إستقصاء الإعتبار الجزء 5
مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّانيمتون حديثية
ISBN: 964-319-177
قوله (١) :
أبواب القبلة
باب من اشتبه عليه القبلة في يوم غيم
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسماعيل بن عباد ، عن خراش ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت(٢) : جعلت فداك ، إنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون : إذا أطبقت علينا أو أظلمت(٣) فلم نعرف(٤) السماء كنّا وأنتم سواء في الاجتهاد. فقال : « ليس كما يقولون ، إذا كان كذلك فليصلّ لأربع وجوه ».
الحسين بن سعيد ، عن إسماعيل بن عباد ، عن خراش ، عن بعض أصحابنا مثله.
__________________
(١) في « رض » : قال.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٥ / ١٠٨٥ زيادة : له.
(٣) في الاستبصار ١ : ٢٩٥ / ١٠٨٥ زيادة : علينا.
(٤) في « فض » : يعرف.
فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليهالسلام : « يجزئ التحرّي(١) أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة ».
وعنه ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم تر الشمس ولا القمر ولا النجوم ، قال : « اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك ».
الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم تُر الشمس ولا القمر ولا النجوم ، قال : « تجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك ».
فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على حال الضرورة التي لا يتمكن الإنسان فيها من الصلاة إلى أربع جهات ، فإنّه يجزؤه التحرّي ، فإمّا إذا تمكن فلا بد من الصلاة إلى أربع جهات.
السند :
في الأوّل : فيه إسماعيل بن عباد ، والموجود في رجال الرضاعليهالسلام من كتاب الشيخ ابن عباد [ القصري ](٢) مهملا(٣) . وعدّ بعض له من أصحاب الكاظمعليهالسلام (٤) لا نعلم مأخذه.
__________________
(١) في « د » و « رض » : المتحري.
(٢) في النسخ : القصير ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) رجال الطوسي : ٣٦٨ / ١٣.
(٤) نقله في منهج المقال : ٥٧.
وخراش مذكور في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ مهملا(١) ، لكن لا يخفى أنّ الطريق في الأوّل إلى إسماعيل بن عباد فيه عبد الله بن المغيرة. وقد نقل الكشي الإجماع على تصحيح ما يصح عنه. والطريق إليه صحيح ، لأنّ العباس على الظاهر هو ابن معروف ، كما كرّرنا القول في ذلك(٢) ، أو ابن عامر.
فالذي اعتمد على فهم أنّ المراد بالإجماع المذكور كون الخبر إذا صح إلى مثل عبد الله كفى في صحة جميعه يلزمه صحة الخبر. وقد اعترف به بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ ولم يعدّه من الصحاح(٣) ، فلا أدري الوجه فيه.
ونحن قد قدّمنا في أول الكتاب(٤) أنّ الشيخ قد ردّ بعض الأخبار المشتملة على الإرسال ـ بعد وجود من اجمع على تصحيح ما يصح عنه ـ بالضعف بسبب الإرسال ، والشيخ أدرى بمراد الكشي من العبارة في الإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل ، وذكرنا ما يمكّن توجيه الإجماع المذكور ، وهو أنّ الغرض منه الاكتفاء عن القرائن للعمل بخبر الواحد.
والثاني : معلوم الحال.
والثالث : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه.
والرابع : فيه عثمان بن عيسى ، وقد قدّمناه أيضا حاله(٥) .
__________________
(١) رجال الطوسي : ١٨٩ / ٦٧. وفيه : خداش.
(٢) في ج ١ : ٦٥.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٩٨.
(٤) في ج ١ : ٦٠.
(٥) في ج ١ : ٧١ ـ ٧٢.
والخامس : موثق(١) .
المتن :
في الأوّل قيل : إنّ القائلين بأنّه مع اشتباه القبلة يصلّى لأربع جهات استدلوا به(٢) . وفي الذكرى : أنّه وإن ضعف ، إلاّ أنّ عمل عظماء الأصحاب يعضده مع البعد عن قول العامة ، قالرحمهالله : إلاّ أنّه يلزم من العمل به سقوط الاجتهاد بالكلية في القبلة ، لأنه مصرح به ، والأصحاب يفتون بالاجتهاد ، ثم قال : ويمكن أن يكون الاجتهاد الذي صار إليه الأصحاب هو ما أفاد القطع بالجهة من نحو مطلع الشمس ومغربها دون الاعتقاد المفيد للظن كالرياح(٣) .
وفي نظري القاصر : أنّ الرواية محتملة لأن يكون المراد بقوله فيها : إنّ هؤلاء المخالفين ، إلى آخره. دفع ما تخيّله أهل الخلاف : من أنّ الاجتهاد في الأحكام الشرعية لا بدّ منه في الجملة. لا كما يقوله الشيعة من : أنّ الإمام المعصوم لا يحكم بالاجتهاد بل بالعلم. وحينئذ حاصل الجواب : أنّ تعذر العلم في المسألة المتكلم فيها لا وجه له ، إذ بالصلاة إلى الأربع جهات يتحقق العلم ، وعلى هذا يصير مفاد الرواية أنّه لو أريد تحصيل العلم في القبلة مع الاشتباه فهو ممكن بالصلاة إلى أربع جهات ، فالإلزام للخصم حاصل ، وما ورد من الأخبار المتضمنة لإجزاء أيّ جهة مع التحيّر لا ينافي هذا الخبر بالوجه الذي قررناه.
__________________
(١) لاشتماله على زرعة وسماعة وهما واقفيان.
(٢) كما في مدارك الأحكام ٣ : ١٣٧.
(٣) الذكرى : ١٦٦.
فإن قلت : المنافاة باقية ، لأنّ تحصيل العلم إذا أمكن تعيّن ، فما دلّ على الاكتفاء بأيّ جهة ينافي اعتبار حصول العلم مع الإمكان.
قلت : إذا ثبت الاكتفاء بالظن فلا مانع من القول بأنّ تحصيل العلم إنّما هو من باب فعل الأولى ، نعم لو لم يدل دليل على الظن كان اللازم وجوب تحصيل العلم عينا ، على أنّ الرواية إذا احتمل فيها إلزام الخصم فيمكن ادعاء كون الصلاة إلى أيّ جهة يحصّل العلم الشرعي ، لأنه تابع للدليل ، فإذا ورد ما يقتضي الاكتفاء بأيّ جهة كفى في المطلوب.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره شيخنا الشهيدرحمهالله من أن الرواية يلزم من العمل بها سقوط الاجتهاد(١) . محل تأمّل ، لأنّ مفادها على تقدير إلزام الخصم ليس نفي الاجتهاد مطلقا ، بل في المادة المذكورة ، وليس الاجتهاد منفيا فيها على أن يكون الاكتفاء بالأربع جهات لمن لم يجتهد ، بل إنّما يدل على أنّ تحصيل العلم ممكن ، فلا وجه للاجتهاد المفيد للظن.
وقول شيخنا الشهيدرحمهالله في الفرق بين الاجتهاد المفيد للقطع وما أفاد الظن لا يثمر نفعا مع إطلاق الرواية ، بل صراحتها في تحصيل العلم الذي هو القطع.
هذا كلّه على تقدير العمل بالرواية والنظر إلى ما دلّ على إجزاء أيّ جهة ، لكن في بعض تلك الأخبار قد وقع نوع اختلاف ، فإنّ الشيخ كما ترى نقل في الرواية الثالثة أنّه « يجزئ التحرّي ».
وابن بابويه نقل في بعض الأخبار المعتبرة ما هذا لفظه : عن زرارة ومحمّد بن مسلم ، عن أبي(٢) جعفرعليهالسلام أنّه قال : « يجزئ المتحير أبدا
__________________
(١) الذكرى : ١٦٦.
(٢) ليست في « فض » و « د ».
أينما توجه إذا لم يعلم أين وجه القبلة »(١) . والفرق بين العبارتين ظاهر ، فإنّ ما نقله الشيخ يدل بظاهره على إجزاء الاجتهاد المعبّر عنه بالتحرّي إذا لم تعلم القبلة ، وعبارة رواية الصدوق تفيد أنّ المتحيّر ـ وهو من لم يعلم ويظنّ جهة القبلة ـ يجزؤه كيف ما توجّه.
وربما يؤيد رواية الصدوق أنّه روى أيضا في الصحيح عن معاوية بن عمّار ، عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : « نزلت هذه الآية في قبلة المتحير( وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) (٢) » الآية(٣) .
وعلى هذا فالخبر المبحوث عنه المتضمن للصلاة إلى أربع جهات يمكن حمله على الأكملية كما تقدم ، ولو نظرنا إلى روايتي الصدوق أمكن أن يقال : إنّ من لم يعلم(٤) القبلة تخيّر أيّ جهة شاء ، وعلى رواية الشيخ يراد أنّ الظنّ كاف في العبادة إلى أيّ جهة شاء ، وحينئذ لا بد من حمل الخبر الأوّل على عدم الظنّ فلا تنافي.
وحمل الشيخ على الضرورة محل تأمّل : أمّا أولا : فلأنّ مفاد الخبر الأوّل من المنافيين إجزاء التحرّي أبدا ( مع عدم العلم )(٥) وظاهر(٦) أنّ المراد به الاجتهاد في القبلة ، أما الصلاة ( إلى أربع )(٧) فلا يدل عليها الخبر ، ولو دل على الجهة لأفاد أنّ الاجتهاد كاف في الصلاة إلى جهة ، والخبر
__________________
(١) الفقيه ١ : ١٧٩ / ٨٤٥ ، الوسائل ٤ : ٣١١ أبواب القبلة ب ٨ ح ٢.
(٢) البقرة : ١١٤.
(٣) الفقيه ١ : ١٧٩ / ٨٤٦ ، الوسائل ٤ : ٣١٤ أبواب القبلة ب ١٠ ح ١.
(٤) في « د » : لم يظن.
(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٦) في « رض » و « د » زيادة : الخبر.
(٧) في « د » : إلى جهة أو أربع.
الأوّل المتضمن للأربع لو خلى من الاحتمال السابق منا يحمل على حالة عدم إمكان الاجتهاد أو تساوي الظنون في الأربع جهات.
وأمّا ثانيا : فلأن ثاني المنافيين(١) ظاهر في الاجتهاد ، ولا دلالة له على ما ينافي الأربع على نحو ما قلناه في الأوّل ، وكذلك الثالث.
وأمّا ثالثا : فلأنّ قول الشيخ على تقدير الحمل على الضرورة : فإنّه يجزؤه التحرّي. إن أراد به أنّه يجزؤه الاجتهاد مع الضرورة ، فالمفهوم منه أنّ مع عدم الضرورة لا يجزؤه الاجتهاد ، وحينئذ لا وجه للصلاة إلى الأربع جهات وكلامه يقتضي ذلك.
واحتمال أن يريد الشيخ أنّ الاجتهاد إنّما يكفي مع الضرورة ، ومع عدمها يجب تحصيل العلم وهو يحصل بالصلاة إلى أربع جهات ، فيه : أنّ المتعارف من اعتبار العلم على وجه التعين(٢) لا كونه في جملة الأربع ، ولو تمّ ما ذكره لزم أنّ المضطر لو أمكنه أكثر من جهة وجب والخبران لا يدلان عليه ، فليتأمّل في هذا.
أمّا ما قاله شيخناقدسسره في فوائد الكتاب من : أنّ هذه الروايات ـ يعني ما ظن الشيخ منافاتها ـ إنّما تدل على الأمر بالاجتهاد بالقبلة إذا فقد العلم ، وهذا ممّا لا نزاع فيه بل الاتفاق عليه واقع ، وأمّا الصلاة إلى الجهات الأربع عند من أثبته فإنّما يثبت مع فقد العلم والظن. انتهى ، ففيه تأمّل :
أمّا أوّلا : فلأنّ ما أفاد انتفاء العلم هو أحد الأخبار وهو أوّلها ، وأمّا الآخران فمفادهما الاجتهاد إذا لم تر الشمس والقمر والنجوم ، [ واستفادة ](٣)
__________________
(١) في « د » و « رض » : المنافيات.
(٢) في « د » و « رض » : اليقين.
(٣) في النسخ : إفادة ، والأولى ما أثبتناه.
العلم من المذكورات غير واضحة على الإطلاق. ولو أراد بالعلم ما يشمل الظنّ فالخبر الأوّل قد دل على أنّ مجرد إطباق السماء يقتضي الصلاة إلى الأربع جهات مع إمكان تحصيل الظنّ وعدمه.
وأمّا ثانيا : فقوله : إنّ الاتفاق واقع على الاجتهاد مع عدم العلم. فيه : أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن ابن أبي عقيل أنّه قال : لو خفيت عليه القبلة لغيم أو ريح أو ظلمة فلم يقدر على القبلة صلّى حيث شاء. قال العلاّمة : وهو الظاهر من اختيار ابن بابويه.
ونقل عن الشيخين أنّهما قالا : متى أطبقت السماء بالغيم ولم يتمكن الإنسان من استعلام القبلة أو كان محبوسا في بيت لا يجد دليلا على القبلة فليصلّ إلى أربع جهات مع الاختيار ، ومع الضرورة إلى أيّ جهة شاء ، قال العلاّمة : وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد وأبي الصلاح وسلاّر(١) .
ثمّ نقل عن ابن أبي عقيل الاحتجاج : بأنّه لو كان مكلفا بالاستقبال حال عدم العلم كان تكليف ما لا يطاق ، وبالروايتين المذكورتين هنا وهي أولى ( المنافيات وثانيها )(٢) (٣) . وغير خفي أنّ كلام ابن أبي عقيل وحجته لا يعطيان وجوب الاجتهاد مع فقد العلم إلاّ بتكلف.
وأمّا ثالثا : فما ذكره : من أنّ الصلاة إلى الأربع جهات مع فقد العلم والظن. فيه : أن المنقول في المختلف لا يوافقه على الإطلاق ، والعجب أنّهقدسسره اختار مذهب ابن أبي عقيل في فوائد الكتاب بعد أن ذكر روايتي الصدوق السابقتين ، وحكى عن المختلف أنّه نفى عنه البعد. والذي في
__________________
(١) المختلف ٢ : ٨٤.
(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : المنافيين وثانيهما.
(٣) المختلف ٢ : ٨٥.
المختلف قد سمعته من حكاية قول ابن أبي عقيل واستدلاله.
ثم إنّ العلاّمة احتج على ما اختاره من قول الشيخين والجماعة المذكورين معهما : بأنّه متمكن من الاستقبال فيكون واجبا عليه ، أمّا المقدمة الأولى : فلأنّه بفعل الأربع يحصل الاستقبال ، وأمّا الثانية فإجماعية ، وبما رواه خراش ، وذكر الرواية الأولى :
وأجاب عن حجة ابن أبي عقيل بمنع الملازمة ، إذ مع الإتيان بالصلاة أربع مرّات يخرج عن العهدة ، وهو ممّا يطاق ، وعن الخبر الأوّل ـ يعني صحيح زرارة ـ بالحمل على ضيق الوقت أو على التحرّي مع غلبة الظن ، إذ مع عدم العلم يجزئ الظن.
ثم قال : وهو الجواب عن الثاني مع ضعف سنده وكونه(١) مرسلا. ثم قال : ومع ذلك فقول ابن أبي عقيل ليس بذلك المستبعد(٢) . انتهى.
ولا يخفى عليك أنّه يتوجه عليه أنّ الجواب بمنع الملازمة إنّما يتم على تقدير تحقق التكليف بالاستقبال المعلوم حال عدم العلم ليكون فعل الأربع وسيلة إلى ( الامتثال )(٣) والحال أنّ ما دل على الاكتفاء بأيّ جهة شاء صحيح ، فالتكليف بالأربع لا وجه له. نعم لو اقتصر المستدل على الأوّل من أدلته أمكن توجيه الجواب ، وحمل الخبر على ضيق الوقت فرع صلاحية المعارض للمعارضة ، والحمل على غلبة الظن كذلك ، مضافا إلى أنّ الرواية كما سمعته من نقل الصدوق لا يوافق الحمل.
ثم إنّ ما ذكر من الصلاة إلى الأربع جهات إنما يتحقق الوجوب في
__________________
(١) في النسخ : أو كونه ، وما أثبتناه من المصدر.
(٢) المختلف ٢ : ٨٥.
(٣) في « رض » : أن يتناول.
الأربع على تقدير التكليف بالقبلة لتكون مقدمة إلى تحصيل القبلة ، والحال قد سمعته. هذا.
وينقل عن السيد رضي الدين بن طاوس القول بالقرعة في المتحير(١) . وأظنّ أنّ في إطلاق أخبار القرعة ما يتناوله كما في بعض أخبار الخنثى في الميراث(٢) ، غير أنّ السند فيه جهالة ، وعلى تقدير السلامة فالتخصيص في الأخبار المعتبرة موجود.
وما يقتضيه ظاهر عبارة شيخنا الشهيدرحمهالله في قواعده : من نفي القرعة في العبادات إجماعا(٣) . لا يخلو من إجمال كما يفهم من مراجعتها ، فليتأمّل.
قوله :
باب من صلّى إلى غير القبلة ثم تبيّن
بعد ذلك قبل انقضاء الوقت وبعده.
علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا صليت وأنت على غير قبلة واستبان لك أنّك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد ، وإن فاتك الوقت فلا تعد ».
محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد(٤) ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن
__________________
(١) الأمان : ٩٤ ، ٩٥ ، حكاه عنه في الروضة ١ : ٢٠١.
(٢) الوسائل ٢٦ : ٢٩١ أبواب ميراث الخنثى.
(٣) القواعد والفوائد ٢ : ٢٢ و ٢٣.
(٤) في الاستبصار ١ : ٢٩٦ / ١٠٩١ زيادة : بن يحيى.
خالد قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلّي لغير القبلة ، ثم ( يصحي فيعلم )(١) أنّه صلّى لغير القبلة ، كيف يصنع؟ قال : « إن كان في وقت فليعد صلاته ، وإن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده ».
علي بن الحسن الطاطري ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن يعقوب بن يقطين قال : سألت عبدا صالحا(٢) عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة ثم طلعت الشمس وهو في وقت ، أيعيد الصلاة إذا كان قد صلّى على غير القبلة؟ وإن كان قد تحرّى القبلة بجهده أتجزؤه صلاته؟ فقال : « يعيد ما كان في وقت ، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه ».
عنه ، عن أحمد ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن أبان ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « إذا صلّيت على غير القبلة فاستبان(٣) لك قبل أن تصبح أنّك صلّيت على غير القبلة فأعد صلاتك ».
عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحجّال ، عن ثعلبة ( بن ميمون )(٤) عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : قلت : الرجل يقوم من الصلاة ، ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف عن
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « رض » و « فض » : يعلم.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٦ / ١٠٩٣ : سألت أبا الحسن موسىعليهالسلام .
(٣) في « فض » و « رض » : واستبان.
(٤) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٥.
القبلة يمينا وشمالا ، قال : « قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب(١) قبلة ».
وعنه ، عن أحمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن القاسم بن الوليد ، قال : سألته عن رجل تبيّن له ـ وهو في الصلاة ـ أنّه على غير القبلة ، قال : « يستقبلها إذا ثبت ذلك ، وإن كان فرغ منها فلا يعيدها ».
الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن الحصين قال : كتبت إلى عبد صالح(٢) : الرجل يصلّي في يوم غيم في فلاة من الأرض ولا يعرف القبلة ، فيصلّي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبلة أيعتدّ بصلاته أم يعيدها؟ فكتب : « يعيدها ما لم يفته الوقت أو لم يعلم أنّ الله تعالى يقول ـ وقوله الحق ـ : ( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) (٣) .
السند :
في الأوّل : لا ارتياب فيه.
وكذلك الثاني ، بعد ما قدمناه(٤) في سليمان بن خالد ( وهشام بن سالم )(٥) .
__________________
(١) في « د » و « فض » : المغرب والمشرق.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٧ : كتبت إلى العبد الصالحعليهالسلام .
(٣) البقرة : ١١٤.
(٤) في ج ١ : ٣٧٨.
(٥) ما بين القوسين ليس في « فض » و « رض ».
والثالث : فيه علي بن الحسن الطاطري مع ما في الطريق إليه كما مضى أيضا(١) ، والحاصل أنّ علي بن الحسن واقفي ثقة ، والطريق إليه فيه جهالة. وأمّا محمّد بن أبي حمزة : فالثمالي ثقة ، وغيره من المذكورين في رجال الصادقعليهالسلام مهمل(٢) ، والأمر سهل في المقام. وعبد الله بن مسكان مع سليمان بن خالد غنيان عن البيان.
والرابع : ليس فيه ارتياب.
والخامس : ضمير « عنه » راجع إلى محمّد بن علي بن محبوب ، وأحمد هو ابن محمّد بن عيسى ، والحسين هو ابن سعيد ، فالسند لا ارتياب فيه ، لأنّ الظاهر من أبان كونه ابن عثمان يعلم من ممارسة الأخبار ، واحتمال غيره في حيّز الإمكان البعيد.
والسادس : فيه ثعلبة بن ميمون ، وقد تقدّم(٣) ما يدل على المدح فيه من كتب الرجال واحتمال التوثيق. أمّا الحجّال : فمضى(٤) أنّه عبد الله الثقة.
والسابع : فيه محمّد بن عيسى الأشعري المعبّر عنه بأبيه ، وقد تقدم القول فيه(٥) . وأمّا القاسم بن الوليد فالمذكور في الرجال مهمل يروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٦) .
والثامن : فيه محمّد بن الحصين ، وقد ذكر في رجال الهاديعليهالسلام من
__________________
(١) في ج ٤ : ٢٤٢.
(٢) رجال الطوسي : ٢٨٧ / ١٠٩ ، ٢٩٧ / ٢٨٠ ، ٣٠٦ / ٤١٦.
(٣) في ج ١ : ٤١٠.
(٤) في ج ٤ : ٣٠٤ و ٤٣٧.
(٥) في ج ١ : ٢٠٧.
(٦) رجال الشيخ : ٢٧٣ / ٣ ، رجال النجاشي : ٣١٣ / ٨٥٥.
كتاب الشيخ : ( محمّد بن الحصين الأهوازي مهملا )(١) ومحمّد بن الحصين الفهري مع لفظ ملعون(٢) ، وفي أصحاب الصادقعليهالسلام محمّد بن الحصين الجعفي مهملا(٣) .
وعلى كل حال الرجل معلوم ، غير أنّ المتعارف من العبد الصالح موسىعليهالسلام ، والذي من أصحاب الهاديعليهالسلام لا يناسب الرواية من هذه الجهة ، وكونه أهوازيا يناسب رواية الحسين بن سعيد.
ولا يبعد أن يكون الاشتباه من « أبي الحسن » حيث اشترك موسى والهاديعليهماالسلام فيه ، أو يطلق العبد الصالح على غير موسىعليهالسلام ، والأمر سهل في الرواية.
المتن :
في الأوّل : يدل بظاهره على أنّ من صلّى لغير القبلة يعيد في الوقت دون خارجه ، غير أنّ الصلاة حينئذ إمّا أن تكون بالاجتهاد المفيد للظن الشرعي أو بغيره.
والثاني : يفيد ظاهر قولهعليهالسلام فيه : « فحسبه اجتهاده » على عدم الإعادة في خارج الوقت مع الاجتهاد ، فيخصّ الأوّل أو يقيّد ، إلاّ أنّ الاجتهاد لا يخلو من إجمال ، وقد سمعت فيما مضى كلام الشهيد في الفرق بين الاجتهاد المفيد للقطع والمفيد للظن ، لكنّي لم أقف على دليل الفرق مع بيان حقيقة القطع وعدمه.
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) رجال الشيخ : ٤٢٣ / ٢٥ ، ٤٢٤ / ٣٩.
(٣) رجال الشيخ : ٢٨٦ / ٨٥.
وفي المختلف : لو اجتهد فظن القبلة فصلّى ثم تبيّن الخطاء بعد فراغه ، قال الشيخ : فإن كان في الوقت أعاد الصلاة على كل حال ، وإن كان قد مضى فلا إعادة ، إلاّ أن يكون استدبر القبلة فإنّه يعيدها على الصحيح من المذهب ، وقال قوم من أصحابنا لا يعيد ، وهو اختيار المفيد وسلاّر وأبي الصلاح وابن البراج ، وقال المرتضى : إن كان الوقت باقيا أعاد ، وإن كان خارجا لا إعادة وإن كان مستدبرا ، واختاره ابن إدريس وابن الجنيد(١) . انتهى.
ولا يخفى دلالة الكلام على أنّ محل الخلاف مع الاجتهاد المفيد للظن.
ثم إنّ الخبرين المبحوث عنهما يختلج في البال دلالتهما على أنّ الصلاة وقعت إلى جهة واحدة ، إذ لو وقعت إلى الأربع لم يتم الحكم فيها إلاّ بنوع تكلّف ، وعلى هذا فربما يؤيّد أنّ القول بأنّ الصلاة إلى الأربع مع عدم الظن ، فيندفع احتمال ما في البين.
وما يقتضيه عدم الاستفصال من الإمامعليهالسلام في الأوّل لا يفيد العموم في غير الظانّ ، لأنّ السائل ليس من قسم من يحتمل في حقه غير الظنّ كما لا يخفى.
وربما يستفاد من الخبرين أنّ مطلق وجود الوقت يقتضي الإعادة فيتناول إدراك جميع الصلاة في وقتها أو بعضها ، إلاّ أن يدّعى تبادر جميع الوقت ، وفيه ما فيه ، غير أنّ ثبوت الاكتفاء بالركعة في الوقت لا يخلو من شيء كما ذكرناه في محل آخر.
__________________
(١) المختلف ٢ : ٨٦.
أمّا إمكان أن يقال : إنّ الخبر الأوّل يتناول من صلّى لغير القبلة ظانّا ثم تغيّر ظنّه بظنّ آخر أو بعلم ، بخلاف الثاني لتضمنه العلم ، وإن كان فيه تأمّل ، لأنّه من كلام السائل ، فلا يفيد تقييدا بعد الملاحظة ، لأنّ السؤال عن بعض أفراد العام والمطلق لا يفيد تقييدا أو تخصيصا كما قدّمنا فيه القول.
وعلى تقدير تناول الخبر الأوّل قد تكثر(١) أفراد المسألة بسبب اختلاف الظنّ(٢) إلاّ أنّي لم أر الآن من صرح بذلك.
ولا يخفى أنّ ظاهر الخبرين الحكم بالإعادة بعد العلم أو الظنّ إذا فرغ من الصلاة ، أمّا لو كان في الأثناء ففيه تفصيل سنشير إليه في غيرهما من الأخبار.
وأمّا الرابع : فدلالته على الإعادة في الوقت فقط ظاهرة ، وقول السائل : وإن كان تحرّى. ربّما يفيد جواز الصلاة من دون تحرّ ، فالجواب حيث لم يتعرض لإنكار السؤال قد يدل على الجواز أيضا ، إلاّ أنّ الظاهر من السؤال الاستفهام عن فعل الصلاة مع المبالغة في الاجتهاد ، فيكون قوله : وإن ، إلى آخره. لبيان الفرد الأكمل ، لا لبيان صورة الاجتهاد في الجملة ، على أنّ احتمال غير الاجتهاد لا يأبى نفيه السؤال.
ثمّ إنّ الأخبار الثلاثة دالّة بإطلاقها على ما يشمل الاستدبار واليمين واليسار ، وستسمع القول فيما ظنّ دلالته على الإعادة مطلقا في الاستدبار(٣) .
والخامس (٤) : لا يخلو من إجمال ، لأنّ قوله : « قبل أن تصبح »
__________________
(١) في « رض » : تكون.
(٢) في « فض » زيادة : وله وجه ، وهي في « د » مشطوبة.
(٣) في ص ٢٤.
(٤) في « فض » زيادة : كما ترى.
يحتمل أن يراد به قبل فوت وقت العشاء ، فيدل على الإعادة في الوقت كما يدل على امتداد وقت العشاء في مثل هذه الصورة.
ويحتمل أن يراد بقبليّة الصبح ما يعم القضاء ، فيحمل على الاستحباب في خارج الوقت للمعارض ، ولو قيّد بالوقت أمكن لو لا الاحتمال الموجب للإجمال.
وأمّا السادس : فهو ظاهر الدلالة على أنّ من انحرف عن القبلة يمينا وشمالا لا يعيد ، إلاّ أنّ قولهعليهالسلام : « وما بين المغرب والمشرق قبلة » يدل على أنّ المنحرف لنفس المشرق ونفس المغرب لا يكون صلّى إلى القبلة والجواب(١) لا يطابق في الظاهر السؤال إلاّ على ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من إرادة الانحراف اليسير لا بلوغ نفس اليمين واليسار ، كما يؤذن به الجواب ، قال ـ سلّمه الله ـ : ولعلّ الكلام في قبلة العراق ، فإنّ معاوية بن عمار عراقي(٢) . انتهى.
وربما يقال : إنّ مقتضى الخبر الانحراف إلى يمين القبلة وشمالها ، وعلى تقدير الانحراف اليسير لا يندفع معه الإشكال ، لأنّ ما نقله العلاّمة في المختلف من الإجماع على أنّ الانحراف لمحض(٣) اليمين واليسار يقتضي الإعادة(٤) ، وما استدل به في المنتهى على الإعادة فيما ذكر بالرواية الأولى والثانية(٥) . محلّ تأمّل ، أمّا الإجماع فثبوته مشكل ، وأمّا الخبران فمطلقان ، وقد ذكر في المنتهى أنّهما يقيّدان بخبر معاوية بن عمّار(٦) ، وهو السادس ،
__________________
(١) في « فض » زيادة : كما ترى.
(٢) الحبل المتين : ١٩٩.
(٣) في « د » : بمحض.
(٤) المختلف ٢ : ٨٦.
(٥) المنتهى ١ : ٢٢٤.
(٦) المنتهى ١ : ٢٢٤.
والحال أنّ الخبر كما يحتمل الانحراف اليسير يحتمل الانحراف إلى نفس اليمين واليسار.
والجواب وإن دل ظاهرا على أنّ نفس اليمين واليسار ليس قبلة ، إلاّ أنّه محتمل أيضا احتمالا لا يبعد عن الأوّل ، وهو أن يكون قوله : « وما بين المغرب والمشرق قبلة » بيان حكم مستقل لا دخل له بالجواب ، وحينئذ فمفاد الجواب مضيّ الصلاة ثم إعلام السائل بأنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة ، غاية الأمر أنّه مخصوص بالمضطر ولا يبعد أن تكون فائدة الإتيان بهذه في الجواب التنبيه على أنّ الانحراف عن القبلة التي ما بين المغرب والمشرق للمضطر لا يضر وإن وصل إلى نفس اليمين واليسار.
وما قاله العلاّمة في المنتهى ـ جوابا عن الاعتراض بأنّ خبر معاوية بن عمّار ليس تخصيصه بأولى من تخصيصه بالخبرين ، على معنى أنّه يحمل على خارج الوقت ـ : من أنّه أولى لوجهين ، أحدهما : موافقة الأصل ، ولو قيّد بخارج الوقت لزم الإعادة لمن صلّى بين المشرق والمغرب في الوقت ، والأصل عدمه ، والثاني : ( إنّا نمنع تخصيص ما ذكرتم من )(١) الأحاديث للخبر(٢) ، لأنّ قولهعليهالسلام : « ما بين المشرق والمغرب قبلة » ليس مخصّصا لما دلّ على الإعادة في الوقت دون خارجه ، إذ غاية ما يدل عليه أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ، بل لقائل أن يقول : إنّ قوله : « إذا صلّيت وأنت على غير القبلة » يتناول لفظ القبلة ما بين المشرق والمغرب(٣) .
__________________
(١) ما بين القوسين في « فض » : مع تخصيص.
(٢) في « فض » زيادة : أصلا.
(٣) المنتهى ١ : ٢٢٤.
انتهى.
ففيه : أنّ أصالة براءة الذمّة تقتضي عدم الإعادة مطلقا ، لأنّ الأمر يقتضي الإجزاء على تقدير التكليف بالظن.
وقوله في المختلف : إنّ الظنّ لو انكشف فساده لا يكون مجزئا. محلّ تأمّل.
واحتمال أن يقال : إنّ الذمّة مشغولة بالعبادة يقينا فلا يزول إلاّ بمثله.
فيه : أنّ(١) بعد فعل العبادة يزول يقين اشتغال الذمّة كما لا يخفى.
والعجب أنّه في المختلف صرّح في الاستدلال على الإعادة في الوقت بأنّ انكشاف فساد الظنّ يقتضي الإعادة(٢) ، وفي المنتهى كما ترى ذكر أصالة براءة الذمّة(٣) . فليتأمّل.
ثم ما(٤) ذكره في المنتهى من منع التخصيص ، فيه : أنّ الرواية إن حملت على ظاهرها لا تدل على الانحراف اليسير ، ولو عدل بها عن الظاهر وأريد الانحراف اليسير بقرينة الجواب كما اعترف به ـ حيث استدل على عدم الإعادة بالانحراف اليسير بخبر معاوية بن عمار ـ فالجواب ينافي الاستدلال ، كما أنّه يتحقق الاحتمال(٥) الذي ذكرناه في الرواية ، فينبغي التأمّل في هذا كلّه ، وسيجيء تمام تحقيق ما لا بدّ منه.
وربما يظن من الرواية أنّ الانحراف يقتضي صحة الصلاة ولو علم في الأثناء كما يفيده الجواب ، وسيأتي في خبر عمّار تحويل الوجه لو علم
__________________
(١) في « رض » : انه.
(٢) المختلف ٢ : ٨٧.
(٣) المنتهى ١ : ٢٢٤.
(٤) في « رض » : إنما.
(٥) في « فض » : الإجمال.
في الأثناء(١) .
وأمّا السابع : فهو دال على استقبال القبلة إذا ثبت في الأثناء. والثبوت لا يخلو من إجمال إلاّ أنّ الحديث لا يصلح للكلام فيه ، كما تركنا ذكر ( احتمال في الاستقبال المذكور فيها.
نعم قد يشكل على الشيخ ذكر )(٢) الرواية ، لتضمنها عدم الإعادة ولو في الوقت ، فليتأمّل.
(والثامن : كالسابع إلاّ أنّ قوله : « أو لم يعلم » محتمل لأنّ يراد به الاستفهام ، والمعنى : أو لم يعلم قوله الله سبحانه ، الآية. ويحتمل إرادة بيان حالة اخرى لعدم الإعادة ، وهي عدم العلم ، وفيه ما لا يخفى والتسديد ممكن )(٣) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ أكثر الأخبار المتضمنة للإعادة في الوقت دون خارجه يتناول الاستدبار ، ويؤيّد عدم الإعادة خارج الوقت توقف القضاء على أمر جديد ، وقد اتفق للعلاّمة في المختلف الاستدلال على عدم القضاء خارج الوقت بما ذكرناه : من أنّ القضاء فرض مستأنف ، إلاّ أنّ في المختلف له اضطراب في القضاء ، ففي المسألة المذكورة ذكر ما حكيناه ، وفي بحث صلاة الكسوف صرّح بتبعية القضاء للأداء ، وكذا في غيره أيضا(٤) . وستسمع ما يقوله الشيخ في لزوم القضاء للمستدبر.
__________________
(١) في ص ٢٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من « رض ».
(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
(٤) المختلف ٢ : ٣٠٠.
قوله :
فأمّا ما رواه الطاطري ، عن محمّد بن زياد ، عن حمّاد ، عن معمر(١) بن يحيى قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل صلّى على غير القبلة ثم تبين(٢) له القبلة وقد دخل في وقت صلاة أخرى ، قال : « يعيدها قبل أن يصلي هذه التي(٣) قد دخل وقتها ».
عنه ، عن محمّد بن زياد(٤) ، عن معمّر بن يحيى قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل صلّى على غير القبلة ثم تبين(٥) له القبلة وقد دخل وقت صلاة أخرى ، قال : « يصلّيها قبل أن يصلّي هذه التي دخل وقتها ، إلاّ أن يخاف فوت التي دخل وقتها ».
فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على أنّه كان ( قد استدبر )(٦) القبلة فإنّه يجب عليه إعادة الصلاة(٧) سواء كان الوقت باقيا أو منقضيا.
يدل على ذلك :
ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٨ ، والتهذيب ٢ : ٤٦ / ١٤٩ : عمرو.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٨ تبيّنت.
(٣) ساقطة من « د ».
(٤) في التهذيب ٢ : ٤٦ / ١٥٠ زيادة : عن حماد بن عثمان.
(٥) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٩ : تبينت.
(٦) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٩ : صلّى إلى استدبار.
(٧) في « د » و « فض » : إعادتهما ، وفي « رض » : إعادتها ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٢٩٨.
أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليهالسلام في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته ، قال : « إن كان متوجّها فيما بين المشرق والمغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة حين يعلم ، وإن كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع ثم يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة ».
السند :
في الأوّل : معلوم بالنسبة إلى الطاطري والطريق إليه ممّا مضى(١) ، وأمّا محمّد بن زياد فقد قدّمنا أنّه مشترك(٢) ، غير أنّ الاشتراك بين الثقة وغيره من المذكورين بعنوان محمّد بن زياد في الرجال ، وخطر في البال سابقا(٣) أنّ محمّد بن أبي عمير يقال له محمّد بن زياد ؛ لأنّ أبا عمير اسمه زياد ولم يذكر في الرجال بهذا العنوان ، وحيث لم يسبق ما يدل على احتمال محمّد بن أبي عمير بوجه يوجب الرجحان لم نذكره فيما مضى.
والآن فالراوي عن حمّاد بن عثمان في الرجال محمّد بن أبي عمير في جملة آخرين(٤) ، واحتمال حمّاد هنا لابن عثمان وإن كان موقوفا على تحقق كون محمّد بن زياد هو ابن أبي عمير فلا يتم المطلوب ، إلاّ أنّ في التهذيب عن حماد بن عثمان(٥) ، وحينئذ فالرجحان لكونه ابن أبي عمير
__________________
(١) في ج ٤ : ٢٤٢.
(٢) في ج ١ : ٢٨٢.
(٣) في ج ١ : ٢٨٢.
(٤) الفهرست : ٦٠ / ٢٣٠.
(٥) التهذيب ٢ : ٤٦ / ١٥٠.
ظاهر.
وربّما يظن أنّ جميع من تقدم أو الأكثر هو ابن أبي عمير ، ويؤيّده أنّه مضى في باب وقت المغرب والعشاء رواية عن الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن محمّد بن زياد ، عن عبد الله بن سنان ، وفي الرجال أنّ الراوي عن عبد الله بن سنان محمّد بن أبي عمير(١) .
وبالجملة : فأثر هذا وإن كان هيّنا في المقام ، إلاّ أنّ له نفعا في التنبيه على أنّه يترك في كتب الرجال بعض الأسماء بالنظر إلى الكنية مع وجوده في الأخبار بالاسم ، وقد مضى عن قريب : الحسين بن هاشم ، وهو غير مذكور في الرجال بهذا العنوان ، ولكن خطر في البال أنّه ابن أبي سعيد المكاري ؛ لأنّ أبا سعيد اسمه هاشم ، وذكرنا سابقا في الرواية المذكور فيها ما يفيد تعينه ، ومثله كثير.
والثاني : كما ترى يروي فيه محمّد بن زياد عن معمّر بن يحيى ، والحال أنّه في الأوّل محمّد بن زياد عن حمّاد عن معمر ، والواسطة وإن أمكن انتفاؤها تارة ووجودها أخرى ، إلاّ أنّ الشيخ في التهذيب(٢) روى الثاني عن محمّد بن زياد عن حماد بن عثمان عن معمر بن يحيى ، فالسهو وقع هنا من طغيان القلم ، والذي أشرنا إليه من رواية التهذيب هو هذا ، وعلى كل حال فرواية ابن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان أكثر من أن تحصى ، فلو لم يكن مصرّحا بابن عثمان فالظن يقتضي تعيّنه.
والثالث : غير خفيّ الحال.
__________________
(١) الفهرست : ١٠١ / ٤٢٣.
(٢) التهذيب ٢ : ٤٦ / ١٥٠.
المتن :
في الخبرين الأولين ما ذكره الشيخ فيه ممكن لو وجد ما يدل عليه بتقدير العمل بالخبرين.
والثالث : لا دلالة له على ما ذكر كما هو واضح ، بل إنما تضمن القطع لو علم في الأثناء ، ولا يدل على القضاء إلاّ أن يقال : إنّ الخبر يقتضي بطلان الصلاة إذا وقعت إلى الاستدبار ، فعلى تقدير الفوات يدخل في عموم الخبر الدال على قضاء ما فات.
وفيه نظر واضح ، لأنّ الخبر الدال على قضاء ما فات يتوقف على تحقق الفوات ، ومع عدم العلم بالاستدبار في الأثناء لا دليل على البطلان لتكون فائتة ، وعلى تقدير البطلان ربما يدعى أنّ الفوات لا يتناولها.
فإن قلت : ما رواه الصدوق في الفقيه صحيحا : من أنّ الصلاة لا تعاد إلاّ من خمسة(١) وعدّ منها القبلة ، يدل على أنّ الإخلال بالقبلة يقتضي الإعادة ، واستعمال الإعادة في الأخبار لما يتناول القضاء شائع ، فإذا خرج ما يعاد في الوقت فقط بقي ما عداه.
قلت : الخبر المذكور لا يخرج عن الإطلاق ، والأخبار المتضمنة للإعادة في الوقت دون خارجه مقيّدة ، والمقيّد يحكّم على المطلق.
فإن قلت : ما دل على الوقت مطلق أيضا كإطلاق ما دل على الإعادة.
قلت : إطلاق كل منها لا ينافي التقييد ، وقد ذكرنا ما لا بدّ منه في
__________________
(١) الفقيه ١ : ١٨١ / ٨٥٧ ، الوسائل ٤ : ٣١٢ أبواب القبلة ب ٩ ح ١.
كتاب معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه.
وبالجملة فالخبران المذكوران أوّلا لو صحّا أمكن الحمل على الاستحباب في الإعادة ، وإن لم يصحّا أمكن أيضا على ما مضى. وأمّا الثالث : فله دلالة على أنّ من كان بين المشرق والمغرب يحوّل وجهه ، والظاهر أنّ المراد بتحويل الوجه تحويل جميع البدن ، واستعمال هذا غير عزيز الوجود في الأخبار.
ثم إنّ المشرق والمغرب على تقدير [ الاعتداليّين ](١) يظهر الحكم ( فيما )(٢) بينهما ، أمّا على تقدير الأعم فالتبيّن مختلف.
وقد ذكر بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّ الحديث يدل على أنّه إذا تبيّن الانحراف عن القبلة في أثناء الصلاة فإن كان يسيرا انحرف إلى القبلة وصحت صلاته ، وإن ظهر أنّه كان مستدبرا بطلت ، ولا يحضرني أن أحدا من الأصحاب خالف في ذلك ، وقد ألحقوا بالاستدبار بلوغ الانحراف إلى نفس اليمين واليسار ، لأنّه لو ظهر بعد الفراغ استأنف فكذا في الأثناء ، لأنّ ما يقتضي فساد الكل يقتضي فساد جزئه(٣) . انتهى.
ولقائل أن يقول : إنّ الخبر لمّا تضمن ذكر الاستدبار في إيجاب القطع ، والتحويل فيما بين المشرق والمغرب ، لزم منه أحد أمرين ، إمّا عدم التعرض لمحض اليمين واليسار ولما بينهما وبين دبر القبلة ، أو أنّ الحكم كأحد الفردين المذكورين على الإجمال ، وهو لا يناسب الجواب المقصود به الإفهام والسكوت عن الآخر كذلك ، وحينئذ يمكن ادعاء إرادة ما بين
__________________
(١) في النسخ : الاعتدالين ، والأولى ما أثبتناه.
(٢) في « رض » : فيه فيما ، وفي « فض » : فيه ممّا.
(٣) الحبل المتين : ١٩٩.
المشرق والمغرب في الرواية ما عدا الاستدبار لتكون بيانا لحكم تحويل الوجه من دون قطع ، فلا يتم الاستدلال بأنّ بطلان الكل يستلزم بطلان الجزء.
فإن قلت : هل أنت مسلّم الإعادة على تقدير الانحراف نحو اليمين واليسار أم لا؟ فإن كان الأوّل لزم من إبطال الكل إبطال الجزء ، وإن كان الثاني لزم مخالفة الإجماع وإطلاق معتبر الأخبار الدال على الإعادة في الوقت لمن صلّى إلى غير القبلة المتناول لمحض اليمين واليسار.
قلت : لو تمّ الإجماع وإطلاق الأخبار أمكن أن يقال بجواز الحكم ببطلان الكل على تقدير العلم بعد الفراغ ، والاكتفاء بالانحراف في الأثناء إلى القبلة في صحة العبادة ، والمانع عقلا مفقود وشرعا غير معلوم ، بل في بعض الأحكام ما يساعده.
فإن قلت : ما وجه التوقف في إطلاق الأخبار مع أنّه ظاهر؟
قلت : قدّمنا نوع كلام في الإطلاق ، فليتأمّل.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه الخبر الأخير من قوله : « إلى دبر القبلة » يحتمل أن يراد بالقبلة : المعلومة ، ويحتمل أن يراد بها ما يتناول ما بين المشرق والمغرب ، وحينئذ يكون دبرها إضافيّا ، فيفيد الخبر القطع فيما بين دبر القبلة والمشرق والمغرب ، ولا يبعد ادعاء(١) تبادر القبلة المعلومة ؛ لأنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة للضرورة.
واحتمال أن يقال : إنّ قبلة المضطرّ دبرها كذلك.
يمكن الجواب عنه بأن قبلة المضطر إذا لم يتبادر لا يلتفت إلى
__________________
(١) ليست في « رض ».
دبرها ، والأمر سهل بعد معرفة سند الرواية.
غير أنّه يبقى على الشيخ أنّ رواية القاسم بن الوليد السابقة تقتضي عدم الإعادة بعد الفراغ من الصلاة إذا صلّى لغير القبلة ، وهي تدل على أنّ ما دلّ على الإعادة يحمل على الاستحباب أو على الاستدبار ، والأمران مشكلان على الشيخ ، أمّا الأوّل : فلقوله بالوجوب في الوقت. وأمّا الثاني : فلقوله بإعادة المستدبر في الوقت وخارجه ، وحينئذ لا بدّ من صرف عنان النظر نحو جميع الأخبار عند من يعمل بها(١) .
قوله :
باب الصلا ة في جوف الكعبة
أخبرني أبو الحسين بن أبي جيد القمي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا تصلّى المكتوبة في الكعبة ، إن(٢) النبيصلىاللهعليهوآله لم يدخل الكعبة في حجّ ولا عمرة ، ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة وصلّى ركعتين بين العمودين ومعه أسامة بن زيد ».
عنه ، عن صفوان وفضالة ، عن العلاء ، عن محمّد ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : « لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن بن علي بن فضال ،
__________________
(١) في « رض » زيادة : فليتأمل.
(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٨ / ١١٠١ : فإن.
عن يونس بن يعقوب قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : إذا(١) حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة أفأصلّي فيها؟ قال : « صلّ ».
فلا ينافي هذا الخبر الخبرين الأوّلين ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أن نحمله على حال الضرورة التي لا يتمكن الإنسان من الخروج منها ، وحينئذ يجوز له الصلاة فيها ، على أن ذلك مكروه غير محظور ، وقد صرّح بذلك في قوله « لا تصلح الصلاة المكتوبة في جوف الكعبة » وذلك صريح بالكراهة ، والخبر الأوّل وإن كان لفظه لفظ النهي فمعناه الكراهة بدلالة ما فسّره في الخبر الثاني وما ورد من جوازه في الخبر الثالث.
السند :
في الأوّل : فيه أبو الحسين بن أبي جيد ، ويقال له علي بن أحمد بن أبي جيد كما ذكره النجاشي في ترجمة جعفر بن سليمان(٢) ، ويقال(٣) علي بن أحمد القمي ، ويظهر من النجاشي أيضا في مواضع أنّه يقال له علي بن أحمد بن طاهر ، فيكون اسم أبي جيد طاهر.
وعلى كل حال الرجل غير مذكور في كتب الرجال ، لكنّه من الشيوخ ، ولم تجر عادة المتقدمين بذكر الشيوخ على الاطراد ، كما أنّهم لو ذُكروا لم ينص على توثيقهم ، وظاهر بعض الأصحاب المتأخّرين الاعتماد على خبر هذا الرجل إذا خلا من مانع غيره. والحسين بن الحسن بن أبان
__________________
(١) ليست في الاستبصار ١ : ٢٩٨ / ١١٠٣.
(٢) النجاشي : ١٢١ / ٣١٢.
(٣) في « رض » زيادة : له.
مضى القول فيه(١) . وغيرهما معلوم الحال ممّا مضى(٢) أيضا.
والثاني : كذلك ، ومحمّد فيه هو ابن مسلم.
والثالث : موثق كما لا يخفى.
المتن :
في الأوّل : كما ترى بصورة النفي لثبوت الياء ـ المثناة تحت ـ في « تصلّي » على ما وجدت من النسخ ، لكن الظاهر أنّه في معنى النهي ، لما تقدم في أمثاله مع نوع كلام ، وعلى تقدير إرادة النهي قد يخطر في البال أنّ الحديث ربّما كان فيه دلالة على وجوب التأسّي ، فإنّ ذكر النبيصلىاللهعليهوآله حيث لم يصلّ فيها المكتوبة يدل على أنّ عدم فعلهعليهالسلام يقتضي عدم فعلنا ، أو أنّه لو فعل لجاز لنا.
فإن قلت : ما وجه التأسّي على التفصيل؟.
قلت : لا يخفى أنّ ( ظاهر الحكاية عن النبيصلىاللهعليهوآله يفيد التعليل ، واحتمال غيره في غاية البُعد عن المساق و)(٣) ظاهر التعليل يقتضي أنّ عدم فعل المكتوبة لعدم فعل النبيصلىاللهعليهوآله وهو معنى التأسّي ، إلاّ أنّ المذكور كثيرا في مباحث الأصول التأسّي بالفعل فلنا أن نوجّه الرواية بما يرجع إلى الفعل فيقال : إنّ النهي عن الصلاة لأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لو فعلها لفعلنا.
فإن قلت : وجوب التأسّي هنا لا وجه له ؛ إذ لا يجب الصلاة في الكعبة ، والكلام في الجواز.
__________________
(١) في ح ١ : ٤١.
(٢) في ج ١ : ٣٩ و ٧٠ و ٣٩٨ و ٣٤٦.
(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ ذكر النبيصلىاللهعليهوآله في مقام النهي يشعر به ، وحينئذ يرجع إلى التحريم ، وهو عدم الجواز لعدم فعلهصلىاللهعليهوآله ، وغير خفيّ الإشكال فيه ؛ لأنّ عدم الفعل في محل لا يفيد التحريم ، وحينئذ فالوجه في الرواية الكراهة ، والتعليل لذلك حينئذ ظاهر ؛ إذ حاصله أنّ الصلاة لو كانت راجحة رجحانا زائدا على الوجوب في الكعبة لفعلها النبيصلىاللهعليهوآله ، فلمّا لم يفعل علم انتفاء الرجحان المذكور ، فلا ينبغي فعلها.
فإن قلت : رجحان الفعل على تقدير دخول وقت الوجوب ، ومن الجائز عدم الدخول في وقت العبادة.
قلت : لو كان الرجحان المذكور موجودا لطلب فعلهعليهالسلام ، نعم ربّما يقال : إنّ عدم الرجحان المذكور لا يقتضي الكراهة ، إذ هي أقلّ الرجحان ، وعدم فعلهعليهالسلام لكون الواجب لا يزيد ولا ينقص فلا يتم الاستدلال على الكراهة ، إلاّ أن يقال : إن الكراهة من مجموع قولهعليهالسلام : « لا تصلّى المكتوبة » مع ذكر فعل النبيصلىاللهعليهوآله .
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من أنّ ظاهر الخبر المبحوث عنه التحريم وحمله على الكراهة صرفا له عن ظاهره(١) ، لا يخلو من غرابة كما يعلم ممّا قررناه.
أمّا الثاني : فالشيخ استفاد من قوله : « لا تصلح » الدلالة على الكراهة ، وله وجه أيضا يندفع به ما ادعي من أنّ ظاهره التحريم ، إلاّ أنّ الشيخرحمهالله كثيرا ما يستدل على التحريم بمثل هذا اللفظ ، وغير بعيد اشتراكه بين الكراهة والتحريم ، والصراحة أو الظهور منتف ، على أنّ في كلام الشيخ نوع تأمل ؛ لأنّ الحمل على الضرورة ثم ذكر الكراهة لا يخلو من تشويش ،
__________________
(١) الحبل المتين : ١٥٨.
ولعلّ المراد الكراهة وجواز الفعل من دون كراهة للضرورة ، وفيه ما فيه.
أمّا ما ينقل في الاستدلال للمنع من الصلاة داخل الكعبة ـ مع إجماع الشيخ المدعى في الخلاف ـ بقوله تعالى( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (١) وإنّما يصدق ذلك إذا كان خارجا ؛ ولرواية غير صالحة سندا ومتنا وهي : عن أسامة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله دخل البيت ودعا وخرج فوقف على بابه وصلّى ركعتين ، وقال : « هذه القبلة » وأشار إليها(٢) ، وإشارته إلى نفس البيت يقتضي بطلان الصلاة داخله ، ولاستلزام الصلاة في داخله استدبار القبلة.
ففيه تأمّل :
أمّا الإجماع فكيف يثبت مع مخالفة المدّعي نفسه.
وأمّا الآية الشريفة فالظاهر منها اعتبار الجهة وهي للبعيد ، أمّا القريب فقبلته العين ، واعتبار مجموع العين لا وجه له مع صحة صلاة المصلّي إلى جزء من العين ، إلاّ أن يقال : إنّ ثبوت العين بالإجماع ، فلا يتم في محل النزاع ، على أنّ الآية الشريفة ظاهرها استقبال الجهة مطلقا ، لكن لا أعلم القائل به ، وعلى تقدير الظاهر تشكل الصلاة داخل الكعبة المشرفة من الآية.
وأمّا ما ذكر من استدبار الكعبة فأثره(٣) سهل.
أمّا ما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من حمل الخبر الأخير على حال الضرورة أو صلاة النافلة أي نافلة المكتوبة(٤) ، فمن البعد بمكان ؛ واحتمال الكراهة وانتفاؤها بالضرورة ممكن ، والاحتياط مطلوب.
__________________
(١) البقرة : ١٥٠.
(٢) الخلاف ١ : ٤٣٩.
(٣) ليست في « رض » ، والأنسب : فأمره.
(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٥٨.
قوله :
أبواب الأذان والإقامة
باب الأذان والإقامة في صلاة المغرب
وغيرها من الصلوات
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن معاوية بن وهب أو ابن عمار ، عن الصباح بن سيّابة قال : قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : « لا تدع الأذان في الصلوات كلّها ، فإن تركته فلا تتركه في المغرب والفجر فإنّه ليس فيهما تقصير ».
عنه ، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أحدهما قال : سألته أيجزئ أذان واحد؟ قال : « إن صلّيت جماعة لم يجز إلاّ أذان وإقامة ، وإن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك يجزؤك إقامة إلاّ الفجر والمغرب ، فإنّه ينبغي أن تؤذّن فيهما وتقيم من أجل أنّه لا يقصّر فيهما كما يقصّر في سائر الصلوات ».
الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « لا تصلّى الغداة والمغرب إلاّ بأذان وإقامة ، ورخّص في سائر الصلوات بالإقامة ، والأذان أفضل ».
عنه ، عن النضر بن سويد ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « يجزؤك في الصلاة إقامة واحدة إلاّ الغداة والمغرب ».
السند :
في الأوّل : قد تقدّم مفصّلا ، والصباح بن سيّابة مذكور مهملا في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(١) ، والتردّد بين معاوية بن وهب ومعاوية بن عمّار مع ثقتهما لا يضر كما يخفى.
والثاني كذلك ؛ لما مضى(٢) في القاسم بن محمّد وهو الجوهري وعلي بن أبي حمزة البطائني وأبي بصير ، من الوقف في الأوّل مع عدم التوثيق ، والوقف في الثاني كذلك ، وتعيّن أبي بصير بالضعف برواية علي بن أبي حمزة عنه على ما يستفاد من صحيح الأخبار في هذا الكتاب فيما يأتي الدال على ما يوجب القدح في عقيدته(٣) .
والثالث : موثّق(٤) ، والحسن فيه أخو الحسين ، واحتمال الحسن بن علي بن فضّال لروايات الحسين عنه يبعّده ممارسة الرجال.
والرابع : واضح الصحة.
المتن :
حكى العلاّمة في المختلف عن الشيخين وجوب الأذان والإقامة في الجماعة ، وكذا عن ابن البراج وابن حمزة ، وعن السيّد المرتضى في الجمل الوجوب على الرجال دون النساء في كل صلاة جامعة في سفر أو حضر ،
__________________
(١) رجال الطوسي : ٢١٩ / ٢٠.
(٢) في ج ١ : ١٨٢ ، ٢٦٥ ، ٧٣.
(٣) في « فض » زيادة : والتوثيق له محل تأمل مع ما ذكر. وهي مشطوبة في « د ».
(٤) بزرعة بن محمّد الحضرمي.
وأوجبهما عليهم في سفر وحضر في الفجر والمغرب وصلاة الجمعة ، وأوجب الإقامة خاصة على الرجال في كل فريضة.
وعن ابن الجنيد وجوب الأذان والإقامة على الرجال للجمع والانفراد والسفر والحضر والفجر والمغرب والجمعة يوم الجمعة ، والإقامة في باقي الصلوات المكتوبات التي تحتاج إلى التنبيه على أوقاتها.
وعن أبي الصلاح الشرطية في الجماعة ، وعن الشيخ في الخلاف الاستحباب في جميع الصلوات ، وكذا عن السيّد المرتضى في المسائل الناصرية.
وعن ابن أبي عقيل : من ترك الأذان والإقامة متعمدا بطلت صلاته إلاّ الأذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، فإنّ الإقامة مجزية عنه ولا إعادة عليه في تركه ، فأمّا الإقامة فإنّها إن تركها متعمدا بطلت صلاته وعليه الإعادة(١) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأوّل ينفي وجوب الأذان في الجميع لو صحّ ، وما تضمنه من النهي عن تركه في المغرب والفجر يدلّ في الجملة على قول ابن أبي عقيل لكن ستسمع المعارض.
وأمّا الثاني والثالث : فنقل عن الشيخ والمرتضى في المختلف الاستدلال بهما للوجوب في الجماعة ، وأجاب عنهما في المختلف بالطعن في السند(٢) .
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٣٥ ، وهو في المقنعة : ٩٧ ، النهاية : ٦٤ ، شرح جمل المرتضى لابن البرّاج : ٧٩ ، الوسيلة : ٩١ ، جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٢٩ ، الكافي في الفقه : ١٤٣ ، الشيخ في الخلاف ١ : ٢٨٤ ، المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٢٧.
(٢) المختلف ٢ : ١٣٨ ، وهو في النهاية : ٦٤ ، وفي جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٢٩.
وأنت خبير بأنّ الأوّل منهما له دلالة في الجملة ، أمّا الثاني فلا وجه للاستدلال به.
ثم إنّ ما تضمنه الخبر الأوّل من قوله : « فلا تتركه » قد يدلّ على أنّه محمول على الكراهة الخبر الثاني ، للإتيان بلفظ « ينبغي » إلاّ أن يقال : إنّ لفظ « ينبغي » اتي به في موضع الضرورة فلا يتم الإطلاق. وفيه : أنّ ترك الواجب لمجرّد العذر محل إشكال. نعم قد يدعى أنّ لفظ « ينبغي » يستعمل في الواجب. وفيه : أنّ الظاهر منها إرادة غير الواجب ، وعلى تقدير التساوي فهي مشتركة حينئذ ، مضافا إلى ما ستسمعه من المعارض.
والثالث : صريح في عدم وجوب الأذان في غير الغداة والمغرب.
وأمّا الرابع : فله ظهور في الدلالة على عدم إجزاء الإقامة وحدها في الغداة والمغرب ، وهو يحتمل أن يراد فيه توقف الإجزاء على الأذان مع الإقامة أو أنّ الأذان مجزئ.
أمّا احتمال إرادة إجزاء إقامة واحدة لجميع الصلوات إلاّ الغداة والمغرب فلا بد لكل واحدة من إقامة فبعيد ، كما أنّ احتمال إرادة الواحدة من فصول الإقامة كذلك ، وسيأتي إن شاء الله في خبر عمر بن يزيد ما يدل على إجزاء الإقامة في المغرب(١) ، وحينئذ يحمل هذا الخبر على الأكملية ، وعلى هذا يراد بالإجزاء أقلّ الفضل ، فيدل الخبر على عدم وجوب الأذان والإقامة على الإطلاق.
وقد استدل العلاّمة على عدم الوجوب بالأصل مع دليل آخر تركه أولى ، وبالأخبار الآتي بعضها ، وروى الشيخ في التهذيب عن الحسين بن
__________________
(١) في ص ٤١.
سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « يجزؤك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان »(١) وقد ذكر هذه في حجّة الاستحباب العلاّمةرحمهالله قائلا : أنّها تقتضي عدم وجوب الأذان مطلقا(٢) .
وأنت خبير بأنّ إثبات الاستحباب مطلقا مشكلٌ ، لكنه ضمّ إلى هذه الرواية ما رواه الشيخ ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن أبيه « أنّه كان إذا صلّى وحده في البيت أقام إقامة ولم يؤذّن »(٣) وكذلك رواية عمر بن يزيد الآتي(٤) ، وبعض الأخبار المتضمّنة لأنّ الأذان سنّة. وغير خفي أنّ الاحتجاج غير واف بالمطلوب ، كما يعلم من مراجعته.
وما تضمنه خبر الحلبي لا يخلو ظاهره من إشكال ذكرناه في حاشية التهذيب ، والحاصل أنّ ما ورد في ثواب الأذان قد ينافيه فعلهعليهالسلام .
وفي الذكرى : أنّ فيه دلالة على عدم تأكّد الأذان في حقّه ؛ إذ الغرض الأهمّ من الأذان الإعلام ، وهو منفيّ هنا ، أمّا أصل الاستحباب فإنّه قائم ؛ لعموم شرعيّة الأذان ، ثم قال : فإن قلت : « كان » يدل على الدوام ، والإمام لا يواظب على ترك المستحب ، فدلّ على سقوط أصل الاستحباب. قلت : يكفي في الدوام التكرار ولا محذور في إخلال الإمامعليهالسلام بالمستحب أحيانا(٥) . انتهى.
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٥٠ / ١٦٦.
(٢) المختلف ٢ : ١٣٧.
(٣) التهذيب ٢ : ٥٠ / ١٦٥ ، الوسائل ٥ : ٣٨٥ أبواب الأذان والإقامة ب ٥ ح ٦.
(٤) في ص ٤١.
(٥) الذكرى : ١٧٥.
وقد ذكر بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ احتمال أنّهعليهالسلام كان يكتفي بأذان مؤذّن البلد إذا سمعه(١) . ولا يخفى عليك أنّ سياق الخبر يأبى هذا ؛ لأنّ السماع لا يشترط فيه الخلوة في البيت.
وما دلّ على أنّ من أذّن صلّى خلفه صفّ من الملائكة(٢) ، يأبى تكرار الترك ، والخبر رواه الشيخ في التهذيب ، عن الحسين بن سعيد ، عن يحيى الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا أذّنت في أرض فلاة وأقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة ، وإن أقمت ولم تؤذّن صلّى خلفك صفّ واحد »(٣) .
وروى بطريقه عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن محمّد بن مسلم قال : قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : « إنّك إذا أذّنت وأقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة ، وإن أقمت إقامة بغير أذان صلّى خلفك صفّ واحد »(٤) . ولا يخفى أنّ اختصاص الحكم بغير الإمامعليهالسلام في غاية البعد ، كما أنّ احتمال إرادة أذان الجماعة كذلك.
قوله :
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن عمر بن يزيد قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن الإقامة بغير أذان في المغرب ، فقال : « ليس به بأس وما أحبّ أن
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٦.
(٢) ثواب الأعمال ١ : ٣٢ بتفاوت يسير.
(٣) التهذيب ٢ : ٥٢ / ١٧٣ ، الوسائل ٥ : ٣٨١ أبواب الأذان والإقامة ب ٤ ح ١.
(٤) التهذيب ٢ : ٥٢ / ١٧٤ ، الوسائل ٥ : ٣٨١ أبواب الأذان والإقامة ب ٤ ح ٢.
تعتاد ».
فليس ينافي ما قدّمناه ، لأنّه إنّما يجوز له الاقتصار على الإقامة في هذه الصلوات عند عارض أو مانع ، وقد نبّه بقوله : « وما أحبّ أن تعتاد بذلك » على أنّ الأولى فعله.
فأمّا ما رواه محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن بن عليّ ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « لا بدّ للمريض أن يؤذّن ويقيم إذا أراد الصلاة ولو في نفسه إن لم يقدر على أن يتكلّم به » سئل : فإن كان شديد الوجع؟ قال : « لا بدّ من أن يؤذّن ويقيم ، لأنّه لا صلاة إلاّ بأذان وإقامة ».
فالوجه في هذا الخبر تأكيد الاستحباب والحثّ على عظيم الثواب فيه دون أن يكون المراد به الوجوب.
السند :
في الأوّل : واضح بعد ما قدّمناه في عمر بن يزيد وغيره(١) .
والثاني : موثّق.
المتن :
في الأوّل : قد ذكرنا فيه كلاما عن قريب(٢) .
والثاني : ما ذكره الشيخ فيه من الحمل على تأكّد الاستحباب متوجّه ،
__________________
(١) في ج ١ : ٢٦٩.
(٢) في ص ٣٩.
وقولهعليهالسلام : « لا صلاة إلاّ بأذان وإقامة » وإن أفاد بظاهره التعيّن إلاّ أنّ ما سبق من الأخبار يقتضي عدم التعيّن في الجملة.
وذكر بعض محقّقي الأصحابرحمهالله بعد ما نقل الأخبار الدالة على عدم وجوب الأذان ولو في الجماعة : أنّ انضمام عدم القول بوجوب الإقامة فقط يفيد استحبابها أيضا(١) . وربما يقال : إنّ في الأقوال السابقة ما يقتضي القول بالفصل في الجملة.
واحتمل بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ حمل الخبر المبحوث عنه على المنفرد(٢) ، وهو بعيد ، وذكر أيضا دلالة بعض الأخبار على قول الشيخ بوجوبهما في صلاة الجماعة ، وهو خبر عبد الله بن سنان الدال على أنّه إذا خلا في بيته تجزؤه الإقامة(٣) ، قال : والمراد بالخلوة الصلاة منفردا ، ولا يخفى عليك الحال.
والخبر الآخر رواه عمّار الساباطي عن أبي عبد اللهعليهالسلام وفيه : سئل عن الرجل يؤذّن ويقيم ليصلّي وحده فيجيء رجل آخر فيقول : نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان والإقامة؟ قال : « لا ، ولكن يؤذّن ويقيم »(٤) وأنت خبير بما في الرواية.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ استحباب الأذان للنساء يدلّ عليه معتبر بعض الأخبار ، حيث قال فيهعليهالسلام بعد السؤال عن المرأة تؤذّن قال : « نعم حسن إن فَعَلَت ، وإن لم تفعل أجزأها أن تكبّر وأن تشهد أن لا إله إلاّ الله
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٦١.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٧.
(٣) التهذيب ٢ : ٥٠ / ١٦٦ ، الوسائل ٥ : ٣٨٥ أبواب الأذان والإقامة ب ٥ ح ٤.
(٤) التهذيب ٢ : ٢٧٧ / ١١٠١ ، الوسائل ٥ : ٤٣٢ أبواب الأذان والإقامة ب ٢٧ ح ١.
وأنّ محمّدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله »(١) .
وأمّا الإقامة فلم أقف على ما يدلّ على استحبابها ، وظاهر الصدوق نفي الأمرين عنها(٢) .
وفي المنتهى : يجوز أن تؤذّن المرأة للنساء ويقتدين بها ، ذهب إليه علماؤنا(٣) .
وفي معتبر بعض الأخبار ما يدلّ على أنّه ليس على المرأة أذان وإقامة(٤) ، ويمكن أن يحمل على نفي الاستحباب المؤكّد ، أو يحمل على نفي الأمرين معا.
وفي المقام كلام بالنسبة إلى سماع صوتها ، لكونه عورة قد ذكرناه في حواشي التهذيب.
قوله :
باب الكلام في حال الإقامة
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن عمرو بن أبي نصر قال : قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : أيتكلّم الرجل في الأذان؟ قال : « لا بأس » قلت : في الإقامة؟ قال : « لا ».
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٥٨ / ٢٠٢ بتفاوت يسير.
(٢) الفقيه ١ : ١٩٤.
(٣) المنتهى ١ : ٢٥٧.
(٤) التهذيب ٢ : ٥٧ / ٢٠٠ ، الوسائل ٥ : ٤٠٦ أبواب الأذان والإقامة ب ١٤ ح ٣.
محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن أبي هارون المكفوف قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « يا أبا هارون ، الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلّم ولا تؤمّ بيدك ».
الحسين بن سعيد ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « لا تتكلّم إذا أقمت للصلاة فإنّك إذا تكلّمت أعدت الإقامة ».
السند :
في الأوّل : تكرّر القول(١) في رجاله ، وعمرو بن أبي نصر ثقة في النجاشي(٢) .
والثاني : محمّد بن إسماعيل فيه هو ابن بزيع ، لأنّه يروي عن صالح بن عقبة في النجاشي(٣) والفهرست(٤) ، ومن هنا يتّضح ما قدّمناه(٥) من انتفاء محمّد بن إسماعيل بن بزيع الذي يروي عنه محمّد بن يعقوب بغير واسطة ، فإنّ الرواية عنه هنا بواسطتين ، فمن المستبعد جدّا الرواية بغير واسطة.
ويؤيّد هذا أيضا أنّ الصدوق ذكر طريقه إلى ابن بزيع ، وطريقه إلى محمّد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان ، وذكر في الثاني أنّ
__________________
(١) في ج ١ : ٤١ و ٧٠ و ٣٩٨ و ١٨٥.
(٢) رجال النجاشي : ٢٩٠ / ٧٧٨.
(٣) رجال النجاشي : ٢٠٠ / ٥٣٢.
(٤) الفهرست : ٨٤ / ٣٥٢.
(٥) في ج ١ : ٤٧.
الراوي عنه : محمّد بن يعقوب ، وإن كان باب الاحتمال واسعا ، إلاّ أنّ الكلام في التأييد للظهور.
وأمّا صالح بن عقبة فالعلاّمة قال : إنّه كذّاب غال لا يُلتفت إليه(١) .
والذي في النجاشي : قيل : إنّه روى عن أبي عبد اللهعليهالسلام والله أعلم(٢) . وفي الفهرست : صالح بن عقبة له كتاب(٣) .
وأبو هارون في الفهرست مذكور بالكنية والإهمال(٤) . وفي الكشي نقل فيه بعض الذم(٥) .
والثالث : لا ارتياب في صحّته بعد ما تقدّم.
المتن :
في الأوّل : ظاهره المنع من الكلام في الإقامة.
والثاني : وإن كان ظاهره المنع من الكلام بعد الإقامة كما يدلّ عليه بعض الأخبار المعتبرة بلفظ التحريم ، إلاّ أنّه يمكن حمله على ما يوافق الأوّل ، وغير خفيّ عدم الاحتياج إلى الحمل ، أمّا المنع من الإيماء باليد فالأمر فيه ما ترى.
والثالث : تضمّن النهي ، إلاّ أنّ قولهعليهالسلام : « فإنّك إذا تكلّمت » يشعر بعدم التحريم ، وله ظهور في الكلام بعدها.
__________________
(١) خلاصة العلاّمة : ٢٣٠ / ٤.
(٢) رجال النجاشي : ٢٠٠ / ٥٣٢.
(٣) الفهرست : ٨٤ / ٣٥٢.
(٤) الفهرست : ١٨٣ / ٨٠٩.
(٥) رجال الكشي ٢ : ٤٨٦ / ٣٩٥.
وحكى العلاّمة في المختلف عن المفيد أنّه قال : لا يجوز أن يتكلّم في الإقامة ، وبه قال المرتضى في الجمل ، ونقل أنّ المفيد احتجّ بالخبر الأوّل والثاني ، وأجاب العلاّمة بأنّ المراد المبالغة في الكراهة ؛ لدلالة الأخبار على الجواز(١) . وعنى بالأخبار : الآتية عن قريب.
قوله :
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد عن محمّد بن سنان عن عبد الله بن مسكان عن محمّد الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يتكلّم في أذانه أو في إقامته ، قال : « لا بأس ».
محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يتكلّم بعد ما يقيم الصلاة؟ قال : « نعم ».
جعفر بن بشير عن الحسن(٢) بن شهاب قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « لا بأس أن يتكلّم الرجل وهو يقيم الصلاة وبعد ما يقيم إن شاء ».
فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على أنّه يجوز أن يتكلم بشيء يتعلق بأحكام الصلاة مثل تقديم إمام أو تسوية صفّ ، أو يكون ذلك قبل أن يقول : قد قامت الصلاة ، فإذا قال ذلك حرم الكلام إلاّ بما استثناه.
يدل على ذلك :
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٤٠.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٠١ / ١١١٥ : الحسين.
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي عمير قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يتكلّم في الإقامة؟ قال : « نعم ، فإذا قال المؤذّن : قد قامت الصلاة حرم الكلام على أهل المسجد إلاّ أن يكونوا قد اجتمعوا من شتّى وليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض : تقدّم يا فلان ».
وعنه ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « إذا أقام المؤذّن الصلاة فقد حرم الكلام إلاّ أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام ».
السند
في الأوّل : فيه محمّد بن سنان وقد تكرّر القول فيه(١) ، وقد وصفه العلاّمة في المختلف بالصحة(٢) ، ولعلّه من غير الكتابين ، فإنّ في التهذيب رواه عن محمّد بن سنان(٣) .
والثاني : واضح الصحة.
والثالث : فيه الحسن بن شهاب ، وهو مذكور مهملا في رجال الصادق والباقرعليهماالسلام من كتاب الشيخ(٤) .
ثمّ الظاهر أنّ الطريق إلى جعفر بن بشير هو المتقدم عليه إلى محمّد بن الحسين كما هي عادة الكلينيرحمهالله في كتابه من البناء على الإسناد السابق.
__________________
(١) في ج ١ : ١٢١.
(٢) المختلف ٢ : ١٤٠.
(٣) التهذيب ٢ : ٥٤ / ١٨٦.
(٤) رجال الطوسي : ١٦٨ / ٤٠ ، ١١٣ / ٥.
وفي التهذيب بعد ذكر خبر حمّاد بن عثمان راويا له عن سعد ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد ، قال : وعنه ، عن جعفر بن بشير(١) . وذكر الحديث ، وغير خفي أنّ المتعارف من ضمير « عنه » الرجوع إلى سعد ، وروايته عن جعفر بن بشير غير معروفة ، بل الضمير راجع إلى محمّد بن الحسين ، وهو خلاف اصطلاح الشيخ ، إلاّ أنّ الممارسة تقتضيه.
ولو لا بعد احتمال عدم اطلاع الشيخ على عادة الكليني لأمكن توهّم الشيخ في السند بأن يرجع ضمير « عنه » لمحمّد بن يعقوب ، لأنّه في التهذيب ذكر قبل رواية سعد رواية عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن إسماعيل.(٢) .
ولمّا كانت عادة الكليني البناء فروى بالطريق التي في هذا الكتاب عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، ثم أتى بعده بلفظ جعفر بن بشير اعتمادا على السابق ، فظن الشيخ رواية محمّد بن يعقوب عن جعفر بن بشير ، غاية الأمر أنّ الشيخ لا يضر الأمر بالحال عنده ؛ لعلمه بالطريق ، وإنّما الإشكال بالنسبة إلى زماننا ، وأنت إذا تأمّلت ما ذكرناه يظهر لك أنّ ما فعله الشيخ لا يخلو من غرابة.
والرابع : واضح الصحة بعد ما قدّمناه(٣) .
والخامس : موثّق كذلك.
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٥٥ / ١١٨.
(٢) التهذيب ٢ : ٥٤ / ١٨٥.
(٣) في ج ١ : ٧٠ و ٣٩٨ و ١٨٥ و ١٧٠ و ١٠٢.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّه لا بأس بالكلام في الأذان وفي الإقامة.
والثاني : تضمّن الكلام بعد الإقامة.
والثالث : واضح الدلالة لو صحّ ، وما ذكره الشيخ من الحمل لا يخلو من نظر ؛ لأنّ أوّل الكلام يدل على أنّ المراد بالأخبار جواز الكلام بشيء يتعلّق بالصلاة ، وقوله : أو يكون ، محتمل لأن يريد به جواز الكلام مطلقا قبل « قد قامت الصلاة » ، وقوله : فإذا قال ذلك حرم إلاّ بما استثناه ، يدل على أنّ ما يتعلّق بالصلاة يجوز قبلُ وبعدُ ، وغير خفي أنّ فيه تشويشا للجمع.
والخبر الأوّل المستدل به يدل على الجواز قبل « قد قامت الصلاة » لمطلق الكلام ، وبعد « قد قامت الصلاة » يحرم إلاّ ما ذكر في الرواية ، وحينئذ ربما يدل هذا على أنّ مطلوب الشيخ الجواز على الإطلاق قبل « قد قامت الصلاة » ، وبعدها ما ذكره.
ولا يخفى أنّ ما تقدّم من الأخبار الأوّلة يدل الأوّل منها على أنّ الكلام في الإقامة منهيّ عنه ، والآخران على النهي إذا أقام ، وقد قدّمنا(١) بيان ذلك ، وحينئذ يمكن حمل ما تضمّن النهي عن الكلام في الإقامة على الكراهة ، وما بعدها يحمل على التحريم على تقدير الاعتماد على الصحيح ، وما تضمن جواز الكلام بعد الإقامة يخصّ بمدلول المفصّل.
__________________
(١) في ص : ٤٦.
أمّا ما دلّ على إعادة الإقامة لو تكلّم فيمكن حمله على غير ما استثني ، كما يمكن حمله على ما بعد « قد قامت الصلاة ».
ومن هنا يعلم أنّ ما فعله العلاّمة في المختلف من عدم ذكر ما تضمن تحريم الكلام ، بل حمل الأخبار الثلاثة الأول على المبالغة في ترك الكلام(١) كما قدّمنا نقل بعض كلامه(٢) ، فيه نظر واضح.
كما أنّ ما ذكره بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من دلالة الأخبار المقتضية للتحريم على مذهب الشيخين والمرتضى وابن الجنيد القائلين بتحريم الكلام بعد الإقامة إلاّ ما يتعلّق بالصلاة ، وباقي الأصحاب حملوا التحريم على شدّة الكراهة جمعا بينها وبين خبر حمّاد(٣) . لا يخلو من تأمّل ، لأنّ السكوت عن إمكان الجمع لا وجه له.
مضافا إلى أنّ المنقول عن المفيد والمرتضى في المختلف عدم الجواز في الإقامة(٤) ، ورواية ابن أبي عمير دالة على الجواز في الإقامة وعدمه بعدها ، واحتمال إرادة الدلالة في الجملة محلّ كلام.
وقد نقل في بعض الأخبار الدالة على مذهب المذكورين ما تضمن إعادة الإقامة ، ودلالته على التحريم غير ظاهرة ، والاكتفاء بما ذكره من دلالة خبر عمرو بن أبي نصر على قول المفيد والمرتضى من المنع في الأثناء(٥) لا يصلح عذرا كما لا يخفى ، وبالجملة فالاقتصار على الإجمال غير لائق.
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٤١.
(٢) في ص ٤٧.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٩.
(٤) المختلف ٢ : ١٤٠ ، وهو في المقنعة : ٩٨ ، وفي المعتبر ٢ : ١٤٣ حكاه عنه في المصباح.
(٥) المختلف ٢ : ١٤٠.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه خبر سماعة الأخير من استثناء كون القوم ليس يعرف لهم إمام ، ظاهر في جواز الكلام بما يتوقف على(١) تعيين الإمام ، أمّا لو أمكن بالإشارة ففي جواز الكلام حينئذ احتمال ، لكن الرواية يتوقّف العمل بها على قبول الموثّق ، وخبر ابن أبي عمير يدل على جواز القول ، ولا دلالة على الضرورة.
وظاهره جواز الأذان والإقامة مع عدم تشخّص الإمام ، ويحتمل كون الأذان بقصد مطلق الجماعة ، كما أنّ ظاهره تحريم الكلام على من في المسجد وإن لم يكونوا مصلّين ، أمّا الدلالة على تسوية الصف كما قاله الشيخ فغير واضحة ، والله تعالى أعلم بالحال.
قوله :
باب الأذان جالسا أو راكبا.
الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن ربعي ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يؤذّن(٢) الرجل وهو قاعد؟ قال : « نعم ولا يقيم إلاّ وهو قائم ».
عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد صالح قال : « يؤذّن الرجل وهو جالس ولا يقيم إلاّ وهو قائم » وقال : « تؤذّن وأنت راكب ولا تقيم إلاّ وأنت على الأرض ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن سنان ،
__________________
(١) كذا في النسخ ، والأنسب : عليه.
(٢) في « فض » و « رض » : أيؤذن.
عن أبي خالد ، عن حمدان(١) قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن الأذان جالسا؟ قال : « لا يؤذّن جالسا إلاّ راكب أو مريض ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الاستحباب دون الإيجاب.
السند
في الأوّل : لا ارتياب فيه.
والثاني : كذلك ؛ لأنّ أحمد بن محمد فيه : ابن أبي نصر على ما يعرف من الممارسة ، والعبد الصالح هو الإمامعليهالسلام ، إمّا موسىعليهالسلام أو الرضاعليهالسلام ، والإطلاق على الرضاعليهالسلام قد مضى جوازه عن قريب(٢) ، ولا يبعد الفرق بين التعريف والتنكير ، فالأوّل لموسىعليهالسلام ، والثاني للرضاعليهالسلام ، والاتحاد ممكن.
