إستقصاء الإعتبار الجزء 6

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
متون حديثية
ISBN: 964-319-178-8





قوله :

أبواب السهو والنسيان‌

باب من نسي تكبيرة الافتتاح‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن بكير ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبّر حتى افتتح الصلاة قال : « يعيد الصلاة ».

عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح ، قال : « يعيد ».

عنه ، عن فضالة ، وصفوان ، عن العلاء ، عن محمد ، عن أحدهماعليهما‌السلام : في الذي يذكر أنّه لم يكبّر في أوّل صلاته ، فقال : « إذا‌


استيقن أنّه لم يكبّر فليعد ، ولكن كيف يستيقن؟! ».

أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن ذريح بن محمد المحاربي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر حتى قرأ ، قال : « يكبّر ».

عنه ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلاة حتى يركع ، قال : « يعيد الصلاة ».

السند‌ :

في الجميع ظاهر ممّا قدّمناه(١) ، غير أنّه ينبغي أنْ يعلمأوّلاً : أنّ جدّيقدس‌سره في دراية الحديث وثّق أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد(٢) ، ومأخذ ذلك لم أعلمه إلاّ من تصحيح العلاّمة بعض الطرق الموجود فيها ، وقد سبق في هذا كلام ، واحتمال الالتفات إلى أنّ أحمد بن محمد من الشيوخ يوجب عدم الفرق بينه وبين غيره من الشيوخ كما لا يخفى ، واحتمال الالتفات إلى إيثار الشيخ الرواية عن أحمد على غيره في هذا الكتاب والتهذيب ، فيكون الاعتماد عليه من الشيخ ، محل تأمّل يعرف من الممارسة لطرق الشيخ ، مضافاً إلى مشاركة غيره ، فليتأمّل.

وثانياً : أنّ جميل المذكور ، في الظاهر أنّه ابن درّاج ؛ لأنّ الراوي عنه ابن أبي عمير في الرجال(٣) ، وحاله في الجلالة أظهر من أنْ يبيّن ، واحتمال‌

__________________

(١) راجع ص ١١٥٣ ، ٣٩ ، ٧٦ ، ١٢٢٩ ، ١٠٤.

(٢) الدراية : ١٢٨.

(٣) انظر رجال النجاشي : ١٢٦ / ٣٢٨.


ابن صالح لما يظهر من النجاشي أنّ ابن أبي عمير يروي عنه ممكن لولا ما في النجاشي من نوع ارتياب ؛ لأنّه قال : ابن صالح الأسدي ثقة وجه ، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام ، ذكره أبو العباس في كتاب الرجال ، روى عنه سماعة وأكثر ( ما يروى عنه )(١) نسخة رواية الحسن بن محبوب أو محمد بن أبي عمير ، طريق القميين إليه ما أخبرني به الحسين بن عبيد الله إلى أن قال عن الحسن بن محبوب عنه به ، وأمّا رواية الكوفيين فأخبرنا محمد بن عثمان إلى أن قال عن ابن أبي عمير عنه به(٢) .

ولا يخفى أنّ قوله أوّلاً : أو محمد بن أبي عمير ، ثم قوله : طريق القميين إلى قوله : وأمّا رواية الكوفيين ، يقتضي التردد في الأوّل بالنسبة إلى الراوي عن جميل ، والجزم في الثاني بأنّ الراوي كل من الرجلين عنه. ولا يبعد أن يكون النجاشي متوقفاً في الراوي على التعيين ، ووجه التوقف كون القميين يروون عن الحسن بن محبوب عنه ، والكوفيين عن ابن أبي عمير عنه ، إلاّ أنّه غير خفي إمكان الجمع بين الأمرين فلا وجه للتوقف من هذه الحيثية ، ولا يبعد أن يكون « أو » في النسخة التي وقفت عليها وإن تكثرت(٣) غير صحيحة ، وإنّما هي رواية الحسن بن محبوب وابن أبي عمير ، ثم إنّه ذكر رواية القميين والكوفيين لبيان أنّ الروايتين مختلفتان من جهة الرواة.

ثم إنّ قوله : روى عنه سماعة وأكثر ما يروى عنه نسخة ، إلى آخره. لا يخلو من إجمال أيضاً ؛ لأنّ لفظ « نسخة » إمّا أن يكون جمعاً أو مفرداً ،

__________________

(١) في المصدر : ما يُرى منه.

(٢) رجال النجاشي : ١٢٧ / ٣٢٩.

(٣) في « رض » : تكرّرت.


وعلى التقدير فسماعة في أوّل الكلام ظاهر في أنّه يروي عن جميل ، وقوله : وأكثر ما يروي ، إنْ رجع إلى سماعة على معنى أنّ أكثر ما يروي عنه سماعة نسخة رواية الحسن بن محبوب ، إلى آخره. ففيه : أنّ سماعة غير مذكور في الطرق إلى الحسن بن محبوب وابن أبي عمير ، وإنْ كان فاعل يروي مجهولاً « ونسخة » نائب الفاعل يشكل بأنّ الحسن بن محبوب وابن أبي عمير معلومان ، على أنّ ذكر رواية الحسن خالية من الفائدة ، فليتأمّل.

ثم إنّ التوثيق من النجاشي ربما يظن رجوعه إلى أبي العباس ، وفيه اشتراك(١) كما تقدم بيانه بين ابن نوح وابن عقدة ، وإن كان احتمال ابن نوح له قرب ، حيث إنّه شيخ النجاشي ، مع احتمال أن يعود ضمير « ذكره » لكونه روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليهما‌السلام .

وأمّا ثالثاً : فذريح كما ترى في السند ابن محمد ، وهو كذلك في النجاشي(٢) ، وفي الفهرست ذريح المحاربي(٣) ، وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ ذريح بن يزيد المحاربي(٤) ، والنجاشي قال : ذريح بن محمد بن يزيد(٥) ، والأمر سهل كما لا يخفى ؛ إذ لا ريب في الاتحاد ، والاختلاف في النسبة كثير الوقوع.

وما عساه يقال : إنّ الشيخ قد وثق الرجل في الفهرست(٦) ، والنجاشي لم يذكر توثيقه(٧) ، ومن المستبعد اطلاع الشيخ على ما لم يطلع‌

__________________

(١) انظر هداية المحدثين : ٢٨٨.

(٢) رجال النجاشي : ١٦٣ / ٤٣١.

(٣) الفهرست : ٦٩ / ٢٧٩.

(٤) رجال الطوسي : ١٩١ / ١.

(٥) رجال النجاشي : ١٦٣ / ٤٣١.

(٦) الفهرست : ٦٩ / ٢٧٩.

(٧) رجال النجاشي : ١٦٣ / ٤٣١.


عليه النجاشي ، يمكن الجواب عنه ، لكن لا يخفى أنّ للكلام مجالاً.

وفي الفقيه روى في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال : أتيت أبا عبد اللهعليه‌السلام فقلت : جعلني الله فداك [ ما معنى ] قول الله عز وجل( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) ؟ قال : « أخذ الشارب وقصّ الأظفار وما أشبه ذلك » قال : قلت : جعلت فداك فإنّ ذريحاً المحاربي حدّثني عنك أنك قلت( لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) لقاء الإمام ،( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) تلك المناسك ، قال : « صدق ذريح وصدقت ، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟! »(١) .

وقد كان الوالدقدس‌سره يعتمد على ذريح بسبب انضمام الخبر المذكور إلى توثيق الشيخ بناءً على أصله من اعتبار تزكية الشاهدين في الراوي(٢) .

وربما يقال عليه : إنّ الأصل على تقدير تمامه يشكل الاعتماد على الرجل بهذه الرواية ؛ لأنّ الشيخ إذا استبعد اطلاعه على ما لم يطلع عليه النجاشي فالرواية لا تدل على التوثيق المعتبر في الرواية ، ولا يخفى إمكان الجواب بعد ملاحظة كنه الرواية ، أمّا تمامية اعتماد الوالدقدس‌سره فلا يخلو من تأمّل.

ولهقدس‌سره كلام في الأصل المذكور أوضحه في المنتقى والمعالم(٣) ، إلاّ أنّه محل بحث ؛ لا لما ذكره بعض محققي المعاصرين سلّمه الله حيث أتى الوالدقدس‌سره بأنّ التزكية ( شهادة فيعتبر )(٤) فيها التعدد كغيرها من‌

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٩٠ / ١٤٣٧ ، ما بين المعقوفين من المصدر. والآية في سورة الحج : ٢٩.

(٢) منتقى الجمان ١ : ١٦.

(٣) منتقى الجمان ١ : ١٦ ، معالم الدين : ٢٠٤.

(٤) بدل ما بين القوسين في « فض » : زيادة فيفسر.


الأحكام(١) . فاعترض عليه بأنّ هذه الدعوى غير بيّنة ولا مبيّنة(٢) ؛ لإمكان الجواب بأنّ الدعوى بيانها موكول ( إلى جوابه عن حجة المكتفي بالواحد ، وقد يؤيّده(٣) النهي )(٤) عن اتباع الظن بقول مطلق ، فإذا خرج منه شهادة الشاهدين بالإجماع بقي ما عداه ، ومن جملته تزكية الواحد ، وعموم الآية بسبب المفهوم يخص بما ذكر.

وما قد يقال : إنّ آيات النهي عن الظن مخصوصة بالعقائد ، فيه : أنّ بعضها ممكن فيه ذلك للسياق ، أمّا جميعها فلا.

وما عساه يقال : إنّ النهي عن الظن فيها يقتضي عدم العمل بها لإفادتها الظن ، قد ذكرنا جوابه ( في أول الكتاب وغيره مما حاصله أن التخصيص ممكن بالنهي عن اتباع الظن في غيرها جمعاً.

بل إنّما(٥) وجه البحث احتمال كون التزكية خبراً فيدخل في مفهوم آية( إِنْ جاءَكُمْ ) وفيه إشكال ذكرناه في الرسالة المفردة )(٦) وهذا البحث وإن كان موضعه بالذات الأُصول ، إلاّ أنّ له مناسبة هنا.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الضمير في قوله : عنه عن الحسن بن علي ابن يقطين ، في الظاهر يرجع إلى أحمد بن محمد بن عيسى ، وفي التهذيب « وعنه » بالواو بعد أن سبق منه : وعنه عن فضالة ، وعنه عن ابن‌

__________________

(١) منتقى الجمان ١ : ١٧.

(٢) انظر الحبل المتين : ٢٧١.

(٣) في « رض » و « فض » زيادة : من.

(٤) بدل ما بين القوسين في « م » : إلى ما أجاب به عن حجة المكتفي بتزكية الواحد كما أوضحنا القول فيه في رسالة مفردة ويؤيد قول الوالدقدس‌سره وجود النهي.

(٥) في « فض » : إتمام.

(٦) بدل ما بين القوسين في « م » : في مواضع وتمام القول في الرسالة المشار إليها.


أبي عمير(١) ، وقد يظن منه العود إلى الحسين بن سعيد ، والضمير في « عنه » أوّلاً هنا للحسين بن سعيد ، ومن الرجال لا يستفاد رواية أحمد بن محمد ابن عيسى عن الحسن ولا الحسين بن سعيد عن الحسن ، لكن المرتبة قريبة ، والأمر سهل على كل حال.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على إعادة الصلاة بنسيان تكبيرة الافتتاح ، وظاهر العلاّمة في المنتهى دعوى الإجماع على ذلك(٢) . وقد ينظّر في الإجماع ( بأنّ ظاهر الصدوق في الفقيه العمل بمضمون الخبر الآتي كما سنذكره(٣) ، إلاّ أن يقال : الإجماع )(٤) بعد الصدوق ، وفيه ما فيه. وما تضمنه الخبر من قوله : حتى افتتح ، كأنّ المراد به حتى شرع في القراءة ، ويحتمل إرادة التوجه المطلوب في أوّل الصلاة ، ويحتمل أن يكون المراد نسيان تكبيرة الافتتاح والتعبير بلفظ « حتى » قابل للتوجيه ، وفي بعض النسخ « حين » ولا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ الأكثر ما نقلناه.

والثاني : واضح الدلالة على البطلان مع النسيان.

والثالث : كذلك ، إلاّ أنّ قولهعليه‌السلام : « ولكن كيف يستيقن » قيل إنّه استفهام إنكاري يتضمن استبعاد عدم التكبير ، وله وجه ، غير أنّه يحتمل أن يراد أنّ ترك السبع تكبيرات جملةً مستبعد ، فإذا أوقع بعضها كفى ، وفيه‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٤٣ / ٥٦٠.

(٢) المنتهى ١ : ٤٠٨.

(٣) انظر ص ١٧٦٠.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


ما يأتي.

والرابع : واضح الدلالة على إعادة التكبير إذا نسيه حتى قرأ ، أمّا إعادة القراءة فلا دلالة فيه عليها ، كما لا دلالة له على الإعادة بعد الركوع.

والخامس : يدل على الإعادة بعد الركوع ، فيخص به غيره في الجملة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبرين الأوّلين تضمّنا الإعادة مع النسيان ، وقد يستفاد منهما الإعادة مع العمد بطريق أولى لو احتيج الأمر إلى ذلك وعملنا بمفهوم الموافقة.

والثاني : تضمن نسيان تكبيرة الافتتاح ، وفيه دلالة على أنّه لا بدّ من قصد الافتتاح بواحدة من السبع ، أو لا بدّ من الإتيان بالسبع لتكون تكبيرة الافتتاح في جملتها ، فلا يتحقق نسيانها ، ويحتمل ادعاء ظهور إرادة الأوّل من النسيان.

وما عساه يقال : إنّ ما دلّ من بعض الأخبار على أنّ من أراد الصلاة يكبّر بعد الإقامة ثلاثاً واثنتين واثنتين ثم يقول : وجّهت وجهي ، إلى آخره. يدل على أنّ مجرد فعل السبع كافٍ في الصحة من دون قصد الافتتاح ، لأنّهعليه‌السلام بيّن للحلبي كيفية الدخول في الصلاة(١) ، فلو كان القصد بالتكبيرة للافتتاح واجباً لذكره.

يمكن الجواب عنه بأنّ متن الرواية المذكورة « إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطها بسطاً ثم كبّر ثلاث تكبيرات ثم قل » إلى آخره. ولا يبعد استفادة قصد الافتتاح في الأوّل من قوله : « إذا افتتحت الصلاة » إذ‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣١٠ / ٧ ، التهذيب ٢ : ٦٧ / ٢٤٤ ، الوسائل ٦ : ٢٤ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٨ ح ١.


المراد أردت افتتاح الصلاة ، وهذا القصد كاف ، والمستفاد من معتبر الأخبار أنّ الاولى تكبيرة الافتتاح ، وحينئذ يتم المطلوب.

وقد يقال : إنّ غاية ما يدل عليه الخبر إرادة الافتتاح بمجموع التكبيرات بتقدير فهم القصد ، والقائل بالاكتفاء في تكبيرة الافتتاح بهذا غير معلوم ، ولو سلّم فالخبر تضمن مجموعة ذكر السبع ، فلا دلالة فيه على تعيين الاولى.

وعلى تقدير إرادة الافتتاح من التكبير الأوّل لا دلالة على الاولى ، والخبر المتضمن للأُولى وهو خبر زرارة(١) المتضمن لقصة الحسينعليه‌السلام لا يخلو من إجمال كما يعلم من مراجعته في حاشية التهذيب.

ثم إنّ في الخبر المنقول عن الحلبي « ثم تكبر تكبيرتين ، ثم تقول : وجّهت وجهي » إلى آخره وغير خفي أنّ التكبير مرّتين يتناول الإتيان بهما بالوصل في الثانية والقطع ، فما قاله شيخناقدس‌سره (٢) من أنّ الآتي بالنيّة لفظاً إن وصل خالف المنقول ، وإن قطع خالف اللغة ( مع المقارنة وبدونها بطلت صلاته )(٣) محل تأمّل يعرف وجهه ممّا قلناه.

نعم في بعض الأخبار الإتيان بالتكبير بالقطع ، وهو لا ينافي غيره ، وإذا تحققت هذا يتضح لك ما أشرنا إليه من الاحتمال في قولهعليه‌السلام : « وكيف يستيقن » في الخبر الثالث.

أمّا ما تضمنه الخبر الثالث أيضاً من قوله : إنّه لم يكبّر في أوّل صلاته ، إلى آخره. فمحتمل لأن يراد بالأوّل أوّل أفعال الصلاة الواجبة ،

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٩٩ / ٩١٨ ، الوسائل ٦ : ٢١ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٧ ح ٤.

(٢) المدارك ٣ : ٣١٩ ٣٢٠.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


فيدل على أنّ تكبيرة الافتتاح الأخيرة من السبع ، ويحتمل أن يراد بالأوّل بعد الإقامة فلا يدل ( على ما دل )(١) عليه الاحتمال الأوّل ، لكنه يدل على أنّ الإتيان بتكبيرة الافتتاح في أحد السبع كافٍ ، إلاّ أن يحمل على إرادة عدم التعرض للسبع.

وعلى تقدير الاحتمالين لا صراحة للخبر في الدلالة على أنّ الأخيرة من السبع تكبيرة الإحرام ، وقد يدعى الظهور ، فما ذكره بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله من عدم الوقوف على ما يقتضي ذلك(٢) ، محل تأمّل ، مضافاً إلى ما ذكرناه في حاشية التهذيب من دلالة بعض الأخبار أيضاً ، فليتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل ينسى أن يكبّر حتى دخل في الصلاة ، قال : « أليس كان من نيته أن يكبّر؟ » قلت : نعم ، قال : « فليمض في صلاته ».

سعد ، عن أبي جعفر ، عن علي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قلت له : الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح فقال : « إن ذكرها قبل الركوع كبّر ثم قرأ (٣) ، وإن ذكرها في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٢١.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٥٢ / ١٣٣١ زيادة : ثم ركع.


الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة وبعد القراءة » قلت : فإن ذكرها بعد الصلاة ، قال : « فليقضها ولا شي‌ء عليه ».

علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن الحسين بن عثمان ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل قام في الصلاة ونسي أنْ يكبّر فبدأ بالقراءة ، قال : « إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر ، وإن ركع فليمض في صلاته ».

فالوجه في هذه الأخبار أنْ نحملها على من يشك في تكبيرة الافتتاح ولا يذكرها ذكراً يقيناً ، فإنّه إذا كانت هذه حاله فإنّه يكبّر ما لم يركع استظهاراً ، فإذا ركع مضى في صلاته لأنّه قد انتقل إلى حالة اخرى ، ولو كان [ علم(١) ] علماً يقينا لكان عليه إعادة الصلاة حسب ما قدّمناه في الأخبار الأوّلة.

السند‌ :

في الجميع قدّمنا في رجاله ما فيه كفاية عن الإعادة(٢) .

فالأوّل صحيح. وكذا الثاني على ما قدّمناه في حريز(٣) ، وأبو جعفر فيه أحمد بن محمد بن عيسى على ما مضى القول(٤) فيه نقلاً عن العلاّمة في الخلاصة(٥) . ووجود رواية في الكافي مشتمل سندها على سعد عن‌

__________________

(١) ما بين المعقوفين أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٥٢.

(٢) راجع ص ١٣٥٠ ، ٣٩ ، ٥١.

(٣) راجع ص ٣٨.

(٤) راجع ص ١٢١.

(٥) الخلاصة : ١٣ و ١٤.


أبي جعفر مفسراً بغير أحمد كما تقدم(١) لعلّه لا يضر بالحال ؛ لما يعرف من ممارسة كتابي الشيخ.

والثالث : واضح الحال بأبي بصير. والطريق إلى علي بن مهزيار في مشيخة الكتاب : عن المفيد ، عن محمد بن علي بن بابويه ، عن أبيه ومحمد بن الحسن ، عن سعد والحميري ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس كلهم ، عن أحمد بن محمد ، عن العباس بن معروف(٢) .

المتن :

في الأوّل : وإن كان ظاهراً في النسيان الدال على تحقق الترك إلاّ أنّه لا بُدّ من التأويل على تقدير بطلان الصلاة بترك تكبيرة الإحرام مطلقاً. وما ذكره الشيخ من الحمل على الشكّ وإن بعد لا يخلو من وجه ، غير أنّ الدخول في الصلاة بتقدير النسخة التي نقلت منها وهي ما فيها لفظ « حتى » إن أريد به الدخول في القراءة أمكن التوجيه ؛ لدلالة معتبر بعض الأخبار على أنّ الشك في التكبير مع القراءة لا يلتفت إليه ، وستسمعه عن قريب(٣) ، ولو أُريد بالدخول ما يتناول التوجه قبل القراءة يشكل بعدم معلومية القائل به ، وإن كان في نظري القاصر إمكان دعوى تناول النصّ المشار إليه لما ذكر ، وتوضيح الحال يتوقف على ذكر الخبر وسنذكره بعد نقل فائدة شيخناقدس‌سره على الكتاب.

أمّا على تقدير النسخة الأُخرى ، وهي « حين دخل » فالذي يظن أنّها‌

__________________

(١) راجع ص ١٢١.

(٢) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣٣٨.

(٣) انظر ص ١٧٥٥.


الصواب. لكن الأكثر على خلافها ، والمعنى على النسخة ظاهر(١) .

أمّا ما تضمنه الخبر من قولهعليه‌السلام : « أليس كان من نيّته » إلى آخره.

ففي الظاهر أنّه لا يوافق تأويل الشيخ ؛ لأنّ الشك مع الدخول في الصلاة لا يلتفت إليه(٢) .

ولا يبعد أن يوجّه بأنّ المقصود بيان عدم الالتفات للشك بتقدير الدخول في القراءة ونحوها بنوع تقريب وإنْ كان مجرد الدخول كافياً ، على أنّه لا يبعد تخصيص ما دلّ على عدم الالتفات للشك بعد الدخول في فعل بمن كان ناوياً قبله الفعل ، عملاً بمقتضى الخبر. وعدم التصريح به في كلام من رأينا عبارته لا يضرّ بالحال ، إلاّ أنّ الخبر غير صريح في الشك ، وحينئذ لا يقع في القول.

ولو حمل النسيان على توهّم النسيان ، كما قد يفيده عبارة بعض محققي المعاصرين سلّمه الله حيث قال في معنى الحديث : إنّه يراد به أنّ من قام إلى الصلاة قاصداً افتتاحها بالتكبير ، ثم لمّا تلبّس بها خطر له أنّه نسي التكبير فإنّه لا يلتفت ؛ لأنّ الظاهر جريانه على ما كان قاصداً وعدم افتتاحه الصلاة بغير التكبير ، فيكون هذا من المواضع التي يرجّح فيها الظاهر على الأصل(٣) . انتهى.

وإنّما ذكرنا الوهم في ظاهر كلامه لأنّ إرادة غيره لا وجه لها. وفي نظري القاصر أنّ كلامه سلّمه الله محل تأمّل أيضاً ؛ لأنّ خطور النسيان إن أُريد به الوهم فترجيح الظاهر على الأصل لا وجه له ، لأنّ الأصل لا يصلح‌

__________________

(١) في « م » زيادة : حاصله نسي تكبيرة الافتتاح.

(٢) في « م » زيادة : سواءً كان في النيّة أوّلاً الفعل أم لا.

(٣) البهائي في الحبل المتين : ٢٢٠.


دليلاً للوهم ، ولو أُريد تحقق الترك فالظاهر لا وجه لمعارضته الأصل ، بل الأصل لا وجه له بعد التحقق ، ولو أُريد الشكّ كما ذكره الشيخ فالأصل لا وجه له بعد حكم الشارع بعدم الالتفات للشك بعد الدخول في الفعل ، ولعلّ ما قدّمناه من التقريب أولى ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يمكن حمل النسيان على عدم علم التكبير ، بمعنى أنّه لم يخطر في باله التكبير ، لا أنّه علم عدم التكبير ، واستعمال النسيان في مثل هذا لا مانع منه ؛ إذ عدم ذكر شي‌ء نوع منه ، غاية الأمر أنّ التعبير بقوله : « نسي أن يكبّر » لا

يفي به ، لكن التأويل لا بدّ منه ، فلا يضر مخالفة الظاهر. وحينئذ يمكن حمل التعليل على أنّ المقصود به إزاحة ظن دخوله فيمن نسي التكبير على معنى تحقق تركه ، لكن لا يخفى أنّ اللازم من هذا كون من لم ينو التكبير أوّلاً لا بُدّ من استحضاره التكبير في أثناء الصلاة ، فلو حصل له الشكّ لزم إعادة الصلاة وإن دخل في القراءة ، وهو واضح الإشكال ، إلاّ أن يقال : إنّ التعليل خاص فلا يعم(١) .

وأمّا الثاني : فالذي يقتضيه قوله : ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح ، أن تكون تكبيرة الإحرام هي الاولى من السبع ، بل ربما دلّ التقرير من الإمامعليه‌السلام على تحتم كونها الأولى ، وقد نقل الإجماع على التخيير في السبع أيّها اختار المصلّي جعلها تكبيرة الافتتاح(٢) ، وقدّمنا ما يدل على الأخيرة في الجملة ، وأشرنا إلى أنّ في التهذيب روى الشيخ ما يدل على الأخيرة أيضاً(٣) .

__________________

(١) في « م » زيادة : وفي هذا دقة لا ينبغي الغفلة عن تدقّقها.

(٢) انظر الحبل المتين : ٢٢١.

(٣) راجع ص ١٧٤٨.


ويمكن أن يحمل الخبر على أنّ قوله : أوّل تكبيرة من الافتتاح ،(١) المراد به تكبيرة الافتتاح سواء كانت في الأوّل أو غيره ، وذكر الأوّل لإخراج تكبيرة الركوع والسجود ، وحينئذ يكون قوله : من الافتتاح بياناً للتكبيرة.

وفيه : أنّ تكبيرة الافتتاح على تقدير وحدتها لا وجه لجعلها أوّلاً إلاّ بتكلّف.

وما ذكره الشيخ من الحمل على الشك لا يخلو من تأمّل ، أمّا أوّلاً : فلأنّ من شك في التكبير وقد قرأ لا يلتفت على ما يقتضيه خبر زرارة المعتبر ، كما أشار إليه شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب ، حيث قال : مقتضى هذا الحمل أنّ من شك في التكبير وقد قرأ يأتي بالتكبير ما لم يركع ، وهو خلاف ما صرّح به الأصحاب ويدلُّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام ، حيث قال فيها : رجل شك في التكبير وقد قرأ ، قال : « يمضي » انتهى.

وهذا الكلام منه وإن كان يحتمل المناقشة من حيث إنّ الحكم إذا لم يكن إجماعياً لا يضر بالشيخ ، بل له أن يقول : تعارض خبر زرارة والخبر المبحوث عنه يقتضي جواز التكبير إذا قرأ ، وربما يدل عليه قوله : استظهاراً ، وإن احتمل كلام الشيخ أن يريد لزوم التكبير قبل الركوع من قوله : لأنّه قد انتقل ، إلى آخره. فإنّه يعطي أنّ الانتقال المقتضي لعدم التكبير هو الركوع ، إلاّ أنّ قوله سابقاً : استظهاراً ، قد يفيد عدم اللزوم.

ويختلج في البال أنّ خبر زرارة لا يدل على انحصار عدم الالتفات إلى الشك بالقراءة ، بل لو وقع الشك بعد التوجه المطلوب في الصلاة أمكن مساواته للقراءة ؛ لأنّ آخر الرواية : « يا زرارة إذا خرجت من شي‌ء ثم‌

__________________

(١) في النسخ زيادة : على أنّ ، حذفناها لاستقامة العبارة.


دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء »(١) وهذا وإن احتمل أن يعود لما سأل عنه زرارة من الشك في التكبير وقد قرأ ، والقراءة وقد ركع ، إلى غير ذلك من المسئول عنه ، إلاّ أنّه يحتمل احتمالاً يظن ظهوره أن يكونعليه‌السلام أراد بيان قاعدة كلية لما سأل عنه وغيره ، ولو نوقش في الظهور أمكن الإحالة في الجواب على الإنصاف.

وإذا عرفت هذا فيتوجه على الشيخ ثانياً : أنّ الرواية تضمنت أنّه إذا ذكرها في الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة أو بعدها فإن حملها على الشك في الجميع لزم نوع تدافع ؛ إذ يقتضي أوّلها عدم التكبير بعد الركوع ، والحال أنّ بعضها يفيد التكبير مطلقاً.

ولو حمل التكبير في الصورة الثانية على الاستحباب كما قد يشعر به قولهعليه‌السلام : « قبل القراءة أو بعد القراءة » توجه عليه احتمال إرادة التكبير واجباً سواء كان قبل القراءة أو بعدها ثم القراءة بعدها ، والاعتماد على فهم هذا من أوّل الرواية حيث قال : « ثم قرأ » غير بعيد.

غاية الأمر إمكان أن يقال : إنّ قوله : « كبّرها في موضع التكبير » مجمل ؛ إذ يحتمل أن يراد كبّرها قبل الركوع الأوّل ، إذ هو موضع التكبير في الجملة ، ويحتمل أن يراد كبّرها في حال القيام المشروط به التكبير ، فلا يكبّرها جالساً ولا في غير القيام المعتبر ، ويحتمل أن يكون قوله : « وإن ذكرها في الصلاة » وصلياً لما قبله ، والمعنى : إن ذكرها قبل الركوع كبّر ثم قرأ وإن كان ذكرها في الصلاة ، وقوله : « كبّرها في قيامه » بيان لأوّل الكلام ، وقوله : « قبل القراءة أو بعدها » يراد به القراءة في الأُولى.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٥٢ / ١٤٥٩ ، الوسائل ٨ : ٢٣٧ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٣ ح ١.


وفي الظن أنّ الشيخ فهم هذا من الرواية ، ولولاه لكان قوله بعد الركوع : قد انتقل ، لا وجه له ، ولو حمل على الاستحباب كان أشد بعداً ، بل لا وجه له.

