إستقصاء الإعتبار الجزء 1

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
متون حديثية
ISBN: 964-319-173-7





بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله الذي هدانا إلى مناهج الشريعة الغرّاء ، وجعلها ذريعة إلى نيل سعادَتَي الدنيا والأُخرى ، والصلاة والسلام على محمد أكمل الأنبياء قدراً ، وعلى آله الذين سَمَوا على العالم فضلاً وفخراً ، صلاة تكون لنا يوم القيامة شرفاً وذخراً.

[ وبعد ](١) .

فإنّ أولى ما رَتَعَتْ في رياض حدائقه الأفكار ، وأحقّ ما صرفت في اكتسابه آناء الليل والنهار ، هو العلم بالأحكام الشرعية بعد الإحاطة بما لا بدّ منه من الأُصول الدينية.

ولا ريب أنّ أساس قواعد الأحكام حديث أهل بيت النبوة عليهم أفضل السلام ، وقد ألّف جماعة من متقدّمي الأصحاب شكر الله سعيهم‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.


في ذلك جملة من الكتب والأُصول ، باذلين وسعهم في إثبات كل مسموع ومنقول ، غير أنّ أهل البغي لمّا قصدوا إطفاء نور الصواب ذهب كثير من الكتب المؤلّفة فيما مضى من الأحقاب ، وإن كان الله سبحانه متمّ نوره ولو كره المشركون ، فلا جرم بقي من ذلك مناهج يسلكها السالكون.

ولمّا كان كتاب الإستبصار في الجمع بين مختلف الأخبار من أجلّ كتب الحديث شأناً ، وأرفعها قدراً ومكاناً ، وأتمّها دليلاً وبرهاناً ، وكيف لا؟! وهو من مؤلّفات شيخ الطائفة ، وعماد الإيمان ، المستغني بوضوح كماله عن البيان ، أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه ونوّر ضريحه.

ثم إنّ الكتاب لا تخلو عباراته غالباً من الإجمال على وجه لا يتضح منها للطالب حقيقة الحال.

فأحببت أنّ اكتب عليه شرحاً يوضح منه المرام ، ويكشف عن وجه حقائقه نقاب الإبهام ، ذاكراً فيه ما استفدته من مشايخي الأجلاّء المعاصرين ، وإن كنت أَعُدُّ نفسي بالنسبة إلى هذا المقصد من جملة القاصرين ، غير أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور كما هو بين الناس معدود من المشهور ، وأنا أتوسل إلى الله سبحانه أنّ يجعل أوقاتي مصروفة في موجبات ثوابه ، وأعمالي سالمة من التلبّس بأسباب عقابه ، وأنّ يوفّقني بمنّه لإتمام هذا الشرح على ما هو مقصودي ، ويجود عليّ بالجنة جزاء بذل مجهودي.

وقد رأيت أنّ أنظم ما أكتبه في سلك يقرّب المعاني إلى الأفهام ، ويبعّد الغموض الذي قد يسبق منه الشك إلى بعض الأوهام ، فابتدأت أوّلاً بالكلام في سند الأخبار ، ثم أتبعته بالقول في المتن موضحاً ما فيه من‌


الأسرار ، ثم ذكرت ما وقفت عليه من معاني الألفاظ اللغوية اعتماداً على أنّ للكتب المشهورة نوع مزية ، وكلّ ما لم اشِر فيه إلى أحد من العلماء الأعلام فهو ممّا سنح به فكري الفاتر في كلّ مقام ، فإن يكن صواباً فهو من توفيق ذي الجلال ، وإن يكن خطأً فالعذر تراكم الأهوال ، وعلى الله سبحانه في جميع الأُمور الاتّكال.

ولنقدّم قبل الشروع كلاماً في فوائد الخطبة ، سوى ما ذكرناه في حواشي تهذيب الأحكام ، فإنّ في ذلك كفاية لمن طلب تحقيق المرام.

وجملة ما يحتاج إلى القول‌ اثنتا عشرة فائدة :

الأُولى : قال الشيخ قدّس الله سرّه : إنّ الأخبار على ضربين : متواتر وغير متواتر ، فالمتواتر منها ما أوجب العلم.

وقد اختلف العلماء على ما يظهر من كلام جدّيقدس‌سره في الدراية(١) في أنّ الخبر والحديث مترادفان أم لا ، ( وهذه عبارته على ما نقل عنه : )(٢) يخص الحديث بما جاء عن المعصوم كالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمامعليه‌السلام عندنا ، ويخص الخبر بما جاء عن غيره ، ومن ثَمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها : الأخباري ، ومن يشتغل بالسنّة النبوية : المحدّث ؛ أو يجعل الحديث أعمّ من الخبر مطلقاً ، فيقال لكلّ خبر حديث من غير عكس ، وبكلّ واحد من هذه الترديدات قائل(٣) . انتهى.

وربّما يظهر من بعض أنّ الفارق بينهما غير موجود(٤) . وفيه ما فيه.

__________________

(١) في « فض » زيادة : على ما نقل عنه.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : وهذا حاصل عبارته.

(٣) الدراية : ٦ ، بتفاوت.

(٤) انظر المعتمد في أُصول الفقه ٢ : ١٧٠.


نعم لا يبعد ظهور الترادف.

أمّا ما قاله جدّيقدس‌سره ؛ من أنه يقال لمن يشتغل بالتواريخ ، إلى آخره ؛ فلا يخفى ما يتوجه عليه ، والأمر سهل.

وللعلماء اختلاف في تحديد الخبر وعدمه ، فقيل : ( لا يحدّ لعسره )(١) كما في العلم.

وقيل : لأنّه ضروري(٢) .

وكونه ضرورياً لوجهين :

أحدهما : أنّ كل أحد يعرف أنّه موجود ، وهذا خبر خاص ، وإذا كان الخاص ضرورياً كان العام ضرورياً ؛ لأنّه جزؤه.

وردّ بأنّه مبنيّ على أنّ تصور هذا الخبر بكنهه ضروري ، وكون العام أي مطلق الخبر ذاتياً له لا عرضيا ؛ فالإثبات غير ظاهر.

وفي كلام بعض المحققين الجواب بما حاصله : أنّه لا يلزم من حصول أمر تصوره ؛ إذ لا يلزم من الحصول التصور ، وقد يتقدم التصور على الحصول فيتصور وهو غير حاصل ، وإذا تغايرا فالمعلوم ضرورة هو نسبة الوجود إليه إثباتاً ، وهو غير تصور النسبة التي هي ماهيّة الخبر.

قيل : ومراد المجيب بالنسبة التي هي ماهية الخبر النسبة مع المنتسبين ؛ لأنّ النسبة والإضافة قد تطلقان على مجرد النسبة وقد تطلقان عليها مع معروضها ، ويسمى مضافاً غير حقيقي.

وقيل : إنّ حاصل ما ذكره أنّ الضروري هو العلم بحصول النسبة ،

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » : لا يجد تفسيره.

(٢) كما في مبادئ الوصول للعلامة الحلي : ٢٠٠ ، وانظر الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي ١ : ٢٤٨.


لا بتصورها.

واعترض على الجواب : بأنّ الكلام في الحصول ذهناً ، ومغايرة مفهوم الحصول والتصوّر فيه غير ظاهر.

فإن أراد بقوله : لا يلزم من حصول أمرٍ تصوره أنّ الحصول تصوّر الأمر ، فيصير المعنى : لا يلزم من تصوّر أمر تصوّره ، وهو فاسد.

وإن أراد إذعان الأمر أي إذعان النسبة ، ويصير المعنى : لا يلزم من إذعان النسبة تصوّرها ، فهو خلاف الواقع ؛ لأنّ كل مُذْعَنٍ متصوّر.

فقوله : المعلوم ضرورةً نسبة الوجود ، أي المتصوَّر ضرورةً والمذعَن ضرورةً نسبة الوجود.

فيه : أنّ المستدلّ لا يريد غيره ؛ لأنّ حاصل دليله أنّ تصوّر هذه النسبة الخاصة أو إذعانها ضروري ، فيكون تصوّر النسبة المطلقة أو إذعانها أيضاً ضرورياً ؛ لأنّ المطلق جزء المقيّد ، فقوله : وهو غير تصوّر النسبة مسلم عند المستدلّ ؛ إذ الجزء غير الكل ، فالمغايرة لا يضرّ إثباتها.

وما قاله القائل في بيان الحاصل قد يقال عليه : إنّ تصوّر حصول النسبة يستلزم تصور النسبة ؛ إذ تصوّر المضاف يستلزم تصوّر المضاف إليه ، فإن أراد بالعلم تصوّر حصول النسبة فهو يفيد المدّعى ، وإن أراد الإذعان أي إذعان حصول النسبة فهو أيضاً يستلزم تصور النسبة.

وثانيهما : أنّ كل أحد يعلم أنّ الخبر يحسن في موضع ولا يحسن في آخر ، حتى أنّه يوقعه تارة ولا يوقعه اخرى ، وذلك يستلزم العلم بحقيقة الخبر ضرورة.

وأُجيب عنه : بأنّه يكفي في الحكم المذكور تصوّر الخبر بوجه ، ولا يستلزم ذلك بداهته بالكُنه ، حتى يستلزم بداهة الخبر المطلق بالكُنه.


ثم النافون للضرورة في الخبر ، واحتياجه(١) إلى التعريف اختلفوا :

فقيل : إنه الكلام المحتمل للصدق والكذب(٢) .

وأراد باحتمالهما بالنظر إلى نفس مفهوم الخبر ، وفي هذا التعريف شبهات.

وعرّفه المحقق في كتاب الأُصول : بأنّه كلام يفيد بنفسه نسبة أمرٍ إلى أمرٍ نفياً أو إثباتاً(٣) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر [ إمّا(٤) ] أن يكون متواتراً ، وهو خبر جماعة يفيد العلم بنفسه كما عرّفه بعض ـ(٥) وقيد « بنفسه » لإخراج خبر جماعة علم صدقهم بالقرائن الزائدة عما لا ينفكّ الخبر عنه عادة.

وأُورد على التعريف لزوم الدور.

وفي شرح الدراية : أنّه ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً أحالت العادة تواطؤهم على الكذب ، واستمرّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد ، بأن يرويه قوم عن قوم وهكذا إلى الأوّل ، فيكون أوّله في هذا الوصف كآخره ، ووسطه كطرفيه(٦) .

والظاهر أنّه ليس بتعريف كما هو واضح.

وإفادة التواتر العلم لم ينكره غير السمنية والبراهمة(٧) ، وشُبهُهم‌

__________________

(١) أي القائلون باحتياجه.

(٢) الذريعة إلى أُصول الشريعة ٢ : ٢.

(٣) معارج الأُصول : ١٣٧.

(٤) ما بين المعقوفين في النسخ : إنّما ، غيّرناه لاستقامة المعنى.

(٥) انظر معالم الأُصول : ١٨٣. زبدة الأُصول : ٥٥.

(٦) الدراية : ١٢.

(٧) السمنية : فرقة تعبد الأصنام وتقول بالتناسخ وتنكر حصول العلم بالأخبار ، قيل


مردودة في محالّها.

وخبر الآحاد ما سواه كما سيأتي بيانه.

وقد أورد بعض الأفاضل على قول المصنِّف فالمتواتر منها ما أوجب العلم أنّه يُنقض بخبر المعصوم ، والخبر المحتفّ بالقرائن ، قال : ولعلّ مراده من المتواتر ما أوجب العلم مطلقاً ، متواتراً بالمعنى المصطلح عليه وغيره(١) .

واعترض شيخناقدس‌سره : بأنّه لا يخفى أنّ ما أوجب العلم من الأخبار أعم من المتواتر ؛ فإنّ خبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد العلم أيضاً ، إلاّ أنّ وقوع هذا القسم في أخبارنا نادر(٢) .

أقول : ويمكن دفع جميع ذلك عن الشيخ :

أمّا الأوّل : فلأنّ الظاهر من قوله : ما أوجب العلم ، من حيث كونه خبراً ، وقول المعصوم إنّما أفاد من حيث العصمة.

فإن قلت : المتواتر [ أيضاً ](٣) أفاد العلم من حيث التواتر ، فالإشكال باق.

قلت : المتواتر قد صار القيد والمقيّد فيه بمنزلة الشي‌ء الواحد ، نظراً [ إلى(٤) ] أنّه في مقابلة قسيمه وهو خبر الواحد ، فليتأمّل.

وأمّا الثاني : وهو اعتراض شيخناقدس‌سره فالجواب عنه كالأوّل.

ويزيد فيه : أنّ إفادة العلم محتملة لأن تكون من القرائن ، أو من‌

__________________

نسبة إلى سومنات بلدة من الهند على غير قياس المصباح المنير : ٢٩٠ ( سمن ) ، والبراهمة : قوم لا يجوّزون على الله بعثة الرسل مجمع البحرين ٦ : ١٧ ( برهم ).

(١) لم نعثر عليه.

(٢) لم نعثر عليه.

(٣) ما بين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.


الخبر بواسطة القرائن على وجه الخروج عنه ، أو منهما على سبيل الجزئية ، وفيما عدا الأوّل لا يصدق إفادة الخبر العلم ، بل وفي الجميع أيضاً بنوع من النظر ، وهذا بخلاف المتواتر ، لما أسلفناه ، والأمر في هذا سهل.

أمّا ما قاله الشيخرحمه‌الله من أنّ ما يجري هذا المجرى لا يقع فيه التعارض ولا التضاد في أخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّةعليهم‌السلام .

فأقول : إن فيه نظراً ؛ لأنّ تواتر الحديث عن الأئمّةعليهم‌السلام لا يمنع وقوع التعارض بعد تجويز التقية عندنا ، كما في غيره من الأخبار التي يجمع الشيخ بينها.

نعم في أخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يقع التضاد ، كما هو واضح.

الثانية : قال الشيخ رحمه‌الله : وما ليس بمتواتر على ضربين ، فضرب منه يوجب العلم [ أيضاً ] (١) وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم ، وما يجري هذا المجرى يجب أيضاً العمل به ، وهو لاحق بالقسم الأوّل.

وقد تقدّم منّا الكلام في احتمال إفادة العلم من الخبر أو القرينة أو هما ، وكلام الشيخ يعطي بظاهره أنّ القرينة توجب العلم ؛ وفيه ما فيه.

أما ما قالهرحمه‌الله من أنّ ما يجري هذا المجرى يجب العمل به ، إلى آخره.

فقد يتوجه عليه : أنّ إطلاق وجوب العمل مع عدم الفحص عن المعارض ، وبتقدير وجوده وكونه متساوياً له مشكل ، بل لا بدّ من وجه الجمع ، وإطلاق إلحاقه بالقسم الأوّل كذلك ، وقد ذكر المحققون(٢) : أن‌

__________________

(١) أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣.

(٢) انظر العدة ١ : ١٢٦ ، المعارج : ١٤١ ، تمهيد القواعد : ٢٤٨ ، المعالم : ١٨٦.


الخبر المحفوف بالقرائن يفيد العلم ، لكن لا مطلقا ، بل بالقرائن التامة التي لا يحتمل الغلط والخلاف فيها عادة.

وما اعترض على ذلك من أنّ العلم إنّما حصل من القرائن كالعلم بخجَلِ الخجِل ووجَلِ الوجِل وأمثال ذلك(١) .

قيل : يدفعه أنّ [ العلم(٢) ] حصل من نفس الخبر بالوجدان لكن بضمّ هذه القرائن(٣) . وفيه نوع تأمّل ؛ لأنَّ باب الاحتمال واسع ، ودعوى الوجدان غير مسلّمة ، إلاّ أنّ ثمرة هذا هيّنة.

الثالثة : قال الشيخ رحمه‌الله : والقرائن أشياء كثيرة ، منها : أنّ يكون مطابقاً لأدلّة العقل ومقتضاه.

ولا يخفى أنّ مطابقة الخبر لأدلّة العقل فيها نوع إجمال ؛ لأنّ دليل العقل على ما ذكره الشهيد في الذكرى أقسام :

منها : ما لا يتوقف على الخطاب ، كردّ الوديعة وقضاء الدين ، ومنها البراءة الأصلية ، ومنها الأخذ بالأقل عند فقد الدليل على الأكثر ، ومنها أصالة بقاء ما كان وهو الاستصحاب.

ومنها : ما يتوقف العقل فيه على الخطاب ، كمقدمة الواجب المطلق ، واستلزام الأمر بالشي‌ء النهي عن ضده ، وفحوى الخطاب وهو مفهوم الموافقة ، ولحن الخطاب وهو ما استفيد من المعنى ضرورة ، مثل قوله تعالى( اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) (٤) أي فضرب فانفلق ، ودليل‌

__________________

(١) الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي ١ : ٢٧٨.

(٢) في « فض ورض » : الحكم ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) انظر المعتمد في أصول الفقه ٢ : ٩٤.

(٤) سورة الشعراء : ٦٣.


الخطاب وهو المسمّى بالمفهوم(١) .

وإذا عرفت هذا ، فالمصنف إن أراد جميع ما ذكر لا يتم ؛ لذكر بعضها فيما بعد ولا يبعد أنّ يكون مراده بالأدلة غير ما يذكره من المفهوم ، أو يريد أدلّة العقل الغير المتوقفة على الخطاب.

ولا يظنّ أنّ المتوقف على الخطاب كيف يؤيّد الخبر ؛ لوضوح دفعه.

نعم ربما يستبعد بعض ما ذكره الشهيدرحمه‌الله كما يعرف بأدنى ملاحظة.

وما أورده شيخناقدس‌سره من أنّ اقتران هذه القرائن أو بعضها لا يوجب العلم ولا ممّا يجب العمل به ؛ إذ من الجائز كونه غير مطابق للواقع وإن اقترن بها ، نعم لمّا كان كل من هذه القرائن دليلاً شرعياً وجب العمل به ، سواء انضاف إليه ذلك الخبر أم لا.

أقول : فيه نظر ، أمّا أوّلاً : فلأنّ بعضَ المذكورات الخبرُ المطابق للسنّة المقطوع بها والإجماع ، ولا ينكر حينئذ إفادة الخبر [ العلم(٢) ] مع الانضمام إليهما ووجوب العمل به.

واحتمال أنّ يقال : إنّ وجوب العمل ليس بالخبر ، بل بالسنّة المقطوع بها والإجماع ، والانضمام ليس بمفيد حكماً.

له وجه ، إلاّ أنّ العبارة لا تدل عليه.

وأمّا ثانياً : فلأن احتمال عدم مطابقة الخبر للواقع مع موافقته للسنّة المقطوع بها أو الإجماع الحقيقي ، لا وجه له ؛ فإنّه يقتضي عدم القطع في السنّة والإجماع ، وهذا لا ينكر.

__________________

(١) الذكرى ١ : ٥٢.

(٢) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.


وأمّا ثالثاً : فلأنّ الظاهر أنّ مراد الشيخ بهذا العلم هو الظنّ الراجح ؛ لأنّ العلم الحقيقي المطابق لما في نفس الأمر مشكل الحصول ، من حيث إنّ المطابقة في المحسوس تظهر في الحس ، أمّا في المعقولات فليست المطابقة إلاّ باعتقاد المطابقة ، واعتقاد المطابقة لا بد وأنّ يكون مطابقاً وهكذا ، فيلزم التسلسل أو الدور ، غاية الأمر أنّه يمكن تكلّف الجواب ، إلاّ أنّ [ عدم(١) ] الدخول في باب المضائقة(٢) مع إمكان الخروج بإرادة العلم الذي ذكرناه أولى.

وما يقال : إنّ العلم الشرعي يحصل من الخبر بدون القرائن ، فأيّ حاجة إليها؟.

جوابه : أنّ كلامنا في مرتبة أعلى من هذا ، وهو الظنّ الراجح ، وإن ذهب بعض من الأُصوليين إلى أنّ خبر الواحد مطلقاً يفيد العلم(٣) ؛ إلاّ أنّه إن أراد العلم الشرعي فلا نزاع معه ؛ وغيره محل الكلام ، بل لا وجه له.

وبالجملة : فالاحتمال في كلام الشيخ ممكن لولا قوله في أوّل الكلام : وهذا لاحق بالقسم الأوّل يعني المتواتر فإنّ الظاهر منه أنّه على نهجه.

وفيه : أنّه يجوز إرادة الإلحاق في وجوب العمل ، وأنت خبير بإمكان ردّ هذا من حيث إنه قائل فيما بعد : إنّ الخبر العاري عن القرائن والمعارض يجب العمل به ، فيتحد مع هذا.

وقد يقال بالفرق بين الخبرين ، من حيث إنّ الخبر المحفوف بالقرائن‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

(٢) في « رض » : المطابقة.

(٣) حكاه الشيخ في العدة عن قوم من أهل الظاهر ، ١ : ٩٧ ، والمحقق الحلي في معارج الأُصول : ١٤٠.


يعمل به من غير شرط ، بخلاف غيره ؛ لما سيأتي من الشروط ، فينبغي تأمّل هذا كلّه.

وأمّا رابعاً : فقولهقدس‌سره : نعم لمّا كان كل من هذه القرائن دليلاً شرعياً ، إلى آخره.

يريد به وجوب العمل بالقرائن ؛ لكونها أدلّة في نفسها كما تقتضيه العبارة ، وغير خفيّ أنّ هذا لا يأبى أنّ يكون الخبر معها دليلاً أيضاً باعتبار أنّها أفادته العلم ، إمّا بمعناه المتعارف ، أو الظنّ الراجح.

والوجه في جواز كونه دليلاً أنّ القرائن المذكورة وإن كانت أدلّة أيضاً يستغنى بها ، إلاّ أنّ المستدل لو أخذ الخبر دليلاً لا يكون فاعلاً لغير الجائز ، والمغايرة بالاعتبار كافية.

ولعل الجواب عن هذا غير خفي.

الرابعة : قال الشيخ : ومنها أن يكون مطابقاً لظاهر القرآن ، إمّا لظاهره ، أو عمومه ، أو دليل خطابه ، أو فحواه.

وهذا الكلام منهقدس‌سره يحتاج إلى مزيد بيان يندفع به عنه عدة إشكالات.

فاعلم أنّ المذكور في كلام جماعة من الأُصوليين أنّ القرآن ظنّي الدلالة وإن كان قطعي الأصل ، بخلاف الخبر(١) .

وهذا وإن كان في نظري القاصر لا يخلو من تأمّل ؛ من حيث إنّ الخبر لا يخلو من موجبات عدم القطع إلاّ نادراً ، ونقل الوالدقدس‌سره عن بعض الأُصوليين بأنّ ظاهر القرآن قطعي نظراً إلى مقدمة خارجية وهي امتناع أن يخاطب الله بشي‌ء ويريد خلاف ظاهره ـ(٢) وفي هذا كلام حرّرته‌

__________________

(١) منهم الحسن بن الشهيد الثاني في معالم الأُصول : ١٩٢.

(٢) معالم الأُصول : ١٩٣ ، وهو في فواتح الرحموت ( المستصفى ١ ) : ٣٤٩.


في محل آخر من الأُصول ، ولا يبعد أن يكون الشيخرحمه‌الله ناظراً إلى هذا القول ، أمّا على تقدير ظنّية الدلالة فإفادته حصول العلم بالخبر بعيدة.

إلاّ أنّه يقال نحو ذلك في أدلّة العقل ، فإنّ بعضها لا يفيد القطع ، والجواب الجواب.

ولعل الأولى أن يراد من العلم الظنّ الراجح ، ولا ريب أن انضمام الظنّ الحاصل من القرآن إلى الظنّ الحاصل من الخبر يفيد الرجحان ، وهذا أحد الإشكالات ، وقد علمت الجواب عنه.

ومنها : أنّه جعل عموم القرآن قسيماً لظاهره.

وغير خفيّ بُعده عن المعروف.

وقد يقال : إنّ مراد الشيخ بالظاهر غير المحتمل ، والعموم لمّا كان قابلاً للتخصيص فإنّ ظنّ عدم خصوصه يبعد عن الظهور على وجه يصير قسيماً له.

وهذا لا يخلو من تكلّف ، إلاّ أنّ باب التوجيه واسع.

ومنها : أنّه جعل دليل الخطاب والفحوى قسمين.

والحال ( فيهما )(١) غير خفي.

ثم إنّ دلالة الفحوى ودليل الخطاب لا مجال لدعوى القطع فيها إلاّ بسلوك مناهج من التكلّف ، والظنّ الحاصل منها لا ريب أنّ القوة الحاصلة به للخبر ليست كقوة الظاهر ، وكأنّ الشيخرحمه‌الله لا يعتبر في رجحان الظنّ على تقدير إرادته أقوى مراتبه ، بل الأعم ، ويندفع به حينئذ بعض الإشكال مع نوع تأمّل في المقام.

الخامسة : قال الشيخ : ومنها أن يكون مطابقاً للسنّة المقطوع بها‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض » ، وفي « فض » : عنهما.


إمّا صريحاً أو دليلاً أو فحوًى أو عموماً.

وهذا الكلام منه ؛ من جهة ذكر الصريح قسيم الدليل ، والفحوى قسيم العموم ؛ لا نعلم وجهه(١) .

أمّا من جهة ذكر السنّة المقطوع بها ثم ذكر الفحوى والعموم ، فقد يتوجه عليه في نظري القاصر : أنّ السنّة المقطوع بها إنما يتحقق القطع في لفظها أو معنى اللفظ ، أمّا الفحوى فدخولها في القطع محل خفاء ، بل ربما يظنّ أنه عَسِر التحقق ، وأمّا العموم فتحقق لفظه بالقطع ممكن ، أمّا تحقق معناه بالقطع فله نوع وجه ، وإن كان نادراً ، من حيث وإن التنصيص على العموم وإنّه غير مخصوص ليكون عمومه(٢) قطعيّاً لم نره الآن ، وإن كان لا يضر بالحال.

وبهذا قد يتوجه على الشيخ إشكال ، ويتضح جوابه بما أسلفناه من جهة إرادة الظنّ الراجح ، فتأمّل.

السادسة : قال الشيخ : ومنها : أن يكون مطابقا لما أجمعت عليه الفرقة المحقّة ، فإنّ جميع هذه القرائن تُخرج الخبر من حيّز الإجمال (٣) ، وتدخله في باب المعلوم وتوجب العمل به.

وكأنّ مراده بوجوب العمل ثبوت العمل ، فإنّ الوجوب غير ظاهر ، وإن أوهم بعض أدلّة أهل الأُصول وجوب العمل ؛ إلاّ أنّا قد تكلّمنا في ذلك في محله ، وأظنّ الأمر لا يحتاج إلى زيادة البيان.

ثم(٤) ينبغي أن يعلم أن المحقق في المعتبر ذكر من جملة القرائن غير‌

__________________

(١) في « رض » : إلاّ لما سبق نقله من تقسيم الشهيد في الذكرى ، راجع ص ١٣.

(٢) في « رض » : العموم.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤ : الآحاد.

(٤) في « فض » و « رض » : نعم.


ما ذكره المصنف من إجماع الفرقة المحقّة على ما يفهم من ظاهر كلامه فإنّه قال في أوّل الكتاب :

أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا إلى كل خبر ، وما فطنوا لما تحته من التناقض ، فإنّ من جملة الأخبار قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ستكثر بعدي القالة عليّ »(١) ، وقول الصادقعليه‌السلام : « إنّ لكل رجل منّا رجلاً يكذب عليه »(٢) .

واقتصر بعض عن هذا الإفراط ، فقال : كل سليم السند يعمل به ، وما علم أنّ الكاذب قد يصدق(٣) ، والفاسق قد يصدق ، ولم يتنبّه أنّ ذلك طعنٌ في علماء الشيعة وقدحٌ في المذهب ؛ إذ لا مصنف إلاّ وهو [ قد(٤) ] يعمل بخبر المجروح كما يعمل ( بخبر العدل )(٥) .

وأفرط آخرون في ردّ الخبر حتى أحال استعماله عقلاً ونقلاً.

واقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعاً ، لكن الشرع لم يأذن في العمل به.

وكل هذه الأقوال منحرفة عن السنن ، والتوسط أقرب(٦) ، فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحته عمل به ، وما أعرض عنه الأصحاب أو شذّ يجب اطراحه(٧) . انتهى المراد من كلامه.

__________________

(١) لم نعثر على نصّه ، ولكن مضمونه موجود في : الكافي ١ : ٦٢ / ١ ، الاحتجاج ٢ : ٤٤٧ ، بحار الأنوار ٢ : ٢٢٥ / ٢.

(٢) لم نعثر على نصّه ، ولكن مضمونه موجود في : رجال الكشي ٢ : ٥٩٣ / ٥٤٩ ، بحار الأنوار ٢٥ : ٢٨٧ / ٤٢.

(٣) في المعتبر : يلصق.

(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٥) في المعتبر : بخبر الواحد المعدل.

(٦) في المعتبر : أصوب.

(٧) المعتبر ١ : ٢٩.


وأقول : إنّ الوجه المطلوب منه هو أنّ قبول الأصحاب يقتضي العمل بخبر الواحد ، لكن لما جعله قسيماً للقرائن علم أنّه ليس من جملتها.

فإن أُريد الأصحاب جميعهم كان إجماعاً ، والشيخ هنا عدّ الإجماع من جملة القرائن ، والأمر سهل.

وإن كان مراد المحقق الشهرة بين الأصحاب لا الإجماع كما هو الظاهر لا من حيث إنّ الإجماع إذا تحقق لا حاجة إلى الخبر ، لإمكان التسديد بما تقدم القول فيه ، بل لأنّ قبول الأصحاب جميعهم للخبر يخرج عن محل النزاع ، فإنّ محل النزاع خبر الواحد المختلف فيه بين العلماء.

فإنّ قلت : إذا وافق الخبر الإجماع ليس هو من قسم الخبر المجمع عليه ، فكيف يذكر أوّلاً ما يدل على ذلك؟!

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ الحكم في العمل لا يختلف ، وإنّ تغاير في الاعتبار.

ثم إنّ كلام المحقق(١) إذا حمل على موافقة بعض العلماء ؛ على أن يكونوا أكثر ، ليفيد الظنّ الراجح بصحة الخبر ؛ أمكن ، لكن ينبغي أنّ يقيّد بمن قبل الشيخ ، فإنّ مَنْ بعد الشيخ لا تثمر شهرتهم(٢) نفعا ، كما يعلمه من وقف على كلام جديقدس‌سره في شرح البداية(٣) .

وما قاله من القرائن وإنّ أجمله في المقام ، إلاّ أنه في رسالة الأُصول ذكر أنّ القرائن أربع ، أحدها : الموافقة لدليل العقل ، وثانيها : الموافقة لنص الكتاب خصوصه أو عمومه أو فحواه ، وثالثها : الموافقة للسنّة المقطوع بها‌

__________________

(١) المتقدم في ص ١٩.

(٢) في « فض » زيادة : بهم.

(٣) الدراية : ٢٧.


كالمتواتر ، ورابعها : الموافقة لما أجمع عليه(١) .

والظاهر أنّ مراده بالقرائن ما ذكره هناك ، وحيث إنّ من جملة القرائن الموافقة لما أجمع عليه ، فلا بد أنّ يراد بقبول الأصحاب غير الإجماع ، بل إمّا الإجماع على قبول الخبر ، وقد علمت الخروج عن محل النزاع ، أو موافقة الشهرة.

ثم قد يقال على المحقق : إنّ ما ذكره من أنّ العمل بالخبر السليم السند يقتضي الطعن في علماء الشيعة ـ(٢) غريب منه ؛ لأنّ العامل بخبر المجروح لا يعمل به لكونه مجروحاً ، بل للقرائن ، كما يعلم من القوانين المقررة ، أو لكونه مجروحاً من وجه مقبولاً من آخر ، على حسب ما أدّى الاجتهاد إليه.

السابعة : قال الشيخ رحمه‌الله : وأمّا القسم الآخر ، فهو كل خبر لا يكون متواتراً ويتعرّى من واحد من هذه القرائن ، فإنّ ذلك خبر واحد ويجوز العمل به على شروطه (٣) ، فإذا كان (٤) لا يعارضه خبر آخر فإنّ ذلك يجب العمل به ؛ لأنه من الباب الذي عليه الإجماع في النقل.

وهذا الكلام من الشيخ لا يخلو في الظاهر من إشكال ؛ لأنّ دعوى الإجماع على العمل بالخبر المذكور يعارضها ما وقع من الاختلاف في خبر الواحد ، فإنّ المنقول عن بعض عدم جواز التعبد بخبر الواحد عقلاً(٥) وعن‌

__________________

(١) معارج الأُصول : ١٤٨.

(٢) راجع ص ١٢.

(٣) الاستبصار ١ : ٤ : شروط.

(٤) الاستبصار ١ : ٤ زيادة : الخبر.

(٥) نسبه المحقق في معارج الأُصول : (١٤١) إلى ابن قبة وجماعة من علماء الكلام.


السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه منع وقوع التعبد به(١) ، وحكي عنه أنّه قال : لو وجب العمل به لعُلِم إمّا بالعقل أو بالنقل ، والقسمان باطلان ، أمّا الملازمة فلأنّه لو كان التكليف وقع به لكان للمكلف إليه طريق يعلم به ؛ لأنّ تكليف ما لا طريق إلى العلم به قبيح عقلاً ، وأمّا انحصار الطريق في النقل والعقل فظاهر ؛ لانحصار الطريق فيهما ، وأمّا انتفاء اللازم فبما سيبطل به معتمد المخالف ، وإذا بطل دليل التكليف به بقي بلا دليل(٢) .

وفي الذريعة قالقدس‌سره بعد نقل الاستدلال بالإجماع على العمل بخبر الواحد : من استدل بهذا الدليل ادعوا الضرورة في عمل الصحابة ( بأخبار الآحاد )(٣) ويدّعون أنّ العلم بذلك يجري مجرى العلم بأنّهم كانوا يرجعون في الأحكام إلى القرآن والسنّة المتواترة ، وكما يعلم رجوع العوام منهم إلى فتوى المفتي ، وربما قالوا : كما يعلم ضرورة سخاء حاتم.

ثم قال : والجواب عن هذا الذي حملوا نفوسهم عند ضيق الحيلة عليه ، أنّ الضرورة لا تختص مع المشاركة في طريقها ، والإماميّة وكل مخالف لهم في خبر الواحد من النظّام(٤) وتابعيه ، ومن جماعة من شيوخ متكلمي المعتزلة كالقاساني بالأمس(٥) خالفوهم فيما ادّعوا فيه الضرورة مع‌

__________________

(١) حكاه عنه في معارج الأُصول : ١٤٢ ، وهو في الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٥٢٨.

(٢) حكاه عنه في معارج الأُصول : ١٤٢.

(٣) في « فض » : بالأخبار.

(٤) هو أبو إسحاق ، إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصري ، المتوفى في ٢٣١ ه‍ ، كان أحد فرسان أهل النظر والكلام على مذهب المعتزلة. المقالات والفرق : ١٤٣ ، تاريخ بغداد ٦ : ٩٧ / ٣١٣١ ، لسان الميزان ١ : ٦٧ / ١٧٣ ، أعلام الزركلي ١ : ٤٣ ، الكنى والألقاب ٣ : ٢١١.

(٥) في المصدر : بالأسر.


الاختلاط بأهل الأخبار ، ويُقسِمُون بأنّهم لا يعلمون ذلك ولا يظنّونه ، فإن كذّبتموهم فعلتم ما لا يحسن ، وكلّموكم بمثله ، والفرق بين الرجوع إلى القرآن والمتواتر وبين خبر الواحد واضح ؛ لأنّ ذلك لمّا كان معلوماً ضرورة لم يخالف فيه عاقل ، والخلاف فيما ادّعوه ثابت ، وكذلك القول في سخاء حاتم ؛ لأنّ من خالف لا يناظر ، ويقطع(١) على بهته ومكابرته ، وليست هذه صفة من خالف في أخبار الآحاد(٢) . انتهى المراد من كلامهقدس‌سره .

وقد يقال عليه : إنّ الضروري ليس محصوراً في الأوّل الذي لا يخفى على أحد ، وحينئذ يجوز وجود القرائن والأدلّة عند بعض دون بعض.

نعم ما مثّلوا به من الضروريات محلّ كلام.

وقد نقل عنه الوالدقدس‌سره أنّه قال في جواب المسائل التبانيات : إنّ العلم الضروري حاصل لكل مخالف للإماميّة أو موافق لهم أنّهم لا يعملون في الشرائع بخبر لا يوجب العلم ، وأنّ ذلك قد صار شعاراً لهم يعرفون به ؛ كما أنّ نفي القياس في الشريعة من شعائرهم(٣) .

وهذه المبالغة من السيد مع دعوى الشيخ الإجماع على العمل من أعجب الأشياء.

أقول : وقد يمكن الجمع بين كلام السيّد والشيخ بأنّ المنفي من السيّد العمل بالخبر مطلقاً ، والمدَّعى عليه الإجماع من الشيخ يخرج عن ربقة الظنّ عند من يعلم الإجماع ، فيعود حاصل النزاع إلى أنّ العمل بالخبر‌

__________________

(١) في المصدر : ويقع.

(٢) الذريعة إلى أُصول الشريعة ٢ : ٥٣٩ ، ٥٤٠.

(٣) معالم الأصول : ١٩٤.


المجرّد عن القرائن والإجماع على العمل به هل هو واقع أم لا ، وإنّ كان كلام الأُصوليّين مضطرباً في الاستدلال ، وحينئذ يرجع كلام الشيخ إلى أنّ الخبر الخالي عن المعارض يفيد العلم بسبب حصول الإجماع على العمل به ، وفي الحقيقة هذا نادر في الأخبار ؛ إلاّ أنّ يحمل المعارض على المعتبر من الأحاديث دون مطلق المعارض ، وغير خفيّ أنّ هذا يوجب زيادة الإشكال.

( فإنّ قلت : ما معنى قول الشيخ : عليه الإجماع في النقل؟.

قلت : الذي فهمته من بعض مشايخنا ، أنّ المراد كون الظاهر من الأصحاب الفحص والبحث عن دلائل المسائل ، فيبعد عدم اطلاعهم ، فحيث لم ينقلوا ما ينافيه ، ولا أفتوا بنقيضه فكأنّهم اتفقوا على نقله ، وهذا غير بعيد من مرام الشيخ ، ويتأيّد به ما قلناه من خصوص الخبر حينئذ ، غير أنّ للمناقشة في مثل هذا الإجماع تأمّلاً ، وهو راجع إلى الإجماع السكوتي ، ودون إثبات حجيته خرط القتاد.

فإنّ قلت : كيف يقرب من مرام الشيخ ، والحال أنّه سبق منه أنّ الخبر إذا اقترن به الإجماع عمل عليه ، فيكون في كلامه تكرارا.

قلت : يحتمل الفرق بين الإجماع السكوتي وغيره ، وهذا كافٍ في حلّ العبارة )(١) .

أمّا ما قاله الوالدقدس‌سره من أنّ اعتماد المرتضى فيما ذكره على ما عهده من كلام أوائل المتكلمين منهم ، والعمل بخبر الواحد بعيد عن طريقتهم ، وأنّه لم يتضح من حال الشيخ المخالفة للسيد ، وإن(٢) كانت الأخبار قريبة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « د ».

(٢) في المصدر : إذ.


العهد من الأئمّةعليهم‌السلام ، وكانت القرائن العاضدة لها متيسرة(١) ـ(٢) ففيه نوع بحث ذكرناه في محله.

والحاصل : أنّ توجيهه لا يتمّ بعد نقل الإجماع في الاستبصار(٣) ، وما قدّمناه هو غاية ما يمكن من التوجيه.

نعم لا يخفى أنّه يبقى التعارض بين نقل السيّد : أنّ نفي العمل بخبر الواحد ضروري ، ونقل الشيخ الإجماع على العمل به مع عدم المعارض على تقدير العمل به الآن ؛ فإنّ مرجع ما قدمناه من التوجيه إلى أنّ السيد يدّعي الضرورة في خبر الواحد الذي يفيد الظنّ ، والشيخ قد حمل كلامه على أنّ الإجماع يخرجه عن حكم المظنون.

لكن في هذا الزمان لا تخرج دعوى الإجماع من الشيخ عن كونها خبراً واحداً يفيد الظنّ ، ودعوى السيد الضرورة كذلك ، لكن الترجيح للسيد على الشيخ ممكن ؛ لما يعلم من اضطراب الشيخ في نقل الإجماع ، حيث يخالف نفسه فيما يدّعي فيه الإجماع ، وإذا ترجح السيد كان خبره بعدم العمل بالخبر المظنون ممّا يعمل به للرجحان ، فيشكل الحال حينئذ.

أمّا الاستدلال على المنع بما ذكر في الأُصول(٤) ، من قوله تعالى( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٥) ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٦) .

__________________

(١) في « رض » : منتشرة.

(٢) معالم الأُصول : ١٩٧.

(٣) الاستبصار ١ : ٤.

(٤) كما في عدة الأُصول ١ : ١٠٥ ، ومعالم الأُصول : ١٩٣ ١٩٤.

(٥) سورة الإسراء : ٣٦.

(٦) سورة البقرة : ١٦٩.


فقد أُجيب عن الآية الأُولى : بجواز اختصاصه بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قيل : وبتقدير التعميم يخص بالاعتقاديات. وسياق الآية يأباه.

وعن الآية الثانية : بالتخصيص بالاعتقاديات. والتكلّف فيه غير خفيّ.

أمّا الآيات الدالة على النهي عن اتّباع الظنّ ؛ فالجواب المذكور في كلام جماعة من الأصحاب ، وتبعهم الوالدقدس‌سره في ذلك : أنّ المراد بها في الاعتقاديات(١) .

وفي نظري القاصر أنّ بعضها بعيد عن ذلك.

وزاد الوالدقدس‌سره : أنّ العام والمطلق منها يخص أو يقيد بالدليل.

قالقدس‌سره : وآية النهي عن اتّباع الظنّ محتملة لإرادة ما يُنافي عمومها(٢) .

وأرادقدس‌سره أنّ الآية ظاهرها ظنّي فلا يفيد العموم ؛ للزوم التناقض في مدلولها.

وقد ذكرت في حواشي الأُصول إمكان إرادة الظنّ فيما عدا مدلول الآية ، ضرورة إبقاء العمل بها ، إذ لولاه لانتفى(٣) .

والتخصيص بالاعتقاديات ليس أولى من تخصيصها بظنّ غيرها ، بل ولا يساويه ؛ لأنّ بعضها لا قرينة فيه على الاعتقاديات لتصرف جميعها إليه ، نعم بعضها يمكن فيه ذلك ، وتمام تحقيق المقام في حاشية التهذيب.

الثامنة : قال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ : وإنّ كان هناك ما يعارضه ، فينبغي أنّ‌

__________________

(١) معالم الأُصول : ١٩٥.

(٢) معالم الأُصول : ١٩٥.

(٣) في « رض » : لا يبقى ، وفي « فض » : لا ينفى.


ينظر في المتعارضين فيعمل على أعدل الرواة في الطريقين.

ولا يخفى أنّ هذا الكلام يعطي كون خبر الواحد حجة وإنّ لم يكن(١) عليه الإجماع ؛ إذ(٢) الإجماع المدّعى سابقاً من الشيخ إذا لم يكن له معارض ، وحينئذ يحتاج إثبات العمل بهذا النوع من الأخبار إلى الدليل المقرر في الأُصول ، وإثباته بها مشكل ، وقد حررناه في حاشية التهذيب.

ونقلنا عن العلاّمة في النهاية الاحتجاج له : بأنّ في ترك العمل ضرراً مظنوناً ، ودفع الضرر المظنون واجب ، فيجب العمل بالخبر.

وفي هذا الدليل كلام ذكرته هناك ، ونزيد هنا أنّ المحقق في المعتبر قال في جملة ما قدمناه عنه : وما أعرض عنه الأصحاب ، أو شذّ يجب اطراحه ؛ لوجوه :

أولها : أنّ مع خلوّه من المزية يكون جواز صدقه مساوياً لجواز كذبه ، فلا يثبت الشرع بما يحتمل الكذب.

الثاني : إما أنّ يفيد الظنّ أو لا يفيد ، وعلى التقديرين لا يعمل به ، أمّا بتقدير عدم الإفادة فمتفق عليه ، وأمّا بتقدير إفادة الظنّ فمن وجوه ثلاثة :

أحدها : قوله تعالى( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (٣) .

الثاني : قوله تعالى( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (٤) .

الثالث : قوله تعالى( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٥) .

__________________

(١) في « رض » : لم يمكن.

(٢) في « فض » و « د » : إنّ.

(٣) سورة الإسراء : ٣٦.

(٤) سورة النجم : ٢٨.

(٥) سورة البقرة : ١٦٩.


[ الثالث ](١) إنّ خَصَّ دليلاً عاما كان عدولاً عن متيقَّن إلى مظنون ، وإن نقل عن حكم الأصل كان عُسراً أو ضرراً ، وهو منفيّ بالدليل.

ولو قيل : هو مفيد للظنّ فيعمل به تفصِّياً من الضرر المظنون.

منَعْنا إفادة الظنّ ، لقولهعليه‌السلام : « ستكثر بعدي القالة عليّ ، فإذا جاءكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فإنّ وافقه فاعملوا به ، وإلاّ فردّوه »(٢) .

وخبره صدق ، فلا خبر من هذا القبيل إلاّ ويحتمل أنّ يكون من قبيل المكذوب.

لا يقال : هذا خبر واحد ؛ لأنّا نقول : إنّ كان الخبر حجة فهذا أحد الأخبار ، وإنّ لم يكن حجة فقد بطل الجميع(٣) . انتهى المراد من كلامه.

وأقول : إنّ فيه نظراً أمّا أوّلاً : فلأنّ الآيات لا تخلو من احتمالات ربما تنافي الاستدلال كما سبق فيه القول.

وأمّا ثانيا : فما ذكره من أنّه إذا خص دليلاً عاما كان عدولاً عن متيقَّن إلى مظنون يعطي أنَّ ظاهر القرآن قطعي ، وكلامه في الأُصول ينافيه(٤) .

وإنّ أمكن توجيه كلامه في المعتبر بما سلف عن بعضهم : من أنّ ظاهر القرآن قطعي(٥) .

وأمّا ثالثاً : فما قاله في الحديث الذي نقله محلّ تأمّل من وجوه‌ :

__________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه من المصدر.

(٢) راجع ص ١٩.

(٣) المعتبر ١ : ٢٩ ، بتفاوت يسير.

(٤) معارج الأُصول : ١٥٤.

(٥) فواتح الرحموت ( المستصفى ١ ) : ٣٤٩.


الأول : أنّ موافقة كتاب الله مجملة ، ولو أُريد بها موافقة الظاهر فالظاهر مظنون كالخبر ، فالعمل يرجع إلى المظنون.

اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ مظنون الكتاب أقوى فيجب العمل به ، وكلام المحقق لا يفيد ذلك ، فتأمّل.

الثاني : حكمه بأنّ خبره صدق. وهو منافٍ لما يأتي في الجواب عن الاعتراض.

الثالث : ما ذكره من الجواب عن الاعتراض محل كلام ؛ لأنّ تسليم كون الخبر حجة يضر بحال الخبر ؛ للزوم التناقض.

إلاّ أنّ يقال : إنّ الخبر الذي هو حجّة ما وافق كتاب الله. ويشكل حينئذ كون الخبر المنقول عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حجّة. فليتأمّل.

وبقي في الكلام شي‌ء آخر بل أشياء غير مهمّة الذكر ، وإنّما المطلوب منه ذكر الاستدلال بدفع الضرر المظنون ، وقد نقله في الأُصول أيضاً ، واعترض عليه(١) .

وكذلك اعترض عليه السيد المرتضىقدس‌سره : بأنّا لا نسلّم أنّ مخالفة خبر العدل مظنة الضرر ؛ لأن(٢) علمنا بوجوب نصب الشارع الدليل على التكاليف يؤمننا الضرر عند صدق المخبر(٣) .

وهذا الاعتراض لا يخلو من وجاهة.

وما قد يتخيل من أنّ الأدلّة العقلية منصوبة من الشارع أيضاً يمكن دفعه : بأنّ الأدلّة العقلية موقوفة على ثبوت مقدماتها ، ونحن في عويل من‌

__________________

(١) معارج الأُصول : ١٤٣.

(٢) في « رض » و « فض » : لأنّا.

(٣) الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٥٤٩.


الإثبات ، فإنَّ حصول ظنّ الضرر مع عدم العلم بنصب الشارع خبر الواحد أصلُ الدعوى.

وحاصل الأمر أنّ ظنّ الضرر إنّما يتحقق لو ساغ العمل بالظنّ ، لكن دليل العمل بالظنّ غير واضح ، والإجماع إنّما انعقد على أشياء خاصة ، وخبر الواحد محل الخلاف ، فإذا قيل : دفع الضرر المظنون واجب ؛ سلّمناه ، لكن الضرر لا يحصل في ترك العمل بخبر الواحد إلاّ إذا قام دليل قطعي على العمل به ؛ إذ الظنّي على الظنّي دور واضح ، ولا يلزم مثله في الفروع ؛ لأنّ دليله الإجماع ، وهو قطعي.

نعم قد يشكل العمل في الأُصول بالظنّ ؛ لأنّه ظنّي ( على ظنّي )(١) ، فكلّما يجاب عن ذلك هو الجواب عن خبر الواحد.

وقد يقال : إنّ الكلام في خصوص هذا الدليل ، وإذا خرجنا عنه أمكن أنّ يقال : إنّ الدليل يحقق التكليف ، فإذا تعذّر غير الظنّ تعيّن الظنّ ، فليتأمّل.

أمّا ما اعترض به السيد على الدليل من الانتقاض بخبر الفاسق والكافر ـ(٢) فدفعه ظاهر ؛ لأنّ الشارع قد علم منه المنع في هذين ، فتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ غايةَ ما يستفاد من الدليل المذكور وهو دفع الضرر المظنون العملُ بالخبر من دون المعارض ، أمّا معه فالظنّ بعيد الحصول.

وعلى تقدير العمل أقول : يشكل كلام الشيخرحمه‌الله فيما إذا كان أحدهما موافقاً للأصل ، فقد تقدم منه(٣) أنّ ما وافق دليل العقل ألحق الخبر‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض » و « فض ».

(٢) الذريعة إلى أُصول الشريعة ٢ : ٥٥٠.

(٣) راجع ص ١٣.


بالمعلوم ، فإنّ كان ما قرره سابقاً ملحوظاً هنا فلا بد أنّ يقيّد بأن يكون الخبران المتعارضان مخرجين عن الأصل بأن ثبت بهما حكم شرعي ، غاية الأمر تعارضهما في الحكم وقد ذكرت في حاشية التهذيب كيف يتحقق هذا ، وبأيّ نوع؟

وأَزيدُ هنا : أنّ كلام المصنف في التهذيب(١) يقتضي أنّ مع تساوي الخبرين من غير ترجيح يجب أنّ يكون العمل هنا بما يوافق دلالة الأصل ، وكلامه هنا كما سيأتي يفيد التخيير بين الخبرين ، ولا يبعد أنّ يكون الكلام هنا في الخبرين المخرجين عن الأصل ، وإلاّ لتنافى كلامه الأول والأخير ؛ حيث قال : إنّ القرينة تخرجه إلى المعلوم.

اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ مع التعارض يصير له حكم آخر.

وفيه : أنّه كان ينبغي أنّ يقيد القول أولاً بعدم المعارض.

ولا يذهب عليك أنّ كلام الشيخ من أوله إلى آخره يفيد العمل بخبر الواحد ، سواء احتُفّ بالقرائن أو لا ، عارضه معارِض أو لا ؛ غاية الأمر أنه فصّل الحال على ما ظنه من أنّ بعض الأفراد يفيد العلم وبعضها لا يفيد ، فالإشكال في كلامه هنا ظاهر ، ( وهو أعلم بمراده )(٢) .

التاسعة : قال الشيخ رحمه‌الله : وإذا لم يمكن العمل بواحد من الخبرين إلاّ بعد طرح الآخر جملة لتضادّهما وبُعد التأويل بينهما كان العامل أيضاً مخيّراً في العمل بأيّهما شاء من جهة التسليم.

والظاهر أنّ المراد بقوله : من جهة التسليم ، هو الانقياد لكون الحديثين صدرا عن المعصوم ، لأنّ أحدهما صحيح دون الآخر ، وحيث لم‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».


يعلم الصحيح يجب طرح الخبرين.

وقد يقال : إنّ هذا مع التضادّ لا بد من التزامه ؛ إذ المعصوم لا يتكلم بالمتضادّين ، كما إذا دلّ خبر على تحريم أمر وخبر آخر على وجوبه.

ويمكن الجواب : بأنّ التضادّ إنّما يمتنع إذا صح العمل بهما لواحدٍ ( على سبيل الجمع ، أمّا على تقدير التخيير أو على تغاير العامل )(١) فلا يضر بالحال.

وفيه تأمّل ؛ لأنّ الامتناع من جهة الصدور عن المعصوم.

( اللهم إلاّ أنّ يقال )(٢) : إنّ مطلوب الشيخ وجوب العمل ، أمّا الجزم بالوقوع من الإمام في كل من الخبرين ( بالنسبة إلى كل عامل )(٣) فلا.

وأنت خبير بأن قوله : من جهة التسليم ؛ لا يوافق ( هذا ، إلاّ أنّ يوجه بأنّ كلاًّ من [ العاملين ](٤) إذا عمل بأحد الخبرين يجب أنّ يكون مسلِّماً لصدوره عن )(٥) الإمامعليه‌السلام من دون التفات إلى الخبر الآخر ، وبالجملة فالمقام لا يخلو من شي‌ء.

العاشرة : قال الشيخ رحمه‌الله : ولا يكون العاملان بهما على هذا الوجه إذا اختلفا ، وعمل كل واحد منهما على خلاف ما عمل عليه الآخر مخطئاً ، ولا متجاوزاً حد الصواب.

وربما يظنّ من هذا الكلام أنّه قول المصوِّبة ، وأصحابنا لا يقولون به.

ولعل مراد الشيخ أنّ العامل غير مأثوم ، لا أنّ قوله موافق لنفس الأمر ،

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » و « د » : أمّا لو تغاير العامل.

(٢) في « رض » : وقد يقال.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض » وفي « فض » : بالنسبة إلى كل العمل عامل.

(٤) في « رض » : العامل ، وفي « د » : القائلين ، والظاهر ما أثبتناه.

(٥) ما بين القوسين ليس في « فض ».


إلاّ أنّ التعبير بالصواب لا يخلو من منافرة.

وغير بعيد أنّ يحصل الثواب لكل منهما إذا حصل الإخلاص في العمل ، وإنّ لم يكن الفعل مطابقاً للواقع ؛ كما يقتضيه تتبّع الآثار الواردة في الأحكام الشرعية والآيات القرآنية.

وربما يقال : إنّ ثمرة الخلاف بين المصوِّبة وغيرهم هيّنة ، ولتحقيق القول محل آخر ، هذا.

وفي الأُصول : قد اختلف العلماء فيما إذا كان أحد الخبرين حاظراً والآخر مبيحاً.

فالذي عليه البعض التوقف ، وهو ظاهر المحقق في رسالته الأُصولية(١) .

وبعض رجّح المحرِّم ، واختاره العلاّمة في تهذيبه والعضد(٢) وابن الحاجب(٣) .

وظاهر كلام الشيخ كما ترى التخيير.

أقول : ولا يخفى بعد ملاحظة ما قدمناه أنّ الشيخ لا يتناول كلامه صورة تعارض الخبرين بين الحظر والإباحة ؛ لأنّ الخبر الدال على الإباحة‌

__________________

(١) معارج الأصول : ١٥٧.

(٢) في شرح مختصر ابن الحاجب ٢ : ٤٩١. والعضد : هو القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفّار ، أبو الفضل عضد الدين الإيجي الفارسي الشافعي ، المتوفى سنة ٧٥٦ ه‍ ، كان عالماً بالأُصول والمعاني والعربية. أعلام الزركلي ٣ : ٢٩٥ ، الكنى والألقاب ٢ : ٤٣١.

(٣) في مختصر منتهى السئول والأمل في علمي الأُصول والجدل ٢ : ٤٩١ ، وهو : أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس جمال الدين ابن الحاجب الاسنوي المالكي ، كردي الأصل ، كان من كبار العلماء بالعربية. ( ٥٧٠ ٦٤٦ ه‍ ). أعلام الزركلي ٤ : ٢١١ ، الكنى والألقاب ١ : ٢٤٤.


معه الأصل فيرجّح ، وحينئذ يكون التعارض فيما لا يساعد أحدهما دليل العقل ، فخرج عن المسألة الأُصولية ، وربما يفهم من الأدلّة المذكورة في الأُصول ما يتناول غير الصورة التي ذكرناها ، فتأمّل.

الحادية عشرة : قال الشيخ : إذ روي عنهم : أنهم قالوا : إذا ورد عليكم حديثان ، ولا تجدون ما ترجّحون به أحدهما على الآخر مما ذكرناه كنتم مخيّرين في العمل ( بهما ) (١) .

وهذا الحديث لم أقف عليه الآن.

وروى محمد بن يعقوب في الكافي : عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن عيسى ، عن صفوان ، عن داود بن الحصين ، عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا ، بينهما منازعة في دَين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة ؛ أيحلّ ذلك؟ قال : « من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سُحتا »(٢) ، والحديث طويل(٣) .

وموضع الحاجة منه أنه قالعليه‌السلام : « ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك ، ويؤخذ به من حكمنا ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، وإنّما الأُمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يُردّ حكمه إلى الله تعالى ».

إلى أن قال الراوي ، قلت : فإنّ كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « د » و « فض ».

(٢) الكافي ٧ : ٤١٢ / ٥ ، الوسائل ١٨ : ٣ أبواب صفات القاضي ب ١ ح ٤.

(٣) أُورده بتمامه في أُصول الكافي ١ : ٦٧ / ١٠.


الثقات عنكم ، قال : « ينظر ، فمن وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة ، وخالف العامة. ( فيؤخذ به ، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ، ووافق العامة ».

إلى أنّ قال )(١) : قلت : جعلت فداك ( أرأيت )(٢) إنّ كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة ، والآخر مخالفاً لهم بأيّ الخبرين نأخذ؟ قال : « ما خالف العامة ففيه الرشاد ».

فقلت : جعلت فداك وإنّ وافقهما الخبران جميعاً؟ قال : « ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم ، فيترك ، ويؤخذ بالآخر ».

قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً ، قال : « إذا كان ذلك فأَرجه حتى تلقى(٣) إمامك ، فإنّ الوقوف عند الشبهات أولى من اقتحام(٤) الهلكات »(٥) .

وهذا الحديث غير واضح الصحة ، وما قاله جدّيقدس‌سره في عمر بن حنظلة من أنه حُقّق توثيقه ـ(٦) وهم ، كما نبّه عليه الوالدقدس‌سره ـ(٧) لكن داود بن الحصين ضعيف ، والحديث معدود من المقبول. وفيه بحث ، لكنه لا يخلو من أحكام ربما تنافي ما ذكره الشيخ ، كما يعرف بأدنى تأمّل ، والله تعالى أعلم.

الثانية عشرة : قال الشيخ : ولأنّه إذا ورد الخبران المتعارضان ،

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « فض ».

(٣) في « د » : تبلغ.

(٤) في « د » : تقحّم.

(٥) راجع ص ٣٤.

(٦) الدراية : ٤٤.

(٧) منتقى الجمان ١ : ١٩.


وليس بين الطائفة إجماع على صحة أحد الخبرين ، ولا على إبطال الآخر ، فكأنّه إجماع على صحة الخبرين ، وإذا كان إجماعاً على صحتهما كان العمل بهما جائزاً سائغاً.

وهذا الكلام لم يظهر له معنى يقتضي تصحيحه بمقتضى نظري القاصر ، والشيخ أعلم بمرامه ، وفي بادئ الرأي ينزّه مثلهقدس‌سره عن إيراده للاستدلال ، والاقتصار على الإجمال أولى من التفصيل.

فلنشرع في شرح الأحاديث على حسب الإمكان ، والله سبحانه المستعان.

قولهقدس‌سره :


كتاب الطهارة‌



أبواب المياه وأحكامها‌

باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء‌

أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ; قال : أخبرني أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسن الصفار ؛ وسعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ؛ والحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب ( الخزاز ) (١) عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، أنّه سئل عن الماء تبول فيه الدواب ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل منه (٢) الجنب ، قال : « إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء ».

السند :

فيه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، وهو غير مذكور في كتب الرجال ، والعلاّمة وصف الحديث المشتمل عليه بالصحة في المختلف(٣) ، واحتمال أن يكون للشيخ طريق غيره بعيد ، وقد حكم المتأخرون بتصحيح أحاديثه(٤) ، وجدّيقدس‌سره حكم بتوثيقه في الدراية(٥) ، وأظنّه لتصحيح‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في الاستبصار.

(٢) في « رض » : فيه.

(٣) المختلف ١ : ٩١.

(٤) منتقى الجمان ١ : ٤٧ ، معالم الفقه : ٤ ، مدارك الأحكام ١ : ٤٣.

(٥) الدراية : ١٢٨.


العلاّمة.

وفي هذا نظر يعرف من عادة ( العلاّمة في المختلف.

نعم الظاهر جلالة الرجل وعظم شأنه ، أمّا التوثيق المشروط في الرواية فاستفادته خفيّة والعلاّمة )(١) صحّح طريق الشيخ إلى الحسن بن محبوب(٢) ، وهو فيه ، والكلام واحد.

وبالجملة لا مجال لإنكار حال أحمد بين المتأخرين ، والحال شاهدة بما قدمناه.

ثم الذي سمعناه من الشيوخ ورأيناه بعين الاعتبار عند مراجعة الأخبار ، أنّ رواية الشيخ المفيد(٣) عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد هي المستمرة ، كما أنّ رواية ( الشيخ عن )(٤) الحسين بن عبيد الله الغضائري ، عن أحمد بن محمد بن يحيى هي المستمرّة ، فإذا ورد الإطلاق في كلا الرجلين بالنظر إلى الروايتين تعيّن كل واحد من المذكورين بما استمرّت روايته عنه.

فإنّ قلت : قد ذكر الشيخ في طرقه آخرَ الكتاب طريقاً إلى محمد بن الحسن الصفار ، عن الشيخ أبي عبد الله ، والحسين بن عبيد الله ، ( وأحمد ابن عبدون )(٥) كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه(٦) . فدلّ هذا على أنّ أحمد بن محمد بن الحسن شيخ لكل من الشيخ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٧٦.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « رض ».

(٤) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٥) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٦) الاستبصار ٤ : ٣٢٥.


المفيد والحسين بن عبيد الله ، فكيف حكمت باختصاص الحسين بن عبيد الله بأحمد بن محمد بن يحيى؟.

قلت : الأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ كلامنا في عادة الشيخ في الأسانيد المذكورة ، ولم نقف على حديث يتضمن سنده : الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ؛ وأثر هذا هيّن ، فإنّ أحمد بن محمد بن يحيى وإنّ ذكره الشيخ في من لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام (١) ؛ إلاّ أنّه لم يوثّق ، وإنّما استفاد البعض توثيقه من تصحيح العلاّمة بعض طرق الشيخ وهو فيها.

وفي السند أيضاً الحسين بن الحسن بن أبان ، وقد ذكره الشيخ فيمن لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام (٢) ، وفي رجال الهاديعليه‌السلام ولم يوثّقه(٣) ؛ إلا أنه يستفاد من بعض الاعتبارات أنّ له جلالة ، كما ذكره الوالدقدس‌سره ـ(٤) .

وما ذكره ابن داود من أنّه روى عن محمد بن أُورمة وكان ثقة ـ(٥) لا يعتمد عليه.

وما قيل : من احتمال أنّ يعود التوثيق لمحمد بن أُورمة ، بمعنى أنّه روى عنه حال كون محمد ثقة(٦) .

بعيد ؛ لأنّ محمد بن أُورمة لم ينقل توثيقه في زمن من الأزمان في‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٤٤ / ٣٩.

(٢) رجال الطوسي : ٤٦٩ / ٤٤.

(٣) لم يتعرض له في رجال الهاديعليه‌السلام ، بل ذكره في أصحاب العسكريعليه‌السلام ، رجال الطوسي : ٤٣٠ / ٨.

(٤) منتقى الجمان ١ : ٤٢.

(٥) رجال ابن داود : ٢٧٠ / ٤٣١.

(٦) مشرق الشمسين : ٨١.


الموجود من كتب الرجال.

على أنّ اللازم من هذا صحة الخبر ( أو حسنه إذا رواه الحسين عن محمد بن أُورمة ، ولا أعلم موافقة أحدٍ على هذا )(١) .

نعم نقل الشيخ في الفهرست عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه : أنّ كل ما كان في كتبه مما يوجد في كتب الحسين بن سعيد وغيره فإنّه يعتمد عليه(٢) .

وهذا لا يفيد شيئاً في شأن محمد كما لا يخفى.

وذكر شيخنا المحقق ميرزا محمد أيّده الله أنّه يستفاد من تصحيح بعض طرق التهذيب من العلاّمة توثيقه(٣) . وقد سمعت الكلام في ذلك(٤) .

وبالجملة لا مجال للقول في ردّ حديث هو فيه ، والله تعالى أعلم بالحال.

فإنّ قلت : إنّ التوقف في الحسين بن الحسن بن أبان لا يضر بحال الحديث ؛ لأنّه معطوف على محمد بن الحسن الصفار ، لأنّ رواية أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان كثيرة في الأخبار.

قلت : الأمر كما ذكرت ، وبتقدير غيره من احتمال العطف على القريب ، الأمر كذلك ، إلاّ أنَّ ذِكرنا لحال الحسين من حيث هو لفائدة التنبيه على شأنه.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : إذا اشتمل سنده على من ذكر ، وفيه ما فيه.

(٢) الفهرست : ١٤٣.

(٣) منهج المقال : ٤٢٠.

(٤) راجع ص ٣٩.


فإنّ قلت : المعهود من الشيخ أنّه إذا روى مثل ذلك يقول : جميعاً ، وبتقدير الاعتماد على المعلوميّة فعطف سعد على محمد بن الحسن الصفار دون الحسين بن الحسن مع أنّه شريك في العطف معه غير ظاهر الوجه.

قلت : الوجه فيه أنّ الراوي عن الحسين بن سعيد ، أحمد بن محمد بن عيسى والحسين بن الحسن بن أبان ، فلو عطف الحسين على محمد بن الحسن لم يتمّ هذا ، كما يظهر بالتأمّل.

فإنّ قلت : إذا كان الأمر كذلك فليكن الحسين معطوفاً على أحمد بن محمد بن عيسى.

قلت : إذا عطف عليه سبق الوهم إلى أنّ الراوي عن الحسين ، الصفار وسعد ، والحال ما سمعته من معهودية رواية الشيخ عن أحمد بن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان.

وفي فوائد شيخنا المحقق أيّده الله أنّه عطف على أبيه. ولم يظهر لي وجهه.

المتن :

قد استدل(١) بمفهوم الشرط فيه على نجاسة القليل وهو ما دون الكثير(٢) بالملاقاة ، فيدفع به قول ابن أبي عقيل(٣) .

واعترض الوالدقدس‌سره عليه : بأنّ المفهوم ليس بعام ، بل العموم في‌

__________________

(١) المعتبر : ٤٨.

(٢) كذا في النسخ والأنسب : الكرّ.

(٣) نقله عنه في المختلف ١ : ١٣.


المنطوق موجود بسبب النكرة في سياق النفي ، وحينئذ لا بد من ضميمة عدم القائل بالفصل بين نجاسة ونجاسة. وبهذا يندفع الاستدلال بمفهومه على نجاسة الغسالة ؛ لوجود القائل بالفصل(١) .

أقول : والظاهر أنّ مراد الوالدقدس‌سره بضميمة الإجماع ، إنّما هو لإثبات تنجّس القليل ، أمّا ردّ قول ابن أبي عقيل فيكفي فيه ثبوت التنجّس بشي‌ء ما ؛ لأنّه قائل بعدم التنجّس بكل شي‌ء.

وما قد يقال : إنّ ابن أبي عقيل قائل بتنجّس القليل بالتغيّر ، فلا يضره المفهوم في الحديث.

يمكن الجواب عنه : بأنّ المراد بالشي‌ء في الحديث النجاسة من حيث هي ، والتغيّر خارج عنها ، وإنّ نوقش في هذا.

والأولى الجواب : بأنّ التغيّر في الحديث لا يمكن إرادته من المفهوم ؛ لأنّ التغيّر لا فرق فيه بين الكرّ وغيره ؛ فليتأمّل.

ويمكن أنّ يقال : إنّ المفهوم إذا أفاد تنجّسه بشي‌ء ما أفاد تنجّسه بكل من النجاسات ؛ لأنّ الإنسان مأخوذ عليه أنّ لا يستعمل في المشروط بالطهارة إلاّ الطاهر ، فإذا دلّ الحديث على تنجس القليل بشي‌ء ما فلا بد من العلم بذلك الشي‌ء ، وإذا لم يعلم لم يمكن الحكم بطهارة القليل مع إصابة شي‌ء من النجاسات من دون العلم بشخص المنجّس ، وحينئذ يجب اجتنابه إذا أصابه شي‌ء من النجاسات ، وهو المطلوب.

وقد يجاب : بأنّ الشي‌ء إذا كان غير عام كان مجملاً ، ومع الإجمال لا يجب الاجتناب من دون البيان ، فلا يتمّ الحكم بالعموم ، ولو فرض‌

__________________

(١) معالم الفقه : ١٢٤.


تأخير البيان مع وجود محل الحاجة يحكم بالعموم ؛ لعدم جواز التأخير ، ومن دون حضور محل الحاجة لا دلالة فيه على العموم ، فالاستدلال على العموم مطلقاً غير تامّ.

على أنّ التأخير عن محل الحاجة إنّما يفيد العموم إذا كان الشي‌ء منجّساً(١) وأُخِّر بيان تنجيسه ، وهذا غير معلوم ، فليتأمّل.

وربما يقال : إنّ المفهوم إنّما يفيد إذا كان الماء عامّاً ، وهو في الحديث محتمل للعهدية احتمالاً ظاهراً ، وبتقدير عدم العهدية فالماء من المفرد المُحلّى ، وعمومه محلّ تأمّل.

ويجاب : بأنّ الماء لا ظهور له في العهدية ، والعموم فيه من حيث منافاة غير العموم من المعاني للحكمة ، كما ذكره المحققرحمه‌الله ؛ على أنّ الماء من باب الجنس المحلّى ، والعموم فيه لا يخلو من وجه ؛ وفي البين كلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحديث قد يستفاد منه نجاسة أبوال الدوابّ من حيث إقرار الإمامعليه‌السلام للسائل ، ولم ينكر عليه في ذكر بول الدوابّ ، على نحو ما ذكروه في غيره من وجوه تقرير الإمامعليه‌السلام ، ولم أرَ من ذكره في الاستدلال لذلك ، حتى أنّ الوالدقدس‌سره سبر الأخبار في باب بول الدوابّ ، وردّها بالطعن في الأسانيد(٢) ، وهذا الحديث لا ينكر الوالدقدس‌سره صحته(٣) .

ويمكن الجواب عن ذلك : بأنّ التقرير في مثله غير معلوم ، وذكر‌

__________________

(١) في « د » و « فض » : نجساً.

(٢) معالم الفقه : ٢٠٢ ٢٠٦.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٤٧.


ولوغ الكلاب كافٍ في الجواب. وفيه ما فيه.

ثم ما تضمنه الحديث من اغتسال الجنب ، لعلّ المراد به مع عدم خلوّ البدن من النجاسة كما هو الغالب ، ولو أُريد الأعمّ من خلوّه وعدمه ليصير الماء مستعملاً أشكل : بأنّ الجواب لا يوافقه إلاّ بأن يراد بالنجاسة ما يتناول المستعمل ، وإثبات الحكم في المستعمل مشكل كما سيأتي بيانه(١) ودلالة الرواية أشدّ إشكالاً ، والكلام السابق في التقرير يأتي هنا بنوع من التقريب.

قوله(٢) رحمه‌الله :

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه ، عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان ؛ وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، جميعاً عن معاوية بن عمار قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « إذا كان الماءُ قدرَ كُرٍّ لم ينجّسه شي‌ء ».

السند :

لا يخفى أنّه يشتمل على طريقين يرويهما محمد بن يعقوب :

أحدهما : عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان.

وثانيهما : عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى.

__________________

(١) يأتي في ص : ٢٠٤ ٢٠٥.

(٢) لم يتعرضرحمه‌الله لبيان الحديث الثاني ، ولعلّه لاتحاده مع الأوّل والثالث في المتن وتضمّنهما لسنده.


وقوله : جميعاً ، عائد إلى صفوان وحماد.

ثم إنّ محمد بن إسماعيل ليس هو ابن بزيع بغير ارتياب ؛ لوجوه ، أوضحها : أنّ محمد بن يعقوب يروي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع بواسطتين غالباً ، وبدون واسطة لم يوجد إلاّ في بعض الطرق ، ( وفي الظنّ أنّه سهو من الكاتب )(١) .

ثم إنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع يروي عنه(٢) الفضل بن شاذان دون العكس ، على أنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع لو روى عنه الكليني يكون قد أدرك خمسةً من الأئمّةعليهم‌السلام ، لأنّه من رجال أبي الحسن موسىعليه‌السلام ، وهذه المرتبة أحقّ بالذكر في الرجال ؛ لأنّ من يروي عن أربعة أئمة قد ذكروه ، ومحمد بن إسماعيل ، قد ذكر أصحاب كتب الرجال أنّه ( من أصحاب موسىعليه‌السلام )(٣) أدرك أبا جعفر الثانيعليه‌السلام وهذه العبارة تفيد أنّه غاية من أدرك ؛ ولو رام محتمل فتح باب الاحتمال في المقام فالتكلّف فيه ظاهر.

وقد حقق الوالدقدس‌سره ذلك في المنتقى(٤) .

إذا عرفت هذا مجملاً فاعلم أنّه لا يبعد أنّ يكون محمد بن إسماعيل هذا هو البندقي النيسابوري ؛ لأنّ الكشي كثيراً ما يروي عنه بغير واسطة ، وهو في مرتبة محمد بن يعقوب.

وفيه في ترجمة الفضل بن شاذان ما هذه صورته : ذكر أبو الحسن‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : وفي الظنّ أنّه لا يدل على إرادة ابن بزيع هنا ، وسيأتي تفصيل القول في وجهه هنا إن شاء الله.

(٢) في « د » : عن.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) منتقى الجمان ١ : ٤٤.


محمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري : أنّ الفضل بن شاذان بن الخليل نفاه عبد الله بن طاهر عن نيسابور بعد أنّ دعا به ، واستعلم كتبه ، وأمره أن يكتبها إلى أنّ قال : فذكر أنّه يحبّ أنّ يقف على قوله في السلف ، فقال أبو محمد : أتولّى أبا بكر ، وأتبرّأ من عمر ، فقال له : ولِمَ تتبرّأ من عمر؟ قال : لإخراجه العباس من الشورى(١) .

وهذا الحديث من القرائن الواضحة على ما قلناه ، غير أنّ الرجل غير معلوم الحال.

واعتمد الوالدقدس‌سره على عدّ(٢) الحديث من الحَسَن بسبب محمد بن إسماعيل ؛ نظراً إلى اعتناء محمد بن يعقوب بالرواية عنه كثيراً(٣) .

وفي الظنّ أنّ الرواية عن الرجل في بعض الأحيان أيضاً لا تقصر عن ذلك ؛ لما يظهر من النجاشي في ترجمة أحمد بن محمد بن عياش حيث قال : سمعت منه شيئاً كثيراً ، ورأيت شيوخنا يضعّفونه ، فلم أروِ عنه ، وتجنّبته(٤) .

وفي ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي قال : إنّه ثقة في نفسه ، يروي عن الضعفاء ، واعتمد المراسيل(٥) .

وظاهر قوله : يروي عن الضعفاء أنّه نوع قدح ، بقرينة اعتماد المراسيل.

وقد يخطر في البال : أنّ الاعتماد على المراسيل لا يصلح للقدح ؛

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨١٨ / ١٠٢٤.

(٢) في « رض » و « فض » : هذا.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٤٥ ، ٥٠.

(٤) رجال النجاشي : ٨٥ / ٢٠٧.

(٥) رجال النجاشي : ٧٦ / ١٨٢.


لأنّ مرجعه إلى الاجتهاد.

إلاّ أنّ يقال : إنّ المراد روايته بالإرسال من دون البيان ، فهو نوع تدليس يقتضي القدح.

وفيه : أنّ بعض علماء الدراية جوّز الرواية بالإجازة من دون ذكر لفظ الإجازة(١) ، [ فضرره ](٢) بحال المُرسل محلّ تأمّل إذا كان مذهباً له.

وكلام النجاشي بعد تأمّل ما قلناه ربما يفيد القدح ، وإنّما ذكرناه في مقام التأييد ؛ لأنّ رواية الثقة عن الضعفاء نادر ، فإذا وقع ذكروه ، ومثل الثقة الجليل محمد بن يعقوب لو كان يروي عن الضعفاء لذكر.

فإنّ قلت : لا ريب في روايته عن الضعفاء في كتابه ، لكن الاعتماد على القرائن المصحّحة للخبر ، فلا يضر ضعف الرجل ، وحينئذ لا يدل ما ذكرت على جلالة شأن محمد بن إسماعيل.

قلت : لما ذكرت وجه ؛ إلاّ أنّ ذكر الرواية عن الضعفاء في ترجمة محمد(٣) بن خالد يقتضي مخالفة قاعدة المتقدمين إنّ عمل بالخبر ، وإنّ كان مجرد الرواية عن الضعفاء من دون عمل بالخبر فلا يضر بحال الشخص ، وظاهر الحال نوع خدش.

فإنّ قلت : عدم التفات المتقدمين إلى الخبر من جهة رواته(٤) لو كان تامّاً لما صرّحوا باستثناء رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن جماعة ، كما يأتي بيانه في مواضع من الكتاب.

__________________

(١) الدراية : ٩٥.

(٢) في النسخ : فضرورته ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) كذا في النسخ ، والظاهر : أحمد بن محمد. راجع ص ٤٨.

(٤) في النسخ : رواية ، والظاهر ما أثبتناه.


قلت : وما ذكرته أيضاً لا يخلو من وجه ، وإنّي متعجّب من ذلك ؛ غير أنّه يخطر في البال احتمال توجيه الجمع بين ما ذُكِرَ وبين الاستثناء ، بأنّ العمل بالقرائن يقتضي تخفيفها إذا كان الرواة معتَمَداً عليهم ، وعدم تخفيفها إذا لم يكن كذلك ، وحينئذ إذا استثني من روايات محمد بن أحمد ابن يحيى ما يرويه عن الجماعة ، فإذا وردت الرواية عن محمد بن أحمد ابن يحيى عن أحدهم يحتاج إلى تحصيل قرائن زائدة ، ولو روى عن غير الجماعة يفتقر إلى أقلّ ممّا احتيج إليه لو روى عن الجماعة ، فليتأمّل.

فإنّ قلت : كيف يوافق ما عليه المتقدّمون تصريح الصدوق في الفقيه في باب صلاة الغدير بعد ذكر رواية : أنّ راويها لم يوثّقه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد ، وما لم يصحّحه لا يحكم بصحته(١) .

قلت : لا يبعد التوفيق بأنّ عدم توثيق شيخه للراوي يقتضي وجود قرينة الردّ للرواية ، فمن ثَمّ لم يعمل بها ، لا أنّ الأمر منحصر في تصحيح شيخه.

فإنّ قلت : الذي يظهر من الكشي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي حمزة عدم الرواية عن الضعيف وإنّ لم يعمل بالرواية ، لأنّه نقل عن محمد ابن مسعود أنّه سأل علي بن الحسن بن فضال ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، فقال : كذّاب ملعون ، رويت عنه أحاديث كثيرة ، وكتبت عنه تفسير القرآن من أوّله إلى آخره ، إلاّ أنّي لا أستحلّ أنّ أروي عنه حديثاً واحداً(٢) .

وكذلك نقل العلاّمة في الخلاصة عن ابن الغضائري ، عن علي بن الحسن بن فضال أنّه قال : إنّي لأَستحيي من الله أنّ أروي عن الحسن بن‌

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٥٥.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٢٧ / ١٠٤٢.


علي(١) .

قلت : وهذا أيضاً يوجب التعجّب ، إلاّ أنّ قول عليّ بن الحسن بن فضال بتقدير اعتباره يمكن أنّ يحمل على روايات الحسن بن علي في تفسير القرآن ؛ لأنّ الاحتياط فيه مطلوب.

وربما كان القول المحكي من ابن الغضائري على الإطلاق فيه نوع توهم ، أو التعبير بالاستحياء كناية عن فعل خلاف الأولى ، ( أو أنّ تحقّق كذب الراوي يعترض بكثرة توجب عدم الرواية عنه )(٢) وبالجملة فالمقام واسع البحث ؛ إلاّ أنّ الدخول في هذا الباب يوجب شيئاً ما(٣) غير خفي.

وإذا عرفت مجمل الأمر فلنعد إلى ما نحن بصدده ، فاعلم أنّه ربما يقال : إنّ غرض النجاشي بقوله في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد : إنّه يروي عن الضعفاء ـ(٤) إرادة كثرة روايته عن الضعفاء ، كما فهمه العلاّمة في الخلاصة ، حيث قال في ترجمته : إنّه أكثر الرواية عن الضعفاء(٥) .

وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّ إكثار الرواية من دون عمل لا يقتضي الطعن في الرجل ، وما ذكره النجاشي في ترجمة أحمد بن عياش(٦) ، له نوع دلالة على رجحان ترك الرواية عن الضعيف ، وهو أعلم بالوجه.

لكن المقصود أنّ المتقدمين لهم حرص على الرواية عن غير الضعفاء ، فربما كان في رواية الكليني عن الرجل المبحوث عنه نوع دلالة‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢١٣.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».

(٣) لفظة ما ليست في « رض ».

(٤) رجال النجاشي : ٧٦ / ١٨٢.

(٥) خلاصة العلامة : ١٤ / ٧.

(٦) رجال النجاشي : ٨٥ / ٢٠٧.


على جلالة شأنه.

وفي ترجمة جعفر بن محمد بن مالك قال النجاشي : إنّه ضعيف ، ثم تعجّب من شيخه أبي غالب وابن همام ؛ حيث رويا عنه(١) ؛ إلاّ أنّ الظاهر كون التعجّب من زيادة ضعفه في أنّه يضع الحديث.

نعم في ترجمة علي بن الحسن بن فضال قال ـ في مقام الثناء عليه ـ : إنّه قلّ ما روى عن ضعيف(٢) و(٣) نحو ذلك كثير ، ومجال القول واسع.

وأمّا غير محمد بن إسماعيل المذكور فقد ذكر أصحاب الرجال جماعة من المُسمّينَ بهذا الاسم(٤) ؛ إلاّ أنّ بعضهم منفي الإرادة بغير ريب ، كمحمد بن إسماعيل العلوي ، فإنّه من أصحاب الباقرعليه‌السلام ، ومحمد بن إسماعيل بن رجا من أصحاب الصادقعليه‌السلام ، ومحمد بن إسماعيل المخزومي كذلك ، وكذلك محمد بن إسماعيل بن سعيد ، ومحمد بن إسماعيل الجعفي ، ومحمد بن إسماعيل الزعفراني ، فإنّه لقي أصحاب أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وأمّا محمد بن إسماعيل الجعفري فقد ذكر الشيخ في الفهرست أنّ الراوي عنه ابن نهيك(٥) ، وأين هو من محمد بن يعقوب.

ومحمد بن إسماعيل البلخي ذكره الشيخ في رجال الهاديعليه‌السلام (٦) ، وظاهر عدم إدراك محمد بن يعقوب له إلاّ بتقدير بعيد ، وقد أوضحت القول في هذا في محلّ آخر على الانفراد ، وملخّص المرام ما ذكرناه.

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢٢ / ٣١٣.

(٢) رجال النجاشي : ٢٥٧ / ٦٧٦.

(٣) في « رض » زيادة : بالجملة.

(٤) انظر رجال الطوسي : ١٣٦ ، ٢٨٠ ، ٢٨١.

(٥) الفهرست : ١٥٢ / ٦٥٥.

(٦) رجال الطوسي : ٤٢٤ / ٣٦.


ثم إنّ الحديث لا ريب في حسنه ؛ نظراً إلى الطريق الآخر ، بل قال شيخناقدس‌سره : إنّ حديث إبراهيم بن هاشم لا يقصر عن الصحيح(١) .

وفيه تأمّل يظهر من ملاحظة كتب الرجال ، وموافقة الاصطلاح في تعريف الصحيح ؛ فإنّ شأن إبراهيم لا يصل إلى التوثيق على ما وقفت عليه.

وتصحيح العلاّمة في المختلف بعض الطرق الذي هو فيها(٢) ، قد مضى فيه القول(٣) .

غير أنّه ينبغي أنّ يعلم أنّ النجاشي قال في ترجمة إبراهيم بن هاشم : قال أبو عمرو الكشي : إنّه يعني إبراهيم تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، وفيه نظر(٤) .

وقد ذكرت وجوهاً للنظر في حاشية الفقيه ، والذي يخطر الآن في البال أنّ أوجهها : كون النظر راجعاً إلى أنّه من أصحاب الرضاعليه‌السلام ؛ لأنّ النجاشي ذكر في ترجمة محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني : وروى إبراهيم بن هاشم ، عن إبراهيم بن محمد الهمداني ، عن الرضاعليه‌السلام (٥) .

وهذا الكلام يعطي أنّه روى عن الرضاعليه‌السلام بواسطة إبراهيم المذكور.

وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّه لا مانع من كونه من أصحاب الرضاعليه‌السلام وقد روى عنه بواسطة ، إمّا دائماً أو في بعض الأحيان ؛ إلاّ أنّ سياق المقال يقتضي عدم لقاء الرضاعليه‌السلام .

__________________

(١) انظر المدارك ٦ : ١٨١.

(٢) المختلف ٣ : ٣٨٤.

(٣) راجع ص ٣٩.

(٤) رجال النجاشي : ١٦ / ١٨.

(٥) رجال النجاشي : ٣٤٤ / ٩٢٨.


وما ذكره الشيخ ؛ من أنّه من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، في كتاب الرجال(١) ؛ كأنّه تبع فيه الكشي ، وهذا على سبيل الإجمال ، وتوضيح القول فيما أشرنا إليه ، والله تعالى أعلم بالحال.

المتن :

قد تقدم القول فيه بما يغني عن إعادته(٢) ، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ دلالة الشرط ومفهومه في هذا الحديث ( أظهر.

وينبغي أنّ يعلم أنّه )(٣) استُدل بهذا الحديث ونحوه على اشتراط الكريّة في البئر ، كما ذهب إليه البصروي(٤) ، نظراً إلى العموم في الماء.

وأُجيب عنه : بأنّ العموم مخصوص بخبر محمد بن إسماعيل ، الوارد في البئر ، معلّلاً : بأنّ له مادّة ؛ فإنّ التعليل يقتضي عدم الفرق بين القليل والكثير.

وهذا الجواب ذكره الوالد(٥) قدس‌سره أيضاً.

وقد يقال عليه : إنّهقدس‌سره كثيراً ما ذكر : أنّ عموم الماء ليس من حيث الصيغة ، بل من حيث منافاة الحكمة لو أُريد غير العموم من المعاني(٦) ،

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٦٩.

(٢) راجع ص ٤٣ ٤٥.

(٣) بدل ما بين القوسين في « د » : أشهر ، وقد.

(٤) حكاه عنه في الذكرى ١ : ٨٨ ، والمداك ١ : ٥٥ ، والحبل المتين : ١١٧ ، وهو الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد البصروي ، فقيه فاضل من قدمائنا ، قرأ على السيد المرتضى ، وأجاز له السيد مصنفاته ، له كتاب المفيد في التكليف ، وكتاب المعتمد. رياض العلماء ٥ : ١٥٨.

(٥) معالم الفقه : ٣٤.

(٦) كما في معالم الفقه : ١٢ ، ومعالم الأُصول : ١١٠.


ولا ريب أنّ انصراف الماء إلى البئر في الحديث السابق بعيد جدّاً ، وفي هذا الحديث لو اعتبر العموم بما ذكر أمكن القول باندفاع منافاة الحكمة بالأفراد الكثيرة للمحقون.

ويمكن الجواب عن ذلك : بمنع ظهور غير ماء البئر بل هو متساوٍ.

ولا يتوجه أنّ يقال : إنّ الماء في الحديث يتناول الجاري حينئذ ، فيدل بمفهومه على نجاسة القليل منه.

لأنّه قد أُجيب عن ذلك : بأنّ التعليل في حديث محمد بن إسماعيل لا يوافقه.

والوالدقدس‌سره قال في الجواب : إنّ العموم في الأحاديث مخصوص بصحيح ابن بزيع ؛ لدلالته على أنّ وجود المادّة سبب في نفي الانفعال بالملاقاة ، فلو كانت الكريّة معتبرة في ذي المادّة لكانت هي السبب في عدم الانفعال ، فلا يبقى للتعليل بالمادّة معنى(١) .

وقد يقال : إنّ التعليل بالمادّة لو اختصّ بعدم النجاسة كان الجواب متوجهاً ، أمّا لو عاد إلى طيب الطعم كما ذكره شيخنا البهائي(٢) أيّده الله لا يتمّ الجواب.

لكن لا يخفى أنّ تحقيق الكلام لا يتمّ إلاّ بذكر خبر ابن بزيع ، وسيأتي إنّ شاء الله في بابه(٣) ، وإنّما قدّمنا هذا القول للتعلّق بهذين الخبرين في الجملة.

__________________

(١) معالم الفقه : ١١١.

(٢) الحبل المتين : ١١٧.

(٣) يأتي في ٢٤٣.


قولهرحمه‌الله :

فأما ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير(١) ؛ ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، جميعاً ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة [ عن أبي جعفر عليه‌السلام ] (٢) قال : « إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شي‌ء ، تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ فيه ؛ إلاّ أنّ يجي‌ء له ريح تغلب على ريح الماء ».

فليس ينافي ما قدّمناه من الأخبار ؛ لأنّه [ قال ](٣) « إذا كان الماء أكثر من راوية » فتبيّن أنّه [ إنّما ](٤) لم يحمل نجاسة إذا زاد على الراوية ، وتلك الزيادة لا يمتنع أنّ يكون المراد بها ما يكون به تمام الكرّ.

السند :

قد تقدم القول في مثله(٥) .

وحريز لا ارتياب فيه عند المتأخرين ، وإنّ كان فيه نوع كلام في الرجال ، ففي النجاشي : كان ممّن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد اللهعليه‌السلام وروى أنّه جفاه ، وحجبه عنه(٦) .

وفي الكشي : ذكر في حذيفة بن منصور حديثاً معتبر الاسناد عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦ : محمد بن أبي عمير.

(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ٧.

(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار ١ : ٧ / ٤.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار ١ : ٧ / ٤.

(٥) راجع ص : ٤٦ ٥٣.

(٦) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٣٧٥.


عبد الرحمن بن الحجاج قال : سأل أبو العباس فضل البقباق لحريز الإذن على أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فلم يأذن له ، فعاوده فلم يأذن له ، فقال : أيّ شي‌ء للرجل أنّ يبلغ في عقوبة غلامه؟ فقال : « على قدر جريرته » قال : قد عاقبتَ واللهِ حريزاً بأعظمَ ممّا صنع ، فقال : « ويحك أما إنّي فعلت ذلك أنّ حريزاً جرّد السيف »(١) الحديث.

وأجاب العلاّمة في الخلاصة : بأن الحجب لا يستلزم الجرح ؛ لعدم العلم بالسرِّ فيه(٢) .

قال شيخنا المحقق أيّده الله في كتاب الرجال : لاحتمال كون الحجب تقيّة على نفسه ؛ من حيث إنّ شهر السيف عظيم عند المخالفين(٣) .

ولا يخلو من وجه إلاّ أنّ في البين شيئاً.

وأمّا زرارة فحاله مشهور(٤) ، والأخبار الواردة بالقدح فيه(٥) محمولة على الخوف عليه من أهل الخلاف ، كما هو صريح الخبر الصحيح(٦) .

المتن :

ظاهره أنّ الماء إذا كان أكثر من راوية لم ينجس ، إلاّ أن يجي‌ء له‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٦٢٧ / ٦١٥ بتفاوت يسير.

(٢) خلاصة العلامة : ٦٣ / ٤.

(٣) لم نعثر عليه.

(٤) انظر رجال الكشي ١ : ٣٤٥ / ٢٠٨ ٢٣٠ ، رجال النجاشي : ١٧٥ / ٤٦٣.

(٥) كما في رجال الكشي ١ : ٣٥٨ / ٢٣٠ ٢٤٤.

(٦) رجال الكشي ١ : ٣٤٩.


ريح تغلب على ريح الماء ، وغير خفيّ أنّ الراوية غير معلومة القدر ، والأكثرية في حيّز الإجمال ، والشيخرحمه‌الله كما ترى قال : إنّه لا يمتنع أنّ يكون الزائد على الراوية يحصل به تمام الكرّ.

وهذا لا ريب فيه ، لكن كان الأولى أنّ يذكر الأخبار الدالة على مقدار الكرّ قبل ذكر هذا الخبر ، وما ذكره من الأخبار ، وإنّ تضمن الكرّ ؛ إلاّ أن المقدار مفصلاً لا يعلم منها.

والحديث المتضمن للراوية إنما تتحقق فيه المنافاة إذا علم أوّلاً مقدار الكرّ مفصلاً ؛ ليفهم منه أنّ الراوية لا تكون هذا القدر غالباً ، فتحمل الزيادة على تمام الكرّ.

والأمر سهل ، غير أنّ ما تضمنه الحديث من أنّ الريح إذا غلب على ريح الماء يراد به ريح النجاسة لا ريح المنجّس.

واعتبار الغلبة على ريح الماء ، وإنّ ظنّ منه أنه لا بد أنّ يكون للماء ريح ؛ إلاّ أنّه غير خفيّ عدم اللزوم.

ثم الذي عليه الأكثر هو أنّ المعتبر من التغيير ما يظهر للحسّ ، فلو كانت النجاسة مسلوبة الصفات لم تؤثّر في الماء ، وإنّ كثرت.

واختار العلاّمة وجوب تقدير النجاسة على أوصافٍ مخالفة ، فإنّ كان الماء يتغيّر بها على ذلك التقدير حكم بالنجاسة ، وإلاّ فلا(١) .

ونقل عنه الاحتجاج بأنّ التغيّر الذي هو المناط(٢) مع الأوصاف(٣) ،

__________________

(١) قواعد الأحكام ١ : ١٨٣.

(٢) أي مناط النجاسة.

(٣) أي دائر مدار وجود الأوصاف.


فإذا فقدت وجب تقديرها(١) .

وهذا الاحتجاج غريب ، فإنّه نفس المدعى.

واحتجّ ولده فخر المحققين : بوجود المقتضي ، وهو صيرورة الماء مقهوراً ؛ لأنه كلّما لم يكن الماء مقهوراً لم يتغيّر بها على تقدير المخالفة ، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا : كلّما تغيّر على تقدير المخالفة كان مقهوراً(٢) .

وهذه الحجّة مردودة ؛ لتوجّه المنع إلى كلّية الأُولى ، وإطلاق النص يقتضي توقّف النجاسة على غلبة الريح.

وما قد يقال ؛ من أنّ عدم وجوب التقدير يقتضي جواز الاستعمال ، وإنّ زادت النجاسة على الماء أضعافاً ، وهو كالمعلوم البطلان ؛ فهو استبعاد ، لكن لا يصلح دليلاً ، فليتأمّل.

قولهرحمه‌الله :

وأما ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الكرّ من الماء نحو حبّي هذا » ، وأشار إلى حبّ من تلك الحباب التي تكون بالمدينة.

فلا يمتنع أنّ يكون الحبّ يسع من الماء مقدار الكرّ ، وليس هذا ببعيد.

__________________

(١) حكاه في معالم الفقه : ١٦.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ١٦.


السند :

فيه إرسال ، غير أنّ عبد الله بن المغيرة قد ذكر الكشي : أنّه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه(١) . وفهم بعض الأصحاب أنّ المراد بهذا الكلام صحة كل ما رواه(٢) ؛ بحيث تصح الرواية إليه ، وحينئذ لا يضرّ الإرسال ، ولا ضعفُ من روى عنه عبد الله بن المغيرة.

وتوقّف في هذا بعض قائلاً : إنّا لا نفهم منه إلاّ كونه ثقة.

والذي يقتضيه النظر القاصر أنّ كون الرجل ثقة أمر مشترك ، فلا وجه لاختصاص الإجماع بهؤلاء المذكورين ، وحينئذ لا بدّ من بيان الوجه.

ثم ما ذكره القائل الأوّل ينافيه ما قاله الشيخ في الرواية الآتية عن عبد الله بن المغيرة : من أنّها مرسلة(٣) ؛ فإنّ الشيخ أعلم بمقاصد الكشي من المتأخرين.

ولا يبعد أنّ يكون الوجه في ذكر الإجماع على الجماعة المخصوصين ، أنّ عمل المتقدمين بالأخبار إنّما هو مع اعتضادها بالقرائن ، فإذا كان الرواة ممّن اجمع على تصحيح ما يصح عنهم ؛ كان الإجماع من جملة القرائن ، وبدون هذا يحتاج إلى زيادة القرائن.

فإنّ قلت : هذا الوجه إنّما يفيد في نفس الرجل ، والعبارة هي تصحيح ما يصح عنه ، فلا يوافق ما ذكرت.

قلت : بل الموافقة حاصلة ، فإنّ الخبر إذا صح إليه على طريقة‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠.

(٢) انظر الخلاصة : ٢٧٧ ، مشرق الشمسين : ٣٢ ، الرواشح السماوية : ٤٧.

(٣) يأتي في ص ٦٣.


المتقدمين حكم بصحته منه من حيث هو ، وما بعده تتوقّف صحته على موجبها ، فقولهم : على تصحيح ما يصح عنه ، يراد به أنّ الشرائط إذا اجتمعت في الرواة إليه فالرجل ثقة قد انعقد عليه الإجماع ، فلا حاجة إلى تحصيل قرائن على كونه مقبول الرواية.

فإنّ قلت : الرواية إذا اشتملت على الرجل المجمع عليه ، فالقرائن على صحتها إنّ كانت من خارج ، فلا فرق بين كون الرجل مجمعاً عليه أم لا ؛ إذ الاعتبار صحة(١) المتن ، وإنّ كانت القرائن من نفس الرواية فالحكم بالصحة موقوف على أنّ جميع الرواة قد أجمع عليهم ، والبعض لا يفيد ، وحينئذ فالثمرة غير ظاهرة.

قلت : بل الفائدة ( من نفس الراوي )(٢) إذا كانت الرواية بطرق متعددة لكنها تنتهي إليه ، فإذا أفادت الكثرة الصحة إليه ، وكان ممّن أجمع على تصحيح ما يصح عنه كفى في صحة الرواية ، وكثيراً ما يقول الشيخ في الكتابين : إنّ الرواية وإنّ كثرت في الكتب بأسانيد ، إلاّ أنّها تنتهي إلى الرجل الواحد. فيردّها بهذا السبب.

وهذا يؤيّد ما ذكرناه ، غاية الأمر أنّه يبقى ما بعد الرجل إذا كان ضعيفاً أو مجهولاً فقد يظنّ أنّ الصحة ( إليه على الوجه المذكور كافية في صحة الخبر.

وفيه : أنّ الصحة )(٣) يراد بها بالنسبة إليه ، بمعنى أنّ روايته وحده تقوم مقام التعدد في غيره ، فيحتاج ما بعده إلى القرائن.

__________________

(١) كذا في النسخ. والأولى : بصحّة.

(٢) في « رض » : من نفس خبر الراوي.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « د ».


وممّا يؤيّد ما ذكرناه قول أصحاب الرجال : فلانٌ ثقة صحيح الحديث ؛ فإنّ الظاهر من صحيح الحديث الزائد على التوثيق أنّ المراد به بيان عدم الاكتفاء بكون الرجل ثقة في العمل بالخبر.

فإنّ قلت : الفرق بين صحيح الحديث وبين من أجمع على تصحيح ما يصح عنه واضح ؛ لأنّ صحيح الحديث لا يزيد على التوثيق بالواحد بخلاف الإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل.

قلت : الغرض ممّا ذكرناه بيان الجمع بين التوثيق ولفظ صحيح الحديث ، وما ذكرت من الفرق إنّما يتمّ لو كان الإجماع متحققا ، على معنى حصول الإجماع الحقيقي وثبوته ، أمّا المنقول فهو خبر في المعنى ، وحينئذ لا يتفاوت الحال بين صحيح الحديث والإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل.

وبالجملة فالمقصود أنّ الظاهر إرادة بيان القرائن العاضدة(١) للأخبار المقتضية للعمل ، فينبغي التأمّل في هذا كله.

ولعل قائلاً يقول : إنّ كلام الشيخ لا يضرّ بالحال ؛ لاحتمال عدم ظنّه لما فهمه البعض. وفيه ما لا يخفى.

أقول : وممّا يؤيّد ما ذكرته أنّ محمد بن أبي عمير من جملة من أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنه(٢) ، والكلام في مراسيله كثير ، من أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة ، والمناقشة بعدم العلم بهذا ، ونحو ذلك كما سيأتي إنّ شاء الله فيه القول ـ(٣) فلو كان المراد بالإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل ما قاله القائل ، لا حاجة إلى التوقّف في مراسيل ابن أبي عمير ، كما‌

__________________

(١) في « د » : العامّة.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠.

(٣) في ص ٩٩ ١٠١.


لا حاجة إلى قولنا : إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة ، فإنّه لو روى عن ضعيف لا يضر بالحال.

وقد ردّ الشيخرحمه‌الله رواية رواها ابن أبي عمير عن بعض أصحابه في آخر باب العتق بالإرسال(١) والشيخرحمه‌الله أعلم بالحال.

فالعجب من دعوى بعض الأصحاب أنّ مراسيل ابن أبي عمير مقبولة عند الأصحاب مطلقاً(٢) ، فينبغي التأمّل في ذلك كله.

المتن :

لا يخفى أنّه دالّ على أنّ الكرّ نحو حُبّهعليه‌السلام ، والمخالفة إنّما تتحقق بعد ذكر الأخبار الدالّة على الكرّ مفصّلاً ، فإذا ذكرت الأخبار وعلم اختيار مقدار منها فلا بد من حمل هذا الخبر على وجه لا ينافيها ، ولا ريب أنّ المتعارف من الحُبّ بعيد عن سعة الكرّ ، ولعلّ ذلك الزمان يغاير هذا الزمان.

ولو لا ما يأتي ؛ من دلالة معتبر الأخبار على أنّ مقدار الكرّ أزيد من ذلك ؛ لأمكن الاستدلال بهذا الخبر عند العامل به على أنّ الكرّ ما دون ذلك ، إلاّ أنّ الحقّ كون هذا الخبر لا يخرج عن حيّز الإجمال ، فلا جرم كان ترك القول فيه بغير ما قاله الشيخ أولى.

قولهرحمه‌الله :

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا كان‌

__________________

(١) الاستبصار ٤ : ٢٧.

(٢) انظر العدة ١ : ١٥٤ ، والذكرى ١ : ٤٩.


الماء قدر قُلَّتين لم ينجّسه شي‌ء ، والقُلَّتان جَرَّتان ».

فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسل ، ويحتمل أنّ يكون أيضاً ورد مورد التقية ؛ لأنّه مذهب كثير من العامة ، ويحتمل مع تسليمه أنّ يكون الوجه فيه ما ذكرناه في الخبر المتقدم ، وهو أنّ يكون مقدار القلّتين مقدار الكرّ(١) ؛ لأنّ القلّة هي الجرّة الكبيرة في اللغة ، وعلى هذا لا تَنافيَ بين الأخبار.

السند :

طريق المصنف إلى محمد بن علي بن محبوب : عن الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار ، عن أبيه محمد بن يحيى ، عن محمد بن علي بن محبوب(٢) .

وقد تقدم الكلام في أحمد بن محمد بن يحيى(٣) .

وأما الحسين بن عبيد الله ؛ فقد قال النجاشي : إنّه شيخه(٤) .

وقال العلاّمة : إنه شيخ الطائفة ، سمع الشيخ الطوسي منه ، وأجاز له جميع رواياته(٥) .

وقال الشيخرحمه‌الله في من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام : الحسين بن عبيد الله الغضائري يُكنّى أبا عبد الله ، كثير السماع ، عارف بالرجال ، وله تصانيف ذكرناها في الفهرست ، وسمعنا منه ، وأجاز لنا رواياته(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧ / ٦ زيادة : لأنّ ذلك ليس بمنكر.

(٢) الاستبصار ٤ : ٣٢٤.

(٣) في ص ٢٦.

(٤) رجال النجاشي : ٦٩ / ١٦٦.

(٥) خلاصة العلاّمة : ٥٠ / ١١.

(٦) رجال الطوسي : ٤٧٠ / ٥٢.


ولم نقف في نسخ الفهرست على ذكره.

ولا يخفى جلالة الرجل ، وعدم التوثيق إنّما هو لأنّ عادة المصنّفين عدم توثيق الشيوخ.

وفي الفهرست ما يقتضي عدم الارتياب(١) على تقديره ؛ لأنّه روى جميع كتب محمد بن علي بن محبوب ورواياته بطرق منها ما هو واضح الصحة(٢) .

وأمّا العباس فالظاهر أنّه ابن عامر ، أو ابن معروف ، وهما ثقتان ، واحتمال غيرهما ممّا هو غير موثق لا وجه له ، بل الوالدقدس‌سره كان لا يرتاب في أنّه ابن معروف(٣) .