والثالث : فيه محمّد بن سنان ، ولا يبعد أن تكون رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه في حال كونه ثقة ؛ لما يظهر من أحوال أحمد بن محمّد بن عيسى ، وقد قدّمنا(٣) احتمال الجمع بين كون محمّد بن سنان ثقة ومطعونا فيه باختلاف الأزمان.
وأبو خالد هذا هو القمّاط ؛ لرواية محمّد بن سنان عنه كما في الفهرست(٤) ، وهو ثقة.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٢ / ١١٢٠ ، والتهذيب ٢ : ٥٧ / ١٩٩ : حمران.
(٢) في ص : ١٨.
(٣) في ج ١ : ١٢١.
(٤) الفهرست : ١٨٤ / ٨٠٦.
أمّا حمدان فأمره ملتبس بعد روايته عن أبي جعفرعليهالسلام ، وفي الرجال يقال لجماعة إلاّ أنّهم ليسوا في هذه المرتبة ، ومع هذا فالحال غير مفيدة للصحة.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على تعيّن القيام في الإقامة ، ونقل العلاّمةرحمهالله عن المفيد أنّه قال : لا يجوز الإقامة إلاّ وهو قائم متوجه إلى القبلة مع الاختيار(١) ، واحتج على ما نقل برواية لأبي بصير حيث قال فيها : « ولا تقم وأنت راكب أو جالس إلاّ من علّة أو تكون في أرض ملصّة »(٢) . وهذه الرواية قاصرة السند ، والرواية المبحوث عنها أوضح دلالة ، واستثناء العذر ربما يدل عليه الاتفاق ، مضافا إلى الخبر.
أما استدلال العلاّمة على استحباب القيام في الإقامة بأنّ استحباب ذي الكيفية مع وجوب الكيفية ممّا لا يجتمعان ، والأوّل ثابت لما تقدّم فيبقى الثاني(٣) .
ففيه : أنّ استحباب الإقامة لا ينافي عدم جواز فعلها من جلوس ، على أن يكون القيام شرطا فيها كالوضوء للنافلة ، غاية الأمر أنّ عدم الجواز إذا أريد به التحريم يكون المراد تحريم فعلها جالسا ، لأنّه خلاف المشروع ، فإذا قصد بالفعل الشرعي خلاف ما أمر به يكون محرّما.
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٤١.
(٢) التهذيب ٢ : ٥٦ / ١٩٢ ، الوسائل ٥ : ٤٠٣ أبواب الأذان والإقامة ب ١٣ ح ٨ ، وأرض مَلصّة : ذات لصوص. لسان العرب ٧ : ٨٧.
(٣) المختلف ٢ : ١٤١.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من دلالة الخبر المبحوث عنه على تأكّد الاستحباب وأنّ ابن الجنيد أوجبه(١) ، محل تأمّل ؛ لأنّ تأكّد الاستحباب موقوف على المعارض ، فعدم القول فيه لا وجه له ، والاعتماد على قول العلاّمة في احتجاجه السابق(٢) كذلك ، كما أنّ الالتفات إلى الشهرة بل الإجماع حيث لم يخالف إلاّ ابن الجنيد ، فيه : أنّ المفيد مصرّح به كما نقله في المختلف(٣) ، والشهرة بين المتأخّرين لا تصلح حجة ، فليتأمّل.
وأمّا قول الشيخ في توجيه الخبر الأخير من الحمل على الاستحباب فغير خفيّ ما فيه ، إلاّ أن يقال باحتمال وجوب الأذان واستحباب القيام فيه ، ولو حمل الاستحباب في كلامه على الأكمليّة أمكن.
قوله :
باب من نسي الأذان والإقامة حتى صلّى أو دخل فيها
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن سلمة بن الخطاب ، عن أبي جميلة ، عن ابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت له : رجل ينسى الأذان والإقامة حتى يكبر قال : « يمضي على صلاته ولا يعيد ».
عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن نعمان الرازي قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام وسأله أبو عبيدة الحذّاء ، عن
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٥.
(٢) في ص ٥٤.
(٣) المختلف ٢ : ١٤١.
حديث رجل نسي أن يؤذّن ويقيم حتى كبّر ودخل في الصلاة قال : « إن كان دخل المسجد ومن نيّته أن يؤذّن ويقيم فليمض في صلاته ولا ينصرف ».
الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الصباح ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن رجل نسي الأذان حتى صلّى ، قال : « لا يعيد ».
محمّد بن عليّ ، بن محبوب ، عن عليّ بن السندي ، عن حماد بن عيسى ، عن شعيب بن يعقوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن رجل نسي أن يقيم الصلاة حتى انصرف أيعيد صلاته؟ قال : « لا يعيدها ولا يعود لمثلها ».
السند
في الأوّل : فيه سلمة بن الخطاب ، وفي النجاشي أنّه كان ضعيفا في حديثه(١) ، وأبو جميلة تكرر القول فيه من تضعيف العلاّمة(٢) له ، وعدم التعرض من غيره لذلك. وابن بكير مضى الكلام فيه(٣) أيضا.
والثاني : فيه نعمان الرازي ، وهو مذكور مهملا في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٤) ، أمّا ضمير « عنه » فيه فيحتمل رجوعه إلى محمّد بن عليّ بن محبوب ، لأنّ الراوي عن محمّد بن الحسين في الرجال
__________________
(١) رجال النجاشي : ١٨٧ / ٤٩٨.
(٢) راجع ج ٢ : ٣٣٦.
(٣) راجع ج ١ : ١٢٥.
(٤) رجال الطوسي : ٣٢٥ / ٢٤.
الصفار(١) ، والمرتبة قريبة ، ويحتمل أن يرجع إلى محمّد بن يحيى ، لكن الأوّل(٢) له نوع ظهور بل هو متعيّن ، من حيث إنّ الشيخ في التهذيب روى الاولى عن محمّد بن علي بن محبوب ابتداء ثم قال : عنه ، عن محمّد بن الحسين(٣) .
والثالث : فيه محمّد بن الفضيل ، وهو غير معلوم بسبب الاشتراك(٤) .
والرابع : فيه عليّ بن السندي وقد كرّرنا القول فيه(٥) بما يرجع إلى الجهالة. وأبو بصير تقدّم(٦) .
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ من نسي الأذان والإقامة حتى يكبر يمضي على صلاته.
والثاني : كذلك ، غير أنّه يحتمل أن يراد بالنسيان فيه عدم تذكّر الأذان والإقامة لا يقين الترك ، وحينئذ يكون قوله : « ومن نيّته » إشارة إلى أنّ الظاهر الفعل من حيث النيّة ، فيقدّم الظاهر على الأصل ، ويحتمل أن يراد أنّ النيّة كافية في الثواب وإن لم يفعل ، فيراد بالنسيان عدم الفعل.
والثالث : يدل على أنّ ناسي الأذان لا يعيد إذا صلّى ، والظاهر منه الذكر بعد تمام الصلاة.
__________________
(١) انظر رجال النجاشي : ٣٣٤ / ٨٩٧.
(٢) في النسخ : الثاني ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) التهذيب ٢ : ٢٧٩ / ١١٠٧.
(٤) انظر هداية المحدثين : ٢٤٩.
(٥) راجع ج ١ : ٣٥٥ وج ٢ : ١٨٧ ، ٢٤٧.
(٦) في ج ١ : ٧٣.
والرابع : يدل على أنّ ناسي الإقامة ثم يذكر ذلك بعد الانصراف ، لا يعيدها ، وقوله : « ولا يعود لمثلها » ربما يدل على ما ذكر في أبي بصير من التخليط ، فإنّ عدم العود في النسيان لا وجه له إلاّ أن يحمل على إرادة التوجه إلى الفعل بحيث ينتفي النسيان غالبا ، ويحتمل أن لا يعود لعدم الإعادة ، بل ينبغي الإعادة على تقدير النسيان في غيرها ، وفيه ما فيه.
قوله :
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة وقد افتتح الصلاة ، قال : « إن كان فرغ من صلاته فقد تمّت صلاته ، وإن لم يكن قد فرغ من صلاته فليعد ».
فهذا الخبر محمول على ضرب من الاستحباب.
وأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال : في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة ، قال : « إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلّ على النبيصلىاللهعليهوآله وليقم(١) ، وإن كان قد قرأ فليتمّ صلاته ».
أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن النعمان ، عن سعيد الأعرج وابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا افتتحت الصلاة ونسيت أن تؤذّن وتقيم ثم ذكرت قبل أن تركع
__________________
(١) لفظة : وليقم ، ساقطة من الاستبصار ١ : ٣٠٣ / ١١٢٦.
فانصرف فأذّن وأقم واستفتح الصلاة ، وإن كنت قد ركعت فأتمّ على صلاتك ».
محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ( بن أبي الخطاب )(١) عن إسحاق بن آدم ، عن أبي العباس الفضل بن حسان الدالاني ، عن زكريا بن آدم قال : قلت لأبي الحسن الرضاعليهالسلام : جعلت فداك كنت في صلاتي ( فذكرت في الثانية )(٢) وأنا في القراءة أنّي لم أقم فكيف أصنع؟ قال : « اسكت على موضع قراءتك وقل : قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، ثم امض في قراءتك وصلاتك وقد تمّت صلاتك ».
عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن حسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثم يذكر أنّه لم يقم قال : « فإن ذكر أنّه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلّم على النبيصلىاللهعليهوآله ثم يقيم ويصلّي ، وإن ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتمّ على صلاته ».
فالوجه في هذه الأخبار أيضا أن نحملها على ضرب من الاستحباب كما حملنا عليه الخبر الأوّل لئلاّ تتناقض الأخبار.
ويدل على ذلك :
ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبيه قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام (٣) عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة ،
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٣٠٤ / ١١٢٨.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٠٤ / ١١٢٨ بدل ما بين القوسين : وذكرت في الركعة الثانية.
(٣) في نسخة من الاستبصار ١ : ٣٠٤ / ١١٣٠ : أبا عبد اللهعليهالسلام .
قال : « فليمض على صلاته(١) فإنّما الأذان سنّة ».
عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، عن داود بن سرحان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة قال : « ليس عليه شيء ».
السند
في الأوّل : ليس في صحته ارتياب بعد ما قدّمناه(٢) .
والثاني : فيه محمّد بن إسماعيل ، وذكرنا حقيقة الحال فيه أيضا سابقا(٣) .
والثالث : لا ارتياب فيه بعد ما قدمناه في سعيد الأعرج(٤) : من أنّ احتمال كونه ابن عبد الرحمن الثقة له ظهور ؛ لأنّ في الطريق إلى ابن عبد الرحمن صفوان في النجاشي(٥) ، وفي الفهرست ذكر سعيد الأعرج وفي الطريق إليه صفوان(٦) ، وقد ظن العلاّمة في المختلف التعدد والأمر كما ترى.
وأمّا ابن أبي عمير فالظاهر عطفه على سعيد ، واحتمال العطف على عليّ بن النعمان يبعّده المعروف من عادة الشيخ في الكتاب ، كاحتمال كونه ابتداء سند آخر بطريقه إلى ابن أبي عمير ، فتأمل.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٤ / ١١٣٠ : في صلاته.
(٢) في ج ٤ : ٥٢٦.
(٣) في ج ١ : ٤٦ و ٣٤١.
(٤) راجع ج ١ : ١٥٥.
(٥) رجال النجاشي : ١٨١ / ٤٧٧.
(٦) الفهرست : ٧٧ / ٣١٣.
والرابع : فيه إسحاق بن آدم وهو في الرجال(١) لا يزيد حاله عن الإهمال. وأمّا الفضل بن حسان فلم أقف عليه في الرجال. وزكريا بن آدم ثقة في النجاشي(٢) .
ثم إنّ في السند دلالة على ما قدمناه(٣) عن قريب في عود ضمير عنه الى محمّد بن عليّ بن محبوب ، حيث روى عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب.
والخامس : فيه الحسين بن أبي العلاء ، ولم أفهم من حاله ما يزيد على المدح كما مضى(٤) ، بل المدح فيه ما فيه.
والسادس : لا ارتياب فيه.
السابع : فيه داود بن سرحان وقد وثّقه النجاشي بهذه الصورة : ثقة روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهمالسلام ، ذكره ابن نوح(٥)
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ من نسي الإقامة إن كان فرغ من الصلاة لا إعادة عليه وبدون ذلك فليعد ، وظاهر الأمر الوجوب لكن القائل بالاستحباب يمكنه الحمل على الاستحباب ، والقائل بالوجوب ربما كان كذلك ، كما ستعلمه(٦) من الأقوال.
__________________
(١) انظر رجال النجاشي : ٧٣ / ١٧٦ ، الفهرست : ١٥ / ٥٤ ، رجال ابن داود : ٤٨ / ١٥٨.
(٢) رجال النجاشي : ١٧٤ / ٤٥٨.
(٣) في ص : ٥٧.
(٤) في ج ١ : ١٥٢.
(٥) رجال النجاشي : ١٥٩ / ٤٢٠.
(٦) في ص : ٦٤ ـ ٦٥.
والثاني : تضمّن أنّ من نسي الأذان والإقامة إن ذكر قبل أن يقرأ فليصل على النبيصلىاللهعليهوآله .
وينقل عن الشهيد في الذكرى أنّه جعل الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله قاطعة للصلاة فتكون من خصوصيات هذا الموضع(١) ، واحتمل بعض محقّقي الأصحاب إرادة السلام بالصلاة(٢) ؛ لما يأتي في الخامس(٣) .
وقد يحتمل أن يراد بالصلاة فعلها مقام الأذان ، وقوله : « وليقم »(٤) ربّما يدل عليه ، والفرق بين ما قبل القراءة وبعدها محتمل وإن جاز فعل الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله في أثناء الصلاة ؛ للإطلاقات ، بل ظاهر بعض الأخبار(٥) التنصيص ، إلاّ أن يقال : إنّ الإطلاق يقيّد بغير زمن القراءة ، والنصّ لا يتناول حال القراءة كما يعلم من مراجعته ، والحق أنّ احتمال عدم القطع بعيد بعد قوله : « فليتم صلاته » كما أنّ احتمال إرادة التسليم كذلك.
والثالث : يدلّ على أنّ الذكر قبل الركوع يقتضي الانصراف والأذان والإقامة ، وإن كان قد ركع فليتمّ ، والجمع بينه وبين الثاني بالحمل على تفاوت الأفضليّة.
والرابع : فيه ظهور احتمال عدم القطع ، بل السكوت عن القراءة والإتيان باللفظين ، واستشكال الشهيد في الذكرى بأنّه كلام في أثناء الصلاة
__________________
(١) الذكرى : ١٧٤.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٨.
(٣) في ص : ٦٣.
(٤) لفظة : وليقم ، ساقطة من الاستبصار ١ : ٣٠٣ / ١١٢٦ ، راجع ص ٥٨.
(٥) الوسائل ٦ : ٤٠٧ أبواب التشهد ب ١٠.
ليس منها(١) ، واضح الدفع ؛ لأنّ الإذن من الشارع كافية في الصحّة إن صحّ الخبر.
وقول بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ بأنّ الحمل على قول ذلك مع نفسه من غير أن يتلفّظ ممكن ، فيندفع به إشكال الشهيد. غريب ، كما أنّ قوله : إنّ الأمر بالسكوت موضع القراءة ربما يؤذن بذلك ؛ إذ لو تلفّظ بالإقامة لم يكن ساكتا. أغرب ، وقوله : إنّ الحمل على السكوت عن القراءة خلاف الظاهر(٢) . كذلك ، فليتأمّل.
وعلى تقدير العمل بهذا الخبر ربما يتأيّد بعض الاحتمالات السابقة(٣) في خبر محمّد بن مسلم.
والخامس (٤) : فيه دلالة على التسليم وفعل الإقامة ، والظاهر من التسليم قطع الصلاة فيدلّ على أنّ التسليم على النبيصلىاللهعليهوآله قاطعا ، ولعلّ خصوص المادة له مدخل ؛ لما يظهر من البعض دعوى الاتفاق على عدم الخروج بعد التشهد بالتسليم على النّبيصلىاللهعليهوآله (٥) .
وما تضمّنه الخبر من قوله : « قرأ بعض السورة » محتمل لإرادة الفاتحة والسورة غيرها ، ويقرب الأول إطلاق غيره.
وأمّا السادس : فقد تضمّن التعليل بأنّ الأذان سنّة ولم يذكر الإقامة ، إمّا لمشاركتها له في الإطلاق أو في كونها سنّة ، وقد استدل به العلاّمة في
__________________
(١) الذكرى : ١٧٤.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢١٠.
(٣) في ص ٦٢.
(٤) في « فض » و « رض » زيادة : كما ترى.
(٥) كالعلاّمة في المنتهى ١ : ٢٩٦.
المختلف على استحباب الأذان(١) . وفيه : أنّ السنّة تقال على ما يقابل الفرض أعم من الواجب والمستحب ، ولا يخفى الاختصاص بالأذان ، فعلى تقدير حمل السنّة على المستحب يتوقف على إثبات عدم القائل بالفرق ، وقد تكلم في المختلف في إثبات عدم القائل بالفصل(٢) ، وفيه نوع تأمّل.
والسابع : ظاهر الدلالة.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأخبار المذكورة ليس فيها ما يقتضي الرجوع للأذان إذا ترك وحده نسيانا ، وأمّا الإقامة وحدها فالدلالة عليها واضحة مع النسيان ، ونقل بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه لم يقف على خبر يدل على جواز القطع لتدارك الأذان وحده ، ولا على قائل بذلك من علمائنا القائلين باستحباب الأذان ، إلاّ المحقّق في الشرائع وجدّيقدسسره في الشرح(٣) . انتهى.
وفي المختلف نقل عن الشيخ في النهاية : أنّ من ترك الأذان والإقامة متعمّدا ودخل في الصلاة فلينصرف وليؤذّن وليقم أو ليقم ما لم يركع ثم يستأنف الصلاة ، وإن تركهما ناسيا حتى دخل في الصلاة ثم ذكر مضى في صلاته ولا إعادة عليه ، وهو قول ابن إدريس ، قال في النسيان(٤) : بل لا يجوز له الرجوع كما جاز في العمد.
وأطلق في المبسوط فقال : متى دخل منفردا في الصلاة من غير أذان ولا إقامة استحب له الرجوع ما لم يركع ويؤذّن ويقيم ويستقبل الصلاة ،
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٣٧.
(٢) المختلف ٢ : ١٣٨.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٨ وهو في المسالك ١ : ١٨٥.
(٤) في « رض » : التبيان.
فإن ركع مضى في صلاته. ولم يفرّق بين العمد والنسيان.
وقال ابن أبي عقيل : من نسي الأذان في صلاة الصبح أو المغرب حتى أقام رجع فأذّن وأقام ثم افتتح الصلاة ، وإن ذكر بعد ما دخل في الصلاة أنّه قد نسي الأذان قطع الصلاة وأذّن وأقام ما لم يركع ، فإن كان قد ركع مضى في صلاته ولا إعادة عليه(١) .
ونَقَل عن غير المذكورين أقوالا أُخر ، وربما كان في عبارة ابن أبي عقيل دلالة على نسيان الأذان فقط ، فليتأمّل.
وفي كلام بعض محققي المتأخّرين رَحمَه الله أنّ القائل بوجوب القطع غير معلوم(٢) ، وحينئذ يندفع ما قدّمناه من ظاهر الأمر.
استدل في المختلف على استحباب استقبال الصلاة وتداركهما ما لم يركع بأنّهما من وكيد السنن ، والمحافظة عليهما تقتضي تداركهما مع النسيان باستئناف الصلاة ؛ لأنّ النسيان محل العذر ، ومع الركوع يمضي في صلاته لأنّه أتى بأعظم الأركان فلا يبطل ، ومع تعمّد الترك يكون قد دخل في الصلاة دخولا مشروعا غير مريد للفضيلة فلا يجوز له الإبطال ؛ لقوله تعالى( وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) (٣) ثم ذكر الرواية الاولى واعترض على نفسه بأنّها لا تدل على المدّعى من قبليّة الركوع ، وأجاب بحمل المطلق على المقيّد(٤) .
ولا يخفى عليك الحال أوّلا وآخرا ، كما لا يخفى دلالة اختلاف
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٤١ ، وهو في النهاية : ٦٥ ، وفي السرائر ١ : ٢٠٩ ، والمبسوط ١ : ٩٥.
(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٦٣.
(٣) سورة محمّد : ٣٣.
(٤) المختلف ٢ : ١٤٢.
الروايات على الاستحباب لكن في الناسي ، غاية الأمر أنّ في الأخبار نوع إجمال مع الاختلاف ، فإطلاق الشيخ الحمل على الاستحباب فيه ما فيه ، والله تعالى أعلم بالحقائق.
قوله :
باب ع دد الفصول في الأذان والإقامة
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل الجعفي قال : سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول : « الأذان والإقامة خمسة وثلاثون حرفا » فعدّ ذلك بيده واحدا واحدا : الأذان ثمانية عشر حرفا ، والإقامة سبعة عشر حرفا.
الحسين بن سعيد ، عن النضر(١) ، عن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الأذان فقال : تقول : « الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أنّ لا إله إلاّ الله ، أشهد أنّ لا إله إلاّ الله ، أشهد أنّ محمّدا رسول الله ، أشهد أنّ محمّدا رسول الله ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله ، لا إله إلاّ الله ».
محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن عليّ بن السندي ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة(٢) ، عن زرارة والفضيل بن يسار ، عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٣ زيادة : بن سويد.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٤ : عن عمر بن أُذينة.
أبي جعفرعليهالسلام قال : « لمّا اسري برسول اللهصلىاللهعليهوآله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة فأذّن جبرائيلعليهالسلام وأقام ، فتقدّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصفّ الملائكة والنبيون خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآله » قال : فقلنا : كيف أذّن؟ فقال : « الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أنّ محمّدا رسول الله(١) ، أشهد أنّ محمّدا رسول الله(٢) حيّ على الصلاة ، حيّ على(٣) الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله ، لا إله إلاّ الله ، والإقامة مثلها إلاّ أنّ فيها : قد قامت الصّلاة ، قد قامت الصّلاة بين حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل ، وبين الله أكبر(٤) ، فأمر بها رسول اللهصلىاللهعليهوآله بلالا فلم يزل يؤذّن بها حتى قبض الله رسولهصلىاللهعليهوآله ».
وعنه ، عن أحمد(٥) ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن أبي عبد الله عليهالسلام ، وكليب الأسدي ، عن أبي عبد الله عليهالسلام أنّه حكى لهما الأذان (٦) ، فقال : « الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أنّ محمّدا رسول الله (٧) ، أشهد أنّ محمّدا
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٤ زيادة :صلىاللهعليهوآله .
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٤ زيادة :صلىاللهعليهوآله .
(٣) لفظة : على ، ساقطة من الاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٤.
(٤) في الاستبصار ١ : ٣٠٥ / ١١٣٤ زيادة : الله أكبر.
(٥) في الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ١١٣٥ زيادة : بن محمّد.
(٦) في الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ١١٣٥ زيادة : والإقامة ، وكذا في « د ».
(٧) في الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ١١٣٥ زيادة :صلىاللهعليهوآله .
رسول الله(١) ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله ، لا إله إلاّ الله ، والإقامة كذلك.
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن إسحاق بن عمّار ، عن المعلّى بن خنيس ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يؤذّن فقال : « الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله ، أشهد أنّ محمّدا رسول الله(٢) ، أشهد أنّ محمّد رسول الله(٣) ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الصّلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، ( حيّ على خير العمل ، حيّ على خير العمل )(٤) ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلاّ الله ».
قال محمّد بن الحسن : أمّا الحديثان الأوّلان وإن تضمّنا ذكر : « الله أكبر » مرّتين في أوّل الأذان ، فيجوز أن يكون إنّما اقتصر على ذلك لأنّه إنّما قصد إفهام السائل كيفيّة التلفظ به ، وكان المعلوم له أنّ ذلك لا يجوز الاقتصار عليه دون الأربع مرّات.
والذي يكشف عمّا ذكرناه :
ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، [ عن حمّاد بن عيسى عن ، حريز ] (٥) عن زرارة ، عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ١١٣٦ زيادة :صلىاللهعليهوآله .
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ١١٣٦ زيادة :صلىاللهعليهوآله .
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٠٦ / ١١٣٦ زيادة :صلىاللهعليهوآله .
(٤) ما بين القوسين ليس في التهذيب ٢ : ٦١ / ٢١٢ ، وفيه زيادة : حتى فرغ من الأذان وقال في آخره.
(٥) ما بين المعقوفين ليس في النسخ ، أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٠٧ / ١١٣٧.
أبي جعفر عليهالسلام قال : قال يا زرارة : « تفتتح الأذان بأربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وتهليلتين ».
السند
في الأوّل : فيه محمّد بن عيسى ، وقد قدّمنا(١) احتمال قبول روايته في مثل هذا الموضع ، وهو ما إذا لم يرو عن يونس ، لكن في التهذيب : محمّد بن عيسى عن يونس(٢) ، والحال غير معلوم بدون مراجعة الكافي ولم يحضرني الآن(٣) .
وكذلك قدّمنا في أبان ما حاصله أنّ من يعمل بالموثّق يلزمه قبول قول عليّ بن الحسن بن فضّال فيه إنّه ناووسي(٤) ، والإجماع على تصحيح ما يصح عن أبان في الكشي(٥) لا ينافي الوصف بالموثّق ، غاية الأمر أنّه موثّق معمول عليه ، ومن لم يعمل بالموثّق فهو عامل بالخبر المشتمل على أبان إذا خلا من الموانع غير أبان ، فإطلاق الصحة على خبره من العامل بالموثّق خلط للاصطلاح.
وأمّا إسماعيل الجعفي فهو يقال لابن عبد الرحمن الجعفي ، ولا بن جابر الجعفي ، والأوّل لا يزيد على الإهمال ، والثاني فيه كلام قدّمناه(٦) ، والظاهر هنا الثاني ، لأنّ النجاشي ذكر في إسماعيل بن جابر الجعفي أنّه
__________________
(١) في ج ١ : ٧٦ و ١٢٩.
(٢) التهذيب ٢ : ٥٩ / ٢٠٨.
(٣) رواه عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس ، الكافي ٣ : ٣٠٢ / ٣.
(٤) راجع ج ١ : ١٨٣.
(٥) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
(٦) في ج ٢ : ٤٣٥ وج ٣ : ١٧٦.
روى حديث الأذان(١) .
والثاني : ليس فيه ارتياب ، والنضر هو ابن سويد في الظاهر من تكرّر الأسانيد بعنوان ابن سويد والتصريح في الرجال(٢) .
والثالث : فيه عليّ بن السندي ، وحاله لا يزيد على الجهالة ، كما يستفاد من كتاب شيخنا المحقّق ـ سلّمه الله ـ في الرجال(٣) .
والرابع : ضمير « عنه » فيه لمحمّد بن عليّ بن محبوب ، وأحمد هو ابن محمّد بن عيسى ؛ والحسين هو ابن سعيد ؛ وأبو بكر الحضرمي لا يزيد حاله عن الجهالة فيما أظن ؛ وكليب الأسدي فيه كلام بالنسبة إلى المدح.
والخامس : فيه المعلّى بن خنيس ، وقد قدّمنا الكلام فيه مع إسحاق بن عمّار(٤) .
والسادس : واضح بما تكرّر من القول في رجاله.
المتن :
في الجميع واضح ، وما ذكره الشيخ في الخبرين المتضمّنين للتكبير مرّتين في الأذان وإن بعد إلاّ أنّه وجه للجمع.
وما عساه يتوجّه على الشيخ : من أنّ تعليم الكيفيّة يكفي فيه المرّة ، يمكن الجواب عنه : بأنّ المراد من تعليم كيفيّة الأذان على هيئة مجموع اللفظين لبيان الهمزة وكونها للقطع ونحو ذلك ، ومن هنا يعلم أنّ تكرّر
__________________
(١) رجال النجاشي : ٣٣ / ٧١.
(٢) انظر رجال الطوسي : ٣٦٢ / ٢ ، الفهرست : ١٧١ / ٧٦٠.
(٣) منهج المقال : ٣٥٣.
(٤) راجع ج ١ : ٢٥٥ وج ٣ : ٢١٥.
ما عدا التكبير على مقتضى الأخبار لبيان ما أشرنا إليه وإلاّ لاكتفي بالمرّة.
نعم قد يتوجه أنّ قولهعليهالسلام في خبر زرارة والفضيل : « والإقامة مثلها » يدل على أنّ التكبير مرّتان لا غير ، ويمكن الجواب بأنّ المراد كون الإقامة مثل ما تلفّظ به لا مثل الأذان ، ولا يبعد أن يكون عدم تعداد التكبير زيادة على المرّتين لبيان الإقامة ، إلاّ أنّ الحال لا يخلو من إشكال بالنسبة إلى التهليل في آخر الإقامة فإنّه مرّة.
وربّما يقال بجواز التخيير في آخر الإقامة بين المرّة والمرّتين ، واحتمال التخيير في الأذان بالنسبة إلى التكبير بين المرّتين والأربع ممكن ، لو لا دعوى الإجماع على تربيع التكبير في أوّل الأذان ، وسيأتي(١) في بعض الأخبار أنّ الأذان مثنى مثنى ، والإقامة كذلك.
ونقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط والخلاف أنّه قال : ومن أصحابنا من جعل فصول الإقامة مثل فصول الأذان ، وزاد فيها : قد قامت الصلاة مرّتين ، ومنهم من جعل في آخرها التكبير أربع مرّات ، وقال ابن الجنيد : التهليل في آخر الإقامة مرّة واحدة إذا كان قد أتى بها بعد أذان ، وإن كان قد أتى بها بغير أذان ثنّى لا إله إلاّ الله في آخرها(٢) . انتهى.
ثم إنّ في خبر المعراج نوع كلام بالنظر إلى وجود ما قد يخالفه ، وقد ذكرنا الجميع في كتاب معاهد التنبيه على نكت الفقيه.
ولا تخفى دلالة ظاهر خبر أبي بكر الحضرمي على تربيع التكبير في الإقامة وتثنية التهليل في آخرها ، وحينئذ يصلح دليلا للقول المنقول عن الشيخ عن بعض الأصحاب ، لكن حال الخبر غير خفيّ ، وعدم تعرّض
__________________
(١) في ص ٧٢ ـ ٧٣.
(٢) المختلف ٢ : ١٥٠ ، وهو في المبسوط ١ : ٩٩ ، والخلاف ١ : ٢٧٩.
الشيخ هنا لذلك غريب.
قوله :
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « الأذان مثنى مثنى والإقامة واحدة »(١) .
وما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن سيف بن عميرة وصفوان بن يحيى ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « الإقامة مرّة مرّة إلاّ قول الله أكبر فإنّه مرّتان ».
فالوجه في هذين الخبرين ضرب من التقية ؛ لأنّهما موافقان لمذهب بعض العامة ، ويجوز أن يكون الوجه فيهما حال الضرورة والاستعجال.
والذي يكشف عمّا ذكرناه :
ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبي عبيدة الحذّاء ، قال : رأيت أبا جعفرعليهالسلام يكبّر واحدة واحدة ، فقلت له : لم تكبّر واحدة واحدة؟ فقال : « لا بأس به إذا كنت مستعجلا(٢) ».
الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي نجران ، عن صفوان بن مهران الجمّال ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « الأذان مثنى مثنى والإقامة
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٧ / ١١٣٨ : والإقامة واحدة واحدة.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٠٧ / ١١٤٠ زيادة : في الأذان.
مثنى مثنى ».
وعنه ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن يزيد مولى الحكم ، عمّن حدّثه ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سمعته يقول : « لأن أقيم مثنى مثنى أحبّ إليّ من أن أؤذّن وأقيم واحدا واحدا ».
الحسين ، عن القاسم بن عروة ، عن بريد بن معاوية ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « الأذان يقصّر في السفر كما تقصّر الصلاة ، الأذان(١) واحدا واحدا والإقامة واحدة واحدة ».
سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن نعمان الرازي قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « يجزؤك من الإقامة طاق طاق في السفر ».
السند
في الأوّل : لا ارتياب في صحّته بعد ما قدّمناه.
والثاني : كذلك ، والظاهر أنّ صفوان معطوف على سيف ، فيكون فضالة راويا عن صفوان ، ولا يخفى وجود رواية فضالة [ عن ](٢) صفوان ، كما توجد رواية الحسين بن سعيد عن صفوان ، فالرواية عن صفوان بواسطة ممكنة ؛ ويحتمل أن يكون العطف على فضالة ، إلاّ أنّ المتعارف حينئذ بغير هذا النحو كما يقال : جميعا ، وفي التهذيب : رواه عن سعد ، عن محمّد(٣) ،
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٨ / ١١٤٣ : والأذان.
(٢) في النسخ : و، والظّاهر ما أثبتناه.
(٣) في المصدر : عن سعد عن أحمد بن محمّد.
عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الله بن سنان(١) .
والثالث : واضح الرجال ، وأبو عبيدة اسمه زياد ثقة بلا ارتياب(٢) .
والرابع : كذلك.
والخامس : فيه ـ مع الإرسال ـ يزيد(٣) مولى الحكم ، فإنّه مجهول الحال.
والسادس : فيه القاسم بن عروة ، وقد كرّرنا القول فيه(٤) من أنّ حاله لا يزيد على الإهمال.
والسابع : فيه نعمان الرازي ، وقد تقدّم عن قريب أنّه مهمل في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٥) .
المتن :
في الأوّلين : ما ذكره الشيخ فيه من التقية لا يخلو من وجه ، والشيخ أعلم بمذهب أهل الخلاف ، فما تراه الآن من عدم التكبير مثنى مثنى من بعضهم لا يضرّ بالحال بالنسبة إلى الخبر الأوّل.
وأمّا الحمل على حال الضرورة والاستعجال ، فالخبر الثالث المستدل به يدل على الأذان ، والخبران الأوّلان تضمّنا الوحدة في الإقامة.
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٦١ / ٢١٥.
(٢) في « فض » زيادة : نعم في أبيه اختلاف فقيل : ابن عيسى ، وقيل : ابن رجا. وهي مشطوبة في « د ».
(٣) في النسخ : بُريد ، والظاهر ما أثبتناه ، وهو أبو خالد يزيد البزّاز مولى الحكم بن الصلت الثقفي. راجع رجال الطوسي : ١٤٠ / ٨ ، ٣٣٨ / ٧٤.
(٤) في ج ١ : ٤٣٩.
(٥) راجع ص : ٥٦.
والرابع : إن كان الشيخ أتى به للاستشهاد كما هو الظاهر ، ففيه : أنّه حينئذ يتضمّن كون العجلة تقتضي تثنية الأذان والإقامة ، والخبران الأوّلان يفيدان تثنية الأذان فقط ؛ ولو أراد الشيخ أنّ الاضطرار والاستعجال يفيدان التخفيف على قدر الإمكان ، فكان عليه البيان وما يدل على ذلك.
والخامس : كما ترى لا يدل على الاضطرار والاستعجال ، إلاّ بتقدير متكلّف ، والظاهر منه أنّ الإقامة مثنى مثنى أولى من الأذان والإقامة مرّة مرّة.
ولا يبعد أن يحمل على حال الضرورة والاستعجال ، نظرا إلى أنّ الأذان واحدا واحدا والإقامة كذلك يكون مع الضرورة ، ويصير حاصل الأولويّة أنّ الإتيان بالإقامة وحدها مثنى مثنى أولى من الأذان والإقامة معا مرّة مرّة.
والسادس : ظاهر الدلالة على أنّ الأذان يقصّر في السفر ، ولا يبعد أن يخصّ بأذان المقصورة ، ويحتمل الإطلاق ، والظاهر أنّ مراد الشيخ بذكر هذا الخبر لبيان أنّ السفر من قسم الضرورة.
ولا يخفى أنّ قولهعليهالسلام : « الأذان يقصّر » يريد به ما يتناول الإقامة لذكرها معه.
والسابع : ظاهر الدلالة على أنّ الإقامة في السفر مرّة مرّة ، أمّا تخصيص السفر بالموجب للقصر وإقامة المقصورة فممكن ممّا سبق ، مع احتمال التعميم ، فيؤيّد احتمال إرادة التقصير في السابق لغير المقصورة ، وقد تقدّم في خبر الصباح بن سيّابة من قولهعليهالسلام : « لا تدع الأذان في الصلوات كلّها ، وإن تركته فلا تتركه في المغرب والفجر ، فإنّه ليس فيهما
تقصير »(١) فإنّه يدل على الاختصاص بالمقصورات.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لو لا المشهور بين الأصحاب من تربيع التكبير في الأذان ، كما أنّ المشهور في الإقامة أنّها مثنى مثنى إلاّ التهليل في آخرها فإنّه مرّة(٢) ، لأمكن العمل بظاهر معتبر الأخبار في التخيير ، والاحتياط مطلوب.
قوله :
فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن ، عن الحسين ، عن حمّاد بن عيسى ، عن شعيب بن يعقوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « النداء والتثويب في الإقامة(٣) من السنّة ».
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « كان أبي ينادي في بيته بالصلاة خير من النوم ، ولو ردّدت ذلك لم يكن به بأس ».
وما أشبه هذين الخبرين ممّا تضمّن ذكر هذه الألفاظ فإنّها محمولة على التقية لإجماع الطائفة على ترك العمل بها.
ويدل على ذلك أيضاً :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، وحمّاد بن عيسى(٤) ، عن معاوية بن وهب قال : سألت أبا عبد الله عليهالسلام عن التثويب الذي يكون بين الأذان والإقامة؟ فقال : « ما نعرفه ».
__________________
(١) راجع ص ٣٦.
(٢) كما في الشرائع ١ : ٧٥.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٠٨ / ١١٤٥ : الأذان.
(٤) في الاستبصار ١ : ٣٠٨ / ١١٤٧ : عن فضالة عن حماد بن عيسى.
وروى محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، قال : قال لي أبو جعفرعليهالسلام : « يا زرارة تفتتح الأذان بأربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وتهليلتين ، وإن شئت زدت على التثويب حيّ على الفلاح ، مكان : الصلاة خير من النوم ».
فلو كانت هذه اللفظة مسنونة لما سوّغ له تكرير بعض الألفاظ والعدول عنها ، على أنّ تكرار اللفظ أيضا إنّما يجوز إذا أراد به تنبيه غيره على الصلاة أو انتظار آخر ، وما أشبه ذلك ، يبيّن(١) ما ذكرناه :
ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن محبوب ( عن عليّ بن أحمد )(٢) عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ٧ قال : « لو أنّ مؤذّنا أعاد في الشهادتين وفي حيّ على الصلاة أو حيّ على الفلاح المرّتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إنّما يريد (٣) جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس ».
السند
في الأوّل : فيه أحمد بن الحسن ، وفيه اشتراك(٤) ، والظهور غير واضح من الرجال ؛ والحسين هو ابن سعيد على الظاهر ؛ وفيه : أبو بصير.
__________________
(١) في النسخ زيادة : ذلك ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٠٩.
(٢) ما بين القوسين ليس في الاستبصار ١ : ٣٠٩ / ١١٤٩.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٠٩ / ١١٤٩ زيادة : به.
(٤) انظر هداية المحدثين : ١٧٠.
والثاني : واضح الحال. وكذا الثالث والرابع.
والخامس : فيه عليّ بن أحمد ، ويحتمل ابن أشيم المجهول ، وغيره في حيّز الإمكان ، وابن محبوب فيه الحسن ، وعليّ بن أبي حمزة البطائني ، وأبو بصير معلوم معه.
المتن :
في الأوّل : على ما يظهر من الشيخ أنّه فهم منه كون التثويب : الصلاة خير من النوم ، وفسّره بعض بالإتيان بالحيعلتين بين الأذان والإقامة(١) ، وإرادة هذا في المقام لا وجه لها ، لكنّ الصلاة خير من النوم ، في الإقامة مستغرب ، والشيخ أعلم بالحال ، ولعلّ المراد بالنداء : رفع الصوت ، وبالتثويب : الترجيع. فإنّ العلاّمة نقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : الترجيع غير مسنون في الأذان ، وهو تكرار التكبير والشهادتين في أوّل الأذان ، فإن أراد تنبيه غيره جاز تكرير الشهادتين ، والتثويب مكروه ، وهو قول : الصلاة خير من النوم ، في صلاة الغداة والعشاء ، وما عداهما لا خلاف أنّه لا تثويب فيهما ، ومثله قال في الخلاف ، إلاّ أنّه قال : الترجيع تكرير الشهادتين.
ونقل العلاّمة عن المرتضى أنّ معنى التثويب : الصلاة خير من النوم ، وعن ابن إدريس أنّ التثويب تكرير الشهادتين دفعة ، لأنّه مأخوذ من ثاب إذا رجع.
ثم إنّ العلاّمة قال : هل التثويب أو الترجيع محرّمان أو مكروهان؟
__________________
(١) كما في الحبل المتين : ٢٠٨.
اختلف علماؤنا على قولين بعد اتفاقهم على إباحة التثويب والترجيع للتقيّة ، والترجيع لمن أراد الإشعار(١) انتهى.
ولا يخفى أنّ النص المبحوث عنه لا يأبى ما قدّمناه ، والحمل على التقية بتقدير ثبوت : الصلاة خير من النوم ، في الإقامة ممكن.
وأمّا الثاني : فلا يخفى ظهوره في أنّ الإمامعليهالسلام كان ينادي في بيته لا في الأذان ، ويجوز أن يكون النداء لأجل تنبيه أهله وأولاده ، والوجه في الأخبار حصول المطلوب من التقيّة ، والله أعلم.
والثالث : يدل على أنّ التثويب بين الأذان والإقامة لا يعرفه ، وقد قدّمناه من معناه أنّه الإتيان بالحيعلتين بين الأذان الإقامة ، وقد ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ(٢) وسمعت ما نقله في المختلف.
ثم ما ذكره الشيخ من الاستدلال بالخبر على التقية لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ التثويب إن كان قول : الصلاة خير من النوم ، فهو غير معروف بين الأذان والإقامة ، فلعلّ الإمامعليهالسلام قال ذلك ، لأنّه غير المعروف بين أهل الخلاف ، ولو حمل على إعادة الحيّعلات أمكن.
والرابع : ربما كان فيه دلالة على أنّ التثويب تكرار الحيعلة عوض : الصلاة خير من النوم ، وقول الشيخ : إنّ هذه اللفظة ـ يعني : الصلاة خير من النوم ـ لو كانت مسنونة ، إلى آخره. يدل على أنّ كلامه الأوّل في : الصلاة خير من النوم ، كما فيه دلالة على جواز التكرير للإشعار ، ولا يخفى أنّ حمل جميع ما تقدّم على : الصلاة خير من النوم ، مشكل في الأخبار السابقة
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٤٤ ، وهو في المبسوط ١ : ٩٥ ، والخلاف ١ : ٢٨٨ ، والانتصار : ٣٩ ، والسرائر : ٢١٢.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٠٨.
كما يعرف بأدنى تأمّل ، والخبر الأخير ظاهر في أنّ التكرار من المؤذّن لاجتماع القوم فهو خاص في خاص ، فليتأمّل.
قوله :
باب القعود بين الأذان والإقامة في المغرب
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحسن بن عليّ بن يوسف ، عن سيف بن عميرة ، عن بعض أصحابنا ( عن ابن فرقد )(١) قال : « بين كلّ أذانين قعدة إلاّ المغرب فإنّ بينهما نفسا ».
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن سعدان بن مسلم ، عن إسحاق الجريري ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قال : « من جلس فيما بين أذان المغرب والإقامة كان كالمتشحّط بدمه في سبيل الله ».
فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار أنّه إذا كان أوّل الوقت جاز له أن يفصل بينهما بجلسة ، وإذا تضيّق الوقت يكتفي في ذلك بنَفَس.
السند
في الأوّل : فيه الحسن بن عليّ بن يوسف ، وهو ابن بقاح الثقة ، وفيه الإرسال ، وابن فرقد داود وقد مضى فيه القول غير بعيد مفصّلا(٢) .
والثاني : فيه سعدان بن مسلم ، وهو لا يزيد على الإهمال في كتب
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٠٩ / ١١٥٠ بدل ما بين القوسين : عن أبي عبد الله.
(٢) راجع ج ٢ : ٣٣٠.
الرجال(١) ، وإسحاق الجريري لا يبعد أن يكون هو إسحاق بن جرير المذكور بالوقف في رجال الكاظمعليهالسلام من كتاب الشيخ(٢) ، والنجاشي قال : إنّه ثقة من غير ذكر الوقف(٣) وقد مضى القول في مثل هذا مرارا ، ولفظ الجريري غير مصرّح به في الرجال ، الاّ أنّ الظاهر من المرتبة ما قلناه ، والراوي عنه في النجاشي ابن أبي عمير ، أمّا رواية سعدان فقد يتخيّل فيها نوع شيء ، والتسديد ممكن ، الاّ أنّ الأمر غير ضروريّ ، وفي التهذيب : إسحاق الجوهري(٤) ، وأظنّه تصحيفا ، وعلى تقدير الصحة فهو مجهول.
المتن :
في الخبرين واضح ، وتأويل الشيخ بعيد عن الظاهر جدّا ، والتعبير في عبارة بعض الأصحاب بالسكتة بين أذان المغرب والإقامة هو المراد بالنَفَس(٥) ، وربما يحمل الخبر الأوّل على أنّ المغرب تزيد على غيرها بالنَفَس ، وإن كان الظاهر من الرواية اختصاصها به ، أو يفرق بين القعود والجلوس بأن يحمل الجلوس على مسمّاه ، والعقود على زيادة استقرار ، وفيه ما فيه.
وقد روى الشيخ في زيادات التهذيب من كتاب الصلاة ، عن سعد ، عن الحسين بن عمر بن يزيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن
__________________
(١) كما في رجال النجاشي : ١٩٢ / ٥١٥ ، رجال الطوسي : ٢٠٦ / ٦٤ ، الفهرست : ٧٩ / ٣٢٦.
(٢) رجال الطوسي : ٣٤٣ / ٢٤.
(٣) رجال النجاشي : ٧١ / ١٧٠.
(٤) التهذيب ٢ : ٦٥ / ٢٣١ وفيه : إسحاق الجريري.
(٥) كما في مجمع الفائدة ٢ : ١٧٥ ، الحبل المتين : ٢١٠.
مسكان ، قال : رأيت أبا عبد اللهعليهالسلام أذّن وأقام من غير أن يفصل بينهما بجلوس(١) ، والحديث معتبر.
وروى في غير الزيادات بطريق فيه الحسن بن شهاب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا بدّ من قعود بين الأذان والإقامة »(٢) .
وروى عن الحسين بن سعيد ، عن سليمان بن جعفر الجعفري قال : سمعته يقول : « افرق بين الأذان والإقامة بجلوس أو بركعتين »(٣) .
وعن الحسين بن سعيد ، عن أحمد بن محمّد ـ وهو ابن أبي نصر ـ قال : قال : « القعود بين الأذان والإقامة في الصلاة كُلّها إذا لم يكن قبل الإقامة صلاة يصلّيها »(٤) وهذا الخبر مع صحته يدل على أنّ الفصل يتحقّق بأيّ صلاة صلاّها الإنسان قليلة أو كثيرة.
وقد مضى(٥) في بحث المواقيت نقل حديث في ركعتي الفجر ، رواه الشيخ بسند معتبر ، على أنّه لا يكون بين الأذان والإقامة إلاّ الركعتان ، وذكرنا احتمال إرادة ركعتي الفجر واحتمال غيرهما ، وهذا الخبر ظاهر في مطلق الصلاة ، فالظاهر من ذاك الخبر إرادة ركعتي الفجر ، فيدلّ على اختصاص أذان الصبح بركعتي الفجر للفصل على سبيل الفضل بتقدير العموم في الفصل بغيرهما ، كما في رواية سليمان ، ويجوز تخصيص العموم.
وأمّا ما تضمّنه خبر ابن مسكان من عدم جلوسهعليهالسلام فيحتمل أن
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٢٨٥ / ١١٣٨ ، الوسائل ٥ : ٣٩٩ أبواب الأذان والإقامة ب ١١ ح ٩.
(٢) التهذيب ٢ : ٦٤ / ٢٢٦ ، الوسائل ٥ : ٣٩٧ أبواب الأذان والإقامة ب ١١ ح ١.
(٣) التهذيب ٢ : ٦٤ / ٢٢٧ ، الوسائل ٥ : ٣٩٧ أبواب الأذان والإقامة ب ١١ ح ٢.
(٤) التهذيب ٢ : ٦٤ / ٢٢٨ ، الوسائل ٥ : ٣٩٧ أبواب الأذان والإقامة ب ١١ ح ٣.
(٥) في ج ٤ : ٤٧١ ـ ٤٧٢.
يكونعليهالسلام فصّل بغيره ، أو لبيان الجواز كما قيل(١) ، وفيه نوع تأمّل ؛ لأنّ بيان الجواز في المستحب غير ظاهر الوجه.
وفي بعض الأخبار المعدود في الموثّق أنّه سئلعليهالسلام ما الذي يجزئ من التسبيح بين الأذان والإقامة؟ قال : يقول : « الحمد لله »(٢) .
وروى الشيخ في التهذيب بسند فيه الحسين بن راشد وجعفر بن محمّد بن يقطين(٣) . والأوّل : مهمل في الرجال(٤) ، والثاني : لم أقف عليه فيها ، ومع ذلك فهو مرفوع مضمر ، إلاّ أنّ التساهل في السنن لو تمّ دليله كفى في العمل به ، وقد قدّمنا فيه القول.
والمتن : قال : « يقول الرجل إذا فرغ من الأذان وجلس : اللهم اجعل قلبي بارّا ( وعيشي قارّا )(٥) ورزقي دارّا واجعل لي عند قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله قرارا ومستقرّا ».
وليكن هذا آخر الجزء الثاني من كتاب استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار(٦) والله المسؤول أن يوفّق لإكماله بجاه محمّد المصطفى وآله ، وأن يجعل سعينا مصروفا فيما يرضيه عنّا من الأعمال ، ويدفع عنّا بمنّه عظائم الأخطار والأهوال.
وقد اتّفق بتوفيق الله الابتداء والانتهاء في مشهد سيّد الشهداء
__________________
(١) انظر الحبل المتين : ٢١٠.
(٢) التهذيب ٢ : ٢٨٠ / ١١١٤ ، الوسائل ٥ : ٣٩٨ أبواب الأذان والإقامة ب ١١ ح ٥.
(٣) التهذيب ٢ : ٦٤ / ٢٣٠.
(٤) انظر منهج المقال : ١١٢.
(٥) ما بين القوسين ليس في المصدر.
(٦) في « رض » زيادة : ويتلوه الجزء الثالث أبواب كيفية الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها.
وخامس أصحاب العباء عليه وعلى جدّه وأبيه وأخيه والتسعة من ذراريه أفضل الصلاة والسلام ، وكان الختام يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر صفر ختم بالخير والظفر من شهور السنة السادسة والعشرين بعد الألف الهجرية على من شرّفت به أكمل التحيّة ، وكتب مؤلّفه العبد : محمّد بن الحسن بن زين الدين العاملي عاملهم الله بلطفه وكرمه.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الاستعانة وعليه التكلان
الحمد لله على آلائه والصلاة على أشرف أنبيائه
وعلى أكرم أحبّائه(١)
__________________
(١) في « رض » : أحبابه.
قوله :
أبواب كيفيّة الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها.
باب وجوب قراءة الحمد.
الحسين بن سعيد(١) ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة(٢) الكتاب في صلاته ، قال : « لا صلاة(٣) إلاّ بقراءتها في جهر أو إخفات » قلت : أيّهما أحبّ إليك إذا كان خائفا أو مستعجلا يقرأ سورة أو فاتحة الكتاب؟ قال : « فاتحة الكتاب ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « إنّ الله تعالى فرض من الصلاة الركوع والسجود ألا ترى لو أنّ رجلا دخل في الإسلام لا يحسن(٤) يقرأ القرآن أجزأه أن يكبّر ويسبّح ويصلّي ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من لم يحسن فاتحة الكتاب حسب ما تضمّنه ، ويكون قوله : « إنّ الله فرض من الصلاة الركوع والسجود » يعني به فرضا إذا تركه عامدا أو ساهيا كان عليه إعادة الصلاة ؛ لأنّهما ركنان ، وليس كذلك القراءة ، لأنّه ليس على من
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٠ / ١١٥٢ : أخبرني الحسين بن سعيد.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣١٠ / ١١٥٢ : بفاتحة.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣١٠ / ١١٥٢ : زيادة : له.
(٤) في الاستبصار ١ : ٣١٠ / ١١٥٣ زيادة : أن.
نسي القراءة حتى دخل الركوع إعادة الصلاة ، وكان الفرق بينهما من هذا الوجه.
السند
في الخبرين واضح الحال ، لمعلوميّة جلالة رجالهما ممّا تقدّم(١) من المقال ، والنضر في الثاني هو ابن سويد على الظاهر من الممارسة ، والتصريح في الرجال(٢) برواية الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد.
أمّا رواية الحسين بن سعيد عن فضالة في الأوّل فقد قدّمنا(٣) فيه القول ، حيث إنّ النجاشي نقل رواية(٤) أنّ ما يرويه الحسين بن سعيد عن فضالة فهو غلط ، إنّما هو الحسن عن فضالة ؛ لأنّ الحسين لم يلقَ فضالة ، وأن أخاه الحسن تفرّد بفضالة دون الحسين ، ورأيت الجماعة تروي بأسانيد مختلفة الطرق عن الحسين بن سعيد عن فضالة ، والله أعلم(٥) . انتهى.
والظاهر أنّ قول : ورأيت ، من كلام النجاشي ، ويحتمل أن يكون من تتمّة كلام الراوي وهو الحسين بن محمّد(٦) بن يزيد السورائي ، والراوي عن هذا الحسين أبو الحسن البغدادي السورائي ، والرجلان غير معلومي الحال.
وفي ترجمة الحسن بن سعيد قال النجاشي ما ذكره الحسين بن
__________________
(١) في ج ١ : ٧٠ و ١٦٢ و ١٩٥ و ٢١٦ و ٣٩٨ وج ٣ : ١٩١.
(٢) انظر الفهرست : ١٧١ / ٧٥٠.
(٣) في ص ٧٣.
(٤) في « م » زيادة : الحسين.
(٥) رجال النجاشي : ٣١٠ / ٨٥٠.
(٦) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة : بن محمّد.
محمّد السورائي على سبيل الجزم(١) ، وفي فضالة بن أيّوب ذكرها رواية عمّن(٢) ذكرناه ، ولعلّ توسّط الحسن لا يضرّ بالحال ، لكونه يصير معلوما ، ويظهر من الشيخ في الفهرست عدم الالتفات إلى هذا ؛ لأنّه إنّما ذكر اختصاص الحسن بزرعة وسماعة فقط(٣) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على أنّه لا صلاة إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب ، وقد تقرّر في الأُصول أنّ المنفيّ في مثل هذا الصلاة الصحيحة لا الكاملة(٤) ، على وجه يغني عن الذكر هنا ، غير أنّه يمكن ادعاء ظهور مثل هذا المتن في البطلان من حيث السؤال ، وإن كان باب الاحتمال واسعا.
أمّا قولهعليهالسلام : « في جهر أو إخفات » فيحتمل أمرين :
أحدهما : أن يراد في الصلاة الجهريّة والإخفاتيّة.
والثاني : أن يراد القراءة جهرا أو إخفاتا في كل من الصلاتين ، والفائدة تظهر عند القائلين بالتخيير في الصلوات بين الجهر والإخفات(٥) ، فليتأمّل.
وما تضمّنه الخبر من قوله : قلت أيّهما أحبّ ، إلى آخره. وإن اقتضى بظاهره عدم وجوب الفاتحة للمستعجل والخائف نظرا إلى أنّ الأحبّ يستعمل في الأفضل ، إلاّ أنّ إرادة الوجوب من الأحبّ لا مانع منها ، وأظنّ
__________________
(١) رجال النجاشي : ٥٨ ، وفيه : الحسين بن يزيد.
(٢) في « فض » و « م » : عن من.
(٣) الفهرست : ٥٣ / ١٨٦.
(٤) انظر معالم الدين : ١٥٩.
(٥) حكاه في منتقى الجمان ٢ : ١٣.
الاستعمال موجودا في الأخبار ، لكن لا يحضرني الآن خصوص محلّه ، وعلى كل حال فالإجماع على وجوب الفاتحة كما نقله في المنتهى(١) يسهّل الخطب.
وما عساه يقال : إنّ الإجماع المدّعى لا يخلو من إجمال ، ولا مانع من تخصيصه بتقدير العموم بغير المستعجل والخائف.
فيه : أنّ القائل بهذا غير معلوم ، بل الظاهر انتفاؤه ، والعبارة المنقولة عن المنتهى هذه : ويتعيّن الحمد في كلّ ثنائيّة وفي الأوليين من الثلاثيّة والرباعيّة ، ذهب إليه علمائنا أجمع(٢) . وهذا غير خفي الظهور في التعميم.
وما قد يقال من أنّ الخبر المبحوث عنه كما يحتمل ما ذكر يحتمل أن يراد أنّه هل الأولى للخائف والمستعجل الفاتحة فقط ، أو هي مع السورة؟ وحينئذ يبقى دلالة الأحبّ على الأفضل ؛ إذ المراد أنّ الأفضل الاقتصار على الحمد ، لا أنّ الحمد مستحبة ، والفرق بين الأمرين أنّ المراد هنا بالأحبّ كون الحمد وحدها أفضل الفردين الواجبين على تقدير وجوب السورة ، وعلى تقدير استحبابها تكون الحمد أفضل وحدها ، بمعنى تحقّق الكمال بها على الأكمليّة على الحمد والسورة ، على أنّه يجوز أن يراد بالأحبّ مجرّد الكمال بوجه(٣) يساوي قراءة السورة.
فالجواب عنه : أمّا أولا : فلأنّ الظاهر خلاف ما ذكر.
وأمّا ثانيا : فلأنّ أفضليّة الحمد وحدها للمذكورين إن أريد به مع
__________________
(١) المنتهى ١ : ٢٧٠.
(٢) المنتهى ١ : ٢٧٠.
(٣) في « رض » : على وجه.
إمكان الإتيان بالسورة فلا وجه لكون الترك أفضل ، وإن أُريد مع عدم الإمكان ( لا وجه لافضليّته كما هو واضح.
فإن قلت : يحتمل أن يراد مع عدم الإمكان )(١) ويكون الأحبّ إخبارا عن أنّ مثل هذه الضرورة تصيّر الفاتحة أفضل ، والنسبة إلى عدم الفضل ـ وإن لم يكن الفرد ممكنا ـ واقعة في مثل أفضليّة البقاع في الصلاة ، فإنّها شاملة لمن لم يتمكّن من الفعل فيها ، كما قدّمناه في الجزء الثاني مفصّلا.
قلت : لا يخفى بُعد التوجيه بل عدم استقامته ، وقد قدّمنا ما يقتضي الجواب عن المشار إليه.
وأمّا ثالثا : فلأنّ تحقّق الكمال بالفاتحة على تقدير استحباب السورة لا يليق بحكمة الشارع ، وبالجملة فالاحتمالات البعيدة تركها أولى من ذكرها ، وإنّما تعرّضنا لذلك لدفع احتمال مّا.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في بعض الأخبار المعتبرة ـ وسيأتي بعضها ـ ما يدلّ على الاكتفاء بالفاتحة عن السورة في الجملة ، فتكون مستحبة ، وهذا الخبر كما ترى يدل على أنّ الخائف والمستعجل ، الفاتحة له أفضل من السورة ، أمّا إجزاء الفاتحة وحدها فالظاهر من الخبر استفادته ، وإن أمكن أن يقال : إنّ غاية ما يدلّ عليه ترجيح الفاتحة على قراءة السورة عوضا عن الفاتحة ، أمّا كون قراءة الفاتحة تكفي عن السورة أم لا فأمر آخر.
وفي التهذيب روى عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سمعته
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
يقول : « إنّ فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة »(١) .
وروى الحسن بن محبوب ، عن عليّ بن رئاب ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إنّ فاتحة الكتاب تجزئ وحدها في الفريضة »(٢) .
والشيخ حمل الخبرين على الضرورة لمعارضة بعض الأخبار ، وقد ذكرنا في حواشي التهذيب ما لا بدّ منه ، وسيأتي في آخر الباب الآتي في أنه لا يقرأ بأقلّ من سورة ، ذكر المهمّ في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى(٣) .
ولا يخفى أنّ الخبر المبحوث عنه يلوح منه كون الصلاة يراد بها الفريضة ؛ إذ الجهر والإخفات وإن تحقّقا في نوافل الليل والنهار على ما في بعض الأخبار ، إلاّ أنّ الانصراف إلى الفريضة ربّما يدّعى له نوع تبادر ، ولو شك في ذلك ربّما يدل قوله : أيّهما أحبّ إليك ، إلى آخره. على الفرائض ، ولو أريد النوافل بهذا لزم كون مورد الخبر جميعه النوافل ، فلا يتمّ الاستدلال به ، ومن هنا يعلم أنّ الاستدلال به على شرطيّة الفاتحة في النوافل لا وجه له ، وقد وقع الخلاف في الشرطيّة وعدمها.
وينقل عن العلاّمة في التذكرة أنّه قال : بعدم وجوب الفاتحة في النافلة محتجّا بالأصل(٤) ، وعن الشهيد في الذكرى أنّه قال : إن أراد ـ يعني العلاّمة ـ الوجوب بالمعنى المصطلح فهو حق ، لأنّ الأصل إذا لم يكن واجبا لا يجب أجزاؤه ، وإن أراد الوجوب المطلق ليدخل فيه الوجوب بمعنى الشرط بحيث ينعقد النافلة من دون الحمد فممنوع(٥) . انتهى.
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٧١ / ٢٥٩ ، الوسائل ٦ : ٣٩ أبواب القراءة في الصلاة ب ٢ ح ١.
(٢) التهذيب ٢ : ٧١ / ٢٦٠ ، الوسائل ٦ : ٤٠ أبواب القراءة في الصلاة ب ٢ ح ٣.
(٣) انظر ص ١٣٦ ـ ١٣٩.
(٤) التذكرة ٣ : ١٣٠.
(٥) الذكري : ١٨٦.
ولقائل أن يقول : إنّ الشرطيّة متوقفة على الدليل ، والأصل يقتضي عدمها ، فالاستدلال من العلاّمة بالأصل لا وجه لمنعه ، غاية الأمر أنّ انعقاد النافلة بدون الفاتحة يتوقّف على الدليل ، وعموم فعل النافلة يتناول ما يقع بالفاتحة وعدمها ، والمنع حينئذ يندفع.
ويمكن الجواب : بأنّ مراد الشهيد هو الثاني ، لما هو معلوم من أنّ حقيقة المنع طلب الدليل ، وما ذكر من العمومات محل تأمّل ؛ لأنّ العبادة متلقّاة من الشارع ، فما لم يقم دليل على الاكتفاء بغير الفاتحة لم يحكم بانعقاد النافلة.
( فإن قلت : الأمر في الآية الشريفة(١) بقراءة ما تيسّر يتناول النافلة ، بل الظاهر من مساق الآية الاختصاص بنافلة الليل ، كما ذكره جماعة من المفسّرين ومنهم الإمام الطبرسيرحمهالله (٢) وإذا ثبت في صلاة الليل ثبت في غيرها ؛ إذ لا قائل بالفصل.
قلت : غاية ما تدل عليه الآية الأمر بقراءة ما تيسّر في النافلة ، لكن ثبوت الشرطيّة لا يستفاد من الآية إلاّ بتكلّف أنّ الأمر للوجوب ولو على وجه يرجع إلى الشرطيّة ، وفيه ما فيه.
فإن قلت : إذا كان الأمر للوجوب فأيّ مانع من وجوب القراءة في النافلة من دون اعتبار الشرطيّة؟
قلت : المانع هو لزوم وجوب النافلة بالشروع ، ولا أعلم القائل به ، وكلام الشهيدرحمهالله يوضح الحال ، وأمّا اعتبار الشرطيّة فما فيه واضح )(٣) .
__________________
(١) المزمل : ٢٠.
(٢) مجمع البيان ٥ : ٣٨٢ ، أبو السعود في تفسيره ٩ : ٥٣ ، والمحقّق الأردبيلي في زبدة البيان : ٩٥ و ٩٦.
(٣) ما بين القوسين ساقط من فض.
فإن قلت : إذا ثبت الصحّة بالدخول في النافلة يتوقف البطلان على الدليل.
قلت : مجرد الدخول لا يقتضي الصحة ما لم يثبت موافقة أمر الشارع ، فليتأمّل.
وأمّا الثاني : فالظاهر منه حصر المفروض في الركوع والسجود وأنّ القراءة ليست بمفروضة ، وسيجيء في بحث القنوت نقل حديث دال على أنّ القراءة سنّة(١) ، والعجب من عدم تفطّن جماعة من المتأخّرين لردّ الاستدلال بآية( فَاقْرَؤُا ) بالحديث الذي أشرنا إليه.
واحتمال أن يقال : إنّ ثبوت الركوع بالنصوصيّة وكذلك السجود بخلاف القراءة ، واضح الدفع.
أمّا ما تضمّنه من قوله : « ألا ترى » إلى آخره. فلا يخلو من إجمال ، وقد ذكر بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّ الخبر يدل على أنّ العاجز عن القراءة يتعوّض بالتكبير والتسبيح ، وإطلاقه يقتضي عدم وجوب مساواة ذلك لمقدار القراءة ، وعدم وجوب ما زاد على قوله : الله أكبر وسبحان الله ، بل لو قيل بالاكتفاء بالتسبيح وحده لم يكن بذلك البعيد ، بأن يحمل التكبير في قولهعليهالسلام : « أجزأه أن يكبّر ويسبّح » على تكبيرة الإحرام(٢) . انتهى.
ولقائل أن يقول : إنّ أوّل الكلام المستدل فيه بالإطلاق يقتضي أن يكون التكبير المذكور غير تكبيرة الإحرام ، والثاني يفيد احتمال كونه تكبيرة الإحرام ، ومع الاحتمالين كيف يصلح الاستدلال به إطلاقا وغيره.
__________________
(١) انظر ص ٢٩٩.
(٢) حبل المتين : ٢٢٩.
على أنّ الذي يخطر في البال أنّ المقصود من الخبر نفي فرضيّة القراءة ، وذكر التسبيح والتكبير لمجرّد التنبيه على الفرق بين الركوع والسجود والقراءة ، لا لبيان ما يجزئ عن القراءة أيّ شيء هو تفصيلا ليقال : إنّ إطلاقه يقتضي عدم وجوب المساواة.
وبالجملة إن كان هذا الخبر هو الدليل على أنّ العاجز عن القراءة يأتي بالتسبيح والتكبير ، ففيه نظر واضح من حيث احتمال التكبير لتكبيرة الإحرام وغيرها ، وإن كان غيره موجودا فالكلام في هذا قليل الثمرة ، إلاّ أنّي لم أقف الآن على دليل غيره.
وفي الذكرى : لو قيل بتعيّن ما يجزئ في الأخيرتين من التسبيح كان وجها ، لأنّه قد ثبت بدليّته عن الحمد في الأخيرتين ، فلا يقصر بدل الحمد في الأوّلتين [ عنهما ](١) انتهى.
وقد ذكر بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه لا بأس به(٢) .
وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل : أمّا أوّلا : فلأنّ صريح بعض الأخبار أنّ الحمد عوض عن التسبيح من حيث اشتمالها على التحميد والدعاء ، لا أنّ التسبيح بدل الحمد.
وأمّا ثانيا : فلأنّ الخبر المبحوث عنه على تقدير دلالته لا يدلّ على أكثر من التسبيح والتكبير ، فالتهليل بغير دليل نوع من التشريع ، واحتمال الاكتفاء به لكونه من الذكر السائغ خلاف المطلوب من التعويض.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ظاهر الخبر أنّ من دخل في الإسلام
__________________
(١) الذكري : ١٨٧ ، وبدل ما بين المعقوفين في النسخ : عنها ، وما أثبتناه من المصدر.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٩.
لا يحسن القرآن(١) أجزأه ما ذكر ، والقرآن(٢) يتناول الفاتحة والسورة ، فعلى تقدير إحسان السورة أو بعضها يحتمل أن يتقدم على الذكر ؛ لظاهر الخبر.
وقول بعض محققي الأصحاب : إنّ اللام في القرآن محتملة للعهد يعني الفاتحة(٣) . محلّ تأمّل ، لأنّ الظاهر من اللفظ خلافه ، والاحتمال البعيد لا يقدح ، إلاّ أن يقال : إنّ القراءة تنصرف إلى قراءة الصلاة ، ولمّا ثبت قراءة الحمد ترجّح احتمالها ، وفيه ما لا يخفى.
وحكى بعض محقّقي المتأخّرينرحمهالله في شرح الإرشاد عن بعض الشروح : أنّ فيه حكاية عن حديث الأعرابي الذي لا يحسن القرآن يعوض بالتسبيح ، ثم ذكر أنّ ظاهره التسبيحات الأربع(٤) . والخبر لم أقف عليه الآن(٥) ، وللأصحاب تفريعات في المقام يطول بذكرها لسان الكلام ، والدليل فيها محلّ تأمّل.
أمّا ما ذكره الشيخرحمهالله في الخبر من الحمل على من لم يحسن فاتحة الكتاب ، فالظاهر منه أنّه فهم ما نقلناه عن بعض المعاصرين(٦) ، لكن قول الشيخ في تعيين الفرض لا وجه له ، فإنّ إرادة هذا المعنى من الفرض لم يعرف من الأخبار وغيرها ، والاحتياج إليه من حيث إنّه لو أريد بالفرض لم يعرف من الأخبار وغيرها ، والاحتياج إليه من حيث إنّه لو أريد بالفرض ما ثبت من القرآن لزم الإبطال عمدا وسهوا بكل ما ثبت به ، وهو محلّ تأمّل ، لاحتمال أن يقال : إنّ ما ثبت بالقرآن على قسمين بتقدير ثبوت عدم بطلان الصلاة حال الإخلال سهوا بما ثبت بالقرآن.
__________________
(١) في « رض » : القراءة.
(٢) في « رض » : القراءة.
(٣) كما في الحبل المتين : ٢٢٩.
(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١٥ و ٢١٦.
(٥) انظر سنن أبي داود ١ : ٢٢٠ / ٨٣٢.
(٦) راجع ص ٩٥.
بقي في المقام شيء ، وهو أنّ قولهعليهالسلام : « ألا ترى » إلى آخره. على تقدير تقرير الشيخ يفيد نوع منافرة ؛ لأنّه إذا حمل أوّل الخبر على أنّ من نسي القراءة حتى دخل في الركوع ليس عليه إعادة بخلاف غيره ، فاللازم منه أنّ قولهعليهالسلام : « ألا ترى » غير موافق لأنّ لزوم التعويض عن القراءة وعدم التعويض عن غيرها أمر آخر ، ألا ترى أنّ التكبير يعوض عنه مع كونه ركنا ، ولو كان المراد بذكر التعويض بيان عدم الالتفات كما ذكره الشيخ لما وافق في الظاهر ، وغير بعيد أن يكون المراد ما ذكره الشيخ والتعويض إشارة إلى عدم التعيين ، وقد ذكرت في حاشية التهذيب وجها آخر بل وجهين ، من أراده وقف عليه.
ثم إنّ السجود في الخبر لا يبعد أن يراد به مجموع السجدتين ؛ إذ الواحدة لا تبطل الصلاة بالإخلال بها سهوا ، كما سيأتي(١) إن شاء الله تعالى ، وقد كان على الشيخ التنبيه عليه في الجملة.
قوله :
باب الجهر ببسم الله الرحمن الرّحيم
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن عبد الرحمن ابن أبي نجران ، عن صفوان قال : صلّيت خلف أبي عبد الله عليهالسلام أيّاما وكان (٢) يقرأ في فاتحة الكتاب بسم (٣) الله الرحمن الرحيم ، فإذا كانت
__________________
(١) في ج ٦ : ٧٩.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣١٠ / ١١٥٤ : فكان.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣١٠ / ١١٥٤ : ببسم.
صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم وأخفى ما سوى ذلك.
محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن معاوية بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : إذا قمت للصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرّحيم في فاتحة الكتاب؟ قال : « نعم » قلت : فإذا قرأت فاتحة الكتاب أقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم مع السورة؟ قال : « نعم ».
وعنه ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ ابن مهزيار ، عن يحيى بن(١) عمران الهمداني قال : كتبت إلى أبي جعفرعليهالسلام : جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أُمّ الكتاب فلمّا صار إلى غير أُمّ الكتاب من السورة تركها؟ فقال العباسي(٢) : ليس بذلك بأس ، فكتب بخطّه : « يعيدها » مرّتين ، على رغم أنفه ـ يعني العباسي(٣) .
محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن حمّاد بن زيد ، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال : صلّى بنا أبو عبد اللهعليهالسلام في مسجد بني كاهل فجهر مرّتين ببسم الله الرّحمن الرّحيم وقنت في الفجر وسلّم واحدة ممّا يلي القبلة.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١١ / ١١٥٦ زيادة : أبي.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣١١ / ١١٥٦ العياشي.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣١١ / ١١٥٦ العياشي.
السند :
في الأوّل : واضح بعد ما كرّرنا القول فيه فيما مضى(١) من جهة أحمد ابن محمّد بن الحسن بن الوليد ، والحسين بن الحسن بن أبان.
والثاني : فيه محمّد بن عيسى عن يونس ، وقد مضى القول في استثنائه من نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى(٢) .
والثالث : فيه يحيى بن عمران وهو مجهول الحال ؛ لأنّ العلاّمة في الخلاصة ذكر في القسم الأوّل ما هذه صورته : يحيى بن عمران الهمداني يونسيّ(٣) ، ولم أقف عليه في غير الخلاصة.
والرابع : محمّد بن حمّاد فيه ثقة في النجاشي(٤) ، وأمّا الكاهلي فقد تقدّم(٥) أنّه ممدوح مع نوع كلام.
المتن :
في الأوّل : واضح الدلالة على قراءة بسم الله الرّحمن الرّحيم في الفاتحة ، وفي المنتهى : إنّ بسم الله آية من أوّل الحمد ومن كلّ سورة هي في أوّلها إلاّ براءة ، وهي بعض سورة في أثناء النمل ، فيجب في الصلاة قراءتها مبتدأ بها في أوّل الفاتحة ، وهو مذهب فقهاء أهل البيتعليهمالسلام .
__________________
(١) في ج ١ : ٣٩ و ٤١.
(٢) في ج ١ : ١٢٩.
(٣) الخلاصة : ١٨١ / ٣.
(٤) رجال النجاشي : ٣٧١ / ١٠١١.
(٥) في ج ٣ : ١٢١.
انتهى(١) .
وقد استدل بالخبر على الجهر بالبسملة في الأخيرتين أو الأخيرة على تقدير قراءة الفاتحة ، وفي نظري القاصر أنّه محلّ تأمّل ذكرته في مواضع.
والحاصل : أنّه لا يبعد ادعاء تبادر كون الصلاة لا يجهر فيها أو يجهر إنّما هو باعتبار الأليين ، والخبر كما ترى تضمّن صلاة لا يجهر فيها ، ومع تبادر ما ذكرناه لا يتناول غير الأوّلتين من الإخفاتيّة ، ولو أريد بالصلاة الركعات كان خلاف المتبادر ، وعلى هذا فالتنصيص من الخبر على الجهر بالبسملة في الأخيرتين محلّ كلام.
أمّا احتمال أن يقال : إنّ المستفاد منها بتقدير التناول الاختصاص بالإمام كما هو صريح الرواية ، والقائلون بالجهر في البسملة في الأخيرتين لا يخصّون الإمام(٢) وحينئذ لا يتمّ الاستدلال.
فيمكن الجواب عنه بعدم القائل بالفصل ؛ إذ المنقول عن ابن إدريس عدم جواز الجهر مطلقا(٣) ، وعن غيره وجوب الجهر(٤) كذلك ، والاستحباب مثله ، وفيه نظر يعرف ممّا يأتي عن ابن الجنيد(٥) .
وما ذكره الوالد قدسسره في(٦) عدم تناول الرواية للأخيرتين ، لعدم معلوميّة كونهعليهالسلام كان يقرأ فيهما ، بل الظاهر أنّه كان يسبّح.
ففيه : أنّ هذا محلّ كلام بالنسبة إلى غيره ممّن يعتقد رجحان القراءة
__________________
(١) المنتهى ١ : ٢٧١.
(٢) كما في روض الجنان : ٢٦٨.
(٣) السرائر ١ : ٢١٨.
(٤) كما في الجمل ( رسائل الشريف المرتضى ٣ ) : ٣٢.
(٥) انظر ص ١٠١.
(٦) كذا في النسخ ، والأنسب : من.
للإمام.
ثمّ إنّ الحديث على تقدير ما ذكرناه يختص(١) الجهر للإمام بالبسملة في الأليين ، أمّا الأخيرتان فقد علمت عدم القول بالفصل ، لكن الأوليين على ما يظهر من العلاّمة في المختلف لا يخلو الحكم فيهما من إشكال ، لأنّه قال : اتفق الموجبون للجهر في القراءة على وجوبه في البسملة فيما يجهر فيه ، وإنّما الخلاف وقع في مواضع :
الأوّل : أوجب ابن البرّاج الجهر بها فيما يخافت فيه وأطلق ، وأوجب أبو الصلاح الجهر بها في أوّلتي الظهر والعصر في ابتداء الحمد والسورة التي تليها ، والمشهور الاستحباب.
لنا : الأصل براءة الذمّة من الوجوب ، ولأنّها جزء من السورة التي يجب الإخفات فيها(٢) ، لكن صرنا إلى الاستحباب عملا بقول الأصحاب ، احتجّوا بما رواه صفوان ، ونقل الرواية ، ثم أجاب : بأنّ الإمامعليهالسلام كما يداوم على الواجب يداوم على المندوب.
ثم قال : الثاني المشهور استحباب الجهر بالبسملة فيما يخافت فيه للمنفرد والإمام ، ونقل ابن إدريس عن بعض أصحابنا أنّ الجهر بها في كلّ صلاة إنّما هو للإمام ، وأمّا المنفرد فيجهر بها في الجهريّة ويخافت فيما عداها ، وأظنّ أنّ المراد بذلك البعض هو ابن الجنيد ، لأنّه هو أفتى بذلك في كتاب الأحمدي.
ثم استدل العلاّمة بالشهرة ، ونقل الاحتجاج بأنّ الأصل وجوب المخافتة فيما يخافت فيه ، لأنّها جزء الفاتحة خرج منه الإمام لرواية
__________________
(١) كذا في النسخ ، والأنسب : يخصّص.
(٢) في المصدر زيادة : فتتعيّن فيها المساواة.
صفوان ، وأجاب بمنع عموم وجوب المخافتة. انتهى(١) .
ولا يخفى عليك بعد وجود القائل ودلالة الرواية ، لا وجه لما ذكره العلاّمة ، والشهرة محلّ كلام في إثبات الحكم الشرعي إذا كانت بين المتأخّرين.
وربّما يقال : إنّ الجهر والإخفات على تقدير استحبابهما يمكن العمل بالشهرة في البسملة ، أمّا على تقدير الوجوب فالخروج عن السورة مشكل ، إلاّ أن يقال : إنّ دليل الوجوب لا يتناول البسملة ، إذ الأخبار مجملة ، والقائلون بالوجوب(٢) لا إجماع بينهم على البسملة.
وفيه : أنّ العمل بالخبر الدال على أنّ من جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه يتناول البسملة كما سيأتي(٣) ، إلاّ أن يقال : إنّ المتبادر الجهر في الجميع والإخفات في الجميع ، وفيه ما لا يخفى ، وعلى كلّ حال المقام واسع البحث.
ثمّ إنّ قول العلاّمة في الجواب : بمنع عموم وجوب المخافتة ، إن أراد به أنّ الشهرة تخصّص العموم ، ففيه ما قدّمناه ، وإن أراد أنّ غيرها يخصّص فكان عليه أن يذكره ، ولو وجد لما كان للاقتصار على الشهرة وجه.
وقد يقال : إنّ وجوب المخافتة لمّا كان مرجعه إلى الشهرة لما تقدّم من العلاّمة أنّ المشهور وجوب المخافتة ، والجهر مع الرواية الآتية فيمن أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه أو أجهر فيما لا ينبغي الجهر ، إلى آخره.
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٧١.
(٢) راجح ص ١٠.
(٣) في ص ١٢٠.
والرواية مجملة كما مضى ، والشهرة لا تفيد في البسملة لوقوع الاختلاف فيها ، فيترجّح الاستحباب بالإطلاقات ، وصحيح(١) علي بن جعفر الدال على جواز الجهر والإخفات(٢) على تقدير عدم حمله على التقية كما سيأتي(٣) .
إلاّ أن يقال : إنّ الخبر على تقدير العمل به لا يخصّ البسملة.
وفيه : أنّ مقام التأييد به أمر آخر وإن كان لا يخلو من شيء.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما قدّمناه من الاستدلال بالخبر المبحوث عنه للأخيرتين ، قد اعتمد عليه جماعة ، والعلاّمة في المختلف لم يستدل به ، بل نقل عن ابن بابويه أنّه قال : واجهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم في جميع الصلوات ، والشيخ في المبسوط والخلاف والنهاية قال : يستحب الجهر بها فيما لا يجهر فيه ، وقال السيّد المرتضى في الجمل : وتفتتح القراءة ببسم الله الرّحمن الرّحيم [ وتجهر بها ](٤) في كلّ صلاة جهر أو إخفات ، وقال الشيخ في الجمل : والجهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم فيما لا يجهر بالقراءة فيه في الموضعين ، وقال ابن إدريس : المستحب إنّما هو الجهر في الأوّلتين في الصلاة الإخفاتيّة دون الأخيرتين ، فإنّه لا يجوز الجهر فيهما بالبسملة ، قال العلاّمة : وكلام المتقدمين يقتضي عموم استحباب الجهر.
