المجتمع والتاريخ
الشهيد الشيخ مرتضى المطهري
هذا الكتاب
طبع ونشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنينعليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلمية في الشبكة
المجتمع والتاريخ
المجتمع والتاريخ
المفكّر الإسلامي الكبير
الشهيد الشيخ مرتضى المُطهّري
الجزء الأول
مؤسسة العطّار الثقافية
E_mail:jafar_zh_attar@yahoo.com
حقوق الطبع محفوظة ومسجّلة للناشر
اسم الكتاب:......................................................... المجتمع والتاريخ
المؤلّف: .....................................................الشهيد مرتضى مطهّري
الناشر:.............................................................. دار الزهراء (س)
عدد النسخ والصفحات:.......ز...................... ٢٠٠٠ نسخة - ٤٣٢ صفحة
الطبعة:................................................ الأُولى ١٣٨٦ ش - ١٤٢٧ق
القطع:....................................................................... وزيري
شابك:........................................ ٢- ٤٧- ٢٥٧٢ - ٩٦٤ - ٩٧٨
مركز التوزيع
إيران - قم - شارع صفائية - سوق الزمرد - طابق الثالث / قم ٨
منشورات دار الزهراء (س) النقال ٠٩١٢١٥١٩٩٠٤ تلفكس ٧٧٤٧٧١٦
العراق - النجف الأشرف - سوق الحويش - مؤسسة العطار الثقافية
النقال ٠٧٨٠١٠٣٦٠٠٨ - ٠٧٨٠١٥٨١٤٧١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ )
جميع الحقوق محفوظة للناشر
مؤسسة العطار الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع
إيران - ٠٩١٢١٥١٩٩٠٤ - العراق - ٠٧٨٠١٠٣٦٠٠٨
كلمة الناشر
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
دائماً الكتاب يدل على شخصية المؤلّف، تماماً، كما أنّ الكلام يدل على وزن المتكلّم، كما يقول أمير المؤمنينعليهالسلام : ( تكلّموا تُعرفوا فإنّ المرء مخبوء تحت لسانه ) وكما يقول المثل: الرجال مخابر وليسوا بمناظر.
وتلك قاعدة عامة تجري في كل شيء في الحياة، فدائماً: الأثر يدل على المؤثِّر
إذا عرفت هذه القاعدة، أدركت عمق شخصية صاحب هذا الكتاب الذي يرقد بين أصابعك ولعلّ الاسم الذي يحمله الكتاب الاجتماع والتاريخ، لا يعطي الصورة الكاملة لما يدور في داخل الكتاب - فهو كتاب يبحث نظرية تطوّر المجتمع وفق مراحل التاريخ الاجتماعي الإنساني، بحثاً في منتهى الدقّة، وفي غاية الوعي.
كلماته مختارة، بعناية فائقة وأفكاره ناضجة إلى درجة الاستيعاب الكامل لهذه النظرية الإسلامية، التي تعتبر من أحاديث شؤون الساعة ؛ إذ ليس هناك مجتمع واحد في الأرض يخلو من أمواجها المتدفّقة، وتيّاراتها المتدافعة.
والمجتمع هو المحك الأساسي لحركات التاريخ، وحركات الإنسان على أنّ الإنسان، هو الذي يصنع التاريخ، وليس العكس.
وبالمثل لا يمكن أن يقال للفرد الذي يعيش بالصحراء، أو في الغابة وحده دون أن يكون معه أحد، لا يقال له: إنّه إنسان صادق، أو كاذب، أو أمين، أو خائن مثلاً.
وذلك: لأنّ الصدق، والأمانة والوفاء والصفات المضادة، إنّما هي رشحات نفسية لا تتحرّك إلاّ بوجود المجتمع الذي يحرّكها ويطلقها من مكانها وإلاّ فكيف يكون الواحد منّا صادقاً إذا لم يكن معه مَن يثير درجة الصدق عنده وإلاّ فقل لي كيف يكون صادقاً ؟
هل يكون صادقاً مع الأشجار في الغابة، أم مع الحيوانات الغادية الرائمة ؟!
وللتوضيح نقول: إنّ المجتمع لا يمكن أن يأخذ صفة الاجتماع إلاّ إذا كان متحرّكاً ساخناً، يجري إلى هدفه في الحياة، سواء كان ذلك الهدف في الناحية الايجابية، أو الناحية السلبية فالحيوانات لديها اجتماع، ولديها قوانين اجتماعية تسير وفقها كما يؤكّد ذلك القرآن الكريم في الآية الكريم:( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) وفي آية ثانية يقول: ( وإذا الوحوش حُشرت ) يضاف إلى ذلك الروايات والأحاديث التي جاءت بهذا الخصوص زد عليها الأرقام العلمية التي تتحدث عن مجتمعات الحيوان بشتّى أقسامها، وأنواعها ولكن مع هذا كله، فليس في الإمكان إطلاق اسم المجتمع على هذه التجمّعات الحيوانية ؛ وذلك لسبب بسيط واحد ألا وهو: أنّ هذه المجتمعات راكدة، وليست متطوّرة، بمعنى أنّ مجتمع
النحل هو هو منذ ملايين السنين، نجد النحلة تبني بيتها بشكل سداسي لا تقدّم فيها ولا تطوّر، وكذلك قل في سائر الحيوانات، والكائنات الحيّة، باستثناء الإنسان
فالإنسان وحده، هو الذي يصنع التاريخ، وهو الذي يبني الحضارات ؛ لأنّه سيّد الكون، وخليفة الله في الأرض ولذلك كانت الحتميات كلها ساقطة تحت أقدام هذا الإنسان فلا حتميّة التاريخ، ولا حتميّة الاقتصاد ولا حتميّة الجنس، ولا حتميّة الغريزة، ولا أيّة حتميّة أُخرى تستطيع أن تلوي زمام هذا الإنسان بل هو فوق كل الحتميات، وفوق كل الماديات التاريخية التي ذكرها كارل ماركس، وأمثاله، ومراجعة سريعة لهذا الكتاب الذي بين يديك ؛ تكفي لإعطائك فكرة جيّدة حول هذا الموضوع بالذات.
ومؤلّف الكتاب، هو العلاّمة المجاهد، الأُستاذ الشهيد الشيخ المطهّري (رحمة الله عليه)، الذي أطلق عليه أعداء الله والإنسانية طلقات ناريّة، أصابته في رأسه، وفارق الحياة بسببها على الفور، وكان اغتياله فاجعة ورزيّة , ليس في الإمكان نسيانها فقد خلّف جرحاً عميقاً في قلوب المؤمنين، شأنه في ذلك شأن سائر العلماء من أبطال الفكر الإسلامي العملاق، وحملة القرآن الكريم، والعترة الطاهرة على أنّ الذي يقرأ كتب الشيخ المطهّري، ويستمع إلى محاضراته عبر أشرطة الكاسيت، تتكوّن لديه قناعة كاملة، حول عمق شخصية الأستاذ الشهيد الشيخ المطهّري
ولكي لا نفوّت عليكم فرصة ثمينة في قراءة أفكار هذا الرجل العظيم، نترككم تتقلّبون على صفحات هذا الكتاب الذي جمع ما لذّ
وطاب من الفكر الإسلامي العميق، والى لقاء آخر في كتاب آخر للأُستاذ الشهيد، ولكم منّا ألف تحيّة وتحيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المترجم
لقد كثرت التآليف في الآونة الأخيرة وأصبح المتعطّش للمعرفة، وخصوصاً من الشباب الناضج، في حيرة من أمره وقد تياسرت النظريات وتيامنت حتى ما وسمت باسم الإسلام والقرآن، وارتبك الأمر على طالب الحقيقة مرّةً أُخرى، وخصوصاً في المباحث الاجتماعية والاقتصادية، حيث تعرّضت ثقافة الشرق للغزو الثقافي الغربي يميناً ويساراً وقام كثير من المؤلّفين المتأثّرين بثقافتهم بالبحث عن وجهة النظر الإسلامية في شتّى المسائل، وشتّان ما بين الإسلام الحقيقي وبين ما يكتبون، وهنا تتبيّن قيمة تآليف العلاّمة الشهيد آية الله المطهّري، فهي على كثرتها بعيدة الغور، قويّة البيان، مهيمنة على تآليف القوم، يبين ضلالاتهم وينتقد آراءهم، فلا يكتفي بالبحث الإيجابي عن نظريات الإسلام حول المسائل الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية وغيرها، بل يتعرّض بدقّة للجانب السلبي، ويسلّط الضوء العالي على مستحدثات المؤلّفين، ويفنّد تلك الآراء الغريبة التي شوّهت حقائق الإسلام والتزمت طريقاً التقاطياً كما سمّاهم علامتنا الشهيد بالالتقاطيين.
وهذا الكتاب ( المجتمع والتاريخ ) كسائر كتبه -رحمهالله - يتعرّض فيه
لكثير من الآراء حول المجتمع والتاريخ، ويبيّن وجهة النظر الإسلامية الأصيلة، ويذكر تفاسير المتفلسفين الجدد المسلمين - كما يقولون - للنظرية الإسلامية وشرحهم لبعض الآيات الكريمة حول هذين الموضوعين، ويبسط آراءهم ثم ينسفها نسفاً ولقد اهتمّ -رحمهالله - كثيراً بنظريات الماركسيين والمتماركسين المسلمين - كما يقولون - لأنّها قد بهرت أعين الشباب في العصر الحاضر، وقلّ مَن لم يتأثّر بها، حتى الشباب من طلاّب العلوم الدينية، وأصبح خطر الالتقاطية يسري إلى المجامع العلمية الدينية أيضاً، فكان لزاماً على مثل علاّمتنا الشهيد أن يكافح هذا الخطر الداهم، وخصوصاً بعد أن راجت بعض الكتب المدّعية للإسلام، وأخذت تفسير الكتاب والسنّة كما تهوى الأنفس، مع اتخاذ موقف مسبق على النص الإسلامي بوحي من تعاليم الماركسية ؛ ولذلك نجد في هذا الكتاب اهتمامه البالغ بتوضيح النظريات الماركسية حول المجتمع والتاريخ ؛ لكي لا يختلط الأمر على الباحث، ومن ثمّ إبطالها بمراجعة سائر نصوصها وبالأدلة العقلية الواضحة، وحقّاً أنّه لا يُبقي مجالاً للشك والترديد للمراجع المنصف.
وممّا يتحلّى به الكتاب: بساطة التعبير، حتى أنّ القارئ ليظن أنّه خطابة مسجّلة، وهذا ممّا يجعله كحديقة عامة تفتح أبوابها للطبقات المختلفة وكانت هذه سيرة علاّمتنا الشهيد في جميع كتبه ودراساته أو أكثرها.
وأخيراً فإنّ الذي يستدعي الأسف الشديد هو عدم تكميل الكتاب، الأمر الذي يترك المراجع في انتظار مزيد من المعلومات.
ولعل ذلك أيضاً لا يخلو من لطف، فإنّه بعد إنعاش وإرواء من المعلومات
المتنوّعة يترك الإنسان مع بقيّة من العطش، فيزداد طلباً للعلم وسعياً وراء ما تركه الأُستاذ الشهيد من فيض علمه في غدران الكتب والأشرطة.
وإنّي لأرجو أن تكون هذه الترجمة، التي ستوسّع من دائرة المستفيدين بعلمه إن شاء الله، وفاءاً لبعض حقّه العظيم علينا جميعاً وقد حاولت أن أوضح مراده -رحمهالله - مع المبالغة في عدم الزيادة عمّا سجّلته يراعته الكريمة ومع ذلك فانّي لا أشك في قصور الترجمة عن أداء مراده حق الأداء، وما لا يُدرك كلّه لا يُترك كلّه، والبحر لا يُدرك غوره، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
تمهيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ من أهم الأُسس التي تبتني عليها إيديولوجية المدرسة - أيّ مدرسة - هو تعيين وجهة نظرها في تفسير المجتمع والتاريخ.
ومن الواضح أنّ الدين الإسلامي ليس نظرية خاصة في علم الاجتماع، ولا فلسفة خاصة في دراسة التاريخ وكل ما ورد في القرآن الكريم من بحث اجتماعي أو موضوع تاريخي، لم يرد في إطار المصطلحات الخاصة لعلم الاجتماع أو فلسفة التاريخ وكذلك سائر الأبحاث والمسائل القرآنية من أخلاق وفقه وفلسفة، فلم يرد شيء منها في إطار الاصطلاحات المتعارفة والتبويبات الدراسية، ومع ذلك فإنّ كثيراً من المباحث العلمية يمكن استخراجها من خلال الآيات القرآنية الكريمة.
إنّ النظرة الإسلامية حول المجتمع والتاريخ لها موقع هام تستدعي التحقيق والإمعان، وهي كسائر التعاليم الإسلامية - ممّا تدل على غاية عمق الفكر الإسلامي، ونحن نجمع في هذا الفصل بين الفكر الإسلامي حول المجتمع وحول التاريخ ؛ نظراً إلى ترابطهما، مضافاً إلى أنّنا نحاول
اختصار البحث والاقتصار بذكر تلك المباحث - حول هذين الموضوعين - التي نظن أنّها ضرورية في تكميل معرفة إيديولوجية الإسلام ونبدأ بالأبحاث الاجتماعية، والمسائل المطروحة في مائدة البحث هنا كما يلي:
١ - ما هو المجتمع ؟.
٢ - هل الإنسان اجتماعي بالطبع ؟.
٣ - هل يصح القول بأصالة الفرد وأنّ المجتمع أمر انتزاعي، أم أنّ الأمر بالعكس وأنّ المجتمع هو الأصل والفرد انتزاعي، أم أنّ هناك فرضاً ثالثاً هو الصحيح ؟.
٤ - المجتمع والقانون.
٥ - الجبر والاختيار الاجتماعيين، وأنّ الفرد هل هو مضطر ومجبر أمام مقتضيات المجتمع أم أنّه مختار ؟.
٦ - التقسيمات الأوّلية للمجتمع، ما هي الطبقات التي ينقسم إليها المجتمع في تقسيماته الأوّلية ؟.
٧ - هل المجتمع البشري بذاته نوع واحد وماهيّة واحدة، واختلاف الجوامع البشرية ليس إلاّ كاختلاف الأفراد في النوع الواحد، أم أنّ المجتمعات البشرية مختلفة في النوع والماهيّة، حسب اختلاف المناطق والبيئات ومقتضيات الزمان والمكان ومستوى الثقافات والحضارات، وعليه فلكل منها تفسير اجتماعي خاص وإيديولوجية خاصة ؟
وبعبارةٍ أُخرى الإنسان من حيث الجسم نوع واحد بالرغم من الاختلافات العنصرية والتاريخية والمحلّيّة، والقوانين الطبيّة والفيزيولوجية الحاكمة في المجتمعات البشرية واحدة رغم تلك
الاختلافات، فهل الإنسان من حيث المجتمع نوع واحد، فيمكن أن يحكم فيه نظام اجتماعي وأخلاقي واحد وإيديولوجية واحدة أم أنّ المجتمعات البشرية أنواع مختلفة حسب اختلاف المناطق والبيئات والتقاليد، فلابد لكل منها من نظام اجتماعي خاص وإيديولوجية خاصة ؟.
٨ - هل الجوامع البشرية المختلفة المستقلّة، التي ينطبق عليها نوع من الكثرة والاختلاف ( ولا أقل من الاختلاف الفردي ) تسير نحو الوحدة والتلاحم حتى يكون المجتمع البشري في المستقبل مجتمعاً موحّداً ذو ثقافة وحضارة موحّدتين، ويرتفع من بينه الاختلاف والافتراق فضلاً عن التضاد والتزاحم، أم أنّ البشرية محكوم عليها إلى لا بد بالاختلاف والافتراق، من حيث الثقافة والإيديولوجية وسائر مقوّمات المجتمع.
هذه مجموعة المسائل التي ينبغي بل يجب أن نوضح وجهة النظر الإسلامية فيها، وإليك فيما يلي بحثاً مختصراً حول كل منها حسب الترتيب المذكور.
ما هو المجتمع ؟
كل مجموعة من أفراد البشر - يحصل بينهم الترابط من حيث الأنظمة والتقاليد والآداب الخاصة ويعيشون حياة اجتماعية - تشكّل مجتمعاً بشريّاً والحياة الاجتماعية هي أن تعيش جماعة من البشر في منطقة واحدة جنباً إلى جنب، ويستفيدون من بيئة طبيعية واحدة من حيث الماء والهواء ونوعيّة المواد الغذائية وهذا كما أشرنا إليه يختص بالإنسان، فلا يقال للمجموعة من الشجر في البستان الواحد إنّها تعيش حياة اجتماعية، وإن كانت تستفيد من بيئة طبيعية واحدة جنباً إلى جنب ،
كما أنّ القطيع الواحد من الغزال ونحوه تعيش مع بعض، وترعى مع بعض، وتنتقل إلى هنا وهناك مع بعض، ولكن لا يقال إنّها تعيش حياة اجتماعية وتشكّل مجتمعاً من الغزال.
إذن فللحياة الاجتماعية ميزة خاصة تستوجب أن نصفها بالحياة الاجتماعية، وهي تقوم بأمرين:
١- الحوائج والمنافع والأشغال، فالحياة الاجتماعية للبشر تتوقّف على تقسيم الوظائف، وتوزيع المنافع والمواهب الطبيعية في ضمن مجموعة من القوانين والتقاليد.
٢ - الأفكار والعقائد والأخلاق فكل مجموعة من البشر تتوحّد بلحاظ وحدة قسم كبير من الأفكار والعقائد والأخلاق المهيمنة عليها.
وبتعبيرٍ آخر: المجتمع عبارة عن جماعة من الناس يعيشون في جبر اجتماعي واحد من حيث الحوائج، وتحت تأثير عامل مشترك من حيث العقائد والأهداف، وبذلك يتلاحمون ويترابطون في ضمن حياة اجتماعية واحدة.
كالقافلة الواحدة في سيارة أو طائرة أو باخرة تسير نحو مقصد واحد , فإذا وصلوا وصلوا جميعاً , وإذا أصابهم خطر أصابهم جميعاً، فلهم بأجمعهم مصير واحد وما أروع ما مثّل به الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله حينما بيّن الحكمة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث شبّه المجتمع بجماعة ركبوا سفينة، فلمّا توسّطت بهم البحر والتزم كل منهم مقعده بادر أحدهم
بإحداث ثقب فيها بحجّة أنّه يتصرّف في مكانه، فلو منعه الآخرون كان في ذلك نجاتهم من الغرق ونجاة ذلك المسكين أيضاً.
هل الإنسان اجتماعي بالطبع ؟
من المسائل الاجتماعية العريقة أنّه: ما هي العوامل المؤثّرة في تحقّق الحياة الاجتماعية للإنسان ؟ هل هو اجتماعي بالفطرة، أي أنّه خُلق منذ خلق وهو جزء من كل وجُبل على الانجذاب نحوه، أم أنّه لم يُخلق اجتماعياً وإنّما اضطرّته إلى ذلك العوامل الخارجية فأُجبر على الحياة الاجتماعية، فهو بطبعه يميل إلى الحرية ورفض كل القيود التي يستلزمها التمدّن والعيش الاجتماعي، ولكنّه أدرك بالتجربة أنّه لا يتمكّن من إدامة الحياة وحيداً فريداً، وأنّه لا بد من الرضوخ للقيود التي تستلزمها الحياة مع الآخرين فاستسلم لها، أم أنّه وإن لم يكن مجبولاً على الحياة الاجتماعية إلاّ أنّه لم يضطر إليها أيضاً، أو أنّ الاضطرار ليس هو العامل الوحيد بل الإنسان بحكم العقل الفطري وتقديره ومحاسباته وصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّ الحصول على حظ أكبر من مواهب الطبيعة لا يمكن إلاّ في ظل التعاون مع الآخرين , ومن هنا اختار هذه المشاركة والتعاون ؟
والخلاصة: أنّ السؤال الوحيد هو أنّ الحياة الاجتماعية للإنسان، هل هي فطرية أم اضطرارية أم اختيارية ؟
فبناءاً على النظرية الأُولى: تكون الحياة الاجتماعية من قبيل الحياة الزوجية ؛ حيث يعيش كل من الرجل والمرأة كجزء من كل حسب الفطرة، وقد جُبلا على الانجذاب نحو هذا الكل وبناءاً على النظرية الثانية: تكون الحياة الاجتماعية من قبيل المعاهدات، التي تضطر إلى عقدها الدول التي لا ترى لها بالانفراد إمكان
المقابلة مع العدو المشترك، فلابد لها من نوع من التعاون والتعاهد فيما بينها وبناءاً على النظرية الثالثة، تكون الحياة الاجتماعية من قبيل عقد الشركة بين تاجرين يتعاونان في مؤسسة تجارية، أو صناعية، أو زراعية ؛ لكسب كميّة أكبر من المال.
والعامل الأساس بناءاً على النظرية الأُولى: هو الطبع الفطري للإنسان وبناءاً على النظرية الثانية: أمر خارج عن وجود الإنسان وبناءاً على النظرية الثالثة: هو القوّة المدركة والمقدرة للإنسان.
والتمدّن بناءاً على النظرية الأُولى: غاية عامة طبيعية يتوجّه إليه الإنسان بمقتضى فطرته، لكنّه بناءاً على النظرية الثانية أمر اتفاقي وعرضي، فهو غاية ثانوية باصطلاح الفلسفة، وهو بناءاً على النظرية الثالثة غاية يبتغيها الفكر وليس غاية طبيعية.
ثم إنّ المستفاد من القرآن الكريم أنّ التمدّن والعيش الاجتماعي ممّا جُبل عليه الإنسان في أصل الخلقة، قال الله تعالى في سورة الحجرات:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .
فالآية الكريمة كما تشتمل على درس أخلاقي، وهو جعل التعارف غاية للتشعب والقبلية تنبيهاً على منع التفاخر بذلك، تشير أيضاً إلى النكتة الاجتماعية في كيفية خلقة الإنسان، حيث بيّن أنّه خلق على وجه ينتهي إلى تشكّله إلى أُمم وقبائل مختلفة، والانتساب إلى الأُمم والقبائل يفيد معرفة الأشخاص وتمييزهم بعضاً عن بعض، وهو شرط أساسي في الحياة الاجتماعية فلولا هذا الانتساب الذي هو الوجه المشترك بين الأفراد من جهة، ووجه الامتياز من جهة أُخرى لم يمكن معرفة الأشخاص وتمييزهم، وبالنتيجة لم يمكن تشكيل الحياة الاجتماعية المبتنية على روابط الأفراد فالانتساب إلى الأُمة
والقبيلة وغيره من الخصائص والمميّزات الطبيعية: كالاختلاف في اللون والشكل والحجم، تعتبر أساساً في الهوية الشخصية للفرد، إذ لولا الاختلاف في هذه الأُمور وفي الانتساب ؛ لكان أفراد الإنسان كالمنتوجات المتحدة الشكل من مصنع واحد، حيث لا يمكن تمييزها بعضاً عن بعض وإذا كان كذلك، لم يمكن تشكيل التمدّن البشري، الذي يتوقّف على ارتباط الأفراد وتبادل الآراء والأفكار والمعاملات إذن فالانتساب إلى الشعوب والقبائل له حكمة وغاية طبيعية، وهو التمييز ومعرفة الأشخاص، فلا ينبغي أن يجعل ذلك مبرّراً للتفاخر والاستعلاء، فإنّ أساس الكرامة والشرف هو التقوى.
قال الله تعالى في سورة الفرقان / ٥٤:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ) ، هذه الآية الكريمة تصرّح أيضاً بأنّ الروابط النَسبيّة والسببيّة بين البشر، التي هي أساس الارتباط والتعارف، من الأُمور التي جُعلت في أصل خلقة البشر لغاية طبيعية عامة.
وقال تعالى في سورة الزخرف / ٣٢:( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) .
الآية الكريمة وردت ردّاً على استبعاد المشركين إعطاء وسام النبوّة لمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال تعالى:( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) ، استفهام إنكاري بالنسبة إلى تقسيم المواهب الطبيعية بين الخلائق، ويجيب تعالى بأنّ وسائل العيش من الاستعداد الذاتي، والأسباب الطبيعية مقسومة على الخلق من قِبله تعالى ليسخر بعضهم بعضاً في رفع حوائجه، وبذلك يصبح الجميع في خدمة الجميع، ورحمة ربّك أي موهبة النبوّة خير ممّا يجمعون.
وقد بحثنا عن هذه الآية بإسهاب في مباحث التوحيد ( فصل المعرفة إلى أساس التوحيد ) فلا نكرّر، وإنّما نشير هنا إجمالاً إلى أنّ مفاد الآية الكريمة: أنّ الناس ليسوا سواسية من حيث الإمكانات والاستعداد الذاتي، إذ لو كانوا كذلك وكان كل أحد واجداً لما يملكه غيره وفاقداً لما يفقده غيره ؛ لم تكن بينهم بالطبع حاجة البعض إلى البعض، فلم يتحقّق الترابط والخدمات المتقابلة، فأفراد الإنسان مختلفون من حيث القابليات والإمكانيات الجسمية والنفسية والعقلية والعاطفية، وقد فضّل الله بعضهم على بعض في بعض المواهب بدرجات، وربّما يفضّل البعض الآخر على هذا البعض الفاضل في مواهب أُخرى، وبذلك أصبح كل فرد محتاجاً إلى الآخرين ومنساقاً إلى عقد الترابط معهم، وعلى هذا الأساس بُنيت الحياة الاجتماعية المترابطة فهذه الآية تدل أيضاً على أنّ التمدّن البشري أمر فطري طبيعي، وليس متمحّضاً في الاختيار والمعاهدة ولا في الاضطرار والإلجاء.
هل المجتمع أصيل في وجوده أم لا ؟
المجتمع ليس إلاّ مجموعة من الأفراد، فلولا الأفراد لم يتحقق المجتمع ولابد من التحقيق عن كيفية هذا التركيب والعلاقة بين الفرد والمجتمع للإجابة عن السؤال وبهذا الصدد يمكن إبراز عدّة نظريات:
أ - إنّ تركيب المجتمع من الأفراد تركيب اعتباري وليس واقعياً.
فالمركّب الواقعي إنّما يتحقق إذا كانت هناك مجموعة من الأُمور تؤثّر كل منها في الآخر وتتأثّر كل منها من الآخر، ويتولّد من هذا التأثير والتأثّر والتفاعل، حادث جديد له ميزاته وخصائصه، كما نجد ذلك في التركيبات
الكيمياوية، فيتفاعل غاز الأوكسجين وغاز الهيدروجين يتولّد حادث جديد أو ماهيّة جديدة هو الماء، وله خصائص وآثار لا توجد في الغازين المذكورين ؛ إذن فالتركيب الحقيقي يستلزم أن تفقد الأجزاء - التي تشكّل المركّب بعد التركيب والاندماج - خصائصها وآثارها فتنحل في وجود آخر هو المركّب.
وهذه الميزة ليست في تركيب المجتمع من الأفراد، فأفراد الإنسان لا يندمجون مع البعض في ( كل ) هو المجتمع إذن فالمجتمع ليس له وجود أصيل عيني حقيقي، بل وجوده اعتباري وانتزاعي، والأصيل هنا هو الفرد وحياة الإنسان في المجتمع وإن كانت حياة اجتماعية إلاّ أنّ الأفراد لا يشكّلون مع بعض مركّباً حقيقياً بعنوان المجتمع.
ب - إنّ المجتمع وإن لم يكن مركّباً حقيقياً على غرار المركّبات الطبيعية إلاّ أنّه مركّب صناعي، وهو أيضاً من قبيل المركّبات الحقيقية.
فهو نظير تركّب السيارة - مثلاً - فإنّ أجزاءها مترابطة أيضاً والفرق بينها وبين المركّب الطبيعي أنّ الأجزاء في المركّب الطبيعي تفقد هويّتها وتنحل في الكل، وتبعا ًلذلك فقد تفقد الاستقلال في التأثير بالضرورة.
ولكنّ المركبات الصناعية ليست كذلك، فالأجزاء لا تفقد هويّتها، ولكن لا تستقل في التأثير فهي مترابطة بوجه خاص وآثارها أيضاً مترابطة، إلاّ أنّ ما يبرز من أثر المجموع ليس هو بعينه مجموع آثار الأجزاء كلاًّ على حدة فالسيارة - مثلاً - تنقل الأشخاص والأمتعة بسرعة معيّنة إلى مكان ما في حين أنّ هذا الأثر ليس لجزء خاص من السيارة بعينه، ولا هو مجموع آثار الأجزاء لو كانت تؤثّر مستقلاً دون ارتباط ففي تركيب السيارة، نجد الارتباط والمشاركة في التأثير بين الأجزاء على سبيل الجبر ،
ولكنّ هويّة الأجزاء لا تنحل في الكل، فليس للكل المركّب وجود مستقل عن وجودات الأجزاء، بل هو عبارة عن مجموع الأجزاء مضافاً إلى الربط المخصوص فيما بينها.
وهكذا المجتمع، فهو مركّب من مجامع ومؤسّسات أصلية وفرعية، وهذه المجامع والأفراد كلها مرتبطة مع بعض، والتغيّر الطارئ على كل مجمع يؤثّر على سائر المجامع، سواء كان ذلك المجمع ثقافياً أم دينياً أم اقتصادياً أم قضائياً أو تربوياً والحياة الاجتماعية ظاهرة قائمة بالمجتمع ككل، من دون أن يفقد الأفراد في المجتمع أو في كل مجمع بخصوصه هويّته الشخصية.
ج - إنّ المجتمع مركّب حقيقي من نوع المركّبات الطبيعية، إلاّ أنّه يتركّب من النفسيات والأفكار والعواطف والميول والإرادات دون الأجسام والظواهر، فهو تركيب من الثقافات، كما أنّ العناصر المادية بالتفاعل مع بعض تمهّد الطريق لحدوث ظاهرة جديدة، وبالعبارة الفلسفية أجزاء المادة بالفعل والانفعال والكسر والانكسار، فيما بينها تستعد لقبول صورة جديدة ويحدث المركّّب الجديد، والأجزاء تستمر في وجودها ولكن بصورة جديدة وماهيّة حادثة، كذلك أفراد الإنسان يدخلون في نطاق المجتمع وكل منهم يحمل مواهبه الفطرية وثروته المكتسبة من الطبيعة، ثم يندمجون مع بعض بنفوسهم ونفسيّاتهم وتتحقق نفس جديدة يُعبّر عنها بالروح الجماعية، فهذا التركيب تركيب طبيعي من جهة أنّ أجزاءه تؤثّر وتتأثّر كل من الآخر تأثّراً عينياً خارجياً، يوجب التغيير في الأجزاء وكسب هويّة جديدة، ولكنّه يتميز
عن سائر المركّبات الطبيعية في أنّ الكل والمركّب هنا ليس موجوداً واقعياً له هويّته الخاصة، بخلاف تلك المركّبات الطبيعية فإنّ ذات الأجزاء تتبدّل بعد التركيب من جرّاء التفاعل مع بعض ويتحقق المركّب كآمر واقعي موحّد فالموجود حينئذٍ هو أمر واحد ذو أجزاء وقد تبدّلت كثرة الأجزاء إلى وحدة الكل وأمّا تركّب المجتمع من الأفراد فهو تركيب واقعي ؛ لأنّ التفاعل الواقعي يتحقق بين الأفراد - وهم أجزاء المجتمع - فتتبدل الصورة الفردية إلى صورة جماعية، إلاّ أنّ كثرة الأفراد لا تتبدل حقيقة إلى وحدة الكل، فليس هنا واحد حقيقي تنحل فيه الكثرات، بل الكل هنا موجود اعتباري انتزاعي هو مجموع الأفراد.
د - إنّ تركيب المجتمع تركيب حقيقي فوق التركيبات الطبيعية، فإنّ الأجزاء في المركّب الطبيعي لها ذوات وآثار حقيقية قبل التركيب، وإنّما تمهّد الطريق لتحقق ظاهرة جديدة بالتفاعل والتأثّر فيما بينها.
ولكنّ الإنسان قبل الاندراج في سلك المجتمع ليست له هوية إنسانية، بل هو استعداد محض له قابلية التلبّس بالروح الجماعية والإنسان مع قطع النظر عن هذه الروح حيوان محض له استعداد الإنسانية، فهو إنسان بالقوّة وإنّما تبرز إنسانية الإنسان، والشعور النفسي بالروح الإنسانية، وفعليّة الفكر الإنساني، والعواطف البشرية، وكل مميّزات الإنسان من أحاسيس وميول وأفكار وعقائد وعواطف ( إنّما تبرز ) تحت إشعاع الروح الجماعية، وهي التي تملأ الإناء الفارغ البشري، وتجعل من الشخص شخصية إنسانية والروح الجماعية تلازم الإنسان ولا تفارقه أبداً، وتتجلّى في ضمن الآثار الخلقية والدينية والعلمية والفلسفية والأدبية، فالتفاعل والتأثير والتأثّر الروحي والثقافي بين الأفراد إنّما يتم بسببها ولا تتحقق قبلها إذن فالوضع الاجتماعي مقدّم على الخصائص
الفردية، بخلاف النظرية السابقة، حيث كان للإنسان قبل الدخول في السلك الاجتماعي شؤون نفسية، وكانت الحقائق الاجتماعية تأتي في مرحلة متأخّرة عن الخصائص النفسية للأفراد وأمّا بناءاً على هذه النظرية فالوجود الاجتماعي للإنسان والحقائق الاجتماعية شرط أساسي في تكوين الشؤون النفسية للفرد، وفي إمكان دراسة شؤونه النفسية.
فالنظرية الأُولى متمحّضة في أصالة الفرد ؛ إذ بناءاً عليها ليس للمجتمع وجود حقيقي ولا قانون ولا سنةٌ ولا مصير ولا دراسة مستقلّة والوجود الحقيقي إنّما هو للفرد، وهو موضوع الدراسة، ومصير كل فرد مرتبط به وبشؤونه ومستقل عن مصير الآخرين.
والنظرية الثانية أيضاً تستند إلى أصالة الفرد، فلا تذعن بوجود حقيقي للمجتمع ككل , ولا بتركيب واقعي بين الأفراد كمجتمع، ولكنّها تقول بوجود ارتباط أصيل وواقعي بين الأفراد نظير الرابطة الفيزيائية بين أجزاء السيارة وبناءاً على هذه النظرية ليس للمجتمع وجود مستقل عن وجودات الأفراد، وليس في الواقع الخارجي حقيقة سوى حقائق الأفراد، إلاّ أنّهم يرتبطون مع بعض كما ترتبط أجزاء السيارة أو أي آلة أو مصنع آخر وترتبط آثارهم وحركاتهم على غرار الروابط بين العلل والمعلولات الميكانيكية ؛ وعليه فللأفراد مصير مشترك، وللمجتمع - أي هذه المجموعة المرتبطة الأجزاء - تعريف وحدٌّ خاص بلحاظ وجود الرابطة العلّيّة والمعلولية الميكانيكية بين أجزائه، فتعريفه يختلف عن تعريف الأجزاء.
وأمّا النظرية الثالثة، فتلتزم بأصالة الفرد والمجتمع معاً، وهي من جهة ترفض انحلال وجود الأفراد ( أجزاء المجتمع ) في الكل، وترفض
وجوداً مستقلاً للمجتمع على غرار المركّبات الكيماوية، وبذلك تلتزم بأصالة الفرد ومن جهة أُخرى، تلتزم بوجود تركيب من قبيل التركيب الكيماوي بين الشؤون الروحية والفكرية والعاطفية للأفراد، وتلتزم بأنّ الفرد يكتسب ماهيّة جديدة بالاندراج في المجتمع، هي الماهيّة الاجتماعية بالرغم من عدم وجود ماهية مستقلّة للمجتمع نفسه ؛ وبذلك فهي تلتزم بأصالة المجتمع فبناءاً على هذه النظرية، تحدث ظاهرة جديدة واقعية وحيّة من جرّاء التفاعل والتأثير والتأثّر المتقابل بين الأجزاء ( الأفراد )، وهذا الأمر الجديد هو الروح الجماعية والشعور والوجدان والإرادة الاجتماعية، وهو أمر زائد على الشعور والوجدان والإرادة والفكر الفردي للأفراد، وهذه الروح غالبة على الشعور الفردي.
وأمّا النظرية الرابعة فهي متمحّضة في أصالة المجتمع، فالموجود في الخارج ليس إلاّ الروح الاجتماعية، والوجدان والشعور الفردي ليس إلاّ مظهراً من مظاهر الشعور والوجدان الاجتماعي فحسب.
والآيات القرآنية الكريمة تؤيّد النظرية الثالثة، ولقد سبق منّا القول بأنّ القرآن لم يذكر هذه المسائل في إطار البحث العلمي أو الفلسفي، وإنّما يذكرها بوجه آخر، والذي يستنبط من الدراسة القرآنية للمسائل الاجتماعية هو تأييد النظرية الثالثة.
فالقرآن يرى للأُمم ( المجتمعات ) مصيراً مشتركاً، وصحيفة أعمال مشتركة، ويرى للأُمّة إدراكاً وشعوراً وعملاً وإطاعةً وعصياناً(١) .
ومن الواضح: أنّ الأُمة لو لم تكن موجودة بوجود عيني حقيقي ؛ لم يصح افتراض المصير والفهم والشعور والطاعة
____________________
(١) راجع الميزان ج ٤ ص ١٠٢.
والعصيان لها وهذا يدل على أنّ القرآن يؤيّد وجود نوع من الحياة للمجتمع هي الحياة الاجتماعية، فالحياة الاجتماعية ليست مجرّد تمثيل واستعارة بل هي حقيقية واقعية، كما أنّ الموت الاجتماعي حقيقة بدوره أيضاً.
قال تعالى في سورة الأعراف / ٣٤:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) ، هذه الآية تتحدث عن حياة لها أجل لا يمكن التخلّف عنه، ولا يتقدّم ولا يتأخّر وهذه الحياة متعلّقة بالأُمّة ( المجتمع )، لا الفرد ومن الواضح أنّ الأفراد لا يفقدون حياتهم الفردية دفعةً واحدة وفي آن واحد، بل بالتناوب والافتراق.
وقال تعالى في سورة الجاثية / ٢٨:( كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتَابِهَا ) .
ويظهر من هذه الآية أنّ الكتاب ( صحيفة الأعمال ) لا يختص بالفرد حيث يستقل كل من الأفراد بكتابه، بل المجتمعات أيضاً لها صحف أعمال، ويُدعى كل مجتمع إلى كتابه ؛ وليس ذلك إلاّ من جهة أنّ المجتمعات تُعد من الموجودات الحيّة الشاعرة القابلة للتكليف والخطاب.
وقال تعالى في سورة الأنعام / ١٠٨:( زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) هذه الآية تدل على أنّ كل أُمّة لها شعور واحد، ومقاييس خاصة، وأُسلوب خاص للتفكير، وأنّ الإدراك والشعور الاجتماعي لكل أُمّة يختص بها، وأنّ كل أُمّة لها مقاييسها الخاصة في الحكم، خصوصاً في المسائل المربوطة بالإدراكات العلمية، ولكل أُمّة ذوق إدراكي خاص، وربّما تستحسن أُمّة عملاً بينما تستقبحه أُمّة أُخرى، فالجو الاجتماعي
الخاص للأُمّة يصنع ذوقها الإدراكي.
وقال تعالى في سورة غافر / ٥:( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) هذه الآية تتحدث عن إرادة سوء اجتماعية لمحاولة فاشلة في معارضة الحق.
وتحكم الآية الكريمة بأنّ جزاء هذا العمل والإرادة الاجتماعية هو العذاب العام الشامل.
ثم إنّ هناك موارد في القرآن الكريم ينسب العمل الصادر من الفرد إلى مجتمعه، والعمل الصادر من جيل إلى الأجيال المتأخّرة(١) ؛ وذلك فيما كان لهم جميعاً فكر اجتماعي واحد، وإرادة اجتماعية واحدة، وكما يقال: لهم روح اجتماعية واحدة ( مثال ذلك ) ما ورد في قصة ثمود حيث عمد أحدهم إلى عقر ناقة صالح، والقرآن ينسب ذلك إلى القوم بأجمعهم فيقول:( فَعَقَرُوهَا ) ، فاعتبرهم جميعاً مجرمين، كما اعتبرهم جميعاً مستحقّي العقاب، فقال تعالى:( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ) .
وقد أوضح ذلك الإمام عليعليهالسلام في إحدى خطبه في نهج البلاغة، حيث قال: ( يا أيّها الناس، إنّما يجمع الناس الرضا والسخط ) فبيّن الإمامعليهالسلام أنّ الرضا والسخط مقياس - وإن أتى به واحد منهم - فهم مشتركون في حكمه وجزائه، وكذلك اجتماعهم على السخط بالنسبة إلى عمل، قالعليهالسلام : ( إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمّهم الله بالعذاب لما عمّوه الرضا، فقال:( فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ) ).
____________________
(١) الآية ٧٩ من سورة البقرة والآية ١١٢ من سورة آل عمران.
وهنا ينبغي أن نشير إلى أنّ الرضا بالمعصية ما دام مجرّد رضا في النفس، ولم يصاحبه عمل خارجي لا يعتبر ذنباً فلو أذنب أحد وعلم به آخر قبل العمل أو بعده ففرح بذلك لم يعتبر مذنباً، بل إرادة الذنب والعزم عليه لا يُعد ذنباً ما لم يصل إلى مرحلة العمل وإنّما يعد الرضا بالذنب ذنباً إذا كان مؤثّراً في إرادة المجرم وتصميمه وعمله، كما إذا كان الذنب جريمة اجتماعية، فالجو الاجتماعي والروح الجماعية تستقبل الذنب وترضى به وتسير نحوه، ويباشر العمل فرد من أفراد ذلك المجتمع في حين أنّ تصميمه وإرادته للعمل جزء من تصميم الكل وإرادته، وهكذا يُعدّ الذنب ذنباً للجميع، وهذا هو المراد في كلام الإمامعليهالسلام الذي ورد تفسيراً للآية المباركة، وأمّا مجرّد الفرح والرضا من دون أن يكون لهما مدخليّة في الذنب فلا يُعدّان ذنباً.
وقد نسب في القرآن بعض الأعمال التي ارتكبتها الأجيال السابقة إلى الجيل المتأخّر، كما نسب أعمال بني إسرائيل في عهود الأنبياء السابقين إلى اليهود في عهد الرسول الأكرم (ص)، وقد حكم عليهم باستحقاق الذلّة والمسكنة لقتلهم الأنبياء بغير حق والسر في ذلك أنّ هؤلاء - من وجهة النظر القرآنية - استمرار لأولئك القوم، بل هم قوم واحد بلحاظ الروح الاجتماعية ومن هنا قيل إنّ البشرية تتشكّل من الأموات أكثر من تشكّلها من الأحياء(١) ، يعني: أنّ للأموات والسلف سهماً أكبر في تشكيل عناصر البشرية من الأحياء والباقين ومثل ذلك ما قيل: ( إنّ الأموات يحكمون على الأحياء أكثر من ذي قبل )(٢) .
____________________
(١) اوغسست كونت حسب ما أورده ريمون ارون في كتاب ( مراحل أساسي انديشة در جامعة شناسي ص١١٧ ).
(٢) المصدر السابق.
وقد ورد في تفسير الميزان بحث في أنّ المجتمع إذا أصبح ذا فكر اجتماعي واحد، وروح اجتماعية واحدة ؛ كان حكمه حكم الفرد الواحد من الإنسان، فكما أنّ أعضاء الإنسان وقواه منحلّة ذاتاً وفعلاً في شخصية الإنسان، فلذّاتها وألمها لذّة الإنسان الكل وألمه، وسعادتها وشقاؤها سعادته وشقاؤه، كذلك أفراد المجتمع بالنسبة إلى المجتمع ككل ثم أدام بحثه قائلاً: ( وهكذا صنع القرآن في قضائه على الأُمم والأقوام التي ألجأتهم التعصّبات المذهبية أو القومية أن يتفكّروا تفكّراً اجتماعياً: كاليهود والأعراب وعدّة من الأُمم السالفة، فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين، ويعاتب الحاضرين ويوبّخهم بأعمال الغائبين والماضين ؛ كل ذلك لأنّه القضاء الحق فيمَن يتفكّر فكراً اجتماعياً وفي القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها )(١) .
المجتمع والقانون:
إذا قلنا بأنّ المجتمع موجود حقيقي له واقع خارجي، فلابد من أن تكون له قوانين وسنن خاصة به، وأمّا إذا قبلنا النظرية الأُولى في البحث السابق حول ماهيّة المجتمع، وأنكرنا الوجود العيني له، فهو فاقد للقانون بالطبع وإذا قبلنا النظرية الثانية وقلنا إنّ تركيب المجتمع من الأفراد تركيب صناعي وآلي، فالمجتمع حينئذٍ له قانون وسنّة، إلاّ أنّ جميع قوانينه وسننه تتلخّص في تنظيم الرابطة العلّيّة والمعلولية الميكانيكية بين الأجزاء، والتأثير الميكانيكي بين المجامع المختلفة في المجتمع، من دون أن يبرز للمجتمع آثار خاصة من مظاهر الحياة.
____________________
(١) الميزان ج٤ ص١٠٥ - ١٠٦ ط بيروت.
وإذا قبلنا النظرية الثالثة فلابد أن نلتزم - أولاً - بثبوت قوانين وسنن خاصة بالمجتمع مستقلّة عن الأفراد ؛ وذلك لأنّ مقتضى هذه النظرية ثبوت حياة مستقلّة للمجتمع، وإن كان محل هذه الحياة الاجتماعية نفس الأفراد فليس لها وجود مستقل.
وثانياً: بأنّ أجزاء المجتمع ( الأفراد ) - خلافاً للنظرية السابقة - تفقد استقلالها الذاتي ولو نسبياً، وتحصل لها حالة الانتماء إلى الكل، وفي نفس الوقت تحفظ استقلالها النسبي، فإنّ حياة الفرد ومواهبه الفطرية ومكتسباته من الطبيعة لا تنحل نهائياً في الحياة الاجتماعية فالواقع أنّ مقتضى هذه النظرية أنّ الإنسان يعيش بحياتين وروحين ونفسين: حياة وروح ونفس فطرية إنسانية ناشئة من الحركة الجوهرية في الطبيعة، وحياة وروح ونفس اجتماعية ناشئة من التمدّن والحياة ضمن المجتمع والحياة الثانية حالة في الحياة الفردية ؛ وعليه فالإنسان محكوم بقوانين علم النفس، كما أنّه محكوم بقوانين علم الاجتماع وأمّا بناءاً على النظرية الرابعة فالإنسان، بما هو إنسان، محكوم بنوع واحد من القوانين والسنن، وهي القوانين الاجتماعية.
ولعلّ أول مَن صرّح من علماء المسلمين، باستقلال القوانين والسنن الحاكمة على المجتمع عن السنن والقوانين الحاكمة على الأفراد، وقال باستقلال المجتمع في شخصيّته وطبيعته وواقعيّته هو ( عبد الرحمان بن خلدون التونسي ) حيث بحث عنه بإسهاب في مقدمته على تاريخه.
وأول مَن حاول اكتشاف السنن الحاكمة على المجتمعات من بين علماء العصر، هو مونتسكيو الفرنسي من علماء القرن الثامن عشر الميلادي.
قال ريمون آرون بشأن مونتسكيو:
( إنّ هدفه التفسير الصحيح للتاريخ ودرك معطيات التاريخ فإنّ
معطياته المعروضة ليست إلاّ ظواهر مختلفة، غير متناهية تقريباً من التقاليد والعادات والأفكار والقوانين والعوامل الاجتماعية وهذه المختلفات غير المترابطة - حسب الظاهر - تشكّل نقطة الشروع للبحث والتحقيق.
وبعد تكميل الدراسة لا بد من تأسيس نظام وقانون ليخلف هذه المختلفات غير المترابطة فمونتسكيو يريد كما أراد ( ماكس وير ) أن يتجاوز المعطيات التاريخية غير المترابطة إلى النظام المعقول وهذه هي سيرة علماء الاجتماع )(١) .
ومحصّل ما ذكره وراء الظواهر الاجتماعية المختلفة التي تظهر وكأنّ كلاًّ منها أجنبي عن الآخر نظام موحّد يكشفه العالم الاجتماعي، وكل هذه الظواهر مظاهر ذلك النظام والقانون.
وقد حكي عن كتاب ( أسباب عظمة الروم وسقوطهم ) - حول استناد الظواهر الاجتماعية المتشابهة إلى علل متشابهة - قوله:
( إنّ العالم لا تتحكّم فيه الصدفة وهذه الملاحظة يمكن أن نبحث عنها في تاريخ الروم، حيث كانوا ناجحين في سياستهم عندما كان لهم تخطيط في القيادة ولمّا تركوا مخطّطهم القيادي وسلكوا سبيلاً غيره أُصيبوا بفشل بعد فشل وهكذا كل نظام ملكي يسير صُعُداً لأسباب جسمية أو أخلاقية، وتستقر مكانها لأسباب، وتنزل نحو السقوط لأسباب أُخرى، فكل الحوادث تتبع أسبابها ولو تهاوت دولة وسقطت من جرّاء حرب أو أيّة صدفة أُخرى خارجة عن سلسلة العلل، فلابد أن تكون هناك علّة كلّيّة تسبّبت في ضعف الدولة حتى سقطت بسبب
____________________
(١) مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ص٢٦.
حرب واحدة والخلاصة: أنّ المسار العام هو السبب للحوادث الجزئية )(١) .
والقرآن الكريم يصرّح: بأنّ الأُمم والمجتمعات من حيث إنّها أُمم ومجتمعات ( لا مجرّد أفراد المجتمع ) لها سنن وقوانين تخصّها، وكل اعتلاء وسقوط يتبع تلك السنن والقوانين، ولولا سنن المجتمع لم يكن لأفراده مصير مشترك قال تعالى بشأن بني إسرائيل:( وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) (٢) .
المستفاد من الآيات الكريمة: أنّ الله تعالى قد قضى على بني إسرائيل في أحد الكتب السماوية أنّكم ستفسدون في الأرض مرّتين، وتطغون طغياناً كبيراً فإذا حلّ وقت الانتقام من الطغيان الأول بعثنا عليكم عباداً لنا أُولي بأسٍ شديد، فيدخلون عليكم بيوتكم ويجوسون خلال الديار، وكان وعداً حتميّاً مفعولاً، ثم تندمون وترجعون إلى سويّ الصراط فنسلّطكم عليهم ونمدّكم بالمال والعدد، فتزيدون عليهم من حيث العِدَّة والعُدَّة و - بوجهٍ عام - كلّما أحسنتم فقد أحسنتم لأنفسكم
____________________
(١) مراحل أساسي ص٢٧.
(٢) الإسراء ٤ - ٨.
وإن أسأتم فلأنفسكم أيضاً، يعني: أنّ سنّتنا وقانوننا ثابت لا يتغيّر، ففي حالة نمنح أُمّةً القوّة والقدرة والعزّة والاستقلال، وفي حالة أُخرى نسوقها إلى المذلّة والانحطاط وإذا حلّ وقت الانتقام من طغيانكم الثاني بعد عودكم إلى الفساد سلّطنا عليكم عباداً أُخر أقوياء وأشدّاء في الحرب ليسوءوا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرّة، وليبيدوا كل ما تسلّطوا عليه شر إبادة ولعلّ الله يرحمكم إذا عدتم إلى الصراط المستقيم، وإن عدتم إلى الفساد عدنا إلى العقوبة وتسليط الأعداء عليكم فقوله تعالى وإن عدتم عدنا بلحاظ خطابه إلى القوم والأُمّة دون الأفراد ؛ يدل على أنّه قانون وسنّة عامة للمجتمعات.
الجبر والاختيار الاجتماعيَّين:
من المسائل الأساسية المطروحة بين العلماء، وخصوصاً في القرن الأخير، هي مسألة الجبر والاختيار الفردي في قِبال مقتضيات المجتمع، وبعبارة أُخرى اختيار الروح الفردية وجبرها في قِبال الروح الجماعية.
فإذا التزمنا بالنظرية الأُولى في مبحث تركيب المجتمع، وقلنا بأنّه تركيب اعتباري محض، وأنّ الأصيل هو الفرد، لم يكن مجال لتوهّم الجبر الاجتماعي ؛ إذ ليست هناك قدرة وقوّة سوى قدرة الفرد وقوّته، ونكون بذلك قد أنكرنا قوّة المجتمع وقدرته فلا يتوهّم له سلطان على الفرد فإذا تحقق جبر عليه كان من فرد أو أفراد آخرين لا من قِبل المجتمع، كما يقوله القائلون بالجبر الاجتماعي.
كما أنّه إذا التزمنا بالنظرية الرابعة، وقلنا بأنّ الفرد، من حيث الشخصية الإنسانية مادة صرفة وكالإناء الفارغ مجرّد استعداد وقابلية، وأنّ شخصية الفرد الإنسانية وعقله الفردي وإرادته الفردية التي هي
أساس اختياره، إنّما هي شعاع من العقل الاجتماعي والإرادة الاجتماعية، وأنّ الإرادة الفردية إغراء من الروح الجماعية تبرز في الفرد لوصول المجتمع إلى مقاصده الاجتماعية والخلاصة: إذا قلنا بأصالة المجتمع محضاً ؛ لم يكن مجال لتوهّم الحرية الفردية والاختيار الفردي في الأُمور الاجتماعية.
يقول ( آميل دور كايم ) العالم الاجتماعي الفرنسي الذي يعتقد بهذه النظرية: ( إنّ الأُمور الاجتماعية أو ( بتعبير أحسن ) الأُمور الإنسانية في قِبال الأكل والنوم أو غيرهما ممّا يتعلّق بالجهة الحيوانية في الإنسان - من مكتسبات المجتمع دون الفرد وإرادة الفرد.
ولها ثلاث مميّزات:
١- أنّها خارجة عن ذات الفرد.
٢- أنّها جبرية.
٣- أنّها عامة.
وإنّما تُعدّ خارجة عن ذات الفرد لأنّها تصدر من المجتمع ويتقبّلها الفرد، وهي موجودة في المجتمع قبل وجوده، وإنّما يقبلها تحت تأثير المجتمع: كالآداب والتقاليد الخلقية والاجتماعية والدين ونظائرها وتُعدّ جبريّة لأنّ الفرد مقهور في قبوله، ويتربّى الوجدان الفردي وفكره وإحساسه وعواطفه حسب ما تقتضيه هذه الأُمور وجبريتها تستلزم عموميتها أيضاً ).
وأمّا إذا التزمنا بالنظرية الثالثة، وقلنا بأصالة الفرد والمجتمع معاً، فالمجتمع وإن كان له قدرة غالبة على قدرة الفرد، إلاّ أنّ ذلك لا يستلزم جبر الفرد في الأُمور الاجتماعية الإنسانية فالجبر الذي يقول به ( دور كايم ) إنّما يقول به غفلة عن أصالة الفطرة في الإنسان، الناشئة من تكامل الإنسان بجوهره في الطبيعة وهذه الفطرة تمنح الإنسان نوعاً من الحرية والتمكّن على العصيان أمام مقتضيات المجتمع ومن هنا نقول
إنّ علاقة الفرد بالمجتمع يتحكّم فيها نوع من الأمر بين الأمرين(١) .
والقرآن الكريم بينما يقول باستقلال المجتمع في طبيعته وشخصيته وعينيّته وقدرته وحياته وموته وأجله ووجدانه وإطاعته وعصيانه، يصرّح أيضاً بأنّ الفرد قادر على العصيان أمام مقتضيات المجتمع ؛ ويستند القرآن في ذلك إلى ( فطرة الله ) وقد ورد في سورة النساء آية / ٩٧ أنّ قوماً يعتذرون عن عدم قيامهم بمسؤوليّاتهم الفطرية بكونهم مستضعفين في مجتمعهم ( المجتمع المكّي ) وفي الواقع يريدون أن يعتذروا عن ذلك بكونهم مجبرين أمام مقتضيات المجتمع، فلا يُقبل منهم هذا العذر ؛ إذ كان بإمكانهم على اقل تقدير أن يهاجروا، ويتركوا ذلك الجو الاجتماعي الفاسد إلى مجتمع صالح(٢) .
وقال تعالى في سورة المائدة / ١٠٥:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ) والمراد أنّ ضلال الآخرين لا يجبركم على الضلالة إذا كنتم مهتدين.
وقال تعالى في آية الذر التي وردت إشارة إلى الفطرة الإنسانية، بعد أن أشار إلى أخذ العهد من الناس على توحيد الرب، وإيداع هذا العهد في فطرة الإنسان، قال:( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً
____________________
(١) الأمر بين الأمرين هو نظرية الشيعة في مسألة الجبر والتفويض، حيث يقول الأشاعرة بالأول، والمعتزلة بالثاني وقد اشتهر عن أئمّتناعليهمالسلام قولهم: لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ( المترجم ).
(٢)( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) النساء، آية ٩٧.
مِنْ بَعْدِهِمْ ) (١) فأشار إلى أنّ هذه الفطرة تمنع من دعوى الجبر والإلجاء في اتباع سنن الآباء.
والتعاليم القرآنية كلّها مبتنية على مسؤولية الإنسان بالنسبة إلى نفسه والى مجتمعه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرار يحكم بطغيان الفرد على الفساد الاجتماعي، وأكثر القصص والوقائع المذكورة في القرآن تتضمّن طغيان الفرد وثورته على مجتمعه والجو الفاسد الاجتماعي: كقصّة نوحعليهالسلام ، وإبراهيمعليهالسلام ، وموسىعليهالسلام ، وعيسىعليهالسلام ، والرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحاب الكهف، ومؤمن آل فرعون، وغيرهم.
وأساس توهّم الجبر للفرد أمام المجتمع والجو الاجتماعي، هو توهّم أنّ مقتضى التركيب الحقيقي اندماج الأجزاء بعضها في بعض، وانحلال كثرتها في وحدة الكل وحدوث حقيقة جديدة، فإمّا أن نلتزم باستقلال الفرد وكرامته وحريته، ونرفض التركيب الحقيقي للمجتمع ووجوده العيني، كما هو مقتضى النظريتين الأُولى والثانية في بحث أصالة الفرد أو المجتمع، وإمّا نلتزم بالتركيب الحقيقي للمجتمع ووجوده العيني، فنرفض استقلال الفرد وكرامته وحريته كما تستوجبه نظرية ( دور كايم ) والجمع بين هذين الأمرين غير ممكن وحيث إنّ الأدلة والشواهد في علم الاجتماع تؤيّد واقعية المجتمع فلابد من رفض ما ينافيه.
والواقع أنّ المركّبات الحقيقية تختلف من وجهة النظر الفلسفية ،
____________________
(١) الأعراف: ١٧٣.
ففي المراتب السفلى من الطبيعة، أي في الجمادات والموجودات غير الحيّة، التي يحكم في كل منها نوع واحد من القوى البسيطة المحضة، وتعمل على وتيرة واحدة ( حسب المصطلح والتعبير الفلسفي ) تندمج الأجزاء والقوى بعضها في بعض اندماجاً كليّاً، وينحل وجودها تماماً في وجود الكل، كما في تركيب الماء من الأوكسجين والهيدروجين، ولكن كلّما كان التركيب في مستوى أعلى اكتسبت الأجزاء استقلالاً نسبياً أكثر بالنسبة إلى الكل، وتحقق نوع من الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة فنجد في الإنسان - مثلاً - أنّ القوى التابعة له لا تكتفي بالاحتفاظ على كثرتها فحسب، بلى نجد بين القوى الداخلية له تضاداً وتعارضاً دائمياً والمجتمع أرقى موجودات الطبيعة ؛ ولذلك فاستقلال الأجزاء نسبياً فيه أكثر من غيره.
إذن فالإنسان ( وهو الجزء الذي يتركّب منه المجتمع ) حيث إنّه يتمتّع بعقله وإرادته الفطرية في وجوده الفردي قبل وجوده الاجتماعي، وحيث إنّ الاستقلال النسبي للأجزاء في المراتب الراقية من الطبيعة محفوظة، ( فالإنسان ) أي روحه الفردية غير مجبر وغير مسلوب الاختيار تجاه الروح الجماعية.
التقسيمات والطبقات الاجتماعية:
المجتمع مع أنّه يتمتّع بنوع من الوحدة ينقسم في نفسه - على وجه العموم أو في بعض الموارد على الأقل - إلى طوائف وطبقات وأصناف مختلفة وقد تكون متضادّة ؛ إذن فالمجتمع له وحدة في عين الكثرة، وكثرة في عين الوحدة - حسب اصطلاح فلاسفة الإسلام - وقد بحثنا في
الفصول السابقة عن نوعيّة الوحدة في المجتمع وهنا نريد أن نبحث عن نوعيّة الكثرة فيه وفي ذلك نظريتان معروفتان:
الأُولى: النظرية المبتنية على المادّية التاريخية والتناقض الديالكتيكي وهذه النظرية - التي سنبحث عنها فيما سيأتي - تقول: إنّ الكثرة في المجتمع تتبع المِلكيّة الفردية، فالمجتمعات الفاقدة للملكية الفردية كالمجتمع الاشتراكي البدائي، والمجتمع الاشتراكي الموعود مجتمعات لا طبقيّة وأمّا المجتمعات التي تتحكّم فيها المِلكيّة الفردية فتنقسم إلى طبقتين بالضرورة ؛ إذن فالمجتمع إمّا أن يكون ذا طبقة واحدة أو ذا طبقتين، وليس هناك قسم ثالث والأفراد ينقسمون في المجتمع ذي طبقتين إلى أفراد مستثمرين وأفراد تحت الاستثمار، ولا يوجد سوى معسكرين: المعسكر الحاكم، والمعسكر المحكوم وتنقسم سائر الشؤون الاجتماعية بنفس التقسيم، كالفلسفة والأخلاق والدين والفن فيكون في المجتمع نوعان من كل منها، يطابق كل منهما التفكير الخاص لأحدى الطبقتين الاقتصاديتين ولو كان هناك نوع واحد من الفلسفة أو الأخلاق أو الدين، فهو يأخذ أيضاً صبغة التفكير الخاص للطبقة الحاكمة، التي استطاعت فرض آرائها وأفكارها على الطبقة الأُخرى ولا يمكن وجود فلسفة أو فن أو دين أو أخلاق خارج عن نطاق التفكير لطبقة اقتصادية.
الثانية: النظرية القائلة بأنّ وحدة الطبقة في المجتمع وتكثّرها لا يتبع أصل المِلكيّة الفردية فحسب، بل هناك عدّة عوامل يمكن أن تؤثّر في ذلك، كالعامل الثقافي أو الاجتماعي أو العنصري أو العقائدي، وخصوصاً العوامل الثقافية والعقائدية، فإنّ لها تأثيراً كبيراً في تقسيم المجتمع لا إلى طبقتين فحسب، بل إلى طبقات متضادّة، كما أنّ لها
إمكانية التأثير في توحيد طبقات المجتمع، من دون أن تستلزم إلغاء المِلكيّة الفردية.
وهنا لا بد من مراجعة القرآن لنرى موقفه تجاه التكثّر في المجتمع، وإنّه على افتراض قبوله للتكثّر والاختلاف، فهل هو منحصر في الطبقتين على أساس المِلكيّة والاستثمار أم لا ؟ الظاهر أنّ من المستحسن في استنباط النظرية القرآنية هو استخراج المفردات الاجتماعية الواردة في القرآن، وتشخيص وجهة نظره في تفسيرها وتحديد مفاهيمها.
واللغات الاجتماعية في القرآن على قسمين:
١- ما يرتبط بظاهرة اجتماعية خاصة كالمِلّة والشريعة والشرعة والمنهاج والسنّة ونظائرها وهذا القسم خارج عن محل البحث.
٢- ما يحكى عن عنوان اجتماعي ينطبق على جميع أفراد البشر، أو طوائف منه وهذه المفردات هي التي يمكن أن تعين وجهة النظر القرآنية فيما نحن بصدده، نحو: قوم، أُمّة، ناس، شعوب، قبائل، رسول، نبي، إمام، ولي، مؤمن، كافر، منافق، مشرك، مذبذب، مهاجر، مجاهد، صديق، شهيد، متّقي، صالح، مصلح، مفسد، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، عالم، ناصح، ظالم، خليفة، ربّاني، ربِّي، كاهن، رهبان، أحبار، جبّار، عالي، مستعلي، مستكبر، مستضعف، مسرف، مترف، طاغوت، ملأ، ملوك، غني، فقير، مملوك، مالك، حر، عبد، رب، وغيرها.
وهناك بعض المفردات الشبيهة بهذا القسم من قبيل: مصلّي، مخلص، صادق، منفق، مستغفر، تائب، عابد، حامد ونظائرها ،
ولكنّها تحكي عن أفعال الإنسان لا عن طوائف منه ومن هنا لا يحتمل فيها أن تكون حاكية عن التقسيمات الاجتماعية.
ولابد من ملاحظة الآيات التي ورد فيها القسم الثاني من المفردات السابقة، خصوصاً ما كانت مرتبطة باتخاذ الموقف الخاص تجاه المسائل الاجتماعية، ولابد من التعمّق فيها ليتضح أنّها هل توافق على تقسيم المجتمعات إلى طائفتين أم إلى طوائف ؟ ولو فرضنا تقسيم المجتمعات إلى طائفتين فما هي الخصّيصة الأصلية لهما ؟ فمثلاً هل يمكن درجهما في طائفتي المؤمن والكافر ليكون أساس التقسيم هو الفارق الاعتقادي، أو درجهما في طائفتي الغني والفقير على أساس الفارق الاقتصادي ؟.
وبعبارة أُخرى: لا بد من ملاحظة هذه التقسيمات لنرى أنّها هل ترجع إلى تقسيم أساس تتفرّع منه سائر التقسيمات أم لا ؟
ولو كان كذلك فما هو ذلك التقسيم الأساس ؟
هناك مَن يدّعي أنّ موقف القرآن من المجتمع يبتني على أساس انقسامه إلى طبقتين، وأنّ المجتمع، حسب النظرة القرآنية، ينقسم في المرتبة الأُولى إلى طبقة حاكمة مسيطرة مستثمرة، وطبقة محكومة تحت السلطة والاستثمار، وأنّ القرآن يعبّر عن الطبقة الحاكمة بالمستكبرين، وعن الطبقة المحكومة بالمستضعفين، وأنّ سائر الانقسامات كالانقسام إلى المؤمن والكافر، وإلى الموحّد والمشرك، والى الصالح والفاسد انقسامات فرعية فالاستكبار والاستثمار ينتهيان إلى الكفر والشرك والنفاق ونظائرها، والاستضعاف ينتهي إلى الإيمان والهجرة والجهاد والصلاح والإصلاح ونظائرها.
وبعبارة أُخرى: أنّ منشأ ما يعدّه القرآن انحرافاً عقائدياً أو خلقياً أو عملياً هو الوضع الخاص الاقتصادي أي الاستثمار، ومنشأ ما يؤيّده القرآن من عقيدة أو خلق أو عمل هو الكون تحت الاستثمار والظلم.
والوجدان البشري يتبع بالطبع والضرورة حياته المادية الاقتصادية، ولا يمكن تغيير الوضع الروحي والنفسي والخلقي من دون تغيير في الحياة المادية ؛ ومن هنا يعد القرآن النضال الاجتماعي في صورة الصراع الطبقي صحيحاً وأساسياً والقرآن يرى أنّ الكفّار والمنافقين والمشركين والفاسدين والفاسقين والظالمين يبعثون من بين الطوائف، التي يعبّر عنها القرآن بالمترفين والمسرفين والملأ والملوك والمستكبرين ونظائرهم، ولا يمكن أن ينبعثوا من الطبقة المقابلة كما أنّ الأنبياء والرسل والأئمّة والصدّيقين والشهداء والمجاهدين والمهاجرين والمؤمنين يبعثون من بين الطبقة المقابلة ؛ فالاستكبار والاستضعاف هما يصنعان الوجدان الاجتماعي، ويبعثان على الاتجاهات المختلفة وكل الشؤون الأُخرى مظاهر وتجلّيات استضعاف الآخرين، أو الوقوع تحت استضعاف الآخرين.
والقرآن لم يكتف بعدّ الطوائف المذكورة من مظاهر الطبقة الأصلية ( الاستكبار والاستضعاف)، بل أشار إلى عدّة من الصفات والملكات الحسنة، من قبيل: الصدق والعفاف والإخلاص والعبادة والبصيرة والرأفة والرحمة والفتوّة والخشوع والإنفاق والإيثار والخشية والتواضع، واعتبرها جميعاً خصال المستضعفين.
وأشار إلى عدّة من الصفات والملكات السيّئة، من قبيل: الكذب والخيانة والفجور والرياء واتباع الهوى وعمى القلب والقساوة والبخل والتكبّر ونحوها، واعتبرها جميعاً من خصال المستكبرين.
فالاستكبار والاستضعاف ليسا أساس الانقسام إلى الطوائف المختلفة والمتناقضة فحسب، بل هما أيضاً أساس الصفات والملكات الخلقية المتضادّة، وهما الأساس في جميع الاتجاهات والعقائد والمسالك، بل جميع الآثار الثقافية والحضارية فكل من الأخلاق والفلسفة والفن والأدب والدين، إذا كان ناشئاً من الطبقة المستكبرة كان حاكياً عن اتجاهها الاجتماعي وممثّلاً له ؛ ولذلك نراها كلها بصدد توجيه الوضع الموجود وعاملاً للتوقّف والركود والجمود، خلافاً للأخلاق أو الفلسفة أو الآداب أو الفن أو الدين المنبعث من الطبقة المستضعفة ؛ حيث يكون موجّهاً ومبعثاً للحركة والثورة فالطبقة المستكبرة حيث إنّها تستضعف الآخرين، وتستولي على حقوقهم الاجتماعية، تكون بالطبع متأخّرة الفكر رجعيّة طالبةً للعافية والسلم، خلافاً للطبقة المستضعفة حيث تكون بصيرةً مطّلعة، مخالفة للتقاليد، ثوريةً تقدميةً متحرّكةً.
والخلاصة: أنّ أصحاب هذه الدعوى يعتقدون أنّ القرآن يؤيّد النظرية القائلة، بأنّ كل ما يصنع شخصية الإنسان، ويشخّص الطائفة التي ينتمي إليها، والجهة التي يسير نحوها، ويعيّن قاعدته الفكرية والخلقية والدينية والعقائدية هو وضعه الاقتصادي وعلى هذا الأساس بنى القرآن تعاليمه القيّمة حسبما يستفاد من مجموع الآيات.
ومن هنا فإنّ المقياس لمعرفة صدق الدعاوى وكذبها، من قبيل دعوى الإيمان والإصلاح والقيادة، وحتى النبوّة والإمامة، هو الانتماء إلى الطبقة الخاصة، فهو ملاك كل شيء.
هذه النظرية - في الواقع - تبتني على التفسير المادي المحض للإنسان والمجتمع وممّا لا شك فيه أنّ القرآن يهتم كثيراً بالقاعدة الاجتماعية
للإنسان، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّه يجعل ذلك مقياساً لجميع التقسيمات الطبقية ونحن نعتقد أنّ هذا النوع من التفسير الاجتماعي لا ينطبق مع وجهة النظر الإسلامية حول الإنسان والعالم والمجتمع، وأنّ منشأ ذلك هو النظرة السطحية للمباحث القرآنية إلى هنا نكتفي في البحث عن ذلك، وسيأتي تفصيله في مباحث التاريخ تحت عنوان ( هل التاريخ بطبعه مادي أم لا ؟ ).
إتحاد المجتمعات في الماهيّة واختلافها:
البحث عن هذا الموضوع - كما مرّت الإشارة إليه - ضروري لكل مدرسة اجتماعية ؛ إذ بذلك يتّضح أنّه هل يمكن افتراض إيديولوجية موحّدة لجميع المجتمعات البشرية، أو لا بد من تنوّع الأيديولوجيات حسب تنوّع المجتمعات، وأنّ كل قوم وكل شعب وكل حضارة وثقافة له إيديولوجية معيّنة ؟ وذلك لأنّ الإيديولوجية عبارة عن مجموعة من النظريات والطرق التي تسوق المجتمع إلى كماله وسعادته ومن جهة أُخرى نجد أنّ كل نوع من الموجودات الحيّة له خواصه وآثاره وإمكانيّاته المختصة به، ويسير نحو كماله وسعادته المختصين به، فلا يمكن أن يكون كمال الفرس وسعادته - مثلاً - بعينه كمال الإنسان وسعادته.
إذن فلو كانت المجتمعات - والمفروض أنّها أصيلة وواقعية - كلها من نوع واحد، وطبيعة وماهيّة واحدة أمكن أن تكون لها جميعاً إيديولوجية واحدة، حيث إنّ الاختلافات الموجودة فيها لا تتعدّى الاختلافات الفردية في النوع الواحد، وكل إيديولوجية يمكن تعميمها في حدود الاختلافات الفردية، وأمّا إذا كانت المجتمعات مختلفة في ماهيّتها وطبيعتها ونوعيّتها ؛ كانت بالطبع مختلفة في كمالها وسعادتها ونظامها
وهدفها وقراراتها، ولا يمكن لإيديولوجية واحدة أن تتكفّل سعادة الجميع.
ومثل هذا السؤال بعينه يتوجّه إلى المجتمعات بلحاظ تطوّرها وتحوّلها في عمود الزمان فنقول: هل المجتمعات في مسير تحوّلها وتطوّرها تتغيّر من حيث الماهيّة والنوعيّة، فيشملها قانون تبدّل الأنواع - ولكن على مستوى المجتمعات - أم أنّ تحوّل المجتمع وتطوّره من قبيل تحوّل الفرد وتطوّره، حيث يحتفظ في جميع المراتب بنوعيّته وماهيّته ؟
والسؤال الأول يتعلّق بالمجتمع، والثاني بالتاريخ ونحن نتعرّض هنا للبحث عن السؤال الأول، ونترك الإجابة على السؤال الثاني لمباحث التاريخ:
إنّ بحوث علم الاجتماع يمكنها أن تبدي رأياً في هذه المسألة عن طريق البحث في أنّ المجتمعات هل تشترك في مجموعة من الخواص الذاتية أم لا ؟ وأنّ اختلاف المجتمعات هل هو في أمور سطحية ظاهرية معلولة لما هو خارج عن ذات المجتمع وطبيعته، وأنّ كل ما يتعلّق بذاته وطبيعته ليس فيه اختلاف، أم أنّها مختلفة، في ذاتها وطبيعتها، وحتى لو فرضنا أنّها متحدة من حيث الوضع الخارجي فهي مختلفة من حيث التأثير والعمل ؟ وهذه هي الطريقة التي تقترحها الفلسفة لتشخيص الوحدة النوعية وكثرتها عندما تكون مبهمة.
وفي المقام طريق أقرب وهو البحث عن الإنسان نفسه ؛ إذ لا اختلاف في أنّ الإنسان نوع واحد، وأنّه لم يتحوّل بيولوجياً منذ وُجد قال بعض العلماء: إنّ الطبيعة بعد أن أوصلت السير التكاملي في الأحياء إلى الإنسان بدلت التطوّر البيولوجي إلى التطوّر الاجتماعي
وبدلت مسير التكامل من الجسم إلى الروح والمعنوية.
هذا وقد مرّ بنا في البحث عن سرّ كون الإنسان اجتماعياً أنّ الإنسان - وهو نوع واحد حسب الفرض - اجتماعي بمقتضى فطرته وطبيعته، بمعنى أنّ اجتماعيته وتشكيله للمجتمع وتقبّله للروح الجماعية ينبع من خصوصيته الذاتية والنوعية وهو من المميزات الفطرية للإنسان، فالنوع البشري إنّما يميل إلى التمدّن وإعداد الروح الجماعية ؛ كي يصل إلى الكمال المناسب الذي له قابلية الوصول إليه، والروح الجماعية كوسيلة لإيصال الإنسان إلى كماله النهائي وعليه فالنوع البشري هو الذي يعين مسيرة الروح الجماعية.
وبعبارة أُخرى: الروح الجماعية هي بدورها أيضاً في خدمة الفطرة الإنسانية، والفطرة الإنسانية تستمر في جهودها ما دام الإنسان باقياً.
إذن فالروح الجماعية تعتمد على الروح الفردية والفطرة الإنسانية، وحيث إنّ الإنسان نوع واحد فالمجتمعات الإنسانية أيضاً متحدة في طبيعتها وماهيتها ونوعيتها نعم، كما يمكن انحراف الفرد عن مسيره الفطري، وربّما يمسخ أخلاقياً، كذلك المجتمع، فالانحراف الموجود بين المجتمعات من قبيل اختلاف الأفراد أخلاقياً، الذي لا يؤثّر في خروجهم عن النوع البشري.
إذن فالمجتمعات والحضارات والثقافات والأرواح الجماعية الحاكمة على المجتمعات، بالرغم من الاختلاف في الوجهة والصبغة، لا تفقد صبغة النوعية الإنسانية، وماهيّتها إنسانية لا غير.
هذا، ولكن إذا قبلنا النظرية الرابعة في تركيب المجتمعات، وقلنا: إنّ الأفراد ليسوا إلاّ مواداً قابلة وظروفاً فارغة، وأنكرنا قانون
الفطرة ؛ أمكن أن نفترض وجود الاختلاف النوعي والماهوي بين المجتمعات ولكنّ هذه النظرية التي أبداها ( دوركايم ) مردودة ؛ لأنّ أول سؤال يفقد جوابه - حسب هذه النظرية - هو: أنّ المادة الأُولى للروح الجماعية إذا لم تنبع من الفرد، والجانب الطبيعي والبيولوجي في الإنسان، فمن أين حصل ؟ هل الروح الجماعية وُجدت من العدم المحض ؟ أم يكفي في توجيهها أن نقول بأنّ المجتمع وُجد منذ وجود الإنسان ؟ أضيف إلى ذلك أنّ دوركايم نفسه يعتقد أنّ الأُمور الاجتماعية، التي ترتبط بالمجتمع وتخلقها الروح الجماعية، من قبيل الدين والأخلاق والفن ونحو ذلك، كانت في المجتمعات ولا تزال ولن تزول , ولها - حسب تعبيره - دوام زماني وانتشار مكاني وهذا يدل على أنّ دوركايم أيضاً يقول بوحدة الروح الجماعية من حيث الماهيّة والنوع.
أمّا التعاليم الإسلامية فتقول بوحدة الدين مطلقاً، من حيث النوعية، وان اختلاف الشرائع من قبيل الاختلاف في الفروع لا الاختلاف الماهوي، وحيث إنّ الدين ليس إلاّ النظام التكاملي للفرد والمجتمع، فهذا يعني أنّ التعاليم الإسلامية تبتني على الوحدة النوعية للمجتمعات ؛ إذ لو كانت متعدّدة النوعية لتكثّرت الأهداف الكمالية وطرق الوصول إليها، وبالطبع كان ذلك مؤدّياً إلى اختلاف الأديان في الماهيّة، والقرآن الكريم يصر ويؤكّد على أنّ الدين واحد في جميع المناطق والمجتمعات، وفي جميع العصور والأزمنة، فمن وجهة نظر القرآن ليست هناك أديان بل دين واحد منفرد، والأنبياء كلهم كانوا يدعون إلى دين واحد وطريقة واحدة وهدف واحد:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه ) (١) والآيات الدالة على وحدة الدين في جميع الأقطار والأعصار وعلى ألسنة جميع الأنبياء، وإنّ اختلاف الشرايع من قبيل اختلاف الناقص والكامل كثيرة في القرآن الكريم.
والقول بوحدة الدين من حيث النوع يبتني على أساس القول بوحدة نوع الإنسان، ووحدة المجتمعات الإنسانية في النوع من حيث إنّها واقعيّات عينيّة.
المجتمعات في المستقبل:
لنفترض أنّ المجتمعات والحضارات والثقافات - كما قلنا - متحدة النوع والماهية، ولكنّها بلا ريب مختلفة في الكيفية والشكل والصبغة، فكيف يكون وضعها في المستقبل ؟ هل تستمر هذه الثقافات والمجتمعات والقوميات في وضعها الحالي، أم أنّ البشرية تسير نحو حضارة وثقافة موحّدة ومجتمع موحّد، فتنتفي كل هذه الألوان الخاصة، وتتلوّن كل هذه الأُمور بالصبغة الأصلية وهي صبغة الإنسانية ؟
هذه المسألة ترتبط أيضاً بالبحث عن ماهية المجتمع، ونوع الروابط بين الروح الجماعية والروح الفردية ومن الواضح أنّه بناءاً على نظرية أصالة الفطرة، وأنّ الوجود الاجتماعي للإنسان وحياته الاجتماعية والروح الجماعية للمجتمع وسائل انتخبتها الفطرة الإنسانية للوصول إلى كمالها النهائي، فلابد من القول بأنّ المجتمعات والحضارات والثقافات تسير نحو الاتحاد والاندماج، وأنّ مستقبل المجتمعات البشرية هو المجتمع العالمي الموحّد المتكامل الذي تصل فيه جميع القيم البشرية
____________________
(١) الشورى: ١٣.
الممكنة إلى حد الفعليّة، ويصل فيه الإنسان إلى كماله الحقيقي وسعادته الواقعية والإنسانية الأصيلة.
وممّا لا ريب فيه أنّ القرآن يرى بأنّ الحكومة النهائية هي حكومة الحق وفناء الباطل تماماً، والعاقبة للتقوى والمتقين.
قال في تفسير الميزان: ( إنّ البحث العميق في أحوال الموجودات الكونية يؤدّي إلى أنّ النوع الإنساني سيبلغ غايته وينال بغيته، وهي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا، وتولّيه التام أمر المجتمع الإنساني، وقد وعده الله تعالى - طبق هذه النظرية - في كتابه العزيز، قال:( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) (١) .
وقال:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) (٢) .
وقال:( أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٣) إلى غير ذلك من الآيات(٤) .
وقال فيه أيضاً تحت عنوان ( ثغر المملكة الإسلامية هو الاعتقاد دون الحدود الطبيعية أو الاصطلاحية ):
( ألغى الإسلام أصل الانشعاب القومي من أن يؤثّر في تكوّن
____________________
(١) المائدة: ٥٤.
(٢٩) النور: ٥٥.
(٣) الأنبياء: ١٠٥.
(٤) الميزان ج٤: ص١٠٠ ط بيروت.
المجتمع أثره ذلك الانشعاب الذي عامله الأصلي البدوية، والعيش بعيشة القبائل والبطون، أو اختلاف منطقة الحياة والوطن الأرضي، وهذان - أعني البدوية واختلاف مناطق الأرض في طبائعها الثانوية من حرارة وبرودة وجدب وخصب وغيرها - هما العاملان الأصليان لانشعاب النوع الإنساني شعوباً وقبائل، واختلاف ألسنتهم وألوانهم على ما بيّن في محلّه ثم صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من قطعات الأرض، على حسب مساعيهم في الحياة وبأسهم وشدّتهم وتخصيصها بأنفسهم، وتسميتها وطناً يألفونه ويذبون عنه بكل مساعيهم وهذا وإن كان أمراً ساقهم إلى ذلك الحوائج الطبيعية التي دفعتهم الفطرة إلى رفعها، غير أنّ فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانية من حياة النوع في مجتمع واحد، فإنّ من الضروري أن الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتّتة وتألّفها وتقوّيها بالتراكم والتوحّد ؛ لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتم وأصلح ؛ وهذا أمر مشهود من حال المادة الأصلية حتى تصير عنصراً ثم ثم نباتاً ثم حيواناً ثم إنساناً.
والانشعاب بحسب الأوطان تسوق الأُمّة إلى توحّد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الوطنية الأُخرى، فيصير واحداً منفصل الروح والجسم عن الآحاد الوطنية الأُخرى ؛ فتنعزل الإنسانية عن التوحّد والتجمّع وتبتلي من التفرّق والتشتّت بما كانت تفرّ منه، ويأخذ الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة ( أعني الآحاد الاجتماعية ) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونية من استخدام واستثمار وغير ذلك والتجريب الممتد بامتداد الأعصار منذ أول الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك، وما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم.
وهذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه الانشعابات و التشتّتات والتميّزات، وبنى الاجتماع على العقيدة دون الجنسية والقومية والوطن ونحو ذلك حتى في مثل الزوجية والقرابة في الاستمتاع والميراث فإنّ المدار فيها على الاشتراك في التوحّد لا المنزل والوطن - مثلاً -(١) .
وقال أيضاً تحت عنوان: ( الدين الحق هو الغالب بالآخرة والعاقبة للتقوى ): فإنّ النوع الإنساني بالفطرة المودوعة فيه يطلب سعادته الحقيقية، وهو استوائه على عرش حياته الروحية والجسمية معاً، حياة اجتماعية بإعطاء نفسه حظّه من السلوك الدنيوي والأُخروي، وقد عرفت أنّ هذا هو الإسلام ودين التوحيد وأمّا الانحرافات الواقعة في سير الإنسانية نحو غايته وفي ارتقائه إلى أوج كماله ؛ فإنّما هو من جهة الخطأ في التطبيق لا من جهة بطلان حكم الفطرة والغاية التي يعقبها الصنع والإيجاد لا بد أن تقع يوماً معجلاً أو على مهل قال تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (٢) ( يريد أنّهم لا يعلمون ذلك علماً تفصيلياً وإن علمته فطرتهم إجمالاً ) فهذه وأمثالها آيات تخبرنا أنّ الإسلام سيظهر ظهوره التام فيحكم على الدنيا قاطبة.
ولا تصغ إلى قول مَن يقول: إنّ الإسلام وإن ظهر ظهوراً ما وكانت أيامه حلقة من سلسلة التاريخ لكنّ ظهوره التام أعني
____________________
(١) الميزان ج٤ ص١٢٥ - ١٢٦ ط بيروت.
(٢) الروم / ٣٠.
حكومة ما في فرضية الدين بجميع موادها وصورها وغاياتها، ممّا لا يقبله طبع النوع الإنساني، ولن يقبله أبداً
وذلك أنّك عرفت أنّ الإسلام، بالمعنى الذي نبحث فيه، غاية النوع الإنساني وكماله الذي هو بغريزته متوجّه إليه، شعر به تفصيلاً أو لم يشعر، والتجارب القطعية الحاصلة في أنواع المكوّنات يدل على أنّها متوجّهة إلى غايات لوجوداتها، يسوقها إليها نظام الخلقة، والإنسان غير مستثنى من هذه الكلّيّة(١) !.
ومع ذلك فهناك مَن يدّعي أنّ الإسلام لا يريد أبداً وحدة الثقافات والمجتمعات الإنسانية ولا اتحادها، بل يقول بتعدد الثقافات والمجتمعات، ويؤيّد تنوّعها ويقرّها على ذلك يقولون: إنّ شخصية كل شعب وهويّته وذاتيّته ليست إلاّ ثقافة ذلك الشعب وروحه الجماعية، وهي تصنع تاريخه الخاص بحيث لا يشاركه فيه غيره من الشعوب، كما تصنع طبيعة الإنسان ونوعيّته وتاريخ ثقافته، بل تصنع في الواقع شخصيته وذاته الواقعية كل شعب له ثقافته الخاصة بماهيّتها الخاصة، ومذاقها الخاص، وسائر خصائصها، وهذه الثقافة قوام شخصية الشعب، والدفاع عنها دفاع عن هوية الشعب، وكما أنّ هوية الفرد وشخصيته ترتبط به، ولا يمكن تركها وقبول هوية وشخصية أُخرى إلاّ بسلب نفسه عن نفسه ومسخها، كذلك ثقافة الشعب التي أصبحت قوامة في طول التاريخ، فلا يمكن تركها وتقبّل أي ثقافة أُخرى أجنبية.
ومن هنا نجد أنّ كل شعب يختص بنوع من الإحساس والفهم والذوق والاستحسان والتأثّر والأدب والموسيقى والتقاليد والسنن، فيستحسن
____________________
(١) نفس المصدر ص١٣١ - ١٣٢.
أُموراً لا يستحسنها شعب آخر والسر في ذلك أنّ الشعب في طول تاريخه اكتسب ثقافة خاصة لأسباب مختلفة، وطروء عوارض مختلفة من نجاح وفشل ومكسب وحرمان، وتأثير البيئة والهجرات والارتباطات، والتمتّع بنوع من الشخصيات البارزة ونحو ذلك وهذه الثقافة الخاصة صنعت روحه القومية والجماعية بشكل خاص وحدود معينة فالفلسفة والعلم والفن والأدب والدين والأخلاق مجموعة عناصر تأخذ شكلها وتركيبها الخاص في طول التاريخ المشترك لطائفة معيّنة من الإنسان بحيث تميّزها عن سائر الطوائف، وتمنحها شخصيتها الخاصة ومن هذا التركيب الخاص تخلق الروح التي تجمع أفراد الطائفة، وتربط بينهم ربطاً حيوياً وكأنّهم أعضاء جسم واحد وهذه الروح هي التي تمنح هذا الجسم وجوده المستقل والمعيّن، بل تمنحه نوعاً من الحياة تميّزه عن سائر المجموعات الثقافية والمعنوية في طول التاريخ، فإنّها تظهر بوضوح وبوجه محسوس في الأعمال والأفكار والعادات الاجتماعية، وفي ردود الفعل، وتأثيرات الإنسان أمام الطبيعة والحياة والحوادث، وكذا في الأحاسيس والميول والأهداف والعقائد، بل في جميع ما يستجد من الاكتشافات العلمية والفنية، وبكلمة واحدة - في جميع المظاهر المادية والمعنوية في الحياة البشرية.
ويقولون: إنّ الدين نوع من العقيدة والأيديولوجية والعواطف والأعمال الخاصة التي تستوجبها هذه العقيدة، ولكنّ القومية هي التشخيص والخصائص الممتازة التي توجد الروح المشتركة لأفراد من البشر يجمعهم المصير المشترك وعليه فالعلاقة بين القومية والدين هي العلاقة بين الشخصية والعقيدة.
ويقولون: إنّ الإسلام يمنع من التمييز العنصري والاستعلاء القومي، ولا يعني ذلك مخالفته لوجود القوميات المختلفة في المجتمع البشري فقانون التسوية في الإسلام لا يعني نفي القوميات، بل إنّ ذلك يعني أنّ الإسلام يعترف بوجود القوميات كأُمور واقعية طبيعية مسلّمة غير قابلة للإنكار قال تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (١) وهذه الآية وإن استدل بها على نفي القوميات وإلغائها في الإسلام، إلاّ أنّها تدل على عكس ذلك وتؤيّد وتقر القوميات فإنّ الآية تتعرّض أولاً لانقسام البشر من حيث الجنس إلى ذكر وأُنثى بصورة طبيعية، ثم تتعرّض بعد ذلك مباشرة لانقسامهم إلى شعوب وقبائل.
وهذا يعني أنّ هذا التقسيم طبيعي وإلهي كالانقسام الأول ويستفاد من ذلك أنّ الإسلام كما يؤيّد العلاقة الخاصة بين الرجل والمرأة دون نفي الجنس وآثاره، كذلك يؤيّد علاقات الشعوب على أساس التساوي دون نفي القوميات، فجعل القرآن القوميات في عداد الاختلاف الجنسي، وإسنادهم معاً إلى الله تعالى يدل على أنّ وجود القوميات المختلفة واقع طبيعي في الخلق وما ورد في القرآن من جعل الغاية وحكمة الاختلاف القومي، ومعرفة الشعوب بعضها بعضاً ؛ يشير إلى أنّ كل شعب إنّما يعرف نفسه ويكتشف ذاته من خلال مواجهته لسائر الشعوب، وآنذاك تتبلور شخصيته وتقوى بنيته.
وعليه فالإسلام، خلافاً لما هو المشهور، يؤيّد القومية بمفهومها الثقافي، ولا يخالفها، وإنّما يخالف القومية بمفهومها العنصري.
____________________
(١) سورة الحجرات / ١٣.
وهذه النظرية خاطئة من جهات:
١ - إنّها تبتني على نظريتين خاطئتين: أحدهما حول الإنسان، والأُخرى حول أُصول الثقافة الإنسانية، أي الفلسفة والعلم والفن والأخلاق وغيرها.
أمّا الأُولى فقد افترض فيها أنّ الإنسان لا يملك في ذاته - حتى بالقوّة والاستعداد - ما يهديه في نظرته إلى العالم وإدراكه من الناحية الفكرية، وفي إرادته وتشخيص الطريق التي يسلكها، والهدف الذي يبتغيه من الناحية العاطفية فنسبة الإنسان إلى جميع الأفكار والعواطف والطرق والأهداف سواء وهو إناء فارغ من المحتوى , فاقد للشكل واللون، وتابع في جميع ذلك لمظروفه، ويكسب منه شخصيته وذاتيته وطريقه وهدفه فالشكل والصبغة، والطريق والهدف، والشخصية التي يكتسبها من أول مظروف له، هي: شكله وصبغته، وطريقه وهدفه، وشخصيته الواقعية ؛ لأنّ ذاته تتقوّم بهذا المظروف وكلّما يمنح بعد ذلك في سبيل تغيير شخصيته ولونه وشكله يعتبر أجنبياً بالنسبة إليه ؛ لأنّه يعارض شخصيته الأُولى التي اكتسبها على سبيل الصدفة.
وبعبارة أُخرى: هذه النظرية ملهمة من النظرية الرابعة في أصالة الفرد والمجتمع، وهي التي تقول بأصالة المجتمع محضاً وقد مر نقدها.
وهذه النظرية حول الإنسان غير صحيحة، لا من وجهة النظر الفلسفية، ولا من وجهة النظر السلامية، فالإنسان بمقتضى خصوصيته الذاتية له شخصية معيّنة، وطريق وهدف معين - ولو بالقوّة والاستعداد - وهو قائم بالفطرة الإلهيّة، وهي التي تبلور ذاته الواقعية.
ومسخ الإنسان وعدم مسخه إنّما يتبيّن بملاحظة المقاييس الفطرية والنوعية للإنسان، لا بالقياس إلى تاريخه القديم فكل دراسة وثقافة تطابق الفطرة الأصلية للإنسان وتنمّيها هي الثقافة الأصلية، وإن لم تكن أول ثقافة أجبره على اقتنائها التاريخ وكل ثقافة لا تطابق الفطرة الأصلية له أجنبية عنه، وتوجب مسخه وتغييره عن هويته الواقعية، وتبدل ذاته الأصلية إلى ذات أجنبية، وإن كانت وليدة التاريخ القومي له فمثلاً فكرة الثنوية وتقديس النار ؛ مسخ لإنسانية الإنسان الإيراني، وإن عُدّت وليدة تاريخه القديم ولكنّ فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد ونفي عبادة غير الله ؛ رجوع إلى الهوية الواقعية الإنسانية له، وإن كانت وليدة منطقة أُخرى.
وأمّا الثانية، فقد افترض فيها - خطأ - أنّ عناصر الثقافة الإنسانية كالمادة الأُولى ليس لها شكل وتعيّن خاص، وأنّ التاريخ هو الذي يصنع شكلها وكيفيّتها، بمعنى أنّ الفلسفة والعلم والدين والأخلاق والفن لا يؤثر في ماهيّتها الشكل الخاص والصبغة الخاصة، فالكيفية والشكل والصبغة في هذه العناصر أمور نسبيّة ترتبط بالتاريخ، فتاريخ كل قوم وثقافتهم يصنعان فلسفتهم وعلمهم ودينهم وأخلاقهم وفنّهم بوجهٍ خاص.
وبعبارة أُخرى: كما أنّ الإنسان في ذاته فاقد للهوية والشكل الخاص، والثقافة القومية هي التي تمنحه شكله وهويته، كذلك العناصر الأصلية في ثقافة الإنسان فهي أيضاً فاقدة في ذاتها للشكل والصبغة، وليس لها وجه خاص، والتاريخ هو الذي يمنحها كل ذلك ويسمها بطابعها الخاص، وهناك مَن أفرط في هذه النظرية حتى قال إنّ
الفكر الرياضي أيضاً يتبع الاتجاه الثقافي الخاص(١) .
