الخصائص الحسينية خصائص الحسين (ع) ومزايا المظلوم

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: آية الله الشيخ جعفر التستري
الإمام الحسين عليه السلام

الخصائص الحسينيّة

خصائص الحسينعليه‌السلام

ومزايا المظلوم

آية الله الشيخ جعفر التستري


مراجعة وضبط النص موقع معهد الإمامين الحسنينعليهما‌السلام

لإعداد الخطباء والمبلّغين

حيث أخذ الموقع على عاتقه مراجعة النصوص والروايات الواردة في الكتب الحسينيّة وضبطها قدر الإمكان، من قبل كادر متخصص بالتحقيق والتقويم والتدقيق.

تنويه :

* اللون الأسود يشير إلى المتن.

* اللون القهوائي يشير إلى العناوين والأبواب والفصول.

* اللون الأحمر يشير إلى الآيات القرآنية.

* اللون الأزرق يشير إلى كلام المعصومعليه‌السلام .

* اللون الأخضر يشير إلى الشعر.

* اللون البرتقالي يشير إلى الهامش ورقمه في المتن.

* كلمة (موقع معهد الإمامين الحسنين) فيها إشارة إلى رأينا وتحقيقنا.


الخصائص الحسينيّة

خصائص الحسينعليه‌السلام ومزايا المظلوم

تأليف :

آية الله الشيخ جعفر التستري


مقدّمة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، ولا سيما محمّد المصطفى، وأهل بيته أعلام الهدى، صلواته عليهم ما دامت السماوات العُلى.

أمّا بعد، إنّه لمّا اشتعل الرأس شيبا، وامتلأت العيبة عيباً(١) ، ورأيت أنّي ذرفت على السّتين ولم أظفر بعد على ثمرة ولا حاصل لأيامي الماضية، ولا طائر للعمل، وعلمت أنّ الباقي يمضي على نحو الماضي، خاطبت النفس الجانية اللاهية، وشركاءها في هذه الداهية: يا ويحك ! مضى ربيع الشّباب فلا تعطف عليه خريف الشّيب، وفاتك الهرف(٢) في المزرعة فلا يفتك الأفل(٣) ، وقد أسرفت في إتلاف أكرار من البذر فلا تُضع

____________________

(١) المراد موضع سره وثقته.

(٢) أي المناء والزيادة.

(٣) أي الزوال والغياب.


الحفنة الباقية من البذر، وقد ضيّعت في المتجر النقود من رأس المال فلا تضيع قليل المتاع الكاسد البائر.

ثمّ ناديتها: يا مسافراً بلا زاد، يا راحلاً ولا جواد، يا زارعاً أشرف على الحصاد، يا طائراً بالموت يُصاد، يا تاجراً لبهرج(١) بلا جياد، يا ظالم النفس والعباد، هل سمعتِ قول الله تعالى:( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) ؟ ثمّ أيقظتها التنبه التنبه ؛ فقد شارفت العقبة الكؤؤد، والرجل حافية، وما لك مركب ! ثمّ خوّفتها الحذر الحذر ؛ فقد دنوت إلى المنازل المهولة، ودونها حتوف ( والكفّ صفر، والطريق مخوف )، ثمّ أزعجتها بقول: العجل العجل، الوحا الوحا(٢) ، فإلى أيّ زمان تتعامى :

إنّ قدّامك يوماً لو به

هدّدت شمس الضحى عادت ظلاما

فانتبه من رقدةِ اللهو وقم

وانفِ عن عينٍ تماديك المناما

ثمّ صحت عليها بقول إمام المتقين (عليه أفضل صلوات المصلّين): (( أيّها اليَفَن الكبير، [الذي] قد لهزه القتير، كيف أنت إذا التحمت أطواق النار بعظام الأعناق، ونشبت الجوامع حتّى أكلت لحوم السّواعد ؟! )).

ثمّ نعيتها إلى نفسها ونعيت عليها، ثمّ نحت عليها بكلّ لسان ؛ تارة على أيّام الشّباب، وأخرى على أيّام المشيب، ثمّ استرحمتها لنفسها وقلت: أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك؟

____________________

(١) أي الرديء من الشيء.

(٢) أي السرعة.


ثمّ استغثت بها لإغاثة نفسها، فقلت لها: الغوث الغوث لنفسك ! تجهّزي للرحيل، فاستدركي واختلسي الفرصة، واغتنمي المهلة قبل قدوم الغائب المنتظر، وقبل أخذة القهّار المقتدر.

ثمّ خاطبتها بكلّ كتاب، وبلسان كلّ نبي وإمام، ووعظتها بكلّ الألسنة حتّى بلسان الأطفال والحيوانات، بل ولسان حال جميع المخلوقات وبعد ذلك كلّه حصل لي تنبّه يسير، وتذكّر قليل، مع عزم فاتر ؛ فتواردت عليّ حالات خوف وترقّب من اليأس، يتبعها رجاء يورث السكون والاطمئنان بهذا التفصيل :

الحالة الأولى: في الإيمان

لقد نظرت إلى الإيمان الذي هو مدار قبول الأعمال، ومناط حصول النّجاة من الأهوال فلم أجد في نفسي علامة من علائمه، ولا أثراً من آثار التمام منه، ولا من الناقص لا أدنى درجاته الذي هو أن تسوءه سيئته، ولا أعلى درجاته الذي هو أن يكون بالنسبة إلى ذكر الله تعالى كمَنْ هو في النزع، ولم أجد في شيء من أقسامه المقسّمة على القلب والأعضاء حتّى إنّي خفت عدم وجود الذرة المنجية من الخلود في النار بعد طول العذاب فيها.

وبعد ذلك نظرت إلى الأخلاق الحميدة فرأيت أضدادها، ثمّ نظرت إلى الأعمال الحسنة والطاعات والقربات فوجدت لصحتها وقبولها شرائط لم أجد التوفيق لها ولو مرّة واحدة ؛ فعند ذلك تحقّق الخوف، وأوشك أن يغلب القنوط، ثمّ عرضت :

الحالة الثانية: في الوسائل إلى الله تعالى

وهي أنّي أمعنت النظر في الوسائل إلى الله فرأيت أنّي من اُمّة محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّي من شيعة عليعليه‌السلام ، وأنّي من الموالين لأهل البيتعليهم‌السلام ، وهم السّبيل الأعظم، والصّراط الأقوم، والكهف الحصين، والعروة الوثقى، والفلك التي مَنْ ركبها نجا وسعد ؛ فحصل لي الرجاء، ثمّ تحقّقت :


الحالة الثالثة: الدخول في أمّة محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله

وهي أنّي رأيت الدخول في أمّة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله يحتاج إلى ائتمام واقتداء، وأنّ صدق شيعة عليعليه‌السلام يحتاج إلى متابعة له في صفة أو عمل، فبأيّ شيء تابعته وشايعته، وصدق إنّ الشخص موالٍ ومحبّ لأهل البيتعليهم‌السلام يحتاج إلى تحقّق أحدى علائم المحبّة والولاية، ولا أجد واحدة منها، فتحقّق الاضطراب، وغلب الخوف، ثمّ طرأت :

الحالة الرابعة: في الوسائل المتعلّقة بالأئمّةعليهم‌السلام

وهي أنّي أمعنت النظر في الوسائل المتعلّقة بالأئمّةعليهم‌السلام فرأيت أجلّها فائدة، وأعظمها مثوبة، وأعمّها نفعاً، وأرفعها درجة، وأسهلها حصولاً، وأكثرها طرقاً، وأيسرها شروطاً، وأخفها مؤونة، وأعمّها معونة ما يتعلّق بسيد شباب أهل الجنّة، ووالد الأئمّة السيد المظلوم أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

فرأيت له خصوصية في التوسّل إلى الله قد تفرّد بها، وامتاز في ذلك حتّى عمّن هو أفضل منه ؛ فإنّ للتفاوت في الفضيلة مقاماً، ولوحدتهم مقاماً، نورهم وطينتهم مقام، والخصوصيات مقام آخر ؛ فرأيت في الحسينعليه‌السلام خصوصية في الوسيلة إلى الله اتّصف بسببها بأنّه بالخصوص باب من أبواب الجنّة، وسفينة للنّجاة ومصباح للهدى.

فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام كلّهم أبواب الجنان، لكنّ باب الحسين أوسع، وكلّهم سفن النّجاة، ولكنّ سفينة الحسينعليه‌السلام مجراها في اللجج الغامرة أسرع، ومرساها على السّواحل المنجية أيسر، وكلّهم مصابيح الهدى، لكنّ الاستضاءة بنور الحسين أكثر وأوسع، وكلّهم كهوف حصينة، لكنّ منهاج كهف الحسين أسمح وأسهل.

فعند ذلك خاطبت النّفس وشركاءها، فقلت: هلمّوا إلى هذه الأبواب الحسينيّة، فــ( ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آَمِنِينَ ) ، وإلى مرساة هذه السّفينة الحسينيّة فــ( ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، ولتكتحل أعينكم بنور الحسينعليه‌السلام الناظر إليكم، ثمّ ازدادوا شوقاً وصمّموا العزم على ذلك ؛


لأنّي استشعرت من نفسي علائم الإيمان التي يئست منها سابقاً، وعثرت بهذه الخصائص على الأعمال الصّالحة.

أمّا الأوّل: فمن وجوه :

الأول: أنّهعليه‌السلام قال: (( أنا قتيل العبرة ؛ ما ذُكرت عند مؤمن إلاّ بكى واغتم لمصابي )) فوجدت ذلك في نفسي عند ذكر اسمه، فاستدللت به على وجود شيء من الإيمان لو ذرّة على الأقل تنجي من الخلود في النار، وقد اتّصف جميع الأنبياء بالبكاء والاغتمام عند ذكرهعليه‌السلام .

الثاني: أنّي وجدت أنّه إذا دخل شهر المحرّم عرضت لي الكربة والحزن والتأثّر، فاستدللت بذلك على أثر من ولاية الأئمّةعليهم‌السلام ؛ فإنّهم قالوا: (( شيعتنا خُلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بنور ولايتنا، يصيبهم ما أصابنا )).

وقد دلّت الأخبار على ظهور الكآبة والحزن على أئمّتنا مع دخول شهر المحرّم فكان الإمام الصادقعليه‌السلام لا يُرى ضاحكاً في أيامه أبداً، وكان الإمام الرضاعليه‌السلام كئيباً حزيناً، كاسف اللون، في العشر الأوائل يعقد مجلساً للعزاء، ونساؤه من وراء الستر، فإذا دخل عليه أحد أمرهعليه‌السلام بالإنشاد في الإمام الحسينعليه‌السلام إن كان منشداً، كما في قضية دعبل الخزاعي وإلاّ ذكر بنفسه من مصائب الحسينعليه‌السلام كما في رواية الريّان ابن شبيب حين دخل عليه أوّل يوم من المحرّم، فقال: (( يابن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابكِ الحسين (ع) ؛ فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه ثمانية عشرة رجلاً من أهل بيته )).

وهكذا كان دأب سائر الأئمّة المعصومين ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّدهم وأوّلهم، وأكثرهم مَنْ عقد تلك المجالس فبعروض الانكسار للقلب عند هلال المحرّم يستدلّ على ثبوت العلاقة بهمعليهم‌السلام ، وبتفاوت التأثّر بتفاوت درجات الإيمان، وعدم عروض ذلك أو عروض خلافه، كجعل هذه الأيام أعياداً دليل على سلب الإيمان، والعياذ بالله تعالى.

الثالث: نزول الهمّ والغمّ الشديد عند دخول كربلاء، وقد كان هذا من


صفات أبيهعليه‌السلام وأخته حين دخول أرض كربلاء، مع انكسار القلب عند النظر إلى قبره وقبر ولده عند رجليه كما في الرواية.

الرابع: جريان الدمع عند شمّ تربته، كما هي صفته وصفة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى ونحو ذلك ممّا يتعلّق به، وسيجيء بيان بعضها إن شاء الله.

وأمّا الثاني :

فإنّي رأيت أنّ أكثر أعمالي يصحّ سلب أساميها عنها ؛ لعدم الشّروط والإقبال، فلا أدري أصلاتي وصومي صلاة وصوم أم لا ؟! وهكذا هو حال سائر أعمالي، ولكن لاحظت أنّه لا يصح أن يسلب عن بكائي وإبكائي اسم البكاء والإبكاء على صاحب الدمعة السّاكبة، ولا أقل من التباكي، وقد ورد أنّ (( مَنْ بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنّة )) ثمّ إنّي لمّا رأيت علامات الإيمان، ووثق رجائي، واطمأنت نفسي عرضت :

الحالة الخامسة: في علامة أحد أجزاء الإيمان

وذلك إنّي تأمّلت الأمر فقلت لنفسي: إنّ هذه علامة لوجود جزء من الإيمان، فلعلّه لا ينجيك من الخلود في النار بعد الدخول فيها، وبعد مقامات عذاب يوم الحشر، وبعد تحمّل عذاب يوم البرزخ الطويل، وأنت تعلم ضعفك عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها، وما يجري فيها من المكاره على أهلها، بل وضعفك عن تحمّل النّعم إذا دامت عليك بالملال منها، والبطر عليها، ثمّ إنّ الجزء الضعيف من الإيمان لعلّه يذهب وينطفئ بأدنى صدمة فيزيغ القلب، فما اطمئنانك به ؟ فاضطربت ثمّ عرضت لي :

الحالة السادسة: ما يبعث على تكميل الإيمان

وذلك إنّي وجدت في وسائلهعليه‌السلام ما يبعث على تكميل الإيمان وتقويته واستقراره، مثل: إنّ مَنْ زاره (( كان كمَنْ زار الله تعالى في عرشه )) ؛ فإنّ زيارة الله تعالى كناية عن نهاية القرب إليه تبارك وتعالى، وهذا لا يكون للإيمان المستودع، والقلب الذي يعلم الله منه الزيغ بعد الهداية.


ومثل مجيء الملَكَ للزائر عند إرادة الانصراف وقوله: (( إنّ ربّك يقرئك السّلام، ويقول لك: استأنف فقد غُفر لك ما مضى )) فإذا كان الشخص ممّن يسلّم الله عليه فلا يمكن أن لا يسلّمه ؛ فاطمأننت بذلك، ثمّ عرضت لي :

الحالة السابعة: في الأعمال الحسنة

وهي أنّي رأيت أنّ هذه الوسائل أعمال حسنة، ولكن لعلّ في أعمالي السّيئة ما يحبطها، فاضطربت لذلك، فعرضت لي :

الحالة الثامنة: في الأعمال الصالحة

وهي أنّ ما قد يعرضه الحبط هي أعمال الشّخص، وأمّا الوسائل الحسينيّة فهي أعمال صالحة تكتب للمكلّفين، وليست من أعمالهم حتّى يتطرّق إليها الحبط ؛ إذ قد ورد أنّه يكتب لزائره حجة من حجج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحج الذي يحجّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليس من أعمال الشّخص نفسه حتّى يُحبط، وإذا كان من أعمالهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا يتطرّق إليه احتمال الإحباط أصلاً.

ومن عجائب تلك الروايات ما رواه الصّادقعليه‌السلام قال: (( كان الحسينعليه‌السلام ذات يوم في حجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يلاعبه ويضاحكه، فقالت عائشة: ما أشدّ إعجابك بهذا الصبي ! فقال لهاصلى‌الله‌عليه‌وآله : وكيف لا أحبّه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤداي وقرّة عيني ؟! أما إنّ أمّتي ستقتله ؛ فمَنْ زاره بعد وفاته كتب الله تعالى له حجّة من حججي قالت: يا رسول الله، حجّة من حججك ؟! قال: نعم، وحجّتين من حججي قالت: حجّتين من حججك ؟ قال: نعم، وأربعة … )).

قال الصّادقعليه‌السلام : (( فلم تزل تزاده ويزيد ويضعف حتّى بلغ تسعين حجّة من حجج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأعمارها )).

الحالة التاسعة: ملاحظة حقوق الناس

وهي أنّي خفت أن يذهب بالعمل حقوق الناس ؛ فإنّه قد ورد أنّه يُحشر مَنْ له أعمال تُضيء في يوم القيامة فيأخذها أهل المظالم، وتُحمل عليه ذنوب فيؤمر به إلى النار ثمّ طرأت :

الحالة العاشرة: في فضيلة البكاء وقد حصلت بملاحظة ما ورد في وسيلة البكاء عليه من أنّه قد يترتب على الدمعة ثواب لا حدّ له ؛ فإنّ ما لا حد له لا ينفد ولو


اُخذ منه ما اُخذ ثمّ عرضت لي :

الحالة الحادية عشرة: تطرّق الخوف

وذلك لأني رأيت في الروايات الكثيرة أنّ شرط قبول الأعمال قبول الصّلاة، فقلت: لعلّ صلاتي غير مقبولة، وإذا ردّت ردّ ما سواها، فكيف تُقبل هذه الأعمال الحسينيّة ؟ وحينئذ أشكل عليّ الأمر، وكاد أن يغلب عليّ القنوط ؛ لورود هذا الاحتمال، فمنّ الله تعالى عليّ برجاء انتهى إليه الأمر، وبه رفع هذا الاحتمال.

الحالة الثانية عشرة: حالة تأكّد الرجاء

إذ قد تتابعت فيها وجوه اطمئنان القلب، وترادفت وجوه الأمن، وسكون القلب متابعة تترى ؛ وذلك بملاحظة خواصّ عجيبة لهذه الوسائل الحسينيّة.

منها: أنّ الشّرط لقبول الصّلاة التي هي شرط قبول الأعمال: الإقبال، وينوب مناب الإقبال: النوافل الرواتب، فهي تؤثّر في قبول الصّلاة الواجبة، فإذا كانت مؤثرة في قبول الفرائض، فهذه الوسائل التي وردت في فضلها أضعاف الرواتب، تؤثر في القبول بطريق أولى.

ومنها: أنّ القبول والحبط إنّما يقعان في الأعمال والعبادات التي تقع من الشّخص باختيار منه وتكلّف، وفي الوسائل الحسينيّة تترتب الآثار وإن لم يصدر العمل باختيار وقصد، مثلاً: الرقّة على مصائبه والبكاء عليه قد يقعان بملاحظة إنّه إمام مفترض الطاعة، وهذان من الأعمال الصّالحة، وقد تحصل الرقّة والبكاء عليه من دون ملاحظة ذلك، فإذا سمعت ما جرى عليه، ولم تعرف عنه شيئاً سوى أنّه من عباد الله، أو أنّه من المسلمين، أو أنّه مظلوم غريب، لغلبت عليك الرقّة والبكاء على الأقل من ناحية ما أصاب الأطفال


الصّغار من الموت عطشاً، أو القتل بالسّيف على صدره، أو بالسّهم على يديه، أو مَنْ داسته الخيول، وكذا هو حالك فيما لو سمعت بنزول هذا المصاب على مخالف للإسلام ؛ فإنّ غاية ما يستحقه إنّما هي ضربة أو جرح أو قتلة، وأمّا الرضّ بعد القتل، والضّرب على الرأس المبارك، وصلبه في عدّة أماكن، والنبش للقبر بعد مئتي سنة إلخ فهو أمر مستنكر، يوجب حصول الرقّة وجري الدمع بلا اختيار، ومن أي شخص كان.

هذا وقد روي أنّ يونسعليه‌السلام حينما كان في بطن الحوت سأل قارون وهو يعذّب في بطن الأرض عن موسى وهارون، وكلثم وآل عمرانعليهم‌السلام ، فلمّا اخبره بموتهم قال: وا أسفاه على آل عمران ! فشكر الله ذلك ورفع عنه عذاب الدنيا، فكيف أخيب مع أسفي على آل إبراهيمعليهم‌السلام وآل عمران وآل محمد المصطفى (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين).

ومنها: أنّ المؤثّرات الكلّية القوية لو وجِدت مع مانع من تأثيرها فإنّما يمنع الكلّي ولا بدّ من بقاء جزئي لا محالة، وفي الوسائل بالحسينعليه‌السلام تأثيرات قوية إذا منعت صفاتي وأعمالي عن تأثيرها التام فأقنع بتأثير جزئي منها وذلك يكفيني.

فأقول: وقد ورد من تأثير بعض زياراته أنّ زائره يكون من الشّفعاء في عشرة أو مئة، أو يُقال له: خذ بيد مَنْ أحببت فأدخله الجنّة.

وحيث إنّي أرى نفسي وقد انفتحت عليّ الأبواب السّبعة من النار، بل وأراها الآن محيطة بسلاسلها وأغلالها، بل وظهرت عليّ علائم الخلود فيها، فلا أطمع أن أكون من الشّفعاء في الحشر، بل أقنع بأن يأخذ بيدي أحد فيخلّصني من أهوال القيامة، أو أقنع بأن أخرج من النار ولو بعد حين ؛ فأنجو من الخلود.

وقد ورد في فضل زيارتهعليه‌السلام أنّ زائره يكون من محدّثي الله تعالى فوق عرشه، فأنا لست منهم، فأقنع من ذلك بأن يكلّمني ملك من ملائكة الرحمة.


وقد ورد في فضل زيارته أنّه قد يكون الشّخص بها من السّاقين للكوثر، وأنا لست بأهل لذلك، بل أرى نفسي في معرض أن أكون من الذين يقولون في النار لأهل الجنّة( أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ ) ، فأكتفي من هذه الوسيلة بأن يسقيني أحد السّاقين للكوثر.

وقد ورد في فضل زيارته أنّه قد ينال الشّخص بها الأكل مع النبيّ المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة على مائدته، وأنا لست أهلاً لذلك، فأكتفي بأن أتخلّص من أكل شجرة الزقوم.

فهذه المؤثرات القويّة العظيمة لا يمكن من جهة الموانع أن لا يبقى من آثارها هذه الجزئية.

ومنها: أنّ الوسائل الكثيرة بالنسبة إليه ـ كما سنذكرها ـ يمكن أن تجتمع كلّها في آن واحد حتّى ما مضى وقته ولم يأتِ وقته، وما يمكن الإتيان وما لا يمكن وجميع المراتب منه ؛ فيمكن للشّخص في آن واحد تحصيل جميع الوسائل من أدناها الذي هو التباكي عليه، وأعلاها الذي هو الشّهادة بين يديه، وبحصولها يحصل على جميع العبادات في آن واحد ؛ وذلك إنّه لو انعقد مجلس مثلاً لذكر مصائب الحسينعليه‌السلام وتذكّر ما صُنع به، وحصل فيه إبكاء وبكاء، وتباكٍ وحزن، وهمّ ورقّة، وتوجّه القلب إليه مسلّماً ومصلّياً عليه مع إشعار القلب بجلالته، والمعرفة بحقّه، وتصوير حالاته، والاستعبار والجزع عليه، وتمنى نصرته والشّهادة بين يديه فقد فاز بثواب كلّ الوسائل إليه، وعبد الله بجميع العبادات حتّى الشّهادة بين يديه.

وسنذكر ما يدلّ على ذلك من الأخبار، ومع ذلك كلّه وعلاوة عليه يتّصف ذلك المجلس بجميع صفات المشاهد الشّريفة على ما يُستفاد من الأخبار، فيتّصف بأربع عشرة صفة :

الأوّل: أنّه مصلّى لله تعالى، يعني محلّ صلواته على أهله.

الثاني: أنّه مشهد للملائكة المقرّبين.

الثالث: أنّه محلّ نيل الدعاء من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والوصي والزهراء والمجتبىعليهم‌السلام .

الرابع: أنّه منظر الحسين المظلومعليه‌السلام .

الخامس: أنّه محلّ خطابه لأهل المجلس ومكالمته معهم.

السادس: أنّه محبوب للصّادقعليه‌السلام ، بل لجميع أولياء الله تعالى من الأولين والآخرين.

السابع: أنّه عرفة.

الثامن: أنّه مشعر حرام.


التاسع: أنّه حطيم.

العاشر: أنّه مطاف لبيت الله تعالى.

الحادي عشر: أنّه قبّة الحسينعليه‌السلام .

الثاني عشر: أنّه مخمد للنيران المشتعلة.

الثالث عشر: أنّه منبع لماء في الجنان، وهو ماء الحيوان.

الرابع عشر: أنّه يصير تلو مجالس أوّلها قبل الخلق وآخرها المحشر.

وسيجيء تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

إذا تصوّرت ما قلته، فكيف تتصوّر أنّك تخرج خالياً آيساً من هذه المشاهد المشرّفة المباركة مع هذه الحالات والعبادات واجتماع الصّفات ؟! فلو منعت الموانع من التأثيرات فقليل من أدنى أثر تأثيرات واحدة منها ممّا يستحيل عدمه، قليل منك يكفيني، ولكن قليلك لا يُقال له: قليل.

وبعد تيقّن ذلك ختمت المكالمة مع النفس، وتحقّق الرجاء والواثق الخالص بالوسائل الحسينيّة، فتوجّهت إلى صاحبها وعقدت معه عقد الوسائل بتأليف كتاب جامع لخصائصه التي امتاز بها من جميع المخلوقات حتّى الأنبياء والأئمّة (سلام الله تعالى عليهم)، وسمّيته بـ(خصائص الحسين عليه‌السلام ومزايا المظلوم) أرجو بفضل ربّي (عزّ وجلّ) أن يجعله لي في ظلمات القبر ضياءً ونوراً، ومن مخاوف الفزع الأكبر أمناً وسروراً، وعند إيتاء الكتب كتاب الحسنات يخرجه لي ألقاه منشوراً، وفي مخازي ذلك اليوم كرامة وحبوراً، ومدى الأعصار ذكراً موفوراً، بحول منه وقوّة( وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ، وفيه مقدّمة ومقاصد.

حرره وحققه: السيّد جعفر الحسيني

تأليف: آية الله الشيخ جعفر التستري

العنوان الأوّل :

في محال وجوده من بدء خلق نورهعليه‌السلام

إلى بعد يوم الجزاء

وفيه مقاصد :

المقصد الأوّل: ما يخصّه في ابتداء خلق نوره

اعلم أنّه قد اختلف الحكماء من اليونانيين وغيرهم من العلماء في أوّل ما صادر عن الأوّل، وفي تعيين أوّل المخلوقات، واختلف


المتكلّمون والمليّون أيضاً في ذلك، واختلفت الأخبار في ذلك أيضاً فذهب أكثر الحكماء إلى أنّ أوّل المخلوقات العقل الأوّل، ثمّ العقل الأوّل خلق خلق العقل الثاني، والفلك الأوّل، وهكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر ؛ فهو خلق الفلك التاسع، وهول العناصر

وتقريره: أنّ العقل الأوّل المخلوق لله له ثلاث جهات ؛ وجود من المبدأ الأوّل، ووجوب بالنظر إلى المبدأ الأوّل، وإمكان من حيث ذاته، فكان بذلك الوجود سبباً لعقل آخر، وبذلك الوجوب سبباً لنفس فلك، وبذلك الإمكان سبباً لجسم فلك، وعلى هذا النهج يصدر من العقل الثاني إلى العقل العاشر.

وذهب ثاليس الملطي إلى أنّ أوّل المخلوقات الماء، وذهب بليناس الحكيم إلى أنّ الله لمّا أراد أن يخلق الخلق تكلّم بكلمة فكانت تلك الكلمة علّة الخلق، وحدث بعد هذه الكلمة العقل فدلّ بالفعل على الحركة، ودلّت الحركة على الحرارة.

والذي دلّت عليه الروايات الصحيحة الكثيرة أنّ أوّل مخلوق هو نور محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودلّ على ذلك العقل السليم ؛ فإنّ العلّة في الأشرفية وكثرة الاعتناء والأحبية إلى الله توجب التقدّم في الخلقة، وفي بعض الروايات نوره ونورهم.

وإذاً قد تحقّق أنّ الحقّ هو أنّ أوّل المخلوقات هو نور النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو نوره وأنوارهم، فعلى كلا التقديرين [نقول :] إنّ أوّل المخلوقات هو نور الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (( حسين منّي وأنا من حسين ))، وفي رواية أخرى (( أنا من حسين وحسين منّي ))، فهو أوّل مخلوق وأوّل ما صدر عن الأوّل.

فكلّ مخلوق تابع له، فلا غرور أن يبكيه كلّ مخلوق فإذا قلنا: بكاه كلّ مخلوق فلا تتوهّم أنّه مبالغة، أو استعارة تمثيلية، أو خيال، أو بكاء بلسان حال، أو فرض أو تقدير، لا، بل ذلك حقيقة في الباكين من جميع الموجودات ؛ من نبيّ، أو ملك، أو فلك، أو إنس، أو جن، أو شيطان، أو شمس، أو جنة، أو قمر.

لا أقول في هذا العالم فقطّ ،


بل شموس جميع العوالم وأقمارها، وسماواتها وأراضيها وسكّانها ؛ ففي الرواية: (( خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، وأنتم آخر العوالم والآدميين )).

وهكذا بكاء كلّ شيء بكاء حقيقي وإن كان في كلّ بحسبه، وليس مرادي من بكاء كلّ شيء بكاؤه بعد قتله فقط، فإنّ بيان ذلك له أبواب على حدة تُذكر بعد باب شهادته، بل المراد بكاء كلّ شيء عليه قبل قتله، كما في زيارة شعبان، مروية عن القائم (صلوات الله تعالى عليه): (( بكته السماء ومَنْ فيها، والأرض ومَنْ عليها ولمّا يطأ لابتيها ))(١) .

وليس المراد من بكاء كلّ شيء عليه قبل قتله حصول ذلك في الجملة، بل أقول: إنّه حيث خلق أوّل ما خلق مظهراً للخشوع والخضوع، فكلّ خضوع وانكسار في العالم فله وبه، والذي هو في باطنه وحقيقته لله تعالى وحده الحي القيّوم.

وكما قال الحكماء المحقّقين: كلّ انكسار وخضوع به، وكلّ صوت فهو نوح الهواء.

وليس مرادي من بكاء كلّ شيء على قتله أنّ ما قُتل به خارج عن ذلك ؛ لأنّه المبكي عليه.

بل أقول كما قال ذلك الحكيم في قصيدته :

السّيف يفري نحره باكياً

والرمح ينعى قائماً وينثني

فالنبل يصيبه ويبكي

والرمح شائل للرأس يبكي(*)

وليس مرادي من بكاء كلّ شيء على قتله ـ إنّ قتلته خارجون عن ذلك ـ، بل هم بوجودهم العام وماهيتهم يصيبهم الانكسار ويبكون عليه بحقائقهم وفطرتهم، ولكن بمقتضى صفات أفعالهم الاختيارية التي بها خُلّدوا في النار، لا يبكون إلاّ إذا غفلوا، فيبكون البكاء الظاهري الاختياري، كمعرفة الله تعالى بالنسبة إلى الذين( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ) ،

____________________

(١) أي مثنّى لابة: وهي الأرض ذات الحجارة السوداء.

(*) لا يخفى ما في البيتين من خلل عروضي واضح (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


فكما إنّ الزنادقة والدهرية إذا غفلوا عن مقتضى عنادهم وجحودهم نطقوا بالتوحيد، فكذلك أعداؤه وقاتلوه إذا غفلوا يبكون عليه (سلام الله عليه)، بل إذا لم يغفلوا ولاحظوا عداوته وأرادوا قتله، وسلب عياله غلبهم البكاء بلا اختيار، كما ظهر ذلك من حالة ابن سعد حين أمر بقتله، وحالة السالب لقرطي فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ، وحالة يزيد (لعنه الله) لمّا أراد الاُسارى فرّق لهم، وقال: قبّح الله ابن مرجانة.

المقصد الثاني: خصائص نوره بعد خلقه إلى حين ولادته

اعلم، إنّ الله (جلّ جلاله) لم يزل متفرداً، ولم يكن مخلوق ولا زمان ولا مكان، فلمّا ابتدأ بخلق أفضل المخلوقات، واشتق من نوره نور علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، جعل لهم محالاً متعدّدة وعوالم مختلفة، كما يظهر من مجموع الروايات المعتبرة.

فمنها: قبل خلق الخلق

ومنها: قبل خلق آدمعليه‌السلام

ومنها: بعدهعليه‌السلام

أنواراً تارة، وأشباح نور تارة، وظِلالاً تارة، وأنواراً في الجنّة تارة، وعمود نور اُقذف في ظهر آدمعليه‌السلام تارة، وفي أصابع يده أخرى، وفي جبينه أخرى، وفي جبين كلّ من الأجداد من آدمعليه‌السلام إلى والد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عبد الله بن عبد المطلبعليه‌السلام ، وفي جبين كلّ جدّة عند الحمل ممّن هو في ترائبها، من حواء إلى أُمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله آمنة بنت وهبعليها‌السلام .

ثمّ لنورهم محالاً متعدّدة قدّام العرش، وفوق العرش، وتحت العرش، وحول العرش، وفي كلّ حجاب من الحجب الاثني عشر، وفي البحار، وفي السّرادقات، ولبقائهم في كلّ محلّ مدّة مخصوصة فمدّة وجودهم قبل خلق العرش أربعمئة وعشرون ألف سنة، وزمان كونهم حول العرش خمسة عشر ألف سنة قبل آدمعليه‌السلام ، وزمان كونهم تحت العرش اثنا عشر ألف سنة قبل آدمعليه‌السلام .

وليس المقام مقام هذه التفاصيل ؛ فإنّه يحتاج إلى كتاب مستقل، إنّما المقصود بيان خصائص الحسينعليه‌السلام في نوره، وامتياز نوره


من الأنوار في جميع هذه العوالم والحالات في الظِلال والأشباح والذرّات، وحين تجسّمه بالشجرة في الجنّة، والقرط في أذن الزهراءعليها‌السلام وهي في الجنّة في إحدى هذه العوالم.

فنقول: إنّ هذه الأنوار في هذه العوالم مصدرها نور النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وامتيازه كون نوره من نوره ؛ فإنّه من حسين وحسين منهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحين افتراقهما كان لنور الحسينعليه‌السلام خصوصية في أنّ رؤيته كانت موجبة للحزن، كما اتّفق لآدمعليه‌السلام حين ظهرت الأنوار في أصابعه وكان نور الحسينعليه‌السلام في الإبهام، وقد بقي هذا التأثير إلى الآن، فإنّ مَنْ غلب عليه الضحك إذا نظر إلى إبهامه غلبه الحزن.

واتّفق لإبراهيمعليه‌السلام أيضاً حين رأى الأشباح فكان شبحه في تلك العوالم، كما إنّ التنطّق باسمه وسماعه كان مورثاً للحزن، بل سوى ذلك فيما انتسب إلى نوره، كما في حديث المسامير الخمسة التي أتى بها جبرائيلعليه‌السلام ليسّمر بها جوانب السّفينة، كلّ مسمار باسم واحد من الأنوار الخمسةعليهم‌السلام ، فلمّا أخذ المسمار المنتسب إلى نور الإمام الحسينعليه‌السلام أشرق وأحس منه رطوبة بلون الدم، فسأل عن ذلك ! فاُجيب بأنّه مسمار الحسينعليه‌السلام ، وسبب ظهور الدم منه شهادته بالكيفية الخاصّة.

ومن الخصوصيات لنورهعليه‌السلام : إنّ النور الذي كان يظهر على جبين الأُمّهات عند الحمل بأحد الأجداد للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلى جبين آمنة عند الحمل بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّما ذلك لعدم كون أنفسهن من هذه الأنوار فإذا حملته ظهر أثره في الجبهة، وأمّا إذا كانت الأُمّ بذاتها من الأنوار فلا وجه لظهور النور، ولا يظهر على الوجه بالخصوص نور زائد على ذلك ؛ فلم يظهر على جبهة الزهراءعليها‌السلام حين حملها بالحسينعليه‌السلام نور زائد على نور وجهها المبارك، ولكنّ خصوصية الحسينعليه‌السلام أنّها لمّا حملت بالحسينعليه‌السلام قال لها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إنّي أرى في مقدّم وجهك ضوءاً ونوراً، وستلدين حجّة لهذا الخلق )).

وقالتعليها‌السلام : (( إنّي لمّا حملت به كنت لا أحتاج في الليلة الظلماء إلى مصباح )) فخصوصية


نور الحسينعليه‌السلام أنّه يظهر على النور أيضاً.

ومن خصوصياته أيضاً: إنّه يغلب النور أيضاً ؛ ولذا قال مَنْ رآه صريعاً وهو في الشمس نصف النهار حين قتله: والله، لقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله. ومن خصوصياته أيضاً: إنّه لا يحجبه حاجب، كما قال ذلك القائل: إنّي ما رأيت قتيلاً مضمّخاً بدمه(١) ، إنّي ما رأيت مضمّخاً بالدم والتراب أنور وجهاً منه فلم يحجب التراب والدم الذي علا على وجهه نوره الذي علا كلّ نور.

المقصد الثالث: في خصوصيته بعد ولادته

وأوّل محلّ حلّ فيه بعد الولادة يدا النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّه كان واقفاً بباب الحجرة ينتظر ولادته المباركة، فلمّا سقط ساجداً لله تبارك وتعالى نادى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يا أسماء، هلمّي إليّ ابني )). فقالت: إنّنا لم ننظفه بعد.

فقال: (( أنت تنظّفيه ؟! إنّ الله قد نظّفه وطهّره )).

فأتته به إليه في خرقة من صوف، فأخذه بيده ونظر إليه وبكى، وقال: (( عزيزٌ عليّ يا أبا عبد الله )). ثمّ بعد ذلك كانت محالّه كتف جبرائيلعليه‌السلام ، وعلى عاتقه تارة أخرى، وكتف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تارة، وظهره تارة، وصدره أخرى، وعلى يده رافعاً ليقبّل فاه تارة، ورافعاً له يريه الناس أخرى، وعلى ظهره وهو ساجد تارة، وعلى يدي علي وهو يمسكه والرسول يقبّل جميع أعضائه تارة، وكان آخر محلّ له صدر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله حين احتضاره، ويقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ما لي وليزيد ! لا بارك الله في يزيد )). اللّهمّ صلِّ على محمد حبيبك وآله المعصومين.

المقصد الرابع: خصوصية محلّه عند شهادته، وخصوصية محلّه بعدها قبل أن يدفن

له في ذلك خصائص بالنسبة إلى كلّ نبي وإمام قتيل ؛ فإنّ كلّ قتيل منهم قد قُتل أو سم وهو في بيته، أو في البلد، أو في المحراب، أو في الطشت، ولم يتّفق لأحد منهم القتل على التراب، وما جرى في تفاصيل مقتله من مصائب ما أعظمها وأجلّها. فله خصائص في محلّ جسده، وهو أنّه لمّا قُتل رُفع بجسده إلى السّماء الخامسة، ثمّ اُرجع إلى أرض كربلاء، وبقي على الأرض طريحاً ثلاثة أيام برمضاء كربلاء.

وله خصائص في محلّ رأسه: وهي أنّ له محالاً

____________________ ـ

(١) أي التلطخ بالطيب وغيره والإكثار منه.


كثيرة ؛ من كونه في الأيدي، وعلى الرماح منصوباً، وعلى الشجر معلّقاً، وعلى باب دار يزيد، وعلى باب دمشق مصلوباً، وفي الطبق عند ابن زياد، وفي الطشت عند يزيد موضوعاً، ومن دورانه في البلاد الكثيرة من كربلاء إلى الشام وقيل: من الشام إلى مصر وقيل: من مصر إلى المدينة، ومن الشام إلى كربلاء، أو من الشام إلى السماء.

المقصد الخامس: خصوصية محلّه في برزخه

في الحديث: (( إنّه في يمين العرش ينظر إلى مصرعه ومَنْ حلّ فيه، وينظر إلى معسكره، وينظر إلى زوّاره، وهو أعرف بهم وبأسمائهم، وأسماء أبائهم، وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله تعالى من أحدكم، وإنّه ليرى من يبكيه فيستغفر له، ويسأل أباءه أن يستغفروا له، ويقول: أيّها الباكي، لو تعلم ما أعدّ الله لك لكان فرحك أكثر من جزعك )).

المقصد السّادس: خصوصية محلّه في المحشر

في الروايات: إنّ له مجلساً تحت ظلّ العرش خاصّاً به له خصوصية، هي أنّ أهل مجلسه من الباكين عليه، والزائرين له مستأنسين بحديثه، وهم آمنون، وعند جلوسهم عنده يرسل إليهم أزواجهم من الجنّة: إنّا قد اشتقنا لكم، فيأبون الذهاب إلى الجنّة، ويختارون حديث الحسينعليه‌السلام .

ثمّ إنّهعليه‌السلام له موقف في المحشر خاصّ به يوجب اضطراب كلّ أهل المحشر، وتشهق فاطمة الزهراءعليها‌السلام إذا نظرت إلى موقفه ذلك، وهو حين يحشر قائماً ليس عليه رأس، وأوداجه تشخب دماً، وله تفصيل يذكر في محلّه.

المقصد السابع: خصوصية محلّه في الجنة بعد يوم الجزاء

اعلم أنّ لكلّ إمام محلاً خاصّاً في الجنّة، ولهعليه‌السلام مع ذلك درجات مخصوصة، قد أخبرهصلى‌الله‌عليه‌وآله بها، بقوله: (( وإنّ لك في الجنان لدرجات لا تنالها إلاّ بالشّهادة )) ومع ذلك فهو زينة لكلّ مواضع الجنّة، فكأنّه في كلّها وكلّها له.

انتهى العنوان الأول


العنوان الثاني :

في صفاته وأخلاقه وعباداته العامّة المطلقة

وليس المراد بيان صفات الإمامة ؛ فإنّها ممّا لا تصل العقول إلى كنهها، ولا يحيط ببيانها الأرقام ولا الأقلام، ويلزم على كلّ مكلّف معرفتها إجمالاً للمعرفة بحقّ الأئمّةعليهم‌السلام ، ولا بيان محض صفاته الممتاز فيها أيضاً، إنّما المقصود بيان خصوصية في صفات خاصّة وعبادات خاصّة، وهي على قسمين: الأول: صفات مطلقة، وعبادات مطلقة له على مدّة الحياة. الثاني: خصوصية لتلك الصّفات، وخصوصية للعبادة في يوم الطفّ. فكلّ من هذين عنوان مستقل، وهذا العنوان لبيان خصائصه الدائمة، وخصوصيات له في صفات خاصّة ثابتة له مدّة عمره. فنقول :

منها: إباء الضّيم

فله نحو خاصّ به قالعليه‌السلام لمّا أرادوا منه النزول على حكم يزيد، وابن زياد: (( لا والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد )) بل يُقال: إنّه سنّ إباء الضّيم، وأنّ أباة الضّيم يتأسّون به.

ومنها: الشّجاعة

ولها كيفية خاصّة به ؛ ولذا قيل: الشّجاعة الحسينيّة، فقد ظهرت منه في يوم الطفّ في حالته شجاعة ما ظهرت من أحد أبداً، ولم يتّفق مثلها حتّى لوالده الكرارعليه‌السلام ، ولا لغيره من المعروفين بهذه الصّفة.

ومنها: العبادة

فله منها خصوصية هي أنّه اشتغل بها في بطن اُمّه، فكانت تسمع منه الذكر والتسبيح إلى أن رُفع رأسه على الرمح، وسُمع منه الذكر وقراءة القرآن. وهذه الخصوصية زائدة على ما قاله السّجادعليه‌السلام حين قيل ]له]: ما أقلّ ولد أبيك ؟! قال: (( العجب كيف وُلدت له ! كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة )).

ومنها: مراعاة الحقوق

فقد علّم عبد الرحمن السّلمي ولد الحسينعليه‌السلام سورة الحمد، فلمّا قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار وألف حلّة، وحشا فاه درّاً، وقال: (( أين يقع هذا من حقّه )).

ومنها: العطاء للسّائلين

فلهعليه‌السلام خصوصية وهي الحياء عند


العطاء، فالناس تعرض لهم حالة ردّ السّائل وهوعليه‌السلام له حالات عجيبة تعرض له عندما يريد أن يعطيه سؤله، وتراه يرقّ على السّائل بسبب الذلّ العارض له حين إعطائه له، لا لفقره واحتياجه وصعوبة ذلك، بل لأجل السّائل وحيائه منه.

فمن ذلك قضية الأعرابي الذي سأله فدخل البيت، وشدّ له أربعة آلاف درهم في ردائه فأخرجها له من شقّ الباب حياءً منه حين أراد أن يعطيه، ثمّ أنشدعليه‌السلام قائلاً :

خذها فإنّي إليك معتذرٌ

واعلم بأنّي عليك ذو شفقهْ

لو كان في سيرنا الغذاة عص

أمست سحاباً عليك مندفقهْ

لكنّ ريب الزمان ذو غيّر

والكفّ منّي قليلة النفقهْ

ومن هذه الخصوصية: إنّه أعطى لسائل أتى إليه ألفاً، فأخذها ينقدها، فقال الخازن: بعتنا شيئاً ؟

قال: ماء وجهي.

فقال الحسينعليه‌السلام : (( صدق، أعطه ألفاً وألفاً وألفاً ؛ الأول لسؤالك، والألف الثاني لماء وجهك، والألف الثالث لأنّك أتيتنا )).

وأعطاه رجل رقعة، فقال له: (( حاجتك مقضيه قبل قراءتها )).

فقيل له: هلاّ رأيت ما فيها !

قالعليه‌السلام : (( يسألني الله تعالى عن وقوفه بين يدي حتّى أقراها )).

وهذه الصّفة الخاصّة قد بلغت فيه بحيث إنّه يستحي من ذلّ الجاهل حين يريد أن يعلمه، لا محضّ ذلّ السّائل حين يريد أن يعطيه.

كما ورد في الرواية: إنّه رأى رجلاً لا يُحسن الوضوء فأراد أن يعلّمه فاستحى من ذلّه حين يتعلّم، فقال لأخيه: (( نحن نتوضأ قدّامه ثمّ نسأله أي الوضوءين أحسن ؟ )) ففعلا ذلك، فقال الأعرابي: كلاكما تحسنان الوضوء، وأنا الجاهل الذي لا أعرف.

ومنها: رقّة خاصّة له على أهل الهموم والغموم

حتّى إنّه دخل على أُسامة بن زيد وهو محتضر ليعوده، فتأوّه أمامه، فقال: وا غمّاه !

فقالعليه‌السلام : (( ما غمّك يا أخي ؟ )). فقال: ديّن عليّ ستون ألفاً.

فقالعليه‌السلام : (( عليّ قضاؤها )). قال: أحبّ أن لا أموت مديوناً.

فأمرعليه‌السلام بإحضار المال ودفعه إلى غرمائه قبل خروج روحه.


ومنها: الصدقات

فقد تحقّقت منه خصوصية فيها ما سمعتها من غيره ؛ وذلك إنّهم رأوا في ظهره يوم الطفّ ثفنات، فسُئل السجّادعليه‌السلام عنها، فقالعليه‌السلام : (( إنّ ذلك ممّا كان ينقله في الليل على ظهره للأرامل والأيتام المساكين )).

قال الراثي :

وإنّ ظهراً غدا للبرّ ينقله

سرّاً إلى أهله ليلاً لمكسور

ومنها: شدّة عزم وحزم خاصّ في التخليص من عذاب الله

ولذا اختار أشدّ التكاليف ليفوز بدرجة خاصّة تؤثر شفاعته في المستوجبين للعقاب وليس مقصودي بيان ذلك خاصّة، إنّما غرضي كيفية اهتمامه بذلك حتّى في حفظ أعدائه عن ذلك بالسّعي في رفع العذاب عنهم، حتّى إنّه لمّا أتى إليه مَنْ أتى لقطع الرأس تبسّمعليه‌السلام في وجهه ثمّ وعظه، وإذا رأى أنّه لا يفيد فيهم التخليص الكلّي كان يسعى لهم في التخفيف، كما في قضية هرثمة بن أبي مسلم لمّا لم تنجع فيه الموعظة، قال: (( فامض حيث لا ترى لنا مقتلاً، ولا تسمع لنا صوتاً )) وكذلك للجعفي كما سيجيء.

ومنها: شدّة خوفه من ربّه تبارك وتعالى

ولقد كان بحيث إذا توضأ تغيّر لونه، وارتعدت مفاصله، فقيل له في ذلك، فقالعليه‌السلام : ((حقّ لمؤمن يقف بين يدي المالك القهّار أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله )). وقد تعجّب الناس الذين شاهدوا حالته من شدّة خوفه، حتّى إنّهم قالوا: ما أعظم خوفك من ربّك ! فقالعليه‌السلام : (( لا يأمن يوم القيامة إلاّ مَنْ خاف الله في الدنيا )). أقول: فانظر إلى سيّد الشهداء يريد الوضوء لعبادة الله كيف ترتعد فرائصه ويصفرّ لونه، ونحن نشتغل بالكبائر الموبقة ولا يحصل لنا اضطراب بوجه من الوجوه، فكيف ندّعي أنّ لنا في الحسينعليه‌السلام اُسوة ؟! وهو يرتعد عند أفضل العبادادت، ونحن لا تأخذنا أدنى واهمة عند أشدّ المعاصي ! ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

ومن صفاته الخاصّة: مدحه بالنسبة إلى المادحين

فنقول: قد مدحه الله تعالى في كتابه العزيز بمدائح: منها: أنّه النفس المطمئنة، فكما هو متعارف عند الروايات إنّها نزلت في إمامنا الحسينعليه‌السلام ، وإنّه من أبرز مصاديقها، كما إنّها سورة إمامنا الحسينعليه‌السلام ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) . ومنها: أنّه كفل من رحمته،( اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ) .

ومنها: أنّه من أعلى أفراد


الوالد الذي قضى ربّك بالإحسان إليه،( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) . فهل أحسنت إلى هذا الوالد يوماً ؟

ومنها: أنّه قُتل مظلوماً غريباً،( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ) .

ومنها: أنّه ذِبح عظيم،( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) . ومنها:( كهيعص ) .

وقد سمّاه بأسماء :الأول: الفجر،( وَالْفَجْرِ ) .

الثاني: الزيتون،( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) .

الثالث: المرجان،( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) .

وقد كتُب مدحه عن يمين العرش: (( إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة )).وقد مدحه في الأحاديث القدسية بمدائح :منها: ما في حديث وضع اليدين، قال تعالى: (( بورك من مولود عليه صلواتي ورحمتي وبركاتي )) وقد وصفه بأنّه: (( نور أوليائي، وحجتي على خلقي، والذخيرة للعصاة )) كما سيجيء تفصيله في عنوان الألطاف الخاصّة.وقد مدحه رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله بمدائح عجيبة :منها: أنّه (صلوات الله تعالى عليه وآله) قال له يوماً: (( مرحباً بك يا زين السماوات والأرض )) وقال أُبي بن كعيب: وهل غيرك زين السماوات والأرض ؟

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يا اُبي، والذي بعثني بالحق نبيّاً إنّ الحسين بن عليعليه‌السلام في السماوات أعظم ممّا في الأرض، وقد كتب الله في يمين العرش أنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة )).

ثمّ أخذ بيده وقال: (( أيّها الناس، هذا الحسين بن علي فاعرفوه، وفضّلوه كما فضّله الله تعالى )) إلى غير ذلك من الأحاديث والروايات الكثيرة المستفيضة.وقد مدحه جميع الأنبياء والملائكة، وعباد الله الصالحين، لكنّ خصوصيته في الممدوحية أنّه ممدوح الأولياء والأعداء فقد اختصّ بمدح أعدائه له، فقد مدحه معاوية في وصيته ليزيد، ومدحه ابن سعد في بعض أبياته، ومدحه قتلته حين وقفوا لمبارزته وأشهدهم، ومدحه شمر قاتله حين قال له: كفء كريم، ليس القتل بيده عاراً ومدحه سنان حين اشتغل بقتله، فقال :

أقتلك اليوم ونفسي تعلمْ

علماً يقيناً ليس فيه مكتمْ

ولا مجال لا ولا تكتمْ

إنّ أباك خير مَنْ تكلمْ

ومدحه رافع رأسه حين جاء به إلى ابن زياد ،فقال :

املأ ركابي فضة أو ذهبا

إنّي قتلتُ السيد المحجّبا

قتلت خير الناس أُمّاً وأبا

وخيرهم إذ ينسبون نسبا

وقد مدحه يزيد في مجلسه حين دخلت عليه هند زوجته في مجلس


عام حاسرة، فغطّاها، فقال (لعنه الله تعالى): اذهبي وابكي واعولي على الحسين صريخة قريش ؛ فقد عجّل عليه ابن زياد(١) .

فإذا كان قول عدوّه الفاسق الفاجر يزيد: اعولي عليه، فما بالكم ساكتون عن البكاء ؟! أما تنادون بالعويل على سيّد شباب الجنان ؟!

خاتمة

هذه نبذة من أوصافه ومدائحه، وقد حاولت أمراً صعباً، وأنّى لي بمعرفة مَنْ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّه بعد جميع ما تبين: (( اعرفوه وفضّلوه كما فضّله الله تعالى )) ؟!

فلنقتصر على ذكر صفة خاصّة من خصائصه، وهي من فروع جميع الأضداد في صفاته، وتلك الصّفة الخاصّة أنّهعليه‌السلام موجب للحزن والسّرور، وأنّه سبب الأسف وسبب الفرح.

بيان ذلك: إنّه حيث كان سبب الحزن لكلّ مؤمن بالله تعالى، ومن أوّل خلقه إلى يوم البعث ؛ لأسباب كثيرة قد أشرنا إلى بعضها وسنذكرها، بل وقد صار سبباً للحزن لأهل تلك النشأة التي هي ليست بدار حزن، فجعله الله تعالى سبب الفرح والسّرور لكلّ مؤمن جبراً له وفطرة، وذلك بأنّ الله تعالى خلق الجنّة والحور من نوره حين الاشتقاق من الأنوار، كما في رواية عن أنس بن مالك، عن النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (( إنّ الله تعالى خلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم، حين لا سماء مبنيّة، ولا أرض مدحيّة، ولا ظلمة ولا نور، ولا شمس ولا قمر، ولا جنّة ولا نار )).

فقال العبّاس: كيف كان بِدءُ خلقكم ؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يا عمّ، لمّا أراد الله تعالى أن يخلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نوراً، ثمّ تكلّم بكلمة اُخرى خلق منها روحاً، ثمّ مزج النور بالروح فخلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين، فكنّا نسبّحه حين لا تسبيح، ونقدّسه حين لا تقديس فلمّا أراد الله تعالى أن يُنشئ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش ؛ فالعرش من نوري، ونوري من الله، ونوري أفضل من العرش.

ثمّ فتق نور أخي فخلق منه الملائكة ؛ فالملائكة من نور علي، وعلي أفضل من الملائكة.

ثمّ فتق نور ابنتي الزهراء فخلق منه السماوات والأرض ؛ فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة، ونور

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢ / ٧٤.


ابنتي فاطمة من نور الله تعالى، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض.

ثمّ فتق نور ولدي الحسن فخلق الشّمس والقمر من نور ولدي الحسن، ونور الحسن من نور الله تعالى، والحسن أفضل من الشّمس والقمر.

ثمّ فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنّة والحور العين ؛ فالجنّة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله تعالى، وولدي الحسين أفضل من الجنّة والحور العين )).

والحسين عبرة كلّ مؤمن، وفرحة كلّ مؤمن

ومن العجائب في هذه الخصوصية أنّه سبب الفرح به، وهو الجنّة والحور العين ؛ [حيث] صار سبباً لعروض الحزن لها ؛ فهو سبب الحزن حين تسبب السّرور ؛ فإنّ الجنّة قد بكت عليه لمّا وقع طريحاً، والحور العين قد لطمت عليه في أعلى عليّين.

وأعجب من ذلك: أنّه حيث صار سبباً لحزن الجنّة صار سبباً لفرحها أيضاً ؛ فإنّها قد طلبت من ربّها أنْ يزيّنها، فزّين الله تعالى أركانها بالحسن والحسينعليهما‌السلام ، فماست كما تميس العروس فرحاً، والحمد لله ربّ العالمين.

انتهى العنوان الثاني

العنوان الثالث :

في خصائص صفاته وأخلاقه وعباداته يوم عاشوراء

لهذه الخصائص خصوصية ظهرت في صفاته وعباداته يوم عاشوراء بالخصوص، وهي منشأ جميع الخصائص، ألا وهي امتثاله لخطاب خاصّ به من الله تعالى قد امتثل بعبادة خاصّة به في يوم واحد، وتحقّقت بالنسبة إليه ألطاف خاصّة في مقابل أجزاء تلك العبادة، أو لنقل العبودية للربّ.

وهي عبادة ما تحقّقت من أحد قبله، ولا تحصل لأحد بعده، وهي عبادة جامعة لما يتصوّر من العبادات البدنية الواجبة والمندوبة، ظواهرها وبواطنها، روحها وصورتها، وأتى بأكمل أفراد كلّ واحد منها.

فعَبَد الله تعالى بجميع مفردات تلك الكلمة وتراكيبها ،


وبهيئة اجتماعها في ظرف يوم واحد، وأظهر مع ذلك فيه جميع مكارم الأخلاق والصّفات الحسنة، متلائمها ومتضادّها، بأكمل أفرادها، وأضاف إلى ذلك تحمل أعظم الشدائد والابتلاء الحاصل لكلّ مبتلى، والصّبر عليها بأكمل أنواعه، بل الشكر عليها بأكمل وجوهه، وحازت هذه العبادات من كلّ مزية وخصوصية موجبة للفضيلة أزكاها وأسناها، وزادت على ذلك كلّ خصوصية للعبادة في الشدّة التي هي من خصوصيات بعض الأنبياءعليهم‌السلام والذين باهى الله تعالى بهم ملائكته.

لذلك حصلت له من جميع ذلك خصوصية عبادة لم يكن له شريك فيها، وبسببها اختصّ بنداء خاصّ بقوله (عزّ وجلّ):( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ، واختص برضاه عن ربّه تعالى ورضاه عنه( رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ، واختصّ بعبودية خاصّة وجنّة خاصّة منسوبة إلى الله تعالى( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .

فلنشرع في تفصيل هذه العبادة بعون الله تعالى، فنقول: اعلم أنّ الله (جلّ جلاله) كلّف عباده بحسب مراتبهم ودرجاتهم ومصالحهم، فجعل لكلّ نبيّ شرعة ومنهاجاً له ولأمّته، ولكلّ منهم خصائص بالنسبة إلى أوصيائهم، كما جعل الله تعالى الملّة الحنيفية السّمحة السّهلة لنبيّنا محمد المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، ولكن جعل له خصائص كثيرة تبلغ إحدى وعشرين أو أزيد، وجعل لأوصيائهعليهم‌السلام بالنسبة إلى ما يتعلّق بإمامتهم ودعوتهم إلى الدين أحكاماً خاصّة مثبتة،( صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) ، فجعل لكلّ واحد في ذلك تكليفاً خاصّاً بيّنه لهم في صحيفة مختومة باثنتي عشرة خاتماً من ذهب لم تمسّه النار.

جاء بالصحف جبرئيلعليه‌السلام إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل وفاته، وقال: يا محمد، هذه وصيتك إلى النخبة من أهل بيتك.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ومَنْ النخبة ؟ )).

قالعليه‌السلام : علي بن أبي طالب ووُلده.

فدفعها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى سيد الوصيين علياًعليه‌السلام وأمره أن يفك خاتماً منها ويعمل بما فيه، ثمّ دفعها إلى ابنه الحسنعليه‌السلام ، ففكّ خاتماً فعمل بما فيه، ثمّ دفعها إلى أخيه الحسينعليه‌السلام ، ففكّ خاتماً فوجد


فيه: أن اخرج بقوم للشهادة، لا شهادة لهم إلاّ معك، واشرِ نفسك لله تعالى أي بمعنى: بع نفسك لله ثمّ دفعها إلى علي بن الحسين (صلوات الله عليهما)، ففكّ خاتماً فوجد فيه: اطرق واصمت، والزم منزلك، واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين.

ولمّا كان من التكليف المختصّ بالحسينعليه‌السلام ( بع نفسك )، والمراد به في خصوص يوم القتال، فلا بدّ أن يجمع في ذلك اليوم بين كلّ عبادة بدنية وقلبية وفعلية وتركية ؛ واجبة ومستحبة، بأنواعها وأقسامها، وأصنافها وأشخاصها، المشتركة بينه وبين غيره، والمختصّة بهعليه‌السلام ، فاستحق المعاملة الكلية مع الله تعالى، وأن يعطيه كلّ ما يمكن أن يعطيه المخلوق، وقد فعل ذلك.

وحصلت له بإزاء ذلك ألطاف خاصّة جليلة وخفية، وتفصيل هذه المعاملة، وبيان هذه العبادة إنّما يتحقّق بأن نعنون للعبادات والأخلاق على نحو ما في كتب الفقه، ثمّ نذكر كيفية تأديته لها، ثمّ بعض خصوصيات جمعها وتركيبها.

كتاب العبادات البدنية الواجبة

وفيه أبواب :

أولاً: باب الطهارة الظاهرية العامة

فقد اغتسل ليلة شهادته بماء أتى به ولده علي مع علمه بأنّهم يضطرون إليه، وهذا من خصائصه فاختص بالجمع بين أقسام الطّهارات، ثمّ تطّهر بطهور خاصّ هو دم قلبه، فتوضأ منه بغسل الوجه، ثمّ اغتسل غسل ترتيب بدمائه، فغسل بها رأسه ثمّ بدنه، ثمّ غسل بها غُسل ارتماس تارة اُخرى.وأمّا الباطنية الخاصّة: فقد توضأ في يوم العاشر بوضوء خاصّ، فملأ كفه من بعض دمائه وغسل بها وجهه وخضّبه، ثمّ تيمم صعيداً طيّباً مباركاً فمسح به وجهه، واضعاً عليه جبهته حينما تهيّأ لتسليم ما باعه لله تعالى.

ثانياً: باب الصلاة

في الزيارة الجامعة ورد: (( وأقمتم الصّلاة )) وفي زيارة الحسينعليه‌السلام بالخصوص: (( وأقمت الصّلاة )).فله إقامة الصّلاة المختصّة به، فقد صلّى في ذلك اليوم بأربعة أقسام من الصّلوات.

القسم الأوّل: الوداع لصّلاة الليل، وهي التي لها استمهل القوم ليلة عاشوراء.

القسم الثاني: صلاة الظهر في


ذلك اليوم على طريقة صلاة الخوف، بنحو خاصّ به غير صلاة عسفان وذات الرقاع وبطن النخل(١) .القسم الثالث: روح الصّلاة من أسرار أفعالها وأقوالها وكيفيتها على ما هو مذكور في كتاب الصّلاة.القسم الرابع: صلّى صلاة خاصّة به بتكبير خاصّ وقراءة خاصّة، وقيام خاصّ وركوع خاصّ وسجود وتشهّد وتسليم أحرم لها حين نزل من الفرس وقام حين وقف راجلاً، وركع حين كان ينوء(٢) ويكبو(٣) ، وقنت بقوله: (( اللّهمّ متعالِ المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيّاً عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادراً على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النّعمة، حسن البلاء، قريباً أذا دُعيت، محيطاً بما خلقت، قابل التوبة لمَنْ تاب إليك، قادراً على ما أردت، ومُدرِكاً ما طلبت، شكوراً إذا شُكِرت، وذكوراً إذا ذُكِرت.أدعوك محتاجاً، وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي إليك مكروباً، واستعين بك ضعيفاً، وأتوكّل عليك كافياً، احكم بيننا وبين قومنا ؛ فإنّهم غرّونا وخدعونا، وخذلونا وغدروا بنا، وقتلونا ونحن عترة نبيّك، وولد حبيبكصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنته على وحيك، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، برحمتك يا أرحم الراحمين )).

ثالثاً: باب الصوم

قد وقع التكليف به مختلفاً، وهو اثنا عشر قسماً ذكرتها في فصل مستقل، وأعلاها صوم الحسينعليه‌السلام ، فقد أتى بصومٍ أمسك فيه عن الطعام وشرب الماء.

وأضاف إليهما الإمساك عن جميع علائق القلوب والأبدان ؛ ولذا جعل الله تعالى لصومه إفطاراً خاصّاً، أهداه إليه على يد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو منتظر لوقت الإفطار كما أخبره به ولده علي الأكبرعليه‌السلام ، وقال: هذا جدّي بيده كأس مذحورة لك.

رابعاً: باب الجنائز

يجب تجهيز الأموات وتغسيلهم وتكفينهم وتحنيطهم والصّلاة عليهم، إلاّ الشهيد في المعركة فيجب الصّلاة عليه ودفنه بثيابه، ويستحبّ التشييع لجنائزهم وحملها، والتربيع في حملها وغير ذلك، إلاّ الحسينعليه‌السلام لم يتمكن من الواجبات ؛ ولعلّه أتى بأقل الواجب من الصّلاة حسب الإمكان.وأمّا الدفن فروي أنّهعليه‌السلام حفر لرضيعه بسيفه فدفنه ؛

____________________

(١) عسفان: أي موضع بين مكة والمدينة، وذات الرقاع: مخازن بنجد كانت تمسك الماء لبني كلاب، وبطن النخل: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة.

(٢) أي ينهض ويقوم.

(٣) أي يسقط.


لنكات :الأوّل: التمكّن منه وحده.

الثاني: أن لا يُقطع رأسه.

الثالث: أن لا يبقى مطروحاً ثلاثة.

الرابع: أن لا يُرضّ بحوافر الخيول.

الخامس: عدم القدرة على النظر إليه.ولا ننسى أنّه روي أنّ أكثر من رضيع للحسين قُتل يوم الطفّ نعم، قد فعل ما تمكّن منه، من حمل الأجساد وجمعها، ووضع بعضها على بعض، فإذا وجد مَنْ يحمل الجنازة معه فعل، ومع عدم الوجدان كانعليه‌السلام يحمل بنفسه ويشيع ويربّع.

خامساً: باب الزكاة والصدقات

فقد أدى زكاة البدن، وزكاة المال، لا العشر وربع العشر، بل جميعه حتّى الثوب العتيق الذي لا قيمة له، ودفع ليلة عاشوراء أثواباً قيمتها ألف دينار لفكّ الرقاب(١) .

سادساً: باب الحجّ

قد امتاز حجّه من عباداته بخصوصيات، سنذكرها في عنوان ما يتعلّق منه ببيت الله إن شاء الله تعالى.

سابعاً: باب الجهاد

في زيارة الجامعة: (( وجاهدتم في الله حقّ جهاده )) وفي زيارة الحسينعليه‌السلام بالخصوص: (( أشهد أنّك قد جاهدت في الله حقّ جهاده )) نعم، له خصوصيةعليه‌السلام في الجهاد ؛ فاُمر بجهاد خاصّ في أحكامه لم يُؤمر به أحد قبله.وذلك من وجوه :الأوّل: أنّ من شرائط الجهاد في أوّل الأمر أن يكون الواحد بعشرة لا أكثر، فيلزم ثبات كلّ واحد في مقابل عشرة من الكفار، ثمّ خفّف الله تعالى عنهم وعلم أنّ فيهم ضعفاً فجعل شرط الوجوب أن يكون الواحد باثنين، فلم يوجب الجهاد إذا كان عدد العدو عشرة أضعاف المجاهدين، ولكن قد كتب عليه القتال وحده في مقابل ثلاثين ألفاً أو أكثر.الثاني: أنّه لا جهاد على الصّبيان ولا على الهرم، وهو الشيخ الكبير، وقد شرع الجهاد في واقعته على الصّبيان، مثل القاسمعليه‌السلام وابن العجوز (سلام الله عليهما)، بل على مثل عبد الله بن الحسنعليه‌السلام ، وعلى الشيخ الكبير كحبيب بن مظاهر (سلام الله عليه).الثالث: أن لا يظنّ الهلاك، ولكنّهعليه‌السلام قد علم بأنّه يُقتل، فقال لأصحابه: (( أشهد أنّكم تقتلون جميعاً، ولا ينجو

____________________

(١) وهو كما ورد في اللهوف ـ لابن طاووس / ٤١.


أحد منكم إلاّ ولدي علي )).ثمّ إنّ أعداءه خالفوا في سلوكهم معه حتّى الأحكام التي جعلها الله تعالى للقتال مع الكفّار وهي كثيرة.

منها: عدم القتال في الشهر الحرام، ولكنّهم قاتلوه فيه.

ومنها: أن لا يقتل صبيّ ولا امرأة من الكفّار، ولكنّهم قتلوا منه صبياناً بل رُضّعاً ؛ فرضيعاً حين أراد تقبيله، ورضيعاً حين أراد منهم أن يسقوه.

ومنها: أن لا يحرق زرعهم، وقد احرقوا بعض خيامه أثناء حياته، وأرادوا حرقها مع مَنْ فيها فخاب كيدهم، ولكنّهم أحرقوا بعضها الآخر بعد قتله.

ومنها: أن لا يهجموا دفعة ؛ إذ الشّرط الوحدة في المبارزة، ولو مع الكفّار.

ومنها: أن لا يبدؤوا في الهجوم قبل الظهر، بل العصر ؛ حتّى لا تطول المقاتلة ويحول الليل بينهم ؛ لئلاّ يُستأصلوا.ومنها: أن لا يُنقل رأس من المعركة(١) ، وقيل: إنّه يكره نقل رؤوس الكفّار إلاّ مع نكاية بهم، فأصل قطع رأس الكافر جائز، ونقله في أرض المعركة جائز، ولكن لا يجوز أن يُنقل من الميدان ومحلّ الحرب إلى مكان آخر.

ومنها: أن لا يُسلب كبير الكفّار إلاّ إذا قُتل، حتّى إنّ علياًعليه‌السلام لمّا قتل عمراً، وهو الكفر كلّه، لم يسلب منه حتّى درعه الذي لم يكن له نظير في ذلك الزمان على ما قيل، ولم يكن من لباسه، وقد سُئلعليه‌السلام عن ذلك فقال: (( إنّه كبير قوم، ولا أُحبّ هتك حرمته )).

وذلك حينما قال المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه: (( برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه )) ؛ وبذلك فرحت أُخته لمّا رأت أخاها غير مسلوب، وعلمت أنّ قاتله عليعليه‌السلام ، فكان فرحها لشيئين :

أحدهما: أنّ قاتله كفء كريم، وشخص جليل ؛ لذا قالت :

لو أنّ قاتل عمر غير قاتله

لكنت أبكي عليه آخر الأبد

وثانيها: أنّهعليه‌السلام قد احترمه بعدم سلب درعه ؛ لذا قالت: لا رقأت دمعتي إن أهرقتها تعني أنّ سروري باحترام قاتلك لك قد أنساني مصيبة قتلك فلا أبكيك، بل يُقال: إنّها هلهلت فرحاً، وقالت: يا أخي، عشت طويلاً جليلاً مكرماً، وقُتلت بيد جليل محترماً ثمّ أنشدت :

لكنّ قاتله مَنْ لا يُعاب له

وكان يُدعى أبوه بيضةَ البلدِ(*)

____________________

(١) كما جاء في كتاب المبسوط ـ للشيخ السيوطي ٢ / ٣٣.

(*) ورد المصراع الثاني في هذا الكتاب: ( وكان يُدعى قديماً ببيضةِ البلد ) ، وفيه خلل عروضي واضح، وما أثبتناه هو الصحيح ؛ إذ ذكرته بهذا النحو جلّ مصادر التاريخ (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


فما أدري لو كان قاتل أخيها ابن راعية المعزى، أبقع أبرص من أرذل الناس، فما كانت تصنع ؟!

ومنها: أن لا يُمّثل بقتيل من الكفّار، حتّى إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام نهى عن المُثلة بأشقى الاشقياء من الأوّلين والآخرين، وهو ابن ملجم، فقالعليه‌السلام :(( إذا متُ فلا تمثّلوا به بعدي )).

وهذا الحكم ثابت عند الكفّار، وعبدة الأصنام أيضاً في الجاهلية، حتّى بالنسبة إلى المسلمين الذين قُتلوا فإنّ أبا سفيان لمّا وقف يوم اُحد على الشهداء بعد فرار المسلمين في الأطراف، ورأى جسد الحمزة، جاء إليه ووضع الرمح على فمه وضعاً وشمت بقتله، وقال: ذُق يا شاق يا عاق.

لكن لمّا رأى المثلة في أصابعه وبطنه وإخراج كبده، صاح بأعلى صوته: يا أتباع محمد، إنّ قتلانا في قتلاكم مُثلة والله ما أمرت بهذا، ولا رضيت به.

ولكن قد أمر بأعظم المُثلة دعيُ أبي سفيان، فكتب إلى ابن سعد: إذا قتلت حسيناً اركب الخيل ظهره وصدره، ولست أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً، لكن على قول قد قلته: لو قتلته لفعلت هذا به.

ومنها: أن لا يُمرّ بنساء الكفّار إذا أُسرن على رجالهن القتلى ؛ ولذا عاتب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله بلالاً حين مرّ بصفية أسيرة على قتلى اليهود حتّى ارتجف وارتعدت فرائصها، ولكن عظمة المصيبة بالنسبة إلى سبايا آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليست في مجرّد المرور بهنّ على قتلاهنّ مضرجين بالدماء، بل في اصطحابهنّ لقتلاهنّ أياماً كثيرة تزيد على الشهر، وكون رؤوس القتلى بمنظرهنّ.

ومنها: أنّ النساء من الكفّار إذا اُسرنَ واسترققنَ، وكنّ من بنات السلاطين فلا يُعرضنَ للبيع في الأسواق، ولا يوقفنَ في المجالس، ولا تُكشف وجوههنَ كسائر نساء الكفّار، ولكن روي عن الباقرعليه‌السلام أنّه جيء بسبايانا إلى الشام مكشّفات


الوجوه، فقال أهل الشام: ما رأينا سبايا أحسن وجوهاً من هذه السبايا(*) .

ومع ذلك فقول الشامي ليزيد: هب لي هذه الجارية، يقرع الكبد أكثر من العرض للبيع.

ثامناً: باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لهعليه‌السلام من ذلك قسم لم يُكلّف به غيره، حتّى إنّه تبسّم في وجه قاتله ووعظه لمّا أراد قتله، ووعظ رأسه الشّريف الراهب ودعاه إلى الحقّ فأسلم على يديه.

كتاب العبادات المستحبة

أولاً: باب سقي الماء

والظاهر أنّه مستحبّ حتّى للكفّار في حال العطش والبهائم، وواجب في بعض الأوقات، وأجره أوّل أجر يُعطى يوم القيامة(١) وقد تحقّقت منهعليه‌السلام أنواع السقي كلّها حتّى السقي للمخالفين له، والسقي لدوابهم بنفسه النفيسة، وسقي ذي الجناح، فقال: (( اشرب وأنا أشرب )) وحصلت منه أنواع الاستسقاء كلّها حتّى بحفر البئر بيده الشّريفة، وبالسؤال منهم بلسانه وبرسوله مقللاً لكميته حتّى بلغ السؤال لقطرة أيضاً.

ثانياً: باب الإطعام

( فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ) وكفى في فضله أنّ الخلاص من العقبة قد حُمل عليه في الآية الشّريفة، والحسينعليه‌السلام لم يتمكّن من هذه العبادة بالخصوص، مع إنّ يوم عاشوراء علاوة أنّه كان يوماً ذا عطش فقد كان يوماً ذا مسغبة أيضاً.

إنّ الطعام كان مفقوداً عندهم في ذلك اليوم ؛ ولذا قال السجّادعليه‌السلام : (( قُتل ابن رسول الله جائعاً، قُتل ابن رسول الله عطشانَ )) لكن من جهة شدّة العطش لم يتحقّق ذكر الاستطعام ؛ لأنّه مذلّة عظيمة لا تتحمّلها النفوس الأبية، بل وتستنكف الإطعام وإن حصل بدون استطعام في هذه الحالة.ولذا لمّا أطعم أهل الكوفة الأطفال التمر والجوز صاحت بهم أمّ كلثومعليها‌السلام : يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام وأخذت هي وزينب ما في أفواه الأطفال ورمته إليهم ؛

____________________ ــ

(*) لم نعثر على هذه الرواية في المصادر المعتبرة نعم ذكر الشيخ الصدوق في حديث أبي نعيم عن حاجب عبيد الله بن زياد (لعنه الله) قوله: ( قالوا: فلمّا دخلنا دمشق اُدخل بالنساء والسبايا بالنهار مكشّفات الوجوه، فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء ! فمَنْ أنتم ؟ فقالت سكينة ابنة الحسينعليه‌السلام : نحن سبايا آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ) الأمالي ـ للشيخ الصدوق / ٢٣٠ (موقع معهد الإمامين الحسنين)

(١) كما ورد في كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٦.


فإنّ الطعام في هذه الحالة صدقة فيها إهانة وذلّة ؛ فيحرم عليهم وإن لم يكن زكاة.

ثالثاً: باب ملاطفة الآباء أولادهم

فإنّه مستحبّ، ولتفريح البنات خصوصية في الفضيلة، وقد تحقّق ذلك منه بأحسن وجوهه، وذلك بتسلية ابنته الصغيرة سكينةعليها‌السلام ، بتقبيل وجهها ومسح رأسها وتسليتها فما ازدادت إلاّ غصّة وحزناً.

رابعاً: باب ردّ العادية وإغاثة الملهوف

له من هذين المستحبّين ما لم يتحقّق لغيره منذ صارا من المستحبات ؛ فقد ردّ العادية أحسن ردّ لمّا صرخت النساء حين الإحاطة بهنّ، فقال لهم: اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي.

وقد أغاث اثنين وسبعين لهيفاً من أصحابه (رضوان الله عليهم) حين كانوا ينادونه إذا صرعوا ليحضر عندهم، فأغاثهم كلّهم، وأغاث سبعة وعشرين لهيفاً من أهل بيتهعليهم‌السلام نعم، عزّ عليه، ويعزّ ذلك علينا أنّ بعض إغاثاته صارت سبباً لشدّة المصيبة على مَنْ أغاثه، كما اتفق في إغاثته لابن أخيه على ما سيجيء إن شاء الله ؛ ولذا قالعليه‌السلام : (( عزّ والله على عمّك أن يجيبك فلا ينفعك )).

خامساً: باب إدخال السرور على المؤمن، وزيارته

وهما من أفضل الأعمال كما في الروايات، وقد سعىعليه‌السلام في إدخال السرور على المؤمنين والمؤمنات في ذلك اليوم ؛ تسليات وملاطفات، وأمر بالصبر ووعظ، لكن حيث إنّ الميدان أرض كرب وبلاء بذاته، وإنّ يوم عاشوراء يوم أسف وحزن بذاته لم يمكن أن يحصل سرور في قلوبهم وأمّا الزيارة فقد حصلت منه بعناوين مختلفة.

سادساً: باب عيادة المريض

التي ورد فيها: (( إنّ عيادة المؤمن بمنزلة عيادة الله جلّ جلاله )) وقد ظهر منهعليه‌السلام عيادة للمرضى والمجروحين حين دعوه إليهم ليعودهم، فلم يكتفِ بمحض المجيء والجلوس عندهم، بل كان يخصّ بعضهم بملاطفات خاصّة، وخصوصاً الغرباء منهم، كالعبد الأسود، والغلام التركي


الذي جاء إليه ووجده قتيلاً ولكنّهعليه‌السلام أراد عيادة واحد منهم فلم يتحقّق ذلك وهو ابنه ؛ فإنّه لأدبه لم يدعه، لكنّه لمّا سمع سلامه جاء إليه عالماً بأنّه لا يدركه حيّاً، فصاح :(( يا بُني، قتلوك! )).

نعم، تحقّقت منه عيادة لولده السجّادعليه‌السلام وسؤال عن حاله حين أراد المبارزة، لكنّها كانت آخر عيادة لموت العائد الصحيح قبل المريض المعاد، وتفصيلها في عنوان الشهادة.

سابعاً: باب تلاوة الذكر والدعاء

أمّا التلاوة: فقد كان يتلو كتاب الله تعالى آناء الليل وأطراف النّهار، ومع ذلك فقد استمهل الأعداء ليلة عاشوراء لأمور [ كان ] أحدها التلاوة، فقد اهتدى بسماع تلاوته ومناجاته ثلاثون رجلاً في تلك الليلة، وعبروا إليه من عسكر ابن سعد، واستشهدوا بين يديه، وتلا القران الكريم في يوم عاشوراء في مقامات خاصّة: أحداها حين وقف لولده قبالة القوم، وقد دامت تلاوته إلى حين رفع رأسه على الرمح، فسُمعت منه سورة الكهف.

وأمّا الذكر: فإنّ جميع حالاته وأفعاله وأقواله، وحركاته وسكناته من عصر تاسوعاء إلى عصر عاشوراء كانت ذكراً لله تعالى، وتذكّراً للميثاق، وتعاهداً له حتّى أدّى أمانته، ولم ينشغل بشيء من اللوازم البشرية والجسدية حتّى أكل الطعام، هذا مع إنّه كان رطب اللسان دائماً بالذكر حتّى حين يبس لسانه.

وأمّا الدعاء: فقد اشتغل به من أول الليل، وهو أحد الأمور التي استمهل الأعداء لأجلها ليلة عاشوراء، فاشتغل به في تلك الليلة إلى الصّباح.

ودعا أوّل الصبح بقوله: (( اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك وشكوته أليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سوال، ففرّجته )) ثمّ كان آخر دعاء دعا به وهو طريح: (( اللّهمّ متعالي المكان، عظيم الجبروت )) والذي مرّ ذكره آنفاً.

كتاب العبادات القلبية والصّفات الحميدة

اعلم أنّهعليه‌السلام قد


أبرز الأعلى من جميع مكارم الأخلاق في ذلك اليوم، ولنذكر أوّلاً الأخلاق والصّفات، فقد ورد في الرواية: إنّ الله تعالى قد خصّ بها رسله وهي اثنتي عشرة صفة كما في بعض الروايات :

منها: اليقين وقد حصل له أعلاه ؛ فإنّ حقيقة اليقين أن تصرف النفس عن الدنيا، وتتجافى عنها، وقد حصل له يوم خرج من المدينة، ولمّا نزل كربلاء كتب إلى أخيه وسائر بني هاشم: (( من الحسين بن علي إلى أخيه محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أمّا بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، والآخرة لم تزل )) فإنّه جعل الدنيا كأن لم تكن، وهذا عبارة عن تجافي القلب عنها بالكلّية.

ومنها: الرضا

وقد كانعليه‌السلام في أعلى درجات الرضا، فلمّا أراد الخروج من مكة: (( كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سبغاً لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت (صلوات الله تعالى عليكم) نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصّابرين )) فإنّه رضي بأعظم مصائبه، وهو تقطّع الأوصال ؛ إمّا بالجراح، أو بالرض إلخ.

ومنها: السّخاء

وقد سخاعليه‌السلام لا بجميع ماله فحسب، بل وبما يتعلّق به.

ومنها: الشّجاعة

وقد ورث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شجاعته كما في الرواية، فظهرت منهعليه‌السلام في ذلك اليوم شجاعة يُضرب بها المثل، لا أقول: إنّهعليه‌السلام أشجع منه أبيه وجدّه المصطفى (صلوات الله تعالى عليهم)، بل أقول: إنّه لم يتّفق لأبيه ولا لجدّه المصطفى ولا لغيره من الشّجعان المشهورين مثل ذلك أي لم يُقدّر للنبي المصطفى ولا لأخيه وابن عمّه المرتضى علي (صلوات الله تعالى عليهما) لم يُقدّر أن يكون لهما يوم كيوم الإمام الحسينعليه‌السلام . وكما قال عبد الله بن عمّار: ما رأيت مكثوراً(١) قطّ قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه ! ولقد كان يحمل عليهم وقد تكمّلوا نيفاً وثلاثين ألفاً، فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر فأصل الحملة على ثلاثين ألفاً ناشئ عن قوّة قلب، ودالّ على كمال الشّجاعة.ومنها: الوقار والطمأنينة وقد ظهر منه فرد كامل توحّد فيه ؛ فإنّه كان كلّما اشتدّ عليه الأمر يوم عاشوراء يكثر وقاره، ويزيد اطمئنانه ،

____________________

(١) أي الذي كثُرت عليه البلايا وعظُمت.


ويشرق لونه.

ومنها: رقّة القلب

فكان يرقّ قلبه على كلّ مَنْ كان معه ؛ لشدّة ابتلائهم، ويسعى في رفع المصاعب عنهم ؛ ولشدّة رقّة قلبه وروحه الطاهرة عظمت مصائبه فمِن رقّة قلبه: أنّه بمجرد رؤية ابن أخيه مريداً للمبارزة، وهو يتيم حائر عطشان مكروب، بكى حتّى غُشي عليه، فكيف تكون حاله إذا رأى حاله مُرضّضاً قد وطأته الخيول بسنابكها حتّى مات من ذلك.

ومنها: الحلم

ويكفي فيه أنّه مع جميع هذه الحالات تحمّل الضّرب والجراحات، وما دعا عليهم إلاّ إذا جُرح باللسان جرحاً لم يتحمّله، حتّى إنّ بعض مَنْ ضربه بالسيف، وسبّه كـ ( مالك بن بسر ) لم يدعُ عليه حين ضربه، بل دعا عليه حين سبّه وهذا لا ينافي الحلم ؛ فإنّ تحمّل الاستخفاف إذلال للنفس لا حلم ؛ ولذا قالعليه‌السلام : (( الموت خير من ركوب العارِ )).

ومنها: حسن الخُلق

وقد ظهر منهعليه‌السلام ، مع ما كان عليه مدّة عمره في يوم عاشوراء وليلتها، كيفيات عجيبة تظهر بملاحظة سلوكه مع كلّ واحد من الأصحاب والأهل، والعيال والخدم والعبيد بحيث يعلم تفردّه مَنْ لاحظ جزئيات حالاته في ذلك الوقت الموجب لتشتت الفكر.

ومنها: المروءة

وقد ظهر منهعليه‌السلام من هذه الصّفة معهم من سقي الماء، وعدم الرضا بنصرة الجنّ، ما يقضي منه العجب، وأعجب من ذلك أنّه أراد أحد أصحابه أن يرمي شمراً بسهم قبل التحام القتال حين جاء يكلّمهم، فقالعليه‌السلام : (( لا ترمه ؛ فإنّي لا أبدأ بالقتال )).

ومنها: الغيرة بالنسبة إلى النفس، وبالنسبة إلى الأهل والعيال

أمّا بالنسبة إلى النفس فأقواله في ذلك ؛ شعره ونثره ونظمه حين حملاته معروفة، وأفعاله الدالّة على ذلك كثيرة لكن قد أقرح القلب واحد منها وهو أنّهعليه‌السلام لمّا ضعف عن الركوب لضربة صالح بن وهب نزل، أو سقط عن فرسه


على خدّه الأيمن، وقد قيل بطعنه على خاصرته طعنة منكرة، فلم تدعه الغيرة على العيال وتجنّب الشماتة أن يبقى ساقطاً ؛ لذا قام (صلوات الله عليه)، وبعد ذلك أصابته صدمات أضعفته عن الوقوف، فجلس (صلوات الله تعالى عليه) وتحاماه الناس حين جلوسه وعليه جبة خز، ثمّ أصابته صدمات أضعفته عن الجلوس، فجعل يقوم مرّة ويسقط أُخرى، كلّ ذلك لئلاّ يروه مطروحاً فيشمتوا به.

وأمّا بالنسبة إلى العيال فقد بذل جهده في ذلك من حفر الخندق وإضرام النار فيه، وقوله: (( اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي )) حتّى وصل الأمر إلى أنّه صبّ الماء الذي في كفه وقد أدناه إلى فمه، وهو مقطّع الكبد والفؤاد من الظمأ والإعياء لمّا سمع قول القائل: إنّه قد هُتكت خيمة حرمك.

ومنها: القناعة

فقد قنععليه‌السلام من الدنيا لإتمام الحجّة عليهم، بأن يذهب إلى ثغر من الثغور، ثمّ ازدادت قناعته فقنع من جميع الدنيا وأموالها بثوب عتيق مخرّق لا يُرغب فيه ولا قيمة له أبداً.

ومنها: الصبر

وهو مناط أمام الأئمّةعليهم‌السلام ، وسبب جزائهم لقوله تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) ،( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) .

وقد روي في مهيج الأحزان بسند معتبر عن الصّادقعليه‌السلام ما مضونه: إنّه ممّا أوحى الله تعالى إلى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة المعراج أنّ الله تعالى يختبرك بثلاث لينظر كيف صبرك، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : اُسلّم أمرك، ولا قوّة لي على الصبر إلاّ بك.

فأوحى أنّه لا بدّ أن تؤثر فقراء أُمّتك على نفسك فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : اُسلّم ذلك وأصبر ولا بدّ أن تتحمّل الأذى والتكذيب لما يصيب أهل بيتك ؛ فأمّا أخوك فيُغصب حقّه ويُظلم ويُقهر ؛ وأمّا ابنتك فتُظلم وتُحرم، ويُؤخذ حقّها غصباً الذي تجعله لها، وتُضرب وهي حامل، ويُدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن ؛ وأمّا ولداك فيُقتل أحدهما غدراً ويُسلب ويُطعن، والآخر تدعوه اُمّتك ثمّ يقتلوه صبراً، ويقتلون ولده ومَنْ معه من أهل بيته، ثمّ يسبون حرمه.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اُسلّم أمري إلى الله تعالى وأسأله الصبر.

أقول: ولقد صبر (صلوات الله عليه وآله) في جميع ذلك عن كلّ شيء


إلاّ عن الحسين فلم يصبر عن البكاء عليه ؛ فإنّ البكاء لا يُنافي الصّبر، بل هو لازم الشّفقة، ورقّة القلب ولم يُسمع أنّه ذكر يوماً مصيبة نفسه، أو أحد أهل بيته وبكى، لكنّه كان كلّما ذكر الحسينعليه‌السلام أو رآه غلبه البكاء وكان يقول لعليعليه‌السلام : (( أمسكه )) فيمسكه، فيقبّل نحره، فيقولعليه‌السلام له: (( لِمَ تبكي ؟ )).

فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أُقبّل موضع السّيوف منك وأبكي )).

وكان إذا رآه فرحاً يبكي، وإذا رآه حزيناً يبكي، وكذلك علياً وفاطمة والحسنعليهم‌السلام كانوا يبكون عليه لأجل ذلك، وقد أوصىعليه‌السلام أهل بيته بالصّبر حين الوداع، ووعظهم ونهاهن عن خمش الوجوه، أي خدشها ولطمها وضربها، وشقّ الجيوب والدعاء بالويل، ولكن قالعليه‌السلام : (( لا أمنعكم من البكاء )).

نعم، قد منع ابنته عن البكاء حال حياته ؛ لئلاّ يحرق قلبه، وقال :

لا تُحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً

مادام منّي الروحُ في جثماني

فإذا قُتلت فأنت أولى بالذي

تأتينه يا خيرة النسوانِ

نعم، إنّه منعهنّ من الجزع عليه في حينها ؛ كي لا يشمت بهم الأعداء، ولكن بعدها ورد أنّ زينب (سلام الله عليها) قد ضربت بوجهها المحمل فسال الدم المبارك منها جزعاً على الحسين (صلوات الله عليه).

نعم، إنّ الجزع حرام، ولكن على مصاب أهل البيتعليهم‌السلام وعلى الحسينعليه‌السلام فليس بحرام ما دام لا يتلف النفس، أو به إيذاء شديد ثمّ أي إيذاء يأتي من اللطم أو الجزع عليهم ؟ بل هو الشّفاء بعينه كما شوهد على مرّ العصور.

وأمّا صبرهعليه‌السلام ، فقد ورد أنّه عجِبت من صبره ملائكة السماوات، فتدبّر في أحواله وتصوّرها حين كان مُلقى على الثرى في الرمضاء، جريحاً بسهام لا تُعدّ ولا تُحصى ؛ مفطور الهامة، مكسور الجبهة، مرضوض الصدر بسنابك الخيول، مثقوب الفؤاد بذي ثلاث شعب ؛ فسهم في نحره، وسهم في حنكه، وسهم في حلقه، واللسان مجروح من اللوك، والكبد محترق، والشّفاه يابسة من الظمأ، والقلب الطاهر محروق من ملاحظة الشّهداء في أطرافه، ومكسور من ملاحظة العيال والنساء في الطرف الآخر، والكفّ مقطوعة من ضربة زرعة بن شريك، والرمح في الخاصرة، وهو مخضّب اللحية والرأس، يسمع صوت الاستغاثات من عياله، والشماتات ،


بل الشتم والاستخفاف من أعدائه، ويرى بعينه إذا فتحها القتلى الموضوع بعضهم على بعض، ومع ذلك كلّه لم يتأوه في ذلك الوقت، ولم تقطر من عينه قطرة دمع، وإنّما قال (سلام الله عليه): (( صبراً على قضائك يا ربّ، لا معبود سواك يا غياث المستغيثين … إلخ )) وفي الزيارة: (( ولقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات )).وروي عن إمامنا المظلوم السجّادعليه‌السلام أنّه قال: ( كلّما كان يشتدّ الأمر كان يشرق لونه، وتطمئن جوارحه، فقال بعضهم: انظروا كيف لا يبالي بالموت ! )(١) نعم، قد بكى في كربلاء في مواضع ستة، ستأتي قريباً.والوجه في بكائه أحد أمور :

الأوّل: أنّ أصل البكاء على مصائب أهل البيتعليهم‌السلام من الطاعات.

والثاني: أنّ بكائهعليه‌السلام على ما كان يراه من اضمحلال الدين وخموده.