ويتوجه على الشيخ ثالثاً : أنّ ما تضمنه آخر الرواية من قوله : « فليقضها » إمّا أن يراد به قضاء التكبيرة والقائل بذلك غير معلوم إلاّ من الشيخ إن كان ما يذكره هنا يصلح لذلك ، وإن عاد إلى الصلاة لا يتم الحكم ؛ لأنّ مع الشك لا وجه للإعادة كما لا يخفى.

ومن العجب ما اتفق للشيخ في التهذيب أنّه ذكر هذه الرواية في مقام التأييد لبطلان الصلاة مع الإخلال بتكبيرة الإحرام ، وفي المتن : قلت : فإن ذكرها ( في )(١) الصلاة قال : « فليقضها » ثم قال الشيخ : قولهعليه‌السلام : « فليقضها » يعني الصلاة ، ولم يرد التكبيرة وحدها(٢) . وهنا كما ترى متن الرواية فيما وقفت عليه « بعد الصلاة » وحملها على الشك.

ثم إنّه في التهذيب قال بعد الخبر الأخير وهو خبر أبي بصير : إنّ تقدير الكلام فيه إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر ، وإن ركع من غير أن يذكر فليمض في صلاته. قال : وليس في الخبر أنّه إذا ركع وهو ذاكر أنّه لم يكبّر فليمض في صلاته(٣) .

ولا يخفى عليك أنّ ما تضمنه كلامه هنا يقتضي أنّ بعد الركوع لا يلتفت مع الشك ، فبيْن كلام التهذيب وما هنا نوع اضطراب كما يعلم كنهه من راجع الكلامين.

__________________

(١) في المصدر : بعد.

(٢) التهذيب ٢ : ١٤٥.

(٣) التهذيب ٢ : ١٤٥.


وبالجملة : فالأخبار لا تخلو من اضطراب ، وعلى تقدير الإجماع على الإبطال مع الإخلال بالتكبير مطلقاً يشكل الجمع ، وبدونه يحتمل في البين شي‌ء ما لا يخفى على المتأمّل.

وقد وجدت لبعض محققي المتأخرينرحمه‌الله (١) كلاماً يفيد ما ذكرناه من الاحتمال ، وهذه عبارته : ولو لم يكن الإجماع لكان حملها يعني رواية ابن أبي نصر الدالة على إجزاء تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام كما يأتي إن شاء الله على الإجزاء مع تكبيرة الركوع ، والأول يعني ما دل على البطلان على عدم الإجزاء مع عدمه ، كان جيّداً ، لحمل المطلق على المقيد(٢) . انتهى. وسيأتي إن شاء الله ما يوضح المقام(٣) ، وبالله سبحانه الاعتصام.

قوله :

باب من نسي تكبيرة الافتتاح

هل يجزؤه تكبيرة الركوع عنها أم لا؟

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن الحسين بن محمد الأشعري ، عن عبد الله بن عامر ، عن علي بن مهزيار ، عن فضالة ، عن أبان ، عن الفضل بن عبد الملك و (٤) ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه قال في الرجل يصلّي فلم‌

__________________

(١) في « رض » : سلمه الله.

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ١٩٤.

(٣) انظر ص ١٧٥٩.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٥٣ : أو.


يفتتح بالتكبير ، هل تجزؤه تكبيرة الركوع؟ قال : « بل يعيد صلاته إذا حفظ أنّه لم يكبّر ».

فامّا ما رواه سعد ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : قلت له : رجل نسي أن يكبّر تكبيرة الافتتاح حتى كبّر للركوع ، فقال : « أجزأه ».

فالوجه في هذا الخبر أيضاً ما قلناه في الأخبار المتقدمة من أنّه لا يتحقق أنّه لم يكبّر تكبيرة الافتتاح ، فإذا كبّر تكبيرة الركوع أجزأه ذلك عن التكبيرة التي قلنا أن يستظهر بها ، ولو كان يتحقق تركه لكان لا بدّ من استئناف الصلاة على ما بيّنّاه.

السند‌ :

في الأول : واضح الحال بعد ما تكرّر من المقال(١) . وأبان فيه لا يخلو من اشتراك(٢) ؛ إذ لم أقف من كتب الرجال على ما يقتضي تعينه ، ولا يبعد ادعاء تبادر ابن عثمان. والحسين بن محمد الأشعري ثقة ، لكن في النجاشي ابن محمد بن عمران بن أبي بكر الأشعري القمي أبو عبد الله ثقة ـ إلى أن قال في رواية كتابه ـ : عن محمّد بن يعقوب(٣) . والشيخ في الفهرست قال : الحسين بن محمد بن عامر الأشعري يروي عن عمّه عبد الله‌

__________________

(١) راجع ص ١٠٦١ و ١٤٠٤.

(٢) انظر هداية المحدثين : ٦.

(٣) رجال النجاشي : ٦٦ / ١٥٦.


ابن عامر وابن أبي عمير(١) . والنجاشي قال في ترجمة عبد الله بن عامر : عبد الله بن عامر بن عمران بن أبي عمر الأشعري في نسخة ، وفي اخرى ابن أبي عمير مصغّراً ـ إلى أن قال في الرواية بكتابه ـ : حدّثنا الحسين بن محمد بن عامر عن عمّه به(٢) .

ولا يخفى على من تأمّل الكلام أنّ الحسين بن عامر هو ابن عمران ، لا أنّهما متغايران. أمّا ما قاله الشيخ فلا يبعد أن يكون لفظ « وابن أبي عمير » سهواً ، وإنّما هو ابن أبي عمر أو عمير ، والمراد بيان جد عبد الله ابن عامر ، إذ رواية الحسين عن ابن أبي عمير لا وجه لها ، وقد يحتمل أن يكون الواو سهواً والصواب عن ابن أبي عمير ، ولعلّ الأوّل أوضح كما يعرف بأدنى ملاحظة.

وأمّا الثاني : فرجاله معلوم الحال.

المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة على أنّ من لم يأت بتكبيرة الافتتاح يعيد الصلاة ، لكن لا يخفى أنّ ظاهر السؤال لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ عدم الافتتاح بالتكبيرات إن أُريد به تكبيرة الافتتاح المقصود بها ذلك مع الإتيان ببقية السبع فالعبارة لا تدل عليه صريحاً بل ولا ظاهراً ، وإن أُريد عدم الإتيان بالسبع يشكل بما لو أتى بالبعض غير قاصد به الافتتاح.

وفي بعض الأخبار المعتبرة ما يدل على أنّ السبع يقال لها تكبير‌

__________________

(١) لم نعثر عليه في الفهرست ، وفي معجم رجال الحديث ٦ : ٧٣ قال : إذ أن الشيخ لم يتعرض لترجمته في الفهرست.

(٢) رجال النجاشي : ٢١٨ / ٥٧٠.


الافتتاح(١) ، ولا يبعد استفادة تكبيرة الإحرام من الرواية بضميمة الإجماع وإنْ كان في البين نوع كلام.

وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الخبر إذا حمل على الشك فقد تقدم من الشيخ أنّه يكبّر ما لم يركع ، وحينئذ فالخبر المبحوث عنه إمّا أن يحمل قوله : كبّر للركوع ، على أنّه ركع وإن كان خلاف الظاهر لكن لا بدّ من ذكره ، أو يحمل ما مضى على ما قبل الركوع إذا لم يكبّر ، ولم يسبق منه ذلك صريحاً ، والإجمال في مثل هذا غير لائق. وقوله هنا : الذي قلنا أن يستظهر بها ، ربما يؤيد عدم لزوم التكبير كما نبّهنا عليه سابقاً.

أمّا ما ذكره بعض محققي المعاصرين سلّمه الله من الحمل على المأموم إذا نسي التكبير ثم ذكره حال تكبير الركوع أجزأه التكبير عن الركوع وتكبيرة الإحرام(٢) ، وتوجيهه بأنّ له نظيراً وهو الصلاة على ميت تجب الصلاة عليه وميت لا تجب الصلاة عليه معاً ، ففيه : أنّه من البُعد بمكان ، إلاّ أنّ ضرورة الجمع تقتضيه في الجملة ، وعلى تقدير تمامه لا يبعد أن يقرب كون الضمير في « كبّر للركوع » محتملاً للرجوع إلى الإمام لوقوع خلاف في ذلك وتعارض الأخبار ، أمّا التنظير فهو موقوف على الثبوت في غير المذكور ، ومجرّد الاحتمال لا يسوّغ الفعل.

فإن قلت : قد روى الشيخ في التهذيب ما يدل على إجزاء تكبيرة واحدة للركوع والإحرام إذا جاء المأموم مبادراً والإمام راكع ، والرواية عن‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٠٠ / ٩٢٠ ، الوسائل ٦ : ٢٢ أبواب تكبيرة الإحرام ب ٧ ح ٦ و ٧.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ٢٢١.


عبد الله بن معاوية بن شريح عن أبيه(١) .

قلت : الرواية لا تخلو من ضعف بجهالة بعض رجال السند وغيرها ، ومع ذلك في دلالتها على حكم الناسي تأمّل ، وقد نقل الصدوق الرواية المبحوث عنها في الفقيه وظاهره العمل بمضمونها(٢) ، فلا يكون الحكم إجماعياً إلاّ بتقدير الإجماع بعده ، وفيه ما فيه ، وقد ذكرنا في حاشية الفقيه ما لا بدّ منه ، فمن أراده وقف عليه.

قوله :

باب من نسي القراءة‌

أخبرني الحسين بن ( عبيد الله(٣) ، عن عدة من أصحابنا ، عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن )(٤) حماد بن عيسى ، عن ربعي بن عبد الله ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « إنّ الله عزّ وجل فرض الركوع والسجود ، والقراءة سنّة ، فمن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة ، ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته ولا شي‌ء عليه ».

عنه ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضّال ، عن يونس بن يعقوب ، عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي صلّيت المكتوبة فنسيت أنْ أقرأ في صلاتي‌

__________________

(١) التهذيب ٣ : ٤٥ / ١٥٧ ، الوسائل ٥ : ٤٤٩ أبواب صلاة الجماعة ب ٤٩ ح ٦.

(٢) الفقيه ١ : ٢٦٥ / ١٢١٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٥٣ / ١٣٣٥ زيادة : الغضائري.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».


كلّها ، فقال : « ألست قد أتممت الركوع والسجود؟ » قلت : بلى ، قال : « قد تمت صلاتك إذا كنت ناسياً ».

الحسين بن سعيد ، عن حمّاد بن عيسى(١) وفضالة ، عن معاوية ابن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت : الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأوّلتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنّه لم يقرأ ، قال : « أتم الركوع والسجود؟ » قلت : نعم ، قال : « إنّي أكره أن أجعل آخر صلاتي أوّلها ».

عنه ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن سماعة ، عن أبي بصير قال : « إذا نسي أن يقرأ في الأُولى والثانية أجزأه تسبيح الركوع والسجود ، وإن كانت الغداة فنسي أن يقرأ فيها فليمض في صلاته ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه العدّة ، وقد تقدم من الشيخ بيانها في باب ترتيب الوضوء ، وفيها من يعتمد عليه(٢) ، وغير بعيد عدم الاختصاص بالمحل المذكور فيه البيان كما نبهنا عليه في مواضع مما مضى. وأما محمّد بن إسماعيل فقد تقدم فيه ما يغني عن الإعادة(٣) . وغيره لا ارتياب فيه.

وما ورد في ذم الفضل بن شاذان ممّا نقله الكشي غير سليم الطريق ، مع إمكان حمله على التقية.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٥٣ / ١٣٣٥ : عن ، بدل « و».

(٢) راجع ص ٣٤٨.

(٣) راجع ص ٣١.


وذَكَر الكشي رواية الفضل عن جماعة منهم ابن أبي عمير وصفوان ابن يحيى والحسن بن محبوب والحسن بن فضّال ومحمد بن إسماعيل بن بزيع ومحمد بن الحسن الواسطي ومحمد بن سنان وغيرهم(١) ، ولم يذكر حمّاد بن عيسى ، وإن كان مراده ذكر البعض إلاّ أنّ البعض المذكور لا ينقص حال غيره عنه إن لم يزد ، والأمر سهل.

وفي رواية الفضل عن محمد بن إسماعيل بن بزيع تأييد لأنّ محمد ابن إسماعيل الراوي عن الفضل ليس ابن بزيع ، وإن كان احتمال رواية كل منهما عن الآخر في حيِّز الإمكان.

والثاني : ضمير « عنه » فيه لمحمد بن يعقوب. وابن فضال فيه الحسن ، لرواية أحمد بن محمد عنه بكثرة كما يُعلم من الممارسة ، فالخبر موثق بابن فضال ويونس بن يعقوب ، وما يقتضيه كلام النجاشي من رجوع كل منهما عن الفطحية(٢) لا يضرّ بالحال ؛ إذ لم يعلم أنّ الرواية قبل الرجوع أو بعده.

وينبغي أن يعلم أنّ العلاّمة في الخلاصة بعد أن نقل قول النجاشي عن يونس أنّه قال بعبد الله ثم رجع ، حكى عن أبي جعفر بن بابويه أنّه فطحي في مقام تعارض الكلامين ، ثم نقل عن الكشي عن حمدويه عن بعض أصحابه أنّ يونس بن يعقوب فطحي كوفي مات بالمدينة وكفّنه الرضاعليه‌السلام ، وروى الكشي أحاديث حسنة تدل على حسن عقيدة هذا الرجل ، والذي اعتمد عليه قبول روايته. انتهى(٣) .

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٨٢١ / ١٠٢٩.

(٢) رجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢ و ٤٤٦ / ١٢٠٧.

(٣) الخلاصة : ١٨٥ / ٢.


وناقش بعض الفضلاء العلاّمة بأنّ كلام ابن بابويه لا ينافي قول النجاشي ؛ لجواز أن يكون قول ابن بابويه بالفطحية قبل الرجوع(١) .

ولا يذهب عليك اندفاع المناقشة ؛ لأنّ مثل الصدوق لا يليق منه الحكم بالفطحية من دون ذكر الرجوع لو اطلع عليه ، وعدم الاطلاع مع اطلاع النجاشي بعيد ، فالتعارض لا ارتياب فيه.

أمّا كلام الكشي فلا يثمر حكماً بعد الإرسال ، وربما أفاد تكفين الرضاعليه‌السلام له نوع دلالة على الرجوع.

وفي بعض أخبار الكشي غير ما نقله العلاّمة ما هو أوضح دلالةً على الرجوع.

وقول العلاّمة إنّ الأخبار حسنة غير واضح كما يعلم من مراجعتها ، ولعلّ المراد بحسنها الدلالة على مدح يونس ، هذا.

وأمّا الشيخرحمه‌الله فقد ذكره في الفهرست(٢) ورجال الصادقعليه‌السلام من كتابه من دون ذكر الفطحية والتوثيق ، وفي رجال الكاظمعليه‌السلام ذكره موثقاً ، وكذلك في رجال الرضاعليه‌السلام (٣) ، ولا يخلو عدم ذكر الفطحية من غرابة بعد ذكر ابن بابويه ذلك ، فليتأمّل.

وأمّا الثالث : فواضح الرجال ، وقد قدمنا في رواية الحسين بن سعيد عن فضالة نوعاً من المقال(٤) .

والرابع : معلوم مما تكرّر ، وفي شأن رجاله تقرّر(٥) .

__________________

(١) حاوي الأقوال ٢ : ٣٥٧.

(٢) الفهرست : ١٨٢ / ٨٠٠.

(٣) رجال الطوسي : ٣٣٥ / ٤٤ ، ٣٦٣ / ٤ ، ٣٩٤ / ١.

(٤) راجع ص ١٥١٥ و ١٥٢٥.

(٥) راجع ص ٤٩ ، ٥١ ، ٧٨ ، ١٣١ ، ٢٨٩.


المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ الركوع والسجود واجبان من القرآن ، وقد تقدم(١) في باب الركوع حديث عن سماعة أنّه سئل عن الركوع والسجود ، هل نزل في القرآن؟ فقالعليه‌السلام : « نعم قول الله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) »(٢) .

وربما يستفاد من الخبر المبحوث عنه أنّ السجدتين مفروضتان ، وقد يلزم من ذلك أنّ من ترك الواحدة غير عامد أعاد ، لما يستفاد من التعليل في القراءة ، إلاّ أنّ المستفاد من معتبر الأخبار عدم الإبطال في الجملة كما سيأتي(٣) ، وحينئذ تحمل الرواية على أنّ المفروض السجود من حيث هو. وللأصحاب كلام في السجود بالنسبة إلى الركنية قد أنهيناه في حاشية الروضة.

وما تضمنه الخبر السابق الذي أشرنا إليه من ذكر الآية فيه دلالة على أنّ الأمر للتكرار ، إلاّ أن يقال : إنّ استفادة التكرار من خارج ، وفيه : أنّ استفادة التكرار من السنّة يقتضي أنّ التكرار غير مفروض ، إذ لا يستفاد من القرآن. وجوابه أنّ السنّة تثبت أنّ القرآن يراد بالأمر فيه التكرار ، فالاستفادة من القرآن بواسطة السنّة ، فليتأمّل.

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من أنّ القراءة سنّة ظاهر في دفع استدلال جماعة من الأصحاب على وجوب السورة بالقرآن(٤) في قوله‌

__________________

(١) راجع ص ١٦٢٢.

(٢) الحج : ٧٧.

(٣) انظر ص ١٨٠٢.

(٤) كالمحقق الكركي في جامع المقاصد ١ : ١١١ ، الشهيد الثاني في روض الجنان : ٢٦٠ ، الأردبيلي في مجمع الفائدة ٢ : ٢٠٣.


تعالى :( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (١) وقد سلف فيه كلام(٢) .

والعجب من العلاّمة حيث أطال الكلام في توجيه الاستدلال بالآية(٣) مع عدم الالتفات إلى هذا الخبر.

وأعجب منه جواب بعض محققي المعاصرين سلّمه الله عن استدلال القائلين بالوجوب بالآية بأنّه إنما يتم لو كانت ما موصولة لا موصوفة ، بأنّ يكون المعنى فاقرءوا شيئاً تيسّر ، فإنّه يتحقق بقراءة الفاتحة وحدها ، ثم ذكره كلام بعض المفسِّرين في الآية ولم يتعرض لهذا الخبر في الجواب وقد ذكره في الصحاح ، ووجّهه بأنّ المراد بالفرض ما ثبت في القرآن ، وبالسنّة ما ثبت وجوبه بالسنّة(٤) .

أمّا ما تضمنه الخبر من أنّ من ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة ومن نسي ، إلى آخره. فقد يستفاد منه أنّ النسيان يقابل العمد فيتناول السهو ، بل والجهل ؛ إذ الجاهل غير عامد بنوع من الاعتبار ، ويحتمل أنْ يكون من ذُكر مسكوتاً عنه في الرواية ، وقد نقل الإجماع على أنّ من أخلّ بشي‌ء من واجبات الصلاة عمداً أبطل صلاته(٥) ، وصرّح بعض الأصحاب بأنّ من ترك ما يجب فعله جهلاً بوجوبه أبطل صلاته إلاّ الجهر والإخفات ، واستدل عليه بعدم تحقق الامتثال مع الإخلال(٦) ، واستثناء الجهر والإخفات قال في المعتبر : إنّه اتفاق من القائلين بوجوبهما(٧) ، وقد تقدم في خبر زرارة ما‌

__________________

(١) المزمل : ٢٠.

(٢) راجع ص ١٥٢٩.

(٣) المختلف ٢ : ١٦١.

(٤) انظر الحبل المتين : ٢٢٥ ، وذكر الخبر في ص ٢٢٢ ، والتوجيه في ص ٢٢٣.

(٥) كما في المدارك ٤ : ٢١١.

(٦) كما في المدارك ٤ : ٢١٢.

(٧) المعتبر ٢ : ٣٧٧.


يدل على أنّ الجاهل في الجهر والإخفات والناسي والساهي لا شي‌ء عليه.

أمّا البطلان بترك الواجب جهلاً فربما يقال فيه : إنّ الخبر المبحوث عنه دل على الإبطال مع العمد ، والجاهل غير عامد ، ويتوجه عليه ما أشرنا إليه من أنّ ظاهر الرواية أنّ الناسي يتم صلاته فيبقى ما عداه في حكم المسكوت عنه ، وإذا تحقق عدم الامتثال يبقى المكلف تحت العهدة.

وما عساه يقال : إنّ المتبادر من المتعمد في الخبر هو القاصد للفعل أو الترك مع علمه بوجوبه ، لأنّه مقابل الناسي ، ولمّا كان الناسي قاصداً للترك غير عالم بالمنع كان مقابله العالم القاصد ، وحينئذ لا يكون الجاهل داخلاً في العامد ، وإذا لم يكن داخلاً في العامد فالحكم ببطلان صلاته يقتضي أنّ قولهعليه‌السلام : « فمن ترك القراءة متعمداً أعاد الصلاة » لا وجه للحصر فيه المستفاد من ظاهره.

فجوابه : أنّ الحصر لا وجه له بعد احتمال إرادة بيان فردين من أفراد ، إمّا لأنّ غيرهما غير مهم ، أو لاحتمال استفادة غيرهما من محل آخر ، أو منهما بنوع من الاجتهاد ونحوه.

وبالجملة : فالمقام لا يخلو من كلام ، إلاّ أني لم أجد الآن توقفاً فيه لأحد من الأعلام.

وما تضمنه الخبر من قوله : « ترك القراءة » إلى آخره. ربما يدعى ظهوره في ترك القراءة كلا أو بعضاً ، إذ لو أُريد الكل لزم أنّ من ترك بعضها عمداً لا تبطل صلاته إذا استدرك ، ولا اعلم الآن القائل به ، وعلى تقدير الكل فالفرق بين فوات المحل وعدمه غير مبيّن في الرواية ، والحال معه لا يخلو من إشكال كالأول ، وعلى تقدير إرادة الأعم من الكل والبعض قد يشكل في جهة النسيان ؛ إذ مقتضى الحكم أنّ ناسي القراءة كلا أو بعضاً‌


تمت صلاته وإن كان المحل باقياً فلا تجب عليه إعادة ما ترك ، وقد صرّح بعض الأصحاب(١) بوجوب الإتيان بالقراءة وأبعاضها للناسي قبل الركوع ؛ لظاهر الأمر بالقراءة ، وخصوص رواية سماعة الآتية فيمن نسي فاتحة الكتاب(٢) ، وغير بعيد أن يدعى استفادة نسيان مجموع القراءة من ظاهر الخبر ، لكن استفادة ترك المجموع عمداً ربما يضر بالحال ، وبالجملة لا ينبغي الغفلة عن هذا كلّه.

وما تضمنه الخبر من قوله : « ولا شي‌ء عليه » ربما دل على نفي الإثم وسجدتي السهو والقضاء ، فيدفع به القول بسجود السهو لكل زيادة ونقيصة غير مبطلة ، إلاّ أنْ يقال : إنّ المتبادر هنا غير سجود السهو ، والحقّ أنّه لو ثبت ما يدل على سجود السهو لكل نقيصة فالتخصيص ممكن لهذا الخبر بما عدا سجود السهو ، وسيجي‌ء بيان ما لا بدّ منه في ذلك إن شاء الله(٣) .

وأمّا الثاني : فالظاهر منه أنّ من أتم الركوع والسجود إذا نسي القراءة لا يعيد صلاته(٤) ، ويستفاد منه إعادة غير الناسي من العامد والجاهل ، وحينئذ يتأيّد ما قدّمناه في الخبر الأوّل ، غير أنّه ربما يقال : إنّ مفاد الخبر إتمام الركوع والسجود ، فلو حصل نقصان في أحدهما مع نسيان القراءة لزم إعادة الصلاة ، ولا أعلم الآن القائل بذلك ، إلاّ أنّ غير العامل بالموثق في راحة من تكلّف القول في المقام.

وما تضمنه من قوله : أن أقرأ في صلاتي كلّها ، الظاهر أنّ المراد‌

__________________

(١) مجمع الفائدة ٢ : ٢٢٠ ٢٢١.

(٢) في ص ١٧٦٩.

(٣) انظر ص ١٨٠٣.

(٤) في « م » زيادة : إذا كان ناسياً.


بالصلاة الأوّلتان ؛ إذ لو شمل الحكم الأخيرتين حصل نوع إشكال في الرواية عند العامل بها ، والإجماع على عدم وجوب القراءة عيناً في الأخيرتين لا ينفع هنا بالنسبة إلى الناسي كما يعرف من مراجعة أقوال العلماء(١) ، وسيأتي من الشيخ ما ينبّه على أنّ من نسي القراءة في الأُوليين لا بدّ له من القراءة في الأخيرتين(٢) .

وبالجملة : قد يستفاد من الرواية أنّ ناسي القراءة في جميع الصلاة إذا أتم الركوع والسجود في الجميع أيضاً لا يعيد ، وبدونه يعيد ، والإشكال بعد هذا غير خفي ، فليتأمّل.

والثالث : كما ترى تضمن السهو عن القراءة في الأوّلتين ، والذكر في الأخيرتين أنّه لم يقرأ ، وحقيقة السهو على ما صرّح به سلطان المحققين في التجريد مفارقة للنسيان ، والخبران الأوّلان تضمنا النسيان والعمد ، فإن حُمل السهو في هذا الخبر على المغايرة أفاد ثبوت مشاركة النسيان للسهو في الحكم ، ويتحقق ما أسلفناه سابقاً(٣) من احتمال أنّ النسيان يقابل العمد فيتناول السهو ، أو أنّ السهو مسكوت عنه فيستفاد من هذا الخبر حكمه ، ولا بدّ قبل بيان ما لا بدّ منه في جواب الخبر من نقل ما ذكره الشارح الجديد للتجريد في الفرق بين السهو والنسيان.

وحاصله أنّ للنفس الناطقة بالنسبة إلى مدركاتها أحوالاً ثلاثة : الإدراك وهو حصول الصورة عندها ، والذهول المسمى بالسهو وهو زوال الصورة عنها بحيث يتمكن من ملاحظتها من غير تجشم إدراك جديد لكونها‌

__________________

(١) انظر المبسوط ١ : ١٠٦ ، المعتبر ٢ : ١٦٧ ، المنتهى ١ : ٢٧٦.

(٢) انظر ص ١٧٦٨ ، وهو في الخلاف ١ : ٣٤١.

(٣) في ص ١٧٦٤.


محفوظة في خزانتها ، والنسيان وهو زوال الصورة عنها بحيث لا يتمكن من ملاحظتها إلاّ بتجشم إدراك جديد لزوالها عن خزانتها ، فالسهو حالة متوسطة بين الإدراك والنسيان ، ففيها زوال الصورة من وجه وبقاؤها من وجه(١) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه ربما يستفاد من بعض الأخبار ترادف السهو والنسيان ، وفيما نحن فيه قد يكون كذلك. وفي الخبر السابق(٢) في الجهر والإخفات من قولهعليه‌السلام : « فإن فعل ذلك ساهياً أو ناسياً أو لا يدري » إلى آخره ، دلالة على المغايرة ، وربما يحتمل الترادف أيضاً. وأثر هذا إنّما يظهر لو تغاير الحكم ، ويظهر من كلام المحقق في الشرائع عدم الفرق بين السهو والنسيان ، لأنّه قال : الخلل الواقع في الصلاة إمّا عن عمد أو سهو أو شك(٣) .

والكلام في الأخبار قد سمعته ، وحينئذ فالجواب المذكور في الخبر المبحوث عنه من قولهعليه‌السلام : « أتم الركوع والسجود » قد قدّمنا فيه القول في الخبر السابق إلاّ أنّ ما سبق كان له نوع ظهور في إتمام الركوع والسجود في جميع الصلاة.

وأمّا هذا الخبر فالظهور له في البعض مع احتمال الجميع أيضاً على وجه يساوي غيره ؛ لأنّ ذكره عدم القراءة في الأوّلتين حال كونه في الأخيرتين لا يقتضي انحصار إتمام الركوع والسجود في الأوّلتين ، بل يحتمل أن يراد أنّ هذا الساهي الذاكر في الأثناء هل أتم ركوعه وسجوده في‌

__________________

(١) شرح التجريد للقوشجي : ٢٥٩.

(٢) راجع ص : ١٥٥٠.

(٣) الشرائع ١ : ١١٣.


صلاته جميعها أم لا؟ ومعه فالإشكال السابق آتٍ هنا.

وقد يمكن أن يقال في توجيه ظهور الإتمام في الأوّلتين : إنّ قولهعليه‌السلام : « إنّي أكره » إلى آخره. له دلالة على ذلك.

فإنْ قلت : ما معنى قولهعليه‌السلام : « إنّي أكره » ليدل على ما ذكر.

قلت : الذي نظن أنّ المكروه فعل القراءة التي في الأوّلتين في الأخيرتين ليجعل الآخر الأوّل ، والمعنى أن الأخيرتين ما هو مقرّر لها شرعاً باق على حاله ، فيفيد أنّ ما وقع من نقصان القراءة لا يضر بالحال إذا أتم الركوع والسجود.

ولا يخفى أنّ ما تضمن جواز القراءة في الأخيرتين لا ينافيه هذا الخبر ؛ إذ لا دلالة فيه على تعين عدم القراءة ، بل المنفي فيه عدم القراءة المقررة في الأوّلتين.

( فإن قلت : إذا كانت السورة مستحبة فلا فرق بين الأوّلتين )(١) والأخيرتين ؛ إذ الفاتحة تجزئ في الجميع ، والحال أنّ الحديث يستفاد منه الفرق ، فلا بدّ أنْ يقال بتعين قراءة السورة ليحصل الفرق ، فالخبر أوضح دليل على وجوب السورة ، فلمَ لا يذكر في أدلة الوجوب؟!

قلت : لا دلالة في الخبر على ما ذكرت ؛ لاحتمال حصول الفرق بقصد القراءة عن الأوّلتين والأخيرتين بتقدير اختيار القراءة ، أو بقصد تعين القراءة في الأخيرتين بسبب تركها في الأوّلتين ، وبدون ذلك كان فعل القراءة على وجه التخيير ، أو بجواز فعل السورة مع الفاتحة ولو على سبيل الاستحباب على تقدير قصد القراءة عن الأوّلتين ، بخلاف ما إذا كانت‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


القراءة بقصد الأخيرتين ، فإنّ قصد السورة أو جوازها منتف ، وغير ذلك من الوجوه التي لا تخفى على المتأمّل.