ثم قال : احتج ابن إدريس بأنّ الصلاة إمّا جهريّة أو إخفاتية ( فالاخفاتيّة : الظهر والعصر ، والجهر بالبسملة في الركعتين الأوّلتين
__________________
(١) في النسخ زيادة : خبر ، حذفناها لاستقامة العبارة.
(٢) التهذيب ٢ : ١٦٢ / ٦٣٦ ، الوسائل ٦ : ٨٥ أبواب القراءة في الصلاة ب ٢٥ ح ٦.
(٣) في ص ١٢٦.
(٤) ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.
مستحب ؛ لأنّ فيهما تتعيّن القراءة فأمّا الأخيرتان فلا تتعيّن فيهما القراءة )(١) . ولا خلاف في أنّ الصلاة الإخفاتيّة لا يجوز الجهر فيها بالقراءة ، والبسملة من جملة القراءة ، وإنّما ورد في الصلاة الإخفاتيّة التي تتعيّن فيها القراءة ولا تتعيّن إلاّ في الأوّلتين فحسب ، وأطال الكلام ، ثم أجاب عنه العلاّمة بأنّه لا يلزم من عدم التعيّن عدم استحباب الجهر(٢) .
وأنت خبير بأنّه لا يبعد أن يكون مرجع قول ابن إدريس إلى أنّ الخبر وارد في الأوّلتين ، وإن كان في كلامه نوع تشويش.
ثم إنّ العلاّمة ذكر في قول الشيخ السابق : في الموضعين : أنّ ابن إدريس فسّر الموضعين : بالظهر والعصر.
واحتمل العلاّمة أن يكون المراد بالموضعين قبل الحمد وبعدها ولكلّ وجه ، إلاّ أنّ ما في خبر الكاهلي الآتي(٣) بيانه من قوله : جهر مرّتين ، ربّما يؤيّد قول العلاّمة في احتماله.
أمّا ما قد يقال : إنّ الخبر المبحوث عنه إذا اقتضى جهرةعليهالسلام فيما ذكر فالتأسي يفيد الاستحباب ، فيندفع به قول ابن إدريس ، وكذلك ما روي أنّ من علامات المؤمن الجهر ببسم الله(٤) .
ففيه أوّلا : أنّ الخبر لا يتناول الأخيرتين ، وثانيا : أنّ الجهر ببسم الله
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
(٢) المختلف ٢ : ١٧٢ ـ ١٧٣ ، وهو في الفقيه ١ : ٢٠٢ ، والمبسوط ١ : ١٠٥ ، والخلاف ١ : ٣٣١ ، والنهاية : ٧٦ ، وفي جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى ٣ ) : ٣٢ ، والجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٨٣ ، وفي السرائر ١ : ٢١٨.
(٣) في ص ١١١.
(٤) التهذيب ٦ : ٥٢ / ١٢٢ ، الوسائل ١٤ : ٤٧٨ أبواب المزار ب ٥٦ ح ١.
يتحقّق بالأوليين لحصول علامة المؤمن.
والعجب من بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه أجاب عن حجّة ابن إدريس بعد نقلها : بأنّه لا خلاف في وجوب إخفات القراءة فيهما ، فعلى مدّعي استحباب الجهر في بعضها ـ يعني البسملة ـ إثبات جواز التبعيض. والجواب هذا لفظه : شمول الدليل موضع النزاع(١) .
وينبغي أن يعلم أنّ اختصاص الرواية بالإمام ظاهر لكن التأسّي لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ فعلهعليهالسلام إنّما كان في الجماعة فالتأسّي به إن كان في خصوص الجماعة لزم تقييد إطلاق الأصحاب في استحباب التأسّي ، والحال أنّ المستدل بالرواية على استحباب الجهر في موضع الإخفات على الإطلاق ، فاستدلاله لا بدّ فيه من ضميمة عدم القائل بالفرق.
وإن كان التأسّي يقتضي الاستحباب مطلقا ، فإشكاله واضح ؛ فإنّ فعلهعليهالسلام خاص بالإمامة.
إلاّ أن يقال : إنّ الاعتبار بالتأسّي في الفعل لا في خصوص الإمامة ؛ إذ لو اقتضى التأسي التخصيص لزم التخصيص بالصلاة الخاصة لو جهر في الظهر مثلا ، مع أنّ الظاهر عدم الفرق بينها وبين العصر ، فعلم أنّ التأسي في مطلق الفعل.
وفيه إمكان الفرق بين الجماعة وصلاة الظهر ، ولم أرَ من كشف قناع هذا الإجمال في حقيقة التأسّي.
وظاهر العلاّمة في المختلف حيث لم يتعرض في الجواب عن الاستدلال بالرواية الاعتراف بشمول الحكم للمنفرد ، وإلاّ كان الأولى
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٨.
الجواب بما يقتضي بيان هذا ، وكلام بعض المتأخّرين الذي أشرنا إليه(١) من إطلاق التأسّي يقتضي صريحا إرادة التأسّي في الفعل مطلقا ، والنظر فيه واضح ، ( فينبغي التأمّل في هذا كله فإنّه حريّ بالتأمّل التام )(٢) (٣) .
فإن قلت : قد روى الكليني في كتاب الروضة حديثا عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عثمان ، عن سليم ابن قيس قال : خطب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وذكر الخطبة وقد تضمّنت أنّهعليهالسلام قال : « قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآله . ولو حملت الناس على تركها وحوّلتها إلى مواضعها. لتفرّق عنّي جندي حتى أبقى وحدي » ـ وعدّدهاعليهالسلام إلى أن قال ـ : « وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم »(٤) .
وهذا يدلّ على أنّ الجهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم مطلوب على سبيل الوجوب ، لذكرهعليهالسلام أشياء واجبة متروكة منها قولهعليهالسلام : « وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات » قبل ما نقلناه من الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
قلت : لا يخلو الخبر من دلالة ، إلاّ أنّه في التعميم للأخيرتين والإمام والمنفرد ، أو التخصيص بالإمام والمنفرد مجمل ، على انّ فيه : « لو أمرت بمقام إبراهيمعليهالسلام فرددته إلى موضعه » وهذا واضح الإشكال ، والسند
__________________
(١) في ص ١٠٥.
(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٣) في « فض » زيادة : إذا تقرّر ذلك فاعلم أن العلاّمة في المختلف نقل. وهي غير ملائمة للمقام.
(٤) الكافي ٨ : ٥٨ / ٢١.
لا يخلو من شيء بالنسبة إلى سليم بن قيس وغيره.
فإن قلت : السند مشتمل على حمّاد بن عيسى ، وقد نقل الكشّي الإجماع على تصحيح ما يصح عنه(١) ، فلا يضرّ الكلام في سليم وغيره.
قلت : قد مضى القول(٢) في مثل هذا بما يغني عن الإعادة ، لكن القائل بأنّ معنى الإجماع ما سبق لا وجه لعدم عمله بالخبر ، وربّما يدّعى انتفاء الإجمال فيه نظرا إلى أنّ الظاهر العموم.
فإن قلت : ما وجه التوقف في سليم بن قيس مع أنّ العلاّمة قال في الخلاصة : إنّ الوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه(٣) .
قلت : وجه التوقف ما كرّرناه في أحوال العلاّمة ، مضافا إلى عدم توثيقه من الشيخ(٤) والنجاشي(٥) ، على أنّ العلاّمة حكم بتعديله والتوثيق أمر زائد كما لا يخفى.
إلاّ أن يقال : إنّ التعديل في الرجال يراد به التوثيق كما سبق نقله عن جدّيقدسسره في الدراية(٦) ، وفيه ما فيه.
وينبغي أن يعلم أنّ في الفهرست(٧) والنجاشي ، الراوي عن سليم : إبراهيم بن عمر اليماني وأبان بن أبي عيّاش(٨) ، وفي الرواية إبراهيم بن
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
(٢) في ج ١ : ٦٠ ـ ٦١.
(٣) الخلاصة : ٨٣ / ١.
(٤) رجال الطوسي : ٤٣ / ٥.
(٥) رجال النجاشي : ٨ / ٤.
(٦) الدراية : ٧٣.
(٧) الفهرست : ٨١ / ٣٣٦.
(٨) رجال النجاشي : ٨ / ٤ وليس فيه : أبان بن أبي عياش.
عثمان ، واحتمال الوهم بسبب تصحيف عمر بعثمان قريب من اللفظ ، وإن كان احتمال عدم التصحيف له نوع قرب ، نظرا إلى أنّ الراوي عن إبراهيم ابن عثمان حمّاد بن عيسى ، وعلى كلّ حال رواية إبراهيم بن عثمان عن سليم لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ إبراهيم بن عثمان من أصحاب أبي الحسن موسىعليهالسلام والصادقعليهالسلام ، وسليم من أصحاب الحسن والحسين وعلي بن الحسينعليهمالسلام وهذا يقتضي الإرسال.
أمّا على تقدير رواية إبراهيم بن عمر اليماني فيمكن رفع الإرسال ؛ لأنّ إبراهيم من أصحاب الباقرعليهالسلام ، وسليم مذكور في أصحابهعليهالسلام ، وحينئذ ربّما يتعيّن كون الراوي في الرواية المبحوث عنها ابن عمر لا ابن عثمان ، وفي ابن عمر كلام تقدّم(١) ، وفي الخلاصة ذكر اختلاف أسانيد الكتاب بغير ما ذكرناه ، واعتماده على الكشي وهو مضطرب(٢) .
وأمّا الثاني : فهو كما ترى يدل على أنّ التسمية في الفاتحة والسورة لا بدّ منها ، وقد سبق الإجماع المنقول ، غير أنّ معاوية بن عمّار قد يستبعد سؤاله عن مثل هذا ، فإنّه كالمعلوم من أهل البيتعليهمالسلام في الفاتحة ، أمّا مع السورة فيحتمل أن يكون السؤال من جهة جواز التبعيض في السورة على ظاهر بعض الأخبار ، وإن أمكن أن يقال : إنّ ظاهر الخبر خلاف ذلك وأن المتبادر منه لزوم قراءة البسملة كالفاتحة ، غاية الأمر أنّ وجود المعارض الدال على التبعيض ربّما يقتضي حمل هذا الخبر على خلاف ظاهره ، وسيأتي(٣) في خبر أنّه لا يقرأ بأقلّ من سورة ولا بأكثر ، ونذكر إن شاء الله
__________________
(١) في ج ١ : ٨٥.
(٢) في « رض » و « م » زيادة : فينبغي التأمّل في هذا كلّه فإنّه حريّ بالتأمّل التام هذا.
(٣) في ص ١٣٢.
تعالى ما لا بدّ منه فيه.
وما قد يقال : من أنّ هذا الخبر يدلّ على وجوب السورة بعد الحمد ؛ إذ وجوب البسملة إذا اقتضاه الخبر نظرا إلى المشاركة للحمد في الحكم ظاهرا أفاد المطلوب ، لكن بضميمة عدم جواز التبعيض ، أو جوازه وتعيّن أحد الأمرين إمّا السورة أو بعضها.
يمكن الجواب عنه : بأنّ غاية ما يدل عليه الخبر قراءة البسملة مع السورة ، أمّا الوجوب فلا ، وكون البسملة في الفاتحة واجبة لا يلزم مثلها في السورة ؛ لجواز اختصاص الخبر بالتنبيه على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة ، وحينئذ تشترك الفاتحة والسورة من هذه الجهة ، ويبقى حكم الوجوب مستفادا من غيره ، فإن تمّ الدليل على الوجوب في السورة أمكن حمل الخبر على الوجوب فيهما.
فإن قلت : ظاهر الخبر تساوي الفاتحة والسورة في لزوم قراءة البسملة ، أمّا احتمال ما ذكرت فبعيد ، وعلى تقدير قربه فهو مساو لغيره ، ولا مانع من استفادة الأمرين من الخبر.
قلت : إذا لوحظ الخبر بعين العناية يظهر رجحان ما ذكرناه ، وعلى تقدير عدمه فالخبر لا يفيد المطلوب من وجوب السورة مع الاحتمال ووجود المعارض.
وأمّا الثالث : فربّما يدل بتقدير صحّته على وجوب السورة ؛ لأنّ الظاهر من الإعادة يفيد ذلك إن رجع إلى الصلاة ، وإن رجع إلى البسملة ـ على معنى أنّ نفي البأس في تركها لا وجه له ، بل تعاد البسملة ، وتكون الفائدة في المبالغة دفع احتمال رجحان الترك على الإتيان بالبسملة ـ أمكن أن يقال بعدم الدلالة على وجوب السورة ، إلاّ أنّ الظاهر من الخبر خلافه ،
بل لا وجه له.
نعم على التقدير الأوّل لا مانع من أن يقال : إنّ الإعادة بسبب فعل خلاف المشروع في الصلاة وإن كانت السورة مستحبة ، كما ذكرناه في الحديث الذي ورد بأنّه لا يقرأ بأقلّ من سورة في حواشي التهذيب لدفع من استدل به على وجوب السورة.
واحتمال استبعاد الوجه في الخبر بأنّ إعادة الصلاة بترك المستحب غير واضحة الوجه ، يدفعه أنّ الصلاة كيفيّة متلقّاة من الشارع ، فلا مانع من البطلان بفعل المستحب على هيئة مخالفة للمنقول.
ولا يتوجه أنّ في الأخبار ـ كما سيأتي(١) ـ ما يدلّ على التبعيض ، وحينئذ لا بدّ من حمل الخبر على وجه لا ينافي ذلك ، ولو حمل على إعادة البسملة بنحو ما ذكر في الوجه الثاني أمكن ، بخلاف إعادة الصلاة.
لإمكان الجواب بالحمل على أنّ ترك البسملة لم يكن على وجه الإتيان ببعض السورة ، بل يجوز أن يكون الترك بقصد كون السورة غيرها وإن كان ظاهر الخبر خلافه ، إلاّ أنّ في الجواب نوع إشعار به.
ويحتمل أن تكون الإعادة لوقوع الفعل بغير موافقة الشرع مع إمكان الاطّلاع عليه ، وفي هذا نوع تأمّل.
ولعلّ الأولى الحمل على الاستحباب في الإعادة ، والمبالغة لدفع قول العيّاشي ، وتوهّم الوجوب لعلّه اندفع بوجه من الوجوه ، هذا.
والعيّاشي المذكور لا أعلم حاله ، وضبطه في التهذيب(٢) : العبّاسي ، في نسخة معتبرة بالباء المفردة والسين المهملة.
__________________
(١) في ص ١٤٨ ـ ١٤٩.
(٢) التهذيب ٢ : ٦٩ / ٢٥٢.
والرابع : كما ترى تضمّن جهرةعليهالسلام مرّتين ، وهو مجمل ؛ إذ المرّتان محتملة للفاتحة وللسورة ، فيراد بالمرّتين في كل ركعة من الأوّلتين ، ويحتمل أن يراد بالمرّتين في الفاتحة الواقعة في الركعتين ، فتكون السورة لا يستحب فيها الجهر بالبسملة ، ولا يبعد ادّعاء ظهور الأوّل ، بل عدم القائل بالثاني فيما أعلم يؤيّد نفيه ، وقد تقدّم في الأقوال ما يغني عن الإعادة لمناسبة هذا الخبر منها.
وما تضمّنه من قوله : وقنت في الفجر ، ربّما يدل على الاختصاص بالفجر ، والأخبار في ذلك ستأتي مفصّلة إن شاء الله ، ( كما يأتي )(١) في التسليم للإمام ، فليكن هذا الخبر على ذكر لما يأتي بسبب المعارضة.
ولا يخفى أنّه ربّما يستفاد من الخبر عدم الجهر في البسملة في الأخيرتين على الاحتمال الأوّل إلاّ أن تكون الصلاة مقصورة.
وما تضمنه الخبر من قوله : « مرّتين » فهو محتمل لأن يراد : أنّهعليهالسلام قال : يعيدها يعيدها ، كما يحتمل أن يراد : أنه يعيدها مكرّرة في الصلاة بتضمين يعيدها معنى : يقرأها ، ولا يخفى وضوح الأوّل.
قوله :
فأمّا ما رواه محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن مسمع البصري قال : صلّيت مع أبي عبد الله عليهالسلام فقرأ : بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين ، ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ بسم الله الرّحمن
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
الرّحيم ، ثم قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم ، ثمّ قرأ سورة أخرى.
فلا ينافي هذا الخبر الأخبار التي قدّمناها ؛ لأنّه تضمّن حكاية فعل ، ويجوز أن يكون مسمع لم يسمع أبا عبد اللهعليهالسلام يقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم لبعد كان بينه وبينه ، ويحتمل أن يكون إنّما ترك لضرب من التقيّة والاضطرار.
فأمّا ما رواه محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن عليّ بن السندي ، عن حمّاد عن حريز ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يكون إماما يستفتح بالحمد ولا يقول : بسم الله الرّحمن الرّحيم ، قال : « لا يضرّه ولا بأس بذلك ».
فالوجه فيه أن نحمله على حال التقيّة دون حال الاختيار ، يدلّ على ذلك :
ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد ومحمّد ، عن العباس بن معروف ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي جرير(١) زكريا بن إدريس القمي قال : سألت أبا الحسن الأوّل عليهالسلام : عن الرجل يصلّي بقوم يجوز (٢) أن يجهر ببسم الله الرّحمن الرّحيم ، قال : « لا يجهر ».
السند
في الأوّل : فيه عبد الله بن بكير ، وقد مضى القول(٣) مكرّرا في
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٢ / ١١٦٠ : حريز.
(٢) في التهذيب ٢ : ٦٨ / ٢٤٨ ، والاستبصار ١ : ٣١٢ / ١١٦٠ : يكرهون.
(٣) في ج ١ : ١٢٥.
شأنه.
ومسمع البصري وهو ابن عبد الملك بن مسمع بن مالك الذي يقال له : كردين ، وقد ذكر العلاّمة في الخلاصة إنّه شيخ بكر بن وائل بالبصرة ووجهها وسيّد المسامعة(١) ، والنجاشي سبقه إلى هذا الكلام ، وزاد أنّه كان أوجه من أخيه عامر(٢) .
وقد يتعجب من العلاّمة أنّه قال في العنوان : مسمع بن مالك ، وقيل : ابن عبد الملك أبو سيّار. والنجاشي ذكر ما قدّمناه من أنّه مسمع بن عبد الملك بن مسمع بن مالك(٣) . ونقل عبارة النجاشي مع نقل الخلاف ، وهو الموجب لما ذكرناه.
وعلى كل حال لا يزيد الرجل على المدح إن ثبت من الوجاهة ذلك ، أمّا كونه سيّد المسامعة فلا يبعد أن يكون إشارة إلى ما ذكره النجاشي في نسبه بعد ما قدّمناه : من أنّه ابن مالك بن مسمع بن سيّار ، فهو سيّد المسامعة حيث صاروا ثلاثة ، والسيادة باعتبار علوّ الشأن على جدّه وجدّ جدّه ، والعلوّ غير معلوم الحقيقة.
وفي الكشي قال محمّد بن مسعود : سألت أبا الحسن عليّ بن الحسن بن فضّال عن مسمع كُردِين أبي سيّار؟ فقال : هو ابن مالك من أهل البصرة وكان ثقة(٤) . ولا يخفى عليك الحال ، غير أنّ الظاهر توهّم العلاّمة من هنا أنّ الأب مختلف فيه ؛ لأنّ النجاشي قال : ابن عبد الملك ، وابن
__________________
(١) الخلاصة : ١٧١ / ١٣.
(٢) رجال النجاشي : ٤٢٠ / ١١٢٤.
(٣) الخلاصة : ١٧١ / ١٣.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٥٩٨ / ٥٦٠.
فضّال قال : ابن مالك ، وأنت خبير بأنّ النسبة إلى الجدّ غير عزيزة الوجود ، والأمر سهل.
والثاني : فيه عليّ بن السندي ، وقد كرّرنا القول(١) في أن حاله لا تزيد على الجهالة.
والثالث : كما ترى فيه أحمد ومحمّد ، على ما وجدت من النسخة الآن ، وأحمد هو ابن محمّد بن عيسى على الظاهر ، ولا يبعد أن يكون محمّد هو ابن محمّد بن عيسى أخو أحمد ، وفي التهذيب أحمد بن محمّد(٢) ، ولعلّه الصواب ، واحتمال كون ما هنا كذلك في حيّز الإمكان.
أمّا أبو جرير زكريا بن إدريس فغير ثقة ، وذكر شيخنا المحقّق ـ أيّده الله ـ في كتاب الرجال ما يدل على أنّه معتمد(٣) ، ولم يظهر لي الآن وجهه ، وقد تقدّم منّا كلام في الرجل. وفي الخلاصة : إنّ زكريّا بن إدريس كان وجها(٤) . وهذا لا يزيد على المدح ، وفي غير الخلاصة لم يذكر ذلك على ما وجدته من كتاب الشيخ وفهرسته والنجاشي ، وظاهر الرواية روايته عن أبي الحسن موسىعليهالسلام .
والشيخ ذكره في رجال الصادقعليهالسلام والرضاعليهالسلام (٥) أيضا ، ولم يذكره في رجال موسىعليهالسلام ، إلاّ أنّ المعلوم وجوده في زمنهعليهالسلام ، وعدم روايته عنه لظنّ الشيخ محتمل لو لا الرواية المذكورة ، فالعذر للشيخ في ترك ذكره في رجال موسىعليهالسلام غير واضح.
__________________
(١) في ج ١ : ٣٥٥.
(٢) التهذيب ٢ : ٦٨ / ٢٤٨.
(٣) منهج المقال : ١٤٩.
(٤) الخلاصة : ٧٦ / ٨.
(٥) رجال الطوسي : ٢٠٠ / ٧٢ و ٣٧٧ / ٢.
المتن :
في الأوّل : ما ذكره الشيخ من جواز عدم سماع مسمع في غاية البُعد ؛ لأنّ البُعد بينه وبين الإمام يقتضي عدم السماع في السورتين ، والخبر تضمّن الفرق ، ولعلّه لو قال : لجهرهعليهالسلام جهرا متفاوتا ( يسمع تارة ولا يسمع أُخرى )(١) أمكن ، إلاّ أنّ الجزم من الراوي بعدم القراءة لا وجه له ، بل اللازم أنّ يقول : لم أسمع.
والحمل على التقيّة قد ينافيه قراءتها مرّة وتركها أخرى ، ويمكن أن توجّه التقيّة بأنّ القراءة في الأوّل كانت لعدم من يتّقى ثم تجدّد في الأثناء كما ينبّه عليه أنّهعليهالسلام قرأها في أوّل الفاتحة من أوّل الصلاة وتركها في البواقي.
ويحتمل أن يكون ترك البسملة في الاولى من السورة لجواز التبعيض فيها ، على ما يدل عليه بعض الأخبار ، ولا ينافيه ما تقدّم لإمكان التوجيه السابق ؛ وقوله : ثم قام في الثانية ، إلى آخره. يراد به أنّه قرأ الحمد مع البسملة ولم يقرأ البسملة مع السورة ؛ وقوله : فقرأ الحمد ولم يقرأ بسم الله. لا صراحة فيه بكون البسملة للفاتحة ، ولا مانع من إرادة الفاتحة جميعها لتدخل البسملة ، والترتيب في قوله : ثم قرأ سورة أُخرى. يجوز أن يكون من حيث المغايرة للسورة الاولى ، لا لترتيب ينافي ما قلناه ، وقوله : سورة أخرى وإن تناول البسملة إلاّ أنّ التخصيص بالمقام والجمع لا مانع منه.
__________________
(١) في « فض » و « م » : تسمع تارة ولا تسمع اخرى.
والثاني : كما يحتمل ما قاله الشيخ من التقية يحتمل السؤال عن تركها ناسيا ، فإنّه لا يضرّ بحال الصلاة ، وربّما أيّد هذا ظاهر قوله : ولا يقول ، عوض : لا يجهر. وإن أمكن موافقته للتقية أيضا بنوع من التوجيه.
والثالث : كما يحتمل التقيّة ، يحتمل أن يراد نفي الجهر على سبيل التعيّن ، وربّما يقرّب التقية كون الإمام مظنّة حضور أهل الخلاف ، ولا يخفى أنّ إطلاق الرواية وإن تناول الجهريّة لا يضرّ بحال التقيّة لما هو المعروف من مذهب الحنفيّة(١) ، وعلى التوجيه الثاني تختص بالإخفاتيّة ، فكان حمل الشيخ أولى.
قوله :
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله بن عليّ الحلبي. والحسين بن سعيد ، عن عليّ بن النعمان ومحمّد بن سنان وعبد الله بن مسكان ، عن محمّد بن عليّ الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّهما سألاه عمّن يقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم حين يريد يقرأ ( فاتحة الكتاب قال : )(٢) « نعم(٣) إن شاء سرّا ، وإن شاء جهرا » قال : أفيقرأها مع السورة الأُخرى؟ قال : « لا ».
فالوجه في هذا الخبر ما قلناه في الخبر الأوّل من حمله على التقيّة ، ويجوز أن يكون المراد به من كان في صلاة نافلة وأراد أن يقرأ من
__________________
(١) انظر أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص ١ : ١٥.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣١٢ / ١١٦١ بدل ما بين القوسين : بفاتحة الكتاب فقال لهم.
(٣) ليست في الاستبصار ١ : ٣١٢ / ١١٦١ ، والظاهر أن « لهم » فيه مصحف « نعم ».
بعض سورة جاز له أن لا يقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم.
يبين ما ذكرناه :
ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن أبان بن عثمان ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أيقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم؟ قال : « نعم ، إذا افتتح الصلاة فليقلها في أوّل ما يفتتح ثمّ يكفيه ممّا بعد ذلك ».
السند
في الأوّل : مشتمل على طريقين إن جُعل الحسين بن سعيد فيه معطوفا على سعد بن عبد الله فيكون الشيخ روى بطريقيه عن سعد والحسين ، وإن جعل الحسين معطوفا على محمّد بن أبي عمير ليكون أحمد بن محمّد بن عيسى راويا عن عبيد الله الحلبي بطريق وعن محمّد بن الحلبي بآخر كان الشيخ راويا بطريق واحد عن سعد ، غاية الأمر أنّه يتشعّب من الطريق طريقان.
وتوضيح الحال أنّ على الأوّل يروي الشيخ عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير عن حمّاد ، عن عبيد الله. ويروي عن الحسين بن سعيد ، عن عليّ بن النعمان وابن سنان وابن مسكان ، عن محمّد الحلبي ، وهما ـ أعني محمّدا وعبيد الله ـ يرويان عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
وعلى الثاني يروي الشيخ ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، وأحمد يروي تارة عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن عبيد الله. وتارة عن الحسين ، عن علي بن النعمان ومن معه ، عن محمّد الحلبي ،
وهما يرويان عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
فإن قلت : الظاهر من قوله : ومحمّد بن سنان وعبد الله بن مسكان ، رواية الحسين بن سعيد عن عبد الله بن مسكان ، والظاهر من الروايات عدم رواية الحسين بن سعيد عن عبد الله بن مسكان ، بل محمّد بن سنان في الرجال يروي عن عبد الله بن مسكان(١) ، وكذا في الروايات.
قلت : لا بُعد في رواية الحسين بن سعيد عن عبد الله ، وأظنّ في الروايات وجوده(٢) إلاّ أنّه لم يحضرني الآن محلّه ، ورواية محمّد بن سنان عنه لا تفيد الانحصار ، نعم يستفاد من الرجال رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن سنان عنه كما في النجاشي(٣) ، بل فيه ما يدل على أنّ رواية عبد الله بن مسكان عن محمّد الحلبي بواسطة أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن سنان ، فلا يبعد أن يكون الظاهر : عن عبد الله بن مسكان ، وإن أمكن توجيه ما هنا ، وعلى كل حال السند لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه(٤) .
والثاني : كذلك لما ذكرناه في أبان مكرّرا(٥) في [ الجزأين ](٦) الأوّلين.
المتن :
في الأوّل : ما ذكره الشيخ فيه من التقيّة هو أعلم بوجهه بالنسبة إلى قوله : « إن شاء سرّا وإن شاء جهرا » وقوله في جواب قراءتها مع السورة
__________________
(١) انظر رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩.
(٢) التهذيب ٢ : ١٣٤ / ٥٢١ ، الوسائل ٦ : ٦٦ أبواب القراءة في الصلاة ب ١٦ ح ٢.
(٣) رجال النجاشي : ٢١٤ / ٥٥٩.
(٤) في ج ١ : ١٠٢ ، ١١٤ ، ١١٨ ـ ١٢٠ ، ١٧٠ ، ٢٧٣ وج ٢ : ١٠ ، ٣٢٨.
(٥) راجع ج ١ : ١٨٣ وج ٢ : ١٧٧.
(٦) في النسخ : الخبرين ، والظاهر ما أثبتناه.
الأُخرى : « لا » فإنّ المعروف من مذهب أهل الخلاف(١) غير هذا ، ولو حمل على أنّ الجهر ببسم الله في الإخفاتية وتركه جائزان أمكن ، كما أنّ حمل قوله : قال : « لا » على عدم تعيّن البسملة في السورة بجواز التبعيض ممكن أيضا ، كما أنّه يمكن حمل قوله في الأوّل : « إن شاء سرّا وإن شاء جهرا » على أنّ قراءة الفاتحة لا بدّ فيها من البسملة إن شاء في الجهر وإن شاء في السرّ ، بناء على التخيير في الصلاة بين السرّ والجهر كما يفهم من بعض الأخبار الآتية(٢) في وجه الجمع من بعض الأصحاب ، وحينئذ يكون قوله : أفيقرأها ، إلى آخره. إشارة إلى أنّ تعيّنها في السورة كتعيّن البسملة في الفاتحة ، والجواب تضمّن نفيه ، فيدل على جواز الترك والتبعيض كما ستسمع القول(٣) في ذلك إن شاء الله.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من أنّ ما تضمّنه هذا الخبر من كفاية تلاوة البسملة في الفاتحة عن تلاوتها مع السورة ، لا إشكال فيه على القول بعدم وجوب قراءة السورة ؛ لأنّه إذا جاز تركها جاز تبعيضها ، ويمكن حمله على التقيّة(٤) . محل نظر :
أمّا أوّلا : فلما قدّمناه.
وأمّا ثانيا : فلأنّ الخبر تضمن النهي عن البسملة وأين هو عن جواز ترك البسملة ، فلا بُدّ من توجيه النهي على ما قرّرناه ، فليتأمّل.
وأمّا حمل الشيخ على صلاة النافلة فمن البعد بمكان.
__________________
(١) انظر المغني والشرح الكبير ١ : ٥٥٦.
(٢) في ص ١٢٠.
(٣) في ص ١٤٨.
(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٤.
والثاني : كما ترى إن أراد الشيخ به بيان حكم النافلة كما هو الظاهر فالخبر لا يدلّ عليه بخصوصه ، والإطلاق فيه يتناول الفرض على تقدير جواز التبعيض ، لكن الشيخ لما كان مانعا من التبعيض تعيّن عنده الحمل على النافلة.
قوله :
باب وجوب الجهر في القراءة
روى حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه ، فقال : « أيّ ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته وعليه الإعادة ، وإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه وقد تمّت صلاته ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يصلّي الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل يجوز(١) عليه أن لا يجهر؟ قال : « إن شاء جهر وإن شاء لم يفعل ».
فهذا الخبر موافق للعامّة ولسنا نعمل به ، والعمل على الخبر الأوّل.
السند
في الأوّل : وإن كان الطريق إلى حريز غير مذكور في المشيخة هنا
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ١٦٢ / ٦٣٦ ، والاستبصار ١ : ٣١٣ / ١١٦٤ لا يوجد : يجوز.
وفي التهذيب ، إلاّ أنّه يمكن استفادته من الفهرست ، لأنّه قال في ترجمة حريز : أخبرنا بجميع كتبه وبرواياته ، وذكر طرقا ، منها : عن عدّة من أصحابنا ، عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر ومحمّد بن يحيى وأحمد بن إدريس ، كلّهم عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد وعليّ بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز(١) ، وهذا الطريق ليس فيه ارتياب إلاّ من جهة العدّة.
والذي يظهر من الشيخ في ترجمة محمّد بن عليّ بن الحسين أنّ في العدّة إليه الشيخ المفيد(٢) ، وقد قدّمنا أنّه لا يبعد استفادة الطريق من الفهرست في مثل هذا من قوله : بجميع كتبه وبرواياته.
وما قد يقال : من الفرق بين قوله : بجميع كتبه وبرواياته ، وبين قوله : ورواياته ، فإنّ الثاني يدل على جميع رواياته ، والأوّل على أنّه أخبرنا برواياته في الجملة.
يمكن الجواب عنه : بأنّ الجمع المضاف في مثله يفيد العموم ، والعدول إلى العبارة المذكورة ربّما يكون لغرض آخر لا لما ذكر.
وما قد يقال : إنّه ذكر في الفهرست طرقا لجميع كتبه والروايات ، أحدها ما ذكر ، والبواقي محل كلام في الصّحة ، والعلم بأنّ كلّ واحد من الطرق لجميع الكتب والروايات غير معلوم ، لجواز أن يكون البعض المذكور لبعض الروايات ، ولم يعلم أنّ هذه الرواية منها.
يمكن الجواب عنه : بأنّ الظاهر من مثل هذه العبارة إرادة أنّ الطرق
__________________
(١) الفهرست : ٦٢ / ٢٣٩.
(٢) الفهرست : ١٥٦ / ٦٩٥ ، رجال الطوسي : ٤٩٥ / ٢٥.
لجميع الكتب والروايات متحدة ، لكن مجال القول واسع ولم أر الآن من كشف حقيقة الحال هنا.
وما ذكره بعض محقّقي المتأخّرينرحمهالله في ردّ الرواية بأنّ الشيخ لم يذكر طريقه في المشيخة إلى حريز(١) .
فيه : أنّ الاقتصار على ذلك محلّ تأمّل ، بل ينبغي التنبيه على ما ذكرناه لأنّه مهمّ ، أمّا توقّفه في حريز فقد مضى منّا(٢) فيه الكلام ، وفي الفقيه طريقه صحيح إلى حريز(٣) .
والثاني : لا ارتياب فيه.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على أنّ من جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه متعمّدا نقض صلاته وعليه الإعادة ، ولفظ : لا ينبغي ، من كلام السائل وإن كان لا يفيد شيئا على الإطلاق لكن التقرير هنا ربّما يدّعى إفادته ، لولا أنّ قولهعليهالسلام : « وعليه الإعادة » ظاهر في وجوب الجهر والإخفات ؛ ولو لا إمكان أن يقال : إنّ الإعادة على الاستحباب لا مانع منها للمعارض ، لأمكن أن يقال : إنّ الظاهر فيما لا ينبغي يؤيّد الاستحباب ، والحق أنّ « لا ينبغي » لا صراحة فيها في الاستحباب على ما يظهر من كثير من الأخبار ، وعلى كلّ حال فالخبر بعد قوله : « وعليه الإعادة » غير محتاج إلى بيان أنّ « نقص » فيه بالصاد المهملة أو المعجمة كما
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٢٦.
(٢) في ج ١ : ٥٦.
(٣) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٩.
وقع لبعض(١) .
أمّا ما يقتضيه من الإجمال فيما يجهر فيه وما يخفى فظاهر ، والفائدة تظهر في ظهر الجمعة ؛ إذ لم يعلم أنّها ممّا يجهر فيه أو يخفى ، فالاستدلال من العلاّمة(٢) وغيره(٣) على عدم الجهر فيها بالخبر محل تأمّل ذكرناه في كتاب معاهد التنبيه ، وسيأتي إن شاء الله في هذا الكتاب.
وما تضمّنه من حكم الساهي والناسي والجاهل واضح ، لكن الموجود في كلام المتأخّرين عذر الجاهل ، ولا أدري الوجه في تخصيصه ، كما أنّ في كلام بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ تخصيص جاهل الحكم كذلك(٤) ، ولا يخفى تناوله للناسي ومن معه ، سواء ذكر قبل الركوع أو بعده وسواء كان في أثناء القراءة أو في آخرها إلاّ على احتمال ذكرناه في حواشي الروضة ، وهو أنّ ظاهر السؤال عمّن وقع منه ذلك فيفيد فوات المحل ، وفيه ما لا يخفى.
وقد روى الشيخ في التهذيب ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : قلت له : رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي الجهر فيه وأخفى فيما لا ينبغي الإخفات فيه ، وترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه ، أو قرأ فيما لا ينبغي القراءة فيه فقال :
__________________
(١) وهو الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٢٧.
(٢) التذكرة ٣ : ١٥١ ، مختلف الشيعة ٢ : ١٧٠ ، المنتهى ٥ : ٨٦.
(٣) كالمحقّق في المعتبر ٢ : ١٧٦ ، و ٣٠٤.
(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٩.
« أيّ ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شيء عليه »(١) .
وهذا الحديث يدل بظاهره أنّه لا شيء على من فعل ما ذكر مع النسيان والسهو ، ومفهومه أنّ عليه شيئا لو(٢) انتفى السهو والنسيان ، والشيء مجمل ، إلاّ أنّه يمكن استفادة بيانه من الخبر المبحوث عنه وهو الإعادة ، غير أنّ في الخبر المبحوث عنه زيادة الجهل ، والخبر الأخير ترك فيه ، والظاهر منه الدخول في جملة من عليه شيء.
ويمكن أن يقال : إنّه لا مانع من استفادة حكمه من الخبر المبحوث عنه وان بيّن الخبر الآخر من جهة الإجمال إلاّ أنّه يبقى من جهة ما تضمنه الخبر الآخر من ترك القراءة وفعلها لا يخلو من إشكال ؛ لأنّ الإعادة للصلاة لو علمت من الخبر المبحوث عنه في الجهر والإخفات في حقّ الجاهل يلزم منه أنّ الإعادة في تارك القراءة وفاعلها فيما ذكر في الرواية مسكوت عنها.
ولو نظرنا إلى المفهوم ، ثبوت(٣) شيء على الإطلاق ، فإذا حمل في حق الجاهل في الجهر والإخفات على أنّه لا شيء عليه ، يبقى إطلاق الشيء على تارك القراءة وفاعلها مجملا ، فيمكن أن يحمل على سجود السهو إذا قيل به لكلّ زيادة ونقيصة ، لكن دليل هذا غير سليم كما ستعلمه(٤) ، فيمكن أن يخصّ هذا ، وفيه ما فيه من عدم القائل فيما أعلم بوجوب سجود السهو في الفرض المذكور ، فليتأمّل.
__________________
(١) التهذيب ٢ : ١٤٧ / ٥٧٧ ، الوسائل ٦ : ٨٦ أبواب القراءة في الصلاة ب ٢٦ ح ٢.
(٢) في « رض » : إن.
(٣) في « ض » و « م » : بثبوت.
(٤) انظر ج ٦ : ٩٢.
وقد عرفت من ذكر السند أنّ الخبر المبحوث عنه صحيح في الفقيه ، لأنّه رواه عن حريز عن زرارة ، وطريقه إلى حريز صحيح ، وفي المتن زيادة عما هنا بعد قوله : « تمّت صلاته » : فقال : قلت له : رجل نسي القراءة في الأوّلتين فذكرها في الأخيرتين ، فقال : « يقضي القراءة والتسبيح والتكبير الذي فاته في الأوّلتين ولا شيء عليه »(١) وهذه الزيادة في المعروف من الأصحاب المتأخّرين عدم القول بها ، وظاهر الصدوق العمل بالمضمون ، غير أنه لا يخلو من إجمال ، لأنّ قوله : « يقضي » إلى قوله : « في الأوّلتين » يحتمل تعلّق في الأوّلتين ، بيقضي ويحتمل التعلّق بفاته ، وعلى التقدير الأوّل محل القضاء غير معلوم ، وكذا على الثاني.
واحتمال أن يراد القضاء بعد الصلاة لما فاته في الأوّلتين ممّا ذكر ممكن ، واحتمال الاستحباب في القضاء في حيّز الإمكان ، لظاهر عدم القول بين المتأخّرين بالوجوب ، فيمكن الاستعانة به على أنّ باقي الأحكام من الإعادة على الاستحباب ؛ والأمر لا يخلو من إشكال.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول عن الشيخ دعوى الإجماع في الخلاف على وجوب الجهر في الصبح وأوّلتي المغرب والعشاء ، والإخفات فيما عداها(٢) ؛ والعلاّمة في المختلف قال : إنّه المشهور بين علمائنا ، ونقل عن ابن الجنيد القول بجواز العكس ويستحب أن لا يفعله ، وهو قول السيد المرتضى في المصباح ؛ ثم استدل العلاّمة بخبر زرارة واصفا له بالصحة ، وبالاحتياط ، ونقل احتجاج ابن الجنيد بالأصل والخبر الثاني ، وأجاب أنّ الأصل متروك مع الدليل الذي ذكره ، والرواية محمولة على الجهر العالي ،
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢٢٧ / ١٠٠٣ ، الوسائل ٦ : ٩٤ أبواب القراءة في الصلاة ب ٣٠ ح ٦.
(٢) حكاه عنه في الحبل المتين : ٢٢٩.
ثم نقل حمل الشيخ المذكور هنا(١) .
وفي المعتبر اعترض المحقّق على الحمل المذكور للشيخ بأنّه تحكّم فإنّ بعض الأصحاب لا يرى وجوب الجهر(٢) .
وفي نظري القاصر أنّ كلام العلاّمة والمحقّق محل تأمّل :
أمّا الأوّل : فلأنّ الرواية الاولى مع وجود المعارض لا يبقى دلالتها على الوجوب صريحة ؛ لاحتمال حمل الإعادة على الاستحباب ، والحمل على التقيّة يحتاج إلى المرجّح ، مع احتمال غيره وموافقة الخبر للأصل المؤيّد كما سبق عن الشيخ في أوّل الكتاب ، فقول العلاّمة بأنّ الأصل متروك ، فيه : أنّ الترك مع تعارض الأخبار لا وجه له ، وحمل الرواية الثانية على الجهر العالي لا وجه يقتضيه مرجّحا ، واحتمال الاستحباب قائم.
وأمّا الثاني : فلأنّ القول بعدم وجوب الجهر لا يضرّ بحال الاستدلال ، ولا يقوّي التحكم ؛ إذ الحكم وإن لم يكن إجماعيّا لا بدّ للجمع بين الأخبار من وجه ، ولمّا كان ظاهر الخبر الأوّل الإعادة ظنّ الشيخ عدم موافقة غير الحمل على التقيّة في الثاني ، وإن كان الحق إمكان الحمل على الاستحباب في الإعادة ، فإن كان غرض المحقّق بالتحكّم الإشارة إلى أنّ ترجيح التقيّة لا بدّ له من مرجّح ، أمكن توجيهه ، إلاّ أنّ ذكر القائل لا وجه له إلاّ بتكلّف مستغنى عنه.
ومن العجيب في المقام دعوى الشيخ الإجماع مع خلاف السيد ، وله نظائر.
وقد ذكر بعض محقّقي المتأخّرينرحمهالله عن الكافي رواية رواها سماعة
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٧٠ ، وهو في الخلاف ١ : ٣٣٢.
(٢) المعتبر ٢ : ١٧٧.
قال : سألته عن قول الله عزّ وجلّ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) (١) قال : « المخافتة ما دون سمعك ، والجهر أن ترفع صوتك شديدا »(٢) .
وفي مجمع البيان نقل الطبرسي وجوها في تفسير الآية :
منها : النهي عن إشاعة الصلاة عند من يؤذيك ، ولا تخافت عند من يلتمسها.
ومنها : أن لا تجهر جهرا يشتغل به من يصلّي قربك ، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك.
قال الطبرسيرحمهالله : وقريب منه ما رواه أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال : « الجهر رفع الصوت شديدا ، والمخافتة ما لم تسمع إذنك ، واقرأ قراءة وسطا( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) أي بين الجهر والمخافتة ». انتهى(٣) . ولم أقف الآن على الرواية التي ذكرها.
وفي الفقيه : واجهر بجميع القراءة في المغرب وعشاء الآخرة والغداة من غير أن تجهد نفسك أو ترفع صوتك شديدا ، وليكن ذلك وسطا ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ يقول( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) (٤) وظاهر كلامه الجزم بتفسير الآية فيما ذكره.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من أنّه ربّما يستدل على عدم وجوب شيء من الجهر والإخفات بعينه في شيء
__________________
(١) الإسراء : ١١٠.
(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٢٤ وهي في الكافي ٣ : ٣١٥ / ٢١ ، الوسائل ٦ : ٩٦ أبواب القراءة في الصلاة ب ٣٣ ح ٢.
(٣) مجمع البيان ٣ : ٤٤٦.
(٤) الفقيه ١ : ٢٠٢.
من الصلاة بقوله تعالى( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ ) الآية(١) .
ويجاب بجواز أن يكون المراد ـ والله أعلم ـ جهرا أو إخفاتا زائدين على ما هو المعتاد ، ولعلّ المراد عدم الجهر في الكل والإخفات في الكلّ ، والله أعلم بمراده(٢) .
محلّ تأمّل ؛ لأنّ كلام الصدوق يعطي الجزم بالتفسير ، ومن المستبعد كونه منه مجرّد الاحتمال ، ولو نظرنا إلى ظاهر الآية أمكن أن يقال : إنّ مدلولها ما ذكره الصدوق.
وعلى كل تقدير : في الآية نوع منافرة للقول بوجوب الجهر والإخفات ؛ لأنّ القائلين بالوجوب غير مانعين من الزائد عن المعتاد مع تحقّق الجهر والإخفات فيما نقل عن الأصحاب ، إلاّ أن يقال بأنّ مراد الأصحاب الجهر والإخفات المعتادان ، فليتأمّل.
وإذا تمهّد هذا فالثاني كما ترى يحتمل أن يراد بما يجهر فيه ما جعله الشارع جهريّا ، والسؤال حينئذ عن جواز ترك أصل الجهر وعدمه ، ويحتمل أن يكون السؤال عن زيادة الجهر ، فكأنّ العلاّمة في المختلف فهم الاحتمال الثاني فأجاب بما تقدم(٣) . والآية تنفي جواز الجهر العالي ، ولعلّ المراد بالعالي ما لم يخرج عن المعتاد ، وعلى تقدير ما احتملناه أوّلا لا يبقى لجوابه وجه من دون بيان الرجحان.
ثم إنّ الحمل على التقيّة في كلام الشيخ غير خفي أنّ المراد به التقيّة في قولهعليهالسلام : « إن شاء جهر وإن شاء لم يجهر » فلا يتوجه : أنّ فعل الجهر
__________________
(١) الإسراء : ١١٠.
(٢) الحبل المتين : ٢٢٩.
(٣) في ج ١ : ١٢٦.
إذا جاز عندهم تخييرا ، جاز الأمر به منهعليهالسلام لأنّه أحد الفردين ؛ لإمكان أن يظنّ تعيّنه فيحصل(١) خوف الضرر.
بقي في المقام شيء ، وهو أنّ العلاّمة في المنتهى قال : أقلّ الجهر الواجب أنّ يسمع غيره القريب أو يكون بحيث يسمع لو كان سامعا بلا خلاف بين علمائنا ، والإخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سامعا ، وهو وفاق(٢) .
وفي كلام بعض الأصحاب أنّه لا بُدّ من انضمام العرف بأن يسمّى فيه الجهر والإخفات ؛ وقيل : لا بدّ من ظهور جوهر الحروف وعدمه لتحقّق التباين الكلي(٣) .
وفي الأخبار المعتبرة ما يقتضي الاكتفاء بسماع الهمهمة كما ذكرناه في حواشي التهذيب ، وسيأتي إن شاء الله بعض الأخبار في الباب الآتي(٤) في إسماع الرجل نفسه.
وما ذكره جدّيقدسسره في الروضة : من أنّ الحق أنّ الجهر والإخفات كيفيّتان متضادّتان. وأقلّ الجهر أن يسمعه من قرب منه صحيحا مع اشتمالها على الصوت الموجب لتسميته جهرا عرفا ، وأكثره أن لا يبلغ العلوّ المفرط ، وأقلّ السرّ أنّ يسمع نفسه خاصة صحيحا أو تقديرا ، وأكثره أن لا يبلغ أقلّ الجهر(٥) .
ففيه تأمّل ؛ لأنّ اعتبار الجهر عرفا يقتضي أنّ السرّ وإن بلغ أقلّ الجهر
__________________
(١) في « م » : فيحتمل.
(٢) المنتهى ١ : ٢٧٧.
(٣) مجمع الفائدة ٢ : ٢٢٦.
(٤) في ص ١٨٠.
(٥) الروضة البهية ١ : ٢٦٠.
لا يضرّ بالحال إذا لم يحصل وصف الجهر ، نعم لو لم يعتبر ما ذكر أمكن ما قاله ، ولعلّ الأمر سهل.
قوله :
باب الجهر في النوافل بالنهار
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « السنّة في صلاة النهار بالإخفات(١) والسنّة في صلاة الليل بالإجهار ».
فأمّا ما رواه محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن عليّ بن السندي ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل هل يجهر بقراءته من التطوع بالنهار؟ قال : « نعم ».
فالوجه في الجمع بينهما أن نحمل الرواية الأُولى على الفضل والندب دون الفرض والوجوب ، والرواية الأُخرى على الجواز ورفع الحظر.
السند
في الأوّل : فيه ـ مع الإرسال ـ الحسن بن عليّ بن فضّال ، وقد قدّمنا القول فيه بأنّه فطحيّ ثقة.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٣ / ١١٦٥ : بالإخفاء.
والثاني : فيه عليّ بن السندي ، وقد مضى عن قريب(١) ، وعثمان بن عيسى كرّرنا القول فيه(٢) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى ظاهر في إطلاق صلاة النهار والليل المتناول للنوافل والفرائض ، إلاّ أنّ الصبح يحتاج إلى تخصيص ، إلاّ أن يقال : إنّها من صلاة الليل. وفيه ما فيه ؛ لكن الشيخ على ما يقتضيه العنوان حمله على النوافل ، ولعلّ الوجه فيه ما قلناه ، أو لأنّ ما يقتضيه لفظ السنّة فيه يفيد الاستحباب ، ولمّا كان الجهر والإخفات واجبين عنده في الفرائض تعيّن الحمل على النوافل ، ولو حمل لفظ السنّة على ما ثبت بالسنّة أعم من الوجوب والندب أمكن ، إلاّ أنّ احتمال الثبوت من القرآن ينفي ذلك ، وإن كان فيه ما فيه.
ثم إنّ نوافل النهار على تقدير الحمل يحتمل التناول للأداء والقضاء مع التخالف ، إلاّ أن يدّعى تبادر الأداء ، وعلى كل حال ربّما يخرج غير الرواتب ، إلاّ أن يدّعى إرادة ما يصلّي بالنهار ، وفيه بُعد(٣) .
وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه لا وجه له ؛ لأنّ المفروض كون الجهر والإخفات مندوبين ، فالحمل على الفضل دون الفرض غير واضح الوجه ، إلاّ أن يراد بالفرض على سبيل الشرطيّة أو دفع التوهم ، لكن على تقدير الجهر في نوافل النهار إمّا أن يكون مندوبا أو مباحا ، والثاني بعيد ،
__________________
(١) في ج ١ : ٣٥٥.
(٢) راجع ج ١ : ٧١ ، ١٨٥.
(٣) في « رض » زيادة : ما فيه.
والأوّل يحتمل كونه أقلّ ثوابا من الإخفات ، إلاّ أن يعارض بأنّ خير الأعمال أحمزها ، وفيه : أنّ هذا في غير الموظّف ، فليتأمّل.
وقد روى الشيخ في زيادات التهذيب الخبرين(١) وحمل الثاني على الرخصة ، وله وجه. وفي المنتهى : المستحب في نوافل الليل الجهر ، وفي نوافل النهار الإخفات ، وهو مذهب علمائنا أجمع(٢) .
قوله :
باب أنّه لا يقرأ في الفريضة
بأقلّ من سورة ولا بأكثر منها
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن ( محمّد بن أحمد بن يحيى )(٣) ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن سيف بن عميرة ، عن منصور بن حازم قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « لا تقرأ في المكتوبة بأقلّ من سورة ولا بأكثر ».
الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد(٤) ، عن
__________________
(١) الخبر الأوّل : التهذيب ٢ : ٢٨٩ / ١١٦٠ ، الوسائل ٦ : ٧٧ أبواب القراءة في الصلاة ب ٢٢ ح ٢.
الخبر الثاني : التهذيب ٢ : ٢٨٩ / ١١٦١ ، الوسائل ٦ : ٧٧ أبواب القراءة في الصلاة ب ٢٢ ح ٣.
(٢) المنتهى ١ : ٢٧٨.
(٣) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ٣١٤ / ١١٦٧ : أحمد بن محمّد بن يحيى ، وفي التهذيب ٢ : ٦٩ / ٢٥٣ : محمّد بن يحيى ، وفي الكافي ٣ : ٣١٤ / ١٢ : محمّد بن أحمد ، وهو الصواب ، راجع معجم رجال الحديث ١٦ : ٢٠٥ ـ ٢٠٦.
(٤) في الاستبصار ١ : ٣١٤ / ١١٦٨ : عن محمّد بن مسلم.
أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة ، فقال : « لا ، لكل سورة ركعة »(١) .
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سمعته يقول : « إنّ فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على حال الضرورة دون حال الاختيار.
يدل على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن حسن الصيقل قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أيجزئ عنّي أن أقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها إذا كنت مستعجلا أو أعجلني شيء؟ فقال : « لا بأس ».
محمّد بن يعقوب ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها ، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار ».
سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبد الله الحلبي(٢) ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : « لا بأس أن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٤ / ١١٦٨ : فقال له لكل ركعة سورة.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣١٥ / ١١٧٢ : عن عبيد الله بن علي الحلبي ، وكذا في التهذيب ٢ : ٧١ / ٢٦١.
الأوّلتين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوّف شيئا (١) ».
السند
في الأوّل : ليس فيه ارتياب إلاّ من جهة محمّد بن عبد الحميد ، فإنّا قد كرّرنا القول فيه : من أنّ النجاشي ذكر عبارة توهم أنّ التوثيق لأبيه لا له(٢) ؛ والذي يظهر أنّ توثيق الأب في عنوان الابن بعيد جدّا عن مثل النجاشي ، والعبارة هكذا : محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطّار أبو جعفر ، روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسىعليهالسلام وكان ثقة(٣) .
ولجدّيقدسسره اضطراب في ذلك ، ففي فوائد الخلاصة قال : إنّ الظاهر أنّ الموثّق الأب(٤) ، وعلى كتاب ابن داود ما يستفاد منه أنّ الموثّق الابن.
وبعض محقّقي المعاصرين يظهر منه التوقف في هذه الرواية ، فإنّه ذكرها مع نوع طعن في السند(٥) ؛ والأمر لا يخلو من تأمّل ؛ لما قدمناه.
وأمّا سيف بن عميرة فهو ثقة ، وينقل عن ابن شهرآشوب القول بأنّه واقفي(٦) ، لكن حال ابن شهرآشوب غير معلوم.
والثاني : ليس فيه ارتياب.
وكذلك الثالث ، غير أنّ فيه شيئا ينبغي التنبيه عليه ، وهو أنّ النجاشي نقل عن الكشي ، عن نصر بن الصباح أنّه قال : كان أحمد بن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٥ / ١١٧٢ : أو يحدث شيء.
(٢) راجع ج ١ : ٢١٢.
(٣) رجال النجاشي : ٣٣٩.
(٤) فوائد الشهيد على الخلاصة : ٢٢.
(٥) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٦.
(٦) انظر معالم العلماء : ٥٦ / ٣٧٧.
محمّد بن عيسى لا يروي عن ابن محبوب من أجل أنّ أصحابنا يتّهمون ابن محبوب في أبي حمزة الثمالي ، ثم تاب ورجع(١) ؛ وقد قدّمنا القول في هذا مفصلا(٢) ، والحاصل أنّ ذكر التوبة في ذلك تدفع التوقف لظهور الخطأ ، غاية الأمر أنّ في البين نوع كلام من حيث تاريخ أبي حمزة الثمالي والحسن بن محبوب على ما يستفاد من الرجال ، فإنّ المستفاد عدم الرواية عن أبي حمزة إلاّ من جهة الإجازة ، وإطلاق الرواية من دون لفظ « إجازة » ربّما لا يضر بالحال ؛ لأنّه أحد مذهبي أصحاب الدراية في إطلاق الرواية من دون لفظ « إجازة » ولعلّ التوبة من أحمد لظهور جواز ذلك عنده ، أو ظهور كونه عذرا بالنسبة إلى غيره ، والأمر ربّما كان غير عسر التوجيه.
أمّا ما وقع في الكشي(٣) من المخالفة لما في النجاشي ـ وإنّما الاتهام في ابن أبي حمزة(٤) ، ولعلّه البطائني لضعفه ـ فالظاهر أنّه من أغلاط نسخ الكشي الموجودة الآن ، لكن العجب من النجاشي أنّه لم يبيّن حقيقة الحال من جهة التاريخين كما نبّهنا عليه فيما سلف ، فليتأمّل فيه.
والرابع : فيه محمّد بن سنان وحسن الصيقل ، وقد مضيا(٥) مكرّرين بضعف الأوّل وجهالة الثاني على معنى أنّه مذكور في الرجال(٦) بما لا يزيد على الإهمال ؛ وظنّ بعض الأصحاب أنّه ابن العطّار الثقة ، لا نعلم وجهه.
والخامس : فيه محمّد بن عيسى ، عن يونس.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٨٢ / ١٩٨ ، وهو في الكشي ٢ : ٧٩٩ / ٩٨٩.
(٢) في ج ٢ : ١٤٦.
(٣) في ترجمة الحسن بن محبوب ، رجال الكشي ٢ : ٨٥١ / ١٠٩٥.
(٤) في « فض » زيادة : الثمالي.
(٥) في ج ١ : ١٢١ ، ج ٤ : ٥٢٦.
(٦) انظر رجال الطوسي : ١٦٦ / ١٣.
والسادس : لا ارتياب فيه.
المتن :
لا بدّ قبل الكلام فيه من بيان مقدمة ، وهي : أنّ العلاّمة في المنتهى قال : لا خلاف بين أهل العلم في جواز الاقتصار على الحمد في النافلة ، وكذا في جوازه مع ضيق الوقت في الفريضة. وفي موضع آخر قال : لو لم يحسن إلاّ الحمد وأمكنه التعلّم وكان الوقت واسعا وجب عليه التعلّم ؛ لأنّها كالحمد في الوجوب ، أمّا لو لم يمكنه التعلّم أو ضاق الوقت صلّى بالحمد وحدها للضرورة ، ولا خلاف في جواز الاقتصار على الحمد في هذه المواضع وفي النافلة للعارف والمختار(١) .
وفي المختلف قال : المشهور أنّه يجب على المختار قراءة سورة بعد الحمد ـ إلى أن قال ـ : وهو اختيار الشيخ في الجمل والخلاف والاستبصار ، واختاره المرتضى وابن أبي عقيل وأبي الصلاح وابن إدريس ، وللشيخرحمهالله قول آخر : إنّ الواجب الحمد ، والسورة مستحبة وهو اختيار ابن الجنيد وسلاّر. انتهى(٢) .
ولا يخفى دلالة كلام المنتهى على ما ينافي ما ذكره بعض المتأخّرين من وجوب التعويض إذا لم يحسن السورة ، بل صرّح المحقّق الشيخ علي بعد ذكر التعويض بادعاء عدم التصريح لأحد بالسقوط ، على ما نقل عنه.
__________________
(١) المنتهى ١ : ٢٧٢.
(٢) المختلف ٢ : ١٦١ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٨٠ ، الخلاف ١ : ٣٥٣ ، الاستبصار ١ : ٣١٤ ، الانتصار : ٤٤ ، الكافي في الفقه : ١١٧ ، السرائر ١ : ٢٢١ ، ٢٢٢ ، النهاية : ٧٥ ، المراسم ، ٦٩.
وفي حواشيه على المختصر قال : يفهم من التقييد بسعة الوقت أنّه مع الضيق لا يجب ، وليس كذلك ؛ إذ لا دليل على السقوط ، إذ لا يسقط شيءٌ من الأُمور المعتبرة في الصلاة لضيق الوقت ، ولا أعلم لأحد التصريح بسقوط السورة للضيق ، بل التصريح بخلافه موجود في التذكرة(١) . انتهى.
وهذا لا يخلو من غرابة وستسمع الأخبار في المقام.
لكن على تقدير سقوط السورة مع ضيق الوقت فالمراد بالضيق إن كان عدم اتساع الوقت لقراءتها ، أمكن ، وإن كان المراد ضيقه عن واجب الصلاة أشكل بلزوم الدور ، كما يعرف بالتأمّل.
وقد ذكر العلاّمة في الإرشاد أنّ من لم يحسن القراءة وجب عليه التعلّم ، فإن ضاق الوقت قرأ ما يحسن ، ولو لم يحسن شيئا سبّح الله وهلّله وكبّره بقدر القراءة(٢) .
وفي فوائد جدّيقدسسره على الكتاب : وليكن ما يجزئ في الأخيرتين مكرّرا بقدر الفاتحة. والظاهر من كلامه التكرار في الأوّلتين بقدر الفاتحة والسورة ، وكلام العلاّمة كالصريح في ذلك ، لأنّه ذكر وجوب الفاتحة والسورة(٣) .
وقول العلاّمة : فإن ضاق الوقت ، إلى آخره. يدل على وجوب السورة ؛ للدلالة على قراءة ما يحسن ، وفيه منافاة لما في المنتهى(٤) .
وقد يمكن أن يقال : إنّ الأخبار الدالة على التبعيض تحمل على من
__________________
(١) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٢١٤ ، التذكرة ٣ : ١٣١ و ١٣٦.
(٢) الإرشاد ١ : ٢٥٣.
(٣) الإرشاد ١ : ٢٥٣.
(٤) راجع ص ١٣٦.
يحسن(١) البعض ، إلاّ أنّه في غاية البعد.
ولو حمل الضيق في كلام من رأينا كلامه من الأصحاب(٢) على أنّه لم يبق من الوقت إلاّ مقدار قراءة ما يحسن مع باقي الأفعال وبالتعويض يخرج الوقت ، فهو ممكن لكن بتكلّف ، إلاّ أن يقيّد بأنّ المراد عدم الزيادة على مقدار الواجب من القراءة أي الفاتحة وسورة قصيرة كاملة ، فعلى تقدير إمكان التعلّم يجب الاشتغال إلى أن لا يبقى إلاّ وقت ما يعلمه بناء على عدم وجوب العوض ، وعلى القول به إلى مقداره ، كما ذكره بعض محققي المتأخّرينرحمهالله (٣) وفيه تكلّف أيضا ، وبالجملة فالمقام محل نظر.
وقد تقدّم منّا كلام في أوّل هذا الجزء في الحديث المتضمن لأنّ من لم يحسن قراءة القرآن يجزؤه التكبير والتسبيح ، وذكرنا ما لا بدّ منه فيه(٤) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأوّل قد ذكر في الاستدلال لوجوب السورة من المتأخّرين(٥) ، كما يظهر من الشيخ ، ومن الذاكرين العلاّمة في المختلف غير واصف له بالصحة(٦) ـ وأظنّ اقتفى أثره بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ(٧) ـ وهو غريب من العلاّمة ، فإنّه في الخلاصة(٨) ظاهره توثيق محمّد بن عبد الحميد.
__________________
(١) في « رض » : لم يحسن.
(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١٣.
(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١٤.
(٤) راجع ص ٩٤ ـ ٧ ـ ١٥٣١.
(٥) راجع ص ١٣٢.
(٦) المختلف ٢ : ١٦٢.
(٧) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٤.
(٨) الخلاصة : ١٥٤ / ٨٤.
ثم إنّ الخبر لا ينافي القول باستحباب السورة في نظري القاصر ، لأنّه لا مانع من الاستحباب وعدم جواز التبعيض ، كما لم يجز في النافلة فعلها بغير الركوع ونحوه ، وقد يعبّر عن هذا بالشرط.
مضافا إلى ما ذكره بعض مشايخنا من أنّ القرآن لمّا ثبت من الأخبار جوازه في الفريضة ، فلا بدّ من حمل النهي في هذا الخبر عن الأكثر على الكراهة ، فليحمل ما دلّ على الأقلّ عليها(١) ؛ إذ من المستبعد تخالف النهي في الخبر بالكراهة والتحريم.
فإن قلت : إذا دلّ الدليل على وجوب السورة لا مانع من إبقاء النهي في الخبر على حقيقته في الناقص ، ولزوم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لا يضر بالحال مع الضرورة.
قلت : الأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ الكلام في إثبات الوجوب.
نعم ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من أنّ النهي في الخبر محمولٌ على الكراهة فيما زاد جمعا بين الأخبار ، لما سيأتي في القراءة ، فكذا فيما نقص ، تفصيّا من استعمال النهي في حقيقته ومجازه معا(٢) . محل تأمّل ؛ لأنّ مجرّد التفصّي لا يقتضي ما ذكره إلاّ بعد ردّ دليل الوجوب ، وكأنّه اعتمد على ذلك حيث ردّ الأدلة.
وربّما يقال : إنّ الخبر مشتمل على نهيين : أحدهما عن الأقل والآخر عن الأكثر ، فلو حمل النهي الثاني على الكراهة يبقى النهي الأوّل على حقيقته ، فليس من حمل اللفظ على حقيقته ومجازه ، بل حمل كل لفظ على معنى فالأوّل حقيقي والثاني مجازيّ ، فليتأمّل.
__________________
(١) كما في المدارك ٣ : ٣٥٠.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٤.
والثاني : كما ترى وإن كان ظاهره أنّ لكل ركعة سورة إلاّ أنّ بمعونة النهي عن قراءة السورتين يفهم أنّ الرجحان في السورة على تقدير كراهة القران كما يستفاد من الأخبار الآتية(١) ، وعلى تقدير تحريم القران يحتمل إرادة انتفاء التحريم بالسورة سواء كانت واجبة أو مستحبة.
ولو قيل : إنّ في هذا نوع عدول عن ظاهر الخبر ، فالجواب أنّ المعارضة توجب هذا ، بل هو أخفّ من المحامل المذكورة من الشيخ.
وأمّا الثالث : فهو صريح في جواز الاقتصار على الفاتحة في الفريضة ، وحمل الشيخ له على الضرورة للرواية الرابعة لا يخلو من تأمّل على تقدير صحّة الرواية ؛ لأنّ السؤال فيها تضمّن الاستعجال ، وهذا لا يفيد تقييدا إذا لم يكن من الإمامعليهالسلام ؛ إذ السؤال عن بعض أفراد المطلق لا يفيد تقييده في نظري القاصر على الإطلاق ، نعم قد يفيد التقرير في بعض الأفراد وإن كان نادرا ، وممّا يؤيّد هذا ، التأمّل في أكثر موارد السؤال عن أفراد العام والمطلق.
على أنّ الخبر بتقدير تقييده إنّما يفيد الاستعجال ، وهو غير منضبط على وجه يتّضح به الحال ؛ وقد ذكرنا في المقدّمة كلام بعض الأصحاب في ضيق الوقت وعدم إمكان التعلّم(٢) ؛ والذي يظهر من الشيخ هنا ـ نظرا إلى الرواية ـ إرادة مطلق العجلة ، ولم أقف على مبيّن حقيقة الأمر في الضرورة.
وفي كلام بعض المتأخّرين على مختصر المحقّق ـ عند قوله : وفي وجوب سورة مع الحمد(٣) للمختار ، إلى آخره ـ : يفهم من التقييد بالمختار
__________________
(١) في ص ١٤٨ ـ ١٤٩.
(٢) راجع ص ١٣٦.
(٣) في المختصر : ٣٠ زيادة : في الفرائض.
أنّ المضطر كالمريض الذي يشق عليه قراءتها كثيرا أو من أعجلته حاجة لا يجب عليه السورة ، وهو حقّ. انتهى(١) .
ولا يخفى أنّ اعتبار الكثرة في المشقّة غير ظاهر الوجه ، فإنّ الرواية الخامسة تضمّنت مطلق المريض ، وعلى تقدير عدم الالتفات إليها لضعف السند ، أمكن أن يقال أوّلا : إنّ اعتماد الشيخ على الرواية مع جزمه في الرجال بردّ الرواية المشتملة على محمّد بن عيسى عن يونس(٢) المقيّدة بعدم المؤيّد ، يدل على أنّ في مثل هذا المقام وجد المؤيّد عنده ؛ وحينئذ لا فرق بين هذا وبين توثيق الرجل في كتابيه وتوثيق النجاشي ، كما قدّمنا القول في مثل هذا في الجزء الثاني(٣) .
وليس لقائل أن يقول : إنّ هذا يستلزم صحّة جميع الأخبار ـ الواردة في التهذيب والاستبصار عن محمّد بن عيسى عن يونس ، والذي يظهر من المعاصرين خلافه.
لإمكان الجواب بعدم التفطّن لهذا الوجه(٤) ، أو لجواز كون الشيخ اعتمد على قرائن لا تصلح حجّة لغيره.
وفيه : أنّ هذا لو تمّ لزم عدم قبول قوله في التعديل ؛ لجواز اعتماده على قرائن ليست حجّة عند غيره.
إلاّ أنّ يقال : إنّ في الرجال لا بدّ من البحث عن الجارح.
وفيه : أنّه على تقدير انتفاء الجارح يحكم بالتعديل ، وحينئذ يرجع
__________________
(١) حكاه عن الكركي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١٤.
(٢) انظر الفهرست : ١٨٢.
(٣) الفهرست : ١٨١ / ٧٨٩ ، رجال الطوسي : ٣٦٤ / ١١ ، ٣٩٤ / ٢ ، رجال النجاشي : ٤٤٦ / ١٢٠٨.
(٤) في « فض » : الجواب.
إلى إفتاء الشيخ بالعدالة.
إلاّ أن يقال : إنّ في الروايات يجوز أن يكون اعتماد الشيخ ليس على الراوي ، بل على كونها من الأُصول المعتمدة ، أو من رواة متعددين.
وفيه : أنّه راجع إلى الحكم بالصحة وهو كالتوثيق ، وفي البين كلام.
وقد وجدت بعض محقّقي المتأخرينرحمهالله اعتمد على رواية محمّد ابن عيسى عن يونس(١) ، لكن لم يذكر في توجيهه ما يدل على ما ذكرناه ، بل من حيث إنّ الاستثناء لا يقتضي الطعن ، وفيه نوع تأمّل.
والعجب من شيخناقدسسره أنّه وصف بعض الأخبار التي فيها محمّد بن عيسى عن يونس بالصحة ، مع جزمه بالردّ(٢) ؛ لكن أظنّ أنّه نقل الرواية من كلام من أشرنا إليه اعتمادا على أنّ تصحيحه لا ارتياب فيه ، ولم يتفطّن لمذهبه في محمّد بن عيسى عن يونس.
وعلى كل حال فالرواية المبحوث عنها إذا لم تصلح للاستدلال بما قلناه ، يمكن أن يؤيّدها ما رواه الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب في باب صلاة المضطر عن سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن حمّاد بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله(٣) قال : « لا يصلّي على الدابّة الفريضة إلاّ مريض يستقبل به القبلة ويجزؤه فاتحة الكتاب » الحديث(٤) . وقد تقدّم في هذا الكتاب في الجزء الثاني في باب الصلاة في المحمل(٥) ؛ وإنّما نقلناه من
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٠٥.
(٢) مدارك الأحكام ١ : ١١١. ولم نعثر على الوصف بالصحة.
(٣) في التهذيب ٣ : ٣٠٨ / ٩٥٢ زيادة : عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
(٤) التهذيب ٣ : ٣٠٨ / ٩٥٢ ، الوسائل ٤ : ٣٢٥ أبواب القبلة ب ١٤ ح ١.
(٥) راجع ج ٤ : ١٧٣.
التهذيب لأنّ طريقه إلى سعد في المشيخة فيه صحيح بلا مرية ، وهو : عن المفيد ، عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه(١) . أمّا ما مضى ففيه : محمّد بن قولويه ، وقد مضى فيه(٢) نوع توقّف(٣) ، ( وعلى كل حال )(٤) الخبر مؤيّد لأنّ مطلق المرض مجوّز للفاتحة وحدها.
ثم إنّ الخبر المبحوث عنه ـ وهو الخامس ـ قد استدل بمفهومه على أنّ غير المريض لا يجزؤه الفاتحة وحدها فتجب السورة.
وفيه : أنّ مفهوم الوصف غير واضح الحجّيّة كما ذكرناه في الأُصول مفصّلا ، وقد حاول بعض الأصحاب(٥) الاستدلال بما نقلناه في حواشي التهذيب على حجّيته بتحقق الذمّ على المخالفة بتقدير الخطاب بما يقتضي الوصف لو أمر السيّد عبده بإعطاء العالم فأعطى الجاهل ، وذكرنا في جوابه ، هناك احتمال كون الذم لعدم الأمر بإعطاء الجاهل لا لمخالفة الأمر ، وأيّدناه بمفهوم اللقب ؛ إذ ليس بحجة عند القائل مع تحقّق الذم لو قال : أعط زيدا فأعطى عمرا ، وفصّلنا المقام هناك زيادة على هذا.
وقد مضى في الكتاب ذكر ما وقع للأصحاب في المطلق والمقيّد من الجمع مع التنافي مع القول بعدم حجّيّة مفهوم الوصف ، مع أنّ التنافي لا يتمّ بدونه.
__________________
(١) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٧٣.
(٢) في ج ١ : ١١٤.
(٣) في « م » زيادة : وأمّا ثعلبة بن ميمون ، فهو وإن كان لا يقصر عنه محمّد بن قولويه إلاّ أن الظاهر زيادته على ابن قولويه في المدح ، وإن كان بعض مشايخنا جزم بصحّة الحديث عن ابن قولويه والحسن [ في ] حديث ثعلبة ، ولا يبعد التساوي.
(٤) بدل ما بين القوسين في « فض » : وأما.
(٥) كالشهيد في الذكرى : ٥ ، وحكاه عن البعض في معالم الأصول : ٨٢.
ويخطر في البال الآن إمكان الاحتجاج على حجّيّة مفهوم الوصف بما اشتهر من أنّ تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعليّة ، ولا ريب أنّ انتفاء العلّة يقتضي انتفاء المعلول.
ويمكن الجواب : بأنّ الإشعار بالعليّة ليس بالصريح ، وبتقدير العلّة ليست تامّة ، وفيه ما فيه.
إذا عرفت هذا فالخبر السادس يدل مفهوم الشرط فيه على أنّ مقتضي سقوط السورة العجلة أو تخوّف(١) شيء ، لكن العجلة والتخوّف لا يخلوان من إطلاق ، وأظنّ القائل بالضرورة لا يطلق كما مضى القول فيه ، والشيخ في الظاهر أنّه قائل بذلك لو كان في الاستبصار قوله يصلح للاعتماد ، ولا يبعد أن يكون قوله : « أو تخوّف » ترديدا من الراوي على سبيل الشكّ فيما قاله الإمامعليهالسلام ، ولا أقلّ من الاحتمال.
أمّا الاستدلال على وجوب السورة بآية( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ ) ففيه : ما هو أظهر من أن يبيّن بعد ما سبق منّا ، والحاصل أنّ ما في الآية كما يحتمل الموصولة يحتمل النكرة الموصوفة ، فالعموم في الموصولة إنّما يصلح للاستدلال لو تعيّن ، وعلى ما قدّمناه من أنّ ظاهر بعض الأخبار ثبوت القراءة من السنّة ينفي دلالة الآية.
ومن عجيب ما وقع للعلاّمة في المختلف أنّه استدل بالآية ووجّه الاستدلال بها :
أوّلا : بأنّ الأمر للوجوب.
وثانيا : بأنّ لفظة « ما » للعموم ، لحسن الاستثناء الذي هو إخراج
__________________
(١) راجع ص ١٣٣.
ما يتناوله اللفظ كما في العدد.
وثالثا : بأنّ القراءة لا تجب في غير الصلاة(١) .
ولا يخفى أنّه يتوجّه على الثاني أنّ انحصار « ما » في العموم بالنسبة إلى الآية غير ظاهر ، بعد احتمال النكرة الموصوفة ، وصحة الاستثناء إن كان المراد به في الآية فهو فرع إرادة العموم والحال أنّه أصل المدّعى ، وعلى تقدير وقوع الاستثناء يكون قرينة إرادة العموم ، لا أنّ كلّ ما وجد لفظ « ما » كان عامّا.
أمّا ما قد يقال عليه : من أنّ ظاهر الآية وجوب قراءة كل ما تيسّر ، فينبغي أن يقول : خرج ما فوق السورة بالإجماع ، ولا يكتفي بقوله : ولا تجب في غير الصلاة ؛ فيمكن الجواب عنه : بأنّ مراده لا يجب قراءة الحمد والسورة في غير الصلاة.
أمّا استدلاله في المختلف على وجوب السورة بأنّ وجوب التسمية بعد الحمد قبل السورة يستلزم وجوب السورة ، إشارة إلى ما مضى من رواية يحيى بن عمران الهمداني ؛ ففيه ما مضى مفصّلا.
واعتراضه في المختلف على الاستدلال بجواز اختصاص وجوب البسملة بمن قرأها لا مطلقا ، ثمّ جوابه بأنّ السورة إذا لم تكن واجبة لم تكن أبعاضها واجبة ؛ لأنّ علماءنا بين قائلين : أحدهما أوجب السورة ، والآخر لم يوجبها فلم يوجب أبعاضها ، فالفرق ثالث(٢) .
فيه : أنّ الجواب لا يطابق السؤال ؛ لأنّ حاصله أنّ البسملة تجب على من قرأ السورة ، وهذا يحتمل أن يراد بالوجوب الحقيقة ويجوز أن يراد به
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٦١.
(٢) المختلف ٢ : ١٦٢.
الشرطيّة.
فإن كان المراد الأوّل احتمل أن يراد أنّ المصلّي مخيّر بين السورة وبعضها ، فإن اختار السورة وجبت البسملة ، وإن اختار البعض لا يجب ، والمورد كلامه يحتمل هذا ؛ لأنّه قال : يجوز اختصاص وجوب البسملة ، إلى آخره. وإرادة أنّ وجوبها مختصّ بالسورة لا مفردة غير بعيدة ، فلا يفيد قوله إحداث ثالث ، والجواب كما ترى يدل على أنّه فهم من السؤال جواز وجوب البسملة في بعض الأحوال فدفعه بأنّه إحداث ثالث.
وأمّا على تقدير الشرطيّة فالأمر واضح ، ولا يبعد توجيه السؤال والجواب ، إلاّ أنّ العبارة قاصرة.
وقد نقل عن الشيخ أنّه احتجّ برواية عليّ بن رئاب ومثلها رواية الحلبي(١) ، والروايتان مرويّتان في التهذيب(٢) ، وهنا كما ترى أحدهما.
ثم قال العلاّمة : إنّ أصحّ ما وصل إلينا في هذا الباب هذان الحديثان ، ولأنّ الأصل براءة الذمّة ، ولأنّ إجزاء بعض السورة يستلزم عدم وجوب السورة ، والملزوم ثابت ؛ لما رواه عمر بن يزيد في الصحيح ، وذكر الرواية الآتية ، ثم أجاب : بأنّ الخبر الأوّل محمول على الضرورة لما رواه عبيد الله الحلبي ، وذكر الرواية الأخيرة هنا ، ووجّه الاستدلال بها من جهة مفهوم الشرط بناء على أنّ الترديد من الإمامعليهالسلام ، ثم قال : وأصالة براءة الذمة غير ثابتة مع العلم بشغلها بالتكليف ، فلا يسقط إلاّ مع العلم بنفيه ، وأجاب عن خبر عمر بن يزيد : بإرادة تكرار السورة في الركعتين(٣) ، كما سيأتي ذكره
__________________
(١) نقله عنه في المختلف ٢ : ١٦٢.
(٢) التهذيب ٢ : ٧١ / ٢٥٩ ، ٢٦١.
(٣) المختلف ٢ : ١٦٣.
فيه إن شاء الله(١) .
وفي نظري القاصر أنّ المقام محلّ تأمّل :
أمّا أوّلا : فما ذكره من الحمل على الضرورة فيه عدم الانضباط كما تقدم ، مع تصريحه في المنتهى بعدم الوجوب مع بعض الضرورات(٢) .
وأمّا ثانيا : فلأنّ ما دلّ على التبعيض غير مخصوص بخبر عمر بن يزيد ، كما ستسمعه(٣) .
وأمّا ثالثا : فلأنّ اشتغال الذمّة إن أُريد به بالصلاة كما هو الظاهر فيكون زوال الاشتغال بفعلها مع السورة منتفيا ، ففيه : أنّ اشتغال الذمّة بمطلق الصلاة يتحقّق بما علم من الشارع وجوبه ، وما لم يعلم يكفي في الامتثال تحقّق الوقوع كيف كان إذا وافق الأمر ولم يتحقّق النهي ، ولزوم توقّف العبادة على النقل مسلّم فيما ثبت ، لكن مع تعارض الأخبار إمّا يحمل على الاستحباب أو يترك العمل ، لكن الترك منفي بالإجماع ، فلم يبق إلاّ حال الضرورة للسقوط ، وعدمها للوجوب أو الاستحباب ، والأوّل له مرجوحيّة بما قدمناه.
ويقين البراءة اعتباره لو تمّ لم يعمل بالأدلّة الظنّية ، إلاّ أن يقال : في مواد الاختلاف يعتبر لا مطلقا.
وفيه : أنّ اليقين للبراءة إذا وجب لا يلتفت إلى الأدلة الظنيّة ، على أنّ اشتغال الذمّة بيقين بعد فعل الصلاة بغير سورة غير معلوم ، نعم قبل فعلها معلوم ، والمطلوب في الحالين.