والثالث: وهو الأقوى، إنّ الطبائع البشرية موجودة فيهم فيعرضهم الجوع والعطش عند أسبابه، وتحترق قلوبهم لِما يرد عليهم، كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عند موت ولده: (( يحترق القلب، وتدمع العين، ولا نقول ما يُغضب الربّ )).فكذلك كان هوعليه‌السلام فليت شعري، أفكان يمكنه حبس الدموع وهو فريد وحيد بعد كثرة الأصحاب والإخوان والأولاد، ومضطهد مصاب، وقد ضاقت عليه الأرض برحبها، ومحصور بين أهل الدنيا وعبيدها في خيام هو وعياله في الرمضاء وعناء السّفر، عطاشى جميعهم وليس فيهم إلاّ أطفال ونساء، وعليل يغمى عليه بين الفينة والأُخرى، مظلوم أمام معصوم، ورأى أهله صرعى وعياله بهذه الحالة من المصائب، وقد صرعهم العطش بين ميّت ومحتضر ؟ويريد أن يتركهم ويرحل عنهم، ويقول لهم: تهيّأوا للأسر، ويأمرهم بالصبر، ويجدّ في إسكاتهم عن البكاء والصّراخ في حين الواقعة لئلاّ يشمت بهم الأعداء.والمواضع السّتة التي بكى بها الإمام الحسين الشهيدعليه‌السلام :الأوّل: حين أراد أن يخرج فجاءت ابنته الصغيرة صائحة، حاسرة مع شدّة حبّه لها وتعلّقت بثوبه قائلة: مهلاً ! مهلاً ! توقف حتّى أتزوّد من النظر إليك، فهذا وداع لا تلاقٍ بعده آه يا حسين ! ثمّ قبلت يديه ورجليه، فجلس وأجلسها في حجره، وبكى بكاءً شديداً ومسح دموعه بكُمّه وجعل يقولعليه‌السلام :

سيطول بعدي يا سكينةُ فاعلمي

منك البكاءُ إذا الحمام دهاني

____________________

(١) لقد ذُكرت الرواية بالمضمون، وإليك نصّها: ( لمّا اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالبعليهما‌السلام نظر إليه مَنْ كان معه، فإذا هو بخلافهم ؛ لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر تغيّرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم، ووجبت قلوبهم وكان الحسينعليه‌السلام وبعض مَنْ معه من خصائصه تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموت ! ) معاني الأخبار ـ للشيخ الصدوق / ٢٨٨. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


فهل يتصوّر قلب لا يغلب عليه في مثل هذه الحالة ؟ فهذا أحد مواضع بكائه.الثاني: حين وقف على جسد أخيه العباسعليه‌السلام فرآه صريعاً مع قربة مخرّقة، وكلّ من يديه المباركتين مطروحة في طرف ؛ فحينئذ بكى بكاءً شديداً، وقالعليه‌السلام : (( الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي )).الثالث: لمّا أراد القاسمعليه‌السلام أن يبرز إلى الحرب اعتنقه وبكى حتّى غُشي عليه (سلام الله عليه).الرابع: لمّا وقف على جسده ورآه رضيضاً بحوافر الخيل.الخامس: حين برز ولده علي الأكبرعليه‌السلام ، أرخى عينيه، وأخذ شيبته بيده، ورفع رأسه المبارك ودعا ربّه تعالى.السادس: حين كان يُسلّي أخته زينب الكبرىعليها‌السلام عن البكاء والجزع غلب عليه البكاء، وقطرت من عينه قطرات، ثمّ حبس نفسه عن البكاء.فإذا تأمّلت هذه الحالات وجدت أنّه يستحيل لصاحب القلب السليم الرؤوف الرحيم أن لا يبكي عندها، ووجدت أنّ من الخصوصيات الصادرة منه في هذه الحال حكمة خاصّة.فحالته عند وداع ابنته الصغيرة، وحالة الأخ المواسي التي قُطعت يداه لقربة ماء، تقتضي البكاء حتّى يُغشى عليه، وهكذا باقي الكيفيات الخاصّة.طبعاً هنا ما أحصره المؤلّف من بكاء الإمام في ستة مواضع ليس بالضّرورة أنّها هي تلك فقط المواضع السّتة، بل قد يعني بها أبرز مواطن بكائه، وإلاّ فإنّ البلاء والمصاب الذي ألمّ بالإمام في كربلاء كان شديداً على قلب إمامنا، بل على جميع أهل بيته ومَنْ معه، بل على أولياء الله تعالى من الأولين والآخرين، حيث دون تلك المواضع السّتة التي ذكرها المؤلّف هناك مصاب الرضيع القتيل على صدر أبيه الحسينعليه‌السلام ومصاب الرضيع الآخر.ومصاب أصحابه الذين لم يُعلم على مرّ التاريخ أصحاباً كأصحابه، يستأنسون بالموت استيناس الطفل لثدي أُمّه، وأيضاً مصاب الطفلة المظلومة حميدة حين مسح على رأسها، وأيضاً مصاب بناته وحال نسائه وما هنّ مستقبلات له من السّبي والضرب على متونهنّ والإذلال بحيث سيروهنّ بخيّالة قليلة وهزال، وحرق الخيام، وحاله مع أهل بيته وأطفال حين توديعهم.وأيضاً مصاب ابنه العليل المهموم لأبيهعليهما‌السلام ، وأيضاً مصاب الأُمّة والتي منها أعدائه الذين فاق عددهم على الثلاثون ألفاً والسبعون ألفاً، بل لم يُعلم عددهم لكثرته في كتب الحديث، مصابه بهم كيف عميت بصائر كلّ تلك الجموع من البشر، وما هو إلاّ رحمة منه على أُمّة جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما هو إلاّ لطيب نفسه وطهارته، وإنّه من أهل بيت طُهّروا تطهيراً.

خاتمة

اعلم أنّ العنوان السابق خصائص صفاته في طول حياته، وهذا العنوان خصائص صفاته يوم عاشوراء، وهذه الخاتمة لخصائص خصائص من صفاته البارزة يوم عاشوراء، وحاصلها صفتان عجيبتان :

الصفة الأولى: إنّه جُمعت في صفاته الأضداد ؛ ولهذا عزّت له الأنداد

ولنعدّ الصّفات بذكر كلّ صفة خاصّة وضدّها مجتمعتين، فنقول: كانعليه‌السلام إذا زاد اضطراباً اطمأنّ قلبه، وهدأت جوارحه، فهو المضطرب الوقور، وكانعليه‌السلام قد بكى في مواضع كثيرة قد ذكرناها، ولكن ازداد بذلك صبره الذي عجبت منه الملائكة فهو الباكي الصّبور، وقد كانعليه‌السلام مكثوراً أحاط به الأعداء من جميع الجهات ولكن لم يضعف قلبه من ذلك، فهو رابط الجأش مكثور ،


وقد كانعليه‌السلام موتوراً قُتل أصحابه وأهله وولده وإخوانه وهو مع ذلك ثائر بدمه، فكأنّه أخذ الثأر من قتلته، فهو الثائر الموتور، وقد كان فرداً وحيداً بلا أنصار، لكن :

كأنّه وهو فردٌ في جلالتِهِ

في عسكرٍ حين تلقاهُ وفي حشمِ

وإنّه لمّا كان يشدّ عليهم ينكشفون انكشاف المِعزى إذا شدّ عليها الذئب ؛ فهو الفريد ذو العسكر، والوحيد ذو الحشم وقد كانعليه‌السلام محتضراً غريباً وحوله أهله وعياله ؛ فهو الغريب عند الأهل وقد كانعليه‌السلام يستغيث لإتمام الحجّة عليهم، ويغيث كلّ مَنْ ناداه بـ ( أدركني يا أبا عبد الله )، فهو المغيث المستغيث وكانعليه‌السلام قد فدته نفوس الشهداء، ولا زالت تفديه قتلاً بين يديه، والأحياء جميعاً إلى يوم الجزاء، مع أنّه قد فدى نفسه الشريفة لهم ولهدايتهم ونجاتهم ؛ ولذا أنشد بعض الحكماء عن لسان حاله عند مخاطبته لأصحابه :

فديتموني إنّما أنا جئتكم أفديـ

ـكم من لظى فهو الفادي المفدّى

وكانعليه‌السلام حين وقوعه صريعاً مطروحاً يسعى تخليص أهله، ومَنْ يجيء إليه فهو المطروح الساعي، وكانعليه‌السلام قد بلغت شدّة عطشه إلى اللوك للسانه، يعني كثرة إدارة لسانه في فمه، حتّى تجرّح لسانه من شدّة عطشه وإعيائه ويبس لسانه، وكان يسعى في سقي العطاشى حتّى إنّه أراد سقي ذي الجناح قبل أن يشرب، وما نراه شرب (سلام الله تعالى عليه) ؛ حيث سمع بهتك الخيام فألقى بالماء، فهو العطشان السّاقي.

وكانعليه‌السلام عارياً بالعراء، لكن :

تحمي أشعته العيون فكلّما

حاولنَ نهجاً خلنه مسدودا

فهوعليه‌السلام العاري المستور بنور الشّمس، ونورٌ ذاتي يخرج من بدنه المبارك يشهده العدو والقريب وكانعليه‌السلام مضمّخاً بالدماء والتراب، ولكن لم ير الناظر إليه قتيلاً مضمّخاً بدمه أنور منهعليه‌السلام ، حتّى قال عدوّه: لقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله فهو المضمّخ بالتراب ذو النور الأزهر.

وكانعليه‌السلام لم يبقَ له مأوى ولا مأمن، وقد وصف به نفسه أيضاً، وكان يأوي إليه كلّ خائف، كما آوى إليه عبد الله بن الحسنعليه‌السلام وغيره من أهل بيته ؛ فهو المأوى بلا مأوى، وهو الملجأ بلا ملجأ.

وكانعليه‌السلام مسلّياً عن البكاء، وهو سبب البكاء، كما في رواية الغفاريين عبد الله وعبد الرحمن حين استأذنا وبرزا ،


إذ كانا يبكيان، فقال: (( ما يبكيكما، وأنا أرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين ؟ )).

فقالا: ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك يا سيّدنا ؛ نراك قد أُحيط بك ولا نقدر أن نمنع عنك.

وكانعليه‌السلام مسكتاً عن البكاء وهو يبكي ؛ وذلك حين أخذت زينب الكبرى بالبكاء، لمّا سمعت ما سمعت ليلة عاشوراء من نعي الإمامعليه‌السلام لنفسه، فجاءت صارخة حاسرة وقالت: يا أخي، هذا كلام مَنْ أيقن بالقتل ! قال: (( نعم يا أُختاه، لا يذهب حلمك، واصبري )) ثمّ غلب عليه البكاء.

[ الصفة ] الثانية: من خصائص خصائصه جمعه بين التكليفين المتنافيين ظاهراً

بيان ذلك: إنّه قد ثبت أنّ للنبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله خصائص في أحكامٍ تكليفية ووضعية تخالف الأحكام العامّة الثابتة لأُمّته، ولك منها: بالنسبة إلى ما يتعلّق بتكليفه وبإمامته وسلوكه مسلك الدعوة إلى الدين، والحفظ للشريعة أحكام خاصّة مثبتة،( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) وقد عمل كلّ من الأئمّة بمقتضى ما في صحيفته المختومة بخاتم من ذهب لم تمسّه النار ؛ [حيث] أتى بها جبرئيلعليه‌السلام ، وقد أشرنا إليها.

وحيث إنّ فيها أحكاماً تُخالف ما ثبت في ظاهر الشّريعة لباقي الأئمّةعليهم‌السلام ، فما ينبغي الاعتراض بعد ذلك بأنّه كيف جاز الإقدام على ما يقطع معه بالضرر، وذهاب الأنفس بالنسبة إلى بعض الأنبياء والأئمّةعليهم‌السلام ؛ فإنّهم إنّما بلغوا هذه المرتبة للتسليم والرضا، بل وحبّ القضاء والقدر بهذا التكليف وقد اختصّ سيّدنا المظلوم الحسينعليه‌السلام في قضيته بالجمع بين التكليفين ؛ الظاهري الموافق لتكليف سائر الناس، والواقعي الموافق لتكليفه الخاصّ، وهذا أيضاً من خصائصهعليه‌السلام .

أمّا التكليف الواقعي الذي دعاه إلى الإقدام على الموت والقتل، وتعريض عياله ونسائه وابنه العليل، ومَنْ معهم من النساء المواسيات للأسر، وأطفاله للذبح مع علمه بذلك فالوجه فيه أنّ عتاة بني أُميّة، وخاصة معاوية، قد اُشرب الناس حبهم، بحيث اعتقدوا أنّهم على الحقّ، وأنّ علياً وأولادهعليهم‌السلام وشيعتهم على الباطل، حتّى جعلوا سبّ عليعليه‌السلام من أجزاء صلاة الجمعة، وسُنّة واردة.

وبلغ الأمر في ذلك أنّ بعض أتباعهم


نساه في صلاة الجمعة حين خطبته وسافر، وذكره وهو في البريّة، فقضاه في محلّ تذكّره، فبنوا هناك مسجداً سمّوه مسجد الذكر ؛ تأكيداً لهذا الأمر.فلو كان الحسينعليه‌السلام يبايعهم تقيّة ويسلّم لهم لما بقي من الحقّ من أثر ؛ فإنّ كثيراً من الناس اعتقدوا أنّه لا مخالف لهم في جميع الأُمّة، وأنّهم خلفاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حقّاً، فبعد أن حاربهم الحسينعليه‌السلام ، وصدر ما صدر إلى نفسه وعياله، وأطفاله وحرم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله تنبّه الناس لضلالتهم، وبأنّهم سلاطين الجور حقّاً وصدقاً، لا حجج الله تعالى ولا خلفاء لحبيبهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فظهر دين الحقّ من جديد بعد أن أخمده الأمويون بجورهم وكفرهم.وأمّا التطبيق على التكليف الظاهري فبيانه أن نقول: إنّهعليه‌السلام قد سعى في حفظ نفسه وعياله بكلّ وجه فلم يتيسر له، وقد ضيّقوا عليه الأقطار، ولم يدَعوا له في الأرض مقرّاً، فكتب يزيد إلى عامله في المدينة أن يقتله فيها ؛( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ) ، ولاذ إلى حرم الله تعالى الذي جعله مأمناً للوحوش أن تُصاد، وللطيور أن تنفر، وللشجر والنبات أن يُقطعا، فأرادوا قبضه هناك، أو قتله غيلة وهو مُحرِم ؛ فأحلّ وخرج ولم يتمكّن من إتمام حجّه أيضاً، ولم يكن له في الأرض مقرّ.وقد تحقّق له التكليف الظاهري بالتوجّه إلى الكوفة ؛ لأنّ جميع أهلها كتبوا له بالسّمع والطاعة وألقوا إليه الحجّة، ولم يتبيّن منهم خلاف ذلك، خصوصاً بعد أن كتب له مسلم بن عقيل ببيعة الناس له، فلم يكن له عليهم حجّة لو لم يأتهم، ثمّ لمّا أتاهم وعلم بنقضهم البيعة لم يمكّنوه من الرجوع، ومع ذلك كلّه نقول: لو رجع أين يرجع ؟ لو لم يأتهم فأين كان يذهب ؟ملاحظة: إنّ الحسينعليه‌السلام لم يكن السبب الحقيقي في خروجه أو توجّهه للكوفة لسبب بيعة الناس له، كلاّ، بل كان خروجه أوّلاً من مكة المكرّمة حفاظاً منه على أن لا يُراق فيها دم، وأمّا نقض الكوفة لبيعتهم فهو كان يعلم بذلك قبل أن يقدمهم وهذا له بحث طويل مستقل حول علم الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، ولكنّه خرج إلى الكوفة لأسباب غير بيعة أهلها، يُذكر منها: أنّ بها أرضية واسعة لموالاة أهلها لمحمد المصطفى وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله وغيرها من الأسباب.

وأيضاً السّبب الأساس لخروجه، والذي كان واجباً عليه أن يخرج، هو حفاظ على ما تبقّى من دين جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولئلاّ يُمحق ما تبقّى من الدين ومَنْ أحقّ منه بالخروج على الحكومة الظالمة الجاحدة ؟!فكان هذا الحديث النبويّ الشّريف مصداقاً لهذا الكلام، وهو قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :(إنّ الإسلام محمدي الوجود، حسيني البقاء) (*) .لقد ضاقت عليك الأرض يا أبا عبد الله الحسين، وكنت مضطرباً حيران على ما ترى من تضييع الحقوق وذهاب الدين المحمدي، ولم يكن لك بدّ ولا مفرّ يا حبيبي يا حسين.والدليل على ذلك قولهعليه‌السلام لأخيه ابن الحنفية، وقد أشار إليه بأن يذهب إلى اليمن، أو إلى البوادي وكهوف الجبال: (( لو دخلت في جحر هامة من هوامّ الأرض لاستخرجوني حتّى يقتلوني )).ويدلّ على ذلك أيضاً، قوله

____________________

(*) تجدر الإشارة إلى أننا لم نعثر على مثل هكذا حديث في أغلب المصادر الروائية التي بأيدينا، بل وجدناه مقولة تُنسب للعلاّمة محمد حسين آل كاشف الغطاءرحمه‌الله (موقع معهد الإمامين الحسنَين).


للفرزدق: وقد قاله له وهو خارج عن مكة داخل الحرم، بأبي أنت وأُمّي يابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ما أعجَلك عن الحج ! فقالعليه‌السلام : (( لو لم اُعجّل لاُخذت )).

وقوله لأبي هرّة الأزدي في الثعلبية، وقد قال له: ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

فقالعليه‌السلام : (( ويحك يا أبا هرة ! إنّ بني أُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت )).

طبعاً، هنا هرب ليفتدي بنفسه وما يملك فقطّ لإبقاء دين الله تعالى، ويدلّ على ذلك قوله أيضاً لعمرو بن لوذان، وهو شيخ من بني عكرمة رآه ببطن العقبة، قال له: يابن رسول الله، أين تريد ؟

قالعليه‌السلام : (( الكوفة )).

فقال: أُنشدك الله تعالى لما انصرفت ؛ فوالله لا تقدم إلاّ على حدّ السيوف والأسنّة، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً.

فقالعليه‌السلام : (( يا عبد الله، ليس يخفى عليّ الرأي، ولكنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره )) ثمّ قالعليه‌السلام : (( والله، لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي )).

فانظروا إلى قولهعليه‌السلام : (( ولكنّ الله )) ؛ فإنّه بيان للتكليف الواقعي الذي تقدّم ذكره وقوله: (( والله لا يدعونني ))، بيان للاضطرار، وإنّه لا يفيد الرجوع ولا الفرار وفي تعبيره عن قلبه بـ ( العلقة ) إشارة إلى شدّة مصيبته، وانقلاب قلبه دماً في تلك الحالة مع كونه أولى بالأمر.

ثمّ أقول: إنّه لو بايعهم لقتلوه أيضاً، كما يدلّ عليه كلام ابن زياد حيث قال: ينزل على حكمي وحكم يزيد، يعني يجعل نفسه محكومة لنا، فلربما قتلناه أو خليناه.

وقول الشمر: فليبايع ثمّ نرى رأينا فيه.

بأبي المستضعف الغريب الوحيد، الذي أرادوا أن يقرّ لهم إقرار العبيد.

ومن جملة كلام لهعليه‌السلام يوم عاشوراء:(( والله، لا أقرّ لكم إقرار العبيد، ولا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل)).

بأبي أنت وأُمّي يا أبا عبد الله ! نعم، والله قتلُك في ميدان الحرب والضرب أنبل من الإقرار لهم، وقد قلت أنت: (( إنّ مصارعة الكرام أحسن من مضارعة اللئام )) ولو كنت ترضى بذلك تقيّة وتكليفاً ظاهريّاً فكنت تقرّ لهم، ما خلوك


وما تركوك حتّى يجمعوا لك بين الذلّة والقتلة ؛ ولذا قلت (صلوات الله تعالى عليك) بنفسي أنت: (( القتلة ولا الذلّة، والمنيّة ولا الدنيّة )).

آه بأبي أنت وأُمّي ! أعززت نفسك، وأحييت نفسك، وأحييت العباد بتحمّلك هذا التكليف.

انتهى العنوان الثالث

العنوان الرابع

في خصائصه من حيث الألطاف الإلهية به، والاحترامات الربانية له

وهي على أقسام :

القسم الأوّل: خصوصيتهعليه‌السلام في التعبير عن اللطف الإلهي بالنسبة إليه

من وجوه :

الأوّل: خصوصيات ما في الروايات المعتبرة المرويّة في كامل الزيارة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: (( بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منزل فاطمة الزهراءعليها‌السلام والحسينعليه‌السلام في حجره، إذ بكى وخرّ ساجداً، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا فاطمة، إنّ العلي الأعلى تراءى لي في بيتك هذا، ساعتي هذه، في أحسن صورة وأهيأ هيئة، وقال لي: يا محمّد، أتحبّ الحسين ؟ قلت: نعم ؛ قرّة عيني، وريحانتي، وثمرة فؤادي، وجلدة ما بين عيني.

فقال لي: يا محمّد ـ ووضع يده على رأس الحسينعليه‌السلام ـ بورك من مولود، عليه بركاتي وصلواتي، ولعنتي وسخطي وعذابي، وخزيي ونكالي على مَنْ قتله وناصبه، وناوأه ونازعه.

أما إنّه سيّد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وسيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين، وأبوه أفضل منه، فاقرأه منّي السّلام، وبشّره بأنّه راية الهدى، ومنار أوليائي، وحفيظي وشهيدي على خلقي، وخازن علمي، وحجّتي على أهل السماوات وأهل الأرضين، والثقلين والجنّ والإنس )).

والمراد من الترائي: غاية الظهور العلمي وبحسن الصورة: ظهور صفات الكمال ووضع اليد: كناية عن إفاضة الرحمة الخاصّة على الإمام الحسين (صلوات الله تعالى عليه).

ففي هذه الرواية ستّ عشرة خصوصية للحسينعليه‌السلام معبّرة عن اللطف الإلهي، وأخصّها وأفخرها قوله: وضع الله تعالى يده على رأس الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه كناية عن نهاية اللطف بالنسبة إليه بحيث لا يتصوّر فوقه لطف.

وقد عبّر الله تعالى عن نهاية إفاضة


اللطف الكامل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّه وضع الله تعالى يده على ظهره ليلة المعراج، فوضع اليد تعبير عن غاية الإفاضة.

لكن في التفرقة بين كونه على الرأس أو على الظهر حكمة خاصّة لا ترتبط بالأفضلية، وفي الحقيقة الوضع على ظهر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الوضع على رأس الحسينعليه‌السلام .

الثاني والثالث: إنّ الله تعالى قد تولّى قبض روحه عند موته وصلّى عليه، فهذه التعبيرات كلّها، كنايات عن الألطاف لا يُتصوّر أزيد منها.

وحاصل معناها: أنّه قد أعطى الله تعالى الحسين من الألطاف كلّ ما يمكن أن يُعطى.

ونحن بتوسّلنا بهعليه‌السلام نرجو أن يكون من ألطاف الله تعالى عليه صلاح أمورنا في الدنيا والآخرة.

القسم الثاني: وهو إعطاؤه ما يناسب صفاته

ولا أقول: شبه أو مثل صفاته، بل أقول: أعطاه أنموذجاً من صفاته، وخصّها به.

وهي من وجوه :

الأوّل: إنّ من صفات الله تعالى( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) ، ولها خمسة معانٍ، وقد أعطى الحسينعليه‌السلام ما يُناسب ذلك، فإن من شيء إلاّ وقد بكى لمصيبته، ولكن لا نفقه بكاءهم، كلّ شيء بحسب حاله، ولا ينحصر في تقاطر الدمع من العين.

فبكاء السّماء: تقاطر الدم وبكاء الأرض: أنّ كلّ حجر يُرفع يُرى تحته دماً وبكاء السمك: خروجه من الماء وبكاء الهواء: إظلامه وبكاء الشمس: كسوفها وبكاء القمر: خسوفه، كما ورد كلّ ذلك في الروايات.

الثاني: إنّ الإقرار بوجود الصانع الحكيم فطري( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ، فأهل كلّ دين حتّى عبدة الأصنام يقرّون به، والملاحدة والزنادقة عند إنكارهم باللسان يثبتونه.

وفي الحسينعليه‌السلام بالنسبة إلى احتراق القلب على مصيبته كذلك حتّى مَنْ لم يعرفه يبكي عليه ويُقيم عزاءه، كبعض الهنود المخالفين للإسلام، بل مَنْ عاداه حين إظهار عداوته كان يبكي عليه، فكان ابن سعد يبكي عليه حين أمر بقتله وكلّمته


زينب (سلام الله تعالى عليها).

والسالب لفاطمةعليها‌السلام كان يبكي، ويزيد قد رقّ لهم حين اُدخلت السّبايا والرؤوس إلى مجلسه كما عن فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام ، وسائر قتلته كانوا يبكون في بعض الحالات، ويزيد كان يبكي في بعض الليالي.

نعم، لم أعثر على رقّة وبكاء على حالة من الحالات بالنسبة إلى اللعين ابن زياد، لكن عثرت على تغيّر حالة له في وقت واحد، وذلك حين أمر بقتل السجّاد (صلوات الله تعالى عليه)، فاعتنقته عمّته زينبعليها‌السلام وقالت: إن قتلته فاقتلني معه فنظر إلى ذلك وقال: عجباً للرحم ! والله إنّي لأظنها ودّت أنّي قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به.

الثالث: إنّ صفات الله تعالى لا يجري أفعل التفضيل فيها حقيقة وإن جرى ظاهراً، كما يشهد به جميع فقرات دعاء البهاء، تقول: (( اللّهمّ إنّي أسألك من بهائك بأبهاه، وكلّ بهائك بهي )) وكذلك الأسماء، فيُقال: الاسم الأعظم وفي الحقيقة إنّ كلّ أسمائه أعاظم على نهج سواء.

وفي الحسينعليه‌السلام أيضاً ما يناسب ذلك ؛ فقد يُقال: نريد أن نذكر أعظم مصائبه، وكلّ مصائبه عظيمة فإذا تأمّلت أصغر مصائبه وجدتها أكبرها، وإذا نظرت إلى أسهل مصائبه وجدتها أصعبها.

الرابع: إنّه تعالى جعل وسائل القرب إليه، والرضا عن العباد والغفران لهم كثيرة، وجعل لهم طُرقاً في كلّ فعل وصفة ونيّة، وجعل في إيصاله الفيض إلى العباد عموماً، وله تسبيبات لا يُدرك ضبطها.

وقد أعطى الحسينعليه‌السلام ما يُناسب ذلك، فجعل له تسبيبات كثيرة، وعمّم فيها وجعل لها أعواضاً كعباداته، حيث لم يحرم منها أحداً، وحعل لكلّ عمل عوضاً وبدلاً، حتّى إنّه جعل لنيّة العمل في بعض الأوقات ثواب العمل.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الحسينعليه‌السلام فجعل لزيارته فضلاً، وجعل بدلها التجهيز إليها، وجعل بدلها الزيارة من بُعد، وكذلك لمّا جعل لبكائه فضلاً وافراً أراد أن لا يُحرم أحد من هذا الخير ؛ فجعل مصائبه مختلفة، وما يُبكى عليه أنواعاً وأقساماً باختلاف القلوب


واختلاف أسباب رقتها.

فإنّ كلّ قلب لا يرقّ على كلّ مصيبة، فقلب لا يرقّ على الغريب، ولكن يرقّ على العطشان الغريب، وقلب لا يرقّ على الجرح، ولكن يرقّ على جرح الجرح، وقلب لا يرقّ على جرح الجرح، ولكن يرقّ على الرضّ بعد جرح الجرح، وهذا لا ينتهي الكلام فيه، فلاحظ كلّ مصيبة، ولاحظ أعلاها ثمّ لاحظ أشدّ أنواع ذلك الأعلى، ثمّ أشد ذلك الأشد، تجده مجتمعاً في الإمام المظلوم، وجعل أسباب الحصول كثيرة، ولها فصل مستقل والله تعالى المستعان.

الخامس: إنّ صفاته لا شريك له فيها، فكلّ ما يُنسب إليه، ويتعلّق به من جميع ما يُلاحظ خاصة به، فهو ممتاز فيها لا شريك له في خصوصياتها.

السادس: من الصّفات المنسوبة إليه أنّ محبته لا تشبه محبّة المحبين.

وكذلك محبّة الحسينعليه‌السلام حتّى إنّها لا تشبه محبّة مَنْ هو مساوٍ معه، أو أفضل منه، فهي كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :( محبّته مكنونة في بواطن المؤمنين ) (١) .

وقد سُئل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن هذا أيضاً حين ظهرت منهصلى‌الله‌عليه‌وآله كيفية خاصّة في الملاطفة مع الحسينعليه‌السلام على ما روى المقداد (رضي الله تعالى عليه)، حيث قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً في طلب الحسن والحسينعليهما‌السلام فوجدهما نائمين في حديقة على الأرض، فبدأ برأس الحسين يعطفه، وجعل يُرخي لسانه في فمه مراراً حتّى أيقظه، فقال المقداد: كأن الحسين أكبر ؟ فأجابهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما ذكر.

فقد ظهرت خصوصية للحسينعليه‌السلام ، وانكتامها في باطنه زيادة على أخيه، مع إنّه في الشرف والمرتبة أفضل أو مساوٍ له ؛ لأنّه بدأ برأسه فرفعه، وأيقظه بإرخاء لسانه في فمه مراراً.

وهذا هو حال انكتام محبّته في قلوب المؤمنين الخالصين في الإيمان ؛ ففي قلوبهم علامات وخصوصيات وإن كان اللازم أن تكون محبّة جدّه وأبيه أكثر منه ؛ لأنّهما أفضل منه.

لكنّ لمحبّته خصوصيات لا دخل لها بالكثرة.

من تلك الخصوصيات: إنّ أفئدتهم

____________________

(١) أصل الحديث: (( إنّ للحسين في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة )) (الخرائج والجرائح ـ للراوندي ٢ / ٨٤٢) (موقع معهد الإمامين الحسنين)


تهوي إلى زيارته وترقّ وتحنّ إليها إذا سمعوا بها، أو بزوّاره حين الذهاب أو القدوم، أزيد ممّا تهوي إلى الحجّ وغيره من الزيارات.

ومنها: إنّ مَنْ توجه إلى زيارة الأئمّة إنّما يسميه فقط، أي إنّ الزائر الإيراني مثلاً الذي يروم زيارة العتبات المقدّسة في العراق إذا سُئل عن مقصده يجيب بأنّي أروم زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام مع إنّه قاصد لزيارة باقي الأئمّةعليهم‌السلام أيضاً.

ومنها: إنّ لاسمه الشّريف تأثيراً في قلوبهم كما ناداه أبوه: (( يا عبرة كلّ مؤمن )) وكما قال هوعليه‌السلام : (( أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلاّ بكى )).

ومنها: إنّ دخول شهره، يعني المحرّم، يملأ القلوب همّاً وكمداً وحزناً عميقاً في النفوس.

ومنها: إنّ الرقّة عليه لا يُملّ منها بكثرة التكرار على التكرار، فإذا سمعوا عزاءه كلّ يوم ألف وألف مرّة فبمجرّد سماعهم أنّه قُتل عطشان مقروحاً وقد حُزّ رأسه، أو واقفاً على الأرض مستغيثاً، أو سمعوا حكاية استغاثته، ارتفعت أصواتهم.

القسم الثالث: من الألطاف الخاصّة به ما أعطاه تبارك وتعالى من كلامه المجيد وتكليماته

أمّا كلامه المجيد، وهو القرآن، فلمّا أعطاه منه عنوان مستقل نذكره إن شاء الله تعالى.

وأمّا تكليمه تعالى فقد ذكر مصيبته في تكليم آدمعليه‌السلام ومَنْ بعده، وفي تكليم الكليمعليه‌السلام مكرراً، وغيره من الأنبياءعليهم‌السلام ، إلى الخاتم كما ذكرنا تفصيله في عنوان مجالس الرثاء، وسنذكره بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

وأمّا التكليم الخاصّ معه فهو كثير منه ما قبل شهادته على ما رواه أنس بن مالك حيث إنّه ساير الحسينعليه‌السلام فأتى قبر خديجة الكبرىعليها‌السلام فبكى، ثمّ قالعليه‌السلام : (( اذهب عنّي )) قال أنس: فاستخفيت عنه، فلمّا طال وقوفه في الصّلاة سمعته يقول: ((

يا ربّ يا ربّ أنتَ مولاهُ

فارحم عُبيداً إليك ملجاهُ

يا ذا المعالِ عليكَ معتمدي

طوبى لِمَنْ كنتَ أنتَ مولاهُ

طوبى لِمَنْ كان نادماً أرقاً

يشكو إلى ذي الجلالةِ بلواهُ

وما بهِ علّة ولا سقمٌ

أكثر من حبّهِ لمولاهُ


إذا اشتكى بثه وغصّته

أجابه الله ثمّ لبّاهُ

أذا ابتلى بالظلام مبتهلاً

أكرمه الله ثمّ أدناهُ

فنوديعليه‌السلام :

لبّيك عبدي وأنتَ في كنفي

وكلّ ما قلتَ قد علمناهُ

صوتك تشتاقهُ ملائكتي

فحسبُكَ الصوت قد سمعناهُ

دُعاك عندي يجولُ في حجب

فحسبُكَ الستر قد سفرناهُ(١)

لو هبّتِ الريحُ من جوانبه

خرّ صريعاً لِما تغشّاهُ

سلني بلا رغبةٍ ولا رهبٍ

ولا تخفْ إنّني أنا اللهُ

ملاحظة: قوله: لو هبت الريح من جوانبه، الضمير إمّا راجع إلى الدعاء فيكون كناية عن أنّه يجول في مقام لو كان مكانه رجل لغُشي عليه ممّا يغشاه من أنوار الجلال، ويُحتمل إرجاعه إليهعليه‌السلام على سبيل الالتفات لبيان غاية خضوعه وولهه في العبادة، بحيث لو تحرّكت الريح لأسقطته.

ومنها نداءات خاصّة له يوم شهادته، أشرفها نداؤه بقوله:( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) .

القسم الرابع: فيما أعطاه تبارك وتعالى من أفضل مخلوقاته محمداً المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله

ولبيان ذلك أمور :

الأول: بيان ما أعطاه منه بطريق التعداد والتحديد والتعيين مجملاً

الثاني: بيان كيفية هذا الإعطاء المحدود

الثالث: بيان ما فوق ذلك

أمّا الأمر الأوّل: فنقول: قد أعطاه قلبه الباطني فجعله محلّ علاقة خاصّة له، وقد أعطاه قلبه الظاهري فقال: (( إنّه مهجة قلبي )) وقد أعطاه روحه فقال: (( إنّه روحي التي بين جنبي )) وقد أعطاه فؤاده فجعله له ثمرة وقد أعطاه عقله فجعله له طمأنينة وقد أعطاه باصرته فقال: (( إذا نظرت إليه ذهب ما بي من الجوع )) وقد أعطاه شامّته فقال: (( هو ريحانتي )) وقد أعطاه

____________________

(١) أي إنا كشفنا الستر عنك.


عينيه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( هو نورهما )) وقد أعطاه من بين عينيه فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( هو جلدة ما بين عيني )) وقد أعطاه قوته فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( هو قوتي إذا نظرت إليه ذهب ما بي من الجوع )) وقد أعطاه كتفه فجعله له مركباً وقد أعطاه ظهره فجعله له مرتحلاً وقد أعطاه حجره فجعله له حاضناً وقد أعطاه لسانه فجعله له راضعاً وقد أعطاه يده فجعل إبهامه ومسبحته له غاذياً وقد أعطاه صدره فجعله له مجلساً ومأمناً وقد أعطاه شفتيه فجعلهما مقبّلاً ولاثماً وقد أعطاه كلامه فجعله له مادحاً وراثياً وذاكراً له في كلّ حين وقد أعطاه ابنه فجعله له فادياً، فكان يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله مكرّراً: (( فديت مَنْ فديته بابني إبراهيم ))(١) .

الأمر الثاني: في بيان بعض تفاصيل هذه فنقول: أمّا امتياز علاقته معه فيظهر معه من كيفية لقائه له، وحضوره عنده ومجيئه له، وذهابه إليه، فإنّ العلاقة مع الأولاد خصوصاً في حال طفولتهم والاستئناس معهم، واللعب معهم، أمر معتاد لكن تحقّق هذه الكيفية بالنسبة إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع الحسينعليه‌السلام خارق للعادة.

فترى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كأنّه وهو فرد في جلالته ؛ في عسكر حين تلقاه وفي حشم فكيف بجلالته ووقاره حين هو جالس في أصحابه، فمع ذلك الوقار الذي علا كلّ وقار، ومع تلك السكينة التي أنزلها الله تعالى عليه، ولُقّب بصاحب الوقار والسكينة.

كان إذا رأى الحسينعليه‌السلام مُقبلاً عليه وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله يحدّث أصحابه يقطع حديثه، ويقوم من مجلسه ويستقبله، ويحمله على كتفه المبارك، ويأتي به فيقعده عنده أو في حجره.

وأعجب من ذلك أنّه وهو على المنبر يخطب يقطع خطبته وينزل ويستقبل ويقول كلاماً يقضى منه العجب، وذلك في رواية ابن عمر أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( والذي نفسي بيده، ما دريت أنّي نزلت من منبري )).

وكيف يكون هذا الكلام على حقيقته، بل هو كناية عن شدّة الحبّ والعلاقة بحيث كان كذلك.

وأعجب من كلّ ذلك ما رواه ابن ماجة في السنن، والزمخشري في الفائق قالا: رأى النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسين

____________________

(١) كما ورد في المنتخب ـ للطريحي / ٥١.


بن عليعليه‌السلام وهو يلعب مع الصبيان في السكة، فاستقبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام القوم، فبسط إحدى يديه فطفق الصبي يفرّ مرّة من هنا ومرّة من هاهنا، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يضاحكه، ثمّ أخذه فجعل إحدى يديه على ذقنه والأُخرى على فأس رأسه، وأقنعه وجعل فاه على فيه فقبّله، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أنا من حسين وحسين منّي، أحبّ الله تعالى مَنْ أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط )) ورواه غيرهما أيضاً.

توضيح: إنّ فأس الرأس يعني طرف مؤخرة المشرف على القفا.

تنبيه: هذه المحبّة لم تكن للحسين وحده، بل كانت لمَنْ أحبّه أيضاً، و يُشهد الله تعالى على ذلك و يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله :(( اللّهمّ إنّي أحبّه وأحبّ مَنْ يحبّه )) وكان يدعو لمحبّه بأنّ يحبّه الله تعالى، فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً )).

وقد رأىصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً صبيّاً في الطريق، فجلس وأخذه وتلاطف معه، فسُئل عن ذلك فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إنّي أحبّه لأنّه يحبّ ولدي الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّي رأيت أنّه يرفع التراب من تحت قدميه ويمسح به وجهه وعينيه، وأخبرني جبرئيلعليه‌السلام أنّه يكون من أنصاره في وقعة كربلاء )).

فالآن نحن نرجو إن كنّا محبّين لإمامنا الحسينعليه‌السلام أن يحبّنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ويحبّنا الله تعالى، بدعائهصلى‌الله‌عليه‌وآله لنا، وإذا أحبّنا أن يغفر لنا ويعفو عنّا.

وأمّا كون ظهره له مركباً فقد اتّفق كثيراً، وليس هو من العادات كما يتّفق لكثير من الناس في حقّ أولادهم، بل خارق للعادات، وذلك إنّه قد كان يتّفق أنّه يركب ظهر جدّه وهو في السجود في صلاة الجماعة فيُطيل السجود ولا يرفع رأسه المبارك حتّى يقوم هو أي الحسين باختياره.

وقد تعجّب الذين كانوا يصلّون معه، فسألوه: إنّه هل نزل وحي ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( لا، ولكن ابني ارتحلني)).

وأمّا كون كتفه محملاً فلقد كان يفعل من ذلك ما لا يفعله الرجل الجليل، يحمل صبيّاً على كتفه ويمشي في الأسواق والطرق، وكلّما يريد أصحابه أن يحملوه أو يحملوا أخاه، يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( نِعْمَ الراكبان أنتما )) نعم، قد كان يحمله عنه جبرئيلعليه‌السلام ، وقد كان يحمله وهو في الصلاة.

وأمّا كون حجره له حضناً ؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله


قد تولّى من ذلك ما لا يتولاّه إلاّ النساء، وقد حضنه بمجرّد ولادته المباركة فنادى: (( يا أسماء، هلمّي إليّ بابني)) فقالت: لم ننظفه بعد فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أنتِ تنظّفيه ! إنّ الله تعالى قد نظّفه وطهّره )).

فأخذه وتولّى حضانته ورضعه من إبهامه، وكان يلاعبه كالنساء ويقرأ له نغوتهنّ، ويكلّمه بلسان الأطفال، ونحو ذلك ممّا يُستغرب حتّى أنكر عليه بعض أزواجه كعائشة، بل بعض أصحابه، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ما خفي عليك أكثر )) فعلم أنّ ذلك من أمر إلهي وحكم ربّاني، وقد صرّحصلى‌الله‌عليه‌وآله معتذراً بذلك فقال: (( إنّ الله تعالى قد أمرني بحبّهما )).

فعدم قيامه من السجود حين ارتحله بأمر إلهي، وحمله على كتفه بأمر إلهي، والركض معه في الطريق بأمر إلهي، وقيامه واستقباله بأمر إلهي.

والوجه في هذا أمران سنذكرهما إن شاء الله تعالى في محلّهما.

وأمّا كون شفتيهصلى‌الله‌عليه‌وآله لاثمتين ومقبّلتين فلا عجب من ذلك، ولا من كيفية تقبيلهما ؛ فكان يضمّهما إليه ويشمّهما ويقبّل كلاً منهما لنصف ساعة، ويقول: (( هما ريحانتاي ))، وقد يُقبّل أحدهما وهو في الصلاة ويده في يده.

وقد اشتهر أنّه قبّل فم الحسين ونحر الحسين، فتألمّ الحسين من ذلك، وأظهره لأُمّه الزهراءعليها‌السلام ؛ حيث إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبّله في نحره وقبّل أخيه الحسنعليه‌السلام في فمه في يوم ما، لكن لم أعثر لذلك على رواية، إنّما الذي عثرت عليه في الروايات المتواترة أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يُقبّل الحسينعليه‌السلام تارة من نحره، وتارة من جبينه، وتارة من جميع بدنه، وتارة يكشف عن بطنه فيُقبّل فوق سرته على قلبه، وتارة يُقبّل أسنانه، وتارة يُقبّل شفتيه، وكان يُكثر من جميع ذلك، ولقد كان في تخصيصه لهذه معجزة له.

وكان يذكر سبب البعض، فيقول عند تقبيل جميع البدن: (( اُقبّل موضع السيوف وأبكي )).


ولكن لم يذكر السبب في تقبيل الثغر والأسنان، وتقبيل فوق السرّة حتّى عُلم السبب بعد وقوع ما وقع.

واعلم أنّ تخصيصه للاحترامات الخاصّة لوجوه ثلاثة :

الأوّل: بيان مرتبته وعظم درجته وكرامته.

الثاني: مقابلة كلّ خصوصية احترام بما يقع عليه من هتكها ؛ ليعلم عظم المصيبة فيما يقع عليه، فإذا لاحظت مَنْ يستقبله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو طفل تعلم عظم المصيبة.

وإنّه يبلغ به الحال في خذلان الناس له: إنّه كان لا يُنازله أحد فيمَنْ يُصادفه في الطريق لئلاّ يستنصره، كما في رواية زهير، وإذا استقبل واحداً في الطريق ليسأل منه يعدل عن الطريق معرضاً عنه وكما في قضية الأسديين.

الثالث: إدخال السرور عليه جبراً لحزنه وكربه وظلمه، فإذا أراد الجبر لهذا الفرد من الحزن والكرب فلا بدّ أن يكون بهذا المقدار حتّى يقع التلافي، فهل لكم فيه أُسوة ؟ تجبرون القلب المكسور، وتفرّجون عن المكروب ؛ ببكاء عليه، وسلام عليه، وتحية له، وزيارة له، بل وبشكل عامّ وتلبية له.

الأمر الثالث: في بيان أعلى من ذلك وأبلغ، بأن نقول : إنّه تعالى قد أعطاه نبيّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منه ولا أقول ذلك مبالغة ولا شططاً، بل قال هوصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( حسين منّي وأنا من حسين )).

القسم الخامس: فيما أعطاه تبارك وتعالى من أعظم المخلوقات، أعني العرش

ولهذا الإعطاء كيفيات :

الأولى: في خصوصيات من العرش لهعليه‌السلام

فنقول: إنّه قد أعطاه من العرش ظلّه، فجعله له مجلساً يجلس فيه يوم القيامة، ومعه زوّاره والباكون عليه، فيرسل إليهم أزواجهم من الجنّة فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه.

وقد أعطاه تعالى وتعالى يمين العرش فجعله مقرّاً له في برزخه ؛ فإنّه عن يمين العرش دائماً ينظر إلى مصرعه وما حلّ فيه، وينظر إلى زوّاره والباكين عليه، ويستغفر لهم ويخاطبهم، ويسأل جدّه وأباه أن يستغفروا لهم.

وقد أعطاه تعالى فوق العرش محلّ حديث لزائره، وأيّ حديث ! فقد ورد في بعض أقسام زياراته أنّه يكون من محدّثي الله تعالى فوق عرشه.

فالعرش مجلس حديث


لزوّاره ظلّه لمَنْ يحدّثه، وفوقه لمَنْ يحدّثه الله تعالى، وقد أعطاه نظير العرش من أصناف الملائكة المحدقين والطائفين، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

الثانية: كيفية أعلى من ذلك وأبلغ

بأن نقول: إنّه قد أعطاه العرش فكأنّه كلّه له ؛ لأنّه إذا كان مع أخيهعليهما‌السلام زينة له وقرطا وشنفاً فكلّ شيء بزينته، فلو تكلّم العرش لقال: أنا من حسين.

القسم السادس: فيما أعطاه من أحسن المخلوقات وهو الجنّة

وله أيضاّ كيفيتان :

الأولى: في الخصوصيات

فنقول: أعطاه من الجنّة شجرة خاصّة، وقصراً خاصّاً، وجعل من الحور العين قابلة له، وجعلهنّ لاطمات عليه، وخلق حورية مخصوصة لهعليه‌السلام ، وأعطاه منها باب مستقلاً اسمه باب الحسينعليه‌السلام وهو أكبر أبوابها.

الثانية: في كيفية أعلى من ذلك وأبلغ

فنقول: قد أعطاه الجنّة كلّها ؛ فإنّها خُلقت من نوره المبارك كما في الروايات، فالجنّة كلّها من الحسين وإنّها تشتاق إلى الحسين (سلام الله تعالى عليه) كما في الروايات الصحيحة، فلو تكلّمت لقالت بلسان الحقيق: أنا من الحسين.

القسم السابع: فيما أعطاه الله تعالى من باقي مخلوقاته من الخصوصيات

فاستمع لذلك :فنقول: قد أعطاه من كلّ مخلوق أفضله، وأجمل ما يمكن أن يعطي منه لواحد، ولنذكر إجمال ذلك في أبواب، ثمّ نفصّلها: باب ما أعطاه الله تبارك وتعالى من الملائكة باب ما أعطاه من الأنبياءعليهم‌السلام باب ما أعطاه من الأزمنة باب ما أعطاه من السماء باب ما أعطاه من الهواء والفضاء باب ما أعطاه من الماء

باب ما أعطاه من الأشجار

باب ما أعطاه من الأنهار

باب ما أعطاه من البحار

باب ما أعطاه من الإنس

باب ما أعطاه من الجن

باب ما أعطاه من الطير والوحش

باب ما أعطاه من الجبال

باب ما أعطاه من الظاهرية في هذه النشأة

هذا مجملها، وفهرسها فلنشرع في التفصيل فنقول :


باب السّماء

اعلم أنّ الله تعالى قد أعطاه من السماوات خصائص خاصة، فجعلها مصعداً لجسد الحسينعليه‌السلام يوم قتله، وجعلها باكية عليه بالدم والتراب الأحمر والحمر.

ثمّ إنّه أعطى كربلاء من الخصائص الظاهرية والمعنوية خصائص أفضل ممّا أعطى السّماء ثمّ إنّ للحسينعليه‌السلام ـ على وفق ما أعطى السماوات السبع وما فوقهنّ ـ أفضلها، فلاحظ الصفات المعنوية تارة، وانظر إلى ما فيه من الموجودات الظاهرية الأُخرى، واستمع لما يُتلى عليك.

ولاحظ التطبيق عند بيان كلّ واحدة، فلنتكلّم أوّلاً عن الصفات المعنوية للسماء فنقول: السماء معدن الفيوض الربّانية، والحسينعليه‌السلام معدنها، بنحو أسهل حصولاً، وأيسر أسباباً، وأعظم تأثيراً.

السماء محلّ صعود الدعاء واستجابته، والحسينعليه‌السلام اسمه محلّ استجابة الدعاء، كما تحقّق ذلك في دعاء آدم النبي وزكريا ويوسف وغيرهم من الأنبياءعليهم‌السلام بتوسّلهم إلى الله تعالى بالخمسة أصحاب الكساء.

السماء يصل إليها صراخ المظلوم، وكربلاء قد ارتفع منها صراخ المظلومين بنحو خاصّ لا مثيل له.

السماء يصل إليها أنين الأيتام، خصوصاً إذا بكوا، بل خصوصاً إذا كان بكاءهم ليلاً، فيهتز لهم العرش، وكربلاء ارتفع منها أنين أيتامٍ قد اختصّوا بكيفية خاصّة بهم.

السماء فيها البُراق أوصلت راكبها المباركصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قاب قوسين، وكربلاء فيها ذو الجناحين، فرس الإمام الحسينعليه‌السلام أوصل راكبه المبارك الحسينعليه‌السلام إلى مرتبة: أنا من حسين، لكن بسقوطه عنه.

السماء معراج الأنبياءعليهم‌السلام ، وكربلاء معراج الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء (صلوات الله عليهم).

السماء فيها أوضاع مؤثرة في الهواء والأرض، وكربلاء فيها أوضاع أثّرت في السماء والعرش والكون، بل وجميع المخلوقات بأسرها إلى يوم القيامة.

السماء فيها زجل، أي الصوت الرفيع العالي زجل التسبيح والتهليل، والتكبير والتحميد، وأصناف من القائمين والراكعين، والساجدين والقانتين، وكربلاء قد علا فيها زجل الضجيج والعويل، والأنين والاستغاثة من: يا أباه ! ويا أخاه ! ويا ولداه ! ووا أباه ! ووا أخاه ! ووا سيداه ! ويا سيداه ! ووا عمّاه ! وهي أحبّ إلى الله تعالى في عالم العبودية والتسليم من زجل الملائكة بالتسبيح.

السماء قد سجدت فيها


الملائكة كلّها لآدمعليه‌السلام ، وكربلاء قد صلّت فيها جميع الملائكة والأنبياء على جسد الحسين المقطّع إرباً إرباً، المرضوض قبل الموت وبعده، المضمّخ بدمائه الزاكيات.

السماء قد وصفها الله تعالى بالسقف المحفوظ، والحسيـنعليه‌السلام قد جعله تعالى سقفاً حافظاً لمَنْ لاذ به.

السماء قد وصفها الله بالسقف المرفوع، والحسين المظلومعليه‌السلام قد جعله الله تعالى رافعاً لدرجات مَنْ توسّل بهعليه‌السلام .

السماء قال الله تعالى عنها:( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ) ، والحسينعليه‌السلام قد أنزل الله تعالى به ذلك الماء الطهور إذ بهعليه‌السلام ينزل الغيب، وقد نزل به أيضاً الغيث عند الاستسقاء فسقى ممّا خلق أنعاماً وزروعاً وأناسي كثيراً، فقد خصّه بأن أنزل به طهور جميع الأرجاس والبليات المعنوية يذهب به رجز الشيطان، وبذلك الماء يُطفئ النيران، وذلك الماء بعينه يكون من مياه الجنان كما ذكرناه وسنذكره.

السماء: قال تعالى بحقّها:( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) ، فرزق الحياة الزائلة في السماء والحسينعليه‌السلام فيه رزق الحياة الدنيا والبرزخ، بل والآخرة الدائمة، وما توعدون به من الفوز بالجنان ورفع الدرجات والرضوان والخلود بالنعيم.

ثمّ لنتكلم ثانياً في الحياة الظاهرة، فنقول: قوله تعالى:( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا ) ونقول: أفلم ينظروا إلى الحبيب الحسينعليه‌السلام في أرض كربلاء كيف كان موقفه ومشهده، ومصابيحه حوله ممّن كان معه ؛ سواء الأنصار، أو أهل بيته، أو عياله ونسائه، وكيف كان رجومه للشياطين، ونوره وضياؤه ؟!

فارجع البصر ثمّ ارجع البصر كرتين إلى حالة ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير، ودمعه غزير، انظر إلى الحسينعليه‌السلام ، وانظر أولاً إلى السماء في أوضاعها وزينتها وتأثيراتها ومَنْ حلّ فيها، ثمّ انظر إلى الحسينعليه‌السلام ومدفنه كربلاء.

ففي السماء عرش عظيم، وفي كربلاء زينة العرش العظيم.

السماء مسكن الملائكة، والحسينعليه‌السلام مختلف الملائكة.

السماء معراج الأنبياءعليهم‌السلام ، وكربلاء معراج الملائكة.

السماء ذات البروج، والحسينعليه‌السلام ذو البروج كما في الرواية، فإنّه إمام [ وابن إمام ] وأخو إمام وأبو التسعة الأئمّة المعصومين.

السماء فيها الصراخ، كما في الحديث إنّ الله تعالى أمر ملكاً من الملائكة أن يجعل له بيتاً يسمّى بالصراخ، قبل البيت المعمور، يطوف به


كلّ يوم سبعون ألفاً ولا تقع لهم النوبة بعد، والحسين إمامناعليه‌السلام له صريخ، قد وكّل به سبعون ألفاً لا يُستبدلون كلّ يوم.

السماء فيها الجنة، والحسينعليه‌السلام زينة، وخُلقت من نوره الجنة، وقبره تُرعة من تُرع الجنة، وهو سيد شباب أهل الجنة.

والسماء فيها جبرئيل الملكعليه‌السلام ، وفي كربلاء مخدوم جبرئيلعليه‌السلام .

السماء اُسري إليها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلاً، وكربلاء اُسري إليها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهاراً كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله هو: اُسريت إلى موضع يُقال له: كربلاء.

السماء فيها موسىعليه‌السلام ، وكربلاء فيها شجرة موسىعليه‌السلام .

السماء فيها عيسىعليه‌السلام ، وكربلاء ولد فيها عيسى النبيعليه‌السلام .

السماء فيها جبرئيلعليه‌السلام ، وكربلاء فيها مخدوم جبرئيلعليه‌السلام ونزل في مدفنه جبرئيلعليه‌السلام .

السماء فيها الشمس ويعرضها الكسوف، وشمس وجه الحسينعليه‌السلام ضُحاها حين اشتدّ عليه الأمر، وكان كلّما قرب الأمر أشرق لونه وازدهرت أنواره بهاء وهيبة.

السماء فيها أقمار، وكربلاء فيها قمر بني هاشم وقد انخسف حين حيل بينه وبين أخيه في ميدان الحرب، وهو القمر الذي أوّل ما تُطالب بحقّه الزهراء البتولعليها‌السلام في المحشر يوم القيامة، فاعرف مَنْ يكون وما هو قدر هذا القمر الأزهر ؟

السماء فيها كفّ الخضيب، والحسينعليه‌السلام له الرأس الخضيب والوجه الخضيب والبدن الخضيب ؛ ولذا أثّرت في استجابة الدعاء إلى الله تعالى.

السماء فيها السيارات السبع، وكربلاء فيها سيارات سبع من أولاد عليعليه‌السلام ، واثنان وسبعون غيرهم قد ساروا برؤوسهم المباركة.

السماء فيها نجوم ظاهرة ألف وخمسة وعشرون، وخفيّات لا تعدّ، ولكلّ واحد تأثير مخصوص، والحسينعليه‌السلام في بدنه أربعة آلاف ظاهري من السيف والرمح والسهم إلخ، والخفيّات لا تعدّ، ولكلّ واحد تأثير خاصّ موجب لألطاف خاصة، كما لا ننسى الرض على الرض، والجرح على الجرح، والضربة فوق الضربة.

السماء فيها القطب وبنات نعش تدور حوله، وكربلاء فيها بدن قطب الإمامة وبناته يدرنَ حوله وأطفاله ونساءه بالنوح والعويل.

السماء فيها حامل الرأس، وكربلاء فيها الرؤوس الزاكيات المحمولة.

السماء فيها البيت المعمور


وهو قبال الصراخ، والكعبة يطوف به كلّ يوم سبعون ألف ملك يُخلقون في ذلك اليوم، ثمّ لا تقع عليهم النوبة، والحسينعليه‌السلام له أيضاً من الملائكة الطوّافين حول قبره نفس هذا العدد، كما سنذكره في عنوان الملائكة إن شاء الله.

السماء فيها المجرّة، وهي البياض المعترض في السماء، يُقال: إنها أثر كبش فداء إسماعيلعليه‌السلام ، والحسينعليه‌السلام فيها مجرّة يبقى أثرها حتّى إنّه يُحشر مع ذلك الأثر يوم القيامة من خصائصه وتأثيرات في ذلك لخلاص العاصين بواسطته.

باب الأرض

قد أعطاه الله تعالى منها أرضاً شرّفها بخصوصيات على الأرضين، كما سيجيء في باب الاحترام لمدفنه، وقد جعل له صفات الأرض، وخصوصياتها كلّها فنقول :

الأرض فيها معدن الجواهر والذهب والفضة، والحسينعليه‌السلام معدن القصور من اللؤلؤ والياقوت والذهب والفضة.

الأرض قد أنبث الله تعالى فيها من كلّ زوج بهيج للناس، والحسينعليه‌السلام قد أنبت له كلّ فرد بهيج ممتاز لا ينال بغيره، كما سيظهر في العنوان الآتي.

الأرض قد جعلها الله تعالى للناس مهاداً وكفاتاً، أي المنازل، يستقرّون عليها أياماً أحياءً وأمواتاً، والحسينعليه‌السلام قد جعله الله للاستقرار الدائم مهداً ومهاداً، وجعل مدفنه المبارك كفاتاً لشيعته أحياءً وأمواتاً.

باب ما أعطاه تعالى من الهواء والفضاء

قد أعطاه الله تعالى من هذين ما بين قبره والسماء، بل ما بين الحائر والسماء فجعل له أوصافاً :

الأوّل: بأن جعله مختلف الملائكة، كما ورد: (( ما بين قبر الحسينعليه‌السلام إلى السماء مختلف الملائكة ))، ومعراجاً يعرج فيه بأعمال زواره، وجعل إسماعيلعليه‌السلام صاحب الهواء يحضر ذلك الفضاء كلّ يوم ويسأل ملائكة الحائر ويسألونه.

الثاني: جعله مصعد عمل لم يصعد مثله.

الثالث: جعله مهبط رحمة خاصة لم يهبط مثلها.

الرابع: إنّه محلّ صعود الفيض من الأرض لأهل السماء ؛ فإنّه معراج الملائكة.


باب ما أعطاه من الماء

اعلم أنّه حيث منع من الماء الذي له فيه حقّ الشرب كسائر الناس قد أعطاه الله تعالى من المياه أربعة أنواع :

الأوّل: الكوثر جعله حقّاً له لعطشه وعطش شهدائه، أرواهم منه في الطفّ حين وقوعهم على الأرض، بل قبل خروج أرواحهم كما في رواية علي الأكبرعليه‌السلام حين وقع طريحاً: يا أبت هذا جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً.

وجعله حقّاً لِمَنْ بكى عليه يرويه منه يوم العطش الأكبر، كما في رواية مسمع، وهذا في كثير من الأعمال الحسنة، لكنّ خصوصية الحسينعليه‌السلام أنّ الكوثر ليفرح بشرب الباكي عليه منه.

الثاني: ماء الحيوان في الجنان يُمزج بدموع الباكين عليه فيزيد عذوبته كما في الرواية المعتبرة.

الثالث: ماء الدموع جعله الله تعالى له ؛ فإنّه صريع الدمعة، وإنّه قتيل العبرة، فهو على أثر اسمه، وعلى أثر ما هو باسمه، وعلى ذكر مصيبته، وعلى أثر نظره، وعلى أثر شمّ تربته، كما ذكر تفصيل ذلك في الفصول السابقة.

الرابع: كلّ ماء بارد عذب يشربه أحبته فإنّ للحسينعليه‌السلام فيه حقّ الذكر ؛ فإنّهعليه‌السلام قال: (( شيعتي، شيعتي، ما إن شربتم عذب ماء فاذكروني )).

وقال الصادقعليه‌السلام : (( إنّي ما شربت ماء بارداً إلاّ وذكرت الحسينعليه‌السلام )).

والحكمة في تربيع الحقوق المتعلّقة بالماء له يمكن أن تكون على أحد وجهين :

فأوّلاً: إنّه مُنع عن حقوق أربعة في الماء :

الأوّل: من حيث الاشتراك مع الناس في حقّ الماء ؛ فإنّ الناس كلّهم في الماء والكلأ، ولا جاز الشرب من الأنهار المملوكة وإن لم يأذن المالك، بل لعلّ من ذلك استحباب سقي الكفّار إذا كانوا عُطاشى، كما في رواية مصادف عن الصادقعليه‌السلام في طريق مكة.

الثاني: من حيث الاشتراك مع ذوات الأرواح في حقّ الماء ؛ فإنّ لكلّ ذات روح حقّاً فيه، ولذا يلزم التيمم مع الخوف من العطش على الحيوانات المملوكة وغيرها.

الثالث: من حيث ثبوت حقّ السقي لهعليه‌السلام على أهل الكوفة بالخصوص ؛ فإنّه قد سقاهم ثلاث مرّات ؛ في الكوفة مرّة حين الجدب، وفي صفين تارة ،


وفي القادسية تارة حين الملاقاة مع عسكر الحرّ والتفصيل في كتاب المراثي.

الرابع: من حيث ثبوت حقّ لهعليه‌السلام في الفرات بخصوصه ؛ فإنّه من نحلة الله تعالى لفاطمة الزهراءعليها‌السلام ، حين تزويجها بعليعليه‌السلام .

فلم يرعوا واحداً من هذه الحقوق، حتّى سألهم عن ذلك قطرة لطفله، وأراهم الطفل يتلظّى في الرمضاء فلم يرحموه، ثمّ سألهم ذلك لنفسه فلم يعطوه، ومات عطشان ومَنْ معه (صلوات الله تعالى عليهم وعلى شيعتهم الصادقون أصحاب الإيمان المستقر لا المستودع).

ما خلتُ قبلك بحراً مات من ظمأ

كلاّ ولا أسداً ترديه أجمالُ

وثانياً: إنّ عطشهعليه‌السلام قد أثّر في أربعة أعضاء ؛ فالشفة ذابلة من حرّ الظمأ، والكبد مفتّت لعدم الماء، كما قال هو (صلوات الله عليه) حين كان واقفاً وقد يئس من حياته بحيث علِم أنّهم يعلمون أنّه لا يعيش بعد ذلك، فأظهر عطشه وقالعليه‌السلام : (( الآن اسقوني قطرة من الماء فقد تفتت كبدي من الظمأ )) واللسان مجروح من شدّة اللوك، آه وا إماماه ! وا مظلوماه ! وهو قد جاء في الحديث.

والعين مظلمة من العطش كما في حديث جبرئيل لآدمعليهما‌السلام (١) : ولو تراه يا آدم وهو يقول: (( وا عطشـاه ! [وا قلّة ناصراه !] ))، حتّى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان )) فقد أُعطي الماء لأجل كلّ عضو قد أثّر العطش فيه، فلا يبخل عليه بالماء الذي هو بأيدينا :

ابكوا شهيـداً بالدماءِ مزمّلاً

بدمٍ بكته أعينُ المدّثرِ

ابكوا لمظلومٍ مدحه لم يُحصَ لو(*)

كانت له جرياً مياهُ الأبحرِ

باب الأشجار

وأفضل الأشجار الشجرة التي نودي منها النبي موسىعليه‌السلام ( إِنِّي أَنَا اللَّهُ ) ، وقد ورد في الروايات أنّها كانت محلّ قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وأفضل النخل نخلة مريم المقدّسة (سلام الله عليها)، وولد عندها عيسى النبيعليه‌السلام ، وقد ورد أنّها كانت في كربلاء.

باب البحار

له منها خصوصية وهي أنّهعليه‌السلام لمّا قُتل نادى ملك البحار على أهلها: يا أهل البحار، البسوا ثوب الحزن ؛ فإنّ فرخ الرسول المصطفى مذبوح.

____________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ / ٢٤٤.

(*) لا يخفى ما في البيت من خللٍ عروضي واضح (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


باب الجبال

أشرفها طور سيناء، وقد روي أنّه محلّ قبر الحسينعليه‌السلام ، وهو الجودي الذي استوت عليه سفينة نجاة العالمين.

فإذا تأمّلت حالنا الآن وجدتها كما قال الأمير عليعليه‌السلام : (( أُحذّركم الدنيا ؛ تميد بأهلها ميدان السفينة، تقصفها العواصف في لجج البحار ؛ فمنهم الغرق الوبق، ومنهم الناجي على بطون الأمواج، فما غرق منها فليس بمُستدرك، وما نجا منها فإلى مهلك )) وما ندري إنّا إذا اُغرقنا أن نكون من الذين اُغرقوا فاُدخلوا ناراً ! فهذه السفينة المائدة، أي المتحركة المضطربة، إذا قُضي الأمر ما ندري ما حالها ! لكن إذا استوت على جودي الحسينعليه‌السلام بأحد وجوه الاستواء رجونا السلامة والنجاة، يا الله.

باب الجنّ والإنس

أمّا الأنس فقد أعطاه بالخصوص، منهم أصحاب قد وصفهم هوعليه‌السلام لا أحد أبّر ولا أوفى منهم، كما يظهر من ملاحظة حالهم واستيناسهم بالمنية استيناس الطفل لثدي أُمّه وأعطاه منهم شيعة، لهم بالنسبة إليهعليه‌السلام محبّة خاصّة اضطرارية لا تدخل تحت ملاحظة التقرّب إلى الله تعالى أيضاً، بل لو قلت لهم: إنّ هذا معصية لله لم يصغوا إلى ذلك، كما يظهر من بعض حالاتهم في اللطم والجرح لأنفسهم في حياتهم وفي عاشوراء خاصة.بل في الخدمة للأئمّة عموماً وللحسين خصوصاً من بعض الشيعة ممّا يراها غير المحبّ تعباً ونصباً لا داعي له، ولكن عند الشيعي الصادق لذّة لا يفوقها شيء.

وقد حكى لي بعض مَنْ يوثق به أنّ في بعض بلاد ماجين طائفة من الشيعة، لهم كيفية خاصة في اللطم والضرب على الصدور في عاشوراء، وذلك بأنّهم يحفرون أخدوداً يملؤونه حطباً ويضرمون فيه النار، ثمّ يخوضون فيها عند الضرب على الصدور بالمرور مكرّراً، ويقولون: إنا لا نحس بحرارة النار.

وهذا واقع ؛ حيث نار الحزن والغمّ لمصاب أهل البيت وحبيب المصطفى (صلوات الله عليه وآله) هو أشدّ من أيّ نار مادية أو معنوية، وهو لا يتحقّق إلاّ لِمَنْ فُني في حبّهم واتّباع نهجهم فكان وليّاً لله تعالى في السرّ والعلن.وأمّا الجنّ، فقد أُعطي منهم الحسينعليه‌السلام أنصاراً جاؤوا إليه يوم خروجه من المدينة، فقال لهمعليه‌السلام : (( الموعد حفرتي وبقعتي، فإذا وردتها فأتوني زوّراً )).

ومنهم مَنْ جاؤوا إليه يوم عاشوراء فاختار لقاء الله تعالى ولم يأذن لهم في المحاربة.

ومنهم أنصار جاؤوا إليه ليلة الحادي عشر، فرأوه قتيلاً، وكان منهم راثين وناعين عليه رجالهم ونساءهم وبناتهم، ولهم عليه مراثٍ ونثراً في كربلاء حول جسده، وفي المدينة وفي البصرة، وفي الكوفة وفي بيت المقدس، وتحت العوسجة(١) ، وكان منهم منادون بقتله، ناعون له في جميع الأقطار والجهات.

____________________

(١) انظر قصّتها في البحار ٤٥ / ٢٣٣ ـ ٢٣٤.


وكانت نساء الجنّ نائحات حول جسده المبارك ليلاً حينما كان مطروحاً فسمع منهنّ :

نساء الجنّ يبكينَ

من الحزنِ شجياتِ

ويندبنَ حسينا ع

ـظُمت تلكَ المصيباتِ

ويلبسنَ الثياب السو

دَ بعد القصبيّاتِ

وأيضاً كانت الجنّ تنوح :

مسحَ الرسولُ جبينَه

فلهُ بريقٌ في الخدودِ

أبواه من عُليا قريـ

شٍ جدّهُ خيرُ الجدودِ

باب خصائص الوحوش

قد جعل الله تعالى الوحوش راثية لهعليه‌السلام في كربلاء قبل دفنه، كما في رواية الظباء التي كلّمت النبي عيسى بن مريمعليهما‌السلام في كربلاء، والسبع الذي رآه النبي عيسىعليه‌السلام كما سيجيء، وجعلها في ليالي طرحه مادة أعناقها على جسده يبكينه حتّى الصباح.

باب خصائص الطيور

قد جعل الله تبارك وتعالى الطيور نائحة عليهعليه‌السلام ، وناشرة أجنحتها على جسده المبارك، ونائحة له في المدينة عند قبر جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومخبرة لغيرها من الطيور بشهادته.

باب ما خصّه من الخيل والإبل

قد خصّه الله تعالى بفرس رسوله الحبيب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله المرتجز، ولعلّه المسمّى بذي الجناح، والذي كان متأسّياً بصاحبه في العطش، مؤثراً له على نفسه في ذلك ؛ فإنّه لمّا ورد الماء عند التحام القتال وضع ذو الجناح فمه في الماء، وقال له: (( أنا عطشان وأنت عطشان، والله لا أشرب حتّى تشرب )) فرفع رأسه يعني يا مولاي لا أشربه حتّى تشربه، فقال الإمام الحسينعليه‌السلام : (( اشرب فأنا أشرب )).

ثمّ مدّ يده إلى الماء وصار ما صار ممّا يأتي في محلّه، وجعله متظلّماً من قتلته، مناديا: الظليمة الظليمة ! من أمّة قتلت ابن بنت نبيها وجعله ناعياً له إلى أهله وأطفاله، مجاهداً عنه بعد قتله كما في الرواية.

وخصّه من الإبل بناقة له قد ركبها صبح عاشوراء، وخطب عليها ثمّ نزل عنها، وقال لعقبة بن سمعان: (( اعقلها )) فظلّت معقولة إلى أن قُتل، فضربت رأسها على


الأرض حتّى ماتت.

باب ما خصّه سبحانه وتعالى من الأوضاع الدنيوية

لم يرد الله تعالى الدنيا لأوليائه، ولكن قد خصّ الحسينعليه‌السلام ـ حيث منعوا عنه الماء والطعام، وتركوه مطروحاً بلا دفن ـ بإعطاء ثلاثة أشياء من جنس ما منعوه ؛ فجعل الله تعالى له سقاية، وإطعاماً، وعمارة متصلة دائمة إلى يوم القيامة.

أمّا السقاية: فإنّه جعل ثواباً خاصّاً للسقي عند قبره ليلة عاشوراء، فقد ورد: (( أنّ مَنْ سقى الماء ليلة عاشوراء عند قبره كان كمَنْ سقى عسكر الحسينعليه‌السلام )).

وقد استنبط من ذلك أنّ معظم أجر سقي الماء الذي هو أوّل أجر يُعطى يوم القيامة إنّما يكون للحسين المظلوم العطشانعليه‌السلام ؛ ولذا فقد سبّل شيعته الماء في كلّ مكان وجعلوه باسم الحسين، فقامت السقايات طوال السنة في كلّ مكان، خصوصاً في عاشوراء باسم الحسين، أي ثوابه للحسين، وجعل تسبيل الماء كأنّه مختصّ بما كان للحسينعليه‌السلام .

وكذلك الإطعام: في تعزيته قد استمر دائماً خصوصاً في شهر محرّم، فلعلّ أيام السنة إذا لاحظتها يصل مصرف الإطعام في مجالس عزائه، لو قُسّمت على الأيام كلّ يوم أكراراً الحساب المتعارف، وأكراراً أي جمع كرّ، وهو كيل معروف مقداره بالوزن ٢١٦٠ كغم تقريباً كما يُفهم من أهل اللغة.

وأمّا العمارة: فإنّه حيث طرحوه على الأرض عوضه الله العلي القدير، كما أخبر به جبرئيلعليه‌السلام عن الله سبحانه، وروته زينبعليها‌السلام عن السجّاد (صلوات الله عليهم)(١) : (( وينصبون لهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يندرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام )).

فجعل تبارك وتعالى عوض هذه قبّة عالية تزداد علوّاً ورفعة دائماً، تزدهر بنور الله تعالى إلى يوم القيامة، فترى بيت الله والمشاهد كلّها قد تمّت عمارتها لكنّ حرم الحسينعليه‌السلام من يوم بُني إلى أن هدمه المتوكّل، ثمّ بناه الهادم بنفسه، قد اشتغل الخلفاء والسلاطين ببنائه.

ولا ينتهي عمل البنّائين والنقّاشين والمزيّنين بالذهب والبلور ؛ فهم مشغولون دائماً، وإنّي من أوّل مقامي هناك وأنا عمري خمس سنين ـ إلى الآن ـ وأنا ابن ستين سنة ـ لم أرَ ولم أسمع بعدم الاشتغال فيه ؛ إمّا بالعمارة أو الزينة ولو يوماً واحداً والظاهر استمرار ذلك إلى يوم القيامة ؛ للنكتة التي ذكرناها.

____________________

(١) لا يخفى ما في العبارة من لُبسٍ أو خطأ ؛ فإنّ الإمام السجادعليه‌السلام هو الذي روى هذا الحديث عن عمّته زينبعليها‌السلام لا كما ذُكر، والسياق دالّ عليه (راجع بحار الأنوار ٢٨ / ٥٧ ح٢٣) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


القسم الثامن: الاحترامات الخاصّة بهعليه‌السلام وبجميع ما يتعلّق به من الحمل إلى يوم القيامة

فأوّلها: الاحترام الخاصّ للزهراءعليها‌السلام أثناء الحمل بهعليه‌السلام ، وقول النبي (صلوات الله عليه وآله) لها: (( إنّي أرى في مقدّم وجهك نوراً، وستلدين حجّة لهذا الخلق )) والقراءة عليها مكرراً، والقراءة على الماء ورشّه.

وقولهاعليها‌السلام : (( كنت لا أحتاج أيام حملي به في البيت المظلم إلى مصباح )) وقولهاعليه‌السلام : (( كنت أسمع التقديس والتسبيح منه في بطني )) وقولها: (( إنّي كلّما نمت رأيت في المنام شخصين نورانيين يقرآن عليّ )).

وثانيها: الاحترام الخاصّ للتهنئة بولادته، فقد صدرت خمسة أقسام من الوحي عندها، فأوحى الله إلى رضوان خازن الجنان: (( أن زخرف الجنة وطيّبها ؛ كرامة لمولود ولد لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله )) وأوحى الله إلى الملائكة: (( أن قوموا صفوفاً بالتسبيح والتحميد، والتمجيد والتكبير ؛ كرامة لمولود ولد لمحمد (صلوات الله عليه وآله) )).

وأوحى الله تعالى إلى جبرئيلعليه‌السلام : (( أن اهبط إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ألف قبيل ـ والقبيل ألف ألف ملك ـ على خيول بُلق مسرجة، عليها قباب الدرّ والياقوت، معهم الروحانيون، بأيديهم حراب من نور أن هنئوا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بمولوده )) فتأمّل في هذه الكيفية والجمعية الخاصّة لهذه التهنئة.

ثالثها: الاحترام الخاصّ لتسميته ؛ فإنّه قال تعالى لجبرئيلعليه‌السلام بعد ذلك، واخبره: (( إنّي سمّيته الحسين ))، فالتسمية منه تعالى بالخصوص، وقد سمّاه في كتابه المجيد ووصفه بأوصاف خاصّة، وجعل تعالى لهعليه‌السلام في السماوات أسماء خاصّة كما في الروايات.

رابعها: الاحترام الخاصّ لتعزيته ؛ فإنّه قال تعالى بعد التسمية بالحسينعليه‌السلام لجبرئيلعليه‌السلام بعد التهنئة: (( عزّه وقل له: إنّ أُمّتك ستقتله )).

خامسها: الاحترام الخاصّ لقابلته ؛ فإنّه تعالى قد أرسل حورية خاصّة، فائقة على الحور عند ولادته، فكانت قابلة له هي ومَنْ معها من الحور العين.

سادسها: الاحترام الخاصّ لمهده ؛ فقد عاذ الملك فطرس بمهدهعليه‌السلام .

سابعها: الاحترام الخاصّ لتحريك مهده، حرّكت مهده الملائكة، وميكائيل.

ثامنها: احترام خاصّ لمناغاته في المهد، فجعل يناغيه في المهد جبرئيلعليه‌السلام .

تاسعها: احترام


خاصّ لرضاعه ؛ فجعله من لسان نبيّه وإبهامه، مع إنّ لثدي الزهراءعليها‌السلام شرافة لا أشرف منها لكن حيث إنّ النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله أشرف وأفضل تحقّق له بالنسبة إليه مصداق ما في زيارة جابر له حين قال: غذّتك يد الرحمة، ورضعت من ثدي الإيمان، ورُبيت في حجر الإسلام.

عاشرها: احترام خاصّ للباسه ؛ فأهدى إليه بالخصوص لباساً، قال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين ألبسه: (( هذه هدية أهداها إليّ ربّي تعالى للحسين، وأنا اُلبسه إيّاها، وإنّ لحمتها من زغب جناح جبرئيل )).

حادي عشرها: احترام خاصّ لقبره المبارك ؛ فزاره قبل دفنه كلّ نبي من آدم إلى الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يُسمع أبداً بقبر قبل دفن صاحبه فيه.

ثاني عشرها: الاحترام الخاصّ لدمعه، كما في رواية الخشف من الغزالة، وسنذكرها.

ثالث عشرها: احترام خاصّ لدمه، فجعل الله تعالى حبيبه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله يجيء فيلتقطه ويجمعه في قارورة خضراء، قد جاء بها ملك من الملأ الأعلى لأجل ذلك.

رابع عشرها: الاحترام الخاصّ للدمع الجاري عليه ؛ فجعل الملائكة يجمعونه ويدفعونه إلى خزنة الجنان، ثمّ خزنة يمزجونه بماء الحيوان.

خامس عشرها: الاحترام الخاصّ لمحلّ سيلان الدمع، فلا يرهقه قتر ولا ذلّة.

سادس عشرها: الاحترام الخاصّ لمجلسه، كما سيجيء ذكره عند خواص المجلس المبارك.

سابع عشرها: احترام خاصّ من الله تعالى لشفاعته ؛ بأن جعله شفيع الملائكة، وجعل وقتها يوم ولادته، وشفاعة غيره إنّما هي للناس يوم القيامة، فأعطاه هذه علاوة على تلك.

ثامن عشرها: الاحترام الخاصّ للتربة المحيطة بقبره الشريف بتفاوت القرب إليه ؛ من خمسة وعشرين ذراعاً إلى أربعة فراسخ، فلها فضائل متفاوتة بتفاوت القرب إلى موضع مرقده، وقد اختارها لمدفنه يوم دحي الأرض كما قال ذلكعليه‌السلام حين أراد الخروج من المدينة المنورة، فجعل الله تعالى لها خصوصيات.

الأولى: إنّها شرُفت على الكعبة المكرّمة(١) .

فمِن حديثِ كربلا والكعبهْ

لكربلا بانَ علو الرتبـــهْ

وقد يُقال: إنّها أفضل من أرض الغري وإن لم تكن أفضل من أصل

____________________

(١) كما ورد في بحار الأنوار ٤٤ / ٣٣١.


مرقد أمير المؤمنين عليعليه‌السلام .

الثانية: إنّه ورد عن الباقرعليه‌السلام بأسانيد معتبرة أنّه خلق الله تعالى هذه الأرض قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدّسها وبارك عليها.

الثالثة: روي عنهعليه‌السلام أيضاً بأسانيد كثيرة أنّه ما زالت كربلاء قبل خلق الله تعالى الخلق مقدّسة مباركة، ولا تزال كذلك حتّى يجعلها الله أفضل أرض في الجنة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله تعالى فيه أولياءه في الجنة.

الرابعة: إنّه جعل هذه التربة ترعة من ترع الجنة.

الخامسة: عن السجّاد (صلوات الله عليه): (( أنّه إذا زلزلت الأرض زلزالها وسيّرها، رفعت كربلاء كما هي بتربتها نورانية صافية، فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وإنّها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدريّ بين الكواكب ؛ يغشى نورها أبصار أهل الجنة، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيّبة المباركة التي تضمّنت سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة )).

السادسة: إنّ التسبيح والاستغفار بحبات صُنعت من تربته موجبان لتضاعف ثواب التسبيح لسبيعين.

السابعة: إنّ إدارة السبحة المباركة من تربة كربلاء بلا تسبيح توجب ثواب التسبيح.

أكرم بها من سبحة لحامل يحملها مسبّحهِ.

الثامنة: إنّه إذا أخذ السبحة منها وقال صباحاً: (( اللّهمّ إنّي أصبحت أُسبّحك واُهللك وأحمدك عدد ما اُدير به سبحتي )) كتب ذلك ما دامت في يده، وكذا إذا قال حين نومه، واضعاً لها تحت رأسه كما في الرواية عن الإمام السجّاد (صلوات الله تعالى عليه).

التاسعة: إنّ السجود على ترابها يخرق الحجب السبعة، ومعنى هذا الحديث ؛ إمّا خرق السماوات للصعود، أو المراد بالحجب المعاصي السبع التي تمنع قبول الأعمال، على ما في رواية معاذ بن جبل، وإنّ السجود عليها ينوّر الأرضين السبع.

مسألة: هل الفضل في السجود على التراب منها، أو يشمل المصنوعة من الطين المتعارفة ؟ روى معاوية بن عمار أنّ الصادقعليه‌السلام كانت له خريطة، أي كيس أو هميان، فيها تراب كان يفرشه ويسجد عليه، وهذا يدلّ على أفضلية التراب، ويدلّ عليها غيره من العمومات.

العاشرة: إنّ أكل كلّ طين حرام، وفي الرواية


عن الصادقعليه‌السلام : (( إنّه كلحم الخنزير، ومَنْ أكل فمات فلا يُصلّى عليه )) إلاّ مَنْ أكل طين قبر الحسين (صلوات الله عليه) للشفاء، والذي له شروط وآداب بالنسبة إلى مكان أخذه وأخذه، وموضع إمساكه وأكله، والنيّة فيه وعمدة ذلك النيّة.

وفي الحديث عن أبي يعفور بأسانيد كثيرة، قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : يأخذ الإنسان من طين قبر الحسينعليه‌السلام فينتفع به، ويأخذه غيره فلا ينتفع به ! قالعليه‌السلام : (( لا والله الذي لا إله إلاّ هو، ما يأخذه أحد وهو يرى أنّ الله تعالى ينفعه به إلاّ نفعه الله تعالى به )) وكذا يذهب أثره عدم الختم عليه فيتمسح به الجنّ والشياطين ويذهب أثره، كما في الروايات، وللختم عليه طرق.

الحادية عشرة: إنّ حمل طينه عوذة وحرز للمخاوف إذا حمله بهذه النيّة كما في الحديث.

الثانية عشرة: إنّ جعل طينه في المتاع للتجارة موجب للبركة فيها(١) .

الثالثة عشرة: إنّه ورد: (( حنّكوا أولادكم بتربة قبر الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّها أمان ))(٢) .

الرابعة عشرة: إنّه إذا جُعل مع الميّت في قبره كان له أماناً، كما ورد، وقد ورد أنّ امرأة كانت تزني وتحرق أولادها، فلمّا ماتت ودُفنت قذفتها الأرض مراراً، فجُعل معها بتعليم أحد الأئمّة تربة الحسينعليه‌السلام ، فلم يقذفها المدفن بعد ذلك.

الخامسة عشرة: إنّه يستحبّ خلط الحنوط بتربة كربلاء(٣) .

السادسة عشرة: إنّ الدفن فيها موجب لدخول الجنة بغير حساب.

السابعة عشرة: إنّ الحور العين تستهدي التربة من الملائكة النازلين إلى الأرض للتبرك بها.

الثامنة عشرة: إنّ هذه التربة قد حملها كلّ ملك وأهداها إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد أخذ النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله منها بنفسه، وقد أخذ الحسينعليه‌السلام منها بنفسه أيضاً كما سنذكره.

التاسعة عشرة: إنّه قد دُفن فيها قبل الحسينعليه‌السلام مئتا نبي ومئتا وصي ومئتا سبط كلّهم شهداء(٤) .

العشرون: إنّ شمّها موجب لإراقة الدموع والعبرات، وقد تحقّق ذلك قبل دفنه أيضاً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبالنسبة إلى الحسين نفسهعليه‌السلام ، كما سنذكره في بيان أسباب البكاء.

الحادية والعشرون: إنّ هذه

____________________

(١) كما في الرواية في كامل الزيارات / ٢٧٨.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) كما في تهذيب الأحكام ٦ / ٧٦.

(٤) كما في الرواية المعتبرة في كامل الزيارات / ٢٧٠.


التربة قد انقلبت دماً أينما كانت عند انصباب دم الحسين (صلوات الله عليه) كما يظهر من روايات كثيرة، منها رواية التربة التي كانت عند أُمّ سلمة والتي رواها العامّة والخاصّة، وقد أعطاها النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله لها حين أتى بها جبرئيلعليه‌السلام إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحين اُسري بهصلى‌الله‌عليه‌وآله هناك.

فأتى بهاصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده الشريفة وأعطاها إلى أُمّ سلمة وهي تربة حمراء، فقال لهاصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( احتفظي بها، فإذا صارت دماً فإنّ ابني قد قُتل )) قالت: فوضعتها في قارورة، وكنت أنظر إليها كلّ يوم وأبكي حتّى صار يوم العاشر من المحرّم، نظرت إليها وقت الصبح فوجدتها على حالها، ثمّ عُدت إليها بعد الزوال فإذا هي دم عبيط ؛ فصحت وصرخت.

قالت [بنت أو اُخت] أُمّ سلمة: رأيت القارورة بين يديها ودمها يغلي.

وقد روي أنّ أُمّ سلمة (صلوات الله تعالى عليها) ماتت يوم العاشر من المحرّم حزناً على ولدها الحسين (صلوات الله تعالى وسلامه عليه)، وذلك بعد أن أقامت العزاء عليه مع جمع من نساء المدينة المنوّرة.

الثانية والعشرون: إنّ دخوله موجب للحزن الشديد كما هو مُشاهد بالوجدان، خصوصاً إذا دنوت من القبر، خصوصاً إذا نظرت إلى قبر ابنه عند رجليه في الرواية إنّه يرحمه مَنْ نظر إلى قبر ابنه عند رجليه(١) ، فهل ترحمه كذلك إذا تصوّرت حالهما.

الثالث والعشرون: إنّ هذه التربة مقبوضة بيد كلّ ملك زار النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففي الرواية إنّ كلّ ملك أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان معه شيء من تربة كربلاء، وكلّ نبي زار كربلاء فقد قبض منها وشمّها ومسّ جلده ترابها المبارك، فهي مقام كلّ الأنبياءعليهم‌السلام إلى يوم القيامة.

الرابعة والعشرون: من الاحترامات الاحترام الخاصّ الذي قدّره الله تعالى لها مقارناً مع هتك حرمته من كلّ هاتك أراد إذلاله فقرنه بإعزاز واحترام ؛ إمّا من الهاتك نفسه، وإمّا من غيره مقارناً لهتكه بحيث يغلب على هتكه.

وقد لاحظت هذا المعنى من قضايا عديدة تقرب إلى أربعين قضية، والحمد لله على إلهامه ذلك، وإن أردت تصديق ذلك فلاحظ قضايا هاتكي حرمته والمجترئين عليه (صلوات الله تعالى عليه).

فنقول: إنّ الإذلال والهتك للحرمة عنوان، والقتل والجرح عنوان آخر، وحيث إنّ من اللطف الواجب على الله تعالى أن لا يذلّ أولياءه ذلاً ينفر عنهم القلوب، فقد جعلهم مع

____________________

(١) كما جاء في كامل الزيارات / ٦١.


الضعف والفقر والخصاصة الظاهرية يملؤون العيون غنى وصولة، وهيبة ووقاراً وتمكيناً في القلوب.

وقد جعل لسيدنا المظلوم في ذلك خصوصية ؛ فأوّل مَنْ أحبّ قتله ـ وهو معاوية ـ أمر باحترامه ؛ وذلك عند وصيته ليزيد وقوله له: إنّي أخاف عليك من الحسين، لكن إذا ظفرت به فراعِ حقّه ؛ فإنّه فلذة كبد رسول الله تعالىصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأوّل مَنْ اُمر بقتله، وهو الوليد حاكم المدينة، قال: أعوذ بالله تعالى أن أبتلي بدمه.

وقد احترمه ابن سعد (عليه اللعنة) حين عزم على حربه، فأنشد أبياتاً منها :

أأتركُ ملكَ الريّ والريّ منيتي

أو أصبح مأثوماً بقتلِ حسينِ

وقي قتلهِ النارُ التي ليسَ دونها

حجابٌ [وملك] الريِّ قرّةُ عينِ

وقد احترمه شمر حين أمر الناس بالهجوم عليه، فقال: إنّه كفء كريم، ليس القتل عنده عاراً.

وقد احترمه مَنْ اشتغل بقتله بأقوال، منها: أقتلك وأعلم أنّ الخصم العليُّ الأعلى.

وقد احترمه حامل رأسه إلى ابن زياد (لعنه الله تعالى)، فقال :

املأ ركابي فضةً أو ذهبا

إنّي قتلتُ السيدَ المهذبا

قتلتُ خيرَ الناسِ أُمّاً وأبا

وخيرَهم إذا يُنسبون نسبا

فأمر ابن زياد بقتله.

وقد احترمه الراضّون لجسده بأبيات عظّموه فيها(١) .

وقد احترمه يزيد (لعنه الله تعالى) بمدحه لهعليه‌السلام ورأسه المبارك بين يديه.

وإنّ الاحترامات المقارنة للهتك إذا لم تحصل من الهاتك نفسه ففي قضايا كثيرة من الذين هتكوا حرمته بألسنتهم، منها: قول مَنْ قال له يوم عاشوراء: يا حسين، أبشر بالنار فقارنه الله تعالى بأن عثرت فرسه فتعلّقت رجله بالركاب فجرّته الفرس إلى خندق النار في ساعته.

ومنها: قول مَنْ قال له ذلك اليوم: يا حسين، أي حرمة لك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فابتلى تلك الساعة بأن خرج للحدث فلدغته حيّة وهو يتغوّط، وتلوّث بحدثه ومات في ساعته.

ومنها: قول مَنْ قال له: انظر إلى الماء حتّى تموت عطشاً فقال الحسينعليه‌السلام : (( اللّهمّ أمته عطشاً )) فعرضت له حالة

____________________

(١) انظر اللهوف / ٥٩.


كان ينادي: العطش العطش ! فيُسقى قربة، ثمّ ينادي: العطش العطش ! حتّى انقدّت بطنه ومات عطشاً.

الخامسة والعشرون: الاحترام الخاصّ لأكله فإنّه قد أُتحف من الجنة بثمرات حين اشتهاها، وهي في مواضع، منها: حديث الرطب، والسفرجلة، والتفاحة، وكل طعام أُهدي من الجنة إلى جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبيه وأُمّه وأخيهعليهم‌السلام ، كانت عمدة استدعائه منه أو لأجله.

السادسة والعشرون: التشريفات الخاصّة للباسه قد خصّ الله تعالى الحسن والحسينعليهما‌السلام بأن اُهدي إليهما من ألبسة الجنة مراراً، واختلاف اللونين في لباسهما والسرّ فيه مشهور، وعلى كلّ لسان مذكور، لكن خصّ الله تعالى الحسينعليه‌السلام بلباس خاصّ به.

قالت أُمّ سلمة: رأيت رسول الله (صلوات الله عليه وآله) يُلبس ثوباً للحسينعليه‌السلام لم أرَ مثله في الدنيا، فسألته فقال: (( هذه هدية أهداها ربّي تعالى للحسين، وأنا اُلبسه إيّاها، وإنّ لحمتها من زغب جناح جبرئيلعليه‌السلام )).

ثمّ ألبسه الله تعالى بعد ذلك عند عرائه ألبسه من حلل الجنة بيد الملائكة كما سيجيء تفصيلها إن شاء الله تعالى.

انتهـى العنوان الرابـع

العنوان الخامس

في بيان اللطف الرباني الخاص بالإمام الحسينعليه‌السلام

الذي عبّر عنه بقوله: (( فوضع الله تعالى يده على رأس الحسينعليه‌السلام )) وحيث إنّه كناية عن نهاية نظر الرحمة إليه فقد ظهر هذا في شيئين كما في الروايات الصحيحة :

الأوّل: ما ناله هو في نفسه

الثاني: ما ينال الناس به

أمّا الأوّل: فإنّه مرتبة خاصة من القرب لا نقدر على تقريرها، بل ولا على تصوّرها، ومن فروعها جعل الإمامة في ذرّيته.

وأمّا الثاني: فاُمور كثيرة: منها جعل الشفاء في تربته، والإجابة تحت قبته، وعمدتها وأجّلها وأعظمها، إنّ الله تعالى قد خصّه بصيرورته سبباً عاماً لرحمته على عباده وقد خلقهم لها فجعله بذلك عمدة التسبّب، وحيث كان نبيّه رحمة للعالمين جعل الحسين من النبي وجعل النبي المصطفى منه ؛ ولذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( حسين منّي وأنا من حسين )).

فهو محلّ وضع يد الرحمة، ومن الرحمة ،


وغذّته يد الرحمة، ورُبّي في حجر الرحمة، ورضع من لسان الرحمة، ونبت لحمه ودمه وذاته روحه الزاكية من الرحمة، ونور بصر الرحمة، وهو جلدة ما بين عيني الرحمة، وريحانة الرحمة، ومجلسه صدر الرحمة، ومركبه كتف الرحمة، ومرتحله ظهر الرحمة، ومسيره إلى الرحمة، ومعدن خاص للرحمة، ومجمع لأسباب الرحمة، وجامع وسائل الرحمة، ومنبع عيون الرحمة، ومشرع الواردين للرحمة، ومترع مناهل الرحمة، ومغرس حدائق الرحمة، ومظهر ثمرات الرحمة، ومنبت أغصان الرحمة، ومحرّك مواد الرحمة، وسحائب فيوض الرحمة.

وبه يتحصّل الكون في موضع العفو والرحمة، والدخول في سعة دائرة الرحمة، وبالرحمة عليه يتحقّق كتب واسع الرحمة، وهو الرحمة الموصولة، والرحمة المرحومة، فهل في قلبك لهعليه‌السلام رحمة فتكون من الباكين عليه رحمة، فيصلّي عليك ربّ الرحمة تبارك وتعالى، ويُقال لك: صلّى الله تعالى عليك يا صاحب الرحمة ؟

وهذا العنوان لبيان وسائل الرحمة به إجمالا وكثرتها وعمومها، وبيان معادلتها مع كلّ الأعمال الشرعية والصفات الدينية.