هذه النظرية هي بنفسها نظرية النسبية في ثقافة الإنسان وقد بحثنا في كتاب ( أُصول الفلسفة ) حول إطلاق التفكير البشري ونسبيّته، وأثبتنا أنّ النسبية إنّما هي في العلوم والمدركات الاعتبارية والعملية فهذه المدركات تختلف في الثقافات حسب اختلاف الأوضاع والأزمنة والأمكنة، وهي لا تحكي عن واقع موضوعي وراءها يكون مقياساً للحق والباطل، والصحيح والخطأ وأمّا العلوم والمدركات والأفكار النظرية التي تصنعها الفلسفة والعلوم النظرية، كأُصول النظرة الدينية للكون والأُصول الأوّلية في الأخلاق، فهي أُصول ثابتة مطلقة غير نسبية والمقام لا يسع إطالة البحث في ذلك.
٢ - ورد في هذه النظرية أنّ الدين هو العقيدة، وأنّ القومية قوام شخصية الإنسان، فعلاقة الدين بالقومية علاقة العقيدة بالشخصية.
والإسلام يقرّ الشخصيات القومية على وضعها ويعترف بها وهذا يعني نفي أكبر هدف أُرسل من أجله الدين، وخصوصاً الدين الإسلامي، وهو إعطاء فكرة عامة عن الكون على أساس المعرفة الصحيحة بالنظام العام المبتني على محور التوحيد، ومن ثمّ تربية الشخصية المعنوية والأخلاقية للإنسان على أساس تلك الفكرة الكونية العامة، وتنشئة الأفراد والمجتمع على هذا الأساس ؛ وذلك يستلزم تأسيس ثقافة جديدة وعامة لجميع البشر، لا ثقافة قومية والثقافة الإسلامية إذا كانت عالمية وقابلة للعرض على جميع الشعوب، فليس ذلك من جهة أنّ الدين
____________________
(١) مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ص١٠٧ تأليف ريمون آرون نقلاً عن العالم الاجتماعي اسبنجلر صاحب النظرية المعروفة في فلسفة التاريخ.
يختلط بالثقافة القومية كيفما كانت، ويتأثّر منها ويؤثّر فيها نوعاً ما، بل السبب فيه: أنّ شأن الدين الإسلامي خلق الثقافة العالمية، وهو في صلب رسالته السماوية المبتنية على تخلية الإنسان من الثقافة التي لا تنبغي، وتحليته بما ينبغي له من الثقافة التي هو فاقد لها، وإقراره على ما هو عليه من الثقافة التي تنبغي له وأمّا الدين الذي لا يمس ثقافات الأُمم، ويوافقهم على ما هم عليه من الأفكار المختلفة، فهو الدين الذي لا يفيد إلاّ مرّة في الأُسبوع في الكنيسة.
٣ - إنّ الآية الكريمة( إنّا خلقناكم من ذكر وأُنثى ) ليس معناها أنّا خلقناكم من جنسين، حتى يقال إنّ التقسيم الأول في الآية هو التقسيم إلى الجنسين، وقد أتى بعده مباشرة التقسيم حسب القوميات، الأمر الذي يفيد ما قيل من أنّ الاختلاف الجنسي أمر طبيعي وعلى أساس إثباته تنظيم الإيديولوجية المرتبطة به، فكذلك الاختلاف القومي بل معنى الآية إنّا خلقناكم من رجل وامرأة سواء كان المراد منهما آدم وحواء، فالمقصود أنّ جميع أفراد البشر ينسلون من أب واحد وأُم واحدة، أم كان المراد أنّ جميع أفراد الإنسان مشتركون في هذه الجهة، وهي أنّ لكل واحد أب وأُم، فلا امتياز بينهم من هذه الجهة.
٤ - إنّ قوله تعالى( لتعارفوا ) في الآية الكريمة الذي ذكر بعنوان الغاية لما قبله، ليس معناه أنّ الشعوب إنّما خُلقت مختلفة ليعرف كل منها الآخر، حتى يستنتج أنّها يجب أن تبقى مستقلّة في شخصيتها القومية لتمكن المعرفة المتقابلة ؛ إذ لو كان كذلك لقال:( لتعارفوا ) بدل قوله: ( لتعارفوا ) بصيغة الخطاب، إذ المخاطب هو الناس لا الشعوب إذن فالمراد أنّ الانشعاب إلى القبائل والشعوب إنّما وُجد
لحكمة في أصل الخلقة، وهو معرفة الأفراد حسب انتسابهم إلى القبيلة والشعب وهذه الحكمة لا تتوقّف على بقاء القوميات والشعوب على استقلالها القومي.
٥ - إنّ ما ذكرناه حول النظرية الإسلامية في وحدة ماهيّة المجتمعات واختلافها - وأنّ وجهة السير الطبيعية للمجتمعات نحو المجتمع الموحد، والثقافة الموحّدة، وأنّ التنظيم الأساسي في الإسلام هو استقرار هذا المجتمع وهذه الثقافة في النهاية - كافٍ في رد هذه النظرية وإنّ أساس حكمة المهدوية في الإسلام هو هذه النظرة إلى مستقبل الإسلام والإنسان والكون.
إلى هنا ننتهي من البحث حول المجتمع وفيما يلي مباحث التاريخ.
ما هو التاريخ ؟
يمكن تعريف التاريخ بثلاثة وجوه، وبعبارة اقرب إلى الواقع: يمكن أن يكون للتاريخ ثلاثة علوم مترابطة:
١ - العلم بالوقائع والحوادث والأوضاع وأحوال البشر في الزمان الماضي، في قِبال الأوضاع والأحوال الموجودة حالاً فكل وضع وحالة وحادثة ما دامت متعلّقة بزمان الحال، أي الزمان الذي يبحث فيه عنها تُعتبر حوادث اليوم ووقائعه وتسجّل في الجرائد وما يشابهها، وأمّا إذا انقضى زمانه وتعلّق بالماضي أصبح جزءاً من التاريخ ومرتبطاً به إذن فالعلم بالتاريخ بهذا المعنى هو العلم بالوقائع والحوادث الماضية وأوضاع وأحوال الماضين فالتراجم والملاحم والسِيَر التي تُدوَّن في مختلف الشعوب كلها من هذا القبيل وهو من العلوم الجزئية بمعنى
أنّه علم بمجموعة من الأُمور الشخصية والفردية لا العلم بالكلّيّات والقواعد والضوابط العامة، كما أنّه علم نقلي لا عقلي وعلم بالأكوان لا بالتطوّرات وبالماضي لا بالحاضر، ونطلق عليه اصطلاحاً ( التاريخ النقلي ).
٢ - العلم بالقواعد والسنن المهيمنة على حياة الماضين، حسبما يستفاد من النظر والتحقيق في الحوداث والوقائع الماضية ومحتوى التاريخ النقلي أي الحوادث الماضية بمنزلة المبادئ والمقدّمات لهذا العلم فتلك الحوادث للتاريخ بهذا المعنى كالعناصر التي يجمعها العالم الطبيعي في مختبره، ويجري عليها تجاربه بالتحاليل والتركيب والملاحظة لاكتشاف خصائصها وطبائعها، وروابطها العلّية والمعلولية، واستنباط القوانين الكلّيّة بهذا الشأن فالمؤرّخ بالمعنى الثاني بصدد اكتشاف طبيعة الحوادث التاريخية وروابطها العلّية والمعلولية للوصول إلى مجموعة من القواعد والضوابط العامة، التي يمكن تعميمها لجميع الموارد المشابهة في الحال والماضي، ونطلق عليه اصطلاحاً ( التاريخ العلمي ).
وموضوع البحث في التاريخ العلمي وإن كان الحوادث والوقائع الماضية، إلاّ أنّ ما يستنبطه من القواعد والقضايا لا يختص بالماضي.
بل يمكن تعميمها للحاضر والمستقبل وهذه الجهة تجعل التاريخ نافعا ومنبعاً من منابع معرفة الإنسان، الأمر الذي يسلّطه على مستقبله.
إنّما الفرق بين ما يعمله المحقّق في التاريخ العلمي، وما يفعله العالم الطبيعي في أنّ عناصر التحقيق العلمي مجموعة أشياء موجودة حاضرة عينيّة، فبالطبع تكون التجارب والتحاليل عينيّة وتجريبية، وعناصر التحقيق التاريخي شؤون قد مضى زمان تحقّقها فهي الآن غير
موجودة وإنّما يملك المؤرّخ معلومات عنها وأضابير فهو في حكمه عليها كقاضي المحكمة حينما يحكم على أساس القرائن والشواهد الموجودة في الإضبارة من دون الاستناد إلى شهادة الشهود ومن هنا كان تحقيق المؤرّخ منطقياً وعقلياً وذهنياً، لا خارجياً وعينياً ؛ فهو يمارس تحاليله في مختبر العقل باستعمال البرهان العلمي، لا في المختبر الكيماوي باستعمال الوسائل الحسّيّة فعمل المؤرّخ من هذه الجهة أشبه بعمل الفيلسوف لا العالِم الطبيعي.
والتاريخ العلمي كالتاريخ النقلي يتعلّق بالماضي لا الحال، وعلم بالأكوان لا التطوّرات، ولكنّه خلافاً له علم كلّي لا جزئي، وعقلي لا نقلي صرف.
والتاريخ العلمي في الواقع فصل من علم الاجتماع بمعنى أنّه علم بالمجتمعات السابقة وموضوع علم الاجتماع أعم من المجتمعات الحاضرة والسابقة.
نعم، إذا خصّصنا علم الاجتماع بمعرفة المجتمعات المعاصرة ؛ كان التاريخ العلمي وعلم الاجتماع علمين مستقلّين، ولكنّهما في نفس الوقت متقاربان ومن فصيلة واحدة، ويحتاج كل منهما إلى الآخر.
٣ - فلسفة التاريخ أي العلم بحركة المجتمعات وتحوّلها من مرحلة إلى أُخرى، والقواعد الحاكمة على هذه التطوّرات والتحوّلات.
وبعبارة أُخرى علم بتطوّرات المجتمعات لا بأكوانها.
ولعلّ القارئ العزيز يتساءل: هل يمكن أن تكون للمجتمعات أكوان وتطوّرات معاً، وتكون أكوانها موضوعاً لعلم نطلق عليه التاريخ
العلمي، وتطوراتها موضوعاً لعلم آخر باسم فلسفة التاريخ ؟ مع ان الجمع بينهما غير ممكن، لأن الكون سكون والتطور حركة فلا بد من اختيار احدهما، فأما ان نتصور المجتمعات في حالة الكينونة واما في حالة التطور.
ويمكن تعميم السؤال بأن يقال بوجهٍ عام: إنّ معرفتنا وفكرتنا عن العالم، وعن المجتمع بما هو جزء من العالم، إمّا أن تكون على أساس أنّها أُمور ساكنة متوقّفة، وإمّا أن تكون على أساس أنّها أُمور جارية متحرّكة، فإن كان العالم متوقّفاً ساكناً فله كون وليس له تطوّر، وان كان متحركاً جارياً فله تطوّر وليس له كون ومن هنا نجد أنّ أهم انشعاب في المدارس الفلسفية هو تقسيم النظام الفلسفي إلى طائفتين رئيسيتين: فلسفة الكون وفلسفة التطوّر فالقسم الأول هو الفلسفة التي تمنع من اجتماع الوجود والعدم، وتقول باستحالة التناقض، وتفترض أنّ الوجود إذا كان فالعدم مستحيل وبالعكس، فلابد من اختيار أحد الوجهين وحيث إنّ الوجود موجود بالضرورة، ولا يمكن دعوى بطلان العالم ؛ إذن فالسكون والتوقّف مسيطر عليه وأمّا القسم الثاني من الفلسفة فهي التي تقول بإمكان اجتماع الوجود والعدم، وهو معنى الحركة، إذ ليست الحركة إلاّ أن يكون الشيء معدوماً في نفس الوقت الذي يكون فيه موجوداً إذن فلسفة الكون وفلسفة التطوّر فكرتان متخالفتان في الوجود ولابد من اختيار أحدهما، فإذا التحقنا بالطائفة الأُولى فلابد من القول بأنّ المجتمعات كائنة ولكنّها ليست متطوّرة، وبالعكس من ذلك إذا التحقنا بالطائفة الثانية، فلابد من القول بأنّ المجتمعات متطوّرة وليس له كون إذن فإمّا أن يكون لنا تاريخ علمي وإمّا أن يكون لنا فلسفة
التاريخ، ولا يمكن الجمع بينهما.
والجواب أنّ هذا النوع من التفكير في الوجود والعدم، وفي الحركة والسكون، وفي قانون امتناع اجتماع النقيضين من مختصّات الفكر الغربي الناشئ من عدم الإطلاع على مسائل الوجود في الفلسفة، وخصوصاً مسألة أصالة الوجود، وعدّة مسائل أُخرى.
فما ذكر من أنّ الكون يساوق السكون، والحركة هي الجمع بين الكون والعدم أي الجمع بين النقيضين من الأخطاء الفاحشة التي ترتكبها بعض المسالك الفلسفية في الغرب.
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى أنّ ما ذكرناه هنا لا يرتبط بتلك المسألة الفلسفية، بل يبتني على أنّ المجتمع كأي موجود حيّ آخر له نوعان من القوانين الحاكمة عليه: الأُولى القوانين الحاكمة في نطاق نوعيّة النوع، والثانية القوانين المتعلقة بتطوّر الأنواع وتبدّلها إلى نوع آخر ونعبّر عن القسم الأول بقوانين الكون، وعن الثاني بقوانين التطوّر.
وقد تفطّن لما ذكرناه بعض علماء الاجتماع منهم ( أوغست كونت ) يقول ريمون آرون: ( إنّ الحركة والسكون عنصران أساسيان في علم الاجتماع لدى ( اوغست كونت ) فالسكون عبارة عن التحقيق والبحث عمّا يسمّيه ( الإجماع الاجتماعي ) أو التوافق الاجتماعي والمجتمع يشبه الجسم الحي، فكما أنّ البحث عن كيفية عمل الجسم لا يمكن إلاّ مع لحاظه جزءاً من مجموع الموجود الحيّ ككل، كذلك لا يمكن البحث عن السياسة أو الدولة إلاّ مع لحاظهما جزءاً من كل المجتمع في وقت معين من التاريخ والحركة في
الأصل عبارة عن تعريف بسيط للمراحل المتوالية التي اجتازها المجتمع البشري )(١) .
كل نوع من أنواع الموجودات الحيّة، من الثدييات والزواحف والطيور وغيرها، له مجموعة من القوانين التي ترتبط بنوعيّته، فما دام في تلك النوعية تتحكم فيه تلك القوانين، كالقوانين المتعلقة بالمرحلة الجنينية للحيوان، أو بسلامته ومرضه، أو كيفية تغذيته، أو كيفية التوليد وتربية المولود، أو غرائزه، أو هجرته، أو تناسله ولكن بناءاً على نظرية التطوّر وتكامل الأنواع لكل نوع من الحيوان - مضافاً إلى قوانينه النوعية الخاصة - قوانين أُخرى ترتبط بتطوّره وتكامله، وانتقال النوع الأدنى إلى النوع الأعلى وهذه القوانين ذات طابع فلسفي، وربّما تسمّى فلسفة التكامل بدلاً من العلم البيولوجي.
والمجتمع أيضاً - بمقتضى كونه موجوداً حيّاً - له نوعان من القوانين: قوانين الحياة وقوانين التكامل فكل ما يرتبط بأسباب حدوث الحضارات وعلل سقوطها، وأوضاع الحياة الاجتماعية، والقوانين العامة المسيطرة على جميع المجتمعات في جميع الأطوار والمراحل نعبّر عنها بقوانين الكون وكل ما يرتبط بأسباب التقدّم في المجتمعات، واجتيازها من مرحلة إلى أُخرى، ومن نظام إلى نظام نعبّر عنها بقوانين التطوّر وسنبيّن الفرق بينهما بوضوح عندما نتعرّض لمسائل القسمين.
إذن، فعلم التاريخ بالمعنى الثالث: علم تطوّر المجتمعات من مرحلة إلى أُخرى، لا علم حياتها وكونها في مرحلة خاصة، أو في جميع
____________________
(١) مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ص١١٠.
المراحل ولكي لا تشتبه هذه المسائل بمسائل التاريخ العلمي نعبّر عنها بفلسفة التاريخ وقد وقع الخلط بين مسائل التاريخ العلمي المتعلقة بحركات المجتمع غير التكاملية، ومسائل فلسفة التاريخ المتعلقة بحركاته التكاملية، ونشأ من ذلك عدّة أخطاء.
ثم إنّ فلسفة التاريخ كالتاريخ العلمي علم كلي لا جزئي، وعقلي لا نقلي، ولكنّه خلافاً له علم بالتطوّرات لا الأكوان ولا يكتسب صفة التاريخية من تعلّق مسائله بأزمان الماضي، كما هو كذلك في التاريخ العلمي، بل يكتسبها من جهة أنّ مسائله تبتدئ من الماضي، وتستمر إلى الحال والمستقبل ؛ فالزمان في هذه المسائل ليس ظرفاً فحسب، بل هو بعد من أبعادها.
وعلم التاريخ مفيد بجميع معانيه الثلاثة، حتى التاريخ النقلي أي العلم بالتراجم وسير الماضين، يمكنه أيضاً أن يكون مفيداً ومحرّكاً وموجّهاً ومربّياً، ولكنّه بالطبع يرتبط بخصوصية الشخص صاحب الترجمة والسيرة، وبما يستنبط منهما من نقاط مهمّة والإنسان كما أنّه بمقتضى قانون المحاكاة يتأثّر من مجالسة الأُناس المعاصرين له ومن أخلاقهم وإراداتهم ومشيهم، وكما أنّ حياتهم الخارجية تعتبر له درساً وعبرة، وكما أنّه يتعلّم منهم حسن التأدّب وسنّة الحياة، بل ربّما يتعلّم التأدّب ممّن لا أدب له - كما قال لقمان - كذلك بمقتضى هذا القانون نفسه يستفيد من عِبَر الماضين فالتاريخ كالأفلام الحيّة التي تبدل الماضي بالحاضر ومن هنا ورد في القرآن الكريم ملاحظات مفيدة من حياة الأفراد الذين يُعدّون أُسوة للباقين وربّما ورد الأمر الصريح باتخاذهم أُسوة، قال تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ ) (١) وقال تعالى:( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) (٢) والقرآن إنّما يأمر بالتأسّي باعتباره الميزة الأخلاقية والإنسانية فيمن يجعله أُسوة لا باعتبار المقام الدنيوي كما أنّه يعدّ عبداً أسود باسم ( لقمان ) حكيماً، ويجعله علماً للحكمة مع أنّه لم يكن من الملوك، ولا من الفلاسفة المعروفين، ولا من الأثرياء، وإنّما كان عبداً نافذ البصيرة ومن هذا القبيل مؤمن آل فرعون، ومؤمن آل ياسين.
والذي نريد أن نبحث عنه في هذا الكتاب الذي جعلنا موضوعه: البحث في المجتمع والتاريخ من وجهة النظر الإسلامية، هو مباحث التاريخ العلمي، وفلسفة التاريخ ؛ لأنّ هذين هما المؤثّران في الفكرة العامة عن الكون ؛ ولذلك فنحن نفصّل البحث عنهما ونبدأ بالتاريخ العلمي.
التاريخ العلمي:
وقبل البحث لا بد من أن نذكر أنّ التاريخ العلمي يبتني على ما ذكرناه سابقاً من أصالة المجتمع، وتشخّصه مستقلاً عن الأفراد إذ لو لم يكن للمجتمع استقلال وأصالة لم يكن هناك إلاّ الأفراد والقوانين الحاكمة عليهم، وحينئذ لا يبقى موضوع للتاريخ العلمي الذي هو عبارة عن العلم بالقواعد، والسنن الحاكمة على المجتمعات فافتراض قانون للتاريخ يتفرّع على وجود التاريخ في الطبيعة، ووجوده
____________________
(١) سورة الأحزاب / ٢١.
(٢) سورة الممتحنة / ٤.
فيها فرع وجود المجتمع فيها وحول مباحث التاريخ العلمي لا بد من البحث عن المسائل الآتية:
١ - التاريخ العلمي - كما أشرنا إليه - يعتمد على التاريخ النقلي الذي هو بمنزلة العناصر، والتاريخ العلمي بمنزلة المختبر إذن فلابد - أولاً - من التحقق عن اعتبار التاريخ النقلي، وإمكان الاعتماد عليه، لو لم يكن كذلك لم يكن معنى للتحقيق العلمي عن القوانين الحاكمة على المجتمعات الماضية.
٢ - لنفترض أنّ التاريخ النقلي قابل للاعتماد، ولنفرض أنّ للمجتمع طبيعة وشخصية مستقلة عن الأفراد، يتوقّف استنباط القوانين والقواعد من الوقائع والحوادث التاريخية على سريان قانون العلّية، وضرورة ترتّب المعلول على العلّة في منطقة المسائل البشرية، أي المربوطة بإرادة الإنسان واختياره، ومنها الحوادث التاريخية إذ لو لم يكن كذلك لم يمكن تعميمها واستخراج القاعدة العامة منها فهل قانون العِلّية يتحكّم في التاريخ أيضاً أم لا ؟ وعلى افتراض تحكّمه فيه فكيف نوجّه إرادة الإنسان واختياره ؟
٣ - هل طبيعة التاريخ مادية ؟ بمعنى أنّ القوّة الأصلية الحاكمة على التاريخ قوّة مادية، والقوى المعنوية كلها متفرّعة عليها، وتابعة للقوة المادية، أم أنّ الأمر بالعكس وطبيعة التاريخ معنوية، والقوة الحاكمة عليه معنوية، والقوى المادية تابعة لها بتفرّعه عليها، فيكون التاريخ في ذاته مثالياً، أم أنّ هناك احتمالاً ثالثاً، وهو أن تكون طبيعة التاريخ مزدوجة، وهو متعدد القوى، فالقوى المختلفة المادية والمعنوية تتحكّم في التاريخ في نظام متناسق تقريباً، وربّما تكون متضادة أيضاً ؟
اعتبار التاريخ النقلي:
هناك مَن يبالغ في إساءة الظن بالتاريخ، فيعتقد أنّ جميع ما يُنقل منه من مجعولات الناقلين الذين حرّفوا الحوادث وقلبوا، ونقصوا وزادوا، وجعلوا الأكاذيب على أساس الأغراض والمقاصد الشخصية، أو العصبيات القومية والطائفية والعنصرية، أو الروابط الاجتماعية فصنعوا التاريخ حسب أهوائهم ولو كانت فيه من تأبى نفسه الكذب عمداً لكان يعمل في نقل الحوادث على أساس الانتخاب، فينقل دائماً ما لا يعارض أهدافه وعقائده، ويمتنع من نقل الحوادث التي تخالف عقيدته أو تجرح شعوره فهؤلاء وإن لم يزيدوا على الحوادث التاريخية من عند أنفسهم، ولم يجعلوا الأكاذيب، إلاّ أنّهم بانتخابهم حسب الأهواء خرّجوا التاريخ بالصورة التي تعجبهم مع أنّ الحادثة أو الشخصية إنّما يمكن أن يبحث عنها بدقّة إذا كان كل ما يتعلّق بها واصلاً إلى المحقق، وأمّا إذا عرض عليه قسم وكتم عنه قسم آخر ؛ تختفي عليه الصورة الواقعية، وتتجلّى له صورة أُخرى.
وهذه النظرة المفرطة إلى التاريخ تساوق نظرة بعض الفقهاء والمجتهدين، الذين يسيئون الظن بنقل الأحاديث والروايات، وهي التي يُعبّر عنها بالقول بانسداد باب العلم فهؤلاء أيضاً انسداديّون في التاريخ وربّما يقال على سبيل الطعن: ( إنّ التاريخ مجموعة حوادث لم تقع وقد دوّنها مَن لم يكن حاضراً ) وقد حُكي هذا الطعن أيضاً عن بعض الصحفيين: ( الواقعيات مقدّسة ولكنّ الإنسان حرٌ في إظهار عقائده ).
وهناك مَن لا يسيء الظن إلى هذا الحد، ولكنّه فضّل فلسفة
الشك في التاريخ فقد نقل في كتاب ( تاريخ جيست )(١) [ ما هو التاريخ ] عن البرفسور جورج كلارك انه قال: ( ان الحقائق الماضية وصلت إلينا بعد تنقيحها بواسطة فكر أو أفكار بشرية إذن فلا تحتوي على عناصر بسيطة جامدة غير قابلة للتغيير إنّ البحث عن هذا الأمر لا ينتهي إلى شيء ومن هنا التجأ بعض المحققين العجالى إلى فلسفة الشك أو - على الأقل - تمسّكوا بالاعتقاد بمساواة اعتبار كل نقل تاريخ لنقل آخر، وأنّه ليس هناك حقيقة تاريخية عينية، نظراً إلى تدخّل الأشخاص والعقائد الخاصة في الاستنتاجات التاريخية ).
والصحيح أنّه وإن لم يمكن الاعتماد بصورة مطلقة على ما ينقل، حتى ولو كان الناقل ثقة، إلاّ أنّ التاريخ يشتمل على مجموعة من المعلومات القطعية التي تُعدّ من نوع البديهيات في سائر العلوم ومن الممكن إجراء التحقيق العلمي بالنسبة إلى تلك القطعيات هذا مضافاً إلى أنّ المحقق بإمكانه الاستناد إلى اجتهاده ونقده، واستنتاج صحّة النقل التاريخي وعدم صحّته فنجد اليوم أنّ هناك بعض المنقولات التي اشتهرت شهرة واسعة في بعض الأزمنة قد وقعت تحت نقد المحققين، وبعد عدّة قرون تبيّن عدم اعتبارها بوضوح فقد شاع على الألسنة منذ القرن السابع الهجري - نعم منذ القرن السابع الهجري فحسب - قصة حرق المكتبة في الإسكندرية، حتى نفذت تدريجاً في أكثر كتب التاريخ، ولكن نقد المحققين في القرن الأخير أثبت أنّها كذب محض، وقد جعلها بعض المسيحيين المغرضين كما
____________________
(١) تأليف ام اش كار ترجمة حسن كامشاد ص٨.
أنّ بعض الحقائق تبقى مدّةً قيد الكتمان، ثم تظهر بعدها بوضوح.
إذن فلا يمكن إساءة الظن بالمنقولات التاريخية بوجهٍ عام.
العِلّيّة في التاريخ:
هل قانون العلية يتحكّم في التاريخ ؟ إذا كان كذلك فلابد أن يكون وقوع كل حادثة في ظرفه الخاص حتمياً غير قابل للتخلّف، فيكون التاريخ محكوماً بنوع من الجبر والضرورة، فأين الحرية والاختيار الثابتان للإنسان ؟ إذا كان وقوع الحوادث جبرياً وضرورياً لم يكن لأي شخص مسؤولية تجاهها، ولم يستحق أحد الثناء والتمجيد، ولا اللوم والتقبيح وإذا لم يتحكّم قانون العلّية في التاريخ لم يمكن تعميمه، وبالنتيجة لم يكن للتاريخ قانون وسنّة عامة، فإنّ القانون فرع ثبوت التعميم، وهو فرع سريان قانون العلّية هذه هي مشكلة التاريخ العلمي وفلسفة التاريخ فاختار جماعة قانون العلّية وثبوت التعميم، وأنكروا الحرية والاختيار، فإنّ ما يقبلونه اسم الحرية ليس من الحرية بشيء واختار آخرون قانون الحرية، وأنكروا قانونية التاريخ وأكثر علماء الاجتماع جزموا بعدم إمكان الجمع بين قانون العلّية والحرية، واختاروا العلية وأنكروا الاختيار.
وممّن أيّد جبر التاريخ ( هيجل ) وتبعه ماركس فمن وجهة نظرهما لا معنى للحرية إلا التنبّه للضرورة التاريخية وقد نقل في كتاب ( ماركس وماركسيسم ) عن كتاب ( آنتي دورينك ) تأليف إنجلز قوله: ( إنّ هيجل أول مَن أوضح الارتباط بين الضرورة والحرية، فمن وجهة نظره ليست الحرية إلا إدراك الضرورة.
والضرورة عمياء إلاّ إذا فُهمت وأُدركت والحرية ليست هي الاستقلال المتمني تجاه قوانين الطبيعة، بل الحرية هي معرفة هذه القوانين، والتمكّن من استخدامها حسب الأُصول في سبيل تحقيق الأهداف المعيّنة وهذا ينطبق على الطبيعة الخارجية، وعلى القوانين الحاكمة على الجانب الجسمي والروحي للإنسان )(١) .
وفيه أيضاً بعد بحث موجز استنتج منه أنّ الإنسان في ظل الأوضاع الخاصة التاريخية، وفي الاتجاه الذي تعيّنه تلك الأوضاع يتمكّن بل يجب أن يباشر عمله، قال بعد ذلك: ( في الواقع أنّ معرفة هذه المعطيات تجعل عمل الإنسان أكبر تأثيراً وكل نشاط في الجهة المخالفة لهذه المعطيات يُعتبر ردّاً للفعل ومواجهة لمسيرة التاريخ، وكل نشاط في الجهة الموافقة لها يُعتبر حركة في جهة التاريخ واستقراراً في مسيرته إلاّ أنّه يبقى السؤال عن الحرية ومصيرها، وتجيب عليه المدرسة الماركسية بأنّ الحرية عبارة عن معرفة الفرد بالضرورات التاريخية، وبالمسيرة الاجتماعية، وبالمسيرة الاجتماعية التي يضطر إلى الوقوع فيها )(٢) .
ومن الواضح أنّ هذا البيان لا يحل المشكلة، فالكلام في ارتباط الإنسان بالأوضاع التاريخية، وأنّه هل هو حاكم عليها، ويمكنه أن يوجّهها، أو يغيّر وجهتها أم لا ؟ فإن لم يكن قادراً على ذلك، فبالطبع يمكنه أن يبقى ويتكامل إذا وقع في وجهة مسير التاريخ، وأمّا إذا خالف المسير فهو محكوم بالفناء حتماً فالسؤال هو أنّ الإنسان هل هو مضطر في وقوعه في مسير التاريخ، أم مختار ؟ وأنّه
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ضميمة ٥ ص٢٤٩.
(٢) المصدر السابق ص٣٧ - ٣٨.
بناءاً على تقدّم المجتمع على الفرد، وأنّ وجدان الفرد وشعوره وإحساسه كلها نتيجة الأوضاع الاجتماعية والتاريخية، وخصوصاً الأوضاع الاقتصادية هل يبقى بعد ذلك مجال للحرية أم لا ؟
هذا مضافاً إلى أنّا نتساءل: ما هو معنى قولهم: إنّ الحرية هي المعرفة بالضرورة ؟ فالإنسان الواقع في مسير السيل الجارف، وهو يعلم قطعاً أنّه بعد لحظات سيجرّه إلى أعماق البحر، أو الإنسان المقذوف من قمّة جبل عالٍ، وهو يعلم أنّه بمقتضى قانون الثقل سيسقط بعد لحظات ويتهشّم، فهل يصح أن يقال: إنّهما مختاران في الوقوع في البحر، والسقوط من الجبل ؟ فالأوضاع الاجتماعية المادية هي حصار الإنسان، وهي التي توجّه الإنسان، تصنع وجدانه وشخصيته وإرادته وانتخابه، بناءاً على نظرية المادية الجبرية التاريخية.
والإنسان أمام المقتضيات الاجتماعية ليس إلاّ إناءً خالياً ومادة أوّليّة، فهو محكوم بتلك الأوضاع، ولا يتحكّم فيها والأوضاع السابقة تعيّن مسير الإنسان المتأخّر عنها، ولكن الإنسان لا يعين مسيرة التاريخ في المستقبل وعليه فلا معنى للحرية ولا مفهوم.
والصحيح أنّ حرية الإنسان لا تتصوّر إلاّ مع نظرية الفطرة بأن يقال: إنّ الإنسان في مسير الحركة الجوهرية العامة للعالم يولد مع بعد زائد، وهو أساس شخصيته، ثم يتكامل وينمو وفقاً لمقتضيات البيئة والمجتمع، وهذا البعد الوجودي هو الذي يمنح الإنسان شخصيته الإنسانية، ويحكّمه على التاريخ، فيكون هو الذي يعين مسيرة التاريخ وقد مرّ البحث عن ذلك في مباحث المجتمع تحت عنوان ( الجبر والاختيار ) وسيأتي توضيح ذلك تحت عنوان ( أبعاد التاريخ ) حيث نتكلّم حول دور الأبطال.
وحرية الإنسان بالمعنى المشار إليه لا تنافي قانون العلّية، ولا عمومية المسائل التاريخية وقانونيتها، نعم للإنسان بمقتضى فهمه ودرايته مسير معين ومشخّص لا يمكن التخلّف عنه في الحياة الاجتماعية بالرغم من اختياره وإرادته، بمعنى أنّه ضرورة بالاختيار، وهذه ليست كالضرورة العمياء التي تتحكّم في إرادة الإنسان.
وهناك إشكال آخر في قانونية المسائل التاريخية وعموميتها، وهو أنّ المستفاد من مراجعة الحوادث والوقائع التاريخية أنّ هناك بعض الحوادث الجزئية على سبيل الصدفة تغيّر مسيرة التاريخ.
والمراد من الصدفة ليس - كما يُتوهّم - ما يحدث من دون علّة، بل ما لا ينشأ من العلل العامة ؛ ولذلك لا تندرج تحت ضابطة كلّيّة، فإن كان للحوادث التي ليست لها ضابطة عامة دور أساسي في حركة التاريخ لزم أن يكون التاريخ فارغاً من أي قانون وقاعدة وسنّة جارية معيّنة ولقد ضرب المثل في الحوادث التاريخية الاتفاقية المؤثِّرة في مجرى التاريخ بأنف كليوبترة ملكة مصر الشهيرة وهناك كثير من الحوادث الجزئية الاتفاقية غيّرت مجرى التاريخ وقد اشتهر ( في المثل الفارسي ) أنّ صحيفة الأيام تتغيّر بجريان نسيم واحد.
يقول ( ادوارد هالت كار ) في كتاب ( تاريخ جيست ): ( والسبب الآخر للتهجّم على جبر التاريخ وهو اللغز المعروف ( أنف كليوبتره ) وهذه هي تلك النظرية التي تعتبر التاريخ فصلاً من عوارض مجموعة من الحوادث الاتفاقية تقريباً، وتنسبها إلى الصدفة فنتائج حرب اكتيوم لا ترتبط بالعلل التي يربطها بها المؤرّخون عموماً، ويعتبرونه من المسلَّمات، بل إنّ السبب في ذلك هو حبّ انطونيو لكليوبتره وحينما توقّف بايزيد عن التقدّم في أوروبا المركزية
بسبب مرض النقرس كتب غيبون: ( إنّ غلبة خلط عليل على مزاج فرد من أفراد البشر، يمكن أن يمنع من شقاء شعوب أو يؤخّر على الأقل ) وعندما مات الكسندر ملك اليونان في خريف عام ١٩٢٠ على إثر عضة قرد معلَّم، صارت هذه الصدفة سبباً لعدّة حوادث، حتى قال وينستون تشرشل: ( إنّ مئتين وخمسين ألف نسمة ماتوا من عضّة قرد ) وعندما ابتُلي تروتسكي بالحمّى في حين اصطياده للإوز، وبينما كان يناضل مع زينويف كامنف واستالين في خريف عام ١٩٢٣، واضطرّ إلى ملازمة الفراش كتب في مذكّرته: ( إنّ الإنسان يمكنه أن يتنبّأ وقوع الثورات والحروب، ولكن لا يمكنه تنبّأ العواقب التي يستلزمها صيد الإوز الوحشية في الخريف )(١) .
وفي العالم الإسلامي يمكننا أن نشهد بقصة هزيمة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، لتأثير الصدفات في مصير التاريخ.
فمروان في آخر حرب بينه وبين العباسيين ابتُلي بحصر البول في ميدان الحرب فذهب إلى ناحية ليقضي حاجته، وصادف أن مرّ هناك رجل من أعدائه فرآه وقتله وشاع قتله بين عسكره، وحيث لم يتوقع مثل تلك الحادثة اضطرب الجيش وهرب، وانقرضت دولة بني أُميّة وهناك قيل: ( ذهبت الدولة ببولة ).
وأوضح ( ادوارد هالت كار ) أنّ كل صدفة نتيجة لمجموعة من العلل والمعلولات تقطع مجموعة أُخرى منهما، لا أنّها حادثة من دون علّة ثم قال: ( كيف يمكن اكتشاف التتابع المنطقي العلّي والمعلولي في التاريخ، ويجعل ذلك قاعدة له مع انه من الممكن ان ينقطع أو
____________________
(١) تاريخ جيست ترجمة حسن كامشاد انتشارات خوارزمي ص ١٤٤ - ١٤٥.
ينحرف التتابع المشهود بواسطة تتابع آخر أجنبي حسب تصوّرنا(١) .
والجواب عن هذا الإشكال يرتبط بمسألة أُخرى، وهي: أنّ المجتمع والتاريخ هل لهما طبيعة ذات جهة معيّنة أم لا ؟ فإن كان التاريخ موجّهاً إلى جهة معيّنة كان دور الحوادث الجزئية ضئيلة، بمعنى أنّها وإن تسبّبت في تبديل الشخصيات، إلاّ أنّها لا تؤثّر في المجرى العام للتاريخ، غاية ما في الأمر أن تسرع جريانه أو تبطئه وأمّا لو كان التاريخ فاقداً لطبيعة وشخصية تعيّن طريقه، فسوف لا يكون له مجرى خاص معين، ويفقد عموميته، ولا تكون حوادثه قابلة للتنبؤ ونحن نعتقد أنّ للتاريخ طبيعة وشخصية مستقلة، وأنّهما تحصلان نتيجة للتركيب الخاص في الشخصيات الإنسانية التي تطلب التكامل بالفطرة وعليه فدور الحوادث الاتفاقية لا ضرّ بعمومية التاريخ وضروراته.
ولمونتسكيو كلام لطيف حول دور الصدفة في التاريخ، نقلنا قسماً منه سابقاً يقول: ( إذا سقطت دولة لسبب اتفاقي خاص، فإنّ هناك بالقطع علّة عامة استوجبت ضعف تلك الدولة فسقطت بذلك السبب )(٢) .
ويقول أيضاً: ( إنّ السبب في سقوط شارل الثاني عشر ملك السويد لم يكن حرب ( بولتاوا)، فلو لم يهزم هناك لكان ينهزم حتماً في موضع آخر فالحوادث الاتفاقية يمكن تداركها بسهولة، ولكن لا يمكن الصيانة أمام الحوادث الناشئة من طبيعة الأشياء )(٣) .
____________________
(١) المصدر السابق ص١٤٦.
(٢) مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ص٢٧.
(٣) المصدر نفسه.
هل التاريخ بطبيعته ماديّاً:
السؤال عن طبيعة التاريخ الأصلية، وأنّها ثقافية أم سياسية أم اقتصادية أم دينية أم أخلاقية، وأخيراً هل هي مادية أم معنوية، أم طبيعية مزدوجة ؟ من أهم مسائل التاريخ فقبل الإجابة على هذه المسألة لا تتم المعرفة الصحيحة عن التاريخ.
ومن الواضح أنّ جميع هذه العوامل المادية والمعنوية كانت وستكون مؤثّرة في نسج التاريخ إنّما الكلام في ماله الأولوية والتقدم والأصالة والدور الأساس الكلام في ما يشكّل الروح الأصلية والهوية الواقعية للتاريخ من بين هذه العوامل، وما يكون منها موجّهة ومفسّرة لسائر العوامل، وما يكون منها أساساً وما يكون منها بناءاً علوياً.
والمشهور بين الباحثين تشبيه التاريخ بسيارة ذات محرّكات عديدة، كل منها يعمل باستقلاله فالتاريخ متعدّد الطباع لا ذو طبيعة واحدة ولكن إذا اعتبرنا التاريخ ذا محركات وطبائع مختلفة، فكيف يمكن له التكامل والسير نحوه ؟ لا يمكن للتاريخ أن يسير في خط تكاملي معين ما دام ذا محركات أصلية، كل منها توجد نوعاً من الحركة، وتجر التاريخ إلى جهة معيّنة، إلا أن تكون هذه العوامل كالغرائز , ويكون للتاريخ فوق تلك الغرائز روحاً تجرّه في ظل هذه الغرائز المختلفة في جهة تكاملية معينة، وهي تشكّل الهوية الواقعية للتاريخ ولكن هذا التعبير بيان آخر عن وحدة طبيعة التاريخ، فطبيعته هي تلك التي نعبّر عنها بروح التاريخ، لا تلك الأُمور التي عبّرنا عنها بغرائز.
وقد برزت في عصرنا نظرية جديدة جلبت نحوها أنظاراً كثيرة، وقد اشتهرت بالمادية التاريخية، أو المادية الديالكتيكية التاريخية، المادية التاريخية بمعنى التفسير الاقتصادي للتاريخ، والتفسير الاقتصادي والتاريخي للإنسان، من دون تفسير إنساني للاقتصاد والتاريخ.
وبعبارة أُخرى المادية التاريخية بمعنى: أنّ ماهية التاريخ مادية ووجوده ديالكتيكي أمّا أنّ ماهيته مادية فمعناه أنّ أساس كل الحركات والنشاطات والمظاهر والتجليات التاريخية في كل مجتمع هو النظام الاقتصادي لذالك المجتمع، أي أنّ القوى المنتجة للمجتمع وعلاقات الإنتاج، وعلى وجه العموم الإنتاج وعلاقاته هي التي تشكّل جميع المظاهر المعنوية الاجتماعية من الأخلاق والعلم والفلسفة والدين والقانون والثقافة، وتعيّن وجهتها، وتغيّرها إذا تغيّرت وجهتها.
وأمّا أنّ وجود التاريخ الديالكتيكي فالمراد أنّ الحركات التطوّرية للتاريخ حركات ديالكتيكية، أي معلولة لمجموعة من التناقضات الديالكتيكية المجتمعة، مع الترابط الخاص بينهما التناقض الديالكتيكي - الذي يفترق عن غير الديالكتيكي - هو أنّ كل ظاهرة تربّي في باطنها بالضرورة نفي نفسها وإنكاره وبعد سلسلة من التغيّرات نتيجة لهذا التناقض الداخلي تتكامل تلك الظاهرة ضمن تغيّر شديد كيفي، وتنقل إلى مرحلة أعلى مركّبة من المرحلتين السابقتين.
إذن فالمادية التاريخية تتضمّن أمرين: أحدهما: أنّ هوية التاريخ مادية، والآخر: أنّ حركاته ديالكتيكية ونحن هنا نبحث عن الأمر الأول، ونترك الآخر للفصل الآتي حول تطوّر التاريخ وتكامله.
ثم إنّ نظرية المادية التاريخية لها أُصول فلسفية ونفسية واجتماعية.
ولها نتائج تشكل مجموعة من النظريات الإيديولوجية وهذا موضوع هام لا بد من توضيحه، خصوصاً بالنظر إلى ما ادعاه بعض الكتاب المثقفين المسلمين من أنّ الإسلام وإن لم يقبل المادية الفلسفية، ولكنّه يؤيّد المادية التاريخية، وقد بنى على هذا الأساس نظرياته التاريخية والاجتماعية ونرى من اللازم أن نفصّل هذا البحث قليلاً ومن هنا نبدأ بذكر الأُصول والمباني التي تبتني عليها هذه النظرية والنتائج المترتبة عليها، ثم نتعرض للنظرية ذاتها، ونبحث عنها من وجهتي النظر العلمية والإسلامية.
أُصول النظرية المادية التاريخية:
١ - أولوية المادة بالنسبة إلى الروح:
الإنسان له جسم وروح فجسمه موضوع للبحوث البيولوجية، والطبية، وعلم التشريح، وغيرها وروحه موضوع للبحوث الفلسفية والنفسية وكل فكر وإيمان وإحساس واعتقاد ونظرية وإيديولوجية تعتبر من الأُمور النفسية والمراد بأولوية المادة بالنسبة إلى الروح أنّ الأُمور النفسية ليست أصيلة، وأنّها مجرّد مجموعة من انعكاسات مادة من المواد الخارجية على الأعصاب والمخ، وليس لها دور إلاّ رَبط القوى المادية الداخلية بالعالم الخارجي، ولكنّها لا تُعد أبداً قوّة في قبال القوى المادية المتحكّمة في وجود الإنسان ويمكن تشبيهها بمصباح السيارة، فهي لا يمكنها السير في الليل من دون المصباح، إلاّ أنّ ما يحركها هو محرك السيارة لا المصباح فالأُمور النفسية من فكر وإيمان ونظرية وعقيدة إذا وقعت في مجرى القوى المادية للتاريخ ساعدت في حركته، ولكنّها أبداً لا توجد حركة بنفسها، ولا تعتبر قوّة في قبال القوّة المادية فالأُمور النفسية ليست قوّة أصلاً، لا أنّها قوّة غير مادية والقوى الواقعية هي تلك التي تعرف بالقوى
المادية، ويمكن تقديرها بالمقاييس المادية ولذا فإنّ الأُمور النفسية ليست بقادرة على إيجاد الحركة , وتعيين وجهة السير، ولا تُعد أبداً من محركات المجتمع فالقيم المعنوية مطلقاً إذا لم تعتمد على القيم المادية وتوجّه مسيرتها لا يمكن أن تكون منشأ أو غاية لحركة اجتماعية.
إذن فلابد من الدقّة في تفسير التاريخ، وعدم الانخداع بالظواهر فإذا وجدنا في مقطع خاص من التاريخ أنّ فكراً أو عقيدة أو إيماناً أثّر في حركة مجتمع ما حسب الظاهر، وساقه إلى مرحلة من التكامل فلابد من تشريح التاريخ، وحينئذٍ سوف نجد أنّ هذه العقائد ليست أصيلة، وإنّما هي انعكاس للقوى المادية في المجتمع، وهي التي تحرّك المجتمع في صورة إيمان أو عقيدة والقوى المادية المحركة للتاريخ إلى الأمام من الناحية الفنية هي نظام الإنتاج في المجتمع، ومن الناحية الإنسانية هي الطبقة الكادحة المحرومة المستثمَرة في المجتمع.
يقول فويرباخ الفيلسوف المادي المعروف، الذي أخذ منه ماركس أكثر نظرياته: ( ما هي النظرية ؟ ما هو العمل ؟ وما هو الفرق بينهما ؟ ) ثم يجيب على هذه الأسئلة بقوله: ( كل ما يكون محدوداً بذهني هي النظرية، وكل ما يختلج في أذهان كثيرة له جانب عملي، فما تتفق عليه الأذهان يشكّل كتلة بشرية، وبذلك يكون له موقع هام في العالم )(١) ويقول ماركس تلميذه الوفيّ: ( من الواضح أنّ سلاح النقد لا يمكن أن يكون بديلاً لنقد السلاح، فالقوّة المادية لا تُقهر إلاّ بقوّة مادية ) ثم يستمر في كلامه متجنّباً اعتبار أصالة القوى غير المادية ،
____________________
(١) ماركس وماركسيسم، تأليف: اندره بيتز، ترجمة: شجاع الدين ضيائيان، ص٣٩.
واعتبار أي قيمة لها سوى التوجيه فيقول: ( وأمّا النظرية فهي أيضاً تتبدّل إلى قوّة غير مادية بمجرّد رسوخها بين المجتمع )(١) .
إنّ قانون أولوية المادة بالنسبة إلى المعنويات، والجسم بالنسبة إلى الروح، وعدم الأصالة في القوى النفسية والقيم الروحية والمعنوية يعتبر من الأصول الأساسية للمادية الفلسفية.
وفي قِبال ذلك أصل فلسفي آخر يبتني على أصالة الروح، وأنّ الأبعاد الأصلية في وجود الإنسان لا يمكن توجيهها وتفسيرها بأجمعها بالمادية وشؤونها فالروح واقعية أصيلة في الوجود البشري، والطاقة الروحية مستقلة عن الطاقات المادية ؛ ولذا تعد القوى النفسية من فكرية واعتقادية وإيمانية وعاطفية عوامل مستقلة لقسم من التحركات، سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى المجتمعات، ويمكن الاستفادة منها كمحركات للتاريخ وهناك كثير من التحركات التاريخية نشأت وتنشأ من هذه المحركات بالاستقلال، وخصوصاً الحركات المتعالية الفردية والاجتماعية للإنسان، فإنّها تنبع من هذه القوى بلا واسطة، وتكتسب تعاليها من هذه الجهة وربما تؤثّر القوى الروحية تأثيراً شديداً في القوى المادية والجسمية، لا على مستوى التحركات الاختيارية فحسب، بل حتى على مستوى التحركات الميكانيكية والكيماوية والبيولوجية أيضاً، وتستخدمها في جهتها الخاصة ومن ذلك تأثير التلقين النفسي في معالجة الأمراض الجسمية، والتأثير العجيب لعمليات التنويم المغناطيسي وهذا أمر لا يمكن إنكاره(٢) .
____________________
(١) ماركس وماركسيسم: ص٣٩.
(٢) راجع كتاب ( تداوي روحي ) تأليف: كاظم زاده إيرانشهر.
وأمّا العلم والإيمان - ولاسيّما الإيمان - فيعتبران قوّة عظيمة فعّالة، ولهما دور كبير إعجازي في التقلّبات والتقدمات التاريخية، وخصوصاً إذا اشتركا في التأثير إنّ أصالة الروح والقوى الروحية تُعد من أُسس الفلسفة الواقعية(١) .
٢ - أولوية الحاجات المادية على الحاجات المعنوية، وتقدّمها عليها:
للإنسان في حياته الاجتماعية - على الأقل - نوعان من الحاجة: الحاجات المادية من قبيل: الماء والغذاء والمسكن والملبس والدواء ونظائرها، والحاجات المعنوية من قبيل: الدراسة والعلم والأدب والفن والفكر الفلسفي والإيمان والإيديولوجية والدعاء والأخلاق ونظائرها فالإنسان محتاج إلى القسمين كيف كان وبأي سببٍ كان إنما الكلام في الأولوية والتقدّم هل الحاجات المادية أولى أم المعنوية، أم لا هذه ولا تلك ؟ هذه النظرية تدّعي أنّ الحاجات المادية أولى وليس المراد أنّ الإنسان يحاول رفع الحاجات المادية أوّلاً، ثم يعطف همّته لرفع الحاجات المعنوية، بل المراد أنّ الحاجات المادية أساس الحاجات المعنوية ومنبعها فالواقع أنّ الإنسان لم يخلق منذ خُلق مع نوعين من الحاجات ونوعين من الغرائز: الحاجات والغرائز المادية، والحاجات والغرائز المعنوية، بل خُلق من نوع واحد من الحاجات والغرائز والحاجات المعنوية حاجات ثانوية والواقع أنّها وسائل لرفع الحاجات المادية بوجهٍ أحسن ومن هنا كانت الحاجات المعنوية تابعة للحاجات المادية من حيث الشكل والكيفية والماهية فالإنسان في كل مرحلة من مراحل تطوّر
____________________
(١) راجع المجلّد الأول والثاني من كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم )
وسائل الإنتاج تتغيّر حاجاته المادية، حسب تغيّر وسائل الإنتاج من حيث الشكل والصبغة والكيفية وحاجاته المعنوية - وهي منبعثة من الحاجات المادية - تتغيّر من حيث الشكل والكيفية والخصائص، حسب الحاجات المادية إذن فالواقع أنّ بين الحاجات المادية والمعنوية أولوية من جهتين: إحداهما: الأولوية الوجودية، حيث إنّ الحاجات المعنوية وليدة الحاجات المادية والأُخرى: الأولوية الماهوية، حيث إنّ الحاجات المعنوية تتبع المادية من حيث الشكل والخصوصية والكيفية.
وقد ورد في كتاب ( ماترياليسم تاريخي ) تأليف ب رويان نقلاً عن كتاب ( تفكّرات فلسفي ) تأليف هايمن لويس ص٩٢: ( طريقة الحياة المادية للإنسان دفعته إلى تقديم فرضيات - حسب الوسائل المستعملة في رفع الحاجات المادية العصرية - حول العالم ( النظرة الكونية الشاملة ) والمجتمع والفن والأخلاق، وسائر المعنويات التي تنشأ من هذه الطريقة المادية )(١) ولذلك فإنّ طريقة البحث العلمي، والتفكير الفلسفي، والذوق وإدراك الجمال والفن، والتقييم الخلقي، والاعتقاد الديني في كل فرد تابع لوضع معاشه وحياته المادية وقد عبّر عن هذا الأصل عند إجرائه في الفرد بقوله: ( قل لي ماذا يأكل ؟ حتى أقول كيف يفكّر ) وعند إجرائه في المجتمع بقوله: ( قل لي إلى أي درجة تكامل وسائل الإنتاج فيه، وأي نوع من العلاقات الاقتصادية قائمة بين أفراده ؟ حتى أقول أي إيديولوجية، وأي فلسفة، وأي أخلاق، وأي دين يوجد في ذلك المجتمع).
____________________
(١) ماترياليسم تاريخي ص٣٧.
وفي قبال هذه النظرية نظرية أصالة الحاجات المعنوية فبناءاً على هذه النظرية وإن كان الإنسان يشعر بحاجاته المادية قبل المعنوية، كما يشاهد في وضع الطفل حيث يبحث منذ ولادته عن الثدي واللبن، إلاّ أنّ الحاجات المعنوية الكامنة في فطرته تتفتّح تدريجياً، حتى أنّه عند بلوغه سن الرشد يستعد للتضحية بحاجاته المادية في سبيل الحصول على ما يحتاج إليه معنوياً وبتعبير آخر: إنّ اللذة المعنوية أصيلة في الإنسان، بل هي أقوى من اللذات والمنافع المادية(١) وكلّما ترقّى الإنسان من حيث الدراسة والتربية ؛ أثّرت حاجاته ولذاته وحياته المعنوية في حاجاته ولذّاته وحياته المادية والمجتمع أيضاً كذلك، فالمجتمعات البدائية تتحكّم فيها الحاجات المادية أكثر من الحاجات المعنوية، ولكن كلّما تكامل المجتمع اكتسبت الحاجات المعنوية قيمة وتقدّماً أكثر حتى تصبح هدف الإنسانية، وتتنزّل قيمة اللذّات المادية حتى تصبح على مستوى الوسيلة(٢) .
٣ - أصل تقدّم العمل على الفكر:
الإنسان يفكّر فيعرف ويعمل العمل مقدم على الفكر أم بالعكس ؟ هل العمل هو جوهر البشرية أم الفكر ؟ هل شرف الإنسان عمله أو فكره ؟ فالإنسان هل وليد العمل أم الفكر ؟
المادية التاريخية تبتني على أصالة العمل وتقدّمه على الفكر، وأنّ الأصل هو العمل والفكر فرعه والمنطق والفلسفة القديمان يعتبران
____________________
(١) راجع النمط الثامن من الإشارات لابن سينا، ففيه بحث قيّم حول هذا الموضوع.
(٢) راجع كتاب ( قيام وانقلاب مهدي از ديدكاه فلسفة وتاريخ ).
الفكر مفتاحاً للفكر ؛ وذلك لأنّه ينقسم في المنطق إلى تصوّر وتصديق، وكل منهما إلى بديهي ونظري والأفكار البديهية تعد مفتاحاً للأفكار النظرية وجوهر البشرية ( النفس ) يعرّف في ذلك المنطق والفلسفة بأنّه فكر محض ويعتبر كمال الإنسان وشرفه في العلم والإنسان الكامل مساوٍ للإنسان المفكّر(١) .
ولكن المادية التاريخية تعتمد على هذا الأصل، وهو: أنّ العمل مفتاح الفكر ومقياسه، وأنّ الجوهر البشري هو عمله الإنتاجي، والعمل أساس معرفة الإنسان، وهو مربّيه أيضاً قال ماركس: ( إنّ كل التاريخ العالمي ليس إلاّ خلق الإنسان بعمل الإنسان )(٢) وقال إنجلز: ( إنّ الإنسان أيضاً مخلوق بالعمل )(٣) وذلك لأنّ الإنسان منذ بدء الخليقة بدلاً من التفكير لمقابلة العوارض الطبيعية تغلّب عليها بواسطة العمل الشاق، وعن طريق هذا العمل الثوري في قبال الأقوياء المعتدين صنع مجتمعه المطلوب، وسار به إلى الأمام.
وقال في كتاب ( ماركس وماركسيسم ): ( إنّ فلسفة الوجود - ويعني بها الفلسفة التي تفسّر العالم على أساس الكينونة، في قبال فلسفة التطوّر التي تفسّر العالم على أساس الحركة، والماركسية من قبيل فلسفة التطوّر - تبدأ بعرض الفكر والأُصول الفكرية لتستنتج منه النتائج العملية، في حين أنّ الفلسفة العملية تعتبر العمل أساساً للفكر فهذه
____________________
(١) كانت تُعرّف الفلسفة من حيث الهدف والغاية: أنّها صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني.
(٢) ماركس وماركسيسم ص٤٠ - ٤١.
(٣) المصدر نفسه.
الفلسفة تجعل القدرة بديلاً للإيمان بالظنون، وتؤيّد هيجل في قوله: ( الوجود الحقيقي للإنسان في المرحلة الأُولى هو عمله ) وتلتحق أيضاً في هذه العقيدة بأخلص مفكّر ألماني حيث قلب الكلمة المشهورة: ( إنّ أول الأشياء هو الفعل ) أي الروح، والكلام الذي هو مظهرها فقال: ( إنّ أوّل الأشياء هو العمل )(١) .
إنّ هذا الأصل أصل فلسفي مادِّي ماركسي، وهو ما يُعرف لدى الماركسية ب- ( براكسيس ) وقد اكتسبه ماركس من سَلفه المادي فويرباخ، ومن إمامه الآخر هيجل.
وفي قبال هذا الأصل أصل فلسفي واقعي، يقول بالتأثير المتبادل بين العمل والفكر وتقدّم الفكر على العمل والجوهر البشري في هذه الفلسفة هو الفكر، ( أي علم الإنسان الحضوري الجوهري بذاته ).
والإنسان بواسطة العمل ومباشرة العالم الخارجي يكتسب أُصول معلوماته من الخارج، وما دام الذهن لم يستغن بذاته عن هذه المعلومات الأوّلية لم يكن مجال لتوسيع معارفه وبعد جمع هذه المعلومات الأوّلية يعمل الذهن في مجموعة مكتسباته الذهنية بوجوه مختلفة، من التعميم والانتزاع والاستدلال، ويستعد لكسب المعرفة الصحيحة، والمعرفة ليست مجرّد انعكاس بسيط للمادة الخارجية في الذهن، بل بعد انعكاسها تتيسّر المعرفة بواسطة مجموعة من الأعمال الذهنية التي تنشأ من جوهر الإنسان غير المادي، وهو الروح ؛ إذن فالعمل منشأ الفكر، والفكر أيضاً منشأ للعمل والعمل مقياس الفكر، والفكر مقياس العمل أيضاً، وهذا ليس دوراً مستحيلاً ؛ فشرف
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ص٣٩.
الإنسان بعلمه وإيمانه وكرامته النفسية، والعمل إنّما يكون موجباً للشرف إذا كان سبباً لتحصيل هذه الكرامة والإنسان صانع العمل ومصنوعه ؛ وهذا من مميّزات الإنسان ولا يشابهه فيه شيء، وينبع ذلك من خصوصيته الذاتية في أصل الخلقة الإلهية ولكنّ صنع الإنسان للعمل بمعنى إيجاده وإيجابه، وصنع العمل للإنسان بمعنى الإعداد والتمهيد فالإنسان يخلق العمل واقعاً، ولكنّ العمل لا يخلق الإنسان واقعاً، بل العمل والممارسة وتكراره يمهّد الطريق لخلق الإنسان في ذاته وكلّما كان الارتباط المتبادل بين شيئين ايجابياً وإيجادياً من ناحية، وإعدادياً وإمكانياً من ناحية أُخرى كان التقدم للطرف الأول.
فالإنسان الذي جوهر ذاته هو المعرفة ( علم الإنسان الحضوري بذاته ) له ارتباط متقابل مع العمل، والإنسان صانع العمل وموجده والعمل أيضاً - صانع للإنسان، إلاّ أنّ الإنسان سبب لوجوب العمل ووجوده، والعمل سبب إعدادي وإمكاني للإنسان، فالإنسان مقدّم على العمل دون العكس.
٤ - تقدّم الوجود الاجتماعي للإنسان على وجوده الفردي، وبعبارة أُخرى: تقدّم علم الاجتماع على علم النفس في الإنسان:
الإنسان من الناحية البيولوجية أكمل الحيوانات، وله قابلية نوع خاص من التكامل هو التكامل الإنساني وهو يتمتع بشخصية خاصة تشكل أبعاد وجوده الإنساني فيكسب بُعده الفكري والفلسفي والعلمي من مجموعة من التجارب والتعاليم، وبعده الأخلاقي من مجموعة أخرى من العوامل وفي هذا البُعد يخلق القيم الخلقية والأوامر والنواهي الأخلاقية وهكذا بُعده الفني والديني .وهو في بعده الفكري
والفلسفي يحصل على مجموعة من الأُصول والمبادئ الفكرية تعتبر أساساً لتفكيره، كما أنّه في تقييمه الخلقي والاجتماعي يحصل على مجموعة من القيم المطلقة وشبه المطلقة كل هذه الأبعاد الإنسانية تشكّل وجود الإنسان، وهي بأجمعها معلولة لعوامل اجتماعية، فالإنسان فاقد لجميعها عند الولادة، وإنّما هو مادة مستعدة لقبول أي وجهة فكرية وعاطفية، ويرتبط ذلك بنوعية العوامل التي يقع تحت تأثيرها، فهو كإناء فارغ يملأ من الخارج، وكشريط التسجيل الفاقد لكل صوت فتسجّل فيه الأصوات الخارجية، ثم يصدر كل ما سجّل فيه بعينه والخلاصة: أنّ صانع شخصية الإنسان، والذي يخرجه من حالة الشيئية إلى حالة الشخصية هي العوامل الاجتماعية الخارجية، التي نعبّر عنها بالعمل الاجتماعي ؛ فالإنسان في ذاته شيء محض، وفي ظل العوامل الاجتماعية يصبح شخصاً.
وقد ورد في كتاب ( ماترياليسم تاريخي ) تأليف ب رويان نقلاً عن كتاب ( مسائل أُصولي ماركسيسم تأليف بلخنوف ص٤٢ ): ( إنّ خصائص الجو الاجتماعي تتعيّن في كل زمان حسب المستوى الخاص للقوى المنتجة، أي أنّه إذا تعيّن مستوى القوى المنتجة تتعيّن أيضاً خصائص الجو الاجتماعي والسيكولوجية المتعلّقة به، والروابط المتقابلة بين الجو الاجتماعي من جانب والأفكار والسير من جانب آخر ).
وقد ورد فيه أيضاً: ( ولمّا تعيّنت السيكولوجية بواسطة القوى المنتجة تتعيّن أيضاً الإيديولوجية الخاصة التي لها جذور قريبة في السيكولوجية.
ولكنّ هذه الإيديولوجية الناشئة من مناسبات اجتماعية، في مرحلة خاصة من التاريخ، إنّما يمكنها أن تبقى وتضمن مصالح الطبقة الحاكمة إذا قويت وتكاملت بسبب المؤسسات الاجتماعية إذن فالواقع أنّ
المؤسسات الاجتماعية الطبقية، مع أنّها توجد من أجل الحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة، وتقوية الإيديولوجية وبسطها، ولكنّها أساساً من نتائج المناسبات الاجتماعية، وتنشأ - بمقتضى آخر تحليل - من كيفية الإنتاج وخصائصه، فمثلاً الكنائس والمساجد إنّما تؤسّس لنشر العقائد الدينية التي أصلها في جميع الأديان هو الإيمان بالمعاد، والعقيدة بالمعاد تنشأ من مناسبات اجتماعية خاصة مبتنية على طبقية ناشئة من مرحلة خاصة لتطوّر وسائل الإنتاج فالتحليل الأخير يقضي بأنّ العقيدة بالمعاد نتيجة لخصائص القوى المنتجة ).
وفي قبال هذا الأصل أصل آخر في معرفة الإنسان، يبتني على أنّ أساس شخصية الإنسان الذي هو مبدأ أفكاره وعقائده المتعالية قد وضع في فطرته الأصلية على أيدي عوامل الخلقة فالإنسان وإن لم يولد مع شخصية كاملة - كما يقول أفلاطون - إلاّ أنّ أركان شخصيته وأُسسه الأصلية مخلوقة معه، لا أنّه يكسبها من مجتمعه وبعبارة فلسفية: إنّ أساس الأبعاد الإنسانية للإنسان من خلق ودين وفلسفة وفن وأدب وحب هو صورته النوعية، ومبدأ فصله ونفسه الناطقة التي تتكوّن مع عوامل الخلقة والمجتمع يربّي الإنسان أو يمسخه بالنظر إلى قابلياته الذاتية.
والنفس الناطقة في أول الأمر مجرّد استعداد، وتصل إلى مرحلة الفعلية بالتدريج وعليه فالإنسان من جهة أُسس التفكير الأولية، ومن جهة أُصول العقائد والحب المعنوي والمادي كأي موجود حيّ آخر، في وجود جميع الأُصول فيه من أول الأمر بالقوّة والاستعداد، وفي نمو تلك الخصائص ورشدها نتيجة لسلسة من الحركات الجوهرية، والإنسان يربي شخصيته الفطرية ويوصلها إلى حد الكمال تحت تأثير العوامل الخارجية، وإنّما يمسخها ويضلها وهذا الأصل هو ما يعبّر عنه، في
الثقافية الإسلامية بالفطرة، ويعد فيها أُم الأُصول.
وبناءاً على أصل الفطرة فعلم النفس مقدّم على علم الاجتماع، وهو يستمد من علم النفس وبناءاً عليه فالإنسان منذ ولادته، مع أنّه مسلوب الإدراك والتصوّر والتصديق والاعتقاد الإنساني، ولكنّه في نفس الوقت يملك أبعاداً وجودية غير الأبعاد الحيوانية، وتلك الأبعاد هي التي توجد فيه تدريجياً مجموعة من التصوّرات والتصديقات الانتزاعية ( وبتعبير المنطق والفلسفة: المعقولات الثانية) التي هي الأصل الأساس في التفكير الإنساني، وبدونها يستحيل له أي نوع من التفكير المنطقي، وتوجد فيه أيضاً مجموعة من الاعتقادات المتعالية، وهي تعتبر أساس الشخصية الإنسانية للإنسان.
والإنسان بناءاً على نظرة تقدم علم الاجتماع على علم النفس موجود قابل، وليس موجوداً فاعلاً وهو مادة خالصة لا تنافيها ذاتاً أي هيئة تعطى إياها وشريط فارغ لا تختلف بالنسبة إليه الأصوات التي يمكن أن تسجل فيه فليست في هذه المادة الخالصة حركة إلى كسب هيئة معيّنة، بحيث إذا حصل عليها فقد حصل على هيئتها الخاصة، وإذا لم يحصل فقد مسخ عمّا يجب أن يكون عليه وفي ذات هذا الشريط لا يوجد اقتضاء لصَوت معين، بحيث تكون سائر الأصوات أجنبية بالنسبة إلى مقتضى ذاته وحقيقته فنسبة هذه المادة إلى جميع الهيئات، وهذا الشريط إلى جميع الأصوات، وهذا الإناء إلى كل مظروف سواء.
ولكن بناءً على أصالة الفطرة، والقول بتقدم علم النفس على علم الاجتماع، فالإنسان وإن كان من أول الأمر فاقداً لكل إدراك وعقيدة
بالفعل، إلاّ أنّه يتحرك من ذاته بصورة ديناميكية نحو مجموعة من الإدراكات الأولية تسمّى البديهيات الأولية، ونحو مجموعة من القيم المتعالية التي هي مقاييس الإنسانية وبعد اكتساب الذهن مجموعة من التصورات البسيطة - التي تعد مادة أولية للتفكير، وباصطلاح الفلسفة ( المعقولات الأُولى ) - تنمو تلك الأُصول في صورة مجموعة من التصديقات النظرية أو العلمية، وكذلك تبرز تلك العقائد الدفينة.
وبناءاً على النظرية الأُولى فالحكم - مثلاً - بأنّ ٤ = ٢ × ٢ في وضعنا الحاضر واعتباره حكماً مطلقاً يشمل جميع الأزمنة والأمكنة، إنّما هو في الواقع وليد الوضع الاجتماعي الخاص فهذا المجتمع وهذه الأوضاع الخاصة هي التي أمدتنا بهذا الحكم، فهو رد فعل الإنسان في هذه الأوضاع وفي الواقع هو صوت سجل في هذا المجتمع، ومن الممكن أن يكون الحكم في مجتمع آخر وبيئة أُخرى: ٢٦ = ٢ × ٢ مثلاً.
ولكن بناءاً على النظرية الثانية، فالذي يمنحه المجتمع للإنسان هو تصور الأعداد ٢، ٤، ٨، ١٠ ونظائرها وأمّا الحكم بأنّ ٢ × ٢ = ٤، وأنّ ٥ × ٥ = ٢٥ وغيرهما، فهو مقتضى التركيب الروحي للإنسان، ويستحيل أن يكون بوجه آخر، كما أنّ العقائد الإنسانية في طريق التكامل أيضاً من لوازم روحه في أصل الخلقة(١) .
____________________
(١) لمزيد من الإطلاع في مبحث الفطرة كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم ) خصوصاً المقالة الخامسة ( ظهور الكثرة في المدركات )، وتفسير الميزان ج / ٨ مبحث أخذ الميثاق، وج١٦ في الكلام حول معنى الفطرة في الدين، وكذا سائر المباحث الإجمالية الأُخرى المتفرّقة في كثير من مواضع هذا التفسير الكبير.
٥ - أولوية الجهات المادية على الجهات المعنوية في المجتمع:
إنّ المجتمع يتشكل من حقول وأنظمة وتأسيسات النظام الثقافي، والنظام الإداري، والنظام السياسي، والنظام الديني، والنظام القضائي، وغيرها فالمجتمع من هذه الجهة يشبه بناءاً تعيش فيه أُسرة، ويشمل على غرفة استقبال، وغرفة نوم، ومطبخ، ومرافق وغيرها.
ومن بين هذه الأنظمة نظام أصلي بمنزلة أساس البناء، وعليه يعتمد ويبني جميع ما في المبنى، فإذا تزلزل أو تهدّم انقضّ البناء بكامله، وهو النظام الاقتصادي للمجتمع وهو كل ما يتعلّق بالإنتاج المادي للمجتمع من وسائل الإنتاج، ومنابعه وعلاقاته فوسائل الإنتاج وهي أهم أصول المجتمع متغيّرة ومتكاملة بذاتها وكل مرحلة من تطوّر وسائل الإنتاج يستلزم نوعاً خاصاً من علاقات الإنتاج مغايراً للنوع السابق وهذه العلاقات هي الأُصول والقوانين المتعلقة بالرابطة الاعتبارية بين الإنسان، وما يكسبه المجتمع بعمله وبالتغيّر الضروري الحاصل في علاقات الإنتاج تتغيّر جميع القوانين الحقوقية والفكرية والخلقية والدينية والفلسفية والعلمية للإنسان وبكلمة واحدة: ( الاقتصاد هو الأصل الأساس ).
وقد نقل في كتاب ( ماركس وماركسيسم ) عن رسالة ( نقد الاقتصاد السياسي ) لكارل ماركس قوله: ( إنّ الإنسان في حياته الإنتاجية يضطر إلى استقرار علاقات معيّنة مستقلة عن إرادته وهذه العلاقات تطابق مع المرحلة الخاصة لتكامل القوى المنتجة ومجموعة هذه العلاقات تشكّل الظواهر الاقتصادية للمجتمع، أي الأساس الواقعي الذي يُبنى عليه المبنى الحقوقي والسياسي الذي يطابق الشعور
الاجتماعي الخاص وكيفية الإنتاج في الحياة المادية هي التي تعيّن حركة الحياة الاجتماعية , والسياسية والثقافية والشعور البشري لا يعين وجوده، بل العكس هو الصحيح، فوجوده الاجتماعي هو الذي يعين شعوره(١) .
وفيه أيضاً نقلاً عن رسالة ماركس لانتكوف: ( لاحظ وضعاً خاصاً من توسعة القوى المنتجة البشرية ترى قباله كيفية خاصة من التجارة والمصرف ولاحظ درجة خاصّة من توسعة الإنتاج التجاري والمصرف، ترى قبالها تركيباً خاصاً من المجتمع والنظام العائلي والأصناف والطبقات، وبكلمة موجزة من المجتمع المدني )(٢) .
وقد أوضح ( بيتير ) هذه النظرية الماركسية فقال: ( وهكذا يشبّه ماركس المجتمع بمبنى أساسه القوى الاقتصادية، والمبنى نفسه هو الأفكار والعادات والرسوم والأنظمة القضائية والسياسية والدينية وغيرها وكما أنّ وضع المبنى يتعلّق بوجهٍ خاص بأساسه، كذلك الوضع الاقتصادي ( علاقات الإنتاج ) يتعلّق بالوضع الفني وأمّا كيفية الأفكار والعادات والنظام السياسي فتتبع الوضع الاقتصادي )(٣) .
وورد فيه أيضاً أنّ لينين نقل في كتابه ( ماركس و إنجلز ) عن ( رأس المال ).
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ص ٢٤٦ضميمة سوم راجع أيضاً ( مراحل أساسي أنديشه در جامعه شناسي ) ص١٦٣ و ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ) ص١٥٣.
(٢) ماركس وماكسيسم ص٢٤٧ضميمه سوم.
(٣) ماركس وماكسيسم ص٣٣.
قوله: ( إنّ كيفية الإنتاج مظهر نشاط الإنسان أمام الطبيعة، والضمان الفوري لمستقبل إنتاجه الحيوي، وبعد ذلك هي مظهر الوضع الاجتماعي، والمفاهيم الفكرية التي تنشأ منه )(١) .
ويقول أيضاً في مقدمة ( نقد الاقتصاد السياسي ): لقد توصّلت في أبحاثي إلى هذه الفكرة، وهي: أنّ الروابط القضائية والأشكال المختلفة للدولة لا يمكن أن توجد بنفسها، ولا أن تكون ناشئة ممّا يدعى بالتحوّل العام للفكر البشري، بل إنّ هذه الروابط وهذه الصور المختلفة تستمد جذورها من الأوضاع المادية الموجودة إنّ تشريح أعضاء المجتمع إنّما يمكن بالبحث والتحقيق حول الاقتصاد السياسي )(٢) وكتب ماركس في كتاب ( فقر الفلسفة ): ( إنّ الروابط الاجتماعية ترتبط تماماً بالقوى المنتجة، والإنسان يغيّر وجهة الإنتاج بالحصول على قوى منتجة جديدة ومع تغيّر كيفية الإنتاج والاستمرار في الحياة تتغيّر جميع العلاقات الاجتماعية، فالطاحونة اليدوية مظهر المجتمع القبلي، والطاحونة البخارية مظهر المجتمع الصناعي الرأسمالي )(٣) .
إنّ نظرية تقدم العامل الاقتصادي على سائر العوامل الاجتماعية تشبه نظرية تقدم العمل على الفكر، إلاّ أنّ الأخيرة تعرض على مستوى الأفراد والأُولى على مستوى المجتمعات، وإلاّ فهما في الحقيقة نظرية واحدة وحيث إنّ أنصار هذه النظرية هم أنصار نظرية تقدم علم
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ص٢٤٨ ضميمه سوم.
(٢) ماركس وماركسيسم: ص٣٢- ٣٣.
(٣) المصدر نفسه.
الاجتماع على علم النفس، إذن فتقدم العمل الفردي على الفكر الفردي هو نتيجة تقدم العامل الاقتصادي على سائر العوامل الاجتماعية وأمّا إذا قلنا بتقدّم علم النفس على علم الاجتماع، فإنّ الأمر يكون بالعكس، ويكون تقدم العامل الاقتصادي في المجتمع على سائر العوامل معلولاً، ونتيجة لتقدم العمل الفردي على الفكر الفردي.
والعامل الاقتصادي للمجتمع الذي يعبّر عنه بالهيكل الاقتصادي والبناء الاقتصادي يشتمل على أمرين:
١- وسائل الإنتاج، وهي محصول علاقة الإنسان بالطبيعة.
٢ - العلاقات الاقتصادية بين أفراد المجتمع في حقل توزيع الثروة وقد يعبّر بعلاقات الإنتاج و كثيراً ما يعبّر عن مجموع وسائل الإنتاج وعلاقاته بكيفية الإنتاج وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ هذه المصطلحات التي وردت على لسان أعلام المادية التاريخية لا تخلو من إبهام، ولم تتعيّن مفاهيمها تماماً(١) وعندما يقال إنّ الاقتصاد هو الأساس، وإنّ النظام المادي للمجتمع مقدّم على سائر أنظمته، فالمراد به كل ما يتعلّق بالإنتاج، أي وسائله وعلاقاته.
وهنا نقطة هامة لا بد من التوجّه إليها، وهي واضحة كل الوضوح من خلال كلمات أعلام المادية التاريخية، وهي أنّ الأساس المذكور في المجتمع ذو طبقتين، أحداهما أساس للأُخرى، فالحجر الأساس لمجموع البناء هو وسائل الإنتاج التي تعتبر عملاً متجسّداً، وهي التي تستوجب علاقات اقتصادية خاصة في حقل توزيع الثروة وهذه العلاقات التي
____________________
(١) راجع ( تجديد نظر طلبي از كارل ماركس تامائو ص٢٣٥ ).
هي انعكاس لدرجة نمو وسائل الإنتاج ليست في بدو وجودها متناسبة مع تلك الوسائل فحسب، بل هي أيضاً محرّكة ومشوّقة، أي أنّها خير وسيلة للانتفاع بتلك الوسائل، وكأنّها الثوب المتناسب لهيكلها، ولكنّ وسائل الإنتاج في ذاتها تنمو وتتكامل، وهذا التكامل يرفع التناسب بين وسائل الإنتاج وعلاقاته، فتصبح علاقات الإنتاج والاقتصاد، أي تلك القوانين التي كانت متناسبة مع تلك الوسائل السابقة، وكأنّها قميص ضيّق يمنع من نشاط وسائل الإنتاج المتكاملة، وتعتبر حينئذ سدّاً مانعاً أمام حركة تلك الوسائل، ويتحقق بينهما التناقض وفي نهاية المطاف تتغيّر علاقات الإنتاج إلى علاقات جديدة متناسبة مع والوسائل الجديدة، وبذلك يتغيّر أساس المجتمع تماماً، وبعد ذلك تنقلب جميع أبنية المجتمع من حقوق وفلسفة وأخلاق ودين وغير ذلك.
وإذا لاحظنا أهميّة العمل الاجتماعي المتجسّد المعبّر عنه بوسائل الإنتاج، ولاحظنا أنّ ماركس عالم اجتماعي يقول بتقدّم علم الاجتماع على علم النفس، وإنّ الإنسان بما هو إنسان موجود اجتماعي، ويعبّر عنه ب- ( جنريك )، أدركنا أهمية الدور الفلسفي للعمل في النظرية الماركسية، وأنّه جوهر الفلسفة الماركسية وإن قلّ التوجّه إليه.
فالتفكير الماركسي حول الوجود الإنساني للعمل والوجود العملي للإنسان، كتفكير ديكارت في الوجود العقلي للإنسان، وتفكير بريجسون في الوجود الاستمراري له، وتفكير جون بور سارتر في الوجود العصياني له فيقول ديكارت: ( أنا أفكّر فأنا موجود ) ويقول بريجسون ( أنا مستمر فأنا موجود ) ويقول سارتر: ( أنا أعصي فأنا موجود ) وقول ماركس: ( أنا أعمل فأنا موجود).
ولا يريد أحد من هؤلاء العلماء أن يثبت الذات الإنسانية من هذه الطرق المختلفة، ووراء هذه الأُمور ( الفكر، الاستمرار، العصيان، وغير ذلك ) بل إنّ بعضهم لا يقول بوجود للإنسان وراء هذه الأُمور، بل إنّ كلاًّ منهم يريد أن يبيّن ضمناً جوهر الإنسانية وواقعيتها الوجودية فمثلاً ديكارت يريد أن يقول ضمناً أنّ وجودي يساوي وجود الفكر، فإذا لم يكن هناك تفكير فلست موجوداً ويريد بريجسون أن يقول: أنّ وجود الإنسان هو وجود الاستمرار والزمان.
ويريد سارتر أن يقول: إنّ جوهر الإنسان وواقعه الوجودي هو تمرّده وعصيانه، فإذا سلب منه التمرّد والعصيان لم يكن إنساناً ويريد ماركس بدوره أن يقول: إنّ وجود الإنسان الواقعي، هو العمل، فهو جوهر الإنسانية، فقوله ( أنا أعمل فأنا موجود ) ليس معناه أنّ العمل دليل وجوده، بل معناه أنّ العمل هو عين وجوده، وأنّه وجوده الواقعي.
وإذا سمعنا ماركس يقول: ( إنّ ما يدعى بالتاريخ العلمي ليس لدى الإنسان الاشتراكي إلاّ صنع الإنسان بواسطة العمل البشري )(١) وإذا سمعناه يفرّق بين الشعور الإنساني ووجوده الواقعي، حيث يقول: ( إنّ شعور الإنسان لا يعين وجوده بل الأمر بالعكس، فالوجود الاجتماعي للإنسان يعين شعوره )(٢) .
أو يقول: ( إنّ المقدمات التي نبتدئ منها ليست أُصولاً ذاتية وحتمية، بل أعمال أفراد واقعيين وأوضاعهم الوجودية المادية ) ثم يوضح المراد من الأفراد الواقعيين، فيقول: ( ولكن هؤلاء الأفراد ليسوا على ذلك الوجه الذي يبرز في تصوراتهم، بل على ذلك الوجه الذي ينتج بصورة مادية ويصنع، أي ذلك الوجه
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ص٤٠ نقلاً عن ( اقتصاد سياسي ماركس ).
(٢) تجديد نظر طلبي ص١٥٣.
الذي يعمل حسب أصول وأوضاع وحدود مادية معينة خرجاً عن نطاق إرادتهم )(١) وإذا سمعنا إنجلز يقول: ( يقول علماء الاقتصاد: إنّ العمل منبع جميع الثروات ولكنّ الصحيح أنّ دور العمل بصورة لا نهائية أكبر من هذا، فالعمل هو الشرط الأساس الأول لجميع شؤون الحياة البشرية، بحيث يجب أن يقال من جهة: إنّ الإنسان بنفسه أيضاً مصنوع للعمل )(٢) كل ذلك يحكي عن هذا الأصل.
ولا يخفى أنّ ماركس وإنجلز إنّما أخذا هذه النظرية حول دور العمل في وجود الإنسان من هيجل، فهو أول مَن قال: ( إنّ الوجود الحقيقي للإنسان في أول مرحلة هو عمله )(٣) .
إذن فمن وجهة النظر الماركسية يعتبر الوجود الإنساني للإنسان اجتماعياً لا فردياً، ثم إنّ وجوده الاجتماعي هو العمل الاجتماعي، أي العمل المتجسّد، وكل أمر اجتماعي من قبيل الفلسفة والأخلاق والفن والدين مظاهر الوجود الواقعي للإنسان وتجلياته، لا عين وجوده الواقعي ؛ وعليه فالتطوّر الواقعي للإنسان هو بعينه تطوّر العمل الاجتماعي ولكنّ التطوّر الفكري والعاطفي والشعوري أو تطوّر النظام الاجتماعي، كل ذلك مظاهر التطوّر الواقعي له وتجلياته فالتطوّر المادي للمجتمع مقياس التطوّر المعنوي، بمعنى أنّه كما أنّ العمل مقياس
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص١٦٧.
(٢) ماركس وماركسيسم ص٤١ نقلاً عن كتاب ( نقش كاردر إنسان كردن ميمون ) تأليف فردريك إنجلز.
(٣) ماركس وماركسيسم ص٣٩.
الفكر، ولا يمكن الحكم بصحّة تفكير أو سقمه إلاّ بالعمل والتجربة، دون المقاييس الفكرية والمنطقية كذلك مقياس التطوّر المعنوي هو التطوّر المادي فإذا سئل: أي المدارس الفلسفية أو الخلقية أو الدينية أو الفنية أرقى ؟ لم تمكن الإجابة عليه بالمقاييس الفكرية والمنطقية، بل المقياس الوحيد هنا هو البحث عن أنّ هذه المدرسة وليدة أي وضع اجتماعي، وفي أي مرحلة من تطوّر العمل الاجتماعي، أي وسائل الإنتاج.
وهذا النوع من التفكير وإن كان عجيباً في نظرنا، حيث إنّنا نعتقد أنّ واقع الإنسان هو نفسه، وذاته وهي جوهر غير مادي، وإنّما تحدث نتيجة الحركات الجوهرية في الطبيعة، وليس منتوجاً للمجتمع، إلاّ أنّ رجلاً كماركس الذي لا يفكّر إلاّ في إطار مادي محض، ولا يعتقد بوجود جوهر غير مادي، لا بد له من تفسير الجوهر الإنساني وواقعيته تفسيراً بيولوجياً، ولابد من أن يقول: إنّ جوهره ليس إلاّ تركيبه الجسماني المادي كما يقوله الماديون القدامى، كالماديين في القرن الثامن عشر ولكنّ ماركس يرفض هذه النظرية، ويدعي بأنّ جوهر الإنسانية يتشكّل في المجتمع، لا في الطبيعة والذي يتشكّل في الطبيعة هو الإنسان بالقوّة، لا الإنسان بالفعل، وبعد ذلك لا بد لماركس من اختيار أحد الوجهين:
١ - إنّ الفكر جوهر الإنسانية، والعمل والجهد البشري مظهر الفكر.
٢ - إنّ العمل جوهر الإنسانية، والفكر مظهره وحيث إنّ ماركس لا يفكر إلاّ في الإطار المادي، ولا يكتفي بالقول بأصالة المادة وإنكار ما وراءها في الفرد، بل يقول بأصالتها في التاريخ والمجتمع أيضاً، فلابد له من اختيار الشق الثاني من الترديد.
ومن هنا تبيّن الفرق بين نظرية ماركس وساير الماديين في حقيقة التاريخ فكل مفكّر مادي بمقتضى اعتقاده بأنّ الإنسان، وجميع مظاهره الوجودية مادية محضة لا بد من أن يرى هوية التاريخ مادية أيضاً ولكن ماركس لا يكتفي بهذا الحد، بل يقول إنّ هويته اقتصادية ثم يقول في الاقتصاد بأنّ علاقات الإنتاج، أو علاقات الملكية ونتيجة العمل أُمور ضرورية جبرية، وهي ليست إلاّ انعكاسات لمرحلة خاصة من تطوّر وسائل الإنتاج، أي العمل المتجسّد إذن فالواقع أنّ هوية التاريخ ( وسائلية ) ومن هنا عبرّنا في بعض رسائلنا عن نظرية المادية التاريخية الماركسية بالنظرية الوسائلية في قبال ما نقول به، وهو النظرية الإنسانية في التاريخ، حيث نعتقد أنّ ماهيّته إنسانية.
والواقع أنّ ماركس قد توغّل في فلسفة العمل، وبالغ في نظريته حول العمل الاجتماعي، حيث لا بد من أن يقول على وجه الدقّة حسب هذه النظرية: إنّ أفراد الإنسان في الواقع ليسوا هم الذين يمشون في الشوارع والأسواق، ويفكّرون ويريدون، بل أفراد الإنسان الواقعيين هي تلك الوسائل والآلات التي تحرّك المصانع مثلاً والأشخاص الذين يتكلمون ويمشون ويفكرون هم مُثُل الإنسان لا أعيانه فماركس يفكر حول العمل الاجتماعي ووسائل الإنتاج، وكأنّه يفكر حول موجود حي ينمو ويتطور جبراً وضرورة في ذاته، وبصورة عمياء، وبالاستقلال عن تأثير إرادة ( المثل )، أي مظاهر الإنسان بل يؤثر في إرادة تلك المثل وأفكارهم - وهم أصحاب الفكر والإرادة - ويجعلها تحت نفوذه وسيطرته جبراً وقهراً، ويجرّها خلفه.
ويمكن أن يقال: إنّ التفكير الماركسي حول العمل الاجتماعي، وسيطرته ونفوذه على شعور الإنسان وإرادته، يشبه من جهة ما يقوله بعض الحكماء الإلهيين في النشاط الجسمي اللاشعوري للإنسان، كنشاط الجهاز الهضمي، والقلب والكبد ونحوها تحت نفوذ الإرادة الخفية للنفس التي يُعبّر عنها ب- ( واحدي التعلّق ) فهؤلاء الحكماء يقولون بأنّ الميول والإرادات ودرك الضرورات وجوداً وعدماً، وبكلمة واحدة كل ما يرتبط بالجانب العملي للنفس، أي الجانب السفلي والتدبيري، وما يتعلق بالبدن ممّا يحكم فيه الذهن على مستوى الشعور والإدراك، كل ذلك انعكاسات لمجموعة من الحاجات الطبيعية , والذهن الشعوري يقع قي ذلك تحت تدبير الإرادة الخفية للنفس قهراً وجبراً، من دون أن يعلم بمنشأ هذه الأُمور.
ويشبه أيضاً ما يقوله فرويد فيما يعبّر عنه اصطلاحاً بالشعور الباطن أو اللاشعور، وأنّه متسلّط على الشعور والإدراك.
هذا مع اختلاف بينهما، حيث إنّ نظرية الحكماء السابقين وما يقوله فرويد يختصان - أولاً - بقسم من الشعور الظاهر، وثانياً بتسلّط شعور خفي، مضافاً إلى أنّ ما قالوه لا يرتبط بأمر خارج عن وجود الإنسان، وما يقوله ماركس يرتبط بأمر خارج عنه والواقع أنّ ما يقوله ماركس إذا تأمّلنا فيه كان محيّراً للغاية من وجهة النظر الفلسفية.
ثم إنّ ماركس يوازن بين نظريته والنظرية البيولوجية لداروين، حيث أثبت أنّ أمراً ما خارجاً عن إرادة الحيوان وشعوره يؤثّر في تركيب جسم الحيوان تدريجياً ولا شعورياً وماركس أيضاً يدعي بأنّ عاملاً أعمى ( وهو حقيقة الإنسان أيضاً ) يؤثّر تدريجياً ولا شعورياً في تشكيل
الوجود الاجتماعي للإنسان، أي كل تلك الأُمور التي يعدها ماركس من البناء الاجتماعي العلوي، بل قسماً من أساس البناء أيضاً، وهو العلاقات الاجتماعية الاقتصادية فيقول: ( إنّ داروين ألفت أنظار العلماء إلى تاريخ ( تفنّن الطبيعة )، أي تشكيل أعضاء النباتات والحيوانات التي هي بمنزلة وسائل الإنتاج لإدامة الحياة فهل تاريخ ولادة الأعضاء المنتجة للإنسان الاجتماعي، أي الأساس المادي لكل منظمة اجتماعية لا يستحق هذا التفكير إنّ التفنّن يجعل عمل الإنسان قبال الطبيعة عرياناً بعيداً عن الشوائب، ويوضح له شؤون الإنتاج وحياته المادية، وأخيراً منشأ العلاقات الاجتماعية والأفكار، والمدركات الفكرية الناشئة منها )(١) .
وقد اتضح من مجموع ما ذكرناه أنّ نظرية المادية التاريخية تبتني على عدّة نظريات أُخرى، بعضها سيكولوجية، وبعضها اجتماعية وبعضها فلسفية.
النتائج:
ثم إنّ النظرية المادية التاريخية لها بدورها مجموعة من النتائج تؤثّر في الإستراتيجية، والمقصد العملي الاجتماعي فالمادية التاريخية ليست مسألة فكرية ونظرية محضة لا تؤثر في انتخاب السيرة الاجتماعية.
ونلاحظ هنا ما يمكن أن نستنتجه منها من نتائج:
١ - النتيجة الأُولى ترتبط بمعرفة المجتمع والتاريخ فبناءاً على المادية التاريخية أحسن الطرق وأقربها في تحليل الحوادث
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٢٢٣ نقلاً عن كتاب ماركس وإنجلز، آثار بركزيده.
التاريخية والاجتماعية ومعرفته هو التحقيق عن الأُسس الاقتصادية لها.
ولا يمكن المعرفة الصحيحة والدقيقة للحوادث التاريخية من دون ملاحظة الأُسس الاقتصادية ؛ لأنّ المفروض أنّ جميع الحوادث الاجتماعية اقتصادية في ماهيّتها، وإن كانت بحسب الصورة ذات ماهية مستقلة ثقافية أو دينية أو أخلاقية، أي أنّ جميع هذه الحوادث انعكاسات عن الوضع الاقتصادي للمجتمع، وكلها معلولات لتلك العلّة والحكماء السابقون كانوا يدّعون أيضاً بأنّ أشرف وجوه المعرفة وأكملها هو معرفة الأشياء عن طريق عللها الوجودية إذن فمع افتراض أنّ أساس جميع الحوادث الاجتماعية هو الوضع الاقتصادي للمجتمع، فأحسن طريق لمعرفة التاريخ هو التحليل الاجتماعي الاقتصادي، وبعبارة أُخرى: كما أنّ العلّة في مقام الثبوت والواقع مقدم على المعلول، كذلك في مقام الإثبات والمعرفة إذن فأولوية العامل الاقتصادي ليست أولوية عينية ووجودية فحسب، بل هي أولوية ذهنية وإثباتية.
وقد أوضح هذا المطلب مؤلّف كتاب ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ) فقال: ( في مقام تحليل الثورات الاجتماعية لا يجوز أن نحكم على المنازعات الاجتماعية من الجانب السياسي أو الحقوقي العقائدي.
بل الأمر بالعكس فلابد من توضيح هذه الجوانب بواسطة التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج فماركس يحذّرنا جداً من هذا النوع من التحليل ؛ لأنّه ( أولاً ) مخالف للواقع، وجعل المعلول - أي الظواهر السياسية والحقوقية والعقائدية - مكان العلّة، أي التناقضات والتغييرات الاقتصادية و( ثانياً ) سطحي ؛ لأنّه يكتفي بما يعرض مباشرة، ولا ينفذ في أعماق المجتمع بحثاً عن العلل الحقيقية و( ثالثاً ) وهمي ؛ لأنّ الظواهر التي هي - على وجه العموم - إيديولوجية
ليست إلاّ توهّماً وتصوّراً خاطئاً عن الواقع الموضوعي ولا شك أن التصوير الخاطئ بدلاً عن الموضوع الواقعي التحليلي يعرضنا للخطأ والاشتباه )(١) .
ثم ينقل عن كتاب ( آثار بركزيده ماركس وإنجلز ) قوله: ( كما أنّه لا يمكن الحكم على الفرد بموجب تفكيره الخاص بالنسبة إلى نفسه، كذلك لا يجوز الحكم بالنسبة إلى هذه الحالة المضطربة بما يشعر به عن نفسه )(٢) .
إنّ ماركس يحاول أن ينكر دور الشعور والفكر وحب التجديد التي تعدّ عادة العوامل الأساسية للتطوّر فمثلاً يقول سن سيمون - الذي استفاد منه ماركس كثيراً من أفكاره - حول دور غريزة حب التجديد في التطوّر: ( المجتمعات تتبع قوّتين خُلُقيتين متساويتين في القدرة، وتؤثّران على التناوب، إحداهما: العادة والأُخرى: حب التجديد فبعد مدّة من الزمان تصبح العادات قبيحة بالضرورة ؛ وحينئذ يشعر المجتمع بالحاجة إلى أُمور جديدة وهذه الحاجة تشكّل الحالة الثورية الحقيقية )(٣) .