__________________
(١) في ص ١٤٧.
(٢) المنتهى ١ : ٢٧٢.
(٣) في ص ١٥١.
اللهم إلاّ أنّ يقال : إن فعلها بدون السورة يزيل اليقين الحاصل لاشتغال الذمّة ولا يحصل يقين ببراءة الذمّة ، وبينهما فرق ، فليتأمّل.
قوله :
فأمّا ما رواه سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن العباس بن معروف ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الله بن مسكان ، عن الحسن بن السري ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يقرأ الرجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة قال : « لا بأس إذا كانت أكثر من ثلاث آيات ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه يجوز له إعادتها في الركعة الثانية دون أن يبعّضها ، وذلك إذا لم يحسن غيرها ، فأمّا إذا أحسن غيرها فإنّه يكره له ذلك.
يدل على ذلك.
ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن موسى بن القاسم ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسىعليهالسلام قال : سألته عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة وهو يحسن غيرها ، فإن فعل فما عليه؟ فقال : « إذا أحسن غيرها فلا يفعل فإن لم يحسن غيرها فلا بأس ».
فأمّا ما رواه سعد ، عن محمّد بن عيسى ، عن ياسين الضرير ، عن حريز بن عبد الله ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه سئل عن السورة يصلّي بها الرجل في الركعتين من الفريضة ، فقال : « نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الأولى والنصف الآخر
في الركعة الثانية ».
فهذا الخبر محمول على حال التقيّة دون حال الاختيار.
ويدل على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل بن الفضل قال : صلّى بنا أبو عبد الله أو أبو جعفرعليهماالسلام فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة فلما سلّم التفت إلينا فقال : « أمّا إنّي أردت أن أعلّمكم ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، قال : سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد ونصف سورة هل يجزؤه في الثانية أن لا يقرأ الحمد ويقرأ ما بقي من السورة؟ فقال : « يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقي من السورة ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على النوافل دون الفرائض.
يدلّ على ذلك :
ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين بن علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام عن تبعيض السورة ، فقال : « أكره ولا بأس به في النافلة ».
السند
في الأوّل : فيه الحسن بن السري ولم يتقدم الكلام فيه ، والموجود في الرجال الحسن بن السري الأنباري يعرف بالكاتب مذكور مهملا في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ ، وفي رجال الباقرعليهالسلام كذلك(١) ، وفي
__________________
(١) رجال الشيخ : ١١٥ / ١٩ ، ١٦٦ / ١١.
الفهرست : الحسن بن السري الكاتب له كتاب ، وذكر أنّ الراوي عنه الحسن بن محبوب(١) ؛ وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ الحسن ابن السري الكرخي مهملا(٢) ، وفي النجاشي على ما ذكره شيخنا ـ أيّده الله ـ في الكتاب بعد أنّ نقل عن الخلاصة ما هذا لفظة : الحسن بن السري الكاتب الكرخي ثقة ، وأخوه عليّ ، رويا عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، ثم قال ـ سلّمه الله ـ : وزاد النجاشي : له كتاب رواه عنه الحسن بن محبوب(٣) .
وهذا كما ترى يدل على اتحاد الكاتب والكرخي ، ويؤيّد ما أسلفناه من أنّ الشيخ كثيرا مّا يذكر الرجل الواحد متعددا إذا رآه موصوفا بصفات مختلفة فليكن الحكم ملحوظا في مواضع ، وما ذكره الشيخ من وصف الأنباري ووصف الكرخي لا يخلو من نوع منافرة إلاّ أنّ الجمع ممكن.
ثم إنّ المنقول في كتاب شيخنا ـ أيّده الله ـ في عليّ بن السري ما هذه صورته : اعلم أنّي لم أجد في النجاشي عليّا هذا ولا توثيقه إلاّ مع أخيه ، والعبارة هكذا : الحسن بن السري الكاتب الكرخي وأخوه عليّ رويا عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، وظاهر ابن داود : أنّ العبارة : ثقتان رويا ، إلى آخره. وهو الذي يقتضيه توثيقهما على ما في الخلاصة ورجال ابن داود. انتهى(٤) .
ولا يخفى أنّ ظاهر العبارة في عليّ يقتضي إسقاط ثقة ولعلّها من النسخة ؛ لأنّ تتمّة الكلام تفيد ذلك.
__________________
(١) الفهرست : ٤٩ / ١٦٣.
(٢) رجال الشيخ : ١٦٨ / ٣٩.
(٣) منهج المقال : ٩٩ ، وهو في الخلاصة : ٤٢ / ٢٣ ، وفي رجال النجاشي : ٤٧ / ٩٧.
(٤) منهج المقال : ٢٣٣ ، وهو في الخلاصة : ٤٢ / ٢٣ ، ٩٦ / ٢٨ ، ورجال ابن داود : ٧٣ / ٤١٨ ، ١٣٨ / ١٠٥٢.
ومن العجب ما وقع للعلاّمة في الخلاصة أنّه قال : علي بن السري الكرخي روى عن أبي عبد اللهعليهالسلام ثقة قاله النجاشي وابن عقدة ـ إلى أن قال ـ : وقال الكشي في موضع آخر : قال نصر بن الصباح : علي بن إسماعيل ثقة وهو علي بن السري فلقب إسماعيل بالسري ، ونصر بن الصباح ضعيف عندي لكن الاعتماد على تعديل النجاشي(١) . انتهى.
وأنت خبير بعد ملاحظة الكشي بما وقع من التوهم في عبارته ، كما نبّه عليه شيخنا ـ أيّده الله ـ وتوثيق النجاشي كذلك ، فليتأمّل.
والثاني : لا ارتياب فيه.
والثالث : فيه ياسين الضرير وحاله في الرجال(٢) لا يزيد على الإهمال ، وأبو بصير تكرّر القول فيه(٣) .
والرابع : لا ارتياب في رجاله بعد ما قدّمناه(٤) في أبان ، وإسماعيل بن الفضل ليس في الرجال غير الهاشمي الثقة(٥) ، فتعيّن كونه إيّاه على الظاهر ، واحتمال جهالته بعيد.
والخامس : فيه البرقي ، وهو على الظاهر محمّد بن خالد ، لرواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه في الرجال(٦) ، وفيه كلام مضى(٧) مفصّلا.
والسادس : واضح الرجال.
__________________
(١) الخلاصة : ٩٦ / ٢٨ ، وهو في رجال الكشي ٢ : ٨٦٠ / ١١١٩.
(٢) انظر الفهرست : ١٨٣ / ٧٩٥ ، رجال ابن داود : ٢٠١ / ١٦٨٩.
(٣) في ج ١ : ٧٣ ، ١٣٠.
(٤) في ج ١ : ١٨٣ ، ج ٢ : ١٧٧.
(٥) راجع رجال الشيخ : ١٤٧ / ٨٨ ، خلاصة العلاّمة : ٧ / ١.
(٦) راجع الفهرست : ١٤٨ / ٦٢٨.
(٧) في ج ١ : ٩٥.
المتن :
في الأوّل : قال العلاّمة في المختلف فيه نحو ما قاله الشيخ فيه ، إلاّ أنّ العلاّمة بعد ذكر احتمال تكرار السورة الواحدة في الركعتين قال : إذ الأفضل قراءة إنّا أنزلناه في الركعة الاولى والتوحيد في الثانية ، فقالعليهالسلام : لا بأس بالواحدة فيهما ؛ لما رواه علي بن جعفر ، وذكر الرواية الثانية(١) ، والشيخ كما ترى حملها على ما إذا لم يحسن غيرها ، فأمّا إذا أحسن غيرها فإنّه يكره ذلك.
ولا يخفى أنّ حمل الشيخ أولى من حمل العلاّمة ؛ لأنّ مقتضى الرواية نفي البأس إذا كانت السورة أكثر من ثلاث آيات ، وحينئذ لو أُريد نفي البأس بالنسبة إلى الأفضل كما ذكره العلاّمة ينبغي أن يكون الجواب من دون هذا الشرط ، إذ منطوقه أنّ تكرار السورة في الركعتين إذا كانت أكثر لا بأس به ، ولو كان المراد أنّ السورتين المذكورتين في كلام العلاّمة أفضل لكان ما عداهما لا بأس به.
واستدلال العلاّمة برواية علي بن جعفر لا يطابق مطلوبه ، وقد يمكن التسديد بتكلّف ، وحمل الشيخ كما ترى يوافقه رواية علي بن جعفر.
وما قد يقال : إنّ النهي في قولهعليهالسلام في رواية علي بن جعفر : « فلا يفعل » حقيقة في التحريم ، فالحمل على الكراهة مشكل ، يمكن الجواب عنه : بعدم معلوميّة القائل بالتحريم.
أمّا ما تضمّنته الرواية الاولى من قولهعليهالسلام : « إذا كانت أكثر من ثلاث
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٦٣.
آيات » فقد قيل(١) : إنّه بظاهره يقتضي خروج البسملة من السورة ؛ إذ ليس في السور ما يكون مع البسملة ثلاث آيات ، فإنّ أقصر سورة سورة الكوثر ، وهي مع البسملة أربع ، والإجماع انعقد على أنّها جزء من كل سورة.
وفي كلام بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : لعلّ المراد بالسورة ما عدا البسملة من قبيل تسمية الجزء باسم الكل(٢) . انتهى.
وقد يقال : إنّ دلالة الخبر على وجود سورة ثلاث آيات إنّما هو بالمفهوم ، ودلالة المفهوم قد تترك للامتناع ، كما قرّروه في قوله تعالى :( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) (٣) .
ويجوز أن تكون فائدة ذكر الثلاث آيات للتنبيه على أنّ تكرار جميع السور جائز ، لكن العبارة غامضة في الغاية.
ولشيخنا الشهيد في الذكرى كلام حاصله : أنّ الحديث لو كان واردا في تكرير السورة في الركعتين لم يكن للتقييد بزيادتها على الثلاث فائدة(٤) .
وهذا لا يخلو من وجه ، بل لا يبعد ظهور الخبر في التبعيض من حيث دلالة رواية أبي بصير الآتية(٥) على تقسيم الستّ آيات صريحا ، وهذا ظاهرا. ورواية علي بن جعفر لا تأبى ذلك.
وأمّا خبر إسماعيل بن الفضل ففي دلالته على التقيّة كما ذكر الشيخ
__________________
(١) الحبل المتين : ٢٢٥.
(٢) الحبل المتين : ٢٢٥.
(٣) النور : ٣٣.
(٤) الذكرى : ١٨٦.
(٥) ولكنّها لا يأتي شرحها فيما بعد.
تأمّل ؛ لاحتمال أن يكونعليهالسلام أراد تعليمهم الجواز ، واحتمال الإعلام بحضور من يتّقى يشكل بأنّ الظاهر عدم حصول الفائدة ، إلاّ أن يقال : بأنّ عدم حصولها لا يضرّ بالحال.
وما ذكره الشيخ في توجيه خبر سعد بن سعد في غاية البعد ، والرواية المستدل بها على الحمل ظاهرة في الكراهة بالنسبة إلى الفريضة ، إلاّ أن تحمل الكراهة على التحريم ، وللشيخ في هذا اضطراب كما يعرفه من اطّلع على كتابيه.
وذكر العلاّمة في موضع من المختلف ـ لكن لم يحضرني الآن ـ : أنّ الكراهة قد يراد بها المعنى الأُصولي وقد يراد بها معنى يتناول التحريم(١) . لكن الظاهر من الخبر الكراهة الأُصوليّة.
بقي في المقام شيء وهو أنّ الشيخ كما ترى جعل تكرار السورة الواحدة مكروها مع إحسان غيرها ، وخبر حمّاد المشهور اقتضى أنّهعليهالسلام قرأ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ، في الركعتين(٢) ، والظاهر من الخبر أنّهعليهالسلام أراد بيان الصلاة الكاملة ، فلا بدّ أن يقال باستثناء سورة الإخلاص من التكرار المكروه ، فما ذكره العلاّمة : من أفضليّة إنّا أنزلناه في الاولى والإخلاص في الثانية(٣) . محلّ تأمّل ، وإن كان في الأخبار ما يقتضيه ، إلاّ أنّ خبر حمّاد أسلم سندا فيما أظن ، وما قد يقال : إنّ ظاهر خبر حمّاد في النافلة فيختص بها ، فيه ما لا يخفى.
__________________
(١) المختلف ٢ : ٩٧.
(٢) التهذيب ٢ : ٨١ / ٣٠١ ، الوسائل ٥ : ٤٥٩ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١.
(٣) المختلف ٢ : ١٦٣.
قوله :
باب القران بين السورتين في الفريضة.
أخبرني الشيخرحمهالله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن الهروي(١) ، عن أبان ، عن عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أقرأ سورتين في ركعة؟ قال : « نعم » قلت : أليس يقال : أعط كل سورة حقّها من الركوع والسجود؟! فقال : « ذلك في الفريضة فأمّا في النافلة فليس به بأس ».
محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليهالسلام : « إنّما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة فأمّا النافلة فلا بأس ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن علي بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام عن القران بين السورتين في المكتوبة والنافلة ، فقال : « لا بأس ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من الرخصة ، وإن كان الأفضل ما قدّمناه ؛ لأنّ القران بين السورتين ليس ممّا يفسد الصلاة وقد جاءت الروايات صريحة بالكراهيّة.
السند
في الأوّل : فيه الهروي على ما وجدته من نسخه الآن ، وفي التهذيب القروي(٢) في نسخة معتبرة ، وفي الرجال : عبد السلام بن صالح
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٦ / ١١٧٩ والتهذيب ٢ : ٧٠ / ٢٥٧ : القروي.
(٢) التهذيب ٢ : ٧٠ / ٢٥٧.
الهروي من أصحاب الرضاعليهالسلام (١) ، وله مناسبة ؛ لرواية الحسين بن سعيد عنه ، وعبد السلام المذكور قال العلاّمة في الخلاصة : إنّه ثقة صحيح الحديث(٢) ؛ وفي فوائد جدّيقدسسره عليها : هذا لفظ النجاشي تبعه عليه المصنف(٣) .
ثم حكىقدسسره عن الشيخ أنّه ذكر في كتابه أنّه عاميّ ، وتبعه على ذلك المصنّف ـ يعني العلاّمة ـ في باب الكنى بعبارة يظهر منها أنّ العامي غير هذا ، ثم قالقدسسره والظاهر أنّهما واحد ثقة عند المخالف والمؤالف. انتهى.
ولم نجد(٤) ما ذكرهقدسسره في كتاب الشيخ ، والظاهر أنّ النقل من كتاب ابن طاوس ، وفيه أوهام كثيرة.
ولبعض فضلاء المتأخّرين كلام في المقام ، حاصله : أنّ التصريح بكونه صحيح الحديث يقتضي الجزم بكونه إماميّا ؛ لأنّ الصحيح ما يرويه العدل الإمامي.
ولا يخفى دفع هذا بأنّ تعريف الصحيح المذكور اصطلاح للمتأخّرين ، والمتقدّمون على خلاف هذا ، وقد مضى القول في ذلك مفصّلا.
أمّا ما قد يقال : إنّ الصدوق روى في كتاب كمال الدين رواية ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد السلام بن صالح الهروي(٥) ، وهذا يدل
__________________
(١) انظر رجال الكشي ٢ : ٨٧٢ ، رجال الطوسي : ٣٨٠ / ١٤ ، رجال النجاشي : ٢٤٥ / ٦٤٣.
(٢) رجال العلاّمة : ١١٧ / ٢.
(٣) فوائد الشهيد على الخلاصة : ١٩.
(٤) موجود في المطبوع من كتاب الشيخ في أصحاب الرضاعليهالسلام : ٣٨٠ / ١٤ و ٣٩٦ / ٥.
(٥) حكاه في الوسائل ٤ : ٩٨ أبواب أعداد الفرائض ب ٣٠ ح ٤ عن عيون أخبار الرضاعليهالسلام .
على أنّ المذكور هنا ليس في هذه المرتبة.
فالجواب عنه واضح ؛ لأنّ إبراهيم بن هاشم مذكور في أصحاب الرضاعليهالسلام ، وما وقع في النجاشي بعد حكايته عن الكشي القول بأنّه من أصحاب الرضاعليهالسلام من قوله : وفيه نظر(١) . قد ذكرنا وجهه في كتاب معاهد التنبيه : من احتمال كون النظر لا من جهة أنّه من أصحاب الرضاعليهالسلام ، بل لكونه تلميذ يونس بن عبد الرحمن ؛ فإنّ الكشي ذكر أنّه تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضاعليهالسلام ، وإن كان الحق أنّ احتمال كون النظر ليس من جهة يونس ، لا يخلو من وجه ؛ لما ذكره النجاشي في ترجمة محمّد بن علي بن إبراهيم الهمداني : أنّ إبراهيم بن هاشم يروي عن إبراهيم بن محمّد الهمداني عن الرضاعليهالسلام (٢) . وإن كان احتمال الرواية بواسطة تارة وبعدمها أُخرى في حيّز الإمكان ، إلاّ أنّ ظاهر عبارة النجاشي خلاف هذا في الترجمة المذكورة.
وعلى تقدير الاعتماد على هذا فالتصريح بأنّ عبد السلام من أصحاب الرضاعليهالسلام لا يمنع من رواية إبراهيم بن هاشم عنه وإن لم يكن من أصحاب الرضاعليهالسلام ، فليتأمّل.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الرواية المنقولة عن كمال الدين تضمنت إيمان عبد السلام ، إلاّ أنّ الشهادة منه لنفسه ؛ لأنّ فيها قال : ـ أعني عبد السلام ـ : دخلت إلى باب الدار التي حبس فيها أبو الحسنعليهالسلام ـ إلى أن قال ـ : فدخلت إليه ، وحكى كلاما ، ثم قال : قال لي : « يا عبد السلام أمنكر أنت لما أوجب الله عزّ وجلّ لنا من الولاية كما ينكره غيرك؟ » قلت : معاذ
__________________
(١) رجال النجاشي : ١٦ / ١٨.
(٢) رجال النجاشي : ٣٤٤ / ٩٢٨.
الله بل أنا مقرّ بولايتكم(١) . انتهى.
وربّما يقال : إنّ الخبر وإن كان ( فيه ما فيه )(٢) ، إلاّ أنّ اعترافه بما ذكر كاف في إيمانه ، والطريق إليه حسن ، فما ذكره جدّيقدسسره نقلا عن الشيخ من كونه عاميّا(٣) ربّما يندفع بهذا ، فليتأمّل ، هذا.
وينبغي أن يعلم أنّي وقفت بعد ما ذكرته على رواية من الشيخ في باب صلاة العيدين وفيها تصريح برواية الحسين بن سعيد عن أحمد بن عبد الله القروي عن أبان(٤) ، وحينئذ يتعيّن أن يكون الموجود هنا هو القروي ، ونسخة الهروي تصحيف ، والمذكور فيما يأتي مجهول الحال ، لأنّي لم أقف عليه في الرجال.
والثاني : فيه عبد الله بن بكير ، وقد مضى القول فيه مفصّلا(٥) .
والثالث : لا ارتياب فيه كما لا يخفى.
المتن :
في الأوّل : لا يخفى دلالة صدره على أنّ القران بين السورتين جائز على الإطلاق ، إلاّ أنّ قول السائل : قلت : أليس يقال ، محتمل لأن يكون مراده أنّ إطلاق الجواب بالجواز يقتضي نوع منافرة للأمر بإعطاء كل سورة حقها على سبيل الاستحباب ، كما يحتمل أن يكون على سبيل الوجوب ،
__________________
(١) لم نعثر عليها في كمال الدين ، ولكنّها موجودة في عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ : ١٨٢ / ٦ ، الوسائل ٤ : ٩٨ أبواب أعداد الفرائض ب ٣٠ ح ٤ ، بتفاوت يسير.
(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : منه.
(٣) راجع ص : ١٥٦.
(٤) التهذيب ٣ : ١٣٢ / ٢٨٨.
(٥) في ج ١ : ١٢٥.
وعلى التقديرين قد يشكل الإطلاق في الجواب أوّلا ، كما يشكل الجواب بقولهعليهالسلام : « ذاك في الفريضة » لأنّ إطلاق التجويز في الجواب الأوّل ملائمته للتفصيل خفيّة.
ولا يبعد أن يكون السائل فهم الإطلاق ثم سأل عن وجه الجمع بين الجواز وبين ذاك الدال على الرجحان ، فأزاحعليهالسلام الريبة بالفرق بين الفرض والنفل ، ولعلّهعليهالسلام لمّا علم أنّ السائل يستفصل عن الأمرين أجمل في الأوّل ، وعلى كل حال فذكر الشيخ الرواية في الأوّل مع ظاهر دلالتها على وجوب إعطاء كل سورة حقّها الدال على تحريم القران ، مع ادّعائه دلالة الثانية على الكراهة ، لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الكراهة في الأخبار تستعمل بمعنى التحريم بكثرة.
وعلى تقدير دلالة الخبر الأوّل على التحريم يحمل الثاني عليه ، بجواز استعمال الكراهة فيه ، ولو كان الأوّل صريحا في عدم التحريم أمكن أن يقال : إنّ الكراهة مشتركة في الأخبار بين التحريم والكراهة ، ومع الاشتراك لا ينافي الخبر الأوّل الدال على الجواز(١) ، إلاّ أن يقال : إنّ الخبر الأوّل في حيّز الإجمال بسبب ما قدّمناه من الاحتمال ، فيبقى الخبر الثاني صالحا للكراهة ، لا أنّه صريح كما قاله الشيخ ، فإنّ الصراحة ينافيها استعمال الكراهة في التحريم ، وبالجملة فالمقام واسع البحث ، وقد ذكرت في حاشية التهذيب ما لا بدّ منه أيضا.
غير أنه ينبغي أن يعلم أنّ الشيخ في زيادات التهذيب روى الثالث بزيادة بعد قوله : « لا بأس » وهي : وعن تبعيض السورة ، قال : « أكره
__________________
(١) في « رض » : عدم الجواز.
ولا بأس به في النافلة » وعن الركعتين اللتين يصمت فيهما الإمام أيقرأ فيهما بالحمد وهو إمام يقتدى به؟ قال : « إن قرأت فلا بأس وإن سكتّ فلا بأس »(١) .
والشيخرحمهالله في التهذيب قال بعد الرواية : قوله : لا بأس بالقران بين السورتين في المكتوبة ، محمول على أنّه إذا كان إحدى السورتين الحمد ، وليس في الظاهر أنّه لا بأس بقراءتهما بعد الحمد(٢) .
وهذا الكلام من الشيخرحمهالله غريب وقد حمل الخبر هنا كما ترى على الرخصة وأنّ الأفضل عدم القران ، وأنت خبير بدلالة الكلام على أنّ في الرواية الاولى لا بدّ من التوجيه السابق ، ولولاه لكانت الرواية في غاية الإجمال ، وقد ذكرت في كتاب معاهد التنبيه ما يتوجه في المقام بعد الزيادة التي في التهذيب.
والحاصل أنّ الشيخ يظهر منه عدم القول بجواز التبعيض في الفرض ، بل يظهر من بعض الأصحاب نفي القول به(٣) ، وحينئذ فما تضمنته الرواية من الزيادة في جواب السؤال عن التبعيض من قولهعليهالسلام : « أكره » لا بدّ من حمله على التحريم ، وإذا حمل عليه يستبعد حمل الكراهة في أوّله على غير التحريم ، فقول الشيخ هنا : إنّ الروايات جاءت صريحة بالكراهة ، لا يخلو من تأمّل ، إلاّ أنّ الأمر ربّما يسهل على تقدير عدم تحقّق الإجماع على نفي التبعيض ، وبتقدير الثبوت ربّما يقال : إنّه لا مانع من استعمال الكراهة في خبر واحد تارة بمعنى التحريم للمعارض ، وتارة لغيره ، إلاّ أنّ
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٢٩٦ / ١١٩٢ ، الوسائل ٨ : ٣٥٨ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ١٣.
(٢) التهذيب ٢ : ٢٩٦.
(٣) كما في مجمع الفائدة ٢ : ٢٠٦.
الحق عدم الصراحة كما قاله الشيخ ، فإنّ تتبع الأخبار يقتضي خلافه.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ القِران في المكتوبة على تقدير التحريم قيل : إنّه مفسد(١) .
واحتج عليه في المختلف بأنّ القارن بين السورتين غير آت بالمأمور به على وجهه(٢) .
وناقشه بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ بتحقّق الامتثال بقراءة الواحدة ، والثانية خارجة عن الصلاة ، فالنهي لا يستلزم الفساد كالنظر إلى الأجنبيّة(٣) . انتهى.
ولقائل أن يقول : إن القران إن وقع في أوّل القصد على معنى فعل السورتين بقصد القران من ابتداء القراءة للسورة فالنهي واضح الاستلزام للفساد ؛ إذ الواحدة هي المأمور بها ولم يأت بها ، وكونها في جملة الثنتين غير كونها مأمورا بها ؛ إذ المعيّة تنافي الوحدة ، إلاّ أن يقال : قصد الوحدة غير معتبر ، وفيه : أنّ عدم اعتبار قصد الواحدة مسلّم ، أمّا قصد عدمها فعدم اعتباره محلّ كلام.
أمّا لو قصد القران بعد الفراغ من السورة أمكن الحكم بالصحة وعدمها ، كما ذكرته في محل آخر من حواشي الروضة.
والحاصل : أنه لا يبعد أن يقال : إن الصلاة كيفيّة متلقّاة من الشارع ، وكل ما خالف المنقول يقتضي عدم الامتثال ، فليتأمّل.
__________________
(١) الانتصار : ٤٤ ، والنهاية : ٧٥ ـ ٧٦.
(٢) المختلف ٢ : ١٦٨ ـ ١٧٠.
(٣) الحبل المتين : ٢٢٦.
قوله :
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء عن زيد الشحّام قال : صلّى بنا أبو عبد اللهعليهالسلام الفجر فقرأ والضحى وأ لم نشرح في ركعة.
فلا ينافي ما قدّمناه من كراهيّة القران بين السورتين ؛ لأنّ هاتين السورتين سورة واحدة عند آل محمّدعليهمالسلام وينبغي أن يقرأهما موضعا واحدا ولا يفصل بينهما ببسم الله الرّحمن الرّحيم في الفرائض.
ولا ينافي هذا(١) : ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن الحسين ، عن ابن مسكان ، عن زيد الشحّام قال : صلّى بنا أبو عبد اللهعليهالسلام فقرأ بنا الضحى وأ لم نشرح.
لأنّه ليس في هذا الخبر أنّه قرأهما في ركعة أو ركعتين ، فإذا كان هذا الراوي بعينه قد روى هذا الحكم بعينه وبيّن أنّه قرأهما في ركعة واحدة فحملُ هذه الرواية المطلقة على ما يطابق ذاك أولى.
ولا ينافي ذلك :
ما رواه أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن زيد الشحّام قال : صلّى بنا أبو عبد اللهعليهالسلام فقرأ في الأُولى الضحى وفي الثانية ألم نشرح.
فهذه الرواية وإن تضمّنت أنّه قرأهما في ركعتين فليس فيها أنّه قرأهما في الفريضة أو النافلة ، ويجوز أن يكون قرأهما في ركعتين من
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٧ : هذا الخبر.
النوافل ، وذلك جائز على ما بيّناه.
السند
في الأوّل : واضح ، وكذلك الثاني ، والحسين الأوّل فيه ابن سعيد ، والثاني ابن عثمان.
والثالث : فيه الإرسال ، وكون المرسل ابن أبي عمير قد قدّمنا القول فيه مفصّلا في أوّل الكتاب ، والحاصل : أنّ الإجماع غير منعقد على قبول مراسيله ، لتصريح الشيخ في الكتاب بردّ روايات بالإرسال(١) والمرسل لها ابن أبي عمير ، كما أنّ فيه دفعا لما ظنّ من أنّ معنى قول الكشي : فلان اجمع على تصحيح ما يصح عنه(٢) ، أنّ ما ثبتت صحّته إليه كاف في صحة الخبر وإن كان ما بعده بغير صفة الصحيح ؛ لأنّ ابن أبي عمير من المجمعين على تصحيح ما يصح عنه(٣) ؛ وقد ردّ خبره بالإرسال كما سمعته ، على أنّ ذكر مراسيل ابن أبي عمير وقبولها في كلام متأخّري الأصحاب(٤) صريح في أنّ معنى الإجماع ليس ما ذكر.
وما وقع في النجاشي من السكون إلى مراسيله من الأصحاب(٥) ، قد بيّنا فيما سبق أنّه لا يدل على قبول مراسيله ؛ لأنّه ذكر أنّ كتبه ذهبت فلذلك يسكنون الأصحاب إلى مراسيله.
وهذا كما ترى لا يليق منه إرادة إثبات صحة المراسيل بما ذكر ، فإنّه
__________________
(١) راجع ج ١ : ١٠٢.
(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣٠ / ١٠٥٠.
(٣) انظر نقد الرجال : ٢٨٥.
(٤) كالشهيد الثاني في الدراية : ٢٠ ، التفريشي في نقد الرجال : ٢٨٥.
(٥) رجال النجاشي : ٣٢٦ / ٨٨٧.
لا يفيد المدّعى بوجه ، ومثل النجاشي لا يتكلم به ، بل الظاهر منه ـ في النظر القاصر ـ أنّ كثرة الإرسال لا يوجب قدحا فيه من حيث عدم الضبط ، إذ لم يحفظ من روى عنه بكثرة ، فلمّا ذهبت كتبه ظهر عذره ، فمن ثمّ سكن الأصحاب إلى مراسيله ، وجميع هذا مضى(١) ، وإنّما أعدناه لبعد العهد.
المتن :
في الأوّل : ظاهر في أنّهعليهالسلام قرأ الضحى وأ لم نشرح في ركعة ، وتأويل الشيخ أنّهما سورة واحدة في ظاهر الحال أنّه من الإجماع ، لكن لا يخفى أنّه يتوجه على الشيخ أنّ لفظ « ينبغي » في غير محلّه ، بل يجب عنده قراءتهما حيث لم يجوّز التبعيض.
وما قد يظن : من أنّ الشيخ ظنّ كونهما سورة واحدة من قراءتهما مع ورود الأخبار بقراءة السورة الواحدة ، لا وجه له ، فإنّ مثل هذا واضح الاندفاع ، بل الظاهر أنّه مرجع الشيخ إلى الإجماع ، غاية الأمر قد يشكل الحال في ترك البسملة مع وجودها في المصاحف ، والحرص على نفي الزوائد منه من نحو الإعراب وغيره يدل على كون البسملة منهما ، والصدوق في الفقيه جزم بأنّهما سورة واحدة(٢) ، وهو كثير التثبّت في الأحكام.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره المحقّق في المعتبر من أنّا لا نسلّم أنّهما سورة واحدة ، بل إنّما تدل الأخبار على قراءتهما في ركعة(٣) . محل تأمّل ؛
__________________
(١) في ج ١ : ١٠٢.
(٢) الفقيه ١ : ٢٠٠ / ٩٢٢.
(٣) المعتبر ٢ : ١٨٨.
لأنّ دعوى الشيخ الإجماع لا وجه لردّها ، إلاّ أنّ المحقّق في الإجماع المدعى كثير الاضطراب فيه.
والعجب من شيخناقدسسره في المدارك أنّه قال ـ عند قول المحقّق في الشرائع : روى أصحابنا أنّ الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، إلى آخره ـ : ما ذكره المصنّف من رواية الأصحاب لم أقف عليه في شيء من الأُصول ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال(١) . انتهى. ولا يخفى أنّ نقل الشيخ الإجماع لا أقلّ من كونه رواية مرسلة ، مع أنّ الصدوق ظاهره نقل متون الأخبار في كتابه ، فليتأمّل.
أمّا ما يحكى عن بعض الأصحاب أنّه نقل عن كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر أنّ فيه : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « لا يجمع بين السورتين في ركعة واحدة إلاّ الضحى وأ لم نشرح وسورة الفيل ولإيلاف »(٢) فلم أقف الآن على المأخذ ، إلاّ أنّ الرواية ظاهرة في التعدد ، لكن لا تدل على وجوب الجمع ، كما يفهم من كلام جدّيقدسسره في بعض مصنّفاته(٣) .
وما قاله الشيخرحمهالله في الثاني : من أنّه ليس في الخبر أنّه قرأهما في ركعة أو ركعتين ؛ متوجّه ، إلاّ أنّ ما ذكره في الثالث محل تأمّل ؛ لأنّ الحمل على النافلة يقتضي أنّ الرواية مختلفة ، فتارة يكون قد روى الراوي وقوع الفعل في الجماعة ، وتارة في غيرها بناء على عدم صحّة الجماعة في النافلة ، كما هو المشهور بين المتأخّرين(٤) ، بل ادّعى الشهيدرحمهالله الإجماع
__________________
(١) المدارك ٣ : ٣٧٧.
(٢) المعتبر ٢ : ١٨٨.
(٣) روض الجنان : ٢٦٩.
(٤) قال الشهيد في البيان : ٢٢٤ : المشهور أنّها لا تجوز في النوافل.
على نفيه(١) ؛ وإن كان فيه بحث ؛ لوجود القائل(٢) ، ودلالة صريح الأخبار عليه(٣) ، ولا يبعد أن يكون الشيخ ملاحظا لكون الصلاة جماعة في النافلة ، لما يظهر من كلامه في الخبرين مراعاة للمطابقة ؛ إذ لو حمل الروايات على التعدد لأمكن أن يقال بعدم المانع من فعلهعليهالسلام تارة في ركعة وتارة في ركعتين ، والتبعيض يدل عليه بعض الأخبار كما سبق بيانه(٤) .
قوله :
باب النهي عن قول آمين بعد الحمد
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : « إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قرائتها فقل أنت : الحمد لله رب العالمين ، ولا تقل : آمين ».
الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن محمّد الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب : آمين؟ قال : « لا ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب : آمين ، قال : « ما أحسنها وأخفض الصوت بها ».
__________________
(١) الذكرى : ٢٥٤.
(٢) لم نعثر عليه قال في المدارك ( ٤ : ٣٣٨ ) : والقول بجواز الاقتداء في النافلة مطلقا مجهول القائل.
(٣) الوسائل ٨ : ٣٣٦ أبواب صلاة الجماعة ب ٢٠ ح ٩ و ١٢.
(٤) راجع ص : ١٥٩ ـ ١٦٠.
فأوّل ما في هذا الخبر أنّ راويه جميل وقد روى ضدّ ذلك وهو ما قدّمناه من قوله : ولا تقل : آمين ، بل قل : الحمد لله ربّ العالمين ، وإذا كان قد روى ما ينقض هذه الرواية ويوافق رواية غيره فيجب العمل عليه دون غيره ، ولو سلّم لجاز أن نحمله على ضرب من التقيّة ، لإجماع الطائفة(١) على ترك العمل به.
وأيضا فقد روى الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن معاوية بن وهب قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : قول آمين إذا قال الإمام : غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين؟ قال : « هم اليهود والنصارى » ولم يُجب في هذا.
فعدولهعليهالسلام عن جواب ما سأله السائل دليل على كراهيّة هذه اللفظة ، وإن لم يتمكن من التصريح بكراهيّته للتقيّة والاضطرار فعدل عن جوابه جملة.
السند
في الأوّل : حسن على تقدير كون عبد الله بن المغيرة هو الثقة في النجاشي(٢) ، كما هو الظاهر من الإطلاق ، واحتماله لعبد الله بن المغيرة المذكور في رجال الرضاعليهالسلام من كتاب الشيخ مهملا(٣) بعيدٌ.
والثاني : فيه محمّد بن سنان.
والثالث والرابع : صحيحان على ما مضى القول في رجالهما(٤) .
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣١٩ : الطائفة المحقّة.
(٢) رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥٦١.
(٣) رجال الشيخ : ٣٧٩
(٤) راجع ج ١ : ٧٠ ، ١٠٢ ، ٤٥٣ وج ٣ : ٤٦.
المتن :
نقل بعض محققي المتأخّرينرحمهالله عن العلاّمة في المنتهى أنّه قال ، قال علماؤنا : يحرم قول آمين وتبطل الصلاة به ، وقال الشيخ : سواء ذلك في آخر الحمد وغيره سرّا وجهرا للإمام والمأموم وعلى كل حال ، وادّعى الشيخان والمرتضى إجماع الإماميّة عليه(١) .
وفي شرح الإرشاد لجدّيقدسسره أنّ المستند صحيح جميل وذكر الرواية(٢) ؛ وفيه ما ستسمعه بعد نقل كلام الروضة ، وأيضا لا يخفى أنّ ما تضمّنه من قوله : « فقل أنت : الحمدُ لله ربّ العالمين » على الاستحباب ، ومعه يقرب أن يكون النهي للكراهة في قوله : « ولا تقل آمين » إلاّ أن يقال بعدم الملازمة بين كون الأمر للاستحباب نظرا إلى الإجماع وكون النهي للكراهة ، بل هو باق على حقيقته ؛ لعدم المقتضي ؛ وفيه استبعاد الاختلاف في الخبر الواحد ، لكنه محل كلام.
والثاني : كما ترى وإن دل على النهي الذي هو حقيقة في التحريم ، إلاّ أنّ ضعف المستند فيه ظاهر ، والوالدقدسسره كان يتوقّف في الأوامر والنواهي في الأخبار بالنسبة إلى الوجوب والتحريم حقيقة ، لكثرة استعمالهما في الندب والكراهة(٣) ، ولعلّ الإجماع المدعى في المقام يسهّل الخطب إن تمّ.
__________________
(١) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٤ ، المنتهى ١ : ٢٨١ ، المفيد في المقنعة : ١٠٥ ، والشيخ في الخلاف ١ : ٣٣٤ ، والسيد في الانتصار : ٤٢.
(٢) روض الجنان : ٢٦٧.
(٣) راجع معالم الأُصول : ٤٨ ، ٩٤ والظاهر منه عدم التوقّف.
وقد اتفق لجديقدسسره في الروضة أنّه قال ـ عند قول الشهيدرحمهالله في التروك : والتأمين ـ : في جميع أحوال الصلاة وإن كان عقيب الحمد أو دعاء ، للنهي عنه في الأخبار(١) . والحال أنّ دلالة الأخبار مختصّة بما بعد الفاتحة ، فالتعميم لا يخلو من غرابة.
ونقل بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع على بطلان الصلاة بالتأمين(٢) ؛ وهو غريب ، فإنّ الخلاف موجود ، كما أنّه في التحريم كذلك.
ومن ثمّ نقل عن المحقّق في المعتبر الميل إلى الكراهة محتجا بالثالث(٣) ؛ وما ذكره الشيخ من حمله على التقيّة قد يشكل بأنّه ليس بأولى من الحمل على الكراهة في النهي ؛ وفيه : أنّ الظاهر من الثالث نفي الكراهة.
ولا يبعد أن يحمل قولهعليهالسلام : « ما أحسنها » على النفي وتشديد « أُحسّنها » أي : لست أُعدّها حسنة ، فيؤيّد الكراهة ، وربّما احتمل أن يكون قوله : وأخفض ، من كلام جميل حكاية عنهعليهالسلام أنّه أتى بهذه اللفظة خفيّة ، فيؤيّد التقيّة من جهة أُخرى ، إلاّ أنّي لم أقف على ما يقتضي صحة هذا اللفظ(٤) في العربيّة.
أمّا الاستدلال على التحريم بقولهصلىاللهعليهوآله : « هذه الصلاة لا يصلح فيه شيء من كلام الآدميّين »(٥) وآمين من كلامهم ؛ إذ ليست بقرآن ولا دعاء
__________________
(١) الروضة ١ : ٢٨٦.
(٢) الحبل المتين : ٢٢٥ ، الخلاف ١ : ٣٣٤.
(٣) الحبل المتين : ٢٢٥ وهو في المعتبر ٢ : ١٨٦.
(٤) في ( م ) : هذه اللفظة.
(٥) صحيح مسلم ١ : ٣٨١ / ٣٣ بتفاوت يسير.
ولا ذكر ، إنّما هي اسم للدعاء ، وهو : اللهم استجب ، والاسم مغاير لمسمّاه(١) . ففيه : أنّ الخبر غير معلوم السند.
وذكر بعض الأصحاب أنّ الاستدلال مبني على أنّ أسماء الأفعال أسماء لألفاظها لا لمعانيها(٢) ؛ وهو خلاف الظاهر ، كما ذكره المحقّق الرضيرضياللهعنه مستدلا بأنّ العرب تقول : صه ، وتريد معنى : اسكت ، لا يخطر ببالها لفظ اسكت ، بل قد لا تكون مسموعة له أصلا. انتهى(٣) .
وقد يقال : إنّ غرض المستدل كون الإذن في الدعاء لا في اسم الدعاء ، فلا يضرّ ما ذكره المورد ، وفيه ما لا يخفى ، ولا يبعد أن يقال : إنّ آمين لو فرض أنّها دعاء محض والنهي ورد عنها فلا سبيل إلى استثنائها ، نعم لو ردّ الخبر الدال على النهي إمّا بعدم الصحة أو عدم الصراحة في التحريم أمكن أن يقال : إنّ ما دلّ على تحريم الكلام في الصلاة مطلق إلاّ ما خرج بالدليل وهو الدعاء ، وكون لفظ آمين دعاء يتوقف على الثبوت ، ولم يعلم هذا.
فإن قلت : الدعاء المأذون فيه لا يختص بلفظ ، وكون آمين في معنى الدعاء لا ينكر ، وذلك كاف في المطلوب.
قلت : لا يبعد أن يكون الدعاء المأذون فيه ما يسمّى دعاء لغة أو عرفا على تقدير انتفاء الشرع ، واللغة غير معلومة الآن ، والعرف لا يساعد على كون آمين دعاء ، وإن كان في البين كلام.
أمّا ما قد يقال في توجيه عدم الإفساد : من أنّ النهي عن أمر خارج
__________________
(١) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٤.
(٢) حكاه في مجمع الفائدة ٢ : ٢٣٥.
(٣) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٢٣٥ ، وهو في شرح الرضي على الكافية ٣ : ٨٧.
عن العبادة ، ففيه : ( أنّه إذا تحقّق النهي علم أنه غير مستثنى ممّا يجوز ، ومعه تتوقف الصحّة على الدليل ؛ إذ العبادة متلقّاة من الشارع ، ولو نوقش في ذلك يقال : إنّ إطلاق المنع من الكلام والإبطال به حاصل إلاّ ما خرج بالدليل ، والفرض وقوع النهي عن قوله : آمين ، فليتأمّل )(١) .
ومن هنا يعلم أنّ القائل بالتعميم في الفاتحة وغيرها(٢) ربّما يوجّه كلامه بنوع من التدبر فيما ذكرناه.
وما قاله بعض الأصحاب من أنّ الأوامر المطلقة تقتضي الصحة(٣) ، فيه تأمّل يعرف من تفصيل المقام.
أمّا ما يقال : من أنّ التأمين لا يصح إلاّ لمن قصد الدعاء ، فلا يجوز إلاّ لمن قصد الدعاء ، لأنّه كلام بغير ذكر ودعاء ، فيدخل تحت النهي فيكون حراما ومبطلا.
ففيه تأمّل ؛ لأنّ(٤) استجابة الدعاء لا يختصّ بحضوره ، سلّمنا ، لكن النهي غير عام في الأخبار ، والإجماع على أنّ غير الذكر والدعاء مبطل على وجه يتناول التأمين غير حاصل ، كما هو واضح.
إلاّ أن يقال : إنّ إثبات كون التأمين دعاء غير معلوم ، فيحتاج الحكم بجوازه إلى دليل.
وفيه : انّ الكلام في الدخول تحت النهي.
وما ذكره الشيخ في التبيان لتوجيه الإبطال بآمين من لزوم خروج
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض » ، وبدله في « م » : وجه.
(٢) راجع ص : ١٦٩.
(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٥.
(٤) في « فض » زيادة : طلب.
الفاتحة عن كونها قرآنا إن قصد الدعاء ، أو عدم فائدة التأمين على تقدير قصد القرآن ، ولزوم استعمال المشترك على تقدير إرادة القرآن والدعاء من الفاتحة(١) ؛ اعترض عليه جدّيقدسسره .
أوّلا : بمنع الاشتراك لاتّحاد المعنى.
وثانيا : أن قصد استجابة الدعاء لا يتعيّن كونه بالفاتحة(٢) .
وقد يقال على الأوّل : إنّ الاشتراك لو فرض إمكانه فالمعنى مختلف ، ومن ثم جوّز القنوت بالقرآن من حيث الدعاء ، نعم الوضع للدعاء غير متحقّق ليدخل في المشترك بحسب وضعه ، كما يعلم من الأُصول ، وقد ورد في معتبر الأخبار أنّ الفاتحة مشتملة على الدعاء والذكر(٣) .
وعلى الثاني : قصد استجابة الدعاء إذا لم يتعيّن يقتضي اعتبار قصد الاستجابة لغير الفاتحة ، والمطلوب لجدّيقدسسره الإبطال بالتأمين مطلقا(٤) ، إلاّ أنّ توجيه هذا غير بعيد ، فليتأمّل.
أمّا الخبر الرابع : فربما كانت التقيّة فيه ظاهرة ، وكأنّ بعض المخالفين كان حاضرا في المجلس فأوهمهعليهالسلام أنّ السؤال عن تفسير المغضوب عليهم ولا الضالين ، أمّا الحمل على كون القائلين بهذه اللفظة كاليهود والنصارى فممّا لا يليق ذكره.
__________________
(١) التبيان ١ : ٤٦.
(٢) روض الجنان : ٢٦٧.
(٣) انظر الوسائل ٦ : ١٠٨ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٢ ح ١.
(٤) روض الجنان : ٢٦٧.
قوله :
باب من قرأ سورة من العزائم التي في آخرها السجود.
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قال : « يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع ويسجد ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد ، عن أبي البختري وهب بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن أبيه ، عن عليعليهمالسلام أنّه قال : « إذا كان آخر السورة السجدة أجزأك أن تركع بها ».
فلا ينافي هذا الخبر الأوّل ؛ لأنّ هذا الخبر محمول على من يصلّي مع قوم لا يمكنه أن يسجد ويقوم فيقرأ الحمد ، فإنّه لا بأس أن يركع ، والخبر الأوّل محمول على المنفرد.
والذي يدل على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : « من قرأ اقرأ باسم ربك ، فإن ختمها فليسجد ، فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب وليركع » قال : « فإن ابتليت مع إمام لا يسجد فيجزؤك الإيماء والركوع ، ولا تقرأها في الفريضة اقرأها في التطوع ».
السند
في الأوّل : حسن على تقدير ما قدّمناه(١) : من أنّ العدّة المذكورة
__________________
(١) في ج ١ : ٤٧٥.
هي من ذكرهم في ترتيب الوضوء من حيث إن الظاهر عدم الاختصاص بذلك الباب.
والثاني : فيه وهب بن وهب وهو ضعيف.
والثالث : فيه عثمان بن عيسى وقد مضى مكرّرا ضعفه(١) .
المتن :
في الأوّل : لو لا دعوى الإجماع في كلام بعض(٢) على تحريم قراءة العزيمة في الفريضة لأمكن تأييد الإطلاقات الدالة على قراءة السورة به ، لكن ظاهر الشيخ كما ترى القول بمضمونه ، حيث لم يتعرض لحمله على ما يوافق المشهور.
والثاني : ما ذكره الشيخ في توجيهه لا يتعيّن ، لجواز حمل الأوّل على الفضل والثاني على الجواز.
وما تضمّنه الثالث : من النهي لم يتعرض الشيخ له مع أنّه المهمّ من حيث اقتضائه حمل الأوّل على النافلة أو على قراءة العزيمة سهوا ، ونحو ذلك ، وعلى تقدير عدم الإجماع يمكن حمل النهي في الأخيرة على الكراهة ، كما يؤيّده الأمر بالقراءة في التطوع.
هذا وفي أخبار أُخر ما يدل على الجواز مطلقا ، كما رواه الشيخ في التهذيب في زيادات الصلاة ، والثقة الجليل محمّد بن يعقوب في الحسن ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة ، قال : « يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع
__________________
(١) في ج ١ : ٧١ ، ١٨٣.
(٢) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٣.
ويسجد »(١) .
وروى الشيخ في الصحيح ، عن محمّد ، عن أحدهماعليهماالسلام ، قال : سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد ، قال : « يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم »(٢) .
وغير ذلك من أخبار نقلتها في كتاب معاهد التنبيه مع زيادة أحكام لا بدّ منها.
وللأصحاب كلام في بطلان الصلاة مع قراءة العزيمة واحتجاج لبعض على المنع(٣) .
أمّا الأوّل : فوجّه البطلان بعضهم بزيادة السجدة في الصلاة ، أو ترك الفوريّة الموجب للنهي عن الضد(٤) ؛ واعترض عليه : بعدم ثبوت الفوريّة ، وعلى تقديرها بالبناء على وجوب إكمال السورة وتحقق القران بالبعض(٥) ، والإثبات فيهما مشكل.
وأمّا الثاني : فهو يعرف من الأوّل ، وقد ذكرنا ما في ذلك كلّه في الكتاب المشار إليه ، والحاصل أنّه لا يبعد اختصاص القران بالسورتين التامّتين ؛ لما هو معلوم من جواز العدول من السورة إلى أُخرى مع الشرط المذكور في محلّه ، إلاّ أن يقال : إنّ القران لا يتم إلاّ بالقصد من أوّل الأمر ؛ وفيه : أنّه يستلزم جواز قراءة سورتين بعد قصد قراءة واحدة من أوّل الأمر ،
__________________
(١) الكافي ٣ : ٣١٨ / ح ٥ ، التهذيب ٢ : ٣٩١ / ح ١١٦٧ ، الوسائل ٦ : ١٠٢ أبواب القراءة في الصلاة ب ٣٧ ح ١.
(٢) التهذيب ٢ : ٢٩٢ / ١١٧٦ ، الوسائل ٦ : ١٠٤ أبواب القراءة في الصلاة ب ٣٩ ح ١.
(٣) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٢ ، المدارك ٣ : ٣٥١ ـ ٣٥٣.
(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٢.
(٥) المدارك ٣ : ٣٥٢.
وإشكاله على تقدير القول بالتحريم ظاهر من إطلاق الأخبار.
وقد ذكر بعض الأصحاب أنّ البطلان بقراءة السورة من العزائم إنّما يظهر بعد قراءة آية السجدة ليتوجّه النهي إلى العبادة(١) . وربّما يقال : إنّ وجوب إكمال السورة إذا سلّم لزم منه محذور النهي في العبادة. وفيه نوع تأمّل ، إلاّ أنّه قابل للتسديد ، فما ذكره جدّيقدسسره في شرح الإرشاد : من أنّه على القول بالتحريم مطلقا كما ذكره المصنّف ـ يعني العلاّمة ـ والجماعة ، من قرأ العزيمة عمدا بطلت صلاته بمجرد الشروع في السورة وإن لم يبلغ موضع السجود ، للنهي المقتضي للفساد(٢) ؛ محلّ بحث.
هذا ، ويبقى من الأخبار الدالة على المنع ما نقله شيخناقدسسره عن الشيخ(٣) ، والذي رأيته في الكافي ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : « لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم ، فإنّ السجود زيادة في المكتوبة »(٤) .
قال شيخناقدسسره : وفي الطريق القاسم بن عروة وهو مجهول ، وعبد الله بن بكير وهو فطحيّ(٥) .
وما ذكره في القاسم يريد به الجهالة بحاله بسبب عدم وجود ما يدل على المدح والتوثيق مع ذكره في الرجال ، وقد قدّمنا فيه القول وذكر ما توهّم فيه البعض(٦) ، والعجب من قول العلاّمة في المنتهى أنّ القاسم بن عروة ما يحضرني الآن حاله(٧) ، وله في المختلف نظير هذا في كثير من
__________________
(١) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٣٣.
(٢) روض الجنان : ٢٦٦.
(٣) المدارك ٣ : ٣٥٢.
(٤) الكافي ٣ : ٣١٨ / ٦ ، الوسائل ٦ : ١٠٥ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٠ ح ١.
(٥) المدارك ٣ : ٣٥٢.
(٦) في ج ١ : ٤٣٩.
(٧) المنتهى ١ : ٢٧٦.
الرجال ، وهو يوجب زيادة الفكر ( في سرعة الاستعجال )(١) .
قوله :
باب الحائض تسمع سجدة العزائم.
(٢) الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيّوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إن صلّيت مع قوم فقرأ الإمام( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) أو شيئا من العزائم وفرغ من قراءته ولم يسجد فأوم إيماء ، والحائض تسجد إذا سمعت السجدة ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن وتسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال : « تقرأ(٣) ولا تسجد ».
فلا ينافي الخبر الأوّل ؛ لأنّ الخبر الأوّل محمول على الاستحباب دون الوجوب ، وهذا الخبر محمول على جواز تركه ، ولا تنافي بينهما.
السند
في الأوّل : واضح الحال بأبي بصير لتكرّره فيما مضى من المقال(٤) .
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٠ / ١١٩٢ : أخبرني.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٢٠ / ١١٩٣ : لا تقرأ.
(٤) في ج ١ : ٧٣.
والثاني : لا ارتياب فيه بعد ما قدمناه في أبان مرارا(١) ، وذكرنا عن قريب القول في رواية الحسين بن سعيد عن فضالة(٢) .
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على الحكمين المشتمل عليهما.
والثاني : ما ذكره الشيخ فيه وجه للجمع ، وما ذكره العلاّمة في المختلف في باب الحيض : من أنّ الخبر محمولٌ على المنع من قراءة العزائم ، فكأنّهعليهالسلام قال : تقرأ القرآن ولا تسجد ، أي لا تقرأ العزيمة التي تسجد فيها ، وإطلاق السبب على المسبب جائز. انتهى(٣) . ولا يخفى ما فيه من التكلف.
والعجب أنّه في كتاب الصلاة ذكر المسألة ونقل عن الشيخ في المبسوط جواز السجود للحائض ، وفي النهاية القول بعدم السجود ، ثمّ حكى عن الشيخ الاحتجاج بالرواية ، وأنّه أجاب عنها في الاستبصار بأنّ الخبر الأوّل ـ يعني خبر أبي بصير ـ محمول على الاستحباب دون الوجوب ، وهذا الخبر محمول على الجواز ، ثم قال العلاّمة : وهذا التأويل بعيد ؛ لخروجه عن القولين.
ووجه التعجب أنّه اختار في المسألة في كتاب الصلاة كون الطهارة غير شرط مستدلا بالأصل ورواية أبي بصير ، ثم ذكر رواية عبد الرحمن واصفا لها بالموثّق ، وأجاب بما ترى(٤) ، والحال أنّه لا بدّ له من تأويله إن
__________________
(١) في ج ١ : ١٨٣ ، ج ٢ : ١٧٧.
(٢) راجع ص ٧٣ و ٨٧.
(٣) المختلف ١ : ١٨٥.
(٤) المختلف ٢ : ١٨٥ ، ١٨٦ ، المبسوط ١ : ١١٤ ، والنهاية : ٢٥.
كان معمولا به عنده ، وإن لم يكن معمولا به لزمه ردّه.
وقد ردّه في باب الحيض بعدم الصحة(١) ؛ مع أنّ أبان بن عثمان قد نقل الإجماع على تصحيح ما يصحّ عنه(٢) ، والقدح فيه بالناووسيّة من ابن فضّال(٣) ، كما صرّح به في فوائد الخلاصة على ما حكي عن ولده أنّه سأله عن ذلك فأجابه بما ينافي الرد(٤) ، وحينئذ فعدم الالتفات في كتاب الصلاة إلى تأويله غريب.
وكونه مخالفا لقولي الشيخ لا يضرّ ؛ لاحتمال كون مذهبه في الاستبصار غير مذهبه في المبسوط والنهاية ، على تقدير الاعتماد على الاستبصار ، كما ينقل عنه العلاّمة بعض الأقوال من الاستبصار.
ومن العجيب في المقام أنّ الشيخ في أوّل التهذيب ادّعى الإجماع على اشتراط الطهارة في سجود التلاوة ، وهنا كما ترى ، وفي التهذيب في الزيادات من الصلاة حمل خبر أبي بصير على الاستحباب(٥) ، والعلاّمة في المختلف كما سمعته في كتاب الصلاة احتج بأصالة البراءة(٦) ـ يعني من التكليف بالطهارة ـ مع أنّ الشيخ ادّعى الإجماع على الطهارة.
وفي باب الحيض من المختلف استدل بأنّ الاستماع موجب للسجود إجماعا ، ثم ذكر أنّ الحيض لا يصلح للمانعيّة ، والأصل انتفاء غيره ،
__________________
(١) المختلف ١ : ١٨٥.
(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٧٣.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٦٤٠.
(٤) حكاه عنه في منهج المقال : ١٧.
(٥) التهذيب ٢ : ٢٩٢.
(٦) المختلف ٢ : ١٨٥.
وللإجماع(١) .
وهذا الاضطراب في الإجماع من الشيخ والعلاّمة يوجب زيادة التعجب ، وهم أعلم بالحال.
أمّا ما اتفق لبعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من حمل الخبر المبحوث عنه أخيرا على التعجب قائلا : إنّ المعنى كيف تقرأ ولا تسجد؟(٢) ففيه : أنّه غريب منه ؛ لأنّ السؤال صريح في جواز القراءة وعدمه ، كما ينبئ عنه لفظ « هل » لا أنّ السائل عالم بالجواز سائل عن السجود ، فليتدبّر.
قوله :
باب إسماع الرجل نفسه القراءة
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة وابن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « لا يكتب من القراءة والدعاء إلاّ ما أسمع نفسه ».
محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العبّاس بن معروف ، عن الحسن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه؟ قال : « لا بأس بذلك إن كان أسمع (٣) أُذنيه الهمهمة ».
__________________
(١) المختلف ١ : ١٨٤.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٥٠.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٢٠ / ١١٩٥ : لا بأس بذلك إذا أسمع. ، وفي « رض » : لا بأس بذلك إن أسمع.
فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهمالسلام ، قال : سألته عن الرجل يصلح له أن يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه؟ قال : « لا بأس أن لا يحرك لسانه ، يتوهم توهّما ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من يصلّي خلف من لا يقتدى به جاز أن يقرأ مع نفسه مثل حديث النفس.
يدلّ على ذلك :
ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عمّن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « يجزؤك من القراءة معهم مثل حديث النفس ».
السند
في الأوّل : حسن.
والثاني : صحيح على ما تقدّم(١) ؛ لأنّ الطريق إلى محمّد بن أحمد بن يحيى في المشيخة من لا يرتاب فيه من عاصرناه(٢) وغيرهم من المصطلحين على الحديث الصحيح(٣) .
وكذلك الثالث.
__________________
(١) راجع ج ١ : ٦٥ ، ج ٢ : ١٤٦ ، ج ٣ : ١٦ ـ ١٧.
(٢) كصاحب منهج المقال : ٤٠٧.
(٣) كالعلاّمة في الخلاصة : ٢٧٦.
والرابع : فيه الإرسال ، أمّا محمّد بن أبي حمزة فقد مضى أنّ الظاهر كونه الثمالي(١) ، واحتمال التيملي المذكور في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ مهملا(٢) ، بعيد ، مع احتمال الاتحاد ، غير أنّ الرواية هنا عن يعقوب بن يزيد عنه ، وفي الرجال أنّ الراوي عنه محمّد بن أبي عمير في النجاشي(٣) والفهرست(٤) ؛ وفي الظن أنّ رواية يعقوب بن يزيد عنه بعيدة ، والأمر سهل بعد الإرسال.
المتن :
في الأوّل ظاهر الدلالة ، وكأنّ الظاهر أنّ المراد في الإخفات ؛ لاعتبار الزيادة في الجهر على المشهور ، والرواية وإن كانت عامة فهي دالّة على القراءة في الصلاة للدخول في العموم ، ولا يخفى أنّ قوله : « إلاّ ما أسمع نفسه » في تقدير ما أسمع الإنسان نفسه.
والثاني : كما ترى يدل على الاكتفاء بسماع الهمهمة ، فيقيّد الأوّل به ، وحينئذ يفيد الخبر الاكتفاء في الإخفات بسماع الهمهمة ، ولم أجد من صرّح في تفسير إسماع الإنسان نفسه في الإخفات بالهمهمة ، كما ذكرته في حواشي التهذيب أيضا ، وقد قدّمنا(٥) عن قريب كلاما في الجهر والإخفات ، حيث ذكر الشيخ هناك الجهر في الصلاة.
ويمكن أن يقال هنا : إنّ الخبر الأوّل والثاني يتناولان الجهريّة
__________________
(١) راجع ج ١ : ١٤٦.
(٢) رجال الطوسي : ٣٠٦ / ٤١٧.
(٣) رجال النجاشي : ٣٥٨ / ٩٦١.
(٤) الفهرست : ١٤٨ / ٦٣٠.
(٥) في ص : ١٠٠.
ويؤيّدان الاستحباب السابق نقله ، ويكون الخبر الثالث محمولا على الإخفاتيّة بيانا لأقلّ مراتبه ، إلاّ أنّ المعروف من الأصحاب المتأخّرين خلاف ذلك ؛ والحمل على التقية كما ذكره الشيخ له وجه وإن بَعُد.
وذكر بعض محقّقي المتأخّرينرحمهالله أنّه لو لا خوف الإجماع لكان القول بمضمون الصحيح ـ يعني خبر عليّ بن جعفر ـ أولى ؛ لبُعد حمل الشيخ من حيث عدم الإشعار في الخبر بما ذكره ، وضعف المؤيّد ، والجمع بين الأخبار بحمل الأولين على الاستحباب ( جمع حسن )(١) انتهى(٢) . وله وجه وجيه يظهر بالتأمّل.
اللغة :
قال في القاموس : اللهاة : اللحمة المشرفة على الحلق ، والجمع : لهوات ولهيات(٣) . وفيه : الهمهمة : الكلام الخفي ، وتنويم المرأة الطفل بصوتها ، وتردّد الزئير في الصدر من الهم ، ونحو أصوات البقر وكل صوت معه بحح(٤) .
قوله :
باب التخيير بين القراءة والتسبيح في الركعتين الأخيرتين
محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت
__________________
(١) ما بين القوسين أضفناه من المصدر.
(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٢٦.
(٣) القاموس المحيط ٤ : ٣٩٠ ( لها ).
(٤) القاموس المحيط ٤ : ١٩٤ ( الهم ).
لأبي جعفرعليهالسلام : ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال : « أن تقول : سبحان الله والحمد الله ولا إله إلاّ الله والله أكبر وتكبّر وتركع ».
الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبي ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الركعتين الأخيرتين من الظهر ، قال : « تسبّح وتحمد الله وتستغفر لذنبك وإن شئت فاتحة الكتاب فإنّها تحميد ودعاء ».
سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبد الله بن بكير ، عن علي بن حنظلة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال(١) : « إن شئت فاقرأ(٢) فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء » قال : قلت : فأيّ ذلك أفضل؟ فقال : « هما والله سواء ، إن شئت سبّحت وإن شئت قرأت ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن أبي الحسن بن علان ، عن محمّد بن حكيم قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام أيّما أفضل : القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح؟ قال(٣) : « القراءة أفضل ».
فالوجه في هذه الرواية ( أنّه )(٤) إذا كان إماما كانت القراءة
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٠ ، و « م » : قال.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢١ / ١٢٠٠ : قرأت.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠١ : فقال.
(٤) ما بين القوسين أضفناه من الاستبصار ١ : ٣٢٢.
أفضل ، يدلّ على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن منصور بن حازم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين فاتحة الكتاب ، وإن كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل ».
فأمّا ما رواه سعد ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل : الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ».
فإنّما نهاه أن يقرأ معتقدا أنّ غير القراءة لا يجوز ، دون أن يقرأ(١) على وجه الاختيار وطلب الفضل ، ويمكن أن يكون (٢) قوله : « لا تقرأ فيهما » خبرا لا نهيا ، فكأنّه قال : إذا لم تكن ممّن يقرأ ، فقل : الحمد لله وسبحان الله والله أكبر.
السند
في الأوّل : قد تكرّر القول فيه من جهة محمّد بن إسماعيل(٣) ، وبيّنا أنّه من الشيوخ غير ابن بزيع ، والفرق بينه وبين أحمد بن محمّد بن الحسن ابن الوليد وابن يحيى العطّار وأشباههما غير واضح ، بل إمّا أن تردّ رواية الجميع للجهالة أو يقبل الجميع ، والالتفات إلى تصحيح العلاّمة بعض الطرق الذي فيها أحد المذكورين مشترك ، وقول الوالدقدسسره : إنّ مثل هذا
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٣ : يقرأها.
(٢) في النسخ : يقول ، والصحيح ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٣.
(٣) راجع ج ١ : ٤٦.
الخبر من الحسن(١) ؛ غير واضح الوجه ، بل إمّا من الصحيح أو من الضعيف.
والثاني : لا ارتياب فيه.
والثالث : فيه الحسن بن علي بن فضّال وقد مضى فيه المقال(٢) ، أمّا علي بن حنظلة ففي رجال الصادق من كتاب الشيخ مذكور مهملا(٣) .
والرابع : محمّد بن أبي الحسن فيه مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال ، وفي التهذيب : محمّد بن الحسن بن علان(٤) ، وهو مجهول أيضا. أمّا محمّد بن حكيم فهو مشترك بين رجلين لا يزيدان عن الإهمال كما مضى القول في ذلك(٥) .
والخامس : واضح الرجال.
والسادس : كذلك.
المتن :
لا بدّ قبل الكلام فيه من بيان مقدّمة وهي : أنّ العلاّمة في المختلف قال : أجمع علماؤنا على التخيير بين الحمد وحدها والتسبيح في الثالثة والرابعة من الثلاثيّة والرباعيّة ، لكن اختلفوا في مقامات وذكر ما حاصله :
أوّلا : في قدر التسبيح.
وثانيا : أنّ الظاهر من كلام ابني بابويه أفضليّة التسبيح على القراءة
__________________
(١) منتقى الجمان ٢ : ٢٧.
(٢) راجع ج ٤ : ١٢٩ و ٣٧٩.
(٣) رجال الطوسي : ٢٤١ / ٢٩٦.
(٤) التهذيب ٢ : ٩٨ / ٣٧٠.
(٥) راجع ج ٤ : ٢٧٢.
للإمام والمأموم ، وهو قول ابن أبي عقيل وابن إدريس ؛ والظاهر من الشيخ في النهاية والجمل والمبسوط التخيير من غير تفضيل ، ومن الاستبصار ذلك في حق المنفرد ، وأمّا الإمام فالأفضل له القراءة.
وابن الجنيد قال : يستحب للإمام المتيقّن أنّه لم يدخل في صلاته أحد ممّن سبقه بركعة من صلاته أن يُسبّح في الأخيرتين ليقرأ فيهما من لم يقرأ في الأوّلتين من المأمومين ، وإن علم بدخوله أو لم يأمن من ذلك(١) قرأ فيهما بالحمد ليكون ابتداء صلاة الداخل بقراءة ، والمأموم فيقرأ فيهما ، والمنفرد يجزؤه أيّما فعل.
وثالثا : أنّه هل يتعين قراءة الفاتحة في الأخيرتين في حق الناسي للقراءة في الأوّلتين؟ قال في المبسوط : إن(٢) نسي القراءة في الأوّلتين لم يبطل تخييره ، وإنّما الأولى له القراءة لئلاّ تخلو الصلاة من القراءة ، وقد روي أنّه إذا نسي القراءة في الأوّلتين تعيّن في الأخيرتين.
وقال ابن أبي عقيل : من نسي القراءة في الركعتين الأوّلتين وذكر في الأخيرتين سبّح فيهما ولم يقرأ فيهما شيئا(٣) .
إذا عرفت هذا : فاعلم أنّ الأوّل كما يدلّ على إجزاء التسبيح عن قراءة الفاتحة يدل على الاكتفاء بالمرّة المذكورة فيه ، وهي : « سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر » وهذا المنقول عن المفيدرحمهالله أنّه قال : أقلّه أربع تسبيحات ، وهي : « سبحان الله والحمد الله ولا إله إلاّ الله والله
__________________
(١) في « رض » : أو لم يأمن في ذلك. ، وفي المصدر : أو لم يأمن ذلك.
(٢) في المصدر : من.
(٣) المختلف ٢ : ١٦٣ ـ ١٦٧ ، الفقيه ١ : ٢٠٩ ، السرائر ١ : ٢٣٠ ، النهاية : ٧٦ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٨١ ، المبسوط ١ : ١٠٦ ، الاستبصار ١ : ٣٢٢.
أكبر » مرّة واحدة(١) .
والثاني : كما ترى يدل على إجزاء مطلق التسبيح والتحميد والاستغفار.
والمنقول عن ابن الجنيد القول بأنّه يقال مكان القراءة تحميد وتسبيح وتكبير(٢) ؛ وهذا الخبر لا يدل عليه ، بل المنقول عنه الاحتجاج بالسادس ، أمّا مضمون المبحوث عنه فلم أقف على القائل به.
والثالث : واضح الدلالة على المساواة مطلقا ، وقد ذكر في المختلف أنّ القائلين بالمساواة احتجوا به(٣) .
والرابع : دالّ على أفضليّة القراءة.
والخامس : دلّ على أفضليّة القراءة للإمام والتساوي للمنفرد.
والسادس : دالّ على رجحان التسبيح مطلقا ، وتأويل الشيخ ستسمع القول فيه(٤) .
ولا بدّ قبل الكلام فيما لا بدّ منه من ذكر بقيّة الأخبار الواردة في الباب ممّا وقفت عليه :
فروى الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب ، عن علي بن مهزيار ، عن النضر بن سويد ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمار قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين ، فقال : « الإمام يقرأ فاتحة الكتاب ومن خلفه يسبّح ، فإذا كنت وحدك فاقرأ
__________________
(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ١٦٤.
(٢) حكاه عنه في المختلف ٢ : ١٦٤.
(٣) المختلف ٢ : ١٦٦.
(٤) في ص ١٩١.
فيهما ، وإن شئت فسبّح »(١) .
وروى بطريق فيه علي بن السندي ـ وقد مضى القول فيه(٢) ، وباقي رجاله لا ارتياب فيه ـ والراوي جميل بن درّاج قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عمّا يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة ، فقال : « بفاتحة الكتاب ولا يقرأ الذين خلفه ، ويقرأ الرجل فيهما إذا صلّى وحده بفاتحة الكتاب »(٣) .
وروى في باب الجماعة من الزيادات عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إن كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ وكان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأوّلتين » وقال : « يجزئك التسبيح في الأخيرتين » قلت : أيّ شيء تقول أنت؟ قال : « أقرأ فاتحة الكتاب »(٤) .
وروى عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « إذا أدرك الرجل بعض الصلاة وفاته بعض خلف إمام يحتسب بالصلاة خلفه ، جعل أوّل ما أدرك أوّل صلاته إن أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين وفاتته ركعتان ، قرأ في كل ركعة ممّا أدرك خلف الإمام في نفسه بأمِّ الكتاب وسورة ، فإن لم يدرك السورة تامّة أجزأته أمّ الكتاب ، فإذا سلّم الإمام قام فصلّى فيها ركعتين لا يقرأ فيهما لأنّ الصلاة إنّما يُقرأ فيها في الأوّلتين في كلّ ركعة بأُمّ الكتاب
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٢٩٤ / ١١٨٥ ، الوسائل ٦ : ١٠٨ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٢ ح ٢.
(٢) في ج ١ : ٣٥٥.
(٣) التهذيب ٢ : ٢٩٥ / ١١٨٦ ، الوسائل ٦ : ١٠٨ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٢ ح ٤.
(٤) التهذيب ٣ : ٣٥ / ١٢٤ بتفاوت يسير ، الوسائل ٨ : ٣٥٧ أبواب صلاة الجماعة ب ٣١ ح ٩.
وسورة ، وفي الأخيرتين لا يقرأ فيهما ، إنّما هو تسبيح وتكبير وتهليل ودعاء ليس فيهما قراءة » الحديث(١) .
وروى الصدوق في الفقيه في أوّل باب الصلاة بطريقه الصحيح عن زرارة بن أعين ، قال أبو جعفرعليهالسلام : « كان الذي فرض الله على العباد عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهن وهم ـ يعني سهوا ـ فزاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعا وفيهن السهو وليس فيهن قراءة » الحديث(٢) .
وروى عن زرارة في الصحيح ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « لا تقرأ في الركعتين من الأربع ركعات المفروضات إماما كنت أو غير إمام » قلت : فما ذا أقول فيهما؟ قال : « إذا كنت إماما أو وحدك فقل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله ، ثلاث مرّات تكمّل تسع تسبيحات ثمّ تكبّر وتركع » وهذه الرواية ذكرها الصدوق في باب صلاة الجماعة(٣) .
وروى أيضا بطريق وإن كان غير سليم إلاّ أنّ إيداع الرواية كتابه لها مزيّة كرّرنا ذكرها ، والمتن : قال : « أدنى ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين أن تقول : سبحان الله سبحان الله سبحان الله »(٤) .
وروى مرسلا أيضا في باب وصف الصلاة ما هذا لفظه : وروى محمّد ابن عمران(٥) ـ إلى أن قال ـ : « وصار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأنّ النبيصلىاللهعليهوآله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله عزّ وجلّ فدهش فقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ،
__________________
(١) التهذيب ٣ : ٤٥ / ١٥٨ ، الوسائل ٨ : ٣٨٨ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٧ ح ٤.
(٢) الفقيه ١ : ١٢٨ / ٦٠٥ ، الوسائل ٦ : ١٢٤ أبواب القراءة في الصلاة ب ٥١ ح ٦.
(٣) الفقيه ١ : ٢٥٦ / ١١٥٨ ، الوسائل ٦ : ١٢٢ أبواب القراءة في الصلاة ب ٥١ ح ١.
(٤) الفقيه ١ : ٢٥٦ / ١١٥٩ ، الوسائل ٦ : ١٠٩ أبواب القراءة في الصلاة ب ٤٢ ح ٧.
(٥) في الفقيه ١ : ٢٠٢ / ٩٢٥ : وسأل محمّد بن عمران أبا عبد اللهعليهالسلام .
فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة »(١) .
وفي المختلف ذكر أنّ الرواية عن محمّد بن حمران(٢) ؛ والذي في الفقيه ما نقلناه ، ويحتمل أن يكون قوله : « وصار » ليس من الرواية ، لكنه بعيد(٣) .
وغير ذلك من أخبار ذكرتها في محلّ آخر.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّه يستفاد من كثير من هذه الأخبار رجحان التسبيح ، والفرق بين الإمام وغيره وإن وجد في البعض إلاّ أنّ رواية الصدوق الصحيحة عن زرارة المتضمّنة لقوله : « إذا كنت إماما أو وحدك » صريحة في عدم الفرق ؛ والنهي في بعض الأخبار والنفي في صحيح زرارة المروي من الصدوق في باب الصلاة(٤) ، أقل مراتبه إفادة المرجوحيّة.
ويؤيّده النهي في الخبر السادس المذكور في الكتاب ، وتأويل الشيخ بالاعتقاد قد ذكرت ما فيه في حاشية التهذيب وغيرها ، والحاصل أنّه لو كان المراد ما ذكره ينبغي أن يكون في الجواب ما يفيد التخيير ؛ لأنّ دفع التعين كما يتحقّق بتعين التسبيح يتحقّق باحتماله ويتحقّق برجحانه.
أمّا التأويل الثاني فله وجه ، إلاّ أنّ المؤيّد للترجيح إذا وجد لا حاجة إلى التأويل.
غاية الأمر أنّه يبقى الكلام في خبر ابن سنان ، وللوالدقدسسره فيه كلام في المنتفى حاصله : أنّ قوله : أيّ شيء تقول أنت؟ لا مانع من حمله على السؤال عن قوله : إذا كان مأموما ، وفيه ما لا يخفى ، وقد أطالقدسسره القول
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢٠٢ / ٩٢٥ ، الوسائل ٦ : ١٢٣ أبواب القراءة في الصلاة ب ٥١ ح ٣.
(٢) المختلف ٢ : ١٦٥.
(٣) في « م » زيادة : وهذا جميع ما ذكر.
(٤) راجع ص : ١٩٠.
في توجيهه(١) .
وفي نظري القاصر أنّه لا يبعد أن يكون قوله : أيّ شيء تقول أنت؟ في حال الإمامة ، وقراءتهعليهالسلام الفاتحة لاحتمال وجود مخالف يصلّي معه أو يحكي فعله لو صلّى بغير الفاتحة ، على أنّه لا يبعد احتمال أن يراد : أيّ شيء تأمرني به؟ ويكون قولهعليهالسلام : « أقرأُ » من التقيّة(٢) ، حيث إنّ الغالب حضور أهل الخلاف أو نحو ذلك.
ومن هنا يظهر أنّ احتمال التقية في خبر منصور بن حازم المذكور في الكتاب أقرب للاعتبار من حيث مظنّة ما ذكرناه ، ويؤيّد هذا إطلاق الأخبار بأفضليّة التسبيح ، وما دل على أفضليّة القراءة على الإطلاق يكون محمولا على ما قلناه ، فينبغي التأمّل في ذلك ، وقد أوضحت الحال في حاشية الروضة.
أمّا ما تضمّنه الخبر الأوّل من إجزاء التسبيحات الأربع فهو مذهب الأكثر على ما قيل(٣) ، لكن الاستغفار في الثانية على الظاهر من الرواية وجوبه ، وتركه من الاولى قد يأبى الوجوب ، إلاّ أن يقال بالتخيير بين الأربع وبين فعل التسبيح والتحميد والاستغفار غير أن لا ترتيب ، ولم أعلم الآن القول بذلك ، إلاّ أنّ المنقول عن بعض المتأخّرين ما يقتضي وجود القائل بالاستغفار واجبا(٤) ؛ والتقريب الذي ذكرناه لم يصرح به ، واحتمال أن يقال باستحباب الاستغفار بخلوّ الخبر الأوّل وغيره منه ، يشكل بالاحتمال
__________________
(١) منتقى الجمان ٢ : ١٥.
(٢) في « رض » و « م » : للتقية.
(٣) قال به الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٠٧.
(٤) كما في الحبل المتين : ٢٣١.
السابق.
ثم إنّ ترك التكبير في الثاني محتمل لأن يكون عوضه الاستغفار فيكون من قبيل التخيير ، ويحتمل عدم وجوبه في الأوّل ـ كالترتيب في الأوّل ـ لدلالة الثاني على نفيه ، أمّا احتمال حمل المطلق وهو الثاني على المقيّد وهو الأوّل ، ففيه : أنّ لكلّ إطلاقا وتقييدا والترجيح مشكل ، والحمل غير مشخّص.
أمّا ما تضمنه الثاني من قوله : « وإن شئت » فظاهره ترجيح التسبيح كما يشعر به اللفظ ، مضافا إلى قوله : « فإنّها تحميد ودعاء » فإنّ هذا كما ترى يشعر بأنّ الواجب في الأخيرتين لمّا كان التحميد والدعاء وهما موجودان في الحمد أجزأت ، وحينئذ ربما يستفاد منه لزوم الدعاء والتحميد فقط ، وما عداه لا يكون واجبا ، والاستغفار لا يخفى أنّه دعاء.
ويمكن أن يكون الوجه في قوله : « فإنّها » الإشارة إلى تحقّق أحد أفراد الواجب المخير أو فرديه.
وفي الخبر كما ترى دلالة على تضمّن الفاتحة الدعاء ، فقد يندفع به ما ورد على قول آمين بعد الفاتحة من استلزامه تقدّم الدعاء ، والفاتحة ليست بدعاء ، فإن قصد بها الدعاء خرجت عن كونها قرآنا ، وإلاّ فلا معنى لقول آمين ، وقد تقدّم ، فليتأمّل.
وأمّا الثالث : فعلى تقدير العمل به يتضمن مطلق الذكر.
( [ والسادس ](١) كما ترى تضمّن عدم الترتيب الأوّل وترك التهليل والاستغفار ، وحينئذ يحتمل استفادة مطلق الذكر )(٢) كما تضمّنه الثالث
__________________
(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) ما بين القوسين ساقط من « رض ».
واختلاف مدلول الأخبار ، لكن الوقوف على مدلول الخبر الأوّل مع الاستغفار طريق السلامة.
غاية الأمر أنّه يبقى ما دل على الثلاث كما رواه الصدوق عن زرارة(١) ، واحتمال التخيير بين الثلاث وبين الأربع ممكن.
أمّا حمل المطلق على المقيد ففيه : أنّ الأربع تضمّنت التكبير والثلاث نفيه كما مضى.
أمّا ما نقله في المختلف عن الشيخ في النهاية والاقتصاد : من القول ثلاث مرّات بالأربع فيكون اثني عشر ، قال العلاّمة : وهو الظاهر من ابن أبي عقيل ؛ وعن السيد المرتضى : من القول بالعشر تسبيحات وهي : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله ، ثلاثا ، وضمّ التكبير في الأخير ، وهو اختيار الشيخ في الجمل والمبسوط وابن إدريس وسلاّر على ما قاله العلاّمة ، فقد قال في المختلف : إنّه لم يقف لهما على دليل(٢) .
وقد ذكرت في حاشية الروضة ما يستدل به على الأوّل من الخبر المذكور في آخر السرائر لابن إدريس حيث نقل عن بعض الأُصول أحاديث من جملتها ما نقلناه هناك ، ويظهر من المحقّق القول به ؛ لأنّه قال في المعتبر ـ على ما نقل حيث ذكر الروايات ـ : الوجه عندي القول بالجواز في الكلّ ، إذ لا ترجيح(٣) .
وغير بعيد أن يقال : إنّ مفاد الأخبار عدم تعيّن الذكر المخصوص ، أو
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢٥٦ / ١١٥٨ ، الوسائل ٦ : ١٢٣ أبواب القراءة في الصلاة ب ٥١ ح ١.