ولنذكر أوّلاً مقدّمتين :

المقدّمة الأوّلى

( أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) لا تحسب أيّها الإنسان أنّك جئت سُدى، ولا تحسب أنّك تُترك سُدى، ولا تحسب أنّك تذهب سُدى ؛ فإنّ خالقك حكيم، قادر غني، منزّه عن العبث واللهو، وقد وجدت بخطابات تكوينية بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، فكنت تراباً بخطاب، ثمّ نطفة بخطاب، ثمّ علقة بخطاب، ثمّ عظاماً بخطاب، ثمّ مكسوّاً بلحم بخطاب، ثمّ إنساناً بخطاب، ثمّ أُفيض عليك العقل والقوى بخطاب من الله تعالى.

وهذه كلّها خطابات تكوين منه تعالى لك، فلمّا تكونت بمقتضاها توجّهت إليك أقسام من الخطابات التكليفية، وتفرّعت عليها أقسام خطابات لك، وأقسام خطابات بالنسبة إليك.

بيان ذلك: إنّك مخاطب الآن باعتقادات، وبصفات، وبفعل واجبات


ومندوبات، بدنيات وماليّات، وبترك صفات وأفعال وأقوال وأموال، وبخطابات تعلمها أوّلاً ثمّ تعمل بها ثمّ إنّه قد توجّهت إليك بعد ذلك خطابات إرشادية بالطاعات، والاستباق إلى الخيرات ؛ ابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى، واتخاذ السبيل إلى الله، وإجابة داعي الله تعالى، والتزوّد إلى الله، وإقراض الله، وتقوى الله، والمجاهدة في سبيل الله، والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى ونحو ذلك.

وبعد توجّه هذه الخطابات إليك تتوجّه إليك خطابات تكوينية يتحقّق مؤدّاها بمجرّد توجّهها عند انقضاء أجلك، فتُخاطب روحك ممّن له الأمر بالمفارقة، وجسدك بالوقوع، وقواك بالسقوط، وعينك بالظلام، وسمعك بالصم، ولسانك بالخرس، ويُقال لك: اترك كلّ ما في يدك ومالك، وما تراه بعينك كلّه دفعة واحدة، فيتحقّق كلٌ بمجرّد الخطاب بهما، ولا تقدر على عدم إجابة هذا الداعي الإلهي.

وإذا تحقّق ذلك فتصير معرضا لخطابات هي آثار الخطابات التكليفية الموتجّهة إليك، وتختلف حالتك فيها باختلاف حالاتك في امتثالها فمنها: خطابات تتوجّه إليك بعد تفرّق أجزاء وجودك من روحك وجسمك باجتماع أجزاء جسدك وعود الروح كما أنت الآن، وهذه أيضاً تتحقّق الإجابة عليها بمجرّد النداء بها.

ومنها: خطابات تتوجّه إليك بـ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) فتأخذه إمّا بيمينك أو بشمالك أو وراء ظهرك فتقرأه ؛ فإمّا أن تقول:( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ) ؛ وإمّا أن تقول:( هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ) .

ومنها: خطابات تتوجّه من الله تعالى ؛ فمنهم مَنْ يُخاطب:( يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) ، ومنهم مَنْ يُخاطب:( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) .

ومنها: خطابات تتوجّه إلى ملائكة المحشر بالنسبة إلى أهلها ؛ فمنها:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) ، ومنها بالنسبة إلى المؤمنين حين تتلقّاهم الملائكة( أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) .

ومنها: بالنسبة إلى بعض المذنبين:( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ) ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولا أهله !

ومنها:( ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) .


ومنها:( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ) ، وما أدراك بمعنى( فَاسْلُكُوهُ ) ؟! إنّ معناه أن يُسلك الشخص في حلقات السلسلة، لا كسلاسل يشدّ بها الشخص على ما هو المتعارف.

ومنها: خطابات إلى الملائكة بالنسبة إليك ؛ إمّا:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) أو( خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ) .

ومنها: خطابات تتوجّه إليك تعجيزيّة، منها:( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا ) .

ومنها:( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ) .

ومنها: خطابات تهكميّة: منها:( اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ) .

ومنها:( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) .

فهذه الخطابات السبعة الأخيرة فروع للخطابين الأوّلين التكليفي والإرشادي، فلاحظ نفسك أيّها امتثالاً أو تهيّؤاً لها.

المقدمة الثانية

اعلم أنّك الآن مصاب بمصيبة عظيمة ما أعظمها لو تصوّرتها، وذلك من جهات :

الأوّلى: إنّك رمية المصائب العارضة، وأسير المنايا، وهدف البلايا في حلقوم الرحى الدائرة، مُساق إلى الموت كلّ ساعة في النزع، وفي سفينة طوفانية ما تدري أيّ ساعة تغرق، قد أحاط بك الأخلاط التي لا بدّ أن تُقتل بأحدها، وأحدق بك الأعداء كلّ يجرّك إلى طرف.

الثانية: مصيبة لك لا تحسّ بها أبداً ولكن كان علياًعليه‌السلام إذا ذكرها يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الثكلى، وهي أنّ السفر بعيد، والمنازل مخوفة مهولة، والمورد عظيم خطير، والزاد قليل، والرجل حافية، وما لك موكب، والكفّ صفر، والطريق مخوف.

الثالثة: قد عظم بلاؤك، وأفرط سوء حالك، فأنت المحترق بالنيران المتعدّدة، أنت الذي اشتغل قلبك وبدنك ولسانك ويدك ورجلك بشعلات المعاصي، أنت المقتول في معركة الذنوب، أنت المأسور للنفس الأمارة والشيطان، أعضاؤك مشتعلة النيران، قد توقّدت على الظهور والبطون، والقلوب قد تقطّعت أجزاء إنسانيتها، وقد جُرحت بمئة ألف جرح من المعاصي، وقد وطأت خيول الضلال أعضاء هدايتك.


الرابعة: بلية عظيمة لا مناص عنها ولا خلاص، وهي أنّه إن بقيت هنا فأنت الآن إمّا فقير أو غني ؛ فإن كنت فقيراً وكبرت سقطت قواك، وإن كنت غنيّاً لم تلتذّ بما عندك، فاجتمعت عليك مصائب الفقر إلى مَنْ كان فقيراً إليك، وتأذّى أحبّ الناس إليك منك، فيرجو موتك مَنْ ترجو حياته، وينزعج كلّ واحد لاستبطاء موتك.

فإن ذهبت من هنا فإلى قبر لم تمهّده لرقدتك، ولم تفرشه للعمل الصالح لضجعتك، فإذا دخلته وبقيت فيه فوجه كالح ـ والكالح: هو التكشّر في عبوس أو التعبّس المفرط ـ وجسد خاوٍ، وأعضاء معطّلة مسودّة، ومصاحبة للنمل والدود، والعقارب والخنافس، وإن خرجت فإلى محشر أرضه نار، وسقفه نار من الشمس، والجوانب نار من المعاصي، فإن بقيت فكيف تبقى ؟! وإن ذهبت فإلى أين ؟!

فلو عرفت أنّك مصاب بهذه المصائب للبست السواد، وفرشت الرماد، وتركت الأهل والمال والأولاد قال عليعليه‌السلام : (( وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَتَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لا حَارِسَ لَهَا، وَلا خَالِفَ عَلَيْهَا، وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ )). فأشغلتكم هذه المصيبة عن كلّ مصيبة، ولو كانت في نفسك وولدك وإخوانك.

تبيان: المراد بالصعداء هنا: الصحاري والالتدام: ضرب النساء صدورهنّ، أو وجوههنّ للنياحة وهمّته أي شغلته.

وإذا تمهّدت المقدّمات، فاعلم: أنّ خامس أهل الكساء، وسيد الشهداء، أبا عبد الله الحسين (عليه التحية والثناء) قد امتثل لله تعالى خطاباً خوطب به في صحيفة مكتوبة له خاصّة، جاء بها جبرئيلعليه‌السلام من الله تعالى وأودعها عند نبيّه محمّد (صلوات الله عليه وآله)، ثمّ سلّمهاصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليعليه‌السلام ، ثمّ علي إلى الحسنعليهما‌السلام ، ثمّ سلّمها الحسن المجتبى إلى أخيه الحسينعليهما‌السلام عند وصيّته فامتثل خطاباً خاصّاً من تكاليفه الخاصّة، والخطاب الخاص هو: (( اخرج بقوم إلى الشهادة ؛ فلا شهادة لهم إلاّ معك، واشتر نفسك لله )) نعم، فامتثلعليه‌السلام خطاباً خاصّاً من تكاليفه الخاصّة.

حصل لمَنْ توسّل بوسائله، إطاعة التكاليف الإرشادية، وامتثال الخطابات التكليفية، وتحمّل مصيبة اُعطي بها أجر حصل لمَنْ تمسّك به ارتفاع جميع المصيبات، وتفرّع على ذلك النجاة من


العقبات خوطب عند امتثاله ذلك التكليف الخاصّ بخطاب ارتفع به عن المتوسّل به التهكميّة، والتعييرية من الخطابات.

ففي وسائله يحصل امتثال الأمر بالطاعات، والأمر بالصّلاة والصّيام، والصّدقات والحج، والعمرة والجهاد والرباط ويحصل ثوابها، ويحصل لك أعلى أفرادها الذي يتصوّر وقوعه منك.

وزيادة على ذلك إنّه قد يحصل لك أعلى أفراد ما لا يتصوّر وقوعه منك، مثل الصّلاة والحج والجهاد مع النبي محمد (صلوات الله عليه وآله)، وزيادة على ذلك إنّه قد يحصل لك بحسب العدد والكم ما يستحيل وقوعه منك، مثل: أن تحجّ مئة حجّة.

وفي الوسائل الحسينيّة ما تحصل لك مئة ألف حجّة، وقد يحصل لك ما يستحيل وقوعه في نفسه لا منك خاصة، فالتشحّط بالدم قتيلاً لا يمكن إلاّ دفعة واحدة، وفي الوسائل ما تكون ألف مرّة متشحّطاً بدمك في سبيل الله تعالى، فبها ترتفع المصيبات المتحقّقة فيك الآن وأنت لا تشعر بها، وتندفع البليات التي أنت معرض لورودها، وبها يحصل تسهيل العقبات التي أنت مُشرف عليها، وبها يحصل الأمن من الأهوال والمخاوف في جادتك التي أنت الآن ماشٍ عليها، وبها يحصل امتثال التكليفية والإرشادية من الخطابات، وتحصل المحمودة من الصّفات، وترفع تأثيرات المهلكات من الصّفات، وبها تحصل المغفرة للعصيان الحاصل بارتكاب المنهيّات، والفتح لِما سدّ الشخص على نفسه من أبواب الجنان، وسدّ ما فتحه من أبواب النيران، وإطفاء ما أحاط به الآن من النيران، وبها حصول الدرجات، وبها ارتفاع الدرجات، وبها أرفع الدرجات، وفيها ما لا يُتصوّر من الدرجات.

ولتوضيح هذا المطلب نذكر عائدة( تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ، فيها عود وتكرّر وتوضيح، فاحضر قلبك واستمع واحترس ؛ فإنّه قد توجّهت إليك الآن من ربّك خطابات كثيرة أنت في عهدتها ؛ فالإفاقة الإفاقة ! فلك بعد أيام حالة قيامة صغرى عليك، تتوجّه بالنسبة إليك خطابات تجري عليك ما أصعبها !

الحذر الحذر !


فلك بعد ذلك حالة تجري عليك ما أصعبها الحذر ! الحذر ! فلك بعد ذلك حالة وهي القيامة الكبرى تقوم عليها تتوجّه بالنسبة إليك خطابات ما أعظمها وأفظعها وأهولها.

فبالحسينعليه‌السلام يحصل امتثال خطابات لك، وبالحسينعليه‌السلام يسهل جريان خطابات، وبالحسينعليه‌السلام دفع ورفع لخطابات، فهنا ثلاث كيفيّات :

الكيفية الأوّلى

تفصيل لتحصيل امتثال الخطابات، وهي على أقسام :

الخطاب الأوّل: خطاب العبادة

قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .

وهذا خطاب ورد على لسان مئة [ وأربع ] وعشرين ألف نبي، وعلى لسان الأوصياء والصّلحاء، والملائكة والحكماء، والعرفاء وأهل الملل، فلاحظ نفسك هل عبدته بعبادة مطابقة لإحدى الملل السابقة، أو لهذه الملّة التي تدّعيها الآن ؟

ثمّ لاحظ زماناً لها، فهل عبدته في طول عمرك، أو نصف عمرك، أو بعض عمرك، أو سنة من عمرك، أو شهر أو يوم أو ساعة.

ثمّ لاحظ نفسك من أيّ عبّاده أنت، فلست من عباده المكرمين، ولا من عباده المصطفين، ولا من عباده المخلَصين، ولا من الذين قال تعالى فيهم:( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) ، ولا من عباده المؤمنين ؛ إذ لا صفة لك من صفاتهم، ولا من عباده المتقين ؛ إذ لا علامة فيك من التقوى، ولا من عباده المسرفين الذين قال تعالى فيهم:( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) ؛ فإنّه قال:( وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) ، ولست من المنيبين المخاطبين، بـ( لا تقنطوا ) .

ثمّ لاحظ عبادتك له تعالى، وليست عبادتك عبادة الإخلاص الخاصّ، بل ولا كعبادة العبيد تكون خوفاً من ناره، بل ولا عبادة الاُجراء تكون طمعاً في جنّته.

وليتنا اكتفينا بعدم عبادته تبارك وتعالى بقسم من الأقسام، بل عبدنا من دونه عدوّنا وعدوّه، ولسنا اكتفينا بواحد، بل عبدنا الهوى، وعبدنا الدينار والدرهم، وعبدنا ما لا يُحصى عدده، وليتنا اكتفينا بقسم من أقسام العبادة، بل عبدناه بجميع ما يُتصوّر من أقسامها.

فإذا عرفت حالتك بالنسبة إلى عبادة ربّك تعالى، فاعلم أنّه يمكن أن تنال بالحسين الشهيدعليه‌السلام دخولك في جميع


أقسام العبادات، وعبادتك طول عمرك، ويمكنك أن تنال بهعليه‌السلام مرتبة العبودية بجميع أنواعها وأقسامها.

وبيان ذلك فيه مطالب :

الأوّل: إذا زرت الحسينعليه‌السلام حصلت لك من مراتب عبادة المكرمين، وهم الملائكة، وذلك إنّ علوّ مراتبهم إنّما هو بمراتب عبادتهم، وقد يحصل لزائر الحسينعليه‌السلام صلاة الملائكة وتسبيحهم وتقدسيهم وطول عبادتهم إلى يوم القيامة، وفوق ذلك تكون الملائكة نوّاباً عنه في زيارة الحسينعليه‌السلام إلى يوم القيامة، وسنذكر الروايات بعد ذلك إن شاء الله.

وبهذا يظهر لك معنى الروايات: إنّ مَنْ زار الحسينعليه‌السلام كان من عبّاد الله تعالى المكرمين.

الثاني: إذا زرت الحسينعليه‌السلام حصلت لك من مراتب عباده المصطفين، وهم الأنبياء (سلام الله عليهم أجمعين) ؛ فإنّ من بعض خواصها الكون مع النبي (صلوات الله عليه وآله)، والأوصياء في درجاتهم والأكل معهم على موائدهم، ومصافحتهم ودعاءهم لك وحديثهم معك وسلامهم عليك، وسنذكر تفصيل الروايات في ذلك.

الثالث: بخصوصيات وسائل الحسينعليه‌السلام تحصل لك من مراتب عبادة الصالحين والمخلّصين، والمؤمنين والزاهدين والخائفين، كما سيظهر تفصيلها من الروايات الخاصة، وكما يحصل بها لك من مراتب العباد كلّهم يحصل لك ثواب العبادات كلّها من خطابات الصّلاة والزكاة، والحج والعمرة، والجهاد، والمرابطة، والوقوف والصدقات والمستحبّات، وثواب أعلى الدرجات والنيّات، وثواب عبادة العمر كلّه، لا بل الدهر كلّه، كما يتبيّن ذلك عند ذكر التفصيلات.

الرابع: من الوسائل الحسينيّة ما يحصل لك منها خصوصية نداء العباد المسرفين المنيبين المخاطبين بقوله تعالى:( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) ؛ فإنّه تحصل بالبكاء عليه (سلام الله عليه)، ويحصل من الزيارة له مغفرة الذنوب جميعاً، لا الذنوب الماضية فقط، بل قد تحصل مغفرة الذنوب المستقبلة، لا ذنوبك جميعاً، بل قد تحصل مغفرة جميع ذنوب والديك، لا ذنوب والديك معاً، بل قد تحصل مغفرة ذنوب مَنْ أحببت جميعاً(١) .

____________________ ـــــ

(١) كما جاء في كتاب كامل الزيارات / ١٥٢و١٥٤و١٦٦، وبحار الأنوار ٩٨ / ٢٦.


وسيُعلم هذا عند ذكر الروايات في التفصيل إن شاء الله تعالى.

الخطاب الثاني :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ )

وهذا كالخطاب الأوّل، خلاصة كلام كلّ نبي، بل هو وصيّة كلّ نبي، ومضمون كلّ كتاب سماوي، وهو على أقسام، وتحصل بوسائل الحسينعليه‌السلام ثمرات جميع أقسامه وأعلاها، أي خطاب المتقين يوم القيامة بقوله تعالى:( يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) ؛ إذ بمثل هذا يُخاطب مَنْ زار الإمام الحسينعليه‌السلام عارفاً كما سيجيء بيانه عند التفصيل في العنوان الآتي.

الخطاب الثالث: الإنفاق في سبيل الله تعالى( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )

وقد يحصل بالحسينعليه‌السلام جميع أفراد الإنفاق، من الإعطاء والإطعام والسقي، والزكوات والصّدقات، وكل معروف هو صدقة، بل يحصل منه ما يستحيل حصوله بغيرهعليه‌السلام ؛ ففي بعض خصوصيات وسائله ما يُكتب لك بها ثواب سقي عسكر الحسين المظلوم (صلوات الله تعالى عليه) وفي يوم عاشوراء، وذلك بالنسبة لِمَنْ سقى الماء في عاشوراء عند قبره المبارك.

فهل تحبّون أن تسقوا عسكر العطشان الآن، وإن لم تكونوا عند قبره، ولم يكن ليل عاشوراء :

في كلّ موضعٍ يرى قبره

وكربلا في كلّ مكانٍ يُرى

فإذا تصورته واحترق قلبك على حالاته صار قلبك موقفه ومدفنه، فاسقِ عنده الماء من عينيك، وبذلك تكون قد سقيته وسقيت عسكره وعياله وأطفاله ومَنْ كان معه.

الخطاب الرابع: خطابات الجهاد( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ )

وهو قسمان: أكبر وأصغر، والقاتل سعيد فيهما، فالمقتول في الأوّل شهيد، لكنّ المقتول في الثاني طريد، ولست بقاتل ولا مقتول في الأوّل ولا في الثاني، ولكن يمكن إدراك ذلك بالحسين الشهيدعليه‌السلام ، وفيه مطالب :

الأوّل: إذا تمنيت أن تكون شهيداً مع الإمام الحسينعليه‌السلام وقُلت: يا ليتني كنت معكم، كان لك من الثواب مثل مَنْ استشهد معه(١) .

أقول: هنا يتحقّق هذا الأمر مع الحبّ والاتّباع والتأثّر الصادق بولائهمعليهم‌السلام ، والناس في هذا مراتب ودرجات متفاوتة كلٌ بحسب قابليته وتعلّمه وإيمانه، وقبل كلّ شيء توفيق الله تعالى له ولطفه عليه، وليس حديثاً نجريه على اللسان.

الثاني: إذا أحببت عمل الشهداء شاركتهم، كما في رواية جابر قال: نعم، أشهد لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

____________________

(١) كما جاء في أمالي الصدوق / ١١٢و١١٣، وكذلك في بحار الأنوار.


الثالث: إذا زرت الحسينعليه‌السلام في ليلة عاشوراء وبتّ عنده حتّى الصباح لقيت الله تعالى ملطّخاً بالدم كمَنْ قُتل معه.

الرابع: وهو يفوق أصل الجهاد ؛ فإنّ الجهاد قد تحصل به الشهادة وقد لا تحصل، وفي هذه الوسائل ما يحصل من ثواب الجهاد والشهادة والتشحّط بالدم.

الخامس: ما فاق على ذلك ؛ فإنّ التشحّط بالدم في سبيل الله تعالى إنّما يتحقّق مرّة واحدة، وفي الوسائل ما يحصّل ذلك مرّات عديدة.

الخطاب الخامس:( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )

وأحسن الزاد ما طاب وبلغ المنزل، وزيارة الحسينعليه‌السلام نِعْمَ الزاد لهذا السفر الطويل ؛ فإنّه نافع في كلّ منزل، وطيّب قد فاق كلّ زاد، وليس هو زاداً لك وحدك، بل زاداً لغيرك أيضاً ؛ فإنّك قد تأخذ بيد مَنْ أحببته فتدخله الجنّة.

الخطاب السادس:( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً )

والوسائل بالحسينعليه‌السلام قرض حسن لله تعالى، وقرض حسن لحبيبه المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، وقرض حسن لعلي بن أبي طالبعليهما‌السلام ، وقرض حسن للزهراء البتول فاطمة (سلام الله تعالى عليها)، وقرض حسن للمظلوم المسموم الحسن المجتبىعليه‌السلام ، وقرض حسن للحسين الشهيد (سلام الله عليه)، ويضاعف الله تعالى لك في كلّ قرض لكلّ واحد منهم أضعافاً كثيرة لا يعلم عددها إلاّ الله تعالى.

الخطاب السابع:( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )

وقد دعانا رسول الله محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما يتعلّق بالحسينعليه‌السلام إلى أسباب حصول الحياة الأبدية الحقيقية ؛ من المحبّة لهعليه‌السلام والنصرة، والبكاء والزيارة، وإحياء أمرهم بذكرهم إلخ بالتفاصيل السابقة واللاحقة.

الخطاب الثامن:( وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ )

وهذا تقديم للنفس، وتأخير لها أيضاً، يلحق ويتجدّد حصول ثوابه لعد موتك.

الخطاب التاسع:( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) ،( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ )

ويحصل بالحسينعليه‌السلام أسرع المغفرة ؛ فإنّ الذنوب تُغفر بالبكاء عليه بمجرّد دوران الدمع في الحدقة، وبزيارته بمجرّد النيّة والعزم.


الخطاب العاشر: خطابات الدعاء( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً )

وتُنال بوسائله ثمرات الدعاء لكلّ حاجة تدعو لها، ويُنال بهعليه‌السلام مع ذلك إذا زرته دعاء رسول الله تعالى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودعاء علي وفاطمة والحسن والأئمّةعليهم‌السلام ، ودعاء الملائكة.

وفي الرواية الأُخرى أنّ زائره لا يضع قدمه على شيء إلاّ دعا له، وأنّهعليه‌السلام يسأل الله تعالى لك الدعاء إذا زرته، وبكيت عليه من جدّه وأبيه.

وقد دعا الإمام الصادقعليه‌السلام في أيام حياته وهو ساجد باك لِمَنْ قلّب خدّه على قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولِمَنْ جرى دمعه عليه، ولِمَنْ صرخ لأجله.

الخطاب الحادي عشر:( كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ )

والله تعالى أجّل من أن يحتاج إلى نصرة، إنّما هو الغني المطلق الخالق البارئ، لكن من سعة رحمته (جلّ جلاله) أن جعل نصرة أوليائه ودينه هي نصرته تبارك وتعالى، وكلّما كان المنصور من أوليائه مستضعفاً مقهوراً مظلوماً، كان تحقّق نصرة الله تعالى فيه أظهر وأجلى.

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : (( بأبي المستضعف الغريب بلا ناصر ! )) فزيارة هذا الغريب الشهيدعليه‌السلام نصرة له، والبكاء نصرة له، وإقامة عزائه نصرة له، وتمنّي نصرته نصرة له، بل أقول: السجود على تربته نصرة له، والتسبيح بسبحة تربته نصرة له ؛ فإنّ الفضيلة المجعولة فيهما من الأعواض الخاصة التي أعطاها الله تعالى لهعليه‌السلام ، كما سنذكرها في عنوانها إن شاء الله تعالى.

الخطاب الثاني عشر:( أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ )

وداعي الله تعالى هو النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي دعا إلى الإسلام، ويتلوه الحسينعليه‌السلام الذي دعا إلى الإيمان، وأظهر الدعوة إلى الإيمان، وأبان الأمر عن بطلان ما اعتقده الناس من خلافة أهل العصيان، وجميع وسائله إجابات لِما دعا إليه، كما يظهر بالتأمّل فيها حتّى إنّي أقول: إنّ الاستشفاء بتربته إجابة لدعوته، فتأمّل في ذلك لتفهم.

الخطاب الثالث عشر:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ )

والحسين الشهيدعليه‌السلام أعظم وسيلة نبتغيها ؛ فإنّ وسائله عظيمة ميّسرة سهلة الحصول، فيها ما هو غاية المأمول وفوق المأمول.

الخطاب الرابع عشر:( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً )

والحسين إمامناعليه‌السلام السبيل الأعظم، والصراط الأقوم، وأنهج السبل.


وهذه المذكورات أُنموذجاً وقانون فقس عليها غيرها من الخطابات الإلهية، وجميع ما في القرآن من قبيل ذلك، كالخطابات بالتجارة المنجية والرابحة، فقس ما لم نذكر على ما ذكرنا، ولا تتوهّم إغراقاً ولا مبالغة.

الكيفية الثانية

تصوير أنّه يسهل بالحسينعليه‌السلام جريان الخطابات التكوينية عند قيام القيامة الصغرى عليك، أعني موتك وأيامها، اعني برزخك.

فنقول: إنّ من وسائله الاستعبار عليه، وتغيير الأحوال عند تذكّر ما صُنع به، بحيث لم يتهنّأ من طعام ولا شراب، ومن خواص ذلك أنّه يحضره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام ، ويلقونه بشارة وتحيّة يفرح بها فرحة تبقى في قلبه إلى يوم القيامة فيسهل بها جميع ما يرد عليه من خطابات الاحتضار، والبرزخ إلى غير ذلك من كيفيات التسهيل التي نبيّنها في التفصيل.

الكيفية الثالثة

كيفية رفه الخطابات التهكمية والتعجيزية، وخطابات الأخذ والجر، والغلّ والسلك في السلسلة وغير ذلك.

وينال بالوسائل الحسينيّة تبديلها بخطابات الملاطفة والمرحمة، أو دفعها أو رفعها ؛ وذلك إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد ضمن أنّه يزور مَنْ زاره يوم القيامة، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ضمنت على الله تعالى، وحقٌّ عليّ أن أزور مَنْ زاره يوم القيامة )) فقال (صلوات الله عليه وآله): (( فآخذ بعضده فأُنجيه من أهوال القيامة وشدائدها حتّى أُصيّره في الجنة )).

ومع عظم هذه الكيفيات فلا يُكتفى بها، بل وزيادة على ذلك فهي الباقيات الصالحات، والأعمال المقبولات اللاحقات.

فبالحسين الشهيدعليه‌السلام قد أُطفئت النيران، وبهعليه‌السلام قد فُتح باب عظيم للجنان سُمّي بباب الحسينعليه‌السلام ، به يحصل الدخول من كلّ باب، فهو الباب والمفتاح لأبواب الجنان، والمغلاق لطبقات النيران، فهلمّوا إلى الوسائل الحسينيّة وابشروا ؛ فإنّ فيها مع ما ذكرناه علاوة عجيبة، وطريفة مبشّرة، ونعمة عظيمة، ومنّة من الله تعالى جسيمة ؛ وذلك إنّ في التسبيبات الحسينيّة خصوصية أُخرى تفوق على جميع التسببات وتزيد على جميع الأعمال الصالحات من جهات :


الأوّلى: إنّ نهاية ثمرة الأعمال الخلاص من النار، وقد فاقتها ثمرة التسبيبات بأنّه يحصل بها التخليص للغير من النار أيضاً.

الثانية: نهاية ثمرتها دخول الجنّة، وقد فاقت هذه بأنّ فائدتها إدخال الغير إلى الجنّة أيضاً.

الثالثة: نهاية ثمرتها أن يُرزق الشرب من الكوثر، فيصير الشخص شارباً منه، وهذه قد فاقت بأنّه قد يحصل بها كون الشخص ساقياً عند الكوثر.

الرابعة: نهاية ثمرة الأعمال الصالحة أن ترقى أعمالك في كتاب الحسنات، فتؤتى كتابك بيمينك تقرؤه، وقد فاقت بأنّه قد يحصل بها أن يُكتب في كتابك من أعمال أفضل العابدين لله تعالى، أعني من أعمال نبيّه المصطفى (صلوات الله تعالى عليه وآله)، وهو أفضل المخلوقات.

الخامسة: نهاية ثمرتها أن لا يُحال بينك وبين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم القيامة فتستشفع به إلى الله تعالى، وهذه قد يحصل منها أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتفحّصك ويطلبك، ويأخذ بعضدك وينجيك من أهوال القيامة.

السادسة: نهاية ثمرة الأعمال الجنّة والحور الرضوان، ولكن في بعض الروايات: إنّه يُثاب الباكون عليهعليه‌السلام بأن يجلسوا تحت العرش في صحبته ويتحدّثوا معه، فتُرسل الحور إليهم: إنّا قد اشتقناكم، فيأبون الذهاب ويختارون حديث الحسينعليه‌السلام على الجنّة والحور.

السابعة: نهاية ارتفاع الدرجات أن تُرتفع درجة الشخص على بعض المؤمنين، والوسائل الحسينيّة قد فاقت على ذلك بأنّها توجب أن يكون الشخص مع أفضل النبيّينصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام في درجاتهم ويأكل معهم على موائدهم.

الثامنة: نهاية الأعمال الصالحة حصول الرضوان من الله تعالى، وهو أكبر وأعظم من الجنان، وهذه فاقت بأنّه قد يحصل منها أم يكون من محدّثي الله تعالى فوق عرشه، كناية عن شدّة القرب.

التاسعة: نهاية ما يحصل لك في تجهيزك بعد موتك أن يُغسّلك صالح جيرانك، وأن تُكفّن بخالص حلالك، ويُصلّي عليك مَنْ حَسُنَ ظاهره من العلماء، أو الصلحاء، وفي تسبيبات الحسينعليه‌السلام ما يوجب أن يُصلّي على جنازتك الروح الأمين


مع الملائكة المقرّبينعليه‌السلام ، ويكفّنوك بأكفان الجنّة، ويحنّطوك بحنوط منها.

العاشرة: نهاية الآثار والأعمال اللاحقة للشخص والباقيات الصالحات التي لا ينقطع عمله منها أن تبقى مدّة مديدة بعد موته، فيعمل النائب عنه من الناس، أو يهدي إليه من أعمال الناس فيصل إليه عشر ثوابه لو كان صحيحاً، أو ينتفع شخص بعلمه، أو فرسه أو مائه، أو مسكنه أو قنطرته، أو يكون له ولد صالح يستغفر له.

وهذه لا تبقى بحسب العادات أزيد من ألف سنة ؛ فإنّ الزمان وحالاته متبدّلان متغيّران، ولكن في هذه الوسائل ما يوجب أن تكون الملائكة بعد موتك نوّاباً في العمل عنك إلى يوم القيامة، فكلّ ثوابهم يُكتب لك، ولا يُستبدل بأوضاع الزمان.

الحادية عشرة: نهاية الترقّي لك أن تكون من عباد الله الصالحين، وفي الوسائل الحسينيّة ما يجعل الشخص من ملائكة الله المقرّبين، لا بل أن لا تعجب أقول: من الكرّوبيين، وهم سادات الملائكة المقرّبين، كما دلّت عليه الروايات المعتبرة، وسيجيء تشخيص مصاديق هذه في عنوان التفاصيل بعون الملك الجليل.

الثانية عشرة: نهاية الأعمال الصالحة ثبوث أجر متصوّر، وفي هذه أجر لا يتصوّر إذ لم يتبيّن لأحد، فهو درجة من أرفع الدرجات، ولا شيء فوقه.

فلنكتفِ بهذا الإجمال، ولنشرع في التفصيل، وحيث إنّ عمدة هذه الوسائل تأثّر القلب بالبكاء عليه، وتوجّه القلب إليه بالزيارة فنذكرهما في عنوانين، ونجعل لباقي الوسائل كلّها عنواناً ثالثاً، فنقول بحول الله وقوّته.

انتهى العنوان الخامس

العنوان السادس

في خصوصياتهعليه‌السلام المتعلّقة بالخشوع ؛

لتذكّره، والرقّة، والبكاء عليه، وإقامة مجالس المآتم والرثاء

وفيه مقدمة ومقاصد :

قال الله تعالى:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ) يعني بعد ما آتاكم من العقل والتدبير، وبعد ما شاهدتم الآيات في الأنفس والآفاق، والسماوات


والأرض، وفي كلّ ذرّة وورقة، وبعد ما رأيتم العِبَر والغِيَر في الغافلين، وبعد ما تُليت عليكم الآيات، وبعد ما عمّرتم ما يتذكّر فيه مَنْ تذكّر وجاءكم النذير من بين أيديكم ومن خلفكم، وتكاثرت عليكم الأصوات المنادية الواعظة لكم، وبعد ما مرّ عليكم دهر في الإسلام وادعائكم وانتحالكم له، ألم يأنِ أن تخشع قلوبكم لذكر الله تعالى ؟ فإذا ذكرتموه كنتم من المؤمنين،( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) ، وكففتم عن المعاصي.

ألم يأنِ للذين آمنوا وعرفوا عظمة ربّهم تعالى أن تخشع قلوبهم لذكر الله إذا قاموا بين يديه وخاطبوه، فيكونوا من المؤمنين( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) ؟ فقد انتهى العمر ولم تصلِّ ركعتين خشوعاً لله تعالى، فصلَّ لربّك صلاة واحدة ؛ فلعلّها تكون صلاة وداع.

ألم يأنِ للذين آمنوا وعرفوا أن لا نافع إلاّ الله تعالى، ولا ملجأ إلاّ له تعالى ؟ أن تخشع قلوبهم لذكر الله فلا يكونوا من الذين لا يرون شيئاً إلاّ ويرون الله بعده، أو الذين لا يرون شيئاً إلاّ ويرون الله تعالى معه، أو قبله.

ألم يأنِ للذين أمنوا إذا اُفنيت أعمارهم يوماً في البُعد عن الله ولم يذكروه يوماً ولا ساعة ذكراً نافعاً، أن تخشع قلوبهم لذكر الله آناً واحداً لغلبة خوف واضطراب ؟ فلعلّه يكون توبة إلى ربّهم ورجوعاً إليه بعد انقطاعهم عنه، فيكون لهم وصل بعد الإعراض والقطع، ولا يموتون حين هم عن ربّهم محجوبون.

ألم يأنِ للذين آمنوا بالله ورزقهم الله معرفة أوليائه، أن تخشع قلوبهم لذكر الحسين الشهيدعليه‌السلام فيبكون عليه ؟ فإنّه من خشوع القلب لذكر الله، كما إنّ مَنْ والاه فقد والى الله، ومَنْ عاداه فقد عادى الله، ومَنْ أحبّه فقد أحبّ الله، ومَنْ اعتصم به فقد اعتصم بالله، ومَنْ زاره فقد زار الله، ومَنْ خشع قلبه لذكره فقد خشع قلبه لذكر الله تعالى، ومَنْ انكسر قلبه لمصابه ومصاب أولياء الله تعالى فإنّه يكون صاحب قلب يحبّه الله تعالى فيفيض عليه من عنايته الخاصّة.

ألم يأنِ ذلك خصوصاً إذا دخل المحرّم وهلّ عاشوراء، أما ترى الناس ذوي كربة قد خُنقت منهم القلوب بالبكاء ؟ فيا أيّها الذين آمنوا هذا أوّل خشوع القلب لذكر الإمام الحسينعليه‌السلام الراجع إلى ذكر الله تعالى، فاذكروا الله ذكراً كثيراً


بذكر الحسينعليه‌السلام ، ذكراً راجعاً إلى ذكر الله تعالى، وإقامة عزائه بما يرجع إلى خشوع القلب لذكر الله تعالى.

والمراد بقولي: الراجع إلى ذكر الله سبحانه، أنّ خشوع القلب لذكر الحسينعليه‌السلام له أقسام، منها ما يرجع إلى ذكر الله، ويكون لله تعالى، والفرد الكامل منه لِمَنْ خلص إيمانه، يكون خشوع قلبه للحسينعليه‌السلام من القسم الراجع إلى خشوع القلب لذكر الله، نظير أصل ذكر الله، والتسبيح بحمده والخضوع له ؛ فإنّ كلّ مخلوق يسبّح بحمد ربّه تبارك وتعالى، ويخضع له، ويسجد له سجوداً تكوينياً، ولكنّ الفضيلة للتكليفي الجامع للشرائط، وكذلك خشوع القلب لهعليه‌السلام ومسألة بطلان الصّلاة بالبكاء على الحسينعليه‌السلام وحكمه يتوقفان على تشخيص هذه الأقسام.

فكلّ بكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام يكون من خشوع القلب لذكر الله تعالى لا يبطل الصّلاة، وما كان لمحض الرقّة البشرية ففيه إشكال فتأمّل.

ولنفصّل الكلام في بيان هذا المطلب الشريف ببيان أقسام خشوع القلب للحسينعليه‌السلام ، وبيان ما يتعلّق بالرثاء له في ضمن مقاصد بعون الملك الوهاب :

المقصد الأوّل: في المنشأ الباطني للخشوع وسبب حصوله.

المقصد الثاني: في البواعث الخارجية الموجبة للبكاء المختصّة به.

المقصد الثالث: في كيفيات الرقّة والجزع والبكاء عليه.

المقصد الرابع: في المجالس المنعقدة لذكر مصيبته والبكاء عليه.

المقصد الخامس: في صحف الرثاء والكتب التي رثته قبل شهادته وعندها.

المقصد السادس: في خواص مجالس البكاء.

المقصد السابع: في خواص البكاء من حيث الصّفات.

المقصد الثامن: في فضائل البكاء وتأثيره وثوابه.

المقصد التاسع: في خواص البكاء لنيل الأجر والثواب.

المقصد العاشر: في خواص العين الباكية.

المقصد الحادي عشر: في خواص الدمع الجاري.

المقصد الثاني عشر: في خاتمة المقاصد، والحمد لله.


المقصد الأوّل: في المنشأ الباطني للبكاء وسبب حصوله

اعلم أنّ منشأ البكاء قد يكون سبباً ملحوظاً للباكي، وقد يكون غير ملحوظ، فهو نوعان :

النوع الأوّل: ما كان بلحاظ سبب ملحوظ

وأقسام البكاء بالسبب الملحوظ ثمانية:القسم الأوّل: لعلقة مع صاحب العزاء وأعظم العلقات الأبوة ؛ ولذا قرن الله تعالى حقّ الوالدين بالتوحيد. قال تعالى:( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) ؛ وذلك لأنّهما علّة الإيجاد الصوري لك.فإذا كان حقّ علّة الإيجاد الصوري بهذه المرتبة، فلعلّه الإيجاد الصوري والمعنوي أحقّ بهذا الحق، فالوالد الحقيقي النبيّ والوصي (سلام الله عليهما)، وقضى ربّك بالإحسان إليهما، وكما جاء عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي المرتضىعليه‌السلام : (( يا علي، أنا وأنت أبَوَا هذه الأُمّة )).ولا ريب إنّ إقامة العزاء والبكاء على الحسينعليه‌السلام إحسان إلى النبي والوصي والزهراء (صلوات الله عليهم)، بل في بعض الروايات في تفسير قوله تعالى:( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) ، أنّ الوالدين الحسـن والحسينعليهما‌السلام ، فالبكاء عليه إحسان إلى الوالد ابتداءً.والوجه في أنّ البكاء إحسان: إنّ الإحسان إيصال النفع، وعمدة النفع الإعزاز والاحترام، والبكاء إعزاز للأموات والمقتولين ؛ ولذا سأل النبي إبراهيمعليه‌السلام ربّه تعالى في ابنة تبكيه بعد موته، ولمّا سمع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نساء الأنصار يندبنَ قتلى اُحد، قال (صلوات الله عليه وعلى آله): (( أمّا حمزة فلا بواكي له )) ؛ فأمر الأنصار نساءهم أن يندبنَ حمزة، فسمع النبي محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله فدعا لهنّ.

وقد جاء أيضاً: أنّه مرّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بنسوة من الأنصار يبكينَ ميّتاً فزجرهن عمر، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( دعهنّ يا عمر ؛ فإنّ النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب )).ولمّا بكت نساء أهل المدينة على قتلى اُحد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( لكنّ حمزة لا باكية له )) فسمع ذلك أهل المدينة فلم يقم لهم مأتم بعدها إلى اليوم إلاّ ابتدأ النساء فيه بالبكاء على حمزة.نكتة: حمزة سيد الشهداءعليه‌السلام تحقّقت له بعض أجزاء تجهيز الموتى من الكفن والصّلاة والدفن والتشييع وغير ذلك إلاّ النوادب، فعظم ذلك على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .ولكنّ الإمام الحسينعليه‌السلام سيد الشهداء لم يكن له شيء من ذلك إلاّ النوادب، بل قد زيد في ابتلائه مقابل ابتلاء الحمزةعليهما‌السلام ، خلاف التمثيل بالجسد باستخراج كبد الحمزة، فقد زاد بلاء الحسين على الحمزة بالرض قبل وبعد الشهادة، وتقطيع الجسد المبارك إرباً إرباً ؛ فكان الجرح على الجرح، والطعنة فوق الطعنة، وتكسير الضلوع والبدن السليب، وقطع الأصبع وضرب الجبهة، والغدر والموت عطشاً، وتقتيل أهل بيته وأولاده وإخوته، وأبناء إخوته وأبناء عمومته قبل شهادته ...حتّى نادت أُخته المباركة زينب الكبرىعليها‌السلام بصوت حزين، أخذت تُنادي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليشهد الندبة، لكن قد منعوهنّ فيها، بل ومن البكاء، بل ومن إجراء الدمع حتّى أشبعوها ومَنْ معها من الأطفال والنساء ضرباً بالسياط حتّى اسودّت أجسامهم من شدّة الضرب والزجر لهنّ وللأطفال.

فهلم نبكي عليه وعلى مصاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الأطيابعليهم‌السلام ، بكاءَ قرابةٍ حقيقيةٍ إن كنّا من الموالين بأدنى درجات الولاء والانسجام معهم ومع خطّهم القويم ؛ فمَنْ لا يبكي


كذلك فهو عاق قاطع الرحم.

القسم الثاني: الرقّة لعلقة الالتحام التي هي من أعظم القرابة

نظير العضو من الإنسان إذا عرضه مرض ووجع يكون الوجع في الكلّ، ومن هذه الجهة بكاء الحور العين، ولطمهنّ على الإمام الحسينعليه‌السلام في الجنان التي هي دار السرور ؛ وذلك لأنّ لكلّ من المخلوقات مادة، وقد خُلقت الحور العين من نور الحسينعليه‌السلام ، فهي ملتحمة بهعليه‌السلام ومع ذلك كيف يمكن أن يكون واقعاً على الأرض تحت سنابك الخيل، ورأسه المبارك على الرمح، ودمه الطاهر مسفوك على الأرض، وفؤداه مثقوب، وكبده مقرح، وقلبه محترق، ونساءه وأطفاله مسبيّات قد حُرقت خيامهنّ قبل شهادته وسبينَ بعد شهادته ...، وتبقى الحور في القصور بأنعم بال وأحسن حال ؟!

ومن جملة أقسام البكاء بكاءُ الشيعة عليه، هذا القسم أيضاً، وذلك في رواية عن الصادقعليه‌السلام قال: (( شيعتنا منّا، وقد خُلقوا من فاضل طينتنا، وعُجنوا بنور ولايتنا، ورضوا بنا أئمّة، ورضينا بهم شيعة ؛ يُصيبهم ما أصابنا، ويُبكيهم ما أبكانا، ويُحزنهم حزننا، ويسّرهم سرورنا، ونحن أيضا نتألّم بتألّمهم، ونطّلع على أحوالهم، فهم معنا لا يُفارقونا، ونحن لا نُفارقهم )) ثمّ قالعليه‌السلام : (( اللّهمّ، إنّ شيعتنا منّا، فمَنْ ذكر مصابنا وبكى لأجلنا استحى الله تعالى أن يعذّبه بالنار )).

وفي حديث الأربعمئة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : (( إنّ الله تبارك وتعالى اختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويبذلون أنفسهم وأموالهم فينا، أولئك منّا وإلينا )).

فدّلت هذه الرواية على أنّ مخلصي الشيعة اختارهم الله تعالى كما اختار الشهداء، بل شهادتهم.

وفي ذلك علامات كما استدل الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله من المحبّة الخاصّة للطفل الذي رآه يلعب مع الإمام الحسينعليه‌السلام على أنّه يكون من أنصاره في واقعة كربلاء.

فلاحظ علاقة الشيعة في نفسك وهلمّ نبكي عليه لذلك ؛ فإنّ مَنْ لا يبكيه ولا يواليه ولو بأدنى درجات الولاء فإنّه يكون لا علاقة له معه، ومقطوع عنه، فهلمّ نتألّم لمصابه.

فالحسينعليه‌السلام يتألّم لآلامنا أيضاً، وكفى بذلك عزّة لنا وفرجاً، وأنّهعليه‌السلام يصلنا أيام تألّمنا في أحلك عواقب حالاتنا، اللّهمّ صلِّ على محمد حبيبك المصطفى وآله الأطهار المعصومين وعجّل في فرجهم يا الله.

القسم الثالث: الرقّة على المصيبة

كون [لصاحب] المصاب حقّ عليك، والحقوق كثيرة :


منها: حقّ الإيجاد

وهو حقّ الوالدين والأجداد، والحسينعليه‌السلام له علينا هذا الحقّ ؛ فإنّ وجودنا ووجود آبائنا ببركة وجوده.

ومنها: حقّ الإسلام والإيمان وهو ثابت لكلّ مسلم على كلّ مسلم، فكيف يكون حقّ مَنْ صار سبباً لهدايتنا إلى الإيمان ؟ فإن الحسينعليه‌السلام قد فدى نفسه لهذا الدين، ومعنى هذا أنّه لو لم يتحمّل تلك المصائب والمصاعب لما كان هناك إسلام ولا مسلمين، ولا نقول إلاّ كما قال المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء(١) وهكذا اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون دوام الإسلام وحفظه بالحسينعليه‌السلام ، وكما جاء أيضاً بالحديث المبارك (( إنّ الله تعالى أبى أن بجري الأمور إلاّ بأسبابها ))(٢) والحمد لله (عزّ وجلّ).

وذلك إنّه لمّا استولت بنو أُميّة (لعنهم الله) على البلاد وأظهروا الفساد، سعوا جاهدين في إخفاء الحقّ حتّى شبّهوا الأمر على الناس ؛ بحيث جعلوا سبّ الإمام أمير المتقين عليعليه‌السلام من أجزاء الصلاة، وأدخلوا في أذهان الناس أنّ بني أُميّة أئمّة الإسلام حقّاً، ورسخ هذا الباطل في أذهان الناس منذ طفولتهم، حيث إنّهم أجبروا المعلّمين على أن يُلقّنوا الأطفال والأجيال في مكاتبهم ومدارسهم هذا الأمر فاعتقد الناس أنّ هؤلاء أئمّة الدين، وأنّ مخالفتهم ضلالة. فلمّا قُتل الحسينعليه‌السلام ومَنْ معه بهذه الكيفية، وسُبيّ مَنْ سُبيّ بهذه الطريقة المخصوصة، تنبّه الناس والتفتوا إلى أنّ هؤلاء لو كانوا أئمّة حقّ ما فعلوا ذلك أبداً. ورأوا أنّ فعلهم هذا لا يُطابق ديناً ولا مذهباً ولا عدلاً، بل ولا يُطابق جور الجائرين على مرّ التاريخ ؛ فعدلوا عن الاعتقاد بهم، وتبرؤوا منهم، وعدل مَنْ هداه الله إلى الحقّ، وظهرت الشيعة بشكل جليّ وواضح بعد أن كانوا مستضعفين مظلومين.

وأمّا السُنّة فعدلوا عن اعتقاد خلافتهم، وعلموا أنّهم حكّام جور، وجوّزوا لعنهم والحقيقة إنّ الاهتداء إلى الدين الحقّ بعد ذلك الانحراف بدأ من ثورة الحسينعليه‌السلام .

ومنها: حقّ الزاد والملح فإنّ به حياة كلّ شيء، وبه ينزل الغيث وينبت النبات، فجميع طعامك وشرابك إنّما هو ببركته. ومنها: حقّ الإحياء.

أوَ ليست حياتنا الحقيقية، أعني الروحية والإيمانية، هي ببركة الحسينعليه‌السلام ؟ أوَ ليست أعمالنا كلّها بهدايته لنا ؟ ومنها: حقّ الإسلام وسلامتنا الحقيقية مرجوّة من الحسينعليه‌السلام .

ومنها: حقّ الوداد فهل يودّ شخص شيعته مثل الحسينعليه‌السلام ؟! الذي هو إلى يمين العرش ينظر إلى زوّاره والى الباكين عليه ؟ كما جاء في الروايات المعتبرة. ومنها: حقّ التعب. فلو أنّ شخصاً أصابه صدع أو جرح يسير بسببك لكنت

____________________

(١) لقد أشرنا فيما سبق أنّ هذا ليس حديثاً، وإنّما هو قول يُنسب إلى العلامة الشيخ آل كاشف الغطاءرحمه‌الله (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(٢) لم نعثر في موسوعاتنا الرواية على مثل هكذا حديث، ولكن ورد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: (( إنّ الله سبحانه يجري الأمور على ما يقضيه لا على ما ترتضيه )) (ميزان الحكمة ـ للريشهري ٢ / ١٠٩٥) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


خجلاً منه أبداً، وبصدد تدارك تعبه، أفلا تكون بصدد تعب الحسينعليه‌السلام وما أصابه ؟ وليت شعري بأيّ شيء نتدارك تعبه لنا ؟! أبهذه القطرات من الدمع ؟! أم بالسير الاعتقادي والعملي على نهجه المحمدي القويم ؟! وهل نحن صادقين بهذا ؟

فهلّموا نبكي عليه لأداء حقوقه علينا، فمَنْ لا يبكيه لا عهد له ولا وفاء، ولا ننسى إنّ البكاء عليه هو أدنى درجات الوفاء لهم.

القسم الرابع: الرقّة على المصاب

لأنّه كبير وجليل، فإنّ لمصاب الكبير خصوصية توجب رقّة القلوب عليه ولو كان أجنبياً، بل ولو كان كافراً، بل ولو كان عدوّاً، وبذلك جرت سيرة الملوك أيضاً كما في قضية ذي القرنين مع دارا بن دارا.

وقد جرى حكم الشارع أيضاً على ذلك ؛ ولذا رمى النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ثوبه لعدي بن حاتم زمن كفره ليجلس عليه، وقال: (( أكرموا عزيز قوم ذلّ )).

ولأجل هذا لم يسلب عليعليه‌السلام ثياب عمرو بن عبد ود لمّا قتله، بل ولا نزع درعه، مع إنّه لم يكن له نظير، فقيل له في ذلك، فقالعليه‌السلام : (( إنّه كبير في قومه، وما اُحبّ هتك حرمته في بقائه عارياً )).

ولأجله أيضاً جعل الشارع لبنات ملوك الكفار إذا اُسرن واسترققن حكماً آخر من الاحترام، فيُخّيرن ولا يُعرضن على البيع في الأسواق.

فهلمّوا نبكي عليه بكاء العبد على سيّده، وبكاءً له ؛ لأنّه جليل وكبير، هُتكت حرمته، وسُلب ثوبه، ودير بحريمه وأطفاله أُسارى من بلد إلى بلد حتّى طُمِعَ فيهن كالجواري، فمَنْ لا يبكيه كذلك لا مقام له، ولا يعرف قدر أحد.

القسم الخامس: الرقّة على مَنْ كان ذا صفات حميدة

فإنّ حسن الصّفات ومحمودها توجب الرقّة على المتّصف بها وإن لم تعرفه، بل قد ورد عن الشرع احترامه ولو كان كافراً، كما أوحى الله تعالى إلى موسى النبيعليه‌السلام : ( لا تقتل السامري فإنّه سخي ).

وكما نزل جبرئيلعليه‌السلام من الله تعالى بالنهي عن قتل أحد أسرى الكفار ؛ لكونه يُطعم الطعام.

فمصاب صاحب الصّفات الحسنة يؤثر في القلب أياً كان هذا الشخص، خصوصاً المصاب بما يُقابل مقتضى هذه الصفات.

فإذا رأيت مَنْ كان يهب الألوف


قد احتاج إلى لقمة خبز يسأل الناس عنها لرقّ قلبك عليه بالخصوص، كذا مَنْ كان ذا حياء مُهاناً في ملأ من الناس وهكذا.

فإذا لاحظت صفات سيد الشهداء وخصوصياتها، ونظرت إلى التطابق بينها وبين خصوصيات مصائبه كان ذلك موجباً لرقّة خاصة عليه، وبكاءً مخصوصاً عليه.

فهلمّوا نبكي عليه بكاءً مقابلاً لصفاته الحميدة العليّة، فاستمع لمصائب خاصة في مقابلة صفات خاصّة :

الأولى: إنّ لسانه قد ذكر الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض، وهلّل الله فتعلّمت الملائكة منه التسبيح والتحميد، ثمّ ذكر الله تعالى في عالم النور والأشباح والظِلال، ثمّ في بطن أُمّه الزهراءعليها‌السلام والتي كانت تسمع منه التسبيح والتهليل، ثمّ حين ولادته المباركة، ثمّ أيام صغره وصباه وكبره، ثمّ حين شهادته، ثمّ حين كون رأسه على الرمح، أفيحق أن يُقرع وجهه الشريف بالخيزران بيد مثل يد يزيد وابن زياد في تلك الحالة، ويضحكا ويشمتا به بمحضر أهله ؟!

الثانية: إنّهعليه‌السلام رأى أعرابياً لا يُحسن الوضوء فاتّفق مع أخيه الحسن المظلومعليه‌السلام على أن يتوضأ كلّ منهما بمحضره.

فقال الحسينعليه‌السلام للأعرابي: (( أيُنا يُحسن الوضوء ؟ )) فقال الأعرابي: كلاكما تُحسنانه، روحي لكما الفداء، ولكن أنا الذي لا أُحسنه.

فهوعليه‌السلام قد تحرّج من أن يقول للجاهل: أنت جاهل ؛ لئلاّ يكسر قلبه مع أنّه جاهل حقيقة، فكيف حاله هو حين خوطب بخطابات لا تليق إلاّ بأعداء الله تعالى ؟! فقد قال له قائل: تعجّلت بنار الدنيا، وقال له الحصين بن تميم ـ حين أراد الصلاة ـ: إنّها لا تُقبل منك، لعن الله أعداء أوليائه.

الثالثة: أعطاه رجل رقعة، فقال له الإمامعليه‌السلام فوراً حاجتك مقضية، فقيل له: لولا قرأتها، فقالعليه‌السلام : (( يسألني الله تعالى يوم القيامة عن ذلّ مقامه بين يدي حين أقرأ رقعته )) يعني أنّه قد يتردد بين الخوف والرجاء حتّى أقرأ الرقعة فيصيبه ذلّ بين يدي ولا اُحبّ ذلك.

فكيف كان حاله حيث وقف بين أيدي أهل الكوفة يسألهم أموراً يعلم أنّهم لا يفعلونها، فطلب الإنصات لكلامه حينما أراد أن يتكلّم معهم فكانوا يتصايحون، فقالعليه‌السلام : (( ويلكم ! ألا تسمعون ؟! ألا تنصتون؟!)).


الرابعة: حضرعليه‌السلام عند أُسامة بن زيد حالة احتضاره، فتأوّه أُسامة وقال: يا غمّاه ! فقالعليه‌السلام : (( يا أخي، لِما تأوّهت، وما غمّك ؟ )) قال أُسامة: عليّ دّين مقداره ستون ألف درهم قال الإمام الحسينعليه‌السلام : (( عليّ قضاؤه )) قال: اٌحبّ أن يُقضى وأنا حيّ فقضاه في مجلسه.

أفيحق لمثل هذا الرحيم الرؤوف، الإمام المعصومعليه‌السلام أن يتأوّه ويتلهّف، ويلتمس في حالة احتضاره أموراً هيّنة يسيرة ولا يُقضى له منها حتّى قطرة من الماء ؟! وا أسفاه ! ووا غمّاه ! ووا لهفاه ! ووا كرباه عليك يا مولاي وسيدي الحسين !

الخامسة: وقف أعرابي عليه وهو يصلّي فقال :

لم يخب الآن مَنْ رجاك ومَنْ

حرّك من دون بابك الحلقه

فدخل الدار، وشدّ أربعة آلاف دينار في ردائه ودفعها إليه من رواء الباب ؛ حياءً منه، وقال :

خذها فإنّي إليكَ معتذرٌ

واعلم بأنّي عليكَ ذو شفقه

لو كانَ في سيرنا الغداةَ عصا

أمست سمانا عليكَ مندفقه

لكنّ ريبَ الزمانِ ذو غِيَرٍ

والكفُ منّي قليلةُ النفقه

فبكى الأعرابي، فقال لهعليه‌السلام : (( استقللت العطاء ؟ )) قال: لا، ولكن كيف يأكل التراب جودك.

فبكاء الأعرابي كان على دفن يده في التراب ولا ننسى أنّ تلك اليد في حينها لم تكن مدماة قطيعة الأصبع حمراء، تشخب دماً زاكياً، ولكن نحن نبكي على الذي كان حياؤه بمرتبة يخجل معها حتّى عند عطائه لمبلغ كثير من المال لسائل غير مضطر.

فكيف يكون خجله إذا سأله أحد المضطرين شيئاً ولم يعطه ؛ لعدم تمكّنه وهو الكريم الرحيم على عباد الله تعالى وعلى خلقه، أم كيف كان حاله حين سألته ابنته الصغيرة شربة ماء، وهو يرى حالها من العطش، وسألته زوجته قطرة ماء لولده الرضيع، بل ولرضيع ثانٍ، وأعظم من ذلك أنّه طلب منه ابن أخيه أن يحضر على جسده حال وقوعه، فجاء ولم يدركه حيّاً ؛ فلذا قالعليه‌السلام : (( يعزّ على عمّك أن تدعوه فلا يُجيبك، أو يُجيبك فلا ينفعك )).

السادسة: وُجد يوم الطفّ في ظهره أثراً، فسألوا السجّادعليه‌السلام عن سببه، فقالعليه‌السلام : (( ذلك ممّا كان ينقل على ظهره من الطعام قي الليالي للأرامل والأيتام، والفقراء والمساكين )).

فهل من الإنصاف أن يُمنع من سقي طفل له رضيع قطرة من الماء ؟


السابعة: مرّ يوماً على مساكين وقد أخرجوا كسرات من الخبز ليأكلوا فدعوه إلى طعامهم فثّنى وركه وجلس يأكل معهم، وهو يقول: (( إن الله لا يحب المستكبرين )) ثمّ قال: (( قد أجبتكم فأجيبوني )) فقالوا: نعم فأتوا منزله، فقال للجارية: (( اخرجي ما كنتِ تدّخرين )) فجاءت بأطيب الطعام، فجلس يأكل معهم (سلام الله عليه) ليُطيّب قلوبهم.

وقد سعىعليه‌السلام كثيراً في أن يُطيّب قلوب نساء وأطفال عطاشى بشربة من الماء فلم يمكّنوه من ذلك.

القسم السادس: البكاء للتبعيّة

فإنّه قد يتحقّق البكاء تبعاً للباكين مع قطع النظر عن المبكي عليه، فابك تبعاً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلكم فيه أُسوة حسنة، لا بل تبعاً للأنبياء والأوصياء، لا بل تبعاً للسماوات والأرضين، أو الوحوش أو الطيور، أو الجنة أو النار، أو ما يُرى وما لا يُرى، أو الجن أو الملائكة، أو ابكِ تبعاً للأشجار، أو تبعاً للحجار.

فأيّ قلب هو أقسى من الحجر، أو تبعاً للحديد فقد بكى مسمار سفينة نوح النبيعليه‌السلام دماً، كما جاء دليل ذلك كلّه في الأحاديث والروايات، فابك دماً تبعاً له.

القسم السابع: الترحم للجنس

فإنّه يوجب الرقّة مع قطع النظر عن كلّ صفة وحقّ وعلاقة مثلاً: إذا سمعت أنّ رجلاً بلا تقصير أتى إلى بريّة ومعه أولاد أطفال ونساء وشباب، وإخوان وأصحاب وأقارب فجرى عليه ما جرى لاحترق قلبك أسىً وألماً عليه بل لو سمعت أنّ رجلاً مقصّراً، أو محلّلاً للحرام، أو محرّماً للحلال، أو عدوّاً لك، أو كافراً بالله تعالى صُنع به ما صُنع مع إمامنا الحسينعليه‌السلام لرحمته ورأفت بحاله، وقد كان يقولعليه‌السلام : (( هل تُطالبوني بقتيل قتلته ؟ أو بمال لكم استملكته ؟ أو شريعة بدلّتها ؟ )).

أقول: فدتك نفسي ! لو كنت كذلك لما كنت مستحقّاً لما وقع عليك، فليست هناك جناية هذه عقوبتها، بل إنّه ليس متعارفاً لدى القُساة الفسقة المنافقون في طول تاريخ البشرية جريمة كما فُعل بك يا حسين يا حسين.

فهلمّوا نبكِ عليه بكاء ترحّم عليه، فمَنْ لا يبكيه كذلك لا مروّة له، ولا إنسانية سوية.

القسم الثامن: البكاء لهذه الصّفات بأجمعها

بل ولغيرها من صفات حسنة للإمام لم نذكرها، بل لم يكتبها التاريخ من الصّفات والمواقف الحسنة النورانية.


فالحسينعليه‌السلام والدك حقيقة وأنت ملتحم به، وهو كبير في السماوات والأرض، صاحب كلّ الحقوق عليك، صاحب الصّفات الحميدة، بكى عليه جميع الخلق، وهو من البشر ولا ذنب له ولا جرم، وقد وقع عليه كلّ ذلك، فمَنْ لا يبكيه كذلك فهو عاقّ شاقّ بلا وفاء وبلا عهود، ولا يعرف قدراً ولا مروّة له، وهو خارج عن الحقيقة الإنسانية.

النوع الثاني: البكاء من غير سبب ملحوظ

وله أفراد :

الأوّل: كلّ خضوع وانكسار، وخشوع وهمّ وغمّ يعرض للناس فإنّ مرجع الكلّ إلى الحسينعليه‌السلام ؛ ولهذا المطلب مقدّمات ليس هنا محلّ بيانها.

الثاني: الرقّة عليه بالفطرة التي فُطر الناس عليها من غير اختيار، مع التفات الباكين إلى أنّه رقّة على المبكي عليهم، ويكون ذلك في أحبائهم وفي أعدائهم، مع الغفلة عن بغضهم فيغلب جانب الرقّة بحيث يوجب الغفلة عن البغض.

وذلك كبكاء يزيد حين رأته هند، وبكاء معاوية على عليعليه‌السلام ، وهذا القسم لا نحتاج فيه إلى أن نقول: هلمّ وابكِ على أيّ شيء، بل نقول: اقطع النظر عن كلّ شيء، فافرض أنّك لا تعرف الحسين الشهيدعليه‌السلام ، ولا تعرف قرابة ولا حقوقاً، ولا صفاتاً ولا جلالة، وافرض أنّه لا ثواب للبكاء عليه ولا أجر ولا تبعية لأحد، فلاحظ هل يجري الدمع بلا اختيار أم لا ؟

الثالث: فطرة توجب الرقّة بلا اختيار مع الالتفات إلى جهة البغض، ومنع النفس عن الرقّة وتشجيعها على التصبّر، فمع ذلك يغلب البكاء كبكاء ابن سعد، وبكاء أخنس بن زيد، وبكاء خولي، وبكاء السالب لحلي فاطمة بنت الحسينعليهما‌السلام ، وبكاء العسكر كلّه حين عرضت عليهم حالات أبكتهم مع منع أنفسهم عن البكاء، والتفاتهم إلى جهة بغضهم، وعدم رغبتهم في البكاء، ومنافاته لِما هم فيه وبصدّده من مواجهة إمام زمانهم ومعاداته وقتاله، ولكنّه غلب على كلّ حالاتهم، حتّى على شقاوتهم وخبث طينتهم، وفيهم ما فيهم من أولاد زنا وكفر ونفاق وشقاق.

فإذا أردت أن تعرف هذه الحالة المبكية لِمَنْ كان عدوّاً له، مع التفاته لعداوته ومنع


نفسه عن البكاء، فاستمع ثمّ امنع نفسك عن البكاء تجد أنّه يغلب عليك البكاء تلو البكاء بلا اختيار.

فلنذكر الآن بعضها ولا نقول: هلمّوا لنبكي، بل نقول: امنعوا أنفسكم عن البكاء واضبطوها وتجلّدوا، فانظروا هل تقدرون حقّاً على ذلك حيناً ما ؟

فمِن تلك الحالات، ما كان فيها واقفاً في الميدان وفي بدنه ألف وخمسمئة إصابة، الضربة فوق الضربة، والجرح على الجرح، والرض على الرض، والضرب على الضرب والرأس مشقوق، والقلب مقسوم ظاهراً من السهم، وباطناً من ملاحظة العيال والنساء والأهل ومَنْ معهم من الأرامل والمواليات واليتامى، بل وابناه الرضيعان.

ومحترق ظاهراً من العطش، وباطناً من الفراق وضياع الإسلام، بل ومن هلاك مقاتليه بأن يكون مصيرهم إلى النار بسببه، وهذه رحمة لا تتوفر عادة إلاّ لدى الأنبياء وأوصياء الأنبياءعليهم‌السلام ، وما هذا إلاّ لنعلم عظم قدرهم وحكمة الله تعالى في خلقهم.

نعم، وباطناً من الفراق، وفي هذه الحالة يُضرب بالسيف على مذبحه، وهو يستسقي ماء، فامنع نفسك عن البكاء فقد بكى ابن سعد على هذه الحالة وسالت دموعه على لحيته.

ومنها حالة إدخال النساء والعيال والرؤوس المنصوبة على الرماح على يزيد، إذ وضِعت الرؤوس، ووقفت البنات والنساء والأرامل والعليل الإمام المعصومعليه‌السلام مقيّدون، فحصلت هيئة فظيعة أوجبت غلبة الرقّة على يزيد (لعنه الله) حتّى قال: قبّح الله ابن مرجانة.

المقصد الثاني: في البواعث الخارجية والموجبة للبكاء المختصّة به

وهي عشرة :

الأوّل: رؤية شبحه وظِله في عالم الأشباح والظِلال، بل رؤيته في عالم القُدس، كما اتّفق ذلك لآدمعليه‌السلام حين شاهد الذرّ في عالم الذرّ، فمثّل الله تعالى له قضية كربلاء فبكى لذلك، ولمّا رأى إبراهيمعليه‌السلام ملكوت السماوات والأرض، رأى الأشباح الخمسة تحت العرش فأبكته رؤية الخامس.

الثاني: سماع اسمه، كما قالعليه‌السلام : (( ما ذُكرت عند كلّ مؤمن ومؤمنة إلاّ بكى واغتمّ لمصابي )) فهو سبب بكاء لكلّ مؤمن.

الثالث: النطق باسمه، كما قال الأنبياء آدم وزكرياعليهما‌السلام ، في ذكر الحسينعليه‌السلام ، تسيل عبرتي وينكسر قلبي، بل ما ذكره نبي أو سمع باسمه إلاّ واعتبر.

الرابع: النظر إليه، وقد تحقّق هذا بالنسبة إلى جدّه حينما رآه عند ولادته وبعدها، وقد قال أبوهعليه‌السلام أيضاً حين نظر إليه وبكى: (( يا عبرة كلّ مؤمن )) قال: (( أنا يا أبتاه ؟ )) قال: (( نعم يا بُني )).


فإن كنّا لم ننظر إليه في زمانه، فهل نظرنا إليه وإلى حالاته في كلّ مراحلها، بل وإلى بهائه ببصائر قلوبنا ؟ فإن لم ننظر إليه فهو ينظر إلينا، رحمة من الله تعالى الحكيم والرؤوف، بل ولهعليه‌السلام نظرات خاصّة إلى شيعته ومواليه ممّن تولّوه بصدق وإقبال مرضي لدى الله تعالى.

ففي الصحيح إنّ الحسينعليه‌السلام على يمين العرش ينظر إلى مصرعه وإلى زواره، وإنه لينظر إلى مَنْ يبكي عليه ولا غرو من أن لا يحجب نظره البعد والجدران والدور.

الخامس: النظر إلى مدفنه، كما قال الصادقعليه‌السلام : (( الحسينعليه‌السلام غريب بأرض غربة، يبكيه مَنْ زاره، ويحزن عليه مَنْ لم يزره، ويحترق له مَنْ لم يشهده، ويرحمه مَنْ نظر إلى قبر ابنه عند رجليه )) فهل ترون مدفنه ؟ قال العارف: وكلّ بلدةٍ فيها قبره، وكربلاءُ كلّ مكانٍ يُرى.

السادس: يمسّ بدنه وتقبيله ؛ فإنّه مبكٍ ولقد تحقّق هذا بالنسبة إلى جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي مواضع خاصّة ؛ فقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يُقبّل نحره فيبكي، ويُقبّل فوق قلبه فيبكي، وجبهته ويبكي، ويُقبّل أسنانه فيبكي، ويُقبّل كلّ بدنه ويبكي، فيقولعليه‌السلام : (( يا أبتِ، لِمَ تبكي ؟ )) قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( اُقبّل مواضع السيوف منك وأبكي)).

ولو سُئل عن بكائهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند تقبيل ثناياه، لقال: أُقبّل موضع نكث الخيزران، وأُقبّل ما يتبسّم ضاحكاً عند رؤيته ابن زياد، وأبكي لضحكه، ولو سُئلصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تُقبّل فوق قلبه ؟ لقال: موضع السهم المثلّث.

ولكن قد أرادت أُخته زينبعليها‌السلام في وقت ما تقبيل المواضع التي كان يُقبّلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم تتمكّن ؛ لأنّ الأعضاء كانت ممزّقة، خصوصاً بعد تحقّق الرضّ بالخيول، بل ولو لم يتحقّق فقد رضّ بالسهام والسيوف، والرماح والحجر والتقطّع كما قالعليه‌السلام : (( كأنّي بأوصالي تُقطّعها عسلان الفلوات )).

ولذا قيل على لسان السيدة زينبعليها‌السلام بالفارسية :

خاك عالم بسرم كز اثر تير وسنان

جاي يك بوسه من در همه اعضاى تونيست

نعم، قد قبّلت موضعاً واحداً من بدنه المبارك، ولم يُقبّله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنّها قبّلت النحر المنحور، والودج المقطوع، أي باطن ما قبّل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ظاهره ولذلك نادته حين وضعت وجهها على نحره المبارك، وأخبرته بأنّ هذا حسين مقطّع


الأعضاء، ثمّ أخبرته بأنّ هذا الحسين محزوز الرأس من القفا، ولكن من أين علمت بذلك ؟

فيه وجوه :

الأوّل: أن تكون قد شاهدت ذلك حين ذبحه، لكنّه خلاف ما يظهر من الروايات الدالة على أنّهعليه‌السلام أمرها بالرجوع إلى الخيام.

الثاني: أن تكون قد سمعت بذلك من الناس الذين حضروا ونقلوه، أو نادوه بذلك فسمعته، وهو بعيد أيضاً.

الثالث: أن تكون قد استنبطت ذلك حين رأت الجسد الشريف ؛ فإنّها رأته مطروحاً بكيفية علمت أنّه قد حزّ رأسه من القفا، وذلك إنّها رأته مكبوباً على وجهه، فعظمت مصيبتها بذلك، وإن كانت مصيبتها بعُريهعليه‌السلام أعظم من أصل القتل ؛ فلهذا نادت جدّها الحبيبصلى‌الله‌عليه‌وآله مخبرة بقتله وبأنّه محزوز الرأس من القفا.

السابع: الانتساب إليه ؛ فإنّه يورث للحزن والبكاء، حتّى إنّ مسماره كان له تأثير في البكاء.

وذلك إنّه لمّا أتى جبرئيلعليه‌السلام بمسامير السفينة كلّ على اسم نبي، فسمّر بالمسامير كلّها السفينة إلى أن بقيت خمسة مسامير لمقدّمة السفينة، فلمّا أخذ نوحعليه‌السلام الأوّل بيده أنار وأشرق، فقال: هذا على اسم خاتم الأنبياء محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهكذا تحقّق بالنسبة إلى الثلاثة الأخرى والتي كانت باسم علي والزهراء والحسنعليهم‌السلام ، فلمّا أخذ الخامس بيده ظهر منه دم، وتلطخت يده به، فقال جبرئيلعليه‌السلام : هذا على اسم الحسينعليه‌السلام .

فإذا كان الحديد الحسيني يُدمى، فلمَ لا تُدمى القلوب إذا كانت حسينيّة ؟

ثمّ من العجب أن تكون أسباب الفرح والسرور بالنسبة إليه كأسباب البكاء ! فحوريته الخاصّة به في الجنان باكية، وعيده ولبسه الجديد فيه مبكٍ لجدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعبه مبكٍ، وفتحه في الحرب مبكٍ لأبيهعليه‌السلام ، وأكله طعاماً طيباً مبكٍ، بل الحمل به مبكٍ، وولادته مبكية، والتهنئة بها مبكية كما ورد كلّه في الروايات، إلى ما غير ذلك.

الثامن: دخول شهر شهادته، أعني المحرّم، فإنّه يورث الكربة واختناق العبرة في قلوب مَنْ والاه، أما ترى التأثير في شهره فغصّ شرب الماء


على مَنْ رعى، أو غصصت بالماء وشرقت، أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه ؟

التاسع: ورود أرض مدفنه، فإنّه باعث كبير على الحزن والبكاء، وقد تحقّق ذلك بالنسبة إلى كلّ نبي ورد تلك الأرض، وورد أنّه ما من نبي إلاّ وقد زار كربلاء، وقال: فيك يُدفن القمر الأزهر.

وكلّ منهم كان إذا ورد اعتلّ وضاق صدره، وأصابه الغمّ، وأصابته بليّة حتّى يسأل ربّه تعالى عن ذلك، فيوحى إليه: إنّ هذه كربلاء، وإنّ الحسين يُقتل فيها.

وقد تحقّق ذلك أيضاً بالنسبة إلى أهل بيته لمّا وردوا كربلاء ونزلوا، قالت أُمّ كلثومعليها‌السلام : يا أخي، هذه بادية مهولة ! فقال الحسينعليه‌السلام : (( إنّ أبي نام في هذه الأرض فاستيقظ باكياً وقال: رأيت ولدي الحسين في بحر من الدم يضطرب، ثمّ قال: يا أبا عبد الله، كيف تكون إذا وقعت الواقعة ها هنا ؟ )).

العاشر: سماع اسم أرض مدفنه، وقد تحقّق ذلك بالنسبة إليهعليه‌السلام ؛ فإنّه لمّا ورد أرض كربلاء وسأل عن [اسمها]، أخبروه بأسماء عديدة، ثمّ قالوا: إنّها تسمّى كربلاء فاغرورقت عيناه المباركتان بالدموع وقال: (( اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء هاهنا مناخ ركابنا، ومحطّ رحالنا، ومسفك دمائنا، ومذبح أطفالنا ؛ فيها يُراق دمي، وفيها تُرى حرمي حواسراً عليهنّ من ثوب الذلّ سربال، وفيها تُقتل أبطالي وتُذبح، وتستعبد الأحرارَ أرذالٌ)).

حطّوا الرحال بها يا قوم وانصرفوا

عنّي فما ليَ عنها قطُّ ترحالُ

الحادي عشر: شرب الماء البارد، وقد كان هذا من المبكيات دائماً للإمام الصادق وغيره من الأئمّةعليهم‌السلام ، كما ورد عن داود الرقّي، قال: كنت عند الصادقعليه‌السلام فشرب ماء، واغرورقت عيناه المباركتين بالدموع، فقالعليه‌السلام : (( ما أنغص ذكر الحسين للعيش ! إنّي ما شربت ماء بارداً إلاّ وذكرت الحسينعليه‌السلام )) إلى آخر الحديث.

وقد نُقل عن الحسينعليه‌السلام : (( شيعتي، شيعتي، ما إن شربتم عذب ماء فاذكروني، أو سمعتم بغريب فاندبوني))(١) .

____________________

(١) لم نعثر في موسوعاتنا الروائية على هذا النص، ولكن ورد عن سكينة بنت الحسينعليها‌السلام أنها قالت: لمّا قُتل الحسينعليه‌السلام اعتنقته، فاُغمي عليَّ، فسمعته يقول :

شيعتي ما إن شربـتم

ريّ عذبٍ فاذكروني

أو سمعتم بغريبٍ

أو شهيد فاندبوني

(مستدرك الوسائل ـ للميرزا النوري ١٧ / ٢٦ ب٢٢ ح١) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


الثاني عشر: شمّ تربته، فقد أبكى ذلك جدّه محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله حين دخل عليه عليعليه‌السلام فرأى عينيه تفيضان، فقال: (( دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان، فقلت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ! ما لعينيك تفيضان ؟! أغضبك أحد ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا، بل كان عندي جبرئيلعليه‌السلام فأخبرني أنّ الحسين يُقتل بشاطئ الفرات، وقال لي: هل اُشِمُكَ من تربته ؟ قلت: نعم فمدّ يده فأخذ قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا واسم الأرض كربلاء )).

وكذلك الإمام الرضاعليه‌السلام كما ورد عن أبي بكار، قال: زرت كربلاء وأخذت من عند الرأس طيناً أحمر، فدخلت على الرضاعليه‌السلام فعرضته عليه فأخذه في كفّه، ثمّ شمّه ثمّ بكى حتّى جرت دموعه، ثمّ قالعليه‌السلام : (( هذه تربة جدّي )).

الثالث عشر: سماع مصيبة لشهيد أو غريب أو مظلوم ؛ فإنّه مذكّر بالحسينعليه‌السلام ، وقد قالعليه‌السلام :

أو سمعتم بغريب

أو شهيد فاندبوني

الرابع عشر: مصيبة عند سماعها أو تصوّرها والتفكر فيها، ولتأثير هذا الوجه كيفيات عديدة، وتختلف باختلاف السامعين، وتفصيلها في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.

المقصد الثالث: في كيفيّات الرقّة والجزع والبكاء عليه

وهي أقسام :

الأوّل: بكاء القلب بالهمّ والغمّ، وهو أوّل المراتب، وثمرته أنّه يجعل النَفَس تسبيحاً لله تعالى، كما قالعليه‌السلام : (( نفس المهموم لظلمنا تسبيح )).

الثاني: وجع القلب، وفي الحديث: (( إنّ الموجع قلبه لنا ليفرح عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض )).

الثالث: دوران الدمع في الحدقة بلا خروج، وهذه هي التي توجب الرحمة من الله تعالى، كما في الرواية عن الصادقعليه‌السلام في الباكي أنّه يرحمه‌الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه.

الرابع: خروجه من العين مع اتصاله به، ولو بقدر جناح بعوضة، وهذا هو الذي ورد فيه أنّه يوجب غفران الذنوب ولو كانت كزبد البحر.


الخامس: تقاطر الدمع من العين، وهذا هو الذي تظهر فيه خاصّية بيّنها الصادقعليه‌السلام ، فإذا خرجت الدمعة من عينه فلو أنّ قطرة منها سقطت في جهنم لأطفأت حرّها.

السادس: سيلانه على الوجه والصدر واللحية، وهذا هو جانب من بكاء الصادقعليه‌السلام حين سماعه الرثاء، فقال بعدهعليه‌السلام : (( لقد بكت الملائكة كما بكينا أو أكثر، ولقد أوجب الله لك الجنّة بأسرها ))(١) .

السابع: الصراخ والنحيب، والشهقة وإزهاق النفس لذلك.

فالأوّل: قد دعا الصادقعليه‌السلام لمَنْ عمل ذلك، وقال في دعائه: (( اللّهمّ ارحم تلك الصرخة التي كانت لنا )) إلى آخر دعائه المبارك.

والثاني: شأن الزهراءعليها‌السلام كلّ يوم ؛ فإنّها تشهق كلّ يوم شهقة لولدها الحسينعليه‌السلام حتّى يسكتها أبوها (صلوات الله عليه وآله)، بل إنّهاعليها‌السلام لتشهق شهقة في أرض المحشر يوم القيامة حينما تنظر إلى ولدها الحسين وهو مضرّجاً بدمائه الزاكية، فتشهق شهقة يبكي كلّ مَنْ في المحشر لأجلها.

والثالث: قال عنه أبو ذرّ لمّا أخبر الناس بمقتل الحسينعليه‌السلام ما معناه: إنّه لو علمتم بعظم تلك المصيبة لبكيتم حتّى تزهق أنفسكم.

الثامن: العويل، ولا أدري كيف أذكر من أمر به ؛ فإنّه من العجائب، فأقول: إنّ يزيد قاتل الحسينعليه‌السلام قد أمر بإقامة عزاء للحسين والعويل عليه، فقال لزوجته هند: اعولي عليه يا هند، وابكي ؛ فإنّه صريخة قريش، عجّل عليه ابن زياد (لعنه الله) فقتله (قاتله الله).

وكان ذلك في وقت خاصّ، وتفصيله في الروايات الآتية إن شاء الله.

التاسع: الضرب على الرأس والوجه، وهذا صنعه عبد الله بن عمر لمّا بلغه خبر قتل الحسينعليه‌السلام ، وكان يُنادي: لا يوم كيوم الحسين، إلى أن سكّته يزيد بما سكّته.

العاشر: التشبه بالباكي، وهو التباكي الذي ورد فيه بالخصوص: إنّ مَنْ تباكى فله الجنّة يعني إذا كان القلب قاسياً لا يحترق عليه، فليُطأطئ رأسه، وليتشبه بالمصاب في الانكسار وإظهاره، وما أدري كيف يقسو القلب ولا يحترق على ذكر المظلوم الغريب الحبيب الذي يبكيه الصابر لو تحقّق الصبر على مصابه ؟!

____________________

(١) يبدو أنّ المؤلّف قد اعتمد في نقل هذه الرواية على حافظته أو بعض مسموعاته ؛ إذ هي مروّية عن (زيد الشحّام)، والمُخاطب فيها هو (جعفر بن عفّان الطائي) الذي قال له الإمام الصادقعليه‌السلام : (( بلغني أنّك تقول الشعر في الحسينعليه‌السلام وتجيد )) قال: نعم فأنشده فبكى ومَنْ حوله حتّى سالت الدموع على وجهه ولحيته، ثم قال: (( يا جعفر، والله لقد شهدك ملائكة الله المقرّبون هاهنا يسمعون قولك في الحسينعليه‌السلام ، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر، ولقد أوجب الله لك يا جعفر في ساعتك الجنة بأسرها وغفر لك )) فقال: (( ألا أزيدك ؟ )) قال: نعم يا سيدي قال: (( ما من أحد قال في الحسينعليه‌السلام شعراً فبكى وأبكى به إلاّ أوجب الله له الجنّة وغفر له )) (وسائل الشيعة ـ للحر العاملي ١٤ / ٥٩٤ ب١٠٤ ح١) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


ومنشأ هذه القساوة أمران :

الأوّل: الخوض في طلب الفضول من الدنيا ؛ فإنّ في ذلك تأثيراً حتّى ورد في الأدعية: (( اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن بطن لا يشبع )).

الثاني: كثرة الكلام فيما لا يعني كما في الرواية، وعلاج هذه القساوة مسح رأس اليتيم، فقد ورد إنّه يرفع القساوة، مع ما فيه من الأجر.

الحادي عشر: البكاء بلا دمع ؛ لجمود الدمع من كثرة الخروج، وقد اتّفق ذلك لنسائه بعد رجوعهنّ إلى المدينة المنوّرة وإقامة العزاء، فعالجنَ ذلك بما يُجري الدمع من السويق، كما ورد في بحار الأنوار وأصول الكافي.

الثاني عشر: البكاء بحيث يظهر أثره على الشخص فيمتنع من الطعام والشراب، أو الالتذاذ بهما، أو بغيرهما من مظاهر الحياة.

وهذا قد ورد في رواية مسمع بن عبد الملك، حيث إنّه لمّا أخبر الصادقعليه‌السلام بعروض هذه الحالة له عند ذكر الحسينعليه‌السلام ، وتذكّر ما صُنع به، قال له: (( رحم الله دمعتك )) ثمّ ذكر له الأجر الحاصل له من أوّل احتضاره إلى انقضاء يوم الجزاء، على ما سنبين تفصيله عند بيان خواص البكاء إن شاء الله تعالى.

المقصد الرابع: في المجالس المنعقدة لذكر مصيبته والبكاء عليه

وهي خمسة أنواع :

الأوّل: ما انعقد قبل خلق النبي آدمعليه‌السلام .

الثاني: ما انعقد بعده وقبل ولادة الحسينعليه‌السلام .

الثالث: ما انعقد بعدها قبل شهادته.

الرابع: ما انعقد بعد شهادته في الدنيا.

الخامس: ما ينعقد بعد فناء الدنيا يوم القيامة.

النوع الأوّل: مجلس، وإن كان التعبير بالمجلس مجازاً

الأوّل: محلّ تقديره حين قدّره الله تعالى وقضاه، وكتبه بالقلم على اللوح، فحزن عليه القلم واللوح.

الثاني: حول العرش قبل خلق آدمعليه‌السلام ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، على الخلق الذين كانوا قبل النبي آدمعليه‌السلام ،( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) ، ففي بعض التفاسير لأنّهم لاحظوا


في ذلك قتل الحسينعليه‌السلام ، فقالوا هذا تحزّناً وتحسّراً، قال الله تعالى:( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) .

النوع الثاني: وهو ستة عشر مجلساً

المجلس الأوّل: عرفات، حين نظر آدمعليه‌السلام إلى ساق العرش ورأى أسماء الخمسة، ولقّنه جبرئيلعليه‌السلام أن يقول: ( يا حميد بحقّ محمد، ويا عالي بحقّ علي، ويا فاطر بحقّ فاطمة، ويا محسن بحقّ الحسن، والحسين ومنك الإحسان )، فلمّا ذكر الحسينعليه‌السلام سالت دموعه [ وانخشع ] قلبه.

فقال: يا أخي، في ذكر الخامس ينكسر قلبي، وتسيل عبرتي ! فأخذ جبرئيلعليه‌السلام في بيان السبب، راثياً للحسينعليه‌السلام ، وآدم والملائكة الحاضرون هناك يسمعون ويبكون فقال: ولدك هذا يُصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب قالعليه‌السلام : وما هي ؟ قال جبرئيلعليه‌السلام : يُقتل عطشانَ غريباً، وحيداً فريداً، ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم وهو يقول: (( وا عطشاه ! وا قلّة ناصراه ! )) حتّى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فلم يجبه أحد إلاّ بالسيوف، وشرر الحتوف، فيُذبح ذبح الشاة من قفاه، ويُنهب رحله، وتُشهر رؤوسهم في البلدان، ومعهم النسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنان.

المجلس الثاني والثالث: الجنة وقد انعقد فيها مجلسان :

الأوّل: الراثي فيه حورية والسامع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والملك جبرئيلعليه‌السلام .

الثاني: الراثي فيه جبرئيلعليه‌السلام والسامع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والحور العين.

أمّا الأوّل: فقد روي في البحار عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (( لمّا أُسري بي أخذ جبرئيلعليه‌السلام بيدي فأدخلني الجنّة وأنا مسرور، فإذا أنا بشجرة من نور مكلّلة بالنور، في أصلها ملكان يطويان الحلي والحلل إلى يوم القيامة، ثمّ تقدّمت فإذا أنا بتفاح لم أرَ أعظم منه، فأخذت واحدة، ففلقتها فخرجت علي منها حورية كأنّ أجفانها مقاديم النسور، قلت: لِمَنْ أنت ؟ فبكت وقالت: لابنك المقتول ظلماً الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام )).

وأمّا النوع الثاني: فقد روي أنّ الحسن المجتبىعليه‌السلام لمّا دنت وفاته جرى السمّ في بدنه، واخضرّ لونه، فقال له الحسينعليه‌السلام : (( ما لي


أرى لونك قد اخضر ؟ )) فبكى وقالعليه‌السلام : (( يا أخي، لقد صدق حديث جدّي فيّ وفيك )) ثمّ اعتنقه وبكيا كثيراً، فسأل عن ذلك، فقالعليه‌السلام : (( أخبرني جدّي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: لمّا دخلت ليلة المعراج الجنّة، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة، أحدهما من الزبرجد الأخضر، والآخر من الياقوت الأحمر، فسألت جبرئيل لِمَنْ هذان القصران ؟

فقال: أحدهما للحسن والآخر للحسين فقلت: فلِمَ لم يكونا على لون واحد ؟ فسكت جبرئيل فقلت: لِمَ لا تتكلّم ؟ قال: حياء منك فقلت: سألتك بالله تعالى إلاّ ما أخبرتني فقال: أمّا خضرة قصر الحسن ؛ فإنّه يموت بالسمّ، ويخضّر لونه، وأمّا حمرة قصر الحسين ؛ فإنّه يُقتل، ويحمرّ وجهه بالدم، فعند ذلك بكيا، وضجّ الحاضرون بالبكاء والنحيب )).

المجلس الرابع: مجلس آدمعليه‌السلام في كربلاء، وذلك لمّا كان يطوف في الأرض، فعند وصوله إلى مقتل الحسينعليه‌السلام عثر برجله، ووقع وسال الدم من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي هل حدث ذنب آخر فعاقبتني؟

فأوحى الله تعالى إليه: (( لا، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً ؛ فسال دمك موافقة لدمه )) فقال: مَنْ القاتل له ؟ فأوحى الله تعالى إليه: (( إنّه يزيد فالعنه )) فلعنه أربعاً، ومشى خطوات إلى جبل عرفات.

المجلس الخامس: سفينة نوحعليه‌السلام لمّا وصلت فوق أرض قتل الحسينعليه‌السلام ، ومحلّ طوفان سفينة أهل البيت أخذتها الأرض، فخاف نوح الغرق فقال: ( إلهي طفت الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض)، فنزل جبرئيلعليه‌السلام بقضية الحسينعليه‌السلام ، وقال: يُقتل في هذا الموضع، فبكى نوح وأصحاب السفينة ولعنوا قاتله ومضوا.

المجلس السادس: مجمع البحرين حين التقى موسى مع الخضر، فحدّثه عن آل محمد وعن بلائهم، حتّى إذا بلغ إلى حديث الحسينعليه‌السلام علت أصواتهم بالبكاء على ما في الرواية.

المجلس السابع: بساط سليمان وجنوده من الجنّ والإنس والطير ؛


وذلك إنّه لمّا كان على البساط في الهواء وصار محاذياً للمقتل، أدارت الريح البساط ثلاث مرّات، وانحطّت على الأرض فعاتب الريح، فأخذت الريح ترثي وتقول: يا نبي الله تعالى إنّ في هذا المكان مقتل الحسينعليه‌السلام إلى آخر الحديث كما ورد في أكثر من مصدر(١) .

المجلس الثامن: شاطئ حرزان لإبراهيمعليه‌السلام حين اُري ملكوت السماوات والأرض، ورأى شبح الحسينعليه‌السلام فبكى عليه.

المجلس التاسع: مجلس ثانٍ لإبراهيمعليه‌السلام حين أراد كسر الأصنام، فقال: إنّي سقيم يعني لِما يحلّ بالحسين.

المجلس العاشر: مجلس ثالث لإبراهيمعليه‌السلام حين فدى ولده بالكبش قال الرضاعليه‌السلام : (( لمّا أمر الله (عزّ وجلّ) إبراهيمعليه‌السلام أن يذبح مكان ابنه إسماعيلعليه‌السلام الكبش الذي أنزله عليه تمنّى إبراهيمعليه‌السلام أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيلعليه‌السلام بيده، وأنّه لم يُؤمر بذبح الكبش مكانه ؛ ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده عليه بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.

فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه: يا إبراهيم، مَنْ أحبّ خلقي إليك ؟ فقالعليه‌السلام : يا ربّ، ما خلقت خلقاً هو أحبُ إليّ من حبيبك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فأوحى الله تعالى إليه: أفهو أحبّ إليك أم نفسك ؟ قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي قال: فولده أحبّ إليك أم ولدك ؟ قال: بل ولده قال: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال: يا ربّ، بل ذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال: يا إبراهيم، فإنّ طائفة تزعم أنّها من أُمّة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش، ويستوجبون بذلك سخطي.

فجزع إبراهيمعليه‌السلام لذلك، وتوجّع قلبه، وأقبل يبكي، فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه: يا إبراهيم، قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب، وذلك قول الله (عزّ وجلّ):وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ))(٢) .

____________________

(١) كالمنتخب ـ للطريحي / ٥٠.

(٢) تجدر الإشارة إلى أننا جئنا بهذه الرواية من كتاب الخصال ـ للشيخ الصدوق / ٥٨ ح٧٩ ؛ تفادياً لبعض الهنات والسقط اللَذين غلبا على رواية الأصل والتي ذكرها المؤلِّف (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


المجلس الحادي عشر: مجلس رابع لإبراهيم خليل اللهعليه‌السلام في كربلاء حين وصل إلى أهله راكباً، فعثرت به فرسه، وسقط عن الفرس، وشجّ رأسه، فقال: إلهي ما حدث منّي ؟ فقالت فرسه: عظمت خجلتي منك، السبب في ذلك أنّه هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لذا سال دمك موافقة لدمه.

أقول: ولعل محلّ سقوطه عن الفرس هو محلّ سقوط الحسينعليه‌السلام عن فرسه أيضاً، فلاحظ الفرق بين السقوطين.

المجلس الثاني عشر: مجلس إسماعيل ذبيح الله تعالى في شريعة الفرات، وذلك إنّ أغنامه كانت ترعى بشاطئ الفرات، فأخبره الراعي أنّها لا تشرب من هذا الماء منذ أيام.