ويقول برودون المعلّم الآخر لماركس - حول دور العقائد والأفكار في تطوّر المجتمعات: ( إنّ الظواهر السياسية للشعوب هي مظهر عقائدهم وتحرّك هذه الظواهر وتغيرها وانعدامها تجارب عظيمة تبيّن لنا قيمة تلك الأفكار ويظهر من ذلك تدريجياً الحقيقة المطلقة الأبدية
____________________
(١) ص١٥٥.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) تجديد نظر طلبي ص١٨١.
التي لا تقبل التغيير، ولكنّنا نجد أنّ جميع الأنظمة السياسية تحاول اضطراراً - ومن أجل إنقاذ أنفسها من الموت الحتمي - تسوية الأوضاع الاجتماعية )(١) .
وعلى الرغم من جميع ذلك، فإنّ ماركس يدّعي أنّ كل ثورة اجتماعية قبل كل شيء ضرورة اجتماعية اقتصادية، ناشئة من تقطب المجتمع المدني ماهية وشكلاً، وكذلك القوى المنتجة والعلاقات الاجتماعية(٢) .
يريد ماركس أن يقول: إنّ حب التجديد أو العقيدة أو الإيمان المهيج ليست هي التي تحقق الأحداث الاجتماعية، بل الضرورة الاجتماعية الاقتصادية هي التي تخلق حب التجديد والعقيدة والإيمان المهيج.
أذن فبناءً على ما استنتجناه من المادية التاريخية، إذا أردنا أن نفسّر ونبحث عن حروب إيران واليونان، أو الحروب الصليبية، أو الفتوحات الإسلامية، أو النهضة الأوروبية، أو ثورة المشروطة في إيران، فمن الخطأ أن نبحث عنها على أساس الحوادث الظاهرية، والأشكال الصورية لها، التي قد تكون سياسية أو دينية أو ثقافية، بل حتى على أساس الشعور الثوري آنذاك، حيث كان الثوّار يعتبرون حركتهم سياسية أو دينية أو ثقافية، بل لا بد من اعتبار ماهية تلك الحركات
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص١٩٨.
(٢) تجديد نظر طلبي ص١٨٣ والمراد بتقطيب المجتمع والقوى المنتجة والعلاقات الاجتماعية هو انقسامها إلى قطبين متناقضين.
وهويتها الواقعية اقتصادية ومادية ؛ حتى نحصل على المفتاح الواقعي للبحث.
واليوم أيضاً نرى أفراخ الماركسية المعاصرين، إذا أرادوا تفسير حركة تاريخية يتبجّحون بكلمات غير مفهومة، وإن لم يكن لهم أدنى معرفة بالأوضاع الاقتصادية المقارنة لتلك الحركة.
٢ - القانون الحاكم على التاريخ قانون جبري خارج عن إرادة الإنسان، لا يمكن التخلّف عنه وقد مرّ الكلام في فصول سابقة حول ما إذا كانت هناك مجموعة من القوانين العِلّية والمعلولية تتحكم في التاريخ، بحيث يستلزم نوعاً من الضرورة العِلّية والمعلولية، وأوضحنا أنّ بعضها تحت عنوان الصدفة، وبعضاً آخر تحت عنوان كون الإنسان موجوداً حرّاً مختاراً رفضوا حكومة قانون العِلّية في المجتمع والتاريخ، وبالنتيجة أنكروا وجود الضرورة والسنن غير القابلة للتخلف ولكنّا أثبتنا أنّ هذه النظرية لا أساس لها، وأنّ قانون العِلّية والضرورة العِلّية والمعلولية يتحكمان في المجتمع والتاريخ، كما يتحكمان في سائر الأشياء ومن جانب آخر أثبتنا أنّ المجتمع والتاريخ بمقتضى أنّ كلاً منهما موجود حقيقي واحد ذو طبيعة خاصة، فالقوانين الحاكمة عليها ضرورية وكليّة إذن فبناءً على ما مرّ من البيان تتحكم في المجتمع والتاريخ مجموعة من القوانين الضرورية والكليّة ونحن نعبّر عن هذا النوع من الضرورة بالضرورة الفلسفية، ومقتضى هذه الضرورة أن تكون مسيرة التاريخ وفقاً لسلسة من القوانين القطعية والضرورية.
أمّا الجبر التاريخي الماركسي المعبّر عنه بالجبر الاقتصادي فهو تعبير خاص عن الضرورة الفلسفية، وهذه النظرية تتشكّل من نظريتين
أُخريين: إحداهما: هي تلك الضرورة الفلسفية التي تحكم بأنّ كل حادثة لا يمكن أن توجد إلاّ مع الضرورة، فوجود كل حادث في ظرف تحقق العلل الخاصة له حتمي وقطعي، وفي ظرف عدم تحقق تلك العلل مستحيل وممتنع والأُخرى: نظرية تقدم العامل الاقتصادي في المجتمع على سائر العوامل، وقد مرّ توضيحها ونتيجة هاتين النظريتين هي الجبر المادي التاريخي، بمعنى أن تبعية البناء العلوي للأساس حتمي وقطعي، ومع التغيير والتبدل في الأساس فالتغيير والتبدّل في البناء العلوي قطعي غير قابل للتخلّف، وبدون تغيير الأساس فالتغيير في البناء العلوي غير ممكن وهذا الأصل هو الذي يجعل الاشتراكية الماركسية علمية حسب إدّعاء الماركسيين، ويخرٍّجها بصورة قانون طبيعي، كسائر القوانين الطبيعية لأنّه طبقاً لهذا الأصل، فإنّ وسائل الإنتاج التي هي أهم أجزاء الهيكل الاقتصادي للمجتمع تستمر في تطوّرها وفقاً لسلسة من القوانين الطبيعية، كما أنّ أصناف النبات والحيوان تستمر في نموّها التدريجي عبر التاريخ الطويل، ومئات الملايين من السنين، وفي مرحلة خاصة تدخل نوعاً جديداً وكما أنّ النمو والتطوّر والتبدّل النوعي في النباتات والحيوانات خارج عن كل إرادة وميل وأمنية، كذلك النمو والتطوّر في وسائل الإنتاج.
إنّ وسائل الإنتاج في مسيرته التكاملية تمر بمراحل، ولدى وصولها إلى كل مرحلة تغير جميع الشؤون الاجتماعية قهراً، وقبل وصولها لمرحلة خاصة من نموها لا يمكن حدوث تطور في البناء العلوي للمجتمع وعبثاً يحاول الاشتراكيون وعامة أنصار العدالة الاجتماعية الذين لم يلاحظوا الإمكانيات التي تحصل من ناحية تطوّر وسائل الإنتاج، ولكنّهم استمرّوا يبذلون جهودهم بمقتضى العاطفة، وتمنّي
تحقيق العدالة والاشتراكية والحقوق الاجتماعية في المجتمع.
قال كارل ماركس في مقدمة كتابه ( رأس المال ): ( إنّ الدولة المتقدمة صناعياً أكثر من غيرها هي نموذح لمستقبل الدول التي تقع بعدها في الجدول الصناعي(١) وحتى لو فرضنا أنّ مجتمعاً وصل إلى مرحلة من الثقافة، بحيث أمكن اكتشاف مجرى القانون الطبيعي الحاكم على حركته، فلا يمكنه القفز عن مراحل التقدّم الطبيعية، ولا يمكنه، إلغاؤها، بإصدار القرارات، ولكن يمكنه أن يقصّر دورة الحمل ويخففّ آلام المخاض ).
وقد بيّن في ذيل كلامه ملاحظة لم يتوجه إليها، أو قلّ التوجه إليها، وهو يريد في الواقع أن يجيب على أسئلة أو مناقشات متعددة إذ يمكن أن يقال: إنّ التقدّم المترتّب مرحلة فمرحلة للمجتمع تبعاً للتقدم المترتّب والمنظّم في الطبيعة إنّما يكون جبرياً غير قابل للتخلّف إذا اكتشف ذلك أصبح تحت سلطانه، وتحكم فيه ولذا يقال: إنّ الطبيعة سيّدة الإنسان ما لم تعرف، وكلما عرفت أصبحت خادمة له بنسبة معرفته إيّاها فالمرض مثلاً كالوباء ونحوه ما لم يعرف ولم يعلم سببه وعلاجه كان حاكماً مطلق العنان على حياة البشر، وأمّا إذا عّرف - كما عرف
____________________
(١) يعني أنّ الصناعة والتكنولوجيا وبالتبع المبنى الاجتماعي للدول الصناعية، تتقدم في مسير معيّن لا يقبل التخلّف، فمجرى حركة المجتمعات ذو خط واحد والدول المتقدمة فعلاً نموذج من جميع الجهات لكل الدول التي لم تصل بعد إلى هذه المرحلة، ولا يمكن أن تخطو نحو التكامل من طريق آخر دون أن تمر بالمرحلة التي مرّت بها غيرها.
اليوم - أمكن منعه والحيلولة دون إتلافه لحياة البشر، وهكذا السيل والطوفان ونحوهما.
فيريد ماركس أن يقول في بيانه هذا: إنّ الحركة المنظمة للمجتمع من نوع الحركات والتغييرات الديناميكية، أي من نوع الحركات الذاتية والداخلية للأشياء، كالحركات المنظمة لنمو النباتات والحيوانات، وليس من قبيل الحركات والتغييرات الميكانيكية، أي التغييرات التي تطرأ على الأشياء بسبب عوامل خارجية، كجميع التغييرات الفنية والصناعية في الطبيعة، ومن هذا القبيل إبادة الحشرات بواسطة المواد المبيدة، وإبادة الجراثيم بواسطة الأدوية المطهّرة وما يقال من أنّ اكتشاف قانون الطبيعة يوجب إمكان التغلّب عليها، ووقوعها تحت اختيار الإنسان إنّما يصح في قوانين العلاقات الميكانيكية وأمّا في التغييرات الديناميكية، والحركات الذاتية والمنبعثة من داخل الأشياء، فأكثر ما يكون دور العلم فيها هو تطبيق الإنسان نفسه مع مجرى هذه القوانين، والاستفادة من هذا الطريق فهو باكتشاف القوانين المتعلقة بنمو النباتات وتكامل الحيوانات، من قبيل قوانين رشد الجنين في الرحم يحصل على سلسلة من القوانين الضرورية التي لا يمكن التخلّف عنها، ولابد من التسليم لها.
فماركس يقصد بقوله هذا أنّ التكامل الاجتماعي للإنسان الذي يتبع تطوّر وسائل الإنتاج تكامل ديناميكي داخلي ذاتي، لا يغيّره العلم والمعرفة، ولا يؤثّر فيه فالإنسان لا بد له من التسليم للمراحل الخاصة للتكامل الاجتماعي التي هي مسير معيّن، كمسير الجنين في الرحم، وأن يترك محاولة تغيير المسير بأن يقفز المجتمع من بعض المراحل الوسطى ويصل إلى نهاية الشوط، أو أن يصل إليها عن طريق
آخر غير ذلك الطريق الذي عيّنه له التاريخ.
وما ذكرته الماركسية من القول بجبرية السير التكاملي للمجتمع، وذاتيته وطبيعته ولا شعوريته يشبه نظرية سقراط في الذهن البشري وتوليده الفطري، حيث كان يستخدم في تعاليمه طريقة الاستفهام، وكان يعتقد أنّ الأسئلة إذا أُلقيت بصورة منظّمة ومرتّبة، ومع معرفة دقيقة بالعمل الذهني تمكّن الذهن بحركة قهرية وفطرية أن يجيب عليها من نفسه، ولا يحتاج إلى تعليم خارجي وكانت أُم سقراط قابلة، فكان يقول: إنّي أُعامل الأذهان كما كانت أُمّي تعامل المرأة النفساء فالقابلة ليست هي التي تلد الطفل، بل الأُم بطبيعتها تضعه في الوقت المناسب، ومع ذلك فإنّها تحتاج إلى القابلة، فهي التي تراقب الأوضاع مخافة أن يحدث أمر غير طبيعي، فيسبّب للأُم أو الطفل مضاعفات مؤلمة.
ثم إنّ كشف القوانين الاجتماعية وفلسفة التاريخ لا يغيّران شيئاً من المجتمع في النظرية الماركسية، ومع ذلك فإنّ لها قيمة عالية والاشتراكية العلمية ليست إلاّ كشف هذه القوانين وأقل ما يستفاد منها هو رفض الاشتراكية الخيالية، وطلب العدالة بالآمال ؛ وذلك لأنّ القوانين الديناميكية بالرغم من عدم إمكان تغييرها وتبديلها، فإنّ مزيتها إمكان التنبؤ بواسطتها فيمكن بالاستفادة من قوانين الاجتماع العلمية والاشتراكية العلمية التحقيق عن وضع أي مجتمع، وأنّه في أيّ مرحلة، كما يمكن بها التنبؤ لمستقبله، وبالنتيجة يمكن اكتشاف أنّ جنين الاشتراكية في رحم كل مجتمع في أي مرحلة من مراحل تكوينها وبذلك لا يتوقع منها إلاّ ما تقتضيه تلك المرحلة، فلا يتوقع من المجتمع الإقطاعي أن ينتقل إلى مجتمع اشتراكي، كما أنّه لا يتوقع من جنين
عمره أربعة أشهر أن يتولد والماركسية تحاول اكتشاف المراحل الطبيعية الديناميكية للمجتمعات وأعلامها، كما تحاول معرفة القوانين الجبرية لتطور المجتمعات من مرحلة إلى أُخرى.
والمجتمعات في النظرية الماركسية مرّت بأربعة مراحل كليّة، حتى وصلت أو ستصل إلى الاشتراكية: المرحلة الاشتراكية البدائية، المرحلة العبودية، المرحلة الرأسمالية، المرحلة الاشتراكية وربّما يُذكر بدلاً عن هذه المراحل خمسة أو ستة أو سبع مراحل، بتقسيم كل من مراحل العبودية والرأسمالية والاشتراكية إلى مرحلتين.
٣ - كل مرحلة تاريخية تختلف عن المرحلة الأُخرى في الماهية والنوعية فكما أنّ الحيوانات تتطوّر بيولوجياً، وتتبدل من نوع إلى آخر، وتتغيّر من حيث الماهية كذلك المراحل التاريخية ولذا فإنّ لكل مرحلة من التاريخ قوانينه الخاصة به فلا يمكن أبداً تعميم القوانين السابقة أو اللاحقة لمرحلة وسطى وكما أنّ الماء ما دام ماءاً يتبع القوانين الخاصة بالسوائل، وحينما يتبدل بخاراً لا يتبع تلك القوانين، بل يتبع القوانين الخاصة بالغازات، كذلك المجتمع ما دام في المرحلة الإقطاعية - مثلاً - تتحكم فيه سلسلة من القوانين، ومتى ما اجتاز هذه المرحلة، ووصل إلى المرحلة الرأسمالية كانت المحاولات لإبقاء قوانين الإقطاع بلا جدوى ولذا فإنّ المجتمع لا يمكن أن تكون له قوانين أبدية ودائمية فبناءاً على المادية التاريخية، وأنّ الأساس هو الاقتصاد فإنّ كل قانون يدّعي الأبدية مرفوض أساساً وهذه إحدى النقاط التي توجب عدم ملائمة المادية التاريخية للدين عموماً، وللإسلام خصوصاً، حيث يقول بسلسلة من القوانين الأبدية.
وقد ورد في كتاب ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ) نقلاً عن ملحقات الطبعة الثانية لكتاب ( رأس المال ) قوله: ( كل مرحلة تاريخية لها قوانين خاصة ومتى ما اجتازت قافلة الحياة مرحلتها إلى مرحلة أُخرى كانت إدارتها تحت قوانين جديدة والحياة الاقتصادية في تطورها التاريخي تظهر بتلك الصورة التي نجدها في سائر أنواع البيولوجيا
والتراكيب الاجتماعية تتمايز بنفس الكيفية التي تتمايز بها التراكيب الحيوانية والنباتية )(١) .
٤ - إنّ تطوّر وسائل الإنتاج، كان السبب في تحقق الملكية الخاصة في فجر التاريخ، فانقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة مستثمرة وطبقة كادحة وهاتان الطبقتان تشكلان قطبين أساسيين في المجتمع منذ بدء التاريخ إلى يومنا هذا، وكانت ولا تزال بينهما المنازعات والتناقضات ولا يخفى أنّ المراد من انقسام المجتمع إلى قطبين ليس حصر جميع الطوائف في هاتين الطبقتين، فربّما تكون طائفة لا تنتمي إلى شيء منهما، بل المراد أنّ الطوائف التي تؤثّر في مصير المجتمع تنقسم إلى هاتين الطبقتين، وسائر الطوائف تتبع إحداهما.
وفي المصدر السابق قال: ( إنّ لدى ماركس وإنجلز نوعين مختلفين من تقسيم المجتمع إلى طبقات، وصراع الطبقات، أحدهما: التقسيم إلى قطبين، والآخر: تقسيمه إلى أقطاب وتعريف الطبقة يختلف فيهما، فالطبقة في التقسيم الأول مجازيه، وفي الثاني حقيقية(٢) .
____________________
(١) ص٢٢٥.
(٢) المراد بالطبقة الحقيقية الطائفة من الناس الذين لهم حياة اقتصادية مشتركة وآلام مشتركة أيضاً وأمّا الطبقة المجازية فهي الطوائف التي تختلف في الحياة الاقتصادية، ولكنّهم جميعاً يتبعون إيديولوجية واحدة.
وضوابط تحقق الطبقة أيضاً تتفاوت وقد حاول إنجلز في مقدمة كتاب ( صراع الفلاحين الألمان ) أن يجمع بين التقسيمين، ويجعل منهما تقسيماً واحداً متجانساً، فهو يعترف بوجود الطبقات المتعددة في المجتمع، والأصناف المتعددة في كل طبقة، ولكنّه يعتقد بأنّ طبقتين منهما فقط هما اللتان تؤدّيان الرسالة التاريخية القطعية، وهما البورجوازية والبروليتاريا، فإنّهما تشكّلان القطبين المتناقضين واقعاً(١) .
ففي رأي الفلسفة الماركسية كما أنّه يستحيل أن يسبق البناء الاجتماعي أساسه، كذلك يستحيل أن ينقسم المجتمع من حيث الأساس ( أي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، علاقات الملكية ) إلى طبقتين: كادحة ومستثمرة ويكون في نفس الوقت من حيث الهيكل الاجتماعي على مستوى واحد فالوجدان الاجتماعي أيضاً ينقسم بدوره إلى وجدان مستثمر، ووجدان كادح ويتحقق في المجتمع نوعان متفاوتان من النظام الخُلُقي والفلسفة والأيديولوجية وتفسير الكون، فالوضع الاجتماعي والاقتصادي لكل طبقة منشأ لنوع من الفكر والنظر والذوق، وكيفية التفكير، واتخاذ الموقف والموضع الخاص في المسائل الاجتماعية ولا يمكن لأي طبقة أن تتقدّم على وضعه الاقتصادي من جهة الوجدان والذوق والتفكير، وإنّما الذي لا ينقسم إلى قطبين، بل يختص بالطبقة المستثمرة فقط، لإرغام الطبقة الكادحة على التسليم، وقبول الأسر، فالطبقة المستثمرة بمقتضى كونها حائزة للمواهب المادية في المجتمع تتمكن من فرض ثقافتها بوجه عام - ومنها الدين - على الطبقة
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٣٤٥.
الكادحة ولذا فإنّ الثقافة الحاكمة من تفسير الكون والإيديولوجية والأخلاق والذوق والإحساس و - بطريق أولى - الدين هي تلك الثقافة التي تختارها الطبقة الكادحة فهي كأصحابها محكومة، ويمنع من تكاملها.
قال ماركس في كتاب ( الإيديولوجية الألمانية ): ( إنّ أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر هي الأفكار الحاكمة، بمعنى أنّ تلك الطبقة التي تتمثّل فيها القوّة المادية الحاكمة في المجتمع، هي في نفس الوقت القوّة المعنوية الحاكمة فيه الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج المادي
والأفكار الحاكمة ليست إلاّ البيان الفكري للعلاقات المادية الحاكمة، أي العلاقات المادية بلسان الأفكار، أي تلك العلاقات التي جعلت من تلك الطبقة طبقة حاكمة، فهي أفكار حاكميتها والأشخاص الذين يشكّلون الطبقة الحاكمة لهم معلومات أيضاً، ولذلك فهم يفكرون وحيث إنّهم يحكمون على مستوى طبقة ويشكلون عصراً في التاريخ، فمن الواضح أنّهم يبسطون حكومتهم على جميع المستويات أي أنّ الحكام مضافاً إلى سائر الجهات التي يحكمون فيها، حيث إنّهم يفكرون وينتجون أفكارا جديدة فهم ينظمون أيضاً توزيع الأفكار، فتكون أفكارهم هي الأفكار الحاكمة )(١) .
إنّ الطبقة الحاكمة والمستثمرة بالذات رجعي ومحافظ، يؤمن بالتقاليد، وينظر إلى الماضي، وثقافتها التي هي الثقافة الحاكمة والمفروضة على المجتمع ثقافة رجعيّة تابعة للتقاليد، وناظرة إلى
____________________
(١) الإيديولوجية الألمانية ( الترجمة الفارسية ) ص٦١.
الماضي وأمّا الطبقة الكادحة والواقعة تحت الأسر، فهي في ذاتها ثورية هادمة للوضع الموجود تقدمية ناظرة إلى المستقبل، وثقافتها المحكومة ثقافة ثورية مخالفة للتقاليد ناظرة إلى المستقبل فالواقع تحت الاستثمار شرط أساس في الثورية، أي أنّ هذه الطبقة هي الوحيدة التي تستعد للثورة.
قال في كتاب ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ) بعد العبارة السابقة التي نقلها عن إنجلز في مقدمة كتاب ( صراع الفلاّحين الألمان ): ( بعد مرور عام على نشر هذه المقدمة ( مقدمة كتاب صراع الفلاّحين الألمان ) كتب المجلس الاشتراكي الألماني الأعلى في ( جوئا ) في برنامجه: (إنّ جميع الطبقات المقابلة لطبقة العمّال يشكّلون مجموعة رجعيّة ) ثم انتقد ماركس هذه الجملة بشدّة ولكنّا إذا أردنا أن نفكّر بصورة منطقية، لا بد لنا من أن نعترف بأنّ هؤلاء الاشتراكيين البؤساء بعد ما كتبه ماركس في بيانه، لم يتمكنوا من التمييز بين الانقسام إلى قطبين، والانقسام إلى أقطاب عديدة ؛ ولذلك اضطروا إلى الحكم بالجملة السابقة فإنّ ماركس في بيانه (مانيفست الحزب الشيوعي ) أعلن أنّ الصراع الطبقي الحالي هو كالصراع بين البروليتاريا والبورجوازية وكتب: ( إنّ طبقة البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة التي تعتبر ثوريّة حقيقية من بين جميع الطبقات المخالفة للبورجوازية )(١) .
وقد قال ماركس في بعض كلماته: إنّ طبقة البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة الواجدة لجميع الخصائص الثورية وشرائطها التي هي عبارة عن:
____________________
(١) ( تجديد نظر طلبي ) ص ٣٤٧.
١- الوقوع تحت الاستثمار: وهو يستلزم أن يكون منتجاً أيضاً.
٢- عدم المِلْكيّة: ( وهذه الخصيصة وسابقتها موجودتان في الفلاّحين أيضاً ).
٣- التنظيم: وهو يستلزم التجمّع والتكتّل ( وهذه الخصيصة تختص بطبقة البروليتاريا التي تتجمع في مصنع واحد، وتتعاون في العمل ويفقدها الفلاحون المتفرقون في الأراضي المختلفة ).
وقد قال ماركس حول الخصيصة الثانية: ( إنّ العامل حرّ من جهتين: حرّ في بيع قوّته العاملة، وحر من كل نوع من الملكية ) وقال حول الخصيصة الثالثة في بيانه: ( إنّ تطوّر الصناعة لا تزيد من عدد البروليتاريا فحسب، بل مضافاً إلى ذلك يجعلهم بصورة كتلة متجمّعة بوجه بارز، وذلك يضاعف قدرة طبقة البروليتاريا، ويشعرهم بتلك القدرة )(١) .
ويمكن أن نطلق على هذا الأصل: ( بأصل التطابق بين الواقع الإيديولوجي والموقع والاجتماعي ) وبناءاً على هذا الأصل فكل طبقة تنتج نوعاً من الفكر والأخلاق والفلسفة والفن والشعر والأدب ونحوها، بحيث يوافق وضع حياتها ومعاشها ومنافعها كما يمكن أن نسمّيه: ( أصل التطابق بين موضع حدوث الفكر وجهته ) أي أنّ كل فكر، وكل نظام أخلاقي أو ديني ينبعث من أي طبقة فإنّه يكون لمصلحة تلك الطبقة ويستحيل نظام فكري من طبقة ويكون لمصلحة طبقة أُخرى، أو يكون لمصلحة الإنسانية بوجه عام ،
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٣٥٧.
ولا يتسم بطابع طبقي خاص فالفكر إنّما يكتسب جانباً إنسانياً فارغاً عن الطبقية إذا استوجب تطوّر وسائل الإنتاج نفي جميع الطبقات أي أنّه مع انتفاء التناقض في الموقع الطبقي ينتفي التناقض في الموقع الإيديولوجي ومع انتفاء التناقض في مواضع حدوث الفكر ينتفي التناقض في الوجهات الفكرية.
إنّ ماركس في بعض كتبه التي ألفها أيام شبابه، وهو ( المقدمة على نقد فلسفة الحقوق لهيجل) كان يعتمد على الجانب السياسي لصراع الطبقات ( الحاكم والمحكوم ) أكثر من الجانب الاقتصادي ( المستثمر والكادح ) وبالطبع كان يعتبر ماهية الصراع الطبقي صراعاً من أجل الحرية وفك الأسر، وقد اعتبر لهذا الصراع مرحلتين: المرحلة الخاصة والسياسية، والمرحلة العامة والإنسانية وأعلن أنّ ثورة البروليتاريا التي هي آخر مرحلة من ثورة أُسارى التاريخ ثورة أساسية أي أنّها ثورة من أجل الحرية الكاملة للإنسان، والنفي الكامل لجميع أشكال السلطة والعبودية ثم إنّه بصدد توجيه قيام هذه الطبقة مع اتخاذ موقف اجتماعي، وإنّه كيف يتقدم على موقفه الطبقي، ويتخذ له هدفاً عاماً وإنسانياً وكيف يمكن توفيقه مع المادية التاريخية، قال: إنّ عبودية هذه الطبقة أساسية فثورتها أيضاً أساسية فهذه الطبقة لم تقع مورداً لظلم خاص، بل فرض عليها نفس الظلم ؛ ولذلك فهي تطلب نفس العدالة وحرية الإنسان.
هذا البيان بيان أدبي لا علمي فما معنى فرض نفس الظلم عليها ؟ هل الطبقة المستثمرة تقدمت بوجه على طبقتها قبل ذلك فأرادت الظلم للظلم، لا لأجل منافعها، وسلب العدالة لا للاستثمار ؟! هذا مضافاً إلى أنّ افتراض وصول الطبقة المستثمرة في
المرحلة الرأسمالية إلى هذه الحالة ينافي مفهوم المادية التاريخية، ويعتبر نوعاً من المثالية.
إنّ أصل ( التطابق بين الموقع الإيديولوجي والموقع الطبقي ) كما يستوجب التطابق بين منشأ الفكر وجهته، كذلك يستوجب التطابق بين إيمان الفرد وانتمائه إلى مدرسة وبين الموضع الطبقي له، أي أنّ الإيمان الطبيعي للفرد إنّما يكون بذلك الفكر المدرسي المنبعث من طبقته، ومدرسته أيضاً لا تتخذ موقفاً إلاّ في صالح تلك الطبقة.
ومن جهة نظر المنطق الماركسي يعد هذا الأصل في المعرفة الاجتماعية، أي معرفة ماهية الإيديولوجيات، ومعرفة طبقات المجتمع من حيث العقائد أصلاً مثمراً وموجّهاً للغاية.
٥ - النتيجة الخامسة: إنّ دور الإيديولوجية والإرشاد والدعوة والتبليغ والوعظ ونظائرها من الأُمور الظاهرية ضعيف في توجيه المجتمع أو الطبقات الاجتماعية فقد اشتهر أنّ الدّين والدعوة والدليل والبرهان والتعليم والتربية والتبليغ والموعظة والنصيحة أُمور قادرة على توجيه الوجدان البشري نحو مقاصدها وتغييره وبملاحظة أنّ وجدان كل فرد وكل طائفة وكل طبقة من صنع الوضع الاجتماعي الطبقي، وهو في الواقع انعكاس قهري لموضعه الطبقي، وأنّه لا يمكنه التقدّم عليه ولا التأخّر عنه، فتوهم أنّ الأُمور الظاهرية، من قبيل المذكورات، يمكن أن تقع مبدأ للتحوّل الاجتماعي التصور المثالي عن المجتمع والتاريخ ؛ ولذا يقال: إنّ الثقافة وطلب الإصلاح والروح الثورية لها منشأ ذاتي، بمعنى أنّ الحرمان الطبقي هو العامل الذاتي الذي يلهم هذه الصفات، دون العوامل الخارجية من تعليم وتربية ونحوهما أو - على الأقل - إنّ الوضع الطبقي يهيّئ الأرضية المساعدة لتحقق هذه
الصفات وأكبر دور تؤدّيه الإيديولوجيات والإرشادات وساير الأعمال الثقافية، هو إشعار الطبقة المحرومة بالتناقض الطبقي وفي الواقع بموضعه الطبقي لا غير وبتعبير الماركسيين: تبدّل الطبقة في نفسها ( أي الطبقة التي هي في ذاتها طبقة خاصة ) إلى طبقة لنفسها ( أي الطبقة التي تشعر بأنّها طبقة خاصة ) وبناءاً عليه فالمحرّك الفكري الوحيد الذي يحرك طبقة بخصوصها في مجتمع طبقي هو علم الطبقة بموضعها الخاص، وأنّه واقع تحت استثمار الآخرين وأمّا المحركات التي تدعي عامة وإنسانية، وذات طابع طلب العدالة ومصلحة النوع، فلا يمكن لها أن تؤدّي دوراً في المجتمعات الطبقية التي ينقسم فيها الإنسان إلى طبقة مستثمرة وطبقة كادحة، وكل منهما أجنبي عن نفسه نوعاً ما، وينقسم فيها الوجدان الاجتماعي إلى قسمين.
نعم، حينما تستقر حكومة البروليتاريا بمقتضى تطوّر وسائل الإنتاج، وتنعدم الطبقات، ويرجع الإنسان إلى ذاته الواقعية، أي الإنسانية غير المحدودة طبقياً، ويتحد الوجدان البشري الذي كان قد تمزق بواسطة الملكية، حينئذٍ يمكن للمحركات الفكرية التي تكون بصدد تحقيق المصلحة النوعية، وهي ليسب إلاّ انعكاسات عن الوضع الاشتراكي لوسائل الإنتاج أن تؤدّي دورها.
إذن فكما أنّه لا يمكن في تشكيل المراحل التاريخية أن تمنح الاشتراكية - وهي البناء العلوي في مرحلة تاريخية خاصة - لمرحلة قبل تلك المرحلة حسب الميل والرغبة، كما كان الاشتراكيون الخياليون يتوقعونه، كذلك لا يمكن في مرحلة خاصة من التاريخ، التي انقسم فيها المجتمع إلى طبقتين، أن يفرض شعور خاصة على طبقة أُخرى ،
عن نطاق الحركة العمّالية ويوبّخ ماركس أُولئك الاشتراكيين الخياليين الذين يتصفون بخصيصة البروليتاريا، ومع ذلك لا يبصرون الانبعاث الذاتي التاريخي للبروليتاريا وحركتها السياسية الخاصة ويحاولون وضع تخيّلاتهم مكان التنظيم التدريجي المنبعث من ذات البروليتاريا بوصفها طبقة)(١) .
وهذا الأصل أيضاً يتميّز بأهمية إرشادية خاصة في المنطق الماركسي، في حقل معرفة المجتمع والتمايلات الاجتماعية والفردية، وخصوصاً في معرفة المدّعين لقيادة المجتمع وإصلاحه.
وتبين ممّا ذكرناه أنّ ماركس وإنجلز لا يقولان بوجود طائفة مثقّفة فوق الطبقات وبصورة مستقلة، ولا يمكنهما القول بذلك ؛ إذ لا تسمح به الأُصول الماركسية وإذا رأينا أنّ ماركس يقول بذلك في بعض كتبه ؛ فذلك من الموارد التي لا يريد ماركس أن يكون ماركسياً، وستسمع فيما بعد أنّ هذه الموارد ليست قليلة وهنا مثار للسؤال عن الوضع الثقافي لماركس وإنجلز نفسهما، وكيف يمكن توجيهه على الأُصول الماركسية، مع أنّهما ليسا من طبقة البروليتاريا فهما من الفلاسفة لا من العمّال، ومع ذلك فقد عرضا أكبر فرضية عمّالية وجواب ماركس عن ذلك طريف جداً، فقد ورد في كتاب ( تجديد نظر طلبي ): ( أنّ ماركس قليلاً ما يتحدث عن المثقفين، والظاهر أنّه لا يعدّهم طبقة خاصة، بل قسماً من سائر الطبقات، وخصوصاً البورجوازية وفي كتاب ( ١٨ برومر ) اعتبر أعضاء الأكاديمية والصحفيين والجامعيين والقضاة - كالقساوسة وضبّاط الجيش - من الطبقة البورجوازية وعندما يذكر في
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٣١٩ - ٣٢٠.
بيانه أصحاب الفرضيات للطبقة العاملة الذين لا ينتمون إلى البروليتاريا كانجلز ونفسه لا يعتبرهم من المثقفين، بل يعدهم جماعة من الطبقة الحاكمة قد هبطوا إلى البروليتاريا وأتوا بمعلومات كثيرة لتعليم البروليتاريا وتربيتهم )(١) .
هذا، ولكنّ ماركس لم يبيّن كيف تدحرج هو وإنجلز من سماء الطبقة الحاكمة، وهبطا إلى حضيض الطبقة المحكومة، وأتيا بالهدايا الثمينة من أجل التعليم والتربية لهذه الطبقة اللاصقة بالأرض، و - بتعبير القرآن - ( ذا متربة ) والواقع أنّ ما حصلا عليه، وأكسباه الطبقة الأرضية البروليتارية لم يكن من نصيب آدم أبي البشر الذي هبط من السماء إلى الأرض، حسب ما ترويه المصادر الدينية فهو لم يأت بمثل هذه الهدية الثمينة.
ولم يبيّن لنا ماركس كيف تشكلت إيديولوجية التحرير الطبقي البروليتاريا في قلب الطبقة الحاكمة، كما أنّه لم يبيّن هل إنّ هذا الهبوط أمر استثنائي خاص بهما، أم أنّه ممكن لكل أحد ؟ ولم يبيّن أيضاً أنّه بعد العلم بأنّ باب السماء إلى الأرض قد ينفتح ولو بصورة استثنائية، هل إنّ ذلك مختص بكيفية الهبوط، ونزول الأشخاص من العرش والسماء إلى الفرش والأرض، أم أنّه يمكن أن يتحقق بصورة العروج، فينتقل أُناس من الطبقة الأرضية إلى الطبقة السماوية ؟ ولا شك أنّهم إذا عرجوا فلن تكون معهم هدايا ثمينة تليق بأهل السماوات إذ لا معنى أصلاً لإهداء أهل الأرض إلى أهل السماء، بل إذا وُفّقوا للمعراج، ولم تجذبهم السماء إلى لا بد، وأمكنهم العودة إلى الأرض فلا شك أنّهم سيأتون بهدايا مثل ما أتى به فضيلة ماركس وإنجلز.
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٣٤٠.
فليس هناك شعور إنساني مشترك.
ولذلك فلا يوجد في المجتمع الطبقي إيديولوجية عامة لا تتسم بطابع الطبقة الخاصة، فكل إيديولوجية تظهر في ذلك المجتمع لا بد لها أن تأخذ صبغة طبقة خاصة وعلى افتراض وجودها - وهو محال - لا يمكن لها أن تؤدي دوراً عاماً ولذلك فان جميع الدعوات الدينية، أو - بالأحرى - كل ما يلقي على البشرية باسم الدين والمذهب، وعلى صورة الإرشاد والتبليغ والوعظ والنصيحة، ومع طابع طلب العدالة، والبحث عن الأصناف وتحقيق المساواة كل ذلك إن لم نقل إنّه خداع، فلا أقل من أنّه مجرّد تخيّلات.
٦- والنتيجة التي نتوقّعها بعد ذلك هي أنّ مبعث القادة الثوريين والتقدّميين والمجاهدين لا بد من أن يكون هو الطبقة الكادحة.
بعد أن تبيّن أنّ الطبقة الوحيدة المستعدّة للتثقيف وطلب الإصلاح والثورة هي الطبقة الكادحة، وأن هذه الأرضية لا توجد إلا بالحرمان والوقوع تحت استثمار الآخرين، وأنّ الحاجة إلى العوامل الظاهرية - على الأكثر - إنما هي في دخول التناقض الطبقي إلى مرحلة الشعور ؛ إذن فبالأولوية نحكم أنّ الأشخاص البارزين الذين يمكنهم درج هذه الثقافة في مشاعر الطبقة الكادحة لا بد من أن يكونوا هم بأنفسهم شركاء في آلام تلك الطبقة وقيودها، حتى يكونوا شاعرين بها قبل ذلك وكما يستحيل أن يتقدم الهيكل الاجتماعي على أساسه في المرحلة التاريخية، وكما يستحيل أن تتقدم الطبقة على موضعها الاجتماعي في تحقق الوجدان الاجتماعي، كذلك يستحيل أن يتقدم الفرد بصفته كقائد على طبقته، ويعرض أهداف طبقته ؛ ومن هنا
يستحيل أن ينهض من بين الطبقة المستثمرة في مجتمع ما فرد حتى على سبيل الاستثناء ضد طبقته، وفي صالح الكادحين.
قال في كتاب ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ): ( والشيء الجديد الآخر في كتاب (الإيديولوجية الألمانية ) تفسير الشعور الطبقي فماركس في هذا الكتاب - خلافاً لكتبه السابقة -(١) - يعتقد أنّ الشعور الطبقي ينبع من نفس الطبقة، ولا يأتيها من الخارج والشعور الحقيقي ليس إلاّ نوعاً من الإيديولوجية، فإنّه يمنح المصالح الطبقية الخاصة صبغة عامة، ولكنّ ذلك لا يمنع من اعتماد هذا الشعور على أساس الشعور الذاتي للطبقة بالنسبة إلى مصالحها وعلى أي حال، فإنّ الطبقة لا تنضج إلاّ مع إيجاد الشعور الطبقي الخاص.
وهذا الأمر يؤدّي - في نظر ماركس - إلى انقسام داخل الطبقة بين العمل الفكري ( إيديولوجي أو قيادي ) والعمل المادي، فيصبح بعض الأشخاص مفكّري الطبقة في حين أنّ بعضاً آخر في وضع انفعالي، يقبلون هذه الأفكار والأوهام)(٢) .
وفيه أيضاً ضمن تحليل لنظرية ماركس في بيانه ( المانيفيست )، وفي كتاب ( فقر فلسفة ): ( وهكذا فإنّ الحصول على الشعور الطبقي وتشكيل الطبقة في صورة ( طبقة لنفسها )، من صنع البروليتاريا بنفسها، ونتيجة للصراع الاقتصادي المنبعث من ذاتها فهذا التغيّر لا يحصل من الأحزاب السياسية، ولا أصحاب الفرضيات الخارجين
____________________
(١) راجع ص٣٠٨، ٣٠٩ من ذلك الكتاب حيث ينقل عن ماركس وإنجلز خلاف هذه النظرية في الدّين.
(٢) تجديد نظر طلبي ص ٣١٤.
النقد
بعد أن انتهينا من عرض مبادئ نظرية المادية التاريخية ونتائجها، يأتي الآن دور النقد والتحقيق عنها ونودّ أن نشير - أولاً - إلى أنّا لسنا هنا بصدد الرد على نظريات ماركس في جميع آثاره، و لا بصدد نقد الماركسية ككل وإنّما نحن الآن بصدد نقد المادية التاريخية التي هي أحد أركان الماركسية وفرق بين نقد نظريات ماركس أو نقد الماركسية بوجه عام، ونقد أحد أُصول الماركسية كالمادية التاريخية فالأول يتوقف على التحقيق عن جميع نظرياته في كتبه وتآليفه المختلفة، وفي المراحل المختلفة من حياته مع اشتمالها على المتناقضات الكثيرة وقد تصدّى لذلك جماعة في الغرب، وأمّا في إيران فأحسن أثر في هذا الموضوع - فيما أعلم - هو كتاب ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو )(١) الذي نقلنا عنه في هذا الفصل كثيراً.
وأمّا نقد الماركسية أو أصل من أُصولها التي تُعدّ أساساً للمدرسة الماركسية، ولا يمكن الخدشة فيه من وجهة نظر ماركس نفسه، أو نقد أصل أو أُصول لم يعتبره بنفسه قطعياً، بل ربّما ذكر خلافه في بعض آثاره إلاّ أنّه لازم قطعي للأُصول الماركسية، ومخالفة ماركس له نوع من رفضه للماركسية، فهو الذي نعمله بالنسبة إلى المادية التاريخية في هذا الكتاب فنحن ننتقد ونبحث هنا بملاحظة الأُصول القطعية المسلمة لماركس، أو النتائج القطعية لتلك الأُصول المسلمة ولا نهتم بالبحث
____________________
(١) ألّفه الدكتور ( انورخامه اي ) بالفرنسية ثم ترجمه بنفسه إلى الفارسية، وهو مضافاً إلى تحقيقه وتتبّعه وتحليله للمسائل بوجهٍ لائق، كان معتقداً بهذه المدرسة ومبلّغاً لها طوال سنين.
عن أنّ ماركس هل خالف ذلك في كتبه المتناقضة أم لا ؟ إذ ليس هدفنا نقد نظرياته، بل نقد المادية التاريخية.
ومن عجائب القضايا أنّ ماركس الذي يدّعي المادية التاريخية في كتبه الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، حينما يحاول تحليل بعض الأحداث التاريخية وتعليلها قلّ ما يتوجّه إلى أُصول المادية التاريخية.
لماذا ؟ لقد أُجيب على هذا السؤال بأجوبة مختلفة ولكن ذلك لا يختص بهذه المسألة ففي كثير من المسائل الماركسية تتناقض طريقة ماركس، أي أن نوعاً من العدول عن الماركسية نظرياً أو عملياً يشاهد من جانبه إذن فلابد من جواب عام.
أجاب البعض بأنّ ذلك يرجع إلى عدم نضجه في بعض المراحل من حياته ولكن هذا التوجيه مرفوض من قبل الماركسيين على الأقل ؛ وذلك لأن كثيراً مما يعد عدولاً عنها - ومنها تحليل بعض أحداث عصره - مما ذكره في آخر مراحل حياته.
وذهب البعض إلى أنّ هذا الاختلاف ينشأ من ازدواج الشخصية لديه، فهو من جهة فيلسوف وصاحب إيديولوجية ومدرسة، وهذا يقتضي بالطبع أن يكون جازماً في أُصوله، ويعتبرها قطعية لا تقبل الخدشة، وربما حاول أن يطبق الواقعيات بتكلّف مع ما التزم به مسبقاً وهو من جانب آخر له شخصية وروح علمية، وهذا يقتضي أن يكون واقعياً ومستسلماً للواقعيات، ولا يتقيد بأي أصل قطعي.
ومال آخرون إلى الفرق بين ماركس والماركسية، فيدعون أنّ ماركس وتفكير ماركس يشكل مرحلة من الماركسية، التي هي في جوهرها
مدرسة تنمو وتتكامل فلا مانع من أن تكون الماركسية قد خلفت ماركس وراءها وبعبارة أُخرى، لا مانع من أن يكون ماركس - الذي يشكل مرحلة الطفولة للماركسية - قابلاً للرد، وليس ذلك دليلاً على رد الماركسية ولكن هؤلاء لم يبيّنوا ما هو جوهر الماركسية في نظرهم ؟ فإنّ التكامل للمدرسة إنّما يصح فيما إذا كانت لها أُصول ثابتة أوليّة، والتغييرات تطرأ على الفروع، وإلاّ لم يكن فرق بين تكامل النظرية ونسخها وإذا لم نقل باشتراط التكامل ببقاء الأُصول الثابتة، فلماذا نبتدئ بماركس ؟ ولماذا لا نسند المدرسة إلى من قبله، كهيجل، أو سن سيمون، أو برودون، أو أي شخصية أُخرى من هذا القبيل ؟ ولماذا نسمّي المدرسة هيجلية، أو سن سيمونية، أو برودونية، ونعتبر الماركسية مرحلة من مرحلة من مراحل تكاملها ؟
ولكنّا نعتقد أنّ السبب في تناقضات ماركس أنّه كان أقل ماركسية من أغلب الماركسيين يقال: إنّه حينما كان يدافع في مجمع من الماركسيين عن نظرية مخالفة لنظريته السابقة واجه اعتراض السامعين، فأجاب: ( إنّي لست ماركسياً بقدر ما أنتم ماركسيّون ) وقيل: إنّه قال في أواخر أيام حياته: ( إنّي لست ماركسياً أصيلاً ).
وافتراق ماركس عن الماركسية في بعض نظرياته من جهة أنّه كان أذكى وأفطن من أن يكون ماركسياً كاملاً، فالماركسي الكامل يحتاج إلى أكثر من ( قليل من الحماقة ).
والمادية التاريخية فصل من الماركسية وهو موضع بحثنا الآن، وقد أوضحنا أنّ لها مباني ونتائج وليس ماركس العالم غير متمكن من التقيد بها فحسب، بل ماركس الفيلسوف أيضاً لا يمكنه أن يتقيّد بها إلى لا بد.
وإليك الآن المناقشات:
١ - فقدان الدليل:
أوّل مناقشة في هذه النظرية أنّها لا تعدو فرضية من دون دليل فكل نظرية فلسفية تاريخية لا بد لها إمّا من الاعتماد على التجارب التاريخية حول الأحداث الخارجية في زمانها، ثم يعمّم لسائر الأزمنة، أو الاعتماد على الشواهد التاريخية السابقة وتعميمها للحاضر والمستقبل، أو يكون إثباتها عن طريق القياس والاستدلال المنطقي على أساس الأُصول العلمية، أو المنطقية والفلسفية التي تكون مقبولة مسبقاً.
وفرضية المادية التاريخية لا تبتني على شيء من المذكورات، أمّا الأحداث الواقعة في عهد ماركس وإنجلز فلم تكن قابلة للتفسير بذلك، حتى صرّح إنجلز: ( إنّ ما ارتكبته أنا وماركس في بعض الكتب من الخطأ في أهمية الاقتصاد لم يشمل أحداث زماننا ؛ لأنّنا لمّا وصلنا إلى تفسيرها واجهنا الواقع الخارجي بنفسه، فلم نرتكب ذلك الخطأ بالنسبة إليها ) وأمّا الأحداث التاريخية طوال الآلاف من السنين فلا تؤيّد هذه الفرضية، بحيث إنّ مَن يراجع كتاب ( قال الفيلسوف ) الذي حاول فيه الماركسيون تفسير التاريخ الماضي بالمادية التاريخية يتعجّب بشدّة من تلك التأويلات فمثلاً ورد في كتاب ( تاريخ جهان . )(١) .
____________________
(١) مع الأسف وجدنا في نسخة الأصل المكتوب بيد الأُستاذ الشهيد فراغاً في هذا الموضع بمقدار سبعة أسطر والكتاب المذكور على أقوى الاحتمالات هو كتاب ( تاريخ جهان باستان )، ولم نجد الجزء الأول منه في مكتبته حتى نحاول استخراج موضع الشاهد بالقرائن أو وضع العلامة والظاهر أنّ الجزء الأول
=
٢ - تبدّل رأي المؤسّسين:
ذكرنا مراراً أنّ ماركس يعتبر العامل الاقتصادي أساس المجتمع، وساير العوامل هيكل البناء، وهذا التعبير كافٍ في إثبات تعلّق جميع العوامل من جانب واحد بالعامل الاقتصادي مضافاً إلى أنّه صرّح في كثير من عباراته التي نقلناها سابقاً أنّ التأثير والتعلّق من جانب واحد، بمعنى أنّ العامل الاقتصادي هو المؤثّر، وسائر الشؤون الاجتماعية متأثّرة فقط، والعامل الاقتصادي يعمل مستقلاً، وسائر العوامل متعلقة به.
والواقع أنّ ذلك ممّا تستوجبه نظريات ماركس، سواء صرّح بها أم لم يصرّح، كنظرية تقدّم المادة على الروح، وتقدّم الحاجات المادية على الحاجات المعنوية، وتقدّم علم الاجتماع على علم النفس، وتقدّم العمل على الفكر.
ولكن ماركس تعرّض في كثير من تآليفه لموضوع آخر على أساس المنطق الديالكتيكي ممّا يُعدّ تبدّلاً للرأي، أو عدولاً نوعاً ما عن المادية التاريخية بصورة عامة، وذلك هو موضوع التأثير المتقابل، فبناءاً على أصل التأثير المتقابل يجب أن لا نعتبر الرابطة العِلّية من جانب واحد، فإذا كان ( أ ) علّة مؤثّرة، ( ب ) فلابد أن يكون ( ب ) بدوره علّة و مؤثّراً ل- ( أ ) بل بناءً على هذا الأصل هناك نوع من الترابط والتأثير المتقابل بين جميع أجزاء الطبيعة، وبين جميع أجزاء المجتمع.
____________________
=
هو موضع استشهاد الأُستاذ ونأمل أن نجده عند أحد أصدقائه فنستخرج محل الشاهد ونضيفه إلى الكتاب في الطبعات الآتية.
وهنا لا نريد البحث عن أنّ هذا الأصل الديالكتيكي بهذا الوجه صحيح أم خطأ، إنّما نريد أن نقول إنّ مقتضى هذا الأصل إلغاء الأولوية في الرابطة بين كل شيئين، سواء كانا المادة والروح، أو العمل والفكر أو العامل الاقتصادي، وسائر العوامل الاجتماعية إذ لا معنى للأولوية والتقدم، وكون شيء أساساً والآخر بناءاً، إذا كان الشيئان مترابطين، وكل منهما شرط لوجود الآخر، ومحتاج في وجوده إلى الآخر.
وماركس في بعض عباراته اعتبر العمل الاقتصادي صاحب الدور الأصلي وغير الأصلي في التأثير، ولم يعترف بتأثير للبناء في الأساس وقد نقلناه سابقاً وفي بعض عباراته قال بالتأثير المتقابل بين الأساس والمبنى، ولكنّه اعتبر الأساس صاحب الدور الأصلي والنهائي في التأثير.
وورد في كتاب ( تجديد نظر طلبي از ماركس تا مائو ) الموازنة بين كتابي ماركس: ( رأس المال ) و ( نقد علم الاقتصاد )، وأنّه ذهب فيهما معاً إلى الدور المصيري للاقتصاد من جانب واحد.
ثم قال: ( ومع ذلك فقد أضاف ماركس عن علم أو عن غير علم على هذا التعريف بأنّ العوامل الظاهرية في المبنى الاجتماعي يمكنها أن تلعب دوراً أصلياً في المجتمع، وإن كان العامل الأساس في الأولوية )(١) .
ثم تساءل المؤلّف: ما هو الفرق بين الدور الحاكم والمصيري الذي يلعبه دائماً العامل الاقتصادي، وهذا الدور الأصلي الذي قد يلعبه عامل آخر في بعض الأحيان ؟ أي إن العامل الظاهري إذا كان يلعب في
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٢٢٢.
بعض الأحيان دوراً أصلياً فلابد أن يكون في تلك الحالة دوراً حاكماً ومصيرياً أيضاً، بل إنّ ما نعدّه عاملاً ظاهرياً يكون في ذلك الوقت هو العامل الأساس، وما نعدّه العامل الأساس هو العامل الظاهري.
وذكر إنجلز في رسالة له إلى رجل يُدعى ( يوسف بلوخ ) في أواخر أيام حياته: ( أنّ العامل المصيري في التاريخ - وفقاً لآخر ما توصّلت إليه نظرية المادية التاريخية - هو توليد وتجديد الحياة الواقعية(١) لا أنا ولا ماركس، لم نقل شيئاً أكثر من هذا فإذا جاء بعد ماركس مَن يمسخ هذه الأُطروحة، بحيث يظهر منه أنّ العامل الاقتصادي هو العامل المصيري الوحيد، فإنّه يكون قد بدّل العبارة إلى عبارة جوفاء فارغة جزافية(٢) فالوضع الاقتصادي هو الأساس، ولكن عوامل أُخرى ظاهرية، كالمحتوى السياسي للصراع الطبقي ونتائجه ( أي المؤسسات التي تستقر بعد النصر المظفّر)، والمحتوى الحقوقي، بل حتى ردود الفعل لهذه المصارعات الواقعية في أذهان المشتركين، والنظريات السياسية والحقوقية والفلسفية والمدركات الدينية، وتطوّر هذه الأُمور بعد ذلك إلى تأسيسات منظّمة، كل ذلك يؤثّر أيضاً في مجرى الصراع التاريخي، وفي
____________________
(١) إنّ إنجلز - كما أشار إليه مؤلّف الكتاب - مع استعمال كلمة ( توليد وتجديد الحياة الواقعية ) بدلاً من التوليد ( الإنتاج ) المادي والاقتصادي، والذي لا يختص - كما أوضحه إنجلز في كتاب ( الملكية الخاصة سبب تشكيل الأُسرة والدولة ) - بإنتاج وسائل المعيشة، بل يشمل التوليد البشري أيضاً ( أقول ) مع استعمال هذه الكلمة نفى - تلويحاً - أن يكون العامل الاقتصادي هو العامل المصيري الوحيد: واعترف بدور العامل الجنسي والعائلي وهذا أيضاً نوع من العدول عن المادية التاريخية.
(٢) أضاف مؤلّف الكتاب هنا بين قوسين هكذا: ( تبدّل رأي بسيط وواضح ).
كثير من الحالات تعين وجهته بصورة جدّية فجميع هذه العوامل في حالة تبادل الفعل ورد الفعل، ومن بينها تشق الحركة الاقتصادية طريقها بصورة أمر ضروري خلال كتلة من التناقضات اللانهائية(١) .
عجباً ! إذا كانت النظرية القائلة: ( إنّ العامل الاقتصادي هو العامل المصيري الوحيد ) عبارة مجرّدة جوفاء جزافية، فمَن هو قائل ذلك غير ماركس ؟! أضف إلى ذلك أنّه لو كانت العوامل التي تدعى ظاهرية في كثير من الحالات تعيّن وجهة الصراع التاريخي بصورة جدّية فلا تنحصر في العامل الاقتصادي ؛ إذن فما معنى أنّ ( الحركة الاقتصادية تشق طريقها بصورة أمر ضروري خلال كتلة من التناقضات اللانهائية ) ؟!
وأعجب من ذلك أنّ إنجلز في هذه الرسالة بالذات يتحمّل ويحمّل ماركس قسماً من مسؤولية هذا الخطأ، وبتعبيره ( هذا المسخ ) يقول: ( إنّي وماركس نتحمّل قسماً من مسؤولية هذا الأمر، الذي جعل الشباب يهتمون بالعامل الاقتصادي أكثر ممّا هو حقّه أمّا نحن فكنّا مضطرّين في مواجهة المخالفين لنا إلى الإصرار على هذا الأصل الذي كانوا يرفضونه ؛ ولذلك لم تكن لنا فرصة ولا مجال للاعتراف بحق سائر العوامل التي كانت شريكة بدورها في العمل )(٢) .
ولكنّ هناك مَن يفسّر هذا التأكيد المفرط لماركس وإنجلز على دور العامل الاقتصادي بوجهٍ آخر، عكس ما ذكره إنجلز، ويقولون إنّ هذا
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٢٨١ - ٢٨٢.
(٢) ماركي ماركسيسم ص٢٤٥ والواقع أنّه عذر أقبح من الذنب، فهذا نوع من اللجاج، أو على الأقل تضحية بالحقيقة في سبيل المصلحة.
التأكيد المفرط لم يكن في مواجهة المخالفين المنكرين، بل في مواجهة الرقباء الموافقين لهذه النظرية من أجل انتزاع السلاح من أيديهم.
قال في كتاب ( تجديد نظر طلبي ) في بيان السبب لتأليف كتاب ( نقد علم الاقتصاد ) الذي اعتمد فيه ماركس بصورة منحصرة على العامل الاقتصادي أكثر من سائر كتبه، وقد مرت عبارته المعروفة في مقدمة الكتاب: ( والسبب الآخر لتأليف ( نقد علم الاقتصاد ) هو انتشار كتاب لبرودون تحت عنوان ( دليل بائع الأسهم في سوق السهام، وكتاب آخر لداريمون من أتباع ( برودون ) ولمّا رأى ماركس رقباءه أي أتباع ( برودون ) من جانب، وأتباع ( لاسال ) من جانب آخر يؤكّدون على أهميّة العامل الاقتصادي، ولكن بطريقة إصلاحية ( لا ثورية )، حاول أن ينتزع هذا السلاح من أيديهم، ويستعمله بصورة ثورية، واستلزم ذلك جمود عقائده ومقبوليتها لدى العوام )(١) .
وأمّا ( ماو ) فقد بالغ في تجديد النظر في مفهوم المادية التاريخية، وكون الاقتصاد أساساً، نظراً إلى الضرورة التي اقتضتها أوضاع الصين، ولتوجيه الدور الذي لعبته الثورة الصينية وقيادتها بالذات، بحيث لم يبق من المادية التاريخية وكون الاقتصاد أساساً - وبالنتيجة - من الاشتراكية العلمية - كما يقولون - المبتنية على المادية التاريخية إلاّ الاسم والتلاعب بالألفاظ.
يقول ماو في رسالته حول التناقض تحت عنوان ( التناقض الأساس
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ٢١٨ - ٢١٩.
والجهة الأساسية في التناقض ): ( إنّ الجهة الأساسية وغير الأساسية في التناقض قد يتبادلان، وبذلك تتغيّر خصائص الأشياء والظواهر، ففي موضع خاص من أمر تاريخي معيّن، أو في مرحلة خاصة من تطوّر التناقض في شيء قد يكون ( أ ) يشكل الجهة الأساسية في ذلك التناقض، و ( ب ) يشكل الجهة غير الأساسية فيه، وفي مرحلة أُخرى، أو في موضع آخر من ذلك الأمر التاريخي يتغيّر موضع هاتين الجهتين، نتيجة لنقصان أو زيادة القوة في كل من جهتي التناقض في الصراع مع الأُخرى ضمن تطوّر الشيء أو الظاهرة )(١) .
ثم يقول: ( ربّما يتوهّم أنّ هذه الأُطروحة ( تبادل الموضع في الجهة الأساسية ) لا تصدق في قسم من التناقضات فيقولون مثلاً: إنّ القوى المنتجة هي الجهة الأساسية في تناقض الفرضية والتجربة، والعامل الاقتصادي في تناقضه مع العوامل الأُخرى وهذا لا يتبدل أبداً إنّ هذا النوع من التفكير يختص بالمادية الميكانيكية، وهي أجنبية عن المادية الديالكتيكية ومن الواضح أنّ كلاًّ من القوى المنتجة والتجربة والعامل الاقتصادي له دور هام ومصيري على وجه العموم والذي ينكر هذه الحقيقة ليس مادياً أصلاً وفي نفس الوقت لا بد من الاعتراف بأنّ علاقات الإنتاج والفرضية والبناء العلوي قد يكون لها أيضاً دور هام مصيري في أوضاع خاصة فإذا لم تتمكن القوى المنتجة من التطور والتكامل - إلاّ مع تغيير في علاقات الإنتاج، فإنّ لتغييرها(٢) حينئذ دوراً
____________________
(١) ( جهار رسالة فلسفي ) ص٥٤ - ٥٥.
(٢) بواسطة العوامل الظاهرية من عسكرية وسياسية وثقافية و، و، و.
هاماً مصرياً وعندما تصدر هذه الجملة من لينين: ( لا يمكن أن توجد حركة ثورية إلاّ مع فرضية ثورية ) في الدستور اليومي يكتسب خلق الفرضية ونشرها دورا هاماً مصيرياً وعندما يحول المبنى العلوي من سياسية وثقافة وغيرهما دون تطور العامل الاقتصادي، يكون التطور السياسي والثقافي قد اكتسب دوراً هاماً مصيرياً هل هذه الأُطروحة تنقض المادية ؟ كلاّ ؛ لأنّنا نعترف أنّ المادة تعيّن الروح، والوجود الاجتماعي يعين الشعور الاجتماعي في المسير العام لتطور التاريخ، ولكنّا نعترف في نفس الوقت ولابد لنا من أن نعترف بان للروح على المادة، وللشعور الاجتماعي على الوجود، وللمبنى العلوي على العامل الاقتصادي الأساس تأثير متقابل إذن فنحن لا ننقض المادية فحسب، بل نرد المادية الميكانيكية، وندافع عن المادية الديالكتيكية )(١) .
ولكن ما يقوله ينقض المادية التاريخية تماماً، فهو حينما يقول: ( إذا كانت علاقات الإنتاج مانعة من تطور القوى المنتجة )، أو يقول: ( إذا كانت الحركة الثورية متوقفة على فرضية ثورية )، أو يقول: ( إذا كان البناء العلوي مانعا من تطور الأساس )، فإنّما يقول شيئاً يتحقق في الواقع، ويجب أن يتحقق، ولكن المادية التاريخية تقول: إنّ تطور القوى المنتجة تغير علاقات الإنتاج جبراً، وإنّ الفرضية الثورية تتحقق بصورة ذاتية حتماً، وإنّ العوامل الظاهرية تتغير تبعاً للعامل الأساس قطعاً.
وقد صرّح بذلك ماركس في مقدمة كتاب ( نقد علم الاقتصاد ) ،
____________________
(١) جهار رساله فلسفي ٥٨ - ٥٨.
حيث قال: ( إنّ القوى المنتجة في المجتمع، في مرحلة معيّنة من التطور والتوسعة، تدخل في صراع مع علاقات الإنتاج الموجودة ( أو علاقات الملكية، وهي مصطلح حقوقي لعلاقات الإنتاج ) مع أنّ القوى المنتجة كانت تعمل حتى الآن في ضمن تلك العلاقات فهذه العلاقات التي كانت في الماضي تشكّل مظهراً لتكامل القوى المنتجة أصبحت الآن عائقاً في تكاملها وآنذاك يبدأ عصر الثورة الاجتماعية، فتبدّل الأساس الاقتصادي يهدم المبنى العظيم بسرعة أو ببطء )(١) .
إذن فتغيّر علاقات الإنتاج قبل تطوّر القوى المنتجة لفسح المجال أمام تطورها، وتأسيس الفرضية الثورية قبل الثورة المنبعثة من ذات الفكر الثوري، وتغيير العوامل الظاهرية لكي يتمكن العامل الأساس من التغيير، كل ذلك يعني تقدم الفكر على العمل، وتقدم الروح على المادة، واستقلال العوامل السياسية والفكرية في قبال العامل الاقتصادي، وبالتالي نقض المادية التاريخية.
وأمّا ما يقوله ( ماو ) من أنّنا إذا قلنا بالتأثير من جانب واحد، فقد نقضنا المادية الديالكتيكية فهو واضح، إلاّ أنّنا نتساءل: ما الحيلة ؟ وهذه الاشتراكية العلمية - كما يزعمون - تبتني على التأثير من جانب واحد، خلافاً للمنطق الديالكتيكي، أي خلافاً لأصل التأثير المتقابل.
إذن فلابدّ إمّا من التسليم لما يدعي بالاشتراكية العلمية ونقض المنطق الديالكتيكي، وإمّا من قبول هذا المنطق ورفض الاشتراكية العلمية وما يبتني عليها، أي المادية التاريخية.
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ص٢٤٣.
أضف إلى ذلك أنّا نتساءل ما معنى قوله: ( نحن نعترف أنّ المادة تعيّن الروح، والوجود الاجتماعي يعيّن الشعور الاجتماعي في المسير العام لتطور التاريخ ) مع أنّه يقول بتبادل الجهة الأساسية في التناقض، فقد تكون القوى المنتجة معينة لعلاقات الإنتاج، وقد يكون بالعكس.
والحركة الثورية قد تخلق الفرضية، وقد يكون بالعكس وقد يتغير العامل الاقتصادي بتأثير السياسة والثقافة والقوّة والدّين ونظائرها، وقد يكون بالعكس، إذن فقد تكون المادة هي المعينة للروح، وقد يكون الأمر بالعكس وقد يكون الوجود الاجتماعي هو الذي يعين الشعور الاجتماعي، وقد يكون بالعكس.
والواقع أنّ ما أبداه ماو تحت عنوان تبادل الجهة الأساسية في التناقض توجيه للماوية التي ظهر أنّها مخالفة عملياً مع المادية التاريخية الماركسية، وليس ذلك توجيهاً للمادية التاريخية الماركسية، وإن تظاهر به وبذلك أثبت ماو عملياً أنّه أيضاً - كماركس أذكى من أن يكون ماركسياً دائماً - فالثورة الصينية التي قادها ماو نقضت في مرحلة العمل الاشتراكية العلمية والمادية التاريخية وبالتالي الماركسية نفسها.
فالصين بقيادة ماو قبلت النظام الإقطاعي القديم بثورة فلاّحيّة، وأقرّ مكانه نظاماً اشتراكياً مع أنّ قوانين الاشتراكية العلمية والمادية التاريخية تقول بأنّ المجتمع الذي يمر بالمرحلة الإقطاعية لا بد من وصوله إلى المرحلة الصناعية والرأسمالية، وبعد بلوغه قمّة المرحلة الصناعية يخطو نحو الاشتراكية فبناءاً على المادية التاريخية كما أنّ الجنين في الرحم لا يمكنه القفز من بعض المراحل، كذلك المجتمع لا يمكنه أن يصل إلى المرحلة النهائية إلاّ بالمرور في جميع المراحل المترتبة المتوالية لكنّ ماو أثبت عملياً أنّه من تلك القوابل اللاتي يولدن الجنين في شهره
الرابع سالماً كاملاً غير معيب وأثبت أنّ القيادة والتعليمات الحزبية والتنظيم السياسي والفرضية الثورية والشعور الاجتماعي، أي كل ما يعتبره ماركس من نوع الشعور لا من نوع الوجود، ومن نوع البناء العلوي لا من نوع الأساس، ولا يعتبره أصلاً، كل ذلك خلافاً لما يدعيه ماركس - يمكنها أن تغيّر علاقات الإنتاج، ويجعل البلد صناعياً.
وهكذا جعل ما يدعى بالاشتراكية العلمية ملغاة بلا أثر.
هذا وقد نقض ماو الفرضية الماركسية حول التاريخ بوجه آخر وذلك لأن طبقة الفلاحين في الفرضية الماركسية، أو على الأقل من وجهة نظر ماركس نفسه، وان كانت واجدة للشرط الأول والثاني من شروط الطبقة الثورية، وهما الوقوع تحت الاستثمار وعدم الملكية، إلاّ أنّها فاقدة للشرط الثالث، وهو التكتّل والتعاون والتفاهم والشعور بالقوى الثورية لها ؛ ولذلك فإنّ طبقة الفلاحين لا يمكنها أبداً أن تبتدئ بالثورة، وأكثر ما يكون أنّها في بعض الأحيان، وفي المجتمعات المنقسمة إلى العمّال والفلاحين قد تتبع طبقة البروليتاريا في الثورة، بل إنّ طبقة الفلاحين في نظر ماركس: ( طبقة حقيرة رجعية بالذات ) و ( ليس لهم أي ابتكار ثوري )(١) وقد أبدى رأيه في سكان الريف في رسالة له إلى إنجلز حول ثورة بولونيا فقال: ( أهل الريف طبقة حقيرة رجعية بالذات . يجب أن لا يدعون إلى النضال ) ولكنّ ماو صنع من هذه الطبقة الرجعية بالذات، ومن هؤلاء الأراذل الذين يجب أن لا يدعون إلى النضال طبقة ثورية، وقلب بهم ذلك النظام العريق وماركس لا ينكر قدرة الفلاحين على قيادة الثورة الاشتراكية فحسب ،
____________________
(١) تجديد نظر طلبي نقلاً عن ( آثار بركزيده ) ٢٣٤.
بل ينكر أيضاً دورهم في الانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي فالطبقة التي تنقل المجتمع من الإقطاعية إلى الرأسمالية , وتكون ثورية في تلك المرحلة التاريخية هي الطبقة البورجوازية لا الفلاحين، ولكن ماو بهذه الطبقة الحقيرة الرجعية ذاتاً، جعل المرحلتين مرحلة واحدة، وقفز من الإقطاعية إلى الاشتراكية رأساً إذن فهو على حق إذا حاول توجيه الماوية بابتكار أصل تبادل الجهة الأساسية في التناقض بعد أن فارق الماركسية في كل هذه الوجوه ثم حاول إخفاء الواقع والتظاهر بأنّه قد فسَّر الماركسية والمادية التاريخية والاشتراكية العلمية تفسيراً علمياً.
وقد تعلّم ماو كيف يترك الماركسية في مرحلة العمل عند اللزوم من سلفه المعتبر لينين، فهو أيضاً ثار وأسّس دولة اشتراكية قبل ماو في روسيا، وهي كانت أيضاً منقسمة إلى حقلي الصناعة والزراعة، حيث وجد أنّ عمره لا يكفي فيصبر حتى تتبدل روسيا القيصرية إلى بلد صناعي تماماً، ثم تتطوّر الرأسمالية واستثمار العمال، فتصل إلى مرحلتها النهائية، فتحدث ثورة ذاتية بحركة ديناميكية، وشعور ثوري منبعث من ذات المجتمع، ويتحقق التغير العام ورأى أن الوقت لا يسمح لينتظر حتى تتم دورة الحمل، ويأتي وقت المخاض، فيقوم هو بشؤون المرأة القابلة ؛ ولذلك شرع من البناء العلوي، من الحزب و السياسة والفرضية الثورية والقوّة، فبدّل الدولة النصف صناعية في روسيا آنذاك إلى الاتحاد السوفيتي الاشتراكي الحاضر وبذلك تحقق المثل الفارسي المعروف: ( إنّ عقدة واحدة من القرن خير من ذراع من الذيل ) فلم يلبث بانتظار الذيل الماركسي الطويل، والقابلية الديناميكية الذاتية للعامل الاقتصادي في المجتمع الروسي، والثورة
المنبعثة من ذات المجتمع واستفاد من القرن القصير، من القوّة والسياسة والتنظيم الحزبي والشعور السياسي.
٣ - نقض التطابق الضروري بين الأساس والبناء العلوي:
بناءاً على نظرية المادية التاريخية لا بد في المجتمع دائماً من وجود تطابق بين الأساس والبناء العلوي، بحيث يمكن معرفة الأساس بمعرفة البناء ( على صورة البرهان الآني - اصطلاحاً - وهي معرفة نصف كاملة )، ويمكن معرفة البناء بمعرفة الأساس ( على صورة البرهان اللمّي - اصطلاحاً - وهي معرفة كاملة ) وإذا تغيّر الأساس، وانتقض التطابق بينه وبين البناء ينتفي التعادل الاجتماعي بالضرورة وتبدأ المشكلة، وينهدم البناء بالضرورة عاجلاً أو آجلاً وما دام الأساس باقياً على حاله فالبناء العلوي أيضاً ثابت وباقٍ بالضرورة.
هذا ولكن الأحداث التاريخية المعاصرة أثبتت خلاف ذلك، إلاّ أنّ ماركس وإنجلز عاشا سلسلة من المشاكل الاقتصادية من سنة ١٨٢٧، حتى سنة ١٨٤٧ وتعقبها ثورات سياسية واجتماعية، فزعما أنّ الثورات الاجتماعية نتائج ضرورية للمشاكل الاقتصادية.
ولكن كما قال مؤلّف كتاب ( تجديد نظر طلبي ): ( انظر إلى تلاعب التاريخ، إذ لم نجد منذ عام ١٨٤٨ حتى الآن في البلدان الصناعية مشكلة اقتصادية تتعقبها ثورة وحتى في عصر ماركس وقبل موته حدث طغيان القوى المنتجة على علاقات الإنتاج أربع مرات، ولم تحدث منها أي ثورة وجاء بعد ذلك بعض علماء الاقتصاد ك- ( ج شومبتر ) فبالغوا في حسن الظن بالمشاكل الصناعية، فسمّوها
( التهدمات الخلاّقة )، واعتبروها نوافذ توجب الاطمئنان بعودة التعادل والنمو الاقتصادي ).
وقد تقدمت الدول الكبرى، كبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تقدّماً صناعياً عظيماً، ووصلت فيها الرأسمالية إلى قمّة المرحلة، وخلافاً لتوقّعات ماركس الذي اعتبر هذه الدول في مقدمة الدول التي تحقق ثورات عمالية، وتؤسّس دولاً اشتراكية، لم يتغير نظامها السياسي والحقوقي والديني، وكل ما يعتبر من أجزاء البناء العلوي فالطفل الذي انتظر ماركس ولادته مضت عليه الأشهر التسع ولم يولد، بل مضت عليه تسع سنين، بل بلغ تسعين سنة ولم يولد، ولا ترجى ولادته.
ولا شك أنّ هذه الأنظمة ستسقط آجلا أو عاجلاً، إلاّ أنّ الثورة التي تتوقع في هذه البلدان ليست ثورة عمّالية قطعاً ولن تتحقق فيها الفرضية الماركسية للتاريخ كما أنّ الدول المسمّاة اشتراكية، والأنظمة الحاكمة عليها ستسقط أيضاً، ولا تبقى على هذه الحال ولكن النظام المستقبل لن يكون رأسمالياً.
وفي قبال هذه الحقيقة وصلت الاشتراكية إلى بعض البلدان في أوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا الجنوبية، مع أنّها لم تكن قد وصلت حدّ المخاض ونجد اليوم دولاً متشابه من حيث العامل الأساس، ولكنّها مختلفة من حيث البناء العلوي وأحسن مثال له الدولتان الكبريان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كما أنّ الولايات المتحدة واليابان متوافقتان من حيث النظام الاقتصادي، وهو الرأسمالية، ولكنّهما تختلفان في النظام السياسي والدين والأخلاق والتقاليد والفن وهناك
بلدان متشابه ومتوافقة من حيث النظام السياسي والديني وغيرهما، مع اختلاف كبير في الوضع الاقتصادي كلّّ ذلك شواهد على أن التطابق الضروري بين الأساس والبناء العلوي، كما تقوله المادية التاريخية توّهم محض.
٤ - عدم التطابق بين الموقع الطبقي والموقع الإيديولوجي:
بناءاً على المادية التاريخية - كما بيّنا سابقاً - لا يمكن للبناء العلوي أن يتقدم على الأساس أبداً في أي مرحلة من مراحل التاريخ إذن فالمعلومات في كل مرحلة وكل عصر وزمان ترتبط بذلك الزمان بالضرورة، وبعد انقضائه تصبح قديمة ومنسوخة وتودع محفظة التاريخ فالمعلومات والفلسفات والأُطروحات والتنبؤات والأديان كلها مواليد قهرية للمقتضيات الخاصة بعصر ظهورها، ولا يمكنها أن تتطابق مع مقتضيات عصر آخر.
ولكنّ الثابت في مرحلة العمل الخارجي خلاف ذلك فكثير من الفلسفات والشخصيات والأفكار والمعلومات فضلاً عن الأديان قد تتحقق متقدمة على عصرها وزمانها وطبقتها وكم من فكرة بقيت تلمع في سماء التاريخ، مع أنّ المقتضيات المادية لعصر حدوثها قد انعدمت تماماً.
ومن العجيب أنّ ماركس فارق الماركسية في هذا الموضع أيضاً في بعض كلماته، فقد قال في كتابه المعروف ( الإيديولوجية الألمانية ): ( قد نرى في بعض الأحيان أنّ المعلومات تسبق العلاقات التجريبيّة المعاصرة، بحيث يمكن الاستناد والاعتماد على فرضيات العلماء
السابقين كحجّةٍ في نضال العصر المتأخّر عنهم )(١) .
٥ - استقلال التطوّر الثقافي:
تقول المادية التاريخية: إنّ الثقافة والعلم في المجتمع كسائر عوامله من السياسة والقضاء والدين متعلق بالعامل الاقتصادي، ولا يمكن له أن يتطور مستقلاً عن العامل الاقتصادي , فالعلم إنّما يتطور بعد تطور وسائل الإنتاج والعامل الاقتصادي.
ومن المعلوم - أولاً - أنّ وسائل الإنتاج من دون تأثير العامل البشري لا تتطور بنفسها فهي إنّما تتكامل تبعاً لعلاقات الإنسان مع الطبيعة وضمن أبحاثه وتجاربه فتطور وسائل الإنتاج وتكاملها مع التكامل الفني والعلمي للإنسان توأمان ولكن ما هو السابق منهما ؟ هل الإنسان يحصل على اكتشاف أوّلاً ثم يجري تجاربه وصناعته، أم أنّه يجرّب في عالم الصناعة ثم يحصل على اكتشاف ؟ لا شك أنّ الثاني هو الصحيح فمن البديهي أنّ كشف القوانين العلمية والأُصول التكنولوجية إنّما يتم ضمن فحوص الإنسان وتجاربه وإذا لم يرتبط الإنسان بالطبيعة ولم يفحص ولم يجرب لم يحصل على كشف أي قانون علمي من قوانين الطبيعة أو تأسيس أي أصل فني وهذا لا كلام فيه.
إنّما البحث في أنّه بعد الفحص والتجربة هل يبدأ الإنسان بالتكامل العلمي في ذاته، ثم يخلق في الخارج الوسائل الفنية، أم أنّ العكس هو الصحيح ؟ لا شك أنّ الصحيح هو الشق الأول من الترديد.
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص١٧٣.
هذا مضافاً إلى أنّ التعبير بالنمو والتطور والتكامل في الإنسان تعبير حقيقي، وفي وسائل الإنتاج وغيرها من الوسائل الفنية تعبير مجازي فالتكامل والتطور الحقيقي هو أنّ واقعاً خارجياً يصل من مرحلة دانية إلى مرحلة عليا، والتطور المجازي هو أن لا يتغير الواقع الخارجي بعينه، وإنّما ينعدم وينسخ ويخلفه أمر آخر مغاير له فالطفل حينما يكبر يصح أن يقال حقيقة: إنّه نما وتكامل، أمّا إذا استبدل معلّم الصف بمعلّم أعلم منه وأقدر على التربية فالوضع التعليمي في الصف قد تكامل، ولكنّه تكامل مجازي فتكامل الإنسان في صنع الوسائل تكامل حقيقي، إذ ينمو ويتطور من الجهة المعنوية واقعاً ولكن تكامل الصناعة كصناعة السيارة، حيث تأتي منه كل عام موديلات جديدة أكثر تعقيداً وأجهزة تكامل مجازي، بمعنى أنّه ليس هناك واقع خارجي يترك مرحلة دانية ويصل إلى مرحلة عالية واقعاً فالسيارة المصنوعة في العام الماضي لم تتغير أجهزتها، بل انعدمت ونسخت وجاءت مكانها سيارات أُخرى وبعبارة أُخرى انعدم الفرد الناقص واستبدل بفرد كامل، لا أنّ فرداً واحداً انتقل - في زمانين - من مرحلة النقص إلى مرحلة الكمال وإذا كان هناك تكامل حقيقي وتكامل مجازي متعاصرين، فلا شك أنّ التكامل الحقيقي هو الأصل والمجازي هو الفرع.
ثم إنّ ذلك لو صحّ فإنّما يصحّ في العلوم الفنيّة، وأمّا سائر العلوم كالطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والمنطق والفلسفة والرياضيات، فلا يمكن فيها القول بالتعلق من جانب واحد فتطور العلوم يرتبط بتطور الوضع الاقتصادي، بنفس المقدار الذي يرتبط به الوضع الاقتصادي بتطور العلوم أو اقل منه كما أعلن ذلك ( ك شمولر ) ضد الماركسية قال:
( لا شك أنّ الوضع الاقتصادي ضروري للبروز الثقافي الممتاز، ولكن لا شك أيضاً في أنّ الحياة المعنوية والخلقية تتطور باستقلال )(١) .
وإذا حذفنا من نظرية ( اوغست كونت ) الفرنسي قوله بانحصار معنويات الإنسانية في الذهن، مع أنّه قسم من الاستعداد البشري ومعنويته، لكانت نظريته أثمن بكثير من نظرية ماركس في التكامل الاجتماعي فهو يدعي: ( أنّ الظواهر الاجتماعية تتبع ضرورة علمية دقيقة، فهي تظهر كتطور ضروري في المجتمعات البشرية تحت قيادة الذهن البشري المتطور )(٢) .
٦ - المادية التاريخية تنقض نفسها:
إنّ المادية التاريخية تقول بأنّ كل فكر وكل نظرية فلسفية، أو علمية، وكل نظام خلقي بمقتضى كونها تجلّياً للأوضاع المادية والاقتصادية الخاصة، ومتعلقة بالأوضاع الخارجية المختصة بها، لا يمكن أن يكون لها اعتبار مطلق وقيمة مطلقة، بل تختص بزمانها الخاص ومع انقضائه وتبدّل الأوضاع المادية والاقتصادية - وهو أمر قهري لا يقبل الاجتناب - يفقد ذلك الفكر أو النظرية الفلسفية أو العلمية وذلك النظام الخلقي صحته واعتباره، ولا بد من استبداله بفكر جديد، ونظرية جديدة.
وبناءاً عليه فالمادية التاريخية أيضاً - وهي نظرية ألقيت من جانب بعض من الفلاسفة وعلماء الاجتماع - مشمولة لهذا القانون العام إذ
____________________
(١) تجديد نظر طلبي ص٢٣٩.
(٢) مراحل أنديشه در جامعه شناسي ص١٠٢.
لو لم تكن مشمولة له لكان هناك استثناء من هذا القانون، وهناك قانون أو قوانين علمية أو فلسفية أصيلة لا تتبع العامل الاقتصادي الأساس.
وإذا كانت مشمولة له فالمادية التاريخية من حيث الصحة والاعتبار تختص بزمان محدود ومرحلة خاصة، وهي تلك المرحلة التي ظهرت فيها لا قبلها ولا بعدها إذن فعلى كلا التقديرين تنتقض المادية التاريخية، أي إنّ المادية التاريخية بما أنّها فرضية أو نظرية فلسفية، وكجزء من البناء العلوي إمّا أنّها تشمل غيرها ولا تشمل نفسها ؛ إذن فهي ناقضة لنفسها وإمّا أن تشمل نفسها وغيرها ولكن في مرحلة معينة من الزمان، وفي غيرها لا تشمل نفسها ولا غيرها ومثل هذه المناقشة تصدق في المادية الديالكتيكية، حيث إنّها تعتبر أصل الحركة وأصل التأثير المتقابل شاملين لكل شيء حتى الأُصول العلمية والفلسفية وقد بحثنا عنهما في المجلد الأول والثاني من كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم ) ومن هنا يتضح أنّ ما يقال من أنّ العالم معرض للمادية الديالكتيكية، والمجتمع معرّض للمادية التاريخية قول لا أساس له.
وهناك مناقشات أُخرى ترد على المادية التاريخية أعرضنا عن ذكرها في هذا المقام.
ولا يمكنني إخفاء تعجّبي من أنّ نظرية تكون إلى هذا الحدّ فاقدة لكل أساس واعتبار ومغايرة للعلم، ومع ذلك تشتهر بأنّها علمية وهنا يتجلّى التأثير العجيب للدعاية.
الإسلام والمادية التاريخية
هل يقبل الإسلام المادية التاريخية ؟ هل يبتني تحليل وتفسير الأحداث التاريخية في منطق القرآن على المادية التاريخية ؟ هناك مَن يظن
ذلك، ويدّعي أنّ هذه الفكرة كانت أساساً لتفسير التاريخ وتحليله في القرآن المحمدي قبل ماركس بأكثر من ألف سنة من هؤلاء الدكتور علي الوردي من الأساتذة الشيعة في العراق، الذي ألّف كتباً قامت حوله الضوضاء، منه كتاب ( مهزلة العقل البشري ) ولعلّه أول مَن تعرّض لهذا الموضوع وقد أصبح اليوم هذا النوع من التحليل التاريخي على لسان الإسلام دليلاً على التثقف بين جماعة من الكتّاب المسلمين، وصار موضة العصر.
ولكنّنا نعتقد أنّ مَن يفكر هكذا فهو إمّا أنّه لا يعرف الإسلام معرفة صحيحة، أولا يعرف المادية التاريخية معرفة صحيحة، أولا يعرف شيئاً منهما كذلك وملاحظة المبادئ الخمسة والنتائج الستة للمادية التاريخية، التي أوضحناها، كافٍ لمَن يكون مطلعاً على منطق الإسلام أن يعلم أنّهما في طرفي نقيض.
وحيث إنّ هذا النوع من التفكير حول المجتمع والتاريخ، وخصوصاً إذا تحلّى بالصبغة الإسلامية كذباً واتّسم بطابع الإسلام افتراءاً، يشكّل خطراً عظيماً على الثقافة والمعارف الإسلامية والفكر الإسلامي، فكان لِزاماً علينا أن نبحث عن المسائل التي أوجدت هذا التوهّم، أو يمكن أن تكون منشأ لما يقال من أنّ أساس المجتمع في الإسلام هو الاقتصاد، وأنّ هوية التاريخ مادية.
ولا بد من أن نذكر هنا بأنّ ما نتعرض له من المسائل أوسع بكثير عمّا تعرضوا لها في كتبهم، فهم تمسكوا ببضع من الآيات والأحاديث، ولكنّنا نضيف إلى ذلك مسائل أُخرى، يمكن أن تكون موضعاً للاستشهاد ؛ ليكون البحث جامعاً وكاملاً.
١ - وردت في القرآن الكريم مفاهيم اجتماعية كثيرة، وقد نقلنا في مباحث المجتمع زهاء ٥٠ كلمة من مفردات القرآن حول المجتمع ومع ملاحظة الآيات الاجتماعية في القرآن، التي تشتمل على هذه المفردات، يستشعر نوع انقسام في المجتمع إلى قطبين فقد ورد فيه نوع من هذا الانقسام على أساس الاقتصاد، أي على أساس التنعّم والحرمان الاقتصادي، حيث عبّر عن أحد القطبين بالملأ ( أي امتلاء العين بالفخفخة والكبكبة ) والمستكبرين والمسرفين والمترَفين، وعن القطب الآخر بالمستضعفين ( الذين أُصيبوا بالذلة والاستضعاف ) والناس ( الشعوب ) والذريّة ( الصغار الذين يحتقرون ولا يملؤون عينا في قبال الملأ ) والأراذل والأرذلون ( الأوباش )(١) وجعل هذين القطبين متقابلين هذا من جهة ومن جهة أُخرى أقرّ بنوع من الانقسام على أساس المفاهيم المعنوية، فجعل أحدهما الكفار والمشركين والمنافقين والفاسقين والمفسدين، والآخر المؤمنين والموحّدين والمتقين والصالحين والمصلحين والمجاهدين والشهداء.
وإذا دقّقنا النظر في محتوى الآيات القرآنية التي تعرضت لهذين التقسيمين وجدنا نوعا من التطابق بين القطبين الأولين المادي والمعنوي، وكذا بين القطبين الثانيين، أي إنّ الكافرين والمشركين والمنافقين والفاسقين هم الملأ والمستكبرون والمسرفون والمترفون والطواغيت، لا غيرهم ولا المتشكّل منهم ومن غيرهم وإنّ المؤمنين والموحدين والصالحين والمجاهدين هم المستضعفون والفقراء والمساكين والعبيد والمظلومون والمحرومون، لا غيرهم ولا المتشكّل منهم ومن غيرهم.
____________________
(١) وهذا التعبير لم يقله القرآن عن نفسه، بل نقله عن لسان المخالفين.
إذن فالمجتمع ينقسم إلى قطبين فقط: القطب الثري الظالم المستعمِر ويشكّله الكافرون، والقطب المستضعف ويشكّله المؤمنون وبذلك يتبين أنّ انقسام المجتمع إلى مستضعَف ومستضعِف هو الذي أوجد الكافر والمؤمن فاستضعاف الآخرين منشأ الشرك والكفر والنفاق والفسق والفساد، والاستضعاف بالآخرين منشأ الإيمان والتوحيد والصلاح والإصلاح والتقوى.
ولكي يتضح هذا التطابق تكفي مراجعة الآيات من آية / ٥٩ ( الأعراف ) التي تبدأ بآية( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ) إلى آية / ١٣٧ التي تنتهي بآية:( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) ومجموعها أربعون(١) آية، وقد ورد في هذه الآيات قصص الأنبياء نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسىعليهمالسلام باختصار، وفي جميعها ( ما عدا قصة لوط) يشاهدان الطبقة التي آمنت بالأنبياء هم المستضعفون، والطبقة التي خالفت وكفرت هم الملأ والمستكبرون(٢) وهذا التطابق لا يمكن تفسيره وتوجيهه إلاّ على أساس الوجدان الطبقي الذي هو لازم للمادية التاريخية ومستلزم لها إذن فالواقع أنّ مواجهة الكفر والإيمان من وجهة نظر القرآن انعكاس من مواجهة المستضعَفين والمستضعِفين.
____________________
(١) هكذا ورد في الكتاب، والصحيح أنّها ٧٩ آية ومن العجيب أنّه تكرّر ذكر العدد ٤٠ ( المترجم ).
(٢) راجع أيضاً الكهف / ٢٨ حول من آمن بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهود / ٢٧ والشعراء / ١١١ حول من آمن بنوحعليهالسلام ، ويونس / ٨٣ حول من آمن بموسىعليهالسلام والأعراف / ٨٨ - ٩٠ حول مَن آمن بشعيبعليهالسلام والأعراف / ٧٥ - ٧٦ حول مَن آمن بصالحعليهالسلام ونكتفي بهذه الآيات خوفاً من الإطالة.
وقد صرّح القرآن الكريم بأن الثراء والملكية، وبتعبير القرآن ( الغنى ) أساس الطغيان والتمرّد، أي إنّه يناقض التواضع والسّلم، وقد دعا الأنبياء إليهما، قال تعالى:( إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) العلق / ٧ فالإنسان إذا رأى نفسه غنياً ثرياً يشعر بالطغيان.
ونجد القرآن أيضاً يذكر قصة قارون تأكيداً على الأثر السيئ الذي تتركه الملكية في الإنسان فقارون كان من الأسباط ولم يكن قبطياً، بمعنى أنّه كان من قوم موسىعليهالسلام ومن تلك الطبقة المستضعفة على يد فرعون، ومع ذلك فهذا الفرد المستضعف حينما أصبح مالكاً عظيماً لأسباب خاصة ؛ تمرّد وطغى على قومه المستضعفين.
قال تعالى:( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ) القصص / ٧٦ ألا يظهر من هذا أنّ نضال الأنبياء ضد الطغيان إنّما كان في الواقع نضالاً ضد الملكية والمالكين ؟ وقد صرّح القرآن في بعض الآيات بأنّ زعماء مخالفي الأنبياء كانوا من المترَفين أي الغارقين في النعيم وقد ورد هذا الأمر في سورة سبأ / ٣٤ كأصل وقانون عام قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) كل هذا يدل على أنّ مواجهة الأنبياء ومخالفيهم ومواجهة الإيمان والكفر كان انعكاساً لمواجهة الطبقتين الاجتماعيتين: المستضعَفين والمستضعِفين.
٢ - إنّ القرآن يدعو مخاطبيه بالناس والناس بمعنى الجماهير، أي الشعب المحروم ؛ وهذا يدلّ على أنّ القرآن يقرّ بالوجدان الطبقي، وأنّه يرى أنّ الطبقة الوحيدة الصالحة لقبول الدعوة الإسلامية هي
الطبقة المحرومة ويدل أيضاً على أنّ للإسلام مبعثاً طبقياً وموقفاً طبقياً خاصاً، أي أنّه دين المحرومين والمستضعفين، وأنّ المخاطب بالإيديولوجية الإسلامية هم الجماهير المحرومة فقط وهذا دليل آخر على أنّ الاقتصاد هو الأساس، وأنّ هوية التاريخ مادية في رأي الإسلام.
٣ - لقد صرّح القرآن الكريم بأنّ القادة والمصلحين والمجاهدين والشهداء، وبالتالي الأنبياء إنّما يبعثون من بين السواد الأعظم لا من بين الطبقة المتنعمة الثريّة قال تعالى حول النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم :( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً ) الجمعة / ٢ فالأُمّيين هم الناس المنتسبون إلى الأُمّة، والأُمّة ليست إلاّ الجماهير المحرومة وقال أيضاً حول شهداء الحق:( وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) والمراد بالأُمّة هو الجماهير المحرومة وبالبرهان شهيدهم والقول بأنّ قادة الحركات والثورات يبعثون بالضرورة من بين الجماهير المحرومة يعني ضرورة التطابق بين الموقع الاعتقادي والاجتماعي والموقع الاقتصادي والطبقي، وهذه الضرورة لا يمكن توجيهها إلاّ على أساس أنّ هوية التاريخ مادية، وأنّ الاقتصاد هو العامل الأساس.
٤ - إنّ ماهية حركة الأنبياء في القرآن، واتخاذهم للموقف الاجتماعي أساسية لا بنائية يستنبط من القرآن أنّ هدف بعثة الأنبياء ورسالتهم هو إقامة العدل والقسط، وإيجاد المواساة والمساواة الاجتماعية، ورفع الفواصل الطبقية فالأنبياء دائماً كانوا يبتدئون من الأساس - وهو هدف رسالتهم - ويصلون إلى البناء العلوي دون العكس فالبناء العلوي أي العقيدة والإيمان والإصلاح الخلقي والسيرة
هو الهدف الثاني للأنبياء الذي كانوا يبحثون عنه بعد إصلاح الأساس.
قال الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( مَن لا معاش له لا معاد له ) أي مَن ليست له الحياة المادية فليس له المعاد، وهو ثمرة الحياة المعنوية وهذه الجملة تعطي تقدم المعاش والحياة المادية على المعاد والحياة المعنوية، وأنّ الحياة المعنوية بناء علوي متعلق بالحيات المادية وهي الأساس وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً: ( اللّهمّ بارك لنا في الخبز، لولا الخبز ما تصدقنا ولا صلّينا ) وهذه الجملة تفيد أيضاً تعلق المعنويات وبالماديات، وابتنائها عليها.
إنّ ما نجده الآن من اعتقاد أكثرية الناس بأنّ جهود الأنبياء كانت منحصرة في البناء العلوي، ونشر الإيمان بين الناس وإصلاح العقيدة والأخلاق والسيرة فيهم وما كانوا يهتمون بالعامل الأساس، أو كان في الدرجة الثانية من الأهمية، أو أنّهم كانوا يحاولون أن يصبح الناس مؤمنين معتقدين، ويقولون إنّ ذلك يستتبع بالذات إصلاح جميع الشؤون، واستقرار العدالة والمساواة، وإنّ المستثمرين سيأتون بأنفسهم ويدفعون بأيديهم حقوق المحرومين والمستضعفين والحاصل أنّ الأنبياء توصّلوا إلى أهدافهم عن طريق إصلاح العقيدة والإيمان، ولا بد لأتباعهم أن يسلكوا نفس هذا الطريق: ( إنّ ذلك كله ) مكر وحيلة صنعهما المستثمرون ورجال الدين المرتبطين بهم من أجل الحيلولة دون تأثير تعليم الأنبياء، وروّجوا ذلك في المجتمع حتّى صار مورداً لاستقبال الأكثرية القريبة من الاتفاق وقد قال ماركس: ( إنّ أولئك الذين يصدرون البضاعة المادية قادرون على إصدار الأمتعة الفكرية للمجتمع، وأولئك الذين يحكمون على المجتمع حكماً مادياً، يحكمون
الحكم المعنوي أيضاً، ويتسلطون على أفكارهم )(١) .