وقد يمكن أن يستفاد من الخبر ترجيح التسبيح في الأخيرتين بنوع من التدبر في حقيقة الجواب ، والله الموفق للصواب.

وأمّا الرابع : فربما كان فيه دلالة على أنّ المراد بالإتمام في الخبرين السابقين الإتيان بتسبيحات الركوع والسجود ، فعلى هذا لو تم التسبيح وحصل نقص في الركوع والسجود من غير التسبيح لا يضر بالحال ، وإن كان في كلام من رأينا كلامه من الأصحاب قد هجر بيان جميع ما ذكرناه ، ولو لا أنّ هذا الخبر لا يستحق صرف العناية فيه لأوضحنا أحكاماً تستفاد منه ومما سبق.

أمّا قوله : « وإن كانت الغداة » إلى آخره. فلا يبعد أنْ يراد به أنّ الثنائية لمّا كانت مظنة البطلان بالشك أزاحعليه‌السلام الحكم بالبطلان فيها مع نسيان القراءة وإن كان حكم الشك غير حكم النسيان إلاّ أنّ في بعض الأخبار ما يقتضي اعتبار سلامة الثنائية من النقص مطلقاً ، والشك نوع منه في الجملة.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته ، قال : « لا صلاة له إلاّ أن يقرأ بها في جهر أو إخفات ».

فالوجه في هذه الرواية أنْ نحملها على من لم يقرأها متعمداً دون النسيان ، فإنّه لا صلاة له حسب ما فصّلناه في الأخبار الأوّلة ،


ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال : سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب ، قال : « فليقل : أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إنّ الله هو السميع العليم ، ثم ليقرأها ما دام لم يركع ، فإنّه لا صلاة له حتى يقرأ بها في جهر أو إخفات ، وإنّه إذا ركع أجزأه إن شاء الله ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن أبي الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي قال : صلّيت مع(١) أبي المغربَ فنسي فاتحة الكتاب في الركعة الأُولى فقرأها في الثانية.

سعد ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي نصر ، عن عبد الكريم ابن عمرو ، عن الحسين بن حمّاد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : أسهو عن القراءة في الركعة الأُولى ، قال : « اقرأ في الثانية » قلت : أسهو في الثانية ، قال : « اقرأ في الثالثة » قلت : أسهو في صلاتي كلّها ، قال : « إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك ».

قولهعليه‌السلام : إذا فاتك في الأُولى فاقرأ في الثانية. لم يرد أن يعيد قراءة ما فاته في الأوّلة ، وإنّما أراد أن يقرأ في الثانية والثالثة ما يخصّهما من القراءة ، فأمّا الأوّلة فقد مضى حكمها ، ويكون الوجه في ذلك أنّ من نسي القراءة في الركعتين الأوّلتين فلا بدّ من أن يقرأ في الثالثة والرابعة ويترك التسبيح الذي كان يجوز له لو قرأ في الأوّلتين حتى لا تكون صلاته بلا قراءة أصلاً.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٥٥ : خلف.


السند‌ :

في الجميع تكرر القول فيه(١) ، فالأوّل صحيح. والثاني ضعيف بعثمان بن عيسى. والثالث ، أبو الجوزاء فيه اسمه منبّه بن عبد الله ، وفي النجاشي أنّه صحيح الحديث(٢) ، والعلاّمة في فوائد الخلاصة وثّقه(٣) ، ولا يبعد أنْ يكون ظن التوثيق من صحيح الحديث ، والحال أنّ هذا لا يدل على التوثيق ؛ لأنّ صحة الحديث عند المتقدمين بمعنى لا يستلزم التوثيق ، نعم فيما بين المتأخّرين لمّا كان الصحيح ما رواه الإمامي الثقة فالإتيان بالصحيح منهم يفيد التوثيق ، مع نوع كلام مضى مفصلاً(٤) .

والنجاشي ذكره أيضاً في الكنى قائلاً : إنّ كتابه رواية محمد بن الحسن الصفار ، وروى عنه محمد بن عبد الجبار(٥) . وفي الاسم ذكر أنّ الراوي لكتابة الصفّار(٦) . وهنا كما ترى الراوي سعد ، وإن كانت المرتبة واحدة إلاّ أنّ ظاهر النجاشي حصر الراوي في من ذكره ، والأمر سهل.

وأمّا الحسين بن علوان ففي النجاشي ما هذا لفظه : ابن علوان ، الكلبي مولاهم ، كوفي عامي وأخوه الحسن ، يكنى أبا محمد ثقة ، رويا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، إلى آخره(٧) .

__________________

(١) راجع ص ٧٦ ، ٨٧ ، ٩١٠ ، ١٦٥٢.

(٢) رجال النجاشي : ٤٢١ / ١١٢٩.

(٣) الخلاصة : ٢٧١ / ٣٧.

(٤) راجع ص ٩٠٩.

(٥) رجال النجاشي : ٤٥٩ / ١٢٥٢.

(٦) رجال النجاشي : ٤٢٢ / ١١٢٩.

(٧) رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٦.


وغير خفي إجمال قوله من جهات ، الأوّل : قوله : وأخوه الحسن ، فإنّه يحتمل أنّ الحسين عامي وأخاه كذلك ، ويحتمل أن يراد أنّ أخاه يكنى أبا محمد وهو ثقة دون الحسين.

والثاني : يحتمل قوله : وأخوه الحسن ، أن يكون إخباراً عن اخوّة الحسن له من دون الإخبار عن المشاركة في كونه عاميا.

الثالث : يحتمل أنّ قوله : يكنى أبا محمد ، هو يريد به الحسين والتوثيق له دون الحسن ، ولعلّ هذا هو الظاهر ، وقد ذكر النجاشي الحسن قائلاً : إنّه كوفي ثقة ، روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام هو وأخوه الحسين ، وكان الحسين عاميا ، وكان الحسن أخصّ بنا(١) .

والعلاّمة في الخلاصة في القسم الثاني قال : الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي ، وأخوه الحسن يكنى أبا محمد ، رويا عن الصادقعليه‌السلام ، والحسن أخص بنا وأولى ، قال ابن عقدة : إنّ الحسن كان أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا(٢) . انتهى. فليتأمّل في كلام النجاشي وكلام العلاّمة.

وفي هذا الكتاب في باب وجوب المسح على الرجلين ذكر الشيخ في ردّ حديث فيه الحسين بن علوان ومن معه في باب المسح على الرجلين ما يقتضي أنّ الحسين إمّا عامي أو زيدي(٣) .

وأمّا عمرو بن خالد ففي الكشي أنّه عامي(٤) ، وفي النجاشي عمرو‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٥٢ / ١١٦.

(٢) الخلاصة : ٢١٦ / ٦.

(٣) الاستبصار ١ : ٦٦.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٨٧ / ٧٣٣.


ابن خالد أبو خالد الواسطي روى عن زيد(١) . ( والشيخ في رجال الباقرعليه‌السلام من كتابه قال : إنّه بتري(٢) . والعلاّمة في الخلاصة جمع بين كونه روى عن زيد )(٣) وأنّه بتري(٤) . وفيما مضى من هذا الكتاب في باب المسح على الرجلين ما يدل على أنّه زيدي أو عامي. والأمر سهل.

والرابع : فيه عبد الكريم بن عمرو ، وهو واقفي ثقة في النجاشي(٥) . وأمّا الحسين بن حماد فهو مهمل في الرجال(٦) .

المتن :

في الأوّل : قد مضى القول فيه مفصّلاً(٧) ؛ لتقدمه مع زيادةٍ عمّا هنا واختصار ما في المتن. وما ذكره الشيخ في الجمع واضح ، وحصر الشيخ الحكم في العمد والنسيان قد عرفت ما فيه.

وأمّا الثاني : فزيادة البيان به غير واضحة ، إلاّ من جهة أنّه إذا ركع أجزأه. وهذا كما ترى يدل على أنّ الأخبار الأوّلة محمولة على أنّ النسيان مطلقاً لا يؤثر في الصحة ، بل إذا كان الذكر بعد الركوع ، فقول الشيخ في الخبر الأوّل : إنّه محمول على العمد دون النسيان ، محتاج إلى التفصيل ثم ذكر ما يدل عليه كما هو واضح.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٨٨ / ٧٧١.

(٢) رجال الطوسي : ١٣١ / ٦٩.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٤) الخلاصة : ٢٤١ / ٤.

(٥) رجال النجاشي : ٢٤٥ / ٦٤٥.

(٦) انظر رجال النجاشي : ٥٥ / ١٢٤ ، رجال الطوسي : ١٦٩ / ٦٧.

(٧) راجع ص ١٥٢٥ ١٥٢٩.


وقد يستفاد من الخبر المبحوث عنه والذي قبله أنّ السورة غير واجبة.

وما يستفاد من قوله : ينسى فاتحة الكتاب ، من أنّ المراد مجموعها فيكون البعض مسكوتاً عنه جوابه يظهر من الجواب.

نعم ربما يستفاد من قوله : « في جهر أو إخفات » أنّ ناسي الجهر في الجهرية والإخفات في الإخفاتية على تقدير ذكره قبل الركوع يرجع إلى قراءتها على الوجه المعتبر.

وفيه : أنّ للخبر معنيين قدّمناهما ، وهما احتمال إرادة الجهرية والإخفاتية ، أو قراءة الفاتحة جهراً أو إخفاتاً ، ومع الاحتمالين لا يتم المطلوب ، فليتأمّل.

ويظهر من بعض الأصحاب الرجوع إلى الفاتحة لو نسي الجهر أو الإخفات(١) ، ويدفعه قولهعليه‌السلام في صحيح زرارة : « فإن فعل ذلك يعني الجهر في موضع الإخفات أو عكسه ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه »(٢) .

وقد يتوجه على هذا شي‌ء سهل وهو أنّ السؤال في الرواية عمن وقع منه ذلك فلا(٣) يتناول الذاكر قبل الركوع. وجوابه غير خفي.

نعم قد يقع الإشكال في ناسي قراءة بعض الفاتحة جهراً في موضع الإخفات وعكسه ، وقد ذكرنا ما لا بدّ منه في حواشي الروضة.

إذا عرفت هذا فما تضمنه الخبر من صورة التعويذ يخالف ما هو المشهور من صورته ، ولم أقف الآن على ما يقتضي الصورة المشهورة ، ولو‌

__________________

(١) انظر المدارك ٣ : ٣٧٨.

(٢) راجع ص ١٥٥٠.

(٣) في « م » : قد.


صحّ الخبر لكان اتباع مدلوله أولى.

وأمّا الثالث : فما ذكره الشيخ في تأويله لا بأس به ، إلاّ أنّ فيه اعترافاً بوقوع النسيان من الإمامعليه‌السلام ، وسيأتي من الشيخ ما ينافيه ، فكان عليه التنبيه على حقيقة الحال ، ولا يخفى ما في متن الحديث من القصور.

أمّا الرابع : فما قاله الشيخ في توجيهه محل تأمّل ، أمّا أوّلاً : فلأنّ إرادة ما تخصّ الركعات من القراءة إنْ كان جميع الركعات المذكورة في السؤال فالثالثة لا تختص بالقراءة ، واختصاصها لمن نسي القراءة في الأوّلتين على ما ظنه الشيخ فرع دلالة الرواية على التعين ، واحتمال إرادة القراءة الفائتة إذا قام لا يتم الاستدلال ، إلاّ أن يقال : إنّه إذا ثبت انتفاء قضاء الفائت في اللاحق تعيّن أنّ الأمر بالقراءة دون التخيير لأجل نسيان القراءة سابقاً ، وفيه : أنّا إذا حملنا القراءة على ما يخص يصير حاصل الجواب : اقرأ في الثالثة ما يخصها ، وإذا ثبت أنّ ما يخصها الفاتحة على وجه التخيير بقي الحكم على ما كان ، فليتأمّل.

وأمّا ثانياً : فلأنّ قوله : أمّا الأوّلة فقد مضى حكمها(١) ، على الظاهر أن المراد به كون الركعة الأولى مضى حكمها بسبب النسيان ، وهذا أوّل المدعى ، وعلى تقدير ثبوته لا وجه لاختصاصه بالأوّلة.

وأمّا ثالثاً : فلأنّ الرابعة لا تستفاد من الرواية ، وكون الصلاة بلا قراءة لو ضرّ بالحال لم يتم الحكم بصحة صلاة الناسي في جميع الركعات إذا أتم الركوع والسجود. واحتمال أن يقال : إنّ هذا خرج بالنص ، فيه : أنّ الموجب للإتيان بالقراءة في الأخيرتين غير مذكور ، إذ الرواية غير صريحة ،

__________________

(١) راجع ص ١٧٧٠.


بل ولا ظاهرة ، وقد يمكن تسديد بعض الوجوه بما لا يخفى.

أمّا ما تضمنته الرواية من قوله : « إذا حفظت الركوع والسجود » فقد مضى القول فيه(١) ، وما يظن من أنّ ظاهر الرواية اعتبار الإتمام في ناسي القراءة في مجموع الركعات يمكن توجيهه ، إلاّ أنّه لا يضر بالحال بعد دلالة غيره ، وقد نقل العلاّمة في المختلف عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : من نسي القراءة في الأوّلتين لم تبطل صلاته(٢) ، وإنما الأولى له القراءة لئلاّ تخلو الصلاة من القراءة ، وقد روي أنّه إذا نسي القراءة في الأوّلتين تعين في الأخيرتين ، وقال ابن أبي عقيل من نسي القراءة في الأوّلتين وذكر في الأخيرتين سبح فيهما ولم يقرأ فيهما شيئاً(٣) . انتهى.

ولا يخفى دلالة كلام المبسوط على أنّه فهم من الرواية تعين القراءة في الأخيرتين ، وقد عرفت الحال ، ولا وجه لعدم ذكر قول الشيخ في هذا الكتاب من العلاّمة كما هو دأبه من نقل ما فيه لظنه مذهباً للشيخ.

ثم العجب من العلاّمة أنّه ذكر الرواية المبحوث عنها وقال بعد الردّ بضعف السند : إنّا نقول بموجبها ؛ إذ الأمر بالقراءة لا ينافي التخيير ، فإنّ الواجب المخيّر مأمور به.

ووجه التعجب يظهر ممّا ذكرناه من عدم صراحة الرواية ، وقوله : إنّ المخيّر مأمور به ، فيه : أنّ الأمر للوجوب العيني حقيقة ، والتخيير إنّما هو من خارج ، إلاّ أن يدعى إرادته ، هذا ، وفيه : أنّ الكلام لا يدل عليه ، فليتأمّل.

__________________

(١) راجع ص ١٧٦٥ ١٧٦٦.

(٢) كذا في جميع النسخ ، وفي المختلف : تخييره ، بدل صلاته. وكذا في المبسوط ١ : ١٠٦ ، وهو الصواب.

(٣) المختلف ٢ : ١٦٦.


قوله :

باب من نسي الركوع.

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة ».

عنه ، عن فضالة ، عن رفاعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل نسي أن يركع حتى يسجد ويقوم ، قال : « يستقبل ».

عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن رفاعة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل نسي أن يركع حتى يسجد ويقوم ، قال : « يستقبل ».

عنه ، عن محمّد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن رجل نسي أن يركع ، قال : « عليه الإعادة ».

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا إبراهيمعليه‌السلام عن الرجل نسي أن يركع ، قال : « يستقبل حتى يضع كل شي‌ء موضعه ».

السند‌ :

في الجميع تكرّر القول فيه مفصلاً(١) ، والإجمال أنّ في الأوّل‌

__________________

(١) راجع ص ٥١ ، ٧٣٦ ، ١٢١ ، ١٤٦.


أبا بصير ، وهو وإن كان فيه الاشتراك بين الإمامي الثقة وبين الثقة المخلط على قول والوارد فيه الرواية المعتبرة في هذا الكتاب فيما يأتي الدالة على ما يوجب الشك في الإمام ، إلاّ أنّ رواية صفوان عنه في الخبر تفيد نوع رجحان لحديثه ، لما ذكره النجاشي في ترجمة صفوان : من أنّه كانت له منزلة من الزهد والعبادة(١) . والشيخ في الفهرست قال : إنّه أوثق أهل زمانه وأعبدهم(٢) . فيبعد مع ذلك روايته عن أبي بصير المخلط بل الشاك. واحتمال كون الرواية لا يقتضي العمل بعيد في المقام. نعم الحقّ أنّ اعتماد الأوائل ليس على الرواة من حيث هم ، بل على القرائن المفيدة للصحة.

فإن قلت : صفوان مشترك(٣) ، فما المراد هنا؟.

قلت : هو ابن يحيى ، بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه. كما يستفاد من الفهرست(٤) .

والثاني : صحيح على ما تقدم(٥) . وكذلك الثالث.

والرابع : ضعيف بابن سنان وأبي بصير.

( وما عساه. يقال : إنّ رواية الحسين بن سعيد مع جلالة قدره كرواية صفوان عن أبي بصير ، له وجه ، إلاّ أنّ مراتب الرجال متفاوتة على تقدير تسليم ما ذكر فرواية ابن مسكان ربما تؤيد رجحان كون أبي بصير الثقة الإمامي كما ذكره شيخناقدس‌سره بل جزم به في مواضع من مصنفاته. ووالديقدس‌سره

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٩٧ / ٥٢٤.

(٢) الفهرست : ٨٣ / ٣٤٦.

(٣) انظر هداية المحدثين : ٨٢.

(٤) الفهرست : ٨٤.

(٥) راجع ص ٤٩ ، ٢٨٩ ، ٧٣٦.


حكى أنّه رأى رواية ابن مسكان عن أبي بصير عن المذكور. وبالجملة فللكلام في مثل هذه المواضع مجال واسع )(١) .

والخامس : موثق في المشهور بين المتأخرين(٢) . وفيه نوع تأمّل أشرنا إلى وجهه مراراً من أنّ النجاشي لم يذكر أنّه كان فطحياً(٣) ، والشيخ ذكر ذلك(٤) ، ومن المستبعد اطلاع الشيخ على ما لم يطلع عليه النجاشي(٥) .

المتن :

في الأوّل : لا يخلو من نوع ركاكة لظهور النقل بالمعنى ، والحاصل أنّ المراد بترك الركعة ترك الركوع ، وقوله : « وقد سجد » تفسير لذلك. ودلالته على بطلان الصلاة بترك الركوع ظاهرة. وكذلك الثاني والثالث.

والرابع : ظاهره البطلان بنسيان الركوع وإن لم يسجد ، وهو مقيد بالسجود بلا ريب.

والخامس : كالرابع ، وما قد يقال : إنّ التقييد للخبرين إن كان من الأخبار السابقة ، ففيه : أنّ مفادها السؤال عمن نسي الركوع حتى يسجد ، وهو لا ينافي البطلان فيما إذا نسي الركوع ولمّا يسجد. وإن كان من غيرها فأيّ شي‌ء هو؟. يجاب عنه : بأنّ الدليل هو الإجماع المدعى على أنّ ناسي الركوع إذا ذكره قبل أن يسجد يرجع فيركع.

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض » و « فض ».

(٢) كما وصفه به العلاّمة في المختلف ٢ : ٣٦٧.

(٣) رجال النجاشي : ٧١ / ١٦٩.

(٤) الفهرست : ١٥ / ٥٢.

(٥) راجع ص ٧٩.


وربما يستدل عليه بما رواه الصدوق صحيحاً عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « إذا نسيت شيئاً من الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً فاقض الذي فاتك سهوا »(١) وقد ينظر في الرواية بتناولها قضاء الركوع بعد السجود ، وجوابه الخروج بالإجماع. والتعبير بالقضاء عن الإتيان بالفعل كثير. وقد رواها الشيخ في التهذيب(٢) ، وفي المتن : « فاصنع ».

أمّا ما قد يقال في الرواية : أنّها واردة في السهو وهو غير النسيان ، فيجاب عنه : بما قدّمناه من أنّ ظاهر بعض الأخبار وهذا من جملتها إرادة ما يتناول النسيان من السهو ؛ لأنّ الرواية تضمنت أوّلاً النسيان وثانياً السهو ، فلا بدّ من إرادة الاتحاد ، إلاّ أن يتكلّف غيره ، فليتدبّر.

وما يقال : من أنّ ظاهر الرواية قضاء السجود ، وهو شامل للسجدتين من ركعة ، والبطلان بذلك مشهور. ( جوابه : أنّ القضاء إذا أُريد به الإتيان بالفعل لا مانع من فعل السجدتين قبل الدخول في الركن )(٣) .

وينبغي أن يعلم أنّ نسيان الركوع إمّا أن يكون لأصله ، على معنى أن يهوي بقصد السجود حال القيام ، أو يكون بعد الهُويّ للركوع قبل الانتهاء إلى حدّه ، أو بعد الوصول إلى حدّه ، ففي الأوّل يرجع إلى القيام لاستدراك الهويّ له ؛ إذ هو من الواجبات فيه ولم يقصد ، على ما قاله بعض الأصحاب(٤) ، وعلى الثاني قيل : يقوم منحنياً إلى حدّ الراكع(٥) . ويشكل مع‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٢٨ / ١٠٠٧ ، الوسائل ٨ : ٢٤٤ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٦ ح ١.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٥٠ / ١٤٥٠ ، الوسائل ٨ : ٢٣٨ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٣ ح ٧.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) كصاحب المدارك ٤ : ٢٣٤.

(٥) كما في المدارك ٤ : ٢٣٤.


تحقق صورة الركوع ، لاستلزام العود زيادة الركن ، لأنّ الركوع حقيقة هو الانحناء المخصوص والبواقي من واجباته ، إلاّ أن يقال : إنّ الركن الشرعي مجموع ما أعدّه الشارع ، وفيه ما فيه. ولو اشتبه الحال في محل النسيان فإشكال.

قوله :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن الحكم ابن مسكين ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام : في رجل شك بعد ما سجد أنّه لم يركع ، قال : « فإن استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام ، وإن كان لم يستيقن إلاّ بعد ما فرغ وانصرف(١) فليصلِّ ركعة وسجدتين ، ولا شي‌ء عليه ».

فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على من نسي الركوع من الركعتين الأخيرتين ، فإنّه يلقي السجدتين ويتم صلاته ، فامّا إذا كان نسيانه في الركعتين الأوّلتين فإنّه يجب عليه إعادة الصلاة على ما تضمنته الأخبار الأوّلة.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن منصور ، عن أبي بصير ، قال : « إذا أيقن الرجل أنّه ترك الركعة(٢) من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٥٦ / ١٣٤٨ زيادة : فليقم.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٥٦ / ١٣٤٩ : ركعة.


فلا ينافي ما قلناه ؛ لأنّ هذا الخبر نحمله على من نسي الركوع من صلاة لا يجوز فيها السهو ، مثل الغداة والمغرب ، أو على الركعتين الأوّلتين على ما قلناه في الأخبار الأوّلة ، والذي يكشف عما ذكرناه :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن حكم بن حكيم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل نسي من صلاته ركعة أو سجدة أو أكثر منها ثم يذكر ، قال : « يقضي ذلك بعينه » ( قلت : أيعيد ) (١) الصلاة؟ قال : « لا ».

السند‌ :

في الأول : فيه الحكم بن مسكين ، وهو مذكور في الرجال بما لا يزيد على الإهمال(٢) .

والثاني : فيه أبو بصير ، ولا يخفى عليك أنّ هذا بعينه ما تقدم في أوّل الباب ، وقد رواه الشيخ هناك عن صفوان عن أبي بصير ، وذكرنا احتمال رجحان الاعتماد برواية صفوان عن أبي بصير(٣) ، وهنا قد رواه صفوان بواسطة منصور. وفي التهذيب مروية أيضاً مرّتين ، وفي الاولى برواية صفوان عن أبي بصير ، والثانية بواسطة منصور(٤) . ومنصور هو ابن حازم ، للتصريح في الفهرست برواية صفوان عنه(٥) . ( والثناء المذكور لمنصور بن‌

__________________

(١) في النسخ : قلنا يعيد. وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٥٧ / ١٣٥٠ ، هو الظاهر.

(٢) انظر رجال النجاشي : ١٣٦ / ٣٥٠.

(٣) راجع ص ١٧٧٥.

(٤) التهذيب ٢ : ١٤٨ / ٥٨٠ و ١٤٩ / ٥٨٧.

(٥) الفهرست : ١٦٤ / ٧١٨.


حازم في النجاشي : أنّه ثقة عين صدوق من جِلّة أصحابنا وفقهائهم(١) ، فربما لا يقصر عن صفوان لاحتمال تمامية ما قدمناه )(٢) .

والثالث : فيه حكم بن حكيم ، وفي النجاشي : أنّه كوفي مولى ثقة روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، ذكر ذلك أبو العباس في كتاب الرجال(٣) . وقد قدّمنا الكلام في مثل هذه العبارة من النجاشي(٤) ( والظاهر هنا أنّ أبا العباس ابن عقدة ، لأنّ النجاشي ذكر بعد هذا )(٥) عن ابن نوح أنّ الحَكَم ابن عم خلاد بن عيسى. والعلاّمة في الخلاصة نقل عن ابن بابويه أنّ حكم بن حكيم ابن أخي خلاد(٦) . وفي إيضاح الاشتباه(٧) نقل عن ابن نوح ما حكاه النجاشي. وفي الفقيه ذكر في المشيخة أنّ ما كان فيه عن حكم بن حكيم ابن أخي خلاد(٨) . وكذلك في باب ما ينجس الثوب والجسد(٩) .

المتن :

في الأوّل : لا يخلو من قصور ، وهو في التهذيب كذلك(١٠) . وفي الفقيه روى بطريق صحيح عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤١٣ / ١١٠١.

(٢) ما بين القوسين زيادة من « م ».

(٣) رجال النجاشي : ١٣٧ / ٣٥٣.

(٤) راجع ص ١٧٤٦.

(٥) بدل ما بين القوسين في « م » : وذكر النجاشي أيضاً.

(٦) الخلاصة : ٦٠ / ٢.

(٧) إيضاح الاشتباه : ١٤٢ / ١٦٤.

(٨) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١٣.

(٩) الفقيه ١ : ٤٠ / ١٥٨.

(١٠) التهذيب ٢ : ١٤٩ / ٥٨٥.


أبي جعفرعليه‌السلام : في رجل شك بعد ما سجد أنّه لم يركع ، فقال : « يمضي في صلاته حتى يستيقن أنّه لم يركع ، فإن استيقن أنّه لم يركع فليلق السجدتين اللتين لا ركوع لهما ويبني على صلاته(١) على التمام ، وإن كان لم يستيقن إلاّ بعد ما فرغ وانصرف فليقم وليصلِّ ركعة وسجدتين ولا شي‌ء عليه »(٢) وهذا المتن أوضح من المذكور في الكتاب.

ثم إنّ المنقول عن الشيخ في المبسوط أنّ الإخلال بالركوع نسياناً إنّما يبطل في الأوّلتين أو ثالثة المغرب ، وإن كان في الأخيرتين من الرباعية حذف الزائد وأتى بالفائت ، فلو ترك الركوع في الثالثة حتى سجد سجدتيها أسقطهما وركع وأعاد السجدتين ، ولو لم يذكر حتى ركع في الرابعة أسقط الركوع وسجد للثالثة ثم أتى بالرابعة(٣) ، قال شيخناقدس‌سره : ونحوه قال في كتابي الأخبار(٤) .

ثم قالقدس‌سره : احتج الشيخ في التهذيب على البطلان في الركعتين الأوّلتين وثالثة المغرب بما تلوناه من الأخبار وعنى بها الأخبار السابقة وعلى إسقاط الزائد والإتيان بالفائت في الركعتين الأخيرتين من الرباعية بما رواه عن محمد بن مسلم إلى آخره(٥) ، وفي الصحيح عن العيص بن القاسم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنّه لم يركع ، قال : « يقوم فيركع ، ويسجد سجدتي السهو »(٦) .

__________________

(١) في النسخ والمصدر زيادة : التي ، حذفناها لاستقامة المعنى.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٨ / ١٠٠٦.

(٣) المبسوط ١ : ١٠٩ و ١١٩ ، وحكاه عنه في المدارك ٤ : ٢١٦.

(٤) المدارك ٤ : ٢١٦.

(٥) التهذيب ٢ : ١٤٩ / ٥٨٥ ، الوسائل ٦ : ٣١٤ أبواب الركوع ب ١١ ح ٢.

(٦) التهذيب ٢ : ١٤٩ / ٥٨٦ ، الوسائل ٦ : ٣١٥ أبواب الركوع ب ١١ ح ٣.


وأجاب في المعتبر عن الرواية الأُولى بأنّ ظاهرها الإطلاق ، وهو متروك ، وتخصيصها بالأخيرتين تحكم. ويتوجه عليها أيضاً أنّها ضعيفة السند ، وعلى الرواية الثانية أنّها غير دالة على مطلوبه وإنّما تدل على وجوب الإتيان بالمنسي خاصة ، وهو لا يذهب إليه ، بل يوجب الإتيان بما بعده ، ثم قالقدس‌سره : لكن الصدوق أورد رواية محمد بن مسلم بطريق صحيح وذكرها ثم قال : ومقتضى الرواية وجوب الإتيان بالركوع وإسقاط السجدتين مطلقاً كما هو أحد الأقوال في المسألة ، ويمكن الجمع بينها وبين ما تضمن الاستئناف بالتخيير بين الأمرين(١) . انتهى كلامه.