فسأل ربّه تعالى عن ذلك، فأوحى تعالى إليه: سل غنمك، فسألها: لِمَ لا تشربين من هذا الماء ؟ فقالت بلسان فصيح: قد بلغنا أنّ ولدك الحسين سبط محمد (صلوات الله عليه وآله) يُقتل هنا عطشان ؛ فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه.

المجلس الثالث عشر: مجلس لعيسى بن مريمعليهما‌السلام في كربلاء، الراثي له الظباء، والباكي هو والحواريون كما روى ابن عباس وسنذكر الرواية.

المجلس الرابع عشر: في طور سيناء وفي مرّات عديدة، وذاكر المصيبة الوحي من الله ربّ العالمين، والسامع موسى النبيعليه‌السلام ؛ فمِن ذلك إنّ موسىعليه‌السلام رآه إسرائيلي مستعجلاً، وقد كسته الصفرة ؛ ترجف فرائصه، وجسمه مقشعر، وعينه غائرة، فعلم أنّه دُعي للمناجاة.

فقال: يا نبي الله، قد أذنبت ذنباً عظيماً فاسأل ربّك تعالى أن يعفو عنّي.

فلمّا وصل إلى مقامه وناجى، قالعليه‌السلام : يا ربّ، أنت العالم قبل نطقي، فإنّ فلاناً عبدك أذنب ذنباً، ويسألك العفو.

قال الله تعالى: (( يا موسى، أغفر لِمَنْ استغفرني إلاّ قاتل الحسين )).

قال: يا ربّ، ومَنْ الحسين ؟

قال تعالى: (( الذي مرّ ذكره عليك بجانب الطور )).

قال: ومَنْ يقتله ؟

قال تعالى: (( تقتله أُمّة جدّه الباغية الطاغية في أرض كربلاء، وتنفر فرسه وتصهل، وتقول في صهيلها: الظليمة الظليمة من أُمّة قتلت ابن بنت نبيّها ! فيبقى ملقى على الرمال بغير غسل ولا كفن، ويُنهب رحله، وتُسبى نساؤه في البلدان، ويُقتل ناصروه ،


وتُشهر رؤوسهم مع رأسه على أطراف الرماح يا موسى، صغيرهم يُميته العطش، وكبيرهم جلده منكمش، يستغيثون فلا ناصر، ويستجيرون فلا فاخر ))(١) فبكى موسىعليه‌السلام .

فقال سبحانه: (( يا موسى، اعلم أنّه مَنْ بكى عليه، أو أبكى، أو تباكى حرّمت جسده على النار )).

أقول: هنيئاً للذين كانوا ثابتين على الإيمان، مشافهين كليم الرحمن، كلّما عرضت لهم حاجة أو طلبوا مغفرة سألوا موسىعليه‌السلام ليعرض ذلك في مقام المناجاة.

لكن أقول: نحن أيضاً لنا كليم لله تعالى صاحب يد بيضاء، وعصا وآيات، وهو واقف دائماً في مقام المناجاة على يمين العرش، لا على جبل سيناء، وهو يستغفر لنا بلا سؤال منّا ولكن كليمنا لم تكسه الصفرة، بل كسته الحمرة، وليست فرائصه راجفة، بل هو مقطّع الأوصال والأعضاء، مرمّل في صحراء كربلاء، صهرته الشمس ثلاثة أيام، وبكى عليه كلّ شيء إلخ.

المجلس الخامس عشر: بيت المقدس المشير مجملاً إلى المصيبة هو الله تعالى، والنادب النبي زكرياعليه‌السلام ثلاثة أيام.

وذلك في رواية عن إمامنا الحجّة المهديعليه‌السلام ، قال: إنّ زكريا سأل ربّه تعالى أن يعلّمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل فعلّمه إيّاها، وكان زكرياعليه‌السلام إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن (صلوات الله عليهم أجمعين)، سُريّ عنه الهمّ، وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسينعليه‌السلام خنقته العبرة، ووقعت عليه البُهرة(٢) ، فقال زكرياعليه‌السلام ذات يوم: إلهي، ما لي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسينعليه‌السلام تدمع عيني وتثور زفرتي ؟!

فأنبأه الله تعالى عن قصّته، فقال: ( كهيعص ) فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد (لعنه الله)، وهو ظالم الحسينعليه‌السلام ، والعين عطشه، والصاد صبره.

فلمّا سمع ذلك زكرياعليه‌السلام لم يُفارق مسجده ثلاثة

____________________

(١) أي لا مجير.

(٢) أي تتابع النفس وانقطاعه من شدّة الإعياء.


أيام، ومنع فيهن الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب.

وكان رثاؤه: إلهي، أتُفجع خير جميع خلقك بولده ؟! إلهي، أتُنزل بلوى هذه المصيبة الرزية بفنائه ؟! إلهي، أُتلبس علياً وفاطمة ثياب المصيبة ؟! إلهي، أتحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما ؟! ثمّ كان يقول: اللّهمّ ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه، ثمّ افجعني بحبّه كما تفجع محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله حبيبك بولدهعليه‌السلام فرزقه الله تعالى يحيىعليه‌السلام ستة أشهر، وحمل الحسينعليه‌السلام كذلك ستة أشهر.

المجلس السادس عشر: مجلس ثانٍ لعيسى بن مريمعليهما‌السلام في كربلاء، ذاكر المصيبة أسد والسامع عيسى والحواريون.

وذلك إنّهم لمّا مروّا بكربلاء، لا في سياحتهم، رأوا أسداً كاسراً(١) قد أخذ الطريق، فأقدم عيسىعليه‌السلام وقال: لِمَ جلست على طريقنا لا تدعنا نمرّ فيه ؟ قال: إنّي لا أدعكم تمرّون حتّى تلعنوا يزيد قاتل الحسينعليه‌السلام سبط محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله النبي الأُميّ وابن علي الولي (سلام الله عليهما).

النوع الثالث: المجالس المنعقدة لرثائهعليه‌السلام بعد ولادته قبل شهادته

وهي ثلاثون مجلساً :

الأوّل: فوق السماوات عند سدرة المنتهى ليلة ولادته، المبيّن للمصيبة هو الله تعالى، والسامع جبرئيل وألف قبيل من الملائكة، كلّ قبيل ألف ألف حين أمرهم بالنزول لتهنئة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بولادتهعليه‌السلام ، فقال تعالى: (( إذا هنأته فعزّه، وقل له: إنّ ولدك هذا يُقتل مظلوماً )).

الثاني: حجرة الزهراء فاطمةعليها‌السلام .

الثالث: حجرات أزواج النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الرابع: مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الراثي فيها تارة هو، وتارة جبرئيلعليه‌السلام ، وتارة ملك القطر، وتارة اثنا عشر ملكاً أتوا لزيارته بصور مختلفة فرثوا الحسين له، وتارة كلّ ملك، ففي الحديث، أنّه لم يبقَ ملك إلاّ ونزل إلى النبي يعزّيه بالحسين ،

____________________ ـ

(١) أي يكسر ما يصيده.


اللّهم صلِّ على محمد حبيبك وآله الأطهار.

وهذه مجالس لا تدخل تحت عدد، وكلّما أردت عدّاً وضبطاً لهذه المجالس النبويّة حالة ومكاناً وزماناً، وباكياً وراثياً وهكذا لم أقدر لقد ظهر لي من تتبّع الأحاديث أنّه منذ ولد الحسينعليه‌السلام ، بل منذ حملت به أُمّه الزهراءعليه‌السلام كانت مجالس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله رثاءً له، ليلاً ونهاراً، في المسجد، وفي البيوت، وفي البساتين، وفي أزقة المدينة، سفراً وحضراً، نوماً ويقظة.

وكان رثاؤه تارة ببيانه لأصحابه، وتارة بإسماعه الملائكة، وتارة يتذكّر فيتأوه، وتارة يتصوّر حالاته، فمرّة يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( كأنّي به يستغيث فلا يُغاث ))، وتارة يقول: (( كأنّي بالسبايا على أقطاب المطايا ))، وتارة يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( كأنّي برأسه اُهدي إلى يزيد (لعنه الله)، فمَنْ نظر إلى رأسه وفرح بذلك خالف الله تعالى بين لسانه وقلبه ))، وتارة يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( صبراً يا أبا عبد الله ))، وتارة يرى قاتله فيتغيّر وجهه المبارك.

وكان المبكي لهصلى‌الله‌عليه‌وآله مجرّد النظر إليهعليه‌السلام تارة، وحمله تارة، وتقبيله أُخرى، وإقباله عليه تارة، وذهابه من عنده أُخرى، وهكذا فلبّسه لباساً جديداً مبكٍ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفرحه بالعيد مبكٍ له، ولعبه مبكٍ له، وأكله طعاماً لذيذاً مبكٍ له، وجوعه مبكٍ له، وبكاؤه مبكٍ له، فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما مرّ على بيت فاطمةعليه‌السلام وسمع بكاءه بكى، وجاء إليها وقال: (( سكّتيه ؛ أما علمتِ أنّ بكاءه يؤذيني ؟ )) وشمّ تربته مبكٍ له، وقد أتاه بها كلّ ملك، وبكى في كلّ مرّة، وتارة يذكر قاتله ويبكي هذا مجمل الكلام في مجالسه.

وأمّا التفصيل فإنّه لما آن الحمل بالحسينعليه‌السلام ، انعقدت مجالس الرثاء حينئذ عنده (صلوات الله عليه وآله)، بحيث يتعذّر عدّها إلى يوم وفاته.

بيان ذلك: إنّه لمّا اُخبر بأنّ فاطمةعليها‌السلام تلد الحسينعليه‌السلام اُخبر أيضاً بشهادته، فبكىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا وضعته واُتي به إليه في تلك الساعة، وهو ملفوف في خرقة من صوف بيضاء، أذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في حجره ونظر إليه ورثاه وبكى، وهو يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( سيكون لك حديث، اللّهمّ العن قاتله )) ثمّ لمّا أتى عليه سبعة أيام عقّ عنه كبشاً أملح، وحلق رأسه وتصدّق بوزن الشعر ورقاً، وخلّق رأسه


بالخلوق، أي طيّب مركب متخذ من الزعفران وغيره، ثمّ وضعه في حجره ورثاه وبكى، وهو يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يا أبا عبد الله، عزيز عليّ )) ثمّ بكى، ثمّ قال: (( اللّهمّ إنّي أسألك فيما سألك إبراهيمعليه‌السلام في ذريته، اللّهمّ إنّي أُحبّهما وأُحبّ مَنْ يحبّهما )).

ثمّ لمّا أتت عليه سنة كاملة أخذت الملائكة بالهبوط إليه للتعزية، فأوّل مَنْ هبط اثنا عشر ملكاً على صور مختلفة، أحدهم على صورة بني آدم منشورة أجنحتهم وهم يرثونه ويعزونه، ثمّ نزل ملك القطر فعزّاه، وبعد ذلك نزلوا حتّى لم يبقَ ملك إلاّ ونزل إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يعزّيه بالحسينعليه‌السلام ويذكر قتله له كما في الروايات المعتبرة ؛ وذلك ليفوزوا بثواب التعزية لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإلاّ فالإخبار حصل بأوّل مرّة.

ثمّ إنّ الملائكة كانت تحمل تربته إليه، وأوّل مَنْ حملها إليه جبرئيلعليه‌السلام ، قال عليعليه‌السلام : (( دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان، فقلت: بأبي أنت وأُمّي ! ما لعيناك تفيضان ؟ أغضبك أحد ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا، ولكن أخبرني جبرئيلعليه‌السلام أنّ ولدي الحسينعليه‌السلام يُقتل في أرض كربلاء، وأشّمني من تربته، ولم أملك عينيَّ أن فاضتا )).

ولمّا أتت عليه سنتان خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى سفر، فوقف في بعض الطريق واسترجع، ودمعت عيناه، فسُئل عن ذلك، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يُقال لها: كربلاء، يُقتل بها ولدي الحسين وكأنّي أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها، وكأنّي أنظر إلى السبايا على أقتاب المطايا، وقد اُهدي رأس الحسينعليه‌السلام إلى يزيد (لعنه الله)، فوالله ما ينظر أحد إلى رأس الحسين ويفرح إلاّ خالف الله تعالى بين قلبه ولسانه، وعذّبه الله عذاباً أليماً )).

ثمّ رجع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من سفره مغموماً مهموماً، كئيباً حزيناً، فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسينعليهما‌السلام وخطب ووعظ الناس، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن، ويده اليسرى على رأس الحسين وقال: (( اللّهمّ إنّ محمّداً عبدك ورسولك، وهذان أطائب عترتي، وخيار أرومتي، وأفضل ذريتي، ومَنْ اُخلّفهما في أُمّتي.


وقد أخبرني جبرئيل أنّ ولدي هذا مقتول بالسمّ، والآخر شهيد مضرّج بالدم، اللّهمّ فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهداء، اللّهمّ ولا تبارك في قاتله وخاذله، واصله حرّ نارك، واحشره في أسفل درك من الجحيم )).

قال: فضجّ الناس بالبكاء والعويل.

فقال لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أيّها الناس، أتبكونه ولا تنصرونه ؟! اللّهمّ فكن أنت له وليّاً وناصراً )) ثمّ قال: (( يا قوم، إنّي مخلّف فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي وأرومتي، ومزاج مائي، وثمرة فؤادي ومهجتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي تعالى أن أسألكم عنه ؛ أسألكم عن المودّة في القربى، فاحذروا أن تلقوني غداً على الحوض وقد آذيتم عترتي، وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم )).

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ألا إنّه سيرد عليّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأُمّة :

الأولى: راية سوداء مظلمة، قد فزعت منها الملائكة، فتقف عليّ فأقول لهم: مَنْ أنتم ؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب فأقول لهم: أنا أحمد نبي العرب والعجم فيقولون: نحن من أُمّتك فأقول: كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي، وكتاب ربّي تعالى ؟ فيقولون: أمّا الكتاب فضيّعناه، وأمّا العترة فحرصنا أن نبيدهم من جديد الأرض فلمّا أسمع منهم ذلك أعرض عنهم بوجهي، فيصدرون عُطاشى مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد عليّ راية أُخرى أشدّ سواداً من الأولى، فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في الثقلين ؛ كتاب الله تعالى وعترتي ؟ فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه، وأمّا الأصغر فمزّقناهم كلّ ممزق فأقول: إليكم عنّي فيصدرون عُطاشى مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد عليّ راية تلمع وجوههم نوراً، فأقول لهم: مَنْ أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى من أُمّة محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونحن بقيّة أهل الحقّ، حملنا كتاب ربّنا تعالى، وحلّلنا حلاله، وحرّمنا حرامه، وأحببنا ذريّة نبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونصرناهم من كلّ ما نصرنا به أنفسنا، وقاتلنا معهم مَنْ ناوأهم فأقول لهم: أبشروا فأنا نبيّكم محمّد المصطفى، ولقد كنتم في الدنيا كما قلتم ثمّ أسقيهم من حوضي ،


فيصدرون مروّيين مستبشرين، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين )).

والحمد لله ربّ العالمين.

ثمّ بعد ذلك كلّه كثرت مصيبتهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهعليه‌السلام فكان يرثيه في بيته ومسجده وعلى منبره، وفي سفره وحضره، وقيامه وقعوده، وكانت رؤيته له وحمله له مصيبة، وتقبيله له موجباً للعبرة، وإقعاده في حجره مفجعة، والنظر إليه رثاء، وأسباب سروره أحزاناً.

وتفصيل ذلك: إنّه لمّا كان يحمله ورأسه متكئ كان يذكر رأسه الذي على الرمح، فيبكي ويقول لأصحابه: (( كأنّي أنظر إلى السبايا على أقتاب المطايا، وقد اُهدي رأس ولدي إلى يزيد )).

ولمّا كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقعده في حجره ينظر إلى وجهه فيبكي ويقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يابن عباس، كأنّي به وقد خضب شيبه من دمه، فيدعو فلا يُجاب، ويستنصر فلا يًنصر )) وكان يراه في العيد لابساً جديداً فيبكي ؛ لأنّه يتذكّر عراءه في طف كربلاء، بل وأنّه يطلب من أُخته زينب ثوباً عتيقاً ؛ كي لا يطمع به القوم حين يسلبوه يلبسه تحت ثيابه.

وكان يراه جالساً معه ومع أبيه وأُمّه وأخيه، ثمّ يأخذ في البكاء ؛ لأنّه يتذكّر أو يذكّره جبرئيل ببقائه وبقاء أطفاله وقد اسودّت الدنيا بأعينهم، ثمّ تفرّقهم بعد ذلك قتلى وأسرى مظلومون حيارى.

ولمّا كان يُقبّل نحره يبكي، وكان يقول لعليعليه‌السلام : (( أمسكه يا علي )) فيمسكه، فيكشف جسده ويقبّله ويبكي، فكان يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أُقبّل مواضع السيوف وأبكي )).

وكان يُقبل شفتيه وأسنانه ويبكي ؛ لأنّه يتذكّر قرعه بالخيزران في مجلس يزيد وابن زياد (لعنهما الله تعالى)، وكان قد رأى ذلك زيد بن أرقم، ثمّ حضر يوم الكوفة، ورأى ابن زياد يُقرع ثنايا الحسينعليه‌السلام ويطعن في فمه المبارك وأنفه.

فقام وقال: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين ؛ فوالله الذي لا إله إلاّ هو، لقد رأيت ثنايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ترشف ثناياه.

وكان في يوم جالساً في المسجد، فدخلت جماعة من قريش معهم عمر بن سعد، فتغيّر وجهه (صلوات الله عليه وعلى آله)، فقالوا: يا رسول الله، ما أصابك ؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إنّي ذكرت ما يلقى أهل بيتي من قتل وضرب، وشتم وتطريد وتشريد، وأنّ أوّل رأس يُحمل


على الرمح رأس ولدي الحسين )).

فاستمرت هذه الحالة بهصلى‌الله‌عليه‌وآله وغيرها من الحالات طول حياته المباركة، في ليله ونهاره، حواضره وأسفاره إلى حين احتضاره، وهو لا تفارقه ذكرى ولده الحسين الغريب الشهيدعليه‌السلام وكان احتضاره أيضاً مجلس رثاء لأبي عبد اللهعليه‌السلام ، وذلك أنّه لمّا دنت وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله واشتدّ به المرض، ضمّ ولده وحبيبه وعزيزه الحسينعليه‌السلام إلى صدره المبارك، فسال من عرقه عليه، وهو يجود بنفسه ويقول: (( ما لي وليزيد ! لا بارك الله تعالى في يزيد، اللّهمّ العن يزيد )) ثمّ غُشيّ عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأفاق، وجعل يقبّل الحسينعليه‌السلام وعيناه تذرفان، ويقول: (( أما إنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجلّ )) وهذه كلّها في المدينة المنوّرة.

الخامس: مجلس الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في كربلاء، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( لمّا اُسريّ بي إلى موضع يُقال له: كربلاء، ورأيت فيه مصرع الحسينعليه‌السلام وأصحابه ))، فعقد هناك مجلساً لعزائه.

السادس: مجلسهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مجمع المدينة وكربلاء، وذلك حين انخفضت له الأرض، ورأى مصرع الحسينعليه‌السلام ، وأخذ من تربته، ولعلّ هذه التربة هي التي دفعها إلى أُمّ سلمة، وقال لها: احتفظي بها فإذا صارت دماً فاعلمي أنّ الحسين قد قُتل.

وقد دفع إليها الحسينعليه‌السلام مثلها، وبهذه الكيفية، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

السابع: مجلس عليعليه‌السلام في المدينة والكوفة وغيرهما، فلقد كانعليه‌السلام يرثي الحسينعليه‌السلام على المنبر، وفي المسجد بعناوين كثيرة مختلفة، ويبكي كثيراً عند رثائه، ويذكر حالاته بكيفيات مختلفة نظماً ونثراً، في بعضها :

كأنّي بنفسي وأعقابهــا

وبكربلاء ومحرابهــا !

فتُخضب منّا اللحى بالدماء

خضابَ العروسِ بأثوابها

ومن تلك المجالس مجلسه في محراب المسجد، وهو مطروح مشقوق الرأس، قالعليه‌السلام : (( يا أبا عبد الله، أنت شهيد هذه الأُمّة )) فهو الراثي والحسينعليه‌السلام الباكي، والمستمع أهل الكوفة.

ولهعليه‌السلام بعد هذا مجلس هو آخر مجالسه، الراثي


هوعليه‌السلام ، والمستمع ابنته زينبعليها‌السلام ، حيث أخبرهاعليه‌السلام وهو مضطجع على فراشه يوم وفاته، ومشقوق الرأس مصفرّ اللون، فقال لها: (( يا بُنية، كأنّي بك وبنساء أهل بيتك أُسارى في هذا البلد، أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم الناس )) إلى آخر الحديث.

وأمّا مجالسهعليه‌السلام في المدينة، فكان كلّما رآه بكى، وناداه: (( يا عبرة كلّ مؤمن )) فيقول: (( أنا يا أبتاه ؟ )) فيقول: (( نعم )).

الثامن: مجالس ثلاثة له في كربلاء :

الأوّل: ما رواه مجاهد عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام عند خروجه إلى صفين، فلمّا نزل نينوى وهو بشط الفرات، قال بأعلى صوته: (( يابن عباس، أتعرف هذا الموضع ؟ )) قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين قال عليعليه‌السلام : (( لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي )).

قال: فبكىعليه‌السلام طويلاً حتّى اخضلّت لحيته(١) ، وبكينا معه وهو يقول: (( أوه أوه ! ما لي ولآل أبي سفيان! ما لي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر ! صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم )).

ثمّ دعا بماء فتوضأ وضوء الصلاة، فصلّى ما شاء الله أن يصلّي، ثمّ ذكر نحو كلامه الأوّل، إلاّ أنّه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه، فنام ساعة ثمّ انتبه فقال: (( يابن عباس )) قلت: ها أنا ذا فقالعليه‌السلام : (( ألا أُحدّثك بما رأيت في منامي آنفاً عند رقدتي ؟ )) فقلت: نامت عيناك ورأيت خيراً يا أمير المؤمنين.

قالعليه‌السلام : (( رأيت كأنّي برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض، قد تقلّدوا سيوفهم، وهي بيض تلمع، وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة، ثمّ رأيت كأنّ هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض، تضطرب بدم عبيط، وكأنّي بالحسين سخلي(٢) وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه، يستغيث فيه فلا يُغاث، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبراً آل الرسول ؛ فإنّكم تُقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة.

ثمّ يعزّونني ويقولون: يا أبا الحسن، أبشر ؛ فقد أقرّ الله تعالى به عينك يوم يقوم الناس لربّ العالمين ثمّ انتبهت هكذا والذي نفس علي بيده، لقد

____________________

(١) أي نديت حتّى ترشش نداها وابتلّت، وسالت الدموع على صدره.

(٢) والسخل: هو المولود المحبب إلى أبويه.


حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يُدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة، وإنّها لفي السماوات معروفة تذكر بأرض كرب وبلاء كما تُذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس )).

ثمّ قالعليه‌السلام : (( يابن عباس، اطلب حولها بعر الظباء(١) ، فوالله ما كذبت ولا كُذّبت، وهي مصفرّة لونها لون الزعفران )).

قال ابن عباس: فطلبته فوجدته مجتمعاً، فناديته: يا أمير المؤمنين، قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي فقال عليعليه‌السلام : (( صدق الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

ثمّ قامعليه‌السلام يهرول إليها فحملها وشمّها وقال: (( هي هي بعينها، أتعلم يابن عباس ما هذه الأبعار ؟ هذه قد شمّها النبي عيسىعليه‌السلام ؛ وذلك إنّه مرّ بها ومعه الحواريون، فرأى هاهنا الظباء مجتمعة وهي تبكي، فجلس عيسىعليه‌السلام وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لِمَ جلس ولمَ بكى.

فقالوا: يا روح الله وكلمته، ما يبكيك ؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه ؟ قالوا: لا قال: هذه أرض يُقتل فيها فرخ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أحمد، وفرخ الحرّة الطاهرة البتول شبيهة أُمّي، ويُلحد فيها طينة أطيب من المسك ؛ لأنّها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني وتقول: إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض.

ثمّ ضرب بيده هذه البعرات فشمّها، وقال: هذا بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها، اللهم فأبقها أبداً حتّى يشمّها أبوه فتكون له عزاء وسلوة )).

قال: (( فبقيت إلى يومنا هذا، وقد اصفرّت لطول زمانها، وهذه أرض كرب وبلاء )).

ثمّ قال بأعلى صوته: (( يا ربّ عيسى بن مريم، لا تُبارك في قاتله، والمعين عليه، والخاذل له )) ثمّ بكى بكاءً طويلاً، وبكينا معه حتّى سقط لوجهه وغُشيّ عليه طويلاً، ثمّ أفاق وأخذ البعر فصرّه في ردائه وأمرني أن أصرّه كذلك.

ثمّ قالعليه‌السلام : (( يابن عباس، إذا رأيتها تنفجّر دماً عبيطاً، ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قُتل بها ودُفن )).

____________________

(١) أي رجيعها.


قال ابن عباس: فوالله، لقد كنت أحفظها أشدّ من حفظي لبعض ما افترض الله تعالى عليّ وأنا لا أحلّها من طرف كُمّي، فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دماً عبيطاً، وكان كمي قد امتلأت دم عبيط، فجلست وأنا باكٍ.

وقلت: قد قُتل والله الحسين، والله ما كذبني عليعليه‌السلام قطّ في حديث حدّثني، ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلاّ كان كذلك ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يُخبره بأشياء لا يُخبر بها غيره.

ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر، فرأيت والله المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين، ثمّ طلعت الشمس فرأيت كأنّها منكسفة، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باكٍ، فقلت: قد قُتل والله الحسين، وسمعت صوتاً من ناحية البيت وهو يقول :

اصبـروا يا آل الرسول

قُتل فرخُ البتول

نزلَ الروحُ الأميـــن

ببكاءٍ وعويــل

ثمّ بكى بأعلى صوته وبكيت، فأثبتُ عندي تلك الساعة، وكان شهر المحرّم يوم عاشوراء، لعشر مضين منه، فوجدته قُتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدّثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله، لقد سمعنا ما سمعنا ونحن في المعركة ولا ندري ما هو، فكنّا نرى أنّه الخضرعليه‌السلام .

الثاني: ما عن هرثمة بن أبي مسلم، قال: غزونا مع علي بن أبي طالبعليه‌السلام صفّين، فلمّا انصرفنا نزل كربلاء فصلّى بها الغداة، ثمّ رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمّ قالعليه‌السلام : (( واهاً لك أيتها التربة ! ليُحشرنَّ منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب )).

فرجع هرثمة إلى زوجته وكانت شيعة لعليعليه‌السلام فقال: ألا أحدّثك عن وليّك أبي الحسنعليه‌السلام نزل كربلاء فصلّى، ثمّ رفع إليه من تربتها فقال: (( واهاً لك أيتها التربة ! ليُحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير حساب)). فقالت: أيّها الرجل، فإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لم يقل إلاّ حقاً.

فلمّا قدم الحسينعليه‌السلام قال هرثمة: كنت في البعث الذين بعثهم إليه عبيد الله بن زياد (لعنهما الله) ،


فلمّا رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث، فجلست على بعيري ثمّ صرت إلى الحسينعليه‌السلام فسلّمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيهعليه‌السلام في ذلك المنزل الذي نزل به الحسينعليه‌السلام فقال: (( معنا أنت أم علينا ؟ )).

فقلت: لا معك ولا عليك، خلّفت صبية أخاف عليهم عبيد الله بن زياد قالعليه‌السلام : (( فامض حيث لا ترى لنا مقتلاً، ولا تسمع لنا صوتاً ؛ فوالذي نفس الحسين بيده، لا يسمع اليوم واعيتنا أحد إلاّ أكبه الله تعالى في نار جهنم )).

الثالث: ما روي عن الباقرعليه‌السلام ، قال: (( مرّ عليعليه‌السلام بكربلاء في اثنين من أصحابه، فلمّا مرّ بها ترقرقت عيناه بالبكاء، ثمّ قال: هذا والله مناخ ركابهم، هذا ملقى رحالهم، وهاهنا تهراق دماؤهم، طوبى لكِ من تربة عليك تهراق دماء الأحبّة )).

التاسع: مجالس الزهراءعليها‌السلام في المدينة، وهي لا تُعدّ لكثرتها ؛ فإنّها كلّما اُخبرت بذلك لجهات عديدة عقدت مجلس بكاء ورثاء لهعليه‌السلام .

العاشر: مجلس أُمّ أيمن في المدينة، وهي الراثية، والمستمعة زينب العقيلةعليها‌السلام ، حين ذكرت لها الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهو حديث طويل فيه بيان مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، ومصرعه وكيفية تجهيزه، وهذا هو الحديث الذي ذكرته زينب للسجّادعليهما‌السلام في المقتل لتسليته حين بقيت الأجساد المباركة مطروحة فأخذوهم إلى الكوفة.

الحادي عشر: مجلس الحسن المجتبى المظلومعليه‌السلام لرثاء الحسين أخيه (سلام الله عليه) في المدينة، هو الراثي والحسين وأهل بيته المستمعون وذلك حين حضره الموت، وظهر السمّ في جميع أعضائه، وخرج كبده مقطّعاً، فأتى إليه الحسينعليه‌السلام واعتنقه، وجعل يبكي، فقال له الحسنعليه‌السلام : (( ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ )).

قالعليه‌السلام : (( أبكي لما صُنع بك )) فقال الإمام الحسنعليه‌السلام : (( لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ؛ يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدّعون أنهم من أُمّة جدّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وينتحلون دين الإسلام، ويجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك


ونسائك، فعندها تمطر السماء دماً ورماداً، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار)).

الثاني عشر: مجلس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على قبره الشريف، الراثي هوصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والسامع الحسينعليه‌السلام ، وذلك لمّا أراد الخروج من المدينة بعدما أصر عليه الوليد بالبيعة ليزيد، فخرج من منزله ذات ليلة (سلام الله تعالى عليه)، وأقبل إلى قبر جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: (( السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفتني في أُمّتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنّهم قد خذلوني، وضيّعوني ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك )).

اللّهمّ صلِّ على محمد وآل محمد وعجّل في فرجهم يا الله.

ثمّ قامعليه‌السلام فصفّ قدميه، ولم يزل راكعاً ساجداً، وأرسل الوليد إلى منزل الحسينعليه‌السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله، [ فقال: ] الحمد لله خرج ولم يبتلني بدمه، ورجع الحسينعليه‌السلام إلى منزله عند الصبح.

فلمّا كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً وصلّى ركعات، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول: (( اللّهمّ هذا قبر نبيّك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأُنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَنْ فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رضاً ولرسولك رضاً)).

ثمّ جعل يبكي عند القبر حتّى إذا كان قريباً من الصبح، وضع رأسه المبارك على القبر فأغفى فإذا هو برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتّى ضمّ الحسينعليه‌السلام إلى صدره، وقبّل بين عينيه، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( حبيبي يا حسين، كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله تعالى شفاعتي يوم القيامة حبيبي يا حسين، إنّ أباك وأُمّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان


لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة )).

قال فجعل الحسينعليه‌السلام في منامه ينظر إلى جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويقول: (( يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك )) فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة، وما كتب الله تعالى لك فيها من الثواب العظيم، فإنّك وأباك وأخاك وعمّ أبيك تُحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة )).

قال فانتبه الحسينعليه‌السلام من نومته فزعاً مرعوباً فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشدّ غماً من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا أكثر باكٍ وباكية منهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

الثالث عشر: مجلس أُمّ سلمة خارج المدينة، هي الراثية والمستمع الحسينعليه‌السلام ، ثمّ كان الراثي الحسينعليه‌السلام والمستمع هي، وهو مجلس عجيب، فيه تصوير وإراءة لقضية كربلاء، وإنّ كربلاء مجمع للمدينة وكربلاء.

وهو إنّ الحسين لمّا عزم على الخروج من المدينة أتته أُمّ سلمة (رضي الله عنها)، وقالت: يا بُني، لا تحزنّي بخروجك إلى العراق ؛ فإنّي سمعت جدّك المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (( يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يُقال لها: كربلاء )) فقال لها الحسينعليه‌السلام : (( يا أُمّاه، وأنا والله أعلم بذلك، وإنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدٌّ وإنّي والله لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، وأعرف مَنْ يقتلني، وأعرف البقعة التي أُدفن فيها، وإنّي أعرف مَنْ يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإذا أردت يا أُمّاه أُريك حفرتي ومضجعي )).

ثمّ أشارعليه‌السلام إلى جهة كربلاء فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه ومدفنه، وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت بكاءً شديداً وسلّمت أمره إلى الله، فقال لها: (( يا أُمّاه، قد شاء الله تعالى أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً )).

وفي رواية أُخرى: قالت أُمّ سلمة: عندي تربة دفعها إليّ جدّكصلى‌الله‌عليه‌وآله في قارورة فقال الإمام الحسينعليه‌السلام :(( والله إنّي مقتول


كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضاً )) ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة وأعطاها إيّاها، وقال: (( اجعليها مع قارورة جدّي، فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قُتلت )).

الرابع عشر: مجلس عمّات الحسينعليه‌السلام خارج المدينة، وهو أنّهعليه‌السلام لمّا همّ بالشخوص إلى المدينة أقبلت نساء بني عبد المطلب فاجتمعن للنياحة حتّى مشى فيهن الحسينعليه‌السلام فقال: (( أُنشدكنَّ الله تعالى أن تبدين في هذا الأمر معصية لله ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

قالت له نساء بني عبد المطلب: فلِمَنْ نستبقي النياحة والبكاء ؟ فهو عندنا كيوم مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليعليه‌السلام ، وفاطمة الزهراءعليه‌السلام ورقية وزينب وأُمّ كلثومعليه‌السلام ، فننشدك الله، جعلنا الله فداك من الموت، فيا حبيب الأبرار من أهل القبور، وأقلبت بعض عمّاته تبكي وتقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجنّ ينوحون بموتك، وهم يقولون :

وإنّ قتيلَ الطفّ من آلِ هاشـــم

أذلّ رقاباً من قريشٍ فذلّتِ

حبيبُ رسولِ اللهِ لم يكُ فاحشاً

أبانت مصيبتـــكَ الاُنوفَ وجلّتِ

وقالوا أيضاً :

ابكوا حسيناً سيد

ولقتلهِ شابَ الشعر

ولقتلهِ زُلزلتمُ

ولقتلهِ انكسفَ القمر

واحمّرت آفاقُ السما

في العشيّة والسحر!

وتغيّرت شمسُ البل

د بهمُ وأظلتِ الكور!

ذاك ابنُ فاطمة المص

ب بهِ الخلائقُ والبشر

أورثتنا ذلاً به

جدعَ الأُنوفَ مع الغرر

تبيان: معنى الكور: كالغرف، جمع الكورة كالغرفة، وهي المدائن والنواحي.

المجلس الخامس عشر: مجلس الحسينعليه‌السلام لمّا سار من المدينة، والمستمع الملائكة، وهو أنّهعليه‌السلام لمّا سار من المدينة لقيته أفواج من الملائكة


المسوّمة، في أيديهم الحراب، على نُجب من نُجب الجنّة فسلّموا عليه وقالوا: يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ الله سبحانه أمدّ جدّك بنا في مواطن كثيرة، وإنّ الله أمدّك بنا.

فقال لهم: (( الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا أوردتها فأتوني )) فقالوا: يا حجّة الله، مُرنا نسمع ونُطع، فهل تخشى من عدوٍ يلقاك فنكون معك ؟ فقال: (( لا سبيل لهم عليّ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي )).

السادس عشر: مجلس الحسينعليه‌السلام لمّا سار إلى المدينة، والمستمع الجنّ، وهو أنّهعليه‌السلام لمّا سار إلى المدينة أتته أفواج مسلمي الجنّ.

فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمُرنا بأمرك وما تشاء، ولو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.

فجزّاهم الحسينعليه‌السلام خيراً، وقال لهم: (( أوَ ما قرأتم كتاب الله تعالى على جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله تعالى:( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) وقال سبحانه:( لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) وإذا أقمت بمكاني فبماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس(١) ؟، وبماذا يُختبرون ؟ ومَنْ ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء وقد اختارها الله تعالى يوم دحا الأرض وجعلها معقلاً لشيعتنا(٢) ، ويكون لهم أمان في الدنيا والآخرة ؟ ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشوراء الذي آخره اُقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهل بيتي، وتُسبى أخواتي وأهل بيتي، ويُسار برأسي إلى يزيد (لعنه الله) )).

فقالت الجنّ: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لولا أنّ أمرك طاعة، وأنّه لا يجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.

فقال (صلوات الله عليه):( نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكنلِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) .

السابع عشر: مجلس في المسجد الحرام، المستمع الحِجّاج، والراثي الإمام الحسينعليه‌السلام ، يرثي فيه أعضاءه المقطّعة.

فإنّه (صلوات الله تعالى عليه) لمّا عزم

____________________

(١) أي المكبوب على وجهه.

(٢) أي ملجأ لهم.


على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال: (( الحمد لله وما شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله وسلّم خُطّ الموت على وُلد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله تعالى رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين.

لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، مَنْ كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً على لقاء الله تعالى نفسه فليرحل معنا ؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى)).

الثامن عشر: مجلس خارج مكة، المستمع محمّد بن الحنفيّة، والراثي هو الحسينعليه‌السلام ، وهو أنّه جاء محمّد بن الحنفيّة إلى أخيه الحسينعليه‌السلام ، في الليلة التي أراد الحسينعليه‌السلام الخروج في صبيحتها عن مكّة المكرّمة فقال له: يا أخي، إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيكعليهما‌السلام ، وقد خفت أن يكون حالك كحال مَنْ مضى، فإن رأيت أن تُقيم فإنّك أعزّ مَنْ بالحرم وأمنعه.

فقالعليه‌السلام : (( يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم فأكون بذلك أوّل مَنْ تُستباح به حرمة البيت )).

فقال له ابن الحنفيّة: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن، أو بعض نواحي البرّ ؛ فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.

فقالعليه‌السلام : (( أنظر فيما قلت )).

فلمّا كان السحر، ارتحل الحسينعليه‌السلام فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فأتاه وأخذ بزمام ناقته، وقد ركبها، وقال: يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟

قالعليه‌السلام : (( بلى )).

قال: فما حداك على الخروج عاجلاً.

قال: (( أتاني رسول الله (صلوات الله عليه وآله) بعدما فارقتك، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا حسين، اخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً )).

فقال ابن الحنفيّة :


إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟

فقالعليه‌السلام : (( قال ليصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا )) فسلّم عليه ومضى.

التاسع عشر: مجلس أيضاً خارج مكّة المكرّمة، الراثي الحسينعليه‌السلام والمستمع عبد الله بن عمر تارة، وعبد الله بن الزبير تارة أُخرى، هو أنّه لمّا خرج الحسينعليه‌السلام من مكّة جاء عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير فأشار عليه بالإمساك.

فقال لهما: (( إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرني بأمر وأنا ماضٍ فيه )) فخرج ابن عباس وهو يقول: وا حسيناه !

ثمّ جاء عبد الله بن عمر وأشار إليه بصلح أهل الضلال، وحذّره من القتل والقتال، فقالعليه‌السلام : (( يا أبا عبد الرحمن، أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله تعالى أنّ رأس يحيى بن زكرياعليه‌السلام اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ؟ أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً، ثمّ يجلسون في أسواقهم، كأن لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجّل الله تعالى عليهم، بل أخذهم أخذ عزيز ذي انتقام ؟ اتق الله يا أبا عبد الرحمن، ولا تدع نصرتي )).

العشرون: مجلس في الخزيمية، الراثي الجنّ، والمستمع زينب الكبرى (سلام الله عليها)، وهو أنّه لمّا نزل الحسينعليه‌السلام الخزيمية أقام بها يوماً، فلمّا أصبح أقبلت إليه أُخته زينبعليها‌السلام ، فقالت: يا أخي، ألا أُخبرك بشيء سمعته البارحة ؟

فقال الحسينعليه‌السلام : (( وما ذاك ؟ )).

فقالتعليها‌السلام : خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفاً يهتف، وهو يقول :

ألا يا عين فاحتفلي بجهدي

ومَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي

على قومٍ تسوقهمُ المناي

بمقدارٍ إلى إنجازِ وعدِ

فقال الحسينعليه‌السلام : (( يا أُختاه، كلّ الذي قُضي فهو كائن )).


الحادي والعشرون: مجلس الثعلبية، الراثي عبد الله بن سليمان، والمنذر بن المشمعل الأسديان، لمسلم بن عقيل، والسامع الحسينعليه‌السلام ، ثمّ الراثي الحسينعليه‌السلام والسامع أهل بيتهعليهم‌السلام وأصحابه (سلام الله عليهم أجمعين).

وهو أنّهما قالا: لمّا قضينا حجّتنا لم تكن لنا همّة إلاّ اللحاق بالحسينعليه‌السلام في الطريق ؛ لننظر ما يكون من أمره، فأقبلنا ترقل(١) بنا نياقاً مسرعين حتّى لحقناه بزرود(٢) ، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة وقد عدل عن الطريق حتّى رأى الحسينعليه‌السلام كأنّه يريده، ثمّ تركه ومضى ومضينا نحوه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا لنسأله فإنّ عنده خبر الكوفة.

فمضينا إليه، فقلنا: السّلام عليك فقال: وعليكما السّلام قلنا: ممّن الرجل ؟ قال: أسدي قلنا له: ونحن أسديان فمَنْ أنت ؟ قال: أنا بكر بن فلان، فانتسبنا له، ثمّ قلنا له: أخبرنا عن الناس وراءك قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، ورأيتهما يُجران بأرجلهما في السوق.

فأقبلنا حتّى لحقنا بالحسينعليه‌السلام فسايرناه حتّى نزل الثعلبية ممسياً، فجئنا حين نزل فسلّمنا عليه، فردّ علينا السّلام، فقلنا له: يرحمك الله تعالى، إنّ عندنا خبراً إن شئت حدّثناك به علانية، وإن شئت سرّاً.

فنظر إلينا وإلى أصحابه، ثمّ قال: (( ما دون هؤلاء ستر )).

فقلنا له: رأيت الراكب الذي استقبلته عشيّ أمس ؟

فقال: (( نعم، قد أردت مسألته )).

فقلنا: قد والله استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل، وإنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم وهانئ، ورآهما يُجران في السوق بأرجلهما.

فقالعليه‌السلام : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رحمة الله عليهما )) يردد ذلك مراراً.

قلنا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلاّ انصرفت من مكانك هذا ؛ فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا

____________________

(١) ترقل: يعني تسرع.

(٢) وهو موضع على طريق حاج الكوفة بين الثعلبية والخزيمية.


شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك.

فنظر إلى بني عقيل، فقال: (( ما ترون وقد قُتل مسلم ؟ )).

فقالوا: والله ما نرجع حتّى نُصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق.

فأقبل الحسينعليه‌السلام فقال: (( لا خير في العيش بعد هؤلاء )) فعلمنا أنّه قد عزم رأيه على المسير.

فقال له أصحابه: إنّك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس أسرع إليك.

فسكت، ثمّ انتظر حتّى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: (( أكثروا من الماء )) فاستسقوا وأكثروا ثمّ ارتحلوا.

وقال السيدرحمه‌الله : أتاه خبر مسلم في (زبالة)، ثمّ إنّه سار فلقيه الفرزدق فسلّم عليه، ثمّ قال: يابن رسول الله، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته ؟

قال: فاستعبر الحسينعليه‌السلام باكياً، ثمّ قال: (( رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وتحيته ورضوانه أما إنّه قد قضي ما عليه، وبقي ما علينا )) ثمّ انشأ :

فإن تكن الدنيا تُعدّ نفيسة

فدارُ ثوابِ اللهِ أعلى وأنبلُ

وإن تكن الأبدانُ للموتِ أُنشئت

فقتلُ امرئ بالسيفِ في اللهِ أفضلُ

وإن تكن الأرزاقُ قسماً مقدّراً

فقلّةُ حرصِ المرءِ للرزقِ أجملُ

وإن تكن الأموالُ للتركِ جمعها

فما بالُ متروكٍ بهِ الحرُّ يبخلُ

الثاني والعشرون: مجلس في بطن العقبة الراثي الحسينعليه‌السلام والمستمع عمرو بن لوذان، كيفيته أنّه لقى الحسينعليه‌السلام في بطن العقبة وقال له: أين تريد يا أبا عبد الله ؟

قال له الحسينعليه‌السلام : (( الكوفة )).

فقال له عمرو: أُنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنة، وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل.

فقال له: (( يا عبد الله، ليس يخفى عليّ الرأي، ولكن الله تعالى لا يُغلب على أمره )).

ثمّ إنّهعليه‌السلام شرع في هذا المجلس وبعده إلى الثلاثين في رثاء نفسه، وكلّ مجلس في هذه المجالس لمصيبة خاصّة يرثي نفسه فيها.

فرثى نفسه في مكّة المكرّمة، بالنسبة إلى أعضائه المقطّعة، وقد مرّ ،


ورثى نفسه في هذا المجلس لما يجري عليه في مهجته ـ أي دم قلبه ـ فقالعليه‌السلام بعد كلامه المذكور: (( والله، لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي )).

ومراده من العلقة الإشارة إلى انقلاب القلب دماً، لما يجري عليه من المصائب (صلوات الله تعالى عليه).

ومراده من استخراج العلقة جريان دم القلب ؛ لعلمه بورود سهم ذي ثلاث شعب عليه وسيلان دمه وامتلاء يده المباركة من دمه المبارك مرّات، حين أخذه بكفّه ولطخ بكفّه ولطخ به الوجه والرأس.

بأبي أنت وأُمّي ! قد أحرقت مُهج شيعتك بقولك هذا، وأقرحت أكبادهم، فجرت الدموع من عيونهم، فيا له من كلام مفجع، خاصّة قولك: (( يستخرجوا هذه العلقة من جوفي )).

الثالث والعشرون: مجلس المنازل عند الحل والترحال، فكان يرثي نفسه بالنظر إلى ما يجري عليه في رأسه الشريف وإهدائه.

فكان يذكر يحيىعليه‌السلام ويقول: من هوان الدنيا أن رأس يحيى اُهدي إلى زانية، ويبكي عند ذلك(١) .

الرابع والعشرون: مجلس خاص له قرب كربلاء قبل ورودها، فقد رثى نفسه فيه بالنسبة إلى أهل بيته وولده خاصة بمرثية عجيبة.

وكيفية هذا المجلس: أنّه لمّا نزل آخر منزل ونصبوا الخيام جمع ولده وإخوته وأهل بيته في مكان خاصّ، فنظر إليهم وبكى ساعة وما يجري عليهم ؛ فإنّه لم يبقَ لهم مأمن، وقد اُزعجوا عن موطنهم، وعن كلّ مأمن، حتّى حرم الله تعالى الذي هو مأمن للمسلمين، بل للكفّار والحيوانات والأشجار والنباتات.

فلذا بكى، وشكا ذلك إلى الله تعالى فقال: (( اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قد طُردونا واُزعجونا، وتعدّت بنو أُميّة علينا، اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين )).

الخامس والعشرون: مجلس له خارج الخيام عصر تاسوعاء، إذ كان جالساً أمام بيته محتبئاً ـ أي جامعاً بين ظهره ورجليه بالسيف ليستند ـ، نعم كان محتبئاً بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أُخته الصيحة فدنت من أخيها وقالت: يا أخي، أما تسمع هذه الأصوات

____________________

(١) يبدو أنّ المؤلِّف قد ذكر هذا الخبر مضموناً ؛ وذلك لأنّنا لم نعثر عليه في الموسوعات الروائية التي بين أيدينا (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


قد اقتربت ؟

فرفع الحسين رأسهعليه‌السلام ، فقال: (( إنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الساعة في المنام وهو يقول: إنّك مقبل علينا)) فلطمت أُخته وجهها، ونادت بالويل.

فقال لها الحسينعليه‌السلام : (( ليس لك الويل يا أُختاه، اسكتي رحمك الله )).

وفي رواية السيد قال: (( يا أُختاه، إنّي رأيت الساعة جدّي محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبي وأُمّي وأخي الحسنعليهم‌السلام وهم يقولون: يا حسين، إنّك مُقبل علينا من قريب )).

وفي بعض الروايات (غدا)، قال: فلطمت زينب على وجهها وصاحت، فقال لها الحسينعليه‌السلام : (( مهلاّ ! لا تشمتي القوم بنا )).

السادس والعشرون: مجلس له في خباء له، وقد اعتزل فيه ليلة عاشوراء ليرثي نفسه، ويتذكّر مصائبه وقتله، ويصلح أسلحته، ولم يكن هناك سامع، بل سمعه زين العابدينعليه‌السلام ، وأُخته العقيلة زينبعليها‌السلام ، كما يأتي.

نعم، هوعليه‌السلام لم يقصد مخاطبتهما ظاهراً لهذا الرثاء، فكان يخاطب الدهر تارة فيقول :

يا دهرُ أف لكَ من خليلِ

كم لكَ بالإشراقِ والأصيلِ

من صاحبٍ أو طالب قتيلِ

والدهرُ لا يقنعُ بالبديلِ

وإنّما الأمر إلى الجليلِ

وكلّ حيّ سالكٌ سبيلي

قال سيّد الساجدينعليه‌السلام : (( فلمّا أعادها مرّتين أو ثلاثاً فهمتها وعرفت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أنّ البلاء قد نزل.

وأمّا عمّتي زينبعليها‌السلام فإنّها سمعت ما سمعت وهي امرأة، ومن شأن النساء الرقّة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها وإنّها لحاسرة حتّى انتهت إليهعليه‌السلام فقالت: وا ثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أُمّي فاطمة، وعلي، وأخي الحسنعليهم‌السلام يا خليفة الماضين، وثمال الباقين ! فنظر إليها الحسينعليه‌السلام ، وقال لها: يا أُختاه، لا يُذهبنَّ بحلمك الشيطان وترقرقت عيناه بالدموع، وقال: لو تُرك القطا لنام.

ويُقال أنّ القطا هو طائر لا يكون سهراناً إلاّ إذا كان هناك خطر عليه.

فقالت: يا ويلتاه ! أفتغتصب نفسك اغتصاباً ؟! فذلك أقرح لقلبي، وأشدّ على نفسي ثمّ لطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقّته وخرّت مغشياً عليها (سلام الله عليها).


فقام إليها الحسينعليه‌السلام فصبّ على وجهها الماء، وقال لها: يا أُختاه، اتّقي الله وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجه الله تعالى الذي خلق الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعودون، وهو فرد وحده جدّي خير منّي، وأبي خير منّي، وأُمّي خير منّي، وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكلّ مسلم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أُسوة.

فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا اُختاه، إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي ؛ لا تشقي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندي )).

أقول: إنّ إمامنا الحسينعليه‌السلام لم يعهد من قبل أنّ أُخته العقيلةعليها‌السلام تتمنى الموت، ولم تعهد زينبعليها‌السلام أنّ أخاها ينعى نفسه، أو تشهد بنفسها هذا الموقف منه (فصلوات الله تعالى عليكم يا أهل بيت النبوّة).

السابع والعشرون: مجلس له في خيمة جمع فيها أصحابه ليلة عاشوراء وخطب فيهم راثياً نفسه وجميع أصحابه، ثمّ أذن لهم فبايعوه البيعة الثانية في هذا المجلس، على أن يُقتلوا بل بايعه بعضهم على القتل ألف مرّة بعد الحرق وإذراء الرماد، وقال: لو كانت الدنيا باقية لاخترت ذلك أيضاً.

الثامن والعشرون: مجلس له بين الخيام والمقتل، رثى فيه نفسه لابنته الصغيرة سكينةعليهما‌السلام ، بأبيات منها :

سيطولُ بعدي يا سكينة فاعلمي

منكَ البكاءُ إذا الحمامُ دهاني

لا تحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً

ما دام منّي الروحُ في جثماني

التاسع والعشرون: مجلس له في المقتل، رثى فيه بعض أصحابه تارة، وابنه تارة، وابن أخيه تارة، وجميعهم تارة، وأهل بيته تارة، ورضيعه تارة، ورضيع له آخر تارة، جالساً تارة، وواقفاً تارة، وسيجيء تفاصيله في بيان الوقائع.

الثلاثون: مجلس له في الخيام، وقت السحر من يوم عاشوراء، رثى فيه نفسه بما رثاه به في ذلك الوقت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففي المناقب: فلمّا كان وقت السحر خفق الحسينعليه‌السلام برأسه خفقة ثمّ استيقظ فقال: ((أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة ؟ )) فقالوا: وما الذي رأيت يابن رسول الله ؟ فقالعليه‌السلام : (( رأيت كأنّ


كلاباً قد شدّت عليّ لتنهشني، وفيها كلب أبقع، رأيته أشدّها عليّ، وأظن أن الذي يتولّى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم ثمّ إنّي رأيت بعد ذلك جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بُني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الرفيق الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة عجّل ولا تؤخّر، فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت وقد أزف الأمر، واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك )).

خاتم هذه المجالس: مجلس متوحد في الراثي والحلّة والتفجّع، والسامع له هو الله ربّ العالمين، فقد سمع الله تعالى لهذا الرثاء، وهو مجلس لهعليه‌السلام في المقتل، وهو مطروح مقطّع الأعضاء، قد سكنت حواسه، وخمدت أنفاسه، رثى فيها حالته وحالة أهل بيته في ذلك الوقت، فنادى ربّه (عزّ وجلّ): (( اللّهمّ متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد الكبرياء، إنّا عترة نبيّك، وولد حبيبك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد خذلونا وطردونا وغدروا بنا، وقتلونا )) إلى آخر الحديث، وهذا آخر مجالس الرثاء والحمد لله والشكر.

النوع الرابع: المجالس المنعقدة بعد شهادته

وهي أقسام :

الأوّل: مجلس لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة، وهو الراثي بهيئة خاصة، والمستمع أُمّ سلمة.

وذلك في رواية عن ابن عباس قال: بينما أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أُمّ سلمة، زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرجت متوجّهاً إلى منزلها، حيث أقبل أهل المدينة إليها رجالاً ونساءً، فلمّا انتهينا إليها قلت: يا أُمّ المؤمنين، ما لكِ تصرخين وتغوثين ؟! فلم تجبني، وأقبلت على النسوة الهاشميات، وقالت: يا بنات عبد المطلب، اسعدنني وابكين معي ؛ فقد قُتل والله سيدكنّ وسيد شباب أهل الجنّة، فقد والله قُتل سبط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله


وريحانته الحسينعليه‌السلام فقلت: يا أُمّ المؤمنين، ومن أين علمتِ ذلك ؟

قالت: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام الساعة شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه هذا، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( قُتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم، فدفنتهم الساعة وفرغت من دفنهم )).

وفي رواية، قالت: رأيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأثر التراب على رأسه ولحيته، فقلت: ما لك ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( وثب الناس على ابني فقتلوه الساعة، وقد شهدته قتيلاً )) قالت: فاقشعرّ جلدي، فقمت حتّى دخلت البيت وأنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسينعليه‌السلام التي أتى بها جبرئيلعليه‌السلام من كربلاء إلى النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال لها: (( إذا صارت هذه التربة دماً فقد قُتل ابنك )) وأعطانيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: (( اجعلي هذه التربة في زجاجة، أو قال: في قارورة، ولتكن عندك، فإذا صارت دماً عبيطاً فقد قتل الحسينعليه‌السلام )) فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً يفور.

قال: فأخذت أُمّ سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسينعليه‌السلام ، فجاءت الركبان بخبره وأنّه قُتل في ذلك اليوم.

الثاني: مجلس عام، وهو العالم كلّه لكلّ متمكن في كلّ مكان مع المكين، وبغير مكين ولجميع الخلق في جميع الأمكنة، وللأمكنة بنفسها ولأهل الزمان ولنفس الزمان، ولِما يُرى ولِما لا يُرى، فهو مجلس لِما سوى الله من جميع أصناف المخلوقات، من السماء وسكنتها، والعرش العظيم وحملته، والسماوات السبع وملائكتها، ونجومها وكواكبها، وما فيهنّ وما بينهنّ وما تحتهنّ، والعناصر والأرضين ومواليدها، والجنة ورضوان وسكنتها، وحورها وقصورها، وأشجارها وأنهارها وثمارها، والنار وخزنتها ومَنْ يتقلّب فيها.

فهذا مجلس في زمان خاص حصل الانقلاب فيه لما سوى الله في مأتم الحسين إمامناعليه‌السلام بتغير الأحوال، وبحصول التأثير في كلّ شيء بحسب حاله.

فأهل العيون بالدموع، والسماء بالموج وبمطر الدم والحمرة ،


والشمس بالانكساف وبالحمرة، والملائكة باختلال الصفوف والكفّ عن عبادتهم.

أقول: بل بكائهم وكربهم على الحسينعليه‌السلام وحزنهم هو عبادة وأيّ عبادة.

والأشجار بخروج الدم منها، والفضاء بظلمته، والأرض بالتزلزل، والجبال بالميد والاضطراب، والطيور في الهواء بالوقوع، والسمك بالخروج من الماء، والبحار بالانشقاق ودخول بعضها في بعض، والجنّ بالنوح في الأقطار، والإنس باضطراب الأحوال، وكلٌ جاء من الروايات المعتبرة.

وهذا المجلس العام والخاصّ قد اتّفق في زمان خاص، وهو أنّه وكما عبّره الصادقعليه‌السلام حين ضُرب الحسينعليه‌السلام بالسيف ثمّ ابتُدر إليه ليُقطع رأسه.

بيان هذا: إنّه ضُربعليه‌السلام بالسيوف في حالات ثلاث، حين كان راكباً ضُرب بسيف واحد، ولمّا كان جالساً ضُرب بعدّة سيوف، وحينما كان مطروحاً (صلوات الله عليه) ومكبوباً ضُرب بسيف واحد مراراً على مذبحه، ثمّ أرادوا قطع الرأس فارتفعت نداءات، وتقارنت صيحات، فنادى هوعليه‌السلام : (( أاُقتل عطشان وجدّي محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! )).

ونادى بأمر الله ملك من بطنان العرش: يا أيتها الأُمّة المتحيّرة الضالة بعد نبيّها لا وفّقتم لفطر ولا أضحى.

ونادى ملك من ملائكة الفردوس الأعلى ناشراً أجنحته على البحار: يا أهل البحار، البسوا أثواب الحزن ؛ فإنّ فرخ الرسول مذبوح.

ونادى جبرئيلعليه‌السلام صارخاً: قد قُتل الحسينعليه‌السلام بكربلاء.

وضجّت الملائكة دفعة واحدة إلهنا وسيدنا يُفعل هذا بالحسين صفيك وابن صفيك !

ونادت زينبعليها‌السلام متوجّهة من الخيام إلى المقتل: يا أخاه ! يا سيداه !

ونادى ذو الجناح متوجّهاً من المقتل إلى الخيام: الظليمة الظليمة ! من أُمّة قتلت ابن بنت نبيّها.

فعند ارتفاع هذا الضجيج، المتقارن وقع الانقلاب في العالم، وحصل التأثير في أجواء الموجودات كلّها.

أفلا تنقلب أحوالكم عند هذا الذكر بنوع من الانقلاب، وتغيّر الاحوال، فقد قال أبو ذرّ بعد بيان ذلك: إنّكم لو تعلمون بما دخل على أهل العالم عند ذلك لبكيتم حتّى تزهق أنفسكم.


أفلا إذلال وإزهاق لأنفسكم، أفلا صراخ ؟ أفلا ضجيج ؟ أفلا دمعة تفيض على خدّ ؟ أفلا دمعة تدور في عين ؟ أفلا تأثّر في قلب حي ؟ أفلا تباكٍ لِمَنْ قسا قلبه ؟ اللّهمّ إنّي أعوذ بك من قلب لا يخشع، وعين لا تدمع، عند هذا المجلس العام الخاص، يا الله.

الثالث: مجلس الطيور، الراثي طير أبيض(١) .

الخامس: مجلس الوحوش ليلة الحادي عشر حينما كانت مادة أعناقها على جسده المبارك ترثيه إلى الصباح.

السادس: مجلس الجنّ، حول جسده المبارك.

السابع: مجلس نساء الجنّ حول جسده المبارك.

الثامن: مجلس الجنّي في قرية شاهي، والسامع خمسة من أهل الكوفة جاؤوا لنصرة الحسينعليه‌السلام فلم يدركوه.

التاسع: مجلس الجنّ، كلّهم في جميع الأماكن في كلّ مكان بمراث خاصّة، وسنذكر تفصيل كلّ واحد من هذه المجالس في محلّه الخاصّ.

العاشر: مجلس أزقة الكوفة حول الرؤوس والأُسارى، الذاكر للمصيبة أربعة ؛ زينب، وأُمّ كلثوم، وفاطمة الصغرى، والإمام السجّادعليهم‌السلام ، والباكون أهل الكوفة كلّهم رجالاً ونساءً.

وقد أخذوا بالصياح والعويل والضرب على الصدور، ونثر التراب على الرؤوس ونتف اللحى، والشعور من النساء، وقد قيل إنّه لم يُرَ أكثر من ذلك اليوم باكٍ ولا باكية، وسنذكر تفصيله في محلّه.

الحادي عشر: مجلس أهل بيت الحسينعليهم‌السلام كلّهم، في كلّ وقت، وفي كلّ مكان من كربلاء إلى الشام، ومن الشام إلى كربلاء، ومن كربلاء إلى المدينة، وفي المدينة، طول أعمارهم المباركة.

وكانت مدّة مجلس الإمام السجّاد (صلوات الله تعالى عليه) أربعين سنة، فكان يبكي فيه ويفيض دمعه حينما يأكل الطعام أو يشرب الماء، فيقول: (( قُتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جائعاً عطشانَ )).

____________________

(١) كما جاء في اللهوف / ٥٨ وغيره.


الثاني عشر: مجلس يزيد لرثاء الحسينعليه‌السلام ، والراثي ذلك اللعين نفسه، والسامع جميع رؤساء عسكره.

فقال (لعنه الله تعالى) لزوجته هند: ياهند ابكي على الحسين بن فاطمة، واعولي عليه ؛ فإنّه صرخة قريش عجّل عليه ابن زياد (قاتله الله)، ونحن نقول (قاتلهم الله) أعني يزيد وابن زياد وجميع أعداء الله تعالى من الأوّلين والآخرين، وسنذكر تفصيل هذا المجلس في محلّه إنّ شاء الله تعالى.

الثالث عشر: مجلس في الجامع الأموي بالشام، الراثي سيد الساجدينعليه‌السلام ، بعد أن استأذن وصعد المنبر، والمستمع فيه يزيد وجميع رؤساء بني أُميّة وأهل الشام.

فخطبعليه‌السلام خطبة حمد الله تعالى فيها، ثمّ ذكر النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصفه وأثنى عليه، ثمّ ذكر فضائل جدّه علي بن أبي طالبعليهما‌السلام ، ثمّ أخذ في رثاء أبيه المظلوم الغريب (صلوات الله عليه)، وذكر ما جرى عليه.

فلمّا قال: (( أنا ابن المحزوز من القفا، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا أنا )) إلى آخر خطبته المباركة.

ضجّ أهل الشام وبنو أُميّة كلّهم بالبكاء حتّى قطع المؤذّن كلامه بإشارة من يزيد، فقال: الله أكبر ؛ رغبة في كفّ الناس عن البكاء الشديد فإذا كانت بنو أُميّة وأهل الشام يضجّون بالبكاء بسماع ذبح الحسينعليه‌السلام من القفا، وسلب العمامة من رأسه والرداء من جسده، فماذا ينبغي ويجب لشيعته ومحبّوه وموالوه فعله إذا سمعوا ذلك، وتصوّروا كيفية سلب العمامة من رأسه، وفي أيّ حالة كانت وأيّ وقت ؟

هذا مع عدم نسيان مدى ارتباط شيعته به وولائهم له ومتابعته، ونصبهم أيام دهرهم لنصرته، وهو كلّ بحسبه ودرجته وصدقه، فعلى ذلك فليضجّ الضاجون، وليعجّ العاجون، وليصرخ الصارخون، اللّهمّ ارزقنا الصدق بطاعتك يا كريم.

الرابع عشر: مجلس النساء في بيت يزيد، الراثيات والنادبات زينب وأُمّ كلثوم وبنات الحسينعليهم‌السلام ، والصارخات واللاطمات على الخدود زوجة يزيد وبناته وبنات بنو أُميّة، بعد أن أذن لهم يزيد في ذلك، فأقاموا المأتم وذلك في سبعة أيام.

الخامس عشر: مجلس نساء في البرية قرب المدينة، في فسطاط ضُرب


لسيد الساجدينعليه‌السلام ، وهو على كرسي ودموعه جارية، وبيده ما يمسح به دموعه، وهو لا يتمالك العبرة، فلمّا نظر إليه أهل المدينة من الرجال والنساء الخارجين للاستقبال ضجّوا ضجّة واحدة، فكان النظر إليه رثاء، والناس من كلّ ناحية يعزّون، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة، فأومأعليه‌السلام أن اسكتوا، فسكنت فورتهم.

فقالعليه‌السلام : (( الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلق أجمعين، الذي بعُد فارتفع في السماوات العلى، وقرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة، الفادحة الجائحة.

أيّها الناس، إنّ الله وله الحمد ابتلانا بمصائب، وثُلم الإسلام ثلمة عظيمة، قُتل أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام وعترته، وسُبيت نساءه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، وهذه رزية التي لا مثلها رزية.

أيّها الناس، فأيّ رجالات منكم تسرّون بعد قتله ؟ أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله ؟ أُمّ أيّ عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها ؟! فقد بكت السبع الشدائد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقرّبون، وأهل السماوات أجمعون.

أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله ؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه ؟ أمّ أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثُلمت في الإسلام ولا يصم ؟

أيّها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدين، مذودين (مطرودين) شاسعين عن الأمصار، كأنّا أولاد ترك أو كابل، من غير


جرم اجترمنا، ولا مكروه ارتكبنا، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إن هذا إلاّ اختلاق.

والله، لو أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى تقدّم إليهم قي قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها، وأكظّها وأمظّها، وأمرّها وأفدحها ! فعند الله نحتسب فيما أُصابنا وما بلغ بنا، إنّه عزيز ذو انتقام )).

آه يا زين العابدين (صلوات الله عليكم) يا مظلوم ! يا علي يا علي يا علي !

السادس عشر: مجلس قرب المدينة عند تبّين سوادها لأُمّ كلثوم، هي الراثية نظماً، والمستمع سيد الساجدين وباقي أهل بيته والأطفالعليهم‌السلام .

فخاطبت المدينة أوّلاً، ثمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، [ ثمّ أمير المؤمنين ]، ثمّ الزهراء، ثمّ الحسن المجتبىعليهم‌السلام ، وسيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى.

السابع عشر: مجلس الملائكة، كلّ يوم عند قبره إلى يوم القيامة، ولهم في ذلك كيفيات مذكورة في عنوان ما يتعلّق بالملائكة.

الثامن عشر: مجلس في السماوات، لفاطمة الزهراءعليها‌السلام ، كلّ يوم إلى يوم القيامة، فيه رثاءً وبكاءً وشهقةً وصيحةً.

ويُستفاد من ذلك أنّ كلّ يوم من أيام السنة يُناسب إقامة عزاء الحسينعليه‌السلام ، ولا يُستثنى منه عيد ولا غيره.

وكيفية هذا المجلس مجملاً: إنّها تنظر كلّ يوم إلى مصرع الحسينعليه‌السلام فتشهق شهقة يضطرب لها أركان الموجودات من السماوات والأرض والبحار والملائكة حتّى يجيء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيسكتها، ثمّ تدعو بعد ذلك لزوار ولدها.

التاسع عشر: مجلس الأئمّةعليهم‌السلام ، وهي كثيرة منها: ما كان الراثي والناظم فيها الصادقعليه‌السلام .

ومنها: ما كان الناظم فيها جعفر بن عفان، ومن رثائه :

ليبكِ على الإسلامِ مَنْ كان باكيا

فقد ضُيّعت أحكامُهُ واستحلّتِ

غداةَ حسين للرماحِ [دريئةٌ]

فقد نهلت منهُ السيوفُ وعلّتِ


وهذا رثاء لكثرة ما ضُرب بالسيوف وعددها بضع وسبعون ضربة.

ومنها: مجلس آخر لهعليه‌السلام الناظم والراثي فيه عبد الله بن غالب، ومن رثائه :

لبليةٍ تسفي حسيناً

بمسفاةِ الثرى غبر الترابِ

وكلمة سفت: أي سفت الريح التراب ذرّته أو حملته.

ومنها: مجلس آخر لهعليه‌السلام ، الراثي والناظم أبو هارون المكفوف، قالعليه‌السلام : (( أنشدني كما تنشدون )) فأنشد له :

اُمرر على جدثِ الحسيـ

ـنِ وقل لأعظمهِ الزكيه

فبكىعليه‌السلام ، وامسك الراثي، ثمّ قال: (( زدني )) فقرأ له قصيدة :

مريمُ قومي واندبي مولاكِ

وعلى الحسينِ فأسهدي ببكاكِ

إلى آخر قصيدته المباركة

فبكى، وتهايج بكاء حرمه.

ومنها: مجلس للرضاعليه‌السلام ، الناظم والراثي فيه دعبل الخزاعي، وصاحب المجلس هوعليه‌السلام ، فقام من مكانه وضرب ستراً، وقال للنساء: (( اجلسن وراء الستر )) فأمر دعبل بالقراءة.

وقال: (( مَنْ ذرفت عيناه على مصاب جدّي حشره الله تعالى معنا وفي زمرتنا يوم القيامة )).

فقال دعبل :

أفاطمُ لو خلتِ الحسين مجدلا

وقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فراتِ

إذاً للطمتِ الخدَّ فاطمُ عنده

وأجريتِ دمعَ العـينِ في الوجناتِ

إلى آخر القصيدة المباركة، فكان الرضاعليه‌السلام يبكي والنساء تعلوا أصواتهنّ بالندبة والبكاء.

العشرون: مجالس الملائكة، كلّ يوم بطريق خاص مذكور في عنوان الملائكة.

الواحد والعشرون: مجالس شيعته لعزائه.

وهي دائمة إلى يوم القيامة، ومن خصوصياتها: أنّه ومع عدم الملل من هذه المجالس


يزداد رواجها وعزّتها وبهاؤها، ويتحسّن حالها كلّ سنة، وهذا من عجائب خواصّه.

حتى إنّه لا يوجد بلد من بلاد المنافقين والمخالفين والإسلام والكفر إلاّ ويُقام فيه مجلس عزاء الحسينعليه‌السلام ، حتّى إنّه في هذه السنين قد شاع التجاهر بهذه المجالس في بغداد وقسطنطينية ومصر والشام.

النوع الخامس: مجلس أهل المحشر يوم القيامة

الراثية الزهراء البتول (صلوات الله تعالى عليها)، وبيدها المباركة قميص الحسينعليه‌السلام ، والصارخ هي، ثمّ المصطفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ جميع الملائكة.

والحاضر في المجلس الحسينعليه‌السلام ، والباكي جميع الملائكة والأنبياء والمؤمنين من الأوّلين والآخرين، وسيجيء تفصيل ذلك كلّه إن شاء الله تعالى.

المقصد الخامس: في صحف الرثاء والكتب التي رثته قبل شهادته وعندها

وهي عشرة كاملة :

الأوّل: اللوح المحفوظ حين كتب بحكم الجبّار ما قدّر على الحسينعليه‌السلام ، وقد جرى القلم بلعن قاتليه قبل الإذن كما في الرواية(١) .

الثاني: القرآن المجيد وفيه آيات قد ذكرناها في عنوان القرآن.

الثالث: التوراة في بعض أسفارها.

الرابع: كتاب إرميا باسوق من السيمان السادس والأربعون وفيه: كي ذبح لدوناي الوهيم صواووث بأرض صافون آل نهر برات، ( يعني: يُذبح ويُضحى لربّ العالمين شخص جليل في أرض الشمال بشاطئ الفرات ).

الخامس: كتاب لخمان.

السادس: مصحف شيث وفيهما إشارات إلى واقعة كربلاء.

السابع: صحيفة كُتبت لهعليه‌السلام خاصة، وفيها: يا حسين اشرِ نفسك لله تعالى، واخرج بقوم لا شهادة لهم إلاّ معك، وقاتل حتّى تُقتل.

الثامن: كنيسة للنصارى، وجِدت فيها كتابة يعود تاريخها إلى ما قبل بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، بثلاثمئة عام، وهي :

____________________

(١) انظر كتاب العوالم ١٧ / ١٠٢، ونقله العلاّمة المجلسي في البحار ٤٤ / ٢٤٣ روي مرسلاً.


أترجو أُمّة قتلت حسيناً

شفاعةَ جدّه يومَ الحسابِ

فلا واللهِ ليسَ لهم شفيـعٌ

وهم يومَ القيامةِ في العذابِ

وكذلك كُتب هذه الأبيات على حائط دير بقلم من حديد في طريق الشام حين نصبوا الرأس هناك وأحاطوا به.

التاسع: درّ النثار الذي وُجد في مسجد الكوفة، وكان فيه :

أنا درٌّ من السماءِ نثروني

يومَ تزويجِ والدِ السبطينِ

كنتُ أصفى من اللجينِ بياضاً

صبغتني دماءُ نحرِ الحسينِ

وكذلك الحصى وُجد فيها رثاؤه بلون أحمر كالدم في مواضع كثيرة.

المجلس العاشر: قلوب أحبائه وخالص شيعته، فإنّهم كما كُتب في قلوبهم الأحزان والأشجان، فكأنّ سوداوات قلوبهم لوح نُقشت فيه قضاياه ومصائبه ؛ ولذا تستعبر بمجرّد ذكر اسمه أو سماعه.

المقصد السادس: في خواص مجالس البكاء

وهي ثمان :

الأولى: أنّهعليه‌السلام قال: (( مَنْ جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب )).

الثانية: أنّ المجلس مصعد التسبيح فإنّ نفس المهموم لهمعليهم‌السلام تسبيح.

الثالثة: أنّه محبوب للصادقعليه‌السلام ، فهو محبوب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالتالي محبوب لله تعالى.

الرابعة: أنّ المجلس منظر الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه عن يمين العرش ينظر إلى موضع معسكره، ومَنْ حل به من الشهداء وزواره، ومَنْ بكى عليه (سلام الله تعالى عليه).

الخامسة: أنّه مشهد ملائكة الله تعالى المقرّبين، وذلك لما روى من أنّ جعفر بن عفّان لمّا دخل على الإمام الصادقعليه‌السلام قرّبه وأدناه، ثمّ قال: (( يا جعفر )) قال: لبيك جعلني الله فداك قال: (( بلغني أنّك تقول في الحسينعليه‌السلام وتجيد )) قال له: نعم جعلني الله فداك قالعليه‌السلام : (( قُل )) فأنشده حتّى بكى (صلوات الله عليه) ومَنْ حوله، وحتى سالت الدموع على وجهه ولحيته.

ثمّ قال: (( يا جعفر، والله لقد شهدت ملائكة الله المقرّبون هاهنا ليسمعوا قولك في الحسينعليه‌السلام ، ولقد بكوا كما بكينا


أو أكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعتك هذه الجنّة بأسرها، وغفر الله لك )) ثمّ قال: (( يا جعفر، ألا أزيدك ؟ )) قال: نعم يا سيدي قال: (( ما من أحد قال في الحسينعليه‌السلام فبكى أو أبكى إلاّ وأوجب الله تعالى له الجنّة وغفر له ))

السادسة: أنّ مجلس العزاء قبّة الحسينعليه‌السلام ، وذلك لأنّ قبّته ليست مختصّة بالبنيان الخاصّ، بل قبّة الحسينعليه‌السلام الخضوع والخشوع أيضاً، فكلّ مجلس خضوع، خصوصاً لذكر الحسينعليه‌السلام هو قبّة الحسين ؛ ولذا قال بعض العرفاء :

وكلّ بلدةٍ يُرى قبره

وكربلا كلّ مكانٍ يُرى

فللمجالس تأثير قبّة الحسينعليه‌السلام في إجابة الدعاء.

السابعة: أنّه معراج للباكي، فإنّه محلّ نزول صلوات الله تعالى، والرحمة الخاصة من الله تعالى بمغفرة الذنوب، ورفع الدرجات.

فإذا تحقّق ذلك لباك واحد أو لمتباك واحد من أهل مجلس عام لرجونا السراية للجميع من حيث إنّ المجلس كصفقة واحدة.

الثامنة: أنّه قال لمجالس شريفة لا مجلس واحد أقدم منها، ولا أفخر ولا أخصّ منها، ولا أجلّ منها، ولا أعزّ منها، فحبّذا مجلس يكون معطوفاً على تلك المجالس وداخلاً في عدادها، وسنذكرها مفصّلة.

المقصد السابع: في خواص البكاء من حيث الصفات

وهي ثمان :

الأولى: أنّه صلة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الثانية: أنّه إسعاد للزهراء (سلام الله تعالى عليها) ؛ فإنّها تبكيه كلّ يوم، وقد قال الصادقعليه‌السلام : (( أما تحبّ أن تكون فيمَنْ يسعد فاطمةعليها‌السلام ؟ )).

الثالثة: أنّه أداء لحقّ الرسول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ففي الرواية أنّ الباكي قد أدّى حقّنا.

الرابعة: أنّه نصرة للحسينعليه‌السلام ؛ فإنّ النصرة في كلّ وقت بحسبه.

الخامسة: أنّه أُسوة حسنة بالأنبياء (صلوات الله تعالى عليهم)، والملائكة


وجميع عباد الله تعالى المخلصين.

السادسة: أنّه أجر الرسالة ؛ فإنّه من المودّة في القربى.

السابعة: أنّ تركه جفاء للحسينعليه‌السلام .

الثامنة: أنّه يُسلّي عن البكاء في كلّ مصيبة واقعة على أيّ شخص كيفما كان، قال الرضاعليه‌السلام : (( يابن شبيب، إن كنت باكياً لشيء فابكِ الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه ذُبح كما يُذبح الكبش، وقُتل معه ثمانية عشر رجلاً من أهل بيتهعليهم‌السلام ما لهم في الأرض من شبيه )).

والنكتة في جعل الإمام الحسينعليه‌السلام مذبوحاً، وجعل سائر أهل بيتهعليه‌السلام مقتولين: إنّهم إنّما ماتوا بعد الوقوع على الأرض بسبب الجراح.

وأمّا الحسينعليه‌السلام فهو وإن وقع على الأرض وهو يجود بنفسه بسبب الجراح التي كانت تكفي لقتله إلاّ إنّهم لم يكتفوا بذلك، بل ذبحوه كما يُذبح الكبش.

المقصد الثامن: في فضائل البكاء وتأثيره وثوابه

أي الأمور التي فُضّل بها على غيره من الأعمال وزاد عليها، وهي خمسة :

الأوّل: أنّه يصحّ أن يُقال للمتّصف بها: صلّى الله عليك، وصلوات الله عليك.

ففي الرواية النبويّة، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ألا وصلّى الله على الباكين على الحسين رحمة وشفقة )) وهذا يحتمل الإخبار والدعاء، وأي ما كان فالمطلوب ثابت.

الثاني: أنّه قد يبلغ فضله إلى فضل أصعب الأعمال وأحمزها.

وهو ذبح الولد قرباناً لله تعالى، ويظهر ذلك من رواية عن الرضاعليه‌السلام ، وفيها: إنّ إبراهيم النبيعليه‌السلام لمّا ذبح الكبش فداء تمنّى أن يذبح ولده لينال أرفع الدرجات، فأوحى الله تعالى إليه بواقعة الحسينعليه‌السلام في كربلاء، فجزع وجعل يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: (( قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب )).

ومعنى قولنا: قد يبلغ، أنّ كلّ واحد لا يبلغ بذلك هذه المرتبة العظيمة


إلاّ مَنْ كان إعزاز الحسينعليه‌السلام عنده كإعزازه عند إبراهيمعليه‌السلام .

والوجه في هذا القيد أنّ في تلك الرواية: (( يا إبراهيم مَنْ أحبّ خلقي إليك ؟ قال: يا ربّ، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمّد (صلواتك عليه وآله) فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم هو أحبّ إليك أم نفسك ؟ قال: بل هو أحبّ إليّ من نفسي قال تعالى: فولده أحبّ إليك أم ولدك ؟ قال: بل ولده قال الله سبحانه: فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال: ذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبي فأوحى الله تعالى إليه عند ذلك بواقعة الطفّ فجزع لها، فأوحى الله تعالى إليه: قد فديت بمقدار إعزازك إيّاه )).

فافهموا يا أيّها الذين يجدون في أنفسهم أنّ الحسينعليه‌السلام أعزّ من ولدهم، وأنّ ذبحه على ما حكاه الله لخليله من أنّه يُذبح كما يُذبح الكبش ظلماً أوجع لقلوبهم من ذبح أعز أولادهم قرباناً لله تعالى فابشروا لأنّكم إذا جزعتم على الحسينعليه‌السلام فلكلّ جزع ثواب ذبح ولد قرباناً لله تعالى.

الثالث: أنّه لا حدّ له من حيث القلّة، ولكلّ عمل أقل مسمّى لا يتحقّق بدونه، ولا حدّ لثوابه من حيث الكثرة.

الرابع: وهو من العجائب، إنّه إذا لم يتحقّق في الخارج، ولكنّ تشبّه به حصل ثوابه، يعني إذا لم يتحقّق البكاء عنده فليتباك: أي يشبّه نفسه بمَنْ يبكي.

فلينكّس رأسه مثلاً، ويظهر صوت البكاء، وعلامات الرقّة والتأثّر فيحصل له الثواب، وذلك حين يتحقّق التباكي لله تعالى، لا أن يفعل ذلك ليرائي به الناس، فالتباكي هو عمل يشترط فيه الخلوص أيضاً.

الخامس: أنّه فائق على جميع أقسام الإيمان والأعمال الصالحات من جهات عديدة، قد ذكرنا بعضها وسنبيّن بعضها في العناوين الآتية إن شاء الله تعالى.

المقصد التاسع: في خواص البكاء لنيل الأجر والثواب

وهي على أنواع :


النوع الأوّل: ما يتعلّق بالنجاة من العقاب والأهوال

وتفصيله في أمور :

الأمر الأوّل: خروج الروح عقبة عظيمة وهول شديد وعذاب أليم

قال الإمام عليعليه‌السلام : (( وإنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تُستغرق بصفة، أو تعتدل على عقول أهل الدنيا )) والبكاء على الحسينعليه‌السلام يُنجي منه ؛ فإنّ الصادقعليه‌السلام قال لمسمع بن عبد الملك: (( يا مسمع، أنت من أهل العراق، أما تأتي قبر الحسينعليه‌السلام ؟ )) قلت: لا ؛ لأنّ أعدائي النواصب كثيرون، فأخاف أن يرفعوا حالي عند الوالي فيمثّلون بي.

قالعليه‌السلام : (( أفما تذكر ما صُنع بالحسينعليه‌السلام ؟ )) قلت: نعم قالعليه‌السلام : (( أفتجزع ؟ )) قلت: أي والله وأستعبر، ويرى أهلي أثر ذلك عليّ، وامتنع من الطعام قالعليه‌السلام : (( أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك، ووصيّتهم ملك الموت بك ما تقرّ به عينك )).

آه ! يا الله، فارزقنا ذلك، وهنّئنا يا الله ربّنا.

الأمر الثاني: مشاهدة ملك الموت هول شديد، وعقبة عظيمة مخوفة موحشة، خصوصاً لأهل المعصية.

والبكاء على الحسينعليه‌السلام يُنجي من هذا ؛ فإنّ الصادقعليه‌السلام قال، بعد ذلك القول لمسمع،: (( فملك الموت أرق عليك [ وأشدّ رحمة لك ] من الأُمّ الشفيقة على ولدها )) فهل تكون رؤية الأُمّ الشفيقة موحشة ؟

الأمر الثالث: النزول في القبر عذاب أليم، ومصيبة عظيمة، وعقبة مهولة ؛ ولذا يستحبّ أن ينقل الميت بثلاث دفعات ليأخذ اُهبته.

والبكاء على الحسينعليه‌السلام يُنجي من ذلك ؛ لأنّه قد ورد في الروايات الكثيرة أنّ السرور الذي تدخله في قلب المؤمن يخلق الله تعالى منه مثالاً حسناً ليتقدم على الشخص في القبر ويتلقاه، فيقول له: أبشر يا ولي الله بكرامة من الله تعالى ورضوان ويؤمنه ويؤنسه حتّى ينقضي الحساب.

فإذا أدخلنا السرور على قلب نبي المؤمنين (صلوات الله تعالى عليه وآله)، وعلى قلب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وعلى قلب الزهراء فاطمةعليها‌السلام ، وعلى قلب المجتبى الحسنعليه‌السلام ، وعلى قلب سيد الشهداء الحسينعليه‌السلام ببكائنا، وسررناهم بذلك فإنّهم قد قالوا: إنّ ذلك صلّة منكم


لنا وإحسان وإسعاد، فكيف يكون حسن صورة المعاد الذي يُخلق من سرورهم ؟! وكيف يكون جمال صورة خُلقت من صفاتهم تلقانا عند دخول قبرنا وتؤنسنا ؟!

الأمر الرابع: البقاء في القبر والبرزخ عذاب أليم، ومصيبة عظيمة، وعقبة مهولة، أوَ ما سمعت ما نقله أمير المؤمنينعليه‌السلام عن لسان حال أهل القبور، كلّ آن: (( وَتَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وَتَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَلا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً )) إلخ ؟

والبكاء على الإمام الحسينعليه‌السلام يُفرح الباكي عند الموت فرحة تبقى في قلبه إلى يوم القيامة.

الأمر الخامس: الخروج من القبر مصيبة عظيمة، وهول عظيم، وعقبة مهولة، قد أبكى سيّد الساجدينعليه‌السلام .

فكان يبكيعليه‌السلام ويقول: (( أبكي لخروجي من قبري عريانَ ذليلاً، حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرّة عن يميني، وأُخرى عن شمالي، إذ الخلائق في شأن غير شأني، وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غَبَرة، ترهقها قَتَرة وذلّة )).

والبكاء على الإمام الحسين الشهيد (صلوات الله تعالى عليه)، يوجب الستر والعفّة، وخفّة الظهر من الثقل، فإذا كان الخوف من كون الوجه عليه غَبَرة، ترهقه قَترة وذلّة فقد ورد في الباكي على الحسينعليه‌السلام أنّه يخرج من قبره والسرور على وجهه، والملائكة تتلقّاه بالبشارة لِما أعدّ الله تعالى له.

الأمر السادس:( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) ، وهي الداهية العظمى، ولها مواطن ومواقف وحالات وشدائد، ولها أسماء عدّة على حسب الحالات التي فيها.

فهي القيامة في حالة، والغاشية في أُخرى، والساعة في حالة، والزلزلة في أُخرى، والحاقّة في صفة، والقارعة في أُخرى، وهي يوم الفصل في حالة، ويوم الدين في أُخرى، ويوم العرض الأكبر، ويوم الحساب، وهي الطامة الكبرى، وهي الصاخة، وهي الواقعة، وهي يوم


الفرار، وهي يوم البكاء، ويوم التناد، ويوم التغابن، وهي يوم الآزفة، وهي يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، ولا يسأل حميم حميماً.

والخلاص من كلّ هذه العقبات والمواقف يحتاج إلى أعمال وصفات، وأحوال وأخلاق ومجاهدات صعبة، وبذل للنفوس والأموال، وتهجّدات وعبادات، وترك للراحة، وزهد في الدنيا.

والبكاء على الحسينعليه‌السلام يجيء بكلّ هذا، فإنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لفاطمة الزهراءعليها‌السلام لمّا سألته عمّن يبكي على ولدها الإمام الحسينعليه‌السلام ومَنْ يُقيم عزاء له فأخبرهاصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لها: (( إنّه إذا كان يوم القيامة فكلّ مَنْ بكى على مصائب الحسينعليه‌السلام أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة )).

فمَنْ أخذ بيد رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تقرعه القارعة، ولا تطّمه الطامة، ولا تجري عليه تلك الصفات، فهو ضاحك ولا تكون القيامة يوم بكائه.

وهو مستبشر بنعيم الجنّة ليست القيامة يوم حزنه أو خوفه، وهو آمن في يوم الفزع الأكبر، وهو مرتاح في يوم التغابن، وهو في مجمع الحسينعليه‌السلام فلا يكون كالفراش المبثوث.

والحسينعليه‌السلام يتفقّد حاله فهو ذلك الحامي الحميم يسأل عن الباكي عليه والموالي، والمتّبع له والمحبّ والصادق معه، والمتعب نفسه لأجله قربة لله تعالى، والخادم لهعليه‌السلام إلخ فهوعليه‌السلام يسأل عليه وعن أحواله ؛ رحمة من ربّ العالمين.

الأمر السابع: قراءة الكتب عند الحساب هول عظيم ؛ فإنّ إمام المتقين وسيد الصدّيقين علياًعليه‌السلام كان يخرج إلى البراري في نصف الليل فينوح ويبكي عند تصوّر هذه الحالة، ويقول: (( آه ! إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنت محصيها وأنا ناسيها، فتقول: خذوه فيا له من مأخوذ لا تُنجيه عشيرته ! )) فيبكي ويتململ تململ السليم(١) حتّى يقع مغشياً عليه (صلوات الله تعالى عليه) كالخشبة اليابسة.

والبكاء على الحسينعليه‌السلام ينفع عند قراءة الصحف، ونداء اقرأ كتابك ؛ فإنّ الباكين عليهعليه‌السلام يكونون في ظلّ العرش مشغولين بحديث إمامهم الحسينعليه‌السلام ، والناس في الحساب.

الأمر الثامن: العبور على الصراط هول عظيم، ولا بدّ من المرور عليه ؛ فإنّه( كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً ) ، والناس يمرّون عليه مختلفين فمنهم كالبرق، ومنهم حبواً سالماً، ومنهم الواقع في النار عند العبور عليه، والناس يتهافتون

____________________

(١) أي الملدوغ.


فيه كتهافت الفراش(١) ، مع أنّ النبي المصطفى (صلوات الله تعالى عليه وآله) واقف يستغيث بالله (عزّ وجلّ): (( يا ربّ سلّم سلّم )) لكن الباكي على الحسينعليه‌السلام يأخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده فيعبره وينجيه من عقباته كما في الروايات المعتبرة

الأمر التاسع: الأخذ إلى جهنم أعظم الأهوال، وأشدّ أفراد العقبات، وهو الفزع الأكبر والبكاء على الحسينعليه‌السلام يدفعه، كما في الروايات المعتبرة.

الأمر العاشر: الوقوع في النار أعظم البليات، وأفظع العقوبات، وهو ممّا لا تقوم له السماوات والأرض لكن البكاء على الإمام الحسين الشهيدعليه‌السلام يُنجي منه، والقطرة منه مطفئة لحرّها، كما في الرواية وهو كناية عن خروج الباكي المستحق للنار منها.

النوع الثاني: ما يتعلّق بتكفير الخطيئات.

وفي الروايات الكثيرة: أنّ القطرة تكفّر ما كان بقدر زبد البحر وعدد النجوم.

النوع الثالث: ما يتعلق بحسن الحالات.

ولا حالة أحسن من أن يُنال دعاء النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والوصي المرتضى علي، والزهراء البتول، والحسن والحسين (عليهم‌السلام أجمعين)، وهذه حالة تحصل بالبكاء على الحسين الغريب الشهيدعليه‌السلام .

النوع الرابع: ما يتعلّق بحصول أجر الجنّات.

وقد ورد في الروايات أنّ أجر كلّ قطرة أن يبوئه الله تعالى بها الجنّة حقباً، كناية عن الدوام والخلود.

النوع الخامس: ما يتعلّق برفع الدرجات.

ولا درجة أعلى من درجة أفضل المخلوقات، وأهل بيته الأئمّة الهداة (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين).

وقد ورد في الباكي على الإمام الحسينعليه‌السلام أنّه يكون معهم في درجتهم، وإلى مثل ذلك فليرغب الراغبون، وليتنافس المتنافسون، ولنستبق إلى الخيرات هذه الواضحة الطريق.

ولنختم المقصد بالأمور التي تُنال به ؛ فإنّه لا مقصد أعلى منه، وهو غاية المسؤول، ونهاية المأمول.

المقصد العاشر: في خواص العين الباكية التي جرى منها الدمع

وهي أمور تظهر من الروايات :

____________________

(١) الفَرَاش (بالفتح): جمع فراشة، وهو صغار البق يتهافت على النار.


الأوّل: أنّها أحبُ العيون إلى الله تبارك وتعالى.

الثاني: أنّ كلّ عين باكية يوم القيامة لشدّة من الشدائد إلاّ عين بكت على الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنّة.

الثالث: أنّ تلك العين لا بدّ أن تنعم بالنظر إلى الكوثر، لا أن تنظر فحسب وإلاّ فكلّ شخص ينظر إلى الكوثر.

الرابع: أنّ العين تصير محلّ مسّ الملائكة ؛ فإنّهم يأخذون الدمع منها كما جاء في الأحاديث.

المقصد الحادي عشر: في خواص الدمع الجاري في عزاء الحسين الشهيدعليه‌السلام

وهي خمس، مجموعة من الروايات :

الأولى: أنّها أحبّ القطرات إلى الله تعالى كما في الرواية.

الثانية: أنّ قطرة منها لو سقطت في جهنم لأطفأت حرّها.

الثالثة: أنّ الملائكة لتلقى تلك الدموع وتجمعها في قارورة.

الرابعة: أنّها تُدفع إلى خزنة الجنان فيمزجونها بماء الحيوان الذي هو من الجنّة في عذوبته ألف ضعف.

الخامسة: أنّه لا تقدير لثوابها، فكلّ شيء له تقدير خاصّ إلاّ أجر الدمعة.

المقصد الثاني عشر: في خاتمة المقاصد

و‘ذا سمعت هذه الكيفيات والخواص العجيبة مع العلاوة التي وردت في الرواية: من أنّ لكلّ شيء ثواباً إلاّ الدمعة فينا.