هذا مع أنّ مشي الأنبياء وسيرتهم كانت على خلاف ما يتصوره الأكثرون، فهم كانوا يبدأون بتطهير المجتمع من الشرك والتبعيض الاجتماعيين، واستضعاف الآخرين، وهذا أساس الشرك الاعتقادي والخلقي والعملي وبعد ذلك كانوا يعملون على نشر التوحيد الاعتقادي والتقوى العملي والخلقي.
٥ - إنّ القرآن جعل منطق مخالفي الأنبياء في طول التاريخ مقابلاً لمنطق الأنبياء وأتباعهم ويظهر من القرآن بوضوح أنّ منطق المخالفين كان دائماً منطق المحافظة على الوضع الموجود، والاعتقاد بالتقاليد، والإيمان بالماضي وبعكس ذلك كان منطق الأنبياء وأتباعهم منطق الاعتقاد بالتجديد، ونفي التقاليد، والتطلّع إلى المستقبل ويبيّن القرآن بذلك أنّ منطق الطائفة الأُولى من حيث التفسير الاجتماعي في المجتمع المنقسم إلى المستثمرين والكادحين، هو منطق المستثمرين المنتفعين من الوضع الموجود، ومنطق الأنبياء وأتباعهم هو منطق المحرومين والمتضرّرين، حسب التفسير الاجتماعي ويظهر من ذلك أنّ القرآن كان يهتم بنقل المنطق الخاص للمخالفين، والمنطق الخاص للموافقين، وليس ذلك إلاّ من جهة أنّ المنطقين كانا ويكونان متقابلين، كنفس الطائفتين في طول التاريخ ويريد القرآن بذلك أن يعطينا مقياساً لهذا اليوم.
وفي القرآن موارد متعددة جعل فيها هذان المنطقان متقابلين راجع
____________________
(١) ( الإيديولوجية الألمانية ).
الآيات ٤٠ إلى ٥٠ / من الزخرف، و ٢٣ إلى ٤٤ / من المؤمن، و ٤٩ إلى ٧١ / من طه، و١٦ إلى ٤٩ / من الشعراء، و٣٦ إلى ٣٩ من القصص ونحن نذكر الآيات ٢٠ إلى ٢٤ / من الزخرف، من باب الشاهد، ونوضحها باختصار قال تعالى:( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) أي إذا كنّا نعبد الملائكة فهو يدل على أنّ الله أراد ذلك وهذا اعتقاد بالجبر المطلق وقوله (وما لهم بذلك ) يشير إلى الكلام الدال على الجبر وتفيد الآية أنّه ليس هناك اعتقاد جدّي بالجبر، ولا كتاب من السماء يمكن الاستناد إليه في ذلك.
فنجد هنا أنّ مخالفي الأنبياء تارة يتمسّكون بنطق الجبر والقضاء والقدر وعدم الاختيار، وهذا المنطق - كما يشهد له علم الاجتماع - منطق المنتفعين بالوضع الحاضر، حيث إنّهم لا يرغبون في تغيير للوضع الموجود، ويعتذرون بالقضاء والقدر، وتارة أُخرى يعتذرون بمتابعة سنن الآباء، ويعتبرون الماضي مقدّساً ولائقاً بالاتباع، ويكتفون في الحكم بصحة الشيء ولياقته للهداية بتعلّقه بالماضي وهذا بعينه هو المنطق الرائج للمحافظين، والمنتفعين بالوضع الحاضر.
وفي قبالهم الأنبياء الّذين يدعون - بدلاً من اتباع التقاليد والاعتقاد بالجبر - إلى التفكير المنطقي والعلمي والباعث للنجاة، وهو منطق الثوريين والمعذّبين في الوضع الحاضر وإذا ضعف المخالفون في
مواجهة دليل الأنبياء وحجّتهم، قالوا كلمتهم الأخيرة وهي أنّه - سواء قلنا بالجبر أم لم نقل، وسواء احترمنا التقاليد أم لم نحترم - فإنّا مخالفون لرسالتكم وإيديولوجيتكم لماذا ؟ لأنّها تناقض كياننا الاجتماعي والطبقي.
٦ - وأوضح من الجميع موقف القرآن من النضال بين المستضعفين والمستكبرين، حيث النصر الأخير في صراع هاتين الطبقتين للمستضعفين، كما تبشّر به المادية التاريخية على أساس المنطق الديالكتيكي فالواقع أنّ القرآن في موقفه هذا يعلن عن وجه السير الضرورية والجبرية للتاريخ، وأنّ الطبقة التي تكون بالذات واجدة للخصيصة الثورية ستنتصر في صراعها المرير ضد الطبقة التي تكون بالذات، وبمقتضى وضعه الطبقي واجدة للخصيصة الرجعية والتعلق بالماضي، وبالتالي ستكون الطبقة الأُولى وارثة للأرض قال تعالى:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) [ القصص / ٥ ].
وقال في سورة [ الأعراف / ١٣٧ ]( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) .
وهذا الاتجاه القرآني، الذي يقول بأنّ مسير التاريخ نحو انتصار المحرومين والمأسورين والواقعين تحت الاستثمار، ينطبق تماماً مع الأصل الذي استنتجناه سابقاً من المادية التاريخية، وهو أنّ الخصيصة الذاتية للاستثمار هي الرجعية والتعلّق بالماضي، وهذه الخصيصة حيث إنّها تناقض قانون التكامل في الكون محكومة بالفناء والخصيصة الذاتية
للوقوع تحت استثمار الآخرين هي الثقافة والحركة والثورة، وحيث إنّ هذه الخصلة توافق قانون التكامل الكوني فهي المنتصرة قطعاً.
وهنا لا بأس بنقل قسم من المقال الذي نظّمه ونشره في رسالة جماعة من المثقفين المسلمين، الذين تجاوزوا الحد في التثقيف، ووصلوا إلى حدّ التأثر العميق بالماركسية، فننقله مع استنتاجه وقد ورد في ذلك المقال في ذيل الآية الكريمة السابقة هكذا:
( إنّ ألطف ما في الآية هو الموقف الذي اتّخذه الباري، وجميع مظاهر الوجود في قبال مستضعفي الأرض ولا شكّ أنّ مستضعفي الأرض في التفكير القرآني هم أولئك الأُناس المحرومين المأسورين الذين لا يملكون مصائرهم جبراً وقهراً وبملاحظة هذا المعنى، والتوجّه إلى الموقف الذي اتّخذه الباري وجميع مظاهر الوجود في قبالهم أي الإرادة المطلقة الحاكمة على الكون المتعلقة بالمنّة عليهم، يثار هذا السؤال، وهو أنّه مَن سيقوم بتحقيق هذه الإرادة الإلهية ؟ والجواب واضح، وذلك إذا لاحظنا أنّ النظام الإداري للمجتمعات ينقسم إلى قطبي التناقض ( المستضعفين والمستكبرين )، وعلمنا من جهة أُخرى أنّ الإرادة الإلهية متعلقة بإمامة ووراثة المستضعفين الأرض، وانعدام الأنظمة المستكبرة وانتفائها في نهاية الأمر ؛ نعلم أنّ الذي يحقق الإرادة الإلهية هم نفس المستضعفين ورسلهم، والمثقفون الملتزمون المنبعثون من بينهم.
وبعبارة أُخرى: إنّ الرسل المبعوثين(١) من بين المستضعفين ،
____________________
(١) ورد في تعليقهم الإرجاع إلى الآية / ٢ من سورة الجمعة( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً ) والآية / ١٢٩ من سورة البقرة، حيث يستفاد منهما أنّ
=
الشهداء المنزوعين(١) من بينهم هم يقومون بالخطوات الأُولى في النضال مع الأنظمة الطاغية والمستثمرة، الخطوات التي تمهّد الطريق لإمامة ووراثة المستضعفين وهذا المعنى في الواقع انعكاس لمعرفتنا القرآنية عن الثورات التوحيدية والأحداث التاريخية(٢) ، بمعنى أنّه كما أنّ الثورات التوحيدية من وجهة النظر الاجتماعية تدور حول محور إمامة المستضعفين ووراثتهم في الأرض، كذلك لا بد من أن ينبعث قادتها الطبقة المتقدمة فيها من بين المستضعفين بالضرورة ولا بدّ من أن يكون الموقع الإيديولوجي والموضع الاجتماعي هما الموقع الفكري، والموقف الاجتماعي الخاص بالمستضعفين ).
هذا البيان يشمل عدّة نقاط:
أ - إنّ المجتمع ينقسم في نظر القرآن دائماً إلى قطبين: المستكبرين والمستضعفين.
ب - إنّ إرادة الله تعالى - وبتعبير المقال موقف البارئ وجميع مظاهر الوجود - متعلقة بإمامة ووراثة المستضعفين والمأسورين بوجه عام، من
____________________
=
الرسل من الأُمم، وهم الجماهير الكادحة وسيأتي الكلام والبحث حول هذا الاستدلال.
(١) ورد فيها أيضاً الإشارة إلى الآية / ٥٧ من القصص وهي قوله تعالى( ونزعنا من كل أُمة شهيداً . ) وافترض أنّ مفاد الآية أنّ الشهداء والمقتولين في سبيل الله هم دائماً يقومون من بين الأُمم والجماهير الكادحة وسيأتي الكلام حول هذه الآية أيضاً.
(٢) إنّ هؤلاء لم يريدوا أن يصرّحوا بأنّهم يبحثون عن الشاهد للمادية التاريخية الماركسية، فعرضوا منسوجاتهم تحت ستار ( انعكاس المعرفة القرآنية ).
دون تقيّد بشرط: من كونهم موحدين أو مشركين أو عبدة أوثان فلا فرق بين كونهم مؤمنين أو غير مؤمنين أي إنّ كلمة ( الذّين ) في الآية للاستغراق وتفيد العموم والسنّة الإلهية قائمة على انتصار المستضعف بما هو مستضعف على المستكبر وبعبارة أُخرى إن الماهية الأصلية للصراع الموجود في طول التاريخ هي صراع المحرومين والظالمين، والسنة التطورية في العالم على أساس انتصار المحرومين على الظالمين.
ج - إن إرادة الله تعالى إنما تتحقق بواسطة المستضعفين أنفسهم، وإنّ القادة والمتقدمين والأنبياء والشهداء يبعثون من الطبقة المستضعفة بالضرورة دون غيرها.
د - إن بين الموقع الفكري والاجتماعي والوضع الطبقي تطابق وتوافق دائماً.
إذن فيستفاد من هذه الآية الكريمة عدة أُصول ماركسية حول التاريخ، ويستفاد أنّ القرآن قد بيّن نفس نظرية ماركس وفلسفته قبل ولادته بألف ومئتين سنة.
حسناً ! إذا تمّت هذه المعرفة القرآنية - كما يزعمون - حول التاريخ، فما هي النتيجة التي نستفيدها من هذه المعرفة في تحليل التاريخ المعاصر ؟ وقد ذكر هؤلاء مثلاً باستعجال مع الاستناد إلى هذا الأصل القرآني - بزعمهم - والاستنتاج منه، فذكروا حركة رجال الدين الحاليّة كمثال لتجربة هذا الأصل يقولون: إنّ القرآن علّمنا أنّ الطبقة المتقدمة وقادة الثورات يجب أن يكونوا من الطبقة المستضعفة، ونحن نجد اليوم أنّ رجال الدّين ( وهم كانوا قبل اليوم أحد الأبعاد الثلاثة لنظام الاستثمار في التاريخ ) وقد بدّلوا موقعهم الاجتماعي وأصبحوا
ثوريين فكيف التوفيق ؟ بسيطٌ جدّاً، لا بد أن نحكم بصورة قطعية ومن دون شك أنّ وراء الأكمة ما وراها فالطبقة الحاكمة لمّا وجدت كيانها في خطر أوعزت إلى رجال الدين المرتبطين بها أن يلعبوا دور الرّجل الثّوري ؛ لينقذوا بذلك أنفسهم من السقوط.
هذه هي نتيجة المعرفة الماركسية ( عفواً ! القرآنية ) ومعلوم من هو المستفيد من هذه النتيجة.
النقد:
إنّ ما مرّ من توجيه المادية التاريخية من وجهة نظر القرآن الكريم، منها ما هو خطأ أساساً، ومنها ما هو صحيح في نفسه، والخطأ في الاستنتاج، وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: إنّ ما قيل من أنّ القرآن يقسّم المجتمع إلى قطبين ماديين، وقطبين معنويين، وأنّه يعتبرهما متطابقين، أي إنّ الكافرين والمشركين والمنافقين والفاسقين والمفسدين في القرآن هم الملأ، والمستكبرين والجبابرة، وبعكس ذلك المؤمنون والموحدّون والصالحون والشهداء، فهم من الطبقة المستضعفة المحرومة، وأنّ مواجهة الكفار والمؤمنين انعكاس من المواجهة الأساسية بين المستضعفين والمستكبرين ( إنّ ذلك كله ) كذب محض فلا يستفاد هذا التطابق من القرآن أبداً، بل يستفاد عدم التطابق.
فالقرآن في دروسه التاريخية يعرّفنا بمؤمن من صلب طبقة الملأ والمستكبرين، وأنّهم ضد تلك الطبقة وقيمها ومن هذا القبيل مؤمن آل فرعون الذي وردت قصته في سورة من القرآن بنفس هذا
الاسم، سورة ( المؤمن ) وكذلك امرأة فرعون التي كانت شريكة حياته، ولم يكن فرعون يتنعم بنعمة لا تشاركه فيها وقد أشير إلى قصتها في القرآن في سورة التحريم الآية / ١١.
وقد ذكر القرآن الكريم قصة سحرة فرعون على وجه مثير في موارد عديدة، وبيّن أنّه كيف يثور الوجدان الفطري للبشر في طلب الحقّ، والحقيقة ضدّ الكذب والافتراء والضلالة، إذا واجه الحقيقة والصدق، وأنّه كيف يرفع اليد عن جميع منافعه الشخصية، ولا يخاف التهديد الفرعوني، حيث يقول:( فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) [ سورة طه / ٧١ ].
بل إنّ ثورة موسىعليهالسلام بنفسه حسبما ينقل القرآن الكريم ثورة تنقض المادية التاريخية، فهو وإن كان سبطيّاً لا قبطيّاً، ومن بني إسرائيل لا من آل فرعون، إلاّ أنّه منذ أيام رضاعه رُبّي في بيت فرعون، فكانت نشأته نشأة أبناء الملوك ومع ذلك فانّه ثار على هذا النظام الفرعوني الّذي نشأ في صلبه، وانتفع بمنافعه، فتركه، ورجّح الرعي لدى شيخ مدين على حياة أبناء الملوك، حتى بعث للرّسالة ودخل في صراع مع فرعون بصورة علنية.
والرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يتيماً في صغره، وفقيراً أيام شبابه، ثم تزوّج بخديجة صاحبة الثراء وترفّه بذلك والقرآن الكريم يشير إلى هذه الملاحظة، حيث يقول:( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى . . . وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ) وفي هذه المرحلة من حياته التي كان فيها متنعّماً أخذ جانب العبادة والعزلة ومقتضى أُصول المادية التاريخية أن يتبدل الرسول الأكرم في هذه المرحلة إلى رجل محافظ
يوجه الوضع الموجود ولكنّه في هذه المرحلة بالذات بدأ رسالته الثورية وثار ضدّ الرأسماليين والمرابين، وأصحاب العبيد والرقيق، وضدّ نظام عبادة الوثن الذي كان مظهر تلك الحياة.
وكما أنّ المؤمنين والموحّدين والقائمين بثورة التوحيد لم يكونوا جميعاً من طبقة المستضعفين، بل كان الأنبياء يصطادون مَن لم تخبث فطرته، أو قلّ خبثه من الطبقة المستكبرة، فيحمّلونهم على مجاهدة أنفسهم بالتوبة، أو مجاهدة طبقتهم بالثورة، كذلك لم تكن الطبقة المستضعفة بأجمعهم من المؤمنين والقائمين بثورة التوحيد وقد ورد في القرآن الكريم موارد مختلفة اعتُبرت فيها طوائف من المستضعفين في صنف الكافرين، وحُكم عليهم بالعذاب الإلهي(١) .
إذن فليس كلّ المؤمنين من المستضعفين، ولا كلّ المستضعفين من المؤمنين وهذا التطابق المدّعى جزاف محض ولكن لا شك في أنّ أكثر المؤمنين بالأنبياء هم دائما ًمن الطبقة المستضعفة، أو على الأقل من الذين لم تتدنّس ثيابهم بجناية استضعاف الآخرين، كما أنّ أكثر مخالفي الأنبياء هم المستكبرون ؛ وذلك لأنّ الفطرة الإلهية التي هي الأرضية المستعدة لقبول رسالة السماء، وإن كانت مشتركة بين الجميع، إلاّ أنّ الطبقة المستكبرة والمترَفة مصابة بمانع كبير، وهو التلوّث والاعتياد بالوضع الموجود، فلا بد له من أن ينقذ نفسه من أثقال التلوّث، وقليل منهم يوفّقون لذلك ولكنّ الطبقة المستضعفة لم تصب بهذا المانع، بل يجد في ذلك مضافاً إلى إجابة نداء الفطرة نيله بحقوقه الضائعة، فهو
____________________
(١) راجع سورة النساء / ٩٧، وإبراهيم / ٢١، وسبأ /٣١الى ٣٧، وغافر / ٤٧ إلى ٥٠.
بدخوله في سلك المؤمنين يقذف عصفورين بحجر ومن هنا كان أكثر المؤمنين بالأنبياء من المستضعفين، وأقلّهم من غيرهم وأمّا التطابق بالوجه المدّعى فكلام فارغ.
ومباني القرآن في هوية التاريخ تختلف عن مباني المادية التاريخية فالأصل في القرآن هو الروح، وليس للمادة أيّ تقدم عليها فالحاجات المعنوية والجاذبه المعنوية في وجود الإنسان هي الأصيلة، ولا تتعلق بالحاجات المادية وكذلك الفكر هو الأصيل، دون العمل والشخصية الفطرية النفسية للإنسان مقدمة على شخصيتة الاجتماعية.
فالقرآن بمقتضى بنائه على أصالة الفطرة، وأنّ في باطن كلّ إنسان - حتى الممسوخين كفرعون - إنسان فطري قد كبّل بالقيود، يقول بإمكان الحركة في جهة الحق والحقيقة، ولو بوجه ضعيف في جميع أفراد الإنسان، وإن كان أبعد الممسوخين عن الإنسانية ؛ ولذا فإنّ الأنبياء مكلّفون بأن يقوموا في مرحلة ببذل النصح والموعظة للظالمين، لعلّهم يتمكّنون من تحرير الإنسان الفطري المكبّل بالقيود في باطنهم، ويثيروا شخصيتهم الفطرية ضد شخصيتهم الاجتماعية الخبيثة ونجد أنّ هذا التوفيق قد حصل في موارد كثيرة ويدعى بالتوبة وقد أُمر موسىعليهالسلام في أول مرحلة من رسالته أن يذهب إلى فرعون، ويقوم بتذكيره، وإيقاظ فطرته، فإن لم تُجد الموعظة يحاربه آنذاك فمن وجهة نظر موسىعليهالسلام قد قيّد فرعون وأسر إنساناً في باطنه كما أسر أُناساً في الخارج، فهو يبدأ بإثارة الأسير الداخلي ضدّ فرعون، وفي الواقع يثير الفرعون الفطري الذي هو إنسان، أو نصف إنسان متبقي، ضدّ الفرعون الاجتماعي، أي ذلك الذي صنعه المجتمع.
قال تعالى:( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) (١) .
فالقرآن يقدّر ويعظّم الهداية والإرشاد والتذكير والوعظ والبرهان والاستدلال المنطقي ( الذي يعبّر عنه القرآن بالحكمة ) فمن وجهة نظر القرآن يمكن لهذه الأُمور أن تغيّر الإنسان ومجرى حياته، وتبدّل شخصيته، وتحقّق في باطنه ثورة معنوية والقرآن يرى للإيديولوجية والتفكير دوراً غير محدود، خلافاً للماركسية والمادية التي تحصر دور الهداية والإرشاد في تبديل طبقة في نفسها إلى طبقة لنفسها أي إدخال التضاد الطبقي في مرحلة الشعور فقط.
ثانياً: إنّ ما قيل من أنّ المخاطب في القرآن هو الناس، والمراد به الجماهير المحرومة، فالمخاطب في الإسلام هو الطبقة المحرومة، والإيديولوجية الإسلامية إيديولوجية الطبقة المحرومة , والإسلام يخاطب أتباعه وجيوشه من المحرومين فقط، خطأ أيضاً نعم، الإسلام يخاطب الناس، ولكن الناس هم البشر، أي عامة أفراد الإنسان ولا يوجد في أي معجم أو أي عرف عربي تفسير الناس بالطبقة المحرومة، ولا يشتمل على مفهوم الطبقة أصلا ً قال تعالى:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) هل يمكن تفسير هذا الخطاب بأنّه موجّه إلى المحرومين ؟! وهكذا سائر الخطابات الموجّهة بعنوان( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) وهي كثيرة في القرآن، ولا يقصد بشيء منها الجماهير المحرومة، بل المراد عموم الناس والعمومية في خطابات القرآن تنبع من نظرية الفطرة الواردة فيه.
____________________
(١) النازعات / ١٧ - ١٩ راجع أيضاً سورة طه / ٤٤ - ٤٥.
ثالثاً: إنّ ما قيل من أنّ القرآن يرى أنّ جميع القادة، والأنبياء، والمتقدمين، والشهداء، يبعثون من بين المستضعفين فقط، خطأ آخر في فهم معاني القرآن، فلم يرد فيه كلام يدلّ على ذلك وأمّا الاستدلال بقوله تعالى:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ . ) ودعوى أنّ النبيّ بعث من بين الأُمة، والمراد بالأُمة الجماهير المحرومة استدلال مضحك فإنّ ( الأُمّيين ) جمع ( أُمّي )، ومعناه مَن لا يقرأ ولا يكتب، وهو منسوب إلى أُمّ لا إلى الأُمة مضافاً إلى أنّ الأُمّة بمعنى المجتمع، وهو مركّب من طوائف مختلفة بل قد يكون مركّباً من طبقات مختلفة، وليس معناه الجماهير المحرومة بوجه وأعجب من ذلك الاستدلال بآية / ٧٥ من سورة القصص حول الشهداء قال تعالى:( وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) وقد فسّر هؤلاء هذه الآية - أو بالأحرى حرّفوها - بهذا الوجه: ( إنّا نبعث من كلّ أُمة ( الجماهير المحرومة ) شهيداً ( أي قتيلاً في سبيل الله ) فنجعل منه رجلاً ثورياً، ثم نقول للأُمم: ليأت كل منكم ببرهانه، أي ذلك الشهيد، أو الشخصية الثورية المقتول في سبيل الله ).
ولا بدّ هنا من ذكر هذه النقاط:
أ - إنّ هذه الآية والتي قبلها مرتبطتان بيوم القيامة والآية التي قبلها هي:( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) .
ب - كلمة ( ونزعنا ) معناها فصل الشيء عن الشيء، لا البعث والإثارة.
ج - الشهيد في هذه الآية ليس بمعنى المقتول في سبيل الله، بل معناه
الشاهد على الأعمال والقرآن يعدّ كل نبيّ شاهداً على أعمال أُمّته.
ولا تجد في القرآن مورداً واحداً أطلقت فيه كلمة الشهيد على معناه الرائج هذا اليوم، أي المقتول في سبيل الله نعم، ورد استعمالها في هذا المعنى على لسان الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمّة الأطهار ( ع) فأنظر كيف تحرّف آيات القرآن من أجل توجيه فكرة ماركسية باطلة ..
رابعاً: ما هو هدف الأنبياء ؟ هل الهدف الأصلي لهم هو إقامة العدل والقسط، أم إيجاد رابطة الإيمان والمعرفة بين العبد والرب، أم كلاهما فيكون الأنبياء من حيث الهدف ثنويين، أم أنّ هناك وجهاً آخر ؟ قد مر الجواب على هذا السؤال في مبحث النبوّة فلا نعيد(١) هنا نقتصر على البحث في مشي الأنبياء وكيفية علمهم:
إنّ الأنبياء - كما ذكرنا في مباحث التوحيد العملي أيضاً(٢) - لم يقتصروا في العمل - كما يظن بعض المتصوّفة - على إصلاح الإنسان عن طريق تحريره من الداخل بقطع علاقته عن الأشياء ولم يكتفوا - كما يظن بعض الماديين - بتعديل وإصلاح الروابط الخارجية للوصول إلى تعديل وإصلاح الروابط الداخلية فالقرآن الكريم يقول في جملة واحدة وفي آن واحد:( تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ آل عمران / ٦٤ ].
____________________
(١) الوحي والنبوّة _( الرسالة الثالثة من هذه المجموعة ص٣٧ - ٤٣ ) من الأصل الفارسي.
(٢) ( تفسير الكون على أساس التوحيد الرسالة الثانية ص ٦٢ - ٨١ ) من الأصل الفارسي.
إنّما الكلام في أنّ الأنبياء هل يبدأون عملهم من الداخل أو من الخارج ؟ هل يبدأون بثورة داخلية عن طريق إيجاد العقيدة والإيمان والحماس المعنوي، ثم يختارون الناس الواجدين للثورة التوحيدية الفكرية والإحساسية والعاطفية لثورة التوحيد الاجتماعي والإصلاح الاجتماعي، وإقامة العدل والقسط، أم أنّهم يبدأون بالتشديد على المحركات المادية، أي يثيرون الناس عن طريق لفت الأنظار إلى أنواع الحرمان والغبن الاجتماعي والاستضعاف، وبعد إبادة الشرك والتبعيض الاجتماعيين يبحثون عن الإيمان والعقيدة والأخلاق ؟
قليل من الدقّة والنظر في سيرة الأنبياء وأولياء الله تعالى يكفي للعلم بأنّهم - خلافاً للمصلحين أو المدّعين للإصلاح البشري - كانوا يبدأون من الفكر والعقيدة والإيمان والحماس المعنوي والحب الإلهي والتذكير بالمبدأ والمعاد ويتضح ذلك بملاحظة ترتيب السور والآيات المنزلة من القرآن الكريم، وأنّها بدأت من أي الأُمور، وكذلك ملاحظة سيرة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واختلافها من حيث الأُمور التي باشر بها في السنين الثلاثة عشر التي قضاها في مكّة، والسنين العشرة التي قضاها في المدينة.
خامساً: إنّ ما قيل من أنّ منطق مخالفي الأنبياء منطق المحافظين، فهو أمر طبيعي إلاّ أنّه إذا كان المستفاد من القرآن أنّ مخالفي الأنبياء على وجه العموم كان هذا منطقهم بلا استثناء صحّ الاستنتاج بأنّ المخالفين كلهم كانوا من الطبقة الثرية المترفة المستثمرة، إلاّ أنّ المستفاد منه أنّ ذلك كان منطق زعماء المخالفين، وهم الملأ والمستكبرون، حيث إنّهم كانوا يملكون البضائع المادية للمجتمع، كانوا أيضاً - كما يقول ماركس - يصدرون هذه البضاعة الفكرية لسائر
الناس وأمّا أنّ منطق الأنبياء كان منطق التحرّك والتعقّل، وعدم الاهتمام بالسنن والتقاليد، فهو أمر طبيعي أيضاً، إلاّ أنّ ذلك لم يكن من جهة تأثّرهم بالحرمان والغبن الطبقي والاستضعاف، ولم يكن هذا المنطق انعكاساً قهرياً وطبيعياً لذلك الحرمان، بل إنّ السبب في ذلك أنّهم كانوا قد بلغوا القمة في الرشد والكمال الإنساني، أي في المنطق والعقل والعواطف والأحاسيس البشرية وسيأتي أنّ البشر كلّما تعالى في الرشد والكمال الإنساني ؛ قلّ ارتباطه بالجو الطبيعي والاجتماعي والأوضاع المادية المحيطة به، وقرب من الغنى والاستقلال الذاتي فالمنطق المستقل للأنبياء كان يستوجب أن لا يتقيّدوا بالتقاليد والعادات والسنن القديمة، وأن يمنعوا الناس من التقليد الأعمى لتلك السنن والتقاليد.
سادساً: إنّ ما قالوه حول الاستضعاف غير صحيح أيضاً ؛ وذلك لأنّ القرآن صرّح في آيات أُخرى بمصير التاريخ ومآله، وبيّن فيها ضمناً مجرى التاريخ بوجه آخر، وفي صورة أُخرى وتلك الآيات تفسّر وتقيّد مفاد هذه الآية إذا افترضنا صحة ما فسّرت به ومن جهة أُخرى فآية الاستضعاف - خلافاً لما هو المعروف - لم تبيّن قانوناً عامّاً، حتى تحتاج في مقام المقايسة بسائر الآيات الواردة في هذا الباب إلى تفسير وتقييد، بل هي مرتبطة بالآية السابقة والآية اللاحقة لها وبملاحظة هاتين الآيتين يتضّح أنّ هذه الآية ليست بصدد بيان قانون عام على الوجه المذكور في الاستدلال إذن فالبحث في هذه الآية من جهتين:
الجهة الأُولى: في مفاد الآية على افتراض فصلها عن الآيتين التي قبلها والتي بعدها، وبناءاً على إفادتها قانوناً عامّاً تاريخياً، ومع مقايستها بسائر الآيات، التي وردت في بيان قانون تاريخي آخر مخالف لهذا القانون، واستخراج النتيجة من ملاحظة المجموع.
الجهة الثانية: في أنّ هذه الآية ليست في مقام بيان قانون عام تاريخي على الوجه الذي جاء في الاستدلال.
أمّا الجهة الأُولى فقد ورد في عدّة من الآيات بيان مآل التاريخ ومصيره، وبيّن ضمناً مجرى التاريخ ومسيره، وأنّه يتم بانتصار الإيمان على الكفر، والتقوى على الفجور، والصلاح على الفساد، والعمل الصالح المرضي لله على العمل القبيح ففي سورة [ النور آية / ٥٥ ]:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) .
في هذه الآية وعد الله النصر النهائي، وخلافة الأرض ووراثتها للمؤمنين الصّالحين فهذه الآية - خلافاً لآية الاستضعاف التي وردت حول المستضعفين والمحرومين والمظلومين - جعلت عنوان الوعد صفة إيديولوجية، وأُخرى خلقية وعملية فالواقع أنّها تعلن عن الانتصار والسلطة النهائية لنوع من العقيدة والإيمان ونوع العمل وبعبارة أُخرى أعلنت الآية عن انتصار الإنسان الواصل إلى الإيمان، والمدرك للحقيقة، والعامل على الصّراط المستقيم والموعود فيها:
أوّلاً: الاستخلاف، أي التسلّط على القدرة وقطع أيدي المقتدرين السابقين وثانياً: استقرار نظام الدّين، أي تحقق جميع القيم الخلقية والاجتماعية للإسلام، من العدل والعفاف والتقوى والشجاعة والإيثار والمحبّة والعبادة والإخلاص وتزكية النفس وغيرها و ثالثاً: طرد كلّ أنواع الشرك في العبادة أو الطاعة.
وقال تعالى في سورة [ الأعراف / ١٢٨ ]:( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .
قوله تعالى:( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، أي السنّة الإلهية قائمة على أنّ المتقين هم ورّاث الأرض في النهاية.
وقال تعالى في [ سورة الأنبياء / ١٠٥ ]:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) وهناك آيات أُخرى في هذا الباب.
فكيف التوفيق بين الآيات ؟ أنأخذ بمضمون آية الاستضعاف، أم آية الاستخلاف وسائر الآيات ؟ هل يمكن أن يقال: إنّ مفاد الطائفتين من الآيات وان كان مختلفاً في الظاهر، إلاّ أنّهما يبيّنان حقيقة واحدة نظراً إلى أنّ المستضعفين هم المؤمنون والصالحون والمتقون وبالعكس فالاستضعاف عنوانهم الاجتماعي والطبقي، والإيمان والعمل الصالح والتقوى عنوانهم الإيديولوجي؟.
الجواب هو النفي وذلك، أوّلاًُ: من جهة ما أثبتناه سابقاً من أنّ نظربة تطابق ما يسمّى بالعناوين الظاهرية من الإيمان والصلاح والتقوى، مع ما يسمّى بالعناوين الأساسية من الاستضعاف والحرمان والاستثمار غي صحيحة، من وجهة النظر القرآنية، وأن تكون طوائف من المستضعفين غير مؤمنين بل قد عرّفنا القرآن بكلتا الطائفتين نعم - كما أشرنا سابقاً - أنّ الإيديولوجية التوحيدية المبتنية على القيم الإلهية من العدل والإيثار والإحسان، إذا عرضت على مجتمع طبقي ،
فمن البديهي أنّ أكثر أتباعه سيكون من المستضعفين ؛ لعدم وجود تلك الموانع التي تسدّ طريق الفطرة في المخالفين أمامهم، ومع ذلك فالطبقة المؤمنة لا تنحصر بالطبقة المستضعفة - وثانياً - من جهة أنّ كلاً من الآيتين تعلن عن نوعين من حركة التاريخ الميكانيكية، فآية الاستضعاف تبينّ أنّ مجرى التاريخ ومسيره هو الصراع الطبقي، وأنّ الحركة تكتسب ميكانيكيتها من الضغط الذي يمارسه المستكبرون، ومن نفسيتهم الرجعية بالذات، ومن الرّوح الثورية لدى الكادحين لأنّهم كادحون والنتيجة - كما هو واضح - انتصار الطبقة المستضعفة، سواء تمتعوا بالإيمان والعمل الصالح - بالمفهوم القرآني - أم لا فتشمل الآية - مثلاً - الشعب الكادح في فيتنام وكمبوديا وإذا أردنا أن نفسّر الآية من وجهة إلهية فنقول: إنّها بصدد بيان قانون حماية الحق للمظلومين قال تعالى:( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (١) أي قانون العدل الإلهي فكلّما ظهر أو سيظهر من مفاد آية الاستضعاف، أي الوراثة والإمامة إنّما هو مظهر للعدل الإلهي.
وأمّا آية الاستخلاف ونظائرها فتبيّن من الوجهة الطبيعية حركة ميكانيكية أُخرى للتاريخ، ومن الوجهة الإلهية قانوناً أشمل وأوسع من قانون العدل الإلهي، ويشمل ذلك القانون أيضاً.
وتلك الحركة الميكانيكية التي تشير إليها هذه الآية ونظائرها هي أنّ بين أنواع الصراع المختلفة، والتي لها وجود وماهيّة مادية وانتفاعية
____________________
(١) إبراهيم ٤٢.
صراعاً خاصاً طابعه أنّه ( لله وفي الله )، وهو يقصد القيم لا المنافع، فهو مقدّس ومبرّأ من طلب المنافع والأغراض المادية، ويقوده الأنبياء، ومَن بعدهم المؤمنون وهو يحاول دائماً قيادة البشرية نحو الحضارة الإنسانية التي يصنعها هذا الصراع المقدّس وهذا هو الذي يستحق أن يدعى صراع الحق والباطل، وهو الذي دفع بالتاريخ إلى الأمام من الجانب الإنساني، والمعنويات الإنسانية والقوة الدافعة الأصلية لهذا الصراع ليس هي الضغط من جانب طبقة أُخرى، بل هي العامل الغريزي الفطري الذي يدعوا إلى الحقيقة، ومعرفة نظام الكون كما هو، ويدعو إلى العدالة أي تنظيم المجتمع كما يجب أن يكون.
إذن فالذي دفع البشرية إلى الأمام ليس هو الشعور بالحرمان والغبن الاجتماعي، بل هو الشعور الفطري نحو طلب الكمال.
فالغرائز والقابليات الحيوانية لدى الإنسان في مؤخّرة التاريخ هي نفسها التي كانت في مقدمته، ولم يكن لها نمو وتكامل جديد في طول التاريخ ولكنّ القابليات البشرية في الإنسان تتكامل تدريجيّاً، حتى تنقذ نفسها في المستقبل من القيود المادية والاقتصادية، وتتعلّق بالعقيدة والإيمان أكثر ممّا هي عليه الآن فمجرى تكامل التاريخ ليس هو الصراع الطبقي والمادي والمنافعي، بل هو الصراع الإيديولوجي والعقائدي والإلهي والإيماني هذه هي الحركة الميكانيكية الطبيعية لتكامل التاريخ، وانتصار الطيبين والصالحين، والمجاهدين في طريق الحق.
وأمّا الوجهة الإلهية لهذا الانتصار، ولكل ما يتحقق في طول التاريخ ويتكامل، ويصل إلى غايته في النهاية هو تجلّي الربوبية الإلهيّة، وظهور رحمته التي تقتضي تكامل الموجودات، لا مجرّد العدالة الإلهية التي
تقتضي جبران التعديات.
وبعبارة أُخرى: إنّ ما وعده الله هو ظهور الربوبية والرحمة والكرم الإلهي، لا مجرّد ظهور نقمته وجبروته.
إذن فتبيّن أنّ لكلّ من آية الاستضعاف، وآية الاستخلاف ونظائرها منطق خاص من حيث الطبقة المنتصرة، ومن حيث المجرى الذي يمر فيه التاريخ، حتى يصل إلى ذلك الانتصار، ومن حيث الميكانيكية أي العامل الطبيعي لحركة التاريخ، ومن حيث الوجهة الإلهية، أي مظهرية أسماء الله وتبيّن أيضاً أنّ آية الاستخلاف أجمع وأشمل، من حيث النتائج التي يظهر منها فما تحصل عليه البشرية طبقاً لآية الاستضعاف جزء، بل جزء صغير ممّا تحصل عليه طبقاً لآية الاستخلاف والأمر الذي تعلن عنه آية الاستضعاف، وهو دفع الظلم عن المظلوم، وبعبارة أُخرى حماية الرّبّ عن المظلومين جزء ممّا تعلن عنه آية الاستخلاف.
وأمّا في الجهة الثانية، فالبحث يقع في آية الاستضعاف: الواقع أنّ هذه الآية ليست بصدد بيان قاعدة عامة، وبالتالي فهي لا تبيّن مجرى التاريخ، ولا تشير إلى ميكانيكيته، ولا تحكم بأنّ الانتصار النهائي للمستضعفين من حيث أنّهم مستضعفون وإنّما نشأ توهم أنّ هذه الآية تبينّ قاعدة عامة من فصلها عمّا ترتبط به من الآيات السابقة واللاحقة، ومن توهّم أنّ كلمة( الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) تفيد العموم والاستغراق.
وعلى أساس ذلك أستنبط هذه القاعدة المعارضة للقاعدة المستفادة من آية الاستخلاف.
وإليك فيما يلي الآيات الثلاث:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي
نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (١) .
هذه الآيات مترابطة وهي بأجمعها تبيّن موضوعاً واحداً ويلاحظ أن جملة( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ) ، وجملة( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ . ) من الآية الثالثة معطوفتان على جملة ( أَنْ نَمُنَّ . ) من الآية الثانية ومكمّلتان لمفادها، وعليه فلا يمكن الفصل بين هاتين الآيتين ومن جهة أُخرى يلاحظ أنّ محتوى الجملة الثانية من الآية الثالثة التي تبيّن مصير فرعون، أي جملة( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ . ) ترتبط بمحتوى الآية الأُولى التي تبيّن فيها تجبّره وطغيانه، فلا يمكن فصل الآية الثالثة عن الأُولى، وحيث إنّها معطوفة على الثانية ومكمّلة لمفادها فهي أيضاً لا تنفصل عن الأُولى.
فلو لم تكن الآية الثالثة، أو لم تكن متعرّضة لمصير فرعون وهامان ؛ أمكن أن نفصّل الآية الثانية عن الأُولى، ونعتبرها مستقلة، ونستفيد منها قاعدة عامة ولكنّ الترابط القوي بين الآيات الثلاث يمنع من استفادة هذه القاعدة والذي يستفاد من مجموعها أنّ فرعون كان يستعلي على الناس، ويفرّق بينهم، ويستضعفهم ويقتل أولادهم، وفي نفس الوقت كانت إرادتنا مستقرّة على أن نمنّ على أولئك الناس المستضعفين والمظلومين والمحرومين، وأن نجعلهم الأئمّة والوارثين وإذن فكلمة ( الّذين ) إشارة إلى معهود، ولا تفيد العموم الاستغراقي.
____________________
(١) القصص ٤ - ٦.
أضف إلى ذلك أنّ في الآية ملاحظة أُخرى، وهي أنّ جملة( وَنَجْعَلَهُمْ ) معطوفة على جملة( أَنْ نَمُنَّ ) ، فتفيد أنّ المنّة عليهم بشيء غير جعلهم أئمّة، ولم يقل( بأن نجعلهم . ) حتّى تفيد أنّ المنّة عليهم متعلقة بإعطاء الإمامة والوراثة، كما تعارف تفسر الآية به إذن فالمستفاد من الآية أننا أردنا أن نمّن على أولئك المستضعفين بإرسال الرّسول والكتاب السماوي ( موسى -عليهالسلام - والتوراة )، والتعليم والتربية الدينية، وإيجاد عقيدة التوحيد، وأن نجعلهم من المؤمنين والصالحين، وبالتالي نجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين فالآية تريد أن تقول:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) بموسى والكتاب الذي نزّل على موسى( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً. ) .
بناءاً على ذلك فمفاد آية الاستضعاف، وإن كان خاصاً إلاّ أنّه بعينه هو مفاد آية الاستخلاف، أي إنّ الآية تبيّن مصداقاً من مصاديق تلك الآية وهذا - مضافاً إلى أنّه يستفاد من عطف جملة( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً . ) على جملة( أَنْ نَمُنَّ ) - واضح في نفسه بحيث لا يحتمل أن تفيد الآية أنّ بني إسرائيل وصلوا إلى الإمامة والوراثة لأنّهم كانوا مستضعفين، سواء كان موسى يبعث بالنبوّة أم لا، وسواء كانت رسالة السماء تنزل عليهم أم لا، وسواء كانوا يؤمنون بها أم لا.
ولعلّ أنصار نظرية المادية التاريخية يقولون: إنّ الثقافة الإسلامية من حيث الرّوح والمعنى إمّا أن تكون ثقافة الطبقة المستضعفة، أو ثقافة الطبقة المستكبرة، أو ثقافة جامعة بينهما فإن صحّ الافتراض الأول لزم أن تأخذ صبغة تلك الطبقة، وأن يكون محور ثقافته الطبقة المستضعفة من حيث المخاطب والرسالة والموقف الاجتماعي وإنّ صحّ الافتراض
الثاني - كما يدعيه مخالفو الإسلام - فلا بدّ أن تكون ثقافته طبقية الصبغة، وأن تدور حول محور طبقة خاصة، وأن تكون رجعية لا إنسانية، وبالضرورة لا تكون إلهية وهذا لا يرضى به أي مسلم، مع أنّ كلّ جزء من هذه الثقافة تشهد بخلافه.
يبقى أن يقول: إنّها ثقافة جامعة، بمعنى أن تكون حيادية غير مهتمّة بهذه الشؤون، ومنعزلة غير شاعرة بالمسؤولية والتعهّد وهي الثقافة التي تترك شؤون الربّ للرب، وشؤون قيصر لقيصر، وتريد أن تصلح بين الماء والنار، والمظلوم والظالم، والمستثمِر والمستثمَر، وأن يجمعهم تحت خيمة واحدة ومثل هذه الثقافة أيضاً لا تكون إلاّ ثقافة محافظة تعمل لصالح الطبقة المستكبرة المستثمِرة وكما أنّ الجماعة من الناس إذا التزموا طريق الحياد، وعدم الاهتمام والشعور بالمسؤولية والانعزال، ولم يتدخلوا في الصراع الاجتماعي بين الطبقة المستثمِرة والمستثمَرة ؛ يعدّون من حماة الطبقة المستثمِرة ومؤيّديها، كذلك الثقافة إذا كانت الروح المهيمنة عليها روح الحياد وعدم الاهتمام، فلا بدّ أن تعد ثقافة الطبقة المستكبرة عمليّاً وحيث إنّ الثقافة الإسلامية ليست ثقافة حيادية، ولا ثقافة الطبقة المستكبرة، فيجب أن تكون ثقافة الطبقة المستضعفة، وأن يكون محورها هذه الطبقة من حيث المبعث والرسالة والخطاب والموقف الاجتماعي وهذا البيان خاطئ جداً والذي يغلب على الظن أنّ الأساس في اعتقاد بعض المثقفين المسلمين بالمادية التاريخية أمران:
( أحدهما ) توهّم أنّه إذا كانت ثقافة الإسلام ثقافة الثورة، أو إذا أرادوا أن يخلقوا للإسلام ثقافة ثورية فلا بد أن يلجأوا إلى المادية
التاريخية وأمّا سائر الكلمات التي يتبجّحون بها من أنّ ذلك ملهم من المعرفة القرآنية، أو أنّه انعكاس لمعرفتنا بالقرآن، أو أنّ هذا ما نستنبطه من آية الاستضعاف، كلّ ذلك أعذار وتوجيهات لهذا الموقف المُتّخذ مسبقاً وهكذا ينحرفون عن منطق الإسلام بعيدا جداً، وينزلون المنطق الإسلامي الطاهر، الإنساني، الفطري، الإلهي إلى مستوى منطق مادي محض فهؤلاء المثقفون يظنون أنّ الطريق الوحيد لكون الثقافة ثورية هي أن تكون منحصرة في التعلّق بالطبقة المحرومة المستثمرة، فتنبعث من هذه الطبقة وتسير في صالحها، ويكون خطابها أيضاً موجَّها إليها فقط، ويكون الموقع الاجتماعي والطبقي لقادتها ومرشديها وأئمّتها هو موقع هذه الطبقة، ويكون موقف تلك الثقافة من سائر الطوائف والطبقات موقف الصراع والحرب والعداء لا غير ويظن هؤلاء المثقفون أنّ الثقافة الثورية لا تحصل إلاّ عن طريق الرغيف، وأنّ جميع الثورات العظيمة في التاريخ حتى ثورات أنبياء اللهعليهمالسلام كانت ثورات الرغيف ومن أجل الرغيف فهذا أبو ذر العظيم، حكيم الأُمّة والعبد الصالح المخلص لله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والمجاهد في سبيل الله قد صنعوا منه رجلاً معقّداً يثور من أجل الرغيف، وأنّه كان يشعر بالجوع شعوراً مباشراً ؛ ولذلك فإنّه من أجل جوعه جوّز شهر السيف والهجوم على الناس، بل اعتبره لازماً واجباً، وأنّ أهميتة الوجودية إنّما تنشأ من شعوره الشخصي بألم الجوع، ولذلك فإنّه كان يشعر بما يمّر على الجياع من طبقته من الألم، ويعتقد نفسياً ضدّ أولئك الذين يتسبّبون في هذا الجوع الجماعي، ويقوم بصراع متواصل ضدهم ولا شيء وراء ذلك، فينتهي إلى هذه النهاية الوضيعة، تعريفهم لشخصية لقمان الأمة الموّحد
العارف بالله والمؤمن المجاهد المتفاني في الدّين، والذي يعدّ ثاني الرجال الكاملين في الإسلام.
ويظنّ هؤلاء المثقفون أنّ الثورة - كما قال ماركس - لا تنشأ إلاّ من حركة شعبيّة مدمّرة(١) فهؤلاء لا يدركون أنّ أي ثقافة أو مدرسة أو إيديولوجية إذا كان لها مبعث إلهي، وكان خطابها متوجّهاً إلى الإنسان أو - بالأحرى - الفطرة الإنسانية، وكانت رسالتها جامعة شاملة، وموقفها الاجتماعي هو العدالة والمساواة والطهارة والمعنوية والحب والإحسان، والمقاومة ضد الظلم ؛ فبإمكانها أن تخلق حركة عظيمة وتحقق ثورة عميقة، ولكن ثورة إلهية إنسانية تموج فيها الجذبة الإلهية، والنشاط المعنوي، والقيم الإنسانية، كما نشاهد نماذج منها في التاريخ، وأوضح مثال لها الثورة الإسلامية المحمّديةصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولا يدرك هؤلاء المثقفون أنّ الشعور بالمسؤولية، والتعهّد والاهتمام، وعدم التزام جانب الحياد في أي ثقافة، لا تتوقّف على أن يكون مبعثها الطبقة المحرومة المظلومة ويظنون أنّ الثقافة الجامعة لا بد من أن تكون حيادية غير مهتمّة، ولم يدركوا أنّ المدرسة أو الثقافة الجامعة إذا كان مبعثها إلهياً ومخاطبها الإنسان، أي الفطرة الإنسانية، فإنّ من المستحيل أن تكون حيادية غي مهتمّة وغير شاعرة بالمسؤولية والتعهّد فإنّ الذي يستوجب التعهّد والإحساس بالمسؤولية ليس هو الانتماء إلى الطبقة المحرومة، بل هو الانتماء إلى الله والوجدان البشري.
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ٣٩.
فهذا أحد الأُصول الجذرية للخطأ الذي ارتكبه هؤلاء بالنسبة إلى علاقة الإسلام بالثورة.
والأساس الآخر لهذا الخطأ يرتبط بعلاقة الإسلام بمواقفه الاجتماعية فهؤلاء المثقفون شاهدوا بوضوح في تفسير القرآن للتاريخ، وتحليله لحوادثه خلال نهضات الأنبياء أنّه يتخذ موقفاً قوياً في صالح المستضعفين، ومن جهة أُخرى لا يمكنهم الشك في الأصل الماركسي القائل بالتطابق بين الفكر والطبقة، أو بين الموقع الاجتماعي والموقع العقائدي والعملي، ولا يتصورون خلاف هذا الأصل، فيستنتجون من مجموع ذلك أنّ القرآن حيث إنّه يعتبر موقف الثورات المقدّسة والتقدّمية لصالح المستضعفين، وفي طريق إعادة حقوقهم وحرياتهم فمبعث جميع الثورات المقدسة والتقدمية من وجهة نظر القرآن، هو الطبقة المحرومة والمستثمرة والمستضعفة، وبالتالي فهوية التاريخ في نظر القرآن مادية واقتصادية، والاقتصاد هو العامل الأساس.
وقد تبيّن ممّا ذكرناه إلى هنا أنّ القرآن يؤكّد على أصالة الفطرة، وأنّها المنطق الحاكم على حياة الإنسان، وهي في النقطة المقابلة للمنطق الانتفاعي الذي هو منطق الإنسان المنحطّ ذو الخصال الحيوانية ولذلك فإنّ الإسلام لا يقبل أصل ( تطابق الفكرة الاجتماعية وطبقة المفكّر ) أو ( تطابق الموقع الاجتماعي والموقع العقائدي )، ويعتبره أصلاً غير إنساني، بمعنى أنّ هذا التطابق إنّما يصدق في الإنسان غير الواصل إلى درجة الإنسانية، وغير الواجد للتعليم والتربية الإنسانية، والذي لا يعتمد إلاّ على منطق الانتفاع، ولا يصدق في الإنسان المتعلّم والواصل إلى الإنسانية والمعتمد على منطق الفطرة.
أضف إلى ذلك أنّ التعبير القائل بأنّ الموقف الإسلامي في صالح المستضعفين لا يخلو من التجوّز والمسامحة، فالموقف الإسلامي هو السير نحو العدالة والمساواة ومن البديهي أنّ المستفيد من هذا الموقف الإسلامي، والمنتفع به هم المحرومون والمستضعفون والمتضرّر به هم الظالمون والمستأثرون والمستثمرون، بمعنى أنّ الإسلام حينما يريد تحقيق منافع وحقوق إحدى القيم الإنسانية وتأسيس أصل إنساني وبذلك تتضح مرة أُخرى أهمية أصل الفطرة الذي ورد صريحاً في القرآن، وينبغي أن نعبّر عنه بأُمّ المعارف الإسلامية.
إنّ الكلام حول الفطرة كثير، ولكنّ التوجّه إلى عمقها والأبعاد الوسيعة التي تشملها قليل فنرى - في الغالب - أنّ مَن يبحث حول الفطرة، حيث إنّه لم يتفطّن لأبعادها الوسيعة، يختار في النهاية نظريات مضادّة لهذا الأصل.
ومثل هذا الاشتباه بل أضر منه يحدث في البحث عن مبعث الأديان، وقد كان كلامنا حتى الآن حول هوية التاريخ، ومبعث الظواهر التاريخية من وجهة نظر الدين، أي الدين الإسلامي والكلام هنا حول الدين بالذات حيث إنّه بنفسه ظاهرة اجتماعية تاريخية وجدت - على كل حال - منذ فجر التاريخ، وهنا نريد أن نبيّن مبعث هذه الظاهرة وموقفها الاجتماعي.
وقد ذكرنا مراراً أنّ المادية التاريخية الماركسية تعتقد بأصل التطابق بين مبعث كل واقع ثقافي وموقفه وهذا نظير الأصل الذي يقول به العرفاء والحكماء الإلهيون في النظام الكوني العام وهو أنّ النهايات
هي الرجوع إلى البدايات يقول المولوي في مثنوياته ما هذا ترجمته:
( إنّ الأجزاء كلّها متوجّهة إلى الكل والبلابل تعشق الورود وكل ما يرجع من البحر إلى البحر فهو عودة إلى المبدأ، فمن رؤوس الجبال تعود السيول، ومن أجسامنا تعود الأرواح المفطورة على الحب ).
ومثل هذا ما تقوله الماركسية حول الأُمور الفكرية والذوقية والفلسفية والدينية، وبالتالي جميع الظواهر الثقافية والاجتماعية فهذه المدرسة تقول: إنّ كل فكر يتوجّه إلى الناحية التي بعث منها ( النهايات هي الرجوع إلى البدايات )، فلا يوجد هناك فكر أو دين أو ثقافة حيادية لم تتخذ موقفاً خاصاً، أو يكون موقفها تشكيل موضع اجتماعي غير الموضع الذي تنتمي إليه فمن وجهة نظر هذه المدرسة: لكل طبقة نوع خاص من التجليات الفكرية والذوقية ؛ ولذلك نجد في المجتمعات الطبقية المتفاوتة في الحياة الاقتصادية نوعين من الآلام الاجتماعية، والأفكار الفلسفية، والنظام الخلقي، والطريقة الفنية، والعمل الأدبي والشعري والذوق والإحساس وتفسير الكون، وقد يكون هناك نوعان من العلم أيضاً، وذلك من جهة الاختلاف في العامل الأساس، وعلاقات الملكية.
ولكنّ ماركس يرى لهذه التثنية استثناءين: الدّين والدولة فهما من وجهة نظره من صنع الطبقة المستثمرة، وجزءان من طريقتهم الخاصة في الاستثمار وبالطبع فإنّ موقفهما وموضعهما لصالح هذه الطبقة والطبقة المستضعفة حسب موقعها الاجتماعي لا تكون مبعثاً للدّين ولا الدّولة، بل هما يفرضان عليها من جانب الطبقة المخالفة قهراً إذن فليس هناك نظامان في الدّين، ونظامان في الدّولة.
ولكن بعض المثقفين الإسلاميين يدّعون - خلافاً لماركس - أنّ الدين أيضاً محكوم بهذه التثنية وكما أنّ الأخلاق والفن والأدب، وسائر الأُمور الثقافية في المجتمع الطبقي تنقسم إلى نظامين، لكل منهما مبعث خاص وموضع اجتماعي خاص: أحدهما يتبع الطبقة الحاكمة، والآخر الطبقة المحكومة، كذلك الدين فهو أيضاً ينقسم بدوره إلى نظامين وهناك في المجتمعات دينان بصورة دائمة: الدين الحاكم، وهو دين الطبقة الحاكمة والدين المحكوم، وهو دين الطبقة المحكومة.
فالحاكم دين الشرك، والمحكوم دين التوحيد والحاكم دين التفرقة، والمحكوم دين المساواة، والحاكم دين إقرار الوضع الموجود، والمحكوم دين الثورة ونقد الوضع الموجود والحاكم دين الجمود والسكون والسكوت، والمحكوم دين القيام والحركة والصراخ والدين الحاكم أفيون المجتمع، والمحكوم طاقة المجتمع.
إذن فما يقوله ماركس من أنّ الدين مطلقاً يتخذ مواقفه لصالح الطبقة الحاكمة، وضد الطبقة المحكومة، وهو الدين الوحيد الذي وجد حتى الآن على مسرح الحياة، وحكم في الشعوب ولا يصح في الدين المحكوم، أي دين أنبياء الله الذي لم تسمح الأنظمة الحاكمة له بالظهور والتجلّي والعرض على المجتمع.
وبذلك ردّ هؤلاء المثقفون على نظرية ماركس، التي تعتبر موقف الدين مطلقاً في صالح الطبقة الحاكمة، وظنّوا أنّهم بذلك قد انتقدوا نظريته ولم يتفطّنوا إلى أنّ ما ذكرناه أيضاً، وإن كان مخالفاً لنظرية ماركس وإنجلز وماو وسائر أئمّة الماركسية، إلاّ أنّه بنفسه تفسير ماركسي
ومادي للدين وهذا ممّا يدعو إلى القلق وهم لم يتفطنوا له قطعاً ؛ وذلك لأنّهم - على كلّ تقدير - قد افترضوا للدين المحكوم أيضاً مبعثاً طبقياً، وبذلك قبلوا قانون تطابق مولد الفكرة وموضعها الاجتماعي وبعبارة أُخرى سلّموا لا شعورياً بأنّ ماهية المذهب مادية، وكذا ماهية كل ظاهرة ثقافية، وسلّموا بضرورة التطابق بين مولد الظاهرة الثقافية وموضعها الاجتماعي ولكنّهم إنّما خالفوا ماركس والماركسية في اعترافهم بالدين الذي يكون مولده الطبقة المحرومة والمستثمرة، وموقفه الاجتماعي لصالحها وفي الواقع تمكّنوا بذلك من توجيه طريف للدين المحكوم من حيث اتخاذ الموضع، ولكن من حيث ماهية مولده وأنّها مادية طبقية فلا.
والنتيجة الحاصلة: أنّ دين الشرك والدين الحاكم المرتبط بالطبقة الحاكمة هو الدين التاريخي الوحيد الذي تحقق في الخارج، وأثّر في مسيرة الحياة ؛ لأنّ ضرورة التاريخ كانت لصالح تلك الطبقة، والقدرة الاقتصادية والسياسية تحت سلطتها، فبالضرورة كان الدين الذي يوجّه موضعها ثابتاً وحاكماً وأمّا دين التوحيد فلم يتمكّن من النفوذ في المجتمع، ولم يتمكّن من ذلك ؛ لعدم إمكان تقدم البناء العلوي على الأساس.
ولذلك فإنّ ثورات الأنبياء التوحيدية ثورات محكومة وفاشلة في التاريخ، ولم يمكن لها غير ذلك، فالأنبياء جاءوا بدين التوحيد ودين المساواة، ولكن لم يمض زمان طويل حتى برز دين الشرك تحت ستار التوحيد، واستمر في الحياة باسم تعاليم الأنبياء، وأخذ يتغذّى
بتعاليمهم بعد تحريفها ؛ وبذلك أصبح أقوى من ذي قبل، وأقدر أسر الطبقة الكادحة.
فالواقع أنّ الأنبياء حاولوا أن يخفّفوا من مآسي الناس، ولكن ما جاءوا به أصبح في النتيجة مصيبة فوق المصائب، حيث اتخذته الطبقة المخالفة وسيلة لزيادة الضغط على المحرومين والمستثمرين فما أراد الأنبياء أن يحقّقوه بتعاليمهم القيّمة لم يتحقق، وما تحقق خارجاً مغاير لما أرادوه وبتعبير الفقهاء: ( ما قُصد لم يقع وما وقع لم يُقصد ).
إنّ ما يقوله الماديون المخالفون للدين من أنّ الدين أفيون الشعوب، ووسيلة للتخدير، وعامل للجمود والركود، وموجّه للظلم والتمييز، وأنّه يحمي الجهل ويسحر الجماهير، صحيح بالنسبة إلى الدين الحاكم، دين الشرك والتمييز الذي تمكّن من امتطاء التاريخ، وخطأ بالنسبة إلى الدين الحقيقي، دين التوحيد، دين المساكين والمستضعفين المطرودين من مسرح الحياة والتاريخ باستمرار.
ولكنّ الدين المحكوم لم يلعب دوراً في الحياة إلاّ في حدود المعارضة والنقد، مثلما لو تمكّن حزب في المجلس التشريعي من كسب الأكثرية، وبالتالي تشكيل الدولة من أعضائها، وتنفيذ برامجها وتحقيق أهدافها، ولكنّ الحزب الآخر وإن كان أكثر منه تقدّماً ورقاءاً، إلاّ أنّه يبقى دائماً في الأقلية، فإنّه لا يمكن أن يعمل شيئاً سوى المعارضة والنقد ولكنّ حزب الأكثرية لا يصغي إلى هذا النقد، فهو يدير المجتمع كيفما شاء، وربّما يستفيد من معارضة الأقلية ونقدها في سبيل تحكيم مواضعه إذ لولا هذا النقد لأمكن أن يسقط بسبب الضغط المتواصل ،
فهذه المعارضة تدق أجراس الخطر، فينتبه حزب الأكثرية ويصلح أخطائه، وبذلك يقوّي موضعه.
هذا، ولكن هذا التقرير غير صحيح، لا من جهة تحليل ماهية دين الشرك، ولا من جهة تحليل ماهية دين التوحيد، ولا من جهة الدور الذي أدّاه كل منهما ولا شك أنّ الدين كان موجوداً في العالم دائماً، إمّا دين التوحيد، أو دين الشرك، أو كلاهما معاً، واختلف علماء الاجتماع في أنّ أيّهما كان أسبق، والغالب يقولون بأنّ دين الشرك كان سابقاً، وبالتدريج تطوّر الدين وتكامل حتى وصل إلى مرحلة التوحيد وقال بعضٌ بعكس ذلك والروايات الدينية بل بعض القواعد الدينية تؤيّد النظرية الثانية وأمّا أنّ دين الشرك - على كل تقدير - بأيّ سبب حدث ؟ وأنّه هل كان في الواقع وسيلة لتوجيه الظلم والتمييز على أيدي ظلمة التاريخ، أم أنّ لحدوثه سبباً آخر، فقد وقع موضع البحث لدى المحققين، وقد ذكروا له عللاً أُخرى أيضاً، فلا يمكن التصديق بكل بساطة بأنّه مولود الظلم الاجتماعي وأمّا تحليل دين التوحيد بأنّه موجّه لأهداف الطبقة المحرومة المعارضة للتمييز، والمطالبة بالوحدة والإخاء فهو أبعد عن العلم من التحليل الأوّل، مضافاً إلى أنّه لا يناسب التفكير الإسلامي.
إنّ هذا التقرير يعتبر أنبياء الله الكرام مبرّئين من التهمة، ولكنّهم مغلوبون في أمرهم، ومقهورون أمام الباطل في طول التاريخ، ولم يتمكّن دينهم من النفوذ في المجتمع حتى يستطيع إحراز سهم في توجيه المجتمع حائز للأهمية، ممّا يقارب سهم الدين الباطل الحاكم - على الأقل - فلم يكن له دور أكثر من النقد والاعتراض على الدين الحاكم وأمّا أنّهم مبرّؤون فلأنّهم - خلافاً لما يدّعيه المادّيون - ليسوا في جانب الطبقة
المستثمرة والغاصبة، ولا من عوامل الجمود والركود، ولم يتخذوا موقفاً لصالح تلك الطبقة، بل كانوا بالعكس في جانب الطبقة المستضعفة والمستثمرة، مستشعرين آلامها، ومبعوثين من صميمها، وجادّين في سبيل مصالحها وإعادة حقوقها المغتصبة وكما أنّ الأنبياء الكرام مبرّؤون من حيث روح الدعوة والشريعة، أي موقفهم وموضعهم الاجتماعي، كذلك هم مبرّؤون تماماً من حيث مغلوبيتهم أمام الباطل، بمعنى أنّهم غير مسؤولين تجاه ذلك ؛ لأنّ ضرورة التاريخ الناشئة من الملكية الخاصة كانت تحمي الجانب الآخر فبروز الملكية الخاصة في المجتمع قسّمه بالجبر والضرورة إلى نصفين: مستثمِر ومستثمَر، والنصف المستثمِر المالك للإنتاج المادي كان مالكاً للإنتاج المعنوي لزاماً، ولا يمكن مصارعة الضرورة التاريخية التي هي التعبير المادي للقضاء والقدر قضاء وقدر من إله الأرض لا إله السماء، والإله المادي لا الإله المجرّد، أي تلك القدرة الحاكمة المسمّاة بالعامل الاقتصادي الأساس في المجتمع، والتي تعدّ وسائل الإنتاج محرّكه الرئيسي.
إذن فالأنبياء لم يكونوا مسؤولين عن انهزامهم أمام الباطل ولكنّ هذا التقرير مع أنّه يحتوي على تبرئة الأنبياء، يتضمّن أيضاً تخطئة النظام الواقعي في الكون، وهو ما يعبّر عنه بنظام الخير ونظام الحق، وأنّ الخير غالب على الشر، فالإلهيّون حيث إنّهم ينظرون إلى النظام بحسن النية يدّعون أنّ نظام الكون نظام مستقيم، ونظام حق، ونظام خير وأمّا الشرّ والباطل والانحراف فهي وجودات عرضية وطفيلية ومؤقّتة وغير أصيلة ومحور نظام الكون ومدار النظم
الاجتماعي للبشر هو الحق:( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) (١) وحول صراع الحق والباطل، فيقولون: إنّ الحق هو المنتصر( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) (٢) ويقولون: إنّ التأييد الإلهي ظهير للأنبياء الكرام:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) (٣) ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (٤) .
ولكنّ التقرير السابق لا يقبل هذه الأُصول، فالأنبياء والرسل والمصلحون القدامى في التاريخ وإن كانوا مبرّئين إلاّ أنّ إله الأنبياء مورد للتخطئة والنقد.
والواقع أنّ في المقام مشكلة، فمن جانب نجد أنّ القرآن يرينا صورة مستحسنة من المجرى العام للكون، فهو يصر على أنّ الحقّ هو محور الكون، ومدار الحياة الاجتماعية للإنسان والفلسفة الإلهيّة، أيضاً بموجب قوانينها الخاصة، تدّعي أنّ الخير والحق يترجّحان دائماً على الشر والباطل، وأنّ الشر والباطل وجودان عرضيّان طفيليان وغير أصليين ومن جانب آخر نجد أنّ دراسة التاريخ الماضي والحال تسبّب نوعاً من سوء الظن بالنظام الجاري في الكون، وتوهم أنّ نظرية القائلين بأنّ
____________________
(١) الرعد / ١٧.
(٢) الأنبياء / ١٨.
(٣) غافر / ٥١.
(٤) الصافات ١٧١ - ١٧٣.
مجموعة الكون بأسره مليئة بالفجائع والمظالم وغصب الحقوق، والاستثمار نظرية مقبولة، فماذا هو الحلّ ؟ هل إنّنا خاطئون في درك النظام الكوني، والنظام الاجتماعي للإنسان ؟ أم أنّنا مصيبون هناك، إنّما الخطأ في درك معاني القرآن، حيث نعتقد بأنّ القرآن ينظر إلى الكون والتاريخ باستحسان ؟ أم أنّنا غير خاطئين في الموضوعين، وأنّ هذا التناقض موجود فعلاً بين الواقع الخارجي والقرآن وأنّه غير قابل للحل ؟.
وقد بحثنا حول هذه المشكلة من حيث ارتباطها بالنظام الكوني في كتاب ( عدل الهي )، وقد انتهينا إلى حلّها والحمد لله وأمّا من حيث ارتباطها بمجرى التاريخ والحياة الاجتماعية للإنسان، فسنبحث عنه في أحد المباحث الآتية تحت عنوان ( صراع الحق والباطل ) وسنبيّن إن شاء الله وجهة نظرنا في حل هذه المشكلة وإنّا مستعدون لاستقبال وجهات النظر المختلفة بسرور إذا كانت مدعمة بالدليل.
المقاييس
إذا أردنا اكتشاف وجهة النظر الخاصة بمدرسة ما حول ماهية التاريخ، فبإمكاننا أن نستفيد من مجموعة من المقاييس، وبملاحظتها تمكن المعرفة الدقيقة لنظريات تلك المدرسة حول الحركات التاريخية، وماهية الحوادث التاريخية.
وبهذا الصدد نستعرض فيما يلي بعض المقاييس ممّا يخطر بالبال، ولعل هناك مقاييس أُخرى في هذا المضمار قد خفيت علينا.
وقبل استعراض المقاييس، واستنباط وجهة النظر الإسلامية على
أساسها لا بدّ من التنبيه على أنّ القرآن الكريم قد أشار - حسب رأينا - إلى بعض الأُصول التي تدل بالصراحة على أولوية العوامل المعنوية في المجتمع بالنسبة إلى العوامل المادية فقد ورد في القرآن كأصل من الأُصول قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) أي إنّنا لا نغيّر الوضع و الحالة لمجتمع حتى يغيّروا بأيديهم وإرادتهم وعزمهم كلّ ما يرتبط بسيرتهم وعملهم وبعبارة أُخرى: إنّ مصير الناس لا يتبدّل حتى يتبدل كلّ ما يرتبط بنفوسهم ومعنوياتهم بأيديهم فهذه الآية تنفي بالصراحة الجبر الاقتصادي في التاريخ.
ومع ذلك فإنّا نستعرض بعض المقاييس وبموجبها نستنتج النظرية الإسلامية.
١ - إستراتيجية الدعوة.
إنّ كل مدرسة تحمل رسالة اجتماعية، وتدعو الناس إلى الإيمان بها لا بد لها من اتخاذ طريقة خاصة لها، ترتبط من جانب بأهدافها الرئيسة، ومن جانب آخر بتفسيرها الخاص لماهية الحركات التاريخية فالدعوة في كل مدرسة هي نوع توعية للجماهير، وضغط على محركات خاصة لإيجاد الحركة فيهم.
فمثلاً المدرسة الإنسانية لأوغست كونت التي تدّعي نوعاً من المذهب العلمي، ترى جوهر التكامل البشري في الجانب الذهني منه، وتعتقد أنّ الإنسان في ذهنيته قد مرّ بمرحلتين: ( الأساطيرية والفلسفية )
____________________
(١) سورة الرعد، آية ١١.
ووصل إلى المرحلة العلمية ولذلك فهي ترى أن التعاليم الضرورية للمجتمع كلّها يجب أن تكون ممّا يسمى بالتعاليم العلمية، والحوافز التي تستخدم لإيجاد الحركة في الجماهير يجب أن تكون علمية أيضاً.
وهكذا الماركسية، التي هي الفرضية الثورية لطبقة البروليتاريا، لا تقدّم إلاّ التعاليم التي تؤثر في استشعار العمال بالتناقضات الطبقية، والحافز الذي تستعمله هو الشعور بالحرمان والغبن الاجتماعي، والعقد النفسية الناشئة منه.
والمدارس مضافاً إلى أنّها تختلف في تعاليمها، وحوافزها الاجتماعية، حسب اختلافها في نظرتها إلى المجتمع والتاريخ، تختلف أيضاً - بمقتضى اختلافها في تفسير التاريخ وتكامله، ووجهة نظرها حول الإنسان - في حدود تأثير الدعوة وعلاقتها باستخدام القوّة، وأنّ استخدامها هل يوافق الأُصول الأخلاقية أم لا فهناك بعض المدارس كالمسيحية تعتبر الطريقة السلمية للدعوة هي الوحيدة التي توافق عليها الأُصول الأخلاقية، وتعتقد أنّ استخدام القوّة بأي صورة وفي أي وضع مخالف للأخلاق ولذلك ورد في القرارات المقدسة لهذا الدّين أنّ أحداً إذا صفعك على الخدّ الأيمن فأعرض عليه خدّك الأيسر، وإذا سرق جبتك فسلّمه قبعتك، وبالعكس من ذلك تماماً نظرية ( نيتشه )، حيث إنّها تعتبر استخدام القوّة الطريقة الوحيدة أخلاقياً ؛ لأنّ كمال الإنسان في قوّته فأكمل أفراد الإنسان هو أقواهم وهو يعتقد أنّ الدين المسيحي دين العبودية والضعف والذلّة، والعامل الأساس لجمود الإنسان.
ويرى بعض آخر أنّ استخدام القوّة طريقة أخلاقية، ولكن لا مطلقاً فإنّ استخدام الطبقة المستثمرة قوّتها ضد الطبقة الكادحة عمل
غير أخلاقي ؛ لأنّه في اتجاه حفظ الوضع الحالي، وعامل للجمود ولكن استخدام الطبقة الكادحة قوّتها عمل أخلاقي ؛ لأنّه في اتجاه تغيير المجتمع وتحويله إلى مرحلة أعلى وبعبارة أُخرى: هناك طبقتان في المجتمع في حالة صراع دائمية: إحداهما تلعب دور الأطروحة، والأخرى دور الطباق فالقوّة التي تستخدم في دور الأطروحة - بمقتضى كونها رجعية - غير أخلاقية، والتي تستخدم في دور الطباق أخلاقية، لأنّها ثورية وتكاملية ولا شك أنّ هذه القوّة التي تعتبر أخلاقية هنا، ستكون في مرحلة أُخرى مواجهة لقوّة تلعب دور الطباق لها، وآنذاك ستكون قوّة رجعية، والقوّة الرقيبة الجديدة أخلاقية ؛ ولذلك فإنّ الأخلاق أمر نسبي، وما يكون في مرحلة أخلاقياً سيكون في مرحلة أعلى وأكمل مخالفاً للأخلاق.
إذن فمن وجهة النظر المسيحية تنحصر علاقة المدرسة بالمخالفين - الذين هم في نظر هذه المدرسة في اتجاه مخالف للتكامل - في الدعوة بالمسالمة والعطف وهذه هي العلاقة الوحيدة التي توافق عليها الأخلاق ومن وجهة نظر ( نيتشه ) العلاقة الأخلاقية الوحيدة هي علاقة القوي بالضعيف فلا شيء أعلى في مدارج الأخلاق من القدرة ولا شيء أدون من الضعف، ولا جريمة أفظع ولا ذنب أقبح من الضعف ومن وجهة النظر الماركسية فالعلاقة بين الطبقتين المتناقضتين اقتصادياً لا يمكن أن تكون إلاّ علاقة القهر واستخدام القوّة، إلاّ أنّ استخدامها من جانب الطبقة المستثمرة غير أخلاقية ؛ لأنّه يناقض التكامل، ولكنّها من جانب الطبقة الكادحة أخلاقية وبعد ذلك لا كلام في أنّ علاقة كل قوّة جديدة بالقوّة القديمة علاقة الصراع دائماً، وهو موافق للأصول الخلقية دائماً أيضاً.
وأمّا الإسلام فيدين جميع النظريات السابقة فالخلق الكريم لا ينحصر - كما تدّعيه المسيحية - في العلاقات السلمية والدعوة باللطف والصلح والإخلاص والحب ونحو ذلك، بل قد يكون استخدام القوة من الخلق الكريم أيضاً ؛ ولذلك فإنّ الإسلام يعتبر النضال ضد الظلم والاعتداء نضالاً مقدساً، ويعتبره مسؤولية وتكليفاً، ويجوز الجهاد وهو عبارة عن الكفاح المسلح في أوضاع خاصة.
وأمّا نظرية ( نيتشه ) فمن البديهي أنّها تافهة، ولا إنسانية، ومخالفة للتكامل.
وأمّا النظرية الماركسية فتبتني على رأيها في ميكانيكية حركة التاريخ والإسلام يرى أنّ استخدام القوة ضد الطبقة المعارضة للتكامل - خلافاً للنظرية الماركسية - في مرحلة متأخّرة وقبل ذلك لا بد من استعمال الحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى:( ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) فاستخدام القوة إنّما توافق عليه الأُصول الأخلاقية إذا تجاوزنا مرحلة الإقناع الفكري بالحكمة ( البرهان )، ومرحلة الإقناع النفسي بالموعظة ( التذكير )، ولم تحصل النتيجة المطلوبة منهما.
ومن هنا فإنّ الأنبياء الذين قاموا بالجهاد المسلح اجتازوا المرحلة الأُولى من رسالتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وربّما بالجدال والبحث أيضاً وحيث لم يحققوا بذلك هدفهم أو لم يحققوه تماماً، بل كانوا يصلون غالباً إلى هدف نسبي ؛ جوّزوا آنذاك النضال والجهاد، واستخدام القوة والأساس في ذلك أنّ الإسلام يفكر تفكيراً معنوياً لا مادياً، فهو يرى للبرهان والدليل والوعظ والنصيحة قوة هائلة وبعتبير ( ماركس ) يرى في سلاح النقد قوة، كما في النقد بالسلاح، فيستفيد من
هذه القوة ولا شك أنّه لا يعتقد أنّها القوة الوحيدة التي يجب أن تستخدم.
وممّا ذكرناه من أنّ الإسلام يرى أنّ النضال مع الجبهة المعارضة للتكامل في مرحلة متأخّرة، وأنّ في البرهان والوعظ والجدال بالأحسن قوّة هائلة تبيّن النظرة المعنوية الخاصة للإسلام بالنسبة إلى الإنسان، ومن ثمّ إلى المجتمع والتاريخ.
ومن هذا العرض القصير تبيّن أنّ تعيين نوعية علاقة المدرسة بالجبهة المعارضة، وأنّها هل يجب أن تكون دعوة محضة، أو نضالاً محضاً، أو أنّ الدعوة في مرحلة سابقة والنضال في مرحلة متأخرة ( إنّ ذلك ) يبرز لنا نظرية المدرسة حول تأثير المنطق والنصيحة وحدود تأثيرهما، وكذلك نظريتها حول مجرى التاريخ ودور النضال فيه.
وأمّا الفصل الثاني من البحث، فهو في نوعية الوعي الجماهيري الإسلامي، والحوافز التي يستخدمها الإسلام في سبيل الدعوة.
أمّا في التوعية، فالإسلام يؤكّد في أوّل مرحلة على التذكير بالمبدأ والمعاد هذه هي طريقة القرآن وطريقة الأنبياء حسب رواية القرآن فالأنبياء دائماً يلفتون الأنظار إلى الأسئلة التالية ( من أين جئت ؟ وأين أنت ؟ والى أين تذهب ؟ ) والعالم أيضاً كيف وجد ؟ وفي أي مرحلة هو الآن ؟ وأي اتجاه يسلك ؟ فأول شعور بالمسؤولية يوجده الأنبياء هو الشعور بالمسؤولية تجاه كل الخليقة والكون، وأما الشعور بالمسؤولية الاجتماعية فهو جزء من الشعور بالمسؤولية أمام مجموعة الكون والخليقة وقد أشرنا سابقا إلى أنّ السور المكّيّة التي نزلت في السنين
الثلاثة عشر الأُولى من بعثة الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم قلّما يكون فيها الحديث عن شأن غير التذكير بالمبدأ والمعاد(١) .
إنّ الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم بدأ دعوته بجملة ( قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا )، أي بدأ بحركة عقائدية وتطهير فكري صحيح أنّ أبعاد التوحيد وسيعة جدّاً، وأنّ جميع التعاليم الإنسانية مرجعها التوحيد بالتحليل، والتوحيد ينتهي إلى تلك التعاليم بالتركيب(٢) ولكن من الواضح أن المراد بهذه الجملة في بدو الدعوة لا يزيد على تمايل فكري وعملي، وخروج من العقائد والعبادات المشركة إلى التوحيد الفكري، والتوحيد العقائدي ولو فرضنا أن يكون المراد بها هذا المعنى الوسيع فإنّ الناس لم يلتفتوا إلى ذلك آنذاك.
هذه المعرفة الجذرية التي أثّرت في أعماق فطرة البشر، أوجدت لديهم نوعاً من الحميّة والعصبية في الدفاع عن العقيدة، والنشاط وبذل الجهد في توسيع الرقعة، حتى لم يأبوا عن بذل النفس والمال والمقام والأولاد في سبيله فالأنبياء كانوا يبتدئون بما يدعى هذا اليوم بالبناء العلوي ،
____________________
(١) ولكنّ بعض المسلمين، ممّن يدّعون بالمثقفين المعاصرين، أنكروا أساساً فيما كتبوه من التفسير على أكثر السور القرآنية أن يكون القرآن قد تعرّض لذكر المعاد، حتّى ولو في آية واحدة فكل ما ورد في القرآن من ذكر الدنيا يراد بها النظام الداني في الحياة، أي نظام التمييز والاستثمار وكل ما ورد فيه من ذكر الآخرة يراد بها النظام الأعلى، أي النظام الذي لا يكون فيه تمييز ولا تفاوت ولا استثمار، وتكون الملكية الخاصة قد قلعت جذورها تماماً وإذا كان هذا معنى الآخرة فالقرآن إذن قد أبطل الدّين منذ ألف سنة قبل تشكيل المدارس المادية.
(٢) راجع تفسير الميزان في ذيل آخر آية من سورة آل عمران.
ويصلون إلى ما يُدعى الأساس والجذر ففي مدرسة الأنبياء يتربّى الإنسان بحيث يكون متعلقاً بعقيدته ومسلكه وإيمانه أكثر ممّا هو متعلّق بمصالحة الشخصية فالواقع أنّ الأساس في هذه المدرسة هو الفكر والعقيدة، وأمّا العمل أي علاقة الإنسان بالطبيعة أو بمواهبه الطبيعية أو بالمجتمع، فهو البناء العلوي وكل دعوة دينية أو مذهبية يجب أن تكون دائماً كدعوة الأنبياء مذكّرة بالمبدأ والمعاد فالأنبياء كانوا يبعثون الحركة والنشاط في المجتمع بإيقاظ هذا الشعور، وتنميته في الإنسان، وإزاحة الغبار عن هذا الوجدان، ونشر هذه المعرفة، مع الاعتماد على رضا الله وأوامر الله وثوابه وعقابه فقد ورد في ثلاثة عشر مورداً من القرآن التنويه على رضوان الله وهذا تشجيع للمؤمنين في المجتمع بواسطة هذا الحافز المعنوي ويصح أن نطلق على هذه المعرفة، المعرفة الإلهية أو المعرفة الكونية.
والتعاليم الإسلامية في المرحلة الثانية هي التعاليم الإنسانية، أي تنبيه الإنسان على كرامته وشرفه في ذاته، وعلى عزّته ومجده الذاتيين فالإنسان في هذه النظرية ليس ذلك الحيوان الذي يقال عنه: إنّه كان قبل مئات الملايين من السنين كسائر الحيوانات، إلاّ أنّه في ميدان تنازع البقاء، ما زال يخون الآخرين ويظلمهم، حتى وصل إلى هذه الدرجة بل هو موجود فيه نفخة من الروح الإلهية، وقد سجدت له الملائكة، وهو مدعو دائماً من قبل العرش الأعلى وفي باطن هذا الموجود - بالرغم من ميوله الحيوانية والشهوانية نحو الشر والفساد - جوهر لطيف لا يلائم في ذاته الشر والظلم، وسفك الدماء، والكذب، والفساد والذلّة والحقارة، والتسليم للظلم والاستكبار، فهو مظهر العزّة والكبرياء( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) .
وقال الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( شرف المرء قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس ) وقال عليعليهالسلام لأصحابه في صفّين: ( الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين ) وقال الحسينعليهالسلام : ( لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً ) وقالعليهالسلام : ( هيهات منّا الذلّة ) وهذا كله تأكيد على الشعور بالكرامة والشرف الذاتي الموجود في كل إنسان بالفطرة.
وتأتي في المرحلة الثالثة من التعاليم الإسلامية معرفة حقوق الإنسان والمسؤوليات الاجتماعية وهناك في القرآن عدّة موارد تُثار فيها الحركة والنشاط في أفراد بسبب غصب حقوقهم أو حقوق الآخرين.
قال تعالى:( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) (١) .
فهذه الآية الكريمة استندت في إثارة الناس للجهاد إلى أمرين من القيم الروحية والمعنوية، إحداهما أنّه في سبيل الله، والآخر أنّه إنقاذ لأولئك الناس المستضعفين المضطرّين المأسورين في قيود الظالمين.
وقال تعالى في سورة الحج:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
____________________
(١) النساء ٧٥.
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمور ) (١) .
فهذه الآيات وإن بدأت بالتنبيه على أنّ الإذن بالجهاد والدفاع يستند إلى ضياع حقوق المجاهدين، ولكنّها في نفس الوقت اعتبرت فلسفة الدفاع أمراً أرقى وأثمن من ذلك، وهي أنّه لولا الجهاد والدفاع، ولولا حركة المؤمنين لتوقّفت المعابد والمساجد - وهي قلوب الحياة المعنوية في المجتمع - عن العمل.
وقال تعالى في سورة النساء:( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ ) (٢) ومن الواضح أنّ هذا نوع من الإثارة للمظلوم.
وقال تعالى في سورة الشعراء بعد نقد أباطيل الشعراء وتخيّلاتهم:( إِلاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) (٣) .
هذا والقرآن والسنّة وإن اعتبروا استعادة الحقوق وظيفة واجبة، والتسليم للظلم من أقبح الذنوب، إلاّ أنّ ذلك باعتبار كونها من القيم الإنسانية، فالملحوظ هو الجانب الإنساني والقرآن لا يعتمد أبداً على إثارة العقد النفسية والشهوات والميول، فلا يقول مثلاً: ( إنّ قوم كذا أكلوا وشربوا وتلذّذوا فلماذا لا تلحقون بهم . ) فالإسلام لا يسمح فيما لو غصب مال أحد أن يتهاون في طلب ماله بعذر أن الشؤون المادية لا قيمة لها، كما لا يسمح بالسكوت إذا اعتدى على عرضه فلا يغار بتوهّم أنّ ذلك ينشأ من الشهوة، بل يعتبر الدفاع عن ذلك واجباً حتمياً
____________________
(١) الحج: ٣٩ إلى ٤١.
(٢) النساء: ١٤٨.
(٣) الشعراء: ٢٢٧.
ويعد المقتول دون أهله وماله شهيداً ولكنّه إذا أثار حميّة الإنسان للدفاع عن ماله فهو لا يدعو إلى الحرص والطمع، بل إلى الدفاع عن الحق وإذا أوجب عليه الدفاع عن عرضه فليس ذلك من أجل الاهتمام بالشهوة الجنسية، بل من أجل الدفاع عن أهم نواميس المجتمع، وهو العفاف الذي جعل الرجل حارساً عليه.
٢ - العنوان المدرسي
كل مدرسة تمنح أتباعها عنواناً خاصاً تميّزهم به فإذا كانت النظرية تبتني على أساس عنصري فأتباعها يتميزون بفارق عنصري، ويشكّلون مجموعة اعتبارية تحت عنوان العنصر الخاص، كالبيض مثلاً فإذا قال أحد من أتباع تلك النظرية: ( نحن ) يعني بهم الطائفة البيض والنظرية الماركسية - مثلاً - حيث إنّها نظرية عمّالية تميّز أتباعها بعنوان العامل، وتمنحهم هذه الهوية، و( نحن ) عندهم يعني العمّال والكادحين والدين المسيحي يميّز معتنقيه بالتبعية لفرد خاص، فكأنّهم لا يهتمون بهدف ولا طريق، فالهوية الجماعية لهم تتمثل في التبعية للمسيحعليهالسلام كفرد.
ومن مميّزات الإسلام أنّه لا يرضى لنفسه ولا لأتباعه أي عنوان عنصري، أو طبقي، أو صنفي، أو محلّي، أو منطقي، أو فردي فالمعتنقون للإسلام لا يتميّزون عن غيرهم بعنوان كعنوان العرب أو الساميين، أو الفقراء أو الأغنياء أو المستضعفين، أو البيض أو السود، أو الآسيويين أو الشرقيين أو الغربيين، أو المحمدييّن أو القرآنيين أو أهل القبلة ونحو ذلك ولا شيء من هذه العناوين يعتبر ملاكاً للجماعة، أو ملاكاً للوحدة الواقعية لأتباع الدين الإسلامي فحينما تلاحظ هويّة المدرسة
الإسلامية وهويّة أتباعها تترك هذه العناوين، وتلقى إلى جانب، وإنّما يبقى شيء واحد، وهو نوع من الارتباط، أي ارتباط هذا ؟ ارتباط الإنسان بربّه، وهو معنى الإسلام، أي التسليم لله فالأُمّة المسلمة أُمّة سلّمت نفسها لله، وسلّمت للحقيقة والوحي والإلهام النازل من سماء الحقيقة على قلب أصلح البشر لهداية الإنسان إذن فما هي الهوية الواقعية للمسلمين، وما هو المراد ب- ( نحن ) عندهم، وأي نوع من الوحدة يمنحهم هذا الدين، وأي عنوان يسمهم به، وتحت أيّة راية يجمعهم ؟
الجواب: أنّ الإسلام هو التسليم للحقيقة ومناط الوحدة لكل مدرسة طريق مأمون لمعرفة أهدافها وتفسيرها للإنسان والتاريخ والمجتمع.
٣ - موجبات تأثير الدعوة وموانعه:
قلنا فيما سبق: إنّ النظريات تختلف في ميكانيكية حركة التاريخ فمنها أنّ الميكانيكية الطبيعية للحركة تنشأ من ضغط طبقة على طبقة، وكون بعض الطبقات رجعية بالذات، وبعضها الآخر ثورية بالذات.
ومنها أنّ الميكانيكية أساساً تكمن في الفطرة الذاتية للبشر التي تسوّقه نحو الكمال والتقدم ومنها نظريات أُخرى ومن الواضح أنّ كل مدرسة تنظّم حوافز دعوتها وروادعها طبقاً لنظريتها في ميكانيكية الحركة فالمدرسة التي تعتقد أنّ ميكانيكيتها تكمن في ضغط طبقة على طبقة أُخرى، ربّما تجد أنّ المجتمع لا يحتوي على المضايقات بالمقدار الكافي لإيجاد الحركة، فيضطر أصحاب تلك النظرية إلى إيجاد المضايقات لتحدث الحركة قال ماركس في بعض آثاره: ( إنّ وجود طبقة من العبيد شرط ضروري لوجود طبقة من الأحرار ) وختم بيانه هذا بقوله: ( ونتساءل كيف يمكن تحرير الشعب الألماني ؟ والجواب أنّه لا بد من تشكيل طبقة
مكبّلة بالقيود تماماً )(١) مثل هذه المدرسة تعتبر الإصلاحات حجر عثرة أمام تقدّمها ؛ لأنّ الإصلاحات تخفّف من الكبت وذلك يمنع الانفجار، أو يؤخّره على الأقل ولكن المدرسة التي تعتمد في حركة المجتمع على فطرة البشر الذاتية، فلن تفتي بضرورة إيجاد القيود لطبقة خاصة ؛ إذ لا يرى الضغط شرطاً ضرورياً في التكامل، ولا الإصلاحات مانعاً عن تقدمها.
وأمّا الإسلام فيعتمد في بيان موجبات تأثير دعوته وموانعه على الفطرة فقد ورد في القرآن البقاء على الطهارة الأولية كشرط لقبول الدعوة، قال تعالى( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) (٢) وورد أيضاً شرط آخر وهو الخوف والحذر الناشئان من الشعور بالمسؤولية تجاه الكون( يخشون
____________________
(١) ماركس وماركسيسم ص٣٥ ( الأصل والتعليقة ) ويتبيّن من هذا الكلام وجه للمناقشة في النظرية الماركسية القائلة: بأنّ الاستبداد والديكتاتورية إذا كانت من قبل الطبقة الكادحة فهي من مكارم الأخلاق ؛ لأنّها في مسير التكامل، ولها دور أساسي في تقدّم المجتمع وإذا كانت من الطبقة المستثمرة المستكبرة فهي تنافي الأخلاق ؛ لأنّها من عوامل ركود المجتمع ؛ وذلك لأنّ ضغط الطبقة المستثمرة يؤثّر في تكامل المجتمع بمقدار ما يؤثّر فيه ردّ فعل الطبقة الكادحة حسب نظرية ماركس إذن فلا بدّ من أن يكون الاستثمار أخلاقياً بقدر ما يكون نضال الطبقة الكادحة أخلاقياً إنّما الفرق بينهما أنّ وجهة إحدى الطاقتين نحو المستقبل، ووجهة الأُخرى نحو الماضي وهذا لا تأثير له في تكامل المجتمع ومن الواضح أنّ اختلاف الوجهة في العمل ليس مناطاً للأخلاق حسب نظرية ماركس ؛ لأنّه يقتضي أن يكون العمل الذهني ( النيّة ) مناطاً للأخلاق وهذا في رأي الماركسية نوع من المثالية.
(٢) البقرة ٢.
رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) وقال تعالى:( وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ) ونحو ذلك(١) وشرطاً ثالثاً، وهو بقاء فطرة الإنسان نابضة بالحياة قال تعالى:( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً ) (٢) فالإسلام يعتبر من شروط قبول الدعوة لدى الإنسان طهارته الأصلية، والشعور بالمسؤولية تجاه الكون، والبقاء على حياته الفطرية، كما أنّه يعتبر موانع قبول الدعوة من قبل الإنسان الفساد الروحي والخلقي وإثم القلب(٣) ، ورين القلب(٤) ، والختم على القلب(٥) ، وعمى البصيرة(٦) ، صمم أذن القلب(٧) ، والتحريف في الكتاب النفسي(٨) ، ومتابعة تقاليد الآباء(٩) ، ومتابعة الكبراء والشخصيات(١٠) ، ومتابعة الظن والأهواء(١١) ، ونظائرها. وأمّا الإسراف والترف وشدّة العلاقة بالتنعّم، فهي إنّما تعد مانعاً من جهة أنّها تنمّي في الإنسان الخصال الحيوانية وتبدله إلى بهيمة أو سَبُع، فهذه الأُمور من وجهة نظر القرآن موانع توقف حركة المجتمع نحو الخير والصلاح والتكامل.
____________________
(١) راجع سورة طه ٣ والأنبياء ٤٩ وفاطر ١٨ ويس١١.
(٢) يس ٧٠.
(٣) البقرة ٢٨٣.
(٤) المطففين ١٤.
(٥) البقرة ٧.
(٦) الحج ٤٦.
(٧) حم السجدة ٤٤.
(٨) الشمس ١٠.
(٩) الزخرف ٢٣.
(١٠) الأحزاب ٦٧.
(١١) الأنعام ١١٦.
ويستفاد من التعاليم الدينية أن الشباب أقرب إلى قبول الدعوة من الشيوخ، والفقراء اقرب من الأغنياء ؛ لأنّ فطرة الشباب بسبب صغر سنّهم أبعد من المدنّسات الروحية، وكذلك فطرة الفقراء بسبب بعدهم عن الثروة والتنعّمات.
وسرد هذه الشروط والموانع - حسبما ذكرناه - يؤيّد أنّ ميكانيكية التطوّر الاجتماعي والتاريخي في القرآن روحية أكثر ممّا هي اقتصادية ومادية.
٤ - العلو والانحطاط في المجتمعات:
كل مدرسة اجتماعية لا بد لها من إبداء رأيها في أسباب علو المجتمعات وانحطاطها ويتبين من كيفية إبداء رأيها في ذلك وجهة نظرها حول المجتمع والتاريخ، وحركات التكامل والسقوط فيها وقد ورد في القرآن التنبيه على هذا الأمر، وخصوصاً في ضمن بيان القصص والقضايا التاريخية وهنا نلاحظ أنّ رأي القرآن في هذا الموضوع هل يتركّز على الأساس أو البناء العلوي، كما يُقال، وبتعبير صحيح: نلاحظ ما يجعله القرآن أساساً وما يجعله بناءاً علوياً، وأنّ العامل الأساس من وجهة نظر القرآن هل هو الاقتصاد أو الشؤون العقائدية والخلقية، أم أنّه ينظر إلى كل من الجهتين على حد سواء ؟ ونجد أنّ القرآن يشير إلى أربعة عوامل هامة في العلو والانحطاط الاجتماعي، نذكرها فيما يلي باختصار:
أ - العدل والظلم:
وقد تعرّض القرآن لذلك في كثير من الآيات: منها الآية الثانية من سورة القصص، وقد مرّ الكلام حولها:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي
نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) ففي هذه الآية الكريمة ورد - أولاً - ذكر استعلاء فرعون، وادعائه للإلوهية، واستعباده الآخرين، وإلقاء التفرقة بين الناس بأنحاء التمييز فيما بين طوائفهم، وإلقاء العداوة بينهم، واحتقار طائفة خاصة من المواطنين، وقتل أبنائهم وإبقاء نسائهم بغية استخدامهن ثم أعلنت الآية أنّ فرعون من المفسدين ومن الواضح أنّ ذلك إشارة إلى أنّ هذه المظالم الاجتماعية تهدم أساس المجتمع وتفسده.