(٢) المختلف ٢ : ١٦٤ ، وهو في النهاية : ٧٦ ، الاقتصاد : ٢٦١ ، جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى ٣ ) : ٣٣ ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : ١٨١ ، المبسوط ١ : ١٠٦ ، السرائر ١ : ٢٢٢ ، المراسم : ٧٢.
(٣) المعتبر ٢ : ١٩٠.
عدم ترتيب التسبيح ، أو عدم وقوفه على حدّ بمعنى عدم جواز الزيادة ، بل بيان أقلّ الإجزاء وحينئذ لو أتى بالزائد كان أحد أفراد المخيّر ، لكن ينبغي أن يكون القصد من أوّل الأمر كما هو شأن المخيّر.
(فإن قلت : هذا في المخير الغير المتميز الأفراد ممكن ، أمّا المتميز فالاحتياج إلى القصد غير واضح الوجه.
قلت : الفرق بين متميز الأفراد وغيره لا وجه له إلاّ تخيّل أنّ المتميز يتعين الفرد بمجرد فعله ، وفيه : أنّ التعيّن تابع للقصد ؛ لعدم تشخص الفرد إلاّ به ، وبدونه فهو باق على عدم التعين المطلق ، ألا ترى أنّ الانتهاء في مواضع التخيير(١) لا يتعين إلاّ بقصدها ، مع أنّه متميّزة ، وفاعل الخصال في الكفّارة من دون قصد فرد معيّن يجزؤه واحد منها ، واللازم إجزاء الأوّل )(٢) وقد ذكرت الحال مفصّلا في حاشية الروضة حيث إن جدّيقدسسره ذكر كلاما في وجوب الزائد على الأربع وعدمه(٣) ، والحاصل ما ذكرناه ، فليكن ملحوظا بعين العناية فإنّ له في كثير من المسائل مزيد غاية.
وفي المعتبر : وهل ترتيب الذكر لازم؟ الأشبه لا ؛ لاختلاف الروايات(٤) . وفيه دلالة على بعض ما ذكرناه.
وما عساه يقال : إنّ ما دل على الأربع مرّة واحدة يدل على أنّ ما يقتضي تكرارها ثلاثا للاستحباب ، بمعنى كون المرّتين مستحبة ، أمّا كون الثلاثة أحد الأفراد فلا دليل عليه.
__________________
(١) في « رض » : التمييز.
(٢) ما بين القوسين ساقط من « م ».
(٣) الروضة البهية ١ : ٢٥٨.
(٤) المعتبر ٢ : ١٩٠.
يمكن الجواب عنه : بأنّ ما تضمّنه خبر زرارة السابق الدال على التسبيح والتكبير وما معهما يقتضي الإتيان بما يفيده وإن تكرر فيتحقّق الواجب في أيّ فرد.
واحتمال أن يقال : إنّ خبر زرارة تضمن التسبيح والتكبير والتهليل والدعاء ، وما تضمّن الثلاث مقتضاه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير من دون الدعاء فلا يكون من أفراد ذلك المطلق.
يمكن الجواب عنه : بأنّ خروج بعض الأجزاء لا يقتضي استحباب غيرها ، وحينئذ يجوز أن يكون التحميد مستحبّا في غير الأوّل ، وإن أمكن أن يقال : إنّ مفاد خبر زرارة سقوط التحميد من جميع التسبيح ، وما دل على الأربع يفيد لزومه ، فما هو الجواب فهو الجواب لاشتراك الإلزام.
وما عساه يقال : إنّ ما دلّ على الثلاث بالنسبة إلى ما دلّ على الواحدة يتعيّن حمل الزائد فيه على الاستحباب ، والنظر إلى المطلق المتضمّن لمطلق التسبيح المذكور سابقا يقتضي العمل بإطلاقه ليكون فردا من التسبيح ، والفرد الآخر التسبيحة الواحدة الواردة بلفظ : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ، وحينئذ ما زاد عن هذا الفرد ـ وهو ما تضمّن الثلاث ـ مستحب.
يمكن الجواب عنه : بأنّ ما تضمّن الواحدة يحتمل أن يكون فردا من المطلق ، وعلى تقدير كونه فردا آخر يجوز أن يكون الثلاث كذلك ، لكنّها أفضل من حيث المجموع على معنى أفضل الفردين ، لكن لا يخفى أنّ هذا الاحتمال كما ينفي احتمال جدّيقدسسره لا يثبت احتمالنا.
وربما يدّعى أنّ جميع ما تضمّنته الأخبار المفصّلة بيان لأفراد التسبيح ، وتفاوت بعضها على بعض بالأفضلية ، والمطلق من الأخبار
بالتسبيح لا يخلو حمله على المقيد من إشكال ، لما عرفت من التخالف بالزيادة والنقصان ، ولعل إبقاء المطلق على إطلاقه لا مانع منه ، والمقيد يحمل على أنّه فرد أكمل من مطلق التسبيح [ الذي تضمّنه ](١) الخبر المطلق ، ثم المقيد يتفاوت بالأفضلية ، فليتأمّل.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لا يبعد ادّعاء الاحتياط في التسبيح ، لأنّ ما سبق(٢) نقله عن العلاّمة : من قول ابن إدريس بعدم جواز الجهر بالبسملة في الأخيرتين ، وعن البعض بالوجوب ، لا مخلص عنه إلاّ بالتسبيح ؛ والاختلاف في التسبيح يمكن الخلاص عنه بفعل الزائد المتّفق على صحّته.
وما عساه يقال : إنّ من أوجب الأربع لا يوجب الزائد.
فيه : أنّ الزائد لا يؤتى به على سبيل الوجوب ، والقائل بالأربع لا يمنع فعل الزائد ، وهكذا القول في غير هذا من التسعة والعشرة ، على أنّ الذي يقتضيه الاعتبار ما سبق في دليل الجهر في الأخيرتين : من عدم دلالة الرواية المدّعى دلالتها عليه.
وقد كان الوالدقدسسره يرجّح التسبيح مطلقا ما لم يشعر بمسبوق إذا كان إماما فيقرأ على سبيل الاحتياط(٣) .
وعلى تقدير ما قرّرناه لو أتى بالزائد واجبا أمكن من حيث دخول الواجب فيه ؛ إذ اختلاف الأخبار قرينة جليّة على عدم التعيّن ، غاية الأمر أنّ الاستغفار لا يخلو وجوبه من إشكال ، والاحتياط في فعله مطلوب إمّا بلفظة
__________________
(١) في النسخ : المتضمنة ، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) في ص ١٠٠.
(٣) منتقى الجمان ٢ : ٢٥.
أو بالدعاء.
بقي في المقام شيء وهو : أنّا قدّمنا عن الصدوق رواية تضمّنت(١) قضاء القراءة الفائتة في الأوّلتين(٢) ، وغير بعيد أن يراد بالقضاء قراءتها في الأخيرتين ، فيكون مذهبا للصدوق ، فليراجع ذلك ، والله تعالى أعلم بحقائق الأحكام.
__________________
(١) في النسخ زيادة : أنّ ، حذفناها لاستقامة المعنى.
(٢) راجع ص ١٢٥.
أبواب الركوع والسجود
قوله :
باب أقل ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود
أخبرني الشيخ ; عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن خالد البرقي والعباس بن معروف ، عن القاسم بن عروة ، عن هشام بن سالم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن التسبيح في الركوع والسجود ، قال(١) : « تقول في الركوع : « سبحان ربي العظيم » وفي السجود « سبحان ربي الأعلى » الفريضة من ذلك تسبيحة ، والسنّة ثلاث(٢) ، والفضل في سبع ».
عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران(٣) والحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : قلت له : ما يجزئ من القول في الركوع والسجود؟ فقال : « ثلاث تسبيحات في ترسل واحد وواحدة تامّة تجزئ ».
عنه ، عن أيّوب بن نوح النخعي ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٤ : فقال.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٤ : ثلاثة.
(٣) في « فض » و « م » : عبد الرحمن بن نجران.
عليّ بن يقطين ، عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام ، قال : سألته عن الركوع والسجود كم يجزئ(١) فيه من التسبيح؟ فقال : « ثلاث ويجزؤك(٢) واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض ».
وعنه ، عن أبي جعفر ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين بن علي بن يقطين ، عن أبيه ، عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل يسجد ، كم يجزؤه من التسبيح في ركوعه وسجوده؟ فقال : « ثلاث ، ويجزؤه واحدة ».
السند
في الأوّل : فيه القاسم بن عروة ، وقد تكرّر(٣) أنّا لم نقف على ما يقتضي مدحه فضلا عن غيره ، ومحمّد بن قولويه أيضا مضى القول فيه(٤) .
والثاني : لا ارتياب في رجاله ، وفيه دلالة على أنّ ما يوجد في بعض الطرق من رواية علي بن حديد عن عبد الرحمن بن أبي نجران لا يخلو من ريب ، بل الوالدقدسسره قد سبق ما حكيناه عنه(٥) : من جزمه بأنّ « عن » سهوٌ ، والصواب هو الواو بدلها ، وفي الرجال ما يستفاد ذلك ، لأنّ الطريق إلى حمّاد بن عيسى فيه عبد الرحمن وعلي بن حديد(٦) .
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٣ / ١٢٠٦ : يكفي.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٣ / ١٢٠٦ : ثلاثة وتجزيك.
(٣) راجع ج ١ : ٤٣٩.
(٤) في ج ١ : ١١٤.
(٥) راجع ج ٣ : ٣٤٣.
(٦) انظر الفهرست : ٦١ / ٢٣١.
والثالث : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه في محمّد بن أبي حمزة(١) .
والرابع : أبو جعفر فيه أحمد بن محمّد بن عيسى على ما مضى القول فيه(٢) .
ثم إنّ الضمائر كلّها في الأخبار عائدة إلى سعد بن عبد الله كما هو واضح.
المتن(٣) :
نقل العلاّمة في المختلف عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : التسبيح في الركوع أو ما يقوم مقامه من الذكر واجب تبطل الصلاة بتركه متعمّدا ، والذكر في السجود فريضة من تركه متعمّدا بطلت صلاته ؛ وفي الخلاف : التسبيح في الركوع والسجود واجب ؛ وفي النهاية : وأقلّ ما يجزئ من التسبيح في الركوع تسبيحة واحدة وهو أن يقول : سبحان ربّي العظيم وبحمده وأقلّ ما يجزئ من التسبيح في السجود أن يقول : سبحان ربي الأعلى وبحمده قال العلاّمة : فجعل التسبيح بعينه واجبا فيهما ، وقال المرتضى نحوه ، وأوجب أبو الصلاح التسبيح ثلاث مرّات على المختار ، وتسبيحة واحدة على المضطرّ ، أفضله « سبحان ربي العظيم وبحمده » ويجوز سبحان الله وكذا أوجبه في السجود ، وكذا أوجب ابن البرّاج التسبيح فيهما ، وهو الظاهر من كلام ابن بابويه والمفيد وسلاّر وابن حمزة وابن الجنيد.
إذا عرفت هذا فالخبر الأوّل ذكر العلاّمة أنّهم احتجّوا به ، والظاهر منه
__________________
(١) في ج ١ : ١٤٦.
(٢) في ج ١ : ٩٥.
(٣) في « م » زيادة : في الأوّل.
أنّه لتعين التسبيح ، حيث اختار هو مطلق الذكر أوّلا وإن كان الإجمال واقعا في اللفظ.
ثم إنّه وجّه الاحتجاج بوجهين :
أحدهما : أنّهعليهالسلام بيّن الواجب وخصّه بالتسبيح.
الثاني : قولهعليهالسلام : « الفرض(١) من ذلك تسبيحة » وهو نصّ في الباب ، ثم ذكر الاحتجاج بالثاني قائلا : إنّ الإجزاء إنّما يطلق في الواجب المأتيّ به على وجهه ، ثم قال : ونحوه ما رواه علي بن يقطين.
وأجاب عن الأوّل ـ بعد تسليم السند ـ : بأنّ السائل سأل عن التسبيح ، فتعيّن الجواب به ليقع مطابقا ، وليس في ذلك تخصيص للواجب بالتسبيح ، وكذلك قوله : « الفرض من ذلك تسبيحة واحدة »(٢) .
وعن الثاني : أنّ الإجزاء حكم مرتّب على الإتيان بالمأمور به على وجهه سواء كان واجبا أو ندبا(٣) . انتهى.
ولا يخفى وجاهة الجواب الأوّل ، أمّا الثاني : فقد يتوجه عليه أنّه إن أراد بالندب : الإتيان بأفضل الفردين الواجبين كما هو الظاهر فالمستدل كلامه لا يأبى هذا بعد التوجيه المذكور ، حيث قال : الإجزاء إنّما يطلق ، إلى آخره. فإنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه متحقّق في التسبيح ، لكونه أحد الفردين ، ولا حاجة إلى ذكر الندب ، وإن أراد في التوجيه : أنّ الإجزاء لا يطلق إلاّ على ما لا يجزئ غيره ، فالعبارة عنه قاصرة ، والجواب لا يتم ؛
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٤ : الفريضة.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٢ / ١٢٠٤ : الفريضة من ذلك تسبيحة.
(٣) المختلف ٢ : ١٨١ ـ ١٨٣ ، المبسوط ١ : ١١١ و ١١٣ ، الخلاف ١ : ٣٤٨ ، النهاية : ٨١ و ٨٢ ، الانتصار : ٤٥ ، الكافي في الفقه : ١١٨ و ١١٩ ، المهذب ١ :٩٧ ، الفقيه ١ : ٢٠٥ ، المقنعة : ١٣٧ ، المراسم : ٦٩ ، الوسيلة : ٩٣.
لأنّ إجزاء غيره موجود.
ولعلّ الجواب : بأنّ إجزاء التسبيح لا ينافي إجزاء غيره ، أولى ؛ وستسمع ما يدل على إجزاء مطلق الذكر(١) ، فالجواب لا مجال لإنكاره.
ثم إنّ الحديث الأوّل كما ترى ليس فيه لفظ وبحمده والأقوال المذكورة مصرّح بها فيها ، وسيأتي(٢) ما اشتمل عليها وبيان ما يمكن من التوجيه.
أمّا ما تضمّنه من قوله : « والسنّة ثلاث » إلى آخره. فالظاهر أنّ المراد بالسنّة المستحب وبالفضل الأفضليّة ، ويحتمل أن يراد بالسنّة الأفضل وبالفضل مجرّد الفضل ، وفيه نوع تأمّل من حيث إنّ الزيادة تشتمل على زيادة كمال ، إلاّ أنّ توجّه باحتمال كون الموافقة للسنّة المندوبة أولى فيفيد زيادة الثواب ، وهو غير بعيد ، إلاّ أنّ للكلام فيه مجالا.
ويحتمل أن يراد بالفريضة ما ثبت بالقرآن كما هو المعروف من الإطلاق في الأخبار ، فيكون الواحدة من القرآن والثلاثة من السنّة ـ يعني من الأخبار عن أهل العصمةعليهمالسلام ـ ويكون قوله : « والفضل » بيان الحكم منهعليهالسلام بالأفضل أيّ شيء هو؟ فليتأمّل.
وأمّا الثاني : فهو كما ترى يدل على إجزاء ثلاث تسبيحات في ترسّل ، ولعلّ المراد بالترسّل التأنّي كما يظهر من بعض الأخبار الآتية(٣) ، أعني خبر داود الأبزاري. والثلاث لا يخلو من إجمال ؛ لاحتمالها الثلاث الكبريات وغيرها ، والواحدة التامّة أيضا كذلك ، وحينئذ يحتمل وجوها :
__________________
(١) انظر ص ٢١٤.
(٢) في ص ٢١٦.
(٣) في ص ٢٠٥.
أحدها : أن يراد بها الواحدة الكبرى وهي سبحان ربي الأعلى أو العظيم مع وبحمده أو عدمها ، والثلاث حينئذ يكون سبحان الله ثلاثا ، ويحتمل أن تكون الثلاث كبريات مع كونها كبرى ، وقيد « تامّة » للاحتراز عن سبحان الله فقط ، ولا يخفى بُعد هذا بَعد كون الثلاث كبريات.
وثانيها : أن يراد بها سبحان الله فقط ، كما يراد بالثلاث سبحان الله ، والاحتراز بالتامّة عن مثل سبح من دون لفظ الله كما في بعض الأخبار في التهذيب من رواية مسمع حيث قال فيها : « ولا كرامة أن يقول : سبح سبح سبح »(١) إلاّ أن يقال : إنّ المنفي في الرواية مجموع الثلاثة. وفيه : أن نفي الثلاثة يستلزم نفي الواحدة بطريق أولى.
وثالثها : أن يراد بالتامّة الواقع فيها الترسّل ، فكأنّه قال : ثلاث تسبيحات في ترسّل وواحدة كذلك ، وعلى هذا يحتمل أن يكون كبرى أو صغرى والثلاث كذلك ، وسيأتي في الأخبار ما يدل على إجزاء الثلاث الصغريات(٢) ، فيمكن تقييد إطلاق الخبر به ، كما يمكن تقييده بالكبريات ، لوجودها في بعض الأخبار(٣) .
ورابعها : أن يراد بالتامّة المساوية للثلاث الصغريات ، لما يأتي في خبر مسمع من قوله : « ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ »(٤) وحينئذ يراد بالثلاث في الخبر المذكور الصغريات ، ويراد بالتامّة قدرهنّ وهي كبرى ، وزيادة شيء معها.
وخامسها : أنّ يراد بالتامّة تمكين الجبهة من الأرض ، كما في خبر
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٧٧ / ٢٨٦.
(٢) وهو خبر معاوية بن عمّار الآتي في ص : ٢٠٦.
(٣) وهو خبر هشام بن سالم المتقدّم في ص : ١٩٩. وخبر أبي بكر الحضرمي الآتي في ص : ٢١٤.
(٤) انظر ص : ٢٠٥.
علي بن يقطين ، ويبقى الاحتمالات في الثلاث ، فينبغي التأمّل في رجحان أحد الوجوه.
والعجب من إطلاق العلاّمة الاستدلال بالروايات ، والمطالب في الأقوال مختلفة والروايات كذلك.
وأمّا الثالث والرابع : فالإجمال فيهما ظاهر ، ولا يبعد أن يبيّن بخبر معاوية بن عمّار الآتي(١) على تقدير الاعتماد على الصحيح ، وبخبر أبي بكر الحضرمي عند من يعمل به ، لكن لا يخفى أن وجود الخبرين يُبقي الإجمال ، وقد يوجّه بجواز كل من المذكور في الخبرين فلا إجمال من هذه الجهة.
قوله :
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن مسمع ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا يجزئ الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ ».
عنه ، عن النضر ، عن يحيى الحلبي ، عن داود الأبزاري ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « أدنى التسبيح ثلاث مرّات وأنت ساجد ، لا تعجل فيهن ».
عنه ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : سألته عن أدنى ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود؟ فقال : « ثلاث تسبيحات ».
فالوجه في الجمع بين هذه الأخبار من وجهين :
__________________
(١) في ص ٢٠٦.
أحدهما : أنّه إنّما يجوز الاقتصار على تسبيحة واحدة إن(١) كان تسبيحا مخصوصا ، وهو قول : « سبحان ربيّ العظيم » في الركوع و « سبحان ربي الأعلى » في السجود حسب ما تضمنته الرواية التي رويناها في أوّل الباب عن هشام بن سالم ، فأمّا إن(٢) قال : « سبحان الله » فلا يجزؤه أقلّ من ثلاث تسبيحات(٣) .
يدل على ذلك :
ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن ، عن الحسين ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن؟ قال : نعم قول الله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا )(٤) فقلت : كيف حدّ الركوع والسجود؟ فقال : « أمّا ما يجزؤك من الركوع فثلاث تسبيحات ، تقول : سبحان الله سبحان الله سبحان الله ثلاثا ».
عنه عن العباس بن معروف ، عن حمّاد بن عيسى(٥) ، عن معاوية بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام أخفّ ما يكون من التسبيح في الصلاة؟ قال : « ثلاث تسبيحات مترسّلا ، تقول : سبحان الله سبحان الله سبحان الله ».
والوجه الثاني أن نحمل الأخبار الأخيرة على الفضل والاستحباب دون الفرض والإيجاب.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٣ / ١٢١٠ : إذا.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٣ / ١٢١٠ : إذا.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٢٣ / ١٢١٠ : دفعات.
(٤) الحج : ٧٧.
(٥) في « فض » : عن حماد بن عثمان.
السند :
في الأوّل : ليس فيه إلاّ مسمع فقد قدّمنا(١) القول فيه عن قريب من أنّ الذي يستفاد من الرجال(٢) مدحه على تقدير مّا ، والعلاّمة في المختلف وصفه بالصحة(٣) ، واقتفى أثره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله(٤) ـ وهم أعلم بالحال.
والثاني : فيه داود الأبزاري ، وهو مذكور مهملا في رجال الباقرعليهالسلام من كتاب الشيخ(٥) .
والثالث : فيه محمّد بن سنان وأبو بصير وحالهما تكرّر القول فيه(٦) .
والرابع : أحمد بن الحسن فيه مشترك(٧) ، والتعيين غير واضح ، أمّا الحسين فهو ابن سعيد ، كما أنّ الحسن هو أخوه في الظاهر من روايته عن زرعة ؛ لما قيل في الرجال : إنّ الحسين يروي عن زرعة بواسطة أخيه(٨) .
والخامس : واضح الحال.
المتن :
في الجميع ، ظن الشيخ المعارضة فيه بسبب دلالة الأخبار السابقة
__________________
(١) في ج ١ : ١٢٧.
(٢) انظر رجال الكشي ٢ : ٥٩٨ / ٥٦٠ ، رجال النجاشي : ٤٢٠ / ١١٢٤.
(٣) المختلف ٢ : ١٨٣.
(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢٤٠.
(٥) رجال الطوسي : ١٢٠ / ١.
(٦) راجع ج ١ : ١٢١ و ٧٣.
(٧) انظر هداية المحدثين : ١٧٠.
(٨) انظر رجال النجاشي : ٥٨ / ١٣٦ و ١٣٧ ، الفهرست : ٥٣ / ١٨٦ ، رجال ابن داود : ٧٣ / ٤١٩.
على إجزاء ما دون الثلاث ، وهذه تضمّن :
الأوّل منها : أنّه لا يجزئ أقلّ من ثلاث تسبيحات أو قدرهنّ.
والثاني : تضمّن أنّ أدنى التسبيح ثلاث مرّات.
والثالث : أنّ أدنى ما يجزئ الثلاث ، وغير خفيّ أنّ الأخبار الأوّلة بعد ما قدمناه من الاحتمال في الواحدة التامّة أن يراد بها سبحان ربي الأعلى أو سبحان ربي العظيم لا يتحقق التعارض بينها وبين الأخبار المذكورة ، لأنّ الأوّل تضمّن الثلاث أو قدرهنّ ، والواحدة لا تفي بالقدر على تقدير كونها تسبيحة كبرى كما ذكره الشيخ.
واحتمال أن يراد بقدرهن مطلق الذكر كما يدل عليه بعض الأخبار ـ وسنذكرها إن شاء الله(١) ـ لا تكون الأخبار خاصة بالتسبيح ، فإطلاق الشيخ في الحمل الأوّل ، محل نظر بالنسبة إلى هذا الخبر ، مضافا إلى احتمال التامّة في الأخبار السابقة ما قدمناه(٢) ؛ على أنّ الخبر تضمّن ما يجزئ الرجل في صلاته ، ولا يتعيّن كونه في الركوع والسجود ؛ لجواز(٣) حمله على الأخيرتين كما(٤) سبق نقله من رواية الصدوق حيث قال : « أدنى ما يجزئ من التسبيح في الأخيرتين سبحان الله سبحان الله سبحان الله »(٥) ولعلّ الشيخ نظر إلى تبادر تسبيح الركوع والسجود أو إلى العموم المتناول لهما وللأخيرتين.
والثاني : كما ترى يدلّ على أنّ أدنى التسبيح ثلاث مرّات ، فإن حمل
__________________
(١) في ص : ٢٠٩ و ٢١١.
(٢) في ص : ٢٠٥.
(٣) في « فض » و « م » : بجواز.
(٤) في « فض » و « م » : لما.
(٥) راجع ص : ١٩٠.
على ما ذكره الشيخ من أنّه إنّما يجوز الاقتصار على واحدة إذا أتى بالمخصوص ؛ ففيه : أنّ بعض الأخبار السابقة(١) قد دل على الواحدة التامّة ؛ واحتمال كونها من الثلاث ـ أعني سبحان الله مرّة دون سبحان ـ كما نقلناه عن التهذيب من رواية مسمع(٢) له قرب بالنسبة إلى الشيخ ، فلا يتعيّن الحمل على الكبرى ، على أنّه سيأتي ما يدل على أنّ الكبرى فيها لفظ : ، وبحمده ،(٣) فلا يتم الإطلاق في الوجه الأوّل ، كما لا يخفى.
على أنّ السؤال في الرواية عن أدنى ما يجزئ من التسبيح ، فإن كان المراد كما هو الظاهر السؤال عن أدنى الواجب من التسبيح على الإطلاق بمعنى شموله لجميع أنواعه ـ أعني الثلاث الكبريات أو الثلاث الصغريات ـ فالأدنى لا ينحصر في الثلاث الصغريات ، بل الواحدة الكبرى بالنسبة إلى الثلاث الكبريات أدنى ، وإن أريد الأدنى بالنسبة إلى الصغريات فلا وجه لذكر الأدنى كما هو واضح.
ومع هذا فالمستفاد من الأخبار السابقة الدالة على الواحدة التامّة إذا حملت على الكبرى كونها مساوية للثلاث في الحكم ، فإذا كان أدنى ما يجزئ هو الثلاث كانت الواحدة الكبرى كذلك.
والثالث : الكلام فيه كالثاني ، وقد ذكرت في فوائد التهذيب كلاما آخر ، من أراد وقف عليه.
وأمّا الرابع : فالدلالة فيه على ما ذكره الشيخ غير واضحة.
والخامس : ربّما دلّ على أنّ الغير مجز مطلقا لكن الثلاث أخف.
__________________
(١) في ص ١٩٩.
(٢) في ص ٢٠٥.
(٣) في ص ٢١٣.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما ذكره العلاّمة في المختلف من استدلال القائلين بتعيّن التسبيح بالروايات المذكورة قد تقدم ذكره(١) ، غير أنّه استدل على مختاره من إجزاء مطلق الذكر بروايتين رواهما الشيخ في التهذيب ، إحداهما : عن هشام بن الحكم في الصحيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت له : يجزئ أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود : لا إله إلاّ الله والحمد لله(٢) . فقال : « نعم كل(٣) هذا ذكر الله »(٤) وفي الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله(٥) . وهذا كلام الشيخ بعينه ، وقد نقله في المختلف(٦) كذلك ، وكثيرا ما يخطر في البال نوع توقف في مثل هذا لاحتمال ظن المماثلة من الشيخ ، فالاكتفاء به محلّ تأمّل.
والروايتان المذكورتان عن التهذيب منقولتان في الزيادات من كتاب الصلاة ، وقد وجدت الآن في الكافي الرواية الثانية عن هشام غير مفسّرة بما قاله الشيخ ، قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام أيجزئ عنّي أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود : لا إله إلاّ الله والله أكبر؟ قال : « نعم »(٧) .
ولا يخفى أنّ المماثلة غير حاصلة من كل وجه ، بل ربما دلّ الخبر على نوع خاص من الذكر بخلاف الأوّل ، وحينئذ فالاعتماد على قول الشيخ مشكل ، كما أشرنا إليه ، فلا ينبغي الغفلة عنه ، وقد مشى مشايخنا(٨) على
__________________
(١) في ص ٢٠١.
(٢) في التهذيب ٢ : ٣٠٢ / ١٢١٧ زيادة : والله أكبر.
(٣) ليس في « رض ».
(٤) التهذيب ٢ : ٣٠٢ / ١٢١٧ ، الوسائل ٦ : ٣٠٧ أبواب الركوع ب ٧ ح ١.
(٥) التهذيب ٢ : ٣٠٢ / ١٢١٨ ، الوسائل ٦ : ٣٠٧ أبواب الركوع ب ٧ ح ٢.
(٦) المختلف ٢ : ١٨٢.
(٧) الكافي ٣ : ٣٢١ / ٨ ، الوسائل ٦ : ٣٠٧ أبواب الركوع ب ٧ ح ٢.
(٨) انظر مدارك الأحكام ٣ : ٣٩٠.
ما ذكره الشيخ.
ولنا في الخبر كلام في فوائد التهذيب من حيث قوله : « كل هذا ذكر الله » إذ يحتمل إرادة المجموع أو البعض.
وعلى التقدير ، المتبادر من السؤال كونه عن عوض التسبيح ، فالاستدلال به على إجزاء سبحان الله وحدها لكونها ذكرا محلّ تأمّل يعرف وجهه ممّا فصّلناه في الفوائد المذكورة ، ونزيد هنا أنّ احتمال العموم في الجواب على تقدير ظهوره يخص بما دلّ على التسبيح ، وأنّه لا يجزئ سبحان الله مرّة.
ويمكن أن يقال : إنّ ما دل على الواحدة التامّة ( يصدق على الواحدة من الثلاث المذكورة في بعض الأخبار ، فيتم المطلوب ، ويشكل باحتمال الواحدة التامّة )(١) بما في الخبر الأوّل ، وهي : « سبحان ربي الأعلى » أو « العظيم » ومعه لا يحصل له الجزم بالأجزاء ، إلاّ أن يقال : إنّ التخصيص بالكبرى لا وجه له ؛ إذ لا منافاة بين إجزاء الكبرى وإجزاء واحدة صغرى من الخبر ، ويراد بالتمام عدم الإتيان بلفظ « سبح » وحدها ، كما مضى(٢) ؛ والاحتمالات الأُخر السابقة(٣) بعيد بعضها وبعضها لا يضرّ.
ويمكن أن يقال : إنّ تحقّق الإجزاء موقوف على الصراحة كما أنّ تخصيص العموم في الخبرين كذلك ، ومن هنا يظهر أنّ إطلاق شيخناقدسسره (٤) وبعض محقّقي المعاصرين(٥) ـ سلّمه الله ـ إجزاء مطلق الذكر محلّ تأمّل.
__________________
(١) بين القوسين ساقط من رض.
(٢) في ٢٠٤.
(٣) في ٢٠٤.
(٤) مدارك الأحكام ٣ : ٣٩٠.
(٥) الحبل المتين : ٢٤٢.
وأمّا الوجه الثاني للشيخ ، فقد يتوجه عليه : أنّ الفضل في الأخبار الأخيرة إمّا أن يريد به كونه أفضل من سبحان الله وحدها ، أو أفضل من سبحان ربي العظيم أو الأعلى وحدها ، فإن أراد الأوّل فلم يسبق ما يدل عليه ، وإن أراد الثاني فالخبر الأوّل من الأخبار الأخيرة تضمن قوله : أو قدرها ، وهو يقتضي مساواة القدر في الفضل ، لا التسبيحات الثلاث.
إلاّ أن يقال : إنّ مراد الشيخ جميع ما تضمنته الأخبار الأخيرة ؛ وفيه : أنّه يبقى الواحدة التامّة على تقدير أن تكون هي الكبرى مفضولة بحمله ما دل على الثلاث ومقدارها على الفضل ، والمقدار في الكبرى غير حاصل.
وعلى تقدير إرادة الكبرى لكونها مقدارها في الجملة فالخبر الأوّل من أخبار الباب دلّ على أنّ السنّة في ثلاث ، والمتبادر منه أنّ السنّة في ثلاث كبرى ، لما سبق فيه من ذكر الواحدة الكبرى.
وعلى تقدير أن يراد بالثلاث الصغريات لا يناسب قوله : الفريضة واحدة ، لأنّ الظاهر من الواحدة الكبرى ، ولو أراد من الثلاث بَعد عن اللفظ ، بل لا وجه له منه كما هو واضح.
ثم على تقدير الحمل على الفضيلة نظرا إلى إمكان توجيه مرّات الفضل فالمراد بالفضل إمّا كون الثلاث أفضل الفردين الواجبين تخييرا ، أو كون الواحدة هي الواجب والباقي مستحب ، وكلا الأمرين مشكل :
أمّا الأوّل : فلأنّ الاكتفاء بالواحدة الصغرى في الفرض لا دليل عليها إلاّ من حيث قولهعليهالسلام : « وواحدة تامّة تجزئ » وفيه احتمالات.
وأمّا الثاني : فلأنّ للواجب أفراد ، والأفضل ما اقتضى زيادة وبحمده في الثلاث ، فلو حملت التسبيحات الثلاث على الفضل مطلقا أشكل الحال ، ولو حملت على مطلق الفضل لزم بيان الأفضل.
ويخطر في البال عدم البُعد في كون المجموع واجبا بتقدير القصد إلى كون المجموع فردا من أفراد الواجب المخيّر على أنّه أحد الفردين الواجبين ، والفردان : أمّا الواحدة الكبرى ، أو الكبرى مع زيادة تساوي الثلاث ، أو زيادة وبحمده وإمّا الثلاث ؛ وعلى تقدير الفرد الثالث ـ وهو الكبريات الثلاث ـ يكون الواجب المجموع ، وكماله حينئذ باعتبار رجحان زيادته على غيره في الثواب ، لا أنّ الفرد الأوّل هو الواجب والزائد مستحب على الإطلاق ، كما يظهر من جدّيقدسسره (١) وغيره(٢) ، وقد حققنا ذلك في حواشي الروضة وأشرنا إليه في التسبيح في الأخيرتين هنا(٣) .
ومن هنا يعلم انّ قول الشيخ : دون الفرض والإيجاب ؛ يحتمل أن يكون المراد به دون الفرض المعيّن والإيجاب كذلك ، ويحتمل أن يريد به أنّ الزائد مستحب لا واجب ، فليتأمّل.
اللغة :
قال في القاموس : ترسّل في قراءته اتّأد. وقال : الترسيل في القراءة الترتيل(٤) . وفيه : رتّل الكلام ترتيلا أحسن تأليفه ، وترتّل فيه ترسّل(٥) .
وفيه : التّيد الرفق ، يقال : تَيدَكَ يا هذا أي اتّئد(٦) .
__________________
(١) الروضة البهية ١ : ٢٧٣.
(٢) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٢٥٨.
(٣) في ص ١٨٧.
(٤) القاموس ٣ : ٣٩٥ ( الرسل ).
(٥) القاموس ٣ : ٣٩٢ ( الرتل ).
(٦) القاموس ١ : ٢٨٩ ( التأد ).
قوله :
والذي يكشف عما ذكرناه :
ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن يحيى(١) بن عبد الملك ، عن أبي بكر الحضرمي قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أيّ شيء حد الركوع والسجود؟ فقال : « تقول : سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا في الركوع ، وسبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا في السجود ، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته ، ومن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته ، ومن لم يسبّح فلا صلاة له ».
فدل هذا الخبر على أنّهم إنّما نفوا الكمال والفضل ، ألا ترى أنّهم قالوا : « من نقص واحدة نقص ثلث صلاته ، ومن نقص اثنتين نقص ثلثي صلاته » فلو لا أن الأمر على ما ذكرناه لما كان فرق بين الإخلال بواحدة في أن يكون ذلك مبطلا للصلاة وبين الإخلال بالجميع ، وقد علمنا أنّهم فرّقوا.
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن حمزة بن حمران والحسن بن زياد ، قالا : دخلنا على أبي عبد اللهعليهالسلام وعنده قوم يصلّي بهم العصر وقد كنّا صلّينا فعددنا له في ركوعه سبحان ربي العظيم (٢) أربعا أو ثلاثا وثلاثين مرّة ، وقال أحدهما في حديثه وبحمده في الركوع والسجود. فهذه الرواية مخصوصة بفعله عليهالسلام ،
__________________
(١) في الكافي ٣ : ٣٢٩ / ١ : عثمان.
(٢) في « م » زيادة : وبحمده.
وصلاته بمن (١) علم أنّه يطيق ذلك ، لأنّ الأصل في صلاة الجماعة التخفيف كما نبيّنه (٢) .
السند
في الأوّل : فيه يحيى بن عبد الملك ، وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ : يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة الخزاعي مهملا(٣) . وأبو بكر الحضرمي مضى القول فيه : من أنّ حاله لا يزيد على الإهمال على ما يظهر من الرجال ، لا ما ذكره شيخناقدسسره من عدم العلم بإيمانه(٤) .
والثاني : ابن فضال فيه الحسن على الظاهر من الممارسة للروايات ، من رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه بكثرة.
وأمّا ابن بكير فمضى القول فيه كالحسن(٥) . وحمزة بن حمران لا يزيد على الإهمال(٦) . والحسن بن زياد فيه اشتراك بين العطّار الثقة والصيقل المهمل(٧) ، ودعوى بعض الأصحاب الاتحاد(٨) ، فيكون الثقة ، محتاجة إلى ما يثبتها ، ولم نعلمه.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٥ / ١٢١٤ ذ. ح : لمن.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٥ / ١٢١٤ : على ما نبينه.
(٣) رجال الطوسي : ٣٣٥ / ٣٧.
(٤) راجع ج ٢ : ٩٤.
(٥) في ج ١ : ١٢٥ وج ٤ : ٣٧٩.
(٦) انظر رجال النجاشي : ١٤٠ / ٣٦٥ ، ورجال الطوسي : ١١٨ / ٤٦ ، ١٧٧ / ٢٠٧ ، الفهرست : ٦٤ / ٢٤٨.
(٧) انظر هداية المحدثين : ١٨٨.
(٨) لم نعثر على من ادعى الاتحاد ، ولكن حكاه الميرزا في المنهج : ٩٩ عن بعض معاصريه وهو المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢١٣.
المتن :
في الأوّل : لا أدري كشفه لما ذكره الشيخ من الحمل على الفضل ؛ لأنّ غاية ما يدل عليه أنّ التسبيحة الكبرى مع لفظة وبحمده تجزئ ، والتكرار ثلاثا فيه الفضل ، أمّا كون الثلاث تسبيحات الصغريات فيها الفضل فلا ، ولو نظرنا إلى غيره من الأخبار ما احتجنا إلى هذا الخبر.
ثم إنّ مقتضى الخبر أنّ من لم يسبّح لا صلاة له ، فإن كان المراد من لم يسبح أصلا ـ كما هو الظاهر ـ فلا صلاة له ، ففيه : أنّ الشيخ قد روى في التهذيب ما سبق من إجزاء مطلق الذكر(١) ، فلو ذكر من دون التسبيح لا يتحقق الإبطال ؛ وإن أُريد من لم يسبّح هذا النوع من التسبيح المذكور زاد الإشكال ، فإنّ الأخبار السابقة دلّت على الإجزاء بدونه وإن كان تسبيحا كما هو اضح.
ولو حمل على أنّ من لم يسبّح هذا النوع فلا صلاة له كاملة الكمال الحاصل بها ، ونقصان الثلاث بالنسبة ، لم يتم مطلوب الشيخ ، وحصل نوع منافرة من ظاهر الخبر.
ثم إنّ عدم التفات الشيخ إلى حكم زيادة وبحمده لا يخلو من غرابة ، واحتمال استحبابها ممكن ، كاحتمال وجوبها في أحد الفردين ، وما قدّمناه من احتمال وجوب الفرد(٢) لا ينبغي الغفلة عنه.
والخبر المتضمن للفظ وبحمده وإن لم يكن معتبر الإسناد إلاّ أنّ
__________________
(١) راجع ص : ٢١٠.
(٢) راجع ص : ٢١٢ ـ ٢١٣.
ما تضمنه موجود في خبر حمّاد المشهور(١) ، وكذلك صحيح حريز المذكور فيه دعاء الركوع ( وهو في التهذيب(٢) ، وفي التهذيب )(٣) ذكر الحمل على الاختيار والاضطرار(٤) ، وذكرنا في فوائده ما يتوجه عليه مفصّلا.
وأمّا الخبر الأخير : فالحمل على الاستحباب ظاهر فيه ، وما تضمنه من قوله : وقال أحدهما ؛ يراد به أنّه زاد الراوي « وبحمده » في الركوع والسجود ، لكن صدره اقتضى أنّهما عدّا في ركوعه ، فالزيادة من أحدهما إنّما هي للسجود ، ويحتمل أن يكون الأوّل ذكر فيه الركوع ( وحده ، والثاني المجموع.
ثم إنّ الخبر يحتمل مجموع الركوع والسجود على تقدير الأمرين ، وعلى تقدير الركوع )(٥) يحتمل كل ركوع في صلاته ، ويحتمل الركوع الواحد. وفي خبر أبان بن تغلب الصحيح في التهذيب أنّه عدّد للصادقعليهالسلام في الركوع والسجود ستين تسبيحة(٦) .
وقد ذكرت ما لا بدّ منه في معنى سبحان ربي الأعلى وبحمده مفصّلا في حواشي الروضة والتهذيب.
والذي ينبغي ذكره هنا إجمالا أنّ التسبيح لغة هو التنزيه ، يقال : سبّحت الله أي نزّهته عمّا لا يليق به(٧) .
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٨١ / ٣٠١ ، الوسائل ٥ : ٤٦٠ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١.
(٢) التهذيب ٢ : ٧٧ / ٢٨٩ ، الوسائل ٦ : ٢٩٥ أبواب الركوع ب ١ ح ١.
(٣) ما بين القوسين في « فض » : وهو في التهذيب أيضا. وفي « رض » و « م » : وهو قريب وفي التهذيب. والصواب ما أثبتناه.
(٤) التهذيب ٢ : ٨٠.
(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٦) التهذيب ٢ : ٢٩٩ / ١٢٠٥ ، الوسائل ٦ : ٣٠٤ أبواب الركوع ب ٦ ح ١.
(٧) انظر الصحاح ١ : ٣٧٢ ، مجمع البحرين ٢ : ٣٦٩ ، مفردات راغب : ٢٢١.
وأمّا لفظ « وبحمده » فقد اختلف في متعلّقه ، ولعلّ الأولى أن يتعلق بالتسبيح ، والتقدير : وبحمده اسبّحه.
وما عساه يقال : إنّ التسبيح بحمده ، لا ( وجه له )(١) لإمكان الجواب بأنّ الباء إمّا للملابسة أو المصاحبة ، وكلا الأمرين صالح للمقام. وعلى تقدير كون التسبيح بنفس الحمد لا مانع منه أيضا ، فإنّ في بعض الأخبار ما يدل على أنّ الحمد تسبيح ، وهو موثق عمّار ، حيث قال : ما الذي يجزئ من التسبيح بين الأذان والإقامة؟ قال : « يقول الحمد لله »(٢) .
وعلى تقدير المناقشة فيما ذكر فما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من أنّ المعنى : وأنا متلبّس بحمده(٣) . له وجه أيضا ، لكن التقدير فيه لا يخلو من زيادة ، فليتأمّل ، والله تعالى أعلم بالحال.
قوله :
باب تلقي الأرض باليدين لمن أراد السجود
أخبرني ( أبو الحسين ) (٤) بن أبي جيد القمي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : رأيت
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : يليق به.
(٢) التهذيب ٢ : ٢٨٠ / ١١١٤ ، الوسائل ٥ : ٤٤٩ أبواب الأذان والإقامة ب ٤٠ ح ١.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢١٤.
(٤) ما بين القوسين ليس في « فض » ، وفي « رض » : الحسين ، وفي الاستبصار ١ : ٣٢٥ / ١٢١٥ : أبو الحسن ، وما أثبتناه من « م » هو الأصح لأنّ هذه كنية علي بن أحمد بن محمّد بن أبي جيد الذي هو من مشايخ الشيخ والنجاشي ـ راجع معجم رجال الحديث ٢١ : ١١١ / ١٤٠٨٦.
أبا عبد اللهعليهالسلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد.
عنه ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه في الصلاة ، قال : « نعم ، وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه »(١) .
عنه ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : سئل عن الرجل يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه ، قال : « نعم » يعني في الصلاة.
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد عن فضالة ، عن حسين ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا بأس إذا صلّى الرجل أن يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على حال الضرورة التي لا يتمكن الإنسان فيها من تلقي الأرض بيديه أوّلا لعلّة أو مرض أو غيرهما.
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سألته عن الرجل إذا ركع ثم رفع رأسه ، أيبدأ فيضع يديه على الأرض أم ركبتيه؟ قال : « لا يضرّه أيّ ذلك بدأ هو مقبول منه » قوله عليهالسلام : « لا يضرّه » معناه لا يبطل عليه الصلاة ، أو لا يكون مستحقا للعقاب بتركه ، لأنّ ذلك من آداب الصلاة لا من فرائضها التي يستحق بتركها العقاب.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٥ / ١٢١٦ لا يوجد : وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه.
السند :
في الأوّل : قد قدّمنا الكلام في أبي الحسين بن أبي جيد من أنّ اسمه علي بن أحمد(١) ، وقد يظن من النجاشي أنّ اسم أبي جيد طاهر(٢) ، وظاهر المتأخرين الاعتماد عليه(٣) .
وأمّا الحسين بن الحسن بن أبان فالقول فيه خلاصته أنّه من الأجلاّء فيما يظهر من الرجال(٤) ، إلاّ أنّ التصريح بالتوثيق غير معلوم ، وما اتفق في كتاب ابن داود من قوله في محمّد بن أُورمة : إنّه روى عنه الحسين بن الحسن بن أبان وكان ثقة(٥) ، يشكل الاعتماد عليه.
أمّا ما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من احتمال أن يعود ضمير كان لمحمّد بن اورمة(٦) ، والمعنى أنّ رواية الحسين عن محمّد في زمن كان ثقة ، ففيه : أنّه لم ينقل في الرجال عن محمّد بن أُورمة أنّه كان ثقة في زمن من الأزمان ، وعلى تقدير ذلك ينبغي الاعتماد على ما يرويه الحسين بن الحسن عن ابن أُورمة ، لأنّ الضعف في محمّد يكون لاحقا ، ولا أظنّ به قائلا ، إلاّ أن يقال : إنّ هذا مجرد احتمال لدفع توثيق الحسين من كلام ابن داود.
__________________
(١) راجع ج ١ : ٧١.
(٢) رجال النجاشي : ٣٨٣ / ١٠٤٢.
(٣) كما في الحبل المتين : ٢٧٧.
(٤) انظر رجال النجاشي : ٥٩ / ١٣٦ و ١٣٧ ، رجال الطوسي : ٤٣٠ / ٨ و ٤٦٩ / ٤٤ ، منهج المقال : ١١٢.
(٥) رجال ابن داود : ٢٧٠ / ٤٣١.
(٦) البهائي في الحبل المتين : ٢٧٦.
وأمّا عدّه الخبر الذي فيه الحسين بن الحسن [ من الصحاح ](١) فلا أدري وجهه ، وقد تقدم بعض القول في الحسين(٢) ، والإعادة لأمر مّا ، فليتأمّل.
والثاني : فيه القاسم بن محمّد الجوهري ، وقد تكرر القول فيه من أنّه واقفي مهمل في الرجال على ما وقفت عليه(٣) ، وظنّ ابن داود أنّهما اثنان أحدهما ثقة(٤) ، لا نعلم وجهه. والحسين بن أبي العلاء تقدم أنّ حاله لا تزيد على المدح في الجملة فيما يظن(٥) ، والضمير في « عنه » للحسين بن سعيد.
والثالث : واضح الرجال سليم من الارتياب بعد ما كرّرنا القول فيه(٦) ، والعلاء هو ابن رزين ، وتخيّل البعض(٧) الاشتراك لا وجه له.
والرابع : فيه أبو بصير ، والحسين هو ابن عثمان ، ( وسماعة مضى احتمال عدم القدح فيه(٨) ؛ لعدم ذكر النجاشي كونه واقفيا ، وهو مقدّم على الشيخ ، إلاّ أنّي وجدت الآن التصريح بأنّه واقفي من الصدوق في موضعين :
أحدهما : في نافلة شهر رمضان.
وثانيهما : فيمن أفطر في يوم من شهر رمضان(٩) ، فليتدبّر )(١٠) .
__________________
(١) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المعنى ، راجع الحبل المتين : ٢٤٠.
(٢) راجع ج ١ : ٤١.
(٣) راجع ج ١ : ١٨٢.
(٤) رجال ابن داود : ١٥٤ / ١٢١٩.
(٥) راجع ج ١ : ١٥٢.
(٦) راجع ج ١ : ١٥٢.
(٧) لم نعثر عليه.
(٨) راجع ج ١ : ١١٠.
(٩) الفقيه ٢ : ٨٨ / ٣٩٧ و ٧٥ / ٣٢٨.
(١٠) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».
والخامس : واضح بعد ما قدّمناه في أبان مرارا(١) .
المتن :
في الأوّل : استدل به على استحباب وضع اليدين قبل الركبتين ـ كما هو ظاهر الشيخ ـ عند إرادة السجود ، وقد يشكل بأنّ فعلهعليهالسلام يجوز أن يكون أحد جزئيات المأمور به ، مضافا إلى ما يأتي في بعض الأخبار من قولهعليهالسلام : « لا تنظروا إلى ما أصنع وافعلوا ما تؤمرون »(٢) فإنّ الخبر كما نذكره يشعر بعدم استحباب التأسّي على الإطلاق.
ولعلّ الأولى الاستدلال بقولهعليهالسلام في خبر زرارة المعتبر المذكور في التهذيب حيث قالعليهالسلام : « فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير وخرّ ساجدا وابدأ بيديك تضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا »(٣) .
واحتمال أن يقال بالوجوب لظاهر الأمر يدفعه عدم ظهور القائل بالوجوب ، مضافا إلى الأصل والأوامر المطلقة.
أمّا احتمال أن يقال في الخبر المبحوث عنه : إنّ لفظ « قبل » يجوز أن يكون بكسر القاف وفتح الباء الموحدة بمعنى محاذاة اليدين للركبتين ، ففيه : أنّ غيره من الأخبار يدفع الاحتمال سيّما خبر زرارة.
والثاني : كما ترى له دلالة على الجواز ، وقد يستفاد الاستحباب من عجزه.
__________________
(١) راجع ج ١ : ١٨٣.
(٢) انظر ص : ٢٣٦.
(٣) التهذيب ٢ : ٨٣ / ٣٠٨ ، الوسائل ٥ : ٤٦١ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ٣.
والثالث : يتضح حاله من السابق.
وما تضمنته الأخبار الثلاثة بل الأربعة من ذكر اليدين كأنّ المراد بهما الكفّان باطنهما كما هو المتبادر.
ثم إنّ ما تضمنه الثاني : من قوله : « وإذا أراد » إلى آخره. هو الموجود في النسخ وفي التهذيب(١) ، لكن في الحبل المتين وجدته في نسخ منه : وإذا أراد أن يقوم رفع يديه قبل ركبتيه(٢) ، وكأنّه سهو قلم.
وينبغي أن يعلم أنّ الشيخ في التهذيب روى عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمّد قال : رأيت أبا عبد اللهعليهالسلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد ، وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه قبل يديه ، ثم قال : وعنه ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، وذكر الرواية الثانية إلى قوله : « نعم » ، ثم قال : وعنه عن صفوان إلى آخر الثالثة(٣) ، وهنا كما ترى على ما وجدت من النسخة جعل قوله : « وإذا أراد » من رواية الحسين بن أبي العلاء.
ولا يبعد أن يكون سبق النظر من الشيخ من رواية إلى رواية أو(٤) أنّ ما هنا هو الأصل وما في التهذيب موهوم.
وفي الحبل المتين هكذا : محمّد بن مسلم قال : رأيت أبا عبد اللهعليهالسلام يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد ، وإذا أراد أن يقوم ، إلى آخره(٥) . ولعلّ
__________________
(١) تقدّم في ص ٢١٩ أن العبارة غير موجودة في الاستبصار ، وتوجد في التهذيب ٢ : ٧٨ / ٢٩١ في رواية الحسين بن أبي العلاء.
(٢) الحبل المتين : ٢٤٠.
(٣) التهذيب ٢ : ٧٨ / ٢٩١ ، الوسائل ٦ : ٣٣٧ أبواب السجود ب ١ ح ١.
(٤) في « م » : و.
(٥) الحبل المتين : ٢٤٠.
الرواية من التهذيب ، وتعبير ابن مسلم من المصنّف ، أو هو مأخوذ من الكافي ، فليتأمّل في ذلك كلّه.
وأمّا الرابع : فما ذكره الشيخ فيه في غاية البعد ، ولعلّ الأولى التوجيه بما ذكره في الخامس(١) ، وإن كان التوجيه في الرابع أقرب منه في الخامس ؛ لأنّ قولهعليهالسلام : « لا بأس » محتمل لنفي الحرج ، بخلاف الخبر الخامس ؛ فإنّ الظاهر منه المساواة في القبول من دون ترجيح ، لكن مع وجود المعارض فالتأويل لا بأس به ، وما قاله الشيخ ـ من عدم بطلان الصلاة أو عدم استحقاق العقاب ـ زيادة عن قدر الحاجة ، بل غير موافق لقولهعليهالسلام : « هو مقبول منه » كما لا يخفى.
قوله :
باب السجود على الجبهة
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن أبي عبد الله البرقي ، عن محمّد بن مضارب(٢) قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « إنّما السجود على الجبهة ، وليس على الأنف سجود ».
محمّد بن علي بن محبوب ، عن موسى بن عمير(٣) ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن ابن بكير وثعلبة بن ميمون ، عن بريد ،
__________________
(١) راجع ص ٢١٩.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٢٦ / ١٢٢٠ : مصادف.
(٣) في « فض » : موسى بن عمر ، وهو الصحيح الموافق للتهذيب ـ راجع معجم رجال الحديث ١٩ : ٥٥. إلاّ انه يأتي التصريح بأنّه موسى بن عمير فيما بعد.
عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « الجبهة إلى الأنف ، أيّ ذلك أصبت الأرض في السجود أجزأك ، والسجود عليه كلّه أفضل ».
أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن مروان بن مسلم وعمار الساباطي قال : « ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف مسجد ، أيّ ذلك أصبت به الأرض أجزأك ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ( عن محمّد )(١) بن يحيى ، عن عمّار ، عن جعفر عن أبيهعليهماالسلام (٢) قال : « قال عليعليهالسلام : لا تجزئ صلاة لا يصيب فيها الأنف ما يصيب الجبين ».
فهذه الرواية محمولة على ضرب من الكراهية دون الفرض ؛ لأنّ الفرض هو السجود على الجبهة ، والإرغام(٣) سنّة على ما بيّنّاه.
ويؤكد ما قلناه : ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال : قال أبو جعفرعليهالسلام (٤) : « السجود على سبعة أعظم : الجبهة ، واليدين ، والركبتين ، والإبهامين من الرجلين ، وترغم بأنفك إرغاما ».
أمّا الفرض فهذه السبعة ، وأمّا الإرغام بالأنف فسنّة من النبيصلىاللهعليهوآله .
السند
في الأوّل : فيه مع البرقي ـ وهو محمّد لاحتمال الكلام فيه بما
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٢) في « رض » : عن أبي جعفرعليهالسلام .
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٢٧ / ١٢٢٣ زيادة : بالأنف.
(٤) في الاستبصار ١ : ٣٢٧ / ١٢٢٤ زيادة : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
مضى(١) ـ محمّد بن مضارب ، فإنّه مذكور مهملا في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٢) ، وفي التهذيب ابن مصادف(٣) ، وهو على ما ذكره العلاّمة في الخلاصة نقلا عن ابن الغضائري لا يزيد على الإهمال ، لأنّ ابن الغضائري وثّقه في كتاب وضعّفه في آخر على ما حكاه العلاّمة(٤) ، والحال في ذلك غير خفية.
والثاني : فيه موسى بن عمير ، وهو ابن يزيد الصيقل ، لرواية محمّد ابن علي بن محبوب عنه في الفهرست(٥) ، وفي النجاشي موسى بن عمير في النسخة الموجودة فيما وقفنا عليه(٦) ، وابن داود ذكره ابن عمر(٧) ، وفي التهذيب ابن عمر(٨) ولا يبعد الاعتماد على ما في النجاشي والفهرست ؛ لجواز الإتيان باللفظ مصغرا وغيره ، والأمر سهل.
وبُرَيد فيه بالباء الموحدة في نسخة وهو العجلي الثقة ، وفي أُخرى غير مضبوط.
وقد عدّه بعض محقّقي المعاصرين من الموثق(٩) ، ولا اعلم وجهه مع وجود موسى بن عمر فيه ، وهو غير موثّق ولا ممدوح.
__________________
(١) راجع ج ١ : ٩٥.
(٢) رجال الطوسي : ٣٠٠ / ٣٢٢ و ٣٢٢ / ٦٨٣.
(٣) التهذيب ٢ : ٢٩٨ / ١٢٠٠.
(٤) خلاصة العلاّمة : ٢٥٦ ، إلاّ أنّ فيه : محمّد بن مصادف.
(٥) الفهرست : ١٦٣ / ٧٠٩ ، وفيه : موسى بن عمر.
(٦) رجال النجاشي : ٤٠٥ / ١٠٧٥ ، إلاّ أنّ فيه موسى بن عمر.
(٧) رجال ابن داود : ١٩٤ / ١٦١٩.
(٨) التهذيب ٢ : ٢٩٨ / ١١٩٩.
(٩) البهائي في الحبل المتين : ٢٤١.
والثالث : فيه الحسن بن علي بن فضّال ، وقد تكرّر القول فيه(١) . ومروان بن مسلم كذلك ، وهو ثقة. وعمّار كذلك لكنه فطحي على قول الشيخ(٢) ، والنجاشي اقتصر على التوثيق(٣) .
والرابع : محمّد بن يحيى فيه ليس هو العطّار ؛ لأنّه الراوي عن أحمد بن محمّد ، بل إمّا الخثعمي أو الخزّاز أو غيرهما ، ويبعد كونه الخثعمي ؛ لتوسط ابن أبي عمير بينه وبين أحمد بن محمّد في الرواية عنه على ما في الرجال(٤) ، وقد عدّه بعض محققي الأصحاب(٥) من الموثق(٦) ، ولا اعلم وجهه بعد احتمال محمّد بن يحيى لغير من وثّق ، ولعلّه من غير التهذيب.
والخامس : لا ارتياب فيه(٧) .
المتن :
في الأوّل : يدل على أنّ الأنف ليس عليه سجود ، فهو لو صحّ ينفي قول الصدوق بوجوب الإرغام كما يُظن من عبارته في الفقيه ، حيث قال : إنّ الإرغام سنّة من تركه لا صلاة له(٨) . لكن الخبر كما ترى ، وردّ قوله
__________________
(١) راجع ج ٤ : ١٢٩ و ٣٧٩.
(٢) الفهرست : ١١٧ / ٥١٥.
(٣) رجال النجاشي : ٢٩٠ / ٧٧٩.
(٤) الفهرست : ١٦٢ رقم ٧٠١.
(٥) في « رض » : المعاصرين سلمه الله.
(٦) البهائي في الحبل المتين : ٢٤١.
(٧) في « رض » : في رجاله.
(٨) الفقيه ١ : ٢٠٥.
بالأخير ستسمع القول فيه(١) .
والثاني : ظاهر الدلالة على أنّ الجبهة حدّها من القصاص ـ مثلّث القاف ـ وهو منتهى منابت شعر الرأس من جهة الوجه إلى الأنف ، وأن كل جزء منها لو أصاب الأرض بفعل الإنسان أجزأ في السجود ، ولو صحّ لاندفع به قول معتبر قدر الدرهم كما ينقل عن الصدوق(٢) وابن إدريس(٣) والشهيد في الذكرى(٤) ؛ وإن كان في نظري القاصر أنّ كلام الصدوق في الفقيه لا يفيد الوجوب ؛ لأنّه ذكر السجود على العود والسواك مع ذكره الدرهم(٥) ، فلا بدّ من الحمل على الاستحباب في الدرهم ، أو حمل العود والسواك على مقدار الدرهم ، ( والثاني في غاية البعد بخلاف الأوّل.
أمّا الاستدلال للمعتبرين بخبر زرارة(٦) الدال على إجزاء مقدار الدرهم )(٧) ومقدار طرف الأنملة(٨) ، ففيه : أنّ طرف الأنملة أقلّ من مقدار الدرهم.
ودلالة الخبر المبحوث عنه على أفضليّة وضع جميع الجبهة ظاهرة.
أمّا قوله : « إلى الأنف » فالمراد به الطرف الأعلى ، وقد يحتمل أن يعود ضمير « كلّه » إلى الأنف ، وبُعده ظاهر ، كما أنّ احتمال إرادة كل من
__________________
(١) في ص ٢٢٨ ـ ٢٢٩.
(٢) الفقيه ١ : ٢٠٥ ، المقنع : ٢٦.
(٣) السرائر ١ : ٢٢٥.
(٤) الذكرى ٣ : ١٤٩.
(٥) الفقيه ١ : ٢٣٦ / ١٠٣٩.
(٦) الكافي ٣ : ٣٣٣ / ١ ، الوسائل ٦ : ٣٥٦ أبواب السجود ب ٩ ح ٥.
(٧) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٨) حكاه عن الصدوق وابن إدريس في الذكرى ٣ : ٣٨٩ ، السرائر ١ : ٢٢٥.
الجبهة والطرف من الأنف كذلك ، واستبعاد تخصيص الأفضل بالجبهة كلها من دون ذكر الأنف يقربه أنّ المقام لبيان الجبهة لا لبيان محالّ السجود.
والثالث : واضح الدلالة على إجزاء المسمّى من الموضع المذكور.
ولا يخفى أنّ خبر زرارة لو أفاد المطلوب من اعتبار الدرهم لما نافاه شيء من هذه الأخبار ؛ لأنّها تضمنت بيان الجبهة التي يصح السجود عليها ، وهي من جهة إجزاء كل جزء من قبيل العام ، فلا مانع من تخصيصه ، بل لا يبعد أن يكون من قبيل المجمل فلا مانع من بيانه ، إلاّ أنّ الكلام في المبيّن ، وما وجّه به شيخناقدسسره الاستدلال من خبر زرارة(١) ذكرنا ما فيه في غير هذا الموضع ، والمحصّل ما هنا.
والرابع : لعلّه محمول على الفضل في إصابة الأنف لما أصاب الجبين ؛ ( إذ )(٢) الوجوب لا يعلم القائل به.
ثم إنّه كما ترى يتناول كلما يصح السجود عليه ، والعجب من جدّيقدسسره أنّه استدل بالخبر على تحقّق الإرغام بغير التراب(٣) ، والحال أنّه تضمّن الجبين صريحا ، ولعل نظرهقدسسره إلى أن المراد بالجبين الجبهة لشدة الاتصال بينهما ، وهو غير بعيد ، والشيخ كما ترى فهم هذا من الرواية حيث قال : إنّ الفرض هو السجود على الجبهة والإرغام سنة(٤) . اللهم إلاّ أن يقال : إنّ مراد الشيخ بيان الفرض وكل ما عداه سنّة ، وفيه ما فيه.
والخامس : إنّما يدل على مطلوب الشيخ من كون الإرغام سنّة على
__________________
(١) مدارك الأحكام ٣ : ٤٠٥.
(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » و « م » : إذا أراده.
(٣) المسالك ١ : ٣٢.
(٤) راجع ص ٢٢٥.
تقدير إرادة المستحب منها ، واحتمال إرادة ما ثبت من السنّة ممكن ، لأنّهعليهالسلام لما ذكر الفرض علم أنّ السنّة تقابله ، ولمّا تقرّر أنّ الفرض ما ثبت من القرآن فالسنّة ما ثبت بها ، غير أنّ الحق اشتراك السنّة ، ومع الاشتراك لا يخرج عن الأصل إلاّ بالتعين ، أو يقال : إنّ السنّة هنا يراد بها ما ثبت بالسنّة ، وهو أعم من الواجب والندب ، فلا يخرج عن الأصل ، إلاّ أن يقال إنّ قولهعليهالسلام : « وترغم بأنفك » جملة خبرية في معنى الأمر فيفيد الوجوب.
ولا ينافي ذلك بيان كون الإرغام من السنّة ، وهذا وإن كان فيه تأمّل سبق بيان وجهه مفصّلا ، من جهة احتمال الجملة الخبرية للاستحباب بسبب العدول ، إلاّ أنّه وجه للاستدلال عند من يطلق كون الخبرية للوجوب إذا كانت في مثل هذه المواضع ، فليتأمّل.
والإرغام : إلصاق الأنف بالرغام ـ بالفتح ـ وهو التراب ، ونقل عن المرتضىرحمهالله : إلصاق الطرف الأعلى منه ، وهو ممّا يلي الحاجبين(١) . وعن ابن الجنيد : أنّه مماسّة الأرض بطرف الأنف وحدبته(٢) ، سواء الرجل والمرأة(٣) .
وفي نظري القاصر أنّ ما في حديث حمّاد المشهور من قوله : وسجد على ثمانية أعظم ـ إلى أن قال : ـ والأنف(٤) . يدل على أنّ الإرغام بما ذكره ، واحتمال أن يكون الإرغام غير ما ذكر لا وجه له.
__________________
(١) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٣٢.
(٢) في « م ». والذكرى : وجدبته ، وفي « رض » و « فض » بلا نقطة ، ولعل الأنسب ما أثبتناه مهملا بمعنى الارتفاع ، مقاييس اللغة ٢ : ٣٦.
(٣) حكاه عنه في الذكرى : ٢٠٢.
(٤) الفقيه ١ : ١٩٦ / ٩١٦ ، التهذيب ٢ : ٨٢ / ٣٠١ ، الوسائل ٥ : ٤٥٩ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر المبحوث عنه اشتمل على أنّ السجود على سبعة أعظم ، وكذلك خبر حمّاد ، وهذا في الجبهة والركبتين واضح ، أمّا في اليدين فعلى تقدير ما نقل عن السيد المرتضى أنّ السجود على مفصل ( الكف على )(١) الزندين(٢) له وجه ، أمّا على تقدير الكفين فالعظم لا يخلو من خفاء.
والعجب من العلاّمة في المختلف أنّه نقل قول السيّد ، ثم قال : والمشهور اعتبار اليدين ؛ لما رواه زرارة(٣) . والأمر كما ترى ، لكن لا خروج عن المشهور.
أمّا الأنامل فالعظم [ فيها ](٤) أيضا خفي.
ولا يبعد أن يكون قوله : « سبعة أعظم » من باب التغليب ، وقد ذكر بعض شرّاح حديث المخالفين الحديث وقال : إنّه من باب التغليب(٥) ، فليتدبّر.
أمّا ما عساه يقال في الخبر الأخير : من أنّ كون السبعة من القرآن لا يخلو من خفاء ، ففيه : أنّ أهل البيتعليهمالسلام أدرى بما فيه ، وفي الظاهر يمكن أن يقال : إنّ الأمر بالسجود يراد(٦) به على الأعضاء السبعة ، لتفسيرهمعليهمالسلام ، هذا.
وفي بعض الأخبار المعتبرة ما يدل على قول ابن الجنيد(٧) في
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».
(٢) جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٣٢ ، وفيه : مفصل الكفين عند الزندين.
(٣) المختلف ٢ : ١٨٦.
(٤) في النسخ : فيهما ، وما أثبتناه هو الأنسب.
(٥) كما في إرشاد الساري ٢ : ١٢٠.
(٦) في « رض » : ويراد.
(٧) راجع ص ٢٣٠.
الجملة ، وهو ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسىعليهالسلام ، قال : سألته عن المرأة تطول قصتها ، فإذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض وبعض يغطيه الشعر ، هل يجوز ذلك؟ قال : « لا حتى تقع جبهتها على الأرض »(١) وقد حملت هذه الرواية على الاستحباب. وفيه : أنّ ما تقدم من الأخبار قابل للجمع بينها وبين هذه الرواية ببيان(٢) مقدار الواجب من غيرها ، على معنى أنّ محل الواجب من السجود ما كان حدّه كذا وكذا ، ( لا أنّ )(٣) كل جزء حصل تحقّق الوجوب ، ولو دلّ على الثاني لكان ظاهرا وهذا الخبر صريح. ولا يخفى أنّ ابن الجنيد قوله مركّب على ما نقل(٤) ، والخبر لا يدل عليه ، وبدونه لا يتحقق الموافق على مدلول الرواية ، فربما يتم الحمل على الاستحباب ، فليتأمّل المقام ، وبالله سبحانه الاعتصام.
قوله :
باب الإقعاء بين السجدتين
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا تقع بين السجدتين إقعاء ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا بأس
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٣١٣ / ١٢٧٦ ، قرب الاسناد : ٢٢٤ ، وفيهما : حتّى تضع جبهتها.
(٢) في « رض » فبيان.
(٣) في « رض » : إلاّ أن. ، وفي « م » : لأن.
(٤) حكاه عنه في الذكرى : ٢٠٢.
بالإقعاء في الصلاة ما بين السجدتين ».
فالوجه في هذه الرواية الرخصة أو حال الضرورة ، غير أنّ الأفضل ما قدّمناه في الرواية الاولى ، وذلك أيضا مطابق للروايات التي أوردناها في كتابنا الكبير.
ويؤكد ذلك أيضا :
ما رواه معاوية بن عمّار وابن مسلم والحلبي جميعا قالوا(١) : « لا تقع بين السجدتين كإقعاء الكلب ».
السند
في الأوّل : فيه أبو بصير.
والثاني : لا ارتياب في صحته.
والثالث : فيه أنّ الطريق إلى الثلاثة غير مذكور في المشيخة ، وفي الفهرست ما لا يفيد الدخول في الطرق ، مضافا إلى أنّ الظاهر إسناد القول إليهم كما في النسخة المنقول منها ، وفي التهذيب « قالوا قال » في نسخة ، وعلى هذا يكون من قبيل الخبر المضمر وإن كان الحق أنّه لا يضرّ بالحال لو سلم من غيره.
المتن :
في الأوّل : ظاهره التحريم ، غير أنّ المشهور الكراهة(٢) ، والصدوق
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٢٨ / ١٢٢٧ زيادة : قال.
(٢) كما في المعتبر ٢ : ٢١٨ ، المختلف ٢ : ٢٠٨ ، جامع المقاصد ٢ : ٣٠٩ ، الحبل المتين : ٢١٥.
في الفقيه ظاهره عدم الجواز حال التشهد ، ونفي البأس بين السجدتين ، لأنّه قال : ولا بأس بالإقعاء بين السجدتين ، ولا بأس به بين الاولى والثانية ، وبين الثالثة والرابعة ، ولا يجوز الإقعاء في موضع التشهد(١) . ومراده بالأولى والثانية الركعة الاولى والثانية ، وهكذا الثالثة والرابعة ، فيدل(٢) على نفي البأس بعد السجدة الثانية من الاولى ومن [ الثالثة ](٣) .
ونقل عن ابن إدريس أنّه قال : لا بأس به بين السجدتين ولا يجوز في التشهدين(٤) .
وعن الشيخ في المبسوط(٥) والمرتضى(٦) عدم الكراهة مطلقا.
ولا يخفى أنّ نفي البأس من الصدوق محتمل لأن يكون المراد به نفي عدم الجواز بقرينة ذكره في التشهد.
ثمّ إنّه علّل النفي في التشهد بأنّ المقعي ليس بجالس ، إنّما يكون بعضه قد جلس على بعض فلا يصبر للدعاء(٧) والتشهد.
وهذا التعليل موجود في رواية زرارة في التهذيب ، وهي صحيحة ، وفيها : « وإيّاك والقعود على قدميك فتتأذّى بذلك ، ولا تكن قاعدا على الأرض فتكون إنّما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد والدعاء »(٨)
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢٠٦.
(٢) في « فض » فدل.
(٣) في النسخ : الرابعة ، والصواب ما أثبتناه.
(٤) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٢٠٨ ، وهو في السرائر ١ : ٢٢٧.
(٥) المبسوط ١ : ١١٣.
(٦) حكاه عنه في المعتبر ٢ : ٢١٨.
(٧) في « رض » : على الدعاء.
(٨) التهذيب ٢ : ٨٣ / ٣٠٨ ، الوسائل ٥ : ٤٦١ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ٣.
وكأنّ الصدوقرحمهالله فهم منها الاختصاص بالتشهد ، ويكون الدعاء ما يذكر في التشهد. ويؤيّده أنّ قبل هذا : « فإذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك ـ إلى أن قال ـ : وإيّاك » إلى آخره.
وعدم الجواز ربما يستفاد من ظاهرها ، إلاّ أن يعارض بأنّ الأوامر فيها أكثرها للاستحباب فيبعد الدلالة على التحريم. وفيه : أنّ الظاهر الوجوب ما لم يخرج الدليل بعض الأحكام ، والموجود هنا ممّا يصلح للإخراج غير موجود ، فإنّ الثاني من الأخبار المبحوث عنها تضمن جواز الإقعاء بين السجدتين فيبقى حكم التشهد على أصله من الخبر ، غير أنّ كثرة الأوامر الواردة في الخبر للاستحباب مع الشهرة تؤيّد عدم التحريم ، مضافا إلى ظاهر التعليل وإن احتمل أن يراد منه كون الجلوس للتشهد لا يتحقق إلاّ على الأرض ، إلاّ أنّ قوله : « والدعاء » لا يوافق عدم الجواز ، فربما يقرب أن يكون مراد الصدوق الكراهة من عدم الجواز ، ومن نفي البأس عدم الكراهة.
وعلى كل حال المستفاد من الرواية أنّ الإقعاء المأمور بتركه هو الجلوس على العقبين مع الاعتماد على صدور القدمين ، قيل : وهذا التفسير هو المشهور بين الفقهاء(١) ، ونقل جماعة من الأصحاب عن بعض أهل اللغة أنّه الجلوس على الأليتين ناصبا الفخذين كإقعاء الكلب(٢) ، وهو مدلول الخبر الأخير ، ويمكن أن يقال بتقدير العمل بالخبر الأخير والأوّل أنّ النهي عن الإقعاء بين السجدتين كإقعاء الكلب ، وما تضمن الجواز ـ وهو الثاني ـ يحمل على الجلوس على صدور القدمين ، إلاّ أنّه غير خفي عدم
__________________
(١) كما في جامع المقاصد ٢ : ٣١٠ ، الحبل المتين : ٢١٥.
(٢) كما في المعتبر ٢ : ٢١٨ ، المنتهى ١ : ٢٩١ ، مجمع الفائدة ٢ : ٢٧١.
موافقته لخبر زرارة ، ويمكن أن يكون الإقعاء ( مطلقا مكروها )(١) والإقعاء المخصوص في رواية زرارة غير جائز ، وفيه ما لا يخفى ، لكن الأمر سهل بعد ما سمعته ، فليتأمّل.
قوله :
باب من يقوم من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية.
أخبرني الشيخرحمهالله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الصفّار ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزّاز ، عن عبد الحميد بن عواض(٢) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : رأيته إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى جلس حتى يطمئن ثم يقوم.
سماعة ، عن أبي بصير قال ، قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية من الركعة الأولى حين تريد أن تقوم فاستو جالسا ثم قم ».
فأمّا ما رواه علي بن الحكم ، عن رحيم قال : قلت للرضاعليهالسلام : أراك إذا صلّيت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الاولى والثالثة فتستوي جالسا ثم تقوم ، فنصنع كما تصنع؟ قال : « لا تنظروا إلى ما أصنع ( وافعلوا ) (٣) ما تؤمرون ».
__________________
(١) في « رض » : مكروها مطلقا.
(٢) في النسخ : عواص ، وفي مجمع الرجال ٤ : ٦٩ و ٦ : ٨١ : غواض ، وما أثبتناه موافق للاستبصار ١ : ٣٢٨ / ١٢٢٨ ، ورجال النجاشي : ٤٢٤ / ١١٣٨ ، ورجال الطوسي : ١٢٨ / ١٨ ، ٢٣٥ / ٢٠٢ ، ٣٥٣ / ٦.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٢٨ / ١٢٣٠ : اصنعوا.
إنّما قالعليهالسلام : « لا تنظروا إلى ما أصنع » لئلاّ يعتقدوا أنّ ذلك يلزمهم على طريقة الفرض ، دون أن يكون قد منعه أن يقتدي بفعله على جهة الفضل والكمال ، وهذه الجلسة من آداب الصلاة لا من فرائضها.
والذي يدل على ذلك :
ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحجّال ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة قال : رأيت أبا جعفر وأبا عبد اللهعليهماالسلام إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا ولم يجلسا.
السند
في الأوّل : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه(١) في ابن الوليد [ أحمد ، وعبد الحميد ](٢) بن عواض ثقة.
والثاني : فيه ـ مع عدم الطريق إلى سماعة ـ أبو بصير.
والثالث : فيه مع جهالة الطريق إلى علي بن الحكم جهالة رحيم.
والرابع : موثق ، غير أنّه مقبول للإجماع على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن بكير(٣) ، إلاّ أن يقال : إنّ ما قدّمناه في أوّل الكتاب من معنى الإجماع(٤) لا يقتضي الصحة المصطلح عليها.
والعجب من عدّ بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ هذا الخبر
__________________
(١) في ج ١ : ٣٩.
(٢) في « م » : أحمد بن عبد الله لحميد ، وفي « رض » : احمد وبن عبد الحميد ، وفي « فض » : أحمد بن عبد الحميد. والظاهر ما أثبتناه.
(٣) انظر رجال الكشي ٢ : ٦٧٣ / ٧٠٥.
(٤) راجع ج ١ : ٦٠ ـ ٦٣ ، ٧١.
من الموثق مع عدّه خبر أبان بن عثمان من الصحيح(١) ـ كما تقدم القول فيه(٢) ـ مع الاشتراك في العلّة.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على فعل الإمامعليهالسلام الجلوس ، لكن التأسّي لما كان مستحبا عند محقّقي الأصحاب(٣) فيما لم يعلم فيه الوجوب حكم باستحباب الجلسة لغيره ، وربما يقال ما قدّمناه عن قريب من أنّ فعلهعليهالسلام يجوز أن يكون لا للاستحباب بل للإباحة.
والثاني : يفيد الاستحباب من حيث الأمر ، إن اكتفينا في السنن بمثل الخبر.
فإن قلت : فعلهعليهالسلام في الأوّل لا بدّ من كونه راجحا ، وهو معنى الاستحباب.
قلت : ليس كل فعل يفعلهعليهالسلام في الصلاة يكون راجحا رجحان الاستحباب.
نعم ربما يقال فيما نحن فيه : إنّ الجلوس أمر زائد على القيام من السجدة ، فلا بدّ أن يكون له رجحان ، إلاّ أن يقال : إنّ فعلهعليهالسلام لو كان فيه تكرار ربما يفيد الاستحباب ، أمّا فعل المرّة فيجوز أن يكون لغرض من الأغراض أو لعذر ، ولعلّ الاستحباب بالإجماع المنقول مع الخبر فيسهل
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٤١.
(٢) في ج ١ : ١٨٣.
(٣) في « م » : عند الأصحاب ، وعلى أي حال فمنهم البهائي في الحبل المتين : ٢٤٤ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٦٩.
الخطب ، والإجماع حكاه بعض المتأخرين(١) .
ويؤيّده ما يظهر من أنّ الخلاف إنّما هو في الوجوب والاستحباب والأوّل منقول عن السيد المرتضىرضياللهعنه وأنّه ادّعى عليه الإجماع(٢) ، ولا يخلو من غرابة ، ولا يبعد أن يريد بالوجوب ( تأكّد )(٣) الاستحباب كما يستعمل في كلام المتقدمين ، مثل الصدوق والمفيد ، بل في الأخبار وجوده بكثرة.
وأمّا ما ذكره الشيخ في تأويل الثالث فلا بأس به ، ولولاه لانتفى استحباب التأسّي عند من يعمل بالخبر.
وأمّا الرابع : فالاستدلال به على الاستحباب لا يخلو من إشكال ؛ لأنّ ترك المستحب وإن ذكر بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ جوازه لبيان الجواز(٤) ، إلاّ أنّ في البال بعد ذلك ، لأنّ بيان الجواز فيما لم يظن وجوبه غير ظاهر ، إلاّ أن يقال : إنّ احتمال وجوب التأسي لمّا كان ممكنا احتيج إلى دفعه بالترك ، فليتأمّل.
قوله :
باب وضع الإبهام في حال السجود
أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن
__________________
(١) كالعلاّمة في المنتهى ١ : ٢٩١ ، وانظر مجمع الفائدة ٢ : ٢٦٩ و ٢٧٠.
(٢) الانتصار : ٤٦ ، وحكاه عنه في المدارك ٣ : ٤١٣.
(٣) ليس في « م » وفي « فض » : ذلك.
(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢٤٤.
أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة قال ، قال أبو جعفرعليهالسلام : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : السجود على سبعة أعظم : الجبهة ، واليدين ، والركبتين ، والإبهامين ، وترغم بأنفك إرغاما ، أمّا الفرض فهذه السبعة ، وأمّا الإرغام فسنّة من النبيصلىاللهعليهوآله ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيغ ، عن أبي إسماعيل السرّاج ، عن هارون بن خارجة قال : رأيت أبا عبد اللهعليهالسلام وهو ساجد وقد رفع قدميه من الأرض وإحدى قدميه على الأخرى.
فالوجه في هذا الخبر هو أنّه يجوز أن يكونعليهالسلام إنّما فعل ذلك لضرورة دعته إلى ذلك دون حال الاختيار.
السند
في الأوّل : لا ارتياب فيه بعد ما قدمناه في أحمد بن محمّد بن يحيى من عدم توقف مشايخنا فيه(١) ، وأحمد بن محمّد الراوي عنه ابن محبوب هو ابن عيسى ، وابن أبي نجران : عبد الرحمن.
والثاني : فيه أبو إسماعيل السرّاج ، وفي الكافي في صلاة الحوائج صرح بأنّ اسمه عبد الله بن عثمان بن عمرو الفزاري(٢) ، وفي الرجال عبد الله بن عثمان بن عمرو بن خالد الفزاري أخو حمّاد بن عثمان(٣) ، وقد وثّقه النجاشي في ترجمة حمّاد بن عثمان(٤) ، ولم ينقل شيخنا ـ أيّده الله ـ
__________________
(١) راجع ج ١ : ٤١ و ٩٢.
(٢) الكافي ٣ : ٤٧٨ / ٦ وفيه : عن عبد الله بن عثمان أبي إسماعيل السراج.