المتن :

ظاهره على الإجمال ، وقبول البيان غير ممتنع.

أمّا ردّه بالإرسال كما فعل الشيخ أوّلاً ، فقد يقال عليه : إنّ الذي تقدم منه في أوّل الكتاب أنّه يجري على عادته في التهذيب ، وعادته فيه أن الحديث متى أمكن تأويله لا يقدح في إسناده ، وإمكان التأويل هنا فضلاً عن وقوعه أوضح الأشياء.

ثم ما ذكره من الإرسال قد قدمنا فيه القول(٤) .

والحمل على التقية لا ريب أنّه أقرب المحامل ، فإنّ القُلّتين هي المدار عندهم ، فذكرها في أخبارنا أوضح قرينة.

__________________

(١) في « فض » : الإرسال.

(٢) الفهرست : ١٤٥ / ٦١٣.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٣٥.

(٤) راجع ص ٥٩.


قوله رحمه‌الله :

وأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن علي بن حديد ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفر ٧ قال : قلت له : راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة(١) ميتة ، قال : « إذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها ، ولا تتوضّأ منها ، وإنّ كان غير متفسّخ فاشرب منه ، وتوضّأ ، واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية ، وكذلك الجَرّة ، وحُبّ الماء ، والقِرْبة ، وأشباه ذلك من أوعية الماء » قال : وقال أبو جعفرعليه‌السلام : « إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شي‌ء ؛ تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ ؛ إلاّ أنّ يجي‌ء له ريح يغلب على ريح الماء ».

فهذا الخبر يمكن أنّ يحمل قوله : « راوية من ماء » ، إذا كان مقدارها كرّاً ، فإذا كان كذلك لا ينجّسه شي‌ء ممّا يقع فيه ، ويكون قوله : « إذا تفسّخ فيها فلا تشرب ، ولا تتوضّأ » محمولاً على أنّه إذا تغيّر أحد أوصاف الماء ، وكذلك القول في الجَرّة وحُبّ الماء والقِربة.

وليس لأحد أنّ يقول : إنّ الجَرّة والحُبّ والقِربة والراوية لا يسع شي‌ء من ذلك كرّاً من الماء.

لأنّه ليس في الخبر أنّ جَرّة واحدة ذلك حكمها بل ذكرها بالألف واللام ، وذلك يدل على العموم عند كثير من أهل اللغة ، وإذا احتمل ذلك لم يناف ما قدّمناه من الأخبار.

__________________

(١) صعوة هي اسم طائر من صغار العصافير ، أحمر الرأس ، والجمع : صعو وصِعاء كدَلْو ودِلاء مجمع البحرين ١ : ٢٦٢ ( صعا ).


السند :

قد تقدم طريق المصنف إلى محمد بن علي بن محبوب(١) .

وأمّا محمد بن الحسين فهو ابن أبي الخطاب من غير ارتياب(٢) ، وكون الراوي عنه في كتب الرجال الصفار(٣) لا محمد بن علي بن محبوب لا يضرّ بالحال.

وعلي بن حديد قد ضعّفه المصنف هنا فيما يأتي من باب البئر تقع فيه الفأرة(٤) ، وباب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة ، وقال : إنّه ضعيف جدّاً لا يُعوَّل على ما ينفرد به(٥) . وفي الفهرست(٦) وكتاب الرجال لم يصرّح بالتضعيف(٧) ، وكذلك النجاشي(٨) ، وفي الكشي عن نصر بن الصباح : أنّه فطحي(٩) ؛ وعلى كل حال فالحديث ليس بصحيح.

المتن :

لا يخفى أنّ ظاهره كون الراوية أقل من كُرّ ؛ لأنّ قوله ، وقال أبو جعفر : « إذا كان الماء أكثر من راوية » يدل على ذلك ، ولو حملت الراوية على الكرّ كما قاله الشيخرحمه‌الله لم تظهر الفائدة في قولهعليه‌السلام : « فإنّ كان‌

__________________

(١) راجع : ص ٦٣.

(٢) في « رض » : عند من عاصرناه من مشايخنا.

(٣) كما في الفهرست : ١٤٠ / ٥٩٧.

(٤) الاستبصار ١ : ٤٠ / ١١٢ ، ويأتي في ص ٢٨٤.

(٥) الاستبصار ٣ : ٩٥ / ٣٢٥.

(٦) الفهرست : ٨٩ / ٣٧٢.

(٧) رجال الطوسي : ٤٠٣ / ١١ ، و ٣٨٢ / ٤٢.

(٨) رجال النجاشي : ٢٧٤ / ٧١٧.

(٩) رجال الكشي ٢ : ٨٤٠ / ١٠٧٨.


الماء أكثر من راوية ».

وقول الشيخ إنّ قولهعليه‌السلام : « إذا تفسّخ » محمول على أنّه إذا تغيّر أحد أوصاف الماء لا يلائمه ذكر التغيّر في الزائد عن الراوية ، ولعلّ ضرورة الجمع يتسامح فيها بمثل هذا.

وقد يمكن توجيه الزيادة على الراوية بأنّ الراوية إذا كانت كُرّاً فقط فمن المستبعد مع التفسّخ أنّ لا يتغيّر شي‌ء من الماء ، ومع تغيّر شي‌ء منه ينجس جميعه ؛ لأنّ المفروض كونه بمقدار الكرّ ، واحتمال حصول التغيّر مع عدم التفسّخ وإنّ أمكن ؛ إلاّ أنّ بُعده اقتضى عدم ذكره ، والتكلف في هذا الوجه غير خفيّ.

أمّا ما قاله الشيخ بعد ذلك : من أنّ الالف واللام للعموم فبيان عدم تماميته أظهر من أنّ يخفى.

فإنّ قلت : قوله في الرواية : « ميتة » يعود إلى الصعوة فقط ، أو الجميع؟.

قلت : يحتمل الاختصاص بالصعوة ، والفأرة والجرذ وإنّ كانا غير ميّتَين قد حكم بنجاستهما بعض(١) ، ودلّت عليه روايات ؛ إلاّ أنّ الذي يذهب إلى عدم التنجس يحيل(٢) الميتة إلى كل واحد(٣) ، والأمر سهل.

أمّا ذكر الطرية في الخبر فلا يعلم وجهها ، ولو صح الخبر وجب التسليم.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل في احتجاج ابن‌

__________________

(١) انظر المقنعة : ٧٠.

(٢) فض » يحتمل.

(٣) في « رض » زيادة : بنوع من التوجيه.


أبي عقيل على عدم نجاسة القليل ما هذه صورته : وسئل الباقرعليه‌السلام عن القِربة والجَرّة من الماء يسقط فيهما فأرة أو جرذ أو غيره ، فيموتون فيهما ، فقال : « إذا غلبت رائحتُهُ على طعم الماء ، أو لونه فأرقه ، وإنّ لم تغلب عليه فاشرب منه وتوضأ ، واطرح(١) الميتة إذا أخرجتها طرية »(٢) .

وهذه الرواية لم أقف عليها الآن ، ولعلّها المذكورة هنا ، والعلاّمة لخّص المراد منها ، أو ابن أبي عقيل ، ولا يخفى عليك الحال.

وفي الفقيه : فإنّ سقط في راوية ماء فأرة أو جرذ أو صعوةٌ ميتة ، فتفسّخ فيها لم يجز شربه ولا الوضوء منه ، وإنّ كان غير متفسّخ فلا بأس بشربه والوضوء منه ، وتطرح الميتة إذا خرجت طريّة(٣) .

وأنت خبير بما في إيراد الصدوق لما نقلناه من المزيّة والتأييد للرواية المنقولة هنا.

وقد أجاب العلاّمة في المختلف عن الرواية ـ في ضمن احتجاج ابن أبي عقيل ـ : بأنّ الأحاديث بعد سلامة سندها مطلقة ، وما ذكرناه مقيد ، والمطلق يحمل على المقيد جمعاً بين الأدلّة ، ولا منافاة بينهما ، وليس بواجب تأخير المقيد عن المطلق ، ولو تأخّر لم يكن ناسخاً لحكم المطلق ، انتهى(٤) .

وأقول : إنّ العلاّمة أشار بالنسخ إلى ما نقله عن ابن أبي عقيل : من أنّ الأحاديث عامة في القليل والكثير ، والأخبار الدالّة على الكثير مقيدة ،

__________________

(١) في النسخ : واخرج ، والصواب ما أثبتناه من المصدر.

(٢) المختلف ١ : ١٥.

(٣) الفقيه ١ : ١٠ / ١٨.

(٤) المختلف ١ : ١٥.


ولا يجوز أنّ يكونا في وقت واحد ؛ للتنافي ، بل أحدهما سابق والمتأخّر يكون ناسخاً ، والمتأخّر هنا مجهول ، فلا يجوز أنّ يعمل بأحد الخبرين دون الآخر ، ويبقى التعويل على الكتاب الدالّ على طهارة الماء مطلقاً.

وأنت خبير بأنّ النسخ في أخبارنا المروية عن أئمّتناعليهم‌السلام لا مجال لاحتماله فيها ، فذكره غريب لا ينبغي الغفلة عنه ، ومثله في المختلف لا يُحصى كثرةً كما يعلم من مراجعته ، والله الموفّق والمعين.

قولهرحمه‌الله :

وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي بصير ، قال : سألته عن كرّ من ماء مررت به ، وأنا في سفر ، قد بال فيه حمار أو بغل أو إنسان ، قال : « لا تتوضّأ منه ولا تشرب منه ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على أنّه إذا تغيّر أحد أوصاف الماء ، إمّا طعمه أو لونه أو رائحته ، فأمّا مع عدم ذلك فلا بأس باستعماله حسب ما تقدم من الأخبار الأوّلة.

السند :

طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد : عن الشيخ المفيد ، والحسين بن عبيد الله ، وأحمد بن عبدون ؛ كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد ؛ وعن أبي الحسين بن أبي جيد القمي ، عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ؛ قال الشيخ : ورواه أيضاً محمد بن الحسن بن الوليد ،


عن محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد(١) .

فهو صحيح على ما تقدم ، وفيه دلالة على رواية الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن الوليد ، وقد سمعت القول فيه(٢) .

وأحمد بن عبدون المذكور ، قال الشيخ في رجال من لم يروِ عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام : أحمد بن عبدون ، المعروف بابن الحاشر ، يُكنّى أبا عبد الله ، كثير السماع والرواية ، سمعنا منه وأجاز لنا جميع ما رواه(٣) .

وقال النجاشي : أحمد بن عبد الواحد أبو عبد الله شيخنا المعروف بابن عبدون(٤) .

ولا يخفى دلالة الكلام على علوّ شأن الرجل ، وعدم التوثيق مشياً على قاعدة القدماء من أنّهم لا يوثّقون الشيوخ.

والعلاّمة صحح كثيراً من طرق الشيخ في المشيخة وهو فيه(٥) .

وأمّا أبو الحسين بن أبي جيد ، فإنّه من الشيوخ أيضاً.

أمّا عثمان بن عيسى ، فالمعروف بين المتأخّرين عدّ الحديث المشتمل عليه من الموثّق ، مع اتصاف باقي السند بوصفه(٦) .

__________________

(١) مشيخة التهذيب ( التهذيب ) ١٠ : ٦٦ ، الاستبصار ٤ : ٣٢١.

(٢) راجع ص ٤٠.

(٣) رجال الطوسي : ٤٥٠ / ٦٩.

(٤) رجال النجاشي : ٨٧ / ٢١١.

(٥) منها : طريقه إلى محمد بن يعقوب الكليني ، وإلى علي بن إبراهيم بن هاشم ، وإلى حميد بن زياد ، وإلى الحسين بن سعيد ، وإلى محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، رجال العلاّمة : ٢٧٥ ، ٢٧٦.

(٦) انظر التنقيح الرائع ١ : ٢٢١ ، وجامع المقاصد ٣ : ٣٥٥.


أقول : وقد ينظر في ذلك بأنّ توثيقه لم نقف عليه(١) .

وكونه ممّن أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنه إنّما يستفاد من الكشي ، وعبارته هذه صورتها : في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضاعليه‌السلام أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم ، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم ـ : إلى أنّ قال ـ ، وقال بعضهم : مكان الحسن بن علي بن فضال ، فضالة بن أيوب ، وقال بعضهم : مكان فضالة ، عثمان بن عيسى(٢) .

وأنت خبير بأنّ البعض غير معلوم الحال ، وبتقدير العلم بحاله والاعتماد عليه ، فهو من الإجماع المنقول بخبر الواحد ، والاعتماد عليه بتقديره لا يفيد إلاّ الظنّ ، والأخبار الواردة في ذمّه(٣) منها ما هو معتبر ، والظنّ الحاصل منه إنّ لم يكن أقوى ، فهو مساوٍ لغيره ، فلا وجه للترجيح.

فإنّ قلت : قد قدّمت أنّ رواية الرجل الجليل عن شخص قرينة على اعتباره(٤) ، والحسين بن سعيد قد قيل فيه من الثناء ما يقتضي المشاركة لمن ذكر في التوجيه السابق ، وحينئذ فالبعض المذكور في الكشي وإنّ كان مجهولاً ؛ إلاّ أنّ رواية الحسين قرينة على صحة الرواية.

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ الذمّ الوارد في عثمان بن عيسى بلغ النهاية(٥) وعدم العلم بالناقل للإجماع يؤيّد عدم القبول لروايته ، وعدم رواية‌

__________________

(١) عدّه الشيخ في العدّة ١ : ١٥٠ ممّن كان متحرّجاً في روايته موثوقاً في أمانته ، وابن شهرآشوب في المناقب ٤ : ٣٢٥ من ثقات أبي إبراهيم موسى بن جعفرعليه‌السلام ، مضافاً إلى أنّه وقع في سند تفسير القميّ ٢ : ٨٩ ، وكامل الزيارات : ١١.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣١.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٦٠.

(٤) راجع ص ٥١.

(٥) انظر رجال الكشي ٢ : ٨٦٠ ، ورجال النجاشي : ٣٠٠ / ٨١٧.


الأجلاّء عن الضعفاء قد سبق القول في أنّه موجب للتعجب(١) .

وبعد التأمّل التامّ يحتمل أنّ يقال : إنّ رواية الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى ربما كانت قبل قوله بالوقف ، فيترجّح القبول ، كما في روايته عن محمد بن سنان الوارد فيه تمام الذمّ(٢) ، والتوجيه واحد.

ولو نظرنا إلى أنّ الرواية عن مثل هذين من جهة القرائن على الصحة ، أمكن ؛ إلاّ أنّه يستلزم عدم الردّ لرواياته التي يروي فيها الثقة عن الضعيف ، ولا قائل بذلك فيما أعلم ، لكن في الظنّ أنّ التوجيه لا بأس به ، غير أن الإشكال ربما يخفّ فيمن نقل الإجماع على تصحيح ما يصح عنه كما نحن فيه وإنّ كان الناقل غير معلوم.

ومن هنا يعلم أنّ عدم التفات المتأخّرين لتحقيق الحال في المقام لا يخلو من غرابة ، فليتأمّل.

وأمّا أبو بصير ، فالذي يقتضيه الاعتبار أنّه إذا روى عن غير معيّن كما في هذه الرواية فهو مشترك بين ضعيف وموثق [ وإماميّ ثقة(٣) (٤) ] على تقدير بعض نسخ الكشي ؛ إذ في البعض في يوسف بن الحرث أبو نصر بالنون وقد أوضحنا الحال في أبي بصير في فوائد الرجال ، وسيجي‌ء إنّ شاء الله نوع تفصيل(٥) .

أمّا الإضمار في الحديث فبعض الأصحاب أوجب به الضعف(٦) .

__________________

(١) راجع ص ٤٩ ، ٥٠.

(٢) انظر الفهرست : ١٤٣ / ٦٠٩ ، ورجال النجاشي : ٣٢٨ / ٨٨٨.

(٣) انظر هداية المحدثين : ٢٧٢.

(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : وأمّا في نفسه. والظاهر ما أثبتناه.

(٥) يأتي في ، ص ٨٣ ، ١٢٥.

(٦) حكاه عن جمع في منتقى الجمان ١ : ٣٩.


ولا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الإضمار من المتقدمين كثير ، والسبب فيه أنّ العادة فيهم كانت جارية بأن يوردوا اسم الإمام المروي عنه في الأوّل ثم يضمرون بعد ذلك كما هو المتعارف فلما اقتطع المتأخّرون الأخبار أخذوها كما هي ، وبالجملة فأمر هذا سهل.

المتن :

على تقدير صحة الخبر فيه دلالة على نجاسة بول الحمار والبغل.

واحتمال أنّ يكون الترديد من السائل لعدم علمه بما وقع السؤال عنه ، ويكون في الواقع هو الإنسان لا يخلو من بعد ؛ إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع ، وما ذكره الشيخ من تغيّر أحد الأوصاف له وجه.

وقد يقال : إنّه محتمل لأنّ يكون بعضه قد تغيّر ، وظاهر الكرّ أنّه غير زائد عنه ، فينجس حينئذ ، وإنّ لم يتغيّر جميعه.

وبالجملة فالإطلاق في الخبر يحمل على المقيّد.

وإذا عرفت هذا فما ذكره الشيخ من الأوصاف الثلاثة المقتضية للنجاسة هو مذهب أهل العلم كافّة كما قاله جماعة من الأصحاب ـ(١) .

وربما ظنّ من الأخبار ثبوت الريح والطعم فقط ، أمّا اللون فقيل : إنّه لازم(٢) .

وقد يقال : إنّ صحيح حريز بن عبد الله عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب ، فإذا تغيّر الماء‌

__________________

(١) منهم المحقق الحلي في المعتبر ١ : ٤٠ ، والعاملي في مدارك الأحكام ١ : ٢٨.

(٢) كما في الحبل المتين : ١٠٦.


وتغيّر الطعم فلا تتوضّأ منه ولا تشرب »(١) يدلّ على اللون من إطلاق تغيّر الماء.

ويشكل : بأنّ الخبر الآتي(٢) ؛ عن أبي خالد القمّاط الدالّ على أنّه إذا لم يتغيّر الريح والطعم فاشرب منه وتوضّأ ؛ يدلّ على عدم اعتبار اللون ، ولعلّ اللزوم أولى لإثبات الحكم ؛ مضافاً إلى الإجماع.

وذكر الشهيدرحمه‌الله في البيان : أنّ الماء لو اشتمل على صفة تمنع من ظهور التغيّر فيه [ فيكفي التقدير ](٣) (٤) ، كما لو كان متغيّراً بأحمر ( طاهر )(٥) ووقع فيه دم.

والذي ينبغي : القطع بوجوب التقدير أي تقدير خلوّ الماء عن ذلك الوصف لأنّ التغيّر حينئذ على تقدير حصوله تحقيقي ؛ غاية ما هناك أنّه مستور عن الحسّ ، وهذا بخلاف ما تقدم القول فيه عن المحقق الشيخ فخر الدين ووالده(٦) ، فإنّ ذاك فيما لو كانت النجاسة مسلوبة الصفات.

وقد اتّفق للأصحاب المتأخّرين بعد ذكر ما قلناه في المسألتين أنّهم قالوا : هل المعتبر على القول بتقدير المخالفة هو الوصف الأشدّ ، كحدّة الخلّ ، وذكاء المسك ، وسواد الحبر ؛ لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم ، أو الواسطة ، لأنّه الأغلب(٧) ؟

وهذه المخالفة إمّا أنّ تكون في الماء أو في النجاسة ، وكلا الأمرين بالنسبة إلى التمثيل بما ذكر لا يخلو من إجمال.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢١٦ / ٦٢٥ ، الوسائل ١ : ١٣٧ أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ١ ، بتفاوت يسير.

(٢) في ص ٨٤.

(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٤) البيان : ٩٨.

(٥) ليس في « فض ».

(٦) راجع ص ٧٥ ، ٥٨.

(٧) انظر جامع المقاصد ١ : ١١٥ ، معالم الفقه : ١٧.


وفي الذكرى : ينبغي فرض مخالف أشدّ أخذاً بالاحتياط(١) .

ونقل الوالدقدس‌سره عن بعض الأصحاب : أنّه استقرب اعتبار أوصاف الماء وسطاً ؛ نظراً إلى شدّة اختلافها في قبول التغيّر وعدمه ، كالعذوبة والملوحة والرّقّة والغلظة والكدورة. قال الوالدقدس‌سره : وهو محتمل ، حيث لا يكون الماء على الوصف القوي ؛ إذ لا معنى لتقديره حينئذ بما دونه(٢) .

وأنت إذا تأمّلت المقام تجد الإجمال لم يحُمْ حوله البيان.

قوله رحمه‌الله :

والذي يدل على هذا المعنى ما أخبرني به الشيخ رحمه‌الله عن أحمد ابن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن عيسى ، عن ياسين الضرير ، عن حريز بن عبد الله ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه سئل عن الماء النقيع (٣) تبول فيه الدوابّ؟ قال : « إنّ تغيَّر الماء فلا تتوضأ منه ، وإنّ لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه ، وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه ».

السند‌

فيه محمد بن عيسى ، وهو : ابن عبيد بن يقطين ، وقد قال النجاشي : إنّه جليل في أصحابنا(٤) ثقة عين(٥) .

__________________

(١) الذكرى ١ : ٧٦.

(٢) معالم الفقه : ١٧.

(٣) البئر الكثير الماء كتاب العين ١ : ١٧٣ ( نقع ).

(٤) في « رض » و « فض » : أصحابه.

(٥) رجال النجاشي : ٣٣٣ / ٨٩٦.


وقال الشيخ في الفهرست : إنّه ضعيف ، استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر الحكمة ، وقال : لا أروي ما يختص بروايته ، وقيل : إنّه كان يذهب مذهب الغلاة(١) ؛ وكذلك ضعّفه في كتاب الرجال(٢) .

وفي باب أنّه لا يجوز العقد على امرأة عقد عليها الأب من هذا الكتاب بعد ذكر خبر في طريقه محمد بن عيسى عن يونس قال : وهو ضعيف استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه من جملة الرجال الذين روى عنهم صاحب نوادر الحكمة(٣) .

وأظنّ أنّ منشأ توهم الشيخ ضعف محمد بن عيسى هو قول ابن بابويه عن ابن الوليد : إنّ كل ما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه(٤) .

وفي القدح بهذا تأمّل ؛ لاحتمال أنّ يكون ذلك لغير الفسق.

وما قيل(٥) : من احتمال صغر السنّ أو غيره ممّا يوجب الإرسال قد يشكل : بأنه يقتضي الطعن فيه من حيث إنّه تدليس من محمد بن عيسى.

وقد يمكن الجواب : بأنّ أهل الدراية غير متّفقين على المنع من الرواية إجازةً من دون ذكر هذه اللفظة ، وإذا كان كذلك فلا قدح ؛ لاحتمال اختياره جواز ذلك.

وبالجملة فالطعن في الرجل محلّ كلام.

__________________

(١) الفهرست : ١٤٠ / ٦٠١.

(٢) رجال الطوسي : ٤٢٢ / ١٠.

(٣) الاستبصار ٣ : ١٥٥ / ٥٦٨.

(٤) نقله عنه في الفهرست : ١٨٢.

(٥) رجال ابن داود : ٢٧٥.


ويخطر في البال أنّ تضعيف الشيخ لمحمد بن عيسى ربما لا ينافي توثيق النجاشي ؛ لاحتمال أنّ يراد بالضعيف عدم قبول روايته وإنّ كان ثقة ، بناءً على أنّ القبول يفتقر إلى أمر زائد عن التوثيق عند المتقدمين كما يعلم من الشيخ وغيره وحينئذ لا مانع من حكم الشيخ بالضعف وتوثيق غيره.

فإنّ قلت : لو أُريد بالضعف ما ذكر لنبّه عليه النجاشي ؛ إذ لا فرق بين الشيخ والنجاشي في العمل بالقرائن ، والحال أنّ توثيق النجاشي مطلق.

قلت : يحتمل أنّ يكون النجاشي لم يلتفت إلى قول ابن الوليد ، أو لم يثبت عنده منه الضعف ، أو أنّه لا ينافي التوثيق في نفس محمد بن عيسى ، ومقصود النجاشي ذكر التوثيق لذات الرجل ، أمّا قبول رواية الذي وثقه فأمر آخر ؛ وينبّه عليه أنّه يذكر في بعض الرجال أنّه صحيح الحديث(١) ، وفي الظنّ أنّ الغرض من هذا قبول روايته ، فيدلّ على أنّ التوثيق أعمّ من القبول ؛ كما أنّ صحة الحديث أعمّ من التوثيق ، فليتأمّل.

ومن هنا يظهر أنّ إطلاق جدّيقدس‌سره في الدراية : أنّ من ألفاظ الجرح « ضعيف »(٢) محلّ تأمّل.

( فإنّ قلت : أيّ ثمرة لقول الشيخ : إنّ محمد بن عيسى ضعيف ، وقول النجاشي : إنّه ثقة ؛ مع عدم العلم بمجرد الرواية.

قلت : الثمرة الاحتياج إلى زيادة القرائن على قول الشيخ ، وقلّتها على قول النجاشي )(٣) .

__________________

(١) انظر رجال النجاشي : ٤٠ / ٨١ و ٨٢ ، ١٢١ / ٣١٠.

(٢) الدراية : ٧٢.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».


فإنّ قلت : قد ذكر الشيخ في التهذيب في ( باب بيع الثمار )(١) بعد روايات : أنّ الأصل فيها عمار بن موسى ، وقد ضعّفه جماعة من أهل النقل ، وذكروا : أنّ ما ينفرد بنقله لا يعمل به ؛ لأنّه كان فطحياً غير أنّا لا نطعن عليه بهذه الطريقة ؛ لأنّه وإنّ كان كذلك فهو ثقة في النقل لا يطعن عليه فيه(٢) . وهذا الكلام منه يفيد أنّ التضعيف من جهة كون عمار فطحياً ، فيتم ما ذكر في الدراية.

قلت : كلام الشيخ لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ كون الرجل المذكور ثقة لا يقتضي قبول قوله ؛ إذ الشيخ لا يكتفي بقول الثقة وحده ، فقوله ينافي عمله ؛ إلاّ أنّ يقال : إنّ غرضه عدم ردّ النقل من جهة فساد المذهب ، وأمّا العمل فموقوف على القرائن ، وفيه ما لا يخفى ، ( وربما يقال : إنّ غرضه بالثقة قبول القول ، وحينئذ يدل على ما ذكرنا من جهة الضعف )(٣) .

وعلى كل حال دلالة كلامه على انحصار الضعف في فساد المذهب غير واضحة ، فلا مانع من إطلاق الضعف من جهة أُخرى ، فليتأمّل.

هذا كله على تقدير ما ظنّه الشيخ من كلام ابن الوليد في محمد بن عيسى كما سيأتي مضافاً إلى شمول الضعف ، أو ردّ الرواية من محمد على الإطلاق ، وفي الأمرين كلام سنوضحه إنّ شاء الله(٤) .

وما عساه يقال : إنّ الضعف لو أراد به الشيخ ما ذكر لزم عدم الوثوق بالتضعيف والتوثيق في الرجال.

__________________

(١) كذا في النسخ ، وهو سهو ، والصحيح : باب بيع الواحد بالاثنين.

(٢) التهذيب ٧ : ١٠١.

(٣) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٤) في ص ٨٠ ٨٢.


يمكن الجواب عنه بالتأمّل في المقامات ، فإنّها مختلفة ، نعم ربما يقال : إنّ الظاهر من تضعيف الشيخ خلاف ما ذكرناه.

فإنّ قلت : إذا تقرّر أنّ عمل المتقدمين بالأخبار من حيث القرائن ، لا من حيث الصحة الاصطلاحية ، فما وجه استثناء رواية محمد بن عيسى عن يونس ونحوها من استثناء رواية محمد بن أحمد بن يحيى ، عن جماعة منهم محمد بن عيسى؟

قلت : الظاهر أنّ الوجه بيان الاحتياج إلى زيادة القرائن ، فإنّ الاستثناء لمّا كان موجباً للردّ احتاج تصحيح الخبر على رأي المتقدمين إلى قرائن توجب الصحة ، وبدون الاستثناء وإنّ احتيج إلى القرائن إلاّ أنّها أخفّ.

وفي نظري القاصر أنّ في المقام أموراً توجب التعجب ، فالأوّل : أنّ النجاشي قال بعد ما قدّمناه : وذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد ، أنّه قال : ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه ، ورأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ، ويقولون : مَنْ مثلُ أبي جعفر؟(١) .

وأنت خبير بأنّ ما ينفرد به الراوي لا يعمل به ؛ سواء كان محمد بن عيسى أو غيره ، كما هي عادة المتقدمين ، وكلام النجاشي بعد التوثيق حيث نقل ما سمعته يفيد أنّه فهم القدح ، والظاهر أنّه لا يوجب ما نقله القدح ، فلا وجه لذكره إنكار الأصحاب ، بل كان الأولى التنبيه على عدم القدح بما ذكر.

واحتمال أنّ يقال ؛ إنّ كلام النجاشي يشعر بهذا من حيث سياق الكلام ، وكأنّه في مقام التعجب من الأصحاب ؛ له وجه ، لكن الظاهر من‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٣٣ / ٨٩٦.


الكلام خلافه.

الثاني : المنقول عن الصدوق أبي جعفر موافقته لشيخه ابن الوليد في الاستثناء ، وقد صرّح في الفقيه في باب الجمعة في خبر رواه حريز عن زرارة : بأنّه لا يعمل به لتفرّد حريز عن زرارة في روايته(١) ، وقوله في محمد ابن عيسى : لا أروي ما يختص بروايته ـ(٢) موجب لنوع تخصيص بمحمد ابن عيسى ، والجمع بين الأمرين غير واضح ، وقد قدمنا أنّ في الفقيه ما يقتضي خلاف هذا أيضاً ، وأجبنا عنه في الجملة(٣) ، وفي المقام يمكن التوجيه بتكلّف.

الثالث : الذي يقتضيه كلام الشيخ في الفهرست(٤) أنّ ابن بابويه استثناه من رجال نوادر الحكمة ، وكتاب نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى ، واللازم منه استثناؤه من رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه كما هو مذكور في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى وحينئذ لا دخل لروايته عن يونس إلاّ من حيث قول ابن بابويه : ولا أروي ما يختص بروايته ؛ بناءً على أنّه عامّ لا يختص برواية محمد بن أحمد بن يحيى ، والحال أنّ الشيخ في هذا الكتاب في باب أنّه لا يجوز العقد على امرأة عقد عليها الأب قال ـ بعد خبر رواه محمد بن عيسى عن يونس ـ : وهو ضعيف قد استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين من جملة الرجال الذين روى عنهم ( صاحب نوادر الحكمة(٥) .

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧.

(٢) حكاه عنه الشيخ في الفهرست : ١٤١.

(٣) راجع ص ٤٩ ٥٠.

(٤) الفهرست : ١٤٠ / ٦٠١‌

(٥) الاستبصار ٣ : ١٥٥ / ٥٦٨.


وهذا الكلام صريح في أنّ ابن بابويه استثناه من الرجال الذين يروي عنهم )(١) محمد بن أحمد بن يحيى ، لا أنّه لا يروي عنه مطلقاً.

إلاّ أن يقال : إنّه لمّا استثناه فهم منه عدم الرواية عنه مطلقاً.

وفيه نظر واضح ؛ لجواز اختصاص المورد ، وما نقله عنه من قوله : لا أروي ما يختص به غير صريح في العموم ، لجواز خصوص المورد أيضاً.

الرابع : مقتضى كلام النجاشي أنّ ابن بابويه نقل عن ابن الوليد أنّه لا يعتمد على ما يرويه محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه(٢) ، وكلام الشيخ كما ترى في الفهرست(٣) ، وهذا الكتاب(٤) خلاف ذلك ، فينبغي تأمّل ما ذكرناه فإنّه موجب لذلك.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّه سيأتي إن شاء الله الكلام في رواية محمد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي ، ويذكر ما في كلام أبي العباس هناك(٥) ، وهو مؤيّد لما قلناه هنا.

ومن عجيب ما اتفق ممّا يناسب هذا المقام أنّ الشيخ ذكر الأخبار الواردة في أنّ شهر رمضان يلحقه ما يلحق غيره من الشهور في النقصان ، وقال بعد ذكر الروايات الدالة على أنّه لا ينقص : إنّ أصلها واحد(٦) ، والحال أنّ الصدوق ذكر ضدّ ذلك وبالغ فيه غاية المبالغة(٧) ، كما ذكرناه مفصّلاً في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٢) رجال النجاشي : ٣٣٣ / ٨٩٦.

(٣) الفهرست : ١٤٠ / ٦٠١.

(٤) راجع : ص ٨٠.

(٥) يأتي في ٢ : ٩٨.

(٦) الاستبصار ٢ : ٦٩ ، التهذيب ٤ : ١٧٢.

(٧) الفقيه ٢ : ١١١.


معاهد التنبيه على نكت من لا يحضره الفقيه.

والمقصود هنا بيان أنّ الصدوق إذا لم يعمل بالخبر المجرّد عن القرائن ، فكيف يدّعي الشيخ أنّ الأخبار الدالة على مطلوبه ليس لها قرائن توجب العمل ، ولو احتمل عمل الصدوق من دون القرائن ، ينافي ما يصرّح به في الفقيه ، كما قدمناه عنه(١) ، وإنّ وافقه بعض ما قدّمناه ، إلاّ أنّه لا بدّ من الجواب عن الموافق كما علمت ؛ لحصول ما يقرب من العلم بعمل المتقدمين بما ذكر.

واحتمال أنّ يقال : بجواز حصول القرائن للصدوق دون الشيخ ، هو غاية ما يمكن من الجواب ، إلاّ أنّه تكلف ، وعلى كل حال فالمقام في حيّز الإشكال.

وقد يتوجه ما قدّمناه من الاحتمال بالنسبة إلى المتأخّرين فيحتمل العمل بما يرويه محمد بن عيسى عن يونس لأنّهما ثقتان ، والاتصال ظاهراً موجود ، فيصدق عليه تعريف الصحيح لو جمع صفاته من غير هذا الوجه.

والاستثناء المذكور في كلام من ذكر لا يقتضي الضعف ؛ لجواز كون الوجه فيه مختصا بالمتقدّمين الموقوف [ عملهم ](٢) على اقتران الخبر بالقرائن ، غاية الأمر أنّ فيه السؤال السابق : من أنّه لا وجه لاختصاص محمد بن عيسى عن يونس بهذا.

ويمكن أنّ يقال : إنّ الاستثناء إذا خفي وجهه بحيث احتمل عدم ضعف كل من الرجلين لا يقدح في الصحة المعتبرة عند المتأخّرين.

وما عساه يقال : إنّ مرجع الصحة إلى توثيق الرواة من المتقدّمين ،

__________________

(١) راجع ص ٤٩ ٥٠.

(٢) في النسخ : عليهم ، والظاهر ما أثبتناه.


وإذا صرّحوا بالاستثناء يعلم عدم التوثيق في هذه المادّة ، وإنّ وثّق الرجل من جهة أُخرى ، كما يقول أصحاب الرجال : ثقة في الحديث ، فإنّه يقتضي اختصاص التوثيق بالحديث ، وهكذا يقال في محمد بن عيسى عن يونس.

يمكن الجواب عنه : بالفرق بين التصريح بالتوثيق الخاص وبين الإجمال الواقع في محمد بن عيسى ؛ وفي البين كلام بالنسبة إلى الفرق ، إلاّ أنّه قابل للتسديد ، والله تعالى أعلم بالحال.

وأمّا ياسين الضرير فهو مذكور في الرجال مهملا(١) .

وأبو بصير قد تقدّم القول فيه إجمالا من الاشتراك إذا روى عن غير معيّن من الأئمّةعليهم‌السلام بين ثلاثة(٢) ، وفي المقام اشتراكه بين الإمامي الثقة والموثق مع نوع قدح فيه ، وقد عدّ من الموثق في مثل هذه الرواية ، والذي يقتضيه الخبر الآتي من الشيخ في الكتاب : القدح في عقيدته على وجه يقتضي التوقّف في كون خبره موثقا ، وسنبيّنه إنّ شاء الله تعالى(٣) .

المتن :

فيه دلالة على مطلق التغيّر الشامل للأوصاف الثلاثة ، لكن قد علمت حال سنده ، وهكذا القول في دلالته على نجاسة أبوال الدوابّ ، ولا أدري الوجه في عدم تعرض الشيخ لحمل الحديث على أنّ الماء ليس بقليل إلاّ ما تقدّم منه(٤) .

__________________

(١) انظر رجال النجاشي : ٤٥٣ / ١٢٢٧ ، والفهرست : ١٨٣.

(٢) راجع ص ٧٢.

(٣) يأتي في ص ١٢٥.

(٤) راجع ص ٦٩.


وربّما كان في قوله : « وإن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه » دون الشرب إشارة إلى عدم جواز الشرب ، لاشتمال الماء على فضلة لا يجوز شربها. وفيه نوع تأمّل ، إلاّ أنّ البحث مع ضعف الخبر قليل الفائدة.

أمّا قوله : « في الماء وأشباهه » فيحتمل الضمير في أشباهه العود إلى الدم ، ويراد بأشباهه سائر النجاسات ؛ ويحتمل أشباه الماء ، ولا يخفى ما فيه ؛ ويحتمل أشباه الدم من النجاسات ذوات الألوان ، هذا.

ولا ريب أنّ تغيّر الماء وإن كان في ظاهره إطلاق ، إلاّ أنّ المراد تغيّره بالنجاسات ، وقد أزال الارتيابعليه‌السلام بقوله « وإن لم تغيّره أبوالها ».

قوله :

وبهذا الإسناد عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن العباس بن معروف ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي خالد القماط أنّه سمع أبا عبد الله عليه‌السلام يقول في الماء يمرّ به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : « إن كان (١) قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضّأ منه ، وإن لم يتغيّر ريحه وطعمه فأشرب وتوضّأ منه (٢) ».

السند‌

إبراهيم بن عمر اليماني ، ذكر النجاشي : أنّه شيخ من أصحابنا ثقة ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، ذكر ذلك أبو العباس وغيره(٣) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٩ / ١٠ : إن كان الماء.

(٢) ليست في الاستبصار ١ : ٩ / ١٠.

(٣) رجال النجاشي : ٢٠ / ٢٦.


والعلاّمة في الخلاصة نقل عن ابن الغضائري أنّه قال : إنّه ضعيف جدّاً ، ثم قال العلاّمة : والأرجح عندي قبول روايته ، وإنّ حصل بعض الشك بالطعن فيه(١) .

واعترضه جدّيقدس‌سره بأنّ في تعديله نظرا :

أمّا أوّلاً : فلتعارض الجرح والتعديل ، والأوّل مرجَّح.

وأمّا ثانياً : فلأنّ النجاشي نقل توثيقه ( وما معه )(٢) عن أبي العباس وغيره ، وأبو العباس هذا إمّا أحمد بن عقدة ، وهو زيدي المذهب ، أو ابن نوح ، ومع الاشتباه لا يفيد(٣) . انتهى ملخّصا.

وفيه نظر ، أمّا أوّلاً : فلأن كون التوثيق من النجاشي مجرّد النقل غير معلوم ، بل الظاهر خلافه ؛ وأنّ النقل لروايته عن أبي عبد الله وأبي جعفرعليهما‌السلام ، لأنّه أقرب.

وأمّا ثانياً : فلأنّه بتقدير الاحتمال ، فالظاهر من أبي العباس هو ابن نوح عند الإطلاق ، وإذا ثبت التوثيق من النجاشي ، لا عبرة بقول ابن الغضائري ، لأنّه غير معلوم الحال.

( فإن (٤) قلت : ابن الغضائري هو أحمد ، أو الحسين؟.

قلت : الظاهر أنّه أحمد ؛ لأنّ العلاّمة ذكر في ترجمة إسماعيل بن مهران ما هذا لفظه : وقال الشيخ أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله(٥) . والشيخ قال في خطبة الفهرست ما معناه : أنّ جماعة الأصحاب‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٦.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٣) حواشي الشهيد على الخلاصة ( المخطوطة ) : ١.

(٤) من هنا إلى قوله : وإذا عرفت هذا ، في ص ٨٧ ساقط من « فض » و « د ».

(٥) خلاصة العلاّمة : ٨.


لم يتعرض [ أحد ](١) منهم لاستيفاء الرجال ، إلاّ ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله ، فإنّ له كتابين : أحدهما ذكر فيه المصنفات ، والآخر ذكر فيه الأُصول(٢) .

وابن طاوس(٣) قال في كتابه الجامع للرجال من كتب الأصحاب ما صورته : ومن كتاب أبي الحسين بن عبيد الله الغضائري(٤) .

وفي الخلاصة أيضاً في ترجمة عمرو بن ثابت : أنّه ضعيف جدّاً قاله ابن الغضائري. وقال في كتابه الآخر : عمرو بن أبي المقدام ، إلى آخره(٥) .

وهذا يؤيّد ما قاله الشيخ : من أنّ لابن الغضائري كتابين.

ويزيد الحال وضوحاً أنّ الحسين بن عبيد الله لم يذكر النجاشي أنّ له كتاباً في الرجال(٦) .

وذكر العلاّمة في ترجمة أحمد بن الخضيب : أنّ ابن الغضائري قال‌

__________________

(١) أثبتناه من المصدر.

(٢) الفهرست : ١.

(٣) هو السيد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحسني ( الحسيني ) الحلّي ، المتوفى ٦٧٣ ه‍ ، مؤلف : البشرى ، والملاذ ، وغيرهما ، أخو السيد رضي الدين علي ابن موسى بن طاوس ، المتوفى ٦٦٤ ه‍ ، صاحب الإقبال ، وجمال الأسبوع ، وغيرهما.

واسم كتابه : حلّ الإشكال في معرفة الرجال ، كانت نسخته موجودة حتى عصر العلاّمة المجلسي رحمه‌الله ، استخرج منها الشيخ حسن صاحب المعالم كتابه التحرير الطاووسي. انظر رجال ابن داود : ٤٥ / ١٤٠ ، الكنى والألقاب ١ : ٣٢٩ ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة ٣ : ٣٨٥ ، ٧ : ٦٤.

(٤) المنقول من المصدر هكذا : وكتاب أبي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري انظر التحرير الطاووسي : ٥ ، والذريعة إلى تصانيف الشيعة ٣ : ٣٨٦ ، ٧ : ٦٥.

(٥) خلاصة العلاّمة : ٢٤١ / ١٠.

(٦) رجال النجاشي : ٦٩ / ١٦٦.


حدثني أبي أنّ في مذهبه ارتفاعا(١) .

والحسين لم يعهد له أب [ لأنّ يفيد(٢) ] في أمثال هذه المقامات ، وعلى هذا فحكم جدّيقدس‌سره بأنّه الحسين ، لا يخفى ما فيه.

ثم إنّ أحمد لم نقف على ما يقتضي توثيقه ، نعم يستفاد من العلاّمة الاعتماد على قوله في ترجمة صباح بن قيس ، قال في القسم الثاني : إنّه أبو محمد ، كوفي زيدي ، قاله ابن الغضائري ، وقال : حديثه في حديث أصحابنا ضعيف ، وقال النجاشي : إنّه ثقة(٣) .

والظاهر من ذكره في القسم الثاني الاعتماد على قول ابن الغضائري ، فمن اعتمد على توثيق العلاّمة يلزمه توثيق المذكور ، فالعجب من جماعة من مشايخنا حيث توقّفوا في أحمد ، مع الاعتماد على ما ذكرناه من توثيق العلاّمة للرجال.

وإذا عرفت هذا )(٤) فقول جدّيقدس‌سره إنّ الجرح مقدم(٥) ، لا يخفى دفعه ، وتحقيق الحال في الرجال ، وإنّما هذا على سبيل الإجمال.

نعم قد يتوجه على توثيق النجاشي : أنّه إذا رجع إلى أبي العباس أحمد بن نوح ، ففيه نوع كلام ، كما يعرف من ملاحظة ترجمته ، إلاّ أنّ الجواب سهل ، وسيأتي إنّ شاء الله تعالى ذكر ما لا بدّ منه في محلّ آخر(٦) .

وأمّا أبو خالد القماط ، فالذي صرّح به النجاشي : أنّ اسمه يزيد‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٠٤.

(٢) في « رض » : ان بعيد ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٣٠.

(٤) من قوله : فإنّ قلت ، في ص ٨٥ إلى هنا ساقط من « فض » و « د ».

(٥) الدراية : ٧٣.

(٦) يأتي في ص ٢٢٢ ٢٢٣.


ووثّقه(١) ؛ والشيخ قال في كتاب الرجال : خالد بن يزيد يكنّى أبا خالد القماط(٢) ؛ وأظنّه وهماً.

وفي الكشي نوع اضطراب ، وقد يأتي في بعض أسانيد الكشي : أبو خالد صالح القماط(٣) ، والقرائن تخصّص المراد.

المتن :

لا يخفى إطلاقه ، لكنه يقيد بالكثير البالغ كرّاً ، كما تضمنته الأخبار الدالة على ذلك ، وذكر الميتة والجيفة يحتمل المرادفة ، ويحتمل المغايرة معنىً ، والجيفة أعم ، وقد تقدم التنبيه على دلالة الحديث على الوصفين فقط وجوابه(٤) .

قولهرحمه‌الله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال : كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء ويستقى فيه من بئر يستنجي فيه الإنسان من بول أو غائط ، أو يغتسل فيه الجنب ، ما حدّه الذي لا يجوز؟ فكتب : « لا يتوضّأ من مثل هذا إلاّ من ضرورة إليه ».

فهذا الخبر محمول على ضرب من الكراهية ، لأنّه لو لم يكن كذلك لكان لا يخلو ماء الغدير أنّ يكون أقل من الكرّ ، فإنّ كان كذلك‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٥٢ / ١٢٢٣.

(٢) رجال الطوسي : ١٨٩ / ٧١.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣١.

(٤) راجع ص ٧٣ ٧٤.


فإنّه ينجس ، ولا يجوز استعماله على حال ، ويكون الفرض التيمم ؛ أو يكون المراد أكثر من الكرّ فإنّه لا يحمل نجاسة ، ولا يختص حال الاضطرار ، والوجه في هذه الرواية الكراهية ؛ لأنّ مع وجود المياه المتيقّن طهارتها لا ينبغي استعمال هذه المياه ، وإنّما تستعمل عند فقد الماء على كل حال.

السند‌

قد تقدّم الطريق إلى الحسين بن سعيد(١) ، والإضمار قد قدّمنا الوجه في عدم قدحه بالصحة(٢) .

وما اشتهر بين المتأخّرين من أنّ المكاتبة لا يخلو من شي‌ء(٣) محلّ كلام.

أمّا ما يتوهم من أنّ المكتوب معه غير معلوم فدفعه أنّ ظاهر الجواب بقوله : فكتب ، الجزم من محمد بن إسماعيل بذلك.

وما قد يقال ؛ إنّ الجزم ربّما يكون بسبب اعتماده على الرسول ولا يجدي نفعاً لغيره ؛ ففيه : أنّ الظاهر الجزم بكون الكتابة من الإمامعليه‌السلام فهي كسماع لفظهعليه‌السلام ، وقد يختلج شك في المقام ، إلاّ أنّ أمره سهل.

المتن :

لا يخلو من إجمال ، فإنّ ضمير « يستنجي فيه » يحتمل أن يعود إلى‌

__________________

(١) راجع : ص ٦٩.

(٢) راجع : ص ٧٢.

(٣) انظر المعتبر ١ : ٥٦ ، والذكرى ١ : ٨٨.


الغدير ، ويحتمل العود إلى البئر ( بنوع من التوجيه ، إمّا على أنّ البئر ليس بمؤنّث حقيقي ، وسيأتي في البئر ما يؤيّده(١) ، أو بإرادة الماء )(٢) وكأنّ الشيخ رجّح الأوّل كما يظهر من توجيهه ، وربما يوجه الثاني بأنّ مورد السؤال حينئذ يكون عن الماء الذي يستقى من البئر مع اتصافه بما ذكر ، ووجه التنزّه عن ماء الغدير لأنّ فيه ماء البئر الواقع فيه ما ذكر ، ولو عاد إلى الغدير أشكل الحال باغتسال الجنب ، فإنّ اغتساله لا يؤثّر في الغدير إلاّ إذا كان بدنه نجسا ، وبدون ذلك لا يؤثّر إلاّ بتقدير كونه ماءً مستعملاً ، والإشكالات في الماء المستعمل أشد.

أمّا لو رجع إلى البئر ، فالأخبار فيه موجودة بما يقرب معها التنزّه عن الماء.

لكن لا يخفى أنّه يبعّد هذا الوجه أنّ السؤال ليس عن ماء البئر بل عن الغدير ، وذكر السقاية من البئر بالعارض ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

وما قاله الشيخ من الحمل على الكراهة قد لا يوافقه ظاهر السؤال ؛ فإنّ مفاده طلب الحدّ الذي لا يجوز.

ولعلّ الجواب أنّ العبارة لا تنافي الكراهة.

نعم قد يشكل ما قاله الشيخ من أنّ الماء لو كان أقلّ من الكرّ فإنّه ينجس بأنّ الاستنجاء من البول والغائط لا ينجّس الماء ، واغتسال الجنب لا يقتضي نجاسة الماء إلاّ إذا كان بدنه نجسا.

ويجوز حمل الحديث على عدم نجاسة البدن ، غاية الأمر أنّ يصير الماء مستعملا ، والمنع من المستعمل محلّ كلام ، فلو فرض أنّ ماء الغدير‌

__________________

(١) يأتي في ص ٢٤٣.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».


أقلّ من كرّ لا يلزم التنجيس مطلقاً ، ولعلّ سبب الكراهة نفرة النفس واحتمال النجاسة.

أمّا قول الشيخ : أو يكون المراد أكثر من الكرّ ؛ فلا حاجة إلى ذكر الأكثر ، وعلى تقدير كونه كرّاً إذا لم يتغيّر يشكل كراهة الاستعمال ، مع وجود المياه المتيقن طهارتها ؛ لأنّه حكم بمجرد الاحتمال في الرواية ، فليتأمّل.

قوله رحمه‌الله :

٢ ـ باب كمّيّة الكرّ‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن إسماعيل بن جابر قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء ، قال : « ذراعان عمقه ، في ذراع وشبر سعته ».

السند‌

هنا كما ترى ، وفي التهذيب رواه عن الشيخ ، عن أحمد بن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى ، عن أيوب بن نوح(١) . ولا ضير في ذلك ( إلاّ من حيث اشتمال السند على محمد بن يحيى )(٢) (٣) .

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١ / ١١٤. وفيه : عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٣) في « د » زيادة : وما قاله في الفهرست من أنّ طريقه الى محمد بن [ أحمد بن ]


أمّا ما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائده على الكتاب : من أنّه في طريق الرواية أحمد بن محمد بن يحيى العطار ، ولم ينصّ الأصحاب على توثيقه ، ولكن لا يبعد قبول روايته ، وقد روى هذه الرواية في التهذيب عن أحمد ابن محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن محمد بن يحيى ، إلى آخر الاسناد ، وهو صحيح.

ففيه نظر واضح ؛ لأنّ أحمد بن محمد بن الحسن مشارك لأحمد بن محمد بن يحيى في عدم التوثيق ، بل أحمد بن محمد بن يحيى مذكور في رجال الشيخ(١) دون أحمد بن محمد بن الحسن ، وإنّ كان الذكر لا يفيد توثيقا إلاّ أنّه له فائدة ما.

والعلاّمة قد صحّح طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد(٢) ، وأحمد بن محمد بن يحيى فيه ، لكن قد سمعت القول في ذلك(٣) : ( هذا.

وفي نسخة مقابلة بنسخة الأصل بالطريق السابق عن محمد بن أحمد ابن يحيى ، عن محمد بن يحيى ؛ ومحمد بن يحيى هذا هو الضعيف على ما قاله الشيخ في رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه ، والحكم بالصحة على الإطلاق واضح الإشكال ، ولا يبعد أنّ يكون ما هنا فيه تصحيف ، والأصل أحمد بن محمد بن عيسى مع نوع تبديل ، إلاّ أنّ الاعتماد على ما يوجب الجزم بالصحة غير حاصل.

__________________

يحيى في رواية جميع كتبه ورواياته ليس فيه الطريق التي في التهذيب ربما يظنّ منه الوهم في طريق التهذيب ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

(١) رجال الطوسي : ٤٤٩ / ٦٠.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٧٦.

(٣) راجع ص ٣٩.


وبالجملة فالأمر في الاستناد بالنسبة إلى الكتابين غريب ، فتأمّل )(١) .

المتن :

لا يخلو من إجمال من جهة الذراع والشبر في السعة ، لاحتمال أن يراد بالسعة ما يعم الطول والعرض ، أو يراد أحدهما كما في غيره من الأخبار وترك الآخر ، ويفارق غيره من الأخبار ، إذ ( مساواة )(٢) المقدار المذكور قد يدل على أنّ غير المذكور مثله ، بخلاف هذه الرواية فإنّ المقادير مختلفة ، ولم يعلم أنّ أحد البُعدين كالعمق في الذراعين ، أو كالبُعد الآخر في الذراع والشبر.

وشيخناقدس‌سره في المدارك جزم بأنّ معنى الحديث اعتبار الذراع والشبر في كل من البعدين(٣) ، ومراده أنّ كلاًّ من عرضه وطوله ثلاثة ، فيكون المجموع ستة وثلاثون شبراً ، إذ الذراع والنصف ثلاثة.

وفي المعتبر يظهر منه الميل إلى العمل بالرواية(٤) ، والإجمال فيها يوجب نوع إشكال ، مضافا إلى عدم الموافقة للأقوال المنقولة في المسألة كما سيأتي ذكره إنّ شاء الله(٥) .

قوله رحمه‌الله :

وبهذا الإسناد عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٥١.

(٤) المعتبر ١ : ٤٦.

(٥) انظر ص ١٠١ ١٠٢.


محمد ، عن البرقي ، عن عبد الله بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء ، ( قال : « كرّ » قلت : وما الكرّ ) (١) ؟ قال : « ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار ».

السند‌

المشار إليه هو الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، وقد عرفت الحال فيه(٢) .

وأحمد بن محمد هو ابن عيسى ، والبرقي محمد بن خالد ، وقد نصّ الشيخ على توثيقه في كتاب الرجال(٣) ، لكن قال النجاشي : إنّه كان ضعيفاً في الحديث(٤) ، وكان الوالد(٥) قدس‌سره وشيخنا(٦) قدس‌سره يقولان : إنّ هذا لا يقدح فيه نفسه ، لأنّ المراد كونه يروي عن الضعفاء.

ولي في هذا نظر ؛ لأنّ الرواية عن الضعفاء لا يختص بمحمد بن خالد ، وحينئذ لا بدّ لتخصيصه من وجه ، كما لا يخفى.

أمّا ما قاله العلاّمة ـ نقلاً عن ابن الغضائري ـ : من أنّ محمد بن خالد يروي عن الضعفاء كثيراً ويعتمد المراسيل(٧) ؛ فلا أرى وجهاً لذكر اعتماده على المراسيل ، ( لأنّ )(٨) هذه مسألة اجتهادية لا تقدح في حال الرجال.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٢) راجع : ص ٦٣ و ٩١.

(٣) رجال الطوسي : ٣٨٦ / ٤.

(٤) رجال النجاشي : ٣٣٥ / ٨٩٨.

(٥) معالم الفقه : ٩.

(٦) مدارك الأحكام ١ : ٥٠.

(٧) خلاصة العلاّمة : ١٣٩ / ١٤.

(٨) بدل ما بين القوسين في « د » : كما قدمناه من أنّ.


واحتمال أنّ يراد باعتماده على المراسيل أنّه يرسل أو يروى مرسلاً معتقداً صحته ، فهو يرجع إلى التدليس ، على أنّ هذا الاحتمال يوجب الخلل في نقل أصحابنا عنه : أنّه كان يعمل بالمراسيل في مسائل الأُصول ، إذ الظاهر من كلامهم أنّه اجتهد في هذا.

وبالجملة فللكلام مجال واسع في شأن الرجل ، لا سيّما والنجاشي لم يذكر توثيقه ، أمّا كلام ابن الغضائري فلا يعتد به ؛ لعدم العلم بحاله.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشيخ روى هذه الرواية في التهذيب بطريقين : أحدهما كما في هذا الكتاب(١) ، والآخر عن محمد بن خالد ، عن محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر(٢) . والكليني رواها عن البرقي ، عن ابن سنان(٣) ، من غير تعيين ، وهذا يوجب عدم الوثوق بصحة الرواية ، كما نبّه عليه الوالد ، وشيخنا(٤) ٠ بل جزما بأنّ الراوي محمد بن سنان ، وأنّ عبد الله سهو ؛ وفي هذا نوع تأمّل.

وبما قررناه يعلم أنّ ظنّ ردّ الرواية من جهة أُخرى ، فيه ما فيه ، فليتأمّل.

المتن :

قد استدل به الصدوق وجماعة القميّين على ما قيل(٥) : من اكتفائهم ببلوغ الكرّ سبعة وعشرين شبراً ، ووجّهوا ترك البُعد الثالث في الرواية‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١ / ١١٥.

(٢) التهذيب ١ : ٣٧ / ١٠١ ، الوسائل ١ : ١١٨ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ٧.

(٣) الكافي ٣ : ٣ / ٧.

(٤) منتقى الجمان ١ : ٥١ ، مدارك الأحكام ١ : ٥٠.

(٥) المختلف ١ : ٢١.


للاعتماد على العلم بالبعدين الآخرين ، قال الوالدقدس‌سره : وهو تكلّف ظاهر(١) .

وفيه : أنّ هذا متعارف في المحاورات.

وفي المعتبر : إنّ كان معوّل الصدوق على هذا فهي ناقصة عن اعتباره(٢) ، ولا يخفى عليك الحال بعد ما ذكرناه.

قوله رحمه‌الله :

وأخبرني الشيخ ; عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال : « إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله ، ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الأرض فذلك الكرّ من الماء ».

السند‌

فيه عثمان بن عيسى وقد تقدم فيه القول ، وكذلك أبو بصير(٣) .

وما ذكره شيخناقدس‌سره من أنّ رواية ابن مسكان عن أبي بصير يعيّن كونه ليث المرادي ؛ لا يخلو من تأمّل ، لما قاله الوالدقدس‌سره من أنّه اطّلع على رواية فيها ابن مسكان عن أبي بصير يحيى بن القاسم ، وأظنّ أنّي‌

__________________

(١) معالم الفقه : ٩.

(٢) المعتبر ١ : ٤٦.

(٣) راجع ص ٥٠ ، ٥١.


وقفت على ذلك أيضا.

وفي المدارك قال بعد ذكر رواية أبي بصير : إنها مستند القول بالثلاثة ونصف ، وهي ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى(١) ، وهذا بناءً منه على النقل من التهذيب ، فإنّه رواها فيه عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن يحيى(٢) ؛ والوهم من الشيخ في هذا اللفظ ، أو من الكاتب ، وإنما هو أحمد بن محمد ، ولفظ « بن يحيى » سهو ، أو أنّه في الأصل « بن عيسى » فصحف عيسى بيحيى ، وكثيرا ما ترى هذا في التهذيب والاستبصار ، ولا ريب في الوهم ؛ فالحكم من شيخناقدس‌سره بجهالة أحمد بن محمد بن يحيى لا وجه له ، ولو راجع الاستبصار زال الشك.

المتن :

هو دليل المشهور بين المتأخّرين من القول بأنّ الكرّ ما كانت أبعاده الثلاثة كل واحد ثلاثة أشبار ونصف.

وقد وقع الاضطراب في أنّ المتروك من الأبعاد في الرواية ما هو؟ فالذي ظنّه جدّيقدس‌سره أنّ المتروك فيه العمق(٣) .

واعترض عليه بأنّه يستلزم أنّ يكون قوله في عمقه كلاما منقطعا ، بل الأولى حينئذ أنّ يكون المتروك هو العرض(٤) . ولا يخلو من وجاهة.

واحتمال أنّ يكون الثلاثة مذكورة : بأن يعاد الضمير في قوله : في‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٤٩.

(٢) التهذيب ١ : ٤٢ / ١١٦.

(٣) روض الجنان : ١٤٠.

(٤) الحبل المتين : ١٠٨.


مثله ، إلى ما دلّ عليه قولهعليه‌السلام : « ثلاثة أشبار ونصف » أي في مثل ذلك المقدار لا في مثل الماء ، إذ لا محصّل له ، وكذا الضمير في قولهعليه‌السلام : « في عمقه » أي في عمق ذلك المقدار من الأرض.

له وجه أيضاً ، لولا إمكان أنّ يقال : إنّ ثلاثة مجرورة على البدليّة من مثله ، إمّا على أنّ لفظة « في عمقه » صفة ، أو هي حال ، وعلى التقادير لا يفيد ذكر العرض المطلوب إثباته ، اللهُمَّ إلاّ أنّ يكون حالا بتقدير شي‌ء يتم به المطلوب ، أي حال كون مثلها في عمقه ، لا نفسها ، فإنّه لا يوافق المراد إلاّ بتكلّف ، فليتأمّل.

فإنّ قلت : ما وجه الجرّ في « ونصف » في الرواية ، مع أنّه ينبغي النصب ، لعدم صحة المجاورة مع العطف؟

قلت : هكذا في النسخ التي رأيتُها ، والأمر كما ذكرت ، وفي التهذيب « ونصفا »(١) وهو الصواب ، إلاّ أنّ فيه : في مثله ثلاثة أشبار ونصف في نسخة ، ونصفاً في أُخرى ، وكذلك في بعض نسخ الإستبصار(٢) ، والوجه في ذلك يعرف ممّا قدّمناه.

فإنّ قلت : على ما في التهذيب وبعض النسخ للكتاب من نصب نصف الأخيرة ، يجوز أنّ تكون معطوفة بحذف حرف العطف ، وقد جوّزوا ذلك.

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ في الظنّ أنّ جواز ذلك في عطف الجمل لا المفردات ، كقولهم : كيف أصبحت كيف أمسيت؟ ، ويفهم من بعض جواز ذلك في المفردات على ضعف ، ولعلّه إذا صحّ في الجملة كفى‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٢ / ١١٦.

(٢) الاستبصار ١ : ١٠ / ١٤.


في ثبوت الاحتمال ، إلاّ إذا كان الحديث منقولا بالمعنى ، وفي البين كلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الوالدقدس‌سره أراد تأييد الرواية لتصلح للاحتجاج ، بأنّ الأخبار الدالة على اشتراط الكريّة اقتضت كونها شرطا لعدم انفعال الماء بالملاقاة ، فما لم يدل دليل شرعي على حصول الشرط يجب الحكم بالانفعال ، وقد انتفى على الأقل من مضمون الرواية ، والأكثر المنقول عن ابن الجنيد : من اعتبار المائة شبر(١) ؛ لم يثبت ، فتعيّن هذا المقدار(٢) .

وقد تكلمت في ذلك في مواضع بما حاصله : أنّ العمدة عندهقدس‌سره في نجاسة القليل مفهوم الشرط في الخبر الدال على أنّ الماء إذا كان قدر كرٍّ لم ينجّسه شي‌ء ، وحينئذ يقال عليه : كما ذكره من أنّ الحكم بالتنجيس موقوف على انتفاء الكرّيّة ، وفيما دون القدر المدلول عليه في الخبر المبحوث عنه لم يعلم الشرط ، فكيف يحكم بالتنجيس؟.

اللهُمَّ إلاّ أنّ يقال : بالفرق بين شرط التنجيس وشرط الطهارة ، ففي الأول الشرط عدم العلم بالكرّيّة ، وشرط الطهارة العلم بالكرّيّة ، وفي المقام بحث طويل ليس هذا محلّه.

ولا يخفى عليك أنّ الأخبار السابقة المتضمنة لأنّ الكرّ نحو الحبّ وأكثر من راوية مؤيدة لقول القميّين ، وأمّا قول ابن الجنيد فسيأتي الكلام فيه إنّ شاء الله.

قولهرحمه‌الله :

فأما ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ،

__________________

(١) نقله عنه في المختلف ١ : ٢١.

(٢) معالم الدين : ٩ ، ١٠.


عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الكرّ من الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء ألف ومائتا رطل ».

فلا ينافي هذا الخبر ما تقدّم من الأخبار ، لأنّا كنّا ذكرنا في كتاب تهذيب الأحكام(١) أنّ العمل على هذا الخبر على ما نصره الشيخرحمه‌الله وحملنا ما ورد من التحديد بالأشبار على أن يكون مطابقا لذلك ، بأن يكون مقدارها المقدار الذي يطابقها ، فكأنّه جعل لنا طريقان ، أحدهما : أن نعتبر الأرطال إذا كان لنا طريق إليه ، وإذا لم يكن إلى ذلك طريق : اعتبرنا الأشبار لأنّ ذلك لا يتعذّر على حال من الأحوال.

وكأن الشيخرحمه‌الله اختار في الأرطال أن تكون بالبغدادي ، وغيره من أصحابنا اعتبر أن تكون بالمدني (٢) ، وليس ها هنا خبر يتضمن ذكر الأرطال غير هذا الخبر ، وهو مع ذلك أيضا مرسل وإن تكرّر في الكتب ، والأصل فيه ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، والقول باعتبار الأرطال البغدادية أقرب إلى الصواب ؛ لأنّها تقارب المقدار الذي اعتبرناه في الأشبار ، وإذا اعتبرنا المدني بَعُدَ التقارب بينهما ، فالعمل بذلك أولى لما قدّمناه .

السند‌

طريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى متعدد ، فمنه الحسين بن عبيد الله ( عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه محمد بن يحيى ، عن‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١ / ١١٣.

(٢) كالصدوق في الفقيه ١ : ٦.


محمد بن أحمد بن يحيى(١) .

والإرسال الواقع عن محمّد )(٢) بن أبي عمير ، قيل(٣) إنه مقبول ، لأنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة ، وصرّح به العلاّمة في النهاية(٤) .

وفيه كلام من حيث إنه لو سلّم أنّه لا يرسل إلاّ عن ثقة لا يكون حجّة على غيره ؛ لجواز أنّ يكون المرسل عنه ثقة عنده على حسب ما أدّاه إليه ظنّه ، فلا يكفي المتعبّد بظنّ نفسه ؛ لجواز كون الغير لو علم ذاك المرسل عنه يظهر له ما يخالف ذلك بعد تفحّصه عن الجرح والتعديل ، كما قرّر في الأُصول ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إنّ شاء الله تعالى(٥) .

وأنت خبير بأنّ كلام الشيخ الآتي ينافي كون مراسيل ابن أبي عمير ( مقبولة مطلقا ، فدعوى العلاّمة لا بد لها من مستند يصلح للاعتماد ، مع تحقق الخلاف في مراسيل ابن أبي عمير والسبر(٦) من العلاّمة لا يكفي غيره )(٧) .

وما ذكرناه سابقا من جهة الإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير لا ينبغي الغفلة عنه ، ( فإنّ كلام الشيخ هنا من أكبر المؤيدات لما قلناه )(٨) .

__________________

(١) الاستبصار ٤ : ٣٢٤ ، مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٧٢.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٣) انظر العدة ١ : ١٥٤.

(٤) نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، مخطوط.

(٥) يأتي في ص ٢٠٨.

(٦) في « فض » : في السرّ ، وفي « د » : والسير ، والظاهر ما أثبتناه.

(٧) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٨) ما بين القوسين ليس في « د ».


فإنّ قلت : ظاهر كلام النجاشي الاتفاق على قبول مراسيل ابن أبي عمير(١) فلعله مستند العلاّمة وغيره(٢) .

قلت : كلام النجاشي لا يدل على ذلك ، لأنّه قال : قيل : إنّ أُخته دفنت كتبه في حال استتارها وكونه في الحبس أربع سنين ، فهلكت الكتب ، وقيل : بل تركها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت ، فحدّث من حفظه وممّا كان سلف له في أيدي الناس ، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله.

وغير خفيّ أنّ إرادة قبول المراسيل من هذا الكلام لا وجه لها ، لأنّ ذهاب الكتب لا يقتضي قبول المراسيل.

بل الذي يظهر لي أنّ الغرض من السكون إلى مراسيله عدم القدح فيه بسبب عدم الضبط ، حيث إنّ كثرة الإرسال قد يظنّ منها ذلك ، ومثل هذا لو قصد به قبول المراسيل يعدّ من قبيل اللغو ، فكيف يصدر من مثل النجاشي؟.

فإنّ قلت : النجاشي إنّما ذكره بلفظ « قيل » فلا يضرّ بحاله.

قلت : إذا كان الأمر كذلك زالت الدلالة من كلامه ، ولا يبعد أنّ يكون النجاشي نقل القول لما ذكرناه ، فليتأمّل‌

المتن :

يدل في الجملة على كمّيّة الكرّ بالوزن ، وقد ادّعي الاتفاق على أنّ الكميّة ألف ومائتا رطل(٣) ، وإنّما الخلاف في المراد من الرطل هو العراقي‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٢٦ / ٨٨٧.

(٢) الشهيد في الذكرى ١ : ٤٩ ، والمحقق البهائي في الزبدة : ٦٣.

(٣) معالم الفقه : ٧.


أو المدني ، قيل : والرطل العراقي مائة وثلاثون درهما ، والمدني مائة وخمسة وتسعون ، فيكون العراقي ثلثي المدني(١) .

وحجة القائلين بالعراقي(٢) : أنّ حمل الخبر على ذلك يوجب تقارب المساحة والوزن ، فهو أولى ، وأُيّد برواية ابن مسلم الصحيحة الآتية(٣) كما ذكره الشيخ ، وبأنّ الأصل طهارة الماء ، خرج ما نقص عن العراقية بالإجماع فيبقى ما عداه.

واحتجّ القائلون بالمدنية(٤) : بأنّها مقتضى الاحتياط ، لأنّ الحمل على الأكثر يدخل فيه الأقل ، وبأنّهعليه‌السلام كان من أهل المدينة ، فالظاهر أنّه يجيب بما هو المعهود عنده.

وعورض الاحتجاج بالوجه الأوّل : بأنّ المكلف مع تمكّنه من الطهارة المائية لا يشرع له العدول إلى الترابية ، ولا يحكم بنجاسة الماء إلاّ بدليل شرعي ، فإذا لم يتمّ على النجاسة فيما نحن فيه دليل كان الاحتياط في استعمال الماء لا في تركه.

وأمّا الوجه الثاني : فبأنّ المهمّ في نظر الحكيم رعاية ما يفهم السائل(٥) ، وسيأتي إنّ شاء الله بيان الحال في الاستدلال عند ذكر الشيخ له(٦) .

__________________

(١) كما في معالم الفقه : ٧.

(٢) منهم المفيد في المقنعة : ٤٢ ، والشيخ في المبسوط ١ : ٦ ، والمحقق في المعتبر ١ : ٤٧ ، والعلاّمة في المختلف ١ : ٢٣.

(٣) في ص ١٠٣.

(٤) منهم الصدوق في الفقيه ١ : ٦ ، والسيد في الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ١٧٩ ، واستدل لهم العلاّمة في المختلف ١ : ٢٣.

(٥) كما في الحبل المتين : ١٠٧.

(٦) راجع ص ١٠٦ ١٠٧.


وإذا عرفته مجملاً فما قاله الشيخرحمه‌الله في أوّل الأمر يقتضي ما ذكرناه في النقل عن البعض ، من مقاربة المساحة والوزن ، إلاّ أنّ قوله : فكأنّه جعل لنا طريقان ، إلى آخره ، قد يقال : إنّه لا يوافق ذلك ، من حيث إنّ المساحة إذا قاربت الوزن فكل منهما كاف ، والحال أنّه قرر ما يقتضي أنّ العدول إلى الأشبار ، إذا لم يكن لنا طريق إلى المساحة.

ولا يبعد أن يكون غرض الشيخرحمه‌الله بيان أنّ الكميّة وإن تقاربت ، إلاّ أنّ الوزن أضبط ، فلا يعدل عنه إلاّ مع تعذّره ، على أن يكون التوجيه منه ، لا من الخبرين الدّال أحدهما على الوزن والآخر على المساحة ، إذ لا يخرجان عن إفادة التخيير.

لكن لا يخفى أنّ الشيخ مطالب بالدليل.

ثم قوله : وكأنّ الشيخ اختار ، إلى آخره ؛ لا يخلو من القصور في التعبير ، لأنّ الشيخ صرّح في المقنعة بالعراقي(١) ، وإنّما مراد الشيخ هنا الإشارة إلى وجه اختياره العراقي على المدني ، مع كون الخبر بالوصف الذي ذكره ، والوجه هو المقاربة.

ولقائل أن يقول : إنّ المقاربة بالأشبار إن كان المراد بها الثلاثة والنصف ، فالروايات المذكورة غير مختصّة بذلك ، وإن كان مطلق الأشبار فالمقاربة غير حاصلة ، فتخصيص المقاربة ببعض الروايات غير ظاهر الوجه.

ولعلّ المراد أنّ اعتبار المدني يبعد عن جميع الأخبار ، بخلاف العراقي فإنّه يقرب إليها ، ويبقى ترجيح أحد الروايات يحتاج إلى مرجّحٍ ،

__________________

(١) المقنعة : ٤٢.


ولا يخفى عليك الحال.

قولهرحمه‌الله :

ويقوي هذا الاعتبار أيضاً : ما رواه ابن أبي عمير قال : روي لي عن عبد الله يعني ابن المغيرة يرفعه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام : « أنّ الكرّ ستمائة رطل ».

وروى هذا الخبر محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبي أيوب ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : الغدير فيه ماء مجتمع ، تبول فيه الدوابّ ، وتلغ فيه الكلاب ، ويغتسل فيه الجنب ، قال : « إذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء ، والكرّ ستمائة رطل ».

السند‌

أمّا الأوّل : فطريق الشيخ إلى ابن أبي عمير ، عن الشيخ المفيد ، والحسين بن عبيد الله ، جميعاً عن جعفر بن محمد بن قولويه ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد العلوي الموسوي ، عن عبيد الله بن أحمد بن نهيك ، عن ابن أبي عمير(١) .

وفي هذا الطريق جعفر بن محمد العلوي ، وهو غير موصوف بالثقة ، نعم في النجاشي هو موصوف بالصالح في ترجمة محمد بن أبي عمير(٢) ، والوصف لا يفيد المطلوب كما لا يخفى.

__________________

(١) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٧٩.

(٢) رجال النجاشي : ٣٢٧ / ٨٨٧.


ثمّ الحديث أيضاً مرسل ومرفوع ، واشتمال السند على ابن أبي عمير ، وابن المغيرة المجمع على تصحيح ما يصح عنهما نفعه(١) موقوف على تقدير تسليم إرادة ما سبق فيه القول(٢) على الصحة إليهما ، كما هو واضح.

وأمّا الثاني : فالطريق إلى محمد بن علي بن محبوب ، عن الحسين ابن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار ، عن أبيه محمد بن يحيى ، عن محمد بن علي بن محبوب ، وقد علمت القول فيه(٣) ، وسلامة طريق الفهرست(٤) من الارتياب مضى القول فيها وفي العبّاس أيضاً(٥) ، والحديث مجزوم بصحته(٦) .

المتن :

لا يتمّ الكلام فيه إلاّ بذكر ما قرّره الشيخرحمه‌الله .

قوله : ووجه الترجيح بهذا الخبر في اعتبار الأرطال العراقية ، أن يكون المراد به رطل مكة ، لأنّه رطلان ، ولا يمتنع أن يكونواعليهم‌السلام أفتوا السائل على عادة بلده ، لأنّه لا يجوز أن يكون المراد به أرطال أهل العراق ، ولا أرطال أهل المدينة ، لأنّ ذلك لم يعتبره أحد من أصحابنا ، فهو متروك بالإجماع.

فأمّا ترجيح معتبر أرطال المدينة بأن قال : ذلك يقتضيه الاحتياط ، لأنّا‌

__________________

(١) ليست في « فض » و « د ».

(٢) راجع : ص ٩٥ ١٠١.

(٣) راجع : ص ٦٦ ، ٦٣ ٦٤.

(٤) الفهرست : ١٤٥ / ٦١٣.

(٥) راجع ص ٦٤.

(٦) في « رض » زيادة : عند البعض.


إذا حملناه على الأكثر دخل الأقل فيه ؛ غير صحيح ؛ لأنّ لقائل أنّ يقول : إنّ ذلك ضدّ الاحتياط ، لأنّه مأخوذ على الإنسان أنّ لا يؤدّي الصلاة إلاّ بأن يتوضّأ بالماء مع وجوده ، ولا يحكم بنجاسة ماء موجود إلاّ بدليل شرعي ، ولا خلاف بين أصحابنا أنّ الماء إذا نقص عن المقدار الذي ذكرناه فإنّه ينجس بما يقع فيه(١) .

وأمّا ما رجّح به من عادتهم من حيث كانوا من المدينةعليهم‌السلام ؛ فليس في ذلك ترجيح ؛ لأنّهم كانوا يفتون بالمتعارف من عادة السائل وعرفه ، ولأجل ذلك اعتبرنا في أرطال الصاع تسعة أرطال بالعراقي وذلك خلاف عادتهم ، وكذلك الخبر الذي تكلّمنا عليه من اعتبارهم بستمائة رطل إنّما ذلك اعتباراً لعادة أهل مكة ، فهمعليهم‌السلام كانوا يعتبرون عادة سائر البلاد حسب ما يسألون عنه.

أقول : قد عرفت ممّا قدّمناه محصّل الحجّة ومعارضها ، والشيخرحمه‌الله قد أطال المقال في التوجيه بما يرجع حاصله :

أولاً : أنّ محمد بن مسلم طائفي ، وهو داخل في أهل مكة بالقرب ، فإذا أفتوه على عادة بلده كانت الأرطال في الرواية مكّيّة ؛ ووجه ذلك أنّه لو أُريد أرطال العراق أو أرطال المدينة خالف الإجماع ، أمّا أرطال العراق فظاهره عدم القائل بها ، وأمّا أرطال المدينة فلأنها تبلغ تسعمائة بالعراقي ، ولا قائل به أيضا.

وأمّا ثانيا : فلأنّ معتبر أرطال المدينة ( فيما دل على الألف ومائتي‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٢ زيادة : وليس ههُنا دلالة على أنّه إذا زاد على ما اعتبرناه فإنّه ينجس بما يقع فيه.


رطل )(١) قد استدل عليه بما لا يتمّ ، وهو أنّه مقتضي الاحتياط.

واعترض عليه : بأنّ هذا ضدّ الاحتياط ؛ لأنّ العدول إلى التيمم بتقدير أنّ لا يوجد غير هذا الماء ، وقد أصابته نجاسة ، وهو ألف ومائتا رطل بالعراقي يحتاج إلى دليل ، ولمّا كان الإجماع منعقداً على نجاسة ما دون هذا المقدار من العراقي تحقق الدليل ، والذي هو بالغ هذا المقدار لا إجماع عليه ، فيجب استعماله في الوضوء(٢) .

وأمّا ثالثاً : فما قاله مرجِّح المدني : من أنّه ينبغي الجواب على عادتهم وهم من أهل المدينة ، فيه : أنّهم كانوا يفتون بعادة السائل كما يعلم من المواضع التي وافق عليها المستدل في مثل الصاع ، وقوله : وكذلك الخبر ؛ ليس من مواضع الاستدلال ، بل بيان حاصل المطلوب إثباته ، فلا يتوجه عليه ما هو ظاهر.

نعم قد يقال عليه : أوّلاً : إنّ الستمائة إذا اعتبرت بالمدنية قاربت بعض الروايات الدالة على المساحة ، والعامل بتلك الروايات لو حمل هذه على المدنية لا بعد فيه ، والمقاربة لا يشترط فيها المساواة من كل وجه.

وثانياً : ما ذكره من أنّه مأخوذ على الإنسان ، إلى آخره ، فيه : أنّه مشروط على الإنسان أنّ لا يستعمل إلاّ الماء الطاهر ، وقد شُرِط عليه أنّ يعلم بالكرّيّة ، وبالأقل لا إجماع على الكرّيّة بخلاف الأكثر.

وثالثاً : ( إنّ مجرد موافقة عادة السائل محض الدعوى ، بل الأولى أن يوجّه بما قيل : من )(٣) أنّ المناسب هو عادة السائل ، لاحتياجه على تقدير‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٢) راجع ص ١٠٥.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».


عادة المسئول إلى زيادة السؤال ، وهو تكليف ، والأصل خلافه.

وكون الصاع بالعراقي إنّ ثبت الإجماع عليه أو غيره من الأدلّة فهو الحجة ، وإلاّ فهو من محلّ النزاع ، فليتأمّل.

قوله :

باب حكم الماء الكثير إذا تغيّر أحد أوصافه

إمّا اللون ، أو الطعم ، أو الرائحة.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يمرّ بالماء وفيه دابّة ميتة قد أنتنت ، قال : « إذا كان النتن الغالب على الماء فلا يُتوضّأ ولا يُشرب ».

السند‌

قد تقدم القول في رجاله الذين فيهم الارتياب(١) .

وأمّا سماعة : فهو ثقة ثقة على ما ذكره النجاشي(٢) ، لكن الشيخ في كتاب الرجال ذكره في رجال الكاظمعليه‌السلام ، وقال : إنّه واقفي(٣) ، وعليه اعتمد المتأخّرون(٤) بناءً على أنّه لا منافاة بين التوثيق وكونه واقفيا ، إذ من المقرّر‌

__________________

(١) راجع ص ٣٩ ، ٤١ ٤٣.

(٢) رجال النجاشي : ١٩٣ / ٥١٧.

(٣) رجال الطوسي : ٣٥١ / ٤.

(٤) رجال ابن داود : ٢٤٢ ، خلاصة العلاّمة : ٢٢٨ ، المدارك ٢ : ١٧٤.


أنّ الجرح والتعديل إذا أمكن الجمع بينهما لا يحتاج إلى الترجيح.

وفي هذا بحث : من حيث إنّ النجاشي قد عُلم من طريقته عدم الاقتصار على توثيق من هو واقفي أو فطحي ونحوهما ، ليقال : إنّه ترك ذكر الوقف في سماعه لذلك ، بل الظاهر أنّه لم يثبت عنده ذلك ، وحينئذ يتعارض الجرح والتعديل ، والنجاشي يقدّم على الشيخ في هذه المقامات ، كما يعلم بالممارسة ، وقد رأيت بعد ما ذكرته كلاماً لمولانا أحمد الأردبيلي قدّس الله روحه يدلّ على ذلك ، واعتمد على نفي الوقف(١) ، ونحوه عن جماعة ، والحق أحقّ أنّ يتّبع.

إلاّ أنّي وجدت الآن في الفقيه التصريح بأنّ سماعة واقفي في موضعين من كتاب الصوم(٢) ، فيترجّح قول الشيخ.

فإنّ قلت : كيف يخفى على النجاشي قول الصدوق في الفقيه مع تكرّره فيه ، وهل هذا يوجب نوع ارتياب في عدم ذكر النجاشي الوقف في سماعه ( وغير الوقف في غير سماعة؟ )(٣) والحال أنّك وجّهت الاعتماد على قول النجاشي في جماعة من الرواة ، حيث لم يذكر فساد المذهب.

قلت : لا يبعد أنّ يكون النجاشي لم يرجّح الوقف في سماعه وإن ذكره الصدوق مكرّراً ، لوجود معارض لقول الصدوق يوجب ذلك(٤) .

فإنّ قلت : ما وجه ردّ الصدوق الروايات الواردة عن سماعة بأنّه واقفي ، والحال أنّ عمله ليس من جهة الصحة الاصطلاحية ، ليحتاج إلى أن‌

__________________

(١) لم نعثر على نصّ يفي بذلك ، غير أنّه قال في مجمع الفائدة ( ٥ : ٩٣ ) : ولصحيحة أبي بصير وسماعة. لكنّه صرّح بكونه واقفياً في مواضع ، منها في ج ١ : ١٥٧ و ٣ : ٦٨ و ١١٥.

(٢) الفقيه ٢ : ٧٥ ، ٨٨.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».

(٤) في « رض » زيادة : والحكم بالترجيح مباحاً لاحتمالٍ ما ، وإن كان في البين كلام.


يقول : إنّه واقفي.

قلت : لا يبعد أنّ يكون غرضه بذكر الوقف ليس لبيان أنّ الردّ بسببه خاصة ، فلو انتفى عمل بالرواية ، بل لأنّ هذا الوجه من الضعف أظهر من غيره ، وحينئذ فيه دلالة على أنّ من اتصف بفساد المذهب وإنّ كان ثقة لا يعمل بقوله ( عند الجميع ، كما قد توهمه عبارة البعض )(١) .

فإنّ قلت : من أين ( ثبوت التوثيق عند الصدوق ليقال : )(٢) إنّه غير عامل بقول سماعة مع كونه ثقة؟

قلت : من المستبعد أنّ يكون موثّقا في النجاشي مرّتين ، ولم يكن موثّقا عند الصدوق أصلا.

ولئن قيل : إنّه لا مانع من ذلك فإنّ الشيخ لم يوثّقه والنجاشي قريب من الشيخ ، فالبعيد عنه كالصدوق أولى.

أمكن أنّ يجاب بالفرق بين المراتب.

فإنّ قلت : قد ردّ الصدوق رواية سماعة مع زرعة بالوقف فيهما ، والحال أنّ الشيخ في زرعة ذكر في الطريق إليه محمد بن علي بن بابويه(٣) ، فكيف يروي عنه الصدوق وقد ردّ روايته في الفقيه؟(٤) .

قلت : الرواية عن الشخص لا دخل لها بالعمل.

نعم قد يشكل الحال بأنّ الصدوق روى عن سماعة في الفقيه بكثرة ، وكذا عن زرعة عن سماعة ، مع أنّه عامل بما رواه ، فردّ البعض بوقف‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) الفهرست : ٧٥ / ٣٠٣.

(٤) الفقيه ٢ : ٧٥.


سماعة دون البعض قد يوجب الارتياب.

إلاّ أنّ الحق دفعه : بأنّه غير عامل بالخبر من حيث الراوي ، بل من القرائن.

وما عساه يقال : إنّ ردّ الرواية بالوقف حينئذ لا وجه له ؛ جوابه ما قدّمناه ، فليتأمّل هذا كله.

وما قد يتوهّم : من الاشتراك في سماعه بين سماعة بن عبد الرحمن الذي ذكره الشيخ في رجال الصادقعليه‌السلام وسماعة الحناط كذلك ، مع كونهما غير موثّقين(١) .

يدفعه : أنّ النجاشي قال في سماعة بن مهران : له كتاب يرويه عنه عثمان بن عيسى(٢) .

وهذا وإنّ لم يفد حكما بالنظر إلى ضعف الرواية فيما أظنّ بعثمان بن عيسى ، إلاّ أنّه لا يخلو من فائدة.

المتن :

وإن كان الماء فيه غير مقيّد بالكثير ، ليشكل الحال فيه بأن المفهوم منه أنّ النتن إذا لم يكن الغالب على الماء يتوضّأ منه ويشرب ، إلاّ أنّ غيره من الأخبار يقيّده ، وقد تقدم ما فيه كفاية.

قوله رحمه‌الله :

وأخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢١٤ / ١٩٧.

(٢) رجال النجاشي : ١٩٣ / ٥١٧.


قولويه ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ منه واشرب ، فإذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا تتوضّأ منه ولا تشرب ».

السند‌

ليس في ظاهره ارتياب إلاّ في محمد بن قولويه ، فإنّي لم أقف على بيان حاله من سوى النجاشي(١) والعلاّمة تبعاً له ، ( فإنّه قال في الخلاصة )(٢) إنّه من خيار أصحاب سعد(٣) ، والشيخ في رجال من لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام قال : محمد بن قولويه الجمال والد أبي القاسم جعفر بن محمد يروي عن سعد بن عبد الله وغيره(٤) .

والوالدقدس‌سره وصفه بالصحة(٥) ، وكذلك شيخنا(٦) قدس‌سره وكأنهما استفادا التوثيق من عبارة النجاشي والخلاصة ، والأمر كما ترى.

وفي كتاب ابن طاوس في الرجال ذكر بعد طريق فيه محمد بن قولويه : ما يقتضي أنّه ثقة(٧) ؛ وحينئذ ربما كان اعتماد الوالدقدس‌سره على‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢٣ / ٣١٨.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « د ».

(٣) خلاصة العلاّمة : ١٦٤ / ١٨١.

(٤) رجال الطوسي : ٤٩٤ / ٢٢.

(٥) منتقى الجمان ١ : ٢.

(٦) مدارك الاحكام ١ : ٢٨.

(٧) التحرير الطاووسي : ١٣٤.


ذلك ؛ وفيه ما فيه.

فإنّ قلت : النجاشي في أيّ محل ذكر ما حكيته؟.

قلت : في ترجمة جعفر بن محمد بن قولويه ، لأنّه قال : جعفر بن محمد بن قولويه يكنّى أبا القاسم ، وكان أبوه يلقب مسلمة ، من خيار أصحاب سعد ، وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلاّئهم. إلى آخره(١) .

وفي الظنّ أنّ قوله في شأن أبي القاسم : إنّه من الثقات ، مع اقتصاره في أبيه على كونه من خيار أصحاب سعد ، قرينة على عدم استفادة توثيق محمد بن قولويه ، إذ لو كان مشاركا لأبيه في التوثيق لذكر أنّهما من الثقات ، فليتأمّل.

( فإنّ قلت : مع قطع النظر عمّا ذكر هل يستفاد من قوله : إنّه من خيار أصحاب سعد ، التوثيق أم لا؟

قلت : قد صرّح جدّيقدس‌سره في الدراية بعد أنّ نقل عن أهل الفنّ أنّهم اصطلحوا على أنّ ألفاظ التعديل : عدل ، أو ثقة ، أو حجة ، أو صحيح الحديث ، أو ما أدّى معنى ذلك ، أو متقن ، أو ثبت ، أو حافظ ، أو يحتجّ بحديثه ، إلى أنّ قال ـ : أو خيّر ، أو فاضل ، ثم قال ـ : والأربعة الأُول متّفق عليها ، والأقوى في البواقي العدم ، وإن أفاد المدح(٢) . انتهى كلامهقدس‌سره .

وقد يقال : إنّه إنّ أراد بالتعديل ثبوت العدالة فقط من دون نظر إلى القبول ؛ ففيه : أنّ صحيح الحديث عند المتقدّمين لا يدل على العدالة ، كما هو واضح.

وإنّ أُريد العدالة مع القبول ؛ ففيه مع ذكر التصريح باشتراط الضبط‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢٣ / ٣١٨.

(٢) الدراية : ٧٥.


في العدل المعبّر عنه بالثقة ، لاشتقاقه من الوثوق ، ولا وثوق لمن يساوي سهوه وذكره ، أو غلب سهوه على ذكره )(١) .

ثم إنّ في الحديث ارتيابا من جهة أُخرى ، وهو أنّ الكلينيرحمه‌الله رواه عن حريز عمّن أخبره(٢) ، وقد اطّلع على ذلك شيخناقدس‌سره فذكره في حواشي الكتاب ، وفي المدارك جزم بالصحة(٣) .

ولا يخلو من إشكال ؛ إذ من المستبعد أنّ يكون حريز روى تارة بواسطة وأُخرى بغيرها ، فيحتمل أنّ يكون الكليني روى أحدهما ، والشيخ روى غيرها.

المتن :

قد تقدم فيه القول(٤) ، وبه يندفع ما قاله البعض : من أن الأخبار ليس فيها دلالة على أنّ تغيّر اللون ينجّس الماء(٥) ، وما تضمّنه مفهوم بعض الأخبار السابقة : من أنّ الماء إذا لم يتغيّر ريحه وطعمه يُشرب منه ويُتوضّأ ، المقتضي لعدم اعتبار اللّون قد تقدم احتمال التلازم(٦) ، وعلى تقدير المنع فالإجماع المدّعى كاف في المقام.

أما ما قد يقال : من أنّ المفهوم إذا عارضه المنطوق لا تبقى صلاحيته للاستدلال.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٢) الكافي ٣ : ٤ / ٣ ، الوسائل ١ : ١٣٧ أبواب الماء المطلق ب ٣ ح ١ ذ. ح.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٤٣.

(٤) راجع ص ٧٣ ٧٤.

(٥) الحبل المتين : ١٠٦.

(٦) راجع ص ٧٣.


ففيه : أوّلاً : أنّ المفهوم بتقدير حجّيته يساوي المنطوق فلا مانع منه ، نعم لو ضادّ حكم المنطوق أمكن ترجيح المنطوق عليه ، وفي المقام لا مضادّة.

وثانياً : أنّ منطوق الحديث المبحوث عنه من قبيل المجمل ، ولا مانع من بيانه بالمفهوم ؛ وفي هذا تأمّل لأنّ الظاهر أنّه ليس من المجمل ، كما لا يخفى.

وينبغي أنّ يعلم أنّ الماء إذا تغيّر بمجاورة النجاسة لا تؤثّر فيه ، لأن رائحة النجاسة ليست بنجسة ، كما ذكره الأصحاب(١) .

وقد نقل شيخناقدس‌سره في الاستدلال على أنّ الماء ينجَّس بتغيّر أحد الأوصاف ما هذا لفظه : والأصل فيه الأخبار المستفيضة ، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شي‌ء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه(٢) »(٣) .

ولم أقف الآن على هذه الرواية مسندة ، ودلالتها على اللون ظاهرة ، وربما يحصل نوع شك في حكم التغيّر بالمجاورة ، ليس في ذكره هنا كثير فائدة.

قولهرحمه‌الله :

فأمّا ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير، عن حماد (٤) عن الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام

__________________

(١) معالم الفقه : ١٧.

(٢) رواه في السرائر ١ : ٦٤ ، وقال : إنّه متّفق على روايته ، وفي المعتبر ١ : ٤٠ ، ٤١ ، الوسائل ١ : ١٣٥ أبواب الماء المطلق ب ١ ح ٩ ، سنن البيهقي ١ : ٢٥٧.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٢٨.

(٤) في الاستبصار ١ : ١٣ / ٢٠ : حماد بن عثمان.


قال في الماء الآجن : « تتوضأ منه إلاّ أن تجد ماءً غيره ».

فليس ينافي الخبرين الأولين ، لأنّ الوجه في هذا الخبر إذا كان الماء قد تغيّر من قبل نفسه ، أو بمجاورة جسم طاهر ، لأنّ المحظور استعماله هو إذا كان متغيّراً بما يحلّه من النجاسة ، وعلى هذا الوجه لا تنافي بين الأخبار.

السند‌

حسن كما تقدّم(١) .

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه لا ريب يعتريه ، بل الذي يظهر من اللغة أنّ الآجن هو ما تغيّر من نفسه ، وقول الشيخ : أو بمجاورة جسم طاهر ؛ قد يوهم أنّ التغيّر لو كان بمجاورة جسم نجس يوجب تنجيسه ، وليس كذلك ، ومراده بالمجاورة وقوع الجسم في الماء ، كما ينبّه عليه قوله : إذا كان متغيّراً بما تحلّه من النجاسة.

ثمّ إنّ كراهة الوضوء بالماء الآجن إذا وجد غيره خالياً من ذلك يستفاد من الرواية على تقدير العمل بها ، ويراد من الكراهة قلّة الثواب بالنسبة إلى الوضوء بغيره ، لا الكراهة بالمعنى المقرّر في الأُصول ، لأنّ العبادة لا يكون تركها أولى ، كما قاله جماعة(٢) .

أمّا ما اعترض به بعض فضلاء المتأخّرين : من أنّه يلزم كون جميع‌

__________________

(١) راجع ص : ٥٢ ٥٣.

(٢) منهم المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٤٧ ، ٣٦٥ و ٥ : ١٩٤.


العبادات مكروهة ، إذ اعتبار الإضافة فيها إلى ما هو أكمل حاصل(١) .

فجوابه : أنّ الكلام فيما ورد النهي عن فعله ، لا أنّ كل ما كان ثوابه أقل فهو مكروه ، والفرق بين الأمرين واضح.

نعم ربما يقال : إنّ في الرواية دلالة على أنّ مكروه العبادة إنّما يتحقق مع إمكان فعل الأولى ، وقد صرّح به بعض الأصحاب(٢) نظرا إلى أن الاعتبار يساعد عليه ، فليتأمّل.

اللغة :

قال في الصحاح : الآجن : الماء المتغيّر اللون والطعم(٣) ، ( وما نقلناه سابقا عن غير صاحب الصحاح )(٤) .

قوله :

باب البول في الماء الجاري.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن الماء الجاري يبال فيه ، قال : « لا بأس ».

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) انظر مجمع الفائدة ٥ : ١٩٤.

(٣) الصحاح ٥ : ٢٠٦٧ ( أحن ).

(٤) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».


السند :

قد تقدّم القول فيه بما يغني عن إعادته(١) .

المتن :

ظاهر في أنّ المطلوب من السؤال هو البول في الماء الجاري ، لا الماء الجاري الذي يبال فيه ، فما ذكره ( الشيخ في التهذيب(٢) ، وتبعه )(٣) جماعة من المتأخّرين في الاستدلال على عدم نجاسة الجاري بالملاقاة وإن كان قليلاً ، نظراً إلى إطلاق الخبر(٤) ؛ غريب.

ثمّ المتبادر من الجاري غير الراكد ، وفي دخول ماء المطر في الجاري احتمال ، وسيأتي في الحديث المعلّل بأنّ للماء أهلاً ، ما يتناوله في تحقق الكراهة فيه(٥) .

قوله :

الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن عنبسة بن مصعب ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري ، قال : « لا بأس به إذا كان الماء جارياً ».

__________________

(١) راجع : ص ١٠٨ ١١٠.

(٢) التهذيب ١ : ٣٤.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٤) منهم المحقق في المعتبر ١ : ٤١ ، والشهيد في الذكرى ١ : ٧٩ ، وصاحب المدارك ١ : ٣٠.

(٥) تأتي في : ص ١٢٢ ١٢٣.


السند :

قد تقدم الطريق إلى الحسين بن سعيد(١) .

وأمّا ابن سنان فالظاهر أنّه محمد ، بل الوالدقدس‌سره جزم بأنّه محمد(٢) ، وما يوجد في بعض الطرق : من رواية الحسين بن سعيد ، عن عبد الله بن سنان(٣) ، سهو عند الوالدقدس‌سره .

وقد اتّفق في مثل هذا السند المبحوث عنه : أنّ المحقق ردّ الرواية بأنّ محمد بن سنان ضعيف(٤) .

واعترضه الشهيدرحمه‌الله بأنّه يجوز أن يكون هو الثقة يعني عبد الله ـ(٥) .

ونوقش بأنّ الاحتمال لا يصحح الرواية ، فإنّ الاشتراك كاف في الضعف(٦) . واعتُرض على المناقشة : بأن الشهيد ليس غرضه تصحيح الحديث ، بل مراده أنّ الجزم بكونه محمداً غير معلوم(٧) .

وقد يقال : إنّ منشأ المناقشة ذكر الثقة في كلام الشهيدرحمه‌الله .

والحق أنّ كلام المحقق لا غبار عليه ، فإنّ ذكر ضعف محمد لا يقتضي أنّه هو بالخصوص ، بل إذا تحقق ضعف محمد فالاشتراك كاف في الضعف ، وعلى ما قلناه من ظهور كونه محمداً لا وجه لذكر عبد الله من‌

__________________

(١) راجع ص ٦٩.

(٢) منتقى الجمان ١ : ٣٦.

(٣) التهذيب ٢ : ١٣١ ح ٥٠٤.

(٤) المعتبر ١ : ١٠١.

(٥) الذكرى ٢ : ٢٦٤.

(٦) لم نعثر عليه.

(٧) انظر منتقى الجمان ١ : ٣٦.


الشهيدرحمه‌الله فليتأمّل.

وأمّا عنبسة بن مصعب ، فالشيخ في رجال الباقر والصادقعليهما‌السلام ذكره مهملا(١) ، والعلاّمة في الخلاصة نقل عن الكشي ، أنّه نقل عن حمدويه أن عنبسة ناووسي واقفي(٢) .

والذي في الكشي ما نقله عنه ( وزاد ما هذه صورته : علي بن الحكم عن منصور بن يونس عن عنبسة بن مصعب ؛ وذكر رواية(٣) .

وفي التهذيب في باب الأذان رواية عن منصور بن يونس ، عن عنبسة العابد(٤) .

ومقتضى كلام الشيخ كما سمعته رواية منصور بن يونس ، عن عنبسة ابن مصعب ، فربما يتحد عنبسة العابد ، وهذا هو ابن بجاد ، وقد وثّقه النجاشي قائلاً : إنّه كان قاضياً(٥) .

إلاّ أنّ كتاب الشيخ يشكل الاعتماد عليه في الطرق ، مع احتمال رواية منصور عن الرجلين ، فلا ينبغي الغفلة عن هذا ، وإنّ لم يؤثّر في الحديث المبحوث عنه بالنسبة إلى الصحة )(٦) .

المتن :

مضمونه كالأوّل ، وقولهعليه‌السلام : « لا بأس به إذا كان الماء جارياً » ‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٣٠ / ٥٤ و ٢٦١ / ٦٣٣.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٤٤ / ١٢.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٥٩ / ٦٧٦ ، ٦٧٧.

(٤) لم نعثر عليها في باب الأذان ، ولكنّها موجودة في باب المواقيت ، التهذيب ٢ : ٢٧٥ / ١٠٩٣.

(٥) رجال النجاشي : ٣٠٢ / ٨٢٢.

(٦) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».


محتمل لأمرين :

أحدهما : أنّ البول فيه لا بأس به إذا كان في حال الجريان ، فلو كان نابعا غير متّصف بالجريان كما في بعض المياه النابعة يتحقق فيه البأس.

وثانيهما : أنّ يكون أتىعليه‌السلام بالجريان لتضمن السؤال ذلك ، وكأن الأوّل له ظهور من الرواية ، إلاّ أنّ التعليل الآتي(١) يفيد التعميم ، إنّ صلحت الرواية لإثبات المرام.

قوله :

عنه ، عن حماد ، عن ربعي ، عن الفضيل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا بأس أنّ يبول الرجل في الماء الجاري ، وكره أنّ يبول في الماء الراكد ».

السند‌

ضمير عنه للحسين بن سعيد ، فالطريق الطريق(٢) ، وحماد هو ابن عيسى.

وربعي ، هو ابن عبد الله بن الجارود الثقة ، لقول النجاشي : إنّه صحب الفضيل بن يسار وأكثر الأخذ عنه وكان خِصّيصاً به(٣) .

وبذلك يندفع سبق الوهم إلى الاشتراك بينه وبين ربعي بن أحمر المذكور مهملاً في رجال الصادقعليه‌السلام (٤) ، ويتعيّن الفضيل بن يسار أيضا.

__________________

(١) في ص ١٢١.

(٢) راجع ص ٦٩.

(٣) رجال النجاشي : ١٦٧ / ٤٤١.

(٤) رجال الطوسي : ١٩٤ / ٤٠ ، وانظر هداية المحدثين : ٦٠.


وما قد يقال : من أنّه يلزم الدور من توقف تعيّن ربعي على تعيّن الفضيل ، وتعيّن الفضيل على تعيّن ربعي ، فدفعه أظهر من أنّ يخفى على الممارس.

المتن :

ربما يظنّ منه الصراحة في الكراهة بالنسبة إلى الراكد.

ويدفعه : أنّ استعمال الكراهة في الأخبار غير متعيّن في إرادة المعنى الأُصولي ، بل يستعمل في التحريم أيضا بكثرة ، فلا يدل من هذه الجهة.

نعم ربما يقال : إنّ الكراهة تستعمل في الأمرين ، فهي مشتركة ، ومعه لا يدل على التحريم ، وأصالة الجواز لا يخرج عنها مع الإجمال ، ولما دلّت الأخبار على نفي البأس عن الجاري ، وبمعونة مفهوم الشرط ، مع إشعار البعض الخالي ، تدل على وجود البأس في الراكد ، فالكراهة غير بعيدة الاستفادة وروى الصدوق في العلل بإسناد صحيح عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا تَبُلْ في ماء نقيع ، فإنّه من فعل ذلك فأصابه شي‌ء فلا يلومنّ إلاّ نفسه »(١) .

وربما ينصرف النقيع إلى الراكد.

وروى الكليني في الصحيح : عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : « من تخلّى على قبر ، أو بال قائما ، أو بال في ماء قائم ـ وعدّ أشياء ، إلى أنّ قال ـ : فأصابه شي‌ء من الشيطان لم يدعه إلاّ أنّ يشاء الله » الحديث(٢) .

__________________

(١) علل الشرائع : ٢٨٣ / ١ ، الوسائل ١ : ٣٤١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٤ ح ٦.

(٢) الكافي ٦ : ٥٣٣ / ٢ بتفاوت ، الوسائل ١ : ٣٢٩ أبواب أحكام الخلوة ب ١٦ ح ١.


وكأنّ المراد بالقائم الراكد ، واحتمال إرادة غير الجاري على النحو الذي قدّمناه ممكن.

وربما كان في هاتين الروايتين ما يقتضي قرب التحريم ، إلاّ أنّ المشهور الكراهة(١) .

وما قاله شيخنا قدس‌سره في المدارك عند قول المحقق : وفي الماء جارياً وراكداً ، لورود النهي عنه(٢) ؛ لم أقف على النهي بنحو ما هو مطلوبه.

قوله :

عنه ، عن حماد ، عن حريز ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بالبول في الماء الجاري ».