ب - الوحدة والتشتّت: قال تعالى في سورة آل عمران / ١٠٣:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ثمّ قال بعد آية فاصلة:( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) (١) وقريبة من هذا المضمون آية ١٥٣ من الأنعام وقال تعالى في سورة الأنعام / ٦٥:( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) وفي سورة الأنفال / ٦٤:( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) .
ج - التقيّد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإهمالهما: لقد أكّد القرآن كثيراً على ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستنبط بوضوح من إحدى الآيات أن ترك هاتين الفريضتين عامل مؤثّر في انهدام أركان المجتمع حيث ذكر فيها من علل بعد الكفار من
____________________
(١) آل عمران - ١٠٥.
بني إسرائيل عن رحمة الله تعالى عدم التناهي عن المنكرات قال تعالى في سورة المائدة / ٧٩:( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) والروايات المعتبرة الإسلامية أكّدت كثيراً على الدور الهام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتركهما ولا مجال لذكرها.
د - الفسق والفجور والفساد الخلقي:
والآيات في هذا الموضوع كثيرة أيضاً فمنها التي اعتبرت عمل المترفين سبباً للهلاك(١) ومنها أكثر الآيات المشتملة على عنوان الظلم والظلم في مصطلح القرآن لا يختص باعتداء فرد أو جماعة على حقوق فرد أو جماعة آخرين، بل يشمل ظلم الفرد على نفسه، وظلم المجتمع على نفسه فكل فسق أو فجور أو خروج عن الطريقة الإنسانية المستقيمة يعد ظلماً فالظلم في القرآن مفهوم عام يشمل الظلم على الغير والفسق والفجور والأعمال المنافية للأخلاق، بل الغالب من استعمال هذه الكلمة في القرآن هو المصداق الثاني والآيات القرآنية التي اعتبرت الظلم بالمعنى العام سبباً لهلاك مجتمع خاص كثيراً جدّاً، لا مجال لذكرها.
وتستفاد من مجموع هذه المقاييس وجهة نظر القرآن حول أساس المجتمع والتاريخ ويتبين أنّ كثيراً من الأُمور تعتبر في نظر القرآن ذات دور هام أساسي في المجتمع مع أنّ بعضها يعد في الاصطلاح من شؤون البناء العلوي.
____________________
(١) راجع سورة هود ١١٦ والأنبياء ١٣ والمؤمنون ٢٣ و ٦٤.
تطوّر التاريخ وتكامله:
إنّ الأبحاث السابقة كانت تدور حول أحد الموضوعين المهمّين للتاريخ، أي ماهيته، والكلام في أنّها مادية أو غير مادية والموضوع المهم الآخر تطوّر التاريخ الإنساني.
من المعلوم أنّ الحياة الاجتماعية لا تختص بالإنسان، فهناك بعض الحيوانات الأُخرى تعيش عيشة اجتماعية نوعا ما، فحياتها تبتني على التعاون وتقسيم الأعمال والمسؤوليات تحت مجموعة من القوانين المنظمة فالنحل - مثلاً - من هذا القبيل، ولكن هناك فرق أساسي بين الحياة الاجتماعية للإنسان والحياة الاجتماعية لتلك الحيوانات، وهي أنّ حياتها الاجتماعية ثابتة لا تتغير، فلا يطرأ التطوّر والتكامل على نظامها المعيشي، أو كما يقول: ( موريس مترلنيك ) على تمدّنها، إن صحّ التعبير وهذا بخلاف الحياة الاجتماعية لدى البشر، فإنّها متطوّرة متكاملة بل لها نوع من السرعة، وهذه السرعة تزداد تدريجياً ؛ ولذلك فإنّ تاريخ الحياة الاجتماعية للإنسان ينقسم إلى أدوار تختلف حسب اختلاف الجهات الملحوظة فمثلاً ينقسم من حيث وسائل الحياة إلى مرحلة الصيد ومرحلة الزراعة ومرحلة الصناعة ومن حيث النظام الاقتصادي إلى المرحلة الاشتراكية الحديثة ومن حيث النظام السياسي إلى المرحلة العشائرية، ومرحلة الاستبداد والديكتاتورية، والمرحلة الارستقراطية، والمرحلة الديمقراطية ومن حيث الجنس إلى مرحلة زعامة المرأة ومرحلة زعامة الرجل، وهكذا من سائر الحيثيات.
لماذا لا يلاحظ هذا التطور في الحياة الاجتماعية لسائر الحيوانات ؟
وما هو السر والعامل الأساس لتطور حياة الإنسان وانتقالها من مرحلة إلى أُخرى ؟ وبعبارة أُخرى ما هو الأمر المختص بالإنسان الذي يسير بحياته الاجتماعية قُدماً إلى الأمام ؟ وكيف يتحقق هذا الانتقال والتقدم وما هو النظام الذي يسير طبقاً له، وبتعبير آخر ما هي ميكانيكيته ؟
وهنا سؤال آخر يُثار من قبل فلاسفة التاريخ، وهو أنّ هذا التقدّم والتكامل المدّعى هل هو أمر واقعي أم لا ؟ فالتغييرات الحاصلة في الحياة الاجتماعية للبشر أمر قطعي إنّما السؤال في أنّها هل هي في سبيل التقدم والتكامل واقعاً أم لا ؟ وما هو مناط التكامل ومقياسه ؟ وقد أظهر بعضهم الشك في ذلك، وهو مذكور في الكتب الموضوعة لهذا البحث(١) وذهب بعضهم إلى أنّ مسير التاريخ دائري، بمعنى أنّه يبدأ من نقطة ويعود في مسيره المرحلي إليها مرة أُخرى، وأنّ شعار التاريخ هو ( عود على بدء ) فمثلاً يؤسس النظام العشائري بواسطة جماعة من أهل البادية ذوي الشجاعة والعزم القوي، ولكن هذه الحكومة تنجرّ بطبيعتها إلى الارستقراطية، ويؤدّي حصر القدرة والحكومة في طبقة الأشراف إلى ثورة جماعية، وينهي الأمر إلى الحكومة الديمقراطية، ثم تسود الفوضى في المجتمع والإفراط في الحرية، وهذا يستوجب عودة الديكتاتورية والاستبداد القاسي بواسطة الروح العشائرية.
ولكنّنا نترك هذا البحث، ونقبل كأصل موضوعي أنّ حركة التاريخ وسيره على وجه العموم نحو التقدم والتكامل والجدير بالذكر أنّ كل أولئك القائلين بأنّ التاريخ يتوجّه نحو التقدم لا يعتقدون بأنّ مستقبل
____________________
(١) راجع كتاب ( ما هو التاريخ ؟ ) تأليف: ام اش كار ودروس في التاريخ تأليف ويل دورانت، وكتاب لذات الفلسفة.
جميع المجتمعات خير من ماضيها وأنّها جميعاً تسير نحو العلو والتكامل بدون توقّف وركود، أو عود إلى الوراء، فلا شك أنّ المجتمعات قد تتوقف عن التقدم، بل قد ترجع إلى الوراء وقد تتمايل يميناً ويساراً، وقد ينتهي أمرها إلى السقوط والفناء فالمراد أنّ المجتمعات البشرية من حيث المجموع تسير نحو التقدم والعلو.
وقد ذكر في كتب فلسفة التاريخ عوامل التطور الاجتماعي ومحركات التاريخ، بوجه يتبيّن عدم صحته بعد تأمّل يسير فالنظريات في هذه المسألة المذكورة عادة كالتالي:
١ - النظرية العنصرية:
فالعامل الأساس الموجب لتقدم التاريخ طبقاً لهذه النظرية، بعض العناصر من البشر التي تملك قابلية خلق الحضارة والثقافة، الأمر الذي تفقده سائر العناصر فبعض الطوائف من البشر يستطيعون إنتاج العلم والفلسفة والصناعة والفن والأخلاق، وبعض آخر يستفيدون فقط والنتيجة أنّه لا بد من إجراء نوع من تقسيم الأعمال بين الطوائف المختلفة على أساس الاختلاف العنصري، فالعنصر القابل لإجراء السياسة والتعليم والتربية وإنتاج الثقافة والفن والأدب والصناعة يلتزم مسؤولية هذه الشؤون الإنسانية اللطيفة والراقية وأمّا الطوائف التي لا تمتلك هذه القابلية، فهي معفيّة عن هذه الوظائف فيحال إليها الأعمال الشاقّة الجسمية، نظير أعمال الحيوانات حيث لا تحتاج إلى فكر قوي وذوق رفيع وممّن قال بهذه النظرية أرسطو، ولذلك كان يعتقد بأنّ بعض العناصر تستحق السيادة وتملك العبيد، وبعضها تستحق أن تكون عبيداً.
ويعتقد بعضهم أنّ سبب تكامل التاريخ هو خصوصية بعض
العناصر فمثلاً العنصر الشمالي أفضل من العنصر الجنوبي، وهو الذي خلق الحضارات وممّن كان يعتقد بهذه النظرية ( كنت كوبينو ) الفيلسوف المعروف الفرنسي الذي كان قبل مئة سنة تقريباً وزيراً مختاراً لفرنسا في إيران لمدة ثلاث سنين.
٢ - النظرية الجغرافية:
هذه النظرية تقول: إنّ خالق الحضارات، وموجد الثقافات، ومنتج الصناعات هو البيئة الطبيعية الخاصة ففي المناطق المعتدلة تتواجد الأمزجة المعتدلة والأفكار القوية الخلاّقة وقد ذكر ابن سينا في أوائل كتاب القانون شرحاً مبسّطاً حول تأثير الطبيعة في صنع الشخصية الفكرية والذوقية والعاطفية فالعامل الذي يهيّئ الإنسان للتقدم في التاريخ ليس هو العنصر والدم، أي العامل الوراثي، فيكون ذلك العنصر صانعاً للتاريخ أينما كان، وفي أيّة بيئة، والعنصر الآخر لا يستطيع ذلك أينما كانت عيشته بل إنّ اختلاف العناصر ناشئ من اختلاف البيئات، ومع هجرة الطوائف المختلفة تنتقل القابليات فالواقع أنّ الأقاليم والمناطق الخاصة تؤثّر في تقدم التاريخ، وتجدد معالم الحضارة وممّن قبل هذه النظرية ( مونتسكيو ) العالم الاجتماعي الفرنسي في القرن السابع عشر في كتابه المعروف ( روح القوانين ).
٣ - النطرية البطولية:
طبقاً لهذه النظرية لا يصنع التاريخ وتكامله من الجوانب العلمية والسياسية والاقتصادية والفنية والخلقية إلاّ النوابغ والفرق بين الإنسان وسائر الحيوانات أنّها لا تتفاوت في القابليات الطبيعية البيولوجية، فهي في درجة واحدة، أو أنّ اختلافها
يسير غير ملحوظ، بخلاف أفراد الإنسان التي تختلف كثيراً من حيث القابليات والنوابغ هم خواص المجتمع الذين يتمتعون بقدرة فائقة من حيث العقل أو الذوق أو العزم والابتكار، فهؤلاء أينما وُجدوا أثّروا في تقدّم المجتمع من الجانب العلمي أو الأدبي أو الخلقي أو السياسي أو العسكري وأكثر أفراد البشر طبقاً لهذه النظرية يفقدون هذا الابتكار، فهم تبع لغيرهم يستفيدون ممّا ينتجون من علم وصناعة ولكن هناك دائماً في كل مجتمع أقلية فذّة يتكرون ويخترعون، يتقدمون ويبدعون الأفكار، وينتجون الصناعات وهم الذين يحركون التاريخ قدماً إلى الأمام ليدخل مرحلة جديدة وممّن قال بهذه النظرية الفيلسوف الانجليزي المعروف ( كارلايل )، مؤلّف كتاب الأبطال الذي بدأه بالحديث عن الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فمن وجهة نظر كارلايل في كل قوم شخصية أو شخصيات تاريخية هم مظاهر تاريخ ذلك القوم وبعبارة أصح: تاريخ كل قوم مظهر لشخصية بطل أو أبطالٍ ونبوغهم فتاريخ الإسلام مثلاً مظهر شخصية الرسول الأكرم، وتاريخ فرنسا المعاصرة مظهر شخصية نابليون وبعض آخرين، وتاريخ الاتحاد السوفيتي في ما يقارب ستين سنة حتى اليوم مظهر شخصية لينين.
٤ - النظرية الاقتصادية:
هذه النظرية تقول: إنّ الاقتصاد هو العامل المحرك للتاريخ فجميع الشؤون الاجتماعية والتاريخية لكل قوم وشعب، سواء كان في المجال الثقافي أو الديني أو السياسي أو العسكري أو الاجتماعي، مظاهر لطريقة الإنتاج وعلاقاته في المجتمع فالتغيير والتطور في المجال الاقتصادي للمجتمع هو الذي يؤثر في تقدمه وتغيّره رأساً على عقب والنوابغ في هذه النظرية ليسوا إلا مظاهر
للحاجة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمع، وتلك الحاجات معلولة للتغيير في وسائل الإنتاج ولعلّ هذه النظرية أشهر النظريات في عصرنا الحاضر، وهي نظرية الماركسيين تبعاً لماركس، وقد يقول بها غيرهم أيضاً.
٥ - النظرية الإلهيّة:
وهي القائلة بأنّ كل حادثة في الأرض تنشأ من أمر سماوي نازل إليها وفقاً للحكمة الإلهية البالغة فالتطور والتكامل في التاريخ مظهر الإرادة الحكيمة، والحكمة البالغة الإلهية والعامل الوحيد الذي يؤثّر في تغيّر التاريخ وتقدمه هو إرادة الله تعالى، والتاريخ مسرح إرادته المقدسة ويقول بهذه النظرية ( بوسوئه ) المؤرّخ والأسقف المعروف الذي كان معلّماً ومربّياً ل- ( لويس الخامس عشر ).
هذه هي النظريات المتعارفة في كتب فلسفة التاريخ تحت عنوان العلل المحركة للتاريخ ونحن نعتقد أنّ البحث قد اختلط في هذا المقام على مؤلّفي الكتب، والغالب في هذه النظريات أنّها لا ترتبط بالعلّة المحرّكة للتاريخ، التي نحن الآن بصدد الكشف عنها، فالنظرية العنصرية مثلاً نظرية في علم الاجتماع، وموردها السؤال عن أنّ العناصر البشرية المختلفة هل هي على مستوى واحد من حيث العوامل الوراثية، وواجدة لدرجة واحدة من القابلية، أم أنّها تختلف في ذلك ؟
فإذا كانوا على مستوى واحد، فجميع العناصر مشتركة في حركة التاريخ بنسبة واحدة، أو تستطيع أن تكون مشتركة كذلك وإذا كانوا على مستويات مختلفة فالمؤثّر في حركة التاريخ، والذي يمكن أن يؤثر عناصر خاصة من البشر فهذه المسألة يصح أن يبحث عنها من هذه الجهة، ولكنّ سر تقدم التاريخ يبقى
مجهولاً فلو افترضنا أنّ عنصراً خاصاً من البشر هو المؤثر في تطوّر التاريخ، فهذا الافتراض لا يختلف عن افتراض مشاركة جميع العناصر فيه من جهة حل المشكلة، إذ يبقى السؤال عن سر تطوّر الحياة الاجتماعية للإنسان دون سائر الحيوانات بلا جواب.
وكذلك النظرية الجغرافية، فهي أيضاً ترتبط بمسألة اجتماعية مفيدة، وهي تأثير البيئات في النمو العقلي والفكري والذوقي والجسمي للبشر، فبعضها تنزّل من شأن الإنسان إلى درجة الحيوانية أو قريباً منها ولكن بعضها الآخر تبعد الإنسان عن الخصائص الحيوانية وطبقاً لهذه النظرية فالتاريخ لا يتحرك إلاّ في أقاليم ومناطق خاصة، وهو راكد وثابت في بيئات ومناطق أُخرى، ويشبه هناك حياة الحيوانات ولكن يبقى السؤال الأول على حاله وهو أنّ النحل وسائر الحيوانات الاجتماعية تفقد حركة التاريخ حتى في المناطق الخاصة المذكورة فما هو العامل الأساس الذي هو سبب اختلاف هذين النوعين من الحيوان، حيث يبقى أحدهما ثابتاً والآخر متنقّلاً من مرحلة إلى أُخرى ؟.
وأسوأ من الجميع النظرية الإلهية فإنّ العالم كلّه من البدو إلى الختام بجميع أسبابه وعلله ومقتضياته وموانعه مظهر لإرادة الله تعالى، ولا يختصّ ذلك بالتاريخ ونسبة الإرادة الإلهية إلى جميع الأسباب والعلل في العالم على سواء فكما أنّ الحياة المتطورة المتكاملة للإنسان مظهر لمشيئة الله تعالى، كذلك الحياة الجامدة الثابتة للنحل مثلاً إنّما البحث في مشيئة الله حينما تعلقت بإيجاد الحياة البشرية، بأيّ نظام جعلتها متطورة متكاملة ؟ وما هو ذلك السر الفارق بين حياة الإنسان وحياة سائر الحيوانات ؟
وأمّا النظرية الاقتصادية، فهي فاقدة للجانب الغني والأُصولي، بمعنى أنّها لم تُعرض بصورة أُصولية، فهي بهذا العرض لا تبيّن إلاّ ماهية التاريخ وهويّته، وأنّها مادية واقتصادية، وأنّ سائر الشؤون بمنزلة الأعراض لهذا الجوهر التاريخي، وأنّ الجانب الاقتصادي للمجتمع إذا تعرض للتغير والتحوّل فإن ذلك يطرأ على جميع جوانب المجتمع بالضرورة ولكن هذا مجرد افتراض، والسؤال الأول باقٍ على حاله فلو افترضنا صحة هذه النظرية وأنّ الاقتصاد أساس المجتمع فإذا تغيّر تغيّر المجتمع بكامله، بقي السؤال عن العامل أو العوامل التي تغيّر الأساس، وبتبعه أو بتبعها تتغيّر سائر الجوانب وبعبارة أُخرى: إنّ كون الاقتصاد أساساً للمجتمع لا يكفي في تفسير حركة التاريخ به نعم لو بدّل أصحاب النظرية عرضها، فبدلاً من القول بأنّ كون الاقتصاد أساس المجتمع - كما يقولون - هو محرّك التاريخ، وأنّ مادية التاريخ تكفي لإيجاد الحركة فيه لو عرضوا النظرية على أساس أنّ التناقض الداخلي في المجتمع بين الأساس والبناء العلوي هو محرّك التاريخ، أو أنّ تناقض عوامل الإنتاج وعلاقاته - وهما وجهتان مختلفتان من العامل الأساس ( الاقتصاد ) - هو محرّك التاريخ، ( ولو فعلوا كذلك ) لكان عرض النظرية بوجه صحيح ولا شك أنّ المراد لعارضها هو ما ذكرناه، ولكن الكلام في حسن العرض وسوئه وان صح المراد الواقعي لمن عرضها.
وأمّا النظرية البطولية - سواء كانت صحيحة أم خاطئة - فهي ترتبط رأساً بموضوع البحث، أي العامل المحرّك للتاريخ.
إذن فقد حصل لدينا حتى الآن نظريتان حول العامل المحرّك للتاريخ:
١ - النظرية البطولية: التي تقول بأنّ التاريخ مصنوع بيد النوابغ، وأنّ أكثر أفراد المجتمع يفقدون الابتكار والقدرة على التقدم ولو كان الجميع من هذا القسم من الأفراد لم يحصل أي تحول في التاريخ أبداً، إلاّ أنّ النادر من الأفراد يملكون الموهبة الطبيعية للابتكار فيخططون ويعزمون ويقاومون بشدّة، ويجرّون وراءهم الأناس العاديين، وهكذا يخلقون تغييراً في التاريخ وشخصية البطل إنّما تنشأ من الشؤون الطبيعية الموروثة بصورة استثنائية وأمّا الأحوال الاجتماعية والحاجات المادية للمجتمع فليس لها دور في تنشئة هذه الشخصيات.
٢- نظرية التضاد بين الأساس والبناء العلوي للمجتمع: هو التعبير الصحيح عن النظرية الاقتصادية السابقة.
٢ - وهنا نظرية ثالثة، وهي النظرية الفطرية: فالإنسان يملك خصائص بموجبها تتكامل حياته الاجتماعية: فمن تلك الخصائص والقابليات المحافظة على تجارب الآخرين وجمعها ؛ فكل ما يحصل عليه بتجربة يحفظه ويستخدمه كأساس لتجاربه الآتية.
ومن تلك الخصائص قابلية التعلّم عن طريق البيان والكتابة فيضيف إلى معلوماته تجارب الآخرين ومكتسباتهم عن طريق البيان، وفي مرحلة أعلى عن طريق الخط وهي تجارب كل جيل للجيل الآخر عن هذين الطريقين وتتراكم التجارب ومن هنا اهتمّ القرآن بذكر نعمتي البيان والقلم أو الكتابة بوجهٍ خاص، قال تعالى:( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) فاهتم بذكر البيان ؛ لأنّه سبب الاستفادة من مكنونات ضمائر الآخرين.
وقال تعالى:( اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكرم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) .
والخصيصة الثالثة للإنسان تمتّعه بقدرة العقل والابتكار فهو بهذه القوة العجيبة يستطيع الإبداع والخلق، وهو بذلك مظهر لخالقية الله تعالى وإبداعه وخصيصته الرابعة تمايله بالطبع نحو الأحداث والتجديد فالإنسان ليس حائزاً لمجرد القدرة على الإبداع فيستعملها عند الحاجة، بل هو حائز على الميل إليه بالذات حسب فطرته.
إذن فقابلية حفظ التجارب وجمعها، مضافاً إلى قابلية نقلها واكتسابها، ومضافاً إلى القدرة على الإبداع والميل إليه بالذات قوة تحرّك الإنسان إلى الأمام والحيوانات لا تملك قابلية حفظ التجارب، ولا القدرة على نقل المكتسبات وانتقالها(١) ، ولا قابلية الخلق والإبداع التي هي من خواص القوة العاقلة، ولا الميل الشديد إلى الأحداث فهذا هو السبب في ركود الحيوانات وبقائها في مرحلة واحدة وتقدم الإنسان وحركته.
والآن نتعرّض لنقد هذه النظريات:
دور الشخصية في التاريخ:
ربّما يقال: ( إنّ التاريخ هو الصراع بين النوابغ والأُناس العاديين ) فالأشخاص العاديون يؤيّدون دائماً الوضع الموجود الذي
____________________
(١) ربّما يكون في بعض الحيوانات نوع من النقل والانتقال في المعلومات، ولكن ذلك على مستوى الحوادث اليومية دون التجارب العلمية، كما يقال ذلك في حالات النمل، وقد أُشير إليه في القرآن الكريم، قال تعالى:( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ( النمل ١٨ ).
أنسوا به والإنسان النابغة يحاول تغيير الوضع إلى وضع أحسن ومرحلة أعلى وقد ادعى كارليل أنّ التاريخ يبتدئ من النوابغ والأبطال، وهذه النظرية في الواقع تبتني على فرضيتين:
١ - إنّ المجتمع فاقد لطبيعة وشخصية خاصة به، وليس تركيباً حقيقياً من الأفراد، بل الأفراد كل مستقل عن الآخر، ولا يحدث من التأثير المتقابل بينهم روح الجماعة، ومركّب واقعي له شخصيته وطبيعته وقوانينه الخاصة فالمجتمع ليس إلاّ الأفراد ونفسيات الأفراد فقط، وعلاقة أفراد الإنسان في المجتمع من حيث الاستقلال نظير علاقة الأشجار في الغابة والحوادث الاجتماعية ليست إلاّ مجموعة من الحوادث الفردية ومن هنا فالمجتمع مسرح للاتفاقات والصدف التي هي نتائج للعلل والأسباب الجزئية دون العلل الكليّة والعامة.
٢ - إنّ أفراد الإنسان يختلفون اختلافاً فاحشاً من حيث الخلقة الأصلية فمع أنّ أبناء آدم كلهم موجودات ثقافية وحضارية، وبتعبير الفلاسفة حيوانات ناطقة ولكن أكثر الأفراد ممّا يقارب المجموع يفقدون قدرة الإبداع والخلق، فهم يستفيدون من الثقافة والحضارة ولا ينتجونهما وهذا هو الذي يميّزهم عن الحيوانات التي لا تستفيد من الثقافة والحضارة فالروح الغالبة على هؤلاء الأكثرين روح التقليد والتبعية وتكريم الأبطال هذا ولكنّ النادر المعدود من البشر هم أبطال ونوابغ، وهم فوق المستوى المتوسّط والعادي يستقلون في التفكير ويبدعون ويبتكرون، ولهم العزيمة القوية وبذلك يمتازون عن الأكثرين، فكأنهم من طينة وطبيعة أُخرى، أو من عالم آخر، فلو لم يبرز إلى الوجود النوابغ والأبطال في العلم والفلسفة والذوق والسياسة
والاجتماع والأخلاق والفن والأدب لبقيت البشرية على حالها الأول، ولم تتقدم خطوة واحدة.
ولكن الفرضيتين كليهما مخدوشتان: أمّا الفرضية الأُولى فلما ذكرنا سابقاً في مباحث المجتمع من أنّه مستقل في شخصيته وطبيعته وقانونه وسننه، وأنّه يستمر في مسيره طبقاً لتلك القوانين الكليّة، وهذه السنن في ذاتها تقدمية وتكاملية إذن فلا بد من رفض هذه الفرضية، والبحث على افتراض استقلال المجتمع في شخصيته وطبيعته وسننه ومسيره، طبقاً لها لنجد أنّ شخصية الفرد على هذا الفرض هل يمكن أن يكون لها دور في حركة المجتمع أم لا ؟ وسيأتي البحث عن هذا الموضوع.
وأمّا الفرضية الثانية، فلأنّه وإن لم يمكن إنكار اختلاف الأفراد من حيث الخلقة، إلاّ أنّ هذا الرأي القائل بأنّ الأبطال والنوابغ قد استأثروا بالقدرة على الإبداع، وأنّ الأكثرية القريبة من المجموع يستفيدون من ثقافتهم وحضارتهم فقط غير صحيح فجميع أفراد الإنسان يملكون قابلية الخلق والإبداع على اختلاف المستويات ؛ إذن فجميع الأفراد أو أكثرهم يشاركون في الخلق والإنتاج والإبداع، وإن كان دورهم أقل من دور النوابغ.
وفي قبال هذه النظرية التي تدّعي أنّ الشخصيات يخلقون التاريخ نظرية أُخرى تقول: إنّ التاريخ يخلق الشخصيات، بمعنى أنّ الحاجات العينية في المجتمع هي التي تصنع الشخصيات البارزة وقد حكي عن مونتسكيو أنّه قال: ( إنّ أعاظم الرجال وعظائم الحوادث آثار ونتائج لقضايا أوسع مجالاً، وأطول زماناً ) وعن هيجل قوله: ( إنّ الرجال
الأعاظم لم يخلقوا التاريخ بل هم كالقوابل ) إذن فالشخصيات البارزة علائم لا عوامل وبموجب المنطق القائل بأصالة الجماعة - كما يقول به دور كايم - وأنّ أفراد الإنسان لا يملكون بذاتهم شخصية، وإنّما يكتسبون الشخصية من مجتمعهم، فالأفراد والشخصيات ليسوا إلاّ مظاهر للروح الجماعية، أو كما يقول محمود الشبستري: ليسوا إلاّ مشابك لمشكاة الروح الجماعية.
أمّا ماركس ومَن تبعه حيث يعتبرون أساس اجتماعية الإنسان وعمله الاجتماعي، بل يعتبرونه مقدّماً على شعوره الاجتماعي، بمعنى أنّ شعور الأفراد ليس إلاّ مظاهر للحاجات الاقتصادية في المجتمع فالشخصيات البارزة بموجب هذه النظرية مظاهر للحاجات المادية والاقتصادية في المجتمعات(١) .
____________________
(١) إلى هنا انتهى - مع الأسف الشديد - ما كتبه الأُستاذ الشهيد بخطّه حول هذا الموضوع ومن الواضح أنّ هناك مطالب كثيرة في نظر الأُستاذ كان يريد تدوينها فلم يمهله الأجل ووُفّق لأُمنيته وهي الشهادة في سبيل الله، رضوان الله عليه ولعلّنا نوفّق في المستقبل استناداً إلى مذكّراته المتفرقة أن نكمل هذا المبحث ونضيفه في الطبعات الآتية.
المجتمع والتاريخ
المفكر الإسلامي الكبير
الشهيد
الشيخ مرتضى المطهري
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام والمادّيّة التاريخية
هل تقبل الإسلام فكرة المادية التاريخية ؟
هل يقوم منطق القرآن في تحليل القضايا التاريخية على أساس المادية التاريخية ؟
ذهبت فئة إلى الإجابة عن هذين السؤالين بالإيجاب، وقالوا إنّ القرآن طرح هذه الفكرة قبل ماركس بألف عام، ولعلّ أول مَن تبنّى هذه المسألة الدكتور علي الوردي العراقي، الذي عُرف بكتاباته المثيرة واليوم، فإنّ هذه الفكرة سائدة بين فئة من الكتّاب المسلمين المصرّين على التظاهر بالتجدّد والعصرية.
نحن نعتقد أنّ هذه الفئة إمّا أن لا تفهم الإسلام أو لا تفهم المادية التاريخية، أو لا تفهمهما معاً الفرد المطّلع على منطق الإسلام يستطيع بعد تعرّفه على الأسس الخمسة والنتائج الست للمادية التاريخية، أن يفهم التناقض الموجود بين المنطق الإسلامي والمادية التاريخية.
هذا الاتجاه الفكري في فهم المجتمع والتاريخ يشكّل - في اعتقادنا - خطراً كبيراً على الفكر الإسلامي، خاصة إذا اتّخذ طابعاً إسلامياً
زائفاً من هنا نرى من الضروري دراسة المسائل التي تُثير شبهة تبنّي الإسلام للاقتصاد باعتباره البناء التحتي للمجتمع، وتبنّي التفسير المادي للتاريخ.
الفئة المذكورة من الكتّاب اكتفت في استدلالها بذكر بضع آيات وأحاديث، لكننّا سنطرح في هذا الفصل ما يمكن أن يثير هذه الشبهة على نطاق أوسع ؛ كي يكون بحثنا شاملاً كاملاً في هذا الحقل:
الشبهة الأُولى:
القرآن الكريم طرح مفاهيم اجتماعية عديدة، ذكرنا في بحث - المجتمع - ما يقارب من خمسين كلمة من الألفاظ الاجتماعية في القرآن الكريم.
وعند دراسة الآيات القرآنية التي استعملت تلك الكلمات يبرز أمامنا نوع من الثنائية في النظرة القرآنية للمجتمعات.
فالقرآن يطرح هذه الثنائية تارة على أساس مادي . أي على أساس التمتّع بالنعم المادية والحرمان منها فأحد القطبين يطلق عليه أسماء خاصة مثل: الملأ والمستكبرين والمسرفين والمترفين، ويطلق على القطب الثاني أسماء أُخرى مثل: المستضعَفين والناس والأراذل والأرذلين(١) ، ويعتقد بتعارض هذين القطبين.
ومن جهة أُخرى، يعرض القرآن نوعاً آخر من الثنائية في المجتمع على أساس المفاهيم المعنوية، أحد القطبين يمثّله الكافرون
____________________
(١) هذا التعبير القرآني يطلقه القرآن على لسان المعارضين طبعاً.
والمشركون والمنافقون والفاسقون والمفسدون، والقطب الآخر يمثله: المؤمنون والموحّدون والمتّقون والصالحون والمصلحون والمجاهدون والشهداء.
ولو أمعنا النظر في هاتين الثنائيتين ؛ لرأينا في القرآن الكريم نوعاً من الانطباق بين القطب المادي الأول والقطب المعنوي الأول، وهكذا بين القطب المادي الثاني والقطب المعنوي الثاني بعبارة أُخرى: سنجد أنّ الكافرين والمشركين والمنافقين والفاسقين هم أنفسهم: الملأ والمستكبرون والمسرفون والمترفون والطواغيت، لا غيرهم وهكذا سنجد المؤمنين والموحدين والصالحين والمجاهدين هم: المستضعفين والفقراء والمساكين والأرقّاء والمظلومين والمحرومين أنفسهم لا غير.
وهذا يعني أنّ المجتمع ينطوي على قطبين لا أكثر: المترفين والظالمين والمستغلين وهم الذين يشكّلون فئة الكافرين . والمستضعفين الذين يشكلون مجموعة المؤمنين كما يعني أنّ تقسيم المجتمع إلى مستكبر ومستضعف هو الذي خلق تقسيم المجتمع إلى كافر ومؤمن، فالاستكبار منطَلَق الشرك والنفاق والكفر والفسق والفساد، والاستضعافُ منطَلَق الإيمان والتوحيد والصلاح والتقوى والإصلاح.
من أجل أن يتضح هذا الانطباق تكفي مراجعة سورة الأعراف من الآية التاسعة والخمسين:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ . ) إلى الآية السابعة والثلاثين بعد المئة:( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا . ) ، وهذه الآيات الأربعون استعرضت باختصار قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى، وفيها جميعاً ( عدا قصة لوط ) نشاهد أتباع الأنبياء ينتمون إلى فئة المستضعفين ،
والطبقة التي ناهضتهم ووقفت بوجههم تتكوّن من الملأ والمستكبرين(١) .
هذا الانطباق لا نستطيع أن نجد له تفسيراً ودليلاً سوى الشعور الطبقي، وهذا الشعور يلازم المادية التاريخية ويستلزمها، فالمجابهة بين الإيمان والكفر هي في نظر القرآن - إذن - انعكاس عن المجابهة بين المستضعفين ( بفتح العين ) والمستضعِفين ( بكسر العين ).
القرآن يصرّح بأنّ الملكية والثروة التي يعبّر عنها القرآن بكلمة ( الغنى ) تبعث على الطغيان، أي التمرّد على تعاليم الأنبياء:( إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) (٢) .
ونرى القرآن كذلك يعرض قصة قارون ليبيّنّ أثر الملكية السيئ، فقارون كان سبطياً لا قبطياً، أي من الفئة التي كان فرعون قد استضعفها وهذا الفرد المستضعف ذاته تمرّد على قومه وطغى عليهم حينما أُتيحت له فرصة الغنى والإثراء:( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ) (٣) .
ممّا سبق يتضح أنّ الأنبياء ثاروا ضد الطغيان، أي إنّهم ثاروا في الحقيقة بوجه المثرين والمالكين، والقرآن يصرّح أنّ أئمّة الجبهة المعارضة
____________________
(١) راجع أيضاً سورة الكهف، الآية ٢٨ بشأن أتباع خاتم النبيين وسورة هود، الآية ٢٧ والشعراء، الآية ١١١ بشأن أتباع نوح وسورة يونس، الآية ٨٣، حول أتباع موسى والأعراف، الآيات ٨٨ - ٩٠، حول أتباع شعيب والأعراف، الآيتين ٧٥ و ٧٦ بشأن أتباع صالح ونكتفي بالإشارة إلى هذه الآيات تجنباً للإطالة.
(٢) العلق: ٧.
(٣) القصص: ٧٦.
للأنبياء كانوا من المترفين أي الغارقين في الترف والنعيم:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) (١) .
جبهة الأنبياء والجبهة المعارضة، أو بعبارة أُخرى جبهتا الإيمان والكفر انعكاس عن المواجهة بين طبقتين اجتماعيتين هما: الطبقة المستضعَفة والطبقة المستضعِفة.
الشبهة الثانية:
القرآن يتوجّه في خطابه إلى الناس، والناس هم جماهير الشعب المحرومة، وهذا الاتجاه يدل على اعتراف القرآن بالشعور الطبقي، وعلى اعتباره الطبقة المحرومة هي الطبقة الوحيدة المؤهّلة للدعوة الإسلامية، ويدل أيضاً على أنّ منطلق الإسلام طبقي واتجاهه طبقي، أي إنّه دين المحرومين والمستضعِفين، كما أنّ الإيديولوجية الإسلامية تخاطب المحرومين والمستضعفين لا غيرهم وهذا دليل آخر على أنّ الإسلام يرى الاقتصاد بناءاً تحتياً للمجتمع، كما أنّه يؤمن بمادية هوية التاريخ.
الشبهة الثالثة:
القرآن يصرّح أنّ القادة والمصلحين والمجاهدين والشهداء، بل وحتى الأنبياء ينبثقون من بين عامة الجماهير لا من الطبقة المرفّهة المنعّمة، يقول القرآن حول نبي الإسلام:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ . ) (٢) .
____________________
(١) سبأ: ٣٤.
(٢) الجمعة: ٢.
والأُمّيون هم المنسوبون إلى الأُمّة، والأُمّة هي الجماهير المحرومة.
وحول شهداء طريق الله يقول القرآن:( وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) (١) .
انبثاق قادة النهضات والثورات من بين الجماهير المحرومة، يعني ضرورة انطباق الموقف العقائدي والاجتماعي مع المكانة الاقتصادية والطبقية، وهذه الضرورة لا يمكن تفسيرها إلاّ على أساس مادية التاريخ، وعلى أساس اعتبار الاقتصاد بناءً تحتياً للمجتمع.
الشبهة الرابعة:
القرآن يؤكّد أنّ نهضة الأنبياء تتجه نحو البناء التحتي للمجتمع، لا نحو البناء الفوقي.
ويمكن الاستنباط من الآيات القرآنية أنّ هدف بعثة الأنبياء ورسالتهم هو إقامة العدل والقسط والمساواة الاجتماعية، وإزالة الفواصل الطبقية.
الأنبياء تحرّكوا دوماً من البناء التحتي الذي هو هدف بعثتهم ليصلوا إلى البناء العلوي، لا من البناء العلوي نحو البناء التحتي.
البناء الفوقي المتمثّل في العقيدة والإيمان والإصلاح والأخلاق والسلوك هو الهدف الثاني للأنبياء، وينشدونه بعد إصلاح البناء التحتي.
روي عن الرسول الأكرم أنّه قال: ( مَن لا معاش له لا معاد له ) وهذه العبارة تعني: تقدم المعاش على المعاد، وتقدم الحياة المادية على الحياة
____________________
(١) القصص: ٧٥.
المعنوية، وارتباط الحياة المعنوية باعتبارها بناءً فوقياً بالحياة المادية باعتبارها بناءً تحتياً.
وقال الرسول أيضاً: ( اللّهمّ بارك لنا في الخبز، لولا الخبز ما تصدقنا ولا صلّينا ) وهذه العبارة تفرز نفس المفاهيم المذكورة.
واليوم، قد أُشيع بين الناس أنّ نشاطات الأنبياء كانت مقتصرة على مسائل البناء الفوقي، وكانوا يستهدفون دعوة الناس إلى الإيمان والصلاح والعقيدة والأخلاق والسلوك الحسن، ولم يكن لهم شأن بمسائل البناء التحتي، أو أنّ مسائل البناء التحتي كانت تأتي بالدرجة الثانية من الأهمية لهم، أو أنّهم كانوا يعتقدون أنّ كل الأُمور يتم إصلاحها تلقائياً حينما يؤمن الناس بالرسالة، وأنّ مظاهر العدالة والمساواة تستتب من تلقاء نفسها في المجتمع المؤمن، إذ سيتقدّم المستثمرون بأنفسهم ليعيدوا إلى المحرومين والمستضعفين حقوقهم، وبعبارة أُخرى: إنّ الأنبياء يحققون أهدافهم بسلاح العقيدة والإيمان، وأتباعهم ينبغي أن يسلكوا نفس هذا الطريق.
وهذه الإشاعة ليست إلاّ مكراً وخداعاً، ينشرها المستثمرون ورجال الدين المرتبطون بهم من أجل مسخ تعاليم الأنبياء، وهذا التضليل أضحى مقبولاً بين الأكثرية الساحقة من أبناء الأُمّة، وعلى حدّ قول ماركس: ( أولئك الذين يستطيعون أن يصدّروا إلى المجتمع بضاعة مادية، قادرون أيضاً أن يصدّروا إليه بضاعة فكرية أولئك الذين يحتلون مركز القيادة المادية للمجتمع، هم قادة المعنويات وأصحاب السلطة الفكرية أيضاً(١) .
____________________
(١) الإيديولوجية الألمانية.
طريقة عمل الأنبياء كانت عكس ما تتصوّره الأكثرية اليوم، الأنبياء أنقذوا المجتمع أولاً ( من الشرك الاجتماعي، ومن التمييز الطبقي، ومن الاستضعاف والاستكبار، أي من جذور الشرك العقائدي والأخلاقي والسلوكي، ثم توصّلوا بعد ذلك إلى التوحيد الاعتقادي والتقوى الخلقية والعلمية ).
الشبهة الخامسة:
القرآن يضع منطق المعارضين للأنبياء مقابل منطق الأنبياء وأتباعهم، ويوضح أنّ منطق المعارضين كان دوماً منطق المحافظة والتقليد والرجعية، على العكس من منطق الأنبياء الذي يتّصف دوماً بالتجدد وكسر التقاليد، والتطلّع إلى المستقبل.
القرآن يوضح أنّ الفئة الأُولى تستعمل نفس المنطق الذي يمارسه المنتفعون من الأوضاع القائمة في المجتمعات الطبقية، كما تدل على ذلك الدراسات الاجتماعية، كما أنّ منطق الأنبياء وأتباعهم هو نفس منطق المحرومين والمسحوقين، كما تدل عليه دراسات علم الاجتماع أيضاً.
القرآن يؤكّد بشكل خاص على خصائص المنطقين، وما ذلك إلاّ لأنّ القرآن يريد أن يوضح أنّ المنطقين - تماماً مثل أصحابهما - كانا متجابهين على مرّ التاريخ، ويريد أن يضع المعيار الدائم في هذا المجال القرآن يعرض مشاهد متعددة للمجابهة بين المنطقين، ويستطيع الباحثون أن يراجعوا الآيات ٤٠ - ٥٠ من سورة الزخرف، والآيات ٢٣ - ٤٤ من سورة المؤمن، والآيات ٤٩ - ٧١ من سورة طه ،
والآيات ١٦ - ٤٩ من سورة الشعراء، والآيات ٣٦ - ٣٩ من سورة القصص.
وعلى سبيل المثال نقرأ الآيات ٢٠ - ٢٤ من سورة الزخرف مع بعض التوضيح:( وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) .
في هذه الآيات نرى الجبهة المعرضة للأنبياء تتمسّك بمنطق الجبر والقضاء والقدر الجبري، وتدّعي أنّها فاقدة الاختيار ( لو شاء الرحمن ما عبدناهم )، وهذا المنطق هو منطق المنتفعين من الأوضاع السائدة، منطق الذين لا يريدون حدوث تغيير في الوضع القائم، فيبرّرون موقفهم بالقضاء والقدر.
وهذه الجبهة المعارضة تتشبّث أحياناً بالتقاليد الموروثة عن آبائهم، ويضفون على تلك التقاليد صفة القداسة( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) ، وهو نفس المنطق السائد بين المحافظين والمنتفعين من الأوضاع السائدة.
والأنبياء - مقابل ذلك - يتحدثون عن ( الأهدى ) أي الأكثر علمية وأكثر تحريراً وإنقاذاً:( قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ ) ، وهذا هو منطق الثوريين والكادحين والمسحوقين في الأوضاع السائدة.
والجبهة المعارضة، حين تعجز عن إقامة الحُجّة والدليل، تقول كلمتها النهائية:( إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) لأنّ هذه الرسالة تشكّل خطراً على مكانتهم الاجتماعية والطبقية.
الشبهة السادسة:
وأوضح من كل ما سبق موقف القرآن من الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، فالقرآن يؤكّد أنّ هذا الصراع سينتهي بانتصار المستضعَفين، تماماً كما تؤكّد على ذلك المادية التاريخية استناداً إلى منطق الديالكتيك.
القرآن في موقفه هذا يشير في الحقيقة إلى الاتجاه الجبري والضروري للتاريخ، مؤكّداً أنّ الطبقة التي تحمل الصفات الثورية ذاتياً ستنتصر في نضالها مع الطبقة التي تفرض عليها مكانتها الطبقية أن تكون رجعية ومتحجّرة بالذات:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (١) ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسرائيل بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (٢) .
وهذا المفهوم القرآني بشأن نهاية الصراع، ينطبق تماماً مع المبدأ الذي استنتجناه من المادية التاريخية ؛ إذ قلنا إنّ الخصلة الذاتية للاستثمار هي الرجعية والتحجّر، وهذه الخصلة محكومة بالفناء لا محالة ؛
____________________
(١) القصص: ٥.
(٢) الأعراف: ١٣٧.
لأنّها ضد السنّة التكاملية للطبيعة، والخصلة الذاتية للطبقة المحرومة هي التنوّر والحركة والثورة، وهي خصلة منتصرة حتماً ؛ لأنّها منسجمة مع السنن التكاملية للطبيعة.
لا بأس أن ننقل هنا مقتطفاً من مقال نشرته أخيراً مجموعة من المثقفين المسلمين المتمركسين ( نسبة إلى ماركس ) على شكل كرّاس، وفي هذا المقال، ذُكرت الآية:( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ . ) ثم علّقوا عليها بما يلي:
( إنّ الذي يثير الانتباه أكثر من غيره، موقف الله، وكل مظاهر الطبيعة من مستضعفي الأرض لا شك أنّ المستضعفين في المفهوم القرآني هم الجماهير المحرومة المغلولة المعزولة جبراً عن دورها في تقرير مصيرها . انطلاقاً من هذا المفهوم، ومع الأخذ بنظر الاعتبار موقف الله، وكل مظاهر الوجود إزاء المستضعفين، أي الإرادة المطلقة المهيمنة على الوجود بشأن الامتنان عليهم، يُطرحُ هذا السؤال: تُرى مَن هم الذين يحققون هذه الإرادة الإلهية ؟
الجواب على هذا السؤال واضح، فحين ندرس تركيب المجتمعات بما تنطوي عليه من قطبين متصارعين هما: قطبا الاستضعاف والاستكبار، ونعلم من جهة أُخرى أنّ إرادة الله تتجه إلى إمامة المستضعفَين، ووراثتهم للأرض، وإلى تحطيم أنظمة الاستكبار وزوالها، نفهم أنّ المستضعَفين أنفسَهم وقادتهم والمثقفين الملتزمين، الذين نشأوا في أجوائهم، هم الذين يجسّدون الإرادة الإلهية.
بعبارة أُخرى: إنّ هؤلاء الرسل(١) والشهداء(٢) المنبثقين من بين المستضعَفين، هم الذين يقطعون الخطوات الأُولى في النضال مع الأنظمة الطاغوتية المستغلّة، خطواتٍ تمهّد الطريق أمام إمامة المستضعفين ووراثتهم للأرض.
هذا المعنى هو في الواقع انعكاس لمعرفتنا القرآنية عن الثورات التوحيدية والتطوّرات التاريخية(٣) أي إنّ الثورات التوحيدية تدور من وجهة النظر الاجتماعية حول محور إمامة المستضعَفين ووراثتهم للأرض، كما أنّ قادة هذه الثورات وطلائعها ينبغي أن ينبثقوا بالضرورة من بين المستضعَفين، وأن تكون منطلقاتهم الإيديولوجية ومكانتهم الاجتماعية هي ذات المنطلقات الفكرية والمكانة الاجتماعية للمستضعفين . )
وهذا القسم من المقال ينطوي على عدّة مواضيع:
أ - المجتمع في رأي القرآن يتكون من قطبين هما دوماً قطب المستضعِف والمستضعَف.
ب - إرادة الله ( وعلى حد تعبير أصحاب المقال: موقف الله وكل مظاهر الطبيعة ) تتجه نحو إمامة ووراثة المستضعَفين وكل المستثمَرين في
____________________
(١) في الحاشية أُشير إلى الآية الثانية من سورة الجمعة، وإلى الآية ١٢٩ من سورة البقرة، واستنتجوا منها أنّ الأنبياء انطلقوا من ( الأُمّة )، والأُمّة تعني الجماهير المحرومة.
(٢) في الهامش أُشير إلى الآية ٥٧ من سورة القصص:( وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) وفسّروا الشهيد بالمقتول في سبيل الله، قالوا: إنّ الشهداء ينبثقون دوماً من الأُمم والجماهير.
(٣) هؤلاء السادة يضفون على ما يدبّجونه اسم ( المعرفة القرآنية ) دون أن يجرأوا على التصريح بأنّهم يفرضون المادية التاريخية الماركسية على القرآن.
التاريخ بشكل عام، سواء كانوا موحّدين أو مشركين أو وثنيين، أو مؤمنين أو غير مؤمنين أي إنّ كلمة ( الذين ) في الآية للاستغراق وتفيد العموم وسنّة الله تدور حول انتصار المستضعَفين وحول محور الاستضعاف فقط.
بعبارة أُخرى: إنّ الماهية الأساسية للنضال على مرّ التاريخ هي الصراع بين المحرومين والظالمين، وقوانين التكامل للعالم تتجه نحو انتصار المحرومين على الظالمين.
ج - إرادة الله تتحقق عن طريق المستضعفين أنفسهم، ومن الضروري أن يكون القادة والطلائع والأنبياء والشهداء من المستضعَفين، لا من القطب الآخر.
د - ثمّة انطباق قائم دوماً بين الموقف الفكري والاجتماعي والمكانة الطبقية للأفراد.
وهكذا نرى كيف أنّ الآية الكريمة يُستنبط منها عدّة مبادئ ماركسية حول التاريخ ! وكيف أنّ القرآن شرح أفكار ماركس، قبل ولادة ماركس بألف ومئتي عام !!
وما هي النتيجة من وراء كلّ هذه الاستنباطات ؟ هؤلاء السادة لهم جواب جاهز يتركّز على تحليل ثورة علماء الدين، يقولون: إنّ القرآن علّمنا أنّ قادة الثورات وروّادها هم بالضرورة من طبقة المستضعفين، واليوم نرى علماء الدين ( الذين يشكّلون أحد أقطاب الاستثمار الثلاثة ) قد غيّروا مواقفهم واتخذوا صفة الثورية فما هو السر في هذا التغيير ؟ لا بد أن تكون ثمّة مسألة وراء الكواليس وهذه المسألة هي
إنّ النظام الحاكم(١) ألفى وجودَه معرضاً للخطر، فأوعز إلى علماء الدين التابعين له أن يتقمّصوا الثورية لإنقاذ النظام ! هذه هي نتيجة الفهم القرآني بل الماركسي الذي يتبجّح به هؤلاء وواضح مَن هو المنتفع من هذا الاستنتاج !
____________________
(١) أي نظام الشاه، والكرّاس المذكور صدر في عصر الطاغوت بإيران.
نقد الفهم المادّي للإسلام
ما قيل عن نظرة القرآن إلى المادية التاريخية، إمّا أن يكون خاطئاً أساساً، أو صحيحاً مقروناً باستنتاج خاطئ وها نحن نناقش الشبهات السابقة على الترتيب:
أولاً: لا يمكن أن نستنتج من القرآن الكريم أي تطابق بين القطبين الماديين والقطبين المعنويين، بل الآيات القرآنية تفيدنا عدم وجود مثل هذا التطابق.
القرآن، في سرده للأحداث التاريخية، يعرض لنا مؤمنين برزوا من طبقة الملأ المستكبرين، وثاروا ضد طبقتهم وقيم طبقتهم.
ومن أمثلة ذلك: مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون التي كانت شريكة فرعون في النِعَم(١) .
القرآن كرّر ذكر سحرة فرعون بشكل مثير، مؤكّداً أنّ الوجدان الفطري للإنسان، واندفاعه الفطري نحو الحق والحقيقة يدفعه إلى تجاوز الأخطاء والانحرافات، وإلى تحدّي تهديدات فرعون، وإن كان هذا التهديد يبلغ درجة قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
____________________
(٢) التحريم: ١١.
نهضة موسىعليهالسلام هي أساساً تتنافى مع المادية التاريخية.
صحيح إنّ موسى كان من بني إسرائيل لكنه تربّى منذ طفولته في قصر فرعون، ونشأ نشأة الأُمراء، ثم ثار ضد النظام الذي نشأ وترعرع فيه، وتركه مُؤثراً حياة رعاة الأغنام حتى بُعث بالرسالة وواجه فرعون بشكل سافر الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في صغره يتيماً، ونشأ فقيراً، ثم استغنى بعد زواجه بخديجة والقرآن يشير إلى ذلك قائلاً:( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ) ؟ وفي فترة استغنائه ورفاهه لاذ بالخلوة والعبادة و كان ينبغي أن يكون في هذه الفترة - حسب نظرية المادية التاريخية - محافظاً ومدافعاً عن الوضع القائم، لكنّه في هذه الفترة بدأ بدعوته الثائرة ضد أصحاب الثروة والرقيق، وضد المرابين، وضد النظام الوثني القائم في مكّة المؤمنون والموحدّون وحملة مشعل ثورة التوحيد لم يكونوا دوماً من طبقة المستضعفين، والأنبياء كانوا ينتقون الأفراد ذوي الفطرة السالمة، أو الملوثة قليلاً حتى من الطبقات المستثمرة ويدفعونهم إلى الثورة على أنفسهم بالتوبة أو الثورة على طبقتهم، وطبقة المستضعفين لم تكن دوماً من زمرة المؤمنين وثوّار التوحيد.
القرآن يعرض مشاهد، يُدين فيها قسماً من المستضعفين، ويحشرهم في زمرة الكافرين والمستحقّين للعذاب الإلهي(١) .
فالمؤم
نون إذن ليسوا جميعاً من طبقة المستضعفين، وليس جميع المستضعفين من طبقة المؤمنين، وادّعاء هذا التطابق لا أساس له ،
____________________
(١) النساء: ٩٧، إبراهيم: ٢١، سبأ: ٣١ - ٣٧، غافر: ٤٧ - ٥٠.
لكنّ الذي لا شك فيه أنّ أكثرية أتباع الأنبياء هم من الطبقة المستضعفة، أو هم على الأقل من الطبقة التي لم تستضعف الآخرين، وأكثر المعارضين للأنبياء هم من المستضعفين.
نعم، الفطرة الإلهية، التي تشكّل أرضية تقبّل الرسالة الإلهية، مشتركة في الجميع، لكنّ الطبقة المستثمرة والمسرفة والمترفة متورّطة بعقبة كبرى هي التلوث بوضعها الموجود والاعتياد عليه ينبغي على أفراد هذه الطبقة أن يحرّروا أنفسهم من ركام الانحراف، وقليل هم الأفراد الذين يستطيعون ذلك أمّا المستضعفون فليس أمامهم مثل هذه العقبة، بل إنّهم - إضافة إلى استجابتهم لنداء الفطرة - ينالون حقوقهم المغتصبة من هنا نرى أكثر أتباع الأنبياء من المستضعفين، وأكثر معارضيهم من غير المستضعفين أمّا مسألة التطابق بالشكل المذكور فلا واقع لها.
الأُسس التي تقوم عليها النظرة القرآنية للتاريخ تختلف عن أُسس المادية التاريخية.
في النظرة القرآنية، الروح لها أصالة وليس للمادة أي تقدّم عليها والاحتياجات المعنوية والدوافع المعنوية هي الأُخرى أصيلة في وجود الإنسان، وليست مرتبطة بالاحتياجات المادية والفكر أيضاً له أصالة مقابل العمل، والشخصية الفطرية النفسية للإنسان مقدمة على شخصيته الاجتماعية.
النظرة القرآنية تؤكّد أصالة الفطرة، وتعتقد أنّ الكائن الإنساني - مهما بلغ درجة من المسخ والانحراف، بل وحتى إذا بلغ مرحلة فرعون - يحمل في أعماقه فطرة إنسانية مغلولة مكبّلة، ولهذا يمكن لأكثر الأفراد مسخاً أن يتحرّك في اتجاه الحقّ والحقيقة، وإن ضعف هذا
الامكان ولهذا أيضاً نرى الأنبياء يتّجهون بالموعظة أولاً إلى الظالمين رجاء تحرير فطرتهم المغلولة، وأملاً في انتفاض شخصيتهم الفطرية على شخصيتهم الاجتماعية الدنيئة ونحن نعلم أنّ هذا الهدف قد تحققّ في مواضع كثيرة في إطار التوبة.
موسىعليهالسلام يُكلَّف في المرحلة الأُولى من دعوته لأن يذهب إلى فرعون، وأن يذكّره ويوقظ فطرته، ثم ليجابهه إن لم ينفع التذكير.
فرعون - كان في نظر موسى - موجوداً قد كَبَّلَ واسترقَّ إنساناً في داخل نفسه، كما كبّلَ واسترقَّ بني الإنسان في الخارج.
موسى يتجه بادئ ذي بدءٍ إلى تحرير الإنسان الأسير داخل فرعون . إلى إثارة فرعون الفطري، الذي هو انسان، أو قُل بقايا إنسان، ضد فرعون الاجتماعي الذي تبلور في المجتمع:
( اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) (١) .
القرآن يرى أنّ الهداية والإرشاد والتذكير والموعظة والبرهان والاستدلال المنطقي ( أو الحكمة على حدّ التعبير القرآني ) عوامل ذات قيمة وقوّة وتأثير، وقادرة على تغيير مسير الإنسان، وتبديل شخصيته، وإحداث ثورة معنوية في محتواه الداخلي.
القرآن لا يحدّ من دور الفكر والإيديولوجية، خلافاً للماركسية والمادية التي ترى دور التوجيه محدوداً بتصعيد الصراع الطبقي لا غير.
____________________
(١) النازعات: ١٧ - ١٩.
ثانياً: القرآن خاطب ( الناس ) والناس هم عامة أفراد البشر، لا الطبقة المحرومة فقط كما زعم أصحاب المقال معاجم اللغة العربية لم تفسّر هذه الكلمة بالطبقة المحرومة، ولم يرد في كلام العرب ما يشير إلى هذا المفهوم للكلمة وفي القرآن تكرّرت مراراً عبارة( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) كما وردت كلمة ( الناس ) في الآية( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) وليس المقصود في جميعها المحرومين، بل عامة الناس.
وتعميم الخطاب القرآني ينطلق من نظرية الفطرة التي تقوم عليها النظرة القرآنية.
ثالثاً: الادّعاء أنّ القادة والأنبياء والطلائع والشهداء منحصرون بفئة المستضعفين، خطأ آخر في فهم النظرة القرآنية القرآن لم يقل هذا إطلاقاً.
ومن المضحك الاستدلال بالآية:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً . ) للاستنتاج أنّ الأنبياء انبعثوا من ( الأمّة ) والأمّة هي الجماهير المحرومة !!
كلمة الأُميّين في الآية منسوبة إلى الأم لا إلى الأمّة، وهي تعني غير الدارسين، ثم إنّ كلمة الأمّة لا تعني الجماهير المحرومة، بل تعني المجتمع بكل فئاته ومجموعاته.
أكثر من ذلك مهزلة استدلالهم بالآية ٧٥ من سورة القصص حول الشهداء:( وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) ففسّروا الشهيد أنّه المقتول في سبيل الله، وقالوا: إنّ الآية تعني أنّ الله يبعث في كل أمة شهيداً، أي فرداً ثائراً، ثم يقول للأُمم هاتوا برهانكم، أي
هاتوا بشخصيتكم الثائرة المقتولة في سبيل الله.
وهذا التفسير للآية يتضمّن ثلاثة أخطاء:
١ - هذه الآية ترتبط بآية قبلها، وكلا الآيتين ترتبطان بيوم القيامة والآية السابقة لها هي:( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) .
٢ - كلمة ( نَزَعنا ) في الآية لا تعني بعثنا وأثَرنا، بل فَصَلنا.
٣ - ( شهيداً ) في الآية لا تعني المقتول في سبيل الله، بل الشاهد على الأعمال، وهي صفة كل نبي، وليس في القرآن الكريم مورد واحد استعملت فيه كلمة ( الشهيد ) بالمعنى المتداول اليوم، أي المقتول في سبيل الله غير أنّ الكلمة بهذا المعنى وردت على لسان الرسول والأئمّة الأطهار، ولم ترد في القرآن.
وهكذا نرى كيف أنّ الآية تُمسخ مسخاً من أجل تبرير فكرةٍ ماركسية هزيلة.
رابعاً: هدف الأنبياء، تحدثنا عنه في حلقة ( النبوّة )(١) ولا حاجة إلى إعادته هنا، ونكتفي بالإشارة إلى طريقة دعوة الأنبياء.
ذكرنا في مباحث التوحيد العملي(٢) أنّ الأنبياء لم يحصروا اهتمامهم - كما يظن بعض المتصوّفة - بإصلاح ذات الإنسان عن طريق قطع ارتباطه بالخارج، ولم يكرّسوا جهودهم في نطاق إصلاح العلاقات
____________________
(١) ( الوحي والنبوّة ) الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.
(٢) ( التصوّر التوحيدي ) الحلقة الثانية.
الخارجية بل عملوا في الحقلين معاً، والقرآن الكريم يبيّن الهدف في آية واحدة:
( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (١) .
يبقى الحديث عن نقطة البدء، هل بدأ عمل الأنبياء من الداخل أم من الخارج ؟ هل بدأوا من تغيير المحتوى الداخلي عن طريق بثّ روح العقيدة والإيمان والمشاعر المعنوية في النفوس وتغيير الأفكار والعواطف، ثم دفعوا بالمجموعة المتغيّرة لأن تُقيم التوحيدَ الاجتماعي، والإصلاح الاجتماعي، والعدل والقسط في المجتمع ؟ أم إنّهم ركّزوا على الماديات وعلى الحرمان المادي، وحرّكوا الناس ابتداء نحو إزالة الحرمان والتمييز الاجتماعي، ثم راحوا في مرحلة تالية يبثّون مفاهيم الإيمان والعقيدة والأخلاق ؟.
لو ألقينا نظرة على حياة الأنبياء وطريقتهم في الدعوة لالفينا أنّ الأنبياء بدأوا أعمالهم من الفكر والعقيدة والإيمان والعواطف المعنوية وربط الناس بالله وتذكيرهم باليوم الآخر ولا أدلّ على ذلك من ترتيب نزول آيات القرآن الكريم وسيرة الرسول الأكرم خلال الأعوام الثلاثة عشر من دعوته في مكة.
خامساً: أمّا بشأن منطق الجبهة المعارضة للأنبياء، فمن الطبيعي أن يكون منطقاً محافظاً، غير أنّ الذي يُستنبط من القرآن الكريم هو أنّ هذا المنطق منطق زعماء الجبهة المعارضة وهؤلاء هم الملأ والمستكبرون
____________________
(١) آل عمران: ٦٤.
الذين يصدرون إلى المجتمع هذه البضاعة الفكرية - على حد قول ماركس - إلى جانب تصديرهم بضاعتهم المادية.
ومن الطبيعي أيضاً أن يكون منطق الأنبياء منطق التحرّك والتعقّل وعدم الالتفات إلى التقاليد والأعراف السائدة لكن هذا المنطق ليس انعكاساً طبيعياً وجبرياً عن فقر الأنبياء وحرمانهم، بل هو منطق الأفراد الذين بلغوا مرحلة الكمال في إنسانيتهم، أي في منطقهم وتعقّلهم وعواطفهم ومشاعرهم الإنسانية وسنوضح - فيما بعد - أنّ الإنسان كلما ارتقى على مدارج النموّ والكمال الإنساني، تقل تبعيّته لمحيطه الطبيعي والاجتماعي ولظروفه المادية ويتجّه نحو التحرّر والاستقلال.
منطق الأنبياء المستقل يفرض عدمَ تقيّدهم بالعادات والتقاليد، ودعوة الناس إلى التحرّر من الالتزام الأعمى بتلك الأعراف والتقاليد.
سادساً: ما قيل حول الاستضعاف والاستشهاد بآية الاستضعاف:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) مرفوض لسببين.
١ - وجود آيات عديدة تصوّر حركة التاريخ بشكل يختلف عن التصوير الذي استنتجه هؤلاء الكتّاب من آية الاستضعاف.
٢ - عدم عمومية الآية وعدم كلّيتها لارتباطها بالآيات السابقة والتالية لها.
وسنفصّل الكلام في هاتين النقطتين.
اتجاه حركة التاريخ في نظر القرآن:
القرآن الكريم يؤكّد أنّ حركة التاريخ تتجه نحو انتصار الإيمان على
الإلحاد، وانتصار التقوى على الفجور، وانتصار الصلاح على الفساد وانتصار العمل الصالح على العمل الطالح.
يقول تعالى:
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) (١) .
هذه الآية تَعِدُ بالنصر المؤمنين العاملين الصالحات، فهي لا تدور حول محور الاستضعاف والحرمان، بل حول محور إيديولوجي وأخلاقي.
والذي تبشّر به هذه الآية هو:
١ - الاستخلاف: أي استلام السلطة في المجتمع وزوال السلطة السابقة.
٢ - استتباب الدين، أي تحقّق القِيَم الخلقية والاجتماعية الإسلامية: كالعدل والعفاف والتقوى والشجاعة والإيثار والمحبّة والعبادة والإخلاص وتزكية النفس ونظائرها.
٣ - رفض كل ألوان الشرك في العبادة والطاعة.
وفي آية أُخرى يقول تعالى:
( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرض لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٢) .
____________________
(١) النور: ٥٥.
(٢) الأعراف: ١٢٨.
ويقول:( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (١) .
ربّما يقال أنّ آية الاستضعاف لها نفس دلالة الآيات المذكورة بشأن الاستخلاف ووراثة الأرض، أي إنّ المستضعفين هم أنفسهم المؤمنون والصالحون والمتّقون، والعكس صحيح أيضاً وهذا القول مرفوض أيضاً لسببين:
١ - لما أثبتناه من قبل بشأن عدم انطباق الاستضعاف مع الإيمان، فقد قلنا إنّ النظرة القرآنية تتجه نحو إمكان وجود فئة مؤمنة غير مستضعفة، وإمكان وجود فئة مستضعفة غير مؤمنة غير أنّ أكثرية أتباع العقيدة التوحيدية في المجتمع الطبقي - كما ذكرنا - هم من فئة المستضعفين ؛ لأنّ هذه الفئة متحرّرة من العوائق التي تقف أمام فطرة الفئة الأُخرى لكن الفئة المؤمنة غير منحصرة بفئة المستضعفين إطلاقاً.
٢ - آية الاستضعاف، على افتراض انفصالها عن الآيات السابقة والتالية لها، تشير إلى نوع معيّن من حركة التاريخ، والآيات الأُخرى بشأن الاستخلاف ووراثة الأرض تشير إلى نوع آخر من حركة مسيرة التاريخ.
آية الاستضعاف تدور حول الصراع الطبقي، والطاقة المحركة فيها مستمدّة من اضطهاد الطبقة المستكبرة، ومن الروح الرجعية لطبقة المستضعِفين والروح الثورية لطبقة المستضعَفين، والنتيجة النهائية لهذا الصراع تتمثل في انتصار الفئة المستضعفة سواء كانت من الذين آمنوا
____________________
(١) الأنبياء: ١٠٥.
وعملوا الصالحات بالمفهوم القرآني أم لم تكن، ودلالتها تشمل كل الشعوب المناضلة ضدّ الاستكبار كشعوب فيتنام وكمبوديا وأمثالها.
وإن أردنا توضيح هذه الآية من وجهة النظر الإلهية، لا بدّ أن نقول: إنّ هذه الآية توضح مبدأ حماية الله للمظلومين كما ورد في الآية:( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (١) وبعبارة أُخرى، آية الاستضعاف تجسّد مفهوم ( العدل الإلهي ).
أمّا آية الاستخلاف والآيات المشابهة لها فهي تبيّن اتجاهاً آخر من حركة التاريخ، وتوضّح من وجهة النظر الإلهية مبدأ أوسع وأشمل من مبدأ العدل الإلهي، غير أنّه يشتمل على مبدأ العدل الإلهي أيضاً.
وهذا الاتجاه يتمثّل في النضال المترفّع عن الدوافع المصلحية والمادية، نضال لله وفي الله، قاد سيرته الأنبياء وأتباعهم المؤمنون، واتجهت البشرية على خطّهِ نحو بناء صرح الحضارة الإنسانية.
وهذا النضال وحده يستحق اسم حرب الحق مع الباطل، وهو الذي يدفع عجلة التاريخ على طريق الإنسانية والمعنويات الإنسانية.
العامل المحرّك في هذا النضال لم يكن اضطهاداً طبقياً، بل هو الدافع الفطري الغريزي نحو الحقيقة، ونحو تفهّم طبيعة الوجود ونحو العدالة أي نحو صنع المجتمع المطلوب.
الشعور بالغبن والحرمان لم يدفع بعجلة التطوّر البشري، بل إنّ الذي دفع هذه العجلة نحو الأمام هو الاندفاع الفطري التكاملي.
الاستعدادات الحيوانية للكائن الإنساني اليوم هي ذات استعداداته
____________________
(١) إبراهيم: ٤٢.
في بدأ الخليقة، ولم تتطوّر على مرّ التاريخ، لكن الاستعدادات الإنسانية تتفتّح بالتدريج، وتتحرّر أكثر فأكثر من القيود المادية والاقتصادية متجهة نحو الالتزام بالإيمان والعقيدة الاتجاه الذي يتكامل على خط مسيرة التاريخ لا يتمثل في النضال المادي والمصلحي والطبقي، بل في النضال الإيديولوجي، الإلهي، الإيماني وهذه هي الميكانيكية الطبيعية لتكامل الإنسان، ولحتمية انتصار الصالحين والمجاهدين في سبيل الله، أمّا المظهر الإلهي في هذا الانتصار وفي هذا التكامل على مرّ التاريخ فيتمثّل في تجلّي مظاهر ( ربوبية ) الله و( رحمته ) التي تقتضي تكامل الموجودات، بينما ( العدل الإلهي ) يفرض بروز مظهر الانتقام والجبروت الإلهي لا غير.
ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ آية الاستضعاف لها منطقها الخاص، وآية الاستخلاف ( والآيات المشابهة لها ) ذات منطق خاص أيضاً، من حيث الطبقة المنتصرة، واتجاه حركة التاريخ، والعامل الطبيعي لحركة التاريخ، وتجلّي الصفات الإلهية كما اتضح أيضاً أنّ آية الاستخلاف تقدّم نتائج أشمل وأجمع.
ما تحقّقه البشرية طبق آية الاستضعاف جزء صغير ممّا تحققه طبق أية الاستخلاف والقيم تقدّمها آية الاستضعاف، أي دفع الظلم عن المظلوم، أو حماية الله للمظلومين، هي جزء من القيم التي تقدمها آية الاستخلاف.
آية الاستضعاف ليست أصلاً عاماً: النقطة الثانية التي نتناولها في حديثنا عن آية الاستضعاف هي أنّ الآية لا تطرح أصلاً عاماً ومبدأ كليّاً، وهي لذلك لا تستهدف توضيح مسار حركة التاريخ ولا العامل الطبيعي في هذه الحركة، ولا تريد أن تقول إنّ النصر النهائي حليف
المستضعفين لأنّهم مستضعفون لا غير.
وهؤلاء الذين استنتجوا من الآية مبدأً كليّاً، فصلوها عمّا قبلها وبعدها، وذهبوا إلى أنّ كلمة ( الذين ) في الآية تفيد العموم والاستغراق وليست كذلك إذ هي مرتبطة بآية تسبقها وآية تليها:
( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (١) .
فالفعلان ( نمكّن ) و ( نُري ) في الآية الثالثة معطوفان على ( نمنّ ) في الآية الثانية ومحتوى عبارة ( ونُري فرعون وهامان . ) في الآية الثالثة يرتبط بمحتوى الآية الأُولى، أي إنّ هذه العبارة تبيّن مصير فرعون، بعد أن بيّنت الآية الأُولى علوّ فرعون وتجبّره.
وهذا الارتباط بين الآية الثالثة والثانية من جهة، والآية الثالثة والأُولى من جهة أُخرى، يجعل بين الآيات الثلاث ارتباطاً لا يمكن معه تجريد الآية الثانية وفصلها، واستنباط مبدأ عام منها وكلمة ( الذين ) في الآية الثانية لا تفيد الاستغراق، بل إنّها اسم موصول للذين ظلمهم فرعون واستضعفهم.
هذا إضافة إلى أنّ ( المنة ) التي ذكرتها الآية الثانية، تتمثل فيما أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل من نبي وكتاب أي إنّ الآية تقول:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) بموسى والكتاب
____________________
(١) القصص: ٤ - ٦.
الذي ننزله على موسى( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً . ) .
من هنا نفهم أنّ هذه الآية تشكّل مصداقاً من مصاديق آية الاستخلاف ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال الاحتمال بأنّ المراد من الآية إمامة بني إسرائيل ووراثتهم للأرض لكونهم مستضعَفين حسب، بقطع النظر عن اتّباع النبي المبعوث فيهم والتمسّك بالرسالة المنزلة إليهم.
فهم خاطئ لطبيعة الثقافة الإسلامية:
قد يَطرح أتباعُ الفهم المادي للإسلام مسألة أُخرى ترتبط بالثقافة الإسلامية ويقولون إنّ هذه الثقافة إمّا أن تكون ثقافة الطبقة المستضعَفة روحاً ومعنى، وإمّا أن تكون ثقافة، الطبقة المستكبرة، أو أن تكون ثقافة جامعة.
لو كانت الثقافة الإسلامية ثقافة الطبقة المستضعفة، للَزِم أن تنطبع بطابع طبقتها، أي أن تدورَ في دعوتها ورسالتها واتجاهاتها حولَ محور المستضعَفين.
ولو كانت هذه الثقافة ثقافة طبقة المستكبرين - كما يدعّي أعداء الإسلام - لدارت حولَ محور تلك الطبقة، ولأوضحت ثقافة رجعية معادية للبشرية وبعيدة بالضرورة عن الطابع الإلهي وهذا ما لا يقبله أي مسلم إضافة إلى أنّه يتنافى مع كل محتويات هذه الثقافة.
يَبقى أن نقول إنّ الثقافة الإسلامية ثقافة جامعة، أي إنّها ثقافة محايدة غير منتمية وغير ملتزمة وغير مسؤولة، وإنّها ثقافة انعزالية تترك ما لله لله، وما لَقيصر لَقيصر، وإنّها ثقافة تستهدف المصالحة بين الماء
والنار، وبين الظالم والمظلوم، وبين المستثمِر والمستثَمَر، وتجمع كلّ هؤلاء تحتَ سقف واحد، ومثل هذه الثقافة تتّجه عملياً نحو حماية مصالح طبقة المستثمِرين والمستأثِرين والمستضعفين، تماماً مثل الفئة التي تتخذ جانب الحياد والعزلة والتفرّج على مسرح الصراع الاجتماعي بين المستثمرِين والمسحوقين، فمثل هذه الفئة تحمي عملياً طبقة المستثمرين، وتفسح لها مجالَ الاستثمار.
من كل هذا يستنتج أصحاب الفهم المادّي أنّ الثقافة الإسلامية ليست ثقافة محايدة، وليست حامية الطبقة المستضعِفة، وهي لذلك لا بد أن تكون ثقافة طبقة المستضعَفين في منطلقاتها واتجاهاتها ودعوتها.
وهذا الاتجاه في فهم الثقافة الإسلامية خاطئ تماماً، وهو جزء من الأخطاء التي تعتري المثقفين المسلمين الشغوفين بالمادية التاريخية.
الميول تجاه المادية التاريخية بين هذه الفئة مِن مثقفينا المسلمين يعود في رأيي إلى عاملين:
الأول: هؤلاء ظنّوا أنّ الاتجاه نحو المادية التاريخية ضرورة لا بدّ منها، مِن أجل إظهار الثقافة الإسلامية بمظهر الثقافة الثورية، أو من أجل إضفاء ثقافة ثورية على الإسلام.
وكل ما أطلقه هؤلاء من تصريحات، بشأن فهمهم الخاص للقرآن وبشأن استنباطاتهم من آية الاستضعاف، هو تبرير لظنّهم المذكور، ولفكرتهم تلك التي آمنوا بها مسبقاً ومن هنا نرى ابتعاد هؤلاء بشدّة عن منطق الإسلام، ونرى هبوط المنطق الإنساني الفطري الإلهي الإسلامي المقدّس إلى مستوى المنطق المادّي.
هذه الفئة خالت أنّ الطريق الوحيد لاتصاف الثقافة بالصفة
الثورية أن تكون مرتبطة بالطبقة المحرومة المسحوقة فقط، وأن تنطلق من هذه الطبقة، وأن تتجه في دعوتها ومواقفها نحو هذه الطبقة ومصالحها، وأن تكون المكانة الاجتماعية لقادتها وروّادها ودعاتها قائمة في تلك الطبقة، وأن يكون موقفُها من الطبقات والفئات الأُخرى موقفَ الحرب والصراع والعداء لا غير.
هذه الفئة من المثقفين يظنون أنّ طريق الثقافة الثورية ينبغي أن ينتهي بالبطن بالضرورة، وأن كلّ الثورات الكبرى في التاريخ، بل وحتى الثورات التي نهض بها أنبياء الله، هي ثورات البطن ومن أجل البطن ! ومن هنا فإنّ أبا ذر الصحابي الكبير الحكيم المؤمن المخلص الداعية المجاهد، هو في مفهوم هؤلاء ( أبو ذر البطن ) و ( أبو ذر المعقّد ) الذي خَبرَ الجوع جيداً، وأجاز، بل أوجب حمل السيف انطلاقاً من إحساسه بالجوع !! قيمة أبي ذرّ في مفهوم هؤلاء تتمثّل في إحساسه الشخصي بالجوع، وإحساسه بما يعانيه الجياع من أمثاله، وفيما يحمله من عُقَد تجاه الفئة التي أجاعته وأجاعت الآخرين، ومقاومته لهذه الفئة . لا غير وكل شخصية هذا الموحّد العارف، المؤمن المجاهد، المخلص المسلم، الذي يُعَدّ بحقّ لقمان هذه الأُمّة يحصرونها بهذه الدائرة الضيّقة.
هذه الفئة تعتقد أنّ الثورة - كما يقول ماركس - ( تنطلق فقط من الحركة الثورية العنيفة ومن الانتفاضة الجماهيرية )(١) .
هؤلاء لا يستطيعون أن يتصوّروا ثقافة أو مدرسة فكرية أو إيديولوجية ذات منطلق إلهي ودعوة شاملة عامة، تخاطبُ الإنسان، بل الفطرة الإنسانية في الحقيقة، وتتجه نحو العدل والمساواة والطُّهر
____________________
(١) ماركس وماركسيسم، ص٣٩.
والمعنوية والحبّ والإحسان ومقارعة الظلم، وقادرة في الوقت ذاته أن تُحدث هزّةً عظيمة وثورةً عميقة . ثورةً إلهية تنطوي على حماس إلهي، ونشاط معنوي، ودوافع ربّانية، وَقِيم إنسانية، ومثل هذه الثورة تحققت مراراً في تاريخ البشرية، وثورةُ الإسلام نموذج واضح لها.
هذه الفئة تعتقد أنّ الثقافة الملتزمة المسؤولة الإيجابية المكافحة ينبغي أن تنطلق بالضرورة من ثقافة الطبقة المحرومة المسحوقة، ولا تستطيع أن تتصور غيرَ ذلك.
أصحاب هذا اللون من التفكير خالوا أنّ الثقافة الجامِعة هي بالضرورة ثقافة محايدة متفرّجة، ولم يستطيعوا أن يفهموا أنّ الثقافة الجامعة لا يمكن على الإطلاق أن تكون محايدة غير مسؤولة، وغير ملتزمة، إن كان منطلقها إلهياً واتجاههُا في الدعوة إنسانياً، أي اتجاهٌ نحو الفطرة الإنسانية.
الشعور بالالتزام والمسؤولية لا ينتج عن الانتماء إلى الطبقة المحرومة، بل عن الانتماء إلى الله والى الوجدان الإنساني، وهذا هو العامل الأول لخطأ هؤلاء السادة في فهمهم لعلاقة الإسلام بالثورة.
الثاني: العامل الثاني لهذا الاتجاه المادي في فهم الإسلام، ينطلق من سوء فهم هؤلاء السادة لاتجاهات الإسلام الاجتماعية هؤلاء شاهدوا بوضوح أنّ التفسير القرآني لنهضات الأنبياء يتجه إلى تصوير مواقف الأنبياء الصلبة لصالح المستضعفين، كما أنّهم آمنوا من جهة أُخرى إيماناً تامّاً بالمبدأ الماركسي القائل بانطباق الاتجاه والمنطق، أو بعبارة أُخرى ( الانطباق بين القاعدة الاجتماعية والقاعدة العقائدية والعملية ) وخرجوا من كل ذلك بنتيجة على النحو التالي: لّما كان القرآن يصوّر اتجاه النهضات المقدّسة، التقدّمية بأنّه لصالح المستضعفين ومن أجل
تأمين حقوق هذه الطبقة وحرياتها فمنطلق جميع النهضات المقدسة التقدمية، في نظر القرآن إذن، الطبقة المحرومة المسحوقة المستضعفة، من هنا فإنّ النظرة القرآنية تذهب إلى أن هوية التاريخ مادية واقتصادية، وان الاقتصاد ( بناء تحتي ).
ممّا ذكرنا سابقاً، اتضح أنّ القرآن يؤكّد على نظرية الفطرة، وعلى منطق خاص يتحكّم بحياة الإنسان ينبغي أن نسمّيه منطق الفطرة، ويقابله المنطق النفعي الذي هو منطق الإنسان المنحطّ الحيواني، ومن هنا فالإسلام رفض مبدأ ( انطباق المنطلق والاتجاه ) أو ( انطباق القاعدة الاجتماعية والقاعدة العقائدية ) ويعتبره مبدأ غيرَ إنساني أي إنّه يتحقق في الأفراد الذين لم يبلغوا درجة الإنسانية، ولم ينالوا القسط اللازم من التعليم والتربية الإنسانية، والذين يدور منطقهم حول المنفعة، ولا يتحقق في الأفراد المتعلمين المتربّين المرتفعين إلى مستوى الإنسانية الذين منطقهم منطق الفطرة.
إضافةً إلى ذلك فإنّ من المجاز والتساهل القول بأنّ الإسلام يتجه في موقفه لصالح المستضعَفين الإسلام يتجه نحو العدالة والمساواة ومن الطبيعي أن يكون المنتفعون من هذا المجال هم المحرومين والمستضعفين، وأن يكون المتضررون هم المبتزّين والمستثمرين.
أي إنّ الإسلام حين يتجه إلى تأمين مصالح طبقة معيّنة، يستهدف تحقيق قيمة إنسانية وتثبيت مبدأ إنساني وهنا تتضح مرة أُخرى قيمة مبدأ الفطرة الذي يقرّره القرآن بوضوح، والذي ينبغي أن نعتبره أُمّ المعارف في إطار المعارف الإسلامية لقد قيل الكثير عن الفطرة، ولكن قَلَّ أن اهتمّ باحث بأعماقها وأبعادها الواسعة كثيراً ما نرى أفراداً يتحدثون عن مبدأ الفطرة وهم
غافلون عن أبعادِهِ الواسعة ؛ لذلك يتوصّلون في خاتمة أبحاثهم إلى نظريات معارضة لهذا المبدأ.
تفسير خاطئ لمنشأ الدين:
مثقفونا المبهورون بالمادية التاريخية، يقعون في خطأ آخر حين يتحدثون عن نشأة الدين ومنطَلَقِه لقد دارت بحوثنا السابقة عن منشأ الظواهر التاريخية في نظر الدين ( أي الإسلام طبعاً) ونبحث الآن عن الدين نفسه باعتباره ظاهرة اجتماعية تاريخية كان لها وجود على أي حال، منذ فجر التاريخ، ولا بدّ من توضيح منشأ هذه الظاهرة الاجتماعية واتجاهها.
ذكرنا - من قبل مراراً - أنّ المادية التاريخية الماركسية تؤمن بمبدأ التطابق بين المنطلق والاتجاه في جميع الظواهر الحضارية.
العرفاء والحكماء يؤمنون بمبدأ ( النهايات هي الرجوع إلى البدايات ) بشأن الحركة العامة لنظام الوجود . والماركسية تؤمن بشيء مثلِ هذا في مجال الشؤون الفكرية والفنيّة والفلسفية والدينية، وفي جميع الظواهر الحضارية الاجتماعية أي إنّها تذهب إلى أنّ كل فكرة تتجه باتجاه منشئها ومنطلقها، وليس ثمّة أفكار أو أديان أو ثقافات محايدة، خالية من الاتجاه، كما لا يمكن أن تكون ذات اتجاه يستهدف وضعاً اجتماعياً غيرَ الوضع الاجتماعي الذي انطلقت منه.
الماركسية تَرى أنّ لكلّ طبقة نوعاً معيّناً من الأفكار والأذواق، ومن هنا فإنّ المجتمع الطبقي يسوده نوعان من الآلام، ونوعان من الأفكار الفلسفية، ونوعان من النظم الأخلاقية، وشكلان من الفنون، وطريقتان من الشعر والآداب، ولونان من الأذواق والأحاسيس
والنظرات إلى الوجود، وأحياناً شكلان من العلم أي حينما يكون البناء التحتي وعلاقات الإنتاج على شكلين، تُصبح كل تلك الظواهر على شكلين ونظامين.
ماركس يستثني شخصياً من هذه الثنائيات في النُظُم شيئين هما:
الدين والحكومة، فهو يعتقد أنّ هاتين الظاهرتين من اختراع الطبقة المستغِلّة، ومن طريق الاستثمار التي تمارسها هذه الطبقة من هنا فمن الطبيعي أن يَكون اتجاه هاتين الظاهرتين ومواقفهما لصالح هذه الطبقة المستثمِرة والطبقة المستثمَرة لا يمكن أن تكون - بحكم مكانتها الاجتماعية - منطلقاً للدين، ولا منطَلقاً للدولة الدين والدولة مفروضان على الطبقة المستثَمرة من قِبل الطبقة المناهضة فليس هناك إذن شكلان من الدين، كما لا يوجد شكلان من الحكومة أيضاً.
بعض المثقفين المسلمين يدّعون - خلافاً لنظرية ماركس - وجود شكلين من الدين في المجتمع ويقولون:
كما أنّ المجتمع الطبقي يسوده نوعان من الأخلاق والآداب وسائر الظواهر الحضارية، وكل نوع له منطلق واتجاه يتناسب مع الطبقة التي ينتمي إليها، أحدها ينتمي إلى الطبقة الحاكمة والآخر إلى الطبقة المحكومة . كذلك الدين له في المجتمع دوماً شكلان: الأول الدين الحاكم الذي يمثّل دين الطبقة الحاكمة، والدين المحكوم الذي يمثّل دين الطبقة المحكومة.
ويقولون إنّ الدين الحاكم هو دين الشرك، والدين المحكوم هو دين التوحيد الدين الحاكم دين التمييز، والدين المحكوم دين المساواة الدين الحاكم دين التبرير للوضع القائم، والدين المحكوم دين الثورة على الوضع القائم الدين الحاكم دين الجمود والسكون والسكوت، والدين
المحكوم دين الانتفاض والتحرّك والاعتراض المذهب الحاكم أفيون الشعوب، والمذهب المحكوم طاقة محرّكة للشعوب.
ويقولون إنّ نظرية ماركس القائلة إنّ الدين يتّجه بشكل مطلق نحو تأمين مصالح الطبقة الحاكمة، ومعاداة الطبقة المحكومة، وإنّ الدين أفيون الشعوب، إنّما تصدق بشأن الدين الذي ينطلق من أوساط الطبقة الحاكمة، وهو الدين الذي كان حاكماً وسائداً بالفعل، ولا تصدق بشأن الدين المحكوم، أي دين الأنبياء الواقعيين الذين لم تسمح لهم الأنظمة الحاكمة أن يبرزوا ويعربوا عن وجودهم.
هؤلاء ( المثقفون ) رفضوا نظرية ماركس التي تعتبر الدين يتجه بشكل مطلق نحو مصالح الطبقة الحاكمة، وظنّوا بذلك أنّهم رفضوا نظرية ماركس، جاهلين أنّ أقوالهم - وإن عارضت آراء ماركس وأنجلز وماو وسائر روّاد الماركسيّة - تعتبر تفسيراً ماركسياً مادّياً للدين، وهو تفسير فظيع للغاية وهؤلاء لم يلتفتوا لذلك حتماً ؛ فهم افترضوا للدين - على أي حال - منطلقاً طبقياً، وتبنّوا مبدأ انطباق المنطلق والاتجاه بعبارة أُخرى: هؤلاء قَبِلوا مبدأ ماديّة الدين، ومادية كل ظاهرة حضارية، غاية الأمر أنّهم قبلوا وجود دين ينطلق من الطبقة المحرومة ويتجه نحو مصالحها، خلافاً لرأي ماركس والماركسيين.
إنّهم في الحقيقة توصّلوا إلى نتيجة جيّدة بشأن اتجاه المذهب المحكوم، لكنّهم أخطأوا في منطلق هذا المذهب حين اندفعوا إلى إضفاء الطابع المادي الطبقي على هذا المنطلق.
وما هي النتيجة التي يحصل عليها هؤلاء المثقفون المسلمون من كل هذا التحليل ؟.
النتيجة هي أنّ مذهب الشرك، والمذهب الحاكم المرتبط بالطبقة الحاكمة، هو المذهب التاريخي العيني الذي كان له دور في الحياة، إذ إنّ جبر التاريخ كان يساند الحاكمين، وكانت القوّة السياسية والاقتصادية في أيديهم، ومن الطبيعي أن يكون دينُ الحاكمين، الذي يبرّر وجودهم، قائماً مسيطراً أمّا مذهب التوحيد فلم يستطع أن يدخل المسرح الاجتماعي، ويحقّقَ له وجوداً خارجياً وعينياً، مذهبُ التوحيد لم ينهض بأيّ دور تاريخي في المجتمع، ولم يستطع أن ينهض بمثل هذا الدور ؛ لأنّ البناء الفوقي لا يستطيع أن يسبق البناء التحتي.
ومن هنا استنتج هؤلاء: أنّ نهضات الأنبياء التوحيديين نهضات محكومة فاشلة في التاريخ، وما كان بمقدورها أن تكون غير ذلك أنبياء دين التوحيد بشرّوا بدين المساواة، ولم يمضِ طويلاً حتى عاد مذهب الشرك يواصل حياته مستتراً بنقاب التوحيد، وتعاليم الأنبياء، وعاد يحرّف هذه التعاليم ليرتزق منها، ثم عاد أقوى ممّا سبق وأشدّ وطأة على الطبقة المحرومة.
واستنتجوا أنّ الأنبياء الحقيقيين عملوا في الواقع على منح الناس كسرة من الخبز، لكنّهم جلبوا الويلات للجماهير، وأضحوا ذريعة بيد الطبقة المعارضة، فشدّدت هذه الطبقة الخناق على المحرومين والكادحين، فما أراده الأنبياء من تعاليمهم لم يتحقق، وما تحققّ لم يريدوه، وبتعبير الفقهاء: ما قُصِد لم يقع، وما وَقَع لم يُقصَد.
الماديون والمعادون للدين يرددّون: أنّ الدينَ أفيونُ الشعوب، وعاملُ ركود وسكون، ومبررٌ للظلم والتمييز، وحامي الجهل، وساحر الجماهير . وكل هذه العبارات صحيحة في رأي هؤلاء المسلمين الماديين، غير أنّها تصدق فقط بشأن الدين الحاكم ودين الشرك ودين
التمييز المهيمن في كل عصور التاريخ، أمّا الدين الحقيقي، دينُ التوحيد، ودينُ المحكومين والمستضعَفين فكان دوماً مطروداً مِن مسرح الحياة والتاريخ.
واستنتج هؤلاء أيضاً: أنّ الدور الوحيد الذي نهض به الدين المحكوم هو الانتقاد والاعتراض تماماً، مثل دور الأقلية المعارضة داخل الحكومة التي تتمتّع بالأكثرية في البرلمان، فهذه الأقلّية - مهما كانت تقدّمية رائدة - لا تقوى على شيء سوى الاعتراض والانتقاد، بينما حزب الأكثرية لا يعير أهميّة لهذه الانتقادات، ويسير في إدارة المجتمع بالشكل الذي يرتأيه، ويستفيد أحياناً من اعتراضات الأقلّية لدعم مكانته فالنظام الحاكم قد يسقط تلقائياً على أثر ازدياد الضغط، غير أنّ اعتراضات الأقلّية تفتح عين النظام على ضرورة تقوية نفسه وتحصينها.
التفسير المذكور خاطئ تماماً، في تحليل ماهية دين الشرك، وفي تحليل ماهية دين التوحيد، وخاطئ في تصوير الدور الذي نهض به الدينان في التاريخ.
الدين كان موجوداً دوماً في التاريخ دون شك، دين التوحيد، أو دين الشرك، أو كلاهما، واختلف علماء الاجتماع في أسبقية دين التوحيد أو دين الشرك أغلب علماء الاجتماع ذهبوا إلى ظهور مذهب الشرك أوّلاً، ثم تكامَلَ هذا المذهب بالتدريج وبلغ درجة التوحيد وبعضهم ذهب إلى عكس ذلك والروايات الدينية، بل بعض الأُصول الدينية، تؤيّد الاتجاه الثاني.
أمّا بشأن منشأ دين الشرك، وهل إنّه ظهر على يد طغاة التاريخ لتبرير ظلمهم وجورهم ؟ أم ثمّة عوامل أُخرى لظهوره ؟ يذكر المحققون
عوامل أُخرى، ولا يمكن بهذه البساطة قبول فكرة أنّ الشرك وليدُ التمييز الاجتماعي.
وتحليل دين التوحيد على أنّه تبرير لمطاليب الطبقة المحرومة المعادية للتمييز والمساندة للأخوة والمساواة، هو الآخر بعيد عن الروح العلمية، ولا ينسجم - إضافة إلى ذلك - مع الأُسس الإسلامية إطلاقاً.
التفسير المذكور يُضفي على الأنبياء صفة ( الأبرياء الفاشلين ) فهم ( فاشلون ) ؛ لأنّهم انهزموا أمام الباطل، ولم يستطع دينُهم أن يتغلغل في المجتمع، ولا أن يحتلّ مكانة توازي على الأقل مكانة المذهب الحاكم الباطل، ولم ينهض بدور سوى الاعتراض على المذهب الحاكم وانتقاده.
والأنبياء ( أبرياء ) لأنّهم - خلافاً لادعاء الماديين - لم يقفوا إلى جانب - المستثمِرين والطامعين، ولم يكونوا عاملَ ركود وسكون واتجاههم لم يكن لصالح هذه الطبقة، بل بالعكس من ذلك، كانوا ينبثقون من المستضعَفين والمسحوقين، ويقفون إلى جانبهم، ويتحسّسون آلامهم، ويسعون على طريق الطبقة المستضعفة وكسب حقوقها المغتصبة.
وكما أنّ الأنبياء - في نظر أصحاب هذا الاتجاه - أبرياء في طبيعة دعوتهم ورسالتهم واتجاههم، كذلك هم أبرياء تماماً في فشلهم، أي إنّهم غير مسؤولين عن هذا الفشل ؛ إذ إنّ ( جبر التاريخ ) الناشئ عن الملكية الخاصة كان يساند أعداءهم.