(٣) انظر رجال ابن داود : ٨٤ / ٥٢٢ ، خلاصة العلاّمة : ٥٦ / ٤.
(٤) رجال النجاشي : ١٤٣ / ٣٧١.
في كتاب الرجال أنّ كنيته أبو إسماعيل السراج عن النجاشي(١) ، لكن في كتاب بعض المعاصرين الجامعين للرجال رأيت فيه الكنية نقلا عن النجاشي(٢) ، ولو لا ظنّ أنّ الزيادة من تصرفه لكان الوثوق بأنّه الأخ لحماد ابن عثمان الموصوف بالثقة حاصلا ، ولم يحضرني الآن نسخة النجاشي فينبغي المراجعة(٣) .
وأمّا هارون بن خارجة ففي النجاشي ذكره مفردا ووثّقه(٤) ، والشيخ ذكر في أصحاب الصادقعليهالسلام من كتابه هارون بن خارجة الأنصاري ( مهملا(٥) ، وفيهم أيضا هارون بن خارجة )(٦) الصيرفي مهملا(٧) .
وفي الفهرست : هارون بن خارجة له كتاب ـ إلى أن قال ـ إنّ الراوي عنه الحسن بن محمّد بن سماعة ، ولم يوثقه(٨) ، والنجاشي ذكر أنّ الراوي عنه محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن علي بن النعمان(٩) ، والظاهر من الشيخ كما ترى التعدد لكن إثبات التعدد من الشيخ مشكل ، غير أنّ ذكر الأنصاري والصيرفي يؤذن بالتعدد ، وغير بعيد الجمع ؛ لأنّ الأنصاري لا ينافي كونه صيرفيا.
وبالجملة : فالأمر لا يخلو من ارتياب ؛ لاحتمال الاشتراك ، وإن كان
__________________
(١) منهج المقال : ٢٠٨.
(٢) القهپائي في مجمع الرجال ٤ : ٢٦.
(٣) رجال النجاشي : ١٤٣ / ٣٧١. والكنية فيه غير مذكورة.
(٤) رجال النجاشي : ٤٣٧ / ١١٧٦.
(٥) رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٤.
(٦) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٧) رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٢.
(٨) الفهرست : ١٧٦ / ٧٧٥.
(٩) رجال النجاشي : ٤٣٧ / ١١٧٦.
في المقام هيّن الأثر ، لكن في غيره تظهر ثمرته.
المتن :
في الأوّل : قد قدمنا فيه كلاما من جهة الجبهة واليدين(١) ويبقى(٢) هنا بيان ما لا بدّ منه في الركبتين والإبهامين ، فالذي يقتضيه الخبر وجوب السجود على الركبتين ، لكن في خبر زرارة المذكور في التهذيب صحيحا في ذكر الركوع : « وتضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى وبلّغ بأطراف أصابعك عين الركبة » الحديث(٣) . وهو كما ترى محتمل من جهة قوله : « عين الركبة » أن يراد بالعين نفس الركبة ، وحينئذ يفيد أنّ الركبة أسفل من المتعارف منها ، لأنّ تبليغ الأصابع إلى العين يقتضي ذلك ، فلا بدّ في السجود من عدم زيادة مدّ الرجل إلى وراء لئلاّ تخرج عن الوضع الواجب.
ويحتمل أن يراد بالعين غير الركبة فتكون الركبة فوق العين ، وحينئذ لا بدّ من زيادة مدّ الرجل إلى وراء ليتحقّق وضع الركبة. ولعلّ الاحتمال الثاني له نوع قرب.
أمّا ما وقع في كلام بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من أنّ « بلّغ » في خبر زرارة بالعين المهملة وأنّ غير ذلك تصحيف(٤) ، فلا يخلو من غرابة كما يعلم ممّا كتبناه في مواضع منها في فوائد التهذيب.
وأمّا الإبهامان : فالخبر المبحوث عنه كما ترى تضمّن ذلك ، وفي
__________________
(١) في ص ٢٣٠ ـ ٢٣٢.
(٢) في « رض » : وينبغي.
(٣) التهذيب ٢ : ٨٣ / ٣٠٨ ، الوسائل ٥ : ٤٦١ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ٣.
(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢١٣.
خبر حمّاد بن عيسى المشهور أنّهعليهالسلام سجد على ثمانية أعظم وعدّ منها الراوي : أنامل إبهامي الرجلين ، وقال عنهعليهالسلام أنّه قال : « سبع منها فرض » وعدّهاعليهالسلام إلى أن قال : « والإبهامان »(١) .
وقد يظن حمل مطلق هذا الخبر المبحوث عنه على مقيد ذلك ، فيراد بالإبهامين أناملهما.
ولا يبعد أن يقال : إنّ حمادا روى ما رأى ، وسجودهعليهالسلام على الأنامل إمّا لكونه أحد جزئيات الفعل وإمّا لتعيّنه ، ومع الاحتمال لا يتقيد به الخبر المبحوث عنه ، ويؤيّده ما نقله حمّاد عنهعليهالسلام أنّه ذكر الإبهامين في عدّ ( الفروض ، فلو )(٢) كانت الأنامل معتبرة لذكرها ، على أنّه يحتمل أن يكون وضع الأنامل لكونه أفضل ، والاحتياط مطلوب.
وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من وجه ، غير أنّ الرواية كما ترى تدل على أنّه رآه وهو ساجد ولم يعلم أنّ الوضع قبل الذكر الواجب(٣) أو بعده أو في أثنائه ، وعلى التقديرين الأوّلين إنّما يحتاج إلى التأويل بعد إثبات استحباب البقاء على هيئة الواجب إلى أن يرفع من السجود ، أمّا التقدير الأخير فالحمل على الضرورة يتعيّن ، وعلى جميع التقادير يمكن الحمل على الضرورة أيضا ، لكن يتفاوت بالنسبة إلى الواجب وغيره. فليتأمّل.
__________________
(١) الكافي ٣ : ٣١١ / ٨ ، التهذيب ٢ : ٨١ / ٣٠١ ، الوسائل ٥ : ٤٥٩ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١.
(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : الفرض ولو.
(٣) ليس في « فض ».
قوله :
باب النفخ في موضع السجود في حال الصلاة
الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمّار ، عن رجل من بني عجل قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن المكان يكون عليه الغبار فأنفخه إذا أردت السجود؟ فقال : « لا بأس ».
فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن الفضل ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : قلت له : الرجل ينفخ في الصلاة موضع جبهته؟ فقال : « لا ».
فالوجه في هذه الرواية ضرب من الكراهية دون الحظر ، ويجوز أن يكون إنّما كره ذلك إذا كان ممّا يتأذّى به قوم.
يدل على ذلك :
ما رواه أحمد بن محمّد ، عن أبي محمّد الحجّال ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « لا بأس بالنفخ في الصلاة في موضع السجود ما لم يؤذ أحدا ».
السند
في الأوّل : فيه الإرسال.
والثاني : ذكر شيخناقدسسره في فوائده على الكتاب أنّ الشيخ في التهذيب روى قبل هذه الرواية رواية عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل ابن شاذان ، ثم قال بعدها : محمّد ، عن الفضل ، عن حمّاد بن عيسى(١) ،
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٣٠٢ / ١٢٢١ و ١٢٢٢ ، الوسائل ٦ : ٣٥٠ أبواب السجود ب ٧ ح ١.
ومعلوم أنّ محمّدا هو ابن إسماعيل ، وهذا هو الصواب ، وذكر محمّد بن علي بن محبوب من غلط الناسخ.
والأمر كما قالقدسسره من جهة التهذيب في زيادات الصلاة ؛ إلاّ أنّه ربّما يقال : إنّ في الرجال الفضل بن إسماعيل الكندي يروي عنه محمّد بن علي بن محبوب كما في الفهرست(١) ؛ فلا يبعد أن يكون الفضل هذا ولا يتعين كونه ابن شاذان.
ويمكن الجواب عنه : بأنّ ما وقع في الفهرست موهوم ؛ لأنّ النجاشي ذكر الفضل بن إسماعيل وأنّ الراوي لكتابة محمّد بن علي بن أيوب(٢) ، فما في الفهرست إمّا من قلم الشيخ أو الناسخ ، واحتمال كون ما في النجاشي سهوا بعيد ، ويؤيّد البعد ما وقع في التهذيب(٣) .
والعجب من شيخنا ـ أيّده الله ـ حيث لم يتعرض في كتاب الرجال لما وقع في الفهرست والنجاشي من الاختلاف فيما ذكرناه من جهة الراوي عن الفضل بن إسماعيل(٤) .
[ والثالث ] (٥) : أبو إسحاق فيه هو ثعلبة بن ميمون ؛ لأنّ الراوي عنه في الرجال الحجال(٦) . وأبو بكر الحضرمي تكرر القول فيه(٧) كثعلبة(٨)
__________________
(١) الفهرست : ١٢٥ / ٥٥٤.
(٢) رجال النجاشي : ٣٠٦ / ٨٣٨.
(٣) راجع ص ٢٤٤.
(٤) منهج المقال : ٢٥٩.
(٥) في النسخ : الثاني ، والصواب ما أثبتناه.
(٦) انظر رجال النجاشي : ١١٧ / ٣٠٢.
(٧) راجع ج ٢ : ٩٤ ، ٢٨٤.
(٨) راجع ج ١ : ٤١٠.
والحجال(١) .
المتن :
في الخبرين ظاهر غير أنّ الإيذاء في [ الثالث ](٢) قد يستغرب ، ولو صحّ الخبر دلّ على مطلق الإيذاء والعموم لكل أحد.
وفي الفقيه : ولا تنفخ في موضع سجودك ، فإذا أردت النفخ فليكن قبل دخولك في الصلاة ، فإنّه يكره ثلاث نفخات : في موضع السجود ، وعلى الرّقى ، وعلى طعام الحار(٣) . وظاهر قوله : يكره إرادة الكراهة الأصولية بمعونة ذكر الأمرين.
وما عساه يقال : إنّ النفخ لو تضمن حرفين يلزم الإبطال بتقدير التعمد ؛ لأنّه صرّح بأنّ من أنّ في صلاته فقد تكلم(٤) ، وهو يدل على أنّ الكلام لا يشترط فيه الصدق عرفا حيث لم يثبت اللغة والشرع ، أو أنّه في اللغة ثابت عنده ، والفرق بين الأنين وبين النفخ غير واضح ، إلاّ من جهة الرواية المروية في الأنين في التهذيب(٥) ، والسند غير سليم ؛ لاشتماله على طلحة بن زيد(٦) ومحمّد بن يحيى المشترك(٧) . لكن إيراد مضمونها من
__________________
(١) راجع ج ٤ : ٣٠٤.
(٢) في النسخ : الثاني ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) الفقيه ١ : ١٩٨ / ٩١٧.
(٤) الفقيه ١ : ٢٣٢ / ١٠٢٩.
(٥) التهذيب ٢ : ٣٣٠ / ١٣٥٦ ، الوسائل ٧ : ٢٨١ أبواب قواطع الصلاة ب ٢٥ ح ٤.
(٦) في « فض » و « م » : يزيد ، والصواب ما أثبتناه. وهو أبو الخزرج النهدي الشامي الخزري ، عامي المذهب كما في رجال النجاشي : ٢٠٧ / ٥٥٠ ، والفهرست : ٨٦ / ٣٦٢ ، وبتري كما في رجال الطوسي : ١٢٦ / ٣.
(٧) انظر هداية المحدثين : ٢٥٨.
الصدوق(١) يؤيّد اعتبارها ، وربما يستفاد حينئذ أنّ مجرد النطق بحرفين كلام ، فليتأمّل.
وفي المنتهى قال العلاّمة : لو نفخ موضع السجود تبطل مع حصول الحرفين ، ونقل الخلاف عن بعض العامة(٢) ، وظاهره عدم الخلاف عندنا.
واعترض عليه بعض الأصحاب : بأنّه لا يسمّى في العرف كلاما(٣) ، وأيّده بجواز التنحنح مطلقا الوارد في خبر عمّار عن الصادقعليهالسلام ، وقد سأله عن الرجل يسمع صوتا على الباب وهو في الصلاة فيتنحنح لتسمع الجارية ، فقال : « لا بأس »(٤) وفي البين كلام يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى(٥) .
ومن هنا يعلم ما ذكره بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من قوله بعد ذكر الخبر الأوّل : إنّه محمول على الكراهة. ومعلوم أنّ ذلك بشرط عدم اشتمال النفخ على حرفين(٦) . فإنّ المعلومية المذكورة تدل على عدم الارتياب في إبطال الحرفين مطلقا ، مع أنّ البحث فيه واسع المجال ، واعتقاده البطلان لا يفيد المعلومية.
قوله :
باب من يسجد فتقع جبهته على موضع مرتفع
أحمد بن محمّد ، عن معاوية بن حكيم ، عن أبي مالك
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢٣٢.
(٢) المنتهى ١ : ٣٠٩.
(٣) مجمع الفائدة ٣ : ٥٧.
(٤) الفقيه ١ : ٢٤٢ / ١٠٧٧ ، الوسائل ٧ : ٢٥٥ أبواب قواطع الصلاة ب ٩ ح ٤.
(٥) انظر ج ٦ : ٤١٨ ـ ٤٢٠.
(٦) البهائي في الحبل المتين : ٢٤٣.
الحضرمي ، عن الحسن بن حمّاد قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع ، قال : « ارفع رأسك ثم ضعه ».
فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان بن يحيى ، عن معاوية بن عمّار قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « إذا وضعت جبهتك على نبكة(١) فلا ترفعها ولكن جرّها على الأرض ».
محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن ابن مسكان ، عن حسين بن حمّاد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : قلت له : أضع وجهي للسجود ( فيقع وجهي )(٢) على حجر أو على موضع مرتفع ، أحوّل وجهي إلى مكان مستو؟ قال : « نعم جرّ وجهك على الأرض من غير أن ترفعه ».
أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن موسى بن جعفرعليهالسلام قال : سألته عن الرجل يسجد على الحصى(٣) فلا يمكّن جبهته من الأرض ، قال : « يحرك جبهته حتى يمكّن ( فينحي الحصى )(٤) عن جبهته ولا يرفع رأسه ».
فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على الحالة التي يتمكن الإنسان من أن يضع جبهته مستويا من غير أن يرفع رأسه ، لأنّه إذا رفع رأسه يكون قد زاد سجدة في الصلاة ، وذلك لا يجوز ، والخبر الأوّل محمول على حال الاضطرار التي لا يتأتّى ذلك إلاّ مع رفع الرأس.
__________________
(١) النبكة بالتحريك وقد تسكن الباء : الأرض التي فيها صعود ونزول ـ مجمع البحرين ٥ : ٢٩٥ ( نبك ).
(٢) في « م » : فتقع جبهتي.
(٣) في « رض » : الجص.
(٤) في « رض » : فيتنحى الجص.
السند :
في الأوّل : فيه أبو مالك الحضرمي وهو الضحّاك الموثق من النجاشي مرّتين(١) . ومعاوية بن حكيم مضى القول فيه أنّ النجاشي وثّقه من غير ذكر الفطحية(٢) ، والكشي ذكرها(٣) . وربما يستبعد رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عن معاوية بن حكيم ، مع أنّ الشيخ قال في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام : إنّ الراوي عنه الصفار(٤) ، وكذلك النجاشي(٥) [ وليس في محلّه ](٦) لإمكان الجواب بعدم بعد المرتبة كثيرا. والحسن بن حماد هو الموجود فيما وقفت عليه من النسخة ، وفي التهذيب الحسين بن حماد(٧) ، وكلاهما في الرجال ، ولا يزيدان عن الإهمال(٨) .
والثاني : واضح بعد ما كرّرنا القول فيه(٩) . وكذلك الثالث(١٠) ، والحسين بن حمّاد قد عرفت حاله.
والرابع : كما ترى هو الموجود فيما نقلت منه ، وفي التهذيب رواه
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٠٥ / ٥٤٦.
(٢) راجع ج ١ : ١٥٢ ، وهو في رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.
(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.
(٤) رجال الطوسي : ٥١٥ / ١٣٣.
(٥) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨ ، ولكن لم يذكر فيه أنّ الراوي عنه الصفار.
(٦) أضفناه لاستقامة المتن.
(٧) التهذيب ٢ : ٣٠٢ / ١٢١٩ ، الوسائل ٦ : ٣٥٤ أبواب السجود ب ٨ ح ٤.
(٨) انظر رجال النجاشي : ٥٥ / ١٢٤ ، رجال الطوسي : ١٦٨ / ٤٦ ـ ٤٧ و ١٦٩ / ٦٧.
(٩) راجع ج ١ : ٤٦ ـ ٥٣ ، ١٤٧ ، ١٥٢ ، ٣٤١.
(١٠) راجع ج ١ : ٦٠ ، ٦٤ ، ٩٥ ، ٩٧.
عن محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد ، عن موسى بن القاسم وأبي قتادة جميعا ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهماالسلام (١) . ولا يبعد أن يكون ما هنا سهو قلم.
المتن :
يتوقف الكلام فيه على مقدمة ، وهي أنّ المذكور في عبارات جماعة من المتأخرين اغتفار ارتفاع مسجد المصلّي عن موقفه بمقدار لبنة(٢) ، بل قيل : إنّه مشهور بين الأصحاب(٣) ، وادعى بعض عدم ظهور الخلاف ، وأُيّد بالأصل والأوامر المطلقة(٤) .
وفي زيادات التهذيب روى الشيخ بطريق فيه النهدي ما يدل على أنّ قدر اللبنة لا بأس به(٥) ، لكن في السند كلام ، والمتن فيه نوع اشتباه. ولعلّ الشهرة تؤيّده إن كانت من المتقدّمين.
وروى الشيخ في التهذيب في غير الزيادات عن الحسين ، عن النضر بن سويد ، عن عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن موضع جبهة الساجد أيكون أرفع من مقامه؟ قال : « لا ، وليكن مستويا »(٦) وهو يدل على المساواة ظاهرا.
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٣١٢ / ١٢٧٠ ، الوسائل ٦ : ٣٥٣ أبواب السجود ب ٨ ح ٣.
(٢) منهم المحقّق في الشرائع ١ : ٨٦ ، الكركي في جامع المقاصد ٢ : ٢٩٨ ، الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٣١.
(٣) كما في الحبل المتين : ٢٤٣.
(٤) كما في مجمع الفائدة ٢ : ١٣١ ـ ١٣٢.
(٥) التهذيب ٢ : ٣١٣ / ١٢٧١ ، الوسائل ٦ : ٣٥٨ أبواب السجود ب ١١ ح ١.
(٦) التهذيب ٢ : ٨٥ / ٣١٥ ، الوسائل ٦ : ٣٥٧ أبواب السجود ب ١٠ ح ١.
وقول بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : إنّ الظاهر كون مرادهعليهالسلام مساواة موضع الجبهة ، على معنى أن يكون خاليا من الارتفاع والانخفاض(١) . فيه : أنّه خلاف الظاهر كما ذكرناه في حواشي التهذيب ، غير أنّ التأويل بما ذكر ممكن ، ولو حمل على الاستحباب أمكن على تقدير ثبوت الحكم الأوّل.
إذا عرفت هذا فالأوّل من الأخبار يدل على أنّ من تقع جبهته على الموضع المرتفع يرفع رأسه ثم يضعه ، وهذا كما ترى يتناول ( المرتفع قدر اللبنة وما زاد ، وعلى تقدير قدر اللبنة )(٢) قد يشكل الرفع باستلزامه زيادة السجود ، فلا بدّ من حمله على الزائد عنها.
كما أنّ الثاني المتضمن لأنّ من وضع جبهته على النبكة لا يرفع جبهته بل يجرّها لا بدّ من حمله على ما يتحقق به السجود أوّلا.
والثالث : كذلك ، والرابع نحوه ، غير أنّ الظاهر من الأخبار لا يعطي هذا إلاّ بتكلف ، ولو لا ظن عدم القائل بخلاف ما نقلناه لأمكن حمل ما دل على جرّ الجبهة على الاستحباب ، وما دل على النهي على الكراهة.
أمّا حمل الشيخ فالذي يظهر عدم تماميته بناء على ما ادعاه بعض المتأخرين من الشهرة ، بل عدم الخلاف(٣) ، لأنّ التمكن وعدمه إن كان مع تحقق السجود فالعبارة لا تدل عليه ، وإن كان مطلقا فكذلك. والتعليل من الشيخ بزيادة السجود يقتضي عدم اعتبار ما قاله ( المتأخرون.
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٤٣.
(٢) في « رض » بدل ما بين القوسين : المرتفع ظ قدر اللبنة.
(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٣١ ـ ١٣٢.
وقد حكى بعض محققي )(١) المتأخرينرحمهالله عن بعض الأصحاب أنّهم كما أوجبوا عدم العلو بالمقدار المذكور أوجبوا عدم الانخفاض(٢) ، ثم إنّه تكلم في المستند بما هو متوجه ، غير أنّه ردّ رواية عبد الله بن سنان الدالة على المساواة بالحسن ، ولا يظهر وجهه من التهذيب ، والاحتياط في المقام مطلوب.
ولا يخفى أنّ مفاد ظاهر الأخبار المتضمنة للجرّ يتناول ما إذا سبق بعض أجزاء الجبهة إلى الأرض قبل أن تنتقل جميع الجبهة عن المرتفع ، كما يتناول إذا لم يسبق جزء من الجبهة مع الانتقال عن المرتفع. ولو أريد بالرفع في الأخبار المعنى الثاني كان خلاف الظاهر ، ولو أريد به عدم الخروج عن مساواة العالي إلى الزائد علوا بقي الحكم في تقدير المساواة مع اتصال الجزء ، وعلى تقدير كون الاعتبار بصدق السجود وعدمه يشكل ما يقتضيه ظاهر الأخبار من قوله « جرّ وجهك على الأرض » فينبغي التأمّل في هذا.
والعجب من بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه اكتفى بالإجمال في بيان الأخبار حيث قال : ويمكن الجمع بحمل الأخبار ـ يعني ما دل على الرفع ـ على مرتفع لا يتحقق السجود الشرعي بوضع الجبهة عليه ، لمجاوزة ارتفاعه قدر اللبنة ، وما دل على الجرّ يحمل على ما لم يبلغ ذلك القدر(٣) . وأنت خبير بما في هذا من الإجمال ، مضافا إلى أنّ السجود الشرعي إن اعتبر فيه ما يصح السجود عليه لزم أنّه لو حصل على
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « م ».
(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٣٣ ـ ١٣٤.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢٤٣.
ما لا يصح عليه السجود لا يضر الارتفاع وإن كان على أقل من لبنة ، وإن لم يعتبر لزم أنّه لو حصل الهويّ إلى أقل من لبنة لا يصح الارتفاع لزيادة السجود ، فليتأمّل.
اللغة :
في الصحاح : النبكة التلّ الصغير ، النباك التلال الصغار ، ومكان نابك أي مرتفع(١) . وقيل : النبكة أكمة محدّدة الرأس(٢) ( وفي القاموس : النبكة ـ محركة وتسكن ـ أكمة محدّدة الرأس وربما كانت حمراء ، وأرض فيها صعود وهبوط ، والتلّ الصغير(٣) ، وفيه : الأكمة ـ محركة ـ التل(٤) )(٥) .
قوله :
باب السجود على القطن والكتان
أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن خالد ، عن القاسم بن عروة ، عن أبي العباس الفضل بن عبد الملك قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « لا تسجد إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض ، إلاّ القطن والكتان ».
علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال ، قلت له : أسجد على الزفت
__________________
(١) الصحاح ٤ : ١٦١٢.
(٢) كما في الحبل المتين : ٢٤٣.
(٣) القاموس المحيط ٣ : ٣٣١.
(٤) القاموس المحيط ٤ : ٧٦.
(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».
ـ يعني القير ـ؟ فقال : « لا ، ولا على الكرسف(١) ، ولا على الصوف ، ولا على شيء من الحيوان ، ولا على طعام ، ولا على شيء من ثمار الأرض ، ولا على شيء من الرياش ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن إسحاق ، عن ياسر الخادم قال : مرّ بي أبو الحسنعليهالسلام وأنا أصلّي على الطبري وقد ألقيت شيئا عليه أسجد عليه ، فقال لي : « مالك لا تسجد عليه ، أليس هو من نبات الأرض؟! ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على حال التقية ، يدل على ذلك :
ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسن الماضيعليهالسلام عن الرجل يسجد على المسح والبساط فقال : « لا بأس إذا كان في حال تقية ».
سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن وهب(٢) بن حفص ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرجل يسجد على المسح ، فقال : « إذا كان في تقيّة فلا بأس ».
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن داود الصرمي قال : سألت أبا الحسن الثالثعليهالسلام ، هل يجوز السجود على الكتان والقطن من غير تقية؟ فقال : « جائز ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣١ / ١٢٤٢ : ولا على الثوب من الكرسف.
(٢) في « فض » : وهيب.
فالمعنى في هذا الخبر أنّه يجوز السجود على هذين الجنسين إذا لم يكن هناك تقية بشرط أن تحصل ضرورة أخرى من حرّ أو برد وما يجري مجراهما ، ولم يقل إنّه يجوز ذلك من غير تقية ولا ما يقوم مقامها ، يدل على ذلك :
ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن سيف بن عميرة ، عن منصور بن حازم ، عن غير واحد من أصحابنا قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : إنّا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أسجد على الثلج؟ فقال : « لا ، ولكن اجعل بينك وبينه شيئا قطنا أو كتانا ».
أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن(١) أبي نصر ، عن مثنى الحناط ، عن عتيبة(٢) بيّاع القصب قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أدخل المسجد في اليوم الشديد الحرّ وأكره أن أصلي على الحصى فأبسط ثوبي وأسجد عليه ، فقال : « نعم ، ليس به بأس ».
الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : قلت له : أكون في السفر فتحضر الصلاة وأخاف الرمضاء على وجهي ، كيف أصنع؟ قال : « تسجد على بعض ثوبك » قلت : ليس كل ثوب يمكنني أن
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣٢ / ١٢٤٨ : عن.
(٢) في « م » و « رض » : عتبة ، وفي التهذيب ٢ : ٣٠٦ / ١٢٣٩ والاستبصار ١ :٣٣٢ / ١٢٤٨ : عيينة ، وهو مذكور في الرجال بالعناوين الثلاثة والظاهر الاتحاد ، راجع رجال الكشي ٢ : ٧٠٦ / ٧٥٧ ( وفيه : عقبة ) ، ٧٤٢ / ٨٣٢ ، رجال النجاشي : ٣٠٢ / ٨٢٥ ، رجال الطوسي : ٢٦٢ / ٦٤٢ ، ٦٤٤ ، ٦٤٩ ، الفهرست : ١٢٢ / ٥٤٣.
أسجد على طرفه ولا على ذيله ، قال : « أسجد على ظهر كفّك ، فإنّها أحد المساجد ».
أحمد بن محمّد ، عن أبي طالب عبد الله بن الصلت ، عن القاسم ابن الفضيل قال : قلت للرضاعليهالسلام : جعلت فداك الرجل يسجد على كمّه من أذى الحرّ والبرد ، قال : « لا بأس به ».
عنه ، عن عبّاد بن سليمان ، عن سعد بن سعد ، عن محمّد بن القاسم بن الفضيل ، عن أحمد بن عمر قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام عن الرجل يسجد على كمّه ليقيه من أذى الحرّ أو البرد ، أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره ممّا لا يسجد عليه ، فقال : « لا بأس ».
عنه ، عن عبّاد بن سليمان ، عن سعد بن سعد ، عن محمّد بن القاسم بن الفضيل بن يسار قال : كتب رجل إلى أبي الحسنعليهالسلام : هل يسجد الرجل على الثوب يقي به وجهه من الحرّ والبرد ، ومن الشيء يكره السجود عليه؟ فقال : « نعم ، لا بأس ».
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن عبد الله بن جعفر ، عن الحسين ابن علي بن كيسان الصنعاني قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليهالسلام أسأله عن السجود على القطن والكتان من غير تقية ولا ضرورة ، فكتب إليّ : « ذلك جائز ».
فلا ينافي ما جمعنا عليه الأخبار الأوّلة ، لأنّه يجوز أن يكون إنّما أجاب(١) مع نفي ضرورة تبلغ هلاك النفس وإن كان هناك ضرورة دون ذلك من حرّ أو برد وما أشبه ذلك على ما بيناه.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣٣ / ١٢٥٣ : أجاز.
السند :
في الأوّل : فيه مع محمّد بن خالد : القاسم بن عروة ، وقد مضى القول في الرجلين(١) ، والفضل لا ارتياب فيه بعد ما أسلفناه في حريز بن عبد الله ، حيث إنّ أبا العباس استأذن لحريز على أبي عبد اللهعليهالسلام فأبىعليهالسلام ـ إلى أن قال لأبي العباس ـ : « ويحك إنّ حريزا جرّد السيف » إلى آخره(٢) .
والثاني : حسن بإبراهيم.
والثالث : فيه ياسر الخادم ، وحاله لا يزيد على كونه خادما للرضاعليهالسلام ، وهي لا تفيد المدح المعتدّ به في الرجال ، وثبوت كونه خادما يستفاد من جزم النجاشي به حيث نقله من غير توقف(٣) . أمّا أحمد بن إسحاق ففيه كلام يعرف من كتاب شيخنا ـ أيّده الله ـ في الرجال(٤) .
والحاصل(٥) أنّ الشيخ في رجال الهاديعليهالسلام من كتابه ذكر أحمد بن إسحاق الرازي ووثقه(٦) ، والعلاّمة ذكر أحمد بن إسحاق الأشعري ووثقه(٧) ، والنجاشي لم يوثّقه على ما رأينا من النسخ(٨) ، وفي الكشي
__________________
(١) راجع ج ١ : ٩٥ و ٤٣٩.
(٢) راجع ج ١ : ٥٦.
(٣) رجال النجاشي : ٤٥٣ / ١٢٢٨.
(٤) منهج المقال : ٣١.
(٥) في « فض » : والحال.
(٦) رجال الطوسي : ٤١٠ / ١٤.
(٧) خلاصة العلاّمة : ١٥ / ٨.
(٨) رجال النجاشي : ٩١ / ٢٢٥.
روايات لا يسع ذكرها المقام(١) .
والرابع : لا ارتياب فيه.
والخامس : فيه وهيب(٢) بن حفص ، وفي النجاشي إنّه واقفي ثقة(٣) ، وفي النجاشي وهيب(٤) بن حفص ـ أيضا ـ النحاس وهو مهمل(٥) ، لكن المراد الأوّل ، لأنّ الراوي عنه في الفهرست محمّد بن الحسين(٦) . وأبو بصير معلوم الحال بما تكرر من المقال(٧) .
والسادس : فيه داود الصرمي ، وهو مهمل في الرجال(٨) .
والسابع : فيه محمّد بن عبد الحميد ، وقد قدمنا ( احتمال عدم )(٩) توثيقه من النجاشي ، لأنّ عبارته(١٠) غير صريحة ، بل محتملة لكون التوثيق لأبيه كما ذكره جديقدسسره وقد قدمنا بعده(١١) . والإرسال فيه واضح.
والثامن : فيه مثنّى الحنّاط ، وقد ورد فيه أنّه لا بأس به ، والقائل علي ابن الحسن بن فضال ، بنقل محمّد بن مسعود في الكشي(١٢) . وأمّا عتيبة
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٨٣١ / ١٠٥١ ـ ١٠٥٣.
(٢) في « م » : وهب.
(٣) رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٥٩.
(٤) في « م » : وهب.
(٥) رجال النجاشي : ٤٣١ / ١١٦٠.
(٦) الفهرست : ١٧٣ / ٧٦٨.
(٧) راجع ج ١ : ٧٣ ، ١٣٠.
(٨) انظر رجال النجاشي : ١٦١ / ٤٢٥ ، رجال ابن داود : ٩١ / ٥٩٦.
(٩) في « رض » : عدم احتمال.
(١٠) في « فض » زيادة : توهم.
(١١) راجع ج ١ : ٢١٢ وج ٣ : ١١١.
(١٢) رجال الكشي ٢ : ٦٢٩ / ٦٢٣.
فهو بضم العين والتاء المثناة الفوقانية على ما في الخلاصة(١) ، وقد وثّقه النجاشي قائلا : إنّه ابن ميمون(٢) ، وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ عتيبة بن عبد الرحمن بيّاع القصب مهملا(٣) ، وفيهم عتيبة بن ميمون البجليّ مولاهم القصباني مهملا(٤) .
ومع التغاير يشكل الحال ، لكن قد قدّمنا من أمر الشيخ اضطرابه في الرجال(٥) .
والتاسع : فيه القاسم بن محمّد ، وهو الجوهري ، وعلي بن أبي حمزة البطائني ؛ وأبو بصير وهو الضعيف هنا ، لرواية علي بن أبي حمزة عنه.
والعاشر : فيه أنّ القاسم بن الفضيل مذكور في رجال الصادقعليهالسلام مهملا ، بصورة ابن الفضيل مولى بني سعد كوفي(٦) . وفي النجاشي : ابن الفضيل بن يسار النهدي البصري أبو محمّد ثقة ، روى عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، له كتاب يرويه فضالة بن أيوّب(٧) . وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ : ابن فضيل بن يسار البصري مهملا(٨) .
والحادي عشر : فيه عباد بن سليمان ، وفي الرجال عباد بن سليمان ،
__________________
(١) خلاصة العلاّمة : ١٣١ / ٢٠.
(٢) رجال النجاشي : ٣٠٢ / ٨٢٥ ولكن فيه : عيينة.
(٣) رجال الطوسي : ٢٦٢ / ٦٤٢.
(٤) رجال الطوسي : ٢٦٢ / ٦٤٤.
(٥) راجع ج ١ : ١١٠ ، ٤٠٧ وج ٣ : ٢٨.
(٦) رجال الطوسي : ٢٧٣ / ٤.
(٧) رجال النجاشي : ٣١٣ / ٨٥٦ وفيه : له كتاب يرويه محمّد بن أبي عمير.
(٨) رجال الطوسي : ٢٧٤ / ١٧.
يروي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن خالد في النجاشي(١) ، وهو مهمل. والشيخ في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهمالسلام قال : عبّاد بن سليمان يروي عن محمّد بن سليمان الديلمي روى عنه الصفار(٢) . ولا يخفى بعد المرتبة التي ذكرها النجاشي والتي في كتاب الشيخ ، إلاّ أنّ الجمع ممكن ، وأظن في كلام الشيخ نوع تأمّل ، كما أنّ في جعله ممّن لم يرو خفاء.
ثم إنّ السند كما ترى ضمير « عنه » فيه لأحمد بن محمّد ، والظاهر منه ابن عيسى ، فيكون الراوي عن عباد. والصفار يروي عن أحمد ، ولا مانع منه ، إلاّ أنّ هذا يؤيّد عدم تعين الواسطة بين أحمد بن محمّد وعباد كما في النجاشي.
و(٣) محمّد بن القاسم فيه ثقة.
وأحمد بن عمر مشترك بين ثقة بلا ارتياب وهو الحلبي ، وبين من فيه ارتياب وهو الحلاّل(٤) ، وقد بيّنّا وجهه فيما مضى مفصلا(٥) .
والثاني عشر (٦) : فيه عبّاد واحتمال الإرسال قد يدفعه أنّ الظاهر من الخبر سماع محمّد بن القاسم من الإمامعليهالسلام ، إلاّ أنّ غيره في حيّز الإمكان ، والأمر سهل.
__________________
(١) رجال النجاشي : ٢٩٣ / ٧٩٢.
(٢) رجال الطوسي : ٤٨٤ / ٤٣.
(٣) في النسخ زيادة : والثاني عشر.
(٤) انظر هداية المحدثين : ١٧٣ و ١٧٤.
(٥) راجع ج ٤ : ٢٠٧.
(٦) في النسخ : والثالث عشر ، والصواب ما أثبتناه.
والثالث عشر (١) : فيه الحسين بن علي بن كيسان ، ولم أقف عليه في الرجال الآن.
المتن :
حكى العلاّمة في المختلف أنّ المشهور بين علمائنا تحريم السجود على الثوب المعمول من القطن والكتان ، وهو اختيار المرتضى في الجمل والانتصار والمسائل المصرية الثالثة ، وله قول آخر في المسائل المصرية الثانية أنّه مكروه ، ثم استدل العلاّمة بالإجماع على المنع قائلا : إنّ خلاف السيّد المرتضى لا يعتدّ به مع فتواه بالموافقة ؛ لأنّ الخلاف الصادر منه إن وقع قبل موافقته اعتبرت موافقته ، لأنّه يكون قد انعقد الإجماع بعد الخلاف ، وإن وقع بعد الموافقة لم يعتدّ به ، لأنّه صدر بعد الإجماع ، وقول علمائنا حجة لأنّه الإجماع.
ثم ذكر الخبر الأوّل قائلا : إنّ في الطريق القاسم بن عروة ، فإن كان ثقة فالحديث صحيح ، وإلاّ فلا.
ثم ذكر الثاني قائلا : ولأنّ الصلاة التي فعلها النبيصلىاللهعليهوآله بيانا للأمر إن وقعت على هذا الوجه كان واجبا والثاني باطل فالمقدم مثله ، وإن وقعت على ما ادّعيناه ثبت المطلوب ، لأنّ بيان الواجب واجب(٢) . انتهى.
وليت شعري كيف يصدر من مثله هذا الكلام الذي أظهر ما يتوجه
__________________
(١) في النسخ : والرابع عشر ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) المختلف ٢ : ١٣٠ ، جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى ٣ ) : ٢٩ ، الانتصار : ٣٨ ، انظر المسائل الموصليات الثالثة ( رسائل المرتضى ١ ) : ٢٢٠ ، وص ١٧٤.
عليه أوّلا : أنّ قوله : المشهور بين علمائنا ، في أوّل المسألة يؤذن بعدم الإجماع ثم دعواه الإجماع. وثانيا : أن الإجماع كيف يعلمه هو والسيّد لا يعلمه مع أنّه أقرب إليه منه ، فكيف يليق أن يقال : إنّ الإجماع إن كان قبله ، ومتى يتصور ثبوت الإجماع في عصر العلاّمة ولم يعلمه السيد في عصره ، على أنّ الإجماع لا يشترط فيه جميع الأعصار فيكفي عصر العلاّمة إن تم الإجماع ، ولا حاجة إلى القول بأنّ الإجماع إن كان بعده أو قبله.
وأمّا ثانيا : فلأنّ قوله : إن كان القاسم بن عروة ثقة فهو كذا ، كيف يليق ذكره في كتب الاستدلال؟! وأمّا ثالثا : فلأنّ الصلاة الواقعة بيانا متى تحققت عندنا؟! وعلى تقدير التحقق إذا وقعت على ما ادعاه إن أراد به وقوعها على غير القطن والكتان جميعا في حالة واحدة فهذا ممّا لا يتصور ، وإن كان المراد وقوعها على شيء ما غير هما فوجوبه أيّ نفع له؟
إذا عرفت هذا فاعلم أنّالخبر الأوّل تضمن القطن والكتان ، وهو شامل للمنسوج وغيره ، لكن أصل الخلاف على ما ذكره العلاّمة في المنسوج المعبر عنه بالمعمول ، وكلام السيد في حجته يقتضي المنسوج ، والخبر حينئذ يدل على أزيد من مراد العلاّمة وغيره ، فلو حمل على المنسوج لموافقة المشهور وحمل ما تضمن الجواز على غيره أمكن كما احتمله شيخنا المحقق ـ أيده الله ـ ( سماعا منه )(١) ، إلاّ أنّ الثاني تضمن الكرسف ، وربّما كان إرادة غير المنسوج منه أظهر.
ثم إنّ الثاني كما ترى تضمن النهي عن السجود على شيء من
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط من « م ».
الحيوان ، وهو شامل لجميع أجزائه وما يخرج منه ، كما تضمن الطعام وثمار الأرض ، والأوّل واضح بتقدير أن يراد بالشيء جزء منه ، ولو أريد بمن البيانية لا يضر بالحال [ لدخول ](١) الجزء في الجملة ، أمّا ما يخرج منه إذا لم يكن مأكولا لبني آدم فالخبر قد يستفاد منه عدم الجواز ، وكونه مأكولا أوّلا لكن بعد خروجه انتفى أكله كذلك. وإطلاق من رأينا كلامه من الأصحاب من أنّ ما تنبت الأرض غير المأكول والملبوس يجوز السجود عليه(٢) ، كأنّه محمول على غير ما يخرج من الحيوان ، واحتمال القول بالاستحالة بعد الخروج يشكل بأنّ الخروج لا ينحصر في المستحيل.
وأمّا الطعام فمحتمل لأن يراد به ما أعدّ للأكل فعلا أو قوّة كما ذكره البعض(٣) ، لكن في الخبر الصحيح عن حمّاد بن عثمان في الفقيه وغيره(٤) عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال : « السجود على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس » نوع دلالة على ما قرب من الفعل كما أوضحناه في معاهد التنبيه بما حاصله : أنّ لفظ « أكل » و « لبس » حقيقة ( فيما أكل ولبس بالفعل ، و)(٥) لمّا امتنع الحمل عليه ينبغي الحمل على أقرب المجازات ، وهو ما قرب من الفعل.
وإيراد بعض على كلام العلاّمة في المنتهى ـ حيث اقتضى اعتبار القوة القريبة لتجويزه السجود على الحنطة والشعير معللا بأنّهما غير مأكولين في
__________________
(١) في النسخ : للدخول في. والظاهر ما أثبتناه.
(٢) كما في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : ٥٥٥ ، روض الجنان : ٢٢١.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٦٨ ، صاحب المدارك ٣ : ٢٤٥.
(٤) الفقيه ١ : ١٧٤ / ٨٢٦ ، التهذيب ٢ : ٢٣٤ / ٩٢٤ ، علل الشرائع : ٣٤١ / ٣ ، الوسائل ٥ : ٣٤٤ أبواب ما يسجد عليه ب ١ ح ٢.
(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
تلك الحال ـ بعدم خروج المأكول عن كونه مأكولا بالاحتياج إلى العلاج.
( واعتراضه أيضا )(١) بأنّ إطلاق الصفة على ما سيتصف بمبدإ الاشتقاق مجاز اتفاقا ، ثم جوابه بأنّ إطلاق المأكول والملبوس على ما يؤكل ويلبس بالقوة القريبة من الفعل قد صار حقيقة عرفية وإلاّ لم يجز في العرف إطلاق اسم المأكول على الخبز قبل المضغ والازدراد إلاّ مجازا ، وكذا اسم الملبوس على الجبّة قبل لبسها(٢) .
أجبنا عن الجميع في الكتاب بأنّ الخروج عن الحقيقة إلى بعض أفراد المجاز لإجماع ونحوه لا ضرورة فيه ، وكون بعض الأفراد أقرب لا ينكر ، واحتمال اختصاص العرف بالمأكول القريب ؛ غير بعيد.
وعلى كل حال إذا تعذر العمل بظاهر النص يعمل بالأقرب إليه ، والخبر المبحوث عنه تضمن الطعام ، وغير بعيد تناوله للحنطة ونحوها قبل أن يقرب إلى الأكل كما يعرف من إطلاق الشارع في بيع الطعام قبل كيله وقبضه.
أمّا عموم ثمار الأرض فالتقييد لها بالمأكول لا بدّ منه عند الأصحاب(٣) ، بل الأكل أيضا مقيد كما لا يخفى.
وأمّا الرياش فستسمع في اللغة معناها ، وبه يتضح ما يراد في الرواية.
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « م » : واعتراض بعض محققي المعاصرين سلّمه الله أنه أيضا.
(٢) انظر الحبل المتين : ١٦٨.
(٣) منهم ابن إدريس في السرائر ١ : ٢٦٧ ، المحقق في المعتبر ٢ : ١١٩ ، الشهيد في الذكرى : ١٥٩ ، الكركي في جامع المقاصد ٢ : ١٥٩.
ثم إنّ الثالث كما ترى لا يوافق ما قدمناه من الحمل(١) ، لأنّ الطبري على ما قيل هو الثوب القطن ، وحَمل الشيخ له وجه في الجملة.
أمّا الاستدلال عليه بالرابع والخامس ففيه تأمّل ؛ لما يأتي من تفسير المسح والبساط(٢) .
وأمّا السادس : فصريح في جواز السجود على القطن والكتان من غير تقية ، والحمل على ما قدّمناه(٣) من كون المذكورين غير منسوجين ممكن.
ويدل عليه ما قدّمناه أيضا من خبر حمّاد بن عثمان(٤) حيث قال : « أو لبس » فإنّ الظاهر منه ما لبس بالفعل ، لكن لما انتفت الحقيقة بما سبق يراد أقرب المجازات ، ولا ريب أنّ المنسوج أقرب وإن كان ما خيط منه أقرب من غيره ، هذا بتقدير العمل بالخبر المبحوث عنه ، أمّا حمل الشيخ(٥) فبعده ظاهر ، لكنه وجه للجمع.
والاستدلال بالسابع لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ مفاد جمع الشيخ حصول الضرورة من البرد ، ومقتضى الرواية تعذّر ما يسجد عليه من الأرض.
والثامن : قد يظن أنّه لا يدل على ما قاله رَحمَه الله لاحتماله كراهة الصلاة على الحصى من جهة عدم تمكن الجبهة ، وذكر اليوم الشديد الحرّ لا يدل على أنّ الكراهة لأجل الحرارة ، وفيه : أنّ الظاهر كون العلّة هي الحرارة ، غاية الأمر أنّ الضرورة في مثل هذا غير منضبطة ، ثم إنّ الثوب لا يبعد أن
__________________
(١) راجع ص ٢٦٢.
(٢) انظر ص ٢٦٧.
(٣) راجع ص : ٢٦٢.
(٤) راجع ص : ٢٦٣.
(٥) راجع ص : ٢٥٥.
يكون من القطن أو الكتان ، واحتمال غيرهما بعيد.
وأمّا التاسع : ففيه دلالة على خوف الحرّ ، إلاّ أنّ قوله : « اسجد على ظهر كفّك » إلى آخره. لا يخلو من إجمال ، كما أنّ قول السائل : ليس كل ثوب ، إلى آخره. كذلك ، فإنّ الأوّل كما يحتمل أن يراد به كون ظهر الكف أحد المساجد السبعة ـ فيدل على جواز السجود على ظهر الكف ، ويؤيّده إطلاق الخبرين السابقين(١) من قولهعليهالسلام : « واليدين » في عدّ المساجد ، وإن كان بعض الأصحاب حملهما على البطن لأنّه المعهود(٢) ـ يحتمل أن يراد أنّ ظهر الكف أحد المساجد التي يسجد عليها عند الضرورة فيدل على جواز السجود على الظهر مع الضرورة ، لكن لا يخفى أنّ السؤال تضمن عدم إمكان الثوب ، وحمل الجواب عليه غير لازم.
والأمر في أوّل الخبر بقوله : اسجد على ثوبك. لا يدل على أنّه مقدّم على ظهر الكف ؛ لجواز أن يكون أحد الأفراد ، وعلى هذا فاحتمال الاجتزاء بظهر الكف يمكن لو صحّ الخبر ؛ وفي عبارة بعض إليّ(٣) : السجود على ظهر الكف أولى ، جمعا بين وظيفتي السجود بباطن الكف وعلى ظاهره ، والأمر كما ترى.
وأمّا الثاني فالإجمال حاصل فيه من حيث إنّ عدم الإمكان محتمل لأن يكون من جهة عدم كونه من القطن والكتان ، ويحتمل أن يراد عدم إمكان وضعه على الأرض ، وكأنّ الثاني له ظهور.
والعاشر : له دلالة على مطلوب الشيخ ، لكن الكمّ يتناول غير القطن
__________________
(١) راجع ص ٢٢٥ و ٢٤٠.
(٢) مدارك الأحكام ٣ : ٤٠٤.
(٣) كذا في النسخ ، وانظر المسالك ١ : ١٨٠.
والكتان ، ويحتمل أن يقيد بوضع الكمّ على ظهر الكف وعدمه.
[ والحادي عشر كالعاشر ، والثاني عشر مثلهما ] (١) .
[ وأمّا الثالث عشر ] (٢) فهو صريح في الجواز مع عدم التقية والضرورة ، وحمل الشيخ(٣) في أعلى مراتب التكلف ، ولو حمل ما تضمن النهي على الكراهة إن لم يثبت الإجماع على المنع أمكن ، والمحقق في المعتبر استحسن حمل السيّد المرتضى على الكراهة(٤) ، كما ذكرناه ، وظاهره عدم الاعتداد بخيال الإجماع ، والحال غير خفية ، لكن الاحتياط مطلوب.
اللغة :
قيل : والمسح ـ بكسر الميم وإسكان السين المهملة وآخره حاء ـ بساط لا خمل له ، ويقال له البلاس بفتح الباء وكسرها(٥) . والرياش ـ بالياء المثناة من تحت والشين المعجمة ـ جمع ريش ، كشعب وشعاب ، وهو لباس الزينة ، أستعير من ريش الطائر لأنّه لباسه ، ولعل المراد هنا مطلق اللباس(٦) .
__________________
(١) ما بين المعقوفين في النسخ هكذا : والعاشر كالتاسع والحادي عشر مثلهما ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) في النسخ : وأمّا الثاني عشر ، والصواب ما أثبتناه.
(٣) راجع ص ٢٥٦.
(٤) المعتبر ٢ : ١١٩.
(٥) كما في الحبل المتين : ١٦٨ ، القاموس المحيط ١ : ٢٥٨ ، الصحاح ١ : ٤٠٥.
(٦) انظر الحبل المتين : ١٦٨ ، القاموس المحيط ٢ : ٢٨٦ ، الصحاح ٣ : ١٠٠٨.
قوله :
باب السجود على القير والقفر
أحمد بن محمّد ، عن علي بن إسماعيل ، عن محمّد بن عمرو بن سعيد ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : « لا تسجد على القير ولا على القفر ولا على الصاروج ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمار قال : سأل المعلّى بن خنيس أبا عبد اللهعليهالسلام وأنا عنده عن السجود على القفر وعلى القير فقال : « لا بأس ».
فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على حال الضرورة أو التقية دون حال الاختيار.
السند
في الأوّل : فيه علي بن إسماعيل ، وهو يقال لجماعة(١) ليس فيهم من وصف بالثقة ليفيد البحث في تعيّنه ، غير أنّا قدمنا(٢) ما اتفق في علي بن السندي الواقع في الكشي حيث قال في علي بن إسماعيل : نصر بن الصباح قال : علي بن إسماعيل ثقة [ وهو ] علي بن السندي ، فلقب إسماعيل بالسندي. وقدمنا أنّ شيخنا ـ أيّده الله ـ احتمل أن يكون لفظ ثقة موهوما ، وإنّما هو « يقال » لما جرى في العادة للكتّاب أن يأتوا بلفظ « يقال » عوض
__________________
(١) انظر هداية المحدثين : ٢١١.
(٢) في ج ١ : ٣٥٥ وج ٢ : ١٨٧ وج ٣ : ٣٠.
يقال.
والعلاّمة جعله علي بن السري(١) . وفي اختيار الكشي للشيخ : علي بن السدي(٢) ( عوض السندي ، قال شيخنا ـ أيّده الله ـ : وهو الذي ينبغي ، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي )(٣) انتهى.
والذي تحققته الآن أن علي بن إسماعيل هو علي بن السندي ، لأنّ الرواية كما ترى عن علي بن إسماعيل عن محمّد بن عمرو بن سعيد ، وفي الرجال محمّد بن عمرو بن سعيد يروي عنه علي بن السندي في الفهرست(٤) ، وفي رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام من كتاب الشيخ(٥) ، إلاّ أن يقال : إنّ الشيخ لما ظن أنّ علي بن إسماعيل هو ابن السندي ( حكم بأنّ الراوي عنه علي بن السندي ، وفيه من البعد ما لا يخفى ؛ لأنّ النجاشي ذكر أنّ الراوي علي بن السندي )(٦) عن محمّد بن عمرو بن سعيد(٧) .
وبالجملة : فما وقع في الخلاصة من علي بن السري وفي الاختيار من ابن السدي وتوجيه شيخنا ـ أيّده الله ـ يندفع بما ذكرناه ، غير أن الأثر هيّن بعد ما تقدم من احتمال تصحيف « ثقة ».
والثاني : فيه محمّد بن أبي حمزة ، وقد تكرر القول فيه من اشتراكه
__________________
(١) خلاصة العلاّمة : ٩٦ / ٢٨.
(٢) في « م » و « رض » : السندي ، وقد تقرأ في « فض » : السيدي ، وما أثبتناه هو الموافق للمصدر ـ راجع رجال الكشي ٢ : ٨٦٠ / ١١١٩.
(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٤) الفهرست : ١٣١ / ٥٨٢.
(٥) رجال الطوسي : ٥١٠ / ١٠٥.
(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٧) رجال النجاشي : ٣٦٩ / ١٠٠١.
بين ثقة ، ومهمل ، واحتمال الانصراف للثقة(١) أو الاتحاد(٢) . وأمّا النضر فهو ابن سويد كما لا يخفى على الممارس ، والكلام في المعلى بن خنيس لا يضر بالحال.
المتن :
في الأوّل : ظاهر النهي التحريم ( في المذكورات بناء على كونه حقيقة فيه )(٣) لو صحّ الخبر.
والثاني : يقتضي الجواز على الأمرين ، فالحمل على الكراهة في النهي ممكن لو عمل بالخبرين ، بل كان الوالدقدسسره يقول : إنّ النهي يكاد أن يكون حقيقة في الكراهة(٤) .
( أمّا حمل الشيخ على الضرورة فهو وإن بعد ربّما قربه أنّ الصاروج على تقدير حمل النهي على الكراهة )(٥) يقتضي الخبر جواز السجود عليه ، ولا أعلم القائل به ، فربما يؤيد حمل النهي على التحريم. وكان شيخناقدسسره يميل إلى جواز السجود عليه(٦) ؛ للخبر الصحيح المتضمن للسؤال عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد ، أيسجد
__________________
(١) في « رض » : إلى الثقة.
(٢) راجع ج ١ : ١٤٦ ، ٢٨٩ ، ٣٧٥.
(٣) بدل ما بين القوسين في « رض » : بناء على كونه حقيقة فيه في المذكورات ، وكذا في « م » بنقيصة كلمة « فيه ».
(٤) راجع معالم الأُصول : ٩٤ وفيه : إن استعمال النهي في الكراهة شائع على نحو ما قلناه في الأمر : ٤٨.
(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
(٦) المدارك ٣ : ٢٤٤.
عليه؟ فكتبعليهالسلام بخطه : « إنّ الماء والنار قد طهّراه »(١) وهذا الخبر قد تكلمت فيه بما لا مزيد عليه في كتاب معاهد التنبيه ، وحاصل الأمر أنّ الخبر لا يخلو من إجمال.
وفي المنتهى : إنّ في الاستدلال بهذه الرواية على الطهارة بالاستحالة رمادا إشكالا من وجهين ، أحدهما : أنّ الماء الذي يحلّ به الجصّ غير مطهّر إجماعا ، الثاني : أنّه حكم بنجاسة الجصّ ثم بتطهيره ، وفي نجاسته بدخان الأعيان النجسة إشكال(٢) .
واعترض عليه بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ بأنّ المراد بالماء ماء المطر الذي يصيب أرض المسجد ؛ إذ ليس في الخبر أنّ المسجد كان مسقّفا ، وأنّ المراد بالوقد عليه اختلاط تلك الأعيان التي يوقد بها من فوقه.
قال ـ سلّمه الله ـ : ويبقى إشكال آخر وهو أنّ النار إذا طهّرته أوّلا كيف يحكم بتطهير الماء ثانيا؟ إلاّ أن يحمل التطهير على المعنى الشامل للشرعية واللغوية(٣) . انتهى.
وللوالدقدسسره كلام في الحديث ذكرته في محل آخر ، إلاّ أنّ في آخر الكلام المنقول إشارة إلى ما ذكره الوالدقدسسره من إرادة الأعم من الشرعية واللغوية(٤) ، والذي يقتضيه النظر أنّ الجواب المذكور في أعلى المراتب من البعد.
ثم إنّ الرواية تضمنت الوقد بعظام الموتى ، وتنجيس ما تلاقيه إنّما
__________________
(١) الفقيه ١ : ١٧٥ / ٨٢٩ ، التهذيب ٢ : ٢٣٥ / ٩٢٨ و ٣٠٤ / ١٢٢٧ ، الوسائل ٥ : ٣٥٨ أبواب ما يسجد عليه ب ١٠ ح ١.
(٢) المنتهى ١ : ١٧٩.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٢٦ و ١٢٧.
(٤) معالم الفقه : ٣٧٤.
يكون مع الرطوبة ، واحتراق الجص لو ظهر بمقتضى النص لا يتحقق كونه رمادا ، والاعتبار في الطهارة بالرماد والدخان ، ولو أريد ( مجرد اتصال الأجزاء من العظام المذكورة )(١) وأنّ الطهارة إنّما هي للعذرة والعظام نفي إشكال العلاّمة ، فلا بدّ حينئذ أن يقال : إنّ السؤال من جهة إدخال النجاسة المسجد حيث أوقد بالعذرة وعظام الموتى ، فالجواب يتضمن الطهارة باستحالة العذرة رمادا ، غاية الأمر ( أنّ ذكر الماء )(٢) غير ظاهر الثمرة ، إلاّ أن يكون تقريبا لاستبعاد طهارة النار ، أو يراد التنظيف لضرورة التوجيه.
وعلى كل حال ظاهر الخبر جواز السجود ، حيث كان المسئول عنه هو السجود ، فلو كان الجواب خاليا عن ذلك لما أفاد في الظاهر.
وإذا عرفت هذا مجملا فالخبر الثاني الدال على جواز السجود على القير له مؤيّدات من الأخبار في التهذيب(٣) ، وفي باب الصلاة في السفينة ما يدل على الجواز(٤) ، لكن احتمال الضرورة ممكن.
اللغة :
قال جدّيقدسسره في فوائد التهذيب : القفر ضرب من القير. وفي الصحاح : الصاروج النورة وأخلاطها ، فارسي معرب(٥) .
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « م » : مجرد الأجزاء من المذكور ، وفي « فض » : مجرد اتصال الأجزاء من المذكور.
(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » : ان الماء ذكره ، وفي « م » : ذكره.
(٣) التهذيب ٣ : ٢٩٥ / ٨٩٥ و ٢٩٨ / ٩٠٨ ، الوسائل ٥ : ٣٥٤ أبواب ما يسجد عليه ب ٦ ح ٦ و ٧.
(٤) انظر الوسائل ٨ : ٤٢٧ أبواب صلاة الجماعة ب ٧٣.
(٥) الصحاح ١ : ٣٢٥.
قوله :
باب السجود على القرطاس فيه كتابة
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : أنّه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة.
فأمّا ما رواه علي بن مهزيار ، قال : سأل داود بن فرقد أبا الحسنعليهالسلام عن القراطيس والكواغذ المكتوب(١) عليها ، هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب : « يجوز ».
أحمد بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، عن صفوان الجمّال قال : رأيت أبا عبد اللهعليهالسلام في المحمل يسجد(٢) على القرطاس وأكثر ذلك يومئ إيماء.
فلا تنافي بين هذين الخبرين والخبر الأوّل ؛ لأنّ الوجه في الخبر الأوّل ضرب من الكراهية ، وقد صرح بذلك في قوله : إنّه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة ، ويكون الخبران محمولين على الجواز ، على أنّ خبر صفوان الجمّال الذي حكى فيه فعل أبي عبد اللهعليهالسلام ليس فيه أنّ القرطاس الذي كان يسجد عليه كان فيه كتابة ، والكراهة إنّما توجهت إلى ما (٣) هذه صفته ، ويجوز أن يكون بلا كتابة فيطابق الخبر الأوّل.
__________________
(١) في الفقيه ١ : ١٧٦ والتهذيب ٢ : ٣٠٩ / ١٢٥٠ : المكتوبة.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٣٤ / ١٢٥٨ : سجد.
(٣) في النسخ : من ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٣٥.
السند :
في الأوّل : ليس فيه ارتياب. والثاني : فيه داود بن فرقد وقد مضى فيه القول وأنّه ثقة(١) . والثالث : كالأوّل.
المتن :
نقل بعض الأصحاب الإجماع على جواز السجود على القرطاس(٢) ، والخبر الثاني صريح فيه ، والأوّل لفظ « كره » فيه قد قدّمنا أنّها تستعمل فيما يتناول الحرام ، لكن مع الاشتراك أو التناول المخصص موجودٌ فيها وهو الكتابة كما قاله الشيخ ، غاية الأمر أنّ مع الكتابة يحتمل الكراهة والتحريم ، غير أنّ الاشتراك يبقي الأصل على حاله ، إلاّ أن يقال : إنّ ما دلّ على عدم السجود على(٣) المأكول والملبوس عام فإذا خرج غير المكتوب بقي هو ، وفيه ما لا يخفى.
ويظهر من الشهيدرحمهالله في الذكرى عدم تحقق الإجماع ؛ لقوله : وفي النفس من القرطاس شيء من حيث اشتماله على النورة ، إلاّ أن نقول : الغالب جوهر القرطاس ، أو نقول : جمود النورة يردّ إليها اسم الأرض(٤) . ولجدّيقدسسره عليه كلام في الروضة(٥) ذكرناه في حواشيها ، وكذلك المحقّق
__________________
(١) راجع ج ٢ : ٣٣٠.
(٢) كما في المسالك ١ : ٢٦ ، الروضة البهيّة ١ : ٢٢٧ ، المدارك ٣ : ٢٤٩.
(٣) في النسخ زيادة : غير ، حذفناها لاستقامة المعنى.
(٤) الذكرى : ١٦٠.
(٥) الروضة البهيّة ١ : ٢٣٠.
الشيخ علي(١) .
والحق أنّ الأخبار حجّة عليه مؤيّدة بدعوى الإجماع.
أمّا استشكال الشهيدرحمهالله في الذكرى حكم القراطيس المكتوبة بأنّ أجرام الحبر مشتملة غالبا على شيء من المعادن ، ثم قوله : إلاّ أن يكون هناك بياض يصدق عليه الاسم ، ثم قوله : وربّما يخيّل أن لون الحبر عرض والسجود إنّما هو على القرطاس ، وليس بشيء ؛ لأنّ العرض لا يقوم بغير حامله والمداد أجسام محسوسة مشتملة على اللون(٢) .
فقد يقال عليه : أوّلا : بأنّ ما دلّ على كراهة السجود على المكتوب إمّا أن يحمله على الكراهة الأصولية أو على التحريم ، فإن حمله على الأوّل لا وجه للإشكال ، ولو حمله على التحريم استغنى عن التوجيه ، ولو كان مشتركا أمكن توجيه المنع بما دل على اشتراط غير الملبوس ، إلاّ أن يقال : إنّ الكواغذ غير ملبوسة بالعادة وإن كان أصلها من الملبوسة ، وفيه نوع تأمّل.
هذا إذا لم نعمل بالخبر الأخير ؛ لاحتماله الضرورة من حيث كونهعليهالسلام في المحمل ، مضافا إلى تضمنه الإيماء فإنّه يشعر بالضرورة. و ( احتمال الإيماء لغير السجود لا يضر بالحال.
ولو قلنا إنّ خبر علي بن مهزيار يتناول بإطلاقه المكتوب زال الإشكال أيضا )(٣) واحتمال أن يقال : إنّ خبر علي بن مهزيار مكاتبة ، فيه : أن ضرورة هذا لا وجه لها بعد عدالة الراوي والأمن من اشتباه الخط ، نعم
__________________
(١) جامع المقاصد ٢ : ١٦٥.
(٢) الذكرى : ١٦٠.
(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».
ربّما يدّعى أنّ المتبادر من القراطيس كونها من حيث هي ، والمكتوبة أمر آخر.
وأمّا ثانيا : فقوله إنّ العرض لا يقوم ، إلى آخره. إن أراد به ما ذكره الحكماء من استحالة انتقال الأعراض فهو صحيح ، لكن التزامه يقتضي عدم صحة الصلاة على الأرض المشتملة على صبغ من المعادن ، وكذلك غير الأرض ، وأظنّ أنّ التزامه مشكل. وإن أراد أنّ عرض الحبر لا ينفك عن الجرم ، ففيه : أنّه متوجه إلاّ أنّ العرض قد ينتفي في الحبر بغير جرم ، وبتقدير التسليم فقوله : العرض لا يقوم بغير حامله والمداد أجسام ، إلى آخره ، لا يخلو من تسامح.
أمّا ما تخيّله بعض : من أنّ الأحكام المتعلّقة بالذوات لا تنتقل إلى عوارضها كالإنسان المتصف بالنطق لا يتصف به عوارضه ، فالمعدن إذا اتصف بعدم جواز السجود لا يتصف به عوارضه ، ففيه : أنّه بتقدير امتناع انفكاك العرض الذات موجودة.
وبالجملة : إيراد الشكوك مع العمل بالأخبار لا وجه له ، وبدون العمل قد يتحقق الإشكال ، نظرا إلى ما ذكرناه في أثناء الكلام.
اللغة :
القراطيس والكواغد من باب عطف التفسير ( وفي القاموس القرطاس الكاغذ )(١) .
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « م » : والقرطاس قيل مثلث القاف. وهو موجود في القاموس المحيط أيضا ( ج ٢ ص ٢٤٨ ).
قوله :
باب السجود على شيء ليس عليه سائر البدن
أخبرني الشيخرحمهالله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن جميل بن دراج ، عن أبان ، عن عبد الرحمن بن أبي عقبة ، عن حمران ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : « كان أبي يصلّي على الخمرة يجعلها على الطنفسة ويسجد عليها ، فإذا لم يكن خمرة جعل حصا على الطنفسة حيث يسجد ».
علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أذينة ، عن الفضيل بن يسار وبريد(١) بن معاوية ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : « لا بأس بالمقام على المصلّى من الشعر والصوف إذا كان يسجد على الأرض ، فإن كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه والسجود عليه ».
فأمّا ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمّد بن يحيى ، عن غياث بن إبراهيم ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليعليهمالسلام أنّه قال : « لا يسجد الرجل على شيء ليس عليه سائر جسده ».
فلا ينافي الخبرين الأوّلين ؛ لأنّ هذا الخبر موافق للعامة ، والوجه فيه التقيّة دون حال الاختيار.
السند
في الأوّل : ليس فيه من لم يقدم بيان حاله(٢) إلاّ عبد الرحمن بن
__________________
(١) في النسخ : يزيد ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٣٥ / ١٢٦٠.
(٢) راجع ج ١ : ٤١ ، ٧٠ ، ٢٩٣ ، ٢٩٨ ، ج ٢ : ١٧٧ ، ج ٣ : ٣٩٨.
أبي عقبة ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف عليه في الرجال.
والثاني : واضح.
والثالث : فيه محمّد بن يحيى ، والمستفاد من الرجال رواية محمّد بن يحيى الخزّاز عن غياث بن إبراهيم(١) ، والخزّاز ثقة(٢) . أمّا غياث فالشيخ قال : إنّه بتري(٣) ، والنجاشي وثقه(٤) ، وقد مضى عن شيخناقدسسره في الجزء الأوّل(٥) النقل عن الكشي أنّه قال : بأنّه بتري رواية عن غير معلوم ، ولم نقف عليه في الكشي ، وفي الظن رواية محمّد بن يحيى الخثعمي عن غياث في الأخبار ، والشيخ قال في هذا الكتاب : إنّ الخثعمي عامي ، والجميع مضى مفصلا(٦) ، فليراجع.
المتن :
في الأوّل : واضح ، غير أنّ قوله : « جعل حصا » فيه دلالة على أنّ اعتبار مقدار الدرهم لا يشترط فيه اتصال الأجزاء في المسجد ، إلاّ أن يقال : إنّ الخبر من قبيل المجمل ، إذا لم يعلم قدر الحصا ، نعم ربّما دل الحصا على أنّهعليهالسلام لم يكتف بالمسمّى في السجود ( لكن لا يدل على التعيين كما لا يخفى )(٧) .
__________________
(١) انظر رجال الطوسي : ٤٨٨ / ٢ ، الفهرست : ١٥٤ / ٦٨٣.
(٢) انظر رجال النجاشي : ٣٥٩ / ٩٦٤ ، رجال ابن داود : ١٨٦ / ١٥٣٠ ، خلاصة العلاّمة : ١٥٨ / ١٢٠.
(٣) رجال الطوسي : ١٣٢ / ١.
(٤) رجال النجاشي : ٣٠٥ / ٨٣٣.
(٥) راجع ج ٣ : ٢٩٥.
(٦) راجع ج ٢ : ٤٥٦.
(٧) ما بين القوسين ليس في « م ».
وأمّا الثاني : ففيه دلالة على ما قاله السيد المرتضىرحمهالله من جواز السجود على المنسوج من القطن والكتان(١) ، كما ذكره بعض الأصحاب(٢) وإن كان فيه نوع تأمّل ، لاحتمال أن يراد بالنبات من نحو القنّب(٣) الغير المعتاد لبسه ، وعلى تقدير العموم فالتخصيص ممكن لو تم الدليل على المنع.
وأمّا الثالث : فالتقية فيه غير خفية.
اللغة :
الخمرة ـ بضم الخاء المعجمة وإسكان الميم ـ سجّادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط ، قاله في الصحاح(٤) .
قوله :
باب السجود على الثلج
أحمد بن محمّد ، عن معمر بن خلاد قال : سألت أبا الحسن عليهالسلام عن السجود على الثلج فقال : « لا تسجد في (٥) السبخة ولا على الثلج ».
__________________
(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ١٧٤.
(٢) منهم العلاّمة في المنتهى ١ : ٢٥١ ، الكركي في جامع المقاصد ٢ : ١٦١ ، البهائي في الحبل المتين : ١٦٩.
(٣) نبات يؤخذ لحاؤه ثم يفتّل حبالا ، وله حبّ يسمى الشهدانج. المصباح المنير :٥١٧.
(٤) الصحاح ٢ : ٦٤٩.
(٥) في الاستبصار ١ : ٣٣٦ : على.
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن داود الصرمي قال : سألت أبا الحسنعليهالسلام قلت له : إني أخرج في هذا الوجه وربّما لم يكن موضع أصلّي فيه من الثلج فكيف أصنع؟ فقال : « إن أمكنك أن لا تسجد على الثلج فلا تسجد عليه ، وإن لم يمكنك فسوّه واسجد عليه ».
فالوجه في هذا الخبر حال الضرورة حسب ما قدمناه في الخبر الأوّل ، وبيّنه أيضا(١) خبر منصور بن حازم ، وقد قدمناه فيما مضى.
السند
في الأوّل : فيه معمّر بن خلاّد ، وهو ثقة. والثاني : فيه داود الصرمي ، وقد مضى عن قريب أنّه مهمل(٢) .
المتن :
في الأوّل : قد يدل بمعونة ذكر السبخة على الكراهة في الثلج ؛ إذ المشهور بين الأصحاب المتأخرين الكراهة في السبخة(٣) ، وإن كان يظهر من الصدوق في الفقيه المنع من السبخة(٤) .
والخبر الدال على الجواز موثق سماعة فيما نقل(٥) . وفي خبر أبي بصير حين سأل عن كراهة الصلاة في السبخة جاء الجواب : « إنّ الجبهة
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣٦ زيادة : في.
(٢) راجع ص ٢٥٨.
(٣) كما في المنتهى ١ : ٢٥٣.
(٤) الفقيه ١ : ١٥٦.
(٥) التهذيب ٢ : ٢٢١ / ٨٧٢ ، الوسائل ٥ : ١٥٢ أبواب مكان المصلي ب ٢٠ ح ٨.
لا تقع مستوية » ونفى البأس إذا كانت مستوية(١) . ولا يخفى أنّ الأصل لا يخرج عنه بما ذكر.
أمّا الخبر المبحوث عنه فالنهي فيه يقتضي التحريم ، وحينئذ يتّجه قول الصدوق إن لم يعمل بالموثق ، والعجب من عدم تعرض بعض محقّقي المعاصرين للخبر المذكور(٢) .
ولو حمل النهي على الكراهة بعد التحريم في الثلج لكن يقربه كونه مأكولا.
وما ذكره الشيخ من الضرورة له وجه على ( اعتقاده ، والخبر السابق عن منصور دل على )(٣) وضع القطن أو الكتان عليه ، وهو يقتضي أنّ الضرورة لو اندفعت بما ذكر فعل مقدما على الثلج ، والشيخ هنا أطلق الحكم ، والأمر كما ترى.
اللغة :
قال في القاموس السبخة ـ محركة ومسكّنة ـ أرض ذات نزّ وملح(٤) .
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٢٢١ / ٨٧٣ ، الوسائل ٥ : ١٥١ أبواب مكان المصلي ب ٢٠ ح ٧.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٦٧ ـ ١٦٨.
(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
(٤) القاموس المحيط ١ : ٢٧٠. والبحث اللغوي ساقط عن نسخة « م ».
[ أبواب القنوت وأحكامه ]
قوله :
باب رفع اليدين بالتكبير إلى القنوت في الصلوات الخمس
أخبرني الشيخرحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « التكبير في صلاة الفرض في الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة ، منها تكبيرة القنوت خمس ».
عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة : وفسرهنّ في الظهر إحدى وعشرون تكبيرة ، وفي العصر إحدى وعشرون تكبيرة ، وفي المغرب ست عشرة تكبيرة ، وفي العشاء الآخرة إحدى وعشرون تكبيرة ، وفي الفجر إحدى عشرة تكبيرة(١) ، وخمس تكبيرات في القنوت في خمس صلوات.
محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن موسى بن عمر ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبي الصباح المزني قال : قال(٢) أمير المؤمنين عليهالسلام : « خمس وتسعون تكبيرة في اليوم والليلة للصلوات ، منها تكبير القنوت ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣٦ / ١٢٦٥ لا توجد : تكبيرة.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٣٦ / ١٢٦٦ لا توجد : قال.
قال محمّد بن الحسن : هذه الروايات التي ذكرناها ينبغي أن يكون العمل عليها ، وبها كان يفتي شيخنا المفيد قديما ، ثم عنّ له في آخر عمره ترك العمل بها والعمل على رفع اليدين بغير تكبير ، والقول الأوّل أولى ؛ لوجود الروايات بها ، وما عدا هذا لست أرى(١) به حديثا أصلا ، وليس لأحد أن يتأوّل هذه الأخبار بأن يقول : ما زاد على التسعين تكبيرة أحمله على أنّه إذا نهض من التشهّد الأوّل إلى الثالثة يقوم بتكبير ، لأمور :
أحدها : إنّه إنّما تتأوّل الأخبار ويترك ظواهرها إذا تعارضت وكان ينافي بعضها بعضا ، وليس ها هنا ما ينافي هذه الروايات فلا يجوز العدول عن ظواهرها بضرب من التأويل.
وثانيها : أنّه ليس كل الصلوات فيها نهوض من الثانية إلى الثالثة وإنّما هو موجود في أربع صلوات ، فلو كان المراد ذلك لكان يقول : أربع وتسعون تكبيرة.
وثالثها : أنّ الحديث المفصّل تضمن ذكر إحدى عشرة تكبيرة في صلاة الغداة وتكبيرة بعد ذلك للقنوت مضافا إليها ، فلو كان الأمر على ما تأوّل عليه لكان التكبير فيها إحدى عشرة تكبيرة فقط.
ورابعها : أنّه قد وردت روايات مفردة بأنّه ينبغي أن يقوم الإنسان من التشهد الأوّل إلى الثالثة ويقول : بحول الله وقوته أقوم وأقعد. ولم يذكر التكبير ، فلو كان يجب القيام بالتكبير لكان يقول : ثم يكبّر ويقوم إلى الثالثة. كما أنّهم لمّا ذكروا الركوع والسجود قالوا : ثم يكبّر
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣٦ / ١٢٦٦ : أعرف.
ويركع ويكبّر ويسجد ويرفع رأسه من السجود ويكبّر. فلو كان ها هنا تكبير لكان يقول مثل ذلك.
وقد روى ذلك الحسين بن سعيد ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إذا جلست في الركعتين الأوّلتين فتشهدت ثم قمت فقل : بحول الله وقوته أقوم وأقعد ».
وعنه ، عن فضالة ، عن رفاعة بن موسى قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول : « كان عليعليهالسلام إذا نهض من الركعتين الأوّلتين قال : بحولك وقوتك أقوم وأقعد ».
وعنه ، عن فضالة ، عن سيف ، عن أبي بكر قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « إذا قمت من الركعتين (١) فاعتمد على كفيك وقل : بحول الله وقوته أقوم وأقعد ».
السند
في الأوّل : حسن.
والثاني : كذلك على قول النجاشي من عدم ذكر الوقف(٢) ، وموثق على قول غيره(٣) ، وقد قدّمنا وجه ذلك(٤) ، كما ذكرنا ـ في موضع آخر ـ أنّ المدح في بعض الرجال لا ينافي كون الخبر موثقا في ظاهر كلام بعض الأصحاب.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٣٨ / ١٢٦٩ زيادة : الأوّلتين.
(٢) رجال النجاشي : ٢١٥ / ٥٦١.
(٣) كما في رجال ابن داود : ١٢٤ / ٩٠٩.
(٤) راجع ج ١ : ١٣٩.
ثم إنّ ظاهره الإسناد إلى غير الإمام ، وغير بعيد أنّ المراد عين الرواية الاولى ، أعني عن أبي عبد اللهعليهالسلام (١) أنّهعليهالسلام فسّرهن ؛ إذ لو لا ذلك لكان التفسير من عبد الله بن المغيرة فلا يفيد حكما من جهة الرواية ، إلاّ بتقدير كون التفسير من عبد الله لأنّ الإمامعليهالسلام فسّر ذلك له ، وفيه ما لا يخفى ؛ وفي التهذيب كما هنا(٢) .
والثالث : فيه موسى بن عمر ، وفيه اشتراك(٣) بين ثقة وغيره.
وأبو الصباح المزني في النسخة التي نقلت منها وهو مجهول ، لكن في التهذيب الصباح المزني(٤) ، والظاهر أنّه الصواب ؛ لأنّ في الرجال : صباح بن يحيى أبو محمّد المزني ثقة في النجاشي(٥) .
وفي الخلاصة قال : صباح بن قيس بن يحيى المزني أبو محمد كوفي زيدي قاله ابن الغضائري ، وقال : حديثه في حديث أصحابنا ضعيف ، وقال النجاشي : إنّه ثقة(٦) . انتهى.
والذي يظهر أنّ العلاّمة توهّم كونه ابن قيس من ابن طاوس في كتابه حيث نقل عن ابن الغضائري : أنّه قال : صباح بن يحيى من ولد قيس. فظن أن قيسا أبوه ، لكن ابن طاوس قال في كتابه : صباح بن يحيى.
والعجب من عدّه في القسم الثاني من الخلاصة ، وقد قدّمنا(٧) في
__________________
(١) في « رض » زيادة : ثم.
(٢) التهذيب ٢ : ٨٧ / ٣٢٤ ، الوسائل ٦ : ١٨ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٥ ح ٢.
(٣) انظر هداية المحدثين : ٢٦٢.
(٤) التهذيب ٢ : ٨٧ / ٣٢٥.
(٥) رجال النجاشي : ٢٠١ / ٥٣٧.
(٦) خلاصة العلاّمة : ٢٣٠ / ٢.
(٧) في ج ١ : ٨٦.
أوّل الكتاب أنّ الظاهر من العلاّمة الاعتماد على قول ابن الغضائري ، وهذا من المواضع الدالة على ذلك ؛ لأنّ ترجيح الجارح لا يتم لو لا قبول قوله ، وحينئذ فاللاّزم من هذا قبول قول ابن الغضائري على تقدير قبول قول العلاّمة في الرجال ، فقول جماعة من مشايخنا : إنّ ابن الغضائري مجهول الحال(١) ، مع ما ذكرناه لا يخفى ما فيه.
وما قد يقال : إنّ التعجب من العلاّمة لا وجه له بعد الحكم بقبول قول ابن الغضائري ،جوابه : الفرق بين النجاشي وابن الغضائري كما يشهد به الاعتبار الظاهر.
والرابع : لا ارتياب فيه كالخامس بعد ما قدّمناه(٢) في رواية الحسين عن فضالة مرارا.
والسادس : سيف فيه : ابن عميرة ، وأبو بكر : الحضرمي ؛ لكثرة مثل هذه الرواية ، والأوّل تقدم(٣) أنّه ثقة ، وأنّ قول ابن شهرآشوب بالوقف فيه(٤) موقوف على العلم بحال الجارح ، والثاني لم يتحقّق حاله بمدح أو توثيق.
المتن :
في الأوّل : صريح في عدد التكبيرات وأنّ تكبيرات القنوت منها ، فيكون غيرها ما عدا الخمسة وتكبيرة الإحرام من غيرها ، فلا مجال
__________________
(١) كما في منهج المقال : ٣٩٨.
(٢) راجع ج ١ : ٣٩٨.
(٣) في ج ١ : ٢٦٤.
(٤) معالم العلماء : ٥٦ / ٣٧٧.
لاحتمال كون التكبير بعد التشهد منها بوجه من الوجوه ، إلاّ على تقدير وجود المعارض ، فيحتاج إلى التأويل المخالف للظاهر.
والثاني : ظاهر التفصيل ، غير أنّ قوله : « وخمس تكبيرات في القنوت » يدل على أنّ التكبيرات المذكورة غير تكبيرات القنوت في الظاهر ، لكن قوله في الأوّل : وفسّرهن. في ظاهر الحال العود إلى الخمسة والتسعين ، وحينئذ يقتضي حمل قوله : « وخمس تكبيرات في القنوت » على أنّه من جملة الخمسة والتسعين فتكون تكبيرات الإحرام مسكوتا عنها في الجميع.
وما ذكره الشيخ تطويل من غير طائل ؛ إذ لا ارتياب في أنّ إثبات الحكم الشرعي موقوف على الدليل ، والتكبير بعد التشهد لا تدل الأخبار عليه بعد التصريح في الأوّل بأنّ الخمسة والتسعين منها تكبيرات القنوت.