السند‌

موثق بابن بكير ، لتصريح النجاشي : بأنّه فطحي إلاّ أنّه ثقة(٣) ، وهذا من المواضع الذي نبّهنا على أنّ النجاشي لم يغفل عن ذكره مخالفة المذهب الحق ، أمّا الإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن بكير(٤) فقد سمعت فيه القول.

__________________

(١) كما في المعتبر ١ : ٨٧ ، وشرائع الإسلام ١ : ١٩ ، والمنتهى ١ : ٤٠.

(٢) مدارك الاحكام ١ : ١٨٠.

(٣) رجال النجاشي : ٢٢٢ / ٥٨١ إلاّ أنّه لم يذكر كونه فطحيّاً ثقة : نعم ، صرّح الشيخ به في الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٢ ، وكذا ابن شهرآشوب في معالم العلماء : ٧٧ / ٥١٧ ، وعدّه الكشي ( ٢ : ٦٣٥ / ٦٣٩ ) من فقهاء أصحابنا من الفطحية.

(٤) كما في رجال الكشي ٢ : ٦٧٣.


المتن :

قد تقدم القول في مثله بما يغني عن إعادته(١) .

قوله :

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن علي بن الريان ، عن الحسن ، عن بعض أصحابه ، عن مسمع ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : أنّه [صلى‌الله‌عليه‌وآله ](٢) نهى أنّ يبول الرجل في الماء الجاري إلاّ من ضرورة ، وقال : إنّ للماء أهلا ».

فالوجه فيه أنّ نحمله على ضرب من الكراهة دون الحظر والإيجاب.

السند‌

قد تقدم الطريق إلى محمد بن علي بن محبوب(٣) .

وأمّا علي بن الريان : فثقته غنيّة عن البيان.

وأمّا الحسن : فهو مشترك بين جماعة(٤) ، غير أنّ احتمال كونه ابن فضال غير بعيد ، ( لما يظهر من الكشي في بعض الروايات من رواية علي ابن الريان [ عنه(٥) ] وإنّ كان بواسطة(٦) ؛ لكن مجال القول فيه واسع )(٧) .

__________________

(١) راجع ص ١١٦ ، ١١٩.

(٢) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٣ / ٥.

(٣) في ص ٦٣.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٣٧.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى.

(٦) رجال الكشي ٢ : ٨٣٦ / ١٠٦٧.

(٧) ما بين القوسين ساقط من « رض ».


وأمّا مسمع : فهو ابن عبد الملك ، أو ابن مالك ، وحاله لا يزيد على الجهالة ، واحتمال كونه ممدوحا(١) ، لا أعلم وجهه.

المتن :

ظاهر كلام الشيخ كما ترى حمله على ضرب من الكراهة ، ولعلّ مراده عدم الكراهة الشديدة ، وتكون الكراهة الشديدة في غير الجاري ، كما ذكره جماعة من المتأخّرين(٢) ، وإنّ كان كلام الشيخ في قوله : دون الحظر والإيجاب ؛ قد يقتضي أنّ غير الجاري محظور فيه البول ، كما أشرنا إلى احتماله ، من حيث دفع الضرر المظنون بظاهر الأخبار المعللة ، إلاّ أنّ في كلام الشيخ احتمالا إلى الرجحان أقرب ، وهو إرادة الكراهة غير الشديدة ، ويكون قوله : دون الحظر ؛ لا يخلو من تسامح ، أمّا الإيجاب فكأنّ مراده به لازم الحظر ، وهو وجوب الاجتناب من البول في الراكد.

ثم إنّ التعليل قد يفيد العموم لجميع المياه ، ولو جعل التعليل للجاري حسب أشكل : بأن الكراهة الشديدة في غيره لا سبيل إلى إنكارها بمقتضى الأخبار ، فالحق أنّ الخبر لو صح أفاد عموم التعليل ، والحمل على تفاوت الكراهة وجه للجمع ، وإنّ لم يصح الخبر كما هو الظاهر من جهة الإرسال وغيره فالجاري لا وجه للكراهية فيه ، والتساهل في أدلّة الكراهة محلّ تأمّل.

أمّا احتمال كراهة الغائط أيضاً ، فربما يستفاد من مفهوم الموافقة إذا لم يثبت التعليل المذكور في الرواية ، وفيه نوع تأمّل.

أمّا استثناء المواضع المبنيّة على الماء كبلاد الشام ، فإنّ ثبت الخبر‌

__________________

(١) انظر رجال النجاشي : ٤٢٠ / ١١٢٤.

(٢) جامع المقاصد ١ : ١٠٢ ، مجمع الفائدة ١ : ٩٥ ، المدارك ١ : ١٨٠.


الدالّ على دفع النهي مع الضرورة أمكن صحة الاستثناء إنّ تحققت الضرورة ، وبدونه فزوال الكراهة لا يخلو من نظر ، وإنّ ذكر الاستثناء جماعة من المتأخّرين(١) ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.

قوله :

باب حكم المياه المُضافة‌

أخبرني الشيخ ـرحمه‌الله ـ عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن محمد بن يحيى(٢) ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عيسى ، عن ياسين الضرير ، عن حريز ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يكون معه اللّبن أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال : « لا ، إنّما هو الماء والصعيد ».

قال أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـرحمه‌الله ـ : هذا الخبر يدلّ على أنّ ما لا ينطلق (٣) عليه اسم الماء لا يجوز استعماله ، وهو مطابق لظاهر الكتاب ، والمتقرّر من الأُصول.

السند‌

فيه رواية محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عيسى ، وقد نقل النجاشي عن محمد بن الحسن بن الوليد : أنّه استثنى من روايات محمد بن‌

__________________

(١) المدارك ١ : ١٨٠ ، جامع المقاصد ١ : ١٠٣ ، مجمع الفائدة ١ : ٩٥.

(٢) في نسخة « د » من الإستبصار ١ : ١٤ / ٢٦ زيادة : العطّار.

(٣) في الاستبصار ١ : ١٤ / ٢٦ : يطلق.


أحمد بن يحيى ما يرويه عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع مع جماعة آخرين ، ونقل عن أبي العباس بن نوح : أنّه قال : وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله ، وتبعهُ أبو جعفر بن بابويهرحمه‌الله على ذلك ، إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد ، فلا أدري ما رابه فيه؟ لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة(١) . انتهى.

ولا أدري معنى قوله : بإسناد منقطع ، إلاّ أنّ ظاهر اللفظ يعطي إرادة الإرسال ، وتحقق هذا المعنى في غاية الإشكال ، لأنّ محمد بن عيسى من رجال الرضا والجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام ، على ما يستفاد من كتاب الشيخ في الرجال(٢) فيما عدا الجوادعليه‌السلام ؛ ومن النجاشي في روايته عنهعليه‌السلام (٣) ، وذكره الشيخ أيضا فيمن لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام (٤) ، وذكر محمد بن أحمد بن يحيى فيمن لم يرو أيضا(٥) . فرواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه بالإرسال في حيّز الإجمال ، ولعلّ ذلك لعدم الإجازة ، إلاّ أنّ الظاهر من الكلام لا يدل عليه ، بل مقتضاه أنّه يروي تارة بإسناد منقطع ، وتارة بغيره ، ولم يتضح حينئذ المعنى.

( وقد يحتمل إرادة الإرسال في الخبر المشتمل على محمد بن عيسى ؛ وفيه ما لا يخفى )(٦) .

وما قاله أبو العباس ممّا ظاهره أنّه فهم التوقّف في محمد بن عيسى‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٤٨ / ٩٣٩.

(٢) رجال الطوسي : ٣٩٣ / ٧٦ ، ٤٢٢ / ١٠ ، ٤٣٥ / ٣.

(٣) رجال النجاشي : ٣٣٣ / ٨٩٦.

(٤) رجال الطوسي : ٥١١ / ١١١.

(٥) رجال الطوسي : ٤٩٣ / ١٢.

(٦) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».


غير واضح من الكلام المنقول ، واحتمال أنّ يكون المراد بانقطاع السند من محمد بن عيسى إلى الإمامعليه‌السلام غير ظاهر الوجه.

وبالجملة فالأمر في غاية الغموض ، وفي ظاهر الحال يوجب نوع إشكال ، إلاّ أنّ هذا الحديث فيه التوقّف من جهة أُخرى ، فلا ثمرة لتحقيق القول في محمد بن عيسى ، ورواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه ، فإنّ ياسين الضرير مهمل في الرجال(١) ، وأبو بصير مشترك(٢) على وجه لا نعلم فيه حقيقة الحال.

فإنّ قلت : ما وجه عدم العلم بالحقيقة ، والرواية عن الصادقعليه‌السلام ، وقد قَدَّمتَ انتفاء احتمال أبي بصير المسمى بيوسف بن الحرث ، لأنّه من أصحاب الباقرعليه‌السلام (٣) ، وحينئذ لم يبق إلاّ احتمال ليث المرادي الثقة الإمامي ، ويحيى بن القاسم الموثق ، فالخبر موثق.

قلت : وجه عدم العلم أنّ أبا بصير غير من ذكرت أوّلاً مشترك في الظاهر بين ليث وبين من ورد فيه الذمّ البالغ على وجه يقتضي ردّه ، كما أشرنا إليه سابقا(٤) ، وسيأتي إنّ شاء الله تعالى(٥) .

المتن :

ظاهر في عدم جواز الوضوء باللّبن ، ومستفاد من الحصر عدم الجواز بالمضاف على وجه العموم(٦) ، إلاّ أنّ في ذكر الصعيد نوع إجمال ؛ لأنّ‌

__________________

(١) انظر الفهرست : ١٨٣ / ٧٩٥ ، ورجال النجاشي : ٤٥٣ / ١٢٢٧.

(٢) هداية المحدثين : ٢٧٢.

(٣) راجع ص ٧٢ ، وفي رجال الطوسي : ١٤١ / ١٧.

(٤) راجع ص ٧٢ ، و ٨٣.

(٥). ٣ : ٩٦ ، ١٢٣.

(٦) في « فض » و « د » زيادة : كما هو مقتضى الحصر.


ضمير هو إنّ عاد إلى الوضوء كما يقتضيه عبارة الصدوق في الفقيه ، حيث نقل مضمون الحديث قائلاً : ولا يجوز التوضّؤ باللَّبن ؛ لأنّ الوضوء إنّما هو بالماء و(١) الصعيد(٢) . فغير خفيّ أنّ ظاهر الحديث يأباه ، ولو عاد إلى المطهِّر المدلول عليه بالمقام أمكن ، إلاّ أنّ إرادة العموم في المطهِّر لا يخلو من إشكال ، ولعلّ التسديد إلى هذا الوجه أقرب من تعبير الصدوق ، وإن أمكن توجيه كلامه أيضا ، والمراد واضح ، إنّما الكلام في العبارة.

أمّا ما قاله الشيخ رحمه‌الله من المطابقة لظاهر القرآن ؛ فلعلّ مراده به قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) (٣) حيث أوجب التيمم عند عدم الماء ، فلو كان المضاف يصلح للوضوء لما أوجب التيمم عند فقد الماء المطلق.

واحتمال أنّ يريد كون الأمر بالغَسل في آية الوضوء ينصرف إلى المطلق ؛ ففيه ما لا يخفى.

أمّا ما ذكره من أنّه المتقرّر في الأُصول فلا يخلو من غموض ، ولعلّ المراد أنّ الدخول في الصلاة من جملة الأحكام ، والأصل يقتضي عدم جواز الدخول فيها إلاّ بما أعدّه الشارع ، ولم يثبت جواز الدخول بالوضوء بالمضاف ، وإلى هذا أشار في المختلف بنوع من الإجمال حال الاستدلال على أنّ المضاف لا يرفع الحدث(٤) .

وقد يناقش في هذا : بأنّ الأصل يرتفع بإطلاق الغَسل في الوضوء الشامل للمضاف ، ولو رجعنا إلى آية( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) لم يبق لذكر‌

__________________

(١) في المصدر : أو.

(٢) الفقيه ١ : ١١.

(٣) النساء : ٤٣ ، المائدة : ٦.

(٤) المختلف ١ : ٥٧.


المتقرّر في الأُصول فائدة.

وربما يحتمل أنّ يراد بالأُصول أنّ الماء ينصرف إلى المطلق حقيقة ، وإلى غيره على سبيل المجاز ، والأصل في الاستعمال الحقيقة ، فيكون قوله : والمتقرّر في الأُصول ، من تتمّة الاستدلال بظاهر الكتاب.

وفيه : أنّه خلاف مدلول العبارة ، بل الظاهر منها أنّهما دليلان.

ويحتمل أنّ يكون المراد بالأُصول ما ذكروه في « إنّما » من كونها تفيد الحصر ؛ لأنّ لفظة « إنّ » تفيد الثبوت و « ما » تفيد النفي ، فمع التركيب لا يخرج كل منهما عن مقتضاه ، وإلاّ لزم خروج اللفظ عن إفادته لمعناه باعتبار التركيب ، وهو خلاف الأصل ، فإذا ثبت بقاء المعنى فإمّا أنّ يقتضي إثبات الحكم ونفيه عن المذكور ، أو إثبات الحكم لغير المذكور ونفيه عن المذكور ، أو بالعكس ، والكلّ باطل ، إلاّ الأخير ، ولا معنى للحصر إلاّ ذلك.

وفي هذا الاستدلال بحث ليس هذا محله ، إلاّ أنّ مطلوب الشيخ لا يبعد عن إرادته ، ويكفي في صحته النقل عن أهل اللغة في أنّ هذه اللفظة للحصر.

فإنّ قلت : يجوز أنّ يكون غرض الشيخ بظاهر الكتاب ما ذكروه في الاستدلال على عدم جواز الوضوء بالمضاف بظاهر قوله تعالى( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) (١) وقد ذكره الشيخ أيضا في التهذيب(٢) .

قلت : لا يخلو ما ذكرت من وجه ، ولي في الآية كلام لا يقتضي المقام ذكره.

قوله قدس‌سره :

فأمّا ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن محمد ، عن سهل بن‌

__________________

(١) الأنفال : ١١.

(٢) التهذيب ١ : ٢١٨.


زياد ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : قلت له : الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضّأ به للصلاة قال : « لا بأس بذلك ».

فهذا خبر شاذّ شديد الشذوذ ، وإن تكرّر في الكتب ، فإنّما أصله يونس عن أبي الحسنعليه‌السلام ، ولم يروه غيره.

وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره ، وما يكون هذا حكمه لا يعمل به.

ولو ثبت لاحتمل أن يكون المراد بالوضوء في الخبر التحسين ، وقد بينّا في كتابنا « تهذيب الأحكام » ، الكلام على ذلك(١) ، ولأنّ ذلك يسمّى وضوءاً في اللغة.

وليس لأحد أن يقول : إنّ في الخبر أنّه سأله عن ماء الورد يتوضّأ به للصلاة أو يغتسل به ؛ لأنّ ذلك لا ينافي ما قلناه ؛ لأنه يجوز أن يستعمل للتحسين ، ومع ذلك يقصد به الدخول في الصلاة ، من حيث إنّه متى استعمل الرائحة الطيّبة للدخول في الصلاة كان أفضل من أن يقصد التطيّب والتلذّذ حسب ، دون وجه الله تعالى ، ويكون قوله : يغتسل به ، يكون المعنى فيه رفع الحظر عن استعماله في الغسل ونفي السرف عنه ، وإن كان لا يجوز به استباحة الصلاة ، ويحتمل أن يكون المراد بقوله : ماء الورد ، الذي وقع فيه الورد ؛ لأنّ ذلك يسمى ماء وردٍ ، وإن لم يكن معتصراً منه ؛ لأنّ كل شي‌ء جاور غيره فإنّه يكسبه اسم الإضافة ، وإن كان المراد به المجاورة كما يقولون : ماء‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢١٩.


الحب ، وماء البئر ، وماء المصنع (١) ، وماء القرب ، وكل ذلك إضافة مجاورة وفي ذلك إسقاط التعلق بالخبر.

السند‌

علي بن محمد الواقع فيه ، علان أبو الحسن الثقة ، كما ذكره النجاشي(٢) .

وسهل بن زياد : ضعيف ، كما قاله النجاشي(٣) ، وللشيخ فيه اضطراب(٤) .

وما قاله شيخنا قدس‌سره : من أنّه عامي(٥) ، لا أدري مأخذه ، بل المنقول في الرجال : أنّ أحمد بن محمد بن عيسى شهد عليه بالغلوّ(٦) .

وعلى كل حال لا اعتماد على روايته.

فإنّ قلت : قد تقدّم في توجيه اعتبار محمد بن إسماعيل أنّ رواية الأجلاّء عن الضعفاء نادرة(٧) ، والحال أنّ رواية الكليني عن سهل بن زياد في غاية الكثرة ، فلِمَ لا يرجَّح بها قولُ الشيخ : بأنّه ثقة وقوله : إنّه ضعيف ، وإنّ ترجّح به قول النجاشي بضعفه ، إلاّ أنّ قول النجاشي السابق نقله(٨) ، الدال على ندور الرواية من الأجلاّء عن الضعفاء يؤيّد توثيق الشيخ.

__________________

(١) المِصَنع : ما يصنع لجمع الماء كالبركة ونحوها ، والجمع مصانع مجمع البحرين ٤ : ٣٦١ ( صنع ).

(٢) رجال النجاشي : ٢٦٠ / ٦٨٢.

(٣) رجال النجاشي : ١٨٥ / ٤٩٠.

(٤) ضعّفه في الفهرست : ٨٠ ، ووثّقه في الرجال : ٤١٦ / ٤.

(٥) مدارك الاحكام ١ : ١١١.

(٦) كما في رجال النجاشي : ١٨٥ / ٤٩٠.

(٧) راجع ص ٤٨.

(٨) في ص ٣٢.


قلت : على تقدير ما ذكرت لا وجه للترجيح على وجه يقتضي العمل برواية سهل بل غاية الأمر التعارض.

وما عساه يقال : إنّ كلام النجاشي السابق لا يتناول رواية الكليني عن سهل ؛ لأنّها بواسطة.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الواسطة فيها ثقة ، فما قيل في الكليني يقال فيه ، مضافاً إلى أنّ الواسطة غالبا العِدّة ، ومن المستبعد رواية العِدّة عن الضعيف.

والحق أنّ المقام واسع البحث ، كما يعرف ممّا قدّمناه(١) في رواية الأجلاّء عن الضعفاء بكثرة ، ولو نظرنا إلى أنّ الاعتبار عند المتقدّمين بالقرائن ، انتفت الفائدة المطلوبة في سهل بن زياد وغيره.

ورواية محمد بن عيسى عن يونس قد تقدم القول فيها(٢) .

المتن :

حكى العلاّمة في المختلف عن ابن بابويه القول : بأنّه يجوز الوضوء والغسل من الجنابة بماء الورد ، وأنّه احتجّ بهذه الرواية ، وبأنّها طهارة من نجاسة حكمية فجاز استعمال ما يشابه الماء فيها لضعفها.

وأجاب العلاّمة عن الرواية بالطعن في السند بسهل بن زياد ، وبأنّ فيه محمد بن عيسى عن يونس ، وقد ذكر ابن بابويه عن ابن الوليد : أنّه لا يعتمد على حديث يرويه محمد بن عيسى عن يونس ، فكيف يصح منه الاستدلال بهذا الحديث؟(٣) .

__________________

(١) راجع ص ٤٧ ٥١.

(٢) ص ٧٦ ٨٢.

(٣) المختلف ١ : ٦١.


وأرى هذا الكلام من العلاّمة في نهاية الغرابة ؛ لأنّ المتقدّمين لم يكن التفاتهم في الأحاديث إلى الأسانيد ، وذكرها في كتبهم ليس من جهة التصحيح ، كما يعلمه الآحاد ، فضلاً عن مثل العلاّمة.

ثم إنّ ما نقله عنه من الاحتجاج بالاعتبار لا يخلو من غرابة أيضا بالنسبة إلى الصدوق ، وهو أعلم بالحال.

والذي في الفقيه : ولا بأس بالوضوء والغسل من الجنابة بماء الورد. ثم فيه مضمون الحديث السابق الدال على الحصر في الماء و(١) الصعيد(٢) ، ولا يخلو الجمع بين الأمرين من إشكال ، وقد ذكرت ما يصلح توجيها في حاشية الكتاب.

أمّا ما قاله الشيخرحمه‌الله من أنّ هذا الخبر شاذّ(٣) ، فالمراد من الشاذّ عند أهل الدراية ما رواه الراوي الثقة مخالفاً لما رواه الأكثر ، وهو مقابل المشهور ، وقد تقرر في الدراية أيضا أنّ المخالف للشاذّ إنّ كان أحفظ وأضبط وأعدل من راوي الشاذ فشاذّ مردود ، وإنّ انعكس فكان الراوي للشاذّ أحفظ وأضبط له وأعدل من غيره من رواة مقابله فلا يردّ ؛ لأنّ في كل منهما صفة راجحة وصفة مرجوحة فيتعارضان ، ومن العلماء من ردّه مطلقاً ، نظراً إلى شذوذه وقوّة الظنّ بصحة جانب المشهور ، ومنهم من قَبِله مطلقاً نظراً إلى كون راويه ثقة في الجملة ، ولو كان راوي الشاذّ المخالف لغيره غير ثقة فحديثه منكر مردود(٤) .

__________________

(١) في المصدر : أو.

(٢) الفقيه ١ : ٦ ، ١١.

(٣) التهذيب ١ : ٢١٩.

(٤) انظر الدراية : ٣٧ ، ٣٨.


وأنت إذا تأمّلت هذا الكلام لا يخفى عليك الحال بعد نقل الصدوق الرواية ، وإنّ كان الطريق فيه ما هو معلوم ، فالأولى الاعتماد على توجيه الشيخ ( في التوجيه )(١) .

أما ما قاله : من أنّ أصله يونس ولم يروه غيره ، وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره ، فلقائل أنّ يقول : إنّه يشكل بأن الصدوق صريح كلامه في الفقيه أنّه لا يعمل بما ينفرد به الراوي. فمن مواضع التصريح ما قاله في باب الجمعة في حديث القنوت وتعدّده في الجمعة : إنّ حريزاً انفرد به عن زرارة(٢) ، فكيف يعمل بحديث يونس مع انفراده به؟ والإجماع على خلافه من العصابة كيف يحكى مع خلاف الصدوق؟.

ولعل الشيخ اطّلع على أنّ الصدوق غير قائل بظاهر الخبر ، والإجماع انعقد بعده ، إذ لا يشترط فيه جميع الأعصار ، وبالجملة فالمقام يحتاج إلى مزيد تأمّل ، وتوجيه الشيخ قد أوضحه بما لا مزيد عليه.

وما قد يتوجه على الشيخ : من استبعاد السؤال من مثل يونس عن مثل ما ذكره يمكن أنّ يوجّه وإنّ بَعُد ، والحمل على التقية لم يذكره الشيخ ، وأظنّه داخلاً في حيّز الإمكان إنّ لم يختص بالرجحان.

قوله :

باب الوضوء بنبيذ التمر.

قد بيّنا في كتاب تهذيب الأحكام (٣) أنّ النبيذ المسكر حكمه‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٦.

(٣) التهذيب ١ : ٢٧٨.


حكم الخمر في نجاسته ، وحظر استعماله في كل شي‌ء ، ومشاركته لها في جميع أحكامها(١) ، فلذلك لم تُكرَّر هنا الأخبار في هذا المعنى.

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن بعض الصادقين قال : « إذا كان الرجل لا يقدر على الماء ( وهو يقدر على اللبن فلا يتوضّأ(٢) ، إنّما هو الماء أو التيمم ، فإنّ لم يقدر على الماء )(٣) وكان نبيذا فإني سمعت حريزاً يذكر في حديث أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد توضّأ بنبيذ ولم يقدر على الماء ».

فأوّل ما فيه : أنّ عبد الله بن المغيرة قال : عن بعض الصادقين ، ويجوز أنّ يكون من أسنده إليه غير إمام ، وإنّ اعتقد فيه أنّه صادق على الظاهر ، فلا يجب العمل به.

والثاني : أنّه أجمعت العصابة على أنّه لا يجوز الوضوء بالنبيذ ، فسقط أيضا الاحتجاج به من هذا الوجه ، ولو سلم من ذلك كله لجاز أن نحمله على الماء الذي قد طرح فيه تمر قليل ، ليطيب طعمه وتنكسر ملوحته ومرارته ، وإنّ لم يبلغ حدّا يسلبه اسم الماء بالإطلاق ؛ لأنّ النبيذ في اللغة : هو ما ينبذ فيه الشي‌ء ، والماء إذا طرح فيه قليل تمر يسمّى نبيذا.

السند‌

قد تقدم الطريق إلى محمد بن علي بن محبوب(٤) ، وذكرنا أنّ‌

__________________

(١) في النسخ : أحوالها. وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ١٥ / ١ زيادة : به ، وفي التهذيب ١ : ٢١٩ / ٦٢٨ : باللّبن.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « رض ».

(٤) راجع ص ٦٣.


العباس هو ابن معروف على ما جزم به الوالدقدس‌سره ، أو ابن عامر(١) .

وعبد الله بن المغيرة على الظاهر هو أبو محمد البجلي الثقة ، وما في الكشي : من أنّه رَوى أنّه كان واقفيّاً ثم رجع(٢) . لم يثبت ؛ وقد نقل الإجماع على تصحيح ما يصح عنه(٣) .

وإنما قلنا : على الظاهر ؛ لأنّ هذا الاسم مشترك بينه وبين آخرين غير موثّقين في أصحاب الكاظم والرضاعليهما‌السلام من رجال الشيخ(٤) ، إلاّ أنّ الإطلاق في مثله ينصرف إلى من ذكرناه ، وإن كان في البين نوع ارتياب.

ثم إنّ ما ذكره الشيخ : من أنّ بعض الصادقين يجوز أن يكون غير الإمام يقتضي إرسال الحديث ، ولا نفع(٥) لوصفه بالصدق من دون ذكر الاسم ليعلم حال الرجل من وجود الجارح وعدمه ، على أنّ الصدق لا يوجب التوثيق المعتبر.

وما قاله شيخناقدس‌سره من أنّ قول هذا البعض : سمعت حريزاً ؛ كالصريح في أنّه غير الإمام(٦) ، فيه : ما تسمعه من القول على حسب ما خطر في البال.

المتن :

يختلج في الخاطر أنّه محمول على التقيّة ، والقائل : « فإنّي سمعت‌

__________________

(١) راجع : ص ٦٤.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٥٧ / ١١١٠.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٤) رجال الطوسي : ٣٥٥ / ٢١ ، ٣٧٩ / ٤.

(٥) في النسخ : يقع ، والظاهر ما أثبتناه.

(٦) حكاه عنه في هامش الاستبصار ١ : ١٥ ، ولم نعثر عليه في المدارك.


حريزاً » هو الإمام معبّراً عنه ببعض الصادقين ، والوجه في قوله : « سمعت حريزاً » انتفاء التقيّة بالصدق ، لجواز كون حريز حكى عند الإمامعليه‌السلام ما يرويه المخالفون عن النبي ، ومن ثَمّ نكّر حديثاً في قوله : « يذكر في حديث » ولا ينافي هذا عدم جواز الوضوء باللبن ، إذ لم يعلم جوازه عندهم ، بل المنقول القول في النبيذ.

وقد يحتمل أن يكون القائل : سمعت حريزاً ، عبد الله بن المغيرة ، فكأنّه حكى عن الإمام أوّلاً ما ذكره ، ثم حكى ما هو عند المخالفين ، وذكر بعض الصادقين للتمويه على المخالف ، وقد ذكرت هذا مفصّلاً في حاشية التهذيب ، ولعلّ الإجمال هنا كاف في المرام ، ومنه يعلم ما في قول شيخناقدس‌سره : من النظر ، فينبغي الملاحظة.

قوله :

والذي يدلّ على هذا التأويل ما أخبَرَنا به الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد (١) ، عن محمد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمد ، عن معلّى بن محمد ؛ وعدّةٌ من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، جميعاً عن محمد بن علي الهمداني ، عن علي بن عبد الله الحناط (٢) ، عن سماعة بن مهران ، عن الكلبي النسّابة أنّه سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن النبيذ فقال : « حلال » فقال : إنا ننبذه فنطرح فيه العَكَر وما سوى ذلك ، قال : « شُه شُه تلك (٣) الخمرة المنتنة » قال : قلت : جعلت فداك فأيّ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٦ / ٢٩ زيادة : بن قولويه.

(٢) في الاستبصار ١ : ١٦ / ٢٩ : الخيّاط.

(٣) ليست في الاستبصار ١ : ١٦ / ٢٩.


نبيذ تعني؟ قال : « إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تغيّر الماء وفساد طبائعهم ، فأمرهم أنّ ينبذوا ، فكان الرجل يأمر خادمه أنّ ينبذ له ، فيعمد إلى كفّ من تمر فيقذف به في الشن ، فمنه شربه ومنه طهوره » فقلت : فكم كان عدد التمر الذي في الكفّ؟ فقال : « ما حمل الكفّ » فقلت واحدة واثنتين؟ فقال : « ربما كانت واحدة وربما كانت اثنتين » فقلت : وكم كان يسع الشن؟ فقال : « ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى فوق ذلك » فقلت : بأيّ أرطال؟ فقال : « أرطال مكيال العراق ».

السند‌

مشتمل من محمد بن يعقوب على طريقين :

أحدهما : عن الحسين بن محمد الأشعري الثقة ، عن معلّى بن محمد الذي قال النجاشي : إنّه مضطرب الحديث والمذهب(١) .

وثانيهما : عن عدّة من أصحابنا ، والعدّة ـ على ما قاله العلاّمة في الخلاصة نقلاً عن الكليني ـ : علي بن محمّد علان(٢) ، ومحمّد بن أبي عبد الله(٣) ، ومحمّد بن الحسن ، ومحمّد بن عقيل الكليني(٤) .

وعلي بن محمّد المعروف بعلان ثقة ، وأمّا محمّد بن أبي عبد الله فذكر شيخنا المحقق أيّده الله في كتاب الرجال : أنّ الظاهر كونه محمّد‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤١٨ / ١١١٧.

(٢) في « فض » و « د » : علي بن محمّد بن علان ، وفي « رض » : علي بن محمّد عن علان ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : محمّد بن عبد الله ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٢٧٢.


ابن جعفر الأسدي الثقة(١) . ومحمّد بن الحسن هو الصفار.

وربما يستبعد أنّ يكون محمّد بن جعفر الأسدي ؛ لأنّ الراوي عنه علي ما في النجاشي أحمد بن محمّد بن عيسى(٢) ، ومحمّد بن يعقوب يروي عن أحمد بن محمّد بن عيسى بواسطة العدّة غير هذه ، فكيف يروي عن محمّد بن جعفر بغير واسطة؟ إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

وقد يحتمل أنّ يكون هو محمّد بن جعفر الأسدي الرازي المذكور في رجال من لم يرو عن أحد من الأئمّة أنّه أحد الأبواب(٣) ، وذكره الشيخ في كتاب الغيبة وقال : إنّه من الثقات(٤) ، وصرّح شيخنا ـ أيّده الله ـ : أنّهما واحد(٥) .

وقد يشكل الحال بأنّ النجاشي قال في شأن محمّد بن جعفر بن عون الأسدي : إنّه كان يقول بالجبر والتشبيه(٦) . ومحمّد بن جعفر الأسدي الرازي ، قال الشيخ : إنّه مات على ظاهر العدالة لم يطعن عليه بشي‌ء(٧) وعلى كل حال الأمر في العدة سهل لوجود الثقة غيره فيها.

أمّا ما قاله شيخنا أيّده الله من أنّه لا يضرّ إذا ضعف سهل مع وجود ثقة معه(٨) ؛ فلم أدر معناه ، بل الظاهر ( أنّه وهم )(٩) ، وقد تقدم كلام‌

__________________

(١) منهج المقال : ٤٠١.

(٢) رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.

(٣) رجال الطوسي : ٤٩٦ / ٢٨.

(٤) كتاب الغيبة : ٢٥٧.

(٥) منهج المقال : ٢٨٨ ، ٢٨٩.

(٦) رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.

(٧) كتاب الغيبة : ٢٥٨.

(٨) منهج المقال : ٤٠١.

(٩) بدل ما بين القوسين في « رض » : خلافه.


في سهل ، واضطراب الشيخ فيه ، ( تارة وثّقه وتارة ضعّفه )(١) (٢) .

ثم الطريقان يجتمعان في الرواية عن محمّد بن علي الهمداني ، ومحمّد هذا قال العلاّمة : إنّه ضعيف(٣) . وذكر شيخنا أيّده الله أنّ الشيخ ضعّفه ، وقيل : إنّه أبو سمينة(٤) .

وأمّا علي بن عبد الله الحنّاط فلم أقف عليه في الرجال الآن.

وسماعة بن مهران تقدم فيه القول(٥) .

والكلبي ( يقال للحسن والحسين ابني علوان ، وقد اتّفق للنجاشي نوع إجمال في التوثيق ؛ لأنّه قال في ترجمة الحسين : إنّه عامي وأخوه الحسن يكنى أبا محمّد ثقة رويا عن أبي عبد الله(٦) .

وهذا كما ترى يحتمل رجوع التوثيق فيه للحسن أو الحسين ، وغير بعيد الرجوع للحسن ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

فإنّ قلت : ما وجه قرب الرجوع للحسن ، مع أنّ المقام مقام الحسين؟

قلت لوجهين : الأوّل : [ أنّ(٧) ] النجاشي لم يذكر الحسن إلاّ في ترجمة أخيه ، والظاهر من الكنية أنّها للحسن والتوثيق كذلك.

والثاني : أنّ التوثيق لو كان للحسين لكان أحقّ بالذكر قبل ذكر‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٢) راجع ص ١٢٩.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٥٤.

(٤) منهج المقال : ٣١٢.

(٥) في ص ١٠٨ ١١٠.

(٦) رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٦.

(٧) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.


الحسن )(١) .

وفي الكافي في باب ما يفصل به بين المحقّ والمبطل في آخر حديث نقله عنه ، ثم قال : فلم يزل الكلبي يدين الله بحبّنا أهل البيت حتى مات(٢) .

المتن :

له نوع دلالة على ما قاله الشيخ في قولهعليه‌السلام : « ومنه طهوره » إلاّ أنّ ظاهر حديث حريز أنّ استعمال هذا النبيذ في الطهارة إذا لم يكن الماء ، والتسديد ممكن كما لا يخفى.

وما في حديث الكلبي من قوله ، قلت : واحدة واثنتين ، كأنّ المراد به كفّ وكفّان.

أمّا قوله : « ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك » فغير خفي ما فيه ، والأمر سهل.

اللغة :

في الصحاح : العَكَرُ دُرديّ الزيت وغيره ، وعكر الشراب والماء والدهن آخره وخاثره(٣) .

( وفي القاموس : الشوهة بالضمّ البُعد(٤) . وفيه : الشن القربة(٥) )(٦) .

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » و « د » : هو الحسن بن علوان وهو عامي ثقة على ما في النجاشي.

(٢) الكافي ١ : ٣٥١ / ٦ ، وفيه : بحبّ آل هذا البيت.

(٣) الصحاح ٢ : ٧٥٦ ( عكر ).

(٤) القاموس المحيط ٤ : ٢٨٩.

(٥) القاموس المحيط ٤ : ٢٤٢ ( شن ).

(٦) ما بين القوسين ليس في « د » و « فض ».


قوله :

باب استعمال فضل وضوء الحائض والجنب وسؤرهما.

أخبرني أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمّد بن الزبير ، عن علي ابن الحسن بن فضال ، عن أيوب بن نوح ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسنعليه‌السلام في الرجل يتوضّأ بفضل الحائض ، قال : « إذا كانت مأمونة فلا بأس ».

وبهذا الاسناد عن علي بن الحسن ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص بن القاسم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن سؤر الحائض ، قال : « توضّأ به (١) ، وتوضّأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة ( ويغسل يده قبل أنّ يدخلها ) (٢) الإناء ، وقد كان رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يغتسل هو وعائشة في إناء واحد ، ويغتسلان جميعاً ».

السند‌

أمّا المشترك بين الحديثين فأحمد بن عبدون ، وقد تقدم فيه القول(٣) .

وعلي بن محمّد بن الزبير مذكور في رجال الشيخ فيمن لم يرو عن‌

__________________

(١) في نسخة « ب » من الإستبصار ١ : ١٧ / ٣١ : توضّأ منه ، وفي الكافي ٣ : ١٠ / ٢ : لا توضّأ منه.

(٢) في الاستبصار ١ : ١٧ / ٣١ : وتغسل يدها قبل أن تدخلها ، وفي الكافي ٣ : ١٠ / ٢ : ثم تغسل يديها قبل أنّ تدخلهما.

(٣) راجع ص ٧٠.


أحد من الأئمّةعليهم‌السلام مهملاً(١) .

والنجاشي ذكر في ترجمة أحمد بن عبد الواحد ما صورته : وكان يعني أحمد قد لقي أبا الحسن علي بن محمّد القرشي المعروف بابن الزبير وكان علواً في الوقت(٢) .

والظاهر من « كان » العود إلى علي بن محمّد بن الزبير ، والعلو في الوقت بالعين المهملة على ما وجدناه من النسخ ، ولعلّ المراد به علوّ الشأن إمّا من جهة الوجاهة ، أو من جهةٍ أعلى منها ، غير أنّ الجزم بما يقتضي غير المدح في الجملة مشكل من اللفظ ، نعم في تكرار رواية أحمد بن عبد الواحد عنه قرينة على ما لا يخفى ، إذا لوحظ ما قدّمناه فيما مضى : من حرص المتقدّمين على الرواية عن غير الضعيف ، ( وإن وقع منهم ما يقتضي خلاف ذلك على وجه لا تُعلم حقيقته )(٣) (٤) .

وأمّا علي بن الحسن فهو ثقة فطحي.

وأيوب بن نوح في المختص بالسند الأوّل مغن عن البيان حاله.

ومحمّد بن أبي حمزة الظاهر أنّه الثمالي الثقة على ما قاله النجاشي(٥) ، والشيخ ذكر أيضاً محمّد بن أبي حمزة التيملي مهملاً ، من أصحاب الصادقعليه‌السلام (٦) ، ويحتمل الاتّحاد ، وبتقدير عدمه فاحتمال إرادته‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٨٠ / ٢٢.

(٢) رجال النجاشي : ٨٧ / ٢١١.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٤) راجع ص ٤٨ ٥٢.

(٥) لم نعثر على توثيقه في رجال النجاشي ( : ٣٥٨ / ٩٦١ ) ولكنه موجود في رجال الكشّي ٢ : ٧٠٧ / ٧٦١.

(٦) رجال الطوسي : ٣٠٦ / ٤١٧.


بعيد ، وإنّ لم يؤثّر في المقام شيئاً نافعاً.

وعلي بن يقطين واضح الجلالة ، وكذلك عبد الرحمن بن ابي نجران ، وصفوان ، والعيص ، في السند الثاني.

المتن :

في الحديث الأوّل ظاهر في نفي البأس عن فضل الحائض إذا كانت مأمونة ، أمّا الفضل فلا يبعد أنّ يراد به السؤر ، وصريح الشيخ في النهاية والمبسوط(١) أنّ المكروه السؤر ، وفي كلام المتأخرين اختلاف في أنّ السؤر ما باشر فم الحيوان(٢) ، أو جسم الحيوان(٣) ، وفي اللغة : السؤر ما يبقى بعد الشرب ، قاله الجوهري(٤) ، ولو لا تصريح الشيخ بما قلناه لأمكن أنّ يراد بالفضل في الحديث ( مباشرة مطلق الجسم )(٥) إنّ لم نقل به في السؤر ، وإنّ كان مجال الكلام في الأمرين واسعاً.

ثمّ إنّ الشيخ في النهاية قيّد الحائض بالمتّهمة(٦) ، وفي المبسوط أطلق(٧) ، والحديث كما ترى يدل على نفي البأس عن المأمونة ، ومقتضاه الكراهة في غير المأمونة ، وهي أعم من المتّهمة كما لا يخفى ، فما يوجد في كلام المتأخرين(٨) تبعاً للشيخ في النهاية من ذكر المتّهمة ، غير ظاهر الوجه.

__________________

(١) النهاية : ٤ ، المبسوط ١ : ١٠.

(٢) كما في معالم الفقه : ١٤٧.

(٣) كما في الذكرى ١ : ١٠٦ وجامع المقاصد ١ : ١٢٢.

(٤) الصحاح ٢ : ٦٧٥ ( سأر ).

(٥) في « رض » : مطلق مباشرة الجسم.

(٦) النهاية : ٤.

(٧) المبسوط ١ : ١٠.

(٨) منهم الفاضلان في المعتبر ١ : ٩٩ والقواعد ١ : ٥ والشهيد في اللمعة ( الروضة ١ ) : ٤٧.


وأمّا متن الحديث الثاني : فهو كما ترى لا يخلو من إجمال ، وإنّ كان مصرّحاً بالسؤر ، فيمكن حمل الفضل على السؤر ، ويرجع الحال إلى بيان السؤر ، وقد ذكرنا الإشكال في ذلك.

ووجه الإجمال في الحديث أنّ الجنب ، ظاهر الحديث عدم الكراهة فيه ، سواء كان مأموناً أو لا ، رجلاً أو امرأة.

وقد يحتمل أنّ يكون المراد بالجنب المرأة ، وقوله : « إذا كانت مأمونة » قيداً لهما ، ويدلُّ عليه ذكر اغتسال عائشة مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحينئذٍ يدل الحديث على أنّ السؤر ما باشره جسم الحيوان.

وربما يستفاد من ظاهر العلّة الشمول للرجل ، ويتحقق أنّ المراد بالسؤر المبحوث عنه في كلام الأصحاب ذلك ، وإنّ صرح البعض بأنّ المراد به ما باشره الفم(١) .

وقال شيخناقدس‌سره : إنّ الأظهر في تعريفه ما باشره فم حيوان ، واعترض على من عرّفه بأنّه ما باشره الجسم : بأنّه مخالف لما نص عليه أهل اللغة ، ودل عليه العرف العام ، بل والخاص أيضاً كما يعلم من تتبّع الأخبار وكلام الأصحاب ، وبأنّ الوجه الذي لأجله جعل السؤر قسيماً للمطلق مع كونه قسماً منه وقوع الخلاف في نجاسة بعضه من طاهر العين(٢) . انتهى.

وقد يقال : إنّ ما ذكره من كلام الأصحاب محلّ تأمّل ؛ لتصريح بعضهم بأنّ السؤر ما باشره جسم حيوان(٣) . وما ذكره من العلّة له وجه ، إلاّ أنّه لا يقتضي‌

__________________

(١) كما في معالم الفقه : ١٤٧.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ١٢٨ ١٢٩.

(٣) كالشهيد الثاني في الروضة البهية ١ : ٤٦.


انحصار السؤر في الفم ، بل على تقدير التعميم يتحقق جعله قسيماً.

واحتمال أن يقال ، : إنّ المباشرة بغير الفم يقال لها فضلة ؛ يوجب الإشكال في فضلة الكلب وما معه في حديث أبي العباس الآتي(١) ، فإنّه جعلهقدس‌سره دليلاً على أنّ السؤر ما باشر فم الحيوان. وسيأتي القول فيه(٢) ، إنّ شاء الله.

والحديث المذكور هنا وهو الثاني ظاهر الدلالة على أنّ السؤر يقال على غير الفم ، غاية الأمر أنّه لا يفيد الانحصار في الفم ، فيندفع به ما قدّمناه من الاتحاد ، إلاّ أنّ الحديث لمّا كان غير صحيح لا يفيد المطلوب.

نعم في صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسىعليه‌السلام : أنّه سأله عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضّأ منه؟ قال : « لا ، إلاّ أن يضطرّ إليه »(٣) .

( وفي الفقيه روى مرسلاً عن عليعليه‌السلام : أنّه سئل أيتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضّأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال : «(٤) بل من فضل وضوء جماعة المسلمين(٥) » )(٦) .

وقد حكى المحقق في المعتبر عن المفيد : أنّ له في سؤر اليهودي والنصراني قولين : أحدهما : النجاسة ، والآخر : الكراهة(٧) .

__________________

(١) في ص ١٥٤.

(٢) في ص ١١٥ ١٥٨.

(٣) التهذيب ١ : ٢٢٣ / ٦٤٠ ، الوسائل ٣ : ٤٢١ أبواب النجاسات ب ١٤ ح ٩.

(٤) في المصدر والوسائل زيادة : لا.

(٥) الفقيه ١ : ٩ / ١٦ ، الوسائل ١ : ٢١٠ أبواب الماء المضاف ب ٨ ح ٣.

(٦) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٧) المعتبر ١ : ٩٦.


ولو حمل على أنّ مراده بالسؤر ما باشر الجسم أمكن الاستدلال له بصحيح علي بن جعفر ، إلاّ أنّه لم يعلم الحال منه.

وفي المختصر الأحمدي لابن الجنيد ما هذا لفظه : والتنزّه عن سؤر جميع من يستحلّ المحرّمات من ملّي وذمّي وما ماسّوه بأبدانهم أحبّ إليّ إذا كان الماء قليلاً(١) .

وهذا الكلام غير صريح في تناول السؤر لما ماسّوه بأبدانهم ، لجعله قسيماً للسؤر كما لا يخفي.

إذا عرفت هذا يظهر لك أنّ إطلاق السؤر على ما باشره جسم الحيوان غير منفي من الأخبار وكلام الأصحاب ، ( غاية الأمر أنّ الأخبار الصحيحة لا تخلو دلالتها على ذلك من نظر ، إلاّ أنّ نفيها من الأخبار وكلام الأصحاب )(٢) مطلقاً محل نظر ، كيف وظاهر الشيخ هنا في(٣) نقل الخبر الثاني العمل به ، ودلالته من ظاهره غير خفية.

وممّا يدل أيضاً على ما قلناه من أنّ ظاهر الخبر في إرادة المرأة من الجنب ما رواه الكليني بسند معتبر ، ومتنه هكذا : قال : سألته عن سؤر الحائض ، قال : « لا تتوضّأ منه وتوضّأ من سؤر الجنب ، إذا كانت مأمونة وتغسل يدها »(٤) . إلى آخر الحديث الثاني.

ومخالفة الحديث لما رواه الشيخ ظاهرة في الحائض(٥) ، إلاّ أن التعليل(٦)

__________________

(١) حكاه عنه في معالم الفقه : ١٤٧.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « د ».

(٣) في « فض » : وفي.

(٤) الكافي ٣ : ١٠ / ٢ ، الوسائل ١ : ٢٣٤ أبواب الأسْآر ب ٧ ح ١.

(٥) في « فض » زيادة : والجنب.

(٦) في « رض » زيادة : الأوّل.


ربما يستفاد منه ما يعم الحائض والجنب غير المرأة. وفي البين كلام ، إلاّ أنّ الغرض كون المقام غير محرّر ( في كلام الأعلام )(١) .

وأمّا كلام الشيخ فالعنوان ظاهر القصور ، بل الأولى أنّ يقول : باب استعمال فضل الحائض والجنب وسؤرهما في الوضوء ، كما ذكره شيخناقدس‌سره : وإنّ كان فيه نوع تأمّل ، من حيث إنّه بناه على مغايرة السؤر للفضلة ، وهو يضرّ بالحال عنده في الخبر الدال على فضلة الكلب ؛ فإنّه إنّما يعتبر التعفير في الولوغ ، وهو ما باشره بفمه ، كما ينبّه عليه إنّ شاء الله تعالى(٢) .

قولهرحمه‌الله :

فأمّا ما رواه علي بن الحسن ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى ، عن منصور بن حازم ، عن عنبسة بن مصعب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « سؤر الحائض يُشرب منه ولا يُتوضّأ ».

وعنه ، عن معاوية بن حكيم ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في الحائض : « يُشرب من سؤرها ولا يتوضّأ منه ».

عنه ، عن علي بن أسباط ، عن عمه يعقوب بن سالم الأحمر ،(٣) عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته هل يتوضّأ من فضل (٤) الحائض؟ قال : « لا ».

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « د ».

(٢) يأتي في ص ١٥٧ ١٥٨.

(٣) في الاستبصار ١٧ / ٣٤ زيادة : عن أبي بصير.

(٤) في الاستبصار ١٧ / ٣٤ زيادة : وضوء.


فالوجه في هذه الأخبار ما فصّل في الأخبار الأوّلة ، وهو أنّه إذا لم تكن المرأة مأمونة فإنّه لا يجوز التوضي بسؤرها ، ويجوز أنّ يكون المراد بها ضرباً من الاستحباب.

والذي يدل على ذلك : ما أخبرني به أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمّد بن الزبير ، عن علي بن الحسن بن فضال ، عن العباس بن عامر ، عن حجاج الخشاب ، عن أبي هلال ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « المرأة الطامث أشرب من فضل شرابها ولا أُحبّ أنّ أتوضّأ منه ».

السند‌

أمّا الحديث الأوّل فرجاله قد تقدم فيهم الكلام(١) ، ما سوى صفوان ومنصور ، وجلالتهم أظهر من أنّ تبيّن.

وأمّا الثاني فالضمير في « عنه » ، يرجع إلى علي بن الحسن ، وحاله قد عرفته(٢) .

ومعاوية بن حكيم ، قال النجاشي : إنّه ثقة جليل في أصحاب الرضاعليه‌السلام (٣) ، والكشّي ذكر : أنّه فطحي مع جماعة(٤) ، وقد سمعت القول فيه في مثل هذا(٥) .

وأمّا الحسين بن أبي العلاء ، فلم أقف على توثيقه ، إلاّ أنّه نقل عن‌

__________________

(١) راجع ص : ١١٨ و ١٤٠.

(٢) في ص ١٤٠.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٥) راجع ص ١٠٨.


السيد جمال الدين بن طاوس أنّه وثّقه في البشرى ، والناقل ابن داود(١) ، وعلى تقدير ثبوت النقل ، فربما كان توثيقه من قول النجاشي ، نقلا عن أحمد بن الحسين ، على ما هو ظاهر من العبارة ، فإنّه قال : وقال أحمد بن الحسين : هو مولى بني عامر ، وأخواه علي وعبد الحميد ، روى الجميع عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وكان الحسين أوجههم(٢) .

ولمّا كان عبد الحميد ثقة لزم أنّ يكون الحسين ثقة.

وفيه : أنّ كونه أوجههم لا يفهم منه التوثيق ، سيّما وأحد الأخوين ليس بثقة ، على انّ أحمد بن الحسين غير معلوم الحال ، فإنّه ابن الغضائري ، واحتمال كون الكلام من النجاشي ممكن أيضاً ، ولكن لا يفيد كونه أوجه التوثيق ، على ما أفهمه.

وأمّا علي بن أسباط ، فإنّه ثقة فطحي ، كما قاله النجاشي ، وقال : إنه رجع(٣) . لكن لم يعلم الرواية عنه قبل الرجوع أو بعده ، فلا يؤثّر ذلك في صحّة رواياته لو سلمت من الطعن في غيره.

ويعقوب بن سالم الأحمر ، قال العلاّمة في الخلاصة : إنّه ثقة(٤) : وفي كتاب ابن طاوس نقلا عن النجاشي ذلك ، والظاهر أنّ العلاّمة أخذ منه ؛ لأنه كثير التتبع له ، لكن في النجاشي لم نجده(٥) ، فتأمّل.

__________________

(١) رجال ابن داود : ٧٩.

(٢) رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٧.

(٣) رجال النجاشي : ٢٥٢ / ٦٦٣.

(٤) خلاصة العلاّمة : ١٨٦.

(٥) يوجد في رجال النجاشي ( طبعة جماعة المدرسين ) : ٤٤٩ / ١٢١٢. وحكاه عنه التفريشي في نقد الرجال : ٣٧٨ ، والقهبائي في مجمع الرجال ٦ : ٢٧٤.


المتن :

ظاهر الدلالة بما يغني عن البيان ، وما حمله الشيخ ، فيه نظر ؛ لأنّ المرأة إذا لم تكن مأمونة فعدم جواز الوضوء من سؤرها غير واضح الوجه ؛ لأنّ الأصل الطهارة في الماء ما لم تعلم النجاسة ، كما تقدم في الأخبار ، وعليه(١) الأصحاب ، [ إذ(٢) ] لم ينقل التحريم على ما رأيت ، والأخبار غير صريحة في التحريم ، إذ البأس أعم منه ، إلاّ أنّ الشيخ في الكتاب غير معلوم أنّ يريد بما يقوله الحكم ، بل مجرّد الاحتمال ، إلاّ في مواضع ، كما يعلم بالتأمّل في الكتاب.

ولعلّ الاستحباب كما ذكره أولى ، والحديث الدال على ذلك حال رجاله ظاهرة.

( وأبو هلال مجهول الحال )(٣) .

وأمّا حجاج الخشاب ، فقد وثّقه النجاشي نقلا عن أبي العباس(٤) ، على وجه فيه نوع إبهام ، وقد تقدم الكلام في مثله.

والحديث الذي نقلناه عن الكافي(٥) . وأنّه معتبر الإسناد ، لا يشكل علينا الحال به في عدم التحريم ؛ لعدم معلومية القائل على تقدير(٦) صحة الحديث.

ثمّ إنّ الأخبار الدالة على التعليل بكون الحائض مأمونة ، غير سليمة‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : أكثر.

(٢) في النسخ : إذا ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٤) رجال النجاشي : ١٤٤ / ٢٧٣.

(٥) راجع ص ١٤٤.

(٦) في « فض » و « د » زيادة : تمام.


الإسناد كما علمت ، والحديث المعتبر دال على النهي عن سؤر الحائض مطلقاً ، والقول بالكراهة في الحائض مطلقاً لا يخلو من وجه ، إنّ لم يثبت بالأخبار الغير السليمة مثل هذا القيد.

ويمكن أنّ يحمل قولهعليه‌السلام في الخبرين الأوّلين على الإنكار ، بمعنى أنّه كيف يشرب منه ولا يتوضّأ؟! وهذا وإنّ بَعُد ، ليس بأبعد من تأويلات الشيخ في كثير من المواضع ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

قوله :

باب استعمال أسآر الكفار‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله قال : أخبرني جعفر بن محمّد بن قولويه ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن سعيد الأعرج ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن سؤر اليهودي والنصراني ، فقال : « لا ».

وبهذا الإسناد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أيوب بن نوح ، عن الوشاء ، عمّن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه كره سؤر ولد الزنا واليهودي والنصراني والمشرك وكل من خالف الإسلام ، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب.

السند‌

أمّا الحديث الأوّل : فحسن بإبراهيم بن هاشم ، وباقي رجاله ليس في توثيقهم ارتياب سوى سعيد الأعرج ، فإنّ الظاهر أنّه ثقة ، غير أنّ العلاّمة في‌


المختلف قال : إنّ سعيد الأعرج لا أعرف حاله ؛ فلا حجة في روايته لجهل عدالته(١) .

وأظنّ أنّ الاشتباه وقع للعلاّمة ، من حيث إنّ النجاشي ذكر سعيد بن عبد الرحمن الأعرج ( ووثقه(٢) ، ونقل ذلك العلاّمة في الخلاصة أيضاً(٣) .

والشيخ في الفهرست قال : سعيد الأعرج له أصل(٤) . ولم يوثّقه.

والكشّي قال : سعيد الأعرج )(٥) ونقل فيه رواية(٦) .

ولمّا كان من دأب العلاّمة في المختلف سلوك سبيل الاستعجال ، كما يظهر من مراجعته ، لم يبذل الجهد في النظر إلى كلام الشيخ ، فإنّه ذكر أنّ سعيد الأعرج له كتاب يرويه عنه صفوان. والنجاشي قال في سعيد بن عبد الرحمن الأعرج : إنّ كتابه يرويه عنه صفوان. والاتحاد له ظهور ، وباب الاحتمال وإنّ اتسع ، إلاّ أنّ في مثل هذا بعيد عن الدخول فيه.

وما فعله الشيخ ، من تكرار سعيد الأعرج وسعيد بن عبد الله(٧) الأعرج في كتاب الرجال(٨) لا يؤثر(٩) التعدّد ، كما يعلم من إفادة الشيخ ، والله تعالى أعلم.

وأمّا الحديث الثاني : فليس فيه إلاّ الإرسال ، وعدم توثيق الوشاء ، بل هو معدود من الممدوحين ، وما ذكره الشيخ في آخر باب الخمس من‌

__________________

(١) المختلف : ٦٨٥.

(٢) رجال النجاشي : ١٨١ / ٤٧٧.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٨٠ / ٦.

(٤) الفهرست : ٧٧ / ٣١٣.

(٥) ما بين القوسين ساقط من « د ».

(٦) رجال الكشّي ٢ : ٧٢٧.

(٧) في « رض » : عبد الرحمن.

(٨) رجال الطوسي : ٢٠٤ / ٢٤ ، ولم نعثر فيه على عنوان سعيد الأعرج.

(٩) في « د » : لا يؤكّد.


التهذيب : أنّ الوشاء كان يقول بالوقف ثم رجع(١) ، يتوقف الحكم به على كونه من كلام الشيخ ، ولم يعلم ، بل احتمال كونه من ابن عقدة راوي الحديث أقرب.

واحتمال كونه من الراوي عن الوشاء بغير فصل وهو محمّد بن المفضل ابن إبراهيم الذي وثّقه النجاشي(٢) وإنّ قرب ، إلاّ أنّه لا يوجب الجزم(٣) ، على أنّ توثيقه لا يخلو من شي‌ء كما يظهر من مراجعة النجاشي ، فتأمّل.

نعم في كتاب كمال الدين حديث يدل على أنّ الوشاء كان يقول بالوقف(٤) ، ولم يحضرني الآن حاله ، لكنّي أظنّ عدم الصحة ، ولا فائدة في تحقيق الحال في هذا الحديث بعد الإرسال.

اللغة :

قال في الصحاح : السؤر ما يبقى بعد الشرب(٥) ، وفي القاموس : الأسآر جمع سؤر بالهمز وهو الفضلة والبقية(٦) .

المتن :

أمّا الأوّل : فهو مروي في الكافي بطريق صحيح(٧) ، كما ذكره‌

__________________

(١) التهذيب ٤ : ١٥٠.

(٢) رجال النجاشي : ٣٤٠ / ٩١١.

(٣) في « رض » زيادة : إلاّ انّ يكتفى بالظهور ، وفيه ما فيه.

(٤) لم نعثر عليه في كمال الدين ، ولكنّه موجود في العيون ٢ : ٢٣١ ب ٥٥.

(٥) الصحاح ٢ : ٦٧٥ ( سأر ).

(٦) القاموس المحيط ٢ : ٤٤ ( سؤر ).

(٧) الكافي ٣ : ١١ / ٥ ، الوسائل ١ : ٢٢٩ أبواب الأسئار ب ٣ ح ١.


شيخناقدس‌سره في فوائده على الكتاب ، وقد تقدم منّا ذكر صحيح علي بن جعفر الدال على أنّ اليهودي والنصراني إذا أُدخل يده في الماء لا يتوضّأ منه إلاّ أنّ يضطر إليه(١) ، وقد جعلها الوالد :قدس‌سره دليلاً على كراهة سؤر اليهودي والنصراني إذا قيل بطهارته ، قالقدس‌سره : والقائل بالطهارة مصرّح به(٢) .

وفي نظري القاصر : أنّه لا يخلو من غرابة ؛ لصراحة الحديث في إدخال اليد ، والحال أنّهقدس‌سره في أوّل باب السؤر ، قريباً من هذا القول ، صرّح بأنّ المبحوث عنه هو ما يكون من الماء القليل ، مع مباشرة فم الحيوان له(٣) .

ولعلّ هذا الحديث على تقدير القول بنجاسة أهل الكتاب يدلّ على طهارة السؤر ، ويفسّر بما باشره الجسم ، لكنّي لم أقف على سوى ما قاله المحقق في المعتبر عن المفيد ، إنّ له قولاً بالكراهة(٤) . ولم نعلم ما فسّر به السؤر ، واحتمال التقية فيه لا يكاد يحوم حوله التسديد ، وإنّ ذكره الأصحاب غير القائلين بالطهارة في الجواب.

فإنّ قلت : لا بُعد في الحمل على التقية من حيث الإشعار في الجواب بإرادة التنزّه عنهم من دون الضرورة.

قلت : سياق الحديث لا يوافق على هذا.

وقد يمكن توجيه ما ذكرت للضرورة ، حيث قد ادّعى بعض الإجماع‌

__________________

(١) في ص ١٤٣.

(٢) معالم الفقه : ١٤٩.

(٣) معالم الفقه : ١٤٧.

(٤) المعتبر ١ : ٩٦.


على النجاسة(١) ، وإنّ كان في هذه الدعوى كلام يظهر من ملاحظة الإجماع المدّعى في كلام المتأخّرين من الأصحاب ، لا سيّما في مثل هذا الحكم ، كما يعلم من المعتبر(٢) .

إذا عرفت هذا : فالحديث الثاني لا يخلو دلالته على مطلوب الشيخ من نظر ؛ لأنّه كثيراً ما يستدل على كراهة بعض الأشياء بالأخبار الوارد فيها هذا اللفظ ، وينبّه [ عليه(٣) ] التصريح في الخبر الذي يستدل به ، وفيما نحن فيه كذلك ، فإن كراهة سؤر ولد الزناء يقتضي مساواة غيره مما ذكر معه ، فإنّ أراد ( أنّ يعدل )(٤) عن معنى الكراهة إلى التحريم بقرينة ما ذكر معه ، فكان الأولى أنّ ينبّه عليه.

على أنّ عدم ذكر ولد الزناء في العنوان إنّ كان لأنّه داخل في الكفار كما ينقل عن البعض كالسيّد المرتضى(٥) ، وابن إدريس(٦) فالشيخ أيضاً قائل به إنّ اعتمد على قوله في الكتاب ، وإنّ كان لغير ذلك لا يوافق مطلوبه.

وقد ذكر العلاّمة في المنتهى هذه الرواية في الاحتجاج للقول بكفره ، موجّهاً له بوجه لا يخلو من تكلّف ، وأجاب بأنّ الرواية مرسلة ، سلّمنا ، لكن قول الراوي : كره ، ليس إشارة إلى النهي ، بل الكراهة التي في مقابلة الإرادة ، وقد يطلق على ما هو أعم من المحرّم والمكروه ، سلّمنا : لكن‌

__________________

(١) الانتصار : ١٠.

(٢) المعتبر ١ : ٩٦.

(٣) في النسخ : على ، والظاهر ما أثبتناه.

(٤) في « ض » و « فض » : انّا نعدل.

(٥) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٤٠٠.

(٦) السرائر ١ : ٣٥٧ و ٢ : ١٢٢.


الكراهة قد تطلق على النهي المطلق(١) .

ولعلّ هذا الجواب له نوع وجه ، وبه يندفع عن الشيخ بعض الإشكال ، فليتأمّل في حقيقة الحال.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي(٢) عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل هل يتوضّأ من كوز أو من إناء غيره إذا شرب على أنّه يهودي ، فقال : « نعم » فقلت : من ذلك الماء الذي يشرب منه ، قال : « نعم ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على من يُظنّ أنّه كافر ولا يُعرف على التحقيق ، فإنّه لا يحكم له بالنجاسة إلاّ مع العلم بحاله ، ولا يعمل فيه على غلبة الظنّ ، أو يحمل على من كان يهودياً فأسلم ، فإنّه لا بأس باستعمال سؤره ، ويكون حكم النجاسة زائلاً عنه.

السند‌

معدود من الموثّق ؛ لأنّ الطريق إلى سعد : الشيخ المفيد ، عن جعفر ابن محمّد بن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله.

وقد عرفت القول في محمّد بن قولويه سابقاً(٣) .

__________________

(١) المنتهى ١ : ٢٧.

(٢) في الاستبصار ١ : ١٨ / ٣٨ : عمار بن موسى الساباطي.

(٣) في ص ١١٢.


وبقية الرجال بعد سعد كلهم موثقون غير إمامية ، ولي في بعضهم كلام ، إلاّ أنّ الخروج عن منهج مشايخنا ومن قبلهم تركه أولى.

وعلى كل حال بعد سلامة ابن قولويه من الإشكال الرواية موثّقة.

المتن :

ما حمله الشيخ عليه من البعد بمكان ، سيّما الثاني.

وما قاله شيخناقدس‌سره في فوائده على الكتاب من الحمل على التقية له وجه.

وقد يحتمل أنّ يكون قوله في الرواية : أو من إناء غيره. اشتباهاً على الراوي بعد السؤال ، وإنّما كان السؤال عن الكوز ونجاسته بشرب اليهودي منه محل كلام ، وفي هذا أيضاً تكلف ، والتقية لا كلفة فيها ، ومن لم يعمل بالحديث في غنية من هذا كله.

قوله :

باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال : « اغسل الإناء » وعن السنّور قال : « لا بأس أنّ يتوضّأ من فضلها إنّما هي من السباع ».

وبهذا الاسناد ، عن حماد ، عن حريز ، عن الفضل أبي العباس ،


قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن فضل الهرّة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع ، فلم أترك شيئاً إلاّ سألته عنه ، فقال : « لا بأس به » حتى انتهيت إلى الكلب ، فقال : « رجس نجس ، لا تتوضّأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أوّل مرة ثم بالماء ».

السند‌

أمّا الأوّل : فقد تقدم القول فيه(١) وأنّه معتبر عند المتأخرين.

وأمّا الثاني : فهو كذلك ، والفضل جلالته غير خفية ، وبعض الروايات في الكشّي(٢) يمكن توجيه عدم المنافاة فيها ، وقد سبق ذكر ذلك في أول الكتاب في حريز بن عبد الله ، حيث تضمنت الرواية قول أبي العباس لأبي عبد اللهعليه‌السلام : والله لقد عاقبت حريزاً بأعظم ممّا صنع ، فقال لهعليه‌السلام : « ويحك »(٣) إلى آخره. فإنّ قول أبي العبّاس في مقام خطاب الإمامعليه‌السلام يقتضي نوع نقض(٤) ، وقولهعليه‌السلام : « ويحك » كذلك ، ووجه اندفاع المنافاة مذكور في كتاب شيخنا ، سلمه الله في الرجال(٥) ، وسيجي‌ء في موضع من هذا الكتاب تفصيل المقال(٦) .

__________________

(١) راجع ص : ٣٩ ، ٤٣ ، ٥٦.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٢٧ / ٦١٥ ، ٦٨٠ / ٧١٧.

(٣) راجع ص : ٥٧.

(٤) في « رض » و « د » : نقص.

(٥) منهج المقال : ٩٤.

(٦) يأتي في ج ٤ : ١٩١ ١٩٤.


المتن :

أمّا في الحديث الأوّل : فهو صريح في غسل الإناء بحيث يتحقق بالمرّة إلى أنّ يثبت ما يقيده.

وما تضمّنه من أنّه لا بأس بفضل السنّور استدل به القائل بطهارة سؤره مضافاً إلى الأصل ، والوالدقدس‌سره مشى على هذا المسلك(١) ، وظاهره أنّ الفضلة هي السؤر ، بما قدّمه من تفسيره بما باشره الفم(٢) . فتختص الفضلة به ، واستفادة ذلك من الفضلة مطلقاً لا يخلو من تأمّل ، كما سبق ذكر(٣) الوجه فيه(٤) ، إلاّ أنّ في مثل هذه الرواية لا يبعد ما ذكره.

وحكىقدس‌سره عن العلاّمة أنّه حكى عن ابن إدريس الحكم بنجاسة ما يمكن التحرز عنه : ممّا لا يؤكل لحمه ، من حيوان الحضر غير الطير(٥) . وسيأتي من المصنف أنّ ما لا يؤكل لحمه لا يجوز استعمال سؤره(٦) ، وهذا الخبر صريح في طهارة فضل الهرة ، فإنّ كان مراده بالسؤر غير الفضلة يتعين إرادته هنا بالفضلة ما باشره السنور بغير الفم ، وإنّ اتحدا كان بين كلامي الشيخ تخالف.

والوالد :قدس‌سره نسب إلى الشيخ في الاستبصار القول بالمنع من سؤر ما لا يؤكل لحمه(٧) ، نظراً إلى العبارة الآتية ، والحال أنّ نقله هذه الرواية‌

__________________

(١) معالم الفقه : ١٥٠.

(٢) معالم الفقه : ١٤٧.

(٣) في النسخ : ذكره. والظاهر ما أثبتناه.

(٤) راجع ص ١٤٤.

(٥) معالم الفقه : ١٥٠.

(٦) ص ١٩٠.

(٧) معالم الفقه : ١٤٩.


لا يوافق ذلك ، بل لا بُدّ من تخصيص كلام الشيخ ، فلا يتم نقل القول على الإطلاق ، وربما يستفاد من تعليله الآتي ما يتناول السنور ، ولا مانع من سؤره.

ثم التعليل في الرواية بأنها من السباع موجود أيضا في روايات أُخر(١) وربما دل على طهارة سؤر جميع السباع ، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنّ السبع ما يأكل اللّحم(٢) .

وأمّا الحديث الثاني فهو صريح في طهارة سؤر السباع ، إلاّ أنّ ذكر الوحش قد يأبى تفسير السباع بما تأكل اللّحم ، والجمع ليس بعسير لو صحت الأخبار الدالة على تفسير السباع.

وما تضمنته الرواية من قوله : فلم أترك شيئاً. الظاهر أنّ المراد به ما خطر في باله ؛ لأنّه ينفي من الحيوان الذي عينه نجسة غير الكلب كما لا يخفى ، ( أو أنّ المراد لم أترك ممّا قلته ، وفيه بعد )(٣) .

ثم ما تضمّنته من الأمر بالغَسل من دون تقييد بالمرتين هو الموجود في التهذيب(٤) أيضاً ، إلاّ أنّ العلاّمة في المنتهى(٥) والمحقق في المعتبر(٦) نقلاه بلفظ مرّتين ، وفي المختلف نقله كما هنا من غير لفظ مرّتين(٧) ، ولا يخلو من غرابة.

__________________

(١) الوسائل ١ : ٢٢٧ أبواب الأسآر ب ٢.

(٢) الوسائل ٢٤ : ١١٥ أبواب الأطعمة المحرمة ب ٣ ح ٧.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) التهذيب ١ : ٢٢٥ / ٦٤٦.

(٥) المنتهى ١ : ١٨٨.

(٦) المعتبر ١ : ٤٥٨.

(٧) المختلف ١ : ٦٤.


وظاهر المنتهى أنّه لا خلاف في التعدد بالماء مع التراب(١) .

والحديث كما ترى لا ذكر فيه للإناء ، والمتضمن للإناء وهو الأوّل لا يوجب تخصيص الثاني ولا تقييده ، فلا أدري وجه ذكر الأصحاب الإناء في التعفير بالتراب.

وصريح الخبر فضلة الكلب ، وقد تقدم القول في احتمال الفضلة لغير السؤر(٢) ، إلاّ أنّ الأصحاب الذي رأينا كلامهم عدا المفيد على ما نقله في المختلف(٣) عنه قائلون بالولوغ ، وأمّا المفيد فالمنقول عنه أنّ الكلب لو خالط الإناء ببعض أعضائه يغسل مرّة بالماء وثانية بالتراب وثالثة بالماء(٤) . وربما يصلح الحديث باعتبار ذكر الفضلة للاستدلال له ، ( وقد سبق احتمال ظهور السؤر من الخبر )(٥) ولو جعلنا السؤر ما باشره الجسم اتّحدا ، ولعل(٦) الولوغ مخصوص عندهم بغير ما ذكر.

والعجب أنّ العلاّمة قال في المختلف : والمشهور إيجاب التراب في الولوغ خاصة ، وهو المعتمد ، لنا أنّ الحكم معلّق بالولوغ(٧) . والحال أنّه لم يذكر سوى رواية أبي العباس ، وهي كما ترى.

والرواية التي نقلها الشيخ هنا أوّلاً وإنّ تضمّنت الشرب ( من الإناء ، إلاّ أنها لا تتضمن التراب ، غير أنّ تقييد الغَسل بالتراب لا بُدّ منه ، أمّا تقيد‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ١٨٧.

(٢) راجع ص ١٤٣.

(٣) المختلف ١ : ٣٣٧.

(٤) المقنعة : ٦٨.

(٥) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٦) في « د » و « فض » : أمّا.

(٧) المختلف ١ : ٣٣٧.


التراب بالإناء والشرب )(١) غير ظاهر الوجه ، واحتمال انصراف الفضلة إلى الشرب والإناء محل كلام.

نعم نقل شيخناقدس‌سره رواية عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله تتضمن ذكر الولوغ والغَسل سبعاً(٢) . والرواية مرسلة ، ومخالفة لما ذكره معتَبِر الثلاث.

وحكى في المختلف عن ابن إدريس مزج التراب بالماء مستدلاّ بأنّ حقيقة الغَسل جريان الماء(٣) . وكأنّ غرضه أنّ المزج أقرب إلى حقيقة الغسل ، وعند تعذّر الحقيقة يصار إلى أقرب المجازات ؛ ويظهر من شيخنا(٤) قدس‌سره توجيهه بما قلناه.

واعترض عليه بعض محققي المعاصرين(٥) بلزوم مجازين على هذا التقدير في الغَسل والتراب(٦) .

وقد يقال : إنّ المزج ربما لا يخرج التراب عن الحقيقية ، فلا يلزم المجاز بمجرد المزج ، وهذا هو الذي يظهر من كلام ابن إدريس أيضاً ، وفي البين كلام طويل ذكرته في محل آخر.

غير أنّه ينبغي أنّ يعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن الشيخ في الخلاف والمبسوط ما يقتضي أنّ التعدّد في الماء وإنّ كان كثيراً إذا بلغ الكرّ.

واعترض عليه بأنّ العدد إنّما يعتبر في الإناء الذي يصب فيه الماء ،

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) مدارك الاحكام ٢ : ٣٩١.

(٣) المختلف ١ : ٣٣٧ وهو في السرائر ١ : ٩١.

(٤) مدارك الأحكام ٢ : ٣٩٢.

(٥) في « فض » : المتأخّرين.

(٦) كالشيخ البهائي في مشرق الشمسين : ٤٢٨.


أمّا مع وقوعه في الكثير [ أو(١) ] الجاري فلا يعتبر التعدد ، واستدل بحديث عمار الساباطي عن الصادقعليه‌السلام وقد سأله عن كيفية غسل الكوز والإناء إذا كان قَذِراً قال : « يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ثم يصب فيه ماء آخر ثم يفرغ ( ثم يصب ماء آخر ثم يفرغ )(٢) وقد طهر » قال : وهو يدل بمفهومه على أنّ العدد إنّما يكون مع صب الماء في الإناء(٣) . انتهى.

وأنت خبير بما في الاستدلال من القصور ، أمّا أوّلاً : فلأنه في الاستدلال على حكم الولوغ إنّما استدل برواية أبي العباس وليس فيها ذكر الإناء ولا لفظ مرّتين فمن أين جاء التعدد؟

وأمّا ثانياً : فلأنّ حديث عمار يتضمن الغسل ثلاثاً ، ودلالته على أنّ التعدد منحصر في القليل غير واضحة كما لا يخفى على المتأمّل.

قوله :

وأخبرني الشيخ ، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن معاوية بن شريح قال : سأل عذافر أبا عبد الله عليه‌السلام وأنا عنده عن سؤر السنور ، والشاة ، والبقر ، والبعير ، والحمار ، والفرس ، والبغال ، والسباع ، يشرب منه أو يتوضأ منه ، فقال : « نعم اشرب منه وتوضّأ » قال : قلت له : الكلب ، قال : « لا » قلت له : أليس هو سبع؟ قال : « لا والله إنّه نجس ، لا والله إنّه نجس ».

__________________

(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٢) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٣) المختلف ١ : ٣٣٩ وهو في الخلاف ١ : ١٧٩ والمبسوط ١ : ١٤.


سعد (١) عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبد الله بن بكير ، عن معاوية بن ميسرة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام مثله.

السند‌

أمّا الأوّل : فقد تقدم القول فيه مكرراً(٢) ، وأحمد بن محمّد هو ابن عيسى ، وأيوب بن نوح وصفوان حالهما في الجلالة غنية عن البيان.

وأمّا معاوية بن شريح : فالنجاشي ذكر معاوية بن ميسرة بن شريح وأنّه روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٣) ، ولم يوثّقه.

والشيخ في الفهرست قال : معاوية بن شريح ، له كتاب يرويه عنه ابن أبي عمير ، وذكر أيضاً معاوية بن ميسرة له كتاب يرويه عنه علي بن الحكم(٤) . فالظاهر الاتحاد ، كما في النجاشي ، وقد ذكر النجاشي أنّ كتابه يرويه محمّد بن أبي عمير(٥) ، وعلى كل حال فالرجل غير موثق.

وأمّا الثاني : فالطريق إلى سعد هو الطريق إليه في الأوّل ، والكلام الكلام ، وأحمد بن الحسن وابن بكير فطحيّان ثقتان ، ومعاوية بن ميسرة عرفت القول فيه ، وربما دلت الرواية على التغاير ، ويحتمل الدلالة على الاتحاد ، والفائدة غير مهمة.

المتن :

في الأوّل ظاهر في طهارة سؤر كل ما ذكر فيه مؤيّداً لغيره ، وكذلك‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٩ / ٤٢ : سعد بن عبد الله.

(٢) راجع ص ١١١.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٠ / ١٠٩٣.

(٤) الفهرست : ١٦٦ / ٧٢٧ ، ١٦٧ / ٧٣١.

(٥) رجال النجاشي : ٤١٠ / ١٠٩٣.


يدل على نجاسة الكلب ، لكنه يدل على أنّ تفسير السبُع بما يأكل اللحم غير تامّ ، والأمر سهل.

والوالدقدس‌سره قال : إنّ الطريق إلى معاوية صحيح لكنه مجهول(١) ، وقد تقدم منّا الكلام في محمّد بن قولويه(٢) ، فإني لم أعلم توثيقه.

قوله :

فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الوضوء ممّا ولغ فيه الكلب والسنور أو شَرِب منه(٣) جمل أو دابّة أو غير ذلك أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال : « نعم ، إلاّ أنّ تجد غيره فتنزّه عنه ».

فليس هذا الخبر منافياً للأخبار الأوّلة ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه إذا كان الماء كرّاً أو أكثر منه.

والذي يدل على ذلك : ما أخبرني به الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر أحمد بن محمّد عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « ليس بفضل السنور بأس ( بأنّ تتوضّأ منه وتشرب ولا تشرب ) (٤) سؤر الكلب إلاّ أنّ يكون حوضاً كبيراً يستقى منه ».

__________________

(١) معالم الفقه : ١٥٠.

(٢) في ص ١١٢ ١١١.

(٣) في « فض » و « د » : فيه.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٠ / ٤٤ : أنّ يُتوضأ منه ويُشرب منه ولا يُشرب.


وبهذا الاسناد عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن محمّد بن مسلم ، قال : سألته عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل منه (١) الجنب قال : « إذا كان الماء (٢) قدر كرّ لم ينجسه شي‌ء ».

السند‌

قد تقدم الطريق إلى الحسين بن سعيد(٣) ، وأنّ ابن سنان هو محمّد على الظاهر(٤) .

وأمّا ابن مسكان : فهو عبد الله ؛ لأنّ النجاشي قال في ترجمته : له كتب ، وذكر من رواتها محمّد بن سنان(٥) . وأمّا محمّد بن مسكان : فهو مذكور في كتاب الرجال للشيخ وأنّه مجهول(٦) . واحتماله هنا لا قرينة عليه ، والقرينة(٧) مرجّحة إرادة عبد الله ، وإن كان غير مفيد هنا كما لا يخفى.

وأمّا الخبر الذي يدلّ على ما ذكره الشيخ فقد تقدم القول في ذكر رجاله أيضاً(٨) .

وتفسير أبي جعفر بأحمد بن محمّد بن عيسى ربما يؤيد ما قاله‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٠ / ٤٥ : فيه.

(٢) ليست في الاستبصار ١ : ٢٠ / ٤٥.

(٣) راجع ص : ٧٠.

(٤) راجع ص : ١٢١.

(٥) رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩.

(٦) رجال الطوسي : ٣٠٢ / ٣٥٠.

(٧) في « فض » و « د » زيادة : على غيره.

(٨) راجع ص : ٧١ ، ٧٣ ، ١١٠ ١١٣ ، ١١٥.


العلاّمة في الخلاصة ، من أنّ المراد بأبي جعفر في رواية الشيخ عن سعد بن عبد الله عن أبي جعفر ، هو أحمد بن محمّد بن عيسى(١) .

إلاّ أنّ قول العلاّمة : ذكره الشيخ وغيره. قد يشكل بأنّ محمّد بن يعقوب في الكافي في باب تاريخ مولد الصادقعليه‌السلام قال : سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر محمّد بن عمر بن سعيد ، عن يونس بن يعقوب(٢) . والظاهر أنّ أبا جعفر هذا هو الزيّات ، إلاّ أنّهم لم يذكروا كنيته بأبي جعفر.

ولو لا اتفاق نسخ الكافي التي رأيناها لاحتمل كونه بن عثمان وعمر تصحيف ، فيكون محمّد بن عثمان بن سعيد العمري ، فإنّه يكنّى بأبي جعفر وسعد يروي عنه ، فقد يحتمل أنّ يكون مراد العلاّمة أنّ أبا جعفر مع الإطلاق ما ذكره ، والتقييد حكم آخر ، فتأمّل.

اللغة :

الولوغ على ما ذكره جماعة من أهل اللغة ـ(٣) شرب الكلب ممّا في الإناء بطرف لسانه ، أو إدخال لسانه فيه وتحريكه(٤) .

المتن :

على ظاهر كلام من سمعت كلامه لا يتم فيه تأويل الشيخ ، إلاّ بأنّ يراد بالولوغ الأعم من الشرب من الإناء ، ويصير في عرف الأئمّةعليهم‌السلام غير‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٧١.

(٢) الكافي ١ : ٤٧٥ / ٨.

(٣) في « فض » و « رض » زيادة : أنّه.

(٤) القاموس المحيط ٣ : ١١٩ ( ولغ ) ، الصحاح ٤ : ١٣٢٩ ( ولغ ).


العرف اللغوي ، أو أنّه مجاز ، ولو أُريد بالإناء ما يتناول الكرّ ففيه إشكال ، إلاّ أنّ ضرورة الجمع يقتضي ما ذكره الشيخ.

وربما يشكل الحال ، بأنّ ظاهر الحديث التنزّه عنه مع وجود غيره ، فيدل على كراهية الوضوء والغسل من الماء الكثير إذا ولغ فيه الكلب والسنور والجمل والدابة ، ولم أعلم الآن القائل به ، غير أنّ الحديث حاله غير خفية ، والأمر بالنسبة إلى غير الشيخ ممّا يتوقف عمله على صحة الخبر سهل.

والحديث الأخير قد تقدم سنداً ومتناً في أوّل كتاب الطهارة(١) ، فالكلام السابق فيه يغني عن الإعادة.

بقي شي‌ء : وهو أنّ جماعة من الأصحاب المتأخّرين ذكروا أنّ لطع الكلب الإناء بلسانه بمنزلة الولوغ ، وإنّ لم يصدق عليه اسمه حقيقة ، بل لأنّه الأولى في الحكم من الولوغ ، فيتناوله الدليل بمفهوم الموافقة(٢) ، قال الوالدقدس‌سره : ولا بأس به(٣) .

وفي نظري القاصر أنّ أصل مفهوم الموافقة محل بحث على طريقة الأصحاب ؛ لأنّ العلّة لا بُدّ منها عند المحققين فيه ، والعلّة إمّا منصوصة أو مستنبطة ، والثانية ليست بحجة في غيره ، وليس في مفهوم الموافقة دليل على حجيتها ، بل الظاهر منهم نفي المستنبطة مطلقاً كما يعلم من الأُصول ، والأولى إذا تحققت جرى حكمها في كل موضع يتحقق فيه ، من غير فرق‌

__________________

(١) في ص ٣٩.

(٢) منهم المحقق والشهيد الثانيان في جامع المقاصد ١ : ١٩٠ والروضة ١ : ٦٣ وصاحب المدارك ٢ : ٣٩٠.

(٣) معالم الفقه : ٣٣٦.


بين كون المسكوت عنه أولى أو يساوي المنطوق.

وإذا علمت هذا فما نحن فيه لا يتم إذا لم يتحقق الولوغ حقيقة ، كما اعترفوا به ، فينبغي التأمّل في هذا ، فإنّي لم أجد من ذكره ، وفي الظن أنّ ذكر(١) مفهوم الموافقة بتبعيّة(٢) أهل الخلاف ، وعلى قواعدهم له وجه غير خفي ، والله أعلم بالحال.

قوله :

باب الماء القليل يحصل فيه شي‌ء من النجاسة‌

أخبرني أبو الحسين بن ابي جيد القمي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد ؛ والحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن الجنب يجعل الركوة (٣) والتور (٤) فيدخل إصبعه فيه قال : « إنّ كانت يده قذرة فأهرقه ، وإنّ كان لم يصبها قذر فليغتسل منه ، هذا ممّا قال الله تعالى ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٥) .

وبهذا الإسناد ، عن الحسين بن سعيد ، عن أخيه الحسن ، عن‌

__________________

(١) في « د » : أذكر.

(٢) في « فض » و « رض » : يتبعه.

(٣) الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء النهاية لابن الأثير ٢ : ٢٦١ ( ركا ).

(٤) التور : بالفتح فالسكون : إناء صغير من صفر أو خزف يُشرب منه ويتوضأ فيه ، مجمع البحرين ٣ : ٢٣٤ ( تور ).

(٥) الحج : ٧٨.


زرعة ، عن سماعة (١) ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني ».

السند‌

قد تقدم الكلام في رجال الحديثين(٢) ، سوى الحسن بن سعيد وزرعة ، والحسن ثقة بغير ارتياب ، وزرعة ثقة واقفي كما ذكره النجاشي(٣) ، والحسين بن الحسن بن أبان في الأوّل معطوف على الصفار.

المتن :

ظاهر الحديث الأوّل بتقدير العمل به وجوب الإهراق ، والقائل بالوجوب موجود(٤) ، وتأويل المحقق في المعتبر بأنّ الإهراق كناية عن عدم الاستعمال في الطهارة(٥) . محل كلام ، كما ذكرناه في حاشية التهذيب.

وما تضمّنه قوله : « هذا ممّا قال الله » إلى آخره ، لا يخلو من خفاء ، فإنّ الإصبع مع الطهارة لا يناسب الآية ظاهراً ، ولعل الوجه في ذلك أن الجنب لو مُنع من إدخال شي‌ء في الماء لكان حرجاً ، إلاّ أنّ يكون العضو قذِراً.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٠ / ٤٧ : سماعة بن مهران.

(٢) راجع ص ٧١ ، ٣٩ ، ٤١ ، ١١٧ ، ١٦٢ ، ٧٠ ، ٧٢ ٨٣ ١٢٥ ، ١٠٨ ١١٠.

(٣) رجال النجاشي : ١٧٦ / ٤٦٦.

(٤) منهم الشيخان في المقنعة : ٦٩ والنهاية : ٦.

(٥) المعتبر ١ : ١٠٤.


وهذان الحديثان لو صحّا لدفعا قول ابن أبي عقيل(١) ، وإنّ كان الثاني فيه نوع إجمال. والعلاّمة في المختلف ذكرهما في الاستدلال لنجاسة القليل بالملاقاة قائلاً في توجيه الثاني : إنّه علّق نفي البأس على عدم الإصابة فيثبت معها قضية للشرط(٢) .

وقد يقال : إنّ البأس أعم من التحريم ، والأمر سهل ؛ لوجود أخبار معتبرة دالّة على نجاسة القليل ، كما سيأتي.

قوله :

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن جرّة وجد فيها خنفساء قد مات ، قال : « ألقه وتوضّأ منه ، وإنّ كان عقرباً فأرق(٣) الماء وتوضّأ من ماء غيره » وعن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذِر لا يدري أيهما هو ، وليس يقدر على ماء غيره ، قال : « يهريقهما ويتيمّم ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههنّ (٤) تطأ العذرة ثم تدخل في الماء ، يتوضّأ منه للصلاة؟ قال‌

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ١ : ١٣.

(٢) المختلف ١ : ١٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢١ / ٤٨ : فأهرق.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢١ / ٤٩ : وأشباههما.


« لا ، إلاّ أنّ يكون الماء كثيراً قدر كرّ من الماء » (١) .

السند‌

أمّا الأوّل : فقد تقدّم(٢) .

والثاني : تقدم طريق المصنف إلى محمّد بن أحمد بن يحيى(٣) ، والعمركي هو ابن علي البوفكي على ما في الخلاصة(٤) ، وتوثيقه في النجاشي(٥) .

وعلي بن جعفر حاله أشهر من أنّ يذكر.

المتن :

في الحديث الأوّل يدل على نجاسة القليل من جهة الإناءين ، فإنّ التيمم يقتضي ذلك لو صح الخبر ، وما تضمنه من إهراق الماء قد تقدّم فيه قول(٦) .

وقد حكى العلاّمة في المختلف عن صاحب النهاية الحكم بنجاسة ما يموت فيه العقرب من المياه ، ووجوب غسل الإناء والثوب والبدن ، ونقل الاستدلال برواية أبي بصير ، حيث قال فيها : قلت : والعقرب ، قال : « أرقه »(٧) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢١ / ٤٩ : من ماء.

(٢) راجع ص ١١١ ، ٧٠ ٧١ ، ١٠٨ ١٠٩.

(٣) في ص ٤٩.

(٤) خلاصة العلاّمة : ١٣١ / ٢١.

(٥) رجال النجاشي : ٣٠٣ / ٨٢٨.

(٦) راجع ص ١٦٦.

(٧) التهذيب ١ : ٢٣٠ / ٦٦٤ ، الوسائل ١ : ٢٤٠ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٥.


وأجاب العلاّمة بأنّه غير دال على التنجيس بجواز استناد الإراقة إلى وجود السم في الماء ، لا إلى نجاسة العقرب(١) . والأمر كذلك ، ومثله القول في الرواية المبحوث عنها.

ولبعض الأصحاب توجيه لإهراق الإناءين بالنسبة إلى التيمّم(٢) ، هو بالإعراض عنه حقيق.

وأمّا الخبر الثاني : فهو معدود في الصحيح ، ودلالته على نجاسة القليل بواسطة أنّ النهي عن الوضوء منحصر في علّتين : النجاسة أو سلب الطهورية ، والثاني متفق على نفيه ، فتعيّن الأوّل ، فلا يرد أنّ الرواية أخصّ من المدعى.

والظاهر من الرواية دخول الدجاجة والحمامة في الماء مع عين العذرة ، فلا يتوجه احتمال أنّ يكون مجرّد زوال العين غير مطهّر ؛ لأنّ هذا الحكم وإنّ كان فيه نوع إشكال ، إلاّ أنّ المشهور الطهارة ( بزوال العين وإن لم تغب )(٣) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشيخ في التهذيب استدل على وجوب اجتناب الإناءين المشتبهين بحديث رواه عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وهو طويل ، قال : سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو ، وليس يقدر على ماء غيرهما ، قال : « يهريقهما جميعاً ويتيمّم »(٤) .

__________________

(١) المختلف : ٥٨.

(٢) انظر من لا يحضره الفقيه ١ : ٧ ، والمقنع : ٩.

(٣) ما بين القوسين ليس في « د ».

(٤) التهذيب ١ : ٢٤٨ / ٧١٢.


وبرواية سماعة [ و(١) ] قد علمت حال رجالها ، ورواية عمار موثقة ، فغير العامل بالموثق قد يشكل الحال عنده في الحكم المذكور ، إلاّ أنّ الخلاف في الاجتناب ذكر الوالدقدس‌سره أنّه غير متحقق(٢) .

والمحقق في المعتبر قال : إنّ عليه الاتفاق ، وزاد على ذلك : أنّ يقين الطهارة في كل منهما معارض بيقين النجاسة ، ولا رجحان ، فيتحقق المنع(٣) .

واعترض عليه الوالدقدس‌سره بأنّ يقين الطهارة في كل واحد بانفراده إنّما يعارضه الشك في النجاسة لا اليقين(٤) .

ولقائل أنّ يقول : إنّ كلام المحقق والاعتراض غير محرّرين.

أمّا الأوّل : فلأن اشتباه الإناءين على نحوين ، أحدهما : أنّ يعلم نجاسة أحدهما ثم يشتبه بالآخر ، وثانيهما : أنّ يشتبه وقوع النجاسة في أيّهما ، وفي الأوّل لا وجه لدعوى يقين الطهارة في كل منهما ، وفي الثاني يقين الطهارة في كل واحد بانفراده لا يعارضه يقين النجاسة في كل واحد بانفراده ، وعلى الاجتماع لا يقين للطهارة ، لتعارضه بيقين النجاسة.

وأمّا الاعتراض : فما فيه يعلم ممّا قررناه.

أمّا ما احتجّ به في المختلف من [ أنّ(٥) ] اجتناب النجس واجب ، ولا يتم إلاّ باجتنابهما معاً(٦) ؛ فاعترض عليه شيخناقدس‌سره : بأنّ اجتناب‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٢) معالم الفقه : ١٦٠.

(٣) المعتبر ١ : ١٠٣.

(٤) معالم الفقه : ١٦٠.

(٥) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٦) انظر المختلف ١ : ٨٢.


النجس لا يقطع بوجوبه إلاّ مع تحققه لا مع الشك(١) . ولا يخفى عليك بعد ما قررناه في كلام المحقق ما في اعتراض شيخناقدس‌سره وكلام العلاّمةرحمه‌الله .

( ثم إنّه ربما يقال في المقام : إنّ وجوب الاجتناب على تقدير تحقق النجاسة وحصول الاشتباه ، أنّ المانع كان يقين النجاسة ومع الاشتباه لا يقين في كل واحد ، وإذا ارتفع اليقين لا وجه للاجتناب ، ان من المقرر عند جماعة اعتبار اليقين دون الظنّ في النجاسة )(٢) .

ومثل هذا خطر في البال لكثير من المسائل ، مثل البئر في نجاسته بما لا نص فيه على القول بذلك ، والاختلاف في المقدار المطهر ، فيقال على تقدير يقين النجاسة قبل نزح شي‌ء من الأقل الذي ذهب إليه بعض(٣) يرتفع يقين النجاسة ، فينبغي الطهارة بنزح الثلاثين فيما لا نص فيه ، لا بالدليل الذي نقلوه من الرواية التي لا تصلح للاستدلال ، كما سيأتي(٤) . إنّ شاء الله.

ويمكن الجواب عن الجميع بأنّ النجاسة إذا ثبتت شرعاً يحتاج رفعها إلى ما أُعدّ الشارع ، ولم يثبت أنّ رفع اليقين مطهّر ، وهكذا نقول هنا مع اشتباه الإناءين ، أمّا على تقدير الاشتباه من أول الأمر في وصول النجاسة إلى أيّ الإناءين فيمكن أنّ يقال أيضاً : إنّ يقين الطهارة في كل واحد إذا لم يعارضه الشك لا يبقى ، بل قد ارتفع يقيناً مع الشك ، غاية الأمر أنّ يقين‌

__________________

(١) مدارك الاحكام ١ : ١٠٧.

(٢) ما بين القوسين كذا في النسخ ولعل الأنسب أن يقال : ثم إنّه ربما يقال في المقام : أنّه لا وجه للاجتناب على تقدير تحقق النجاسة وحصول الاشتباه ، إذ المانع كان يقين النجاسة ومع الاشتباه لا يقين في كل واحد ، وإذا ارتفع اليقين لا وجه للاجتناب ، إذ من المقرّر عند جماعة اعتبار اليقين دون الظنّ في النجاسة.

(٣) انظر مجمع الفائدة ١ : ٢٨٦ ومعالم الفقه : ٩٥.

(٤) الآتي في ص ٢٩٧.


الارتفاع لا يوجب الطهارة ، بل الشارع حكم بأنّ اليقين لا يرفعه إلاّ اليقين أو ما في حكمه على معنى بقاء حكمه ، والوجدان شاهد ، فقول بعض : إن يقين الطهارة لا يعارضه الشك ، في حيّز الإجمال ، لولا ما قلناه.

وقول شيخناقدس‌سره في توجيه الاجتناب على تقدير تعيّن نجاسة أحدهما ثم اشتباهه بأنّ المنع من استعمال ذلك المتعيّن متحقق فيستصحب(١) .

يشكل بما قدّمناه من أنّ زوال يقين النجاسة ينبغي أنّ يرفعها على القواعد المقررة من أنّ النجاسة لا تثبت بالظن.

وأنت خبير بعد هذا كله أنّ مع دعوى الاتفاق على الاجتناب بالإطلاق المتناول للصورتين لا ثمرة في البحث ، إلاّ أنّ يتنازع في دعوى الإجماع ، والاحتياط في مثل هذا مطلوب.

قوله :رحمه‌الله :

فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن علي ابن أبي حمزة ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الماء الساكن والاستنجاء منه ، قال(٢) « توضّأ من الجانب الآخر ، ولا تتوضّأ من جانب الجيفة ».

وعنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن الرجل يمرّ بالميتة في الماء ، قال : « يتوضّأ من الناحية التي ليس فيها الميتة ».

وعنه ، عن القاسم بن محمّد ، عن أبان ، عن زكار بن فرقد ، عن‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ١٠٨.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢١ / ٥٠ : عن الماء الساكن يكون فيه الجيفة أيصلح الاستنجاء منه فقال.


عثمان بن زياد ، قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : أكون في السفر فآتي الماء النقيع ويدي قذرة فأغمسها في الماء ، فقال : « لا بأس ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن محمّد بن سنان ، عن العلاء بن الفضيل ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، عن الحياض التي(١) يبال فيها ، فقال : « لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول ».

أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن صفوان بن مهران الجمال ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، عن الحياض التي ما بين مكة والمدينة ، تردها السباع ، وتلغ فيها الكلاب ، وتشرب منها الحمير ، ويغتسل فيها(٢) الجنب ، يتوضّأ(٣) منها؟ فقال : « وكم قدر الماء؟ » قلت : إلى نصف الساق وإلى الركبة ، قال : « توضّأ منه ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي بصير ، قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّا نسافر ، ربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية ، فتكون فيه العذرة ( ويبول فيه الصبي ) (٤) وتبول فيه الدابة وتروث ، فقال : « إن عرض في قلبك منه شي‌ء [ فافعل ] (٥) هكذا يعني افرج الماء بيدك ثم توضّأ ؛ فإنّ الدين ليس بمضيق ، فإنّ الله‌

__________________

(١) ليست في الاستبصار ١ : ٢٢ / ٥٣.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٢ / ٥٤ : منها.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٢ / ٥٤ : أيتوضّأ.

(٤) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٥) في النسخ والمصادر : فقل ، والظاهر ما أثبتناه.


عزّ وجلّ يقول ( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (١) .

فالوجه في هذه الأخبار كلها أنّ نحملها على أنّه إذا كان الماء أكثر من كرّ ، فإنّه إذا كان كذلك لم ينجس بما يقع فيه إلاّ أنّ يتغير أحد أوصافه حسب ما قدمناه.

وما تضمنت من الأمر بالوضوء من الجانب الذي ليس فيه الجيفة أو بتفريج الماء ، يكون محمولاً على الاستحباب والتنزّه ؛ لأنّ النفس تَعاف مماسّة الماء الذي تجاوره الجيفة ، وإنّ كان حكمه حكم الطهارة.

والذي يدل على ذلك ما قدمناه من الأخبار ، من أنّ حدّ الماء الذي لا ينجسه شي‌ء ما يكون مقداره مقدار كرّ ، وإذا نقص عنه نجس بما يحصل فيه ، ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سعيد الأعرج ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الجرة تَسَعُ مائة رطل يقع فيها أوقية دم (٢) أشرب منه وأتوضّأ؟ قال : « لا ».

السند‌

في جميع الأخبار لا يخلو من ارتياب ، ما عدا حديث صفوان.

أمّا الأوّل : ففيه القاسم بن محمّد ، وهو الجوهري ولم يوثّق مع أنّه واقفي ، ونَقْل ابن داود التوثيق عن الشيخ(٣) لم نعلمه.

__________________

(١) الحج : ٧٨.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٣ / ٥٦ : من دم.

(٣) رجال ابن داود : ١٥٤ / ١٢١٩.


وعلي بن أبي حمزة هو البطائني واقفي من غير توثيق ، بل ورد فيه ذمّ أيضاً.

وأمّا الثاني : ففيه عثمان بن عيسى ، وقد تقدم فيه القول(١) ، وسماعة حاله مضى بيانه(٢) .

وأمّا الثالث : ففيه مع القاسم بن محمّد المتقدم زكّار بن فرقد ، وهو غير معلوم الحال.

وما قاله جدّيقدس‌سره في حواشي الخلاصة : من أنّه زكار الدينوري الثقة ؛ لم نعلم وجهه.

وما في بعض النسخ من زكان بالنون ليكون داود بن أبي زيد الغير الموثق.

فيه : أنّ الموجود في الرجال زنكان(٣) ، واحتمال سقوط النون ، أو أنّ هذا هو الصحيح ؛ لا يفيد شيئاً بعد ما ذكرناه.

وفيه أيضاً عثمان بن زياد ، وهو مشترك بين ثلاثة رجال ، وهم متساوون في الإهمال(٤) .

أمّا أبان فهو ابن عثمان على الظاهر ، وليس فيه ارتياب عند من لا يعمل بالموثق ؛ لأنّ الجارح علي بن الحسن بن فضال القائل بأنّ أبان ناووسي ، وهو فطحي موثق ؛ أمّا من يعمل بالموثق فلا مجال لنفي كونه ناووسياً عنده ، وإجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن أبان(٥) لا ينافي‌

__________________

(١) في ص ٧٠.

(٢) في ص ١٠٨.

(٣) رجال الطوسي : ٤١٥ / ٢.

(٤) رجال الطوسي : ٢٥٩ / ٥٨٩ ، ٥٩٠ و ٢٦٠ / ٦٠١ ، ٦١٠.

(٥) كما في رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.


الناووسية.

والعجب من عدّ بعض محققي المعاصرين سلّمه الله حديثه في الصحاح(١) ، مع أنّه عامل بالموثق ، والصحة المذكورة في الإجماع غير المصطلح عليها ، وتشويش الاصطلاح غير مناسب.

وأمّا الرابع : ففيه محمّد بن سنان ، أمّا العلاء بن الفضيل فهو ثقة بغير ريب.

والخامس : لا ارتياب فيه ؛ لأنّ طريق الشيخ إلى أحمد بن محمّد بن عيسى في المشيخة صحيح(٢) .

وما عساه يقال : إنّ الشيخ في المشيخة ذكر طرقاً إلى أحمد بن محمّد ابن عيسى(٣) ، وفيها ما اشتمل على أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، وأحمد بن محمّد بن يحيى العطار ، ومحمّد بن قولويه ، وفيهم عدم التصريح بالتوثيق ، والصحيح فيها بغير ارتياب لا يقتضي صحة جميع ما رواه عن أحمد بن محمّد بن عيسى ؛ لأنّه قال : ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمّد ما رويته ، إلى آخره ؛ ولا يخفى أنّ هذا لا يفيد طريق جميع ما رواه عن أحمد بن محمّد ، فمن أين يعلم أنّ هذا الخبر المبحوث عنه من الجملة؟.

يمكن الجواب عنه : ( بما كرّرنا القول فيه من جهة المذكورين(٤) ، وبتقدير التوقف فالظاهر أنّ )(٥) مراد الشيخ بقوله : ومن جملة ما ذكرته ، ليس‌

__________________

(١) الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٢١٦.

(٢) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٤٢ ، خلاصة العلاّمة : ٢٧٦.

(٣) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٤٢ ، ٧٢ ٧٥.

(٤) راجع ص ٣٩ ، ٤٠ ٩١ ، ١١١.

(٥) بدل ما بين القوسين في « فض » و « د » : بأنّ.


أنّ الطريق لبعض ما ذكره عن أحمد بن محمّد ، بل مراده من جملة ما ذكرته في الكتاب عن أحمد بن محمّد ، فيفيد عموم الطريق لجميع رواياته عن أحمد بن محمّد.

والحاصل : أنّ من التبعيضية بالنسبة إلى كتاب الشيخ لا إلى روايات أحمد.

فإنّ قلت : مع قيام الاحتمال يحتاج الترجيح إلى مرجّح.

قلت (١) الظاهر ما ذكرناه.

وأمّا بقيّة رجال السند فحالهم أظهر من أنّ نبين.

وأمّا السادس : ففيه أبو بصير وسماعة بن مهران ، وقد تقدم القول فيهما(٢) . أمّا الحسين بن عثمان فهو مشترك بين موثّقَين ، بل وثلاثة(٣) .

والطريق إلى الحسين بن سعيد قد مرّ غير بعيد(٤) .

أمّا الحديث الذي ذكره الشيخ مبيّناً ففيه عثمان بن عيسى ، وسعيد الأعرج قد بينا فيما تقدم أنّه لا ريب فيه على الظاهر(٥) .

المتن :

لا ريب أنّ ظاهره في الأخبار الإطلاق ، والمقيد يحكم عليه.

وما عساه يقال : إنّ هذا يصير من قبيل تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك غير جائز.

__________________

(١) في « فض » و « د » : زيادة فإنّ.

(٢) في ص ٧٢ ، ١٠٨.

(٣) هداية المحدثين : ١٩٥.

(٤) راجع ص ٧١.

(٥) راجع ص ٧٠ ، ١٤٩.


جوابه : أنّ تأخير البيان بالنسبة إليهم غير معلوم ، نعم لمّا بَعُد العهد وتفرّقت الأخبار صار ما صار ، ولو لا هذا ما صحّ حمل مطلق على مقيّد وعام على خاص.