ظهور الملكية الخاصة، في رأي هؤلاء، قَسّم المجتمع جبراً على قسمين: قسم مستضعَف وقسم مستضعِف، القسم المستضعِف المالك للإنتاج المادي، كان مالكاً بالضرورة للإنتاج المعنوي، ولا يمكن الوقوف بوجه جبر التاريخ الذي هو التعبير المادي للقضاء والقدر فهو قضاء
وقدر من لدن إله أرضي مادي إنّها القدرة الحاكمة التي تحمل اسم البناء التحتي الاقتصادي، ولولُبها الرئيس وسائلُ الإنتاج ؛ فالأنبياء غير مسؤولين لهذا عن فشلهم.
هذا الدفاع عن الأنبياء الحقيقيين ينطوي على إدانة للنظرة الإلهية إلى نظام الوجود التي تذهب إلى أنّ هذا النظام ( خير ) و ( حقّ ) وأنّ الخير غالب فيه على البشر.
الإلهيّون ينظرون إلى نظام الوجود بتفاؤل، ويدّعون أنّ نظام الوجود حقّ وحقيقة وخير، ويعتقدون أنّ ظواهر الشر والباطل والانحراف لها وجود عرضي وطفيلي ومؤقّت وغير أصيل فالحق هو محور نظام الوجود والنظام الاجتماعي البشري:
( أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرض ) (١) .
هذه النظرة تؤمن أيضاً بانتصار الحقّ على حَلَبة الصراع بين الحقّ والباطل:( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) (٢) .
وتذهب إلى أنّ يدَ الله مَعَ رُسُله:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) (٣) .
( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
____________________
(١) الرعد: ١٧.
(٢) الأنبياء: ١٨.
(٣) غافر: ٥١.
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (١) .
التفسير المذكور لمنشأ الدين يشكك في هذه الأُصول، ومع أنّه يرفع التهمة عن الأنبياء والرسل وسائر المصلحين في التاريخ، فهو يلقي التهمة على ربّ الأنبياء.
وهنا تبرز مشكلة، هي إنّ القرآن ينظر إلى مسيرة العالم بنوع من التفاؤل، ويؤكّد أنّ ( الحقّ ) هو محور الوجود ومحور الحياة الاجتماعية للبشر والحكمة الإلهية تذهب - اعتماداً على هذه الأُصول - إلى أنّ الخيرَ غالب على الشر، والحقَّ على الباطل، وترى أنّ وجود الشرّ والباطل عَرَضي وطفيلي ويفتقد الأصالة . هذا من جهة، ومن جهة أُخرى، نشاهد أنّ مطالعة أحداث التاريخ السابقة والحالية تبعث على نوع من التشاؤم بالنسبة لنظام الوجود ؛ وهذا ما يدفع إلى تقبل نظرية القائلين أنّ التاريخ مفعم بالفجائع والظلم والجور والاستثمار.
تُرى، كيف يمكن حلّ هذا التناقض ؟ هل نحن خاطئون في فهم نظام الوجود والنظام الاجتماعي ؟ أم خاطئون في فهم النظرة القرآنية للوجود ؟ أم ثمّة تناقض بين الواقع القائم والقرآن لا يمكن حلّه هذه الشبهة طرحناها في كتاب ( العدل الإلهي )، قدر ما يتعلّق الأمر بنظام الوجود وتوصلنا - بحول الله - إلى حلّها وما يتعلّق بمسيرة التاريخ والحياة الاجتماعية من هذه الشبهة، فسنعالجه في فصل قادم تحت عنوان ( صراع الحق والباطل ) وسنبيّن رأينا - بإذن الله - في هذه الشبهة وسنكون مسرورين لو أفادنا المعنيّون بآرائهم في هذه المسألة.
____________________
(١) الصافات: ١٧٢.
الموازين
من أجل فهم ( نظرة ) مدرسة معيّنة إلى ( هوية ) التاريخ نستطيع الاستفادة من مجموعة ( موازين ) لننطلق منها إلى تكوين فكرة دقيقة عن نظرة تلك المدرسة إلى الحركات التاريخية وماهية أحداث التاريخ.
نعرض هنا الموازين التي توصلنا إليها مؤكدين إمكان وجود موازين ظلّت خافية علينا.
قبل أن نطرح هذه الموازين، ونتبيّن من خلالها نظرة الإسلام لا بدّ من الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم صرّح - في رأينا - ببعض الأُصول التي تعطي للمؤسسات المعنوية في المجتمع ( أولوية ) على المؤسسات المادية.
أحد هذه الأُصول الصريحة تذكرها الآية الكريمة:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .
فمصير الأُمّة يرتبط بموجب هذه الآية بمحتواهم الداخلي، وبما يعتمِلُ في أنفسهم وهي بذلك ترفض بصراحة الجبر الاقتصادي في
____________________
(١) الرعد: ١١.
التاريخ مع ذلك نعرض ما توصّلنا إليه من معايير ؛ لنتبيّن المنطق الإسلامي على ضوئها:
١ - إستراتيجية الدعوة:
كلّ مدرسة فكرية صاحبة دعوة هادفة تعتمد على طريقة معيّنة في الدعوة، وهذه الطريقة ترتبط من طرف بالهدف الأساس للمدرسة الفكرية، ومن طرف آخر ترتبط بنوع نظرة تلك المدرسة لماهية الحركات والنهضات في التاريخ.
أسلوب الدعوة يعني طريقة توعية الأفراد، أو التركيز على مراكز الثقل الخاصة لدفع الناس نحو الحركة مدرسة ( أوغست كونت ) مثلاً تدّعي أنّها تنحو منحىً علمياً في هذا المجال، وتحصر جوهر تكامل الإنسان في ذهنه، وتعتقد أنّ الذهن الإنساني طوى المرحلة الأساطيرية والمرحلة الفلسفية وبلغ المرحلة العلمية ومن الضروري أن تركّز هذه المدرسة في توعيتها على ما تسميه العلم، وتعتمد على عتلة العلم في التحريك.
والماركسية التي تتبنّى نظرية ثورة الطبقة العاملة، تركّز في توعية الطبقة العاملة على تصعيد الصراع الطبقي، وتعتمد على إثارة عُقَد الحقد والشعور بالغبن والحرمان.
إلى جانب الاختلاف في أسلوب الدعوة بين المدارس الفكرية، ثمّة اختلافات أُخرى بين المدارس ترتبط أيضاً بنظرة تلك المدارس إلى الإنسان والتاريخ هذه الاختلافات تتمثل في أبعادِ تأثير الدعوة، وارتباطِ الدعوة بالقوّة وجوازِ ممارسة القوّة.
بعض المدارس - مثل المسيحية - تحصر الأخلاقية، في المواجهة السلمية مع الأفراد، وتعتبر ممارسة القوّة بأيّ شكل وفي أي زمان عملاً غير أخلاقي ؛ لهذا تؤكّد تعاليم المسيحية على الفرد المسيحي أن يديرَ خدّه الأيسر لِمَن صفعه على خدّه الأيمن، وأن يسلّم قبّعته لمَن سلبه رداءه وعلى الجانب الآخر من هذه المدارس تقف مدارس أُخرى مثل مدرسة ( نيتشه ) التي تحصر الأخلاقية في ممارسة القوّة ؛ لأنّ كمال الإنسان - في رأيها - يتمثّل في القدرة، والإنسان الأكمل هو الإنسان الأقوى ونيتشه يعتبر الأخلاق المسيحية رقّاً وضعفاً وذلّة، وعاملاً أساسياً على ركود البشرية.
بعض الاتجاهات ترى أنّ الأخلاق مرتبطة بالقوّة، لكنّها لا تعتبر كل قوّة أخلاقية، فالماركسية - مثلاً - ترى أنّ القوّة التي يمارسها المستثمِرون ضد المستثمَرين غير أخلاقية ؛ لأنّها تستهدف صيانة الوضع القائم وصدّ الحركة لكنّ القوّة التي يمارسها المستثمَرون أخلاقية ؛ لأنّها تتجه نحو تغيير المجتمع وتطويره.
بعبارة أُخرى: هناك مجموعتان متصارعتان في الصراع المستمّر المهيمن على المجتمعات، الأول ينهض بدور ( الأطروحة ) والآخر بدور ( الطباق ) القوّة التي تمارسها الأطروحة غير أخلاقية لرجعتها، والقوّة التي يمارسها الطباق أخلاقية لخصلتها الثورية التكاملية والقوة الأخلاقية في مرحلة معيّنة من مراحل التاريخ تواجه قوة أُخرى تناهضها في المرحلة التالية، وتُصبح عند ذلك رجعية ؛ لأنّها تصبح خصماً لقوة أخلاقية جديدة من هنا كانت الأخلاق نسبية، وما هو أخلاقي في مرحلة معيّنة يمسي ضدّ الأخلاق في مرحلة أعلى وأكمل.
الإسلام يرفض جميع الاتجاهات والنظريات السابقة، يرفض حصر
الأخلاقية في المواقف السلمية، ويُضفي على القوة والاقتدار أحياناً صفة أخلاقية ؛ ولهذا فالنهوض بوجه الظلم والطغيان في نظر الإسلام مقدّس وواجب شرعي والجهاد باعتباره حركة مسلّحة واجب في ظروف خاصة.
نظرية نيتشه بلا ريب نظرية تافهة معادية للإنسانية وللتكامل الإنساني.
النظرية الماركسية تقوم على أساس مفهومها عن تكامل التاريخ.
الإسلام يسمح لأتباعه أيضاً ممارسة القوّة بوجه المجموعات المعادية للتكامل، لكنّه - خلافاً للماركسية - يضع ممارسة القوة في المرحلة الثانية من المواجهة لا في المرحلة الأُولى أمّا المواجهة في المرحلة الأُولى فتقوم على أساس الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ممارسةُ القوة بوجه الجبهة المعادية للتكامل لا تكتسب صفة أخلاقية، إلاّ إذا انسدّت أبواب الإقناع الفكري ( الحكمة ) والإقناع الروحي ( الموعظة ).
من هنا اتجه جميع الأنبياء في دعوتهم أولاً إلى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وحينما تستوفي هذه الطريقة أغراضها، وتعجز عن مواصلة طريق الهداية ؛ تصبح ممارسة القوة والأعمال الجهادية - في نظر الأنبياء - أخلاقية هذا الموقف ينطلق من الاتجاه الروحي للنظرة الإسلامية هذه النظرة تؤمن أنّ للبرهان والاستدلال والموعظة قوة هائلة، أي كما أنّها تؤمن بقوة نقد السلاح - على حد تعبير ماركس - تؤمن أيضاً بقوة سلاح النقد، وتستثمر هذه القوة، في مجالها الخاص.
نظرة الإسلام الروحية إلى الإنسان، وبالتالي إلى المجتمع والتاريخ، نستطيع أن نفهمها من هذه المرحلية في الدعوة، مِنَ التركيز على الهداية
الفكرية والروحية في المرحلة الأُولى، ثم على ممارسة القوّة في مرحلة تالية ؛ إذ إنّ طريقة الدعوة ( الاكتفاء بالموعظة، أو الاكتفاء بالقوة، أو ممارسة الموعظة أولاً، ثم ممارسة القوة في المرحلة الثانية ) تبيّن نظرةَ المدرسة إلى حركة التاريخ ودورَ الكفاح في هذه الحركة.
نتناول الآن جانباً آخر من إستراتيجية الدعوة يرتبط بسبل التوعية الإسلامية، والمسائل التي تركّز عليها الدعوة في التوعية.
التوعية الإسلامية تقوم بالدرجة الأُولى على أساس التذكير بالمبدأ أو المعاد وهذه طريقة الإسلام وطريقة جميع الرسالات الإلهية التي يذكرها القرآن الأنبياء يحركّون ذهنَ الإنسان ليفكّرَ مِن أين جاء ؟ وإلى أين سيذهب ؟ وكيف بدأ الخلق ؟ وما هي المرحلة التي يطويها الآن ؟ والى أين يتجه العالم ؟.
أُولى المسائل التي تُثيرها دعوة الأنبياء في النفوس هي مسؤوليةُ الإنسان أمام الكون والوجود وإثارةُ المسؤولية الاجتماعية في نفس الإنسان جزء من إثارة مسؤوليته أمام الكون والوجود لقد ذكرنا من قبل أنّ السور المكّيّة خلال الأعوام الثلاثة عشر من دعوة الرسول الأعظم، ركزّت على التذكير بالمبدأ والمعاد(١) .
الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم بدأ يدعو الناس قائلاً: ( قُولوا لا إله إلاّ الله تُفلحوا )، أي إنّه دعى إلى نهضة عقائدية
____________________
(١) بعض المسلمين ( التقدميين ) المعاصرين أنكروا المعاد فيما كتبوه من تفسير لبعض سور القرآن، ورفضوا نزول أيّة آية في المعاد، وراحوا يفسّرون ( الدنيا ) في القرآن أنّها ( النظام الأسوأ في الحياة ) أي نظام الاستثمار والتمييز، و ( الآخرة ) أنّها ( النظام الأفضل ) أي النظام الذي يزول فيه الاستثمار والإجحاف والتمييز والملكية الخاصة وهذا المذهب في فهم القرآن يعني: أنّ كتاب الله العزيز رَفضَ النظرة الدينية قبل المدارس المادية الحديثة بألف عام !!!
وإلى تغيير فكري صحيح إنّ التوحيد يستوعب جميعَ التعاليم والأفكار الإسلامية، لكنّ الدعوة إلى التوحيد في بداية مراحل نبوّة الرسول لم تكن تستهدف أكثر من نبذ الشرك في المعتقدات والعبادات، وتوجيه الناس إلى التوحيد الفكري والعبادي، والناس في بداية الدعوة ما كانوا يستوعبون أكثر من هذه الأبعاد التوحيدية.
هذه التوعية التي تنفذ إلى أعماق فطرة البشر، تخلق في النفوس حميّة الدفاع عن العقيدة، واندفاعاً نحو نشرها، وبذلاً للغالي والنفيس على طريقها.
الأنبياء بدأوا ممّا أُطلق عليه في عصرنا اسم البناء الفوقي ؛ ليصلوا إلى البناء التحتي مدرسة الأنبياء نظرت إلى الإنسان أنّه موجود مرتبط بعقيدته ورسالته وإيمانه أكثر من ارتباطه بمصالحه أي إنّ الفكر والعقيدة في هذه المدرسة بناء تحتي، والعمل، أي ارتباط الإنسان بالطبيعة ومواهب الطبيعة والمجتمع، بناء فوقي.
الدعوة الدينية ينبغي أن تسلك طريق الأنبياء، أي أن يرافقها تذكير مستمر بالمبدأ والمعاد، الأنبياء دفعوا المجتمع نحو التحرّك بإيقاظ هذا الإحساس، وتفجير هذه المشاعر، ونفضِ الغبار عن هذا الوجدان، وبثّ هذه التوعية بالاستناد إلى رضا الله وأوامره وجزائه.
في القرآن وردَت كلمة رِضوان في ثلاثة عشرَ موضعاً، وهي نقطة التركيز المعنوي في الرسالات الإلهية من أجل دفع المجموعة المؤمنة وهذه التوعية يمكن أن نسمّيها توعية إلهية أو توعية كونية.
التوعية الإنسانية تحتل المرتبة الثانية في التعاليم الإسلامية، وهي تتجه إلى تحسيس الإنسان بكرامته وشرفه وعظمته، فالإنسان - في نظر المدرسة الإسلامية - ليس بالحيوان الذي يعود وجوده إلى فوزه على سائر
أقرانه من الحيوانات الأُخرى في معارك تنازع البقاء خلال مئات ملايين السنوات الماضية، بل إنّه موجود فيه نفخة من روح الله، وتسجد له الملائكة إلى جانب انطواء الكائن البشري على ميول حيوانية إلى الشهوة والشرّ والفساد فهو جوهر طاهر يتنافى بالذات مع كل الرذائل من: فساد وكذب وإراقة دماء وحقارة وخضوع للظلم والقوة إنّه مظهر من مظاهر عزّة ربّ العالمين:( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) .
قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( شَرَفُ المرء قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عَنِ الناس ).
وقول عليعليهالسلام لصحبه يوم صفين: ( الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين).
وقول الحسين بن عليعليهالسلام : ( إنّي لا أرى الموتَ إلاّ سعادة، والحياةَ مع الظالمين إلاّ بَرَما ).
وقوله: ( هَيهات مِنّا الذلّة ) . كل هذه الأقوال تركّز على الشعور بالكرامة، والشرف الذاتي الذي يحمله الإنسان بالفطرة.
في المرحلة الثالثة يركّز الإسلام على التوعية الاجتماعية، وعلى الحقوق والمسؤوليات الاجتماعية، ونجد في مواضع متعددة من القرآن، دفعاً للناس استناداً إلى الحقوق الفردية أو الاجتماعية المسلوبة.
( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) (٢) .
____________________
(١) المنافقون: ٨.
(٢) النساء: ٧٥.
وهذه الآية تركّز على توعيتين روحيتين لدفع الناس نحو الجهاد.
الأُولى: أنّ هذا السبيلَ سبيلُ الله.
والثانية: وجود أفراد مستضعفين راسفين في أغلال الظالمين.
ويقول تعالى:( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * |الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمور ) (١) .
وفي هذه الآية نرى الإذنَ بالجهاد والدفاع يستندُ إلى ما تعانيه المجموعةُ المؤمنةُ من ظلم واغتصاب حقوق لكنّها تشيرُ إزاء ذلك إلى هدف أسمى من الحقوق المغتصبة، وهو: صيانة دُور ِعبادةِ الله باعتبارها القلب المعنوي النابض للمجتمع من الهدم.
ويقول تعالى:
( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ ) (٢) .
وفي هذه الآية حثٌّ واضحٌ على النهوض واجتناب السكوت.
والقرآن يذمّ الشعراءَ، ويستثني منهم الشعراء المؤمنين وأهل الذكر
____________________
(١) الحج: ٣٩ - ٤١.
(٢) النساء: ١٤٨.
والأعمال الصالحة، والذين يدافعون عن أنفسهم بالشعر أمام مَن ظَلَمَهم بالشعر.
( . إِلاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) (١) .
الإسلام إذ يأبى على الإنسان المسلم أن يخضع للظلم، ويعتبر ذلك من أعظم الذنوب، ويكلّف الإنسان بنيلِ حقوقه، فإنّما يطرح أوامرَهُ ونواهيه هذه في إطار القيم الإنسانية.
القرآن لا يستند أبداً إلى العُقَد النفسية، والى تحريك الحَسَد والشهوة، لا يقول: إنّ الآخرين تمتّعوا وتنعّموا فلِمَ لا تكونون أنتم مكانهم ؟!
الإسلام لا يجيز للفرد، لو اغتُصبت أموالهُ أن يقعد ساكتاً بحجّة الترفّع عن الماديات ! وهكذا لا يجيز السكوت أمام الاعتداء على العرض من هنا كان ( المقتول دون أهله وماله ) شهيداً في المفهوم الإسلامي لكن حثّ الإسلام على الدفاع عن المال، ليسَ تأجيجاً للحرص والطمع، بل تحريكاً نحو الدفاع عن ( الحقّ ) باعتباره من القِيَم الإنسانية، وهكذا حثّه على الدفاع عن العرض ليس تضخيماً لشهوة الجنس، بل تشجيعاً على الدفاع عن أكبر نواميس المجتمع، وهو العفاف الذي كُلّف الرجل بصيانته.
٢ - هوية أتباع الرسالة:
كل مدرسة فكرية تضفي على أتباعها هوية خاصة فالنظرية
____________________
(١) الشعراء: ٢٢٧.
العنصرية - مثلاً - تشخّص أتباعها من خلال لونهم أو دمهم وحين يقول أحد أتباع هذه النظرية ( نحن ) فإنّما يقصد ذوي البشَرة البيضاء مثلاً والنظرية الماركسية تُضفي على أتباعها الصفة ( العمّالية )، وحين يقول أحد أتباعها ( نحن ) فإنّه يعني العمّال أو الكادحين والمسيحية تشخّص هوية معتنقيها بأنّهم أتباع السيد المسيح، باعتباره فرداً مشخّصاً دون الالتفات إلى خطّ السيد المسيح وإلى أهدافه.
وتتميّز الرسالة الإسلامية برفضها لكل الهويات العنصرية والطبقية والمهنية والمحلّية والإقليمية والفردية، لم تُضف هذه الرسالة على أتباعها اسم: العرب أو الساميين، أو الفقراء أو الأغنياء أو المستضعفين، أو البيض أو السود، أو الآسيويين، أو الشرقيين أو الغربيين، أو المحمديين أو القرآنيين أو أهل القبلة وأمثالها، كل هذه العناوين لا تشخّص هوية كلمة ( نحن ) بين أتباع هذه الرسالة.
هوية هذه الرسالة وهوية أتباعها تنفي كل تلك الهويات والعناوين المذكورة، وتبقى هوية واحدة تمثّلها ( العلاقة ) بين الإنسان والله، أي الإسلام والتسليم لله تعالى وحده.
الأُمّة الإسلامية هي الأُمّة التي أسلَمت وجههَا لله، واستسلمَت للحقيقة، واستسلمت للوحي الذي أشرق مِن أُفق الحقيقة على قلب أشرف أبناء البشر من أجل هداية الإنسانية.
الإسلام، أو التسليم للحقيقة، هو الذي يوحّد بين أبناء هذا الدين، وهو الطابع الذي يميّز أتباعه ويجمع الأفراد تحت لوائه.
الهوية التي تشخّص بها المدرسةُ أتباعها، معيارٌ جيّد لفهم أهداف تلك المدرسة ونظرتها إلى الإنسان والمجتمع و التاريخ.
٣ - الدوافع والموانع
ذكرنا من قبل أنّ المدارس الفكرية تختلف في نظرتها إلى العوامل المحرّكة في التاريخ.
بعضها يعتقد أنّ العامل المحرّك يتمثّل في الضغوط التي تتعرّض لها طبقة من قِبَل طبقة أُخرى، وفي الرجعية الذاتية لطبقة والتقدمية الذاتية لطبقة أُخرى، وبعضُها يرى أنّ هذا العامل يتمثّل في الفطرة السليمة التوّاقة للكمال والتطوّر البشري وبعضُها يتبنّى عوامل أُخرى لحركة التاريخ.
العامل الذي تتبنّاه المدرسة الفكرية في حركة التاريخ، يفرز مفاهيمَ معيّنة عن دوافع هذه الحركة، وعن الموانع التي تقف بوجهها.
المدرسة التي تتبنّى الضغوط الطبقية باعتبارها العامل المحرّك للتاريخ، تسعى إلى خلق هذه الضغوط في المجتمع الذي قد ينعدم فيه الاضطهاد الطبقي، من أجل إنقاذ المجتمع من الركود والسكون ودفعه نحو الحركة.
يقول ماركس في بعض مؤلّفاته: ( من أجل أن توجد طبقة من الأحرار ؛ لا بدّ أن توجد إلى جانبها طبقة من العبيد ).
ثم يقول: ( كيف يمكن إذن تحرير الشعب الألماني ؟ جوابنا هو أنّه لا بدّ من تشكيل طبقة مكبّلة بالقيود تماماً )(١) .
____________________
(١) ماركس وماركسيسم، ص ٣٥ ( النص والحاشية ) من هنا نفهم أنّ الماركسية تناقض نفسها حين تقول: ( إنّ القوّة التي تمارسها الطبقة المسحوقة هي وحدها أخلاقية ؛ لأنّها تتّجه على مسيرة التكامل وتلعب دوراً في التطوّر أمّا القوّة التي تمارسها الطبقة المسيطرة فهو غير أخلاقية ؛ لأنّها تصدّ الحركة ).
مثل هذه المدرسة تنظر إلى ( الإصلاحات ) على أنّها موانع في طريق الحركة التكاملية لأنّها تقلّل من الضغوط التي تعانيها الطبقة المسحوقة، والتقليل من الضغط يؤدّي إلى تأخير الانفجار والثورة إن لم يصدَّها أمّا المدرسة المؤمنة بالحركة الفطرية الذاتية للمجتمع فلا تُفتي إطلاقاً بضرورة تشكيل طبقة مكبّلة بالقيود ؛ لأنّها ترفض أن تكون الضغوط شرطاً لازماً للتكامل، كما أنّها ترفض أن تكون الإصلاحات التدريجية مانعاً أمام الحركة التطوّرية.
الموانع والدوافع التي حدّدها الإسلام على هذا الصعيد تدور حول الفطرة دوافعُ الحركة في نظر القرآن تارة تكون التقوى، أي البقاء على النقاء الفطري الأصيل( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) (١) ، وتارةً تكون الإحساس بالمسؤولية أمام نظام الكون( يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) ،( وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ) . وأحياناً تكون حيوية الفطرة:( لتنذر مَن كان حيّاً ) (٢) .
مقابل ذلك، حدّد الموانع في الفساد الروحي والأخلاقي، وإثم القلب(٣) ، ورين القلب(٤) ، وانسداد القلب(٥) ، وعمى القلوب(٦) ،
____________________
=
فالماركسية في الواقع تعتقد أنّ الاضطهاد، الذي تمارسه الطبقة المسيطرة، له في التكامل دورٌ لا يقل عن دور رَدّ الفعل الذي تُبديه الطبقة المسحوقة فكِلا العملين أخلاقيان مؤثّران في دفع مسيرة التكامل في نظر الماركسية، مع فارق بينهما في الاتجاه، أحدهما منشدّ بالماضي، والآخر بالمستقبل، ومن البديهي أنّ الانشداد الذهني بالماضي لا المستقبل لا يمكن أن يكون معياراً للأخلاقية ؛ لأنّ الاستناد إلى النوايا الذهنية نوعٌ من المثالية في نظر الماركسية.
(١) البقرة: ٢.
(٢) راجع الآيات: طه: ٣، الأنبياء: ٤٩، فاطر: ١٨، يس ١١.
(٣) البقرة: ٢٨٣
(٤) المطففين: ١٤.
(٥) البقرة: ٧.
(٦) الحجّ: ٤٦.
ووقر الآذان(١) ، وقدسية النفس(٢) والاقتداء بآثار الآباء(٣) ، وإطاعة الكبراء والسادة(٤) واتباع الظن(٥) وأمثالها.
الإسراف والترف والنعيم يذكُرها القرآن على أنها من الموانع لأنّها تضخّم الخصال الحيوانية وتحّول الإنسان إلى بهيمة، أو سبُع ضارٍ، وهي لذلك تصدّ حركة الإنسان على طريق الخير والصلاح والتكامل.
المفاهيمُ الإسلامية تذهب إلى أنّ الشبّان أكثر تقبلاً للدعوة من المسنين لأن الشبان أبعد عن تلوّث الفطرة من المسنين، بسبب قلة أعمارهم وهكذا الفقراء أكثر استعداداً لتقبّل الدعوة من الأغنياء، لأن الفقراء بعيدون عن الثروة والرفاه.
الدوافع والموانع التي يعرضها القرآن تشير إلى أن العامل المحرك للتاريخ - في رأي الإسلام - روحيّ اكثر من أن يكون اقتصادياً مادياً.
٤ - تقدم المجتمعات وانحطاطها:
لكلّ مدرسة إجتماعية نظرتها الخاصة إلى أسباب تقدم المجتمعات وانحطاطها وزوالها وهذه الأسباب توضّح من جانب آخر نظرة تلك المدرسة إلى المجتمع والتاريخ والى مسيرة التكامل والهبوط.
القرآن الكريم يشير إلى هذه المسائل في عَرضِه لقصص الأمم
____________________
(١) فصلت: ٤٤.
(٢) ضد تزكيتها: الشمس ١٠.
(٣) الزخرف: ٣٣.
(٤) الأحزاب: ٦٧.
(٥) الأنعام: ١١٦.
والشعوب ولنلق نظرة على القرآن لِنرى العوامل التي يركزّ عليها في هذا المجال، أهي مادية اقتصادية، أم عقائدية أخلاقية ؟ أم إنّه يركز على الإثنين معاً.
عوامل تقدّم المجتمعات وانحطاطها يحدّدها القرآن في أربعة ظواهر نشير إليها باختصار.
ألف - العدل والظلم:
وهذا العامل تكرّر ذكره في القرآن الكريم، وعلى سبيل المثال يقول تعالى:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ، يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (١) .
الآية الكريمة تذكر علوَّ فرعون في الأرض، والقاء التفرقة والتمييز بين الناس تحت عناوين مختلفة، واستضعاف طائفة منهم، وإذلال هذه الطائفة عن طريق ذبح الأبناء واستحياء النساء هذا الظلم يؤدّي إلى فساد المجتمع وانهدامه، ولذلك وَصَفَ القرآن فرعون:( إنّه كانَ مِنَ المُفسدين ) .
ب - الاتحاد والتفرقة: يقول تعالى:
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ
____________________
(١) القصص: ٢.
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١) .
وبعدها بآية يقول:
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .
وقريب من معنى الآية الأخيرة يقول تعالى:
( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) (٣) .
ويقول أيضاً:
( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (٤) .
ج - الالتزام أو عدم الالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عَن المنكر:
القرآن تحدّث كثيراً عن ضرورة الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعض الآيات تشير بصراحةٍ إلى أنّ عدم الالتزام بهذا المبدأ يؤدّي إلى هدم كيان الأُمّة، يقول تعالى:
( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (٥) .
وفي المأثور روايات مستفيضة عن الدورِ الإيجابي والسلبي للأمر
____________________
(١) آل عمران: ١٠٣.
(٢) آل عمران: ١٠٥.
(٣) الأنعام: ٦٥.
(٤) الأنفال: ٤٦.
(٥) المائدة: ٨٢.
بالمعروف والنهي عن المنكر، لا مجال لنقلها.
د - الفسق والفجور وفساد الأخلاق:
وفي هذا المجال وردت آيات كثيرة أيضاً، بعضها يعتبر ( التَرَفَ ) و( المترفين )(١) سبَبَ الهلاك وبعضها الآخر يركّز على ( الظلم ) بما في ذلك ظلم الإنسان لنفسه وظلم الأُمّة لنفسها.
وكل انحراف عن المسيرة الإنسانية الصحيحة ظلم في المفهوم القرآني ؛ فالظلم له مفهوم عام يشمل ظلمَ الآخرين، وهذا ما أشرنا إليه من قبل، وشمل أيضاً كلَّ أنواع الفسق والفجور، والانحراف الأخلاقي والمعنى الثاني للظلم تكرّر أكثر في القرآن الكريم.
كثيراً ما يشير القرآن إلى أنّ الظلم بمعناه العام يؤدّي إلى هلاك الأُمّة ولا يَسعُنا في هذا الاستعراض الموجز نقل تلك الآيات.
من كلّ هذه المعايير نستطيع أن نستنتج رأي القرآن في أُسس المجتمع والتاريخ.
والقرآن يركّز على بعض ما يسمّونه بالأبنية الفوقية للمجتمع، ويعتبرها قادرةً على النهوض بالدور الحاسم الموجّه.
____________________
(١) راجع الآيات: هود: ١١٦، الأنبياء: ١٣، المؤمنون: ٣٣، ٦٤.
تطوّر التاريخ
المسألة التي تحدّثنا عنها في الفصول السابقة دارت حول ماهية التاريخ ونتحدّث الآن عن مسألة تطوّر التاريخ، باعتبارها المسألة الثانية من المسائل الهامّة في حقل الدراسات التاريخية.
نعلم أنّ الإنسان ليس بالموجود الاجتماعي الوحيد، فبعض الأحياء الأُخرى، تعيش حياة اجتماعية بدرجة وأُخرى لها وجود اجتماعي، وتسود حياتها مظاهر التعاون وتقسيم الواجبات والمسؤوليات، في إطار مجموعة من القواعد والقوانين والنظم.
النحل - كما نعلم جميعاً - أحد هذه الأحياء لكن هناك اختلافاً رئيسياً بين الوجود الاجتماعي للإنسان، والوجود الاجتماعي لهذه الأحياء، هو أنّ الحياة الاجتماعية لتلك الأحياء ثابتة ذات شكل واحد، وليس هناك أي تغيّر وتطوّر في نظام حياتها أو في مدنيّتها على حدّ تعبير موريس مترلينك، إن صحّ تعبيره.
أمّا الحياة الاجتماعية للإنسان فمتغيّرة متطوّرة، بل ذات تعجيل، أي إنّ سرعة تغيّرها تزداد بالتدريج ؛ لهذا ينقسم تاريخ الحياة الاجتماعية للإنسان إلى مراحل مختلفة مع بعضها في مختلف المجالات.
في مجال طرق المعيشة نرى: مرحلة الصيد، والمرحلة الزراعيّة، والمرحلة الصناعية وفي مجال النظام الاقتصادي نرى: مرحلة النظام الاشتراكي ومرحلة نظام الرق، ومرحلة الإقطاع، والمرحلة الرأسمالية وعلى صعيد النظام السياسي نشاهد: مرحلة نشوء الدويلات، ومرحلة الاستبداد، ومرحلة الارستقراطية ومرحلة الديمقراطية وعلى الصعيد الجنسي: نرى انقسام التاريخ إلى مرحلة سلطة المرأة ومرحلة سلطة الرجل . وهكذا في سائر المجالات.
وهنا يطرح فلاسفة التاريخ عادة سؤالاً حول حقيقة تطوّر التاريخ وتكامله هل التغييرات التي شهدها تاريخ الحياة الاجتماعية للبشر تتّجه نحو التطوّر والتكامل ؟ وما هو معيار التكامل في هذا المجال ؟
بعضهم شكّك في تكامل مسيرة البشرية(١) ، وبعض آخر اعتقد أنّ حركة التاريخ دوريّة، تبدأ من نقطة ثم تعود إليها بعد أن تطوي عدّة مراحل، فالتاريخ يعيد نفسه، وعلى سبيل المثال، حينما يقوم نظام قبلي قاسٍ على يد أفراد يتميّزون بطابع البداوة، فإنّ هذا النظام يؤدّي بطبيعته إلى قيام نظام أرستقراطي والنظام الارستقراطي بما فيه من احتكار للسلطة يؤدّي إلى ثورة شعبيّة واستتباب حكم ديمقراطي الفوضى والإفراط في ممارسة الحريات الممنوحة في النظام الديمقراطي ؛ يجرّان إلى عودة الاستبداد والقسوة وعودة الروح القَبَليّة.
لسنا هنا في صدد مناقشة هذه المسألة، فنتركها إلى فرصة أُخرى، ونبني بحثنا على قبول التطوّر في مسيرة التاريخ العامة.
____________________
(١) راجع: ما هو التاريخ، ام، اج، كار ودروس التاريخ، ويل ديورانت ولذائذ الفلسفة، ديورانت.
من المؤكّد أنّ كل الذين يؤمنون بالحركة التطوّرية لمسيرة التاريخ، يعترفون بأنّ واقع المجتمعات ليس دائماً أفضل من ماضيها، ويعلمون أنّ مسيرة المجتمعات لا تتجه نحو التطوّر باستمرار دون تقهقر أو توقّف، فالركود والانحطاط والتقهقر، وهبوط منحنى التطور وتأرجحه، بل حتى السقوط والانهيار ظواهر تعتري المجتمعات دون شك المقصود هنا هو أنّ المجتمعات البشرية تتجه في مسيرتها بمجموعها نحو التطور.
كتب فلسفة التاريخ تطرح عدّة نظريات حول عوامل التطور الاجتماعي، ولو أمعنّا النظر في هذه النظريات لألفيناها لا ترتبط غالباً بموضوع عوامل التطوّر، ولرأيناها بعيدة عن المسألة الأساسية التي ينبغي أن تعالجها.
نستعرض هذه النظريات كما طرحتها كتب فلسفة التاريخ ؛ لنبيّن بعد ذلك أخطاءها وبُعدَها عن معالجة الموضوع:
١ - النظرية العنصرية:
وهذه النظرية تذهب إلى أنّ بعض السلالات البشرية لها قابلية صنع الحضارات والثقافات، وبعضها الآخر يفتقد إلى هذه القابلية، وبعضها ينتج العلوم والفلسفة والصناعات والفنون والأخلاق، وبعضها الآخر يستهلك هذه المنتجات.
أصحاب هذه النظرية يستنتجون ضرورة تقسيم العمل بين السلالات، فالسلالات الكفوءة تتولّى مسؤوليات السياسة والتعليم ونشر الثقافة والحضارة والفنون والصناعات، أمّا السلالات الأُخرى فمعافة من هذه الأعمال، وتنهض بدلاً من ذلك بالأعمال الجسمية الشاقّة شبه الحيوانية التي لا تتطلب فكراً وذوقاً أرسطو كان يتبنّى هذه النظرية ،
ومن هنا كان يؤمن بحقّ الرقّيّة والاسترقاق.
اعتقد بعض بأنّ العامل الدافع لحركة التاريخ، هو الأجناس الخاصة: فالجنس الشمالي متفوّق على الجنس الجنوبي، وذلك الجنس هو الذي دفع عجلة الحضارة، الكونت غوبينو، الفيلسوف الفرنسي - الذي شغل منصب السكرتير الأوّل في السفارة الفرنسية لدى طهران قبل قرن - من أصحاب هذه النظرية.
٢ - النظرية الجغرافية:
البيئة الطبيعية - بموجب هذه النظرية - هي صانعة الحضارات والمدنيات والصناعات في المناطق المعتدلة ينشأ المزاج المعتدل والأدمغة المقتدرة أبو علي بن سنينا يشرح في بداية كتابه ( القانون ) بالتفصيل تأثير البيئة الطبيعية على الشخصية الفكرية والذوقية والعاطفية للإنسان.
وهذه نظرية لا تقوم طبعاً على أساس العنصر أو الدم، ولا تعتقد أنّ سلالة بشرية معيّنة تتميّز بالكفاءة الذاتية أينما عاشت، بل تؤمن أنّ اختلاف الأجناس البشرية يعود إلى اختلاف البيئة الطبيعية، ومع تنقّل السلالات البشرية في البيئات الجغرافية المختلفة تنتقل الكفاءات أيضاً بين الأجناس البشرية بالتدريج فالمناطق الجغرافية في الحقيقة هي الخلاّقة والمطوّرة، استناداً إلى هذه النظرية.
مونتسكيو عالم الاجتماع الفرنسي في القرن السابع عشر دافع عن هذه النظرية في كتابه ( روح القوانين ).
٣ - نظرية الأبطال:
هذه النظرية تؤمن أنّ النوابغ هم الذين يصنعون التاريخ، أي
يخلقون التغيّرات والتطوّرات التاريخية، سواء العلمية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفنيّة أو الأخلاقية جميع الأحياء - عدا الإنسان - تتميّز بالمساواة التامة بين أفرادها في الكفاءات الطبيعية، وإن كان هناك اختلاف بينها فهو اختلاف طفيف غير ملحوظ، أمّا أبناء البشر فبينهم اختلاف شاسع في الكفاءات النوابغ هم الأفراد الاستثنائيون في كل مجتمع، ويتمتّعون بقدرة عقلية أو ذوقية أو إرادية وابتكارية خارقة، ويدفعون مجتمعاتهم متى ما ظهروا، نحو التطوّر العلمي والفني، أو الأخلاقي أو السياسي، أو العسكري استناداً إلى هذه النظرية، أكثر أفراد البشر يفتقدون روح الابتكار، وهم تابعون، ومستهلكون لأفكار الآخرين ومنتجاتهم، والنوابغ موجودون دوماً بدرجة وأُخرى في المجتمعات، وهم الرّواد المبدعون المبتكرون الذين يدفعون عجلة التاريخ، ويقودون مجتمعهم نحو مرحلة جديدة.
الكسيس كاريل في كتابه المعروف ( الأبطال ) تبنّى هذه النظرية مبتدئاً من الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم كارليل يذهب أنّ تاريخ كل أُمّة من الأُمم مظهر لشخصية واحدة أو عدّة شخصيات وبعبارة أصح، تاريخ كل أُمّة من الأُمم مظهر لنبوغ بطل واحد أو عدّة أبطال فتاريخ الإسلام مظهر لشخصية الرسول الأعظم، وتاريخ فرنسا الحديث مظهر لشخصية نابليون وعدد آخر من الشخصيات، وتاريخ روسيا السوفيتية مظهر لشخصية لينين.
٤ - النظرية الاقتصادية:
هذه النظرية تركّز على الاقتصاد، باعتباره العامل المحرّك للتاريخ، وتذهب إلى أنّ جميع الشؤون الاجتماعية والتاريخية لأُمّة من الأُمم بما في
ذلك الشؤون الثقافية والدينية والسياسية والعسكرية والاجتماعية، هي مظهر لطريقة الإنتاج والعلاقات الإنتاجية في ذلك المجتمع.
تطوّر المؤسسة الاقتصادية للمجتمع هو الذي يغيّر المجتمع تغييراً جذرياً، والنوابغ المذكورون في النظرية السابقة ما هم إلاّ مظاهر للاحتياجات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وهذه الاحتياجات بدورها معلولة للتغيير في وسائل الإنتاج.
كارل ماركس، والماركسيون عامة وغير الماركسيين أحياناً يتبنّون هذه النظرية وهي أكثر النظريات شيوعاً على هذا الصعيد في عصرنا الراهن.
٥ - النظرية الإلهيّة:
هذه النظرية تُرجع كل ما يظهر على سطح الأرض إلى الأوامر الإلهية المسيّرة للأرض وفق حكمة بالغة وتطوّرات التاريخ مظهر للمشيئة الإلهية وحكمته البالغة فإرادة الله هي التي تغيّر التاريخ، والتاريخ مسرح لتحقيق الإرادة الإلهية المقدّسة.
بوسويه الأسقف المؤرّخ، ومعلّم لويس الخامس عشر من المنادين بهذه النظرية.
هذه هي النظريات التي تطرحها عادة كتب فلسفة التاريخ باعتبارها العوامل المحرّكة للتاريخ عرض هذه النظريات بهذا الشكل غير صحيح - كما ذكرنا - لبعدها غالباً عن الموضوع الذي ينبغي أن تعالجه.
نظرية العنصر ترتبط بعلم الاجتماع، ويمكن طرحها في مجال دراسة مدى تساوي السلالات البشرية في الكفاءة من الناحية الوراثية ،
فإذا كانت متساوية، فهي مشتركة مع بعضها بنسبة واحدة في حركة التاريخ، أو إنّها على الأقل تستطيع أن تكون مشتركة في ذلك وإن لم تكن السلالات البشرية متساوية فإنّ بعض السلالات فقط هي التي تدفع عجلة التاريخ وتقدر أن تقوم بذلك من هنا لا ترتبط هذه المسألة بفلسفة التاريخ.
النظرية الجغرافية كذلك لها عطاؤها الخاص في حقل علم الاجتماع، إذ توضّح مدى تأثير البيئة على النمو الفكري والعقلي والذوقي والجسمي لأفراد البشر كما أنّ هذه النظرية تذهب إلى أنّ عجلة التاريخ تتحرّك في أقاليم معيّنة، وتتوقّف عن الحركة في أقاليم ؛ حيث يسكنها أفراد لا يكاد تاريخ حياتهم يتجاوز تاريخ الحيوان لثباته وسكونه يبقى السؤال الأساس باقياً، لماذا لم تطوِ الحيوانات الاجتماعية، مثل النحل، حركة تاريخية في تلك الأقاليم التي يتحرك فيها التاريخ ؟ ما هو العامل الذي أدّى إلى بقاء النحل ثابتاً في حياته، بينما دفع الإنسان إلى أن يطوي مراحله التاريخية؟
أكثر هذه النظريات بُعداً عن معالجة الموضوع الأساسي، النظرية الإلهية، ترى هل التاريخ وحده يمثّل مظهر المشيئة الإلهية ؟ ! كلا طبعاً، مسيرة العالم كلها بأسبابها وعللها ودوافعها وموانعها مظهر للمشيئة الإلهية، بما في ذلك حياة الإنسان المتطورة المتغيرة، وحياة النحل الثابتة الساكنة والحديث ينبغي أن يدور حول النظام الذي اقتضت المشيئة الإلهية أن تخلق الإنسان وفقه، والسرّ الذي أودعته المشيئة في هذا الموجود فصيّرت منه كائناً متطوّراً متغيّراً، بينما تفتقد سائر الأحياء هذا السرّ.
النظرية الاقتصادية تفتقد أيضاً الجانب الفنّي المبدئي في معالجة
القضية، هذه النظرية تدور حول محور هوية التاريخ، وتعتقد أنّها مادية اقتصادية، وترى أنّ كل شؤون الحياة بمثابة أعراض لهذا الجوهر التاريخي وتذهب إلى أنّ كل شؤون المجتمع تتغيّر لزاماً إذا تغيّر الأساس الاقتصادي للمجتمع غير أنّ كلمة ( إذا ) تجعل السؤال باقياً دونما جواب تُرى ما هو العامل الذي يؤدّي إلى تغيّر القاعدة والبناء التحتي ؛ لتتغير تبعاً لذلك كل الأبنية الفوقية ؟ بعبارة أُخرى: حين يكون الاقتصاد بناءاً تحتياً، فإنّه لا يكفي لأن يكون متحرّكاً ومحرّكاً.
نعم لو طرح أتباع المادية التاريخية نظريتهم بشكل آخر، وقالوا إنّ البناء التحتي للمجتمع هو المحرّك للتاريخ نتيجة التناقض بين البناء التحتي والبناء الفوقي، أو بين جانبي البناء التحتي ( وسائل الإنتاج والعلاقات الإنتاجية ) ؛ لكان لهذه النظرية علاقة بمسألة عوامل حركة التاريخ.
أغلب الظن أنّ القائلين بأنّ الاقتصاد محرّك التاريخ، يقصدون أنّ العامل الأساس في كل حركة هو التضاد الداخلي، وأنّ التضاد بين وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج هو المحرّك للتاريخ نظرية الأبطال، سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة، ذات علاقة مباشرة بفلسفة التاريخ، أي بالعامل المحرّك للتاريخ وتذهب إلى أنّ الأبطال هم الذين يصنعون التاريخ، أي إنّها تذهب في الحقيقة إلى أنّ الأكثرية الساحقة من أفراد المجتمع تفتقد قدرة الابتكار والتطوير والقيادة ولو كان كل أفراد المجتمع يفتقدون ذلك ؛ لما حدث أي تغيير في المجتمع لكنّ الأقليّة الموهوبة - التي تظهر في المجتمع - تبتكر وتخطّط وتقرّر وتقاوم بشدّة وتقود المجتمع وراءها ؛ وبذلك تحدث تغييراً في المجتمع وتذهب هذه النظرية إلى أنّ شخصية هذا البطل وليدة عوامل
طبيعية وراثية استثنائية وليس للظروف الاجتماعية والاحتياجات المادية للمجتمع دور في خلق هذه الشخصيات.
إلى هنا توصّلنا إلى نظريتين من نظريات عوامل حركة التاريخ.
الأُولى: نظرية التضاد بين البناء التحتي والبناء الفوقي للمجتمع، وهذا هو التعبير الصحيح للنظرية الاقتصادية في مجال حركة التاريخ.
والثانية: نظرية الأبطال:
وثمّة نظرية ثالثة هي نظرية الفطرة: الإنسان يتمتّع بخصال تجعل خصائص حياته الاجتماعية متكاملة إحدى تلك الخصال: قدرته على استيعاب التجارب وحفظها فما يحصل عليه الإنسان من تجاربه، يحفظه ويستثمره في التجارب التالية.
إحدى الخصال الأُخرى: قدرته على التعلّم عن طريق البيان والقلم فهو يكتسب تجارب الآخرين عن طريق اللغة مشافهة، ويكتسبها على مرحلة أعلى كتبيّاً وعن هذين الطريقين تنتقل التجارب الإنسانية من جيل إلى جيل من هنا ركز القرآن الكريم على نعمة البيان والقلم ؛ إذ قال:
( الرحمن * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) (١) . وقال:( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكرم * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) (٢) .
الخصلة الثالثة: تزوّدُ الإنسان بقوّة العقل والابتكار وهذه القوّة
____________________
(١) الرحمن: ١ - ٤.
(٢) العلق: ١ - ٤.
الغريبة تمنح الإنسان قدرة الإبداع والابتكار التي هي مظهر للإبداع الإلهي.
الخصلة الرابعة: ميل الإنسان الذاتي ورغبته الفطرية في الإبداع، أي إنّ الإنسان لا ينطوي على قدرة الإبداع فحسب، بل فيه اندفاع ذاتي نحو الإبداع والخلاّقية.
هذه الخصال هي التي تدفع الإنسان نحو التقدّم، بينما تفتقد الحيوانات قوّة حفظ التجارب ونقل المكتسبات(١) ، وقوّة الابتكار والإبداع والميل الذاتي نحو الإبداع من هنا كانت حياة الحيوان ساكنة وحياة الإنسان متطوّرة باستمرار ولنبدأ بنقد هذه النظريات:
دورُ الشخصيةِ في التاريخ:
ادعى بعضهم أنّ ( التاريخ حرب بين النبوغ والمستوى الاعتيادي ): أي إنّ الأفراد العاديين يساندون دوما الأوضاع التي اعتادوا عليها، والنوابغ يستهدفون دوماً تبديل الوضع القائم بوضع أفضل.
كارليل يدّعي أن التاريخ ينطلق من النوابغ والأبطال وهذه النظرية تقوم في الحقيقة على افتراضين:
الأوّل: أنّ المجتمع يفتقد الطبيعة المتميّزة والشخصية الخاصة ،
____________________
(١) بعض الحيوانات لها القدرة على نقل المكتسبات الاعتيادية، لا التجارب العلمية، كما يقال بشأن النمل مثلاً، ولعلّ في القرآن الكريم إشارة إلى ذلك في الآية الكريمة:
( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (النمل، ١٨).
وأنّ تركيب المجتمع من الأفراد ليس بتركيب حقيقي، والأفراد مستقلّون عن بعضهم، وليس هناك روح جماعية مركّبة من تفاعل الأفراد مع بعضهم وذات شخصية وطبيعة وقوانين خاصة، وأنّ علاقات الأفراد مع بعضهم تشبه في استقلالها علاقات الأشجار في غابة واحدة.
والحوداث الاجتماعية ليست سوى مجموعة أحداث جزئية وفردية ؛ من هنا فالصدف الناتجة عن العلل الجزئية هي التي تتحكّم في المجتمع، لا العلل الكليّة العامة.
الثاني: أنّ أفراد البشر مخلوقون بشكل متفاوت تفاوتاً شديداً مع أنّ أفراد البشر جميعاً موجودات مفكّرة، أو بتعبير الفلاسفة حيوانات ناطقة، فأكثريّتهم الساحقة - مع ذلك - تفتقد قدرة الخلاّقية والابتكار، وتستهلك الحضارة والمدنية ولا تنتجها، واختلافها عن الحيوانات: أنّ الحيوانات لا تستطيع حتى استهلاك الحضارة والمدنية هذه الأكثرية تحمل روح التقليد والتبعية وعبادة الأبطال أمّا الأقلية النادرة من أفراد البشر فهم النوابغ المستقلّون المبدعون المبتكرون، ذوو الإرادة الحديدية المتميّزون عن الأكثرية، كأنّهم جُبلوا من طينة أُخرى ! والبشرية ما كان بمقدورها أن تتقدم، لولا ظهور النوابغ والأبطال في المجالات العلمية والفلسفية والذوقية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية والفنية.
نحن نعتقد أنّ الافتراضين خاطئان.
أمّا الأول، فقد أثبتنا خطأه في بحث ( المجتمع ) حيث أثبتنا أنّ المجتمع له شخصية وطبيعة وقانون وسنّة، وحركته تتم وفق هذه السنن العامة وهذه السنن تطورية تكاملية ذاتياً ؛ من هنا ينتفي هذا الافتراض، وتبقى مسألة الدور الذي يستطيع أن ينهض به الإنسان في
مجتمع له شخصية وطبيعة وسنن يجري وفقها وهذا ما سنبحثه في فصل آخر(١) .
أمّا بشأن الفرض الثاني، فإنّنا لا ننكر وجود اختلاف في خلقة البشر، لكنّه لا يصح أن يكون النوابغ والإبطال وحدهم ذوي قدرة خلاّقة، والأكثرية الساحقة مستهلكة للحضارة والمدنية جميع أفراد البشر مزوّدون بقدرة الابتكار والإبداع بدرجة وأُخرى ؛ من هنا فجميع الأفراد أو أكثريتهم على الأقل قادرون على المشاركة في الإنتاج والابتكار والإبداع، وإن كانت مشاركتهم ضئيلة بالنسبة إلى النوابغ.
تقابل هذه النظرية نظرية أُخرى تذهب إلى أنّ التاريخ هو الذي يخلق الشخصيات، لا العكس، أي إنّ الاحتياجات العينية الاجتماعية هي التي تخلق الشخصية.
نُقل عن مونتسكيو أنّه قال: ( الأشخاص العظام والأحداث الجسام مظاهر ونتائج لتيّارات أوسع وأطول ) وعن هيغل أنّه قال: ( الأشخاص الكبار لم يخلقوا التاريخ، بل هم قوابل له(٢) أي إنّه ( علامات ) لا ( عوامل ).
أولئك الذين يؤمنون بالأصالة الجماعية مثل دوركيم، ويعتقدون أنّ الأفراد يفتقدون أية شخصية ذاتية، وكل شخصيتهم مأخوذة من المجتمع، يذهبون إلى أنّ الأفراد والشخصيات ليست إلاّ مظاهر للروح الجماعيّة.
____________________
(١) عسى أن يجد القارئ في الملحقات ما أراد الأُستاذ الشهيد أن يقدّمه لقارئه عن دور الإنسان في دفع عجلة التاريخ ( المترجم ).
(٢) جمع قابلة: المرأة التي تأخذ الولد عند الولادة، ويراد هنا أنّ الأبطال وسائل لولادة أحداث التاريخ، وليسوا صنّاع لهذه الحوادث التاريخية.
أمّا ماركس ومن لفّ لفّه من أولئك الذين يركّزون على العمل الاجتماعي، ويعتبرونه طريقاً لفهم المجتمع الإنساني ومقدّماً على الشعور الاجتماعي، أي يعتبرون شعور الأفراد مظهراً لاحتياجاتهم المادية والاجتماعية، هؤلاء يعتقدون أنّ الشخصيات مظاهر للمتطلبات المادية والاقتصادية .(١) .
____________________
(١) إلى هنا تنتهي النسخة الخطّية للمؤلّف، وواضح أنّ بحثه لم ينته، إذ أسبغ الوضوء بدم الشهادة وسارع للقاء ربّه راضياً مَرْضيّاً ناشر الكتاب باللغة الفارسية يأمل أن يرّمم بحوث الأُستاذ الشهيد من خلال قصاصات كتاباته المتناثرة، ونحن نعتقد أنّ جهود المفكّرين الإسلاميين ينبغي أن تتضافر لتقديم بحوث موسّعة معمّقة في حقل العلوم الاجتماعية عامة، وفي حقل علم الاجتماع والتاريخ خاصة ؛ لسدّ الفجوة الكبيرة الموجودة فعلاً في دراساتنا الإسلامية , ولتقديم كتب مدرسية على الأقل لل
طلبة الجامعيين في هذه الحقول.
الملاحق
ذكرنا في مقدمة الكتاب أنّ المؤلّف ( رضوان الله عليه ) التحق بالرفيق الأعلى قبل أن ينهي الكتاب ؛ من هنا كان من الضروري إضافة ملحقات ترّمم الكتاب، وتجعله أكثر فائدة للقارئ الكريم.
هذه الملاحق اخترناها من فكر الإمام الشهيد الصدر، وتضم مجموعتين:
الأُولى: سبل الماركسية في الاستدلال على المادية التاريخية ونقدها، وهذا الموضوع يكمّل ما أراد المؤلّف أن يبحث فيه، في نقد المادية التاريخية تحت عنوان ( افتقاد الدليل ).
لم نغيّر شيئاً من هذا الموضوع، وإنّما نقلناه بالنص لاختصاره وحسن تبويبه من كتاب ( اقتصادنا ) الجزء الأول ص٤٥ - ٦٧.
الثانية: النظرة القرآنية لعناصر المجتمع وهي محاضرات ألقاها الإمام الشهيد وطُبعت تحت عناوين مختلفة مثل: التفسير الموضوعي، وسنن التاريخ
ويبدو أنّ هذه المحاضرات تضمّ على قصرها الخطوط العامة لكتاب ( مجتمعنا ) الذي كان الإسلاميون ينتظرونه من الشهيد الصدر بفارغ الصبر ؛ لأنّها تستوعب الإطار العام لمسائل المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن، وإن كانت مكثّفة إلى درجة الإشارة فقط في بعض المسائل.
النسخ المطبوعة من هذه المحاضرات حاولت أن تتقيد بنصّ كلام الشهيد المسجّل على الشريط، ولا يخفى الفرق بين الإلقاء والكتابة ؛ ومن هنا تكاد أن تكون المحاضرات المكتوبة المطبوعة غير مفهومة، اللّهم إلاّ عند أولئك الذين استمعوا إلى محاضرات الإمام الشهيد، أو ألفوا كثيراً طريقة إلقائه.
وهذا ما حدا بنا إلى إعادة كتابة هذه المحاضرات، بلغة نحسب أنّها مفهومة مع الاحتفاظ بالفكرة نفسها، بل حتى بالجملة نفسها قدر الإمكان.
في هذه المحاضرات مقدمات وإضافات لم نجد لها ضرورة في هذا الملحق ؛ ولذلك حذفناها لعدم ارتباطه بدراسة المجتمع والتاريخ.
المترجم
الملحق رقم - ١
أدلّة المادية التاريخيّة
يمكننا تلخيص الأدلة التي تستند إليها المادية التاريخية، في أُمور ثلاثة:
١ - الدليل الفلسفي.
ب - الدليل السيكلولوجي.
ج - الدليل العلمي.
أ - الدليل الفلسفي:
أمّا الدليل الفلسفي - ونعني به: الدليل الذي يعتمد على التحليل الفلسفي للمشكلة، وليس على التجارب والملاحظة المأخوذة عن مختلف عصور التاريخ - فهو: أن خضوع الأحداث التاريخية لمبدأ العلية، الذي يحكم العالم بصورة عامة، يرغمنا على التساؤل عن سبب التطوّرات التاريخية، التي تعبّر عنها أحداث التاريخ المتعاقبة، وتيّاراته الاجتماعية، والفكرية والسياسية المختلفة فمن الملاحظ، بكل سهولة، أنّ المجتمع الأوروبي الحديث - مثلاً - يختلف في محتواه الاجتماعي، وظواهره المتنوّعة، عن المجتمعات الأوروبية قبل عشرة
قرون فيجب أن يكون لهذا الاختلاف الاجتماعي الشامل سببه، وأن نفسّر كل تغير في الوجود الاجتماعي في ضوء الأسباب الأصيلة التي تصنع هذا الوجود وتغيّره، كما يدرس العالم الطبيعي في الحقل الفيزيائي كلّ ظاهرة طبيعية في ضوء أسبابها، ويفسّرها بعلّتها ؛ لأنّ المجالات الكونية كلّها - الطبيعية والإنسانية - خاضعة لمبدأ العلّية فما هو السبب - إذن - لكلّ التغييرات الاجتماعية التي تبدو على مسرح التأريخ ؟
قد يجاب على هذا السؤال: بأنّ السبب هو الفكر أو الرأي السائد في المجتمع، فالمجتمع الأوروبي الحديث يختلف عن المجتمع الأوروبي - القديم، تبعاً لنوعية الأفكار والآراء الاجتماعية العامة السائدة في كلٍّ من المجتمعين.
ولكن هل يمكن أن نقف عند هذا في تفسير التأريخ والمجتمع ؟
إنّنا إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام في تحليلنا التأريخي نجد أنفسنا مرغمين على التساؤل: عمّا إذا كانت آراء البشر وأفكارهم خاضعة لمجرّد المصادفة، ومن الطبيعي أن يكون الجواب على هذا السؤال - في ضوء مبدأ العلّية - سلبياً فليست آراء البشر وأفكارهم خاضعة للمصادفة، كما أنّها ليست فطرية تولد مع الناس وتموت بموتهم وإنّما هي آراء وأفكار مكتسبة تحدث وتتغيّر وتخضع في نشوئها وتطوّرها لأسباب خاصة، فلا يمكن - إذن - اعتبارها السبب النهائي للأحداث التأريخية والاجتماعية، ما دامت هي بدورها أحداثاً خاضعة لأسباب وقوانين محدّدة بل يجب أن نفتّش عن العوامل المؤثّرة في نشوء الآراء والأفكار وتطوّرها فلماذا - مثلاً - ظهر القول بالحرّية السياسية في العصر الحديث، ولم يوجد في قرون أوربا
الوسطى ؟ وكيف شاعت الآراء التي تعارض المِلكية الخاصة، في المرحلة التأريخية الحاضرة دون المراحل السابقة ؟
وهنا قد نفسّر، بل من الضروري أن نفسّر، نشوء الآراء وتطوّرها عن طريق الأوضاع الاجتماعية بصورة عامّة، أو بعض تلك الأوضاع - كالوضع الاقتصادي - بوجه خاص، ولكنّ هذا لا يعني أنّنا تقدّمنا في حلّ المشكلة الفلسفية شيئاً ؛ لأنّنا لم نصنع أكثر من أنّنا فسّرنا تكوّن الآراء وتطوّرها تبعاً لتكوّن الأوضاع الاجتماعية وتطوّرها. وبذلك انتهينا إلى النقطة التي ابتدأنا بها ! انتهينا إلى الأوضاع الاجتماعية التي كنا نريد منذ البدء أن نفسّرها ونستكشف أسبابها فإذا كانت الآراء وليدة الأوضاع الاجتماعية، فما هي الأسباب التي تنشأ عنها الأوضاع الاجتماعية وتتطوّر طبقاً لها ؟
وبكلمة أخرى: ما وهو السبب الأصيل للمجتمع والتأريخ ؟
وليس أمامنا - في هذا الحال - لاستكشاف أسباب الوضع الاجتماعي وتفسيره إلاّ أحد سبيلين:
الأوّل: أن نرجع إلى الوراء خطوة فنكرّر الرأي السابق، القائل بتفسير الأوضاع الاجتماعية بمختلف ألوانها السياسية والاقتصادية وغيرها بالأفكار والآراء ونكون حينئذٍ قد درنا في حلقة مفرغة ؛ لأنّنا قلنا أولاً أنّ الآراء والأفكار وليدة الأوضاع الاجتماعية، فإذا عدنا لنقول: أنّ هذه الأوضاع نتيجة للأفكار والآراء، رسمنا بذلك خطّاً دائرياً ورجعنا من حيث أردنا أن نتقدّم وهذا السبيل هو الذي سار فيه المفسّرون المثاليون للتأريخ جميعاً قال بليخانوف:
( وجد هيجل نفسه في ذات الحلقة المفرغة التي وقع فيها علماء الاجتماع والمؤرخون الفرنسيون، فهم يفسّرونالوضع الاجتماعي، بحالة الأفكار، وحالة الأفكار بالوضع الاجتماعي وما دامت هذه المسألةبلا حلّ كان العلم لا ينفكّ عن الدوران في حلقة مفرغة بإعلانه: أنّ ( ب ) سبب ( أ )، مع تعيينه( أ ) كسبب ( ب ) )(١) .
والسبيل الآخر - سبيل الماركسية -: أن نواصل تقدّمنا في التفسير والتعليل وفقاً لمبدأ العلّية، ونتخطّى أفكار الإنسان وآرائه وعلاقاته الاجتماعية بمختلف أشكالها، نتخطّاها لأنّها كلّها ظواهر اجتماعية تحدث وتتطّور، فهي بحاجة إلى تعليل وتفسير ولا يبقى علينا في هذه اللحظة الحاسمة، من تسلسل البحث إلاّ أن نفتّش عن سرّ التأريخ خارج نطاق الطبيعة التي يمارسها الإنسان منذ أقدم العصور إنّ قوى الإنتاج هذه هي وحدها التي يمكّنا أن تجيب على السؤال الذي كنا نعالجه: لماذا، وكيف حدثت الأحداث التأريخية وتطوّرت وفقاً للضرورة الفلسفية القائلة: بأنّ الأحداث لا تخضع للمصادفة، وأنّ لكلّ حادثة سببها الخاص ( مبدأ العلّية ) ؟
وهكذا لا يمكن للتفسير التأريخي أن ينجو من الحركة الدائرية العقيمة في مجال البحث، إلاّ إذا وضع يده على وسائل الإنتاج كسبب أعلى للتأريخ والمجتمع.
____________________
(١) فلسفة التاريخ: ص ٤٤.
هذا هو الدليل الفلسفي، وقد حرصنا على عرضه بأفضل صورة ممكنة، ويعدّ أهم كتاب استهدف بمجموعة بحوثه كلّها التركيز على هذا اللون من الاستدلال: ( فلسفة التأريخ )، للكاتب الماركسي الكبير بليخانوف وقد لخصنا
الدليل الآنف الذكر من مجموعة بحوثه.
والآن بعد أن أدركنا الدليل الفلسفي للنظرية بشكلٍ جيد، أصبح من الضروري تحليل هذا الدليل ودرسه في حدود الضرورة الفلسفية القائلة: إنّ الأحداث لا تنشأ صدفة ( مبدأ العلّية ).
فهل هذا الدليل الفلسفي صحيح ؟ هل صحيح أنّ التفسير الوحيد الذي تنحلّ به المشكلة الفلسفية للتأريخ هو تفسيره بوسائل الإنتاج ؟
ولكي نمهّد للجواب على هذا السؤال نتناول نقطة واحدة بالتحليل تتصل بوسائل الإنتاج، التي اعتبرتها الماركسية السبب الأصيل للتأريخ، وهذه النقطة هي: أنّ وسائل الإنتاج ليست جامدة ثابتة، بل هي بدورها أيضاً تتغيّر وتتطوّر على مرّ الزمن كما تتغيّر أفكار الإنسان وأوضاعه الاجتماعية، فتموت وسيلة إنتاج وتولد وسيلة أخرى فمن حقّنا أن نتساءل: عن السبب الأعمق الذي يطوّر القوى المنتجة، ويكمن وراء تأريخها الطويل، كما تساءلنا عن الأسباب والعوامل التي تصنع الأفكار، أو تصنع الأوضاع الاجتماعية.
ونحن حين نتقدّم بهذا السؤال إلى بليخانوف - صاحب الدليل الفلسفي - وأضرابه من كبار الماركسيين، لا ننتظر منهم الاعتراف بوجود سبب أعمق للتأريخ وراء القوى المنتجة ؛ لأنّ ذلك يناقض الفكرة الأساسية في المادية التأريخية، القائلة بأنّ وسائل الإنتاج هي المرجع الأعلى في دنيا التأريخ ولهذا فإنّ هؤلاء حين يجيبون على سؤالنا يحاولون أن يفسّروا تأريخ القوى المنتجة وتطوّرها بالقوى
المنتجة ذاتها، قائلين: إن قوى الإنتاج هي التي تطوّر نفسها، فيتطوّر تبعاً لها المجتمع كلّه ولكن كيف يتمّ ذلك ؟ وما هو السبيل الذي تنهجه القوى المنتجة لتطوير نفسها ؟
إنّ جواب الماركسية على هذا السؤال جاهز أيضاً، فهي تقول في تفسير ذلك: إنّ القوى المنتجة - خلال ممارسة الإنسان لها - تولِّد وتنمِّي في ذهنه
باستمرار الأفكار والمعارف التأمّلية(١) فالأفكار التأمّلية، والمعارف العلمية، تَنتُج كلّها عن التجربة، خلال ممارسة الإنسان لقوى الطبيعة المنتِجة، وحين يكسب الإنسان تلك الأفكار والمعارف عن طريق ممارسة القوى الطبيعية المنتِجة، تصبح هذه الأفكار التأمّلية والمعارف العلمية قوى يستعين بها الإنسان على إيجاد وسائل إنتاج وتجديد القوى المنتجة، وتطويرها باستمرار.
ومعنى هذا: أنّ تاريخ تطوّر القوى المنتجة تمّ وفقاً للتطوّر
____________________
(١) فإنّ أفكار الإنسان تنقسم إلى قسمين:
إحداهما: الأفكار التأمّلية، ونعني بها معلومات الإنسان عن الكون الذي يعيش فيه، وما يزخر به من ألوان الوجود، وما تسيّره من قوانين، نظير معرفتنا بكروية الأرض، أو بأساليب تدجين الحيوان، أو بأساليب تحويل الحرارة إلى حركة، والمادة إلى طاقة، أو بأنّ كلّ حادثة خاضعة لسبب، وما إلى ذلك من آراء تدور حول تحديد طبيعة العالم، ونوعية القوانين التي تحكم عليه.
والفئة الأُخرى: من أفكار الإنسان: الآراء العلمية، وهي آراء الناس في السلوك الذي ينبغي أن يتّبعه الفرد والمجتمع في المجالات السياسية والاقتصادية والشخصية، كرأي المجتمع الرأسمالي في العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين العامل وصاحب المال، ورأي المجتمع الاشتراكي في رفض هذه العلاقة، أو رأي هذا المجتمع أو ذاك في السلوك الذي ينبغي أن يتّبعه الزوجان، أو النهج السياسي الذي ينبغي على الحكومة اتباعه.
فالأفكار التأمّلية: هي إدراكات لما هو واقع وكائن، والأفكار العملية إدراكات لما ينبغي أن يكون وما ينبغي أن لا يكون.
العلمي والتأملي، ونشأ عنه والتطوّر العلمي بدوره نشأ عن تلك القوى خلال تجربتها وبهذا استطاعت الماركسية أن تضمن لوسائل الإنتاج موقعها الرئيسي من التأريخ وتفسّر تطوّرها عن طريق الأفكار التأمّلية، والمعارف العلمية المتزايدة، الناشئة بدورها عن قوى الإنتاج، دون أن تعترف بسبب أعلى من وسائل الإنتاج.
وقد أكد إنجلز على إمكان هذا اللون من التفسير - تفسير كلّ من قوى الإنتاج والأفكار التأمّلية في تطوّرهما بالآخر - ونوّه: بأنّ الديالكتيك لا يقرّ تصوّر العلّة والمعلول بوصفهما قطبين متعارضين تعارضاً حاداً، كما اعتاد غير الديالكتيكيين إدراكهما كذلك فهم يرون دائماً العلّة هنا والمعلول هناك، وإنّما يفهم الديالكتيك العلّة والمعلول على شكل فعل ورد فعل للقوى.
هذه هي النقطة التي أوضحناها تمهيداً لتحليل الدليل الفلسفي ونقده، كي نقول: إذا كان هذا ممكناً من الناحية الفلسفية، وجاز أن يسير التفسير في حلقة دائرية - كما صنعت الماركسية بالنسبة إلى القوى المنتجة وتطوّرها - فلماذا لا يمكن فلسفياً أن نصطنع نفس الأسلوب في تفسير الوضع الاجتماعي؟! فنقرر: أنّ الوضع الاجتماعي - في الحقيقة - عبارة عن التجربة الاجتماعية التي يخوضها الإنسان خلال علاقاته بالأفراد الآخرين، كما يخوض تجربته الطبيعية مع القوى المنتجة خلال عمليات الإنتاج فكما أنّ الأفكار التأمّلية للإنسان تنمو وتتكامل في ظل التجربة الطبيعية، ثمّ تؤثّر بدورها في تطوير التجربة وتجديد وسائلها، كذلك الأفكار العملية للمجتمع تنمو وتتطوّر في ظل التجربة الاجتماعية وتؤثّر في تطويرها وتجديدها فوعي الإنسان العلمي للكون ينمو باستمرار من خلال التجربة
الطبيعية، وتنمو بسببه التجربة الطبيعية وقواها المنتجة نفسها، وكذلك وعي الإنسان العملي للعلاقات الاجتماعية، ينمو باستمرار من خلال التجربة الاجتماعية وتتطوّر بسببه التجربة الاجتماعية نفسها، وعلاقاتها السائدة وعلى هذا الأساس لا مانع من ناحية فلسفية يمنع الماركسية من أن تفسّر الوضع الاجتماعي عن طريق الآراء العملية، ثمّ تفسّر تغيّر الآراء وتطوّرها عن طريق التجربة الاجتماعية المتمثلة في الأوضاع السياسية والاقتصادية وغيرها لأنّ هذا التفسير المتبادل للوضع الاجتماعي والوعي العملي نظير تفسير الماركسية - تماماً - لكلّ من تاريخ القوى المنتِجة والوعي العلمي بالآخر.
والسؤال بعد هذا كلّه، لماذا يجب أن نُدخل وسائل الإنتاج في حساب التفسير التأريخي والاجتماعي ؟ ولماذا لا يمكن أن نكتفي بهذا التفسير المتبادل للوضع الاجتماعي والأفكار، أحدهما بالآخر إنّ الضرورة الفلسفية، ومفاهيم العلّة والمعلول التي أكدّ عليها إنجلز تسمح لنا بمثل هذا التفسير، فإنْ كانت توجد أسباب تمنع عن الأخذ به، فإنّما هي الملاحظات والتجارب التأريخية، وذلك ما سوف نتناوله في الدليل العلمي.
ب - الدليل السيكولوجي:
نقطة البدء في هذا الدليل هي: محاولة التدليل على أن نشوء الفكر في حياة الإنسانية كان نتاجاً لظواهر وأوضاع اجتماعية معيّنة، وينتج عن ذلك أن الكيان الاجتماعي سبق في وجوده التأريخي وجود الفكر، فلا يمكن أن نفسّر الظواهر الاجتماعية، في تكوينها الأوّل، ونشوئها ،
بعامل مثالي - كأفكار الإنسان - ما دامت هذه الأفكار لم تظهر في التأريخ إلاّ بصورة متأخّرة عن حدوث ظواهر اجتماعية معيّنة في حياة الناس وليس من اتجاه علمي بعد ذلك لتفسير المجتمع وتعليل ولادته إلاّ الاتجاه المادي، الذي يطرح العوامل الفكرية جانباً ويفسّر المجتمع بالعامل المادي، بوسائل الإنتاج.
فالنقطة الرئيسية في هذا الدليل - إذن - أن نبرهن على أنّ الأفكار لم تحدث في عالم الإنسانية إلاّ كنتيجة ظاهرة اجتماعية سابقة ؛ لكي يستنتج - من ذلك - أنّ المجتمع سابق تأريخياً على الفكر، وناشئ عن العوامل المادية وليس ناشئاً عن الأفكار والآراء.
أمّا كيف عالجت الماركسية هذه النقطة الرئيسية، وبرهنت عليها ؟ فهذا ما يتّضح في تأكيد الماركسية على أن الأفكار وليدة اللغة، وليست اللغة إلاّ ظاهرة اجتماعية قال ستالين:
( يقال: إنّ الأفكار تأتي في روح الإنسان قبل أن تعبّر عن نفسها في الحديث، وإنّها تولَد دون أدوات اللغة، أي: دون إطار اللغة، أو بعبارة أخرى: تولد عارية.
إلاّ أنّ هذا خطأ تماماً ؛ مهما كانت الأفكار التي تأتي في روح الإنسان، فلا يمكن أن تولد وتوجد إلا على أساس أدوات اللغة، أي: على أساس الألفاظ والجمل اللغوية فليس هناك أفكار عارية متحرّرة من أدوات اللغة، أو متحرّرة من المادة الطبيعية التي هي اللغة فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ولا يمكن أن يُتحدَّث
عن فكر بدون لغة، إلاّ المثاليون وحدهم )(١) .
وهكذا ربط ستالين بين الفكر واللغة، واعتبر اللغة أساساً لوجود الفكر ؛ فلا يمكن الحديث عن أفكار عارية دون أدوات اللغة وجاء بعد ذلك الكاتب الماركسي الكبير ( جورج بولتزير )، ليبرهن على هذه الحقيقة المزعومة في ضوء بعض الاكتشافات السيكولوجية، أو بالأحرى في ضوء الأساس الفسيولوجي لعلم النفس الذي وضعه العالم الشهير ( بافلوف ) مستخلصاً له من تجارب عديدة قام بها.
فقد كتب ( بولتزير ) معلقاً على كلام ( ستالين ) الآنف الذكر:
( ولقد لاقت مبادئ المادية الجدلية هذه تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية بفضل الأبحاث الفسيولوجية التي قام بها العالم العظيم ( بافلوف ) ؛ فقد اكتشف ( بافلوف ): أنّ العمليات الأساسية في النشاط المخّي هي الأفعال المنعكسة الشرطية التي تكون في ظروف محدودة، والتي تطلقها الإحساسات، سواء الخارجية أو الداخلية.
وأثبت ( بافلوف ): أنّ هذه الإحساسات تقوم بدور الإشارات الموجّهة بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي.
وقد اكتشف من ناحية
____________________
(١) جورج بولتزير، المادية والمثالية في الفلسفة: ٧٧ ونودّ أن نشير بهذه المناسبة إلى أنّ هذا الكتاب ليس من نتاج بولتزير، وإنّما قام بتأليفه كاتبان ماركسيان، هما: ( جي ميس ) و ( موريس كافيج ) وَمَنَحا كتابهما اسم ( بولتزير )، ولأجل هذا نضيف ما في هذا الكتاب إليه.
أُخرى: أنّ الكلمات - بمضمونها و معناها - يمكن أن تحلّ محل الإحساسات - التي تُحدثها الأشياء - التي تدلّ عليها وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي: نظاماً ثانياً في العملية الإشارية، يتكوّن على أساس النظام الأوّل ويكون خاصاً بالإنسان.
وهكذا تعتبر اللغة هي شرط النشاط الراقي في الإنسان، وشرط نشاطه الاجتماعي، وركيزة الفكر المجرد الذي يتخطّى الإحساس الوقتي، وركيزة النظر العقلي، فهي التي تُتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكبر درجة من الدقّة.
وبهذه الطريقة أثبت ( بافلوف ) أنّ ما يحدّد - أساساً - شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، بل يحدّده - على عكس ذلك - المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان )(١) .
ولنأخذ بشيء من التوضيح محاولة ( بولتزير ) هذه، التي استدلّ فيها على رأي الماركسية، بأبحاث ( بافلوف ).
يرى ( بولتزير ) أنّ من رأي ( بافلوف ) في العمليات الأساسية للمخ أنّها كلّها استجابات لمنبّهات وإشارات معيّنة، وهذه المنبّهات والإشارات هي بالدرجة الأولى الإحساسات ومن الواضح أنّ الاستجابة التي تحصل عن طريق الإحساسات ليست فكرة عقلية مجرّدة عن الشيء ؛ لأنّها لا تحصل إلاّ لدى الإحساس بالشيء المعيّن، فهي لا تتيح للإنسان أن يفكّر في شيء غائب عنه وبالدرجة الثانية يأتي دور اللغة والأدوات اللفظية لتقوم بدور المنبّهات والإشارات
____________________
(١) المصدر السابق: ص٧٨.
الثانوية، فيشرط كلّ لفظٍ بإحساس معيّن من تلك الإحساسات، فيصبح منبّهاً شرطياً بالدرجة الثانية ويتاح للإنسان أن يفكّر عن طريق الاستجابات التي تطلقها المنبّهات اللغوية إلى ذهنه، فاللغة - إذن - هي أساس الفكر، وحيث أنّ اللغة ليست إلاّ ظاهرة اجتماعية فالفكر ليس - على هذا - إلاّ ظاهرة ثانوية للحياة الاجتماعية.
هذه هي الفكرة التي عرضها ( بولتزير ).
وبدورنا نتساءل: هل اللغة هي أساس الفكر حقاً، ( فليس هناك أفكار عارية متحرّرة من أدوات اللغة )، على حد تعبير ستالين ؟ ولأجل التوضيح نطرح المسألة على الوجه التالي: هل أنّ اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكّراً بصفتها ظاهرة اجتماعية معيّنة كما يقرّر بولتزير، أو أنّها وُجدت في حياة الإنسان المفكّر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين ؟ ونحن لا نستطيع أن نأخذ بالتقدير الأوّل الذي حاول( بولتزير ) التأكيد عليه، حتى حين ننطلق في البحث من تجارب( بافلوف ) والقاعدة التي وضعها عن المنبّهات الطبيعية والشرطية.
* * *
ولكي نكون أكثر وضوحاً يجب إعطاء فكرة مبسّطة عن آراء ( بافلوف )، وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً، فإنّ هذا العالم الشهير استطاع أن يدلّل بالتجربة على أن شيئاً معيناً إذا ارتبط بمنبّه طبيعي اكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويُحدِث نفس الاستجابة التي يُحدِثها المنبّه الطبيعي فتقديم الطعام إلى الكلب - مثلاً - منبّه طبيعي يُحدث فيه استجابةً معيّنة، إذ يسيل لعابه أوّل ما يرى الإناء الذي يحتوي على الطعام وقد لاحظ ذلك ( بافلوف )، فأخذ
يدقّ جرساً عند تقديم الطعام إلى الكلب، و كرّر هذا عدّة مرّات، ثمّ أخذ يدقّ الجرس من دون تقديم الطعام، فوجد أنّ لعاب الكلب يسيل واستنتج من هذه التجربة: أنّ دقّ الجرس أصبح يُحدث نفس الاستجابة التي كان المنبّه الطبيعي ( تقديم الطعام ) يُحدثها، ويؤدّي نفس دوره بسبب اقترانه واشتراطه به عدّة مرّات، ولهذا أطلق على دقّ الجرس أسم: ( المنبّه الشرطي ) وسمّى تحلّب اللعاب وسَيَلانه الذي يحدث بسبب دقّ الجرس: ( استجابة شرطية ).
وعلى هذا الأساس حاول جماعة أن يفسّروا الفكر الإنساني كلّه تفسيراً فسيولوجياً، كما يفسّر تحلّب اللعاب عند الكلب تماماً، فأفكار الإنسان كلّها استجابات لمختلف أنواع المنبّهات وكما أنّ تقديم الطعام إلى الكلب منبّه طبيعي يستثير استجابة طبيعية - وهي سيلان اللعاب - كذلك توجد بالنسبة إلى الإنسان منبّهات طبيعية تُطلِق استجابات معيّنة، اعتدنا أن نعتبرها ألواناً من الإدراك وتلك المنبّهات التي تطلّق هذه الاستجابات هي الإحساسات الداخلية والخارجية وكما أنّ دقّ الجرس اكتسب نفس الاستجابة التي يُحدثها تقديم الطعام إلى الكلب بالاقتران والاشتراط، كذلك توجد أشياء كثيرة اقترنت بتلك المنبّهات الطبيعية للإنسان فأصبحت منبّهات شرطية له، ومن تلك المنبهات الشرطية: كلّ أدوات اللغة فلفظة ( الماء ) - مثلاً - تطلق نفس الاستجابة التي يطلقها الإحساس بالماء بسبب اقترانها واشتراطها به، فالإحساس بالماء أو الماء المحسوس: منبّه طبيعي، ولفظ ( الماء ) منبّه شرطي، وكلاهما يُطلقان في الذهن استجابة من نوع خاص.
وقد افترض بافلوف لأجل ذلك نظامين أشاريين:
أحدهما: النظام الإشاري الذي يتكوّن من مجموعة المنبّهات الطبيعية والمنبّهات الشرطية التي لا تتدخّل فيها الألفاظ.
والآخر: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبّهات شرطية ثانوية، فهي منبهات ثانوية أُشرطت بمنبّهات النظام الإشاري الأوّل، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة استجابات شرطية معيّنة.
والنتيجة التي تنتهي إليها آراء ( بافلوف ) هي: أنّ الإنسان لا يمكنه أن يفكّر بدون منبّه ؛ لأنّ الفكر ليس إلاّ استجابة من نوع خاص للمنبّهات كما أنّه لا يتاح له الفكر العقلي المجرّد، إلاّ إذا وجدت بالنسبة إليه منبّهات شرطية اكتُسبت عن طريق اقترانها بالإحساسات، نفس الاستجابات التي تطلقها تلك الأحاسيس وأمّا إذا بقي الإنسان رهن إحساساته فلا يستطيع أن يفكّر تفكيراً مجرّداً، أي أن يفكّر في شيءٍ غائب عن حسّه فلكي يكون الإنسان كائناً مفكّراً لا بدّ من أن توجد له منبّهات وراء نطاق الإحساسات، نطاق المنبّهات الطبيعية.
* * *
ولنفترض أنّ هذا كلّه صحيح، فهل يعني ذلك أنّ اللغة هي أساس وجود الفكر في الحياة الإنسانية ؟ كلاّ، فإنّ إشراط شيء معيّن بالمنبّه الطبيعي لكي يكون منبّهاً شرطياً يحصل تارة بصورة طبيعية، كما إذا اتفق أن اقترنت رؤية الماء بصوت معيّن أو بحالة نفسية معيّنة مرّات عديدة، حتى أصبح ذلك الصوت أو هذه الحالة منبهاً شرطياً يُطلِق نفس الاستجابة التي كان يُطلقها الإحساس بالماء، فالإشراط في هذه الحالات إشراط طبيعي ويحصل هذا الإشراط تارة أخرى نتيجة لقصد معيّن، كما في سلوكنا مع الطفل ؛ إذ نقدّم له
شيئاً كالحليب ونكرر له اسمه، حتى يربط بين الكلمة والشيء، ويصبح الاسم منبّهاً شرطياً للطفل نتيجة للطريقة التي اتبعناها معه.
ولا شكّ في أنّ عدّة من الأصوات والأحداث قد اقترنت بمنبّهات طبيعية عبر حياة الإنسان، وأشرطت بها إشراطاً طبيعياً، وأصبحت بذلك تُطلق استجابات معيّنة في ذهن الإنسان وأمّا أدوات اللغة - على وجه العموم - وألفاظها التي تمّ إشراطها خلال عملية اجتماعية فهي إنّما أشرطت نتيجة لحاجة الإنسان إلى التعبير عن أفكاره ونقلها إلى الآخرين، أي إنّها وجدت في حياة الإنسان لأنّه كائن مفكّر يريد التعبير عن أفكاره، لا أنّ الإنسان أصبح كائناً مفكّراً بسبب أنّ اللغة وجدت في حياته، وإلاّ فلماذا وجدت في حياته خاصة ولم توجد في حياة سائر أنواع الحيوان؟!
فاللغة ليست أساس الفكر، وإنّما هي أسلوب خاص للتعبير عنه، اتخذه الإنسان منذ أبعد العصور حين وجد نفسه - وهو يخوض معركة الحياة مع أفراد آخرين - بحاجة ملحّة إلى التعبير عن أفكاره، وتفّهم أفكار الآخرين في سبيل تيسير العمليات التي يقومون بها، وتحديد الموقف المشترك أمام الطبيعة، وضدّ القوى المعادية.
وإنّما تعلم الإنسان أن يتّخذ هذا الأسلوب - أسلوب اللغة - بالذات للتعبير عن أفكاره في ضوء ما تمّ بفعل الطبيعة، أو المصادفة، من إشراط بعض الأصوات ببعض المنبّهات الطبيعية عن طريق اقترانها بها مراراً، فقد استطاع الإنسان أن ينتفع بذلك في نطاق أوسع فوجدت اللغة في حياته.
وهكذا نعرف أنّ اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية، إنّما نجمت عن إحساس الإنسان خلال العمل الاجتماعي المشترك بالحاجة إلى ترجمة
أفكاره والإعلان عنها، وليست هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكّراً وعلى هذا الأساس نستطيع أن نعرف لماذا ظهرت اللغة في حياة الإنسان دون غيره من أنواع الحيوان، كما ألمحنا سابقاً ؟ بل أن نعرف أكثر من ذلك: لماذا وجد المجتمع الإنساني ولم يوجد مجتمع كهذا لأيِّ كائن حي آخر ؟ فإنّ الإنسان لمّا كان قادراً على التفكير فقد أتيح له وحده أن يتخطّى حدود الإحساس فيغيّر من الواقع الذي يحسّه، وبالتالي يغيّر من إحساساته نفسها تبعاً لتغيير الواقع المحسوس، ولم يُتح هذا لأيِّ حيوان آخر لا يملك قدرة على التفكير ؛ لأنه لا يستطيع أن يدرك ويفكّر في شيء سوى الواقع المحسوس بأشكاله الخاصة، فلا يمكنه أن يغيّر الواقع إلى شيء آخر.
وهكذا كان التفكير هو الذي خصّ الإنسان بالقدرة على تغيير الواقع المحسوس تغييراً حاسماً.
ولمّا كانت عملية تغيير الواقع هذه تتطلّب في كثير من الأحايين جهوداً متنوّعة وكثيرة، فهي تتّخذ لأجل ذلك طابعاً اجتماعياً إذ يقوم بها أفراد متعدّدون وفقاً لنوعية العملية ومدى الجهود التي تتّطلبها، وبذلك توجد علاقة اجتماعية بينهم لم يكن من الممكن أن توجد علاقة من لونها بين أفراد نوع آخر من الحيوان ؛ لأنّ الحيوانات الأُخرى حيث إنّها ليست كائنات مفكّرة فهي عاجزة عن القيام بعمليات تغيير حاسم للواقع المحسوس، بالتالي لا توجد فيما بينها علاقة اجتماعية من ذلك اللون.
ومنذ يدخل الناس في عمليات مشتركة لتغيير الواقع المحسوس يصبحون بحاجة إلى لغة ؛ لأنّ الإشارات الحسّية إنّما تعبّر عن الواقع
المحسوس، ولا تستطيع أن تعبّر عن فكرةٍ تغييره، وعن الروابط الخاصّة بين الأشياء المحسوسة، التي يراد تعديلها أو تغييرها فتوجد اللغة في حياة الإنسان إشباعاً لهذه الحاجة، وإنّما وجدت في حياته وحده لأنّ الحيوان لم يشعر بمثل هذه الحاجة الإنسانية التي كانت وليدة العمل الاجتماعي القائم على أساس التفكير، لتغيير الواقع المحسوس، وإيجاد تعديلات حاسمة فيه.
ج - الدليل العلمي:
يسير التفسير العلمي لظواهر الكون المتنوّعة في خطٍ متدرّج ؛ فهو يبدأ بوصفه فرضية، أي تفسيراً افتراضياً للواقع الذي يعالجه العالم ويحاول استكشاف أسراره وأسبابه، ولا يصل هذا التفسير الافتراضي إلى الدرجة العلمية إلاّ إذا استطاع الدليل العلمي أن يبرهن وينفي إمكان أي تفسير آخر للظاهرة موضوعة البحث عداه فما لم يقم الدليل على ذلك، لا يصل التفسير المفترض إلى درجة اليقين العلمي، ولا يوجد مبرّر لقبوله دون سواه من الافتراضات والتفاسير فمثلاً قد نجد شخصاً معيّناً يلتزم في ساعة معيّنة بالعبور من شارع خاص وقد نفترض لتفسير هذه الظاهرة: أنّ هذا الشخص يسلك هذا الطريق بالذات في كلّ يوم لأنّ له عملاً يومياً في معمل يقع في منتهى الشارع وهذا الافتراض وإن كان يصلح لتفسير الواقع، غير أن ذلك لا يعني قبوله ما دام من الممكن أن نفسّر سلوك هذا الشخص في ضوء آخر ؛ كما إذا افترضنا أنّه يزور صديقاً له يسكن بيتاً في ذلك الشارع أو يراجع طبيباً يقطن في تلك المنطقة ؛ ليستشيره في حالة مرضية أو يقصد مدرسة معيّنة تلقى فيها المحاضرات بصورة رتيبة.
وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتأريخ ( المادية التأريخية )، فإنّه لا يمكن - حتى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التأريخي - أن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي، ما لم يخرج عن كونه افتراضاً ويحصل على دليل علمي يدحض كل افتراض عداه في تفسير التاريخ.
ولنأخذ تفسير المادية التأريخية للدولة مثالاً لذلك، فهي تفسّر نشوء الدولة ووجودها في حياة الإنسان على أساس العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي، فالمجتمع المتناقض طبقياً يلتهب فيه الصراع بين الطبقة القويّة المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً، فتقوم الطبقة الغالبة بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على مركزها الرئيسي وهذه الأداة السياسية هي الحكومة بمختلف أشكالها التأريخية.
وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة لا يكتسب قيمة علمية مؤكّدة إلاّ إذا أفلست كلّ التفاسير التي يمكن أن يُبرَر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي وأمّا إذا استطعنا أن نفسّر هذه الظاهرة الاجتماعية على أساس آخر، ولم يدحض الدليل العلمي ذلك فليس التفسير الماركسي عندئذٍ إلاّ افتراضاً من عدّة افتراضات.
فلن يكون التفسير الماركسي تفسيراً علمياً إذا أمكن - مثلاً - أن نفسّر نشوء الدولة على أساس تعقيد الحياة المدنية ونبرر بذلك قيام الدولة في كثير من المجتمعات البشرية، ففي مصر القديمة - مثلاً - لم تكن الحياة الاجتماعية فيها ممكنة بدون جهود معقّدة جسيمة، وعمل واسع شامل لتنظيم جريان وفيضان الأنهر الكبيرة، وتنظيم
شؤون الري فظهرت الدولة لتسيير الحياة الاجتماعية والإشراف على العمليات المعقّدة التي تتوقّف الحياة العامة عليها ولأجل هذا نجد أن طائفة الإكليروس المصريين كانوا يتمتعون بمكانة عُليا في جهاز الدولة المصرية القديمة ؛ لا على أساس طبقي، وإنّما على أساس الدور الخطير الذي لعبته معارفهم العلمية في نظام الزراعة المصرية.
وكذلك أيضاً نجد أنّ رجال الكنسية تمتّعوا بمركز كبير في جهاز الدولة الرومانية عندما دخل الجرمان في الدولة الرومانية أفوجاً متبربرة تلو أفواج، إذ بدت الكنيسة - على إثر ما أدى إليه الغزو الجرماني من انهيار التعليم والثقافة - صاحبة الصدارة الفكرية في البلاد، حيث صار الرجل من رجال الدين الكنيسي هو الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة، والتكلم باللاتينية، وهو الذي يفهم - دون غيره - حساب الشهور، ويستطيع أن يمارس العمل الرتيب لتصريف شؤون الإدارة الحكومية، بينما انصرف ملوك الجرمان والقادة العسكريون منهم إلى صيد الخنازير والإبل والغزال، وخوض معارك الغزو والتخريب فكان من الطبيعي أن يسيطر رجال الكنيسة على الإدارة الحكومية في البلاد ويكون لهم أثر كبير في الجهاز السياسي الحاكم، الأمر الذي جلب لهم من المغانم والمكاسب ما جعلهم - في رأي الماركسية - طبقة ذات مصالح اقتصادية معيّنة فالنفوذ الاقتصادي أو المصالح الاقتصادية إنّما حصلت عن طريق الوجود السياسي، وأمّا وجودهم السياسي في جهاز الحكم فلم يكن قائماً على أساس ذلك النفوذ الاقتصادي الذي اكتسبوه بعد ذلك، وإنّا قام على أساس امتيازاتهم الفكرية والإدارية.
ولن يكون التفسير الماركسي للدولة تفسيراً علمياً إذا أمكن أن نفترض: أن للعقيدة الدينية تأثيراً في تكوين كثير من الدول والسلطات السياسية التي كانت ترتكز على أساس ديني، وتتمثّل في جماعات لا تشترك في مصلحة طبقية، وإنّما تشترك في طابع ديني واحد وكذلك إذا أمكن أن نفترض: أنّ نشوء الدولة في المجتمع الإنساني كان إشباعاً لنزعة أصيلة في النفس الإنسانية، التي تملك استعداداً كامناً للميل إلى السيطرة والتفوّق على الآخرين فكانت الحكومة من وحي هذا الميل، وتعبيراً عملياً عنه.
ولا أريد أن أستقصي كلّ الفرضيات التي يمكن تفسير الدولة على أساسها، وإنّما أرمي من وراء هذا: على القول بأنّ تفسير الماركسية للدولة لا يمكن أن يكتسب طابعاً علمياً ما لم يستطع أن يدحض سائر تلك الافتراضات، ويقدّم الدليل من الواقع على زيفها.
