‏* وإذا كان الجرح المكشوف الذي يضره الماء في احد مواضع المسح، كما إذا كان في الرجل أو الرأس، فكيف أمسح في الوضوء ؟

-‏ انتقل الى التيمّم.

‏‏* وإذا أردت الغُسل، وكان في جسدي جُرح أو قَرح مكشوف ؟

-‏ اترك غَسل الجرح أو القرح واغسل ما حوله، أو انتقل الى التيمّم، فلك الخيار في ذلك.

‏‏* وإذا كان في جسدي كسر مكشوف فكيف اغتسل ؟

-‏ تيمَّمم بدل الغُسل.

* * * * *



( حواريّة الصَّلاة )


القسم الأوّل: ‏‏من المقدّمة الى القنوت.

‏القسم الثاني ‏: ‏من مبطلات الصلاة الى الجمع بين الصلاتين.


القسم الأوّل:‏

ها نحن الآن قد وصلْنا في حوارنا الى الصّلاة -‏ قال أبي -‏( والصلاة -‏ كما ورد في الحديث النّبوي الشريف -‏:‏عمود الدين إنْ قُبِلت قُبِل ما سِواها، وإنْ رُدّت رُدّ ما سِواها ) إنّها -‏ أضاف أبي -‏ مواعيد لقاءات محدّدة ثابتة بين الخالق ومخلوقه، رسم الله سبحانه وتعالى أوقاتها السعيدة، وطرائقها، وصورها وكيفيّاتها لعباده..

تقف خلالها بين يديه، متوجّهاً إليه بعقلك وقلبك وجوارحك، تحادثه وتناجيه، فيسكب عليك خلال تلك المناجاة صفاءً ذهنيّاً ونفسيّاً رائعاً، وشفافيّةً روحيّة تسبح خلالها بطيب المشافهة، وتنعم معها بدفء وعذوبة وولَه وسعادة ولذّة الوصال والتلاقي وطبيعي أنْ تعتريك تلك الرهبة المحبّبة وأنت تقف بين يدَي خالِقك العظيم.. الرحيم بك، الرؤوف بحالك، السميع البصير.

‏لقد كان استغراق جدّك أمير المؤمنينعليه‌السلام بعبادة ربّه وتوجّهه إليه بكلِّه فرصةً مناسبةً لاستلال النصل من جسَدِه في معركة صفّين، لانشغاله عن معاناة ألم الجسد بمناجاة ربِّه.

‏وكان إمامك زين العابدينعليه‌السلام إذا توضّأ للصلاة اصفّر لونه فيقول له أهلُه: ‏ما هذا الّذي ينتابك عند الوضوء ؟ فيقول: ‏( أتدرون بين


يدَي مَن أُريد أنْ أقوم ).

وكان إذا قام الى الصلاة أخذته الرعّدة، فيُجيب مَن يسأله: ‏( أُريد أنْ أقوم بين يدَي ربّي وأناجيه، فلهذا تأخذني الرعّدة ) ‏

وكان إمامك الكاظمعليه‌السلام إذا قام الى الصلاة وخلا بربّه بكى واضطربت أعضاؤه، وخفق قلبُه خوفاً مِن الله عزّ وجل وخشيةً ووجَلاً منه.

‏ ولمّا أودعه الرشيد ظُلْمَة سِجنِه الرهيب تفرّغ لطاعة الله وعبادته، شاكراً ربّه على تهيئته هذه الفرصة الجميلة الحبيبة له مخاطباً ربّه قائلاً:‏( ربّ إنّي طالما كنت أسألك أنْ تفرغني لعبادتك وقد استجبت منّي فلك الحمد على ذلك ) .

‏ والصلاة -‏ أردف أبي -‏ إبراز حسّي ظاهري لحاجة داخليّة متأصّلة في النفس، هي الانتماء لله عزّ وجل والارتباط بالخالق المكوّن، المسيطر، المالك المهيمن فحين تقول: ‏( الله اكبر ) مبتدئاً صلاتك فإنّ مِثل المادّة وأنظمتها ونماذجها وأنماطها وزخارفها ستتضاءل في نفسك وربّما تضمحل لأنّك واقف بين يدي خالق الكون، المسيطر على مادّته المسخّر لها وفق مشيئته، فهو أكبر من كل شيء وبيده كل شيء.

‏ فحين تقول -‏ وأنت تقرأ سورة الحمد: ‏( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، فأنت تغسل نفسك وجسدك من كلِّ أثر للاستعانة بغير الله القادر الحكيم أيّاً كان.


بتلك النكهة المحببّة للخشوع ستستحم كلّ يوم خمس مرّات: ‏صباحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً.

وأنْ شئت زِدت على ذلك بما يُستحبّ لك منها.

‏* معنى هذا أنّ الصلوات واجبة ومستحبّة ؟

‏-‏ نعم، فهناك صلوات واجبة وأُخرى مُستحبّة.

‏* الصلوات الواجبة أعرفها.. إنّها الصلوات التي نؤدّيها كلّ يوم إنّها صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء.

‏-‏ ليست هذه فقط هي الصلوات الواجبة، بل هناك صلوات واجبة أُخرى غيرها وهي:‏

‏١ -‏ صلاة الآيات ( انظر حواريّة الصلاة الثانية ).

‏٢ -‏ صلاة الطواف الواجب في العمرة والحجّ ( أنظر حواريّة الحج ).

٣ -‏ الصلاة على الميّت ( أنظر حواريّة الموت ).

٤ -‏ الصلاة التي لم يصلّها الوالد [حيثُ يجب على ولده الأكبر قضاؤها عنه بعد موته] ( انظر حواريّة الصلاة الثانية ).

٥ -‏ الصلاة التي تجب بالإجارة أو بالنذر أو اليمين أو غيرهما.

وهي تختلف باختلاف الحالات.

‏غير أنّ للصلوات اليومّية مقدَّمات خَمساً هي:‏

‏أ -‏ وقت الصلاة.

‏ب -‏ القبلة.


ج-‏ مكان الصلاة.

‏د -‏ لباس المصلّي.

‏ه‏ -‏ الطهارة في الصلاة.

‏وقال أبي: ‏ينبغي أنْ لا تتوهّم أنّ هذه المقدّمات لا يجب توفّرها في غير الصلاة اليوميّة -‏ مِن الصلوات الواجبة والمستحبّة -‏ كلا لا تتوهّم ذلك، إذ يجب توفّر ما عدا الشرط الأوّل فيها على تفصيل ستعرفه إنْ شاء الله.

‏والآن أعود لأعرض بالتفصيل كلّ واحدةٍ واحدة مِن تلك المقدّمات الخَمس:‏

‏‏* ستبدأ إذن بوقت الصلاة.

‏-‏ نعم بأُولاهن:‏

١ -‏ وقت الصلاة : ‏لكل من الصلوات اليوميّة وقت محدّد لا يجوز تخطّيه، فوقت صلاة الصبح من طلوع الفجر الى طلوع الشمس ووقت صلاة الظهرَين ( الظهر والعصر ) مِن زوال الشمس الى غروبها، ويختصّ أوّل الوقت بصلاة الظهر وآخره بصلاة العصر بمقدار أدائهما.

‏* وكيف أعرف الزوال، ذلك الوقت الذي تبدأ به صلاة الظهرَين ؟

-‏ إنّه منتصف الوقت بين طلوع الشمس وغروبها.

‏أمّا وقت صلاة العشاءين ( المغرب العشاء ) فهو من أوّل المغرب الى منتصف الليل، ويختص أوّل الوقت بصلاة المغرب


وآخره بصلاة العشاء بمقدار أدائهما.

‏هذا [ولا تبدأ بصلاة المغرب إلاّ بعد أنْ تزول الحمرة المشرقيّة مِن السماء ].

‏‏* وما الحمرة المشرقية ؟

-‏ إنّها حمرة في السماء مِن جهة المشرق في الجهة المقابلة لغروب الشمس تزول بعد غروبها.

‏* وكيف أُحدّد منتصف اللّيل، ذلك الذي ينتهي به وقت صلاة العشاء ؟

-‏ إِنّه منتصف الوقت بين غروب الشمس والفجر.

‏* وإذا انتصف اللّيل وزاد ولم أُصلّ صلاتي المغرب والعشاء عامداً ؟

‏-‏ عليك [أنْ تبادر فتُصلّيهما قبل الفجر بقصد القُربة المطلقة أي مِن دون أنْ تقصد أداء الصلاة ولا قضاءها].

مع ملاحظة هامّة في كلّ صلاة وهي أنْ تتأكدّ مِن دخول وقت الصلاة قبل البِدء بها سَواء أكانت صلاة الفجر أم الظهر والعصر أم المغرب والعشاء.

٢ -‏ القبلة : ‏يجب عليك أنْ تستقبل القبلة وأنتَ تصلّي، والقبلة -‏ كما تعرف -‏ هي المكان الّذي تقع فيه الكعبة الشريفة بمكّة المكرّمة.


‏* وإذا لم أتمكّن مِن معرفة جهة القِبلة بعد أنْ بذلت جهدي وفقدت كلّ الحِجَج التي يمكنني أنْ أستند إليها لتعيين القبلة ؟

‏-‏ صلِّ الى الجهة التي تظنّ وجود القبلة فيها.

‏* وإِنْ لم استطع أنْ أُرجّح جهةً على أُخرى ؟

‏-‏ صلِّ الى أيّة جهة تحتمل وجود القبلة فيها.

‏ * وإذا اعتقدت أنّ جهةً ما، هي جهة القبلة وصلّيت، ثُمّ عرفت بعد الصلاة أنّني كنت على خطأ ؟

‏ -‏ إذا كان انحرافك عن القبلة ما بين اليمين والشمال صحّت صلاتك.. وإذا كان انحرافك أكثر من ذلك، أو كانت صلاتك الى الجهة المعاكسة لجهة القبلة ولم يمضِ وقت الصلاة بعد، أعِد صلاتك وأمّا إذا مضى وقت الصلاة فلا يجب عليك القضاء.

‏‏٣ -‏ مكان المصلّي [لاحظ أنْ يكون مكان صلاتك مُباحاً ذلك أنّ الصلاة، لا تصحّ في المكان المغصوب].

‏ويعدّ من المغصوب ما وجَب أنْ تدفع خُمسه ولم تدفع خمسه بيتاً كان أو فراشاً أو غيرهما وسأشرح لك بالتفصيل ما يجِب فيه الخمس في ( حواريّة الخُمس ) القادمة، غير أنّي أشير هنا فقط الى ضرورة عدم السقوط في هاوية الغَفلة والتسامح واللامبالاة تلك التي سقط فيها كثيرون ومنعوا حقّ الله عزّ وجل في أموالهم.

‏*‏‏ لنفترض أنّ الأرض كانت غير مغصوبة ولكنّها مفروشةً بفراشٍ مغصوب.


‏-‏ كذلك[ لا تصحّ صلاتك بها على ذلك الفراش‏].

‏-‏ أضاف أبي :

ثمّ يجب أنْ يكون مكان سجودِك طاهراً غير نجِس.

‏* تقصد بمكان السجود موضع سجود الجبهة ؟

‏-‏ نعم، طهارة مكان السجود فقط، أي التربة وأشباهها ممّا تسجد عليه.

‏* وبقيّة مكان الصلاة، موضع الرجلين مثلاً المكان الذي يشغله بقيّة الجسد في الصلاة ؟

‏-‏ لا يشترط فيه الطهارة فإذا كان نجِساً وكانت نجاسته لا تسري الى الجسد أو الملابس تجوز الصلاة فيه.

‏ثُمّ أنّه بقيت هناك موضوعات تخصّ مكان المصلّي سأحدّدها لك على شكل نقاط:‏

‏أ -‏ لا يجوز في الصلاة ولا في غيرها استدبار قبور المعصومينعليهم‌السلام إذا كان في الاستدبار إساءةً للأدب.

‏ب -‏ [لا تصحّ صلاة كل من الرجل والمرأة إذا كانا متحاذيَين متجاورَين وعلى مستوى واحد، أو كانت المرأة متقدّمة] إلاّ أنْ تفصل بين مكانها ومكانه أكثر مِن عشرة أذرع بذراع اليد أو يكون بينهما حائلٌ كالجدار مثلاً.

‏ج‏ -‏ تُستحب الصلاة في المساجد، وأفضل المساجد، المسجد الحرام ومسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومسجد الكوفة والمسجد


الأقصى كما تُستحبّ الصلاة في مشاهد الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام .

‏د -‏ من الأفضل للمرأة أنْ تختار لصلاتها أكثر الأمكنة ستراً حتّى في بيتها.

٤ -‏لباس المصلّي ، وفيه شروط:‏

‏أ -‏ أنْ يكون طاهراً و[غير مغصوب] على أنّ شرطيّة إباحة اللباس إنّما هي للساتر للعورة فقط، وهذا يختلف حاله بين الرجل والمرأة إذ يكفي إباحة خصوص بعض الملابس الداخليّة -‏ كالشورت مثلاً -‏ للرجال، بينما لا يكفي ذلك في النساء لسعة دائرة ما تستره في الصلاة وهو جميع البدن عدا ما استثني.

‏ب -‏ أنْ لا يكون مِن أجزاء الميتة التي تحلّها الحياة، كجِلد الحيوان المذبوح بطريقة غير شرعيّة [وإنْ كان لا يكفي وحده أنْ يكون ساتراً للعورة ]‏.

‏‏* وهل تصحّ الصلاة في الحزام الجلدي المأخوذ من يد المسلم، أو المصنوع في بلاد إسلامية مثلاً وهو غير معلوم التذكية ؟

‏-‏ نعم تصحّ الصلاة فيه.

‏* والحزام الجلدي المأخوذ من يدِ الكافر. أو المصنوع في بلاد كافرة ؟

‏-‏ تصحّ الصلاة فيه [ إلاّ إذا علِمت أنّه مأخوذ من جِلد حيوان غير مذكّى].

‏* وإذا لم أتأكّد مِن أنّ هذا الحزام الجِلدي -‏ مثلاً -‏ مصنوع من جِلدٍ طبيعي أم صناعي ؟


‏-‏ تجوز الصلاة فيه في مطلق الأحوال.

‏ج-‏ أنْ لا يكون لباس المصلّي مصنوعاً من أجزاء السباع إذا كان بحيث يُمكن ستر العورة به [ولا غيرها ممّا لا يجوز أكل لحمها].

‏د -‏ أنْ لا يكون مِن الحرير الخالص بالنسبة للرجال، أمّا النساء فيجوز لهنّ الصلاة في الحرير الخالص.

‏ه-‏ -‏ أنْ لا يكون من الذهب الخالص أو المغشوش إذا صدَق عليه الذهب، دون المموّه بالنسبة للرجال.

‏* ولو كان خاتم يد أو حلقة زواج ؟

‏-‏ ولو كان خاتم يد أو حلقة الزواج، فإنّه لا تصحّ صلاة الرجل به، كما أنّه يحرم لبس الذهب للرجال دائماً.

‏* حتّى في غير وقت الصلاة ؟

‏-‏ دائماً. دائماً حتّى في غير وقت الصلاة.

‏* والأسنان الذهبيّة الداخليّة التي تصنع لبعض الرجال، والساعة الذهبيّة التي يحملها بعضهم في جيبه ؟

‏-‏ هذه جائزة للرجال وتصحّ صلاتهم بها.

‏* إذا كان الرجل لا يعلم أنّ خاتمه ذهبي وصلّى فيه، أو أنّه كان يعلم أنّه ذهبي ونسيَ وصلّى فيه ثُمّ علِم أو تذكّر بعد انتهاء الصلاة ؟

‏-‏ صلاته صحيحة.

‏* والنساء ؟


‏-‏ يجوز لهنّ لبس الذّهب دائماً وتصحّ صلاتهنّ به.

‏بقيَت في لباس المصليّ ملاحظة ذات أهمّية وهي أنّه يجب على الرجل سِتر عورته في الصلاة وهي القضيب والخصيتان والمخرج فقط.

‏ويجب على المرأة سِتر جميع جسدها في الصلاة بما في ذلك الشعر، حتّى لو كانت وحدها ولا يراها أحد عدا الوجه بالمقدار الذي لا يستره الخمار عادة مع ضربه على الجيب، والكفين الى الزّند والقدمين الى أوّل جزء من الساق.

‏‏-‏ هذه هي مقدّمات الصلاة -‏ قال أبي -‏ أمّا الصلاة نفسها فهي عمَلٌ مركّب مِن عدّة أجزاء وواجبات، وهي: ‏النيّة، وتكبيرة الإحرام، والقيام، والقراءة، والذِكْر، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم، مُراعياً فيها الموالاة والترتيب كما ستعرف.

‏* ولماذا لم تبدأ بالأذان والإقامة ؟

قبل أنْ أجيبك على هذا السؤال أحبّ أنْ أنبّهك الى أنّ بعض هذه الأجزاء تسمّى ( بالأركان ) وهي: ‏النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام، والركوع، والسجود.

‏ وقد اختصّت عن بقيّة الأجزاء الواجبة بخاصيّة بُطلان الصلاة بنقيصتها عمداً وسَهواً فاقتضت هذه التسمية وهذا الامتياز.

‏وأعود الآن الى جواب سؤالك:‏

‏الأذان والإقامة في الصلوات اليوميّة الواجبة مِن المستحبّات


المؤكّدة التي يحسن أنْ يأتي بهما المصلّي، ولكنّه يجوز له تركهما.

‏قال ذلك أردف أبي ناصحاً:‏

‏أتمنى أنْ لا تترك الأذان والإقامة في صلواتك الواجبة اليوميّة فتخسر ثوابهما.

‏* وإذا أردت أنْ أُؤذّن فكيف أُؤذن ؟

‏-‏ تقول:‏

‏الله أكبر -‏ أربَع مرّات.

‏أشهد أنْ لا إِله إِلاّ الله -‏ مرّتين.

‏أشهد أنَّ محمّداً رسول الله -‏ مرّتين.

‏حيَّ على الصلاة -‏ مرّتين.

‏حيَّ على الفلاح -‏ مرّتين.

‏حيَّ على خَيرِ العمل -‏ مرّتين.

‏الله أكبر -‏ مرّتين.

‏لا إِله إِلاّ الله -‏ مرتين.

‏* والإقامة ؟

‏-‏ في الإقامة تقول:‏

‏الله أكبر -‏ مرّتين.

‏أشهد أنْ لا إِله إِلاّ الله -‏ مرّتين.

‏أشهد أنّ محمّداً رسول الله -‏ مرّتين.

حيَّ على الصلاة -‏ مرّتين.


حيَّ على الفلاح -‏ مرّتين.

‏حيَّ على خير العمل -‏ مرّتين.

‏قد قامت الصلاة -‏ مرّتين.

‏الله أكبر -‏ مرّتين.

‏لا إِله إلاّ الله -‏ مرّة واحدة.

‏* والشهادة بولاية الإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟

-‏ إنّها مكمّلة للشهادة بالرسالة ومُستحبّة، ولكنّها ليست جُزءاً مِن الأذان ولا مِن الإقامة.

‏* إذن فأوّل أجزاء الصلاة هي ما أسميتها أنت بالنيّة ؟

‏-‏ نعم.

‏* وما النيّة ؟

-‏ أنْ تقصد الصلاة متعبّداً بها، أي بإضافتها الى الله تعالى إضافة تذلّليّة.

‏* أحبّ أنْ أعرف ( الإضافة التذلّليّة ) بصورةٍ واضحة.

‏‏-‏ الإضافة التذلّليّة: ‏هي العمل النفسي الذي يُقارِن الأفعال العبادّية يستشعر الإنسان به أنّه العبد الذليل أمام المولى الجليل سبحانه وتعالى.

‏* وهل للنيّة لفظٌ محدّدٌ مخصوص ؟

‏-‏ كلاّ، إنّها مِن أعمال القلب لا اللسان، ولذلك فليس لها لفظٌ محدّد ما دام محلّها القلب غير أنّك إذا لم تقصد الصلاة تقرّباً وتذلّلاً


الى الله بحَرَكَاتك تلك التي تؤدّيها بطلت صلاتك.

‏ثانيها: ‏تكبيرة الإحرام.

‏* وما هي تكبيرة الإحرام ؟

‏-‏ تقول: ‏الله أكبر، وأنت واقف على قدَميك مستقر في وقوفك، متوجّهاً الى القبلة.. تقولها باللغة العربيّة، موضِّحاً لدى نطقك بها صوت حرف ( الهمزة ) في كلمة ( أكبر ) وكذا سائر الحروف، والأفضل أنْ تفصل بين تكبيرة الإحرام هذه وبداية سورة الحمد بشيءٍ من الصمت قليل حتّى لا تلتصق التكبيرة بأوّل سورة الحمد.

‏* قلت لي يجب أنْ تكبِّر وأنت قائم على قدَميك، فلو كنت مريضاً مثلاً فلم أستطع القيام على قدمي ولو بالاعتماد على عصا أو جدار أو غيرهما فكيف أُصلّي ؟

-‏ صلِّ وأنت جالس، وإِنْ لم تتمكّن كذلك، صلِّ وأنت مضطجع على جانبك الأيمن أو الأيسر ووجهك الى القبلة [ويجب تقديم الجانب الأيمن على الأيسر مع الإمكان].

‏* وإنْ لم استطع ؟

-‏ صلِّ وأنت مستلقٍ على قَفاك ورجلاك الى القبلة.

‏* إذا كنت استطيع القيام حال التكبير فقط ولا استطيع الاستمرار عليه.

‏-‏ يجب عليك أنْ تكبّر واقفا وتستمر في صلاتك جالساً أو مضطجعاً كما بيّنت لك.

‏ثالثها: ‏القراءة.


وتأتي بعد التكبيرة حيث تقرأ سورة الحمد [وسورة كاملة أُخرى بعدها] قراءة صحيحة دون خطأ ولا تنسَ أنْ تقرأ البسملة في أوّل كلّ سورة عدا سورة التوبة كما تجده في المصحَف.

‏* وإذا لم يسعفني الوقت لقراءة السورة الثانية تلك التي أقرأها عادة بعد سورة الحمد ؟

‏-‏ اترك قراءة السورة واقرأ الحمد وحدها.. كذلك تفعل إذا كنت مريضاً لا تستطيع قراءة سورة ثانية بعد سورة الحمد، أو كنت خائفاً، أو مستعجلاً.

‏* وكيف أقرأ السورتين ؟

‏-‏ [يجب على الرجال قراءة السورتين جهراً لصلاة الصبح والمغرب والعشاء وقراءتهما بصوت خافت لصلاتي الظهر والعصر].

‏* والنساء ؟

‏-‏ لا جهر على النساء غير أنْ المرأة [يجب عليها أن تخفت في الظهرين].

‏* إذا كنت أجهل حكم الجهر والإخفات في الصلاة أو نسيت فقرأت السورتين أو بعضهما بصوتٍ خافت وأنا أُصلّي الصبح أو المغرب أو العشاء، أو قرأتهما أو بعضهما بصوتٍ عال وأنا أُصلّي الظهر أو العصر أي عكس المطلوب ؟

-‏ صلاتك صحيحة.

‏* هذا ما سأقرؤه في الركعتين الأُولى والثانية، وماذا عن الثالثة والرابعة ماذا أقرأ فيهما ؟


‏-‏ أنت مخيّر بين أنٍْ تقرأ في الركعتين الثالثة والرّابعة سورة الحمد وحدها، أو أنْ تقرأ التسبيحات [ بإخفات الصوت طبعاً في كِلتا الحالتين] عدا البسملة فيحقّ لك إذا كنت إماماً أو منفرداً أنْ تجهر بها.

‏* وإذا اخترت التسبيح فماذا أقول فيه ؟

‏-‏ يجزيك أنْ تقول بصوتٍ خافت: ‏سبحان الله والحمد لله ولا إِله إِلاّ الله والله أكبر مرّة واحدة أو ثلاث مرّات وهو أفضل.

‏* وهل هناك ملاحظة أُخرى في القراءة ؟

‏-‏ نعم، فعندما تنطلق في قراءتك وتدرج بها فالأفصح أنْ تُحرّك أواخر الكلمات كلٌّ حسب موقعها الإعرابي، فلا تدرج وأواخر الكلمات ساكنة وإذا وقفت على كلمة فالأفصح أنْ تُسكّن الحرف الأخير منها.

‏ثمّ يجب عليك بعد ذلك أنْ تمدّ حرف الألف مدّاً خفيفاً وأنت تقرأ كلمة ( الضاَلين ) آخر سورة الحمد لكي تتحفّظ على أداء التشديد والألف بصورة صحيحة.

‏* وبعد ذلك ؟

‏-‏ احذف همزة الوصل في قرأتك حينما تقع في وسط الكلام لا في بدايته واظهر همزة القطع بحيث تبدو على لسانك واضحة بيّنة جليّة حينما وقفت.

‏* مثّل لي لهمزة الوصل وهمزة القطع.


-‏ الهمزة في ( الله، الرحمن، الرّحيم، اهدنا ) مثلاً همزة وصل لا تظهر على اللسان في النطق إثناء الدرج والانطلاق والاسترسال، بينما همزة ( إيّاك، أنعمتَ ) مثلاً همزة قطع تظهر على اللسان واضحة جليّة إثناء النطق بها ثمّ..‏

‏* ثمّ ماذا ؟

‏-‏ ثُمّ إذا رغبت أنْ تقرأ سورة التوحيد بعد سورة الحمد واخترتها من بين السوَر الأُخرى فمن الأيسر لك والأسهل عليك أنْ تقف على كلمة ( أحد ) فتسكنها وأنت تقرأ الآية الكريمة: ‏( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ، أي تتريّث قليلاً قبل أنْ تقرأ الآية اللاحقة بها( اللَّهُ الصَّمَدُ ) .

‏قال ذلك أبي وأضاف:‏

‏ومن أجل أنْ تضمن صحّة قراءتك في صلاتك أنصحك بأنْ تُصلّي أمام مَن يُحسن الصلاة ليضبط قراءتك وصلاتك، فإنْ تعسّرَ عليك ذلك فلا أقل من أنْ تُدقّق قراءتك للسورتين، ( سورة الحمد والسورة اللاحقة لها ) وفق قراءة أحد المقرئين المعروفين بصحّة النطق المهتّمين بدقّة الضبط، تقرأ مع قراءته السورتين وتتابع على هدي قراءته قراءتك، فستكتشف عندئذٍ أخطاءك -‏ إِنْ وجدت -‏ لتصحّحها.

ذلك أجدى لك مِن أنْ تستمر على قراءة خاطئة نشأت عليها منذ الصغر، حتّى إذا اكتشفت خطأك بعد حين، تكون قد صلّيت سنَوات صلاة غير صحيحة القراءة.


رابعها: ‏القيام، ومعناه واضح، لكن أودّ أنْ أُشير الى أنّ القيام هو الجزء الوحيد مِن أجزاءِ الصلاة والّذي يحمل صفة مزدوجة، فهو قد يكون رُكناً كالقيام حال تكبيرة الإحرام والقيام قبل الركوع الذي يُعبّر عنه بالقيام المتّصل بالركوع فتترتّب عليه خصائص وأحكام الركن، وقد يكون واجباً غير ركن كالقيام حال القراءة والتسبيح، والقيام بعد الركوع فحينئذٍ تجري عليه أحكام الواجبات غير الركنيّة.

‏ خامسها: ‏الركوع.

‏ثُم بعد قراءتك للسورتين يجب أنْ تركع.

‏* وكيف أركع ؟

‏-‏ تنحني حتّى تصل أطراف أصابعك الى رُكبتَيك، وحين يستقّر بك الرّكوع تقول:‏ ‏( سبحان ربّي العظيم وبحمدِه ) مرّة واحدة، أو تقول: ‏( سبحان الله ) ثلاثاً أو ( الله أكبّر ) ثلاثاً أو (الحمد لله) ثلاثاً، أو غيرها ممّا هو بقدرها مِن الذّكر كالتهليل ثلاثاً.

‏ثُمّ تقوم مِن ركوعك وتستقيم، حتّى إذا استقرّ بك القيام هويتَ للسجود.

‏سادسها: ‏السجود

‏ويجب في كلّ ركعة سجدتان.

‏* وكيف أسجد ؟

‏-‏ تضع جبهتك وكفّيك ورُكبتيك إبهامَي قدميك على الأرض.


ويشترط فيما تسجد عليه وتضع عليه جبهتك أنْ يكون مِن الأرض، أو مِن نباتها غير المأكول، ولا الملبوس.

‏* مثّل لي لما لا يجوز السجود عليه لأنّه مأكول أو ملبوس ؟

‏-‏ البقول والفواكه لا يجوز السجود عليها لأنّها مأكولة، والقطن والكتّان لا يجوز السجود عليهما لأنّهما ملبوسان.

‏* على أيِّ شيء أسجُد مثلاً ؟

‏-‏ أُسجد على التراب أو الرّمل أو الحصى أو الصخر أو الخشب أو ما لا يُؤكَل من أوراق الشجر.. أُسجد على الورق المستعمل للكتابة إذا كان مصنوعاً مِن الخشب أو القطن أو الكتان، أُسجد على التبن، وغير ما ذكرت كثيرٌ.

‏ولا تسجد على الحنطة والشعير والقطن والصوف والقير والزجاج والبلّور. وأفضل ما تسجد عليه التراب وأفضله ( التربة الحسينيّة ) على مشرّفها الصلاة والسلام.

‏* وإِنْ لم أتمكّن مِن السجود على ما يصحّ السجود عليه لعدم توفّره مثلاً، أو لخوفي من السجود عليه كحالات التقيّة ؟

‏-‏ أنْ لم يتوفّر لك ما يصحّ السجود عليه فاسجد على القير أو الزفت فإنْ لم يحصلا فعلى ما شئت.. على ثوبك أو على كفّك وإنْ كنت في حال تقيّة فاسجد على ما تقتضيه التقيّة.

‏قال ذلك أبي وأضاف:‏

ولا تنسَ أنْ يكون موضع سجودك بمستوى موضع رُكبتيك وإبهامَيك فلا يزيد ارتفاع أحدهما عن الآخر أربع أصابع مضمومة


[وكذلك موضع سجودك مع موضع وقوفك].

‏*‏‏ لو وضعت جبهتي وكفّي وإبهامَي قدَمي ورُكبتَي على الأرض فماذا أصنع ؟

‏-‏ قل بعد أنْ يستقرّ بك السجود: ‏( سبحان ربّي الأعلى وبحمده ) مرّةً واحدة، أو قُل: ‏(سُبحان الله ) ثلاثاً، أو ( الله أكبر ) ثلاثاً، أو ( الحمد لله ) ثلاثاً أو غيرها من الأذكار التي هي بقدرها..

‏ثمّ ارفع رأسك حتّى تجلس مطمئنّاً، فإنْ جلست مطمئنّاً مستقرّاً أعد الكرّة، فاسجد السجدة الثانية وأقرأ بها ما تختاره ممّا عرفت مِن ذكر السجود.

‏*‏‏ وإنْ لم أتمكّن مِن الانحناء التام للسجود لمرضٍ مثلاً ؟

‏-‏ حاول الاَنحناء أقصى ما تستطيع، وضع ما تسجد عليه على مرتفع ثم ضع جبهتك عليه مراعياً وضع سائر المساجد في محالها.

‏* وإنْ لم أتمكّن مِن ذلك أيضاً ؟

أُوْمئ برأسك الى موضع السجود وإنْ لم تَتمكّن فأُومئ بعينيك غمضاً له وفتحاً للرفع منه.

‏سابعها: ‏التشهّد.

‏ويجب بعد السجدة الثانية من الرّكعة الثانية في كلّ صلاة، وفي الركعة الأخيرة مِن صلاة المغرب والظهر والعصر والعشاء.

‏* وماذا أقول فيه ؟

‏-‏ قل: ‏[أشهد أنْ لا إِله إلاّ الله وحده لا شريك له، واشهد أنّ


محمّداً عبده ورسوله اللهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ] تؤدّيه بصورة صحيحه وأنت جالس مطمئن في جلوسك موالياً بين أفعالك.

‏ثامنها: ‏التسليم.

‏وهو واجبٌ في الرّكعة الأخيرة مِن كلِّ صلاة، تقوله بعد التشهدّ وأنت جالس مستقرٌّ في جلوسك.

‏* وماذا أقول فيه ؟

‏-‏ يجزي فيه أنْ تقول ( السلام عليكم ) والأفضل أنْ تضيف إليه: ‏( ورحمة الله وبركاته ) وأفضل منه أنْ تقول قبله: ‏( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ).

‏هذه هي أجزاء الصّلاة، تؤدّيها متسلسلة كما عدّدتها وفصّلتها لك، متوالية يلي بعضها بعضاً، ويمسك بعضها بزمام بعض، دونما فواصل بين أجزائها تخلّ بهيئتها ووحدتها.

‏* لم تذكر لي القنوت رغم أنّك ترفع يديك وتقنت في صلاتك ؟

‏-‏ القنوت مستحبٌّ مرّة واحدة في الصلوات اليوميّة وغيرها [عدا صلاة الشفع] فبعد قراءتك للسورتين مِن ركعتك الثانية وقبل ركوعك أرفع يديك للقنوت إذا ما أردت أنْ تفعل المستحب.

‏* وهل له ذكر محدّد أقوله ؟

‏-‏ كلا، يمكنك أنْ تتلو فيه آيةً قرآنيّة تدعو فيها الله سُبحانه


وتعالى بما أردت وتناجي ربّك وتدعوه بأيِّ دعاءٍ شئت.

القسم الثاني:‏

‏‏الآن وقد عرفت منك كيف أُصلّي، وماذا أقول أو أفعل في كلِّ جزءٍ من الصلاة أحبّ أنْ أسألك عمّا يُبطل الصلاة فهل هناك أُمور تُبطل الصلاة فيجب عليَّ أنْ أعيد صلاتي لو حصلت.

‏-‏ نعم وسأُعدّدها لك.

‏١ -‏ أنْ تفقد الصلاة أحد أجزائها السابقة عمداً من: ‏النيّة، أو تكبيرة الإحرام، أو الركوع، أو السجود، أو غيرها.

‏٢ -‏ أنْ يُحِدث المصليّ أثناء الصلاة [وإن كان ذلك سَهواً أو اضطراراً بعد السجدة الأخيرة].

‏٣ -‏ أنْ يلتفت المصلّي عن القبلة بتمام وجهه أو بتمام جسده عامداً.

‏‏* وإذا التفت عن القبلة أقلّ مِن ذلك كأنْ يكون التفاته بسيطاً لا يضرّ باستقباله للقبلة ؟

‏-‏ ذلك لا يضرّ بالصلاة لكنّه مكروه.

‏٤ -‏ أنْ يضحك المصلّي عامداً بصوتٍ عالٍ مسموع فيه مدّ وترجيع ( القهقهة ).

‏٥ -‏ [أنْ يبكي المصليّ عامداً سَواء اشتمل على الصوت أم لم يشتمل لأمرٍ مِن أُمور الدّنيا] ولا يضرّ البكاء لأمرٍ مِن أُمور الآخرة.

‏٦ -‏ أنْ يتكلّم المصلّي عامداً ولو بحرف واحد أثناء صلاته إذا كان ذلك الحرف مفهماً سَواء أراد إفهام معناه كما لو قال ( قِ ) فعل


أمرٍ مِن ( وقى )، أو أراد إفهام غير معناه كما لو سُئل إثناء الصلاة ما هو ثاني حروف الأبجديّة فتلفّظ ب-‏ ( ب ) ويستثنى مِن مبطليّة الكلام ردّ السلام بمثله فإنّه واجب.

‏٧ -‏ أنْ يأتي المصلّي بعمل يخلّ بصورة الصلاة وبهيئتها كأنْ يخيط أو يحوك.

‏٨ -‏ أن يأكل المصليّ أو يشرب إثناء صلاته [وإنْ لم يخل بهيئتها].

‏٩ -‏ [أنْ يتعمد المصلّي وضع أحدي يديه على الأُخرى في حال القيام بقصد الخضوع والتأدّب مع الله سبحانه وتعالى في غير حال التقيّة] وهو المسمّى بالتكفير.

‏١٠ -‏ أنْ يقول المأموم بعد أنْ ينتهي الإمام مِن قراءة سورة الفاتحة [أو يقول المنفرد بعد الانتهاء من القراءة] كلمة ( آمين )، عامداً في غير حال التقيّة.

ثُمّ عندنا بعد ذلك ممّا يحسن أنْ أُشير إليه موضوع ( الشك ) في الصلاة.

‏‏* وهل الشكُّ في الصلاة مُبطلٌ لها ؟

‏-‏ ليس الشك في الصلاة مبطلاً لها دائماً وفي جميع الحالات، فبعض الشكوك مبطلٌ للصلاة وبعضها قابل للعلاج، وبعضها لا يُعتنَى به بل يُهمل.

وبشكلٍ عام سأُحدّد لك قواعدَ عامّة تتناول بعض حالات


الشك.

القاعدة الأولى: ‏كلّ مَن شكّ في صحّة صلاته بعد أنْ أنهى صلاته اعتبر صلاته صحيحة.

‏‏* مثلاً ؟

‏-‏ إذا شككت مثلاً بعد أنْ صلّيت صلاة الصبح وانتهيت منها هل أنّك صلّيتها ركعتين أو أكثر أو أقل ؟ فقل: ‏صلاتي صحيحة.

القاعدة الثانية: ‏كل من شك في صحّة جزء من أجزاء صلاته بعد أنْ أدّاه اعتبر ذلك الجزء الّذي شكّ فيه صحيحاً وصلاته صحيحة.

‏‏* مثلاً ؟

‏-‏ إذا شككت مثلاً في صحّة قراءتك، أو صحّة ركوعك أو سجودك بعد أنْ أنهيت القراءة أو الركوع أو السجود، فقل قراءتي صحيحة، أو ركوعي صحيح، أو سجودي صحيح.. ثمّ صلاتي بعد ذلك صحيحة.

القاعدة الثالثة: ‏كلّ مَن شكّ في الإتيان بجزء مِن أجزاء الصلاة بعد أنْ دخل في الجزء اللاحق، له أنْ يبني على أنّه قد أتى بذلك الجزء المشكوك فيه وصلاته صحيحة، بل يكفي في البناء على ذلك مجرّد الدخول فيما لا ينبغي الدخول فيه شرعاً على تقدير الإخلال بالجزء المتقدّم عمداً.

‏‏* مثلاً ؟


‏-‏ إذا شككت مثلاً وأنتَ في السورة الثانية هل أنّك قرأت سورة الفاتحة، أو نيستها، فلم تقرأها فقل: ‏إنّي قرأتها واستمرّ في صلاتك، وهكذا إذا شككت وأنت في حال الهويّ الى الركوع هل قرأت السورة أم لا ؟ قل: ‏إنّي قرأتها واستمرّ في صلاتك، فهي صحيحة.

القاعدة الرابعة: ‏كلّ مَن كثُر شكّه وجاوز الحدّ الطبيعي، يَهمل الشكّ ولا يعتني به ولا يلتفت إليه فصلاته التي شكّ فيها صحيحة.

‏‏* مثلاً ؟

‏-‏ إذا كنت كثيراً ما تشكّ وأنت تصلّي صلاة الصبح -‏ مثلاً -‏ في عدد ركعاتها عليك أنْ تهمل هذا الشك وتقول: ‏صلاتي صحيحة وإذا كنت كثيراً ما تشكّ في أنّك سجدت سجدة واحدة أو سجدتين تقول اِنّك سجدت سجدتين ولا تلتفت ولا تهتم بالشك، بل تعتبر صلاتك صحيحة، وهكذا دائماً كثير الشكّ في الصلاة يَهمل شكّه ويعتبر صلاته صحيحة ..دائماً..دائماً.

‏‏* وكيف أعرف أنّي كثير الشك ؟

‏-‏ كثيرا الشك يَعرف نفسه بسهولة.. يكفي أنْ يزيد شكّه على الناس الطبيعيّن مِن أمثاله ويكفي أنْ لا يُصلّي ثلاث صلوات إلاّ ويشكّ في واحدة منها.

القاعدة الخامسة: ‏كلٌّ من يشك في عدد ركعات صلاة الصبح أو صلاة المغرب أو في الركعتين الأولى والثانية مِن كلّ صلاة رباعيّة، ولم يترجّح في ذهنه أحد الاحتمالين على الآخر، لم يترجّح


في ذهنه عدد معيّن للركَعَات، بل بقي متحيّراً شاكّاً لا يدري كم ركَع فقد بطلت صلاته.

‏‏* مثلاً ؟

‏-‏ إذا شكّ -‏ مثلاً -‏ وهو يصلّي صلاة الصبح هل أنّه الآن في الركعة الأولى أو الثانية عليه أنْ يتأمّل قليلاً ويفكّر، وإذا لم يصِل الى قرار محدّد ولم يترجّح في ذهنه أنّها الركعة الأُولى مثلاً، أو أنّها الركعة الثانية فقد بطلت صلاته.

‏‏* وإذا ترجّح في ذهنه أحد الاَحتمالين، كأنْ ترجّح في ذهنه أنّها الركعة الأولى ؟

‏-‏ إذا ترجّح في ذهنه عدد معيّن للركَعَات عمل وفق ما يقتضيه ذلك الاحتمال الراجح، فإنْ ترجّح -‏ كما.... في سؤالك -‏ احتمال أنّها الركعة الأُولي فإذا يأتي بالركعة الثانية ويتمّ صلاته فهي صحيحة.

وكذلك الحال في صلاة المغرب وفي الركعتين الأُولى والثانية مِن كلّ صلاة رباعيّة.

‏‏* عرَفتُ الآن حكم الشاكّ في صلاتَي الصبح والمغرب، وفي الركعتين الأُولى والثانية مِن صلَوات الظهر والعصر والعشاء، ولكن ما هو حُكم الشاك في الركعتين الأخيرتَين الثالثة أو الرابعة مِن الصلَوات الرّباعيّة ؟

‏-‏ إذا ترجّح في ذهنه عدد معيّن للركَعَات عمل بمقتضى ظنّه


ووفق ما ترجّح في ذهنه.

‏‏* وإذا بقي متحيّراً شاكّاً متردّداً ؟

‏-‏ عندئذ سنحتاج الى تفصيل أكثر فلِكلّ موضعٍ هنا حُكمه الخاصّ به، وسأتناول بعضها بالتعداد ولا أُطيل:‏

‏١ -‏ مَن شكّ بين الركعة الثالثة والرّابعة أينما كان الشكّ بنى على أنّها الركعة الرابعة وأتمّ صلاته، ثُمّ جاء بركعتين من جلوس، أو بركعةٍ مِن قيام، وتسمّى هذه صلاة الاحتياط.

‏٢ -‏ مَن شك بين الركعة الرابعة والخامسة بعد أنْ دَخل في السجدة الثانية، ( وذلك بأنْ وضع الجبهة على المسجَد ولو قَبل الشروع في الذّكر ) بنى على أنّه في الركعة الرابعة ثُمّ يتم صلاته ويسجد سجدَتَي السهو بعد الصلاة.

‏٣ -‏ مَن شكّ بين الثانية والثالثة بعد أنْ دخل في السجدة الثانية بني على أنّه في الركعة الثالثة ويأتي بالرابعة بعدها، ثمّ بعد أنْ يفرغ من صلاته يأتي بصلاة الاحتياط [وهي هنا ركعةٌ مِن قيام ].

‏‏* وكيف يُصليّ صلاة الاحتياط ؟

‏-‏ بعد أنْ ينتهي مِن صلاته مباشرةً ومن دون أنْ يلتفت يميناً أو شمالاً ومِن دون أنْ يفعل ما يُبطِل الصلاة يشرع في صلاة الاحتياط، فيكبّر ثُمّ يقرأ الفاتحة [بصوت خافت] ولا تجِب فيها سورة أُخرى، ثُمّ يركع ويسجد ويتشهّد ويسلّم أنْ كانت صلاة الاحتياط ذات ركعة واحدة وأنْ كانت ثنائيّة أتى بركعةٍ ثانية على نحو الركعة الأولى.


‏‏* وسجود السهو ذاك الذي ذكرته ؟

‏-‏ تنوي وتسجِد بعد الصلاة مباشرةً والأفضل أنْ تكبِّر، وتقول في سجودك:‏

بسم الله وبالله السلام عليك أيّها النّبي ورحمة الله وبركاته، ثُمّ ترفع رأسك مِن السجود وتجلس ثمّ تُعاود السجود المتقدّم مرّة ثانية، ثُمّ ترفع رأسك وتجلِس وتتشهّد وتُسلّم وبذلك تنهي سجود السهو.

أضاف أبي :

وليكن في اعتبارك أنّك تسجِد سُجود السهو ليس فقط عندما تشكّ بين الرّكعة الرابعة والخامسة بعد السجدتين، بل في مواضع أُخرى غيرها وهي:‏

أ -‏[إذا تكلّمت في صلاتك سهواً وغفلةً].

ب -‏[إذا سلّمت سهواً في غير موضع التسليم فقلت: ‏( السلام عليكم )، أو قُلت: ‏( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) وأنت بعدُ لم تُكمل صلاتك].

ج-‏ إذا نسيت أنْ تتشهّد في صلاتك فتسجد سجدَتَي السهو والأفضل قضاء التشهدّ مع ذلك.

د -‏[ما لو علمت إجمالا -‏ بعد صلاتك -‏ أنّك زِدت فيها أو نقَصت مع كون صلاتِك محكومة بالصحّة فعليك أنْ تسجد سجدَتَي السهو حينئذٍ]، والأفضل لك أنْ تأتي بسجدتَي السهو لو نسيت سجدةً واحدة في صلاتك -‏ بعد أنْ تقضيها بعد الصلاة -‏ أوتأتي بسجدَتَي السهو إذا


قمت في موضع الجلوس أو بالعكس سهواً، بل الأفضل أنْ تَسجد سجدَتَي السهو لكلّ زيادةٍ ونقيصة في صلاتك.

ه-‏ عليك أنْ تكرّر سجود السهو بعدد ما يُوجبه أي أسجُد مرّتين أو أكثر، وهكذا دائماً.

كدت بعد أنْ انتهى بنا الحوار الى هذا الموضع مِن الصلاة أطلب مِن أبي أنْ يقدّم لي درساً تطبيقيّاً لصلاة رباعيّة كونها أطول صلاة يوميّة واجبة لأُلاحظ عن كثَب وأناة كيف يُكبّر أبي ويقرأ ويركع ويسجد ويتشهّد ويسلّم، غير أنّي آثرت أنْ أتراجع عن طلبي هذا بعد أنْ تذكرّت أنّه يُصلّي كلّ يوم صلاة العشاء وهي صلاة رباعيّة جهريّة فقلت في نفسي إذن فلأُراقبه وهو يُصلّي.

وحين هَمَّ أبي بأنْ يبدأ صلاته الرباعيّة الجهريّة تلك، كنتُ مشدود الأعصاب إليه شديد اليقظة وأنا ألحظ كلّ شاردة وواردة من حركات صلاته، وسأصِف لكم كيف صلّى أبي:‏

بدا أوّلاً فأسبغ وضوءه:‏

ووقف في مصلاّه مستقبلاً القبلة وهو خاشع فأذّن للصلاة وأقام.

ثُمّ بدأ صلاته، فكبَّر قائلاً: ‏( الله أكبر ) ثمّ قرأ سورة الفاتحة وأتبعها بقراءة سورة القدر.

ولمّا أتمّها وهو واقف منتصب ركع، ولمّا استقرّ به الركوع سبّح قائلاً:‏ ‏( سُبحان ربّي العظيم وبحمده ).

وحين انتهى مِن نِطق الحرف الأخير مِن التسبيح وهو راكع، انتصب مستقيماً واقفاً على قدَميه.


ولمّا استقرّ به القيام هَوى للسجود وإذا استقّر في سجوده سبَّح قائلاً:‏ ‏( سُبحان ربِّي الأعلى وبحمده ) وحين أتمّ نطق الحرف الأخير منها وهو ساجد، جلس مِن سجوده وحين استقرّ به الجلوس هوى للسجدة الثانية فقرأ فيها كما قرأ في أختها السجدة الأُولى: ‏( سُبحان ربِّي الأعلى وبحمده ).

ثُمّ رفع رأسه مِن سجوده وجلس ليقوم منتصباً على قدَميه للرّكعة الثانية وحين استقرّ به القيام، قرأ سورة الفاتحة، ثمّ أتبعها هذه المرّة بقراءة سورة التوحيد ولمّا فرغ من قرأتها، رفع يدَيه للقنوت، وقرأ في قنوته الآية القرآنيّة الكريمة: ‏( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ) ‏.‏

ثمّ أسبَل يدَيه من القنوت، وهوى للركوع، وحين استقرّ به الركوع قرأ: ‏( سُبحان ربّي العظيمِ وبحمده ).

ثُمّ انتصب قائماً ليَهوي للسجود، وحين سجَد قرأ في سجوده: ‏( سُبحان ربِّي الأعلى وبحمدِه) ثُمّ جلَس مِن سجدَته الأُولى ليهوي للسجدة الثانية، وحين سجَد قرأ: ‏( سُبحان ربِّي الأعلى وبحمده )، ثُمّ جلَس مِن سجوده.

ولمّا استقرَّ به الجلوس تشهّد فقرأ: ‏( اشهد أنْ لا اله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبدُهُ ورسوله اللهمَّ صلِّ على محمّد وآل محمّد ).


ولمّا فرغ مِن تشهّده قامَ منتصباً للركعة الثالثة فبدَأها -‏ بعد أنْ استقرَّ به القيام -‏ بالتسبيح قائلاً: ‏( سُبحان الله والحمدُ لله ولا إلاّ الله واللهُ أكبر )‏ ثلاثاً وبصوتٍ خافت.

ثُمّ هوى للركوع فقرأ فيه كما قرَأ في ركوعه السّابق: ‏( سُبحان ربّي العظيم وبحمده ) ثم انتصب قائماً من ركوعه، وهوى للسجود، فقرأ فيه كما قرأ سابقاً في سجوده: ‏( سُبحان ربَّي الأعلى وبحمدِه )، ثُمّ جلَسَ مستقرّاً ليهوي للسجدة الثانية فيقرأ فيها: ‏( سُبحان ربَّي الأعلى وبحمدِه ) كذلك.

ولمّا أتمّها، انتصب قائماً على قدَميه للركعة الرابعة والأخيرة، فبدأها كما بدأ سابقتَها بالتسبيح قائلاً: ‏( سُبحان الله والحمدُ لله ولا اِله إِلاّ الله والله أكبر ) ثلاثاً.

ثُمَّ هوى للركوع قارئاً: ‏( سبحان ربَّي العظيم وبحمده ).

ثمّ انتصب ليهوي للسجود قارئاً فيه: ‏( سُبحان ربّي الأعلى وبحمده )، ثُمّ جلَس ليسجد سجدته الثانية والأخيرة في هذه الصلاة فقرَأ فيها -‏ كعادته -‏ ( سبحان ربّي الأعلى وبحمده ).

ثمّ جلَس مطمئناً ليتشهد قارئاً كما قرأ في تشهده الأوّل: ‏( أشهدُ أنَّ لا اِله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله، اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمّد ).

ولمّا أتمّ تشهّده سلّم على النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: ‏( السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته )، ثُمّ اختتم صلاته قائلاً: ‏( السلام علينا


وعلى عبادِ الله الصالحين )، ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ).

هكذا صلّى أبي صلاة العشاء، وكان قد صلّى مثلها بالضبط صلاتَي الظهر والعصر -‏ وهما رباعيّتان كذلك -‏ غير أنّه قرأ السورتين في ركعتيهما الأُولى والثانية بصوتٍ خافت.

ولقد راقبته، وهو يُصلّي صلاة المغرب، فوجدته يُصلّيها كما يُصلّي العشاء، غير أنّه لمّا انتهى من سجدته الثانية وهو في ركعته الثالثة، جلس ليتشهّد ويُسلِّم ويختم صلاته ( لأنّ صلاة المغرب ثلاث ركعات ).

ثمّ راقبته كذلك وهو يُصلّي صلاة الصبح، فوجدته يُصلّيها كما يُصلّي صلاة العشاء، غير أنّه لمّا انتهى مِن سجدته الثانية وهو في ركعته الثانية وتشهّد، سلّم هذه المرّة ليختم صلاته ( لأنّ صلاة الصبح ركعتان ).

هكذا صلَّى أبي صلَواته اليوميّة، غير أنّي إمعاناً منّي في الملاحظة والتثبّت والضبط والدقّة، سأثبت لكم بعض خصوصيّات الصلاة، كما صلاّها أبي على شكل نقاط:‏

‏١ -‏ كان يحرُص حُرصاً شديداً على أنْ يُصلّي صلاته في أوّل وقتها، فهو يُصلّي الظهر مثلاً عندما يحين وقت صلاة الظهر ( الزوال )، وهو يُصلّي المغرب في أوّل وقتها، وهكذا وحين سألته عن سبب المبادرة الى الصلاة في أوّل وقتها، تمثّل بحديثٍ للإمام الصادقعليه‌السلام قال فيه: ‏(فضلُ الوقتِ الأوّل على الأخير، كفضلِ الآخرةِ


على الدُّنيا ).

‏٢ -‏ وكان عندما يقف بين يدَي ربّه ليُصلّي، تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع والتذلّل، وكان يُردّد أحياناً بينه بين نفسه، ولكن بصوتٍ مسموع، قبل أنْ يَتوجّه الى مُصلاّه قوله تعالى: ‏( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) .‏ وكأنّه يروِّض نفسه لها قبل أنْ يشرع بها، فيُذكِّر قلبه بأهمّية الخشوع لله في الصلاة.

‏٣ -‏ وكان قبل أنْ يُصليّ صلاة الصبح يُصلّي ركعتين، ويُصلّي ثماني ركَعَات -‏ ركعتين ركعتين كصلاة الصبح -‏ قبل صلاة الظهر، وأُخرى بقدرها قبل صلاة العصر، ويُصلّي أربَع ركَعَات -‏ ركعتين ركعتَين كصلاة الصبح -‏ بعد صلاة المغرب ويصليّ ركعتين مِن جلوس بعد صلاة العشاء.

سألته مرّة عن تلك الصلوات.

فقال: ‏إنّها ( النوافل ) تلك التي رُوي عن الإمام العسكريعليه‌السلام أنّه قال: ‏إنّها إحدى علامات المؤمن.