ومن هنا يعلم أنّ ما يقوله شيخناقدس‌سره كثيراً في فوائده على الكتاب حين جمع الشيخ بين الأخبار بهذا النحو وإن بعد عن المذكور هنا في الجملة : إنه من الألغاز ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة. محل بحث.

ولا يخفى أنّ بعض الأخبار المذكورة قد يأبى حمل الشيخ ، إلاّ أنّ الضرورة تلجئ إلى التزام ما قاله إذا عمل بالأخبار.

أمّا التعبير في قول الشيخ بأنّ الماء أكثر من كرٍ. فغير ظاهر الوجه ، إلاّ بما قدمناه من أنّ مقدار الكرّ بغير زيادة يبعد عدم تغير جزء منه ، فيلزم نجاسة جميعه.

وما تضمنه الحديث المعتبر من بين الأحاديث في تحديد الماء بنصف الساق ، قد يشكل بمنافاة ما سبق ، إلاّ أنّ التحديد بالعمق لا ينافي زيادة الطول أو العرض. واكتفاؤهعليه‌السلام بقول السائل عن العمق دون غيره لا يخلو من غموض بالنسبة إلينا ، ولعل حمل المطلق على المقيد لا يخرج عنه هذا ، إلاّ أنّ الأخبار في الكرّ مضطربة في المقدار ، وربما يرجح هذا الحديث ما دلّ على الأقل ، لولا الإجمال فيه ، والله تعالى أعلم بالحال.

وينبغي أنّ يعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن ابن أبي عقيل عدم نجاسة القليل بالملاقاة ، وأنّه احتجّ بأخبار وادّعى تواتر ما ورد عن الصادق عن آبائهعليهم‌السلام : « أنّ الماء الطاهر لا ينجّسه إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو‌


رائحته »(١) ،(٢) .

وأجاب العلاّمة عن الأخبار بما قدمناه(٣) ، ولم يجب عن التواتر الذي ادعاه ابن أبي عقيل ، ولا يبعد أنّ يكون مراده بالتواتر : المعنوي ، فإنّ مثل هذه الأخبار الكثيرة قد تفيده ، وإن كان الحق خلاف ذلك ، والعلاّمةرحمه‌الله لم يذكر من الأخبار إلاّ خبرين(٤) ، وقد تقدما(٥) ، وأظنّ الاحتجاج بالخبرين من العلاّمة له كما هو دأبه في كثير من الاحتجاجات.

أمّا ما قد يقال : من أنّ دعوى التواتر من ابن أبي عقيل كنقل الإجماع بخبر الواحد ، فإذا قبل ذاك ينبغي قبول هذا.

فيمكن الجواب عنه ، أوّلاً : بأنّ نقل التواتر كنقل الإجماع في أنّه يفيد الظنّ ، وحينئذٍ هو كالخبر ، ولا يفيد المطلوب.

وثانياً : بأنّ التواتر الذي ادعاه من الأخبار على حسب ما اعتقده ، فلا يكون حجة على غيره. وفي هذا تأمّل غير خفي الوجه.

( والحق ظهور الفرق بين الإجماع المنقول والتواتر كذلك ؛ إذ التواتر يرجع إلى المحسوس ، وتحقيقه في المقام منتف ، والعجب من العلاّمة في المختلف أنّه في بحث الأذان حكى عن ابن أبي عقيل دعوى التواتر ، وقال : إنّه مقبول منه(٦) . وفيما نحن فيه لم يعتبر نقله )(٧) .

__________________

(١) الوسائل ١ : ١٠٢ أبواب الماء المطلق ب ٣.

(٢) المختلف ١ : ١٣ ١٤.

(٣) المختلف ١ : ١٥.

(٤) المختلف ١ : ١٤.

(٥) راجع ص ١٧٢.

(٦) المختلف ٢ : ١٤٧.

(٧) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».


قوله :

وأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن أحمد العلوي ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليهم‌السلام ، قال : سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قِطَعاً صغاراً فأصاب إناءه هل يصلح الوضوء منه؟ قال : « إن لم يكن شي‌ء يستبين في الماء فلا بأس ، وإن كان شيئاً بيّنا فلا يتوضّأ منه » فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على أنّه إذا كان ذلك الدم مثل رؤوس الإبر (١) التي لا تحس ولا تدرك ، فإنّ مثل ذلك معفوّ عنه.

السند‌

فيه محمّد بن أحمد العلوي ، وهو مذكور في رجال الشيخ مهملاً(٢) ، وفي التهذيب رواه في الزيادات للطهارة عن علي بن أحمد العلوي(٣) . وهو العقيقي ، وحاله أنّه غير موثق بل مذموم ، والشيخ ذكر الرجلين في من لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام (٤) ، والترجيح لأحد الرجلين لا فائدة فيه.

نعم رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن العمركي بن علي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه ، إلى آخره(٥) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٣ / ٥٧ : رأس الإبرة.

(٢) رجال الطوسي : ٥٠٦ / ٨٣.

(٣) التهذيب ١ : ٤١٢ / ١٢٩٩ وفيه : محمّد بن أحمد العلوي ، ولكن في الهامش : نسخة في الجميع علي بن أحمد ، الوسائل ١ : ١٥٠ أبواب الماء المطلق ب ٨ ح ١.

(٤) رجال الطوسي : ٤٨٦ / ٦٠ و ٥٠٦ / ٨٣.

(٥) الكافي ٣ : ٧٤ / ١٦.


المتن :

ربما كان له ظهور في الدلالة على إصابة الإناء ، فالجواب لا يقتضي العفو عن الدم ، كما قاله الشيخرحمه‌الله ، إلاّ أنّ مثل علي بن جعفر يستبعد منه السؤال عن إصابة الإناء من دون الماء ، ويدفعه اتساع باب الإمكان لقيام الاحتمال.

والمحقق في المعتبر قال نحو ما قلناه(١) .

واعترضه الوالد :قدس‌سره بأنّ العدول في مثله عن الظاهر إنّما يحسن مع وجود المعارض ، ولا معارض هنا ، لعدم العموم في أدلة نجاسة القليل.

وما ذكره بعض الأصحاب(٢) ؛ من معارضته برواية علي بن جعفر الصحيحة أيضاً عن أخيهعليه‌السلام قال : وسألته عن رجل رعف وهو يتوضّأ فيقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال : « لا »(٣) ؛ لا ريب أنّه لا يصلح للمعارضة كما لا يخفى ؛ فإنّ نقط الدم لا تنافي غير البيّن منه(٤) .

نعم قد يقال على الوالدقدس‌سره : إنّ نفي الظهور في موضع المنع ، ( هذا.

ومن الغريب في المقام أنّ الكلينيرحمه‌الله روى الخبر الثاني من جملة الأوّل ، وعليه ، فالحمل على إصابة الإناء في الأوّل لا وجه له ، بعد مشاركة السؤال الثاني في ذكر الإناء ، فالغفلة من الأعلام عن مراجعة الكافي‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ٥٠.

(٢) المختلف ١ : ١٩.

(٣) الكافي ٣ : ٧٤ / ١٦ ، مسائل علي بن جعفر : ١١٩ / ٦٣ ، الوسائل ١ : ١١٢ أبواب الماء المطلق ب ٨ ح ١.

(٤) معالم الدين : ٦.


ثم ذكر الجواب والمعارضة ، أي الموجبة لما ذكرناه )(١) .

أمّا ما قاله الشيخ ؛ من التعبير بأنّه لا يدرك ولا يحس ؛ فلا يخلو من خفاء ، وظاهر كلامه أنّ الدم معفوّ عنه ، والمراد غير واضح أيضاً ، وهو أعلم بمراده.

( بقي شي‌ء ، وهو أنّ قولهعليه‌السلام : « إن لم يكن شي‌ء يستبين في الماء » إلى آخره ، المتبادر منه وجود شي‌ء ولا يستبين ، لأنّ « يكن » هي الناقصة ، وقوله : « في الماء » خبرها ، وجملة « يستبين » صفة « لشي‌ء » ومن المقرّر أنّ النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد توجّه إلى المقيّد ، واشترط بعضهم كون المقيّد صالحاً للتقييد قبل دخول حرف النفي ، كما في قولك : ما أكرمته تعظيماً ، أمّا نحو : ما أكرمته إهانة ، فيتوجه إلى نفس الفعل لأجل القيد لا المقيّد ؛ لعدم صحّة التقييد قبل النفي ، وما نحن فيه من الأوّل ، فيكون النفي متوجهاً إلى التقييد أعني : « يستبين ».

وبهذا يندفع ما ذكره المحقق الشيخ عليرحمه‌الله : من أنّ قوله : « إن لم يكن شي‌ء يستبين » لا يقتضي وجود شي‌ء ؛ لأنّ السالبة لا تقتضي وجود الموضوع.

ووجه الاندفاع ظاهر ؛ فإنّ [ السياق(٢) ] إذا لم يقتض وجوده لا يقتضي الامتناع ، والقرينة على الوجود ، وما ذكرنا على الشمول كاف كما لا يخفى.

وما قاله : من أنّه يستفاد من الحديث الرد على الشيخ ؛ لأنّ نفي البأس مشروط بأن لا يكون شي‌ء يستبين ، فيثبت البأس إذا كان شيئاً‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٢) ما بين المعقوفين في « رض » : الشياع ، والظاهر ما أثبتناه.


يستبين أو كان شيئاً ولا يستبين ؛ لأنّ المشروط بشيئين منفي بانتفائهما ، وانتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء واحد ، وإذا ثبت البأس مع وجود شي‌ء لا يستبين ، ثبت حكم النجاسة في الحديث على خلاف ما يدعيه الشيخ.

ففيه نظر واضح ؛ لأنّ الشرط ليس وجود شيئين حتى ينتفي المشروط بانتفاء واحد منهما ، بل الشرط عدم شيئين فلا ينتفي المشروط إلاّ بوجودهما ، فليتأمّل )(١) .

قوله :

باب حكم الفأرة والوزغة والحية والعقرب

إذا وقع في الماء وخرج منه حيّاً‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام ، قال : سألته عن العظاية(٢) والحيّة والوزغ(٣) يقع في الماء فلا يموت ، أيتوضّأ منه للصلاة؟ قال : « لا بأس به ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، والحسن بن موسى الخشاب ، جميعاً عن يزيد بن إسحاق ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الفأرة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٢) العظاية : دويبَّة أكبر من الوزغة ويقال في الواحدة عظاءةٌ وعظاية. الصحاح ٦ : ٢٤٣١ ( عظا ).

(٣) الوزغ : حيوان صغير أصغر من العظاية مجمع البحرين ٥ : ١٨.


والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيّاً هل يشرب من ذلك الماء ويتوضّأ(١) ؟ قال : « يسكب منه ثلاث مرات ، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ، ثم يشرب منه ويتوضّأ منه غير الوزغ ، فإنّه لا ينتفع بما يقع فيه ».

قال أبو جعفر محمّد بن الحسن : ما تضمن هذا الخبر من حكم الوزغة والأمر بإراقة ما يقع فيه محمول على ضرب من الكراهية ، بدلالة الخبر المتقدم ، ولا يجوز التنافي بين الأخبار.

السند‌

وأمّا الأوّل : فقد تقدم القول في رجاله(٢) ، وهو معدود من الصحيح.

وأمّا الثاني : فالطريق إلى محمّد بن أحمد قد تقدم(٣) .

والحسن بن موسى الخشاب غير موثق ، إلاّ أنّ النجاشي قال : إنّه من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم(٤) . و ( سيأتي في باب الماء يقع فيه شي‌ء من النجس ، حكاية عن النجاشي في أحمد بن الحسن الميثمي ما قد يقتضي توثيق الخشاب(٥) ، إلاّ أنّ فيه احتمالاً يأتي ، وعلى كل تقدير في المقام )(٦) لا يضر بالحال لولا غيره وهو يزيد بن إسحاق ؛ فإنّ حاله لا يزيد عن الإهمال كما يستفاد من بعض كتب الرجال(٧) ، وفي شرح البداية وثّقه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٤ / ٥٩ زيادة : منه.

(٢) راجع ص : ٦٣ ، ٤٠ ٤١ ، ٨٠ ، ١٦٧.

(٣) في ص ٩٩.

(٤) رجال النجاشي : ٤٢ / ٨٥.

(٥) في ص ٢١٨ ، وهو في رجال النجاشي : ٧٤ / ١٧٩.

(٦) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « د ».

(٧) رجال الطوسي : ٣٣٧ / ٦٤ ، الفهرست : ١٨٢ ، رجال النجاشي : ٤٥٣ / ١٢٥ ، إلاّ أنّ العلاّمة في الخلاصة : ١٨٣ / ٣ ذكره في القسم الأول ( من يعتمد على روايته ) ، وكذا ابن داود في رجاله : ٢٠٥ / ١٧٢٣ ، ونسب مدحه إلى الكشّي ، وهو في رجال الكشّي ٢ : ٨٦٤ / ١١٢٦.


جدّيقدس‌سره ـ(١) ، ولا أدري وجهه ، إلاّ أنّ يكون من تصحيح العلاّمة طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة الغنوي(٢) ، وفي ثبوت التوثيق به نظر واضح تقدم وجهه(٣) .

أمّا هارون بن حمزة الغنوي فهو ثقة كما في النجاشي(٤) .

المتن :

في الحديث الأوّل صريح في نفي البأس عن الوضوء بالماء الذي يقع فيه المذكورات.

وما تضمنه الخبر الثاني لو صح طريقه أمكن أنّ يوجّه المنع من الانتفاع بما يقع فيه الوزغ بغير الوضوء كالشرب ونحوه ؛ لأنّ النهي عن الانتفاع عام والوضوء خاص.

وما قاله الشيخ في حكم الوزغة : من أنّ الأمر بإراقة ما يقع فيه محمول على الكراهة ؛ إن أراد به أنّ الحديث يقتضي إراقة ما يقع فيه الوزغ ، فلا دلالة في الخبر عليه ، بل الإراقة المذكورة فيه للفأرة والعقرب وأشباه ذلك ، وتناول الأشباه للوزغة يشكل بالتنصيص على الوزغة ، فلا وجه لإدخالها ، على أنّ الإراقة لم ترد في النص كما هو ظاهر.

__________________

(١) الدراية : ١٣١.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٧٩.

(٣) راجع ص ٣٩.

(٤) رجال النجاشي : ٤٣٩ / ١١٨٤.


وإن أراد أنّ حكم الوزغة من عدم الانتفاع بالماء محمول على الكراهة كما أنّ الإراقة كذلك ، أمكن ، إلاّ أنّ الذي يقتضيه ظاهر النص استحباب الإراقة ، ولزوم الكراهة لاستحباب الإراقة نظراً إلى أنّ ترك المستحب مكروه ، فيه منع ؛ لتوقف الكراهة على النهي.

واحتمال أنّ يقال : إنّ الأمر بالشي‌ء لمّا استلزم النهي عن الضد وهو الترك في الواجب على وجه التحريم فكذا في المندوب يكون النهي على وجه الكراهة.

قد خطر في البال قديماً ، إلاّ أنّ الوالدقدس‌سره بعد عرضه عليه قال : إنّ كلام الأُصوليين لا يتناول هذا ؛ وفيه نوع تأمل ، إلاّ أنّ التحقق في المقام محل كلام ، كما يعلم من أعطى الحديث حق النظر.

فإنّ قلت : قوله في الحديث « غير الوزغ » ظاهره أنّه داخل في الأشباه فمن ثَمّ استثناهعليه‌السلام ، وإذا دخل في الأشباه تحقق مقتضي الإراقة المذكورة في الخبر فيه ، ويتم مطلوب الشيخ في الجملة.

قلت : لو سلم ما ذكرت لدلّ الحديث على خلاف المطلوب ، من حيث إنّ السكب من الماء ثلاث مرّات لا يقتضي خلوص الماء ، والنهي عن الانتفاع بالماء مع السكب حينئذٍ لا فائدة فيه ، وإذا لم ينتفع بالماء كانت إراقته جميعاً أولى ، فليتأمّل.

اللّغة :

قال في القاموس : العظاية دويبة كسام أبرص(١) )(٢) .

__________________

(١) القاموس المحيط ٤ : ٣٦٦.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « فض ».


قوله :

فأما ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عيسى اليقطيني ، عن النضر بن سويد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : أتاه رجل فقال : وقعت فأرة في خابية(١) فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله؟ فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : « لا تأكله » فقال له الرجل : الفأرة أهون عليّ من أنّ أترك طعامي من أجلها ، قال : فقال أبو جعفرعليه‌السلام : « إنك لم تستخفّ بالفأرة إنما استخففت بدينك ، إن الله حرم الميتة من كل شي‌ء ».

[ فلا ](٢) ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أنّه إذا ماتت الفأرة فيه لا يجوز الانتفاع به ، فأما إن خرجت حية كان الحكم ما تضمنه الخبر الأوّل ، يدل على ذلك ما رواه علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام ، قال : سألته عن فأرة وقعت في حُبّ دهن فأُخرجت قبل أن تموت أنبيعه من مسلم؟ قال : « نعم وتدهن به (٣) ».

السند‌

في الأول قد تقدم الطريق إلى محمّد بن أحمد بن يحيى(٤) ومحمّد ابن عيسى تقدم أيضاً فيه كلام(٥) ، والنضر بن سويد ثقة صحيح الحديث كما في‌

__________________

(١) الخابية : الحبّ أصلها الهمزة لسان العرب ١ : ٦٢ ( خبأ ).

(٢) في النسخ : لا ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٢٤ / ٦٠.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٤ / ٦١ : منه.

(٤) في ص ٩٩.

(٥) راجع ص ٧٥.


النجاشي ، ومن الرواة عنه محمّد بن عيسى كما في النجاشي(١) أيضاً.

أمّا عمرو بن شمر ، فقال النجاشي إنّه ضعيف جدّاً ، زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي ينسب بعضها إليه(٢) .

وجابر ، هو ابن يزيد الجعفي ، بقرينة رواية عمرو بن شمر ، وغيرها أيضاً ، وفيه كلام في الرجال يضيق عن شرحه المجال ، إلاّ أنّ ضعف الحديث بعمرو بن شمر يغني عن تحقيق الحال.

فإنّ قلت : إذا قال النجاشي : إنّ النضر بن سويد صحيح الحديث ، وإذا صح إليه الطريق بناءً على سلامة محمّد بن عيسى عُلِمَ صحة الحديث ، للعلم الشرعي بأنّه من حديثه ، وذلك كاف في الصحة.

قلت : الذي نفيناه ، الصحة الاصطلاحية ، وما ذكرته لا يخلو من وجه ، غير أنّ الرواية يحتمل أنّ تكون ليست من أحاديثه بل من مروياته ، وكونه صحيح الحديث ، محتمل لأنّ يراد به أحاديثه الخاصة كالأصل.

وفي هذا نظر ؛ لأنّ الظاهر خلاف ذلك ، نعم يحتمل أنّ يراد بصحيح الحديث نحو ما ذكرناه في الإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل ، كما سبق بيانه(٣) ، وإن كان فيه أيضاً نوع تأمّل. وبالجملة فاحتمال تصحيح الحديث من الوجه المذكور غير بعيد.

وأمّا الثاني : فلا ريب في صحته عند مشايخنا ، بناءً على صحة الطريق في المشيخة إلى علي بن جعفر ، من حيث اشتماله على أحمد بن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٢٧ / ١١٤٧ وفيه : محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن أبيه ، عن نصر بالصاد المهملة بن سويد بكتابه. وفي الفهرست : ١٧١ / ٧٥٠ رواية محمّد بن عيسى عنه بلا واسطة أبيه. ولمزيد الاطّلاع ، راجع معجم رجال الحديث ١٩ : ١٥٢.

(٢) رجال النجاشي : ٢٨٧ / ٧٦٥.

(٣) راجع ص ٥٩ ٦٠.


محمّد بن يحيى(١) وقد تقدم فيه القول(٢) .

المتن :

لا يخفى أنّه صريح في الفأرة الميتة ، حيث قالعليه‌السلام : « إنّ الله حرّم الميتة من كل شي‌ء » ولا أدري الوجه فيما قاله الشيخ.

نعم : ظاهر قولهعليه‌السلام : « إنّ الله حرّم الميتة » لا يعطي التنجيس ، بل تحريم الأكل ، إلاّ أنّ التسديد هيّن.

وأمّا الخبر الذي استدل به الشيخ فهو صحيح على المعروف من المتأخّرين ؛ لأنّ الطريق إلى علي بن جعفر : الحسين بن عبد الله ، عن أحمد ابن محمّد بن يحيى ، عن أبيه محمّد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر. غير أنّ معارضة موجود ، وهو ما رواه علي بن جعفر في الصحيح أيضاً عن أخيه موسىعليه‌السلام قال : سألته عن الفأرة الرطبة ، قد وقعت في الماء تمشي على الثياب أيصلى فيها؟ قال : « اغسل ما رأيت من أثرها وما لم تره فانضحه بالماء »(٣) .

والخبر المروي هنا ، يمكن حمله على جواز البيع ، والادهان بالنجس ، كما ذكره بعض محققي المعاصرين(٤) سلّمه الله ؛ إلاّ أنّ في نظري القاصر عدم استقامة الحمل ، لما رواه الشيخ في باب الأطعمة من التهذيب في الصحيح عن سعيد الأعرج ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن‌

__________________

(١) صحّحه العلاّمة في الخلاصة : ٢٧٦ ، وهو في مشيخة التهذيب ١٠ : ٨٦.

(٢) في ص ٩٩.

(٣) التهذيب ١ : ٢٦١ / ٧٦١ ، الوسائل ٣ : ٤٦٠ أبواب النجاسات ب ٣٣ ح ٢.

(٤) الشيخ البهائي في الحبل المتين : ١٠٤.


الفأرة تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حيّاً ، فقال : « لا بأس بأكله »(١) وقد أوضحت الحال في حاشية الفقيه.

قوله :

ولا ينافي ذلك ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى(٢) ، عن إبراهيم ابن هاشم ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، أن علياًعليه‌السلام سئل عن قِدر طبخت ، وإذا في القِدر فأرة ، قال : « يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل ».

لأنّ المعنى في هذا الخبر : إذا ماتت فيه يجب إهراق القدر.

فأما ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي بصير ، قال : سألته عن حية دخلت حبّا فيه ماء وخرجت منه ، فقال : « إن وجد ماء غيره فليهرقه ».

فالوجه فيه : أنّ نحمله على ضرب من الكراهية مع وجود الماء المتيقن [ طهارته ](٣) ولأجل هذا أمره بإراقته إن وجد ماء غيره ، ولو كان نجساً لوجب إراقته على كل حال.

السند‌

أمّا الأوّل : فالطريق إلى محمّد بن أحمد بن يحيى تكرّر القول فيه(٤)

__________________

(١) التهذيب ٩ : ٨٦ / ٣٦٢ ، الوسائل ٢٤ : ١٩٧ أبواب الأطعمة والأشربة ب ٤٥ ح ١.

(٢) في « د » : احمد بن محمّد بن يحيى.

(٣) أثبتناه من المصدر.

(٤) راجع ص ٤٩ ، ٨٠ ، ٩٩.


وإبراهيم بن هاشم تقدم فيه كلام(١) .

وأمّا النوفلي : فهو الحسين بن يزيد ، وضعفه أشهر من أنّ يذكر.

والسكوني : لم نر توثيقه ، وهو عامي ، غير أنّه نُقل عن المحقق في الرسالة العزّية : بأنه ثقة ، وأنّ الأصحاب أجمعوا على العمل بروايته(٢) . وهذا إنّما يفيد بتقدير الخلوّ من النوفلي ، وإن كان في البين كلام أيضاً ، وأظنه لا يخفى على الممارس.

وأمّا الثاني : فمحمّد بن الحسين فيه هو ابن أبي الخطاب ( على الظن الغالب ، وإن كان باب الاحتمال واسعاً.

وأمّا وهيب بن حفص : فهو ثقة واقفي كما ذكره النجاشي ، وقال : إنّ الراوي عنه محمّد بن الحسين(٣) ، والمرتبة لابن أبي الخطاب )(٤) والفائدة قليلة بعد ذكر أبي بصير.

المتن :

في الأول : ظاهر في أنّ الفأرة ميتة ، وبتقدير احتمال الإجمال‌

__________________

(١) في ص ٥٢ ، ١٤٩.

(٢) نقله عنه في الرواشح السماويّة : ٥٧ ووثّقه في المعتبر ١ : ٣٨٠ والشيخ في العدة ١ : ١٤٩ بعد توثيقه قال : إن الإماميّة مجمعة على العمل بما يرويه السكوني ، ووثّقه المحقق الداماد في الرواشح السماوية : ٥٦ ٥٨.

فضعفه من المشهورات التي لا أصل لها. وكونه عاميّاً غير ثابت. لمزيد الاطلاع ، راجع رجال بحر العلوم ٢ : ١٢١ ١٢٥ ، مفتاح الكرامة ٨ : ٢٥٦ ، تنقيح المقال ١ : ١٢٧ ١٢٩ ، الكنى والألقاب ٢ : ٢٨٥ ، ٢٨٦.

(٣) رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٥٩ وفيه : أنّ الراوي عنه الحسن بن سماعة ، إلاّ أنّ في الفهرست : ١٧٣ / ٧٥٨ رواية محمّد بن الحسين عنه.

(٤) ما بين القوسين ساقط من « د ».


فالحمل على الاستحباب لوجود المعارض ممكن ، ما حمل غيره من الأخبار الصريحة في حياة الفأرة على الاستحباب.

وفي الثاني : لا بُدّ من حمله على الكراهة كما قال الشيخ ؛ لدلالة الخبر الأوّل المعدود من الصحيح على نفي البأس عن الوضوء من الماء الذي يقع فيه الحيّة(١) .

وقول الشيخ ؛ على ضرب من الكراهية ؛ محتمل لأنّ يراد به أنّ ما تقدم من الخبر الدال على العقرب وشبهها ( أنّ الماء )(٢) يسكب منه ثلاث مرات ؛ يتناول الحيّة ، وحينئذ يحمل الإهراق على نوع تأكّد استحباب الإهراق ، ويلزمه تأكّد الكراهة في الاستعمال من دون الإهراق بالتقريب الذي تقدم ، إلاّ أنّ الظاهر عدم التناول للحيّة ، وباب الاحتمال غير مسدود.

أمّا قول الشيخ ؛ ولو كان نجساً لوجب إراقته ؛ فقد يقال عليه : إن وجوب الإراقة لا ينحصر في النجس ، بل الظاهر من النص خروجها بنفسها ، فلا تكون ميتة في الماء ، والنجاسة حينئذٍ لا وجه لاحتمالها إلاّ بتكلّف نجاسة الحية ، ولم أعلم الآن القائل بها ، وغير بعيد أنّ يكون الإراقة لاحتمال وجود السم.

قوله :

باب سؤر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل من سائر الحيوان‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ،

__________________

(١) راجع ص ١٨٢.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » ؛ إذا وقع في الماء.


عن أحمد ابن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سُئل عمّا(١) يشرب منه الحمام ، فقال : « كلّ ما أُكل لحمه يتوضّأ من سؤره ويشرب ».

وممّا(٢) يشرب منه بازي أو صقر أو عقاب ، فقال : « كلّ شي‌ء من الطير(٣) يتوضّأ ممّا يشرب منه إلاّ أنّ ترى في منقاره دماً فإنّ رأيت شيئاً في منقاره فلا تشرب »(٤) .

وسئل عما(٥) يشرب(٦) منه الدجاجة ، فقال : « إن كان في منقارها قذر لم تشرب ولم تتوضّأ منه ، وإن لم تعلم أنّ في منقارها قذراً توضّأ منه واشرب ».

وهذا خبر عام في جواز سؤر كلّ ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان ، وأنّ ما لا يؤكل لحمه لا يجوز استعمال سؤره ، وقد بينا أيضاً في كتاب تهذيب الأحكام ما يتعلق بذلك ، واستوفينا فيه الأخبار(٧) .

وما يتضمن هذا الخبر من جواز سؤر طيور لا يؤكل لحمها مثل البازي والصقر إذا عري منقارها من الدم مخصوص من بين ما لا يؤكل لحمه في جواز استعمال سؤره.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : عن ماء.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : عن ماء.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ و « رض » : الطيور.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضأ منه ولا تشرب منه.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : عن ماء.

(٦) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : شرب.

(٧) التهذيب ١ : ٢٢٤.


وكذلك ما رواه إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام « أنّ أبا جعفرعليه‌السلام كان يقول : لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء أن يشرب منه ويتوضّأ منه ».

الوجه فيه أن نخصّه من بين ما لا يؤكل لحمه ، من حيث لا يمكن التحرز من الفأرة ويشق ذلك على الإنسان ، فعفي لأجل ذلك عن سؤره.

السند‌

فيه العدة الذي يروي عنها الحسين بن عبيد الله ، وسيأتي في باب ترتيب الوضوء ذكرها ومن لا ارتياب فيه(١) ، والظاهر اطّرادها.

وفي التهذيب روى بعض هذا الحديث ، والسند : عن الشيخ أيّده الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن أحمد ابن إدريس ؛ ومحمّد بن يحيى ، جميعاً عن محمّد بن أحمد ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سئل عمّا يشرب منه الحمام قال : « ما أُكل لحمه يتوضّأ من سؤره ويشرب »(٢) فالسند موثق ، ورواه مرّة ثانية بهذا السند وزاد فيه ما هنا(٣) .

__________________

(١) يأتي في ص ٤٣٨.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٤ / ٦٤٢ وفيه : كل ما يؤكل ، الوسائل ١ : ٢٣٠ أبواب الأسآر ب ٤ ح ٢ ، بتفاوت يسير.

(٣) التهذيب ١ : ٢٢٨ / ٦٦٠.


المتن :

كما ترى مشتمل على لفظ كلّ ما أُكل ، وفي التهذيب ذكر التوجيه بعد نقل الحديث الذي ذكرناه عنه ، فقال : قوله : « كلّ ما يؤكل لحمه يتوضّأ بسؤره ويشرب » يدل على أنّ ما لا يؤكل لحمه لا يجوز التوضّؤ به والشرب منه ؛ لأنّه إذا شرط في استباحة سورة أنّ يُؤكل لحمه دل على أنّ ما عداه بخلافه ، ويجري هذا مجرى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله « في سائمة الغنم الزكاة »(١) في أنّه يدل على أنّ المعلوفة ليس فيها الزكاة(٢) .

وأنت خبير بأنّ الشيخ لو جعل توجيهه بعد الحديث المتضمن للفظ « كلّ » كان أولى(٣) ، لكن اعتماده على ما ذكره بلفظ « كلّ » اقتضى اكتفاؤه بذلك كما نقله هنا.

وقد اعترض عليه شيخناقدس‌سره في بعض فوائده على الكتاب ، وكذلك شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيّده الله بما حاصله : أنّه لو سلّم دلالته على أنّ ما عداه بخلافه ؛ إنّما يدل على أنّ غير المأكول لا يثبت له الحكم كلّياً كما ثبت للمأكول ، ونحن نقول بموجبه ، فإنّ سؤر بعض غير المأكول نجس قطعاً.

وقد سبق إلى هذا العلاّمة في المختلف ، فقال : إذا سلّمنا أنّ المفهوم حجة يكفي في دلالته مخالفة المسكوت عنه للمنطوق في الحكم الثابت‌

__________________

(١) عوالي اللئالي ١ : ٣٩٩.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٤ / ٦٤٢ ، ٦٤٣.

(٣) لا يخفى أنّ الحديث الذي نقله عن التهذيب مشتمل على لفظ كلّ ، فتوجيه الشيخ في محلّه ، والظاهر أنّه كان ساقطاً من نسخة صاحب الاستقصاء.


للمنطوق ، وهنا الحكم الثابت للمنطوق الوضوء بسؤر ما يُؤكل لحمه والشرب منه ، وهو لا يدل على أنّ كلّ ما لا يؤكل لحمه لا يتوضّأ منه ولا يشرب ، بل جاز انقسامه إلى قسمين(١) . وأطال الكلام والمحصل ما سبق.

واعترض الوالد(٢) قدس‌سره على العلاّمة بما ذكرته في حاشية التهذيب وغيرها ، وذكرت ما قد يتوجه عليه ، نظراً إلى أنّ الظاهر وجاهة الإشكال على الشيخ.

والآن يخطر في البال أنّ كلام الوالدقدس‌سره لا يخلو من وجه ، لأنّ حاصله : أنّ المنطوق هو مأكول اللحم من كل حيوان ، والحكم الثابت له جواز الوضوء من سؤره والشرب ، وغير محل النطق ما انتفى عنه الوصف ، وهو عبارة عن غير المأكول من كل حيوان ، فيدل على انتفاء الحكم كلّياً.

فإنّ قلت : إذا لوحظت الكلّية في المنطوق لا بُدّ أنّ يراد نفيها في المفهوم ، وهو يتحقق بالجزئي.

قلت : إذا نظرنا إلى مفهوم الوصف وحجّيته يكون الغرض المطلوب من الكلام نفي الحكم الثابت لذي الوصف عمّا عداه ، فلا بُدّ أنّ يكون جميع ما عداه منتفياً عنه الحكم ، وإلاّ لما أفاد المفهوم ما هو المطلوب ؛ وذكر الكلّ في المنطوق لا دخل له في مفهوم الوصف ، بل لبيان شمول الأفراد على سبيل التأكيد ، وإلاّ فالعموم يستفاد من جهة أُخرى.

ولو منع مانع استفادته أمكن أنّ يقال : إنّ الكلية في المنطوق استفيدت من لفظ كلّ ، والمفهوم يستفاد كلّيته من انتفاء محل الوصف ، فلو فرض للمفهوم قسمان يقال : إنّ تعين أحد القسمين وهو النفي كلّياً لقرينة‌

__________________

(١) المختلف ١ : ٦٥.

(٢) معالم الفقه : ١٥٣.


دلالة الوصف على النفي عمّا عداه فلا ينافي القاعدة.

اللهُمَّ إلاّ أنّ يقال : إن مدخليّة الوصف في النفي عمّا عداه ليست من ٠ جهة الوصف لا غير ، بل بالوصف مع ملاحظة ما معه حتى الكلّية ، ومعه لا يتم المطلوب ، والوجه في اعتبار ما معه أنّ الكلام في مفهوم الوصف مع ما يتضمن القضية بشروطها ، ولا ريب أنّ الكلية داخلة.

فإنّ قلت : دلالة الوصف على النفي عمّا عداه لا دخل لها في جميع شرائط القضية.

قلت : بل لا بُدّ من المدخلية ؛ لأنّ الدلالة على نفي الحكم عمّا عداه يقتضي السلب عمّا عدا القضية المحكوم فيها بالإيجاب ، فلا بُدّ من اعتبار القضية إيجاباً وسلباً.

والحاصل : أنّ مفهوم الوصف لا يكون حجة إلاّ مع الدلالة على الحصر ، ومع الحصر لا بُدّ أنّ لا يشارك المنطوق المفهوم في الحكم ، ومع المشاركة تنتفي حجّية المفهوم ، واعتبر هذا بقوله : « في سائمة الغنم زكاة » فإنّه لولا الحصر لما أفاد نفي الحكم عن المعلوفة ، فليتأمّل.

وبهذا قد يترجّح اعتراض الوالدقدس‌سره غير أنّ في البين نوع كلام بعد ، إلاّ أنّ الأمر سهل ؛ فإنّ مفهوم الوصف غير ثابت الحجّية ، كما حررّناه في الأُصول ، وذكرنا ما لا بُدّ منه فيه في حاشية التهذيب في بحث وجوب السورة.

إذا عرفت هذا فما قاله الشيخ هنا ؛ من أنّ ما تضمنه الخبر من جواز سؤر طيور لا يؤكل لحمها مثل البازي والصقر مخصوص من بين ما لا يؤكل لحمه ؛ لا يخفى أنّه غير مطابق للنص ؛ لأنّ مقتضاه أنّ كلّ شي‌ء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه ، وإنّما ذكر الصقر والبازي في كلام السائل ،


والاعتبار بعموم الجواب لا بخصوص السؤال ، ولعل المراد بقول الشيخ مثل البازي والصقر المثليّة في كونه غير مأكول.

وأمّا رواية إسحاق بن عمار : فهي مرسلة هنا ، وفي التهذيب في باب زيادات الطهارة(١) ، وقد سمعت فيما سبق الأخبار الدالة على سؤر السنّور والسباع ، بل ظاهر رواية أبي العباس أنّه لم يترك شيئاً إلاّ سأل عنه(٢) .

وأنت خبير بأنّ كلام الشيخ هنا في تخصيص الفأرة : لأنّها لا يمكن التحرز عنها ؛ يمكن أنّ يقال مثله في السنّور.

أمّا السباع وغيرها المستفاد من الخبر المذكور سابقاً فالتخصيص إن وجد فيه فلا وجه لاقتصار الشيخ على ما ذكره ، وإن لم يخصص فالمعارضة موجودة ، وهذا الكتاب موضوع للجمع بين الأخبار ، وما ذكرناه من المهم في ذلك عند العامل بالجميع كالشيخ ، ومن لا يعمل إلاّ بالصحيح فهو في راحة من مشقّة الجمع في المقام.

قوله :

باب ما ليس له نفس سائلة

يقع في الماء فيموت فيه‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سئل عن الخنفساء والذباب‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١٩ / ١٣٢٣ ، الوسائل ١ : ٢٣٩ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٢.

(٢) راجع ص ١٥٤.


والجراد والنملة وما أشبه ذلك تموت في البئر والزيت والسمن وشبهه ، قال : « كل ما ليس له دم فلا بأس »(١) .

وبهذا الإسناد عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن حفص بن غياث ، عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام قال : « لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة ».

أخبرني الشيخ أبو عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان قال ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « كل شي‌ء يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس ».

السند‌

أمّا الأوّل : فهو من الموثق كما تكرر القول فيه(٢) .

وأمّا الثاني : فأبو جعفر فيه هو أحمد بن محمّد بن عيسى ، وحاله مشهور ، إمّا أبوه محمّد بن عيسى فغير موثق ، وحفص بن غياث عامي على ما قاله الشيخ في الفهرست(٣) وكتاب الرجال(٤) ، والنجاشي لم يذكر كونه عاميا ولا مدحه(٥) .

وأمّا الثالث : فحال رجاله قد تكرر القول فيها بما يغني عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦ / ٦٦ زيادة : به.

(٢) راجع ص ٦٣ و ٩١ و ٩٣.

(٣) الفهرست : ٦١ / ٢٣٢.

(٤) رجال الطوسي : ١٧٥ / ١٧٦.

(٥) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٦.


الإعادة(١) .

أمّا رواية ابن مسكان وهو عبد الله عن أبي عبد اللهعليه‌السلام بغير واسطة ، فهي تنافي ما قيل من أنّه لم يسمع من أبي عبد اللهعليه‌السلام إلاّ حديث : من أدرك المشعر(٢) ، لكن الحديث كما ترى غير صحيح ، بل وذلك القول محل كلام.

المتن :

في الجميع ظاهر في أنّ ما لا نفس له ينجّس الماء ، والأخبار وإن لم تكن صحيحة ، إلاّ أنّ الأصل معها مؤيّد قوي.

وفي المنتهى : اتّفق علماؤنا على أنّ ما لا نفس له سائله من الحيوانات لا ينجس بالموت ، ولا يؤثّر في نجاسة ما يلاقيه(٣) .

وفي المعتبر : أنّ عدم نجاسة ما هذا شأنه وانتفاء التنجيس به مذهب علمائنا أجمع(٤) .

وحكى الوالدقدس‌سره عن الشيخ في النهاية أنّه قال : كلّ ما ليس له نفس سائلة من الأموات فإنّه لا ينجّس الثوب ولا البدن ولا الشراب إذا وقع فيه ، سوى الوزغ والعقرب(٥) .

وقد علمت ممّا تقدم نقل العلاّمة الاحتجاج لنجاسة العقرب والجواب عنه(٦) .

__________________

(١) راجع ص ٤٠ ، ٤١ ، ٦٩ ، ١١٧ ، ١٦٢.

(٢) رجال الكشّي ٢ : ٦٨٠.

(٣) المنتهى ١ : ٢٨.

(٤) المعتبر ١ : ١٠١.

(٥) معالم الفقه : ٢٣٣ ، وهو في النهاية : ٦.

(٦) راجع ص ١٦٧ ١٦٨.


أمّا الوزغ فقد تقدم الخبر الدال على أنّه لا يُنتفع بما يقع فيه ، وحمل الشيخ له على الكراهة(١) .

وفي المعتبر : ما يتولّد في النجاسات كدود الحش وصراصره ففي نجاسته تردّد ، ووجه النجاسة أنّها كائنة عن النجاسة ، فتبقى عليها ، ووجه الطهارة الأحاديث الدالة على طهارة ما مات فيه حيوان لا نفس له من غير تفصيل ؛ وترك التفصيل دليل إرادة الإطلاق ؛ ولأنّ تولّده في النجاسة معلوم ، أمّا منها فغير معلوم ، فلا يحكم بنجاسته ، وإن لاقى النجاسة إذا خلا من عينها(٢) . انتهى.

ولقائل أنّ يقول : إنّ ظاهر الكلام ينافي ما قرروه من أنّ استحالة الصورة النوعية من المطهّرات ؛ فإنّ الاستحالة في ما نحن فيه أظهر الأفراد ، إلاّ أنّ الذي صرّح به المحقق في المعتبر على ما نقله عنه أبي(٣) عدم طهارة الخنزير وشبهه إذا وقع في المملحة وصار ملحاً ، وكذلك العذرة إذا وقعت في البئر واستحالت حمأة(٤) .

وخصوص هذه المذكورات لا وجه له ، وحينئذٍ لا يتوجه على المحقق شي‌ء.

نعم ذهب جماعة كالمحقق الشيخ فخر الدين(٥) ، والشهيد(٦) ، وجدّي(٧) قدّس سرهم إلى أنّ الاستحالة مطهّرة ؛ واختار ذلك والديقدس‌سره ـ

__________________

(١) راجع ص ١٨٢.

(٢) المعتبر ١ : ١٠٢.

(٣) معالم الفقه : ٤٠٧ ، وهو في المعتبر ١ : ٤٥١.

(٤) الحمأة : طين أسود ، المصباح المنير : ١٥٣.

(٥) إيضاح الفوائد ١ : ٣١.

(٦) الذكرى ١ : ١٣٠ ، والدروس ١ : ١٢٥.

(٧) انظر الروضة ١ : ٦٧ وروض الجنان : ١٧٠.


مستدلاً بأنّ الحكم بالنجاسة منوط بالاسم فيزول بزواله(١) .

وقد ينظر في هذا : بأنّ الاسم إذا تحققت الطهارة بزواله يشكل ، بأنه يقتضي طهارة كثير من الأشياء وإن لم تحصل الاستحالة ، والأمر لا يخلو من إشكال.

وإرادة زوال الصورة النوعية من الاسم على تقديرها يوجب تطهير متغيّر الصورة وإن لم يستحل ، ولا أظنّ القائلين يلتزمون ذلك.

وقد احتجّ المحقق(٢) والعلاّمة(٣) على القول بعدم الطهارة : بأنّ ( النجاسة قائمة بالأجزاء لا بالأوصاف ، ولا تزول بتغيّر الأوصاف.

وأُجيب : بأنّ قيام )(٤) النجاسة بالأجزاء مسلّم ، لكن لا مطلقاً ، بل بشرط الوصف ؛ لأنّه المتبادر من تعليق الحكم بالاسم ، والمعهود في الأحكام الشرعية ، ولا ريب في انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه(٥) .

والوالدقدس‌سره ذكر هذا الجواب أيضاً(٦) .

ولا يخلو من تأمّل في نظري القاصر ؛ لأنّ اشتراط الوصف يقتضي بمجرد زواله الطهارة ، وقد سمعت القول فيه.

ومن العجيب أنّ الوالد(٧) قدس‌سره ارتضى كلام المحقق في الحيوان المتولّد في النجس ، والحال أنّ مذهبه الطهارة بالاستحالة.

__________________

(١) معالم الفقه : ٤٠٧.

(٢) المعتبر ١ : ٤٥١.

(٣) المنتهى ١ : ١٧٩.

(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٥) انظر إيضاح الفوائد ١ : ٣١.

(٦) معالم الفقه : ٤٠٨.

(٧) معالم الفقه : ٤٠٧.


وجواب المحقق ؛ حيث ذكر فيه : أنّ الحيوان تولد في النجاسة لا منها(١) ؛ لا يوافق كلام الوالدقدس‌سره في الاستحالة ، ولعلّهقدس‌سره رأى أن الاستحالة لا يخلو فتح بابها من الإشكال ، فالاستدلال بغيرها أنسب وإن قال بها(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأخبار المبحوث عنها في الأخير منها حكم البئر خاصة ، والمفهوم من الشرط فيه وإن اقتضى حصول البأس في ذي الدم ، إلاّ أنّ حمله على ما لا ينافي غير عَسِر.

واحتمال اختصاص البئر لكونه جارياً بعدم تأثّره فلا وجه لذكره هنا ؛ لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ الظاهر من الشيخ إرادة كون البئر مساوياً للماء القليل غير الجاري ، كما سيأتي في الخبر المنافي.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضّأ منه؟ قال : « نعم لا بأس به » قلت : فالعقرب؟ قال : « أرقه ».

فالوجه في هذا الخبر فيما يتعلق(٣) بإراقة ما يقع فيه العقرب أن نحمله على الاستحباب دون الحظر والإيجاب.

وأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٠٢.

(٢) في « رض » : قيل بها ، وفي « فض » : قاربها.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٧ زيادة : بالأمر.


عبد الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن منهال قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : العقرب تخرج من البئر ميتة ، قال : « استق عشر دلاء » قال ، قلت : فغيرها من الجيف ، قال : « الجيف كلّها سواء إلاّ جيفة قد أُجيفت ، فإنّ كانت جيفة قد أُجيفت فاستق منها مائة دلو ، فإن غلب عليه الريح بعد مائة دلو فانزحها كلّها ».

فالوجه في هذا الخبر(١) ضرب من الاستحباب دون الإيجاب.

السند‌

في الحديث الأوّل تقدّم ما يغني عن بيانه(٢) .

وأمّا الثاني : ففيه محمّد بن عبد الحميد ، والظاهر أنّه ابن سالم العطّار ؛ لأنّ الراوي عنه أحمد بن أبي عبد الله البرقي في الفهرست(٣) ، وعبد الله بن جعفر الحميري في النجاشي(٤) ، ومرتبة محمّد بن أحمد بن يحيى تناسبه.

وفي رجال الشيخ : محمّد بن عبد الحميد فيمن لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام روى عنه ابن الوليد(٥) ، ولا يخفى بُعد إرادته هنا.

ثمّ إنّ محمّد بن عبد الحميد اتّفق في النجاشي أنّه قال : محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر ، روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧ / ٧٠ زيادة : أيضاً.

(٢) راجع ص ٧٠ و ٦٩ ، ٧٠ ، ١٠٨ ، ٧٢ و ٨٣ و ١٢٥.

(٣) الفهرست : ١٥٣ / ٦٧٥.

(٤) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.

(٥) رجال الطوسي : ٤٩٢ / ٦.

(٦) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.


فظن جدّيقدس‌سره أنّ الموثق الأب(١) ، وأراه لا يخلو من بُعد ؛ لأن العنوان لمحمّد وذكر الأب بالعارض ، فمن المستبعد توثيق الأب ، إلاّ أنّ الأمر لا يخلو من اشتباه.

وفي الخلاصة نقل [ في(٢) ] عبد الحميد ما هذه صورته : روى عن موسى وكان ثقة(٣) .

وكأنّه أخذه من النجاشي ظنّاً بأنّ الموثق الأب ، والذي رأيناه في النجاشي في عبد الحميد من دون توثيق.

وأمّا يونس بن يعقوب : فقد كان فطحياً ورجع ، وهو ثقة ، ذكر ذلك النجاشي(٤) . والتوقف في روايته واضح الوجه ، لعدم العلم بزمن الرواية.

وأمّا منهال : فهو مشترك في الرجال بين من لا يزيد على الإهمال(٥) .

المتن :

في الأوّل : على تقدير العمل بالخبر محمول كما ذكره الشيخ على الاستحباب ، لكن لا لمعارضة الخبر المذكور في هذا الباب ؛ لتضمن الخبر حكم العقرب إذا وقعت في البئر ، ويجوز أنّ يكون للبئر حكم يغاير غيره من الماء الذي لا يكون له مادة لينافيه الخبر المبحوث عنه ، بل لِما تقدم من الخبر في الباب المتقدم الدال على أنّه يسكب من الماء ثلاث مرّات ثم‌

__________________

(١) قال به في فوائده على خلاصة العلاّمة على ما حكاه عنه في تنقيح المقال ٣ : ١٣٦.

(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : عن ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) خلاصة العلاّمة : ١١٦ / ٣.

(٤) رجال النجاشي : ٤٤٦ / ١٢٠٧.

(٥) رجال الطوسي : ٣١٣ / ٥٣٧ ٥٤٠.


يشرب منه(١) ، مع احتمال أنّ يقال بالتخيير بين الإراقة والسكب ثلاث مرّات.

وما قد يقال : إنّ الأخبار الدالة على أنّ ما ليس له دم لا بأس به تتناول العقرب ، فيحتاج الحمل على الاستحباب في العقرب لذلك.

يمكن الجواب عنه بجواز تخصيص ذلك وتقييده ، مع احتمال أن يراد بنفي البأس عدم النجاسة وعدم التحريم ، فلا يتم المعارضة ، وفي هذا نظر ( ولا يخفى أنّ الجمع فرع العمل بالأخبار )(٢) .

وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه من الحمل على الاستحباب لا بأس به بالنسبة إلى غير الشيخ ، أمّا هو على ما يظهر منه من وجوب النزح تعبّداً فلا مانع له من أنّ يحمل الخبر المتضمن لنفي البأس على عدم النجاسة ، والأمر بالنزح على الوجوب تعبّداً ، أو بزوال النفرة من السم عند غير الشيخ مع الاحتمال المتقدم ؛ إلاّ أنّ في مذهب الشيخ بالنسبة إلى النزح نوع خفاء ، كما سنبينه إن شاء الله(٣) .

أمّا ما تضمنه الخبر من قوله : « جيفة قد أُجيفت » فالمراد به ميتة قد أنتنت ، والحمل على الاستحباب في بعض الحديث والوجوب في بعض محل إشكال.

وقولهعليه‌السلام : « فإنّ غلب الريح بعد مائة دلو فانزحها كلّها » لا يخلو من إجمال لا يتمّ بيانه إلاّ في باب نزح المتغيّر من الآبار.

فإنّ قلت : ظاهر الخبر في الجيفة الشمول للطاهرة كجيفة ما لا نفس‌

__________________

(١) راجع ص ١٨٢.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٣) يأتي في ص ٢٣١.


له ، والوجوب فيها لا يخلو من إشكال ، بل الاستحباب له وجه ، فلعل الخبر محمول عليها بخصوصها ، فيتم الاستحباب.

قلت : لا يخفى عدم تماميّة هذا ، بل الظاهر أنّ المراد من الجيفة غير العقرب وما ماثلها ممّا ليس له نفس سائلة ، غاية الأمر أنّ الحديث على نحو بعض الأخبار الواردة في البئر ، من دخوله في حيّز الإجمال ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

بَاب المَاء المستعمل‌

أخبرني الشيخ أبو عبد الله رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي ، عن أحمد بن هلال ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا بأس بأنّ يتوضّأ بالماء المستعمل » وقال : « الماء الذي يغسل به الثوب ، أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أنّ يتوضّأ منه وأشباهه ، وأمّا الذي يتوضّأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شي‌ء نظيف فلا بأس أنّ يأخذه غيره ويتوضّأ به ».

السند‌

فيه محمّد بن قولويه وقد تقدم القول فيه(١) ، والحسن بن علي : يحتمل أنّ يكون ابن النعمان ؛ لأنّ الراوي عنه في النجاشي(٢) الصفار ، وهو‌

__________________

(١) في ص ١١١.

(٢) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨١.


في مرتبة سعد ، وهذا الاحتمال لا يفيد الجزم الذي يعوّل عليه.

واحتمال ابن فضال بعيد ؛ لأنّ الراوي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى في الرجال(١) ، وكذلك الوشاء الراوي عنه من ذكر ، وعلى كل حال بعد وجود أحمد بن هلال الذي ذمّه الشيخ(٢) رحمه‌الله غاية الذم لا ثمرة في تحقيق الحسن بن علي.

والحسن بن محبوب وابن سنان حالهما غنيّة عن البيان.

المتن :

ظاهره جواز الوضوء بالماء المستعمل ، سواء كان مستعملاً في الكبرى أو الصغرى.

وقولهعليه‌السلام في آخر الحديث : « فأمّا الذي يتوضّأ به الرجل » إلى آخره ، الظاهر أنّ المراد به غسل الوجه واليدين ، لا الوضوء الشرعي ، واحتمال إرادة الوضوء الشرعي لا يضر بالحال ، إلاّ من جهة التخصيص بوضوء غير الغاسل وجهه ويده ، ومقتضى الأوّل جواز الاستعمال مطلقاً ، إلاّ أنّ الإجماع قد ادّعي في المنتهى(٣) والمعتبر(٤) ، على أنّ المستعمل في رفع الأصغر طاهر مطهِّر ، من غير فرق بين الذي رفع به الحدث وغيره ، مؤيّداً بأنّ الاستعمال لا يخرج الماء عن الإطلاق.

وهذا الذي ذكرناه في الخبر على تقدير العمل به ، وعلى هذا التقدير‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢ والفهرست : ٤٨.

(٢) الفهرست : ٣٦ / ٣٤.

(٣) المنتهى ١ : ٢٢.

(٤) المعتبر ١ : ٨٥.


فيه تخصيص ، لجواز الوضوء بالمستعمل ، أمّا الغُسل بالمستعمل في الوضوء فظاهر النص لا يدلّ عليه.

وقولهعليه‌السلام : « الماء الذي يغسل به الثوب » إلى آخره ، لا يخلو من إجمال ، فإنّ ضمّ ما يغسل به الثوب إلى ما يغتسل به من الجنابة يقتضي المشاركة في الحكم ، والحال أنّ ما يغسل به الثوب فيه خلاف في النجاسة وعدمها ، ولم أعلم القول بأنّه يصير مستعملاً ، وكذلك القول بأنّ المستعمل في الجنابة نجس ، فإنّ كانت المشاركة في كون الماءين مستعملان فالحال ما سمعت ، وكذلك إن كانا نجسين ، فالاستدلال على المطلوب من عدم جواز استعمال المستعمل في رفع الأكبر بالحديث لا يخلو من غرابة.

مضافاً إلى اختصاصه بالوضوء من الرافع للجنابة ، والمدعى أعم.

وبالجملة فالحديث لا يصلح للاستدلال سنداً ومتناً.

فإنّ قلت : قوله : « وأشباهه » ما المراد به؟

قلت : هو أيضاً في حيّز الإجمال ؛ إذ يحتمل أنّ يراد أشباه غسل الجنابة من الأغسال المفروضات ، بل ربما يدّعى ظهوره من حيث إنّ « وأشباهه » مرفوعة عطفاً على الماء.

ويحتمل الجرّ فيه ، عطفاً على الضمير المجرور ، لكنه مرجوح عند بعض ، والمعنى كالأوّل.

ويحتمل أنّ يكون عطفاً على فاعل يجوز ، والمعنى يجوز أنّ يتوضأ ويجوز أشباه الوضوء ، ويراد المشابهة في الاستعمال لغسل بعض الأعضاء.

وبُعد هذا واضح ، وبه قد يرتفع الإجمال من هذه الجهة.

نعم في الفعل أعني يتوضّأ احتمالان : البناء للمجهول والمعلوم ، ومع الاحتمال نوع إشكال.


وقد استدل على المنع بصحيح محمّد بن مسلم ، عن أحدهما قال : سألته عن ماء الحمام ، فقال : « ادخله بإزار ، ولا تغتسل من ماء آخر إلاّ أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا تدري فيهم جنب أم لا »(١) .

واعترض الوالدقدس‌سره على الاستدلال بالرواية بأنّها غير واضحة الدلالة ؛ لتضمنها عدم استعمال ماء الحمام إذا كثر الناس فيه ، ولم يعلم هل فيهم جنب أم لا ، والاتفاق واقع على أنّ الشك في حصول المقتضي غير موجب للمنع ، فتكون الرواية مصروفة عن ظاهرها ، مراداً بها مرجوحيّة الاستعمال ، ولا ريب أنّ استعمال غير المستعمل أولى ، انتهى(٢) .

ولقائل أنّ يقول : إنّ الشك في حصول المقتضي إن أُريد به مقتضي المنع فمسلّم ، إلاّ أنّ الشرط إذا تحقق من الشارع ، وهو كون الماء المغتسل به غير مستعمل ، فلا بُدّ من حصوله في جواز الاغتسال ، والمفروض ذلك ، والشك في مقتضي المنع لا ينفع.

وإن أُريد بالمقتضي غير ذلك فغير معلوم ، والاتّفاق المذكور في المقام محل كلام ، بل التصريح واقع في الاستدلال بالرواية.

اللهُمَّ إلاّ أنّ يقال : إن المفهوم من الشارع جواز الاغتسال بكلّ ماء إلاّ إذا علم استعماله ، وظاهر الرواية خلافه ، فكيف ترد الرواية لغير المطلوب؟

نعم في الرواية ما يدل على عدم اللزوم ، وهو النهي عن الغُسل من ماء آخر ، فإنّه لا يناسب التحريم.

وفي الخبر أبحاث كثيرة ذكرناها في محل آخر ، ولعل في هذا القدر كفاية.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٧٩ / ١١٧٥ ، الوسائل ١ : ١٤٩ أبواب الماء المطلق ب ٧ ح ٥.

(٢) معالم الفقه : ١٣٣.


قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، قال : حدثني صاحب لي ثقة أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، فيريد أنّ يغتسل ، وليس معه إناء ، والماء في وهدة(١) ، فإنّ هو اغتسل(٢) رجع غسله في الماء ، كيف يصنع؟ قال : « ينضح بكفّ بين يديه ، وكفّاً(٣) من خلفه ، وكفّاً عن يمينه ، وكفّاً عن شماله ثم يغتسل ».

فلا ينافي الخبر الأول ؛ لأنه يجوز أنّ يكون المراد بالغسل هاهنا غير غسل الجنابة من الأغسال المسنونات ؛ لأنّ الذي لا يجوز استعمال ما(٤) اغتسل به إذا كان الغسل للجنابة فأمّا إذا كان مسنوناً فذلك يجري مجرى الوضوء.

ويجوز أنّ يكون هذا مختصاً(٥) بمن ليس على بدنه شي‌ء من النجاسة ؛ لأنّه لو كان هناك نجاسة لنجس الماء ولم يجز استعماله على حال.

السند‌

قد تقدم الكلام فيه بما يغني عن الإعادة(٦) .

__________________

(١) الوهدة : بالفتح فالسكون : المخفض من الأرض مجمع البحرين ٣ : ١٦٧ ( وهد ).

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨ / ٧٢ زيادة : به.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨ / ٧٢ : وكف.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨ : ماء.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٨ زيادة : بحال الاضطرار ، ولا بُدّ أيضاً أنّ يكون مختصاً.

(٦) راجع ص ٧١ و ١١٧ ، ١٦٢ و ١٩٦.


وقول ابن مسكان : حدثني صاحب لي ثقة ، لا يفيد شيئاً بعد ضعف الطريق ، وعلى تقدير الصحة أيضاً ؛ فإنّ الثقة إذا لم يعلم اسمه ليبحث عنه من وجود الجارح وعدمه ( لا يثبت به صحّة الحديث ، كما حرّر )(١) في الأُصول(٢) .

فإنّ قلت : ما تقرّر في الأُصول لا يخلو من إشكال ؛ لأنّ توقف التوثيق على انتفاء الجرح يقتضي أنّ يكون توثيق أصحاب الرجال إنّما يعتبر إذا لم يعارضه الجرح المعتبر ، والحال أنّ الاستدلال على قبول توثيق الرجال هو قوله تعالى( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) (٣) الآية ؛ فإنّ مفهوم الشرط عدم التثبّت عند خبر العدل ، فالتوقف على انتفاء الجرح يقتضي تخصيص الدليل ، وموجبه غير معلوم.

ولو سلّم فانتفاء الجرح في الرجال لا يعلم الآن إلاّ من مراجعة الكشّي ، وهو لا يخلو من تصحيف ، وضعف أسانيده أكثر من صحتها ، وغيره ليس بموجود ليعتمد عليه ، فلو وقف التعديل على انتفاء الجرح لزم عدم قبول التعديل غالباً ، والتزامه واضح الإشكال.

قلت : أمّا ما ذكرت من جهة الآية فالأمر سهل ، من حيث إمكان التخصيص ، على أنّ المفهوم من الآية قبول العدل ، والعلم به لا يتحقق إلاّ مع انتفاء الجرح.

إلاّ أنّ يقال : إنّ الفرق حاصل بين من ثبتت عدالته بقول العدل كأصحاب الرجال ، وبين من علمت بالمعاشرة.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : لا يفيد قول الغير ثبوته ، كما صرّح.

(٢) انظر معالم الأُصول : ٢١٤ ٢١٦.

(٣) الحجرات : ٦.


وفيه : أنّ إخبار العدل مجال القول فيه واسع ، بالنظر إلى إمكان أن يقال : إنّ الآية لا تخلو من إجمال ، كما يعرف مما قرّرناه في مواضع ، منها حاشية التهذيب ، وحينئذ فالمرجع إلى الإجماع ، ومعه يشكل الحال بعد التصريح من البعض باعتبار ملاحظة الجرح(١) ، فليتأمّل.

وأمّا من جهة الكشّي فالأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ التكليف بالاطلاع على غيره مع تعذّره منتف ، ولا مانع من الاكتفاء به ، على أنّه يمكن استفادة الجرح من غيره ، ككتاب الشيخ ، وفهرسته ، وغيرهما ، فليتدبّر.

فإنّ قلت : أصالة عدم الجرح ما المُخرج منها ليحتاج إلى البحث عن الجارح؟.

قلت : كأنّ الوجه في البحث كثرة الجرح ، كما في العام ؛ فإنّ أصالة عدم التخصيص موجودة إلاّ أنّه لمّا غلب التخصيص اعتبر الفحص عنه.

واحتمال الفرق بأنّه لما اشتهر أنّه ما من عامّ إلاّ وقد خصّ احتيج إلى البحث عن المخصص ، بخلاف الجرح.

قلت : الاعتبار في العام ليس من جهة ما اشتهر ؛ بل لأنّ كثرة التخصيص اقتضت انتفاء الأصل ، على معنى أنّ ظنّ بقاء العام يضعّف بالكثرة ، وهذا يأتي مثله في الجرح.

فإنّ قلت : الأمر في العام ممكن حيث اشتهر أنّه ما [ من ] عامّ إلاّ وقد خصّ ، لا من ثبوت هذا ؛ بل لأنّه يضعّف ظنّ العموم به إذا أُضيف إلى كثرة التخصيص ، بخلاف الجرح ؛ فإنّ موجب(٢) ظنّ العدالة لا يضعّف بكثرة الجرح ؛ إذ لا مؤيّد له.

__________________

(١) كما في معالم الأُصول : ٢٠٩.

(٢) ليس في « د ».


قلت : التأييد مع عدم ثبوت ما ذكر محل كلام ، ولو نوقش فيه أمكن أنّ يقال : إنّ مفهوم آية :( إن جاءكم فاسق ) يقتضي تحقّق عدم الفسق ، والإخبار بالعدالة من دون البحث عن الجرح لا يفيد عدم الفسق ، بل ظن العدالة ، وانتفاء الفسق بالأصل ، فلا يتحقق عدم الفسق(١) ، وحينئذ لا يتم العمل إلاّ بالبحث.

فإنّ قلت : هذا يقتضي حصول يقين عدم الفسق ، وتحققه واضح الإشكال ، بل المعتبر الظنّ بانتفائه.

قلت : إذا تحقق الإجماع على الظنّ كفى في المطلوب.

فإنّ قلت : ما ذكرته في الآية يقتضي العلم بالعدالة ، والحال أنّ اعتباره لا دليل عليه.

قلت : اقتضاء ما ذكرته لا وجه له ، بل غاية المراد حصول ظن العدالة ، بحيث يحصل ظنّ عدم الفسق.

فإنّ قلت : إذا كان مفهوم الآية عدم الفسق فلا بُدّ من العلم به ؛ لأنّ ظاهر : « إن جاءكم » من له صفة الفسق ، فلا بُدّ من حصول انتفاء صفة الفسق ، كما هو مفاد المفهوم ، وانتفاء صفة الفسق لا يتحقق إلاّ بالعلم.

قلت : انتفاء صفة الفسق يتحقق بالظن ؛ لتعذر العلم ، فلا يكلّف به.

فإنّ قلت : مع إخبار الثقة بالعدالة تحقق عدم الفسق ظنا ؛ نظراً إلى الأصل ، فأيّ حاجة إلى اعتبار البحث عن الجرح؟

قلت : وجه الاحتياج أنّ ظاهر الآية اعتبار انتفاء وصف الفسق علماً ، ولمّا تعذّر اعتبر ما يقرب منه ، وهو ظنّ الراجح الحاصل بالبحث عن الجرح.

__________________

(١) في « فض » زيادة : بل.


وما عساه يقال : إنّ مفاد الآية : إن جاءكم من تعلمون فسقه ، فالمفهوم منها عدم العلم بالفسق ، وهو يتحقق مع الإخبار بالعدالة من دون البحث.

فالجواب عنه : ما ذكره الوالد(١) قدس‌سره : من أنّ الظاهر من الآية اعتبار العلم بانتفاء وصف الفسق ، كما حقّقه في الأصول ، موجِّها له بأنّ العلم أمر خارج عن مدلول اللفظ ، كما في قولنا : أعط الفقير مثلاً ، فإنّ المستفاد منه إعطاء من له صفة الفقر ، أمّا العلم بها أو الظنّ فمن خارج ، والآية كذلك ، فتقدير من علم فسقه ليكون المفهوم من لم يعلم فرع دخول العلم في اللفظ.

ولو نوقش في هذا(٢) يمكن أنّ يقال : إنّ مرجع الاستدلال على الاكتفاء بخبر العدل هو اتّفاق المتأخّرين ، ومع عدم البحث عن الجرح لا اتّفاق ، فليتأمّل.

وإذا عرفت حقيقة الحال فاعلم أنّ من قبيل ما نحن فيه ما لو قال الثقة(٣) : روى الشيخ مثلاً في الصحيح ، فإنّ اكتفينا في التوثيق بمجرد ( ذكر الثقة )(٤) من دون التصريح باسم الرجل يلزم الحكم بالصحة حينئذٍ من دون الرجوع إلى الأُصول ، وإن اعتبرنا التصريح لنبحث عن الجرح لزم عدم الاكتفاء بمجرد ما ذكر.

فإنّ قلت : الفرق ربما يوجّه بأنّ الصحة لا تستلزم التوثيق ، لجواز‌

__________________

(١) معالم الأصول : ٢٠١.

(٢) في « فض » زيادة : وإن أمكن دفعه.

(٣) في « فض » : الفقيه.

(٤) في « فض » : ذكره.


الاعتماد على قرائن توجبها ، ومن ثم حكموا بصحة أحاديث غير الموثقين ، نظراً إلى الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم.

قلت : الصحة بتقدير الإطلاق يراد بها ما رواه الثقة ، وأمّا الصحة التي ذكرتها فهي عند المتقدمين ، والكلام في اصطلاح المتأخّرين ، وسنذكر إن شاء الله في الكتاب ما لا بُدّ منه في ذلك(١) .

وما عساه يقال : إنا قد وجدنا العلاّمة وصف أخباراً بالصحة في المختلف والمنتهى ، مع أنّ في الطرق رجالاً لم يذكر توثيقهم في الخلاصة ، فكيف يُحكم بالتوثيق إذا وصف الرواية بالصحة؟.

قلت : لعل المكتفي بوصفه يجوّز أن يكون استفاد توثيق الرجل بعد الخلاصة ، وإن كان الحق أنّ في المقام تأمّلاً ، كما سنوضح الوجه فيه(٢) .

أمّا ما ذهب إليه البعض من أنّ العدل إذا قال : أخبرني عدل ، لم يكن كافياً في التزكية ؛ لأنّه قد يتجوّز بهذا ففيه نظر واضح.

كما أنّ ما قاله البعض ، من أنّ قول العدل : حدثني بعض أصحابنا ، يفيد تعديل المروي عنه(٣) .

واضح الإشكال ، إلاّ بتقدير ما قدّمناه ، من اعتناء الأصحاب بالرواية عن غير الضعيف(٤) ، فليتأمّل(٥) .

المتن :

كأنّ الشيخ فهم منه المنافاة ، من حيث تقرير السائل على قوله : فإن‌

__________________

(١) انظر ج ٢ : ١٧٢ ١٧٣.

(٢) انظر ج ٢ : ٢٥٨ ٢٦١.

(٣) معارج الأُصول : ١٥١.

(٤) راجع ص : ٤٩ ٥١.

(٥) من قوله : فإن قلت ، في ص ٢٢٠ إلى هنا ساقط من « رض ».


اغتسل رجع غَسله بالفتح أي ماء الغسل ؛ فلولا أن رجوع الماء مضرّ لما كان لخوفه فائدة.

وأمرهعليه‌السلام بنضح ما ذكره ، قد اختلفت فيه الآراء.

فقيل : إنّ متعلق النضح الأرض ، والحكمة اجتماع أجزائها ، فيمنع سرعة انحدار ما ينفصل عن البدن إلى الماء(١) .

وقيل : إن متعلقه بدن المغتسِل ، والمقصود بلّه ، لتعجيل(٢) الاغتسال قبل انحدار المنفصل عنه ، وعوده إلى الماء إلى الوهدة(٣) .

ويحكى عن ابن إدريس إنكار الأوّل ، محتجّاً بأنّ اشتداد الأرض بالرشّ يوجب إسراع نزول الماء إلى الوهدة(٤) ؛ والحقّ أنّ الأرضين مختلفة في ذلك.

أمّا الوجه الثاني : فهو يشعر بأنّ ما يتقاطر من البدن عن بعض الأعضاء يتحقق به الغسالة ؛ وإشكاله واضح ، والأخبار المعتبرة تدفع ذلك ، وقد أوضحنا الحال في حاشية الفقيه.

والذي يقال هنا : إنّ ظاهر النص إقرار السائل ، وأنّ خوفه يندفع بما ذكر ، وكأنّ الوجه الأول له قرب إلى ذلك ، غير أنّ الأخبار الدالة على عدم صيرورة الماء مستعملاً بالتقاطر من الأعضاء توجب حمل الخبر على الاستحباب.

فمن الأخبار : صحيح الفضيل ، قال : سئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن الجنب‌

__________________

(١) انظر البيان : ١٠٤.

(٢) في « فض » : ليعجل ، وفي « د » : ليتعجل.

(٣) حكاه عن الصهرشتي في المعتبر ١ : ٨٨ وانظر الذكرى ١ : ١٢.

(٤) السرائر ١ : ٩٤.


يغتسل فينضح من الأرض في الإناء ، فقال : « لا بأس ، هذا ممّا قال الله( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (١) »(٢) وغير ذلك من الروايات(٣) ، وحينئذٍ يحمل الخوف في الرواية على إرادة المرجوحيّة.

أمّا ما قاله الشيخرحمه‌الله : من أنّ المراد بالغسل غير غسل الجنابة.

قد يتوجّه عليه : أنّ مقتضى الخبر الأوّل أنّ الماء الذي يغتسل به من الجنابة لا يجوز أنّ يتوضأ به ، وأمّا عدم جواز الاغتسال به فلا يدل عليه إلاّ من حيث قوله : « لا بأس أنّ يتوضّأ بالماء المستعمل » فإنّه يدل على عدم جواز غير الوضوء بمفهوم لا يصلح حجّة ، وحينئذ لا وجه لحمل الشيخ هذا الخبر على غير غسل الجنابة من الأغسال المسنونات.

على أنّ غير الجنابة أعم من المسنون.

وكأنّ الشيخ فهم من قوله : « وأشباهه » أشباه غسل الجنابة وهي الواجبة ، لكن قد علمت أنّ الحديث إنّما يتضمن المنع من الوضوء حسب ، والمفهوم لا يصلح لإثبات حكم.

ولعل الشيخ يحتجّ بهذا المفهوم ؛ لرجوعه إلى مفهوم الوصف ، لكن لا أفهم وجهه.

ويحتمل أنّ يكون الشيخرحمه‌الله فهم من هذا الحديث جواز استعمال الماء المستعمل ، من حيث إنّ النضح لا يمنع وصول الماء إلى الوهدة ، فإذا اكتفى بالنضح دل على الجواز ، والخبر الأول دل على المنع في غسل الجنابة ، فيختص هذا بغير غسل الجنابة ، ويضم إلى ذلك عدم القائل‌

__________________

(١) الحج : ٧٨.

(٢) التهذيب ١ : ٨٦ / ٢٢٥ ، الوسائل ١ : ٢١١ أبواب الماء المضاف ب ٩ ح ١.

(٣) الوسائل ١ : ٢١١ أبواب الماء المضاف ب ٩.


بالفصل بين الوضوء والغسل.

وممّا يؤيده قوله : ويجوز أنّ يكون هذا لمن ليس على بدنه شي‌ء من النجاسة ؛ لأنّه لو كان هناك نجاسة لنجس الماء ، ولم يجز استعماله على حال.

فإنّ هذا الكلام يقتضي أنّه غير قائل بالمنع في المستعمل في الجنابة ، بل على سبيل الاستحباب ، ومن ثَمّ حمل هذا الحديث على الخالي من النجاسة ، حيث إنّ النضح لا يخلو من إصابة الماء ، وقوله : ولو كان هناك نجاسة لنجس الماء ، صريح الدلالة على أنّ النضح لا يمنع وصول الماء ، فليتأمّل.

ومن هنا يعلم أنّ الحديث الأول لو حمل الجنب فيه على من بدنه لا يخلو من نجاسة ليساوي ماء المغسول به الثوب ، أمكن ، إلاّ أنّ تخصيص الوضوء غير ظاهر الوجه ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

والذي يدل على أنّه مخصوص بحال الاضطرار ، ما رواه أحمد ابن محمّد ، عن موسى بن القاسم البجلي وأبي قتادة ، عن علي بن جعفر ، عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل (١) من الجنابة ، أو يتوضّأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره ، والماء لا يبلغ صاعاً للجنابة ، ولا مُدّاً للوضوء ، وهو متفرّق ، فكيف يصنع ، وهو يتخوّف أنّ تكون السباع قد شربت‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٨ / ٧٣ زيادة : به.


منه؟ فقال : « إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفّاً من الماء بيد واحدة ، ولينضحه خلفه ، وكفّاً أمامه ، وكفّاً عن يمينه ، وكفّاً عن شماله ، فإنّ خشي أنّ لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرّات ثمّ مسح جلده بيده ، فإنّ ذلك يكفيه (١) ، وإن كان الوضوء غسل وجهه ويمسح (٢) يده على ذراعيه ورأسه ورجليه ، وإن كان الماء متفرقاً وقدر أن يجمعه ، وإلاّ اغتسل من هذا وهذا (٣) ، فإنّ كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أنّ يغتسل ويرجع الماء فيه ، فإنّ ذلك يجزيه ».

السند‌

صحيح كما تقدم في ذكر الطريق إلى أحمد بن محمّد(٤) ، وهو ابن عيسى ؛ لأنّه الراوي عن موسى بن القاسم في النجاشي(٥) ، ومن هنا يتّضح أنّ ما سبق من احتمال ابن خالد بعيد.

وأمّا موسى بن القاسم ومن معه فلا ريب في جلالة شأنهم.

المتن :

ظاهره بمعونة آخره أنّ النضح خوفاً من عود الماء المستعمل ؛ لأنّ قوله في آخره : « فلا عليه أنّ يغتسل ويرجع الماء فيه » يدل على حصول مرجوحيّة مع رجوع الماء.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩ / ٧٣ : يجزيه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩ / ٧٣ : ومسح.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩ / ٧٣ : ومن هذا ، وفي « د » : أو هذا.

(٤) راجع ص ١٧٥.

(٥) رجال النجاشي : ٤٠٥ / ١٠٧٣.


وما قاله الشيخ من أنّه مخصوص بحال الضرورة له وجه ، إلاّ أنّ عبارته لا تخلو من شي‌ء ؛ فإنّه لم يتقدم هذا الوجه من الحمل(١) ، وكأن مراده ذكر وجه الحمل على الضرورة في ضمن ما يدل عليه.

أمّا ما قاله شيخناقدس‌سره في بعض فوائده على الكتاب : من أنّ الذي يظهر أنّ النضح للأرض لإلقاء الخبث المتوهم الحاصل في وجه الماء ، كما يدل عليه قولهعليه‌السلام في رواية الكاهلي : « إذا أتيت ماءً وفيه قلّة فانضح عن يمينك وعن يسارك وبين يديك وتوضّأ »(٢) وفي رواية أبي بصير : « إن عرض في قلبك منه شي‌ء فقل هكذا يعني أفرج الماء بيدك ثم توضّأ »(٣) .

ففيه تأمّل يظهر ممّا قلناه في الرواية.

وما ذكره من الروايتين لا دلالة في الأُولى على ما قاله.

أمّا الثانية : ففيها دلالة على تفريج الماء ، وهو أمر آخر ، على أنّه لو سلّم يقال في الخبر المبحوث عنه بجواز النضح للأمرين.

ثم الخبر فيه دلالة على الاكتفاء بالمسح في الغسل للضرورة ، اللهم إلاّ أنّ يكون المسح إضافياً بالنظر إلى الرأس : ( لكن لا يخفى أنّه يدلّ على تصادق الغَسل والمسح )(٤) .

__________________

(١) لا يخفى أنّه قد تقدم هذا الوجه من الحمل في الاستبصار ١ : ٢٨ / ٧٢ ، والظاهر سقوطه من نسخة صاحب الاستقصاء ، راجع ص ٢٠٧.

(٢) الكافي ٣ : ٣ / ١ ، الوسائل ١ : ٢١٨ أبواب الماء المضاف ب ١٠ ح ٣.

(٣) التهذيب ١ : ٤١٧ / ١٣١٦ ، الوسائل ١ : ١٦٣ أبواب الماء المطلق ب ٩ ح ١٤.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : لكن لا يخفى أنّه يدل على تصادف الغسل والمسح ، ومن أوضح الأدلة قوله : ويمسح يده على ذراعيه ، وفي « فض » : المراد أنّ مسح الجلد كناية عن قدر مائة ، بالنسبة إلى أنّ الرأس زيادة مائة مطلوبة ، فالكلام في الغسل ربما الترادف ، فيجوز كونه في الغسل ويجوز فيه الوضوء منه.


قوله :

باب الماء يقع فيه شي‌ء ينجّسه

ويستعمل في العجين وغيره‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن موسى بن عمر ، عن أحمد ابن الحسن الميثمي ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله بن الزبير(١) قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن البئر ، تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب ، فتموت ، فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبر؟ قال : « إذا أصابته النار فلا بأس بأكله ».

وعنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن أبي عمير ، عمّن رواه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في عجين عُجن وخُبز ثم عُلم بأنّ الماء كان (٢) فيه ميتة ، قال : « لا بأس ، أكلت النار ما فيه ».

السند‌

أمّا الأوّل : فرجاله إلى محمّد بن علي بن محبوب قد تقدم فيهم القول(٣) .

وأمّا موسى بن عمر : فالظاهر انّه ابن يزيد ؛ لأنّ الراوي عنه سعد بن عبد الله ، وسعد في مرتبة محمّد بن علي بن محبوب ، بخلاف موسى بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩ / ٧٤ زيادة : « عن جدّه ».

(٢) ليس ي الاستبصار ١ : ٢٩ / ٧٥.

(٣) راجع ص ٦٣ ، ٩١.


عمر بن بزيع ؛ فإنّ الراوي عنه حماد فمرتبته أبعد ، وابن يزيد ليس بثقة.

وأما أحمد بن الحسن الميثمي : فهو ثقة على ما في النجاشي ، ونقل عن الكشيّ ما هذه صورته : قال أبو عمرو الكشّي : كان واقفاً ، وذكر هذا عن حمدويه ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، قال : أحمد بن الحسن واقف ، وقد روى عن الرضاعليه‌السلام ، وهو على كل حال ثقة صحيح الحديث يعتمد عليه(١) . انتهى.

ولا يخفى أنّ قول النجاشي : وهو على كل حال ، ربما أشعر بارتضائه بنقل الكشي.

وفيه : أنّ الحسن بن موسى غير ثقة ، بل قيل فيه : إنّه من وجوه أصحابنا(٢) ، ولعل قول النجاشي اعتماداً على الحسن بن موسى لكون لفظ « من وجوه أصحابنا » يفيد التوثيق ، أو أنّ قوله : وعلى كل حال ، لا يقتضي الاعتراف بما نقل ، بل على سبيل التسليم.

وأمّا أحمد بن محمّد بن عبد الله بن الزبير : فهو مجهول الحال.

وأمّا الثاني : فضمير عنه فيه كأنّه راجع إلى محمّد بن علي بن محبوب ، بقرينة ما يأتي من الحديث بعده ، وهذا غير طريقة الشيخرحمه‌الله إلاّ أنّ له نظائر.

ومراسيل ابن أبي عمير قد تقدم الكلام فيها(٣) .

المتن :

في الخبر الأول : لا يخفى أنّه لا يدل على طهارة العجين النجس‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٧٤ / ١٧٩ ، وهو في رجال الكشّي ٢ : ٧٦٨ / ٨٩٠.

(٢) رجال النجاشي : ٤٢ / ٨٥.

(٣) في ص ٩٩ ١٠٠.


بالنار إذا صار خبزاً ، إلاّ بعد ثبوت نجاسة البئر بالملاقاة ، أو حصول التغيّر في أحد الأوصاف ، وبدون ذلك لا يدل.

فإنّ قيل : لا بُدّ من حمل الخبر على أنّ البئر ينجس ماؤها وإلاّ لكان قول الإمامعليه‌السلام : « إذا أصابته النار فلا بأس » لا فائدة فيه.

قلت : لعل الإمامعليه‌السلام أراد أنّ النفرة تزول بالنار ، لأنّ النار مطهِّرة له ، وهذا المعنى يستعمل في البئر ، كما ينبّه عليه مراجعة الأخبار ، فالاستدلال به على هذا الحكم أعني طهارة العجين إذا صار خبزاً بالنار لا يخلو من تأمّل ، وظاهر المصنف في هذا الكتاب القول بذلك ، كما يفهم من أول الكتاب في المشي على القاعدة ، وإن كان الشيخ مضطرباً في هذه الحال ، وفي التهذيب لم يقل ذلك ، نعم في باب المياه من النهاية قال بالطهارة إذا صار خبزاً(١) ، وفي باب الأطعمة منها قال بعدم جواز أكل ذلك الخبز(٢) ؛ فهو مضطرب الأقوال.

والخبر الثاني له ظهور في الدلالة على الطهارة ، فالعامل بمراسيل ابن أبي عمير كأنّه لما نظر إلى المعارض الآتي الذي فيه رواية ابن أبي عمير بإرسالٍ ربما يرجع إلى المسند رجّحه على هذا الخبر ، وإلاّ فهو دليل لا ينكر ظهوره ، ومن ثم نقل الوالدقدس‌سره : أنّ جمهور الأصحاب نفوا حصول الطهارة(٣) ، مع أنّ الجمهور قائلون بقبول المراسيل من ابن أبي عمير(٤) .

والاستدلال بأصالة النجاسة بعد الرواية لا وجه له ، إلاّ من حيث إنّ الخبرين المعتبرين لمّا تعارضا وكان مع أحدهما الأصل يرجّح عليه ،

__________________

(١) النهاية : ٨.

(٢) النهاية : ٥٩٠.

(٣) معالم الفقه : ٤٠٥.

(٤) انظر العدة ١ : ٣٨٦ والذكرى : ٤.


والعجب من الشيخ أنّه لم يجعل هذا مرجّحاً ، ولعله يدل على أنّ الأصل المذكور في المؤيدات غير الاستصحاب ، فتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا وما أحسبه إلاّ حفص بن البختري قال ، قيل لأبي عبد اللهعليه‌السلام في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال : « يباع ممن يستحلّ أكل الميتة ».

عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابه(١) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يدفن ولا يباع ».

فالوجه في هذين الخبرين أنّ نحملهما على ضرب من الاستحباب ، ويحتمل أنّ يكون المراد بالخبرين الماء الذي تغيّر أحد أوصافه ، والخبران الأوّلان متناولان لماء البئر الذي ليس ذلك حكمه ، ويمكن تطهيره بالنزح ؛ لأنّ ذلك أخفّ نجاسة من الماء المتغيّر بالنجاسة.

السند‌

أمّا الأول فلا يبعد من الصحة عند بعض متأخري الأصحاب النافين لقبول مراسيل ابن أبي عمير ، بعد صحة الطريق إلى محمّد بن علي بن محبوب بواسطة أحمد بن محمّد بن يحيى ، وقد تقدم(٢) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩ / ٧٦ : أصحابنا.

(٢) في ص ٦٣.


( والوجه في القرب )(١) أنّ الظاهر من قول ابن أبي عمير : ولا أحسبه إلاّ حفص بن البختري ، أنّه اعتماد على الظنّ ، وظاهرهم العمل به.

وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل ؛ لأنّ العمل بالظن موقوف على الدليل ، والذي هو مظنّة في مثل هذا المقام الإجماع ، وتحقّقه في غاية البُعد ، كما يعلم بالتأمّل الصادق.

وبتقدير العمل بالظن فالرجل المذكور وهو حفص بن البختري قد وثّقه النجاشي ، وغير بعيد أنّ يكون التوثيق من أبي العباس ؛ لأنّه قال : كوفي ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وأبي الحسنعليه‌السلام ، ذكره أبو العباس ، وكان بينه وبين آل أعين نبوة فغمزوا عليه بلعب الشطرنج(٢) (٣) ، ويحتمل أن يرجع الذكر للرواية عن أبي عبد الله وأبي الحسن ، لا للتوثيق.

وأمّا توثيق العلاّمة(٤) فهو تابع للنجاشي.

و(٥) المعروف بين المتأخّرين عدم التوقف في حال حفص(٦) ، إلاّ المحقق في المعتبر ، فإنّه حكم بضعفه في مسألة شك الإمام مع حفظ المأموم(٧) .

__________________

(١) في « د » و « فض » : الوجه في القرب من.

(٢) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٤.

(٣) في « ض » زيادة : إلى أن قال : وقال ابن نوح : إلخ ، وهذا يدل على أنّ الأوّل ابن عقدة ، غير أنّ الأوّل يحتمل.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٥٨ / ٣.

(٥) في « رض » زيادة : العبارة التي حكيتها وجدتها في نسخة للنجاشي ، إلاّ أنّ شيخنا المحقق أيده الله تعالى في كتاب الرجال لم ينقلها ، أعني قوله : وقال ابن نوح. وتحقيق الحال موقوف على مراجعة النسخ المعتبرة ، إلاّ ان المعروف.

(٦) من هنا إلى قوله : شيخنا أيّده الله ، في ص ٢٢٣ ، ساقط من « رض ».

(٧) المعتبر ٢ : ٣٩٥.


ولا يبعد أنّ يكون نظره إلى ما ذكرناه ، من حيث اشتراك أبي العباس بين ابن نوح وابن عقدة الجارودي ، على أنّ في ابن نوح نوع كلام ، كما يظهر من الفهرست ، وإنّ كان دفعه ممكناً ؛ لأنّ الشيخ قال : إنّه حكي عنه مذاهب فاسدة مثل القول بالرؤية(١) . والحاكي غير معلوم.

ويؤيّد هذا أنّ النجاشي لا يخفى عليه الحال ، ولم يتعرض لشي‌ء من ذلك.

فإنّ قلت : الذي ذكره الشيخ : أحمد بن محمّد بن نوح ، والنجاشي قال : أحمد بن علي بن نوح(٢) ، فلعلّه غيره.

قلت : الظاهر الاتّحاد ، كما يعلم من المراجعة لكتاب شيخنا أيّده الله في الرجال(٣) .

فإنّ قلت : لعل المحقق اعتمد في الضعف على ما قاله النجاشي : من أنّ آل أعين غمزوا عليه بما ذكر ، وآل أعين فيهم من هو ثقة.

قلت : لا يبعد أنّ يكون آل أعين ليس المراد جميعهم ؛ لما هو الظاهر من أنّ سبب الغمز هو النبوة المقتضية للميل إلى الهوى ، وصدور هذا من الثقة بعيد.

إلاّ أنّ يقال : إنّ إظهار الجرح بلعب الشطرنج سببه النبوة ، وإنّ كان الرامي ثقة ، والوجه في ذلك أنّ الثقة قد يتحرّز عن القدح في الفاسق من غير سبب ، لكون الاحتياط فيه ، بناءً على جواز غيبة الفاسق ، ومع النبوة ترك الاحتياط ، وهو لا يضر بحال الثقة. ويشكل الحال في الثقة بأنّه‌

__________________

(١) الفهرست : ٣٧ / ١٠٧.

(٢) رجال النجاشي : ٨٦ / ٢٠٩ ، وفيه : احمد بن علي بن العباس بن نوح.

(٣) منهج المقال : ٤٧.


لا يخرج عن اتّباع الهوى المقتضي لنوع ريب.

ويمكن الجواب : بأنّ القدح بما ذكر في الثقة(١) محل تأمّل.

أما احتمال أنّ يقال : بأنّ لعب الشطرنج مع عدم الإصرار لا يضر بالحال ؛ففيه : أنّ الظاهر الإصرار على ما ذكر.

وبالجمله فالأمر من جهة الغمز لا يخلو من نظر.

وأمّا من جهة أبي العباس فلا يبعد ادعاء إرادة الرواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وبتقدير إرادة ما يشمل التوثيق احتمال انصراف أبي العباس إلى ابن نوح قريب ؛ لأنّه شيخ النجاشي ، وابن عقدة بينه وبينه واسطة كما ذكره شيخنا أيّده الله(٢) ، ( وفي البين كلام فليتأمّل )(٣) .

وأمّا الثاني : فهو من مراسيل ابن أبي عمير ، وليس فيه ارتياب بعد ما تقدم ، إلاّ من جهة الإرسال.

المتن :

في الخبر الأوّل ظاهر في العجين إذا عُجن بالماء النجس ، وأنّه يباع من مستحلّ أكل الميتة ، ولا ريب أنّه ما لم يخبز بالنار نجس ، فحكمه في البيع ما تضمنته الرواية ، وهذا لا ينافي الروايتين بتقدير الدلالة على الطهارة إذا خبز.

وكأنّ الشيخرحمه‌الله فهم منه أنّ السؤال عن العجين إذا خبز بالنار فاحتاج إلى الحمل بما ذكره ، ونحن مشينا أوّلاً على اعتقاد الشيخ ، فلم‌

__________________

(١) في « فض » : النهاية.

(٢) من قوله : إلاّ المحقق ، في ص ٢٢١ ، إلى هنا ، ساقط من « رض ».

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « رض ».


نذكر هذا الوجه ، فلا يعترض علينا بما هو ظاهر.

والخبر الثاني : لا يبعد عن الأوّل في إرادة نفس العجين ، والجمع بين الخبرين بالتخيير بين البيع ممّن يستحل أكل الميتة وبين الدفن ، ويحتمل ترجيح الدفن من حيث اشتمال الرواية على النهي عن البيع.

أمّا ما قاله الشيخرحمه‌الله من الحمل على ضرب من الاستحباب فمجمل المرام ؛ لأنّه إنّ أراد به أنّ البيع والدفن كلاهما مستحب على حد سواء ، ففيه : أنّ في الثانية ما يفيد نوع رجحان ، كما أشرنا إليه من النهي.

وإنّ أراد استحباب عدم الأكل سواء بيع أو دفن ، فالكلام لا يساعد عليه صريحاً ، ودليل الاستحباب المذكور مدخول.

أمّا الحمل الآخر : فالذي يخطر بالبال من معناه أنّ يراد بالخبرين الأخيرين الماء الذي تغيّر بالنجاسة ، وهذا يباع ما عُجن به لمستحل الميتة أو يدفن ، والخبران الأوّلان يراد بالماء فيهما ماء البئر إذا لم يتغيّر ؛ لأنّ تطهيره بالنزح دليل على كونه أخفّ نجاسة من المتغيّر المتوقف على نزح الجميع على اعتقاد الشيخ.

وبعد هذا التقرير في كلام الشيخ أُمور :

الأوّل : قوله يراد بالخبرين تغيّر أحد أوصافه شامل للبئر مع التغير ، ونزح الجميع كنزح البعض في كونه مطهّراً من دون احتياج إلى ماءٍ آخر ، فإنّ كان حكم ماء البئر أخفّ لكون تطهيره بالنزح فهو حاصل بالجميع.

واحتمال أنّ يقال : إنّ نزح جميع الماء أبلغ المطهرات لا أنّه أخفّ.

فيه : أنّ نزح الجميع قد يكون بالتراوح مع غزارة الماء ، فلا يكون أبلغ إذا أزالت النار تغيّره ، إلاّ أنّ يقال : إنّ النّار إنّما تجفّف الماء ولا تُزيل‌


التغيّر.

الثاني : أنّ الخبر الثاني من الأوّلين معلل بأنّ النار أكلت ما فيه ، وهو شامل للمتغيّر من الماء وغيره.

الثالث : أنّ الخبر الثاني من الأولين ليس فيه دلالة على أنّه ماء بئر بوجه من الوجوه ، ولو فرض الحمل عليه من غير قرينة فالباب أوسع من ذلك ، فإنّ ما ذكرناه في ماء البئر من عدم النجاسة والتقريب من الإمامعليه‌السلام (١) أولى في توجيه الحديثين حينئذٍ.

الرابع : قوله لأنّ ذلك أخفّ نجاسةً إما أنّ تعود الإشارة إلى البئر ، أو إلى غير المتغيّر من البئر وغيره.

فإنّ عادت إلى البئر يصير غير المتغير من البئر أخفّ نجاسةً من المتغيّر منه ، والخبران الأخيران ليسا بتقدير التغيّر خاصّين بالبئر.

وإنّ عادت إلى الأعم لم يتم التعليل المطلوب إثباته ، كما هو واضح ، هذا.

وسيأتي من الشيخ في حكم البئر ما يقتضي القول بأنّ البئر لا تنجس ، وإنّما يجب النزح ، وإنّ احتمل القول بالنجاسة أيضاً ، والكلام هنا أيضاً لا يخلو من مخالفة لما سيأتي ، وستعلم الحال إذا انتهى إلى هناك المقال(٢) .

قوله :

باب الماء الذي تسخنه الشمس‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن‌

__________________

(١) ص ٢١٩.

(٢) راجع ص ٢٣٩ ٢٤٠.


أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن حمزة بن يعلى ، عن محمّد بن سنان ، قال : حدثني بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس أنّ يتوضّأ بالماء الذي يوضع في الشمس ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن عيسى العبيدي ، عن درست ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : « دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على عائشة وقد وضعت قمقمتها(١) في الشمس ، فقال : يا حميراء ما هذا؟ قالت : أغسل رأسي وجسدي ، قال : لا تعودي فإنّه يورث البرص ».

فمحمول على ضرب من الكراهية دون الحظر.

السند‌

قد تقدم الأوّل(٢) سوى حمزة بن يعلى ، وهو ثقة ، وفيه أيضاً إرسال.

وأمّا الثاني : فقد تقدم أيضاً(٣) سوى درست ، وهو ابن أبي منصور واقفي غير موثق.

وإبراهيم بن عبد الحميد ، قال الشيخ في الفهرست : إنّه ثقة(٤) ، وفي كتاب الرجال : إنّه واقفي(٥) ؛ ولا منافاة في كلام الشيخ ، والنجاشي لم يذكر الوقف ولا التوثيق(٦) .

__________________

(١) القمقمة : وعاء من صفر يستصحبه المسافر مجمع البحرين ٦ / ١٤١ ( قمقم ).

(٢) راجع ص ١١١ ، ٩٤.

(٣) راجع ص ٦٤ ، ٧٥ ٨٢ ، ١٢٤ ١٢٥.

(٤) الفهرست : ٧ / ١٢.

(٥) رجال الطوسي : ٣٤٤ / ٢٦.

(٦) رجال النجاشي : ٢٠ / ٢٧.


المتن :

وإنّ كان ظاهره في الأوّل والثاني مجرد الوضع في الشمس ، من غير تسخين للماء ، إلاّ أنّ الشيخ فهم ذلك ، وكأنّه الظاهر من الروايتين.

مضافاً إلى دعوى الشيخ الإجماع في الخلاف(١) على الماء إذا سخنته الشمس ، مؤيّداً برواية إسماعيل بن أبي زياد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الماء الذي تسخنه الشمس لا تتوضّؤوا به ، ولا تغتسلوا به ، ولا تعجنوا به ، فإنّه يورث البرص »(٢) .

وذكر الوالدقدس‌سره : أنّ النهي في هذه الرواية ورواية إبراهيم بن عبد الحميد إنّما حمل على الكراهة مراعاةً للجمع بينه وبين رواية محمّد بن سنان ، كما ذكره الشيخ ، لكنه خص الروايتين المبحوث عنهما.

وزاد بعض في توجيه الكراهة : بأنّ العلّة المذكورة راجعة إلى المصلحة الدنيوية ، وذلك قرينة كون النهي للإرشاد ، على حد قوله تعالى( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) (٣) .

واعترض : بأنّ العود إلى المصلحة الدنيويّة لا يدل على عدم التحريم ، كيف ووجوب دفع الضرر مما لا ريب فيه.

وأُجيب : بأنّ دفع الضرر إنما يجب مع العلم أو الظنّ ، وهما منفيان(٤) .

__________________

(١) الخلاف ١ : ٥٤.

(٢) الكافي ٣ : ١٥ / ٥ ، علل الشرائع : ٢٨١ / ٢ ، التهذيب ١ : ٣٧٩ / ١١٧٧ ، الوسائل ١ : ٢٠٧ أبواب الماء المضاف ب ٦ ح ٢.

(٣) البقرة : ٢٨٢.

(٤) معالم الفقه : ١٧٢.


وفي نظري القاصر أنّ هذا الجواب لا يتم عند الشيخ ومن يعمل بالأخبار من غير جهة الأسانيد ووصفها المعتبر ، فالإشكال على الشيخ ونحوه متوجه ، والمعارض غير صريح في كون الماء صار مسخناً.

نعم لو كان صريحاً أو استفيد من ظاهره ذلك أمكن أن يقال : إنّ الحديثين مع العمل بهما لا يصير ظن الضرر متحققاً ، نظراً إلى المعارض بل يصير شكاً ، وحينئذٍ يمكن الحمل على الكراهة.

والعجب من الوالدقدس‌سره أنّه لم يتعرض لتحقيق الحال في هذا ، ولعل العذر له ضعف الأخبار ، إلاّ أنّه ذكر الاعتراض والجواب قانعاً به ، فتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشيخ في الخلاف اشترط في الحكم بالكراهة القصد إلى التسخين ، وجعل الإجماع مقيّداً به(١) ، وجماعة من الأصحاب لم يفرقوا(٢) ، ووافق الشيخ جماعة على اعتبار القصد(٣) .

والأخبار كما ترى لا تصلح للاعتماد ، والإجماع المدعى من الشيخ خاص بالقصد ، وربما يستفاد من الخبر الذي رواه إبراهيم بن عبد الحميد القصد ، فيؤيّد الإجماع ، إلاّ أنّ العلّة ربما تأبى ذلك ، والأمر سهل.

__________________

(١) الخلاف ١ : ٥٤.

(٢) منهم العلاّمة في نهاية الاحكام ١ : ٢٢٦ ، والشهيدان في البيان : ١٠٢ ، والذكرى ١ : ٧٨. وروض الجنان : ١٦١ ، والمسالك ١ : ٢٢ ، والكركي في جامع المقاصد ١ : ١٣٠.

(٣) منهم الحلي في السرائر ١ : ٩٥ ، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرائع : ٢٠.


أمّا لو زال التشميس(١) فالعلاّمة في التذكرة قال : احتمل بقاء الكراهة لعدم خروجه عن كونه مسخناً(٢) .

وفي الذكرى قطع الشهيد بالبقاء(٣) ، وتبعه جماعة ؛ مستدلّين بالاستصحاب ، والتعليل بخوف البرص ، وبصدق الاسم بعد الزوال ؛ إذ المشتق لا يشترط فيه بقاء أصله(٤) .

وفي الاستصحاب بحث ، وكذلك القول في المشتق ؛ لأنّ عدم اشتراط البقاء إنّما يكره زواله بطريان وصفٍ وجوديٍ يضادّه ، وفي المقام قد تحقّق المضادّ.

وما أجاب به الوالدقدس‌سره عن هذا : بأنّ الاشتقاق هنا من التسخين لا من السخونة(٥) ؛ ففيه نظر واضح.

وذكر بعض فضلاء المتأخّرين بأنّ الكراهة مشترطة بقلّة الماء(٦) ، وظاهر جماعة من المتأخّرين عدم الفرق(٧) ؛ لإطلاق النص والتعليل ، وفي المقام كلام ، إلاّ أنّ ضعف المستند يسهل الخطب ، والله تعالى أعلم.

__________________

(١) في « د » : التسخين.

(٢) التذكرة ١ : ١٣.

(٣) الذكرى ١ : ٧٨.

(٤) منهم الشهيد الثاني في المسالك ١ : ٢٢ ، وروض الجنان : ١٦١. والكركي في جامع المقاصد ١ : ١٣٠ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ٢٩١.

(٥) معالم الفقه : ١٧٣.

(٦) مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٢٩٢.

(٧) صرّح به الشهيد الثاني في المسالك ١ : ٢٢ ، واستظهره في روض الجنان : ١٦١ ، والكركيّ في جامع المقاصد ١ : ١٣١.


قوله :

أبواب حكم الآبار‌

باب البئر يقع فيها ما يغير أحد أوصاف الماء

إما اللون أو الطعم أو الرائحة‌

أخبرني الشيخ أبو عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته يقول : « لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما يقع(١) في البئر ، إلاّ أنّ ينتن ، فإنّ أنتن غسل(٢) الثوب ، وأُعيدت الصلاة ، ونزحت البئر ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد (٣) ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في الفأرة تقع في البئر فيتوضّأ الرجل منها ويصلّي ( ولا يعلم ) (٤) أيُعيد الصلاة ويغسل ثوبه؟ قال : « لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه ».

السند‌

في الأوّل : ليس فيه ارتياب على ما قدمناه في أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد(٥) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٠ / ٨٠ وقع.

(٢) في « فض » زيادة : منه ، وفي « رض » : به.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣١ / ٨١ زيادة : ( ابن قولويه ).

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض » وفي الاستبصار ١ : ٣١ / ٨١ : وهو لا يعلم.

(٥) في ص ٣٩ ٤١.


وفي التهذيب رواه عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن الحسن(١) ، وبيّنا في حاشيته أنّ الأولى ما هنا من غير نظرٍ إلى الاستبصار ، وبعد ما ترى الذي هنا يتبيّن الصواب.

واعتراض المحقق في المعتبر بأنّ حمّاداً مشترك بين موثق وغيره ، فلا يكون الخبر صحيحاً(٢) .

يدفعه : أنّ حمّاداً هو ابن عيسى على الظاهر ، كما يعلم من مواضع متعددة ، وقد نبّه على ما قلناه شيخناقدس‌سره في فوائده على الكتاب.

وأمّا الثاني : فقد تقدم القول في رجاله(٣) ما عدا عبد الله بن الصلت ، وهو ثقة بغير ريب ، والذي في الفهرست أنّ الراوي عنه أحمد بن أبي عبد الله(٤) ، فيكون هو أحمد بن محمّد ، لا ابن عيسى ، وفي أحمد بن أبي عبد الله نوع كلام(٥) .

المتن :

في الأول ظاهره عدم نجاسة البئر بمجرد ملاقاة النجاسة ، والحصر في النتن من الأوصاف لا يضر بالحال بعد ثبوت غيره.

وربما يستفاد من الحديث عدم وجوب النزح ؛ لإطلاق عدم إعادة الصلاة.

وعلى ما يفهم من كلام الشيخ بنوع من الاحتمال أنّ إعادة الصلاة لا بُدّ منها إذا لم يتحقق النزح يدفعه الخبر ، وستستمع الكلام في ذلك إن‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٣٣ / ٦٧٠ ، الوسائل ١ : ١٧٣ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ١٠.

(٢) المعتبر ١ : ٥٧.

(٣) راجع ص : ١١٤ ، ١٣٩ ، ١٦٠.

(٤) الفهرست : ١٠٤ / ١٨٢.

(٥) قال النجاشي : كان ثقة في نفسه ، يروي عن الضعفاء واعتمد المراسيل. رجال النجاشي : ٧٦ / ١٨٣.


شاء الله(١) .

ولفظة « من » في قوله : « مما وقع » للسببية.

وفي المختلف حكى عن الشيخ في النهاية أنّه قائل بنزح الماء أجمع مع التغير ، فإن تعذر نزح إلى أن يزول التغير ، وأنّه احتج بهذه الرواية.

وأجاب العلاّمة : بأنّه لا بُدّ في الحديث من إضمار ، وليس إضمار جميع الماء بأولى ( منه بإضمار )(٢) بعضه ، المحمول على ما يزول به التغير(٣) .