وفي نظري القاصر أنّ فيه تأمّلاً من وجوه :

الأوّل : ما ذكرهقدس‌سره من أنّ كلام الشيخ في كتابي الأخبار نحو ما في المبسوط غير واضح كما يعرف من مراجعة التهذيب ، فإنّه صنع كما هنا وزاد احتمال أن يكون المراد بقوله في رواية أبي بصير « استأنف الصلاة » يعني الركعة التي فاتته(٢) ، أمّا الحكم المذكور في المبسوط من إسقاط الركوع الذي فعله في الرابعة فغير مذكور.

الثاني : أنّ مقتضى عبارة التهذيب والاستبصار هي مدلول الرواية ، أعني إلقاء السجدتين وإتمام الصلاة ، أمّا وجوب الإتيان بما بعده من السجود كما ذكرهقدس‌سره من أنّ مراد الشيخ ذلك في الكتابين فلا ، نعم عبارة المبسوط تقتضي ذلك ، والحال أنّ الذي نقله(٣) من الاستدلال بالرواية لما في التهذيب ، وربما يقال : إنّ المتبادر من قولهعليه‌السلام : « فليلق السجدتين » ‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢١٩.

(٢) التهذيب ٢ : ١٤٩.

(٣) في « فض » : فعله.


حذفهما وقوله : « ويبني على صلاته على التمام » ظاهره الإتيان ببقية الأفعال التي بعد الركوع المأتي به ، ومن جملة البقية السجدتان ، فليتأمّل.

الثالث : ما قاله من وضوح متن رواية الصدوق(١) إن كان من حيث قولهعليه‌السلام : « يمضي في صلاته حتى يستيقن أنّه لم يركع » فهو كذلك ، إلاّ أنّ كلامهقدس‌سره بصدد دلالة ما رواه الشيخ على خلاف مطلوبه ، وذكر رواية الصدوق بالاستدراك يوهم أنّ متنها يدل على مطلوبه ، وليس ذلك ، بل هما متحدان في المدلول كما لا يخفى. وإن كان المراد وضوح الدلالة في المتن بزيادة التفصيل فهو كذلك أيضاً ، والكلام واحد ، ونحن قد أشرنا إلى ذلك في أوّل القول.

الرابع : أنّ مدلول الرواية على التقديرين أنّ الذكر إذا كان بعد الفراغ فليتم وليصلِّ ركعة وسجدتين ولا شي‌ء عليه ، وهذا غير معلوم القائل به ، وعدم التعرض له غريب ، فقول شيخناقدس‌سره : إنّ متنها أوضح. يوهم عدم الارتياب فيما ذكرناه(٢) ، والأمر كما ترى. وقد يحتمل أن يراد بالركعة الركوع ، واستعمالها موجود حتى في رواية الشيخ ، حيث قال : « اللتين لا ركعة لهما ». ويراد بالسجدتين سجدتا السهو ، وهذا وإن كان أيضاً لا قائل به فيما نعلم إلاّ أنّ ما دل على قضاء الركوع في الخبر السابق عن الصدوق يتناوله. والإجماع هنا غير متحقق ، والمنقول من الأقوال في المسألة لا يفيد الإجماع ، وإن كان الحق أنّ ما ذكرناه متكلِّف ، غير أنّ الغرض بيان ما في المتن.

الخامس : ما نقلهقدس‌سره عن المعتبر من التحكم في الظاهر متوجه ، إلاّ‌

__________________

(١) انظر المدارك ٤ : ٢١٩.

(٢) في « رض » : ذكره.


أنّه يمكن أن يقال : إنّ في معتبر الأخبار ( ما يدل على مراعاة حفظ الأوّلتين كما يأتي بيانه إن شاء الله ، وحينئذ مع تعارض الأخبار )(١) يخص الحكم المذكور بالأخيرتين.

وقد يتكلف أن يقال : إنّ ما تضمنه الخبر المبحوث عنه من قوله : « فليصلِّ ركعة وسجدتين » فيه دلالة على حمل الشيخ ، بأنْ يراد حصول النسيان في الرابعة من الرباعية ، فإنّه إذا نسي الركوع وألقى السجدتين أتى بركعة وسجدتين ، وحينئذ يراد بالركعة حقيقتها ، وبالسجدتين سجدتا السهو ، ولو أُريد بالركعة الركوع لا يفيد المطلوب.

وينبغي أنْ يعلم أنّ العلاّمة نقل في المنتهى عن الشيخ القول بإسقاط السجدتين والإتيان بالركوع من غير فرق بين الأوّلتين والأخيرتين(٢) .

ويحكى عن ابن الجنيد أنّه قال : لو صحّت الاولى وسها في الثانية سهواً لم يمكنه استدراكه ، كأن أيقن وهو ساجد أنّه لم يركع فأراد البناء على الركعة الأُولى التي صحت له رجوت أنْ يجزئه ذلك ، ولو أعاد إذا كان في الأوّلتين وكان الوقت واسعاً كان أحبّ إليّ(٣) .

إذا تمهّد هذا فاعلم أنّ القائلين بالبطلان في المسألة نقل احتجاجهم شيخناقدس‌سره بالأخبار الأوّلة ، مع ضميمة أنّ الناسي للركوع إلى أن يسجد لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في العهدة ، واعترض على هذا بأنّ الامتثال يتحقّق بالإتيان بالركوع ثم السجود ، فلا يتعين الاستئناف ، نعم لو لم يذكر إلاّ بعد السجدتين اتجه البطلان ؛ لزيادة الركن ، كما هو مدلول‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) المنتهى ١ : ٤٠٨.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٦٥.


الروايتين الأوّلتين ، والرواية الثالثة ضعيفة السند فلا تنهض حجة في إثبات حكم مخالف للأصل(١) . انتهى.

وفي نظري القاصر أنّه محل تأمّل ،أمّا أولاً : فلأنّ تحقّق الامتثال غير مسلّم ؛ إذ الإتيان بالركوع بعد السجدة خارج عن الصلاة المأمور بها ، والعبادة كيفية متلقاة من الشارع فتتوقف الصحة مع الفعل المخصوص على الدليل.

فإنْ قلت : إذا حكم بصحة الصلاة بالدخول فيها فالبطلان بما ذكر يتوقف على الدليل.

قلت : يكفي في البطلان تغيّر الكيفية المطلوبة ، وغير خفي أنّ تغيير الكيفية يقتضي عدم الامتثال إلاّ ما خرج بالدليل ، وما نحن فيه لا دليل عليه.

فإنْ قلت : النهي عن إبطال العمل موجود ، والمخصص وهو نسيان الركوع على الوجه المذكور غير معلوم الدليل ، فيبقى النهي على عمومه ، مضافاً إلى أصالة الصحة المحكوم بها أوّلاً.

قلت : النهي عن إبطال العمل متوقف على العمل الشرعي ، والحال أنّ المدعى عدم الفعل الشرعي بما ذكر ، والأصل كذلك ، فليتأمّل.

وأمّا ثانياً : فما ذكرهقدس‌سره من أنّ مدلول الروايتين البطلان بزيادة السجدتين ، يريد به أنّ روايتي رفاعة وأبي بصير يدلان على ذلك ، أمّا رواية رفاعة فمن جهة قوله : حتى يسجد ويقوم. وفي هذا تأمّل ؛ لأنّ القيام كما يتحقق بعد السجدتين يتحقق من السجدة ، واحتمال أن يقال : إنّ القيام من السجدة يقال له : رفع ، واضح الدفع ، وأمّا رواية أبي بصير فهي وإن كانت صريحة إلاّ أنّها غير صالحة للاعتماد.

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢١٧.


وأمّا ثالثاً : فما ذكرهقدس‌سره من البطلان بزيادة السجدتين ليس أولى من نقصان الركوع ؛ إذ لا ريب في تحقق النقصان بالدخول في السجود ، ولو نظرنا إلى أنّ البطلان بزيادة الركن إجماعي ، ومع نقصان الركوع الخلاف واقع ، أمكن الجواب بأنّ الخلاف في الأمرين حاصل ، بل الظاهر أنّ القائل بالتفصيل المذكور غير موجود ، بل المنقول البطلان مطلقاً والتلفيق السابق.

وحكى في المختلف عن المفيد القول بأنّ من ترك الركوع ناسياً أو متعمداً أعاد على كل حال(١) . وظاهر هذا يشمل ما لو ذكر قبل السجود ، لكن العلاّمة قال : إن قصد الإعادة وإن ذكر قبل السجود(٢) فهو ممنوع. ونقل في المختلف عن الشيخ أنّه قال : وإن تركه يعني الركوع ناسياً وسجد السجدتين أو واحدة منهما أسقط السجدة وقام وركع وتمم صلاته(٣) . وهذا وإن اقتضى القول بالسجدة إلاّ أنّ التخصيص بها غير حاصل ، وكلامنا في ذلك ، فلا يشكل ما قلناه من عدم القائل بالفرق ، هذا.

وما يقتضيه كلام الشيخ في الخبر الثاني بعد ذكره لا يخلو من غرابة ؛ لدخول الخبر في الأخبار الأوّلة ، ومغايرته إنّما هي بمجرد ذكر الواسطة بين صفوان وأبي بصير ، وهذه لا توجب إفراده.

ثم الحمل على صلاة الغداة والمغرب دون غيره من الأخبار الأوّلة لا وجه له ، بل ذكر الغداة أيضاً كذلك ، ولو جعل الحمل على الأوّلتين وثالثة المغرب والغداة كان أولى ؛ إذ ربما يفيد قوله : أو على الركعتين الأوّلتين. أنّ الغداة خارجة مع أنّ حكم الأوّلتين يشترك فيه الغداة. وذكر المغرب‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٦٤.

(٢) في النسخ : الركوع ، والصواب ما أثبتناه من المصدر.

(٣) المختلف ٢ : ٣٦٥.


لا أعلم وجهه ، وقد سمعت كلامه في المبسوط(١) .

والعجب من العلاّمة في المختلف أنّه لم ينقل قول الشيخ هنا مع اعتنائه بأقواله في الكتاب ، وقد اتفق لهرحمه‌الله توجيه للاستدلال على البطلان حيث اختاره ، وفي نظري القاصر أنّه محل بحث ، والذي ذكره هذا لفظه :

لنا : أنّه لم يأت بالمأمور به ، فيبقى في عهدة التكليف ، أمّا المقدمة الأُولى فلأنّه مأمور بإتيان كل ركعة بركوعها ، ولم يأت به ، إذ التقدير ذلك. وأمّا الثانية فظاهرة.

لا يقال : المقدمتان ممنوعتان ، أمّا الأُولى : فللمنع من كونه مأموراً حالة النسيان ، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق ، وأمّا الثانية : فلا نسلم البقاء في عهدة التكليف ؛ لأنّه إنّما يلزم ذلك لو قلنا إنّ الإتيان بالمأمور به لا على وجهه يوجب الإعادة ، وهو ممنوع ، فإنّ الإعادة تفتقر إلى دليل خارجي ، ولم يثبت. سلّمنا المقدمتين ، لكن لا نسلّم دلالتهما على محل النزاع ، فإنّ مذهبكم بطلان الصلاة والمقدمتان لا تدل عليه ، إنّما تدل على بقاء التكليف بالركوع ، ونحن نقول بموجبه ؛ إذ مع حذف السجدتين والإتيان بالركوع يكون التكليف به باقياً ولا يخرج عن العهدة بدونه.

لأنّا نقول : الناسي لا يسقط عنه الفعل مطلقاً ، بل الإثم ، وتكليف ما لا يطاق لازم لو قلنا إنّه مكلَّف حالة النسيان بالإتيان به حينئذ ، أمّا لو قلنا إنّه مكلَّف بأن يأتي به حالة الذكر فلا ، وظاهر أنّ النسيان لا يسقط التكاليف بالإجماع.

وأمّا وجوب الإعادة فظاهر ؛ إذ الإتيان بالمأمور به لا على وجهه ليس‌

__________________

(١) راجع ص ١٧٨٠.


إتياناً بالمأمور به ، فوجوب الإعادة حينئذ ظاهر.

وأمّا دلالة المقدمتين على محل النزاع فظاهرة ؛ لأنّ إعادة الركوع من دون إعادة السجدتين مخل بهيئة الصلاة ، فلا يقع المأمور به على وجهه ، وهو خلاف الإجماع أيضاً ، وإعادة السجدتين بعد الإتيان بالركوع مخل بهيئة الصلاة أيضاً ، ومقتض لزيادة ركن(١) . انتهى المراد منه.

ولا يخفى عليك ما فيه ،أمّا أولاً : فما ذكره من أنّه مأمور بإتيان كل ركعة بركوعها إن أراد به(٢) بركوعها قبل السجود فهو مسلّم والعبارة لا تدل عليه ، وإن أراد غير ذلك فلا وجه له ، لكن جواب هذا سهل. نعم قد يتوجه عليه أنّ الإتيان بالركوع قبل على الإطلاق إنْ كان بالإجماع فهو مردود في موضع النزاع ، وإن كان من المعروف في العبادة أمكن أن يقال : إنّ مثل هذا لا يصلح للحجيّة ، وفيه نوع تأمّل أظنه لا يخفى.

وأمّا ثانياً : فما ذكره في السؤال من أنّ الإعادة تفتقر إلى أمر خارجي ولم يثبت ، إن أراد به أنّ القضاء يتوقف على أمر خارجي فمسلّم ، والكلام ليس فيه ، وإن أراد الأداء فغير متوقف على أمر خارج ، بل عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي بقاء التكليف كما هو واضح. وعدم التعرض في الجواب لهذا لا وجه له ، وقوله : وأمّا وجوب الإعادة ، إلى آخره. غير وافٍ بما قلناه.

وأمّا ثالثاً : فالجواب الذي ذكره من أنّ الناسي لا يسقط عنه الفعل بل الإثم ، إن أراد به في حال النسيان فالفعل عنه ساقط مع الإثم ، وإن أراد حال الذكر فالفعل باق إذاً ، وكذلك الإثم لو تركه. وقوله : إنّ النسيان لا يسقط‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٦٦.

(٢) ليست في « رض ».


التكاليف بالإجماع ، غريب.

وأمّا رابعاً : فقوله : إنّ دلالة المقدمتين ظاهرة ، إلى آخره. فيه أنّ المُورِد قال إنّ التكليف بالركوع باقٍ مع الإتيان بالسجدتين ، والجواب كما ترى يقتضي أنّ الفعل يخل بهيئة الصلاة ، فإن أراد هيئة الصلاة لغير الناسي فلا يضر بالحال ، وإن أراد للناسي فالإخلال محل كلام ، والأولى أن نقول : إنّ الناسي مكلّف بمجموع الصلاة لا بالركوع.

وما قاله من زيادة الركن ، فيه : أنّ هذا مختص بما لو ذكر بعد السجدتين ، فكان الأولى الاقتصار على تغيير الهيئة ، ولعلّ مراده بيان فردٍ ما.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الذي ذكره الشيخ لكشف ما قاله لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ ظاهر الخبر أنّ ما ينسى من الركعة والسجدة وأكثر منها يقضى ولا تعاد الصلاة بسببه ، والحال أنّه لا بدّ من تخصيصه ، ومعه لا يتم الكشف ، بل يوجب الغموض ، فليتأمّل.

قوله :

باب من شك وهو قائم فلا يدري أركع أم لا‌

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد ، عن عمران الحلبي قال : قلت : الرجل يشك وهو قائم فلا يدري أركع‌ أم لا ، قال : « فليركع ».

عنه ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل شك وهو قائم فلا يدري أركع


( أم لا(١) ؟ ) قال : « يركع ويسجد ».

عنه ، عن فضالة ، عن حسين ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير والحلبي : في رجل(٢) لا يدري أركع أم لم يركع ، قال : « يركع ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن أبان ، عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أستتمّ قائماً فلا أدري ركعت أم لا ، قال : « بلى قد ركعت ، فامض في صلاتك ، فإنّما ذلك من الشيطان ».

فلا ينافي ما ذكرناه ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أن نحمله على من يستتم قائماً من السجود إلى الثانية أو إلى الثالثة من التشهد الأوّل ثم يشك في الركوع في الركعة التي مضى حكمها ، فإنّه لا يلتفت إلى ذلك الشكّ ، لأنّه قد انتقل إلى حالة اخرى ، وذلك لا يوجب حكماً للشك ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا ، قال : « امض ».

عنه ، عن صفوان ، عن حمّاد بن عثمان قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أشك وأنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا ، فقال : « قد ركعت امض ».

سعد ، عن أبي جعفر ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء بن رزين ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته‌

__________________

(١) في « رض » : أم لا أيركع ، وفي الاستبصار ١ : ٣٥٧ / ١٣٥٢ : أم لم يركع.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٥٧ / ١٣٥٣ : الرجل.


عن رجل شكّ بعد ما سجد أنّه لم يركع ، قال : « يمضي في صلاته ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل أهوى إلى السجود ( فلم يدر ركع )(١) أم لم يركع ، قال : « قد ركع ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسماعيل بن جابر قال : قال أبو جعفرعليه‌السلام : « إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض ، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض ، كل شي‌ء شك فيه بعد ما جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه ».

السند‌ :

في الأوّل : حمّاد فيه وإن كان مشترك الاسم(٢) إلاّ أنّ ابن عثمان له نوع قرب فيما يظن من الإطلاق في مثل هذا المكان ، وسيأتي في الخامس التصريح بذلك ، ولو لا احتمال أن يكون تفسيره بابن عثمان في الخامس لا يقتضي اتحاده دائماً لأمكن الجزم بأنّه ابن عثمان في ما نحن فيه ، وغير بعيد الجزم لما ذكرناه.

والثاني : واضح الحال كالثالث ، وحسين فيه هو ابن عثمان.

والرابع : فيه أبان ، والكلام فيه نحو حمّاد من الاشتراك(٣) ، واحتمال‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٥٨ / ١٣٥٨ : فلا يدري أركع.

(٢) انظر هداية المحدثين : ٤٨.

(٣) انظر هداية المحدثين : ٦.


ابن عثمان من الإطلاق.

والخامس : واضح بعد ما كرّرنا القول فيه(١) ، كالسادس والسابع.

[والتاسع (٢) ] فيه محمد بن عيسى الأشعري المعبّر عنه بأبيه ، وقد قدمنا عدم معلومية ما يوجب تصحيح حديثه إذا خلا من الموانع غيره(٣) . وقد وصفه شيخناقدس‌سره بالصحة في المدارك(٤) ، ولا أدري أهو من الكتابين أو من غيرهما ، ولا يبعد أن يكون اعتماده على توثيق محمد بن عيسى وقد وصف العلاّمة الطرق المشتملة عليه بالصحة ، سيّما هذه الرواية ، فإنّه في المنتهى وصفها بذلك(٥) ، ولم أجد الآن طريقاً لها غير ما ذكر ، وقد مضى الكلام في الاكتفاء بوصف العلاّمة(٦) .

وأمّا إسماعيل بن جابر فالقول فيه مضى مفصّلاً ، وكذلك عبد الله بن المغيرة(٧) .

المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة على أنّ من شك وهو قائم في الركوع يركع ، ولعلّ الظاهر من القيام قيام الركعة الشاك في ركوعها ، وعلى تقدير‌

__________________

(١) راجع ص ٤٩ ، ٢٨٩ ، ٨٤.

(٢) في النسخ : والثامن ، والصواب ما أثبتناه ، وأما الحديث الثامن فلم يتكلم في سنده.

(٣) راجع ص ٥٧.

(٤) المدارك ٤ : ٢٤٧.

(٥) المنتهى ١ : ٤١٤.

(٦) يستفاد منه ذلك في ص ٦٢.

(٧) راجع ص ٩٩ و ٧٠١.


الإجمال فالبيان الواقع في خبري حماد بن عثمان كافٍ في دفعه ، واحتمال الفرق بين السجود والقيام لا وجه له كما لا يخفى. والثاني كالأوّل.

والثالث : إطلاقه مقيّد بما ذكرناه ، والحكم المذكور في الروايات على الإطلاق مشهور بين من رأينا كلامه ويعبر عنه بالشك في فعل ومحله باق ، واستدل عليه أيضاً بإطلاق الأمر بفعل الركوع فيجب ؛ لأنّ الأصل عدم الإتيان به.

وحكى العلاّمة في المختلف عن الشيخ في النهاية أنّه قال : من شك في الركوع والسجود في الركعتين الأوّلتين أعاد الصلاة ، فإن كان شكه في الركوع في الثالثة أو الرابعة وهو قائم فليركع ، إلى آخره(١) .

وفي المعتبر حكى عن الشيخ القول بوجوب الإعادة بكل شك يتعلق بكيفية الأوّلتين كأعدادهما(٢) .

ونقل شيخناقدس‌سره عن المفيد في المقنعة أنّه قال : كل سهو يلحق الإنسان في الركعتين الأوّلتين من فرائضه فعليه إعادة الصلاة(٣) .

والمنقول في التهذيب عن المقنعة لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ الشيخ قال : قال الشيخرحمه‌الله فإنْ شك في الركوع وهو قائم ، وإنْ كان دخل في حالة اخرى من السجود وغيره مضى في صلاته وليس عليه شي‌ء. وهذا أيضاً إذا كان في الركعتين الأخيرتين ؛ لأنّه إذا كان في الركعتين الأوّلتين يجب عليه استئناف الصلاة ، لأنّه لم يستكمل عددهما وهو شاك فيهما ، وقد قيل : إنّ‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٦١.

(٢) المعتبر ٢ : ٣٨٨ وفيه : لا العدد ، بدل كأعدادهما.

(٣) المدارك ٤ : ٢٤٦ ، وهو في المقنعة : ١٤٥.


كل سهو يلحق الإنسان في الأوّلتين فإنّه يجب عليه(١) إعادة الصلاة(٢) .

ثم إنّ الشيخ استدل على القسمين. وغير خفي أنّ الكلام محتمل لأنْ يكون جميعه من المفيد أو بعضه.

وقد ذكرنا في حاشية التهذيب ما لا بدّ منه ، ونقول هنا : إنّ القائلين بعدم الفرق بين الأوّلتين والأخيرتين استدلوا بالأخبار المذكورة(٣) .

ونقل في المختلف عن الشيخ الاحتجاج لما قاله عنه بالاحتياط ؛ لأنّ الذمّة مشغولة بالصلاة قطعاً ولا يخرج عن العهدة إلاّ بيقين ، ومع الشك في الصلاة لا يقين. وما رواه الفضل بن عبد الملك في الصحيح قال لي : « إذا لم تحفظ الركعتين الأولّتين فأعد صلاتك » وعن عنبسة بن مصعب وستأتي في الكتاب(٤) الدالة على أنّ الشك في الأوّلتين يوجب الإعادة. ولأنّ الركوع جزء لماهية الركعة ، والشك في الجزء يستلزم الشك في الماهية ، ولو شك في الركعة الأُولى أو الثانية بطلت صلاته إجماعاً ، وكذا لو شك في الملزوم. ولأنّ مسمى الركعة إنّما يتم بالركوع ؛ لاستحالة صدق المشتق بدون المشتق منه ، فإذا شك في المشتق منه حصل الشك في المشتق.

وأجاب العلاّمة عن الروايتين بالقول بموجبهما ، وهو العدد ، والاحتياط معارض بالبراءة ، والشك في الجزء لا يستلزم الشك في باقي الأجزاء ، والإعادة منوطة بتناول الشك لجميع الأجزاء ، إذ هو مسمى‌

__________________

(١) في « م » و « فض » والتهذيب : منه.

(٢) التهذيب ٢ : ١٥٠ ، وهو في المقنعة : ١٣٨ ، إلى قوله : وليس عليه شي‌ء.

(٣) كما في المعتبر ٢ : ٣٧٨ ، الذكرى : ٢٢٠ ، المدارك ٤ : ٢٤٦.

(٤) انظر ص ١٧٩٢.


الركعة. قال : وهو الجواب عن الأخير(١) .

وفي نظري القاصر أنّ الجواب محل تأمّل ،أمّا أوّلاً : فلأنّ الرواية الأُولى المعتبرة دالة على عدم حفظ الأوّلتين سواء كان في أعدادهما أو أجزائهما ، ومع الشك لا ريب في انتفاء الحفظ ، ويؤيد ذلك : ما رواه الصدوق صحيحاً ، وقد تقدم في باب التسبيح في الأخيرتين(٢) ، المتضمن لاعتبار اليقين في الأوّلتين. والرواية الثانية مؤيدة للأُولى.

وأمّا ثانياً : فما ذكره من أنّ الاحتياط معارض بالبراءة إن أراد به كما هو الظاهر أنّ الأصل براءة الذمّة ، ففيه : أنّ براءة الذمّة قد زالت بالتكليف ، والتلبس بالعبادة لا يكفي في البراءة ما لم توافق الشارع ، والحال أنّه قد دل الدليل على اعتبار اليقين في الأوّلتين ، ومع الشك لا يقين ، فيبقى المكلف في العهدة. نعم ما قاله الشيخ من التوقف على اليقين محل كلام ، بل التوقف على ما أعده الشارع كما لا يخفى.

فإن قلت : إذا فرض الدخول في العبادة بوجه شرعي فالبطلان لا بدّ له من دليل.

قلت : قد ذكرنا دليل البطلان من اعتبار اليقين.

وما عساه يقال : إنّ الأخبار الدالة على الإتيان بالركوع إذا شك في حال القيام تدل على عدم الإبطال ، فكيف يحكم به.

جوابه أنّ الأخبار مطلقة ، فلا مانع من تقييدها بغير الأوّلتين.

وأمّا ثالثاً : فما ذكره من أنّ الشك في الجزء لا يستلزم الشك في باقي الأجزاء ، فيه : أنّ المستدل لا يدعي أنّ الشك في الجزء يستلزم الشك‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٦٣.

(٢) راجع ص ١٦٠٨.


في كل جزء ، بل يقول : إنّ الشك في الجزء يستلزم الشك في الماهية ، بمعنى عدم يقين حصولها كاملة ، وما دلّ على اليقين يقتضي كونها تامة يقيناً ، وانتفاء التمام يتحقق بالإخلال ببعضها وجميعها أو بالشك في ذلك. ومن هنا يعلم معنى قول المستدل : لأنّ مسمى الركعة ، إلى آخره.

أمّا ما قاله المستدل : من أنّه لو شك في الركعة الأُولى أو الثانية بطلت إجماعاً ، فقد يتوجه عليه : أنّ الإجماع على الشك في نفس الأُولى أو الثانية بمعنى عدم تحقق فعلها أصلاً ، والمدّعى عدم تحقق فعلها تامة ، فالإجماع لا يتمشى في موضع النزاع ، هذا.

وقد أُجيب عن الروايتين باحتمال إرادة الشك في العدد ، وإذا قام الاحتمال لا يتم الاستدلال. وعلى هذا اعتمد شيخناقدس‌سره (١) وفيه تأمّل ؛ لأنّ الظاهر من الرواية العموم لا الإجمال. والرواية الدالة على اليقين أظهر ، وستأتي إن شاء الله تعالى مع رواية البزنطي الدالة على الشك في السجدتين في الأوّلتين(٢) ، وفيها تأييد لما ذكرناه ، لكن في متنها كلام.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الرابع من الأخبار الراوي له الفضيل بن يسار ، ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من وجه وإن بعُد لضرورة الجمع.

وقد يحتمل التخيير بين الركوع وعدمه لتعارض الأخبار ، غير أنّ القائل بذلك غير معلوم.

أمّا حمله على كثير الشك فمن البعد بمكان.

ولا يبعد أن يقال : إنّ قوله : أستتم قائماً. مشعر بقيام من حالة دنيا ، فإذا شك في الركوع وعدمه في قيام الركعة المشكوك في ركوعها كان‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٤٩.

(٢) انظر ص ١٨١٩.


الظاهر معه في وقوع الركوع ، لأنّ من لم يركع لا يتحقق منه حركة من حالة دنيا إلى عليا.

إلاّ أن يقال : إنّ الشك في الركوع بمعنى الشك في وصوله إلى حدّ الراكع أم لا ، فالحركة المشعور بها لا تدل على ما ذكرناه ، وعلى هذا تصير مسألة أُخرى مستفادة من الخبر ، وهي أنّ من شك بعد قيامه في وصوله إلى حد الراكع(١) أم لا لا يلتفت ، وذلك محتمل الاستفادة ممّا دلّ على أنّ الشك بعد الانتقال من حالة إلى حالة لا يوجب الالتفات كما سيجي‌ء بيانه(٢) .

ولا ينافي ما ذكرناه من الاحتمال ما رواه الشيخ في التهذيب بطريق صحيح فيه أبان بن عثمان وقد قدّمنا حاله(٣) ، وفيه : رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد ، قال : « يسجد »(٤) وسيجي‌ء نقل تمامه أيضاً عن قريب(٥) ؛ لإمكان الجواب بالحمل على عدم الانتقال في هذه الصورة لخصوص الخبر.

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من قولهعليه‌السلام : « بلى قد ركعت » لعلّ المراد به قد ركعت شرعاً من حيث إنّ الشارع حكم بعدم الالتفات فكأنّه ركع شرعاً ، واحتمال الجزم بالركوع منهعليه‌السلام بعيد.

وأمّا الخامس : فهو ظاهر الدلالة على أنّ من شك في الركوع وهو ساجد لا يلتفت كالسادس ، والكلام في قولهعليه‌السلام : « قد ركعت » كالكلام في الرابع.

__________________

(١) في « رض » الركوع.

(٢) انظر ص ٧٢ و ١٠٢.

(٣) راجع ج ١ : ١٨٣.

(٤) التهذيب ٢ : ١٥٣ / ٦٠٣ ، الوسائل ٦ : ٣٦٩ أبواب السجود ب ١٥ ح ٦.

(٥) انظر ص ٩٩ ١٠٠.


والسابع : واضح الدلالة.

واستفاد من إطلاق الثلاثة جماعة من الأصحاب عدم الفرق بين الأوّلتين والأخيرتين. وقد سمعت من الكلام السابق ما يغني عن الإعادة(١) ، بل في المقام المذكور قد يزيد الإشكال من حيث إنّ الإتيان بالركوع في الحكم السابق ربما يظن منه حفظ الأوّلتين بخلاف ما نحن فيه.