‏٤ -‏ ولأنّ الهمزة في كلمة ( أكبر ) من جملة ( الله أكبر) همزةُ قطع، فيجب أنْ تظهر واضحة جليّة على لسانك عندما تكبِّر هكذا قال أبي.

قلت له مرّة: ‏إِنّ بعض الناس ينطقون هذه الهمزة شبيهة بالواو كما لو كانت الجملة ( الله وكبر).

فقال: ‏حذار أنْ تنطقها كنُطقهم، إِنّهم مخطئون وأضاف :


وكذلك الحال في همزة ‏( أنعمت ) من الآية الكريمة من سورة الفاتحة: ‏( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، فهي همزةُ قطع ويجب أنْ تظهر على لسانك واضحة جليّة أثناء النطق بها ومثلها تماماً همزة ( الأعلى ) من ( سُبحان ربّي الأعلى وبحمده ) في السجود فهي همزة قطع ويجب أنْ تظهر على لسانك واضحة جليّة أثناء النطق بها.

‏٥ -‏ وقال أبي: ‏حاول أنْ تقف على حرف الدّال من كلمة ( أحدْ ) وأنت تقرأ الآية القرآنيّة الشريفة من سورة التوحيد: ‏( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) .

ثُمّ تتريّث قليلاً قبل أنْ تَرِدفها بالآية الكريمة التالية لها: ‏( اللَّهُ الصَّمَدُ ) ، ذلك أسهَل عليك وأيسَرْ.

‏٦ -‏ كان يُحرِّك أبي أواخِر كلماته في صلاته إذا انطلق في كلامه واستمرّ به، بينما كان يُسكِّن الحرف الأخير من الكلمة التي يقف عليها إذا أراد الوقوف.

٧ -‏ سألت أبي مرّة: ‏أسمَعُك حين تقرأ قوله تعالى: ‏( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )‏ تكسِر حرف النون من كلمة ( الرّحمن ) وحرف الميم من كلمة ( الرّحيم )، وتقرأهما كذلك بالكسر عندما تقرأ قوله تعالى:‏( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) من سورة الحمد بينما أسمع كثيرا من النّاس يقرؤونها بالضمّ وهُم يُصلِّون.

كما أسمَعُك حين تقرأ قوله تعالى من سورة الحمد: ‏( إيّاك نعبُدُ ) تضمّ الباء من كلمة (نعبُدُ) بينما أسمَع بعض الناس


يكسرونها وهم يُصلّون.

فقال: ‏ألَمْ تَدْرس النحو بعد وتلمّ بقواعده ؟.

قلت: ‏درسته ولكن ليس بالشكل الواسع.

قال: ‏فما يقول عُلماء النحو في حركة كلمتَي( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ؟

قلت: ‏الكسرة كما تقرأهما أنت.

قال: ‏هات لي نسخة مِن القرآن الكريم.

فأتيت له بنسخةٍ مِن كتاب الله كانت قريبةً مِنّي.

قال: ‏أخرِج سورة الحمد ولاحظها.

فأخرجْت سورة الحمد، فوجدت الكسرة ظاهرة على آخر كلمَتَي( الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ )‏ ووجدتُ حرف الباء من كلمة نعبُدُ، من قوله تعالى: ‏( إِيّاكَ نعبُدُ ) مضمومة لا مكسورة.

قلت: ‏وجدتهما كما تقرأهما أنت.

قال: ‏اقرأ إِذاً كما هو محرَّك في كتاب الله، وانتبه الى الأخطاء الشائعة في القراءة كي لا تقع فيها.

‏٨ -‏ وكان أبي لا يبدأ بقراءة الذِّكر في الرُّكوع أو السجود إلاّ بعد أنْ يستقرّ به الرّكوع أو السجود، ولا يرفع رأسه إلاّ مِن بعد أنْ ينتهي من نطق الذِّكر تماماً وهو راكع أو ساجد.

‏٩ -‏ وكان إذا رفَع رأسه في سجدته الأُولى تريّث قليلاً حتّى إذا استقرّ به الجلوس هوى للسجدة الثانية، وكذلك كان يصنع بعد


رفْعِ رأسه من السجدة الثانية، [أقصد] كان يجلِس ثُمّ يقوم للركعة التالية.

‏‏١٠ -‏ سألته مرّة: ‏أسمَعُك تدعو لنفسك ولأبَوَيك ولإخوانك المؤمنين بعد الصلاة مباشرةً.

قال: ‏نعم، فقد قال أبو الحسنعليه‌السلام : ‏( مَن دَعا لإخوانِه مِن المؤمنينَ والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وكَّلَ اللهُ بهِ عن كلِّ مؤمنٍ ملَكاً يدعو لهُ ).

‏١١ -‏ وسألته: ‏أراك تسبِّح بعد كلِّ فريضة ؟

قال: ‏إِنّه تسبيح الزهراءعليها‌السلام ، علَّمها إيَّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو: ‏( الله اكبر ) أربعاً وثلاثين مرّة، ثُمّ ( الحمد لله ) ثلاثاً وثلاثين مرّة، ثُمّ ( سُبحان الله ) ثلاثاً وثلاثين مرّة فيكون المجموع مِئة تسبيحة.

‏‏* وهل لتسبيح الزهراء فضل ؟

‏-‏ نعم، فقد رُوي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال لأبي هارون المكفوف: ‏( يا أبا هارون، إنَّا نأمُر صِبيانَنا بتسبيح الزهراءعليها‌السلام كما نأمُرهم بالصلاة فالزمه فإنّه لم يلزمه عبدٌ فيشقى ).

وعنه أنّه قالعليه‌السلام : ‏( تسبيح الزهراء في كلَّ يوم في دُبر كلَّ صلاة، أحبٌّ إليَّ مِن صلاةِ ألف ركعة في كلّ يوم ).

ولو كان هناك ما هو أفضل منه لَعلّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة لمكانتها عنده، كما ورَد عن الأئمّةعليهم‌السلام .

‏١٢ -‏ كان أبي أحياناً يُصلّي صلاة الظهر ثُمّ يتبعها مباشرةً بصلاة العصر، أو يُصلّي صلاة المغرب ويلحقها مباشرةً بصلاة


العشاء، بينما كان أحياناً أُخرى يفصل بين الصلاتين، فيُصلّي الظهر ثُمّ يتفرّغ لبعض شؤونه، حتّى إذا حَلَّ وقت العصر صلّى العصر، وكذلك يفعل مع صلاتَي المغرِب والعِشاء.

وحين سألته عن ذلك أجابَني.

‏-‏ أنتَ مُخيّر بين أنْ تَفصِل بينهما أو لا تفصِل.

‏١٣ -‏ أسمَعك -‏ قُلتُ لأبي -‏ حين تقرأ سورة القدر تظهر حرف اللام عندما تقرأ قوله تعالى: ‏( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) بينما أسمع بعض الناس لا يظهرونه، حتّى كأنّ حرف اللام غير موجود كأنّه: ‏يقرأ إنّا أنزنّاهُ، لا إنَّا أنزَلْناهُ وأسمَعك تقرأ:‏ ( سُبحان ربّيَ العظيمِ وبحمده ) فتَضُم حرف السين في سُبحان وتُظهِر الفتحةَ في ‏( رَبِّيَ ) بينما أسمعُ بعضَهم لا ينطقونها كما تَنطِق ؟

‏-‏ ألم أقُل لكَ انتبه لقراءتك.

* * * * *


حواريّة الصَّلاة الثانية



قبل أنْ يحين موعد حواريّة الصلاة الثانية، حاولتُ أنْ أُعيد استذكار ما دار في حواريّة الصلاة الأُولى من أفكار، لاَختبر مدى فعاليّة ذاكرتي، ولأسأل عمّا لَم أحفظه أو لَم استوعبه ما دُمنا بعد لم نُودِّع حواريّة الصلاة.

وما أنْ حضَر أبي حتّى بادرته بسؤال عنَّ لي فلَم أستطع الجواب عنه، قُلت له:‏

* أيُمكن أنْ أُصلّي صلاة العشاء بركعتين ؟

‏-‏ كلاّ.. ألَم أقُل لك أنّها صلاة رُباعيّة.

‏‏* ولكنّني رأيتُك صلّيتها مرّة بركعَتين.

‏-‏ أكُنّا في سَفَر ؟

‏‏* نعم.

‏-‏ هذا صحيح، فالصلاة الربّاعيّة ( صلاة الظهر والعصر والعشاء ) يجِب أنْ تقتصر على ركعتين في السّفر، إذا تمّت شروط قصرها التالية:‏

‏١ -‏ أنْ يقصد الشخص السفَر لمسافة تبعد ( ٤٤ كليو متراً ) تقريباً أو تزيد عن محلّ سُكناه سَواء أكانت هذه المسافة للذهاب


فقط أم للذّهاب والإياب.

‏‏* وضّح لي أكثر.

‏-‏ إذا سافر مسافر ما لمدينةٍ تبعد عن محلّ سُكناه ( ٤٤كم ) فأكثر يجب عليه التقصير في صلاته، بأنْ يُصلّي الصلاة ذات الأربع ركَعَات ركعتين فقط.

وكذلك إِذا سافر لمدينةٍ تبعد ( ٢٢كم ) عن بلد سُكناه وكان عازماً على الرجوع منها لبلده مرّة أُخرى في ذلك اليوم مثلاً.

‏‏* ومن أيِّ مكان يبدأ بقياس المسافة ؟

‏-‏ يبدأ بقياس المسافة مِن المكان الّذي يُعد الإنسان بعد تجاوزه مسافراً عُرفاً، وغالباً ما يَبدأ مِن آخر بيوت المدينة ولمسافة ٤٤كم.

‏٢ -‏ أنْ يستمرّ المسافر في قصده فلو تغيّر رأيه وبدا له في أمره أتمّ صلاته، إِلاّ أنْ يكون قد عزَم على الرجوع الى بلده وكان مسيره المتقدّم بضميمة العود والرجوع بمقدار المسافة فيجب عليه حينئذٍ القصر.

‏٣ -‏ أنْ يكون سفَره سائغاً، فلو كان نفس السفَر حراماً كما في بعض حالات سفَر الزوّجة بدون إذن زوجها، أو كان يقصد الحرام في سفرِه بأن قصد السرِقة في سفرِه مثلا كان عليه أنْ يتمّ صلاته، ويلحق بذلك ما إذا سافر للصيد لهواً فإنّه أيضاً يتمّ صلاته.

‏٤ -‏ أنْ لا يمر المّسافر بوطنه وينزل فيه أو مقرّ أقامته فيُقيم


أثناء السّفر، وأنْ لا ينوي الإقامة عشرة أيّام فصاعداً في البلَد الذي سافر إليه، وأنْ لا يكون قد بقيَ متردّداً لا يدري متّى سيُسافر مِن تلك البلدة التي سافر إِليها لمدّة ثلاثين يوماً، فإنّه عندئذٍ يقصّر في صلاته مِن أوّل سفره ولا يتمّ.

‏‏* وإِذا مرّ بوطنه أو مقرّ إقامته أثناء سفرِه ذاك ونزل فيه، أو كان عازماً على الإقامة في البلَد الذي سافر إِليه عشرة أيّام فصاعداً، أو كان قد بقيَ متردّداً لا يدري متى سيعود مِن سفره ذاك مدّة ثلاثين يوماً ؟

‏-‏ عندئذ يتمّ صلاته، ويتمّ المُرَدّد بعد اليوم الثلاثين ما دام باقياً في ذلك البلد.

٥ -‏ أنْ لا يكون السفر من طبيعة عملِه كأنْ يمتهِن عمَلاً سفريّاً: ‏كالسائق، والملاّح، والرّاعي أو يتكرّر منه السفر خارجاً لأجل عمله أو لغرضٍ آخر.

‏‏* معنى هذا أنّ السائق يتمّ صلاته إثناء السفَر ؟

‏-‏ نعم، فمَن كانت مهنته السياقة الى خارج المسافة يتمّ صلاته أثناء ممارسته مهنته.

‏‏* والتاجر والطالب والموظّف إِذا كان يُقيم في بلَد ما، وجامعته أو دائرته أو مركز تجارته في بلدٍ آخر يبعد عن محلّ إقامته ٢٢ كم فأكثر وهو يُسافر كلّ يوم أو يومين ليلتحق بها ؟

‏-‏ يتمّ صلاته ولا يُقصّر.


‏٦ -‏ أنْ لا يكون ممّن لا مقرّ له بأنْ يكون بيته معه كالسائح الّذي ليس له وطن أو أعرَض عن وطنه وهو يدخل من بلد الى بلد وليس له مقر في أيّ منها.‏

‏‏* ومتى يبدأ المسافر بالتقصير؟‏

‏-‏ يجب عليه التقصير إذا توارى عن أنظار أهل بلده لابتعاده عنهم، وعلامة ذلك غالباً أنّه لم يعد يرى أشخاص ساكنيه فإِنّه عندئذٍ يُقصِّر في صلاته.

‏‏* قلت لي: ‏إِذا مرَّ المسافر بوطنه ونزلَ فيه يتمّ صلاته، فماذا تقصد بوطنه ؟

‏-‏ أقصد بالوطن هناك:‏

أ -‏ مقرّه الأصلي الّذي ينسب إِليه ويكون مسكن أبويه ومسقط رأسه عادةً.

ب -‏ المكان الّذي اتخذه الانسان مقرّاً ومسكناً لنفسه بحيث يريد ان يبقى فيه بقية عمره.

ج-‏ -‏ المكان الّذي اتخذه مقرّاً لفترة طويلة بحيث لا يقال عنه ما دام هو فيه أنّه مسافر.

‏‏* معنى هذا :

‏١ -‏ إِذا مرَّ المسافر بوطنه ونزل فيه.

‏٢ -‏ وإِذا قصد الإقامة عشرة أيَّام متتالية أو أكثر في مكان ما قد سافر إليه.‏

‏٣ -‏ وإذا سافر لبلدٍ مّا وبقي فيه مدّة ثلاثين يوماً متردّداً لا


يدري متى سيعود منه الى وطنه فإنّ المسافر يتمّ صلاته ولا يقصّر ؟

‏-‏ نعم.

‏‏* وإذا سافر ولم يعترضه شيء مِن هذه النقاط الثلاثة المتقدّمة ؟

‏-‏ يُقصّر في صلاته فكلّ مسافر لمسافة تبعد (٤٤) كم فأكثر عن مدينته يُقصّر في صلاته، إلاّ إِذا مرّ بوطنه ونزَل فيه أو أقام ناوياً عشرة أيّام... أو.

‏-‏ نعم..نعم..‏

‏‏* وإذا حان وقت الصلاة وهو مُسافر ولم يصلِّ إثناء السفر، بل عاد لبلده فكيف يُصلّي في بلده ؟

‏-‏ يتمّ صلاته ؛ لأنّه حين صلّى، صلّى في بلده.

‏‏* وإذا حان وقت الصلاة وهو في بلده ولم يصلِّ، ثُمّ سافر مسافة ٤٤ كم أو أكثر.

‏-‏ يُقصّر في صلاته ؛ لأنّه حين صلّى، صلّى وهو مسافر.

‏‏* أشاهد بعض الأحيان مجموعة من الناس يصلّون الفرائض سويّة يركعون معاً ويسجدون معاً ويقومون معاً.

‏-‏ إنّهم يُصلّون صلواتهم اليوميّة المفروضة جماعةً لا فرادى.

‏‏* وكيف نُصلّي صلاتنا جماعة ؟

‏-‏ إذا اجتمع شخصان أو أكثر وكان أحدهما جامعاً لشرائط إمام الجماعة جازَ لهم أنْ يُقدّموه ليُصلّي بهم جماعة، فينالوا بذلك


أجراً إضافياً.

‏‏* إذن صلاة الجماعة مستحبّة ؟

‏-‏ نعم ولها ثوابٌ عظيم خاصّةً خلف الرّجل العالِم وكلّما زاد عدد أفراد الجماعة زاد فضلُها.

‏‏* وما هي شرائط إمام الجماعة تلك التي أشرت إليها في حديثك ؟

‏-‏ يُشترط في إمام الجماعة أنْ يكون بالغاً، عاقلاً غير مجنون، مؤمناً، عادلاً لا يعصي ربَّه، صحيح القراءة، ولادته شرعيّة، ذكَرَاً إذا كان المأموم ذكراً.

‏‏* وكيف نعرف أنّ هذا الرجل المؤمن، عادل حتّى نُصلّي خلفه ؟

‏-‏ يكفي فيه حسن ظاهره.

‏‏* هل يعتبر في الجماعة وإمامها شرائط أُخرى ؟

‏-‏ نعم [ يُعتبر أنْ لا يكون الإمام ممّن جرى عليه الحدّ الشرعي] وأنْ تكون صلاته عن قيام إذا كان المأموم يُصلّي عن قيام ؛ وأنْ يكون توجّهه الى الجهة التي يتوجّه إليها المأموم ؛ فلا يجوز لِمن يعتقد أنّ القبلة في جهة أنْ يأتمّ بمَن يعتقد أنّها في جهةٍ أُخرى وأنْ تكون صلاته بنظر المأموم صحيحة فلو توضّأ الإمام بماءٍ نجِس وهو لا يعلم بنجاسته والمأموم يعلم بذلك عندئذٍ لا يجوز للمأموم أنْ يأتمّ به.


‏‏* وكيف أصلّي صلاتي جماعة ؟

‏-‏ تختار شخصاً معيّناً جامعاً لشرائط إمام الجماعة مارّة الذِّكر، فتقف الى يمينه إنْ كُنت وحدَك متأخّراً عنه قليلاً أو تقف خلفه إِذا كنتما اثنين أو أكثر، مِن دون أنْ يفصل بينك وبينه حائلٌ كالجدار مثلاً، ومِن دون أنْ يرتفع موضع وقوفه على موضع وقوفك ارتفاعاً غير يسير، ويُشترط أنْ لا يكون الفاصل بينك وبين إمام الجماعة أو بينك وبين المصلّي الذي الى جنبك أو قدّامك المرتبط بإمام الجماعة كثيراً.

‏‏* إذن فلنقل على المصلّين أنْ لا يفصل بين أحدهم وصاحبه أكثر مِن مترٍ تقريباً.

‏-‏ [نعم تقريباً] ويكفي أنْ يرتبط المصلّي بصاحبه ولو مِن جهةٍ واحدة، يكفيه أنْ يرتبط بمصلٍّ أمامَه أو بمصلٍّ عن يمينه أو بمصلٍّ عن شماله، يكفيه أحدهم.

‏‏* وماذا بعد ذلك ؟

‏-‏ إذا كبَّر إمام الجماعة مبتدئاً صلاته كبَّر المصلّون خلفه، فإذا قرأ سورة الحمد والسورة اللاحقة لها لم يقرأ المأمومون ذلك ؛ إنّ تلاوته تجزي عن تلاوتهم فهو يتحمّل عنهم قراءتهم، فإذا ركَع ركعوا خلفه، وإذا سجد سجدوا خلفه وإذا جلس جلسوا، والأفضل لهم أنْ يتشهّدوا بعد تشهّده، وأنْ يُسلِّموا بعد تسليمه.

‏‏* وهل أتلو الذكر في ركوعي وسجودي وتشهّدي، وهل أقرأ


التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة، أو أصمُت وأنصت له ؟

‏-‏ بل اقرأ كما كنت تقرأ وأنت تصلّي منفرداً.. اقرأ الذِّكر في الركوع والسجود والتشهّد، وردّد التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة كما اعتدت، ‏فقط قراءة السورتَين يتحملّها عنك، ثُمّ إنّ عليك متابعته.

‏‏* ماذا تقصد ؟

‏-‏ عليك أنْ تُتابع إمام الجماعة في كلِّ خطوةٍ يخطوها، فإذا ركع ركعت معه، وإذا سجَد سجدت معه، وإذا رفع رأسه من السجود رفعت رأسك معه، وهكذا فلا تتقدّم عليه في أفعال الصلاة.

‏‏* ومتى ألتحق بإمام الجماعة ؟

‏-‏ التحق بإمام الجماعة وهو قائمٌ بعد تكبيره أو وهو راكع.

‏‏* إذا التحقت به وهو يتلو السورتين فلا أقرأ السورتين فإنّه يتحملّهما عنّي كما قلت لي، ولكن إذا كان راكعاً فكيف ألتحق به ؟

‏-‏ كبِّر لصلاتك، ثُمّ اركع مباشرةً حتّى إذا أنهى إمام الجماعة ركوعه وقام، قُمت معه.

‏‏* وقراءتي للسورتين ؟

‏-‏ تسقط قراءتهما عنك إذا التحقت به وهو راكع.

*‏‏ وإذا التحقت به وهو قائم يسبِّح لركعته الثالثة أو الرابعة ؟

‏-‏ كبِّر ثُمّ أقرأ السورتين بصوت خافت.

‏‏* وإذا لم يسعني الوقت لإتمامهما.


‏-‏ اِقرأ سورة الحمد وحدها.

‏‏* أألتحق بإمام الجماعة لأُصلّي صلاة الظهر، وإمام الجماعة يُصلّي العصر ؟

‏-‏ نعم، يحقُّ لك أنْ تلتحق بالجماعة، يحقُّ لك وإِنْ اختلفت صلاتك مع صلاة إمام الجماعة من حيث الجهر والإخفات، أو القصر والتمام أو القضاء والأداء.

‏‏* وهل للنساء جماعة كما للرجال ؟

‏-‏ نعم، فيجوز للمرأة أنْ تصلّي صلاتها جماعةً خلف رجلٍ تتوّفر فيه شروط إمام الجماعة مارّة الذِّكر، كما يجوز لها أنْ تأتمّ بالمرأة، ولكن إذا أمَّت المرأة النساء [وجَب أنْ تقف في صفّهن مِن دون أنْ تتقدّم عليهنّ] كما يفعل إمام جماعة الرجال.

أمّا إذا صلَّت النساء مع الرجال وجَب أنْ يصلين خلف الرجال، أو بصفهّم مع حائلٍ ولو كان جداراً.

‏‏* هذه هي صلاة الجماعة، غير أنّي أسمَع بصلاة تسمّى صلاة الجمعة.. فهل هي غيرها ؟

‏-‏ نعم، إنّها ركعتان كصلاة الصبح، غير أنّها تمتاز عنها بوجود خطبتين قبلها، حيثُ يقف الإمام ويتكلّم فيهما بما يُرضي الله وينفع الناس.

وأقلّ ما يجب عليه في الخطبة الأُولى أنْ يحمد الله [باللغة العربيّة] ويثني عليه ويُوصي بتقوى الله ويقرأ سورة قصيرة من


القرآن الكريم. ثُمّ يجلس قليلاً ليقوم مرّةً أُخرى للخطبة الثانية فيحمد الله ويثني عليه ويصلّي على محمّد وآل محمّد وعلى أئمّة المسلمينعليهم‌السلام والأفضل أنْ يستغفر للمؤمنين والمؤمنات.

‏‏* وهل هناك شروط في وجوبها ؟

-‏ نعم، يُشترط في وجوبها أنْ يدخل وقت صلاة الظهر، وأنْ يجتمع خمسة أشخاص بضمنهم إمام الجمعة وأنْ يوجد إمام لها جامع للشرائط تلك التي مرّ ذكرها في إمام الجماعة.

وإذا أُقيمت صلاة الجمعة في بلدٍ ما جامعةً للشرائط فإنْ كان مَن أقامها هو الإمام المعصوم أو مَن يُمثِّله وجَب على الرجال جميعاً المُقيمين في ذلك البلَد غير المحرَجين لمطرٍ أو بردٍ شديد أو نحوهما السالمين من المرض والعمى عدا الشيخ الكبير والمسافر حضورها من مسافة ( ١١كم ) تقريباً..‏

وإنْ كان الّذي أقامها غير الإمام وغير مَن يمثّله لم يجِب حضورها ويجوز الإتيان بصلاة الظهر.

ولو صلّى المصلّي صلاة الجمعة الجامعة للشروط اكتفى بها عن صلاة الظهر فهي تجزي عنها.

بقي أنْ أُشير لأمرين:‏

أوّلهما: ‏إنّ صلاة الجمعة واجبةٌ تخييراً، فالمكلّف مخيَّر بين الإتيان بها إذا توفّرت شروطها وبين الإتيان بصلاة الظهر والجمعة أفضل.


ثانيهما: ‏يعتبر أنّ لا تكون المسافة بين صلاة الجمعة وبين صلاة جمعة أُخرى أقلّ من ( ٥ و٥) كم تقريباً.

‏‏* أحببت أنْ أسألك سؤالاً أستحيي أنْ أسأله.

‏-‏ سل ما شئت فلا حياء في الدين.

‏‏* إذا لم أُصلِّ بعض الصلوات الواجبة لنومٍ، أو غفلة تارة، وبسبب التسامح واللامبالاة والجهل تارة أُخرى، أو كنت قد صلّيتها فاسدةً وقد خرج وقتها ؟

‏-‏ يجب عليك قضاؤها فإنْ كانت جهريّة كصلاة الصبح والمغرب والعشاء تقضيها جهراً، وإنْ كانت إِخفاتيّة كصلاة الظهر والعصر تقضيها بصوتٍ خافت، وإِنْ كانت قصراً تقضيها قصراً وإِنْ كانت تماماً تقضيها تماماً.

‏‏* وهل أقضي صلاة الظهر عندما يحين الزوال، وأقضي صلاة العشاء عندما يحين وقت صلاة العشاء وهكذا.

‏-‏ كلاّ بل يحقّ لك قضاء أيّة صلاة فاتتك متى شئت، ليلاً كان وقت القضاء أم نهاراً فيحقّ لك أنْ تقضي صلاة الصبح مساءً وهكذا.

‏‏* وإذا لم أعلم كم صلاةٍ فاتتني، فكم صلاة أقضي ؟

‏-‏ صلِّ ما تأكدّت مِن فواته عليك وإنّك لم تصلّه في وقته، أمّا التي تشكّ في فواتها فلا يجب عليك قضاؤها.

‏‏* اضرب لي مثلاً.


‏-‏ إذا تأكّدت مثلاً أنّك لم تصلِّ صلاة الصبح مُنذ شهر وجَب عليك قضاء صلاة الصبح لمدّة شهر، ولكنّك إذا شككت بأنّك مطلوب أو غير مطلوب فلا يجب عليك القضاء.

مثال آخر، إذا كنت تعلَم أنّك لم تصلِّ صلاة الصبح مدّة من الزّمن، ودار الأمر في نفسك بين احتمالين: ‏أمّا أنّك مطلوب شهراً واحداً، أو مطلوب شهراً وعشرة أيّام جاز لك حينئذٍ أنْ تصلّي الشهر وتقتصر عليه وحده دون الزائد عليه.

‏‏* وهل يجب أن نقضي ما فاتنا فوراً وبدون تأخير ؟

‏-‏ كلا، بل يجوز التأخير مِن دون تهاون أو تسامح، وأُوصيك أنْ تقضي كلّ صلاة تفوتك في نفس اليوم الذي فاتتك فيه، فإذا لم تستيقظ لصلاة الصبح مثلاً فاقض صلاة الصبح في نفس اليوم عندما تُصلّي الظهر قبلها أو بعدها لئلاّ تتراكم عليك فيصبح قضاؤها صعباً أعاذك الله مِن التهاون والتسامح في القضاء ووفّقك لأداء صلواتك في أوقاتها المحددّة لها.

‏‏* دعنا نعود الى الوراء قليلاً ففي بداية حواريّة الصلاة الأُولى ذكرت لي وأنت تعدّد الصلوات الواجبة صلاة تفوت الوالد فيجب على الولد الأكبر له قضاؤها إنْ لم يقضها الأب حتّى يموت.

‏-‏ نعم [يجب على الابن الأكبر قضاء الصلاة الفريضة] إذا فاتت الوالد لعذرٍ ولم يقضها مع تمكّنه مِن القضاء حتّى مات ولم يكن ابنه الأكبر قاصراً حين موته ولا ممنوعاً مِن اِرثه وله أنْ يستأجر


غيره للقضاء نيابة عنه.

‏‏* وذكرت لي صلاة الآيات.

‏-‏ تجب صلاة الآيات على كُلِّ مكلَّف عدا الحائض والنُّفساء، عند كُسوف الشمس أو خُسوف القمر ولو جزئيّاً [وعند الزلازل]، ويرجّح أنْ تصلّيها عند كلّ مخوّف سماوي كالصاعقة والصيحة والريح السوداء وغيرها، وعند كلّ مخوّفٍ أرضي كالخَسْف والهدّة فيما لو حصل الخوف فيهما -‏ السماوي والأرضي -‏ لغالِب النّاس، وتُصلّى صلاة الآيات فُرادى كما تُصلّى في الكسوفين جماعة.

‏‏* ومتى تؤدّى صلاة الآيات ؟

‏-‏ في الكسوف والخسوف مِن بدايتهما الى تمام انجلاء الشمس والقمر.

‏‏* وفي الزلازل والصاعقة وكلّ أمرٍ سماوي أو أرضي مخيف ؟

‏-‏ ليس لصلاتها وقتٍ محدّد، بل يُؤتى بها بمجرّد حصولها، إلاّ مع سعة زمان الآية، فيُؤتى بها ما لم ينقض زمانها.

‏‏* وكيف أُصلّي صلاة الآيات.

‏-‏ إنّها ركعتان في كلّ ركعة منها خمسُ ركوعات.

‏‏* وكيف ذاك ؟

‏-‏ تكبّر أوّلاً ثُمّ تقرأ سورة الفاتحة وتلحقها بسورةٍ تامّة غيرها، ثُمّ تركع فإذا رفعت رأسك مِن ركوعك تقرأ الفاتحة مرّة أُخرى


وسورة تامّة غيرها وهكذا الى أنْ تركع الركوع الخامس.

فإذا رفعت رأسك منه هوَيت للسجود فتسجد سجدتين كما كنت تسجد دائماً في صلواتك.

ثُمّ تقوم للركعة الثانية فتفعل فيها كما فعلت في أُختها الركعة الأُولى تماماً.

ثمّ تتشهّد وتُسلّم وبذلك تختم صلاتك وبهذا يتّضح أنّها تحتوي على عشرة ركوعات ولكن ركعتين.

وهناك صورة أخرى لهذه الصلاة لا حاجة لذكرها هنا طلباً للاختصار.

‏‏* وإذا حصَل كسوف أو خسوف ولم أعلم بحصوله حتّى تمّ الانجلاء وانتهى كلُّ شيء ؟

‏-‏ إذا كان الكسوف أو الخسوف كلّياً بحيث شمل القرص كلَّه وجب عليك القضاء.‏ وإنْ لم يكن كليّاً بل كان جزئيّاً بأنْ شمل بعض القرص لا كلّه لم يجب عليك القضاء.

‏‏* والزلزلة والصاعقة ؟

‏-‏ إذا مضى الزمان المتّصل بحدوثهما ولم تُصلِّ لأي سببٍ سقطت الصلاة.

‏‏* وهل يجب عليّ أن أُصلّي صلاة الآيات عندما يحدث خسوف أو كسوف في أيِّ بقعة من بقاع الأرض ؟

‏-‏ كلاّ، بل تجب عليك الصلاة عندما يقع الخسوف أو


الكسوف في بلدِك وما يلحق ببلدك أو يشترك معه في الإحساس بالحدث لو وقع ولا تجب عليك الصلاة عندما يقع الحدث في مكان ما من العالم بعيد عنك.

‏‏* قلت لي إنّ الصلوات واجبة ومستحبّة، ولم تحدّثني عن الصلوات المستحبّة ؟

‏-‏ إنّها كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا، ولذلك فسأقتصر على بعضٍ منها فقط.

‏١ -‏ صلاة الليل: ‏والأفضل أداؤها في الثلث الأخير من الليل، وكلّما اقترب الوقت من طلوع الفجر كان أفضل، وهي ثمان ركَعَات يُسلّم المصلّي بعد كلِّ ركعتين منها مثل صلاة الصبح، فإذا انتهى مِن ذلك صلّى الشفع وهي ركعتان، ثمّ صلّى الوِتر، وهي ركعةٌ واحدة، فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة.

‏‏* علمّني كيف أؤدّي الوتر وهي ركعة واحد ؟

‏-‏ كبِّر لها أوّلاً ثُمّ أقرأ الحمد ويُستحبّ أنْ تقرأ بعدها سورة التوحيد ثلاثاً وسورَتي الناس والفلق، ثُمّ ترفع يديك بالدعاء فتدعو بما شئت.

ويُستحبّ لك أنْ تبكي مِن خشية الله، وأنْ تستغفر لأربعين مؤمناً تذكرهم بأسمائهم، وأنْ تقول سبعين مرّة: ‏( أستغفر الله ربّي وأتوب إليه )، وسبع مرّات:‏ ( هذا مقامُ العائذ بك من النّار)، وثلاثمِئة مرّة: ‏( العفو )، فإذا فرغت فاركع ثُمّ أسجد كما كنت تركع وتسجد في


صلواتك اليوميّة ثُمّ تشهّد وسلِّم.

ولك أنْ تقتصر على الشفع والوتر وحدهما، بل على الوتر وحدها وخاصّة إذا ضاق بك الوقت.

‏‏* وما هو فضل صلاة الليل ؟

‏-‏ لصلاة الليل فضلٌ كبير فقد رُوي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( قال النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في وصيّته لعليٍّعليه‌السلام : ‏وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل ).

وعن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً: ‏( صلاة ركعتين في جوف الليل أحبٌّ إليَّ من الدّنيا وما فيها ).

وعن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام : ‏أنّه جاءه رجل فشكا إليه الحاجة، فأفرط في الشكاية حتّى كاد أنْ يشكو الجوع فقال له أبو عبد اللهعليه‌السلام :‏ ( يا هذا، أَتُصلّي بالليل ) ؟ فقال الرجل: ‏نعم فالتفت أبو عبد اللهعليه‌السلام الى صاحبه فقال: ‏( كذِب مَن زعَم أنّه يُصلّي بالليل ويجوع بالنّهار، إنّ الله عزّ وجل ضمِن بصلاةِ الليل قُوت النهار ).

‏٢ -‏ صلاة الوحشة أو صلاة ليلة الدفن: ‏ووقت أدائها الليلة الأُولى مِن الدفن في أيّة ساعة شئت منها، وهي ركعتان تقرأ في الأُولى بعد الحمد آية الكرسي [إلى قوله تعالى:‏( هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ]، وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد سورة القدر عشر مرّات وبعد التشهّد والسلام تقول: ‏( اللّهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد وابعث ثوابها الى قبر فلان ) وتسمّي الميّت وهناك صورة أُخرى لهذه الصلاة راجع كتب الفقه إنْ شئت الاطّلاع عليها.

‏‏

‏٣ -‏ صلاة الغُفَيلة: ‏وهي ركعتان بين المغرب والعشاء تقرأ في الركعة الأُولى بعد الحمد الآية الكريمة: ‏( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) .

وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد الآية الكريمة: ‏( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) .

ثُم ترفع يديك بالدعاء فتقول: ‏( اللّهم إِنّي أسأُلك بمفاتح الغيب التي لا يعلَمُها إِلاّ أنت أنْ تُصلّي على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ وأنْ تَفعل بي كذا وكذا ) وتذكر حاجتك ثُمّ تقول: ‏( اللهمّ أنت وليِّ نعمتي والقادِر على طلِبَتي تعلَم حاجتي فأسألك بحقِّ محمّدٍ وآله عليه وعليهم‌السلام لمّا قضيتها لي )، ثُمّ تسأل حاجتك فإِنّها تُقضى إنْ شاء الله.

‏ ٤ -‏ صلاة اليوم الأول مِن كلّ شهر: ‏وهي ركعتان تقرأ في الركعة الأولى بعد الحمد سورة التوحيد ثلاثين مرّة وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد سورة القدر ثلاثين مرّة، ثُمّ تتصدّق بما تيسّر، تشتري بذلك سلامة الشهر ويستحبَّ قراءة بعض الآيات القرآنيّة المخصوصة بعدها.

‏‏

‏٥ -‏ صلاة الإمام عليّعليه‌السلام : ‏وهي أربع ركَعَات تُصلّيها ركعتين ركعتين كصلاة الصبح، تقرأ في كلِّ ركعة سورة الحمد مرّة وسورة التوحيد خمسين مرّة يقول الإمامعليه‌السلام :‏ ( مَن صلّي أربَع ركَعَات يَقرأ في كلِّ ركعة: ‏( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ... ) خمسين مرّة لم ينفتل وبينه وبين الله ذنب ).

‏ ٦ -‏ صلاة لتيسير الأمر العسير: ‏وهي ركعتان، قال الإمام أبو عبد اللهعليه‌السلام : ‏( إذا عسر عليك الأمر فصلِّ ركعتين تقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. ) ‏ و( إِنّا فتحنا.. ) الى قوله: ‏( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) وفي الثانية الفاتحة و ‏( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.. ) و( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) .


( حواريّة الصّوم )



بدأ أبي حديثه عن شهر رمَضان وفي صوته بحّةٍ مرتعشة، وفي عينيه نثارة من دمعٍ متوهّج مشتعل، وفي روحه ينبوع من حنان متفجّر ؛ فاسم رمَضان يقترن عنده بكلّ المعاني العذبة الجميلة الخيّرة للصفح والسماح والبركة والرّحمة ‏والمغفرة والرّضوان.

‏ ومن أجل أنْ يثبّت قناعاته تلك ويُوثق مشاعره نقلني الى مشهد يعبق بعطر الجلال ووسامة المهابة.‏. الى حيث يقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محاطاً بأهل بيته وأصحابه يخطب فيهم، فيقول: ‏( أيّها الناس إنّه قد أقبَل إليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهرٌ دُعيتم فيه الى ضيافة الله، وجُعلتم فيه مِن أهل كرامة الله، أنفاسُكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة،‏ وعملُكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب فاسألوا الله ربَّكم بنيّاتٍ صادقة وقلوبٍ طاهرة أنْ يوفّقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإِنْ الشّقيَّ مَن حُرِم غُفران الله في هذا الشهر ‏العظيم.

‏ أيّها الناس، إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مُفتّحة، فسَلوا ربّكم أنْ لا يُغلقها عليكم.‏ وأبواب النيران مغلقة، فسَلوا ربّكم أنْ لا يفتحها عليكم، والشياطين ‏مغلولة، فسلوا ربّكم أنْ لا يسلّطها عليكم ).

‏‏

‏* قرأ ذلك، ثُمّ أنعطف بي الى شقٍ من خطبة النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله وكأنّه يُريد أنْ يُشير لي إلى ما ينبغي عليّ عمله في هذا الشهر المُبارك، فقرأ علَيَّ قولَهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( أيّها الناس، مَن فطَّر مِنكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عِتق ‏رقَبَة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه ).

‏قيل: ‏يا رسول الله، وليس كلّنا نقدر على ذلك.‏ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( اِتّقوا النار ولو بشِقّ تمرة.‏. اِتقوا الله ولو بشربة من ماء.‏ فإنّ الله تعالى يهَب ذلك الأجر لِمَن عمل ‏هذا اليسير إِذا لم يقدِر على أكثر منه.‏..‏

‏يا أيّها الناس، من حَسَّن مِنكم في هذا الشهر خُلُقَه كان له جوازٌ على الصراط يوم تزلُّ فيه الأقدام، ومَن خفَّفَ في هذا الشهر عمّا ملكَت يمينه خفَّف الله عليه حسابه،‏ ومَن كفَّ فيه شرّه كفّ الله عنه غضبَه يوم يلقاه، ومَن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه، ومَن وصَل فيه رحِمَه وصلَهُ الله برحمته يوم يلقاه، ومَن قطَع فيه رحمه قطَع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومَن تلا فيه آيةً من القرآن كان له مثل ‏أجرُ من ختَم القرآن في غيره من الشهور ).

‏وما أنْ انتهى بي الى هذا الموضع من خطبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى تناول بالنقد والتجريح بعضاً مِن المظاهر السلوكيّة لصائمين يظنّون أنّ الصوم هو الامتناع عن الأكل والشرب فقط، موثّقاً تجريحه ذاك بحديثٍ للإمام عليّعليه‌السلام قال فيه: ‏( كم مِن صائمٍ ليس له مِن صيامه إلاّ الظمأ، وكم مِن قائمٍ ليس له مِن قيامه إِلاّ ‏العناء ).

‏ثُمّ أردف بحديثٍ آخر للإمام الصادقعليه‌السلام قال فيه: ‏( إذا أصبحتُ صائماً فليَصُم سمعُك وبصرُك وشعرُك وجِلدُك وجميع جوارحك )، وقالعليه‌السلام أيضاً: ‏( إنّ الصيام ليس مِن الطعام والشراب


وحدهما، فإذا صُمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذِب، وغُضّوا أبصاركم عمّا حَرَّمَ الله، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا ولا تسابّوا، ولا تشاتموا، ولا تظلموا، .‏..‏ واجتنبوا قول الزور، والكذِب والخصومة، وظنّ السوء، والغيبة، والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة، منتظرين لأيامكم، منتظرين لِما وعدكم الله، متزوّدين للقاء الله، وعليكم السكينة والوقار، والخشوع والخضوع، وذلّ ‏العبيد الخيف مِن مولاها خائفين راجين ).

‏ثُمّ قصَّ عليّ بعد ذلك قصّةً حدثت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد سمِع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏امرأة ‏تسبَّ جاريةً وهي صائمة، فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بطعام فقال لها: ‏( كُلي ).‏ فقالت:‏‏ إنّي صائمة يا رسول الله، فقال: ‏( كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك ؟ إنّ الصوم ليس مِن الطعام والشراب، وإنّما جعل الله ذلك حجاباً عن سِواهما مِن الفواحش مِن الفعلِ ‏والقولِ، ما أقلَّ الصوّم وأكثر الجوع ).

قلت لأبي وقد تملّكتني رهبةٌ وشدَّني خشوعٌ مهيب: ‏يجب عليَّ إذن أنْ أصوم شهر رمضان هذه السنة، ولكن كيف أعرف أنّ رمضان قد بدأ حتّى أصومه ؟

‏-‏ تعرف ذلك بثبوت رؤية هلال رمضان في بلدِك أو في البلاد القريبة منه التي تشاركه في الأُفُق، بمعنى أنْ تكون الرؤية الفعليّة للهلال فيها ملازمةٌ ‏لرؤيته في بلدِك لولا المانع مِن سَحابٍ أو غيمٍ أو جبَل أو نحو ذلك.

‏* وبماذا تثبت رؤية الهلال ؟

‏‏-‏ تثبت بما يأتي :


‏١ -‏ أنْ ترى الهلال بنفسك.

٢ -‏ أنْ يشهَد رجُلان عادلان برؤيته مع عدَم عِلمك باشتباههما وعدم معارض ‏لشهادتهما.

٣ -‏ أنْ يمضي ثلاثون يوماً مِن شهر شعبان فتعرف أنّ شهر شعبان قد انتهى ‏بالتأكيد وبدا شهر رمضان اليوم.

٤ -‏ أنْ يشيع ويشتهر عند الناس رؤية هلال رمضان فتجزم أو تطمئنّ برؤيته.

‏* وإذا لم أعرِف أوّل الوقت هل ثبَت هلال رمضان فأصوم غداً أو لم يثبت، فهل أصوم وأنا لا أدري أنّ يومَ غدٍ هو آخر يوم مِن شعبان أو أنّه أوّل يوم من رمضان ؟

‏-‏ صُمه على أنّه من شعبان، فإذا تبيّن بعد ذلك أثناء النّهار أنّه من رمضان ‏عدَلْت عن نيّة شعبان وحُسِب لك من رمضان ولا شيء عليك.

ويجوز لك أنْ لا تصوم يوم الشك.

‏* وكيف أعرف أنّ شهر رمضان قد انتهى وأنّ شهر شوّال قد بدأ فأفطر ؟

‏-‏ بنفس الطريقة المتقدّمة التي عرفت بها بداية شهر رمضان، بأنْ ترى هلال شهر ‏شوّال بنفسك أو.‏..‏أو.‏..‏

‏* نعم.‏. نعم.‏ وإذا ثبت لديّ أنّ هلال رمضان قد هلَّ ؟

‏-‏ وجبَ عليك الصوم وعلى كلّ مسلم، بالغ، عاقل، آمِنٌ مِن ضرَر الصوم عليه، حاضر غير ‏مسافر ولا مغمىً عليه.

‏وبالنسبة للنساء يجب الصوم على المرأة الطاهرة من الحيض


والنفاس، فالحائض والنُّفسَاء لا تصوم، وتقضي ما فاتها مِن صيام شهر رمضان بعد ‏ذلك.

‏* وإذا خاف الانسان على نفسه من الصوم ؟

‏-‏ لا يصوم من خاف على نفسه الإصابة بمرضٍ جرّاء الصوم، أو اشتدادَ مرض، أو تأخيرَ شِفاءِ مرض أو زيادة ألمه، كلّ ذلك بالمقدار المعتدِّ به الّذي لم تجرِ ‏العادة بتحمّله.

‏‏‏* والمسافر ؟

‏‏-‏ إذا سافر بعد الزوال [ بقيَ على صيامه ]، وإذا سافر قبلَ الفجر أفطر.

‏* وإذا سافر بعد الفجر ؟

‏-‏ إذا سافر بعد الفجر [لا يصحّ منه الصوم سَواء كان عازماً على السفر مِن ‏الليل أم لم يكن] وعليه القضاء.

‏* إذا أردتُ أنْ أصوم فكيف أصوم ؟

‏‏-‏ تنوي الصوم مِن أوّل الفجر الى غروب الشمس قربةً الى الله تعالى.

‏* ألا يعني الصوم الإمساك ؟

‏‏-‏ نعم.

‏* فإذا نويت الصوم فعن أيِّ شيءٍ امسك ؟

-‏‏ تُمسِك عن عدّة أُمور تُسمّى بالمفطرات وهي تسعة:‏‏

‏١، ٢ -‏ تعمّد الأكل والشرب قليلاً كان أو كثيراً.

‏* وإذا لم أتعمّد، بل نسيت أنّي صائم فأكلت وشربت ؟

‏‏-‏ ما دمت غير عامد فصومك صحيح.

‏* وهل يحقُّ لي أنْ أغسل فمي بالماء ثُمّ أرمي بالماء خارجاً ؟

‏‏

‏-‏ نعم يحقُّ لك ذلك ولكن إذا كان ذلك لغرض التبرّد فسبَق الماء ونزل الى حلقِك ‏وجَب عليك القضاء وإنْ نسيت فابتلعت فلا قضاء عليك.

‏* وهل يحقُّ لي أنْ أغمس رأسي في الماء مع الأمن مِن وصول الماء الى حلقي ؟

‏‏-‏ نعم يحقُّ لك ذلك وإنْ كان مكروهاً كراهةً شديدة.

٣ -‏ [تعمّد الكذب على الله أو على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو على الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ].

٤ -‏ تعمّد الاتّصال الجنسي ( أو الجماع ) في القُبل أو الدبُر فاعلاً أو ‏مفعولاً به.

*‏ والزوج الصائم والزوجة الصائمة ؟

‏‏-‏ يحقّ لهما ممارسة الجنس ( الجماع ) في ليلِ شهرِ رمضان فقط لا نهاره.

٥ -‏ الاستمناء أو ممارسة ( العادة السرّية ) بأيَّة صورة من الصوَر.

٦ -‏ تعمّد البقاء على الجنابة حتى ّيطلع الفجر، فلو أجنَب الانسان لأيَّ سببٍ كان أثناء الليل، وجب عليه أنْ يغتسل قبل أنْ يطلع الفجر، حتّى يطلع عليه الفجر ‏وهو طاهر فيصوم.

‏* ولو أجنبتُ أثناء الليل ولَم أتمكّن من الاغتسال لمرضٍ مثلا ؟

‏‏-‏ تتيمّم قبل الفجر.

‏*‏‏ والمرأة ؟

‏-‏ إذا نقت المرأة مِن الحيض أو النفاس ليلاً وجَب عليها أنْ تغتسل حتّى يطلع ‏عليها الفجر وهي طاهرة فتصوم.

‏‏

‏* ولو احتلمتُ فنزل مِنّي السائل المنَوِي أثناء النهار وأنا صائم،‏ ولمّا أفقت مِن نومي وجدت نفسي مُجنِباً ؟

‏-‏ احتلام الصائم لا يُفسِد صومه، فلو أفاق في أيّة ساعة من ساعات النّهار ‏فوجَد نفسه مُجنباً لم يضرّ ذلك بصحّة صومه وإنْ لم يغتسل مِن جنابته.

٧ -‏ [ تعمّد إدخال الغبار أو الدخان الغليظين الى الحلق].

٨ -‏ تعمّد القيء.

‏* وإذا لم يتعمّد الصائم القيء، بل ألقي ما في معدته دون عمد ؟

‏‏-‏ لا يضرّ ذلك بصومه.

٩ -‏ تعمّد الاحتقان بالماء أو بغيره من السوائل.

‏* ولو تعمّد الصائم فارتكب إحدى المفطرات مارّة الذكر ؟

‏‏-‏ يلزمه الإمساك حسب التفصيل التالي: ‏‏

‏أ -‏ إذا بقي على الجنابة متعمّداً الى طلوع الفجر أمسك في النهار، [وليكن إمساكه بقصد القُربة المطلقة أي بقصد امتثال الأمر المتوجّه إليه، من دون تعيين ‏كون الإمساك للأمر بالصوم في شهر رمضان أو للتأدّب].

‏ب -‏ إذا تعمّد الكذِب على الله أو على رسوله أو استنشق الدخان أو الغبار الغليظين [أمسك بقيّة يومه برجاء المطلوبيّة أي باحتمال كون الإمساك مطلوباً ‏فيه شرعاً، أمّا للأمر بالصوم أو للأمر بالإمساك تأدّباً ].

‏ج -‏ وإذا أفطر بأحد المفطرات الأُخرى [ أمسك بقيّة يومه تأدّباً برجاء ‏مطلوبيّته ].

‏ويجب عليه بالإضافة الى ذلك أنْ يقضي اليوم الذي أفسَد صومه بالإفطار، وأنْ يكفّر إمّا بتحرير رقبة، أو بإطعام ستّين مسكيناً، أو بصوم شهرين متتابعين عن كلّ يوم أفطره، سَواء أكان إفطاره بشيءٍ


‏محلّل كشربِ الماء أم بشيءٍ محرّم كشُرب الخمر أم الاستمناء.

‏* وكيف يتمّ إطعام ستين مسكيناً ؟

‏-‏ تارةً يكون بإطعامهم مباشرةً فيُشترط حينئذٍ إشباعهم أي تمكينهم مِن الطعام ‏الجاهز للأكل بمقدار ما يُشبعهم.

‏وأُخرى بالتسليم إليهم فيجب عندئذٍ أنْ تعطيهم ( ثلاثة أرباع الكيلو غرام ) تقريباً مِن التمر أو الحنطة أو الطحين أو الرز أو الماش أو غيرها ممّا يسمّى طعاماً، عن كلِّ يوم ولا يجوز لك دفع المال له بدل الطعام، بل الطعام وحده دون ‏سِواه، أو توكله أنْ يشترّيه عنك ثُمّ يتملّكه لنفسه.

‏* وإذا أفطرت يوماً من رمضان لعُذرٍ كالمرض المانع من الصوم أو السفر مثلاً ؟

‏-‏ يجب عليك القضاء حينئذٍ بأنْ تختار يوماً من أيّام سنتك غير العيدين فتصومه ‏عِوضاً عن ذلك اليوم الذي مرضت فيه أو سافرت فيه.

‏* وإذا استمرّ بيَ المرض ذاك الذي منَعنِي من صوم رمضان الى رمضان الآتي ؟

‏-‏ سقَط عنك القضاء حينئذٍ ووجَبَت عليك الفِدية، وهي أنْ تتصدّق عن كلّ يوم ‏بثلاثة أرباع الكيلو من الطعام تقريباً.

‏* ‏ وقبل أنْ أودّع حواريّة الصوم قال أبي أحبّ أنْ أُشير الى ما يأتي:‏‏

‏١ -‏ لا يجوز صوم يومي الَعيدين ( عيد الفطر وعيد الأضحى ) قضاء، ولا غير ‏قضاء.

٢ -‏ [ يجب على الولد الأكبر قضاء ما فات أباه من الصوم لعُذرٍ ممّا وجب عليه قضاؤه ولم يقضِه مع تمكّنه منه إذا لم يكن الولد الأكبر حين موت أبيه قاصراً ‏أو ممنوعاً من إِرثه].

‏‏

‏٣ -‏ وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص معدودين لم يجِب عليهم صيام‏ ‏رمضان منهم:‏

‏أ -‏ الشيخ والشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم، أو كان يسبّب لهما حرجَاً ومشقّة وفي هذه الحالة -‏ أي المشقّة -‏ يجب عليهما الفِدية عن كلّ يوم أفطرا فيه، ‏ومقدارها ثلاثة أرباع الكيلو غرام تقريباً، مِن الحنطة وهي أفضل من سِواها.‏ ‏ولا يجب عليهما قضاء الصوم.

‏ب -‏ الحامل المُقرِب التي يضرُّ بها الصوم أو يضرّ بحملها.‏ ويجب عليها القضاء ‏بعد ذلك.

‏ج-‏ -‏ المرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بولدها [وأنحصر الإرضاع بها]، وإلا لم يجز لها الإفطار، وإذا جاز لها الإفطار فعليها القضاء بعدئذٍ كما يجب عليهما -‏ الحامل والمرضعة التكفير عن كلّ يوم أفطرتا ب-‏ ‏٣|٤ الكيلو غرام تقريباً.

٤ -‏ وكما أنّ الصلاة واجبة ومستحبّة، فالصوم واجبٌ ومستحب أيضاً،‏ بل هو من المستحبّات المؤكّدة، فقد ورد في الروايات أنّه: ‏( جُنّةٌ من النّار )، وأنّه ( زكاة الأبدان )، و ( به يدخل العبد الجنّة )، وأنّ ( نوم الصائم عبادة ونَفَسهُ وصمته تسبيح، وعمله متقبّل ودعاؤه مُستجاب )، و ( للصائم فرحتان: ‏فرحةٌ عند ‏الإفطار وأُخرى حين يلقى الله عزّ وجل )

وقد نصّت الروايات على استحباب:‏‏

أ -‏ صوم ثلاثة أيّام مِن كلّ شهر، والأفضل صوم أوّل خميس مِن الشهر وآخر خميس ‏منه، وأوّل أربعاء من العشرة الثانية منه.