وقد سقنا تفسير الماركسية للدولة كنموذج لسائر مفاهيمها وفرضيّاتها التأريخية، التي تفسّر المجتمع الإنساني على أساسها فإنّ جميع تلك الفرضيات تتطّلب من الماركسية - لكي تصبح نظريات علمية جديرة بالقبول - أن تقدّم الدليل على كذب كلّ فرضية سواها، ولا يكفي لقبولها أن تكون فرضيّات ممكنة صالحة للانطباق على الواقع وتفسيره.
فلنرى - إذن - ماذا يمكن للماركسية أن تقدّمه من دليل علمي بهذا الصدد ؟ إنّ أوّل وأهمّ عقبة تواجه الماركسية في هذا المجال هي العقبة التي تضعها في طريقها طبيعة البحث التأريخي ؛ ذلك أنّ البحث في المجال التاريخي ( نشوء المجتمع، وتطوّره، والعوامل الأساسية فيه )
يختلف عن البحوث العلمية في مجالات العلوم الطبيعية التي يستخلصها العالم الفيزيائي - مثلاً - من تجاربه العملية في المختبر.
فالباحث التأريخي والعالم الفيزيائي وإن كانا يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي: أنّ كلاً منهما يتناول مجموعة من الظواهر - ظواهر المجتمع البشري كالدولة والأفكار والملكية، أو ظواهر الطبيعة كالحرارة والصوت والنور - ويحاولان تنظيم تلك الظواهر بصفتها موادَّ للبحث، واستكشاف أسبابها، والعوامل الأساسية فيها غير أنّهما يختلفان في موقفهما العلمي من تلك الظواهر موضوعة الدرس.
ومرد اختلافهما إلى سببين: فإنّ الباحث التأريخي الذي يريد أن يفسّر المجتمع البشري ونشوءه وتطوّره ومراحله، في ضوء الظواهر التاريخية والاجتماعية، لا يستطيع أن يتبيّن هذه الظواهر بصورة مباشرة، كما يتبين العالم الفيزيائي ٍظواهر الطبيعة التي يدرسها في مختبره الخاص، وإنّما هو مضطر إلى تكوين فكرة عنها ترتكز على النقل والرواية، وشتى المخلوقات العمرانية وغيرها من الآثار، ذات الدلالة الناقصة فالفرق إذن كبير جداً بين الظواهر الطبيعية التي يرتكز عليها البحث العلمي في العلوم الطبيعية بصفتها المواد الرئيسية له، وبين الظواهر التأريخية التي يقوم على أساسها البحث التأريخي بصفتها موادَّ أولية له فالمواد في العلوم الطبيعية ظواهر معاصرة للعالم الطبيعي، موجودة في مختبره، يستطيع مشاهدتها وتسليط الضوء العلمي عليها، وبالتالي وضع تفسير كامل لها وعلى العكس من ذلك تماماً المواد التي يملكها الباحث التأريخي ؛ فإنّه لدى محاولة استكشاف العوامل الأساسية في المجتمع وكيفية نشوئه وتطوّره، مضطرٌ إلى الاعتماد في تكوين مواد
البحث، وفي الاستنتاج والتفسير، على كثير من الظواهر التأريخية للمجتمع التي لا يستطيع الباحث مشاهدتها إلاّ من خلال النقل والرواية، أو من خلال بعض الآثار التأريخية الباقية، ونذكر على سبيل المثال إنجلز، بوصفه باحثاً تأريخياً حاول في كتابه ( أصل العائلة ) تفسير الظواهر الاجتماعية علمياً، فاضطر إلى الاعتماد - بصورة رئيسية - في استنتاجاته على روايات ومزاعم مؤرّخ أو رحّالة معيّن، هو ( مورغان ).
وهكذا يختلف البحث التأريخي عن البحث الطبيعي من ناحية المادة ( الظواهر )، التي يملكها الباحث، ويقيم عليها تفسيره واستنتاجه.
ولا يقف اختلافهما عند هذا الحد ؛ فإنّهما كما يختلفان من ناحية المادة، كذلك يوجد سبب آخر لاختلافهما من ناحية الدليل الذي يمكن للباحث استخدامه في سبيل تدعيم هذا التفسير العلمي أو ذاك.
فإنّ الباحث التأريخي حين يحصل على مجموعة من الظواهر والأحداث التأريخية لا يملك تجاهها تلك الإمكانيات التي يملكها الفيزيائي - مثلاً - تجاه الذرة وظواهرها، ونواتها وكهاربها وإشعاعاتها ؛ لأنّ الباحث التأريخي مضطر لأخذ الظواهر والأحداث التأريخية كما هي، ولا يمكنه أن يطوّر أو يغيّر شيئاً منها عن طريق التجربة وأمّا العالم الفيزيائي فهو يستطيع أن يجري تجاربه المختلفة على المادة التي يعالجها، ويستبعد منها ما يشاء، ويضمّ إليها ما يشاء وحتى في المجال الذي لا تخضع المادة المدروسة فيه للتغيير، كعلم الفلك، يمكن للعالم الفلكي أن يغيّر من علاقاته بتلك المادة بواسطة التلسكوب، ومن موقعه واتجاهاته.
وعجز الباحث التأريخي عن القيام بتجارب على الظواهر التأريخية والاجتماعية يعني عدم تمكّنه من تقديم دليل تجريبي على نظرياته التي يفسّر بها التأريخ، ويستكشف أسراره.
فلا يستطيع - مثلاً - لدى محاولة الكشف عن العامل الأساسي لظاهرة تأريخية معيّنة - أن يستعمل الأساليب العلمية الأساسية التي يقرّرها المنطق التجريبي، ويستعملها العلماء الطبيعيون، كطريقتي: الاتفاق والاختلاف، الطريقتين الرئيسيتين في الاستدلال التجريبي ؛ لأن هاتين الطريقتين تتوقّفان كلاهما على إضافة عامل بأسره أو حذف عامل بأسره لنرى مدى ارتباطه مع عامل آخر فلكي يثبت علمياً أن ( ب ) هي سبب ( أ ) يجمع بينهما في ظروف مختلفة، وهذه هي طريقة الاتفاق، ثمّ يعزل ( ب ) ؛ ليرى هل يزول ( أ ) تبعاً لذلك، وهذه هي طريقة الاختلاف ومن الواضح أنّ الباحث التأريخي لا يتمكّن من تغيير الواقع التأريخي للإنسانية، ولا يقدر على شيء من ذلك.
ولنأخذ مثلاً على ذلك: الدولة بوصفها ظاهرة تأريخية، والحرارة بوصفها ظاهرة طبيعية فإنّ العالم الطبيعي إذا حاول أن يفسّر الحرارة تفسيراً علمياً ويستكشف السبب الرئيسي لها، أمكنه أن يفترض: أنّ الحركة هي سبب الحرارة، إذا أدرك اقترانهما في حالات عديدة ولكي يتأكّد من صحّة هذا الافتراض يستعمل طريقة الاتفاق، فيقوم بعدّة تجارب يحاول في كل واحدة منها إبعاد شيء من الأشياء التي تقترن بالحركة والحرارة، ليتأكّد من أنّ الحرارة توجد بدونه، وأنّه ليس سبباً لها ويستعمل أيضاً طريقة الاختلاف، فيحاول أن يقوم بتجربة يفصل فيها الحركة عن الحرارة ؛ ليتبيّن ما إذا كان من الممكن
أن توجد حرارة بدون حركة، فإذا كشفت التجربة أنّ الحرارة توجد متى ما وجدت الحركة، مهما كانت الظروف والأحداث الأُخرى، وأنّها تختفي في الحالات التي لا توجد فيها حركة ثبت علمياً أنّ الحركة هي سبب الحرارة.
وأمّا الباحث التأريخي، حين يتناول الدولة بصفتها ظاهرة تأريخية في حياة الإنسان، فهو قد يفترض أنّها نتاج مصلحة اقتصادية لفئةٍ معيّنة من المجتمع، ولكنّه لا يستطيع أن يدحض الافتراضات الأُخرى بالتجربة فلا يمكنه - مثلاً - أن يبرهن تجريبياً على أنّ الدولة ليست نتاجاً لنزعة سياسية في نفس الإنسان، أو لحالة تعقيد معيّنة في الحياة المدنية والاجتماعية ؛ لأنّ غاية ما يتاح للباحث التأريخي أن يضع إصبعه على عدد من الحالات التأريخية التي اقترن فيها ظهور الدولة بمصلحة اقتصادية معيّنة، ويحشد عدداً من الأمثلة التي وجد فيها الدولة والمصلحة الاقتصادية معاً وهذا ما يسمّى في المنطق التجريبي أو العلمي بطريقة: ( التعداد البسيط ).
ومن الواضح أنّ طريقة التعداد البسيط هذه لا تبرهن علمياً على أنّ المصلحة الاقتصادية الطبقية هي السبب الأساسي الوحيد لظهور الدولة ؛ إذ من الجائز أن يكون للعوامل الأُخرى أثرها الخاص في تكوين الدولة، وحيث إنّ الباحث لا يستطيع أن يغيّر الواقع التأريخي - كما يغيّر الفيزيائي الظواهر الطبيعية بتجاربه - فهو لا يتمكّن من إفراز وعزل سائر العوامل الأُخرى عن واقع المجتمع ليدرس نتيجة هذا العزل، ويتبيّن: ما إذا كانت الدولة - كظاهرة اجتماعية - ستزول بعزل تلك العوامل أو لا.
ويُستخلص ممّا سبق: أنّ البحث التأريخي يختلف عادة عن البحوث
العلمية الطبيعية من ناحية المادة التي يقوم على أساسها الاستنتاج أوّلاً، ومن ناحية الدليل الذي يدعم ذلك الاستنتاج ثانياً وإذا استبعدنا الدليل التجريبي الدقيق عن نطاق البحث التأريخي لم يبقَ لدى مفسّري التأريخ إلاّ الملاحظة المنظّمة التي تحاول أن تستوعب أكبر مقدار ممكن من أحداث التأريخ وظواهره، حيث يأخذها الباحث التأريخي كما هي، ويحاول أن يفسّرها ويضع لها مفاهيمها العامة، على طريقة التعداد البسيط.
وعلى هذا الأساس نعرف: أنّ الماركسية لم تكن تملك - حين وضعت مفهومها الخاص عن التأريخ - سنداً علمياً لها سوى الملاحظة التي رأتها الماركسية كافية للتدليل على وجهة نظرها المعيّنة إلى التأريخ وأكثر من هذا، أنّها زعمت: أنّ الملاحظة المحدودة في نطاق تأريخي ضيّق تكفي وحدها لاستكشاف قوانين التأريخ كلّها، واليقين العلمي بها فقد قال إنجلز:
( ولكن فيما كان البحث عن هذه الأسباب المحرّكة في التأريخ مستحيلاً تقريباً في سائر المراحل السابقة ؛ بسبب تعثّر علاقتها وتخفّيها مع ردود الفعل التي تؤثّر بها، فإنّ عصرنا قد بسط هذه العلائق كثيراً، بحيث أمكن حلّ اللغز، فمنذ انتصار الصناعة الكبرى لم يعد خافياً على أحد في إنكلترا بأنّ النضال السياسي كلّه يدور فيها حول طموح طبقتين إلى السلطة، ألا وهما: الأرستقراطية العقارية، البرجوازية )(١) .
____________________
(١) لودفيج فيورباخ: ص ٩٥.
ومعنى هذا: أنّ ملاحظة الوضع الاجتماعي في فترة معيّنة من حياة أوروبا، أو انكلترا خاصة، كانت كافية في رأي المفكر الماركسي الكبير إنجلز لليقين العلمي بأنّ العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي هو العامل الأساسي في التأريخ الإنساني كلّه، بالرغم من أنّ فترات التأريخ الأُخرى لا تكشف عن ذلك ؛ لأنّها غائمة معقّدة كما اعترف بذلك ( إنجلز ) نفسه، فمشهد واحد من مشاهد التأريخ في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر استطاع أن يقنع الماركسية بأنّ القوى المحرّكة للتأريخ عبر عشرات الآلاف من السنين هي قوى العامل الاقتصادي، يقنعها بذلك لا لشيءٍ، إلاّ لأنّ هذا العامل هو الذي بدا لها أنّه مسيطر على ذلك المشهد التأريخي الخاص، مشهد انكلترا في تلك الفترة المحدودة من تأريخها مع أنّ سيطرة عامل معيّن على مجتمع في فترة خاصة، لا تكفي للتدليل على سيطرته الرئيسية في كلّ أدوار التأريخ وفي كلّ المجتمعات، إذ قد يكون لهذه السيطرة نفسها أسبابها وعواملها الخاصة فيجب قبل إصدار الأحكام النهائية في حقّ التأريخ أن يُقارَن المجتمع الذي بدا العامل الاقتصادي مسيطراً عليه بالمجتمعات الأُخرى، حتى يبحث عمّا إذا كان لهذه السيطرة ظروفها وأسبابها الخاصّة.
ومن الجدير بنا بهذا الصدد أن نلاحظ كلاماً آخر لإنجلز ساقه في مناسبة أخرى، وهو يعتذر عن أخطاء وقع فيها من جراء تطبيق الديالكتيك على غير المجتمع من مجالات الكون والحياة، قائلاً:
( وغني عن البيان بأنّني كنت قد عمدت إلى سرد المواضيع في الرياضيات والعلوم الطبيعية سرداً عاجلاً وملخّصاً ؛ بغية أن أطمئنّ تفصيلاً إلى ما لم أكن في
شكّ منه بصورة عامة، إلى أنّ نفس القوانين الديالكتيكية للحركة التي تسيطر على العفوية الظاهرة للحوادث في التأريخ تشقّ طريقها في الطبيعة )(١) .
ونحن إذا قارنا هذا الكلام بالكلام السابق لإنجلز استطعنا أن نعرف كيف أتيح لمفكّر ماركسي مثل إنجلز أن يكوّن مفهومه العامّ عن التأريخ، وبالتالي مفهومه الفلسفي عن الكون والحياة وكلّ ظواهرها من خلال الضوء الذي يلقيه مشهد تأريخي واحد لمجتمع خاص من المجتمعات البشرية في فترة محدودة من الزمن بطريقة سهلة جداً فما دام هذا المشهد التأريخي المعيّن يكشف عن صراع بين جماعتين في المجتمع فيجب أن يكون التأريخ كلّه صراعاً بين المتناقضات وإذا كان التناقض هو الذي يسود التأريخ فيكفي هذا ليؤمن إنجلز بأنّ نفس قوانين التناقض هذه تشقّ طريقها في الطبيعة - على حد تعبيره - وأنّ الكون كلّه صراع بين مختلف التناقضات الداخلية.
____________________
(١) ضد دوهرنك ج ٢: ص ١٩٣.
الملحق رقم - ٢
سننُ التاريخ
الطريقة القرآنية في عرض سنن التاريخ:
الفكرة القرآنية عن سنن التاريخ بُلورت في عدد كثير من الآيات بأشكال مختلفة وبأساليب متنوّعة:
١ - أُسلوب إعطاء الفكرة بصيغتها الكليّة:
من الآيات الكريمة التي أُعطيت فيها الفكرة الكليّة، فكرة أنّ التاريخ له سنن وضوابط ما يلي:
( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إذا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (١) .
( ولكل أُمّةٍ اجلٌ فإذا جاء أجلُهم لا يستأخِرونَ ساعةً ولا يستقدمون ) (٢) .
____________________
(١) يونس: ٤٩.
(٢) الأعراف: ٣٤.
في هاتين الآيتين الكريمتين، أُضيف الأجل إلى الأُمّة، إلى الوجود المجموعي للناس، لا إلى هذا الفرد أو ذاك الفرد بالذات هناك إذن وراء الأجل المحدود المحتوم لكل إنسان بوصفه الفردي، أجل آخر وميقات آخر للوجود الاجتماعي للأُمّة، بوصفها مجتمعاً ينشئ ما بين أفراده العلاقات، والصلات القائمة على مجموعة من الأفكار، والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليات.
هذا المجتمع، الذي يعبّر عنه القرآن بالأُمّة، له حياة وحركة وأجل وموت، كما أنّ الفرد يتحرك فيكون حيّاً ثم يموت، كذلك الأُمّة تكون حيّة ثم تموت، وكما أنّ موت الفرد يخضع لأجل وقانون وناموس، كذلك الأُمم لها آجالها المضبوطة المحدودة وفق نواميس معيّنة.
هاتان الآيتان الكريمتان فيهما عطاء واضح للفكرة الكلّية، فكرة أنّ التاريخ له سنن تتحكّم به وراء السنن الشخصية التي تتحكم في الأفراد بهوياتهم الشخصية.
ويقول تعالى:
( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) (١) .
ظاهر هذه الآية، أنّ الأجل الذي يترقب أن يكون قريباً، أو يهدد هؤلاء أن يكون قريباً هو الأجل الجماعي، لا الأجل الفردي ؛ لأنّ قوماً بمجموعهم لا يموتون عادة في وقت واحد، وإنّما الجماعة بوجودها المعنوي الكلّي هي التي يمكن أن يكون قد اقترب أجلها فالأجل
____________________
(١) الأعراف: ١٨٥.
الجماعي هنا يعبّر عن حالة قائمة بالجماعة، لا عن حالة قائمة بهذا الفرد أو بذاك ؛ لأنّ الناس تختلف آجالهم حينما ننظر إليهم بالمنظار الفردي، أمّا حينما ننظر إليهم بالمنظار الاجتماعي، بوصفهم مجموعة واحدة متفاعلة في ظلمها وعدلها، في سرّائها وضرائها، يكون لهم عندئذٍ، أجل واحد.
يقول تعالى:
( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) (١)
( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُسَمّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (٢) .
( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ) (٣) .
هذه الآيات تشير إلى ظلم الناس، وتقول إنّ الله، لو أخذ الناس بظلمهم وبما كسبوا لما ترك على ساحة الناس من دابة، بعض المفسّرين حار في تصوير هذا المفهوم القرآني ؛ لأنّ الناس ليسوا كلهم ظالمين عادة، فيهم الأنبياء وفيهم الأئمّة، وهل يمكن أن يشمل الهلاك الأنبياء والأئمّة العدول من المؤمنين ؟ وذهب بعضهم مستنداً بهذه الآيات إلى
____________________
(١) الكهف: ٥٨ - ٥٩.
(٢) النحل: ٦١.
(٣) فاطر: ٤٥.
إنكار عصمة الأنبياءعليهمالسلام .
هذه الآيات تتحدث في الحقيقة عن عقاب دنيوي لا عقاب أُخروي، تتحدث عن النتيجة الطبيعية لما تكسبه أُمّة عن طريق الظلم والطغيان وهذه النتيجة الطبيعية لا تختص حينئذ بالظالمين من أبناء المجتمع، بل تعم أبناء المجتمع على اختلاف هوياتهم، وعلى اختلاف أنحاء سلوكهم تشمل موسىعليهالسلام وهو أطهر الناس وأزكى الناس وأشجع الناس على مواجهة الظلمة والطواغيت، حينما وقع التيه على بني إسرائيل نتيجة ما كسب هذا الشعب بظلمه وطغيانه وتمردّه، حينما تقرر أن يتيه بنو إسرائيل أربعين عاماً نتيجة ظلمهم شمل موسى أيضاً ؛ لأنّه من تلك الأُمّة.
وحينما حل البلاء والعذاب بالمسلمين نتيجة انحرافهم، فأصبح يزيد بن معاوية خليفة عليهم يتحكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعقائدهم، لم يختص هذا البلاء بالظالمين من المجتمع الإسلامي بل شمل حينئذ الحسين بن علي (عليهماالسلام ) وهو أطهر الناس وأزكى الناس، وأطيب الناس، وأعدل الناس، فقتل تلك القتلة الفظيعة هو وأصحابه وأهل بيته.
هذا هو منطق سنّة التاريخ، حينما يأتي العذاب في الدنيا على مجتمع، وفق هذه السنّة لا يختص بالظالمين من أبناء ذلك المجتمع ؛ ولذلك قال تعالى في آية أُخرى:
( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (١) .
____________________
(١) الأنفال: ٢٥.
هذا بينما نجد حديث القرآن عن العقاب الأخروي ينصبّ على العمل مباشرة.
( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى ) (١) .
ويقول تعالى:
( وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) (٢) .
هذه الآية الكريمة أيضاً تؤكّد المفهوم العام ويقول فيها تعالى:( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) يقول فيها لنبيّه: هذه سنّة سلكناها مع الأنبياء من قبلك، وسوف تستمر، ولن تتغيّر أهل مكّة يحاولون أن يستفزوك لتخرج من مكّة ؛ لأنّهم عجزوا عن إمكانية القضاء عليك وعلى كلمتك وعلى دعوتك.
في هذه الآية إشارة إلى سنّة تاريخية، سنشرحها فيما بعد، هي أنّ عملية المعارضة إذا وصلت إلى مستوى إخراج النبي من البلد، فلا يلبثون بعده إلاّ قليلاً وليس المقصود من ذلك أنّ عذاب الله سينزل عليهم من السماء، وإنّما المقصود في أكبر الظن أنّ المعارضين لا يمكثون بعد خروج النبي كجماعة صامدة ذات موقع اجتماعي، بل سينهار هذا الموقع وهذا ما حدث بالفعل في مكّة فحين أخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من مكّة لم تمكث المعارضة بعده إلاّ قليلاً ؛ إذ فقدت المعارضة في مكّة موقعها وتحوّلت هذه المدينة إلى جزء من دار
____________________
(١) فاطر ١٨.
(٢) الإسراء ٧٦ و ٧٧.
الإسلام بعد سنين معدودة الآية تتحدث إذن عن سنّة من سنن التاريخ، وتؤكّد على ذلك:( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) .
ويقول تعالى:
( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) (١) .
هذه الآية تؤكّد على السنن، وتؤكّد على التتبّع لأحداث التاريخ من أجل استكشاف، هذه السنن والاعتبار بها.
يقول تعالى:
( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ) (٢) .
هذه الآية أيضاً تثبّت قلبَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتحدثه عن التجارب السابقة، وتربطه بقانون التجارب السابقة، وتوضح له أنّ هناك سنّة تجري عليه، وتجري على الأنبياء الذين مارسوا التجربة قبله، وأنّ النصر سوف يأتيه ولكنّ للنصر شروطه الموضوعية: الصبر . والثبات . واستكمال الشروط، ولا مبدّل لكلمة الله، كلمة الله لا تتبدل على مرّ التاريخ، هذه الكلمة هي علاقة قائمة بين النصر وبين مجموعة من الشروط والقضايا والمواصفات، التي وُضّحت في آيات متفرقة، وأُشير إليها هنا على وجه الإجمال.
هناك إذن سنّة للتاريخ:
____________________
(١) آل عمران ١٣٧.
(٢) الأنعام ٣٤.
( فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاّ نُفُورًا * اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (١) .
( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) (٢) .
٢ - أُسلوب استعراض نماذج مِن سنن التاريخ:
يقول تعالى:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (٣) .
هذه الآية تقرّر أنّ المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة، والوضع الاجتماعي هو البناءُ العلوي، وأنّ هذا البناءَ العلوي لا يتغيّر إلاّ وفقاً لتغيير القاعدة على ما يأتي شرحه بعد ذلك إن شاء الله.
خارجُ الإنسان - استناداً إلى هذه الآية - يصنعه داخل الإنسان وإذا تغيّر ما بنفس القوم تغيّر وضعهم، وعلاقتهم، والروابط التي تربط بعضهم ببعض.
هذه سنّة مِن سنن التاريخ ربطت القاعدة بالبناء العلوي.
( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (٤) .
ويقول تعالى:
____________________
(١) فاطر: ٤٣.
(٢) الفتح: ٢٢ - ٢٣.
(٣) الرعد: ١١.
(٤) الأنفال: ٥٣.
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (١) .
هذه الآية تستنكر على مخاطبيها أن يأملوا في أن يكون لهم استثناء من سنن التاريخ، وتقول لهم: هل تأملون أن تدخلوا الجنّة وأن تحقّقوا النصر، وأنتم لم تعيشوا ما عاشته تلك الأُمم التي انتصرت ودخلت الجنة من ظروف البأساء والضرّاء، التي تصل إلى حدّ الزلزال على ما عبّر القرآن الكريم ؟!.
إن هذه الحالات، حالات البأساء والضرّاء، التي تتعملق على مستوى الزلزال، هي في الحقيقة مدرسة للأمة، وامتحان لإرادة الأُمّة، ولصمودها، ولثباتها، كي تستطيع بالتدريج أن تكتسب القدرة على أن تكون أمة وسطاً بين الناس نصر الله إذن قريب، لكن له طريق ولكي تهتدي في الطريق إلى نصر الله سبحانه وتعالى، لا بدّ وان تعرف منطق التاريخ فيه قد يكون الدواء قريباً من المريض، لكنه لا يستطيع أن يستعمل هذا الدواء، حتّى ولو كان قريباً منه، إذا كان هذا المريض لا يعرف المعادلة العلمية التي تُثبت أنّ هذا الدواء يقضي على جرثومة دائه.
الإطلاع على سنن التاريخ هو الذي يمكّن الإنسان من التوصل إلى النصر.
ويقول تعالى:
( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ
____________________
(١) البقرة ٢١٤.
كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) (١) .
هذه الآية تبيّن علاقة قائمة بين النبوّة على مرّ التاريخ، وبين موقع المُترفين والمسرفين في الأُمم والمجتمعات هذه العلاقة تمثل سنة من سنن التاريخ، وليست ظاهرة وقعت في التاريخ صدفة، وإلاّ لَما تحدّثت عنها الآية بهذا الشكل المطّرد: ( وما أرسَلنا في قَريةٍ من نَذيرٍ إلاّ قالَ مترفُوها ..).
هناك إذن علاقة سلبيّة، وعلاقة تَطاردٍ وتناقض بين موقع النبوّة الاجتماعي في حياةِ الناس على الساحةِ التاريخية والموقع الاجتماعي للمترفين والمسرفين هذه العلاقة جزء من رؤية موضوعية عامة للمجتمع سوف نوضحها في بحث دور النبوة في المجتمع إن شاء الله، سوف يتضح حينئذ أنّ النقيض الطبيعي للنبوة هو موقع المترفين والمسرفين هذه الآية تتحدث إذن عن سنة تاريخية.
ويقول تعالى:
( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) (٢) .
هذه الآية تتحدّث عن علاقة معينة بين ظلم يسود ويسيطر وبين هلاك تُجرّ الأُمّة إليه جرّاً، وتتحدّث عن اطرادِ هذه العلاقة على مرّ التاريخ، وهي سنّة مِن سُنن التاريخ.
ويقول تعالى:
____________________
(١) سبأ: ٣٤ - ٣٥.
(٢) الإسراء: ١٦ - ١٧.
( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (١) .
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٢) .
( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) (٣) .
( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) (٤) .
هذه الآيات الثلاث تتحدّث عن علاقةٍ معيّنةٍ، هي العلاقة بين الاستقامة وتطبيق أحكام الله سبحانه وتعالى، وبين وفرة الخيرات وكثرة الإنتاج، أو بلغة اليوم: تتحدث عن العلاقة بين عدالة التوزيع ووفرة الإنتاج.
القرآن يشير إلى عدالة التوزيع تارة بعبارة( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ . ) وتارة بعبارة( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا ) ، ومرة أُخرى بعبارة:( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ) ؛ لأنّ شريعة السماء نزلت من أجل تقرير عدالة التوزيع، ومن أجل إنشاء علاقات التوزيع على أُسس عادلة.
ويقول القرآن، لو أنّهم طبّقوا عدالة التوزيع لما وقعوا في ضيق وفقر من ناحية الثروة المنتجة، ولازداد الثراء والمال وازدادت الخيرات
____________________
(١) المائدة: ٦٦.
(٢) الأعراف: ٩٦.
(٣) الجن: ١٦.
(٤) الزخرف: ٢٢.
والبركات لكنّهم تخيّلوا أنّ عدالة التوزيع تقتضي الفقر، خلافاً للسنّة التاريخية التي تؤكّد عكس ذلك تؤكّد أنّ تطبيق شريعة السماء، وتجسيد أحكامها في علاقات التوزيع يؤدّي دائماً وباستمرار إلى زيادة الإنتاج والى كثرة الثروة، والى أن يفتحَ اللهُ على الناسِ بركات السماء والأرض هذه إذن سنّة من سننِ التاريخ.
٣ - أُسلوب التأكيد على الاستقرار والنظر والتدبير في الحوادث التاريخية:
من أجل تكوين نظرة استقرائية والخروج بنواميس وسنن كونيّة للساحة التاريخية، قال تعالى:
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) (١) .
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) (٢) .
( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (٣) .
( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
____________________
(١) محمد: ١٠.
(٢) يوسف: ١٠٩.
(٣) الحج: ٤٥ - ٤٦.
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (١) .
من مجموع هذه الآيات يتبلور المفهوم القرآني، الذي يقرّر أنّ الساحة التاريخية مثلُ كلّ الساحات الكونية الأُخرى، لها سنن وضوابط.
هذا المفهوم القرآني يُعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم، لأنّ القرآن - بحدود ما نعلم - أوّل كتاب عرفه الإنسان ضمّ بين دفّتيه هذا المفهوم وكشف عنه، وأصرّ عليه، وقاوم بكل ما لديه من وسائل الإقناع والتفهيم النظرة العفوية، أو النظرةَ الغيبية الاستسلامية لتفسير الأحداث.
كانت النظرةُ السائدة تتجه نحو تفسير أحداث التاريخ، بوصفها كومة متراكمة من الأحداث، على أساس الصدفة تارة، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى تارة أُخرى.
القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية، وقاوم النظرة الاستسلامية ونبّه العقل البشري إلى أنّ لهذه الساحة سنناً وقوانين.
وحثّ الإنسان على أن يكتشف هذه القوانين، ويتعرّف عليها من أجل أن يكون إنساناً فاعلاً، ومن أجل أن يتحكّم في هذه القوانين وإلاّ حكمت هذه السنن في الإنسان وهو مغمض العينين وقال له: افتح عينيك على هذه القوانين وعلى هذه السنن لكي تكون أنت المتحكّم فيها، لا أنْ تكون هذه السنن هي المتحكّمة فيك.
هذا الفتح القرآني الجليل هو الذي مهّد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون، إلى أن تجري محاولات لفهم التاريخ فهماً علمياً.
____________________
(١) ق: ٣٦ - ٣٧.
بعد نزول القرآن بثمانية قرون، بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه، ثم بعد ذلك بأربعة قرون ( على أقل تقدير) اتجه الفكر الأوروبي في بدايات ما يسمّى بعصر النهضة إلى تجسيد هذا المفهوم، الذي ضيّعه المسلمون ولم يتوغّلوا إلى أعماقه.
هذا المفهوم أخذه الفكر الغربي في بدايات عصر النهضة، وبدأت هناك أبحاث متنوّعة ومختلفة حول فهم التاريخ وفهم سننه ونشأت على هذا الأساس اتجاهات مثاليّة ومادية ومتوسطة ومدارس متعددة، كل واحدة منها تحاول أن تحددّ نواميس التاريخ وقد تكون المادية التاريخية أشهر هذه المدارس، وأوسعها انتشارا وأكثرها تأثيراً في التاريخ نفسه هذا الجهد البشري إذن كلّه في الحقيقة استمرار لهذا التنبيه القرآني، ويبقى القرآن الكريم مجدُه في أنّه طرح هذه الفكرة لأول مرّة على ساحة المعرفة البشرية.
ثلاث حقائق قرآنية عن سنن التاريخ
الحقيقة الأُولى: الاضطراد
أي إنّ السنّة التاريخية مضطردة، ذات طابع موضوعي لا يختلف في الحالات الاعتيادية التي تجري فيها الطبيعة والكون على السنن العامة، والتأكيد على طابع الاضطراد في السنّة هو تأكيد على الطابع العلمي للقانون التاريخي ؛ لأنّ الاضطراد والتتابع وعدم التخلّف أهم ما يميّز القانون العلمي عن بقيّة المعادلات والفروض.
من هنا استهدف القرآن الكريم من خلال التأكيد على طابع
الاضطراد في السنّة التاريخية أن يؤكد على الطابع العلمي لهذه السنة، من اجل تربية الإنسان على ذهنية علمية واعية يتصرّف في إطارها ومن خلالها مع أحداث التاريخ، ومن أجل إبعاد الإنسان عن الذهنية العشوائية المستسلمة الساذجة.
وقد مرّت بنا في الآيات السابقة هذه التأكيدات:
( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) (١) ( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ) (٢) ( وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله ) (٣) كما مرّ بنا رفضُ القرآن لأيّ استثناء في سنن التاريخ في الآية:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ) (٤) .
الحقيقة الثانية: ربّانية السنّة التاريخية
إنّ السنّة التاريخية ربّانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى: ( سنّة الله )، ( كلمات الله ) ونظائرها من التعبير تؤكّد هذه الحقيقة وهذا التأكيد من القرآن الكريم على ربّانية السنّة التاريخية، وعلى طابعها الغيبي، ستهدف شدّ الإنسان بالله سبحانه وتعالى، حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعية للكون ويستهدف إشعار الإنسان بأنّ الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونية، والاستفادة من مختلف القوانين والسنن المتحكّمة في هذه الساحات لا يعنيان انعزال الإنسان عن الله تعالى ؛ لأنّ الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن ،
____________________
(١) الأحزاب: ٦٢.
(٢) الإسراء: ٧٧.
(٣) الأنعام: ٣٤.
(٤) البقرة: ٢١٤.
ولأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله، وهي ممثّلة لحكمة الله وتدبيره في الكون.
قد يَتوهم البعضُ أنّ الطابع الغيبي الذي يُلبسه القرآن الكريم للتاريخ، وللسنَنِ التاريخية، يُبعد القرآن عن التفسير العلمي الموضوعي للتاريخ، ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتاريخ، الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكّرين المسيحيين واللاهوتيين من أمثال أغسطين حيث فسّروا التاريخ تفسيراً إلهياً.
هذا التوهّم ناشئ في الحقيقة عن خلط بين طريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنّة التاريخية، وبين ما يسمّى بالتفسير الإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت.
هناك فرق كبير بين هذين الاتجاهين، وهاتين النزعتين، هو أنّ الاتجاه اللاهوتي للتفسير الإلهي للتاريخ يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادثة مع بقيّة الحوادث، وبديلاً عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة التاريخية والتي تمثّل السنن والقوانين الموضوعية لهذه الساحة.
أمّا القرآن الكريم، فهو لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، ولا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها بالسماء، ولا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديل عن العلاقات والأسباب والمسبّبات القائمة على هذه الساحة التاريخية، بل إنّه يربط السنّة التاريخية بالله، ويربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله.
القرآن يقرّر أولاً وجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلا أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى، وحسن تقديره وبنائه التكويني للساحة التاريخية.
الفرق بين الاتجاهين يمكن توضيحه بالمثال التالي: قد يفسّر إنسان ظاهرة المطر الطبيعية بأنّ المطر نزل بإرادة من الله سبحانه وتعالى، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعية التي نجم عنها نزول المطر، وكأنّ نزول المطر حادثة لا علاقة لها بالأسباب الطبيعية وغير منسوبة لها، وإنّما هي مفردة ترتبط مباشرة بالله سبحانه وتعالى بمعزل عن تيّار الحوادث هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلمي لظاهرة المطر.
أمّا إذا قال شخص إنّ ظاهرة المطر لها أسبابها وعلاقاتها وإنّها مرتبطة بالدورة الطبيعية للماء، أي إنّ الماء يتبخّر فيتحول إلى غاز، والغاز يتصاعد سحاباً، والسحاب يتحوّل بالتدريج إلى سائل نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر وقال إنّ التسلسل السببي المتقن، وهذه العلاقات المتشابكة بين الظواهر الطبيعية هي تعبير عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته مثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي للتفسير الموضوعي لظاهرة المطر ؛ لأنّ هذا الشخص ربط سنة الحادثة بالله سبحانه وتعالى، مع عدم عزلها عن بقيّة الحوادث وعدم قطع ارتباطها بمؤثّراتها وأسبابها.
القرآن الكريم حين يسبغ الطابع الرباني على السنّة التاريخية لا يريد إذن، أن يتجه اتجاه التفسير الإلهي في التاريخ، ولكنّه يريد التأكيد أنّ هذه السنن ليست خارجة من وراء قدرة الله تعالى، وإنّما هي تعبير
وتجسيد وتحقيق لقدرة الله، وهي كلماته وسننه وإرادته وحكمته في الكون من أجل أن يبقى الإنسان مشدوداً إلى الله، وتبقى الصلة وثيقة بين العلم والإيمان ؛ فهو ينظر إلى هذه السنن نظرة إيمانية في نفس الوقت الذي ينظر فيه إليها نظرة علمية.
القرآن الكريم بلغ في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية، وعدم جعلها مرتبطة بالصدف أن أناط نفس العمليات الغيبية في كثير من الحالات بالسنة التاريخية نفسها أيضاً.
الإمداد الإلهي الغيبي الذي يساهم في كسب النصر، جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسنّة التاريخية ومرتبطاً بظروفها غير مُنْفك عنها هذه الروح أبعد ما تكون عن تفسير التاريخ على أساس الغيب، وإنّما هي روح تفسر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم.
قرأنا فيما سبق صيغة من صيغ السنن التاريخية للنصر في قوله تعالى:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا . )
وفي موضع آخر من القرآن نلاحظ هذا الربط أيضاً بين الإمداد الإلهي الغيبي الذي يساهم بالنصر، والسنّة التاريخية ؛ حيث يقول تعالى:
( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آَلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْحَكِيمِ ) (١) .
هناك إمداد إلهي غيبي، ولكنّه مشروط بسنّة التاريخ، مشروط بقوله:( بَلَى إنْ تصبروا وَتتقوا ) .
من هذا يتضح أنّ الطابع الربّاني الذي يسبغه القرآن على سنن التاريخ بديلاً عن التفسير الموضوعي، وإنّما هو ربط هذا التفسير الموضوعي بالله سبحانه وتعالى، من أجل إتمام اتجاه الإسلام نحو التوحيد بين العلم والإيمان في تربية الإنسان المسلم.
الحقيقة الثالثة: اختيار الإنسان
إنّ البحث في سنن التاريخ خلق توهّماً عند كثير من المفكّرين بشأن وجود تعارض وتناقض بين حرية الإنسان واختياره، وبين سنن التاريخ هؤلاء ظنّوا أنّهم أمام اختيارين: إمّا أن يؤمنوا بأنّ للتاريخ سننه وقوانينه، وبذلك يتنازلون عن إرادة الإنسان واختياره، وإما أن يسلّموا بأنّ الإنسان كائن حرٌ مريد مختار، وبهذا يجب أن يلغوا سنن التاريخ وقوانينه.
هذا التوهّم عالجه القرآن مؤكّداً أنّ إرادة الإنسان هي المحور في تسلسل الأحداث والقضايا وسوف أتناول إن شاء الله بعد محاضرتين الطريقة الفنيّة في كيفية التوجيه بين سنن التاريخ وإرادة الإنسان، وكيف استطاع القرآن الكريم أن يجمع بين هذين الأمرين من خلال فحص الصيغ التي يمكن في إطارها صياغة السنّة التاريخية ويكفي الآن أن نستمع إلى قوله تعالى:
____________________
(١) آل عمران: ١٢٥ - ١٢٧.
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .
( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) (٢) .
( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) (٣) .
هذه الآيات توضح أنّ السنن التاريخية لا تجري من فوق يد الإنسان بل تجري من تحت يده فهناك - إذن - مواقف إيجابية للإنسان تمثّل حريته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع جزاءاتها المناسبة ومعلولاتها المناسبة، ضمن علاقات السنن التاريخية.
اختيار الإنسان له - إذن - موضعهُ الرئيسي في التصوّر القرآني لسنن التاريخ.
ميدان السنن التاريخية
ذكرنا من قبل أنّ السنن التاريخية تجري على الساحة التاريخية.
المقصودُ بالساحة التاريخية الساحةُ التي تحوي كلّ تلك الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرّخون والسؤال الذي نطرحه الآن هو: هل إنّ كل هذه الحوادث والقضايا التي يهتم بها المؤرّخون، وتدخل في نطاق مهمتهم التاريخية والتسجيلية، محكومة بسنن التاريخ ذات الطابع النوعي المتميّز عن سنن بقيّة حدود الكون والطبيعة، أو إنّ جزءً معيّناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ ؟ الصحيح إنّ
____________________
(١) الرعد: ١١.
(٢) الجن: ١٦.
(٣) الكهف: ٦٠.
جزءاً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائية أو الفسلجية أو قوانين الحياة أو قوانين أُخرى لمختلف الساحات الكنونية الأُخرى.
موتُ أبي طالب، وموتُ خديجة في سنة معينة حادثة تاريخية هامة تدخل في نطاق ضبط المؤرخين، وهي حادثة ذاتُ بعد في التاريخ ترتّبت عليها آثار كثيرة، ولكنّها لا تحكمها سنّة تاريخية بل تحكمها قوانين فسلجية وحياتية فرضت أن يموت أبو طالب وأن تموت خديجةعليهاالسلام في ذلك الوقت المحدّد وهذه القوانين الفسلجية والحياتية هي التي اقتضت أيضاً أن يمتّد العمر بالخليفة الثالث عثمان بن عفّان إلى أن يُقتل من قِبل الثائرين عليه من المسلمين ولو قُدر لهذا الخليفة أن يموت موتاً طبيعياً وفقاً لقوانينه الفسلجية قَبل يوم الثورة لكان من الممكن أن تتغيّر كثير من ملامح التاريخ كان من المحتمل أن يأتي الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى الخلافة، بدون تناقضات وبدون ضجيج وبدون خلاف امتداد عمر عُثمان إلى مقتله حادثة، أي إنّها تدخل في اهتمامات المؤرّخين ولها بُعد تاريخي أيضاً، ولعبت دوراً سلبياً أو إيجابياً في تكييف الأحداث التاريخية الأُخرى، ولكنّها لا تتحكّم فيها سنن التاريخ، بل يتحكّم فيها قوانين بُنية جسم عثمان، وقوانين الحياة التي أعطته عمراً ناهز الثمانين، مواقفُ عثمان بن عفّان، وتصرّفاته الاجتماعية تدخل في نطاق سنن التاريخ، لكنّ طول عمره مسألة حياتية أو فسلجية أو فيزيائية لا تتحكّم فيها سنن التاريخ.
سننُ التاريخ إذن لا تتحكّم على كلّ الساحة التاريخية، وعلى كل
القضايا التي يدرجها الطبري في تاريخه، بل على ميدان معيّن من هذه الساحات.
الظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ:
الظواهرُ التي تتحكم فيها سنن التاريخ تحمل علامة جديدة غير موجودة في سائر الظواهر الكونية والطبيعية والبشرية الظواهر الكونية الطبيعية كلها تحمل علاقة ظاهرةٍ بسبب، علاقةَ مُسبّبٍ بسبب، علاقةَ نتيجةٍ بمقدمات هذه العلاقة موجودة في كل الظواهر الكونية والطبيعية الغليانُ مثلا ظاهرة طبيعية مرتبطة بظروفٍ معيّنة، بدرجةِ حرارةٍ معيّنةٍ، بدرجة معيّنة من قُرب السائل من مصدر الحرارة هذا الارتباط هو ارتباط المسبّب بالسبب والعلاقةُ هنا سبّبية، إنّها علاقة الحاضر بالماضي وبالظروف المسبقة المنجزة.
وهناك ظواهر على الساحة التاريخية تحمل علاقةً من نمط آخر، وهي علاقةُ ظاهرةٍ بهدف، علاقةُ نشاط بغاية أو ما يسمّيه الفلاسفة بالعلّة الغائية تمييزاً عن العلّة الفاعلية غليانُ الماء بالحرارة يحمل علاقة مع سببه مع ماضيه، لكنّه لا يحمل علاقةً مع غاية وهدف ما لم يتحول إلى فعل إنساني وجهدٍ بشري، بينما العلم الإنساني الهادف يحتوي على علاقةٍ، لا فقط مع السبب والماضي بل مع الغاية غير الموجودة حين إنجاز هذا العمل، وإنّما يُترقّب وجودُها في المستقبل.
العلاقة هنا إذن مع المستقبل لا مع الماضي الغاية تمثل دائماً المستقبل بالنسبة إلى العمل، بينما السبب يمثّل الماضي بالنسبة إلى هذا العمل.
العلاقةُ التي يتميّز بها العمل التاريخي، أي العمل الذي تحكمه سنن التاريخ، هو إنّه عمل هادف يرتبط بعلة غائيّة سواء كانت هذه
الغاية صالحة أو طالحة، نظيفة أو غير نظيفة.
هذه الغايات التي يرتبط بها العمل الهادف المسؤول تؤثّر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة المستقبل أو الهدف، الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي، يؤثّر في تحريك هذا النشاط وبلورته من خلال وجوده الذهني، أي من خلال الفكر الذي يمثّل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شروط ومواصفات.
دائرةُ السنن النوعيّة للتاريخ إذن تنحصر بالفعل المتميّز بظهور علاقة فعلٍ بغاية، ونشاط بهدف، وبالتعبير الفلسفي ظهورِ دورِ العلّة الغائية تنحصر هذه الدائرة بالفعل المتطلّع إلى المستقبل المحرّك لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني الذي يرسم للفاعل غايته، أي من خلال الفكر السننُ النوعية للتاريخ موضوعُها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يحمل علاقة بالغاية والهدف، أي بالعلّة الغائية إضافة إلى العلاقة الموجودة في الظاهرة الطبيعية.
ذكرنا حتى الآن، أنّ العمل التاريخي له بعدان، البعدُ الأول هو ( السبب ) والبعد الثاني هو ( الهدف ) وهنا نضيف أنّه ليس كل عمل له غاية هو عمل تاريخي تجري عليه سنن التاريخ بل لا بدّ من توفّر بعد ثالث كي يكون عملاً تاريخياً، أي عملا تحكمه سننُ التاريخ.
البعدُ الثالث للعمل التاريخي أن يتعدّى هذا العمل الفاعل نفسه، ويتخذ من المجتمع الذي يكون الفاعل أحدَ أفراده، أرضيّة له، ويخلق موجاً ذا درجة معينة ولا يمكن أن يكون العمل تاريخياً إلاّ إذا كان له موج يتعدى حدود العامل الفردي قد يأكلُ الفرد إذا جاع، ويشرب إذا عطش وينام إذا أحسّ بحاجته إلى النوم، لكنّ هذه الأعمال، على الرغم من أنّها أعمال هادفة تريد أن تحقق غايات لا يمتد موجّهاً إلى
أكثر من العامل، خلافاً لعملٍ يقوم به الإنسان من خلال نشاط اجتماعي، وعلاقات متبادلة مع أفراد جماعته.
الأعمال التجارية والقيادية والحربية والسياسية والفكرية لهاموج يتعدى شخص العامل، ويتخذ من المجتمع أرضيةً له، أي يُصبح المجتمع على حدّ تعبير الفلاسفة علّة مادية لهذه الأعمال، تمييزاً لهذه العلّة عن العلّة الفاعلية والعلّة الغائية(١) .
ويعتبر العمل في مثل هذه الحالة عملاً تاريخياً، كما يُعتبر عمل الأُمّة والمجتمع، وإن كان الفاعلُ المباشر في كثيرٍ من الأحيان فرداً واحداً أو مجموعة أفراد.
عمل الفرد وعمل المجتمع:
في القرآن الكريم نجد تمييزاً بين عمل الفرد وعمل المجتمع.
والقرآن الكريم تحدّث في استعراضه للكتب الغيبيّة الإحصائية عن كتاب للفرد وكتاب للأُمّة، عن كتاب يُحصي على الفرد عَملهَ، وعن كتاب يحصي على الأُمّة عملها وهذا تمييز دقيق بين العمل الفردي وعمل الأُمّة، بين العمل الذي له ثلاثة أبعاد والعمل الذي له بعدان، العمل ذو البعدين لا يدخل إلاّ في كتاب الفرد، وأمّا العمل ذو الأبعاد الثلاثة فهو يدخل في الكتابين يدخل في كتاب الأُمّة، ويُعرض على الأُمّة، وتُحاسب الأُمّة على أساسه.
يقول تعالى:
____________________
(١) العامل هنا في المنطق الأرسطي ( علّة فاعليّة ) والهدف ( علّة غائيّة ) وأرضية العمل، أو امتداد موج العمل ( علّة مادية ).
( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) .
القرآن يتحدث هنا عن أُمّة جاثية بين يدي ربّها ويقدم لها كتابها، يقدم لها سجلّ نشاطها الذي مارسته كأُمّة هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ الطبري ؛ لأنّه لا يسجل الوقائع الطبيعية الفسلجية أو الفيزيائية إنما يستنسخ ما كانوا يعملون كأُمّة، يستنسخ الأعمال الهادفة ذات الأبعاد الثلاثة وذات الموج، بحيث يكون العمل منسوباً للأُمّة، وتكون الأُمّة مدعوّة إلى كتابها، ونلاحظ في آية أُخرى قوله سبحانه وتعالى:
( وَكُلَّ إنسان أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (٢) .
الإنسان في هذه الآية هو المرهون بكتابه فلكل إنسان كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله، من حسناته وسيئاته وهفواته وسقطاته، من صعوده ونزوله إلاّ أحصاها، هذا الكتاب دُوِن بعلم مَن لا يغرُبُ عن علمه مثقال ذرة في الأرض قد يفكّر الإنسان أنّ بإمكانه أن يُخفي نقطة ضعفٍ فيه، وأن يخفي ذنباً وسيّئة عن جيرانه وقومه وأُمّته وأولاده، بل وحتى عن نفسه قد يخدعُ نفسَه، ويرى أنّه لم يرتكب سيّئة، لكنّ هذا الكتاب الحقّ لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها هذا كتاب الفرد، وذاك كتابُ الأُمّة.
____________________
(١) الجاثية: ٢٨ - ٢٩.
(٢) الإسراء: ١٣.
يلاحظ من عدد آخر من الآيات القرآنية الكريمة أنّه يوجد إحضار للفرد وإحضار للأُمّة، إضافة إلى وجود كتاب لكل منهما هناك إحضاران بين يدي الله سبحانه وتعالى: إحضارٌ فردي يأتي فيه الإنسان منفرداً لا يملك ناصراً ولا معيناً، ولا يملك شيئاً يستعين به في ذلك الموقف إلاّ العمل الصالح والقلب السليم، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
يقول تعالى:
( إِنْ کُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدّاً * وَ کُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ) (١) .
وهناك إحضار آخر للفرد وسط الجماعة، إحضار للأُمّة بين يدي الله سبحانه وتعالى لقد تحدّث القرآن - كما مرّ بنا - عن الأُمّة الجاثية بين يدي ربّها والمستأنسُ من سياق الآيات الكريمة أنّ الهدف من هذا الإحضار الثاني إعادةُ العلاقات إلى نصابها الحقّ فالعلاقات داخل الأُمّة قد تكون غيرَ قائمة على أساس الحق، فقد يكون الإنسان المستضعف فيها جديراً بأن يكون في أعلى الأُمّة وهذه العلاقات تُعاد إلى نصابها الحقّ في يوم القيامة ؛ ولذلك سمّى القرآن هذا اليوم يوم ( التغابن ) والتغابن يحصل عن طريق اجتماع المجموعة، ثم يأخذ كل إنسان مغبون في موقعه ووجودَه داخل الأُمّة، حقّه، يوم لا كلمة إلا للحقّ.
يقول تعالى:
( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ) (٢) .
____________________
(١) مريم: ٩٣ - ٩٥.
(٢) التغابن: ٩.
هذا التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع ينبغي أن لا يُوقعنا فيما توهّمه عدد كبير من المفكّرين والفلاسفة الأوروبيين الذين ذهبوا إلى أنّ المجتمع كائن عملاق له وجود وحدوي عضوي متميّز عن سائر الأفراد، وأنّ كل فرد ليس إلاّ بمثابة الخليّة في ذلك العملاق الكبير، كما تصوّر ذلك هيجل مثلاً.
هؤلاء أرادوا أن يميّزوا بين عمل المجتمع وعمل الفرد، فذهبوا إلى وجود كائن عضوي واحد عملاق، يلفّ في أحشائه كلّ الأفراد، وكلّ فرد يشكّل خليّة في هذا العملاق الواحد، ونافذة على الواقع والعالم بقدر ما يمكن أن يجسّد هذا العملاق في الفرد من قابلياته وإبداعه فكل قابلية وإبداع، وكل فكر، إنّما هو تعبير عن نافذة من النوافذ التي يعبّر عنها ذلك العملاق الهيجلي.
هذا التصوّر ليس بصحيح، ولسنا في حاجة إليه، وإلى الإغراق في الخيال إلى هذه الدرجة ليس عندنا إلاّ الأفراد، زيد وبكر وخالد، وليس عندنا ذلك العملاق الأُسطوري المستتر مِن ورائهم.
مناقشة هيجل من الزاوية الفلسفية يخرج من حدود هذا البحث ؛ لأنّ التفسير الهيجلي للمجتمع مرتبط بكامل الهيكل النظري لفلسفته، إلاّ أنّنا نريد أن نبيّن موقفنا من هذا التصوّر.
نحن لسنا بحاجة إلى مثل هذا الافتراض الأُسطوري لكي نميّز بين عمل الفرد عمل المجتمع ؛ لأنّ التمييز بين عمل الفرد وعمل المجتمع يتمّ من خلال ما أوضحناه من البُعد الثالث عملُ الفرد هو العمل الذي يكون له بُعدان، فإن اكتسب بعداً ثالثاً كان عمل المجتمع، باعتبار أنّ المجتمع يشكّل أرضية وعلّة مادية له يدخل هذا العمل
حينئذٍ في سجلّ كتاب الأُمّة الجاثية بين يدي ربّها وهذا هو ميزان الفرق بين العملين.
أشكال السنّة التاريخية في القرآن
١ - شكل القضيّة الشرطيّة:
في هذا الشكل تتمثّل السنّة التاريخية في قضية شرطية تربط بين حادثتين، أو مجموعتين من الحوادث على الساحة التاريخية، وتؤكّد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء، وأنّه متى ما تحقّق الشرط تحقّق الجزاء وهذه صياغة نجدها في كثير من القوانين والسنن الطبيعية والكونية في مختلف الساحات الأُخرى.
حين نتحدّث - مثلاً - عن قانون طبيعي لغليان الماء، نتحدث بلغة القضية الشرطية فنقول: إنّ الماء إذا تعرّض إلى الحرارة وبلغت درجة الحرارة مئة في مستوى معيّن من الضغط حينئذ سوف يغلي الماء هذا قانون طبيعي يربط بين الشرط والجزاء ويؤكّد أنّ حالة التعرّض إلى الحرارة، ضمن مواصفات معيّنة تُذكر في طرف الشرط، تستتبع حادثة طبيعية معيّنة ومن الواضح أنّ هذا القانون الطبيعي لا ينبؤنا شيئاً عن تحقق الشرط وعدم تحققه، لا يُنبؤنا هذا القانون الطبيعي عن أنّ الماء سوف يتعرّض للحرارة أولاً، وهل إنّ درجة حرارة الماء ترتفع إلى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون أو لا ترتفع
هذا القانون لا يتعرّض إلى مدى وجود الشرط وعدم وجوده، ولا
ينبؤنا بشيء عن تحقق الشرط إيجاباً أو سلباً، وإنّما يُنبؤنا عن أنّ الجزاء لا ينفك عن الشرط فمتى ما وُجد الشرط وُجد الجزاء، فالغليان نتيجة مرتبطة موضوعياً بالشرط هذا هو كل ما يُنبؤنا عنه هذا القانون المصاغ بلغة القضية الشرطية.
مثل هذه القوانين تقدم خدمة كبيرة للإنسان في حياته الاعتيادية، وتلعب دوراً عظيماً في توجيه الإنسان ؛ لأن الإنسان، ضمن تعرّفه على هذه القوانين، يصبح بإمكانه أن يتصرّف بالنسبة إلى الجزاء، ففي حالة احتياجه إلى الجزاء يعمل على توفير شروط هذا القانون، ومتى ما كان الجزاء متعارضاً مع مصالحه ومشاعره يحاول الحيلولة دون توفّر شروط هذا القانون.
متى كان غليان الماء مقصوداً للإنسان يطبّق شروط هذا القانون، ومتى ما كان غير مقصود للإنسان يحاول أن لا تتطبّق شروط هذا القانون.
القانون الموضوعي المصاغ بشكل القضية الشرطية إذن موجّه عملي للإنسان في حياته، ومن هنا تتجلّى حكمة الله سبحانه وتعالى في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين والروابط المضطردة والسنن الثابتة ؛ لأنّ صياغة الكون ضمن روابط مضطردة وعلاقات ثابتة تجعل الإنسان يتعرّف على موضع قدميه، وعلى الوسائل التي يجب أن يستخدهما لتكييف بيئته وحياته والوصول إلى إشباع حاجته.
لو أنّ الغليان في الماء كان يحدث صدفة، ومن دون رابطة قانونية مضطردة مع حادثة أُخرى كالحرارة، لما استطاع الإنسان أن يتحكّم في هذه الظاهرة، وأن يخلق هذه الظاهرة متى ما كانت حياته بحاجة إليها، وأن يتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة إلى تفاديها وإنّما كانت
له هذه القدرة باعتبار أنّ هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون، وطُرحت على الإنسان على شكل قانون طبيعي وبلغة القضية الشرطية.
نفس الشيء نجده في الشكل الأول من السنن التاريخية القرآنية، فإنّ عدداً كبيراً من السنن التاريخية في القرآن قد صِيغَ على شكل القضية الشرطية، التي تربط بين حادثتين اجتماعيتين أو تاريخيتين، فهي لا تتحدّث عن الحادثة الأُولى، متى توجد ومتى لا توجد، بل تتحدث عن الحادثة الثانية وتقول: متى ما وُجدت الحادثة الأُولى وُجدت الحادثة الثانية.
استعرضنا فيما سبق جملة من الآيات الكريمة التي تتحدث بلغة القضية الشرطية، منها:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .
هذه السنّة التاريخية للقرآن - التي تقدّم الكلام عنها - بُيّنت بلغة القضية الشرطية وأفادت بوجود علاقة بين تغييرين، تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والإنسانية، ومتى ما حصل ذلك التغيير في أنفس القوم ؛ حصل هذا التغيير في بناء القوم وكيانهم.
ومنها:( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) (٢) .
ذكرنا أنّ هذه الآية تتحدث أيضاً عن سنّة من سنن التاريخ ،
____________________
(١) الرعد: ١١.
(٢) الجن: ١٦.
وتربط وفرة الإنتاج بعدالة التوزيع، وهي أيضاً مطروحة بلغة القضية الشرطية.
ومنها( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) (١) .
هذه سنّة تاريخية بُينت بلغة القضية الشرطية، وربطت بين أمرين، بين تأمير الفسّاق والمترفين في المجتمع، وبين دمار ذلك المجتمع وانحلاله ؛ فهي لا تبيّن زمن وجود الشرط، بل تبيّن: متى ما وُجد هذا الشرط وُجد الجزاء.
٢ - شكل القضيّة الوجودية المحقّقة:
وهذا الشكل نجد له أمثلة وشواهد في القوانين الطبيعية الكونية، فالعالم الفلكي حين يُصدر حكماً علمياً على ضوء قوانين مسارات الفلك، ويُخبر عن كسوف الشمس وخسوف القمر في اليوم الفلاني، فإنّه يتحدّث عن قانون علمي وقضية علمية، إلاّ أنّها قضية وجودية ناجزة وليست قضية شرطية، ولا يملك الإنسان تجاهها أن يغيّر ظروفها وأن يعدّل من شروطها، كذلك القرارات العلمية التي تصدر عن دائرة الأنواء الجوية بشأن نزول المطر - مثلاً - في المنطقة الفلانية.
سوف أُبيّن إن شاء الله عند تحليل المجتمع أمثلة هذا الشكل من آيات القرآن الكريم هذا الشكل من السنن هو الذي أوحى في الفكر الأوروبي بوجود تعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان وإرادته هذا التوهّم الخاطئ يقول: إنّ فكرة سنن التاريخ لا يمكن
____________________
(١) الإسراء: ١٦.
أن تجتمع إلى جانب فكرة اختيار الإنسان ؛ لأنّ سنن التاريخ هي التي تنظّم مسار الإنسان وحياة الإنسان، فماذا يبقى حينئذ لإرادة الإنسان ؟
هذا التوّهم أدّى إلى أن يذهب بعض المفكّرين إلى إضفاء الدور السلبي على الإنسان، والتضحية باختيار الإنسان حفاظاً على سنن التاريخ وعلى موضوعية هذه السنن، فقال: إنّ دور الإنسان سلبي فقط وليس دوراً ايجابياً، أي إنّه يتحرّك كما تتحرّك الآلة وفقاً لظروفها الموضوعية.
ذهب بعض آخر إلى محاولة التوفيق بين هاتين الفكرتين ولو ظاهرياً، وقال: إنّ اختيار الإنسان، نفسه هو أيضاً يخضع لسنن التاريخ ولقوانين التاريخ، فاختيار الإنسان نفسه حادثة تاريخية يخضع للسنن وهذه في الحقيقة تضحية أيضاً باختيار الإنسان، ولكن بصورة مبطّنة غير مكشوفة.
وذهب بعض آخر إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الإنسان، فقال جملة من المفكّرين الأوروبيين إنّه ما دام الإنسان مختاراً فلا بدّ أن تُستثنى الساحةُ التاريخية من الساحات الكونية في مجال التقنين الموضوعي، لا بدّ وأن يقال إنّه لا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظاً على إرادة الإنسان واختيار الإنسان.
هذه المواقف كلّها خاطئة ؛ لأنّها تقوم جميعاً على ذلك الوهم الخاطئ، وهو الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنّة التاريخية ومقولة الاختيار.
هذا التوهّم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنّة
التاريخية، أي على السنّة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة.
والحق إنّا لو قصرنا النظر على هذا الشكل الثاني من سنن التاريخ ؛ لكان هذا التوهّم وارداً ولكن يمكن إبطال هذا التوهّم عن طريق الالتفات إلى الشكل الأول من أشكال السنّة التاريخية الذي تصاغ فيه السنّة التاريخية بوصفها قضية شرطية وكثيراً ما تكون هذه القضية الشرطية معبّرة عن إرادة الإنسان واختياره، أي إنّ اختيار الإنسان يمثّل محور القضية الشرطية، وشرط القضية الشرطية.
الأمثلة التي ذكرناها من القرآن الكريم تتحدث عن علاقة بين الشرط والجزاء، ولكن ما هو الشرط ؟ الشرط هو فعل الإنسان، وهو إرادة الإنسان( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) التغيير هنا أُسند إليهم، فهو فعلهم وإبداعهم وإرادتهم وفي مثل هذه الحالة تصبح هذه السنّة متلائمة تماماً مع اختيار الإنسان، بل إنّ السنّة حينئذ تقتضي اختيار الإنسان وتزيده اختياراً وقدرة وتمكّناً من التصرّف في موقفه.
كما أنّ ذلك القانون الطبيعي للغليان يزيد قدرة الإنسان ؛ لأنّه يستطيع حينئذ أن يتحكّم في الغليان بعد أن عرف شروطه وظروفه، كذلك السنن التاريخية ذات الصيغ الشرطية فهي ليست في الحقيقة على حساب إرادة الإنسان، وليست نقيضاً لاختيار الإنسان، بل هي مؤكّدة لاختيار الإنسان وتوضّح للإنسان نتائج يستطيع أن يقتبس منها ما يريد ؛ كي يتعرّف على الطريق الذي يؤدّي به إلى هذه النتيجة، أو تلك النتيجة فيسير على ضوء وكتاب منير.
٣ - شكل الاتجاه الطبيعي في حركة التاريخ:
وهو الشكل الذي اهتم به القرآن الكريم اهتماماً كبيراً والسنّة المصاغة بهذا الشكل تتخذ صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ لا صورة قانون حدّي صارم وفرقٌ بين الاتجاه والقانون.
ولتوضيح هذه الفكرة نقول: إنّ القانون العلمي - كما نتصوّره عادة - عبارة عن تلك السنّة التي لا تقبل التحدّي من قِبلَ الإنسان ؛ لأنّها قانون من قوانين الطبيعة، ومن هنا لا يمكن للإنسان أن يتحدّاها وينقضها ويخرج عن طاعتها، فلا يمكنه مثلاً أن يحول دون غليان الماء إذا توفّرت للماء شروط الغليان، لا يمكن أن يتحدّى الغليان، أو يؤخّر موعده المعيّن لحظة واحدة ؛ لأنّ هذا القانون صارم، والصرامة تأبى التحدّي.
هذه هي الفكرة التي نتصوّرها عادةً عن القوانين، وهي فكرة صحيحة إلى حدٍّ ما، إلى جانب هذه القوانين هناك اتجاهات موضوعية في حركة التاريخ وفي مسار الإنسان، هذه الاتجاهات لها شيء من المرونة بحيث إنّها تقبل التحدّي ولو على شوط قصير، وإنْ لم تقبل التحدّي على شوط طويل.
أنت لا تستطيع أن تؤخّر موعد غليان الماء لحظة واحدة ولكن تستطيع أن تجمّد هذه الاتجاهات لحظات من عمر التاريخ وهذا لا يعني أنّها ليست اتجاهات تمثّل واقعاً موضوعياً في حركة التاريخ، إنّها اتجاهات، لكنّها مرنة تقبل التحدّي على شوط قصير، غير أنّها تحطم المتحدّي بسنن التاريخ نفسها.
من اجل تقريب الفكرة نستطيع أن نقول أنّ هناك في تركيب
الإنسان وفي تكوين الإنسان اتجاهاً موضوعياً، لا تشريعياً نحو إقامة العلاقات المعيّنة بين الذكر والأنثى في المجتمع الإنساني ضمن إطار من أطر النكاح والاتصال هذا الاتجاه ليس تشريعاً، وليس تقنينياً اعتبارياً، وإنّما هو اتجاه موضوعي ركّب في طبيعة الإنسان وفي تركيب الإنسان، هذه سنّة، ولكنّها سنّة على مستوى الاتجاه، لا على مستوى القانون، لماذا ؟ لأنّ التحدّي لهذه السنّة ممكن على الشوط القصير، فقد أمكن لقوم لوط أن يتحدّوا هذه السنّة فترة من الزمن، بينما لم يكن بإمكانهم أن يتحدّوا سنّة الغليان بشكل من الأشكال إلاّ أنّ تحدّي هذه السنّة يؤدّي إلى أن يتحطّم الإنسان.
المجتمع الذي يتحدّى هذه السنّة يكتب بنفسه فناء نفسه ؛ لأنّه يتحدّى ذلك عن طريق ألوان الشذوذ التي تؤدّي إلى فناء المجتمع وخرابه.
الاتجاه إلى توزيع الميادين بين المرأة والرجل، اتجاه موضوعي، وليس اتجاها ناشئاً من قرار تشريعي إنّه اتجاه رُكّب في طبيعة الرجل والمرأة، لكنّه قابل للتحدّي يمكن إصدار قرار يفرض على الرجل أن يبقى في البيت ليتولّى دور الحضانة والتربية، وأن تخرج المرأة لكي تتولّى مشاق العمل والجُهد، لكنّ هذا التحدّي لن يستمر ؛ لأنّ سنن التاريخ سوف تجيب على هذا التحدّي، ولأنّنا بهذا سوف نخسر ونجمّد كل تلك القابليات التي زُودت بها المرأة من قِبلَ هذا الاتجاه لممارسة دور الحضانة والأُمومة، وسوف نخسر كلّ تلك القابليات والكفاءات التي زُود بها الرجل من أجل ممارسة دور يتطلب الجَلَد والصبر والثبات وطول النفس تماماً كما لو سلّمنا أُمور حدادةِ بنايةٍ إلى نجّار، وأُمور نجارة
البناية إلى حدّاد، ومن الممكن أن تنشأ هذه البناية، لكنّها سوف تنهار.
كل اتجاه من هذا القبيل هو في الحقيقة سنّة موضوعية من سنن التاريخ، ومن سنن حركة الإنسان ولكنّها سنّة مرنة تقبل التحدّي على الشوط القصير، ولكنّها تجيب على هذا التحدّي.
أهم مصداق يعرضه القرآن الكريم لهذا الشكل من السنن هو ( الدين ).
القرآن الكريم يرى أنّ الدين نفسه سنّة موضوعية من سنن التاريخ، الدين ليس تشريعاً فقط، وإنّما هو سنّة من سنن التاريخ.
من هنا يعرض القرآن الدين على شكلين، تارةً يعرضه بوصفه تشريعاً، وإرادة تشريعية، على حدّ تعبير الأُصوليين، كقوله تعالى:
( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) (١) .
فالدين هنا بُيّن كتشريع وقرار وأمر من الله سبحانه وتعالى وتارةً أُخرى يعرض القرآن الدين بوصفه سنّة من سنن التاريخ، وقانون داخل في صميم تركيب الإنسان وفطرة الإنسان ؛ قال سبحانه وتعالى:
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (٢) .
____________________
(١) الشورى: ١٣.
(٢) الروم: ٣٠.
الدين هنا لم يعد مجرد قرار وتشريع من أعلى، وإنما الدين هنا فطرة الناس، ولا تبديل لخلق الله وهذا كلام موضوعي، لا تشريعي إنشائي، وكما إنه لا يمكن انتزاع أي جزء من أجزاء الإنسان، كذلك لا يمكن انتزاع دينه.
الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة على مرّ التاريخ بحيث يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها ؛ إذ تكون عندئذ من المكاسب التي حصل عليها الإنسان من خلال تطوّراته المدنية والحضارية على مرّ التاريخ.
والقرآن الكريم يريد أن يقول: إنّ الدين ليس مقولة من هذه المقولات يمكن أخذها أو ردّها الدين خلق الله، فطرةُ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ( ولا ) هنا نافية وليست ناهية، أي إنّ الدين لا ينفك عن خلق الله والدين يعتبر سنّة لهذا الإنسان ما دام الإنسان إنساناً.
هذه سنّة، ولكنّها ليست سنّة صارمة على مستوى الغليان، بل إنّها تقبل التحدّي على الشوط القصير وكما كان بالإمكان تحدّي سنّة النكاح والتزاوج الطبيعي عن طريق الشذوذ الجنسي، ولكن على شوط قصير، كذلك يمكن تحدّي هذه السنّة على شوط قصير عن طريق الإلحاد وغمض العين عن الحقيقة الكبرى لكنّ هذا التحدّي لا يكون إلاّ على شوط قصير ؛ لأنّ العقاب سوف ينزل بالملحدين والعقاب هنا ليس عقاب أُخروي، ولا عقاب دنيوي على طريقة العقاب الذي ينزل على مَن يخالف القانون، وإنّما العقاب ينزل هنا من سنن التاريخ نفسها، هذه السنن هي التي تفرض العقاب على كلّ أُمّة تريد أن تبدّل خلق الله سبحانه وتعالى، ولا تبديلَ لخلق الله.
يقول تعالى:
( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (١) .
إنّ العقاب سرعان ما ينزل بمَن يتحدّى الشكل الثالث من السنن التاريخية، لكنّ السرعة هنا هي السرعة التاريخية، لا السرعة التي نفهمها في حياتنا الاعتيادية، وهذا ما أرادت هذه الآية الكريمة أن تبيّنه ؛ فالآية تجيب أولئك الكافرين الذين تحدّوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكفرهم، وسألوه عن سبب عدم نزول البلاء الجماعي، الذي نزل بالقرى السابقة عليهم، وتقول: اليومُ الواحدُ عند ربّك، أو في سنن التاريخ كما ذكرنا هي كلمات الله، هو ألف سنة وفي آية أُخرى عبّر القرآن عن اليوم الواحد بخمسين ألف سنة:
( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * ونرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ . ) (٢) .
هذه الآية تتحدّث عن يوم القامة، والذي يجمع بينها وبين الآية السابقة هو إنهما تتحدّثان عن كلمتين من كلمات الله الآية الأُولى تتحدّث عن اليوم في توقيت نزول العذاب الجماعي وفقاً لسنن التاريخ، والثانية تتحدّث عن يوم القيامة.
ومن أجل أن نعرف أنّ الدين سنّة من سنن التاريخ , أي إنّه
____________________
(١) الحج: ٤٧.
(٢) المعارج: ٤ - ٨.
حاجة موضوعية، حاله حال قانون الزوجيّة بين الذكر والأُنثى ؛ نحتاج إلى تحليل المجتمع على ضوء القرآن الكريم.
الملحق رقم - ٣
التحليل القرآني لعناصر المجتمع
أروع صيغة لتحليل عناصر المجتمع وأدقّها وأعمقها تضمّنتها الآية الكريمة:
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) (١) .
هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارة القرآنية:
١ - الإنسان.
٢ - الأرض، أو الطبيعة على وجه عام،( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) فهناك أرض أو طبيعة على وجه عام، وهنالك الإنسان الذي يجعله الله سبحانه وتعالى على الأرض.
٣ - العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة، وتربط من ناحية أُخرى الإنسان بأخيه الإنسان.
____________________
(١) البقرة: ٣٠.
وهذه العلاقة المعنوية هي التي سمّاها القرآن الكريم بالاستخلاف.
حينما نلاحظ المجتمعات البشرية ؛ نجد أنّها تشترك جميعاً في العنصر الأول والعنصر الثاني، فلا يوجد مجتمع بدون إنسان يعيش مع أخيه الإنسان، ولا يوجد مجتمع بدون أرض أو طبيعة يمارس عليها دوره الاجتماعي.
أمّا العنصر الثالث ففي كل مجتمع علاقة كما ذكرنا، ولكنّ المجتمعات تختلف في طبيعة هذه العلاقة وفي كيفيّة صياغتها وهذا العنصر الثالث هو العنصر المرن والمتحرّك من عناصر المجتمع وكل مجتمع يبني هذه العلاقة بشكل قد يتّفق، وقد يختلف مع طريقة بناء المجتمع الآخر لها.
صيغتان للعلاقة:
العلاقة المذكورة في العنصر الثالث لها صيغتان:
الصيغة الرباعية.
الصيغة الثلاثية.
الصيغة الرباعية:
هي الصيغة التي طرحها القرآن الكريم للعلاقات الاجتماعية تحت اسم الاستخلاف، وبموجبها ترتبط أربعة أطراف مع بعضها ثلاثة منها داخل إطار المجتمع وهي: الطبيعة، والإنسان مع الإنسان، وطرف رابع خارج عن إطار المجتمع، لكن هذه الصيغة تعتبر هذا الطرف الرابع مقوّماً من المقوّمات الأساسية للعلاقات الاجتماعية، وهو الله سبحانه وتعالى.
عند تحليل الاستخلاف نجده على أربعة أطراف ؛ لأنّه يفترض مستخلفاً ( وهو الله تعالى ) إلى جانب المستخلَف ( وهو الإنسان وأخوه الإنسان ) والمستخلَف عليه ( وهو الأرض وما عليها ).
هذه الصيغة الرباعية تنطبق مع وجهة نظر معيّنة نحو الكون والحياة، تقول: إنّه لا سيدّ ولا إله للكون والحياة إلاّ الله سبحانه وتعالى، وأنّ دور الإنسان في ممارسة حياته إنّما هو دور الاستخلاف والاستئمان، وأيّة علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة فهي في جوهرها علاقة أمين على أمانة استُؤمِن عليها، لا علاقة مالك بمملوك وأيّة علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك، فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما يكون هذا الإنسان مؤدّياً لواجبه في هذه الخلافة، وليست علاقة سيادة أو إلوهيّة أو مالكيّة.
الصيغة الثلاثية:
هي الصيغة التي تربط بين الإنسان والإنسان والطبيعة، لكنّها تقطع صلة هذه الأطراف بالطرف الرابع وتجرّد تركيب العلاقة الاجتماعية عن البعد الرابع، عن الله سبحانه وتعالى، وبهذا تتحوّل نظرة كل جزء إلى الجزء الآخر داخل هذا التركيب وهذه الصيغة وظهرت على مسرح التاريخ ألوان مختلفة للملكية والسيادة، سيادةِ الإنسان على أخيه الإنسان بأشكالها المختلفة، في إطار تعطيل البُعد الرابع وافتراض أنّ البداية هي الإنسان.
لو قارنّا بين الصيغتين لاتضح أنّ إضافة الطرف الرابع للصيغة الرباعية ليست مجرّد إضافة عددية، بل إنّ هذه الإضافة تُحدث تغييراً نوعياً في بُنية العلاقات الاجتماعية، وفي تركيب الأطراف الثلاثة
نفسها ليس هذا مجرّد عملية جمع ثلاثة زائد واحد، بل هذا الواحد الذي يضاف إلى الثلاثة سوف يعطي للثلاثة روحاً أُخرى ومفهوماً آخر، سوف يُحدث تغييراً أساسياً في بُنية هذه العلاقات ذات الأطراف الأربعة كما رأينا ؛ إذ يعود الإنسان مع أخيه الإنسان مجرّد شركاء في محل هذه الأمانة والاستخلاف، وتعود الطبيعة بكل ما فيها من ثروات وبكل ما عليها ومَن عليها مجّرد أمانة لا بدّ من رعاية واجبها وأداء حقّها هذا الطرف الرابع هو في الحقيقة مغيّر نوعي لتركيب العلاقة.
القرآن الكريم إذن آمن بالصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية، لكنّ القرآن الكريم ذهب إلى أكثر من هذا، فقد اعتبر هذه الصيغة الرباعية سُنة من سُنن التاريخ، كما اعتبر في الآية السابقة( فأقِمْ وجْهَك للدين . ) سنّة من سنن التاريخ.
وكيف اعتبر القرآن هذه العلاقة بصيغتها الرباعية سنّة من التاريخ ؟ الصيغة الرباعيّة عرضها القرآن الكريم على نحوين:
تارة عرضها بوصفها فاعلية ربّانية من زاوية الله سبحانه وتعالى في العطاء، هذا العرض قرأناه في الآية:( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) هذه العلاقة الرباعية معروضة في هذا النص الشريف باعتبارها عطاءاً وجعْلاً من الله، يمثّل الدور الايجابي التكريمي من ربّ العالمين.
وتارة عَرَضها من زاوية تقبّل الإنسان لهذه الخلافة ؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى:
( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (١) .
الأمانةُ هي الوجه التقبّلي للخلافة، والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة، الأمانة والخلافة عبارة عن الاستخلاف والاستئمان وتحمّل الأعباء.
هذه الأمانة التي تقبّلها الإنسان، وتحمّلها حينما عُرِضت عليه بنصّ الآية الكريمة، أو بتعبير آخر: هذه العلاقة الاجتماعية بصيغتها الرباعيّة، لم تُعرض على الإنسان على مستوى التكليف والطلب، وليس المقصود من تقبّل هذه الأمانة هو تقبّل هذه الخلافة على مستوى الامتثال والطاعة، والدليل على ذلك: أنّ هذا العرض كان معروضاً على الجبال والسماوات والأرض أيضاً ومن الواضح أنّه لا معنى لتكليف السماوات والجبال والأرض من هذا نفهم أنّ العرض ليس عرضاً تشريعياً، بل إنّه يعني أنّ هذه العطية الربّانية كانت تفتش عن الوضع المنسجم معها بطبيعته، بفطرته، بتركيبه التاريخي والكوني.
الجبال لا تنسجم مع هذه الخلافة، والسماوات والأرض لا تنسجم مع هذه العلاقة الاجتماعية الربّانية الإنسان هو الكائن الوحيد الذي كان منسجماً مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي تُصبح أمانة وخلافة، بحكم تركيبه وبحكم بنيته، وبحكم فطرة الله التي فطر الناس عليها.
العرضُ هنا إذن عرض تكويني، والقبول هنا قبول تكويني، وهذا هو معنى سنّة التاريخ، أي إنّ هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف
____________________
(١) الأحزاب: ٧٢.
الأربعة داخلة في تكوين الإنسان، وفي مسار الإنسان الطبيعي والتاريخي.
في هذه الآية إشارة إلى أنّ هذه السنّة التاريخية من الشكل الثالث، أي إنّها سنّة تقبل التحدّي وتقبل العصيان وليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدّي أبداً، ولو للحظة، إنّها سنّة فطرة، ولكنّ هذه الفطرة تقبل التحدّي القرآن أشار إلى هذا بقوله:( وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) وهذه العبارة تأكيد على أنّها سنّة تقبل التحدّي على الرغم من أنّها سنّة من سنن التاريخ، وتأكيد على أنّها تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبيّاً، وهذا التعبير يوازي تعبير:( ولكنّ أكثر الناسِ لا يَعلمون ) في الآية السابقة:
( فأقم وجهك للدين حنيفاً . ) (١) .
الحقيقة أنّ الآية:
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (٢) .
تؤكّد بعبارة ( الدين القيم ) على أنّ هذا الدين هو الفطرة، وكل ما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه ومسار تاريخه، أي أن يكون هذا الدين قيّماً على الحياة، وأن يكون مهيمناً على الحياة هذه القيمومة في الدين هي التعبير المجمل في هذه الآية عن العلاقة الاجتماعية الرباعية التي طُرحت في الآيتين: آية( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) وآية( عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) .
____________________
(١) الروم: ٣٠.
(٢) الروم: ٣٠.
فالدين سنّة للحياة، والدين يُدخل في الحياة بعداً رابعاً ؛ لكي يُحدث تغييراً في كنه هذه العلاقة لا لكي تكون مجرّد إضافة عددية.
الركنان الثابتان في العلاقة الاجتماعية
من أجل أن نتعرّف بصورة أوضح وأوسع على دور الدين القيّم ودور الخلافة والأمانة، وعلى دور العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة، ودور الطرف الرابع باعتباره سنّة من سنن التاريخ، لا بد أن نتعرّف أولاً على الركنين الثابتين في العلاقات الاجتماعية.
أحدهما: الإنسان وأخوه الإنسان.
والآخر: الطبيعة، الكون والأرض.
هذان الركنان داخلان في الصيغة الثلاثية وفي الصيغة الرباعية، ومن هنا نسمّيهما بالركنين الثابتين في العلاقات الاجتماعية.
ومن أجل أن نعرف دور الركن الجديد، ودور هذا الطرف الرابع، دور الله سبحانه وتعالى في تركيب العلاقات الاجتماعية لا بد أن نفهم دور الركنين الثابتين.
دورُ الركن الجديد، دور الطرف الرابع يتضح بعد أن تتبيّن وجهة النظر القرآنية عن دور الإنسان في عملية التاريخ، وعن دور الطبيعة في العلاقات الاجتماعية وسوف يتضح أيضاً أنّ هذا الطرف الرابع عنصر ضروري بحكم سنّة التاريخ، وبحكم خلقة الإنسان، ولا بد وأن يندمج مع الأطراف الأُخرى لتكوين علاقة اجتماعية رباعية الأطراف.
مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية
اتضح من خلال المفاهيم التي مرّت بنا أنّ الإنسان أو المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ وذكرنا أنّ حركة التاريخ تتميّز عن سائر الحركات الأُخرى بأنّها غائيّة لا سببيّة فقط ليست مشدودة إلى سببها إلى ماضيها فحسب، بل هي مشدودة أيضاً إلى الغاية ؛ لأنّها حركة هادفة ذات غائية متطلّعة إلى المستقبل.
المستقبل هو المحرّك لأي نشاط من النشاطات التاريخية، والمستقبل معدوم فعلاً، وإنّما تحرّك من خلال الوجود الذهني الذي يتمثّل فيه هذا المستقبل ؛ فالوجود الذهني - إذن - هو الحافز والمحرك والمدار لحركة التاريخ.
هذا الوجود الذهني يجسّد من ناحية جانباً فكرياً، وهو الجانب الذي يضمّ تصوّرات الهدف، ويمثّل من جانب آخر الطاقة والإرادة التي تحفّز الإنسان نحو هذا الهدف وبالامتزاج بين الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل ومحرّكيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.
هذان الأمران: الفكر والإرادة، هما في الحقيقة المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان المحتوى الداخلي للإنسان، إذن، هو الذي يصنع هذه الغايات ويجسّد هذه الأهداف من خلال مزجه بين الفكر والإرادة.
ممّا تقدّم يصحّ القول إنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس لحركة التاريخ والبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل مرتبط بهذه القاعدة في المحتوى الداخلي للإنسان وتغييرُه وتطوّره لتغيير هذه القاعدة وتطوّرها فإذا تغيّر
الأساس تغيّر البناء العلوي، وإذا بقي الأساس ثابتاً بقي البناء العلوي ثابتاً.
العلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبناء الفوقي والتاريخي للمجتمع، هي علاقة تبعيّة، أي علاقة سبب بمسبّب هذه العلاقة تمثّل سنّة تاريخية، تقدّم الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (١) .
هذه الآية واضحة جداً في المفهوم الذي أعطيناه، وهو أنّ المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة والأساس للبناء العلوي أي الحركة التاريخية ؛ لأنّ الآية الكريمة تتحدث عن تغييرين، وتقول إنّ تغيير أوضاع القوم وشؤونهم وأبنيتهم العلوية وظواهرهم لا تتغيّر حتى يتغيّر ما بأنفس القوم التغيير الأساسي إذن هو تغيير ما بنفس القوم، والتغيير المترتّب على ذلك هو تغيير حالة القوم النوعية والتاريخية والاجتماعية.
من الواضح أنّ المقصود من تغيير ما بالأنفس تغيير ما بأنفس القوم، بحيث يكون المحتوى الداخلي للقوم، باعتبارهم قوماً وأُمّة وشجرة مباركة تُؤتي أُكلها كل حين، متغيّراً , أمّا تغيير الفرد الواحد أو الفردين أو الأفراد الثلاثة فلا يشكّل الأساس لتغيير ما بالقوم فالمحتوى النفس والداخلي للأُمّة، باعتبارها أُمّة، لا محتوى هذا الفرد أو ذلك الفرد، هو الذي يعتبر أساساً وقاعدة للتغييرات في البناء العلوي للحركة التاريخية كلّها.
الإسلام يؤمن أنّ هذا البناء الداخلي يجب أن يسير جنباً إلى جنب
____________________
(١) الرعد: ١١.
مع البناء الخارجي، ولا يمكن افتراض انفكاك البناء الداخلي عن البناء الخارجي إلاّ إذا بقي البناء الخارجي مهزوزاً متداعياً ولذلك سمّى الإسلام عملية بناء المحتوى الداخلي، إذا اتجهت اتجاهاً صالحاً الجهاد الأكبر، وسمّى عملية البناء الخارجي إذا اتجهت اتجاها صالحاً الجهاد الأصغر , واعتبر أنّ الجهاد الأصغر يفقد محتواه ومضمونه إذا انفصل عن الجهاد الأكبر، بل ويفقد قدرته على التغيير الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية.
والقرآن الكريم يعرض لحالة من حالات انفصال عملية البناء الخارجي عن عملية البناء الداخلي ؛ حيث يقول سبحانه وتعالى:
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (١) .
أي إنّ الإنسان لا يمكنه أن يطرح الكلمات الصالحة التي يمكن أن تتحوّل إلى بناء صالح في المجتمع إذا لم يبنِ نفسه بناءاً صالحاً، وإذا لم تنبعث هذه الكلمات عن قلب يعمر بالقيم التي تدل عليها تلك الكلمات ؛ إذ ستبقى الكلمات مجرّد ألفاظ جوفاء، دون أن يكون لها مضمون ومحتوى فمسألة القلب هي التي تعطي للكلمات معناها , وللشعارات أبعادها، ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارَها.
نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للإنسان
عرفنا أنّ الأساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان، والآن نتساءل: ما هو الأساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه، وما
____________________
(١) البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥.
هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي للإنسان، وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسان ؟.
إنّه ( المثل الأعلى ).
عرفنا أنّ المحتوى الداخلي للإنسان يجسّد الغايات التي تحرّك التاريخ، من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير والمثل الأعلى يحدّد هذه الغايات التي تحرك التاريخ الغايات تنبثق جميعاً عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، وللجماعة البشرية في حياتها.
وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي فالغايات بنفسها محرّكة للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات، وتعود إليه كل تلك الأهداف.
فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وسامياً وممتداً ؛ تكون الغايات صالحة وسامية وممتدة وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً ؛ تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً.
إذن المثل الأعلى هو نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية وهذا المثل الأعلى يرتبط في الحقيقة بوجهة نظر عامة إلى الحياة والكون، يتحدّد من قِبَل كل جماعة بشرية على أساس وجهة نظرتها العامة نحو الكون والحياة، على ضوء ذلك تحدد مثلها الأعلى ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة
نظرها إلى الحياة والكون، تحقّق إرادتها للسير نحو هذا المثل وفي طريق هذا المثل هذا المثل الأعلى هو في الحقيقة إذن يتجسّد من خلال رؤية فكرية، ومن خلال طاقة روحيّة تدفع بالإنسان على طريقه وكل جماعة اختارت مثلها الأعلى، فقد اختارت في الحقيقة سبيلها ومنعطفات هذا السبيل.
وكما أنّ الحركة التاريخية تتميّز عن أي حركة أُخرى في الكون بأنّها حركة غائية وهادفة، وكذلك تتميّز وتتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثلها العليا، فلكل حركة تاريخية مثلها الأعلى، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدّد الغايات والأهداف والغايات والأهداف هي التي تحدد النشاطات والتحرّكات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى.
آيات القرآن الكريم والنصوص الدينية تطلق على المثل الأعلى في جملة من الحالات اسم الإله، باعتبار أنّ المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجِّه وهذه الصفات يراها القرآن للإله، ولهذا يعبّر عن كل ما يمثّل مركز المثل الأعلى بالإله ؛ لأنّه هو الذي يصنع مسار التاريخ، حتى عبّر عن الهوى حينما يتصاعد تصاعداً مصطنعاً فيصبح هو المثل الأعلى وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو لذاك، عبّر عنه بأنّه ( إله ).
( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (١) .
فالمثل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آله، لأنّها هي المعبودة حقّاً، وهي الآمرة والناهية حقّاً، وهي المحرّكة حقّاً، فهي آلهة في المفهوم الديني والاجتماعي.
____________________
(١) الفرقان: ٤٤٣.
أقسام المثل العليا
المثل العليا التي تتبناها الجماعات البشرية على ثلاثة أقسام:
أولاً: المثل الأعلى المنخفض
وهو المثل الأعلى الذي يستمد تصوره من الواقع نفسه، ويكون منتزعا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظروف وملابسات أي ان الوجود الذهني الذي صاغ المستقبل هنا لم يستطع أن يرتفع على هذا الواقع بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده وبقيوده وشؤونه.
حينما يكون المثل الأعلى منتزعا عن واقع الجماعة بحدودها وقيودها
وشؤونها ستكون حركة التاريخ حركة تكرارية لحالة سابقة ولهذا سوف يكون المستقبل تكرارا للواقع وللماضي ،وسيكون هذا المثل الأعلى تكراريا.
هذا النوع من الآلهة يعتمد على تجميد الواقع وتحويل ظروفه النسبية إلى ظروف مطلقة ؛ لكي لا تستطيع الجماعة البشرية أن تتجاوز الواقع وترتفع بطموحاتها عن هذا الواقع.
تبنّي هذا النوع من المثل العليا له أحد سببين:
السبب الأول:
الألفة والعادة والخمول والضياع، وهذا سبب نفسي وإذا انتشرت هذه الحالة في مجتمع، حينئذ يتجمّد ذلك المجتمع ؛ لأنّه سوف يصنع آلهة من واقعه، وسوف يحوّل هذا الواقع النسبي المحدود الذي
يعيشه إلى حقيقة مطلقة، إلى مثل أعلى، إلى هدف لا يرى وراءه شيئاً.
هذه الحقيقة عرضها القرآن الكريم في كثير من الآيات التي تحدثت عن المجتمعات التي واجهت الأنبياء، حينما جاؤوها بمثُل عليا حقيقة ترتفع عن الواقع وتريد أن تحرّك هذا الواقع، وتنتزعه من حدوده النسبية إلى وضع آخر.
واجه هؤلاء الأنبياء مجتمعات سادتها حالة الألفة والعادة والتميّع، فكان هذا المجتمع يرد على دعوة الأنبياء، ويقول بأنّنا وجدنا آباءنا على هذه السنّة ونحن متمسّكون بمثلهم الأعلى سيطرة الواقع على إنسان هذه المجتمعات وتغلغل الحسّ في طموحاته بلغ درجة تحوّل هذا الإنسان معها إلى إنسان حسي لا إنسان مفكّر، إلى إنسان يكون ابن يومه دائماً، وابن واقعه دائماً، لا أبا يومه وأبا واقعه ؛ ولهذا لا يستطيع أن يرتفع على هذا الواقع.
يقول القرآن الكريم:
( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١) .
( قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (٢) .
( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ
____________________
(١) البقرة: ١٧٠.
(٢) المائدة: ١٠٤.
فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ) (١) .
( أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (٢) .
( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) (٣) .
( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) (٤) .
في كل هذه الآيات يستعرض القرآن الكريم السبب الأول لتبنّي المجتمع هذا المثل الأعلى المنخفض هؤلاء بحكم الألفة والعادة وتحكّم التميّع والفراغ ؛ وَجَدوا سُنّةً قائمةً ووضعاً قائماً، فلم يسمحوا لأنفسهم أن يتجاوزوه، بل جسّدوه كمثل أعلى وعارضوا به دعوات الأنبياء على مرّ التاريخ هذا هو السبب الأول لتبنّي هذا المثل الأعلى المنخفض.
السبب الثاني:
هو التسلّط الفرعوني على مرّ التاريخ الفراعنة، حينما يحتلّون مراكزهم، يجدون في أي تطلّع إلى المستقبل، وفي أي تجاوز للوقع
____________________
(١) يونس: ٧٨.
(٢) هود: ٦٢.
(٣) إبراهيم: ١٠.
(٤) الزخرف: ٢٢.
الذي سيطروا عليه، يجدون في ذلك زعزعة لوجودهم وهزاً لمراكزهم ؛ من هنا كان من مصلحة فرعون على مرّ التاريخ أن يغمض عيون الناس على هذا الواقع، أن يحوّل الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق، إلى إله، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه يحاول أن يحبس كل الأُمّة في إطار نظرته هو، وفي أطار وجوده هو، لكي لا يمكن لهذه الأُمّة أن تفتّش عن مثل أعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل، ومن واقعه إلى طموح آخر أو إلى واقع أكبر من هذا الواقع.
هنا السبب اجتماعي لا نفسي، وخارجي لا داخلي، وهذا أيضاً ما عرضه القرآن الكريم:
( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) (١) .
( قالَ فرعونُ ما أراكُمْ إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيلَ الرشاد ) (٢) .
يقول فرعون هنا: ما أراكم إلاّ ما أرى، أي يريد أن يضع الناس الذين يعبدونه كلهم في إطار رؤيته ونظرته، يريد أن يحوّل هذه النظرة وهذا الواقع إلى مطلق لا يمكن تجاوزه.
وقال سبحانه وتعالى:
( ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ) (٣) .
____________________
(١) القصص: ٣٨.
(٢) غافر: ٢٩.
(٣) المؤمنون: ٤٥ - ٤٧.
فرعون وملؤه يصرّحون بأنّنا غير مستعدّين أن نؤمن بهذا المثل الأعلى الذي جاء به موسى ؛ لأنّه سوف يزعزع عبادة قوم موسى وهارون لنا.
القرآن الكريم يسمّي هذا النوع من القوى التي تحاول أن تحوّل هذا الواقع المحدود إلى مطلق، وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود، يسمّي هذا بالطاغوت.
قال الله سبحانه:
( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ) (١) .