وقد ذكرت في حاشية التهذيب ما يتوجه على كلام العلاّمة بنوع تطويل ، ومحصّله : أنّ زوال التغير لا ينحصر في البعض ، فإضمار البعض الذي يزول به التغير لا أولوية له ، بل الأولى على تقدير التغير حمل قوله : « نزحت البئر » على ما يزول به التغير ؛ لأنّها لا تخرج عن الإطلاق وغيرها عن التقييد ، فلا يضمر الجميع ولا البعض بخصوصهما.

فإن قلت : لفظ « نزحت البئر » حقيقة في الجميع ، ومجاز في البعض ، فكيف يقول العلاّمة ليس بأولى؟.

قلت : لعل مراده أنّ « نزحت البئر » مجاز ، فلا بُدّ من إضمار ، وليس إضمار الجميع أولى من إضمار البعض.

وقد يقال : إنّ « نزحت البئر » قد صار حقيقة عرفية في نزح الجميع ، ولو لم يكن حقيقة عرفية فتقدير ماء البئر كأنّه معلوم ، وظاهره الجميع.

والحق أنّ الخبر بعد ورود غيره مما سنذكره(٤) لا يخرج عن الإجمال.

__________________

(١) في ص : ٢٣٧.

(٢) كذا في النسخ ، والظاهر : من إضمار.

(٣) المختلف ١ : ٢٧ ٢٩.

(٤) يأتي في ص : ٢٤٨.


ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره الوالدقدس‌سره : من أنّا نحمله على نزح الأكثر ؛ ( لتوقف زوال التغيّر عليه ، كما يشعر به قوله : إلاّ أنّ ينتن ، وإطلاق نزح البئر على نزح أكثره )(١) جائز ، ولو بطريق المجاز ، لضرورة الجمع(٢) .

محل بحث ؛ لأنّه إنّما يتم على أنّ يكون تقدير ماء البئر في الحديث معلوماً ، ليحمل على الأكثر مجازاً ، أمّا لو جعل المجاز في الإسناد فلا ، بل يرجع الإجمال ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الوالدقدس‌سره احتجّ لنزح أكثر الأمرين من المقدّر وزوال التغيّر ، بأنّ الدليل الدال على نزح المقدر مع عدم التغيّر يدل على وجوب المقدّر مع التغيّر بطريق أولى(٣) .

وفي نظري القاصر أنّه غير تام ؛ لأنّ مفهوم الموافقة بتقدير تمامه إنّما هو يصلح للاستدلال إذا لم يعارضه المنطوق ، وهو موجود في الخبر الصحيح الدال على أنّ زوال التغيّر مطهّر.

وما عساه يتوجه على هذا من أنّ الخبر الدال على أنّ زوال التغيّر كاف لا يخرج عن احتمال التقييد بما يدل عليه مفهوم الموافقة.

فيه : أنّ الظاهر خلاف ذلك ، وأنّ زوال التغيّر كاف ، والخبر هو صحيح ابن بزيع الآتي عن قريب(٤) وما ذكرناه هنا على سبيل الاختصار ، وفي غير هذا الكتاب قد بسطنا الكلام ، ولعل في هذا كفاية إنّ شاء الله تعالى.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « د ».

(٢) منتقى الجمان ١ : ٥٨ ، معالم الفقه : ٣٣.

(٣) معالم الفقه : ٣٣ ، منتقى الجمان ١ : ٥٨.

(٤) الآتي في ص ٢٤٣.


بقي في الحديث شيئان ، أحدهما : أنّ العموم في قوله : « مما وقع في البئر » شامل للمنصوص الذي له مقدّر وغيره ، وعلى تقدير الحكم بأكثر الأمرين في المقدّر ينبغي الاكتفاء بزوال التغيّر في غير المنصوص ، لا أكثر الأمرين مما ثبت لغير المنصوص وزوال التغير ، كما هو أحد الأقوال ، وسيأتي إنّ شاء الله ذكر ما قيل في الاستدلال لغير المنصوص(١) .

وثانيهما : أنّ الحكم بإعادة الصلاة مع التغيّر يتناول الوقت وخارجه ، كما يستفاد من الأخبار في إطلاق الإعادة على خارج الوقت ، والحكم وإن لم يكن إجماعياً في الإعادة مطلقاً إذا استعمل الماء المتغيّر في الوضوء أو الغسل ؛ إذ العلاّمة نقل في المختلف قولاً بعدم الإعادة في خارج الوقت ، إذا كان الوضوء بغير الماء الطاهر أو الغسل(٢) ، غير أنّ ظاهر المتأخّرين أنّه لا خلاف في ذلك.

وسيأتي ذكر ما لا بُدّ منه في ذلك إنّ شاء الله تعالى في محله(٣) .

ولعل الإجماع متأخّر عن القائل ؛ فإنّ المنقول عن الشيخ ذلك(٤) ، لكن ظاهر الحديث المبحوث عنه الشمول لنجاسة الثوب والبدن ، والإعادة مطلقاً فيهما غير سليمة من المعارض ، وسيأتي أيضاً ، وحينئذٍ فالحديث من هذه الجهة لا يخلو من إجمال.

وأمّا الخبر الثاني : فغير خفيّ أنّ فيه احتمال كون عدم إعادة الصلاة وغسل الثوب لعدم العلم بالتقدم على المباشرة ، وأصالة عدم التقدم يقتضي‌

__________________

(١) الآتي في ص ٢٩٧ ٢٩٨.

(٢) المختلف ١ : ٧٤.

(٣) انظر ص ٢٣٩.

(٤) نقله عنه في المختلف ١ : ٧٤ وهو في المبسوط ١ : ١٣ و ٣٨.


ذلك ، إلاّ أنّ ترك الاستفصال من الإمام عن ظهور القرائن الدالة على التقدم وعدمها عند السائل يفيد العموم ، كما هو مقرّر في الأُصول.

وربما يدعى أنّ قول السائل : ولا يعلم ، يفيد خلاف ذلك. وفيه ما فيه.

ثم إنّ الفأرة لا ذكر في الخبر لموتها ، فربما كان الحكم المذكور لعدم نجاسة عينها ، كما تقدم فيه القول(١) ، إلاّ أنّ ترك الاستفصال في الخبر يفيد العموم للموت.

قوله :

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سئل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلاّ بعد ما يتوضّأ منها ، أتعاد الصلاة؟ قال : « لا ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن أبي عيينة ، قال : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام عن الفأرة تقع في البئر ، قال : « إذا خرجت فلا بأس ، وإنّ تفسخت فسبع دلاء » قال : وسئل عن الفأرة تقع في البئر فلا يعلم بها أحد إلاّ بعد ما يتوضّأ منها ، أيعيد وضوءه وصلاته ، ويغسل ما أصابه؟ فقال : « لا ، قد استعمل أهل الدار (٢) ورشّوا ».

__________________

(١) راجع ص ١٨٣ ١٩٠.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣١ / ٨٣ : « بها ».


السند :

في الأول : لا يخلو من خلل ، والصواب عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، كما لا يخفى.

ورجال السند لا ارتياب فيهم بعد ما قدمناه(١) ، سوى علي بن الحكم ؛ فإنّه قد يظن فيه الاشتراك بين موثق وغيره(٢) .

والحق على تقدير الاشتراك أنّ هذا هو الثقة ، بقرينة رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه ، كما يستفاد من الرجال(٣) .

واحتمال أحمد بن محمّد لغير ابن عيسى ، يدفعه الظهور ، نظراً إلى تكرّر ذلك ، لا من جهة أنّ الراوي عن ابن عيسى الصفار مع غيره ؛ لأنّ الصفار يروي عن أحمد بن أبي عبد الله أيضاً ، كما يعلم من الرجال(٤) .

وفي الثاني : ليس فيه من ينافي الصفحة بعد محمّد بن قولويه كما قدمناه(٥) سوى أبي عيينة ؛ فإنّه مجهول الحال.

المتن :

في الأوّل : حكمه ما تقدم في السابق من جميع ما ذكرناه.

وفي الثاني : دلالة على أنّ الفأرة لا تؤثّر مع الحياة في البئر شيئاً ، ومع الموت إنّ تفسخت سبع دلاء.

__________________

(١) راجع ص ٣٩ ٤٠ ، ١٩٦ ، ١٧٤.

(٢) انظر هداية المحدثين : ٢١٦.

(٣) الفهرست : ٨٧ / ٣٦٦.

(٤) الفهرست : ٢٢.

(٥) راجع ص ١١١ ١١٣.


وما تضمّنه من السؤال عن الفأرة التي تقع في البئر ، ولا يعلم بها أحد إلاّ بعد الوضوء وما معه.

يمكن أنّ يقال فيه ما تقدم ، إلاّ أنّ الجواب منهعليه‌السلام بقوله : « قد استعمل أهل الدار ورشّوا » لا يوافق ذلك.

ولعل التوجيه : بأنّه تقريب لخاطر السائل لبُعد تنبّهه من جهة أنّ الأصل عدم التقدم فلا يلزم إعادة الوضوء.

ممكن ، إلاّ أنّ الإشكال المتقدم من احتمال وجود أمارات التقدم يأتي هنا.

ولعل الأولى في التوجيه أنّ البئر لا تنجس بالملاقاة ، وإنّما النزح لحصول النفرة ، فإذا رفع من البئر لرشّ الدار حصل المطلوب من النزح ، غاية الأمر أنّ ذكر الاستعمال لا يوافق هذا.

ويحتمل أنّ يكون المراد بالاستعمال إخراج الماء للرشّ.

ويحتمل أنّ يراد أنّ استحباب النزح إنّما هو إذا لم يعارضه معارض ، واستعمال البئر في الرشّ وغيره يسقط ذلك ؛ لحصول نوع حرج ، إلاّ أنّ هذا لا يلائم عدم النجاسة كما لا يخفى.

وأنت خبير بأنّ ضعف الرواية يسهّل معه الخطب ، وباب الاحتمال واسع.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه سيجي‌ء من المصنف في حكم الفأرة أنّ التسلخ يقتضي نزح سبع دلاء ؛ لرواية تأتي(١) ، وهو يدل على أنّ التسلخ والتفسخ واحد.

__________________

(١) الآتي في ص ٢٨١ ٢٨٣.


وبُعده واضح ، بل الظاهر أنّ أحدهما يقتضي السبع على تقدير العمل بالخبرين ، وسيأتي إنّ شاء الله الكلام في ذلك(١) ، إلاّ أنّ هذا الحديث يفيد بظاهره عدم الفرق بين التسلخ والتفسخ في سقوط النزح مع الرشّ ، ولم يذكر المصنف الحديث فيما سيأتي ، فلا أدري الوجه في ذلك.

قوله :

وبهذا الاسناد عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان ، عن أبي أُسامة وأبي يوسف يعقوب بن عثيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا وقع في البئر الطير والدجاجة والفأرة فانزح منها سبع دلاء » قلنا : فما تقول في صلاتنا ووضوئنا وما أصاب ثيابنا؟ فقال : « لا بأس به ».

أحمد بن محمّد بن أبي نصير ، عن عبد الكريم ، عن أبي بصير قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : بئر يستقى منها ويتوضّأ به وغسل منه الثياب وعجن به ، ثم علم أنّه كان فيه ميّت ، قال : « لا بأس ، ولا يغسل الثوب ، ولا تعاد منه الصلاة ».

قال محمّد بن الحسن : ما يتضمن هذه الأخبار من إسقاط الإعادة في الوضوء والصلاة عمّن استعمل هذه المياه لا يدل على أنّ النزح غير واجب مع عدم التغيّر ؛ لأنّه لا يمتنع أنّ يكون مقدار النزح في كل شي‌ء يقع فيه واجباً وإنّ كان متى استعمله لم يلزمه إعادة الوضوء والصلاة ؛ لأنّ الإعادة فرض ثان ، فليس لأحد أنّ يجعل ذلك‌

__________________

(١) الآتي في ص ٢٨١ و ٢٨٣.


دليلاً على أنّ المراد بمقادير النزح ضرب من الاستحباب.

على أنّ الذي ينبغي أنّ يعمل عليه هو أنّه إذا استعمل هذه المياه قبل العلم بحصول النجاسة فيها فإنّه لا يلزمه إعادة الوضوء والصلاة ، ومتى استعملها مع العلم بذلك لزمه إعادة الوضوء والصلاة.

السند‌

في الأول : واضح ( في غير أبان )(١) ، إذ لا ارتياب في رجاله بعد ما قدّمناه(٢) .

وأبو أُسامة : هو زيد الشحام ، ثقة ، وجهالة أبي يوسف لا تضرّ بالحال.

( وأمّا أبان فلا يبعد ادّعاء ظهور كونه ابن عثمان عند الإطلاق ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع )(٣) .

وفي الثاني : غير واضح الصحة مع عدم ذكر الطريق إلى أحمد في المشيخة ، مضافاً إلى أن عبد الكريم وهو ابن عمرو بقرينة رواية أحمد عنه واقفي ، وإنّ كان ثقة كما في النجاشي(٤) ، وأبو بصير حاله قد سبق ذكرها مكرّراً(٥) .

المتن :

في الأول : ظاهر في نزح السبع للفأرة سواء تفسخت أم لا ، والخبر‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « فض » و « رض ».

(٢) راجع ص ١٥٣ ، ١٩٦ ، ٢٣٥.

(٣) ما بين القوسين ليس في « فض » و « رض ».

(٤) رجال النجاشي : ٢٤٥ / ٦٤٥.

(٥) راجع ص ٧٢ ، ٨٣ ، ١٢٥.


السابق قد علمت تقييده ، فيحتمل حمل هذا عليه ، وما تضمنه من حكم الصلاة كالصريح في أنّ البئر لا تنجس بالملاقاة ، وكلام الشيخ فيما يأتي ستسمع القول فيه(١) .

والوالدقدس‌سره ـ ( في المعالم )(٢) لم يوصف هذه الرواية بالصحة(٣) ، ولا أدري وجهه ، إلاّ أنّ يكون أخذها من غير هذا الكتاب ، فإنّ المعهود منه عدم التوقف في محمّد بن قولويه ، ولا في علي بن الحكم الراوي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى ، ولا في أبان.

وفي الثاني : كالأول في ظهور عدم نجاسة البئر بالملاقاة ، والميت فيه لا يضر إطلاقه ؛ للعلم بأنّ المراد النجس.

وما قاله الشيخرحمه‌الله في توجيه الأخبار في غاية البعد ؛ لأنّ الإعادة إنّ أراد بها القضاء فالحق أنّها فرض ثان ، لكن تعيّن إرادة القضاء غير معلوم.

ولو سلم أشكل الحال في الثياب ؛ فإنّ عدم غسلها غير ظاهر الوجه ، مع تضمن بعض الأخبار ذكرها مع الوضوء.

وما قد يقال : من انّ الإعادة إذا اختل الوضوء لا ريب فيها فكيف يحكم الشيخ بعدمها؟

فقد قدّمنا نقل القول عن العلاّمة في المختلف ، وأنّه حكاه عن الشيخ(٤) ، والكلام هنا كالصريح فيه ، غير أنّي لم أستثبت كون الشيخ ذاكراً‌

__________________

(١) يأتي في ص ٢٤٠.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٣) معالم الفقه : ٦١.

(٤) راجع ص ٢٣٣.


هنا مذهبه ؛ لأنّه مضطرب في ذلك.

أمّا ما قاله الشيخ : من أنّ الذي ينبغي أنّ يعمل عليه ، قد أوضح الوالدقدس‌سره مرامه فيه بما هذا لفظه : والذي فهمته من كلامه في الكتابين يعني التهذيب والاستبصار أنّه يقول بعدم الانفعال بمجرد الملاقاة ، لكنه يوجب النزح ، فالمستعمِل لمائها بعد ملاقاة النجاسة له وقبل العلم لا يجب عليه الإعادة أصلاً ، سواءً في ذلك الوضوء والصلاة وغسل النجاسات وغيرها ، والمستعمِل له بعد العلم بالملاقاة يلزمه إعادة الوضوء والصلاة ؛ لأنّه منهي عن استعماله قبل النزح ، والنهي يفسد العبادة ، فيقع الوضوء فاسداً ويتبعه فساد الصلاة ، وكذا غيرها من العبادات(١) ، انتهى كلامهقدس‌سره .

وفي نظري القاصر أنّ كلام الوالدقدس‌سره محل تأمّل ، أمّا في عبارة التهذيب(٢) فقد ذكرت ما فيه في الحاشية.

وأمّا عبارة الإستبصار فهو وإنّ لم يذكر فيها حكم الثياب ، ففي التهذيب صرّح به في كونه كالوضوء ، ومعه لا يتم كلام الوالدقدس‌سره .

ثم إنّ النهي عن الاستعمال قبل النزح غير معلوم من الأخبار ، واحتمال كون النهي من جهة استلزام الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه إنّما يتم على تقدير تضيق النزح ، ولم يعلم أيضاً.

إلاّ أنّ الحق عدم بعد عبارة الإستبصار عن قول الوالدقدس‌سره ، بخلاف عبارة التهذيب ، كما يعلمه من وقف على كلامنا في حاشيته.

أمّا ما يدل عليه قول الشيخ : من أنّ الإعادة فرض ثان ، فهو مناف لإطلاق الإعادة مع العلم ، إلاّ بتأويل متكلف ، كما أنّ العلم المذكور في‌

__________________

(١) معالم الفقه : ٣٠.

(٢) معالم الفقه : ٣٠.


كلامه بوقوع النجاسة لا يوافق المطلوب ؛ إذ الذي ينبغي العلم بوجوب النزح إلاّ بتكلف أيضاً ، فليتأمّل.

قوله :

والذي يدل على ذلك ما رواه إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل الذي يجد في إنائه فأرة وقد توضّأ من ذلك الإناء مراراً ، وغسل منه ثيابه ، واغتسل منه ، وقد كانت الفأرة متسلخة (١) ، فقال : « إنّ كان رآها في الإناء قبل أنّ يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه ، ثم فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أنّ يغسل ثيابه ، ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ، ويعيد الوضوء والصلاة ، وإنّ كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمسّ من الماء شيئاً ، وليس عليه شي‌ء ؛ لأنّه لا يعلم متى سقط فيه » ثم قال : « لعله أنّ يكون إنّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها ».

السند‌

غير مذكور في المشيخة الطريق إلى إسحاق بن عمار فهو مرسل ، وإسحاق بن عمار فطحي ثقة على قول الشيخ في الفهرست(٢) ، والنجاشي وثّقه من غير ذكر كونه فطحياً(٣) ، وقد تقدم منا كلام في مثل هذا(٤) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٢ / ٨٦ : متفسخة.

(٢) الفهرست : ١٥ / ٥٢.

(٣) رجال النجاشي : ٧١ / ١٦٩.

(٤) راجع ص ١٠٨.


وفي الفقيه روى هذه الرواية عن عمار بن موسى الساباطي(١) ، وطريقه إليه من الموثق(٢) ، فما أدري الشيخ سبق قلمه إلى إسحاق بن عمار ، أو هي رواية أُخرى عن إسحاق.

( فإنّ قلت : قد ذكر الشيخ في الفهرست أنّ لإسحاق أصلاً معتمداً عليه أخبرنا به الشيخ أبو عبد الله والحسين بن عبيد الله ، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن ابن أبي عمير ، عن إسحاق(٣) ، وهذا الطريق صحيح.

قلت : إنّما تظهر فائدة الصحة لو علم أنّ الخبر من أصله ، واحتمال كونه من مروياته حاصل ، فلا يفيد غيره كما لا يخفى )(٤) .

المتن :

صريح الدلالة في أنّ مراد الشيخ غير ما ذكره الوالد(٥) قدس‌سره بل الذي يقتضيه النظر بعد ذكر الرواية أنّه يقول بنجاسة البئر ، ويعتبر العلم بالنجاسة وعدمه.

وإنّ كان غرضه غير مدلول الرواية ، وإنّما أتى بها للاستدلال على أنّ عدم العلم لا يؤثّر في بطلان العبادة في مثل الإناء ، وإنّ كان الفرق حاصلاً من حيث إنّ الإناء ينجس بخلاف البئر ، إلاّ أنّ المراد الاستشهاد على أنّ‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٤ / ٢٦.

(٢) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٤.

(٣) الفهرست : ١٥ / ٥٢.

(٤) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « رض ».

(٥) معالم الفقه : ٣٠.


المؤثّر العلم.

ففيه : أنّ هذا لا دخل له في مطلوب الشيخ ، على ما قرّره الوالدقدس‌سره من حيث النهي عن الاستعمال ، كما يعلم بالتأمّل الصادق ، والله تعالى هو أعلم بالحقائق.

إذا عرفت هذا فاعلم انّ شيخناقدس‌سره قال في بعض فوائده على الكتاب : لا يخفى أنّ ما سبق من الروايات قد تضمن عدم إعادة غسل الثياب ، وذلك لا يجامع الحكم بنجاسة الماء ، وارتكاب القول بنجاسته مع عدم وجوب غسل الثياب التي غُسِلت به قبل العلم بالنجاسة بعيد جدّاً ، خصوصاً مع انتفاء الدليل على ذلك. انتهى.

وفي نظري القاصر أنّ هذا الكلام إنّ كان على قول الشيخ : ما يتضمن هذه الأخبار من إسقاط الإعادة في الوضوء ، فالشيخ غير مصرح بنجاسة الماء ، إلاّ من(١) حيث ذكر الرواية الأخيرة ، وقد علمت أنّها للاستدلال على سبق العلم وعدمه ، وحينئذٍ عدم إعادة غسل الثياب لعدم العلم بالنجاسة وبعدمها على ما ظنه الشيخ.

وإنّ كان كلام شيخناقدس‌سره على قوله : على أنّ الذي ينبغي ، فالحال ما سمعته.

وقول شيخناقدس‌سره : إنّ ارتكاب القول بالنجاسة ، إلى آخره لا وجه له ؛ إذ لا يمكن القول بذلك على ما فهمهقدس‌سره وكلام الشيخ في جهة أُخرى ، بتقدير اعتماده على المستفاد من خبر إسحاق ، فليتأمّل.

__________________

(١) في « د » زيادة : قوله أخيراً : على أنّ الذي ينبغي ، إلى آخره.


قوله : فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الرضاعليه‌السلام قال : « ماء البئر واسع لا يفسده(١) شي‌ء ، إلاّ أنّ يتغيّر ريحه أو طعمه ، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه ؛ لأنّ له مادّة ».

فالمعنى في هذا الخبر أنّه لا يفسده شي‌ء إفساداً لا يجوز الانتفاع بشي‌ء منه ، إلاّ بعد نزح جميعه ، إلاّ ما يغيّره ، فأمّا ما لم يتغيّر فإنّه ينزح منه مقدار ، وينتفع بالباقي على ما بيّناه في(٢) تهذيب الأحكام.

السند‌

ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه : من أنّ طريق الشيخ إلى أحمد بن محمّد معتبر(٣) .

ومحمّد بن إسماعيل : هو ابن بزيع الثقة الجليل.

المتن :

لا يخلو قولهعليه‌السلام : « ماء البئر واسع » من إجمال ، ولعل المراد حكم ماء البئر ، وحذفه للعلم به.

واحتمال كون الماء واسعاً باعتبار المادّة بخلاف المحقون ، يتوقف على أنّ التعليل راجع إلى ذلك ، وفيه احتمالات :

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٣ / ٨٧ : لا ينجسه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٣ / ٨٧ زيادة : كتاب.

(٣) راجع ص ١٧٥.


أحدها : وهو الذي فهمه جماعة منهم الوالد(١) قدس‌سره ، وشيخنا(٢) قدس‌سره أنّ التعليل لعدم الإفساد.

وثانيها : أنّه راجع إلى كون ماء البئر واسعاً ، وهذا يجامع التعليل بعدم الإفساد كما لا يخفى.

وثالثها : أنّ يكون التعليل راجعاً لذهاب الريح وطيب الطعم ، كما يقال : لازم غريمك حتى يعطيك حقك ، لأنّه يكره ملازمتك.

ورابعها : أنّ يعود إلى الجميع.

وفي نظري القاصر أنّ العود إلى الأخير خاصة وإنّ قرب ، إلاّ أنّ العود إلى الجميع أعم فائدة كما لا يخفى ، غاية الأمر أنّ الاحتمال إذا انفتح بأنه للأخير خاصة لا يبقى في الحديث صلاحيّة للاستدلال على أنّ الماء الجاري إذا كان أقل من كرّ لا ينجس بالملاقاة ، كما يقوله بعض(٣) .

والوالدقدس‌سره عمدة استدلاله على ردّ هذا القول بالتعليل(٤) ، كما ذكرناه في موضعه من حاشية الروضة.

أمّا ما قاله الشيخرحمه‌الله من أنّ المراد بالحديث لا يفسده إفساداً ، إلى آخره فمراده به أنّ المنفي إفساد خاص ، وهو الإفساد الذي لا ينتفع به إلاّ بنزح الجميع ، أمّا الإفساد الذي يزول بنزح البعض فليس بمنفي ، فقوله : إلاّ بعد نزح جميعه ، من متعلقات الإفساد المنفي ، وقوله : إلاّ ما يغيّره ، استثناء من النفي.

__________________

(١) معالم الفقه : ٣٢.

(٢) مدارك الاحكام ١ : ٥٥.

(٣) مدارك الاحكام ١ : ٣٠.

(٤) انظر معالم الفقه : ٣٢ و ١١١.


وما أورده عليه شيخناقدس‌سره في بعض فوائده على الكتاب : من(١) أنّ عدم الانتفاع بشي‌ء من ماء البئر يتحقق مع عدم التغيّر في كثير من النجاسات عند القائلين بالتنجيس ، كما أنّه قد يجوز الانتفاع بالباقي إذا زال التغيّر بنزح البعض ، فإطلاق القول بعدم جواز الانتفاع بشي‌ء مع التغيّر ، وجوازه مطلقاً بدونه غير مستقيم(٢) .

فيه نظر يعرف مما قرّرناه في حلّ كلام الشيخ.

وما أوردهقدس‌سره من بعض الصور ، لا يضرّ بحال الشيخ ؛ لأن التخصيص للعام واقع ، غير أنّ معنى الحديث كما قاله الشيخ ، بواسطة إرادة الجمع بينه وبين ما دل على المقدّر.

نعم الحمل على الاستحباب في المقدّر أولى ، أمّا عدم استقامة كلام الشيخ ، ففيه ما عرفت.

وما قاله شيخناقدس‌سره في الفائدة أيضاً : من أنّ الرواية واضحة الدلالة على عدم نجاسة البئر بدون التغيّر ؛ لأنّه نفى الإفساد عنه بدون التغيّر على وجه العموم ، فتكون النجاسة منفية ؛ لأنّها أقوى أنواع الإفساد ، بل الظاهر أنّ المراد بها النجاسة ، كما يقتضيه المقام والوصف بالسعة والاستثناء.

لا يخلو من وجاهة ، غير أنّ السعة قد تقدم ذكر الإجمال فيها(٣) .

وما قد يتخيل من أنّ العموم لا صفة له فجوابه أنّ الفعل في حكم النكرة.

أما ما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ هذه الرواية تدل على عدم وجوب‌

__________________

(١) في « فض » و « رض » زيادة : أنه يتوجّه عليه من.

(٢) العبارة موجودة في مدارك الأحكام ١ : ٥٦.

(٣) راجع ص ٢٤٤ ٢٤٦.


النزح بدون التغيّر ؛ لأنّهعليه‌السلام اكتفى في تطهيره مع التغير بنزح ما يذهب الريح ويطيب الطعم ، ولو وجب نزح المقادير المعيّنة لم يكن ذلك كافياً ، إذا لم يحصل به استيفاء المقدر.

ففيه نظر ؛ لأنّ زوال التغيّر يجوز أنّ يكون كافياً بدون المقدر ، كما سبق بيانه ، على أنّه يجوز أيضاً أنّ تكون العلة في الاكتفاء بزوال التغيّر ظهور النجاسة في الماء ، فتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ، عن الحسن بن صالح الثوري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا كان الماء في الركي(١) كرّاً لم ينجّسه شي‌ء » قلت : وكم الكرّ؟ قال : « ثلاثة أشبار ونصف طولها ، في ثلاثة أشبار ونصف عمقها ، في ثلاثة أشبار ونصف عرضها ».

فيحتمل هذا الخبر وجهين : أحدهما : أنّ يراد بالركي المصنع الذي لا يكون له مادة بالنبع ، دون الآبار التي لها مادّة ، فإنّ ذلك هو الذي يراعى فيه الاعتبار بالكرّ على ما بيّناه.

والثاني : أنّ يكون قد ورد ذلك مورد التقية ؛ لأنّ من الفقهاء من سوّى بين الآبار والغُدران في قلّتها وكثرتها ، فيجوز أنّ يكون الخبر ورد موافقاً لهم ، والذي يبيّن ذلك أنّ الحسن بن صالح راوي هذا الحديث زيديّ بُتْريّ متروك الحديث فيما يختص به.

__________________

(١) الركيّة : بالفتح وتشديد الياء : البئر ، والجمع ركايا كعطية وعطايا مجمع البحرين ١ : ١٩٥ ( ركا ).


السند :

فيه الحسن بن صالح كما ذكره الشيخ ، وقد ذكره في كتاب الرجال في أصحاب الباقرعليه‌السلام ، وقال : إنّه زيديّ ، وفي أصحاب الصادقعليه‌السلام ذكره من غير ذكر أنّه زيديّ(١) .

وفي الكشيّ عدّ من البُتْريّة الحسن بن صالح بن حيّ ، وقال : إنّهم الذين دعوا إلى ولاية علي وخلطوها بولاية أبي بكر وعمر(٢) .

وفي النجاشي ذكر الحسن بن صالح الأحول ، وأنّ له كتاباً(٣) . ولعله غير هذا ، أو هو هو ، وعلى كل حال الحديث غير صحيح.

المتن :

قد ذكر بعض الأصحاب أنّ هذه الرواية حجّة البصروي محمّد بن محمّد من أصحابنا على اختصاص الانفعال بما نقص عن الكرّ(٤) ، وفسّرت الركيّ بالآبار ، واستدل له أيضاً بما دل على اشتراط بلوغ الماء مقدار الكرّ في عدم الانفعال(٥) .

وأُجيب عن الرواية بما سمعته.

وعن العموم أنّه مخصوص بخبر محمّد بن إسماعيل المعلّل بأنّ له‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١١٣ / ٦ ، ١٦٦ / ٧.

(٢) رجال الكشّي ٢ : ٤٩٩ / ٤٢٢.

(٣) رجال النجاشي : ٥٠ / ١٠٧.

(٤) هو الشهيد في غاية المراد ١ : ٧٢.

(٥) هو الشهيد في غاية المراد ١ : ٧٢.


مادّة ، وهو يقتضي عدم الفرق بين القليل والكثير.

وأنت خبير بعد ما قدّمناه في احتمال التعليل(١) أنّه لا يصلح للاستدلال حينئذٍ.

نعم ربما يقال : إنّ الأحاديث الدالة على اعتبار الكرّية(٢) تدل بمفهومها على نجاسة ما دون الكرّ ، وأخبار البئر(٣) بعضها كالصريح في عدم النجاسة وإنّ كان قليلاً ، فيخص المفهوم بغير البئر.

وفيه : أنّ أخبار البئر لا دلالة فيها إلاّ من حيث الإطلاق أو التعميم ، ولا مانع من تخصيصه بالمفهوم.

فلعل الأولى أنّ يقال : إنّ التعليل في خبر ابن بزيع ظاهره العود إلى عدم الإفساد ، إمّا مع غيره أو وحده ، وفي البين كلام.

والذي يظهر من الشيخ عدم الخلاف في اعتبار الكرّ في ماء البئر.

وما قاله الشيخرحمه‌الله : من أنّ الحسن بن صالح متروك الحديث فيما يختص به إنّ أراد أنّه مختص بهذا الحديث فنقله في الكتاب غير ظاهر الوجه ، إلاّ أنّ يكون لمجرد بيان ردّه ، كما يذكره في غيره من الأخبار.

وما ذكر من الحمل على التقية ، ربما لا توافقه المساحة المذكورة في الرواية ، والعامة وإنّ قالوا بالكرّ في البئر(٤) ، إلاّ أنّ المساحة المذكورة كأنهم لم يعتبروها ، والشيخ أعلم بذلك.

__________________

(١) راجع ص ٢٤٤ ٢٤٦.

(٢) الوسائل ١ : ١٥٨ أبواب الماء المطلق ب ٩.

(٣) الوسائل ١ : ١٧٠ أبواب الماء المطلق ب ١٤.

(٤) انظر المغني لابن قدامة ١ : ٥٥.


قوله :

باب بول الصبي يقع في البئر‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن سيف بن عميرة ، عن منصور(١) قال : حدثني عدة(٢) عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « ينزح منها سبع دلاء إذا بال فيها الصبي أو وقعت(٣) فأرة أو نحوها » فأمّا ما رواه محمّد بن احمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن بول الصبي الفطيم(٤) يقع في البئر ، فقال : « دلو واحد » قلت : بول الرجل ، قال : « ينزح منها أربعون دلواً ».

فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّه يجوز أنّ يحمل على بول صبي لم يأكل الطعام.

السند‌

أمّا الأوّل : فحال رجاله كررنا القول فيها(٥) ما عدا سيف بن عميرة ، وهو ثقة ، غير أنّ محمّد بن شهرآشوب قال : إنّه واقفي(٦) ؛ وحال محمّد‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٤ / ١ : منصور بن حازم.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٤ / ١ زيادة : من أصحابنا.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٤ / ١ زيادة : فيها.

(٤) الفطيم ككريم : هو الذي انتهت مدة رضاعه مجمع البحرين ٦ : ١٣١ ( فطم ).

(٥) راجع ص ٦٣ و ١٩٦ و ٩٩ ، ٢٠٠ ٢٠١.

(٦) معالم العلماء : ٥٦ / ٣٧٧.


غير معلوم.

ومنصور ، وهو ابن حازم على الظاهر ، كما يستفاد من تتبع الأخبار ، فإنّ فيها التصريح بهذا ، وإن كان في الخبر المبحوث عنه لا فائدة فيه بعد الإرسال.

وأمّا الثاني : فرجاله في تكرر القول كالأوّل(١) ، إلاّ علي بن أبي حمزة ، وهو محتمل لعلي بن أبي حمزة الثمالي الثقة على ما قاله الكشّي عن حمدويه(٢) وابن أبي حمزة البطائني الواقفي كما ذكره النجاشي(٣) والترجيح لا يخلو من إشكال.

ورواية البطائني عن أبي عبد اللهعليه‌السلام غير مرجّحة ؛ لعدم العلم بتاريخ ابن أبي حمزة الثمالي.

نعم في الرجال أنّ ابن البطائني روى عن أبي الحسن موسى وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ](٤) ، وابن أبي حمزة لم يذكر روايته عن أحد [ من(٥) الأئمّةعليهم‌السلام ، إلاّ أنّ في أخيه الحسين ذكر روايته عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٦) ، وهو مقترن معه في التوثيق ، ولا يفيد شيئاً.

المتن :

في الأول : دالٌّ بظاهره على نزح السبع لبول الصبي ، وهو منقول عن المفيد وجماعة مع الشيخ(٧) .

__________________

(١) راجع ص ٩٩ ، ١٩٦ ، ٢٣٥.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٧٠٧ / ٧٦١.

(٣) رجال النجاشي : ٢٤٩ / ٦٥٦.

(٤) رجال النجاشي : ٢٤٩ / ٦٥٦.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٦) انظر جامع المقال : ٦٢ ، وهداية المحدثين : ١٤.

(٧) حكاه في المختلف ١ : ٤٢ ، عن المفيد والطوسي وأبي الصلاح وابني زهرة والبراج ، وهو في المقنعة : ٦٧ ، والمبسوط ١ : ١٢ ، والنهاية : ٧ والكافي في الفقه : ١٣٠ ، والغنية ( الجوامع الفقهية : ٥٥٢ ) ، والمهذّب ١ : ٢٢.


وفي الفقيه : إنّ بال فيها صبي قد أكل الطعام استقي منها ثلاثة دلاء(١) .

وحكاه الوالدقدس‌سره عن المرتضى(٢) ، ولم نقف على حجّة هذا القول.

والرواية المنقولة هنا ربما يقال فيها بعد تسليم العمل بها : إنّ الفأرة مقترنة مع البول. والسبع للفأرة مطلقاً معارض بما دل على اشتراط التفسخ في السبع ، كما تقدم(٣) ، وبما دلّ على الثلاث كما سيأتي(٤) . والتوفيق بين الأخبار يقتضي إما الحمل في السبع على الاستحباب ، أو حمل الفأرة هنا على التفسخ ، وقد ينافي هذا لفظ الوقوع. وفيه ما فيه.

نعم يمكن ترجيح الاستحباب بتعدّد أخبار الثلاث واعتبارها ، وعدم صلاحيّة أخبار السبع للمعارضة.

وفيه : أنّه خروج عن القول بتقدير العمل كما لا يخفى ، غير أنّ الحق على تقدير اعتبار الصحة هذا ، وحينئذ يستبعد الوجوب في بول الصبي والاستحباب في الفأرة ، وإنّ أمكن بناءً على جواز تخصيص بعض الخبر بمخصص دون البعض. هذا كله على تقدير وجوب النزح.

وفي صحيح معاوية بن عمار نزح الجميع إذا بال فيها صبي(٥) ، وحمل على حصول التغيّر ، وفيه كلام ذكرته في محلّ آخر.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٣.

(٢) معالم الفقه : ٦٤.

(٣) راجع ص ٢٣٥.

(٤) الآتي في ص ٢٨٠.

(٥) التهذيب ١ : ٢٤١ / ٦٩٦ ، الوسائل ١ : ١٨٢ أبواب الماء المطلق ب ١٦ ح ٧.


أمّا حمل الشيخ الرواية الثانية ففي غاية البعد ، بل وصفه بالفطيم يضادّه ، إلاّ أنّ يحمل على أوّل مراتب الفطام ، وفيه تكلّف تام.

والحمل على قريب الفطام لا يخلو من وجه ، لكن لم أرَ عليه موافقاً. ولعل مقام الاستحباب واسع ، إلاّ أنّ الإشكال في رواية معاوية بن عمار قوي ، والله تعالى أعلم بالحال.

وما تضمنه متن الثانية من نزح أربعين لبول الرجل إليه استند القائلون من الأصحاب بذلك ، بل قيل : إنّه المشهور(١) ، والخبر كما ترى.

وفي المعتبر ما قد يدل على أنّ علي بن أبي حمزة هو البطائني ، فإنّه قال بعد ذكرها وغيرها : والترجيح بجانب الأُولى يعني رواية عليّ بن أبي حمزة لاشتهارها في العمل وشذوذ غيرها بين المفتين. لا يقال : عليّ ابن أبي حمزة واقفي ؛ لأنّا نقول : تغيّره إنّما هو في [ موت ](٢) موسىعليه‌السلام فلا يقدح فيما قبله ، على أنّ هذا الوهن لو كان حاصلاً وقت الأخذ عنه لانجبرت بعمل الأصحاب وقبولهم لها(٣) . انتهى.

وفيه نظر ؛ إذ ليس الاعتبار في عدالة الراوي بحال التحمل بل بزمان الرواية ، وكيف يعلم ذلك كما هو واضح.

نعم ما ذكره من الانجبار بالشهرة لا يخلو من وجه.

وإنّما قلنا : قد يدل كلامه على أنّه البطائني ؛ لعدم الصراحة ، من حيث إنّه يجوز أنّ يكون قوله : علي بن أبي حمزة واقفي ، ( لجواز )(٤) أن‌

__________________

(١) كما في روض الجنان : ١٥٠ ، ومعالم الفقه : ٥٢.

(٢) في النسخ : زمن ، وما أثبتناه من المصدر.

(٣) المعتبر ١ : ٦٨.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » و « فض » : انه يجوز.


يكون هو ، ( والاشتراك كافٍ في الردّ )(١) غير أنّ الظاهر خلاف ذلك ( واليقين )(٢) هو أعلم به ، هذا.

وفي معتبر الأخبار مثل صحيح معاوية بن عمار نزح الجميع ، إذا بال فيها صبي أو صب فيها بول.

وفي صحيح ابن بزيع : دلاء للقطرات من البول(٣) ، ولعل هذا أسهل الأمر.

قال :

باب البئر يقع فيها البعير أو الحمار

أو ما أشبههما أو يصب فيها الخمر‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عمر بن يزيد قال : حدثني عمرو بن سعيد بن هلال قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عمّا يقع في البئر ما بين الفأرة والسنّور إلى الشاة فقال : كل ذلك يقول : « سبع دلاء » (٤) حتى بلغت الحمار والجمل فقال : « كرّ من ماء ».

السند‌

ما تقدم منه لا حاجة إلى إعادته ، وأحمد المطلق فيه هو ابن عيسى‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « رض ».

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » و « فض » ما يمكن أنّ يقرأ : التعبير ، أو : التغيّر.

(٣) الكافي ٣ : ٥ / ١ ، التهذيب ١ : ٢٤٤ / ٧٠٥ ، الوسائل ١ : ١٧٦ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ٢١.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٤ / ٩١ زيادة : قال.


على الظاهر ، كما قدمناه أيضاً(١) ، وأبوه غير موثق ، واحتمال أحمد بن محمد بن خالد بعيد.

وعمر بن يزيد كأنّه ابن محمّد بن يزيد الذي ذكره النجاشي(٢) ، والشيخ ذكر عمر بن يزيد مكرراً(٣) ، وفيهم غير موثق ، ومع الاتحاد لا إشكال ، أمّا مع التغاير فلا يبعد الاتحاد فيمن ذكره الشيخ ويكون هو الثقة ، ويظهر من العلاّمة الاتحاد السابق(٤) ، وقد أوضحت الحال فيما أفردته في الرجال.

وأمّا عمرو بن سعيد بن هلال فقد قال المحقق في المعتبر بعد ذكر الرواية رادّاً لها : إنّه فطحي(٥) ؛ وتبعه العلاّمة في المنتهي والمختلف(٦) ، والشهيد في الذكرى(٧) .

وفيه نظر ؛ لأنّ الذي ذكر في كتب الرجال من طريق ضعيف أنّه فطحي : عمرو بن سعيد المدائني من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، وهذه الرواية عن الباقرعليه‌السلام ، والراوي عن عمرو بن سعيد كما ترى عمر بن يزيد ، وهو من أصحاب الصادق والكاظمعليهما‌السلام ، لكن لا يخفى أنّ الردّ للرواية على كل حال حاصل بجهالة الرجل.

__________________

(١) راجع ص ١٩٦.

(٢) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥١ ، وص ٢٨٦ / ٧٦٣.

(٣) رجال الطوسي : ٢٥١ / ٤٥٠ ، ٤٥٧ ، ٤٥٨.

(٤) خلاصة العلاّمة : ١١٩ / ١.

(٥) المعتبر ١ : ٥٨.

(٦) المنتهى ١ : ١٢ ، المختلف ١ : ٣١.

(٧) الذكرى ١ : ٩٢.


المتن :

قوله : ما بين الفأرة ، يحتمل أنّ تكون الفأرة غير داخلة ، وكذلك السنّور ، إلاّ أنّ الفأرة قد سبق في الأخبار أنّ لها سبعاً ، فدخولها لا مانع فيه ، وكونه يوجب السبع في السنّور لا ضير في ذلك ؛ فإنّ الصدوق قال : إنّه روي في السنّور سبع دلاء(١) . وكأنّه فهم هذا من الرواية ، أو هو موجود في غيرها.

أما الشاة فالظاهر خروجها ، ويحتمل دخولها لتصريح الصدوق في المقنع بأنّ لها سبع دلاء(٢) .

ويحتمل خروج الفأرة والسنّور والشاة والسؤال حينئذٍ عما بينها ، لوجود المعارض في الجميع ، أمّا الفأرة فستأتي الأخبار(٣) فيها ، وأمّا الشاة فستأتي الرواية الدالة على التسع والعشر(٤) ، والسنّور سيأتي في رواية أنّ له خمس دلاء(٥) ، وفي رواية اخرى أنّ للسنّور عشرين أو ثلاثين ، وفي رواية غير ذلك(٦) ، وسيأتي الكلام في ذلك إنّ شاء الله تعالى ، وإنّما الغرض هنا بيان الاحتمال.

وأمّا الحمار والجمل فمقتضى الرواية الكرّ من الماء ، وحكم الحمار معروف بين الأصحاب ، بل قال الوالدقدس‌سره : إنّه لا يعلم فيه خلافاً ، وفي‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٢.

(٢) المقنع : ١٠.

(٣) في ص ٢٧٠ ، ٢٨٠.

(٤) في ص ٢١٤.

(٥) في ص ٢٧٥.

(٦) في ص ٢٧٠ ، ٢٨٠.


المنتهى أنّه مذهب أكثر الأصحاب(١) .

وفي المعتبر نسبه إلى الشيخين والمرتضى وابني بابويه وأتباعهم ، قال : والمستند رواية عمرو بن سعيد عن أبي جعفرعليه‌السلام ، وإنّ ضعف سندها فالشهرة تؤيّدها ، فإنّي لم أعرف من الأصحاب رادّاً لها في هذا الحكم.

والطعن فيها بالتسوية بين الحمار والجمل غير لازم ؛ لأنّ حصول التعارض في بعض مدلولها لا يُسقِط استعمالها في الباقي ، قال : وقد أجاب بعض الأصحاب بأنّه من الجائز أنّ يكون الجواب وقع عن الحمار دون الجمل ، إلاّ أنّ هذا ضعيف ؛ لأنّه يلزم منه التعمية في الجواب وهو ينافي حكمه المجيب(٢) . انتهى.

ولقائل أنّ يقول : إنّ التعمية التي أوردها على المجيب بعينها ترد عليه.

إلاّ أنّ يقال : إنّ مع وجود المعارض يحتمل أنّ يكون السائل فهمه وقت الحاجة بخلاف الجواب عن البعض.

وفيه : أنّ احتمال فهم السائل بقرينة ممكن أيضاً.

ثم لا يخفى أنّ في نسبة المحقق القول إلى المذكورين ثم قوله : إنّه لا يعرف الخلاف بين الأصحاب ، تدافعا.

( ويمكن التسديد بأنّ المنقول عنهم وقع التصريح منهم بالقول ، وغيرهم لم يصرّح بردّ الرواية ولم يقل بمضمونها ، فتأمّل )(٣) .

__________________

(١) المنتهى ١ : ١٣.

(٢) المعتبر ١ : ٦١.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « رض » و « فض ».


قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا سقط في البئر شي‌ء صغير فمات فيها فانزح منها دلاء ، وإنّ وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء ، وإنّ مات فيها بعير أو صب فيها خمر فلينزح الماء كله ».

وما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنّ سقط في البئر دابّة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء ، وإنّ مات فيها ثورٌ أو صبّ فيها خمرٌ نزح الماء كله ».

فما تضمن هذان الخبران من وجوب نزح الماء كله عند وقوع البعير هو الذي أعمل عليه وبه افتي.

ولا ينافي ذلك الخبر الأول من قوله : « كرّ من ماء » عند سؤال السائل عن الحمار والجمل ؛ لأنّه لا يمتنع أنّ يكونعليه‌السلام أجاب بما يختص حكم الحمار ، وعوّل في حكم الجمل على ما سمع منه من وجوب نزح الماء كله.

فأمّا الخمر فإنّه ينزح ماء البئر كلها إذا وقع فيها شي‌ء منه على ما تضمن الخبران.

السند‌

في الأول ليس فيه ارتياب ، وابن مسكان هو عبد الله ، والحلبي هو‌


محمّد بن علي ، والراوي عنه في النجاشي ابن مسكان(١) .

وكون ابن مسكان عبد الله لتصريح النجاشي أيضاً بأنّ عبد الله بن مسكان أكثر روايته عن محمّد الحلبي(٢) ، وبالجملة لا ارتياب عند الممارس في ذلك.

وفتح باب الاحتمالات في إطلاق الحلبي وإطلاق ابن مسكان سدّه أولى بعد ما ذكرناه.

وفي الثاني أيضاً معلوم مما تقدّم(٣) ، والنضر هو ابن سويد ؛ لأن الراوي عنه الحسين بن سعيد على ما في الفهرست(٤) .

المتن :

مجمل في الأول في الشي‌ء الصغير وفي الدلاء ، إلاّ أنّ المعروف في الدلاء الحمل على الثلاثة ؛ لأنّها المتيقّن وسيأتي فيها كلام.

وما تضمنه الثاني من أنّ الدابّة الصغيرة ينزح لها سبع دلاء يحتمل أنّ يقيّد به الدلاء والشي‌ء الصغير ، إلاّ أنّ فيه ما فيه. وحينئذٍ يحتمل الاستدلال بالأوّل على غير ما يختص بالدليل في الأشياء الصغيرة ، بل وبالثاني أيضاً في الدابّة الصغيرة ؛ فإنّ الظاهر إرادة العموم من الدابّة في المقام ، إلاّ أنّ الفائدة في هذا هيّنة كما يعلم من أخبار البئر.

ثم إنّ الخبر الأوّل صريح في نزح الجميع للبعير ، فيخالف ما تقدّم ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٢٥ / ٨٨٥.

(٢) رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩.

(٣) راجع ص ٦٩ ٧١ ، ١٨٥ ، ١١٧.

(٤) الفهرست : ١٧١ / ٧٥٠.


وأمّا الثاني فلا أدري وجه المخالفة فيه.

وقد صرّح الشيخ كما ترى بأنّ الخبرين تضمنا وجوب نزح الجميع للبعير ، مع أنّ الثاني إنّما فيه الثور ، وكأنّ الشيخ رأى أن الثور إذا ثبت له الجميع فللبعير بطريق أولى ، لزيادة البعير بكِبَر الحجم.

والنظر فيه واضح ؛ لأنّا لو سلّمنا حجيّة المفهوم فالمنطوق إذا دل على الكرّ صريحاً لا سبيل معه على الاستدلال بالمفهوم.

وفي التهذيب رواه بزيادة ، وهي لفظ « ونحوه » بعد قوله : « فيها ثور »(١) ويحتمل أنّ تكون سقطت سهواً من قلم الشيخ أو الناسخ ، والشيخ بناؤه عليها والإشكال في ذلك أيضاً على نحو ما قدمناه.

وأمّا ما ذكره المحقق سابقاً عن بعض الأصحاب(٢) فكأنّه عنى به الشيخ ، وقد عرفت ما يتوجه على المحقق ، ويتم به كلام الشيخ في الجملة.

وربما يقال : إنّ الحديث الثاني لا معارضة فيه كما سمعت.

والأول ، وإنّ كان يقتضي المعارضة إلاّ أنّ فيه احتمالاً وهو أنّ يكون قوله : « أو مات فيها بعير أو صب فيها خمر » شكاً من الراوي في أيّ اللفظين وقع ، والواقع إنّما هو الخمر.

وهذا الاحتمال وإنّ بَعُد ليس بأبعد من تأويلات الشيخ ، ولو لم يعمل إلاّ بالصحيح فالمعارض المتقدّم مطروح ، ويزول تكلّف القول.

وكذلك على تقدير القول باستحباب النزح وقبول الحديث الأول لا مانع من استحباب الجميع ، على معنى أنّه الأكمل وإنّ استحب‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٤١ / ٦٩٥ ، الوسائل ١ : ١٧٩ أبواب الماء المطلق ب ١٥ ح ١.

(٢) راجع ص ٢٥٥.


الكرّ.

وما قاله الشيخرحمه‌الله : من دلالة الخبرين على الخمر وأنّه ينزح ماء البئر كلها إذا وقع فيها شي‌ء منه.

ففيه نظر واضح ؛ لأنّ مضمون الروايتين انصباب الخمر ، فلا يتناولان قليله.

وقد فرّق الصدوق في المقنع فحكم بأنّه ينزح للقطرة من الخمر عشرون(١) ، وهو مروي عن زرارة وكردويه كما يأتي(٢) .

ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى العمل بالروايتين في القطرة ، والفرق ببينها وبين الصب(٣) .

وما ناقشه به العلاّمة في المنتهى : من أنّ الرواية يعني رواية زرارة اشتملت على حكم التغير كما ستسمعه(٤) ومن المستبعد بل المحال حصول التغيّر من القطرة ، ومن أنّه لم يفرّق أحد من أصحابنا بين قليل الخمر وكثيره إلاّ من شذّ(٥) .

لا يخفى على المتأمّل عدم ورود ما ذكره :

أمّا أوّلاً : فلأنّ الرواية قد تضمنت غير الخمر ، والتغيّر المذكور فيها لا يختص بالخمر حينئذٍ.

وأمّا ثانياً : فالإجماع إذا لم ينعقد لا تضرّ المخالفة ، وهذا واضح.

أمّا ما تضمنته الروايتان من حكم الجنب إذا سقط في البئر وإذا نزل ـ

__________________

(١) المقنع : ١١.

(٢) في ص ٢٦٦.

(٣) المعتبر ١ : ٥٨.

(٤) الآتي في ص ٢٦٧ و ٢٦٨.

(٥) المنتهى ١ : ١٢.


فالظاهر منه أنّ مجرد ذلك هو السبب في نزح السبع ، ولعله لحصول النفرة من الماء بواسطة كونه جنباً ، واحتمال كون البدن غير خال من النجاسة ، وللأصحاب في هذا اضطراب ، ومجال القول فيه واسع ، وقد ذكرنا ما لا بُدّ منه في حاشية التهذيب ، غير أنّا نذكر هنا جملة من المقال.

فاعلم أنّ الذي وقفت عليه من الروايات غير هاتين الروايتين صحيح محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « إذا دخل الجنب البئر ينزح منها سبع دلاء »(١) .

ورواية أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الجنب يدخل البئر فيغتسل فيها(٢) ، قال : « ينزح منها سبع دلاء »(٣) .

والأخبار كما ترى ليس فيها قيد الاغتسال إلاّ في الأخيرة.

وبعض الأصحاب حمل الأخبار الخالية من القيد على الاغتسال ؛ لأنّها مطلقة والأخيرة مقيّدة(٤) .

وفيه : أنّه لا منافاة تدعو إلى الجمع بل الغسل من أفراد العام ، مضافاً إلى حال أبي بصير وغيره أيضاً ، هكذا ذكره الوالدقدس‌سره ـ(٥) .

وقد يقال : إنّ الجمع بين المطلق والمقيد لو اشترط فيه المنافاة لم يتم الحكم في كثير من مسائل المطلق والمقيد ؛ فإنّ الأمر بعتق رقبة ثم الأمر بعتق رقبة مؤمنة مع اتحاد المورد يوجب حمل المطلق على المقيد مع عدم المنافاة ؛ لأنّ المؤمنة أحد الأفراد ، ولو لوحظ أنّ المؤمنة تقتضي عدم‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٤٤ / ٧٠٤ ، الوسائل ١ : ١٩٥ أبواب الماء المطلق ب ٢٢ ح ٢.

(٢) في « د » : منها.

(٣) التهذيب ١ : ٢٤٤ / ٧٠٢ ، الوسائل ١ : ١٩٥ أبواب الماء المطلق ب ٢٢ ح ٤.

(٤) كالشهيد الثاني في روض الجنان : ١٥٤.

(٥) معالم الفقه : ٦٨.


إجزاء غيرها فينافي المطلق ، يقال فيما نحن فيه كذلك.

والجواب : أنّ ما نحن فيه من كلام السائل ، وهو فرد من أفراد العام قد سئل عنه فأجابعليه‌السلام عنه بما يوافق العام ، بخلاف ما إذا تضمن الجواب التقييد المقتضي لنفي ما عداه ؛ فإنّ المنافاة حاصلة.

وربما يقال : إنّ التقييد بوصف لا يقتضي النفي عمّا عداه عند البعض ، فكيف يطلق القائل بذلك وغيره الحكم في المطلق والمقيد؟ بل ذِكر الحكم فيهما قرينة على أنّ مفهوم الوصف حجّة ، واحتمال أنّ يكون ذكر الوصف لغير النفي عما عداه يقتضي عدم المنافاة المقتضية لعدم جواز حمل المطلق على المقيد.

( ولم أَرَ من تنبّه لهذا من الأُصوليين مع ظهور التنافي بين الأمرين ، وإنّما ذكرنا ما قلناه بالعارض ، وإنّ لم يكن ما نحن فيه من مواد الإشكال ، بل هو )(١) من حيث سؤال السائل عن بعض أفراد المطلق ، وهذا لا يوجب حمل المطلق عليه.

نعم ربما يدل على خصوص الاغتسال صحيح عبد الله بن أبي يعفور الآتي ، وستسمع القول فيه إنّ شاء الله تعالى(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ للأصحاب خلافاً في أنّ نزح السبع للجنب هل هو لسلب الطهورية ، أم لنجاسة البئر ، أم هو تعبّد ، أم هو مستحب؟ ذهب إلى كلّ قائل.

واعترض شيخناقدس‌سره على القول الأوّل : بأنّ قصارى ما تدل عليه‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « د » : وتحقيق الجواب عن هذا محلّه الأُصول فإنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل بل.

(٢) انظر ج ٣ : ١٧٣. لم نعثر على غيره.


الأخبار وجوب النزح ، وهو أعم من عدم الطهورية ، وبأنّ ذلك إنّما يتم لو كان الحكم معلّقاً على الاغتسال(١) ، وبأنّ المحقق صرح في نكت النهاية(٢) وغيره بأنّ الماء الذي ينفعل بالاستعمال عند من قال به إنّما هو القليل غير الجاري فيكون هذا مخالفاً لما يقول به المحقق في المعتبر من سلب الطهورية(٣) .

ولقائل أنّ يقول : إنّ الجواب عن الأخير غير سهل بعد معرفة أحكام البئر ، غير أنّه موقوف على الدليل ، فالمطالبة به كافية ، وأمّا بقية الإشكالات فوجه الأوّل ظاهر.

وأمّا الثاني : فقد سمعت القول فيه غير أنّه ينبغي أنّ يعلم أنّ الخلاف أيضاً واقع في صحة الغسل من الجنب يرتفع عنه الحدث بناء على انّ الحكم معلق على الاغتسال ، والمنقول عن الشيخ القول بعدم ارتفاع الحدث به(٤) .

وناقشه العلاّمة بأنّ المقتضي لسلب الطهورية عن الماء تحمّله للنجاسة الحكمية عن الجنب ، وهو إنّما يحصل بارتفاع حدث الجنابة(٥) ، واستحسن الوالدقدس‌سره هذه المناقشة(٦) .

وقد يقال : إنّ غرض الشيخ بيان سبب النهي ، وهو سلب الطهورية عن الماء ، والنهي إنّما يقتضي الفساد مع العلم به ، وهو غير لازم لكل‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٨٨.

(٢) نكت النهاية ١ : ٢٣٢.

(٣) المعتبر ١ : ٨٨.

(٤) المبسوط ١ : ١٢.

(٥) المختلف ١ : ٥٥.

(٦) منتقى الجمان ١ : ٥٨.


أحد ، إذ يجوز وقوع الغسل من الجاهل وذلك كاف ، وفيه نوع تأمّل ، إلاّ أنّ باب التسديد واسع ، وفي المقام أبحاث طويلة ذكرتها في حاشية التهذيب ولعل في هذا القدر كفاية.

قوله :

ويؤيّد ذلك ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في البئر يبول فيها الصبي أو يصب فيها بول أو خمر ، قال : « ينزح الماء كله ».

فما تضمن هذا الخبر من ذكر البول مع الخمر محمول على أنّه إذا تغيّر أحد أوصاف الماء ، لأنّه إذا لم يتغيّر فإنّ له قدراً بعينه ينزح على ما نبيّنه فيما بعد.

السند‌

واضح ليس فيه ارتياب بعد ملاحظة ما قدّمناه من الطريق إلى محمّد بن علي بن محبوب.

المتن :

ظاهر في انصباب الخمر ، وقد ذكرنا سابقاً حقيقة الحال فيه ، أمّا هذا الحديث فالإشكال فيه من جهة البول من الصبي قوي ، والحمل على التغيّر يضر بحال تأييد الخبر لمطلوب الشيخ في الخمر ، لأنّ مع التغيّر يخرج عن محل الاستدلال ، ولو خصّ بالتغيّر من جهة بول الصبي فقط كان أشدّ‌


إشكالاً ، إلاّ أنّ يجاب عن ذلك بنحو ما قدمناه(١) عن إيراد المحقق على الشيخ وإنّ كان متكلفاً.

وينبغي أنّ يعلم أنّ أكثر الأصحاب [ فرّقوا ](٢) في نزح الأربعين للبول بين الرجل والمرأة نظراً إلى اختصاص رواية علي بن أبي حمزة بالرجل ، وهي معتمدهم ، وابن إدريس ساوى بينهما في الأربعين محتجاً بتناول لفظ الإنسان لها(٣) .

والمحقق اعترض عليه بأنّا(٤) نسلّم تناول الإنسان لها(٥) ونطالبه بالدليل المعلق على بول الإنسان.

والعلاّمة في المختلف نقل عن ابن إدريس أنّه قال : وإنّما أوجبنا الأربعين لأنّ الأخبار المتواترة عن الأئمة وردت بأن ينزح لبول الإنسان أربعون(٦) ، وهو يطلق على الذكر والأنثى ، ثم قال العلاّمة : وما أدري الأخبار المتواترة التي ادّعاها(٧) ، وكذلك في المنتهى(٨) أنكر ذلك ، وفي التحرير قال : والأقرب عدم الفرق بين الذكر والأُنثى(٩) .

وهذا كله ممّا يوجب التعجب ، غير أنّه يمكن أنّ يقال : إنّ الأحكام الشرعية المتعلقة بالرجال لا تختص بهم إلاّ فيما ثبت التخصيص ، وفيه أنّ‌

__________________

(١) في ص ٢٥٥.

(٢) في النسخ : لم يفرّقوا ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) السرائر ١ : ٧٨.

(٤) في النسخ يوجد : لا ، حذفناها لاستقامة المعنى.

(٥) المعتبر ١ : ٦٨ ، وفيه : ونحن نسلم أنها إنسان.

(٦) المختلف ١ : ٤٤.

(٧) المختلف ١ : ٤٤.

(٨) المنتهى ١ : ١٥.

(٩) تحرير الاحكام ١ : ٥.


عدم الفرق إنّما هو للإجماع على عدم الفرق ، ولا إجماع في موضع النزاع ، واحتمال أنّ يقال : إنّ الفرق يحتاج إلى الدليل محل كلام.

ثم الفارقون اختلفوا : فالمحقق في المعتبر أُوجب لها نزح ثلاثين لرواية كردويه الآتية(١) ، وجماعة ألحقوها بما لا نص فيه(٢) ، والوالدقدس‌سره قال : وعلى ما ذكرناه من العمل برواية معاوية بن عمار ومحمّد بن إسماعيل لا فرق بينهما لإطلاق البول في الروايتين(٣) ، وعنى برواية معاوية الرواية المبحوث عنها ، ( وبرواية محمّد بن إسماعيل ما رواه صحيحاً من نزح الدلاء للقطرات من البول.

وأنت خبير بما في الرواية المبحوث عنها )(٤) من الإشكال إذا عمّم البول للرجل والمرأة ، بعد معارضة رواية علي بن أبي حمزة المؤيّدة بالشهرة المتضمنة للأربعين لبول الرجل ، لكن الوالدقدس‌سره لا يلتفت إلى الشهرة مع ضعف الرواية ، وأمّا رواية محمّد بن إسماعيل فهي مشتملة على القطرات ، فإطلاق المساواة للرجل إنّ كان في القطرات أمكن توجيهه ، وإن حصل ارتياب في الجملة من حيث إمكان تناول الصبّ للقطرات ، إلاّ أنّ التسديد ليس بالبعيد ، وإنّ أُريد بالمساواة في مطلق البول ففيه نظر واضح ، فليتأمّل في المقام.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن زياد ، عن كردويه‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ٦٨.

(٢) منهم المحقق الكركي في جامع المقاصد ١ : ١٤٢ ، والشهيد الثاني في الروضة البهية ١ : ٣٨ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٢٧٢.

(٣) معالم الفقه : ٥٤.

(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».


قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن البئر يقع فيها قطرة من(١) دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر؟ قال : « ينزح منها ثلاثون دلواً ».

وما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي إسحاق ، عن نوح ابن شعيب الخراساني ، عن بشير ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر ، قال : « الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد ينزح منه(٢) عشرون دلواً ، فإنّ غلب الريح نزحت حتى تطيب ».

فإنّ هذين الخبرين غير معمول عليهما ، لأنهما من أخبار آحاد لا يعارض بهما الأخبار التي قدّمناها ، ولأنّ النجاسة معلومة بحصول الخمر فيها ، وليس يعلم(٣) يقيناً طهارتها إلاّ بنزح جميع ماء البئر فينبغي أنّ يكون العمل عليه ، ويحتمل أنّ يكون الخبر مختصاً بحكم البول ، لأنّ بول الرجل يوجب نزح أربعين دلواً على ما بيّناه في كتاب (٤) تهذيب الأحكام (٥) وكذلك حكم الدم والميتة ولحم الخنزير فيكون اضافة الخمر إلى ذلك وهماً من الراوي.

السند‌

في الأوّل محمّد بن زياد مشتركة بين جماعة مهملين ، وبعض موثق(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٥ / ٩٥ لا يوجد : من.

(٢) الإستبصار ١ : ٣٥ / ٩٦ في « ج » : منها.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٥ / ٩٦ ذ. ح : نعلم.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٥ / ٩٦ ذ. ح لا يوجد : كتاب.

(٥) التهذيب ١ : ٢٤٣ / ٧٠٠ ، الوسائل ١ : ١٨١ أبواب الماء المطلق ب ١٦ ح ٢.

(٦) هداية المحدثين : ٢٣٧.


وكردويه مجهول الحال ، وقد اعترف بذلك بعض الأصحاب(١) ، وما يحكى عن الشهيد : من أنّ كردويه هو مسمع كردين(٢) . لم يثبت ، وعلى تقديره لم أعلم توثيق مسمع على وجه يعتمد عليه.

وفي الثاني أبو إسحاق وهو مشترك بين مهمل وموثق(٣) ، ونوح بن شعيب الخراساني غير مذكور في الرجال ، بل فيهم ابن شعيب البغدادي مهملاً.

المتن :

في الأول : قد تقدم احتمال الاختصاص بالقطرة من المذكورات في الرواية ، غاية الأمر أنّ بول الصبي في القطرة منه نوع إشكال ، لأنّ بوله في الخبر السابق له دلاء ، فكيف يكون للقطرة منه عشرون(٤) . ولعل بول الصبي خُصّ ، إلاّ أنّ يقال : إنّ الخبر الدال على الجميع لبول الصبي كما في الخبر القريب يناسب كون ما تضمنه هذا الخبر للقطرة منه ، إلاّ أنّ ذلك الخبر مجمل المرام ، كما تقدم فيه الكلام ، هذا بتقدير العمل بالخبر المبحوث عنه ، وبدونه فالأمر سهل.

وأمّا الثاني : فالأمر فيه واضح الإشكال نظراً إلى أنّ السؤال عن القطرة ، فيحتمل أنّ يكون الجواب مقيّداً بها في الدم والخمر ، أمّا الميت فلا وجه لها فيه إلاّ بتكلّف إرادة القطعة الصغيرة ، وفيه ما فيه ، وقد تقدم إيراد العلاّمة على المحقق في هذا الخبر وجوابه(٥) .

__________________

(١) كالعلاّمة في المختلف ١ : ٣٤ ، الشهيد الثاني الروضة البهية ١ : ٣٩.

(٢) حكاه عنه في الحاوي ٤ : ٣٣١.

(٣) هداية المحدثين : ٢٧٠.

(٤) هكذا في النسخ والظاهر : ثلاثون.

(٥) في ص ٢٥٥ ٢٥٦.


وكلام الشيخ هنا لا يخلو من نظر في مواضع :

الأوّل : أنّه قد سبق منه ما يقتضي أنّ الخبر لا يردّه مع إمكان التأويل ، والتأويل هنا مذكور ، ومراده بخبر الآحاد ( هنا غير المحفوف بالقرائن كما هو واضح ، ولعلّ الكلام السابق إنّما هو في الردّ بالطعن في الإسناد من جهة الرجال لا من جهة كونه )(١) غير محفوف بالقرائن. وفيه تكلّف.

الثاني : قوله : إنّ النجاسة معلومة بحصول الخمر. فيه أنّ النجاسة بتقدير تسليمها لا تبقى بعينها بعد نزح ما ورد في الأخبار إنّ كان العمل بها مسلّماً ، والاحتياج إلى اليقين في الطهارة محل بحث ، بل رفع يقين النجاسة يحتمل الاكتفاء به ، كما سبق فيه كلام ، ويؤيّده أنّا لو اعتبرنا اليقين في الطهارة نافى ما صرح به الشيخ في هذا الكتاب والتهذيب من بعض الأخبار وإنّ كان في التهذيب له كلام شبه(٢) هذا(٣) ، وذكرنا ما لا بُدّ(٤) فيه في حاشيته ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ يقين النجاسة يتوقف على ما أعدّه الشارع ، ولم يعلم من الأوّل ، وفيه ( ما لا يخفى بعد )(٥) ما قدّمناه.

الثالث : قوله : ويحتمل أنّ يكون الخبر مختصاً. يحتمل أنّ يريد به الخبر الأوّل ، إذ الثاني لا ذكر للبول فيه.

ثم إنّ أراد بالاختصاص خروج بول الرجل منه لاختصاصه بالأربعين والخبر قد تضمن الثلاثين أمكن ، إلاّ أنّ فيه عدم وجه اختصاص الرجل بل‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في « فض » بسند.

(٣) التهذيب ١ : ٢٤٢.

(٤) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».


الصبي كذلك ، على أنّ العبارة لا تساعد على هذا ، وإنّ أراد أنّ القطرة من بول الرجل لها(١) ثلاثون ، لأنّ لبوله أربعين ويحصل الجمع فالحكم في الخمر كذلك ، نظراً إلى إمكان الفرق أيضاً ، وإنّ أراد اختصاص الجواب بالبول وذكر غيره وهمٌ من الراوي كما ( نبّه )(٢) عليه آخر الكلام. فلا وجه له.

هذا إذا رجع إلى الأوّل ، وإنّ رجع إلى الأخير على معنى أنّ الرواية وقع السؤال فيها عن البول وهو بول الرجل ، والوهم في الخبر من الراوي ، فالحديث ليس فيه نزح الأربعين وخصوص بول الرجل لا وجه له.

وقوله : وكذلك حكم الدم. غير واضح المرام فيه ، وفيه احتمالات وهو أعلم بمرادهقدس‌سره ، ولو لا خوف صرف الوقت فيما لا ينفع ذكره لأطلت المقال على حسب مقتضى الحال.

بقي شي‌ء : وهو أنّ ظاهر كلام الشيخ في التوجيه أنّه قائل بنجاسة البئر بالملاقاة ، فيشكل ما نقلناه عن الوالدقدس‌سره سابقاً ، ولعل مراد الشيخ بالنجاسة عدم صحة العبادة مع عدم النزح حال العلم بوجوب النزح ، وفيه تكلف ظاهر.

قوله :

باب البئر يقع فيها الكلب والخنزير وما أشبههما‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن علي قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الفأرة تقع في البئر؟ قال : « سبع‌

__________________

(١) في « رض » : بها.

(٢) في « رض » ينبّه.


دلاء » قال : وسألته عن الطير والدجاجة تقع في البئر؟ قال : « سبع دلاء ، والسنّور عشرون أو ثلاثون أو أربعون دلواً والكلب وشبهه ».

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال : « إنّ أُدركت قبل أنّ ينتن نزحت منه سبع دلاء ، وإنّ كانت سنّوراً أو أكبر منه نزحت منه ثلاثين دلواً أو أربعين دلواً ، وإنّ أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء ».

السند‌

في الأوّل القاسم ، وهو ابن محمّد الجوهري بغير ارتياب عند الممارس ، وعلى تقدير توهّم الاشتراك(١) فدفعه بتصريح النجاشي(٢) برواية الحسين بن سعيد عنه ، وكذلك الشيخ(٣) في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام ، والقاسم بن عروة في النجاشي(٤) أنّ الحسين بن سعيد يروي عنه بواسطة النضر ، وما في الفهرست(٥) من رواية الحسين عنه بغير واسطة أظنّه سهواً ، على أنّ القاسم بن عروة لا يفيد صحة الحديث على ما أظنّه كالقاسم ابن محمّد ، وإنّ فارقه من جهة القول بالوقف في القاسم بن محمّد من الشيخ ، وكلام النجاشي خال من ذلك.

وعليٌّ هذا ابن أبي حمزة البطائني ، والقول في تعينه كالقاسم ،

__________________

(١) هداية المحدثين : ١٣٢.

(٢) رجال النجاشي : ٣١٥ / ٨٦٢.

(٣) رجال الطوسي : ٤٩٠ / ٥.

(٤) رجال النجاشي : ٣١٤ / ٨٦٠.

(٥) الفهرست : ١٢٧ / ٥٦٦.


وتصريح الشيخ في الفهرست برواية القاسم عن علي بن أبي حمزة وإنّ لم يفد ذلك لكنه مؤيد في الجملة.

وأمّا السند الثاني فحاله معلوم مما تقدم.

المتن :

دلالة الأول على السبع في الفأرة ظاهرة ، والمعارض موجود كما تقدّم ويأتي ، وكذلك دلالته على الطير والدجاجة ، وذكر جدّيقدس‌سره ان الطير الحمامة فما فوقها(١) . وقيل : إلى النعامة ، ودلالته على أنّ للسنّور والكلب أحد الثالثة ظاهرة(٢) ، وذكر الشيخان(٣) من الشبه الخنزير والثعلب والشاة والغزال ، واستدل في التهذيب(٤) بهذه الرواية ، وللكلام مجال واسع ، وسيأتي بقية القول بعد ذكر المعارض.

وأمّا دلالة الخبر الثاني فهي ظاهرة أيضاً من وجه مجملة من وجه ، ومشقّة القول فيها مع عدم الصحة لا طائل تحتها ، غير أنّه ينبغي أنّ يعلم أن مفاد الخبر الثاني الاكتفاء بزوال النتن ، والشيخ يقول بنزح الجميع ، فهو مخالف له ، ولعلّ الشيخ يقول : إنّه مطلق وغيره ممّا دلّ على نزح الجميع مقيد. وفيه ما فيه.

قال : فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة ، ومحمّد بن مسلم ، وبريد بن معاوية العجلي ، عن‌

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ٤٠.

(٢) كما في قواعد الاحكام ١ : ١٨٧ ، ومجمع الفائدة والبرهان ١ : ٢٧٣.

(٣) المفيد في المقنعة : ٦٦ ، والشيخ في النهاية : ٦.

(٤) التهذيب ١ : ٢٣٥ / ٦٨٠.


أبي عبد الله وأبي جعفرعليهما‌السلام ، في البئر يقع فيها الدابّة والفأرة والكلب والطير فيموت ، قال : « يخرج ثم ينزح من البئر دلاء ثم اشرب(١) وتوضّأ ».

وعنه ، عن القاسم ، عن أبان ، عن أبي العباس الفضل البقباق قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام في البئر تقع فيها الفأرة أو الدابّة أو الكلب أو الطير فيموت قال : « يخرج ثم ينزح من البئر دلاء ثم يشرب منه ويتوضّأ ».

وروى سعد بن عبد الله ، عن أيوب بن نوح النخعي ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال : سألته عن البئر يقع فيها الحمامة أو(٢) الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة؟ فقال : « يجزؤك أنّ تنزح منها دلاء فإنّ ذلك يطهّرها إنّ شاء الله ».

فالوجه في هذه الأخبار أحد شيئين : إمّا أنّ يكون(٣) أجاب عن حكم بعض ما تضمّنه السؤال من الفأرة والطير وعوّل في حكم الباقي على المعروف من مذهبه أو غيره من الأخبار التي شاعت عنهمعليهم‌السلام .

والثاني أنّ لا يكون في ذلك تناف ، لأنّ قوله : ( منها دلاء )(٤) جمع الكثرة ، وهو ما زاد على العشرة ، ولا يمتنع أنّ يكون المراد به أربعين دلواً حسب ما تضمنته الأخبار الأوّلة ، ولو كان المراد بها دون‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦ / ٩٩ يوجد : منه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠١ : و.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠١ يوجد :عليه‌السلام .

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠١ يوجد : فإنّه.


العشر لكان جمعه يأتي على أفعلة دون فعال ، على أنّه قد حصل العلم بحصول النجاسة ، وبنزح أربعين دلواً يزول حكم النجاسة أيضاً ، وذلك معلوم ، وما دون ذلك طريقة أخبار الآحاد فينبغي أنّ يكون العمل على ما قلناه (١) .

السند‌

في الأول لا ريب فيه على الظاهر بين المتأخّرين ، كما أنّ الظاهر كون ابن أُذينة هو عمر بن أُذينة الذي ذكره الشيخ ووثّقه(٢) بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه ، وما في النجاشي من عمر بن محمّد بن عبد الرحمن بن أُذينة ولم يوثقه(٣) لا يبعد اتحاده ، بل جديقدس‌سره جزم به(٤) ، والراوي عنه ابن أبي عمير في النجاشي(٥) فيتأيّد الاتحاد ، واحتمال التغاير واتحاد الراوي عنهما لا يخلو من بعد.

وفي الثاني القاسم بن محمّد الجوهري وقد تقدم فيه القول(٦) .

وفي الثالث محمّد بن أبي حمزة والظاهر أنّه الثمالي ، وقد نقل الكشّي توثيقه عن حمدويه(٧) . والعلاّمة وثقه(٨) . والنجاشي لم يوثقه(٩)

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠١ : قلنا ، وفي « رض » : قدّمناه.

(٢) رجال الطوسي : ٣٥٣ / ٨ ، الفهرست : ١١٣ / ٤٩٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.

(٤) حواشي الشهيد على الخلاصة ( المخطوطة ) : ٢٠.

(٥) رجال النجاشي : ٢٨٣ / ٧٥٢.

(٦) في ص ٢٧٠ ، ٢٧١.

(٧) رجال الكشي ٢ : ٧٠٧ / ٧٦١.

(٨) خلاصة العلاّمة : ١٥٢ / ٧١.

(٩) رجال النجاشي : ٣٥٨ / ٩٦١.


واحتمال التيملي بعيد مع احتمال الاتحاد.

وطريق الشيخ إلى سعد لا ارتياب فيه ، وهو ما رواه عن الشيخ المفيد عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه.

المتن :

ظاهر في الأوّل بالنسبة إلى المذكورات فيه جميعاً ، والدلاء مطلقة غير أنّ المعارض إذا وجد وكافأه أمكن التأويل ، وستسمع القول في ذلك.

والثاني يؤيّده ، وكذلك الثالث ، إلاّ أنّ فيه دلالة بحسب ظاهره على نجاسة البئر بالملاقاة ، فإنّ التطهير لا يكون إلاّ للنجس ، وبه استدل القائلون بالانفعال مع غيره من الأخبار(١) .

وأُجيب عنه باحتمال إرادة المعنى اللغوي من الطهارة(٢) .

واعترض بأنّ ثبوت الحقيقة الشرعية يمنع من الحمل على اللغوية(٣) .

وفيه نظر ، لأنّه لو سلّم ثبوت الحقيقة الشرعية لكن الطهارة الشرعية لا تتناول إزالة النجاسة ، وقد يقال : إنّ عدم التناول حقيقة لا يمنع المجاز ولا ريب أنّ إرادة النظافة في المقام بعد السؤال عن التطهير الشرعي غير مناسب كما لا يخفى.

ويمكن الجواب بأنّ معلومية السؤال عن المطهّر الشرعي غير واضحة ، وفيه ما فيه.

والحقّ أنّ وجود المعارض هو الموجب للحمل على اللغوي ، وإلاّ‌

__________________

(١) منهم المحقّق في المعتبر ١ : ٥٤ ، ٥٥ ، والشهيد في الذكرى ١ : ٨٧.

(٢) المختلف ١ : ٢٦.

(٣) روض الجنان : ١٤٦.


فالأمر لا يخلو من إشكال.

وما ذكره الشيخرحمه‌الله محل نظر من وجوه.

الأوّل قوله : إنّ الجواب عن بعض ما تضمنه السؤال. قد تقدم توجيهه بما يدفع عنه منافاة الحكمة ، أمّا الاختصاص بالفأرة والطير من أين علم؟ وبتقديره فالطير له سبع والفأرة قد اختلفت فيها الأخبار ، فالإجمال في الدلاء إن أُحيل على غيره كان الجميع سواء في الإحالة فلا وجه للتخصيص.

الثاني : قوله : إنّ دلاء جمع كثرة ، إلى آخره ، مسلّم ، لكن الجواب إمّا عن الجميع أو عن البعض ، فإنّ كان عن الجميع لم يستقم ما ذكره في الدلاء ، لأنّ أقلّ جمع الكثرة أحد عشر ولا شي‌ء من المذكورات له هذا القدر ، وإنّ كان عن البعض وهو الكلب أمكن ، إلاّ أنّه لا وجه لتخصيصه.

فإنّ قلت : تخصيصه لأنّ غيره لا يتحقق فيه جمع الكثرة قليله ولا كثيره.

قلت : إذا جاز إرادة الأربعين بقرينة غيره يجوز إرادة السبعة ولو مجازاً بقرينة الأخبار في غير الكلب ، على أنّ باب المجاز إذا انفتح صلح الجواب عن الجميع.

الثالث : أنّ الكلب لم يتعين له الأربعون(١) في الخبرين السابقين.

الرابع : ما ذكره : من حصول العلم. قد تقدم فيه القول. وقوله : إنّ ما دون ذلك طريقة أخبار الآحاد. خروج عن التأويل ، فليتأمّل.

قال :

فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل‌

__________________

(١) في « رض » : لم تعين له الأربعين.


ابن دراج ، عن أبي أُسامة(١) ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الفأرة والسنور والدجاجة والكلب والطير فقال : « إذا لم ينفسخ(٢) أو(٣) يتغير طعم الماء فيكفيك(٤) خمس دلاء ، وإنّ تغيّر الماء فخذ منه حتى يذهب الريح ».

فهذا الخبر أيضاً يحتمل وجهين : أحدهما : هو الذي ذكرناه في الأخبار الأوّلة ، وهو أنّ يكون أجاب عن حكم الدجاجة والطير ، والثاني : أنّ نحمله على ما إذا وقع فيها الكلب وخرج منها حياً ، فإنّه ينزح منها هذا المقدار إلى سبع دلاء ، وليس في الخبر أنّه مات فيها.

والذي يدل على ذلك :

ما أخبرني به الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس بن معروف ، عن عبد الله بن المغيرة(٥) . قال : حدثنا جعفرعليه‌السلام قال : « كان أبو جعفرعليه‌السلام يقول : إذا مات الكلب في البئر نزحت » وقال جعفرعليه‌السلام : « إذا وقع فيها ثم أُخرج(٦) حياً نزح منها سبع دلاء ».

قولهعليه‌السلام : « إذا مات في البئر الكلب (٧) نزحت » محمول على أنّه يتغيّر معه أحد أوصاف الماء فإنّ ذلك يوجب نزح جميعه ، وإذا لم يتغيّر كان الحكم فيه ما قدمناه.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠٢ يوجد : زيد الشحام.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠٢ : يتفسخ.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧ / ١٠٢ يوجد : لم.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٢ : أنّه.

(٥) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٣ يوجد : عن أبي مريم.

(٦) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٣ يوجد : منها.

(٧) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٣ : إذا مات الكلب في البئر.


السند :

في الخبرين ليس فيه ارتياب بعد ما قدمناه ، وأبو أسامة هو زيد الشحام الثقة على ما في الفهرست(١) ، وللعلاّمة(٢) فيه توهّم على ما أظن ، والتصريح في العباس بابن معروف ينبّه على أنّ المطلق في بعض الأخبار هو ابن معروف.

المتن :

في الحديث الأوّل ظاهر في الدلالة على الخمس دلاء في الكلب ، وتأويل الشيخ السابق لا يتم فيه ، كما يظهر بأدنى تأمّل ، والوجه الآخر لا يوافقه ذكر الخمس ، والحمل على التخيير وجه آخر يخالف ما سبق ، إلاّ أنّه سهل التسديد ، وقول الشيخ : إنّه ليس في الخبر أنّه مات فيها(٣) . غريب.

والخبر الثاني صريح في السبع مع الحياة ، وحمل الشيخ النزح فيه على التغير ينافيه الاكتفاء في الخبر الأوّل بذهاب الريح ، إلاّ أنّ يقال ما تقدم ، وفيه ما فيه. وبالجملة فكلام الشيخ هنا واضح الاختلال ، والله تعالى أعلم بالحال ، وفي الظنّ أنّ هذه الأخبار قرينة الاستحباب.

قال :

فأما ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن‌

__________________

(١) الفهرست : ٧١ / ٢٨٨.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٧٣ / ٣.

(٣) في النسخ فيه ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٣٨.


علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سئل عن بئر يقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير ، قال : « ينزح(١) كلها ».

فالوجه في هذا الخبر وفي حديث أبي مريم من قوله : « إذا مات الكلب في البئر نزحت » أنّ نحملها على أنّه إذا تغيّر أحد أوصاف الماء من اللون أو(٢) الطعم أو (٣) الرائحة ، وأمّا مع عدم ذلك فالحكم ما ذكرناه.

السند‌

موثّق وبيانه تكرّر.

المتن :

ظاهر في نزح البئر كلها لأحد الثلاثة غير أنّ وجود المعارض في الكلب والفأرة يقتضي الحمل على الاستحباب إنّ قيل بوجوب النزح ، وعلى الأكملية إنّ قيل بالاستحباب.

أمّا الحمل على تغيّر الماء كما ذكره الشيخ فيشكل أوّلاً بالأخبار الدالة على الاكتفاء بزوال التغير ، وثانياً إنّ الخنزير لا معارض يوجب فيه ذلك سوى ما ظنه الشيخ من أنّه شبه الكلب ، وفيه ما فيه.

والذي يمكن أنّ يقال فيه : إنّ الخنزير داخل في حديث عبد الله بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٤ في « د » و « ج » : ينزف.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٤ : و.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٤ : و.


سنان على ما في التهذيب(١) من زيادة لفظ « ونحوه » بعد الثور ، غاية الأمر أنّه قد يفرق بين صغير الخنزير والثور ، من حيث إنّ الثور في صدقه على الصغير تأمّل لما صرّحوا به من أنّه مأخوذ من إثارة الأرض ، كما ذكرناه في حاشية الروضة.

ثم إنّ الخنزير في هذا الخبر المبحوث عنه إذا حمل على أنّ الجميع له وجوباً أشكل الحال في الوجوب لما معه ، لوجود المعارض ، إلاّ ان يقال : إنّ اللفظ الدال على نزح الجميع يراد الوجوب والاستحباب ، ولا مانع منه بقرينة المعارض.

وإن أشكل بأنّ المستبعد إرادة ذلك في خبر واحد أمكن دفعه بالنظائر ، ولو حمل النزح في الخنزير على الاستحباب بناءً على استحباب أصل النزح أمكن أن يقال باستعماله في أصل الاستحباب وكماله بالنظر إلى الخنزير وما معه ، والحال ربما كانت على تقدير الاستحباب أهون ، كما يعرف بالنظر الصحيح.

أمّا ما ذكره الشيخ في حديث أبي مريم فلم يتقدم له خبر ، إلاّ أنّه في التهذيب(٢) روى خبر ابن المغيرة عن أبي مريم ، فكأنّه سقط سهواً من قلمهقدس‌سره وأبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري الثقة كما في النجاشي(٣) ، فلا يضر بالحال وجوده.

قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن موسى‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٤١ / ٦٩٥ ، الوسائل ١ : ١٧٩ أبواب الماء المطلق ب ١٥ ح ١.

(٢) التهذيب ١ : ٢٣٧ / ٦٨٧ ، الوسائل ١ : ١٨٢ أبواب الماء المطلق ب ١٧ ح ١.

(٣) رجال النجاشي : ٢٤٦ / ٦٤٩.


الخشّاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمار ، عن جعفر ، عن أبيه : ( انّ علياًعليه‌السلام كان يقول : الدجاجة ومثلها تموت في البئر نزح(١) منها دلوان أو ثلاثة ، وإذا كانت شاة وما أشبهها فتسعة أو عشرة ).

فلا ينافي ما قدّمناه لأنّ هذا الخبر شاذّ وما قدمناه مطابق للأخبار كلها ، ولأنّا إذا عملنا على تلك الأخبار نكون قد عملنا على ( هذه الأخبار ، لأنها داخلة )(٢) فيها ، وإنّ عملنا على هذا الخبر احتجنا أنّ [ تسقط ] (٣) تلك جملةً ، ولأنّ العلم يحصل بزوال النجاسة مع العمل بتلك الأخبار ولا يحصل مع العمل بهذا الخبر.

السند‌

فيه الحسن بن موسى الخشاب ، والذي في النجاشي : إنّه من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم(٤) .

وغياث بن كلوب مهمل في الرجال ، بل له كتاب. وإسحاق بن عمار تقدم القول فيه(٥) .

المتن :

ظاهر الدلالة إلاّ أنّ الكلام فيه مع عدم صحة السند لا فائدة فيه.

وما قاله الشيخ من الشذوذ قد تقدم فيه كلام.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٨ / ١٠٥ : ينزح.

(٢) كذا في النسخ ، والأنسب : هذا الخبر لأنه داخل.

(٣) في النسخ : تسقط ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٩ / ١٠٥.

(٤) رجال النجاشي : ٤٢ / ٨٥.

(٥) في ص ٢٤١ ٢٤٢.


أمّا قوله : إنّ ما قدمه مطابق للأخبار كلها. فأنت خبير بالحال ، وقد سبق منّا نقل القول عن الصدوق في الفقيه(١) بمدلول رواية إسحاق بن عمار ، والشذوذ ، الشيخ أعلم به ، وتقدم أيضاً في رواية عمرو بن سعيد : السبع للشاة. وأنّ الصدوق في المقنع قائل به(٢) .

والعجب من المحقق أنّه رجّح العمل برواية إسحاق بن عمار على رواية عمرو معللاً بأنّه ضعيف(٣) ، والحال أنّ الضعف مشترك ، ولعله استفاد توثيق غياث بن كلوب.

وحكى المحقق عن الشيخين والمرتضى إيجاب نزح الأربعين للشاة ، وأنّ الشيخ احتجّ بالمشابهة للكلب ، وردّه بأنّ الاحتجاج بالمشابهة ليس بصريح فالصريح أولى(٤) ، ورواية المشابهة لا يفيد تفسير الأربعين ، فما أدري الوجه في تعيّنها ، غير أنّ ضعف الرواية يسهل الخطب.

قال :

باب البئر يقع فيها الفأرة والوزغة والسام أبرص‌

أخبرني الشيخ أبو عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد وفضالة ، عن معاوية بن عمار قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الفأرة والوزغة تقع في البئر ، قال : « ينزح منها ثلاث دلاء ».

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٥.

(٢) المقنع : ١٠.

(٣) المعتبر ١ : ٦٩.

(٤) المعتبر ١ : ٦٩.


وعنه ، عن فضالة ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام مثله.

السند :

في الحديثين غنيّ عن البيان لتكرّر القول في ذلك بحسب الإمكان.

المتن :

ظاهر في الخبرين بالنظر إلى الثلاث دلاء ، أمّا في الموت فربما كان ظاهراً ، ولو حمل على كون كل منهما حيّاً أمكن دفع التنافي بحمل السبع في الفأرة حالة الموت والثلاث مع الحياة ، ولا بُعد في ذلك مع الطهارة كما تقدم من أنّ الفأرة طاهرة الجسم ، إلاّ أنّ الأخبار المعتبرة تدل على استحباب الاجتناب ، بل فيها تصريح بغَسل الثياب إذا حصلت المباشرة فيها برطوبة ، والبئر حكمه لا يأبى ذلك ، إلاّ أنّ الظاهر ما تقدم.

اللغة :

الوزغة محرّكة سام أبرص سُمّيت بذلك لخفتها وسرعة حركتها ، الجمع وزغ ، قاله في القاموس(١) ، وفي المغرب قال الكسائي : وهو يخالف العقرب لأنّ له دماً سائلاً(٢) .

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن عليّ قال‌

__________________

(١) القاموس المحيط ٣ : ١١٩ ( وزغ ).

(٢) المغرب ٢ : ٢٤٨ ( وزغ ).


سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الفأرة تقع في البئر قال : « سبع » (١) .

وعنه ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن الفأرة تقع في البئر أو الطير ، قال : « إنّ أدركته قبل أنّ ينتن نزحت منه سبع دلاء ».

فالوجه في هذين الخبرين أنّ نحملهما على أنّ الفأرة إذا كانت قد تفسخت فإنّه ينزح منها سبع دلاء ، والخبران الأوّلان نحملهما على أنّها أُخرجت قبل أنّ تنفسخ.

والذي يدل على هذا التفصيل :

ما أخبرني به الشيخ(٢) ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن عثمان بن عبد الملك ، عن أبي سعيد المكاري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا وقعت الفأرة في البئر فتسلّخت(٣) فانزح منها سبع دلاء ».

فجاء هذا الخبر مفسّراً للأخبار كلها.

السند‌

في الجميع تكرّر القول فيه ، سوى عثمان بن عبد الملك ، وأبي سعيد المكاري فلم يتقدّما ، والأول مجهول الحال ، لعدم ذكره فيما رأيته من كتب الرجال ، والثاني اسمه هاشم ، وقيل : هشام بن حيان ، وهو مهمل في الرجال(٤) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩ / ١٠٨ يوجد : دلاء.

(٢) في الاستبصار ٣٩ / ١١٠ يوجد :رحمه‌الله .

(٣) الإستبصار ١ : ٣٩ / ١١٠ في « ب » : فتفسخت.

(٤) كما في رجال الطوسي : ٣٣٠ / ٢١.


والخبر الثاني كما ترى مضمر إلاّ أنّ الأمر سهل.

المتن :

ظاهر في السبع في الفأرة ، والأخير مقيد بالتسلّخ ، وكأنّ الشيخ فهم أنّ التسلّخ والتفسّخ متحدان ، ولا نعلم وجهه ، وقد تقدم قول في هذا أيضاً لنوع مناسبة.

والمفيد قال : وإنّ تفسخت أو انتفخت ولم يتغير الماء بذلك نزح منها سبع دلاء(١) . وفي الفقيه : وإذا تفسخت فسبع دلاء(٢) . وفي رواية أبي عيينة : « وإنّ تفسخت فسبع دلاء »(٣) .

والجمع بينها وبين رواية أبي سعيد وبين الأخبار الأُخر يقتضي حمل المطلق على المقيد ، بمعنى أنّه متى حصل أحد الأمرين فالسبع ، لا ما يفهم من كلام الشيخ : إنّ التفسّخ هو التسلّخ ، وكأنّه غفل عن رواية أبي عيينة ، وهي مذكورة فيما يأتي.

لكن لا يخفى أنّ الأخبار المعتبرة لا يصلح لتقييدها غير المكافئ ، وقد تقدم خبر أبي أُسامة الدال على السبع في الفأرة والطير ، وهو معتبر ، وحينئذٍ فالجمع بين الأخبار بحمل السبع على التفسخ أو التسلخ ويستشهد له بالخبرين المرويين عن أبي سعيد وأبي عيينة لا يخلو من وجه.

أمّا الخبر الدال على الخمس في الفأرة كما تقدم مقيداً بعدم التفسخ فقد يؤيد كون السبع للتفسخ ، ويحمل على الاستحباب ، أو الأكملية بالنسبة إلى الثلاث ، فليتأمّل.

__________________

(١) المقنعة : ٦٦.

(٢) الفقيه ١ : ١٢.

(٣) التهذيب ١ : ٢٣٣ / ٦٧٣ ، الوسائل ١ : ١٧٤ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ١٣.


قال :

فأما ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسن(١) ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سئل عن الفأرة تقع في البئر ، قال : « إذا ماتت ولم تنتن فأربعين دلواً ، فإذا انتفخت فيه وأنتنت نزح الماء كله ».

فالوجه فيما تضمن هذا الخبر : من الأمر بنزح أربعين دلواً إذا لم تنتن. محمول على ضرب من الاستحباب دون الفرض والإيجاب لأنّ الوجوب في هذا المقدار لم يعتبره أحد من أصحابنا.

السند‌

الظاهر أنّ محمّد بن الحسن الواقع فيه ليس هو الصفّار ، فإنّ محمّد ابن أحمد بن يحيى يبعد أنّ يروي عنه كما يعلم بالممارسة ، وغير الصفار ليس بمعلوم ، وأظن أنّه محمّد بن الحسين ابن أبي الخطاب ، وقد وجدته في بعض النسخ أيضاً.

وأمّا عبد الرحمن بن أبي هاشم فهو في الفهرست(٢) لكن غير موثق ، والنجاشي ذكر عبد الرحمن بن محمّد بن أبي هاشم ، ووثّقه(٣) ، ولا يبعد الاتحاد ، كما ذكره شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيّده الله(٤) .

__________________

(١) الإستبصار ١ : ٤٠ / ١١١ في « ب » ونسخة في « ج » : الحسين.

(٢) الفهرست : ١٠٩ / ٤٦٦.

(٣) رجال النجاشي : ٢٣٦ / ٦٢٣.

(٤) منهج المقال : ١٩١.


وأمّا أبو خديجة فهو سالم بن مكرم ، وقد وثقه النجاشي(١) ، والشيخ له فيه اضطراب ، فضعّفه في موضع(٢) ووثّقه في آخر(٣) ، وقد قدمنا ما يتضح به الحال.

المتن :

لا مجال لإبقائه على ظاهره ، لنقل الشيخ عدم القول بذلك ، ووجود أخبار معتبرة على خلافه ، والاستحباب وجه حسن

للجمع ، والله أعلم.

قال :

فأما ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن حديد ، عن بعض أصحابنا قال : كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام أبي عبد اللهعليه‌السلام دلواً فخرج فيه فأرة(٤) فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « أرقه » فاستقى آخر فخرجت فيه فأرة فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « أرقه » قال(٥) فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شي‌ء ، قال : « صبّه في الإناء » فصبّه في الإناء.

فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسل ، وراويه ضعيف وهو علي بن حديد ، وهذا يضعّف الاحتجاج بخبره.

ويحتمل مع تسليمه أنّ يكون المراد بالبئر المصنع الذي فيه من‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٨٨ / ٥٠١.

(٢) الفهرست : ٧٩ / ٣٢٧.

(٣) حكاه عنه العلاّمة في الخلاصة : ٢٢٧.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٠ / ١١٢ : فاردَان.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٠ / ١١٢ لا يوجد : قال.


الماء ما يزيد مقداره على الكرّ ، فلا يجب نزح شي‌ء منه ، وذلك هو المعتاد في طريق مكة ، مع أنّه ليس في الخبر أنّه توضّأ بذلك الماء ، بل قال لغلامه : « صب (١) في الإناء » ، وليس في ذلك دليل على جواز استعمال ما هذا حكمه في الوضوء ، ويجوز أنّ يكون إنّما أمره بالصب في الإناء لاحتياجهم إليه لسقي الدوابّ والإبل والشرب (٢) عند الضرورة الداعية إليه ، وذلك سائغ ، ويحتمل أيضاً أنّ تكون الفأرتان خرجتا حيّتين ، وإذا كان كذلك جاز استعمال ما بقي من الماء لأنّ ذلك لا ينجّس الماء ، على ما تقدم فيما مضى.

السند‌

ما ذكره الشيخ فيه فيه كفاية.

المتن :

على القول بعدم انفعال البئر لا حاجة إلى تكلّف القول إلاّ من حيث إنّ المستحب يبعد تركه من الإمامعليه‌السلام ، وقد يقال : إنّ ترك النزح للضرورة ، أو لقيام الاحتمال(٣) في الفأرة كما لا يخفى.

وأمّا على القول بالانفعال فالحمل على البئر غير النابع له وجه وجيه ، وبقية الوجوه في غاية التكلف.

ولا يذهب عليك أنّ الشيخ خالف ما ذكره في أوّل الكتاب من أنّه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠ / ١١٢ : صبه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٠ / ١١٢ : أو للشرب.

(٣) أي : احتمال الحياة.


لا يردّ الحديث من جهة السند إلاّ بعد انتفاء التأويل.

قال :

ويزيده بياناً ما أخبرني به الشيخ أبو عبد الله(١) ، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن أبيه ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد (٢) ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب والحسن ابن موسى الخشاب جميعاً ، عن يزيد بن إسحاق شَعَر (٣) ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيّاً هل يشرب من ذلك الماء ويتوضّأ منه؟ قال : « يسكب ثلاث مرّات وقليله وكثيره بمنزلة واحدة ثم يشرب منه ويتوضّأ منه ، غير الوزغ فإنّه لا ينتفع بما يقع فيه » وهذا الخبر قد تكلّمنا عليه فيما مضى.

السند‌

قد تقدم أيضاً الكلام فيه ، إلاّ أنّه مروي فيما مضى عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، وطريقه في المشيخة(٤) إليه ليس فيه محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه ، ولا يضرّ بالحال لو سلم من يزيد بن إسحاق ، وتصحيح‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٣ يوجد :رحمه‌الله .

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٣ يوجد : بن يحيى.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٣.

(٤) الاستبصار ٤ : ٣٢٣.


العلاّمة(١) طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة وهو فيه لا يخلو من تأمّل في إفادة الصحة.

ثم إنّ رواية محمّد بن أحمد ، عن محمّد بن الحسين يؤيّد ما قدّمناه : من أنّ محمّد بن الحسن الراوي عنه محمّد بن أحمد هو محمّد ابن الحسين على ما أظن.

المتن :

مضى الكلام فيه ، وذِكر الشيخ لهذا الحديث هنا ظنّاً منه لتناول الماء للبئر ، وقد يناقش في ذلك : إلاّ أنّ الأمر سهل.

قال :

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان ، عن يعقوب بن عثيم ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : سام أبرص وجدته(٢) قد تفسخ في البئر ، قال : « إنّما عليك أنّ تنزح منها سبع دلاء ».

فأمّا ما رواه جابر بن يزيد الجعفي قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن السام أبرص يقع في البئر قال : « ليس بشي‌ء حرِّك الماء بالدلو »(٣) .

فلا ينافي الخبر الأوّل ، لأنّ الخبر الأوّل محمول على‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٢٧٩.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٤ : وجدناه.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٥ يوجد : في البئر ، وفي الهامش : ليس في « ج ».


الاستحباب ، وهذا الخبر مطابق لما قدّمناه من الأخبار من أنّ ما ليس له نفس سائلة لا يفسد بموته الماء ، والسام أبرص من ذلك.

السند‌

الأوّل ليس فيه من يتوقف في شأنه سوى يعقوب بن عثيم ، فإنّه مجهول الحال ، وقد تقدم أيضاً القول فيه ، ولقبه أبو يوسف في الخبر السابق(١) .

والثاني فيه أنّ الطريق إلى جابر غير مذكور في المشيخة ، والطرق في الفهرست(٢) مختلفة ، ولا نفع لها هنا إلاّ على وجه بعيد ، فالكلام في جابر قليل الفائدة حينئذٍ ، فتدبّر.

المتن :

على تقدير العمل به يمكن حمل مطلقه على المقيّد السابق ، وهو ما إذا لم يتفسّخ ، وما ذكره الشيخ من الحمل على الاستحباب لا وجه له بعد ما ذكرناه ، وإنّ كان الحمل على الاستحباب له وجه من جهة أُخرى.

وما قالهرحمه‌الله : من أنّ ما ليس له نفس سائلة لا يفسد الماء مقبول. والإفساد لا ينحصر في النجاسة.

والصدوق أوجب النزح لسام‌أبرص(٣) ، ويظهر من الشيخ في التهذيب ذلك أيضاً(٤) ، وزاد في رواية يعقوب قلت : فثيابنا التي صلينا فيها‌

__________________

(١) في « د » زيادة : أمّا أبان فقد يدّعى ظهور كونه ابن عثمان ، وقد قدّمنا القول فيه.

(٢) الفهرست : ٤٥ / ١٤٧.

(٣) الفقيه ١ : ١٥.

(٤) التهذيب ١ : ٢٤٥.


نغسلها ونعيد الصلاة؟ قال : « لا » وقال بعد ذلك : وسأل جابر بن يزيد وذكر الرواية ، ثم قال : قال محمّد بن الحسن : المعنى فيه إذا لم يكن تفسّخ ، لأنه إذا تفسّخ نزح منها سبع دلاء على ما بيناه في الخبر الأول(١) .

وفي المنتهى بعد أنّ ذكر الروايتين حمل رواية يعقوب على الاستحباب ، أمّا أوّلاً فلرواية جابر ، وأمّا ثانياً فلأنّها لو كانت نجسة لما أُسقط عنه غسل الثوب(٢) .

وفي كلامه نظر واضح ، لأنّ مذهبه وجوب النزح تعبّداً ، فلا ينافي عدم وجوب غسل الثوب وجوب النزح.

اللغة :

قال في الصحاح : سام أبرص من كبار الوزغ ، وهو معرفة إلاّ أنّه تعريف جنس ، وهما اسمان جعلا واحداً ، إنّ شئت أعربت الأول وأضفته إلى الثاني ، وإنّ شئت بنيت الأول على الفتح وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف ، وتقول في التثنية : هذان سامّا أبرَصَ ، وفي الجمع : هؤلاء سوام أبرص ، ( وإنّ شئت قلت : هؤلاء السوام ، ولا يذكر أبرص )(٣) وإن شئت قلت : هؤلاء البرصة والأبارص ، ولا تذكر سام(٤) . انتهى.

وظاهره أنّه صنف من الوزغ وهو أكبره ، وظاهر العلاّمة في المختلف ذلك لأنّه قال‌ :

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٤٥ / ٧٠٨ ، الوسائل ١ : ١٧٦ أبواب الماء المطلق ب ١٤ ح ١٩.