ب -‏ صوم يوم مولد النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ويوم مبعثه.


ج-‏ -‏ صوم يوم الغدير.

د -‏ صوم يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة.

ه-‏ -‏ صوم يوم الرابع والعشرين من ذي الحجّة.

و -‏ صوم شهر رجب كلّه أو بعضه.

ز -‏ صوم شهر شعبان كلّه أو بعضه.

وغير هذه كثير لا يسَع المجال لذكرها هنا.

٥ -‏ وأخيراً ذكر لي أبي هذه الرواية عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( إنّ مِن تمام الصوم إعطاء ‏الزكاة ) يعني زكاة الفطرة.

‏ثُمّ أردف قائلاً يجب على كلّ بالغٍ عاقلٍ مالك لقوت سنته أنْ يخرج زكاة الفطرة عن نفسه ومن يعول به، قريباً كان أو بعيداً، صغيراً كان أو كبيراً، حتّى ضيفه إذا نزل به قبل دخول ليلة عيد الفطر[ أو بعد دخولها] وانضّم الى عياله فعُدَّ ‏ممّن يعول به.

‏ومقدار زكاة الفطرة عن كلّ نفسٍ ( ثلاثة كليو غرامات ) مِن الحنطة أو الشعير أو ‏التمر أو الزبيب، أو غيرها ممّا يكون قوتاً غالباً أو ما هو بقيمتها من النقود،‏ يخرجها أو يعزلها ليلة العيد،‏ أو يوم العيد [قبل صلاة العيد لِمَن صلاّها] وإِلى ‏الزوال لِمَن لم يصلّها.

‏يدفعها للفقراء والمساكين ممّن تحلّ عليهم زكاة المال ( انظر حواريّة الزكاة )‏

علماً بأنّه لا تحلّ زكاة غير الهاشمي على الهاشمي إِنْ كان الدافع غير ‏هاشمي.

‏ولا تُعطى زكاة الفطرة لِمن تجِب نفقته على دافع الزكاة كالأب أو الأُم أو ‏الزوّجة أو الولد.

‏* * * * *


( حواريّة الحجّ )


‏‏

بِوَلِهِ عاشقٍ قديم لم يندمل بعدُ جُرح عشقِه، وبحرقةِ مُولعٍ متيّمٍ عادَ لتوِّه مِن نعمى لقاءٍ باذخ.‏ راحَ أبي يقُصٌّ عليَّ حَجّته الأُولى، وفي عينيه فتورٌ مستثار، وعلى لسانهِ حذَرٌ ناعم، وفوق فمِه ابتسامةٌ مُشرَبةٌ بحُبٍّ تُحاول أنْ تُفصح عن ‏نفسها، فيمنعها -‏ كما يبدو -‏ حياءٌ مهيب ووقارٌ وجلالٌ بهيّ.

‏قُلت لأبي -‏ وقد استثارتني حالته تلك -‏: ‏أراك تتحدّث عن حَجّتك الأُولى كما ‏يتحدّث مغرمٌ عن سعادة وصاله الأَوّل.

‏قال -‏ وقد تهدّج صوته وتكسّر وهو يُخاطبني -‏: ‏وأنا أستعيد معك الآن شريط ذكرياتِ ذلك الشوط المُمتع، أسترجع بشوقٍ دافق دفءَ وعذوبةَ ونشوةَ ذلك الهوى ‏الممضِّ المبرّح المغروس في القلب:‏

‏ألم تقرأ قوله تعالى: ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ‏( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) .

‏وقوله تعالى -‏ على لسان نبيّه إبراهيمعليه‌السلام -‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:‏( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي


إِلَيْهِمْ ) .

‏وها هو ذا فؤادي يهفو ثانيةً الآن كما هفا أوّل مرّةٍ، لذلك البيت الطاهر في الوادي المُقفِر، المسكون بجلال الوحي، الخصيب بالنور والطيب والعِشق ‏الخالص والجمال والمحبّة.

قال أبي ذلك، ثُم أطرَق إطراقةً خفيفةً وأنشد بصوتٍ خفيض مُناجياً نفسه:‏‏

أيا مهجتي وادي الحبيب محمّد

خصيب الهوى والزرع غير خصيب

هنا الكعبة الزهراء والوحي والشذا

هنا النور ، فافني في هواه وذوبي

ويا مهجتي بين الحطيم وزمزم

تركت دموعي شافعاً لذنوبي

لثمت الثرى سَبعاً وكحلت مقلتي

بحسن كأسرار السماء مهيب

وفي الكعبة الزهراء زينت لوعتي

وذهّبَ أبواب السماء نحيبي

ثُمّ رفع رأسه وخاطبني قائلاً: ‏هكذا تَعلّق قلبي بالحَجّة الأُولى، وما أنْ يحلُّ موسم ذلك اللقاء السنَوي حتّى أحنّ له.‏ وقد كنت دعوت ربّي هناك أنْ يرزقني ‏سعادة الحجِّ ثانيةً وثالثةً ورابعة.

وقاطعت أبي باستغراب:‏‏

‏‏* أوَ يَجِب أنْ يحجّ حجّةً أُولى ثمّ ثانية وثالثة ورابعة ؟

‏-‏ كلاّ، بل يجب عليك أنْ تحجّ مرّةً واحدة بعد استطاعتك.‏ قال الله سبحانه ‏وتعالى في كتابه المجيد:‏( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) .

أمّا الحَجّة الثانية والثالثة والرّابعة فهي مِن المستحبّات.

‏* قصَّ عليَّ إذن قصّة حَجّتك الأُولى تلك التي ولعت بها ؟


‏-‏ بعد أنْ وصلت ( الجُحفَة ): ‏وهي إحدى الأماكن التي حدّدتها الشريعة الإسلاميّة للإحرام وأسمتها ب-‏ ( مواقيت الإحرام )، بعد أنْ وصلتها ونَوَيت الإحرام للعمرة المتمتَّع بها الى الحَجّ متقرِّباً الى الله تعالى خلَعتُ ملابسي ولبِست ثوبَي الإحرام وهما قميصٌ وإزار أبيضان، ثُمّ لبّيت فقُلتُ بلغةٍ عربيّةٍ صحيحة: ‏( لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمدَ والنّعمة ‏لك والمُلك، لا شريك لك لبّيك ).

‏وما أنْ قلتُ ( لبّيك ) حتّى ارتعدَت مفاصِلي، فقد تملّكتني حالةٌ مِن الرّهبة ‏والخُشوع لم أعهدهما في نفسي مِن قَبل، فتذكّرت حينها ما كان يعتري إِمامكعليه‌السلام مِن رهبة واصفرار لون وتعثّر لسان، وتلكّؤ ساعة التلبية خَشيةً مِن الله عزّ وجل ‏وفرقاً منه.

‏ومذ أحرمتُ فقد حرُم عليَّ الممارسة الجنسيّة بكلِّ أنواعها وأشكالها، واستعمال الطِّيب، والنظر في المرآة للزّينة، والاستظلال مِن الشمس [ والمطَر ]، ولبس ‏المخيط وما بحكمه والجورب وستر الرأس، وغيرها ممّا نصّت عليه كُتُب الفقه.

‏*‏ وبعد أنْ أحرَمتَ ؟‏

‏‏-‏ بعد أنْ أحرمتُ توجّهت الى مكّة المكرّمة وأنا متطهّر، لأطوف حول البيت العتيق أشواطاً سبعة مبتدئاً بالحجَر الأسوَد ومختتماً به، مُصلّياً بعد فراغي مِن الطواف ركعتين كصلاة الصبح


‏خلف مقام إبراهيمعليه‌السلام متقرّباً بكلِّ أعمالي مِن العمرة والحجّ الى الله تعالى.

‏بعد ذلك توجّهت للسعي بين الصفا والمروة أشواطاً سبعة كذلك مبتدئاً بالصّفا ‏ومختتماً بالمروة.

ولمّا أتمَمت شَوطِي السابع بالمروة قَصَّرتُ فقَصَصْت شيئاً مِن شعرِ رأسي.

‏وبالتقصير أتمَمت عمرة الحجّ، وتحلّلت مِن إِحرامي منتظراً حلول اليوم الثامن مِن ذي الحجّة(يوم الترْوِيَة ) لأُحرم من مكّة نفسها مرّة أُخرى، ولكنّ الإحرام ‏للحجّ هذه المرّة لا للعمرة.

‏وما أنْ حلَّ اليوم الثامن حتّى لبست مئزري وقميصي ثانيةً، ونويت لإحرام الحجّ، ولبّيت، ثمَّ توجّهت لعرفَات بسيارةٍ مكشوفة، حيث يجِب عليَّ أنْ أقف هناك ‏وأكون، بِدءاً مِن أوّل ظُهر اليوم التاسع مِن ذي الحجّة الى غروب الشمس.

‏ولمّا غرُبَت شمس اليوم التاسع وأنا بعرفَات توجّهت الى( المُزدَلِفة ) فبِتُّ فيها ليلة العاشر مِن ذي الحجّة، حيث يجب أنْ يطلع عليَّ فجر اليوم العاشر وأنا ‏بالمزدلفة، وأنْ أبقى بها الى قُبَيل طُلوع الشمس.

‏وحين طلعَت شمس اليوم العاشر أفَضْتُ من المزدلفة الى( مِنى ) ومعي حَصيَّات التقطتها مِن المزدلفة، حيثُ تنتظرني بمنى ثلاثة واجبات يوم ذاك عليَّ أنْ ‏أُودّيها وهي:‏


‏١ -‏ رمي جمرة العقَبَة بسبع حصيَّات واحدة تلو الأُخرى.

٢ -‏ النحر أو ذبح الهدي بمنى.

٣ -‏ الحلق بمنى.

‏وحين أتممتها وحلقت تحلّلت مِن ما عدا الاستمتاع بالنساء والطيب [والصيد]، فتوجّهت ثانية الى مكّة لأطوف طواف الحجّ، وأُصلي صلاة الطواف، وأسعى بين الصفا والمروة، كما طُفت وصلّيت وسعيت أوّل وصولي الى مكّة.‏ ولمّا أتمَمتها طُفت طواف النساء، وصلّيت صلاة الطواف، ثُم عُدت بعد ذلك كلّه الى منى حيثُ يجب عليَّ أنْ أبيت هناك ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر، وأبقى بمنى حتّى ما بعد ظهر اليوم الثاني عشر، رمَيت خلال هذه الفترة الجَمَرات الثلاث: ‏الجمرة الأولى، والوسطى، والعقبة، بالترتيب في اليوم الحادي عشر ثمّ عدت فرميتها ثانية في ‏اليوم الثاني عشر كما رميتها سابقاً.

‏ولمّا حلَّ ظهر اليوم الثاني عشر وتجاوز، وأنا بمنى صلّيت الظهر ثُمّ غادرتها ‏وقد انتهيت مِن كلّ واجبات الحجّ.

‏ورغم الزحام الشديد والشمس اللاهبة والرمل الحارق، ورغم أنّي أجهدت نفسي -‏ كما هو المفروض -‏ لأتأكّد تماماً من أنّي واقف بعرفات لا خارجها، وأنّي بالمزدلفة لا خارجها، وأنّي بمنى لا خارجها، رغم ذلك فقد كان الحجّ موسماً خصباً للتوسّل بالله عزّ وجل والتقرّب إليه، والتعلّق به والوقوف بين يديه والتلذّذ بمناجاته


‏ليل نهار.

‏بعد ذلك غادرت مكّة المكرّمة -‏ وكلّي شوق لها، وأسفٌ ممضٌ على فراقها -‏ للمدينة المنوّرة حيث تشرفّت بزيارة قبر النبيّ الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقبر الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وقبور أئمّة البقيععليهم‌السلام : ‏( الإمام الحسنعليه‌السلام ، والإمام عليّ ‏بن الحسينعليهما‌السلام ، والإمام محمّد الباقرعليه‌السلام ، والإمام جعفر الصادقعليه‌السلام .

‏ثُمّ زيارة المساجد والمشاهد المشرّفة حول المدينة المنوّرة، وزيارة قبر حمزة عمّ ‏النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

‏هذه باختصار قصّة حَجّتي الأُولى أوجزتها لك الآن، وحين تملك مالاً تستطيع به الحجّ بعد تطهيره بإخراج زكاته وخُمسه لو تعلّق به خُمس أو زكاة، وحينئذٍ سأشرح لك ‏بالتفصيل كلّ خطوةٍ تخطوها هناك.

وفّقك الله لزيارة بيته الحرام، ونفع بك هناك إِنّه قريب مجيب.

‏* قبل أنْ تنهي حواريّتنا هذه يا أبتي أحبّ أنْ أسألك عن ( تطهير الأموال )، ‏زكاتها وخُمسها تلك التي ذكرتها في حديثك.

‏‏-‏ ليس الآن، فالحديث عن الزكاة والخُمس يطول، وسنفرد لكلّ منهما حواريّةً خاصةً ‏بها إنْ شاء الله.

‏*‏ ستحدّثني عن الزكاة إذن في حواريّتنا القادمة، وبعدها عن الخُمس.

‏-‏ كما تُحِب إنْ شاء الله تعالى.

إن شاء الله.‏

* * * * *


( حواريّة الزّكاة )



الزكاة ركنٌ مِن أركانٍ خمسة بُنِيَ عليها الإسلام -‏ قال أبي -‏ وهي مِن ضروريّات الدين، ولأهمّيتها الكبيرة فقد ورد في الحديث الشريف: ‏( أن الصلاة لا تقبل من مانع الزكاة ) ذكر ذلك أبي وأضاف: ‏لمّا نزلت آية الزكاة: ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) ، أمَرَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ‏ مناديه فنادى في الناس: ‏( إنّ الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة، كما فرَض عليكم الصلاة )، ولمّا حال الحول أمرصلى‌الله‌عليه‌وآله مناديه فنادى في المسلمين: ‏( أيّها المسلمون، زكّوا أموالَكم تُقبَل صلاتكم )،‏ ثُم وجّهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّال الصّدقة لقبضها من ‏الناس.

‏وقال أبي: ‏بينما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المسجد إذ قال: ‏( قُم يا فلان، قُم يا فلان قُم يا فلان.‏ قُم يا فلان )،‏ حتّى أخرج خمسة نفر، فقال: ‏( اُخرجوا ‏من مسجدنا، لا تصلّوا فيه وأنتم لا تزكّون ).

‏وأردَف أبي قائلاً وقد علَت وجهه سحابةٌ مُعتمة كئيبة وهو ينقل لي حديثاً عن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام جاء فيه: ‏( إنّ الله عزّ وجل يبعث يوم القيامة ناساً من قبورهم، مشدودةً أيديهم الى أعناقهم، لا يستطيعون أنْ يتناولوا بها قيد أنملة، معهم ملائكة يعيِّرونهم تعييراً


شديداً، ويقولون هؤلاء الذين مَنَعوا خيراً قليلاً من خيرٍ كثير، هؤلاء الذين ‏أعطاهم الله.‏. فمنعوا حقَّ الله عزّ وجل من أموالهم ).

‏وممّا لاحظته وأنا أتلو كتاب الله عزّ وجل مرّة تلو أُخرى -‏ قال أبي -‏ إنّ القرآن الكريم كثيراً ما يَقرن الزكاة بالصلاة في آياته الكريمة، ممّا يكشف ‏عن مدى أهمّيتها في التشريع الإسلامي.

‏‏* وحين سألت أبي عن وضع الزكاة أجابني بحديثٍ للإمام الصادقعليه‌السلام قال فيه:‏‏ ( إنّما وضِعَت الزكاة اختباراً للأغنياء، ومعونةً للفقراء،‏ ولو أنّ النّاس أدَّوا زكاة أموالِهم ما بَقيَ مسلمٌ فقيراً محتاجاً، ولا ستغنى بما فرَض الله له.‏ وإنّ النّاس ما افتقروا، ولا احتاجوا ولا جاعوا، ولا عَرُوا إلاّ بذنوب الأغنياء، ‏وحقيق على الله تبارك وتعالى أنْ يمنع رحمته ممّن منع حق الله.‏. من ماله ).

‏* وسألته: ‏أفي كلِّ مال تجب الزكاة ؟

‏قال مجيباً: ‏تجب الزكاة فيما يأتي:‏‏

الأوّل: ‏في النقدَين: ‏الذهب والفضّة بشروط.

الثاني: ‏في الحنطة والشعير والتمر والزبيب بشروط كذلك.

الثالث: ‏في الإبل والبقر والجاموس والأغنام بقسمَيها المَعز والضأن وبشروط ‏هي الأُخرى.

الرابع: ‏[في مال التجارة] وبشروط كذلك.

‏*‏‏ وما الشروط الواجب توفّرها في النقدَين الذهب والفضّة تلك التي أشّرت إليها في حديثك ؟


‏‏-‏ شروط عدّة:‏

١ -‏ أنْ تبلغ كمّية الذهب خمسة عشَرَ مثقالاً صَيرفيّاً وزكاتها ( ٥|٢% ) وكلّما ‏زادت ثلاثة مثاقيل وجَب إخراج ٥|٢% منها زكاة.

‏أمّا الفضّة فيجب أنْ تبلغ كمّيتها مِئة وخمسة مثاقيل وزكاتها ٥|٢%،‏ وكلّما زادت ‏كمّيتها واحداً وعشرين مثقالاً وجَب إخراج ٥|٢% منها زكاة.

‏* وإذا قلَّت كميّة النقدَين عن الحدّ المذكور ؟

‏‏-‏ لا تجب فيها الزكاة.

٢ -‏ أنْ يمضي عليهما أحد عشر شهراً ويدخل عليهما الشهر الثاني عشر وهما في ‏ملك المالك.

٣ -‏ أنْ يكونا -‏ الذهب والفضّة -‏ مسكوكين عملة رائجة للتّداول اليومي في ‏البيع والشراء.

‏*‏‏ وسبائك الذّهب والحُلِي المصنوعة مِن الذهب أو الفضّة وقِطَع الذهب والفضّة الأُخرى ؟

‏‏-‏ لا تجب فيها الزكاة.

٤ -‏ تمكّن المالك من التصرّف فيه في تمام الحول، فلا تجِب الزكاة في المال ‏الضائع مدّة معتدّاً بها عرفاً.

٥ -‏ كمال المالك بالبلوغ والعقل، فلا تجب الزكاة في النّقدَين من أموال ‏الصبيّ والمجنون.

‏( الثاني ) ممّا تجب فيه الزكاة: ‏الحنطة والشعير والتّمر والزبيب،


وتجب فيها الزكاة إذا بلغت كمّية كل منها بعد يبسها ثلاثمِئة صاع، وهذا يُقارب -‏ فيما ‏قيل -‏ ( ٨٤٧ كغم ) تقريباً، ومقدار الزكاة الواجب فيها كما يلي:‏‏

أ -‏ إذا سُقِيَت بماء المطر أو بماء النهر أو ما شابههما بحيث لا يحتاج سقِي ‏الزرع الى مجهود تكون زكاتها حينئذٍ (١٠% ).

‏ب -‏ إذا سُقِيَت باليد أو بالآلة كالمضخّات أو ما شابههما تكون زكاتها حينئذٍ ‏( ٥% ).

‏ج-‏ -‏ إذا سُقِيَت بالمطر تارةً وباليد أو بالآلة أُخرى تكون زكاتها حينئذٍ ‏( ٥|٧% )، إلاّ إذا كان أحد السقيَين قليلاً جدّاً بحيث لا يُعتدُّ به فينسب ‏غِلى السقي الغالب.

‏*‏‏ وإذا قلَّت كميّة المحصول عن ثلاثمِئة صاع بعد يبسه ؟

‏‏-‏ إذا قلّت عن الحّد المقرّر للزكاة فلا زكاة فيها.

‏* وهل هناك شرطٌ آخر ؟

‏-‏ نعم.‏. أنْ يكون المحصول مملوكاً للمكلّف حين تعلُّق الزكاة به، فلو تملّكه بعد ‏ذلك الحين لم يجب عليه أداء زكاته.

‏*‏‏ ومتى تتعلّق الزكاة بالمحاصيل الأربعة ؟

‏‏-‏ تتعلّق بها حينما يصدق اسم الحنطة أو الشعير أو التمر أو العنَب.

‏( الثالث ) ممّا تجب فيه الزكاة : ‏المَعز والضأن، والإبل، والبقَر والجاموس.

‏* ويشترط في وجوب زكاتها أُمور:‏‏

‏١ -‏ بلوغ عددها النصاب، وهو رقم معيّن إذا بلغته وجبت فيها


الزكاة.

‏ففي الإبل: ‏إذا بلغ عددُها خمساً فزكاتها شاة، وإذا بلَغ عشراً فزكاتها شاتان، وإذا بلغ خمس عشرة فزكاتها ثلاث شياه،‏ وإذا بلغ عشرين فزكاتها أربع شياه، وإذا بلغ خمساً وعشرين فزكاتها خمس شياه، وإذا بلغ ستّاً وعشرين فزكاتها ناقة في السنة الثانية مِن عمرها، وإذا بلغ ستّاً وثلاثين فزكاتها ‏ناقة في السنة الثالثة مِن عمرها.

وهناك غيرها من الأرقام لا يسَع المجال هنا لذكرها.

‏وفي الغنم: ‏إذا بلغ عددُها أربعين فزكاتها شاة، وإذا بلَغ مِئة وواحداً وعشرين فزكاتها شاتان، وإذا بلغ مِئتين وواحداً فزكاتها ثلاث شياه، وإذا بلغ ثلاثمئة وواحداً فزكاتها أربع شياه، وإذا بلغ أربعمِئة أو أكثر فزكاتها عن ‏كلِّ مِئة شاة واحدة، مهما بلغ عددها.

‏وفي البقر والجاموس: ‏إذا بلغ عددها ثلاثين فزكاتها تبيع دخل في السنة الثانية من عمره، وإذا بلغ العدد أربعين فزكاتها مسنّة دخلت في السنة ‏الثالثة من عمرها من البقر أو الجاموس.‏

‏ولا زكاة فيما بين النصابَين أو الرقمين المحددّين في الإبل والبقر والغنم، ‏فإذا ما زاد العدد عن النصاب فلا زكاة عليه حتّى يصل الى النصاب الجديد.

٢ -‏ أنْ تكون الحيوانات سائمة ترعى في أرض الله، أمّا إذا كانت معلوفة يعطيها صاحبها علفها ولو في بعض السنة فلا زكاة فيها [ ولا يعتبر في الحيوانات أنْ لا تكون عوامل، فتجب فيها الزكاة وإنْ


استعملت في السقي أو النقل أو نحو ذلك ‏لفترةٍ معتدّةً بها].

٣ -‏ تمكُّن المالك أو وليّه مِن التصرّف فيها في تمام الحول، فلو سُرِقت فترةً ‏معتدّاً بها لم تجِب الزكاة فيها.

٤ -‏ أنْ يمضي عليها أحد عشر شهراً ويدخل الشهر الثاني عشر وهي في ملك ‏المالك.

‏( الرابع ) ممّا [تجب فيه الزكاة: ‏مال التجارة] : ‏وهو المال الّذي يتملّكه ‏الشخص بقصد المعاوضة قاصداً به الرّبح والتجارة.

وزكاته ( ٥|٢ %) إذا اجتمعت الشروط التالية:‏‏

‏١ -‏ بلوغ المالك وعقلُه.

٢ -‏ بلوغ المال حّد النصاب وهو نصاب أحد النقدَين الفضّة أو الذهب، راجع نصاب ‏النقدَين.

٣ -‏ مضيّ الحَول عليه بعينه مِن حين قصد الرّبح والتجارة.

٤ -‏ بقاء قصد تحصيل الربّح طول الحول، فلو عدل ونوى به القنية، أو الصرف في ‏المؤنَة في أثناء الحول لم تجِب فيه الزكاة.

٥ -‏ تمكّن المالك مِن التصرّف فيه تمام الحول.

٦ -‏ أنْ يطلب برأس المال أو بزيادة عليه طول الحول.

‏* وإذا أخرجت الزكاة فلِمن أدفعها ؟

‏-‏ تدفع الزّكاة للمستحقّين وهُم ثمانية أصناف بشروط، قال تعالى: ‏( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ


السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .

‏*‏‏ وما الفرق بين الفقير والمسكين ؟

‏-‏ الفقير والمسكين: ‏كلاهما مَن لا يملك قوت سنته لنفسه ولعياله وليست له صنعة أو حرفة مثلاً يتمكّن بها مِن توفير قُوت نفسه وعياله، والمسكين أسوأ حالاً ‏من الفقير.

‏* ومَن هُم العاملون عليها ؟

‏-‏ العاملون عليها: ‏هُم المنصَّبون هُم مِن قِبَل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الإمامعليه‌السلام أو الحاكم الشرعي أو نائبه لقبض الزكاة وحسابها وإيصالها إليهم أو اِلي ‏المستحقّين.

‏*‏‏ والمؤلّفة قلوبهم ؟

‏-‏ المؤلّفة قلُوبهم: ‏هُم المسلمون الّذين يعزَّز إسلامهم بدفع المال إليهم، أو الكفّار بهدف جلبهم الى الإسلام، أو مساعدتهم المسلمين في الدفاع عن أنفسهم.

‏وتجدر الإشارة الى أنّه لا ولاية للمالك في صرف الزكاة على الصنفين ‏المتقدّمين، بل ذلك منوط برأي الإمامعليه‌السلام ونائبه.

‏* وفي الرقاب ؟

‏‏-‏ في الرقاب: ‏وهُم العبيد يشترون ويُعتقون.

‏* والغارمون ؟

‏-‏ الغارمون: ‏هُم المدينون العاجزون عن تسديد دُيونهم المشروعة.

‏‏

‏* وفي سَبيل الله ؟

‏-‏ في سبيل الله: ‏هو مصرف جميع سبل الخير العامّة كبناء المساجد والجسور ‏وغيرها [وفي صرف هذا السهم أيضاً لابدّ من إذن الحاكم الشرعي ].

‏* وابن السبيل ؟

‏-‏ ابن السبيل: ‏هو المُسافر المنقطع، ذاك الذي نفدَت أمواله ولا تتيسّر له اِستدانة نفقة العود أو يحرجه ذلك [كما لا يتيسّر له بيع بعض أمواله التي في بلده أو إيجارها ليعود بِبَدَلِه إليه] فإنّه تدفع له نفقة العود بشرط أنْ لا ‏يكون سفره في معصية.

‏هذه هي أصناف المستحقّين، غير أنّه يشترط فيمن تدفع له الزكاة منهم أنْ يكون مؤمناً [ وأنْ لا يكون تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو متجاهراً بالمنكرات ] وأنْ لا يكون ممّن يصرف الزكاة في المعاصي [ بل وأنْ لا يكون في الدفع إليه إعانة على الإثم وإغراء بالقبيح وإنْ لم يكن يصرفها في ‏المعاصي].

‏ويُشترط أيضاً أنْ لا يكون ممّن تجب نفقته على دافع الزكاة كالزّوجة، وأنْ لا ‏يكون المستحق هاشميّاً.‏ هذا ويحقُّ للهاشمي فقط أنْ يدفع زكاته للهاشمي مثله.

* * * * *


( حواريّة الخُمس )



دلَف أبي لقاعة الحِوار اليوم وبين يدَيه مُصحف كريم، وعلى تقاطيع وجهِه هيبةً طاغية، وما أنْ جلَس قِبالتي حتّى انحنى على مُصحفهِ الشريف فقبّله ثُمّ رفَعَه بكلتا يدَيه إجلالاً له وناوَلَني إيّاه.

ولمّا تلقّفته منه واحتضنته بكِلتا يدَي وقبّلته، سَرَت في جسَدِي رهبةٌ آسرة، واحتواني جلالٌ مَهيب وإذ استقرّ مصحفه بيَدَيّ قال أبي:‏

-‏-‏ افتح كتاب الله واتلُ على مسامِعي بعضاً مِن بداية الجزء العاشر منه.

‏‏* ففتحت المُصحف الشريف وأخرجت الجزء العاشر، وتلوت بعد أنْ استعذتُ بالله مِن الشيطان الرجيم قوله تعالى: ‏( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

فقاطَعَني أبي قائلاً:‏

-‏-‏ أعِد على مَسامِعي ما تلوت.

‏‏

‏‏* فأعدت تلاوة قوله تعالى: ‏( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... ) .

قال: ‏كفى... كفى.. ثُمّ أطرَق قليلاً وأعاد كمَن يُحدِّث نفسه: ‏( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.. ) ورفَع رأسه إليَّ وأردف بنبرةٍ حازمةٍ قائلاً:‏

‏-‏ يقول الله سبحانه وتعالى:‏( وَاعْلَمُوا ) فهل علِمتَ بوجوب الخُمس ؟

‏‏* قلت -‏ وقد اجتاحتني موجةٌ مِن طمأنينةٍ واثقة ورهبةٌ وخوف: ‏نعم..نعم..علِمت.

ثُمّ قام مِن مقعَده وناوَلَني ثانيةً مجلّداً كان قريباً منه يُسميّه ( الوسائل ) فقرأت على وجه صفحته الأولى اسم مؤلّفه ( محمّد بن الحسَن الحرّ العاملي ) وقال لي: ‏أخرج لي منه كتاب الخُمس واقرأ.

‏‏‏فأخرجت كتاب الخُمس وقرأت له أحاديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والإمام عليّعليه‌السلام ‏ والإمام الباقرعليه‌السلام ، والإمام الصادقعليه‌السلام والإمام الكاظمعليه‌السلام في الخُمس.

وكان ممّا قرأت له هذا الحديث، الذي يرويه رجلٌ يُسمّى عمران بن موسى قال: ‏قرأتُ على موسى بن جعفرعليهما‌السلام آية الخُمس فقال: ‏( ما كان لله فهو لرسول الله، وما كان للرسول فهو لنا )


ثمّ قال: ‏( والله لقد يسّر الله على المؤمنين أرزاقهم بخَمسةِ دراهم، جعلوا لربِّهم واحدةً وأكلوا أربعة أحلاّء ).

وهذا الحديث الذي يرويه رجلٌ يُسمّى سُماعة قال: ‏سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الخُمس، فقال: ‏( في كلّ ما أفادَ النّاس مِن قليلٍ أو كثير ).

وهذا الحديث المروي عن محمّد ابن الحسن الأشعري قال: ‏كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثانيعليه‌السلام : ‏أخبِرني عن الخُمس أعلَى جميع ما يستفيد الرجل من قليلٍ وكثير، ومِن جميع الضروب وعلى الصناع ؟ وكيف ذلك ؟ فكتب بخطّه ( الخُمس بعد المؤنة ).

وإذ انتهيت مِن تلاوة هذا الحديث سألت أبي:‏

‏‏* في حواريّة الصلاة قلتَ لي: ‏لا تصلِّ بملابس تعلّق بها الخُمس ولم تُخمّس، ثُمّ عدت ثانيةً وقلت لي في حواريّة الحجّ: ‏طهِّر مالك بإخراج خُمسه وزكاته -‏ إنْ كان مشمولاً بهما -‏ قبل أنْ تحجّ به فهل يجب عليَّ أن أُخمّس كلّ مالي يا تُرى ؟

قال أبي: ‏يجب الخُمس فيما يأتي:‏

‏١ -‏ ما يغنمه المسلمون في الحرب من الأموال المنقولة وغيرها للكفّار الذّين يحلّ قتالهم.

‏٢ -‏ ما يُستخرج من المعادن كالذهب والفضّة والنحاس والحديد والكبريت وغيرها، وكذلك النفط والفحم الحجَري، بعد طرح تكاليف الإنتاج والتصفية، شرط أنْ تبلغ القيمة السوقيّة للكمّية


الُمستخرجة منها ما يُساوي قيمة خَمسَةَ عشَر مثقالاً صيرفيّاً مِن الذهب المسكوك أو يزيد.

‏٣ -‏ الكنوز، شرط أنْ تبلغ قيمة الكمّية المُستخرجة منها خمسةَ عشر مثقالاً صيرفيّاً مِن الذهب أو أكثر، ومن الفضّة مِئة وخَمسَةَ مثاقيل أو أكثر بعد استثناء تكاليف الإخراج.

‏٤ -‏ ما أُخرج بالغوص من البحر أو الأنهار الكبار ممّا يتكوّن فيها اللؤلؤ والمرجان وغيرهما إذا بلغت قيمتُه ديناراً ذهبيّاً.

‏٥ -‏ المال الحلال المخلوط بالمال الحرام في بعض صوره.

‏٦ -‏ الأرباح السنويّة المتحصّلة من تجارةٍ أو صناعةٍ أو هديّةٍ أو زراعة أو حيازة، أو أي كسب آخر، بما في ذلك أُجور العمل والرواتب و... و...‏

وقاطعته:‏

‏‏* معنى هذا أنْ أرباح التجّار يجب أنْ تُخمَّس ؟

‏-‏ ليست أرباح التجّار وحدها يجِب أنْ تخمّس، بل أرباح كل مستفيد بما فيهم أنت وأنا.

‏‏* وكيف يحسب التاجر أرباحه الخاضعة للتخميس ؟

‏-‏ يحسب ما لديه من الأموال من بضاعة ونقد بعد مرور سنة مِن شروعه في التجارة ويستثني منه:‏

أولا: ‏رأس ماله الذي تاجر به.

ثانيا: ‏المبالغ المصروفة في سبيل تحصيل الأرباح من أُجور

‏‏

النقل والكهرباء والهاتف والمحلاّت والمخازن والضرائب ونحوها.

ثالثا: ‏مصروفه الشخصي ومصروف عائلته خلال السنة المنصرمة، أي: ‏ما صرفه في المأكل والمشرب، والملبس والمسكن، والنقل والأثاث، والعلاج والنثريّات الأُخرى، بما في ذلك تسديد الديون والهدايا، والواجبات والسفرات والمناسبات، وغيرها ممّا هو طبيعيّ لمثله ولا يُعدَّ سرَفاً وتبذيراً، فإذا استثنى الأُمور المذكورة أخرج ٢٠% من الباقي ودفعه خُمساً.

‏‏* وضّح لي هذا بذكر مثال.

‏-‏ مثلاً: ‏إذا لاحظ التاجر عند حلول رأس سنته، أنّه يمتلك عشرة آلاف دينار نقداً، وعشرين ألف دينار مِن البضاعة ليكون المجموع ثلاثين ألف ديناراً، ولاحظ أنّه كان رأس ماله في بداية السنة خمسةَ عشَرَ ألف دينارٍ، ودفع في سبيل تجارته من أُجور النقل والهاتف والكهرباء والدكّان ونحو ذلك مبلغاً قدره ألف دينار، وصرف على نفسه وعائلته خلال العام أربعة آلاف دينار، يكون صافي ربحه بعد طرح رأس المال ومؤونة التجارة والمؤونة السنويّة هو عشرة آلاف دينار أي ‏٣٠٠٠٠ -‏ ٢٠٠٠٠ = ١٠٠٠٠ وهو ما يجب أنْ يخمّسه، ومقدار الخمس ألفا دينار ‏١٠٠٠٠‏ ÷ ٥ = ٢٠٠٠ وهو المبلغ الواجب دفعه.

‏‏* ومِن أيّ تاريخ أبدأ بحساب الإرباح، حتّى إذا مرّ عليها عام وجَب أنْ أدفع خُمسها ؟

‏‏

‏-‏ مِن أوّل ظهور الربح إذا لم تكن لك مهنة تتعيّش منها، فمتى استفدت ومضى على تاريخ تلك الاستفادة عام مِن دون أنْ تصرفها في مأكلٍ أو ملبس أو علاج أو أثاث أو سفرة أو... أو... فادفع خُمس ما حصلْت عليه، أمّا إذا كانت لك مهنة تتعاطاها في معاشِك فابدأ بالحساب مِن تاريخ الشروع بالاكتساب.

‏‏* لو اشتريت ثياباً لي ومضى عليها عام ولم ألبسها ؟

‏-‏ اِدفع خُمسها وكذلك يُخمِّس ربِّ الأُسرة -‏ مثلاً -‏ وكلّ مالكٍ ما اشتراه من حاجات بيتيّة أثناء العام ولم يستخدمها، بما في ذلك ما يفضل في بيته مِن رُز أو طحين أو حنطة أو شعير أو سكّر أو شاي أو ماش أو عدَس أو معلّبات أو دهن أو حلويّات أو نفط أو غاز أو غيرها.

‏‏* معنى هذا: ‏كلّ ما زاد عن الحاجة فلم يُستخدَم أو يؤكل أو يُلبس أو..أو..‏ يُخمَّس.

‏-‏ نعم.. فإذا حلَّ يوم إخراج الخُمس تقوم بعمليّة جردٍ شاملة للفائض عن الحاجة السنويّة وتدفع خمسه مِن عينه، أو تقدّر قيمته وتدفع خُمسه.

‏‏* أَأُقدر قيمته يوم حساب الخُمس أم قيمته حين الشراء ؟

‏-‏ بل قيمته السوقيّة عند حساب الخُمس، لا قيمته التي اشتريته بها.‏

‏‏* ولو لم أُخمّس حاجةً كان يجِب عليَّ أنْ أُخمّسها ؟

‏‏

‏-‏ لا يحلّ لك التصرّف بها حينئذٍ حتّى تدفع الخُمس، ويجوز بإذن الحاكم الشرعي إذا رأى مصلحة في ذلك.

‏‏* والمتوفّى إذا كان في ذمّته خُمس ولم يُوصِ بإخراجه فما هي وظيفة الورثة ؟

‏-‏ يلزمهم إخراجه مِن أصل ما خلَّفه مقدَّماً على الوصيّة والإرث، ويُستثنى مِن ذلك ما لو كان المتوفّى عاصياً لا يدفع الخُمس فإنّه تحلّ تركته للوارث المؤمن ولا يلزمه تفريغ ذمّة مورّثه ممّا علق بها مِن الخُمس.‏

وهكذا الحال في كلّ ما ينتقل الى المؤمن ممّن لا يُخمّس أمواله بمعاملةٍ أو مجّاناً، فإنّه يملكه ويجوز له التصرّف فيه، كما يجوز له التصرّف في أموال من لا يُخمّس إذا أباحها له من دون تمليك، فإنّ في جميع ذلك يكون المَهْنأ للمؤمن والوِزر على مانِع الخُمس إذ كان مقصّراً.

هكذا قال أبي ثُمّ سكت برهةً فبادرت قائلاً:‏

* ‏‏وماذا يفعل التاجر أو مالك الأرض الزراعيّة أو صاحب المعمل الصناعي أو الملاّك أو العامل أو الموظّف أو الطالب أو غيرهم إذا كان لا يُخمّس ولا يُحاسب نفسه لإخراج الخُمس سنوات وسنوات غنم خلالها واستفاد وربح أموالاً وعمَّر دياراً واشترى أثاثاً وفراشاً وحاجات وملابس، ثُمّ تنبّه الى وجوب إخراج الخُمس مِن هذه الأرباح ؟

‏‏

‏-‏ يجب عليه إخراج الخمس من هذه الأرباح من كلِّ ما ذكرت وعدّدت إذا لم يكن من مؤنة سنته، بل كان فائضاً عن حاجته السنويّة.

‏‏* اِضرب لي مثلاً على ما تقول.

‏-‏ الدار التي اشتراها ولم يتّخذها مسكناً له ؛ لأنّه يملك داراً أُخرى غيرها ملائمةً لسكناه، يجب عليه إخراج خُمسها.

والأثاث الذي اشتراه ولم يستخدمه لعدم احتياجه إليه يجب عليه إخراج خُمسه.

والحاجات التي اشتراها ولا يحتاج إليها مَن هو في مستواه يجب عليه إخراج خُمسها.

‏‏* وما كان مِن مؤنته السنويّة كالدار التي اشتراها لسُكناه، أو الأثاث الذي اشتراه واستخدمه لحاجته إليه وما شاكل ذلك.

‏-‏ إذا كان قد اشترى الدار مثلاً أو الأثاث مِن أرباح نفس تلك السنة سنة سكناه في الدار، أو استخدامه الأثاث فلا يجب عليه تخميسها، وكذلك غيرها من أمثالها.

‏‏* وإذا كان قد اشترى الدار لسُكناه مثلاً مِن أرباح تجمّعت عنده مِن سنينٍ سابقة مضافاً إليها أرباح تلك السنة -‏ سنة سكناه في الدار -‏ كما هو حال الكثير مِن الناس اليوم -‏ كما أظن -‏ ممّن تجمّعت لديهم أرباح من سنين سابقة فاختلط عليهم حساب الخُمس ؟

‏-‏ يجب عليه مراجعة الحاكم الشرعي أو مَن يقوم مقامه


ليجري معه مصالحة بشأن المقدار المشكوك، أنّه مِن أرباح السنين السابقة أو مِن رِبح سنة السكنى في الدار، وأمّا ما يتعيّن أنّه مِن أرباح السنين السابقة فلا بُدّ من إخراج خُمسه فوراً.

‏‏* وإذا لم يكن قادراً على أداء الخُمس دفعةً واحدةً معجّلاً، أو كان يجد في ذلك حرَجَاً ومشقّة؟

‏-‏ يقسّطه عليه الحاكم الشرعي أو مَن يقوم مقامه بعد أنْ ينقله الى ذمّته بالمداورة ليؤدّيه تدريجيّاً مِن غير مسامحة أو إهمال.

‏‏* أنا الآن أسكن معك في نفس الدار فهل يجب عليَّ الخُمس، أو يكفي خُمسك عن نفسك؟

‏-‏ نعم يجب عليك إخراج الخُمس مِن ربحك حتّى لو كنت معي في نفس الدار، إذا ربِحت وبقيَ ربحَك عندك سنةً كاملةً لم تستخدمه فيها لعدم احتياجك إليه.

‏‏* لو اشتغلت في العطلة الصيفيّة -‏ أنا الطالب -‏ بأجرٍ شهريّ ولم تأخذه أنت أبي منّي كي أصرفه على نفسي... على ملابسي مثلاً، على حاجاتي فهل يجب عليَّ أنْ أُخمّس أجري الشهري؟

‏-‏ إذا صرفته فيما يُناسبك ويليق بك فلا خُمس عليك، وإنْ ادّخرته أو بعضاً منه حتّى مرّ عليه العام وجَب عليك تخميس المدَّخر.

‏‏* محلٌ تجاري اشتراه صاحبه ( بسرقفليّة ) هو وأدوات العمل فيه وأخرج خُمسه في السنة الأولى فهل يجب عليه إخراج خُمس


زيادة القيمة التي تطرأ على السرقفليّة والأدوات كلّ عام ؟

‏-‏ كلاّ، بل يجب عليه تخميس الزيادة الطارئة بعد بيع المحل وظهور الربح فيه إذا لم يصرفها مِن مؤنة سنته.

‏‏* الأواني المعدّة للطعام والشراب لو استعملت كتحفيّات للزينة، فهل يُعد هذا الاستعمال استعمالاً مُسقِطاً للخُمس ؟

‏-‏ إذا كان وجودها متعارفاً عند أمثاله مِن الناس وعدم وجودها نقصاً حُسبَت عندئذٍ من مؤنة السنة، ولا خُمس عليها.

* كمّية مِن العملة خَمّسها مالكها ثُمّ حوّلها الى عملةٍ أُخرى فتضاعفت قيمتها بالقياس الى العملة الأولى فقررّ حفظها وادّخارها ومرّ على ذلك عام.

‏-‏ لا يجب عليه تخميس القيمة الزائدة ما دام المالك قاصداً حفظ المال وادخاره فعلاً.

‏‏* بعض المواد الغذائيّة تدعمها الدولة فتُباع بأسعارٍ زهيدة قياساً بأسعارها السوقيّة المرتفعة فلو لم يستهلك منها مالكها شيئاً حتّى مرَّ عليها عام، فهل يتمّ احتساب قيمة الموادّ على أساس السعر المدعوم أو على أساس سعر السوق ؟

‏-‏ تقدّر على أساس سعر السوق وقت دفع الخُمس.

‏‏* قطعة أرض اشتراها صاحبها شرعاً واستغلّها ولكنّها مسجّلة باسم غيره في دائرة الطابو بحيث يحقّ لهذا الغير انتزاعها مِن مالكها الشرعي ساعةَ ما يشاء.‏ فهل يجب عليه تخميسها الآن أو حتّى تسجّل في دائرة الطابو باسمه ؟

‏‏

‏-‏ يجب عليه تخميسها الآن إنْ انطبقت عليه شروط الخُمس مارّة الذكر.

‏‏* المكافأة التقاعديّة التي تدفعها الدولة الى الموظّف المتقاعد أيجب عليه إخراج خُمسها عند قبضها مباشرةً أم حتّى يحلّ رأس سنته ؟

‏-‏ يخَمّس الفائض منها عند حلول رأس سنته.

‏‏* وإذا أخرجت الخُمس فلمن أدفعه ؟

‏-‏ الخُمس نصفان نصف للإمام المنتظر ( عجّل الله فرجه الشريف ) يُصرف في الأُمور التي يُضمن أو يُحرَز رضا الإمام في صرفِها فيها وبإجازة مِن المرجع [ الأعلم المطّلع والمحيط بالجهات العامّة] أو يُدفع إليه، ونصفٌ للفقراء وأبناء السبيل مِن الهاشميّين المؤمنين وكذلك أيتام الفقراء المؤمنين منهم العاملين بفرائض دينهم القويم.

ويُقصد بالهاشميّين الذين ينتسبون من جهة الأب الى هاشم جدّ النبيّ الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

هذا [ ولا يجوز إعطاء الخُمس لمن تجِب نفقته على صاحب المال كالأب والأُم والزوجة والولد]، كما لا يجوز دفعه الى مَن يصرفه في الحرام، [ بل يُعتبر أنْ لا يكون في الدفع إليه إعانةً على الإثم، وإن لم يكُن يصرفه في الحرام، كما لا يجوز إعطاؤه لتارك الصلاة أو شارب الخمر أو المتجاهر بالفسق].



( حواريّة التجارة )

وما يُلحق بها


‏‏

‏-‏ هل تودّ أنْ تمتهن التجارة ؟ إذن فتفقه في دينك.

‏قال ذلك أبي وأردف:‏

( مَن أراد التجارة فليتفقّه في دِينه ؛ لِيعلَم بذلك ما يحلّ له ممّا يحرُم عليه، ومَن لم يتفقّه في دينه ثُمّ اتّجر تورّط في الشبُهات ).

بهذا الحِوار المعزّز بنصٍ شريف للإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهما‌السلام ، بدأ أبي حواريّة التجارة ليشير الى قضيّةٍ قال: ‏إنّه غَفّل عنها الكثيرون أو تغافلوا فتورّطوا في الشبُهات.

‏ولمّا كنت لم أدرك بعد كنه وسرّ هذا الربط بين الفقه والتجارة سألت أبي:‏

‏‏* وما علاقة الفقه بالتجارة يا أبي ؟

قال موضحاً بنبرةٍ هادئةٍ مستعيناً بحركةٍ بسيطةٍ ليديه:‏

‏‏-‏ لقد كفل لنا التشريع الإسلامي معالجة مُختلف جوانب حياتنا الاقتصاديّة، بما يضمن العدالة وحُسن استثمار وتوزيع وانتقال الثروة بين مختلف أفراد وطبَقَات المجتمع لما فيه خيرٌ ومصلحةٌ وسعادة الجميع.

‏وطبيعي أنْ يُؤسّس المشرّع الإسلامي -‏ لأجل تطبيق مبدئه


الاقتصادي مِن خلال منظوره ذاك -‏ عدّة ضوابط تُجيز أو تَحظر بعض الأنشطة الاَقتصاديّة أحياناً، أو تضيّق أو توسِّع قنَوَات بعضٍ منها أحياناً أُخرى.

‏فهو يوجِب على المكلّف السعي للتكسّب لمعيشة نفسه، ولضمان معيشة مَن يجِب عليه الإنفاق عليهم، كالزوجة والأولاد والأبوين عند حاجتهم إذا لم يكن المكلّف واجداً لها.

‏وهو إذ يُلزمه بالسعي لكسب لقمة العيش لا يترك له الباب مفتوحاً على مصراعيه لمزاولة أيٍّ من الإعمال والنشاطات يقع اختياره عليها، فهناك من الأنشطة التجاريّة ما يحرم مزاولتة أو مباشرته.

‏* ‏‏مثلاً ؟

بيع الخمر مثلاً والبيرة حرام.

‏وبيع الكلاب -‏ عدا كلب الصيد -‏ حرام.

‏وبيع الخنزير حرام.

‏وبيع الميتة النجِسة -‏ مثلاً -‏ بما في ذلك لُحوم وجُلود الحيوانات المذبوحة بطريقة غير شرعيّة حرام‏.

‏وغصب المال وبيعه حرام.

‏وبيع ما لا ينتفع به إلاّ بالحرام مثل آلات القمار وآلات اللهو المحرّم كالمزمار حرام.

‏والغش حرام.

‏‏

والربا حرام.

‏واحتكار الطعام -‏ والمقصود به هنا القوت الغالب لأهل البلَد -‏ واحتكار ما يتوقّف عليه تهيئة الطعام كالوقود، وما يُعدُّ مِن مقوّماته كالملح والسمن انتظاراً لزيادة قيمتها السوقيّة مع حاجة المسلمين، أو من يلحق بهم من النفوس المحترمة إليها وعدَم وجود من يطرحها في الأسواق حرام.

‏والرشوة على القضاء بالحقّ أو الباطل حرام.

‏واللعب بآلات القمار كالشطرنج والدومنة والطاولي مع الرهن، بل اللعب بالشطرنج والطاولي [ونحوهما] مِن دونِ رهنٍ أيضاً حرام.

‏وزيادة أحدٍ في ثمن شيءٍ لا يُريد شراءه حقيقةً، بل مِن أجل أنْ يسمعه غيره فيزيد في سِعر ذلك الشيء بعد زيادته حرام [وإِنْ خلا عن تغرير الغير وغشّه].

‏وشراء المأخوذ بالقمار أو السرقة حرام، وغيرها.

‏* ‏‏هذه كلّها محرّمات فهل هناك مكروهات ؟

‏-‏ نعم، هناك من الأنشطة التجاريّة ما هو مرجوح عند المشرّع الإسلامي، ولكن رغبة تركه واجتنابه والنأي عنه غير ملزمة للمكلّفين فهو مكروه لا محرّم.

‏* ‏‏اِضرب لي مثلاً ؟

‏-‏ بيع العقار مثلاً مكروه إِلاّ أنْ يشتري بثمنه عقاراً آخر.

‏‏

وبيع الذهب بالذهب أو الفضّة بالفضّة مِن غير زيادةٍ مكروهٌ، وأمّا مع الزيادة فحرام.

‏والاَقتراض مِن مستحدَث النّعمة مكروه.

‏كما يُكره للإنسان أنْ يمتهن الجزارة ( ذبح الحيوان ) والحِجامة أو يحترف بيع الأكفان وهناك غيرها.

‏قال ذلك أبي وأضاف: ‏ثمّ إِنّ بعضاً مِن أساليب وطرائق التعامل في الأنشطة التجاريّة مكروهٌ لدى المشرّع الإسلامي.

‏* ‏‏مثلاً ؟

‏-‏ يُكره كتمان العيب إذا لم يُؤدِّ الى غشٍّ مثلاً أمّا إذا أدّى الى غشٍّ فهو حرام.

‏ويُكره الحِلف في المعاملة إذا كان صادقاً، أمّا الحِلف الكاذب فهو حرام.

‏ويُكره زيادة الربّح على المؤمن إذا زاد ذلك الربح على مقدار الحاجة إليه.

‏ويُكره طلَب تنقيص السعر بعد البيع.

‏ويُكره البيع في المكان المظلِم الذي لا يظهر فيه عيب السلعة.

‏ويُكره مدح البائع سلعته وذمّ المشتري لها.

‏وغيرها.

‏* ‏‏هذه كلّها مكروهات فهل هناك مستحبّات ؟

‏‏

‏-‏ نعم هناك من الأنشطة التجاريّة ما هو مرغوبٌ فيه لدى المشرّع الإسلامي ومحبوب له ولكنّه غير ملزم للمكلّفين ولا واجب عليهم فهو مستحب.

‏* ‏‏اضرب لي مثلاً على ما تقول ؟

‏-‏ مثلاً: ‏إقراض المؤمن بغير طلب الزيادة مستحب.

‏وشراء العقار مستحبٌّ.

‏وإعطاء المال لِمَن يُتاجر به وفق نسبة معيّنة مِن الرّبح للطرفين مستحبٌّ.

‏كما أنّ بعضاً مِن أساليب وطرائق الأنشطة التجاريّة محبوبةً للمشرِّع الإسلامي ومرغوب فيها.

‏* ‏‏مثلاً:‏

‏‏-‏ مثلاً يستحبُّ التسوية بين المبتاعين في الثمن، إِلاّ لمرجّح كالفقر فيحسُن أنْ لا يفرّق البائع بين المشتري المُماكِس -‏ ذلك الذي يلحّ على تخفيض السعر -‏ وبين غيره ممّن يشتري دون مماطلة أو مماكسة.

‏ويُستحبُّ للبائع أنْ يقيل النادم وهو الذي يشتري البضاعة ثُمّ يندم على شرائها ويرغب بإعادتها لبائعها واسترجاع ثمنها.

‏ويُستحبُّ للإنسان أنْ يأخذ الناقص ويعطي الراجح.

‏ويُستحب التساهل في الثمن.

‏ويُستحب فتح الباب والجلوس في المحل لعلّه يبيع.

‏ويُستحبّ التعرّض للرزق وطلبه والتصدّي له.

‏‏

ويُستحبّ الإحسان في البيع والسماح فيه.

‏ويُستحب اختيار وشراء الجيّد وبيعه.

‏ويُستحبُّ الاغتراب في طلب الرزق والتبكير إليه.

‏وغيرها.

‏أضاف أبي:‏

‏كما أنّ بعضاً مِن الأنشطة التجاريّة وأساليبها غير محبوبة لدى المشرِّع الإسلامي، ولا مبغوضةً له فالإنسان مخيّر بين فعلها وتركها مِن دون ترجيح للفعل أو الترك، فهي مباحةٌ كما هو حال الكثير من الأنشطة التجاريّة السائدة اليوم.