هذه الآية تشير أيضاً إلى صفة أساسية مميّزة لمَن اجتنب عبادة الطاغوت وهي:( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) أي إنّهم لم يجعلوا قيداً على ذهنهم، ولم يخلقوا لهم إطاراً لا يمكنهم أن يتجاوزوه، بل جعلوا الحقيقة مدارهم وهدفهم ؛ ولهذا فهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أي إنّهم في حالة تطلع وموضوعية تسمح لهم بأن يجدوا الحقيقة ويتّبعونها بينما لو كانوا يعبدون الطاغوت لما استطاعوا أن يستمعوا القول فيتبعون أحسنه، وإنّما يتبعون فقط ما يراد أن يتّبعوه.
هذه المُثُل العليا المنخفضة المنتزعة عن الواقع تتخذ في كثير من الأحيان طابع ( الدين ) ويسبغ عليها هذا الطابع من أجل إعطائها قدسية تحافظ على بقائها واستمرارها على الساحة.
____________________
(١) الزمر: ١٧ - ١٨.
ورأينا في الآيات الكريمة المتقدمة أنّ المجتمعات التي رفضت دعوة الأنبياء كثيراً ما كانت تصرّ على التمسّك بعبادة الآباء وبدين الآباء، وبالمثل الأعلى المعبود للآباء.
إنّ كل مثل أعلى من هذه المثل العليا المنخفضة لا ينفك في الحقيقة عن الثوب الديني، سواء برز بشكل صريخ أو لم يبرز ؛ لأنّ المثل العليا تحتل دائماً مركز الإله بحسب التعبير القرآني والإسلامي.
علاقة الأُمّة بمثلها الأعلى تستبطن دوماً نوعاً من ( العبادة ) لهذا المثل الأعلى، وليست الأديان بشكلها العام إلاّ علاقة عابد بمعبود.
المثل الأعلى إذن لا ينفك عن الثوب الديني سواء كان ثوباً دينياً صريحاً أم ثوباً دينياً مستتراً مبرقعاً تحت شعارات أُخرى، فهو في جوهره دين، وفي جوهره عبادة وانسياق.
هذه الأديان، التي تفرزها هذه المثل المنخفضة، أديان محدودة تبعاً لمحدودية نفس هذه المثل فهذه المثل المنخفضة المحدودة قد حُوّلت بصورة مصطنعة إلى مطلقات، وليست هي في الحقيقة سوى تصوّرات جزئية عبر الطريق الطويل للإنسان والأديان التي يفرزها الإنسان من خلال صنع هذه المُثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من تصوّرات إلى مطلقات، تكون أدياناً محدودة وضئيلة.
أديان التجزئة هذه، وهذه الآلهة، التي يفرزها الإنسان بين حين وحين هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:
( إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ) (١) .
____________________
(١) النجم: ٢٣.
هذا الدين الذي يصنُعه الإنسان لا يمكن أنْ يكون هو الدين القيّم، ولا يمكن أن يكون هو المصعّد الحقيقي للمسيرة البشرية ؛ لأنّ المسيرة البشرية لا يمكن أن تخلق إلهها بيدها.
إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام، نجد المجتمعات والأُمم، التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، سوف تفقد ولاءها بالتدريج لهذه المثل، بعد أن يفقد هذا المثل فاعليته وقدرته على العطاء، وبعد أن يصبح نسخة من الواقع وفقدان الولاء لهذه المثل يعني أنّ القاعدة الجماهيرية الواسعة في هذه الأُمّة سوف تتمزّق وحدتها ؛ لأنّ وحدة هذه القاعدة إنّما هي بالمثل الواحد، فإذا ضاع المثل ضاعت هذه القاعدة.
هذه الأُمّة، بعد أن تفقد ولاءها لهذا المثل، تصاب بالتشتّت والتمزّق والتبعثر، وتكون كما وصفها القرآن الكريم:
( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) (١) .
بأسُهم بينهم شديد باعتبار أنّ هذه الأُمّة لا يجمعها شيء إلاّ تماثل الوجود وتقارب الوجوه، لا يجمعها مثل أعلى ولا يجمعها سبيل واحد، قلوب متفرقة وأهواء وأرواح مبعثرة وعقول مجمّدة.
في مثل هذه الحالة لا تبقى أُمّة، وإنّما يبقى شبح أمة فقط، وفي ظل هذا الشبح سوف ينصرف كل فرد من هذه الأُمّة إلى همومه الصغيرة والى قضاياه المحدودة ؛ لأنّه لا يوجد هناك مثل أعلى تلتف حوله الطاقات والقابليات والإمكانات، وتحشد من أجله التضحيات حينما
____________________
(١) الحشر: ١٤.
يسقط هذا المثل الأعلى تسقط الراية التي توّحد الأُمّة ويبقى كل إنسان مشدود إلى حاجاته المحدودة ومصالحه الشخصية وتكيره في أموره الخاصة.
ويبقى يفكر كيف يُصبح وكيف يُمسي وكيف يأكل وكيف يشرب وكيف يوفر الراحة والاستقرار له ولأولاده ولعائلته أية راحة ؟ وأي استقرار ؟ الراحة بالمعنى الرخيص، والاستقرار بالمعنى القصير يبقى كل إنسان سجين حاجاته الخاصة ورغباته الخاصة.
في مثل هذه الحالة توجد ثلاثة إجراءات، ثلاثة بدائل يمكن أن تنطبق على حالة هذه الأُمّة الشبح:
الإجراء التاريخي الأول: أن تتداعى هذه الأُمّة أمام غزو عسكري من الخارج ؛ لأنّ هذه الأُمّة قد تقع فريسة غزو خارجي بعد أن أُفرغت من محتواها وتخلّت عن وجودها كأُمّة وبقيت كأفراد، كل إنسان يفكر في طعامه ولباسه ودار سكناه، ولا يفكر في الأُمّة أحد.
وهذا ما وقع بالفعل بعد أن فقد المسلمون مثلهم الأعلى، وفقدوا ولاءهم لهذا المثل الأعلى فتداعوا أمام غزو التتار.
الإجراء التاريخي الثاني: الذوبان والانصهار في مثل أعلى أجنبي مستورد من خارج هذه الأُمّة فبعد أن تفقد هذه الأُمّة مُثُلها العليا النابعة منها، وتفقد فاعليتها وأصالتها تفتش حينئذ عن مثل أعلى من الخارج تعطيه ولاءها لكي تمنحه قيادَتها.
الإجراء التاريخي الثالث: أن ينشأ في أعماق هذه الأُمّة بذور إعادة
المثل الأعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه الأُمّة.
أُمّتنا الإسلامية وقفت بعد دخولها عصر الاستعمار على مفترق طريقين أمام الإجراء الثاني والثالث كان هناك طريق يدعوها إلى الانصهار في مثل أعلى من الخارج هذا الطريق طبّقه جملة من حكام المسلمين في بلاد المسلمين مثل ( رضا خان ) في إيران ( وأتاتورك ) في تركيا هؤلاء حاولوا أن يجسّدوا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر، ويطبّقوا هذا المثل الأعلى، ويكسبوا ولاء المسلمين أنفسهم لهذا المثل الأعلى، بعد أن ضاع المثل الأعلى في داخل المسلمين أمّا روّاد الفكر الإسلامي والنهضة الإسلامية، فقد أطلقوا جهودهم في بدايات عصر الاستعمار وأواخر الفترة التي سبقت عصر الاستعمار في سبيل الإجراء الثالث، في سبيل إعادة الحياة إلى الإسلام من جديد , وفي سبيل انتشار هذا المثل الأعلى، وإعادة الحياة إليه وتقديمه بلغة العصر وبمستوى العصر، وبمستوى حاجات المسلمين.
ثانياً - المثل الأعلى المحدود:
إذا رجعنا خطوة إلى الوراء ( وهذا ما سأشرح معناه بعد قليل ) سوف نواجه هذا النوع الثاني من المثل العليا المشتق من طموح الأُمّة، ومن تطلّعها نحو المستقبل ليس هذا المثل الأعلى تعبيراً تكرارياً عن الواقع بل هو تطلّع إلى المستقبل، وتحفّز نحو الجديد والإبداع والتطوير لكن هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل، منتزع عن جزء من هذا الطريق الطويل المستقبلي أي إنّ الطموح الذي انتزعت الأُمّة منه مَثَلها كان طموحاً محدوداً، لم يستطع أن يتجاوز المسافات الطويلة، وإنّما استطاع هذا الطموح أن يكوّن رؤية مستقبلية
محدودة، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثلها الأعلى.
في هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح، لكنه يحتوي على إمكانات خطر كبير أما الجانب الموضوعي الصحيح فهو إن الإنسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه أن يستوعب المطلق، لأن الذهن البشري محدود والذهن المحدود لا يمكن أن يستوعب المطلق، وإنما يستوعب نفحة من المطلق، شيئاً من المطلق، يأخذ بيده قبضة من المطلق تنير له الطريق، فطبيعي وموضوعي وصحيح أن تكون دائرة الاستيعاب البشري محدودة.
لكن الخطير في هذه المسألة أنّ هذه القبضة التي يقبضها الإنسان من المطلق يحولّها إلى مثل أعلى ويحوّلها إلى مطلق ويحوّل هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق إلى نور السماوات والأرض هنا يكمن الخطر ؛ لأنّ مثل هذا المثل الأعلى سوف يخدم الإنسان في المرحلة الحاضرة، وسوف يهيّئ له إمكانية النمو بقدر طاقات هذا المثل، وبقدر إمكاناته المستقبلية، وسوف يحرّك هذا الإنسان وينشّطه، لكنّه سرعان ما يصل إلى حدوده القُصوى ؛ حينئذ سوف يتحوّل هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة، والى عائق عن التطوّر والى مجمّد لحركة الإنسان ؛ لأنّه أصبح مثلاً وإلهاً وديناً وواقعاً قائماً، وحينئذ سيكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي، وهذا المثل الذي يُعمّم خطأً يُحوّل من محدود إلى مطلق خطأ.
هناك تعميمان خاطئان لهذا المثل:
ألف - التعميم الأفقي الخاطئ: أن ينتزع الإنسان من تصوّره المستقبلي مثالاً، ويعتبر أنّ هذا المثل يضم كل قيم الإنسان التي يجاهد
من أجلها ويناضل في سبيلها، بينما هذا المثل - على الرغم من صحّته - لا يمثّل إلاّ جزءاً من هذه القيم.
هذا التعميم تعميم أفقي خاطئ ؛ لأنّ هذا المثل يعبّر عن جزء من أُفق الحركة، بينما يخلو ممّا يملأ كل أُفق الحركة.
الإنسان الأوروبي الحديث في بدايات عصر النهضة جعل الحرية مثلاً أعلى، رأي أن الإنسان الغربي كان مغلولاً في كل ساحات الحياة، ومقيّداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنتها وكان مقيداً في قوته ورزقه بأنظمة الإقطاع، كان مقيّداً أينما يسير أراد الإنسان الأوروبي الرائد لعصر النهظة أن يحرّر هذا الإنسان من هذه القيود، قيود الكنيسة وقيود الإقطاع، أراد أن يجعل من الإنسان موجوداً مختاراً يفكر بعقله لا بعقل غيره، ويتصوّر ويتأمّل بذاته لا أن يستمد هذا التصوّر كصيغ ناجزة من الآخرين هذا شيء صحيح إلاّ أنّ الشيء الخاطئ في ذلك هو: التعميم الأفقي، فإنّ هذه الحرية التي تعني كسر القيود عن هذا الإنسان هي قيمة من القيم وإطار للقيم، لكنّها وحدها لا تصنع الإنسان أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر قيوده وتقول له افعل ما شئت، هذا وحده لا يكفي، فإنّ كسر القيود إنّما يشكّل الإطار العام للتنمية البشرية الصالحة، ويبقى الإنسان بحاجة إلى المحتوى والمضمون لا يكفي أن تدَعَ الإنسان حُراً يمشي في الأسواق، بل لا بد من تعيين الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوروبي.
الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح، لكنّه صيّر من هذا الهدف مثلاً أعلى، بينما هذا الهدف ليس في الواقع إلاّ إطاراً وهذا الإطار بحاجة إلى محتوى ومضمون وإذا جرّد هذا الإطار عن
محتواه سوف يؤدّي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم، التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار ؛ لأنّ الإطار بقي حينئذ بلا محتوى ولا مضمون.
ب - التعميم الزمني الخاطئ: توجد على مرّ التاريخ خطوات ناجحة تاريخياً، ولكنّها لا يجوز أن تحوّل من حدودها كخطوة إلى مطلق، والى مثل أعلى، يجب أن تكون ممارسة تلك الخطوة ضمن المثل الأعلى، لا أن تحوّل هذه الخطوة إلى مثل أعلى.
حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الأُسر فشكّلوا القبيلة، ومجوعة من القبائل فشكّلت عشيرة ومجموعة من العشائر فشكّلت أُمّة، فهذه خطوات صحيحة لتقدّم البشرية وتوحيد البشرية لكن كل خطوة من الخطوات يجب أن لا تتحوّل إلى مثل أعلى، لا يجوز أن تتحوّل إلى مطلق , لا يجوز أن تكون العشيرة هي المطلق الذي يحارب من أجله هذا الإنسان، وإنّما المطلق الذي يحارب من أجله الإنسان يبقى هو ذلك المطلق الحقيقي، يبقى هو الله سبحانه وتعالى، والخطوة تبقى باعتبارها أُسلوباً.
حال الإنسان الذي يحوّل هذه الرؤية عبر الزمن إلى مطلق مثل حال الإنسان الذي يتطلّع إلى الأُفق فلا تساعده عينه إلاّ على النظر إلى مسافة محدودة، فيُخيّل إليه أنّ الدنيا تنتهي عند الأُفق الذي يراه، وأنّ السماء تنطبق على الأرض على مسافة قريبة منه، إلاّ أنّ هذا في الحقيقة ناشئ عن عجز عينيه عن متابعة المسافة الأرضية الطويلة الأمد.
الإنسان الذي يقف على طريق التاريخ الطويل، على المسيرة البشرية، له كذلك بحكم قصوره الذهني أفق محدود، مثل الأُفق الجغرافي لكنّ هذا الإنسان يجب أن يتعامل مع هذا الأُفق كأُفق لا
كمطلق وكما أنّنا على الصعيد الجغرافي لا نتعامل مع هذا الأُفق الذي نراه على مقربة منّا على أنّه نهاية الأرض بل نتعامل معه بأنّه أُفق، كذلك يجب على الإنسان هنا أن يتعامل مع الأفق التاريخي على أنّه أُفق لا أن يحوّله إلى مَثل أعلى، وإلاّ كان من قبيل مَن يسير نحو سراب أنظر إلى هذا التمثيل الرائع في قوله سبحانه وتعالى:
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إذا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (١) .
مراحل مسيرة الأُمّة عبر المثل المصطنعة: يعبّر القرآن الكريم عن كل هذه المثل المصطنعة من دون الله سبحانه وتعالى بأنّها كبيت العنكبوت ؛ حيث يقول:
( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (٢) .
إذا قارنّا بين هذين النوعين من المُثُل العليا: المشتقّة من الواقع ( المنخفضة ) والمشتقّة من طُموح محدود ( المحدودة ) للاحظنا أنّ المثل العليا المنخفضة كثيراً ما تكون قد مرّت بمرحلة المثل المحدودة أي كثيراً ما تكون المثل من النوع الأول امتداداً للمثل من النوع الثاني.
يبدأ هذا المثل الأعلى مشتقّاً من طموح، وحينما يتحقق هذا الطموح المحدود ؛ تصل المجموعة البشرية إلى النقطة التي أثارت فيها هذا
____________________
(١) النور: ٣٩.
(٢) العنكبوت: ٤١.
المثل، فيتحوّل هذا المثل إلى واقع محدود بحسب الخارج حينئذ يصبح مثلاً تكرارياً.
من هنا قلنا - فيما سبق - لو رجعنا خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى آلهة النوع الأول ومثل النوع الأول ؛ لوجدنا آلهة النوع الثاني.
فمسألة تبدأ في كثير من الأحيان بمثل أعلى له طموح مستقبلي محدود، ثم يتحوّل هذا المثل الأعلى إلى مثل تكراري، ثم يتمزّق هذا المثل التكراري كما قلنا وتتحوّل الأُمّة إلى شبح.
يمكننا تلخيص هذه الفترة الزمنية التي تمر بها الأُمّة في أربعة مراحل:
المرحلة الأُولى: مرحلة فاعلية ؛ لأنّ هذا المثل بدأ مشتقّاً من طموح مستقبلي، غير أنّ القرآن يسمّي عطاء هذه الفاعلية بالعاجل أي إنّ مكاسبها عاجلة وليست مكاسب على الخط الطويل إنّها عاجلة ؛ لأنّ عمر هذا المثل قصير وعطاءه محدود، ولأنّ هذا المثل سوف يتحوّل في لحظة من اللحظات إلى قوّة إبادة لكل ما أعطاه من مكاسب ؛ ولذلك يسمّى بالعاجل، يقول تعالى:
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) (١) .
الله سبحانه وتعالى يُمد هؤلاء وهؤلاء من عطائه ؛ لأنّه خير محض
____________________
(١) الإسراء: ١٨ - ٢٠.
وعطاء محض وجُود كلّه يمد ّبقدر ما تتبنّى الأُمّة من مثل قابل للتحريك، لكنّه يعطي بقدّر قابلية هذا المثل، وحينما يكون المثل مشتقّاً من طمُوح مستقبلي محدود، يعطي شيئاً عاجلاً لا أكثر.
في حالة من هذا القبيل تكون السلطة التي تمثّل هذا المثل موجّهة للأُمّة في حدود هذا المثل، ويكون للأُمّة دور المشاركة في صنع هذا المثل وتحقيقه.
هذه المرحلة سوف تؤدّي إلى مكاسب، لكنّها في النظر القرآني العميق الطويل الأمد مكاسب عاجلة تعقبها جهنّم في الدنيا والآخرة هذه المرحلة الأُولى مرحلة الإبداع والتجديد.
المرحلة الثانية: هي مرحلة تمجّد هذا المثل الأعلى بعد أن يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء، ويتحوّل هذا المثل حينئذ إلى تمثال، ويتحوّل القادة الذين كانوا يعطون ويوجّهون على أساسه إلى سادة وكبراء كما يتحوّل جمهور الأُمّة من مشاركين في الإبداع والتطوير إلى مطيعين منقادين.
والقرآن الكريم عبّر عن هذه المرحلة بقوله:( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) (١) .
المرحلة الثالثة: مرحلة الامتداد التاريخي لهؤلاء فتلك تتحوّل إلى طبقة تتوارث بعد ذلك مقاعدها عائلياً أو طبقياً وراثياً بشكل من أشكال الوراثة، وتصبح هذه الطبقة حينئذ هي الطبقة المترفة المنعّمة الخالية من الأغراض الكبيرة، المشغولة بهمومها الصغيرة وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم:
____________________
(١) الأحزاب: ٦٧.
( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (١) .
فهؤلاء امتداد تاريخي لآبائهم، وهذا الامتداد التاريخي تحوّل من مستوى مثل وعطاء إلى مستوى طبقة مترفة، تتوارث هذا المقعد بشكل من أشكال التوارث.
المرحلة الرابعة: وهي أخطر المراحل، وتحين حين تتفتت الأُمّة وتتمزّق، وتفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه وفيها يسيطر على الأُمّة مجرموها، يسيطر عليها أُناس لا يرعون لها إلاّ ولا ذمّة، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى:
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ ) (٢) .
حينئذ يسيطر مجموعة من هؤلاء المجرمين يسيطر هتلر والنازية - مثلاً - في جزء من أوروبا ؛ لتحطيم كل ما في أوروبا من خير وإبداع، وللقضاء على كل مكاسب ذلك المثل الأعلى المحدود الذي تبنّاه الإنسان الأوروبي الحديث، وتحوّل بالتدريج إلى مثل تكراري، ثم تفسّح هذا المثل وبقيت مكاسبه في المجتمع الأوروبي، يأتي شخص كهتلر لكي يمزّق تلك المكاسب ويقضي عليها.
ثالثاً - المثل الأعلى المطلق ( الله )
واجهنا - فيما سبق - تناقضاً على خط المسيرة البشرية حاصلُه أنّ الوجودَ
____________________
(١) الزخرف: ٢٢.
(٢) الأنعام: ١٢٣.
الذهني للإنسان محدود، والمثل الذي تتبنّاه المجموعة البشرية ينبغي أن يكون غير محدود، وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود.
هذا التنسيق سوف نجده في هذا المثل الأعلى، وهو الله سبحانه وتعالى ؛ حيث سيحل التناقض الذي واجهناه بأروع صورة.
سبب هذا التنسيق يعود إلى أنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، وليس إفرازاً ذهنياً للإنسان، بل هو مثل أعلى له واقع عيني، هو موجود مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وعلمه المطلق، وعدله المطلق.
هذا الوجود العيني بواقعه العيني يكون مثلاً أعلى ؛ لأنّه مطلق، لكنّ الإنسان حينما يريد أن يستلهم من هذا النور ويمسك بحزمة من هذا النور، لا يمسك إلاّ بالمقيّد طبعاً، لا يمسك إلاّ بقدر محدود من هذا النور، لكنّه يميّز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى هذا، الحزمة مقيّدة لكنّ المثل الأعلى مطلق.
ومن هنا حرص الإسلام دائماً على التمييز بين الوجود الذهني، وبين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى فرّق حتى بين الاسم والمسمّى وأكّد أنّه لا يجوز عبادة الاسم، وإنّما تكون العبادة للمسمّى ؛ لأنّ الاسم ليس إلاّ وجوداً ذهنياً، وليس إلاّ واجهة ذهنية لله سبحانه وتعالى، والواجهات الذهنية محدودة دائماً، العبادة يجب أن تكون للمسمّى لا للاسم ؛ لأنّ المسمّى هو المطلق، أمّا الاسم فهو مقيد ومحدود والواجهات الذهنية تبقى كواجهات ذهنية محدودة مرحلية، وأمّا صفة المثل الأعلى فتبقى قائمة بالله سبحانه وتعالى.
مسيرة الإنسانية نحو الله
قال سبحانه وتعالى:
( يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) (١) .
هذه الآية تضع الله سبحانه وتعالى هدفاً أعلى للإنسان، والإنسان هنا بمعنى الإنسانية ككل فالإنسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه وتعالى، تسير سيراً مستمرّاً مقروناً بالمعاناة والجهد والمجاهدة ؛ لأنّ هذا السير ليس سيراً اعتيادياً، بل سيراً ارتقائياً إنّه تصاعد وتكامل، إنّه سير تسلّق، فهؤلاء الذين يتسلّقون الجبال ليصلوا إلى القمم يكدحون نحو هذه القمم، يسيرون سير معاناة وجهد وكذلك الإنسانية حينما تكدح نحو الله فإنّما تتسلق إلى قمم كمالها وتكاملها وتكوّرها، إلى الأفضل باستمرار.
هذا السير الذي يحتوي على المعاناة المستمرّة يفترض طريقاً لا محالة، فإنّ السير نحو هدف يفترض حتماً طريقاً ممتداً بين السائر وذلك الهدف وهذا الطريق هو الذي تحدّثت عنه الآيات الكريمة في مواضع متعدّدة تحت اسم: سبيل الله، والصراط، وصراط الله، وكلّها تتحدّث عن الطريق الذي يفترضه ذلك السير.
كما أنّ السير يفترض الطريق، كذلك الطريق يفترض السير أيضاً، والآية المذكورة تتحدّث عن حقيقة قائمة، عن واقع موضوعي ثابت، فهي ليست بصدد دعوة الناس إلى أن يسيروا في طريق الله سبحانه وتعالى، كما فعلت آيات قرآنية أُخرى لا تقول يا أيّها الإنسان اكدح في سبيل الله بل تقول:( يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ
____________________
(١) الانشقاق: ٦.
كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) لغة الآية لغة التحدّث عن واقع ثابت وحقيقة قائمة، وهي: أنّ كل سير وكل تقدّم للإنسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد، إنّما هو سير وتقدّم نحو الله سبحانه وتعالى حتى الجماعات تلك التي تمسّكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة، واستطاعت أن تحقّق لها سيراً ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل، حتى هذه الجماعات التي يسمّيها القرآن بالمشركين، تسير هذه الخطوة نحو الله، وهذا التقدّم هو اقتراب نحو الله سبحانه وتعالى بقدر ما فيه من زخم وفاعلية.
وهناك طبعاً فرق بين تقدم مسئول وتقدّم غير مسئول ( على ما سيأتي شرحه إن شاء الله ) حينما تتقدّم الإنسانية في هذا المفاض واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً، يكون التقدّم مسئولاً، ويكون عبادة بحسب لغة الفقه، لوناً من العبادة له امتداد على الخط الطويل، وانسجام مع الوضع العريض للكون أمّا حينما يكون التقدم منفصلاً عن الوعي على ذلك المثل، فهو تقدم على أي حال، ولكنّه تقدم غير مسئول على ما سيأتي تفصيله.
كل تقدم إذن هو تقدم نحو الله، حتى أُولئك الذين يركضون وراء سراب كما تحدّثت الآية الكريمة، فإنّهم يركضون وراء السراب الاجتماعي، وراء المثل المنخفضة، وحينما يصلون إلى هذا السراب لا يجدون شيئاً، ويجدون الله سبحانه وتعالى ؛ فيوفّيهم حسابهم كما تتحدّث الآية الكريمة والله سبحانه وتعالى هو نهاية هذا الطريق، ولكنّه ليس نهاية جغرافية على نمط النهايات الجغرافية للطرق الممتدة مكانياً، كربلاء - مثلاً - نهاية طريق ممتّد بين النجف وكربلاء، كربلاء بمعناها المكاني نهاية جغرافية، أي إنّها موجودة في آخر الطريق، وليست موجودة على طول الطريق، لكنّ الله سبحانه وتعالى ليس نهاية على نمط النهايات
الجغرافية، الله سبحانه وتعالى هو المطلق، هو المثل الأعلى أي المطلق الحقيقي العيني وبحكم كونه هو المطلق فهو موجود على طول الطريق أيضاً، ليس هناك فراغ منه، وليس هناك انحسار عنه، وليس هناك حدّ له.
الله سبحانه وتعالى هو نهاية الطريق، ولكنّه موجود أيضاً على طول الطريق ومَن وصل إلى نصف الطريق، بل مَن وصل إلى سراب هذا الطريق، فتوقّف واكتشف أنّه سراب، وجد الله عنده - حسب الآية - فوفّاه حسابه ؛ لأنّ المطلق موجود على طول الطريق.
والإنسان يجد مثله الأعلى، ويلقى الله سبحانه وتعالى أينما توقّف بحجم سيره وبحجم تقدّمه على هذا الطريق.
وبحكم أن الله سبحانه وتعالى هو المطلق، فالطريق لا ينتهي أيضاً طريق الإنسان نحو الله هو اقتراب مستمر بقدر التقدّم الحقيقي نحو الله لكنّ هذا الاقتراب يبقى نسبياً، ويبقى مجرّد خطوات على الطريق دون أن يجتاز هذا الطريق، لأن المحدود لا يصل إلى المطلق، والكائن المتناهي لا يمكن أن يصل إلى اللامتناهي، فالفسحة الممتدة بين الإنسان والمثل الأعلى هي فسحة لا متناهية، أي إنّ مجال الإبداع والتطوّر التكاملي متروك للإنسان إلى اللانهاية، باعتبار أنّ الطريق الممتد طريق لا نهائي.
مسيرة الإنسانية الواعية نحو الله
المسيرة الإنسانية، حين توفّق بين وعيها على المسيرة، وبين الواقع الكوني لهذه المسيرة بوصفها سائرة ومتّجهه نحو الله، سوف يحدث عليها تغيير كمّي وكيفي.
أمّا التغيير الكمّي: على هذه الحركة فهو باعتبار ما أشرنا إليه إذ قلنا أنّ الطريق، حين يكون متجّهاً إلى المثل الأعلى الحق، هو طريق غير متناه، أي مجال التطوّر والإبداع والنمو قائم أبداً ودائماً ومفتوح للإنسان باستمرار دون توقّف.
المجموعة البشرية، حين تتبنّى هذا المثل الأعلى سوف تمسح من الطريق كلّ الآلهة المزوّرة، وكلّ الأصنام والأقزام المتصنّمة التي تقف عقبة بين الإنسان وبين وصوله إلى الله سبحانه وتعالى.
من هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمرّاً مع مختلف أشكال الآلهة والمثل المنخفضة والمحدودة، التي حاولت أن تحدّد من كمّية الحركة هذه الآلهة التي أرادت أن تُوقف الإنسان في وسط الطريق وفي نقطة معيّنة كان دينُ التوحيد على مرّ التاريخ هو حامل لواء المعركة ضدها هذا المثل الأعلى سوف يحدث تغييراً كمّياً على الحركة إذن ؛ لأنّه يطلقها من عقالها من هذه الحدود المصطنعة لكي تسير باستمرار.
وأمّا التغيير الكيفي الذي يحدثه هذا المثل الأعلى على المسيرة، فيتمثّل في إعطاء الحل الموضوعي الوحيد للجدل الإنساني، للتناقض الإنساني، إعطاء الشعور بالمسؤولية الموضوعية لدى الإنسان.
الإنسان من خلال إيمانه بهذا المثل الأعلى ووعيه على الطريق بحدوده الكونية الواقعية، ينشأ لديه، بصورة موضوعية، شعور معمّق بالمسؤولية تجاه هذا المثل الأعلى، لأول مرة في تاريخ المثل البشرية التي حرّكت البشر على مرّ التاريخ.
السبب في ذلك يعود إلى أنّ هذا المثل الأعلى حقيقة وواقع عيني منفصل عن الإنسان، وبهذا يعطي للمسؤولية شرطها المنطقي.
فالمسؤولية الحقيقية لا تقوم إلاّ بين جهتين: بين مسئول ومسئول لديه إذا لم تكن هناك جهة أعلى من هذا الكائن المسؤول، وإذا لم يكن هذا الكائن المسؤول مؤمناً بأنه بين يدي جهة أعلى، لا يمكن أن يكون شعوره بالمسؤولية شعوراً موضوعياً حقيقياً، لا يمكن للإنسان أن يستشعر حقيقة المسؤولية بصورة موضوعية تجاه ما يفرزه هو، وتجاه ما يصنعه هو من آلهة ومن أقزام متعملقة: ( إنْ هي إلاّ أسماء سمّيتمُوها ).
تلك المثل لا تصنع الشعور الموضوعي بالمسؤولية، بل قد تصنع قوانين وعادات وأخلاق، لكن كل ما تصنعه فهو عطاء ظاهري وكلّما وجد الإنسان مجالاً للتحلّل من هذه العادات والأخلاق والقوانين فسوف يتحلّل.
أمّا المثل الأعلى لدين التوحيد للأنبياء على مرّ التاريخ، فهو ليس إفرازاً بشرياً، وليس إنتاجاً إنسانياً ؛ لأنّه واقع عيني منفصل عن الإنسان، وجهة أعلى من الإنسان.
من هنا كان الأنبياء على مر التاريخ أصلب الثوار، وأنظف الثوّار على الساحة التاريخية ومن هنا كانوا فوق كل مهادنة ومساومة، وفوق كل تململ نحو يمنة أو يسرة عن الرسالة التي بيده وعن الكتاب الذي يحمله من السماء ؛ لأنّ المثل الأعلى المنفصل عنه، والذي فوقه هو الذي أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسّد في كل كيانه ومشاعره وأفكاره وعواطفه ؛ ومن هنا كان النبي معصوماً على مرّ التاريخ.
هذا المثل الأعلى إذن يحدث تغييراً كيفيّاً على المسيرة ؛ لأنّه يمنح الشعور
بالمسؤولية وهذا الشعور بالمسؤولية ليس أمراً عرضياً، وليس أمراً ثانوياً في مسيرة الإنسان، بل هو شرط أساسي في إمكان نجاح هذه المسيرة، وتقديم الحل الموضوعي للتناقض الإنساني، للجدل الإنساني ؛ لأنّ الإنسان يعيش تناقضاً بحسب تركيبه وخلقته، ولأنّه تركيب من حفنة من تراب ونفحة من روح الله سبحانه وتعالى، كما وصفت ذلك الآيات الكريمة.
الآيات الكريمة قالت: إنّ الإنسان خُلق من تراب، وقالت إنّه نُفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى إنّه إذن مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الإنسان: حفنة التراب تجرّه إلى كل ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط، وروح الله سبحانه وتعالى التي نفخها فيه تجرّه إلى أعلى، تتسامى بإنسانيته إلى حيث صفات الله، والى حيث أخلاق الله، وإلى حيث العلم الذي لا حدّ له والقدرة التي لا حدّ لها والعدل الذي لا حدّ له، إلى حيث الجود والرحمة والانتقام إلى حيث هذه الأخلاق الإلهية هذا الإنسان واقع في تيّار هذا التناقض، وفي تيّار هذا الجدل بحسب محتواه النفسي وتركيبه الداخلي.
هذا الجدل وهذا التناقض الذي احتوته طبيعة الإنسان وشرحته قصّة آدم في القرآن الكريم - على ما سيأتي إن شاء الله تعالى - لا يمكن أن يحلّه الشعور المنبثق عن هذا الجدل، فإنّ الشعور المنبثق عن نفس هذا الجدل لا يُحلّ هذا الجدل بل هو يساهم في إفراز هذا التناقض وهذا الجدل الإنساني له حلّ واحد فقط هو الشعور بالمسؤولية وهذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية لا يكلفه إلاّ المثل الأعلى الذي يكون جهة عليا، يحسّ الإنسان من خلالها بأنّه بين يدي ربّ قادر سميع بصير محاسب مجاز على الظلم مجازٍ على العدلِ هذا الشعور الموضوعي بالمسؤولية
الذي هو التغيير الكيفي على المسيرة، هو إذن الحل الوحيد للتناقض والجدل الذي تستبطنه طبيعة الإنسان وتركيب الإنسان.
دور دين التوحيد في المسيرة البشرية
ممّا تقدّم نفهم أنّ دور دين التوحيد هو تعبيد هذا الطريق الطويل تعبيده وإزالة العوائق من خلال تنمية الحركة كميّاً وكيفيّاً، ومحاربة تلك المثل المصطنعة والتكرارية التي تريد أن تجمّد الحركة من ناحية، وأن تعرّيها من الشعور بالمسؤولية من ناحية أُخرى.
من هنا اتجهت حرب الأنبياء - كما أشرنا - إلى مقارعة الآلهة المصطنعة على مرّ التاريخ.
كل مَثَل من هذه المثل العليا التي تتحوّل إلى تمثال ضمن ظروف تطوّرها بالشكل الذي شرحناه، يجد في مجموعة من الناس مدافعين طبيعيين ؛ لارتباط مصالح هذه المجموعة، وترفها وكيانها المادي والدنيوي ببقاء هذا المثل الذي تحوّل إلى تمثال ؛ ولذلك تقف هذه المجموعة في وجه الأنبياء ليدافعوا عن مصالحهم ودنياهم وترفهم.
من هنا أبرز القرآن الكريم سنّة من سنن التاريخ، وهي أنّ الأنبياء كانوا دوماً يواجهون المترفين من مجتمعاتهم كقطب آخر من المعارضة مع هذا النبي ؛ لأنّ المترفين المنعّمين على حساب الناس يجعلون من المثال المتحوّل إلى تمثال، مبرراً لوجودهم ؛ ولذلك نجد هؤلاء المترفين المستفيدين في الخط المعارض للأنبياء دائماً:
( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا
وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (١) .
( سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) (٢) .
( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) (٣) .
دين التوحيد إذن يستأصل مصالح هؤلاء المترفين بالقضاء على آلهتهم، وعلى مُثُلهم التي تحوّلت إلى تماثيل، ويقطع صلة البشرية بهذه المثل العليا المنخفضة، ولكنّه لا يقطع صلتها بهذه المثل العليا المنخفضة لكي يطأ برأس الإنسان في التراب.
دعاة دين التوحيد لا يستهدفون تحويل البشرية إلى كومة مادية محدودة الأشواق والطموحات والتطلّعات السامية، كما هو شأن الثوّار الماديين الذين يستلهمون من المادية التاريخية ومن الفهم المادي للتاريخ.
الثوّار الماديون يحاربون هذه الآلهة المصطنعة، ويسمّونها أفيون الشعوب ونحن أيضاً نحارب هذه الآلهة المصطنعة، ولكن لا لكي نحوّل الإنسان إلى حيوان، لا لكي نقطع صلة الإنسان بأشواقه العليا، لا لكي نحوّل مسار الإنسان من أعلى إلى أسفل ؛ بل نقطع صلة
____________________
(١) الزخرف: ٢٣.
(٢) الأعراف: ١٤٦.
(٣) المؤمنون: ٣٣.
الإنسان بهذه المثل المنخفضة لكي نشدّه إلى المثل الأعلى، إلى الله سبحانه وتعالى.
شروط اتجاه المسيرة البشرية نحو الله:
تبنّي المسيرة البشرية لهذا المثل الأعلى الحق، الذي يحدث هذه التغييرات الكيفية والكمّية على اتجاه المسيرة وحجمها، يتوقّف على عدّة أُمور:
١ - على رؤية واضحة فكرياً وإيديولوجياً لهذا المثل الأعلى، وهذه الرؤية الواضحة لهذا المثل الأعلى هو الذي تقدّمه عقيدة التوحيد على مرّ التاريخ عقيدة التوحيد تعطينا رؤية واضحة عن هذا المثل الأعلى الذي تتوحّد فيه كل الطموحات وكل الغايات وكل التطلعات البشرية، باعتبار أنّ هذا المثل الأعلى علم كلّه وقدرة كلّه وعدل كلّه ورحمة، وكلّه انتقام من الجبّارين.
عقيدة التوحيد تعلّمنا على أن نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله بوصفها حقائق عينية منفصلة عنّا، لا كما يتعامل فلاسفة الإغريق، وإنّما نتعامل مع هذه الصفات والأخلاق بوصفها هدفاً لمسيرتنا العلمية، ومؤشّرات على الطريق الطويل نحو الله سبحانه وتعالى.
٢ - لا بد من طاقة روحية مستمدّة من هذا المثل الأعلى، لكي تكون هذه الطاقة الروحية رصيداً ووقوداً للإرادة البشرية على مرّ التاريخ هذه الطاقة الروحية، وهذا الوقود المستمد من الله سبحانه وتعالى يتمثّل في يوم القيامة، وفي عقيدة الحشر والامتداد.
عقيدة يوم القيامة تعلّم الإنسان أنّ هذه الساحة التاريخية الصغيرة
التي يتحرّك عليها الإنسان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بساحات برزخية وبساحات حشرية في عالم البرزخ والحشر , وأنّ مصير الإنسان على تلك الساحات العظيمة الهائلة مرتبط بدوره على هذه الساحة التاريخية.
٣ - لا بد من صلة موضوعية تربط هذا الإنسان بذلك المثل الأعلى ؛ لأنّ هذا المثل منفصل عن الإنسان، وليس جزءاً من الإنسان، أي ليس من إفراز الإنسان إنّه واقع عيني قائم في كل مكان وليس جزءاً من الإنسان هذا الانفصال يفرض وجود صلة موضوعية بين الإنسان وهذا المثل الأعلى، بينما المثل الأُخرى كانت إفرازاً بشرياً تحتاج إلى افتراض صلة موضوعية.
نعم، هناك طواغيت وفراعنة على مرّ التاريخ، نصبوا من أنفسهم صلات موضوعية بين البشرية وبين آلهة الشمس وآلهة الكواكب، لكنّها صلة موضوعية مزيّفة ؛ لأنّ هذه الآلهة كانت موهومة، وكانت وجوداً ذهنياً وإفرازاً إنسانياً أمّا هنا فالمثل الأعلى منفصل عن الإنسان ؛ ولهذا كان لا بد من صلة موضوعية تربط الإنسان بذلك المثل الأعلى.
هذه الصلة الموضوعية تتجسّد في دور النبوّة، فالنبي هو ذلك الإنسان الذي يركّب بين الشوط الأول والشوط الثاني بأمر الله سبحانه وتعالى يركّب بين رؤية إيديولوجية واضحة للمثل الأعلى وطاقة روحية مستمدّة من الإيمان بيوم القيامة يركب بين هذين العنصرين ثم يجسّد بدور النبوّة الصلة بين المثل الأعلى والبشرية ؛ ليحمل هذا المركب إلى البشرية بشيراً ونذيراً.
٤ - بعد أن تدخل البشرية مرحلة الاختلاف - كما يسمّيها القرآن على ما يأتي شرحه إن شاء الله - سوف لا يكفي مجيء البشير النذير ؛ لأنّ مرحلة الاختلاف تعني مرحلة انتصاب تلك المثل المنخفضة أو
التكرارية، تعني وجود تلك الآلهة المزورة على الطريق، وجود تلك الحواجز والعوائق عن الله سبحانه وتعالى، فلا بدّ للبشرية إذن أن تخوض معركة ضد الآلهة المصطنعة والطواغيت، والمثل المنخفضة التي تنصب نفسها قيماً على البشرية وتقف سدّاً أمام المسيرة التاريخية لا بد من معركة ضد هذه الآلهة، ولا بد من قيادة تتبنّى هذه المعركة، وهذه القيادة هي الإمامة.
الإمام هو القائد الذي يتولّى هذه المعركة دور الإمامة يندمج مع دور النبوّة في مرحلة من مراحل النبوّة، وهذه المرحلة بدأت في أكبر الظن مع نوح ( عليه الصلاة والسلام ) كما يتحدث القرآن وسنشرح ذلك إن شاء الله تعالى.
دور الإمامة يندمج مع دور النبوّة، ولكنّه يمتد حتى بعد النبي ؛ إذا ترك النبي الساحة والمعركة لا تزال قائمة، والرسالة لا تزال بحاجة إلى مواصلة هذه المعركة من أجل القضاء على تلك الآلهة حينئذ يمتد دور الإمامة بعد انتهاء النبيّ.
موقع أُصول الدين الخمسة من مسار الإنسان:
على ضوء ما سبق سوف نكوّن رؤية واضحة لما نسمّيه أُصول الدين الخمسة، وسوف تقع هذه الأُصول في موقعها الطبيعي الصحيح من مسار الإنسان.
أُصول الدين الخمسة:
التوحيد: هو الذي يعطي الرؤية الواضحة فكرياً وإيديولوجياً، وهو الذي يجمع ويعبّئ كل الطموحات والغايات في مثل أعلى وهو الله
سبحانه وتعالى.
العدل: هو جانب من التوحيد، وهو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، ولا توجد له ميزة عقائدية عن سائر هذه الصفات كالعلم والقدرة لكنّ الميزة هنا اجتماعية.
العدل هو الصفة التي تحتاج إليها المسيرة البشرية أكثر من أيّة صفة أُخرى العدل أبرز هنا كأصل ثانٍ من أُصول الدين باعتبار المدلول التوجيهي والتربوي لهذه الصفة.
قلنا إنّ الإسلام علّمنا أن لا نتعامل مع صفات الله وأخلاق الله كحقائق عينية ميتافيزيقية فوقنا لا صلة لنا بها، وإنّما نتعامل معها كمؤشّرات ومنارات على الطريق من هنا كان للعدل مدلوله الأكبر بالنسبة إلى توجيه المسيرة البشرية ؛ ولأجل ذلك أفرز، وأنّ العدل في الحقيقة داخل في إطار التوحيد العام , في إطار المثل الأعلى.
النبوّة: هي التي توفّر الصلة الموضوعية بين الإنسان والمثل الأعلى المسيرة البشرية، حينما تبنّت المثل الأعلى الحق المنفصل عنها، الذي ليس من إفرازها ومن إنتاجها المنخفض، كانت بحاجة إلى صلة موضوعية، هذه الصلة الموضوعية يجسّدها النبي على مرّ التاريخ.
الإمامة: هي تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوّة النبي هو إمام أيضاً، لكنّ الإمامة لا تنتهي بانتهاء النبي إذا كانت المعركة قائمة، وإذا كانت الرسالة لا تزال بحاجة إلى قائد يواصل المعركة سوف يستمر هذا الجانب من دور النبي إذن خلال الإمامة فالإمامة هي
الأصل الرابع من أُصول الدين.
الإيمان بيوم القيامة: هو الذي يوفّر الشرط الثاني من شروط اتجاه المسيرة البشرية نحو الله، كما ذكرنا، هو الذي يعطي تلك الطاقة الروحية، وذلك الوقود الربّاني الذي يجدّد دائماً إرادة الإنسان وقدرة الإنسان، ويوفّر الشعور بالمسؤولية والضمانات الموضوعية.
أُصول الدين بالتعبير التحليلي هي - على ضوء ما ذكرناه - عناصر تساهم في تركيب هذا المثل الأعلى، وفي إعطاء تلك العلاقات الاجتماعية، بصفتها التاريخية، بصفتها القرآنية الرباعية التي تحدثنا عنها في الدروس الماضية.
تلخيص واستنتاج:
تحدثنا أنّ القرآن الكريم طرح العلاقة الاجتماعية ذات الأبعاد الأربعة لا الثلاثة بصيغة الاستخلاف، وشرحنا فيما سبق صيغة الاستخلاف وقلنا إنّ الاستخلاف يفترض أربعة أبعاد: يفترض إنساناً وإنساناً، وطبيعة والله سبحانه وتعالى، وهو المستخلف.
هذه الصيغة الرباعية للعلاقة الاجتماعية هي التعبير الآخر عن صيغة تدمج أُصول الدين الخمسة في مركب واحد، من أجل أن يسير الإنسان، ويكدح نحو الله سبحانه وتعالى في طريقه الطويل.
ممّا ذكرنا نوضح دور الإنسان في المسيرة التاريخية، نوضح أنّ الإنسان هو مركز الثقل في المسيرة التاريخية هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي، وإنّما بمحتواه الداخلي، وهذا المحتوى الداخلي هو المثل الأعلى الذي يتبنّاه الإنسان ؛ لأنّ المثل الأعلى هو الذي تنبثق منه كل
الغايات التفصيلية، هي المحرّكات التاريخية للنشاطات على الساحة التاريخية.
المثل الأعلى وتبنّي المثل الأعلى في الحقيقة أساس في بناء المحتوى الداخلي للإنسان ؛ ومن هنا ظهر دور هذا البعد الرابع.
مقدّمة في تحليل عناصر المجتمع
خطّان من العلاقة الاجتماعية:
المجتمع يتكوّن من ثلاثة عناصر:
الإنسان والطبيعة، والعلاقة في الحلقة التاريخية.
تحدّثنا عن الإنسان ودوره الأساسي في الحلقة التاريخية، وتحدثنا عن الطبيعة وشأنها على الساحة التاريخية، وبقي علينا أن نتناول العنصر الثالث وهو: العلاقة الاجتماعية لنحدّد موقفنا من هذه العلاقة الاجتماعية على ضوء ما انتهينا إليه من مواقف قرآنية تجاه دور الإنسان والطبيعة على الساحة التاريخية.
تقدم أن العلاقة الاجتماعية تتضمّن علاقتين مزدوجتين:
إحداهما: علاقة الإنسان مع الطبيعة.
والأخرى: علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان.
هذان خطّان من العلاقة الاجتماعية، ونحن نؤمن أن كل واحد من هذين الخطين مختلف عن الآخر ومستقل استقلالاً نسبياً عن الآخر، مع شيء من التفاعل والتأثير المتبادل المحدود الذي سوف نشرحه بعد
ذلك إن شاء الله.
هذان الخطان - من حيث الأساس - أحدهما مختلف عن الآخر، ومستقل استقلالاً نسبياً عنه، تبعاً للاختلاف النوعي في الطبيعة المشكلة التي يواجهها كل واحد من هذين الخطين ونوع الحل الذي ينسجم مع طبيعة تلك المشكلة.
الخط الأول: الذي يمثل علاقات الإنسان مع الطبيعة من خلال استثمارها ومحاولة تطويعها وإنتاج حاجاته الحياتية منها، يواجه مشكلة، وهي مشكلة التناقض بين الإنسان والطبيعة أي تمرّد الطبيعة وتعصيّها عن الاستجابة للطلب وللحاجة الإنسانية هذا التناقض بين الإنسان والطبيعة هو المشكلة الرئيسية على هذا الخط ولهذا التناقض حلّ مستمد من قانون موضوعي يمثل سنة من سنن التاريخ الثابتة وهذا القانون هو قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.
كلما تضاءل جهل الإنسان بالطبيعة وازدادت خبرته بلغتها وبقوانينها , ازداد سيطرةً عليها وتمكناً من تطويعها وتذليلها لحاجاته .وكل خبرة تتولد في هذا الحقل من الممارسة، وكل ممارسة تولّد بدورها خبرة من هنا كان قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة قانوناً موضوعياً يكفل حلّ هذا التناقض، ويقدّم الحلّ المستمر والمتنامي لهذا التناقض بين الإنسان والطبيعة فالإنسان - من خلال ممارسته للطبيعة - يتضاءل جهله وتنمو معرفته باستمرار، ويكتسب خبرة جديدة تمكنه من السيطرة على ميدان جديد من ميادين الطبيعة وممارسته على الميدان الجديد تتحول بدورها إلى خبرة وهكذا تنمو الخبرة الإنسانية باستمرار، ما لم تقع كارثة كبرى طبيعية أو بشرية.
هذا القانون بنموه وبتطبيقاته التاريخية يعطي الحلول التدريجية لهذه
المشكلة، فهي مشكلة محلولة تاريخياً ومحلولة موضوعياً، لعلّ في الآية الكريمة التالية إشارة إلى هذا الحلّ الموضوعي المستمد من قانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة:( وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) (١) .
والسؤال في ( سألتموه ) لا يراد منه الدعاء أو السؤال اللفظي طبعاً ؛ لأنّ الآية تتكلّم عن الإنسانية ككلّ بما في ذلك المؤمن بالله وغير المؤمن بالله، وبما في ذلك مَن يدعو الله ومَن لا يدعو الله ؛ ولأنّ الدعاء لا يتضمّن حتماً تحقيق الشيء المدعّو به، بينما الآية تتحدث عن استجابة فعلية بعطاء ما سُئل عنه أكبر الظن أنّ هذا السؤال من قِبَل كلّ الإنسانية وعلى مرّ التاريخ وعبر الماضي والحاضر والمستقبل، يتمثّل في السؤال العملي، والطلب التكويني الذي يحقق باستمرار التطبيقات التاريخية لقانون التأثير المتبادل بين الخبرة والممارسة.
الخط الثاني: من العلاقات، علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال توزيع الثروة، أو في سائر الحقول الاجتماعية، أو في أوجه التفاعل الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وهذا الخط يواجه مشكلة أُخرى هي التناقض الاجتماعي بين الإنسان وأخيه الإنسان هذا التناقض يتخذ على الساحة الاجتماعية صيغاً متعددة وألواناً مختلفة، لكنّه يظل في حقيقته وجوهره شيئاً ثابتاً وحقيقة واحدة وروحاً عامة، وهي التناقض بين القوي والضعيف، بين كائن في مركز القوّة وكائن في مركز الضعف.
هذا القوي، إذا لم يكن قد حلّ تناقضه الخاص، جدلَه الإنساني
____________________
(١) إبراهيم: ٣٤.
من الداخل سوف يفرز لا محالة صيغة من صيغ التناقض، مهما اختلفت الصيغة في مضمونها القانوني وشكلها التشريعي ولونها الحضاري، إنّها على أي حال صيغة من صيغ التناقض بين القوي والضعيف.
قد يكون هذا القوي فرداً متفرعناً، وقد يكون عصابة، وقد يكون طبقة، وقد يكون شعباً، وقد يكون أُمّة غير أنّ كل هذه الألوان تنطوي على روح واحدة هي روح الصراع بينها وبين الضعيف وروح استغلال هذا الضعيف.
هذه أشكال متعددة من التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهذه الأشكال المتعددة ذات الروح الواحدة كلها تنبع من معين واحد، من تناقض رئيسي واحد، وهو ذلك الجدل الإنساني القائم بين حفنه التراب وبين أشواق الله سبحانه وتعالى كما شرحناه سابقاً.
ما لم ينْتَصِر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني، فسوف يظلّ هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض، والصيغة بعد الصيغة حسبَ الظروف والملابسات، وحسبَ الشروط الموضوعية ومستوى الفكر والثقافة.
التناقض الاجتماعي بين النظرتين الإسلامية والمادية:
النظرة الإسلامية، بشأن المشكلة التي يواجهها خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، نظرة واسعة، منفتحة، معمّقة، لا تقتصر على لون من التناقض، ولا تهمل ألواناً أُخرى من التناقض، بل هي تستوعب كل أشكال التناقض على مرّ التاريخ، وتنفذ إلى عمقها وتكشف حقيقتها الواحدة وروحها المشتركة، ثم تربط كل هذه
التناقضات بالتناقض الأعمق بالجدل الإنساني.
من هنا يؤمن الإسلام أنّ الرسالة الوحيدة القادرة على حلّ هذه المشكلة، التي يواجهها خط علاقات الإنسان مع الإنسان، هي تلك الرسالة التي تعمل على مستويين في وقت واحد، تعمل من أجل تصفية التناقضات الاجتماعية على الساحة، ولكن تعمل في نفس الوقت وقبل ذلك من أجل تصفية ذلك الجدل في المحتوى الداخلي للإنسان، من أجل تجفيف منبع تلك التناقضات الاجتماعية.
يؤمن الإسلام أنّ الاشتغال بتصفية التناقضات على الساحة الاجتماعية بصيغها التشريعية مع ترك ذلك المعين الذي يفرز الجدل والتناقضات على حاله هو نصفُ العملية، هو النصف المبتور من العملية إذْ سرعان ما يفرز ذلك المعين صيغاً أُخرى، وفق هذه العملية، التي سوف تستأصل بها الصيغ السابقة.
لا بد للرسالة التي نريد أن تضع الحل الموضوعي للمشكلة، أن تعمل على كلا المستويين، أن تؤمن بجهادين: بالجهاد الأكبر كما سمّاه الإسلام، وهو الجهاد لتصفية ذلك التناقض الرئيسي، ولحل ذلك الجدل الداخلي وجهاد آخر في وجه كل صيغ التناقض الاجتماعي، في وجه كل ألوان استئثار القوي للضعيف , من دون أن نحصر أنفسنا في نطاق صيغة معيّنة من صيغ هذا الاستئثار ؛ لأنّ الاستئثار جوهره واحد مهما اختلفت صيغه.
هذه هي النظرة المنفتحة الواقعية التي أثبتت التجربة البشرية باستمرار انطباقها على واقع الحياة خلافاً للنظرة الضيّقة التي تبنّتها المادية وتبنّاها الثوّار الماديون في تفسر هذا التناقض.
ماركس - على الرغم من ذكائه الفائق - لم يستطع أن يتجاوز حدود
النظرة التقليدية للإنسان الأوروبي، كان - بحكم كونه فرداً أوروبياً - رهين هذه النظرة التقليدية.
الإنسان الأوروبي يرى العالم دائماً ينتهي حيث تنتهي الساحة الأوروبية، أو الساحة الغربية بتعبير أعم، كما يعتقد اليهود بأنّ الإنسانية هي كلّها في إطارهم:
( قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) (١) .
أي يعتقدون أنّ غيرهم ليسوا بشراً وليسوا أُناساً بل هم أُميّون وهمج، كذلك الإنسان الأوروبي اعتاد أن يضع الدنيا كلّها في إطار ساحته الأوروبية، في ساحته الغربية.
لم يتخلص ماركس من تقاليد هذه النظرة الأوروبية، كما أنّه لم يتخلص من هيمنة العامل الطبقي الذي لعب دوراً في أفكار المادية التاريخية.
من هنا جاء لنا ماركس بتفسير محدود ضيق للتناقض الذي تواجهه الإنسانية على هذا الخط، واعتقد بأنّ كل التناقضات على الساحة البشرية تعود إلى تناقض واحد، وهو التناقض الطبقي، التناقض بين طبقة تملك كلّ وسائل الإنتاج أو معظم وسائل الإنتاج، وطبقة لا تملك شيئاً من وسائل الإنتاج، وإنّما تعمل من أجل مصالح الطبقة الأُولى، وتستثمر في تشغيل وسائل الإنتاج التي تملكها الطبقة الأُولى ثم إنّ الطبقة الأُولى تستولي على الثروة المنتجة التي جسّدت عرق جبين هذا العامل المستغل، ولا تعطي للطبقة الثانية منها إلاّ الحدّ الأدنى، حدّ الكفاف الذي يضمن استمرار حياة هذه الطبقة ؛ لكي تواصل خدمتها وممارستها
____________________
(١) آل عمران: ٧٥.
ضمن إطار الطبقة الأُولى.
هذا التناقض الطبقي، الذي اتخذه ماركس قاعدة وأساساً لكل ألوان التناقض الأُخرى، يتخذ مدلوله الاجتماعي من خلال صراع مرير بين الطبقة المالكة والطبقة العاملة هذا الصراع المرير بين هاتين الطبقتين ينمو ويشتد كلّما تطوّرت الآلة، وكلّما نمت الآلة الصناعية وتعقّدت ؛ إذ كلّما نمت الآلة وتطوّرت انخفض مستوى المعيشة وهذا الانخفاض في مستوى المعيشة يُعطي فرصةً للطبقة الرأسمالية المالكة كي تخفض أجر العامل ؛ لأنّها لا تريد أن تعطي العامل أكثر ممّا يديم به حياته ونفسه.
تطوّر الآلة وتعقّدها تقتضي - من ناحية أُخرى - إمكانية التعويض عن العدد الكبير من العمّال بالعدد القليل منهم ؛ لأنّ دقّة الآلة وتطوّرها يعوّض عن هذا العدد الكبير من الأيدي العاملة، وهذا يؤدّي إلى أن تطرد الطبقة الرأسمالية الفائض من العمّال باستمرار وهكذا يشتد الصراع بين الطبقتين، ويحتدم التناقض حتى ينفجر في ثورة.
هذه الثورة التي تجسّدها الطبقة العاملة تقضي على التناقض الطبقي في المجتمع وتوحّد المجتمع في طبقة واحدة وهذه الطبقة الواحدة تمثّل حينئذٍ كلّ أفراد المجتمع وفي مثل هذه الحالة سوف تُستأصل كل ألوان التناقض ؛ لأنّ أساس التناقض هو التناقض الطبقي، فإذا أُزيل التناقض الطبقي زالت كلّ التناقضات الأُخرى الفرعية والثانوية.
هذا تلخيص سريع جداً لوجهة نظر هؤلاء الثوّار تجاه التناقض الذي عالجناه.
هذه النظرة الضيّقة لا تنسجم في الحقيقة مع الواقع ولا تنطبق على
تيّار الأحداث في التاريخ ليس التناقض الطبقي وليد تطور الآلة، بل هو وليد الإنسان، هو من صنع الإنسان الأوروبي.
ليست الآلة هي التي صنعت استغلال الرأسمالي للعامل، ليست الآلة هي التي خلقت النظام الرأسمالي، وإنّما الإنسان الأوروبي الذي وقعت هذه الآلة بيده أفرز نظاماً رأسمالياً يجسّد قيمه في الحياة وتصوّراته للحياة.
ليس التناقض الطبقي هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض، هناك صيغ كثيرة للتناقض الرئيسي بالنسبة إلى تلك الأشكال، وإنّما كل هذه الأشكال من التناقض على الساحة الاجتماعية هي وليدة تناقض رئيسي، وهو جدل الإنسان، الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان ؛ ذالك هو التناقض الرئيسي الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددة من التناقض.
دلالة التجربة البشرية المعاصرة:
تعالوا نقارن بين هذه النظرة الضيّقة وبين واقع التجربة البشرية المعاصرة ؛ لنرى أيّ النظرتين الإسلامية، أم المادية أكثر انطباقاً على العالم الذي نعيشه.
لو كان هذا التفسير الماركسي للتناقض صحيحاً ؛ لكان من المفروض أن يزداد يوماً بعد يوم التناقض الطبقي، والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية، التي تطوّرت فيها الآلة تطوّراً كبيراً.
كان من المفروض أن يشتد التناقض الطبقي والصراع يوماً بعد يوم في هذه المجتمعات، مثل: إنكلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا ،
وألمانيا، ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغل ويتداعى يوماً بعد يوم.
كما نترقّب - لو صحّ هذا التفسير - أن يزداد البؤس والحرمان في أوساط الطبقة العاملة، ويزداد الثراء على حساب هؤلاء العمّال في طبقة الرأسماليين المستغلين من الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم.
كنا نترقّب أن تتضاعف النقمة ويشتد إيمان العامل الأوروبي والعامل الأمريكي بالثورة، وبضرورة الثورة، وبأنّها هي الطريق الوحيد لتصفية هذا التناقض الطبقي هذا ما كنّا ننتظره لو صحّت هذه الأفكار عن تفسير التناقض.
لكن ما وقع بالفعل هو عكس ذلك تماماً، نرى - وبكل أسف - أنّ النظام الرأسمالي في الدول الرأسمالية المستغلّة يزداد ترسّخاً يوماً بعد يوم، ويزداد تمحوراً وتعملقاً، ولا تبدو عليه بوادر الانهيار السريع.
تلك التمنيّات الطيّبة، التي تمنّاها ثوّارنا الماديون للدول الأوروبية المتقدمة صناعياً بشأن قرب الثورة فيها، تحوّلت إلى سراب، بينما تحقّقت هذه النبوءات بالنسبة إلى بلاد لم تعش تطوّراً آلياً، بل تعيش تناقضاً طبقياً بالمعنى الماركسي ؛ لأنّها لم تكن قد دخلت الباب العريض الواسع للتطوّر الصناعي، مثل: روسيا القيصرية، والصين.
من ناحية أُخرى، العمّال لم يزدادوا بؤساً وفقراً واستغلالاً، بل بالعكس ازدادوا رخاءاً وَسِعةً، وأصبحوا مدللّين من قِبَل الطبقة الرأسمالية المستغلّة العامل الأمريكي يحصل على مالا يطمع به إنسان آخر يشتغل بكدّ يمينه، ويقطف ثمار عمله في المجتمعات الاشتراكية.
لم تزدد النقمة في أوساط الطبقة العاملة، بل بالعكس تحوّلت أكثر الهيئات التي تمثّل العمّال في الدول الرأسمالية المستغِلة بالتدريج إلى
هيئات ذات طابع شبه ديمقراطي، وتتمتّع بحالة الاسترخاء السياسي، فتركوا هموم الثورة , وتركوا منطق الثورة، وأصبحوا يتصافحون يداً بيد مع تلك الأيدي المستغِلّة مع أيدي الطبقة الرأسمالية أصبحوا يرفعون شعار تحقيق حقوق العمّال عن طريق النقابات، وعن طريق البرلمانات، وعن طريق الانتخابات، وكلّها مظاهر لحالة الاسترخاء السياسي.
وكيف حدث كل هذا في هذه الفترة القصيرة من الزمن ؟ هل كان ماركس سيّئ الظن إلى هذه الدرجة بهؤلاء الرأسماليين، بهؤلاء المجرمين والمستغِلين بحيث تنبّأ بهذه النبوءات، ثم ضاعت هذه النبوءات كلها فلم يتحقق منه شيء ؟ هل إنّ هؤلاء الرأسماليين المستغلّين، دخل في نفوسهم الرعب من ماركس والماركسية، ومن الثورات التحرّرية في العالم، فحاولوا أن يتنازلوا عن جزء من مكاسبهم خوفاً من أن يثور العامل عليهم.
هل إنّ المليونير الأمريكي يخالج ذهنه فعلاً أي شبح من خوف من هذه الناحية ؟ أشدّ الناس تفاؤلاً بمصائر الثورة في العالم لا يمكنه أن يفكّر في أنّ ثورة حقيقية على الظلم في أمريكا، يمكن أن تحدث قبل مئة سنة من هذا التاريخ، فكيف يمكن افتراض أنّ المليونير الأمريكي أصبح يرى أمامه شبح الخوف والرعب، وعلى هذا الأساس تنازل عن جزء من مكاسبه ؟
هل دخلت إلى قلوبهم التقوى، فاستنارت قلوبهم فجأة بنور الإسلام، كما أنار قلوب المسلمين الأوائل، الذين كانوا لا يعرفون حداً للمشاركة والمواساة، وكانوا يشاطرون إخوانهم غنائمهم وسرّاءهم وضرّاءهم ؟
لا . لم يتحقّق شيء من ذلك لا كارل ماركس كان سيّئ الظن بهؤلاء، بل كان ظنّه منطبقاً على هؤلاء انطباقاً تاماً، ولا هؤلاء أرعبهم
شبح العامل فتنازلوا من أجل إسكاته، ولا قلوب هؤلاء خفقت بالتقوى، فهي لم تعرف التقوى ولن تعرف التقوى ؛ لأنّها انغمست في لذّات المال وفي الشهوات.
إذن كيف نفسّر هذا الذي وقع ؟
ما وقع كان في الحقيقة نتيجة تناقض آخر، عاش مع التناقض الطبقي منذ البداية، لكنّ ماركس والثوّار الذين ساروا على هذا الطريق، لم يستطيعوا أن يكتشفوا ذلك التناقض ؛ ولهذا حصروا أنفسهم في التناقض الطبقي ولم يُدخلوا في حسابهم التناقض الآخر الأكبر، الذي أفرزه جدل الإنسان الأوروبي، أفرزه تناقض الإنسان الأوروبي فغطّى على هذا التناقض الطبقي، بل جنّده، بل أوقفه إلى فترة طويلة من الزمن.
ما هو ذلك التناقض ؟
نحن نستطيع أن نبصر ذلك التناقض ونضع إصبعنا عليه ؛ لأنّنا لم نحصر أنفسنا في إطار التناقض الطبقي، بل قلنا إنّ جدل الإنسان يفرز دائماً أيّ شكل من أشكال التناقض الاجتماعي.
في إطار هذا الشكل الجديد من التناقضات تحالفَ الرأسمالي المستغِل الأوروبي والأمريكي مع العامل، أي مع مَن يستغلّه لكي يشكّل هو والعامل قطباً واحداً في هذا التناقض لم يعد التناقض تناقضاً بين الغني الأوروبي والعامل الأوروبي، بل إنّ هذين الوجودين الطبقيين تحالفا معاً، وكوّنا قطباً في تناقض أكبر، بدأ تدريجياً منذ بدأ ذلك التناقض الذي تحدّث عنه ماركس.
وما هو القطب الآخر في هذا التناقض ؟
القطب الآخر في هذا التناقض هو أنا وأنت، هو الشعوب الفقيرة
في العالم، هو شعوب ما يسمّى بالعالم الثالث، شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
الإنسان الأوروبي بكلا وجوديه الطبقيين تحالف وتمحور، من أجل أن يمارس صراعه واستغلاله لهذه الشعوب الفقيرة، وقد انعكس هذا التناقض الأكبر اجتماعياً، من خلال صيغ الاستعمار المختلفة التي زخرت بها الساحة التاريخية، منذ أن خرج الإنسان الأوروبي الأمريكي من دياره يفتّش عن كنوز الأرض في مختلف أرجاء العالم، وينهب الأموال بلا حساب من مختلف البلاد والشعوب الفقيرة.
هذا التناقض غطّى على التناقض الطبقي، بل جمّد التناقض الطبقي ؛ لأنّ جدل الإنسان من وراء هذا التناقض كان أقوى من جدل الإنسان وراء ذلك التناقض، والثراء الهائل الذي تكدّس في أيدي الطبقة الرأسمالية في الدول الرأسمالية، لم يكن كلُّه بل ولا معظمُه نتاج عرق جبين العامل الأوروبي والأمريكي، وإنّما كان نتاج غنائم حرب، كان نتاج غنائم غارات على هذه البلاد الفقيرة، على بلاد استطاع الإنسان الأبيض أن يغزوها وينهبها.
هذا النعيم الذي تغرق فيه تلك الدول ليس مِن عرق جبين العامل الأوروبي، وليس نتاج التناقض الطبقي بين الرأسمالي والعامل، وإنّما هذا النعيم هو من نفط آسيا وأمريكا اللاتينية، ومن ماس تنزانيا، وهو من الحديد والرصاص والنحاس واليورانيوم في مختلف بلاد أفريقيا، هو من قطن مصر ومن تنباك لبنان ومن خمر الجزائر . نعم من خمر الجزائر ؛ لأنّ المستعمر الكافر، الذي احتلّ الجزائر، حوّل أرضها كلها إلى بستان عنب كي يقطف هذا العنب ويحوّله إلى خمر ليسكر به العمّال، وليشعر أولئك العمّال بالنشوة والخيلاء ؛ لأنّهم يشربون خمرَ الجزائر.
نعم، ذلك النعيم كله من هذه المصادر، من هذه الينابيع، سكروا على خمر الجزائر، ولم يسكروا على عرق جبين العامل الفرنسي أو الأوروبي أو الأمريكي.
التناقض الذي جمّد ذلك التناقض وأوقفه هو إذن هذا التناقض الأكبر بين المحور الرأسمالي ككل بكلتا طبقيته، وبين الشعوب الفقيرة في العالم.
من خلال هذا التناقض، وجد الرأسمالي الأوروبي والأمريكي أنّ من مصلحته أن يقاسم العامل شيئاً من هذه الغنائم التي نهبها منّي ومنك، من فقراء الأرض، والمستضعفين في الأرض، وأن من مصلحته أن يعطي قسماً من هذه النعمة إلى العمّال، أن يسكر هو ويسكر العمّال أيضاً بخمر الجزائر، أن يتزيّن بماس تنزانيا، ويتزيّن العامل أو زوجته بماسة من ماسات تنزانيا.
ولهذا نرى أنّ حياة العامل بدأت تختلف عن نبوءات ماركس، ليس ذلك لأجل كرم طبيعي في الرأسمالي الأوروبي والأمريكي، وليس التقوى، وإنّما هي غنيمة كبيرة كان من المفروض أن يعطي جزءاً منها لهذا العامل، والجزء وحده يكفي لأجل تحقيق هذا الرفاه بالنسبة إلى هذا العامل الأوروبي والأمريكي.
الحقيقة التي يثبتها التاريخ دائماً إذن هي أنّ التناقض لا يمكن حصره في صيغة واحدة، التناقض له صيغ متعددة ؛ ذلك لأنّ كل هذه الصيغ تنطلق من منبع واحد، وهو التناقض الرئيسي، الجدل الإنساني.
الجدل الإنساني لا تعوزه صيغة، إذا انحلّت صيغة، وضع صيغة
أُخرى مكانها، ليس من الصحيح أن نطوّق كل التناقضات في التناقض الطبقي، في التناقض بين مَن يملك ومَنْ لا يملك التناقض لا يمكن حصرُهُ في هذه الصيغة، التناقض هو استغلال القوي للضعيف.
العلاقة بين خطّي العلاقات الاجتماعية
ذكرنا أنّ خط علاقات الإنسان مع الطبيعة مختلف مشكلةً وقانوناً عن خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذكرنا أنّ كلاًّ من هذين الخطّين مستقل استقلالاً نسبياً عن الخط الآخر لكنّ هذا الاستقلال النسبي لا ينفي التفاعل والتأثير المتبادل إلى حدٍّ ما بين الخطّين ؛ فلكل واحد منهما لون من التأثير الطردي أو العكسي على الخط الآخر وهذا التأثير المتبادل بين الخطّين يمكن إبرازه ضمن علاقتين قرآنيتين بين هذين الخطّين.
العلاقة الأُولى: تُبرز مدى تأثير خط علاقات الإنسان مع الطبيعة، على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.
العلاقة الثانية: تُبرز مدّة تأثير علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، على علاقات الإنسان مع الطبيعة.
العلاقة الأُولى مؤدّاها أنّه كلّما نمت قدرة الإنسان على الطبيعة، واتسعت سيطرته عليها وازداد اغتناءاً بكنوزها ووسائل إنتاجها، تحقّقت بذلك إمكانية أكبر فأكبر للاستغلال على خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان.
يقول تعالى:( كَلاّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) (١) .
____________________
(١) العلق: ٦.
هذه الآية الكريمة تشير إلى هذه العلاقة، وتوضح أنّ تمكّن الإنسانية من الطبيعة، وتوصّلها إلى وسائل إنتاج أقوى وأوسع، لهما انعكاسات على حقل علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان هذه الانعكاسات تتمثّل على شكل إمكانات وإغراءات وفتح شهيّة للأقوياء كي يستثمر أداة الإنتاج في سبيل استغلال الضعفاء.
المجتمع الذي يعيش على الصيد باليد والحجارة والهراوة، لا تستطيع بذور الأقوياء وبذور الوحوش فيه غالباً أن تمارس دوراً خطيراً من الاستغلال الاجتماعي ؛ لأنّ الإنتاج محدود والقدرة محدودة، ولا يكسب الإنسان فيه عادة بعرق جبينه إلاّ قوت يومه، فلا توجد في مثل هذا المجتمع إمكانية الاستغلال بشكله الاجتماعي الواسع، وإن وُجدت ألوان أُخرى من الاستغلال الفردي.
أمّا المجتمع المتطوّر، الذي استطاع فيه الإنسان أن يُخضع الطبيعة لإرادته، ففيه الآلة البخارية والآلة الكهربائية المعقّدة المتطوّرة الصنع وهذه الآلة توفّر إمكانية الاستغلال على ساحة علاقات الإنسان بأخيه الإنسان، أو تشكّل حسب مصطلح الفلاسفة ما بالقوّة للاستغلال، ويبقى أن يخرج ما بالقوّة إلى ما بالفعل، وذلك على عهدة الإنسان ودوره التاريخي على الساحة الاجتماعية.
الإنسان هو الذي يصنع الاستغلال، وهو الذي يفرز النظام الرأسمالي المستغل حينما يجد الآلة البخارية والكهربائية، لكنّ الآلة البخارية والكهربائية هي التي تعطيه إمكانية هذا الاستغلال، وهي التي تهيّئ له فرصة تفتح شهيّته وتوقظ مشاعره، وتحرّك جدله وتناقضه الداخلي، من أجل أن يفرز صيغة تتناسب مع ما يوجد على الساحة من
قوّة الإنتاج ووسائل التوليد، وهذا هو الفرق بيننا وبين المادية التاريخية.
المادية التاريخية اعتقدت أنّ الآلة هي التي تصنع الاستغلال وهي التي تصنع النظام المتناسب معها لكنّنا نرى أنّ دور الآلة ليس بدور الصانع، بل دور توفير الإمكانية والفرصة والقابلية.
أمّا الصانع الذي يتصرّف إيجاباً وسلباً، أمانة وخيانة، صموداً وانهياراً، إنّما هو الإنسان وفقاً لمحتواه الداخلي ولمثله الأعلى، ووفقاً لمدى التحامه مع هذا المثل الأعلى هذه هي العلاقة الأُولى.
أمّا العلاقة القرآنية الثانية فمؤدّاها هو أنّه كلّما استطاعت علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أن يجسّد العدالة وتستوعب قيم هذه العدالة، وتبتعد عن أي لون من ألوان الظلم والاستغلال، ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة، وتفتّحت الطبيعة عن كنوزها، وأعطت المخبوء من ثرواتها، ونزلت البركات من السماء، وتفجّرت الأرض بالنعمة والرخاء.
هذه العلاقة القرآنية شرحها القرآن الكريم في نصوص عديدة، قال سبحانه:
( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ) (١) .
( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (٢) .
____________________
(١) الجن: ١٦.
(٢) المائدة: ٦٦.
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .
هذه العلاقة مؤدّاها أنّ علاقات الإنسان مع الطبيعة تتناسب عكسياً مع ازدهار العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، فكلّما ازدهرت العدالة في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان أكثر فأكثر ؛ ازدهرت علاقات الإنسان مع الطبيعة وكلّما انحسرت العدالة عن الخط الأول ؛ انحسر الازدهار عن الخط الثاني، أي إنّ مجتمع العدل هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الإنسان مع الطبيعة ومجتمع الظلم هو الذي يؤدّي إلى انحسار علاقات الإنسان مع الطبيعة.
طبيعة مجتمع الظلم:
العلاقة القرآنية الثانية التي ذكرناها آنفاً ليست ذات محتوى غيبي فقط نحن نؤمن بمحتواها الغيبي، ولكن إضافة إلى محتواها الغيبي الربّاني، تشكّل سنّة من سنن التاريخ حسب المفهوم القرآني ؛ لأنّ مجتمع الظلم، مجتمع الفراعنة، مجتمع ممزّق مشتّت على مرّ التاريخ الفرعونية، حينما تتحكّم في علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان تستهدف على مرّ التاريخ تمزيق طاقات المجتمع وتشتيت فئاته، وبعثرة إمكانياته ومن الواضح أنّه لا يمكن لأفراد المجتمع أن يحشّدوا قواهم الحقيقية للسيطرة على الطبيعة، مع هذا التشتّت والبعثرة والتجزئة والتفتيت.
هذا هو الفرق بين المثل العليا المنخفضة الفرعونية، وبين المثل الأعلى الحق، مثل التوحيد سبحانه وتعالى.
____________________
(١) الأعراف: ٩٦.
المثل الأعلى الحق يوحّد المجتمع البشري، ويلغي الفوارق والحدود، ولشموليته فهو يستوعب كل الحدود والفوارق، ويهضم كل الاختلافات، ويصهر البشرية كلّها في وحدة متكافئة، لا يوجد ما يميّز بعضها عن بعض: من دم، أو جنس، أو قومية، أو حدود جغرافية، أو طبقية
المثل الأعلى الحق بشموليته يوحّد البشرية، ولكنّ المثل العليا المنخفضة تجزّئ البشرية وتشتّتها.
يقول المثل الأعلى الحق:
( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (١) .
( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) (٢) .
هذا هو منطق شمولية المثل الأعلى، لا يعترف بحدٍ وبحاجزٍ في داخل هذه الأُسرة البشرية.
والقرآن الكريم يتحدّث عن المثل الأعلى المنخفض في مجتمع الظلم فيقول:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ) (٣) .
فرعون، المثل الأعلى المنخفض، بل الفرعونية على مرّ التاريخ تبني العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الظلم والاستغلال.
الفرعونية تجزّئ المجتمع، وتبعثر إمكانياته وطاقاته، ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة وعملية التجزئة الفرعونية للمجتمع تقسّم المجتمع إلى فصائل وجماعات وطوائف:
____________________
(١) الأنبياء: ٩٢.
(٢) المؤمنون: ٥٢.
(٣) القصص: ٤.
الطائفة الأُولى: في التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم هم الظالمون المستضعَفون، أو بتعبير أئمّتنا ( عليهم الصلاة والسلام ): ( أعوان الظلمة ) هؤلاء الظالمون المستضعفون يشكّلون حماية لفرعون وللفرعونية، وسنداً في المجتمع لبقاء الفرعونية واستمرار وجودها وإطارها، قال الله سبحانه وتعالى:
( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) (١) .
القرآن في هذه الآية يتحدث عن قسمين من الظالمين: إلى مَن استُضعف منهم ومَن استكبر منهم، فالظالمون إذن فيهم مستكبرون وهم الذين يمثّلون الفرعونية في المجتمع وفيهم مستضعفون وهؤلاء المستضعفون يُحشرون يوم القيامة في زمرة الظالمين، ثم يقولون للمستكبرين من الظالمين لولا أنتم لكنّا مؤمنين، وهذه هي الطائفة التي تشكّل الحماية والسند للفرعونية.
الطائفة الثانية: في عملية التمزقة الفرعونية لمجتمع الظلم، ظالمون يشكّلون حاشية ومتملّقين، هؤلاء لا يمارسون ظلماً بأيديهم بالفعل، ولكنّهم دائماً وأبداً على مستوى نزوات فرعون وشهواته ورغباته، يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الطائفة:
( وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا
____________________
(١) سبأ: ٣١.
فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (١) .
هؤلاء شكّلوا دور الإثارة لفرعون، كانوا يعرفون أنّهم بهذا الكلام يضربون على الوتر الحسّاس من قلب فرعون، وأنّ فرعون كان بحاجة إلى كلام من هذا القبيل، فتسابقوا إلى هذا الكلام ؛ لكي يجعلوا فرعون يعبّر عمّا في نفسه، ويتخذ الموقف المنسجم مع مشاعره وعواطفه وفرعونيته.
الطائفة الثالثة: في عملية التجزئة الفرعونية لمجتمع الظلم، أولئك الذين عبّر عنهم الإمام علي ( عليه الصلاة والسلام ): ( بالهمج الرعاع ) هؤلاء هم مجرّد آلات مستسلمة للظلم، ولا تحسّ بالظلم، ولا تدرك أنّها مظلومة، ولا تدرك أنّ في المجتمع ظلماً.
إنّها تتحرّك تحرّكاً آلياً، تحرّك تبعيةٍ وطاعة دون تدبّر ووعي، إذ سلب فرعون منها تدبّرها وعقلها ووعيها، وربط يدها لا عقلها به ؛ لهذا فهي تحرّك يدها تحرّكاً آلياً، وتستسلم للأوامر الفرعونية دون أن تناقشها أو تتدبّرها حتى بينها وبين نفسها، فضلاً عمّا بينها وبين الآخرين.
هذه الفئة تفقد طبعاً كل قدرة على الإبداع البشري في مجال التعامل مع الطبيعة، وتفقد كل قابليات النمو ؛ لأنّها تحوّلت إلى آلات وإذا وُجد إبداع في هذه الفئة فإنّما هو إبداع مَن يحرّك هذه الآلات، إبداع تلك الفرعونية التي تحرّك هذه الآلات، قال سبحانه وتعالى:( وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ) (٢) .
لا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنّهم كانوا يحسّون بالظلم، أو
____________________
(١) الأعراف: ١٢٧.
(٢) الأحزاب: ٩٧.
كانوا يحسون بأنّهم مظلومون، وإنّما هو مجرّد طاعة وتبعيّة هؤلاء هم القسم الثالث من تقسيم أمير المؤمنين علي ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) حينما قال ( الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، ينعقون مع كل ناعق ) هذا القسم الثالث يشكل مشكلة بالنسبة إلى أي مجتمع صالح ويمكن للمجتمع الصالح أن يستمر ويمتد بقدر ما يمكن لهذا المجتمع أن يستأصل هذا القسم الثالث بتحوليه إلى القسم الثاني، بتحويله إلى متعلّم على سبيل النجاة على حد تعبير الإمام، إلى تابع بإحسان على حد تعبير القرآن، إلى مقلّد بوعي وتبصّر على حدّ تعبير الفقه.
من ضرورات المجتمع - في نظر الإمام ( عليه الصلاة والسلام ) - شجب هذا القسم الثالث، فهؤلاء همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق، ليس لهم عقل مستقل وإرادة مستقلّة.
كان الإمام عليعليهالسلام يرى أنّ هذا القسم الثالث يجب تصفيته من المجتمع الصالح، لا بالقضاء عليه فردياً، بل بتحويله إلى القسم الثاني ضمن إحدى الصيغ الثلاثة المذكورة، لكي يستطيع المجتمع الصالح أن يواصل إبداعه، ولكي يستطيع كل أفراد المجتمع الصالح أن يشاركوا مشاركة حقيقية في مسيرة الإبداع، خلافاً لذلك الفرعونية الفرعونية تحاول أن توسّع من هذا القسم الثالث وكلّما اتسعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدّمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة ؛ لأنّ هذه الفئة لا تستطيع أنْ تدافع إطلاقاً عن المجتمع إذا حلّت كارثة في الداخل أو طرأت كارثة في الخارج، وبهذا تموت المجتمعات موتاً طبيعياً.
المفهوم القرآني لموت المجتمعات والأقوام والأُمم هو الموت الطبيعي
للمجتمع لا الموت المخروم، المجتمع له موتان موت طبيعي وموت مخروم الموت الطبيعي للمجتمع يحدث عن طريق توسّع هذه الفئة الثالثة وازديادها نوعياً وعددياً في المجتمع، إلى أن تحل الكارثة فينهار المجتمع.
أمّا الطائفة الرابعة: فهم الذين يستنكرون الظلم في أنفسهم، ولم يفقدوا لُبّهم أمام فرعون والفرعونية، ولكنّهم يهادنون الظلم ويسكتون عنه فيعيشون حالة التوتّر والقلق في أنفسهم وحالة التوتّر والقلق هذه أبعد ما تكون عن حالة تسمح للإنسان بالإبداع والتجديد والنمو على ساحة علاقات الإنسان مع الطبيعة هؤلاء يسمّيهم القرآن ( ظالمي أنفسهم ) قال الله سبحانه وتعالى:
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) (١) .
هؤلاء لم يظلموا الآخرين، ليسوا من الظالمين المستضعفين كالطائفة الأُولى، وليسوا من الحاشية المتملّقين، وليسوا أيضاً من الهمج الرعاع الذين فقدوا لبّهم، بل بالعكس هؤلاء يشعرون بأنّهم مستضعَفون( قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ ) هؤلاء لم يفقدوا لبّهم، بل يدركون واقعهم، لكنّهم كانوا مهادنين عملياً ؛ ولهذا عبّر عنهم القرآن بأنّهم ظلموا أنفسهم هذه الطائفة أيضاً لا يترقّب منها أن تُبدع إبداعاً حقيقياً في مجال علاقات الإنسان مع الطبيعة.
الطائفة الخامسة: في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي:
____________________
(١) النساء: ١٧.
الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة وتبتعد عنه وتترهبّ وهذه الرهبانية موجودة في كل مجتمعات الظلم على مرّ التاريخ، وهي تتخذ صيغتين.
الأُولى: صيغة جادّة تريد أن تفرّ بنفسها لكي لا تتلوّث بأوحال المجتمع، وهذه الرهبانية هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله:( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) (١) .
هذه الرهبانية يشجبها الإسلام ؛ لأنّها تعبّر عن موقف سلبي تجاه مسؤولية خلافة الإنسان على الأرض.
الثانية: الصيغة المفتعلة للرهبانية، فهناك مَن يترهّب، ويلبس مسوح الرهبان، ولكنّه ليس راهباً في أعماق نفسه، وإنّما يريد بذلك أن يخدّر الناس، ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون، ويسطو عليهم نفسياً وروحياً، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (٢) .
الطائفة السادسة: والأخيرة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع، هم: المستضعفون الفرعونية، حينما جزّأت المجتمع إلى طوائف، استضعفت طائفة معيّنة منهم هذه الطائفة خصّها فرعون بالاستضعاف والإذلال وهدر الكرامات ؛ لأنّها كانت هي الطائفة التي يتوسّم فيها أن تشكّل إطاراً للتحرّك ضدّه ؛ ولهذا استضعفها بالذات.
( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ
____________________
(١) التوبة: ٣٤.
(٢) الحديد: ٢٧.
أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (١) .
القرآن الكريم علّمنا ضمن سنّة من سنن التاريخ، أنّ موقع أيّة طائفة في التركيب الفرعوني لمجتمع الظلم يتناسب عكسياً مع موقعه بعد انحسار الظلم وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى:
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢) .
تلك الطائفة السادسة التي كانت هي منحدر التركيب، يريد الله سبحانه وتعالى أن يجعل أفرادها أئمة ويجعلهم الوارثين وهذه سنة أُخرى يأتي الحديث عنها إن شاء الله.
نستخلص ممّا سبق أنّ مدى الظلم في المجتمع يتناسب تناسباً عكسياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، ويتناسب مدى العدل فيه تناسباً طردياً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة.
مجتمع الفرعونية المجزّأ المشتّت مهدور القابليات والطاقات والإمكانيات، ومن هنا تحبس السماء في هذا المجتمع قطرها، وتمنع الأرض بركاتها أمّا مجتمع العدل فهو على العكس تماماً، تتوحّد فيه كل القابليات، وتتساوى فيه كل الفرص والإمكانيات هذا المجتمع هو الذي تحدِّثنا عنه الروايات من خلال ظهور الإمام المهدي ( عليه الصلاة والسلام ) تحدثنا عمّا تحتفل به الأرض والسماء في ظل الإمام المهديعليهالسلام من بركات وخيرات، وليس ذلك إلاّ لأنّ العدالة تتناسب دائماً وأبداً مع ازدهار علاقات الإنسان مع الطبيعة، وهذه هي
____________________
(١) البقرة: ٤٩.
(٢) القصص: ٥.
العلاقة الثانية بين الخطّين.
الاتجاه العام في التشريع الإسلامي: النظرية القرآنية المذكورة في تحليل عناصر المجتمع، وفهم المجتمع فهماً موضوعياً ؛ تشكّل أساساً للاتجاه العام في التشريع الإسلامي التشريع الإسلامي في اتجاهاته العامة، وخطوطه، يتأثّر وينبثق ويتفاعل مع وجهة النظر القرآنية والإسلامية إلى المجتمع وعناصره، وأدوار هذه العناصر والعلاقات المتبادلة بين الخطّين المزدوجين المذكورين في العلاقات الاجتماعية.
هذه النظريات التي انتهينا إليها على ضوء النصوص القرآنية، هي في الحقيقة الأساس النظري للاتجاه العام للتشريع الإسلامي فإنّ الاستقلال النسبي بين الخطّين: خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة، يشكّل القاعدة لعنصر الثبات في الشريعة الإسلامية، والأساس لتلك المنطقة الثابتة من التشريع التي تحتوي على الأحكام العامة المنصوصة، ذات الطابع الدائم المستمر في التشريع الإسلامي، بينما منطقة التفاعل والمرونة بين الخطّين تشكّل في الحقيقة الأساس للعناصر المرنة والمتحرّكة في التشريع الإسلامي، وهي التي أسميناها في كتاب ( اقتصادنا ) بمنطقة الفراغ.
هذه العناصر المرنة والمتحركة في التشريع الإسلامي، هي انعكاس تشريعي لواقع تلك المرونة، وذلك التفاعل بين الخطّين والعناصر الأُولى الثابتة والصامدة في التشريع الإسلامي هي انعكاس تشريعي لذلك الاستقلال النسبي الموجود بين الخطّين، خط علاقات الإنسان مع أخيه الإنسان، وخط علاقات الإنسان مع الطبيعة.
من هنا نؤمن أنّ الصورة التشريعية الإسلامية الكاملة للمجتمع، هي في الحقيقة تحتوي على جانبين: على عناصر ثابتة، وعلى عناصر متحرّكة
ومرنة هذه العناصر المتحرّكة المرنة، يملؤها الحاكم الشرعي وفق مؤشّرات إسلامية عامة وهذا بحث يحتاج إلى تفصيل ومن المفروض أن نستوعب هذا البحث إن شاء الله ؛ كي نربط الجانب التشريعي من الإسلام، بالجانب النظري التحليلي من القرآن الكريم لعناصر المجتمع.
ويبقى علينا بعد ذلك بحث آخر في نظرية الإسلام عن أدوار التاريخ، عن أدوار الإنسان على الأرض، فإنّ القرآن الكريم يقسّم حياة الإنسان على الأرض إلى ثلاثة أدوار:
١ - دور الحضانة.
٢ - دور الوحدة.
٣ - دور التشتّت والاختلاف.
هذه الأدوار الثلاثة تحدّث عنها القرآن الكريم، وبيّن لكل دور الحالات والخصائص والمميّزات التي يتميّز بها ذلك الدور هذا أيضاً بحث سوف نخرج منه بنظرية كاملة شاملة لهذا الجانب من تاريخ الإنسان كل ذلك لا يمكن أن يسعه يوم واحد وبحث واحد، فمن الأفضل أن نؤجّل ذلك .(١) .
____________________
(١) إلى هنا تنتهي محاضرات الإمام الشهيد عن المجتمع والتاريخ، وهي كما يرى القارئ غير كاملة، لكنّها على نقصها واختصارها، وعدم تدوينها من قِبَل الشهيد نفسه، عميقة ودقيقة وتستحق كل اهتمام من أجل إكمالها وترميمها، والخروج منها بدراسة واسعة شاملة.
الفهرس
المجتمع والتاريخ ٣
المجتمع والتاريخ المفكّر الإسلامي الكبير الشهيد الشيخ مرتضى المُطهّري الجزء الأول ٤
كلمة الناشر ٨
المقدمة ٩
مقدّمة المترجم ١٣
تمهيد: ١٧
ما هو المجتمع ؟ ١٩
هل الإنسان اجتماعي بالطبع ؟ ٢١
هل المجتمع أصيل في وجوده أم لا ؟ ٢٤
المجتمع والقانون: ٣٣
الجبر والاختيار الاجتماعيَّين: ٣٧
التقسيمات والطبقات الاجتماعية: ٤١
إتحاد المجتمعات في الماهيّة واختلافها: ٤٧
المجتمعات في المستقبل: ٥١
ما هو التاريخ ؟ ٦٢
التاريخ العلمي: ٦٩
اعتبار التاريخ النقلي: ٧١
العِلّيّة في التاريخ: ٧٣
هل التاريخ بطبيعته ماديّاً: ٧٩
أُصول النظرية المادية التاريخية: ٨١
النتائج: ١٠٤
النقد ١٢٦
الإسلام والمادية التاريخية ١٤٧
النقد: ١٦٠
المقاييس ١٨٨
تطوّر التاريخ وتكامله: ٢٠٥
دور الشخصية في التاريخ: ٢١٤
المجتمع والتاريخ المفكر الإسلامي الكبير الشهيد الشيخ مرتضى المطهري ٢١٩
الإسلام والمادّيّة التاريخية ٢٢١
الشبهة الأُولى: ٢٢٢
الشبهة الثانية: الشبهة الثالثة: ٢٢٥
الشبهة الرابعة: ٢٢٦
الشبهة الخامسة: ٢٢٨
الشبهة السادسة: ٢٣٠
نقد الفهم المادّي للإسلام ٢٣٥
اتجاه حركة التاريخ في نظر القرآن: ٢٤٢
فهم خاطئ لطبيعة الثقافة الإسلامية: ٢٤٨
تفسير خاطئ لمنشأ الدين: ٢٥٣
الموازين ٢٦١
١ - إستراتيجية الدعوة: ٢٦٢
٢ - هوية أتباع الرسالة: ٢٦٩
٣ - الدوافع والموانع ٢٧١
٤ - تقدم المجتمعات وانحطاطها: ٢٧٣
تطوّر التاريخ ٢٧٧
١ - النظرية العنصرية: ٢٧٩
٢ - النظرية الجغرافية: ٣ - نظرية الأبطال: ٢٨٠
٤ - النظرية الاقتصادية: ٢٨١
٥ - النظرية الإلهيّة: ٢٨٢
الملاحق ٢٩١
الملحق رقم - ١ أدلّة المادية التاريخيّة أ - الدليل الفلسفي: ٢٩٣
ب - الدليل السيكولوجي: ٣٠٠
ج - الدليل العلمي: ٣٠٩
الملحق رقم - ٢ سننُ التاريخ الطريقة القرآنية في عرض سنن التاريخ: ٣٢١
ثلاث حقائق قرآنية عن سنن التاريخ ٣٣٣
الظواهر التي تدخل في نطاق سنن التاريخ: ٣٤١
أشكال السنّة التاريخية في القرآن ٣٤٩
الملحق رقم - ٣ التحليل القرآني لعناصر المجتمع ٣٦١
صيغتان للعلاقة: الصيغة الرباعية: ٣٦٢
الصيغة الثلاثية: ٣٦٣
الركنان الثابتان في العلاقة الاجتماعية ٣٦٧
مفهوم القرآن الكريم عن دور الإنسان في الحركة التاريخية ٣٦٨
دور دين التوحيد في المسيرة البشرية ٣٩٦
شروط اتجاه المسيرة البشرية نحو الله: ٣٩٨
موقع أُصول الدين الخمسة من مسار الإنسان: ٤٠٠
مقدّمة في تحليل عناصر المجتمع خطّان من العلاقة الاجتماعية: المجتمع يتكوّن من ثلاثة عناصر: الإنسان والطبيعة، والعلاقة في الحلقة التاريخية ٤٠٥
العلاقة بين خطّي العلاقات الاجتماعية ٤١٨
الفهرس ٤٣١