(٢) المنتهى ١ : ١٦.

(٣) ما بين القوسين ليس في الصحاح.

(٤) الصحاح ٣ : ١٠٢٩ ( برص ).


مسألة :

قال الشيخان : ينزح لموت الوزغة ثلاث دلاء ، وبه قال ابن البراج ، وابن حمزة ، والشيخ أبو جعفر بن بابويه ، وقال سلاّر وأبو الصلاح الحلبي دلو واحد ، وابن إدريس منع من ذلك ولم يوجب شيئاً. احتجّ الشيخ بما رواه معاوية بن عمار وذكر الرواية السابقة المتضمنة للفأرة والوزغة ثم قال : وروى يعقوب بن عثيم وذكر الرواية ورواية جابر ثم قال : احتجّ أبو الصلاح وسلاّر بما رواه ابن بابويه قال : سأل يعقوب بن عثيم أبا عبد اللهعليه‌السلام قال له : بئر ماء في مائها ريح يخرج منه قطع جلود ، قال : « ليس بشي‌ء إنّ الوزغ ربما طرح جلده ، إنّما يكفيك من ذلك دلو واحد »(١) (٢) .

وهذا الكلام يعطي اتحاد الوزغ والسام أبرص ، وقد قدمنا عن القاموس ما يدل على الاتحاد أيضاً(٣) ، إلاّ أنّ الوالدقدس‌سره جعل لكل واحد بالانفراد مسألة(٤) ، وظاهر الشيخ في العنوان المغايرة ، والأمر سهل.

قال :

باب البئر تقع فيها العذرة اليابسة والرطبة‌

أخبرني الشيخ أبو عبد الله (٥) ، عن أحمد بن محمّد ، عن ( الحسين بن سعيد ، و) (٦) سعد بن عبد الله ، والصفار ، جميعاً عن أحمد‌

__________________

(١) المختلف ١ : ٤٦.

(٢) المختلف ١ : ٤٧ ، بتفاوت يسير ، الوسائل ١ : ١٨٩ أبواب الماء المطلق ب ١٩ ح ٩.

(٣) القاموس المحيط ٢ : ٣٠٦ ( برص ).

(٤) معالم الدين : ٧١ / ٧٦.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٦ يوجد :رحمه‌الله .

(٦) في الاستبصار ١ : ٤١ / ١١٦ بدل ما بين القوسين يوجد : أبيه عن ، وفي حاشية


ابن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن عبد الله بن يحيى(١) ، عن ابن مسكان قال : حدثني أبو بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن العذرة تقع في البئر ، قال : « ينزح منها عشر دلاء ، فإنّ ذابت فأربعون أو خمسون »(٢) .

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار قال : سئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة ، فقال : « لا بأس إذا كان فيها ماء كثير ».

وما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى(٣) عليه‌السلام قال : سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة(٤) أو زنبيل من سرقين ، أيصلح الوضوء منها؟ قال : « لا بأس ».

فالوجه في هذين الخبرين أحد شيئين : أحدهما : أنّ يكون المراد(٥) أنّه لا بأس به بعد نزح خمسين دلواً حسب ما تضمنه الخبر الأول ، والثاني : أنّ يكون المراد بالبئر المصنع الذي يكون فيه الماء (٦) أكثر من كرّ ، ولأجل هذا قال : « لا بأس به إذا كان فيه كثير ماء » (٧) لأنّ‌

__________________

الإستبصار ١ : ٤١ / ١١٦ : في « ج » و « د » : في ترتيب رجال السند اختلاف من النساخ.

(١) الإستبصار ١ : ٤٢ / ١١٦ : في « ب » : بحر.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٦ يوجد : دلواً.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٨ يوجد : بن جعفر.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٨ : يابسة أو رطبة.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٨ يوجد : به.

(٦) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٨ يوجد : من الماء.

(٧) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٨ يوجد : فيها ماء كثير.


ذلك هو الذي يعتبر فيه القلة والكثرة دون الآبار المعيّنة.

السند‌

في الخبر الأول لا يخلو من خلل كما يعرفه الممارس ، فإن أحمد بن محمّد الذي يروي عنه الشيخ المفيد : أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، كما تقدم القول فيه ، وهو إنّما يروي عن الحسين بن سعيد بواسطة أبيه ، وأحمد بن محمّد بن عيسى ، كما يعرف من الطريق الثاني في الحديث ، ثمّ سعد إنّ عطف على أحمد لم يستقم ، لأنّ المفيد لا يروي عن سعد ضرورة.

والذي في التهذيب : عن الشيخ أيّده الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، ومحمّد بن الحسن ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد(١) .

ثمّ عبد الله بن يحيى في التهذيب(٢) عبد الله بن بحر ، والمتن : قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الجنب يدخل البئر فيغتسل فيها ، قال : « ينزح منها سبع دلاء » قال : وسألته عن العذرة(٣) إلخ ، وكأنّ الشيخ اختصره.

وأمّا عبد الله بن يحيى : فهو الكاهلي على الظاهر ، لأنّ الراوي عنه في الفهرست(٤) أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، وهو في مرتبة الحسين بن سعيد‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٤٤ / ٧٠٢.

(٢) التهذيب ١ : ٢٤٤ / ٧٠٢.

(٣) التهذيب ١ : ٢٤٤ / ٧٠٢ ، الوسائل ١ : ١٩١ أبواب الماء المطلق ب ٢٠ ح ١ ، وص ١٩٤ أبواب الماء المطلق ب ٢٢ ح ٤.

(٤) الفهرست : ١٠٢ / ٤٣٠.


في الجملة ، واحتمال غيره ممكن لوجود مجهول في رجال الكاظمعليه‌السلام بهذا الاسم ، إلاّ أنّ الأظهر أنّه(١) عبد الله بن بحر كما في التهذيب ، لما يستفاد من الرجال أنّ عبد الله بن بحر يروي عن أبي بصير(٢) ، وإنّ كان هنا بواسطة ابن مسكان ، وعلى كل حال السند لا يعتمد عليه بواسطة أبي بصير أيضاً.

وفي الخبر الثاني من علم حاله مراراً ، فهو موثق.

وسند الثالث لا ريب فيه بعد ما قدّمناه ، ومحمّد بن الحسين فيه : هو ابن أبي الخطاب على ما أظنّه ، وإنّ كان باب الاحتمال واسعاً.

المتن :

ظاهر في نزح العشر للعذرة إذا لم تذب ، ومع الذوبان ينزح لها الأربعون أو الخمسون ، وأنّ المنقول عن الشيخ نزح الخمسين للعذرة الرطبة(٣) ، وفي المقنعة : وإنّ كانت العذرة رطبة أو ذابت وتقطعت فيها نزح منها خمسون دلواً(٤) .

والمحقق اختار التخيير في المعتبر بين الأربعين والخمسين في الذائبة ، واحتجّ برواية أبي بصير المذكورة(٥) ، ولا يخفى عليك حال الرواية.

قيل : والمراد بالذوبان تحلّل الأجزاء وشيوعها في الماء بحيث يستهلكها ؛ واحتمل بعض ذوبان بعض الأجزاء نظراً إلى أنّ القلّة والكثرة‌

__________________

(١) في « رض » : هو ، مكان : أنّه.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٣٨.

(٣) نقله عنه في المختلف ١ : ٤٥.

(٤) المقنعة : ٦٧.

(٥) المعتبر ١ : ٦٥.


غير معتبرة ، فلو سقط مقدار البعض الذائب منفرداً وذاب لأثّر ، فانضمام غيره إليه لا يمنعه التأثير(١) . ولا يخلو من وجه.

وفي المنتهى بعد أنّ ذكر هذه الرواية قال : ويمكن التعدية إلى الرطبة للاشتراك في شياع الأجزاء ولأنّها تصير حينئذٍ رطبة انتهى(٢) .

وقد يقال : إنّ الرطوبة لا يقتضي شيوع الأجزاء مطلقاً ، نعم هي أقرب(٣) ، ولو حصل الذوبان فلا حاجة إلى غيره ، فليتأمّل.

وما تضمّنه خبر عمار من عدم تأثّر البئر من وقوع الزنبيل إذا كان فيها ماء كثير ربما دل على اشتراط الكرّيّة في البئر ، وقد تقدم نقل القول بذلك ، إلاّ أنّ الشيخ لمّا ادعى الإجماع سابقاً على نفيه احتاج إلى تأويل الخبر بما ذكره ، وبعد(٤) تأويله غني عن البيان.

وعلى تقدير العمل بالخبر يمكن أنّ يوجّه بأنّ الماء الكثير لا يتغيّر ( غالباً بدون )(٥) جميع الأجزاء التي تحلها(٦) ، والكثرة إضافية لا أنّها كرّ.

وربما يقال : إنّ أجزاء العذرة على تقدير شيوعها في الماء يشكل الشرب منها. ويجاب بأنّ العلم بشرب شي‌ء من الأجزاء غير معلوم ، وذلك كاف.

وأمّا خبر علي بن جعفر فدلالته على عدم نجاسة البئر بالملاقاة ظاهرة ، إلاّ أنّ يقال : إنّ أخبار النزح مقيّدة وهو مطلق ، وفيه ما لا يخفى.

__________________

(١) كما في معالم الفقه : ٥٢.

(٢) المنتهى ١ : ١٤.

(٣) كما في معالم الفقه : ٥٢.

(٤) في « رض » : ويعد.

(٥) بدل ما بين القوسين في « فض » و « رض » : وتذوب.

(٦) في « رض » : تحللها.


وما يقال : من أنّ العذرة والسرقين أعمّ من النجس ، والوقوع المسئول عنه للزنبيل المشتمل على ما ذكر ، فلا يلزم وقوع النجاسة. فالثاني ممّا لا ينبغي ذكره في المقام ، والأول له نوع وجه ، إلاّ أنّ علي بن جعفر لا يسأل عن غير النجس ، كما لا يخفى.

أمّا توجيه الشيخ فهو وإنّ كان بعيداً ، إلاّ أنّه يمكن تسديده بأنّ المطلق يحمل على المقيّد.

وما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ في توجيه الشيخ الألغاز وتأخير البيان عن وقت الحاجة(١) . محل بحث ، لأنّ ذلك لازم له في كل مطلق ومقيد وعام وخاص ، والجواب الجواب؟

والحق أنّ تأخير البيان عن أصحاب الأخبار غير معلوم.

وقول شيخنا : إنّ حمل البئر على المصنع خروج عن حقيقة اللفظ. فيه : أنّه لا يضر بالحال ، لأنّ الشيخ بصدد الجمع بين الأخبار فلا مانع من الخروج عن الحقيقة ، غاية الأمر أنّ باب التأويل لا ينحصر فيما قاله الشيخ ، فإنّ حمل أخبار النزح على الاستحباب ممكن ، ويندفع به كثير من التكلّفات الذي ذكرها الشيخ.

اللغة :

قال الهروي : العذرة أصلها فناء الدار ، وسميت عذرة الناس بهذا لأنّها كانت تلقى في الأفنية فكُنّي عنها باسم الفناء(٢) . وربما ظن من هذا‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٥٨.

(٢) غريب الحديث ٢ : ١٣٧.


الاختصاص ، وفيه كلام.

وأيّد شيخناقدس‌سره الاختصاص بدلالة العرف(١) . وفي الأخبار ما لا يساعد على مقتضى العرف فلا نفع له في إثبات المطلوب ، وقد أوضحنا ذلك في محل آخر ، غير أنّ ما ذكرناه لا يضر بالحال ، فإنّ المراد بالعذرة هنا النجسة كما هو واضح.

والسرقين بكسر السين معرب سرگين بكسر السين وفتحها.

والزنبيل بكسر الزاي ، والفتح خطأ ، فإنّ شرطه حذف النون ، فإذا حذفتها فلا بُدّ من تشديد الباء على ما في الحبل المتين(٢) .

قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن موسى بن الحسن ، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن حماد(٣) الكوفي ، عن أبي(٤) بشير ، عن أبي مريم الأنصاري قال : كنت مع أبي عبد اللهعليه‌السلام في حائط(٥) فحضرت الصلاة فنزح دلواً للوضوء من ركيّ له فخرج عليه قطعة(٦) عذرة يابسة فأكفأ رأسه وتوضّأ بالباقي.

فيحتمل هذا الخبر أيضاً شيئين(٧) : أحدهما : ما ذكرناه في‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٥٨.

(٢) الحبل المتين : ١١٧.

(٣) الإستبصار ١ : ٤٢ / ١١٩ في « ج » : أبي حماد.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٩ لا يوجد : أبي.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٩ يوجد : له.

(٦) في الاستبصار ١ : ٤٢ / ١١٩ يوجد : من.

(٧) في الاستبصار ١ : ٤٣ / ١١٩ : شيئين أيضاً.


الخبر (١) من أنّ يكون المراد بالركيّ المصنع الذي يكون فيه الماء الكثير. والثاني أن تحمل العذرة على أنّها كانت عذرة ما يؤكل لحمه ، وذلك لا ينجّس الماء على (٢) حال.

السند‌

موسى بن الحسن الواقع فيه لا يبعد أنّ يكون ابن الحسن بن عامر الأشعري ، لأنّ الحميري يروي عن أبيه عنه ، كما في النجاشي(٣) ، وهي في مرتبة سعد بن عبد الله ، والرجل وثّقه النجاشي(٤) .

وأمّا أبو القاسم عبد الرحمن بن حماد فذكر شيخناقدس‌سره في فوائده على الكتاب أنّ الموجود في كتب الرجال ابن أبي حماد أبو القاسم الكوفي ، وكأنّه هو هذا ، ولفظة : أبي ، سقطت من نسخة المصنف ، وعلى كل حال فهو ضعيف ، والأمر كما قال.

وأمّا أبو بشير فمجهول ، وأبو مريم الأنصاري ثقة ، وقد تقدم.

المتن :

ظاهر في أنّهعليه‌السلام توضّأ من بقية ماء الدلو الذي عليه العذرة بعد إكفائه رأسه ، فلا وجه لحمل الشيخ الركيّ على المصنع ، ولو حمل الدلو على كونه كرّاً فما زاد لزمه تمام الاستبعاد.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣ / ١١٩ : الخبرين.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٣ / ١١٩ زيادة : كل.

(٣) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٨.

(٤) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٨.


نعم الحمل الثاني لا يخلو من وجاهة ، وقول شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : إنّه بعيد لأنّ العذرة لغة وعرفاً فضلة الإنسان. فيه نظر.

أمّا أوّلاً : فلمنع الاختصاص ، والسند وجود إطلاقها على غير فضلة الإنسان في الأخبار.

وأمّا ثانياً : فلو سلّم المنع حقيقة ، إمّا بواسطة المعارض لا مانع من الحمل مجازاً ، والضرورة هنا بتقدير العمل بالخبر داعية إلى الجمع.

ولو حمل على أنّ العذرة على جانب الدلو ، ويؤيّده قوله : يابسة. وحينئذٍ يحتمل كونها من غير الماء ، وإكفاؤهعليه‌السلام لإزالتها عنه ، وكون الركيّ بئراً وتكون العذرة منه على تقدير القول بعدم نجاسته بالملاقاة أمكن لكنه بعيد.

ولعلّ الحمل على عدم تحقق كونها عذرة من إنسان وإنّما توهّم الراوي ذلك أولى ، ومن لم يعمل بالخبر الضعيف فهو في راحة من هذا التكلّف.

اللغة :

قال الجوهري : كفأتُ الإناء قلبته ، وزعم ابن الأعرابي أنّ أكفأته لغة(١) . وظاهر هذا الكلام أنّ اللغة الثابتة : الاولى ، وأنّ « أكفأ » لم يثبت ، وفي الخبر المذكور « أكفأ رأسه » وكذلك في غيره من الأخبار ، إلاّ أنّ الكلام في الثبوت ولم يحضرني الآن خبر صحيح ، غير أنّي أظنّ أنّ الوالدقدس‌سره ذكر ذلك في منتقى الجمان(٢) .

__________________

(١) الصحاح ١ : ٦٨ ( كفأ ).

(٢) منتقى الجمان ١ : ٤٨.


قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن كردويه قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن بئر يدخلها ماء المطر ، فيه البول والعذرة وأبوال الدواب وأرواثها وخرؤ الكلاب ، قال : « ينزح منها ثلاثون دلواً وإن(١) كانت مبخرة ».

فلا ينافي هذا الخبر ما حدّدنا به من نزح خمسين دلواً ، لأنّ هذا الخبر مختص بماء المطر الذي يختلط به أحد هذه الأشياء من النجاسات ثم تدخل البئر فحينئذٍ يجوز استعماله بعد نزح الأربعين ، والخبر الذي قدّمناه يتناولما (٢) إذا كانت العذرة نفسها تقع في البئر فلا تنافي بينهما على حال.

السند‌

كردويه الراوي فيه مجهول الحال ، وقد قدمنا النقل عن الشهيد(٣) أنّه مسمع كردويه ، ووجدت الآن في فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب ما هذه صورته : قيل : وجد بخط الشهيد نقلاً عن يحيى بن سعيد أن كردويه وكردين اسمان لمسمع بن عبد الملك ، وقيل : ابن مالك وهو ممدوح. انتهى.

ولا يخفى عليك الحال في المدح إذا لاحظت الرجال.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣ / ١٢٠ : ولو.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٣ / ١٢٠ : لا يوجد : ما.

(٣) في ص ٢٠٤.


المتن :

كما ترى صريح في نزح الثلاثين ، والشيخ ذكر في التوجيه الأربعين ، فالأمر لا يخلو من غرابة.

ونقل الوالدقدس‌سره عن المبسوط أنّ الشيخ قال فيه في بيان حكم غير المنصوص من النجاسات الواقعة في البئر : الاحتياط يقتضي نزح جميع الماء ، وإنّ قلنا بجواز أربعين دلواً منها ، لقولهمعليهم‌السلام : « ينزح منها أربعون دلواً ، وإنّ صارت مبخّرة » كان سائغاً غير أنّ الأحوط الأول(١) .

وهذا الكلام يدل على أنّ الرواية بالأربعين ، وكان السهو من قلم الشيخ في نقل الرواية إنّ كانت هذه.

وفي المختلف بعد النقل عن الشيخ في المبسوط ما حكيناه : وأمّا النقل الذي ادعاه الشيخ فلم يصل إلينا وإنّما الذي بلغنا في هذا الباب يعني باب ما لا نص فيه حديث واحد وذكر هذه الرواية المبحوث عنها ثمّ قال : وهو يدلّ(٢) على وجوب الثلاثين ، أمّا الأربعون دلواً كما قال الشيخ فلا ، ومع ذلك فكردويه لا أعرف حاله ، فإنّ كان ثقة فالحديث صحيح(٣) .

وهذا الكلام من العلاّمة يتعجب منه ، فإنّ باب ما لا نص فيه أيّ دخل للحديث فيه ، وقد صرح في موضع آخر بالاستدلال به على حكم البول(٤) ، وهو غريب بعد ردّ الحديث بالجهالة.

__________________

(١) معالم الفقه : ٩٢.

(٢) ليس في « فض ».

(٣) المختلف ١ : ٥١.

(٤) المختلف ١ : ٢٩.


والوالدقدس‌سره نقل عن بعض الأصحاب أنّه قال : إنّ الشيخ ثبت ثقة فلا يضر إرساله(١) .

وأراد بهذا الكلام أنّ حكاية الشيخ الرواية في المبسوط(٢) كافية في ثبوت الأربعين ، ودفعه أظهر من أنّ يخفى.

وما قاله الوالدقدس‌سره : من أنّ في متن حديث الشيخ المنقول في المبسوط قصوراً ، لأنّ متعلق نزح الأربعين غير مذكور ، والدلالة موقوفة عليه(٣) . فمراده به أنّ الصراحة في غير المنصوص غير معلومة لا أنّ الأشياء التي ينزح لها الأربعون غير معلومة ، فإنّ الأشياء إذا ذكرت تكون منصوصة ، والكلام في غير المنصوص. هذا.

وما قاله الشيخ في الحديث : إنّه مختص بماء المطر الذي يختلط به أحد هذه الأشياء. محل نظر ، لأنّ ظاهر النص مخالطة الجميع ، وقول الشيخ : لا ينافي ما حددّناه من الخمسين. غريب ، لأنّ الخبر السابق ليس فيه تعين الخمسين.

ونقل شيخناقدس‌سره في المدارك عن المختلف أنّ فيه : ويمكن أن يقال : إيجاب أحدهما يستلزم إيجاب الأكثر ، لأنّه مع الأقل غير متيقن للبراءة ، وإنّما يعلم الخروج عن العهدة بفعل الأكثر(٤) .

واعترض عليهقدس‌سره بأنّه غير مستقيم ، فإنّ التخيير بين الأقل والأكثر يقتضي عدم وجوب الزائد عيناً ، وإلاّ لم يكن للتخيير معنى ، فيجب أن‌

__________________

(١) معالم الفقه : ٩٣.

(٢) المبسوط ١ : ١٢.

(٣) معالم الفقه : ٩٣.

(٤) مدارك الاحكام ١ : ٧٨.


يحصل يقين البراءة بالأقل ويكون الزائد مستحباً. انتهى كلامه(١) قدس‌سره

وفي نظري القاصر أنّ كلام العلاّمة مبنيّ على أنّ الراوي شكّ في أنّ الإمام قال : أربعون ، أو خمسون ، لا أنّه خيّر بين الأمرين ، وحينئذٍ كلام العلاّمة متوجه ، والشيخرحمه‌الله كأنّه فهم ذلك أيضاً ، غاية الأمر أنّ يقال : إنّ تعيّن إرادة الشك غير معلوم ، فيجاب بأنّ التخيير كذلك ، إلاّ أنّ يدعى الظهور ، وفيه ما فيه.

أمّا ما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ الزائد مستحب(٢) . ففيه نظر ، لأن التخيير بين فردين أحدهما كذلك لا يقتضي أنّ الزيادة مستحبة مطلقاً بل إذا اختار الأقل ، أمّا لو اختار الأكثر من الأول فلا ، كما لا يخفى على المتأمّل ، وفي الحديث أبحاث طويلة ذكرناها في موضع آخر ، والمهم ما ذكرناه هنا.

اللغة :

قال في القاموس : البخر بالتحريك النتن في الفم وغيره ، بخر كفرح(٣) ، وذكر بعض أنّه وجد بخط الشيخ في نسخة الاستبصار مبخرة بضم الميم وسكون الباء وكسر الخاء ، ومعناها المنتنة ، ويروى بفتح الميم والخاء ومعناها موضع النتن.

قال :

باب الدجاجة وما أشبهها تموت في البئر‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٧٨.

(٢) مدارك الاحكام ١ : ٧٨.

(٣) القاموس المحيط ١ : ٣٨٢ ( بخر ).


الحسين بن الحسن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم ، عن علي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الفأرة تقع في البئر قال : « سبع دلاء » قال : وسألته عن الطير والدجاجة تقع في البئر قال : « سبع دلاء ».

فأما ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن أبيه « إنّ عليّاًعليه‌السلام كان يقول في الدجاجة ومثلها تموت في البئر ينزح منها دلوان وثلاث(١) ، فإذا كانت شاة وما أشبهها فتسعة أو عشرة ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على الجواز ، والأوّل على الفضل والاستحباب ، ويكون العمل على الأول أولى ، لأنّا متى عملنا على الخبر الأوّل دخل هذا الخبر فيه ، ويكون قد عملنا بالاحتياط وتيقّنا الطهارة ، وإذا عملنا بهذا لم نكن واثقين بالطهارة ، ويمكن(٢) أنّ يكون الأوّل المعنى فيه : إذا تفسخ ، والثاني إذا مات فاخرج في الحال.

السند‌

في الخبرين قد تقدم فيه ما يغني عن الإعادة.

المتن :

ما قاله الشيخ في الثاني من الحمل على الجواز ، كأنّ مراده به الإجزاء أو جواز الاقتصار عليه ، والاستحباب في الأوّل كأنّه أحد الفردين الواجبين‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٣ / ١٢٢ : أو ثلاثة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٤ / ١٢٢ يوجد : أيضاً.


عند الشيخ ، ويحتمل الاستحباب في الزيادة ، ولا يخفى اشتمال الثاني على دلوين وثلاث ، فلا يتم إطلاق الشيخ ، وبقية كلامه مضى في مثلها القول.

أمّا الحمل الثاني فيشكل بأنّ صحيح زيد الشحام ينافيه حيث قال فيه : في الفأرة والسنور والدجاجة والكلب والطير « إذا لم يتفسخ يكفيك خمس دلاء »(١) فإنّ ظاهره الخمس إذا لم يحصل التفسخ ، ومقتضى الخبر المبحوث عنه اعتبار الدلوين والثلاث ، نعم اعتبار السبع للتفسخ ربما يوافقه صحيح زيد.

وفي بعض الأخبار المعتبرة أنّ الطير ينزح له دلاء(٢) والجمع بينها وبين ما نحن فيه سهل بحمل المطلق على المقيد لو صحت الأخبار من الجانبين ، فلا ينبغي الغفلة عن ذلك.

قال :

باب البئر يقع فيها الدم القليل أو الكثير‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه محمّد بن يحيى (٣) ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري ، عن العمركي ، عن عليّ بن جعفر ، ( عن أخيه موسى بن جعفر عليه‌السلام ) (٤) قال : سألته عن رجل ذبح شاة فاضطربت ووقعت في بئر ماء وأوداجها تشخب دماً هل يتوضّأ من ذلك البئر؟ قال : « ينزح منها ما بين الثلاثين‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٣٧ / ٦٨٤ ، الوسائل ١ : ١٨٤ أبواب الماء المطلق ب ١٧ ح ٧.

(٢) التهذيب ١ : ٢٣٦ / ٦٨٢ ، ٢٣٧ / ٦٨٥ ، ٢٣٧ / ٦٨٦ ، الوسائل ١ : ١٨٢ أبواب الماء المطلق ب ١٧ ح ٢ ، ص ١٨٤ أبواب الماء المطلق ب ١٧ ح ٦.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٤ / ١٢٣ لا يوجد : محمّد بن يحيى.

(٤) الاستبصار ١ : ٤٤ / ١٢٣ : زيادة في « ج ».


إلى الأربعين دلواً ويتوضّأ ولا بأس » (١) قال : وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر هل يصلح أنّ يتوضّأ منها؟ قال : « ينزح منه دلاء يسيرة ثم يتوضّأ منها » وسألته عن رجل يستقى من بئر فرعف فيها هل يتوضّأ منها؟ قال : « ينزح منها دلاء يسيرة ».

السند‌

ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه.

المتن :

ظاهر صدره نزح ما بين الثلاثين إلى الأربعين لدم ذبح الشاة ، واحتمال الاختصاص بمورد النص لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّي لا أعلم القائل بذلك.

والمنقول عن الشيخ القول بالخمسين للدم الكثير(٢) ، وصريح كلام الشيخ هنا فيما يأتي أنّ الدم الكثير له هذا المقدر(٣) ، واعتبار الخمسين لم أقف على دليله.

والمفيد صرح في المقنعة : بأنّ الدم الكثير ينزح له عشر دلاء(٤) . واستدل له الشيخ في التهذيب برواية محمّد بن إسماعيل الدالة على نزح الدلاء موجّهاً بأنّ أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة ، فيجب أنّ نأخذ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٤ / ١٢٣ يوجد : به.

(٢) المبسوط ١ : ١٢.

(٣) في « رض » : المقدار.

(٤) المقنعة : ٦٧.


به ؛ إذ لا دليل على ما دونه(١) .

واعترض عليه بوجوه.

منها : ما يذكره المصنف فيما بعد من دلالته على الدم القليل.

ومنها : أنّه مبنيّ على كون الدلاء جمع قلة كما يدل عليه قوله : وأكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع. وليس الأمر كذلك ، لانحصار جموع القلة فيما ليس هذا منه ، فيكون من جموع الكثرة ، وقد ذكر في التهذيب : أنّه يدل على ما فوق العشرة في موت الكلب وشبهه.

ومنها : أنّ حمل الدلاء على جمع القلة يقتضي الاجتزاء بأقلّ مدلولاته وهو الثلاثة ، لأنّ إطلاق اللفظ ، يدلّ على أن المطلوب تحصيل بالماهية ، فإذا حصل بالأقل كان الزائد منفيّاً بالأصل.

وهذه الاعتراضات ارتضاها الوالد(٢) قدس‌سره ، وفي نظري القاصر أنّها محل بحث.

أمّا أوّلاً : فلأنّ مطلوب الشيخ إضافة العشرة إلى هذا الجمع تقديراً ، لا أنّ العشرة تراد من الدلاء من دون الإضافة ، وما ذكر في الاعتراض يتم مع الثاني ، نعم يتوجه على الشيخ أنّ التقدير لا دليل عليه ، وهذا أمر آخر.

وأمّا ثانياً : فما ذكر : من أنّ جمع القلة يحمل على أقل مدلولاته وهو الثلاثة. فيه : أنّ هذا على اصطلاح النحاة ، أمّا الأُصوليون فالخلاف بينهم في أنّ أقل الجمع ثلاثة أو اثنان ، لا تقييد(٣) فيه بجمع القلة والكثرة ، فهو اصطلاح لهم ، وخلط الاصطلاح بغيره لا وجه له ، على أنّ الكلام مع‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٢٤٥ / ٧٠٥ ذ. ح الوسائل ١ : ١٩٤ أبواب الماء المطلق ب ٢١ ح ٣.

(٢) معالم الفقه : ٥٠.

(٣) في « فض » : لا يفسد.


التقدير للمضاف فلا دخل للأقل حينئذٍ ، وبتقدير تسليم ما ذكر فالشيخ أشار إلى دفعه بأنّه لا دليل على ما دونه.

واحتمال كون الدليل تحقّق الماهية بالأقل يعارضه أنّ النجاسة محقّقة ، وزوالها يتوقّف على ما أعدّه الشارع ، ومع احتمال الدلاء للأقل والأكثر لا يبقى الأصل بعد تحقق اشتغال الذمّة.

اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّ الخروج عن الأصل وهو عدم التكليف لم يتحقّق مطلقاً ، بل إذا لم ينزح منها الأقل ، أمّا معه فلا.

وفيه : أن براءة الذمة من التكليف إذا زالت يتوقف عودها على الدليل ، ولم يعلم أنّ الأقل يتحقق به البراءة ، وهو قول الشيخ : لا دليل على ما دونه.

وقد يقال : إنّ زوال اليقين الحاصل بالملاقاة كاف في الطهارة ، ولا حاجة إلى يقين الطهارة ، بل يكفي زوال يقين النجاسة ، كما قدمنا فيه القول ، والحق أنّ التسديد في المقام غير بعيد للاكتفاء بالأقل ، وقد أوضحت الحال أكثر من هذا في محلّ آخر.

أمّا ما اعترض به المحقق في المعتبر على الشيخ : بأنّا نسلّم أنّ أكثر عدد يضاف إلى الجمع عشر لكن لا نسلّم أنّه إذا جرّد عن الإضافة يكون حاله كذلك(١) . ففيه أنّ التجرّد على دعوى الشيخ لفظاً وفي التقدير موجود ، فالبحث ينبغي أنّ يكون في دليل التقدير.

وما اعترض به العلاّمة في المنتهى على المحقق : بأنّ الإضافة وإن جرّدت لفظاً إلاّ أنّها مقدّرة وإلاّ لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة(٢) . فليس بشي‌ء ؛ لأنّ تأخير البيان لو لم يكن للفظ معنى بدون التقدير ، والحال‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ٦٦.

(٢) المنتهى ١ : ١٤.


أنّ للجمع معنى كغيره من الجموع الواقعة في هذه المقامات ، وهو أيّ مقدار كان ممّا يصدق عليه ، هكذا قال الوالدقدس‌سره ـ(١) وقد ذكرت ما يحتمل أنّ يقال فيه في حاشية التهذيب.

وما تضمنه الحديث من نزح الدلاء اليسيرة في ذبح الدجاجة والحمامة ودم الرعاف ، ربما يقال : إنّ لفظ يسيرة قرينة على اعتبار الأقل في الجمع أو ما قرب منه ، وسيأتي من الشيخ التوجيه في الأخبار المنافية ، ولم يفرق بين هذه الرواية وبين ما يخالفها ، ولا وجه له إنّ كان يعتبر للدم القليل العشرة كما في التهذيب(٢) ، فإنّ توجيهه في العشرة لا يتم مع وصف اليسيرة فليتأمّل.

قال رحمه‌الله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال : كتبت إلى رجل أسأله(٣) أنّ يسأل أبا الحسن(٤) عليه‌السلام عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من غيره كالبعرة ونحوها(٥) ، ما الذي يطهّرها حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة؟ فوقّععليه‌السلام في كتابي بخطه : « ينزح منها دلاء ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على أنّه إذا كان الدم قليلاً لأنّه كذا سأله ، ألا ترى أنّه قال : يقطر فيها قطرات من دم. وذلك يستفاد‌

__________________

(١) معالم الفقه : ٥١.

(٢) التهذيب ١ : ٢٤٥ / ٧٠٥.

(٣) في « فض » و « رض » : يسأله.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٤ / ١٢٤ يوجد : الرضا.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٤ / ١٢٤ : أو نحوها.


منه (١) القلّة ، وما تضمّن الخبر من الثلاثين إلى الأربعين دلواً محمول على أنّه إذا كثر الدم ، ولأجل ذلك قرنه بذبح شاة وقعت في البئر وهي تشخب دماً ، والمعتاد من ذلك الكثير (٢) ، ولمّا قلّ ذلك في (٣) الدجاجة والحمامة والرعاف (٤) أجاز أن ينزح (٥) دلاء يسيرة ، وذلك مفصّل في الخبر الأوّل مشروح.

السند‌

لا ارتياب فيه ، وقول بعض : إنّ المكاتبة فيها توقف(٦) لا أعلم وجهه ، وصريح الرواية أنّ محمّد بن إسماعيل رأى خط الإمامعليه‌السلام .

المتن :

ظاهر في أنّ الدم والبول مشتركان في القطرات ، والأخبار في البول قد تقدّم فيها كلام ، ولفظ ( غيره ) في النسخ التي وقفت عليها ، وفي التهذيب ( من عذرة )(٧) ، وربّما دلّ قوله : كالبعرة. على إطلاق العذرة على فضلة غير الإنسان ، إلاّ أن يكون التشبيه بالبعرة للصغر.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٤ : به.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٤ : الكثرة.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٤ يوجد : ذبح.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٤ : أو الحمامة أو الرعاف.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٤ : منها.

(٦) كما في المعتبر ١ : ٥٦.

(٧) التهذيب ١ : ٢٤٥.


ثم الحديث استدل به القائلون بنجاسة البئر بالملاقاة(١) ، فإنّ مثل ابن بزيع لا يسأل عن الطهارة اللغويّة. وبتقدير إرادة الشرعية بحسب اعتقاده وأنّه غير مؤثّر يشكل بتقرير الإمامعليه‌السلام له على اعتقاده.

وغاية ما يجاب به أنّ المعارض يحوج إلى التأويل سيما وهو الراوي لحديث « ماء البئر واسع » ، وقد ادعي صراحته بالنسبة إلى هذا.

وفيه : أنّ حديثه ذاك لا ينافي وجوب النزح ، إلاّ أنّ نفي الإفساد بدون التغيّر ثم الاكتفاء في الطهارة بزواله له نوع منافاة للنجاسة بالملاقاة على ما قيل ، ولو كان لا يخلو من نظر ، وقد تقدمت إليه إشارة ، وحينئذٍ يراد بحل الوضوء زوال المرجوحية.

وما ذكره الشيخ في توجيه إرادة الدم القليل له نوع وجه ، إلاّ أنّ ما قدّمناه من أنّ الوصف باليسيرة يقتضي زيادة عما قاله الشيخ في التوجيه ويوجب نوع إشكال من جهة البول والعذرة على ما في التهذيب ، ولا أدري وجه عدم تعرض الشيخ لذلك ، ولا وجه عدم بيان ما للدّم القليل ، وكأنّه اكتفى لما في التهذيب ، والبون بين الكتابين ظاهر فإنّ(٢) الجهة مختلفة.

والمفيد في المقنعة قال : إنّ كان الدم قليلاً نزح منها خمس دلاء(٣) ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن زياد ، عن كردويه‌

__________________

(١) حكاه عنهم الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في منتقى الجمان ١ : ٥٧ ، والشيخ البهائي في مشرق البحرين : ٣٩٦.

(٢) في « رض » : بأنّ.

(٣) المقنعة : ٦٧.


قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن البئر يقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر ، قال : « ينزح منها ثلاثون دلواً ».

فهذا الخبر شاذّ نادر قد(١) تكلّمنا عليه فيما تقدم ، لأنّه تضمن ذكر الخمر والنبيذ المسكر الذي يوجب نزح جميع الماء ، مضافاً إلى ذكر الدم ، وقد بينا الوجه فيه ، ويمكن أنّ يحمل (٢) ما (٣) يتعلق بقطرة دم أنّ نحمله على ضرب من الاستحباب وما قدمناه من الأخبار على الوجوب لئلاّ تتناقض الأخبار.

السند‌

قد يظن أنّ فيه جهالة محمّد بن زياد لاشتراكه بين جماعة(٤) ، بل الجميع غير موثقين عند التحقيق ، وإنّ نقل ابن داود توثيق بعض(٥) ، والظاهر أنّه محمّد بن أبي عمير لأنّ اسم أبي عمير زياد ، وقد تقدم(٦) رواية ابن أبي عمير عن كردويه ، غير أنّ شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيده الله نقل عن بعض توثيقه برواية ابن أبي عمير عنه وتنظّر فيه ، والنظر في محله.

المتن :

قد ذكرنا ما فيه سابقاً ، وكلام الشيخ هنا فيه محل نظر ، لأن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٥ : وقد.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٥ في « ب » : نحمل وفي « ج » : نحمله.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٥ : فيما.

(٤) هداية المحدثين : ٢٣٧.

(٥) رجال ابن داود : ١٥٩ / ١٢٧٢.

(٦) في ص ٢٩٧.


الاستحباب في قطرة الدم فقط غير واضح الوجه ، ومشاركة البول له كذلك كما لا يخفى.

والحق أنّ هذا الخبر إن صحّ من أكبر الشواهد على عدم نجاسة البئر بالملاقاة واستحباب النزح ، والله تعالى أعلم.

قال :

باب مقدار ما يكون بين البئر والبالوعة.

أخبرني الشيخ أبو عبد الله(١) ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن سنان ، عن الحسن ابن رباط ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن البالوعة تكون فوق البئر قال : « إذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع ، وإذا كانت فوق البئر فسبعة أذرع من كل ناحية وذلك كثير ».

أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن أبي إسماعيل السرّاج ، عن عبد الله بن عثمان ، عن قدامة بن أبي زيد الجمّال ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته كم أدنى ما يكون بين البئر والبالوعة : فقال : « إن كان سهلاً فسبعة أذرع وإن كان جبلاً فخمسة أذرع » ثم قال : « يجري الماء إلى القبلة إلى يمين ، ويجري عن يمين القبلة إلى يسار القبلة ، ويجري عن يسار القبلة إلى يمين القبلة ، ولا يجري من القبلة إلى دبر القبلة ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٥ / ١٢٦ يوجد :رحمه‌الله .


السند :

في الأوّل فيه محمّد بن سنان ، وقد تقدم ، والحسن ابن رباط ، مهمل في الرجال(١) .

وفي الثاني أبو إسماعيل السراج ، واسمه عبد الله بن عثمان كما وقع التصريح به في الكافي في باب البئر والبالوعة أيضاً وصلاة الحوائج(٢) ، وفي الظنّ أنّه أخو حماد بن عثمان الثقة.

وفي بعض نسخ النجاشي : في عبد الله بن عثمان أخي حماد أبي إسماعيل السراج ، غير أنّ الاعتماد عليها مشكل لعدم معلومية الصحة.

وعلى كل حال الظاهر أنّ لفظ ( عن ) هنا سهو ، بل عبد الله بن عثمان عطف بيان كما يعلم من الكافي(٣) .

وأمّا قدامة بن أبي زيد فهو مجهول ، ومع هذا في الرواية إرسال.

المتن :

في الأوّل والثاني استدلوا به للمشهور : من استحباب التباعد بين البئر والبالوعة بمقدار خمس أذرع إنّ كانت البئر فوق البالوعة أو كانت الأرض صلبة ، وإلاّ فسبع(٤) .

ووجّهوا الاحتجاج بأنّ في كل من الروايتين إطلاقاً وتقييداً فيجمع‌

__________________

(١) كما في رجال ابن داود : ٧٣ / ٤١٣.

(٢) الكافي ٣ : ٨ / ٣ و ٤٧٨ / ٦.

(٣) الكافي ٣ : ٨ / ٣ و ٤٧٨ / ٦.

(٤) كما في معالم الفقه : ١٠٦.


بينهما بحمل المطلق على المقيد ، وذلك أنّ التقدير بالسبع فيهما مطلق فيقيّد في الأولى بالرخاوة ، لدلالة الثانية على الاكتفاء بالخمس مع الجبلية التي هي الصلابة ، ويقيّد في الثانية بعدم فوقية البئر لدلالة الأُولى على إجزاء الخمس مع أسفلية البالوعة.

وفي نظري القاصر أنّ في كل من الروايتين إطلاقاً من وجه وتقييداً من آخر ، فالجمع بحمل المطلق على المقيد مطلقاً محلّ تأمّل ، كما يعرف بإعطاء النظر حقه في الروايتين ، إلاّ أنّ ضعف السندين يستغنى به عن الإطناب في ذلك(١) الإطلاقين والتقييدين.

قال الوالدقدس‌سره : والظاهر أنّ قوله في الرواية الاولى : « من كل ناحية » يراد به أنّه لا يكفي البُعد بهذا المقدار من جانب واحد من جوانب البئر إذا كان البُعد بالنظر إليها متفاوتاً ، وذلك مع استدارة البئر فربما تبلغ المسافة السبع إذا قيس إلى جانب ، ولا يبلغه بالقياس إلى آخر ، فالمعتبر حينئذٍ البعد بذلك المقدار فما زاد ، بالقياس إلى الجميع ، كما ذكره بعض الأصحاب(٢) انتهى.

وفيه ما لا يخفى.

ويحتمل أنّ يكون قوله : « لكل ناحية » إشارة إلى الجهات الأربع ، وفيه بعد.

أمّا قوله : « وذلك كثير » فيحتمل أنّ يكون الإشارة إلى السبعة بتأويل المقدار ، ويحتمل أنّ يكون إشارة إلى فوقية البئر يعني أنّ الأكثر الفوقية.

وما تضمّنه الحديث الثاني : من قوله : « يجري الماء إلى القبلة » إلخ.

__________________

(١) في « رض » : ذكر.

(٢) معالم الفقه : ١٠٨.


فالظاهر أنّ المقصود منه عدم جريان الماء إلى دبر القبلة ، وهو يتحقق بأنواع كثيرة منها : ما ذكر في الرواية ، واليمين واليسار بالنسبة إلى المتوجه إليها.

ثم الفوقية المراد بها كون القرار أعلى في كل من البئر والبالوعة.

وفسّر جدّيقدس‌سره البالوعة في الروضة : بما يرمى فيها ماء النزح(١) . وتبعه شيخناقدس‌سره ـ(٢) ، والذي يظهر من الصدوق أنّها الكنيف(٣) ، كما في بعض الأخبار الآتية ، ولعلّه أولى.

قال :

وأخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أبي محمّد الحسن بن حمزة العلوي ، عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ومحمّد بن مسلم وأبي بصير ، قالوا : قلنا له : بئر يتوضّأ منها يجري البول قريباً منها أينجّسها؟ قال(٤) : فقال : « إنّ كانت البئر في أعلى الوادي والوادي يجري فيه البول من تحتها وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجّس ذلك (٥) شي‌ء ، وإنّ كانت البئر في أسفل الوادي ويجري (٦) الماء عليها وكان بين البئر وبينه سبعة أذرع لم ينجّسها ، وما كان أقل من ذلك لم يتوضّأ منه ) قال زرارة : فقلت‌

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ٤٧.

(٢) مدارك الاحكام ١ : ١٠٢.

(٣) المقنع : ١١.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٦ / ١٢٨ : قالوا.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٦ / ١٢٨ يوجد : البئر.

(٦) في الاستبصار ١ : ٤٦ / ١٢٨ : ويمر.


له : فإنّ كان يجري بلزقها وكان لا يلبث على الأرض ، فقال : « ما لم يكن له قرار فليس به بأس وإن استقر منه قليل فإنّه لا يثقب الأرض ولا يغوله حتى يبلغ إليه وليس على البئر منه بأس فتوضّأ منه ، إنّما ذلك إذا استنقع الماء كلّه ».

السند‌

فيه الحسن بن حمزة العلوي المرعشي من الأجلاّء وعدم توثيقه لا يضرّ بالحال ، لأنّه من الشيوخ ، نعم في السند إبراهيم ابن هاشم فهو حسن.

المتن :

ذكر الوالدقدس‌سره أنّه يدل بظاهره من جهات على حصول التنجّس بالتقارب(١) ، فيدل على انفعال البئر بالملاقاة ، لكن لما دلّت الأخبار على نفيه فلا بُدّ من التأويل.

وقد ذكر شيخناقدس‌سره إمكان التأويل بإرادة المعنى اللغوي من النجاسة والنهي عن الوضوء للتنزيه(٢) .

والوالدقدس‌سره قال بعد نقل الرواية وذكر دلالتها على التنجيس : ويشكل بأنّه إنّما يتم على القول بالانفعال بالملاقاة ، وقد بيّنّا أنّ التحقيق خلافه ، سلّمنا ولكن الاتفاق واقع من القائلين بالانفعال على عدم التنجيس بالتقارب الكثير ، حكاه العلاّمة في المنتهى ، وقد طعن فيها بعض الأصحاب‌

__________________

(١) معالم الدين : ١٠٥.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ١٠٦.


بأنّ رواتها لم يسندوها إلى إمام ، فيجوز أنّ يكون قولهم : قلنا له ، إشارة إلى بعض العلماء(١) .

ثم قال الوالدقدس‌سره : والأولى عندي أنّ يفتح للدخول فيها غير هذا الباب ، فنقول : إنّ الظاهر من سوقها كونها مفروضة في محل يكثر ورود النجاسات عليه ، ويظن فيه النفوذ ، وما هذا شأنه لا يبعد إفضاؤه مع القرب إلى تغيّر الماء(٢) ، وأطالقدس‌سره الكلام في التوجيه.

وأنت خبير بما فيه ، والحق أنّ ( الخبر لا يدل صريحاً على النجاسة ، بل المفهوم فيه قد يعطي ذلك ، ومع معارضة منطوق الأخبار المعتبرة ينتفي المفهوم ، نعم هو صريح في عدم الوضوء بما ذكر في الرواية ، وهو أعم من النجاسة ، بل احتمال الكراهة قريب ، وعلى تقدير الصراحة أو الظهور )(٣) مع وجود المعارض الحمل على النجاسة اللغوية لا بُدّ منه ، وغيره متكلّف ، هذا بتقدير العمل بالحسن ، ومن لم يعمل به فهو في راحة من التكلّف ، على أنّه بتقدير العمل الرجحان لغير الخبر بقوة الإسناد ، ولا يخفى على من أعطى الرواية حق النظر ما في متنها من الإجمال وعدم الصراحة في علوّ القرار وعدمه ، بل ظاهرة في خلافه ، والله تعالى أعلم بالحال.

قال :

وأخبرني الشيخ أبو عبد الله ، عن أبي محمّد الحسن بن حمزة العلوي ، عن أحمد بن إدريس عن محمّد بن أحمد(٤) بن يحيى ، عن‌

__________________

(١) معالم الفقه : ١٠٥.

(٢) معالم الفقه : ١٠٥ ، بتفاوت يسير.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٤) الاستبصار ١ : ٤٦ / ١٢٩ : ليست في « ب ».


عباد بن سليمان ، عن سعد بن سعد ، عن محمّد بن القاسم ، عن أبي الحسنعليه‌السلام في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة(١) وأقلّ وأكثر يتوضّأ منها؟ قال : « ليس يكره من قرب ولا بعد ، يتوضّأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء ».

قال الشيخ(٢) محمّد بن الحسن : هذا الخبر يدل على أنّ الأخبار المتقدمة كلّها محمولة على الاستحباب دون الحظر والإيجاب.

السند‌

فيه عباد بن سليمان وهو مهمل في كتب الرجال(٣) ، وسعد بن سعد هو الأشعري الثقة ، والراوي عنه عباد بن سليمان في النجاشي(٤) ، ومحمّد بن القاسم مشترك بين من وثّقه النجاشي وهو ابن القاسم بن الفضيل بن يسار(٥) وبين مهمل ، ولا يبعد أنّ يكون هو ابن الفضيل ، إلاّ أنّ الفائدة منتفية هنا.

المتن :

ظاهر في أنّ البئر لا ينجس إلاّ مع التغيّر بالنجاسة ، وقول الشيخ : إنّ هذا الخبر يدل على أنّ الأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب. مراده به أنّ المقادير المذكورة في الأخبار محمولة على الاستحباب ، لاقتضاء هذا الخبر‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٦ / ١٢٩ يوجد : أذرع.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٧ / ١٢٩ لا يوجد : الشيخ.

(٣) كما في رجال الطوسي : ٤٨٤ / ٤٣.

(٤) رجال النجاشي : ١٧٩ / ٤٧٠.

(٥) رجال النجاشي : ٣٦٢ / ٩٧٣.


أنّ الكنيف قرب أو بعد لا يضر بالحال ، ولا يقتضي كراهة الاستعمال.

ولا يخفى أنّ في الحديث مخالفة لما يظهر من مذهبه ، حيث تضمّن اعتبار التغيّر ، نعم على تقدير أنّ يقول الشيخ بأنّ النزح تعبّد وأنّ الماء لا ينجس بالملاقاة. لا منافاة ، وكلام الشيخ في هذا لا يخلو من اضطراب ، وقد تقدم ما يغني عن الإعادة.

ومن هنا يعلم أنّ ما قد يتوجه على الشيخ من إطلاق قوله : إنّ الأخبار محمولة على الاستحباب. من أنّ بعض الأخبار فيها لا يتم فيه الاستحباب. يمكن دفعه بما قرّرناه من العود إلى المقادير ، ويحتمل أنّ يتناول الوضوء المنفي في بعضها ، فتأمّل.

وينبغي أنّ يعلم أنّ جماعة من الأصحاب(١) صرحوا باعتبار الفوقية بالجهة حيث يستوي القراران بناءً على أنّ جهة الشمال أعلى فحكموا بفوقية ما يكون فيها منها ، ودليل ذلك رواية(٢) غير سليمة السند ولا واضحة الدلالة على ما أفهمه ، ومن ثَمَّ لم يتعرض لها هنا.

قال :

باب استقبال القبلة واستدبارها عند البول والغائط‌

أخبرني الشيخ ( أبو عبد الله ) (٣) ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن‌

__________________

(١) منهم الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في معالم الفقه : ١٠٦ ، ١٠٧ ، وصاحب المدارك ١ : ١٠٣ ، والشهيد الثاني في روض الجنان : ١٥٦.

(٢) التهذيب ١ : ٤١٠ ، الوسائل ١ : ٢٠٠ أبواب ماء المطلق ب ٢٤ ح ٦.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٧ / ١٣٠ بدل ما بين القوسين يوجد :رحمه‌الله .


الحسين ، عن محمّد بن عبد الله بن زرارة ، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليعليه‌السلام قال : « قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولكن شرّقوا أو غرّبوا ».

وبهذا الإسناد عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الحميد بن أبي العلاء ، أو غيره ، رفعه قال : سئل الحسن بن عليعليهما‌السلام ما حدّ الغائط؟ قال : « لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها ».

السند‌

في الأول جهالة بعيسى بن عبد الله وأبيه فإنّهما مهملان في الرجال.

وأمّا محمّد بن عبد الله بن زرارة فأفاد شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيده الله أنّه ممدوح كما يعلم من كتابه في الرجال(١) .

وفي الثاني عبد الحميد وهو مهمل ، مضافاً إلى التردّد وجهالة الغير ، مع كونه مرفوعاً ، والإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير محل كلام.

المتن :

ظاهر النهي في الحديثين لو صحّا التحريم على تقدير كونه حقيقة فيه شرعاً ، وإنّ كان للبحث فيه مجال ، وقد قيل : إنّ الحديثين دليل‌

__________________

(١) منهج المقال : ٣٠٣.


المشهور بين علمائنا من القول بالتحريم في البول والغائط في الصحاري والبنيان(١) ، لكن عرفت حال السند ، والشهرة مؤيّدة عند بعض.

وزاد العلاّمة في المختلف أنّ القبلة محل التعظيم ، ولهذا وجب استقبالها في حال الصلاة ، وأنّ في ذلك تعظيماً لشعائر الله(٢) . وتبعه الشهيد في الذكرى في الوجه الأخير(٣) .

وفي إثبات التحريم بمثل ذلك نظر.

وفي المقنعة : لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولكن يجلس على استقبال المشرق إنّ شاء أو المغرب ، ثمّ قال : وإذا دخل الإنسان داراً وقد بني فيها مقعد للغائط على استقبال القبلة واستدبارها لم يضرّه ذلك ، وإنّما يكره ذلك في الصحاري والمواضع الذي يمكن فيها الانحراف عن القبلة(٤) .

وفي رسالة سلاّر : وليجلس غير مستقبل القبلة ولا مستدبرها ، فإن كان في موضع قد بني على استقبالها واستدبارها فلينحرف في قعوده ، هذا إذا كان في الصحاري والفلوات ، وقد رخّص ذلك في الدور ، وتجنبه أفضل(٥) .

وفي مختصر ابن الجنيد : يستحب للإنسان إذا أراد التغوّط في الصحراء أنّ يجتنب استقبال القبلة(٦) .

والأقوال في المسألة كثيرة ، إلاّ أنّ المستند ما سمعته ، وسيأتي البقية.

__________________

(١) كما في معالم الفقه : ٤٢٧.

(٢) المختلف ١ : ١٠٠.

(٣) الذكرى ١ : ١٦٣.

(٤) المقنعة : ٤١.

(٥) المراسم : ٣٢.

(٦) نقله عنه في المختلف ١ : ٩٩.


وما تضمنته الرواية الاولى من الأمر بالتشريق والتغريب لا ريب أنّه في غير البلاد التي قبلتها موافقة للمشرق والمغرب.

وربما يستفاد من قوله : « إذا دخلت المخرج » أنّ يكون ذلك في البناء.

والنهي في الثانية عن استقبال الريح واستدبارها محمول على الكراهة في الاستقبال على ما وجدناه في كلام الأصحاب(١) ، ولم أرَ القول بالتحريم ، وأمّا الاستدبار فالأكثر لم يذكره.

وفي نهاية العلاّمة : الظاهر أنّ المراد بالنهي عن الاستدبار حالة خوف الردّ إليه(٢) ، والشهيد في الذكرى جزم بعدم الفرق(٣) .

وأنت خبير بأنّ اشتمال الرواية على نهي الكراهة يقرّب كون غيره من المناهي كذلك ، ولم أر من ذكر هذا في مقام الاستدلال بالخبر ، فليتدبّر.

ولا يخفى اختصاص الرواية الثانية بالغائط ، واللازم منه اختصاص الكراهة في الريح به ، وعلى ما سمعته من كلام النهاية يقتضي الشمول للبول ، والرواية هي المستند على ما قيل ، ولا تعرض فيها للبول.

وفي كلام بعض : أنّ الغائط كناية عن التخلي(٤) . وفيه ما فيه.

ثم إنّ القبلة عند الإطلاق منصرفة إلى الكعبة المشرّفة أو جهتها.

وفي المنتهى : يكره استقبال بيت المقدس لأنّه قد كان قبلة ، ولا يحرم للنسخ(٥) . وهو أعلم بما قاله.

__________________

(١) منهم الشهيد الأول في الدروس ١ : ٨٩ ، والشيخ حسن بن الشهيد الثاني في معالم الفقيه : ٤٣١ ، وصاحب المدارك ١ : ١٧٩.

(٢) نهاية الأحكام ١ : ٨٢.

(٣) الذكرى ١ : ١٦٤.

(٤) منهم الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في معالم الفقه : ٤٣٢.

(٥) المنتهى ١ : ٤٠.


قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن الهيثم بن أبي مسروق(١) ، عن محمّد بن إسماعيل قال : دخلت على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام وفي منزله كنيف مستقبل القبلة.

فلا ينافي هذا الخبر الخبرين الأوّلين ؛ لأنّه ليس فيه أكثر من أنّه شاهد كنيفاً قد بُني على هذا الوجه ، ولم يذكر أنّه شاهده عليه قاعداً ، أو سوّغ ذلك ، أو أمر ببنائه على هذا الوجه ، ويجوز أنّ يكون قد انتقل الدار إليه وقد بني كذلك ، فإنّه إذا كان الأمر على ذلك لجاز الجلوس عليه.

السند‌

فيه الهيثم بن أبي مسروق ، ولا أعلم من حاله إلاّ أنّ النجاشي قال : إنه قريب الأمر(٢) ، والكشيّ نقل عن حمدويه عن أشياخه : أنه فاضل(٣) .

ومحمّد بن إسماعيل هو ابن بزيع على الظاهر.

المتن :

جعله في المختلف دليل سلاّر مع أصالة الجواز ، وأجاب عن الرواية بأنّها لا تدل على أنّه كان يجلس عليه ، ولو سلّم ذلك فجاز أنّ يكون قد‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : عن محمّد.

(٢) رجال النجاشي : ٤٣٧ / ١١٧٥.

(٣) رجال الكشّي ٢ : ٦٧٠ / ٦٩٦.


انتقل إليه الملك على هذه الحالة ، وكان ينحرف عند جلوسه(١) .

وهذا الجواب قد يتعجب منه ، لأنّه اختار المشهور من التحريم ، واستدل عليه بالروايتين والتقريب السابق ، ونقل عن سلاّر القول بالانحراف في البناء ، والجواب يعطي الانحراف عند الجلوس ، وكأنّ المراد الانحراف عن القبلة غير الانحراف الذي يقول به سلاّر.

ومن هنا يعلم ما قد يتوجه على الشيخ أيضاً ، فإنّه تقدم العلاّمة ، واقتفى أثره في الجواب ، لكن الشيخ أطلق جواز الجلوس في الدار المستقبلة من دون الانحراف ، ولعلّ مراد الشيخ أنّه لا يلزم من البناء جواز الجلوس ، والعبارة قاصرة إذ لم ينقل عن الشيخ هذا القول ، وليس العذر كون الاستبصار لا يعتمد الشيخ فيه على الفتوى ، لأنّ العلاّمة يحكم بمذهب الشيخ في الاستبصار ، بل وغيره حتى الوالدقدس‌سره ، ولا يخلو من تأمّل على الإطلاق ، نعم قد يوجد نادراً.

وحكى الوالدقدس‌سره كلام المختلف في جوابه ثم قال : ولهذا الكلام وجه لو كانت حجة المشهور ناهضة بإثباته(٢) .

وقد يقال : إنّ حجة المشهور وإنّ لم تنهض بالتحريم ، إلاّ أنّ الكراهة لا خلاف فيها إلاّ من عبارة المفيد ، حيث قال : لا يضره ذلك(٣) . ولا يبعد أنّ يكون مراده عدم التحريم ، وحينئذٍ لا بُدّ من حمل الحديث على الانحراف وجوباً أو استحباباً ، إلاّ أنّ يدّعى عدم الإجماع على الكراهة.

وأمّا ابن الجنيد احتمل الوالدقدس‌سره أنّ يكون مستنده الأصل ،

__________________

(١) المختلف ١ : ١٠٠.

(٢) معالم الفقه : ٤٢٨.

(٣) المقنعة : ٤١.


والاستحباب للأخبار اعتماداً على التساهل في أدلة السنن ، ولما ذكره العلاّمة من الاعتبارين(١) ، هذا.

ويبقى في المسألة من الأحاديث رواية علي بن إبراهيم رفعه إلى أبي الحسن موسىعليه‌السلام حين سأله أبو حنيفة ـ وهو غلام ـ : يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال في جملة جوابه : « لا يستقبل القبلة بغائط ولا بول »(٢) ، وحال الحديث غير خفي.

وفي خبر آخر معدود من الحسن ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه سمعه يقول : « من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالاً للقبلة وتعظيماً لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له »(٣) .

وهذا الحديث لا يدل على التحريم كما هو ظاهر ، غير أنّه يؤيّد الانحراف في البناء إذا استقبل ، كما قاله العلاّمة ، وإنّ كان ظنّه التحريم ، ويتحقق حينئذٍ عدم تمامية إطلاق الوالدقدس‌سره فليتأمّل.

بقي شي‌ء وهو أنّ بعض المحققين قال : إنّ الواجب نفس التشريق والتغريب وأنّه لا يجوز استقبال ما بين المشرق والمغرب والقبلة تمسكاً بظاهر الأمر في الخبر الأوّل ، وأيّده بقولهعليه‌السلام : « ما بين المشرق والمغرب قبلة »(٤) ، وأنّ قبلة البعيد هي الجهة وفيها اتساع(٥) .

وفيه : أنّ الرواية قاصرة السند ، وحديث « ما بين المشرق والمغرب‌

__________________

(١) معالم الفقه : ٤٢٨.

(٢) الكافي ٣ : ١٦ / ٥ ، التهذيب ١ : ٣٠ / ٧٩ ، الوسائل ١ : ٣٠١ أبواب أحكام الخلوة ب ٢ ح ١.

(٣) التهذيب ١ : ٣٥٢ / ١٠٤٣ ، الوسائل ١ : ٣٠٣ أبواب أحكام الخلوة ب ٢ ح ٧.

(٤) الفقيه ١ : ١٨٠ / ٨٥٥ ، الوسائل ٤ : ٣١٤ أبواب القبلة ب ١٠ ح ٢.

(٥) حكاه المدارك ١ : ١٦٠ أيضاً عن بعض المحققين ولم نعثر على قائله.


قبلة » في وجه خاص لا مطلقاً ، واتساع الجهة لا يقتضي ما ذكره ، إذ اللازم منه جواز الصلاة اختياراً مع تحقق الجهة واتساعها ، مضافاً إلى ما يظهر من الأصحاب القائلين بالانحراف في البناء ، فإنّ المراد به الانحراف المتعارف في المحالّ المبنيّة ، والرواية المتضمنة للانحراف عن القبلة إجلالاً مطلقة أيضاً ، فالظاهر أنّ القول لا وجه له بعد ضعف الخبر.

قال :

باب من أراد الاستنجاء وفي يده اليسرى

خاتم عليه اسم من أسماء الله تعالى‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال : « لا يمسّ الجنب درهماً ولا ديناراً عليه اسم الله ، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله ، ولا يجامع وهو عليه ، ولا يدخل المخرج وهو عليه ».

السند‌

موثق كما تقدم القول فيه.

المتن :

ظاهره أنّ الجنب لا يمسّ الدرهم الذي عليه الاسم ، ولا يستنجي وعليه الخاتم الذي فيه الاسم ، وكذا لا يجامع ولا يدخل المخرج.


والذي في كلام من رأينا كلامه ما اقتضاه العنوان في الاستنجاء في اليسار(١) ، ولعلّه المراد من الرواية ، ولولاه لأمكن جريان الكراهة في غير الصورة المذكورة بقرينة ذكر المجامع ودخول المخرج.

وأمّا مسّ الدينار : فالاحتمال من ظاهره حاصل ، إلاّ أنّ الذي صرّح به البعض هو مسّ نفس الاسم.

وفي الفقيه : ولا يجوز للرجل أنّ يدخل إلى الخلاء ومعه خاتم عليه اسم الله أو مصحف فيه القرآن(٢) .

قال : فأما ما رواه أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن وهب بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان نقش خاتم أبي : العزّة لله جميعاً ، وكان في يساره يستنجي بها ، وكان نقش خاتم أمير المؤمنينعليه‌السلام : الملك لله ، وكان في يده اليسرى ويستنجي بها ».

فهذا الخبر محمول على التقية ، لأنّ راويه وهب بن وهب وهو عامي ضعيف متروك الحديث فيما يختص به ، على أنّ ما قدمناه من آداب الطهارة ، وليس من واجباتها.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن سهل بن زياد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلت له : الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى قال‌

__________________

(١) كما في مدارك الاحكام ١ : ١٨١.

(٢) الفقيه ١ : ٢٠.


« ما أُحبّ ذلك » قال : فيكون اسم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا بأس ».

السند‌

في الأوّل ما ذكره الشيخ في وهب : من أنّه عامي.

وفي النجاشي : أنّه كذاب(١) .

أمّا البرقي ففي القدح به كلام.

وفي الثاني سهل بن زياد كاف في الردّ ، أمّا اشتراك على بن الحكم ففيه : أنّ الوالدقدس‌سره حكم بالاتحاد(٢) وهو الثقة ، واحتمله شيخنا المحقق سلّمه الله(٣) .

وأبو القاسم أظنّه معاوية بن عمار.

المتن :

كما قاله الشيخ محمول على التقية ، ولا يبعد أنّ يكون الواو الذي في قوله : « ويستنجي بها » الأخير أسقط من : « يستنجي بها » الاولى ، وحينئذٍ لا يدلّ على أنّه كان يستنجي في حال وجود الخاتم فيها.

أمّا ما قاله الشيخ : من أنّ ما قدّمه من آداب الطهارة ، فهو حق ، إلاّ أن ظاهر « كان » الدوام ، كما صرحوا به ، والمداومة على المكروه من الأئمةعليهم‌السلام غير واقعة.

والحديث الذي ذكره إنّ أراد به التأييد من حيث قوله : « لا أُحب » فله وجه ، إلاّ أنّه وارد في دخول الخلاء والخاتم عليه ، لا في الاستنجاء ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٣٠ / ١١٥٥.

(٢) منتقى الجمان ١ : ٣٨.

(٣) منهج المقال : ٢٣٢.


والعنوان له ، إلاّ أنّ يقال : إنّ مراد الشيخ مدلول الحديث الأوّل لا العنوان.

وما تضمنه الخبر المؤيّد : من أنّه لا بأس باسم محمّد ، لا ينافي ما ذكره جماعة من إلحاق اسم الأنبياء(١) ، لاحتمال الحديث لغير اسم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خصوصه ، بل اسم الشخص محمّد ، ولئن استبعد ذلك أمكن تخصيصه بجواز الدخول به للخلاء لا الاستنجاء.

باب(٢) الاستبراء قبل الاستنجاء من البول‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، ومحمّد بن خالد البرقي ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يبول قال : « ينتره ثلاثاً ، ثم إنّ سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي ».

وأخبرني(٣) الحسين بن عبيد الله ، عن عدة من أصحابنا ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن ابن مسلم قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : رجل بال ولم يكن معه ماء قال : « يعصر أصل ذكره إلى رأس (٤) ذكره ثلاث عصرات وينتر‌

__________________

(١) منهم العلاّمة في المنتهى ١ / ٤١ ، والشهيد في الدروس ١ : ٨٩ ، وصاحب المدارك ١ : ١٨١.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٨ يوجد : وجوب.

(٣) الإستبصار ١ : ٤٩ / ١٣٧ في « ج » : الشيخ الحسين.

(٤) الاستبصار ١ ٤٩ / ١٣٧ ليست في « ب » و « د ».


طرفه ، فإنّ خرج بعد ذلك شي‌ء فليس من البول ولكنّه من الحبائل » (١) .

السند‌

في الأوّل واضح ، وفي الثاني فيه العدّة وهي مجهولة ، وفي الكافي رواه بالطريق فيكون حسناً(٢) .

المتن :

ظاهر الأوّل الاكتفاء بالنتر ثلاثاً ، والإجمال واقع في الثلاثة ، إذ يحتمل أنّ يكون المرّتان منها من المقعدة إلى أصل القضيب والواحدة بعد ذلك ، ويحتمل العكس ، وقد يمكن ترجيح الأوّل بأنّ إخراج المتخلّف إلى أصل القضيب مطلوب فيه التعدد بخلاف بعده ، وفيه : أنّ العكس له نوع وجهٍ أيضاً.

ثم الحديث الثاني في ظاهره مخالفة للأوّل من حيث الاكتفاء بالثلاثة في الأوّل وزيادة النتر في الثاني.

وفي الكافي : « أصل ذكره إلى طرفه » ولا يخلو أيضاً من إجمال ، ولعلّ رواية الشيخ مبنية على إرادة الطرف بنوع تقريب.

ويمكن أنّ يجمع بين الخبرين المبحوث عنهما بحمل المطلق على المقيد أو التخيير ، نظراً إلى ما ذكره شيخناقدس‌سره من أنّهما واردان في مقام البيان المنافي للإجمال(٣) ، وإنّ كان فيه نوع تأمّل ، إلاّ أنّه قابل للتسديد.

__________________

(١) الحبائل : عروق ظهر الإنسان ، وحبال الذكر عروقه مجمع البحرين ٥٠ : ٣٤٧ ٣٤٨ ( حبل ).

(٢) الكافي ٣ : ١٩ / ١ ، الوسائل ١ : ٢٢٥ أبواب أحكام الخلوة ب ١١ ح ٢.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٣٠١.


وفي المنتهى ذكر العلاّمة في بيان الكيفية أنّها المسح باليد من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثاً ، ومنه إلى رأسه ثلاثاً ، وينتره ثلاثاً(١) ، واحتجّ بالرواية الثانية ، ولا يخفى أنّها غير وافية بمرامه.

وينقل عن ابن الجنيد أنّه قال : يستحب له أنّ ينتر ذكره من أصله ثلاث مرّات ليخرج شي‌ء إنّ كان بقي في المجرى(٢) .

وحكى العلاّمة في المنتهى عن المرتضى نحوه ، وأنّه احتجّ بالرواية الثانية ، وأجاب بأنّه لا تنافي بين الحديثين ، لأنّ المستحب الاستظهار بحيث لا يتخلّف شي‌ء من أجزاء البول في القضيب ، وذلك قابل للشدة والضعف ، ومتفاوت بقوة المثانة وضعفها(٣) .

ولا يخفى عليك الحال.

اللغة :

قال في القاموس : النتر الجذب ، واستنتر بوله اجتذبه واستخرج بقيته(٤) .

قال :

فأمّا ما رواه الصفار ، عن محمّد بن عيسى قال : كتب إليه رجلٌ : هل يجب الوضوء ممّا خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب : « نعم ».

فالوجه(٥) أنّ نحمله على ضرب من الاستحباب دون الوجوب ، أو‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٤٢.

(٢) نقله عنه في معالم الفقه : ٤٤٠.

(٣) المنتهى ١ : ٤٢.

(٤) القاموس المحيط ٢ : ١٤٣ ( نتر ).

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٩ / ١٣٨ زيادة : فيه.


نحمله على ضرب من التقية ، لأنّه موافق لمذهب أكثر العامة.

السند‌

طريق المصنف في المشيخة إلى الصفار الشيخ أبو عبد الله ، والحسين بن عبيد الله ، وأحمد بن عبدون كلهم ، عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه ، وأبو الحسين بن أبي جيد ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الصفار(١) .

ومحمّد بن عيسى قد تقدم ذكره أيضاً(٢) ، والكلام في المكاتبة كذلك(٣) .

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه متّجه ، ويمكن حمله على ما يخرج من البول بالاستبراء ، أو يراد بالبعديّة ذلك ، ولا يخلو من بُعد ، إلاّ أنّه ليس بأبعد من محامل الشيخرحمه‌الله .

قال :

باب مقدار ما يجزي من الماء

في الاستنجاء من البول‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد‌

__________________

(١) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٧٣.

(٢) في ص ٧٥ ٨٢.

(٣) في ص ٨٩.


ابن عبد الله ، عن الهيثم بن أبي مسروق(١) ، عن مروك بن عبيد ، عن نشيط بن صالح ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال : « مِثلاً ما على الحشفة من البلل ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، ويعقوب بن يزيد ، عن مروك بن عبيد ، عن نشيط ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يجزي من البول أنّ تغسله بمثله ».

فلا ينافي الخبر الأوّل ، لأنّ قوله « يجزي أنّ تغسله بمثله » يحتمل أن يكون راجعاً إلى البول(٢) وذلك أكثر من الذي اعتبرناه من مثلي ما عليه.

السند‌

فيه الهيثم بن أبي مسروق ، وقد تقدم فيه القول(٣) .

ومروك بن عبيد ، ولم يوثقه سوى الكشّي(٤) نقلاً عن علي بن الحسن ابن فضال ، والحال غير خفية.

ونشيط بن صالح وثقه النجاشي(٥) ، وتبعه العلاّمة في الخلاصة(٦) .

المتن :

لا ريب في التنافي بين الحديثين ، وما ذكره الشيخ في الجمع فيه بعد‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٩ / ١٣٩ زيادة : النهدي.

(٢) الاستبصار ١ : ٥٠ / ١٤٠ يوجد : لا إلى ما بقي.

(٣) في ص ٣١٩.

(٤) رجال الكشّي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٣.

(٥) رجال النجاشي : ٤٢٩ / ١١٥٣.

(٦) خلاصة العلاّمة : ١٧٦ / ٣.


ظاهر.

وذكر بعض المتأخرين أنّ المماثلة بين الماء المغسول به وبين القطرة المتخلّفة على الحشفة بعد خروج البول ، فإنّ تلك القطرة يمكن إجراؤها على المخرج ، وأغلبيتها على البلل الذي يكون على حواشيه [ ظاهر ](١) . وفيه ما فيه.

وفي نظري القاصر احتمال أنّ يراد في الحديث الثاني بالمثل الماء ، والمعنى أنّه يجزي أنّ يغسل بالماء لا بالأحجار ، واستعمال الإجزاء غير مستبعد في هذا المعنى ؛ لضرورة الجمع.

وللشيخرحمه‌الله في التهذيب كلام في ردّ الرواية من جهة أنّ الراوي رواها تارة بواسطة وتارة بغيرها(٢) وقد ذكرت في حاشيته : أنّ الظاهر عدم قدح هذا ، بل ربما دل على أنّ المثل قد رواه غيره فأشار إلى ذلك ، ولا يبعد حينئذٍ على تقدير العمل بالروايتين أنّ تحمل الاولى على أنّ المثلين كناية عن الغسلة الواحدة لاشتراط الغلبة ، وهو قول البعض(٣) ، والرواية الثانية تحمل على ما قدّمناه ، أمّا إذا اعتبرنا التعدد في مخرج البول ، كما هو قول الأكثر(٤) فلا يتم ما ذكرناه.

والعلاّمة في المنتهى اقتصر في المرّتين على الثوب ، وكذلك في التحرير(٥) .

وفي بحث الاستنجاء من المنتهى والنهاية اكتفى بالمرّة إذا زالت العين(٦) .

__________________

(١) جامع المقاصد ١ : ٩٤ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر لاستقامة المتن.

(٢) التهذيب ١ : ٣٥.

(٣) جامع المقاصد ١ : ٩٤.

(٤) منهم المفيد في المقنعة : ٤٢ ، والشيخ في المبسوط ١ : ١٧ ، والمحقق في المعتبر ١ : ١٢٦.

(٥) المنتهى ١ : ١٧٥ ، وتحرير الأحكام ١ : ٢٤.

(٦) المنتهى ١ : ٤٤ ، ونهاية الأحكام ١ : ٩١.


وفي المختلف اكتفى بذلك وحكى القول به عن أبي الصلاح وابن إدريس ، ووجّهه بعدم نهوض الأخبار بإثبات التعدّد ، وإطلاق الأمر بغسل البول في الأخبار الواردة في الاستنجاء(١) .

قال الوالدقدس‌سره : وهذا القول متّجه لولا ما يشعر به كلام المحقق من دعوى الإجماع على التعدّد(٢) . والذي نقله عن المحقق في المعتبر أنّه جمع بين الثوب والبدن وقال : إنّ التعدّد مذهب أصحابنا لكنه جعل المرّتين في الثوب غَسلاً وفي البدن صبّاً(٣) .

ولا يخفى أنّ هذا الكلام من المحقق لا يدلّ صريحاً على أنّ البدن يراد به ما يتناول الاستنجاء ، بل الظاهر إرادة غير محل الاستنجاء ، فإنّه في بحث الاستنجاء حكى عن أبي الصلاح أنّه قال : أقلّ ما يجزي ما أزال عين البول عن رأس فرجه(٤) .

ثم احتجّ المحقق لاعتبار مثلي ما على الحشفة بوجهين :

الأوّل : رواية نشيط ، مؤيّداً بما روي : أنّ البول إذا أصاب الجسد يصبّ عليه الماء مرّتين(٥) .

والثاني : أنّ غَسل النجاسة بمثلها لا يحصل معه اليقين بغلبة المطهر على النجاسة ، ولا كذلك لو غسلت بمثليها ، وأشار بعد هذا إلى رواية نشيط الدالة على المثل ، وقال : إنّها مقطوعة السند(٦) .

__________________

(١) المختلف ١ : ١٠٦.

(٢) معالم الفقه : ٣٢١.

(٣) معالم الفقه : ٣٢٠.

(٤) المعتبر ١ : ١٢٦.

(٥) الكافي ٣ : ٢٠ / ٧ ، التهذيب ١ : ٢٤٩ / ٧١٤ ، الوسائل ١ : ٣٤٣ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٦ ح ١.

(٦) المعتبر ١ : ١٢٦.


وأنت خبير بأنّ هذا يدل على أنّ الإجماع المدّعى منه في غير محل الاستنجاء ، وإلاّ لكان أحق بالذكر في الاستدلال.

وما قاله في الدليل الثاني : من أنّ يقين الغلبة يقتضي أنّ المثلين غَسل واحد ، كما يظهر في نظري القاصر ، فالقول منه بالتعدّد إنّ أراد به تعدّد الغَسل أشكل بأنّ كل مثل ليس فيه أغلبية ، فلا يتحقق تعدّد الغَسل.

والعجب من جزم شيخناقدس‌سره بردّ القول في توجيه الرواية بأنّ المثلين لبيان أقل ما يجزي قائلاً : إنّ المثلين إذا اعتبرا غسلتين كان المثل الواحد غسلة ، وقد ثبت أنّ الغسلة لا بُدّ فيها من أغلبية مائها على النجاسة(١) .

ولا يذهب عليك أنّ الثبوت محتاج إلى البيان إنّ كان من النص أو الإجماع ، وعلى ظاهر كلام المحقق كما سمعته لا إجماع ، والنص لا أعلمه الآن ، ودلالة العرف محل خفاء ، والأخبار الدالة على التعدّد لا يقتضي ذلك بتقدير شمولها لمحل الاستنجاء ، وبالجملة فالمقام محل كلام ، إلاّ أنّه لا خروج عن قول العلماء الأعلام.

قال :

باب غسل اليدين قبل إدخالهما

الإناء عند واحد من الأحداث‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله (٢) ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي قال : سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أنّ يدخلها في الإناء؟

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ١٦٣.

(٢) في النسخ : عبد الله ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٥٠ / ١٤١.


قال : « واحدة من حدث البول واثنتان من الغائط وثلاث من الجنابة ».

وبهذا الإسناد عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن علي بن السندي ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « يغسل الرجل يده من النوم مرّة ، ومن الغائط والبول مرّتين ومن الجنابة ثلاثاً ».

السند‌

في الأوّل فيه محمّد بن عيسى الأشعري ولم يوثّق ، واحتمال كون أحمد بن محمّد هو ابن خالد بعيد ، لأنّ وجود مثل هذه الرواية في رواية محمّد بن أحمد ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أبيه أكثر من أنّ يحصى.

وفي الثاني : علي بن السندي وهو مجهول ، وما في الخلاصة في علي بن إسماعيل(١) وأنّ إسماعيل يلقّب بالسندي لا يخلو من توهم كما يعلم من كتاب شيخنا أيّده الله في الرجال(٢) .

المتن :

في الخبرين لا يدلّ إلاّ على غَسل اليد فقط لا غسل اليدين كما في العنوان ، وإطلاق اليد في الثاني يحمل على المقيّد الأوّل.

ثم إنّ الخبر الثاني ظاهره غَسل اليد من البول والغائط مرّتين ، فإنّ كان التعدد راجعاً إلى كل من الغائط والبول نافى الأوّل ، وإنّ كان كل واحد له مرّة نافى الأوّل في الغائط ، ولا يبعد أنّ يحمل على حالة اجتماع البول‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ٩٦ / ٢٨ ، وفيه : السري بدل السندي.

(٢) منهج المقال : ٢٢٦.


والغائط ، إلاّ أنّ عدم تعرض الشيخ لذلك لا يخلو من غرابة بعد الظهور.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، وفضالة ابن أيوب ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : سألته عن الرجل يبول ولا تمس يده اليمنى شيئاً(١) أيغمسها في الماء؟ قال : « نعم وإنّ كان جنباً ».

فالوجه في هذا الخبر رفع الحظر عن ذلك ، لأنّ ذلك من الآداب دون الواجبات ، وإنما الواجب إذا كان على يده نجاسة تفسد الماء.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن أخيه الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنّ أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس إنّ لم يكن أصاب يده شي‌ء من المني ».

السند‌

في الأوّل واضح ، وفي الثاني زرعة وسماعة فهو موثق عند المتأخرين ، وفي سماعة نوع كلام تقدم(٢) .

المتن :

كأنّ الشيخ فهم من الأوّل ماء الوضوء ، وظاهره السؤال عن مباشرة‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٥٠ / ١٤٣ : ولا يمس يده اليمنى شي‌ء. وفي التهذيب : ولم تمس يده اليمنى شيئاً.

(٢) في : ١٠٨.


المحدث بالبول للماء هل تؤثّر شيئاً ، فأجابهعليه‌السلام بأنّه وإنّ كان جنباً يغمسها فلا يؤثّر ، وهو وإنّ اقتضى العموم يخصّ بغير الوضوء فإنّ إناءه يؤثّر فيه فعل خلاف الأولى ، ولو حمل على عدم التنجيس أو عدم تغيره عن حالة جواز الوضوء به جاز ، وكلام الشيخ فيه واضح ، والاستدلال عليه بالرواية لا يناسبه ، بل يؤيّد ما قلناه ، والأمر سهل.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، وعثمان بن عيسى ، جميعاً عن ابن مسكان ، عن ليث المرادي أبي بصير ، عن عبد الكريم بن عتبة الكوفي الهاشمي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يبول ولم يمسّ يده اليمنى شي‌ء أيدخلها في وَضوئه قبل أنّ يغسلها؟ قال : « لا حتى يغسلها » قلت : فإن استيقط من نومه فلم يبل أيدخل يده في وَضوءه قبل أنّ يغسلها؟ قال : لا ، لأنّه لا يدري أين(١) باتت يده فليغسلها.

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على ضرب من الاستحباب دون الوجوب ، لدلالة ما قدّمناه من الأخبار.

السند‌

فيه محمّد بن سنان وعثمان بن عيسى وقد تقدم(٢) حالهما ، أمّا عبد الكريم فقد وثقه الشيخ في رجال الكاظمعليه‌السلام (٣) .

__________________

(١) الإستبصار ١ : ٥١ / ١٤٥ في « د » : حيث كانت.

(٢) في ص ١١٧ ١١٨ ، ٧٠ ٧٢.

(٣) رجال الطوسي : ٣٥٤ / ١٣.


وظن شيخناقدس‌سره من تقييد أبي بصير بليث أنّ رواية ابن مسكان قرينة على ذلك دائماً ، وفيه : أنّ الوالدقدس‌سره حكى أنّه رأى رواية ابن مسكان عن يحيى بن القاسم )(١) .

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه من الاستحباب ، عليه الأصحاب(٢) ، بل قيل : إنّه مذهب علمائنا(٣) .

أمّا ما ذكره من أنّ الأخبار المتقدمة دالة على الاستحباب ، ففيه تأمّل ، لأنّ الأخبار منها ما يدل على الغَسل ، ومنها ما يدل على أنّه لا بأس بغمسها في الماء ، ولا صراحة فيها في الوضوء ، وبتقدير حمل الخبرين الأولين على الوضوء كما هو الظاهر منهما لا دلالة لها على الاستحباب ، والخبر الآخر غير مقيد بالوضوء كما قدّمناه ، والخبر المبحوث عنه خاص بالوضوء ، لكن ما ذكرناه من اتفاق الأصحاب يسهل الخطب.

ثم إنّ ظاهر التعليل في الأخير يقتضي الاختصاص بالماء القليل ، والأخبار الواردة في الإناء ظاهرة في أنّه إذا كان الاغتراف منه ، واختصاصه بالقليل غير بعيد ، لأنّه الغالب ، وجدّيقدس‌سره جزم بالتعميم رعاية لجانب التعبّد(٤) . وفيه ما فيه.

نعم يمكن أن يقال : بعدم التزام كون الماء القليل في الإناء الصغير ، فليتأمّل.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٦٥ ، والعلاّمة في المنتهى ١ : ٤٨ ، ٤٩ ، والشهيد الثاني في الروضة البهية ١ : ٧٨.

(٣) كما في المعتبر ١ : ١٦٥.

(٤) روض الجنان : ٤١.


اللغة :

الوَضوء بالفتح ما يتوضّأ به ، كالوقود لما يوقد به ، فقول السائل : أيدخلها في وضوئه ، المراد به ذلك.

قال :

باب وجوب الاستنجاء من الغائط والبول‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن إبراهيم بن أبي محمود ، عن الرضاعليه‌السلام قال : سمعته يقول في الاستنجاء : « يغسل ما ظهر على الشرج ولا يدخل فيه الأنملة ».

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، وعن إبراهيم بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن زياد ، عن جعفر بن محمّدعليهما‌السلام ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال لبعض نسائه : « مُري نساء المؤمنين أنّ يستنجين بالماء ويبالغن فإنّه مطهرة للحواشي ومُذهبة للبواسير ».

السند‌

في الأوّل : واضح بعد ما قدمناه(١) .

__________________

(١) في ص ١١١ ١١٢.


و في الثاني : هارون بن مسلم ، فهو وإن كان ثقة إلاّ أنّه كان له مذهب في الجبر والتشبيه(١) ، ولعله غير مضر بالحال ، كما يظهر من متأخّري الأصحاب.

وأمّا مسعدة بن زياد فهو ثقة ، أمّا جهالة حال إبراهيم وأبيه فغير مضرّرة ، كما لا يخفى.

المتن :

ظاهر الأول عدم وجوب غَسل الباطن ، وما تضمنه الثاني من الأمر بالمبالغة كأنّه لا يراد به غَسل الباطن ، بل المبالغة في الماء.

اللغة : الشرج محرّكة فرج المرأة ، قاله في القاموس(٢) ، وفي المغرب شرج الدبر حلقته(٣) .

والحواشي جمع حاشية وهي الجانب ، أي مطهرة لجانب المخرج.

والمطهرة بفتح الميم وكسرها ، والفتح [ هو الأفصح(٤) ] موضوعة في الأصل للأواني جمعها مطاهر ، ويراد بها هاهنا المطهرة أي المزيلة للنجاسة ، مثل : « السواك مطهرة للفم »(٥) أي مزيل لدنس الفم ، كما ذكره‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٣٨ / ١١٨٠.

(٢) القاموس المحيط ١ : ٢٠٢ ( شرج ).

(٣) المغرب ١ : ٢٧٨ ( شرج ).

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن من مجمع البحرين ٣ : ٣٨٢ ( طهر ).

(٥) المحاسن ٢ : ٥٦٢ / ٩٥١ ، البحار ٧٣ : ١٣٣ / ٣٦.


الشهيد في بعض فوائده(١) .

قال :

وبهذا الإسناد عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن عبد الله بن زرارة ، عن عيسى بن عبد الله ، عن أبيه ، عن جده ، عن عليعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وتراً إذا لم يكن الماء ».

وبهذا الإسناد عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن ( بن علي )(٢) بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في الرجل ينسى أنّ يغسل دبره بالماء حتى صلّى إلاّ أنّه قد تمسح بثلاثة أحجار ، قال : « إنّ كان في وقت تلك الصلاة فليعد الصلاة وليعد الوضوء ، وإنّ كان قد خرجت تلك الصلاة التي صلى فقد جازت صلاته وليتوضّأ لما يستقبل من الصلاة » وعن الرجل يخرج منه الريح عليه أنّ يستنجي؟ قال : « لا » وقال : « إذا بال الرجل ولم يخرج منه شي‌ء غيره فإنّما عليه أنّ يغسل إحليله وحده ولا يغسل مقعدته ، وإنّ خرج من مقعدته شي‌ء ولم يبل فإنّما عليه أنّ يغسل المقعدة وحدها ولا يغسل الإحليل » وقال : « إنّما عليه أنّ يغسل ما ظهر منها وليس عليه أنّ يغسل باطنها ».

__________________

(١) حكاه في البحار ٧٧ : ١٩٩ عن الشهيد في أربعينه.

(٢) أثبتناه من الاستبصار ١ : ٥٢ / ١٤٩.


السند :

في الأوّل : قد تقدم القول فيه.

وفي الثاني : قوله : وبهذا الإسناد. عائد إلى الحديث الثاني من أوّل الباب ، والأسناد عن الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، ولا يخفى ما فيه من البعد ، والسند موثّق كما سبق.

المتن :

في الأوّل فيه الأمر بالوتر ، والضمير في « بها » غير ظاهر المرجع ، ويحتمل العود إلى الأحجار لاشتهارها ، وحينئذٍ فالأمر للوجوب بناء على تعين الثلاثة كما قاله جماعة(١) .

ويحتمل العود إلى آلة الاستجمار فإنّ قلنا بالتعدد في غير الحجر كما ظنه بعض(٢) فالحكم كالحجر ، وإنّ لم نقل به احتمل الأمر أنّ يراد به الوجوب والاستحباب ، إمّا باستعماله في حقيقته ومجازه أو في القدر المشترك.

ومن هنا يعلم أنّ الاستدلال بالخبر على أنّه يستحب أنّ لا يقطع إلاّ على وتر إذا لم ينق المحل بالثلاثة محل تأمّل ، وقول المحقق في المعتبر بعد الاستدلال بالرواية : إنّها من المشاهير(٣) ، غير مفيد للمطلوب إذا أعطاها‌

__________________

(١) منهم ابن إدريس في السرائر ١ : ٩٦ ، والمحقق في المعتبر ١ : ١٣١ ، والشهيدان في الروضة ١ : ٨٣.

(٢) الروضة البهية ١ : ٨٣.

(٣) المعتبر ١ : ١٣٠.


المتأمّل حق النظر.

ثم القائلون بالثلاثة الأحجار استدلوا مع الإجماع المدّعى بروايات :

منها : صحيح زرارة الآتي ، وسيأتي فيه الكلام إنّ شاء الله(١) .

وأمّا غير الأحجار فاختلف العلماء فيه ، فجمهور المتأخّرين إلى إجزاء كل جسم طاهر مزيل للنجاسة(٢) ، وادّعى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة(٣) ، وقال سلار : لا يجزي في الاستنجاء إلاّ ما كان أصله الأرض(٤) وقال ابن الجنيد : إن لم يحضر الأحجار يمسح بالكرسف أو ما قام مقامه ، ثم قال : ولا اختار الاستطابة الآجر والخزف إلاّ إذا لبس طين أو تراب يابس(٥) ، ونقل عن المرتضى في المصباح أنّه جوز الاستنجاء بالأحجار وما قام مقامها(٦) .

والأخبار التي وقفنا عليها في هذا الباب صحيح زرارة قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : ( كان الحسين بن علي يتمسّح من الغائط بالكرسف ولا يغسل )(٧) .

وصحيح حريز عن زرارة قال : كان يستنجي من البول ثلاث مرّات ، ومن الغائط بالمدر والخزف(٨) .

__________________

(١) في ص ٣٥٣.

(٢) منهم العلاّمة في المختلف ١ : ١٠٠ ، والشهيد في الدروس ١ : ٨٩ ، والكركي في جامع المقاصد ١ : ٩٥.

(٣) الخلاف ١ : ١٠٦.

(٤) المراسم : ٣٢.

(٥) نقله عنه في الذكرى ١ : ١٧١.

(٦) المعتبر ١ : ١٣١.

(٧) التهذيب ١ : ٣٥٤ / ١٠٥٥ ، الوسائل ١ : ٣٥٨ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٥ ح ٣.

(٨) التهذيب ١ : ٣٥٤ / ١٠٥٤ ، الوسائل ١ : ٣٥٧ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٥ ح ٢.


وظنّ جديقدس‌سره دلالة هذه الرواية على التعدّد(١) ، وفي نظري القاصر أنّها لا تدل على أنّ كل مرّة كان استنجاؤه بذلك ليدل على التعدّد ، كما لا يخفى على المتأمّل.

ثم القائلون(٢) بعدم التعدّد حتى في الأحجار احتجّوا بحسنة ابن المغيرة وقد سأله هل للاستنجاء حد؟ قال : « لا حتى ينقى ما ثّمة »(٣) .

والاستنجاء يطلق على غَسل الموضع ومسحه كما يشهد به الأخبار وكلام أهل اللغة ، ففي القاموس : استنجى غَسل بالماء أو تمسح بالحجر(٤) . وفي الصحاح : استنجى غَسل موضع النجوى أو مسحه(٥) .

وفي موثقة يونس بن يعقوب : « ويذهب بالغائط »(٦) .

وفي صحيح زرارة السابق : « يتمسح من الغائط بالكرسف »(٧) .

وحملوا رواية الأحجار الثلاثة على الاستحباب.

وفي الاستدلال بحث ، أمّا أوّلاً : فلأنّ رواية ابن المغيرة محتملة لأن يراد بها الغَسلات أو المسحات التي لا يجب على المكلّف الإتيان بما يزيد عليها ، ورواية زرارة المتضمنة للثلاثة الأحجار محتملة لأنّ يراد بها بيان أقل المراتب ، بل هو الظاهر من الإجزاء.

__________________

(١) روض الجنان : ٢٥.

(٢) منهم الشيخ في الخلاف ١ : ١٠٥ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٩٢ ، وصاحب المدارك ١ : ١٦٩.

(٣) الكافي ٣ : ١٧ / ٩ ، الوسائل ١ : ٣٢٢ أبواب أحكام الخلوة ب ١٣ ح ١ ، وص ٢٥٢ ب ٣٥ ح ٦.

(٤) القاموس ٤ : ٣٩٦ ( نجا ).

(٥) الصحاح ٦ : ٢٥٠٢ ( نجا ).

(٦) التهذيب ١ : ٤٧ / ١٣٤ ، الوسائل ١ : ٣١٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٩ ح ٥.

(٧) في ص ٣٣٨.


وأمّا ثانياً : فالأخبار المطلقة لا تأبى التقييد ، وفي نظري القاصر أنّ التقييد إنّما يكون للأحجار لا لغيرها ، إذ لا جامع للمطلق والمقيد بالأحجار ، فلا يدخل فيه مثل الكرسف كما ظنه بعض ، فليتأمّل ، ولو نظرنا إلى معتبر الأخبار الصالح للعمل تخفّ المؤنة كما يعلمه من راجعها في مظانّها ، ولو لا خوف الخروج عمّا نحن بصدده لذكرت جميعها ، والله الموفق.

ثم إنّ الحديث الثاني لا يخلو ظاهره من إشكال بتقدير العمل به ، فإنّه يقتضي أنّ المتمسّح بثلاثة أحجار إذا نسي أنّ يغسل دبره بالماء يعيد الصلاة والوضوء ، وإنّ خرج الوقت يعيد الوضوء لما يستقبل من الصلاة ، وغير خفيّ أنّ الاستجمار بالثلاثة قد يكون مطهِّراً إذا حصل النقاء مع شرائط الأحجار ، ولعل المراد به عدم حصول النقاء لكن إعادة الوضوء غير ظاهرة الوجه ، ولا يبعد الحمل على حصول النقاء والإعادة على سبيل الاستحباب ، فتكون إعادة الوضوء قرينة على الاستحباب إذ لا مجال لوجوب إعادة الوضوء كما لا يخفى.

وما تضمنته من عدم الاستنجاء من الريح لا خلاف فيه. وفي صحيح سليمان بن جعفر الجعفري قال : رأيت أبا جعفرعليه‌السلام يستيقظ من نومه ولا يستنجي وقالعليه‌السلام ـ كالمتعجب من رجل سمّاه ـ : « بلغني انه إذا خرجت منه ريح يستنجي »(١) .

وما تضمنه ظاهر الخبر الأوّل من قوله : « إذا لم يكن الماء » يدل بالمفهوم أنّ الماء إذا كان لا يستحب الوتر على تقدير إرادة الاستحباب من الخبر على ظاهر الأصحاب من الاستدلال به على الاستحباب(٢) ، وعلى‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٢ / ٦٥ ، التهذيب ١ : ٤٤ / ١٢٤ ، الوسائل ١ : ٣٤٥ أبواب أحكام الخلوة ب ٢٧ ح ١ وفيها : أبا الحسنعليه‌السلام .

(٢) منهم الشيخ في المبسوط ١ : ١٦ ، والمحقق في المعتبر ١ : ١٣٠ ، والعلاّمة في قواعد الأحكام ١ : ١٨٠.


ما احتملناه من إرادة الوجوب والندب من الأمر فما يوجد في كلام الأصحاب الذي رأينا كلامهم من استحباب الجمع بين الماء والأحجار(١) لا يقتضي انسحاب استحباب الوتر في الأحجار إليه.

وقد احتجّوا على كون الجمع أفضل : بأنّه جمع بين مطهّرين(٢) ، وبما رواه الشيخ عن أحمد بن محمّد ، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء »(٣) .

ولا يخفى ما في إثبات الاستحباب بهذا من النظر ، إلاّ أنّه قابل للتسديد بسبب عدم الخلاف ، كما قيل(٤) .

وما قد يقال : من أنّ ظاهر الخبر المرفوع بقاء حكم الوتر في الأحجار مع الماء فلا تبقى دلالة مفهوم الخبر المبحوث عنه سالمة ، ربما يجاب عنه : بأنّ مقتضى الخبر المرفوع اعتبار الثلاثة الأحجار فقط ، أمّا استحباب الوتر بالأحجار مطلقاً فلا تتحقق فيه المعارضة ، على أنّ الظاهر إمكان أنّ يقال : بعدم القائل بالفرق ، فيتم الإيراد على تقدير العمل بالأخبار ، وبدونه فالأمر سهل ، وما ذكرناه مشياً على كلام من رأيناه من الأصحاب فإنّهم أهملوا هذا التفصيل ، والله الهادي إلى سواء السبيل.

بقي شي‌ء وهو أنّ ما تضمنته الأخبار من عدم غسل الباطن ظاهر في الدبر.

__________________

(١) منهم ابن البراج في المهذب ١ : ٤٠ ، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه : ١٢٧ ، والمحقق في المعتبر ١ : ١٣٦.

(٢) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٣٦ ، والشهيد الثاني في روض الجنان : ٢٤ ، وصاحب المدارك ١ : ١٦٨.

(٣) التهذيب ١ : ٤٦ / ١٣٠ ، الوسائل ١ : ٣٤٩ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٠ ح ٤.

(٤) انظر المدارك ١ : ١٦٨.


لكن قال الشهيد في الذكرى : إنّه لا فرق في عدم غَسل الباطن بين الرجل والمرأة بكراً أو ثيّباً ، نعم لو علمت الثّيب وصول البول إلى مدخل الذكر ومخرج الولد وجب غسل ما ظهر منه عند الجلوس على القدمين(١) .

وقد تبع في هذا الكلام أثر العلاّمة في التذكرة(٢) ، ولم نقف فيه على نص.

وما قاله الوالدقدس‌سره : من أنّ مدركه العرف(٣) . إنّما يظهر تماميته لو كان الظاهر المأمور بغسله متناولاً لغير الدبر.

إلاّ أن يقال : إنّ حديث إبراهيم بن أبي محمود بتقدير تفسير القاموس يدل على ذلك بنوع تقريب(٤) ، أمّا حديث مسعدة بن زياد الدالّ على المبالغة للنساء يدلّ عليه(٥) .

وفيه : أنّ العمل به حينئذٍ يوجب زيادة الإشكال في لفظه ومعناه ، مضافاً إلى أنّ الوالدقدس‌سره نفى النص الدال على ما قاله الشهيد كما نقلناه ، فليتأمّل.

قال :

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى ، قال : حدثني عمرو بن أبي نصر قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أبول وأتوضّأ وأنسى‌

__________________

(١) الذكرى ١ : ١٧٤.

(٢) التذكرة ١ : ١٣٤.

(٣) معالم الفقه : ٤٤٥.

(٤) المتقدم في ص : ٣٥٩ ٣٦٠.

(٥) المتقدم في ص : ٣٥٩.


استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت ، قال : « اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوؤك ».

وعن الصفار ، عن سندي بن محمّد ، عن يونس بن يعقوب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال : « يغسل ذكره ويذهب بالغائط ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين ».

السند‌

في الأوّل : واضح بعد ما قدّمناه ، وعمرو بن أبي نصر ثقة.

وفي الثاني : موثق بيونس ، والسندي بن محمّد ثقة.

المتن :

في الأول : صريح في عدم إعادة الوضوء إذا نسي الاستنجاء ، فيتأيّد حمل الإعادة في الخبر السابق على الاستحباب.

ثم إنّ إطلاق عدم الإعادة يتناول ناسي الاستبراء مع وجود بلل وعدمه ، إلاّ أنّ غيره من الأخبار يقيّده.

ومن هنا يعلم احتمال أنّ يقال : بأنّ إعادة الوضوء في الخبر السابق لعدم الاستبراء مع وجود بلل ، غير أنّ الإطلاق ربما يظن أنّه يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وفيه ما قدمناه من احتمال وجود البيان لمن له الخطاب.

وما تضمنه الخبر : من إطلاق الإعادة الشامل لما بعد الوقت ، قد يدفعه انصراف الإعادة للوقت ، وفيه ما فيه ، إلاّ أنّ وجود الأخبار المقيدة‌


تسهل الخطب ، وستسمعها في بابها إنّ شاء الله ، وإنّ كان في الظنّ جواز أنّ يكون لترك الاستنجاء حكم آخر ، كما سيأتي القول فيه.

والخبر الثاني : استدل به القائلون بالاكتفاء بإذهاب الغائط من دون اعتبار العدد ، وقد أشرنا إليه سابقاً مع جوابه(١) .

وما تضمنه الجواب بعد السؤال عن الوضوء : من ذكر غسل الذكر وإذهاب الغائط ، قد يتخيّل منه اشتراط الوضوء بغسل الذكر والإذهاب فيؤيّد ما دل على إعادة الوضوء من دون ذلك ، إلاّ أنّ وجود المعارض يدفع هذا.

وقولهعليه‌السلام : « ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين » دليل القائل بتعدد الغَسل في الوضوء استحباباً ، وستسمع القول فيه إنّ شاء الله.

وربما يستفاد من الخبر بمعونة ذكر المرّتين وكونها مستحبة أنّ غَسل الذكر وإذهاب الغائط على سبيل الاستحباب ، وفيه نوع تأمّل ، إلاّ أنّ الأمر سهل ، واستدل به القائل بالمرّة في غسل مخرج البول ، وقد تقدم فيه قول(٢) .

فإنّ قلت : السؤال في الخبر تضمن طلب بيان المفروض ، ولا يناسبه ذكر المرتين ، لأنّها مستحبة ، وكذلك الغسل المطلق والإذهاب على تقدير وجوب المرّتين والعدد.

قلت : الظاهر أنّ ذكر غسل الذكر وإذهاب الغائط لا يضرّ بالحال. إذ ليس هو محل السؤال ، فالإطلاق فيه لا ينافي التقييد ، وأمّا ذكر المرّتين فالأمر فيه أشدّ إشكالاً على تقدير الحمل على إرادة الغَسل مرّتين ، أمّا لو أُريد به ما قيل(٣) في الأخبار الواردة في الوضوء ، بأنّه مثنى مثنى(٤) ، بمعنى‌

__________________

(١) في ص ٣٣٨ ٣٤٠.

(٢) في ص ٣٢٩.

(٣) كما في حبل المتين : ٣٥.

(٤) الوسائل ١ : ٤٤١ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ٢٨ ، ٢٩ ، ٣٠.


غسلين ومسحين ولو بنوع تكلّف ، أمكن الموافقة للسؤال ، فليتأمّل.

وما تضمنه الخبر الثاني من إطلاق جعل الوضوء بعد ما ذكر من دون اعتبار الغاية لعلّه سهل التوجيه ، وإنّ كان القول منقولاً بوجوب الوضوء لنفسه ، كما حرّرناه في موضع آخر.

قال :

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة ، قال : توضّأت ولم أغسل ذكرى ثم صلّيت فسألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن ذلك ، فقال : « اغسل ذكرك وأعد صلاتك ».

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن حسين بن عثمان عن سماعة ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا(١) أهرقت الماء ونسيت أنّ تغسل ذكرك حتى صلّيت فعليك إعادة الوضوء(٢) وغَسل ذكرك ».

فهذا الخبر محمول على أنّه لم يكن توضّأ ، فأمّا إذا توضّأ ونسي غَسل الذكر لا غير لم يجب عليه إعادة الوضوء ، وإنّما يجب عليه غَسل الموضع حسب.

والذي يدل على ذلك :

ما أخبرني به الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٥٣ / ١٥٣ : إنّ.

(٢) في « رض » : الصلاة.


الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة (١) قال ذكر أبو مريم الأنصاري أنّ الحكم بن عتيبة (٢) بال يوماً ولم يغسل ذكره متعمّداً فذكرت ذلك لأبي عبد الله ، عليه‌السلام فقال : « بئس ما صنع ، عليه أنّ يغسل ذكره ويعيد صلاته ولا يعيد وضوءه ».