‏قال ذلك أبي وعقّب عليه:‏

‏ثُمّ إنّ المشرِّع الإسلامي -‏ إضافةً الى ذلك كلّه -‏ يشترط شروطاً فيما يُباع، وشروطاً في نفس البيع، وشروطاً فيمن يبيع ويشتري.

‏‏‏وما الذي يشترط فيما يُباع ؟

‏-‏ شروط عدّة:‏

١ -‏ العِلم بمقدار ما يُباع وزناً أو كيلاً أو عدداً أو مساحةً حسب اِختلاف الأجناس فيما تقدّر به.

٢ -‏ القدرة على تسليم المبيع، فلا يجوز مثلاً بيع السمك وهو في النهر، ولا بيع الطائر وهو محلّق في الجو.

‏نعم يكفي قدرة المشتري على تسلّم المبيع، كما لو باع الدابّة


الشاردة وكان المشتري قادراً على أخذها.

٣ -‏ معرفة الخصوصيّات التي تختلف بها الرغبات، ولو بشكلٍ عام كالألوان والطعوم والجودة والرداءة، وغير ذلك ممّا يترتّب عليه اختلاف القيمة السوقيّة للمبيع لكلٍّ منها.

٤ -‏ أنْ لا يتعلّق بالمبيع حقٌّ لأحد يقتضي بقاءه في ملكيّة البائع، فلا يجوز للراهن بيع الرّهن مِن دون موافقة المرتهن، كما لا يجوز بيع الوقف إلاّ إذا سقَط عن الانتفاع به في جِهة الوقف أو كان في معرض السقوط.

٥ -‏ أنْ يكون المبيع من الأعيان كالدار أو الكتاب أو الجهاز مثلاً، فلا يجوز بيع منفعة الدار.

‏ قال ذلك أبي وأردف مضيفاً:‏

‏‏-‏ كما أنّ ما يباع بالوزن في بلدٍ ما لا يصحّ بيعه في ذلك البلد إِلاّ بالوزن.

‏وما يُباع بالكيل في بلدٍ ما لا يجوز بيعه إِلاّ بالكيل في ذلك البلد.

‏وهكذا حتّى لا تكون جهالة في البيع.

‏* ‏‏اِضرب لي مثلاً على ذلك ؟

‏-‏ الفاكهة مثلاً تُباع في بلدٍ ما بالوزن فلا يجوز بيعها في ذلك البلد إِلاّ بالوزن.

‏والحليب مثلاً يُباع في بلدٍ ما باللتر، فلا يجوز بيعه في ذلك


البلد إلاّ باللتر.

‏وهكذا حذراً مِن حصول الجهالة.

‏هذهِ جملة مِن الشروط الواجب توفرّها في ما يُباع وما يُشترى.

‏وهناك بعض ما يُشترط في نفس البيع، منها: ‏أنّه لا يجوز تعليق البيع على أمرٍ غير حاصل ساعة البيع.

‏* ‏‏اضرب لي مثلاً على ذلك ؟

‏-‏ لا يجوز أنْ تقول للمشتري مثلاً: ‏بعتك داري هذه إذا هلِّ هلال الشهر، ولا أنْ تقول له: ‏بعتك سيارتي هذه إذا ولِد لي ولدٌ ذكر وغيرها بل لا بدّ مِن تجديد الاتّفاق ثانيةً بعد ولادة الولد أو بزوغ الهلال مثلاً.

‏* ‏‏وما هي الشروط الواجب توفّرها فيمن يبيع ويشتري، تلك التي أشّرت إليها في حديثك ؟

‏-‏ يُشترط فيمن يبيع أو يشتري: ‏أنْ يكون بالغاً عاقل اً، رشيداً، قاصداً البيع، مختاراً غير مُجبَر ولا مُكرَه، قادراً على التصرّف، سَواء أكان مالِكاً أم وكيلاً عنه أم مأذوناً منه أو وليّاً عليه.

‏* ‏‏ولو أُكره أو أُجبر مالكٌ على بيع ما يملك ؟

‏-‏ لا يصحّ البيع إذا كان ناشئاً عن أمرِ ظالم، بحيث يخاف المالك -‏ لو خالفه -‏ ترتّب ضرر على نفسه أو ماله أو مَن يتعلّق به ممّن يهمّه أمرهم.

‏‏

‏* أحياناً يُجبر إنسان ما على تغيير محلّ إقامته ظُلماً فيضطرّ إلى أنْ يبيع بعض أملاكه أو حاجيّاته ؟

‏-‏ هذا البيع صحيح.

‏* قلت لي: ‏يُشترط فيمن يبيع أنْ يكون مالكاً أو وكيلاً أو وليّاً أو مأذوناً، فلو باع غير هؤلاء كالصّديق أو الجار أو القريب أو ما شاكل ذلك ؟

‏-‏ لا يصحّ البيع غِلاّ إِذا أجازه المالك أو الوكيل أو الولي أو المأذون بالبيع، وإِلاّ فالبيع باطل.

‏* ‏‏ولو تمّ بيع المال المغصوب ثُمّ رضيَ المالك بعد ذلك ببيع ماله ؟

‏-‏ صحّ البيع.

‏* ‏‏قلت لي: ‏يُشترط فيمن يبيع ويشتري أنْ يكون بالغاً سنّ التكليف، فكيف بمال الصبيّ غير البالغ إِذا أراد الصبيُّ بيعه ؟

‏-‏ يصحّ بيعه في الأشياء اليسيرة مِن ماله التي جرت العادة بتصدّي الصبيّ المميّز لمعاملتها، وأمّا غيرها فلا يصحّ له بيعه، منفرداً أو مستقلاًّ في المعاملة.

‏* ‏‏ومَن يحقُّ له بيع أموال الصبيّ ؟

‏-‏ ذلك هو الوليّ وهو الأب، والجدّ للأب والوصيّ لأحدهما والحاكم الشرعي مع فقد مَن سبق، فيجوز للأب -‏ مثلاً -‏ بيع مال الصبيّ مع عدم المفسدة فيه كما يجوز للحاكم بيع ماله -‏ مع فقد


الأبِّ والجدِّ للأب والوصيّ لأحدهما -‏ مراعاةً لمصلحته.

‏* ‏‏وهل يحقّ للصبيّ أنْ يتوكّل عن غيره كأبيه أو جدّه في بيع ماله ؟

‏-‏ نعم يحقّ له ذلك.

‏* ‏‏ولو تمّ البيع وفق الشروط مارّة الذكر بيع أيّ شيء، فهل يحقّ للمشتري أنْ يعيد ما اشتراه ويستعيد الثمن ؟ وهكذا هل يجوز للبائع أنْ يعيد الثمن ويستعيد ما باعه.

‏‏-‏ يحقّ إلغاء البيع في حالات عدّة:‏

١ -‏ إذا كان البائع والمشتري مازالا بعد مصطحبين في محلّ البيع أو في الطريق مثلاً ولم يتفرقا، فيحقّ لأيٍّ منهما إلغاء البيع.

‏* ‏‏وإذا تفرّقا وذهبَ كلّ منهما لحاله وسبيله ؟

‏-‏ عندئذ يلزم البيع ويثبت.

٢ -‏ إذا كان البائع أو المشتري مغبوناً فيحقُّ له إلغاء البيع، فمثلاً إذا باع البائع بأقلِّ من القيمة السوقيّة للبضاعة بفرقٍ واضح غير قابل للتسامح وهو لا يعلم ثُمّ علِم بذلك فيحقّ له إلغاء البيع، وكذلك إذا اشترى المشتري بأكثر من القيمة السوقيّة للبضاعة وهو لا يدري، ثُمّ تبيّن له فيحقّ له إرجاع البضاعة واِستعادة ماله الذي دفعه.

٣ -‏ إذا اعتقد المشتري وجدان البضاعة الشخصيّة الغائبة حين البيع لبعض الصفات -‏ أمّا لإخبار البائع أو اعتماداً على رؤيةٍ سابقة -‏ فاشتراها ثُمّ تبيّن له بعد ذلك أنّ البضاعة فاقدة لتلك الصفات فيحقّ


للمشتري إرجاع البضاعة وإلغاء البيع.

٤ -‏ إذا اِشترط البائع أو المشتري على الآخر شرطاً يخوِّله بموجبه فسخ البيع خلال مدّةٍ معيّنة فله حقّ فسخه خلال تلك المدّة.

٥ -‏ إذا تعهّد أحد المتبايعين بالعمل بطريقةٍ معيّنة ولم يعمل وفق ما قال أو اِشترط المشتري وجود صفةٍ خاصّة بالبضاعة فلم يجدها بعد الشراء، كان له حقّ إلغاء البيع كما مرّ.

٦ -‏ إذا اشترى المشتري شيئاً فوجد فيه عيباً جاز له إرجاعه، كما إذا وجد البائع عيباً في الثمن جاز له إرجاعه واِستعادة البضاعة.

٧ -‏ إذا تبيّن أنّ بعض الحاجات التي اِشتراها المشتري هي لغير البائع، ولا يوافق مالكها على بيعها، جاز للمشتري إلغاء البيع في تمامها.

٨ -‏ إذا لم يتمكّن البائع مِن تسليم المبيع فللمشتري إلغاء البيع وإبطاله.

٩ -‏ إذا كان المبيع حيواناً فللمشتري حقَّ إلغاء البيع وإرجاع الحيوان لصاحبه خلال ثلاثة أيّام مِن تاريخ البيع واِستعادة الثمن.

‏وهكذا لو كان الثمن حيواناً فإنّ للبائع حينئذ حقّ إلغاء البيع وإرجاع الحيوان الى المشتري خلال ثلاثة أيّام مِن تاريخ البيع واستعادة المبيع.

١٠ -‏ إذا أرى البائع بضاعته بأفضل ممّا هي عليه في الواقع


ليرغّب فيها المشتري، أو يزيد رغبةً فيه فإنّ للمشتري حقّ إرجاعها للبائع واِستعادة ثمنه إذا تبيّن له الحال بعد ذلك.

١١ -‏ إذا باع البائع بضاعةً معيّنة، ولم يقبض الثمن، ولم يسلّم البضاعة حتّى يجيء المشتري بالثمن، لزم البيع، وثبت لثلاثة أيّام فقط، ويحقّ بعدها للبائع إلغاء البيع إذا لم يأت المشتري بالثمن.

‏هذا إذا أمهله البائع في تأخير تسليم الثمن من غير تعيين مدّة الإمهال.

‏وإمّا إنْ لم يمهله أبداً فله إلغاء البيع بمجرّد تأخّره في تسليم الثمن.

‏وإن أمهله مدّةً معيّنة لم يكن له إلغاء البيع قبل مضيّها وإنْ كانت أزيَد من ثلاثة أيّام.

‏* ‏‏إذا تمّ الاتّفاق بين البائع والمشتري على تأجيل دفع الثمن وتأخيره، أقصد البيع بالدين فهل يصحّ هذا ؟

‏-‏ يصحّ، ولكن يجب أنْ تكون مدّة الدين محدودة غير قابلة للزيادة والنقصان، لا مبهمة غامضة، فلو اتّفقا على دفع الثمن حين الحصاد، بطل البيع ؛ لأنّ موعد الحصاد غير محدّد.

‏* ‏‏وإذا حلّ موعد تسديد الدين واتّفقا على تأجيله لمدّةٍ معيّنة مقابل زيادة ؟

‏-‏ لا يجوز ذلك ؛ لأنّه مِن الربا، والربا محرّم، قال الله تعالى في كتابه الكريم: ‏( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) .

‏‏

‏* يتّفق البائع والمشتري أحياناً على بيع مِئة كيلو من الحنطة بمِئة وعشرين كيلو منها.

‏‏-‏ هذا مِن الربا وهو محرّم.

‏* ‏‏ويتّفقان أحياناً أُخرى على مِئة كيلو من الحنطة بمِئة كيلو مِن الحنطة زائداً خمسين ديناراً ؟

‏-‏ هذا البيع مِن الربا كذلك وهو -‏ كما عرفت -‏ حرام، إِلاّ أنْ يُضمّ الى الناقص شيئاً متموّلاً كالمنديل ويُقصد كون الحنطة في أحد الطرفين بإزاء المنديل في الطرف الآخر، والخمسين ديناراً في ذاك الطرف بإزاء الحنطة في الطرف الأوّل فإنّه حينئذٍ يصحّ البيع مطلقاً ولا يستلزم الربا المحرم.

‏* ‏‏وكيف أعرف أنّ هذه المعاملة مِن الربا فأجتنبها ؟

‏-‏ يُشترط في تحقّق الربا بالمعاملة النقديّة شيئان:‏

١ -‏ أنْ يكون كل مِن العِوَضين ممّا يُكال أو يُوزن: ‏كالحنطة أو الشعير أو الرز أو العدَس أو الماش أو الفاكهة أو الذهب أو الفضّة، وكل ما يوزن أو يكال.

٢ -‏ أنْ يكونا من جِنسٍ واحد.

‏‏‏وإذا كانت المعاملة نسيئة أي البيع بالأجل فهل يُشترط في تحقّق الربا فيها نفس الأمرين المتقدّمين ؟

‏-‏ [كلا بل يتحقّق الربا فيها مع فقدهما أيضاً في موردين:‏

‏أ -‏ أنْ يكون كل من العوضين من الموزون أو المكيل مع


الاَختلاف في الجِنس، كبيعِ مِئة كيلو من الأرُز بمِئة كيلو مِن الحنطة الى شهر.

‏ب -‏ أنْ يكون العِوَضان مِن غير المكيل والموزون مع اتّحادهما في الجنس، وكون الزّيادة عينيّه كبيع عشر جَوزات بخمسِ عشرة جوزة إلى شهر].

‏* ‏‏هذا يعني أنّه إذا كان كل مِن العوضين يُباع بالعدد مثلاً لا بالوزن أو الكيل كالبيض مثلاً، أو كان يُباع بالمساحة كالأقمشة التي تُباع بالأمتار وغيرهما فيجوز بيعها بالزيادة إذا كانت المعاملة نقديّة ؟

‏-‏ نعم يجوز بيعها عندئذٍ بزيادة، فيجوز بيع ثلاثين متراً من القماش بأربعين متراً منها نقداً، كما يجوز بيع ثلاثين بيضةً بأربعين بيضةً نقداً وهكذا غيرهما.

‏* ‏‏والذهب ؟

‏-‏ لا يجوز فيه لأنّه موزون.

‏* وبيع الذهب المصوغ بأكثر منه مِن غير المصوغ، كما هو السائد اليوم عند الصاغة ؟

‏-‏ هذا من الربا، وهو حرام إِلاّ أنْ يُضمّ شيءٌ مع الناقص كما تقدّم.

‏‏‏لو اختلفت نوعيّة الحنطة كما لو بيعت مِئة كيلو حنطة رديئة بتسعين كيلو حنطة جيدة، أو الرُز كما لو بيعت مِئة كيلو من العنبَر الجيد بمِئة وعشرين كيلو مِن العنبر الرديء، وهكذا غيرهما ؟


‏-‏ كذلك لا يجوز بيع كهذا ؛ لأنّه ربا إلاّ مع الضميمة كما سبَق.

* ولو بيعت مِئة كيلو مِن الحنطة بسبعين كيلو مِن الرز ؟

‏-‏ يجوز البيع نقداً ؛ لأنّ الحنطة جنس والرز جنسٌ آخر، مع ملاحظة أنّ الحنطة والشعير في الربا جنسٌ واحد، فلا يجوز بيع مِئة كيلو مِن الحنطة مثلاً بمِئةٍ وخمسين كيلو مِن الشعير بمفرده، كما أنّ التمور بأنواعها المختلفة جنسٌ واحد، والحنطة والدقيق منها والخبز منها جنس واحد، والحليب واللبن والجبن من نوعِ حيوانٍ واحد جنسٌ واحد، والرطب والتمر والدِّبس جنسٌ واحد ؛ لأنّ الأصل وما يتفرّع عنه يعتبر جنساً واحداً [دائما].

‏‏-‏ هذا، وهناك نوع آخر من الربا يسمى ب‏-‏ ( ربا القرض ).

‏* ‏‏وما ربا القرض ؟

‏-‏ ربا القرض أنْ يشترط المُقرِض زيادة في الدَّين على المقترض كأنْ يُقرضه ألفَ دينارٍ على أنْ يدفع له بعد فترة مِن الزمن ألفا ومِئة دينار وهو كذلك محرّم محرّم عليهما معاً ( المقرض والمقترض).

‏* ‏‏ربا القرض إذن دين بفائدة، أمّا الدين بلا فائدة ؟

‏-‏ إقراض المؤمن دون فائدة مِن المستحبّات الأكيدة، كما قُلت لك من قَبل، وخاصّة لذوي الحاجة والعوز منهم فعَن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة من الملائكة حتّى يؤدّيه ).

‏‏

وعن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام : ‏( مكتوبٌ على باب الجنّة: ‏الصدَقة بعشرة والقرض بثمانية عشَر ).

‏* ‏‏كان هذا هو حال القرض، وحبّذا لو تذكر لي بعض أحكام الشركة، فقد عرفت أنّ أخي ينوي الاشتراك مع صديقٍ له في عملٍ تجاري.

‏‏-‏ الشركة جائزة بين شريكين بالغين عاقلين مختارين غير مُجبرين مع عدم الحجْر عليهما لسفهٍ أو فلَس.

‏قال ذلك أبي ثُمّ أضاف :

‏ويقَع عقد الشركة على أنحاءٍ مختلفة ومنها ما يصطلح عليه بالشركة الاذنيّة، ويتوقّف على كون رأس مال الشركة الذي يُساهم الطرَفان في تكوينه مشاعاً بينهما بأحدِ أسباب الإشاعة كالامتزاج والتشريك، ويحقّ فيه لكلٍّ من الشريكين أو الشركاء فسخُ العقد وإلغاء الشركة وكذا المطالبة بتقسيم المال المشترك، إذا كان ذلك لا يؤدّي الى ضرر شريكه ضرراً ملموساً، فإذا فسخه أحدهما لم يجز للآخر التصرّف في المال المشترك، ويلحق كلاًّ من الشريكين من الربح والخسران بنسبةِ ماله فإنْ تساويا في الحصّة كان الربح والخسران بينهما بالسويّة، وإن اختلفا فنسبة كلٍّ منهما من الربح والخسارة بنسبة ما وضَع من مال.

‏* ‏‏وإذا اتّفق الشريكان على زيادةٍ لأحدهما في الربح، لأنّه يقوم بالعمل أو لأنّ عمله أكثر أو أهمّ مِن عمل شريكه أو لا لشيءٍ من ذلك ؟

‏‏

‏-‏ الاتّفاق صحيحٌ ونافذ.

‏* ‏‏وإذا تلف بيد مَن يعمل منهما شيءٌ من مال الشركة ؟

‏-‏ الشريك العامل أمينٌ فلا يضمن التلف إلاّ بالتعدّي أو التفريط.

‏* ‏‏وهناك معاملة أُخرى سائدة بين الناس تشبه الشركة، وهي أنْ يدفع مالكٌ أمواله لشخصٍ قادر على التجارة ليُتاجر بها، على أنْ يكون الربح بينهما بنسبةٍ محدّدة كالنصف أو الثلث أو الربع ؟

‏-‏ هذه المعاملة صحيحة إذا اتفقا وكانا بالغيَن عاقلَين رشيدَين مختارَين، وكان المالك غيرُ محجورٍ عليه لفلَس، وتسمّى بالمضاربة.

‏* ‏‏والعامل ؟

‏-‏ يجوز أنْ يكون محجوراً عليه لفلَس إذا لم يستلزم الاتّفاق تصرّفه في أمواله التي حُجِر عليها ثُمّ إِنّه يحقّ لكلٍّ من المالك والعامل إلغاء الاتفاق قبل الشروع بالعمل أو بعده، قبل تحقق الربح أو بعده، ولا خُسران على العامل إذا لم يفرّط أو لم يتعدّ.

‏* ‏‏وإذا اِشترط صاحب المال على العامل أنْ تكون تمام الخسارة على العامل ؟

‏-‏ هذا الشرط صحيح ولكن نتيجته أنْ تكون تمام الربح للعامل أيضاً مِن دون مشاركة المالك فيه.

‏، ‏‏وإذا اشترط أنْ تكون الخسارة عليهما معاً كالربح ؟

‏-‏ هذا الشرط باطل، نعم إذا اشترط على العامل أنْ يتدارك


جزءاً من الخسارة أو تمامها، وتعويضها مِن ماله الخاص، صحّ الشرط ولزِم الوفاء به.

‏* ‏‏وإذا اختلفا في مقدار نصيب العامل، فادّعى المالك نسبةً أقل، وادّعى العامل نسبةً أكثر، ولا بينّة للعامل ؟

‏-‏ القول قول المالك، يأخذ به الحاكم الشرعي عند رفع القضيّة إليه مع حِلفه عليه ما لم يكن مخالفاً للظاهر.

‏* ‏‏وكيف يكون مخالفاً للظاهر ؟

‏-‏ مثاله ما إذا ادّعى المالك قلّة نصيب العامل مِن الربح بمقدار لا يُجعل عادةً للعامل كواحد في الألف وادّعى العامل الزيادة عليه بالمقدار المتعارف.

‏* ‏‏وإذا ادّعى العامل تلف البضاعة، أو الخسارة، أو عدم الربح وأنكر قوله المالك ؟

‏-‏ القول قول العامل عند المراجعة الى الحاكم الشرعي ما لم يكن مخالفاً للظاهر،‏ كما إذا ادّعى تلف البضاعة بحريقٍ أصابها وحدَها دون سائر الأموال التي كانت في ضمنها.

‏* ‏‏وإذا ادّعى المالك أنْ العامل قد خان أو فرط في الأموال ؟

‏-‏ القول قول العامل يأخُذ به -‏ كسابقه -‏ الحاكم الشرعي عند المراجعة بالشرط المتقدّم.

‏* ‏‏أحياناً يوكّل إنسانٌ إنساناً آخَر ليقوم مقامه في عملٍ كان هو


يُباشره، كأن يوكّل إنسانٌ إنساناً آخَر بأنْ يبيع داره أو محلّه أو ما شاكل، فهل لهذه شروط خاصّة؟

‏-‏ نعم يُعتبر في الوكيل والموكّل أنْ يكونا عاقلَين قاصدَين إجراء الوكالة مختارين غير مجبرَين عليها، كما يُعتبر في الموكّل البلوغ إلاّ فيما تصحّ مباشرته من الصبيّ المميّز.

‏* ‏‏وهل هناك لفظة معيّنة للوكالة أو صيغة محدّدة ؟

‏-‏ كلا، فليس للوكالة لفظٌ محدّد ولا صيغة معيّنة، ويكفي فيها كلّ ما يدلّ عليها مِن قولٍ أو فعلٍ أو كتابة، وتبطل الوكالة بموتِ الوكيل أو الموكل.

‏* ‏‏أحياناً يؤجِّر الإنسان داره أو دكّانه أو نحوهما أو يؤجّر نفسه لعملٍ كالخياطة أو البناء أو السياقة مثلاً، فماذا يعتبر في الإجارة وما هي أحكامها ؟

‏-‏ تصحّ الإجارة من المالك أو الوكيل أو الولي، وتصحّ من الآخرين إذا أجازها بعد ذلك المالك أو الوكيل أو الولي، ويعتبر في المؤجّر والمستأجر البلوغ، والعقل، والاختيار، وعدم الحجْر لسفهٍ أو فلَس، نعم تصحّ إجارة المُفلِس نفسه.

ويعتبر فيما يؤجّر كالمحل أنْ يكون معيّناً محدّداً، وأنْ يُشاهده المستأجر أو يعلم مِن خلال الوصف خصوصيّاته وأنْ يتمكّن المؤجّر مِن تسليمه للمستأجر نعم يكفي تمكّن المستأجر من الاستيلاء عليه وأنْ يكون قابلاً للانتفاع به لِما قصده


المستأجر مع بقاء عينه، وأنْ يكون ذلك الانتفاع محلّلاً فلا تصحّ إجارة المحل مثلاً لبيع الخمر، وهكذا غيره من المحرّمات.

‏* ‏‏وهل للإجازة لفظ محدّد ؟

‏-‏ ليس للإجارة لفظٌ محدّد، بل يكفي في صحّتها كلّ فعلٍ يدلّ عليها، فيكفي للأخرس مثلاً أنْ يشير إشارةً مُفهِمةً للإيجار أو الاستئجار، فتصحّ إجارته.

* وإذا استأجر إنسانٌ بيتاً أو محلاًّ واشترط عليه المؤجّر أنْ يسكنه هو دون غيره أو يعمل فيه هو دون غيره، فهل يحقّ للمستأجر أنْ يؤجّره غيره ؟

‏-‏ كلا لا يحقُّ له ذلك.

‏* ‏‏إذا لم يشترط عليه المؤجّر شرطاً كهذا ؟

‏-‏ للمستأجر حينئذٍ الحقّ في إيجاره لغيره، شرط أنْ لا يؤجّره بالأكثر قيمة ممّا أستأجره به، إِلاّ أنْ يرمّمه أو يصبغه أو يعمّره أو ما شاكل، هذا في الدار والسفينة والحانوت [وكذلك في غيرهما مِن الأعيان المستأجرة، بما في ذلك الأراضي الزراعيّة].

‏قال ذلك أبي ثُمّ أضاف.

‏ولا تصحّ الإجارة إلاّ إذا حُدِّدَت مدّتها، فمَن أجّر داراً يجب أنْ يُحدّد مدّة إجارته، ومَن أجّر محلاًّ يجب أنْ يُحدّد مدّة إجارته وهكذا.

‏* ‏‏اِضرب لي مثلاً على إجارةٍ غير محدّدة وبالتالي فهي غير


صحيحة ؟

‏-‏ لو قال المالك للمستأجر: ‏( آجرتك داري كلّ شهر بمِئة دينار مهما أقمت فيها ) فالإجارة غير صحيحة.

‏ولو قال المالك للمستأجر: ‏( آجرتك محلّي لهذا الشهر فقط بخمسين ديناراً، وكلّما أقمت بعد ذلك فبحسابه ) فالإجارة صحيحة بالنسبة للشهر الأوّل فقط وباطلة في غيرها.

‏هذا إذا كانت المعاملة السابقة بعنوان الإجارة، ويُمكن أنْ تُعالج وِفْق عناوين أُخرى لا مجال هنا لذكرها.

‏* ‏‏وإذا سلمَّ المؤجّر داره أو محلّه للمستأجر ؟

‏-‏ وجب على المستأجر تسليم الأُجرة.

‏* ‏‏وإذا انهدمت الدار أثناء مدّة الإجارة وهي بيد المستأجر ؟

‏-‏ إذا لم يُقصّر المستأجر في حفظها ولم يتعدّ فيتسبّب في هدمها فهو غير مسؤول عن ذلك.

‏‏‏ولو آجر مؤجّر سيّارته لمستأجرٍ مثلاً ؟

‏-‏ وجب تحديد كيفيّة استخدامها فهل هي للركوب، أو لحمل البضاعة، أو لكليهما معاً، وهكذا في بقيّة الأشياء الأُخرى يجب تعيين نوع المنفعة.

‏* ‏‏وإذا أجرها لنقل كمّية مِن اللحوم المذبوحة بطريقةٍ غير شرعيّة ليبيعها على مَن يستحلّها ؟

‏‏

‏-‏ ألم أقل لك سابقاً: ‏لا تصحّ إجارة محلٍّ لبيع الخمر ؟ [هذه مثلها لا تصحّ كذلك].

‏* ‏‏لو وكلِّ مالكٌ شخصاً ليستأجر له عمّالاً بأجرٍ معيّن فاستأجرهم الوكيل بأقلّ ممّا حدّد المالك ؟

-‏ يحرم على الوكيل أخذ الزيادة ويجب إعادتها الى المالك.

‏* ‏‏ولو استأجر مالكٌ دارَ صبّاغاً لصبغِ داره بصبغ حُدِّد للصبّاغ نوعه ولونه ومواصفاته، فصبغه الصبّاغ بغيره.

‏‏-‏ لم يستحقّ الصبّاغ أُجرةً أصلاً.

‏* ‏‏بقي أنْ أَسأَلُك عن ( السرقفليّة ) أو ( الخلوّ ) ؟

‏-‏ السرقفليّة تقع على أنحاءٍ مختلفة.. منها أنْ يتّفق المالك والمستأجر في ضِمن عقد الإيجار على أنْ يأخذ المالك مبلغاً معيّناً من المال، ويبقى للمستأجر حقّ استغلال المحلّ بعد انتهاء مدّة الإيجار إِزاء مبلغ معيّن سنويّاً، أو إزاء ما يُعادل الأُجرة السنويّة المتعارفة للمحلّ في كلِّ سنة.

‏فإذا اتّفقا على هذا النحو جاز للمستأجر أنْ يبقى في المحلّ بعد انتهاء مدّة الإجارة، ويدفع الى المالك المبلغ المتّفق عليه كما يحقّ له التنازل عن حقّه هذا لشخصٍ ثالث ويُخلّي له المحلّ إزاء مبلغٍ يتّفقان بشأنه، ولا يُشترط في الحالتين إذن المالك ورضاه بعد ما وافق منذ البداية على المستأجر حقّ استغلال المحلّ والاستفادة منه بعد انتهاء مدّة الإجارة.

‏‏

‏* ‏‏لو أهدى إنسانٌ إنساناً شيئاً ما، دون مقابل ووَهَبه إيّاه فهل لذلك شروطٌ معيّنة مِن وجهة نظر المشرّع الإسلامي ؟

‏-‏ نعم يُعتبر في الواهب المُهدي أنْ يكون بالغاً عاقلاً قاصداً الإهداء، مختاراً غير مُجبَرٍ ولا محجورٍ عليه فيما وهبه، فإنّه حينئذٍ تصحّ هديّته أو هِبته بما في ذلك هديّة أو هِبة المريض وهو في مرَض الموت، فهي تنفذ بمقدار الثلث فما دونه، أمّا فيما هو أكثر من ذلك فيصحّ بإجازة الوَرَثَة.

‏‏-‏ والهِبة عقدٌ يحتاج الى إيجاب وقَبول ويكفي فيهما كلّ ما يدلّ عليهما مِن قولٍ أو فعلٍ كما يحتاج الى القبض أي أنّ يقبض الموهوب له العين الموهوبة إذا لم تكن هي بالأصل عنده.

‏* ‏‏وإذا لم تكن عند الموهوب له، ولم يقبضها من الواهب ؟

‏-‏ تبقى على ملك مالكها الأوّل حتّى يتسلّمها الموهوب له في حياة الواهب فتنتقل الى ملكه.

‏* ‏‏وكيف يُمكن قبض مثل الدار لو أُعطيَت هديّة ؟

‏-‏ إذا رفع الواهب يده عن الدار أو العقار وأخلاه وجعله تحت سيطرة الموهوب له فقد تمّ التسليم والقبض وصحّت الهديّة أو الهبة.

‏* ‏‏ولو مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض أو التسليم ؟

بطلت الهديّة أو الهِبة وانتقل الشيء الموهوب الى وارث الشخص الواهب.

‏‏

‏‏أحيانا يجد الإنسان حاجةً أو مالاً ضائعاً لا يعرف صاحبه فيلتقطه ؟

‏-‏ هنا عدّة حالات:‏

‏١ -‏ أنْ لا يوجد في المال الملتقط علامة ( أي ميزة يُمكن أنْ يصفه بها صاحبه فيتوصّل بها إليه)، وفي هذه الحالة يجوز للملتقط أنْ يأخذه لنفسه.

٢ -‏ أنْ يكون في المال الملتقط علامة وكانت قيمته دون الدرهم الشرعي أي ‏٦١٢ حمّصة من الفضّة المسكوكة، وفي هذه الحالة لا يجب على الملتقط الفحص عن مالكه ولكن [ ليس له أيضا أنْ يأخذه لنفسه، بل يَتصدّق به على فقير].

٣ -‏ أنْ يكون في المال الملتقط علامة وتكون قيمته درهماً أو يزيد، وفي هذه الحالة يجب على الملتقط المبادرة الى التعريف به، والتحرّي عن مالكه مِن تاريخ الالتقاط واِلى تمام السنة، ويجب أنْ يكون التعريف به في أماكن تجمّع الناس كالأسواق والمحلاّت العامّة والمجالِس وغيرها حيث يتوقّع وجود صاحبه هناك.

‏‏* إذا لم يعثُر على المالك ؟

‏-‏ إذا لم يعثر الملتقط على المالك وكانت اللقطة في حرم مكّة المكرّمة [تصدّق بها عن مالكها]، وإذا كانت في أيّ مكان آخر تخيّر

‏‏

الملتقط بين أمرين: ‏إمّا أنْ يحفظها لمالكها وله حينئذٍ حقّ الانتفاع بها مع التحّفظ على عينها، وإمّا أنْ يتصدّق بها عن مالِكها [وليس له أنْ يتملكها في مطلق الأحوال].

‏* ‏‏لو كان الشيء الملتقط مجموعةً من العملات النقديّة ؟

‏-‏ إذا أمكن معرفة مالكها بسبب بعض خصوصيّاتها، مثل عددها أو زمانها الخاصّ أو مكانها الخاصّ وجب التعريف بها.

*‏ ‏‏ولو ادّعى مدّعٍ أنّه مالكها ؟

‏-‏ إذا عُلم صِدقهُ وجَب دفعها إليه، وإذا وصَفَها وكان وصفَه مطابقاً للحقيقة فحصّل الاطمئنان بصدِقه وجَب كذلك دفعها إليه.

‏* ‏‏تقول الاطمئنان، وإذا لم يحصل الاطمئنان بصدقه، بل حصل الظن ؟

‏-‏ لا يكفي حصول الظن.

‏* ‏‏كان هذا هو حكم مالٍ ملتقط لم يُعرف صاحبه، أمّا إذا استولى إنسانٌ ما على أموالٍ أو حاجات أو عقار من إنسانٍ آخر ظلماً وعدواناً وغصباً ؟

‏-‏ الغصب من كبائر المحرّمات، ويُعذَّب الغاصب يوم القيامة بأشدِّ أنواع العذاب، فقد رُوي عن النبيّ الأكرم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن غصَب شِبراً مِن الأرض طوّقه الله مِن سَبع أرَضين يوم القيامة).

‏ويجب على الغاصب رَدِّ المغصوب الى مالِكه داراً كان الشيء المغصوب أو نقوداً أو حاجات أو غير ذلك.

‏‏

‏* ‏‏وإذا أعاد الدار المغصوبة الى صاحبها فهل تبرأ ذمّته ؟

* لا، بل يغرم له مقدار أجرة مثل تلك الدار أيضاً.

* ‏‏حتّى لو لم يسكنها غاصبها ؟

‏-‏ نعم يغرم أجرتها حتّى لو لم يسكنها في تلك المدّة ؛ لأنّه فوّت عليه استيفاء منفعة مُلكه، فكأنّه قد أتلفها عليه فيضمنها له.

‏* ‏‏لو غصَب إنسانٌ أرضاً فغرسها وزرعها ؟

‏-‏ على الغاصب إزالة غرسِه وزرعه فوراً، مع أُجرة مثل هذا المقدار من استغلاله للأرض، بل لو استلزم قلع الغرس والزرع نقصاناً في قيمة الأرض بسبب القلع وجب على الغاصب التعويض بدفع بدل النقصان، هذا إذا لم يرضَ المالك ببقائه في الأرض مجّاناً أو بأُجرة، وإلاّ لم تجب على الغاصب إزالته، بل يجوز له إبقاؤه فيها بالنحو الذي يرضى به المالك.

‏* ‏‏وإذا تلف المغصوب عند الغصب دون تعمّدٍ منه ؟

‏-‏ يجب عليه ردّ عوضه الى مالكه وعوض منافعه المستوفاة والمفوّتة.

‏* ‏‏وكيف يُردّ عليه عوضه ؟

‏-‏ المغصوب، على نوعين:‏

١ -‏ القيمي : ‏وهو الذي لا يكثر وجود ما يُماثله تماما في الخصوصيّات والمشخَّصات، التي تختلف باختلافها الرغَبَات كالبقر والغنم.. وهذا النوع يُردّ الغاصب قيمته يوم التلف.

‏‏

٢ -‏ المثلي : ‏وهو الذي يكثُر ما يُماثله تماماً في الخصوصيّات والمشخّصات كالحنطة والشعير فيلزم الغاصب ردّ مثله، شريطة أنْ يتّحد المثل المدفوع مع التالف في جميع الخصوصيّات النوعيّة والصنفيّة فلا يجزي الرديء من الحنطة -‏ مثلاً -‏ عن النوعيّة الجيدة منها

‏* ‏‏وإذا أُخذَت غصباً سلعةٌ من غاصبها الأوّل، ثُمّ تلفت السلعة ؟

‏-‏ يحقّ لصاحبها مطالبة أيٌّ مِن الغاصبين شاء ببدلها من المثل أو القيمة سَواء غاصبها الأوّل أو غاصبها الثاني، لكن لو رجَع المالك على الغاصب الأوّل كان له أنْ يُطالب الثاني بما غرمه للمالك دون العكس.

‏* ‏‏إذا علِم المالك بوجود ماله المغصوب عند الغاصب ؟

‏-‏ يحقّ له انتزاعه من يدِ غاصبه ولو بالقوّة قال ذلك أبي وأضاف: ‏وإذا وقَع في يده مالٌ للغاصب جاز له أخذه بدل المال المغصوب لو كان مساوياً له في القيمة.

‏* ‏‏وإذا كان مال الغاصب أكثر قيمة من المال المغصوب ؟

‏-‏ يجوز لصاحب المال المغصوب أخذ حصّةً منه مساويةًّ لقيمة ماله المغصوب يَستوفي بها حقّه.

‏‏‏قبل أنْ تختم حواريّة اليوم أحبُّ أن أسالك سؤالاً


شخصيّا ً.

‏‏-‏ تفضّل.

‏‏‏كثيراً ما أُشاهدك تدفع الصدقة.

‏‏-‏ نعم، ولكن كيف لاحظتني فأنا حين أتصدّق أُحاول أنْ لا يراني أحد ؛ ذلك أنّ الصدقة المستحبّة إذا دُفعت سِرّاً كانت أفضل ممّا لو دُفعت جهراً أمام أعيُن الناس، فقد كان إمامك عليّ بن الحسينعليه‌السلام يقول: ‏( صدقةُ السرّ تُطفئ غضَب الربّ ).

‏* ‏‏وهل يُعتبر في الصدقة شيء ؟

‏-‏ يعتبر في الصدقة قَصدُ القُربى لله تعالى.

‏* ‏‏وهل لها وقتٌ محدّد ؟

‏-‏ كلا.. ولكن يُستحبُّ التبكير بها، فإنّ التبكير بها يدفع شرَّ ذلك اليوم، ويُستحبُّ دفعها في أوّل الليل كذلك فإنّ دفْعها في أوّل الليل يدفَع شرَّ الليل.

‏يقول معلّى بن خنيس: ‏( خرج أبو عبد اللهعليه‌السلام في ليلةٍ قد رشّت السماء، وهو يُريد ظلّة بني ساعدة فاتّبعته فإذا هو قد سقَط منه شيء، فقال: ‏( بسم الله اللّهم ردّ علينا ) قال: ‏فأتيته فسلّمت عليه، فقال: ‏( أنت معلى ؟ ) قلت: ‏نعم، جُعلْتُ فِداك، وقال لي:‏ ( التمس بيدك فما وجدت مِن شيء فادفعه إليّ ) قال: ‏فإذا بخبزٍ منتثر فجعلت أدفع إليه ما وجدته فإذا أنا بجراب مِن خبز، فقلت: ‏جُعلت فِداك أحمله عنك، فقال:‏ ( لا، أنا أولى به منك ولكن امض معي ).

قال: ‏فأتينا ظلّة بني


ساعدة فإذا نحن بقومٍ نيام، فجعَل يدسّ الرغيف والرغيفين تحت ثوب كلّ واحدٍ منهم حتّى أتى على آخره ثُمّ انصرفنا فقلت: ‏جُعلت فِداك يعرف هؤلاء الحق ؟ فقال: ‏( لو عرفوا لواسيناهم بالدقة -‏ والدقة هي المِلح -‏ إنّ الله لم يخلق شيئاً إِلاّ وله خازن يخزنه، الاّ الصدقة، فإِنّ الربَّ تبارك وتعالى يليها بنفسه وكان أبي إِذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثمّ أرتده منه وقبله وشمّه ثُم ردّه في يد السائل، وذلك أنّها تقع في يد الله قبل أنْ تقع في يد السائل ).

‏* ‏‏أفهم من هذه القصّة أنّ للصدقة فضلاً عظيماً ؟

‏-‏ نعم فقد تواترت الروايات في الحثّ عليها والترغيب فيها فورد أنّها دواء المريض، وبها يُدفع البلاء وقد أُبرم إبراماً، وبها يُستَنزَل الرزق، وبها يُقضى الدين، وإنّها تَزيد في المال، وتَدفع ميتة السوء والداء، و..، و... إلى أنْ عدَّ سبعين باباً من أبواب السوء تسدّ.

‏ولكن رغم كلّ هذا الفضل للصدقة فإنّ التوسعة على العيال أفضل مِن الصدقة على غيرهم كما أنّ الصدقة على القريب المُحتاج أفضل من الصدقَة على غيره، وأفضل منها الصدقة على الرحم المُعادي.

‏* ‏‏على الرحم المعادي ؟

‏-‏ نعم الرحم المعادي.

‏‏-‏ وأفضل من الصدقة القرض نعم أفضل من الصدقة الإقراض كما سبق نقل الرواية فيها.



( حواريّة الذباحة والصيد )


‏‏

لا أكتمكم أنّي ساعة دخلت القاعة لحواريّة اسمها ( الذباحة والصيد )، ما كان يخطر ببالي أنْ أسمع ما سمِعت، ولا أنْ أخرج منها بما خرَجت به.

فقد كنت أظن أنّي سأسمع اليوم عن ( الذباحة ) قساوةً في التعامل مع المذبوح تساوق قساوة الذبح ولكنّي فوجئت !!‏

تُرى، أبكلّ هذه الرِّقّة يوصي المشرِّع الإسلامي ذابح الحيوان أنْ يتعامل مع حيوانه !‏

تُرى، أبكلّ هذا الاهتمام حتّى بمشاعر الحيوان وأحاسيسه مِن أنْ تتوتَّر أو تتشنّج أو تثور، يحثًّ المشرِّع الإسلامي ذابح الحيوان أنْ يتصرَّف ؟! تُرى، أبكلّ، هذا الحرص على عدم تعذيب الحيوان أو إيذائه يدعو المشرّع الإسلامي ذابح الحيوان أنْ يكون..؟!‏

استعرضت هذه الأفكار في ذهني على عجَل، واستعرضت معها بالمقابل ببطء قاسٍ صوراً مفزّعة لحالات تعذيب مريعة للحيوان، وأنا استمع الى أبي وهو يحدّثني عن مستحبّات الذباحة.

قال أبي: ‏يُستحبُّ لذابح الحيوان أنْ يسوق حيوانه الى مذبحه برفق.

‏‏

ويُستحبّ لذابح الحيوان أنْ يعرض الماء على حيوانه قبل ذبحه.

ويُستحبّ لذابح الحيوان أنْ لا يُرِي حيوانه شفرة الذباحة.

ويُستحبّ لذابح الحيوان أنْ يمرَّ السكّين على مذبح حيوانه بقوّة حتّى يُريحه ساعة الذبح.

ويُستحبّ لذابح الحيوان أنْ يجدَّ في الإسراع بذبح حيوانه ليضمن سهولة الذبح.

ويُستحب لذابح الحيوان أنْ لا يُحرّك حيوانه بعد ذبحه مِن مكان الى آخر حتّى يموت.

ويُكره أنْ تكون الذباحة بمنظرٍ مِن حيوانٍ آخر مِن جنسه.

ويُكره أنْ يَذبح الإنسان بيده ما ربّاه مِن النِّعم.

ويُكره سَلخ جِلد الذبيحة قَبل خروج روحها.

قال ذلك أبي وأضاف معزِّزاً قوله بحديثٍ مرويِّ عن نبيّنا الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله جاء فيه: ‏( إنّ الله تعالى شأنه كتَب عليكم الإحسان في كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبَحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحته ).

‏‏* ولكنّي لا أعرف كيف أذبح حيواناً يا أبي ؟

‏-‏ إذا أردت أنْ تذبح فاقطع الأوداج الأربعة تماماً.

‏‏* وما هي الأوداج الأربعة ؟

‏-‏ إنّها( المَرِيء ) مَجري الطعام، و( الحِلقوم ) مجرى التنفّس،


و( الودَجَان ) وهُما عِرقان يحيطان بالحلقوم والمريء.

‏‏* زدني إيضاحا يا أبي.

‏-‏ يقول الخُبراء المتمَرّسون في الذّباحة بأنّك إذا قطعت الأوداج الأربعة فستجد ( الجوزة ) في جهة الرأس أمّا لو وجدت بعضها في الجسَد فمعنى ذلك أنّ قطعك للأوداج الأربعة لم يكن تامّاً ؛ لأنّ الجوزة هي مجمع الحلقوم والمريء وفوقها لا حِلقوم ولا مريء.

‏‏* معنى هذا أنّي حين أذبح أقطع مِن تحت الجوزة لا مِن فوقها ؟

‏-‏ بالضبط.. اِقطع مِن تحت الجوزة حتّى لا تكون الجوزة في الجسد.

‏‏* ولو أخطأتُ فقطعت من فوق الجوزة لا مِن تحتها ثُمّ انتبهت فوراً لخطئي، فهل لي أنْ أعود فاقطع مِن تحت الجوزة قبل أنْ تموت الذبيحة ؟

‏-‏ نعم لك ذلك.

أضاف أبي قائلاً:‏

تختصّ الإبل ( الجمال ) من بين البهائم بأنّها تُنحر ولا ( تُذبح ).

‏‏* وكيف أنحرها ؟

‏-‏ إذا أردت أنْ تُنحر الإبل فأدخل السكين أو الرمح أو غيرهما من الآلات الحديديّة الحادّة في ( لبّتها ).

‏‏

‏‏* وما اللبّة ؟

‏-‏اللبّة : ‏هي الموضع المنخفض الواقع في أعلى الصدر متّصلاً بالعنق.

‏‏* عرفت الآن كيف أذبح الغنم أو البقر أو الدجاج أو الحمام أو غيرها،‏ وعرفت كيف أنحر الإبل ( الجمال ).

‏-‏ إذا عرفت ذلك ومِن أجل أنْ يحلّ لك أكل لحوم حيوانات: ‏كالغنم، والبقر، والدجاج،والحمام وغيرها، فلابدّ من توافر شروط عدّة في ذباحتها.

وهذه الشروط هي:‏

‏١ -‏ أنْ يكون الذابح مسلماً، رجلاً كان أو امرأة أو صبيّاً مميّزاً، فلا تحلّ ذبيحة الكافر [حتّى الكتابي وإنْ سمّى].

‏٢ -‏ أنْ يكون الذبح بآلةٍ حديديّة قدَر الإمكان، أمّا إذا لم توجد الآلة الحديديّة جاز الذبح بالنحاس أو الصفر أو الرصاص أو الزجاج أو الحجارة الحادّة أو غيرها ممّا يقطع الأوداج.

‏‏* والسكاكين المصنوعة من الاستيل ؟

‏-‏ فيها نسبة غير مستهلكة مِن الكروم، وهي مادّة أُخرى غير الحديد فيُشكل الذبح بها.

‏٣ -‏ أنْ تُوجّه الذبيحة للقِبلة حال الذبح، وذلك بأنْ تُوجّه مقاديم جسدها من الوجه واليدين والبطن والرجلين للقِبلة إذا كانت قائمة أو قاعدة للقبلة تماماً، كما يتوجّه الإنسان القائم أو القاعد للقبلة


حال الصلاة أمّا إذا كانت الذّبيحة مُلقاة على الأرض فيتحقّق استقبالها للقبلة باستقبال منحرها وبطنها للقبلة.

‏‏* ولو لم توجّه الذبيحة للقبلة حال الذبح ؟

‏-‏ حرُمت مع العمد.

*‏‏ ومع عدم العمد ؟

‏-‏ إذا كان السبب عدم توجيهها للقبلة هو النسيان أو الخطأ، أو عدم العِلْم بجهة القبلة أو عدم التمكّن من توجيه الذبيحة لها، أو عدم العِلم بأنّ توجيهها للقبلة شرطٌ مِن الشروط التي يحلّ بموجبها أكل الذبيحة إذا كان السبب أحد ما تقدّم فلا تحرم الذبيحة بعدم توجيهها للقبلة.

‏٤ -‏ أن يذكْر الذابح اسم الله وحده عليها لأجل الذبح سَواء سمّى حين الشروع في الذبح أم قبله متّصلاً به عرفاً.

‏‏* ماذا يقول في التسمية ؟

‏-‏ يكفي أنْ يقول: ‏( بسم الله ) أو ( الله اكبر ) أو ( الحمد لله ).

‏‏* ولو نسي الذابح التسمية عليها ؟

‏-‏ لم تحرم الذّبيحة.

*‏‏ أُشاهد بعض القصّابين يقطع رأس الذبيحة عندما يذبحها.

‏-‏ قُل له [لا تقطع رأس الذبيحة متعمّداً، ولا تُصبّ نخاعها قبل أنْ تموت، والنخاع: ‏هو الخيط الأبيض داخل فقرات الرّقبة].

‏٥ -‏ أنْ يخرج الدم بالشكل المتعارف المعتاد، فلا تحلّ


الذبيحة إذا لم يخرج منها الدم، أو خرَج قليلاً بالنسبة الى نوعها بسبب انجماد الدم في عروقها، وأمّا إذا كانت قلّته لأجل سبقِ نزيفِ الذبيحة لجُرحٍ مثلاً لم يضرّ ذلك بحلّيتها.

هذه هي الشروط الواجبة في الذباحة.

قال أبي:‏

بقيَ أنْ أُشير الى حالة خاصّة: ‏وهي أنّه إذا شكّكنا في حياة حيوان حال ذبحِه فيُشترط -‏ إضافةً لما تقدّم -‏ أنْ يتحرّك بعد ذبحه ولو حركةً يسيرة، كأنْ يحرِّك ذنَبه أو رِجلَه أو تَطرف عيناه أو غيرها ليحلّ لنا أكل لحمه.

‏‏* وإذا كنّا نعلم بحياته حال الذبح ؟

‏-‏ لا حاجة لهذه الحركة حينئذٍ.

‏‏* قلت لي أنّ الإبل يجِب أنْ تُنحر، فهل هناك مِن شروط لحليّة أكل لحمها إضافةً للنحر ؟

‏-‏ يُشترط في الناحر ما يشترط في الذابح ( راجع فقرة -‏ ١ -‏ ).

‏-‏ ويُشترط في آلة النحر ما يُشترط في آلة الذبح ( راجع فقره -‏ ٢ -‏ ).

‏-‏ ويَجب في النحر استقبال القبلة بالمنحور والتسمية والحياة حال النحر، وخروج الدّم المعتاد بعد النّحر.

‏‏* والجنين الذي في بطن الحيوان ؟

‏-‏ إذا أُخرج حيّاً مِن بطن أُمه فحكمُه حكم أُمّه، يُذبح أو يُنحر


حسب نوعه.

* قد يخرج ميّتاً ؟

* إذا ذُبِحت أُمّه أو نُحِرت وفق الشروط السابقة فمات في داخلها وكان تامّ الخِلقة قد نبت شعره أو صوفه أو وبَرُه حلّ أكل لحمه، هذا ولا يجوز تأخير إخراج الجنين مِن بطن أُمّهِ الى أنْ يموت، بل يجب التعجيل بشقّ بطنها بعد ذبحها فلو توانى الذابح في إخراجه حتّى مات لم يحلّ أكل لحمه.

‏‏* وإذا ماتت أُمّه مِن دون أنْ تُذبح أو تُنحر ومات جنينها في بطنها ؟

‏-‏ حرُم أكل لحمه.

الشروط مارّة الذكر -‏ قال أبي -‏ إذا اجتمعت في ذبح حيوان أو نحره قُلنا: ‏إنّ هذا الحيوان ( مذكّى ) فهو مذبوح وفق قواعد وأُصول الذباحة في الشريعة الإسلاميّة.

أضاف أبي شارحاً:

والحيوانات بعضها مأكول اللحم كالغنم والبقر وغيرهما.

وبعضها غير مأكول اللحم كالأسد والنمر والثعلب والفهد والصقر والنسر، وبعض الحشرات التي تسكن باطن الأرض.

وبعضها نجِس لا يطهر أبداً كالكلب والخنزير.

وتقع التذكية على كلِّ حيوان مأكول اللحم، فإذا ذُكِّي طهُر وحلّ أكلُ لحمه ولا تقع على الحيوان النجس الذي لا يطهُر أبداً


كالكلب والخنزير.

‏‏* والحيوانات غير مأكولة اللحم كالثعلب والأسد والنسر ؟

‏-‏ تقع التذكية عليها كذلك عدا الحشرات: ‏وهي الدّواب الصغار التي تسكن باطن الأرض كالضبّ والفأر، فإنّها لا تذكّى وأمّا غيرها فتقع عليه التذكية، فيَطهُر لحمه وجِلده بها فيجوز استعمال جِلده آنذاك بشتّى أنواع الاستعمالات المُمكنة، حتّى لو اتّخذ منه -‏ كما كان يَفعل أجدادنا -‏ ظرفاً للسمْنِ أو للماء فلا ينجُس ما يلاقيه وإِنْ كان رطِباً لأنّه مذكّى.

*‏‏ إذا وجدنا لحم حيوان قابل للتذكية أو جِلده بيد شخص مسلم يبيعه أو يلبسه أو يفرشه ولا نعلم هل هو مذكّى أم لا ؟

‏-‏ قل: ‏إنّه مذكّى مادُمت وجدته بيد المسلم مقترناً بما يقتضي تصرّفه فيه تصرّفاً يناسب التذكية، إلاّ إذا ثبَت لك بأنّه غير مذكّى.