أي لم يُبيّن بعد ثوابها إذ لا حدّ يذكر لها، فلا تتعجّب ولا تستكثر هذا المقدار الكثير من الثواب والخواصّ والفضائل على هذا العمل القليل ؛ فإنّ هذا في الحقيقة ليس عطاءً لهذا الباكي على هذه القطرة من حيث هي هي، بل عطاء للحسينعليه‌السلام على ما بذله.

ولا تستكثر منه ذلكعليه‌السلام ؛ فإنّك قد سمعت في أخبار أسخياء الملوك أنّهم بذلوا على خدمة جزئية، أو على مدحهم بقصيدة ما بقي أعجوبة الدهر.

فقد أعطى معن بن زائدة مئة ألف درهم لِمَنْ مدحه ببيت واحد، وهو قوله :

أيا جودُ معنٍ ناج معناً بحاجتي

فمالي إلى معنٍ سواك شفيعُ(*)

____________________

(*) ورد البيت هنا بغير هذا النحو، وفيه خلل عروضي، وما أثبتناه من ثمرات الأوراق في المحاضرات ـ لابن حجة الحموي (موقع معهد الإمامين الحسنين).


ثمّ ضعّفه في اليوم الثاني، ثمّ ضعّفه في اليوم الثالث، ثمّ أرسل إليه في اليوم الرابع، فقالوا: إنّه فرّ خوفاً من أن تستردّ عطيتك.

فقال: لو بقي لصرفت جميع خزائني في عطائه، فإذا أعطى معن بن زائدة خزائنه كلّها التي لا يملك سواها، وهو فقير إليها لِمَنْ مدحه ببيت شعر لساناً لا قلباً، فكيف لا يُعطي مَنْ لا تنفذ خزائنه، ولا تزيده كثرة العطاء إلاّ كرماً وجوداً مثل ذلك لِمَنْ بذل فيه روحه وجسده، ويده ورأسه وجميع جوارحه، وأوصاله وأعضاءه، وأولاده وراحته وحياته ؟ وهو مع ذلك مكروب عطشان، ومتحيّر في أمور عياله وأطفاله ونسائه، والجروح متواترة عليه من السنان واللسان، والسهام والشتم والسيوف، والسبّ والأحجار، والرضّ والطعن، والغدر والضرب، وانتهاك حرمه وحرق خيامه.

وحكي أيضاً أنّ معشوقة هشام واسمها خالصة أعطت جميع حليّها والجواهر المتزيّنة بها لشاعر بدّل حرفاً من حروف الهجاء، فبدّل هجائها بمدحها في قوله: كما ضاع درّ على خالصة

فقال قلت: كما ضاء درّ على خالصة

فإذا أعطت خالصة جميع ما تملك وأعز أموالها لتبديل حرف، فكيف عطاء خالق الخلق والسماوات والأرض ؟! وهو الأجود من كلّ جواد لِمَنْ بذل جميع وجوده في سبيله تبارك وتعالى ؟

فإذا أعطى الله تعالى الحسينعليه‌السلام خاصّة كلّ ما يُتصور، وكلّ ما يمكن أن يُعطيه لأحد، فلا غلوّ ولا عجب ولا تنكر شيئاً مثل ذلك من عطاء الله (عزّ وجلّ) ؛ فإنّ في ذلك تبخيلاً للجواد، وكسراً لقلب الزهراء البتولعليها‌السلام كما يظهر من الرؤيا التي رآها السيد علي الحسيني ورواها المجلسي وغيره(١) .

وفي ذلك تنقيص لقدر الحسينعليه‌السلام ، وتقليل لأجر الحسين (صلوات الله تعالى عليه)، فكلّ ذلك من أجر الحسين الشهيد الغريبعليه‌السلام ؛ فإنّك إذا تأثر قلبك، وجرت دمعة من عينك لأنّ الحسين إمامك قد اُزعج من وطنه، فالأجر الذي يُعطى لك على ما وصفناه ليس أجراً لدمعتك حتّى تستكثر، إنّما هو أجر لكيفية إزعاجه التي اختصّ بهاعليه‌السلام حيث اُزعج وشُرّد من كلّ مكان في الدنيا، حتّى إنّهم لم يدعوا رأسه المقطوع ولا جسده المطروح أن يستقرّا.

____________________

(١) في منتخب الطريحي / ٣٦٦، وبحار الأنوار ٤٤ / ٢٩٣.


وإذا تأثر قلبك لأنّه عطشان وجرت دمعة من عينك فالأجر الذي يُعطى لك ليس أجر جريان دمعة، ولا أجر عطشه وإنّما هو أجر تفتت كبده، وجرح لسانه من اللوك، وذبول شفتين طالما قبّلهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وللحيلولة بينه وبين الماء فكانت السماء كالدخان من العطش. مضافاً إلى نار أحرقت قلبه حين قالوا: لا نسقيك حتّى ترد الحامية وتشرب من حميمها. وهذا هو حال ما روي من أنّ الدمعة لو سقطت في جهنم لأطفأت حرّها، فإنّ الأجر إنّما هو على احتراقه لا على دمعتك. كذا إذا تأثر قلبك على كثرة الجروح في أعضائه فدارت دمعة في عينك، فإنّ الأجر الذي يحصل لك إنّما أجر الجروح الواردة على جروح سابقة. بل الجرح على الجرح والطعنة على الطعنة، والضربة على الضربة، والرضّ بعد الرضّ إلخ، فإنّ بدناً طوله سبعة أشبار إذا صار صدره هدفاً لأربعة آلاف سهم وبضعة وسبعين رمحاً، لا يكون إلاّ كذلك، فلتجرِ الدماء بدل الدموع، ولتُقرح العيون حرى على الحسين الشهيدعليه‌السلام . كما إنّ أجر تأثر قلبك على قتله صبراً، وأجر فيض الدموع من عينك، إنّما هو أجر له لا لمجرد قتله ولا لأجل أنّه ذُبح كما يُذبح الكبش، بل لأنّهعليه‌السلام ذُبح بالضرب بالسيف كما يُذبح الكبش بالجر على نحره، فيا لها من مصيبة ما أعظمها في السماوات والأرضين، يا الله. وأخيراً هناك ملاحظة من اللازم تبيانها وهو أنّه قد مرّ أنّ أعداء الإمامعليه‌السلام بكوا عليه وجرت منهم الدموع، ولكن ليس هذا بنافعهم في شيء، أو منجيهم من عذاب محتوم، وليس مجال كلامي الآن ما هو منشأ تلك الدموع وهم القساة الطغاة. ولكن أقول: إنّ القران الكريم وهو الثقل الأكبر يخبرنا أنّه لا يزيد الظالمين أو المكذّبين أو ما شابه إلاّ خسارة وبعداً عن الله تعالى وضلالاً، وهكذا أيضاً الحال مع دموع وبكاء هؤلاء المنافقين العتاة، والحمد لله ربّ العالمين.

انتهى العنوان السادس

العنوان السابع

في خصوصيات زيارته التي هي أعظم الوسائل الحسينيّة

وهي تُذكر في أبواب: الباب الأوّل: في فضائلها الخاصة، وهي من جهات عديدة.

الباب الثاني: في فضيلة خاصة تُذكر وحدها مستقلة لامتيازها.

الباب الثالث: في الصفات الخاصة الحاصلة للزائرين.

الباب الرابع: في صفة خاصة للزائرين، تُذكر وحدها لامتيازه.

الباب الخامس: في أحكامها الشرعية. الباب السادس: في شروطها وآدابها الشرعية.

الباب السابع: في الآثار المترتّبة على تركها.

الباب الثامن: في زياراته المخصوصة بالأوقات.

الباب التاسع: في الأبدال المجعولة بالأوقات.


الباب التاسع: في الأبدال المجعولة لزيارته لطفاً من الله.

الباب العاشر: في الخطابات المخصوصة به في الزيارات.

الباب الحادي عشر: في بيان زوّاره قبل شهادته.

الباب الثاني عشر: في بيان زوّاره بعد شهادته.

الباب الأوّل: في فضل الزيارة الخاصة

وهي من إحدى عشرة جهة :

الجهة الأولى: الجامعية

اعلم أنّ الله سبحانه قد اقتضت حكمته البالغة أن يكلّف عباده بأعمال خاصة ؛ واجبات، ومندوبات، لها في حصول التقرب إليه آثار خاصة، نحو الأغذية للأبدان بالنسبة إلى طعومها وخواصها فلا يغني أحدها عن الآخر ؛ ولذا ذكر بعض المحقّقين أنّه لا ينبغي أن يطلب الإنسان الأفضل من العبادات المندوبة ويقتصر عليها ؛ لفوات الخصوصيات.

وقد خصّ هذه الطاعة بأن جمع لها خواص كلّ عبادة واجبة ومندوبة، قولية وفعلية، بدنية وقلبية وإن لم يسقط التكليف بواجباتها فإنّ ذلك أمراً آخر.

أمّا الصلاة التي هي أفضل الأعمال وعمود الدين فحصولها بطريقين :

الأوّل: ما يتحصّل من الصلوات عند قبره إذا زرته، وتضاعفها بلا نهاية.

الثاني: ما يحصل بصلوات سبعين ألفاً من الملائكة، الذين تعدل صلاة كلّ واحد منهم صلاة ألف من الآدميين، كما في الروايات ؛ فإنّهم يصلّون عند قبره، وثواب صلاتهم للزائرين له.

وأمّا الزكاة: فإنّه يحصل له بكلّ زيارة ثواب ألف زكاة متقبلة، كما في الرواية.

وأمّا الحج: الذي هو أفضل الأعمال حتّى من الصلاة، فإنّ فيه صلاة أيضاً، وقد ورد إنّها حجّة واحدة واثنتان، وعشر وعشرون، واثنتان وعشرون، وثمانون ومئة، ومئة وألف، وكلّ خطوة بحجّة، وكلّ رفع قدم بعمرة.

وفي رواية بشير الدهان في زيارة عرفة: ( إنّ الرجل منكم ليغتسل على شاطئ الفرات ثمّ يأتي قبر الحسينعليه‌السلام عارفاً بحقّه فيعطيه الله تعالى بكلّ قدم يرفعها ويضعها مئة حجّة مقبولة، ومئة عمرة مبرورة ).

وقد زادت هذه المعادلة في بعض الروايات بكون الحجّة مع رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففي بعضها حجّة مع


الرسول مقبولة زاكية وفي بعضها اثنتان كذلك، وبعضها عشر، وفي بعضها ثلاثون مع الرسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله متقبّلة زاكية، وفي بعضها خمسون معه، وفي بعضها مئة معهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قد زادت المعادلة زيادة أعجبت العقول، وهي أنّها تبلغ حجّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه، لا الحجّ معه، لا واحدة من حججهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقط بل أزيد، وذلك في رواية عائشة وقد ذُكرت سابقاً، وفي آخرها قال المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( مَنْ زاره كتب الله له تسعين حجّة من حججي بأعمارها )).

وهذا الاختلاف محمول على اختلاف مراتب الزائرين بحسب قوّة إيمانهم، ودرجات معرفتهم بالله (عزّ وجلّ) وبحقّ النبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليه‌السلام ، وبحقّ الحسينعليه‌السلام بالخصوص، ومقدار اليقين بفضيلته وخصائصه التي من جملها خصوصية قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( وأنا من حسين )).

فيتفرّع على ذلك ببعض الوجوه أنّ زيارته تعادل حجّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعلّ من جملة الوجوه أنّ زيارته تعادل حجّ النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعلّ من جملة الوجوه للمعادلة بحجّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الزائر إذا توجّه إليه شوقاً وحبّاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد حجّ البيت الحقيقي لله تعالى بقلب يناسب قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حبّه، ويرتبط به لذلك.

فإذا حضر عند قبره، أو وجّه قلبه إليه من بُعد البلاد، وزاره بكربة قلبه لِما جرى عليه فكأنّه قد قصده بقلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا كان قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يرقّ عليه حين يركب على ظهره وهو ساجد، وينزل من على ظهره برفق إلى الأرض ؛ فليتصوّره زائره حين يقع الحسينعليه‌السلام على الأرض بضربة رمح من صالح بن وهب المزني، وليجبر قلبه بسلامه عليه، ويتحفه بذلك، فيكون كقصد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاه كذلك.

وحيث إنّ الحسينعليه‌السلام أعظم وأكرم على الله تعالى من البيت بفضيلة تصل إلى التسعين، وبتفاوت درجات الإيمان، والوقوف على التسعين من الأسرار التي خُصّت بالنبي (صلوات الله تعالى وسلامه عليه).

وأمّا الصدقة، فإنّ في زيارته ثواب ألف صدقة مقبولة، كما في الرواية الصحيحة.

وأمّا الصوم، فإنّ في زيارته ثواب ألف صائم، كما في الحديث الصحيح.

وأمّا الإعانة في سبيل الله تعالى فإنّ مَنْ زاره يكون كمَنْ حمل على


ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة.

وأمّا الجهاد والغزو، فإنّ في زيارته أجر ألف شهيد من شهداء بدر، بل ويحصل منها التشحط بدمه في سبيل الله.

وأمّا العتق، فإنّ في ثواب زيارته عتق ألف نسمة اُريد بها وجه الله، وقد ورد أنّ مَنْ زار قبر الحسينعليه‌السلام ماشياً كتب الله بكلّ قدم يرفعها وكلّ قدم يضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل.

وأمّا الذكر والتسبيح، فقد ورد أنّ الله يخلق من عرق زوّار الحسينعليه‌السلام كلّ عرقة سبعين ألف ملك يُسبحون الله ويُقدّسونه، ومنها التسبيح والتهليل والذكر بغير ذلك، وفي زيارة الحسينعليه‌السلام إدراك ثواب الذاكرين لله تعالى من الملائكة المقرّبين.

ومنها: الصلّة للرحم والإحسان إلى أهل الإيمان، وزيارته صلّة لرحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو الوالد الحقيقي، وإحسان إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من وُلد الحسينعليه‌السلام ، وإحسان إلى الحسينعليه‌السلام الذي هو الإحسان.

ومنها: الإطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة إذا زرته بقولك: السّلام على المطروح بالعراء.

ومنها: الزيارة للمؤمن، والسّلام عليه وإكرامه ولو بمتكأ، أو مجلس، أو تعظيم، وهذا سيد المؤمنين وزيارته إتحاف له بتحفة المحبة والتعظيم.

ومنها: القرض له قرضاً حسناً وقد سمّى الله تعالى القرض للمؤمن المضطر قرضاً لله، فإذا أقرضت إمام المؤمنين المضطر الغريب عن الوطن، والذي هجره الناس كلّهم عن كلّ شيء، حتّى بقي جسده لا يقربه أحد، بقصدك إليه، وإلى قربه وزيارته، فهذا أعظم قرض لله، وما أدري كيف يُضاعفه الله وماذا يبلغ الأجر الكريم الذي وعده لقرضه قرضاً حسناً.

ومنها: عيادة المريض وقد جعل الله عتاب تركها أن يقول لتاركها: عبدي قد مرضت ما عدتني، وزيارة الحسينعليه‌السلام إذا تأمّلت في حقيقتها فهي عبادة، وليست عيادة مريض أُصيب بحمّى أو بصداع لتتفقد حاله، وإنّما هي عيادة لجريح عطشان، لا بل عيادة لمكروب لهفان، لا بل عيادة للمرضضة أعضاؤه ،


وقد ذكرت الزهراء (عليها السّلام هذا المضمون في زيارتها له وهي على قبره في الرؤيا الصحيحة :

أيّها العينان فيضا

واستهلاّ لا تغيضا

وابكيا بالطفّ ميتاً

ترك الصدرَ رضيضا

لم أمرّضهُ قتيلاً

لا ولا كانَ مريضا

فإذا قصدته عند قبره فاقصد عيادته فكأنّك مرّضته قتيلاً، وعدته مطروحاً، وإذا دخلت روضته ترى ذلك في تأثيرات النظر إلى قبره الشريف.

ومنها: التجهيز للمؤمن خصوصاً الغريب: وفضله لا يُحصى، وزيارة قبر الحسينعليه‌السلام تشييع للجنازة المطروحة، وغسل وتكفين للبدن العاري، ودفن في القلب، فتُحصّل له قبراً باطناً إذا توجهت إليه عند قبرهعليه‌السلام .

ومنها: إدخال السرور في قلب المؤمن: الذي هو أفضل الأعمال وهو المثال عند جميع الأهوال، وقد ورد في زيارته عن الصادقعليه‌السلام : (( لو يعلم زائر الحسين ما يدخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وما يصل إليه من الفرح، وإلى أمير المؤمنين وإلى فاطمة وإلى الأئمّةعليهم‌السلام والشهداء منّا أهل البيت، وما يُصيب من دعائهم له في ذلك من الثواب في العاجل والآجل، والمذخور له عند الله تعالى، لأحبّ أن يكون ما ثمّ داره )).

بيان: قوله: ما ثمّ داره (بالثاء المثلثة أو بالتاء المثناة)، ومعناه على الأخير ما تمّ في داره، يعني ما استقر في داره.

ومنها: زيارة الحسينعليه‌السلام .


ومن العجائب أنّه تحصل بزيارة الحسينعليه‌السلام زيارة الحسينعليه‌السلام ، بل بزيارته مرّة زياراته إلى يوم القيامة، وذلك في رواية صحيحة عن صفوان سنذكرها بعد ذلك.

الجهة الثانية: انقسام الخواصّ والفضائل على حالات الزائر ؛ فإنّ زائره ينال في كلّ حالة من حالاته فضيلة تفوق الفضائل، وقد جمعت من الأحاديث الصحيحة المعتبرة وهو ست عشرة فضيلة :

في ست عشرة حالة :

الأوّلى: إذا همّ بزيارته: قال الصادقعليه‌السلام : (( إنّ لله ملائكة موكّلين بقبر الحسينعليه‌السلام ، فإذا همّ الرجل بزيارته أعطاهم الله ذنوبه، فإذا خطا محوها، ثمّ إذا خطا ضاعفوا له حسناته، فلم تزل حسناته تضاعف حتّى توجب له الجنّة، وإذا اغتسل حين همّ بزيارته ناداه محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا وافدا لله تعالى أبشر بمرافقتي في الجنّة، وناداه علي المرتضىعليه‌السلام أنا ضامن لقضاء حوائجكم، واكتنفا عن يمينه وشماله حتّى ينصرف )) هذا لفظ الرواية عن الصادقعليه‌السلام .

الثانية: إذا أخذ في جهازه تباشر به أهل السماء.

الثالثة: إذا أنفق في جهازه يعطيه الله تعالى بكلّ درهم أنفقه مثل أُحد من الحسنات، ويخلف عليه أضعاف ما أنفق، ويصرف عنه من البلاء ممّا قد نزل ليصيبه.

وفي رواية ابن سنان يجبّ لهم بالدرهم ألف وألف وألف حتّى عدّ عشرة، ثمّ قال: ورضا الله خير له، ودعاء محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمير المؤمنين ودعاء الأئمّةعليهم‌السلام خير له.

الرابعة: إذا خرج من منزله شيّعه ستمئة ملك في جهاته الست.

الخامسة: إذا مشى لا يقع قدماه على شيء إلاّ دعا له، فإذا خطا كان له بكلّ خطوة خطاها ألف حسنة، وإذا كان في سفينة وانكفأت بهم نودوا ألا طبتم وطابت لكم الجنّة، وإذا رفعت دابته يدها كان له


بكلّ يد رفعتها ألف حسنة.

السادسة: إذا أصابته الشمس أكلت ذنوبه كما تأكل النار الحطب، كما عن الصادقعليه‌السلام .

السابعة: إذا عرق من الحرّ أو التعب، فقد روي في المزار الكبير: أنّه يخلق من عرق زوّار الحسينعليه‌السلام في كلّ عرقة سبعون ألف ملك يسبّحون الله ويستغفرون لزوّار الحسينعليه‌السلام إلى أن تقوم الساعة.

الثامنة: إذا اغتسلوا بماء الفرات للزيارة تساقطت ذنوبهم، ثمّ ناداهم محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يا وافداً لله تعالى، أبشر بمرافقتي في الجنّة )) ثمّ ناداهم علي أمير المؤمنينعليه‌السلام : (( أنا ضامن لقضاء حوائجكم ورفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة )).

التاسعة: إذا مشى بعد الغسل كتب الله تعالى له بكلّ قدم يرفعها أو يضعها مئة حجّة مقبولة، ومئة عمرة مقبولة، ومئة عزوة مع نبي مرسل إلى أعدى عدوّ له.

العاشرة: إذا دنا من كربلاء استقبلته أصناف الملائكة، منهم الأربعة آلاف جاؤوا لنصرته يوم عاشوراء، ثمّ اُمروا بمجاورة قبره، ومنهم سبعون ألفاً، ومنهم أعداد اُخر، قد ذكرنا تفصيلها في عنوان ما يتعلّق بالملائكة.

الحادية عشرة: إذا زار القبر نظر إليه الإمام الحسينعليه‌السلام ثمّ دعا له، ثمّ يسأل أباه وجدّه أن يستغفروا له، ثمّ تدعوا له الملائكة، ثمّ يدعو له جميع الأنبياء والرسل، ثمّ يكتب له جميع ما ذكرنا من ثواب مجموع العبادات، ثمّ تصافحه الملائكة، ثمّ يوسم بوجهه من نور العرش، هذا زائر ابن خاتم الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيد الشهداءعليه‌السلام .

الثانية عشرة: إذا رجع إلى أهله شيّعته أصناف من الملائكة، فيشيّعه بالخصوص جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، ويشيّعه الأربع آلاف، ويشيّعه السبعون ألفاً، ويشيّعه بالخصوص ملكان، فإذا انصرف ودعّاه وقالا له: يا ولي الله مغفور لك، أنت من حزب الله، وحزب رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحزب أهل بيتهعليه‌السلام والله، لا ترى النار بعينك أبداً، ولا تراك ولا تطعمك أبداً، ثمّ ناداه منادٍ: طوبى لك، طبت وطابت لك الجنّة.

الثالثة عشرة: إذا مات بعد ذلك بسنة أو سنتين شهدوا جنازته، واستغفروا له بعد موته، ثمّ يزوره الحسينعليه‌السلام ،


وزيارته يمكن أن تكون أوّل الموت، أو عند وضعه في القبر ليلة الوحشة.

فيا غرباء القبور، يا أهل الوحدة فيه، يا أهل الوحشة فيه، يا مَنْ يعلم أنّه إذا خرجت روحه فلا يزوره أحد زيارة مواجهة، بل لو زارك شخص يقف عليك بفاصلة ذراعين من الطين بينك وبينه، يا مَنْ تنقطع الصلة بينه وبين الناس جميعاً فلا يراهم ولا يرونه.

إذا زرت الحسينعليه‌السلام فإنّه يجيء إليك في ذلك الوقت، مجيء مواجهة تراه ويراك، فهل تحتمل أن تبقى في قلبك ـ بعد زيارته لك وقوله لك: السّلام عليك ـ وحشة أو خوف أو كربة ؟!

وبمقدار زيارتك له وتكرارها، وشوقك إليه وتعلّقك به، وإدخال السرور على قلبه، وموالاته بصدق قولاً وعملاً، سوف يزورك ويؤنسك في وحشتك.

اللّهمّ يسّر لنا سُبل رضوانك وحبّك ومعرفتك يا كريم.

الرابعة عشر: إذا مات في طريق الزيارة، فقد ورد عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: (( تشيّعه الملائكة وتأتيه بالحنوط، والكسوة من الجنّة، وتصلّي عليه إذا كُفّن، وتكفّنه فوق أكفانه، وتفرش له الريحان تحته، وتدفع الأرض حتّى تصوّر من بين يديه مسيرة ثلاثة أميال، ومن خلفه مثل ذلك، وعند رجليه مثل ذلك، وعند رأسه مثل ذلك، ويُفتح له باب من الجنّة إلى قبره، ويدخل عليه روحها وريحانها حتّى تقوم الساعة )).

الخامسة عشرة: إذا حُبس وهو في طريقه أو ضُرب، فقد ورد في ذلك عن الصادقعليه‌السلام : (( أنّ له بكلّ يوم يحبس ويغتم فرحة إلى يوم القيامة )) قلت له: فإن ضُرب بعد الحبس في إتيانه ؟ قالعليه‌السلام : (( له بكلّ ضربة حوراء، وبكلّ وجع يدخل عليه ألف ألف حسنة، ويُمحى بها عنه ألف ألف سيئة، ويُرفع له بها ألف ألف درجة، ويكون من محدّثي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى يفرغ من الحساب، ويُصافحه حملة العرش، ويُقال له: سل ما أحببت.

ويؤتى بضاربه للحساب فلا يُسأل عن شيء، ولا يُحتسب بشيء، ويؤخذ بضبعيه أي بعضديه حتّى ينتهي به إلى ملك يحبوه أي يعطيه ويتحفه بشربة من الحميم


وشربة من الغسلين، ويوضع على جبال في النار، ويُقال: ذق ما قدّمت يداك فيما أتيت إلى هذا الذي ضربته، والمتضرر من سبيل الحسينعليه‌السلام هو وفد الله تعالى ووفد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويؤتى به إلى باب جهنم ويُقال انظر إلى ضاربك وما قد لقي، فهل شفيت صدرك ؟ وما قد اقتُص لك منه ؟ فيقول: الحمد لله الذي انتصر لي ولولد رسوله منه )).

السادسة عشر: إذا قُتل في سبيله، فقد ورد في الحديث عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: (( أوّل قطرة من دمه يُغفر له بها كلّ خطيئة، وتُغسل طينته التي منها خلق الملائكة حتّى تخلص كما خلصت الأنبياء والمخلصين، ويذهب عنها ما كان خالطها من أجناس طين أهل الكفر، ويُغسل قلبه ويُشرح صدره ويُملأ إيماناً، فيلقى الله تعالى وهو مخلص من كلّ ما تُخالطه الأبدان والقلوب، وتُكتب له الشفاعة في أهل بيته، ولألف من إخوانه، وتُولّى الصلاة عليه الملائكة مع جبرئيل وملك الموت، ويؤتى بكفنه وحنوطه من الجنّة، ويوسّع قبره عليه، وتُوضع له مصابيح في قبره، ويُفتح له باب من الجنّة، وتأتيه الملائكة بالتحف من الجنّة، ويُرفع ثمانية عشر يوماً إلى حظيرة القدس.

فلا يزال فيها مع أولياء الله تعالى حتّى تُصيبه النفخة التي لا تُبقي شيئاً، فإذا نُفخت النفخة الثانية، وخرج من قبره كان أوّل مَنْ يصافحه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام والأوصياء (صلوات الله تعالى عليهم)، ويبشّرونه ويقولون له: الزمنا، ويُقيمونه على الحوض، فيشرب منه، ويسقي مَنْ أحبّ )).

الجهة الثالثة: إنّها تخلص من الذنوب تخليصاً خاصّاً، قد عبّر عنه فيما يقرب إلى أربعين حديثاً من الصحاح المعتبرة، بأنّه يغفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وفي أحاديث اُخرى إنّه يصير كيوم ولدته أُمّه، وفي بعضها يُمحّص من الذنوب كما يُمحّص الثوب الوسخ في الماء.

ومن عجائب ذلك أنّه قد ورد في رواية أُخرى أنّ ذلك كلّه بأوّل خطوة، ثمّ يُقدّس بكلّ خطوة بعدها، ثمّ تبلغ مرتبته بأن يُناجيه الله بقوله: (( عبدي، سلني أُعطك )).


وفي رواية أنّه يجيئه ملك بعد صلاة الزيارة فيقول له: إنّ رسول الله (صلوات الله عليه وآله) يقرئك السّلام ويقول: (( قد غُفر لك ما مضى فاستأنف العمل )).

الجهة الرابعة: إنّه يصير مع ذلك سبباً لخلاص غيره أيضاً، ففي الرواية، عن سيف التمار، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: (( زائر الحسينعليه‌السلام مشفّع يوم القيامة لمئة رجل كلّهم قد وجبت لهم النار )).

الجهة الخامسة: إنّ كلّ عمل ينقطع وإن بقي ثوابه، وزيارة الحسينعليه‌السلام بحسب الوقوع أيضاً متّصلة إلى يوم القيامة لا تنقطع عن الزائر.

بيان ذلك: إنّه روى صفوان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : (( إنّ الرجل إذا خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسينعليه‌السلام شيّعه سبعمئة ملك من فوق رأسه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله ومن خلفه حتّى يبلغوا به مأمنه، فإذا زار الحسينعليه‌السلام ناداه منادٍ: قد غُفر لك، فاستأنف العمل ثمّ يرجعون معه مشيّعين إلى منزله، فإذا صاروا إلى منزله قالوا: استودعك الله تعالى فلا يزالون يزورونه إلى يوم مماته، ثمّ يزورون قبر الحسينعليه‌السلام في كلّ يوم، وثواب ذلك للرجل )).

الجهة السادسة: إنّه يُدرك بها ما يستحيل وقوعه، وهو ثواب الحجّ مع المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وذلك في روايات عديدة، ألطفها ما رواه موسى بن القاسم الخضرمي، قال: قدم أبو عبد اللهعليه‌السلام في أوّل ولاية أبي جعفر، وهو المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي، فنزل النجف، فقال: (( يا موسى، اذهب إلى الطريق الأعظم فقف على الطريق وانظر، فإنّه سيجيئك رجل من ناحية القادسية، فإذا دنا منك فقل له: ها هنا رجل من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوك فسيجيء معك )).

قال: فذهبت حتّى أقمت على الطريق، والحرّ شديد، فلم أزل مقيماً حتّى كدت أعصي وأنصرف وأدعه، إذ نظرت إلى شيء مقبل شبه رجل على بعير، قال: فلم أزل أنظر إليه حتّى دنا منّي، فقلت له: يا هذا، ها هنا رجل من ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعوك ،


وقد وصفك لي قال: اذهب بنا إليه فجئت به حتّى أناخ بعيره ناحية قريباً من الخيمة، قال: فدعا به، فدخل الأعرابي إليه، فدنوت أنا فصرت إلى باب الخيمة اسمع الكلام ولا أراهما، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (( من أين قدمت ؟ )).

قال: من أقصى اليمن.

قال: (( أنت من موضع كذا وكذا ؟ )).

قال: نعم، أنا من موضع كذا وكذا.

قال: (( فبما جئت ها هنا ؟ )).

قال: جئت زائراً للحسينعليه‌السلام .

فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (( فجئت من غير حاجة ليس إلاّ الزيارة ؟ )).

قال: جئت من غير حاجة ليس إلاّ أن أُصلّي عنده وأزوره وأسلّم عليه وأرجع إلى أهلي.

قال له أبو عبد اللهعليه‌السلام : (( وما ترون في زيارته ؟ )).

قال: نرى في زيارته البركة في أنفسنا وأهلينا، وأولادنا وأموالنا، ومعائشنا وقضاء حوائجنا.

قال له أبو عبد الله: (( أفلا أُزيدك من فضله فضلاً يا أخا اليمن ؟ )).

قال: زدني.

قال: (( إنّ زيارة أبي عبد اللهعليه‌السلام تعدل حجّة مقبولة زاكية مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )) فتعجب من ذلك، فقال: (( أي والله، وحجّتين مبرورتين زاكيتين مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )) فتعجب، فلم يزل أبو عبد الله يزيد حتّى قال: ثلاثين حجّة مقبولة مبرورة زاكية مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الجهة السابعة: إنّه يدرك بها ثواب ما يستحيل وقوعه في نفسه، وهو أن يكون حجّك حجّ الرسول نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد ورد في رواية عن عائشة قد ذكرناها سابقاً.

الجهة الثامنة: إنّه قد حلف الله تعالى أن لا يُخيّب مَنْ زاره، وذلك في رواية ابن محبوب عن أبي جعفر الباقرعليهما‌السلام ، قال: (( إنّ الحسينعليه‌السلام صاحب كربلاء قُتل مظلوماً عطشان لهفان، فآلى الله (عزّ وجلّ) على نفسه أن لا يأتيه لهفان ولا مكروب، ولا مذنب ولا مغموم، ولا عطشان ولا به من عاهة ثمّ دعا عنده وتقرّب بالحسينعليه‌السلام إلى الله تعالى إلاّ نفّس الله كربته، وأعطاه مسألته، وغفر ذنوبه، ومدّ في


عمره، وبسط في رزقه، فاعتبروا يا أولي الألباب )).

الجهة التاسعة: خصوصية مخصوصة هي لها نهاية المأمول، وهي التي ورد في الرواية: أنّه إذا رآه الله ساهر الليل تعب النهار، نظر إليه نظرة توجب له الفردوس الأعلى.

الجهة العاشرة: تأثيراتها الخاصّة :

فمنها: ما في الروايات الكثيرة من أنّها تزيد في الأعمار، وتزيد في الأرزاق، وورد في زيارة عرفة أنّها تورث الاطمئنان في العقائد الحقّة، ورفع الشبهات، وهذا الأثر أعلى من كلّ أثر ؛ فإنّ كلّ أثر يتوقّف عليه.

ومنها: إنّها تدفع مدافع السُوء وبعض ميتات السُوء.

ومنها: إنّه يدخل في مَنْ يضمنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك في خمسة عشر حديثاً، مضمونها أنّه ضمن لِمَنْ زاره أو أباه أو أخاه أو أُمّه أن يزوره يوم القيامة ويخلّصه من أهوالها وشدائدها.

الجهة الحادية عشر: غرائب فضائلها :

فمنها: إنّها أفضل من زيارة الإمام إذا كان حيّاً، وزيارته في حياته، فإذا كان الصادقعليه‌السلام مثلاً حيّاً، وذهبت لخدمته وتكلّمت معه وتكلّم معك، فزيارة الحسينعليه‌السلام الآن أفضل من ذلك، كما إنّ ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام لمّا زرته: دعاني الشوق إليك أن تجشمت إليك على مشقّة فقال لي: (( لا تشكّ بربّك تعالى، فهلاّ أتيت مَنْ كان أعظم حقّاً عليك منّي ؟ )) فكان قوله: فهلاّ أتيت مَنْ كان أعظم حقّاً عليك منّي، أشدّ عليّ من قوله لا تشكّ بربّك، قلت: ومَنْ هو أعظم عليّ حقّاً منك ؟

قالعليه‌السلام : (( الحسين بن عليعليه‌السلام ، ألا أتيت الحسين فدعوت الله تعالى عنده وشكوت إليه حوائجك؟)).

ومنها: إنّ الباقرعليه‌السلام كان يزور مَنْ قدم من زيارة الحسينعليه‌السلام ، فروي عن حمران قال: زرت قبر الحسينعليه‌السلام ، فلمّا قدمت جاءني أبو جعفرعليه‌السلام ومعه عمرو بن علي بن عبد الله بن علي، فقال لي أبو جعفرعليه‌السلام : (( ابشر يا حمران، فمَنْ زار قبور شهداء آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يريد بذلك وجه الله تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمّه)).


ومن عجائب فضلها إنّ لحظات الرحمة من الله تعالى لها خصوصية بالنسبة إلى زوّار الحسينعليه‌السلام ، ففي الحديث بعد ذكر لحظات الرحمة الإلهية كلّ يوم، قال: (( ويغفر لزائري قبر الحسينعليه‌السلام خاصّة، ولأهل بيته ولِمَنْ يشفع له يوم القيامة، كائناً مَنْ كان وإن كان مستوجباً للنار )).

ومن لطائف فضائلها أنّ لهم خصوصية في دخول الجنّة، لا بدّ أن يدخلوها قبل أهل الجنّة بأربعين عاماً، وأنّ كلّ شيء يتمسّح بزائره، ويرجو في النظر إلى زائره الخير لنظره إلى قبره المبارك.

ومن غرائب فضائلها أنّه يظهر من كثير من الأخبار أنّ فضيلتها ما بُيّنت تمام البيان للناس، ففي الرواية الصحيحة، لو يعلم الناس ما في زيارة الحسينعليه‌السلام من الفضل لماتوا وتقطّعت أنفسكم عليها مرّات.

وفي رواية أُخرى: لو علموا فضائلها لأتوه حبواً من أقصى البلاد.

الباب الثاني: في فضيلة خاصّة للزيارة تُذكر وحدها لامتيازها

وبيانها يحتاج إلى مقدّمة :

اعلم أنّ جميع ما يُذكر في ثواب الأعمال وخواصها فإنّما ذلك لبيان مقتضاها من حيث هي، كما في خواص الأدوية، ولكلّ منها موانع تدفع مقتضاها، وذلك لا ينافي ثبوت الخاصية، فالسكنجين مثلاً قاطع للصفراء، فإذا لم يقطع الصفراء لعروض المانع فيما يؤكل قبله أو بعده، أو لانقلاب في المزاج فلا ينافي كونه قاطعاً للصفراء.

فجميع ما يُذكر في فضائل الأعمال والأدعية ونحوها، قد تُقابلها موانع تدفع خاصيتها وترفعه، والمانع قد يدفع أثرها بالكلية، وقد يبقى منه شيء، وبذلك يختلف حال الناس في محشرهم فقد يكون لهم مقدار من الإيمان والأعمال تنجيهم من العقاب في أوّل احتضارهم، وقد تُنجي بعد عذاب الاحتضار، وقد تُنجي بعد عذاب مدّة في البرزخ، وقد تُنجي بعد البرزخ أوّل المحشر، وقد تُنجي في أثناء يوم القيامة وفي أحد مواطنها، وقد يغلب المانع فلا تحصل


النجاة إلاّ بعد عذاب البرزخ، أو بعد عذاب المحشر أيضاً، أو بعد عذاب جهنم أيضاً، ثمّ تحصل النجاة، وقد لا يتحقّق ذلك أيضاً لسلب الإيمان فيُخلد في النار والعياذ بالله تعالى، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من ذلك.

وهذا كلام جار في جميع الأعمال والمثوبات.

فإذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم أنّ لزيارة الحسينعليه‌السلام فضيلة خاصّة فاقت كلّ الفضائل، وهي أنّه لو تحقّقت الموانع من تأثيراتها التي تقدّم ذكرها، فلا يمكن ذهاب كلّ تأثيراتها ولو مع جميع الموانع ؛ لأنّ طرق التخليص بها ومحالّه كثيرة، فكلّما حصل مانع من أحد تأثيراتها، حصل مقتضٍ آخر لتأثير آخر، وإذا حصل لها ـ أيضاً ـ مانع أو بطل بمقتضاه، تحقّق مقتضٍ آخر.

توضيح هذا المطلب: إنّ كلاً من الأعمال المنجية قد قرر الله تعالى لظهور أثرها مقاماً خاصّاً من حالات النشأة البرزخية أو المحشرية، فإذا منع مانع من ظهور الأثر في المحلّ المقرّر فلا جرم بطل الأثر بالكلية، ولا يظهر ثانياً في مقام آخر من مواطن الاحتياج، ولكن زيارة الحسينعليه‌السلام لا يبطل أثرها، وكلّما منعت الذنوب من تأثير لها في محلّ آخر، من الاحتضار إلى بعد انقضاء يوم القيامة، ودخول كلّ من المغفور والمعذب إلى محلّه(*) .

وتدلّ على هذا المطلب الروايات المجتمعة في فضل زيارته إذا لوحظ مفاد مجموعها من حيث المجموع وقد صرّح بهذا المطلب في رواية عن الإمام الحسينعليه‌السلام سنذكرها.

وقد بيّن هذا المطلب جابر بن عبد الله الأنصاري (رضوان الله تعالى عليه)، حين توجّه إلى زيارة الحسينعليه‌السلام يوم الأربعين وزاره بطريق خاصّ يُذكر في محلّه، ثمّ أخذ يُبيّن فضل ذلك.

ومن جملة ما قال: أنّه إذا زلّت قدم محبّه وزائره من الذنوب في مقام، ثبت له قدم آخر في مقام آخر.

فلنبيّن كيفية ذلك، فنقول: إنّ زائر الحسينعليه‌السلام إذا ترتبت على زيارته الآثار والفضائل الثابتة له من الجهات التي ذكرناها، خرج من الدنيا كيوم ولدته أُمّه، ووصل بذلك إلى أعلى

____________________

(*) هكذا وردت العبارة الأخيرة، ويبدو أنّ هناك سقطاً وقع أثناء النسخ قد أربك السياق (موقع معهد الإمامين الحسنين)


الدرجات الحاصلة للزائرين: ومن كونه في أعلى عليين، أو من الكرّوبيين أو نحو ذلك، فيا لها من فضيلة ونعمة جليلة !

وإن منعت كثرة الذنوب عن حصول هذه المراتب والجهات فمات مذنباً مؤاخذاً رجونا له أن يصلح أمره بزيارة الحسينعليه‌السلام له عند وفاته، وأوّل برزخه، فإن تأخّر ذلك لخصوصية في عظمة ذنوبه رجونا له أن يزوره الحسينعليه‌السلام في أيام برزخه، ويكون التأخير والتعجيل في أيام البرزخ على ما هو مقرّر في القابليات والموانع.

وإذا سقط عن قابلية ذلك واشتدّت الموانع المقرّرة، ظلّ معذّباً في أيام برزخه كلّها، فإذا حُشر الناس، وجاء النبي (صلوات الله تعالى عليه وآله)، ومعه جبرئيلعليه‌السلام يتصفحان وجوه أهل المحشر لانتخاب زوّار الحسينعليه‌السلام ، ويعرفانهم بما وسم في جبهتهم بميسم النور، هذا زائر خير الشهداء، فمَنْ وجدا في سيماه ذلك، أخذا بعضده وخلّصاه من أهوال القيامة وشدائدها.

فإذا لم يكن في الشخص قابلية لذلك أيضاً، وقد محت ظلمة الذنوب ميسم هذا النور، وانمحت تلك السطور في جبهته فبقي مبتلياً في المحشر، فيحصل الرجاء بخلاصه بطريق آخر، وهو أنه يُنادى يوم القيامة: أين شيعة آل محمّد فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلاّ الله تعالى، ثمّ يُنادى: أين زوّار الحسين بن عليعليهما‌السلام فيقوم أُناس، فيُقال لهم: خذوا بيد مَنْ أحببتم وانطلقوا بهم إلى الجنّة فيأخذ الرجل بيد مَنْ أحبّ، حتّى إنّه يقول له رجل من الناس: أنا قمت لك يوم كذا فيأخذه غير مدافع.

وإذا لم تكن فيك هذه القابلية أيضاً، ولا قابلية للأخذ بيدك فهنا رجاء لخلاصك بطريق آخر، وهو حين يأتي نداء خاص آخر، فقد ورد في الحديث المعتبر عن الصادقعليه‌السلام قال: (( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين زوّار الحسينعليه‌السلام ؟ فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلاّ الله تعالى، فيقول لهم: ماذا أردتم بزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ؟ فيقولون: يا ربّ، أتيناه حبّاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحبّاً لعلي وفاطمةعليهما‌السلام ، ورحمة له ممّا ارتُكب منه، فيُقال لهم: هذا محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله تعالى عليهم)، فالحقوا بهم فأنتم معهم


في درجتهم، الحقوا بلواء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكونوا في ظلّه، وهو في يد عليعليه‌السلام حتّى يدخلوا الجنّة جميعاً فيكونوا أمام اللواء، وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه )).

أقول: يا معشر المذنبين، إذا كنتم من زوار الحسينعليه‌السلام ، وسقطتم عن قابلية أن يجيء إليكم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وجبرئيل الملكعليه‌السلام ، ويأخذا بأعضادكم للنجاة من الأهوال يوم القيامة، وأن تأخذوا بيد أحد فتدخلوه الجنّة، فأجيبوا هذا النداء، وقوموا أنتم بأنفسكم والتحقوا باللواء بعد أن يؤذن لكم، ولو خلفه أو آخر مَنْ يكون خلفه.

وإذا لم تحصل القابلية، ولم يأت أحد يأخذ بيدك، ولم تكن لك قدرة لإجابة ذلك المنادي ؛ لكون الذنوب قد أثقلت ظهرك وطرحتك، وقعدت بك أغلالك، فلا تخيبن بعد من آثار زيارة الحسينعليه‌السلام ووسائله أيضاً، وانتظر لخلاصك حالة أُخرى تقع في المحشر، هي حالة رجاء عظيمة.

بيانها: إنّ لفاطمة البتولعليها‌السلام كيفية خاصة لمجيئها إلى المحشر، فلها خصوصية في لباسها فهي في حلّة خاصّة اسمها (حلّة الكرامة) قد عُجنت بماء الحياة، وعلى تلك الحلّة ألف حلّة من حلل الجنان، مكتوب عليها بخطّ أخضر.

وكذلك لفاطمة الزهراءعليها‌السلام خصوصية فيما جعل فوق رأسها من النور الإلهي، كالقبّة يرى ظاهرها وباطنها من ظاهرها، والتاج من النور له سبعون ركناً، كلّ ركن مرصّع بالدرّ والياقوت، يُضيء كما يُضيء الكوكب الدرّي.

ولهاعليها‌السلام خصوصية عند مجيئها راكبة إلى المحشر، على ناقة من نوق الجنّة مدبّجة الجنبين ( أي مزيّنة الأطراف ) قوائمها من الزمرد الأخضر، ذنبها من المسك الأذفر، عيناها ياقوتتان حمراوان.

ولها خصوصية في خطام ناقتها، وفي قائد الخطام، وفي الهودج الذي على الناقة، أمّا الخطام فمن لؤلؤ رطب، وطوله فرسخ من فراسخ الدنيا، والقائد جبرئيلعليه‌السلام وهو آخذ يُنادي بأعلى صوته: (( غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة


بنت محمّدعليها‌السلام )).

وأمّا الهودج فمن ذهب.

ولها خصوصية في المستقبلين لها من الجنان، ففي الرواية: أنّه يستقبلها من الفردوس ألف حوراء لم يستقبلنَ أحداً قبلها ولا أحداً بعدها، على نجائب من ياقوت أجنحتها وأزمّتها اللؤلؤ، عليها رحائل من درّ، على كلّ راحلة منها نمرقة، أي وسادة، من سندس، وركائبها من زبرجد، بيد كلّ واحدة منها محمرة من نور، وعليهنَّ أكاليل الجواهر.

ثمّ تستقبلها مريم بنت عمرانعليها‌السلام في سبعين ألف حوراء، ثمّ تستقبلها أُمّها خديجة الكبرىعليها‌السلام في سبعين ألف ملك، بأيديهم ألوية التكبير، ثمّ تستقبلها حواء وآسيةعليهما‌السلام في سبعين ألف حوراء.

ولها خصوصية في مجلسها ؛ فإنّه يُنصب لها منبر من النور، وفيه سبع مراقٍ، بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة.

ولها خصوصية فيما معها من ذلك الوقت، ففي الروايات الكثيرة: أنّ معها ثياباً مصبوغة بالدماء، وفي بعضها أنّ معها قميص الحسينعليه‌السلام ، ملطخاً بدمه.

ولها خصوصية في كيفية تظلّمها ؛ فإنّه عند توسّطها أرض المحشر تقول (سلام الله تعالى عليها): (( يا ربّ، أرني الحسن والحسينعليهما‌السلام )) فيمتثل لها الحسينعليه‌السلام قائماً ليس عليه رأس، وأوداجه تشخب دماً، فإذا رأته صرخت صرخة وزخّت نفسها من الناقة ومعنى زخّه (بتشديد الخاء) أي دفعه قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند بيان هذا: (( وأصرخ لصرختها، وتصرخ الملائكة لصراخنا )).

وفي بعض الروايات: يقبل الحسينعليه‌السلام ورأسه بيده، فإذا رأته شهقتعليها‌السلام شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا مؤمن إلاّ بكى، ثمّ تأخذ في التظلّم وترفع القميص بيدها وتقول: (( إلهي، هذا قميص ولدي )).

أقول: وهذه الكيفية من خصائص الحسينعليه‌السلام ، فإنّ يوم القيامة هو يوم الجزاء عمّا مضى في أيام الدنيا، لكنّ الحسينعليه‌السلام وحده يمتثل قائماً بلا رأس وأوداجه تشخب دماً كما اتّفق لهعليه‌السلام في الدنيا، وهو الذي أحرق قلب الطاهرة الزهراءعليها‌السلام بمظلوميته وخصائصه التي انفرد بها في تاريخ البشرية.

إضافة لما عليهعليه‌السلام من خروق


السيوف والسّهام والرماح في آثار قميصه، أو لأنّه سُلب من بدنه ؛ فإنّ ذلك أعظم من الجروح إذا تدبّرت المصاب، فعند ذلك ينتقم الله تعالى ممّن قتل الحسينعليه‌السلام وأولادهم، وأولاد أولادهم الراضين بأفعال آبائهم، بانتقامات من القتل مراراً، ثمّ تخرج زبانية سود من جهنم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحبّ، وتأخذهم إلى ما اُعدّ لهم في جهنم.

ثمّ إنّ لهاعليها‌السلام خصوصية في شفاعتها قد ذكرنا الحديث لأجله وهي موضع حاجتنا، فإنّها تُنادى حينئذ: يا فاطمة، سلي حاجتك فتقولعليها‌السلام : (( يا ربّ، شيعتي )) فيقول الله تعالى: (( قد غفرت لهم )) فتقول: (( شيعة شيعتي )) فيقول الله تبارك وتعالى: (( انطلقي، فمَنْ اعتصم بك فهو معك )).

فتسير، ويقوم كلّ هؤلاء يسيرون معها، فيما مَنْ زار ولدها وساعدها في بكائه ووصلها، إن لم يخلصك أخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بيدك لعدم قابليتك، ولا أمكنك النهوض عند نداء المنادي، فإنّك لا تبقى في الشدائد عند هذه الحالة ؛ لوجود الشفاعة الفاطمية، فإذا قالت: شيعتي، شملتك، وإن لم تشملك فقولهاعليها‌السلام : شيعة شيعتي، وإن لم يشملك ذلك، شملك قوله تعالى لها: مَنْ اعتصم بكِ ؛ فإنّ أشدّ الاعتصام بها زيارة ولدها الحسينعليه‌السلام والبكاء عليه، والاهتمام بما يتعلّق بالحسينعليه‌السلام ، فلا أظنّك تبقى في أرض المحشر بعد مسيرها إلى الجنّة، ولا تمشي معهاعليها‌السلام وأنت زائرٌ للحسينعليه‌السلام .

فإذا خفت من شدّة تأثير ذنوبك مع ذلك، فلا ينتابك اليأس في تلك الحالة ولا تظنن أنّك ستبقى بعدها في المحشر معذّباً مخلّداً، وإن لم يكن مناص من أخذك إلى النار، وابتلائك بها والعياذ بالله، فإنّه لا بدّ أن يأتيك الحسينعليه‌السلام وأنت في النار.

فإنّ هذا آخر أوقات زيارته لِمَنْ زاره، فقد روي عنهعليه‌السلام أنّه قال بعد قوله: (( مَنْ زارني زرته بعد وفاته )): (( وإن وجدته في النار أخرجته )) فهذه آخر حالة خلاص لأدنى الزائرين درجة، وأعظمهم ذنباً، والحمد لله ربّ العالمين.

الباب الثالث: من الصفات الخاصة الحاصلة للزائرين

وهي كثيرة :


منها: ما روي عن الصادقعليه‌السلام من أنّ الله تعالى يباهي بزائر الإمام الحسينعليه‌السلام حملة العرش وملائكته المقرّبين ويقول (جلّ وعلا): ألا ترون زوّار قبر الحسينعليه‌السلام أتوه شوقاً ؟

ومنها: أنّه ممّن نظر الله إليه بالرحمة.

ومنها: أنّه دليل المحبّة للحسينعليه‌السلام كون الشخص زوّاراً لهعليه‌السلام أي كثير الزيارة.

ومنها: أن يكون ممّن يحدّثه الله تعالى فوق عرشه.

ومنها: ما في عشر روايات من أنّه يُكتب في عليين.

ومنها: أن يكون في الجنة في جوار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليه‌السلام يأكل معهم على موائدهم.

ومنها: أنّه إن كان شقيّاً كُتب سعيداً.

ومنها: أنّه يُحسب من الكرّوبيين ومن سادة الملائكة.

ومنها: أنّه مساعد للزهراءعليها‌السلام فإنّها تزور الحسينعليه‌السلام كلّ يوم.

ومنها: أنّه يصبح كلّ واحد من وجهه وخده وعينه وقلبه محلّ دعاء الصادقعليه‌السلام ؛ فإنّه كان يدعو وهو باك في سجوده ويقول: (( اللّهم ارحم تلك الوجوه التي تقلّبت على حفرة أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا )).

ومنها: أنّ الزائر يصير وديعة للصادقعليه‌السلام عند الله تعالى ؛ فإنّه كان يقول كثيراً: (( اللهّم إنّي استودعك تلك الأبدان حتّى توفيهم على الحوض عند العطش )).

ومنها: أنّه زائر الله تعالى وزائر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في الروايات.

ومنها: أنّ كلّ مَنْ له درجة يوم القيامة يتمنّى أيضاً أن يكون من زوار الحسينعليه‌السلام ممّا يرى من كرامتهم الخاصة بهم.

الباب الرابع: في أجر عجيب وصفة خاصّة ممتازة يترتّبان على زيارتهعليه‌السلام

ينبغي إفرادهما بالذكر.

أمّا الأجر العجيب: فهو ما في رواية مروية بأسانيد معتبرة رواها الصدوق والسيد ابن طاووس والكفعمي ومؤلّف المزار الكبير، وحاصلها: أنّ كاتب الأعمال الحسنة وأجرها يشتغل بالكتابة من حين عزم الشخص على الزيارة إلى يوم ينفخ في الصور فهي من الأعمال الصالحة المستمرة حقيقة لا حكماً، وذلك من


أعلى أفراد الباقيات الصالحات، وليس محض آثار حكمية كغيرها من الصدقات الجاريات والآثار اللاحقات، وهذا كلّه علاوة على صفات خاصّة تحصل له حتّى بالنسبة إلى المتولّي لقبض روحه.

وممّا تنبهر له العقول ست عشرة فضيلة خاصة في كلّ واحدة منها كثر من مئة فضيلة.

أحدها إعطاء كفل من الرحمة في كلّ كلمة من الزيارة التي فيها وأعجب من ذلك كلّه بعض أجرها وثوابها، ففي الرواية الشريفة العجيبة أنّه سأل الصادقعليه‌السلام أو جابر الجعفي: (( كم بينك وبين قبر الحسينعليه‌السلام ؟ )) قلت: بأبي أنت وأُمّي ! يوم وبعض يوم قال: (( فتزوره ؟ )) قلت: نعم، جُعلت فداك ! فقال: (( ألا أُبشّرك ؟ ألا أُفرحك ببعض ثوابه ؟ )) قلت: نعم، جُعلت فداك !

قالعليه‌السلام : (( إنّ الرجل منكم ليأخذ في جهازه، ويتهيّأ لزيارته، فيتباشر به أهل السماء، فإذا خرج من باب منزله راكباً أو ماشياً، وكّل الله تعالى به أربعة آلاف من الملائكة يصلّون عليه حتّى يوافي الحسينعليه‌السلام يا مفضّل، إذا أتيت قبر الحسينعليه‌السلام فقف بالباب وقل هذه الكلمات ؛ فإنّ لك بكلّ كلمة كفلاً من رحمة الله تعالى )).

فقلت: ما هي جُعلت فداك ؟! قالعليه‌السلام فتقول: (( السّلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السّلام عليكم يا وارث نوح نبي الله، السّلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السّلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السّلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السّلام عليك يا وارث محمّد حبيب الله، السّلام عليك يا وارث وصي رسول الله، السّلام عليك يا وارث الحسن الرضي، السّلام عليك يا وارث فاطمة بنت رسول الله، السّلام عليك أيّها الشهيد الصدّيق، السّلام عليك أيّها الوصيّ البر التقي، السّلام عليك وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، وأناخت برحلك، السّلام على ملائكة الله تعالى المحدقين بك، أشهد أنّك قد أقمت الصّلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وعبدت الله تعالى مخلصاً حتّى أتاك اليقين، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.

ثمّ تسعى فلك بكلّ قدم رفعتها أو وضعتها كثواب المتشحط


بدمه في سبيل الله تعالى، فإذا استلمت القبر فاستلمه بيدك وقل: السّلام عليكم يا حجّة الله تعالى في سمائه وأرضه.

ثمّ تمضي إلى صلاتك، ولك بكلّ ركعة ركعتها عنده كثواب مَنْ حجّ واعتمر ألف حجّة وألف عمرة وأعتق ألف رقبة، وكأنّما وقف الوقوف في سبيل الله(١) ألف مرّة مع نبي مرسل.

فإذا فرغت من عند قبر الحسينعليه‌السلام ناداك منادٍ لو سمعت مقالته لأقمت عمرك عند قبر الحسينعليه‌السلام وهو يقول: طوبى لك أيّها العبد ! قد غنمت وسلمت، قد غُفر لك ما سلف فاستأنف العمل، فإذا مات هو في عامه أو في ليلته أو يومه لم يلِ قبض روحه إلاّ الله تعالى، ويقبل الملائكة معه، ويستغفرون له، ويصلّون عليه حتّى يوافي منزله، فتقول الملائكة: يا ربّ هذا عبدك قد وافى قبر ابن بنت نبيّك، وقد وافى منزله فأين نذهب ؟ فيناديهم النداء: يا ملائكتي، قفوا عند قبر عبدي، وسبّحوا وقدّسوا واكتبوا ذلك في حسناته إلى يوم القيامة )).

وأمّا الصّفة الخاصّة التي تحصل للزائر بمقتضى الأخبار، وينبغي ذكرها مستقلة فهي: أنّ مَنْ زار الحسينعليه‌السلام فقد زار الله تعالى في عرشه، وهو كناية عن نهاية القرب إلى الله تعالى والترقّي إلى درجة الكمال.

وفوق هذه الصّفة صفة أُخرى، أنّه يدرك بها زيارة الربّ ؛ فإنّه قد ورد أنّه يزوره الله تعالى كلّ ليلة جمعة أدرك زيارة الربّ له، وزيارته للربّ.

وزيارة الربّ له كناية عن إفاضة خاصة من الرحمة عليه في ذلك الوقت، فمَنْ أدركها لا يمكن أن يصير محروماً منها، ولا يتصوّر أن لا يناله نصيب منها، وزيارته للربّ تعالى كناية عن نهاية القرب إليه، فإذا اجتمعا حصلت له

____________________

(١) أي هو الجهاد في سبيله تعالى في سبيل الله.


خصوصية مرتبة من شمول الرحمة الإلهية.

وفي رواية أُخرى: أنّه مَنْ أراد أن ينظر إلى الله تعالى يوم القيامة فليُكثر من زيارة الحسينعليه‌السلام .

فهذه ثلاث عبارات: زيارة الله تعالى، والزيارة مع الله تعالى، والنظر إلى الله تبارك وتعالى.

وهي عبارة عن نهاية ما يتصوّر للمخلوق من الترقّي إلى درجات القرب ؛ ولهذا جعلت هذه الصفة باباً مستقلاً فإنّها تقابل جميع القضايا وتفوق عليها.

الباب الخامس: في أحكام خاصة لزيارته

وهي كثيرة :

فمنها: أنّ كلّ عمل يسقط وجوبه أو استحبابه مع الخوف، ولكن قد روي في هذا العمل روايات تدلّ على خلاف ذلك، فقد عثرت على تسع روايات بأسانيد معتبرة رويت في البحار، وغيرها عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: (( يا معاوية، لا تدع زيارة قبر الحسينعليه‌السلام لخوف ؛ فإنّ مَنْ تركه يرى من الحسرة ما يتمنّى أنّ قبره كان عنده )) أي تبلغ حسرته يوم القيامة إلى درجة أنه يقول: يا ليتني كنت مقيما عند قبره فأزوره حتّى يدركني الموت.

وفي رواية عاشرة: عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (( هل تأتي قبر الحسينعليه‌السلام ؟ )) قلت: نعم على خوف ووجل فقالعليه‌السلام : (( ما كان من هذا أشدّ ؛ فالثواب فيه على قدر الخوف، ومَنْ خاف لخوفنا آمنه الله تعالى روعته يوم يقوم الناس لربّ العالمين، وانصرف بالمغفرة، وزاره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودعا له، وانقلب بنعمة من الله لم يمسسهم سوء ))، والحمد لله رب العالمين.


وفي رواية أُخرى: عن الأصم، [عن] ابن بكير، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قلت له: إنّي أنزل الأرجان ( الأرجان مدينة إيرانية جنوب محافظة شيراز ) وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي مشفق وجل حتّى أرجع ؛ خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المصالح قالعليه‌السلام : (( يابن بكير، أما تحبّ أن يراك الله تعالى فينا خائفاً ؟ أما تعلم أنّه مَنْ خاف لخوفنا أظلّه الله تعالى في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسينعليه‌السلام تحت العرش، وآمنه من فزع يوم القيامة، فإن فزع قوّته الملائكة وسكّنت قلبه بالبشارة )).

الباب السادس: في شروطها وآدابها الشرعية

أمّا الشروط: فقد دلّت الروايات ـ زيادة على ما في سائر العبادات ـ على خصوصية في ذلك بأن تكون الزيارة خالصة لوجه الله تعالى، وأن يكون محتسباً لا أشراً ولا بطراً، ولا لسمعة أو عجب أو رياء.

فقد جاء أنّ مَنْ زار الحسينعليه‌السلام محتسباً لا أشراً ولا بطراً، ولا رياء ولا سمعة مُحصت عنه ذنوبه كما يُمحص الثوب بالماء، أو تكون صلّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو تكون رحمة للحسينعليه‌السلام ، فيقصد بها جبر ما ورد على قلبه الطاهر بزيارته تلك.

وتفاوتت التأثيرات بتفاوت المعرفة بحقّ الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقد ورد في الروايات التقييد بكونه عارفاً بحقّ الإمام الحسين (صلوات الله تعالى عليه).

وأمّا الآداب: ففي البحار وثواب الأعمال والتهذيب والكامل بأسانيد كثيرة معتبرة مستفيضة عن الإمام الصادقعليه‌السلام : (( إذا زرت أبا عبد اللهعليه‌السلام فزره وأنت حزين كئيب مكروب، شعث مغبر، جائع عطشان ؛ فإنّ الحسينعليه‌السلام قُتل كئيباً حزيناً، مكروباً شعثاً، مغبراً جائعاً، عطشانَ غريباً مضمّخاً بدمائه الزاكية )).

وقالعليه‌السلام : (( بلغني أنّ قوماً إذا زاروا الحسينعليه‌السلام حملوا معهم السفرة فيها الحلاوة والأخبصة (وهي حلوى معروفة ) وأشباهه، ولو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا معهم هذا )).

وفي رواية أُخرى: قال لهمعليه‌السلام : (( تتخذون لذلك سفرة ؟ )) قالوا: نعم قال: (( لو أتيتم قبور آبائكم وأُمّهاتكم لم تفعلوا ذلك )) قلت: أي شيء نأكل ؟ قالعليه‌السلام : (( الخبز باللبن )).

وفي الكامل بإسناد معتبر عن المفضّل، قال: قال أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام : (( تزورون خير من أن لا تزوروا، ولا تزوروا خير من أن تزوروا )) قال: قلت: قطعت ظهري قالعليه‌السلام : (( تالله، إنّ أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيباً حزيناً، وتأتونه أنتم بالسفر، كلاّ حتّى يأتونه شعثاً غبراً )).


ومن الآداب: ما في كيفية زيارة جابر له، وستأتي في كيفية زيارته في يوم الأربعين، وأهم آدابها الغسل بماء الفرات.

الباب السابع: في الآثار المترتّبة على تركها

وهي كثيرة :

الأوّل: ما في رواية الحلبي عن الصادقعليه‌السلام : (( إنّ مَنْ ترك زيارته وهو قادر على ذلك فقد عقّ رسول الله محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعقّنا )).

الثاني: ما في رواية عبد الرحمن بن كثير عنهعليه‌السلام ، قال: (( لو أنّ أحدكم حجّ دهره ثمّ لم يزر الحسين بن عليعليهما‌السلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

وفي أُخرى: (( لو أنّ أحدكم حجّ ألف حجّة ثمّ لم يأت قبر الحسينعليه‌السلام لكان تاركاً حقّاً من حقوق الله تعالى )).

وهنا لا ننسى الحديث النبوي الشريف الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء !

الثالث: ما في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (( مَنْ لم يأت قبر الحسين من شيعتنا كان منتقص الإيمان، منتقص الدين )) وكذا غيرها من الروايات.

الرابع: إنّه جفاء للحسينعليه‌السلام ، وكما في روايات كثيرة، منها ما عن أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث قال: (( بأبي الحسين المقتول في ظهر الكوفة، كأنّي بالوحوش مادة أعناقها عليه ترثيه إلى الصباح، فإذا كان كذلك فإياكم والجفاء )).

الخامس: في رواية علي بن ميمون الصائغ، أنّه قال: قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : (( بلغني أنّ اُناساً من شيعتنا تمر بهم السنة والسنتان وأكثر من ذلك لا يزورون الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام )).

قلت: جعلت فداك ! إنّي لأعرف اُناساً كثيرين بهذه الصفة.

فقال: (( أما والله لحظّهم أخطؤوا، وعن ثواب الله تعالى زاغوا، وعن جوار محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنة تباعدوا )).

قلت: فإن أخرج عنه رجلاً أيجزي عنه ذلك ؟

قال: (( نعم، وخروجه بنفسه أعظم أجراً، وخير له عند ربّه تعالى )).

وقد ورد صدق هذه العناوين على القادر البعيد إذا تركه ثلاث سنين.

السادس: إنّه ينقص الأعمار كما في روايات كثيرة، وفي بعض


الروايات: أنّ تركها مؤثّر في نقص سنة من العمر، بنحو لا تخلف فيه.

السابع: إنّ تارك زيارته ( إن دخل الجنة فهو دون كلّ مؤمن ) على ما في رواية: ( ومن ضيفان الجنّة )، على ما في أُخرى و( بعيد عن جوار محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله )(١) .

الثامن: إنّه ليس بشيعة لهمعليه‌السلام كما في رواية دالّة صراحة على ذلك رويت عن أحدهما، عن الصادقعليه‌السلام : (( مَنْ لم يأت قبر الحسينعليه‌السلام وهو يزعم أنّه لنا شيعة حتّى يموت فليس هو لنا شيعة )).

التاسع: إنّه من أهل النار، ويُحمل على التارك تهاوناً واستخفافاً، وقد مال المجلسيان إلى وجوبها على القادر في العمر مرّة واحدة لهذه الأخبار.

الباب الثامن: في زيارته المخصوصة بالأوقات

اعلم أنّ زيارة الحسينعليه‌السلام خير موضوع، فمَنْ شاء استقلّ الخير، ومَنْ شاء استكثر الخير.

وهي على قسمين: مطلقة في كلّ الأوقات: ويترتب عليها ما ذكرناه من الخواص والفضائل ومخصوصة بأوقات: تزيد فضيلتها بخصوصية الوقت على أصل الفضيلة المطلقة، مع أنّه لا يتصوّر زيادة منها، وهي تقرب إلى ثلاثين مخصوصة بالنسبة إلى الزمان والأوقات، وخصوصيتها في زيادة الأجر معلومة، ولكن لكلّ واحدة أيضاً أثر خاص، وفضيلة خاصة، نبيّنها عند ذكر كلّ واحدة.

الأولى: كلّ جمعة مرّة لِمَنْ كان بعيداً عنه بيوم ونحوه، فإن تركه كان شديد الجفاء، ومن خواص ذلك ما في رواية داود بن يزيد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه يغفر له البتة، ولم يخرج من الدنيا وفي نفسه حسرة ومنها: ويكون مسكنه في الجنة مع الحسين بن عليعليهما‌السلام .

الثانية: كلّ شهر مرّة، فعن الصادقعليه‌السلام قال: (( إنّ مَنْ زاره في كلّ شهر مرّة فله ثواب مئة ألف شهيد مثل شهداء بدر )).

وقال: أمّا القريب فلا أقل من شهر، فإن كان قريباً وتركه أكثر من شهر فقد سمّاه الحسينعليه‌السلام بنفسه

____________________

(١) كامل الزيارات / ٢٩٥، وأيضاً بحار الأنوار ٩٨ / ١٢.


جفاء وذلك في رواية عن عقبة.

الثالثة: كلّ سنة مرّتين، وقد ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام : أنّه حقّ على الغني أن يأتيه في السنة مرّتين، وفي رواية ثلاث مرّات.

الرابعة: كلّ سنة ثلاث مرّات، وفيها مع خواص أصلها إنّها تؤمن من الفقر.

الخامسة: كلّ سنة مرّة، فقد ورد في خمسة عشر حديثاً، إنّها حقّ على الفقير القادر على الزيارة، فإذا تركها سنة فهذا أوّل مراتب الجفاء للحسينعليه‌السلام .

السادسة: كلّ ثلاث سنين مرّة للبعيد، فإذا تجاوز الثلاث دخل في عقوق رسول الله المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اللّهمّ أعذنا من هذه الآفة والإثم الكبير.

السابعة: في كلّ عيد كما في بعض الروايات، فيدخل فيه النيروز والمبعث والمولود والغدير وغير ذلك.

الثامنة: مخصوصات الشهور، ولنذكر كلّ شهر على حدة، ولكلّ منها فضائل كثيرة، لكن نقتصر على ذكر خصوصية فضيلة كلّ شهر مخصوص.

فنقول: في شهر رجب الأصب أربع أو خمس: أوّل ليلة وأوّل يوم، وليلة النصف ويومها، وخصوصية فضلها زيادة على الثواب تساقط الخطايا كيوم ولدته أُمّه، وفي أوّل رجب زيادة حتمية وهي المغفرة فإنّ الله تعالى قد أوجبها على نفسه تبارك وتعالى.

وفي شعبان ثلاث مخصوصات: يوم الثالث منه، وليلة النصف، ويومها، وعمدة فضيلتها التشرّف بمصافحة مئة وأربعة وعشرين ألف نبي، منهم أولوا العزم (صلوات الله تعالى عليهم)، وإذا زاره ثلاث سنين متوالية في النصف من شعبان كان له تأثير خاص في رفع الذنوب زيادة على أصلها، ومن خواصها أنّ المنادي ينادي بالمغفرة له من أوّل شعبان.

وفي شهر رمضان المبارك بخصوصه، كما في رواية ابن الفضل قال: سمعت جعفر بن محمّدعليهما‌السلام يقول: (( مَنْ زار قبر الحسينعليه‌السلام في شهر رمضان ومات في الطريق لم يعرض ولم يُحاسب، وقيل: ادخل الجنّة آمناً )) ولا ننسى هنا الحديث ما مضمونه: أنّ مَنْ حوسب هلك يعني كفى بالحساب من موقف مهول عظيم.

الثانية والثالثة والرابعة: أوّل ليلة


منه أي من شهر رمضان، وليلة النصف، وآخر ليلة منه، كما في الرواية عن الصادقعليه‌السلام .

والستة الأُخرى: ليالي القدر الثلاث، وأيّامها، ففي الروايات الكثيرة أنّه إذا كانت ليلة القدر التي يفرق فيها كلّ أمر حكيم، ينادي منادٍ من بطنان العرش إلى السماء السابعة: إنّ الله (عزّ وجلّ) قد غفر لِمَنْ أتى قبر الحسينعليه‌السلام .

وفي شهر شوال، ليلة العيد، ويومها، وخصوصية فضيلته مغفرة الذنوب ما تقدّم وما تأخّر.

وفي شهر ذي الحجّة، ثمان مخصوصات، أو عشر مخصوصات: ليلة عرفة ويومها، وليلة الأضحى ويومها، وأيام التشريق، ويوم نزول سورة الدهر (هل أتى)، ويوم الغدير، بناء على خصوصية الزيارة لهعليه‌السلام في كلّ عيد، وخصوصية الفضل في عرفة أن يسمّيه الله تعالى صدّيقاً، ويسمّيه كرّوبيّاً، والحمد لله.

وأصل الزيارة يُعادل مع الحجّ، وكذا الخطوات التي يخطوها بعد غسله من الفرات أو مطلقاً، فتبلغ معادلة أصل الزيارة إلى ألف ألف حجّة مع القائم (صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه وعجّل الله فرجه).

وألف ألف عمرة مع رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالنسبة للخطو نحو الزيارة يكتب الله تعالى له بعد الغسل والتوجّه بكلّ خطوة يخطوها حجّة بمناسكها، وفي بعض الزيارات، كلّ قدم مئة حجّة، كما مر.

وخصوصية فضيلة عيد الأضحى: وقاية شرّ سنة في الدنيا، ومغفرة الذنوب ما تقدّم منها وما تأخّر.

وفي المحرّم ليلة عاشوراء ويومها، ولا يبعد أن تكون زيارة يوم الثالث عشر مخصوصة أيضاً ؛ فإنّه يوم دفنه (صلوات الله تعالى عليه، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائه).

وخصوصية فضل زيارة عاشوراء الدخول في زمرة الشهداء، والتلطّخ بدم الإمام الحسينعليه‌السلام ، وإذا زار ليلة عاشوراء وبات عنده وسقى عنده الماء في ذلك الوقت كان كمَنْ سقى عسكر الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء.

وفي شهر صفر، يوم العشرين منه، وهو المسمّى بالأربعين خصوصية فضل زيارته هذه تعدّ من علائم الإيمان.


مسألة: ما الأفضل من هذه الزيارات ؟

أقول: كلّما نظرت إلى كلّ واحدة من هذه الفضائل رأيت فيها خصوصيات، ليست على نهج واحد، فلا يُعلم الفاضل من المفضول، فإذا لاحظت كلّ واحدة يمكن أن يُقال: إنّها الأفضل.

وفي بعض الروايات أنّ الأفضلية في النصف من شعبان، والنصف من رجب، ولعلّها من حيثية خاصة.

والذي يظهر من ملاحظة مجموع الفضائل أفضلية عرفة وعاشوراء، والذي يترجّح أنّ خصوصية زيارة عاشوراء التي ورد فيها ـ أنّ زائره يُحشر ملطخّاً بدم الحسينعليه‌السلام ، في زمرة الشهداء ـ أعلى من كلّ خصوصية حتّى مئة ألف حجّة، وألف ألف حجّة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ في زيارة عاشوراء قد ورد أيضاً مع هذه الخصوصية ـ خصوصية أُخرى وهي: أنّه قد زار الله تعالى في عرشه وهذا من أحد معانيه أنّه يكون في لطف الله تعالى وولايته ومعرفته، فيكون متنعمّاً برحمته الخاصة ـ الرحمة الرحيمية.

الباب التاسع: في الأبدال المجعولة لزيارته لطفاً من الله تعالى ؛ لئلاّ تفوت فضيلة

وهي على أقسام :

الأوّل: الاستنابة لزيارته إمّا من البلد، أو بأن يجعل له نائباً يزور عنه هناك ؛ فإنّ في ذلك أجر الزيارة، وإن كان خروجه بنفسه أعظم أجراً.

الثاني: التجهيز لزيارته، وإن لم يكن بعنوان النيابة عنه ؛ فإنّ أصل تجهيز زائره وإعطائه النفقة أو الدابة أو نحو ذلك ممّا يوجب ثواب الزيارة بنفسه كما دلّت عليه الأخبار.

الثالث: زيارته من بُعد ؛ فإنّها بدل عن زيارة القرب في الأجر والثواب، ورافعة للجفاء الحاصل بترك زيارتهعليه‌السلام ، كما وصف به غير المتمكّن في الأخبار.

وأمّا المتمكن التارك فإنّها رافعة لشدّة الجفاء منه أيضاً، ولها كيفيات متفاوتة في الفضيلة :

الأولى: أن يصعد فوق سطحه بقصد الزيارة، ثمّ يلتفت يمينه وشماله، ويرفع رأسه إلى السماء، ثمّ يتحرّى أي الاجتهاد في الطلب نحو قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويقول: (( السّلام عليك يا أبا عبد الله، السّلام عليك يابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،


السّلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته )).

الثانية: أن يصعد أعلى منزله بنيّة الزيارة ويصلّي ركعتين، ويؤم بالسّلام إلى الحسينعليه‌السلام .

الثالثة: أن يغتسل للزيارة، ويلبس أفخر ثيابه وأطهرها، ويصعد إلى أعلى موضع، أو إلى الصحراء فيستقبل القبلة، ثمّ يتوجّه إلى القبر فيقول: (( السّلام عليك يا مولاي وابن مولاي، وسيدي وابن سيدي، السّلام عليك يا مولاي الشهيد ابن الشهيد، والقتيل ابن القتيل، السّلام عليك ورحمة الله وبركاته أنا زائرك يابن رسول الله بقلبي ولساني وجوارحي، وإن لم أزرك بنفسي مشاهدةً، فعليك السّلام السّلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السّلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السّلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السّلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السّلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السّلام عليك يا وارث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله حبيب الله ونبيّه ورسوله، ووارث علي أمير المؤمنين، ووصي رسول الله وخليفته، ووارث الحسن بن علي وصي أمير المؤمنين، لعن الله قاتلك، وجدّد عليهم العذاب في هذه الساعة، وكلّ ساعة أنا يا سيدي متقرّب إلى الله (عزّ وجلّ)، وإلى جدّك رسول الله، وإلى أبيك أمير المؤمنين، وإلى أخيك الحسن، وإليك يا مولاي، عليكم سلام الله ورحمته بزيارتي لك بقلبي ولساني وجميع جوارحي، فكن يا سيدي شفيعي لقبول ذلك منّي، وأنا بالبراءة من أعدائك واللعنة لهم وعليهم أتقرب إلى الله وإليكم أجمعين، فعليك صلوات الله تعالى ورضوانه ورحمته )).

ثمّ تتحرّك إلى يسارك قليلاً وتحوّل وجهك إلى قبر علي بن الحسينعليه‌السلام وهو عند رجل أبيه، وتسلّم عليه مثل ذلك.

ثمّ ادع الله تعالى بما أحببت من أمر دينك ودنياك، ثمّ تصلّي أربع ركعات ؛ فإنّ صلاة الزيارة ثمان، أو ست، أو أربع، أو ركعتان، ثمّ تستقبل القبلة نحو قبر أبي عبد اللهعليه‌السلام وتقول: (( أنا مُودّعُك يا مولاي وابن مولاي، وسيدي وابن سيدي، ومودّعك يا سيدي وابن سيدي، يا علي بن الحسين، ومودّعكم يا ساداتي يا معشر الشهداء، فعليكم سلام الله ورحمته ورضوانه )).

الرابع: زيارة زائره حين القدوم أو استقباله، فإنّ ذلك ممّا يحصل


به ثواب الزيارة، كما دلّت عليه الأخبار.

الباب العاشر: الخطابات المأثورة المختصّة بزيارة الإمام الحسينعليه‌السلام

وهي خطابات مأثورة مختصّة بزياراته، ليست بمأثورة في زيارة غيره من الأنبياء والأئمّة (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين).

وهي أصناف :

الصنف الأوّل: تخصيصه في وصفه غالباً بصفات مصيبته عند قتله ؛ فإنّ ذلك دليل على أنّ الفضيلة الخاصة به لأجل مصيبته. الصنف الثاني: تخصيصه بأصناف خاصة إلى الله تعالى مثل: ثار الله، وقتيل الله، وذبيح الله، ووتر الله (عزّ وجلّ). الصنف الثالث: تخصيصه بالسّلام على الأنبياء عند السّلام عليهعليه‌السلام بخصوصية أسمائهم وصفاتهم ؛ لكونه مظهراً لهم، كما ذكرناه في عنوان ما يتعلّق منه بالأنبياء (عليهم الصّلاة والسّلام).

الصنف الرابع: تخصيصه في زيارته بالتلبية لهعليه‌السلام ، ففي بعض زياراته بعد السّلام عليه ( لبيك داعي الله ) وتكرير ذلك سبعاً، والوجه في التلبية له أنّه الداعي الثاني إلى الله تعالى بعد جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله دعا إلى الإسلام والشهادتين فأظهرهما الله بنصره برعب القلوب وذلك بإمداد الملائكة، وبحسام أسد الله الغالبعليه‌السلام ، وبإعانة بعض أصحابه المجاهدين بين يديه.

والحسينعليه‌السلام داعي الله الثاني، دعا إلى الإيمان والاعتقاد بالإمام الحق، والأئمّة الراشدينعليهم‌السلام ، ودعاؤه إلى ذلك بشهادته ومظلوميته، وبكيفية خاصة جرت عليه، كما أوضحناه في باب دعوته إلى الدين.

فهذا الداعي أيضاً لا بدّ من إجابته بالتلبية له، ولما دعا إليه قولاً وفعلاً ؛ فلهذا استحبت التلبية لهعليه‌السلام .

ويحسن هنا ذكر الحديث المبارك الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء فلولا تلك النهضة المباركة لما بقي مسلم على وجه الأرض، هكذا شاءت الحكمة الإلهية، والإرادة الربانية ؛ وكي ننهل أكثر من رحمة الله الواسعة والتي يودعها في أوليائه من الأوّلين والآخرين، وكما هو بين أيدينا بركات نور واحد من بين أنوار أربعة عشر زاهرة وهو النور الحسيني العظيم. وأمّا تكرار التلبية سبعاً ففيه وجوه :

الوجه الأوّل: ملاحظة حالات المجيب ؛ فإنّ الإجابة بالبدن واليد، واللسان والسمع، والبصر والقلب، وبالرأي والهوى والحبّ، فتكون كلّ تلبية لإجابة.

كما يظهر من عبارة الزيارة، بعد قوله ( لبيك داعي الله ) سبعاً: (( إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي، وبصري ورأيي وهواي )).

يعني أجابك قلبي بحبّك، وسمعي بسماع مصيبتك، وبصري بالبكاء عليك، ورأيي بأن أحببت عمل مَنْ أجابك ،


وبدني الآن بالمجيء إليك راغباً بكم، ولساني الآن بالسّلام عليكم سلام مشتاق لهفان حزين لأجلكم.

الوجه الثاني: إنّ التلبيات السبع، إجابات سبع، لاستنصارات سبعة وقعت منهعليه‌السلام :

الاستنصار الأوّل: خارج مكة لمّا رحلعليه‌السلام منها مصبحاً، جاءه العبادلة الأربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر ؛ ليمنعوه من التوجّه إلى العراق، فكلّمعليه‌السلام كلّ واحد بطريق، وأجابهمعليه‌السلام : بأنّي مأمور بأمر أنا ماضٍ فيه.

ثمّ استنصر ودعاهم إلى نصرته، فبعث عبد الله بن جعفر معه ابنيه عوناً ومحمداً، وقال: إنّي ألحق [بكما] وقالعليه‌السلام لابن عمر: (( يا أبا عبد الرحمن، اتقِ الله تعالى ولا تدع نصرتي )) فاعتذر بعذر وودّعه، فقال: يا أبا عبد الله اكشف لي عن الموضع الذي كان يقبّله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكشف عن بطنه، فقبّل فوق قلبه، وبكى وودّعه ومضى.

الاستنصار الثالث: في الطريق من مكة إلى كربلاء ؛ إذ كان يستنصر مَنْ يلقاه، لإتمام الحجّة على الناس، وكان استنصاره تارة بلسانه، وتارة بإرسال رسول.

ولمّا علم الناس قلّة متابعيه، وأنّه يستنصرهم، أخذ بعض منهم بالاعتذار بتجارته وشؤونه وبضائعه كما اتفق لبعض مَنْ رآه في الطريق وطلب منه النصرة.

وبعض بالاعتذار بضيعته وعياله، كما اتفق لبعض آخر، والبعض الآخر وعده بالمجيء بعد ذلك، وكان بعض الناس إذا علموا أنّهعليه‌السلام نزل منزلاً اجتنبوا ذلك المنزل لئلاّ يطلب منهم النصرة كما عن جماعة من فزارة وبجيلة قالوا: التحقنا بالحسينعليه‌السلام بعد الحج، وكنّا نسايره، فما كان شيء أبغض إلينا من أن ننازله في منزل، وكان إذا نزل على ماء نزلنا على غيره، وكنّا إذا لم نجد بداً من أن ننازله في منزل نزلنا في جانب آخر من ذلك المنزل، لئلاّ يدعونا إلى نصرته.

أقول: وإذا تأمّلت هذه الحالة رأيتها أعظم مصائبه، وأعظم من ذلك


أنّه كان في بعض الأوقات يراه المترددون في الطريق مستقبلاً لهم، فيتنكّبون الطريق ويعدلون عنه جانباً ؛ لئلاّ يراهم ويكلّفهم بنصرته، كما اتفق لبعض أهل الكوفة.

آه ! وإنّما هي من المصائب العظام ؛ لأنّهعليه‌السلام خرج لأجل بقاء الإسلام، بل لإظهار الدين الإسلامي بعد أن انمحى أو كاد أن يُمحى أثره بالكلية بفعل أئمّة الجور والطغيان، وإنّ جهل الناس بموقفهم هذا من الإمام كان مصيبة كبيرة على قلبه الطاهر (سلام الله عليه)، ذلك القلب المفطور من تمزّق الأُمّة وجهلها، وتضييع أتعاب رسول الله جدّه المصطفى (صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله الأطهار).

وأعظم من هذا كلام قاله عبيد الله بن الحر الجعفي حين استنصره عند وصوله إلى قصر بني مقاتل فنزل هو بفسطاط مضروب.

فقالعليه‌السلام : (( لمَنْ هذا الفسطاط ؟ )) فقيل: لعبيد الله بن الحرّ الجعفي قالعليه‌السلام : (( ادعوه إليّ )) فلمّا أتاه الرسول قال له: هذا الحسين بن عليعليه‌السلام يدعوك فقال عبيد الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهة أن يدخلها الحسين وأنا فيها والله ما اُريد أن أراه ولا اُريد أن يراني فأتاه الرسول فأخبره، فقام الحسينعليه‌السلام حتّى دخل عليه وسلّم وجلس، ثمّ دعاه إلى الخروج معه، فأعاد إليه عبيد الله بن الحرّ تلك المقالة واستقاله ممّا دعاه إليه.

ثمّ قال له الحسينعليه‌السلام : (( أيّها الرجل، إنّك مذنب خاطئ، وإنّ الله (عزّ وجلّ) آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه فتنصرني، ويكون جدّي شفيعك بين يدي الله تبارك وتعالى )).

فقال: يابن رسول الله، لو نصرتك لكنت أوّل مقتول بين يديك، ولكن هذه فرسي خذها إليك، فوالله ما ركبتها قطّ وأنا أروم شيئاً إلاّ بلغته، ولا أرادني أحد إلاّ نجوت عليها، فدونك فخذها.

فأعرض عنه الإمام الحسينعليه‌السلام بوجهه، ثمّ قالعليه‌السلام : (( لا حاجة لنا فيك، ولا في فرسك،( وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) ، ولكن فرّ، فلا لنا ولا علينا ؛ فإنّه مَنْ سمع واعيتنا أهل البيت ثمّ لم يجبنا كبّه الله على وجهه في نار جهنّم )).

وفي بعض الأخبار أنّه قال: (( لا حاجة لي بفرسك ؛ فإنّي لا أفرّ من أحد ولا ألحق مدبراً )).

ثمّ قام الحسينعليه‌السلام من عنده حتّى دخل رحله، ثمّ تداخله الندم بعد ذلك حتّى كادت نفسه أن تفيض فقال:

فيا لكِ حسرةً مادمتُ حيّا

تردد بين حلقي والتراقي

حسينٌ حين يطلبُ بذلَ نصري

على أهلِ الضلالةِ والنفاقِ

غذاة يقولُ لي بالقصرِ قول

أتتركنا وتزمع بالفراقِ


ولو أنّي اُواسيه بنفسي

لنلتُ كرامةً يومَ التلاقي

مع ابن المصطفى نفسي فداه

تولّى ثمّ ودّعَ بانطلاقِ

فلو فلقَ التلهّفُ قلبَ حيٍّ

لهمّ اليوم قلبي بانفلاقِ

فقد فازَ الأُلى نصروا حسينـاً

وخابَ الآخرونَ ذوو النفاقِ

ولم تؤثّر استنصاراتهعليه‌السلام في الطريق إلاّ في زهير بن القين ؛ فإنّه كان من فزارة وبجيلة يجانبون الإمام الحسينعليه‌السلام حتّى نازلوه في منزل ونزلوا عنه جانباً.

قال أصحابه: فبينا نحن نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسينعليه‌السلام وسلّم ثمّ دخل، والتفت إلى زهير فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبد الله الحسينعليه‌السلام بعثني إليك لتأتيه فطرح كلّ إنسان منّا ما في يده، حتّى كأنّما على رؤوسنا الطير ؛ كراهية أن يذهب زهير إلى الحسينعليه‌السلام .

فقالت له امرأته ـ قال السيد: وهي ديلم أو دلهم بنت عمرو ـ: سبحان الله ! أيبعث إليك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ لا تأتيه ؟! لو أتيته فسمعت كلامه ثمّ انصرفت.

فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقوّض ( أي نزع أعواده وأطنابه ) وحُمل إلى جهة الحسينعليه‌السلام .

ثمّ قال لامرأته: أنتِ طالق، الحقي بأهلك ؛ فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خيراً، وقد عزمت على صحبة الحسينعليه‌السلام لأفديه بروحي وأقيه بنفسي ثمّ أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمومتها لوصلها إلى أهلها فقامت إليه، وبكت وودّعته، وقالت: خار الله لك، أسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسينعليه‌السلام .

ثمّ قال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فهو آخر العهد منّي سأحدّثكم حديثاً: إنّا غزونا البحر ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي (رضوان الله تعالى عليه وصلواته): أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم ؟ فقلنا: نعم فقال لنا: إذا أدركتم سيد شباب آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم


معه ممّا أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فأستودعكم الله تعالى.

قالوا: ثمّ والله مازال في القوم حتّى قُتل (رضوان الله عليه).

الاستنصار الرابع: استنصاره بإرسال الكتاب إلى أعيان أهل البصرة، وكان اسم الرسول سليمان، وكنيته أبو رزين، والكتاب هذا: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى أشراف البصرة ووجوهها إنّي أدعوكم إلى كتاب الله (عزّ وجلّ) وإلى سنة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّ السنّة قد اُميتت، وأنّ البدعة قد اُحييت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم إلى سبيل الرشاد والسّلام )).

فلمّا بلغ الكتاب إليهم جمع يزيد بن مسعود النهشلي من تميم وبني قحطبة وبني سعد، وخطب فيهم ووعظهم، وكان من خطبته لهم: هذا الحسين بن عليعليه‌السلام ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل ( الأصيل )، له فضل لا يوصف، وعلمٌ لا يُنزف (لا يفنى)، وهو أولى بهذا الأمر ؛ لسابقته وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير، ويحسن إلى الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قومٍ وجبت لله به الحجّة، وبلّغت به الموعظة، فقد تحملتم ذنوباً يوم الجمل فاغسلوها بنصرة ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأجابوه وعزموا على الخروج إليه، فلمّا تجهز للمصير بلغه قتلهعليه‌السلام قبل أن يسير.

الاستنصار الخامس: استنصاره من أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّه على رأيه، وهو: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليعليه‌السلام إلى سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيّب بن نجيّة، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن وأل، وجماعة المؤمنين أمّا بعد، فقد علمتم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في حياته: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعمل في عباد الله تعالى بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله تعالى أن يُدخله مدخله وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلال الله، وإنّي أحقُ بهذا الأمر ؛ لقرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم ؛ فلكم بي أُسوة ،


وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، والمغرور مَنْ اغتر بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم والسّلام )).

ثمّ طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مُسهِر الصيداوي، فلمّا قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير التميمي فقبض عليه ليفتشه، فأخرج قيس الكتاب فخرّقه أي مزّقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد (لعنه الله)، فلمّا مثُل قيس بين يديه قال له: مَنْ أنت ؟

قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهما‌السلام وابنه الإمام الحسينعليه‌السلام .

قال ابن زياد: لماذا خرّقت الكتاب ؟

قال قيس: لئلاّ تعلم ما فيه.

قال ابن زياد: وممّن الكتاب ؟ وإلى مَنْ ؟

قال قيس: من الحسين بن عليعليه‌السلام إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.

فغضب ابن زياد، وقال له: والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه، وإلاّ قطّعتك إرباً إرباً.

فقال قيس: أمّا القوم فلا اُخبرك بأسمائهم وأمّا لعنة الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.

فصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأكثر من الترحّم على علي ووُلده (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين)، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد (لعنه الله)، ولعن أباه (لعنه الله)، ولعن عتاة بني أُمية عن آخرهم.

ثمّ قال: أنا رسول الحسينعليه‌السلام إليكم أيّها الناس، إنّ الحسين بن علي خير خلق الله، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول اللهعليها‌السلام ، وأنا رسوله إليكم، وقد خلّفته بالحجاز فأجيبوه، وقد خلّفته بموضع كذا فأجيبوه.

فأمر به عبيد الله بن زياد أن يُرمى من فوق القصر، فرُمي به (صلوات الله عليه) فتقطّع.

وروي أنّه وقع على الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يُقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فقيل له في ذلك وعِيب عليه، فقال: أردت أن اُريحه.

الاستنصار السادس: استنصارهعليه‌السلام من الذين جاؤوا لقتاله ؛ لإتمام الحجّة عليهم، فاستنصر الحرّ وعسكره حين تلقّوه وحبسوه عن الرجوع تارة، واستنصر عمر بن سعد (لعنه الله) في الليلة السادسة.

أمّا الأوّل فإنّهعليه‌السلام لمّا استقبلوه سقاهم، ثمّ سايروه، ولم يزل الحرّ موافقاً للحسينعليه‌السلام حتّى حضرت صلاة الظهر.

فأمر الحسينعليه‌السلام الحجّاج بن مسروق الجعفي أن يؤذّن بالناس، فأذّن الحجّاج، فلمّا حضرت الإقامة خرج


الحسينعليه‌السلام في إزار ورداء ونعلين متّكئاً على قائم سيفه، فاستقبل القوم وحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (( أيّها الناس، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم أن أقدم علينا ؛ فإنّه ليس لنا إمام، ولعلّ الله أن يجمعنا وإيّاكم على الهدى والحقّ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئن به من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم )).

فسكتوا عنه، ولم يتكلّموا كلمة، فقالعليه‌السلام للمؤذّن: (( أقم )) فأقام الصلاة، فقال الحسينعليه‌السلام للحر: (( أتريد أن تصلّي بأصحابك ؟ )) قال الحر: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك.