السند‌

أمّا الأوّل : فليس فيه من يرتاب في شأنه إلاّ محمّد بن عيسى الأشعري.

والثاني : فيه من ذكر ، وأبو بصير وسماعة بتقدير الوقف.

والثالث : قد تقدم فيه القول فيمن لم ينص على توثيقه مع اعتباره بين المتأخّرين(٣) .

المتن :

ظاهر الأوّل إعادة الصلاة مع نسيان غسل الذكر ، والأكثر على أنها على الوجوب في الوقت وخارجه(٤) ، وقد يتوقف في وجوب إعادة ناسي النجاسة في الوقت. لما رواه الشيخ في الصحيح عن العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء ينجّسه فينسى أن‌

__________________

(١) الإستبصار ١ : ٥٣ / ١٥٤ في « ج » : عمر بن أذينة.

(٢) الإستبصار ١ : ٥٣ / ١٥٤ في « د » : عيينة.

(٣) راجع ص ٣٩ ٤٣.

(٤) منهم الشيخ في المبسوط ١ : ٢٤ ، والمحقق في المعتبر ١ : ١٢٥ ، ١٧٤ ، والعلاّمة في المختلف ١ : ١٠٣.


يغسله فيصلّي فيه ثم يذكر أنّه لم يكن غسله أيعيد الصلاة؟ قال : « لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت له »(١) .

وما قد يقال : من احتمال الفرق بين نجاسة الثوب ومحل البول ، ممكن لو وجد القائل به ، مع احتمال ما في المقام.

وربما يقال : إنّ الخبر المنقول عن الشيخ لا يخرج عن كونه مطلقاً ، وغيره من الأخبار الدالة على الإعادة في الوقت دون خارجه(٢) موجود ، كما سيأتي من المصنف ويأتي إنّ شاء الله بيانه ، وحينئذٍ يحمل هذا الخبر المبحوث عنه على الإعادة في الوقت ، بل ربما كانت الإعادة تدل عليه.

فإنّ قلت : قد نقل عن ابن إدريس دعوى الإجماع على إعادة الناسي مطلقاً(٣) فكيف [ يحمل هذا الخبر على الإعادة(٤) ] في الوقت فقط؟

قلت : لا يخلو مثل هذا الإجماع من إشكال ، كيف وقد نقل العلاّمة في التذكرة عن الشيخ في بعض أقواله عدم وجوب الإعادة مطلقاً(٥) وسيأتي من الشيخ ما يدل على الإعادة في الوقت ، إلاّ أنّ الاعتماد على القول في هذا الكتاب لا يخلو من تأمّل.

نعم يظهر من المعتبر على ما حكاه شيخناقدس‌سره العمل بمضمون الخبر المتقدم عن العلاء ، لأنّه قال بعدها : وعندي أنّ هذه الرواية حسنة والأُصول تطابقها لأنّه صلّى صلاة مشروعة مأموراً بها فيسقط الفرض بها ،

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٢٣ / ١٣٤٥ ، الوسائل ٣ : ٤٨٠ أبواب النجاسات ب ٤٢ ح ٣.

(٢) الوسائل ٣ : ٤٧٩ أبواب النجاسات ب ٤٣.

(٣) السرائر ١ : ٢٧١.

(٤) بدل ما بين المعقوفين في النسخ ، يحتمل الوقت ، بالإعادة ، غيّرناه لاستقامة المعنى.

(٥) التذكرة ٢ : ٤٩٠.


ويؤيّد ذلك قولهعليه‌السلام : « غفر لأُمتي الخطأ والنسيان »(١) انتهى(٢) .

ومراده بحسن الرواية غير المعنى المصطلح عليه لأنّها في أعلى مراتب الصحة على ما قاله شيخنا(٣) قدس‌سره وسيجي‌ء إنّ شاء الله تحقيق القول في ذلك.

فإنّ قلت : قد تقدم من الشيخ نقل خبر عمار الساباطي الدال على أنّ الناسي يعيد في الوقت دون خارجه(٤) فكيف لم يذكر أنّ هذا الخبر مناف لما سبق؟.

قلت : لا يبعد أنّ يكون الشيخ حمل الإعادة على الوقت ، ومن ثم لم يتعرض للمنافاة ودفعها ، على أنّ الخبر السابق عن عمار قد تقدم القول(٥) في احتمال حمله على الاستحباب ، نظراً إلى أنّ ظاهره حصول الاستجمار(٦) بثلاثة أحجار.

ويخطر الآن في البال أنّ فيه احتمال تصحيف لفظ « دبره » في قوله : ينسى أنّ يغسل دبره بالماء ، وإنّما هو « ذكره » والتصحيف قريب إلى هذا اللفظ ، ويندفع به الإشكال في متن الرواية ، وهي في التهذيب(٧) كما هنا.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الرواية الثانية ما ذكره الشيخ فيها غير تامّ ، لأنّ من لم يتوضّأ كيف يقال له عليك إعادة الوضوء؟.

__________________

(١) ورد مؤدّاه في سنن ابن ماجة ١ : ٦٥٩.

(٢) المعتبر ١ : ٤٤١ ، ٤٤٢ بتفاوت يسير ، مدارك الأحكام ٢ : ٣٤٦.

(٣) مدارك الأحكام ٢ : ٣٤٦ بتفاوت يسير.

(٤) في ص ٣٣٦.

(٥) في ص ٣٣٧ ٣٤٢.

(٦) في « فض » : الاستحجار.

(٧) التهذيب ١ : ٤٥ / ١٢٧ ، الوسائل ١ : ٣١٧ أبواب أحكام الخلوة ب ١٠ ح ١.


ثمّ إنّ السؤال تضمّن الصلاة ولم يقع في الجواب ما يدل عليها صريحاً ، غير أنّه يحتمل لزوم إعادتها لإعادة الوضوء ، وفيه : أنّ إعادة الوضوء إنّ حملت على الظاهر من أنّه توضّأ وصلّى ناسياً فهي مستحبة لدلالة الأخبار على صحة الوضوء ، وإعادة الصلاة قد سمعت القول فيها سابقاً ، وإنّ حملت على قول الشيخ فإعادة الصلاة مطلقاً محتملة اللزوم لإعادة الوضوء ، ومحتملة للاختصاص بالوقت لما يظهر من العلاّمة في المختلف أنّ في البين خلافاً(١) ، غير أنّ المنقول فيه عن الشيخ أنّه قائل بأنّ المتوضّي بالماء النجس إذا لم يعلم بالنجاسة يعيد في الوقت فقط(٢) ، وكذلك نقل عن ابن الجنيد(٣) ، وحينئذٍ ربما يختص الحكم بالوضوء بالماء النجس دون الصلاة مع عدم الوضوء ، ولو نظر في القول إلى أنّ القضاء يتوقف على أمر جديد أمكن الاتحاد في الأمرين ، إلاّ أنّه محل بحث.

وقول الشيخرحمه‌الله هنا : أمّا إذا توضّأ ونسي غسل الذكر لا غير لم يجب عليه إعادة الوضوء. لا يخفى أنّ خبر عمار السابق ينافيه ، لتضمنه إعادة الوضوء ، وكان على الشيخ التنبيه على دفع المنافاة.

وأمّا الخبر الذي استدل به على عدم إعادة الوضوء(٤) فلا يخلو متنه من إجمال ، بل الظاهر أنّ فيه نقصاً ، لأنّ السؤال لم يتضمن ذكر الوضوء والصلاة ، فإنّ كان المراد فعلهما عمداً فإعادة الصلاة يراد بها مطلقاً ، وإلاّ‌

__________________

(١) المختلف ١ : ٧٤.

(٢) المختلف ١ : ٧٤.

(٣) المختلف ١ : ٧٦.

(٤) المتقدم في ص ٣٤٥.


فالحكم ما تقدم ، والرواية في التهذيب(١) كما هنا.

والحكم بن عتيبة المذكور عاميّ ، وعتيبة بالعين المهملة المضمومة والتاء الفوقانية والياء المثناة من تحت والباء الموحدة.

قال :

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أيوب بن نوح ، عن محمّد بن أبي حمزة عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضّأ وضوء الصلاة ، فقال : « يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه ».

سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن العباس بن معروف ، عن علي ابن مهزيار ، عن محمّد بن يحيى الخزاز ، عن عمرو بن أبي نصر قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يبول فينسى أنّ يغسل ذكره ويتوضّأ ، قال : « يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه ».

السند :

في الأوّل : قد تقدم ، وذكرنا أنّ محمّد بن أبي حمزة هو ابن الثمالي على الظاهر(٢) .

وأمّا الثاني : ففيه محمّد بن يحيى الخزاز ولم يتقدم له ذكر وهو ثقة.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٨ / ١٣٧ ، الوسائل ١ : ٢٩٤ أبواب نواقض الوضوء ب ١٨ ح ٤.

(٢) في ص ١٤ ١٤١.


المتن :

في الخبرين ظاهر الدلالة على عدم إعادة الوضوء ، غير أنّ حكم الاستبراء وخروج شي‌ء أم لا ، لا تعرض في الخبرين له ، فلا يخرج عن الإطلاق ، والمقيد موجود كما سيأتي.

قال :

فأمّا ما رواه سعد(١) ، عن موسى بن الحسن ، والحسن بن علي ، عن أحمد بن هلال ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يتوضّأ وينسى أنّ يغسل ذكره وقد بال ، فقال : « يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة ».

فهذا الخبر يمكن أنّ يحمل(٢) على من نسي غَسل ذكره بالماء ثم ذكر وقد عَدُم الماء جاز أنّ يستبيح الصلاة بما تقدم من الاستنجاء بالأحجار ولا يلزمه إعادة الصلاة (٣) يصليها بعد ذلك والحال على ما وصفناه ، فإذا وجد الماء وجب عليه إعادة غسل الموضع ( ولا يجب عليه ) (٤) إعادة الصلاة التي صلاّها عند عدم الماء.

السند‌

فيه موسى بن الحسن ، والظاهر أنّه ابن عامر الثقة لأنّه في هذه‌

__________________

(١) الاستبصار ١ : ٥٤ / ١٥٧ « ج » : وسعد بن عبد الله.

(٢) في الاستبصار ١ : ٥٤ / ١٥٧ : نحمله.

(٣) في الاستبصار ١ : ٥٤ / ١٥٧ : صلاة.

(٤) في الاستبصار ١ : ٥٤ / ١٥٧ بدل ما بين القوسين يوجد : ولا يلزمه.


المرتبة ، وفي الرجال غيره ليس بموثق إلاّ أنّه بعيد عن هذا ، والفائدة قليلة بعد وجود أحمد بن هلال فإنّ حاله بالضعف غنية عن البيان.

وأمّا الحسن بن علي فهو مشترك(١) ، ولا يبعد أنّ يكون ابن علي بن النعمان ، لأنّ الراوي عنه الصفار وهو في مرتبة سعد ، إلاّ أنّ احتمال غيره قائم.

المتن :

على تقدير العمل به يدل على أنّ الناسي لا إعادة عليه كما تقدم القول فيه ، وبتقدير عدم العمل فهو مؤيّد ، وكلام الشيخ في توجيهه لا يخرج عن ربقة التكلّف التّام ، وما ذكره من الاستنجاء بالأحجار غير ظاهر الوجه ، فإنّ عدم القدرة على إزالة النجاسة إذا أباح الصلاة لا فرق بين الأحجار وغيرها ، إلاّ أنّ الشيخ سيأتي منه ما يدل على أنّ الأحجار لها نوع خصوصية ، وستسمع القول في ذلك.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن منصور بن حازم ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام في الرجل يتوضّأ فينسى غَسل ذكره ، قال : « يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء ».

فمحمول على الاستحباب والندب بدلالة الأخبار المتقدمة التي تضمنت أنّه لا يجب عليه إعادة الوضوء ، ولا يجوز التناقض في‌

__________________

(١) هداية المحدثين : ١٩٠.


أقوالهم.

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن جعفر بن بشير البجلي ، عن حماد بن عثمان ، عن عمار ابن موسى قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « لو أنّ رجلاً نسي أنّ يستنجي من الغائط حتى يصلّي لم يعد الصلاة ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه نسي أنّ يستنجي بالماء وإنّ كان قد استنجى بالأحجار إنّه إذا كان كذلك لم(١) يلزمه إعادة الصلاة.

السند‌

في الأول : ليس فيه ارتياب إلاّ من جهة سليمان بن خالد ، إلاّ أنّ من عاصرناه من مشايخنا(٢) لم يتوقف فيه ، واحتمال كونه غير ابن خالد الأقطع بعيد ، بل يكاد أنّ يقطع بنفيه ، وغير ابن خالد الأقطع قد ذكره الشيخ في رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه مهملاً(٣) .

ويخطر الآن في البال إمكان أنّ يقال : إنّ سليمان بن خالد الأقطع لا يضر بحاله خروجه مع زيد ، إذ خروج زيد على ما يظهر من بعض الأخبار أنّه لم يخالف المشروع :

فقد روى الكليني في الروضة عن علي بن إبراهيم ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيص بن القاسم ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « عليكم بتقوى الله » إلى أنّ قال : « ولا تقولوا خَرَجَ زيد ، فإنّ زيداً كان عالماً وكان‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٥٥ / ١٥٩ : لا.

(٢) انظر منهج المقال : ١٧٣.

(٣) رجال الطوسي : ٣٥١ / ١٤.


صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد ولو ظهر لَوَفى بما دعاكم إليه ، إنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه »(١) .

وهذا الحديث في ظاهر الحال لا ريب فيه ، غير أنّ الاعتبار يشهد بأنّ رواية علي بن إبراهيم عن صفوان بعيدة جدّاً ، بل الظاهر أنّ الرواية بواسطة أبيه ، لكن الذي رأيته من النسخة ما ذكرته ، وعلى تقدير الأب فالرواية حسنة.

وفي البال أنّ في الجزء الأوّل من الكافي حديثاً صحيحاً دالاًّ على أنّ زيداً ادّعى الإمامة أو خطرت في نفسه(٢) ، فالتعارض موجود ، والحسنة على تقدير ما ذكرناه لا تكافئ الصحيحة.

ولو بنينا على ظاهر الرواية التي نقلناها من الروضة تعارضت الصحيحتان ، وغير بعيد توجيه الجمع بأنّ زيداً في أوّل الأمر خطر في باله الشك ثم زال ، ووقت الخروج لم يكن ذلك الشك.

وفي الثاني : فيه عمار بن موسى فهو موثق على ما تقدم(٣) .

المتن :

في الأوّل : كما قاله الشيخ محمول على الاستحباب.

وفي الثاني : ما ذكره الشيخ غير تامّ فيه ، لأنّ من استنجى بالأحجار الجامعة للشرائط لا وجه لقول الإمام ابتداءً فيه ما قاله ، ومع فقد الشرائط أو‌

__________________

(١) الروضة من الكافي ٨ : ٢٦٤ / ٣٨١ ، الوسائل ١٥ : ٥٠ أبواب جهاد العدو وما يناسبه ب ١٣ ح ١.

(٢) أُصول الكافي ١ : ٣٥٦ / ١٦.

(٣) المتقدمة في ص ٧٧ ٧٨.


بعضها لا تأثير للأحجار ، واحتمال أنّ يريدعليه‌السلام التنبيه على أنّ الأحجار مطهرة لا يقتضي التعبير بهذا النحو كما هو واضح.

ولعلّ الأولى حمله على ظاهره من عدم الإعادة ، وما دلّ على الإعادة يحمل على الاستحباب ، أو يحمل عدم الإعادة على خارج الوقت ، ولا يخفى بعده.

وذكر شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيّده الله في فوائده على الكتاب ما هذا لفظه : ينبغي قراءة « أنّ » في : وأنّ كان ، بفتح الهمزة وإنّ كان تركه أولى فافهم. انتهى. وينبغي اتباع أمره.

قال :

ويزيد ذلك بياناً. ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « لا صلاة إلاّ بطهور ويجزؤك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، بذلك جرت السنة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا البول فلا بُدّ(١) من غسله ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليهما‌السلام قال : سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنّه لم يستنج من الخلاء ، قال : « ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة ، وإنّ ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك ولا إعادة عليه ».

فالوجه فيه أيضاً ما ذكرناه من أنّه إذا ذكر أنّه لم يستنج بالماء‌

__________________

(١) في الاستبصار ٥٥ / ١٦٠ : فإنّه لا بُدّ.


وإنّ كان قد استنجى بالحجر فحينئذٍ يستحب له الانصراف من الصلاة ما دام فيها ويستنجي بالماء ويعيد الصلاة ، وإذا انصرف منها لم يكن عليه شي‌ء ، ولو كان لم يستنج أصلاً لكان عليه إعادة الصلاة على كل حال انصرف أو لم ينصرف على ما بيناه.

السند‌

في الخبرين ليس فيه ارتياب بعد ما قدّمناه.

المتن :

في الأول استدل به القائلون باعتبار العدد في الأحجار(١) ، وبعض القائلين بالاكتفاء بما يحصل به النقاء حمله على الاستحباب ، أو على أنّ الغالب عدم حصول النقاء بما دون الثلاثة(٢) وقد تقدم كلام في هذا(٣) .

والظاهر أنّ الإجزاء الوارد في هذا الخبر بالنسبة إلى الماء ، واستدل به على أكملية الماء على الأحجار ، وله وجه ، وإنّ كان للمناقشة في ثبوت الاستحباب بمجرد هذا مجال.

ثم القائلين بالتعدد صرح بعضهم بأنّ ، النقاء لو حصل بدون الثلاثة وجب الإكمال تعبّداً(٤) .

__________________

(١) نقله عنهم السيّد العاملي في مدارك الأحكام ١ : ١٦٨.

(٢) منهم العلاّمة في المختلف ١ : ١٠١ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ٩٢ ، وصاحب المدارك ١ : ١٦٩.

(٣) في ص ٣٣٨ ٣٤٠.

(٤) منهم الحلي في السرائر ١ : ٩٦ ، والمحقق في الشرائع ١ : ١١ ، والشهيد الثاني في روض الجنان : ٢٤.


ونقل في المختلف عن الشيخ أنّه قال : إذا طهر المحل بدون الثلاثة استعمل الثلاثة سنّةً ، وقال في المبسوط : الثلاثة عبادة ، ونقل ابن إدريس عن المفيد جواز الاقتصار على الواحد لو نقي المحل به ، وأوجب ابن إدريس استعمال الثلاثة وإنّ نقي بدونها. هذه عبارة المختلف ، ثم قال : والوجه اختيار الشيخ إنّ قصد الاستحباب كما ذهب إليه المفيد ، لنا أنّ القصد إزالة النجاسة وقد حصل فلا يجب الزائد ، ولأنّ الزائد لا يفيد تطهيراً. لأنّ الطهارة حصلت بالإزالة لعين النجاسة الحاصلة بالحجر الأوّل فلا معنى لإيجاب الزائد(١) . انتهى.

وأنت خبير بما في هذا الاستدلال من النظر.

ولا يخفى صراحة الخبر المبحوث عنه في الثلاثة أحجار ، فلو استعمل ذو الجهات الثلاثة لا يصدق عليه الثلاثة أحجار.

وذهب العلاّمة في المختلف إلى الإجزاء ، مستدلاً بأنّ المراد ثلاث مسحات كما لو قيل : اضربه عشر ضربات بسوط ؛ ولأنّ المقصود إزالة النجاسة وقد حصل ؛ ولأنّها لو انفصلت لأجزأت فكذا مع الاتصال(٢) . انتهى ملخصاً ، وجوابه أظهر من أنّ يخفى.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأصحاب الذين رأينا كلامهم ذكروا أنّه يعتبر في أداة الاستجمار الطهارة فلا يجزئ النجس.

قال في المنتهى : إنّ هذا الاعتبار عند علمائنا أجمع ، واحتجّ له مع ذلك بقول أبي عبد اللهعليه‌السلام في رواية مرسلة : « جرت السنّة في الاستنجاء‌

__________________

(١) المختلف ١ : ١٠٢ بتفاوت يسير.

(٢) المختلف ١ : ١٠١.


بثلاثة أحجار أبكار »(١) .

قال : وهذه الرواية وإنّ كانت مرسلة إلاّ أنّها موافقة للمذهب لأنّه إزالة للنجاسة فلا يحصل بالنجس(٢) انتهى.

وكأنّه فهم من الأبكار غير النجسة ، وربما يظن أنّها غير المستعملة وإنّ كانت طاهرة ، ولعلّه لا إشكال في الاستعمال مع الطهارة وإنّ استعمل ، فإنّ العلاّمة قال في المنتهى : لو استجمر بحجر ثم غسله جاز الاستجمار به ثانياً ؛ لأنّه حجر يجزئ غيره الاستجمار به فأجزأه كغيره قال : ويحتمل على قول الشيخ عدم الإجزاء(٣) . وأرادرحمه‌الله بقول الشيخ اعتبار التعدّد لا كونه مستعملاً ، كما يظهر من كلامه لمن راجعه.

واعتبر أيضاً في الأداة أنّ تكون جافّة ، كما ذكره جماعة(٤) ، واحتجّ له العلاّمة في النهاية بأنّه مع الرطوبة ينجس البلل الذي عليها بإصابة النجاسة له ، ويعود شي‌ء منه إلى محل النجو ، فيحصل عليه نجاسة أجنبية ، فيكون قد استعمل النجس ـ إلى أنّ قال ـ : ويحتمل الإجزاء ، لأنّ البلل ينجس بالانفصال كالماء الذي يغسل به النجاسة لا بإصابة النجاسة(٥) .

وفي هذا الوجه نظر واضح ، وأمّا الوجهان الأوّلان ففيهما أنّ عود شي‌ء من البلل إلى محل النجو إنّما يكون مع زيادة الرطوبة.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤٦ / ١٣٠ ، الوسائل ١ : ٣٤٩ أبواب أحكام الخلوة ب ٣٠ ح ٤.

(٢) المنتهى ١ : ٤٦ بتفاوت يسير.

(٣) المنتهى ١ : ٤٦ بتفاوت يسير.

(٤) منهم العلاّمة في المنتهى ١ : ٤٦ ، والشهيد الثاني في الروضة البهية ١ : ٨٣ ، وصاحب معالم الفقه : ٤٤٩.

(٥) نهاية الإحكام ١ : ٨٨ بتفاوت يسير.


وفي التذكرة وجّه اشتراط الجفاف بأنّ الرطب لا ينشف المحل(١) .

وفيه : أنّه لا يتم في غير المسحة الأخيرة ، لأنّ الرطوبة حينئذٍ موجودة إلاّ أنّ يقال : إنّ الرطوبة الخارجية هي المضرة بالحال ، فتأمّل.

قال :

ويزيد ذلك بياناً ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن زرعة ، عن سماعة قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم تهرق الماء ثم توضّأت ونسيت أنّ تستنجي فذكرت بعد ما صلّيت فعليك الإعادة ، فإنّ كنت أهرقت الماء فنسيت أنّ تغسل ذكرك حتى صلّيت فعليك إعادة الوضوء والصلاة وغَسل ذكرك لأنّ البول مثل البراز ».

السند‌

قد تكرر القول فيه بما يغني عن الإعادة.

المتن :

قوله : « فلم تهرق الماء » يراد به البول ، ولا يخفى دلالة الحديث على غير مطلوب الشيخ من وجه وإنّ دل من وجه آخر ، فإنّ إعادة الوضوء لمن لم يستنج من البول لا يقول به الشيخ بل يحمله على الاستحباب ، وإذا دل‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ١٢٧.


على الاستحباب يقرب دلالته على الاستحباب في إعادة الصلاة أيضاً ، واحتمال أنّ يقال : إنّ إعادة الوضوء إنّما حملت على الاستحباب للمعارض ، يقال مثله في الصلاة ، فالتأييد غير واضح.

أمّا قوله : « إنّ البول مثل البراز » فلم يتضح معناه ، بل الظاهر أنّه ليس مثل البراز ، كما يستفاد من سياق الرواية إنّ أُريد بالبراز الغائط(١) ، وإنّ أُريد غيره فلم أعلمه الآن.

قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة ، عن العباس بن عامر القصباني ، عن المثنى الحناط ، عن عمرو بن أبي نصر قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي صلّيت فذكرت أنّي لم أغسل ذكرى بعد ما صلّيت أفأُعيد؟ قال : « لا ».

فالوجه في قولهعليه‌السلام « لا » أنّ نحمله على أنّه لا يجب عليه إعادة الوضوء ، لأنّه إنّما يجب(٢) إعادة غَسل الموضع ، وليس في الخبر أنّه لا يجب عليه إعادة الصلاة ، والذي يدل على هذا التأويل ما تقدم من الأخبار.

ويزيد ذلك بياناً.

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة قال : توضّأت يوماً ولم أغسل ذكرى ثم صلّيت فسألت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فقال : « اغسل ذكرك وأعد صلاتك ».

فأوجب إعادة الصلاة وغَسل الموضع على ما فصّلناه.

__________________

(١) كتاب العين ٧ : ٣٦٤ ( برز ).

(٢) في الاستبصار ١ : ٥٦ / ١٦٣ : يجب عليه.


السند :

في الأوّل كما ترى الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة في بعض النسخ وهو ثقة ، وفي بعض النسخ عن الحسن بن علي عن عبد الله بن المغيرة ، والحسن حينئذٍ مشترك(١) .

والمثنى الحناط مشترك بين ابن عبد السلام وابن الوليد ، وهو غير موثق على التقديرين(٢) .

المتن :

ظاهر في عدم إعادة الصلاة ، وفيه تأييد لما قدّمناه من الحمل على الاستحباب فيما يتضمن الإعادة.

وما قاله الشيخ في تأويله من إرادة إعادة الوضوء ، في غاية البعد ؛ وما ذكره من الرواية الدالة على تأويله قد تقدم القول فيها.

وقول الشيخ : إنّها دالة على وجوب إعادة الصلاة. متوجه لو سلمت من المعارض ، وقد مضى منه ما فيه كفاية.

وبالجملة : فأمر الشيخ في هذه المسألة غريب كما يعلم بالتأمّل الصادق ، والله سبحانه العالم بالحقائق.

قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن الهيثم بن أبي‌

__________________

(١) هداية المحدثين : ١٩٠.

(٢) هداية المحدثين : ١٣٦.


مسروق النهدي ، عن الحكم بن مسكين ، عن سماعة قال : قلت لأبي الحسن(١) عليه‌السلام : إنّي أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجي‌ء منّي من البلل ما يفسد سراويلي ، قال : « ليس به بأس ».

فليس بمناف لما قلناه : من أنّ البول لا بُدّ من غسله. لشيئين :

أحدهما : أنّه يجوز أنّ يكون ذلك مختصاً بحال لم يكن فيها واجداً للماء ، فجاز له حينئذٍ الاقتصار على الأحجار.

والثاني : أنّه ليس في الخبر أنّه قال : يجوز له استباحة الصلاة بذلك وإنّ لم يغسله ، وإنّما قال : « ليس به بأس » يعني بذلك البلل الذي يخرج منه بعد الاستبراء ، وذلك صحيح لأنّه المذي ، وذلك طاهر على ما نبيّنه فيما بعد إنّ شاء الله.

السند‌

فيه الهيثم وقد تقدم القول فيه وأنّه غير ثقة(٢) ، والحكم بن مسكين مهمل في الرجال(٣) .

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من تأمّل ، أمّا أوّلاً : فلما تقدم من الخبر عن زرارة : أنّ البول لا بُدّ من غسله ،(٤) والخبر الآتي كذلك ، حيث دل على‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٥٦ / ١٦٥ يوجد : موسى.

(٢) في ص ٣١٩.

(٣) رجال النجاشي : ١٣٦ / ٣٥٠ ، رجال ابن داود : ٨٣ / ٥١٤.

(٤) في ص ٣٥٨.


أنّه لا يجزئ من البول إلاّ الماء(١) .

وأمّا ثانياً : فلأنّ الاستدلال على الاكتفاء بالأحجار للضرورة إنّ كان بهذا الخبر ففيه احتمال أنّ يراد بنفي البأس عدم نقض الوضوء لا الطهارة للماء الخارج.

وأمّا ثالثاً : فقوله في الوجه الثاني : إنّ المذي طاهر. مسلّم لكن احتمال النجاسة لعدم طهارة المحل ، ولو سلّم طهارة المحل بالأحجار تمّ الأوّل ، فلا وجه لعدم استباحة الصلاة.

وقد روى الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه ، قال : « يغسل ذكره وفخذيه »(٢) .

وهذا الخبر ربما يظنّ أنّه مناف لما قاله الشيخرحمه‌الله هنا غير أنّ احتمال أنّ يقال : العلّة في غسل الفخِذ المسح بحجر واحد ، فلا يدلّ على حكم المسح بالأحجار ، له وجه.

وقد ذكر المحقق في المعتبر والعلاّمة في المنتهى(٣) : أنّه إذا لم يجد الماء لغَسل مخرج البول أو تعذر استعماله لمانع كالجرح أجزأه مسحه بما يزيل عين النجاسة كالحجر والخرق والكرسف وشبهه ، لأنّه يجب إزالة النجاسة وأثرها ، وإذا تعذرت إزالة النجاسة بقيت إزالة العين.

وهذا الكلام محل نظر ، لكنه لا يدل على الطهارة بالحجر ونحوه لمحل البول ، بل العلاّمة صرّح في المنتهى بأنّه لو وجد الماء بعد ذلك‌

__________________

(١) في ص ٣٦١.

(٢) التهذيب ١ : ٤٢١ / ١٣٣٣ ، الوسائل ٣ : ٤٤١ أبواب النجاسات ب ٢٦ ح ١.

(٣) المعتبر ١ : ١٢٦ ، المنتهى ١ : ٤٣.


غسله. وكون مذهب الشيخ ما ذكره هنا محل تأمّل ؛ لما كرّرنا فيه القول من اضطراب الشيخ في هذا الكتاب.

قال :

والذي يدل على أنّه لا بُدّ في البول من الماء زائداً على ما تقدم :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن أبان بن عثمان ، عن بريد بن معاوية ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « يجزئ من الغائط المسح بالأحجار ، ولا يجزئ من البول إلاّ الماء ».

والذي يدل على التأويل الأوّل :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن خالد ، عن عبد الله بن بكير قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط ، قال : « كل شي‌ء يابس ذكي ».

السند‌

في الأوّل : فيه القاسم بن محمّد الجوهري وقد كررنا ذكره(١) .

والثاني : فيه محمّد بن خالد وهو مشترك(٢) ، ( وعبد الله بن بكير مشهور ، قال الشيخرحمه‌الله : إنّه ثقة فطحي(٣) . والنجاشي لم يذكر الأمرين(٤) ،

__________________

(١) في ص ١٧٣ ، ٢٧٠.

(٢) هداية المحدثين : ٢٣٧.

(٣) الفهرست : ١٠٦.

(٤) رجال النجاشي : ٢٢٢.


وفي الكشي نقل الإجماع على تصحيح ما يصح عنه(١) ، وفي ظني أنّ عدم تعرّض النجاشي لشي‌ء ممّا ذكر فيه منه(٢) عدم ثبوته عنده وهو ثبت في الرجال ، فليتأمّل )(٣) .

المتن :

في الأوّل : ظاهره تعيّن الماء للبول ، فهو مؤيّد لغيره من الأخبار.

وأمّا الثاني : ففي دلالته على مطلوب الشيخ نظر إنّ عنى الطهارة ، وإن قصد عدم تنجيس غير محل البول مع الجفاف كما يدل عليه كلامه أوّلاً حيث لم يجوّز الصلاة مع استعمال الحجر وإنّ كان آخر كلامه يدل على خلافه أمكن تسليم دلالة الخبر على ذلك ، لأنّ قوله : « كل شي‌ء يابس ذكيّ » لا وجه لأنّ يراد أنّ كل يابس مطهِّر أو طاهر ؛ ضرورة أنّ الأعيان النجسة والمنجّسة لا تطهّر ، بل الظاهر من كونه ذكيا أنّه لا ينجّس غيره مع الجفاف بنوع من التجوز.

ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره الوالدقدس‌سره : من أنّ [ عدم(٤) ] طهارة البول بالأحجار ليس بموضع خلاف بين الأصحاب معروف. لا يتوجه عليه أنّ كلام الشيخ ينافي ذلك ، فليتأمّل.

اللغة :

قال في النهاية في حديث محمّد بن علي « ذكاة الأرض يبسها » :

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣.

(٢) كذا ، ولعل الأنسب : قرينة.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض » و « رض ».

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى ، فإنّ المتفق عليه عدم الطهارة ، راجع معالم الفقه : ٤٤٧.


يريد طهارتها من النجاسة ، جعل يبسها من النجاسة الرطبة في التطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإحلال ، لأنّ الذبح يطهّرها ويحلّ أكلها(١) .

قال :

باب النهي عن استقبال الشعر في غسل الأعضاء‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد ابن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن أُذينة (٢) ، عن بكير وزرارة ابني أعين أنّهما سألا أبا جعفر عليه‌السلام عن وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدعا بطشت أو بتور (٣) فيه ماء فغسل كفيه ثم غمس كفه اليمنى في التور فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه ، ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفقين ، ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكف لا يرد الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى ، ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدّد ماءً.

السند‌

فيه عثمان بن عيسى المانع من وصفه بالموثق ، كما بينا وجهه فيما سبق(٤) .

__________________

(١) النهاية لابن الأثير ٢ : ١٦٤ ( ذكا ).

(٢) الإستبصار ١ : ٥٧ / ١٦٨ في « ج » : عمر بن أذينة.

(٣) التور : بالفتح والسكون : إناء صغير من صفر أو حجارة كالاجانة وقد يتوضأ منه النهاية لابن الأثير ١ : ١٩٩ ( تور ).

(٤) في ص ٧٠ ٧٢.


( وينبغي أنّ يعلم أنّ الثقة الجليل محمّد بن يعقوب روى هذا الحديث عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر ابن أُذينة ، عن زرارة وبكير أنّهما سألا أبا جعفرعليه‌السلام وذكر الحديث ، وزاد فيه بعد ما نقلناه مع مغايرة في المتن المذكور هنا لا تضرّ بالحال ، والزيادة طويلة ، والمهم(١) منها أنّه قالعليه‌السلام : « فإذا مسح بشي‌ء من رأسه أو بشي‌ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه » قال : فقلنا : أيّ(٢) الكعبان؟ قال : « ها هنا » يعني المفصل دون عظم الساق ، فقلنا : هذا ما هو؟ فقال : « هذا من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك » فقلنا : أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال : « نعم إذا بالغت(٣) ، والثنتان تأتيان على ذلك كله »(٤) .

وسيجي‌ء من الشيخ رواية ما تضمنه الحديث من الأحكام بطرق أُخر فروى قولهعليه‌السلام : « إذا مسح بشي‌ء من رأسه » عن الشيخ ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، وأبيه محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة وبكير(٥) .

وروى قوله : فقلنا أصلحك الله فالغرفة الواحدة ، بطريقه عن محمّد ابن يعقوب ، وبسائر الطريق المتقدم عن الكافي(٦) .

__________________

(١) في « رض » : والمقصود.

(٢) في الكافي ٣ : ٢٦ / ٥ : أين.

(٣) في الكافي ٣ : ٢٦ / ٥ يوجد : فيها.

(٤) الكافي ٣ : ٢٥ / ٥ ، الوسائل ١ : ٣٨٨ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٣.

(٥) الاستبصار ١ : ٦١ / ١٨٢.

(٦) الاستبصار ١ : ٧١ / ٢١٦.


وهذا قد يتعجب من وقوعه من الشيخ ، حيث فرّق الحديث بأسانيد مختلفة ، مع أنّه في الكافي بطريق واحد.

لكن الذي يظهر من الشيخرحمه‌الله أنّه لا ينظر إلى صحة الطريق ، بل إلى المتن ، وإنّما يذكر الطريق لئلاّ يدخل الخبر في حيّز الإرسال ، ولو لا هذا لكان طريق الكافي أولى في الذكر من بعض الطرق المذكورة هنا كالمبحوث عنه.

ولا يخفى على الناظر فيما قلنا أنّ الخبر يمكن إرجاعه إلى سند معتبر ، فلا يضر ضعف بعض الطرق ، وهذا في كلام الشيخ كثير ، إلاّ أنّه موقوف على زيادة تتبّع وقد [ ضاعت بسببه(١) ] أحاديث كثيرة من كتابي الشيخ بسبب ضعف الإسناد وإثبات(٢) الشيخ للطريق الضعيف )(٣) .

المتن :

لا ريب أنّ ما تضمنه من كونهعليه‌السلام دعا بطست يدل على أنّ الاستدعاء ليس مكروهاً ، لتنزههمعليهم‌السلام عن فعل المكروه ، إلاّ أنّ يقال : إنّ فعله لبيان الجواز.

والموجود في كلام من رأينا كلامه كراهة الاستعانة ، وظاهرها طلب الإعانة ، إلاّ أنّ شُرّاح مثل هذه العبارة قالوا : ويتحقق الإعانة بصبّ الماء في اليد ليغسل المتوضّئ به(٤) . وهذا لا يفيد الحصر.

__________________

(١) في « رض » : صاعت ستة ، وفي « فض » : صاعت شسه ، والظّاهر ما أثبتناه.

(٢) في « رض » : وإيثار.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « د ».

(٤) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان : ٤٢ ، وصاحب المدارك ١ : ٢٥١ ، والشيخ البهائي في الحبل المتين : ١١.


وصرح شيخناقدس‌سره في المدارك بأنّ الاستعانة تتحقق بنحو إحضار الماء(١) .

وقد يتوجه عليه أنّ الأخبار المعتبرة وردت باستدعاء الماء وإنّ لم يكن هذا الخبر منها ، ولعلّ ما قلناه من بيان الجواز هو الجواب.

ثم ما تضمّنه الخبر من غسل الكفّين يدل على ما قاله المتأخّرون : من استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء(٢) ، والأخبار المعتبرة التي تقدمت إنّما دلّت على غَسل اليمنى(٣) .

ولا يخفى عدم صلاحية هذه الرواية إلاّ بتقدير التساهل في أدلّة السنن.

وما قد يقال : إنّ هذه الرواية تدل على غَسل الكفّين أمّا أنّه قبل إدخالهما الإناء فلا. فدفعه أنّ الظاهر من قوله : ثم غمس كفه اليمنى في التور ، أنّ غَسل الكفّين لم يكن إلاّ بالإدخال في التور ، وإنّ كان باب الاحتمال واسعاً.

أمّا ما تضمّنه من الاستعانة باليد اليسرى ففيه مخالفة للأخبار المعتبرة(٤) وما عليه الأصحاب(٥) .

ولا أدري الوجه في عدم تعرض الشيخ لذلك ، أمّا من لا يعمل بالخبر فهو في راحة من التوجيه ، ولعل المراد بالاستعانة باليسرى وضع‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٢٥١.

(٢) منهم العلاّمة في المنتهى ١ : ٤٨ ، والشهيد الثاني في روض الجنان : ٤١ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ١ : ١١٧.

(٣) راجع ص ٣٣٢.

(٤) الوسائل ١ : ٣٨٧ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٢ ١٠.

(٥) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٦٤ ، والكركي في جامع المقاصد ١ : ٢٢٩ ، وصاحب المدارك فيه ١ : ٢٤٥.


الكف فوق الكف لا الغَسل بالكفّين ، إلاّ أنّ الخبر عرفت حاله ، فالكلام فيه أكثر من هذا لا فائدة فيه.

اللغة :

قال ابن الأثير(١) في كتاب أحكام الأحكام : التور بالتاء المثناة هو الطست ، والطست بكسر الطاء وفتحها وبإسقاط التاء لغات. وفي الحبل المتين : يروى بالسين والشين المعجمة(٢) .

قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن العباس ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن حماد بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بمسح الوضوء مقبلاً ومدبراً ».

فهذا الخبر مخصوص بمسح الرِّجلين ، لأنّه يجوز استقبالهما واستدبارهما والذي يدل على ذلك :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس قال : أخبرني من رأى أبا الحسنعليه‌السلام بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم.

السند‌

في الأوّل : لا ريب فيه على الظاهر ، لما تقدم من أنّ العباس هو‌

__________________

(١) في « د » : قال بعض محقّقي المخالفين.

(٢) الحبل المتين : ١٨.


الثقة(١) ، وفي الثاني : محمّد بن عيسى عن يونس ، وجهالة الرائي لأبي الحسنعليه‌السلام .

المتن :

ظاهر الأوّل جواز المسح مقبلاً ومدبراً في الوضوء الشامل للرأس والرِّجلين.

والخبر المفتتح به الباب لا ينافيه بوجه.

والذي استدل به الشيخ على تخصيص الرِّجلين لا يدل على ذلك ، بل هو دال على ما يوافق بعض مدلولات الخبر المعتبر ، ولا أدري كيف اشتبه الحال على الشيخ مع الظهور.

وفي خبر معدود من الصحيح عن حماد أيضاً عنهعليه‌السلام أنّه قال : « لا بأس بمسح القدمين مقبلاً ومدبراً »(٢) .

وينقل عن ظاهر ابن بابويه والمرتضى وجوب الابتداء من رؤوس الأصابع(٣) .

وعن ابن إدريس أنّه قطع به جعلاً لـ( إلى ) في الآية الشريفة لإنهاء المسح لا الممسوح(٤) .

وفيه : أنّه لا دليل على تعيّن إنهاء المسح في الآية ، بل احتمال الممسوح قائم إذا قطع النظر عن الأخبار.

__________________

(١) في ص ٦٤.

(٢) التهذيب ١ : ٨٣ / ٢١٧ ، الوسائل ١ : ٤٠٦ أبواب الوضوء ب ٢٠ ح ٢.

(٣) حكاه في المختلف ١ : ١٢٧.

(٤) السرائر ١ : ٩٩.


وفي المختلف نقل عن ابن إدريس أنّه قال : إنّ الاستقبال مكروه. وعن ابن حمزة أنّه أوجب ترك الاستقبال. وعن السيّد المرتضى أنّه قال : الفرض مسح مقدم الرأس من غير استقبال الشعر.

ثم استدل العلاّمة على جواز الأمرين بخبر حماد ، وبصدق الامتثال ، ثم قال : احتجّوا بأنّه مستقبل للشعر فيكون منهياً عنه.

وأجاب بما حاصله تسليم المنع في شعر اليدين ، أمّا مسح الرأس فلا.

ونقل عن السيّد أنّه احتجّ بأنّ من مسح مقدم رأسه من غير استقبال الشعر مزيل للحدث ، والخلاف واقع في العدول عنه فيجب فعل المتيقن(١) ، ولا يخفى حال هذا الاستدلال ، وبالجملة فالحكم لا ريب فيه ، والله تعالى أعلم.

ثم إنّ الرواية الأخيرة لا يخلو قوله فيها : من أعلى(٢) القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم ، من خلل غير خفيّ ، وكأنّ المراد من الكعب إلى الأصابع ، لكن الحديث حاله معلومة.

قال :

باب النهي عن استعمال الماء

الجديد لمسح الرأس والرِّجلين.

أخبرني أبو الحسين بن أبي جيد القمي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير وفضالة ، عن جميل ، عن زرارة بن أعين قال :

__________________

(١) المختلف ١ : ١٢٤ بتفاوت يسير.

(٢) في « رض » زيادة : من.


حكى لنا أبو جعفرعليه‌السلام وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفّاً من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه ثم مسح بيده(١) الجانبين جميعاً ، ثم أعاد اليسرى في الإناء فأسدلها على اليمنى ثم مسح جوانبها ، ثم أعاد اليمنى في الإناء ثم صبّها على اليسرى وصنع بها كما صنع باليمنى ، ثم مسح ببلّة ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء.

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، وفضالة بن أيوب ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة الحذّاء قال : وضّأت أبا جعفرعليه‌السلام بجمع (٢) وقد بال فناولته [ ماءً ] (٣) فاستنجى ، ثم صببت عليه كفاً فغسل وجهه وكفّاً غسل بها (٤) ذراعه الأيمن وكفّاً غسل بها (٥) ذراعه الأيسر ، ثم مسح بفضل الندى رأسه ورجليه.

السند‌

في الأوّل معدود في الصحيح نظراً إلى ما قلناه سابقاً.

وفي الثاني الفضيل بن عثمان ، والنجاشي إنّما ذكر الفضل بن عثمان ووثقه(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٥٨ / ١٧١ يوجد : اليمنى ، وفي الهامش : زيادة في « د ».

(٢) في المصباح المنير ١ : ١٠٨ : ويقال لمزدلفة : جمع ، وفي القاموس المحيط ٣ : ١٤ : وبلا لام المزدلفة ، ويوم جمع يوم عرفة ، وأيام جمع أيام منى.

(٣) ما بين المعقوفين أضفناه من الاستبصار.

(٤) في الاستبصار ١ : ٥٨ / ١٧٢ : به.

(٥) في الاستبصار ١ : ٥٨ / ١٧٢ : به.

(٦) رجال النجاشي : ٣٠٨ / ٨٤١.


وابن داود قال : إنّه رأى بخط الشيخ في كتاب الرجال : الفضيل مصغّراً ، وأنّه ابن أُخت علي بن ميمون المعروف بأبي الأكراد(١) .

والنجاشي ذكر في الفضل هذا الذي قاله ابن داود(٢) . والظاهر الاتحاد.

المتن :

لا يخفى أنّ ظاهر قوله في الخبر الأوّل : وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . المراد به الوضوء الذي كان مستمراً عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحينئذٍ يندفع بعض الإشكالات الواردة على الاستدلال بالحديث للبدأة بالأعلى في الوجه واليدين من جواز أنّ يكون البدأة بالأعلى لكونها أحد أفراد الكلّي المأمور به ، إلاّ أنّ يقال : إنّ فعل الإمامعليه‌السلام لذلك ويتم المطلوب من الإشكال ، وفيه نوع تأمّل ، وكذلك الإشكال في المسح ببقية البلل ، فليتأمّل.

وما تضمنه قوله : فدعا بقدح. من لزوم الاستعانة المكروهة قد قدّمنا فيه الكلام(٣) .

وعدم غسلهعليه‌السلام يده اليمنى أو يديه لأنّه بصدد تعليم الوضوء الواجب ، ولزوم وجوب إمرار اليد على الجانبين مسحاً وكذا مسح كل من جوانب اليدين سهل التوجيه.

وقوله : ثم أعاد اليسرى. من باب المشاكلة على ما في الحبل المتين(٤) .

__________________

(١) رجال ابن داود : ١٥٢ / ١٢٠٣.

(٢) رجال النجاشي : ٣٠٨ / ٨٤١.

(٣) في ص ٣٦٥.

(٤) الحبل المتين : ١٢.


وقوله : مسح بيده الجانبين. هو الموجود في النسخ التي رأيناها(١) ، وفي بعض نسخ التهذيب « الحاجبين » بدل « الجانبين »(٢) وعلى الموجود هنا قيل : يمكن أنّ يستدل به لابن الجنيد على وجوب إمرار اليد على الوجه(٣) ، وفيه ما فيه.

وما تضمنه الخبر من اتحاد الغرفة لا يدل على مرجوحية الثانية ، لما قدمناه من أنّ المقصود منه تعليم الواجب حسب.

اللغة :

الإسدال إرخاء الستر وطرف العمامة ونحوهما ، ومنه السديل وهو ما يرخي على الهودج ، ففي الكلام استعارة تبعيّة كما في الحبل المتين(٤) .

وما تضمنه الخبر الثاني من قوله : وضّأت ، إلى آخره ، يريد به مجرد مناولة ماء الوضوء كما ينبئ عنه الخبر ، وقوله : فناولته. الفاء فيه فاء التعقيب من عطف المفصّل على المجمل ، كما في الحبل المتين(٥) . وما قيل : من أنّ في كلام الراوي إشعاراً بأنّ ماء الاستنجاء محسوب من الوضوء(٦) . محل تأمّل بعد ما قررناه ، فليتأمّل.

قال :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن معمر بن خلاّد‌

__________________

(١) الاستبصار ١ : ٥٨ / ١٧١.

(٢) التهذيب ١ : ٥٥ / ١٥٧.

(٣) كما في الحبل المتين : ١٢.

(٤) الحبل المتين : ١٢.

(٥) الحبل المتين : ١٣.

(٦) كما في الحبل المتين : ١٣.


قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام أيجوز للرجل أنّ يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه : لا ، فقلت : أبماء جديد؟ فقال برأسه : نعم.

وما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن شعيب ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن مسح الرأس ، قلت : أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ فقال : « لا ، بل تضع يدك في الماء ثم تمسح ».

فالوجه في هذين الخبرين أنّ نحملهما على ضرب من التقية ، لأنهما موافقان لمذاهب(١) العامة ، ويحتمل أنّ يكون المراد بهما إذا جفّت أعضاء الطهارة بتفريط من جهته ، فيحتاج ( إلى تجديد )(٢) غسلها فيأخذ ماءً جديداً ويكون الأخذ لها أخذاً للمسح حسب ما تضمّنه الخبر الأوّل.

وأمّا الخبر الثاني فيحتمل أنّ يكون المراد بقوله : « بل تضع يدك في الماء » إنّما أراد به الماء الذي بقي في لحيته أو حاجبيه وليس فيه أنّ يضع يده في الماء الذي في الإناء أو غيره ، فإذا احتمل ذلك لم يعارض ما قدمناه من الأخبار(٣) .

والذي يدل على التأويل الذي ذكرناه : ما أخبرني به الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن جعفر ابن وهب ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن خلف بن حمّاد ، عمّن أخبره ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قلت له : الرجل ينسى مسح‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٥٩ / ١٧٤ زيادة : كثير من.

(٢) في الاستبصار ١ : ٥٩ / ١٧٤ : أنّ يجدد.

(٣) في ص ٣٦٩.


رأسه وهو في الصلاة ، قال : « إنّ كان في لحيته بلل فليمسح به » قلت : فإنّ لم يكن له لحية؟ قال : « يمسح من حاجبيه أو من أشفار عينيه ».

السند‌

في الأوّل ليس فيه ارتياب ، وفي الثاني أبو بصير وهو معلوم بما قدمناه(١) ، وفي الثالث موسى بن جعفر مهمل في الرجال(٢) ، وخلف ابن حماد ثقة كما في النجاشي(٣) ، وقول ابن الغضائري فيه غير مسموع.

المتن :

في الخبر الأوّل ظاهر في السؤال عن مسح القدمين ، وأهل الخلاف لا يقولون بالمسح فالحمل على التقية قد ينكر ، وجوابه أنّ بعضهم نقل شيخنا أيّده الله عنه(٤) القول بالمسح بماء جديد. أمّا الحمل على أنّ في زعمهم الفاسد أنّ الغَسل يسمى مسحاً على بعض الوجوه. ففي غاية البعد.

نعم قد يشكل الحمل الأوّل بما إذا لم يكن المذهب مشهوراً ، وقول الشيخ : إنّهما موافقان لمذاهب العامة. لا يناسبه أيضاً ، وفي نسخة لمذاهب كثير من العامة(٥) .

ثم إنّ الخبرين الأوّلين وإنّ لم يدلاّ على عدم جواز الاستئناف صريحاً‌

__________________

(١) في ص ٧٢ ، ٨٣.

(٢) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٦ ، ورجال ابن داود : ١٩٣ / ١٦١٢.

(٣) رجال النجاشي : ١٥٢ / ٣٩٩.

(٤) في « فض » زيادة : في المخ. وهو رمز مختصر الوسيط للميرزا محمّد بن علي بن إبراهيم الأسترآبادي ، ولم يوجد لدينا.

(٥) الإستبصار ١ : ٥٩ / ١٧٤.


ليحتاج الشيخ إلى الجمع كما أورده عليه شيخناقدس‌سره (١) وشيخنا المحقق ميرزا محمّد أيّده الله أيضاً ، إلاّ أنّه ربما يقال ما قدّمناه من أنّ حكاية وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تقتضي إرادة وضوئه دائماً(٢) .

ولئن اعترض بمنع ذلك أوّلاً ، واحتمال مواظبته على الراجح وهو المسح بالبلل ، أمكن أنّ يقال : إنّ ظاهر الخبرين رجحان استئناف الماء ، والقائل عندنا بجواز الاستئناف ابن الجنيد ، وهو يخص ذلك بما إذا لم يبق مع المتوضّئ نداوة ، كما حكاه في المختلف(٣) ، بل ظاهر الشيخ هنا القول بما يناسبه إنّ تم كونه قولاً للشيخرحمه‌الله وحينئذٍ فالخبران مخالفان للإجماع ، مضافاً إلى أنّ كمال المسح بالبقية لا ريب فيه عند الأصحاب(٤) ، والخبران دالاّن على خلاف ذلك.

نعم على هذا التقدير ليست المنافاة للخبرين الأولين ، كما هي عادة الشيخ في الكتاب.

وما قد يستفاد من كلام زرارة : من أنّه لم يعدهما في الإناء الدال على عدم الاستئناف. فيه أنّ حكاية زرارة لا تفيد إلاّ ما شاهده ، وهو لا يدلّ على المطلوب ، اللهم إلاّ أنّ يقال : إنّه فهم ذلك من الإمام بالفحوى ، وفيه ما لا يخفى ، ولعل ما قلناه أوّلاً في الجواب أولى.

وما ذكره الشيخ في توجيه الخبرين فما يتوجه عليه أظهر من أنّ نبيّن‌ :

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٢١٢.

(٢) في ص ٣٧٠.

(٣) المختلف ١ : ١٢٨.

(٤) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٤٦ ، والعلاّمة في المختلف ١ : ١٢٩ ، وصاحب المدارك ١ : ٢١٢.


أمّا أوّلاً : فلأنّ الخبر الأوّل تضمّن أنّهعليه‌السلام قال برأسه : لا ، لمّا سأله عن مسح القدمين بفضل الرأس ، وأين هذا من الجفاف؟.

وقوله : فقلت أبماءٍ جديد. إذا تعلق بالجفاف لم يبق له تعلق بالسؤال الأوّل ، ومثل هذا لا يليق ذكره.

وأمّا ثانياً : فما ذكره في الخبر الثاني من أنّ المراد أنّ يضع يده في الماء [ الذي بقي في لحيته أو حاجبيه ](١) لا يعتريه شوب الريب في أنّ المراد به الاستئناف ، وإرادة غيره لا تفهم منه ، وضرورة الجمع لا تبيح مثل هذا إذا أمكن غيره.

وأمّا ثالثاً : فلأن الخبر الذي استدل به لا دخل له بمراده ، ولئن سلّم دلالته على جواز المسح بالبقية لا يتم الدلالة على الأكملية كما هو مفاد الخبرين ، ولو سلّم ذلك فالخبر لا يخلو ظاهره من إشكال ؛ لأنّ مسح الرأس إذا نسيه الإنسان بطلت الصلاة ، وظاهر النص عدمه ، ولئن وجّه بإرادة استئناف الصلاة أشكل بأنّه لا بُدّ من مسح الرّجلين أيضاً ، ولو سلّم إرادة ذلك أشكل باشتراط عدم جفاف الأعضاء أو العضو ، وبلل اللحية إذا لم تكن داخلة في الوجه محل كلام ، غير أنّ تسديد هذا ممكن.

وفي فوائد شيخنا المحقق سلّمه الله تعالى على الكتاب : أنّ المراد نسي فلا يدري مسح أو لا ، وإلاّ استأنف الصلاة وقيل : الظاهر استأنف الوضوء. فتدبّر.

ومن لطيف التوجيهات في حديث معمر احتمال أنّ يكون قول الإمامعليه‌السلام برأسه : « لا » نهياً عن سؤال معمر خوفاً من غير المأمون في‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه من الإستبصار ( ١ : ٥٩ ) لاستقامة المتن.


المجلس ، فظن معمر خلاف ذلك ، ولمّا أعاد السؤال وتنبه الحاضرون أمرهعليه‌السلام بما ذكر ، فالتقية ليست إلاّ في الماء الجديد ، فليتأمّل في ذلك من حيث إنّه لا يدفع جميع الشبهات عن الخبر.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الاستدلال في كلام من رأينا كلامه لعدم جواز الاستئناف لا يخلو من قصور ، غير أنّ شيخناقدس‌سره وجّه الاستدلال بصحيح زرارة على اعتقاده ، وإلاّ فهو حسن بإبراهيم بن هاشم على ما رأيته في زيادات التهذيب من كتاب الطهارة ، حيث قال فيه : « وتمسح ببلّة يمناك ناصيتك »(١) قال : والجملة الخبرية فيه بمعنى الأمر وهو للوجوب(٢) .

وتنظّر فيه في الحبل المتين(٣) من حيث إنّ الخبر يجوز فيه العطف على قوله : « فقد يجزيك » إذ في أول الرواية : « إنّ الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات : واحدة للوجه واثنتان للذراعين وتمسح ببلّة يمناك » الحديث.

والاعتراض في محله ، غير أنّه ذكر في آخر الكلام أنّ ما ذكره بعض الأصحاب من أنّ أولوية مسح القدم اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى غير ظاهر. محل كلام ، لأنّ أوّل الحديث يدل على الرجحان في جميع ما ذكر فيه ، إلاّ أنّ يقال ما لا يخلو من تكلّف ، وأوّل الخبر : « إنّ الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراع وتمسح » إلى آخره. فليتأمّل.

وما قد يقال : من أنّ الأولى الاستدلال بحديث المعراج الذي رواه‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٦٠ / ١٠٨٣ ، الوسائل ١ : ٤٣٦ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ٢.

(٢) مدارك الاحكام ١ : ٢١١.

(٣) الحبل المتين : ١٧.


محمّد بن يعقوب في الحسن وقد تضمّن تعليم الوضوء وأمرهعليه‌السلام بمسح الرأس بالبقية(١) . ففيه : أنّ التأسّي لا يجب إلاّ فيما يعلم وجهه ، وإذا علم زال الإشكال ، فلا تغفل.

قال :

باب كيفية المسح على الرأس والرجلين.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى(٢) ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « مسح الرأس على مقدّمه ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله قال : أخبرني جعفر بن محمّد بن قولويه ، عن محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن شاذان بن الخليل النيشابوري ، عن معمر بن عمر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « يجزئ من مسح الرأس موضع ثلاث أصابع ، وكذلك الرِّجل ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن العباس بن معروف ، عن علي بن مهزيار ، عن حماد بن عيسى ، عن بعض أصحابه ، عن أحدهما عليهما‌السلام في الرجل يتوضّأ وعليه العمامة قال : « يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدّم رأسه ».

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤٨٢ / ١ ، الوسائل ١ : ٣٩٠ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٥.

(٢) في الاستبصار ١ : ٦٠ / ١٧٦ لا يوجد : بن يحيى.


السند :

في الأول : لا يخلو من خلل بالنسبة إلى قوله : عن أحمد بن محمّد ابن يحيى. فإنّ الصواب : عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، وهذا كثيراً ما يقع في كلام الشيخرحمه‌الله بسبب العجلة ، ولو لا أنّه في النسخ التي رأيناها لأمكن الإصلاح لاحتمال كونه من غير الشيخ ؛ وقد ينظر في رواية محمّد ابن أحمد عن الحسين بن سعيد بغير واسطة. ودفعه ممكن ، وما عدا هذا حاله معلوم ممّا قدمناه.

الثاني : فيه شاذان بن الخليل ، وهو مهمل في الرجال(١) ، ومعمر بن عمر كذلك(٢) .

والثالث : مرسل.

المتن :

في الأول : ظاهر في أنّ المسح على مقدّم الرأس ، ولم ينقل خلاف في ذلك ، وفي الثاني : دلالة على إجزاء مسح الرأس موضع ثلاث أصابع ، والثالث : لا ينافيه لأنّ الإصبع إذا مسحت عرضاً تحقق مقدار الثلاث ، إلاّ أنّ الخبرين كما ترى غير سليمين.

وما قد يقال : إنّ خبر معمر تضمّن الإجزاء لا أنّه أقل ما يجزئ.

__________________

(١) رجال الطوسي : ٤٠٢ / ١ ، منهج المقال : ١٧٨ ، ولكن ظاهر قول الكشي في ترجمة محمّد بن سنان أنّه من العدول والثقات من أهل العلم ، وظاهر قول النجاشي في ترجمة ابنه الفضل بن شاذان أنّه كان ثقة ، وعدّ العلاّمة إيّاه في القسم الأوّل يكشف عن اعتماده عليه. رجال الكشي ٢ : ٧٩٦ / ٩٧٩ ، رجال النجاشي : ٣٠٦ / ٨٤٠ ، خلاصة العلاّمة : ٨٧ / ٣.

(٢) رجال الطوسي : ٣١٦ / ٥٧٥ ، منهج المقال : ٣٣٩.


ففيه : أنّه لو أجزأ الأقل من ذلك لما ناسب لفظ الإجزاء ، إلاّ أنّ يقال : إنّ الإجزاء بالنسبة إلى اعتبار الثلاث أصابع آلة ، كما هو مختار ابن بابويه في الفقيه حيث قال : وحدّ مسح الرأس أنّ يمسح بثلاث أصابع مضمومة(١) . ولم أقف على ما يصلح دليلاً له.

وفي الحبل المتين نقل خبراً صحيحاً لزرارة قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « المرأة يجزيها من مسح الرأس أنّ تمسح مقدّمه مقدار ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها »(٢) .

ثم قال : ويمكن أنّ يستدل به للشيخ في النهاية وابن بابويه من وجوب المسح بثلاث أصابع وعدم إجزاء الأقل مع الاختيار ، ويؤيّده رواية معمر وذكر الرواية المبحوث عنها(٣) .

وفي نظري القاصر أنّه لا يخلو من غرابة ، لأنّ مضمون الخبرين موضع ومقدار ، وأين هذا من عبارة المقيّد كما لا يخفى.

وفي الكتاب أيضاً : ويمكن حملها على الاستحباب ، عملاً بالمشهور بين الأصحاب المعتضد بالأخبار الصحيحة الصريحة(٤) .

وقد يقال : إنّ الأخبار الصحيحة لا تزيد لا تزيد عن كونها مطلقة والمقيّد موجود. وهو الخبر المذكور عن زرارة ، واختصاصه بالمرأة لا قائل به على ما رأيت ، والإجزاء المذكورة فيه بالنسبة إلى عدم إلقاء الخمار ، والشهرة بين الأصحاب محل كلام بعد وجود الخلاف.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٨.

(٢) الوسائل ١ : ٤١٦ أبواب الوضوء ب ٢٤ ح ٣.

(٣) الحبل المتين : ١٥ ، ١٦.

(٤) الحبل المتين : ١٦.


وقد سبق إلى الاستدلال للشيخ شيخناقدس‌سره بصحيح زرارة ، موجّهاً بأنّ الأجزاء يستعمل في أقلّ الواجب(١) ؛ ومراده أنّه لم يبق أكثر الواجب إلاّ المسح بثلاث أصابع ، وفيه ما قدمناه من احتمال الإجزاء بالنسبة إلى إلقاء الخمار ، هذا.

والذي وقفت عليه من خبر زرارة يرويه(٢) إبراهيم بن هاشم ، على ما في التهذيب(٣) ، فإمّا أنّ يكون من غير التهذيب ، أو اعتماد من صَحّحه على توثيق إبراهيم ، إلاّ أنّ العادات مضطربة بالنظر إلى الناقلين ، وهم أعلم بالحال.

قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن ظريف بن ناصح ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبد الله بن يحيى ، عن الحسين بن عبد الله قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بإصبعه أيجزيه ذلك؟ فقال : « نعم ».

فلا ينافي ما قدّمناه من أنّه ينبغي أنّ يكون المسح بمقدّم الرأس ، لأنّه ليس يمتنع أنّ يدخل الإنسان إصبعه من خلفه ومع ذلك فيمسح بها مقدّم الرأس ، ويحتمل أنّ يكون الخبر خرج مخرج التقيّة ، لأنّ ذلك مذهب بعض العامة.

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٢٠٨ ، ٢٠٩.

(٢) في « رض » : برواية.

(٣) التهذيب ١ : ٧٧ / ١٩٥.


السند :

فيه جهالة الحسين بن عبد الله ، لاشتراكه بين مهملين في الرجال(١) .

أمّا ثعلبة بن ميمون فهو ممدوح في غير الكشي(٢) ، وفيه نقلاً عن حمدويه عن محمّد بن عيسى : أنّه ثقة(٣) .

وعبد الله بن يحيى أظنّه الكاهلي وهو معدود من الممدوحين.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من وجه لو تمّ عند بعض أهل الخلاف المسح بإصبع ، والشيخ أعلم بذلك ، ولعلّ الثاني أقرب من الحمل الأوّل على هذا التقدير ، وفي صحاح أخبارهم : إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أدخل يده في التور فمسح رأسه فأقبل بها وأدبر(٤) . قال ابن الأثير في شرح الحديث : من الناس من قال يبدأ بمؤخّر رأسه ويمرّ إلى جهة الوجه ثم يرجع إلى المؤخّر.

قال :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن الحسين ابن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المسح على الرأس‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٦٩ / ٦٠ ، ١٧١ / ٩٤ ، وهداية المحدثين : ١٩٤.

(٢) رجال النجاشي : ١١٧ / ٣٠٢ ، خلاصة العلاّمة : ٣٠ / ١.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٧١١ / ٧٧٦.

(٤) صحيح البخاري ١ : ٥٨ ، سنن أبي داود ١ : ٢٩ / ١١٧.


فقال : « كأنّي أنظر إلى عكنة في قفاء أبي يمرّ عليها يده » وسألته عن الوضوء يمسح الرأس مقدّمه ومؤخّره قال : « كأنّي أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها ».

فالوجه في هذا الخبر ما ذكرناه أخيراً من حمله على التقية ، لا غير.

وأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، رفعه إلى أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في مسح القدمين ومسح الرأس فقال : « مسح الرأس واحدة من مقدّم الرأس ومؤخّره ، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما ».

فالوجه في هذا الخبر أيضاً التقية ؛ لأنّ في الفقهاء من يقول بمسح الرِّجلين ويقول مع ذلك باستيعاب العضو ظاهراً وباطناً ، ويحتمل أنّ يكون أراد ظاهرهما وباطنهما يعني(١) مقبلاً ومدبراً على ما بيّنّا القول فيه.

السند‌

في الأوّل حسن على ما أظنّ ، وقد تقدم الوجه فيه ؛ وفي الثاني حاله غير خفية.

المتن :

في الخبرين ظاهر في التقية كما أشرنا إليه من كلام بعض أهل‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦١ / ١٨١ : أعني.


الخلاف(١) .

وما ذكره الشيخ في الثاني من الاحتمال لا وجه له ، سيّما بعد تضمّن(٢) الخبر مسح الرأس من مقدّمة ومؤخّره.

ولا يخفى ما في قولهعليه‌السلام ، « كأنّي أنظر » إلى آخره من اللطف في العبارة المندفع به شرّ المخالفين مع الصدق في إطلاق مسح العكنة ، إذ لا ينحصر في الوضوء ، كما يعرف بالتأمّل في سياق الكلام.

اللغة :

العُكنة : الطيّ الذي في البطن ، وجمعه عكن وأعكان(٣) .

قال :

باب مقدار ما يمسح من الرأس والرِّجلين‌

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد وأبيه محمّد ابن عيسى ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة وبكير ابني أعين ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال : « في المسح تمسح على النعلين ، ولا تدخل يدك تحت الشراك ، وإذا مسحت بشي‌ء من رأسك أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك ».

__________________

(١) المتقدم في ص ٣٨٠.

(٢) في « فض » : نصّ.

(٣) مجمع البحرين ٦ : ٢٨٢ ( عكن ).


عنه ، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن شاذان بن الخليل النيشابوري ، عن يونس ، عن حماد ، عن الحسين قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : رجل توضّأ وهو معتمّ وثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد ، فقال : « ليدخل إصبعه ».

السند‌

في الأوّل واضح ، ولفظ أبيه عطف على الحسين ابن سعيد ، وقد قدمنا كلاماً في قطع الشيخ متن هذا الحديث وجعل لكل حكم سنداً.

وفي الثاني شاذان بن الخليل ، وقد تقدم القول فيه(١) ؛ والحسين المذكور على ما يظهر أنّه الحسين بن المختار ، لأنّ الراوي عنه حمّاد على ما في الفهرست والنجاشي(٢) ؛ وحماد هو ابن عيسى(٣) ( لأنّ الراوي عنه في الفهرست(٤) الحسين بن سعيد )(٥) ، والحسين المذكور واقفي ، ووجدت في التهذيب روايةً للشيخ مصرحة بالحسين بن المختار والراوي عنه حماد(٦) ، وقد يحتمل أنّ يكون الحسين بن عبد الله السابق في الأخبار القريبة العهد ، وعلى كل حال الحديث غير صحيح.

__________________

(١) في ص ٣٧٧.

(٢) الفهرست : ٥٥ / ٢٩٥ ، رجال النجاشي : ٥٤ / ١٢٣.

(٣) في رض : عثمان.

(٤) الموجود في الفهرست : ٥٥ / ١٩٥ رواية الحسن بن سعيد عن حماد عن الحسين بن المختار.

(٥) كذا في النسخ ، ولعل الأنسب هكذا : لأنّه الراوي عن الحسين بن المختار.

(٦) التهذيب ١ : ٨٧ / ٢٢٩ ، الوسائل ١ : ٢١٤ أبواب الماء المضاف ب ٩ ح ١٢.


المتن :

ظاهر قوله : « ولا تدخل يدك تحت الشراك » عدم مسح ما تحته ، فإمّا أنّ يكتفى بإيصال المسح إليه ، أو يتجاوز عنه إلى الكعبين ، فهو مجمل ، وربما دل قوله : « أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » على عدم وجوب الإيصال إلى الكعبين ، ولا البدأة من الأصابع ، والظاهر منه أيضاً عدم وجوب إدخال الكعبين ، كما ذهب إليه بعض(١) .

والعلاّمة في المنتهى ذهب إلى الوجوب ، مجيباً عن الحديث بأنّ مثل ذلك قد يستعمل فيما يدخل فيه المبدأ ، كقولك : له عندي ما بين واحد إلى عشرة(٢) .

وفيه نظر واضح ؛ لأنّ العرف في مثل هذا دالّ عليه ، دون ما نحن فيه ؛ وما تضمّنه من الاكتفاء بمسح شي‌ء من الرأس لا يأبى حمله على المقيّد وقد سبق فيه القول.

ثم إنّ الاكتفاء بالمسمّى في الرِّجلين ادّعى عليه الإجماع المحقق في المعتبر(٣) ، كما حكاه شيخناقدس‌سره واستدل عليه أيضاً بإطلاق الأخبار مثل المبحوث عنه وغيره.

قال شيخناقدس‌سره : ولو لا ذلك لأمكن القول بوجوب المسح بالكفّ كلّها ؛ لصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، فإنّ المقيد يحكّم على المطلق(٤) . وسيأتي إنّ شاء الله الرواية.

__________________

(١) المحقق في المعتبر ١ : ١٥٢.

(٢) كالمنتهى ١ : ٦٤ ، ٦٥.

(٣) المعتبر ١ : ١٥٠.

(٤) مدارك الأحكام ١ : ٢٢١.


وما ذكره من حمل المطلق على المقيد يتوجه عليه في الرأس مع ذهابه إلى المسمّى ، ولا إجماع هناك.

ثم ما نقله عن المحقق من الإجماع على الاجتزاء بالمسمّى ولو بإصبع واحدة قد ذكر المحقق بعده ما حاصله : أنّ المسح على القدم هل هو كالرأس أو يجب إيصاله إلى الكعبين؟ وجهان ملتفتان إلى أنّ التحديد في الرِّجلين للممسوح أو للمسح(١) ؟.

والعلاّمة في المختلف اتّفق له الاستدلال على البدأة بالأصابع بالآية ، قال : وموضوع( إلى ) الغاية ولا خلاف في أنّ الأمر هنا للوجوب(٢) . وهو غريب بعد احتمال ما ذكره المحقق في الآية.

واستدل أيضاً بخبر بكير وزرارة السابق في حكاية وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال : ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين ، وقد عرفت حال سند الحديث ، واستدل أيضاً بصحيح أحمد بن محمّد ابن أبي نصر الآتي ، وستسمع القول فيه بما ينافي الاستدلال.

وأمّا الخبر الثاني المبحوث عنه فقد تقدم القول في مسح الرأس بما فيه كفاية ، مضافاً إلى ضعف الرواية.

قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر(٣) ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٥٢.

(٢) المختلف ١ : ١٢٧.

(٣) في الاستبصار ١ : ٦٢ / ١٨٤ : عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر.


سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم ، فقلت : جعلت فداك لو أنّ رجلاً قال بإصبعين من أصابعه (١) ؟ فقال : « لا إلاّ بكفّه » (٢) فمحمول على الفضل والاستحباب دون الفرض والإيجاب.

السند‌

لا يخلو من خلل ، لأنّ الصواب عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، كما في الكافي والتهذيب(٣) .

المتن :

ظاهره تعيّن المسح المذكور فيه ، لكن الإجماع قد سمعت نقله ، غاية الأمر أنّ الإجماع على المسمّى ، أمّا على عدم الإيصال إلى الكعب ولو بإصبع فغير معلوم ، بل ظاهر ما نقلناه عن المحقق من الوجهين يعطي عدم الإجماع(٤) .

فما ذكره الشيخ : من أنّ الحديث محمول على الاستحباب. يحتاج إلى تفصيل ، وقدّمنا احتجاج العلاّمة به في المختلف على الابتداء من الأصابع ، مع أنّه محمول على الاستحباب عند الأصحاب(٥) ، حتى العلاّمة‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٢ / ١٨٤ يوجد : ألا يكفيه.

(٢) الإستبصار ١ : ٦٢ / ١٨٤ في « ب » : إلاّ بكفيه.

(٣) الكافي ٣ : ٣٠ / ٦ ، التهذيب ١ : ٩١ / ٢٤٣ ، الوسائل ١ : ٤١٧ أبواب الوضوء ب ٢٤ ح ٤.

(٤) المتقدم في ص ٣٨٤.

(٥) انظر المختلف ١ : ١٢٣.


صرّح به في المنتهى قائلاً : إنّ قوله : « لا إلاّ بكفّه » من قبيل لا صلاة لجار المسجد إلاّ فيه(١) ، كما ذكره الشيخ في التهذيب(٢) ، وأنت خبير بأنّ الاستحباب ينافي الاستدلال.

وفي نظري القاصر أنّ العلاّمة كأنّه احتمل أنّ يقال : إنّ الإجماع على المسمّى يقتضي حمل المسح بالكفّ على الاستحباب ، لا أنّ البدأة بالأصابع كذلك.

وفيه أولاً : أنّ ما قدّمه(٣) من الأخبار في الاستدلال مع الآية لا يدلّ على البدأة من الأصابع ، أمّا الآية فظاهرة ، وأمّا خبر زرارة وبكير فإنما يدل على أنّه مسح قدميه إلى الكعبين ، أمّا البدأة فغير معلومة ، نعم لا يبعد أنّ يقال : إنّ الظاهر ذلك ، لكن الحديث لا يصلح للاستدلال.

وأمّا ثانياً : فلأنّ خبر أحمد بن محمّد بن أبي نصر إذا حمل على الاستحباب لم يبق فيه دلالة على وجوب البدأة بالأصابع من نفسه ، والغير لم يصلح لذلك ، وخبر زرارة وبكير الصحيح في أوّل الباب يدلّ على أنّ المسح فيما بين الكعبين إلى الأطراف ، وقول العلاّمة في المنتهى(٤) إنّما هو في الغاية ، وقد عرفت ما فيه.

نعم روى الشيخ حديثاً في باب المسح على الجبائر ، لكن طريقه غير سليم ، كما سيأتي ، ومتنه : قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال : « يعرف‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٦٤.

(٢) التهذيب ١ : ٩٢ / ٢٤٤ ، الوسائل ٥ : ١٩٤ أبواب أحكام المساجد ب ٢ ح ١.

(٣) في ص ٣٨٤.

(٤) راجع ص ٣٨١ و ٣٨٣.


هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ ، قال الله تعالى( ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (١) امسح عليه »(٢) .

وهذا الخبر كما ترى يدلّ على استيعاب المسح على الأصابع ، لكن الكلام في صحة السند ، وقد يمكن حمله على الاستحباب ، إلاّ أنّه بعيد عن الظاهر.

وبالجملة فالمقام واسع البحث ، ولم أجد تحريره في كلام المتأخّرين ، بل إنّما أشار المحقق إلى ما سبق عنه(٣) ، فينبغي عدم الغفلة عنه.

وقول السائل في الخبر المبحوث عنه : قال بإصبعين ، بمعنى فعل ، كما هو واضح.

نعم يحتمل أنّ يراد بالكفّ ما يتناول الأصابع ، ويحتمل إرادة غيرها ، بل هو الظاهر من قوله : فوضع كفّه ، وقوله في نفي قول السائل عن الإصبعين لا يدلّ على مجموع الأصابع ، كما لا يخفى ، وما تضمّنه الخبر من المسح إلى ظاهر القدم واضح الدلالة على أنّ الكعب غير المفصل إلاّ بتكلّف التوجيه ، فتأمّل.

قال :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن بكر بن صالح ، عن الحسن(٤) بن محمّد بن عمران ، عن زرعة ، عن سماعة بن مهران ، عن

__________________

(١) الحج : ٧٨.

(٢) التهذيب ١ : ٣٦٣ / ١٠٩٧ ، الوسائل ١ : ٤٦٤ أبواب الوضوء ب ٣٩ ح ٥.

(٣) المتقدم في ص ٣٠١.

(٤) الإستبصار ١ : ٦٢ / ١٨٥ في « ج » : الحسين.


أبي‌ عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا توضّأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما » ثم قال : هكذا : فوضع يده على الكعب وضرب الأُخرى على باطن قدمه(١) ثم مسحهما إلى الأصابع.

فالوجه في هذا الخبر ما ذكرناه في الباب الذي قبل هذا من حمله على التقيّة(٢) ، لأنّه موافق لمذهب بعض العامة ممّن يرى المسح على الرِّجلين ويقول باستيعاب الرِّجل ، وهو خلاف الحق ، كما بيّناه.

السند‌

فيه بكر بن صالح وهو ضعيف ، والحسن بن عمران لم يعلم من أوصافه إلاّ ما يفهم من الكشّي أنّه كان وصيّاً لزكريا بن آدم(٣) ، وغيرهما لا يخفى حاله.

المتن :

يتعين فيه ما ذكره الشيخ على تقدير الالتفات للحديث.

قال :

والذي يدلّ على ما قلناه أيضاً :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ؛ ومحمّد ابن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعاً ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : ألا‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٢ / ١٨٥ : قدميه.

(٢) تقدم في ص : ٣٨٠ ٣٨١.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٥٨ / ١١١٤.


تخبرني من أين علمت وقلت : إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرِّجلين؟ فضحك ، ثم قال : « يا زرارة قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونزل به الكتاب من الله ، لأنّ الله يقول ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) (١) فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي (٢) أنّ يغسله ، ثم قال ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (٣) ثم فصّل بين الكلامين ، فقال ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فعرفنا حين قال ( بِرُؤُسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثم وصل الرِّجلين بالرأس ، كما وصل اليدين بالوجه ، فقال ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح ببعضهما (٤) ، ثم بيّن (٥) رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك للناس فضيّعوه ، ثم قال ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) فلما وضع الوضوء عمّن لم يجد الماء أثبت مكان (٦) الغَسل مسحاً لأنّه قال ( بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) ثم وصل بها ( وَأَيْدِيَكُمْ ) ثم قال ( مِنْهُ ) أي من ذلك التيمم ، لأنّه علم أنّ ذلك (٧) لا يجري على الوجه ، لأنّه يعلق من ذلك (٨) ببعض الكف ولا يعلق ببعضها ، ثم قال (٩) ( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) والحرج : الضيق ».

__________________

(١) المائدة : ٦.

(٢) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ يوجد : له.

(٣) في الفقيه ١ : ٥٦ / ٢١٢ زيادة : فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا انه ينبغي لهما ان يغسلا إلى المرفقين.

(٤) الإستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ في « د » : على بعضها.

(٥) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ : سنّ.

(٦) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ : بعض ، وفي « ج » : لبعض.

(٧) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ يوجد : أجمع.

(٨) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ زيادة : الصعيد.

(٩) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٦ لا يوجد : الله. ويوجد في الدين بعد قوله : عليكم.


السند :

لا ريب فيه بعد ملاحظة ما قدّمناه.

المتن :

لا قدح في زرارة لتوهّم إساءة الأدب في قوله : ألا تخبرني ، لأنّ الضرورة بمخالطة أهل الخلاف دعته إلى ذلك ، والتعبير بما قاله اعتماداً على رسوخ ولايته ، كما في الحبل المتين(١) .

وما فيه من دلالة الخبر على أنّ الباء تأتي للتبعيض ، فيدفع به قول سيبويه : إنّ الباء لم تجئ للتبعيض(٢) .

قد يقال عليه : إنّ إفادة التبعيض تجوز كونها مجازاً ، والقرينة بيان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمامعليه‌السلام حيث قال في أول الخبر : « قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونزل به الكتاب ».

ولئن استبعد ذلك من حيث إنّ قول الرسول لا ينحصر في البيان أمكن أنّ تكون القرينة أخيراً من قولهعليه‌السلام : « بيّن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك للناس » مضافاً إلى [ أنّ ] مثل زرارة لا يخفى عليه الحال لو كانت في الآية للتبعيض ، إلاّ أنّ يقال : إنّها مشتركة بين معان ، فالبيان لأحد المعاني لا يقتضي المجاز ، ولذلك سأل زرارة ، فليتأمّل.

وقولهعليه‌السلام : « فعرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أنّ يغسله » ربما(٣) يسأل عن وجه استفادة هذا المعنى من الآية ، مع أنّ المأمور به غسل جميع الوجوه ،

__________________

(١) الحبل المتين : ١٦.

(٢) الحبل المتين : ١٦.

(٣) في « رض » : إنّما.


لا جميع كل وجه.

ومن ثم يخطر في البال الكلام على أهل الخلاف القائلين بأنّ الباء ليست للتبعيض في مثل( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) كما يظهر من كلام الشيخ من التهذيب(١) ، إنّ كان إشارة إليهم ، وإنّ كان دفع احتمال أورده فالكلام في جوابه.

وحاصل الأمر أنّ الشيخرحمه‌الله قال في مسألة مسح الرأس بعد الرواية الدالة على مقدار ثلاث أصابع :

فإنّ قيل : كيف يمكنكم التعلق بهذا الخبر مع أنّ ظاهر القرآن يدفعه ؛ لأنّ الله تعالى قال( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) والباء هاهنا للإلصاق ، وإنّما دخلت لتعلق المسح بالرؤوس ، لا أنّ تفيد التبعيض ، لأنّ إفادتها للتبعيض غير موجود في كلام العرب ، وإذا كان هكذا فالظاهر يقتضي مسح جميع الرأس.

وأجابرحمه‌الله بما فيه طول ، وحاصله توجيه كونها للتبعيض(٢) .

والذي يمكن أنّ يقال على نحو ما قلناه هنا ، إنّ الآية إنّما تدل بتقدير عدم التبعيض على مسح جميع الرؤوس لا جميع الرأس ، فلا يشكل الحال بأنّ جواب الشيخ لا يخلو من كلام من جهات أشرنا إليها في حاشية التهذيب.

غير أنّه ربما يقال في الخبر المبحوث عنه : إنّ المسح ببعض الرؤوس لا يدل على المسح ببعض كل رأس.

والجواب : أنّ كلام الإمامعليه‌السلام كشف الغموض في الآية ، بأنّ المراد‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٦٠.

(٢) التهذيب ١ : ٦٠ ، ٦١.


بعض كل رأس وغسل كل وجه ، فيرتفع الارتياب ، ويتحقق غموض مقصد زرارة في السؤال ، ويتضح أنّ الاستدلال بالخبر على كون الباء للتبعيض بمجردها غير كاف في المطلوب.

ثم ما تضمنه الخبر من قوله : « ثمّ فصّل بين الكلامين » قيل : إنّه يراد به : غاير به بينهما(١) .

وما تضمنه من حكم التيمّم سيأتي إنّ شاء الله تعالى القول فيه في محله(٢) ، إذ فيه دلالة على أنّ الصعيد التراب ، ولم أَرَ من ذكره في الاستدلال لذلك ، ولا يخفى أنّ دلالة الخبر على التبعيض في الرأس لا يخرج عن الإطلاق ، وحينئذٍ لا مانع من تقييده بما دل على مقدار الثلاث أصابع ، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً ، والله تعالى أعلم بحقائق الأُمور.

قال :

باب الأُذنين هل يجب مسحهما مع الرأس أم لا؟

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام أنّ أُناساً يقولون إنّ(٣) الأُذنين من الوجه وظهرهما من الرأس ، فقال : « ليس عليهما غَسل ولا مسح ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن يونس ، عن علي بن رئاب ،

__________________

(١) قال به في الحبل المتين : ١٦.

(٢) يأتي في ج ٣ : ١٣.

(٣) في الاستبصار ١ : ٦٣ / ١٨٧ زيادة : بطن.


قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام الأُذنان من الرأس؟ قال : « نعم » قلت : وإذا(١) مسحتُ رأسي مسحتُ اذني؟ قال : « نعم ، كأنّي أنظر إلى أبي في عنقه عُكنة(٢) وكان يحفي رأسه إذا جزّه ، كأنّي أنظر والماء يجري على عاتقه »(٣).

فمحمول على التقيّة ، لأنّه موافق لمذهب العامّة ، ومناف لظاهر القرآن ، على ما بيّناه في كتاب تهذيب الأحكام(٤) .

السند‌

في الأوّل ابن فضال وابن بكير ، وهما غير خفيّين.

وفي الثاني يونس ، وأمره ملتبس ، إذ يونس بن عبد الرحمن لم أجد في غير هذا الموضع رواية الحسين بن سعيد عنه ، ويونس بن يعقوب محتمل ، وحاله مشهور ، وغيره أيضاً محتمل.

وبالجملة فالخبر غير معلوم الصحة.

المتن :

في الأوّل : صريح في أنّ الأُذنين ليس عليهما غَسل ولا مسح ، وهو إجماع أيضاً.

وفي الثاني : ما قاله الشيخ فيه هو المتعيّن ، غير أنّ قوله : وإنّ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٤ / ١٨٨ : فإذا.

(٢) تقدم معناه في ص ٢٩٩.

(٣) في الاستبصار ١ : ٦٤ / ١٨٨ : ينحدر على عنقه.

(٤) التهذيب ١ : ٦٠.


مسحت رأسي مسحت اذني. لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ مسح الرأس إنّ اعتبر جميعه كان مسح الأُذنين لازماً ، وإنّ لم يعتبر فالحكم بمسحهما لكونهما من الرأس غير ظاهر الوجه ، ولعل مذهب أهل الخلاف يوافق ذلك ، أمّا قولهعليه‌السلام : « كأنّي أنظر » إلى آخره ، ففيه من اللطف ما لا يخفى.

اللغة :

أحفى شاربه : بالغ في جزّه ، قاله في المغرب(١) .

قال :

باب وجوب المسح على الرِّجلين.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، ومحمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد جميعاً ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حماد بن عثمان ، عن سالم ، وغالب بن هذيل قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن المسح على الرِّجلين ، فقال : « هو الذي نزل به جبرائيل »(٢) .

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العلاء(٣) ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن المسح على الرِّجلين؟ فقال : « لا بأس ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن‌

__________________

(١) المغرب ١ : ١٣١.

(٢) في الاستبصار ١ : ٦٤ / ١٨٩ : جبرئيلعليه‌السلام .

(٣) في الاستبصار ١ : ٦٤ / ١٩٠ زيادة : عن محمّد.


محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحكم ابن مسكين ، عن محمّد بن سهل ، قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قَبِل الله منه صلاة » قلت : وكيف ذلك؟ قال : « لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه ».

وأخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي همام ، عن أبي الحسنعليه‌السلام في وضوء الفريضة في كتاب الله قال : « المسح والغسل في الوضوء للتنظيف ».

الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، قال : قال لي : « لو أنّك توضّأت فجعلت مسح الرِّجلين(١) غَسلاً ثم أضمرتَ أنّ ذلك من المفروض (٢) لم يكن ذلك بوضوء » ثم قال : « ابدأ بالمسح على الرِّجلين فإن بذلك غَسلٌ فغسلته فامسح بعده ، ليكون آخر ذلك المفروض ».

السند‌

في الأوّل : فيه سالم ، وهو مشترك(٣) ، وغالب بن هذيل غير مذكور فيما وقفت عليه من الرجال.

وفي الثاني : ليس فيه ارتياب ، إلاّ أنّ رواية العلاء عن أحدهما محلّ تأمّل ؛ لأنّ العلاء لا يروي عن الباقرعليه‌السلام ، كما ذكره شيخنا المحقق ميرزا‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٥ / ١٩٣ : الرِّجل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٦٥ / ١٩٣ : الفروض.

(٣) هداية المحدثين : ٦٩.


محمّد أيّده الله في فوائده على الكتاب ، وفي بعض النسخ كما ذكره أيضاً العلاء عن محمّد. وهو الذي ينبغي ، ولعلّ محمّداً ساقط بعد العلاء سهواً من قلم الشيخ ، لأنّه المتكثّر في الأخبار.

وفي الثالث : الحكم بن مسكين ، وهو مهمل في الرجال(١) ؛ ومحمّد ابن سهل ، وليس هو ابن سهل بن اليسع على ما ظهر ، لأنّه من رجال الرضاعليه‌السلام ، وإنّ لم تكن ثمرة هذا مهمّة لإهماله في الرجال(٢) ، وغيره مهمل أيضاً.

وفي الرابع : لا ارتياب كما تقدم.

وفي الخامس كذلك.

المتن :

في الأوّل صريح في أنّ المسح هو الذي نزل به جبرئيل ، والإجماع على ذلك واقع أيضاً.

وفي الثاني : نوع إبهام ، ولعلّه للخوف من بعض المعاندين في المذهب.

والثالث : صريح ، وكذا الرابع والخامس.

وما يوهمه من أنّ إضمار كونه من المفروض هو الموجب لعدم كونه وضوءاً ، يدفعه أنّ المراد به على الظاهر من الأخبار السابقة أنّ الغَسل لغير الوضوء لا ضير فيه ، لا أنّ(٣) الغَسل بغير نية الفرض يجعله وضوءاً‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٣٦ / ٣٥٠.

(٢) رجال الطوسي : ٢٨٩ / ١٤٨ ١٥٠.

(٣) في « رض » : إلاّ أنّ ، وفي « د » : لأنّ.


فلا(١) واسطة ، كما يظهر بالتأمّل.

ثم إنّ الأصحاب قد اختلفوا في الفرق بين الغَسل والمسح ، فقيل : إن بينهما تبايناً كلّياً في الصدق والمفهوم(٢) .

وقيل : بينهما عموم وخصوص من وجه باعتبار الصدق ، وتباين بحسب المفهوم(٣) .

أمّا الأوّل فالاجتماع مع إمرار اليد والجريان اليسير ، وتحقق الغسل خاصة مع انتفاء الأوّل ، والمسح مع انتفاء الثاني.

وربما ظنّ بعض المتأخّرين الفرق باعتبار القصد(٤) ، ولعلّه نظر إلى هذا الخبر ، ودفعه غير خفي بعد ما قررناه ، وغير بعيد أنّ يكون المراد في الخبر بالغَسل استئناف الماء ، وإنّ أمكن فيه احتمالات أُخر ذكرناه في حاشية التهذيب ، منها : إيصال بلّة الوضوء بالتقطير من غير واسطة اليد ؛ ومنها : وضع اليد ورفعها من غير إمرار ؛ ومنها : كثرة المأخوذ من البلل ؛ والفضل للأوّل ، كما أنّ القصور في المتأخّر.

والاستدلال المذكور للتباين صدقاً ومفهوماً دلالة الأخبار على اختصاص أعضاء الوضوء بالغَسل في بعض ، والمسح في آخر ، والتفصيل قاطع للشركة ، وعدم قصد الغَسل مع تحققه لا يخرجه عن كونه غَسلاً ، إذ الاسم يتبع الحقيقة لا النية ، وكونه ماء الوضوء لا يخرجه عن ذلك أيضاً ، وإلاّ لزم من صبّ الماء على العضو ثم غَسل عضو آخر عدم الجواز ، وفي البين كلام.

__________________

(١) في « رض » : إذ لا.

(٢) المعتبر ١ : ١٤٨.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٢١٥.

(٤) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٠٤.


وقد صرح شيخناقدس‌سره بأظهرية العموم والخصوص من وجه(١) .

وفي الذكرى : لا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح ، لأنّه من بلل الوضوء ، وكذا لو مسح بماءٍ جارٍ على العضو وإنّ أفرط في الجريان ؛ لصدق الامتثال ؛ ولأنّ الغَسل غير مقصود(٢) ، وفيه نظر واضح.

وبالجملة : فللكلام في المقام مجال ، واحتمال الحوالة على العرف ممكن ، إنّ لم تثبت الحقيقة الشرعية واللغوية.

فإن قلت : مع انتفاء الشرع واللغة لا بُدّ من العرف ، فكيف يقال بالإمكان؟

قلت : إنّما ذكرت ذلك لاحتمال عدم ثبوت الحقيقة الشرعية ( وإرادة معنى مجازي من الأخبار بقرينة ، إذ مرجع كلامنا إلى مدلول الخبر الأخير ، وإنّما ذكرنا الفرق في مطلق الغَسل والمسح بالعارض ، فليتأمّل في هذا )(٣) فإنّه لا يخلو من غموض.

ثم إنّ الخبر الأخير قد يستفاد منه جواز المسح مع بقية نداوة الغَسل ، حيث قال : « فإنّ بدا لك غَسل فغسلته فامسح بعده » وإليه ذهب بعض ؛ للأصل ؛ وإطلاق ؛ الأمر ؛ وصدق الامتثال.

بل صرّح المحقق بأنه لو كان في ماء وغسل وجهه ويديه ثم مسح رأسه ورجليه جاز ، لأنّ يديه لا تنفك عن ماء الوضوء ، ولم يضرّه ما كان على قدميه من الماء(٤) .

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٢١٥.

(٢) الذكرى ٢ : ١٤٣.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٤) المعتبر ١ : ١٦٠.


والعلاّمة في المختلف نقل عن ابن إدريس أنّه قال : من كان قائماً في الماء وتوضّأ ثم أخرج رجليه من الماء ومسح عليها من غير أنّ يدخل يده في الماء فلا حرج عليه ، لأنّه ماسحٌ إجماعاً ، والظواهر من الآيات والأخبار متناولة له.

ثم قال العلاّمة : وكان والدي يمنع ذلك كله ، ولا يجيز مسح الرِّجلين وعليهما رطوبة ، وليس بعيداً من الصواب ؛ لأنّ المسح يجب بنداوة الوضوء ويحرم التجديد ، ومع رطوبة الرجلين يحصل المسح بماء جديد(١) . انتهى.

والظاهر أنّ مراد المحقق ما قاله ابن إدريس لا ما يقتضيه ظاهر كلامه ، واستدلال ابن إدريس بظواهر الآيات والأخبار يمكن توجيهه ، سيّما الخبر الذي نحن بصدده.

وربما كان أوضح منه ما رواه الشيخ فيما يأتي عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يبتلّ رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه ، أيجزيه ذلك عن الوضوء؟ قال : « إنّ غسله فإنّ ذلك يجزيه »(٢) .

فإنّ قلت : هذا الخبر إنّما يدل على الإجزاء في الأعضاء المغسولة ، لقوله : « إنّ غسله » والمطلوب الإجزاء في المسح.

قلت : لِما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ ترك الإمامعليه‌السلام الإعلام بتجفيف موضع المسح دليل على الجواز ، إلاّ أنّ يقال : إنّ الإمام لم يترك ذلك بل بيّنه بأنّ الغَسل يجزئ ، وهو يدل على عدم إجزاء المسح ، وفيه ما فيه.

أمّا ما قاله العلاّمة في المختلف : من أنّ الماسح فوق البلل ماسح‌

__________________

(١) المختلف ١ : ١٣٦ و ١٣٧ ، وهو في السرائر ١ : ١٠٤.

(٢) التهذيب ١ : ٣٥٩ / ١٠٨٢ ، الوسائل ١ : ٤٥٤ أبواب الوضوء ب ٣٦ ح ١.


بالماء الجديد. فقد يقال عليه : إنّ تحقق المسح بالماء الجديد ممنوع ، بل هو ماسح بالبلل ، غاية الأمر أنّ البلل ليس مستقلا ، كما أنّ الماء الجديد غير مستقل.

والأخبار الدالة على المسح بالبلل تدل على أنّ المسح بمصاحبة البلل أو الاستعانة به ، وكلاهما حاصل ، ولم أجد في كلام الأصحاب تحرير هذا المقام.

وما قاله الشهيد في الذكرى : من أنّه لو غلب ماء المسح رطوبة الرِّجلين ارتفع الإشكال(١) ؛ محل بحث ، لأنّ الإشكال باق ، كما يعلم ممّا قررناه.

والعجب من شيخناقدس‌سره أنّه استحسن قول الشهيدرحمه‌الله ومنع قول العلاّمة السابق(٢) ، مقتصراً على ذلك ، والله سبحانه وليّ التوفيق.

قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يتوضّأ الوضوء كله إلاّ رجليه ثم يخوض الماء بهما خوضاً قال : « أجزأه ذلك ».

فهذا الخبر محمول على حال التقية ، فأمّا مع الاختيار فلا يجوز إلاّ المسح عليهما على ما بيّناه.

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أيوب‌

__________________

(١) الذكرى ٢ : ١٥٣.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ٢١٣.


ابن نوح قال : كتبت إلى أبي الحسنعليه‌السلام أسأله عن المسح على القدمين ، فقال : « الوضوء بالمسح ولا يجب فيه إلاّ ذاك ومن غَسل فلا بأس ».

قولهعليه‌السلام : « ومن غسل فلا بأس » محمول على التنظيف ، لأنّه قد ذكر قبل ذلك فقال : « الوضوء بالمسح ، ولا يجب إلاّ ذاك » فلو كان الغَسل أيضاً من الوضوء لكان واجباً ، وقد فصّل ذلك في رواية أبي همام التي قدّمناها حيث قال في وضوء الفريضة في كتاب الله : « المسح ، والغَسل في الوضوء للتنظيف ».

السند‌

في الأول موثق ، وفي الثاني صحيح.

المتن :

في الخبرين كلام الشيخ لا غبار عليه ، وفيه تنبيه على ما أشرنا إليه سابقاً في حديث زرارة(١) .

وما عساه يقال : إنّ مثل أيوب بن نوح كيف يسأل عن المسح والحال أنّه معلوم ضرورة من مذهب الإماميّة ، فإنّ كان السؤال عن كيفية المسح فالجواب لا يوافقه ، وإنّ كان عما يوافق الجواب فالحال ما سمعت.

يمكن الجواب عنه بأنّ السؤال لا يتعيّن فائدته للسائل ، بل قد يكون لدفع الريب عن قاصر ، وعلى تقدير الاختصاص يجوز كون الوجه دفع‌

__________________

(١) راجع ص ٣٨٩ ٣٩٠.


احتمال ، والأمر سهل بعد ثبوت جلالة السائل.

قال : فأمّا ما رواه محمّد بن الحسن الصفار ، عن عبد الله(١) ابن المنبه ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن آبائه ، عن عليعليه‌السلام قال : « جلست أتوضّأ فأقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين ابتدأت بالوضوء ، فقال لي : تمضمض واستنشق واستنّ(٢) ، ثم غسلت وجهي(٣) ثلاثاً ، فقال : قد يجزيك من ذلك المرتّان » قال(٤) : « فغسلت ذراعيّ ومسحت برأسي مرّتين ، فقال : قد يجزيك من ذلك المرّة ، وغسلت قدميّ ، فقال(٥) : يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار ».

فهذا خبر موافق للعامة ، وقد ورد مورد التقيّة ؛ لأنّ المعلوم الذي لا يختلج(٦) فيه الشك من مذاهب أئمّتنا عليهم‌السلام القول بالمسح على الرِّجلين ، وذلك أشهر من أنّ يدخل فيه شك أو ارتياب ، يبين (٧) ذلك أنّ رواة هذا الخبر كلهم عامّة ورجال الزيديّة ، وما يختصّون بروايته لا يعمل به على ما بيّن في غير موضع.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٥ / ١٩٦ : عبيد الله.

(٢) استن : الاستنان : استعمال السواك النهاية لابن الأثير ٢ : ٤١١ ( سنن ).

(٣) في الاستبصار ١ : ٦٦ / ١٩٦ لا يوجد : وجهي.

(٤) في الاستبصار ١ : ٦٦ / ١٩٦ لا يوجد : قال.

(٥) في الاستبصار ١ : ٦٦ / ١٩٦ يوجد : لي.

(٦) في الاستبصار ١ : ٦٦ / ١٩٦ : لا يتخالج.

(٧) في الاستبصار ١ : ٦٦ / ١٩٦ : بين.


السند :

كما ترى يعطي كلام الشيخ أنّ رواته من العامة والزيدية ، غير أنّ عبد الله بن المنبّه لم أقف على حاله من أيّ النوعين ، إذ هو غير موجود في الرجال ، بل الموجود المنبّه بن عبد الله روى عنه الصفار(١) ؛ أمّا الحسين بن علوان : فقد قيل : إنّه عاميٌّ(٢) .

وعمرو بن خالد : قال الكشيّ في رواية : إنّه من كبار الزيديّة(٣) . وأمّا الشيخ فإنّه في رجال الباقرعليه‌السلام قال : إنّه بتريّ ، وأتى به بغير واو(٤) ، وذكر النجاشي : أنّه يروي عن زيد(٥) ، ومن هنا يعلم شخصه وإلاّ ففي الرجال غيره ثقة(٦) .

المتن :

أمارات الوضع عليه لائحة ، وما قاله الشيخ من الحمل على التقية لم يتّضح لي حقيقة الحال فيه ؛ لأنّ الحاكي لزيد من آبائه عن عليعليه‌السلام إذا اقتضى المقام تقيّة كيف يصدر منه هذا الكلام مع اندفاع التقية بما دونه ، واحتمال كون التقية ألجأت إلى هذا في غاية البعد ، إلاّ أنّ باب الإمكان واسع.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٢١ / ١١٢٩.

(٢) رجال ابن داود : ٢٤٠ / ١٤٤.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٤٩٨ / ٤١٩.

(٤) رجال الطوسي : ١٣١ / ٦٩.

(٥) رجال النجاشي : ٢٨٨ / ٧٧١.

(٦) رجال ابن داود : ١٤٥ / ١١٩.


ولا يخفى أنّ في كلام الشيخ نوع تدافع ؛ لأنّ الحمل على التقية يقتضي قبول الخبر ، وقوله : إنّه لا يعمل بما يختصون به. يقتضي ردّ الخبر ، وإرادة عدم العمل به مع قبوله بأن يحمل على التقيّة لا وجه له ، كما هو ظاهر.

ويمكن الجواب : بأنّ مراد الشيخ بعدم العمل عدم فعل ما تضمّنه الخبر لا قبوله ، والظاهر أنّ هذا هو غرض الشيخ ، فتدبّر.

ثم إنّه يستفاد من كلام الشيخ هنا أنّ روايات الزيدية والعامة لا يعمل بها إلاّ إذا كانت معتضدة بروايات غيرهم ، أو قرائن تدل على الصحّة ، وهو الذي يظهر منه في العدّة الأُصوليّة على ما حكاه الوالد(١) قدس‌سره .

وما نقله المحقق عن الشيخ : من أنّه أجاز العمل بخبر الفطحيّة ومن ضارعهم ، بشرط أنّ لا يكون متّهماً بالكذب ، محتجّاً بأن الطائفة عملت بخبر عبد الله بن بكير ، وسماعة ، وعلي بن أبي حمزة ، وعثمان بن عيسى(٢) . لا يخلو من منافاة لما ذكره هنا وحكاه الوالد(٣) .

ولعل مراد الشيخ أنّ عمل الطائفة قرينة عاضدة ، وفيه بحث حررّناه في محله ، والغرض هنا هو الإشارة إلى المنافرة بين الكلامين ، ليعلم الناظر الاضطراب ، ويتحرى معرفة طريق الصواب.

اللغة :

قال ابن الأثير في النهاية في حديث السواك : إنّه كان يستنّ بعود من‌

__________________

(١) معالم الأُصول : ٢٠٠.

(٢) معارج الأُصول : ١٤٩ وهو في العدة ١ : ١٥٠.

(٣) معالم الأُصول : ٢٠٠.


أراك ، الاستنان : استعمال السواك ، وهو افتعال من الأسنان : أي يمرّه عليها(١) .

قوله :

باب المضمضة والاستنشاق‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عنهما ، قال : « هما من السنة فإنّ نسيتهما لم يكن عليك إعادة ».

وبهذا الإسناد عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن مالك بن أعين قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عمّن توضأ ونسي المضمضة والاستنشاق ، ثم ذكر بعد ما دخل في صلاته ، قال : « لا بأس ».

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء ».

قال محمّد بن الحسن : معنى قولهعليه‌السلام : « ليسا من الوضوء » أي ليسا من فرائض الوضوء وإنّ كانا من سننه ، يدل على ذلك الخبر الأوّل الذي رويناه عن سماعة ، ويؤكد ذلك أيضاً :

ما أخبرني به الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن أحمد بن إدريس ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن‌

__________________

(١) النهاية لابن الأثير ٢ : ٤١١ ( سن ).


سعيد ، عن حماد ، عن شعيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عنهما ، فقال : « هما من الوضوء ، فإنّ نسيتهما فلا تعد » .