وينقل عن العلاّمة في التذكرة أنّه استقرب البطلان إن تعلق الشك بركن من الأوّلتين قال : لأنّ ترك الركن سهواً مبطل كعمده ، فالشك فيه في الحقيقة شك في الركعة ؛ إذ لا فرق بين الشك في فعلها وعدمه وبين الشك في فعلها على وجه الصحة والبطلان(٢) .

واعترض عليه شيخناقدس‌سره بأنّ حاصل ما ذكره أنّ الشك في الركن على هذا الوجه شك في أعداد الأوّلتين وهو ممنوع(٣) . انتهى.

وأنت خبير بما في الاعتراض بعد ما قدّمناه.

وأمّا الثامن : فهو ظاهر الدلالة على أنّ من أهوى إلى السجود وشك في الركوع لا يلتفت. وقوّى جديقدس‌سره في المسالك وجوب العود ما لم يصر إلى حد السجود(٤) . ولا يبعد أن يكون توقفه في الخبر من حديث أبان بن عثمان وإن كان الحق اندفاعه كما قدّمناه مراراً(٥) . واحتمال التفاتهقدس‌سره إلى ما تضمنه التاسع من قولهعليه‌السلام : « إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض » فإنّ مفهومه إذا شك قبل السجود لا يمضي ، فيه : أنّ‌

__________________

(١) راجع ص ١٧٩٠.

(٢) التذكرة ٣ : ٣١٦.

(٣) المدارك ٤ : ٢٤٨.

(٤) المسالك ١ : ٤١.

(٥) راجع ص ١٣٠ ، ١٧٨٩.


المنطوق إذا دلّ على الحكم فهو أولى من المفهوم ، لاحتمال المفهوم غير النفي عما عداه بسبب المعارض.

واحتمال أنْ يقال بجواز أن يراد بقولهعليه‌السلام في الخبر الثامن : « أهوى إلى السجود » نفس السجود لدلالة التاسع عليه ، فيه : أنّه خلاف الظاهر ، مع إمكان التوجيه في المفهوم.

وما عساه يقال : إنّ ما دل عليه التاسع من قوله : « كل شي‌ء جاوزه ودخل في غيره » إلى آخره. صريح في اعتبار الدخول في غيره ، والهوي لا يقال : إنّه دخول في غيره ، فيه : أنّ الدخول في الغير يتحقق بالهوي ، إذ هو غير الركوع. والحقّ أنّ في تحقيق الدخول في الغير إجمالاً في كلام الأصحاب والأخبار ، وسنشير إليه(١) إن شاء الله تعالى.

ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره بعد حكاية قول جدّيقدس‌سره : إنّه ضعيف(٢) . لا يخلو من غرابة ، فإنّ الضعف على الإطلاق مشكل ، بل لا وجه له.

إذا تمهد هذا فاعلم أنّ ما تضمنه التاسع من قوله : « وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض » صريح في عدم الالتفات بعد القيام ، والظاهر منه تمام القيام.

ولو نوزع في الظاهر فالشيخ قد روى في التهذيب ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي نصر ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل رفع‌

__________________

(١) في ص ١٧٩٦.

(٢) المدارك ٤ : ٢٥٠.


رأسه(١) ، وقد ذكرنا المتن فيما مضى عن قريب(٢) ، إلى أن قال : قلت : فرجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد ، قال : « يسجد ».

وما عساه يقال : إنّ ظاهر الخبر المبحوث عنه يقتضي بمعونة قوله : « كل شي‌ء » إلى آخره. عدم الالتفات بعد الأخذ في القيام لحصول الدخول في القيام. جوابه أنّ الدخول في الغير إذا وقع مبيّناً في الخبر لا مانع منه ، غاية الأمر أنّ حقيقة الدخول في الغير مجملة كما أشرنا إلى ذلك عن قريب(٣) . وهذا الخبر من حيث محمد بن عيسى قد بينا أنّ الاعتماد عليه مشكل(٤) .

فالبحث في المسألة مع البناء عليه قليل الفائدة ، نعم أشرنا فيما مضى(٥) إلى خبر رواه زرارة يتضمن نحو الخبر المبحوث عنه ، وهو مروي في باب الزيادات من التهذيب في باب السهو ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز بن عبد الله ، عن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة ، قال : « يمضي » قلت : رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبّر ، قال « يمضي » قلت : رجل شك في التكبير وقد قرأ ، قال : « يمضي » قلت : شك في القراءة وقد ركع ، قال : « يمضي » قلت : شك في الركوع وقد سجد ،

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٥٣ / ٦٠٣.

(٢) راجع ص ١٧٩٣.

(٣) راجع ص ١٧٩٥.

(٤) راجع ص ١٧٨٩.

(٥) راجع ص ١٧٥٥.


قال : « يمضي على صلاته » ثم قال : « يا زرارة إذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء »(١) .

وهذا الحديث قد قدّمنا فيه(٢) احتمال أن يكون قوله : « إذا خرجت من شي‌ء » من المذكورات في السؤال ، واحتمال أن يراد المذكورات وغيرها ، وفي الظن أنّ الثاني له ظهور ، وحينئذ يستفاد منه أُمور.

الأول : الشك في الفاتحة وهو في السورة ، فإنّ المنقول عن ابن إدريس عدم الالتفات(٣) ، وكذلك عن المفيد ، حكاه ابن إدريس(٤) .

قال شيخناقدس‌سره : ويظهر من المعتبر اختيار ذلك ، فإنّه قال يعني المحقق بعد أن نقل عن الشيخ القول بوجوب الإعادة : ولعلّه بنى على أنّ محل القراءتين واحد ، وبظاهر الأخبار يسقط هذا الاعتبار.

ثم قال شيخناقدس‌سره : وهو غير جيّد ؛ فإنّ الأخبار لا تدل على ما ذكره ، بل ربما لاح من قوله : قلت رجل شك في القراءة وقد ركع ، أنّه لو لم يركع لم يمض(٥) . انتهى.

وفي نظري القاصر أنّ هذا الكلام غريب ، لأنّه جزم بصحة خبر إسماعيل بن جابر(٦) ، وظهوره في أنّ الدخول في الغير يقتضي عدم الالتفات لا ريب فيه ، وخبر زرارة قد سمعت احتماله الظاهر ، فقول المحقّق إنّ ظاهر الأخبار يسقط الاعتبار حق بلا مرية.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٥٢ / ١٤٥٩ ، الوسائل ٨ : ٢٣٧ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٣ ح ١.

(٢) راجع ص ١٧٥٥.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٩٦ ، وهو في السرائر ١ : ٢٤٨.

(٤) السرائر ١ : ٢٤٨.

(٥) المدارك ٤ : ٢٤٩.

(٦) المدارك ٤ : ٢٤٧.


وقول شيخناقدس‌سره : ربما لاح ، لا وجه له ؛ لأنّ هذا من كلام السائل ، ولا ريب أنّ الشك في القراءة بعد الركوع أحد الأفراد ، فلا يفيد تقييد الإطلاق ، كما نبّهنا عليه مراراً من أنّ كلام السائل لا يفيد ذلك ، إلاّ إذا كان في جواب الإمام نوع تقرير ، وفي المقام لا يظهر التقرير.

أمّا ما عساه يقال : إنّ العموم في خبر إسماعيل مخصوص به ، حيث تضمن اعتبار تمام القيام كما دل عليه الخبر السابق منّا عن التهذيب. والجواب عن هذا واضح ، غاية الأمر أنّ ما عدا موضع التخصيص يقع فيه الإشكال ، وستسمع بعض المقال(١) .

الثاني : لو شك في السجود من يتشهد ، أو في التشهد من قام فاحتمال عدم الالتفات ظاهر بعد ما سمعته ، وقد جزم شيخناقدس‌سره بذلك ، نظراً إلى إطلاق خبر زرارة(٢) .

وفي نظري القاصر أنّه غريب منه أيضاً ؛ لأنّ خبر زرارة إنّما يصير مطلقاً إذا جعلنا قولهعليه‌السلام : « يا زرارة إذا خرجت » إلى آخره. أمّا مع احتمال الرجوع إلى المسئول عنه فلا إطلاق ، وعلى تقدير الإطلاق لا وجه للتوقف في الشك في الفاتحة لمن كان في السورة ، بعد ما مضى منه أنّه يلوح من قولهعليه‌السلام : وقد ركع ، إلى آخره. فإنّ هذا يناقض الإطلاق كما هو واضح. ولو جعل الاستدلال ما في خبر إسماعيل كان أولى ، وإن كان في خبر إسماعيل نوع احتمال ، لكنه واضح الدفع.

ثم إنّ شيخناقدس‌سره نقل عن الشيخ في المبسوط القول بالرجوع إلى‌

__________________

(١) انظر ص ١٨٢١ ١٨٢٢.

(٢) المدارك ٤ : ٢٤٩.


السجود والتشهد ما لم يركع ، ثم قال : وهو بعيد(١) . وهذا الاستبعاد لا وجه له ، بل ينبغي الجزم بنفيه بعد الدخول في الإطلاق ، سيّما وقد دل الخبر السابق عن إسماعيل بن جابر على أنّ القيام التام دخول في الغير صريحاً.

ويحكى عن الشيخ الاستدلال لما قاله برواية الحلبي الآتية الحسنة الواردة فيمن سها فلم يدر سجد سجدة واحدة أو اثنتين قال : « يسجد اخرى » والإطلاق يتناول من قام وغيره(٢) .

وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأنّ المطلق يحمل على المقيد. واحتمال أن يقال : إنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، يدفعه ما كرّرنا القول فيه من عدم العلم بانتفاء البيان عن وقت الحاجة بالنسبة إلى السائل ، إذ هو المعتبر كما لا يخفى.

والعجب من عدم تعرض شيخناقدس‌سره لاستدلال الشيخ ، بل الحكم بالبعد مجرداً.

الثالث : الشك في السورة(٣) حال القنوت ، ويظهر من الاستدلال على الرجوع للفاتحة إذا شك فيها حال كونه في السورة حيث قيل إنّ محل القراءة باقٍ ، لزوم الرجوع ، وقد يشكل بما قدمناه(٤) . وفي الظن الخلاف في المسألة ، لكن لا يحضرني الآن خصوص القائل.

وما عساه يقال : إنّ الدخول في الغير لو كان على إطلاقه لزم أنّ من شك في آية وهو في أُخرى من الفاتحة أو السورة لا يلتفت ، وكذا من شك‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٥٠.

(٢) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٤٠١ ، بتفاوت يسير في الرواية.

(٣) في « م » و « رض » زيادة : وقت.

(٤) في ص ١٧٩٧.


في شي‌ء من آخر الأذان أو الإقامة ، والحال في ذلك الرجوع ، يمكن الجواب عنه : بأنّ الإجماع إن ثبت أو غيره فهو الحجة ، وإلاّ فللكلام مجال. وقد قدّمنا(١) قولاً في الشك في التكبير وهو في التوجه المطلوب في أوّل الصلاة لا ينبغي الغفلة عنه ، وقوله في خبر زرارة(٢) : شك في التكبير وقد قرأ. لا ينافي ما قلناه كما لا يخفى.

ومن عجب ما وقع للعلاّمة في المنتهى أنّه نقل عن الشيخ في مسألة الشك في الفاتحة وهو في السورة أنّه حكم بالإعادة لاتحاد محل القراءتين. ثم قال العلاّمة : وذلك معارض بما رواه بكر بن أبي بكير قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّي ربما شككت في السورة فلا أدري قرأتها أم لا ، فأُعيدها؟ قال : « إن كانت طويلة فلا ، وإن كانت قصيرة فأعدها »(٣) . ولا يخفى حال الرواية سنداً ومتناً ، لجهالة بكر ، واختصاص المتن بالسورة والشك في أجزائها ثم الفرق بين الطويلة والقصيرة.

وقد روى الشيخ في الزيادات من التهذيب في باب السهو ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن معاوية بن وهب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أقرأ سورة فأسهو فأنتبه وأنا في آخرها ، فأرجع إلى أوّل السورة أو أمضي؟ قال « بل امض »(٤) وهذه الرواية معتبرة في الإسناد كما يعلم مما كرّرنا القول فيه في الكتاب(٥) ،

__________________

(١) في ص ١٧٥٢.

(٢) المتقدم في ص ١٧٩٦.

(٣) المنتهى ١ : ٤١٢.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٥١ / ١٤٥٨ ، الوسائل ٦ : ٩٥ أبواب القراءة في الصلاة ب ٣٢ ح ١.

(٥) راجع ص ٤٤ ، ٤٥ ، ٩٩ ، ١٠٨٢.


ويحتمل أن يراد بالسهو فيها الشك ، إذ احتمال السهو غيره وإن أمكن بناءً على جواز التبعيض ، إلاّ أنّ الظاهر خلافه ، وبتقدير عدم الظهور قد يقال : إنّ مع الترك إذا جاز عدم الرجوع [ فمع(١) ] الشك أولى ، غير أنّ في مفهوم الموافقة كلاماً تقدم بيان وجهه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الدخول في الغير محتمل لشمول الدخول بغير فصل(٢) ، ومحتمل للدخول في الأكثر. وهل الاعتبار بالأركان أم مطلق الأفعال؟ ثم الأركان هل يعتبر تمامها أو جزؤها كافٍ؟ احتمالات ، للكلام فيها مجال.

وفي المنتهى : لو شك في شي‌ء بعد انتقاله عنه لم يلتفت واستمر على فعله ، سواء كان ركناً أو غيره ، مثل أن يشك في تكبيرة الافتتاح وهو في القراءة ، أو في القراءة وهو في الركوع ، أو في الركوع وهو في السجود ، أو في السجود وقد قام ، أو في التشهد وقد قام ، كل ذلك لا اعتبار بالشك فيه ، وإلاّ لزم الحرج المنفي ؛ لأنّ الشك يعرض في أكثر الأوقات بعد الانتقال ، فلو كان معتبراً لأدّى إلى الحرج(٣) . انتهى. ولا يخفى عليك أنّ الاستدلال بالحرج لا وجه له.

وفي المنتهى كلام في بيان محل النزاع بالنسبة إلى الدخول في الفعل ، حاصله أنّ النزاع في الفعل المحقق لا في مقدمته ، وأنّ الشروع في المقدمة ليس مما فيه نزاع(٤) . وكأنّه يريد به أنّ مثل النهوض إلى القيام لما‌

__________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : فمن.

(٢) في « فض » : فعل.

(٣) المنتهى ١ : ٤١١.

(٤) المنتهى ١ : ٤١٢.


دل الدليل على أنّه غير مانع من السجود لو شك فيه ، بل المانع القيام ، فمع النهوض لا يتحقق القيام.

وأنت خبير بأنّ هذا لا يصلح سنداً ؛ لأنّ الهوي إلى السجود قد مضى أنّه مانع مع أنّه مقدمة للسجود ، إلاّ أن يقال ما قدمناه من أنّ الهوي عبارة عن السجود. ولعلّ جدّيقدس‌سره نظر إلى كلام العلاّمة(١) .

والحق إمكان البحث في المقام بأنّ إطلاق الأخبار يتناول مطلق الدخول في الغير إلاّ ما خرج بالدليل. ومن هنا يتفرع حكم الشك في القراءة وقد أخذ في هوي الركوع ونحو ذلك مما لا يخفى ، فينبغي تأمّل ما ذكرناه ، فإنّه حريّ بالتأمّل التام ، وبالله الاعتصام.

قوله :

باب من ترك سجدة واحدة من السجدتين ناسياً حتى يركع‌

الحسين بن سعيد ، عن محمد بن سنان(٢) ، عن أبي بصير قال : سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم ، قال : « يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع ، فإن كان قد ركع فليمض على صلاته ، فإذا انصرف قضاها ، وليس عليه سهو ».

سعد ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : في رجل نسي أن يسجد سجدة من الثانية حتى قام ، فذكر وهو قائم أنّه لم يسجد ، قال‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٤٩ ٣٥٠.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٥٨ / ١٣٦٠ زيادة : عن ابن مسكان.


« فليسجد ما لم يركع ، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنّه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلّم ثم يسجدها ، فإنّها قضاء ».

عنه ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : في الرجل ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام وركع ، قال : « يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلّم ، فإذا سلّم سجد مثل ما فاته » قلت : وإن لم يذكر إلاّ بعد ذلك؟ قال : « يقض ما فاته إذا ذكره ».

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن علي بن إسماعيل ، عن رجل ، عن المعلّى بن خنيس قال : سألت أبا الحسن الماضيعليه‌السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته ، قال : « إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ثم يسجد سجدتي السهو بعد انصرافه ، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة ، ونسيان السجدة في الأوّلتين والأخيرتين سواء ».

فما تضمن هذا الخبر من قوله : « إذا ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة » يحتمل شيئين ، أحدهما : أن يكون إشارة إلى من ترك السجدتين معاً ، فإنّ من هذه صورته تجب عليه إعادة الصلاة ، ولأجل هذا قال : « ونسيان السجدة في الأوّلتين والأخيرتين سواء » يعني في السجدتين معاً.

والثاني : أن يكون محمولاً على السجدة الواحدة ، ويكون ذلك الحكم مختصاً بالركعتين الأوّلتين ، ويكون قوله : « ونسيان السجدة في الأوّلتين والأخيرتين سواء » حكماً مستأنفاً في السجدتين معاً.


السند‌ :

في الجميع تكرر القول فيه بما يغني عن الإعادة ، والإجمال أنّ الأوّل ضعيف(١) ، لكن في التهذيب عن ابن مسكان بدل ابن سنان(٢) ، والظاهر أنّ ما هنا أصوب. والثاني : فيه محمد بن عيسى الأشعري ، ومضى عن قريب القول فيه(٣) . والثالث : موثق(٤) . والرابع : فيه مع الإرسال جهالة علي بن إسماعيل ، وفي التهذيب عن محمد بن إسماعيل في نسخة معتبرة(٥) ، وفي اخرى كما هنا. والمعلى بن خنيس فيه كلام مضى مفصلاً(٦) ، وسيجي‌ء ما لا بدّ منه.

المتن :

في الأوّل : واضح الدلالة على قضاء السجدة المنسية لو صحّ ، والتعبير بالقضاء حينئذ لعله باعتبار فعل السجدة في غير محلها ، أو أنّ المراد بالقضاء الفعل ، فإنّ إطلاقه عليه واقع في الأخبار. وما تضمنه من أنّه ليس عليه سهو مخالف لما دلّ على سجود السهو كما يأتي مع كلام الشيخ فيه.

والثاني : ظاهر الدلالة ، والقضاء توجيهه كالأوّل. وفيه دلالة واضحة على أنّ نسيان السجدة من الركعة الثانية لا تبطل الصلاة ، وستسمع القول‌

__________________

(١) راجع ص ٨٥.

(٢) التهذيب ٢ : ١٥٢ / ٥٩٨.

(٣) في ص ١٧٨٩.

(٤) انظر ص ١٩١٣.

(٥) هذه النسخة لا توجد لدينا ، وما في نسختنا عن علي بن إسماعيل.

(٦) في ص ٨٧٧.


فيما استدل به الشيخ على الفرق(١) .

والثالث : دلالته واضحة أيضاً ، وسيأتي في خبر ابن أبي يعفور في الباب الآتي ما يؤيد هذا الحكم(٢) ، وقد ذكره بعض القائلين في الاستدلال لقضاء السجدة المنسية(٣) ، لكن فيه نوع مخالفة لمذهب القائل كما ننبّه عليه إن شاء الله تعالى.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول في المختلف عن ابن أبي عقيل أنّ الظاهر من كلامه إعادة الصلاة بترك سجدة واحدة ، سواء كان في الركعتين الأوّلتين وغيرهما ؛ لأنّه قال : من سها عن فرض فزاد فيه أو نقص منه أو قدّم منه مؤخّراً أو أخّر منه مقدّماً فصلاته باطلة ، وعليه الإعادة.

وقال في موضع آخر : الذي يفسد الصلاة ويوجب الإعادة ـ إلى أن قال ـ : والترك لشي‌ء من فرائض أعمال الصلاة ساهياً ، مع أنّه قسّم أعمال الصلاة إلى فرض وسنّة وفضيلة ، وعدّ من الفرائض الركوع والسجود ، ثم قال : ومن ترك شيئاً من ذلك أو قدّم منه مؤخّراً أو أخّر مقدماً ، ساهياً كان أو متعمداً ، إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً بطلت صلاته(٤) . انتهى ما حكاه العلاّمة.

وقد يظن عدم دلالة كلامه على البطلان بنقصان السجدة ، أمّا أوّله فلأنّه يعطي نقصان الفرض ، والسجود المفروض لا يدرى أهو مجموع السجدتين أو المجموع والواحدة. وأمّا الكلام الآخر فهو نحوه في الظاهر ،

__________________

(١) انظر ص ٩٠.

(٢) انظر ص ٩٠.

(٣) كما في المختلف ٢ : ٣٧٤.

(٤) المختلف ٢ : ٣٧٢ ، ٣٧٥.


إلاّ أنّ العبارة كما ترى ملخص كلامه.

وقد حكى العلاّمة احتجاجه بالخبر الرابع(١) ، وهو ظاهر في البطلان بنقصان السجدة ، فعلى تقدير أنْ يكون الاحتجاج له لا ريب في دلالته على أنّه قائل بالبطلان بنقصان السجدة ، فقول العلاّمة : الظاهر من كلام ابن أبي عقيل ، قد يوهم أنّ فيه نوع شك ، وإن كان الاستدلال منه لابن أبي عقيل كما يفعله كثيراً في الكتاب ، فالأمر كما ترى.

وأجاب عن الرواية أوّلاً : بأنّ الراوي علي بن إسماعيل عن رجل ، وثانياً : بأنّ معلّى بن خنيس ضعيف وقد اختلف في مدحه وذمه ، فلا تعويل على ما ينفرد به(٢) .

ولا يخفى أنّ الجواب بالضعف في المعلّى ثم قوله : وقد اختلف ، إلى آخره. محل كلام ؛ لأنّ الضعف إن كان بسبب تعارض المدح والذم فيه ، والذم مقدم ، فالأولى أنْ يقال : إنّ الخلاف واقع في المدح والذم ، فلا تعويل على ما ينفرد به ، وإن كان الضعف من غير الاختلاف فلا وجه له.

وقد ذكر في الخلاصة أنّ النجاشي ضعّفه ، ونقل عن ابن الغضائري أنّه كان أوّل أمره مغيرياً(٣) ، ثم دعا إلى محمد بن عبد الله ، والغلاة يضيفون‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٧٣.

(٢) المختلف ٢ : ٣٧٣.

(٣) المغيرية هم أتباع المغيرة بن سعيد ، قالوا لا إمامة في بني علي بن أبى طالب بعد أبي جعفرعليه‌السلام وأن الإمامة في المغيرة بن سعيد إلى خروج المهدي وهو عندهم محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فرق الشيعة للنوبختي : ٦٣.


إليه كثيراً ، ولا أرى الاعتماد على شي‌ء من حديثه ، وروى فيه أحاديث تقتضي الذم وأُخرى تقتضي المدح ، قال : وقد ذكرناها في كتابنا الكبير. ثم نقل عن الشيخ في كتاب الغيبة بغير إسناد أنّه كان من قوّام أبي عبد الله ، وكان محموداً عنده ، ومضى على منهاجه. قال العلاّمة وهذا يقتضي وصفه بالعدالة(١) .

وأنت خبير بأنّ تعديل الشيخ محل كلام ، وتضعيف النجاشي واضح. وأمّا قول ابن الغضائري فلا يخلو من إجمال ؛ إذ قول « لا أرى » محتمل لأن يكون من العلاّمة أو منه ، وإن كان حال ابن الغضائري فيه ما فيه. وقد روى الشيخ في التهذيب حديثاً في باب الدين في الحسن يقتضي نوع مدح للمعلّى(٢) ، وفي الكافي في الروضة كذلك(٣) . وقد مضى ذلك(٤) ، وإنّما أعدناه لأمر ما ، والمقصود غير خفي.

ثم إنّ الخبر المبحوث عنه ما ذكره الشيخ فيه في غاية البعد ، ويمكن حمله على الاستحباب في إعادة الصلاة ، ويبقى حكم قضاء السجدة مستفاداً من الأخبار الأُخر ، وإنّما احتجنا إلى بيان هذا لئلاّ يلزم أنّ استحباب الإعادة كافٍ عن القضاء. وما تضمنه الخبر من سجود السهو فيه ما لا يخفى ، وربما كان قرينة الاستحباب عند من لا يقول بالسجود لكل زيادة ونقيصة غير مبطلة.

__________________

(١) الخلاصة : ٢٥٩ / ١.

(٢) التهذيب ٦ : ١٨٦ / ٣٨٦.

(٣) الكافي ٨ : ٣٠٤ / ٤٦٩.

(٤) في ص ٨٧٧.


قوله :

والذي يدل على التفصيل الذي ذكرناه :

ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن رجل صلّى ركعتين ثم ذكر في الثانية وهو راكع أنّه ترك سجدة في الأُولى ، قال : « كان أبو الحسن يقول : إذا تركت السجدة في الركعة الأُولى فلم تدر واحدة أو اثنتين استقبلت حتى تصح لك ثنتان ، وإن كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن أحمد ، عن موسى بن عمر ، عن محمد بن منصور قال : سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها ، فقال : « إذا خفت أن لا تكون وضعت وجهك إلاّ مرّة واحدة فإذا سلّمت سجدت سجدة واحدة وتضع وجهك مرّة واحدة وليس عليك سهو ».

فليس ينافي التفصيل الذي قدّمناه ؛ لأنّ قوله : الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية ، يحتمل أن يكون أراد من الركعة الثانية من الركعتين الأخيرتين ، وليس في ظاهر الخبر من الركعة الثانية ( من الركعتين الأوّلتين والأخيرتين )(١) ، ( بل هو محتمل لهما معاً ، وإذا احتمل ذلك حملناه على الركعة الثانية من الأخيرتين ) (٢) ، ليطابق ما فصّل في الخبر الأوّل.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٠ : من الأولتين أو الأخيرتين.

(٢) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٦٠ / ١٣٦٥.


السند‌ :

في الأوّل : واضح الصحة بعد ما قدّمناه(١) .

والثاني : فيه علي بن أحمد ، ولا يبعد أنّه ابن أشيم المجهول في كتاب الشيخ من رجال الرضاعليه‌السلام (٢) ، واحتمال غيره في حيّز الإمكان. وأمّا موسى بن عمر ففيه اشتراك كمحمد بن منصور(٣) .

المتن :

في الأوّل : نوقش الشيخ في الاستدلال به أنّ مقتضاه الاستقبال مع الشك ، وعلى ذلك مشى شيخناقدس‌سره في الجواب عن احتجاج الشيخ به(٤) . وقد يقال : إنّ الاستقبال إذا لزم مع الشك فمع اليقين أولى ، إلاّ أنّ في مفهوم الموافقة تأمّلاً أشرنا إليه في الكتاب(٥) . وفي المختلف أجاب عنه بأنّ المراد بالاستقبال الإتيان بالسجود المشكوك فيه ، لا استقبال الصلاة ، قال : ويكون قولهعليه‌السلام : « وإذا كان في الثالثة والرابعة » إلى آخره. راجعاً إلى من تيقن ترك السجدة في الأوّلتين فإنّ عليه إعادة السجدة لفوات محلها ولا شي‌ء عليه لو شك ، بخلاف ما لو كان الشك في الأُولى ، لأنّه لم ينتقل عن محل السجود فيأتي بالمشكوك فيه(٦) . انتهى.

__________________

(١) راجع ص : ٦٨ ، ٣٠٢.

(٢) رجال الطوسي : ٣٨٢ / ٢٦.

(٣) انظر هداية المحدثين : ٢٦٢ و ٢٦٣ ، ٢٥٥.

(٤) المدارك ٤ : ٢٤١.

(٥) راجع ص ١٨٠٣.

(٦) المختلف ٢ : ٣٧٠.


وأنت خبير بما فيه من الغرابة ؛ لأنّ السؤال تضمن ذكر السجدة وهو راكع فكيف يأتي بها. وأعجب منه قول شيخناقدس‌سره بعد نقل الجواب : وهو بعيد.

فإن قلت : ما وجه التوقف في مفهوم الموافقة؟

قلت : من وجهين. أحدهما : عدم ثبوت العلة كما هو رأي المحققين وعليه اعتماد شيخناقدس‌سره (١) . وثانيهما : بتقدير العلّة لا يخلو إمّا أن تكون مستنبطةً أو منصوصةً ، فالأُولى ليست حجة عند الأصحاب ، والثانية تقتضي عدم اعتبار كون المسكوت عنه أولى من المنطوق كما هو الشرط في مفهوم الموافقة.

وقد يمكن أن يوجه ثبوت العلّة من حيث قوله : « حتى تصح لك ثنتان » فإنّ مقتضى هذا اعتبار صحة الركعتين ، بمعنى خلوّهما من النقص ، وفي هذه العلّة يتحقق مع يقين الترك ، وغير بعيد إثبات الحكم في صورة اليقين بالعلّة وإن لم يسمّ مفهوم الموافقة.

فإن قلت : لو كانت العلّة ما ذكر لزم أنّ كل خلل وقع في الأوّلتين يبطل ، والحال أنّه غير واضح.

قلت : لا مانع من القول به فيما لم ينعقد الإجماع على خلافه ، وفي الظن أنّ هذا الخبر إذا انضم إلى ما قدّمناه من الأخبار الدالة على أنّ اليقين في الأوّلتين معتبر وحفظهما كذلك ، أفاد تأكيداً واضحاً لصحة ما ذهب إليه البعض(٢) ، فليتأمّل.

وربما يقال : إنّ ظاهر الخبر المبحوث عنه أنّ من ترك السجدة يقيناً‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٤١.

(٢) كالمفيد في المقنعة : ١٤٥.