أكثر من ذلك -‏ قال أبي -‏ إذا وجدته بيد المسلم يبيعه مثلاً وكان قبلاً بيد الكافر، ويُحتمل أنّه حقّق تذكيته فقل كذلك أنّه مذكّى إلاّ إذا ثبت لك بأنّه غير مذكّى.

مع ملاحظة جديرة بالتأمّل وهي: ‏أنّه إذا علِمت أنّ المسلم أخذه مِن الكافر مِن دون تحقيق عن تذكيته، واحتملت أنّه مذكّى فلك أنْ تبني على طهارته، وإنْ لم يجز لك استعماله فيما يُعتبر فيه التذكية كالأكل وهكذا اللحوم والجلود المأخوذة من يد الكافر مباشرةً.

‏‏

قلت لي: ‏إذا وجدت لحم حيوان قابل للتذكية أو جِلده بيد مسلم ولا تعلم أنّه مذكّى أو لا، فقل: ‏إنّه مذكّى حتّى يثبت لك عدم تذكيته أليس كذلك ؟

‏-‏ نعم.

‏‏* المسلمون كما تعلم يا سيدي مذاهب وفِرق مختلفة ؟

‏-‏ نعم، قل إنّه مذكّى سَواء أكان مذهب المسلم هذا موافقاً لمذهبك أم مخالفاً له.

‏‏* هناك ربّما من المذاهب الإسلامية أو الفِرق مَن لا يشترط الشروط التي ذكرتها للتذكية، فلا يشترط استقبال القبلة مثلاً، ولا التسمية ولا كون الذابح مسلماً ولا يشترط قطع الأوداج الأربعة.

‏-‏ أعرف ذلك، وهذا لا يهم قل: ‏إنّه مذكّى مادام يتصرّف به تصرّفه في لحمِ وجِلد الحيوان المذكّى، وتُحتمِل أنّه ذكّاه وفق الشروط مارّة الذكر وإنْ لم يكن يعتقد لزوم رعايتها، بل لو تيقّنت عدم رعايته لشرط الاستقبال لم يضرّ ذلك بحلّية ذبيحته مادام معتقداً بعدم لزوم الاستقبال.

‏‏* والحيوانات المذبوحة بالمكائن في البلدان الإسلاميّة ؟

‏-‏ إذا توفّرت في ذبحها الشروط مارّة الذكر فهي مذكّاة، فإذا كان العامل الذي يتولّى تحريك السكينة بيده أو يضغط على الزر المعيّن لتقوم الماكنة بتحريك الشّفرة مُسلماً وكان يُسمّي على ذبائحه وكانت الذبائح مستقبلة القبلة حال الذبح مع توفّر بقيّة الشروط المتقدّمة حلّ أكل لحمها كالمذبوح باليد تماماً.

‏‏* والأسماك ؟ لم تحدّثني عن تذكية الأسماك.


‏-‏ تذكية الأسماك وبالتالي حلّية أكل لحمها تختلف عن تذكية الحيوانات الأُخرى مارّة الذكر، ذلك أنّ السمك متى ما استوليت عليه حيّاً خارج الماء كأن تكون اصطدته بيدك داخل الماء وأخرجته حيّاً للخارج، أو اصطدته بالشباك أو بالشصِّ أو بالفالة، أو كأن يكون السمك قد خرَج بعد نضوب الماء فأخذته فقد ذكّيته، أو كأن يكون السمك قد قفز بنفسه الى الساحل فأمسكته حيّاً فقد ذكّيته، أو وثَب في سفينة فأخذته حيّاً فقد ذكّيته وهكذا.

‏‏* وإذا وثبَت سمكة الى الأرض فلم تؤخذ حتّى ماتت ؟

‏-‏ حرم عليك أكل لحمها، أكثر مِن ذلك لو نظرت الى سمكة وهي حيّة تضطرب على الأرض، ولم تعلم أنّ إنساناً أخرجها من الماء ولم تستولِ أنتَ عليها حتّى ماتت فقد حرُم أكل لحمها عليك.

‏‏* وشرط التسمية ؟ لم تذكر شرط التسمية على السمك.

‏-‏ لا يُشترط في تذكية السمك التسمية.

‏‏* والإسلام ؟ أقصد أنْ يكون صائدها وهي حيّة مسلماً ؟

‏-‏ لا يُشترط في تذكية السمك أنْ يكون صائدها وهي حيّة مسلماً.

‏‏* معنى هذا أنّه إذا أخرج الكافر السمك حيّاً مِن الماء جاز لي أكله ؟

‏-‏ نعم جازَ لك أكله، فلا فرق هنا بين المسلم والكافر.

‏‏* وإذا وجدت سمكة في يدِ مسلم يبيعها مثلاً ولم أدر أنّه


استولى عليها حيّة خارج الماء فيحلّ لي أكلها، أو استولى عليها ميّتة فلا يحلّ لي أكلها ؟

‏-‏ قل: ‏إنّها مذكّاة ما دامت في يد المسلم يتصرّف بها تصرّفاً دالاًّ على التذكية كأّنَ يبيعها للأكل مثلاً أو ما شاكل.

‏‏* وإذا وجدتها في يد الكافر ولم أدرِ أنّه استولى عليها خارج الماء حيّة أو ميتة أقصد هل هي مذكّاة أم لا ؟

‏-‏ قل: ‏إنّها غير مذكّاة.

أكثر من ذلك لو أخبرك الكافر أنّها مذكّاة لم يحلّ لك أكل لحمها، إلاّ إذا علمت أنّه قد أخرجها من الماء قبل موتها، أو أنّه أخذها خارج الماء وهي حيّة، أو أنّها ماتت داخل شبكته أو حضيرته في الماء.

‏‏* إذا ألقى الصياد الزهر ( السم ) في الماء فابتلعه السمك فطفا على سطح الماء لعجزه عن السباحة ؟

‏-‏ إذا أخذته حيّاً جاز لك أكل لحمه، أمّا إذا مات قبل ذلك فقد حرم.

‏‏لو نصَب الصيّاد حضيرةً أو صنع شبكةً لاِصطياد السمك فدخلها السمك، ثُمّ نضَب الماء أو انحسر بسبب الجزِر أو بأيّ سببٍ آخر فمات السمك فيها بعد نضوب الماء ؟

‏-‏ لك أنْ تأكل ذلك السمك.

‏‏* يرمي الصياد شباكه في الماء ثمّ يخرجها محمّلة بسمك قد


مات وهو في الشبكة ؟

لك أنْ تأكله كذلك.

‏‏* يخرج الصيّاد السمك الحيّ مِن الماء فيشقّ بطنه أو يضربه على رأسه فيموت ؟

‏-‏ يحلّ لك أكل لحمه، لأنّه لا يُشترط في السمَكة إذا أُخرجت من الماء حيّة أنْ تموت بنفسها، فيجوز أكل لحمها لو ماتت بالتقطيع أو بالشواء أو بغير ذلك.

‏‏والدم الخارج منها، ألاّ تحتاج قبل الشواء الى تطهير ؟

‏-‏ دم السمكة طاهر.

‏‏قلت لأبي: ‏حدّثتني عن صيد السمك ولم تُحدّثني عن صيد الحيوانات الوحشيّة كالغزال مثلاً إذا اصطيد بالبندقيّة ؟

‏-‏ يشترط في تذكية الحيوان الوحشي المحلّل أكله: ‏كالغزال، والطير، وبقر الوحش، وحمار الوحش، وغيرها إذا اصطيد بالبندقيّة أو بغيرها من السلاح شروط عدّة إذا اجتمعت حلَّ أكله وطهر كما لو ذبح.

مِن هذه الشروط:‏

‏١ -‏ أنْ يكون الصائد مُسلماً أو ما بحكمه كالصبيّ المميّز كما مرّ في شروط الذبح.

‏٢ -‏ أنْ يكون قاصداً الاِصطياد وهو يستعمل سلاحه، فلو رمى هدفاً فأصاب حيواناً خطأً فقتله مصادفة لم يحلّ.

‏‏

‏٣ -‏ أنْ يُسمّي عند استعمال سلاحه في الاِصطياد، أو قبل إصابة الهدف ويكفي في التسمية أنْ يقول:‏ ( الله اكبر ) أو ( بسم الله ) أو ( الحمد لله ).

٤ -‏ أنْ يدرك صيده ميّتاً بسبب السلاح، أو يدركه حيّاً ولكن لا يسَع الوقت لتذكيته، فلو أدرك صيده حيّاً وكان الوقت يتّسع لذبحه ولم يذبحه حتّى مات لم يحلّ أكله.

٥ -‏ في صيد البندقيّة يجب أنْ تكون الطلقة على وجه تنفذ في بدن الحيوان، وتخرقه بحيث يكون سبب قتله اختراقها ونفوذها في جسده.

‏‏* وإذا اصطيد الحيوان الوحشي المحلّل أكلُه كالغزال أو الطير مثلاً بكلبِ الصيد لا بالسلاح ؟

‏-‏ يحلّ أكله ويطهُر بعد اصطياده إذا توفّرت الشروط التالية:‏

‏١ -‏ أنْ يكوْن الكلب معلّماً للاِصطياد بحيث يسترسل إذا أرسله صاحبه وينزجر إذا زجره.

‏٢ -‏ أنْ يكون صيده بإرسال صاحبه له للاِصطياد، فلا يكفي استرساله بنفسه من دون إرسال.

‏٣ -‏ أنْ يكون مرسله للاِصطياد مسلماً كما مرّ في شروط الذبح.

‏٤ -‏ أنْ يسمّي مرسله عند إرساله، ويكفي مثل ( الله اكبر ) أو ( الحمد لله ) أو ( بسم الله).

‏٥ -‏ أنْ يستند موت الحيوان الى جرح الكلب وعقره، لا مثل


خنقه وإتعابه في العَدْو ونحو ذلك.

‏٦ -‏ أنْ يدرْك صاحب الكلب صيده بعد موته أو يدركه في الدقائق الأخيرة مِن حياته بحيث لا يسَع الوقت لذبحه، فلو أدركه حيّاً وكان الوقت يتسع لذبحه ولم يذبحه حتى مات لم يحل أكله وهكذا لو توانى من الوصول اليه فمات قبل ان يدركه أو ضاق الوقت عن ذبحه بعد إدراكه.

‏‏* وإذا اصطاد الباشق أو الصقر أو البازي أو الفهد أو غيرها حيواناً ؟

‏-‏ لا يحلّ أكله إلاّ إذا صاده الكلب فقط عِلماً بأنّ موضع عضّة الكلب نجس.‏ يجب غسله ولا يجوز أكل الحيوان قبل غسله.

‏‏* أحيانا يصطاد غير الكلب كالصقر مثلاً حيواناً ويدرك صاحب الصقر صيده قبل أنْ يموت فيذبحه ؟

‏-‏ يحل أكله إذا كان الصيد مأكول اللحم وذكّاه صائده وفق أُصول وأُسس التذكية مارّة الذكر.

‏‏* أشاهدك أحياناً تستعمل عبارة ( الحيوان المأكول اللحم ) أو عبارة ( الحيوان غير مأكول اللحم )، فهل هناك حيوانات لا يحلّ أكل لحمها دائماً ؟

‏-‏ نعم هناك حيوانات يحرم أكل لحمها دائماً.

قال ذلك أبي، ثُمّ صمَت قليلاً كأنّه يُلَملِم خيوط فكرةٍ راحت تتجمّع بطيئة متأنّية في ذهنه ثُمّ رفع رأسه إليَّ قائلاً:‏

من أجل أنْ أضعك في الصورة تماماً سأعدّد لك المُهم مِن


الحيوانات التي يحلّ أكل لحمها، والمُهم من الحيوانات التي لا يحلّ أكل لحمها حتّى تكون على بيِّنةٍ منها، وأردف أبي يقول:‏

من حيوانات البرّ : ‏يحلّ لك أكل لحم الدجاج بأنواعه المختلفة والغنم والبقر والإبل والخيل والبغال والحمير وكبش الجبل وبقر الوحش وحمار الوحش والغزال.

ويكره منها ولا يًحرم أكل لحم الخيل والبغال والحمير الأهليّة.

ويَحرم أكل كلّ ذي ناب كالأسد والثعلب وغيرهما.

كما يَحرم أكل الأرنب والفيل والدبّ والقرد وأيضا يحرُم أكل الضبّ واليربوع والفأر والقنفذ والحيّة وغيرها مِن الحشرات.

ويحرم أكل لحم ما وطئه الإنسان من البهائم [ ويحرُم لبنه ويحرم لحم نسلِه المتجدِّد بعد الوطء ] وأقصد بالوطء هنا أنْ يُمارس الإنسان الجنس مع الحيوان.

فإِنْ كان الحيوان الموطوء ممّا يُطلَب لحمه كالإبل والبقر والغنم وغيرها، وجَب أنْ يذبح أوّلاً ثُمّ يُحرق ويغرم الواطئ قيمته إذا كان غير المالك.

وإنْ كان الحيوان الموطوء ممّا يُقصَد ظهره للركوب كالخيل والبغال والحمير، وجب نفيه مِن البلد وبيعه في بلدٍ آخر ويَغرم الواطئَ قيمته إذا كان غير المالك.

أضاف أبي:‏

ومن حيوانات البحر: ‏يحلّ لك أكل لحم السمك بكافّة أنواعه


وأشكاله شرط أنْ يكون له قِشر ( فلَس ).

ويحرُم الميّت الطافي منه على وجه الماء.

كما يحرُم أكل حيوانات البحر الأُخرى عدا السمك مارّ الذِّكر، ويحرم بالتخصيص لحم الجرّيّ والزمّير والمارماهي والسلحفاة والضفدع والسرطان.

‏‏* ولحم الرُّوبيان ؟

‏-‏ يحلّ لك أكله لأنّ له قِشراً.

وأردَف أبي قائلاً:‏

ومِن الحيوانات الطائرة: ‏يحلّ لك أكل لحم الحمَام بأنواعه المختلفة والعصافير بأنواعها والبُلبل والزَّرزور والقبّرة والنَّعامة والطاووس والهُدهد والخطّاف.

[ويحرُم عليك أكلُ لحم الغراب بجميع أنواعه حتّى الزاغ، كما يحرُم عليك أكل الزنبور وغيره مِن الحشرات الطائرة عدا الجراد ] ويحرُم عليك كلّ طائر ذي مخلَب كالشاهين والعقاب والبازي والصقر، وكلّ طائرٍ صفيفه أكثر من دفيفه، أي يحرُم أكل لحم كلّ طائرٍ يصفّ جناحيه ولا يحرّكهما إثناء طيرانه أكثر ممّا يحرّكهما ويدفّ بهما.

‏‏* وإذا لم نعرف كيفيّة طيرانه ؟

‏-‏ العبرة في حلّيّة لحمه حينئذٍ بأنْ تكون له الحوصلة أو القانصة أو الصيصيّة فما تكون له إحدى الثلاث يحلّ أكله دون غيره.

والحوصلة: ‏ما يجتمع فيه الحَبُّ وغيره مِن المأكول عند


الحلق.

والقانصة: ‏ما تجتمع فيه الحصى الدقاق التي يأكلها الطير.

والصيصيّة: ‏شوكةٌ في رِجل الطير خارجة عن الكف.

‏‏* أشاهد أحياناً بعض القصّابين يُخرج مِن الذبيحة إثناء تقطيعها بعض الأجزاء ليرميها خارجاً.

‏-‏ نعم لا تأكل مِن الذبيحة الأجزاء التالية إنْ وجدتها فيها:‏

الدم، والروث، والقضيب، والفرج، والمشيمة، والغدد بكلّ أنواعها، والبيضتين، وخرزة الدماغ، والنخاع، والمرارة، والطحال، والمثانة، وحدَقَة العين، و[العصبتين الممتدّتين مِن الرقبة الى الذنب على الظهر].

هذا كلّه في ذبيحة غير الطيور، أمّا ذبيحة الطيور فيحرُم منها ( الدم والرجيع )‏ [ويجتنب أيضا عن بقيّة المذكورات إنْ وجِدَت فيها].

ولمّا انتهى أبي مِن تعداده وصمَت، قُلت في نفسي:‏

* ما دمنا نتحدّث عمّا يحلّ أكله مِن الذبيحة وما لا يحلّ، فلماذا لا أسأل عمّا يحرُم أكله وتناوله من غير الذبيحة مِن أشياء، ثمّ لماذا لا أسأل ما دمنا نتحدّث عن الأكل عمّا يُستحبُّ في أكل الطعام.

وإذا اختمرت في ذهني فكرة السؤال قلت لأبي:‏

‏-‏ دعني أخرج عن الموضوع قليلاً لأسأل عن سؤالين شَغَلا بالي:‏

‏‏

أوّلهما : ‏هل يا ترى هناك أشياء يحرُم تناولها غير ما ذكرت ؟

‏-‏ثانيهما : ‏مادُمنا نجلِس على مائدة الطعام كلّ يوم ثلاث مرّات، فهل هناك مُستحبّات في أكل الطعام ؟

ابتسم أبي أوّل الأمر كأنّه ذكَر شيئاً ثُمّ اعتدل في جِلسته ليقول: ‏سأُجيبك عن السؤال الأوّل، ثُمّ أُثنّي فأجيبك عن السؤال الثاني.

‏-‏ نَعم هناك أشياء يحرُم تناولها غير ما ذكرت، سأخصّ بالذِّكر منها شيئين مهمّين هما:‏

‏١ -‏ يحرُم شِرب الخمر وغيره من المسكرات بما في ذلك ( البيرة ) وقد نصّ القراَن الكريم على حرمة شُرب الخمر، قال الله سبحانه وتعالى: ‏( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ... ) كما ورد في بعض الأحاديث أنّه مِن أعظم المعاصي، قال الإمام الصادقعليه‌السلام : ‏( الخمر أُمّ الخبائث ورأس كلّ شرّ...) الى آخر الحديث.

أكثر من ذلك: ‏يحرُم أكلك مِن مائدة يُشرب عليها شيءٌ مِن الخمر أو أيّ مسكرٍ [بل يحرُم جلوسك على مثل هذه المائدة].

‏٢ -‏ يحرُم تناول كلّ ما يضرّ بالإنسان ضرراً بليغاً كالهلاك وشبهه كالسموم القاتلة وأمثالها.

هذا ما يتعلّق بالسؤال الأوّل.

أمّا ما يتعلّق بالسؤال الثاني، ( مستحبّات أكل الطعام ) فمستحبّات أكل الطعام كثيرة، ولكن هل ستلتزم بها ؟

‏‏

‏‏* أعدك أنْ أحاول.

‏-‏ إذن خُذ:‏

‏١ -‏ غسل اليدين معاً قبل الطعام وبعده والتنشّف بعده بالمنديل.

‏٢ -‏ التسمية عند الشروع بالأكل.

‏٣ -‏ الأكل باليمين.

‏٤ -‏ تصغير اللقم.

‏٥ -‏ أنْ تجوِّد مضغ الطعام.

‏٦ -‏ أنْ تُطيل الأكل والجلوس على المائدة.

‏٧ -‏ أنْ تفتتح وتختتم بالملح.

‏٨ -‏ أنْ تغسل الثمار بالماء قبل أكلها.

‏٩ -‏ أنْ لا تأكل وأنت شبعان.

‏١٠ -‏ أنْ لا تأكل الطعام الحار.

‏١١ -‏ أنْ لا تنفخ في الطعام والشّراب.

‏١٢ -‏ أنْ لا تُقشِّر الثمار التي تؤكل بقشورها.

‏١٣ -‏ أنْ لا ترمي الثمرة مِن يدك قَبل أنْ تستقصي أكلها.

‏١٤ -‏ أنْ لا تنظر في وجوه الناس وهُم يأكلون.

‏١٥ -‏ أنْ يبدأ صاحب الطعام قبل الجميع ويختتم بعد الجميع.

‏١٦ -‏ أنْ لا تْتناول الماء على الأغذية الدّسمة.

‏١٧ -‏ أنْ تأكل مِن أمامك لا مِن أمام الآخرين.

‏‏

‏١٨ -‏ أنْ لا تمتلئ من الطعام.

‏١٩ -‏ أنْ لا تقطع الخبز بالسكّين.

‏٢٠ -‏ أنْ لا تضَع الخبز تحت الإناء.

وهناك غيرها لا يسَع مجالي الآن ذكرها.

* * * * *


( حواريّة الزَّواج )


‏‏

نحن مدعوّون -‏ قال أبي -‏ لحضور حفلة عقدِ قِران في دار جارِنا أبي عليّ، وعلينا أنْ نَتهيّأ في حدود الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الجمعة القادم ؛ لنشارك جارَنا العزيز أفراحه بهذه المناسبة السّعيدة ‏‏

‏* عقد قران مَن ؟

‏-‏ عقد قران ابنه عليّ.

‏‏* ولكن عليّاً لا زال بعد في مُقتبل شبابه فهو الآن في العشرين مِن عمره ولم يحِن بعد وقت زواجه !

‏-‏ في العشرين من عمره، وتقول لم يحِن بعد وقت زواجه ! إنّه الآن في عُنفوان الشباب وفي أوجّ تفتّح قِواه الجسديّة والعقليّة بما في ذلك طاقاته الجنسيّة.

أضاف أبي :

ولمّا كان ضغط الجنس فاعلاً ومحرّكاً في عمرٍ كهذا، إذن يحسن بالشاب أنْ يتزوّج في سنٍّ مبكرّة ليعصم نفسه من الوقوع في هاوية فعلِ محرّم، فالنفس أمّارة بالسّوء كما تقول الآية الكريمة: ‏( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ


رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

‏-‏ وما أنْ سمِعت بضغط الجنس حتّى خجِلت، ففي سنٍّ مثل سنّي يخجَل أحدُنا أنْ يتحدّث أو يسمَع شيئاً عن الجنس رغم شوقه وحاجته لأنْ يتحدَّث أو يسمع شيئاً ما عنه.

وإذ لاحظ أبي إمارات الخجَل باديةً على وجهي سألني :

‏-‏ أخجِلت ؟

* نعم، فالحديث عن الجنس مُخجِل.

‏-‏ وعن ضغط الغريزة الجنسيّة مُخجِل هو الآخر أليس كذلك ؟

* نعم.

‏-‏ ولكنّها حاجة بايولوجيّة -‏ حياتيّة -‏ يشعر بها كلُّ إنسان سويٍّ مكتمل.. إنّها كالطعام والشراب وغيرهما من حاجات الجسد الأُخرى.

فكما أنّك تحت ضغط الحاجة الى الطعام تأكل.. وأنّك تحت ضغط الحاجة الى شرب الماء تشرب فإنّك تحت ضغط الحاجة الى الجنس تتزوّج.

* ولكنّ عليّاً لا زال شابّاً ؟

‏-‏ أحياناً يجب الزواج على الإنسان.

* تقول أحياناً يجب الزواج.. تقصد يجب شرعاً ؟

‏-‏ نعم يجب الزواج شرعا ً، إذا كان الإنسان لا يستطيع تحت ضغط الحاجة أنْ يمنع نفسه من الوقوع في فعل محرّم بسبب عدم


زواجه.

‏-‏ إذن كان عليٌّ شجاعاً حين اتّخذ قراره بالتزويج وهو بعد في مقتبل عمره؟

‏-‏ شجاعاً نعم، وجريئاً ومبدئيّاً.. فمُذ أحسَّ بضغط الحاجة الجنسيّة، ورأى انثيال المُغرِيات أمامه أنّى توجّه أو تلفَّت أو سار، أدرك بوعي الملتزم ومبدئيّته أنّ ثباته أصبح عرضةً للاِهتزاز وربّما السقوط.

فها هي ذي نفسه تلحُّ عليه وتجاذبه وتراوده، وها هو ذا يضعف أمامها ويتردّد وينهار.

وفي ظلّ ظرفٍ ضاغط كهذا ومُقلق ومحرّض ومستفز وحرِج، آثر عليٌّ أنْ يُفاتِح أباه برغبته في الزواج ليحرز نصف دينه عملاً بمنطوق قول النبيّ الأكرم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن تزوّج فقد أحرَز نصف دينه، فليتّق الله في النصف الآخر ).

قال ذلك أبي وأضاف معقِّباً :

الزواج عملٌ محبوب لله عزّ وجل، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) وقال تعالى في موضعٍ آخر من كتابه الكريم: ‏( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) .

وروى الإمام الباقرعليه‌السلام عن جدِّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله: ‏( ما


بُني بناء في الإسلام أحبُّ الى الله عزّ وجل من التزويج ) وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( تَزوّجوا وزوِّجوا ).

ونُقلت لنا كُتب الحديث عن الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أنّه قال: ‏( تزوّجوا فإنّ التزويج سُنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّه كان يقول: ‏مَن كان يُحبُّ أنْ يتّبع سُنّتي فإِنّ سنّتي التزويج ).

وعن الإمام أبي عبدا للهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( مِن أخلاق الأنبياء حُبُّ النساء ) وعنهعليه‌السلام : ‏( ركعتان يُصلّيهما المتزوّج أفضل مِن سبعين ركعة يُصلّيها أعزب ).

وحكي أنّه روى عن أبيه الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ما أُحب أنّ لي الدنيا وما فيها وأنّي بتُّ ليلةً وليست لي زوجة ).

وروي عن الإمام الكاظمعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ثلاثةٌ يستظّلون بظلِّ عرش الله يوم القيامة يوم لا ظلَّ إلاّ ظلّه: ‏رجلٌ زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرّاً ).

وهناك غير هذه الأحاديث ما يُشير الى اِستحباب الزواج وكراهيّة العزوبيّة للرجل والمرأة.

* تقول للرجل والمرأة ؟! المرأة !!!

‏-‏ نعم كراهيّة العزوبة للرجل المرأة معاً، فهناك من الأحاديث ما يدعو المرأة الى الزواج ويحثُّ عليه..

فقد رُوي عن الإمام أبي عبدا للهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( نهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله النساء أنْ يتبتَّلن ويُعطِّلن أنفسهن مِن الأزواج ).


بل أكثر مِن ذلك فهناك من الأحاديث ما يدعو الى تعجيل زواج البنت وعدم تأخيرها، فقد ورَد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله: ‏( مِن بركة المرأة سرعة تزويجها ).

* التبكير بالزواج حسن إذن هذا جيد، ولكن تكاليف الزواج باهضة يا أبي، فمِن أين يأتي الشاب بكلّ هذه الأموال ليتَزوّج والزواج يُريد ويُريد.

‏-‏ الإسلام يدعو الى تخفيف مؤنة التزويج وتقليل تكاليفه.

* تقليل تكاليف الزواج ؟

‏-‏ نعم يدعو الإسلام الى تقليل تكاليف الزواج.

* والمهور الغالية تلك التي يشكو منها الكثيرون ؟

‏-‏ يستحبّ تقليل المهر ويُكره تكثيره.

* ماذا تقول ؟! أيُكره تكثير المهر ؟!

‏-‏ نعم يُكره تكثير المهر ويستحبُّ تقليله، فقد رُوي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( أفضل نساء أُمّتي أصبحهُنَّ وجهاً وأقلّهُنّ مهراً ).

ورُوي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( تذاكروا الشؤم عند أبي فقال: ‏فأمّا شؤم المرأة فكثرة مهرِها وعُقم رحمها ).

وقد ورد في الأحاديث الشريفة كذلك: ‏( مِن برَكة المرأة قلّة مهرها، ومن شؤمها كثرة مهرها ).

قال ذلك أبي ثمّ أطرق قليلاً كمن تذكّر شيئاً ذا بال وأضاف


معزّزاً حديثه قائلاً :

زوَّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ابنته الصّدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وهي سيّدة نساء العالمين، زوَّجها من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام على مهرٍ قليل.. على ( درع حطيميّة ).

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : ‏( زوّج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام على درع حطيميّة ).

ووصَف الإمام أبو جعفرعليه‌السلام فيما رُويَ عنه فراش الصّدّيقة فاطمة الزهراءعليها‌السلام فقال: ‏(كان فراش فاطمة إهاب كبش يلقيانه ويفرشانه وينامان عليه ).

قلت لأبي :

ومشكلة عدم وجود موردٍ مادّي مضمون عند الشاب ليُقوِّم أُسرةً بعد زواجه أو فلنَقُل خوف الحاجة بعد الزّواج ؟ خوف الفقر ؟ خوف أنْ لا يجد ما يقوِّم مصرف أُسرةٍ ؟

قال أبي: ‏يقول الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد:‏( وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) .

ويعقب الإمام الصادقعليه‌السلام على هذه الآية فيما روي عنه فيقول: ‏( مَن ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بالله، يقول سُبحانه( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ).

قلتُ: ‏هناك مشكلة يطرحها بعض الوجَهَاء والأثرياء وذوي


المكانة المرموقة في المجتمع.

ملخصّها: ‏أنّه لا يزوّج ابنته إلاّ لرجلٍ يراه هو بحساباته الخاصّة لائقاً بها، وحين لا يقدّم مَن يعتبره هو مناسباً لها -‏ رغم كثرة مَن يتقدّم لخطبتها -‏ تبقى البنت بلا زواج.

‏-‏ قال أبي: ‏دعني انقل لك نظرة الإسلام للزوج اللائق المناسب مِن خلال رسالة وردت للإمام الباقرعليه‌السلام وجواب الإمام عليها فقد رُوي أنّه كتب عليّ بن أسباط الى الإمام الباقرعليه‌السلام في أمر بناته، وأنّه لا يجد أحداً مثله فكتَب إليه الإمامعليه‌السلام مجيباً :

( فهمتُ ما ذكرت في أمر بناتك، وأنّك لا تجد أحداً مثلك فلا تنظر في ذلك رحِمَك الله، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ‏إذا جاءكم مَن تَرضون خُلُقه ودينه فزوّجوه، ألاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ).

تركني أبي عند هذه النقطة غارقاً في تأمّلاتي، ومُستعرضاً بنقدٍ جارح عادات وتقاليد اجتماعيّة ضارّة، نشأت خلال تراكمات زمنيّة سيّئة، فترسّخت ضاربةً أطنابها في مجتمعاتنا.

فالإسلام يدعو الى تخفيف تكاليف الزواج، والتقاليد تخالفه.

والإسلام يدعو الى تقليل المهور، والتقاليد تخالفه.

والإسلام يقول: ‏تزوّجوا ولا تخشوا الفقر، ونحن نُخالفه.

والإسلام يضع في اعتباره الخُلُق والدين مقياساً للزوج اللائق المناسب، والمجتمع يضَع مقاييس أُخرى، ربّما في مقدّمتها الثروة


والوجاهة والطبقة الاجتماعيّة.

* وما أنْ قاربت الساعة الخامسة حتّى توجّهنا أنا وأبي الى حيث بيت جارنا أبي عليّ وحفلة العقد.

وسأصف لكم حفلة عقد قران علي كما شاهدتها.

صالة الاستقبال مكتظّة بالمدعوّين المهنّئين، الملابس الأنيقة المترفة تملأَ عينيك أنّى تلفَّتَّ فرَحٌ مكتوم يكحل أعين الجالسين، الأضواء تُرفرف في سماء الصالة المشعّة بالبياض، المزدانة بالنور، بينما راحت باقات من وردٍ أبيض، وأُخرى مِن وردٍ بنفسجي تتفتّح توّاً أو تكاد، تتمايل مثقلةً بحملها أو متثاقلة فتضفي على جو الصّالة نكهةً براءة ذات سحرٍ سرّيٍّ غامض.

العريس عليّ يجلس في صدر الصالة، قرب بابٍ داخلي مُغلق، ويجلس الى جواره سيّد مهيب الطلعة، تبدو عليه سيماء الصلاح والوقار والطيبة، ويطغى على تقاطيع وجهه بهاءٌ رزين.

الصالة الفخمة ضاجّة بالصمت، بينما راح السيّد المهيب الوقور يَقرع جدار الصمت بصوته القويّ الرصين، وهو يُخاطب العروس مِن وراء الباب المغلق، بعد أنْ قرأ بعض الآيات القرآنيّة الكريمة والأحاديث الشريفة قائلاً: ‏أترضين يا فاطمة، بأنْ أكون وكيلك، على أنْ أزوّجك مِن الشاب عليّ بن محمّد بمهرٍ قدره ( ٥٠٠ ) درهم نقداً، فإنْ رضيت بذلك فقولي أنتَ وكيلي.

فأجابت العروس بصوتٍ خفيض، حيي لا يكاد يُسمع، قائلةً :


أنتَ وكيلي.

وما أنْ قالت جملة ( أنت وكيلي ) وقَبِل السيّد وكالتها حتّى علت ( الهلاهيل ) -‏ الزغاريد -‏ وسَط الدار، كأجراس متّصلة، تتقاطع أحياناً، وتنفرد أحياناً أُخرى.

وعلت الابتسامة الوجوه، وتوجّه ذلك السيّد الرزين الوقور صوب الشاب عليّ قائلاً له: ‏زوّجتك موكّلتي فاطمة بنت أحمد على مهر قدره ( خمسمِئة ) درهم نقداً، فأجاب العريس عليّ مباشرةً من دون فصل: ‏قَبِلتُ التزويج.

* ولماذا هذا المهر القليل يا أبتي ؟

‏-‏ إنّه مهر السُنّة وقد سنَّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مهور المؤمنات من أُمّته خمسمِئة درهم مِن الفضّة في ذلك الوقت وهو زهيدٌ كما ترى.

* قلت لأبي: ‏وهل يحقّ للعروس فاطمة أنْ تُزوِّج نفسها مِن دون توسّط هذا ( السيّد العاقد ).

قال: ‏نعم يحقُّ للزوجين إجراء العقد بنفسيهما دون توسّط أحد، ويحقُّ لأحدهما أو كليهما توكيل مَن ينوب عنهما في إجراء العقد ويُرجّح أنْ يتطابق الإيجاب والقبول.

* كيف ؟

‏-‏ إذا قالت الزوجة مثلاً: ‏( زوَّجتك نفسي )، يقول الزوج مباشرةً مِن دون فصل ( قبلت التزويج ) ولا يقول ( قبلت النكاح ).

هذا إذا كان الزواج زواجاً دائميّاً.

‏‏

* وهل هناك زواج غير دائم ؟

‏-‏ نعم هناك زواج مؤقّت تتعيّن فيه المدّة والمهر، وتتحدّد المدّة بيومٍ مثلاً أو شهرٍ أو سنة أو ما شاكل ذلك ممّا لا يزيد على عُمر احدهما عادةً ويحقّ للزوجين فيه تماماً -‏ كما في الزواج الدائم -‏ مباشرةً العقد بنفسيهما أو توكيل مَن ينوب عنهما فيه، فلو باشر الزوجان العقد غير الدائم بنفسيهما فقالت المرأة للرجل مثلاً: ‏( زوّجتك نفسي مدّة سنة بمِئة دينار )، قال الرجل مباشرةً من دون فصل ( قبلت التزويج ) صحّ العقد.

* وإذا تمّ ذلك ؟

‏-‏ إذا تمّ ذلك، فستصبح المرأة زوجة، تحلّ لزوجها مدّة العقد، مِن دون توارث بينهما، ولا يجب على الزوج الإنفاق عليها، ولا المبيت عندها.

فإذا انتهت المدّة المتّفق عليها، حرمت عليه، بينما تحلّ المرأة في العقد الدائم لزوجها مدى الحياة ما لم يطلِّقها.

هذا ولعقد الزواج شروط :

* وما هي ؟

‏-‏ إنّها -‏ قال أبي -‏ :

١-‏ الإيجاب والقبول اللفظيّان : ‏فلا يكفي تراضي الزوجين واتّفاقهما على الزواج، سَواء في ذلك في الزواج الدائم وغير الدائم، كما لا تكفي الكتابة من دون لفظ وقد مرّت عليك صيغة العقد فيما


مضى.

٢-‏ قصد الإنشاء في إجراء الصيغة : ‏بمعنى أنْ يقصد الزوجان أو وكيلاهما تحقّق الزواج، فتقصد الزوجة بقولها: ‏( زوّجتك نفسي ) صيرورتها زوجة له، كما أنّ الزوج يقصد بقوله: ‏( قبلت التزويج )، قبول زوجيّتها له وهكذا الوكيلان عن الزّوجين.

٣-‏ رضا الزّوجين واقعاً فالمهم هو الموافقة القلبيّة مِن الزوج ومِن الزوجة على الزواج.

* أحياناً ترضى الزوجة وتتظاهر بعدم الرضا حياءً وخجَلاً ؟

‏-‏ إذا حصل رضاها واقعاً فهو كافٍ، ولا يضرّ التظاهر بعدم الرّضا حينئذٍ والعكس بالعكس تماماً.

٤-‏ تعيين الزوج والزوجة بحيث يمتاز كلٌّ منهما عن الآخرين، بالاسم أو بالوصف أو بالإشارة فلا يصحّ العقد إذا قال رجل لآخر مثلاً: ‏زوّجتك إحدى بناتي ولم يحدّدها.

٥ -‏ [إجراء العقد باللغة العربيّة مع التمكّن منها].

* وإنْ لم يتمكّن منها ؟

‏-‏ يكفي غيرها من اللغات المُفهمة للتزويج، أو يوكِّل مَن يتمكّن منها فيجري الوكيل العقد باللغة العربيّة.

٦ -‏ [البلوغ] والعقل فيمن يجري العقد.

أضاف أبي :

إذا تمّت هذه الشروط صحّ العقد وحلّت الزّوجة على الزوج


بعد العقد مباشرةً.

* مباشرةً، حتّى قبل أنْ يتمَّ الزفاف ؟

‏-‏ نعم، فبالعقد تحلّ الزوجة لزوجها.

ولكنْ قبل ذلك يجب أنْ تعلم أنّ صحّة زواج المرأة البالغة الرشيدة البِكر تتوقّف على إذن أبيها أو جدِّها لأبيها [وإنْ كانت مستقلّة في شؤون حياتها].

* وغير البكر ؟

‏-‏ يحقّ لها أنْ تستقلّ في اتخاذ قرار زواجها بنفسها.

* وإذا تزوّج رجلٌ امرأة على أنّها باكر، ثمّ ظهر له بعد الزواج أنّها ليست كذلك.

‏-‏ يحقّ له فسخ العقد.

* وإنْ لم يفسخ ؟

‏-‏ عندئذٍ سينقص مِن قيمة مهرها بقدر نسبة التفاوت الحاصل بين مهر امرأةٍ باكر وأُخرى غيرها.

* أيحقّ للرجل أنْ يتزوَّج أي امرأة يشاء ؟

‏-‏ نعم يحقّ له ذلك فيما عدا نِساء يحرُم عليه الزواج بهنّ.

* ومَن هذه النساء :

١ -‏ أُمّه وجدّته لأُمّه وأبيه.

٢ -‏ ابنته وبنات ابنه.

٣ -‏ أُخته وبناتها وبناتهنّ.

‏‏

٤ -‏ بنات أخيه وبناتهن.

٥ -‏ عمّاته وخالاته.

٦ -‏ أُمّ زوجته وجدّاتها لاُمّها وأبيها، وإنْ لم يدخل بها.

٧ -‏ بنت زوجته المدخول بها.

٨ -‏ زوجة أبيه وجدّه.

٩ -‏ زوجة ابنه وحفيده.

١٠ -‏ أُخت زوجته مادام متزوِّجاً أُختها، حيثُ لا يجوز الجمع بين الأُختين.

* ولو توفّيت زوجته مثلاً، فهل يحقّ له أنْ يتزوّج أُختها ؟

‏-‏ نعم يحقّ له ذلك.

١١ -‏ أُمّه مِن الرضاعة وبنات مرضعته ولادةً وغيرهنّ ممّا يحرمنّ عليه بالنسب، حيثُ يحرم بالرضاع ما يحرم بالنّسب.

هذا ولا يجوز لأبي الرضيع أنْ يتزوّج مِن بنات المرضعة النسبيّة [ ولا مِن بنات الرجل الذي شرب طفله من لبنه، السببيّات منهنّ والرضاعيّات ]، علماً بأنّه ليس كلّ إرضاعٍ يؤدّي الى تحريم، بل لابدّ من توفّر شروط عدّة حتّى يؤثّر الرضاع أثره.

مِن هذه الشروط :

أ -‏ أنْ يكون الارتضاع مِن الثدي مباشرةً، لا بالواسطة، فلا أثر لحليب امرأة إذا شربه الطفل بالرضّاعات الصناعيّة مثلاً.

ب -‏ عدم تجاوز عمر الرضيع سنتين، فلو رضع أو أكمل الرضاع بعد ذلك فلا أثر له.

‏‏

ج -‏ بلوغ الرضاع حدّاً ( ينبت لحم الرّضيع ويشدّ عظمه )، ومع الشكّ في حصول هذا الأثر يُكتفى ( برضاعٍ يوم وليلة ) أو ( بخمس عشرة رضعة )، وأمّا مع القطع بعدم حصول الأثر ( إنبات اللحم وشدّ العظم ) عند هذين التقديرين الزماني والكمّي فيراعى الاحتياط حينئذٍ.

ويلاحظ في التقدير الزماني -‏ أي اليوم والليلة -‏ أنْ يكون ما يرتضعه الطفل مِن المُرضعة، هو غذاؤه الوحيد طيلة تلك الفترة بحيث يرتضع منها متى احتاج فلو مُنع في بعض المدّة أو تناول طعاماً آخر أو لبناً من مرضعة أُخرى لم يؤثّر [ ويُعتبر أنْ يكون المرتضع في أوّل المدّة جائعاً ليرتضع كاملاً ويكون في آخرها مرتوياً].

ويُعتبر في التقدير الكمّي -‏ خمس عشرة رضعة -‏ توالي الرضعات، بأنْ لا يفصل بينها رضاع مِن امرأةٍ أُخرى وأنْ تكون كلّ واحدٍ منها رضعة كاملة بأنْ يكون الرضيع جائعاً فيرتضع حتّى يرتوي.

وهناك أحكام خاصّة بالرضاع فصّلتها كتب الفقه، فراجعها إِنْ شِئت.

* لو تزوّج رجلٌ وفق الضوابط المقرّرة في الشريعة الغرّاء ؟

‏-‏ حلّت له زوجته كما قُلت لك، ووجَب عليها تبعاً لذلك، أنْ تُمكّن زوجها مِن نفسها متى شاء فلا يحقّ لها منعه من الاتّصال الجنسي بها إِلاّ لعُذرٍ شرعي، كما يحرُم على الزّوجة الدائمة أنْ تخرج مِن بيتها إلاّ بإذن زوجها.


ومن الناحية الأُخرى يجب على الزّوج أنْ ينفق على زوجته الدائمة مِن الغذاء والمسكَن والملبَس ما يُؤمِّن لها المعيشة المناسبة لها بالقياس إليه.

كما لا يحقُّ له ترك الاِتّصال الجنسي بها أكثر مِن أربعة أشهر إِْنْ كانت شابّة إلاّ برضاها، أو وجودِ عذرٍ مسوّغٍ له كالضرر والحرَج.

* وإذا لم يبذل الزوج لزوجته نفَقَتَها المستحقّة لها ؟

ثبتت النفقة ديناً في ذمّته، فإذا امتنع عن بذلها مع مطالبتها جاز لها أخذها مِن ماله دون إذنه.

هذا وسأضيف فأُعدّد لك بعض الأحكام الهامّة على شكل نقاطٍ محدّدة.

١ -‏ يحرُم النظر واللمس بتلذّذ جنسي مِن الرجل للمرأة، بل حتّى للطفلة الصغيرة، ومِن المرأة للرجل، بل حتّى الطفل الصغير، باِستثناء الزوجة والزوج طبعاً، ومن الرجل للرجل حتّى للصبي الصغير، ومِن المرأة للمرأة حتّى للصبيّة الصغيرة.

٢ -‏ يحرُم النظر الى عورة شخصٍ آخر ذكراً كان أم أُنثى [وإنْ كان صبيّاً مميّزاً] عدا الزوج والزوجة طبعاً.

٣ -‏ يحرُم على الرجل النظر الى بدَن المرأة الأجنبية وشعرها ما عدا الوجه والكفّين مِن بدنها فإنّه يجوز له النظر إليهما من غير تلذّذٍ جنسي، كما يحرُم على المرأة النظر الى بدَن الرجل الأجنبي في غير ما جرت السيرة على عدم الاِلتزام بستره كالرأس واليدين


والقدمين فإنّه يجوز نظرها الى هذه المواضع مِن بدنه بلا تلذّذٍ جنسي.

٤ -‏ يجوز للرجل النظر الى بدَن مماثله مِن الرجال من دون تلذّذ جنسي، ويجوز للمرأة النظر الى بدَن مماثلتها مِن النساء من دون تلذّذٍ جنسي، كما يجوز للرجل النظر الى بدَن محارمه مِن النساء من دون تلذّذٍ جنسي، ويجوز للمرأة النظر الى بدَن محارمها من الرجال من دون تلذّذٍ جنسي باِستثناء العورة من جميع ما ذكر طبعاً.

وعلى ذلك يجوز للرجل أنْ ينظر مِن دون تلذّذ جنسي الى بدَن أُمه وأُخته وعمّته وخالته وبنت أخيه وبنت أُخته وجدّته.

* وزوجة أخيه وبنت عمّه وبنت عمّته وبنت خاله وبنت خالته ؟

‏-‏ كلا.. كلا لا يجوز له النظر إليهن فإنّهن أجنبيّاتٍ عنه.

قال ذلك أبي وأضاف :

٥ -‏ يجب على المرأة أنْ تستر وتغطّي شعرها وجسدَها عن كلّ مَن لا يجوز له النظر إليها من الرجال الأجانب، [بل حتّى عن الصبيّ المميّز إذا أمكن أنْ يثير ذلك شهوته الجنسيّة] ويُستثنى مِن ذلك الوجه والكفّان فإنّه يجوز للمرأة إبدائها أمام الرجال الأجانب إذا كانت لا تخاف الوقوع في الحرام، ولم يكن الإبداء بداعي إيقاع الرجل في النظر المحرّم، وإلاّ حرُم الإبداء في الصورتين.

‏‏

٦ -‏ يحقّ للرجل النظر مِن دون تلذّذٍ جنسي الى نِساء الكفّار والى النساء المتبرّجات المبتذلات، اللاتي لا ينتهين عن كَشف أجسادهنّ وشعورهنّ إذا نُهين عن ذلك، حيثُ لا ينفع معهنّ الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر.

٧ -‏ إذا أراد الرجل الزّواج مِن امرأة معيّنة واختيارها شريكةً لحياته، جازَ له النظر الى محاسِنها كوجهِها وشعرِها ورقبتِها وكفّيها ومعاصمها وساقيها، من دونِ تلذّذٍ جنسيّ طبعاً.

* قبل إجراء العقد ! يجوز له أنْ ينظر إليها حتّى قبل إجراء العقد ؟!

‏-‏ نعم يحقّ له النظر إليها والتحدُّث معها قبل إجراء العقد، بل قبل أنْ يتقدّم بطلب يدها حتّى يرى بنفسه جمالها ثُمّ يُقرِّر بعد ذلك التقدّم لخطبتها.

٨ -‏ يحقّ للطبيب النظر الى جسد المرأة، ولمسِه إذا توقّفت معالجتها على اللّمس والنظر هذا إذا اضطرّت المرأة الى العلاج مِن مرضها وكان الطبيب الرجل أرفق بعلاجها مِن الطبيبة، وإلاّ فلتراجع الطبيبة ولا يحقّ لها مراجعة الطبيب.

٩ -‏ يحقّ للرجل المسلم أنْ يتزوّج المرأة الكتابيّة أقصد المسيحيّة واليهوديّة زواجاً مؤقّتاً.

* ولكنّها ليست مسلمة ولا مؤمنة، فهي لا تعتقد بجواز وحليّة الزواج المؤقّت ؟

‏-‏ مع ذلك يجوز الزواج بها زواجاً مؤقّتاً، حتّى لو كان دافعها


إلى الزواج المؤقّت المال وحده.

١٠ -‏ لا يجوز للرجل أنْ يتزوّج بأكثر مِن أربَع نِساء زواجاً دائميّاً وله الحقّ في تطليق نِسائه متى شاء.

* بالمناسبة لم تحدِّثني عن الطلاق.

‏-‏ سأحدّثك عنه في حواريّتنا القادمة إنْ شاء الله فقد ضاق بنا الوقت الآن.

حسناً فإلى الحواريّة القادمة إنْ شاء الله، الى حواريّة الطلاق.

* * * * *


( حواريّة الطلاق )



كنت أظنُّ أوّل الأمر أنّي وحدي أكره الطلاق.

غير أنّي ما إنْ سمِعت مِن أبي حديثه، حتّى عرفت أنّي لست وحدي أكره الطلاق.

فهذا أبي مثلي يكرهه، وهؤلاء الناس مثلنا يكرهونه، أكثر مِن ذلك فقد قال لي أبي: ‏إنّ الله عزّ وجل يبغض الطلاق وزاد، فنقل لي نصوصاً من الحديث الشريف تذكر ذلك.

فقد روى لي أبي عن الإمام أبي عبدا للهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ما مِن شيء أبغض الى الله عزّ وجل من الطلاق ).

وروى لي عنهعليه‌السلام : ‏( ما مِن شيء أبغض الى الله عزّ وجلّ مِن بيت يخرّب في الإسلام بالفرقة،يعني الطلاق ).

وروى لي عن الحسن بن الفضل عنهعليه‌السلام الحديث الشريف التالي: ‏( تزوّجوا ولا تطلقوا، فإنّ الطلاق يهتزّ منه العرش ).

وقد تعدّى بُغض الطلاق في حديثٍ شريف الى بُغض الرجل الذي يُكثر منه أي الرجل المِطلاق، فقد قال الإمام أبو عبد اللهعليه‌السلام : ‏( سمِعت أبي يقول: ‏إنّ الله عزّ وجلّ يبغض كلّ مطلاق ).

‏‏

قلت: ‏أنا لأبي أكره الطلاق ولكن رغم ذلك يحسن بي أنْ أُحيط ببعض أحكامه.

قال: ‏نعم هو كذلك، وأضاف مبتدئاً أحكام حواريّة الطلاق قائلاً :

يشترط في المطلِّق : ‏البلوغ، والعقل، والاختيار، فلا يصحّ طلاق الصبيّ ولا طلاق المجنون ولا طلاق المُجبَر على الطلاق، نعم يُحتمل صحّة طلاق الصبيّ البالغ عشر سنين، فلابدّ مِن رعاية الاحتياط فيه.

وأنْ يَقصد المطلِّق الفراق حقيقةً بصيغة الطلاق فلا يصحّ طلاق الهازل، والساهي، ومَن لا يفهم معنى الطلاق.

* وما هي صيغة الطلاق ؟

‏-‏ لا يقَع الطلاق إِلاّ إذا أُنشئ بصيغةٍ خاصّة، وبِلُغة عربيّة لمن يقدر عليها، وبمحضَر رجُلَين عادلَين يسمعان إِنشاء الطلاق.

يقول الزوج مثلاً: ‏( زوجتي -‏ ويذكر اسمها -‏ طالق ) أو يُخاطب زوجته مثلاً قائلاً لها: ‏( أنتِ طالق ) أو يقول وكيل الزوج: ‏( زوجة موكّلي -‏ ويذكر اسمها -‏ طالق ) عندئذٍ يقع الطلاق بين الزّوجين.

* وهل يجب ذكر اسم الزّوجة في صيغة الطلاق ؟

‏-‏ كلا، لا يجب ذكر اسمها إذا كانت معيّنة مشخّصة معروفة، كما إذا لم يكن له غيرها.

قال أبي :

ولا يجوز الطلاق ما لم تكن المرأة المطلّقة طاهرة من الحيض والنفاس إلاّ أنْ تكون الزوجة غير مدخولٍ بها أو تكون


مستبينة الحمل، وفي بعض حالات غياب الزوج، كما لا يجوز للزوج طلاق زوجته في طُهرٍ جامَعها فيه، بل على الرجل الاِنتظار حتّى تحيض زوجته ثُمّ تطهُر مِن حيضها ثُمّ يطلّق بعد طُهرها مِن الحيض.

هذا ولا تطلّق الزوجة في ( الزواج المؤقّت )، بل يتحقّق الفراق بانقضاء المدّة المتّفق عليها معها، أو يبذل المدّة المتبقّية لها، كأن يقول الرجل لزوجته مثلاً: ‏( وهبتك المدّة الباقية ) فتنتهي بذلك العلاقة بينهما.

ولا يعتبر في صحّة بذل المدّة في الزواج المؤقّت وجود شهود، ولا يُشترط فيه طهارة المرأة من حيضٍ ولا نفاس.

أضاف أبي قائلاً :

إذا طلّق الرجل امرأته التي دخل بها بعد إكمالها التِّسع، وقبل بلوغها سنّ اليأس وجَب عليها أنْ تعتدّ ابتداءً مِن تاريخ وقوع الطلاق لا تاريخ عِلمها به.

وعدّة الطلاق لغير الحامل ثلاثة أطهار، ويحسب الطهر الفاصل بين الطلاق وحيضها طهراً واحداً مهما كان قليلاً.

* معنى هذا، إنّ عدّتها تنتهي بعد رؤيتها الدّم الثالث ؟

‏-‏ نعم، بعد رؤيتها دم الحيض الثالث.

* وعدّة المطلّقة الحامل ؟

‏-‏ عدّة المطلّقة الحامل مدّة حملها، وهي تنقضي بوضع


الحمل، تامّاً كان ذلك الحمل أو سِقطاً.

* ولو وضعَت بعد الطلاق بيوم، فهل تنتهي بالولادة عدّتها ؟

‏-‏ نعم، حتّى لو كانت ولادتها بعد الطلاق بساعةٍ لا بيوم، شريطة أنْ يكون الولد مُلحقاً بذي العدّة فلا يكون ولد زناً مثلاً.

* وهل على المتزوّجة زواجاً مؤقّتاً عدّةٌ بعد افتراقها عن زوجها ؟

‏-‏ إذا كانت بالغة، مدخولاً بها، غير يائس، ولا حامل، فعدّتها [حيضتان] كاملتان لمَن كانت تحيض، وخمسة وأربعون يوماً لِمَن لا تحيض لمرضٍ ونحوه.

قال ذلك أبي وأضاف :

أمر الطلاق بيد الزّوج وهو قِسمان بائن ورجعي.