السند‌

فيما عدا الثالث غير سليم ، أمّا الأوّل : فواضح الضعف ، والثاني : فيه مالك بن أعين أيضاً ، وقيل : إنّه كان مخالفاً(١) . وقيل : كان مرجئاً.

وفي الرابع : أبو بصير ، والثالث معلوم الحال.

المتن :

ظاهر في الأوّل والثاني ، وأمّا الثالث فما ذكره الشيخ في توجيهه بعيد ، بل الظاهر في التوجيه أنّهما مستحبّان خارجان عن حقيقته ، بل هما من الحنيفية ، على ما رواه ابن بابويه(٢) ، غاية الأمر استحباب فعلهما قبل الوضوء.

وعلى ظاهر قول الشيخ : إنّهما ليسا من الفرائض ، بل من المستحبات الداخلة في ماهيته ، وقد يمكن توجيه كلام الشيخ بما يرجع إلى ما قلناه ، والأمر سهل.

أمّا ما قاله : من أنّ خبر سماعة يدل على أنّهما ليسا من الفرائض. فهو صحيح ، غير أنّه مجمل ، لأنّ خبر سماعة محتمل لأنّ يراد بالسنّة ما قابل الفرض ، فيشمل الواجب ، إذ المراد بالسنّة في أخبارنا قد يكون‌

__________________

(١) انظر الخلاصة : ٢٦١.

(٢) الهداية ( المقنع والهداية ) : ١٧.


ما ثبت بالسنّة لا بالقرآن.

وقولهعليه‌السلام في خبر سماعة : « فإنّ نسيتهما » إلى آخره. لا يدلّ على عدم الوجوب ، لأنّ الإعادة فيه ظاهرة في الوضوء ، وإذا لم يكونا من أجزاء الوضوء لا يلزم إعادته بالإخلال بهما ، إلاّ أنّ عدم القائل بالوجوب على ما يظهر من المختلف(١) يؤيّد كلام الشيخ.

اللغة :

قال ابن الأثير في كتاب أحكام الأحكام في المضمضة : إنّ أصل هذه اللفظة مشعر بالتحريك ، ومنه مضمض النعاس في عينيه ، واستعملت في الوضوء لتحريك الماء في الفم ؛ وزاد في توجيه استحباب المضمضة والاستنشاق أنّ صفات الماء ثلاثة : اللون يدرك بالبصر ، والطعم يدرك بالذوق ، والريح يدرك بالشم ، فقدّمت هاتان السنّتان ليختبر حال الماء قبل استعماله في الفرض ؛ ولا بأس به.

قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس بن معروف ، عن القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنّة ، إنّما عليك أن تغسل ما ظهر ».

فالوجه في هذا الخبر أنّهما ليسا من السنّة التي لا يجوز تركها ،

__________________

(١) المختلف ١ : ١١١.


فأمّا أنّ يكون فعلهما(١) بدعة فلا يدلّ على ذلك :

ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « المضمضة والاستنشاق ممّا سنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ».

السند‌

في الأول والثاني القاسم بن عروة ، ولا أعلم مدحه ، بل ربما أشعر قول بعض علماء الرجال بنوع ذمّ(٢) كما يظهر من المراجعة.

المتن :

في الأول جعله العلاّمة في المختلف من جملة الأدلة لابن أبي عقيل القائل بأن المضمضة والاستنشاق ليسا بفرض ولا سنّة ، على ما حكاه عنه.

وأجاب العلاّمة أولاً بالمنع من صحة السند ، فإنّ في طريقه القاسم ابن عروة قال : ولا يحضرني الآن حاله ، وابن بكير وهو فطحيّ ، ومع ذلك فهو محتمل للتأويل ، وذكر كلام الشيخ في تأويله.

ثم قال : ويؤيّد هذا التأويل أنّهما سنّة ، لا سنّة الوضوء ، لأنّ الوضوء فريضة ، ولكنهما من الحنيفية التي قال الله تعالى لنبيهعليه‌السلام ( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) (٣) انتهى(٤) .

__________________

(١) في النسخ : فعله ، وما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٦٧ / ٢٠١.

(٢) انظر حاوي الأقوال ٤ : ١٩٦ / ١٩٧٩.

(٣) النساء : ١٢٥.

(٤) المختلف ١ : ١١١ و ١١٢.


ولا يخفى عليك ما في كلام العلاّمة والشيخ من جهة التأويل ، فإنّ إرادة الواجب من السنّة في غاية البعد ، مع إمكان الدخول في الحديث من باب آخر ، وهو إرادة عدم كونهما من ماهيّته وجوباً واستحباباً ، وكلام العلاّمة وإنّ أفهم في التأييد هذا ، إلاّ أنّ قوله : لأنّ الوضوء فريضة. محل كلام ، بل الوضوء ملتمّ من فروض ومستحبات ، وقوله : ولكنهما من الحنيفية. مجمل المرام ، بل لا يخلو من اختلال ، والله تعالى أعلم بالحال.

وما قاله الشيخرحمه‌الله من أنّ رواية عبد الله بن سنان تدل على تأويله ، محل كلام ؛ لأنّ الخبر يدل على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سنّ المضمضة والاستنشاق ، أمّا كونهما من سنن الوضوء فلا يدلّ عليه.

وبالجملة : لا يبعد أنّ يكون مراد ابن أبي عقيل نفي كونهما من فرائض الوضوء وسننه الداخلة فيه ، إنّ كان الاستدلال بالخبر منه ، لأنّ قولهعليه‌السلام : « إنّما عليك أنّ تغسل ما ظهر » يدلّ على ما قلناه ، وإنّ كان الاستدلال من العلاّمة له ، فمطلوبه غير واضح ، بل عبارته المنقولة من العلاّمة تفيد نفي المضمضة والاستنشاق مطلقاً.

وهذه عبارة العلاّمة : المشهور عند علمائنا استحباب المضمضة والاستنشاق ، وقال ابن أبي عقيل : إنّهما ليسا عند آل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بفرض ولا سنّة. لنا أنّهما من العشرة الحنيفية ، وما رواه الشيخ ، وذكر رواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه حكى وضوء أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال : « ثم يمضمض » إلى آخر الرواية(١) (٢) .

__________________

(١) التهذيب ١ : ٥٣ / ١٥٣ ، الوسائل ١ : ٤٠١ أبواب الوضوء ب ١٦ ح ١.

(٢) المختلف ١ : ١١١.


والذي نقله الصدوق في الفقيه(١) أنّ الحنيفية عشر سنن ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، فأمّا التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والسواك وقصّ الشارب ، وذكر الباقي ، ولم يعيّن المضمضة بالوضوء ، فإن كان العلاّمة استفاد ذلك من خبر آخر فالأولى ذكره ، ولعلّ المعلومية أغنت عن الذكر ، غير أنّ المقام مجمل المرام ، فليراجع ما هو مظنة توضيح هذه الأحكام.

قال :

باب التسمية على حال الوضوء‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علي ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن العيص بن القاسم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من ذكر اسم الله تعالى على وضوئه فكأنّما اغتسل ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا سمّيت في الوضوء طهر جسدك كلّه ، وإذا لم تسمّ لم يطهر من جسدك إلاّ ما مرّ عليه الماء ».

وبهذا الإسناد عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن داود العجلي مولى أبي المعزى ، عن‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٣ والهداية ( المقنع والهداية ) : ١٧.


أبي بصير قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « يا أبا محمّد ، من توضّأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده ، ومن لم يسمّ لم يطهر من جسده إلاّ ما أصابه الماء ».

السند‌

في الأوّل كما ترى : الحسن بن علي ، عن عبد الله بن المغيرة ، وهو في النسخ التي رأيناها ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب ، أنّ الظاهر ابن عبد الله بن المغيرة.

وقال شيخنا المحقّق سلّمه الله في فوائده : الحسن بن علي هو ابن فضال ، ورواية أحمد عنه معلومة ، كروايته عن عبد الله بن المغيرة ، فما أدري ما الباعث على توهّم أنّه الحسن بن عبد الله بن المغيرة ، بعد أنّ اتفقت النسخ ، مع أنّ العيص أعلى مرتبة من أنّ يروي عنه الحسن بن عبد الله بن المغيرة ، فالحسن بن علي بن فضال لشهرته وكثرة روايته جدير بالإطلاق. انتهى.

ولما قاله وجه ظاهر.

وفي الثاني إرسال ، وقد تقدم القول فيه.

وفي الثالث داود العجلي ، ولم أقف عليه الآن في الرجال ، وأبو بصير معلوم الحال.

المتن :

في الأوّل دال على مجرّد ذكر اسم الله ، وفي الثاني ظاهر في أنّ‌


التسمية المعهودة هي المرادة ، للانصراف إليها(١) ، والثالث كالأوّل.

وفي رواية زرارة المعتبرة عن الباقرعليه‌السلام : « إذا وضعت يدك في الماء ، فقل : بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوّابين ، واجعلني من المتطهّرين »(٢) .

وفي رواية عن(٣) أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه كان يقول : « بسم الله وبالله وخير الأسماء كلها لله » إلى آخر الدعاء(٤) .

ويمكن حمل المطلق على المقيد ، أو يقال : إنّ هذا من جملة الأفراد ، فلا منافاة. وفيه ما فيه ، وكذا القول في الأخبار المبحوث عنها بالنسبة إلى بعضها ، كما أشرنا إليه ، والأمر سهل بعد ما عرفت الحال.

قال :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه(٥) ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إنّ رجلاً توضّأ وصلّى ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أعد صلاتك ووضوءك ، ففعل وتوضّأ وصلّى ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : أعد وضوءك وصلاتك (٦) ، فأتى أمير المؤمنين عليه‌السلام فشكى ذلك إليه ، فقال : هل سمّيت حين توضّأت؟ فقال : لا ، قال‌

__________________

(١) في « د » زيادة : وفي كتاب الحجّ من الفقيه خبر معتبر يدلّ على ذلك.

(٢) التهذيب ١ : ٧٦ / ١٩٢ ، الوسائل ١ / ٤٢٣ أبواب الوضوء ب ٢٦ ح ٢.

(٣) في « رض » : علي.

(٤) الفقيه ١ : ٢٧ / ٨٧ ، الوسائل ١ : ٤٢٤ أبواب الوضوء ب ٢٦ ح ٧.

(٥) في « رض » : أصحابنا.

(٦) في الاستبصار ١ : ٦٨ / ٢٠٦ يوجد ففعل وتوضّأ وصلّى فقال له النبيعليه‌السلام : أعد وضوئك وصلاتك.


سمّ على وضوءك ، فسمّى وصلّى ، ( ثم أتى )(١) النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يأمره أنّ يعيد ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمل التسمية فيه على النية التي ثبت وجوبها ، فأما ما عداها من الألفاظ فإنّما هي مستحبة دون أنّ تكون واجبة فرضاً ، يدلّ على ذلك قولهعليه‌السلام في الخبرين الأولين : « إنّ من لم يسمّ طهر من جسده ما مرّ عليه الماء » فلو كانت فرضاً لكان من تركها لم يطهر شي‌ء من جسده على حال ، لأنّه لا يكون قد تطهّر.

السند‌

غير خفي بعد تكرّر القول سابقاً.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من بعدٍ ، بل غير تامّ ، لأنّ أمرهعليه‌السلام بالإعادة من دون بيان الواجب وهو النية لا يليق بالحكمة ، لأنّ الإعادة من دون العلم إنّ وجبت فلا وجه للإعادة ثانياً ، وإنّ لم تجب لا وجه للأمر بها ثانياً.

واحتمال الاستحباب إنّما يتم بعد العلم ، كما لا يخفى ، ولو حملت التسمية على حقيقتها ، والإعادة على الاستحباب يوجّه المحذور بنوع من التقريب ، فليتأمّل.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٨ / ٢٠٦ : فأتى.


قال :

باب كيفية استعمال الماء في غسل الوجه.

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن معاوية بن حكيم ، عن ابن المغيرة ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا توضّأ الرجل فليصفق ( في وجهه الماء )(١) ، فإنّه إنّ كان ناعساً فزع واستيقظ ، وإنّ كان برداً فزع ولم يجد البرد ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن ابن المغيرة عن السكوني ، عن جعفرعليه‌السلام قال : « قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضّأتم ، ولكن شنّوا الماء شنّاً ».

فالوجه في الجمع بينهما أنّ نحمل أحدهما على الندب والاستحباب ، والآخر على الجواز ، والإنسان مخيّر في العمل بهما.

السند‌

في الأوّل مع الإرسال فيه معاوية بن حكيم ، وقد قال الكشي : إنّه فطحي(٢) . والنجاشي لم يذكر ذلك ، بل قال : إنّه ثقة جليل(٣) . وهذا يوجب الارتياب في كونه فطحيّاً ، إلاّ أنّ تحقيق الحال هنا لا يظهر له ثمرة بعد الإرسال.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٦٩ / ٢٠٧ : وجهه بالماء.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.


وكذلك الحال في ابن المغيرة ، والإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن المغيرة(١) قد يظن أنّه يدفع الوهن من جهة الإرسال لو زال الريب عن معاوية بن حكيم ، إلاّ أنّ ما قدمناه في أوّل الكتاب في معنى هذا الإجماع(٢) يشكل معه الاعتماد.

وفي الثاني : السكوني وحاله قد ذكرناه سابقاً(٣) .

المتن :

لا ريب أنّ الأمر في الأوّل بصفق الوجه بالماء ، والنهي عن ضرب الوجه بالماء [ في الثاني ](٤) يقتضي المنافاة ظاهراً.

وما ذكره الشيخ لا يخلو من إجمال ، لأنّ حمل أحد الخبرين على الاستحباب والآخر على الجواز ، إنّ أراد به أنّ ما ورد بالأمر بالصفق نحمله على الجواز ، وما ورد بالنهي نحمله على الكراهة واللازم منها استحباب عدم فعله ، ففيه : أنّ إرادة الجواز من الأمر بعيدة ، والتزامها بسبب المعارض ممكن لو تعيّن وجه الجمع ، وفيه ما فيه ، وإرادة الكراهة لا يستلزم الاستحباب ، كما قدّمنا فيه قولاً.

وإنّ أراد أنّ صفق الوجه مستحب وعدمه جائز لوجود النهي ، فما فيه أظهر من أنّ يخفى.

وإنّ أراد أنّ الأمر بشنّ الماء شنّاً للاستحباب ، والأمر بالصفق للجواز ،

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.

(٢) في ص ٤١.

(٣) في ص ١٤١.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاقتضاء السياق.


ففيه مع ما تقدم فيه عدم التعرض للنهي عن الضرب ، وهو غير مناسب.

وستسمع ما ذكره شيخنا المحقق سلمه الله في التوجيه بعد حكاية كلام بعض أهل اللغة ، ويخطر في البال أنّ الأمر بالصفق يراد به الضرب باليد مع الماء على الوجه ، والنهي عن الضرب يراد به رمي الماء من غير إيصال الكفّ إلى الوجه.

وأظنّ أنّ الصفق يناسب ما قلناه في الأوّل ، فإنّ المنقول عن بعض أهل اللغة أنّ الصفق : الضرب الذي له صوت(١) .

وما عساه يقال : إنّ الحديث الأوّل مع الإرسال لا ينبغي الاعتناء به ، وكذلك الثاني مع السكوني. ففيه : أنّ الصدوق في الفقيه نقل متن الرواية الأُولى مرسلاً(٢) ، ولمراسيله اعتبار ظاهر لمن راجع كلامه في الكتاب(٣) وإنّ أمكن أنّ يقال : إنّ قوله لا يفيد إلاّ أن(٤) ما يذكر فيه حجة فيما بينه وبين ربه ، وهذا من باب الاجتهاد ، فلا يصلح للاعتماد بالنسبة إلى غير مقلّديه ، إلاّ أنّ الحق كون المنقول من رواياته المرسلة لا ينقص عن توثيق الرجال الموجود في الكتب ، لأنّه لا يخرج عن الاجتهاد إلاّ بتكلف أنّ يقال : إنّهم ناقلون التوثيق عن المتقدّمين.

وفيه : أنّ الاختلاف في الجرح والتعديل الواقع في الرجال يوجب الاجتهاد في الجزم بالتوثيق ، فيرجع إلى الاجتهاد ، كما يعلم من ملاحظة كتب الرجال بعين العناية ، وهذا على سبيل البحث ، وإلاّ فالظاهر حصول‌

__________________

(١) مجمع البحرين ٥ : ٢٠٢ ( صفق ).

(٢) الفقيه ١ : ٣١ / ١٠٦ ، الوسائل ١ : ٤٣٤ أبواب الوضوء ب ٣٠ ح ١.

(٣) الفقيه ١ : ٣.

(٤) ليست في « فض ».


الفرق بين توثيق أصحاب الرجال وكلام الصدوق في الجملة.

اللغة :

قال ابن الأثير في النهاية : في الحديث : « إذا حُمّ أحدكم فليَشُنّ عليه الماء » أي فليرشّه عليه رشّاً متفرّقاً ، الشنّ : الصبّ المنقطع ، والسنّ : الصبّ المتصل ، ومنه حديث ابن عمر : كان يسنّ الماء على وجهه ولا يشنّه ، أي يجريه عليه ولا يفرّقه(١) .

وفي كلام غير ابن الأثير : شنّ الماء على الشراب فرّقه عليه ، ومنه قولهم : شنّ عليهم الغارة وأشنّها : فرّقها عليهم من كل وجه(٢) .

قال شيخنا أيّده الله في فوائده على الكتاب بعد نقل كلام النهاية : قيل : الظاهر على هذا أنّ يكون الشنّ بالمهملة ، مع أنّ الموجود في كتابي الشيخ والكافي بالمعجمة ؛ ولا يخفى عليك أنّ موافقة حديثنا لحديث ابن عمر غير لازم ، وأنّ الجمع بين الروايتين يمكن على وجهين : أحدهما : أن يراد بهما إيراد الماء على الوجه بسرعة وشدّة على وجه يتفرّق عليه وهو الرشّ ، والآخر الضرب على وجه يتفرّق الماء على الوجه ، والمنفي الضرب على وجه لا يوجب التفرّق ، وربما يكون المراد في الحديث الأوّل صفق الوجه بالماء(٣) قبل الوضوء. انتهى كلامه سلّمه الله فينبغي تأمّله حق التأمّل ، والله تعالى أعلم.

__________________

(١) النهاية لابن الأثير ٢ : ٥٠٧ ( شنن ).

(٢) الصحاح ٥ : ٢١٤٥ ، ٢١٤٦ ( شنن ).

(٣) في « رض » : في الماء.


قال :

باب عدد مرّات الوضوء‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، وفضالة بن أيوب ، عن فضيل بن عثمان ، عن أبي عبيدة الحذّاء قال : وضّأت أبا جعفرعليه‌السلام بجمع(١) وقد بال : فناولته ماءً فاستنجى ، ثم أخذ كفاً فغسل به وجهه ، وكفاً غسل به ذراعه الأيمن ، وكفاً غسل به ذراعه الأيسر ، ثم مسح بفضلة النَّدى رأسه ورجليه.

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حماد بن عثمان ، عن علي بن أبي المغيرة ، عن ميسرة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « الوضوء واحدة واحدة ، ووصف الكعب في ظهر القدم ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن محمّد بن الحسن ، وغيره ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن ابن رباط ، عن يونس بن عمار ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الوضوء للصلاة فقال : « مرّة مرّة ».

وبهذا الإسناد عن سهل بن زياد ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الكريم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الوضوء ، فقال : « ما كان وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ مرّة مرّة ».

__________________

(١) في المصباح المنير ١ : ١٠٨ : ويقال لمزدلفة : جمع ، وفي القاموس المحيط ٣ : ١٤ : وبلا لام المزدلفة ، ويوم جمع يوم عرفة ، وأيّام جمع أيّام منى.


السند :

في الأوّل : قد تقدم غير بعيد(١) .

والطريق إلى الحسين بن سعيد : ابن أبي جيد ، عن محمّد بن الحسن ابن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، وذكرنا ما لا بُدّ منه فيه(٢) .

وفي الثاني : علي بن المغيرة وهو ثقة ذكره النجاشي في ابنه الحسن(٣) ، وأمّا ميسرة فإنّه مشترك بين مهملين في الرجال(٤) .

والثالث : حاله غير خفيّة ، ومحمّد بن الحسن فيه : هو الصفار على ما فهمته من شيخنا سلّمه الله تعالى(٥) وابن محبوب : هو الحسن ؛ وابن رباط : هو الحسن ، ولم يوثق في الرجال(٦) ، وإنّما ذكرنا أنّ ابن محبوب هو الحسن لأنّ النجاشي ذكر أنّ الحسن بن رباط له كتاب يرويه عنه الحسن بن محبوب(٧) ، وأمّا يونس بن عمار : هو مهمل في رجال الشيخرحمه‌الله (٨) .

والرابع : فيه مع سهل بن زياد عبد الكريم ، والظاهر أنّه ابن عمرو ، وهو واقفي وإنّ كان ثقة ، والراوي عنه في الفهرست أحمد بن محمّد ابن أبي نصر(٩) ، والظاهر أنّ أحمد بن محمّد هنا هو ابن أبي نصر ، إلاّ أنّ رواية‌

__________________

(١) في ص ٣٦٩.

(٢) في ص ٦٩.

(٣) رجال النجاشي : ٤٩ / ١٠٦.

(٤) منهج المقال : ٣٥١.

(٥) منهج المقال : ٢٩١.

(٦) منهج المقال : ٩٩.

(٧) رجال النجاشي : ٤٦ / ٩٤.

(٨) رجال الطوسي : ٣٣٧ / ٦٧.

(٩) الفهرست : ١٠٩.


سهل عنه في الظنّ أنها نادرة ، والأمر في الخبر سهل بوجود سهل.

المتن :

في الجميع ما عدا الأوّل ظاهره أنّ الوضوء مرّة مرّة(١) ، وصريح الأوّل أنّهعليه‌السلام غسل وجهه بكف(٢) وكلاً من ذراعيه بكف ، وحينئذ لا يبعد أنّ يكون ( المراد بالإطلاق )(٣) في غيره إرادة الكف الواحد والغسلة الواحدة ، إلاّ أنّ هذا على تقدير الاكتفاء بالكف الواحد ، فلو لم يكف وجب ما يحصل الاكتفاء به ، غير أنّه ينبغي عدم الزيادة على الاثنين للغسلة ، كما يأتي بيانه في الخبر الآتي(٤) .

وعلى هذا لا يتوجه أنّ الأخبار الدالة على أنّ الوضوء مثنى مثنى يراد بها الغُرفتان لا الغسلتان.

فإنّ قلت : ما ذكرته لا يدفع الاحتمال ، لأنّ غير الخبر الأوّل لا دلالة فيه على غير المرّة ، فإذا أُريد بها الغسلة لا ينفى الغرفتين ، والخبر الأوّل الدال على الغرفة يدل على أنّها أحد الأفراد ، وحينئذٍ تحمل الأخبار الدالة على أنّ الوضوء مثنى مثنى على الاستحباب في الغرفات لا في الغسل.

قلت : إذا رجع الأمر إلى الاستحباب يقع ما يأتي ذكره من أنّ الإمام كيف يترك المستحب مع أنّ المعلوم منهم المواظبة على المستحبات؟ فالإشكال الذي يذكر في إرادة الغسلات يأتي هنا ، فلا ينفع الفرار بإرادة‌

__________________

(١) في « رض » : مرّة بدون التكرار.

(٢) ليس في « رض ».

(٣) في « رض » : الإطلاق.

(٤) في ص ٤١٩ ٤٢٧.


الغرفات ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف قال : إنّه لا خلاف في وجوب غَسل الوجه واليدين مستوعباً للجميع ، فلو لم يكف الكفّ الأوّل وجب الثاني ، ولو لم يكفيا وجب الثالث ، وهكذا ، ولا يتقدّر الوجوب بقدر معيّن ، وأمّا إذا حصل الوجوب بالكفّ الأوّل والمرّة الاولى هل يستحب الثانية في غَسل الوجه واليدين؟ أكثر علمائنا على استحبابها ـ إلى أنّ قال ـ : وقال أبو جعفر ـ يعني ابن بابويه ـ : الثانية لا يؤجر عليها ، وقال ابن إدريس : إنّ الثانية لا تجوز ، ثم أخذ في الاستدلال لاستحباب الثانية(١) ، وسنذكر ما لا بُدّ منه بعد ذكر الأخبار الآتية إن شاء الله تعالى(٢) .

قالرحمه‌الله :

وأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن معاوية ابن وهب ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الوضوء؟ فقال : « مثنى مثنى ».

وما رواه أحمد بن محمّد ، عن صفوان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « الوضوء مثنى مثنى ».

فالوجه في هذين الخبرين أنّ نحملهما على السنّة ، لأنّه لا خلاف بين المسلمين أنّ الواحدة هي الفريضة ، وما زاد عليه سنّة ، وأيضاً فقد قدّمنا من الأخبار ما يدل على ذلك ، ويزيده بياناً :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن عروة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الوضوء مثنى مثنى ، ومن زاد‌

__________________

(١) المختلف ١ : ١١٤ وهو في الفقيه ١ : ٢٩.

(٢) في ص ٤٢٦.


لم يؤجر عليه » وحكى لنا وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فغسل وجهه مرّة واحدة وذراعيه مرّة واحدة ، ومسح رأسه بفضله ورجليه.

قال محمّد بن الحسن : حكايته لوضوء رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّة مرّة يدل على أنّه أراد بقوله (١) : « مثنى مثنى » السنّة ، لأنّه لا يجوز أنّ يكون الفريضة مرّتين ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يفعل مرّة (٢) ، مع إجماع المسلمين على أنّه مشارك لنا في الوضوء وكيفيته.

السند‌

في الأوّل لا ريب فيه على ما أظنّ ، والاشتراك(٣) في معاوية بن وهب بين [ ثقة و](٤) من ليس بثقة ، يدفعه أنّ الإطلاق ينصرف إلى المعروف المتكثر.

وفي الثاني : لا يبعد أنّ يكون أحمد بن محمّد هو ابن أبي نصر ، لأنّ رواية ابن عيسى عن صفوان قد يظن أنّها مستبعدة ، لكن سيأتي في باب الجبائر(٥) ما يقربها إنّ كان صفوان بن يحيى ، وإنّ كان ابن مهران فهو أقرب ، كما يعرف بالممارسة ، والطرق إلى صفوان في النجاشي(٦) والفهرست(٧) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٠ / ٢١٥ : الوضوء.

(٢) في الاستبصار ١ : ٧٠ / ٢١٥ : مرة مرة.

(٣) هداية المحدثين : ٢٦٠.

(٤) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٥) في ص ٤٥٣ ، ٤٥٤.

(٦) رجال النجاشي : ١٩٧ ، ١٩٨ / ٥٢٤ ، ٥٢٥.

(٧) الفهرست : ٨٣ ، ٨٤ / ٣٤٦ ، ٣٤٧.


المتن :

قد اختلف العلماء في المراد بقوله : « مثنى مثنى » على أقوال :

الأوّل : ما يظهر من كلام الشيخ‌ أنّ المراد الغسل مرّتين في كل عضو من أعضاء الغسل ، ويكون على سبيل الاستحباب ، لدلالة الأخبار الأوّلة على المرّة.

وقول الشيخ : إنّه لا خلاف بين المسلمين أنّ الواحدة هي الفريضة ، وما زاد عليه سنّة ، لا ينافيه نقل العلاّمة عن ابن إدريس القول : بأنّ الثانية لا تجوز(١) . لجواز أنّ يكون ابن إدريس لم يعمل بنقل الشيخ الإجماع.

وما تضمنه الأخبار الأولة(٢) من أنّ وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن إلاّ مرّة مرّة ، وكذلك وضوء عليّ ، لا ينافي حمل الشيخ على الاستحباب في الثانية ، لأنّ مفاد الأخبار حصر الواجب في المرّة ، وذلك لا ينافي فعل الثانية مستحبّةً ، إذ حاصل معنى تلك الأخبار [ أنّه(٣) ] لم يكن وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الواجب إلاّ مرّة ، لا أنّه لم يكن وضوءه مطلقاً إلاّ مرّة.

غاية الأمر أنّه يتوجه عليه أنّ فعل أبي جعفرعليه‌السلام في الحديث الأوّل من الباب ينافي ما ذكره الشيخ من الحمل على الاستحباب ؛ إذ لا يليق من الإمامعليه‌السلام ترك المستحب.

وقد يجاب عنه : بأنّ فعلهعليه‌السلام المرّة للتنبيه على أنّها الواجبة ، خوفاً من توهّم(٤) أبي عبيدة وجوبها(٥) ، كما يعلم من الاطلاع على الأخبار‌

__________________

(١) راجع ص ٤١٦.

(٢) المتقدمة في ص ٤١٧.

(٣) أضفناه لاستقامة العبارة.

(٤) في « د » زيادة : غير.

(٥) اي وجوب المرة الثانية. ويحتمل ان تكون الكلمة : وجوبهما.


الواردة في أفعالهمعليهم‌السلام لدفع الوهم.

ومن هنا يعلم أنّ ما أورده شيخناقدس‌سره على الشيخ في فوائد الكتاب : من أنّ هذا الحمل بعيد جدّاً ، لأنّ المرّة الثانية لو كانت مستحبّة لم يقتصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام على المرّة في وضوءهما ، خصوصاً مع مداومتهما على ذلك ، كما يدل عليه الأخبار المروية في وصف وضوء رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقول الصادقعليه‌السلام : « ما كان وضوء رسول الله إلاّ مرّة مرّة »(١) وقول الشيخ : إنّه لا خلاف بين المسلمين أنّ الواحدة هي الفريضة ، وما زاد عليه سنّة. غير جيّد ؛ لأنّ الخلاف في استحباب الثانية متحقق ، وكذا قوله : قدّمنا من الأخبار ما يدل على ذلك ، لا يخلو من نظر ؛ إذ لم يسبق منه ما يدل على استحباب المرّتين. وأعجب من ذلك قوله : حكايته لوضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّة مرّة يدل على أنّه أراد بقوله : « الوضوء مثنى مثنى » السنّة. والأجود الحكم بأفضليّة المرّة وحمل ما تضمن المرّتين على الجواز كما ذكره الكليني(٢) .

محل بحث :

أمّا أوّلاً : فلما قرّرناه.

وأمّا ثانياً : فلأنّ ما قاله من أنّ الأخبار الواردة في وصف وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تدل على المداومة يشكل عليه بأنّه استدل على عدم الوجوب بالأعلى بجواز أنّ يكون الواقع في الحكاية لأحد أفراد الكلي.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ الجواز الذي اعتمد عليه إنّ أُريد به الإباحة فلا وجه لها في المقام بعد ورود قولهعليه‌السلام : « مثنى مثنى » وإنّ أُريد الإباحة الشرعية ،

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥ / ٧٦ ، الوسائل ١ : ٤٣٨ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٠.

(٢) الكافي ٣ : ٢٧.


على معنى أنّ الشارع أباح الفعل والترك ، فمن لوازمه الثواب على الفعل ليفارق مباح الأصل ، وغير خفيّ أنّ هذا لا يخرج عن الاستحباب ، إلاّ أن يقال : إنّ ثوابه أقل ، وذلك لا يضرّ بالحال.

وما عساه يقال : إنّ مباح الشرع لو أُريد به تساوي الفعل والترك في الثواب أشكل بأنّ الترك لا يليق بحكمة الشارع مساواته في الثواب للفعل ، وإنّ لم يتحقق الثواب في الترك فهو المستحب ، ولا وجه لجعل المباح شرعياً.

فله وجه ، غير أنّي لم أقف على من كشف قناع هذا الإشكال ، فينبغي تأمّل ذلك.

وقد وجدت في كتاب الصوم من التهذيب حديثاً يدل على التخيير بين الفعل والترك في السحور لغير شهر رمضان ، فإنّ فيه الأمر بالسحور لشهر رمضان ، ثم قال : « ومن صام غيره فإنّ شاء فليسحر وإنّ شاء لم يفعل »(١) .

غير أنّ الإشكال الذي ذكرناه لا مدفع له على ما أظنّ إلاّ بأن يقال : إنّ الثواب الحاصل في الفعل إذا كان الإنسان مخيّراً أقل من ثواب المستحب ، للتميّز عنه ، وفائدة هذا سهلة فيما نحن فيه ، إذ الغسلة الثانية في الوضوء إذا تحقق فيها الثواب لكنّه أقل من كونها مستحبة ، فالعدول من الجمع بالحمل على الاستحباب [ إلى الحمل(٢) ] على الجواز لا يفيد دفع المحذور ، من عدم فعل النبيعليه‌السلام لما فيه الثواب مداومة ، وكذلك عليعليه‌السلام ، ولو أُريد مباح الأصل فلا أظنّه في المقام لائقاً ، بعد ورود الأخبار التي سمعتها.

__________________

(١) التهذيب ٤ : ١٩٧ / ٥٦٥ ، الوسائل ١٠ : ١٤٣ أبواب آداب الصائم ب ٤ ح ٥.

(٢) في النسخ : للحمل ، غيّرناه لاستقامة العبارة.


وما ذكره شيخناقدس‌سره عن الكليني ففيه : أنّ كلام الكليني لا يخلو من إجمال كما يعلمه من راجعه ، والعجب من شيخنا المحقق سلّمه الله أنّه في فوائد الكتاب وافق شيخناقدس‌سره في الإيراد على الشيخ ، ولم ينبه على الإشكال في ذلك ، مع أنّه كثير التفحص عن مثل هذا.

وبالجملة : فكلام الشيخ وإنّ كان محل نظر من وجه أسلفناه ، وغيره وهو ذكر الحديث الذي ظنّ أنّه يزيد ما قدّمه بياناً ، فإنّ سنده لا يخلو من قصور بالقاسم بن عروة ، كما قدّمناه في هذا الموضع(١) ، واكتفينا به عن الإعادة ، وحاصل الأمر في الخبر أنّه يدل على أنّ من زاد لم يؤجر ، مع أنّ الظاهر كون الثالث بدعة ، فينبغي أن يقال : إنّ من زاد يأثم ، وسيأتي منه حديث تضمّن أنّ من فعل الغسلتين لا يؤجر ، وحمله على اعتقاد الفرض ، ( مع أنّ اعتقاد الفرض )(٢) يعطي الإثم لا عدم الأجر.

واحتمال أنّ يقال : إنّ عدم الأجر لا ينافي الإثم. ينافيه الحكم في الحديث بأن الثالث بدعة ، ومن لوازم البدعة الإثم ، فلو كان في الثانية الإثم لَما صلح التقسيم ، كما لا يخفى ، وسيجي‌ء القول فيه.

والغرض هنا أنّ استدلال الشيخ بالحديث لا يخلو من خلل ، مضافاً إلى تضمّنه حكاية وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ( واحدة واحدة ، فإنّ هذا ينافي قول الشيخ ، لأنّ غاية ما ذكرناه سابقاً في توجيهه أنّ وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله )(٣) الواجب لم يكن إلاّ مرّة ، وهو لا ينافي الزيادة مستحبة ، وهذا الخبر يقتضي أنّ فعلهعليه‌السلام كان مرّة ، ويمكن الجواب بأن الفعل وقع لدفع احتمال‌

__________________

(١) في ص ٤٠٥.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».


وجوب الغسلتين ، وهذا في حق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أشد ، كما يعلم من الأخبار ، والله تعالى أعلم بالحال.

الثاني : أنّ الأحاديث المتضمنة لكون الوضوء مثنى مثنى ، يراد بها أن الوضوء غسلان ومسحان ، وهذا حكاه الشيخ في التهذيب(١) ، وحينئذٍ فالاخبار المتضمنة لأنّ الوضوء مرّة مرّة تبقى على مقتضاها.

وممّا يدل على التوجيه المذكور موثق يونس بن يعقوب ، قال : قلت : لأبي عبد اللهعليه‌السلام الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال ، قال : « يغسل ذكره ، ويُذهب الغائط ، ثم يتوضّأ مرّتين مرّتين »(٢) وقد تقدم.

وتوجيه دلالته أنّ السؤال عن الوضوء المفروض ، فلا يمكن أنّ يكون المرّتان للاستحباب.

فإنّ قلت : المأمور به في الآية الغَسل ، وهو كما يتحقّق بالمرّة يتحقق بالمرّتين ، فيكون المرّتان أحد الفردين ، ويجوز حينئذٍ أنّ يلاحظ الاستحباب باعتبار أنّه أفضل الفردين الواجبين تخييراً ، فلا يكون هذا التوجيه مغايراً للأوّل ، إلاّ من حيث إنّ القائلين بأن الثانية مستحبة(٣) ، ظاهر كلامهم أنّها مستحبة لا على هذا الوجه ، والشيخرحمه‌الله من جملة القائلين ، وكلامه لا يأبى هذا ، لأنّ قوله : الواحدة هي الفريضة وما زاد عليه سنّة ؛ في أوّل الكلام ، وقوله في آخره : حكايته لوضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى آخره ،

__________________

(١) التهذيب ١ : ٦٣ / ١٧٦.

(٢) التهذيب ١ : ٤٧ / ١٣٤ ، الوسائل ١ : ٣١٦ أبواب أحكام الخلوة ب ٩ ح ٥.

(٣) منهم ابنا عقيل والجنيد والشيخان واتباعهم على ما حكاه عنهم في المختلف ١ : ١١٤ والمحقق في الشرائع ١ : ٢٣ وصاحب المدارك ١ : ٢٣٠.


فيه الاحتمال المذكور ، ويكون حكاية وضوئهعليه‌السلام أحد أفراد الوضوء ، لا الفرد الكامل.

قلت : هذا لا يتم ، كما يقتضيه السياق ، وصرّح به العلاّمة(١) أيضاً(٢) ، والأخبار يأباه إذا تأمّلها الإنسان بعين الاعتبار ، وقول الشيخ أخيراً : إنّه لا يجوز أنّ يكون الفريضة مرّتين والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يفعل مرّة مرّة ؛ ينادي بخلافه.

فإنّ قلت : قول الشيخ بعد هذا : مع إجماع المسلمين على أنّه مشارك لنا في الوضوء وكيفيته. ما المراد به؟ والحال أنّ الكلام في تحقيق وضوئهعليه‌السلام بأيّ وجه فكيف يقال : الإجماع واقع على مشاركته لنا؟

قلت : مقصود الشيخ أنّ كون المرتين فرضاً يقتضي أنّ الفرض علينا المرّتان ، والإجماع على أنّه حكمه حكمنا يفيد أنّ المرتين فرض عليه ، والحال أنّ وضوءه كان مرّة مرّة ، فلا يجوز أنّ يكون المرّتان هي الفريضة في الأخبار.

وإذا تمّ هذا لا يمكن أنّ يحمل الأخبار الواردة في أنّ الوضوء مثنى مثنى على الفرض ، وعلى ما احتملناه من كون المرّة أحد الأفراد لا يتمّ في حق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّ ترك الأفضل على المداومة غير جائز.

الثالث : ما ذكره الصدوق في الفقيه : أنّ الأخبار التي رويت في أنّ الوضوء مرّتين مرّتين ، فأحدها بإسناد منقطع يرويه أبو جعفر الأحول ، عمّن رواه(٣) ـ إلى أنّ قال ـ : وفي ذلك حديث آخر بإسناد منقطع رواه‌

__________________

(١) في « فض » : العلماء.

(٢) المختلف ١ : ١١٦.

(٣) الفقيه ١ : ٢٥ / ٧٧ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٥.


عمرو بن أبي المقدام ، قال : حدثني من سمع أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إني لأعجب ممّن يرغب أنّ يتوضأ اثنتين اثنتين ، وقد توضّأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اثنتين اثنتين ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يجدّد الوضوء لكل فريضة وكل صلاة » فمعنى الحديث هو أنّي لأعجب ممّن يرغب عن تجديد الوضوء وقد جدّده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال : وكذا ما روي : أنّ مرّتين أفضل ، معناه التجديد ، وكذلك ما روي في مرّتين أنّه إسباغ(١) . انتهى.

وظاهره حمل ما تضمّن المرّتين على التجديد والإسباغ ، إلاّ أنّ كلامه في الأخبار أنها منقطعة مع رواية الشيخ بأسانيد متّصلة لما يضاهيها في الجملة لا يخلو من إجمال.

والشهيد في الذكرى ردّ قوله : بأنّ الأخبار التي رويناها بالمرّتين في التهذيب متصلة صحيحة الإسناد ، والحمل على التجديد خلاف الظاهر(٢) .

ولا يخفى عليك أنّ الأحاديث التي ذكرها الصدوق مقتصراً عليها وردّها بما قاله في الكتاب لا يستبعد فيها قوله ، والذي حمله على التجديد منها له نوع قرب.

وما ذكره الشهيد لعلّه في أخبار التهذيب ، إذ لا شك في أنّ الحمل على التجديد فيها خلاف الظاهر ، غير أنّ ضرورة الجمع بين الأخبار ينتج العدول عن الظاهر ، فلو قال الشهيدرحمه‌الله : إنّ الحمل على غير التجديد له قرب ، كان أولى.

ثم ما ذكره الصدوق من الإسباغ ربما كان قابلاً للتوجيه ، إلاّ أنّ الذي وقفت عليه من الأخبار لا يدل على ما قاله ، وهو أعلم بالحال ، وستسمع‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٥ / ٨٠ ، الوسائل ١ : ٤٣٩ أبواب الوضوء ب ٣١ ح ١٦ ٢٠.

(٢) الذكرى ٢ : ١٨٣.


الخبر الذي رواه الشيخ في الغرفتين المحتمل لإرادة الإسباغ منها ، وهو غير المرّتين المذكورتين في كلام الصدوق ، واحتمال إرادته الغرفتين للإسباغ لا يتم كما لا يخفى.

والعلاّمة في المختلف بعد أنّ ذكر قول ابن بابويه ، أجاب بما لا فائدة في ذكره ، سوى ما ذكره في الجواب عن الحمل على التجديد ، من أنّه لا ينسحب على الحديث الذي رواه زرارة وبكير عن الباقرعليه‌السلام (١) .

وعنى بالحديث ما رواه الشيخ فيما يأتي(٢) ، وقد أشرنا إليه ، والمطلوب منه قولهما : فقلنا : أصلحك الله الغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ فقال : « نعم إذا بالغت فيها ، والثنتان يأتيان على ذلك كله »(٣) وهذا لا أعلم وجه عدم انسحاب التجديد إليه ، فإنّ مفاد الحديث كون الغرفتين إذا فعلهما الإنسان يأتيان على ذلك كلّه ، وأين هذا من الغسلتين.

ولعلّ العلاّمة فهم من الغرفتين الغسلتين ، أو أنّ الحديث مطلق في الغرفتين ، بحيث يتناول ما لو تمّت الغسلة الأُولى بغرفة ، وأنت خبير بأنّ إطلاقه يقيّد بغيره ، وحينئذٍ لا يخفى عليك الحال.

إذا عرفت هذا كلّه وتحققته وفي صحيفة خاطرك كتبته فاعلم أنّ الذي رأيته في نسخ المختلف ما نقلته أوّلاً : من القول بعدم جواز الثانية عن ابن إدريس(٤) .

__________________

(١) المختلف ١ : ١١٧.

(٢) في ص ٤٢٧.

(٣) التهذيب ١ : ٨١ / ٢١١ ، الوسائل ١ : ٣٨٨ أبواب الوضوء ب ١٥ ح ٣.

(٤) راجع ص ٤١٦.


وفي الحبل المتين نقلاً عن السرائر ما هذا لفظه : المرّتان فضيلة بإجماع المسلمين ، ثم قال : ولا يلتفت إلى خلاف من خالفه من أصحابنا بأنّه لا يجوز المرّة الثانية ، لأنّه إذا تعين المخالف وعرف اسمه ونسبه فلا يعتد بخلافه(١) .

وشيخناقدس‌سره في المدارك نقل عن ابن إدريس أيضاً أنّه ادّعى الإجماع على استحباب الثانية(٢) .

وعلى هذا فالظاهر أنّ نقل العلاّمة لا يخلو من خلل ، ولعلّ هذا لا يضرّ بحال الكلام السابق ، لجواز تأخّر القائل عن الشيخ ، وعدم اعتباره نقله للإجماع ، وفيه نوع تأمّل.

وحكى شيخناقدس‌سره عن ابن إدريس أيضاً ، أنّه حكى عن أحمد ابن أبي نصر البزنطي أنّه قال في نوادره : واعلم أنّ الفضل في واحدة واحدة ، ومن زاد على اثنتين لم يؤجر. وقال الكليني في الكافي بعد أنّ أورد رواية عبد الكريم السابقة : هذا دليل على أنّ الوضوء إنّما هو مرّة مرّة ، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا ورد عليه أمران كلاهما طاعة لله أخذ بأحوطهما وأشدّهما على بدنه ، وأنّ الذي جاء عنهم أنّه قال : « الوضوء مرّتان » أنّه هو لمن لم يقنعه مرّة فاستزاده ، فقال : « مرّتان » ثم قال : « ومن زاد على مرّتين لم يؤجر » وهو أقصى غاية الحدّ في الوضوء الذي من تجاوزه أثِم ولم يكن له وضوء(٣) . انتهى.

ولا يخفى إجمال كلام الثقة الجليل محمّد بن يعقوب كما قدّمنا إليه‌

__________________

(١) الحبل المتين : ٢٤ وهو في السرائر ١ : ١٠٠.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ٢٣١.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٢٣٣.


الإشارة(١) .

قال :

ويؤكد ذلك أيضاً ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة(٢) ، عن زرارة وبكير ، أنهما سألا أبا جعفر عليه‌السلام عن وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدعا بطشت ، وذكر الحديث إلى أنّ قال : فقلنا : أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال : « نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله ».

السند‌

حسن بإبراهيم بن هاشم ، وقد قدّمنا ما وقع للشيخ في تفريق هذا الحديث(٣) .

المتن :

قد تقدم فيه كلام ، ويبقى أنّ قوله : « تأتيان على ذلك كله » لا يخلو من إجمال ، من حيث إنّ الإشارة محتملة العود إلى الغَسل ، ويراد حينئذٍ به عدم الاحتياج إلى المبالغة المذكورة في الغرفة ، ويحتمل العود إلى محل الغَسل من الوجه واليدين.

__________________

(١) في ص ٤٢١.

(٢) الاستبصار ١ : ٧١ / ٢١٦ : عمر بن أذينة.

(٣) في ص ٣٦٤.


ويحتمل أن يراد بالثنتين الغرفة التي للوجه والغرفة التي للذراع مع المبالغة يأتي على المحل كله ، فيفيد الخبر عدم الاحتياج إلى غرفة اخرى لكل منهما ، كما يفيده فعل الإمامعليه‌السلام في رواية أبي عبيدة(١) ، إذ لو كان المراد الغرفتين في كل من الأعضاء المغسولة لأفاد الاستحباب ، وإخلالهعليه‌السلام به غير لائق ، سيّما وقد ذكر بعض احتمال أن يكون الثانية إسباغاً(٢) ، وهو مؤكّد في الوضوء.

وفي نظري القاصر أنّ هذا الاحتمال له نوع رجحان ، فيندفع به ما قيل في الحديث : إنّ الثانية للإسباغ ، فليتأمّل.

أمّا قولهعليه‌السلام : « إذا بالغت فيها » فالمراد به على الظاهر إملاء الكفّ من الماء ، ويحتمل إرادة المبالغة في استيعاب العضو بإمرار اليد على جميع العضو وإن لم يكن الكفّ مملوّاً من الماء ، مع احتمال إرادة الأمرين ، ولا يخفى دلالة الحديث حينئذ على الاكتفاء في الغَسل بنحو الدهن.

ولا يرد عليه أنّ الغَسل لا يتحقق حينئذٍ ، بل هو مسح.

لإمكان أن يقال : إنّ الفرق بين الغَسل والمسح بكون الغَسل لا يشترط فيه المشابهة للدهن بخلاف المسح ؛ أو يقال : إنّ الغَسل في العضو باعتبار الأغلب فيه وإن كان في بعضه مشابهة للمسح ، بخلاف المسح.

فيندفع حينئذٍ ما قيل : إنّ الفرق بين العضو المغسول والممسوح لا يتحقق ، على أنّ الغرفتين في كل عضو لا ينفك بعض أجزائه عن المشابهة للمسح ، فلا بُدّ من أحد الاعتبارين الذين ذكرناهما ، ( أو غيرهما )(٣) ممّا‌

__________________

(١) المتقدّمة في ص ٤٢٣ ٤١٤.

(٢) راجع : ص ٤٢٤.

(٣) ليست في « رض ».


تقدم.

فإنّ قلت : كيف يليق من زرارة وبكير أنّ يسألا عن الغرفة الواحدة ، مع أنّ الحديث تضمّن أنّهعليه‌السلام غسل كل عضو بكفّ من ماء ، كما سبق في الرواية إنّ كانت هي المرادة هنا؟

قلت : الظاهر أنّ الرواية هي المتقدمة ، وإنّ اختلف السند ، ولعل السؤال منهما لدفع احتمال كون فعلهعليه‌السلام أحد أفراد وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأُريد بالسؤال عن الإجزاء دائماً ، وإنّ لم يدل اللفظ عليه ، لكن بمعونة ما ذكر ، وفيه نوع تأمّل ، والأمر سهل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ جدّيقدس‌سره في المسالك قال : إنّ التشبيه بالدهن في كلام المحقق في الشرائع مبالغة في الاجتزاء(١) بالجريان القليل على جهة المجاز لا الحقيقة.

وقد يقال عليه : إنّ مثل هذا الخبر الدال على الاكتفاء بالغرفة ظاهر الدلالة على الاكتفاء بالدهن حقيقة ، وأدلّ منه صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إنّما الوضوء حدّ من حدود الله ، ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه ، وإنّ المؤمن لا ينجّسه شي‌ء ، إنّما يكفيه مثل الدهن »(٢) .

فإنّ قلت : ظاهر رواية زرارة ومحمّد أنّ الذي يجزئ مثل الدهن ، لا الدهن ، والمطلوب الثاني ، فلا يتمّ الدلالة.

قلت : الظاهر أنّ الدهن المشبّه به ما كان بغير الماء من الأدهان ، والتشبيه للماء به ، ومن هنا يعلم أنّ ما أورده شيخناقدس‌سره على جدّيقدس‌سره ـ

__________________

(١) في المسالك ١ : ٤١ الإجزاء.

(٢) التهذيب ١ : ١٣٨ / ٣٨٧. الوسائل ١ : ٤٨٣ أبواب الوضوء ب ٥٢ ح ١.


من أنّه لا مانع من كون التشبيه حقيقة(١) . مجمل المرام ، وكشفه بما ذكرناه بعد التأمّل فيه حق التأمّل ، والله تعالى أعلم.

قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن موسى بن إسماعيل بن زياد ، والعباس بن السندي ، عن محمّد بن بشير ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الوضوء واحدة فرض واثنتان لا يؤجر والثالثة بدعة ».

فالوجه في قولهعليه‌السلام : « واثنتان لا يؤجر » أنّه إذا اعتقد أنّهما فرض لا يؤجر عليهما ، فأما إذا اعتقد أنهما سنّة فإنّه يؤجر على ذلك ، والذي يدل على ما قلناه :

ما أخبرني به الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى ، عن زياد بن مروان القندي ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « من لم يستيقن أنّ واحدة من الوضوء تجزيه لم يؤجر على الثنتين » (٢) .

السند‌

في الأوّل موسى بن إسماعيل : مجهول الحال ، والمذكور في الرجال بهذا الاسم مهمل(٣) ، لكنه غير معلوم كونه هذا ، إذ ليس ابن زياد مذكوراً ،

__________________

(١) مدارك الاحكام ١ : ٢٣٥.

(٢) في النسخ : اثنتين ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٧١ / ٢١٨.

(٣) رجال النجاشي : ٤١٠ / ١٠٩١.


والعباس بن السندي : لم أجده في الرجال ؛ ومحمّد بن بشير : مشترك بين ثقة وغيره(١) .

وفي الثاني زياد بن مروان : وهو واقفي غير موثق.

المتن :

قد قدّمنا ما في الأوّل من الإشكال في توجيه الشيخ له بالاعتقاد ، فإنّ اللازم منه حصول الإثم ، وكون عدم الأجر لا ينافيه وإنّ كان صحيحاً ، إلاّ أنّ جعل الثالثة بدعة يدل على أنّ فعل الثنتين ليس بدعة ، ومع الاعتقاد يكون بدعة ، ومن لوازمها الإثم.

واستدلال الشيخ بالخبر الثاني فيه الإشكال أيضاً ، إلاّ أنّه أخفّ باعتبار تحقق عدم الأجر(٢) فيما فيه الإثم ، إلاّ أنّ التعبير غير واضح الوجه ، والأمر سهل بعد ضعف الرواية.

فإنّ قلت : ربما يستفاد من الرواية الأخيرة أنّ من لم يستيقن إجزاء الواحدة ( لم يؤجر )(٣) على الواحدة ، والحال أنّه ليس كذلك. قلت : لا يبعد ذلك ، إلاّ أنّ الكلام في ذلك خال من الفائدة بعد ما أشرنا إليه.

قال :

فأمّا ما رواه الصفار عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، عن داود بن زربي ، قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الوضوء ،

__________________

(١) هداية المحدثين : ٢٢٩.

(٢) في « رض » : الاجزاء.

(٣) في « رض » : يؤجر ، وفي « فض » : ثم يؤجر.


فقال لي : « توضّأ ثلاثاً ثلاثاً » قال : ثم قال : « أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟ » قلت : بلى ، قال : كنت يوماً أتوضّأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به ، فقال : كذب من زعم أنّك فلاني وأنت تتوضّأ هذا الوضوء ، قال : فقلت(١) : لهذا والله أمرني.

فإنّه صريح في التقيّة ، وإنّما أمره اتقاءً عليه وخوفاً على نفسه ، بحضوره مواضع الخوف ، فأمره أنّ يستعمل ما تسلم معه نفسه(٢) وماله.

السند‌

فيه داود بن زربي ، وقد نقل العلاّمة في الخلاصة عن النجاشي توثيقه عن ابن عقدة(٣) ، ولم نر توثيقه في النسخ التي وقفنا عليها من النجاشي(٤) ، وعلى تقدير الثبوت عن النجاشي فابن عقدة حاله معلوم.

المتن :

واضح الدلالة على ما قاله الشيخ ، غير أنّ الكشي روى رواية عن داود الرقي قال : دخلت على أبي عبد الله فقلت له : كم عدّة الطهارة؟ فقال : « ما أوجبه الله فواحدة ، وأضاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واحدة لضعف الناس ، ومن توضّأ ثلاثاً فلا صلاة له » أنا معه في ذا حتى جاء داود بن زربي وأخذ زاوية من البيت ، فسأله عمّا سألته في عدّة الطهارة ، فقال له : « ثلاثاً ثلاثاً من نقص عنه فلا صلاة له » قال : فارتعدت فرائصي ، وكاد أنّ يدخلني‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧١ / ٢١٩ : قلت.

(٢) في الاستبصار ١ : ٧٢ / ٢١٩ زيادة : وأهله.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٦٩.

(٤) رجال النجاشي : ١٦٠ / ٤٢٤.


الشيطان ، فأبصر أبو عبد اللهعليه‌السلام إليّ وقد تغيّر لوني ، فقال : « أسكن يا داود هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق » قال : فخرجنا من عنده ( وكان ابن زربي إلى جوار أبي جعفر )(١) المنصور ، وكان قد القي إلى أبي جعفر أمر داود بن زربي وأنّه رافضي يختلف إلى جعفر بن محمّد ، فقال أبو جعفر المنصور : إنّي مطلع على طهارته ، فإن هو توضّأ وضوء جعفر بن محمّد فإنّي لأعرف طهارته ، حققت عليه القول وقتلته ، فاطّلع وداود يتهيّأ للصلاة من حيث لا يراه ، فأسبغ داود بن زربي الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ، كما أمره أبو عبد اللهعليه‌السلام ، فما تمّ وضوءه حتى بعث إليه أبو جعفر المنصور فدعاه ، فقال(٢) داود : فلمّا أنّ دخلت عليه رحّب بي ، وقال : يا داود قيل فيك شي‌ء باطل وما أنت كذلك ، وقد اطّلعت على طهارتك وليس طهارتك طهارة الرافضة. الحديث(٣) .

ولو لا أنّ في سنده جهالة لدل على أمر غير خفي من زيادة الواحدة لضعف الناس ، وربما لخّص الشيخ الحديث من هذا ، وقد يظن من التقية التي ذكرها الشيخ خلاف ما يفهم من هذه الرواية ، ودفعه ظاهر.

قال :

باب وجوب الموالاة في الوضوء‌

أخبرني الشيخ رحمة والله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن أحمد‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في الكشي هكذا : وكان بيت ابن زربي إلى جوار بستان أبي جعفر.

(٢) في الكشي : قال فقال.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٠٠.


ابن إدريس ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك ، فإنّ الوضوء لا يتبعّض ».

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن معاوية بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : ربما توضّأتُ فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجفّ وضوئي ، قال : « أعد ».

السند‌

في الحديثين واضح الحال بعد ما قدّمناه مراراً ، غير أنّ رواية الحسين بن سعيد عن معاوية بن عمار في الثاني بغير واسطة

ليس بمعهود ، وغالباً ما يكون فضالة ونحوه ، وحينئذٍ فالحديث محل ارتياب من هذه الجهة. والأولى من أبي بصير وسماعة.

المتن :

في الخبرين ظاهره أنّ الوضوء إذا جفّ جميع السابق قبل إكماله وجبت إعادته ، وهو أحد الأقوال لعلمائنا ، على معنى أنّ الحكم بالإعادة يتوقف على الجفاف المذكور ، فلو جفّ البعض لم تجب الإعادة(١) . وقيل : باشتراط بقاء جميع الأعضاء السابقة مبتلّة إلى مسح الرِّجلين ، وهو منقول عن ابن الجنيد(٢) . ونقل عن المرتضى وابن إدريس‌

__________________

(١) كما في المعتبر ١ : ١٥٧ ، والمدارك ١ : ٢٢٩.

(٢) نقله عنه الشهيد في الذكرى ٢ : ١٧٠.


اعتبار بقاء البلل على العضو السابق على ما هو فيه(١) .

والخبران كما ترى دلاّ على البطلان بجفاف الجميع كما يظهر منهما ، واحتمال شمولهما للبعض بعيد ، وعلى الأوّل فلو بقي بعض بغير جفاف لم يبطل الوضوء.

واحتجّ المحقق في المعتبر على هذا القول أيضاً باتّفاق الأصحاب على أنّ الناسي للمسح يأخذ من شعر لحيته وأجفانه ، وإنّ لم يبق في يده نداوة(٢) ؛ وفيه نظر ، لاحتمال الاختصاص بالناسي ، أو حال الضرورة.

وفي نظري القاصر إمكان الاستدلال بالآية الشريفة ، فإنّ الامتثال يحصل بالوضوء بأيّ وجه اتّفق ، فإذا خرج جفاف الجميع بالإجماع بقي الباقي ، هذا على تقدير عدم العمل بالخبر الأوّل ، ولو عملنا به احتمل أن يستفاد من قولهعليه‌السلام : « إنّ الوضوء لا يتبعّض » اشتراط بقاء جميع البلل ، إلاّ أنّ المنقول عن ابن الجنيد القائل باعتبار بقاء جميع البلل أنّه قيّده بغير الضرورة ، والنص مطلق ، ولعلّ الأمر في هذا سهل.

غير أنّ الحديث قد يحتمل غير ما ذكرناه وهو أنّ يراد بعدم تبعّضه وجوب الموالاة ، بمعنى أنّ يوالي بين غَسل الأعضاء ولا يؤخّر بعضها عن بعض ، والخلاف في الموالاة واقع بين الأصحاب ، فالمنقول عن الشيخ في الجمل أنّه قال : الموالاة أنّ يوالي بين غَسل الأعضاء ولا يؤخّر بعضها من بعض بمقدار ما يجفّ ما تقدم(٣) ، ويعبّر عن هذا بمراعاة الجفاف. وهذا‌

__________________

(١) نقله عنهما الشهيد في الذكرى ٢ : ١٧٠ وهو في الناصريات ( الجوامع الفقهية ) : ١٨٥ ، والسرائر ١ : ١٠٣.

(٢) المعتبر ١ : ١٥٧.

(٣) الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٥٩.


القول محكيّ من جماعة أيضاً(١) .

ونقل عن الشيخ في الخلاف أنّه قال : الموالاة إنّ تتابع بين أعضاء الطهارة ولا يفرق بينها إلاّ لعذر(٢) ، بانقطاع الماء ، ثم يعتبر إذا وصل إليه الماء فإنّ جفّت أعضاء طهارته أعاد الوضوء ، وإنّ بقي في يده نداوة بنى عليه.

ونقل عن الشيخ أيضاً أنّ الموالاة هي المتابعة مع الاختيار ، فإن خالف لم يجزه(٣) .

وقد احتجوا لهذه الأقوال بوجوه ، ولم يذكروا فيها الرواية ، وكأنّ الوجه في ذلك عدم تعيّن الاحتمال ، وبتقدير التعيّن يفيد الإبطال مطلقاً ، والقول به غير معلوم ، وقد يقال : إنّ التقييد بالإجماع ممكن ، فالأولى الاعتماد على عدم تعين الاحتمال ، فليتأمّل.

اللغة :

قوله في الخبر الثاني : نفِد بالفاء المكسورة والدال المهملة : فنى ، والوضوء في قوله : فيجفّ وَضوئي ، في الخبر الثاني أيضاً بفتح الواو بمعنى ماء الوضوء ، وكذلك الوَضوء الواقع فاعلاً في الخبر الأوّل ، ونقل في الحبل المتين عن بعض أهل اللغة أنّه يفهم منه أنّ الوضوء بالضم يجي‌ء بمعنى ماء الوضوء(٤) .

__________________

(١) حكاه عنهم في المدارك ١ : ٢٢٦ و ٢٢٧.

(٢) المعتبر ١ : ١٥٧ ، الخلاف ١ : ٩٣.

(٣) حكاه عنه في المدارك ١ : ٢٢٧ وهو في المبسوط ١ : ٢٣.

(٤) الحبل المتين : ٢٣.


قال :

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن حريز ، في الوضوء يجفّ قال : قلت : فإنّ جفّ الأوّل قبل أنّ أغسل الذي يليه؟ قال : « جفّ أو لم يجفّ اغسل الذي بقي »(١) قلت : وكذلك غسل الجنابة؟ قال : « هو بتلك المنزلة وابدأ بالرأس ثم أفِض على سائر جسدك » قلت : وإنّ كان بعض يوم؟ قال : « نعم ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إذا لم يقطع المتوضّئ وضوءه وإنّما تجفّفه الريح الشديدة أو الحرّ العظيم فعند ذلك لا يجب عليه إعادته ، وإنّما تجب عليه الإعادة في تفريق الوضوء مع اعتدال الوقت والهواء ، ويحتمل أيضاً أن يكون ورد مورد التقية ، لأنّ ذلك مذهب كثير من العامة.

السند‌

فيه محمّد بن عيسى الأشعري ولم أجد توثيقه في الرجال.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه(٢) لا يتم بعد قوله : وكذلك غسل الجنابة ، فإنّ ما ذكره في الوضوء لا يشترط في الغسل ، إلاّ أنّ يقال : إنّ تقييد الوضوء‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٢ / ٢٢٢ : اغسل ما بقي.

(٢) ليس في « رض ».


لا يقتضي تقييد غيره ، وإنّ اشتمل الحديث الواحد عليهما. وفيه ما فيه.

وقد يقال : إنّ الحديث يدل على أنّه إذا جفّ الأوّل قبل أنّ يغسل الذي يليه لا يؤثّر ، فلا اعتبار ببقاءِ نداوته وجفافها ، وهذا لا ينافي الخبر الدال على أنّ جفاف جميع الأعضاء مبطل ، وحينئذٍ لا تعارض إلاّ إذا كان في صورة جفاف الوجه قبل غسل اليد اليمنى ، فتحمل على غير هذه الصورة ، غاية الأمر أنّه مطلق فيقيّد الشمول لما يخالف الأوّل ، وتقييده بغيره ممكن ، كما لا يخفى ، نعم لمّا(١) كان عند الشيخ اشتراط بقاء جميع البلل كما يفهم من ذكر منافاة هذه الرواية لما تقدم ، فمن ثم احتاج إلى التأويل الذي قاله ، وفيه ما فيه ، والحمل على التقية متعين بتقدير تماميّة اعتقاده ، فليتأمّل في ذلك.

قال :

باب وجوب الترتيب في الأعضاء الأربعة(٢) .

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، منهم أبو غالب أحمد بن محمّد الزراري ، وأبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه ، وأبو محمّد هارون بن موسى التلّعُكبري ، وأبو عبد الله بن أبي رافع الصيمري (٣) وأبو المفضل الشيباني كلهم ، عن محمّد بن يعقوب الكليني ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، ومحمّد بن إسماعيل ، عن الفضل ابن شاذان جميعاً ، عن حماد ابن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : قال أبو جعفر عليه‌السلام : « تابع بين الوضوء ، كما قال الله عزّ وجلّ ، ابدأ بالوجه‌

__________________

(١) ليس في « رض ».

(٢) ليس في الاستبصار ١ : ٧٣.

(٣) في الاستبصار ١ : ٧٣ / ٢٢٣ : وأبو عبد الله الحسين بن أبي الرافع الصيمري.


ثم باليدين ثم امسح الرأس والرِّجلين ، ولا تقدّمنّ شيئاً بين يدي شي‌ء تخالف ما أمرت به ، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه وأعد على الذراع ، وإنّ مسحت الرِّجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرِّجل ثم أعد على الرِّجل ، ابدأ بما بدأ الله عزّ وجلّ ».

وأخبرني ابن أبي جيد القمي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة قال : سُئل أحدهما عن رجل بدأ بيده قبل وجهه ، وبرجليه قبل يديه ، قال : « يبدأ بما بدأ الله به ، وليُعِد(١) ما كان فعل ».

وبهذا الإسناد عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن منصور ابن حازم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين ، قال : « يغسل اليمين ويعيد اليسار ».

السند‌

في الأوّل أبو غالب الزراري من الأجلاّء ، والشيخ وثّقه فيمن لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام (٢) ؛ وأبو القاسم معلوم مما تقدم(٣) ؛ وأبو محمّد هارون بن موسى وثّقه النجاشي والشيخ في كتاب الرجال(٤) ؛ وأما ابن أبي رافع فلم أعرف الآن اسمه في الرجال ، وكتبه غير مذكورة أيضاً ؛ وأبو المفضّل هو محمّد بن عبد الله ، وفيه كلام ؛ وبقيّة السند معلومة.

__________________

(١) في النسخ زيادة : على ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٧٣ / ٢٢٤.

(٢) رجال الطوسي : ٤٤٣ / ٣٤.

(٣) في ص ١١١ ١١٣.

(٤) رجال النجاشي : ٤٣٩ / ١١٨٤ ، رجال الطوسي : ٥١٦ / ١.


وفي الثاني : قد تقدّم القول فيه ، وهو معدود من الصحيح ؛ وكذلك الثالث.

المتن :

في الثلاثة دال على الترتيب فيما عدا الرِّجلين بالنسبة إلى تقديم اليمنى على اليسرى ، وقد روى الكليني في الحسن بإبراهيم بن هاشم ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « الأُذنان ليسا من الوجه ولا من الرأس » قال : وذكر المسح ، فقال : « امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابدأ بالشق الأيمن »(١) وقد وصفها شيخناقدس‌سره بالصحة ، وحكم بوجوب الترتيب بينهما(٢) ، والأمر كما ترى.

ثم إنّ المتابعة المذكورة في الخبر الأوّل يراد بها المتابعة بين الأفعال ، بمعنى جعل بعض أفعاله تابعاً أي مؤخّراً وبعضها متبوعاً أي مقدّماً ، كما في الحبل المتين(٣) ، وحينئذٍ لا دلالة للخبر على المتابعة التي هي الموالاة عند بعض العلماء(٤) ، كما هو واضح.

وربما يتخيل عدم وفاء الأحاديث الثلاثة بالدلالة على الترتيب في جميع الأعضاء ما عدا الرِّجلين ، إلاّ أنّ التأمّل يدفع ذلك.

وقولهعليه‌السلام في الخبر الأوّل : « ابدأ بما بدأ الله به » يراد به البدأة الحقيقية والإضافية ؛ وقوله في الخبر الثاني : « وليعد على ما كان فعل » يراد به أنّه يعيد ما كان قدّمه لا جميع الوضوء ، كما لا يخفى.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٢٩ / ٢ ، الوسائل ١ : ٤١٨ أبواب الوضوء ب ٢٥ ح ١.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ٢٢٢.

(٣) الحبل المتين : ٢٢.

(٤) منهم الشيخ في المبسوط ١ : ٢٢ و ٢٣ ، والنهاية : ١٥ ، والعلاّمة في المختلف ١ : ١٣٤ ، وجعله أحوط في الحبل المتين : ٢٣.


قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن موسى ابن القاسم وأبي قتادة ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهما‌السلام قال : سألته عن رجل توضّأ ونسي غَسل يساره؟ فقال : « يغسل يساره وحدها ، ولا يعيد وضوء شي‌ء غيرها ».

فلا ينافي ما قدّمناه من الترتيب ، لأنّ معنى قولهعليه‌السلام : « لا يعيد شيئاً من وضوئه » أنّه لا يعيد شيئاً ممّا تقدم من أعضائه قبل غسل يساره ، وإنّما يجب عليه إتمام ما يلي هذا العضو.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إنّ نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غَسل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه ، فإنّ بدأت بذراعك الأيسر فأعد على الأيمن ثم اغسل اليسار ، وإنّ نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح على(١) رأسك ثم اغسل رجليك ».

وعنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا نسي الرجل أنّ يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غَسَل يمينَه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٤ / ٢٢٧ لا يوجد : على.


وشماله ومسح رأسه ورجليه ، وإنّ كان إنّما نسي شماله فليغسل الشمال ولا يعيد(١) على ما كان توضّأ » وقال : « اتبع وضوءك بعضه بعضاً »(٢) .

الحسين بن سعيد(٣) ، عن القاسم بن عروة ، عن بكير(٤) ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة ، قال : « إنّ كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصلِّ » قال : « وإنّ نسي شيئاً من الوضوء المفروض فعليه أنّ يبدأ بما نسي ويعيد ما بقي لتمام الوضوء ».

عنه عن صفوان ، عن منصور ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عمّن نسي أنّ يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال : « ينصرف فيمسح رأسه ورجليه ».

السند‌

في الأوّل واضح ؛ وفي الثاني فيه أبو بصير ، وسماعة قد تقدم فيه القول(٥) ، والثالث حسن ، والرابع فيه القاسم بن عروة ولم أَرَ توثيقه ولا مدحه ؛ وفي الخامس واضح.

المتن :

ما ذكره الشيخ في الأوّل لا يخفى بُعده ، وبتقدير تمامه فالحكم بعدم إعادة ما تقدم مقيّد بما إذا لم يجفّ السابق ، كما هو مقرّر عند الأصحاب‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٤ / ٢٢٨ : ولا يُعد.

(٢) في « رض » : ببعض.

(٣) في الاستبصار ١ : ٧٤ / ٢٢٩ لا يوجد : بن سعيد.

(٤) في الاستبصار ١ : ٧٤ / ٢٢٩ يوجد : ابن بكير.

(٥) في ص ٧٢ و ٨٣ ، ١٠٨ و ١١٠.


الذين رأينا كلامهم(١) .

وما تضمنه الثاني : من غسل الرِّجلين لم يتوجه الشيخ إلى بيان الوجه فيه ، ولعلّ المراد به المسح ، وإطلاق الغَسل على المسح حينئذٍ يدل على عدم التباين بينهما في الجملة ، والحمل على التقيّة مشكل ، كما لا يخفى ، إلاّ أنّ يكون على بعض مذاهب العامة من وجوب الترتيب(٢) .

الثالث : واضح المتن.

والرابع : يراد بالصلاة المأمور بها الاستئناف ، ولا بُدّ من تقييد الخبرين بما قدّمناه ؛ وكذلك الخامس.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحديث الثالث استدل به العلاّمة في المختلف على وجوب الموالاة ، بمعنى المتابعة على الوجه الذي يذكره العلاّمة ، حيث قال بعد الخبر : والمفهوم من المتابعة فعل كل واحد عقيب الآخر(٣) .

وفيه نظر ؛ إذ الظاهر من سياق الخبر أنّ المراد بالاتباع الترتيب لا المتابعة.

ونقل في المختلف عن ابن إدريس أنّ الموالاة مراعاة الجفاف ، وحكى عنه أنّه قال : يجوز تأخير غَسل اليد اليمنى عن الوجه ما دام الوجه رطباً ، ولا يجوز تأخيره حتى تجفّ رطوبته ، وأنّه يحتجّ بأنّ الأمر بالغَسل ورد مطلقاً ، والأصل براءة الذمّة من المبادرة ؛ لما ثبت أنّ الأمر لا يقتضي الفور.

وأجاب العلاّمة بأنّه قد بيّن وجوب المتابعة.

__________________

(١) المتقدم في ص ٤٣٤ ٤٣٥.

(٢) كما في مغني المحتاج ١ : ٥٤.

(٣) المختلف ١ : ١٣٤.


والذي قاله هو الاستدلال بالأمر في الآية وهو للفور ؛ وبأنّه أحوط ؛ وبقوله تعالى( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) (١) وقوله تعالى( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) (٢) وبأنه تعالى أوجب غَسل الوجه واليدين والمسح عقيب إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصل ، وفعل الجميع دفعة متعذّر ، فتحمل على الممكن ، وهو المتابعة ؛ وبرواية أبي بصير المتقدمة المتضمّنة لقولهعليه‌السلام : « إنّ الوضوء لا يتبعّض »(٣) وهو صادق مع الجفاف وعدمه ؛ وبالرواية المبحوث عنها هنا.

وفي الجميع نظر :

أمّا الأوّل : فلمنع دلالة الأمر على الفور كما حرّر في الأُصول(٤) ، ودعوى بعض الإجماع على أنّ الأمر للفور في الآية(٥) محل كلام.

وأمّا الاحتياط فلا يصلح دليلاً للوجوب مطلقاً.

وآية المسارعة والاستباق فيها كلام أنهيناه في الأُصول.

وإيجاب الجميع عقيب الإرادة أوّل المدعى.

ورواية أبي بصير قد تقدم القول فيها(٦) .

ورواية الحلبي علمت حالها في الدلالة.

وفي المعتبر بعد أن حكم بوجوب المتابعة مع الاختيار واحتج عليها ، قال : إذا أخلّ بالمتابعة اختياراً لم يبطل الوضوء إلاّ مع جفاف‌

__________________

(١) آل عمران : ١٣٣.

(٢) البقرة : ١٤٨.

(٣) في ص : ٣٤٣.

(٤) معالم الأُصول : ٥١ ٥٣.

(٥) انظر المدارك ١ : ٢٢٨.

(٦) في ص ٣٤٣ ٤٣٦.


الأعضاء ، لأنّه يتحقق الامتثال مع الإخلال بالمتابعة بغسل المغسول ومسح الممسوح فلا يكون قادحاً في الصحة(١) .

وفيه نظر واضح ، لأنّ المأمور به على تقدير ثبوت المتابعة لم يؤت به على وجهه فيبقى في العهدة.

إلاّ أن يقال : إنّ الأخبار الدالة على أنّه لا بطلان إلاّ مع الجفاف تدل على الصحة مع عدمه.

وفيه : أنّ الأخبار لا تصلح لإثبات الحكم كما تقدم ، وعلى تقدير الاعتماد عليها إنما تقتضي البطلان مع الجفاف ، ومع عدمه فالصحة لا تستفاد منها إلاّ بتكلف غير تام.

وما استدل به بعض على وجوب المتابعة بأنّهعليه‌السلام تابع في الوضوء البياني تفسيراً للأمر الإجمالي فيجب التأسّي به(٢) .

ففيه : عدم ثبوت الوضوء البياني ، وجواز كون المتابعة وقعت اتفاقاً ، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في محل آخر والمجمل ما ذكرناه هنا.

قال :

فأما ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهما‌السلام (٣) قال : سألته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه أيجزيه (٤) ذلك‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٥٧.

(٢) المعتبر ١ : ١٥٦ وانظر المدارك ١ : ٢٢٨.

(٣) في الاستبصار ١ : ٧٥ / ٢٣١ :عليه‌السلام .

(٤) في الاستبصار ١ : ٧٥ / ٢٣١ : هل يجزيه.


عن الوضوء؟ قال : « إن غسله فإن ذلك يجزيه ».

فلا ينافي ما قدمناه ، لأن الوجه فيه أن من يصيبه المطر فيغسل أعضاءه على ما يقتضيه ترتيب الوضوء جاز له أن يستبيح به الصلاة ، وإذا لم يغسل واقتصر على نزول المطر(١) لم يكن ذلك مجزياً ، ولأجل ذلك قال حين سأل السائل : « إن غسله فإنّ ذلك يجزيه ».

السند‌

واضح.

المتن :

لا يخلو من إجمال ، وما قاله الشيخ فيه كذلك ، لأنّه إن أراد بتغسيل الأعضاء إمرار الكف على العضو كما ينقل عن ابن الجنيد أنه يستفاد من ظاهر كلامه وجوب إمرار اليد(٢) ، وربما يستفاد من بعض الأخبار الواردة في تعليم الوضوء من الإمامعليه‌السلام ، حيث تضمنت أنهعليه‌السلام مسح بيده الجانبين وأمرّها على ساعده أمكن ، إلاّ أنّ النص لا يعيّنه ، بل يجوز أن يراد بقوله : « إن غسله » إن استوعبه الماء.

وإن أراد الشيخ بالغَسل في قوله : فيغسل أعضاءه ، القصد إلى غَسلها أمكن أيضا ، لحصول الفرق بين الوضوء وغيره.

وإن أرادرحمه‌الله الترتيب قصداً ، فهو بعيد الاستفادة من العبارة.

وأمّا النص : فالضمير في قوله : « إن غسله » يحتمل العود إلى محالّ

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٥ / ٢٣١ يوجد : عليه.

(٢) حكاه عنه في المختلف ١ : ١١٩.


الوضوء المغسول على معنى كل محل ، أو إلى الجزء ، أي كل جزء ؛ ويحتمل أن يعود إلى ماء المطر ، والمعنى : إن غسل الإنسان ماء المطر أجزأه ، وغسله يراد به إمرار اليد ، وفيه ما لا يخفى.

أمّا من جهة مواضع المسح فقد قدّمنا فيها القول سابقاً مما يغني عن الإعادة ، وغير بعيد أن يستفاد من الخبر وكلام الشيخ إرادة إمرار اليد واستيعاب العضو ، وربما يستفاد من الخبر أنّ الترتيب يحصل بالقصد أو بإمرار اليد على العضو بعد العضو ، فليتأمل.

قال :

باب المسح على الرأس وعليه الحِنّاء.

أخبرني(١) الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين(٢) ، عن جعفر بن بشير ، عن حماد بن عثمان ، عن عمر بن يزيد ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يخضب رأسه بالحِنّاء ، ثم يبدو له في الوضوء ، قال : « يمسح فوق الحِنّاء ».

وبهذا الإسناد ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد بن عثمان ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ثم يتوضّأ للصلاة ، فقال : « لا بأس بأن يمسح رأسه والحِنّاء عليه ».

__________________

(١) في « رض » زيادة : الشيخ.

(٢) الإستبصار ١ : ٧٥ / ٣٣٢ في « ج » الحسن.


السند :

في الخبرين واضح ، والحسين في الثاني هو ابن سعيد ، وعمر بن يزيد في الأول هو ابن محمد بن يزيد ، على ما جزم به مشايخنا(١) .

المتن :

ظاهر الشيخ بمعونة الكلام الآتي في الخبر المعارض أنّه حمل هذين الخبرين على المسح فوق جسم الحِناء ، وستسمع القول فيه.

وقد يحتمل أن يراد هنا منه السؤال عن المسح فوق لون الحناء.وقوله : يخضب رأسه بالحناء ، لا يتوقف على أن يراد به اللون ليحتاج إلى إثبات صحة الإطلاق لغة ، بل يراد بالخضاب الجسم ، لكن يبدو له بعد ذلك الوضوء.

ويحتمل أن يراد الخضاب بماء الحنّاء والمسح فوقه ، وفيه الإشكال من حيث إنّ المسح بالبلل الباقي من الوضوء لم يتحقق حينئذ ، لخروجه عن الإطلاق ، إلاّ أن يقال بعدم خروجه بذلك قبل المسح ؛ ولا يخفى بُعد أصل الاحتمال ، فضلاً عن الإشكال.

ونقل عن المفيد أنّه علّل كراهة الاختضاب للجنب بأنّ اللون يمنع وصول الماء إلى البشرة(٢) . وهذا التعليل يحقق السؤال على وجه يعتد به.

وقال المحقّق في المعتبر : لعلّه نظر إلى أنّ اللون عرض وهو لا ينتقل ، فيلزم حصول الأجزاء من الحِنّاء في محل اللون ليكون وجود اللون‌

__________________

(١) منهم صاحب منهج المقال : ٢٥٢.

(٢) حكاه عنه في المعتبر ١ : ١٩٢ وهو في المقنعة : ٥٨.


بوجودها ، لكنها حقيقة لا تمنع الماء منعاً تامّاً فكراهته لذلك(١) .

وأنت خبير بأنّ الخبرين ربما ظهر منهما إرادة الجسم من الحِنّاء ، فيحتمل أن يراد المسح على الحِنّاء بحيث يصل إلى البشرة ، غير أنّ إطلاق الخبرين لا يفيد ذلك ، ولعلّ التقييد من خارج.

ويحتمل أن يكون المسح للضرورة فوق الحنّاء ، كما يحتمل أن يكون محل المسح في المقدم خالياً. والجميع متكلّفة كما لا يخفى.

قال :

فأما ما رواه محمد بن يحيى رفعه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال : « لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه الماء ».

فأوّل ما فيه : أنّه مرسل مقطوع الإسناد ، وما هذا حكمه لا يعارض به الأخبار المسندة ، ولو سلّم لأمكن حمله على أنّه إذا أمكن إيصال الماء إلى البشرة فلا بد من إيصاله ، وإذا لم يمكن ذلك أو لحقه مشقة في إيصاله لم يجب عليه.

ويؤكد ذلك : ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشاء ، قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام ، عن الدواء إذا كان على يدي الرجل ، أيجزيه أن يمسح على طلاء الدواء؟ قال : « نعم يجزيه أن يمسح عليه ».

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٩٢.


السند :

في الأول كما قال الشيخ مقطوع ، وفي الثاني حسن بالوشاء.

المتن :

غير خفي دلالته على وجوب إيصال ماء المسح إلى البشرة ، والخبران المتقدمان وإن كان ظاهرهما المسح فوق جسم الحناء ، إلاّ أنّ تأويلهما بما يوافقه ممكن كما تقدم(١) .

وما ذكره الشيخ في تأويل الخبر يدل على أنّه حمل الخبرين الأولين على المسح فوق جسم الحناء ، غير أنّ قوله : وإذا لم يمكن أو لحقه مشقة في إيصاله لم يجب عليه ، يدل على أنّ الخبرين الأوّلين محمولان على المشقة في إيصال الماء إلى البشرة ، ولا يخفى أنّه وإن كان وجهاً للحمل ، إلاّ أنّه بعيد عن ظاهرهما ، وما قدمناه من الاحتمالات أقرب منه ، بل ربما يشكل جمع الشيخ بأنّه يعيّن إرادة جسم الحِنّاء والتقييد فيه ظاهر.

وما ذكره من أنّ الخبر المذكور أخيراً يؤكد ذلك ، يشكل ، بأنّ مورد الخبر الطلاء للدواء ، وهذا بعيد عن مدلول الخبرين ، والشيخ أعلم بما قاله.

ثم إنّ ما ذكره من إيصال الماء إلى البشرة لا يخلو من تأمل ، لأنّ المسح لا بد فيه من ملاصقة الماء للممسوح إلاّ للضرورة ، أما تعين إيصال الماء إلى البشرة كما هو مدلول الرواية كأنّه محمول على الرأس المحلوق ، أو أنّ إيصال الماء إلى البشرة لا اليد ، فليتأمل.

__________________

(١) في ص ٤٤٦.


ثم إنّ ردّ الخبر بالقطع من الشيخ مع إمكان التأويل خلاف ما يفهم منه في أول الكتاب. وبالجملة فالحكم في هذا الباب لا يخلو من اضطراب.

قال :

باب جواز التقيّة في المسح على الخفين.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حماد بن عثمان ، عن محمد بن النعمان ، عن أبي الورد قال ، قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : إنّ أبا ظبيان حدثني أنّه رأى علياً عليه‌السلام أراق الماء ثم مسح على الخفين ، فقال : « كذب أبو ظبيان ، أما بلغك قول علي عليه‌السلام فيكم : سبق الكتاب الخفين » فقلت : فهل فيهما رخصة؟ فقال : « لا ، إلاّ من عدوّ تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك ».

السند‌

فيه أبو الورد ، وهو مهمل في رجال الباقرعليه‌السلام من كتاب الشيخ(١) ، وفي الكافي حديث معتبر عن سلمة بن محرز وهو مهمل يقتضي مدحا ما في أبي الورد(٢) ، إلاّ أنّ حال الحديث قد سمعته ، وهذا الخبر قد ينافيه بعد التأمّل فيه.

وأمّا أبو ظبيان المحكي عنه فهو من أصحاب عليعليه‌السلام كما نقله‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٤١ / ١.

(٢) الكافي ٤ : ٢٦٣ ح ٤٦ ، الوسائل ١١ : ١٠١ أبواب وجوب الحج وشرائطه ب ٣٨ ح ٢٤.


العلاّمة في الخلاصة عن البرقي(١) ، ونقل في جامع الأُصول أنّ اسمه حصين بن جندب ، وظبيان بكسر الظاء المعجمة ، وأكثر أصحاب الحديث واللغة على الفتح(٢) . انتهى.

المتن :

ظاهر في إنكار المسح من عليعليه‌السلام على الخفين ، أمّا قوله : « أما بلغكم قول عليعليه‌السلام فيكم » فربما يدل على أنّ أبا الورد لم يكن على الطريق المستقيم ، وقوله : « إلاّ من عدوّ تتقيه » قد ينافي ذلك في الجملة ، والأمر في الحديث مريب. لأنّ الظاهر من قوله : « سبق الكتاب الخفين » أنّ المسح عليهما كان مشروعاً ثم نسخ بالكتاب ، وحينئذ يراد بسبق الكتاب أنّ حكمه مقدم ، وفي بعض الأخبار ما يدل على ما قلناه من المشروعية أوّلاً(٣) ، إلاّ أنّ تحقيق الحال في ذلك لا ثمرة له.

وقد قطع الأصحاب على ما حكاه شيخناقدس‌سره بجواز المسح على الحائل للتقية إذا لم تتأدّ بالغسل(٤) .

وفي المختلف : يجوز المسح على الخفين عند التقية والضرورة إجماعاً ، فإذا زالت الضرورة أو نزع الخف قال الشيخرحمه‌الله : يجب عليه استئناف الوضوء. والوجه عندي أنّه لا يستأنف. لنا : أنّه ارتفع حدثه بالطهارة الاولى فلا ينتقض بغير النواقض المنصوص عليها ، احتج الشيخ‌

__________________

(١) خلاصة العلاّمة : ١٩٤.

(٢) جامع الأُصول : ١٣ : ٣٥٢.

(٣) الفقيه ١ : ٢٥ / ٧٥ ، الوسائل ١ : ٤٦٠ أبواب الوضوء ب ٣٨ ح ١٣.

(٤) المدارك ١ : ٢٢٣.


بأنّها طهارة ضرورية فتقدر بقدر الضرورة كالتيمم. والجواب بالفرق ، فإنّ الطهارة رفعت الحدث بخلاف التيمم(١) . انتهى.

ولا يخفى عليك وجاهة استدلاله ، أمّا جوابه عن كلام الشيخ ففيه أنّ الرفع حصل في الأمرين ، غاية الأمر أنّ التيمم إلى غاية وهو وجود الماء أو الحدث ، والوضوء إلى غاية وهو الحدث. وما وقع في كلام جماعة من أنّ التيمم رفع المنع ، والوضوء رفع المانع ، فهو مجرد قول لا دليل عليه. إذا تأملت ما قلناه لم يظهر الفرق إلاّ بما أشرنا إليه.

ثم إنّ الحديث الدال على أنّه « لا ينقض الوضوء إلاّ حدث »(٢) يتناول ما نحن فيه في الظاهر ، فالأولى الاستدلال به ، غير أنّ فيه بحثاً يأتي الكلام فيه إنشاء الله.

إذا عرفت هذا : فاعلم أنّه قد تقدم(٣) في خبر زرارة وبكير أنّه قالعليه‌السلام في المسح على النعلين : « ولا تدخل يدك تحت الشراك ».

وشيخناقدس‌سره قال في هذا المبحث من المدارك ـ عند قول المحقق : ولا يجوز على حائل من خف أو غيره ـ : ويستثنى من ذلك الشراك إن أوجبنا المسح إلى المفصل(٤) .

وظاهر كلامه أنّ المسح يجب أن يكون فوق الشراك ، ولا أعلم الآن مأخذه.

ثم إنّ للأصحاب خلافاً في أنّه هل يشترط في جواز التقية عدم‌

__________________

(١) المختلف ١ : ١٣٧ وهو في المبسوط ١ : ٢٢.

(٢) التهذيب ١ : ٦ / ٥ ، الوسائل ١ : ٢٥٣ أبواب نواقض الوضوء ب ٣ ح ٤.

(٣) في ص ٣٨١.

(٤) مدارك الأحكام ١ : ٢٢٣.


المندوحة أم لا؟ فقيل بالثاني ، لإطلاق النص(١) ؛ وقيل بالاشتراط ، لانتفاء الضرر مع وجودها فيزول المقتضي(٢) .

وأنت خبير بأنّ النص المطلق إن أريد به هذا فحاله غير خفية ، وإن أريد الأخبار الواردة بمطلق التقية ، ففيه : أنّ في بعض الأخبار ما يقتضي اشتراط الضرورة ، وإن كان لي في دلالة ما ذكر من الأخبار تأمل ، والاحتياط في الإعادة أولى.

قال :

فأما ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة قال ، قلت له : هل في مسح الخفين تقية؟ فقال : « ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً : شرب المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحج ».

فلا ينافي الخبر الأول لوجوه :

أحدها : أنّه أخبر عن نفسه أنّه لا يتقي فيه أحداً ، ويجوز أن يكون إنّما أخبر بذلك لعلمه بأنّه لا يحتاج إلى ما يتقي فيه في ذلك ، ولم يقل : لا تتقوا فيه أنتم أحداً ، وهذا وجه ذكره زرارة بن أعين.

والثاني : أن يكون أراد لا أتقي فيه أحداً في الفتيا بالمنع من جواز المسح عليهما دون الفعل ، لأنّ ذلك معلوم من مذهبه ، فلا وجه لاستعمال التقية فيه.

والثالث : أن يكون أراد لا أتقي فيه [ أحداً ](٣) إذا لم يبلغ الخوف‌

__________________

(١) كما في جامع المقاصد ١ : ٢٢٢ ، وروض الجنان : ٣٧.

(٢) مدارك الأحكام ١ : ٢٢٣.

(٣) أثبتناه من الاستبصار ١ : ٧٧ / ٢٣٧.


على النفس والمال وإن لحقه أدنى مشقة احتمله ، وإنّما يجوز التقية في ذلك عند الخوف الشديد على النفس أو المال.

السند‌

واضح.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه عن زرارة ينبغي الاعتماد عليه لأنّه الراوي ، إن كان استفاد المعنى من الإمامعليه‌السلام ، وإن كان باجتهاد أمكن التوقف فيه ، لعدم مطابقة الجواب للسؤال كما لا يخفى ، إلاّ أن يراد من السؤال تقية الإمامعليه‌السلام ، وغير خفي رجوع هذا إلى تفسير زرارة.

ثم ما ذكره الشيخ بقوله : ويجوز أن يكون ، يحتمل أنّه من كلام زرارة ، وفيه ما فيه. وإن كان من كلام الشيخ ، وقول زرارة إنّما هو ما تقدم على هذا ، ففيه : أنّ نفي الاحتياج إلى ما يتقى فيه لا يطابق السؤال ، كما هو ظاهر.

وأما الوجه الثاني : فأوّله واضح ، إلاّ أنّ قوله : دون الفعل ، لأنّ ذلك معلوم من مذهبه ، فلا وجه لاستعمال التقية فيه ؛ لا يخلو من تأمّل ، فإنّ معلومية كونه من مذهبه لا يقتضي سقوط التقية ، بل التقية مطلوبة مطلقاً ، على أنّ المناسبة بين قوله : دون الفعل ، والتعليل غير ظاهرة ، لأنّهعليه‌السلام إذا لم يتق في الفتيا أحداً بل يحكم بالمنع فلا وجه للتوقف في الفعل ؛ ولو رجع التعليل إلى قوله : لا أتقي في الفتيا والمعنى أنّ عدم الاتقاء لكونه معلوماً من مذهبه ، وقوله : دون الفعل ، أي لم يرد الاتقاء في الفعل أمكن ،


غير أنّه لا يخلو من الإشكال ، وهو أعلم بمراده.

أمّا الوجه الثالث : ففيه أنّ الاختصاص بالثلاثة لا وجه له ، والخبر قد تضمّن التخصيص.

قال :

باب المسح على الجبائر.

أخبرني الشيخرحمه‌الله ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسن(١) ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة ، كيف يصنع بالوضوء وعند غسل الجنابة وغسل الجمعة؟ قال : « يغسل ما وصل إليه الغِسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر ويدع ما سوى ذلك ممّا لا يستطيع غسله ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته ».

عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : أنّه سئل عن الرجل يكون به القرحة في ذراعه أو غير ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة ويتوضّأ ويمسح عليها إذا توضأ ، فقال : « إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة ، وإن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم يغسلها » قال : وسألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله؟ قال : « اغسل ما حوله ».

أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن الحسن بن رباط ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٧ / ٢٣٨ : الحسين.


عن عبد الأعلى مولى آل سام قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال : « تعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل (١) ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (٢) امسح عليه » .

السند :

في الأوّل كما ترى محمد بن الحسن ، وأظنّه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، لكن النسخ التي وقفت عليها ما ذكرته ، ومحمد بن الحسن على تقديره الظاهر أنّه غير الصفار ، لأنّ الصفار في مرتبة محمد بن يحيى ، وإن جاز رواية محمد بن يحيى عنه ، أمّا روايته عن صفوان بن يحيى فبعيدة ، كما يعلم من كتب الرجال ، وممّا ينبّه(٣) على هذا أنّ رواية محمد ابن يعقوب عن الصفار بغير واسطة واقعة ، فإذا روى عن صفوان بن يحيى كانت روايته عن أبي عبد الله بواسطتين لأنّ صفوان من أصحابه ، غير أنه لا مانع منه إنّما هو مستبعد ، ثم إنّ غير الصفار كثير في الرجال ، وقد عدّ بعض المتأخرين الخبر من الصحيح(٤) .

وفي الثاني : حسن بإبراهيم بن هاشم.

والثالث : فيه عبد الأعلى مولى آل سام ، ولم يعلم توثيقه بل ولا مدحه.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٨ / ٢٤٠ زيادة : قال الله تعالى.

(٢) الحج : ٧٨.

(٣) في « رض » : نبّه.

(٤) كصاحب المدارك ١ : ٢٣٨.


المتن :

لا يبعد أن يراد بقوله : « ويدع ما سوى ذلك ممّا لا يستطيع غسله » عدم غسل(١) الجبيرة لا ما يتناول مسحها ، وبتقدير التناول ظاهراً يخص بحديث الحلبي الدالّ على مسح الخرقة.

واحتمال أن يقال بتقدير التناول : أنّه يجوز حمل المسح على الاستحباب ، لا يخلو من تأمل ، لأنّ الخبر الأوّل لا يخرج عن الإجمال والآخر مبين له.

نعم : يحتمل أن يخص خبر الحلبي بالخرقة ، ومورد خبر عبد الرحمن الجبيرة ، وفيه ما فيه.

هذا إن عملنا بالحسن ، وإلاّ فالخبر الأول لا معارض له.

ومن هنا يعلم أنّ ما في الحبل المتين من أنّ قولهعليه‌السلام : « ويدع ما سوى ذلك » ربما يعطي بظاهره عدم وجوب المسح على الجبيرة ، والمعروف بين فقهائنا وجوب المسح ، كما يدل عليه الحديث الثاني عشر ، يعني خبر الحلبي(٢) ، محل كلام ، فليتأمّل.

وما تضمنه خبر الحلبي : من أنّه « إذا كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة » مطلق بالنسبة إلى الطهارة وعدمها ، والمسح عليها بالاستيعاب وعدمه ، وربما قيل بالاستيعاب(٣) ؛ لأنّ الأصل يجب استيعابه. واعتبار الطهارة مذكورة في كلام من رأينا كلامه.

وما تضمنه الخبر الثالث : من المسح عليه ، يدل على أنّ القدم في‌

__________________

(١) في « رض » : غسله.

(٢) الحبل المتين : ٢٦.

(٣) الحبل المتين : ٢٦.


الوضوء تمسح أصابعه ولا يكتفى بالمسمى ، وقد تقدم ما يعارضه.

وينبغي أن يعلم أنّ في كلام الأصحاب هنا إجمالاً ، فإنّهم صرّحوا بإلحاق الجرح والقرح بالجبيرة سواء كان عليها خرقة أم لا ، ونص بعضهم على أنّه لا فرق بين أن تكون الجبيرة مختصة بعضو أو شاملة للجميع ، وفي التيمم جعلوا من أسبابه الخوف من استعمال الماء بسبب القرح والجرح ، ولم يشترط أكثرهم تعذر وضع شي‌ء عليها والمسح عليه(١) ، والأخبار لا تخلو من اختلاف ، كما يعلم من تأمّلها.

أمّا المذكور هنا : فدلالته غير خفية ، وقد احتمل شيخناقدس‌سره التخيير بين الأمرين ، مع احتمال حمل أخبار التيمم على ما إذا تضرّر بغسل ما حولها ؛ ثم قالقدس‌سره : وكيف كان فينبغي الانتقال إلى التيمم فيما خرج عن مورد النص ، كما في العضو المريض. وهو خيرة المعتبر ، تمسكاً بعموم قوله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) (٢) (٣) .

اللغة :

الجبيرة : الخرقة مع العيدان التي تُشدّ على العظام المكسورة(٤) .

والغِسل : بكسر الغين في قولهعليه‌السلام : « يغسل ما وصل إليه الغِسل »(٥) وربما جاء فيه الضم على ما في الحبل المتين(٦) .

__________________

(١) صاحب المدارك ١ : ٢٣٩.

(٢) المائدة : ٦.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٢٣٩.

(٤) لسان العرب ٤ : ١١٥ ( جبر ).

(٥) الغِسل : الماء الذي يغتسل به ( مجمع البحرين ٥ : ٤٣٤ ).

(٦) الحبل المتين : ٢٦.


قال :

فأما ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز له أن يجعل عليه علكاً؟ قال : « لا ، ولا يجعل عليه إلاّ ما يقدر على أخذه منه(١) عند الوضوء ، ولا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء ».

فالوجه في هذا الخبر : أنّه لا يجوز ذلك مع الاختيار ، فأمّا مع الضرورة فلا بأس به ، حسب ما تضمنه الخبر الأول.

السند‌

موثق.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه متجه ، وإن كان خلاف الظاهر ، لضرورة الجمع.

وقد يمكن أن يحمل على أنّ وضع العَلِك موضع الظفر بعد الصحة طلباً لبقاء صورة الظفر من العَلِك ، وهذا الحمل وإن بعد ليس بأبعد من غيره.

قال :

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٨ / ٢٤١ : عنه.


موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال(١) : الرجل ينكسر ساعده ، أو موضع من مواضع الوضوء ، فلا يقدر أن يحلّه لحال الجبر إذا أجبر كيف يصنع؟ قال : « إذا أراد أن يتوضّأ فليضع إناءً فيه ماء ويضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده ، وقد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه ».

فالوجه في هذا الخبر : أن نحمله على ضرب من الاستحباب إذا أمكن ذلك ولا يؤدي إلى ضرر ، فأمّا إذا خاف من الضرر من ذلك فلا يلزم أكثر من المسح على الجبائر على ما بيناه.

السند‌ :

موثق أيضاً.

المتن :

ظاهره أنّ الكسر جبر ، وإنّما يخاف من حلّه أن يتغير الجبر ، وحينئذ فمورد الرواية انتفاء الضرر ، وقول الشيخ : إنّه محمول على ضرب من الاستحباب ، يريد أن وضع الإناء بالصورة المذكورة مستحب ، إذ الواجب إيصال الماء بأيّ وجه اتفق.

أمّا قوله : فأمّا إذا خاف الضرر فلا يلزم أكثر من المسح على الجبائر ، فلم يتقدم منه البيان ، بل الأخبار السابقة مختلفة ، وكأنّهرحمه‌الله نظر إلى ما قلناه سابقاً فليتدبر.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٧٨ / ٢٤١ : في ، بدل قال.


ولا يخفى أنّ مضمون الرواية المبحوث عنها ما يتناول موضع المسح من الوضوء ، والاكتفاء بإيصال الماء إلى المحل خلاف

ما قرره المتأخرون ، ولعل الرواية ممكنة الحمل على ما لا يخالفهم ، والله أعلم.


فهرس الموضوعات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‌ ٥

كتاب الطهارة‌ ٣٧

أبواب المياه وأحكامها‌ ٣٩

باب مقدار الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء‌ ٣٩

٢ ـ باب كمّيّة الكرّ‌ ٩٢

باب حكم الماء الكثير إذا تغيّر أحد أوصافه ١١٠

إمّا اللون ، أو الطعم ، أو الرائحة ١١٠

باب البول في الماء الجاري ١١٩

باب حكم المياه المُضافة‌ ١٢٨

باب الوضوء بنبيذ التمر ١٣٧

باب استعمال أسآر الكفار‌ ١٥٥

باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب‌ ١٦١

باب الماء القليل يحصل فيه شي‌ء من النجاسة‌ ١٧٣

باب حكم الفأرة والوزغة والحية والعقرب ١٩١

إذا وقع في الماء وخرج منه حيّاً‌ ١٩١

باب ما ليس له نفس سائلة ٢٠٦

يقع في الماء فيموت فيه‌ ٢٠٦

بَاب المَاء المستعمل‌ ٢١٥

باب الماء يقع فيه شي‌ء ينجّسه ٢٣٠

ويستعمل في العجين وغيره‌ ٢٣٠


باب الماء الذي تسخنه الشمس‌ ٢٣٨

أبواب حكم الآبار‌ ٢٤٣

باب البئر يقع فيها ما يغير أحد أوصاف الماء ٢٤٣

إما اللون أو الطعم أو الرائحة‌ ٢٤٣

باب بول الصبي يقع في البئر‌ ٢٦٤

باب البئر يقع فيها البعير أو الحمار ٢٦٨

أو ما أشبههما أو يصب فيها الخمر‌ ٢٦٨

باب البئر يقع فيها الكلب والخنزير وما أشبههما‌ ٢٨٥

باب البئر يقع فيها الفأرة والوزغة والسام أبرص‌ ٢٩٧

باب البئر تقع فيها العذرة اليابسة والرطبة‌ ٣٠٨

باب الدجاجة وما أشبهها تموت في البئر‌ ٣٢٠

باب البئر يقع فيها الدم القليل أو الكثير‌ ٣٢٢

باب مقدار ما يكون بين البئر والبالوعة ٣٣٠

باب استقبال القبلة واستدبارها عند البول والغائط‌ ٣٣٧

باب من أراد الاستنجاء وفي يده اليسرى ٣٤٤

خاتم عليه اسم من أسماء الله تعالى‌ ٣٤٤

باب(٢) الاستبراء قبل الاستنجاء من البول‌ ٣٤٧

باب مقدار ما يجزي من الماء ٣٥٠

في الاستنجاء من البول‌ ٣٥٠

باب غسل اليدين قبل إدخالهما ٣٥٤

الإناء عند واحد من الأحداث‌ ٣٥٤

باب وجوب الاستنجاء من الغائط والبول‌ ٣٥٩

باب النهي عن استقبال الشعر في غسل الأعضاء‌ ٣٩١

باب النهي عن استعمال الماء ٣٩٧

الجديد لمسح الرأس والرِّجلين ٣٩٧


باب كيفية المسح على الرأس والرجلين ٤٠٦

باب مقدار ما يمسح من الرأس والرِّجلين‌ ٤١٢

باب الأُذنين هل يجب مسحهما مع الرأس أم لا؟ ٤٢٣

باب وجوب المسح على الرِّجلين ٤٢٥

باب المضمضة والاستنشاق‌ ٤٣٦

باب التسمية على حال الوضوء‌ ٤٤١

باب كيفية استعمال الماء في غسل الوجه ٤٤٥

باب عدد مرّات الوضوء‌ ٤٤٩

باب وجوب الموالاة في الوضوء‌ ٤٦٩

باب وجوب الترتيب في الأعضاء الأربعة(٢) ٤٧٤

باب المسح على الرأس وعليه الحِنّاء ٤٨٣

باب جواز التقيّة في المسح على الخفين ٤٨٧

باب المسح على الجبائر ٤٩٢

فهرس الموضوعات ٤٩٩


إستقصاء الإعتبار الجزء ١

إستقصاء الإعتبار

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
تصنيف: متون حديثية
ISBN: 964-319-173-7
الصفحات: 501