ولم يدر هل هي وحدها أو معها غيرها يعيد ، وحينئذ يرجع إلى عدم تحقق السجدتين المعبّر عنه بقوله : « حتى تصح لك ثنتان » وإذا رجع إلى عدم تحقق السجدتين فالإعادة بسبب خاص ، لا بمجرد الإخلال بالواحدة ، ولا بالشك في الواحدة بمعنى أنّه أخلّ بها أم لا كما ظنه الشيخ في الأوّل والعلاّمة في الثاني ، وتبعه شيخناقدس‌سره فيه في الجملة ، ويمكن الجواب عن هذا بأنّ ظاهر الفاء يأبى الاحتمال ، وفيه : أنّه لا مانع من توجيه الفاء على وجه يوافق المعنى.

فإن قلت : الثنتان المعبّر عنهما بقوله : « حتى تصح لك ثنتان » ما المراد بهما ، السجدتان أم الركعتان؟ فإن كان المراد السجدتين دلّ الخبر على أنّه لا بدّ في الأوّلتين من السجدتين جزماً ، فلو حصل الشك وجبت الإعادة ، أو حصل الجزم بفوات واحدة فكذلك ، وإن كان المراد الركعتين دلّ على أنّه لا بدّ من تمام الركعتين الأوّلتين بسلامتهما من الشك والنقصان ، وحينئذ يدل الخبر على ما مضى.

قلت : هذا يرجع بنوع تقريب إلى ما ذكرناه سابقاً.

وما قد يقال عليه : إنّ مع احتمال إرادة السجدتين لا يتم المطلوب من أنّ الشك في الأوّلتين في أجزائهما يوجب الإعادة كما مضى القول فيه بهذا الخبر ، لخصوصه في السجدتين.

يمكن الجواب عنه بأنّ المطلوب البطلان في الشك في السجدة في الأوّلتين أو اليقين.

فإن قلت : مفاد الخبر الاستقبال حتى تصح السجدتان بتقدير العود إليهما ، ومن المعلوم انّ الاستقبال كما يصحح(١) السجدتين فتدارك السجدة‌

__________________

(١) في « رض » و « فض » إذا صحّح.


قبل الركوع في الأوّلتين يصحح(١) السجدتين ، وحينئذ لا يدل على جميع المطلوب السابق.

قلت : على تقدير كون الإعادة تصحح يدل على أنّ الأوّلتين من شرطهما الإتيان بسجودهما على وجهه ، بمعنى كونهما من غير فصل قيام وغيره ومن دون ارتياب. أمّا اعتبار الفصل فلأنّه على تقدير يقين الترك والذكر قبل الركوع يتحقّق الفصل ، وأمّا الارتياب فعلى تقدير الشك متحقّق كما لا يخفى ، على أنّ الظاهر من الثنتين هما الركعتان بقرينة ذكر الثالثة والرابعة ، وإن أمكن فتح باب الاحتمال المساوي مع ذكرهما.

ويمكن ادعاء دلالة الرواية على يقين الترك في الأوّلتين من حيث قوله : « وإذا كان في الثالثة أو الرابعة فترك سجدة » فإنّ هذا كما ترى يدل على بيان الفرق بين الأوّلتين والأخيرتين بترك السجدة ، إذ لو كان في الأوّل الشك لم يتحقق الفرق ، وإن أمكن إبداء الفرق بوجه آخر ، إلاّ أنّه متكلف ، وقد ذكرت غير هذا من الفوائد في الخبر في حواشي مدارك شيخناقدس‌سره والذي لا بدّ منه هنا ما ذكرناه.

وينبغي أن يعلم أنّ قولهعليه‌السلام : « بعد أن تكون قد حفظت الركوع » ربما يدل على أنّ السجود وإن تعدد في الفوات يعاد مع حفظ الركوع ، وأنّ الركوع إذا حصل فيه شك ( بعد السجود )(٢) ثم حصل نسيان السجدة لا يعاد السجود بل تعاد الصلاة ، والقائل بالأمرين غير معلوم ( بل الأوّل معلوم )(٣)

__________________

(١) في « رض » و « م » : تحصل.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الانتفاء من كتب الأصحاب التي وقفت عليها. وغير بعيد أن يكون المراد بحفظ الركوع عدم تيقن تركه لا نفي الشك فيه ، فليتأمّل ما حرّرناه في المقام ، فإنّه حريّ بالتأمّل التام.

وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الثاني ظاهر الدلالة على أنّ الشك في السجدة في الأوّلتين يقتضي الإتيان بها بعد التسليم ، وحمل الشيخ من البعد بمكان ، بل الظاهر أنّ ترك ذكره أولى ، ويحمل الخبر على الاستحباب كما يدل عليه قوله : « وليس عليك سهو » إذ لو كانت السجدة متروكة لزم سجود السهو عند الشيخ ، إلاّ بتأويل إرادة نفي حكم الساهي كما يأتي من الشيخ في الباب الذي بعد هذا(١) ، وفيه ما لا يخفى.

فإنْ قلت : السؤال في الرواية تضمن النسيان أو الشك ، والجواب لا بدّ من مطابقته للسؤال ، وإذا طابق أفاد أنّ نسيان السجدة يقتضي قضاءها ، وحينئذ لا بدّ من حمل نفي السهو على ما يقوله الشيخ لا ما ذكرت.

قلت : الجواب كما ترى ظاهر في بيان صورة الشك ، ويمكن إحالة صورة العلم عليه ، فاكتفىعليه‌السلام بصورة الشك لذلك ، فإذا أفادعليه‌السلام نفي السهو مع الشك أمكن أن يستفاد منه نفي السجود للسهو مع يقين الترك وثبوته بدليل آخر ، ولا مانع من ذلك كما يعرف بالتأمّل الصادق ، وسيأتي في خبر ابن أبي يعفور ما يدل على حكم الشاك في السجدة ، ويتكلم فيه(٢) إن شاء الله.

__________________

(١) انظر ص ١٨١٨.

(٢) انظر ص ١٨١١.


قوله :

باب وجوب سجدتي السهو على من ترك

سجدة واحدة ولم يذكرها إلاّ بعد الركوع.

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « إذا نسي الرجل سجدة وأيقن أنّه تركها فليسجدها بعد ما يقعد قبل أن يسلّم ، وإن كان شاكاً فليسلّم ثم ليسجدها وليتشهد تشهداً خفيفاً ولا يسميها نقرة ، لأنّ النقرة نقرة الغراب ».

أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا ، عن سفيان بن السمط ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان ».

ولا ينافي هذا الخبر الذي قدمناه في الباب الأوّل عن أبي بصير(١) من قوله : « ليس عليه سهو » لأنّ قوله : « ليس عليه سهو » إنّما معناه لا يكون حكمه حكم الساهي ، بل يكون حكمه حكم القاطع ، لأنّه إذا ذكر ما فاته فقضاه لم يبق عليه شك فيه فخرج عن حد السهو.

السند‌ :

في الأوّل : ليس فيه ارتياب بعد ما كررنا القول في رجاله(٢) .

والثاني : فيه الإرسال ، وما قد يظن من قبول مراسيل ابن أبي عمير‌

__________________

(١) مرّ في ص ١٨٠١.

(٢) راجع ص ٤٩ ، ١٠٨ ، ٥٠٢.


قد أنهينا القول فيه أيضاً في أوّل الكتاب(١) وغيره. أمّا سفيان بن السمط فهو مذكور في رجال الصادقعليه‌السلام مهملاً من كتاب الشيخ(٢) .

المتن :

في الأوّل : لا تخفى دلالته على قضاء السجدة المنسية لكن قبل التسليم ، وقد قدمنا أنّ بعض القائلين بذلك على الإطلاق الشامل للأوّلتين والأخيرتين استدل بها(٣) ، والحال فيها ما ترى.

ويمكن أن يقال : إنّ قوله : « قبل أن يسلّم » ليس راجعاً إلى قوله : « فليسجدها » بل إلى قوله : « يقعد » والمراد أنّ فعلها بعد القعود الحاصل قبل التسليم وهو التشهد ، وهذا الحمل وإن بَعُد لا يقصر عن محامل الشيخ ، والاحتياج إليه بناءً على مختار الأكثر من أنّ محل قضاء السجدة بعد التسليم(٤) ، ودلالة رواية إسماعيل بن جابر السابقة على أنّ قضاء السجدة بعد التسليم.

وينقل عن المفيد القول بأنّه إذا ذكر السجدة بعد الركوع فليسجد ثلاث سجدات واحدة منهن قضاء(٥) . وعن علي بن بابويه أنّ السجدة المنسية من الركعة الأُولى إذا ذكرت بعد ركوع الثانية تقضى في الركعة الثالثة ، وسجود الثانية إذا ذكر بعد ركوع الثالثة يقضى في الرابعة ، وسجود الثالثة بعد التسليم(٦) .

__________________

(١) راجع ص ٧٣.

(٢) رجال الطوسي : ٢١٣ / ١٦٤.

(٣) راجع ص ١٨٠٣.

(٤) انظر المقنعة : ١٤٧ ، المبسوط ١ : ١٢٠ ، المختلف ٢ : ٣٧٣.

(٥) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٧٤.

(٦) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٧٣ بتفاوت يسير.


ولا يخفى عدم دلالة الرواية المبحوث عنها على ذلك ، كما لا يدل على قول الأكثر ، وقد يمكن الجمع بالتخيير لو سلمت رواية إسماعيل مما قدمناه(١) ، وبدونه فالحمل المذكور ممكن على تقدير عدم القائل بقبلية التسليم على الإطلاق. هذا على تقدير القول بوجوب التسليم ، ولو قيل باستحبابه فالأمر لعلّه سهل ، أمّا ما قاله في المختلف على ما نقله شيخناقدس‌سره من حمل الرواية على الذكر قبل الركوع(٢) ، فممّا لا ينبغي ذكره.

أمّا ما تضمنته الرواية من حكم الشك فلا يخلو من إجمال ؛ إذ يحتمل احتمالاً ظاهراً أن يراد بالسجدة ( المشكوك فيها والتشهد بعدها غير ظاهر الوجه ، ويحتمل أن يراد بالسجدة )(٣) سجدتا السهو ، واللازم من هذا اختلاف الضمير في « يسجدها » الاولى والثانية ، وكون الضرورة تبيح مثل هذا في غاية البعد ، كما أنّ احتمال إرادة سجدتي السهو من الأُولى أيضاً لا وجه له إلاّ بتقدير ما قاله العلاّمة من الحمل على ما قبل الركوع(٤) ، وحينئذ يأتي بالسجدة وتكون السجدة المأمور بها سجدتي السهو ولو على الاستحباب ، كما يستفاد من خبر معلى بن خنيس السابق الكلام فيه(٥) .

وغير خفي أنّ مثل هذه التكلفات لا تخلو من إشكال ، غير أنّ عدم التعرض للأخبار في محل الحاجة من(٦) الشيخ غريب.

وربما يحتمل أن يكون قوله : « ثم يسجدها » بياناً للسجدة المذكورة‌

__________________

(١) في ص ١٨٠٢.

(٢) المختلف ٢ : ٣٧٤ ، وحكاه عنه في المدارك ٤ : ٢٤٣.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) المختلف ٢ : ٣٧٤.

(٥) راجع ص ١٨٠٤ ، ١٨٠٥.

(٦) في « رض » و « م » زيادة : كلام.


أوّلاً ، وإنّما ذكر التشهد الذي في سجود السهو لبيان خفّته ، إذ من الجائز علم السائل بالسجدتين للسهو دون التشهد. وقوله : « ولا يسميها » راجع إلى السجدة المنسية على احتمال ، ويراد بتسميتها فعلها ، ونقرة الغراب إشارة إلى عدم السرعة في فعلها ، ويحتمل استحباب التشهد للسجدة المشكوك فيها ، لكن القائل به غير معلوم ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

وأمّا الثاني : فقد استدل به القائل بوجوب سجدتي السهو لكل زيادة أو نقيصة غير مبطلتين(١) ، لكن قد عرفت الكلام في السند. ورواية أبي بصير المعارضة جواب الشيخ عنها في غاية البعد ، وضعف رواية أبي بصير ربما تجبره موافقة الأصل ، لكن المنقول عن العلاّمة في التذكرة دعوى الإجماع على وجوب سجدتي السهو مع السجدة المنسية(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ الرواية المبحوث عنها وإن كان سندها غير سليم ، إلاّ أنّ الشيخ روى عن الحلبي فيما يأتي في باب التشهد في سجدتي السهو عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال : « إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً أم نقصت أم زدت فتشهّد وسلم واسجد سجدتي السهو » الحديث(٣) .

وقد استدلّ بها بعض الأصحاب على وجوب سجود السهو لكل زيادة ونقيصة ، موجّهاً أنّ مع الشك إذا وجب السجود فمع اليقين أولى(٤) .

وفيه ما قدّمناه من جهة مفهوم الموافقة(٥) ، على أنّ المستفاد من الخبر الشك في الزيادة والنقيصة ، وفيه احتمالات سنذكرها(٦) فيما بعد‌

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ٣٢٧.

(٢) التذكرة ١ : ١٣٨ ، وحكاه. عنه في المدارك ٤ : ٢٤١.

(٣) راجع ص ١٩٢٢.

(٤) انظر تحرير الاحكام ١ : ٥٠.

(٥) في ص : ١٨٠٦.

(٦) في ص ١٩٢٣.


حيث يذكر هذا الشيخ ، والبعض منها الشك في الزيادة والنقيصة معاً على معنى لم يدر زاد أم نقص ، والمطلوب هنا من مفهوم الموافقة إنّما يتم لو أُريد الشك في الزيادة وحدها والشك في النقيصة وحدها كما لا يخفى.

وهذا وإن احتمل في حيّز الشك كما سنذكره(١) إن شاء الله ، إلاّ أنّه بعيد من سياق لفظه إذا أعطاه المتأمّل حق النظر ، وقد روى الشيخ في الصحيح على ما حكاه شيخناقدس‌سره لكن لم أقف الآن عليه في الكتابين بعد النظر ، عن الفضيل بن يسار أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن السهو ، فقال : « من يحفظ سهوه فليس عليه سجدتا السهو وإنّما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها »(٢) .

وهذه مروية في الفقيه عن الفضيل بن يسار(٣) ، والطريق إليه فيه كلام إلاّ أنّ رواية الصدوق قد كرّرنا القول فيها(٤) .

ويستفاد من الرواية(٥) أنّ من حفظ السهو لا سجود عليه ، والذي يظهر من قوله : « إنّما السهو » إلى آخره. أنّ المراد من حفظ الزيادة والنقصان لا سجود عليه ، والمخالفة حينئذ(٦) لما دل على سجود السهو مع نقصان السجدة ظاهرة ، واحتمال أن يراد بمن حفظ سهوه من تداركه قبل فوات محلّه لا يناسبه قوله : « وإنّما السهو » إلى آخره.

ولا يخفى معارضته للخبر المبحوث عنه أيضاً ، وحينئذ يحتمل أن‌

__________________

(١) انظر ص ١٩٢٣ ١٩٢٨.

(٢) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٢٧٩.

(٣) الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١٠١٨ ، الوسائل ٨ : ٢٢٥ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١٤ ح ٦.

(٤) انظر ص ٥٨.

(٥) في « رض » : الروايتين.

(٦) ليست في « فض ».


يراد بقوله في الخبر المبحوث عنه : « في كل زيادة أو نقصان » مضمون خبر الفضيل بن يسار على معنى : أنّ السجود في محل يتردد بين الزيادة والنقصان. وفيه : أنّه مخالف للظاهر جدّاً ، والتأويل ممكن بوجه آخر وهو ما قدّمناه من احتمال استدراك الفعل ، ويكون قوله : « وإنّما السهو » حصراً إضافياً ؛ إذ لا بدّ من ذلك بعد ثبوت سجود السهو في مواضع أُخر ، هذا كلّه على تقدير العمل بالرواية المبحوث عنها ، وعدم تعرض الشيخ لذلك(١) واضح الغرابة لا يخفى.

ويخطر(٢) بالبال احتمال أن يراد بمن لم يدر أزاد أم نقص ، من علم أحدهما قطعاً واشتبه عليه التعيين ، لا ما هو الظاهر ؛ إذ من المستبعد إرادته ، ولم أقف الآن على كلام الأصحاب في حقيقة معنى هذا.

ويفهم من شيخناقدس‌سره أنّ المعنى فيه عدم العلم بالزيادة والنقيصة كما هو الظاهر منه حيث قال : ويمكن أن يستدلّ به على قول المفيد من وجوب سجدتي السهو على من لم يدر أزاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعاً أو نقص ركوعاً وكان الذكر بعد تجاوز محلّه ، لكنها غير صريحة في ذلك ؛ لاحتمالها الشك في زيادة ركعة أو نقصانها. انتهى(٣) .

وأنت خبير بأنّ الاستدلال بها على قول المفيد المذكور يقتضي فهم ما ذكرناه على معنى الشك في الزيادة والنقيصة ؛ لأنّ المنقول عن المفيد في المقنعة على ما في المختلف في تعداد مواضع سجود السهو : وإن لم يدر أزاد سجدة أو نقص سجدة ، أو زاد ركوعاً أو نقص ركوعاً ولم يستيقن‌

__________________

(١) في « م » و « فض » : كذلك.

(٢) في « م » : وما يخطر.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٢٧٩.


ذلك ، وكان الشك له فيه حاصلاً بعد تقضّي وقته وهو في الصلاة ، سجد سجدتي السهو(١) . انتهى.

وهذا الكلام كما ترى يدل على أنّ الشك في المذكور يقتضي سجود السهو ، فإذا استدل عليه بخبر الحلبي كان معنى الخبر أنّ من شك في الزيادة والنقيصة عليه السجود. وغير خفي(٢) أنّه لا وجه للتخصيص بقول المفيد ، بل ينبغي كلّ شك في زيادة ونقيصة ، وهو واضح الإشكال.

ثم إنّ احتمال زيادة الركعة ونقصانها كما نقله عن الدورس(٣) كأنّه يريد به ما قاله في المختلف جواباً عن سؤال ، وحاصل السؤال أنّ المراد بالزيادة والنقصان في الرواية في عدد الركعات لا في الأفعال ؛ لأنّه المتبادر إلى الفهم ، خصوصاً عقيب قوله : « إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً » والجواب حاصله أنّ اللفظ يتناول كلّ زيادة ونقصان ، وتقديم الشك بين الأربع والخمس لا يقتضي الحصر في الثاني(٤) .

وفي نظري القاصر أنّ الركعات إن أُريد بها ما ذكر في الرواية أعني الأربع والخمس ليكون بياناً للشك بين الأربع والخمس ، والمعنى أنّ الظن لم يغلب على شي‌ء من أحد الأمرين فالمقرّر أنّ التأسيس خير من التأكيد ، وبتقدير التأسيس يلزم أنّ كلّ من شكّ في زيادة الركعات ونقصانها عليه سجود السهو ، والزيادة والنقصان لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ كلاًّ منهما إمّا أن يراد به الزيادة على المفروض والنقصان عنه ، أو يراد به الزيادة في‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤١٦ ، نقله عن الرسالة العزية.

(٢) في « فض » زيادة : أولاً.

(٣) انظر مدارك الأحكام ٤ : ٢٧٩.

(٤) المختلف ٢ : ٤٢١.


نفس المفروض والنقصان عن تلك الزيادة ، وكلاهما مشكل.

أما الأوّل : فلأنّ حاصله لزوم سجود السهو لمن شك بين الثلاث والخمس ، لأنّ الزيادة عن المفروض محتملة والنقيصة كذلك ، والحال أنّ الرواية تضمّنت أنّ الشك بين الأربع والخمس فقط ، إلاّ أن يقال : إنّ حكم النقيصة والزيادة المشتبهة إذا تضمّنها الخبر فلا حصر ، وفيه مخالفة الظاهر وعدم العلم بالقائل الآن.

وأمّا الثاني : فلأنّ حاصله لزوم السجود لمن شك بين الثلاث والأربع ؛ إذ الرابعة زائدة أو ناقصة ، وإشكاله أيضاً ظاهر ، لكن لا يخفى بُعد هذا بل نفيه.

وعلى كلّ حال يحتاج ذكر زيادة الركعات إلى البيان.

ولو احتمل التأكيد نظراً إلى لزوم المحذور في التأسيس لزم انحصار سجود السهو في ركعات الأربع والخمس ، وربما كان في كلام العلاّمة من جهة ذكر الحصر إشعار بذلك.

وقد خطر في البال بعض هذا فذكرته في حواشي الفقيه ، إلاّ أنّه لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الزيادة في الخمس واضحة دون النقيصة ، وإرادة النقيصة عن الزيادة أبعد.

وما عساه يقال : إنّه لا بدّ بعد الحمل على الركعات من ذلك ؛ إذ لا معنى لنقصان الركعة إلاّ هذا ، فله وجه ، وجوابه : بأنّ النقصان يتحقق بتقدير الشك في نقصان الفرض عن مقداره ، مدخول بلزوم سجود السهو لمن شك في غير صورة الأربع والخمس كما لا يخفى.

وبالجملة : فالمقام بالنسبة إلى الخبر واسع البحث ، والذي يظن من‌


الحديث ما قدّمناه(١) من احتمال إرادة تحقق أحد الأمرين من الزيادة أو النقيصة وعدم العلم بالتعيّن ، وما عدا هذه الصورة فالإشكال لا خروج عنه إلاّ بتكلّف ( وسيأتي(٢) تتمة الكلام فيه عند ذكر الشيخ له )(٣) .

وما قاله العلاّمة في المختلف مستدلاًّ لوجوب سجود السهو لكل زيادة ونقيصة ، من : أنّهما مع الزيادة يجبان وكذا مع النقصان فيجبان فيهما مع الشك ، وبرواية الحلبي ، وبما رواه ابن بابويه عن الفضيل بن يسار ، وذكر الرواية السابقة قائلاً : إنّ وجه الاستدلال بها أمران ، أحدهما : مفهوم الشرط في قوله : « من حفظ سهوه » إلى آخره. فإنّه يدلّ على أنّ من ليس يحفظ سهوه عليه السجدتان ، الثاني : قوله « إنّما السهو » إلى آخره. فإنّه يقتضي وجوب السجدتين على الشاك في الزيادة والنقصان ، لأنّه المفهوم من إثبات السهو(٤) .

في نظري القاصر محلّ تأمّل ،أمّا أولاً : فلأنّ الوجوب مع الزيادة والنقصان إن أُريد به مع كلّ زيادة ونقصان فإثباته غير معلوم ؛ إذ لم يتقدم منه ما يدل عليه وفيما رأيته بعد النظر ، فإنّه ذكر المواضع التي فيها البحث في سجود السهو ولم يذكر المسألة منها ، بل ذكر ترك السجود واستدل عليه برواية سفيان السمط ، والرواية حالها قد علم. وفي الدروس : إنّ القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة لم نظفر بقائله ولا بمأخذه(٥) . ونقل عن‌

__________________

(١) في ص ١٨١٦.

(٢) انظر ص ١٩٢٣.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « م ».

(٤) المختلف ٢ : ٤٢١.

(٥) الدروس ١ : ٢٠٧.


الشيخ في الخلاف : أنّه حكاه عن بعض الأصحاب(١) ، ( وفي الروضة(٢) ناقش جدّيقدس‌سره الشهيدرحمه‌الله فيما قاله بوجه غير خفيّ الوجاهة بعد مراجعته )(٣) ، وما قدّمناه من احتمال الاستدلال عليه برواية الحلبي وجدته في كلام بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله (٤) .

وأمّا ثانياً : فلأنّ نقصان القراءة لا يجب فيه سجود السهو ؛ للخبر المتقدم عن محمد بن مسلم من قوله : « ولا شي‌ء عليه » وخبر منصور بن حازم ، وما دلّ على عدم الالتفات إلى الشك بعد تجاوز المحل كذلك بتقدير تناول الشك في النقصان لمثل هذا ، وخبر ابن أبي يعفور الذي في أوّل الباب أيضاً يدل على ذلك ظاهراً ، والخبر الدال على أنّ الجهر في موضع الإخفات جهلاً وعكسه لا يوجب شيئاً كذلك ، وغير ما ذكر كما في خبر علي بن يقطين المعدود من الصحيح الدال على أنّ من نسي تسبيح الركوع والسجود لا شي‌ء عليه.

وأما ثالثاً : فلما عرفته في رواية الفضيل ، وعدم ذكر الشيخ لها يدل على أنّ ما ذكره شيخنا من النقل عن الشيخ لا يخلو من شي‌ء ؛ وتوجيه العلاّمة للاستدلال بها لا يخفى ما فيه ؛ إذ الاعتراف بدلالة الشرط يقتضي عدم وجوب سجود السهو للزيادة والنقيصة على الإطلاق.

وأمّا رابعاً : ( فلما سبق منّا عن قريب من ذكر بعض الاحتمالات )(٥) .

__________________

(١) الخلاف ١ : ٤٥٩.

(٢) الروضة البهية ١ : ٣٢٧.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) الأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ١٥٢.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».


وبالجملة : فالمقام حري بالتأمّل التام ، ولم أجد الآن من حام حول تحقيقه من العلماء الأعلام وبالله الاعتصام.

قوله :

باب من شكّ فلم يدر واحدة سجد أم اثنتين‌

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي قال : سئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن رجل سها فلم يدر ( سجد واحدة أو اثنتين )(١) قال : « يسجد اخرى وليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو ».

عنه ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين ابن سعيد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل شك فلم يدر سجد سجدة أم سجدتين؟ قال : « يسجد حتى يستيقن(٢) ».

عنه ، عن علي ، عن أبيه ، عن عمرو بن عثمان ، عن المفضل بن صالح ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في رجل شبّه عليه فلم يدر واحدة سجد أم ثنتين؟ قال : « فليسجد اخرى ».

عنه(٣) ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي نصر ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٣٦١ / ١٣٦٨ : سجدة سجد أم ثنتين.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٦١ / ١٣٦٩ ، والكافي ٣ : ٣٤٩ / ١ زيادة : أنّهما سجدتان.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٦١ / ١٣٧١ : سعد ، بدل عنه.


رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل أن يستوي جالساً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال : « يسجد » قلت : فرجل نهض من سجوده قبل أن يستوي قائماً فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال : « يسجد ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدّق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أركع أم لا؟ وشك في السجود فلا يدري أسجد أم لا؟ فقال : « لا يسجد ولا يركع ، ويمضي(١) في صلاته حتى يستيقن يقيناً ».

فهذا الخبر يحتمل شيئين ، أحدهما : أن يكون يشك بعد أن يدخل في حالة اخرى ولا يذكر يقيناً ترك الركوع أو السجود ، فإنّه ينبغي أن يمضي في صلاته على ما بيناه فيما مضى.

والثاني : أنْ يكون مخصوصاً بمن يكثر عليه السهو فرخّص له المضيّ في صلاته تخفيفاً ، ( ولأنّ الناسي )(٢) كلّما سجد ( شك فيحتاج ) (٣) أن يسجد فلا ينفك عنه ، فلأجل ذلك رخّص له في المضي فيه.

السند‌ :

في الأوّل : حسن كما لا يخفى.

والثاني : واضح الضعف بما تكرر القول فيه(٤) وابن مسكان فيه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٢ / ١٣٧٢ : يمضي.

(٢) في نسخة من الاستبصار : ولأنه لا يأمن.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٦٢ : فشك يحتاج.

(٤) راجع ج ١ : ٧٣ و ١٢٠ و ١٣٠.


عبد الله كما يأتي مفسراً في الباب الآتي(١) ، وإن أمكن نوع كلام لكن الظن حاصل في مثل هذا بإرادة عبد الله.

والثالث : فيه المفضل بن صالح ، وقد ضعّفه العلاّمة قائلاً : إنّه كذّاب(٢) ، وغيره لا يزيد حاله في كلامه على الإهمال(٣) . أمّا عمرو بن عثمان فهو الثقة ؛ للتصريح في التهذيب بالخزاز(٤) ، وعلى تقدير عدم التصريح لا يبعد أن يكون هو الثقة لقرب المرتبة ، وفي الرجال من سمّي بالاسم متعدداً من أصحاب الصادقعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٥) . ورواية إبراهيم ابن هاشم عن أصحاب الصادقعليه‌السلام وإن كانت موجودة لروايته عن حماد ابن عيسى ، إلاّ أنّه ربما يدّعى ظهور من هو قريب المرتبة ، وقد ينظر فيه ، إلاّ أنّ الفائدة هنا منتفية كما هو ظاهر.

والرابع : ضمير « عنه » فيه لمحمد بن يعقوب ، وروايته عن أحمد بن محمد الذي هو ابن عيسى بغير واسطة العدّة لا وجه لها إلاّ من جهة احتمال اعتماد الشيخ على المعلومية ، وقد قدمنا أنّ الشيخ ينقل الخبر من الكافي كما هو فيه ، ومن عادة الكلينيرحمه‌الله البناء على الإسناد السابق ، فكأنّ العدة كانت في الخبر السابق على هذا الخبر فبنى عليه ، والشيخ نقله بصورته.

والخامس : موثق كما هو واضح مما تكرر(٦) .

__________________

(١) انظر ص : ١٠٧.

(٢) الخلاصة : ٢٥٨ / ٢.

(٣) رجال الطوسي : ٣١٥ / ٥٦٥.

(٤) التهذيب ٢ : ١٥٢ / ٦٠١.

(٥) رجال الطوسي : ٢٤٧ / ٣٨٦ و ٢٥٠ / ٤٢٨.

(٦) لان رجاله فطحيّة ، انظر ج ١ : ٧٩ ، ٣٧٩.


المتن :

في الأوّل : قدّمنا فيه أنّ الشيخ استدلّ به على ما ذهب إليه في بعض كتبه على الرجوع للسجدة المشكوك فيها ما لم يركع نظراً إلى إطلاق الخبر ، وقد حكى في المختلف ذلك عن نهاية الشيخ ، وزاد في الاستدلال نقلاً عن الشيخ في التوجيه بأنّ الأمر يتناول حالة الجلوس وغيرها ، تُرك العمل به مع الركوع للإجماع والأخبار فيبقى الباقي ، ولأنّه إن وجب الرجوع مع الذكر وجب مع الشك ، والمقدم حق للدليل فكذا التالي(١) . ثم بيّن الشرطية بما أظن أنّ ترك ذكرها أولى ، بل ترك الجميع كذلك ، والحاصل : أنّ المقيّد من الأخبار يحكم على المطلق.