فصلّى بهم الإمام الحسينعليه‌السلام وبعد فراغه دخل الخيمة، فاجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه الذي كان فيه، ودخل خيمة قد ضُربت له، واجتمع إليه خمسمئة من أصحابه.

وعاد الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه فأعادوه، ثمّ أخذ كلّ منهم بعنان فرسه وجلس في ظلّها من شدّة الحرّ.

ولمّا كان وقت العصر أمر الحسينعليه‌السلام أن يتهيّؤوا للرحيل، ففعلوا، ثمّ أمر مناديه فنادى بالعصر، وأذنّ وأقام فاستقدم الحسينعليه‌السلام ، فقام وصلّى بالقوم صلاة العصر، ثمّ سلّم وانصرف بوجهه إليهم، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (( أمّا بعد، أيّها الناس، إنّكم إن تتّقوا الله، وتعرفوا الحقّ لأهله، يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، وقدِمت به عليّ رسلكم، انصرفت عنكم )).

فقال الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكرونها ؟

فقال الحسينعليه‌السلام لبعض أصحابه: (( اخرج الخُرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ )) فأخرج خرجين مملوءين فنُثرت بين يديه.

فقال له الحرّ: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد اُمرنا أنّا إذا لقيناك لا نفارقك حتّى نُقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.

فقال الحسينعليه‌السلام : (( الموت أدنى إليك من ذلك )).

وأمّا استنصاره ابن سعد (لعنه الله)، فإنّ الإمام الحسين (صلوات الله تعالى عليه) أرسل إليه أنّي اُريد أن أُكلّمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك.


فخرج إليه ابن سعد (لعنه الله) في عشرين، وخرج إليه الإمام الحسينعليه‌السلام في مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الحسينعليه‌السلام أصحابه، فتنحوا وبقي أخوه العباس وابنه علي الأكبرعليهما‌السلام ، وأمر عمر بن سعد (لعنه الله) أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( ويلك يابن سعد ! أما تتّقي الله الذي إليه معادك ؟ أتقاتلني وأنا ابن مَنْ علمت ؟! ذر هؤلاء القوم وكن معي ؛ فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى )).

فقال عمر بن سعد (لعنه الله): أخاف أن تُهدم داري.

فقال الحسينعليه‌السلام : (( أنا أُخلفك عليك خيراً منها، من مالي بالحجاز )).

فقال عمر: لي عيال بالكوفة وأخاف عليهم.

فقال الحسينعليه‌السلام : (( أنا أضمن سلامتهم )).

ثمّ سكت عمر ولم يجبه بشيء.

فانصرف الحسين (صلوات الله عليه عنه)، وهو يقول: (( ما لك ! ذبحك الله على فراشك سريعاً عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك ونشرك، فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً )).

فقال ابن سعد (لعنه الله): في الشعير كفاية عن البرّ مستهزئاً بذلك القول.

أقول: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لا حاجة له لأحد، فكيف بأعدائه، ولكن ذلك الموقف وغيره لإلقاء الحجّة عليهم في الدنيا. الاستنصار السابع: استنصار لهعليه‌السلام بعد ما حوصر في كربلاء، وبلغ عدد الخيل والرجال ثلاثين ألفاً، وحالوا بينه وبين الماء.

فجاء حبيب بن مظاهر (صلوات الله عليه) إلى إمامه الحسين (صلوات الله عليه)، وقال له: يابن رسول الله، إنّ هنا حيّاً من بني أسد بالقرب منّا، أتأذن لي بالمصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك ؟ فعسى الله أن يدفع بهم عنك بعض ما تكره. قال الحسينعليه‌السلام : (( قد أذنت لك )). فخرج إليهم في جوف الليل سرّاً حتّى صار إليهم، فعرفوا أنّه من بني أسد. فقالوا له: ما حاجتك ؟ قال: إنّي قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيّكم ؛ فإنّه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلّموه أبداً، وهذا عمر بن سعد (لعنه الله) قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا به شرف الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

فإنّي اُقسم بالله تعالى لا يُقاتل منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صابراً محتسباً إلاّ كان رفيق محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله في أعلى عليين.

فوثب إليه رجل من بني أسد يُقال له عبد الله


ابن بشير فقال له: أنا أوّل مَنْ يُجيب إلى هذه الدعوة، فجعل يرتجز وهو يقول :

قد علمَ القومُ إذا تواكلوا

وأحجمَ الفرسانُ إذ تثاقلوا

إنّي الشجاعُ البطلُ المقاتل

كأنّني ليثُ عرينٍ باسلُ

ثمّ تبادر رجال آخرون حتّى التأم منهم تسعون رجلاً فأقبلوا يريدون الحسين إمامهمعليه‌السلام .

وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي وصار إلى عمر بن سعد (لعنه الله) فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد رجل من أصحابه يُقال له: الأزرق بن الحرث الصداوي، فضمّ إليه أربعمئة فارس ووجّه به إلى حيّ بني أسد فبينما اُولئك القوم قد أقبلوا في جوف الليل مع حبيب يريدون عسكر الحسينعليه‌السلام ، إذ استقبلتهم خيل ابن سعد (لعنه الله)، على شاطئ الفرات.

وكان بينهم وبين عسكر الحسينعليه‌السلام اليسير، فتناوش الفريقان ( أي أخذ بعضهم بعضاً ) واقتتلوا قتالاً شديداً، فصاح حبيب بن مظاهر بالأزرق: ويلك ! ما لك وما لنا، انصرف عنّا ودعنا يشقى بنا غيرك.

فأبى الأزرق أن يرجع، وعلمت بنو أسد أنّه لا طاقة لهم بالقوم، فانهزموا راجعين إلى حيّهم، ثمّ إنّهم ارتحلوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد (لعنه الله) أن يبيتهم، ( أي يصيبهم ويأخذهم بغتة في الليل ).

ورجع حبيب بن مظاهر (صلوات الله تعالى عليه) إلى الحسين (صلوات الله عليه) فأخبره بذلك، فقال الإمام الحسينعليه‌السلام : (( لا حول ولا قوّة الاّ بالله )).

وهذا آخر استنصاراته، وقد يئس بعد ذلك من الناصر، وعلم أنّه لا ينصره أحد، وأنّ الجهاد الذي هو للانتصار والظهور على الأعداء قد سقط عنه، وأنّه قد تمحّض تكليفه بجهاد خاص، وهو الجهاد والقتال ليُقتل، فجمع أصحابه يخبرهم بأنّه لا ناصر له، وأنّ التكليف بالجهاد للنصر واحتمال الغلبة قد ارتفع، وأنّه لا تكليف عليهم بذلك.

فقام خطيباً فيهمعليه‌السلام ، وهو مكسور القلب، منقطع الرجاء، فقال لهم: (( إنّه قد نزل من الأمر ما ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت، وأدبر معروفها )) إلى آخر ما قال (سلام الله عليه).

ومضمونه: أنّه


لا رجاء لي بعد في الاستنصار من أيّ أحد، بل قد يئست من نصرة الناس، وقد خذلني جميع الناس، ولا ذمام عليكم منّي في التكليف بالجهاد معي للانتصار، ولا الظهور على الأعداء، واحتمال الغلبة، بل قد قدّر الله تعالى القتل لي، ولِمَنْ معي، فمَنْ وطّن نفسه على ذلك فليبايع للقتل معي، ومَنْ لا يرغب في ذلك فلينصرف في هذا الليل البهيم، فلا مقصود للقوم غيري.

فتكلّم أصحابه بكلمات عجيبة، نذكر تفصيلها في عنوان الشهداء، وبايعوه البيعة الثانية على ذلك.

الوجه الثالث: إنّ التلبيات السبع، إجابات سبع، لاستغاثات سبع، كانت لأمور خاصة، لم يغثه أحد فيها.

فأوّلاً: استغاث لسقي جميع أهله وأصحابه.

وثانياً: استغاث لسقي النساء والأطفال، وقالعليه‌السلام : إنّهنّ ليس عليهنّ جناح، أو إنّهنّ لن يقاتلنكم.

وثالثاً: استغاث لسقي الطفل الرضيععليه‌السلام فقط، فقالعليه‌السلام : أما من أحد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطفل ؟ ثمّ قنع بأن يسقوه، فقال: اسقوا هذا الرضيع.

ورابعاً: استغاث لئلاّ ينهبوا حرمه، مناديا: (( يا شيعة آل أبي سفيان )) مقولته المشهورة.

وقالعليه‌السلام : (( اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي ))(١) .

وخامساً: استغاث لا لئلاّ ينهبوا الخيام، بل لأن يمهلوهم ساعة، فقال: (( رحلي لكم عن ساعة مباح )).

وسادساً: استغاث وهو مطروح لئلاّ يحرقوا أهله وحرمه ؛ فإنّه سمع شمراً (لعنه الله) يقول: عليّ بالنار اُحرقه على مَنْ فيه، فاستغاثعليه‌السلام ونادى: (( يابن ذي الجوشن، أنت الداعي بالنار لتحرق الخباء على أهلي ؟ ))

وسابعاً: استغاث (صلوات الله تعالى عليه) وهو في آخر رمق لقطرة من الماء، فحزوا رأسه وهو في هذه الاستغاثة.

فإذا لم يجبه أحد لهذه الاستغاثات السبع، ناسب أن يلبّوا لهعليه‌السلام أولياؤه بعددها، فيفوزوا بثواب إغاثتهعليه‌السلام في تلك الحالات إذا لاحظوها في تلبيتهم.

الوجه الرابع: وما أدراك ما الوجه الرابع، أنّ التلبيات السبع، إجابات سبع، لاستغاثات سبع، وقعت منه، لأصل حالته، وخذلان الناس عنه، وعدم الاعتناء به، وكربته وغربته ووحدته، بلا طلب شيء خاص من أحد.

____________________

(١) لم نعثر على هذا النص في موسوعاتنا الروائية، والذي وجدناه للإمامعليه‌السلام هو: (( إنّي أقول: أقاتلكم وتقاتلونني، والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا عتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حيّاً )) (راجع اللهوف في قتلى الطفوف ـ للسيد ابن طاووس / ٧١) وأمّا ما ذُكر فهو مقطع من بيت شعر على لسان حالهعليه‌السلام وهو :

قال اقصدوني واتركوا حرمي

قد حان حيني وقد لاحت لوائحه

(موقع معهد الإمامين الحسنَين)


وهذه هي التي سمّاها بالواعية (الواعية أي الصارخة) وقد حصل لها تأثيرات خاصة.

فكلّ واحدة من هذه الاستغاثات لها تحريك خاصّ، وتأثير خاصّ، وحصل بها انقلابات، وتغيّر أوضاع مخصوصة، فاستمع لها فإنّها إلى الآن تدور على أسماع محبيه والموالين له.

فإذا علت أصوات الاستغاثة فاستمعوا لها وأنصتوا، وأجيبوا داعي الله بالتلبية رحمة لهعليه‌السلام لعلكم ترحمون.

الاستغاثة الأولى حين التقى العسكران، أنزل الله تعالى النصر على الحسينعليه‌السلام وكانت رايات النصر ترفرف على رأسه، فاختار لقاء الله تبارك وتعالى ثمّ استغاث لإتمام الحجّة، فأحدثت هذه الحالة همّة خاصة، وحرّكت عزماً خاصّاً لأصحابه، علاوة على بنائهم وعزمهم على المقاتلة، فصاروا يتهافتون على ذهاب الأنفس، وحصل لهم كيفية استعجال وتلهّب، وتأسّف وبكاء، وانقلاب حال سنذكره في عنوان الشهداء.

فلبّوا تأسّياً بهم وقولوا: إن كان لم يجبك بدني مثل الشهداء حين استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي بحبّ عملهم، وبصري بالبكاء، إلى آخر ما في الزيارة، فإذا لبّيت لذلك فتهيّأ لاستماع :

الاستغاثة الثانية: فقد علا صوته المباركعليه‌السلام لمّا اشتدّ الأمر عليه، واستحرّ القتل في الأصحاب، والاضطراب في النساء، وصعب الأمر عليه فصاح مستغيثاً: (( هل من ذابٍّ يذبّ عنّا )) فأثّر ذلك في النساء اللاتي كنّ معهم، فحرّكت هذه الاستغاثة همّة النساء، فبذلنَ أولادهنّ ورجالهنّ وأنفسهنّ حتّى قُتل بعضهنّ، كما سيجيء ذلك في عنوان الشهداء إن شاء الله.

ثمّ هذه الاستغاثة حرّكت همّة العجائز، فأجبنه بالتلبية ببذل الأعزّ من أنفسهنّ، أعني شبابهنّ وأفلاذ أكبادهنّ.

أفلا تتحرّك همّتك إذا زرته، وتصوّرت ذلك؟! فتجيب الاستغاثة الأولى بالتلبية الأولى وتقول: لبّيك يا داعي الله تعالى، إن لم يجبك بدني عند استغاثتك، ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي، فإذا لبّيت الثانية فاستمع فقد علت :

الاستغاثة الثالثة: لمّا قُتلوا جميعاً، وبقي (صلوات الله عليه) وحده، وخرج عازماً


على لقاء الله تعالى، جاء قبال القوم وهو راكب فرسه، فنظر عن يمينه فلم يرَ أحداً، وعن شماله فلم يرَ أحداً ورأى قدّامه أصحابه وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) مطروحين، ووراءه عياله وأطفاله ومَنْ معه من النسوة بتلك الحالة ؛ فصاح (سلام الله عليه): (( أما من مغيث يغيثنا لوجه الله (عزّ وجلّ) ؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا ؟ )).

فأثّرت هذه الاستغاثة في نفاذ صبر النساء لمّا سمعنَ ذلك، فأخذنَ بالعويل والصراخ كلّهنّ دفعة واحدة، إلى أن بلغ صوتهنّ موقفه، فرجععليه‌السلام وقال: (( مهلاً، لا يشمت القوم بنا، فإنّ البكاء أمامكنّ )).

فهذه الاستغاثة قد أخرجت أصوات نسائه ؛ فصعب عليه ذلك حتّى رجع إليهنّ لإسكاتهنّ، فهل تلبّون له صارخين بالعويل؟ فإنّهعليه‌السلام يفرح بذلك، ويجبر قلبه ذلك، فلبّ له قائلاً بقلبك ولسانك: لبيك داعي الله، ملاحظاً هذه الاستغاثة.

وبعد ذلك لمّا اشتدّت الحالات منهعليه‌السلام ، وتواردت المصائب متتابعة إلى أن وقع طريحاً جريحاً مُصاباً، علت :

الاستغاثة الرابعة: منه، فأثّرت في حالة الإمام سيد الساجدين عليعليه‌السلام تأثراً أقامه من فراشه، مع أنّه مريض ولا يقدر على أن يقبل بنفسه، وليس عليه جهاد.

لكن حرّكته خصوصية تأثير هذه الاستغاثة، فأخذ بيده عصاً يتوكأ عليها، وسيفاً يجرّه في الأرض، فخرج من الخيام.

وخرجت أُمّ كلثوم خلفه تنادي: يا بُني ارجع وهو يقول: (( يا عمّتاه، ذريني أُقاتل بين يدي ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )) فقال الحسينعليه‌السلام : (( خذيه لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد (صلوات الله عليه وآله) )) فأرجعته أُمّ كلثومعليها‌السلام .

فلبّ أنت لأجل المصيبة الرابعة، وعجّل فقد تتابعت المصائب عليهعليه‌السلام ، وعلا منه صوت :

الاستغاثة الخامسة: وهوعليه‌السلام طريح جريح، مرمّل مُدمى عطشان، قد أعياه حرّ الجراح والشمس والبلايا، فأثّرت في الأطفال فخرج طفلان من الخيام لإغاثته (سلام الله عليه).

أحدهما طفل: خرج وفي اُذنيه درّتان، وهو مذعور يلتفت يميناً وشمالاً، فلمّا بعُد قليلاً من الخيام ضربه هانئ بن ثبيت (لعنه الله) على رأس ذلك الطفل المحمدي فقتله هناك، وأُمّه تنظر إليه ولا تتكلّم كالمدهوشة.

وثانيهما: عبد الله بن الحسنعليهما‌السلام ، وهو ابن إحدى عشرة سنة لمّا رأى عمّه طريحاً مستغيثاً


لبّى له وخرج إليه.

فنادى الحسينعليه‌السلام : (( يا أُختاه، احبسيه )) فأرادت حبسه، فقال: والله لا اُفارق عمّي فذهب إليه وجاهد عنه حتّى قُطعت يده المباركة، ثمّ قُتل على ما سيجيء تفصيله في عنوان أهل البيت (صلوات الله عليهم).

فإذا لبّيت له التلبية الخامسة، فعجّل ؛ فإنّه قد علت منه :

الاستغاثة السادسة: لمّا تهيّؤوا لقتلهعليه‌السلام وهو طريح، فأثّرت هذه الاستغاثة في زينب الكبرىعليها‌السلام أُخته، وأخرجتها إلى المقتل صائحة، وقيل: حاسرة حافية.

وأعظم من ذلك أنّها جاءت تستنصر ابن سعد (لعنه الله تعالى)، فقالت (صلوات الله عليها): يابن سعد، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! وهذه الحالة أبكت ابن سعد (لعنه الله) حتّى فاضت دموعه على لحيته، وصرف وجهه عنها.

فلبّ السادسة أنت، فقد اشتدّ الأمر، وبلغت الشدّة نهايتها، وتحقّقت من كلّ الاستغاثات :

الاستغاثة السابعة: وقد علا صوتها بطريق خاص، وعبارة خاصة، ونحو خاص، ووقت خاص، وحالة خاصة وخيمة، فأثّرت لا في أشخاص خاصين، كالاستغاثات السابقة، بل أثّرت في جميع الموجودات، وحرّكت جميع المخلوقات، وذُعر لها الناس وخضعوا، وزلزلت جميع العالمين من السماوات والأرضين، وما فيهنّ وما بينهنّ، وأخرجت كلّ مستقر من مستقره، وحرّكت كلّ ساكن من مسكنه، والعرش العظيم وما حوله، ومَنْ حفّ به وما فوقه وما بينهنّ، وحرّكت أجزاء الجنّة ومَنْ فيها، والنار ومَنْ فيها، وجميع ما يُرى وما لا يُرى.

ونفضي بيان خصوصياتها في عنوان شهادته بإشارة، وإلاّ فيعزّ عليّ أن اُحرّره ببياني، أو اُقرره بلساني، أو أتصوّره في جناني، فإذا لاحظتها بنحو الإجمال فأقتد بجميع ما خلق الله تعالى، ولبّ له الآن السابعة :

لبّيك داعي الله تعالى، إن لم يجبك بدني عند استغاثتك، فإنّي أُجيبك الآن بقلبي وسمعي وبصري، ونحيبي وزفرتي، وعويلي وشهيقي، وبكائي


وانقلاب أحوالي، وجميع ما يتعلّق بي، يا حسين يا إمامي.

وحقّق ذلك من نفسك ختاماً ـ هو مسك ـ إذا تحقّقت منك التلبيات السبع للإغاثات السبع، وأغثته بتلبيتك له ملاحظاً ما ذكرناه.

فاعلم أنّ الإغاثة بالإغاثة، والإجابة بالإجابة، بل التلبية بالتلبية، فإنّ لك حالات سبع، لك فيه استغاثات سبع، لا مغيث لك فيها، ولا تجد لاستغاثاتك مغيثاً أبداً نعم، إذا أجبت الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولبّيت له كما فصّلناه، فهو أيضاً يغيثك ويجيبك، بل يلبّي لك في استغاثاتك السبع، بإغاثات تنفعك، وتخلّصك من تلك الحالات الباعثة على :

الاستغاثة الأولى: من استغاثتك في حالة احتضارك،( إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) ، فمن حالاتك حينئذ الاستغاثة بنصرة الحفدة والأقرباء، والآباء والأبناء، والأعزّة والقرناء، والأصدقاء والأطباء، ولا ينفعك أحدهم أبداً، فإذا كنت قد لبّيت استغاثة هذا الداعي إلى الله تعالى، فلعلّهعليه‌السلام يحضرك ليغيثك من دون استغاثة ويسكن اضطرابك، بل يلبّي لك تلبية صادقة منجية، سريعة نافعة.

الاستغاثة الثانية: لك حين خروجك من قبرك عارياً ذليلاً، حاملاً ثقلك على ظهرك، تنظر عن يمينك وأُخرى عن شمالك فلا ترى أحداً تستغيث به، فإذا كنت ملبّياً استغاثة هذا الذبيح لله، فلعلك حين تنظر تراه قدّامك، أو تراه وهو يتفحّص عنك، أو ترى جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله والروح الأمينعليه‌السلام يتفقدانك ؛ ليأخذا بيدك فلا تنظر يميناً وشمالاً بعد ذلك.

وكما جاء: (( مَنْ سرّه أن ينظر إلى الله تعالى يوم القيامة، وتهون عليه سكرة الموت وهول المطلع فليكثر من زيارة قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّ زيارة الحسينعليه‌السلام زيارة قبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله )).

الاستغاثة الثالثة: لك استغاثتك من العطش الأكبر في يوم مقداره خمسون ألف سنة، والشمس تصهر الرؤوس في ذلك الزمان، إذ لا مغيث لها.

فإذا كنت لبّيت لساقي الحوض عند استغاثته من العطش، فلا بدّ أن يلبّي لك عند استغاثتك من العطش، فيسقيك بشربة لا تظمأ بعدها أبداً.

وقد جاء: (( إنّ الزائر له لا يتناهى له دون الحوض وأمير المؤمنينعليه‌السلام قائم على الحوض يصافحه ويرويه الماء )).

الاستغاثة الرابعة: حين يدور عليك خصماؤك، وتفرّ من كلّ ذي حقّ، وتفرّ من أخيك وأُمّك وأبيك، الذين هما أرأف الناس بك.

فتستغيث


فتبقى مأيوساً من كلّ أحد، وتتحير حينئذ بمَنْ تستغيث بعد ما تفرّ من أُمّك وأبيك.

فإذا كنت ملبّياً لاستغاثة صاحب المصيبة الرابعة فلعلك تراه يغيثك هناك، ويصلح لك أمرك مع خصمائك، ومطالبيك بالحقوق حتّى والديك.

الاستغاثة الخامسة: إذا صدر الأمر من الله سبحانه بالامتيار، ونودي:( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) وحصلت لكلّ واحد من المجرمين سمة يمتاز بها فلعلّ نور ميسم زائر الحسينعليه‌السلام يمنع ظلمة سمة المجرم الحاصلة عند الأمر بالامتياز، وانقطاعه عن الاستغاثة.

الاستغاثة السادسة: إذا صدر الحكم من الله الواحد القهار بالأخذ إلى النار، إمّا بالخطاب إلى الملائكة: خذوه، أو إلى النار: خذيه، فيُبكم لسانه عن الاستغاثة فلعلّك إذا لبّيت لاستغاثته يُلبّي لك حين تريد الاستغاثة، ولا ينطلق لسانك بها.

الاستغاثة السابعة: لك إذا لم يحصل لك ما يخلّصك في محشرك، ودخلت النار، والعياذ بالله، وهي بأحد كيفيات دخولها، فعند ذلك تستغيث تارة بالخزنة، وتارة بمالك، وتارة بالمتكبّرين الذين دخلت النار بسببهم، ولا تنفعك هذه الاستغاثات، بل يزيدك جوابهم لك عذاباً، مع إنّ الاستغاثة الجزئية لتخفيف يوم، وبمالك لأن يقضي عليك بالموت، وبالمتكبّرين لن يغنوا عنك من الله تعالى من شيء، ولو ساعة، أو نوعاً من العذاب.

لكن الإمام الحسينعليه‌السلام بحسب وعده يزور زائره، فإذا تأخّرت إلى ذلك الزمان لبعض الحكم والتأثيرات التي لا تغيّر ولا تبّدل، فلا بدّ أن يزورك هناك، فتنطفئ بزيارته لك النيران المتوقّدة عليك، ويرتفع عنك العذاب، ويأخذك معه إلى دار الثواب وحسن المآب.

الصنف الخامس: من الخطابات المختصة بالحسينعليه‌السلام عند زيارته هو السّلام على أعضائه واحداً واحداً، والوارد في سائر الزيارات: السّلام على المزور بذكر أوصافه وفي بعضها: السّلام على روحك وبدنك.

ولكن من خصوصيات الإمام الحسينعليه‌السلام : السّلام الخاص على أجزاء بدنه بالخصوص ،


فيسلّم على رأسه المبارك على حدة، وعلى وجهه الأزهر على حدة، وعلى خده التريب على حدة، وعلى شفتيه مستقلاً، وعلى ثغره على حدة، وعلى شيبه على حدة، وعلى دمه الزاكي على حدة، وعلى صدره مستقلاً، وعلى ظهره مستقلاً، وعلى قلبه على حدة، وعلى كبده على حدة.

ومن خصوصياته في هذه خصوصية أنّ السّلام على كلّ جزء منه يقع على وجوه :

ففي السّلام على رأسه الشريف قد يُقال: السّلام على الرأس المرفوع وقد يُقال: السّلام على الرأس المقطوع وقد يُقال: السّلام على الرأس المنصوب وقد يُقال: السّلام على الرأس الموضوع وقد يُقال: السّلام على الرأس المُدّمى وقد يُقال: السّلام على الرأس المسلوب وقد يُقال: السّلام على الرأس الأزهر الأنور الأبهج الهادي لدين جدّه المصطفى محمّد (صلوات الله عليه وآله).

وفي السّلام على النحر قد يُقال: النحر المنحور وقد يُقال: النحر المقطوع وقد يُقال: النحر المضروب وقد يُقال: النحر المرضوض بحوافر الخيل وقد يُقال: النحر الأقدس.

وفي السّلام على الجسد قد يُسلّم على الجسد التريب وقد يُسلّم على الجسد الخضيب وقد يُسلّّم على الجسد السليب وقد يُسلم على الجسد المجروح المطروح وقد يُسلم على الجسد المقطع المُدمى وقد يُسلّم على الجسد المرضض تكراراً وتكراراً وقد يُسلّم على الجسد المتفرّق وقد يُسلّم على الجسد المشرق نوراً كالشمس يطغى على رؤيته.

ومن خصوصياته في هذه الخصوصية أنّ كلّ جزء يُسلّم عليه بصفات خاصة، فبكلّ واحدة من الصفة الخاصة أيضاً يقع السّلام عليه بوجوه :

فإذا قلت: الرأس المصلوب، فقد يُقال: المصلوب على الشجرة وقد يُقال: المصلوب على باب دمشق وقد يُقال: المصلوب على باب دار يزيد.

وإذا قلت: الرأس الموضوع، فيُقال: الموضوع قدام يزيد، أو الموضوع قدام ابن زياد (لعنهما الله تعالى).

والوجه في هذه التسميات الخاصّة عليه: أنّ كلّ واحدة من هذه المصائب تسليم خاص منهعليه‌السلام لأمر الله تعالى لم يتّففق لغيره أبداً، فلا بدّ أن يجعل الله تعالى بإزائه رحمة خاصة به وهو العزيز الحكيم.

والمراد بالسّلام عليه: أن يُسلّم الله له ما جعله له، بأن يجعله حرماً آمناً لِمَنْ توسّل به، وتمسّك به، واستشفع به، وحصّل علاقة ورابطة به (صلوات الله عليه)، فإنّ ذلك أحد معاني السّلام على النبي المصطفى والأئمّة الهداة (صلوات الله عليهم أجمعين).

وفيه رجاء عظيم إذا سلّمنا عليه بهذه التسليمات الخاصة بأعضائه الشريفة المباركة، وبكينا على كلّ واحدة واحدة، ورجونا أن تنطفي بكلّ سلام نار موقدة على أعضائه قد أوقدتها الذنوب المحيطة المستغرقة لأعضائنا.


الباب الحادي عشر: في خصوصية زوّارهعليه‌السلام قبل شهادته وبعدها قبل أن يُدفن

فمنها مطلبان :

المطلب الأوّل: في زواره قبل شهادته وهم أقسام :

الأوّل: الملائكة ففي الحديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام : (( ألا وإنّ الملائكة زارت كربلاء ألف عام من قبل أن يسكنه جدّي الحسينعليه‌السلام )).

الثاني: سفينة نوحعليه‌السلام ، وبساط سليمان، وغنم إسماعيل، والظباء التي كلّمت عيسى بن مريم (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهذه كلّها قد زارته بطرق خاصة، وقد مرّ تفصيل أحاديثها في مجالس البكاء.

الثالث: الشهداء الذين اسشهدوا بين يديه حالة تهيؤهم للمقاتلة، فإنّهم قد زاروه زيارة مخصوصة، فإذا أراد أحدهم المبارزة راكباً أو راجلاً جاء عنده ووقف بين يديه وقال: السّلام عليك يا أبا عبد الله، السّلام عليك يابن رسول الله فيقول لهعليه‌السلام : (( وعليكم السّلام، ونحن خلفك، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً )).

والوجه في اهتمامهم بهذه الزيارة أنّهم أرادوا إدراك فيض الزيارة وهم أحياء، فيُضاف ذلك إلى أجر شهادتهم.

نعم، لبعض الشهداء في كيفية هذه الزيارة خصوصيات، وزياراتهم مخصوصة، فمنهم الأخوان عبد الله وعبد الرحمن الغفاريان، جاءا لزيارته فوقفا قدّامه بعيداً منه وقالا: السّلام عليك يا أبا عبد الله.

فقال لهماعليه‌السلام : (( ادنوا منّي )).

فدنيا ووقفا قريبا منه وقالا: يا أبا عبد الله السّلام عليك، جئنا لنُقتل بين يديك.

فقالعليه‌السلام : (( وعليكما السّلام ورحمة الله وبركاته )).

وجاء الفتيان الجابريان حسيناًعليه‌السلام فدنيا منه، وكانا يبكيان بكاءً شديداً.

فقالعليه‌السلام لهما: (( يا ابنَي أخي ما يبكيكما، فوالله إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين ؟ )).

فقالا: جعلنا الله فداك، والله ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك ؛ نراك وقد اُحيط


بك ولا نقدر أن ننفعك.

فقال (صلوات الله عليه): (( جزاكما الله يا ابني أخي بوجدكما(١) من ذلك، ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين )).

ومن ذوي الخصوصية لهذه الزيارة المخصوصة علي بن الحسينعليهما‌السلام ، فقد جعل سلامه بعد مبارزته ومقاتلته، ووقوعه على الأرض مجدّلاً، وقد أعياه نزف الدماء وحرارة الشمس، فتوجّه في ذلك الوقت إلى زيارة والده الحسينعليه‌السلام ، فقالعليه‌السلام : يا أبتاه، عليك منّي السّلام فكانت له خصوصية في وقت السّلام، وكيفيته وجوابه.

أمّا سبب تأخيره إلى ذلك الوقت، فلأنّ الحسينعليه‌السلام كان جالساً أو واقفاً أمام الخيمة حين أراده سائر الشهداء للمبارزة، فكانوا يسلّمون عليه على حسب العادة، ولإدراك ثواب زيارته، وهم أحياء كما ذكرنا.

وأمّا عليعليه‌السلام فإنّه لمّا أراد المبارزة جاء الحسينعليه‌السلام إليه ومشى وراءه، ولم يستقر حتّى يخاطبه بالسّلام.

وأمّا سبب السّلام بعليك السّلام لا بالسّلام عليك ؛ فلأنّ سلامه كان سلام وداع وانصراف، لا سلام تحية.

وأمّا خصوصية الجواب ؛ فإنّهعليه‌السلام لم يجب هذا السّلام، لأنّه لم يكن سلام تحية يجب ردّه، ولأنّه عرضت له حالة عند سماع هذا السّلام أسقطت جميع قواه، وغيّرت أحواله ؛ فأجابه بندائه: (( يا بُني قتلوك ! )) وسيجيء تفصيل الحال إن شاء الله في عنوان شهادتهعليه‌السلام .

المطلب الثاني: في زواره بعد شهادته قبل دفنه.

فنقول: أوّل مَنْ زاره بعد الشهادة هو الله تعالى العلي العظيم، كناية عن توجّه خصوصيات الألطاف الخاصة الكثيرة إليه، والرحمات الإلهية والفيض الربّاني له.

ثمّ زاره رسول الله المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأعطاه الكأس المذخورة له، وهي التي أخبر بها علي ولده.

فيُعلم من ذلك أنّها كانت في يده قبل شهادته، وقد سقاه بعدها بلا فاصلة، وإذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله زائراً قطعاً فعلي وفاطمة والحسنعليهم‌السلام معه أيضاً.

ثمّ زاره بعد ذلك الملائكة الذين نزلوا لنصرته فلم يدركوه، فاُمروا بأن يقوموا عند قبره يزورونه إلى يوم

____________________

(١) معنى وجدكما أي حزنكما.


القيامة، كما مرّ تفصيل ذلك في عنوان الملائكة.

ثمّ زاره بعد ذلك ذو الجناح ( فرسه )، ثمّ الطيور نهاراً، والوحوش ليلاً، والجنّ ونساء الجنّ، لكلّ منهم زيارة خاصة.

وأمّا زواره من الناس فأوّلهم الإمام السجّاد زين العابدينعليه‌السلام ، وزينب الكبرىعليها‌السلام ، وسائر أهل بيته الأسرىعليهم‌السلام ، وأحد عشر طفلاً من أهل البيت، وقد اجتمع هؤلاء الزوّار، فقصدوا زيارته.

وأتوا بجميع آداب الزيارة بالطريق الذي ورد بالخصوص في آداب زيارته التي ذكرناها، فأتوه مغبرين، جائعين ظامئين، حزينين باكين، وزيادة على ذلك أنّهم حفاة عراة حاسرين.

ومنهم مَنْ زاد على ذلك بالأغلال، والجامعة في العنق الدامي الذي تآكل من شدّة الجامعة التي في عنقه المبارك.

نعم، قد فاتتهم إحدى الآداب للزيارة، وهي الغسل بماء الفرات أو الوضوء للزيارة لكن قد استبدلوا ذلك بتيممهم دماً طيّباً زاكياً، فمسحوا وجوههم وأيديهم منه، فصار هذا التيمم أفضل من الغسل بالفرات، ثمّ شرعوا في الزيارة، وكانت الزيارة على نحو ما ورد في زياراته: من الابتداء بالسّلام على النبي وعلي وفاطمة والحسنعليهم‌السلام ، ثمّ السّلام على الإمام الحسين الغريب الشهيدعليه‌السلام .

وكان أصل الزيارة لزينب الحوراءعليها‌السلام ، وباقي الزوّار يقرؤون معها، ولم يُنقل عن الإمام السجّادعليه‌السلام بأحد أنواع السّلام مع أنّه أولى بذلك، والوجه في ذلك أنّهعليه‌السلام مع أنّه كان عليلاً، وصار مغلولاً، وكانت الجامعة في عنقه الدامي، وما مكّنوه من النزول من الجمل الراكب عليه، قد عرضت لهعليه‌السلام في ذلك الوقت حالة، إذ كان يجود بنفسه، وصار محتضراً.

فتبيّنت منه ذلك زينب الكبرىعليها‌السلام وسألته، فأجابها بما أجابها ممّا سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى ؛ فلهذا لم يزر زيارة خطاب وسلام، واختصّ ذلك بباقِ أهل البيتعليهم‌السلام ، لكن لم يدعوهنّ ليتممنّ الزيارة ففرّقوا بين الزوّار والمزور، وقرّبوا الأظعان، وجروهنّ قهراً من فوق الأجساد، وجعلوهنّ على أقتاب المطايا يُسار بهنّ إلى الكوفة.

الباب الثاني عشر: في زوّارهعليه‌السلام بعد دفنـه

وهم أنواع :

منهم مَنْ زارهعليه‌السلام زيارة مستمرة دائمة، أو في وقت معين دائم، فالمستمرون زيارتهم إلى يوم القيامة


دائمة، ما اتّصل الليل والنهار لا يفترون، وهم صنف من الملائكة، وقد تبيّن في عنوان الملائكة.

وأمّا الدوام بحسب الأوقات، فالذي يجلّ عن المكان، والمجيء والذهاب وتغيّر الأحوال، وهو الله العظيم يزوره كلّ ليلة جمعة، أي يفيض الله تعالى عليه لطفاً خاصاً يعبّر عنه بالزيارة.

ويزوره أيضاً مستمراً في كلّ ليلة جمعة الأنبياءعليه‌السلام كلّهم، والأوصياء (صلوات الله عليهم أجمعين) وكذلك يزوره الأنبياء (عليهم الصلاة والسّلام) بأجمعهم ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر من كلّ سنة دائماً وأمّا الملائكة جبرئيل وإسرافيل وميكائيلعليهم‌السلام فلهم أوقات مخصوصة لزيارتهم طول السنة دائماً.

وأمّا أهل هذه النشأة فأوّل مَنْ زاره بعد دفنه سيد الساجدينعليه‌السلام حين دفنه بعد ثلاثة أيام مع جماعة من بني أسد على التفصيل الذي نذكره في عنوان التجهيز الخاص به فلمّا سوى القبر زار والده بسلام خاص، وكلمات مخصوصة، واضعاً كفّه على القبر كما سيجيء في ذلك العنوان إن شاء الله تعالى.

وبعد ذلك زارته القبائل المحيطة بكربلاء، حتّى روي أنّه زاره بعد دفنه في سنة أو سنتين مئة ألف امرأة ممّن لا يلدن.

وممّن زاره بعد دفنه بأيّام عقبة بن عمرو السهمي، ويُقال: أنّه أوّل شاعر رثى الإمام الحسينعليه‌السلام ، حاء قبره المبارك ووقف على قبره وأنشد يقول :

مررتُ على قبرِ الحسينِ بكربلا

ففاضت عليهِ من دموعي غزيرها

فما زلتُ أرثيهِ وأبكي لشجوه

ويسعدُ عيني دمعها وزفيرها

وبكيتُ من بعدِ الحسين عصابةً

أطافت بهِ من جانبيها قبورها

سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا

وقلّ لها منّي سلامٌ يزورها

سلامٌ بآصالِ العشي وبالضحى

تؤدّيهِ نكباءُ الرياحِ ومورها


ولا برحَ الوفــّادُ زوّارُ قبره

يفوحُ عليهم مسكُها وعبيرها

* * *

* النكباء: أي الريح المنحرفة عن مهاب الرياح ووقعت بين ريحين أو بين الصبا والشمال.

* المور (بالضم): الغبار.

وأوّل مَنْ زارهعليه‌السلام قاصداً إليه من بُعد البلاد هو جابر بن عبد الله الأنصاري (صلوات الله تعالى عليه)، ولزيارته كيفية خاصة نذكرها في محلّها إن شاء الله تعالى.

ثمّ بعد ذلك جعل الله تعالى أفئدة من الناس تهوي إليهعليه‌السلام ، فقصدته الشيعة من الأطراف في زمن بني أُميّة، فمنعوا من ذلك، وجعلوا المراصد والحرس لمنع ذلك، وأمروا بالقتل والصلب، وقطع الأيدي والأرجل لك مَنْ زاره، فلم يزد ذلك إلاّ كثرة زائريه وإلى مدى الدهور.

ثمّ إنّ المتوكّل من بني العباس (لعنه الله)، لشدّة عداوته بالخصوص مع الزهراء البتول فاطمة (صلوات الله تعالى عليها) وبنيها، منع من الزيارة أشدّ المنع، ولمّا رأى ذلك لا يفيد أمر بتخريب القبر الشريف.

ثمّ لمّا رأى أنّ ذلك لا يفيد أمر بمحو أثره بالحرث والنبش وإجراء الماء، فجعل الله تعالى من خصائص الحسينعليه‌السلام أنّ هذا الذي خرب القبر، وحرثه ونبشه، وأجرى الماء عليه أمر بتعمير القبر، ونادى المنادي بإذنه في زيارة الإمام الحسين (صلوات الله تعالى عليه).

وتفصيل ذلك كما في الأخبار، أنّ المتوكّل (لعنه الله) من خلفاء بني العباس، كان كثير العدواة، وشديد البغض لأهل بيت رسول الله المعصومينعليهم‌السلام .

وهو الذي أمر الموكّلين بحرث قبر الحسينعليه‌السلام بأن يخربوا بنيانه، ويخفوا آثاره، ولا يقف على خبره أحد، وتوعّد بالقتل مَنْ زار قبره، وجعل رصداً من أجناده وأوصاهم بقتل كلّ مَنْ وجدوه يريد زيارة الحسينعليه‌السلام ، يريدون بذلك إطفاء نور الله تعالى، وإخفاء آثار ذرية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ومحو الإسلام دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده.

فبلغ الخبر إلى رجل من أهل الخير يُقال له ( زيد المجنون ) وكان ذا عقل سديد، ورأي رشيد، وإنّما لُقّب بالمجنون لأنّه أفحم كلّ لبيب، وقطع حجّة كلّ أريب، وكان لا يعيى من الجواب، ولا يملّ من الخطاب.

فسمع بخراب بنيان الإمام الحسينعليه‌السلام ، وحرث مكانه، فعظم ذلك عليه، واشتدّ حزنه وتألّمه، وتجدد مصابه بسيده الحسينعليه‌السلام ، وكان مسكنه يومئذ بمصر.


فلمّا غلب عليه الحزن والوجد لحرث قبر الإمامعليه‌السلام خرج من مصر ماشياً هائماً على وجهه، شاكياً همّه وكربه إلى ربّه تعالى، وبقي حزيناً كئيباً، حتّى بلغ الكوفة.

وكان بهلول يومئذ فيها فلقيه زيد المجنون، فسلّم عليه فردّعليه‌السلام ، فقال له بهلول: من أين لك بمعرفتي؟ ولم ترني قطّ؟

فقال زيد: يا هذا، اعلم أنّ قلوب المؤمنين جنود مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.

فقال له بهلول: يا زيد، ما الذي أخرجك من بلادك بغير دابة ومركوب ؟

فقال: والله، ما خرجت إلاّ من شدّة وجدي وحزني، وقد بلغني أنّ هذا اللعين أمر بحرث قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتخريب بنيانه، وقتل زوّاره، فهذا الذي أخرجني من موطني، ونغّص عيشي، وأجرى دموعي، وأقلّ هجوعي، ( الهجوع: النوم الخفيف ).

فقال بهلول: وأنا والله كذلك.

فقال له: قم بنا نمضي إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد علي المرتضىعليهم‌السلام .

قال: فأخذ كلّ بيد صاحبه حتّى وصلا إلى قبر الحسينعليه‌السلام ، فإذا هو على حاله لم يتغيّر، وقد هدموا بنيانه، وكلّما أجروا عليه الماء غار وحار واستدار بقدرة العزيز الجبّار، ولم تصل قطرة واحدة إلى قبر الحسينعليه‌السلام .

وكان القبر الشريف إذا جاءه الماء ترتفع أرضه بإذن الله تبارك تعالى، فتعجّب زيد المجنون ممّا شاهده، وقال: انظر يا بهلول،( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .

قال: ولم يزل المتوكّل يأمر بحرث قبر الحسين (صلوات الله عليه) مدّة عشرين سنة، والقبر على حاله لم يتغيّر، ولا تعلوه قطره من الماء فلمّا نظر الحارث إلى ذلك قال: آمنت بالله تعالى، وبمحمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والله لأهربنّ على وجهي، وأهيم في البراري، ولا أحرث قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّي منذ عشرين سنة أنظر آيات الله تعالى، وأُشاهد


براهين آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أتّعظ ولا أعتبر !

ثمّ إنّه حلّ الثيران وطرح الفدان، وأقبل يمشي نحو زيد المجنون، فقال له: من أين أقبلت يا شيخ ؟ قال: من مصر قال: ولأي شيء جئت إلى هنا، وإنّي لأخشى عليك القتل ؟

فبكى زيد وقال: والله، قد بلغني حرث قبر الحسينعليه‌السلام فأحزنني ذلك، وهيّج حزني ووجدي فانكبّ الحارث على أقدام زيد يقبّلهما وهو يقول: فداك أبي وأُمّي !

فقال: يا شيخ، منذ إقبالكم عليّ أقبلت عليّ الرحمة، واستنار قلبي بنور الله تعالى، وإنّي آمنت بالله وبرسوله، وإنّي ومنذ عشرين سنة وأنا أحرث هذه الأرض، وكلّما أجريت الماء [على] قبر الحسينعليه‌السلام غار وحار واستدار ولم يصل إلى قبر الحسينعليه‌السلام منه قطرة، وكأنّي كنت في سكر وأفقت الآن ببركة قدومك إليّ.

فبكى زيد وتمثّل بهذه الأبيات، فقال :

تا اللــهِ إن كانت أُميّة قد أتت

قتلَ ابنَ بنتِ نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيهِ بمثله

هذا لعمرُكَ قبرُهُ مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتلهِ فتتبّعوهُ رميما

* * *

فبكى الحارث وقال: يا زيد، قد أيقظتني من رقدتي، وأرشدتني من غفتلي، وها أنا الآن ماضٍ إلى المتوكّل بسر مَنْ رأى أعرّفه بصورة الحال، إن شاء يقتلني، وإن شاء يتركني.

فقال له زيد: أنا أيضاً أسير معك البتة، وأساعدك على ذلك.

قال: فلمّا دخل الحارث على المتوكّل وخبّره بما شاهد من برهان قبر الإمام الحسينعليه‌السلام استشاط غيظاً، وازداد بغضاً لأهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمر بقتل الحارث، وأمر أن يُشدّ في رجله حبل ويُسحب على وجهه في الأسواق، ثمّ يُصلب في مجمع الناس ؛ ليكون عبرة لِمَنْ اعتبر، ولا يبقى أحد يذكر أهل البيتعليهم‌السلام بخير أبداً.

وأمّا زيد المجنون فإنّه ازداد حزنه، واشتدّ عزاؤه، وطال بكاؤه، وصبر


حتى أنزلوه من الصلب، وألقوه في زبالة هناك، فجاء إليه زيد فاحتمله إلى نهر دجلة فغسّله وكفّنه وصلّى عليه ودفنه، وبقي ثلاثة أيام لا يُفارق قبره، وهو يتلو كتاب الله تعالى عنده.

فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع صراخاً عالياً، ونوحاً شجيّاً، وبكاء عظيماً، ونساء كثيرات منتشرات، مشقّقات الجيوب، مسودّات الوجوه، ورجالاً كثيرين يندبون بالويل والثبور، والناس في اضطراب شديد، وإذا بجنازة محمولة على أعناق الرجال، وقد نشرت لها الأعلام والرايات، والناس من حولها أفواج، وقد انسد الطريق بالرجال والنساء.

قال زيد: فظننت أنّ المتوكّل قد مات، فتقدّمت رجلاً منهم، فقلت له: مَنْ يكون هذا الميت ؟ فقال: هذه جنازة جارية المتوكّل، وهي جارية سوداء حبشية، وكان اسمها ريحانة، وكان يحبّها حبّاً شديداً، ثمّ إنّهم عملوا لها شأناً عظيماً ودفنوها في قبر جديد، وفرشوا فيه الورد والرياحين، والمسك والعنبر، وبنوا عليها قبّة عالية.

فلمّا نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه، وتصاعدت نيرانه، وجعل يلطم وجهه، ويمزّق أطماره(١) ، ويحثوا التراب على رأسه وهو يقول: وا ويلاه ! وا أسفاه عليك يا حسين ! أتُقتل بالطفّ غريباً وحيداً فريداً، ظمآن شهيداً، وتُسبى نساؤك وبناتك وعيالك، ويُذبح أطفالك، ولم يبكِ عليك أحد من الناس، وتُدفن بغير غسل ولا كفن، ويُحرث بعد ذلك قبرك ؛ ليطفئوا نورك، وأنت ابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، ويكون هذا الشأن العظيم لموت جارية سوداء، ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله !

فلم يزل يبكي وينوح حتّى غشي عليه، والناس ينظرون إليه، فمنهم مَنْ رقّ له، ومنهم مَنْ حنا عليه، فلمّا أفاق من غشيته أنشد يقول :

أيُحرثُ بالطفّ قبرُ الحسيـن

ويُعمرُ قبرُ بني الزانيه

____________________

(١) أطمار: جمع طمر (بالكسر)، كحمل وأحمال، وهو الثوب الخلق والكساء البالي.


لعلّ الزمــانُ بهم [قد] يعود

ويأتـــي بدولتهم ثانيه

ألا لعنَ اللهُ أهلَ الفســاد

ومَنْ يأمــنُ الدنيا الفانيه !

* * *

ثمّ إنّ زيداً كتب هذه الأبيات في ورقة وسلّمها لبعض حجّاب المتوكّل.

قال: فلمّا قرأها اشتدّ غيظه، وأمر بإحضاره فأُحضر، وجرى بينه وبينه من الوعظ والتوبيخ ما أغاظه حتّى أمر بقتله (صلوات الله عليه)، فلمّا مثل بين يديه سأله عن أبي ترابعليه‌السلام مَنْ هو ؟ استحقاراً له.

فقال زيد: والله، إنّك عارف به وبفضله، وشرفه وحسبه ونسبه، فوالله ما يجحد فضله إلاّ كافر مرتاب، ولا يبغضه إلاّ منافق كذاب. وشرع بعرض فضائله ومناقبه حتّى ذكر منها ما أغاظ المتوكّل (لعنة الله تعالى عليه)، فأمر بحبسه فحبس، فلمّا أسدل الظلام وهجع جاء إلى المتوكّل هاتف رفسه برجله، وقال له: قم واخرج زيداً من حبسه، وإلاّ أهلكك الله تعالى عاجلاً. فقام هو بنفسه (لعنة الله عليه) وأخرج زيداً (صلوات الله عليه) من حبسه، وخلع عليه خلعة سنية، وقال له: اطلب ما تريد. قال: أريد عمارة قبر الإمام إمامنا الحسينعليه‌السلام ، وأن لا يتعرض أحد لزوّراهعليه‌السلام فأمر له بذلك، فخرج من عنده فرحاً مسروراً، وجعل يدور في البلدان وهو يقول: مَن أراد زيارة الحسين (صلوات الله تعالى عليه) فله الأمان طول الأزمان.

انتهى العنوان السابع

العنوان الثامن

في خصائصه المتعلقة بالقرآن المجيد والكلام العزيز

وفيه مقاصد :

الأوّل: في أنّه كلام الله تعالى.

الثاني: في أنّه شريك القرآن الكريم، وقد أعطاه الله تعالى لأجل ذلك خصائص القرآن وصفاته.

الثالث: فيما نزل من مرثيته بالخصوص في القرآن المجيد.

الرابع: فيما أعطاه لذلك من خصائص فاتحة القرآن، وهي السبع المثاني المعادلة للقرآن الكريم وصفاته، وما أعطاه من خصائص البسملة التي هي عنوان سور القرآن.

الخامس: مقصد لطيف شريف جامع لما يتعلّق به جميع القرآن الكريم.

السادس: مقصد طريف، نذكر فيه السور من أوّلها إلى آخرها مع بيان ما يتعلّق منها بالإمام الحسينعليه‌السلام .

المقصد الأوّل: في أنّه القرآن

وأنّه كلام الله حقيقة ؛ فإنّه متكلّم ناطق حقيقي ،


وجوده على نحو وجود الكلام لله تعالى، ومبّين لكلام الله الصامت، وإنّهما لن يفترقا، وإنّهما الثقلان اللذان خلّفهما رسول الله المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد خصّ الحسينعليه‌السلام باستيداعه للاُمّة باُمور خاصة، فأخذه معه على المنبر وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أيّها الناس، هذا الحسين بن عليعليه‌السلام فاعرفوه وفضّلوه )).

وقال (صلوات الله عليه وآله): (( اللّهمّ إنّي استودعه إيّاك، وصالح المؤمنين )) فهو وديعة نبويّة عند أُمّته.

حتى بالنسبة لِمَنْ لم يكن في ذلك الزمان، فهو وديعة عندنا أيضاً، فانظروا كيف حفظكم لها يا أُمّة محمّد المصطفى (صلوات الله تعالى عليه وآله) ؟

المقصد الثاني: في بيان شراكته للقرآن من جميع الصفات والخصائص والفضائل

فاستمع أوّلاً لبيان كلّ واحدة، ثمّ للتطبيق بنحو أنيق فنقول :

القرآن المجيد: هدى للناس إلى الإسلام، وبيّنات من الهدى والفرقان والحسينعليه‌السلام : هدى للناس إلى الإيمان ـ كما بيّناه مفصّلاً في محلّه ـ وبيّنات من الهدى والفرقان بين أهل الحقّ والباطل عند عزمه على محاربة خلفاء الجور، ويوم شهادته.

القرآن المجيد: ليلة نزوله ليلة القدر المباركة والحسينعليه‌السلام : ليلة ولادته المباركة تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم لهذا الأمر، سلام هي من الله تعالى بلسان الملك جبرئيلعليه‌السلام بالتهنئة له حتّى مطلع الفجر.

القرآن المجيد: شافع لِمَنْ يتلوه ويداوم عليه الحسينعليه‌السلام : شافع لِمَنْ يزوره ويبكي عليه.

القرآن المجيد: معجزة باُسلوبه، وبمعانيه العميقة الواسعة والحسينعليه‌السلام : معجزة برأسه وبدنه، ونوره وترابه، ومقتله وذاته وخصائصه، كما يظهر من الكرامات الظاهرة لكلّ واحد في قضايا عديدة.

القرآن المجيد: جديد لا يبلى، ولا يُملّ بكثرة التكرار مدى الأزمان والحسينعليه‌السلام : مصابه جديد في كلّ سنة، ولا يُملّ بكثرة الذكر والتكرار والالتجاء إليه والتمسك به.

القرآن المجيد: قراءته عبادة، واستماعه عبادة، والنظر إليه عبادة والحسينعليه‌السلام : رثاؤه عبادة، واستماع رثائه عبادة، والجلوس في مجلسه عبادة، والهمّ له عبادة، والبكاء له عبادة، والإبكاء عليه عبادة، والتشبه بالباكي عبادة، وزيارته عبادة، والسّلام عليه من بعيد عبادة، وزيارة زائره عبادة، وتمنّي الشهادة معه عبادة، وحبّه مؤداه إلى محبّة الله تعالى لمحبّه ومتّبعهعليه‌السلام .

القرآن المجيد: له أحكام في احترامه بأن لا يهجر، ولا يترك عليه الغبار، وأن لا يمسّه إلاّ المطهرون، وأن لا يكون كالأمتعة الدنيوية تقع عليه المعاملات العوضية والحسينعليه‌السلام : له أحكام في احترامه


كذلك، لكن قد سفت عليه السوافي ( سفت الريح التراب: إذا ذرته )، وأحاطت بجسده، ومسّته الأرجاس، وباعوا دينهم بقتلهعليه‌السلام بثمن بخس، دراهم معدودة، وولاية مفقودة، كما إنّ هجر زيارته لها آثار وضعية بالدنيا، وآثار سيئة بالآخرة، وتفصيله قد تقدّم فيما سبق من هذا الكتاب.

القرآن المجيد: كلام الله سبحانه الصامت والحسينعليه‌السلام : كلام الله تعالى الناطق.

القرآن المجيد: كريم شريف، مجيد حكيم عزيز ...…، إلى آخره والحسينعليه‌السلام : كريم شريف مجيد (شهيد)، بل هو القرآن، والقرآن هو، إنّه الحسين (صلوات الله عليه).

القرآن المجيد: فيه قصص الأنبياءعليهم‌السلام وحالاتهم، وما أصابهم بالبيان والحسينعليه‌السلام : في حالته وموقفه تكمن قصّة كلّ نبيعليه‌السلام ، وحالته بالعيان، بل قد زاد على كلّ حالة بخصائص اختص بها وامتاز بها.

القرآن المجيد: آياته الظاهرة ستة آلاف وست مئة وست وستون والحسينعليه‌السلام : آياته الظاهرة في بدنه ألف وتسعمئة، وقيل أربعة آلاف، وإذا عددت الجرح على الجرح، والضربة على الضربة، والطعنة على الطعنة، وما أصابه من الرضّ بلغت إلى ستة آلاف وستمئة وست وستين.

القرآن المجيد: فيه البسملة في مئة وأربعة عشر مكاناً والحسينعليه‌السلام : في بدنه السيف مثل البسملة مئة وأربعة عشر.

القرآن المجيد: له أجزاء وسور، وسطور وحروف، ونقط وإعراب، ومعاني وإعجاز والحسينعليه‌السلام : لبدنه المبارك أجزاء، وله سور، وله سطور، وفيه كلمات، وحروف ونقط، وإعراب ومعاني، وإعجاز ظاهري وملكوتي، وله جاه ومقام عند ربّ العالمين لا ينقص عن جلالة القرآن وهيبته.

القرآن المجيد: أربعة أقسام: طول، ومئين، ومثاني، ومفصل والحسينعليه‌السلام : أربعة أقسام: رأس على الرماح مسافر، وجسد في كربلاء مطروح، ودم زاكٍ على أجنحة الطيور، وفي القارورة الخضراء عند الملك القهّار، ومفصل من صغار أعضاء أطراف الجسد الشريف، ومتفرّق في الصحراء على رمضاء كربلاء ثلاثاً.

القرآن المجيد: ثلاثون جزءاً، وقد جعل كلّ نصف جزءاً جزءاً على حدة والحسينعليه‌السلام : لا أدري ما أقول بالنسبة إلى هذا التطبيق.

ثمّ إنّ القرآن المجيد قد سمّاه الله تعالى بأسماء تبلغ اثنين وثلاثين، وكذلك تلك الأسماء تصدق على الإمام الحسينعليه‌السلام .

فنقول بعون الله تبارك وتعالى :

القرآن المجيد: سمّاه الله تعالى مباركاً:( وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ ) ، وقد سمّى الله تعالى أيضاً موضع تكليم موسىعليه‌السلام ، بالبقعة المباركة، وشجرة الزيتونة في آية النور، مباركة.

وعيسىعليه‌السلام مباركاً كما قال:( وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ) ، وماء


المطر مباركاً قال تعالى:( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً ) ، وليلة القدر مباركة قال تعالى:( فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) .

وقد سمّى الله تعالى حبيبه الحسينعليه‌السلام في تسميته مباركاً، بوحي إلى نبيّه المصطفى (صلوات الله عليه وآله) بلا واسطة في رواية عجيبة تُنبئ عن فضيلة غريبة، من جملة ألفاظها: (( بورك من مولود عليه صلواتي وبركاتي ورحمتي )) وقد ذكرناها في عنوان الألطاف. القرآن المجيد: شفاء ورحمة للمؤمنين والحسينعليه‌السلام : ذكره وحبّه، والتمسّك به وولايته شفاء للأمراض الباطنة المهلكة، وتربته شفاء للأمراض الظاهرة، وهو رحمة للمؤمنين فأكثر فوزهم يكون بهعليه‌السلام . القرآن الكريم: نور عظيم لا ينفذ والحسينعليه‌السلام : نور حين تضمّخ جسده بالتراب والدم، ونور في السماوات والأرض، ونوره وإعجازه لا ينفذ. والقرآن المجيد: روح للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وللناس، كما في الآية الشريفة:( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) والحسينعليه‌السلام : ريحانة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وراحة للناس كما في الحديث، بل الأحاديث والروايات. القرآن المجيد: حكيم يعالج القلوب، ويهديهم إلى الطاعة والحسينعليه‌السلام : حكيم عالج قوماً بهدايتهم إلى الطاعة، وعالج العاصين بالشفاعة، بل لولا نهضته المباركة لما بقي هناك مسلم، وقد جاء في الروايات والأحاديث أنّ الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء. القرآن المجيد: بشير ونذير والحسينعليه‌السلام : بشير ونذير.

القرآن المجيد: كتاب مبين والحسينعليه‌السلام : إمام مبين حقّ، أبان أهل الحقّ عن الباطل، قديماً وحديثاً وإلى قيام يوم الدين. القرآن المجيد: ذكر لكلّ مؤمن ومؤمنة والحسينعليه‌السلام : ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الأكرم، وورده طول عمره. القرآن المجيد: فيه آية الكرسي، وآية النور والحسينعليه‌السلام : فيه الكرسي الذي هو معدن العلم الإلهي، وفيه آية النور فلم يطفأ بظلمات الليل، ولا بالتراب والدم وما جرى عليه من الكروب والبلايا الجسام.

القرآن المجيد: فيه آيات الشفاء، وآيات الرجاء العظيمة، وآيات الرحمة، وآيات للهداية الأبدية لِمَنْ كان له قلب سليم والحسينعليه‌السلام : فيه آيات وصفات للشفاء، وأسباب للرجاء عظيمة، وعلل تامّة للرحمة والبركات الجليلة. القرآن المجيد: له أربعة عشر منزلاً من أوّل حدوثه ـ كما هو الحقّ ـ إلى استقراره في الجنّة ؛ فإنّه شخص مخلوق جليل، له كلام ومنازل ونزول، وشفاعة وخصومة وهي :

الأوّل: منزل حدوثه وإيجاده في اللوح، الذي هو جسم خاص أو ملك.

الثاني: قلب إسرافيل الملكعليه‌السلام الناظر إلى اللوح. الثالث: قلب ميكائيل الملكعليه‌السلام إذا قرأه عليه إسرافيلعليه‌السلام . الرابع: قلب الملك جبرئيلعليه‌السلام إذا قرأه عليه إسرافيلعليه‌السلام .

الخامس: نزوله في البيت المعمور في ليلة القدر المباركة.

السادس: نزوله جملة على قلب النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ليعلمه هو، لا ليتلوه على الناس، وذلك في أوّل شهر رمضان المبارك. السابع: نزوله عليه


لتلاوته في أوّل المبعث النبوي المبارك.

الثامن: نزوله في كلّ ليلة للقدر على إمام زمانه (عجّل فرجه وصلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه المعصومين)،( سَلامٌ هِيَ حتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) ، في سورة القدر.

التاسع: منزله في الأسماع.

العاشر: منزله في اللسان وهو القراءة.

الحادي عشر: منزله في القرطاس.

الثاني عشر: منزله في القلوب الطاهرة المؤمنة المصدّقة به العاملة بما جاء فيه.

الثالث عشر: منزله يوم المحشر بهيئة عجيبة نورانية جليلة.

الرابع عشر: منزله في الجنّة، وله درجات يُقال لقارئه: اقرأ وارقَه فيقرأ ويرقى حتّى يبلغ كلّ رجل منهم منزلته التي هي له فينزلها ارق: اصعد، والهاء في وارقه للوقف.

كلّ ذلك من الروايات المجتمعة، ولكيفية هذه المنازل تفصيل في مقام آخر، ويحتاج إلى زيادة تحقيق لها.

وقد ذكرت في روضات الجنات، أسأل الله التوفيق لإتمامها، إنّما المقصود الآن هو أنّ الحسينعليه‌السلام أيضاً له أربعة عشر منزلاً في فضائله، وله أيضاً أربعة عشر منزلاً في مصائبه.

ولنفصّل الأربعة عشر الأولى، ثمّ الأربعة عشر الثانية بتوفيق الملك الأكبر، فنقول :

في بيان منازل مراتبه

المنزل الأوّل: منزل خلقه نوراً قبل خلق الخلق.

المنزل الثاني: منزله المتعلّق بالعرش، وله منه حالات: محدقاً به، وعن يمينه، وفوقه، وحامله، وقدّامه، وظلّه، ومجلسه، وقرطه، وشنفه، وزينته، ومجموع ذلك في الروايات جاء في كشف الغمّة، ومعاجز آل البيت، وبحار الأنوار. المنزل الثالث: منزله المتعلّق بالجنّة، وله فيها كيفيات، من كونه شجرة فيها، وثمرة الجنّة، وقرطاً لاُدن الزهراءعليهما‌السلام ، وزينة للجنّة، وقرطيها وزينة لأركانها، وأنّ الجنة تشتاق إليه، وله فيها حورية مخصوصة، وأنّ الجنّة خُلقت من نورهعليه‌السلام كما مرّ في الرواية. المنزل الرابع: منزل كونه نوراً في الأصلاب الشامخة.

المنزل الخامس: منزل كونه نوراً في الأرحام المطهرة، خصوصاً عند الحمل به من الطاهرة الزهراءعليها‌السلام ؛ فإنّها قالت: (( لمّا حملت به ما كنت احتاج إلى المصباح في الليالي المظلمة )). المنزل السادس: على يدي لعياء الحورية التي أُرسلت قابلة له مع الحور العين.

المنزل السابع: منزله في جسد النبي الأكرم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وله في هذا المنزل مجالس: عاتقه الشريف، وكتفه المكرّم، وحجره المحترم، وصدره المعظّم، وظهره المفخّم، ويديه المباركتين، ولكلّ كيفية خاصّة ذكرناها في محلّها، وكذلك لأعضاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على جسد الحسينعليه‌السلام منازل خاصّة، فمنزل لسانه فم الحسين يرضعه، ومنزل إبهامه حلقه ليغذيه، وأمّا شفتاه فإنّ لهما على جسده منازل.


أحدها: جبينه.

ثانيها: نحره، وكان أكثر نزولهما فيه.

ثالثها: ما فوق سرّته ؛ فإنّه كان يخصّه بالتقبيل.

المنزل الثامن: صدر الزهراء البتول (صلوات الله تعالى عليه).

المنزل التاسع: يدا عليعليه‌السلام حين كان يحمله على يديه، فيقبّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ أعضائه ويبكي ويقول له: (( يا أبتِ، لم تبكي ؟ )) فيقول: (( اُقبّل مواضع السيوف وأبكي )).

المنزل العاشر: كتف الملك جبرئيلعليه‌السلام وعاتقه لمرّات عديدة حينما كان يأخذه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ننسى أنّ جبرئيلعليه‌السلام قد كان يهزّ مهد الحسين (صلوات الله تعالى عليه) ويتبرّك بقربه.

المنزل الحادي عشر: منبر رسول الله الاعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنه لم يصعد معه على المنبر أحد قط إلاّ عليعليه‌السلام حين رفعه يوم الغدير، وقال: (( مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه )).

ولكنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ الحسينعليه‌السلام معه وأجلسه وهو على المنبر قدامه، أو في حجره المبارك، فقال: (( أيّها الناس، هذا الحسين بن علي فاعرفوه، وفضّلوه كما فضّله الله تبارك وتعالى )).

ثمّ أخبر بقتله، ثمّ دعا على قاتله وخاذله، ثمّ استودعه عند كلّ مؤمن، حتّى إنّه قد استودعكموه أيضاً ؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمّمَ في قوله: (( اللّهمّ إنّي استودعك وصالح المؤمنين )) فبكى الناس، فقال: (( أتبكون ولا تنصرونه ؟! )).

أقول: فإنّكم تسمعوا هذا الحديث وأنتم صامدون.

المنزل الثاني عشر: قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّ له فيه منزلاً خاصاً، وموقعاً خاصاً، قد وصفه هو بأنّه لم يقع موقعه أحد فيه.

المنزل الثالث عشر: صدر النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله في زمن خاص، وهو حين كان يجود بنفسه الشريفة، فقد كان الحسينعليه‌السلام على صدره المبارك، وهو يبكيه، ويذكر مصابه في تلك الساعة.

المنزل الرابع عشر: قلبهصلى‌الله‌عليه‌وآله المتحسّر في تلك الحالة عليهعليه‌السلام ، فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو في حال الاحتضار يتذكّر حالات الإمامعليه‌السلام حتّى قال في ذلك الوقت: (( ما لي وليزيد ! لا بارك الله في يزيد )).

ثمّ رحل إلى الرفيق الأعلى، وفارقت الروح الشريفة الجسد المطهّر وفجعت الأُمّة بفقده، وعزّ علينا فقده في كلّ آن وحين، وخاصة ونحن في هذا الزمان العسير الذي طغى فيه كلّ طاغٍ وباغٍ وفاجر.

المنزل الخامس عشر: قلوب المؤمنين فإنّ له فيها محبّة قد عبّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عنها بأنّها: (( مكنونة في بواطنهم)) فلاحظ نفسك لتقول: صدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ نقول :

في بيان منازله في مصائبه أو مصائبه في منازله


الأوّل: المنزل الأصلي ـ أعني المدينة ـ حين اُزعج عنها، فصعُب عليه ودعا ربّه (عزّ وجلّ) تارة، فقال: (( اللّهمّ إنّا عترة نبيّك قد أُزعجونا )) وشكا إلى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أنا الحسين بن فاطمة، قد خذلوني وضيّعوني )).

الثاني: منزله في المأمن لكلّ شيء: من الإنسان، والحيوان، والطير، والوحش، والشجر، والنبات، أعني الحرم الشريف، حرم مكّة المكرّمة، فصار المأمن مخافة له أرادوا قتله فيه فارتحل عنه.

الثالث: ما بين مكة والكوفة، نزل مراحلها بتخويف له من كلّ مَنْ يلقاه، وخذلانٍ له من كلّ مَنْ يراه، فكانوا يتحاشونه لئلاّ يكلّفهم نصرته (سلام الله تعالى عليه).

الرابع: كربلاء لها بقصد الإقامة، ونيّة التوطّن، فقال للجمّالين الذين معه :

حطّوا الرحالَ بها يا قوم وانصرفوا

عنّي فما ليَ عنها قطّ ترحالُ

الخامس: مركز له في ميدان الحرب، كان يرجع إليه كلّما أراد الاستراحة من الطعن والضرب ويقول حين نزوله فيه كثيراً: (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم )).

السادس: مصرع له قال فيه: (( خُيّر لي مصرع أنا لاقيه )) نزل على ظهره، أي على وجه الأرض ثلاثة أيام أو أربعة، ثمّ ارتحل إلى بطنها، وهو القبر الشريف المعظم.

السابع: منزل رأسه، نزله ليلة الحادي عشر في دار خولي بن يزيد، وفي الحديث نزل تحت إجانة، ولكن المشهور على الألسنة أنّ ذلك النور نزل على التنور.

الثامن: منزل رأسهعليه‌السلام في مجلس ابن زياد (لعنه الله)، فكان في طبق موضوع قدامه، وهو فرح من نزول هذا الرأس المبارك ذلك المنزل، والأعظم مصيبة أنّه لمّا رآه نازلاً عنده كذلك تبسّم، ولعلّ هذا التبسّم منه أعظم من قرعه بالخيزران، والضرب على أنفه وعينيه.

التاسع: منزله في الكوفة، وهو مصلوب على شجرة.

العاشر: نزوله في الطريق ما بين الكوفة والشام، على الرمح تارة، وفي الصندوق أُخرى، فيا لها من منازل كثيرة في بلدان عديدة.

وفي كلّ منزل نزلهعليه‌السلام من كلّ بلدة علامة شاخصة إلى الآن (صلوات الله تعالى عليه).

الحادي عشر: نزوله دير الراهب وهو منزل إكرام وتحنيط، وفرش للفراش اللطيف ،


وتطييب للضيف بالمسك والكافور، وتحيّة له بالسّلام، وجواب منهعليه‌السلام وتفصيله في محلّه إنّ شاء الله تعالى.

الثاني عشر: نزوله برأسه ـ في طشت من ذهب في مجلس يزيد (لعنه الله) ـ بالشام، وقد اجتمعت عليه المصائب وهو في هذا المنزل تزيد على العشرين، منها حادثة في ذلك المجلس، ومنها عائدة فقد عادت المصائب كلّها، وتجددت وتفصيلها في محلها.

الثالث عشر: نزولهعليه‌السلام مصلوباً على باب دار يزيد (لعنة الله عليه)، ولم تتحمّل ذلك زوجة يزيد حتّى خرجت حاسرة مكشوفة الرأس وصاحت بيزيد: أرأس الحسين بن فاطمة مصلوب على فناء بابي ؟! فقام يزيد وغطّاها وأرجعها إلى حرمه، وأمر بأن ينزل الرأس، وقال لها: اذهبي يا هند واعولي على ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصريخة قريش.

الرابع عشر: نزوله مصلوباً ـ أيضاً ـ على باب مدينة دمشق وهي التي لم يُطقها صبر الإمام السجّاد (صلوات الله تعالى عليه) حتّى نفذ صبره فعلى الرغم من أنّهعليه‌السلام لم يتكلّم عند رؤيته لنكث الرأس الشريف بالخيزران إلاّ أنّهعليه‌السلام لمّا علم بأنّ الرأس قد صُلب على باب البلد صاح، وقالعليه‌السلام : (( يا يزيد، أما تستحي أن يكون رأس ابن فاطمة مصلوباً على باب مدينتكم وهو وديعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! )).

ولهعليه‌السلام بعد هذه المنازل ـ كالقرآن الحكيم ـ منازل خاصة في مدفنه، محشره بهيئة خاصة، وانتهاء منازله إلى محلّه الخاص في الجنان في الدرجات التي قال عنها جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( وإنّ لك لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة )) وأعلاها ما في الحديث من إلحاق الله تعالى إيّاه بنبيّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله في منزلته ودرجته.

وتفصيل كلّ ذلك في محلّه إنّ شاء الله تعالى.

المقصد الثالث: في الآيات القرآنية النازلة في رثائهعليه‌السلام

وهي آيات :

الآية الأوّلى: في بيان الحمل به وولادته، وهي قوله تعالى:( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حتّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .


ففي كامل الزيارات، والبحار بأسانيد معتبرة، أنّه لمّا حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسينعليه‌السلام ، نزل جبرئل فقال: يا محمّد، إنّ الله يقول: ( السّلام عليك )، ويبشّرك بمولود يولد من فاطمةعليها‌السلام تقتله أٌمّتك من بعدك فقال: (( وعلى ربّي السّلام، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أُمّتي من بعدي )).

فعرج ثمّ نزل وقال كما قال، فأجاب كما أجاب ثمّ عرج ثمّ نزل أيضاً، وقال: إنّ الله يُبشرك أنّه جاعل في ذرّيته الإمامة والولاية والوصية فقال النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( قد رضيت )) ثمّ أرسل إلى فاطمة بما جاء به جبرئيل أوّلاً، فقالت: (( لا حاجة لي في مولود تقلته أُمّتك من بعدك )) فبشّرها بما بُشّر، فقالت: (( قد رضيت )).

فحملته كرهاً ؛ لأنّه مقتول، ووضعته كرهاً ؛ بأنّه مقتول( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حتّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) فلو أنّه قال: وأصلح لي ذريتي، لكانت ذريته كلّهم أئمّة.

ولم يرضع الحسينعليه‌السلام من فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، ولا من أنثى، ولكنّه كان يؤتى به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيضع إبهامه في فيه فيمصّ منه لبناً ما يكفيه اليومين والثلاثة، فنبت لحم الحسين من لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودمه من دمه، ولم يولد مولود لستة أشهر إلاّ يحيى بن زكريا والحسين بن عليعليهم‌السلام .

اعلم أنّ معنى قوله كرهاً: هو الحزن والأسف عليه في حمله، ووضعه، وحضانته، وإرضاعه، وتربيته، واللعب معه في طفولته، وفي إدخال السرور عليه من قبل جّده أو أبيه أو أُمّه.

وقد مات جدّه وهو حزين آسف عليه، وماتت أُمّه ومات أبوه وأخوه كذلك، كما نطقوا به عند موتهم، وقد خلته أُخته في المقتل وذهبت عنه كرهاً، وأيّ كره هو، وأيّ حزن ! وأيّ أسف ! وأيّ صراخ ! وأيّ عويل ! وأيّ صبر جميل، وأيّ حكمة تلك حكمة زينب الكبرى (صلوات الله تعالى عليها وعلى أخيها).

الآية الثانية: في بيان خروجه من المدينة، وهي قوله تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ


دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) ، فعن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّها نزلت في علي وجعفر وحمزة وجرت في الحسينعليهم‌السلام .

بيان ذلك: أنّ علياً وجعفراً وحمزة قد أُخرجوا من ديارهم، وقتلوا ولا ذنب لهم، ولا حقّ لأحد عليهم إلاّ أنّهم قالوا: ربّنا الله (عزّوجلّ)، واستقاموا على ذلك.

ولكن قد جرت جرياناً خاصاً في الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه أُخرج من دياره، وأُخرج من كلّ مقرّ، ولم يبقَ له مقرّ ولا مفرّ، حتّى إنّه قال: (( لو دخلت في حجر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني حتّى يقتلوني )).

ثمّ قُتل قتلاً خاصاً، وظلموه هو وأبناءه ونساءه وأطفاله، وأصحابه وأنصاره ظلماً خاصاً، بل وجرى ذلك على شيعته من بعده إلى يومنا هذا، وهو الذي ظهرت فيه قدرة الله تعالى لنصره.

الآية الثالثة: في قلّة أنصاره (صلوات الله عليهم)، وهي قوله تعالى:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) .

فعن الحسن بن زياد العطار قال: سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قوله (عزّوجلّ) ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ )، قال: (( نزلت في الحسن المجتبىعليه‌السلام أمره الله تعالى بالكف )).

قال قلت:( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ) ؟

قال: (( نزلت في الحسين بن عليعليهما‌السلام ، كتب الله عليه وعلى أهل الأرض أن يُقاتلوا معه )).

قال علي بن سباط، ورواه بعض أصحابنا عن أبي جعفرعليه‌السلام ، وقال: (( لو قاتل معه أهل الأرض كّلهم لقُتلوا كلّهم )).

تفسير العياشي، عن إدريس مولى لعبد الله بن جعفر، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في تفسير هذه الآية( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) مع الحسنعليه‌السلام ،( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ) ، مع الحسينعليه‌السلام ،


( وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) إلى خروج القائم (عجّل الله فرجه) ؛ فإنّ معه النصر والظفر، قال الله تعالى( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ) .

الآية الرابعة: في مجمل بيان شهادته ومكانه وحالاته، وهي قوله تعالى ( كهيعص )، كما ورد في حكاية زكرياعليه‌السلام لمّا اُوحي إليه بقضية كربلاء، وإهلاك يزيد للعترة الطاهرة، وعطشهم وصبرهم وقد ذكرنا الرواية في عنوان مجالس الرثاء.

الآية الخامسة: فيما نادى الله تعالى به عند قتله، وهي قوله (عزّوجلّ):( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) .

فعن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: (( يعني الحسين بن عليعليهما‌السلام ، فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية )).

أقول: بيان ذلك أنّ مَنْ عرف الله وعظّمه، أحبّه ورضي بكلّ ما يكون من جانبه تبارك وتعالى، فلا تصيبه كراهة وتزلزل، بل كلّما ترد عليه الشدائد من قبل ربّه تعالى تحصل له طمأنينة شديدة ورضا، وقد ظهر مصداق ذلك فعلاً في الإمام الحسينعليه‌السلام ، كما بيّن تفصيله في العنوان السابق وسيأتي.

الآية السادسة: في طلب ثأره في الرجعة، وهي قوله تعالى:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً ) ، فعن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (( هو الحسين بن عليعليهما‌السلام ؛ قُتل مظلوماً( فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ) ، قال: وليه القائم (عجّل الله فرجه وصلوات الله تعالى عليه)،( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) ، يعني لا يسرف قاتله،( إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ) ، يعني إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان منصوراً ))(*) هكذا في بعض الروايات.

وفي بعضها أنّ ضمير يسرف راجع إلى الولي، وكذا ضمير أنّه، والمراد لا يسرف بقتل غير قاتله، ولا يُراد النهي عن قتل أعدائه الكثيرين، وفي بعضها يُسرف بالرّفع.

أقول: أوّلاً أنّ المعنى الظاهري للآية المباركة حكم عام لجميع الناس، وهو أنَ مَنْ قُتل مظلوماً فلوليه قصاص القاتل، ولا يُسرف في قتل غيره.

فنقول بناء على هذا المعنى: إنّ لولي الحسين القصاص من قاتله، وإذا أردنا تعيين قاتله.

____________________

(*) الظاهر أنّه جمع بين الروايات ومضامينها، فراجع الموسوعات الروائية (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


فنقول: هل قاتله يزيد، أو ابن زياد، أو ابن سعد، أو شمر، أو سنان، أو غيرهم كصالح بن وهب الذي طعنه فانقلب عن الفرس، أو صاحب السهم المثلث الذي وقع على قلبه وقال: (( بسم الله وبالله ))، أو غيرهم ؟

الحقّ أنّ هذا المقتول له مئة ألف قاتل، لا بمعنى الاشتراك، بل بمعنى أنّ كلّ واحد هو قاتله حقيقة لو انفرد، فله مئة ألف قاتل مستقل، فهو قتيل يزيد ؛ ولذا ورد في أخبار الأنبياء أنّ قاتله يزيد وهو قتيل ابن زياد ؛ ولذا قال يزيد: قتله ابن مرجانة وهو قتيل ابن سعد ؛ ولذا كان أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين يرونه وهو صغير يقولون: هذا قاتل الحسينعليه‌السلام وهو قتيل الشمر، وهو قتيل سنان، وهو قتيل خولي، وهو قتيل رامي السهم المثلث.

وما يتمم الكلام هو قتيل الظمأ، وقتيل الغيرة، وقتيل العبرة.

لكن حقيقة الأمر ما قاله هو: (( قُتلت مكروباً ))، يعني قتلني كربة قلبي ؛ ولذا سُمّي بصاحب كربلاء، فلفظ كربلا إشارة إلى سبب قتله.

ثمّ أقول: إنّ لقوله ( قُتل مظلوماً ) معاني اُخر، وكلّها منطبقة على الحسينعليه‌السلام وهو حقيقتها فلنذكر موضعها، فنقول :

المعنى الأوّل: قُتل مظلوماً أي في حالة قد تعدّى عليه فيها، واُخذ منه كلّ شيء، الولاية والمال والأصحاب، والإخوان والأولاد والجارحة الظاهرية والباطنية، فقد غيّر الطعن منه كلّ جارحة حتّى نحره الشريف، واستولوا على ماله وعياله وأطفاله، وهو طريد غريب فريد، فقتلوه بهذه الحالة.

فمَنْ قُتل مظلوماً ـ بلحاظ كلّ شيء ـ هو الحسينعليه‌السلام وحده، لانحصار هذا الكلّي فيه ؛ ولذا سُمّي المظلوم، وجُعل علماً للحسينعليه‌السلام بعد ما كان صفة.

ولذا ورد في الدعاء: اُنشدك بدم المظلوم.

وفي الحديث: لا تدع زيارة المظلوم فقال الراوي: مَنْ المظلوم ؟ فقال: أوَ ما تدري ؟! هو الحسين صاحب كربلاء.

المعنى الثاني: ومَنْ قُتل مظلوماً في أصل قتله وبلا جرم، بأن لم يكن مستحقّاً له لقصاص، أو حدّ، أو فساد.


وأظهر أفراده الحسينعليه‌السلام ؛ ولذا قال: (( ويحكم ! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال استملكته، أو بقصاص من جراحة، أو شريعة بدّلتها ؟ )).

المعنى الثالث: ومَنْ قُتل مظلوماً، في كيفية قتله، فإنّ الله تعالى قد وضع الإحسان في كلّ شيء، فحدّ الشفرة في الأضحية إحسان، وعدم نظرها إلى قتيل من جنسها إحسان، وعدم تكتيفها وإرسالها للنزع إحسان، وعدم أراءتها الشفرة إحسان، وعدم المُثلة بها إحسان، وسقيها عند قتلها إحسان.

وقد يُقتل القتيل المظلوم بإحسان إليه في كيفية قتله وحاله، أو يُقتل مظلوماً في هذه أيضاً، والحسينعليه‌السلام قُتل بنحو ظالم لم يكن فيه إحسان.

المعنى الرابع: ومَنْ قُتل مظلوماً حين قتله، قد تعدّى عليه بإحدى وجوه التعدّي، أو ببعضها، أو بكلّها، وذلك منحصر في مقتول واحد، وهو الشهيد المظلوم (صلوات الله تعالى عليه).

المعنى الخامس: ومَنْ قُتل مظلوماً بعد قتله بسلبه، أو قطع أعضائه، أو رضّ جسده، أو طرحه بلا دفن وكفن ثلاثاً، وهذا المعنى أيضاً له فرد واحد وهو الحسينعليه‌السلام المظلوم بعد قتله حتّى إنّه سُلب ثوباً عتيقاً ممزّقاً لا يُنتفع به.

الآية السابعة: في الانتقام له يوم القيامة، وهي قوله تعالى:( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : (( إنّها نزلت في الحسين بن عليعليهما‌السلام )).

أقول: حيث إنّ الآية الشريفة في تلو الوقائع العظيمة من تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسيير الجبال، فلا بدّ أن يكون السؤال الذي يذكر في تلو هذه الوقائع العظيمة ذا خصوصية في عظم السؤال عنه، وتقلب أحوال أهل المحشر فيه، بحيث يعمّ جميع الناس حتّى يخوّف كلّ الناس به، كمعطوفاته.

والقتل بهذه الكيفية من الدفن أحياء وإن كان أمراً عظيماً، ولكن السؤال: مَن المأخوذ المضيق عليه، المخنوق


المأخوذ بنفسه وهو حي ـ أعني الحسينعليه‌السلام ، وأولاده وعياله ونساءه ومَنْ معه، وإنّهم بأيّ ذنب قُتلوا كذلك ؟ ـ أعظم، فلعلّ ذلك هو الوجه في قولهعليه‌السلام : إنّها نزلت في الحسين بن عليعليهما‌السلام .

وتحقيق ذلك: إنّ الموءودة قد حصلت في الحسينعليه‌السلام وعياله وأطفاله يوم عاشوراء قبل أن يستشهدوا ؛ فإنّه قد حصل خنقهم والأخذ بأنفاسهم يوم عاشوراء قبل أن يستشهدوا، كمَنْ يُدّس في التراب وهو حي من العطش، والمحاصرة، والتضييق، وتوارد المصيبة، وأعظم منه أنّه يؤخذ بنفسه.

وقد دام الوأد من الصبح إلى العصر، بلا راحة بالموت، فهم الموءودة، وهذه الموءودة ممّن يُسأل منها بأيّ ذنب قُتلت ؟ بأيّ ذنب هكذا قُتلت ؟ بأيّ ذنب قُتلت صغارها هكذا ؟

الآية الثامنة:( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) فقد ورد أنّ الذبح العظيم هو الحسينعليه‌السلام ، ولا يلزم منه كون مرتبة المفدّى أعظم، بل المعنى وفديناه بسبب الذبح العظيم الذي يخرج من صلبه، أو المعنى أنّه تبدّل فداؤه لربّه بفداء آخر أعظم.

وحصلت هذه المرتبة العظمى ـ من جعل النفس فداء في سبيل الله ـ للحسينعليه‌السلام .

المقصد الرابع: في ثبوت خصائص سورة الحمد والبسملة بالخصوص لهعليه‌السلام

فنقول :

سورة الحمد: فاتحة الكتاب والحسينعليه‌السلام فاتح مصحف الشهادة.

سورة الحمد: أُمّ الكتاب والحسينعليه‌السلام أبو الأئمّة الأطايب.

سورة الحمد: كنز للإطاعة والحسينعليه‌السلام كنز لأسباب الشفاعة.

سورة الحمد: وافية والحسينعليه‌السلام وافٍ بأسباب المغفرة والفلاح.

سورة الحمد: شافية والحسينعليه‌السلام تربته شافية، ودمه شفاء كما في قضية ابنة اليهودي.

والدمع الذي يُسكب عليه شفاء يُطفئ النيران الباطنة، والنيران الظاهرة ؛ فإنّ قطرة منه لو سقطت في جهنم لأطفأت حرّها كما في الحديث، وذكره ومولاته شفاء لما في القلوب، وأيّ شفاء.

سورة الحمد: كافية والحسينعليه‌السلام محبته كافية.

سورة الحمد: عدل القرآن والحسينعليه‌السلام شريك القرآن وعدله في استيداع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إيّاه.

سورة الحمد: سبع مثانٍ ؛ لأنّها نزلت مرّتين.


والحسينعليه‌السلام له خصوصية وهي أنّه اُنزل من السماء مرّتين، واُصعد مرّتين، فنزل بروحه عند ولادته، ووفاته كسائر الأئمّة والأنبياءعليه‌السلام ، واُصعد بجسده، ثمّ اُهبط، وهذا من خصائصه.

ففي الرواية: أنّه لمّا قُتل الحسينعليه‌السلام ، ورفعوا رأسه، هبطت الملائكة، وأخذت بجسده إلى السماء الخامسة بتلك الحالة، وأوقفته مع صورة عليعليه‌السلام في السماء الخامسة، ونظروا إليه متشحّطاً بدمه الزكي، ولعنوا قاتله، ثمّ نزلت به إلى محلّه في كربلاء، وهي هذه الأمور حكمة مخفية لا نصل إلى كنهها، والله تعالى العالم بها.

سورة الحمد: مَنْ قرأها مؤمناً بظاهرها وباطنها أعطاه الله بكلّ حرف حسنة أفضل من الدنيا بما فيها كما في الحديث والحسينعليه‌السلام مَنْ ذكره وبكى عليه أعطاه الله تعالى بكلّ دمعة حسنة أفضل من الدنيا وما فيها، ومَنْ زاره أعطاه الله تعالى بكلّ حرف حسنة أفضل من الدنيا وما فيها، كما مرّ تفصيل ذلك.

البسملة: عنوان السور وصدرها والحسينعليه‌السلام عنوان الشهداء وسيّدهم.

البسملة: وردت في مئة وأربعة عشر، منها أجزاء القرآن والحسينعليه‌السلام مئة وأربعة عشر تسبيباً موجباً للغفران.

البسملة: تذكر عند الذبح والنحر تكليفاً والحسينعليه‌السلام : يتذكّره المؤمن عند كلّ ذبح ونحر وقتل من حيث شدّة قتله ونحره من كلّ قتل ونحر، كما في الحديث النبوي، بل يتذكّره المؤمنون الصادقون عند كلّ ألم ومصاب فتهون بذلك كلّ مصيبة، ويتذكّره شيعته كلّما سمعوا بمظلوم أو علموا بغريب وحيد فريد مظلوم، بل وكلّما سمعوا الأذان فهو سبب استمرار هذا الإسلام.

ولولا ثورته لما بقي من الإسلام باقية، فاعرفوا ما أنتم فيه من العزّ والكرامة عند الله تعالى أيّها الشيعة المتعاهدون مجالس إمامكم الحسينعليه‌السلام ، وما هذا إلاّ أن كنّا صادقين مع الله تعالى في خدمة الحسين، بل بشرف خدمة محمّد المصطفى وآله المعصومين (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين).

المقصد الخامس: مقصد لطيف فيه جامع لما يتعلّق به من القرآن

منها ما ينطبق عليه عموماً من الآيات والكلمات التي وردت فيه أيضاً بالإشارة، ومنها ما لم يرد بالخصوص.

ولكن استنبطناه من الصفات الواردة في القرآن المكتوب الثابتة فيه، فنقول :

القرآن الكريم: فيه آيات، لها أسماء وصفات وخواص خاصة، كآية النور، وآية التطهير، وآية الكرسي، وآيات لخواص مخصوصة، وآيات الشفاء، وآيات السجدة.

والحسينعليه‌السلام فيه الكرسي الرفيع الذي عمّ السماوات والأرض علمه، والحسينعليه‌السلام فيه آيتا نور فآية لرأسه وآية لجسده.

فالآية الأولى: ظهرت لكثير ممّن كانوا في طريق الشام ،


وظهرت لزيد بن أرقم حين مرّوا بالرأس على غرفته، فرأى الشعاع الداخل من شباك غرفته في الطريق، فتعجّب فنظر فإذا النور من الرأس المرفوع، وسمع منه قراءة سورة الكهف المباركة من رأسه المبارك المعجز.

والآية الثانية: رآها الزارع الأسدي، الذي جاء في الليل ليلاحظ القتلى، فقال: رأيت فيها جسداً يُضيء في الليل كالشمس إذا طلعت، ورأيت أسداً يجيء فيجلس عنده.

والحسينعليه‌السلام في محبّته آيات الشفاء من الأمراض المعنوية، وفي تربته آيات الشفاء من الأمراض الظاهرية.

والحسينعليه‌السلام في جسده آيات أربع، هي العزائم الأربع، يحقّ لمحبّيه لدى ملاحظتها الوقوع على الأرض، والكبوة على الوجه كما يلزم السجود عند قراءة العزائم.

فآية منها: أثر سهم على قلبه الطاهر قد نفد فخرج من ظهره.

وآية منها: أثر سيف مالك بن اليسر على رأسه الشريف الذي قطع العمامة والبرنس والرأس ؛ ولذا كشف رأسه وألقى العمامة والبرنس.

وآية منها: أثر رمح على خاصرته من صالح بن وهب المزني فانقلب عن فرسه إلى الأرض.

وآية منها: أثر السيف على النحر المنحور من القفا وقد انفصل الرأس منه.

فهذه آيات أربع، هي آيات العزائم الثابتة على الجسد الشريف، تعزم على محبّيه عند تصوّرها أو سماعها، تضعضع الأركان، وتهدّ القوى، وتقوّس القامة، وتوجب السقوط على الأرض، والتعفير في التراب، ووضع التراب على الرأس أسىً وحزناً وتألّماً وبكاءً شديداً على المقتول بكربلا.

وأمّا الآيات المخصوصة للخواص المخصوصين: فإنّ في الحسينعليه‌السلام آيات وتسبيبات، ووسائل إلى كلّ مطلوب من مطالب الدنيا والآخرة بأقسامها.

المقصد السادس: [السور]

مقصد طريف لطيف جديد نذكره في عنوان السور، من أوّلها إلى آخرها، من الفاتحة إلى المعوذتين، مع بيان ما يتعلّق منها بالحسينعليه‌السلام بالإشارة أو المناسبة أو الباطن فنقول :

سورة الفاتحة قد ذكرناها مستقلة في المقصد السابق.

سورة البقرة: فيها أوّل رثاء للحسينعليه‌السلام ، وهو قوله تعالى:( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) ؟


ففي الحديث أنّهم لاحظوا مقتل الحسينعليه‌السلام وأصحابه في كربلاء، وقد علموا بذلك لأدلّة دلّتهم على ذلك.

سورة آل عمران: قد تلاعليه‌السلام منها حين توجّه ولده عليعليه‌السلام إلى القتال:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .

سورة النساء: فيها الآية الثانية من آيات رثائه وهي:( إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) ، فإنّ أظهر أفرادهم الذين كانوا معه، فما لكم لا تُقاتلون في سبيلهم ؟

سورة المائدة: لهعليه‌السلام مائدة تنطبق على مائدة الطعام، وهي مائدة من شراب الكوثر نازلة له ولأصحابه لرفع عطشهم، ولم يقل أصحابه:( أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً ) ، وإنّما رضوا بكلّ عطش وكلّ جوع، وكلّ جرح وكلّ قتل، وكان أهنأ عليهم من كلّ طعام وشراب.