وقوله في الوجه الثاني : لكان يقول : أربع وتسعون. فيه : أنّ بعد التصريح بتكبيرات القنوت تكون تسعة وتسعين ، ولو أراد الشيخ أنّ تكبيرات القنوت غير الخمسة والتسعين ليكون عدولا عن ظاهر الأخبار أمكن التوجيه بأنّ في الصبح أحد عشر نظرا إلى تكبيرة الإحرام ، لكن لا يخفى أنّ البحث مع عدم المعارض لغو.
وقوله في الوجه الرابع قد ينظر فيه : بأنّ المعارض إذا وجد لا مانع من التقييد ، كما يقيد ما دل على أنّ من قام إلى الثانية أو الرابعة يقول : بحول الله وقوته. مع ثبوت التكبير بعد السجود ، فالأولى الاقتصار على طلب الدليل.
أمّا ما تضمنه الثالث فكالأوّل.
وأمّا الرابع : فواضح ، ومخالفة الخامس له في الظاهر والمضمر
يقتضي التخيير.
والسادس : كالرابع.
وما دل على الدعاء بعد القيام من السجود للثانية والرابعة مختلف ، ففي بعض الأخبار قول : بحول الله وقوته ، وفي بعض : اللهم ربي بحولك وقوتك.
تنبيه : ذكر بعض شرّاح حديث المخالفين أنّ الحول والقوة لا ترادف بينهما ، بل القوة معروفة ، والحول الاحتيال في الأمور.
قوله :
باب السنّة في القنوت
الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي نجران ، عن صفوان الجمّال قال : صلّيت خلف أبي عبد اللهعليهالسلام أيّاما ، وكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها أو لا يجهر فيها.
عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع ».
عنه ، عن صفوان وابن أبي عمير ، عن عبد الله بن بكير ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن القنوت في الصلوات الخمس جميعا ، فقال : « اقنت فيهنّ جميعا » قال : فسألت أبا عبد الله عليهالسلام بعد (١) ذلك ، فقال : « أمّا ما جهرت فيه فلا تشك ».
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ٨٩ / ٣٣١ زيادة : عن.
عنه ، عن فضالة ، عن ابن مسكان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « القنوت في المغرب في الركعة الثانية ، وفي العشاء والغداة مثل ذلك ، وفي الوتر في الركعة الثالثة ».
عنه ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن القنوت في أيّ صلاة هو؟ فقال : « كل شيء تجهر(١) فيه بالقراءة فيه قنوت ، والقنوت قبل الركوع وبعد القراءة ».
أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سأله بعض أصحابنا ـ وأنا عنده ـ عن القنوت في الجمعة ، فقال له : « في الركعة الثانية ». فقال له أبو بصير : قد حدّثنا بعض أصحابك أنك قلت : في الركعة الأولى. فقال : « في الأخيرة » فلمّا رأى غفلة الناس منه قال : « يا أبا محمّد في الاولى والأخيرة ». فقال أبو بصير بعد ذلك : قبل الركوع(٢) أو بعده؟ فقال له أبو عبد اللهعليهالسلام : « كل قنوت قبل الركوع إلاّ الجمعة ، فإنّ الركعة الأولى فيها قبل الركوع والأخيرة بعد الركوع ».
عنه ، عن ابن أذينة ، عن وهب ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « القنوت في الجمعة والعشاء والعتمة والوتر والغداة ، فمن ترك القنوت رغبة(٣) فلا صلاة له ».
عنه ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عبد الله بن بكير ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « القنوت في كل ركعتين
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ٨٩ / ٣٣٣ و « فض » و « م » : يجهر.
(٢) في التهذيب ٢ : ٩٠ / ٣٣٤ ، الاستبصار ١ : ٣٣٩ / ١٢٧٥ : أقبل الركوع.
(٣) في التهذيب ٢ : ٩٠ / ٣٣٥ ، الاستبصار ١ : ٣٣٩ / ١٢٧٦ زيادة : عنه.
من التطوع أو الفريضة ».
قال الحسن : أخبرني عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « القنوت في كل الصلاة » قال محمّد بن مسلم : فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليهالسلام ، فقال : « أمّا ما لا شك فيه ما (١) جهر فيها بالقراءة ».
السند
في الأوّل : لا ارتياب فيه كالثاني.
والثالث : موثق بعبد الله بن بكير على ما مضى القول فيه(٢) ، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ ظاهر السند رواية الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير وصفوان ، والأوّل يروي فيه الحسين بن سعيد عن ابن أبي نجران عن صفوان ، ولا مانع منه ؛ لجواز الرواية بواسطة تارة وبعدمها اخرى ، كما في ابن أبي عمير ، فإنّ الحسين بن سعيد يروي عنه وأحمد بن محمّد بن عيسى يروي عنه مع أنّ أحمد بن محمّد بن عيسى يروي عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير. وقد كان الوالدقدسسره يرتاب في مثل هذا(٣) ، ودفعه ظاهر.
والرابع : فيه رواية ابن مسكان عن أبي عبد الله ، وقد ذكرنا فيما مضى قول الكشي : إنّ ابن مسكان لم يرو عن الصادقعليهالسلام إلاّ حديث « من أدرك المشعر » كما ذكرنا وجود كثير من الروايات بخلاف ذلك(٤) ، وهذا من
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ٩٠ / ٣٣٦ ، الاستبصار ١ : ٣٣٩ / ١٢٧٧ : فما.
(٢) راجع ج ١ : ١٢٥.
(٣) منتقى الجمان ٢ : ٥.
(٤) راجع ج ٤ : ٤٨٦.
الجملة.
واحتمال أن يقال : إنّ كلام الكشي في عبد الله بن مسكان ، ومعلومية أنّ ابن مسكان هو عبد الله هنا لا دليل عليها ؛ إذ لم يذكر في الرجال فضالة راويا عنه.
يدفعه أنّ ابن مسكان غير عبد الله المذكور في الرجال وهو الحسين ومحمّد ، بعيدان عن الإطلاق ، وإن كان باب الاحتمال واسعا. ولا يخفى أنّ مرتبة فضالة مرتبة ابن أبي عمير الراوي عن عبد الله بن مسكان في الرجال(١) ، والمذكوران غير معلومي المرتبة ، فاحتمالهما لا يمكن نفيه ولا إثباته إلاّ من حيث احتمال التبادر ، حيث ينتفي القرائن المذكورة سابقا كروايته عن الحلبي وأشباه ذلك ، فليتأمّل.
والخامس : الحسن فيه ابن سعيد ؛ لما تقدم من أنّ الحسين يروي عن زرعة بواسطة أخيه الحسن(٢) . وسماعة تكرر القول فيه(٣) .
والسادس : فيه أبو بصير. وعلي بن الحكم بتقدير الاشتراك هو الثقة ؛ لرواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه. كما يستفاد من الرجال(٤) .
وقد يظن صحة الخبر في الجملة من حيث إنّ قوله : فقال له أبو بصير. يدل على أنّ الحاكي أبو أيوب ، فيكون سامعا لكلّ ما قاله أبو عبد اللهعليهالسلام لا بالنقل عن أبي بصير ، وحينئذ يتم الخبر.
وفيه : أنّه لا مانع من الرواية عن أبي بصير ، والإثبات ب « قال له
__________________
(١) انظر منهج المقال : ٢١٢.
(٢) راجع ج ١ : ١٧٣ ـ ١٧٤.
(٣) راجع ج ١ : ١١٠.
(٤) انظر هداية المحدثين : ٢١٦.
أبو بصير » لا مانع منه على أن يكون أبو بصير قال : قلت له. وأبو أيوب أتى بالمعنى.
وفي الظن أنّ الوالدقدسسره ذكر ذلك في المنتقى ، لكن لم يحضرني الآن وقد خطر في البال ، والجواب كما سمعته غير بعيد.
وما تضمنه من قوله : « يا أبا محمّد » مع أنّ الحاكي أبو بصير سهل الأمر على ما يستفاد من الرجال ، فإنّه يقال له : أبو محمّد وأبو بصير ، ويجوز المغايرة لكنها بعيدة.
والسابع : فيه وهب وهو مشترك ؛ إذ في الرجال وهب بن عبد الرحمن من أصحاب الصادقعليهالسلام في كتاب الشيخ مهملا(١) ، ووهب ابن عبد ربه الثقة ، ووهب بن وهب العامي(٢) .
والثامن : موثق على ما مضى في الحسن(٣) . وابن بكير تقدم القول فيه أيضا(٤) .
وما تضمّنته الرواية ـ من قوله : قال الحسن ـ يحتمل أن يكون من أحمد بن محمّد بن عيسى فيكون موثقا ، ويحتمل أن يكون من الشيخ فيكون مرسلا ، لكن قوله : قال محمّد بن مسلم. يؤيّد أن يكون من الشيخ ، إذ لا يروي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى إلاّ أن يكون على سبيل الإرسال من أحمد ، ويحتمل أن يكون من الحسن عن ابن بكير ، فيكون ابن بكير حكى عن زرارة وحكى عن محمّد بن مسلم ، ولا بعد في رواية ابن بكير
__________________
(١) رجال الطوسي : ٣٢٧ / ٢٠.
(٢) انظر رجال النجاشي : ٤٣٠ / ١١٥٥ و ١١٥٦ ، الفهرست : ١٧٣ / ٧٦٧.
(٣) راجع ج ٤ : ٣٧٩.
(٤) راجع ج ١ : ١٢٥.
عن محمّد بن مسلم كما مضى في الثالث ، وعلى كل حال المجزوم بكونه موثقا إلى قوله : قال الحسن.
فإن قلت : ما تقدّم في الثالث يدل على أنّ هذا ـ أعني : قال محمّد ـ من مقول عبد الله بن بكير فيكون موثقا بلا ارتياب.
قلت : لفظ « قال الحسن » غير معلوم أنّه من أحمد بن محمّد بن عيسى أو من غيره ، فليتأمّل.
المتن :
قال العلاّمة في المختلف : المشهور عند علمائنا استحباب القنوت ، وقال ابن أبي عقيل : من تركه معتمدا بطلت صلاته وعليه الإعادة ، ومن تركه ناسيا لم يكن عليه شيء ، وقال أبو جعفر بن بابويه : القنوت سنّة واجبة ، من تركها متعمدا في كل صلاة فلا صلاة له(١) . ونقل بعض الأصحاب عن ابن أبي عقيل الوجوب في الجهرية(٢) .
إذا عرفت هذا فالأوّل : لا يدل على الوجوب ، والتأسّي يعطي الاستحباب في كل صلاة جهرية أو إخفاتية. وقد قيل : إنّه لا شك في رجحانه وإنّما الخلاف في وجوبه واستحبابه(٣) .
والثاني : كما ترى محتمل لأن يراد الإخبار عن رجحان القنوت في كل صلاة على سبيل الاستحباب أو الوجوب ، ويحتمل أن يراد الإخبار عن محله مع غير نظر إلى الرجحان والوجوب. ومع الاحتمال لا يقال : إنّه دالّ
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٨٩.
(٢) حكاه عنه في الذكرى : ١٨٣.
(٣) كما في مجمع الفائدة ٢ : ٢٩٨.
على الوجوب بفحواه.
أمّا الثالث : فالأمر يدل على الوجوب بناء على القول بذلك في الأمر شرعا. وقول أبي عبد اللهعليهالسلام : « أمّا ما جهرت فيه » إلى آخره. فيما أظن أنّ المراد به نفي الشك بالنسبة إلى أهل الخلاف ؛ لما يأتي في رواية أبي بصير(١) من قوله : « ثم أتوني شكاكا فأخبرتهم بالتقية » لكن هذا على تقدير العمل بالخبر الآتي ، وبدونه يمكن أن يستفاد الاستدلال بالخبر المبحوث عنه على قول ابن أبي عقيل المنقول من اختصاص الوجوب بالجهرية.
لكن لا يخفى أنّ نفي الشك في الجهرية يقتضي الشك في الوجوب في الإخفاتية ، والحال أنّ القائل بالجهرية جازم بالاستحباب في غيرها ، فتمام الشك مشكل. وقد يقال : إنّ نفي الشك في الوجوب كما يتحقق نفيه بالشك في الوجوب يتحقق بالاستحباب. أو يقال : إنّ الشك في الوجوب يقتضي نفي الوجوب ، والاستحباب يتحقق حينئذ بالدليل من الأخبار مع الشهرة في الجملة.
ومن هنا يعلم أنّ ما ذكره بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من : أنّ الحديث عند القائل بوجوب القنوت في الجهرية محمول على [ النهي عن الشك ](٢) في وجوبه ، إذ لا يمكن حمله على [ النهي عن ](٣) الشك في استحبابه ، لاقتضائه بمعونة المقام وذكر « أمّا » التفصيلية عدم استحباب القنوت في الإخفاتية ، وهو خلاف الإجماع. ثم قال : لكنّك خبير بأنّ
__________________
(١) انظر ص ٣٠٤.
(٢) ما بين المعقوفين في النسخ : نفي الشك ، وما أثبتناه من المصدر.
(٣) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.
الحمل على النهي عن الشك في تأكّد الاستحباب لا محذور فيه(١) . محل تأمّل.
على أنّ ذكر الشك من الإمامعليهالسلام لو لا الحمل على التقية لا يخلو من غموض ، فإنّ أحكامهمعليهمالسلام صادرة عن الوحي ، فربما يتأيّد الحمل على التقية ، غاية الأمر أنّ المعروف من أهل الخلاف خلاف ذلك ، وهذا لا يضرّ بالحال ؛ لاختلافهم في المقام كما يظهر من آثارهم(٢) ، على أنّ ما يجهر فيه في الجملة كاف في التقية ، وهو عندهم محقق في بعض ما يجهر فيه.
والرابع : له دلالة على الجهرية ، لكن احتمال إرادة بيان المحل كما قدمناه ، والحمل على ( ذكر )(٣) ما يتأكد الجهر فيه ممكن لو كان المقصود بيان القنوت لا محله ، أو هما على تقدير ثبوت ما يدل على الاستحباب وستسمعه.
وما تضمنه من أنّ القنوت في الوتر في الثالثة. محتمل لإرادة الاختصاص بالثالثة احتمالا ظاهرا. واحتمال كونه في الثالثة مع كونه في الثانية أيضا للخبر الأخير الدالّ على أنّه في كل ركعتين من الفريضة والتطوع ، لا يخلو من بعد ؛ ويؤيّد ذلك أنّ الوتر اسم للثلاث ركعات في الأخبار ، لا ما ظنه الشيخ في المصباح : من أنّه اسم للواحدة(٤) . وإذا كان اسما للثلاث فما دل على الركعتين من التطوع يستفاد منه غير الوتر ؛ لأنّ الوتر إذا كان اسما للثلاث فكأنّه قيل : إنّ قنوته في الثالثة ، وإلاّ لقيل : فيه
__________________
(١) الحبل المتين : ٢٣٤.
(٢) انظر المغني والشرح الكبير ١ : ٨٢٣ ، إرشاد الساري ٢ : ٢٣٣ ، الإنصاف ٢ : ١٧٠ و ١٧١.
(٣) ليست في « رض ».
(٤) مصباح المتهجد : ١٣٣.
قنوتان ، فليتأمّل.
(والخامس : يدل على القنوت في الجهرية وربّما دل على الانحصار لكن قد علمت نقل الإجماع على عدمه ، ودلالته على الوجوب محتملة )(١) .
والسادس : يدل على أنّ في الجمعة قنوتين ، لكن قد سمعت السند.
وما عساه يقال : إنّ الظاهر من الخبر التقية في الأوّل. مع عدم معلومية القائل.
فيه : أنّه بالدلالة على ثبوت القنوت في الجهرية أولى منه على النفي.
ويمكن أن يستدل على التعدد في الجمعة بما ذكرناه في كتاب معاهد التنبيه من أنّ الصدوق(٢) روى ما يدل على التعدد صحيحا ، لكن لم يعمل به لتفرد حريز به عن زرارة كما هي عادة المتقدمين من عدم العمل بالخبر الخالي من القرائن ، وهذا لا يضر بحال المتأخرين المكتفين بالخبر الصحيح ؛ إذ الطريق إلى حريز لا ريب فيه ، غاية الأمر أنّ في متن الخبر نوع شك وضرورة(٣) محلّ تأمّل ، ويتضح الأمر بمراجعته هناك.
والسابع : يدل على ما نقل عن ابن أبي عقيل ، لكن فيه زيادة الوتر ؛ ويمكن أن يوجّه عدم نفيها للوجوب بخروجها بالإجماع على نفي الوجوب في الوتر. وفيه استبعاد تغاير الأحكام في الخبر الواحد ، لكنه محلّ تأمّل.
__________________
(١) ما بين القوسين في النسخ كان مكتوبا بين قوله : ستسمعه ، وقوله : وما تضمّنه ، والصواب ما أثبتناه.
(٢) الفقيه ١ : ٢٦٦ / ١٢١٧.
(٣) كذا في النسخ ، والأولى : وضرورة.
نعم ربّما يقال : إنّ الخبر بتقدير صحته يدل على أنّ من ترك القنوت رغبة عنه لا مجرد الترك لكونه مستحبا ، وحينئذ يراد بالرغبة هجر الحكم الشرعي.
وفيه : أنّ الرغبة عن الشيء لا تدل على الهجر المذكور ، غير أنّ عدم الصحة يسهل الخطب بالنسبة إلى الخبر ، وأمّا غيره فقد علمت الحال فيه.
ونقل بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ عن الشهيدرحمهالله في الذكرى : أنّه استدل للقائل بوجوب القنوت بصحيح زرارة قال : قلت لأبي جعفرعليهالسلام : ما فرض الله من الصلاة؟ قال : « الوقت والطهور والركوع(١) والسجود والقبلة والدعاء والتوجّه » قلت : فما سوى ذلك؟ قال : « سنّة في فريضة »(٢) . قالرحمهالله : ولا قائل بوجوب دعاء في الصلاة سواه.
وبموثق عمّار ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إن نسي الرجل القنوت في شيء من الصلوات حتى يركع فقد جازت صلاته وليس له شيء ، وليس عليه أن يدعه متعمّدا »(٣) .
وبرواية وهب السابقة ، وبقوله عز وجل( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) (٤) وقد ذكر جماعة أنّ المراد به : داعين.
ثم أجابقدسسره عن الأوّل : بجواز حمل الدعاء على القراءة وباقي الأذكار الواجبة فإنّ فيها معنى الدعاء. وعن الثاني : بالحمل على المبالغة في تأكد الاستحباب. وعن الثالث : أنّ المنفي كمال الصلاة ، والرغبة عنه أخص
__________________
(١) في « رض » و « م » : الوقت والركوع.
(٢) التهذيب ٢ : ٢٤١ / ٩٥٥.
(٣) التهذيب ٢ : ٣١٥ / ١٢٨٥.
(٤) البقرة : ٢٣٨.
من الدعوى. وعن الآية : بأنّ معنى( قانِتِينَ ) مطيعين ، ولو سلّم أنّه بمعنى القنوت فلا دلالة فيه على الوجوب لأنّه أمر مطلق ، ولو دل لم يدل على التكرار ؛ ولأنّ الصلاة مشتملة على القراءة والأذكار وفيها معنى الدعاء فيتحقق الامتثال بدون القنوت. انتهى(١) .
واعترض عليه الناقل ـ سلّمه الله(٢) ـ بما ذكرناه في فوائد التهذيب ، وما ذكرناه قد يتوجه في المقام ، وحاصل الأمر : أمّا(٣) الاعتراض فلأنّ شيئا من القراءة وأذكار الركوع والسجود لا يسمّى في العرف دعاء ، وأيضا فقد دل الحديث على أنّ الدعاء الواجب في الصلاة ثبت في القرآن ووجوب القراءة وذكر الركوع والسجود لم يثبت بالقرآن. والثاني والثالث تكلف. والآية يمكن أن يقال فيها : إنّ الحديث دل على تضمن القرآن الأمر بالدعاء في الصلاة أعني القنوت ، ولا دلالة في شيء من الآيات على وجوب القنوت سوى هذه الآية فيكون القنوت فيها بمعنى الدعاء. وقوله : إنّ الأمر مطلق. لا يخفى ما فيه ؛ وقوله : إنّه لا يدل على التكرار. فيه : أنّ كل من قال بالوجوب قال بالتكرار.
وحاصل ما خطر في البال أوّلا : أنّ الخبر الصحيح عن عبيد بن زرارة دل على أنّ الفاتحة تحميد ودعاء(٤) ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ، على أن منع كون أذكار السجود والركوع دعاء لا يضر بالحال ؛ لأنّ المجيب مانع ، فيكفيه جواز إرادة الدعاء من القراءة والأذكار ولا يحتاج إلى
__________________
(١) الحبل المتين : ٢٣٦.
(٢) انظر الحبل المتين : ٢٣٧.
(٣) في « رض » : أن.
(٤) التهذيب ٢ : ٩٨ / ١٣٦.
المعلومية ليطلب منه إثباتها.
وما عساه يقال : من عدم الصدق عرفا فكذا في الشرع واللغة ؛ لأصالة عدم النقل.
ففيه : أنّ أصالة عدم النقل إنّما تثمر الظن وهو لا ينافي التجويز.
إلاّ أن يقال : إنّ الظن كاف في الأحكام الشرعية ، ولو منع التجويز لم يتم دليل فالتجويز لا يضر بالحال.
وفيه : أنّ الظن(١) حينئذ مرجعه إلى الاستصحاب فهو استدلال غير مناف لكلام المجيب ، وفيه شيء يطلب من الحاشية.
ثم إنّ العرف في المقام غير واضح الاطراد ، لكن الجواب عنه غير بعيد.
وما ذكر من دلالة الخبر ففيه : أنّ عدم الثبوت عندنا لا ينفي(٢) الثبوت مطلقا إلاّ بأصالة(٣) عدم النقل. وفيه ما فيه. نعم في خبر صحيح أنّ القراءة سنّة(٤) ، فالأولى التعلق به ، وعدم التنبيه له مع ذكره غريب.
وأمّا التكلف فغير ظاهر ، وبتقديره مع المعارض لا مانع منه ، والرغبة عن الشيء ينبئ عن الظهور المذكور.
وما ذكر من أنّه لا دلالة في شيء من الآيات على وجوب القنوت ، يشكل بقوله( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) وما ذكر من جهة الأمر وإطلاقه ، فيه : أنّ الشهيدرحمهالله لا يخفى عليه مثل هذا ، بل مراده على الظاهر أنّ الأمر
__________________
(١) في « رض » زيادة : فيه.
(٢) في « فض » و « م » زيادة : عدم.
(٣) في « فض » و « م » : بالأصالة.
(٤) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩١ ، التهذيب ٢ : ١٥٢ / ٥٩٧ ، الوسائل ٦ : ٩١ أبواب القراءة ب ٢٩ ح ٥.
بالقيام لله غير(١) مقيد بالصلاة الواجبة ، وإذا لم يقيد لا يدل على الوجوب بخصوصه.
وما ذكر من عدم دلالة القرآن على أذكار السجود والركوع ، فيه : أنّ بعض الأخبار السابقة في الأذكار دالّة على أنّها فرض ، وهو يعطي ثبوته من القرآن.
(٢) وما ذكر من أنّ القراءة لم تثبت من القرآن ، فيه : أنّ الأولى أن يقال : قد ثبت نفيه لما تضمنه الحديث الصحيح من أنّ القراءة سنّة.
ويبقى في المقام أمور مذكورة في الفوائد المشار إليها من أرادها وقف عليها.
والذي يظهر من الصدوق في الفقيه الاستدلال بالآية الشريفة ، لأنّه قال : والقنوت سنّة واجبة ، فمن تركها معتمدا في كل صلاة فلا صلاة له ، قال الله عزّ وجلّ( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) يعني مطيعين داعين(٣) .
وعلى هذا لا مجال لإنكار معنى الدعاء في القنوت ، لأنّ قوله : يعني ، يدل على الجزم ، والاشتراك لغة ينافي ذلك. إلاّ أن يقال : إنّه اجتهاد ، وفيه ما فيه. إلاّ أنّ ما ذكره الشهيدرحمهالله من أنّ معنى الآية مطيعين فقط محل كلام ، لأنّ الصدوق ثبت في النقل. نعم ما ذكره الشهيدرحمهالله من احتمال الدعاء لغير القنوت ممكن. ولا يبعد أن يكون الصدوق وقف على تفسير الآية بوجه كاف ، إلاّ أنّ في الاكتفاء به [ كلاما ](٤) .
__________________
(١) في النسخ : غيره ، والصحيح ما أثبتناه.
(٢) في « فض » زيادة : وقوله.
(٣) الفقيه ١ : ٢٠٧.
(٤) ما بين المعقوفين في « رض » : نكره ، وفي « فض » و « م » : كلّها ، والظاهر ما أثبتناه.
وفي المختلف نقل احتجاج ابن بابويه بالآية ، وأجاب بالمنع من إرادة صورة النزاع ، إذ ليس فيه دلالة على وجوب القنوت في الصلاة ، أقصى ما في الباب وجوب الأمر بالقيام لله إن قلنا بوجوب المأمور به ، وكما يتناول الصلاة كذا غيرها ، سلّمنا وجوب القيام في الصلاة لكنّها يحتمل وجوب القنوت ويحتمل وجوب القيام حال القنوت وهو الظاهر من مفهوم الآية ، وليس دلالة الآية على وجوب القيام الموصوف بالقنوت بأولى من دلالتها على تخصيص الوجوب بحالة القيام ، بل دلالتها على الثاني أولى لموافقتها بالبراءة الأصلية(١) . انتهى.
ولقائل أن يقول : إنّ الأمر إذا كان للوجوب دلّت الآية على وجوب القيام حال الدعاء ، ولا يجب إلاّ في الصلاة فيكون الدعاء واجبا. وقد يجاب : بأنّ الدعاء لا يتعين في القنوت لما سبق من احتمال غيره. وفيه : أنّ الدعاء في الصلاة لا يتعين وجوب القيام له مطلقا.
والحق أنّ الوجوب في الأمر محل تأمّل ، لما ذكرناه في فوائد التهذيب من : أنّ سياق الآية يقتضي إمّا الندب أو الاشتراك بينه وبين الوجوب ، والترجيح للوجوب مشكل ، فأصالة البراءة لا مخرج عنها.
أمّا ما قاله العلاّمةرحمهالله : من وجوب القيام لله. فقريب ، إذ لا قائل بالوجوب في غير الصلاة. ثم تسليمه وتجويز القيام الواجب مع عدم وجوب القنوت مشكل ، فإنّ المستحب كيف يجب له القيام إلاّ على سبيل الشرطية.
أمّا قوله : وليس دلالة الآية ، إلى آخره. فلم يظهر لي دلالته على
__________________
(١) المختلف ٢ : ١٩٠.
مطلوبه إلاّ بتكلف إرادة نفس القيام من القنوت لا الدعاء ، فيراد بقوله : تخصيص الوجوب بحالة القيام ، الخضوع لله حالة القيام. وقوله : القيام الموصوف بالقنوت ، يريد به المشتمل على الدعاء.
وغير خفي أنّ الكلام الواقع عقيب التسليم يقتضي أنّ القيام لله في الصلاة واجب ، لكنّه يحتمل وجوب القنوت ويحتمل وجوب القيام حال القنوت ، وهذا كما ترى يدل على إرادة الدعاء لا مجرد القيام.
وقوله : ليس دلالة ، إلى آخره. إن كان من تتمة السابق ففيه منافاة له من حيث دلالة الأخير على أنّ نفس القيام قنوت بمعنى الخضوع ، ولو أريد الدعاء في الأخير لم يتم الفرق إلاّ بأن يراد بالتخصيص كون القيام قنوتا بمعنى الخضوع ، وسيجيء من كلام اللغة ما يعطي أنّه يقال على القيام : قنوت(١) . فيمكن حمل كلامه على القيام ، إلاّ أنّه لا يتم على الإطلاق ، فليتأمّل.
قوله :
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن صالح ، عن عبد الملك بن عمرو قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القنوت قبل الركوع أو بعده ، قال : « لا قبله ولا بعده ».
وعنه عن البرقي ، عن سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، قال : سألته عن القنوت ، هل يقنت في الصلاة كلّها أم
__________________
(١) انظر ص ٣٠٧.
فيما يجهر فيها بالقراءة؟ قال : « ليس القنوت إلاّ في الغداة والوتر والجمعة والمغرب ».
وروى سعد ، عن أبي جعفر ( أحمد بن محمد )(١) ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن يونس بن يعقوب قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القنوت في أيّ الصلوات أقنت؟ قال(٢) : « لا تقنت إلاّ في الفجر ».
فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على أنّه ليس في هذه الصلوات القنوت على جهة الفضل وتأكد الندب على الحد الذي ثبت في غيرها من الصلوات التي يجهر فيها ثم بعد ذلك في الفرائض ، لأنّ القنوت في الصلوات يترتّب فضله ، فالقنوت(٣) في الفرائض أفضل منه في النوافل ، وفيما يجهر فيه من الفرائض أفضل ممّا لا يجهر فيه ، وصلاة المغرب والفجر من بين ما يجهر فيه أشد تأكيدا في هذا الباب.
وإذا حملنا الأخبار على هذه الوجوه ثبت لكل واحد منها وجه صحيح لا ينافي ما عداه ، ويجوز أن يكون أنّ ما نفوا عن بعض الصلوات القنوت وخصّوا به(٤) بعضا لضرب من التقية والاستصلاح ، لأنّ من العامّة من يذهب إلى ذلك. والذي يدل على ذلك :
ما رواه علي بن مهزيار ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : « قال أبو جعفر عليهالسلام في القنوت : إن شئت فاقنت وإن
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ٩١ / ٣٣٩ والاستبصار ١ : ٣٤٠ / ١٢٨٠ لا يوجد : أحمد بن محمّد.
(٢) في التهذيب ٢ : ٩١ / ٣٣٩ والاستبصار ١ : ٣٤٠ / ١٢٨٠ : فقال.
(٣) في النسخ : والقنوت ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٤٠ / ١٢٨٠.
(٤) في النسخ لا يوجد : به ، أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٤٠ / ١٢٨٠.
شئت فلا تقنت » قال أبو الحسن : « وإذا كانت التقية فلا تقنت ، وأنا أتقلد هذا ».
وروى محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن فضّال ، عن ابن بكير ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القنوت؟ فقال : « فيما يجهر فيه(١) » قال : فقلت له : إنّي سألت أباك ، فقال : في الخمس كلها ، فقال : « رحم الله أبي ، إنّ أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق ، ثم أتوني شكّاكا فأخبرتهم بالتقية ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد الجوهري ، عن أبان بن عثمان ، عن إسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « القنوت قبل الركوع وإن شئت فبعده ».
فالوجه في قولهعليهالسلام : « وإن شئت فبعده » أن نحمله على حال القضاء لمن فاته في موضعه ، أو حال التقية لأنّه مذهب بعض العامّة.
السند :
في الأوّل : فيه عبد الملك بن عمرو ، ولم نقف على ما يقتضي مدحه فضلا عن التوثيق. وما رواه الكشي عن حمدويه ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن صالح ، عن عبد الملك بن عمرو قال : قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : « إنّي لأدعو لك حتى اسمّي دابتك »(٢) فيه : أنّه ينتهي في الشهادة إلى نفسه ، وقول جدّيقدسسره في فوائد الخلاصة : إنّه ملحق
__________________
(١) في التهذيب ٢ : ٩٢ / ٣٤١ والاستبصار ١ : ٣٤٠ / ١٢٨٢ زيادة : بالقراءة.
(٢) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٠ ، وفيه : لأدعو الله.
بالحسن(١) . لا أعلم وجهه بعد أن قال : إنّه شهادة لنفسه ، ثم قال : مع ذلك فهو مرجّح بسبب المدح. وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ مذكور مهملا(٢) .
أمّا جميل بن صالح فالذي في النجاشي : جميل بن صالح الأسدي ثقة وجه ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهماالسلام ، ذكره أبو العباس في كتاب الرجال(٣) . وهذا كما ترى قد يحتمل أنّ الذكر من أبي العباس للجميع من التوثيق والرواية ، كما يحتمل العود للرواية. وأبو العباس يقال لابن عقدة وابن نوح كما سبق ذكره من جدّيقدسسره في موضع آخر اتفق مثله ، وابن عقدة معلوم الحال ، وكان شيخنا ـ أيّده الله ـ يقول : إنّ الظاهر كونه ابن نوح ، لأنّه شيخ النجاشي(٤) . فالاعتناء بقوله أظهر ، وفيه نوع تأمّل. وبتقديره في ابن نوح كلام يعرف من الرجال(٥) ، غير أنّ الظاهر من العبارة العود إلى الرواية للقرب ، فليتأمّل.
والثاني : فيه البرقي ، وقد تكرر القول فيه(٦) .
والثالث : موثق على ما مضى(٧) في ابن فضال وابن يعقوب ، وفيه دلالة على أنّ أبا جعفر أحمد بن محمّد بن عيسى كما سبق نقله عن العلاّمة في الخلاصة(٨) ، حيث قال : إنّ كلما رواه الشيخ عن سعد عن أبي جعفر
__________________
(١) حكاه عنه في حاوي الأقوال ٤ : ١٢٤.
(٢) رجال الطوسي : ٢٦٦ / ٧١٤.
(٣) رجال النجاشي : ١٢٧ / ٣٢٩.
(٤) منهج المقال : ٣٩ ، ٤٧ ، ٣٩٠.
(٥) رجال النجاشي : ٨٦ / ٢٠٩ ، الفهرست : ٣٧ / ١٠٧.
(٦) راجع ج ١ : ٩٥.
(٧) في ج ٤ : ٣٧٩.
(٨) راجع ج ١ : ١٧١.
فهو أحمد بن محمّد(١) . وإن كان ما نحن فيه ليس بكلي إلاّ أنّه مؤيد ، وذكرنا سابقا(٢) أنّ في الكافي ما يدل على أنّ أبا جعفر إذا روى عنه سعد لا يتعين كونه أحمد بن محمّد لتفسيره بغيره.
والرابع : لا ارتياب فيه ، وأحمد بن محمّد هو ابن أبي نصر لما صرح به في التهذيب(٣) .
والخامس : معروف الرجال بما تكرر من المقال(٤) .
والسادس : فيه القاسم بن محمّد الجوهري وهو معروف الحال أيضا.
وأمّا إسماعيل الجعفي فهو وإن كان مشتركا(٥) بين ابن عبد الرحمن وبين ابن جابر ، والأوّل لا أعلم توثيقه والمدح ربّما يستفاد من الرجال في الجملة ، وابن جابر فيه كلام تقدم(٦) ، والحاصل أنّ الشيخ وثقه في رجال الباقرعليهالسلام من كتابه(٧) ، لكن لا يبعد أن يكون ابن جابر ، لأنّ النجاشي قال : إنّه روى حديث الأذان(٨) . والمروي في الأذان عنه رواية أبان بن عثمان ، وقد مضى في أوّل الكتاب الإشارة إلى ذلك وفي الجزء الثاني منه أيضا ، فليتدبّر.
أمّا معمّر ففيه اشتراك بين من وثق في الخلاصة(٩) ومن ذكر مهملا
__________________
(١) خلاصة العلاّمة : ٢٧١.
(٢) راجع ج ١ : ١٧١.
(٣) التهذيب ٢ : ٩١ / ٣٤٠.
(٤) راجع ج ١ : ٧٣ ، ١٣٠.
(٥) انظر منهج المقال : ٥٦ و ٥٧.
(٦) في ج ٢ : ٤٣٥.
(٧) رجال الطوسي : ١٠٥ / ١٨.
(٨) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.
(٩) خلاصة العلاّمة : ١٦٩ / ٢.
في رجال الصادق والباقرعليهماالسلام من كتاب الشيخ(١) .
المتن :
ينبغي أن يعلم قبل الكلام فيه أنّ بعض محققي الأصحاب نقل أنّ القنوت لغة يطلق على معان خمسة : الدعاء والطاعة والسكون والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام ، وفي الشرع على الدعاء في أثناء الصلاة في محل معيّن ، سواء كان معه رفع اليدين أم لا ، ولذلك عدّوا رفعهما من مستحبات القنوت ، وربّما يطلق على الدعاء مع رفع اليدين وعلى رفع اليدين حال الدعاء. انتهى(٢) .
ولا يخفى أنّ المتبادر من الشرع عند الشارع ، واستحباب رفع اليدين إن كان في كلامه أفاد ما ذكره ، وإن كان من كلام المتشرعة ففيه ما فيه.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف ذكر في أدلّة الاستحباب الخبر الأوّل واصفا له بالصحيح ، وهو أعلم بوجهه. ثم قال : لا يقال : هذا الحديث متروك بالإجماع ، لأنّ الإمامية اتفقت على استحبابه أو وجوبه قبل الركوع ، والحديث الذي استدللتم به يقتضي نفي التعبد به قبل الركوع وبعده. لأنّا نقول : لا نسلّم أنّه متروك بل نحن نقول بموجبه ، إذ نفي التعبد به متروك بالإجماع على ما بيّنتم ، فيحمل النفي على إرادة نفي الوجوب ، إذ لا يمكن حمله إلاّ عليه(٣) . انتهى ، ولما ذكره وجه.
وعدم تعرض الشيخ للخبر لا يخلو من غرابة ، وما ذكره في الأخبار
__________________
(١) رجال الطوسي : ٣١٥ / ٥٦٩.
(٢) الحبل المتين : ٢٣٤.
(٣) المختلف ٢ : ١٩٠.
على الإجمال لا يتناول هذا إلاّ بتكلف ظاهر.
والثاني : كما ترى يدل على حصر القنوت فيما ذكر ، وفي خبر ابن مسكان السابق ضميمة العشاء. وحمل الشيخ الأوّل لا يخفى عدم وضوحه سيّما في هذا الخبر ، أمّا التقية فلها وجه ، ويؤيّدها الثالث.
وما قاله من النوافل بعيد الاستفادة من إطلاق الأخبار ، إذ الانصراف إلى النافلة محل كلام.
وتقييده بما يجهر فيه من الفرائض غير ظاهر الوجه بتقدير شمول الأخبار للنوافل ، فإنّ بعضها تضمن السؤال عن جميع الصلوات ، والجواب دل على أفضلية القنوت فيما يجهر فيه على ما ذكره الشيخ.
والرابع : في دلالته على التقية خفاء ، لأنّ ما تقدم(١) من الشيخ اقتضى حمل الأخبار كلها ، وقد اشتملت على إطلاق وتقييد ، وظاهر الخبر المستدل به أنّه مع التقية لا قنوت مطلقا ، وصدر الخبر المبحوث عنه كما ترى يدل على التخيير في القنوت وعدمه ، وبمعونة ذلك إذا حمل على بيان الجواز يدل على أنّه مع التقيّة لا يجوز القنوت مطلقا. ولعلّ الأولى حمل القنوت في الخبر على رفع اليدين ليتم صدره وعجزه ، إذ مع التقية لا مانع من الدعاء بخلاف رفع اليدين ، وإن كان عند المخالفين القنوت برفع اليدين في الجملة لا مانع منه إلاّ أنّه يجوز كون الترك أبلغ في البعد عن التهمة.
أمّا ما تضمنه الخبر من قوله : قال : « قال أبو جعفرعليهالسلام » ثم قولهعليهالسلام : « وأنا أتقلد هذا » بعيد المرام ، وهمعليهمالسلام أعلم بمقاصدهم.
وقد ذكرت في فوائد الكتاب نوع كلام في حمل الخبر على رفع
__________________
(١) في ص ٣٠٣.
اليدين ، والحاصل أنّ قولهعليهالسلام : « وأنا أتقلد هذا » يدل على أنّ المتروك لا يخلو من خطر ، فلو كان المراد به ( رفع اليدين فالترك لا خطر فيه ليحتاج إلى ما قالهعليهالسلام ، بخلاف ما إذا كان المراد به )(١) الدعاء ، فإنّ احتمال الوجوب يقتضي التعبير بما ذكره ، فليتأمّل.
(فإن قلت : القائل : « وأنا أتقلد هذا » الإمام أو أحمد بن محمّد؟
قلت : كل محتمل ، ولكن(٢) ما ذكرناه بناء على احتمال ظهور كونه من الإمامعليهالسلام ، وقد يحتمل أبو الحسن أن يكون علي بن مهزيار فيندفع بعض المحذور ، ولكن سيأتي ما ينفيه )(٣) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه ورد في معتبر الأخبار الأمر بالقنوت في كل صلاة فريضة ونافلة صريحا ، وأمّا خصوص القنوت ففي بعض(٤) معتبر الأخبار بعد السؤال عما يقال في القنوت : « ما قضى الله على لسانك ، ولا أعلم فيه شيئا موقّتا » وفي بعضها ما يقتضي أنّه يجزئ فيه : « اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا في الدنيا والآخرة إنّك على كل شيء قدير ».
وذكر بعض محقّقي الأصحاب ـ سلّمه الله ـ أنّ المنفي في الأوّل الموظف المنقول عن النبيصلىاللهعليهوآله (٥) . وله وجه ، ولو حمل على عدم الموظف المعين بحيث لا يجزئ غيره ( في الفضل )(٦) أمكن.
وفي الفقيه روى عن الحلبي في الصحيح أنّه سأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٢) في « فض » : وكلّ.
(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٤) ليست في « فض » و « م ».
(٥) البهائي في الحبل المتين : ٢٣٥.
(٦) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».
القنوت فيه قول معلوم؟ فقال : « أثن على ربك وصلّ على نبيك واستغفر لذنبك »(١) ولعلّ الجواب يفيد عدم التعين(٢) ، وإنّما ذكرعليهالسلام ما ذكره على وجه الإعلام باختيار الأكمل ، وإن كان ظاهر السؤال عن المعلوم والجواب مطابق له ، هذا.
وفي معتبر الأخبار : أنّ القنوت كلّه جهار(٣) ، وحمله بعض الأصحاب على غير المأموم(٤) ، وكأنّه لما ورد في الأخبار من أنّه لا يسمع الإمام شيئا(٥) .
وأمّا رفع اليدين مضمومة الأصابع إلاّ الإبهام وبسط الكف وجعله إلى السماء محاذيا للوجه ، ففي رواية(٦) موجود ، وعدم إمرار اليد على الوجه آخره لرواية تضمنت النهي عنه(٧) .
قوله :
باب وجوب التشهد وأقل ما يجزئ منه
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن العباس بن معروف ، عن علي بن مهزيار ، عن حماد (٨) ، عن حريز بن عبد الله ، عن زرارة قال : قلت
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢٠٧ / ٩٣٣ ، الوسائل ٦ : ٢٧٨ أبواب القنوت ب ٩ ح ٤.
(٢) في « م » : التعيين.
(٣) الفقيه ١ : ٢٠٩ / ٩٤٤ ، الوسائل ٦ : ٢٩١ أبواب القنوت ب ٢١ ح ١.
(٤) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٣٠٣.
(٥) انظر الوسائل ٨ : ٣٩٦ أبواب صلاة الجماعة ب ٥٢.
(٦) دعائم الإسلام ١ : ٢٠٥ ، مستدرك الوسائل ٤ : ٤٠٩ أبواب القنوت ب ٩ ح ١.
(٧) الاحتجاج : ٤٨٦ ، الوسائل ٦ : ٢٩٣ أبواب القنوت ب ٢٣ ح ١.
(٨) في الاستبصار ١ : ٣٤١ / ١٢٨٤ زيادة : بن عيسى.
لأبي جعفرعليهالسلام : ما يجزئ من القول في التشهد في الركعتين الأوّلتين؟ قال : « أن يقول(١) : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له » قلت : فما يجزئ ( من تشهد الركعتين )(٢) الأخيرتين؟ فقال : « الشهادتان ».
محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن الحجال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن يحيى بن طلحة ، عن سورة بن كليب قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن أدنى ما يجزئ في(٣) التشهد ، قال : « الشهادتان ».
أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن سعد بن بكر ، عن حبيب الخثعمي ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : سمعته يقول : « إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله وأثنى عليه أجزأه ».
عنه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : قلت لأبي الحسنعليهالسلام : جعلت فداك التشهد الذي في الثانية يجزئ أن أقوله في الرابعة؟ قال : « نعم ».
فأمّا ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن منصور بن حازم ، عن بكر بن حبيب قال : سألت أبا جعفرعليهالسلام عن التشهد ، فقال : « لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا ، إنّما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون ، إذا حمدت الله أجزأك ».
فالوجه في هذا الخبر أنّ نفي الوجوب إنّما توجه إلى ما زاد
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٤١ / ١٢٨٤ : تقول.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٤١ / ١٢٨٤ : من التشهّد في الركعتين.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٤١ / ١٢٨٥ : من.
على الشهادتين ؛ لأنّ ذلك مستحب وليس بواجب مثل الشهادتين.
والذي يدل على ذلك :
ما رواه أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب الخزّاز ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : التشهد في الصلاة ، قال : « مرّتين » قال : قلت : كيف مرّتين؟ قال : « إذا استويت جالسا تقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم تنصرف » قال : قلت : قول العبد : التحيات لله والصلوات الطيبات لله ، قال : ( هذا اللطف (١) من الدعاء ، يلطّف العبد ربه ».
السند
في الأوّل : واضح بعد ما قدمناه في محمّد بن قولويه(٢) .
والثاني : فيه الحجّال ، والمعروف به عبد الله بن محمّد الثقة ، غير أنّ رواية محمّد بن يحيى العطار عنه في الظن أنّها غير معقولة ؛ لأنّ الحجال من أصحاب الرضاعليهالسلام في كتاب الشيخ(٣) ، والراوي عنه في الفهرست سعد بن عبد الله عن الحسن بن علي الكوفي عن الحجال(٤) ، فكيف يروي عنه محمد بن يحيى؟! واللازم من تعمير الحجال عدم اختصاصه بالرضاعليهالسلام . ولا يبعد أن يكون الحجال غير عبد الله بن محمّد ، وفي
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٤٢ / ١٢٨٩ : هذا اللفظ.
(٢) راجع ج ١ : ١١٤.
(٣) رجال الطوسي : ٣٨١ / ١٨.
(٤) الفهرست : ١٠٢ / ٤٢٨.
التهذيب كما هنا(١) ، وذكر النجاشي أنّ الراوي عن ثعلبة بن ميمون عبد الله بن محمد الحجال ( المزخرف(٢) ، وهو يعيّن الاتحاد ، والخلل في رواية محمّد بن يحيى عنه. وأمّا يحيى بن طلحة فلم أقف عليه في الرجال )(٣) . وسورة بن كليب لا يزيد على الإهمال.
والثالث : فيه سعد بن بكر ، وهو مجهول الحال. وأمّا حبيب الخثعمي ففي الرجال بهذا العنوان في الفهرست ، والراوي عنه ابن أبي عمير(٤) ، وفي رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ حبيب الأحول الخثعمي(٥) ، والرجلان مهملان. وفي النجاشي حبيب بن المعلل الخثعمي ثقة ثقة صحيح له كتاب رواه محمّد بن أبي عمير(٦) . ولا يخفى أنّ اتحاده مع من في الفهرست واضح. أمّا الأحول فغير معلوم.
ثم إنّ الرواية هنا بواسطة بين ابن أبي عمير وبين حبيب ، والأمر سهل.
وفي النجاشي أنّه روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن والرضاعليهمالسلام ، والرواية كما ترى عن أبي جعفرعليهالسلام ، وهذا يقتضي روايته عن أربع من الأئمّة ، فلا يبعد أن يكون اقتصار النجاشي يوجب نوع ارتياب في الرواية هنا ، والشيخ في رجال الصادقعليهالسلام ذكر حبيب بن المعلل الخثعمي مهملا(٧) .
__________________
(١) التهذيب ٢ : ١٠١ / ٣٧٥.
(٢) رجال النجاشي : ١١٧ / ٣٠٢.
(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م » وفي « رض » بنقيصة : عنه ، وأمّا يحيى.
(٤) الفهرست : ٦٤ / ٢٤٣.
(٥) رجال الطوسي : ١٨٥ / ٣٤٤.
(٦) رجال النجاشي : ١٤١ / ٣٦٨.
(٧) رجال الطوسي : ١٧٢ / ١١٦.
والرابع : واضح.
والخامس : فيه عثمان بن عيسى وبكر بن حبيب ، والأوّل تكرر القول فيه(١) ، والثاني مهمل في الرجال(٢) .
والسادس : واضح الحال ؛ لما مضى في علي بن الحكم من المقال(٣) .
المتن :
في الأوّل : ظاهره الاكتفاء في التشهد الأوّل بالشهادة المذكورة ، والتشهد الثاني لا بدّ فيه من الشهادتين ، والتعريف فيهما كأنّه للمعهود الذهني ، ولو كان للخارجي أشكل بما لا يخفى.
ثم إنّ المعروف بين الأصحاب وجوب الشهادتين في التشهدين(٤) ، بل قال بعض الأصحاب : إنّه إجماعي فيما يظهر(٥) ، وعلى هذا فالتأويل في الخبر لا بدّ منه ، إمّا بما ذكره بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من احتمال اكتفائهعليهالسلام بما ذكر اعتمادا على التلازم العادي(٦) ، وإن كان فيه نوع تأمّل ؛ لأنّ ظاهر السؤال عما يجزئ في التشهد ، والجواب كما ترى يدل على أنّ هذا المذكور يجزئ ، والتلازم العادي غير معلوم ، وبتقديره يشكل
__________________
(١) راجع ج ١ : ٧١.
(٢) رجال الطوسي : ١٥٦ / ٢٨ ، رجال ابن داود : ٢٣٤ / ٨١ وفيه : بكر بن عبد الله بن حبيب.
(٣) راجع ج ١ : ٢٤٩.
(٤) كما في النهاية : ٨٣ ، الشرائع ١ : ٨٨ ، الروضة البهية ١ : ٢٧٦.
(٥) كما في مجمع الفائدة ٢ : ٢٧٤.
(٦) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٠.
اعتباره بل ينبغي التلازم الشرعي ، وأصالة عدم النقل لا وجه لها في المقام ، ولو قيل : إنّ التلازم في الشهادة بالرسالة للشهادة بالوحدانية ، أمكن ، لكن الأمر بالعكس ، غير أنّ التوجيه لا بدّ منه. وقد يحتمل أن يكون السائل عالما بالحال وإنّما السؤال عن كيفية الشهادة بالوحدانية ، وفيه الإشكال الأوّل لكن ربّما يقرب التوجيه.
وبالجملة : بعد عدم الخلاف لا بدّ من التوصل إلى التأويل وإن بعد ، وما عساه يظن من أنّ الشيخ قائل بمضمون الرواية حيث بدأ بها في أوّل الباب ، وقد قرر في أوّل الكتاب(١) ما يفيد الاعتماد على ما ينقله أوّلا ، فيه أوّلا : عدم الاطراد من الشيخ كما يعلم من ملاحظة الكتاب. وثانيا : إنّ في الأخبار الأوّلة ما يفيد اعتبار الشهادتين على الإطلاق ( وهو الثاني ، إلاّ أن يقال : إنّ مفاد الثاني أدنى ما يجزئ في التشهد ، وهو لا يخرج عن الإطلاق )(٢) والأوّل مقيد ، وفيه : احتمال تقييد الأوّل بالنسبة إلى التشهد الأوّل بالخبر الثاني ، وعلى كل حال مرام الشيخ غير ( معلوم ليحصل به تحقق الخلاف.
أمّا ما يقال في الخبرين : من دلالتهما على عدم وجوب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله )(٣) ففيه : أنّ الخبرين إنّما مورد السؤال فيهما عن التشهد ، والصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله خارجة عن حقيقته ، لأنّ التشهد تفعّل من الشهادة ، وهي الخبر القاطع.
وما يقال : من أنّ التشهد صار في قوة العلمية للمسموع من
__________________
(١) راجع ج ١ : ٢٤.
(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
الشهادتين والصلاة ، ففيه : أنّ الإطلاق بتقدير كونه حقيقة يجوز الخروج عنها للدليل إن ثبت ، وستسمعه(١) .
ثم إنّ الثاني كما ترى يدل على أنّ الشهادتين مجزئة على الإطلاق ، وفي الشهادة بالوحدانية يمكن تقييده بما تضمّنه الأوّل ، أمّا الشهادة بالرسالة فيمكن بقاء الإطلاق فيها ، فيؤتى بها بأيّ وجه كان ، كما قرّره بعض الأصحاب في كتب الفروع(٢) . ويمكن أن يقيّد بما رواه الشيخ في التهذيب ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان قال : حدثنا عبد الله بن بكير ، عن عبد الملك بن عمرو الأحول ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « التشهد في الركعتين الأوّلتين : الحمد لله ، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد ، وتقبّل شفاعته وارفع درجته »(٣) .
وهذا الحديث وإن كان عبد الملك فيه لا يخلو من كلام في صلاحية حديثه للاعتماد كما قدمناه عن قريب(٤) ، إلاّ أنّه بالنسبة إلى الشيخ يمكن ما قلناه وإلى غيره ممّن يظن في معنى الإجماع على تصحيح ما يصح عن الرجل أنّ ما بعده لا يضر بحال الصحة وإن ضعف يمكن أيضا بتقدير الاعتماد على الثاني ، وبدونه فالأوّل كاف في الحكم المذكور ، لأنّ فيه إطلاقا(٥) أيضا.
__________________
(١) في ص ٣٣٣.
(٢) الشهيد في الذكرى : ٢٠٤.
(٣) التهذيب ٢ : ٩٢ / ٣٤٤ ، الوسائل ٦ : ٣٩٣ أبواب التشهد ب ٣ ح ١.
(٤) في ص ٣٠٤.
(٥) في « رض » : إطلاقه.
والعجب من بعض محققي المعاصرين(١) ـ سلّمه الله ـ أنّه لم يذكر خبر عبد الملك في الصحاح ولا في غيرها ، بل ذكره في مقام التأييد لغيره ، والحال ما قد سمعت ، على أنّ الخبر الأوّل قد صرّح بأنّ الإطلاق فيه للمعروف من الشهادة ، وبتقدير الاعتماد على خبر عبد الملك يصير التقييد به واضحا ، فتكون العهديّة واضحة ، فليتأمّل.
وما عساه يقال : إنّ عبد الملك موصوف بالأحول ، والذي اعتمد على مدحه بل توثيقه في كلام بعض(٢) صريحا ـ وإن كان الظن أنّه موهوم ، لأنّه نقله عن الكشي وليس فيه ما يقتضيه ـ ليس فيه وصف الأحول ، لإمكان الجواب بأنّ الشيخ ذكر في رجال الصادقعليهالسلام عبد الملك بن عمرو الأحول(٣) ، والظاهر أنّه المذكور في الكشي(٤) .
وعلى كل حال بعد وجود ابن بكير عند القائل بما ذكرناه في معنى الإجماع لا عذر لترك ذكره. وقد وصفه جدّيقدسسره بالصحة في الروضة(٥) ، والحال ما ترى.
وما تضمنه الخبر المذكور من قوله : « التشهد » إلى آخره. يدل على أنّ لفظ الحمد لله من التشهد ، كما أنّ الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله مع إلهعليهمالسلام منه ، وكذلك وتقبل شفاعته ، إلاّ أنّ الإجماع أخرج الحمد لله وتقبل شفاعته ، وحينئذ يتأيّد ما قلناه عن قريب : من أنّ التشهد يقال للصلاة على محمّد وإله صلوات الله عليهم مع الشهادتين.
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٠.
(٢) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٧٣.
(٣) رجال الطوسي : ٢٦٦ / ٧١٤.
(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٠.
(٥) الروضة البهية ١ : ٢٧٦ ـ ٢٧٧.
هذا كلّه على تقدير العمل بالخبر ، وبدونه فإطلاق الأوّل يقتضي الإتيان بالشهادة بالرسالة كيف اتفقت ( بالضمير أو الظاهر أو التوزيع على )(١) نحو ما قرره البعض(٢) .
وأمّا الثالث : فالذي يظن منه أنّ الحمد والثناء فيه محمول على ما قبل التشهد ، ولو حمل على ظاهره كان واضح المنافاة لما تقدم ، مع عدم معلومية القائل به ، لكن الشيخ كما ترى حيث لم يذكره في المنافي ربما يستفاد منه القول به ، غير أنّ الاعتماد على الفتوى من الشيخ هنا محل تأمّل كما كررنا القول فيه.
والرابع : يدل ظاهرا على أنّ التشهد في الأوّل يجزئ في الثاني ، ولمّا كان الخبر الأوّل بظاهره دالاّ على الاكتفاء بالشهادة بالوحدانية ، ربّما يدل هذا الخبر المبحوث عنه على إجزائه في الثاني ، والأوّل لمّا تضمن الشهادتين في الثاني يمكن حمله على الأفضل ، لكن الإجماع المظنون من البعض أو الشهرة يقتضي أن يحمل الأوّل على معلومية الشهادة بالرسالة في كونها تابعة ، وحينئذ يفيد هذا الخبر أنّ في التشهد الأوّل الشهادتين ، لدلالة الخبر الأوّل عليهما ، وإن كان في البين نوع إشكال من حيث إنّ الظاهر كون التشهد الأوّل غير الثاني ، لكن عدم معلومية القائل يسهل الخطب.
وربّما يستفاد من هذا الخبر أنّ الصلاة على النبي وإلهعليهمالسلام في الثاني كالأوّل ، لدلالة خبر عبد الملك على أنّ في الأوّل الصلاة ، ودلالة هذا على المساواة ، وقد يشكل بأنّ ظاهر الخبر المبحوث عنه خلاف ذلك ، بل
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : والظاهر أن التوزيع ، وفي « م » : أو الظاهر أو التوزيع.
(٢) انظر ص ٣١٦.
السؤال عن أقل المجزي ، ويجاب : بأنّ أقلّ المجزي يتحقّق بترك المستحبات ونحو ذلك.
وقد اتفق لبعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه ذكر الخبر المبحوث عنه في المؤيّدات لوجوب الصلاة على النبي وإلهعليهمالسلام ، ولم يذكر في الصحاح ولا الحسان(١) . وهو غريب ؛ فإنّ الخبر هنا صحيح بلا ارتياب.
نعم في التهذيب ذكر قبله رواية عن محمّد بن يعقوب ثم قال : وعنه(٢) . وهو يوهم الإرسال ، ومراعاة هذا الكتاب تزيل الارتياب وتبيّن أنّ الضمير في التهذيب لأحمد ، وعلى كل حال فضميمة خبر عبد الملك لهذا الخبر يدل على أنّ في الثاني وتقبّل شفاعته كما فيه الحمد لله في أوّله. وما ورد في الخبر الحسن(٣) في باب الأذان في بيان صفة صلاة النبيصلىاللهعليهوآله في المعراج وأنّه قال في أوّل التشهد : « بسم الله » إلى آخره(٤) . لا ينافي هذا كما هو واضح.
وما في الفقيه من قوله : « بسم الله وبالله » إلى آخره. في التشهد الأخير والأوّل(٥) ، لا يضر بالحال ، لكن ذكره في الأخير فيه تأييد للرجحان فيه. والحمد لله في الأوّل حينئذ هو الأولى ، لما يقتضيه ظاهر خبر عبد الملك من كونه من التشهد ، كما أنّ وتقبل شفاعته كذلك ، غاية الأمر أنّ جواز
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٠.
(٢) التهذيب ٢ : ١٠١ / ٣٧٧.
(٣) في « رض » زيادة : في الكافي.
(٤) الكافي ٣ : ٤٨٢ / ١ ، علل الشرائع : ٣١٢ / ١ ، الوسائل ٥ : ٤٦٥ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١٠.
(٥) الفقيه ١ : ٢٠٩.
في الثاني يستفاد من الخبر المبحوث عنه ، فليتأمّل.
والخامس : فيما أظن أنّ المراد به دفع ما يقوله أهل الخلاف من التحيات قبل التشهد.
وقوله : « إنّما كان القوم » يراد بالقوم أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله .
وقوله : « إذا حمدت الله أجزأك » يؤيّد ما قلناه ، وكأنّهعليهالسلام أراد بيان أقل ما يجزئ قبل التشهد على وجه الاستحباب.
وقول الشيخ في الحمل على ما زاد على الشهادتين لا يأبى ما قلناه ، وإن كان المتبادر منه ما بعد الشهادتين. والخبر المستدل به أوضح شاهد على ما قلناه.
ثم إنّ الخبر المستدل به وهو السادس كما ترى يحتمل بالنسبة إلى قوله : « مرّتين » أن يريد به التشهد في الرباعية والثلاثية الأوّل والثاني. ويحتمل أن يراد بالمرّتين : أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله. وربّما يرجّح هذا أنّ ظاهر الحديث الانصراف بعد ما ذكره ، ولا يتم إلاّ في الثنائية ، وقد يستفاد منه أنّ التشهد إذا كان هذا فما دل على التشهدين يحمل على المذكور.
وربّما يقال : إنّ قوله في الخبر : « ثم تنصرف » يراد به الانصراف من التشهد ، كما يلزم القائل بوجوب التسليم من تأويله بهذا.
والخبر غير خفي الصحة بعد ما كرّرنا القول فيه من أنّ علي بن الحكم هو الثقة بقرينة رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه(١) .
ولا يخفى أنّ دلالته على عدم وجوب الصلاة على النبي وإلهعليهمالسلام
__________________
(١) راجع ج ١ : ٢٤٩.
ظاهرة لو لا ما قلناه من الاحتمال ، كدلالته على عدم وجوب التسليم.
وما تضمنه من ذكر التحيات على تقدير حمله على الثنائية يدل على جواز التلفظ بها في الأخير ، وقد نقل إجماع(١) الأصحاب على أنّه لا تحيات في التشهد الأوّل(٢) ، ولو حمل الخبر على الانصراف من التشهد أمكن عود السؤال عن التحيات في التشهد الأوّل.
قيل : التحيات يراد بها العظمة والملك(٣) ، وقيل : التحية ما يحيى به من سلام وثناء ونحوهما(٤) .
( وقال بعض محقّقي العامة في شرح الحديث : إنّ التحيات جمع تحية وهو الملك ، وقيل : السلام ، وقيل : العظمة ، وقيل : البقاء(٥) . فإذا حمل على السلام فيكون التقدير التحيات التي يعظمها الملوك مستحقة لله. وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاصه به. وكذلك العظمة يراد بها الكاملة. وأمّا الصلوات فيحتمل أن يراد بها الصلاة المعهودة ، والتقدير أنّها واجبة لله ، ويحتمل أن يراد بها الرحمة ، ويكون معنى كونها لله أنّه المعطي لها.
وأمّا الطيبات فالمراد بها الخالصات عن صفات النقص )(٦) .
بقي في الحديث شيء وهو أنّ قوله : « فإذا استويت جالسا » إلى آخره. قد يستفاد منه وجوب الطمأنينة في التشهد كما ذكره الأصحاب(٧) ،
__________________
(١) في « م » : الإجماع.
(٢) كما في الذكرى : ٢٠٤.
(٣) انظر مغني المحتاج ١ : ١٧٥.
(٤) كما في الحبل المتين : ٢٥٠.
(٥) انظر إرشاد الساري للقسطلاني ٢ : ١٢٩ ، فتح الباري لابن حجر ٢ : ٢٤٩.
(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٧) منهم المحقق في المختصر النافع : ٣٢ ، العلاّمة في القواعد ١ : ٣٥ ، الشهيد الثاني في روض الجنان : ٢٧٨.
واحتمال أن يقال : إنّ الطمأنينة أمر زائد على الجلوس يمكن أن يدفع بقوله : « استويت » فليتأمّل.
قوله :
فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين(١) ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن عبيد بن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجدة الأخيرة ، قال : « تمّت صلاته ، وإنّما التشهد سنّة في الصلاة ، فيتوضّأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد ».
فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على من أحدث بعد الشهادتين وإن لم يستوف باقي التشهد(٢) فإنّه يتمّ صلاته ، ولو كان الحدث قبل ذلك لكان يجب عليه الإعادة من أولها على ما بيّنّاه. وأمّا قوله : « وإنّما التشهد سنّة »(٣) معناه ما زاد على الشهادتين على ما بيّنّاه ، ويكون ما أمره به من إعادته بعد الوضوء محمولا على الاستحباب.
فأمّا ما رواه سعد ، عن أبي جعفر ، عن أبيه و(٤) محمّد بن عيسى والحسين بن سعيد ومحمّد بن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليهالسلام : في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد ، قال : « ينصرف فيتوضّأ فإن شاء
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٤٢ / ١٢٩٠ : الحسن ، والصحيح ما في النسخ ـ راجع معجم رجال الحديث ١٥ : ٢٧٦.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٤٢ : الشهادة.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٤٣ زيادة : في الصلاة.
(٤) في الاستبصار ١ : ٣٤٣ / ١٢٩١ : عن.
رجع إلى المسجد ، وإن شاء ففي بيته ، وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلّم ، وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من دخل في الصلاة بتيمم ثم أحدث ساهيا قبل الشهادتين فإنّه يتوضّأ إذا كان قد وجد الماء ويتم الصلاة بالشهادتين وليس عليه إعادتها ، كما له إتمامها لو أحدث قبل ذلك على ما بيناه فيما مضى. ويمكن أيضا أن يكون قوله : « قبل أن يتشهد » إنّما أراد به استيفاء التشهد المسنون دون أن يكون المراد به الشهادتين على ما قلناه في الخبر الأوّل.
السند
في الأوّل : فيه عبد الله بن بكير ، وقد مضى القول فيه مرارا من أنّه معدود من الموثق خبره ، مع الإجماع على تصحيح ما يصح عنه(١) .
والثاني : فيه محمّد بن عيسى الأشعري ، وتقدّم أيضا القول من أنّي لم أقف على ما يقتضي توثيقه صريحا ، ومدحه في الجملة ممكن(٢) .
أمّا ما تضمنه من قوله : ومحمّد بن عيسى على النسخة التي نقلت منها فهو محمّد بن عيسى اليقطيني على الظاهر ، وفي نسخة : عن محمّد بن عيسى وهو كذلك ، وربّما يرجّح الأوّل أنّ الراوي عن محمّد بن عيسى اليقطيني الحميري ونحوه ، فالرواية عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أبيه عنه بعيدة ؛ لاقتضائها واسطتين بين الحميري ومحمّد بن عيسى وهما
__________________
(١) راجع ج ١ : ١٢٥.
(٢) راجع ج ١ : ٢٠٧. وصرّح بتوثيقه الشهيد الثاني في المسالك ٢ : ٢٣٩ ، وروى عنه ابن قولويه في كامل الزيارات : ١٤٤ ، ب ٥٧ ح ٣ ، وهو توثيق عام له.
أحمد وأبوه ، وأمّا على الثاني فواحدة ، والذي في التهذيب عن أبيه محمّد ابن عيسى في نسخة ، وفي أخرى كما هنا(١) ، والاعتبار يشهد بصحة الاولى ، وهي في نسخة عليها المعوّل.
ومحمّد بن أبي عمير ( هذا يكون معطوفا على أبيه ، ورواية أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن أبي عمير كثيرة ، كرواية الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير )(٢) أمّا على النسخ الأخر فاحتمال العطف على محمّد بن عيسى اليقطيني قائم ، فيكون محمّد بن عيسى الأشعري راويا عن ابن أبي عمير. وعلى تقدير « عن » فيحتمل العطف على محمّد بن عيسى ويكون الأب راويا عن ابن أبي عمير ، ويحتمل العطف على الأب فيكون أحمد هو الراوي عن ابن أبي عمير. والحسين بن سعيد كابن أبي عمير ، فليتدبّر.
المتن :
ينبغي أن يعلم قبل الكلام فيه أنّ العلاّمة في المنتهى قال : وهو ـ أي التشهد ـ واجب في كل ثنائية مرّة وفي الثلاثية والرباعية مرّتين ، وهو مذهب أهل البيتعليهمالسلام (٣) . وهذا كما ترى يدل على الإجماع في المسألة ، وحينئذ لا بدّ من تأويل الأخبار المنافية لذلك ، والأوّل منها ، وتوجيه الشيخ وإن بعد لكن لا بدّ من تحمّل بعده للضرورة.
وقول الشيخ : بعد الشهادتين ، يعطي عدم وجوب الصلاة على النبي
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٣١٨ / ١٣٠١.
(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٣) المنتهى ١ : ٢٩٢.
وإلهعليهمالسلام ، أو عدم قطع الصلاة بالحدث قبلها ، وسيأتي منه ما يدل على وجوب الصلاة(١) ، أمّا ما يدل على الصحة مع وجوبها فلم يتقدم ما يدل عليه سوى هذا الخبر ، ( وغير خفي أنّ ما قاله من الحمل على الاستحباب في الإعادة مع وجوب الصلاة مشكل ، كما أنّ صحّة الصلاة من الخبر )(٢) كذلك ، مضافا إلى عدم معلومية القائل بهذا غير الشيخ.
وقوله : يجب عليه الإعادة من أوّلها على ما بيناه ، غير معلوم المراد من البيان ، إلاّ من حيث ذكر ما دلّ على وجوب التشهد المستلزم لإبطال الصلاة لو وقع الحدث في الأثناء ، وهذا يأتي في الصلاة مع وجوبها ، فليتأمّل.
والثاني : ما ذكره الشيخ في توجيهه في أعلى مراتب البعد في(٣) الوجه الأوّل ، وأمّا الثاني فعجز الحديث ينافيه كما هو واضح. ولعلّ الأولى ردّ الخبر بالإجماع إن تمّ ، والله تعالى أعلم.
ولا يخفى أنّ في الخبر دلالة على عدم وجوب التسليم والصلاة على النبي وإلهعليهمالسلام ، أمّا احتمال وجوب التسليم وكونه خارجا عن الصلاة ، ففيه مشاركة الصلاة له ولا قائل فيها بما قيل في التسليم.
والعجب من بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه ذكر في حجة القائلين باستحباب التسليم خبر زرارة المتضمن لأنّ من يحدث قبل أن يسلّم تمّت صلاته ، وأجاب عنه بأنّه إنّما يدل على أنّ التسليم ليس جزءا من الصلاة وهو لا يستلزم المطلوب ، فإنّ كونه واجبا خارجا عنها كما ذكره
__________________
(١) انظر ص ٣٢٧.
(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
(٣) بدله في « فض » : بالنسبة إلى.
بعضهم محتمل(١) . وأنت خبير بأنّ الاحتمال المذكور في الخبر المبحوث عنه غير وارد بعد ما قلناه من حكم الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله مع إله.
وما عساه يقال : إنّ الخبر المذكور غير معلوم الصحة لما تقدم في سنده يدفعه التأمّل في السند ، فإنّ الصحة لازمة له بغير ارتياب على الممارس.
نعم غاية ما يلزم منه مخالفة الإجماع من جهة الصلاة حيث إنّ مقتضاه(٢) الصحة مع الحدث قبلها ، وعلى تقدير الوجوب ـ كما هو مشهور بل مدّعى عليه الإجماع كما سيأتي(٣) ـ فالصحة مع تخلل الحدث غير معلوم القائل بها ، بل الإجماع يدّعى(٤) على بطلان الصلاة بتخلل الحدث ، ( إلاّ في صورة التيمم على ما قاله الشيخ وإن كان الخلاف موجودا في غيره ، كما نبّهنا عليه في محل آخر وسيأتي إن شاء الله تعالى(٥) ، وعلى كل حال )(٦) فيمكن ردّ الخبر بهذا الوجه ، أو قبول تأويل الشيخ ، وفيه اعتراف بعدم وجوب الصلاة والتسليم على الوجه الثاني ، والوجه الأوّل بعيد لكن لا بأس بالالتزام به ؛ لأنّه أولى من الطرح ، غير أنّ هذا الوجه لا يفرق فيه بين الأمرين المذكورين فيه من قبلية التشهد وبعدية الشهادتين ، ومن ثم قلنا : إنّه في أعلى مراتب البعد.
وما عساه يقال : إنّه ينبغي نفيه بالكلية ، يمكن تكلف التوجيه بإرادة
__________________
(١) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٧.
(٢) في « م » و « رض » : معناه.
(٣) انظر ص ٣٤٢.
(٤) في « فض » : يدل.
(٥) انظر ص ٣٤٢.
(٦) ما بين القوسين من « رض ».
الشهادتين وما يتبعهما من الصلاة ، فينبغي عدم الغفلة عن تحقيق المقام فإنّه حري بالتأمّل التام.
قوله :
باب وجوب الصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله في التشهد
ابن أبي عمير ، عن أبي بصير ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « من تمام الصوم إعطاء الزكاة ، كالصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله من تمام الصلاة ، ومن صام ولم يؤدّها فلا صوم له إذا تركها متعمدا ، ومن صلّى ولم يصلّ على النبيصلىاللهعليهوآله وترك ذلك متعمدا فلا صلاة له ، إنّ الله بدأ بها قبل الصلاة فقال( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى .وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (١) ».
فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن خالد ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إن نسي الرجل التشهد في الصلاة فذكر أنّه قال بسم الله فقط فقد جازت صلاته ، وإن لم يذكر شيئا من التشهد أعاد الصلاة ».
فالوجه في هذا الخبر أنّه إذا ذكر أنّه قال بسم الله فقد تمّت صلاته ويتم الشهادتين على جهة القضاء ولا يعيد الصلاة ، وإذا لم يذكر شيئا أصلا أعاد الصلاة إذا(٢) تركه متعمدا ، وليس في الخبر أنّه إذا لم يذكر ناسيا أو متعمدا ، ولو كان تركه ساهيا ثم ذكر كان عليه
__________________
(١) الأعلى : ١٤ ـ ١٥.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٤٤ زيادة : كان.
قضاء التشهد على ما بيّنّاه.
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن سعد بن بكر ، عن حبيب الخثعمي ، عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال سمعته يقول : « إذا جلس الرجل للتشهد فحمد الله أجزأه ».
فالوجه في هذا الخبر التقية لأنّه مذهب كثير من العامّة ، ونحن قد بيّنّا وجوب الشهادتين والصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله .
السند
في الأوّل : فيه أبو بصير ، والطريق إلى ابن أبي عمير في المشيخة فيه من لم يعلم توثيقه ، وفي الفهرست قال الشيخ في ترجمته : أخبرني بجميع كتبه ورواياته جماعة ، عن محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ومحمّد بن الحسن ، عن سعد بن عبد الله والحميري ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن محمد بن أبي عمير ، وأخبرنا ابن أبي جيد(١) عن ابن الوليد ، عن الصفّار ، عن يعقوب بن يزيد ومحمّد بن الحسين وأيوب بن نوح وإبراهيم بن هاشم ومحمّد بن عيسى بن عبيد ، عن محمّد بن أبي عمير ، وأخبرنا بالنوادر خاصة جماعة ، عن أبي المفضل ، عن حميد ، عن عبد(٢) الله بن أحمد بن نهيك ، عن ابن أبي عمير ، وأخبرنا بها جماعة ، عن أبي [ القاسم ](٣) إلى آخره(٤) .
__________________
(١) في « رض » و « م » : جنيد ، والصواب ما أثبتناه من « فض ».
(٢) في المصدر : عبيد ، والظاهر اتحاد عبد الله مع عبيد الله ـ راجع معجم رجال الحديث ١١ : ٦٥.
(٣) بدل ما بين القوسين في النسخ : المفضّل ، والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(٤) الفهرست : ١٤٢.
وربّما يظن استفادة طريق معتبر من المذكور يفيد اعتبار الخبر إلى ابن أبي عمير.
ثمّ الإجماع على تصحيح ما يصح عنه يفيد القبول ، وفيه نظر ، أمّا أوّلا : فلأنّ كون المذكور هنا من جملة رواياته موقوف على صحة الطريق إليه ، وهو أصل المدّعى ، اللهم إلاّ أن يقال : إنّ نقل الشيخ الخبر عنه يعلم منه أنّه من رواياته ، وضعف الطريق لا يضر بالحال ، وفيه نوع تأمّل إلاّ أنّه قابل للتوجيه.
وأمّا ثانيا : فلأنّ الطرق المذكورة إن كانت بجميع الكتب والروايات فالجزم بأنّ كل واحد منها بجميع الكتب والروايات غير معلوم لاحتمال التوزيع ، ومعه يشكل صحة البعض الموجب لعدم الفائدة ، مضافا إلى طريق النوادر إن كان المراد به خاصة مع دخوله في الجميع المذكور أوّلا أمكن التوجيه مع توجه ما سبق ، وإن كان غير داخل في الأوّل فاحتمال كون الرواية من النوادر ممكن ( فليتأمّل )(١) .
فإن قلت : ما وجه الجهالة في الطريق إلى ابن أبي عمير؟
قلت : فيه جعفر بن محمّد العلوي ، وقد ذكره الشيخ في من لم يرو عن الأئمّةعليهمالسلام من كتابه مهملا(٢) ، لكن النجاشي في ترجمة محمّد بن جعفر المذكور قال : وكان أبوه وجها(٣) . ولا يبعد أن يكون العلاّمة من هذا عدّه في القسم الأوّل(٤) . وغير خفي أنّ هذا لا يفيد التوثيق ، بل المدح على
__________________
(١) ما بين القوسين زيادة في « فض ».
(٢) رجال الطوسي : ٤٦٠ / ١٩.
(٣) رجال النجاشي : ٣٧٣ / ١٠٢٠.
(٤) خلاصة العلاّمة : ٣٣ / ٢٥.
ما قيل في ألفاظه ، وإن كان فيه ما فيه ، ولعل العلاّمة يعمل بالحسن.
والعجب من شيخنا المحقق ـ أيّده الله ـ أنّه لم يذكر ما حكيناه في كتاب الرجال(١) ، هذا.
وفي الفقيه روى بطريقه الصحيح ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن أبي بصير وزرارة قال : قال أبو عبد الله وذكر الرواية مع نوع مغايرة تأتي في المتن(٢) ، وغير خفي أنّ الرواية هنا محتملة للوهم في وضع « عن » موضع الواو ؛ إذ ذلك كثير في كتاب الشيخ بخطهرحمهالله في النسخة التي عندنا للتهذيب ثم إنّه يصلحها بعد ذلك.
ولا يبعد رواية أبي بصير تارة مع زرارة وتارة عنه ، إلاّ أنّ الاحتمال الأوّل له ظهور في الظن.
والثاني : فيه علي بن خالد ، وفي إرشاد المفيد ما يقتضي أنّ علي بن خالد كان زيديا رجع لما شاهد من كرامات أبي جعفر الثانيعليهالسلام (٣) ، وإرادته هنا بعيدة من جهة الرواية من محمّد بن علي بن محبوب عنه ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع ، حيث إنّ الرجوع كان من كرامات أبي جعفرعليهالسلام ويجوز التعمير إلى لقاء ابن محبوب ، وعلى كل حال لا يفيد الحديث ( الوصف بالموثق )(٤) .
والثالث : مضى عن قريب(٥) .
__________________
(١) منهج المقال : ٨٥ و ٢٨٩.
(٢) الفقيه ٢ : ١١٩ / ٥١٥.
(٣) إرشاد المفيد ٢ : ٢٨٩ ـ ٢٩١.
(٤) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٥) راجع ص ٣١٣.
المتن :
في الأوّل : كما ترى يدل على أنّ الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله من تمام الصلاة ، وغير خفي أنّ المدّعى وجوب الصلاة في التشهد ، إلاّ أن يقال : إنّ الخبر إذا دل على الوجوب فلا قائل به في غير التشهد ، وفيه : أنّ الظاهر من العنوان الوجوب في التشهدين ، والإجماع منقول على وجوبها فيهما(١) .
وما قاله بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من أنّ الخبر غاية مدلوله مذهب ابن الجنيد من وجوبها في أحد التشهدين ولا دلالة فيه على وجوبها في التشهدين معا(٢) . ففي نظري القاصر أنّ قول ابن الجنيد لا صراحة في الرواية للدلالة عليه ؛ لأنّ المنقول عنه فيما حكاه القائل ـ سلمه الله ـ إجزاء الشهادتين إذا لم تخل الصلاة من الصلاة على محمّد وآل محمّد في أحد التشهدين ( وهذه العبارة محتملة لأن يكون قوله في أحد الشهادتين )(٣) متعلّقا بقوله : تجزئ الشهادتان ، والمعنى أنّ الشهادتين مجزئتان في أحد التشهدين إذا لم تخل الصلاة من الصلاة على محمّد وإله في أيّ جزء من أجزائها ، والمفهوم أنّها إذا خلت من الصلاة لا تجزئ الشهادتان في أحد التشهدين بل لا بدّ معهما من الصلاة فيهما أو في معيّن منهما.
( ويحتمل أن يراد إجزاء الشهادتين إذا لم تخل الصلاة من الصلاة في
__________________
(١) كما في المعتبر ٢ : ٢٢٦ ، المنتهى ١ : ٢٩٣ ، مجمع الفائدة ٢ : ٢٧٦ ، الحبل المتين : ٢٥٠.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٠.
(٣) ما بين القوسين ليس في « م » و « رض ».
أحد التشهدين فيكون متعلقا ب : تخل ، )(١) لكن هذا يبعّده أنّ العبارة تفيد نوع قصور بل تهافت كما يعرف بالتأمّل الصادق فيها. ( وقد ذكرت في فوائد التهذيب احتمال أن يكون مراده أنّ خلوّ أخبار الصلاة من الصلاة يقتضي وجوب الصلاة في التشهدين ، فليتأمّل )(٢) .
وإذا عرفت هذا فالخبر لا يبقى دالاّ على مراد ابن الجنيد. والإجماع الذي أشرنا إليه لا يضره عدم ذكر الصلاة في رسالة علي ابن بابويه.
نعم في الرواية إشكال في الاستدلال بها على الوجوب ، من حيث إنّ الفطرة لا تؤثّر في صحة الصوم بل تؤثّر في كماله بنوع تقريب ، فينبغي أن يكون الحال مثلها في الصلاة ، إلاّ أن يقال : إنّ الظاهر من الخبر عدم صحة الأمرين فإذا خرج الصوم بالإجماع بقي الفرد الآخر. هذا والمتن كما ترى لا يخلو من إجمال.