فإن قلت : المقيد إن عنى به خبر إسماعيل بن جابر السابق الدال على أنّ من شك في السجود بعد ما قام فليمض ، ففيه : أنّ في السند محمد ابن عيسى الأشعري وقد مضى ما فيه(٢) ، وإن كان خبر زرارة السابق عن التهذيب الدال بعمومه على أنّ من خرج من شي‌ء ثم دخل في غيره فشكه ليس بشي‌ء ، فقد مضى(٣) احتمال أن يراد بالشي‌ء الخارج منه الداخل في غيره هو المسئول عنه وليس ما نحن فيه منه.

قلت : خبر محمد بن عيسى لا يقصر عن خبر الحلبي ؛ لأنّ المدح له يستفاد من الرجال(٤) ، فعلى تقدير العمل بالحسن لا فرق بينهما ،

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٠١.

(٢) انظر ص ١٤٧.

(٣) انظر ص ١٧٩٦.

(٤) رجال النجاشي : ٣٣٨ / ٩٠٥ ، الخلاصة : ١٥٤ / ٨٣.


والاحتمال المذكور في خبر زرارة بعيد ، والاعتبار بعموم الجواب.

نعم ربما يقال : إنّ خبر زرارة عام وخبر الحلبي خاصّ ، فيجوز أن يخصّ ذاك العام بغير الشك في السجدة ويبقى حكمها الإتيان بها وإن دخل في فعل آخر غير الركوع للإجماع.

ويمكن الجواب : بأنّ خبر الحلبي لا يخرج عن الإجمال ، والتخصيص بمثله بعيد. وما عساه يقال : إنّ مقام الجواب ينافيه الإجمال قد قدمنا جوابه. والحقّ أنّ في البين كلاماً إلاّ أنّ من لم يعمل بالحسن يسهل الأمر عنده.

وما تضمنه الخبر من نفي سجدتي السهو ربما قيل : إنّ فيه دلالة على عدم الكلّيّة المدّعاة في سجود السهو لكل زيادة ، وقد يقال : إنّ الزيادة هنا محل تأمّل ؛ لأنّ الزيادة يراد بها زيادة القيام ونحوه ، فيحتمل أن يكون المنفي في الرواية السجود لأجل السجدة حيث أتى بها ، وحينئذ يبقى ما دل على سجود السهو لكل زيادة على عمومه ، ولو ردّ ذاك الخبر الدال على حكم كل زيادة أمكن أن يقال بسجود السهو للقيام في موضع قعود ، إنْ عملنا بالرواية الدالة عليه المرويّة في الكافي بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس(١) .

ويحتمل أن يقال : بعدم صدق مدلول الخبر على ما نحن فيه ؛ لأنّ القيام في موضع القعود المتبادر منه فيما يتحقّق فيه وجوب القعود ، ( ومع الشك لم يعلم ، ووجوب القعود )(٢) للسجود وإن كشف عن أنّ القيام كان في موضع القعود ، إلاّ أنّ الحكم جزماً مشكل.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣٥٧ / ٩.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


وربما يوجه تمامية الدخول في الخبر ، غير أنّه يخطر في البال أنّ في الخبر نوع إجمال ؛ لأنّ القعود إن أُريد به ما يعم السجود أمكن أن يقال بالدخول في الخبر ، وإن أُريد به الجلوس في مثل التشهد والفصل بين السجدتين احتيج إلى زيادة تقييد بما لا يخفى(١) ( وسيأتي(٢) إن شاء الله ذكر ما لا بدّ منه في بابه )(٣) .

أمّا ما تضمّنه الخبر من قوله : سها ، ففيه دلالة على إطلاق السهو على الشك ، لكنّ القرينة في قوله : فلم يدر ، إلى آخره. لا يعلم كونها لبيان المجاز أو للاشتراك.

وأمّا الثاني : ففيه دلالة على ما ادّعاه الشيخ ، والجواب واحد. والثالث مثله.

أمّا الرابع : فما تضمّنه من قوله : شك قبل أن يستوي جالساً ، محتمل لأن يراد به الجلوس للفصل بين السجدتين ، والمعنى أنّه لم يستقرّ بعد نوع حركة ، وغير خفي أنّ الشك مع هذه الحالة بين فعل السجود وعدمه من رأس لا يخلو من خفاء.

واحتمال أن يراد الشك مع هذه الحالة في كون حركته للقيام من السجدة الأُولى أو الثانية له نوع وجه ، كما أنّ احتمال أن يراد بالجلوس التشهد [ كذلك(٤) ] لتعارف إطلاقه عليه في الأخبار ، والفائدة حينئذ لبيان أنّه‌

__________________

(١) في « م » زيادة : ثم إن القيام في موضع القعود قد يتناول القعود المستحبّ كجلسة الاستراحة عند من يستحبّها والجلوس بمستحبّات التشهّد وأمثال ذلك.

(٢) انظر ص ١٨٢٦ ، ١٨٢٧.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) ما بين المعقوفين أثبتناه لاستقامة العبارة.


لو جلس وشرع في التشهد كان له حكم آخر ، وسيأتي إن شاء الله(١) .

وقوله : قلت فرجل نهض ، إلى آخره. أيضاً لا يخلو من إجمال إلاّ أنّ الظاهر من النهوض من السجود تحقق السجود في الجملة ، وإنّما الشك في واحدة من السجدتين.

ويحتمل أن يراد النهوض من حالة معدّة للسجود ثم شك في أصل وقوع السجود ، وإنّما احتمل هذا لظاهر الرواية من قوله : سجد أم لا ، لكن احتمال الواحدة قد عرفته.

ولا يخفى تخصيص ما دل على الدخول في الغير بغير صورة الأخذ في القيام.

ويخطر في البال : أنّ الخبر إذا اختص بالسجدة الواحدة كان حكم السجدتين إذا حصل الشك فيهما بعد الأخذ في القيام ينبغي عدم الالتفات لعموم خبر زرارة ، فما قاله شيخناقدس‌سره : من أنّ من شك في السجود وقد أخذ في القيام ولم يستكمله فالأقرب وجوب الإتيان به كما اختاره الشهيدان لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن(٢) ، وذكر الرواية(٣) محل تأمّل لا ينبغي الغفلة عنه.

وأمّا الخامس : فحمل الشيخ له قد يشكل ، أمّا الأوّل : فلأنّ قوله : « حتى يستيقن يقيناً » يفيد أنّ مع يقين ترك السجدة لا يمضي في صلاته مع تجاوز المحل.

وأمّا الثاني : فلاستلزامه أنّ كثير الشك لا يلتفت إلاّ مع اليقين ،

__________________

(١) انظر ص ١٨٢٦ ، ١٨٢٧.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٢٥٠.

(٣) تقدم في ص ١٨١٩.


والحال أنّ الظن إذا حصل له ارتفع الشك ، فكيف يلزمه الحكم المتعلق بالشك؟ والمفروض انتفاؤه.

ويمكن الجواب عن الأوّل بأنّ : المفهوم إذا عارضه شي‌ء لا يبقى على مدلوله.

وعن الثاني : أنّ حكم الظن في كثير الشك موضع بحث ، إلاّ أنّي لم أقف على مصرّح بحقيقة الحال الآن ، غير أنّي أظن ذكره في كلام بعض الأصحاب ، وللقول فيه موضع آخر ، حيث إنّ الرواية لا تصلح للاعتماد ؛ إذ ما ذكر فيها احتمال من الشيخ ، وعلى تقدير الالتفات إلى لفظ الكثرة فيها فالسند محل كلام.

قوله :

باب من نسي التشهد الأوّل حتى ركع في الثالثة‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل(١) يصلّي الركعتين من المكتوبة لا يجلس فيهما حتى يركع في الثالثة ، قال : « فليتمّ صلاته ثم ليسلّم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلّم ».

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأوّلتين ، فقال : « إذا ذكر قبل أن يركع فليجلس ،

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٢ / ١٣٧٣ : الرجل.


وإن لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته(١) حتى إذا فرغ وسلم سجد(٢) سجدتي السهو ».

عنه ، عن فضالة ، عن العلاء عن ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل صلّى الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتى يركع ، فقال : « يتمّ صلاته ثمّ يسلّم ويسجد سجدتي السهو وهو جالس قبل أن يتكلّم ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمد بن سنان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن محمد بن علي الحلبي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد ، فقال : « يرجع فيتشهّد » قلت : أيسجد سجدتي السهو؟ فقال : « لا ، ليس في هذا سجدتا السهو ».

( فالوجه في هذا الخبر : أنّه إذا ذكر قبل الركوع فرجع فتشهّد فليس عليه سجدتا السهو )(٣) وإنّما يجبان على من لم يذكر حتى ركع (٤) فإنّه يمضي في صلاته ويسلّم ويقضي التشهد ثم يسجد سجدتي السهو على ما بيّناه.

السند‌ :

في الأول : فيه الحسين بن أبي العلاء ، وقد قدّمنا فيه أنّا لم نعلم‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٣ / ١٣٧٤ : الصلاة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٦٣ / ١٣٧٤ : فليسجد.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٦٣ : يركع.


توثيقه ، بل غاية ما يستفاد المدح ، والوجه فيه مفصّلاً سبق(١) .

ثمّ إنّ رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين قد يستبعد ؛ لأنّ الذي في الرجال رواية ابن أبي عمير عنه ، وصفوان كذلك ، ولعلّ التوجيه غير بعيد ، إلاّ أنّ في التهذيب(٢) أحمد بن محمد بن عيسى عن عليّ بن الحكم عن الحسين. وكأنّه الصواب والله أعلم.

والثاني : فيه سليمان بن خالد ، وقد مضى أيضاً فيه الكلام(٣) ، مع إمكان تسديد حاله على وجه يوصف روايته بالصحة.

والثالث : واضح.

والرابع : ظاهر الضعف(٤) .

المتن :

في الأخبار الثلاثة الأوّل لا دلالة فيه على قضاء التشهد ، فقول الشيخ : ويقضي التشهد ، كأنّ المراد به على ما هو مقرر ، وقوله : على ما بيّناه ، يريد به في كتب الاستدلال إن عاد إلى جميع ما ذكر ، وإن عاد إلى سجود السهو وقع نوع قصور في العبارة ؛ إذ البيان في الأخبار ، وقد يرجع إلى بيان الشيخ أيضاً ، والأمر سهل.

وقد استدل على وجوب قضاء التشهد بما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة. وعن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد ،

__________________

(١) في ص ١٠٩.

(٢) التهذيب ٢ : ١٥٧ / ٦١٦.

(٣) في ص ٢٧٤.

(٤) من جهة محمد بن سنان ، راجع ص : ٨٥.


عن أحدهماعليهما‌السلام في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف فقال : « إن كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهد ، وإلاّ طلب مكاناً نظيفاً فتشهد فيه » وقال : « إنّما التشهد سنّة في الصلاة »(١) .

ونقل شيخناقدس‌سره في المدارك عن المفيد وابني بابويه إجزاء التشهد الذي في سجدتي السهو عن قضاء التشهد المنسي ، قال : ويدلُّ عليه مضافاً إلى الأصل ظاهر الأخبار الكثيرة المتضمنة لأنّ ناسي التشهد إلى أن يركع يجب عليه سجدتا السهو من غير ذكر القضاء قال : وهذا القول لا يخلو من قوة وإن كان ما عليه الأكثر أولى وأحوط(٢) . انتهى.

وفي فوائده على الكتاب ملخّصاً : إنّه ليس في ما أورده الشيخ من الروايات دلالة على وجوب قضاء التشهد الأوّل. والأصحّ أنّه لا يجب قضاؤه بل يكفيه سجدتا السهو ، كما تضمنته الأخبار الصحيحة المستفيضة ، وإليه ذهب ابنا بابويه وشيخنا المفيدرحمهم‌الله انتهى.

ولقائل أن يقول : إنّ ما دل على قضاء التشهد لا وجه للاكتفاء عنه بما دلّ على سجود السهو ؛ لأنّ ما دل على السجود لا ينافي ثبوت حكم القضاء إلاّ من حيث ترك ذكره في الأخبار ، وهذا لو اقتضى عدم الوجوب أشكل الحال في كثير من الأحكام الساقطة من بعض الأخبار الثابتة في بعض.

وقولهقدس‌سره : إنّ الأصحّ عدم الوجوب بل يكفيه سجدتا السهو. إن أراد به كما هو الظاهر عدم وجوب القضاء لخلوّ الأخبار منه ، فالمنقول عن ابني بابويه والمفيد إجزاء تشهد سجدتي السهو عن قضاء التشهد ، وحينئذ ظاهر كلامهم القول بالقضاء والإجزاء عنه بتشهد سجود السهو.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٥٧ / ٦١٧ ، الوسائل ٦ : ٤٠١ أبواب التشهد ب ٧ ح ٢.

(٢) مدارك الاحكام ٤ : ٢٤٢.


والذي هو منقول عن الفقيه في المختلف : إن ذكرت بعد ما ركعت يعني التشهد فامض في صلاتك ، فإذا سلّمت سجدت سجدتي السهو وتشهدت فيهما التشهد الذي فاتك ، قال العلاّمة : وكذا في رسالة أبيه وكذا في الرسالة العزّيّة للمفيد(١) .

وهذا كما ترى يعطي أنّهم قائلون بقضاء التشهد ، فإن أرادقدس‌سره ما قاله الجماعة فالعبارة لا تساعد عليه.

ثم إنّ تخصيص التشهد بالأوّل في فوائد الكتاب ، لأنّ الظاهر من الأخبار ذلك ، والخبر المنقول من التهذيب ربما يظن منه نسيان التشهد الأخير(٢) ، وعلى تقدير الشمول للتشهدين ربما يظن من ظاهره أنّ القضاء غير واجب ؛ لأنّ الرجوع إلى المكان وطلب المكان النظيف غير معلوم الوجوب ، إلاّ أن يقال : إن أُخرج هذا بالدليل من الإجماع بقي ما عداه. وفيه نوع تأمّل.

ومن عجب ما اتفق لشيخناقدس‌سره أنّه ذكر في الاستدلال لقضاء التشهد الأخير والسجود الأخير رواية محمد بن مسلم ، ورواية ابن سنان السابق نقلها ، حيث قال فيهاعليه‌السلام : « إذا نسيت شيئاً من الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً فاقض الذي فاتك سهواً »(٣) .

وأنت خبير بأنّ ظاهر الرواية لا يمكن إرادته ، بل لا بدّ أن يراد بالقضاء فعل الشي‌ء في محلّه ، ومعه لا يتم المطلوب في قضاء السجود.

وينبغي أن يعلم أنّ ابن إدريس قال : لو أخلّ بالتشهد الأخير حتى‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤٠٥.

(٢) راجع ص ١٨٢٦.

(٣) مدارك الأحكام ٤ : ٢٣٧ ٢٣٨.


سلّم وأحدث أعاد الصلاة ؛ لأنّه أحدث في الصلاة لوقوع التسليم في غير موضعه(١) .

واعترضه المحقق في المعتبر : بأنّ التسليم مع السهو مشروع فيقع موقعه ، ويقضي التشهد ؛ لما رواه حكم بن حكيم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : في رجل نسي ركعة أو سجدة أو الشي‌ء منها ثم يذكر بعد ذلك ، قال : « يقضي ذلك بعينه » قلت : أيعيد الصلاة؟ قال : « لا » انتهى(٢) .

والاستدلال بالرواية لا يخفى غرابته ، أمّا اعتراضه بأنّ التسليم في موضعه ، فقد يقال عليه : إنّ موضعه إن أراد به الموضع بحسب الوهم أشكل بما ذكره هو وغيره من سجود السهو للتسليم في غير محله ، إلاّ أن يراد غير هذا التسليم ، وفيه : أنّه لا يخرج عن التحكّم ، إلاّ أن يقال : إنّ ما دل على قضاء التشهد مطلق بحيث يشمل ما لو أحدث وعدمه ، وفيه : أنّ في هذا خروجاً عن المناقشة كما هو واضح.

والعجب من استحسان شيخناقدس‌سره كلام المحقق.

وقولهقدس‌سره بعد الاستحسان : إنّ الظاهر أنّ المراد بالركعة يعني في خبر حكم بن حكيم مجموعها لا نفس الركوع خاصة ، وبالشي‌ء منها القنوت والتشهد ونحو ذلك ممّا لم يقم دليل على سقوط تداركه ، وهذه الرواية معتبرة الإسناد(٣) .

لا يخلو أيضاً من غرابة ، أمّا أوّلاً : فلأنّ القضاء في الرواية إن أُريد به المعروف منه فقضاء الركعة واضح الإشكال ، وإن أُريد فعل الشي‌ء لا يتم‌

__________________

(١) السرائر ١ : ٢٥٩.

(٢) المعتبر ٢ : ٣٨٦ ، وتقدم الحديث بتفاوت يسير في ص ١٧٧٨.

(٣) مدارك الاحكام ٤ : ٢٣٨.


المطلوب في التشهد ، ( وذكر القنوت لا وجه له ، وأمّا ثانياً : فلأنّ التشهد )(١) غير داخل في الركعة.

وربما يتبادر من الرواية عود الضمير للسجدة والمراد شي‌ء من أجزائها ، وقضاؤه حينئذ غير خفي الحال ، هذا.

وأمّا الخبر الأخير : فواضح الدلالة ، ومنافاته لما سبق من رواية سفيان ابن السمط الدالة على سجود السهو لكل نقيصة واضحة ، وكان على الشيخ التنبيه على ذلك لعلمه بالخبرين ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العلاّمة في المختلف نقل عن القائلين بإجزاء تشهد سجدتي السهو عن تشهد الفريضة الاحتجاج بأنّ التشهد في السجدتين ليس بواجب على ما سيأتي ، قال : وقد وردت أخبار بأنّه يسجد للسهو من غير ذكر قضاء التشهد فيكفي تشهده فيهما(٢) .

ثم ذكر رواية سليمان بن خالد والحلبي الأخيرة موجِّهاً بما تركه أولى من ذكره ، وإنّما ذكرنا الأوّل لنوع فائدة وهو أنّ مقتضاه عدم وجوب التشهد في سجدتي السهو.

وقد نقل شيخناقدس‌سره عن المحقق في المعتبر والعلاّمة في المنتهى أنّ وجوب التشهد والتسليم قول علمائنا أجمع(٣) ؛ والحال أنّه في المختلف اختار الاستحباب(٤) ، ونقل عن بعض الأصحاب ما يفيد ذلك ، والاستدلال المذكور في المقام تحققه. وبالجملة فالأمر لا يخلو من غرابة والله تعالى‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٢) المختلف ٢ : ٤٠٥.

(٣) المدارك ٣ : ٤٢٥ ، وهو في المعتبر ٢ : ٢٢١ ، والمنتهى ١ : ٢٩٢.

(٤) المختلف ٢ : ١٩١.


أعلم بالحقائق.

بقي شيئان ، أحدهما : أنّ ظاهر الأمر في الخبر الأوّل بالتسليم الوجوب ، لكن قد قدّمنا(١) في بحث التسليم أنّ الأوامر في أخبارنا غير معلوم كونها حقائق في الوجوب فقط كما قرّر في أُصول المعالم(٢) ، وربما يقال : إنّ الأمر في هذا الخبر للوجوب بقرينة قوله : « فليتمّ صلاته » إذ من المستبعد اختلاف الأمرين في خبر واحد. وفيه : عدم استبعاد الاختلاف لوجوده في أخبارنا بكثرة.

أمّا الثاني : فليس فيه أمر بالتسليم ، غير أنّه ربما يدل على الوجوب من حيث تعليق فعل سجود السهو عليه ، والسجود واجب فيكون التسليم واجباً. وقد يجاب بجواز التعليق على المستحب ، لا بمعنى أنّ الوجوب معلّق عليه ، بل بمعنى أنّ الفعل لا يقع إلاّ بعده بتقدير فعله ، فليتأمّل.

والثالث : له نوع دلالة من جهة قوله : « يتمّ صلاته » والكلام فيه كالأوّل.

وثانيهما : أنّ ظاهر الأوّل إيقاع السجود والتسليم عقيب الإتمام ، وربما كان فيه دلالة على عدم وجوب قضاء التشهد ، أو على أنّ قضاءه بعد السجود ، لكن الثاني ظاهر الأصحاب نفيه ، أمّا الأوّل فيمكن أن يقال ـ بتقدير وجوب قضاء التشهد وحده ـ : إنّ الخبر من قبيل المطلق فلا مانع من تقييده.

والثاني مثله من حيث قوله : « حتى إذا فرغ وسلم سجد » بل هو أوضح دلالة. والثالث كذلك في الجملة ، فليتأمّل هذا كلّه.

__________________

(١) راجع ص ١٧٣١ ١٧٣٣.

(٢) معالم الأصول : ٤٥.


قوله :

باب السهو في الركعتين الأوّلتين‌

الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن عاصم ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن رجل شكّ في الركعة الأُولى ، قال : « يستأنف ».

عنه ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن عنبسة بن مصعب قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا شككت في الركعتين الأوّلتين فأعد ».

عنه ، عن القروي ، عن أبان ، عن إسماعيل الجعفي وابن أبي يعفور ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام أنّهما قالا : « إذا لم تدرِ أواحدة صلّيت أم ثنتين فاستقبل ».

عنه ، عن النضر ، عن موسى بن بكر قال سأله الفضيل عن السهو فقال : « إذا شككت في الأوّلتين فأعد ».

عنه ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : قال : « إذا سها الرجل في الركعتين الأوّلتين من الظهر والعصر(١) فلم يدر واحدة صلّى أم ثنتين فعليه أن يعيد الصلاة ».

عنه ، عن فضالة ، عن رفاعة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل لا يدري أركعة صلّى أم اثنتين؟ قال : « يعيد ».

عنه ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن هارون بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٤ / ١٣٨١ زيادة : والعتمة.


خارجة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا سهوت في الأوّلتين فأعدهما حتى تثبتهما ».

عنه ، عن فضالة ، عن حمّاد ، عن الفضل بن عبد الملك قال : قال لي : « إذا لم تحفظ الركعتين الأوّلتين فأعد صلاتك ».

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : قلت له : رجل لا يدري أواحدة صلّى أم اثنتين؟ قال : « يعيد ».

محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي الوشّاء قال : قال لي أبو الحسن الرضاعليه‌السلام : « الإعادة في الركعتين الأوّلتين والسهو في الركعتين الأخيرتين ».

السند‌ :

في الأوّل : النضر فيه ابن سويد ، وعاصم فيه اشتراك بين ابن حميد وغيره(١) ، ولم يظهر لي من الرجال ما يعيّنه ، لكن في الأخبار على ما أظن : النضر بن سويد عن عاصم بن حميد ؛ والعلاّمة في المنتهى وصفها بالصحّة(٢) ، وغير بعيد استفادته ذلك ، وعلى كل حال ربما يصلح قرينة في الجملة.

والثاني : فيه محمد بن سنان ، أمّا عنبسة بن مصعب فقيل : إنّه ناووسيّ(٣) وقد مضى(٤) فيه كلام ما.

__________________

(١) انظر هداية المحدثين : ٨٧.

(٢) المنتهى ١ : ٤١٠.

(٣) كما في رجال الكشي ٢ : ٦٥٩.

(٤) في ص ٤٩٨.


والثالث : فيه القروي ، وقد مضى(١) مثله في خبر واحتملنا فيه أن يكون الهروي فصحّف وهو عبد السلام ، [ ونبّهنا(٢) ] على أنّه سيأتي في هذا الكتاب في باب صلاة العيدين رواية الحسين بن سعيد عن أحمد بن عبد الله القروي وهو مجهول الحال. أمّا إسماعيل الجعفي فهو وإن كان مشتركاً(٣) بين ابن عبد الرحمن الضعيف وبين ابن جابر الثقة مع نوع كلام ، إلاّ أنّ الظاهر كونه الثقة ؛ لما تقدّم من أنّ ابن جابر قال النجاشي : إنّه روى حديث الأذان(٤) ، والراوي في حديث الأذان عنه أبان بن عثمان ، وحينئذ يكون أبان هو ابن عثمان أيضاً ، وإن كان في البين كلام من جهة أبان ، وإسماعيل الجعفي ؛ لاحتمال عدم انحصار رواية أبان عن ابن جابر ، وعدم تعيّن أبان لابن عثمان ، والأمر سهل في المقام بعد القروي.

والرابع : فيه موسى بن بكر ، وهو إمّا مهمل كما في النجاشي(٥) والفهرست(٦) ، أو واقفي كما في كتاب الشيخ(٧) . والعلاّمة في الخلاصة قال : إنّه واقفي(٨) ، وفي المنتهى وصف الخبر بالصحة(٩) ؛ وكأنّها إضافية.

والخامس : الحسن فيه ابن سعيد ، وسماعة تكرّر القول فيه(١٠) مع زرعة.

__________________

(١) في ص ١٥٨٢.

(٢) بدل ما بين المعقوفين في « م » : ومنها ، وفي « فض » : وهاهنا ، وفي « رض » : وانتهى ، والصواب ما أثبتناه.

(٣) رجال الطوسي : ١٠٤ / ١٥ و ١٠٥ / ١٨.

(٤) رجال النجاشي : ٣٢ / ٧١.

(٥) رجال النجاشي : ٤٠٧ / ١٠٨١.

(٦) الفهرست : ١٦٢ / ٧٠٥.

(٧) رجال الطوسي : ٣٥٩ / ٩.

(٨) الخلاصة : ٢٥٧ / ١.

(٩) المنتهى ١ : ٤١٠.

(١٠) في ص ٤٩ و ٧٨.


والسادس : صحيح.

والسابع : فيه مع أبي بصير هارون بن خارجة ، وفي النجاشي : ثقة متحد(١) ، والشيخ ذكره متعدداً مع الإهمال(٢) ، وقد مضى القول(٣) في ذلك.

والثامن : صحيح ؛ لأنّ حمّاداً على الظاهر ابن عثمان ، لتقدم ذكره(٤) عن قريب مبيناً بابن عثمان مع رواية فضالة عنه ، والاحتمال السابق في المقام بعيد كما لا يخفى.

والتاسع : حسن كالعاشر بالوشّاء على ما قدّمناه فيه من الكلام(٥) .

المتن :

في الأوّل : له دلالة على أنّ الشك في الركعة الأُولى مبطل ، أمّا الشك فيها فيحتمل أن يراد به الشك في كونها واحدة أو معها غيرها ، ويحتمل أن يراد به عدم تحقق فعلها كاملة ، وقد مضى في خبر أحمد بن محمد بن أبي نصر الدال على أنّه إذا ترك سجدة في الركعة الأُولى يستقبل(٦) ، احتمال ربما يؤيّده هذه الرواية بتقدير الاحتمال الثاني ، لكن قد بيّنا سابقاً بُعد ذاك عن ظاهر الرواية.

وباقي الأخبار واضح الدلالة على أنّ الأوّلتين يوجب الشك فيهما الإعادة ، والإجمال في خبر أبي بصير منها كالأوّل.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٣٧ / ١١٧٦.

(٢) رجال الطوسي : ٣٢٨.

(٣) في ص ١٣٥٠.

(٤) في ص ١٧٨٨.

(٥) في ص ١١١.

(٦) في ص ١٨٠٥.


أمّا خبر الفضل بن عبد الملك الدال على حفظ الركعتين فيحتمل أن يراد بالحفظ للأعداد والأجزاء كغيره ممّا ذكرناه ، وفيه مع ذلك احتمال الحفظ لليقين أو الظن ، والخلاف واقع في الاكتفاء بالظن في الأوّلتين كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وفي المختلف نقل عن علي بن بابويه أنّه قال : إذا شككت في الركعة الأُولى والثانية فأعد صلاتك ، وإن شككت مرّة أُخرى فيهما وكان أكثر وهمك إلى الثانية فابنِ عليها واجعلها ثانية فإذا سلّمت صلّيت ركعتين من قعود بأُمّ القرآن ، وإن ذهب وهمك إلى الأُولى جعلتها الاولى وتشهدت في كل ركعة ، ( فإن استيقنت بعد ما سلّمت )(١) أنّ التي بنيت عليها واحدة كانت ثانية وزدت في صلاتك ركعة لم يكن عليك شي‌ء ، لأنّ التشهد حائل بين الرابعة والخامسة ، وإن اعتدل [ وهمك ] فأنت بالخيار إن شئت صليت ركعة من قيام وإلاّ ركعتين وأنت جالس(٢) .

ونقل العلاّمة عند الاحتجاج بالأخبار الآتية وستسمعها(٣) ، وإنّما قدّمنا هذا القول هنا لأنّ المشهور فيما قيل الإعادة إذا حصل الشك في الأوّلتين من الرباعية وغيرها.

أمّا الاكتفاء بالظن في الأوّلتين وفي الثنائية فقد جزم به جماعة من الأصحاب(٤) ، لكن المحقق يفهم ذلك من إطلاق عبارته(٥) ، وجدّيقدس‌سره

__________________

(١) في « م » : فإذا استيقنت بعد ما صلّيت.

(٢) المختلف ٢ : ٣٧٨ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(٣) في ص ١٢٦.

(٤) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ١٢٨.

(٥) كما في المعتبر : ٣٩٠.


بالتصريح(١) ، وقبله الشهيد(٢) رحمه‌الله كذلك ، وتبعهما شيخناقدس‌سره (٣) ، والوالدقدس‌سره أطلق في الرسالة أيضاً.