سورة الأعراف: هوعليه‌السلام من الأعراف على بعض المعاني الواردة في معانيها، وهو من الرجال: ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ )، وللحسينعليه‌السلام معرفة خاصة بسيماء زائره ؛ فإنّه له سيماء بخصوصه يوم القيامة، كما ذكرناه في خواص الزيارة.

سورة الأنفال: الأنفال حقّه، وحقّ التسعة من ذريته:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) ، وقد مُنع منه، ومُنعوا منه، وغُصب منه ومنهمعليهم‌السلام .

لكنّه قد اختص بمنع المشترك بين جميع ذوات الأرواح، وهو الماء الذي هو ليس من الأنفال، بل فيه حقّ شرب لكلّ مَنْ فيه روح حتّى الكفّار والحيوانات.

سورة براءة: تنطبق كلّ آيات الجهاد فيها على جهاد أصحابه حقيقة، وفيها آية الاشتراء من الله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .

وقد عامل في سوق هذه المعاملة جميع عباد الله تعالى بأصنافهم.

وللحسينعليه‌السلام بالنسبة إلى ذلك معاملة خاصة، وتسليم ثمن بنحو مخصوص ،


ونقل متاع وكَيله ووزنه وحفظه وبذله بنحو مخصوص، كما يظهر من جميع خصائصه عند التدبّر.

سورة يونسعليه‌السلام : للحسينعليه‌السلام من يونس صورة وصفة وسيرة حين نُبذ( بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ) .

أسفي لعارٍ مثل يونس بالعراء

يقطينه فيها جناح الأنسر

وإن شئت فقل: يقطينه فيها سيوف تُشهر، أو قل: رماح تُشرع.

سورة هودعليه‌السلام : قد تلا منها آيات خاصة حين وقف في الميدان قبالة القوم وخطبهم، فقرأ في خطبته:( قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

سورة يوسفعليه‌السلام : في روايات العامّة إنّها نزلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تسلية له بما جرى على ولده الحسينعليه‌السلام وفيها تطبيقات اُخر أيضاً.

سورة الرعد: قال تعالى:( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ) ، وفي الحديث: (( ما من سحابة تمرّ وترعد وتبرق إلاّ ولعنت قاتل الإمام الحسين (صلوات الله تعالى عليه) )).

سورة إبراهيمعليه‌السلام : في سورة إبراهيم قصة إسكان إبراهيم لذريته:( بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) ، وينطبق عليه كيفية إسكانهعليه‌السلام ذريته في كربلاء، وكيفية وداعه لهم.

ومن المفجعات العجيبة تطبيق مكالمة إبراهيم أهله ـ حين أسكنهم في ذلك الوادي ـ مع مكالمة الحسينعليه‌السلام حين حلّ بأهله في وادي كربلاء، حرّك أهله بوادي كربلاء.

سورة الإسراء: للحسينعليه‌السلام معراج خاص من أرض كربلاء، أثر في جعله معراجاً للملائكة، وإسراءً خاصاً لجدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، حيث قال: (( اُسري بي إلى موضع يُقال له: كربلاء، رأيت فيه مصرع ابني الحسين وأصحابه )).

سورة الكهف: كان رأسه المطهّر ـ وهو على الرمح ـ يتلو سورة الكهف المباركة، فسمع زيد بن أرقم في الكوفة آية:( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً ) ، وسمع منه آخرون في الشام:( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) ولقراءة أصل السورة حكمة خاصة.

ولخصوص قراءة الأولى في الكوفة حكمة خاصة، ولقراءة الآية الثانية في الشام حكمة خاصة.


سورة مريمعليها‌السلام : في حديث زكرياعليه‌السلام أنّ( كهيعص ) إشارة إلى كربلاء، وهلاك العترة من يزيد في حال العطش مع الصبر.

وقد ذكرنا الحديث سابقاً عن التهذيب والبحار عن الإمام السجّادعليه‌السلام وفيه قوله: ( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً )، قال: (( خرجت من دمشق حتّى أتت كربلاء، فوضعته في موضع قبر الحسينعليه‌السلام ثمّ رجعت من ليلتها )).

سورة طه: فيها مناسبات لهعليه‌السلام في حكاية موسىعليه‌السلام :( إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً ) ، والحسينعليه‌السلام رأى من جانب كربلاء نوراً وهو في المدينة، فقال لأهله: تعالوا معي، وأجاب لمّا سُئل عن ذلك في مكة فقال: إنّ الله قد شاء أن يراهنّ اُسارى.

وفي السور بعد طه أيضاً مناسبات خاصة له، ولهذا قرأ بعض الآيات من سورة القصص عند خروجه من المدينة، وبعض الآيات عند دخوله مكة.

وسنذكر تفصيلها في عنوان الهجرة من خصائصه.

وقد قرأ بعض أصحابه آيات من سورة المؤمن عند مبارزته، كما سيجيء في عنوان الشهداء.

والمقصود بيان أُنموذج من التطبيقات، فلنكتف بذلك ولنذكر بعض المناسبات لعموم السور فنقول :

السور المصدّرة بالحروف المقطعة من: (الطواسين)، و (الحواميم)، و (يس)، و (ص) و (الم) و (ق) و (ن) لصورها في النقش تأثيرات وإشارات بالنسبة إلى عددها بحساب الحمل، وتأثير في حروفها، وإشارات إلى أسماء الله، ورموز لا يهتدي إليها إلاّ مَنْ خوطب بها.

والحسينعليه‌السلام في جسده حروف مقطعة من أثر السيوف، لها هيئات في آحادها، ومثانيها، وثلاثها، ورباعها، وخماسها، ولكلّ هيئة خاصة، وهي رموز في عالم التسليم والرضا.

وقد اهتدى إلى تلك الرموز مَنْ اهتدى ( النبي وآله ) (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين) إلى رموز الحروف المقطعة في أوائل السور.

ولذا كان يُقبّل بالخصوص بعض المواضع من بدنه، يُقبّل جميع البدن، حين يقول لعليعليه‌السلام : أمسكه فيمسكه ويُقبّل جميع مواضع الحروف المقطّعة ويبكي (صلوات الله عليه وآله)، أوائل التسبيحات من مناسبات الصفات الإلهية التي قد منحه الله أُنموذجاً منها كما بيّناه في العناوين الاحترامات الإلهية.


سورة المدثّر: له من هذه السورة باطنها، كما إنّه لا يخرج من معناها الظاهر ؛ فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منه وهو منه.

سورة المزمّل: وهوعليه‌السلام المخاطب بها من حيث إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله المخاطب، وهوعليه‌السلام بهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنه، وهو المزمّل بدمائه الذي قام ليلة الضلال فكشفها وجعلها ضياء، وأوضح نور الحقّ، وأصحابه المزمّلون كأصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الذين قال في حقّهم يوم أحد: (( وزمّلوهم بثيابهم ودمائهم، فأنا الشهيد عليهم ))(*) .

سور الأقسام العظيمة: لها بواطن تنطبق على الإمام الحسينعليه‌السلام وحالاته وشهادته، ووجهه وروحه، وجسده وقلبه، وأصحابه وحالاتهم، فاستمع لما يُتلى عليك منها :

( وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً ) هي تنطبق على الحسينعليه‌السلام وعسكره ؛ لصفهم في القتال، وصفهم للحماية، وصفهم في الصلاة، وصفهم في الأجساد المطروحة، وصفهم في الرؤوس المقطوعة، وصفهم في الدفن فإنّهم دفنوا في حفيرة واحدة.

أيضاً:( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ) ، الحسينعليه‌السلام هو الفجر بنور هدايته، ولياليه في مصائبه هي العشر، هو وأخوه: الشفع، وهو بقي وحيداً: الوتر، وأما الوتر الموتور والنفس المطمئنة في آخر هذه السورة: فهي روحه الشريفة حين رجوعها إلى ربّها كما ورد ذلك في الروايات.

أيضاً:( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) ، فالطور محلّ شهادته بمعنيين، ظاهري كما في الحديث، ومعنوي والكتاب المسطور: بدنه الشريف والبيت المعمور: رأسه والبحر المسجور: ميدان كربلاء يوم وقع القتال.

أيضاً:( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) ، بيان لكيفية وقوعه.

أيضاً:( وَالضُّحَى ) ضحى نور وجهه المنير، أو نور إظهار الإيمان به ؛ فإنّه مجدّد ما انمحى من الإسلام، ولولا نهضته لما بقي مسلم قطّ على وجه هذه الأرض، وهذا من معاني الحديث النبوي المبارك: (( وأنا من حسين )).

وأيضاً:( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ) هو الحسينعليه‌السلام حقيقة ؛ فإنّه سماء له تسعة بروج، بل له ثلاثة عشر برجاً.

أيضاً:( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) الذي يشع ضوؤه المنير من السماوات، والحسينعليه‌السلام نجم ثاقب، يثقب نوره الظلمات الأرضية أيضاً.

____________________

(*) الظاهر أنّه جمع بين الروايات وأعطى صورة عنها بهذا الشكل، وإلاّ فالروايات مختلفة الألفاظ متّحدة المضامين (راجع وسائل الشيعة، ومستدرك وسائل الشيعة، وبحار الأنوار، وكتاب الأم، والمدونة الكبرى، ومسند أحمد، سنن النسائي، والسنن الكبرى وغيرها الكثير ) (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


وأيضاً:( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاّهَا ) ، الشمس: هي وجه الحسينعليه‌السلام ؛ لأنّه الشمس حقيقة، فإنّ الشمس يذهب شعاعها بقطعة سحاب، وهو قد تضمخ وجهه الكريم بالدم والتراب والجراح تلو الجراح ولم ينقص من نوره، بل كان جسده في الليالي الثلاث يُضيء كالشمس.

وأيضاً:( وَالْمُرْسَلاتِ ) ، الملائكة المرسلة لما يتعلّق بالحسينعليه‌السلام .

وأيضاً:( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ) ، وما بعده الأرواح المطهّرة للحسينعليه‌السلام وأصحابه.

أيضاً:( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً ) لهما في بعض التفاسير تطبيق على أصحابه وجهادهم يوم الطفّ.

أيضاً:( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قد ورد أنّ الزيتون هو الحسينعليه‌السلام .

أيضاً:( وَالْعَادِيَاتِ ) لخيلهم حين تركض.

سورة القيامة: كلّها منطبقة على قيامة أهل البيتعليه‌السلام التي قامت يوم عاشوراء، فهي الواقعة العظيمة، وهي ( الحاقة )، و ( الصاخة ) حقيقة، وهي ( الطامة الكبرى ) حقيقة ؛ فإنّها قد علت على كلّ مصيبة، وهي ( القارعة ) التي قرعت قلوب الأبرار والفجّار وكلّ شيء، وهي التي ( زلزلت الأرض زلزالها )، وهي الغاشية التي يُقال فيها( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ! ) ، فهل أتاكم حديثها ؟ وهي التي تحقّق فيها( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ) ، و( إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ) حين ضُرب بالسيف على رأسه الشريف، وقوله تعالى:( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) منطبق على يوم عاشوراء، والتكوير للشمس الظاهرية، والشمس الباطنية ظاهراً وباطناً.

ولكلّ من هذه تفصيل ذكرته في كتاب روضات الجنات في المواعظ بالقرآن الكريم، وفّقني الله تعالى لإتمامه بمنّه وحوله وقوّته.

سورة القدر: قد ثبتت للحسينعليه‌السلام فضائل ليلة القدر كما سيجيء في عنوان خصائصه المتعلّقة بالأزمنة الشريفة.

سورة الإخلاص أو التوحيد: هو قد أظهر في الخارج التوحيد الحقيقي، وهو توحيد علاقة القلب، أي تجريد العلائق القلبية من كلّ ما سوى الله تعالى، وله بيان وتفصيل في عنوانه.

سورة الجحد: أي الجحد لدين الكفّار ،

وهو قد أظهر الجحد لأهل النفاق والخلاف وتبّرأ منهم، وقال( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) صلوات الله تعالى عليه.

سورتا المعوذتين: عوذتان له ولأخيه كما في روايات الخاصة والعامة.

انتهى العنوان الثامن


العنوان التاسع

في خصوصياته المتعلّقة ببيت الله الحرام

وفيه مطالب :

الأوّل: أنّه بيت الله حقيقة.

الثاني: أنّه عظّم الكعبة المكرّمة تعظيماً خاصاً، فجعل الله له بذلك احترامات خاصة على طبق احترامات الكعبة وفضائلها، وخصّه بزيادات في ذلك على البيت.

الثالث: أنّه قد جعل الله تعالى لزيارته تأثيراً خاصاً في المعادلة للحج والعمرة، وذلك لسرٌ معنوي، ونكتة عجيبة لطيفة.

فنقول، بعون الله تعالى :

المقصد الأوّل: أنّه بيت الله الحقيقي

اعلم أنّ الله تعالى يُجلّ عن المكان والحلول، والسكنى والمسكن، واتصاف بعض الأمكنة بكونه بيتاً لله تعالى، إنّما هو لشرافة خاصة له من حيث جعله محلّ عبادة الله تعالى، أو كثرة العبادة فيه، أو الأمر بالتوجّه إليه حين العبادة، أو كونه محاذياً لمحلّ عبادة، أو لنزول فيض خاص، أو لكونه صعب المنازل ؛ فيخلص فيه القصد إلى الله، كما اجتمع ذلك كلّه في مكّة المعظّمة، وتحقّق بعض ذلك في المساجد، وفي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وهذه كلّها بيوت الله ظاهراً.

وأما بيت الله الحقيقي فهو ما في الحديث القدسي: (( لا تسعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن )) وقد أوحى الله تعالى إلى نبيّه داودعليه‌السلام : (( فرّغ لي بيتاً أسكن فيه )) فقال: يا ربّ، إنّك تُجلّ عن المسكن ! فأوحى إليه: (( فرّغ لي قلبك )) وأيضاً جاء (( القلب حرم الله تعالى فلا تسكنوا حرم الله إلا الله تعالى )) فكلّ قلب لم تكن فيه سوى محبّة الله تعالى وذكره فهو بيت الله تعالى حقّاً.

فقلب المؤمن الكامل بيت الله حقيقة ؛ لأنّه خال عن التعلّق بغيره، فليس فيه فكر ولا ذكر ولا همّ إلاّ الله تعالى.

وقد ينتهي الأمر إلى أنّه لا يبصر إلاّ بالله تعالى، ولا يسمع إلاّ بالله، وهذا أحد معاني قوله تعالى في الحديث القدسي: (( حتّى أكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به )).

وإذا تحقّق ذلك وتأمّلت حق التأمّل، ظهر لك أنّ بيت الله الحقيقي


الأكبر هو قلب الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه فرّغه تفريغاً حقيقياً صادقاً خالصاً، إذ لم تبقَ فيه علاقة لغير الله (عزّوجلّ)، حتّى العلائق التي لا تنافي العلاقة مع الله تعالى، وذلك لأنّ قطع العلاقة عن كلّ شيء لله ـ خصوصاً مع شدّة العلقة به ـ دليل على شدّة العلقة مع الله تعالى.

وقطعها كلّها دليل انحصارها، والشرائع مبتنية على ذلك، والتديّن بالدين إنّما بمقدار قطع العلاقة عن غير الله لله تعالى.

والدرجات المختلفة إنّما هي باختلاف العلائق شدّة وضعفاً، ومقدار تركها زماناً، وكيفية امتثال أمر الله تعالى.

إذا تحقّق ذلك، فاعلم أنّ الحسينعليه‌السلام حين توجّه إليه الأمر في الصحيفة الإلهية بخطاب: (( اشرِ نفسك لله))، قد قصد من أوّل هجرته من المدينة إلى مكّة، ثمّ إلى كربلاء، امتثال هذا الأمر متقرّباً بجميع ما سيقع عليه.

فكان جميع ذلك منويّاً له موطّناً عليه نفسه الزكية حتّى تقطيع أوصاله وطّن نفسه عليه وهو في مكّة المكرّمة، كما نوىعليه‌السلام التقرّب بتحّمل ذبح أصحابه، وأولاده، وأهل بيته (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين).

بل أكثر من ذلك، فقد وطّن نفسه بتحّمل ذبح طفله الرضيع على يديه، بل وطفل رضيع آخر له، بل اُري صورة الواقعة ومحلّها لأم سلمة مشاهدة بالعين.

فقد أخلى قلبه من التعلّق بالوطن، والديار والمساكن، ومن التعلّق بالأموال حتّى اللباس والسلطنة، والراحة والرئاسة.

ومن التعلّق بالعيال والأطفال، والأولاد والإخوان، والعشيرة والأصحاب، فقدّمهم أمامه ذبحاً وأسراً، ومن التعلّق بجميع ما في الدنيا حتّى الماء، وحتى قطرة منه للمحتضر الغريب.

ومن تعلّق الرأس بأجزاء البدن وعظامه ولحمه ودمه، ومن اتصاله وبقاء صورته وتركيبه وهيئته، حتّى إنّه قطع علاقة قلبه المبارك مع صورة القلب التي في الصدور، ومع مهجة القلب التي هي دم القلب.

فشبك قلبه سهم مسموم ذو ثلاث شعب، وقع عليه وسال دمه جارياً خارجاً كالميزاب يتدفّق، فأخذه بيده المباركة وخضّب به رأسه ولحيته، ففي الزيار ة: (( وبذل مهجته فيك )).

فلمّا بذل فيه قلبه الظاهري ومهجته، وجميع علائق قلبه، تمحّض القلب المعنوي لله تعالى، وصار خالياً عن غير الله، وفارغاً عن جميع ما سوى الله تعالى، وصار بيت الله الحقيقي التحقيقي الذي ليس فيه سوى الله تعالى( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ،


ومن ذلك يظهر قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( مَنْ زار الحسينعليه‌السلام كان كمَنْ زار الله تعالى في عرشه )).

المقصد الثاني: إنّ هذا البيت الحقيقي قد خُصّ كالكعبة بتعظيم خاص

فخصّه الله تعالى بخصائص الكعبة، مع تفصيل فيها :

تفصيل ذلك: إنّهعليه‌السلام لمّا ورد مكّة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان، وبقي فيها إلى موسم الحج، وأحرم بحج أو بعمرة التمتع على اختلاف الروايات، بلغه بأنّ يزيد قد بعث ثلاثين رجلاً من شياطين بني أُميّة ليقتلوه غيلة، ووجّه جيشاً مع عمر بن سعد بن العاص لقبضه.

فأحلّ من إحرامه بعمرة مفردة، وعزم على الخروج يوم التروية، أو يوم عرفة، فأتاه محمّد بن الحنفيّة في تلك الليلة فقال له: يا أخي، إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال مَنْ مضى، فإن رأيت أن تُقيم فإنّك أعزّ مَنْ في الحرم وأمنعه.

فقالعليه‌السلام له: (( يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون أنا الذي يُستباح بي حرمة هذا البيت )).

فقال ابن الحنفيّة: فإن خفت ذلك فسر إلى اليمن، أو بعض نواحي البرّ ؛ فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.

فقالعليه‌السلام : (( أنظر فيما قلت )).

فلمّا كان وقت السحر ارتحل الحسينعليه‌السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفيّة، فأتاه وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها.

فقال: يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟

قالعليه‌السلام : (( بلى )).

قال: فما حداك على الخروج عاجلاً ؟

فقالعليه‌السلام : (( أتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما فارقتك، فقال: اخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً )).

فقال ابن الحنفيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النسوة معك ؟ وأنت بمخرج على مثل هذا الحال ؟

فقالعليه‌السلام : (( إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا )).

وقال أيضاً لأخيه ابن الحنفيّة: (( يا أخي، لو كنت في حجر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني )).

ثمّ جاء عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن عمر، فمنعوه ذلك.

فأجاب ابن الزبير بأنّي لا أحبّ أن تُهتك بسببي حرمة البيت.

وأجاب ابن عمر بكلام ذكر فيه هوان الدنيا، وقتل يحيىعليه‌السلام ، وقتل


بني إسرائيل كلّ يوم سبعين نبيّاً ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد ذكرناها فيما سبق.

وأجاب ابن عباس: بأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرني بأمر أنا ماضٍ فيه، فسلّم الكلّ عليه، وودعوه وبكوا.

فقال ابن عمر: اكشف عن الموضع الذي كان يُقبّله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكشف عن سرّته فقبّلها وبكى وودّعه، وخرج (صلوات الله تعالى عليه) مقبلاً إلى العراق.

أقول: أيّها العارف البصير، تأمّل في فعل هذا الإمام الجليل، وقوله (صلوات الله عليه): أخاف أن تُستباح بي حرمة البيت الحرام، وكيف عظّم جلال ربّه، وتأدّب حيث رضي بما يجري على نفسه الشريفة.

ولم يرضَ بأن يكون ذلك بقرب البيت الذي عظمّه الله تعالى فجعله محترماً، فبسط احترامه في الأنظار، مع أنّهعليه‌السلام أعظم من البيت وأشرف وأجلّ.

ولهذا ينظر الله تعالى يوم عرفة إلى زوّاره قبل أن ينظر إلى أهل عرفات، ولأجل تعظيمه بهذا التعظيم ثبتت له جميع الخصائص التي خصّ الله تعالى بها الكعبة، والكرامات التي أكرمها الله بها.

ولنعدّ منها خمسين فضيلة، ثمّ نبين كيفية الموازنة والتطابق بعون الله تعالى (جلّ جلاله)، وله الحمد على هذا الإلهام :

الأولى: إنّه أوّل بيت وضع للناس دون غيره من المساجد والمقامات والحسينعليه‌السلام حيث إنّه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والنبي منه فهو أوّل بيت وضع للناس ؛ فإنّ أوّل المخلوقات نور النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد كان الحسينعليه‌السلام مع نور جدّه وأبيه وأُمّه وأخيه مخلوقاً قبل السماوات والأرضين فهو أوّل بيت وضع للناس والملائكة وجميع المخلوقات.

الثانية: كونه ببكة، وهو أشرف المواضع والحسينعليه‌السلام بأشرف المواضع نسباً، وفي كربلاء مدفنا ،

ومن حديثِ كربلا والكعبه

لكربلا بانَ علوِّ الرتبه

الثالثة: إنّ الله تعالى أمر خليلهعليه‌السلام ببنائه بيده، فهو بناء يد الخليل والحسينعليه‌السلام قد نبت لحمه ودمه من لحم الحبيب ودمه كما مرّ تفصيله، والحبيب رتبته


أعلى من الخليل.

الرابعة: إنّ الله تعالى جعله مباركاً لزوّاره ومجاوريه.

وهوعليه‌السلام : ذو بركة إلهية من جهة الفيوضات الواردة على الناس بسببه، فمنهم مَنْ دخل الجنة بالشهادة بين يديه، ومنهم بالبكاء عليه، ومنهم بإقامة العزاء عليه، ومنهم بالإبكاء عليه، ومنهم بالتباكي عليه، ومنهم بتذكّره حين شرب الماء، أو حين الجوع، أو حين الكربات والبلايا الطارئة على النفوس في هذه الدنيا، ومنهم بالتحسّر القلبي على عدم استشهاده ونصرته حين استنصاره لمحبّيه وشيعته، ومنهم بزيارته، ومنهم بإعانة زوّاره، ومنهم بالدفن في تربته، ومنهم بتأليف الكتب وإظهار فضائله للناس، ومنهم بسقي الماء ويا لها من عبادة كبرى حبيبة إلى الله تعالى وأولياءه، أو بنحو أعمّ تأليف كتباً إيمانية وأخلاقية وعقائدية تنشر الفكر الإسلامي القويم، ومنهم بخدمته بشتى أنواع الخدمة إلى غير ذلك من وجوه بركته في الأرزاق والفيوضات الواردة بسببه على مَنْ له نسبة إليه بمجاورة، أو قراءة تعزية، أو حضور مجلس ونحو ذلك.

الخامسة: جعله تعالى هُدى للعالمين كما في الآية الشريفة،( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ) .

والحسينعليه‌السلام أيضاً هُدى للعالمين، وسبب هدايته ؛ لأنّهعليه‌السلام قد فدى بنفسه دين محمّد المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، وأنّه جاء في الحديث النبوي المبارك أنّ الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يأتي عصر حكومة يزيد الفسق فيقضي على كلّ بذروة من بذور الإسلام، وأن يكون تجدد ذكر الإسلام وبزوغه بسبب حجّته على خلقه آنذاك الإمام الحسينعليه‌السلام .

ولا ننسى الحديث المبارك ما مضمونه: إنّ الله تعالى أبى أن يجري الأمور إلاّ بأسبابها، وأيضاً قد ورد في زيارة الأربعين عن الصادقعليه‌السلام في حقّ الإمام الحسين الشهيدعليه‌السلام : (( وبذل مهجته فيك ؛ ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة )).

السادسة: جعل سبحانه له حرماً من أطرافه، لا يصطاد صيده بل لا ينفر، ولا يعضد شجره ( أي يُقطع شحره ) ولا يُختلى خلاله، ولا يُلتقط لقيطه إلاّ المنشد.

وهوعليه‌السلام : قد جعل الله تعالى لمدفنه حرماً من أطرافه، فجعل تربته المباركة محترمة، وأحلّ أكلها بمقدار خاص للشفاء، وجعل حرمه المبارك فرسخ.

وفي رواية أربعة فراسخ من جوانبه، وفي رواية خمسة، وحملت على الاختلاف في الفضيلة.

ولكن قد اختلفت كلماتهم في التحديد بالنسبة إلى جواز الأكل فقيل: بجواز كلّ تربة الحرم مطلقاً وقيل: تربة نفس القبر الشريف، وما يقرب منه على وجه يلحق به عرفاً، وهو المناسب لقاعدة الاقتصار على المتيقّن.

وربما استظهر من بعض الروايات، وفي بعض الأخبار التحديد بالميل ،


وبأربعة أميال، وبسبعين ذراعاً.

وللاستشفاء آداب وشروط مذكورة في محلّها، بل ذكر بعضهم أنّ الاستشفاء بها في غاية الصعوبة ؛ وذلك لأجل كثرة ما اعتبر فيه، وكأنّه فهم الشرطية، ولعلّ الأظهر أنّها آداب.

السابعة: جعله الله تعالى مأمنا لا يحلّ دم مَنْ يأوي إليه.

وهوعليه‌السلام أيضاً: لا يحلّ دم مَنْ يأوي إليه، لكن هتك بنو أُميّة حرمة البيت بالنسبة إلى ذلك، وهتكوا حرمته بالنسبة إلى مَنْ آوى إليه حتّى بالنسبة إلى الصغيرين (صلوات الله عليهما)، اللذان كان أحدهما في يده فآواه من العطش، والآخر على صدرهعليه‌السلام حين قطعوا يده فاستغاث بعمّه، فآواه إلى صدره فضُرب بسهم وقُتل على صدره.

وكما نفرت طيور الحرم عنه حين دارت عليه للنوح، فضُربت سكينةعليه‌السلام وجُرّت عنه، واصطيدت من هذا الحرم ورُبطت بالسلاسل، ورُكّبت على أقتاب المطايا.

الثامنة: جعله قبلة حبيبه المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله في صلواته التي هي أشرف وأفضل عباداته،( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ، فهو قبلة وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن مولاي الحسينعليه‌السلام مهجة قلب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وثمرة فؤاده، وريحانته كما وصفه هو بذلك، بل هو نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما قال: (( حسين منّي وأنا من حسين )).

ومع هذا فهو أيضاً قبلة وجه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقد كان يتوجّه إليه ويلاحظه كلّما جاء إليه أو نظر إليه وإن كان في أثناء الخطبة، أو في الصلاة حتّى يحمله حينها.

التاسعة: جعل طوافه ركناً من أركان الإسلام فقال:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) ، ومَنْ لم يأت به فقد نقص ركناً من أركان الإسلام، بل قد جاء إنّ مَنْ لم يحجّ بعد الاستطاعة تهاوناً منه، أو تكاسلاً، أو تسويفاً وما إلى ذلك ؛ فإنّه عند الممات يُقال له: مت إن شئت يهودياً أو نصرانياً.

والحسينعليه‌السلام : قد جُعلت زيارته ركناً من أركان الإسلام والإيمان، فقد قيل في الحديث: إنّ تارك زيارته منتقص الإيمان، قاطع لحرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد عقّ رسول الله المصطفى.

وفي رواية: (( ليس بشيعة ))، وفي رواية: (( إن كان من أهل الجنّة فهو من ضيفانهم ))، وفي رواية: (( تارك حقّاً من حقوق الله تعالى ولو حج ألف حجة ))، وفي رواية: (( محروم من الخير )) ،


وفي رواية بعد أن سمع أحدهم أنّ جماعة من الشيعة تأتي عليهم السنة والسنتان لا يزورونه، قالعليه‌السلام : (( حظّهم أخطؤوا، وعن ثواب الله تعالى زاغوا، وعن جوار محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله تباعدوا )).

ولكن قد ذكرنا هناك أمور معوّضة لمَنْ لا يستطيع الذهاب للزيارة راجعوها في ما سبق من هذا الكتاب.

نذكر منها: أنّ الزيارة من بعد مجزية ومانعة من هذه الآثار المهلكة، إن لم يكن بالاستطاعة زيارتهعليه‌السلام .

العاشرة: جعله الله تعالى مغناطيس الأفئدة، يجذب القلوب إليه من المواضع البعيدة، فالقلوب مشتاقة دائماً إليه وإلى أهله، توّاقة إلى النزول في رحابه ؛ لقوله تعالى:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) ، والحسينعليه‌السلام مغناطيس قلوب الشيعة والمحبّين الصادقين المتّبعين، ولا يقلّ عن مقدار جذب القلوب للبيت الحرام، بل قد يزيد بكثير.

ولا ننسى أنّ حرمة المؤمن عند الله تعالى أعظم من حرمة الكعبة، فترى لقلوبهم الطاهرة الزكية ميلاً مخصوصاً بهعليه‌السلام والى ذكره وزيارته وخدمته بل ممتازاً عن محبّة غيره من الأئمّةعليهم‌السلام ، وهذا أمر وجداني.

وقد عثرت على رواية كاشفة عن ذلك ؛ فقد روي في البحار وغيرها عن المقداد بن الأسود الكندي: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج في طلب الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وقد خرجا من البيت، وأنا معه، فرأيت أفعى على الأرض، فلمّا أحسّت بوطء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قامت ونظرت، وكانت أعلى من النخلة، وأضخم من البَكر ( أي الفتى من الإبل ) يخرج فيها من النار، فهالني ذلك، فلمّا رأت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صارت كأنّها خيط، فالتفت إليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: (( أتدري ما تقول هذه يا أخا كندة ؟ )).

قلت: الله تعالى ورسوله أعلم. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( قالت: الحمد لله الذي لم يمتني حتّى جعلني حارسة لابني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )). وجرَت في الرمل، رمل الشعاب، فنظرت إلى شجرة لا أعرفها ولا رأيتها قبل ولم أرها بعد ذلك حين طلبتها، وكانت الشجرة أظّلتهما، وجلس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بينهما، فبدأ بالحسينعليه‌السلام فوضع رأسه على فخذه الأيمن ثمّ وضع رأس الحسنعليه‌السلام على فخذه الأيسر، ثمّ جعل يُرخي لسانه في فم الحسينعليه‌السلام ، فانتبه الحسينعليه‌السلام وقال: (( يا أبه )) وعاد في نومه. وانتبه الحسنعليه‌السلام وقال: (( يا أبه )) وعاد في نومه.

فقلت: كأن الحسين أكبر.

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إنّ للحسين في بواطن المؤمنين معرفة مكتومة، سل أُمّه عنه )).

فلمّا انتبها حملهما على منكبيه والحديث طويل(١) .

الحادية عشرة: أنّ فيه مقام إبراهيم الخليلعليه‌السلام أي موضع قدمه، وقد أثّر في الصخرة والحسينعليه‌السلام قد أثّر فيه فم الحبيب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ

____________________

(١) انظر بحار الأنوار ٤٣ / ٢٧١.


جبينه ونحره كانا يُضيئان لكثرة ما يُقبّلهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما في الروايات.

وأيضاً إن كان مقام بدن الخليلعليه‌السلام عند البيت، فكان مقام الحسينعليه‌السلام كتف النبي المصطفى (صلوات الله عليه وآله).

وأيضاً ظهره وصدره إلخ فبدن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو مقام الحسينعليه‌السلام .

ومَنْ تتبّع الروايات الواردة في كيفية حمله ماشياً على كتفه، ونائماً على الصدر، وساجداً على الظهر، ومطيلاً للسجود لأجل ذلك، وماشياً على اليدين والرجلين وهو على ظهره.

لوجد دلالة على محبّة عجيبة، وعلاقة غريبة لم تتّفق لغيره كما يظهر بالتأمّل والتدبّر.

الثانية عشرة: جعل له كرامة ظاهرة، وآية بيّنة وهي: أنّ الطير لا يطير فوقه، ولا يقع على حيطانه المباركة.

والحسينعليه‌السلام جُعلت له كرامة ظاهرة، حيث إنّ الماء لم يقع في قبره، ولم تمش الثيران حين أرادوا حرثه ؛ ليمحو أثره ونوره القدسي.

وقد أمر المتوكّل (لعنه الله) بمحو أثر قبره في عشرين سنة بالنبش والحرث وإجراء الماء عليه، فنبشوا قبره الشريف مرّة فوجدوا بدنه المطهّر كأنّه مدفون الآن فجعلوه على حاله، ثمّ أداروا الماء عليه فارتفع القبر ولم يصل إليه الماء.

وأرادوا حرثه بالبقر والفدان فكان كلّما ضربوا البقر لم تحرث القبر الشريف، وكانوا يرون جماعة يرمونهم بالسهام بعض الأوقات، وإذا رموهم رُدّ السهم إلى الرامي.

نعم، وقعت طيور على بدنه الشريف، وتفصيل ذلك ما روي من أنّه لمّا قُتل وبقي جسده مطروحاً، فإذا بطائر قد أتى وتمسّح بدمه الزاكي وذهب، والدم يقطر منه فرأى طيوراً تحت الظلال على الغصون والأشجار، فقال لها: أيّتها الطيور تأكلين وتتنعّمين والحسين في أرض كربلاء في هذا الحرّ على الرمضاء طريح، ظامٍ، والنحر دامٍ، ورأسه مقطوع وعلى الرمح مرفوع، والنساء سبايا حفاة عراة !

فتطايرت إلى كربلاء، فرأته ملقى على الأرض جثة بلا رأس ولا غسل ولا كفن قد سفت عليه السوافي، وبدنه


قد هشّمته الخيول بحوافرها، زوّاره وحوش القفار، وندَبَته جنّ السهول والأوعار، قد أضاء التراب من أنواره، وأزهر الجو من إزهاره وهيبته، فتصايحت وتواقعت على دمه الشريف تتمرّغ فيه، وطار كلّ واحد منها إلى ناحية، وقصد طير منها مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجاء يرفرف والدم منه يتقاطر دائراً حول قبر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قائلاً بلسانه :

ألا قُتل الحسينُ بكربلا

ألا ذُبح الحسينُ بكربلا

واجتمعت الطيور عليه وكان من أمره شفاء ابنة يهودية، وقد ركضت طيور البرّ وهي بنات الأعوجية والسكوت أولى :

عُقرت بناتُ الأعوجيةِ هل درت

ما يُستباحُ بها وماذا يُصنعُ

الثالثة عشرة: جعله مطافاً للناس، وجعل ثواب الطواف جزيلاً بالنسبة إلى أشواطه وخطواته.

وقد زادت زيارة الحسينعليه‌السلام على ذلك أضعافاً كثيرة، كما تبيّن في عنوان الزيارة.

الرابعة عشرة: جعله مطافاً للملائكة، فقد ورد أنّه لمّا بنى جبرئيلعليه‌السلام الكعبة بأمر من الله تعالى، طافت حولها الملائكة، وهم سبعون ألف ملك كانوا يحرسون الخيمة التي أُنزلت من الجنّة، وبُنيت على قواعد البيت التي بناها الملائكة قبل خلق آدمعليه‌السلام .

ورفعت قواعدها بإزاء الأضرحة والبيت المعمور والعرش، ولمّا نحيت الخيمة وبنى جبرئيل البناء الثاني طافت تلك الملائكة حوله، فنظر آدم وحواءعليهما‌السلام إليهم فانطلقا وطافا سبعة أشواط.

والحسينعليه‌السلام كان مطافاً للملائكة حين كان نوراً مع الأنوار المحدقة بالعرش، وكان شفيعاً للملائكة كما في حديث صلصائيل ودردائيل اللذين دعا لهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، رافعاً الحسينعليه‌السلام على يده، وفطرس الذي تمسّح به أو بمهده وكان مخدوماً


لأفضل الملائكة كجبرئيل وميكائيلعليه‌السلام حين ناغاه في المهد.

وقد كافأه فطرس له بأن لا يزوره زائر، ولا يسلّم عليه بسلام، ولا يصلّي عليه إلاّ أبلغه إياه، كما في الحديث، ومع ذلك فقبره مطاف للملائكة، ومزارهم.

وهم بالنسبة إلى ذلك أصناف، منهم: أربعة آلاف ملك شعث غبر موكّلين بقبره، شغلهم البكاء لا يفترون عن ذلك، وهم يستقبلون زائره، وإذا مرض يعودونه، وإذا مات شهدوا جنازته، وهؤلاء لا يبرحون، وقد كانوا نزلوا يوم عاشوراء لنصرته فرأوه قد قُتل، فأوحى الله تعالى إليهم ابكوا عليه لِما فاتكم من نصرته، وانصروه عند خروجه للرجعة، واسم رئيسهم منصور، كما جاء في كامل الزيارات والبحار وأيضاً العوالم.

ومنهم: سبعون ألف ملك وكلّهم الله بقبره يصلّون عليه كلّ يوم منذ قُتل إلى يوم قيام القائم (عجّل فرجه وصلوات الله عليه).

ومنهم: أربعة آلاف ملك يبكون عليه من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، وإذا زالت الشمس هبط أربعة آلاف وصعد أربعة آلاف، ولا يزالون يبكون حتّى يطلع الفجر.

ومنهم: ملائكة الليل والنهار والحفظة، فإنّهم يحضرون الحائر كلّما هبطوا ويصافحون ملائكة الحائر، ويحفون زوّاره بأجنحتهم، ويدعون لهم، ويباركون عليهم بأمر من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمة والحسن والأئمّةعليهم‌السلام ، وكلّ ذلك ثابت في الأخبار، بل الأخبار ببعضه مستفيضة.

ومنهم: خمسون ألف ملك كما عن الصادقعليه‌السلام قد مرّوا به وهو يُقاتل، فرجعوا إلى السماء فأوحى الله تعالى إليهم مررتم بابن حبيبي وهو يُقتل فلم تنصروه ؛ فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره شعثاً غبراً إلى أن تقوم الساعة.

ومنهم: المذكورون في الحديث النبوي برواية زينبعليها‌السلام عن أُمّ أيمن، وعن أبيها والحديث طويل، وفيه أنّه تحفّه ملائكة من كلّ سماء مئة ألف ملك في كلّ يوم وليلة، ويصلّون عليه، ويُسبّحون الله تعالى عنده، ويستغفرون الله لزوّاره، ويكتبون أسماء مَنْ يأتيه متقرّباً إلى الله تعالى ورسوله بذلك، وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله تعالى، هذا زائر قبر خير الشهداء، وابن خير الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا


كان يوم القيامة سطع من وجوههم من أثر ذلك الميسم ما تغشى منه الأبصار، ويدلّ عليه ويُعرفون به.

قال جبرئلعليه‌السلام للنبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( وكأنّي بك يا محمّد بيني وبين ميكائيل وعليعليه‌السلام أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا يُحصى عدده، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتّى يُنجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمَنْ زار قبرك يا محمّد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك ))، الحديث.

ومنهم: سبعون ألف ملك في وقت كلّ صلاة، ثمّ لا تصل إليهم النوبة إلى يوم القيامة، رواه في البحار عن كامل الزيارة عن الرضاعليه‌السلام .

الخامسة عشرة: إنّ الكعبة منزلة من السماء فقد قال الإمام الصادقعليه‌السلام : (( إنّ الله أنزل البيت من السماء وله أربعة أبواب، على كلّ باب قنديل من ذهب معلّق )).

وأقول: إن كانت الكعبة قد شُرّفت بنزولها، فالحسينعليه‌السلام مع إنّه كان قبل أن تُخلق السماء، بل في الحديث أنّ اللوح والكرسي خُلقا من نوره، وهو أجّل منهما، قد اُصعد إلى السماء حين قُتل، ففي الرواية أنّه صُعد بجسمه متشحّطاً بدمه واُوقف مع صورة عليعليه‌السلام التي في السماء الخامسة، وعليها أثر ضربة ابن ملجم (لعنه الله)، ونزلت الملائكة من فوقها وهم ينظرون إليه.

وفي رواية أنّ الحسينعليه‌السلام عن يمين العرش ينظر إلى مصرعه ومدفنه، وزوّاره والباكين عليه، وقد ذكرناها في خواصّ البكاء.

السادسة عشرة: جعله مُعظّماً مُجلّلاً في الجاهلية والإسلام، بل من لدن آدم إلى هذا اليوم، وقد عظّمه وقصده وزاره وتقرّب به أهل الملل كلّها حتّى أهل الكفر والشرك والحسينعليه‌السلام أيضاً كان مُعظّماً مٌبجّلاً حتّى عند أعدائه والمنافقين وعند الأشقياء، وأهل الملل الأُخرى من النصارى أو اليهود.

وكما يظهر من رواية فيها أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام قُذف حبّهما في قلوب المنافقين والكافرين.

ومن حديث تكلّمه مع أبي بكر في طفولته، ومن تكلّمه مع معاوية وغلظته عليه، وعلى ابن العاص واحترامهما له، ووصية معاوية به، ومكالمة عتبة بن الوليد معه، وقوله حين أمر يزيد بقلته، ونزول سعد بن الوقّاص، والحجّاج


حين نزل يمشي في طريق مكة إلى يوم عاشوراء، وركوب عمر بن سعد حين نزل الحسينعليه‌السلام ، ووزّع مطروحاً، ثمّ أمر بركوب العشرة الراضّة(١) .

السابعة عشرة: إنّ الكعبة باقية مادامت السماوات والأرض، وهي من أعلام الدين، وقبر الحسينعليه‌السلام كذلك كما في رواية زينب عن أُمّ أيمن، وعن أبيها، وقد ذكرناها في أوائل الكتاب.

الثامنة عشرة: إنّه يجوز الإتمام في الصلاة للمسافر إذا صلّى فيما أحاط به، أعني المسجد الحرام على الأقوى والأشهر.

وكذلك يجوز الإتيان بالنوافل الساقطة في السفر فيه، وذلك تشريفاً للكعبة وامتيازاً لها، والحسينعليه‌السلام أيضاً تجوز الصلاة عنده تماماً للمسافر إذا صلّى فيما أحاط بقبره الشريف من الحائر على الأقوى، وقيل: بسريان هذا الحكم إلى حرم الحسينعليه‌السلام وقد مرّ الكلام فيه، وقيل: في البلد وكذلك تجوز النوافل الساقطة في السفر هناك.

وقد اختلف أصحابنا في تحديد الحائر، فقال ابن إدريس: المراد به ما دار سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه ؛ لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة، لأنّ الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يُحار فيه الماء.

وقد ذكر ذلك شيخنا المفيد في الإرشاد في مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام لمّا ذكر مَنْ قُتِل معه من أهله، والحائر محيط بهم، إلاّ العباس (صلوات الله عليه) ؛ فإنّه قُتل على المسناة(٢) واحتجّ عليه أيضاً بالاحتياط ؛ لأنه المجمع عليه.

وذكر الشهيدان في هذا الموضع أنّ الماء حار لمّا أمر المتوكّل (لعنه الله) بإطلاقه على قبر الحسينعليه‌السلام ؛ ليعفيه فكان لا يبلغه وذهب بعضهم إلى أنّ الحائر مجموع الصحن المقدس، وبعضهم إلى أنّه القبّة السامية، وبعضهم إلى أنّه الروضة المقدّسة وما أحاط بها من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها.

وقال المجلسي (رضوان الله عليه): الأشهر عندي أنّه مجموع الصحن القديم، لا ما تجدّد منه في الدولة الصفوية.

واحتجّ على ذلك بالأخبار الدالّة على

____________________

(١) ملاحظة من المحقق: غير أنّ ركوب عمر بن سعد والعشرة (لعنهم الله) ليس من التعظيم في شيء فكان على المؤلّف أن لا يذكره.

(٢) المسناة: أي تراب عالٍ يحجز بين النهر والأرض الزراعية.


أنّك إذا دخلت الحائر فقف وقل واذكر الدعاء، ثمّ تمشي قليلاً وتكبّر سبع تكبيرات، ثمّ تقوم بحيال القبر وتقول: إلى أن قال: ثمّ تمشي قليلاً وتقول: إلى قوله ثمّ ترفع يديك، ثمّ تضعهما على القبر، ونحو ذلك ممّا فيه الأمر بالمشي مرّتين، وتقصير الخُطى بعد دخوله ؛ فإنّها تدلّ على نوع سعة في الحائر.

وهذا قوي ويدلّ عليه أصل مسألة الصلاة هناك وعنوانها ؛ فإنّها تدلّ على نوع سعة، لكنّ الضبط والتحديد غير معلوم، والأحوط الاقتصار على الروضة المقدّسة.

التاسعة عشرة: إنّ الكعبة مطاف الأنبياءعليهم‌السلام من آدم إلى الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما دلّت عليه الروايات الكثيرة المتواترة.

وقد ثبت مثل ذلك للحسينعليه‌السلام ، بالنسبة إلى جسده الطاهر تارة، وبالنسبة إلى رأسه الشريف تارة، وبالنسبة إلى قبره المنيف تارة، بل ورد أنّ مَنْ زاره ليلة النصف من شعبان صافحه مئة وأربعة وعشرون ألف نبي.

وعن كعب الأحبار ما من نبي إلاّ وقد زار أرض كربلاء.

وقال: فيكِ يُدفن القمر الأزهر، وتفصيل كلّ في محلّه من العناوين.

العشرون: إنّه قد زيّنها الله تعالى بالحجر الأسود، الذي هو ياقوتة من يواقيت الجنّة، وقد كان أشدّ بياضاً من اللبن، فاسودّ من مسّ الكفّار وأهل الذنوب والحسينعليه‌السلام قد زُينت الجنّة به تارة، وما هو أجلّ من الجنّة، أعني العرش أُخرى.

ففي الحديث عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه سألت الجنّة ربّها أن يزيّنها، فأوحى الله تعالى إليها: (( إنّي زيّنت أركانك بالحسن والحسين فماست كما تميس العروس فرحاً )) وفي رواية: (( فزادت الجنّة سروراً بذلك )) كما في البحار.

وفي خبر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إذا كان يوم القيامة زُيّن عرش الرحمن بكلّ زينة، ثمّ يؤتى بمنبرين من نور ؛ طولهما مئة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش، والآخر عن يسار العرش، ثمّ يؤتى بالحسن والحسينعليهما‌السلام فيُزين الربّ تبارك وتعالى بهما عرشه كما يُزين المرأة قرطاها )).


وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( الحسن والحسين شنّفا العرش وليسا بمعلّقين )).

هذا ومن فضائل الحجر الأسود أنّه اُلقم ميثاق الخلائق ؛ لأنّه أوّل ملك أقرّ بما أخذ عليه من الميثاق، ولم يكن فيهم أشدّ حبّاً لمحمد وآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله منه ؛ فجُعل جوهرة وأُنزل إلى آدمعليه‌السلام ، وكان أنيسه، يحمله آدم على عاتقه لمّا جاء إلى مكّة المكرّمة.

ولا يخفى أنّ الميثاق هو الإقرار لله بالربوبية، وللنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنبوّة، ولعلي والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) بالوصية.

بل أقول: إنّه نفس الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إنّي كنت أوّل مَنْ آمن بربّي، وأوّل مَنْ أجاب حين أخذ الله تعالى ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم، فقد نال الحجر ما نال ببركة الحسينعليه‌السلام )).

الواحدة والعشرون: إنّه أوجب لطوافه صلاة عند المقام، فقال:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ؛ فتجب عند مقام الخليلعليه‌السلام ركعتان احتراماً للخليلعليه‌السلام وللبيت الحرام.

وقد صلّى الحبيب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ركعتين شكراً عند ولادة الحسينعليه‌السلام بعد المغرب، وصلّى كذلك عند ولادة الحسن المجتبىعليه‌السلام نافلة للمغرب، وسنّة إلى يوم القيامة.

فكان الناس كلّهم يصلّون هاتين الركعتين شكراً لوجودهما واحتراما لهماعليهما‌السلام .

وفي رواية معتبرة في الكافي بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (( لمّا عرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نزل بالصلاة عشر ركعات ؛ ركعتين ركعتين، فلمّا ولد الحسن والحسينعليه‌السلام زاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبع ركعات شكراً لله، فأجاز الله له ذلك )).

الثانية والعشرون: إنّ الكعبة كانت مضيئة كضوء الشمس والقمر كما في رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال :


(( حتى قتل أبناء آدم أحدهما صاحبه فاسودّت )).

وفي رواية: كان موضعها ياقوتة حمراء يبلغ ضوؤها موضع الأعلام فعلمت الأعلام على ضوئها فجعلها تعالى حرماً.

أقول: فإن كانت الكعبة مضيئة ونقص ضوؤها، فقد كان الحسينعليه‌السلام نورانياً يُضيء وجهه وجبينه، بل وجسده كالشمس، ولم يؤثّر عليه شيء في نقص ذلك النور الأزهر البهي ؛ فقد قال هلال بن نافع: كنت في عسكر عمر بن سعد، إذ صرخ صارخ أبشر أيّها الأمير فهذا شمر قد قتل الحسين، فبرزت بين الصفين، وإنّه ليجود بنفسه فوالله، ما رأيت قتيلاً مضمّخاً بدمه أنور وجهاً منه، ولقد شغلني نور وجهه عن الفكرة في قتله، وكان يستسقي في ذلك الوقت ماء.

وإن كان قد أضاء نور الكعبة من نور الياقوتة فبلغ ضوؤها الأعلام، فقد أضاءت كربلاء من نور التجلّي في الشجرة المباركة ؛ فإنّها الوادي الأيمن، والبقعة المباركة التي رآى موسىعليه‌السلام فيها نوراً، فبلغ ضوؤها عنان السماء، وأقطار العالم.

وأيضاً فقد كان بدنهعليه‌السلام يُضيء بالليل كالشمس كما في رواية الأسدي، بل وحوله فتية تدمي نحورهم مثل المصابيح يملؤون الدجى نوراً وإشعاعاً.

الثالثة والعشرون: إنّ مكة المكرّمة أُمّ القرى والحسينعليه‌السلام أبو الأئمّة النجباءعليه‌السلام ، وقد عوّضه الله تعالى بذلك عن قتله في جملة ما أعطاه، كما في الروايات الكثيرة.

الرابعة والعشرون: إنّ الكعبة سيدة البيوت، والحسينعليه‌السلام سيد شباب أهل الجنّة، مع أنّهم شباب كلّهم.

وقد رويت هذه العبارة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله متواترة في أحاديث العامّة والخاصّة، حتّى إنّ عمر بن الخطاب قد رواها أيضاً عن النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الخامسة العشرون: إنّها تُجبى إليها ثمرات كلّ شيء، مع أنّها في واد غير ذي زرع ؛ ببركة دعاء إبراهيمعليه‌السلام والحسينعليه‌السلام تُجبى إليه أعظم الثمرات، أعني ثمرات الجنّة كما ورد في روايات عديدة.

منها: ما رواه في البحار عن ابن شاذان، عن سلمان قال: أتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسلّمت عليه ،


ثمّ دخلت على فاطمةعليها‌السلام فقالت: (( يا أبا عبد الله، هذان الحسن والحسين جائعان يبكيان، فخذ بأيديهما واخرج بهما إلى جدّهما )).

فأخذت بأيديهما فحملتهما حتّى أتيت بهما إلى النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: (( ما لكما يا حسناي ؟ )) قالا: (( نشتهي طعاماً يا رسول الله )) فقال النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( اللّهمّ اطعمهما )) ثلاثاً.

قال: فنظرت فإذا بسفرجلة في يدهصلى‌الله‌عليه‌وآله شبيهة بقُلة من قلال هجر، أشدّ بياضاً من الثلج، ففركها بيده وصيّرها نصفين، ثمّ دفع إلى الحسنعليه‌السلام نصفاً وإلى الحسينعليه‌السلام نصفاً، فجعلت أنظر إلى النصفين في أيديهما وأنا أشتهيهما

قال: (( يا سلمان، لعلّك تشتهيهما ؟ )).

قلت: نعم.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( هذا من طعام الجنّة لا يأكله أحد حتّى ينجو من الحساب، وإنّك لعلى خير إن شاء الله )).

ومنها: حديث الرطب الذي اشتهاه الحسينعليه‌السلام فأُتي في طبق بلور مُغطّى بمنديل من السندس الأخضر، وهو حديث طويل مشهود ذكره في البحار وجلاء العيون.

ومنها: ما رواه في البحار عن الحسن البصري، وأُمّ سلمة من أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام دخلا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين يديه جبرئيلعليه‌السلام فجعلا يدوران حوله، يُشبّهانه بدحية الكلبي، فجعل جبرئيل يومئ بيده كالمتناول شيئاً فإذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة فناولهما، وتهلّلت وجوههما وسعيا إلى جدّهما فأخذ منهما وشمّهما.

ثمّ قال: (( سيرا إلى أُمّكما بما معكما، وبدؤكما بأبيكما أعجب )) فصارا كما أمرهما، فلم يأكلوا حتّى صار النبي (صلوات الله عليه وآله) إليهم، فأكلوا جميعاً، فلم يزل كلّما أُكل منه عاد إلى ما كان حتّى قُُبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال الحسينعليه‌السلام : (( فلم يلحقه التغير والنقصان أيّام فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا توفيتعليها‌السلام فقدنا الرمانة ،


فلمّا استشهد أمير المؤمنينعليه‌السلام فقدنا السفرجلة، وبقي التفاح على هيئته للحسنعليه‌السلام ، وبقيت التفاحة إلى وقت الذي حوصرت فيه عن الماء، فكنت أشمّها إذا عطشت فيسكن لهيب عطشي، فلمّا اشتدّ عليّ العطش عضضتها وأيقنت بالفناء )).

قال علي بن الحسينعليهما‌السلام : (( سمعت أبي يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلمّا قضى نحبه وجِد ريحها في مصرعه، فاُلتِمسَت فلم ير لها أثر، فبقي ريحها بعد الحسينعليه‌السلام ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره، فمَنْ أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك في أوقات السحر ؛ فإنّه يجده إذا كان مخلصاً )).

السادسة والعشرون: إنّه من عظمة حرمة البيت أن جعل إسماعيل بن إبراهيمعليه‌السلام موكّلاً بكسوة البيت وزينته، فكانت العرب تهدي وأُمّه وامرأته تصلحان ذلك ثوباً وكان هو يكسو البيت، ثمّ كساه سليمان بن داوودعليه‌السلام ثمّ الملوك في كلّ زمان.

وقد عظمت حرمة الحسينعليه‌السلام في هذه المرتبة الخاصة ؛ إذ كان الله تعالى هو المُهدي، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو المُكسي.

كما في رواية أُمّ سلمة قالت: رأيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يُلبس الحسينعليه‌السلام ثوباً من ثياب الدنيا، فسألته، فقال: (( هذا هدية أهداها ربّي للحسين، وإنّ لحمته من زغب جناح جبرئيل )).

وحينما طلبعليه‌السلام جديداً للزينة ليلة العيد كان رضوان يهدي، وفاطمة تُلبسه وأخاه، كما في حديث مشهور ذكرته في بعض الفصول السابقة.

وفي حديث آخر أنّه طلب الثوب ليلة العيد فكان الله تعالى يهدي، وجبرئيل يصبغ بالحمرة في الطشت، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يلبسه، ثمّ يبكي جبرئيل.

وأخيراً: فقد طلب ثوباً، ولكن لم يجد جديداً ليتزيّن له، ولا في العيد، بل كان عتيقاً في عاشوراء ؛ كي لا يرغب فيه أحد.

وقد أتته به أُختهعليها‌السلام ، فكان يخرّقه ويلبسه، ثمّ صبغته دماؤه الطاهرة باللون الذي صبغ به جبرئيل ثوبه.

وكان تراب كربلاء يعفّره، والرماح والسيوف، مطروحاً بالعراء ،


فرأته بعد ذلك أُختهعليها‌السلام فنادت: هذا حسين مرمل بالدماء.

السابعة والعشرون:( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) حين أرادوا تخريب البيت،( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) أتى بها من جهنم، وكانت كلّ واحدة بقدر عدسة، تصيب أدمغتهم فتخرج من أدبارهم،( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) .

وقد أراد أصحاب الكلب والخنزير تخريب بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل الحسينعليه‌السلام ، فإن كان الله تعالى قد أمهلهم قليلاً لمصالح عديدة، فقد جعل بعد ذلك كيدهم في تضليل، فأرسل عليهم في الدنيا مَنْ يتتبعهم ويقتلهم أشدّ قتلة، ويُمثّل بهم أعظم مثلة.

فأحرق المختار بالنار كثيرا منهم فأصبحوا كعصف مأكول، وحرّق أجسادهم كما صنع بجسد ابن زياد، وأحرقهم بالزيت أيضاً، وبنار العطش كما في حكاية أخنس بن زيد.

وروي عن حاجب ابن زياد أنّه كان يشتعل وجهه في بعض الأوقات فيطفئه، وروي أنّ يزيد بات سكران فأصبح ميّتاً كأنّه مُطلى بالقار، بل واحترق كلّ ما نهبوه فصار كلحم الإبل والورس(١) والزعفران، فلتلاحظ تفاصيل ذلك إن شاء الله تعالى، وإنّ جميع ما سبق ذكره قد جاء في الروايات وكتب الحديث.

الثامنة والعشرون: إنّ النظر إلى الكعبة المكرّمة ممّن عرف حقّ الأئمّةعليهم‌السلام يوجب مغفرة الذنوب كلّها، وكفاية همّ الدنيا والآخرة.

وكذلك النظر إلى الحسين (صلوات الله عليه) من أعظم العبادات ؛ فإنّ النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينظر إلى الحسينعليه‌السلام متعمداً، بل كان في بعض الأوقات إذا جاع يقول: (( أذهب فأنظر إلى الحسن والحسينعليهما‌السلام فيذهب ما بي من الجوع )) وكذلك كان.

وكان لمجرد النظر إليه في غلبة البكاء والرقّة، وكذلك النظر إلى قبره الشريف عبادة، ويوجب غلبة الرقّة ،

____________________

(١) والورس: هو نبات أصغر، يزرع باليمن ويتخذ للصبغ.


فيرحمه مَنْ نظر إلى قبر ابنه عند رجليه كما ورد كلّ ذلك في الرواية.

التاسعة والعشرون: إنّه قد ورد في الحج أنّه يُحسب له بكلّ درهم أنفقه ألف، وقد سأل ابن سنان الصادقعليه‌السلام : أنّه يُحسب كلّ درهم في الحج بألف درهم، فكم يُحسب لمَنْ يُنفق في المسير إلى قبر أبيك الحسينعليه‌السلام ؟

فقال: (( يابن سنان، يُحسب له بالدرهم ألف ألف ـ حتّى عدّ عشراً ـ، ويُرفع له من الدرجات مثلها، ورضا الله تعالى خير )).

الثلاثون: إنّ الله تعالى خلق مكة حرماً قبل دحو الأرض، ولكن قد ورد في كربلاء عن علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) أنّه قال: (( اتّخذ الله تعالى كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنّه حين زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيّرها رُفعت كما هي بتربتها نورانية صافية، فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنّة، وأفضل مسكن في الجنّة، لا يسكنها إلاّ النبيّون والمرسلون ـ أو قال: اُولوا العزم من الرسل ـ وإنّها لتزهر بين رياض الجنّة كما يزهر الكوكب الدرّي بين الكواكب لأهل الأرض، يغشى نورها أبصار أهل الجنّة جميعاً، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيّبة المباركة التي تضمّنت سيد الشهداء، وسيد شباب أهل الجنة )).

الواحدة والثلاثون: إنّ مكة المكرّمة قد تكلّمت وتفاخرت بكرامة الله تعالى لها، فقالت: مَنْ مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري، يأتيني الناس من كلّ فجّ عميق ؟

ولكربلاء فضل على مكة ؛ فإنّ مكة لمّا تفاخرت أوحى الله تعالى إليها: (( أن كفّي وقرّي، ما فُضّلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلاّ بمنزلة الإبرة غُمست في البحر فحملت ولولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا ما تضمّه أرض كربلاء ما خلقتك، ولا خلقت البيت الذي به افتخرت ؛ فقرّي واستقري، وكوني أرضاً متواضعة ذليلة مهينة، غير مستنكفة ولا مستكبرة لأرض كربلاء ،


وإلاّ سخت بك، وهويت بك في نار جهنم )).

ثمّ إنّ لكربلاء مفاخرة في هذه النشأة، قد رضي الله تعالى بها وما ردّها عليها.

ولها مفاخرة أُخرى بعد القيامة في الجنان، أمّا مفاخرتها في هذا العالم فهي: إنّه لمّا قال الله تعالى لها: تكلّمي بما فضلك الله قالت: أنا أرض الله المباركة المقدّسة، الشفاء بتربتي ومائي ولا فخر، بل خاضعة ذليلة لمَنْ فعل بي ذلك، ولا فخر على مَنْ دوني، بل شاكرة لله .فأكرمها الله تعالى وزادها بتواضعها، وأكرمها بالحسينعليه‌السلام وأصحابه.

ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : (( مَنْ تواضع لله رفعه، ومَنْ تكبّر وضعه الله تعالى )).

الثانية والثلاثون: إنّه البيت العتيق، أعني السالم من الطوفان، أو عتيق الطواف به من سابق الأزمان، والحسينعليه‌السلام هو البيت العتيق الذي سلم حائره من طوفان، ومن جريان الماء عليه، وهو عتيق الاحترام قبل خلق السماوات والأرض، وهو المعتق من النار، وسبب العتق منها.

الثالثة والثلاثون: إنّ البيت له حطيم يحطم به ذنوب العباد، وبالحسين إمامناعليه‌السلام تُغفر الذنوب ما تقدّم منها وما تأخّر، وقد يصير الشخص به كيوم ولدته أُمّه.

الرابعة والثلاثون: إنّ البيت له مستجار يستجير به الخائف من العذاب، والحسينعليه‌السلام من يوم وُلد كان مُستجاراً للملائكة، ثمّ للناس إلى يوم القيامة.

الخامسة والثلاثون: جعل حجر إسماعيل الذبيحعليه‌السلام متصلاً به، وجعل ذلك من البيّنات كما في الرواية، وفيه أيضاً قبره وقبر بناته، وفي طرف آخر منه ـ أعني بين الركن والمقام ـ قبر سبعين نبيّاً، ماتوا جوعاً وضرّاً كما في الرواية.

وللحسينعليه‌السلام قبر متّصل بقبر الذبيح الثاني بلا فداء، كاتصال حجر


إسماعيلعليه‌السلام بالبيت، وفي طرف قبره ممّا يلي رجليه قبر اثنين وسبعين صدّيقاً، قُتلوا عطشاً وجوعاً وغربة، وظلماً وطغياناً، ودفنوا جميعاً في حفيرة واحدة والحائر محيط بهم، ومع ذلك فقد دُفن فيه مئتا نبي ومئتا وصي كما في الرواية الصحيحة.

السادسة والثلاثون: إنّ أطرافه أمكنة معظّمة، كمِنى والمشعر، وعرفات والصفا والمروة، وبأطراف قبر الحسينعليه‌السلام أيضاً أمكنة مشرّفة معظّمة، فإنّ شرف مِنى إن كان باعتبار أنّه مكان تل إسماعيل للجبين، فالمقتل مكان قتل مثل الحسينعليه‌السلام وعلي وعبد الله والعباس والقاسمعليهم‌السلام ، وإن كان باعتبار أنّه محلّ ذبح الهدي والضحايا، فالمقتل محلّ ذبح الشهداء الذين قال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّهم: (( إنّهم سادات شهداء أُمّتي )).

وإن كان شرف المشعر الحرام باعتبار أنّ إبراهيمعليه‌السلام رأى فيه أنّه مأمور بذبح ابنه، فالمكان الذي يُرى فيه الابن مذبوحاً وفي اليقظة أفضل.

السابعة والثلاثون: إنّه تعالى جعل خليله إبراهيمعليه‌السلام مؤذّناً للبيت ومنادياً لإتيانه، حيث قال له:( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) ، فصعد على المقام ونادى: هلمّوا للحج، وقد جعل تعالى حبيبه محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله مؤذّناً ومنادياً للحسينعليه‌السلام فقال:( لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) .

فرقى المنبرعليه‌السلام مراراً وقال: (( أيّها الناس، إنّي تارك فيكم الثقلين ؛ كتاب الله تعالى وعترتي أهل بيتي ))، وأذّن لإتيان الحسينعليه‌السلام ونصرته مراراً ؛ ففي رواية عن حذيفة بن اليمان قال رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو آخذ بيد الحسينعليه‌السلام : (( أيّها الناس، هذا الحسين بن علي فاعرفوه، فوالذي نفسي بيده إنّه لفي الجنّة، ومحبّيه في الجنّة، ومحبّي محبّيه في الجنّة )).

ثمّ إنّهعليه‌السلام قد أذّن في الناس بالحج إليه والإتيان لنصرته مراراً، في المدينة ومكة وما بينهما، وفي كربلاء، بأذان وخطبة، واستنصار واستغاثة، وداعية وإلقاء الحجّة على الناس جميعاً كما سيجيء تفصيله.

فأتوه رجالاً وعلى كلّ ضامر، ونصره بعض مَنْ لم يدرك ذلك في أيامه، وهم شيعته الذين يتمنّون الشهادة بين يديه، وبعض زوّاره، وبعض


الباكين عليه، والخدّام له والصادقين غي خدمته وموالاتهعليه‌السلام .

الثامنة والثلاثون: إنّه تعالى قد قرّر للكعبة هدياً بالغاً، كما في الآية الشريفة:( هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ) ؛ وذلك تعظيم لها وتشريف.

وقد منّ الله تعالى على الإمام الحسينعليه‌السلام بتشريف وتعظيم أكثر من ذلك، حيث إنّه أمر الله تعالى بأن تهدي خشفها بالغاً إلى الحسينعليه‌السلام قبل أن يبكي، وذلك حين جاء أعرابي وقال: يا رسول الله لقد صدت خشفة غزالة وأتيت بها إليك هدية لولديك الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فقبلها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودعا له بالخير.

فإذا الحسنعليه‌السلام واقف عند جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرغب إليها فأعطاها إيّاه، فما مضى ساعة إلاّ والحسينعليه‌السلام قد أقبل فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها، فقال: (( يا جدّاه، أعطيت أخي خشفة ولم تعطني مثلها )) وجعل يكرّر القول على جدّه وهو ساكت، لكنّه ظلّ يُسلّي خاطره ويُلاطفه بشيء من الكلام حتّى أفضى من أمر الحسينعليه‌السلام إلى أن همّ يبكي.

فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع عند باب المسجد فنظرنا فإذا ظبية ومعها خشفها، ومن خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتضربها بأحد أطرافها حتّى أتت بها إلى النبي (صلوات الله عليه وآله)، ثمّ نطقت الغزالة بلسانها، وقالت: يا رسول الله، قد كانت لي خشفتان، إحداهما صادها الصياد وأتى بها إليك، وبقيت هذه الأُخرى وأنا بها مسرورة، وإنّي كنت الآن اُرضعها، فسمعت قائلاً يقول: اسرعي اسرعي يا غزالة بخشفتك إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، وأوصليه سريعاً ؛ لأنّ الحسينعليه‌السلام واقف بين يدي جدّه، وقد همّ أن يبكي، والملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم عن مواضع العبادة، ولو بكى الحسينعليه‌السلام بكت الملائكة المقرّبون لبكائه.

وسمعت أيضاً قائلاً يقول: اسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع على خدّ الحسينعليه‌السلام ، وإن لم تفعلي سلّطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفتك ؛ فأتيت بخشفتي إليك يا رسول الله، وقطعت مسافة بعيدة، ولكن طويت الأرض حتّى أتيتك سريعة، وأنا أحمد الله ربّي قبل جريان دموع الحسينعليه‌السلام على خدّه.


فارتفع التكبير والتهليل من الأصحاب، ودعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله للغزالة بالخير والبركة، وأخذ الحسينعليه‌السلام الخشفة وأتى بها إلى أُمّه الزهراءعليها‌السلام فسُرّت بذلك سروراً عظيماً.

التاسعة والثلاثون: إنّه عيّن لحجّ البيت أفضل الأشهر الحرم، وجعلها مخصوصة له سوى ما سنّه من العمرة في كلّ أيام السنة.

وقد عيّن لزيارة الحسينعليه‌السلام هذا الوقت أيضاً، بل ينظر تبارك وتعالى إلى زوّاره قبل النظر إلى أهل عرفات، سوى الأوقات الشريفة التي جعلها مخصوصة له، مع ندب المطلقة في سائر الأوقات.

الأربعون: إنّ الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة كما في روايات، وقد ورد أنّها في مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بألف صلاة، ولمّا كانت في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النبيوي بألف صلاة، فتصير مئة ألف وألفاً.

وقد روى شعيب العرقوفي، عن الصادقعليه‌السلام قال: (( يا شعيب، ما صلّى أحد عند الحسينعليه‌السلام الصلاة إلاّ قبلها الله تعالى منه )) قال: (( ولك بكلّ ركعة ركعتها عنده كثواب مَنْ حجّ ألف حجّة، واعتمر ألف عمرة، وأعتق ألف رقبة، وكأنّما وقف في سبيل الله تعالى ألف مرّة مع نبي مرسل )).

الواحدة والأربعون: إنّه سبحانه أوجب على قاصديها الإحرام، وترك المال والعلائق من النساء، والطيب والزينة والاكتحال، والتظليل واللباس، وقد استُحب لِمَنْ زار الإمام الحسينعليه‌السلام أن يكون جائعاً عطشان، تاركاً للطيب ولذائذ الأطعمة في زاده إلى كربلاء حزناً عليه موالاةً له.

وفي بعض الروايات أن يأتوه شعثاً غبراً، وأيضاً يستحبّ أن يأتوه مُشاةً مكروبين.

الثانية والأربعون: إنّها مولد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، ومولد الوصي علي المرتضىعليه‌السلام ، وقد خصّ الحسينعليه‌السلام بأنّ مدفنه مزار الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام في أكثر أوقات السنة.

الثالثة والأربعون: إنّها مبدأ ظهور الإسلام، والامتياز عن المشركين والمنافقين، وقد خصّ الحسينعليه‌السلام بأنّ كربلاء مبدأ بزوغ الإيمان ،


والامتياز عن المخالفين ؛ ولذا سمّيت في بعض الروايات قُبّة الإسلام.

وقد أعدّ فيما يتعلّق بالحسينعليه‌السلام أكثر من مئة وعشرين ألف رحمة خاصة، كما تبيّن عند ذكر الوسائل.

الخامسة والأربعون: إنّ منها معراج الرسول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مرّة أو مرّتين من بيت أُمّ هانئ أو الشعب، والحسينعليه‌السلام مدفنه معراج ثان له ؛ فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (( اُسري بي إلى موضع يُقال له: كربلاء، رأيت فيه مصرع ابني الحسين )) وهو مع ذلك معراج له يوم عاشوراء، وهو مع ذلك معراج الملائكة.

السادسة والأربعون: إنّه محلّ إسكان الخليل ذريّته وعياله، فاُمر بأن يترك عياله عند البيت وحدهم ويذهب عنهم، والحسينعليه‌السلام اُمر بأن يترك عياله ونساءه ومَنْ معهنّ في كربلاء عند مدفنه ومقتله حيارى عطاشى، فرادى غرباء، وبين أعدائهنّ ولقد أقبلوا لحرق الخيام عليهم ظلماً وعدواناً.

لكن الخليل دعا لهم:( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) ، والحسينعليه‌السلام ترك عياله بتلك الحال التي ذكرناها، ولكن قال لهم جميعاً: (( تهيؤوا للأسر واصبروا على البلايا المتوجهة إليكم )).

السابعة والأربعون: إنّ الله تعالى قد أمر مَنْ هو أفضل منها، أعني أشرف مخلوقاته محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بأن يستلم أركانها ويقبّلها خصوصاً بعضها، وهذه فضيلة خاصة تفوق الفضائل، وقد ثبت نظيرها لسيدنا المظلومعليه‌السلام ؛ فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يلتزمه ويستلمه ويقبّل جميع أعضائه، ويكثر من تقبيل نحره وقلبه وجبينه وشفتيه.

وكما إنّ استلام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الركن الشامي بالخصوص له أسرار وحِكم، مثل إنّها عن يمين العرش وغير ذلك، فكذا استلامه وتقبيله لجميع أعضاء الحسينعليه‌السلام فلأكثرية تقبيله لهذه المواضع الخاصة أسرار ومعجزات وإخبارات.

أمّا السرّ في أكثرية تقبيل النحر فمعلوم، وأمّا الجبهة فيمكن أن يُقال لأنّها موضع إصابة الحجر الذي هشّمها،


وأسال الدم الزاكي على وجهه المباركعليه‌السلام ، أو السهم الذي أصاب الجبهة، ويمكن أن يُقال لأنّه موضع السجود ؛ ولذا كانت الجبهة موضع النور من المؤمن، كما في رواية التقبيل لجبهة المؤمن، والحسينعليه‌السلام أعظم في ذلك ؛ فإنّ له سجدة خاصة هي من خصائصه.

بيان ذلك: إنّ حالة السجود بنفسها أفضل حالات التقرّب إلى الله (عزّ وجلّ) صورة ومعنى، كما يدلّ عليه قوله تعالى:( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) .

وقوله: أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى وهو ساجد، وللحسينعليه‌السلام سجود خاص حين أخذ يترّقى في درجات القرب إلى الله تعالى، من أوّل خروجه من وطنه إلى حالة السجود حين وضع جبهته على التراب بقصد السجود ولم يرفعها بعد.

كما يدلّ على ذلك أنّه ( المذبوح من القفا )، فكان النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّل وجهه بالخصوص لذلك، وأمّا تقبيله فوق القلب فإنّه موضع السهم المثلث الذي أصابه، وكان ذلك السهم قاتله حقيقة، بل وقاتل محبّيه وشيعته وأنصاره حين سماعهم بهذه الفاجعة الأليمة.

فيا ليته أصابنا مراراً وتكراراً ولم ترى منه أثراً يا حسين يا حسين.

وأمّا تقبيله شفتيه وثغره فقد ظهر أحد أسراره عند قول زيد بن أرقم لللعين ابن زياد عندما كان يضرب شفتيه بقضيب من قصيب: ارفع قضيبك من هاتين الشفتين، فلقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبّلهما مراراً.

الثامنة والأربعون: إنّ الكعبة لا تبقى بغير طائف أبداً، لا في الليل و لا في النهار، والحسينعليه‌السلام من يوم استشهد إلى الآن لم يبقَ [ بغير ] زائر من البشر أو الملائكة أو الوحوش أو الجنّ من أهل الدنيا، أو من أهل العوالم الأُخرى كما دلّت الروايات على ذلك(١) .

التاسعة والأربعون: إنّ الله تعالى اختبر العالمين بهذا البيت، كما بيّنه الإمام عليعليه‌السلام بقوله: (( ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقل نتائق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً ؛ بين جبال خشنة، ورمال

____________________

(١) في كامل الزيارات / ١١٣، وأيضاّ بحار الأنوار.


دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة إلخ ؛ ابتلاء عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً ...)) إلى آخر الخطبة.

وأمّا هذا البيت الحقيقي أعني الحسينعليه‌السلام فقد اختبر العالمين به أيضاً ؛ إذ وقف مستغيثاً في أضيق بقاع الأرض، بين إحاطة الأعداء، والسيوف المسلولة، والرماح المرفوعة، والسهام الماطرة، والأحجار المتواترة، وحوله أعضاء مضطربة، ووجوه مصفرة، وعيون غائرة، وصياح وعويل، وقتلى مضرّجة بدمائها، فاختبر جميع الناس وأمرهم بنصرته والتلبية له في تلك الحالة وذلك الزمان، كما ذكرنا كيفيتها في باب زيارته.

الخمسون: إنّ الله تعالى قد عبّر عمّن ترك الحج بالكافر إن استطاع إليه سبيلاً، مبالغة في عظم عقابه مع كونه واجباً، وهو كما جاء في سورة آل عمران الآية ٩٧، وأيضاً في الروايات ما مضمونه: إنّ مَنْ ترك الحجّ وهو مستطيع له، ولا مانع لديه فإنّه حين الموت يُقال له: مت إن شئت يهودياً أو نصرانياً.

وقد عبّر عن التارك لزيارة الحسينعليه‌السلام مع كونها مندوبة بأنّه ليس بمؤمن، وناقص الإيمان، وليس من شيعة الأئمّة، وعاق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وغيرها الكثير من الأمور قد مرّ التفصيل عنها.

المقصد الثالث: في أنّه قد جعل الله تعالى لزيارته تأثيراً خاصاً في المعادلة للحجّ والعمرة، وبيان الحكمة في زيادة مدخلية الحجّ بالنسبة إلى المعادلة في زيارتهعليه‌السلام أكثر من غيره

اعلم أنّ للحسينعليه‌السلام في فعل الحج مدخلية خاصة ؛ فإنّه بيت الله تعالى وقد حجّ حجّات خاصة لم يسبقه إليها سابق ولا يلحقه لاحق، ولكلّ من حججه تركيب خاص ومواقف خاصة ومناسك مخصوصة، ولهذا البيت الحقيقي حجّاج مخصوصون به، لهم مناسك خاصة، وهم أصناف :

الأوّل: الأنبياء والملائكة (صلوات الله عليهم أجمعون).

الثاني: الشهداء (صلوات الله عليهم).

الثالث: أهل بيته (صلوات الله عليهم).

الرابع: شيعته.

فها هنا عدّة مطالب :

المطلب الأوّل: في حج الحسينعليه‌السلام

اعلم أنّ من خصائص الحسينعليه‌السلام أنّه قد حجّ لله تعالى

____________________

(١) نهج البلاغة / ٥٤ - ٥٩ الخطبة ١٩٢.


ثمانية أنواع من الحجّ :

النوع الأوّل: إنّه حجّ خمساً وعشرين حجّة للكعبة ماشياً على قدميه، منها مع أخيه الحسن المجتبى المظلومعليه‌السلام ، ومنها بعد وفاة أخيه الحسن الزكيعليه‌السلام .

وقد كان أمير الحجّاج في بعض حججه سعد بن أبي وقاص، فلمّا وصل الركب في الطريق إلى الحسن والحسينعليهما‌السلام وهما يمشيان نزل الأمير وجميع الحجّاج ومشوا معهما، ثمّ جاء سعد وقال: إنّ المشي قد أتعب الناس، ويثقل علينا الركوب وأنتما تمشيان، وعرض عليهما الركوب والنجائب تُقاد بين أيديهما فأبيا ذلك، وقالا: إنّا قد جعلنا على أنفسنا أن نمشي إلى بيت الله تعالى فلا نركب، وإنّما نأخذ ناحية، فأخذا عن الطريق ناحية ومشيا متنكّبين الطريق (صلوات الله عليهما)، ثمّ ركب الحاج.

النوع الثاني: حجّ قلبي باطني، لُبّي روحاني، أعني حقائق الحجّ التي هذه الأعمال عنوانها ودوال عليها وقشورها ؛ وذلك لأنّ للإحرام معنىً قلبياً، ولكلّ مَنْ نزع الثياب واللبس، والتلبية والطواف، والسعي والوقوفين، والنحر والحلق، والرمي والبيتوتة، روح وباطن وحقيقة وضعت هذه الصورة لأجلها، وقد بيّن تفصيلها في أسرار الحجّ، وأيضاً في رواية الشبلي حين كان عائداً من الحجّ، وحديث الإمام زين العابدينعليه‌السلام له عن حقائق الحجّ الباطنية.

وقد حجّ الحسينعليه‌السلام باطن كلّ أعمالها، وحقيقة مناسكها، وبواطن ظواهرها، وروح أشباح هذه الأعمال، وحقائق صورها في عبادته التي امتثل فيها الخطاب الوارد عليه، كما يظهر للعارف المتدّبر البصير.

فإنّ روح إرادة الحجّ ومناسكه مجملاً هو تجريد للقلب، وتوديع للدنيا والراحة والخلق، وتسليم للقضاء، وترك للعلائق حتّى ما على البدن، وحلّ لكلّ عقدة بالإحرام، ووقوف بباب بعد باب، واستئذان وسعي في خدمة المولى، وهرولة إلى خدماته، ودفع أعدائه، واستجارة به، ولواذ بأعتابه، ونحو ذلك.

وقد صدرت من الحسينعليه‌السلام جميع هذه الحقائق، فهو الذي تحقّقت منه حقيقة الحجّ الحقيقي صريحاً، إشارة إليها كما في مناسك الحجّ، فهو صور المشار إليه و أوجده في الخارج.

النوع الثالث: حجّ أحرم به تمتّعاً لمّا كان في مكة، ثمّ لمّا علم أنّه


إذا أتمّ الحجّ قتلوه غيلة في الحرم عدل إلى عمرة مفردة، أتى بمناسكها وأحلّ، ثمّ أحرم بحجّ آخر.

وهذا الإحرام والإحلال، ثمّ الإحرام من خصائصه العجيبة، فنقول في بيانها أنّه :

أحلّ من حجّ مناديه الخليل حين نادى: عباد الله هلمّوا إلى الحجّ، فأجابه مَنْ في الأصلاب ممّن قُدّر له الحجّ.

أحرم بحجّ مناديه الخليل حين نادى قبل خلق السماوات: يا حسين، اشرِ نفسك لله تعالى.

أحلّ من حجّ ميقاته مسجد الشجرة.

أحرم بحجّ ميقاته الشجرة المسموع منها إنّني أنّا الله لا إله إلاّ أنا.

أحلّ من حجّ، ميقاته نزع الثياب، ولبس ثوبين أغبر وأحمر، ولبس ثوب آخر عتيق حين قال لأخته زينب: (( آتيني بثوب عتيق لا يُرغب فيه، أجعله تحت ثيابي ؛ لئلاّ أُجرّد بعد قتلي )).

آه وقد جرّده إسحاق بن حويه (لعنة الله عليه).

ويمكن أن يُقال: لبس ثوباً آخر وهو السربال الذي لبسه بعد التّبان، وقد أراد أخذ تكته الجمّال (لعنه الله) فوضععليه‌السلام يده اليمنى عليها فقطعها اللعين بالسيف من الزند، ثمّ حاول حلّها ثانية فوضععليه‌السلام يده اليسرى عليها فقطعها كذلك، فعند ذلك نزل رسول الله وعلي وفاطمة إلى آخر الحديث(١) .

أحلّ من حجّ من تروكه ترك الخضاب للوجه واليدين والرجلين بالحناء.

أحرم من أفعاله خضاب الوجه واللحية والرأس بالدماء الزاكيات.

أحلّ من حجّ إحرامه ترك التظليل سائراً.

أحرم بحجّ ترك فيه التظليل سائراً وواقفاً ونائماً.

____________________

(١) المنتخب ـ للطريحي / ٩٢، المقتل ـ للخوارزمي ٢ / ١٠٢.


أحلّ من حجّ إحرامه كشف الرأس.

أحرم بحجّ إحلاله قطع الرأس.

أحلّ من حجّ من أعماله إطعام الطيور حبّ الحنطة أو الشعير.

أحرم بحجّ من أعماله إطعام الطائر حبّة الفؤاد.

أحلّ من حجّ يجنّب الميت فيه الكافور.

أحرم بحجّ فيه السدر والكافور والقراح.

أحلّ من حجّ التمتع.

أحرم بحجّ هو عمرة تمتّع وإفراد، وحجّ تمتّع وقران وإفراد.

أحلّ من حجّ أكثر العابدين لله قبل آدم بثلاثين ألف عام.

أحرم بالحجّ الخاصّ بهعليه‌السلام الذي لم يحجّه أحد غيره.

أحلّ من الحجّ الأصغر.

أحرم بالحجّ الأكبر.

أحلّ من الحجّ الظاهري.

أحرم بحجّ ظاهري وباطني بالنسبة إلى الحالات.

أحلّ من حجّ قد استطاع إليه كثير من الناس.

أحرم بحجّ لله تعالى ما استطاع أحد إليه سبيلاً إلاّ هوعليه‌السلام ، أو الأحرى قل: أحرم بحجّ قد خصّه الله تعالى به وحده دون سائر المخلوقات.

أحلّ من حجّ أمر به الله تعالى في القرآن الكريم المنزل على لسان نبيّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله لجميع الجنّ والإنس.

وأحرم بحجّ أمر الله تعالى به في رسالة خاصة إلى الحسينعليه‌السلام ، ورسالته منسكه، صحيفة مختومة بخاتم من ذهب لم تمسّه النار، وهي واحدة من اثنتي عشرة صحيفة قد أتى بها جبرئيلعليه‌السلام إلى النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيها للحسينعليه‌السلام : يا حسين اشرِ نفسك لله تعالى، واخرج بأقوام لا شهادة لهم إلاّ معك، وقاتل حتّى تُقتل.

أحلّ من حجّ مؤذّنه إبراهيمعليه‌السلام الخليل حين خوطب بقوله:( وَأَذِّنْ فِي


النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ) .

أحرم بحجّ المؤذن له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومأذّنته عند قبره المطهر، وذلك حين ناداه في النوم تارة حين جاء لوداعه وشكا حاله، فغلب عليه النوم وجعل رأسه على القبر فأغفى فرأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد ضمّه إليه، وقبّل ما بين عينيه، وأمره بالخروج للشهادة، وأخبره بما يجري عليه.

وفي اليقظة تارة أُخرى، حين قال له جابر في المدينة: إنّي أحبّ لك أن تُصالح بني أُميّة، كما صالح أخوك ؛ فإنّه كان موفّقاً.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( انظر )) فنظر فرأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلياً والحسنعليهما‌السلام وهم يقولون له ما مضمونه: إنّه يفعل ما اُمر به، ولا شك في أمره.

أحلّ من حجّ له قسم واحد يحصل إحلاله عند الفراغ من مناسكه أحرم بحجّ مركّب من خمس حجّات، كلّما فرغ من مناسك حجّة وأحلّ من إحرامها أحلّ بأُخرى وأحرم لها.

بيان ذلك مجملاً :

أوّلاً: أحرم من ميقات المدينة، ولبّى بحجّ الكليم الذي قصده بقوله:( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) ، حتّى ترك فرعون وقومه ؛ ولذا قال:( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ، وعند خروجه من المدينة قرأ:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) .

ثانياً: ولمّا أحلّ وفرغ من مناسكه تلك أحرم من مكة بحجّ الخليل الذي نواه بقوله:( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ، فلبّى له.

ثالثاً: ولمّا أحلّ وفرغ من هذه المناسك، أحلّ وأحرم من الخيام، ولبّى بحجّ خاص له ولأهل بيته (صلوات الله عليهم).

رابعاً: ولمّا أحلّ وفرغ من المناسك السابقة لبّى وأحرم من الموقف الذي هو مركزه في ميدان الحرب.

خامساً: ولمّا فرغ من ذلك أحلّ ولبّى وأحرم من المقتل الذي هو مصرعه، ولبّى بحجّ خاصّ بعد انفصال روحه من جسده المبارك.

ولكلّ من الحججّ الخمس مؤذّن خاصّ أذّن فيها ،


وكلّها أذان دعاء لامتثال أمر خاصّ من أوامر الصحيفة المختصّة به المذكورة سابقاً.

بيان ذلك: إنّهعليه‌السلام لمّا سمع أذان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجّه من ميقات قبره لبّى له وخرج من المدينة، ولمّا فرغ من مناسكه سمع في مكة أذاناً ثانياً فلبّى له وأحرم، وفرغ من مناسكه حين وصوله كربلاء إلى عصر تاسوعاء.

فسمع عند الخيام الأذان الثالث لحجّ ثالث أصعب فلبّى له، ولمّا فرغ من مناسكه بعد الزوال يوم عاشوراء سمع الأذان الرابع للحجّ الرابع الأكبر فقاتل حتّى قُتل.

والمؤذّن له ولده بلسان جدّه فلبّى له وأحرم من الموقف، ولمّا فرغ من مناسكه حين وقع ذبيحاً وقُطع رأسه الشريف نودي للحجّ الأعظم بالأذان الخامس، والمنادي له وبلا واسطة هو الله تعالى العظيم، فلبّى له في تلك النشأة وحجّ الحجّ الذي اختصّ به، وهو في هذا الحجّ وحده لا شريك له.

وبيان هذا تفصيلاً: إنّهم لمّا أرادوا منه مبايعة فرعون الأُمّة يزيد بن معاوية خرج من المدينة فترك الوطن وخرج خائفاً يترقّب.

وما خوفه إلاّ كخوف موسىعليهما‌السلام ، خوفاً على الدين والعقيدة أن يضيعا فلا يكون في الأُمّة ولا يكثر بها إلاّ الهمج الرعاء أتباع كلّ ناعق، وما كان في ذلك العهد إلاّ هؤلاء، أمّا الصالحون ذوو البصائر وهم قلّة فكانوا مستضعفين مظلومين، فكان حجّة الله تعالى أولى بهذا الأمر من غيره ؛ فقام لتثبيت معالم الدين المحمدي القويم حبّاً لله تعالى وتسليماً مطلقاً لأمره (عزّ وجلّ).

فلبّى لربّه في أمره بعدم المبايعة، وإظهار المخالفة لهم مع فقد الأنصار، والعلم بأنّ الناس يخذلونه ولا ينصرونه ؛ فأحرم لمخالفتهم ومقاتلتهم وترك البقيّة، وجاء إلى مكّة يدعو الناس إلى الحقّ، وإلى أنّ بني أُميّة على الباطل وأنّه تجب مقاتلهتم.

ولما أتمّ أعمال هذا الحجّ أهلّ بحجّ الخليلعليه‌السلام وأحرم له :

ميقاته: مكة.

وقت إحرامه: يوم عرفة.

حجّه: قران.

هديه: مسلم بن عقيل (صلوات الله عليه).

إشعاره: قتله في ذلك اليوم ؛ فإنّه أشعر بمصائب الحسينعليه‌السلام ومَنْ معه من الشهداء.

مؤذّنه: رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام في مكة، بقوله: (( اخرج يا حسين ؛ فإنّ الله تعالى قد شاء أن يراك قتيلاً، وخذ معك نساءك فإنّ الله تعالى قد شاء أن يراهنّ أُسارى )).

تلبيته: لبّيك اللّهمّ لبّيك، خرجت بنفسي وأولادي، وإخوتي وبني أعمامي، وخواص أصحابي للقتل في سبيلك، وخرجت بنسائي وأخواتي


وبناتي للأسر في سبيلك، لبّيك اللّهمّ في أمرك أخرج بأقوام لا شهادة لهم إلاّ معي.

فأحرم عن المأمن ؛ فإنّ مأمن الناس لم يصر له مأمناً، ومأمن الطيور والوحوش لم يصر له مأمناً، ومأمن الأشجار والنبات لم يصر له مأمناً، ومأمن الكفّار والمشركين والمنافقين لم يصر له مأمناً. فأحرم من الأمن ؛ فإنّه كان يخوّفه في اليقظة كلّ مَنْ يلقاه في الطريق، ويقول له: تقدم على حدّ السيوف، وكانت الهواتف تهتف بقتله في كلّ منزل ينزله. كما عن السيدة زينب (سلام الله عليها) في منزل الخزيمية لمّا سمعت الهاتف نصف الليل في البرّ ينادي بأشعار منها :

إلى قومٍ تسوقُهمُ المنايا

بمقدارٍ إلى إنجازِ وعدِ

فحكت ذلك لأخيهاعليه‌السلام فقال لها: (( يا أُختاه، كلّ ما قدّر الله تعالى فهو كائن )) وكذا كان يحصل له التخويف في المنام كلّما نام حتّى استيقظ يوماً باكياً، فقال له ولده عليعليه‌السلام : ما يبكيك يا أبه ؟

قالعليه‌السلام : (( سمعت في النوم قائلاً يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم )).

فقال: يا أبتاه، ألسنا على الحقّ ؟ قالعليه‌السلام : (( بلى والذي إليه مرجع العباد )).

قال: فما نبالي بالموت، وفي رواية: إذاً ما نبالي أن نموت محقّين، ولا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا. فجزّاه الحسين (صلوات الله تعالى عليه) خيراً، وقال: (( بارك الله بك يا بُنيّ )).

ملاحظة: قد يُفهم من هذا أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان خائفاً من الموت، أو القتل، أو ما يمارسه الطغاة وحكومة يزيد في حقّ الحسين وأهل بيته وأنصاره، كلا، بل أوَ ليس هو القائل: (( خُط الموت على ابن آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة )). وما أعظم وصفه من تعبير ينمّ عن شوقه إلى الموت ولقاء الله تعالى ! وهذا هو حال أولياء الله تعالى في تمنّيهم للقائه بشوق لا يعدله شوق، ولا يصفه الواصفون.

ولكن هذه المواقف التي تدلّ ظاهرياً على أنّ الحسين كان يبكي، وأيضاً خرج خائفاً، ما هي إلاّ لتبيان مدى مظلومية إمامنا المعصوم (صلوات الله تعالى عليه)، ولتبيان مدى انتشار الظلم والاستعباد في ذلك العهد الأُموي الجائر. وأحرم عن رجاء نصرة الناس له وإن كان يستنصر أحياناً لإتمام الحجّة عليهم.

وأحرم عن رجاء الحياة، فقال لعمرو بن لوذان لمّا خوّفه من المحاربة مع بني أُميّة: (( إنّه لا يخفى عليّ ذلك، وإنّهم لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي )). فشرع في مناسك هذا الحجّ، وأحرم عن كلّ الأماكن والبلاد، وحصل منه السعي إلى صفا كربلاء، وحطّ الرحال فيها للوقوف، وأحرم فيها عن كلّ طعام، ثمّ أحرم عن شرب الماء قرب عاشوراء، وشرع في إتمام مناسكه، والخروج بأقوام قد أمر بأن يخرجهم معه، ويأخذ الميثاق منهم.