الطلاق البائن : ‏ما ليس للزّوج بعده الرّجوع الى الزّوجة إلاّ بعقدٍ جديد، كطلاق الزّوجة قبل الدخول بها.

الطلاق الرّجعي : ‏ما كان للزوج الحقّ في إرجاع زوجته المطلّقة إليه مادامت في العدّة، مِن دون عقدٍ جديد، ولا مهرٍ جديد.

ومن أقسام الطلاق البائن ما يُسمّي ب-‏ ( الطلاق الخلعي ): ‏ويُقصد به الطلاق بفِديةٍ مِن الزّوجة الكارهة لزوجها الى حدٍّ يحملها على تهديد زوجها بعدم رعاية حقوق الزّوجيّة، وعدم إقامة حدود الله فيه، ولكن مِن دون أنْ يكرهها هو فإذا قالت الزّوجة لزوجها :


( بذلت لك مهري على أنْ تخلعني ) وقال الزّوج بعد ذلك بلغةٍ عربيّةٍ صحيحة وبحضور شاهدَين عدلَين ( زوجتي -‏ ويذكر اسمها -‏ خالعتها على ما بذلت )، أو يقول: ‏( فلانة طالقٌ على كذا )، فإذا قال ذلك فقد طلّقها طلاقاً خلعيّاً.

* وهل يجب ذكر اسم الزوجة هنا ؟

‏-‏ إذا كانت معيّنة لا يجب ذكر اسمها.

* وهل يجوز أنْ يكون المال المبذول للزوج غير المهر حتّى يخلع زوجته ؟

‏-‏ نعم يجوز ذلك.

*وهل يحقّ للزوجة والزوج أنْ يوكّلا مَن يقوم مقامهما في بذل المهر ( أو غيره ) في الطلاق الخُلعي.

‏-‏ نعم يحقّ لهما ذلك.

* أحياناً يغيب الزّوج ولا يظهر له أثر، ولم يُعلَم موته ولا حياته ؟

‏-‏ يحقّ للزوجة في حالةٍ كهذه أنْ ترفع أمرها الى الحاكم الشرعي فيأمر بالفحص عنه أربع سَنَوات، فإذا لم يظهَر له أثر ولم يكن للزّوج المفقود مال ينفق منه على زوجته، ولم ينفق عليها وليّه مِن مالِ نفسه، أمره الحاكم الشرعي بطلاقها فإنْ امتنع ولم يمكن إجباره أو لم يكن له وليّ طلّقها الحاكم باستدعائها.

* إذا حكَم على الزوج بالسجن مؤبّداً وهو لا يقدر على الإنفاق على زوجته، ويمتنع عن الطلاق ؟


‏-‏ يجوز للزوجة في مثل هذه الحالة أنْ ترفع أمرها الى الحاكم الشرعي، فيتّصل بالزّوج يأمره بطلاقها، فإذا امتنع عنه وتعذّر إجباره عليه، طلّقها الحاكم الشرعي بطلبها ذلك منه.

* * * * *


حواريّة

النّذر والعهد واليمين



* في طريق عودتي الى البيت سمِعت الحوار التالي بين والدة وولدِها :

الوالدة: ‏لقد نذرت لله عزّ وجلّ أنْ أذبح خروفاً إنْ شُفِيَ أخوك الصغير مِن مرضه، وهاهو ذا شفي والحمد لله، فوجب عليّ أن أفي بالنّذر.

الولد: ‏ألم أقل لك دائماً يا أُمي: ‏إنّك تفضّلين أخي الصغير عليَّ.

الوالدة: ‏ولِمَ ذاك.. ألم يكن مرض أخيك خطيراً.. ألم يفقد وعيه، فلم يعد يسمع ويرى.. ألم يقل الطبيب عنه لولا عناية الله به لما شُفي.. ألم ألم.. أنسيت حالته، أليس مِن الواجب أنْ اشكر الله على شفائه، فأذبح خروفاً لله عزّ وجلّ حمداً له على نعمته ؟!

أوَ يعني أنّي حين أنذر لله عزّ وجلّ راجيةً وطالبةً شفاء أخيك مِن مرضٍ خطيرٍ ألمَّ به، أنّي أُفضّله عليك.. ألَم نعقَّ عنك عقيقة.. خروفاً سميناً في اليوم السابع بعد ولادتك.. ألَم نُضحّ عنك أضحية ؟

عقيقة.. أُضحية ؟!

* ما العقيقة ؟.. وما الأُضحية ؟

‏‏

‏-‏ العقيقة يا بني -‏ قال أبي -‏ أن يُذبَح عن المولود ذكراً كان أو أُنثى في اليوم السابع مِن ولادته خروف أو بقرة مثلاً.. رُوي عن الإمام الصادقعليه‌السلام :‏( يسمّى الصبيّ في اليوم السابع، ويُعَقَّ عنه، ويُحلق رأسه، ويتصدّق بزنة الشعر فضّة، وترسل الرجل والفخذ للقابلة التي عاونت الأُم في وضع الحمل، ويطعم الناس بالباقي منها، ويتصدّق به ) ويُكره للأب أو أحد عياله ولاسيّما الأُم أنْ يأكل من عقيقة صبيّه.

والعقيقة سنّة مؤكّدة لمن يقدر عليها، رُويَ عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أذَّن في أُذن الحسنين ( صلوات الله عليهما ) يوم ولادتهما وعقّ عنهما، في اليوم السابع ).

ومَن لم يعقّ عنه أبوه جاز له أنْ يعقَّ هو عن نفسه بعد ذلك عندما يكبُر، فقد سأل عمر بن يزيد الإمام الصادقعليه‌السلام قائلاً:‏( أنّي والله ما أدري كان أبي عقَّ عنّي أم لا فأمره عليه‌السلام بالعقيقة، فعقَّ عن نفسه وهو شيخ ) .

هذه العقيقة ولكن ما هي الأُضحية ؟

‏-‏ الأُضحية -‏ قال أبي -‏ أنْ يذبح الإنسان -‏ إنْ تمكّن -‏ خروفاً مثلاً، ويا حبَّذا لو كان سميناً يوم العيد -‏ عيد الأضحى -‏ وهي سُنَّةٌ مؤكّدة كذلك، ويجوز التبرّع بالأُضحية عن الحيّ والميّت على السّواء، بما في ذلك عن الصبيّ الصغير فقد ضحّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن نسائه، وضحّى عمّن لم يُضحّ من أهل بيته، وضحّى عمّن لم


يُضحّ من أُمّته، كما كان يضحّى أمير المؤمنينعليه‌السلام كلّ سنة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

* وهل وفاء تلك الأُم بنذرها واجب عليها أو هو كالعقيقة والأُضحية غير واجب، بل مستحبّ مؤكّد ؟

‏-‏ دعني أقل لك أوّلاً ما هو النّذر.

النّذر : ‏أنْ تلتزم بفعل شيءٍ معيّن، أو ترك شيءٍ معيّن لله تعالى.. أيّ شيء كان.

ولكن ليس دائماً يجب الوفاء بالنّذر، وإنّما بشروطٍ لو تحقّقت وجَب الوفاء به.

* وما هي الشروط التّي لو تحقّقت يجب الوفاء بالنّذر ؟

‏-‏ الشروط هي :

١ -‏ أنْ ينشأ النّذر بصيغة تشتمل على قوله ( لله ) أو ما يُشابهها مِن أسمائه المختصّة به جلّ وعلا، فلو قال الناذر الصيغة المعيّنة التالية: ‏( لله عليَّ.. كذا ) انعقد نذره، كأن يقول مثلاً: ‏( لله عليَّ أنْ أذبح خروفاً وأتصدَّق بلحمه على الفقراء إنْ شُفي ولدي ).

أو يقول: ‏( لله عليَّ أنْ أدع وأترك التعرَّض لجاري بسوء )، أو غير ذلك، سَواء أدّاها باللغة العربيّة أم بغيرها مِن اللغات.

* ولو لم يقل الناذر ( لله عليَّ ) ولا قال ( للرّحمن عليَّ ) ولا أشباهها، كما تنذر اليوم غالبيّة الناس ؟

‏-‏ لا يجب عليه الوفاء بالنّذر حينئذٍ.

‏‏

٢ -‏ أنْ يكون الشيء المنذور حسناً راجحاً شرعاً حين العمل.

* وإذا كان الشيء المنذور غير راجح وغير حسن، بل كان مكروهاً أو مُضرّاً أو مباحاً.

‏-‏ لا يصحّ النّذر في الأوّلَين، أمّا المباح فإنْ قصد به معنىً راجِحاً كما لو نذر شرب الماء قاصداً به أنْ يتقوّى به على العبادة انعقد نذره، وإلاّ لم ينعقد.

٣ -‏ يشترط في الشخص الناذر البلوغ، والعقل، والاِختيار، والقصد، وعدم الحجر عمّا تعلّق به نذره.

٤ -‏ أنْ يكون الشيء المنذور مقدوراً أو مستطاعاً للنّاذر.

* ولو نذَر إنسانٌ شيئاً لا يقدِر عليه ولا يستطيع ؟

‏-‏ لا يصحّ النّذر.

* وإذا نذر الإنسان وفق الشروط مارّة الذكر ؟

‏-‏ وجب عليه الوفاء بنذره والاِلتزام بما نذر، سَواء أكان فعل شيء لله عزّ وجلّ، أم تركه، في زمنٍ محدّد، أم طيلة حياته، صلاة كان ذلك الشيء، أم صوماً، أم صدقة، أم زيارة، أم حجّاً، أم تبرّعاً بشيء، أم ترك شيء، أم غير ذلك.

* وإذا خالف الإنسان نذره عامداً.

‏-‏ وجبت عليه الكفّارة وهي: ‏عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم.

* وإذا عجَز عن ذلك لفقره مثلاً ؟

‏‏

يجب عليه صيام ثلاثة أيّام متواليات.

لو نذر الإنسان مالاً لمشهدٍ من المشاهد المقدّسة ؟

‏-‏ ينفق ذلك المال على عمارته، أو إنارته، أو فرشه، أو تدفئته، أو تبريده، أو ما شاكل ذلك من شؤون المشهد، إذا لم يقصد الناذر مصرفاً معيّناً من المذكورات أو غيرها.

* ولو نذر لشخصٍ صاحب المشهد كالنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الإمامعليه‌السلام أو لبعض أولادهما ؟

‏-‏ ينفق على زوّاره الفقراء مثلاً، أو على حَرَمِه الشريف، ونحو ذلك.

* إذا ظنّ الإنسان ظنّاً قويّاً أنّه قد نذر نذراً معيّناً، فهل يجب عليه الوفاء به ؟

‏-‏ إذا اطمأن بأنّه نذر وجَب عليه الوفاء بالنّذر وإِلاّ فلا يجب عليه الوفاء به.

قال ذلك أبي وأضاف :

وقد يُعاهد الإنسان الله سبحانه وتعالى فيقول: ‏( عاهدت الله أنْ أفعل..) أو يقول: ‏( عليَّ عهد الله أنّه متى كان... فعليَّ...) فإذا قال ذلك وجَب عليه الاِلتزام بما عاهد عليه.

* معنى هذا أنّ العهد كالنذر، لا يصحّ بدون صيغة محدّدة ؟

‏-‏ نعم، كما أنّه لا يصحّ إلاّ إذا كان ما عاهد الله عليه راجحاً ولو رجحاناً دنيويّاً شخصيّاً، شريطة أنْ لا يكون مرجوحاً شرعاً ويُشترط


في العهد ما يُشترط في النذر، وقد شرحت لك ذلك.

* وإذا خالف الإنسان ما عاهد الله عليه ؟

‏-‏ وجبَت عليه كفّارة وهي عتق رقبة أو إطعام ستّين مسكيناً أو صوم شهرَين متتابِعَين.

قال ذلك أبي وأردَف مضيفاً :

ويجب الوفاء باليمين كذلك، ولو خالَفها عامداً وجبَت عليه كفّارة وهي: ‏عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كِسوتِهم ومع العجز عن ذلك يصوم ثلاثة أيّام متواليات.

ويشترط في اليمين أو القسَم اللفظ وأنْ يكون القسَم بالله تعالى، وأنْ يكون ما أقسم عليه مقدوراً ومستطاعاً حين الوفاء به، وراجحاً شرعاً ويكفي لو كان مُباحاً إذا حلَف أو أقسم على فعله لمصلحة دنيويّة ولو كانت شخصيّة ويُشترط في الحالِف التكليف والقصد والاختيار والعقل.

* مثّل لي لليمين أو القسَم التي يجب الوفاء بها ؟

‏-‏ إذا قال الإنسان مثلاً: ‏( والله لأفعلنَّ )، أو قال: ‏( بالله لأفعلنَّ )، أو قال: ‏( أُقسم بالله )، أو قال: ‏( أُقسم بربِّ المصحف )، أو غير ذلك.

* وإذا قال الإنسان مخاطباً شخصاً آخر قائلاً له: ‏( والله لتفعلنَّ ) ؟

‏-‏ لا يتعلّق اليمين أو القسم بفعل الإنسان الآخر، ولا بالزمن الماضي، ولذلك فلا يترتّب أيّ أثر على يمينٍ كهذا.

‏‏

كما لا ينعقد يمين أو قسم الولد إذا منعه أبوه، ويمين الزّوجة إذا منعها زوجها.

وإذا أقسم الولد من دون إذن أبيه والزّوجة من دون إذن زوجها كان للأب والزوج حلّ اليمين أو القسم.

* قد يحلِف أو يقسم الإنسان على صِدق كلامه وهو صادق بالفعل، أو يحلِف على شيءٍ معيّن وهو صادق في حلفه ؟

‏-‏ الأيمان الصادقة ليست محرّمة ولكنّها مكروهة.

أمّا الأيمان الكاذبة فهي محرّمة، بل قد تعتبر من المعاصي الكبيرة إلاّ عند الضرورة.

* وكيف ذلك ؟

‏-‏ إذا قصد الإنسان أنْ يدفع بقسمه أو حِلفه الظالم عن نفسه أو عن المؤمنين فهذا القسَم جائز، بل ربّما يكون القسَم الكاذب واجباً كما إذا هدَّد الظالم نفس المؤمن أو عرضه أو نفس مؤمنٍ آخر أو عرضه، ولكن إذا اِلتفت الى إمكان التورية، وكان عارفاً بها وهي متيسّرة له [فعليه أنْ يورّي في كلامه].

* ما تقصد ب-‏ ( يورّي في كلامه ).

التورية، أن يُقصَد بالكلام معنىً غير معناه الظاهر، مِن دون نصب قرينة موضّحة لقصده، فلو سألك ظالِم عن مكان أحد المؤمنين وكنت تخشاه عليه تُجيبه ( ما رأيته ) وقد رأيته قبل ساعة وتقصد بذلك أنّك لم تره مُنذ دقائق.

وبها أنهى حواريّة اليوم والحمد لله ربِّ العالمين

* * * * *



( حواريّة الوصيّة )


‏‏

استهلَّ أبي جلسة حواريّة الوصيّة بالحديث الشريف التالي :

قال الإمام أبو جعفرعليه‌السلام : ‏( الوصيّة حقٌّ وقد أوصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فينبغي للمسلم أنْ يوصي ).

* ولكن بعض النّاس يا أبي لا يُوصون متصوّرين أنّ الوصيّة تعني قرب حلُول الموت فيتشاءمون منها.

‏-‏ الوصيّة مستحبّة، ويُقال أنّها على العكس مِن ذلك تطيل العمر، ثُمَّ إنّ ترك الوصيّة مكروهٌ وغير حسن.

وبعد ذلك كلّه ( الموت حقٌّ ) أليس كذلك ؟

* نعم، الموت حقّ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ‏( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.... ) آيةٌ أسمعها كثيراً تتردّد على شِفاه الناس وأقرؤها على المقابر في الطريق.

نعم الموت حقٌّ قلتها برهبةٍ وخشوع وخوف.

‏-‏ إذا كان كذلك فلماذا التهرّب مِن حقيقة واقعة لا محال ؟

أليس من الأجدر بنا أنْ نكون واقعيّين، أو قُل عمليّين فنستعدّ لما هو آتٍ لا مناص منه، ولا مهرب عنه، أطال بنا العمر أو قصُر، فيكون مصدر العِظة والاعتبار ؟

‏‏

* ولكنّي لا أعرف كيف يوصي الإنسان ؟

‏-‏ يستحبُّ لك أنْ تبدأ بالوصيّة التي علَّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام علىعليه‌السلام وللمسلمين.

* وما هي ؟

‏-‏ نهض أبي لمكتبته وعاد ومعه كتابٌ عزيز عليه يُسمّيه ( الوسائل ) فقرأ عليَّ منه نصَّ الوصيّة التي علّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للإمام عليّعليه‌السلام والمسلمين.

وهاأنذا أنقل إليكم ما قرأه وكتبته بالحرف الواحد :

( اللّهمَّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرّحيم، اللّهمَّ إنّي أعهد إليك في دار الدّنيا أنّي أشهد ألاّ اِله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّداً عبدُك ورسولُك وأنّ الجنّة حقٌّ والنار حقٌّ، وأنّ البعث حقّ والحساب حقّ والقدر والميزان حقّ، وأنّ الدين كما وصَفْت، والإسلام كما شرَعت وأنّ القول كما حدّثت وأنّ القراَن كما وصَفْت، وأنّك أنت الله الحقُّ المبين، جزى الله محمّداً خيرَ الجزاء وحيّا محمّداً وآل محمّداً بالسلام.

اللّهم يا عدّتي عند كربتي وصاحبي عند شدّتي ويا وليّ نعمتي إِلهي وإله آبائي لا تَكِلْني الى نفسي طَرفة عينٍ أبداً فانّك إنْ تَكِلْني إلى نفسي أقرب مِن الشر وأبعد من الخير، فآنِس في القبر وحشتي واجعل لي عهداً يوم ألقاك منشوراً ).

ثُمّ يوصي الإنسان بحاجته، أيّ حاجةٍ يشاء.


* وبماذا يوصي ؟

‏-‏ يوصي بالمحافظة على أولاده الصغار وعائلته مثلاً، يُوصي بصلة الرحم يوصي بتسديد ديونه وأداء أماناته، يوصي بقضاء ما فاته من صلاةٍ وصيام وحجّ، يوصي بدفع خُمس أموال لم يُخمّسها سابقاً أو زكاةٍ استحقّت عليه ولم يُخرجها، يوصي بإطعام الفقراء بثوابه، يُوصي بالقيام بأعمال خاصّة له بعده، يوصي بالتصدّق عنه، يوصي... يوصي، يوصي بما يشاء.

قال أبي ذلك وأردف :

ويُشترط فيمن يُوصي البلوغ، والعقل، والاختيار، والرشد فلا تصحّ وصيّه السفيه في أمواله ولا الإنسان المُكره، ولا الصبيّ إلاّ إذا بلَغ عشراً وكانت وصيّته في وجوه الخير والمعروف ولأرحامه وأقربائه.

وأنْ لا يكون الموصي مُقدماً على موته عامداً بتناول سمٍّ، أو إحداثِ جُرحٍ عميق، أو ما شابه ذلك، ممّا يجعله عُرضةً للموت.

ففي هذه الحالة لا تصحّ وصيّته في ماله، وتصحّ في غيره مِن تجهيزه وما يتعلّق بشؤون القاصرين مِن أولاده مثلاً ونحو ذلك.

وأضاف أبي :

يُسمّى الشخص الذي يختاره صاحب الوصيّة لتنفيذ وصيّته ب-‏-‏ ( الوصيّ ) وليس للوصيّ أنْ يفوِّض أمر الوصيّة الى غيره أعني أنْ يعزل نفسه عن الوصاية ويجعلها له.

وله أنْ يوكِّل مَن يثق به للقيام بشأن ما مِن شؤون الوصيّة، إذا


لم يكن غرَض صاحب الوصيّة مباشرة الوصيّ ذلك الأمر بنفسه.

* وهل يُشترط في الوصيّة أنْ تكون مكتوبة ؟

‏-‏ كلاّ، يُمكن للإنسان أنْ يوصي باللفظ أو حتّى بالإشارة المُفهمة لما يُريد.

كما يكفي وجود كتابةٍ بخطِّه أو إمضائه، يظهر منها إرادة العمل بها بعد موته ( أي بعنوان أنّها وصيّته ).

* وهل يَكتب الإنسان وصيّته حال المرض فقط ؟

‏-‏ كلاّ، في الحالين معاً: ‏حال المرض وحال تمتّعه بالصحّة والعافية والسلامة.

* ويوصي بما يُريد ؟

‏-‏ نعم، شرط أنْ لا يكون في معصية، كمعونة الظالم وغيرها.

* وبالمبالغ أو المخلّفات التي يُريد ؟

يحقّ للإنسان أنْ يُوصي بما لا يزيد على ثلث ما تركه فقط مِن أموال أو غيرها.

* وإذا أوصى بما زاد على ثلثه ؟

‏-‏ بطلت وصيّته فيما زاد على الثلث إلاّ إذا أجاز ذلك الورثة.

* وإذا أُريد تنفيذ الوصيّة ؟

‏-‏ تستثنى أوّلاً مِن مجموع ما خلَّفه الموصي الحقوق الماليّة التي بذمَّته كالمال الذي استدانة، وثمن الحاجات التي اشتراها ولم يسدّد ثمنها وغيرها بما في ذلك الخُمس، أو الزكاة، والمظالم التي


بذمّته، والحجّ الواجب بالأصل، سَواء أوصى بذلك أم لم يوصي.

هذا إذا لم يوصي بإخراجها من الثلث، وإلاّ أُخرجَت منه.

ثُمّ يقسّم ما خلَّفه -‏ الباقي طبعاً -‏ ثلاثة أقسام: ‏ثلثٌ منها لما أوصى به، وثُلثان للورثة.

* أحياناً يوصي الميّت بدفعِ مبلغٍ معيّن الى شخصٍ معيّن، أو بتمليك دار، أو عقار، أو قطعة أرض، الى شخصٍ معيّن أو قد يأمر بدفنه في مكان معيّن أو بتجهيزه وفق ضوابطٍ خاصّة، أو غير ذلك ؟

‏-‏ يحقّ له كلّ ذلك ما لم يتَجاوز الثلث بالنسبة إلى الأموال.

* قد يتلف شيء من مال الموصي بيد الوصيّ.

‏-‏ الوصيّ غير مسؤول عن تلَف ما في يده إلاّ مع التّعدي أو التفريط.

قال أبي ذلك وأضاف: ‏

إذا لم تظهر علامات الموت للإنسان فالوصيّة مستحبّة، أمّا إذا ظهَرَت علامات الموت فتجب عليه حينئذٍ أشياء منها :

١ -‏ وفاء ديونه التي حان وقت وفائها مع قدرته على الوفاء.

أمّا الديون التي لم يحن وقت وفائها، أو حلّ ولم يُطالبه الديّان بها، أو لَم يكن قادراً على وفائها، فتجب عليه الوصيّة بها والاِستشهاد عليها إذا لم تكن معلومةً عند الناس.

٢ -‏ إرجاع الأمانات الى أهلها، أو إعلام أصحابها بأمانتهم عنده، أو الإيصاء بإرجاعها.

‏‏

٣ -‏ أداء الخُمس والزكاة والمظالم فوراً، إنْ كان في رقبته شيء منها، وكان قادراً على الأداء.

٤ -‏ الوصيّة باتّخاذ أجيرٍ من مالهِ ليصلّي ويصوم نيابةً عنه ، إنْ كان في ذمّته شيء منها بل لو لم يكن له مال واحتمل أنْ يقضيها عنه شخصٌ متبرِّعاً وجبَت الوصيّة حينذاك، وفي بعض الحالات قد يكفي الإخبار عمّا فاته عن الوصيّة كما لو كان له مَن يطمئن بقضائه لما فات عنه كالولد الأكبر.

٥ -‏ إخبار الوَرَثَة بما له من مال عند غيره، أو مال في مكان خاص لا يعلمه غيره، لئلاّ يضيع حقّهم بعد وفاته.

* قلت لي في بداية الحواريّة: ‏إنّ الوصيّة مُستحبّة فلو لم يوصّ الإنسان ؟

‏-‏ سقَط حقّه في التصرّف بثلثِ ما تركه كما يحبّ ويشاء، حيثُ تقسّم تركَتَه وفق ضوابط خاصّة على ورثته.

* وكيف تقسّم ؟

‏-‏ هذا ما سأتناوله في حواريّة الإرث القادمة إنشاء الله.

* * * * *


( حواريّة الإرث )


‏‏

قال أبي مبتدئاً حواريّة الإرث :

يمكنُنا أنْ نُقسّم طبَقَات الأقرباء مِن زاوية الإرث الى ثلاثِ طَبَقَات.

الطبقة الأُولى : ‏الأبَوَان، والأولاد، وأولاد الأولاد، وهكذا...

غير أنّ الولد للصلب إنْ وجِد مَنَع الحفيد والسّبط من الإرث.

* وما الحفيد وما السبط يا أبتي ؟

‏-‏ الحفيد هو ابن الابن، والسبط هو ابن البنت.

الطبقة الثانية : ‏الإخوة والأخوات، وإنْ لم يُوجدوا فأولادُهم، والأجداد والجدّات مهما تصاعدوا مِن قِبَل الأب والأُم، وإذا كان للأخ أولاد وأولاد أولاد منَعَ الولدُ الأقربُ منهم الولدَ الأبعدَ مِن الإرث.

* اضرب لي مثلاً على ما تقول :

‏-‏ ابن الأخ مثلاً إنْ وجِد، منع حفيد الأخ من الميراث.

الطبقة الثالثة : ‏الأعمام والأخوال والعمّات والخالات، وإنْ لم يوجد أحدٌ منهم فأبناؤهم.

ويرِث الأقربُ منهم فالأقرب، حيثُ لا يرِث الأبناء -‏ أبناء العمّ أو الخال أو العمّة أو الخالة -‏ مَع وجود العم أو الخال أو العمّة أو


الخالة إلاّ في حالة واحدة نصّت عليها كُتب الفقه.

* ولماذا قسَّمت الأقرباء الى طبَقَات هذه المرّة، ولم تُقسّمهم، كما اعتدت في التقسيمات السابقة الى أقسام.

أقصد لماذا قلت نُقسّم الأقرباء الى طبقات، ولم تقل الى أقسام ؟

‏-‏ سؤالك وجيه، فهنا في الإرث لا يرِث القريب مِن الطبقة اللاحقة مادام هناك قريب من الطبقة السابقة، فهُم متدرّجون طبقة بعد طبقة.

* إذا لم يوجد للمتوفّى أقرباء مِن كلّ هذه الطبقات التي عدّدتها ؟

‏-‏ حينئذٍ سيرثُه عمومة أبيه وأُمه وعماتهما وأخوالهما وخالاتهما وأبناؤهم.

* ومع عدم وجودهم ؟

‏-‏ سيرِث المتوفّى عمومة جدّه وجدَّته، وأخوالهما وعمّاتهما وخالاتهما وبعدهم أولادهم مهما تسلسلوا، شرط صِدق القرابة للميّت عُرفاً، عِلماً بأنّ الأقرب منهم مقدّم على الأبعد.

* ولم تذكر لي الزوج والزوجة في أيّ من الطبقات الثلاث مارّة الذكر ؟

‏-‏ إنّهما يرِثان وفق ضوابطٍ خاصّة، ليسا بمَعزل عن هذه الطبقات، بل مع جميعها يرِثان.

‏‏

سأسألك إذن أوّلاً عن إرث الطبقة الأُولى، ثُمّ انتقل الى الثانية، فالثالثة.

‏-‏ سل كما تشاء.

* إذا لم يكن للمتوفّى قريب مِن الطبقة الأُولى إلاّ أولاده فقط ؟

‏-‏ ورِثوا ماله كلّه.

*فإنْ كان ابناً واحداً أو بنتاً واحدة ؟

‏-‏ ورِث المال كلّه.

* وإنْ كانوا كلّهم ذكوراً فقط أو إناثاً فقط.

‏-‏ تقاسَموا المال بينهم بالسويّة.

* أمّا إذا كانوا ذكوراً وإناثاً معاً.

‏-‏ ف-‏( ..لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.. ) .

* هل يطلق لفظ الولد على الذّكر والأُنثى معاً، أو على الذّكر وحده كما الشائع عندنا.

‏-‏ يُطلق عليهما، قال تعالى في كتابه الكريم( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) .

* لو فرضنا أنّ رجلاً مات وله ابنٌ وبنت، فكيف يُقسّم بينهم الإرث ؟

‏-‏ يُقسّم مال الميّت ثلاثة أسهُم، للابن منه سهمان، وللبنت سهمٌ واحد.

* إذا لم يكن للميّت قريب مِن الطبقة الأُولى غير أبوَيه، وكان


أحدُهم حيّاً والآخر ميّتاً ؟

‏-‏ ورِث الحيّ الإرث كلّه.

* لو كان الأب والأُمّ حيّين معاً ولم يكن للميّت إخوة ؟

‏-‏ أخذ الأب ثُلُثَي المال، وأخذت الأُم الثلث الباقي.

* لو كان الأب والأُمّ معاً حيّين وكانت للميّت بنتٌ واحدة ولم يكن له إخوة ؟

‏-‏ كان خُمس المال للأب وخُمس آخر للأُمّ وثلاثة أخماس للبنت.

* وإذا اجتمع للميّت أحد الأبوين مع أولادٍ وبنات ؟

‏-‏ كان سدُس المال للأب أو للأُمّ، ويُقسَّم الباقي بين الأولاد وفق قاعدة( للذّكر مثلُ حظّ الأُنثيين ) .

* دعنا ننتقل الى إرث الطبقة الثانية... أذكَر أنَّك قلت لي أنّ الإخوة مِن الطبقة الثانية.

‏-‏ هذا صحيح.

* إذا كان للميّت أُختٌ واحدة أو أخٌ واحد ؟

‏-‏ للأخ الواحد أو الأُخت الواحدة المال كلّه.

* وإذا كان له إخوةٌ متعدّدون من أبيه وأُمّه ؟

‏-‏ قُسِّم المال بينهم بالسويّة إنْ كانوا ذكوراً فقط أو إناثاً فقط، أمّا إذا كان بعضهم ذكوراً والبعض الآخر إناثاً ف-‏( للذّكر مثل حظّ الأُنثيين ) إنْ كانوا كلّهم إخوة لأبيه وأُمّه، أو كانوا كلّهم لأبيه فقط دون أُمّه أمّا لو كانوا كلّهم إخوةٌ


للاُمّ فقط فيقتسمون بالسويّة مهما كانوا.

* طيّب، العمّ والعمّة مِن الطبقة الثالثة -‏ أليس كذلك ؟

‏-‏ نعم، وكذلك الخال والخالة.

* لو فرضنا أنّ شخصاً مات وليس له إلاّ عمٌّ واحد أو عمّة واحدة.

‏-‏ المال كلّه للعمّ أو العمّة.

* إذا كان له أعمام متعدّدون، أو كان له عمّات متعدّدات ؟

‏-‏ قُسِّم المال بينهم جميعاً بالسويّة.

* إذا اجتمع للميّت عمّ أو عمّة أو أكثر مع خالٍ أو خالة أو أكثر ؟

‏-‏ قُسِّم المال ثلاثة أسهم، سهمان للعمومة وسهمٌ واحد للخؤولة.

* وإرث الزوج والزوجة ؟

‏-‏ للزوجة حكمٌ خاص في الإرث، فبعضُ مخلَّفات الزوج لا ترِث منها زوجته مطلقاً لا في عين ما ترك الزوج وخلَّف ولا في ثمنه، كالأراضي بصورةٍ عامّة كأرض الدار وأرض المزرعة مثلاً وغيرهما، فكلُّ أرضٍ للزوج لا نصيب للزوجة فيها ولا في قيمتها وثمنها.

وبعض الأموال، لا حقّ لها في نفس أعيانها، وإنّما لها نصيبها من قيمتها، وذلك في الأشجار والزرع والأبنية التي في الدور فإنّ


للزوجة سهمها في قيمة تلك الأموال -‏ يوم الدفع -‏ بعد تقويمها بطريقة معروفة عند المقوّمين ولا يجوز لسائر الورَثة التصرّف فيما ترث منه الزوجة حتّى فيما لها نصيبٌ مِن قيمته إلاّ بعد اَستئذانها.

* وغير الأراضي والأبنية والأشجار والزروع ممّا ترك الزوج وخلَّف ؟

‏-‏ ترث منها الزوجة كما يرث سائر الورثَة الآخرون.

* وهل يرث الزوج زوجته ؟

‏-‏ نعم، يرث الزوج مِن كلّ ما تركته الزوجة وخلّفته منقولاً وغير منقول أرضاً وأموالاً وأشجاراً وبناءً وغيرها.

* إذا ماتت الزوجة، وزوجها حيّ، وليس لها ولد لا منه ولا من غيره ؟

‏-‏ للزوج نِصف ما خلّفت الزوجة، والنِّصف الآخر لباقي الورثة.

*وإنْ كان لها ولد ؟

‏-‏ للزوج الربُع والباقي لسائر الورَثَة.

* لو عكسنا السؤال... وقلنا: ‏إذا مات الزوج وليس له ولد وزوجته حيّة فكم نسبة ما ترثه مِن زوجها ؟

‏-‏ للزوجة الربُع والباقي للورثة.

* وإن كان له ولدٌ منها أو من غيرها ؟

‏-‏ للزوجة الثُّمُن والباقي للورَثَة.


-‏ قال أبي: ‏هناك مسائل أُخرى وفروض أُخرى في الإرث أشبعتها بحثاً كتب الفقه فإذا رغبت المزيد فراجعها.

غير أنّي سأُشير لك في ختام لقائنا الى أُمور :

١ -‏ يُعطي مِن تركة المتوفّى مجّاناً للولد الأكبر: ‏قرآن المتوفّى، وخاتمه، وسيفه، وملابسه، سَواء لبسها المتوفّى، أم أعدّها للبسه ولو تعدّد القراَن أو الخاتم أو السيف [فعلى الولد الأكبر أنْ يتصالح مع باقي الورَثَة وهكذا بالنسبة الى الرحل ومثل البندقيّة والخنجر وما يَشبهُها من الأسلحة].

٢ -‏ القاتل لا يرث المقتول، إذا كان القتل عمداً ظلماً، أمّا إذا كان القتل خطأً فيرثه ممّا خلفه.

٣ -‏ المسلم يرث الكافر، ولا يرث الكافر المسلم.

* * * * *

‏‏


( حواريّة الوقف )



* قلت لأبي بعد أنْ جَلَس -‏ مبتدئاً أنا هذه المرّة حواريّة اليوم -‏ قلت له:‏ وأنا أُؤدّي مراسم الزيارة لمراقد أئمّتي الأطهارعليهم‌السلام ، في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة وغيرها، أُشاهد أحياناً عبارة ( وقف ) مكتوبةً على بعض المصاحف الكريمة، الموضوعة داخل المرقد الطاهر أو على الثريّات، وأجهزة التبريد والمصابيح وغيرها.

كما أُشاهد عبارة الوقف هذه أحياناً أُخرى على بعض العمارات والبنايات والمحلاّت، وعلى المراوح والمصابيح في المساجد والحسينيّات وربّما على بعض برّادات الماء في الشوارع العامّة وغيرها.

‏-‏ نعم، يحقّ للإنسان أنْ يوقف الأشياء التي ذكرتها وأمثالها وفق ضوابط خاصّة، فإذا تمَّ الوقف بشروطه الشرعيّة خرَج الشيء الموقوف عن مُلك مِن وقفه وأصبح مالاً لا يوهب ولا يورث ولا يُباع إلاّ في حالاتٍ خاصّة نصّت عليها كتب الفقه.

قال ذلك أبي وأضاف:‏

يكون الوقف تارةً للموقوف عليه، كما إذا وقَف شخصٌ ملكاً له على أولاده أو جيرانه أو أصدقائه أو غيرهم.

‏‏

وتارةً لا يكون كذلك، كما إذا وقف شخصٌ ملكاً له ليكون مسجداً.

وقد يُعيّن الواقف شخصاً على الوقف يُدبّر شؤونه ويعمل بما قرّره الواقف مِن شروط، ويسمّى ( بالمتولّي ).

* وهل للوقف صيغة محدّدة ؟

‏-‏ كلاّ ولا لغة معيّنة، فلو بنى شخصٌ ما بناءً على طراز ما تبنّى به المساجد بقصدِ كونه مسجداً كفى ذلك في صيرورته مسجداً.

قال أبي وسأذكر لك بعض ما يُعتبر في الوقف:

١ -‏ الاستمرار والدوام : ‏فلا يصحّ الوقف إذا حدَّده الواقف بوقتٍ معيَّن.

* اضرب لي مثلاً على ما تقول.

‏-‏ إذا وقف إنسان داره على الفقراء مدّة سنة فلا يصحُّ وقفاً لأنّه غيرُ دائم ولا مستمر.

٢ -‏ أنْ لا يكون الموقوف عليه نفسُ الواقف ولو في ضِمنِ آخرين.

*مثلاً ؟

‏-‏ إذا وقف إنسان أرضاً على نفسه مثلاً كي يُدفن فيها حين حُلول أجله وموته، لم يصحّ الوقف.

* وإذا وقف الإنسان داره على شخصٍ معيّن أو أشخاصٍ معيّنين كأولاده أو أقربائه مثلاً ؟

‏-‏ صحّ الوقف بعد قبضهم ذلك أنّ الأوقاف الخاصّة لا تصحّ


مِن دون قبض الموقوف عليه أو وكيله أو وليّه.

* وكيف يتمّ قبضهم للدار مثلاً ؟

‏-‏ يكفي في القبض استيلاء الموقوف عليه أو وكيله أو وليّه عليها.

* أحياناً يكون المال الموقوف بيد الموقوف عليه.

‏-‏ يكفي ذلك في قبضه، ولا حاجة الى قبضٍ جديد.

* والأوقاف العامّة مَن يقبضها ؟

‏-‏ لا يشترط في صحّة وقفها القبض.

* قلت لي يُشترط في الوقف الدوام والاِستمرار، فلا يحقّ للواقف أنْ يُحدِّد مدّة معيّنة يرجع بانقضائها ملكه إليه.

‏-‏ نعم، ويحقّ له إذا أراد عدم الدوام، أنْ ( يحبِّس ) ملكه ولا ( يوقفه )... أنْ يحبس ملكه على جهة معيّنة أو شخص معيّن، مدّة يحدّدها وحينئذٍ لم يجز له الرجوع قبل انقضائها، حتّى إذا انتهت المدّة عاد كلّ شيء الى حالته الأولى.

قال ذلك أبي، ثُمّ أطرَق قليلاً وتنهّد كمن تذكّر شيئاً محزناً حين ذكر الحبس، قلت له لأقطع عليه سلسلة أفكار كئيبة تناهبته.

* اضرب لي مثلاً على ذلك.

‏-‏ إذا قال مالك سيّارة نقل مثلاً: ‏سيّارتي حبيسةٌ على نقل الحجّاج الى بيت الله الحرام عشر سنين حُبِست سيارته على نقل الحجّاج عشر سنين فإذا انتهت المدّة المحدّدة، عادت سيارته الى


وضعها السابق.

* لو فرضنا أنّ هذا الشخص مات قبل اِنقضاء المدّة المحدّدة، فهل تعود سيارته الى ورثته يتقاسمونها كإرث ؟

‏-‏ إذا مات الحابس بقي الشيء المحبوس على حبسه حتّى تنتهي المدّة، فإذا انتهت عاد الى ورثته ويحقّ لهم التصرّف فيه.

* وهل يحقّ للإنسان أنْ يحبس مِلكه مدّة حياته على شخصٍ معيّن ؟

‏-‏ نعم -‏ يحقّ له ذلك، ولا يجوز له الرجوع مادام حيّاً، فإذا مات رجَع ذلك الشيء الى ورثته.

* إذا قال المالك لشخص: ‏أسكنتك هذه الدار لك ولأولادك ؟

‏-‏ لم يجز له الرجوع في هذه ( السكنى ) مادام الساكن موجوداً هو وأولاده فإذا ماتوا رجعت الدار الى مالكها أو ورثته.

* وإذا قال له: ‏أسكنتك داري مدّة حياتك، فمات الشخص المالك قبل الساكن ؟

‏-‏ لم يجز للورثة اِخراج الساكن حتّى يموت، فاذا مات عادت الدار للورثة.‏

* أيجوز لزوج أنْ يوصي ( بتحبيس ) ثلث بستانه على زوجته لتنتفع مِن وارده مدّة حياتها، على أنْ يعود الثلث بعد وفاتها إلي ورثة الزوج ؟

‏-‏ نعم يجوز له ذلك.

‏‏

* فراش المسجد الموقوف عليه هل يجوز للوليّ إعارته مثلاً لعُرسٍ أو مناسبة.

‏-‏ مع كونه وقفاً مخصوصاً لا يجوز الانتفاع به في غير ذلك الوقف.

* وهل يجوز تأجيره ؟

‏-‏ كذلك لا يجوز.

* مسجد غير محتاج لمال وقِّف عليه بخصوصه، هل يجوز ترميم مسجد آخر به ؟

‏-‏ إذا كان المسجد في غنىً عن ماله الآن، وفي المستقبل المنظور، ولم يتيسّر حفظ هذا المال وادّخاره الى حين الاِحتياج إليه، صُرِف فيما هو الأقرب الى مقصود الواقف من تاِّمين سائر احتياجات المسجد الموقوف عليه ذلك المال، أو ترميم مسجد آخر.

* * * * *



حواريّة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


‏‏

الآن -‏ قال أبي -‏ وقد أحطتَّ بالكثير مّما تحتاجه مِن أحكامك الشرعيّة وتعلَّمت الكثير.

الآن وقد عرفت مِن أحكام الله ما عرَفت، واستوضحت من واجباتها ما استوضحت، وحفظت من محرّماتها ما حفِظت.

الآن، وقد بصرت بما لم تبصر به من قبل..

الآن، وليس بعد الآن.. يجب أنْ تتذكّر الماضي بكلّ قساوته، يوم رفَعت رأسك الى السماء وقلبك يقطر أسىً وألماً وحيرةً ولوعة، وأنت تقول :

إلهي أعلم أنّك كلَّفتني ولكنّي لا أَعْلم بماذا كلَّفتني.

إلهي أنّى لي أنْ أعرف حلالك فافعله، أو حرامك فاجتنبه.

الآن، وليس بعد الآن.. آن لك أنْ تدرك أنَّ أعداداً كثيرة ممَّن هُم في مثل سنِّك ومرحلتك الدراسيّة، أو أكبر منك، يعيشون مأساتك السالفة، ويعانون معاناتك، ويكابدون مكابدتك، تكتوي أجفانهم كما اكتوَت أجفانك بنثيث دمعك المشتعل وأنت تقول :

اللّهم أعن كتب الفقه الإسلامي على الإفصاح عمّا تريد قوله لأفهم ما تُريد قوله.

‏‏

الآن، وقد تعلّمت ما تعلّمت، وألمَمت مِن أحكام الفقه بما ألمَمت.. آن لك أنْ تعمل بقوله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، فتدعو الى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.

* آمر بماذا يا أبتي ؟ وأنهي عن ماذا ؟

-‏ أُؤمر بما علِمت من معروف، وانه عمّا علِمت مِن منكر.

* ولكن ما لي وللناس يا أبتي، وما علاقتي بمَن يفعل المنكر مثلاً حتّى آمره بتركه، ثُمّ لماذا أتدخل في شؤون الآخرين فآمرهم وأنهاهم ما دُمتُ أنا أفعل المعروف وأجتنب المنكر، وهذا يكفيني ؟

-‏ حاذر أنْ تقول ذلك يا بُنَي، وحاذِر أنْ تكرّره ثانيةً، فالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراتبهما واجبان كفائيّان.. فإذا لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر أحد.. لا أنا، ولا أنت، ولا أحدٌ آخر غيرنا، أثِمنا جميعاً، وتعرّضنا لغضَب الله عزّ وجلّ وعِقابه وسخَطه.. أمّا إذا قام بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أحدنا، فقد سقَط عن الجميع.

ألم تتدّبر قوله تعالى: ‏( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) تلك الآية الكريمة التي قرأتها لك قبل قليل ؟!

ألم تسمع قول النبيّ الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( لا تزال أُمّتي بخير


ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر فإذا لم يفعلوا ذلك نُزِعت منهم البرَكَات، وسُلِّط بعضُهم على بعض، ولم يكن لهم ناصرٌ في الأرض ولا في السماء ) ؟!

ألم تقرأ قول الإمام عليّعليه‌السلام : ‏( لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فيولّي عليكم شراركم ثُمّ تدعون فلا يُستجاب لكم ) ؟!

ألم تقرأ قول الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : ‏( إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيلُ الأنبياء، ومنهاج الصُلَحَاء، فريضةٌ عظيمة بها تُقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب وتُرَدُّ المظالم، وتعمَّر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر ) ؟!

وقولهعليه‌السلام : ‏( الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر -‏ خلْقان مِن خَلقِ الله، فمَن نصَرَهما أعزّه الله، ومَن خذَلَهما خذلُه الله ) ؟

ثُمَّ ألم تقرأ قول النّبي الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّته ) ؟

* نعم قرأته ؟

-‏ فأنت إذن راع، ومسؤول كذلك عن رعيّتك، وللرّاعي واجبات، وعليه حقوقٌ وتَبِعات، والمسؤوليّة ثقيلة.

أوَ بعد كلّ هذا تقول: ‏لماذا أكون فضوليّاً، فأتدخّل في شأنٍ لا يعنيني، ليس أمرُك بالمعروف ونهيك عن المنكر فضولاً وليسا هما


تدخّلاً منك يا بني في شأنٍ لا يعنيك.. هذان شأنُك.. نعم شأنُك.. فالذي أوجَب عليك الصلاة والصوم والحجّ والخُمس هو الذي أوجَب عليك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

* ولكنّي لست رجلَ دين حتّى آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ؟

-‏ ومَن قال لك أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مسؤوليّة رجُل الدّين وحده.. الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان عليك وعليَّ وعلى رجل الدّين والطالب والمدرِّس والتّاجر والعامل والموظّف والصناعي والعسكري والرئيس والمرؤوس والعادل والفاسق والغني والفقير والمرأة والرجل.. الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان على الجميع.

* سمعتك تقول: ‏إنْ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراتبها واجبان كفائيّان، فهل هُما ببعض مراتبها الأُخرى واجبان عينيّان كوجوب الصلاة اليوميّة ؟

-‏ أجل يا بُنَي.. إنّهما واجبان عينيّان ببعض مراتبهما، وهي مرتبة إظهار الكراهة فِعلاً أو قَولاً مِن ترك المعروف وفعل المنكر ألم يبلغك أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: ‏( أمَرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ نلقى أهل المعاصي بوجوهٍ مكفهرّة ) هذا يعني أنّ واجبنا أنْ نُظهِر لمرتكب المعصية كُرهاً لِما يرتكبه وانزعاجنا منه.

* ولكن هل أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان


في مطلق الأحوال.

-‏ لا، إنّما يجبان مع توفّر الشروط التالية: ‏-‏

١ -‏ أنْ يكون الشخص الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر عارفاً بالمعروف والمنكر، حتّى ولو كانت معرفته غير شاملة ولا مفصّلة، يكفي أنْ يعرف أنّ هذا العمل معروف ليأمر به أو أنّ هذا منكر محرّم لينهى عنه.

٢ -‏ أنْ يحتمل ائتمار المأمور بالمعروف بأمره، وانتهاء المنهي عنه المنكر بنهيه، بأنْ لا يعلَم منه أنّه لا يُبالي ولا يهتمّ ولا يكترث بأمره ونهيه.

* وإذا علم بانّ الفاعل سوف يفعل المنكر، أو يترك المعروف، ولا يهتمّ بأمره ولا نهيه ؟

-‏ حينئذٍ يسقط عنه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراحلهما [ويجب ببعض مراحلهما الأُخرى وهي مرحلة إظهار الكراهة فعلاً أو قولاً، مِن تركه للمعروف وارتكابه للمنكر].

٣ -‏ أنْ يكون تارك المعروف، أو فاعل المنكر، مصرّاً على ترك المعروف أو فعل المنكر، بمعنى أنّه بصدد الاستمرار على فعل المنكر، أمّا إذا احتمل أنّه منصرف عن الاِستمرار على المنكر لم يجب أمره ونهيه.

* أحبُّ أنْ أتأكّد فأسأل: ‏وإذا لم يكن مُصرّاً على فعله للمنكر أو تركه للمعروف ؟


-‏ لا يجب أمره بالمعروف، ولا نهيه عن المنكر.

* وكيف أعرف أنّ هذا الشخص مصرٌّ على فعله للمنكر أو غير مصرٍّ عليه ؟

-‏ إذا ظهرَت لك علامة أو إمارة على إقلاعه عنه فهو غير مصرٍّ

إذا انصرف عن الفعل فهو غير مُصرّ.. إذا ندم عليه فهو غير مُصِرّ وبالتالي فلا يجِب عليك أمره أو نهيه.

* أحياناً أعرف أنّ شخصاً ما ينوي أو يُريد ارتكاب منكر وترك معروف فهل يجِب عليّ أمره أو نهيه قَبل أنْ يفعل فعلته ؟

-‏ نعم يجب عليك أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر حتّى ولو قصَد المخالفة، مرّةً واحدة فقط.

٤ -‏ أنْ لا يكون فاعل المنكر أو تارك المعروف معذوراً في فعله للمنكر أو تركه للمعروف، لاعتقاده مثلاً أنّ ما فعله ليس حراماً أو أنّ ما تركه ليس واجباً وكان معذوراً في ذلك الاشتباه وإلاّ لم يجب عليك شيء.

٥ -‏ أنْ لا يخاف الآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر من ترتّبِ ضررٍ عليه في نفسه، أو عرضه، أو ماله بالمقدار المعتدِّ به أو بأحدٍ من المسلمين كذلك مِن جرّاء أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر.

* وإذا خاف الضّرر على نفسه أو على غيره من المسلمين من جرّاء الأمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر ؟


-‏ لم يجب عليه الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في هذه الحالة، إلاّ إذا كان المعروف أو المنكر مِن المهمّات في نظر المشرِّع الإسلامي، فيجب حينئذٍ الموازنة بين الطرفين بلحاظ قوّة الاِحتمال وأهميّة المحتمل، فقد لا يجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وقد يجبان.

وإذا أردت أنْ آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر ؟

-‏ للأمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر مراتب :

المرتبة الأولى : ‏أنْ تأتي بعمل تظهر به انزجارك القلبي وكراهتك لفعل المنكر وترك المعروف.

* وكيف أُظهر ذلك ؟

-‏ بطرقٍ عديدة.. بالإعراض والصدِّ عن الفاعل.. أو بإظهار وإبراز الاِنزعاج والتأثّر منه.. أو بتركِ الكلام معه.. أو بغير ذلك.

المرتبة الثانية : ‏أنْ تأمر وتنهى بقولك ولسانك.

* وكيف آمر وأنهى بالقول واللسان ؟

-‏ بطرقٍ عِدّة.. بنصح الفاعل ووعظه.. بتذكيره بما أعدّ الله سُبحانه وتعالى للعاصين من العقاب الأليم.. بإرشاده، بتذكيره بما أعدَّه الله سُبحانه وتعالى للمطيعين مِن الثواب العظيم، بتهديده بالإنكار عليه.. بغير ذلك مِن الطُرُق المناسبة.

المرتبة الثالثة : ‏أنْ تتّخذ إجراءات عمليّة للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.


* وكيف ؟

-‏ أنْ تفرك إذن الفاعل، أو تضربه، أو تحبسه ليكون رادعاً له عن فعل المعصية.

قال ذلك أبي وأضاف: ‏إنّ لكلّ مرتبة مِن هذه المراتب درجاتٍ متفاوتة شدّةً وضعفاً حسب مقتضيات الحال والظروف.

* وهل ابدأ أوّلاً بالمرتبة الأولى، فإنْ لم تكف انتقل الى المرتبة الثانية فالثالثة ؟

-‏ اِبدأ أوّلاً بالأُولى أو الثانية، أيّهما تحتمل تأثيرها أكثر أو امزج بينهما إذا تطلّب الأمر ذلك مع مراعاة ما هو أخفُّ إيذاءً وهتكاً والتدرّج إلى ما هو أشدُّ منه.

* وإذا لم ينفعا ؟

-‏ اِنتقل عند ذاك بعد أنْ تحصل على إذِن الحاكم الشرعي الى المرتبة الثالثة إلى... اتّخاذ الإجراءات العمليّة متدرّجاً من الإجراء الأخفّ إيذاءً إلى الإجراء الأشدِّ والأقوى، مِن دون أنْ يصل الى الجرح أو الكسر أو الشَّلل أو غيرها فضلاً عن القتل.

قال ذلك أبي وأردف مؤكّدا :

الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان، ولكنّهما يتأكّدان أكثر في حقّك إذا كان تارك المعروف أو فاعل المنكر واحداً من أهلك، فقد تجد بين أهلك مَن يتسامح في بعض الواجبات أو يتَهاوَن.

قد تجد فيهم مَن لا يتوضّأ بالشكل الصحيح، أو لا يتيمّم


بالشكل الصحيح أو لا يغتسل غسل الجنابة بالشكل الصحيح، أو لا يطهِّر جسده وملابسه بالشكل الصحيح، أو لا يقرأ السورتَين والأذكار الواجبة بالشكل الصحيح، أو لا يُخَمّس ماله ولا يزكّيه وماله متعلّق للخُمس أو للزكاة.

قد تجد في أهلك مثلاً مَن يرتكب بعض المحرّمات، يُمارس العادة السريّة مثلاً، أو يلعب القمار، أو يستمع الى الغناء، أو يشرب الخمر، أو يأكل الميتة.. أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يغشّ أو يسرق.

قد تجد في النساء مِن أهلك مَنْ لا تتحجّب، ولا تغطّي شعرها، وقد تجد فيهنّ مَن لا تزيل أثر طلاء الأظافر عن أظافرها عندما تتوضّأ أو تغتسل..