وفي الفقيه « إنّ(٣) الله بدأ بها قبل الصوم »(٤) وعلى كل حال الإجمال باق ، ولعلّ المراد على ما هنا : إنّ الله بدأ بذكر الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله قبل وجوب الصلاة ، لما رواه في الكافي في باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله بطريق غير سليم في تفسير الآية أنّ المراد كلما ذكر اسم ربّه صلّى على محمّد وإله(٥) . وعلى ما في الفقيه يحتمل ضمير بها العود إلى الفطرة ، بل وهنا
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٢) ما بين القوسين زيادة من « م ».
(٣) في « م » و « فض » : لأن.
(٤) الفقيه ٢ : ١١٩ / ٥١٥ ، إلاّ أن فيه : الصلاة بدل الصوم ، الوسائل ٩ : ٣١٨ أبواب زكاة الفطرة ب ١ ح ٥.
(٥) الكافي ٢ : ٤٩٤ / ١٨.
يحتمل ذلك ، ويراد بالصلاة صلاة العيد كما في بعض الأخبار(١) ، وحينئذ يكون مفاد الخبر الحث على الفطرة ، فليتدبّر.
وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ في توجيهه من الغرابة بمكان ؛ لأنّ نسيان التشهد إذا أوجب القضاء فالفرق بين ذكر بسم الله وعدمه غير واضح الوجه ، والرواية كما تحتمل ما ذكره تحتمل أن يراد أنّه إذا ذكر بسم الله ونسي أنّه تشهد ، على معنى أنّه لم يحفظ التشهد لكن ذكر مبدأه وهو بسم الله ، فالظاهر أنّه أتى به.
وما عساه يقال : إنّ الظاهر لا فرق فيه بين ذكره بسم الله وعدمه بل الجلوس إذا وقع يفيد الظاهر ، على أنّ المتبادر من النسيان عدم التشهد لا عدم ذكر أنّه تشهد.
يمكن الجواب عنه بأنّ ما ذكرناه تأويل لا بدّ فيه من العدول عن الظاهر.
ثم قول الشيخ : إذا تركه متعمدا ، غير خفي أنّه لا وجه له ؛ لأنّ الترك عمدا مبطل سواء ذكر شيئا أو لم يذكر فيما هو المعروف ، اللهم إلاّ أن يقال : إنّه مذهب الشيخ بسبب الرواية ، وفيه : أنّه إذا عمل بالرواية يحملها على ظاهرها من الاكتفاء بما ذكر فيها. وربّما كان في الرواية نوع إشعار بما احتملناه في قوله : « وإن لم يذكر شيئا من التشهد ». وبالجملة فالتأويل من الشيخ يوجب نوع تعجب.
ولا يخفى أنّ ما تقدم من الأخبار فيه ما يوجب المعارضة لوجوب الصلاة ( أظهر ممّا ذكره )(٢) هنا كما نبهنا عليه سابقا.
__________________
(١) انظر الكشاف للزمخشري ٤ : ٧٤٠ ، التفسير الكبير للرازي ٣١ : ١٤٨.
(٢) في « رض » : أظهرها ما ذكره.
وأمّا الثالث : فما ذكرناه فيه فيما مضى(١) يغني عن الإعادة ، وما ذكره الشيخ من الحمل على التقيّة ينبغي أن يذكر في الأوّل. أمّا قوله : ونحن قد بينا وجوب الشهادتين ، إلى آخره. ففيه : أنّ ما مضى لا يفيده ، ولعل الإجماع إن تم بعد الصدوق وأبيه فهو الحجة إن لم يعمل بالحسن ، وإن عمل به فالخبر المذكور في الكافي في باب الأذان المتضمن للمعراج يقتضي أمرهعليهالسلام بالصلاة على نفسه وأهل بيته بعد التشهد(٢) . [ و ](٣) يدل على الوجوب بناء على أنّ الأمر حقيقة فيه.
أمّا ما قد يقال من أنّ ما دلّ على الصلاة على النبيّصلىاللهعليهوآله كلما ذكر يدل على وجوب الصلاة في التشهدين ، ففيه نظر واضح ؛ لأنّ الكلام في وجوب الصلاة من حيث كونها جزءا من الصلاة ، وأين هذا من ذاك.
وينقل عن المنتهى أنّ فيه : وتجب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآله عقيب الشهادتين ، ذهب إليه علماؤنا أجمع في التشهد الأوّل والثاني(٤) . وادّعي أيضا إجماع علمائنا على وجوب الصلاة على الآلعليهمالسلام (٥) . وقد مضى القول في هذا مع عبارة البعض الدالة على الخلاف(٦) .
وينبغي أن يعلم أنّ الشيخ في التهذيب ذكر خبرا عن أبي بصير يتضمن تشهدا طويلا لا فائدة في ذكره بعد معرفة طريقه ، غير أنّ فيه شيئا لا بأس بالتنبيه عليه ، وهو أنّه قيل فيه : اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد
__________________
(١) راجع ص ٣٢٠.
(٢) الكافي ٣ : ٤٨٢ / ١ ؛ الوسائل ٥ : ٤٦٥ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١٠.
(٣) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.
(٤) المنتهى ١ : ٢٩٣ ، ونقله عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٢٧٦.
(٥) انظر المنتهى ١ : ٢٩٣ ، مجمع الفائدة ٢ : ٢٧٦.
(٦) في ص ٣٣١.
ـ إلى قوله ـ كما صلّيت وباركت وسلمت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم(١) . وقد ذكر بعض الأصحاب فيه إشكالا من حيث إنّ المتعارف كون المشبّه به أقوى وأشد والحال بالعكس(٢) ، وهذا ذكره بعض أهل الخلاف في شرح مسلم ، وأجاب عنه بأجوبة سهلة(٣) . وبعض الأصحاب نقل شيئا منها(٤) . وفي الحبل المتين أيضا نقل البعض(٥) . ويخطر في البال أنّ المشبه به الصلاة الواقعة والمشبه الصلاة المطلوبة ، ولا ريب أنّ الواقعة أكمل من المطلوبة قبل وقوعها ، نعم بعد وقوعها هي أفضل ، هذا على تقدير تسليم كون المشبّه به أقوى دائما ، ولو دفع بأنّه أغلبي فالجواب سهل.
قوله :
باب قضاء القنوت.
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن جميل بن دراج ، عن محمد بن مسلم وزرارة بن أعين قالا : سألنا أبا جعفرعليهالسلام عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع ، قال : « يقنت بعد الركوع ، فإن لم يذكر فلا شيء عليه ».
وعنه ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القنوت ينساه الرجل ، فقال : « يقنت
__________________
(١) التهذيب ٢ : ٩٩ / ٣٧٣.
(٢) كما في الحبل المتين : ٢٥٠.
(٣) انظر حاشية إرشاد الساري ٣ : ٤٠ ـ ٤٥.
(٤) كما في روض الجنان : ٢٧٩.
(٥) الحبل المتين : ٢٤٩.
بعد ما يركع ، فإن لم يذكر حتى ينصرف فلا شيء عليه ».
أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبيد بن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرجل يذكر(١) أنّه لم يقنت حتى يركع قال : فقال : « يقنت إذا رفع رأسه ».
عنه ، عن علي بن الحكم ، عن أبي أيوب ، عن أبي بصير قال : سمعت يذكر عند أبي عبد اللهعليهالسلام قال في الرجل إذا سها في القنوت : « قنت بعد ما ينصرف وهو جالس ».
فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن سهل ، عن أبيه قال : سألت أبا الحسن ٧ عن رجل نسي القنوت في المكتوبة ، قال : « لا إعادة عليه ».
[ و ](٢) ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية بن عمار قال : سألته عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع ، أيقنت؟ قال : « لا ».
فإنّه يجوز أن يكون المعنى في هذين الخبرين أنّه لا يجب عليه القضاء وإنّما هو مستحب ؛ لأنّ الابتداء به مستحب فكيف قضاؤه ، ويجوز أن يكون المراد : لا يقضي إذا كان الحال حال تقية ، يدل على ذلك :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن أحمد بن محمّد ، عنه قال : قال لي أبو جعفرعليهالسلام في القنوت في الفجر : « إن شئت فاقنت ، وإن شئت فلا تقنت » وقال هو : إذا كانت تقية فلا تقنت وأنا أتقلّد هذا ».
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٤٤ / ١٢٩٧ : ذكر.
(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ والمصدر : فأمّا ، والظاهر ما أثبتناه.
السند :
في الأوّل : واضح ، كالثاني.
والثالث : موثق.
والرابع : فيه أبو بصير.
والخامس : فيه محمّد بن سهل ، وهو مهمل في الرجال(١) ، وأبوه ثقة(٢) .
والسادس : واضح.
والسابع : مضى ، والإضمار فيه دليل واضح على أنّ لا قدح به في أخبارنا ، لما أشرنا إليه سابقا من عادة المتقدمين في الأصول. والخبر فيما مضى عن أحمد بن محمّد عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام فالضمير لهعليهالسلام ، ولفظ « لي » زائد كما لا يخفى(٣) ، لكنه في النسخة التي نقلت منها ، وفيما مضى : قال أبو الحسن : وإذا كانت. ، وهنا كما ترى : وقال هو ، يعني أبا الحسن المضمر أوّلا.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على القضاء بعد الركوع ، لكن بعديّة الركوع تتناول حال الركوع وبعد الرفع منه قبل الهوي للسجود وبعده وبعد
__________________
(١) انظر رجال الطوسي : ٢٨٩ / ١٤٧.
(٢) انظر رجال النجاشي : ١٨٦ / ٤٩٤.
(٣) في « فض » زيادة : هذا على الاحتمال ظاهر ، وقد يحتمل أن يعود الضمير لأحمد بن محمّد ، والحاكي عنه الحسين بن سعيد ، وفيه بعد غير خفي. وهذه الزيادة في « رض » بعد قوله الآتي : يعني أبا الحسن المضمر أوّلا.
السجود ، إلاّ أن يدّعى تبادر حال القيام من الركوع قبل الهوي للسجود. وقوله : « فإن لم يذكر » إلى آخره. كان الظاهر منه أنّ القضاء إنّما هو مع الذكر بعد الركوع ، فلو لم يذكر بعده لا قضاء عليه ، وربّما يؤيّده أنّ ما بعد الركوع لو تناول جميع الحالات السابقة لم يبق فائدة لقوله : « لا شيء عليه ».
أمّا احتمال أن يراد لا شيء عليه من القضاء مع عدم ذكر النسيان ، ففيه : أنّه قليل الفائدة كما لا يخفى ، إلاّ أن يقال : الفائدة عدم رجحان القضاء لا نفي القضاء رأسا ؛ لدلالة بعض الأخبار الآتية على القضاء بعد الصلاة ، وفيه : أنّ عدم الذكر إذا أخذ بالإطلاق يبقى منافيا لما يأتي.
وأمّا الثاني : فقد انتصر به بعض محققي الأصحاب للقول بوجوب القنوت قائلا : إنّ قولهعليهالسلام : « وإن لم يذكر حتى ينصرف فلا شيء عليه » أي لا إثم عليه ، يعطي بمفهومه الشرطي أنّه لو ذكر ولم يلتفت كان عليه إثم ، وهو نص في الوجوب(١) .
وقد يقال : إنّ مفاد الخبر إذا لم يذكر(٢) بعد انصرافه لا قنوت عليه حيث ذكر أولا القنوت ، وحينئذ فحاصل الخبر أنّه إذا ذكر بعد الركوع قضاه وإن لم يذكر بعده فلا قضاء عليه. ويراد بالانصراف الانصراف عن محل القضاء. أمّا الإثم فلا دلالة في المقام عليه. ولو لم يترجح ما قلناه فهو احتمال كاف في نفي النصوصية على أنّ المفهوم إن ذكر فعليه شيء ، أمّا أنّ التقدير إن ذكر ولم يقنت فعليه شيء فلا دليل عليه ؛ لعدم ذكر القنوت في الشرط ، والتقدير من خارج ينافي النصوصية. ولو أريد بالانصراف الفراغ
__________________
(١) انظر الحبل المتين : ٢٣٧.
(٢) في « رض » : يكن.
من الصلاة نافي ما ذكره الأصحاب ، أمّا منافاته الأوّل فيمكن توجيهها(١) .
والثالث : صريح في أنّ القنوت قضاء بعد الرفع فيحمل الأوّلان عليه بنوع تقريب.
والرابع : كما ترى يدل على القضاء بعد الانصراف ، ويحتمل حمل الثاني عليه ، لكن الانصراف محتمل للفراغ من الصلاة والانصراف من حال القيام بعد الركوع إذا جلس للسجود ، وفيه ما فيه.
والخامس : يمكن حمله على عدم إعادة الصلاة لا القنوت ، بل الظاهر ظهور الإعادة في ذلك ، وما قاله الشيخ لا وجه له.
والسادس : يمكن حمله على حال الركوع لا القيام منه.
وأمّا السابع : فقد مضى القول فيه مفصلا(٢) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ رواية معاوية بن عمار في الفقيه متنها : سئل عن القنوت في الوتر ، قال : « قبل الركوع » قال : فإن نسيت أقضيه إذا رفعت رأسي؟ فقال : « لا »(٣) وفي الرواية دلالة على خصوص القنوت ، والشيخ ربّما يكون اختصر الرواية أو أنّها غيرها.
وقد يظن من رواية الصدوق نفي القنوت في الوتر بعد الركوع ، مع أنّ في الأخبار ما يدل على الدعاء بعد الركوع فيه ، ولا يبعد أن يكون المنفي رفع اليدين ، لما مضى من إطلاق القنوت عليه.
وينقل عن العلاّمة في النهاية(٤) المنع من فعل القنوت بعد الركوع في
__________________
(١) في « رض » و « فض » زيادة : وعدمها.
(٢) راجع ص ٣٠٨.
(٣) الفقيه ١ : ٣١٢ / ١٤٢١ ، الوسائل ٦ : ٢٨٨ أبواب القنوت ب ١٨ ح ٥ ، بتفاوت يسير فيهما.
(٤) نهاية الإحكام ١ : ٥٠٨.
الثانية ، لدلالة بعض الأخبار السابقة على أنّه لا قنوت إلاّ قبل الركوع ، والأخبار الموجودة تقتضي أنّ المنفي هناك الأداء أو رفع اليدين ، فيحتمل كون القضاء من دون رفع اليدين ، ولم أر من صرّح به.
ولجدّيقدسسره في الروضة ما هذا لفظه : وقيل يجوز فعل القنوت مطلقا قبل الركوع وبعده ، وهو حسن للخبر ، ثم قال بعد ذلك : ويفعله الناسي قبل الركوع بعده وإن قلنا بتعينه قبله اختيارا ، فإن لم يذكره حتى تجاوز قضاه بعد الصلاة جالسا ، ثم في الطريق مستقبلا(١) . انتهى.
وقد يقال : إنّ ما ذكره أوّلا من الجواز قبل وبعد ينافي ما ذكره آخرا من الإتيان به مع النسيان بعد الركوع ، إلاّ أن يجاب بأنّ الثاني على تقدير القول به. أمّا ما قاله ثانيا : فلا أعلم الوجه فيه بعد ما دلت عليه الأخبار التي نقلتها ، فليتأمّل.
وينبغي أن يعلم أنّ الشيخ لم يتعرض للتعارض الواقع بين الأخبار ، فإنّ رواية أبي بصير ما ذكرناه فيها خلاف الظاهر ، لكنه من باب التأويل يمكن الدخول فيه ، والأخبار الدالة على أنّ الانصراف تقتضي أن لا قضاء أو نحوه بعد الانصراف ظاهرة في الفراغ من الصلاة ، واللازم من ذلك أنّ ما قبل الفراغ يقضي فيه القنوت وإن تجاوز الرفع من الركوع للثانية(٢) ، ولعل اختلاف الاستحباب كمالا ممكن.
أمّا ما قاله الشيخ : من أنّ القنوت مستحب ابتداء ، إلى آخره. فلا يخفى عدم الحاجة إليه ؛ إذ على تقدير وجوبه لا يلزم منه القضاء.
وفي كلام بعض الأصحاب أنّ تلافي القنوت بعد الركوع لناسيه قبله
__________________
(١) الروضة البهية ١ : ٢٨٤.
(٢) في « رض » : من الثانية.
ممّا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، وهل هو حينئذ أداء أو قضاء؟ حكم الشيخ وأتباعه بالقضاء ، وتردّد في ذلك العلاّمة في المنتهى ، من كون محلّه قبل الركوع وقد فات فتعيّن القضاء ، ومن كون الأحاديث لا تدل على كونه قضاء ، ثم رجّح أنّه قضاء(١) . انتهى ملخصا.
وفي بعض الأخبار ما يدل على قضائه في الطريق مستقبل القبلة.
قوله :
باب أنّ التسليم ليس بفرض
الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : سألته عن الرجل يصلّي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم قال : « تمّت صلاته ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول في رجل صلّى الصبح فلمّا جلس في الركعتين قبل أن يتشهد رعف ، قال : « فليخرج فليغسل أنفه ثم ليرجع فليتم صلاته ، فإنّ آخر الصلاة التسليم ».
قولهعليهالسلام : « آخر الصلاة التسليم » محمول على الفضل والكمال ، فأمّا إتمام الصلاة فلا بدّ منه ؛ لأنّ من تمامها الإتيان بالشهادتين والصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله كما بيناه.
__________________
(١) انظر الحبل المتين : ٢٣٥.
السند :
في الأوّل : معلوم كما كرّرنا القول فيه(١) . وكذلك الثاني(٢) .
المتن :
في الأوّل : ربّما قيل إنّه ظاهر في أنّ التسليم ليس من الصلاة ؛ إذ الحدث في أثناء الصلاة مبطل لها بغير خلاف.
وأورد عليه بعض المعاصرين ـ سلمه الله ـ(٣) أنّ البطلان بغير خلاف إن كان لتخلل الحدث قبل استيفاء الأركان فمسلم لكن لا ينفعكم ، وإن أريد تخلله بعد استيفائها فالخلاف فيه مشهور ، والصدوق قائل بعدم البطلان به كما تضمّنه صحيحة زرارة وموثقته. انتهى(٤) .
ولا يحضرني الآن كلام الصدوق والروايتان ، إلاّ أنّ الشيخ فيما سبق ادّعى الإجماع على بطلان الصلاة بالحدث قبل إكمال الشهادتين(٥) . وللسيّد المرتضى خلاف في بعض الأحداث الواقعة في أثناء الصلاة ، حيث حكم بالوضوء والبناء ، كما يأتي(٦) . وإن ادّعى الشيخ في التهذيب الإجماع على البطلان فيما عدا المتيمم إذا أحدث ووجد الماء(٧) .
__________________
(١) راجع ج ١ : ٥٧ ، ٧٠ ، ١٨٣ ، ٣٩٨.
(٢) راجع ج ١ : ٧٠ ، ٧١ ، ٧٣ ، ١١٠.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة من « م ».
(٤) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٧.
(٥) راجع ص ٣٢٦.
(٦) انظر ج ٦ : ٣٧٨ و ٣٨٥.
(٧) التهذيب ١ : ٢٠٥.
ومن هنا يعلم أنّ التسليم(١) لصورة تخلل الحدث قبل استيفاء الأركان غير واضح ، هذا.
وأمّا دلالته على الاستحباب فقد ادّعاها القائلون به ، واستشكله بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ بأنّه إنّما يدل على أنّ التسليم ليس جزءا من الصلاة ، وهو لا يستلزم المطلوب ، فإنّ كونه واجبا خارجا عنها ـ كما ذكره بعضهم ودلت عليه الأحاديث الكثيرة ـ محتمل(٢) .
وفي الظن أنّ التكلف في هذا ظاهر ، أمّا أوّلا : فلأنّ الحكم بالوجوب إن كان من ورود الأمر به في كثير من الأخبار مثل خبر زرارة السابق في القضاء المشتمل على ذكر الفوائت متحدة ومتعددة حيث قال فيه : « ثم سلّم »(٣) . والرواية الواردة في صلاة الخوف المشتملة على قوله : « ثم يسلّم »(٤) والرواية الواردة في الشك بين الأربع والخمس المتضمنة لقولهعليهالسلام : « فتشهد وسلّم »(٥) وغير ذلك.
ففيه أوّلا : أنّ الأوامر الشرعية في إثبات كونها حقيقة في الوجوب كلام يعرف ممّا ذكرناه في أصول المعالم.
وثانيا : بتقدير التسليم ، المعارض موجود ، وقد مضى بعضه في التشهد ، حيث قالعليهالسلام في خبر محمّد بن مسلم : « فقل أشهد أن لا إله إلاّ الله »
__________________
(١) في « فض » و « رض » : التيمم.
(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٧.
(٣) راجع ص ٣٢٢.
(٤) الاستبصار ١ : ٤٥٥ / ١٧٦٦ ، الوسائل ٨ : ٤٣٦ أبواب صلاة الخوف والمطاردة ب ٢ ح ٤.
(٥) الاستبصار ١ : ٣٨٠ / ١٤٤١ ، الوسائل ٨ : ٢٢٤ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١٤ ح ٤.
إلى أن قال : « ثم تنصرف »(١) وغيره من الأخبار ، والحمل على أنّ الانصراف يراد به السلام في غاية البعد ، وإن ورد في بعض الأخبار بقرينة لا يكون مع الإطلاق كذلك.
وأمّا ثانيا : فلأنّ التزام وجوبه والخروج عن الصلاة ليس بأولى من الاستحباب المتأيّد بالأصل المحتاج الخروج عنه إلى انتفاء المعارض ، وانتفاؤه في غاية الإشكال.
والمداومة المذكورة في كلام بعض(٢) للاستدلال على الوجوب منقوضة بالمداومة على المستحب ، كرفع اليدين بتكبيرة الإحرام ، وفعلهعليهالسلام مع قوله : « صلّوا » إلى آخره. فيه ما لا يخفى ، وكذلك التأسّي.
أمّا حديث : « مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم »(٣) ففيه عدم وضوح الدلالة ؛ إذ كونه محلّلا لا يفيد الوجوب ، كما أنّ قوله : مفتاحها الطهور ، لا يفيده ، إلاّ أن يقال : إنّ الإفادة حاصلة في الأمرين ، وإنّما خرج الطهور بالدليل.
فإن قلت : ما وجه القول في الطهور مع أنّه لا بدّ فيه في الصلاة؟
قلت : لو جعل قولهعليهالسلام : « تحليلها التسليم » ( دالاّ على وجوب التسليم من حيث الحصر كما قرّره جماعة ، والمعنى أنّ تحليلها محصور في التسليم )(٤) فلو حصل بغيره لم يتم الحصر ، وإذا انحصر فيه كان
__________________
(١) الاستبصار ١ : ٣٤٢ / ١٢٨٩ ، الوسائل ٦ : ٣٩٧ أبواب التشهد ب ٤ ح ٤.
(٢) كالمحقق في المعتبر ٢ : ٢٣٣.
(٣) الكافي ٣ : ٦٩ / ٢ ، الفقيه ١ : ٢٣ / ٦٨ ، الوسائل ١ : ٣٦٦ أبواب الوضوء ب ١ ح ٤ ، وفي الجميع : افتتاح الصلاة الوضوء. وفي سنن البيهقي ٢ : ١٧٣ أورد الحديث كما في المتن.
(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».
واجبا ، لزم مثله في مفتاحها الطهور ؛ إذ الدلالة واحدة ، مع أنّ الطهور لا يشترط فيه أن يكون واجبا بل لو وقع مستحبا أجزأ على ما حقق في محل آخر.
نعم ربّما يقال : إنّ الاستحباب لا ينافي الشرطية بالنسبة إلى الطهور ، بل قد يقال : إنّه واجب شرطي ، والسلام كذلك على معنى أنّه شرط في الخروج وإن لم يكن واجبا بالمعنى المعروف ، لكن لم أر من صرّح به.
والحقّ أنّ الخبر المذكور على تقدير إفادته الحصر لا مانع من كونه إضافيا بعد وجود الدليل ، كالخبر السابق الدال على أنّ بعد فعل الشهادتين تمّت الصلاة ، والدال على أنّ الانصراف يتحقّق بالفراغ من التشهد ، وحينئذ يراد بتحليل التسليم بيان الفرد الكامل كما يأتي من الشيخ ما يدل عليه.
وما قاله بعض الأصحاب : من عدم ثبوت الخبر سندا(١) ، فيه نظر ؛ لأنّ مثل ( السيّد إذا احتجّ به )(٢) (٣) فهو أبلغ من الصحيح المشهور : لما يعلم من مذهب السيّد.
ولا يبعد أن يكون في الخبر دلالة على نفي خروج التسليم عن الصلاة وجوبا أو استحبابا إلاّ بتكلّف ، وسيأتي الكلام فيما دلّ على أنّ التسليم آخر الصلاة(٤) .
أمّا ما قاله بعض الأصحاب : من معلومية عدم حصر المحلّل فيه ، إذ لا شك أنّ جميع منافيات الصلاة محلّلة ، غاية الأمر أنّها لا تجوز فيها ،
__________________
(١) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٨٢.
(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : المسند إذا اجتمع به.
(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ١٩٢.
(٤) انظر ص ٣٤٨.
ويحتمل كونه كذلك على سبيل الاستحباب(١) . ففيه أنّ إطلاق التحليل على غير التسليم محل تأمّل.
أمّا الأمر في خبر حمّاد بقوله : « هكذا صلّ » مع وقوع التسليم فيه ، ففيه ما قدّمناه في الأمر ، على أنّ السلام ليس في الفقيه(٢) والطريق فيه صحيح ، وغيره الموجود فيه السلام(٣) حسن.
وممّا استدل به على الوجوب : بطلان الصلاة بزيادة ركعة أو أكثر عمدا أو سهوا ، وبطلان صلاة المسافر تماما عمدا ، مع أنّ التشهد إذا وقع وكان التسليم مستحبا ينبغي عدم الإبطال.
والجواب عن هذا بأنّ الخروج لا يتحقّق إلاّ بنيّته أو السلام أو فعل المنافي ، ففيه طلب الدليل على هذا ، بل ربّما يقال : إنّ الواجب أحدها تخييرا.
ولعلّ الأولى الجواب بأنّ التشهد إذا فرغ منه يتحقّق الخروج ما لم يقصد عدمه.
وما قد يقال : من أنّ هذا مطلوب الدليل أيضا ، يمكن الجواب بأنّ ما دلّ على البطلان في الصور المذكورة وما دلّ على ( عدم )(٤) وجوب التسليم يقتضي ذلك ، والقائل بالوجوب وأنّه خارج عن الصلاة لا بدّ له من المفرّ عن الإشكال بالبطلان مع الزيادة في الصور المذكورة.
والعجب من بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّه ذكر في حجة
__________________
(١) انظر مجمع الفائدة ٢ : ٢٨٣.
(٢) الفقيه ١ : ١٩٦ / ٩١٦ ، الوسائل ٥ : ٤٥٩ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١.
(٣) الكافي ٣ : ٣١١ / ٨ ، التهذيب ٢ : ٨١ / ٣٠١ ، الوسائل ٥ : ٤٦١ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ٢ ، وهو حسن لاشتماله على إبراهيم بن هاشم.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض ».
الوجوب إعادة المسافر إذا صلّى أربعا ، ثم قال : والحمل على ما إذا نوى الأربع ابتداء ، فالفساد سابق لا لاحق بعيد ؛ لإطلاق الحديث. ثم ذكر في جواب ( حجة الاستحباب بالخبر )(١) المبحوث عنه احتمال(٢) الوجوب والخروج عن الصلاة(٣) ، والحال أنّ اللازم مشترك.
ثمّ إنّ إطلاق النص لا ينافي كون البطلان بالسابق لا اللاحق ، بل الإطلاق يحقق المطلوب.
أمّا الاستدلال بالآية أعني قوله تعالى( وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٤) ففيه : أنّ احتمال الانقياد من التسليم ينافي الاستدلال.
وللعلاّمة في المختلف كلام في الاستدلال بحديث « تحليها التسليم »(٥) موضع نظر.
( نعم سيأتي(٦) في صلاة الخوف حديث ربّما يدل على وجوب التسليم ، وسنذكر الجواب عنه )(٧) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر المبحوث عنه يمكن أن يحمل الجلوس فيه على التشهد ، واستعمال الجلوس في التشهد شائع في الأخبار كما يعلمه من اطلع عليها ، فلا يتوجه على الشيخ ما هو ظاهر ، لكن العجب من الشيخ أنّه اعتمد هنا على أنّ الجلوس هو التشهد ، وفيما يأتي من مسألة
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : الاستحباب في الخبر.
(٢) في « فض » : باحتمال.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢٥٥ ، ٢٥٧.
(٤) الأحزاب : ٥٦.
(٥) المختلف ٢ : ١٩٤.
(٦) انظر ج ٧ : ٣٢٤.
(٧) ما بين القوسين ليس في « م ».
من زاد ركعة وجلس عقيب الرابعة اعتمد على مجرّد الجلوس كما نقل عنه(١) ، وسيأتي إن شاء الله بيان ما لا بدّ منه(٢) .
وأمّا الثاني : فقد يقال فيه : إنّ آخر الشيء قد يدخل فيه وقد لا يدخل كما يعرف من العرف وكلام أهل الأصول أيضا ، وحينئذ لا يدل الخبر على أنّ التسليم داخل ، ولو سلّم إرادة الدخول لا يدل على الوجوب أيضا ؛ لجواز تركب الصلاة من واجب وندب.
وقد ذكر بعض الأصحاب أنّ كلام الشيخ يشعر بأنّ الخروج بغير التسليم ( يعني بالشهادتين ، لكن التسليم )(٣) من تمامها(٤) . والأمر كذلك ، إلاّ أن [ كلامه محتمل لأن يريد ](٥) أنّ مفهوم الخبر عدم تحقق الخروج ( إلاّ )(٦) بالتسليم ، فيكون على جهة الفضل ، والظاهر من الخبر ذلك ، إلاّ أنّ السؤال لمّا كان عمّا وقع قبل التشهد يحتمل أن يكونعليهالسلام أراد أنّ التشهد ليس هو الآخر بل الآخر التسليم ، على معنى أنّ منتهى الأفعال إلى التسليم ، لا منتهى الأفعال التسليم ، كما يدل عليه حكم التشهد.
والحقّ أنّ الخبر لو عمل به كان له دلالة على الوجوب في الجملة ، لكن المعارض اقتضى ما ذكره الشيخ ، والقائلون بأنّ التسليم خارج يضر
__________________
(١) انظر ج ٦ : ٢٠٤.
(٢) انظر ج ٦ : ٢٠٥ ـ ٢٠٩.
(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
(٤) انظر مجمع الفائدة ٢ : ٢٨٥.
(٥) ما بين المعقوفين في « فض » : كلام مجمل لأن يريد. وفي « رض » : كلامه يحمل لأن يريد. وفي « م » ما يمكن أن يقرأ : كلام مجمل لا يزيد. ولعل الأنسب ما أثبتناه.
(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».
الخبر باستدلالهم ، فليتأمّل.
بقي في المقام شيء ، وهو أنّ جدّيقدسسره ( ذكر في مواضع )(١) أنّ قصد الوجوب بالتسليم لا يضر بالحال ، لأنّه خارج عن الصلاة(٢) ، وأراد بهذا بيان الاحتياط في قصد الوجوب.
واعترض عليه شيخناقدسسره بأنّ قصد الوجوب ممن لا يعتقد الوجوب لا وجه له ؛ إذ النيّة من باب التصديق لا التصور(٣) .
وفيه : أنّ هذا يدفع الاحتياط المطلوب في الأحكام ، ولا مانع من مجرد التصور في النيّة.
نعم ربّما يقال : إنّ قصد الرجحان المطلق أولى ؛ لأنّ فيه جمعا بين الوجوب والاستحباب في الجملة.
وقد ينظر فيه : بأنّ الفعل إذا لم يتم إلاّ به يكون واجبا فيلزم أنّ مطلق الرجحان واجب ، ويرجع حينئذ إلى قصد الوجوب.
ويمكن الجواب بأنّ الوجوب هنا غير الوجوب الأوّل ، بل هذا من باب المقدمة.
وقد ذكر بعض الأصحاب في الفرق بين الواجب أصالة والواجب من باب المقدمة أن الأوّل يتوقف على النيّة دون الثاني(٤) .
وربّما يقال : إنّ وجوب الأصل ـ ليتفرع عليه وجوب المقدمة ـ محل تأمّل ؛ لأنّ التكليف فرع المعلومية ، وتعارض الأدلة يقتضي عدم وجوب
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « م » ، وكلمة : في مواضع ، ساقطة عن « رض ».
(٢) روض الجنان : ٢٨١.
(٣) المدارك ٣ : ٤٣٨.
(٤) كما في المدارك : ٢٧.
التسليم المقتضي لعدم التكليف ، إذ الأصل العدم.
فإن قلت : التكليف بالعبادة ضروري ، وتعيّن البراءة موقوف على التسليم ؛ إذ بدونه يحتمل عدم البراءة.
قلت : ضرورية التكليف بالصلاة مسلّم ، لكن بكل جزء من أجزائها غير مسلّم ، والامتثال يتحقق بما ثبت وجوبه ، ووجوب ما لم يعلم يتوقف على الدليل.
فإن قلت : المستفاد من الأخبار [ تحقق ](١) التكليف بالتسليم ، غاية الأمر أنّ الاشتباه في الوجوب والندب ، وإذا تحقق التكليف لزم فعل ما يتحقق به سقوط التكليف.
قلت : التكليف حينئذ محل كلام ؛ لأنّ الفعل إذا لم يتعين وجوبا أو استحبابا لا نسلّم التكليف به لزوما ، إلاّ أن يقال : إنّ التكليف بمطلق الرجحان واللازم فعله ، وأمّا الوجوب فأمر زائد.
وما عساه يقال : إنّه يكفي في سقوط يقين التكليف فعل الصلاة بالواجب(٢) المحقق ولا يحتاج إلى يقين البراءة.
ففيه : أنّا قدّمنا(٣) كلاما في مثل هذا ، والحاصل أنّ سقوط يقين اشتغال الذمّة لا يكفي ، بل لا بدّ من فعل ما أعدّه الشارع.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما نقلناه عن جدّيقدسسره من أنّ التسليم خارج. هو أوّل المدّعى ، وكأنّهقدسسره نظر إلى بعض الأخبار الدال على أنّ فعل الشهادتين تتم به الصلاة ، وأنّ الحدث لا يضرّ بين التشهد والتسليم ،
__________________
(١) في النسخ : يتحقق ، والأنسب ما أثبتناه.
(٢) في « فض » : بالوجه.
(٣) راجع ص ٣٤٨ ـ ٣٤٩.
لكن لا يخفى أنّ ما دلّ على البطلان بزيادة الركعة ينافي خروج التسليم ، فلا بدّ من أن يقال باحتمال البطلان لقصد عدم الخروج كما سبق ، وإن كان يخطر في البال الآن أنّ اللازم صحة الصلاة مع الزيادة لو وقعت من غير قصد عدم الخروج ، والنص مطلق ، إلاّ أن يقال : إنّ مجرد القيام للخامسة ونحوها هو قصد عدم الخروج أو لازمه قصد عدم الخروج.
ولعلّ الأولى أن يقال : الموجب قصد عدم الخروج أو ما أشبهه مع فعل الزيادة.
وما قاله بعض(١) ـ وأظن جدّيقدسسره وافقه(٢) ـ من اعتبار قصد الخروج من الصلاة وإن قلنا بندبية التسليم ، ففيه : أنّ الدليل عليه لم نعلمه ، فإن كان من حكم الزيادة استفيد ذلك أمكن أن يقال : إنّ اللازم من الزيادة كون قصد عدم الخروج هو الموجب للبطلان أو ما أشبهه مع فعل الزيادة.
وما عساه يقال : إنّ فعل الزيادة إمّا أن يكون جزء السبب للبطلان أو لا ، فإن كان جزءا لزم أنّه لو حصلت الغفلة من دون زيادة لا تبطل الصلاة ، وإن لم يكن جزءا كان ذكره في البطلان لا فائدة له.
يمكن الجواب عنه : بأنّه جزء أو شرط ، ولزوم عدم البطلان لا مانع منه.
فإن قلت : يجوز أن يكون المبطل هو الزيادة وإن كانت قبل التسليم ، وليس هذا من قسم الزيادة في الصلاة ليلزم كون التسليم جزءا ، بل يجوز أن يكون الإبطال من الإتيان بصورة صلاة غير شرعية. وما عساه يقال : إنّ الإتيان بصورة الصلاة لو كان مبطلا لزم أنّ من سلّم أو خرج من الصلاة بغيره ولم يظهر منه ذلك وزاد ركعة تبطل صلاته. يمكن الجواب عنه : بأنّ
__________________
(١) كالعلاّمة في الإرشاد ١ : ٢٥٦ ، وحكاه عنه في روض الجنان : ٢٨١.
(٢) روض الجنان : ٢٨١.
المطلوب توجيه ما جعله الشارع مبطلا ، لا أنّ كل صورة لم تقع مشروعة بأيّ وجه كان تبطل.
قلت : هذا في غاية البعد عن قوانين الأحكام ، نعم ربّما يقال بتقدير استحباب التسليم إنّ له تعلقا بالكيفية ؛ لجواز تركب الصلاة من واجب وندب ، مثل السلام على النبي بعد التشهد ونحوه ، وحينئذ لو وقعت الزيادة أمكن كونها في الأثناء بهذا المعنى.
لكن لا يخفى أنّ هذا توجيه للنص ، فالأولى أن يقال : إنّ التسليم لو كان مستحبا لا مانع من حكم الشارع بالبطلان قبله إذا لم يفعل المصلّي شيئا من المخرجات غيره. ولزوم كون الواجب السلام أو غيره على وجه التخيير ، يمكن دفعه بأنّ المطلوب عن فعل المخرج لا لأجل وجوب الخروج ، بل لأنّ الزيادة في الصلاة من دون الخروج مبطلة فلا يكون الخروج واجبا على الإطلاق.
وفي الحقيقة هذا من قبيل تعليق الحكم على شيء في وقت من الأوقات ، فلا يكون الوجوب مشروطا دائما ولا مطلقا كذلك. وتوضيح الحال أنّ الشارع جعل الزيادة مبطلة إذا لم يقصد الخروج أو يخرج بشيء من المنافيات ، فلو اتفق انتفاء أحد هذه المذكورات وحصلت الزيادة تحقّق البطلان ، ( لا أنّ )(١) الشارع جعل قصد الخروج ونحوه واجبا دائما ، فلو تحققت الزيادة مع عدم نيّة الخروج ولو على سبيل الاتفاق أبطلت(٢) . فليتأمّل هذا فإنّي لم أجده موضحا في كلام أحد من الأصحاب ، والله تعالى أعلم بالحقائق.
__________________
(١) في « م » : لأن.
(٢) في « م » زيادة : لا أن نية الخروج لا بد منها.
قوله :
باب كيفية التسليم
أخبرني أبو الحسين بن أبي جيد القمّي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن إبراهيم الخزاز ، عن عبد الحميد بن عواض ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « إن كنت تؤمّ قوما أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك ، وإن كنت مع إمام فتسليمتين ، وإن كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة ».
عنه ، عن صفوان ، عن منصور قال : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : « الإمام يسلّم واحدة ، ومن وراءه يسلّم اثنتين ، فإن لم يكن عن شماله أحد يسلّم واحدة ».
عنه ، عن فضالة ، عن حسين ، عن ابن مسكان ، عن عنبسة بن مصعب قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل يقوم في الصف خلف الإمام وليس على يساره أحد كيف يسلّم؟ قال : « تسليمة واحدة عن يمينه ».
فامّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ومحمّد بن مسلم ومعمر بن يحيى وإسماعيل ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « يسلّم تسليمة واحدة إماما كان أو غيره ».
فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه إذا كان المأموم ليس على يساره أحد على ما فصّله في رواية منصور بن حازم وعنبسة بن مصعب ، ويزيد ذلك بياناً :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن
مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : « إذا كنت إماما فإنّما التسليم أن تسلّم على النبي صلىاللهعليهوآله وتقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ، ثم تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة : السلام عليكم (١) ، وكذلك إذا كنت وحدك تقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين مثل ما سلّمت وأنت إمام ، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت وسلّم على من على يمينك وشمالك ، فإن لم يكن على شمالك أحد فسلّم على الذين على يمينك ولا تدع التسليم على يمينك إن لم يكن على شمالك أحد ».
السند
في الأوّل : معلوم الحال ممّا تقدم(٢) ، وإبراهيم الخزاز فيه أبو أيوب إبراهيم بن عيسى أو ابن عثمان. وعبد الحميد ثقة.
والثاني : ضمير « عنه » فيه للحسين بن سعيد. ومنصور هو ابن حازم ، لتصريح الشيخ به فيما بعد(٣) .
والثالث : حسين فيه ابن عثمان ، لتكرره في الأخبار(٤) . وأمّا عنبسة فقد مضى فيه القول مفصّلا(٥) ، والحاصل أنّه مهمل في كتاب الشيخ(٦) ،
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٤٧ / ١٣٠٧ زيادة : ورحمة الله وبركاته.
(٢) في « رض » : فيما تقدم ، وعلي أي حال فإنّه قد تقدّم في ج ١ : ٤١ ، ٧٠ ، وج ٢ : ٤٢٨.
(٣) أي في ذيل الحديث الرابع ، راجع ص ٣٥٣.
(٤) راجع ج ١ : ١٨٥.
(٥) راجع ج ٢ : ١٧٨.
(٦) رجال الطوسي : ٢٦١ / ٦٣٣.
وفي الكشي عن حمدويه أنّه ناووسي واقفي(١) .
والرابع : واضح ، وإسماعيل فيه اشتراك(٢) لا يضر بالحال.
والخامس : حاله غير خفي بمحمد بن سنان وأبي بصير.
المتن :
في الأوّل : دال على أنّ الإمام يسلّم واحدة عن يمينه ، والمأموم يسلّم تسليمتين ، والمنفرد واحدة مستقبل القبلة.
والثاني : مقتضاه تسليمة واحدة للإمام على الإطلاق وتقييده بالأوّل ممكن ، كما أنّ تقييد الأوّل من جهة التسليمتين للمأموم بما إذا كان على شماله أحد كذلك.
والثالث : يؤيّد الثاني في المأموم.
والرابع : ظاهره الاكتفاء بالواحدة للجميع ، وحمل الشيخ له وجه. ويحتمل أن يراد بالتسليمة : الواحدة في الكيفية لا في الكمية ، وفيه بعد. كما أنّ احتمال أنّ الواجب واحدة على القول بالوجوب ممكن.
والخامس : كما ترى يدل على أنّ المنفرد والإمام يسلّم واحدة ، لكن مضى في الثاني أنّ المنفرد يسلّم مستقبل القبلة والإمام عن يمينه ، وهذا يقتضي أنّ كلاّ من الإمام والمنفرد يسلّم مستقبل القبلة. وما تضمنه آخره من قوله « فسلّم على الذين عن يمينك » يدل على اعتبار وجود أحد عن يمينه ، وقوله : « لا تدع » إلى آخره. في الظن أنّ لفظ « شمالك » ينبغي عوضه « يمينك » كما لا يخفى ، ويحتمل توجيهه بأنّ التسليم على الشمال موقوف
__________________
(١) رجال الكشي ٢ : ٦٥٩ / ٦٧٦.
(٢) انظر هداية المحدثين : ١٨.
على وجود أحد ( بخلاف اليمين فإنّ التسليم لا يتوقف على وجود أحد على الشمال ، أمّا توقفه على وجود أحد )(١) على اليمين فمسكوت عنه ، مع احتمال فهم العدم منه ، وستسمع الأقوال في المقام(٢) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ من المهم الكلام هنا في مقامين :
الأوّل : في تعيين المخرج من الصلاة ، فالمنقول عن المحقق في المعتبر دعوى الإجماع على الخروج بالسلام عليكم ورحمة الله(٣) ، واستدل عليه برواية علي بن جعفر المروية ( في التهذيب )(٤) صحيحا قال : رأيت إخوتي موسى وإسحاق ومحمّد بني جعفرعليهمالسلام يسلّمون في الصلاة على اليمين والشمال : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله(٥) .
ونقل عن المنتهى أنّه لا خلاف في عدم وجوب ضم « وبركاته »(٦) ( وجواز إسقاط « ورحمة الله » منقول )(٧) .
وأمّا « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين » فقيل : إنّ أكثر القائلين بوجوب التسليم لا يجعلونها مخرجة ، بل هي من التشهد(٨) . وذهب جماعة إلى التخيير في الخروج بين الصيغتين(٩) .
__________________
(١) ما بين القوسين ليس في « م ».
(٢) في ص ٣٥٧.
(٣) المعتبر ٢ : ٢٣٥.
(٤) ما بين القوسين ليس في « رض » و « م ».
(٥) التهذيب ٢ : ٣١٧ / ١٢٩٧ ، الوسائل ٦ : ٤١٩ أبواب التسليم ب ٢ ح ٢.
(٦) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٢٨٨ وهو في المنتهى ٥ : ٢٠٥.
(٧) بدل ما بين القوسين في « م » : وعن جواز إسقاط ورحمة الله منقول عن غير أبي الصلاح.
(٨) انظر المدارك ٣ : ٤٣٤ ، والحبل المتين : ٢٥٣.
(٩) منهم المحقق في المعتبر ٢ : ٢٣٤ ، العلاّمة في نهاية الإحكام ١ : ٥٠٤.
والشهيدرحمهالله في الذكرى أنكر التخيير قائلا : إنّه قول حدث من زمن المحقق وقبله بيسير(١) .
وفي البيان : إنّ العبارة الثانية لم يوجبها أحد من القدماء ، وإنّ القائل بوجوب التسليم يجعلها مستحبة كالتسليم على الأنبياء والملائكة ، غير مخرجة من الصلاة ، والقائل بندب التسليم يجعلها مخرجة(٢) . وفي الرسالة قال بالتخيير(٣) . وقد نبّه جدّيقدسسره في الروضة على اضطرابه في المسألة(٤) .
والأخبار الموجودة فيما وقفت عليه بالسلام عليكم هي ما مضى عن علي بن جعفر ، والخبر الأخير هنا المتضمن لقوله : « ثم تؤذن القوم » والخبر الحسن في الكافي في باب الأذان المتضمن للمعراج(٥) ، وما نقله في المنتهى عن جامع البزنطي ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن تسليم الإمام وهو مستقبل القبلة قال : « يقول : السلام عليكم »(٦) . وادّعى بعض الأصحاب تبادر السلام إليه(٧) .
وقد يقال : إنّ خبر علي بن جعفر يؤذن بالتقية من حيث تضمنه اليمين والشمال ، إلاّ أن يتكلف التوجيه بما قرب من الجهتين ، ومنافاته لما دلّ على وحدة سلام الإمام يمكن دفعها بالاختلاف في الفضل ، وفي الظن
__________________
(١) الذكرى : ٢٠٧.
(٢) البيان : ١٧٧.
(٣) الألفية : ٦٠.
(٤) الروضة البهية ١ : ٢٧٨.
(٥) الكافي ٣ : ٤٨٢ / ١ ، الوسائل ٥ : ٤٦٥ أبواب أفعال الصلاة ب ١ ح ١٠.
(٦) المنتهى ١ : ٢٩٦.
(٧) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٨٨.
أنّ رائحة التقيّة تشمّ منه ، وقد رووا من طرقهم أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يسلّم عن يمينه وشماله : « السلام عليكم السلام عليكم »(١) .
أمّا خبر الكافي فلا ارتياب فيه ، ودلالته على عدم تقديم السلام علينا عليه لها نوع ظهور كما يعلم من مراجعته ، وقد أوضحت الحال في رسالة مفردة.
أمّا السلام علينا فالأخبار المعتبرة بعضها دالّ على أنّه قاطع للصلاة(٢) ، وفيه نوع منافاة لكونه من المستحبات في التشهد ، وبعضها صريح في العود لأهل الخلاف(٣) ، حيث تضمن أنّ شيئين يفسد الناس بهما صلاتهم : قول الرجل( تَعالى جَدُّ رَبِّنا ) إلى أن قال : وقولهم : السلام علينا. وهذا كما ترى يدل على ما يقولونه في تشهدهم من السلام علينا قبل التشهد. ومن ثم أتى به بلفظ يفسد إذ لا يستعمل في المخرج ، وجميع هذا ذكرته فيما أشرت إليه.
أمّا خبر أبي بصير فلا يخفى أن الاعتماد عليه مشكل.
وفي رواية ابن مسكان وأبي كهمش عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : سألته عن الركعتين الأوّلتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، انصراف هو؟ قال : « لا ، ولكن إذا قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف »(٤) وهذا كما ترى يؤذن بما قلناه ، فإنّ أهل الخلاف يقولون في التشهد الأوّل : السلام عليك أيها النبي
__________________
(١) سنن البيهقي ٢ : ١٧٨ ، كنز العمال ٨ : ١٥٩ / ٢٢٣٨٠.
(٢) التهذيب ٢ : ٩٣ / ٣٤٩ ، الوسائل ٦ : ٤٢١ أبواب التسليم ب ٢ ح ٨.
(٣) التهذيب ٢ : ٣١٦ / ١٢٩٠ ، الوسائل ٦ : ٤٠٩ أبواب التشهد ب ١٢ ح ١.
(٤) التهذيب ٢ : ٣١٦ / ١٢٩٢ ، الوسائل ٦ : ٤٢٦ أبواب التسليم ب ٤ ح ٢.
والسلام علينا(١) ، وكأنّ السائل أراد بيان ما يبطل الصلاة منهما على تقدير وقوعه ، والجواب كما ترى يدل على أنّ الثاني انصراف ، ولو حمل على التشهد الأخير لم يكن مطابقا للسؤال لتضمّنه الركعتين الأوّلتين.
وينقل عن النهاية دعوى الإجماع على عدم الخروج بالسلام على النبيصلىاللهعليهوآله (٢) ، وقد تقدم ( في باب الأذان )(٣) ما قد يدل على أنّه مخرج لمن نسي الأذان والإقامة(٤) ، وذكرنا ما فيه.
وينقل عن الذكرى الإجماع على عدم وجوب الصيغتين معا(٥) .
وينبغي أن يعلم أنّ الفاضل يحيى بن سعيد نقل عنه القول بتعين السلام علينا(٦) . وعن الشيخ في المبسوط أنّه أوجب السلام عليكم وجعلها آخر الصلاة(٧) .
وما قاله بعض الأصحاب من أنّ الاحتياط في الجمع بين الصيغتين خروجا من الخلاف(٨) ، مشكل ؛ لاحتمال بطلان الصلاة لو قدّم السلام علينا عند القائل بتعين السلام عليكم وبطلانها أيضا لو قدّم السلام عليكم عند من أوجب السلام علينا ولعلّ تقديم السلام عليكم أقرب إلى الاحتياط ، ووجهه يعلم ممّا تقدم.
__________________
(١) انظر المغني ١ : ٦٠٨.
(٢) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٢٨٩ ، وانظر نهاية الأحكام ١ : ٥٠٤.
(٣) ما بين القوسين ليس في « رض ».
(٤) راجع ص ٦٢ ـ ٦٣.
(٥) الذكرى : ٢٠٨.
(٦) نقله عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٢٩١. وهو في الجامع للشرائع : ٨٤.
(٧) حكاه عنه في الذكرى : ٢٠٧ ، وانظر المبسوط ١ : ١١٦.
(٨) كالشهيد في الذكرى : ٢٠٨.
المقام الثاني : قد عرفت مفاد الأخبار في كيفية التسليم ، والمذكور في عبارات بعض الأصحاب أنّ الإمام والمأموم يسلّمان واحدة ، لكن الإمام يومئ فيها بصفحة وجهه إلى يمينه ، والمنفرد يستقبل القبلة بها ويومئ بمؤخّر عينه إلى يمينه ، وأمّا المأموم فإن لم يكن على يساره أحد يسلّم واحدة مومئا بصفحة وجهه إلى يساره(١) . واستفادة هذا من الأخبار في غاية البعد ، بل الظاهر انتفاؤه.
ثم إنّ الظاهر من « الأحد » في بعض الأخبار المذكورة الإنسان ، والشيخ صرّح به في التهذيب(٢) .
وقد حصل التردّد في وجوب الردّ فاحتمل بعض العدم ؛ للأصل ، وعدم التسمية(٣) تحية ، بل هو إيذان كما يدل عليه الخبر الأخير(٤) ، واحتمل بعض الوجوب ؛ للعموم(٥) .
وفي الفقيه : ثم تسلّم وأنت مستقبل القبلة وتميل بعينك إلى يمينك إن كنت إماما ، وإن صلّيت وحدك قلت : « السلام عليكم » مرّة واحدة وأنت مستقبل القبلة وتميل بأنفك إلى يمينك ، وإن كنت خلف إمام تأتمّ به فسلّم تجاه القبلة واحدة ردّا على الإمام ، وتسلّم على يمينك واحدة وعلى يسارك واحدة إلاّ أن لا يكون على يسارك إنسان فلا تسلّم على يسارك ، إلاّ أن تكون بجنب الحائط فتسلّم على يسارك ، ولا تدع التسليم على يمينك كان
__________________
(١) انظر النهاية : ٧٢ ، المنتهى ١ : ٢٩٧.
(٢) التهذيب ٢ : ٩٢.
(٣) في « م » : التشهد.
(٤) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٩٤.
(٥) كالشهيد في الذكرى : ٢٠٨.
على يمينك أحد أو لم يكن(١) . انتهى. ولا يخفى عليك الحال.
وفي المنتهى استدل ببعض الأخبار على بعض ما حكيناه(٢) ، والنظر فيه واضح. ولا يبعد الاعتماد في الاستحباب على قول الصدوق إن لم يكن قوله بسبب الاجتهاد ، والله تعالى أعلم بالحقائق.
اللغة :
قال بعض محققي العامة : السلام عليك أيها النبي ، معناه التعوذ باسم الله الذي هو السلام ، كما تقول : الله معك ، أي متوليك وكفيل بك(٣) . وقيل : معناه السلامة والنجاة ، كما في قوله تعالى( فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ) (٤) (٥) . وقيل : الانقياد لك ، كما في قوله تعالى( وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٦) (٧) . ( ولا يخلو بعض الوجوه من ضعف ؛ لعدم تعدي البعض بكلمة « على » إلاّ على تأمّل )(٨) .
قوله :
باب سجدتي الشكر بين فريضة المغرب ونوافلها
أخبرني الشيخ رحمهالله عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن محمّد بن عيسى ، عن حفص الجوهري
__________________
(١) الفقيه ١ : ٢١٠.
(٢) المنتهى ١ : ٢٩٧.
(٣) كما في النهاية لابن الأثير ٢ : ٣٩٣.
(٤) الواقعة : ٩١.
(٥) انظر مغني المحتاج ١ : ١٧٥.
(٦) الأحزاب : ٥٦.
(٧) كما في النهاية لابن الأثير ٢ : ٣٩٤.
(٨) ما بين القوسين زيادة من « م ».
قال : صلّى بنا أبو الحسن علي بن محمّدعليهماالسلام صلاة المغرب فسجد سجدة الشكر بعد السابعة ، فقلت له : كان آباؤك يسجدون بعد الثلاثة ، فقال : « ما كان أحد من آبائي يسجد إلاّ بعد السابعة ».
فأمّا ما رواه محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الصفّار ، عن العباس بن معروف ، عن سعدان بن مسلم ، عن جهم بن أبي جهم قال : رأيت أبا الحسن موسى بن جعفرعليهماالسلام وقد سجد بعد الثلاث الركعات من المغرب ، فقلت له : جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث ، قال : « فرأيتني؟ »(١) فقلت : نعم ، قال : « فلا تدعها ، فإنّ الدعاء فيها مستجاب ».
فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على ضرب من الاستحباب ، والاولى على الجواز ، ويكون قوله في الخبر الأوّل : « ما كان أحد من آبائي يسجد إلاّ بعد السابعة » إخبارا عن أنّهم لم يختاروا فعله ، أو يكونوا ما سجدوا على جهة الوجوب وإن كانوا سجدوا على جهة الفضل.
السند
في الأوّل : فيه حفص الجوهري ، وهو مذكور في أصحاب الجوادعليهالسلام ( من كتاب الشيخ مهملا )(٢) .
والثاني : فيه جهم بن أبي جهم ، وهو مهمل في رجال الكاظمعليهالسلام )(٣) ،
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٤٧ / ١٣٠٩ : فقال : رأيتني.
(٢) رجال الطوسي : ٤٠٠ / ١٠.
(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».
من كتاب الشيخ(١) ، وسعدان بن مسلم لا يزيد على الإهمال أيضا.
المتن :
في الأوّل : ظاهر الدلالة على مرجوحية السجود بعد الثلاثة ، بل ربما دل على نفي الاستحباب لو صحّ الخبر ، غير أنّ ما دلّ على استحباب سجدة الشكر بعد الفريضة يتناول ما بعد النوافل وقبلها ، وهو ما رواه الشيخ في التهذيب بطريق فيه محمّد بن خالد البرقي ، ووجه ما قلناه أنّه قالعليهالسلام فيه : « إنّ الله سبحانه يقول للملائكة : انظروا إلى عبدي أدّى فرضي وسجد لي شكرا » إلى آخره(٢) .
وهذا وإن أشعر بالاختصاص بالفرائض إلاّ أنّ الشمول لما بعد نوافل الفرائض لا ينافي هذا ، على أنّ أوّل الخبر يقتضي أنّ سجدة الشكر تتم بها الصلاة على الإطلاق ، وما ذكر في أثناء الرواية من الفرائض لا يفيد التخصيص.
هذا على تقدير الاختصاص بالصلاة ، وفي الفقيه روى بطريق صحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج ما يدل على عدم الاختصاص بالفرائض(٣) ، والمتن قال : « من سجد سجدة الشكر وهو متوضّئ كتب الله له بها عشر حسنات ، ومحا عنه عشر خطيئات عظام »(٤) .
__________________
(١) رجال الطوسي : ٣٤٥ / ٣.
(٢) التهذيب ٢ : ١١٠ / ٤١٥ ، وفيه : أدّى قربتي ، الوسائل ٧ : ٦ أبواب سجدتي الشكر ب ١ ح ٥.
(٣) في « م » زيادة : ولا تجدد النعم.
(٤) الفقيه ١ : ٢١٨ / ٩٧١ ، الوسائل ٧ : ٥ أبواب سجدتي الشكر ب ١ ح ١ ، بتفاوت يسير.
( وقد ذكرنا في فوائد التهذيب ما لا بدّ منه في الخبر الأوّل المنقول أولا )(١) .
والعجب من عدم تعرض بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله(٢) ـ الخبر الذي في الفقيه ، بل قال : أطبق علماؤنا على ندبية سجود الشكر عند تجدد النعم ودفع النقم ، ثم ذكر روايات غير سليمة وقال : وكما يستحب السجود لشكر النعمة المتجددة فالظاهر كما قال شيخنا الشهيد في الذكرى أنّه يستحب عند تذكّر النعمة وإن لم تكن متجددة(٣) ، ثم ذكر أخبارا غير نقية الأسانيد سوى ما رواه الشيخ في التهذيب وقد أشرنا إليه.
وأمّا الثاني : ففيه تأييد لما دلّ على السجود بعد الفريضة أو بعد الصلاة ، وحمل الشيخ في غاية البعد ، بل لا وجه له ؛ لأنّ حمل الأوّل على الجواز لا يلائمه قوله : « ما كان أحد من آبائي » لأنّ الجواز لا بد أنّ يراد به غير الإباحة ، ويراد بالاستحباب في الثاني الأفضلية ، وإذا حمل الثاني على الأفضلية لزم كون الفعل في الخبر الأوّل مرجوحا ، والمداومة منهمعليهمالسلام على المرجوح كما هو ظاهر الرواية غير معقولة(٤) . ولو أريد الإباحة في الأوّل فدفعه أظهر من أن يخفى. وأمّا الوجوب فما فيه واضح.
وفي المنتهى ـ على ما نقل عنه ـ ما يقتضي ترجيح التقديم على النوافل ، حيث استدل بالآثار الدالة على أفضلية الدعاء بعد المغرب ثم قال : فإنّ فضل الدعاء والتسبيح بعد الفريضة على الدعاء عقيب النوافل كفضل
__________________
(١) بدل ما بين القوسين في « م » : وأما الخبر الذي أشرنا إليه أولا فهو مذكور في التهذيب وقد ذكرنا في فوائد التهذيب ما لا بدّ منه فيه.
(٢) في « م » و « رض » زيادة : لعدم ذكر.
(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢٤٥.
(٤) في « رض » و « فض » : منقول.
الفرائض على النوافل ، والسجدة دعاء وتسبيح ، فالأفضل أن تكون بعد الفريضة ، وإن جعلت بعد النوافل أيضا(١) .
هذا ويمكن أن يقال : إنّ في الخبر الأوّل احتمال التقية ، لكن الأمر سهل بعد معرفة الإسنادين.
أمّا ما ورد في بعض الأخبار أنّ : « من صلّى المغرب ثم عقّب ولم يتكلم حتى صلّى ركعتين كتبت له في عليين ، فإن صلّى أربعا كتبت له حجة مبرورة »(٢) فلا دلالة له على ترجيح تأخير السجدة عن النوافل ؛ لأنّ المتبادر من الكلام : الأجنبي ، كما ذكرناه في فوائد التهذيب.
قوله :
باب وجوب الفصل بين ركعتي الشفع والوتر
الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « الوتر ثلاث ركعات ، يفصل بينهن ، ويقرأ فيهن جميعا بقل هو الله أحد ».
عنه ، عن حمّاد ، عن شعيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال : « الوتر ثلاث ركعات : ثنتين مفصولة وواحدة ».
عنه ، عن النضر ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : التسليم في ركعتي الوتر (٣) ، فقال :
__________________
(١) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ٣١٩.
(٢) التهذيب ٢ : ١١٣ / ٤٢٢ ، الوسائل ٦ : ٤٨٨ أبواب التعقيب ب ٣٠ ح ٢ ، بتفاوت يسير فيهما.
(٣) في النسخ : الفجر ، وأصلحناه كما في الاستبصار ١ : ٣٤٨ / ١٣١٢.
« توقظ الراقد وتكلم بالحاجة ».
عنه ، عن النضر ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن أبي ولاّد حفص بن سالم قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن التسليم في ركعتي(١) الوتر فقال : « نعم ، فإن كانت لك حاجة فاخرج فاقضها ثم عد فاركع ركعة ».
أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال : سألته عن الوتر أفصل أم وصل؟ قال : « فصل ».
فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن يعقوب بن شعيب قال : سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن التسليم في ركعتي الوتر ، فقال : « إن شئت سلّمت وإن شئت لم تسلّم ».
عنه ، عن النضر ، عن محمّد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمار قال : قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ( التسليم )(٢) في ركعتي الوتر ، فقال : « إن شئت سلّمت وإن شئت لم تسلّم ».
عنه ، عن محمّد بن زياد ، عن كردويه الهمداني قال : سألت العبد الصالحعليهالسلام عن الوتر ، فقال : « صله ».
فالوجه في هذه الروايات كلّها أن نحملها على ضرب من التقيّة لأنّها موافقة لمذاهب كثير من العامة ، مع أنّ مضمون حديثين منها التخيير ، وليس ذلك مذهبا لأحد ، لأنّ من أوجب الوصل لا يجوّز
__________________
(١) في النسخ : الركعتين ، وأصلحناه كما في الاستبصار ١ : ٣٤٨ / ١٣١٣.
(٢) ما بين القوسين أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٤٩ / ١٣١٦.
الفصل ، ومن أوجب الفصل لا يجوّز الوصل. ويجوز أن يكون قوله : « إن شئت سلّمت وإن شئت لم تسلّم »(١) إشارة إلى الكلام الذي يستباح بالتسليم ، لأنّ ذلك ليس شرطا فيه ، يبيّن ما ذكرناه :
ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن منصور ، عن مولى لأبي جعفرعليهالسلام قال : قال : « ركعتان إن شاء تكلم بينهما وإن شاء لم يفعل » (٢) .
السند :
في الأوّل : فيه عثمان بن عيسى ، والذي ذكرنا فيه قد تكرر. كما في أبي بصير في الثاني(٣) .
والثالث : مضى أيضا القول فيه في محمّد بن أبي حمزة من احتماله للثقة والمهمل ، وإن كان ظهور الثقة غير بعيد(٤) .
والرابع : كالثالث ، وحفص لا ارتياب فيه.
والخامس : ليس فيه إلاّ البرقي لما تقدم ( فيه من نوع كلام )(٥) .
والسادس : كأنّه واضح ، لأنّ يعقوب بن شعيب الراوي عن أبي عبد اللهعليهالسلام ثقة ، وفي الرجال يعقوب بن شعيب من رجال الباقرعليهالسلام
__________________
(١) ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٣٤٩ : إن شاء سلّم وان شاء لم يسلّم.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٤٩ / ١٣١٨ : ركعتا الوتر إن شئت تكلم بينهما وبين الثالثة وإن شئت لم تفعل.
(٣) راجع ج ١ : ٧١ و ٧٣.
(٤) راجع ج ١ : ١٤٦.
(٥) ما بين القوسين زيادة من « م » ، وعلى أي حال فإنّه تقدم في ج ١ : ٩٥.
مهملا(١) ، والرواية كما ترى. وفي البين احتمال مّا بعيد.
والسابع : كالثالث.
والثامن : فيه كردويه ، وقد مضى أنّه مجهول الحال(٢) . أمّا محمّد بن زياد فقد قدمنا احتمال كونه ابن أبي عمير وغيره موجود(٣) ، لكن الاشتراك بين ثقة وغيره واقع(٤) .
المتن :
في الأوّل : ظاهر في الفصل ، وإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين التسليم وغيره ، ودلالته على أنّ الوتر اسم للثلاث واضحة ، وأنّ القراءة بقل هو الله أحد في الثلاث ، لا ما ظنه الشيخ من القراءة في المفردة منه في بعض كتبه(٥) .
والثاني : كالأوّل.
وأمّا الثالث : فالذي يظن منه أنّ مقصود السائل عن تسليم الوتر ما هو ، والجواب حينئذ أنّه إيقاظ الراقد والتكلم بالحاجة ، وهذا لا يدل على اختصاص التسليم بما ذكره ، بل الظاهر إرادة عدم اختصاص التسليم المعهود.
والرابع : محتمل لما قلناه في الثالث ، كما يحتمل السؤال عن التسليم المعهود ، وقولهعليهالسلام بعد الجواب : « فإن كانت لك حاجة » إلى آخره.
__________________
(١) انظر رجال الطوسي : ١٤٠ / ١.
(٢) راجع ج ١ : ٢٨٣.
(٣) راجع ج ١ : ٢٨٢.
(٤) انظر هداية المحدثين : ٢٣٧.
(٥) الخلاف ١ : ٥٣٨.
إشارة إلى عدم لزوم الركعة الثالثة بعد التسليم.
والخامس : واضح.
أمّا السادس : فالذي يظن منه بعد ما قدّمناه في الثالث ظاهر ؛ إذ المراد حينئذ أنّ التسليم المعهود إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله.
وما عساه يتخيل حينئذ أنّ مقتضاه لزوم التسليم المشهور في غير الوتر فيدل على الوجوب ، يدفعه أنّ إرادة رجحان فعله في غير الوتر ممكنة.
إلاّ أن يقال : إنّ الرجحان في الوتر أيضا مراد ، إذ رجحان الكلام عليه غير معقول.
وفيه : أنّه لا مانع منه ، لكن لا برجحان غيره ، بل بالمساواة ، على أنّ غير الوتر يدخل فيه النوافل ولا وجوب فيها ، فلا بدّ من إرادة الرجحان.
وما ذكره الشيخ لا يخفى بعده ، فإنّ الظاهر منه الكلام بعد السلام ، ولو حمل على ما قلناه أمكن لكن العبارة لا تساعد عليه.
أمّا قول الشيخ : إنّ مضمون الحديثين ، إلى آخره. فالظاهر أنّ مراده أهل الخلاف ، والذي يقتضيه كلام بعضهم التخيير(١) ، ولو أراد الأصحاب فالقائل بوجوب الوصل غير معلوم لنا. وعلى ما قلناه في الخبرين الأوّلين يتضح معنى الخبرين المذكورين ؛ لأنّ التسليم لا رجحان له في الوتر على غيره من الكلام ونحوه.
وينبغي أن يعلم أنّ في كلام بعض محققي المتأخرينرحمهالله أنّ الظاهر التخيير في الفصل والوصل ، والمشهور الأوّل ، إلى أن قال بعد ذكر اختلاف
__________________
(١) انظر المهذب في فقه الشافعي ١ : ٨٣.
الأخبار : والجمع بالتخيير حسن كما هو مذهب العامة ولكن لم أعرفه مذهبا للأصحاب(١) . انتهى. وفيه دلالة على ما قدّمناه ، لكن اختيار التخيير مع عدم القائل المعلوم مستغرب ، والاحتياط سهل إن شاء الله تعالى.
قوله :
باب كراهية النوم بين ركعتي الفجر وبين صلاة الغداة.
محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن علي بن محمّد القاساني ، عن سليمان بن حفص المروزي قال : قال أبو الحسن الأخيرعليهالسلام : « إيّاك والنوم بين صلاة الليل والفجر ، ولكن ضجعة بلا نوم ، فإنّ صاحبه لا يحمد على ما قدّم من صلاته ».
فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد وعبد الله ابني محمّد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن عبد الله بن بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال : « إنّما على أحدكم إذا انتصف الليل أن يقوم فيصلّي صلاته جملة واحدة ثلاث عشر ركعة ، ثم إن شاء جلس فدعا ، وإن شاء نام ، وإن شاء ذهب حيث شاء ».
فهذه الرواية جاءت رخصة ورفعا للحظر ، والأفضل ترك النوم على ما تضمنته الرواية الأولى.
السند :
في الأوّل : فيه علي بن محمّد القاساني ، ولم يوثقه النجاشي(٢) ،
__________________
(١) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٣٧.
(٢) رجال النجاشي : ٢٥٥ / ٦٦٩.
والشيخ كلامه فيه لا يخلو من شيء ، ويظهر منه التوثيق والتضعيف(١) ، ويمكن أن يقال : إنّ عدم استثنائه من روايات محمّد بن أحمد بن يحيى يقتضي قبوله ، وفيه ما فيه. وسليمان بن حفص مجهول الحال.
والثاني : موثق على ما مضى القول فيه مكررا في عبد الله بن بكير(٢) .
المتن :
في الأوّل : كما ترى فيه الفجر ، وهو محتمل لصلاة الصبح وركعتي الفجر ، إلاّ أنّ الشيخ فهم منه صلاة الغداة ، وعلى ذلك المعروفون من الأصحاب ( ولا يبعد ظهوره ، نظرا إلى أنّ صلاة الليل ثلاث عشر ركعة في الأخبار )(٣) .
وفي الفقيه : اضطجع بين ركعتي الفجر وركعتي الغداة على يمينك مستقبل القبلة وقل ، إلى آخره(٤) .
والظاهر من الرواية الضجعة بين صلاة الليل وركعتي الفجر ، وعبارة الصدوق تضمنت بين ركعتي الفجر وركعتي الغداة ، وهي تتناول من صلّى صلاة الليل ومن لم يصلّ.
وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه متوجه(٥) .
__________________
(١) رجال الطوسي : ٤١٧ / ٩ و ١٠.
(٢) راجع ج ١ : ١٢٥.
(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
(٤) الفقيه ١ : ٣١٣.
(٥) في « م » زيادة : ولا يخفى أنّ العنوان لو جعل مطابقا للرواية الأولى كان أولى.
وما تضمنه الخبر الأوّل من أنّه لا يحمد على ما قدّم ، لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ عدم الحمد إن أريد سقوط الثواب بمجرد النوم فهو واضح الإشكال ، ولو أريد النقص فيه بلفظ لا يساعده التوجيه ، يمكن.
قوله :
باب كراهية النوم بعد صلاة الغداة
محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي جعفر ، عن أبي ( الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن عاصم بن أبي النجود الأسدي ، عن ابن عمر )(١) ، عن الحسن بن علي قال : « سمعت أبي علي بن أبي طالبعليهالسلام يقول : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أيّما امرئ مسلم جلس في مصلاّه الذي صلّى فيه الفجر يذكر الله حتى تطلع الشمس كان له من الأجر كحاج بيت الله وغفر له ، وإن جلس فيه حتى تكون ساعة تحلّ فيها الصلاة فصلّى ركعتين أو أربعا غفر له ما سلف وكان له من الأجر كحاج بيت الله ».
وروى العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهماالسلام قال : سألته عن النوم بعد الغداة ، فقال : « إنّ الرزق يبسط تلك الساعة فأنا أكره أن ينام الرجل تلك الساعة ».
وقال الصادقعليهالسلام : « نومة الغداة مشومة تطرد الرزق ، وتصفر اللون ، وتقبحه ، وتغيره وهو نوم كل ميشوم ، إنّ الله تعالى يقسم الأرزاق ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ».
فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن موسى بن عمر ، عن معمر بن خلاد قال : أرسل إليّ أبو الحسن الرضاعليهالسلام في حاجة ،
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».
فدخلت عليه فقال : « انصرف فإذا كان غدا فتعال ، ولا تجيء إلاّ بعد طلوع الشمس ، فإنّي أنام إذا صلّيت الفجر ».
عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن سالم بن أبي خديجة ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال : سأله رجل وأنا أسمع فقال : إنّي أصلّي الفجر ثم أذكر الله بكل ما أريد أن أذكره ممّا(١) يجب عليّ ، أريد أن أضع جنبي فأنام قبل طلوع الشمس فأكره ذلك قال : « فلم؟ »(٢) قال : أكره أن(٣) تطلع الشمس من غير مطلعها ، قال : « ليس بذلك خفاء ، انظر من حيث يطلع الفجر فذلك مطلع الشمس ، ليس عليك من حرج أن تنام إذا كنت قد ذكرت الله ».
فالوجه في هاتين الروايتين ضرب من الرخصة وإن كان الأفضل ما قدّمناه.
السند :
في الأوّل : فيه أبو الجوزاء ، وهو المنبه بن عبد الله ، وقد قال النجاشي : إنّه صحيح الحديث(٤) . لكن لا يدرى المراد بصحة الحديث ، هل هو مطلق الرواية أو الحديث المثبت في أصله أو كتابه؟ ومع الاحتمال لا يفيد في غير هذا المقام ، أمّا هنا فالحسين بن علوان عامي ، وعمرو بن خالد نحوه ، وعاصم مجهول.
__________________
(١) في الاستبصار ١ : ٣٥٠ / ١٣٢٤ : ما.
(٢) في الاستبصار ١ : ٣٥٠ / ١٣٢٤ : ولم.
(٣) في الاستبصار ١ : ٣٥٠ / ١٣٢٤ : بأن.
(٤) رجال النجاشي : ٤٢١ / ١١٢٩.
والثاني : فيه عدم الطريق إلى العلاء في المشيخة ، وفي الفهرست لا يفيد هنا ، لكن الرواية في الفقيه بهذه الصورة(١) ، والطريق إلى العلاء صحيح مع ثقته ومن معه.
والثالث : مرسل ، وهو في الفقيه كذلك(٢) .
أمّا الرابع : ففيه موسى بن عمر ، وهو الصيقل ، لرواية محمّد بن علي ابن محبوب عنه في الرجال(٣) ، وحاله لا يزيد على الإهمال. ومعمر ابن خلاد ثقة.
والخامس : فيه سالم بن أبي خديجة ، وهو مهمل في رجال الصادقعليهالسلام من كتاب الشيخ(٤) ، وما في كلام البعض من التوثيق والتعدد(٥) موهوم في الظاهر. أمّا عبد الرحمن بن أبي هاشم فهو ثقة.
المتن :
في الأوّل : واضح ، إلاّ أنّه ربّما كان في آخره أمارة عدم الصحة ، من حيث قوله : « حتى تكون ساعة تحل فيها الصلاة » فإنّ هذا مذهب أهل الخلاف في صلاة الفجر(٦) ، إذ الظاهر من ساعة حلّ الصلاة ارتفاع الشمس ، واحتمال الزوال بعيد مخالف لظاهر الصلاة ركعتين ، والناقل كما ترى ابن عمر.
__________________
(١) الفقيه ١ : ٣١٧ / ١٤٤٣.
(٢) الفقيه ١ : ٣١٨ / ١٤٤٥.
(٣) انظر الفهرست : ١٦٣ / ٧٠٩.
(٤) رجال الطوسي : ٢٠٩ / ١١٦.
(٥) انظر رجال ابن أبي داود : ١٠٠ / ٦٦٨.
(٦) انظر المهذب في فقه الشافعي ١ : ٩٢.
والثاني : كما ترى ظاهر الدلالة ، إلاّ أنّ ما دلّ من معتبر الأخبار على(١) أنّ « الرزق كالموت لا ينفع الفرار منه » يقتضي عدم ضرورة النوم به ، ولعلّ المراد بالرزق الزائد عمّا فيه الحياة ، أو تقييد تلك الأخبار بما تضمنه هذا الخبر.
والثالث نحوه.
أمّا الرابع : فتوجيه الشيخ له ممكن.
والخامس : لا يخلو من إجمال وغرابة ، والذي يظهر من كتب أهل الخلاف في الحديث أنّ طلوع الشمس من غير مطلعها علامة قيام الساعة(٢) ، فلا يبعد أن يكون الرجل سمع من أحدهم هذا فاعتقد صحته ، أو أنّ السائل منهم فدفع وهمهعليهالسلام بما يقرب من عقله.
ويحتمل أن يكون كناية عمّا ذكره بعض الأصحاب من علامات خروج القائمعليهالسلام التي من جملتها طلوع الشمس من المغرب(٣) ، فأراد السائل الخوف من خروجهعليهالسلام ولم يعلم ، فأزاحعليهالسلام وهمه بأنّ مطلع الشمس معلوم. وفيه(٤) دلالة على ما قاله بعضهم من أنّ طلوع الشمس من المغرب كناية عن الإمامعليهالسلام ؛ فإنّ ظهورهعليهالسلام من المغرب في بعض الآثار(٥) ، وحينئذ حاصل الجواب دفع الحقيقة من مطلع الشمس ، ويحتمل غير ذلك ، لكنه في حيّز البعد ، والله تعالى أعلم بالحال.
__________________
(١) انظر الكافي ٢ : ٥٧ / ٢ ، ١ وكلمات المحقّقين خراجية فاضل القطيفي : ٢٤٦.
(٢) صحيح مسلم ٤ : ٢٢٢٥ / ٣٩.
(٣) انظر إرشاد المفيد ٢ : ٣٧١ ، روضة الواعظين : ٢٦٢.
(٤) في « فض » زيادة : حينئذ.
(٥) إلزام الناصب ٢ : ١٣٣ ـ ١٣٤.
فهرس الموضوعات
أبواب القبلة ٥
باب من اشتبه عليه القبلة في يوم غيم٥
باب من صلّى إلى غير القبلة ثم تبيّن ١٤
بعد ذلك قبل انقضاء الوقت وبعده ١٤
باب الصلاة في جوف الكعبة٣١
أبواب الأذان والإقامة٣٦
باب الأذان والإقامة في صلاة المغرب ٣٦
وغيرها من الصلوات ٣٦
باب الكلام في حال الإقامة٤٤
باب الأذان جالسا أو راكبا ٥٢
باب من نسي الأذان والإقامة حتى صلّى أو دخل فيها٥٥
باب عدد الفصول في الأذان والإقامة٦٦
باب القعود بين الأذان والإقامة في المغرب ٨٠
أبواب كيفيّة الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ٨٧
باب وجوب قراءة الحمد ٨٧
باب الجهر ببسم الله الرحمن الرّحيم٩٧
باب وجوب الجهر في القراءة١٢٠
باب الجهر في النوافل بالنهار١٣٠
باب أنّه لا يقرأ في الفريضة١٣٢
بأقلّ من سورة ولا بأكثر منها١٣٢
باب القران بين السورتين في الفريضة ١٥٥
باب النهي عن قول آمين بعد الحمد ١٦٦
باب من قرأ سورة من العزائم التي في آخرها السجود ١٧٣
باب الحائض تسمع سجدة العزائم ١٧٧
باب إسماع الرجل نفسه القراءة١٨٠
باب التخيير بين القراءة والتسبيح في الركعتين الأخيرتين ١٨٣
أبواب الركوع والسجود١٩٩
باب أقل ما يجزئ من التسبيح في الركوع والسجود١٩٩
باب تلقي الأرض باليدين لمن أراد السجود٢١٨
باب السجود على الجبهة٢٢٤
باب الإقعاء بين السجدتين ٢٣٢
باب من يقوم من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية ٢٣٦
باب وضع الإبهام في حال السجود٢٣٩
باب النفخ في موضع السجود في حال الصلاة٢٤٤
باب من يسجد فتقع جبهته على موضع مرتفع ٢٤٧
باب السجود على القطن والكتان ٢٥٣
باب السجود على القير والقفر٢٦٨
باب السجود على القرطاس فيه كتابة٢٧٣
باب السجود على شيء ليس عليه سائر البدن ٢٧٧
باب السجود على الثلج ٢٧٩
[ أبواب القنوت وأحكامه ] ٢٨٢
باب رفع اليدين بالتكبير إلى القنوت في الصلوات الخمس ٢٨٢
باب السنّة في القنوت ٢٨٨
باب وجوب التشهد وأقل ما يجزئ منه٣١٠
باب وجوب الصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله في التشهد ٣٢٧
باب قضاء القنوت ٣٣٥
باب أنّ التسليم ليس بفرض ٣٤١
باب كيفية التسليم٣٥٣
باب سجدتي الشكر بين فريضة المغرب ونوافلها٣٦١
قوله :٣٦٥
باب وجوب الفصل بين ركعتي الشفع والوتر٣٦٥
المتن :٣٦٨
قوله :٣٧٢
باب كراهية النوم بعد صلاة الغداة٣٧٢
السند :٣٧٣