ميقاته: الخيام في كربلاء. المنادي به: رسول الله تعالىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلي وفاطمة والحسن (صلوات الله عليهم)، ومعهم ملك من الله تعالى في يده قارورة من زمردة خضراء. وقته: عشية الخميس ليلة عاشوراء حين خفق ورأسه على ركبتيه محتبئاً بسيفه.

أذانه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( يا بني ،


أنت شهيد آل محمّد، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفح الأعلى، فعجّل إفطارك عندي الليلة وهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في هذه القارورة الخضراء )).

فاستبشر هو ولبّى لذلك، وأهلّ بهذا الحجّ، لكن لما اطّلعت زينبعليها‌السلام على الأذان، وسمعت صوت التلبية والتسليم من أخيها في ليلة عاشوراء ؛ كشفت رأسها وجاءت إلى أخيها حاسرة حافية، ولطمت وجهها، وصاحت: يا أخاه ! ليت الموت أعدمني الحياة يا أخاه ! هذا كلام مَنْ أيقن بالقتل واستسلم له !

قال لها: (( نعم يا أختاه )).

يعني إنّي قد استسلمت لذلك، ولا علاج له، وقد انقطعت أسباب الخلاص منه.

فقالت: ذاك أقرح لقلبي ؛ إنّك لا تجد بداً ولا علاجاً.

وأهوت إلى جيبها فشقّته ووقعت مغشيّاً عليها، فجلسعليه‌السلام عندها، وصبّ الماء على وجهها حتّى أفاقت، وأخذ يعظها ويصبّرها.

أقول: إنّ إمامنا الحسينعليه‌السلام لم يسمع أُخته زينب قطّ تتمنّى الموت وتتكلّم بهذا الكلام فيُغمى عليها، وكذا زينبعليها‌السلام لم تعهد من الحسينعليه‌السلام من قبل أنّه ينعى نفسه، فتأمّل كيف هي مظلومية أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ اشتغل بمناسك هذه الحجة الثالثة وفيها :

طواف لبيت محبّة الربّ الجليل بالعبادة، والصلاة وتلاوة القرآن، وجعل ذلك طواف وداع.

ثمّ قدّم هديه وضحّاه، لا من البُدن التي هي من شعائر الله تعالى، ولا من الغنم التي هي فداء لإسماعيلعليه‌السلام بل من أصفياء الله وأودائه.

ومن الأفضل من إسماعيلعليه‌السلام خلقاً وخُلقاً ومنطقاً، ومن أنوار العيون، ومن القوى للظهور، فجعلهم نسكاً وهداياً وضحاياً لله تعالى، وأخذ يسعى لهم في تلك الحال أكثر من سبعين شوطاً، يهرول في بعضها، ويتأتّى في بعضها.

ثمّ بعد فراغه من أعمال هذا الحجّ، وقضائه مناسكه علا وارتفع صوت الأذان الرابع، والمؤذن لهذا الحجّ شبيه المصطفى على لسان المصطفى حين وقع في الميدان مجدّلاً.

فأذّن لوالده في حجٍّ الآمر به هو الله تعالى في قوله: وقاتل حتّى تُقتل، وهو الحجّ الأكبر.

أذانه: يا أبتاه، هذا جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المصطفى، يقول لك: (( العجل العجل )).

ووقته: ظهر عاشوراء.

فلبّى بهذا الحجّ في ميقاته وهو موقفه في الميدان قائلاً: لبّيك اللّهمّ لبّيك، قدّمت أمامي أولادي وإخواني


وبني أعمامي، فلم يبقى أحد منهم.

ثمّ ودّع نساءه وبناته وأخواته قائلاً: لبّيك اللّهمّ لبّيك، خلّفت ورائي نسائي وصبية عطاشى حيارى.

ثمّ لبس ثوباً للإحرام عتيقاً، وخرّقه في مواضع كثيرة، ثمّ ركب جواده ووقف في موقف عجيب، ما وقفه أحد مثله في خدمة ربّه تعالى في عرفة ولا منى ولا مشعر، ولا وقف أحد في ميدان ولا مبارزة مثله، قائلاً :

لبّيك اللّهمّ لك لبّيك، وحدك لا شريك لك لبّيك، جئت وحدي إليك، أحرم لك قلبي عن كلّ علاقة لسواك، فلا غربتي توجب الكربة، ولا وحدتي تورث الوحشة، ولا قتل أولادي يضعف كبدي، ولا اضطراب عيالي يغيّر حالي، ولا قتل رجالي يغيّر أحوالي، ولا نور بصري يذهب عطشي، ولا يعرضني الخوف لكثرة أعدائي، ولا اضطراب لشدّة بلائي.

فلذا اطمأنّت جوارحه، وهدأت نفسه الزكية، وردّت قواه، واحمرّ وجهه، حتّى تعجّب بعض مَنْ التفت إلى ذلك.

لبّيك اللّهمّ لبّيك، أحرم لك رأسي عن الاتصال ببدني، وبدني عن القيام على رجلي، ويدي عن أخذ شيء بها لبّيك اللّهمّ لبّيك، أحرم لك كبدي عن الماء، وبشري عن سلامة مقدار شعرة، وشعري عن خضاب الزينة، وعن بقاء لونه، وأوصالي عن الاتصال، ففارقتها مقطعة، ولحمي عن الالتئام بالعظام، وعظمي عن التركيب، وقلبي عن الاستقرار، ومن بقاء صورته، ودم قلبي عن الثبوت في شغافه، وأوداجي عن التعلّق برأسي، ووتيني عن الوصل برقبتي.

ثمّ طاف البيت حول بيت الله وسعى، ثمّ وقفعليه‌السلام في مواقف هو مركزها ما وقفه أحد من عباد الله تعالى، فكانت له عرفة ومشعراً حقيقة ثمّ رمى الجمرات الثلاث بحملات ثلاث، سيجيء تفصيلها في باب شهادتهعليه‌السلام .

ثمّ صار في منى لا لحلق رأس، وذبح هدي، أو نحره، بل لقطع الرأس الشريف، وجعل النفس الزكية اُضحية مذبوحة، وهدياً منصوباً معاً.

وأتمّ البيتوتة فيه إلى الثالث من إحرام هذا الحجّ


تحقّق النداء من معدن العظمة والكبرياء، في الحجّ الأعظم الأخص وهو القسم الخامس من حجّهعليه‌السلام ، وهو حجّ لم يحجّه أحد قبله ولا يحصل لأحد بعده، فهو الذي استطاع إلى هذا الحجّ سبيلاً.

وأذان هذا الحجّ من قبل الله تعالى بلا واسطة بقوله تعالى( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ؛ فإنّ المخاطب به هو الإمام الحسينعليه‌السلام كما في الروايات، وهو النفس المطمئنة.

وقت إحرامه: عصر عاشوراء بعد مفارقة الروح.

وميقاته: المقتل.

وأعمال هذا الحجّ: التلبية لداعي الحقّ لا كما يلبّي هذا الداعي كلّ واحد قهراً، بل تلبية خاصة عبّر عنها بقوله:( رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) ؛ فإنّهعليه‌السلام مع هذه الحالة العظمى، والمصيبة الكبرى، خرجت نفسه الطاهرة الزكية راضية.

لا صابرة فقط، بل في نهاية الرضا، بل ومُحبّة مشتاقة لقضاء الله تعالى وقدره، وهو غاية التكامل الإنساني، حتّى إنّه تعالى قدّم صفة رضاهعليه‌السلام عن ربّه على كونه مرضيّاً عنده.

فتأمّل في هذه الدقيقة تنكشف لك أمور عجيبة.

ثمّ رمى السّلاح، ونزع أثوابه جميعاً حتّى ثوب الإحرام الذي لبسه في الحجّ السابق.

نعم، لبس ثوبين آخرين من نسج الرياح المغبرة الحمراء، ثمّ ترك الزينة، لا الخاتم وحده، بل موضع الخاتم معه أيضاً.

ثمّ كشف عن الرأس وبقّاه مكشوفاً ميتاً، كما هو حكم مَنْ مات مُحرماً، ثمّ فصله عن البدن، ثمّ ترك النساء والعيال والأولاد، ثمّ ترك الإنس بأجمعهم.

الذي لم يطفه أحد قبله بعد الطواف الأوّل بالبيت المعمور حين اُصعد إلى السماء، ثمّ بات ببدنه ثلاثاً في موضع التشريق، ثمّ سعى بالرأس من صفا كربلاء إلى الكوفة، ثمّ من الكوفة إلى الشام، ثمّ من الشام إلى المدينة، ثمّ إلى الصفا في كربلاء.

ثمّ ذكر الله تعالى بتلاوة كتابه في مواضع، ثمّ أحرم للرأس، لا عن الظلّ وحده، بل عن الموضع في الأرض، فعلى الرمح تارة، وعلى الشجر تارة أُخرى، وعلى باب دمشق تارة، وباب دار يزيد أُخرى.

نعم، لم يكن في هذا الحجّ إحرام عن الخضاب، بل إحرامه بتخضيب


اللحية بخضاب، والوجه بخضاب، والرأس بخضاب، وليس فيه إحلال ؛ فإنّه قال: (( هكذا حتّى ألقى الله تعالى وأنا مخضّب بدمي )).

ومراده لقاؤه يوم القيامة ؛ فإنّه يُحشر وأوداجه تشخب دماً، وهو مخضّب بدمائه الزاكية المباركة.

وهكذا لم يكن فيه اجتناب لصيد الوحوش والطيور، بل صاد الوحوش كلّها، فمدّت أعناقها على جسده الطاهر تبكيه وترثيه ليلاً حتّى الصباح نائحة عليه.

وصارت الطيور تقع على جسده الشريف وتلطّخ أجنحتها بدمه وتتفرّق نائحة له في كلّ ناحية.

خاتمة: لمّا تحقّق اختصاصه بالحجّ، خصوصاً هذا الحجّ الخامس الذي ما عبد الله تعالى عابد بمثله، فلا غرو أن يجعل الله تعالى أجر زيارته ما يعادل الحجّ والعمرة بل أكثر من ذلك كما سبق ذكره وتفصيله، فإنّ ذلك أجر المرور لحجّه هذا.

ولا عجب من مضاعفته في خصوصيات الزيارة بحسب خصوصياتها، إلى أن تبلغ مئات الألوف، وآلاف الألوف، وإلى أن يكون لكلّ قدم أو خطوة ما يعادل ذلك أو أكثر، وكلٌ بحسب درجته وإيمانه، فلا عجب من ذلك ؛ لأنّ خالقنا هو الواسع العليم، والوهّاب الودود الكريم.

ولا عجب من أن يُعطى زائره أجر الحجّ مع النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو القائم (صلوات الله عليه وعُجّل فرجه)، ولا تعجب من مضاعفة ذلك.

ثمّ لا تعجب من أن يُعطى زائره أو مريد زيارته ولا يقدر لسبب ما، أن يُعطى أجر تسعين من حجج النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّ ذلك أجر لحجّ الإمام الحسين الشهيد الغريب (صلوات الله عليه).

المطلب الثاني: في بيان حجّاجه المخصوصين بحجّه

من الملائكة والأنبياء وغيرهم من الحجّاج، له من البشر، وفيهم رجال ونساء ؛ أمّا الرجال فأوّلهم النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فله حجّ ومناسك خاصة بالنسبة إليه، وله تفصيل نبيّنه إن شاء الله، ثمّ الشهداء معه ؛ فإنّهم قد حجّوا له حقيقة ألم تر أنّهم أحرموا له عن كلّ عادة، وعطفوا عليها النساء والأطفال والأموال والحياة، وباتوا في مناه ثلاثة ليال، ونزعوا المخيط من الأبدان، وبعضهم نزع الكفّين، وبعض ضحى بالعينين، وبعض ضحى بالرأس، ومن هذه الفئة الرضيع المنحور ؛ فدفنوا بلا أكفان، وتركوا التظليل سائرين، وعطفوا غير التظليل واقفين ؟

وكيفية حجّهم مختلفة باختلاف مناسكهم إزاء هذا البيت الحقيقي، فلهم حوله طواف ليس بطواف دوران فقط، ولهم سعي لا سعي مشي فقط، ولهم معه وقوف لا مجرّد كونهم في الموقف فقط، ولهم عنده


صلاة ليست صلاة طواف فقط.

ونيّتهم في هذه المناسك ليست كنيّات سائر الحاج، وليست كنيّات سائر الشهداء، بل هي نيّة خالصة لها خصوصيات.

وعرضت لهم مع هذه النيّة حالة لا يمكن تقريرها، لما رأوا من حالة الحسينعليه‌السلام وكيفية وحدته وحقيقة غربته ومظلوميته التي أبكت أعداءه العتاة (لعنهم الله تعالى).

بل واضطراره وحال عياله وأطفاله وحيرتهم، فتهافتوا على ذهاب الأنفس، واختلفت أعمالهم ومناسكهم.

فمنهم: مَنْ أحرم ولم يتمكّن من إكمال باقي المناسك، كالذين قُتلوا في أوّل يوم عاشوراء.

ومنهم: مَنْ اقتصر بعد الإحرام على الطواف حول البيت الحقيقي، كسعيد بن عبد الله الحنفي حتّى قُتل.

ومنهم: مَنْ طاف ووقف وسعى.

ومنهم: مَنْ صلّى صلاة طواف مع البيت عنده.

ولبعضهم خصوصيات في استلامهم أركان البيت عند الطواف، فبعضهم قد استلم البيت وقبّل أركانه كالغلام التركي.

ولكنّ البيتوتة أيام التشريق في منى، قد تحقّقت من جميعهم وتفصيل هذا في عنوان الشهداء.

وأمّا الحاجّات له من النساء اللاتي قد حججنه، فهنّ نساء كنّ معه في كربلاء، قد تحقّق منهنّ حجّ خاص لهذا البيت :

الأولى: أُمّ وهب، وهي نصرانية جديدة على الإسلام، أحرمت لحجّ البيت بعد الاستطاعة، فوقفت في المشعر بشعور، وعلمت أنّ الحسينعليه‌السلام إمامها تجب نصرته، والأمر بنصرته، وأنّه بيت الله تعالى يجب الهدي إليه، فقدّمت هديها، وأتت إلى ولدها، وقالت له: يا بُني قم وانصر ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال: أفعل ذلك يا أُمّاه ولا أُقصّر، فخرج مرتجزاً، فقتل سبعة عشر فارساً، واثني عشر راجلاً، فرجع ووقف أمام أُمّه وزوجته، وقال: أرضيت يا أُمّاه ؟

قالت: لا حتّى تُقتل بين يدي ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحتى يكون شفيعاً لك يوم القيامة، فارجع يا بُني إلى القتال.

ثمّ إنّها (رضوان الله عليها وعلى وابنها) رمت الأعداء بجمرة لم يرم أحد مثلها كما سيجيء بيانها.

الثانية: زوجة وهب هذا، فإنّها لم تعرف هذا البيت أولاً، ولا أحرمت


لحجّه، بل منعت زوجها بادئ الأمر، فقالت وهي متمسّكة متعلّقة بزوجها: لا تفجعني بنفسك.

فقالت له أُمّه: لا تسمع قولها.

ثمّ عرضت لزوجته هذه حالة من مشاهدة حال إمامها الحسينعليه‌السلام ؛ لذا أحرمت لهذا الحجّ فنادت زوجها: قاتل دون الطيبين، وطافت حول البيت، وهرولت هي إلى القتال حتّى قتلها غلام لشمر، وطرحت قتيلة، وهذه قد اختصت بالبيتوتة في منى ثلاثاً، وهي قتيلة مع الشهداء، ولا يُعلم هل أخذوا رأسها أم لا ؟!

الثالثة: امرأة أُخرى قُتل زوجها ولها ولد لم يبلغ الحلم.

فرأى الحسينعليه‌السلام أنّ ابنها قد برز، فقالعليه‌السلام : (( هذا غلام قد قُتل أبوه، ولعلّ أُمّه تكره خروجه )).

فقال الغلام: يابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ أُمّي قد أمرتني بذلك، وقالت لي: يا بُني قم وقاتل بين يدي ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقدّمت ابنها بين يديها هدياً واُضحية، والتزمت رأسه بعد أن رموه إليها وقبّلته ثمّ رمته إليهم.

ولكنّ حقيقة الحجّ للحجّ للحسينعليه‌السلام قد تحقّقت في حجّ حاجّة، ما أدّى مناسكه أحد قبلها ولا بعدها، وما أدراك مَنْ الحاجّة المخصوصة ؟ إنّها زينب الكبرى (صلوات الله عليها) وما أدراك ما كان حجّها، وكيف كانت مناسكها وإحرامها، وما أدراك ما هي كعبتها وركنها ومستجارها ؟

وسيجيء تفصيل ذلك في عنوان خاص بها في عناوين المجلد الثاني إن شاء الله تعالى.

المقصد الرابع: في خصائصه المتعلّقه بالملائكة

وفيه مطالب :

الأوّل: فيما أعطاه الله (عزّ وجلّ) من الملائكة.

الثاني: فيما أعطاه من صفات الملائكة.

الثالث: فيما أُعطي الملائكة منهعليه‌السلام .

المطلب الأوّل: فيما أعطاه الله تعالى من الملائكة

فنقول قد أعطاه من الملائكة ثلاثة أصناف :

الصنف الأوّل: الخادمون له أيام حياته.

فقد ورد في الروايات: أنّه تفاخر إسرافيل على جبرئيل بأنّه صاحب حملة العرش والصور، وأنّه أقرب الملائكة مكاناً، فافتخر جيرئيل بأنّه أمين الوحي، والرسول إلى الرسل، وصاحب القذف والخسف والصيحة والزلازل، فتحاكما إلى الله تعالى، فأوحى


إليهما: (( اسكتا، فوعزّتي وجلالي لقد خلقت مَنْ هو خير منكما )).

فقالا: أيكون ذلك وقد خلقتنا من نور عظمتك ؟!

فنظرا إلى ساق العرش فإذا هو عليه (( لا إله إلاّ الله، محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين خير خلق الله ))، فعند ذلك خجلا.

فقال جبرئيل: يا ربّ، أسألك بحقّهم عليك إلاّ جعلتني خادمهم فاستجاب الله له، فكان خادماً لهم، وخاصة بالنسبة للحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه كان يحرّك مهده المبارك ويناغه ويقول :

إنّ في الجنةِ نهراً من لبنْ

لعليٍّ ولزهراء وحسين وحسنْ

كلّ مَنْ كان محبّاً لهمُ

يدخلُ الجنّةَ من غيرِ فتـــــنْ

وكان يأتي إليه بالثمار وبالحلي من الجنّة مراراً، ويصبغ له ثوبه، وينزل بعزائه، ويحمل تربته المباركة.

وقد نزل إلى الأرض لأجله حين قُتل مع أنّه لم ينزل بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففي الرواية عن السجّادعليه‌السلام أنّه لمّا قُتل الحسينعليه‌السلام أتاهم وهم في العسكر فصرخ، فقيل له: ما لك تصرخ، فقال: كيف لا أصرخ ورسول الله قائم ينظر إلى الأرض مرّة، وينظر إلى حزبكم مرّة، وأنا أخاف أن يدعو الله على أهل الأرض فأهلك فيهم، فتنبه عند ذلك كثير منهم.

وقالعليه‌السلام : ذلك الصارخ جبرئيل، أما إنّه لو اُذن له فيهم لصاح فيهم صيحة يخطف بها أرواحهم، لكن أمهلهم الله تعالى إلى أجل معلوم.

هذا في بيان أفضلهم خدمة، وأمّا غير جبرئيل من الملائكة فقد وكلّ الله تعالى منهم خدّاماً كثيرين له.

منهم: حملة تربته إلى جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومنهم: النازلون لتهنئته، وغير هؤلاء ممّن يعلمون من تضاعيف الحكايات والروايات.

الصنف الثاني: الأنصار لهعليه‌السلام فإنّ الملائكة قد جاؤوا لنصرته في مواضع :

الأوّل: خارج المدينة، فإنّه لمّا سار منها لقيته أفواج من الملائكة المسوّمة، في أيديهم الحراب، على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه.

وقالوا: يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ الله سبحانه أمدّ جدّك بنا في مواطن كثيرة، وإنّ الله أمدّك بنا.

فقال لهم: (( الموعد حفرتي وبقعتي التي أُستشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا اُوردتها فأتوني )).

فقالوا: يا حجّة الله، مُرنا نسمع ونطع.


فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك ؟

فقالعليه‌السلام : (( لا سبيل لهم عليّ، ولا يأتوني بكريهة أو أصل بقعتي )).

الثاني: في مكة، كما عن الواقدي وزرارة بن صالح، قالا: لقينا الحسين بن عليعليهما‌السلام قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السّماء ففتحت أبواب السّماء، ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم إلاّ الله تعالى.

فقالعليه‌السلام : (( لولا تقارب الأشياء، وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي، ولا ينجو منهم إلاّ ولدي علي )).

الثالث: في كربلاء، فإنّه لمّا ضاق الأمر أتوه، ورفرف النصر على رأسهعليه‌السلام ، فخُيّر بين النصر ولقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى.

الصنف الثالث: المشتغلون بخدماته والأمور المتعلّقة به عند قبره الطاهر، ولهم أعمال ومشاغل مختلفة، وهم في ذلك فرق عديدة :

الفرقة الأولى: المجاورون لقبره الشريف شُعثاً غُبراً، الذين شغلهم البكاء عليه، فهم يبكونه الليل والنهار لا يفترون، وهم أربعة آلاف.

الفرقة الثانية: المنادون على قبره كلّ صباح: يا باغي الخير أقبل إلى خالصة الله، ترحل بالكرامة، وتأمن الندامة، فتنعطف عليه الملائكة.

الفرقة الرابعة: المنادون لزائره إذا انقلب من عنده: طوبى لك أيّها العبد، قد غنمت وسلمت، وقد غُفر لك فاستأنف العمل.

الفرقة الخامسة: زوّاره وبُكاته الذين يأتون إليه ويبقون عنده ثمّ يصعدون، وهم أيضاً أربعة آلاف في كلّ يوم غير السابقين لهم.

الفرقة السادسة: المصلّون عليه وهم مئة ألف ملك من كلّ سماء في كلّ يوم وليلة.

الفرقة السابعة: الذين شغلهم الاستغفار لزوّاره.


الفرقة الثامنة: المصافحون لملائكة الحائر، وهم ملائكة الليل والنهار من الحفظة، يحضر ملائكة الحائر فيصافحونهم ثمّ يصعدون.

الفرقة التاسعة: المبلّغ لسلام البعيد إليه، وهو فطرس قد خصّه الله تعالى بذلك من يوم عاذ بمهده.

الفرقة العاشرة: المصلّون على زوّاره.

الفرقة الحادية عشر: الموسمة لزوّاره بميسم نور الله تعالى هذا زائر قبر خير الشهداء، فيُعرفون يوم القيامة بهذا النور، فيأخذ النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وجبرئيلعليه‌السلام بأعضادهم.

الفرقة الثانية عشر: الآخذون بدموع الباكين عليهعليه‌السلام ؛ ففي الحديث إنّ الملائكة يتلقون الدموع المصبوبة فيمزجونها بماء الحيوان فيزيد في عذوبته.

الفرقة الثالثة عشر: القائمون المرتعدة مفاصلهم إلى يوم القيامة فزعاً من مرور الحسينعليه‌السلام ، وهم في كلّ سماء سبعون ألفاً على ما في حديث أبي ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه).

الفرقة الرابعة عشر: الأنصار له في رجعته، وهم الذين استأذنوا الله تعالى في نصرته لمّا اشتدّ الأمر عليه فأذن لهم، فمكثوا يستعدون ويتأهّبون، فلمّا نزلوا رأوه قتيلاً، فقالت الملائكة: يا ربّ، أذنت لنا في الانحدار ونصرته فاعذرنا وقد قبضته.

فأوحى الله تعالى إليهم: (( ألزموا قبّته حتّى توارونه، وإذا خرج فانصروه، وابكوا عليه على ما فاتكم من نصرته)) فمكثوا هناك يبكون، فإذا خرج كانوا من أنصاره.

أقول: إذا بكى أحد من شيعته فالبكاء نصرة له ؛ لذا أرجو أن يكون الباكي من هذه الملائكة.

الفرقة الخامسة عشر: الذين يبلّغون السّلام من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الزائر له، كما في الرواية.

الفرقة السادسة عشر: ما في رواية عقبة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: سمعته يقول: (( وكّل الله تعالى بقبر الحسينعليه‌السلام سبعين ألف ملك يعبدون


الله عنده ؛ الصلاة الواحدة من صلاة أحدهم تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين، يكون ثواب صلاتهم لزوّار الإمام الحسينعليه‌السلام )).

الفرقة السابعة عشر: الذين يشيّعون زوّاره بأمر من الله تعالى، ثمّ يقولون: ربّنا هذا عبدك قد وصل داره، فيؤمرون بأن يكونوا عند باب داره يعبدون الله عنه، فيفعلون ذلك حتّى إذا مات ذلك الزائر يقولون: ربّنا إنّ عبدك قد مات، فيوحي الله تعالى إليهم أن زوروا الحسينعليه‌السلام عنه إلى يوم القيامة.

الفرقة الثامنة عشر: الذين يبقون بعد وفاة الزائر مجاورين لقبره الشريف يستغفرون له إلى يوم القيامة.

الفرقة التاسعة عشر: الحافّون حول حرمه المبارك، وهم كلّ يوم ألف ملك إلى يوم القيامة.

الفرقة العشرون: الضاجّون إلى الله تعالى في أمره، وهم جميع الملائكة دفعة بضجيج واحد ؛ وذلك لمّا وقع (صلوات الله تعالى عليه) وكان طريحاً، ثمّ قُطع رأسه الشريف ؛ فعن أبي جعفرعليه‌السلام قال: (( إنّه لمّا ضجّت الملائكة كلّهم ضجّة واحدة بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيدنا، هذا الحسين صفّيك وابن نبيك وخيرتك من خلقك فأوحى الله إليهم: قرّوا ملائكتي ؛ فوعزّتي وجلالي لأنتقمنّ منهم ولو بعد حين ثمّ كشف الله تعالى عن الأئمة من وُلد الحسينعليه‌السلام ، فأقام الله لهم ظل القائم عُجّل فرجه وصلوات الله عليه، وهو قائم يصلي، فقال الله لذلك القائم: انتقم منهم )).

الفرقة الحادية والعشرون: الذين حملوا تربته المباركة بعد قتله إلى السماوات، وذلك إنّ ملكاً من ملائكة الفردوس نزل على البحر، ونشر أجنحته على كلّ البحار، ثمّ صاح يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن ؛ فإنّ فرخ الرسول مذبوح، ثمّ حمل من تربته على أجنحته إلى السماوات، فلم يبقى ملك إلاّ شمّها وصار عنده منها أثر.

الفرقة الثانية والعشرون: الملائكة الذين نزلوا لتجهيزه وغسله وحنوطه وتكفينه، على ما سنذكره في عنوان إقامة التجهيز لهعليه‌السلام إن شاء الله تعالى.

المطلب الثاني: فيما اتّصف بهعليه‌السلام من صفات الملائكة

وليس المقصود


إنّه اتّصف بصفة واحدة منهم، فإنّ ذلك ليس بفضيلة بالنسبة إليهعليه‌السلام ، بل إنّ المراد أنّك إذا لاحظت مجموع الملائكة الذين هم أكثر من جميع المخلوقات، ولاحظت مجموع عباداتهم بأنحائها المختلفة التي لا تُحصى، من أوّل خلقهم إلى أبد الدهر، تجد أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد جمع أعمال ملائكة الله تعالى في يوم واحد.

فاستمع لبعض صفات الملائكة كما بيّنها الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام في بيان أصناف الملائكة: (( منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون، ومسبّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم )).

فأقول: إذا لاحظت السيد المظلوم، الإمام الغريب الشهيد، وجدته عابداً بعبادة جميع الملائكة الذين لكلّ منهم مقام معلوم، ونوع واحد من العبادة، فجمعهاعليه‌السلام كلّها.

فقد سجد لله تعالى سجوداً لم ينتصب منه، وركع لله تعالى ركوعاً بقي على هيئته لا يتزايل، وقام في ليلة عاشوراء يعبد ربّه تعالى لا يغشاه نوم العيون، ولا سهو العقول، وأتعب نفسه يوم عاشوراء بمتاعب أعمال وأفعال، وذهاب وإياب، وحرب وضرب، وكرّ وحملات، ونداءات وإغاثات واستغاثات، بالإضافة على إلقاء الحجّة للقوم، ولم يعرضهعليه‌السلام في ذلك فترة الأبدان، كأنّ هذا البدن ليس من عالم هذه الأجسام.

وإذا لاحظتهعليه‌السلام وأصحابه ـ من وصفهم في طاعته على ما ذكرناه في إشارة سورة الصافات ـ علمت أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه هم الصافّون لا يتزايلون.

وقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في بيان صفات الملائكة أيضاً: (( قَدْ ذَاقُوا حَلاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ


خِيفَتِهِ ؛ فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَلا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَلَّهُمُ الإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَلا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الإِجْلالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ، وَلَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ، وَلَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلاتُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلا مَلَكَتْهُمُ الأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ، وَلَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ.

وَلا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلادَةُ الْغَفَلاتِ )) إلخ.

أقول: إذا نظرت بعين الحقيقة وجدت أنّ حلاوة المعرفة هي التي ذاقها الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكأس المحبّة هي التي شربها إمامنا الحسين (صلوات الله تعالى عليه).

فقد ذاقعليه‌السلام حلاوة معرفة لم يجد معها مرارة ما اجتمع عليه من جميع مرارات الدنيا ؛ قلباً وروحاً وجسداً، ظاهراً وباطناً، فقالعليه‌السلام : (( قد طاب لي الموت )).

وقد شرب كأساً روية من محبّته، فلم يؤثّر في حبّة قلبه الطاهر العطش المؤثّر في شفتيه حتّى يبّسهما، وفي لسانه حتّى حصل اللوك فيه فتجرّح من كثرة اللوك، وفي كبده حتّى تفتّت، وفي عينيه حتّى حال بينه وبين السماء كالدخان، فكانعليه‌السلام بيد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله معدّاً له، على ما خابره به ولده علي الأكبرعليه‌السلام ، كان من نوع ماء هذا الكأس الروية، أو جمعاً للماء الظاهري والباطني.

وإذا تأمّلت بعين البصيرة قولهعليه‌السلام في صفة الملائكة: (( فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ ))، لعلمت أفراده وأحقّ مصاديقه الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه الذي قد حنا بطاعة في ضمن ساعة اعتدال ظهره، وهو الذي حنى قامته بتحمّل سهم مثلث مسموم نفذ من قلبه وأخرجه من ظهره حتّى خرج الدم المبارك الطاهر منه كالميزاب، وأضاف إلى حنو ظهره في طاعته فصل أوصاله وتقطّعها جميعاً.

وإذا تدبّرت حقّ التدبر وجدت


أنّ أعظم مصاديق قولهعليه‌السلام : (( ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم )) هو الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّ معناه أنّهم لا يُلاحظون حصول مطلبهم لتقطع مادة تضرّعهم كسائر أهل المطالب، وإنّما يريدون التضرّع ويحبّونه لنفسه ماداموا أحياء. وللحسينعليه‌السلام خصوصية في هذه الصفة الخاصة فاقت الملائكة، وهي أنّه لم يُرِد انقطاع تضرّعه مادام حياً، بل قد تحمّل لله تعالى حصول المصائب حتّى بعد وفاته بجسده بأنواع المصائب، وبرأسه بأنواعها، وبقبره بأنواعها، وقد نوى ذلك في حياته. فلاحظ الرضّ لجسده، وقطع يديه منه بعد وفاته، والقرع على شفتيه ولسانه، والإدارة برأسه في البلدان، وجعل كلّ ذلك من عباداته كما يظهر من كلماته، وهذه ذرّة في المقام من المقال، وبقي الباقي في الخيال، والله المتعال.

المطلب الثالث: فيما أُعطي الملائكة منه (صلوات الله تعالى عليه)

وهي أمور: الأوّل: إنّه جُعل شفيع مَنْ أذنب منهم، فشفّعه في فطرس ودردائيل. الثاني: إنّه جعل قبره معراجاً لهم، كما في الرواية. الثالث: إنّه جُعل منبع فيض لهم، ينالون بخدماته ما لا ينالونه في تسبيحهم وتقديسهم. ولذا قال لهم تبارك وتعالى:( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) لمّا قالوا:( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) ، فكان حصول الفيض لهم ـ أيضاً ـ ممّا خفي عنهم ثمّ علموه بعد ذلك. ثمّ إنّه سبحانه وتعالى قد جعل لهم أسباباً لعلوّ درجتهم ممّا يتعلّق بالإمام الحسينعليه‌السلام بطرق مختلفة بالنسبة إلى البكاء عليهعليه‌السلام وزيارته وزوّاره ومزاره، كما عُلم من تفاصيل ما أعطاه للملائكة. وأخيراً: توجد هناك ملاحظة لا بدّ من تبيانها، وهو أن لا ننسى بعد ما تقدّم أنّ هناك حديثاً ما مضمونه: إنّ الإنسان بإمكانه أن يكون أفضل من الملائكة، أو أن يكون دون البهائم ؛ وهو لأنّه يمتلك عقلاً وشهوة والملائكة لا يمتلكون الشهوة إنّما خُلقوا من النور، والحيوانات تمتلك الشهوة فقط، فإذا غلبت الشهوة على عقل الإنسان فإنّه دون البهائم، والبهائم تمتاز عليه، فإذا غلب عقل الإنسان على شهوته فإنّه أفضل من الملائكة ؛ حيث الملائكة في طاعة الله تعالى ولا شهوة لها، فكيف بمَنْ هم معصومون مطهّرون بنصّ من القرآن المجيد والسنّة النبويّة، وصلّى الله على محمد المصطفى وآله الأطهار.

انتهى العنوان التاسع

العنوان العاشر

في خصائصه ممّا يتعلّق بأنبياء الله تعالى العظام

وفيه مقاصد :

الأوّل: فيما أعطاه من صفاتهم.

الثاني: فيما أعطاهم منهم عموماً.

الثالث: فيما خصّه من فضائلهم الخاصة وابتلاءاتهم المخصوصة، وفي هذا المقصد أبواب.

الرابع: فيما أعطاهم من الحسينعليه‌السلام .


المقصد الأوّل: فيما أعطاه من صفاتهم

من صفاتهم في الروايات أنّ الله تعالى قد خصّ أنبياءه بإثتني عشرة صفة، وقد ذكرنا في صفات الحسينعليه‌السلام أنّها ثابتة له على أكمل وجه.

ومن جملة صفات الأنبياء أنّ الله قد ابتلى عباده، بأن جعلهم ضعفاء فيما يرون من حالات ابتلاءاتهم، ولم يجعل معهم أوضاعاً دنيوية، وقد اجتمعت جميع حالات ابتلاءاتهم في وقوف الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء بتلك الحالات، وقد تقابل هذا الابتلاء للناس باجتماع حالات في الحسينعليه‌السلام يتبيّن فيها حقيقة الإخلاص لله تعالى، وأنّه لا يشوبه شائبة من غير الله تعالى ؛ ولذا اتّصف أتباعه بأنّهم سادات الشهداء، وأولياء الله وأصفياؤه وأودّاؤه.

ومن جملة خصائص الأنبياء أنّه ما عاش أي منهم إلاّ وقد ابتُلي بفقر أو جوع، أو عطش أو عُري، أو ضرب أو قتل، أو أذى أو استخفاف، وقد ابتُلي كلّ واحد بواحدة من هذه الصفات ؛ ففيهم مَنْ مات جوعاً، وفيهم مَنْ مات عطشاً.

وقد اجتمعت جميع هذه الصفات في الحسينعليه‌السلام ولم تجتمع في غيره، ولو اجتمع في بعضهم أكثرها فقد سلم من بعضها الآخر، وقد اختص الحسينعليه‌السلام بأنّه لم تكن له صفة سلامة من بلاء أبداً.

ومن صفات الأنبياء جميعهم أنّه لم يُستشمّ من أبدانهم رائحة السفرجل كما في الحديث، والحسينعليه‌السلام كانت رائحته التفاح ؛ لحديث التفاحة التي كانت معه إلى أوان شهادته، وإلى الآن تستشمّ من قبره المبارك رائحة التفاح، يجدها المخلص من شيعته، خصوصاً وقت السحر، كما في الرواية.

المقصد الثاني: فيما أعطاه منهم عموماً

وهو من وجوه :

الأوّل: إنّهم زاروا مدفنه، ففي الحديث أنّه ما من نبي إلاّ وقد زار كربلاء، ومَنْ لم يذهب هناك فقد أُسري به إليه، كما قال النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أُسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يُقال له: كربلاء، فاُريت فيه مصرع الحسين بن علي )).

الثاني: إنّ لهم في جميع الدهر أوقاتاً مخصوصة، يزورونه جميعهم إلى يوم القيامة، منها ليلة القدر، ومنها ليلة النصف من شعبان.

المقصد الثالث: فيما خصّه به من فضائل الأنبياء، وابتلاءاتهم واحداً واحداً

وفيه أبواب :


اعلم أنّه قد خوطب في زيارتهعليه‌السلام بكونه وارثاً لبعض الأنبياء مع ذكر أسمائهم، وزيارة الوارث مشهورة، وقد ورد في بعض زيارته، السّلام على الأنبياء بأسمائهم، وصفاتهم الممتازة.

فإذا شرعنا في تفصيل هذا العنوان، فسنذكر في بعضهم وجوه الإرث وكيفيته، ونذكر في بعض عنوان السّلام على ذلك النبي الخاص، ونبيّن أنّه يمكن أن يُراد بهذا الاسم ذلك النبي، ويمكن أن يُقصد به الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه لكثرة مناسبته له صار كأنّه ثانٍ له، ويُسمّى باسمه.

مثلاً: إذا سلّمنا على أيوب الصابر، يمكن أن يُراد به النبي المعهود أيوبعليه‌السلام ، ويمكن أن يُراد به الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه أيوب صابر أيضاً بلا شك.

وإذا سلّمت على يحيى المظلومعليه‌السلام ، فيمكن أن تقصده بنفسه، ويمكن أن تقصد الحسينعليه‌السلام ؛ فإنّه يحيى مظلوم أيضاً، وهكذا فنقول.

إرث الإمام الحسين من النبي آدمعليهما‌السلام

آدمعليه‌السلام سجد له الملائكة كلّهم أجمعون، يعني أنّه كان قبلتهم، والحسينعليه‌السلام صلّت عليه الملائكة، وطافت حول قبره، وقبره معراجهم.

آدمعليه‌السلام : أسكنه الله تعالى الجنّة، والحسينعليه‌السلام خلق من نوره الجنة والحور العين.

آدمعليه‌السلام تزين بلباس الجنّة، والحسينعليه‌السلام زينة الجنّة.

آدمعليه‌السلام قد اجتباه الله تعالى، والحسينعليه‌السلام قد اصطفاه الله تعالى.

آدمعليه‌السلام ابتُلي بقتل ولده هابيل، فرأى منه دماً قد شربته الأرض، والحسينعليه‌السلام مبتلى بتقطيع ولده الأكبر إرباً إرباً، وابنه الرضيع وهو بين يديه المباركة محمولاً، وغيرها من الفجائع العظام.

آدمعليه‌السلام ابتُلي عن أكل شجرة فنسي ولم يُرَ له عزم، والحسينعليه‌السلام ابتُلي بالنهي عن كلّ علاقة ومأكل ومشرب، ولم ينس ووُجد له عزم لم يوجد في غيره.

آدمعليه‌السلام صفوة الله تعالى من خليقته في الصور ؛ فإنّ بني آدم صفوة، والحسينعليه‌السلام صفوة هذه الصفوة في عالم المعاني ؛ فإنّه من الصفوة والصفوة منه.

آدمعليه‌السلام افتخر عليه الشيطان بقوله: أنا خير منه لمّا رأى خلقه من الطين اللين المنخفض الساكن، والحسينعليه‌السلام افتخر عليه يزيد (لعنه الله تعالى) لمّا رأى نفسه على كرسي المُلك ورأى


أتباعه متزينين بألوان من اللباس، ورأي عياله في القصور وراء الستور يرفلون في الذهب والحرير، وعيال الحسينعليه‌السلام في المجلس بلباس مقطّع خلق مقرّنون في الحبال.

وافتخر (لعنه الله تعالى) أيضاً لمّا رأى ولديه خالداً ومعاوية جالسين حوله في أحسن زينة وبهاء مع الأسلحة والجواهر، ورأى ولدي الحسينعليه‌السلام علي الأكبر وعلي زين العابدينعليهما‌السلام قدّامه، أحدهما رأس بلا جثة، والآخر مغلول مريض.

ورأى نفسه والتاج على رأسه وهو على السرير، والإمام الحسينعليه‌السلام في مجلسه وهو رأس بلا جثة موضوعاً على الأرض قدّامه رؤوس إخوته وأصحابه، والمجلس غاص بأعداء الحسينعليه‌السلام ومشايخ بني أُميّة على الكراسي، فأقبل في مثل هذه الحالة على أهل مجلسه وأخذ يشمت به ويذمّه ويفتخر عليه، فقال وهو يشير إلى الرأس الشريف المبارك: إنّ هذا كان يفتخر عليّ، ويقول: أبي خير من أبي يزيد، وأُمّي خير من أُمّه، وجدّي خير من جدّه، وأنا خير منه فهذا الذي قتلته.

وأمّا قوله: أبي خير من أبي يزيد فلقد حاجّ أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه وأمّا قوله: أُمّي خير من أُمّ يزيد، فلعمري لقد صدق فإنّ فاطمة بنت رسول الله خير من أُمّي وأمّا قوله: جدّي خير من جدّه فليس لأحد يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يقول بأنّه خير من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمّا قوله: بأنّه خير فلعله لم يقرأ هذه الآية( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ) فتأمّل يا صاحب الغيرة في قوله هذا وكيف أراد إذلاله في تلك الحالة.

فعزّوه يا شيعة، يا أرباب الهمّة والحميّة، والغيرة والمروّة ؛ فقد أحرق القلب قوله المقصود به التحقير، نقول: هذا زينة السماوات والأرض، هذا زينة عرش الله تعالى، هذا عزيز الله تعالى وعزيز الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وعزيز أولياء الله تعالى، هذا الذي صعد به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على المنبر وقال: (( هذا الحسين بن علي فاعرفوه )) هذا عزيز الزهراءعليها‌السلام ، لكنّ القائل إنّما يقول هذا الكلام هنا لا هناك.

نعم، قد قاله شخص هناك، فقال الحبر اليهودي ما قال، وقال رسول الروم ما قال، وقالت زينب الكبرى (سلام الله عليها) ما قالت، وتفصيله في محلّه إن شاء الله تعالى.


ثمّ انظر إلى تطابق عمل إبليس ويزيد في أنّ إبليس لاحظ تواضع الطين ولينه وذلّته الظاهرية، وحدّة النار وحرارتها واستعلائها وإحراقها ؛ فتخيّل فضله عليه، ولم يلحظ ما في الطين من كونه منبت الزهور والورود، والرياحين والحبوب، والثمار والأشجار، ومعدن كلّ الفلزات وأنواع الجواهر، وخازن الماء الذي به قوام الحياة وغير ذلك.

ويزيد أيضاً رأى نفسه جالساً على السرير ورأس الحسينعليه‌السلام مقطوعاً موضوعاً على الطشت قد خمدت أنفاسه وسكنت حركاته، ورأى أتباعه مزينين بأنواع الزينة والألبسة الفاخرة، مسلّحين بكامل أسلحتهم، واقفين لخدمته، فتخيّل فضله عليه، واحتج بذلك على أنّ الله تعالى قد آتاه الملك، وأنّه قد أعزّه بذلك، وأنّه قد أذلّ الحسينعليه‌السلام .

ولذا قرأ هذا الآية ولم يلتفت اللعين إلى أنّه بهذه الحالة هو الذليل، وأنّ الحسينعليه‌السلام بهذه الحالة هو العزيز، وأنّ الله تعالى قد أتى الملك للحسينعليه‌السلام بحالته هذه، ونزع الملك من يزيد بفعله ما فعل ؛ ولذا أجاز سبّه كلّ المخالفين الذين لا يجوّزون سبّ أيّ واحد من الخلفاء.

وقد ملك الحسينعليه‌السلام قلوب أهل الدنيا كلّهم بما جرى عليه، فترى قلوب الكفّار منكسرة عليه، وراغبة إليه، فإذا أردت أن تعرف مصداق( وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ) فانظر إلى قبر أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام واحترامه، وزيادة زينته وأوضاعه وعمارته في كلّ يوم، من يوم قتله وإلى أبد الدهر.

وانظر إلى قبر يزيد في الشام من يوم قُبر فيه وإلى الآن، فكلّ مَنْ يمرّ عليه لا بدّ أن يرجمه بالحجارة، وكلّ مَنْ يريد المرور عليه يحمل الحجارة من بعيد يفعل ذلك الشيعة والسنّة واليهود والنصارى، وقد جُرّب أنّ كلّ مَنْ لم يضربه بحجر لم تقض حاجته وقد صار تلاً عظيماً من أحجار الرجم.

وقد نبّهته على بطلان تخيّله هذا زينب بنت علي بن أبي طالبعليهما‌السلام في كلامها معه، وكلامها عجيب قد ذكر له المؤلّف عنواناً مستقلاً في كتابه هذا وهو الخصائص الحسينيّة.


آدمعليه‌السلام ابتلي بمفارقة الجنّة بغتة ودفعة لا تدريجاً، فخرج من ذلك الأُنس ورياض القدس إلى أرض المقبرة معدن الآفات والشرور والسباع والمؤذيات فقال :

تغيّرتِ البلادُ ومَنْ عليها

فوجهُ الأرضِ مغبرٌّ قبيحُ

تغيّر كلّ ذي طعمٍ ولونٍ

وقلّ بشاشةُ الوجـهِ المليح !

الحسينعليه‌السلام : قد ابتلي بمثل ذلك، فخرج دفعة واحدة من جنة اجتماع الأحباب والأولاد والإخوان، ففي الرواية أنّه لمّا لم يبقَ أحد خرج غلام من الأبنية وفي أُذنيه درّتان، وهو مذعور يلتفّت يميناً وشمالاً، فجاء هانئ بن ثبيت فضربه بالسيف فقتله، ولم يبقَ أحد يستأنس به ؛ لذا قال لأُخته: (( آتيني بولدي )) فأتته به وجرى ما جرى.

ولمّا لم يبقَ حتّى هذا الولد أيضاً، لم يجد أحداً يتكلّم معه إلاّ النساء فيناديهنّ، ولمّا خرج من عندهنّ ومشى وحده، ورأى البلاد مغبرة لا أحد معه وحيداً فريداً أنشأ كما أنشأ آدمعليهما‌السلام وأنشد كما أنشد، ودعا ربّه تعالى كما دعا آدمعليه‌السلام عند فراق الجنّة.

آدمعليه‌السلام بكى كثيراً فروي أنّه بكى ٢٠٠ سنة، والحسينعليه‌السلام بكى في يوم واحد، وهو يوم عاشوراء في مواضع خاصة، ولكنّ بكاءه لا يُقاس ببكاء آدم ؛ فإنّ بكاء آدم بكاء فراق لأجل نفسه، وبكاؤهعليه‌السلام بكاء رقّة وترحّم على حال مَنْ كان يبكي عليه، لا لأجل نفسه.

بكاء آدمعليه‌السلام كثير طويل، جرت الأنهار من دموعه، وبكاء الحسينعليه‌السلام كان قصيراً لكن بالدم من ينبوع قلبه.

بكاء آدمعليه‌السلام كان مقروناً بالتسلية، وبكاء الحسينعليه‌السلام كان مجرواً عنها.

بكاء آدمعليه‌السلام لولد واحد قتيل، وبكاء الحسينعليه‌السلام لإخوته وأولاده وبني أعمامه وأصحابه وأهل بيته وعياله وأطفاله، وضياع الإسلام وجهل أُمّة جدّه المصطفى (صلوات الله تعالى عليه وآله).

آدمعليه‌السلام قد ابتُلي بتحصيل القوت لزوجته ولنفسه بما لم يبتلِ به أحد، إذ لم يكن في الأرض من أسباب تحصيله شيء، فكان يجهد في تحصيل علم أسبابه وعملها بلا معاون من أبناء جنسه، وهذا شيء متعسّر نهاية العسر، ولولا تأييد من قبل الله تعالى لكان متعذراً، والحسينعليه‌السلام ابتُلي بتحصيل أسباب الماء لدفع


عطش عياله وأطفاله لمّا منعوهم الماء المبذول الجاري الموجود، فتعب في ذلك أشدّ التعب، وتحمّل أنواع المشقّة البدنية والنفسية، فتارة يعظهم بنفسه، وتارة بغيره، وتارة بإرسال مَنْ يطلب الماء منهم، وتارة بالإرسال ستراً ليلاً، وتارة بحفر الماء، وتارة بالاستسقاء لعياله النساء فقط، وتارة بالاستسقاء لطفله فقط، وتارة بإراءته إيّاهم وهو يتلظّى عطشاً، وتارة باستسقائه لنفسه وهو محتضر يجود بنفسه.

آدمعليه‌السلام قد حصل بعد التعب على الطعام، والحسينعليه‌السلام مع هذه المتاعب والصعاب قُتل عطشان (أرواح العالمين له الفداء).

آدمعليه‌السلام ابتُلي بأن قتل قابيل هابيل ودفنه ولم يرَ دمه ؛ لأن الأرض شربت دمه، والحسينعليه‌السلام رأى علياً إرباً إرباً غير مدفون ولا مكفّن ؛ فهدمت قواه.

آدمعليه‌السلام بكى على هابيل أربعين يوماً وليلة فأوحى الله تعالى إليه أخلفك عنه هبة الله فولد له، والحسينعليه‌السلام بكى على ولده نصف ساعة إلاّ إنّها تعدل أربعين سنة في هدم قواه، ثمّ أُصيب بعد ذلك بعلي آخر ثمّ فارق بعد ذلك علياً آخر.

إرث الإمام الحسينعليه‌السلام من نبي الله إدريسعليهما‌السلام

إدريسعليه‌السلام رفعه الله تعالى مكاناً عليّاً بين السماء الخامسة والرابعة، والحسينعليه‌السلام رُفع جسده مكاناً عليّاً، وروحه مكاناً عليّاً، ودمه مكاناً عليّاً، ومثاله مكاناً عليّاً، وتربته مكاناً عليّاً ولكلّ له تفصيل في كتابه هذا الخصائص الحسينيّة.

إدريسعليه‌السلام شفع في ملك واحد، والحسينعليه‌السلام شفع في ملكين فطرس ودردائيل.

إدريسعليه‌السلام قد ابتُلي بالفرار من السلطان، وتفرّق الأعوان، وجوعه ثلاثة أيام، والحسينعليه‌السلام قد امتُحن بالفرار ؛ لكي لا يُقتل في الحرم احتراماً له، وامتُحن بالقتال أيضاً، وابتُلي بالعطش ثلاثة أيام حتّى ندبته أُختهعليهما‌السلام : بأبي العطشان حتّى مضى.

باب نبي الله تعالى نوحعليه‌السلام

نوحعليه‌السلام شيخ امرسلين، والحسينعليه‌السلام سيد شباب أهل الجنّة أجمعين.

نوحعليه‌السلام شرّف الله تعالى بيته وهو مسجد الكوفة


والحسينعليه‌السلام شرّف الله تعالى مدفنه على مسجد الكوفة من جهات.

نوحعليه‌السلام قال الله تعالى فيه: ( سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) ؛ فإنّ نجاة الناس من الطوفان بسببه، والحسينعليه‌السلام سلام على الحسين في العالمين ؛ فإنّ نجاة الناس من النيران بسببه.

نوحعليه‌السلام صاحب السفينة الجارية على أمواج الماء، والحسينعليه‌السلام صاحب السفينة الناجية الجارية التي مَنْ ركبها نجا من طبقات النار.

نوحعليه‌السلام لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، فكانوا يضربونه حتّى يُغمى عليه ثلاثة أيام، ويجري الدم من أُذنه، والحسينعليه‌السلام لبث في قومه نصف نهار يدعوهم، فضربوه في نصف النهار حتّى بقي ثلاثة أيام مطروحاً بلا رأس، يسيل الدم من جميع أعضائه، وكان ضربه في ساعة أكثر من ضرب ألف سنة إلاّ خمسين عاماً.

باب إبراهيمعليه‌السلام

إبراهيمعليه‌السلام إذا قلت السّلام على إبراهيم خليل الله تعالى، فإذا شئت قصدت الخليل الذي قرّب نفسه لله تعالى وعرضها لنار علوها فرسخ، ولم يقبل إعانة الملائكة، ولم يدعو ربّه تعالى أيضاً للخلاص منها، وقال حسبي من سؤالي علمه بحالي، وإن شئت قصدت الخليل، أي الحسينعليه‌السلام الذي قرّب نفسه وعرضها لفراسخ من السيوف والرماح، ولم يقبل إعانة الملائكة فجعل النار على أُمّة كثيرة برداً وسلاماً.

وإن شئت قصدت الخليل الذي قرّب ولده إسماعيل وتلّه للجبين، أو قصدت الحسين الخليلعليه‌السلام الذي قرّب ولده علي الأكبر وتلّه مقطّع الأعضاء على الأرض، وباقي أولاده وأبناء إخوته [ عمومته ]، وإخوته وأصحابه وأنصاره.

إن شئت قصدت الخليل الذي أرادت سارة منه دقيقاً فاستحيى من أن يردّ الحمل خالياً فملأ العدل رملاً وحوّله الله تعالى دقيقاً، أو اقصد الخليل الحسينعليه‌السلام الذي أرادت منه سكينة ماء فخرج ورجع خالياً ولم يقل لها إلاّ يعزّ عليّ تلهّفك وعطشك.

إن شئت قصدت الخليل الذي أسكن أهله بوادٍ غير ذي زرع وعندهم قبّة ماء فقط، فرجع وأخذ باب الكعبة وقال:( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) ، ثمّ دعا لهم بقوله:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ) ، أو اقصد الخليل الذي


خلى نساءه وعيالاته بوادٍ لا ماء فيه ولا طعام عطاشى حيارى، وقال عند مفارقتهنّ: (( تهيّأنّ للأسر وتقنعنّ)).

إن شئت اقصد الخليل صاحب الملّة، أو الخليل منبع الرحمة.

إن شئت قصدت الخليل محبّ الضيفان، أو الخليل الرؤوف بأهل العصيان الذي ما خاب مَنْ تمسّك به، والذي يبكي لأُمّة (جماعة) خرجت لقتاله تدخل النار بسببه.

باب النبي يعقوبعليه‌السلام

في زيارة الحسينعليه‌السلام السّلام على يعقوب الذي ردّ الله تعالى عليه بصره برحمته، فإن شئت فاقصد يعقوبعليه‌السلام ابن إسحاق أبا اثني عشر ولداً، وقد نادوه كلّهم وهم أصحّاء احياء واقفون في خدمته فقالوا: يا أبانا إنّ واحداً منّا أكله الذئب فتقوّس ظهره، وذهبت عيناه من الحزن، وإن شئت اقصد يعقوب أبا ولد وحيد ليس له مثيل، فهو أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله تعالىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد سمع نداءه وهو يقول: يا أبتاه عليك منّي السّلام، سلام مودعٍ، يعني إنّي قد فارقتك، فلمّا أتاه إمامنا الحسينعليه‌السلام وجده وقد فارقت روحه الدنيا.

إن شئت اقصد يعقوب الذي رأى ثوب يوسف ملطّخا بالدم غير مخرّق فقال: لقد كان ذئباً رفيقاً، وإن شئت اقصد يعقوب الذي رأى ولده إرباً إرباً لم يبقَ من ثوبه ولا جسده موضع سالم أبداً.

يعقوبعليه‌السلام أرادوا منه يوسف ليرتع ويلعب معهم، فمنعهم وقال:( قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ) ، والحسينعليه‌السلام لمّا مشى ولده علي منعته النساء، وتعلّقنَ بهعليه‌السلام ، فقال الإمام الحسينعليه‌السلام : (( دعنه ؛ فإنّه قد اشتاق إلى جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله )) ساعد الله قلبك يا أبا عبد الله يعقوبعليه‌السلام جاءه البشير بثوب يوسف فارتدّ بصيراً، والحسينعليه‌السلام سمع صوت ابنه فأظلمت عيناه.

باب النبي يوسفعليه‌السلام

يوسفعليه‌السلام أرادوا إهلاكه بعد أن فرّقوا بينه وبين أبيه، فقالوا لا تقتلوه،( وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ) فأُلقي فيه، والحسينعليه‌السلام بعد قتل أصحابه وأولاده وإخوته، وأبناء إخوته وأبناء أُخته وأبناء عمومته، وبعد جراحات السهام والرماح والسيوف في بدنه التي كانت كافية في قتله، لا بل كان بعضها كافياً في قتله، بل كان واحد من جملة السهام كافياً في قتله، نادوا عليه بصوت عال: اقتلوه ثكلتكم أُمّهاتكم ! فحمل جماعة لقتل المقتول، لذبح المذبوح، لنحر المنحور، وبطريقة لا يجري لوصفها قلم التحرير، ولا يطيقها التصوير.


يوسفعليه‌السلام بعد الإلقاء في غيابة الجبّ التقطه بعض السيارة، وأُخذ أسيراً، وداروا به سوق مصر لبيعه، والحسينعليه‌السلام بعد الإلقاء طريحاً مضرّجاً بدمه المبارك التقط السيارة رأسه المبارك ونصبوه على الرمح أسيراً، داروا به أسواق الكوفة والشام وأزقتها.

يوسفعليه‌السلام أدخلوه قهراً على العزيز، لكن جعله عنده عزيزاً مكيناً أميناً، والحسينعليه‌السلام أدخلوا الرأس المبارك المرتّل لآيات ربّه تعالى أدخلوه على يزيد فجعل يشمت ويستهزئ ويضرب ثناياه.

باب النبي صالحعليه‌السلام

صالحعليه‌السلام صاحب الناقة المُبتلى بسقياها، والحسينعليه‌السلام صاحب العيال والأطفال، والأبناء والأهل، والأصحاب والنساء المُبتلى بسقياهم.

صالحعليه‌السلام أراد للناقة شرب يوم كامل بحيث لا يشرب غيرها ففعلوا ذلك أياماً، كان لهم شرب يوم ولها شرب يوم، والحسينعليه‌السلام أراد للأطفال والنساء والأصحاب والعيال عدّة قرب، ثمّ أراد قربة، ثمّ أراد للطفل جرعة، ثمّ لكبده قطرة فمنعوه من أوّل الأمر.

صالحعليه‌السلام لمّا عقروا ناقته زاغ فصيلها وصعد الجبل وإلى الآن يتوحّش المار على ذلك الجبل، والحسينعليه‌السلام لمّا أُصيب طفله بالسهم صاح صيحة كانت نفسه فيها، قائلاًعليه‌السلام : (( اللّهمّ لا يكون هذا أهون عليك من فصيل ناقة النبي صالحعليه‌السلام فانتقم لنا اللّهمّ إن كنت حبست عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير لنا )).

تبيان: طبعاً هنا المقصود من النصر النصر الآني الظاهري الذي يراه الجاهل في حينه هزيمة لأولياء الله تعالى، وإنّما هو في الحقيقة والباطن والظاهر نصر وعزّة وخلوداً وتأييداً لأولياء الله تعالى، ومنهم آنذاك الحسينعليه‌السلام وأهل بيته والثلة المباركة الذين هم معه.

ويقول المؤلف الشيخ جعفر التستري: خير من الانتقام العاجل ما منحه الله تعالى وأعطاه من إغاثة الضاجّين في المحشر، والضاجّين في المواقف، والضاجّين في النار، خصوصاً إذا علا الضجيج الآن على صياح هذا الطفل ومصيبته العظمى.


باب نبي الله تعالى شعيبعليه‌السلام

شعيبعليه‌السلام أبو البنتين اللتين رآهما موسىعليه‌السلام على ماء مدين ومعهما غنمهما، فـ( وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ) ، يعني لِمَ لا تسقيان أغنامكما ؟( قَالَتَا لا نَسْقِي حتّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) ، ولا قوّة لنا على السقي مع الناس،( وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) لا يقدر على المجيء معنا فرحمهما موسىعليه‌السلام لما رأى من منع الماء عنهما، وعلم بضعف أبيهما، وأنّه شيخ كبير، ( فَسَقَى لَهُمَا )، فجزاه الله تعالى خيراً كبيراً.

والحسينعليه‌السلام له بنات وأخوات كثيرات، وهنّ بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبو الأطفال الصغار، وصاحب الإخوان والأولاد، ورد ماء الفرات فوجد عليه الناس يسقون، والحيوانات تشرب، واليهود والنصارى، والكلاب والخنازير ترد الماء ولا تُمنع، ورأى أطفاله وعياله يُمنعون حتّى بعد صدور هؤلاء كلّهم، وقد صرعهم العطش وأبوهم سيد كبير أفضل من كلّ العالمين.

باب النبي أيوبعليه‌السلام

قال الله تعالى فيه:( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ، وهو النبي أيوبعليه‌السلام ، والحسينعليه‌السلام قد وجده الله تعالى صابراً، بل شاكراً، بل راضياً ؛ ولذا وصفه بالنفس المطمئنة الراضية، ولم يكتف بوصفه بأنّه نعم العبد، بل وصفه الله بقوله: (( بورك من مولود ))(١) ، وأدخله في عباده المخصوصين، بل جعله من عبده الذي قال تعالى في حقه:( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ) .

والحسينعليه‌السلام هو الأوّاب إلى الله حقيقة ؛ فإنّه كلّما امتثل طاعة شرع في أُخرى أشقّ منها وأشوق، والأوّاب حقيقة هو أيوب كربلاء.

____________________

(١) كما جاء في كامل الزيارات / ٦٧، ونقله العلاّمة المجلسي في البحار ٤٤ / ٢٣٨.


باب النبي يحيىعليه‌السلام

اعلم أنّ ليحيىعليه‌السلام خصوصية من ثلاثة وجوه :

الأوّل: إنّه قد ورد بالخصوص أنّ للحسينعليه‌السلام موازاةً مع يحيىعليه‌السلام في أشياء كثيرة(١) .

الثاني: إنّه ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ في النار منزلة لا يستحقها أحد من المخلوقين إلاّ قاتل يحيى بن زكريا وقاتل الحسين (صلوات الله عليهما).

الثالث: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام في سفره إلى كربلاء كان يذكر النبي يحيى كلّما حلّ في منزل، وكلّما ارتحل عنه.

ولأجل هذه الخصوصيات نذكر في التطبيق أموراً ثلاثة :

الأمر الأوّل: في بيان ما ساواه به.

الأمر الثاني: ما كان يذكر منه في حلّه وترحاله.

الأمر الثالث: في بيان ما زاد عليه من خصوصيات مصائبه، وذلك بذكر يحيى بن زكريا المظلوم أوّلا، ثمّ يحيى بن الزهراء المظلوم ثانياً.

الأمر الأوّل: في بيان المساواة الواردة في الروايات، فنقول في بيانها :

يحيى والحسينعليهما‌السلام قد بُشّر بهما قبل ولادتهما، فبشارة الأوّل:( يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ) ، وبشارة الثاني: (( يا محمّد، إنّ الله تعالى يبشرك بمولود من فاطمة )) ولكنّ البشارة بالنبي يحيىعليه‌السلام أوجبت فرحاً، والبشارة بالإمام الحسينعليه‌السلام أوجبت حزناً ؛ فإنّ أُمّه حملته كرها ووضعته كرهاً، إذ في الحديث المراد بالأُمّ هي الزهراءعليها‌السلام .

يحيى والحسينعليهما‌السلام قد ولدا لستة أشهر.

يحيى والحسينعليهما‌السلام قد سمّاهما الله تعالى بنفسه، فقال في يحيىعليه‌السلام :( إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ) ، وقال في الحسينعليه‌السلام على لسان الملك جبرئيلعليه‌السلام : (( إنّي قد سمّيته الحسين )).

يحيى والحسينعليهما‌السلام لم يرتضعا من الثدي غالباً، فيحيىعليه‌السلام أُرضع من السماء، والحسينعليه‌السلام أُرضع من العرش العظيم، أعني لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي بعض الروايات من إبهام المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله .

يحيى والحسينعليهما‌السلام كان جبينهما يضيئان.

يحيى والحسينعليهما‌السلام لم يريا فرحين طول عمرهما، ولو اتفق لهما تبدّل حزناً.

يحيى والحسينعليهما‌السلام قاتلاهما ولدا زنى.

يحيى والحسينعليهما‌السلام ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقّ قاتليهما: (( إنّ في النار منزلاً لا يستحقها

____________________

(١) بحار الأنوار ١٤ / ١٦٨، وأيضاً في مرجع قرب الإسناد / ٤٨.


أحد إلاّ قاتلا يحيى والحسينعليهما‌السلام )).

يحيى والحسينعليهما‌السلام بكت السماء عليهما دماً.

يحيى والحسينعليهما‌السلام بكت الأرض عليهما دماً.

يحيى والحسينعليهما‌السلام تكلّم رأساهما بعد القتل، فيحيى قال للملك: اتقِ الله تعالى والحسينعليه‌السلام قرأ القرآن مكرّراً، وسُمع منه: (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله )).

يحيىعليه‌السلام قُتل صبراً، والحسينعليه‌السلام مع أنّه في ميدان القتال فقد قُتل صبراً ؛ ولذا قال الإمام السجّاد (صلوات الله عليه): (( أنا ابن المقتول صبراً )).

الأمر الثاني: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كان يذكر قتل يحيى في كلّ منزل، ويذكر بالخصوص إهداء الرأس، ولو تأمّلت بعين البصيرة وجدت ذلك أصعب مصيبة ؛ فإنّ شماتة العدو من بُعد، أي لو اتّفق بأنّ عدوّاً قد شمت بك وهو بعيد عنك فإنّك سوف تتأثّر لا محالة، وإذا كان عن قرب وأنت في حالة ضعف جسدي فيكون التأثير أعظم من الأوّل.

ولكن كيف تكون المصيبة برؤية الرأس مقطوعاً موضوعاً بين يدي العدو يقلّبه كيف يشاء، كما اتّفق ذلك لإمامنا المظلوم، وقد صعب ذلك على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالخصوص فدعا على مَنْ نظر إلى رأس الحسينعليه‌السلام وفرح بذلك.

الأمر الثالث: في خصائص عظمة مصيبة هذا المظلوم على ذلك المظلوم، ولنجعل ذلك في ضمن السّلام على يحيىعليه‌السلام ؛ فإنّ الحسينعليه‌السلام كان يسلّم عليه حين يذكره في كلّ منزل يحلّ فيه ويرتحل عنه، ولنا فيه أُسوة حسنة، فلنسلّم عليه في منازل التطبيق فتقول، كما في زيارة الحسينعليه‌السلام : السّلام على يحيى الذي أزلفه الله تعالى بشهادته.

فإن شئت اقصد به يحيى الذي قُتل صبراً، أي الذي مُسك حين القتل فقُطع رأسه، أو اقصد به يحيى الذي لم يبقَ له حراك من الجراح وانبعاث الدم حينما قطعوا رأسه المبارك.

إن شئت اقصد به يحيى الذي وضِع رأسه بين الأيدي برفق فقُطع، أو اقصد يحيى الذي وقع من الفرس على الأرض في حرّ الظهيرة بطعن الرمح على خاصرته ثمّ قطع رأسه.

إن شئت اقصد به يحيى الذي سكنت عداوة قاتليه بذبحه، وإن شئت اقصد يحيى


الذي لم يكتفوا بإصابته بأربعة آلاف رمية، ومئة وبضع ضربة، ومئة وبضع طعنة، فكانت الطعنة فوق الطعنة، والرمح على الرمح، وضرب السيف على ضربة السيف إلخ، وما أُصيب من القطع والنحر والرمي، وما أصاب الجسد الشريف بعد القتل من الرض والمثلة، بل ظهرت العداوة بالنسبة إلى الرأس بعد رفعه وإدارته وصلبه، ولم يكتفوا بذلك كلّه، بل جعلوا يضربون ثناياه وشفتيه في مجالس عديدة.

إن شئت اقصد يحيى الذي أُهدي رأسه من بيت إلى بيت مرّة واحدة، أو اقصد يحيى الذي أُدير رأسه في بلاد كثيرة، واُهدي تارة ثمّ أُخرى ثمّ أُخرى وابكي عليه.

إن شئت اقصد يحيى حين قُطع رأسه ورأى الظالم لأمره فتغيّرت حالاته، وإن شئت اقصد يحيى الحسينعليه‌السلام المظلوم حين وضِع رأسه بين يدي اللعين يزيد وهو يبتسم شماتة، فكان تبسّمه هذا أعظم من جميع جروحه، عميت عين لن تبكِ عند رؤية هذا التبسّم.

إن شئت اقصد مظلوماً اسمه يحيى اُخرج من المسجد حين أرادوا قتله وهو حصور، أي مبالغ عن حبس نفسه عن اللذائذ الدنيوية، لا علاقة له ولا عيال ولا أطفال، وإن شئت اقصد مظلوماً اسمه اُخرج من الخيام، وفيها نساء حائرات عطاشى منفردات وأطفال ومؤمنات، في برية الأعداء كلّ واحدة تنادي وتقول: إلى مَنْ تكلنا، ثمّ يسكنهنّ فيخرج، فتلحقه بنت صغيرة تقع على رجليه وتقبّل يديه، وتصيح: وا وحدتاه ! وا غوثاه ! وانتهاك ستراه ! ......، فيرجع ويجلسها في حجره ويقول لها :

لا تحـرقي قلبي بدمعكِ حسرةً

ما دام منّي الروحُ في جثماني

فإذا قُتـــلت فأنت أولى بالذي

تأتينه يا خيــرةَ النسـوانِ

إن شئت اقصد يحيى الذي قُتل وهو ريّان، أو اقصد يحيى الذي قُتل وهو عطشان.

إن شئت اقصد بالسّلام يحيى الذي ذُبح في الطشت ولم يقع من دمه على الأرض إلاّ قطرة كانت تغلي سنين حتّى أفنت بني إسرائيل فسكنت من الغليان، أو يحيى الذي ذُبح على حرّ التراب، وترمّل بالتراب دمه، وأُهريق كلّ دمه على الأرض إلاّ قطرات منه أخذها بيده ومسح بها على وجهه، ثمّ مرّة أُخرى فرمى بها إلى السماء ولم


ترجع، ولو وقعت على الأرض لانقلبت بأهلها.

إن شئت اقصد يحيى المظلوم الذي ذُبح من أوداجه، أو اقصد يحيى الذي ذُبح من القفا غريباً مظلوماً خلّف وراءه النسوة والأطفال.

إن شئت اقصد يحيى الذي حزّ رأسه المبارك بضربة واحدة من المدية، أو اقصد يحيى الذي حزّ رأسه باثنتي عشرة ضربة بالسيف.

إن شئت فاقصد بيحيى الذي قُطع رأسه وبدنه صحيح، أو الذي قُطع رأسه وبدنه مرضّض مشبّك جريح.

السّلام على يحيى الذي اُهدي رأسه مرّات، وضُرب على رأسه بالخيزران والقضيب مرّات.

السّلام على يحيى الذي وضِع رأسه.

السّلام على يحي الذي رُفع رأسه، ونُصب رأسه، وخُفِض رأسه، وصُلب رأسه، وعلّق رأسه، ووضِع في أمكنة عديدة، ونُصب في أمكنة عديدة، وصُلب في أمكنة عديدة، وعُلّق في أمكنة عديدة، ولعلّه دُفن في أمكنة عديدة، وإن كانت العاقبة أن دُفن الرأس مع البدن.

باب النبي موسىعليه‌السلام

لمّا خرج الحسينعليه‌السلام من المدينة قرأ بعض الآيات المتعلّقة بموسىعليه‌السلام ، ولمّا دخل مكة قرأ بعضها (سورة القصص ٢١ و٢٢ الآية).

موسىعليه‌السلام كليم الله تعالى، والحسينعليه‌السلام قد ثبت له شرف كونه كليماً لله تعالى في حياته، كما في الرواية التي ذكرناها في عيون المجالس عن أنس بن مالك.

وكذلك قد صار كليماً لله تعالى عند وفاته بمخاطبته إيّاه بقوله:( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) إلى آخر الآية كما في الرواية.

موسىعليه‌السلام صاحب اليد البيضاء، أي كانت يده أحياناً مضيئة نورانية، والحسينعليه‌السلام له أضعاف ذلك ؛ فإنّ جبينهعليه‌السلام كان يُضيء، ونحره كان يُضيء لكثرة ما كان يُقبّلهما رسول الله المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ووجهه حين ضمّخ بالدم والتراب كان يُضيء حتّى إنّه شغل نور وجهه الظالم عن النظر في كيفية قتله.

والرأس حين كان على الرمح كان يُضيء كما رواه زيد بن أرقم حين مرّ حامل الرأس على غرفته، والبدن كان يُضيء كما في رواية الأسدي الزارع على نهر العلقمي.

موسىعليه‌السلام انفجر له الماء من الصخرة، وقد أثّر ضرب موسىعليه‌السلام للحجر بالعصا حتّى انفجر منه


العيون ؛ كرامة وإعجازاً، فالحسينعليه‌السلام قد أثّرت مصيبته في انفجار الدماء من الصخور كما أثّرت في حصى بيت المقدس.

وفي الرواية أنّ كلّ حجر ومدر كان يُرفع في عشية قتله كان يوجد تحته دم عبيط حتّى طلع الفجر.

والحسينعليه‌السلام انفجر له الماء أيضاً بالخصوص، وانفجاره من عيون الخلائق لمصيبته ممّا يرى وممّا لا يرى، بل ولذكر اسمه كما في الرواية عنهعليه‌السلام ، وهذا ثابت لاسمه بالخصوص، وإن لم يكن ذكر للمصيبة واطّلاع عليها.

وقد تحقّق البكاء من يوم خلق الأسماء، وقد تحقّق هذا الأثر حين علم آدمعليه‌السلام الأسماء كما في الرواية في تفسير قوله:( فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ ) .

موسىعليه‌السلام نزل له المَنّ والسلوى من السماء، والحسينعليه‌السلام نزلت له من السماء ثمرات كثيرة ؛ فمرّة طبق من رطب، ومرّة طعام مطبوخ لأجله، وتارة رمانة وسفرجلة وتفاحة، وفقدت الرمان لمّا استشهدت الزهراء فاطمة (سلام الله عليها)، والسفرجلة لمّا استشهد علي (سلام الله عليه).

وقد كانت التفاحة عنده في يوم عاشوراء يشمّها ويستريح برائحتها من العطش، قال علي بن الحسين (صلوات الله عليهما): (( ولمّا اشتدّ العطش عليه أنزل أسنانه فيها، ولمّا استشهد لم يوجد منها أثر، ولمّا زرت قبره بعد ذلك وجدت رائحتها من قبره، ومَنْ يزوره من شيعتنا المخلصين وقت السحر يجد رائحة ذلك )).

موسىعليه‌السلام كان بسببه تشريف طور سيناء، حتّى إنّه حلف الله به بالخصوص، والحسينعليه‌السلام له بالنسبة إلى أرض كربلاء مثل ذلك، بل في الروايات أنّه طور سيناء.

موسىعليه‌السلام صاحب العصا التي ظهرت فيها آيات له، والحسينعليه‌السلام صاحب السيف الذي به ظهرت الشجاعة النبويّة التي ورثها إيّاه، واشتهرت بالشجاعة الحسينيّة.

موسىعليه‌السلام قال:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي ) ، والحسينعليه‌السلام جعل الله تعالى له وزيراً من أهله العباس أخاه، أشركه في أمره، وشدّ به أزره، وكان ناصره ؛ ولذا قال عند قتله: (( الآن انكسر ظهري )).

موسىعليه‌السلام انفلق له


بحر واحد حتّى دخل فيه بنو إسرائيل، والحسينعليه‌السلام تغطمطت، أي اضطرب وعلت أمواج البحار كلّها له حتّى خرجت منها الأسماك وناحت ؛ وذلك لأنّ ملكاً من ملائكة الفردوس نزل على البحار ونشر أجنحته عليها، وقال: يا أهل البحار البسوا أثواب الحزن ؛ فإنّ فرخ الرسول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله مذبوح، وفي رواية أُخرى أنّه تكاد أن تنشقّ البحار ويدخل بعضها في بعض فيوكّل بكلّ بحر ملك، وذلك حين تبكي فاطمة الزهراءعليها‌السلام على الإمام الحسينعليه‌السلام وتشهق.

ويظهر من بعض الروايات أنّ ذلك يقع منها كثيراً ؛ ولذا قالعليه‌السلام بعد أن ذكر هذا: (( أما تحبّ أن تكون فيمن يسعد فاطمةعليها‌السلام ؟ )).

موسىعليه‌السلام حفر قبراً لنفسه بيده الشريفة، وذلك لمّا مرّ برجل يحفر قبراً فقال: لِمَنْ هذا القبر ؟ قال: لعبد من عباد الله تعالى الصالحين قال: أُعينك عليه فأعانه على الحفر وتمّم اللحد.

فقال له: فنم فيه نرى سعته فنام موسىعليه‌السلام في اللحد فاُري مقامه، فطلب قبض روحه، فقبضت في قبره.

والحسينعليه‌السلام حيث إنّه لم يُدفن ثلاثة أيام جعل الله تعالى حافر قبره، بل وقبور أصحابه رسول الله محمّداً المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّه رأته أُمّ سلمة في المنام يوم عاشوراء مغبراً، على رأسه أثر التراب، فقال: (( وثب الناس على ابني فقتلوه، وقد شهدته قتيلاً، وما زلت أحفر القبور للحسين وأصحابه (عليه وعليهم‌السلام ) )).

موسىعليه‌السلام لمّا التقطه آل فرعون جاءت أُخته فترقّبت حاله،( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) ، فرأت كبار مصر يحتضنونه وينقلوه من يد إلى يد، وحضن إلى حضن، وقد اجتمعن النساء لإرضاعه فلم يقبل، فقالت أُخته:( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ ) إلى آخر القصة المباركة.

والحسينعليه‌السلام لمّا وقع عن فرسه التقطه آل سفيان، ولمّا أبطأ عن أهله خرجت أُخته تتفقّده، فبصرت به عن جنب وهو درَته لحمة ثدي الرماح، وتقبيل السيوف، فنادت وصاحت واستغاثت بفرعون العسكر، وقالت: يابن سعد، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟!

موسىعليه‌السلام لمّا سار


بأهله ووصل إلى وادي سيناء، وقد أصابهم البرد والمطر في ليلة شاتية، ولم يتمكنوا من قدح النار( آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ) ، والحسينعليه‌السلام ابن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لأهله: إنّي آنست في الوادي المقدّس في البقعة المباركة ناراً فسرنَ، يعني فإنّ الله تعالى شاء أن يراكنّ أُسارى.

موسىعليه‌السلام كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه من الجوع، والحسينعليه‌السلام كانت الحمرة من الدم تُرى من أجزاء بدنه ورأسه وشعره وبشرته، والزرقة في شفتيه من العطش.

باب النبي إسماعيل الذبيحعليه‌السلام

إسماعيلعليه‌السلام سلّم نفسه ليذبحه والده قرباناً لله برفق وإحسان ؛ فوصفه الله تعالى بالحليم، والحسينعليه‌السلام حليم، سلّم نفسه ليقتله أعداؤه قتلة لم تقع مثلها ولا تقع أبداً، وإذا لاحظت جميع الجهات والكيفيات في مصيبته علمت أنّها ما وقعت ولا تقع بعد ذلك.

باب النبي إسماعيل صادق الوعدعليه‌السلام

الذي ذكره الله تعالى في القران الكريم بقوله( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ) ، وهو غير إسماعيل بن إبراهيمعليهما‌السلام ، وكان رسولاً إلى قوم فأخذوه وسلخوا فروة وجهه، فأرسل الله تعالى إليه سطاطائيل ملك العذاب ؛ لينتقم له، فقال إسماعيل: لي أُسوة بالحسين بن عليعليه‌السلام فهو المتأسي بالحسين بن عليعليه‌السلام في سلخ فروة الوجه فقط بالجملة.

بأبي المستضعف الغريب الذي سُلخ كلّ جلد بدنه بالسهام والسيوف والرماح ...، وزاد على ذلك تقطّع


الأوصال كما رواه بنفسه، فقال: (( كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات )).

باب النبي داودعليه‌السلام

قال الله تعالى:( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ، يعني كثير النوح والإنابة إلى الله تعالى، وكان ينوح على خطيئته وهو على المنبر، ويجتمع إليه الناس يبكون معه، وينوحون حتّى يموت جمع كثير منهم من شدّة النوح على الذنوب ومن رقّة صوته، والحسينعليه‌السلام قد علا صوت استغاثته، فبُذلت نفوس عند ذلك لنصرته، وناحت عليه الطير والوحش، وقام النوح عليه إلى يوم القيامة.

باب النبي سليمانعليه‌السلام

قد اُوتي ملكاً عظيماً، بأن سُخّرت له الجنّ والإنس، والوحش والطير والريح، بحيث لو أمرهم بأمر لأطاعوه، ولكنّ سليمان كربلاء قد سُخّرت له السماوات والأرضون، والوحش والطير، والرياح والبحار، وجميع ما خلق الله تعالى حتّى الجنّة والنار، وما لا يُرى، فصاحت كلّها صيحة واحدة، وضجّت ضجّة واحدة بمجرّد قطع الرأس الشريف، كما ذُكر تفصيله في محلّه.

سليمانعليه‌السلام كان من ابتلائه أنّه اُلقي على كرسيه جسداً، يُقال: إنّه جسد ولده، اُلقي على كرسيه ميتاً فأناب، والحسينعليه‌السلام اُلقي قدّامه جسد ولده مقطّعاً على التراب.

سليمانعليه‌السلام ابتُلي بأخذ خاتمه، والحسينعليه‌السلام اُخذ خاتمه وقُطع إصبعه.

باب عيسىعليه‌السلام

عيسى بن مريم العذراءعليهما‌السلام ، والحسين بن فاطمة الزهراءعليهما‌السلام .

عيسى بن مريمعليهما‌السلام التي نادتها الملائكة:( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ، والحسينعليه‌السلام ابن مَنْ نادته الملائكة.

عيسىعليه‌السلام روح الله تعالى وكلمته، والحسينعليه‌السلام نور الله تعالى، وباب رحمته الواسعة.

عيسىعليه‌السلام ابن سيدة نساء عالمها، والحسينعليه‌السلام ابن سيدة نساء العامين كلّهم.

عيسى بن مريمعليه‌السلام كان يتوسّد الحجر، والحسينعليه‌السلام لم يكن له رأس ليتوسّد تراباً أو حجراً، بل جثة بلا رأس ثلاثة أيام في كربلاء.

عيسىعليه‌السلام يلبس الخشن، والحسينعليه‌السلام لا لباس له.

عيسىعليه‌السلام يأكل الجشب، أي الغليظ الخشن، والحسينعليه‌السلام لم يأكل ولم يشرب شيئاً لثلاثة أيام حتّى نُحر مظلوماً غريباً.


عيسىعليه‌السلام لم يكن له مال ليتلف، وعيسى صاحب الخيام المنهوبة، والثياب المسلوبة، والنساء والأطفال المسبيّة ...، والخيام المحروقة.

عيسىعليه‌السلام لم يكن له ولد ليحزن عليه، وعيسى كربلاءعليه‌السلام له ولد مصابه هدّت قواه، وأظلمت عينه مصيبته حتّى رآه ممزّقاً مقطّعاً بالسيوف والرماح، لكن صبر في ذات الله تعالى.

عيسىعليه‌السلام ظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وعيسى كربلاءعليه‌السلام ظلّ جسده مطروحاً في الشمس ثلاثة أيام تنوح عليه سكّان السماوات والأرضون.

عيسىعليه‌السلام دابته رجلاه، وخادمه يداه، وعيسى كربلاءعليه‌السلام لم يَدَعوه ليقف راجلاً، وقُطع كفنه، ثمّ قُطعت يداه بعد موته، وقُطع إصبعه لسلب خاتمه.

المقصد الرابع: فيما أُعطي الأنبياء من الحسينعليهم‌السلام

اعلم أنّه قد أُعطي جميع الأنبياء من الحسينعليه‌السلام شيئين :

الأوّل: إنّه أُسوة لهم، فكان كلّ واحد منهم إذا أصابته مصيبة صبر عليها تأسيّاً بالحسينعليه‌السلام ؛ ولذا قال الإمامعليه‌السلام يوماً للحسينعليه‌السلام : (( يا أبا عبد الله، أُسوة أنت قدماً )).

الثاني: إنّهم كلّما وقعوا في شدّة حصل لهم الفرج عند التلفّظ باسم الحسينعليه‌السلام ، وفي ذلك روايات :

الأولى: في قبول توبة النبي آدمعليه‌السلام حين علّمه الأسماء الخمسة، فكانت الاستجابة عند قوله: بحق الحسينعليه‌السلام .

الثانية: في سكون سفينة نبي الله نوحعليه‌السلام حين اُوحي إليه بأن يتوسّل بالخمسة، فكان الاستواء على الجودي عند قوله: وبحق الحسينعليه‌السلام .

الثالثة: في استجابة دعاء زكرياعليه‌السلام حين قال( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً ) ، فعلّمه الأسماء الخمسة، فحصلت البشارة له بـ ( يحيى ) عند قوله: بحق الحسينعليه‌السلام .

الرابعة: في نجاة يونسعليه‌السلام من بطن الحوت ؛ فإنّه دعا بحق الخمسة الأطهار، وحصل نبذه بالعراء حين قوله: بحق الحسينعليه‌السلام .

الخامسة: في كشف الضرّ عن أيوبعليه‌السلام ؛ فإنّه حصل عند دعائه متوسّلاً بالخمسة، ونودي بقوله:( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ) ، عند قوله: بحق الحسينعليه‌السلام .


السادسة: حصول الفداء لإسماعيلعليه‌السلام ؛ فإنّه قد ورد أنّ المراد بالذبح العظيم، هو الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولا يلزم منه كون إسماعيلعليه‌السلام أعلى رتبة.

السابعة: في خروج يوسفعليه‌السلام من غيابة الجبّ ؛ فإنّه حصل بالتوسّل بالخمسة الأطهار، عند قوله وبحق الحسينعليه‌السلام فـ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ) .

الثامنة: في خروج يوسف من السجنعليه‌السلام ؛ فإنّه لمّا توسّل بالخمسة بعد بضع وسنين قال: وبحق الحسينعليه‌السلام جاء صاحب السجن، وقال:( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا ) إلى آخر قصّته المباركة.

التاسعة: في تفريج الغمّ ليعقوبعليه‌السلام ؛ فإنّه لمّا ضاق عليه الأمر، قال: ربّ أما ترحمني ؟ لقد ذهبت عيناي، وذهب نور عيني فأوحى الله تعالى إليه قل: (( اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن تردّ عليّ عيني )) فبمجرّد التلفّظ بالحسينعليه‌السلام جاء البشير فارتدّ بصيراً.

العاشرة: ما ورد من تفريج كروب الأنبياءعليه‌السلام ، وكشف البلاء عنهم مقارناً لذكر الحسينعليه‌السلام ، وقد قارن ذلك أيضاً غلبة البكاء عليهم من دون علم بالسبب، والتسعة السابقة فروع للعاشرة.

أقول: ونحن أيضاً مكروبون بكربة الذنوب العظام، وقد عظم بلاؤنا من الخطايا التي أهلكتنا، فنسأل الله تعالى بحقّ محمّد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى المظلوم، والحسيــن الشهيد الغريب الذي عند ذكر اسمه تنكسر قلوبنا، ويجري الدمع من عيننا لعلمنا بما وقع عليه، أن يجعل كشف البلاء عنّا ببركة نور اسمه وتأثيره.

انتهى العنوان العاشر


العنوان الحادي عشر

في خصوصياته المتعلّقة بأفضل الأنبياءصلى‌الله‌عليه‌وآله

زيادة على ما ذكرنا سابقاً بعنوان ما أعطاه الله تعالى من أفضل المخلوقات، والمراد هنا بيان ثبوت جميع فضائل خاتم الأنبياء (صلوات الله عليه وآله) وابتلاءاته له، فنقول :

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل المخلوقين، وهو أفضل من الحسينعليه‌السلام ، والحسينعليه‌السلام من أفضل المخلوقين، وأفضل المخلوقين منهعليه‌السلام .

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله سيد الأنبياء، والحسينعليه‌السلام سيد الشهداء.

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء والمرسلين، والحسينعليه‌السلام خاتم الشهداء والصدّيقين.

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله رحمة للعالمين ؛ لعموم الفيض منه من جهات عديدة، والحسينعليه‌السلام رحمة للعالمين كذلك.

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله شاهد ومبشّر، والحسينعليه‌السلام يشهد يوم القيامة لِمَنْ زاره، أو بكى عليه شهادة تصلح له أمره، وهو المبشّر له الآن، وهو عن يمين العرش يناديه: (( أيّها الباكي، لو علمت ما أُعدّ لك لفرحت أكثر ممّا جزعت )).

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قد خصّه الله تعالى بقوله:( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) ، والحسينعليه‌السلام قد أعطاه الله تعالى الكوثر من فيوضه، إنّه يفرح إذا شرب منه الباكي عليه، كما في رواية مسمع بن عبد الملك في كامل الزيارات ١٠٢.

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أعطاه الله تعالى الوسيلة، وهي إحدى مقامات الشفاعة، والحسينعليه‌السلام قد جعله الله تعالى وسيلة، وقد ورد أنّ باب الحسين أوسع، وأنّ سفينته أسرع، وكما جاء أيضاً: (( لا يوم كيومك يا أبا عبد الله )).

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الله تعالى له:( عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ، وهو أعظم مقام من مقامات الشفاعة، والحسينعليه‌السلام من أعظم أسباب شفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فقد ورد أنّه لمّا أُخبر بشهادته كان ممّا قال له جبرئيلعليه‌السلام : إن شئت أن تكون شهادة ولديك ذخيرة لك لشفاعة العصاة فارض بذلك، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يسلّمهما من السمّ والقتل.

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قد جعل لكلّ عضو من أعضاء بدنه كرامة ظاهرة، قد ذكرنا تفصيلها في أبواب حالاته، والحسينعليه‌السلام مظهر لكرامات أعضائه الشريفة ؛ فإنّ نحره وجبينه كانا يُضيئان لكثرة ما يُقبّلهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان يُقبّل فوق سرته ولم يعلم السبب في ذلك حتّى


أُصيب بسهم ذي ثلاث شعب على قلبه السليم المبارك المصاب بالسهم، وكان قاتله حقيقة، فعلم أنّ التقبيل كان لذلك، وهذا من معجزاته (صلوات الله عليه).

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله له معراج بكيفيات خاصة، بل قال العلماء أنّه له أكثر من معراج، والحسينعليه‌السلام له معراج بكيفيات خاصة، فله معراج جسماني وروحاني يوم قتله.

محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قد صدع بما اُمر بعد خطابه تعالى بقوله:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) ، فوقف وحيداً غريباً في مجتمع الجاهلية ونادى وحيداً، وتحمّل واحتمل مشاقّ الحروب في بدر وأُحد وحنين والأحزاب وغيرها، وتحمّل استهزاء الكفّار والمنافقين جميعاً، وعانى ما عانى من دون باقي الأنبياء والمرسلين، والحسينعليه‌السلام قد صدع بما اُمر على طبق ذلك من وقوفه وحيداً غريباً في أُمّة جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان نداءه وحيداً، واجتماع جميع مشاقّ تلك الغزوات في جهاده يوم عاشوراء ولكلّ تفصيل على حدة.

هذا، ولكن إلى متى أقول محمداً وحسيناً! وقد قال محمّد حبيب الله: (( حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً )) وهذا أيضاً حديث عجيب في معناه وبيانه وتنسيقه ؛ حيث ابتدئ باسم الحسين، وانتصف بالحسين، وانتهى بالحسين، وكفانا أنّ الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء، اللّهمّ صلِّ على حبيبك محمد وآله الأطهار.

فلنكتف بقولنا: محمّد من الحسين والحسين من محمّد عن ملاحظة تطبيقات الفضائل وابتلاءات المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فجميع ابتلاءاته قد وردت على الحسينعليه‌السلام .

وصلّى الله على محمّد المصطفى وآله المعصومين والحمد لله.

انتهى الكتاب بحمد الله تعالى وتعظيمه

اللّهمّ صلِّ على محمّد المصطفى وآله المعصومين وعجّل في فرجهم يا كريم


الفهرس

تنويه : ٢

الخصائص الحسينيّة خصائص الحسين عليه‌السلام ومزايا المظلوم تأليف : آية الله الشيخ جعفر التستري ٣

العنوان الأوّل : في محال وجوده من بدء خلق نوره عليه‌السلام إلى بعد يوم الجزاء ١٤

العنوان الثاني : في صفاته وأخلاقه وعباداته العامّة المطلقة ٢١

انتهى العنوان الثاني العنوان الثالث : في خصائص صفاته وأخلاقه وعباداته يوم عاشوراء ٢٦

كتاب العبادات البدنية الواجبة ٢٨

كتاب العبادات المستحبة ٣٣

كتاب العبادات القلبية والصّفات الحميدة ٣٥

انتهى العنوان الثالث العنوان الرابع في خصائصه من حيث الألطاف الإلهية به، والاحترامات الربانية له ٤٦

انتهـى العنوان الرابـع العنوان الخامس في بيان اللطف الرباني الخاص بالإمام الحسين عليه‌السلام ٧٢

انتهى العنوان الخامس العنوان السادس في خصوصياته عليه‌السلام المتعلّقة بالخشوع ؛ لتذكّره، والرقّة، والبكاء عليه، وإقامة مجالس المآتم والرثاء ٨٥

العنوان السابع في خصوصيات زيارته التي هي أعظم الوسائل الحسينيّة ١٤٨

العنوان الثامن في خصائصه المتعلقة بالقرآن المجيد والكلام العزيز ٢٠١

العنوان التاسع في خصوصياته المتعلّقة ببيت الله الحرام ٢٢٢

العنوان العاشر في خصائصه ممّا يتعلّق بأنبياء الله تعالى العظام ٢٦٦

العنوان الحادي عشر في خصوصياته المتعلّقة بأفضل الأنبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله ٢٨٧

الفهرس ٢٨٩


الخصائص الحسينية خصائص الحسين (ع) ومزايا المظلوم

الخصائص الحسينية خصائص الحسين (ع) ومزايا المظلوم

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: آية الله الشيخ جعفر التستري
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 289