قد تجد فيهّنَّ مَن تتعطّر لغير زوجها مِن الرجال، أو لا تستر شعرها وجسَدَها عن أنظار ابن عمّها أو ابن عمّتها، أو ابن خالها، أو ابن خالتها، أو أخي زوجها أو صديقه بحجّة أنّه يعيش معها في بيتٍ واحد فهو كأخيها أو غير ذلك من الأعذار الواهية الأخرى.

قد تجد في أهل بيتك من يكذب، ويغتاب، ويعتدي على الآخرين، ويبذِّر أمواله، ويعين الظالمين على ظلمهم.. قد تجد.. وتجد وتجد..

* وإذا وجدتُ ؟

-‏ إذا وجدتَ شيئاً من ذلك فأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر،


مبتدئاً بالمرتبتين الأولى والثانية.. إظهار الكراهة والإنكار باللسان ومنتقلاً -‏ إذا لم ينفع ذلك -‏ الى المرتبة الثالثة بعد استحصال الإذن من الحاكم الشرعي الى اتخاذ الإجراءات العمليّة، متدرّجاً فيها من الأخفّ إلى الأشدّ.

* أحيانا يكون المعروف مستحبّاً ؟

-‏ ويُستحبّ الأمر به حينئذٍ، ولا يجب، فإذا أمرت به كنت مستحقّاً للثّواب، وإذا لم تأمر به لم تكن مستحقّاً للعقاب ذلك أنّ الدّال على الخير كفاعله.

* قلت لي أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبان، وقد عرفت من خلال أمثلتك بعض ما يجِب عليَّ أنْ آمر به، وبعض ما يجب عليَّ أنْ أنهى عنه، غير أنّي أُحبّ أنْ تضع النقاط على الحروف فتذكر لي بالتحديد أُموراً يجب عليَّ أنْ آمر بها أو يستحبّ، وأمورا يجب عليَّ أنْ أنهى عنها، غير تلك التي ذكرتها قَبل قليل وغير تلك التي مرّت في حواريّاتنا السابقة..

-‏ سأُحدّد لك على شكل نقاط أموراً هي من المعروف أوّلاً، وأموراً هي من المنكر ثانياً، غير أنّي أشترط عليك شرطاً واحداً قبل أنْ أُجيبك.

* وما هو ؟

-‏ أنْ تعمل بها مستحبّةً كانت أو واجبة.. وتدعو إليها وتأمر بها إنْ كانت معروفاً.. وتبتعد عنها وتنهى إنْ كانت منكراً.


* أعدك بذلك.

-‏ سأبدأ أوّلاً بذكر أُمور هي مِن المعروف على شكل نقاط محدّدة.

قال ذلك، وبدأ أبي يُعدّد مستعيناً بذاكرته تارّةً، وبمصادر وضعها أمامه تارةً أُخرى فعدَّ مِن المعروف ما يأتي :

١ -‏ التوكّل على الله تعالى : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ، ورُوي أنّه قد سأل سائلٌ الإمامعليه‌السلام عن هذه الآية فقالعليه‌السلام : ‏( التوكّل على الله دَرَجَات، منها أنْ تَتَوكّل على الله في أُمورِك كلّها فما فعل بك كنت عنه راضياً، تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها ).

٢ -‏ الاِعتصام بالله تعالى : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

وعن الإمام أبي عبدا لله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( أوحى الله عزّ وجلّ الى داود: ‏ما اعتصم بي عبدٌ مِن عبادي دون أحدٍ من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمَّ تكيده السموات والأرض ومَن فيهنَّ، إلاّ جعلت له المخرج مِن بينهنّ وما اِعتصم عبدٌ مِن عبادي بأحدٍ مِن خلقي، عرفت ذلك من نيّته، إلاّ قطعت أسباب السموات مِن يديه وأسخت الأرض مِن تحته ولم أُبال بأيِّ وادٍ يهلك ).

٣ -‏ شكر الله تعالى على نِعَمِه المتواترة : ‏قال الله سبحانه


وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) ، وقال عزّ وجلّ: ‏( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) .

وعن الإمام أبي عبدا لله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ما أنعَم الله على عبدٍ بنعمة بالغةٍ ما بلَغَت، فحمِد الله عليها، إلاّ كان حمدُه لله أفضل مِن تلك النعمة وأعظم وأوزن ).

٤ -‏ حُسن الظنّ بالله تعالى : ‏فعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( وجدنا في كتاب عليّعليه‌السلام أنْ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال على منبره: ‏والذي لا إِله إلاّ هو، ما أُعطِيَ مؤمنٌ قط خير الدنيا والآخرة إلاّ بحُسن ظنّه بالله ورجائه وحُسن خلقه ).

٥ -‏ اليقين بالله تعالى في الرّزق والعمر والنّفع والضرّ : ‏فعن الإمام عليّعليه‌السلام أنّه قال: ‏( لا يجد عبدٌ طعمَ الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنّ الضارَّ النّافع هو الله عزّ وجلّ ).

٦ -‏ الخوف مِن الله عزّ وجلّ مَع رجائه تعالى : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه الكريم يصف المؤمنين: ‏( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( مَنْ خلا بذنبٍ فراقَب الله تعالى فيه واستحيا مِن الحفَظَة، غفَر الله عزّ وجلّ له جميع ذنوبه وإِن


كانت مثل ذنوب الثقلين ).

وقالعليه‌السلام : ‏( أُرج الله رجاءً لا يجرّئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته ).

٧ -‏ الصبر وكظم الغيظ : ‏قال الله تعالى في كتابه المجيد: ‏( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) وقال تعالى: ‏( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) .

وقال تعالى: ‏( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ما جرَع عبد جرعةً أعظم أجراً من جرعة غيظ كظمها اِبتغاء وجه الله ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( مَن أحبِّ السبُل الى الله جرعتان، جرعة غيظٍ يردّها بحِلم، وجرعة مصيبة يردّها بصبر ).

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال لبعض ولده: ‏( يا بُنيّ ما من شيءٍ أقرُّ لعين أبيك مِن جرعة غيظٍ عاقِبتُها صبر ).

٨ -‏ الصبر عن محارم الله تعالى : ‏فعن الإمام عليّعليه‌السلام أنّه قال: ‏( الصبر صبران: ‏صبرٌ عند المصيبة حسنٌ جميل، وأحسَن مِن ذلك الصبر عند ما حرَّم الله تعالى عليك ).

وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إتّقوا معاصي الله في الخلَوَات فإنَّ الشاهد هو الحاكم ).

٩ -‏ العدل : ‏قال الله تعالى في كتابه الكريم: ‏( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ


وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ثلاث هُم أقرب الخلق الى الله عزّ وجلّ يوم القيامة، حتّى يفرغ مِن الحساب: ‏رجلٌ لم تدعه قدرته في حال غضبِه إلى أنْ يحيف على مَن تحت يديه، ورجلٌ مشى بين اثنين فلَم يمِل مع أحدهما على الآخر ولو بشعيرة، ورجلٌ قال الحقَّ فيما عليه ).

١٠ -‏ تغليب العقل على الشهوة : ‏قال الله تعالى في كتابه المجيد: ‏( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) ، وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( طوبى لِمَن ترَك شهوةً حاضرةً لموعِد لم يره )، وعن الإمام عليّعليه‌السلام أنّه قال: ‏( كم مِن شهوةٍ ساعة أورثت حزناً طويلاً ).

١١ -‏ التواضع: ‏فعن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ أحبَّكم إِليَّ وأقربكم منّي يوم القيامة مجلساً، أحسنكم خُلُقاً وأشدَّكم تواضعاً )، وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه دعا ربّه قائلاً: ‏( الّلهم صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ ولا ترفعني في النّاس درجةً إلاّ حطَطتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلاّ أحدثت لي ذلّةً باطنة عند نفسي بقدرها ).

١٢ -‏ الاقتصاد في المأكل والمشرب ونحوهما : ‏قال الله تعالى


في كتابه الكريم: ‏( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( أفطر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عشيّة خميس في مسجد قبا فقال: ‏( هل من شراب ؟ فأتاه أوس بن خولي الأنصاري بعسِّ مخيض بعسل، فلمّا وضعه على فيه نحّاه ثُمّ قال: ‏( شرابان يُكتفي بأحدِهما عن صاحبه، لا أشربه ولا احرّمه، ولكن أتواضع لله، فإنّه مَنْ تواضع لله رفعه الله، ومَن تكبَّر خفظه الله، ومَن اقتصد في معيشته رزقه الله، ومَن بذَّر حرمه الله، ومَن أكثر ذِكْر الموت أحبَّه الله ).

١٣ -‏ إنصاف النّاس ولو من النّفس : ‏فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏ ( مَن واسى الفقير مِن ماله وأنصف الناس من نفسه، فذلك المؤمن حقّاً ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( سيّد الأعمال إِنصاف النّاس مِن نفسك، ومواساة الأخ في الله تعالى، وذِكر الله تعالى على كلِّ حاله ).

وعن الإمام علىّعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ألا أنّه مَن ينصف النّاس مِن نفسه لم يَزِده الله إلاّ عزّاً ).

١٤ -‏ العفّة : ‏فعن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( أفضل العبادة عفّة البطن والفرج ).

١٥ -‏ اِشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب النّاس : ‏فعن النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( طُوبى لِمَن شغله خوفُ الله عزّ وجلّ عن خوف النّاس، طُوبى لِمَن شغله عيبُه عن عيوب المؤمنين ).


١٦ -‏ التخلّق بمكارم الأخلاق : ‏قال الله تعالى يصف نبيّه الكريم: ‏( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ، وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( حُسن الخلُق خلُق الله الأعظم ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ألا أخبركم بأشبهكم لي ؟) قالوا: ‏بلى يا رسول الله قال: ‏( أحسنُكم خُلُقاً، وأليَنُكم كنَفاً، وأبرَّكم بقرابته، وأشدَّكم حُبّاً لإخوانه في دينه، وأصبَرُكم على الحقّ، وأكظَمَكم للغيظ، وأحسنُكم عفواً، وأشدّكم مِن نفسه إنصافاً في الرّضا والغضب ).

وروي أنّه قيل لهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏أيُّ المؤمنين أفضلهم إيماناً ؟ قال: ‏( أحسنهم خلقاً ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( أكثر ما يلج الجنة: ‏تقوى الله وحسن الخلق ).

١٧ -‏ الحلم : ‏فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ما أعزّ الله بجهلٍ قط ولا أذلَّ بحلم قط ).

وعن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: ‏( لا يكون الرجلُ عابداً حتّى يكون حليماً ).

١٨ -‏ حفظ القرآن الكريم والعمل به وقراءته : ‏قال الله تعالى في كتابه الكريم:‏( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ) ، وعن النبيّ الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( إنّ أهل القرآن في أعلى درجةٍ مِن الآدميّين ما خلا النبيّين والمرسلين )، وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( الحافظ للقرآن والعامل به مع السَّفرة الكرام البَررَة )


وعنه (عليه‌السلام أيضاً ): ‏( مَن قرأ القرآن وهو شابٌّ مؤمنٌ اختلط القرآن بدمه ولحمه، وجعَلَه الله مع السَّفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيجاً عنه يوم القيامة ).

وهناك فضلٌ خاص لقراءة سوَرٍ معيّنة مِن القرآن الكريم مذكور في كتب الحديث إنْ شئت راجعتها.

١٩-‏ زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ،وأمير المؤمنين والزهراء والحسن والحسين والأئمّة عليهم‌السلام : ‏فعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( قال الحسين بن عليّعليه‌السلام لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏يا أبَتِ، ما جزاء مَن زارك ؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏مَن زارني، أو زار أباك، أو زارك، أو زار أخاك، كان حقّاً عليَّ أنْ أزوره يوم القيامة حتّى أُخلّصه مِن ذنوبه )، وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( مَن زار قبر الحسين بن عليّعليهما‌السلام عارفاً بحقّه كًُتِب في عليِّين )، وعنهعليه‌السلام : ‏( مَن زار واحداً منّا كان كمَن زار الحسينعليه‌السلام ).

٢٠ -‏ الزهد في الدّنيا: ‏فعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : ‏( ازهد في الدّنيا يحبّك الله )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( استحيوا مِن الله حقّ الحياء )، قالوا: ‏إنّا لنستحي منه تعالى، قال: ‏( فليس كذلك، تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( إذا أراد الله بعبدٍ خيراً زهّده في الدّنيا، ورغَّبه في الآخرة، وبصَّرهُ بعيوب نفسه )، وعن الإمام علىعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إنّ مِن أعوَن الأخلاق على الدّين الزهد في الدّنيا ) وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إنّ علامة الرّاغب في ثواب الآخرة زُهدهُ


في عاجل زهرة الدّنيا ).

وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ما مِن عمل بعد معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة رسوله أفضلُ من بغض الدّنيا ).

وروي أنّه قال رجل لأبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏إنّي لا ألقاك إلاّ في السنين، فأوصِني بشيءٍ حتّى آخذ به قال: ‏( أُوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، وإيّاك أنْ تطمع إلى مَن فوقك، وكفى بما قال الله عزّ وجلّ لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وقال: ‏( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) ، فإنْ خِفت ذلك فاذكر عيش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّما كان قوته مِن الشّعير، وحلواه مِن التّمر، ووقوده من السعف وإذا أُصبت بمصيبةٍ في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإِنَّ الخلائق لم يُصابوا بمثله قط ) وروي أنّه وقف الإمام الكاظمعليه‌السلام على قبرٍ فقال: ‏( إنّ شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أنْ يُزهد في أوّله، وإنَّ شيئاً هذا أوّله لحقيقٌ أنْ يُخاف من آخره ).

٢١ -‏ إعانة المؤمن وتنفيس كربته وإدخال السرور عليه وإطعامه وقضاء حاجته : ‏فعن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ما من مؤمنٍ يعين مؤمناً مظلوماً إلاّ كان أفضل مِن صيام شهر رمضان واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلاّ ونصره الله في الدّنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلاّ خذله الله في الدنيا والآخرة ).

وعنهعليه‌السلام أنه قال: ‏( أيّما مؤمن نفّس عن مؤمنٍ كربة نفَّسَ الله عنه


سبعين كربةً من كرب الدّنيا وكرب يوم القيامة ).

وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( مَن يسَّر على مؤمنٍ وهو مُعسِر يسَّر الله له حوائجه في الدّنيا والآخرة).

وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( وإنَّ الله عزّ وجل في عونِ المؤمن ما كان المؤمنُ في عون أخيه المؤمن ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( مَن سرَّ امرأً مؤمناً سرَّه الله يوم القيامة، وقيل له تمنَّ على الله ما أحبَبت فقد كنت تحبّ أنْ تسرَّ أولياؤه في دار الدّنيا ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( مَنْ أدخل السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله، ومَنْ أدخله على رسول الله فقد وصَل ذلك الى الله، وكذلك مَنْ أدخل عليه كرباً ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( مَن أطعم مؤمناً مِن جوع أطعمه الله مِن ثمار الجنّة، ومَن سقَى مؤمناً مِن ظمأ سقَاه الله مِن الرّحيق المختوم، ومَن كسا مؤمناً كساه الله مِن الثياب الخضر ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( ما قضى مسلمٌ لمسلمٍ حاجةً إلاّ ناداه الله: ‏عليَّ ثوابُك ولا أرضى لك بدون الجنّة ).

٢٢ -‏ محاسبة النفس كل يوم : ‏فقد رُوي أنّه أوصى النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أبا ذررضي‌الله‌عنه فقال: ‏( يا أبا ذر، حاسب نفسك قبل أنْ تُحاسب، فإنّه أهَوَن لحسابك غداً، وَزِنْ نفسك قبل أنْ تُوزن، وتجهّز للعرض الأكبر يوم تُعرض لا تخفى على الله خافية ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( يا أبا ذر، لا يكون الرجل من المتّقين حتّى يُحاسب نفسه أشدُّ مِن محاسبة الشريك شريكه، فيعلم مِن أين


مطعمه ومِن أين مشربه، ومن أين ملبسه أمِن حلالٍ أو مِن حرام ٍ، يا أبا ذر، مَن لم يُبالِ مِن أين اكتسب المال لم يُبال الله مِن أين أدخله النّار ).

وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ابن آدم إنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظٌ من نفسك، وما كانت المحاسبة مِن همِّك، ابن آدم اِنّك ميِّتٌ ومبعوثٌ وموقوف بين يدَيّ الله فأعِدَّ جواباً ).

٢٣ -‏ الاهتمام بأُمور المسلمين : ‏فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَنْ أصبح لا يهتمّ باُمور المسلمين فليس بمسلم ) وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن أصبح لا يهتّم بأمور المسلمين فليس منهم، ومَن سمِع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يُجبهُ فليس بمسلم ).

وعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : ‏( إنَّ المؤمن لترِد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون عنده يهتمُّ بها قلبُهُ فيدخله الله تبارك وتعالى بهمِّه الجنّة ).

٢٤ -‏ السخاء والكرم والإيثار : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ‏( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ما جعل الله أولياءه إلاّ على السّخاء وحسن الخلق ) وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ مِن موجبات المغفرة بذل الطعام وإِفشاء السلام وحُسن الكلام )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( تجافوا عن ذنب السخيّ فإنّ الله آخذٌ بيده كلّما عثر ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( الجنّة دار الأسخياء ) وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ أفضل الناس إيماناً أبسطهم كفّاً ).


٢٥ -‏ الإنفاق على الأهل والعيال : ‏فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( الكادُّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله )، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( خيركم، خيركم لأهله ) وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ما أنفق الرجل على أهله فهو صدقة )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( دينار أنفقته على أهلِك، ودينارٌ أنفقته في سبيل الله ودينارٌ أنفقته في رقبة، ودينار تصدّقت به على مسكين وأعظمُها أجراً الدينار الّذي أنفقته على أهلك )

٢٦ -‏ التّوبة مِن الذّنوب صغيرها وكبيرها والندم عليها : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد:‏( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) ، وقال تعالى: ‏( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، وقال تعالى: ‏( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وقال تعالى: ‏( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) ، وقال تعالى: ‏( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال لمحمّد بن مسلم: ‏( يا محمّد بن مسلم، ذُنوب المؤمن إِذا تاب منها مغفورةٌ له، فليعمل المؤمن لِما يستأنف بعد التّوبة والمغفرة، أما والله إنّها ليست إلاّ لأهل الإيمان قلت: ‏فإنّه يفعل ذلك مراراً، يُذنب ثمَّ يتوب ويستغفر الله فقال: ‏كلّما عاد المؤمن بالاِستغفار والتّوبة عاد الله عليه بالمغفرة )، وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( التّائب مِن الذنب كمَن لا ذنب له، والمُقيم على الذّنب وهو


مستغفِر منه كالمستهزئ ).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ما مِن عبدٍ أذنَب ذنباً فنَدِم عليه إلاّ غفَر الله له قبل أنْ يستغفر )، وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إنّ الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب، كما يفرح أحدُكم بضالّته إذا وجدها ).

وهناك مِن المعروف غير هذه، نصّت عليها كتب الفقه والحديث فراجعها إنْ شئت المزيد.

قلت لأبي: ‏الأرقام الّتي مرّت أشارت لِما هو مِن المعروف، أمّا المنكرات، أو ما يُعَدُّ من المنكر؟

قال: ‏ما يُعدُّ مِن المنكر كثير، سأعدّد لك بعضاً منها، ولكن بنفس الشرط السابق.

قلت: ‏تقصد أنْ أعدك باِجتنابها والنّهي عنها ؟

قال: ‏نعم.

قلت: ‏أعِدُك بذلك.

قال: ‏إذن إليك بعضاً ممّا هو مِن المنكر.

وبدأ أبي يُعدّد مُستعيناً بذاكرته وبمصادره -‏ كما فعل سابقاً -‏ فعدَّ مِن المنكر ما يأتي :

١ -‏ الظلم : ‏قال الله تعالى في كتابه الكريم: ‏( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .

عن الإمام عليعليه‌السلام : ‏( أعظم الخطايا اِقتطاع مال امرئ مسلم بغير حقّ ).


وعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( لمّا حضَرت عليّ بن الحسين الوفاة ضمَّني الى صدره ثمَّ قال: ‏يا بُني، أُوصيك بما أوصاني به أبي حين حضَرته الوفاة، ممّا ذكَ إنَّ أباه أوصاه به، قال: ‏يا بُني، إيّاك وظُلم مَن لا يجِد عليك ناصراً إلاّ الله ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( مَن ظلَم مظلمةً أُخِذَ بها، في نفسه أو في ماله أو في ولده ).

وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( من أكل مِن مالِ أخيه ظلماً ولم يرده إليه أكل جذوةً من النّار يوم القيامة ).

٢ -‏ الإعانة على الظلم والرّضا به : ‏فعن النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن مشى الى ظالم ليعينه، وهو يعلَم أنّه ظالم، فقد خرَج من الإسلام )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( شرُّ النّاس مَن باع آخرته بدُنياه، وشرَّ منه مَن باع آخرته بدنيا غيره ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( العامل بالظلم والمعين له والرّاضي به شركَاء ثلاثتهم )، وعنهعليه‌السلام قال: ‏( من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه مَن يظلمه، فإنْ دعا لم يُستجب له )، وعنهعليه‌السلام في وصيّته لأصحابه: ‏( وإيّاكم أنْ تعينوا على مسلمٍ مظلوم، فيدعو عليكم فيُستجاب له فيكم، فإِنّ أبانا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول: ‏إنّ دعوة المسلم المظلوم مستجابة )، وعنهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( مَن أعان على قتلِ مؤمنٍ بشطرِ كلمة، جاء يومَ القيامة بين عينيه مكتوبٌ: ‏آيسٌ مِن رحمة الله )


وعنهعليه‌السلام : ‏( يجيء يوم القيامة رجلٌ الى رجلٍ حتّى يلطَّخه بدمه فيقول: ‏يا عبد الله، مالَك ولي ؟ فيقول أعنْتَ عليَّ يوم كذا وبكذا بكلمةٍ فقُتلت ).

٣ -‏ كون الإنسان ممّن ُيتّقى شره : ‏فعَن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: ‏( شرُّ النّاس عند الله يوم القيامة الذين يُكرَمون اتّقاء شرَّهم ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( مِن أبغض خلقِ الله عبدٌ اِتّقى النّاس لسانه ).

٤ -‏ قطيعة الرّحم : ‏قال الله تعالى في كتابه الكريم: ‏( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) ، وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( لا تقطع رحمك وإنْ قطعك ).

وعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( في كتابِ عليّعليه‌السلام ثلاث خِصال، لا يموت صاحبهنّ أبداً حتّى يرى وبالهُنَّ: ‏البغي، وقطعية الرّحم، واليمين الكاذبة يُبارز الله بها ).

وعن الإمام أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إنّ رجلاً مِن خَثعَم جاء الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: ‏يا رسول الله، أخبرني ما أفضل الإسلام ؟ قال: ‏( الإيمان بالله ) قال: ‏ثمّ ماذا ؟ قال: ‏( صلة الرحم ) قال: ‏ثُمّ ماذا ؟ قال: ‏( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) قال: ‏فقال الرجل: ‏فاخبرني أيُّ الأعمال أبغض الى الله ؟ قال: ‏( الشرك بالله ) قال: ‏ثمّ ماذا ؟ قال: ‏( قطيعة الرّحم ) قال: ‏ثمّ ماذا ؟ قال: ‏( الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ).

٥ -‏ الغضب : ‏فعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( إنّ


الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار، فأيّما رجلٍ غضَب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره، ذلك فإنّه سيذهب عنه رجس الشيطان، وأيّما رجل غضب على ذي رحِم فليَدْنُ منه فليمسه فإنّ الرّحم إذا مُسّت سَكَنَت ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( الغضب مفتاح كلِّ شرّ ).

٦ -‏ الاختيال والتكبّر : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) .

وقال تعالى: ‏( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( أكثر أهل جهنّم المتكبّرون ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( مَن مشى على الأرض اختيالاً لعَنَتْهُ الأرض ومَن تحتها ومَن فوقها ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( مَن تعظّم في نفسه واختال في مِشيتِه لقيَ الله وهو عليه غضبان ).

وعن الاِمامين الباقر والصادق عليهما السلام أنّهما قال: ( لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( الجبّارون أبعد النّاس مِن الله يومَ القيامة ).

٧-‏ أكل مال اليتم ظلماً : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) .


٨ -‏ اليمين الكاذبة : ‏فعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام أنّه قال عن كتاب عليّعليه‌السلام : ‏( إنَّ اليمين الكاذبة، وقطعية الرّحم، تذران الديار بلاقع من أهلها ).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( مَن حلَف على يمينٍ وهُو يعلَم أنّه كاذب فقد بارَز الله عزّ وجلّ ).

٩ -‏ شهادة الزّور : ‏قال الله تعالى في كتابه الكريم يصف المتّقين: ‏( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ) .

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ما مِن رجلٍ شهِد شهادةَ زورٍ على مالِ رجلٍ ليقطعه، إلاّ كتب الله عزّ وجل له مكاناً ضنكاً الى النار ).

١٠ -‏ المكر والخديعة : ‏قال الله تعالى في كتابه المجيد: ‏( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ) ، وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ليس منّا مَن ماكَرَ مسلماً).

وعن الإمام علىعليه‌السلام أنّه قال: ‏( لولا أنّ المكر والخديعة في النار لكنت أَمكَرَ العرب ).

١١ -‏ تحقير المؤمن وخاصةً الفقير والاِستخفاف به : ‏فعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( لا تحقِّروا مؤمناً فقيراً، فإنّ مَن حقّر مؤمناً واستخفّ به حقَّره الله تعالى، ولم يزل ماقتاً له حتّى يرجع عن تحقيره أو يتوب ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( من استذلّ مؤمناً وحقَّره لقلّة ذات يده ولفقره، شهَرهُ الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق ).


١٢ -‏ الحسد : ‏قال الله تعالى في كتابه المجيد: ‏( وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( إنَّ الحسد ليَأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب )، وعنهعليه‌السلام : ‏( إنَّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( أُصول الكفر ثلاثة: ‏الحِرص، والاستكبار، والحسَد ).

١٣ -‏ الغيبة والاستماع إليها : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) .

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : ‏( الغيبة حرامٌ على كلِّ مسلم، وإنّها لتأكل الحسَنَات كما تأكل النّار الحطب ).

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( ما عمّر مجلسٌ بالغيبة إلا خرّب مِن الدين، فنزّهوا أسماعكم عن استماع الغيبة، فإن القائل والمستمع لها شريكان في الإثم ).

وعن الإمام أبي جعفرعليه‌السلام : ‏( مَن اغتيب عندَه أخوه المؤمن فلم ينصره، ولم يُعِنه، ولم يدفَع عنه، وهو يقدِر على نصرته وعَوْنِه، حقَّره الله في الدّنيا والآخرة ).

١٤-‏ حُبُّ المال والحرص على الدّنيا : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) وقال تعالى: ‏( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) .


وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن أصبح والدّنيا أكبر همّه فليس من الله في شيء )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( لتأتينّكم بعدي دنياً تأكل إيمانكم كما تأكل النّار الحطب )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( دعوا الدّنيا لأهلها، مَن أخذ مِن الدّنيا فوق ما يكفيه فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ الدينار والدّرهم أهلكا مَن كان قبلكم، وهما مهلكاكم ).

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته ).

وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ‏( رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قَطْع الطمَع عمّا في أيدي النّاس ).

وعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : ‏( بئس العبد عبدٌ يكون له طمعٌ يقوده، وبئس العبد عبدٌ له رغبةٌ تذلّه ).

وعن الإمام أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( حبّ الدّنيا رأس كلِّ خطيئة ).

١٥-‏ الفحش والقذف وبذاءة اللسان والسَّب: ‏فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعائشة :

( يا عائشة... إنّ الفحش لو كان مثالاً لكان مثال سوء )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ الله يبغض الفاحش البذيء، والسائل المُلْحِف )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ مِن أشرِّ عباد الله مَن تكره مجالسته لفُحشِه )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( سباب المؤمن فُسوق، وقتاله كُفر وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحُرمة دمِه ).

ورُوي عن عمرو بن نعمان الجعفي: ‏أنّه قال: ‏( كان لأبي عبد اللهعليه‌السلام صديق لا يكاد يُفارقه فقال يوماً لغلامه: ‏يا بن الفاعلة،


أين كنت ؟ قال: ‏فرَفَع أبو عبد اللهعليه‌السلام يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثمّ قال: ‏( سُبحان الله تقذف أُمّه ! قد كنت أرى لك وَرَعَاً، فإذا ليس لك وَرَع )، فقال: ‏جُعِلت فداك إنّ أُمّه سنديّة مُشرِكة.. فقالعليه‌السلام : ‏( أما علِمت أنّ لكلِّ أُمَّة نكاحاً، تنحَّ عنّي ) فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق بينهما الموت ).

١٦ -‏ عقوق الوالدين : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ‏( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيماً ) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إيّاكم وعقوق الوالدين ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَنْ أصبح مسخطاً لأبَوَيه، أصبح له بابان مفتوحان الى النّار ).

وعن الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : ‏( إنّ أبيعليه‌السلام نظَر الى رجلٍ ومعه ابنه يمشي والابن متّكىء على ذراع الأب، قال فما كلّمه أبي مقتاً له حتّى فارق الدّنيا ).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : ‏( مَن نظر الى أبَوَيْه نظر ماقت وهما ظالمان له لم يقبل الله له صلاة )، وعنهعليه‌السلام : ‏( لو علِم الله شيئاً هو أدنى من أُفٍّ لنهى عنه، وهو مِن أدنى العقوق... ومِن العقوق أنْ ينظر الرجل الى والدَيه فيحدّ النظر إليهم ).

١٧-‏ الكذب : ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( إِنَّمَا


يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) ، وقال تعالى:‏( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( كبُرت خيانةٌ أنْ تحدّث أخاك حديثاً هو لك به مصدِّق، وأنت له به كاذب ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( الكذب يُنقص الرّزق ).

وعن الإمام عليّعليه‌السلام : ‏( لا يجد العبد طَعم الإيمان حتّى يترك الكذِب هزَله وجدّه ).

وعن الإمام السجادعليه‌السلام : ‏( اتّقوا الكذِب الصغير منه والكبير، في كلّ جدٍّ وهزَل، فإنّ الرّجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير ).

وعن الإمام العسكريعليه‌السلام : ‏( جُعِلت الخبائث كلّها في بيتٍ، وجعَل مفتاحها الكذِب ).

١٨ -‏ خلف الوعد : ‏قال الله تعالى في كتابه الكريم:‏( فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ) ، وعن النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( مَن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليف إذا وعد )، وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( أربَع من كُنَّ فيه كان منافقاً، ومَن كانت فيه خلّةٌ منهنّ، كانت فيه خلّة مِن النفاق حتّى يدعها: ‏إذا حدث كذب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا عاهَد غدَر، وإذا خاصَم فجَر ).

١٩ -‏ الإصرار على الذّنب بتكرار ارتكابه وعدم تركه وعدم


النّدم على فعله : ‏قال الله سُبحانه وتعالى: ‏( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( إنّ مِن جملة علامات الشقاء الإصرار على الذنب ).

وعن الإمام عليّعليه‌السلام : ‏( أعظم الذنوب ذنب أصرَّ عليه صاحبه ).

وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : ‏( لا والله، لا يقبل الله شيئاً مِن طاعته مع الإصرار على شيءٍ من معاصيه ).

٢٠-‏ احتكار الطعام بقصد زيادة سعره : ‏فعَن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( أيّما رجلٍ اشترى طعاماً فحبَسه أربعين صباحاً، يُريد به غلاء المسلمين، ثُمّ باعه فتصدّق بثمنه لم يكن كفّارة لما صنع ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن احتكر فوق أربعين يوماً حرَّم الله عليه ريح الجنّة ).

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( مَن حبَس طعاماً يتربّص به الغلاء أربعين يوماً، فقد برئ مِن الله وبرئ منه ).

٢١-‏ الغش : ‏فعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( مَنْ غشَّ مسلماً في شراء أو بيع فليس منّا )، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ‏( ألا ومن غشّنا فليس منّا ) قالها


ثلاث مرّات ( ومَن غشّ أخاه المسلم، نزَع الله برَكة رِزقه، وأفسَد عليه معيشته، ووكّله الى نفسه).

وعن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: ‏( مَرَّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في سوق المدينة بطعامٍ فقال لصاحبه: ‏ما أرى طعامك إلاّ طيّباً، وسأله عن سعره فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أنْ يدسَّ يده في الطعام، ففعل، فأخرَج طعاماً رديّاً فقال لصاحبه: ‏ما أراك إلاّ وقد جمَعت خيانةً وغِشّاً للمسلمين ).

٢٢ -‏ الإسراف وعدم الاِقتصاد والتبذير وإتلاف المال ولو كان قليلاً: ‏قال الله سُبحانه وتعالى في كتابه المجيد: ‏( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ، وقال تعالى: ‏( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) ، وقال تعالى: ‏( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) .

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام : ‏( إنّ الله إذا أراد بعبدٍ خيراً، ألْهَمَه الاِقتصاد، وحُسن التدبير، وجنّبه سُوء التّدبير، والإسراف ).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( أترى الله تعالى أعطى مَن أعطى مِن كرامة عليه، ومنَع مَن منَع مِن هَوانٍ به عليه ؟ ولكن المال مالُ الله يضَعه عند الرجل ودائع، وجوَّز لهم أنْ يأكلوا قصداً، ويشربوا قصداً، وينكحوا قصداً، ويركبوا قصداً ويعودوا بما سِوى ذلك على فقراء المؤمنين، ويلمّوا به شعثهم، فمَن فعل ذلك، كان ما يأكل حلالاً، ويركب حلالاً، وينكح حلالاً، ومن عدا ذلك كان عليه


حراماً، ثمّ قالعليه‌السلام : ( ولا تُسرفوا إنّ الله لا يُحبّ المسرفين ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( إنّ القصد أمرٌ يحبّه الله عزّ وجلّ، وإنّ السَّرَف يبغضه، حتّى طرحك النواة فإِنّها تصلح لشيءٍ، وحتّى صبّك فضل شرابك ).

٢٣ -‏ ترك أحد الواجبات : ‏كترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من الواجبات: ‏فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: ‏( مَن ترَك الصلاة متعمداً فقد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله ).

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: ‏( ولا ينظر الله الى عبدِه ولا يزكّيه لو ترك فريضةً مِن فرائض الله، أو ارتكب كبيرة من الكبائر ).

وعنهعليه‌السلام : ‏( أنّ الله أمَرَه بأمرٍ وأمَرَه إبليس بأمرٍ، فترَك ما أمَرَ الله عزّ وجلّ به وصار إلى ما أمر به إبليس، فهذا مع إبليس في الدرك السابع من النار ).

وهناك غير هذه وتلك لا يسَع المجال لذكرها هنا، فراجعها إن شئت في كُتب الحديث والفقه.

قال ذلك أبي، ثمَّ أضاف مؤكّداً بحزمٍ بينما راحت وتائر صوته تكتسي طابع صراحةٍ رزينة مؤثّرة.

قال: ‏سأختتم حواريّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكلام لأحد أكابر المجتهدينقدس‌سره جاء فيه:‏( إنّ مِن أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدّها، خصوصاً بالنسبة الى رُؤسَاء الدين: ‏أنْ َُلبس رِداء المعروف واجبَه ومندوبّة،


ويَنزع رِداء المنكر مُحرّمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة، ويُنزّهها عن الأخلاق الذميمة فإنّ ذلك منه سببٌ تام لفعل النّاس المعروف ونزعهم المنكر، خصوصاً إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرِّغبة والمرِّهبة فإنّ لكلّ مقامٍ مقالاً، ولكلّ داءٍ دواء وطبّ النفوس والعقول أشدٌّ مِن طبّ الأبدان بمراتب كثيرة وحينئذٍ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ).

وبحواريّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر سننهي حواريّاتنا -‏ قال أبي -‏ راجياً مِن الله عزّ وجلّ أنْ يجعلها خالصةً لوجههِ الكريم، نافعةً لك ولإخوانك المؤمنين، وسأخصِّص حواريّة غدٍ للإجابة عن أسئلةٍ عامّة تختارها أنت، قد تكون أغفلَت الإجابة عنها حواريّاتنا السابقة أو أوجزَتها، أو قد تكون هذه الأسئلة خارج نِطاق بحث الحواريّات مارّة الذّكر.

قلت: ‏فكرةٌ جيّدة، وأتوقّع أنْ تكون مفيدة.

قال: ‏فإلى جِلسة يومِ غد إنْ شاء الله.. إلى جِلسة الغد والحواريّة العامّة.

* * * *


( الحواريّة العامّة الأُولى )



بمجرّد أنْ فارقني أبي مودّعاً، لمْلَمت أوراق مذكّرات ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )، لأختَتِم بذلك آخر حواريّة فقهيّة لموضوعٍ مستقل، ولاَستعدّ بعد ذلك لفتحِ ملفٍّ خاصٍّ بالحواريّة القادمة، تلك التي سأُحدّد أنا أسئلتها وحواراتها واتّجاهاتها كما وعدني أبي.

وما أنْ انقضت ساعة، حتّى كنت قد دوّنت مجموعةَ أسئلة شكّلت النواة الأُولى لأسئلة الحواريّة العامّة القادمة، أعقبتها بعد ذلك ساعات عمل وأعدادٌ من الأسئلة.

وحين حلّ موعد الحِوار، وجاء أبي وسلّم وحمِد الله وأثنى عليه مبتدئاً الحواريّة العامّة، انهالت أسئلتي عليه، واطَّردَت إجاباته عنها.

وكان أوّل أسئلتي عن الجلود الطبيعيّة المصنَّعة والمستوردة مِن دول غير إسلامية، كأُوربّا مثلاً وغيرها.

* قُلت لأبي: ‏رجلٌ يلبس ساعة سوارها مصنوع من جِلدٍ طبيعيٍّ مستورد من بلدٍ غير إسلامي، ولا يدري لابسه ما إذا كان هذا الجِلد جلدُ حيوانٍ مذبوحٍ بطريقة إسلاميّة أم لا، أو يكون حزام

‏‏

بنطلونه من جلدٍ كذلك فهل عليه أنْ ينزعهما عند إرادة الصلاة ؟

‏-‏ قال: ‏تصحّ صلاته به ما دام يحتمل احتمالاً معتدّاً به أنّ هذا السوار أو ذاك الحزام من جِلد حيوان مأكول اللحم ومذبوح بطريقة شرعيّة.

* ومحفظة النقود الموضوعة داخل الجيب إثناء الصلاة إذا كان جلدها كجِلد ذلك السِّوار مارّ الذكر ؟

‏-‏ تجوز الصلاة معها.

* لنفترض أنّه اطمأن بأنّ ذاك السوار أو الحزام مِن جلدِ حيوان غير مذبوح على الطريقة الإسلاميّة، ولكنّه صلّى به نسياناً ثُمّ تذكّر وهو يُصلّي فخلَع ساعته أو حزامه فوراً ؟

‏-‏ تصحّ صلاته، إلاّ إذا كان نسيانه ناشئاً مِن قلّة مبالاته واهتمامه بالأمر [فيلزمه إعادة صلاته].

* غسّالة كهربائيّة تجفّف الملابس بعد قطع الماء عنها، تجفّفها بواسطة قوّة الدوران لا العصر، فهل يكفي ذلك في تطهيرها ؟

‏-‏ نعم يكفي ذلك في تطهيرها.

* أُصافح مرّات بعض الأشخاص ويَدي مبتلّة ولا ادري أمسلمٌ هذا الذي صافحته أم كافرٌ غير محكوم بالطهارة، فهل يجب عليّ أنْ اسأله لأتأكد ؟

‏-‏ كلا، لا يجب عليك سؤاله، يمكنك أنْ تقول إن يدي التي


لامست يده طاهرة.

* طالب جامعي، أو تاجر، أو سائح، أو ما شابههم يُسافر إلى دول غير إسلاميّة كأُوربّا مثلاً، حيث لا تكاد تخلو حياته اليوميّة مِن تماس مباشر مع سكّانها من المسيحيّين واليهود برطوبةٍ مسرية.. في مقهى أو عند حلاّق أو طبيب أو صاحب مكوى أو غيرهم، ممّا يصعب عليه إحصاؤه، فما العمل ؟

‏-‏ يبني على طهارة أجسامهم ما لَم يُحرِز تنجّسها بنجاسةٍ خارجيّة.

* لو دخلت منزلاً كان يقطنه قبلي أُناسٌ غير محكومين بالطهارة فهل يحقّ لي أنْ أحكم بطهارة كلّ شيء ؟

‏-‏ نعم، احكم بطهارة كلّ شيء، لم تعلم أو تطمئن بنجاسته.

* دعني انتقل الى الصلاة فأسأل عن حكم شخص يُصلّي ويصوم ولكنّه كان كثيراً ما يُخطئ في الغُسل.. فهو الآن متأكّد تماماً مِن أنّ بعضاً من أغساله السابقة باطلة، ولكنّه لا يدري كم هي، وتبعاً لذلك فهو لا يدري كم صلاة باطلة صلاّها بها، وكم صيام ؟

‏-‏ صيامه صحيح وإنْ كان غُسله باطلاً، ولكن يجب عليه أنْ يقضي كلّ صلاة صلاّها بغسل باطل، وإذا تردّدت بين الأقلّ والأكثر جاز له الاِقتصار على الأقل.

* أحياناً أُريد الصلاّة وفي جيبي بعض الأوراق البيضاء، فهل يجوز لي السجود عليها ؟

‏‏

‏-‏ نعم، يجوز لك السجود عليها إِنْ كانت طاهرة ومصنوعة مِن الخشب أو ما شاكله، ممّا يصحّ السجود عليه، وهكذا إذا كانت مصنوعة مِن القطن أو الكتّان.

* والسجود على الاسمنت ؟

‏-‏ كذلك يجوز لك السجود عليه.

* أسمع مِن جهاز تسجيل أو مذياع أو جهاز تلفزيون شريطاً مسجّلاً لمقرئ للقرآن يتلو آيةً يجب السجود لها، فهل أسجد ؟

‏-‏ كلاّ، لا يجب عليك السجود، إلاّ إذا سمعتها مِن المُقرئ نفسه لا من تسجيله.

* اِمرأة تصلّي ولا تعلم أنّ بعضاً مِن شعرها خارج مِن تحت ساتر الرأس، فهل يجب عليَّ إخبارها بذلك إثناء صلاتها أو بعدها ؟

‏-‏ كلاّ، لا يجب عليك إخبارها، ولو لم تعلم هي به حتّى أتمّت صلاتها فصلاتها صحيحة، وإذا علِمت به في الأثناء فبادرت الى ستره صحّت صلاتها أيضاً.

* شخصٌ يستيقظ قبل دخول وقتِ صلاة الفجر بدقائق، فهل يحقّ له معاودة النوم ثانيةً إذا كان يعلم أو يحتمل احتمالاً قويّاً أنّه لا يستيقظ إلاّ والشمس طالعة ؟

‏-‏ إذا كان ذلك تهاوناً واستخفافاً منه بالصلاة لم يجِز.

* طالب، أو عامل، أو موظّف يدرس أو يعمل بمنطقة تبعُد عن مدينته أكثر من ٢٢ كيلو متر، هو يذهب يوميّاً لمقرّ عمله ويعود


الى مدينته، وربّما استمرّ كذلك لسنة أو أكثر، فما حُكم صلاته هناك وصيامه ؟

‏-‏ يُصلّي صلاةً تامّة ويصوم.

* ولو كان يُسافر ثلاث مرّات أو أربع مرّات أُسبوعيّاً طوال السنة لا من جِهة كون مهنته في السفر، بل لأغراض أُخرى كأن يكون للتنزّه والسياحة أو لعلاجِ مريض، أو لزيارة مراقد الأئمّةعليهم‌السلام وأمثال ذلك فما هو حكم صلاته ؟

‏-‏ يُصلّي صلاةً تامّة ويصوم ؛ لأنّه يُعدُّ بذلك كثير السفر عند العرف، ولو كان يُسافر مرّتين في الأُسبوع ويقيم خمسة أيّام في وطنه [فعليه أنْ يجمع بين القصر والتمام وفي شهر رمضان يجمع بين الصيام فيه وقضائه بعده].

* ما دمنا نتحدّث عن السفر، فاسمح لي أنْ أسألُك عن حُكم شخصٍ سافر بعد الزوال في شهر رمضان وكان صائماً.

‏-‏ [يتمّ صومه] ولا قضاء عليه.

* وإذا سافر قبل الزوال، وكان ناوياً ومصمّماً على السفر من الليل ؟

‏-‏ [ليس له صيام هذا اليوم] فيفطر بعد وصوله الى حد الترخّص، وعليه قضاؤه بعد ذلك.

* ولو سافر قبل الزوال ولم يكن ناوياً للسفر ولا مصمّماً عليه من الليل ؟

‏‏

‏-‏ حكمه حكم الفرض السابق.

* مسافرٌ في شهر رمضان عاد الى وطنه أو محل إقامته بعد الزوال فهل عليه أنْ يمسك بقيّة ذلك النهار ؟

‏-‏ لا يجب عليه ذلك وإنْ كان ينبغي له الإمساك بقيّة يومه.

* ولو عاد قبل الزوال وقد أفطر في سفره ؟

‏-‏ حكمه كما تقدّم.

* ولو رجع إلى وطنه أو محلّ إقامته، فوصل قبل الزوال ولم يفطر في سفره ؟

‏-‏ يجب عليه أنْ ينوي الصوم، ويجتنب المفطرات بقيّة ذلك النهار، ولا قضاء عليه حينئذ.

* شخصٌ يصوم في شهر رمضان سنين وهو لا يعلم بوجوب غُسل الجنابة عليه جهلاً منه فلا يغتسل ؟

‏-‏ صومه صحيح، ولا تجب عليه الكفّارة.

* يستعمل بعض مرضى الحساسيّة ( حساسية الصدر ) جهازاً يُساعدهم على التنفّس المُريح نسمّيه نحن ( البخّاخ ) يرسل هذا الجهاز بعد ضغطه في الفم ما يشبه الغاز المضغوط، فهل يجتمع استعمال هذا الجهاز مع الصوم ؟

‏-‏ نعم، يبقى مستعمل هذا الجهاز على صومه ويصحّ منه.

* هل يجوز تقديم وجبات الطعام للمفطرين في شهر


رمضان، سَواء في المطاعم أم البيوت، للمعذورين في إفطارهم وغير المعذورين، إذا لم يستلزم ذلك التقديم هتكاً لحرمة الشهر الشريف ؟

‏-‏ يجوز للمعذورين [دون غيرهم].

* لو حصل لديَّ اطمئنان شخصيٌّ بصحّة الحسابات الفلكيّة لتولّد الهلال بعد صدورها مِن مختصّين، فهل يمكنني أنْ اعتمد على اطمئناني هذا في إثبات أوّل الشهر فأصوم، أو العيد فأفطر ؟

‏-‏ لا أثر للاِطمئنان بتولّد الهلال، ولا أثر كذلك للاَطمئنان بكون الهلال قابلاً للرؤية، بل لا بدّ مِن ثبوت الرؤية الفعليّة منك أو من غيرك عندك، نعم يكفي ثبوت الرؤية الفعليّة في بلدٍ آخر إذا كان متّحداً مع بلدك في الأُفُق، بأنْ تكون الرؤية في ذلك البلد ملازمة للرؤية في بلدك، لولا المانع مِن سحابٍ أو غبارٍ أو جبلٍ أو نحوها.

* المغذّي أو المصل وهو كيس مِن البلاستيك يحتوي على ماء وسكّر وبعض الأدوية، يُعطى للمريض بواسطة الإبرة في الدم مباشرةً لمرضٍ أو بدون مرض كأن يُعطى للتغذية فهل يجب على الصائم اجتنابه ؟

‏-‏ لا يجب، وإنْ كان ينبغي له ذلك ؟

* سأنتقل الى الحجّ، فأسأل عن رجلٍ استطاع مادّياً في سنةٍ من السنين ومُنِع من السفر، ولم يستطع الحصول على ( الفيزة ) ليحجّ تلك السنة، فاضطرّ لحاجته الحياتيّة الى صَرف المال المخصّص


للحجّ بعد الموسم، ثمّ لم يستطع بعد ذلك تحصيل المال الذي يكفيه لحجّه ؟

‏-‏ إذا استطاع في السنين الآتية وجَب عليه الحجّ، وإن لم يستطع لم يجب عليه.

* قُلت لي في حواريّة الحجّ: ‏أنّك رميت ( جمرة العقبة )، ولم تقل لي مِن أيّة جهةٍ رميتها ؟

‏-‏ رميتها مِن قبل وجهها [فإنّه لا يجوز رميها من جهة خَلفِها].

* وقلت: ‏إِنّك أحرمت للحجّ مِن الميقات المسمّى ب-‏ ( الجُحفة ) بعد وصولك الى جدّة بالطائرة، فلو أحرم شخصٌ ما جهلاً منه من جدّة نفسها لا مِن الجحفة.

‏-‏ إذا كان قد نذر الإحرام من جدّة صحّ إحرامه.

* وقلت: ‏إِنّك بعد الطواف والسعي، قصّرت لنفسك، فلو قصّرت لأحدٍ من إخوانك طلَب منك ذلك قبل أنْ تُقصّر لنفسك ؟

‏-‏ لا يحقّ لي أنْ أُقصّر لغيري قبل أنْ أُقصّر لنفسي أوّلاً.

* لو استطعت للحجّ هذا العام، وأنا طالبٌ في الجامعة أو الثانويّة وصادَف موعد سفَري للحجّ موعد امتحاني النهائي ممّا يُؤدّي سفري للحجّ الى رسوبي وضياع سنةٍ دراسيّةٍ عليَّ، وفي ذلك حرجٌ مادّي ومعنوي شديد ؟

‏-‏ ما دام سفرك للحجّ يُسبِّب لك حرجاً شديداً كما قلت، جاز لك ترك الحجّ في هذه السنة.

‏‏

* اسمح لي أنْ أتجاوز بعض الموضوعات لأسأل عن فروضٍ خاصّة بالتجارة أبدؤها بالتعامل مع البنوك غير الأهليّة، فقد يودع بعض الأشخاص أموالهم فيها للتوفير.

‏-‏ قال أبي دعني أسألك أوّلاً: ‏هل هذه البنوك تموّلها الحكومات في الدول الإسلاميّة، أو في الدوَل غير الإسلاميّة ؟ وهل يتمّ إيداع المال لديها بشرط أنْ تدفع الفائدة عليه أو لا ؟

* وما الفرق في كلّ ذلك ؟

‏-‏ الإيداع في بنوك الدول غير الإسلاميّة جائزٌ في مطلق الأحوال وإنْ كان بشرط الحصول على الفائدة، وأمّا الإيداع في البنوك الحكوميّة في الدول الإسلاميّة فإنْ كان مع اشتراط الحصول على الربح فهو رباً محرّم، وإِنْ كان بدون هذا الشرط فالمسألة سالمة من الربا حينئذٍ، ولكن لا يجوز التصرّف في المال المأخوذ منها إلاّ بمراجعة الحاكم الشرعي أو وكيله.

* وهل فرق في ذلك بين أصل المال والربح الذي يمنحه البنك للمودَع ؟

‏-‏ لا، لا فرق بينهما.. لا يجوز التصرّف في شيءٍ ممّا يؤخذ مِن البنوك الحكوميّة في الدول الإسلاميّة، إلاّ بمراجعة الحاكم الشرعي أو وكيله.

‏-‏ قلتَ لي أنّه لا يجوز الإيداع في بنوك الدول الإسلاميّة مع اشتراط الحصول على الفائدة، فماذا تقصد بالشرط ؟

كأنّك تقصد أنْ

‏‏

يعزم المودِع ويقرّر في نفسه أنْ لا يُطالب البنك بالفائدة لو لم يدفعها إليه ؟

‏-‏ لا، ليس هذا معنى الشرط، بل معناه أنْ لا ينيط الإيداع بالتزام البنك بدفع الزيادة، وأمّا البناء على المطالبة بالفائدة فيجتمع مع عدم الاشتراط كما يجتمع البناء على عدم المطالبة مع الاشتراط فأحدهما أجنبيٌّ عن الآخر.

* ولو كنت أعلم أنّ البنك سوف يدفع لي الزيادة وإنْ لم اشترطها عليه، فهل يجوز لي الإيداع فيه في قسم الودائع الثابتة في حساب التوفير ؟

‏-‏ نعم يجوز لك ذلك ما دُمت لا تشترط الفائدة عليه.

* بعض الأشخاص يقترضون مِن البنوك، فيشترط عليهم البنك فائدة معيّنة كي يقرضهم، وأحياناً يكون القرض مع الرهن ؟

‏-‏ لا يجوز الاقتراض من البنك إذا اشترط فائدة على إقراضهم، لأنّه رباً سَواء أكان القرض مع الرهن أم بدونه، ولكن يجوز لهم قبض المال منه لا بقصد القرض، ثُمّ التصرّف فيه بإذنٍ من الحاكم الشرعي أو وكيله، ولا يضر حينئذٍ علمهم بأنّ البنك سيستوفي الفائدة منهم قهراً، فلو طالبهم البنك جاز لهم دفع الزيادة حيث لا يسعَهم التخلّف عن دفعها الى البنك.

* شخص لا يملك مسكناً يسكنه، فهل يحقّ له الاقتراض مِن البنك الحكومي بفوائدٍ لغرض بناء مسكن لنفسه ؟

‏‏

‏-‏ لا يجوز الاقتراض بشرط الفائدة لأيّ غرضٍ كان، ولكن يجوز أخذ المال منه لا بقصد الاقتراض وتصحيح التصرّف فيه بمراجعة الحاكم الشرعي أو وكيله كما سبق أنْ قلته لك.

وهنا أحبّ أنْ أكرّر ما ذكرته لك آنفاً، مِن أنّ التصرّف في أموال البنوك الحكوميّة في الدول الإسلاميّة لا يجوز إلاّ بإذنٍ مِن الحاكم الشرعي أو وكيله.

فلو سحبت مالاً مِن حسابك الجاري تقبضه وتتصرّف فيه بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله، ولو صرفت شيكاً عند البنك تقبض وتتصرّف في ماله بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله ؟ وهكذا غيرها.

‏-‏ حدّثني عن فتح اعتمادات الاستيراد والتصدير في البنوك، هل هو جائز ؟

‏-‏ نعم فتح الاعتماد لدى البنوك بكلا هذين القسمين أمرٌ جائز، وكذا يجوز للبنك أهليّاً كان أو حكوميّاً تقاضي الفائدة مِن فاتح الاعتماد سَواء أكانت الفوائد بإزاء خدماته -‏ التعهّد بأداء دينه والاتّصال بالمصدّر وتسلّم مستندات البضاعة وتسلميها إليه وأمثال ذلك -‏ أم كانت فوائد على المبلغ الذي يدفعه البنك من ماله الخاص للجهة المصدّرة، لا مِن رصيدِ فاتح الاعتماد.

* والكفالة أو التعهّد المالي عند البنوك كأنْ يكفل البنك أحد زبائنه أمام جهةٍ ما، رسميّة مثلاً أو غيرها ؟

‏-‏ جائزة، حتّى لو أخَذ البنك عمولةً عليها مِن الزبون لقاء


كفالته تلك وتعهّده.

* وبيع الأسهم وشراؤها لشركةٍ مساهمة مثلاً أو غيرها ؟

‏-‏ يجوز بيع وشراء الأسهم لشركةٍ ما، شرط أنْ لا تكون معاملات تلك الشركة محرّمة، كما لو كانت تُتاجر بالخمور أو تتعامل بالربا.

* قد تُطالب الشركات المساهمة وساطة البنك في بيع الأسهم التي تمتلكها، فيقوم البنك بدور الوسيط لقاء عمولةٍ معيّنة ؟

‏-‏ يحقّ لها ذلك، وهي معاملةٌ جائزة.

* وبيع السندات ؟

‏-‏ لا يجوز بيع السندات، ولا يجوز للبنوك التوسّط في بيعها وشرائها، ومِن الطبيعي أنْ لا يجوز أخذ العمولة على ذلك حينئذٍ.

* وعمليّات التحويل الداخلي والخارجي ؟

‏-‏ حدّد لي سؤالك بالضبط أو مثّل له كي أُجيبك عن شيءٍ محدّد.

* يصدر البنك صكّاً لعميله بتسلُّم مبلغٍ ما على حسابه، مِن وكيله في الداخل أو الخارج، إذا كان للعميل رصيدٌ مالي في البنك، ثُمّ يأخذ البنك عمولةً معيّنة جرّاء قيامه بهذا الدور ؟

‏-‏ يحقّ له ذلك.

* يدفع شخصٌ ما مبلغاً مِن النقود الى بنك في مدينة ما، ويأخذ تحويلاً بالمبلغ أو بما يُعادله على البنك في الداخل أو في


الخارج، ثُمّ يأخذ البنك عمولة معيّنة جرّاء قيامه بهذا العمل ؟

‏-‏ يحقّ له ذلك.

* يقوم البنك ببيع العملات الأجنبيّة وشرائها نقداً مع زيادة ماليّة ؟

‏-‏ يحقّ له ذلك.

* شخصٌ له دين بذمة شخص آخر فيأخذ منه ( كمبيالةً ) بذلك الدين ثُمّ يرغب أنْ يبيع دينه المؤجل هذا بأقل منه حالاً ؟

‏-‏ يحقّ له ذلك.

الحوَالات المصرفيّة، أقصد أنْ يُحوّل المدين دائنه على البنك أو يحوّل البنك دائنه على فرع مِن فروعه في الخارج، أو ربّما على بنك آخر ؟

‏-‏ كِلتا الحوالتين صحيحة شرعاً، ويحقّ للبنك أخذ عمولةً جرّاء قيامه بعمليّة التحويل هذه.

* عقود التأمين على الأشخاص مِن خطر الوفاة أو بعض الطوارئ الأُخرى أو على الأموال كالطائرات والسيّارات والسفن من خطر السقوط أو الحريق أو الغرق...؟

‏-‏ كلّها صحيحة، ومُلزِمة للطرفين.

* سأدع البنوك ومعاملاتها جانباً لأسأل عن:‏ بيع مثقالٍ مصوغٍ من الذهب بمثقالِ غير مصوغٍ منه، مع أخذ أُجرة الصياغة ؟

‏‏

‏-‏ يحرُم ذلك ولا يجوز، رغم أنّه شائع عند الصاغة هذهِ الأيّام، وقد أجبتك عن هذا السؤال سابقاً وأُؤكّده الآن: ‏يَحرُم ولا يجوز.

* بعض حُلي الزواج مصوغةٌ من الذهب الأبيض، فهل يجوز لبسها للرجال ؟

‏-‏ تقصد البلاتين ؟

* نعم.

‏-‏ البلاتين فلزٌّ آخر غير الذهب، فيجوز لبسه للرجال ؛ لأنّ الممنوع عليهم إنّما هو لبس الذهب بجميع عياراته دون غيره من الفلزّات.

* صنع الدمى على هيئةِ إنسانٍ أو حيوان جائز ؟

‏-‏ [لا، لا يجوز].

* رسم صورة إنسان أو حيوان من غير أنْ تكون مجسّمة ؟

‏-‏ جائز.

* بيع وشراء التماثيل المجسّمة للإنسان والحيوان وعرضها للزينة ؟

‏-‏ جائز أيضاً.

* بعض الملابس الرقيقة الناعمة يسمّيها الباعة حريراً خالِصاً طبيعيّاً، ولا أعلم أنّها حرير طبيعي أم لا، فهل يجب عليَّ أنْ أتحرّى لأتأكد ؟

‏‏

‏-‏ كلا، لا يجِب عليك أنْ تبحث لتتأكّد، ويحقُّ لك لبسها.

* شراء وبيع المزمار والاسطوانات الغنائيّة ونحوها مِن آلات اللهو المحرّم حرام، ولكن هناك آلات لهو مصنوعة للأطفال لغرض تسليتهم، فهل يجوز بيعها وشراؤها ؟

‏-‏ تجوز إذا لم تُعدّ مِن آلات اللهو المحرّم.

* يتّفق مالك قطعة أرض ومقاول على أنْ يقوم المقاول ببناء مسكن لصاحب الأرض مقابلَ مبلغٍ محدّد، فيشترط على المقاول أنْ يقوم بإِنجاز البناء خلال سنةٍ مثلاً، فإذا تأخّر المقاول عن هذه المدّة دفع غرامةً شهريّة محدّدة لصاحب المسكن.

وقد يشترط المقاول على صاحب المسكن أنْ يقوم هو بإنجاز بناء المسكن خلال سنة، شرط أنْ لا يتأخّر صاحب المسكن عن تزويد المقاول بالمواد الإنشائيّة خلال مدّة العمل، فإذا تأخّر عن شرطه وضع عليه المقاول غرامةً ماليّةً محدّدة.

فإذا انتهت السنة ولم ينجز بناء المسكن، وكان سبب التأخير من صاحب المسكن، فرض عليه المقاول غرامةً ماليّةً قد تكون شهريّة، وقد تكون دفعة واحدة، طالت فترة التأخير أم قصُرت.

فهل يجوز أخذ الزيادة هذهِ في كِلتا الصورتين علماً بأنّهما اشترطا ذلك ضِمن عقدٍ لازم ؟

‏-‏ يجوز أخذ الزيادة في كِلتا الصورتين.‏ ‏


إجازات ورُخص تأسيس الشركات ودور النشر والمعامل والمصانع وأمثالها، لها في القانون وعند الناس ( ماليّة ) ما لم تَلغِ اعتبارها الدولة التي رخّصتها وأجازتها، فهي تورَّث وتُباع وتشترى وتنتقل ملكيّتها مِن شخصٍ الى آخر فهل هي كذلك شرعاً ؟

‏-‏ نعم في خصوص الممضاة منها مِن قبل الحاكم الشرعي.

* بعض دور النشر تقوم بطبع كميّات تجاريّة من كتاب ما بدون إذن مؤلّف الكتاب أو ناشره، رغم وجود عبارة ( حقوق الطبع محفوظة للمؤلّف أو الناشر ) ؟

‏-‏ لا أثر للكتابة المذكورة إلاّ في إطار قانون ينظِّم حقوق المؤلّفين والناشرين ونظرائهم ويكون ممضى مِن قبل الحاكم الشرعي.

* تحنيط الحيوانات وعرضها في غُرَف الاستقبال أو صالات الجلوس للزينة ؟

‏-‏ جائز.

* بيع الدم وشراؤه للعلاج ؟

‏-‏ جائز.

* بيع ما لا يؤكل لحمه كالأرنب لِمن يسمح له مذهبه بأكله ؟

‏-‏ جائز.

* قلت لي فيما مضى [أنّ جلوسك على مائدةٍ يُشرب عليها شيءٌ مِن الخمر حرام]، فهل يحقّ لي التعاقد على عملٍ لقاء أجرٍ مع


صاحب محلٍّ يبيع في محلّه الخمر والبيرة والميتة مع أشياء أُخرى يجوز بيعها، عِلماً بأنّي لا أبيع إلاّ الأشياء المحلّلة ؟

ثُمّ ما حُكم المال المأخوذ أُجرةً، إذا دفعه صاحب المحل مِن صندوقه الذي يجتمع فيه ثمن الخمر والميتة وثمن المبيعات المحلّلة ؟

‏-‏ إذا كنت تتعاقد معه للقيام ببيع الأشياء المحلّلة فقط فلا ضير في ذلك، وراتبك الذي تتسلمه منه حلال لك مادمت لا تعلم باشتماله بعينه على الحرام.

* هل يحقّ لي أنْ أشتغل في مطعم وظيفتي فيه أن أطهو اللحم غير المذكّى تذكيةً شرعيّة، مع عدم قيامي بتقديم ذلك للزبائن، لأنّ عملي يقتصر على الطبخ فقط ؟

‏-‏ يجوز لك ذلك.

* سأنتقل في أسئلتي الى الطعام والشراب فأسأل أوّلاً عن جواز أكل وبيع وشراء الدجاج المستورد من بلدانٍ إسلاميّة مكتوبٌ عليه جُملة ( مذبوح على الطريقة الإسلاميّة ) ؟

‏-‏ يجوز لك أكله وبيعه وشراؤه ما لم تعلم عدم تذكيته سَواء أكتِبَت عليه الجُملة المذكورة أم لا.

* وذاك المستورد من بلدان غير إسلاميّة مكتوبٌ عليه عبارة ( مذبوح على الطريقة الإسلاميّة)؟

‏-‏ لا يجوز لك أكله، إذا لم تطمئن بأنّه مذبوح على الطريقة الإسلاميّة حقّاً، لا ادّعاءً.

* الجبن المستورد من بلاد غير إسلاميّة إذا لم أعرف بالضبط طريقة صناعته ومحتوياته ؟

‏‏

‏-‏ يجوز لك أكله.

* بعض أنواع السمك لا يُغطّي الفلس كّل جسمها فهل يجوز أكلها ؟

‏-‏ نعم يجوز لك أكلها حتّى لو كان عليه فلسٌ واحد.

* السمك المعلّب المستورد من بعض البلاد الأوروبيّة والأمريكيّة، هل يحقّ لنا الأكل منه فإننا غير متيقّنين بتذكيته من جهتين.

أوّلاً : ‏إنّا لا نعلم بوجود فلس عليه، ولكن اسم السمك المثبّت على الغلاف ممّا له فلَس عِلماً أنّ الدول المصدّرة لهذا النوع من المعلّبات تطبّق قوانين صارمة في مطابقة المواصفات المسجّلة على الغلاف لما في داخله.

ثانياً : ‏إنّا لا نعلم بتحقّق الاستيلاء عليه خارج الماء حيّاً، أو موته داخل شبكة الصيد أو حظيرته، ولكن من المعروف أنّه يُصطاد بسفنِ الصيد الحديثة التي تعتمد إخراج السمك من الماء حيّاً وقلّما يختلط بها شيءٌ من الميتة ؟

‏-‏ إذا حصَل الاطمئنان بكونه مذكّى -‏ ولو بالنظر الى الملاحظتين المذكورتين -‏ جاز الأكل منه وإلاّ لم يجز.

* هناك مطاعم منتشرة في أسواق المسلمين تقدّم لزبائنها اللحوم ؟

‏-‏ يجوز لك أكل لحومها.

* حتّى مِن دون سؤال صاحب المطعم عنها ؟

‏-‏ نعم يجوز لك أكلها مِن دونِ حاجةٍ الى سؤال صاحب المطعم عنها، كما لا حاجة الى سؤاله عن ديانة العاملين في المطعم.

* البيرة الخالية من الكحول، هل يجوز شربها وهل هي طاهرة ؟

‏‏

‏-‏ لعلّك تقصد الشراب الذي يتعَارف صنعه مِن نقيع الشعير المخمّر ويوجِب النشوة عادةً ويُسمّى بالفقّاع وهو حرام [ كما أنّه محكومٌ بالنجاسة ].

* هل يجب الفحص والتأكّد قبل تناول الدواء مِن سلامة تركيبه لمعرفة ما إذا كان يحتوي على موادّ محرّمة ؟

‏-‏ كلا، لا يجب الفحص والتأكّد.

* تحتوي كثير من الأدوية والمطهّرات على الكحول بنسبٍ ضئيلة، فهل يحقّ لي تناولها، وهل هي نجسة ؟

‏-‏ هي غير نجسة ويجوز لك تناولها.

* هناك كثير من الأسئلة العامّة المتفرّقة ضمن موضوعات مستجدة.

‏-‏ سل ما شِئت.

* سأبدؤها أوّلاً بسؤال عن جواز التبرّع بالعين أو الكلية من إنسانٍ حيٍّ إلى إنسانٍ حيٍّ آخر؟

‏-‏ لا يجوز التبرّع بالعين، وأمّا التبرّع بالكلية لِمَن لديه كِلية أُخرى سليمة فجائز.

* يوصي بعض الأشخاص باستئصال بعض الأجزاء مِن جِسمه بعد موته لزرعها في جِسم إنسانٍ محتاج إليها، فهل تصحّ مثل هذه الوصيّة ويجوز قطع تلك الأجزاء حينئذ ؟

‏-‏ [ كلاّ، لا تصحّ ولا يجوز ] إذا كان الموصي مسلماً، إلاّ إذا توقّف إنقاذ حياة مسلم على ذلك فيجوز حينئذٍ وإنْ لم يوصِ بها صاحبها، ولكن [تثبُت الدية على القاطع] إلاّ مع الوصيّة بالقطع فلا


تثبت الدية عليه.

* أحياناً تُربَط أنابيب مرور البويضة داخل جسد المرأة وتُغلق إذا كان الحمل يُمثِّل خطراً على صحّتها، مع إمكانيّة فتحها بعد ذلك مِن خلال عمليّة جراحيّة ؟

‏-‏ يجوز ذلك، وإنْ لم يمكن فتحها ثانية.

* تقوم بعض الشركات بتجربةِ دواءٍ على مريضٍ دون عِلمه وإخباره لملاحظة أنّ الدواء فعّال وناجح ؟

‏-‏ لا يجوز لها فعل ذلك.

* التشريح، تشريح الجثّة بعد الموت إذا كان لسببٍ معقول، كاكتشاف جريمة أو تعليم الطبِّ أو ما شاكل ذلك ؟

‏-‏ لا يجوز تشريح الميّت المسلم لمثل هذه الأسباب، وأمّا تشريح الميّت الكافر غير المحقون دمه في حال حياته فجائز، وكذا المشكوك كونه محقون الدم في حال الحياة إذا لم تكن إمارةٌ شرعيّةٌ على كونه كذلك.

* كثيرةٌ هي التقارير الطبيّة التي تُصرّح بأضرار التدخين، مِن ذلك أنّ التدخين سببٌ رئيسيٌّ لأمراض القلب والأوعيّة الدمويّة والشرايين، وارتفاع ضغط الدم، وسرطان الرئة، والذبحة الصدريّة، إضافةً لأضراره الأُخرى على العائلة والمجتمع.

فهل يجوز لغير المدخّن أنْ يبدأ مِن الآن فيدخّن ؟

وهل يجوز للمعتاد على التدخين الاستمرار عليه ؟

ثُم هل يجوز للمرأة الحامل التدخين، والأطبّاء يقولون إنّ


الجنين يتأثّر بتدخين أُمّه ؟

‏-‏ إذا كان التدخين يُلحِق ضرراً بليغاً بالمدخّن أو المدخّنة، أو بجنينها، فهو حرام سَواء في ذلك المبتدىء والمعتاد الذي لا يتضرّر بتركه ضرراً بليغاً، وأمّا المتضرّر بتركه كذلك فيُلاحظ أيّهما أقلّ ضرراً الاستمرار على التدخين أم تركه فيأخذ به.

* قد تُقدّم بعض الهدايا للعائلة بمناسبة مولودٍ جديد وتتّخذ الهدية عادةً شكل مصوغاتٍ ذهبيّة، أو مأكولات، أو نقود، فهل هي للمولود الجديد أو لوالديه ؟

‏-‏ تختلف الهدايا في ذلك، فمنها: ‏ما يحمل شاهداً على كونها للمولود الجديد كبعض المصوغات الذهبيّة المناسبة للمولود، فهي له، ومنها: ‏ما ينتفع منه غير المولود كالمأكولات ونحوها فهي لوالديه، والظاهر أنّ النقود التي توضَع تحتَ وسادةِ المولود أو تُدَسُّ في ثيابه تُعَدّ مِن القسم الأوّل فتكون للمولود نفسه.

* هل يجوز تصرّف الوالدين بمال ولدهما غير البالغ ؟

‏-‏ يجوز ذلك للأب إذا لم يشتمل تصرّفه على مفسدةٍ للولد، وأمّا الأم فليس لها أنْ تتصرّف في ماله من دون إذن الأب أو الجدّ للأب، فإن أذِن أحدُهما لها ولم يشتمل على مفسدة للولَد جاز، أمّا بما يعود لولدِهما بالضرر فلا يجوز، بل يجِب عليهما حفظ أمواله حتّى يكبر.

* السحر الأبيض الذي يُستخدم للخيرات، عكس السحر الأسود الذي يستخدمه الشرّيرون هل يجوز استخدامه ؟

‏-‏ السحر بجميع أشكاله وأنواعه حرام [حتّى ذاك المستخدم


في إبطال السحر] إلاّ إذا توقّفت عليه مصلحةٌ أهمّ كحِفظ النفس المحترمة.

* تحضير الأرواح لسؤالها عن حال صاحبها وعن البرزخ وغير ذلك من الأُمور الأُخرى.

‏-‏ يحرم تحضير روح مِن يضُرّه تحضير روحه مِن النفوس المحترمة دون غيرهم.

* بعضهم يدّعي تسخير الملائكة ؟

‏-‏ لا أساس لهذه الدعوى.

* الصور المرسومة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام هل يجوز تعليقها في المنزل ؟ وهل يصُحّ الاعتقاد بأنّها صورهم صلوات الله عليهم ؟

‏-‏ يجوز تعليقها، وأمّا الاعتقاد بمطابقتها لهمعليهم‌السلام فهو اعتقادٌ خاطئ يقيناً‏.

* يُخرِج بعض المخرجين فلماً تاريخيّاً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو الأئمّةعليهم‌السلام :‏

أ -‏ هل يجوز أنْ يتقمّص شخصيّة النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ممثّلٌ يظهر أمام الجمهور على أنّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهكذا الحال بالنسبة الى الأئمّةعليهم‌السلام ؟

ب -‏ وإذا كانت الإجابة بالجواز فهل يُشترط أنْ يكون ذلك الممثّل مؤمناً ؟

‏-‏ يجوز تمثيل شخصيّاتهم ( عليهم الصلاة والسلام ) ولكن


بشرط أنْ لا يسيء ذلك ولو في الزمان المستقبل الى مقاماتهم الشريفة وصورهم المقدّسة في النفوس، ولعلَّ لصفات الممثِّل الذي يؤدّي دورهمعليهم‌السلام وخصوصيّاته بعض الدخل في ذلك.

* يرمي الناس الجرائد والمجلاّت وبعض الكتب المحترمة في أماكن تجمّع النفايات، برغم احتوائها على بعض الآيات القرآنيّة أو أسماء الله سُبحانه وتعالى ؟

‏-‏ لا يجوز ذلك، ويجب رفعها من تلك الأمكنة وتطهيرها إذا أصابها شيءٌ مِن النجاسة.

* عند وقوع مشاجرة كلاميّة يتلفّظ بعض الأشخاص -‏ للأسف -‏ بألفاظٍ معناها الكُفر بالله سُبحانه وتعالى، كما يتلفّظون بما لا يليق بالمعصومينعليهم‌السلام ، وهُم غير جادّين فيما يقولون، فهل يجب أنْ يُقام عليهم الحدّ لذلك ؟

‏-‏ ما داموا غير جادّين ولا قاصدين لما يقولون، فلا يُقام عليهم الحدّ الشرعي، وإنّما يستحقّون التعزير.

* ولو كانوا جادّين قاصدين في سبِّهم لله عزّ وجلّ، أو للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو للائمّةعليهم‌السلام ، أو للدين، أو للمذهب، وقاصدين ذلك بإصرار منهم عليه ؟

‏-‏ حكمهم القتل.

* بقيت بعض الأسئلة المتفرّقة من هنا وهناك ؟ واعذرني من الإطالة.

أيجوز للمرأة أنْ تتعلّم قيادة السيارة عند رجلٍ غريب، مع ما


يستلزم ذلك من انفرادها به، وذهابها معه الى أماكن صالحة للتدريب، وهي أماكن تخلو عادةً مِن الازدحام ؟

‏-‏ يجوز لها ذلك، شرط الأمن مِن وقوعها في الحرام.

* وهل يحقّ لها أنْ تلتقط صورة لها مِن دون حجاب، لتضعها على جواز السفر مثلاً ؟

‏-‏ إذا اضطرت إلى وضع صورة مكشوفة على جواز سفرِها أو على أيّة وثيقة رسميّة أخرى جاز لها ذلك، ولكن ليكن الملتقط للصورة زوجها أو أحد محارمها، ومع الضرورة يجوز لها التصوير لدى المصوّرين الأجانب أيضاً.

* هل يجوز ذبح حيوان مِن قفاه ؟

‏-‏ يجوز.

هل يجوز نبش قبر الميّت، إذا كان ذلك لا يلزم هتك حرمة الميّت ؟

‏-‏ لا يجوز إلاّ في موارد خاصّة فصّلتها الكتب الفقهيّة منها موارد الضرورة.

* إعطاء فلم يحتوي على صوَر نساء محجّبات في حالة تكشّف لرجلٍ غريب أجنبي عنهنّ، لغسله وتحميضه وطبعه ؟

‏-‏ يجوز ذلك إذا لم يعرف مَن يقوم بالغسل والتحميض والطبع النساء المصوَّرات في الفلم، ولم تكن الصورة مثيرة أو موجِبة للافتتان.

* مال وجدته في مكانٍ عام في شارع مثلاً، أو سوق، أو مطار، أو محطّة قطار، أو ميناء، أو سيّارة تاكسي، وأنا واثق بعدم


إمكانيّة عثوري على صاحبه ؟

‏-‏ تصدّق به نيابة عنه.

* ولو وجَد طفل مبلغاً -‏ ولنقل كبيراً -‏ مِن النقود المتداولة ؟

‏-‏ إذا لم يكن يحمل مواصفات معيّنة يُمكن أنْ يصفه بها صاحبه فيُتَوصّل بها إليه جاز لوليّ الطفل أخذه وتمليكه له، وإلاّ وجَب التعريف به كما ذكرته لك في حواريّةٍ سابقة.

* سأنتقل الى سؤالٍ عقائدي هذه المرّة فأسأل عن جواز طلب الرزق أو الولد أو الحفظ أو الشفاء من المعصومين مباشرةً ؟

‏-‏ دعني أسألك أوّلاً:‏

تطلب منهم ذلك، لأنّهم يخلقون، أو يرزقون، أو يحفظون ؟

* كلا، بل لأنّهم الوسيلة إلى الله سُبحانه وتعالى والشُفَعاء إليه بقضاء الحاجات، ولأنّهم لا يفعلون شيئاً إلاّ بإذنه جلّ وعلا.

‏-‏ تقصد يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق، ويسألونه فيحفظ، ولأنّهم شفعاء لا تردّ لهم مسألة أو دعاء، ولمنزلتهم منه جلّ شأنه، ولولايتهم علينا ؟

* نعم، نعم . أقصد ذلك.

‏-‏ هذا جائز قال سُبحانه وتعالى: ‏( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) ، وهُمعليهم‌السلام وسيلتك الى الله سبحانه وتعالى، هذا جائز.

* * * * *



( الحواريّة العامّة الثانية )



أسئلةٌ كثيرةٌ تراود أذهان الناس، وخاصّة الشباب منهم، ألحّت عليَّ وأنا أطرح أسئلتي في الحواريّة العامّة الماضية، تجاوزتها عن عمد لِما بعدها على أمل أنْ أحظى بتخصيص حواريّةٍ مستقلّةٍ لها فيما بعد، وها هو ذا أملي يتحقّق، فقد طال بنا الحوار الى الحدّ الذي أصبح معه طلب تخصيص جِلسة قادمة لحواريّة أُخرى وارداً ومقبولاً، بل وحتّى مستحسناً.

فها أنذا أطلب .وها هو ذا أبي يُجيب طَلَبي.

قلت في نفسي: ‏لأبدأ حواري اليوم بأسئلةٍ حول معاناة بعض الطلبة وهُم على مقاعدهم الدراسيّة مِن ظواهر أحب أنْ أعرف وجهة نظر المشرّع الإسلامي فيها.. قلت لأبي :

* بعض طلبة الطبِّ الفيزيائي يتعلّمون مادّة التدليك ممّا يستوجب لَمس جسدِ المرأة المريضة، والتعامل معه بما تستدعيه الحالة المرضيّة، ولو رفض الطالب ذلك لرسب في الامتحان، فهل يجوز دراسة هذا العلم والتخصّص به ؟

‏-‏ يجوز للطالب ذلك إذا كان يعلم أو يطمئن بأنّ تخصّصه هذا ممّا سيتوقّف عليه حفظ بعض النفوس المحترمة ولو في المستقبل،


ولتكن ممارسته للتدليك حينئذٍ على نحو لا تؤدّي إلى إثارةٍ جنسيّة.

* في كلّيات الطبِّ يتحتّم على الطالب أنْ يقوم بفحص المرأة الغريبة عنه والرجل، وربّما وصل بهما الفحص الى جهازهما التناسلي الذكري، أو الأُنثوي، أو المخرَج، فهل يجوز لطالب الطبِّ ذلك الفحص ؟ وهل يجوز للطبيب المتخرّج ذلك إذا توقّف عليه حفظ بعض النفوس المحترمة ولو مستقبلاً.

‏-‏ نعم يجوز لطالب الطبِّ والطبيب كليهما ذلك، إذا توقّف حفظ بعض النفوس المحترمة عليه، ولو في المستقبل.

* في المستشفيات تقوم الممرّضات بجسّ النبض وقياس ضغط الدم وتضميد الجرح وغير ذلك :

١ -‏ فهل على الرجل المريض رفض لمس الممرضة لجسده ؟

‏-‏ يمكنه أنْ يطلب قيام أحد الممرّضين بالأعمال المذكورة أو يطلب من الممرّضة أنْ تلبس قفّازاً، أو تضع حاجزاً كالمنديل ليحول ذلك دون لمس جسده.

٢ -‏ أحياناً تدعو الحاجة المرضيّة إلى اللمس المباشر، ولا يوجد الممرّض أو يكون طلبه محرجاً أو تكون الممرّضة أرفق بالمريض من الممرّض ؟

‏-‏ إذا دعت الضرورة للفحص أو العلاج وتوقّف على اللمس المباشر جاز ذلك في مفروض السؤال مع الاقتصار فيه على مقدار الضرورة.

٣ -‏ قد يكون الجرح في منطقة العورة ويحتاج الى التضميد فما


العمل ؟

‏-‏ على المريض أنْ يطلب من الممرّض -‏ رجلاً كان أو امرأة -‏ أنْ تلبس قفّازاً أو يضع حائلاً ليحول دون لمس العورة وإنْ لم يتيسّر ذلك جاز اللمس بمقدار ما تدعو إليه ضرورة التضميد.

* لو أبدلنا اللمس بالنظر في الحالات السابقة فما هو حكم النظر ؟

‏-‏ حكم النظر المحرّم نفس حكم اللمس المحرّم فيجري عليه ما تقدّم مِن التفصيل.

* في الحالات المتقدّمة إذا كان المريض امرأة والممرّض رجلاً فهل يكون الحكم نظير ما مرَّ ؟

‏-‏ نعم.

* بعض الأزواج غير الملتزمين دينيّاً يطلب مِن زوجته ترك الصلاة، أو رفع الحجاب الشرعي، أو تقديم الخمر أو البيرة للضيوف، أو مشاركته في لعب القمار، أو مصافحة القادمين . ويجبرها على ذلك في حالة امتناعها عنه، فهل يحقّ للزوجة ترك مساكنته حفاظاً على واجباتها الشرعيّة ؟

‏-‏ نعم، يحقّ للزوجة ترك مساكنته حينئذٍ بمقدار ما تمليه الضرورة، ومع ذلك تستحقّ عليه النفقة كاملة.

* اِمرأة ملتزمة بالحجاب الشرعي، ولكن زوجها يمنعها من ذلك ويخيّرها بين خلع الحجاب والطلاق ؟

‏-‏ ليس لها أنْ تخلع حجابها وإنْ أنجرّ أمرها إلى الطلاق.

‏‏

* ولكن الطلاق يُسبّب لبعضهن حرَجاً وضيقاً ومشقّة شديدة ؟

‏-‏ لتتحمّل الحرَج والمشقّة.. ولتتذكّر قوله تعالى: ‏( ...وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.. ) .

* استعمال وسائل منع الحمل شائعٌ هذه الأيّام، فلو لزم الضرر أو الحرَج مِن استعمال العقاقير وأمثالها، وتوقّف الأمر على وسائل لا بدّ معها مِن إجراء الكشف الموضعي لدى الطبيب أو الطبيبة، فهل يسوغ ذلك للمرأة، علماً أنّ الحمل يسبّب لها ضرراً أو حرَجاً ؟

‏-‏ يجوز، مادامت تُواجه في كلّ مِن الحمل واستعمال الطرق الأُخرى للمنع عنه ضرراً أو حرَجاً لا يُتحمّل عادة، ولكن إذا كان ذلك يستدعي بالإضافة الى كشف الجهاز التناسلي كشف بعض المواضع الأُخرى مِن بدنها، كأطراف الجهاز التناسلي فعليها أنْ تُراجع الطبيبة، فإنْ لم تتمكّن من ذلك تراجع الطبيب.

* هل يجوز للمرأة أنْ تنظر إلى المنطقة المحصورة بين السرّة والركبة مِن جسد اِمرأةٍ أُخرى باستثناء القبُل والدبُر ؟

‏-‏ نعم يجوز لها ذلك مِن غير إثارةٍ جنسيّة.

* بعض النساء يمتنعن مِن الإنجاب وأزواجهن يريدونه ؟

‏-‏ وكيف يمتنعن مِن الإنجاب ؟

‏-‏ باستعمال العقاقير أو بزرق الإبرة أو بغسل الرحم بعد الجماع ؟

‏‏

‏-‏ هذا كلّه جائز إذا لم يلحق بهن ضرراً بليغاً.

* واللولب ؟

‏-‏ إذا علِمَت المرأة أنّه يُؤدّي الى تلف البويضة بعد تخصيبها بحويمِن الزوج [لم يجز لها استعماله].

* والعزل.. بأنْ يمنعن أزواجهن مِن إفراغ المني في المهبل إثناء الجُماع ؟

‏-‏ لا يحقّ لهنَّ ذلك.

* وهل للزوج أنْ يجبر زوجته على عدم الإنجاب وهي تريده ؟

‏-‏ وكيف يجبرها على ذلك.

* يجبرها على أخذ الحبوب أو زرق الإبرة أو استعمال اللولب ؟

‏-‏ لا يحقّ له ذلك.

* يعزل عنها إثناء الجماع ؟

‏-‏ نعم يحقّ له ذلك.

* وهل له أنْ يستعمل العازل الطبّي عند الجماع ؟

‏-‏ نعم [ولكن لا بدّ من أخذه موافقتها على ذلك].

* بعض العقاقير الطبيّة تتناولها النساء لتمنع نزول العادة الشهريّة عندها ؟

‏-‏ يجوز لها ذلك الاستعمال.

‏‏

* في الأيّام الأُولى من الحمل يكون مِن السهل إسقاط الجنين، فهل يحقّ للأُم أنْ تُسقطه ؟

‏-‏ كلا، لا يجوز لها ذلك، إلاّ إذا كانت تتضرّر مِن بقائه في رحمها أو يكون بقاؤه حرجيّا عليها بمقدار لا يُتحمّل عادة.

* تعانق وتقبّل بعض النساء النساء في المطارات والشوارع العامّة والساحات والأسواق ؟

‏-‏ عناق النساء للنساء وتقبيل بعضهنّ للبعض جائز شرط أنْ يتمّ مِن دون حصولِ فعلٍ محرّم.

* تخرج النساء هذه الأيّام في الشوارع العامّة وهنّ كاشفات لبعض ما يجِب عليهنّ ستره، فهل يجوز النظر إليهنّ بدون شهوة وتلذّذ جنسي ؟

‏-‏ نعم يجوز ذلك إذا كنَّ لا ينتهين إذا نُهين عن التكشّف.

* من المألوف هذه الأيّام أنْ تضع المرأة الكحل في العينَين والماكياج على الوجه وتلبس الخاتم والقلادة والسوار للزينة، ثُمّ تخرج أمام الناس في الأسواق والشوارع ؟

‏-‏ لا يجوز لها ذلك إلاّ في الكحل والخاتم والسوار بشرط أنْ تأمن مِن الوقوع في الحرام، ولا تقصد بها إثارة الرجال الأجانب.

* ما دمنا نتحدّث عن الحجاب، أودُّ أنْ أسأل عن امرأة تخرج للناس وظاهر قدمها مكشوف لعينِ الناظر الأجنبي ؟

‏-‏ لا يجوز لها ذلك.

‏‏

* وأُخرى تُصلّي وظاهر قدمها مكشوف كذلك ؟

‏-‏ هذه يجوز لها ذلك، فكشف ظاهر القدَمَين وباطنهما في الصلاة جائز.

* تركب بعض النساء سيّارات الأُجرة، وتكون هي والسائق لا ثالث لهما ؟

‏-‏ وهل يؤدّي ذلك إلى إثارة الشهوة أو الوقوع في فعلٍ محرّم ؟

* كلا، أسأل عن حالة اعتياديّة سائدة هذه الأيّام.

‏-‏ ما دامت تأمن على نفسها مِن الوقوع في الحرام إذا ركَبَت معه وحدها فهو جائز.

التفكير بالنساء عدا الزوجة عن قصد وعمد بما في ذلك تصوير الممارسة الجنسيّة في الذهن إذا صاحبه انتصاب عضو الذكورة من دون إنزال السائل المنوي ؟

‏-‏ لا يحرم إذا لم ينته إلى محرّم.

* ذكرت لي في حواريّة سابقة أنّ ممارسة العادة السرّية حرام هل أنّ الرجل والمرأة في ذلك سَواء ؟

‏-‏ نعم فكما لا يجوز للرجل أنْ يداعب عضوه التناسلي حتّى يقذف فكذلك لا يجوز للمرأة أنْ تُداعب عضوها التناسلي حتّى تنزل.

* حالة مرضيّة استدعت أنْ يطلب الطبيب مِن مريضه فحص


السائل المنوي بعد تعذّر إخراجه بالطريق الشرعي ؛ لأنّ إخراجه لا بدّ أنْ يكون عند الطبيب ؟

‏-‏ إذا اضطرّ المريض إلى ذلك جاز له.

* وإذا أراد الشخص أنْ يختبر مدى قُدرته على الإنجاب، فطلب منه الطبيب أنْ يخرج السائل المنوي ليفحصه ؟

‏-‏ ما دام غير مضطرٍّ لذلك فلا يجوز له الاستمناء.

* في الآونة الأخيرة وبفضل الوسائل العلميّة الحديثة يُمكن استعلام وضع الجنين، وما إذا كان مُصاباً بعاهةٍ خُلُقيّة أم لا، فإذا ثبت علميّاً كونه مشوّهاً ومُصاباً بعاهات أو عاهة واحدة فهل يجوز إسقاطه ؟

‏-‏ تشوّه الجنين ليس بمجرّده مسوّغاً لإسقاطه، نعم إذا كان بقاؤه في رحم الأُم ضرريّاً على صحّتها أو حرَجيّاً عليها بحدٍّ لا يُتحمّل عادةً جاز لها إسقاطه وذلك قبل ولُوج الروح فيه، وأمّا بعده فلا يجوز الإسقاط مطلقاً.

* التلقيح الصناعي شائعٌ في هذه الأيّام ويقع على أنحاء مختلفة، أحبّ أنْ أعرضها عليك لأعرف وجهة نظر المشرّع الإسلامي فيها.

‏-‏ تفضّل.

* يؤخذ السائل المنوي مِن الزوج وتُحقَن به زوجته بطريق الإبرة أو ما شاكل مِن الطرق ؟

‏-‏ يجوز في حدّ ذاته.

‏‏

* وهل يجوز أنْ تُحقَن به امرأةٌ أُخرى غير زوجته ؟

‏-‏ لا، لا يجوز.

* يؤخذ حُوَيْمِن الزوج وبويضة الزوجة ويتمّ التخصيب في أُنبوبة الاختبار ثُمّ تُعاد البويضة الى رحِم الزوجة ؟

‏-‏ هذا أيضا جائزٌ في حدّ ذاته.

* يُؤخذ حُويمِن من الزوج وبويضة امرأة أُخرى غير زوجته فتخصّب ثُمّ تنقل الى رحِم الزوجة ؟

‏-‏ هذا يجوز أيضاً في حدّ ذاته.

* وبمن يلحق الولد في هذه الحالة ؟ بصاحبة البويضة أم بصاحبة الرحم الذي تكامل فيه، أقصد مَن تكون أُمّه النسبيّة ؟

‏-‏ في المسألة احتمالات فلابدّ من رعاية الاحتياط بينهما.

* تؤخذ البويضة مِن المرأة تخصّب بحُويمِن رجلٍ غير زوجها ثُمّ تُعاد الى رحمها ؟

‏-‏ ينبغي الاجتناب عن ذلك.

* أعود إلى الطلبة وقضاياهم مرّة أُخرى، فأسأل عن ضرب التلاميذ في المدرسة، وهل يجب أخذ إذن وليّ أمر التلميذ المراد ضربه ؟

‏-‏ يجوز ضرب التلاميذ في حالة إيذائهم للآخرين، أو ارتكابهم فعلاً محرّماً، وبأذن الوليّ ثلاثة أسواط [لا أزيد]، ويلزم أنْ يكون الضرب برفق إلى الحدّ الذي لا يُوجب احمرار البدن، وإلاّ


اِستوجب الدية.

هل يجوز الغشُّ في الامتحانات المدرسيّة إذا كان بعض المدرّسين هُم الذين يُساعدون الطلاب عليه ؟

‏-‏ لا يجوز ذلك.

* بعض طلبة كلّية الفنون الجميلة يتعلّمون صنع التماثيل ونحوها من الصور المجسّمة لمخلوقاتٍ ذوات أرواح، وأنّ امتناعهم عن المشاركة في صنعها سيحرمهم مِن النجاح والتخرّج من الكلّية فهل يجوز لهم ذلك ؟

‏-‏ حرمانهم مِن النجاح على تقدير تركها لا يصلح لوحده مسوّغاً لارتكاب هذا العمل [المحظور شرعاً].

* والكرة... لعب الكرة بكافّة أشكالها وأنواعها، ضِمن مباريات بدون رهان جائزٌ هو ؟

‏-‏ نعم جائز.

* والمصارعة والملاكمة بدون رهان ؟

‏-‏ جائزتان، إذا لم تُؤدّيا إلى وقوع ضررٍ بدنيٍّ بليغ.

* من المسائل التي تهمّ الرجال ( حلق اللحية ) فقد يحلِق بعض الرجال لِحاهم ويبقون شعر الذقن وحده، فهل يكفي ذلك شرعاً ؟

‏-‏ [لا يكفي].

* وإذا حلَق لحيته بالموسى هذا اليوم، فهل يجوز له إمرار


الموسى على مكانها في اليوم اللاحق قبل أنْ ينبت الشعر بمقدار يصدق عليه اللحية ؟

‏-‏ [لا يجوز له ذلك].

* اسمح لي أنْ انتقل الى السؤال عن العلاقة بين الوالد وولده، لأسأل -‏ بعد الاعتذار منك -‏ عن حدود ما يجب على الولد الالتزام به مِن أوامر والديه ؟

‏-‏ يُوجِب الإسلام على الولد معاشرة والديه بالحُسنى.

* حَسَناً، فهل يحسن شرعاً إطاعة الوالدين في كلّ شيء حتّى في الأُمور اليوميّة الحياتيّة، كأن يقول الوالد لولده: ‏كُلْ هذه الفاكهة، أو نمْ في الساعة العاشرة أو ما شاكل ذلك ؟

‏-‏ نعم، يحسُن له ذلك.

* إذا نهى الوالد ولدَه عن فِعل شيءٍ معيّن محتملاً أنّ ضرراً ما سيعود على ولده إنْ هو فعله، عِلماً بأنّه في اعتقاد الولد غير مصيب في ذلك ؟

‏-‏ لا يجوز مخالفة الوالد في حالةٍ كهذه، بأنْ كان يتأذّى مِن مخالفته شفقةً على الولد.

* إذا قال الوالد لولده أنا أعلم أنّه لا يترتّب على سفرك ضرر عليك يا ولدي، ولكن فراقك لي ونأيك عنّي وابتعادك يشقّ عليَّ ويؤذيني فلذا أنهاك عن السفر ؟

‏-‏ قبل أنْ أُجيبك عن السؤال دعني أسألك هذا السؤال.

لو أطاع الولد والده ولم يُسافر، فهل سيتضرّر جرّاء عدم


سفره ؟

* كلا، لا يتضرّر الولد، ولكن سوفَ يُحرَم مِن تحقيق رغبته.

‏-‏ إذن، لا يجوز له أنْ يُسافر مادام في سفره هذا أذىً لأبيه.

* سأنتقل إلى موضوع يشغل بال كثير من الشباب الآن وهو اللعب بالشطرنج والطاولي ولكن بدون رهان ؟

‏-‏ لا يجوز اللعب بهما.

* يلعب بعض الناس بغير الشطرنج والطاولي من الأدوات أو الآلات المعدّة للقمار، ولكن للتسلية وبدون رهان ؟

‏-‏ [يحرم اللعب بكلّ ما عُدّ آلةً للقمار ولو بغير رهان].

* بعض الألعاب الالكترونيّة تظهر على التلفاز بواسطة جهاز يُسمّى ( الاتاري ) ويُلعب بها بواسطة أزرار وهي للتسلية وتُلعب من دون رهان ؟

‏-‏ إذا كانت الصور التي تظهر على الشاشة صوراً لآلات قماريّة لم يجز اللعب بها بواسطة جهاز الاتاري، وإلاّ فهو جائز.

* ومِن آلات القمار انتقل إلى الرقص، فأسأل عن رقص الزوجة لزوجها من أجل إسعاده وإثارته ؟

‏-‏ يجوز لها ذلك.

* ورقصها أمام الآخرين ؟

‏-‏ لا يجوز لها أنْ ترقص أمام غير زوجها مِن الرجال [بل ولا يجوز لها أنْ ترقص أمام النساء أيضا].

‏‏

* ورقص الرجل أمام الرجال أو النساء غير زوجته ؟

‏-‏ [لا يجوز كذلك].

* في الأعراس والمناسبات المُفرحة الأُخرى يصفّق الرجال أو تُصفّق النساء ؟

‏-‏ يجوز لهم ذلك شرط أنْ لا يتضمّن محرّماً آخر.

* أنتقِل فأسأل عن جواز الاستماع للأغاني الدينيّة ؟

‏-‏ تقصد الكلمات الدينيّة التي تُؤدَّى بالإلحان المتعارفة عند أهل اللهو والطرب ؟

* نعم.

‏-‏ إذن يحرُم الاِستماع إليها وكذا كلّ كلامٍ غير لهوي يُؤدّى بهذه الألحان دعاءً كان أم ذِكراً [أم غيرهما].

* والكلام اللهوي الذي يؤدَّى بهذه الألحان ؟

‏-‏ ذاك الغناء المتعارف الذي لا ريب في حرمته.

* وما يُطلَق عليه الموسيقى في عرفنا الحاضر ؟

‏-‏ هي على قسمين فمنها ما يُناسب مجالِس اللهو والطرب فيحرُم استماعها ومنها غير ذلك فلا يحرُم.

* بعض أنواع الموسيقى تُذاع مقدّمة لتلاوة القرآن الكريم، أو مقدّمة لرفع الآذان أو قد تسبق تقديم برنامج ديني أو تلحقه، فهل يجوز الاِستماع إليها ؟

‏-‏ هي في الغالب من القسم الثاني المحلّل.


* والفواصل الموسيقيّة، والموسيقى التي تسبق نشرات الأخبار ؟

‏-‏ هي كذلك.

* بعض أنواع الساعات تحمل إضافةً لتعيين الوقت مقاطع موسيقيّة لترويح حامليها متى شاؤوا، فهل يجوز بيعها وشراؤها والاستماع لموسيقاها ؟

‏-‏ يجوز.

* الموسيقى الكلاسيكيّة تلك الموسيقى التي يُقال عنها أنّها تُهدّئ الأعصاب الثائرة، والتي تُوصَف أحياناً كعلاج لبعض الأمراض النفسيّة هل يحقّ لي استماعها ؟

‏-‏ نعم الموسيقى غير المناسبة لمجالِس اللهو والطرب يجوز الاِستماع لها.

والموسيقى التصويريّة تلك التي تصاحب الأفلام التلفزيونيّة والمسلسلات عادةً، والتي يكون الغرض منها رفع درجة التأثير في المشاهدين بما يُناسب جوّ الفلم، فإذا كان المشهد المعروض مثلاً مرعباً ساعدت هذه الموسيقى على تحفيز المخاوف وإثارتها لدى المشاهدين ؟

‏-‏ هي في الغالب من القسم المحلّل.

* شعر عاطفي أو وطني يُذاع أحيانا مصحوباً بالموسيقى ؟

‏-‏ ينطبق عليها الضابط المتقدّم.


اسمح لي أنْ أسألك سؤالَين آخرين.

‏-‏ تفضّل.

أيجوز للمرأة أنْ تخرج مِن بيتها لبعض شؤونها وهي معطّرة يَشُمّ عطرها الرجال الأجانب ؟

‏-‏ لا ينبغي لها أنْ تفعل ذلك، بل لا يجوز إذا كان يوجب افتتان الرجل الأجنبي أو يسبّب عادةً إثارته.

* إثر وفاةِ عزيز تلبس النساء السواد حزناً عليه، وقد تضرب الوجوه والصدور وغيرها فهل يجوز ذلك ؟

‏-‏ نعم يجوز.

والحمد لله ربّ العالمين


الفهرس

الفتاوى المُيسّرة العبادات -‏ المعاملات عبد الهادي محمّد تقي الحكيم و فْق فتاوى سماحة آية الله العظمى السيّد عليّ الحسيني السيستاني ( دام ظلّه الوارف ) ٥

إضاءة:‏ ١٣

توطئة ١٥

( حِواريّة التقليد ) ٣١

( حواريّة النَّجاسة ) ٤٣

القاعدة الأولى ٤٨

القاعدة الثانية القاعدة الثالثة القاعدة الرابعة ٤٩

( حواريّة الطهارة ) ٥١

المطهّر الأوّل: ‏الماء ٥٣

المطهر الثاني: ‏الشمس ٥٩

المطهّر الثالث: ‏زوال عين النجاسة عن بَواطن الانسان غير المحضة وعن جسَد الحيوان المطهّر الرابع ٦٠

المطهّر الخامس: ‏التبعيّة ٦١

المطهّر السادس: ‏الإسلام المطهّر السابع: ‏غَيبة المسلِم البالغ أو الصبيّ المميز ٦٢

المطهّر الثامن: ‏الانتقال المطهّر التاسع: ‏الاستحالة المطهّر العاشر: ‏خروج الدم بالمقدار الطبيعي مِن الحيوان المذكّى بطريقةٍ شرعيّةٍ المطهّر الحادي عشر: ‏انقلاب الخمر خلاًّ المطهّر الثاني عشر: ‏استبراء الحيوان الجلاّل:‏ ٦٣

( حواريّة الجَنابة ) ٦٥

( حواريّة الحيض ) ٧٣

-‏ أحكام المرأة حال الحيض ما يأتي:‏ ٧٩


( حواريّة النّفاس ) ٨١

( حواريّة الاستحاضة ) ٨٧

( حواريّة الموت ) ٩٥

‏* وكيف أوجّهه ؟ ‏* وإذا مات ؟ ‏* وإذا اشتبهت بموته ؟ ١٠١

‏* ومَن يغسل الميّت ؟ ‏*‏‏ وكيف يغسّل الميِّت ؟ ‏*‏‏ وهل تُخلع ملابس الميت أثناء الغسل ؟ ١٠٢

‏*‏‏ وإذا تنجّس جسَد الميّت بنجاسة خارجيّة أو بنجاسة مِن الميّت أثناء الغسل ؟ ‏*‏‏ وما التحنيط ؟ ‏*‏‏ وبقية مواضع السجود الأُخرى ؟ ‏* وكيف يكفّن الميت ؟ ١٠٣

‏‏*‏ وكيف يُصلّى عليه ؟ ١٠٤

‏* وهل هناك أشياء معتبرة في الصلاة على الميِّت ؟ ١٠٥

‏* وهل مِن شروطٍ لمكان الدفن ؟ ١٠٦

( حواريّة الوضوء ) ١٠٩

‏* أتوضّأ بالماء طبعاً.. ولكن هل مِن شروط في الماء الذي أتوضّأ به ؟ ١١١

‏* وكيف أتوَضّأ..؟ ١١٢

‏* وما المرفق ؟ ١١٣

‏* وإذا لم يمكنّي ذلك ؟ ‏* وكيف ومتّى ينتقض وضوئي ؟ ١١٤

( حواريّة الغُسْل ) ١١٧

‏‏* وما الارتماسي ؟ ١١٩

‏‏* والترتيبي ؟ ‏‏* وهل للغُسل من شروط ؟ ١٢٠

( حواريّة التيمّم ) ١٢٥

‏‏* ومتى يا أبي أتَيَمّم ؟ ١٢٨

‏‏* وما الجبيرة..؟ ‏‏وكيف أتيمّم ؟ ١٢٩

‏‏وهل للتيمّم من شروط ؟ ١٣٠

( حواريّة الجبيرة ) ١٣٣

( حواريّة الصَّلاة ) ١٣٩


القسم الأوّل:‏ ١٤١

‏غير أنّ للصلوات اليومّية مقدَّمات خَمساً هي:‏ ١٤٣

‏-‏ نعم بأُولاهن:‏ ١٤٤

‏ثانيها: ‏تكبيرة الإحرام ‏ثالثها: ‏القراءة ١٥٣

رابعها: ‏ خامسها: ‏الركوع ‏سادسها: ‏السجود ١٥٧

‏سابعها: ‏التشهّد ١٥٩

‏ثامنها: ‏التسليم ١٦٠

القسم الثاني:‏ ١٦١

حواريّة الصَّلاة الثانية ١٧٧

‏‏* ومتى يبدأ المسافر بالتقصير؟‏ ١٨٢

‏‏* هذه هي صلاة الجماعة، غير أنّي أسمَع بصلاة تسمّى صلاة الجمعة.. فهل هي غيرها ؟ ١٨٧

‏‏* وذكرت لي صلاة الآيات ١٩١

‏‏* قلت لي إنّ الصلوات واجبة ومستحبّة، ولم تحدّثني عن الصلوات المستحبّة ؟ ١٩٣

( حواريّة الصّوم ) ١٩٧

-‏‏ تُمسِك عن عدّة أُمور تُسمّى بالمفطرات وهي تسعة:‏‏ ٢٠٣

( حواريّة الحجّ ) ٢٠٩

( حواريّة الزّكاة ) ٢١٧

‏( الثاني ) ممّا تجب فيه الزكاة: ٢٢١

‏( الثالث ) ممّا تجب فيه الزكاة ٢٢٢

‏( الرابع ) ممّا [تجب فيه الزكاة: ‏مال التجارة] ٢٢٤

( حواريّة الخُمس ) ٢٢٧

( حواريّة التجارة ) وما يُلحق بها ٢٤١

( حواريّة الذباحة والصيد ) ٢٧٣

‏‏* وما هي الأوداج الأربعة ؟ ٢٧٦


‏‏* وكيف أنحرها ؟ ٢٧٧

وهذه الشروط هي:‏ ٢٧٨

( حواريّة الزَّواج ) ٢٩٥

هذا ولعقد الزواج شروط : ٣٠٦

( حواريّة الطلاق ) ٣١٥

يشترط في المطلِّق ٣١٨

حواريّة النّذر والعهد واليمين ٣٢٣

( حواريّة الوصيّة ) ٣٣٣

( حواريّة الإرث ) ٣٤١

الطبقة الأُولى الطبقة الثانية الطبقة الثالثة ٣٤٣

( حواريّة الوقف ) ٣٥١

قال أبي وسأذكر لك بعض ما يُعتبر في الوقف: ٣٥٤

حواريّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٣٥٩

-‏ للأمر بالمعروف أو النّهي عن المنكر مراتب : ٣٦٧

-‏ سأبدأ أوّلاً بذكر أُمور هي مِن المعروف على شكل نقاط محدّدة ٣٧١

( الحواريّة العامّة الأُولى ) ٣٩٥

( الحواريّة العامّة الثانية ) ٤٢٣

الفهرس ٤٤٠


الفتاوى الميسرة العبادات - المعاملات

الفتاوى الميسرة العبادات - المعاملات

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: عبد الهادي محمد تقي الحكيم
تصنيف: متون فقهية ورسائل عملية
الصفحات: 443