والذي يمكن اعتباره هو اليقين ، للخبر الصحيح الذي نقلناه عن الصدوق في الفقيه في بحث التسبيح في الأخيرتين(٤) ، والخبر مذكور في باب فرض الصلاة من الفقيه ، وراويه(٥) زرارة بن أعين عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « كان الذي فرض الله على العباد عشر ركعات وفيهن القراءة وليس فيهنّ وهم يعني سهواً فزاد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سبعاً وفيهنّ السهو وليس فيهن قراءة ، فمن شك في الأوّلتين أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين ، ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم »(٦) وغير خفيّ دلالة الخبر على اليقين مع الشكّ غاية الأمر أنّ الشك محتمل احتمالاً ظاهرا للركعات ويحتمل التناول للأجزاء.

وفي نظري القاصر أنّ فيه تفسيراً لخبر الفضل بن عبد الملك من الأخبار المبحوث عنها المتضمن لقوله : « إذا لم تحفظ الركعتين الأوّلتين » فيكون المراد بالحفظ اليقين. وقد يتعجب من غفلة هؤلاء الأجلاّء عن هذا الخبر إلاّ من الوالدقدس‌سره فإنّه وإن ذكره في المنتقى(٧) إلاّ أنّه غير صحيح على أُصوله.

__________________

(١) كما في المسالك ١ : ٤٢.

(٢) في الذكرى : ٢٢٢.

(٣) المدارك ٤ : ٢٦٣.

(٤) راجع ص : ١٦٠٨.

(٥) في « م » و « رض » : ورواية.

(٦) الفقيه ١ : ١٢٨ / ٦٠٥ ، الوسائل ٨ : ١٨٧ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١ ح ١.

(٧) منتقى الجمان ٢ : ٣١٧.


ويمكن أن يناقش من جهة أُخرى ، وهو أنّ ما دل على الاكتفاء بالظن مع الشك وارد في غير الأوّلتين كما يعلم من التتبع ، وما قد يتناول الأوّلتين ستسمعه(١) ، وسنده محل تأمّل ؛ والإجماع على الظن منتفٍ ، فإنّ المنقول عن ابن إدريس فيما قاله الشهيدرحمه‌الله في الذكرى أنّ الظاهر من كلامه اعتبار الظن فيما عدا الأوّلتين(٢) ؛ إلاّ أن يقال : إنّ كلام ابن إدريس لا يضرّ مع مخالفته لفتوى الأصحاب كما قاله الشهيد في الذكرى أيضاً ، وفيه ما لا يخفى ، من حيث إنّ اطلاع الشهيد على أقوال جميع العلماء على وجه يتحقق الإجماع في زمانه يعدّ من الأُمور الممتنعة عادةً.

ومن عجيب ما اتفق للشهيدرحمه‌الله في الذكرى أنّه قال في ردّ قول ابن إدريس : إنّ فيه تخصيصاً لعموم الأدلة مع مخالفة فتوى الأصحاب. والحال أنّ عموم الأدلّة لم نقف عليه ؛ إذ الأخبار كما ذكرناه واردة في الأخيرتين.

نعم ذكر في أدلتهرحمه‌الله أنّ تحصيل اليقين عسر في كثير من الأحوال ، فاكتفي بالظن تحصيلاً لليسر ودفعاً للحرج ، وبما رواه الجمهور عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : « إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن(٣) عليه ».

وما روي عن الصادقعليه‌السلام بعدة طرق أنّه قال : « إذا وقع همك على الثلاث فابن عليه ، وإن وقع وهمك على الأربع فسلّم وانصرف »(٤) .

وأنت خبير بأنّ مثل هذه الأدلة لا تصلح لإثبات العموم المانع من‌

__________________

(١) في ص ١٨٣٧.

(٢) الذكرى : ٢٢٢ ، وهو في السرائر ١ : ٢٥٠.

(٣) في « رض » : فليبيّن ، وفي « فض » : فليمض.

(٤) الذكرى : ٢٢٢.


التخصيص.

وقد احتمل شيخناقدس‌سره الاستدلال للاكتفاء بالظن مطلقا بما رواه الكليني ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد ابن خالد ، عن سعد بن سعد ، عن صفوان ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : « إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة »(١) .

قالقدس‌سره : وهذه الرواية معتبرة الإسناد ؛ إذ ليس فيها من قد يتوقف فيه سوى محمد بن خالد البرقي ، لقول النجاشي : إنّه كان ضعيفاً في الحديث. إلاّ أنّ ذلك لا يقتضي الطعن فيه نفسه. وجزم العلاّمة في الخلاصة بالاعتماد على قوله لنص الشيخ على تعديله ، ولا بأس به(٢) . انتهى.

ولا يذهب عليك أنّ الرواية بتقدير صحتها مخصوصة بخبر زرارة ، وأمّا أحوال محمد بن خالد فقد أوضحناها(٣) في الكتاب وغيره.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه خبر زرارة من اعتبار اليقين في الأوّلتين على تقدير تناوله للأجزاء لو حصل الشك في شي‌ء منها قبل تجاوز المحل فأتى به احتمل أن يقال بحصول اليقين نظراً إلى تحقق الفعل بعد العود إليه ، ويحتمل العدم ؛ لأنّ اليقين محتمل لأن يراد به تحقق أفعالهما من غير زيادة ولا نقصان ، ومع الشك لا يحصل هذا المعنى.

وقد قدّمنا عن الشيخ في التهذيب كلاماً في الشك في الركوع محتملاً لأن يكون منه أو من المفيد ، دالاًّ على أنّ الشك في أجزاء الأوّلتين شك‌

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣٥٨ / ١ ، الوسائل ٥ : ٣٢٧ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١٥ ح ١.

(٢) مدارك الأحكام ٤ : ٢٦٤ ، وهو في رجال النجاشي : ٣٣٥ / ٨٩٨. وفي الخلاصة : ١٣٩ / ١٤.

(٣) راجع ص ٦٨.


فيهما(١) .

( وقد يتفرع هنا حكم لكثير الشك ، فإنّ ما دلّ على عدم التفاته يشمل الأوّلتين ، وخبر زرارة تضمن اليقين ، فيمكن أن يقال : إنّ اليقين لغير كثير الشك ، أمّا لو ظن كثير الشك الفعل أو عدمه كما مضى فيه القول(٢) احتمل هنا الخروج عن الصحة في الأوّلتين كما يعلم بالتأمّل(٣) .

وللأصحاب الذين رأينا كلامهم تصريح بتناول الاكتفاء بالظن مع الشك للأجزاء كالركعات(٤) . وربما يشكل في الأوّلتين بتقدير تناول خبر زرارة للأجزاء )(٥) فينبغي التأمّل في المقام.

بقي شي‌ء وهو أنّ قولهعليه‌السلام في الخبر الأخير : « الإعادة في الركعتين الأوّلتين والسهو في الركعتين الأخيرتين » لا يخلو من إجمال ؛ لأنّ السهو في الأخيرتين يحتمل لأن يراد به حكم السهو المقرّر في الأخبار على وجه لا يقتضي الإعادة ، ويحتمل أن يراد به أنّ حصول السهو في الأخيرتين لا يقتضي البطلان بخلاف الأوّلتين.

والفرق بين الاحتمالين أنّ الأوّل يراد به الإخبار عن حكم السهو المقرّر ، والحكم حينئذ مجمل ، لكن يستفاد منه عدم الإعادة بقرينة الإعادة في الأوّلتين ويبقى حكم البناء على الأقلّ أو الأكثر مجملاً.

والثاني يستفاد منه الحكم بعدم البطلان في الأخيرتين بالسهو. ويبقى ما دل على أحكام السهو يفيد فائدة أُخرى لا مبيِّنا للإجمال.

__________________

(١) في ص : ١٧٩٠.

(٢) راجع ص ١٨٣٤.

(٣) في « رض » : بالتأويل.

(٤) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ١٢٨.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».


ويحتمل أن يراد بالسهو : الظن المعبّر عنه بالوهم في الأخبار ، والإعادة تدل(١) على هذا ، وأثر هذا الاحتمال واضح.

وربما يستفاد من قولهعليه‌السلام : « الإعادة في الأوّلتين » أنّ الشك فيهما يوجب الإعادة ؛ لأنّ اليقين فيهما وهو الواحدة بتقدير الشك في الاثنين يقتضي البناء عليه كما قد نبّه على ذلك خبر زرارة حيث قال في آخره : « ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم » فإنّ هذا الكلام يقتضي احتمال كون الفارق العمل بالظن في الأخيرتين ، وأمّا في الأوّلتين فيعمل بالمتيقّن وهو الواحدة.

وما عساه يقال : إنّ الخبر الأخير لا يقاوم خبر زرارة ليصلح بياناً للحكم ، وإذا لم يصلح فخبر زرارة إذا قام فيه الاحتمال أمكن الاستدلال على البناء على الواحدة كما هو مفاد الأخبار الآتية.

يمكن الجواب عنه : بأنّ خبر زرارة ظاهره إرادة انتفاء الشك في الأوّلتين ، بمعنى أنّ شرط صحتهما عدم الشك ( فيهما ، لا أنّ مع الشك يبنى على المتيقن ، ومما ينبّه(٢) على هذا أنّ الحكم بالبناء على اليقين من أحكام الشك )(٣) فهو فرع صحة العبادة مع الشك ، وإذا دل الدليل على بطلان الأوّلتين بالشك انتفى عنهما الحكم بالرجوع إلى اليقين ، على أنّ الحكم بالرجوع إلى اليقين من الأخبار الآتية يتوقف على إمكان الاستدلال بها والحال أنّ المعارض موجود ، وستسمع القول فيها إن شاء الله تعالى(٤) .

__________________

(١) في « فض » : فيها.

(٢) في « رض » : نبّه.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في ص ١٨٣٩.


( بقي شي‌ء وهو أنّ كثير الشك في الأوّلتين وإن لم يحصل له اليقين ربّما لا يلتفت إلى الشك بل يبني على المشكوك فيه على المشهور في معنى عدم التفاته ، وحينئذ يخص خبر زرارة الدال على اليقين في الأوّلتين ، ولم أَرَ من صرّح بذلك عن القائلين باعتبار اليقين في الأوّلتين ، فينبغي تأمّل ذلك ؛ وما ذكرناه في كثير الشك من معناه المشهور إشارة إلى أنّ عدم التفات كثير الشك كما يحتمل ما ذكر يحتمل عدم فعله الاحتياط أو بناؤه على اليقين ، لكن المعلوم من المتأخّرين ما قدّمناه ، والله أعلم )(١) .

( قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن الحسين بن أبي العلاء قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل لا يدري أركعتين صلّى أم واحدة؟ قال : « يتم ».

وما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن السندي بن الربيع ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي إبراهيمعليه‌السلام قال : في الرجل لا يدري ركعة صلّى أم ثنتين؟ قال : « يبني على الركعة » )(٢) .

وما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن عبد الكريم بن عمرو ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن (٣) الرجل لا يدري أركعتين‌

__________________

(١) ما بين القوسين زيادة من « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٦٥ / ١٣٨٩ : في.


صلّى أم واحدة؟ قال : « يتمّ بركعة ».

فأوّل ما في هذه الأخبار أنّها لا تعارض ما قدّمناه ؛ لأنّها أضعاف هذه ، ولا يجوز العدول عن الأكثر إلى الأقلّ لما قد بيّناه في غير موضع ، ولو كانت معارضة لها ومساوية لم يكن فيها تناقض ؛ لأنّه ليس في شي‌ء من هذه الأخبار أنّ الشك إذا وقع في الأوّلة والثانية من صلاة الفرائض و(١) النوافل ، وإذا لم يكن هذا في الخبر حملناها على النوافل ، لأنّ النوافل عندنا لا سهو فيها ، ويبني المصلّي إن شاء على الأقلّ وإن شاء على الأكثر ، والبناء على الأقل أفضل ، فحملنا هذه الأخبار على ما ذكرناه من النوافل لئلاّ تتناقض الأخبار.

السند‌ :

في الأوّل : واضح بعد ما أشرنا إليه عن قريب(٢) من أنّ الحسين بن أبي العلاء لم يثبت توثيقه ، بل غاية ما يستفاد المدح ، وفي السند دلالة على أنّ ما سبق من رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن أبي العلاء بغير واسطة سهو ، وينبه عليه ما في التهذيب(٣) ، واحتمال الرواية تارة بواسطة وأُخرى بعدمها بعد رواية التهذيب لا وجه له.

والثاني : فيه السندي ، وحاله لا يزيد على الإهمال كما يستفاد من الرجال(٤) ، نعم في الرجال أنّ الراوي عنه صفوان وغيره ، ورواية محمد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٥ : أو.

(٢) في ص ١٨٢٥.

(٣) التهذيب ٢ : ١٥٧ / ٦١٦.

(٤) رجال النجاشي : ١٨٧ / ٤٩٦ ، رجال الطوسي : ٣٧٨ / ٨.


أحمد بن يحيى فيها نوع تأمّل ، وجوابه غير خفي.

والثالث : فيه عبد الكريم بن عمرو وهو واقفي ثقة ثقة(١) في النجاشي(٢) .

المتن :

في الجميع قد قدّمنا(٣) أنّ العلاّمة في المختلف جعله حجة علي بن بابويه ، وزاد : أنّه شك في عدد فيبني على الأقل لأنّه المقطوع به. وأجاب العلاّمة بالمنع من صحة سند الأوّل ؛ لأنّ الحسين بن أبي العلاء لا يحضره حاله وهو غريب منه وكذلك قال في السندي بن الربيع والحال واحدة ، ثم ذكر الحمل على النوافل وقال : إنّ ما تدلّ عليه هذه الأحاديث لا يقول به ، والذي يقول به لا تدلّ عليه الأحاديث ، والأمر كما قال.

أمّا ما أجاب به بعد ذلك عن قوله بالبناء على الأقل لأنّه المتيقن ، من أنّه ممنوع لأنّه كما يحرم عليه النقصان تحرم عليه الزيادة(٤) . فقد يقال عليه : إنّ استدلاله مبنيّ على بعض الأخبار مثل ما رواه الصدوق بقوله : وروى عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو الحسنعليه‌السلام : « إذا شككت فابن على اليقين » قال : قلت : هذا أصل؟ قال : « نعم »(٥) .

وروى الشيخ في زيادات الصلاة عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن محمد بن أبي حمزة عن عبد الرحمن بن الحجاج وعلي ، عن‌

__________________

(١) ليست في « م » و « رض ».

(٢) رجال النجاشي : ٢٤٥ / ٦٤٥.

(٣) في ص ١٨٣٣ ، ١٨٣٤.

(٤) المختلف ٢ : ٣٧٩.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣١ / ١٠٢٥ ، الوسائل ٨ : ٢١٢ أبواب الخلل ب ٨ ح ٢.


أبي إبراهيمعليه‌السلام في السهو في الصلاة ، فقال : « تبنى على اليقين وتأخذ بالجزم وتحتاط بالصلوات كلّها »(١) .

وما عساه يقال : إنّ هذين الخبرين لا يدلان على الأخذ بالأقلّ بجواز أن يراد دفع الشك بالإعادة.

يمكن الجواب عنه : بأنّه خلاف الظاهر ، وعلى كل حال تفصيل ابن بابويه المنقول في المختلف لا يدل عليه الاستدلال ، غاية الأمر أنّه يبقى الكلام فيما دل على البناء على الأقل بعمومه من الأخبار الدالة على الأخذ باليقين مؤيّداً للأخبار المبحوث عنها ، فقول الشيخ : إنّ الأخبار الأوّلة أضعاف هذه ؛ قد يتوجّه عليه أنّ مؤيّدات هذه لا وجه لعدم التعرض لها وإن كانت لا تبلغ مرتبة السابقة في الكثرة.

فإن قلت : الخبران المذكوران من الفقيه والتهذيب ما حالهما؟

قلت : أمّا خبر الفقيه فقد علمت صورة إيراده ، وقد سألت شيخنا المحقق ميرزا محمد أيّده الله عن دخول مثل هذه الرواية في طريق المشيخة للفقيه من حيث إنّ ظاهر الرواية الإرسال ، وظاهر المشيخة أنّ كل ما رواه طريقه إليه كذا ، والمتبادر من روايته أن يقول : روى إسحاق ونحو ذلك؟ فأجاب أيّده الله : بأنّه محل تأمّل.

لكن لم أجد في كتب الوالدقدس‌سره ما يقتضي التوقف ، وجزم شيخناقدس‌سره في المدارك بأنّ هذه الرواية من الموثق نظراً إلى طريق الصدوق إلى إسحاق ابن عمار من الموثق(٢) ؛ وأرى هذا غريباً منه ؛ لأنّ في الطريق علي بن‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٤٤ / ١٤٢٧ ، الوسائل ٨ : ٢١٣ أبواب الخل ب ٨ ح ٥ ، بتفاوت يسير فيهما.

(٢) المدارك ٤ : ٢٥٦.


إسماعيل ، وفيه ما قدّمناه(١) من عدم زيادة حاله عن الإهمال أو الجهالة ، وفي طرق الفقيه من كتاب شيخنا أيّده الله في الرجال تصحيح الطريق إلى إسحاق بن عمار إلاّ أنّ في إسحاق قولا(٢) ، والصحة لا يخفى حالها.

وأمّا خبر الشيخ ففيه محمد بن أبي حمزة ، ولا يبعد كونه الثقة كما كرّرنا القول في ذلك(٣) من أنّ احتمال المذكور مهملاً في كتاب الشيخ(٤) بعيد ؛ أمّا علي الواقع فيه فمشترك(٥) إلاّ أنّه لا يضرّ بالحال ، واحتمال ابن أبي حمزة له قرب ، وفي عبد الرحمن بن الحجاج نوع كلام ذكرناه(٦) في محل آخر.

لكن ربما يؤيّد الأخبار المبحوث عنها ما رواه الصدوق صحيحاً عن زرارة : « إنّ الصلاة لا تعاد إلاّ من خمسة »(٧) وقد مضى(٨) ، وليس فيه شك في الأوّلتين ، وفيه : أنّ الظاهر كون الحصر إضافياً ، ومعه لا يتم المطلوب إلاّ بتكلّف.

وينقل عن السيد المرتضىرضي‌الله‌عنه في المسائل الناصرية أنّه جوّز البناء على الأقلّ في جميع صور الشك(٩) . وقد يؤيّده بعض الأخبار الواردة في الوضوء المتضمنة لأنّ اليقين لا يعارضه الشك ، ولأنّ الأصل عدم الإتيان‌

__________________

(١) في ج ٢ : ١٨٤.

(٢) منهج المقال : ٤٠٨.

(٣) راجع ج ١ : ١٤٦.

(٤) رجال الطوسي : ٣٠٦ / ٤١٧.

(٥) هداية المحدثين : ٢٢٤.

(٦) في ج ٢ : ٣٦٧.

(٧) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩١.

(٨) انظر أحكام السهو ص ١١.

(٩) كما في المدارك ٤ : ٢٥٦ ، وانظر المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٠١.


بالمشكوك فيه ؛ إلاّ أن يقال : إنّه يجوز اختصاص الوضوء بما ذكر ، والأصل المذكور لا يصلح للحكم بالصحة مع دلالة الأخبار على الإبطال.

وحكى شيخناقدس‌سره عن ابن بابويه القول بالتخيير بين البناء على الأقلّ والاستئناف وقال : إنّ الأخبار المذكورة لولا ضعف سندها لأمكن القول بما قاله ابن بابويه(١) . ولا يخفى أنّ الرواية الاولى لا وجه لردّها إلاّ من جهة الحسين بن أبي العلاء ، أمّا علي بن الحكم فلا ، لما كرّرنا القول فيه أنّه الثقة بتقدير الاشتراك ، لرواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه(٢) .

إذا عرفت هذا فما ذكره الشيخ من الجمع في أعلى مراتب البُعد ، ولعلّ الضرورة تقرّبه ، والحمل على التقيّة لا يخلو من

قرب ، لأنّي وجدت في صحيح مسلم روايات تدلّ على البناء على اليقين(٣) ، فليتأمّل.

قوله :

باب الشك في فريضة الغداة‌

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري وغيره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا شككت في المغرب فأعد ، وإذا شككت في الفجر فأعد ».

عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يصلّي ولا يدري أواحدة صلّى أم ثنتين؟ قال : « يستقبل حتى يستيقن أنّه قد‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٤٤.

(٢) راجع ص ١٨٠.

(٣) صحيح مسلم ١ : ٤٠٠ السهو في الصلاة والسجود له ب ١٩ ح ٨٨.


أتمّ وفي الجمعة وفي المغرب وفي الصلاة في السفر ».

عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « ليس في الفجر والمغرب(١) سهو ».

الحسين بن سعيد ، عن محمد بن سنان ، عن ابن مسكان ، عن عنبسة بن مصعب قال ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا شككت في المغرب فأعد وإذا شككت في الفجر فأعد ».

عنه ، عن الحسن(٢) ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن السهو في صلاة الغداة؟ قال : « إذا لم تدر واحدة صلّيت أم ثنتين فأعد الصلاة من أوّلها ، والجمعة أيضاً إذا سها فيها الإمام فعليه أن يعيد الصلاة لأنّها ركعتان ، والمغرب إذا سها فيها ولم يدر(٣) ركعة صلّى فعليه أن يعيد الصلاة ».

عنه ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الرجل شكّ في الفجر ، قال : « يعيد » قلت : المغرب؟ قال : « نعم ، والوتر والجمعة » من غير أن أسأله.

عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام . وابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري وغير واحد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا شككت في المغرب فأعد ، وإذا شككت في الفجر فأعد ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٦ / ١٣٩٢ : المغرب والفجر.

(٢) في « م » : الحسين.

(٣) يوجد في الاستبصار ١ : ٣٦٦ / ١٣٩٤ : فلم يدرِ كم ركعة.


السند‌ :

في الأوّل : حسن على تقدير اندفاع ما قدمناه(١) في حفص بن البختري ، من أنّ التوثيق من النجاشي له(٢) محتمل لأن يكون من أبي العباس المشترك(٣) بين ابن نوح وابن عقدة ، وضميمة « غيره » لا يفيد.

والثاني : لا ارتياب في حسنه(٤) .

والثالث : فيه الإرسال مع رواية محمد بن عيسى عن يونس ، وقد قدّمنا كلاماً في إمكان دفع هذا عن الرواية لو سلمت من غيره(٥) .

والرابع : واضح الضعف(٦) .

والخامس : موثق.

والسادس : واضح الصحة بعد ما قدّمناه(٧) . وقد يظن أنّ محمد بن مسلم هو الراوي عن الإمامعليه‌السلام لأنّه المتعارف.

والسابع : لا ارتياب فيه. وابن أبي عمير إمّا يروي عنه الحسين بن سعيد أو أنّه ابتداء سند بالطريق إليه في المشيخة فيكون معطوفاً على الحسين بن سعيد.

__________________

(١) في ص ١٦٧.

(٢) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٤.

(٣) هداية المحدثين : ٢٨٨.

(٤) بإبراهيم بن هاشم.

(٥) في ص ٥٤.

(٦) من جهة محمد بن سنان ، انظر رجال النجاشي : ٣٢٨ / ٨٨٨ ، رجال الطوسي : ٣٨٦ / ٧ ، الفهرست : ١٤٣ / ٦٠٩.

(٧) راجع ص ٢٨٩ ، ٨٦٥.


المتن :

في الجميع ظاهر الدلالة على أنّ الشك في المغرب والفجر والجمعة وصلاة السفر يوجب الإعادة ، لكن الأوّل كما ترى له دلالة على أنّ الشك في المغرب يوجب ما ذكره وإن تعلق بغير الأوّلتين ، أمّا الثاني فربما يختص بالأوّلتين من المغرب ؛ لأنّ صدره تضمن حكم الشك في الواحدة والثنتين ، ثم الفجر(١) اقتضى ضميمة المغرب ، والظاهر من ذلك المشاركة في الحكم المذكور في الصدر ، ويحتمل أن تكون المشاركة في الاستقبال حتى يستيقن لا في جميع ما ذكر في الصدر من الشك بين الواحدة والثنتين.

والثالث : تضمن نفي السهو في الفجر والمغرب ، وقد مضى في مثله الكلام من احتمال نفي حكم السهو من(٢) البناء على الظن ، إلاّ أنّ فيه لا يتم هذا ؛ لأنّ الظن يعتبر في الفريضة(٣) على المعروف بين الأصحاب ، فلعلّ المراد بنفي السهو الإعادة على تقدير أن يراد به الشك ، ولو أُريد به ظاهر معناه فإشكاله غير خفي ، ( وعلى تقدير البناء على اليقين في الشك يحتمل نفي السهو نفي الحكم المذكور بل يكون الحكم الإعادة فتأمّل )(٤) .

والرابع : كالأول.

والخامس : كما ترى يدلّ على أنّ الجمعة إذا سها الإمام فيها عليه‌

__________________

(١) أي ذكر الفجر في الأوّل.

(٢) في « رض » زيادة : أن.

(٣) في « رض » : الفرضين ، وفي « فض » : الفريضين.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « رض » ويوجد في السطر التالي بعد قوله : والتخصيص بالإمام.


الإعادة ، والتخصيص بالإمام خفي الوجه(١) .

ويختلج في الخاطر أنّ الخبر لا يحتاج ( إلى أن يقيد بعدم )(٢) حفظ المأموم عليه سهوه كما هو المقرّر من أنّه لا حكم لسهو الإمام إذا حفظ عليه من خلفه ، والوجه في عدم الاحتياج أنّ ما دل على اليقين في الأوّلتين والثنائية وهو خبر زرارة(٣) يفيد أنّ الإمام لو شك في ما يشترط فيه اليقين لا يرجع إلى قول المأموم ، لأنّه إنما يفيد الظن والفرض اعتبار اليقين ، والجمعة من هذا القبيل ؛ ولم أجد من صرّح من الأصحاب بما ذكرته ، وهو حريّ بالتأمّل فيه.

ويتفرع عليه شك الإمام في الأوّلتين والثنائية بل وشك المأموم ، والجمعة غير خارجة عن ذلك لما يظهر من الأخبار أنّها الظهر في الحقيقة.

وما عساه يقال : إنّ ما دل على أنّه لا حكم لسهو الإمام والمأموم مع الحفظ مطلق فلا وجه لتقييده.

يمكن الجواب عنه : بأنّ التقييد بعد وجود الخبر الصحيح ما المانع منه؟

فإن قيل : هو الإجماع من الأصحاب إذ لم ينقل ما ذكر ، احتمل أن يقال : إنّ ابن إدريس القائل باليقين في الأوّلتين أطلق(٤) ، واللازم من إطلاقه‌

__________________

(١) في « م » زيادة : قد يخطر في البال توجيه ما ذكره : بان فيه بياناً للفرد الأخفى ، وهو أن الأمام لو فرض سهوه يعيد فكيف المأموم؟ والإمام إن كان إمام الأصل فواضح وإن كان غيره احتمل أن يكون الوجه في ذكره اشتراط الكمال بالعدالة وغيرها ومع هذا يعيد فكيف المأموم؟ ويحتمل أن يكون ذكر الإمام لأنه المهمّ أولاً غير ذلك ، فلا يفيد نفي الحكم عن المأموم.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : الى تقييد بعد.

(٣) راجع ص ١٨٣٤.

(٤) السرائر ١ : ٢٥٠.


القول بما ذكرناه ، ولا يحضرني الآن كتاب ابن إدريس لأعلم قوله في الإمام والمأموم.

وما عساه يقال : إنّ الخبر الدال على أنّه لا سهو على الإمام ولا على من خلفه ، يقتضي أنّ الحكم من حيث كونه إماماً أو مأموماً ، لا من حيث الظن ، والتفريع بالظن من كلام بعض المتأخّرين ، وهو مع إشكاله باستلزام اعتبار مراتب الظن وحصول الاختلاف بالمأموم العدل وغيره لا دليل عليه.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الخبرين المذكورين في الإمام والمأموم لا يصلحان للاعتماد عند جميع الأصحاب ؛ إذ أحدهما(١) : رواه الشيخ في التهذيب في زيادات الصلاة عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « ليس على الإمام سهو ولا على من خلف الإمام سهو » إلى آخر الحديث(٢) . وهو معدود من الحسن والعامل(٣) به بعض الأصحاب(٤) .

وثانيهما : رواه الشيخ في التهذيب عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن عيسى(٥) ، عن رجل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الإمام يصلّي بأربعة أنفس أو خمسة أنفس فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا [ ثلاثاً ، ويسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا ] أربعاً ، يقولون هؤلاء : قوموا ، ويقولون هؤلاء : اقعدوا ، والإمام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه؟ قال : « ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه‌

__________________

(١) في « م » زيادة : حسن.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٤٤ / ١٤٢٨ ، الوسائل ٨ : ٢٤٠ أبواب الخلل ب ٢٤ ح ٣.

(٣) في « م » : والقائل.

(٤) كصاحب المدارك ٤ : ٢٦٧.

(٥) في التهذيب زيادة : عن يونس.


بإيقان منهم ، وليس على من خلف الإمام سهو إذا لم يسهُ الإمام ، ولا سهو في سهو ، وليس في المغرب والفجر سهو ، ولا في الركعتين الأوّلتين من كل صلاة ، ولا سهو في نافلة ، فإذا(١) اختلف على الإمام من خلفه فعليه وعليهم في الاحتياط الإعادة والأخذ بالجزم »(٢) .

وهذه الرواية لا يخلو متنها بتقدير تسليم سندها من إجمال ، والظاهر منها اعتبار اتفاق المأمومين على الحكم ، فلو اختلفوا لا يتحقق نفي السهو عن الإمام.

والمعروف بين متأخري الأصحاب الذين رأينا كلامهم أنّ مع الاختلاف ( بين الإمام والمأموم )(٣) إذا حصلت الرابطة رجعوا إليها(٤) .

وظاهر الرواية اعتبار يقين المأموم فلا يكفي ظنه ، وقد صرّح شيخناقدس‌سره برجوع الشاك إلى الظان(٥) ، والحال في الرواية ما ترى.

فإن قلت : الزيادة المذكورة في آخر الرواية الدالة على الاختلاف لا يبعد أن يكون من كلام الشيخ أو المفيد ، ومن ثمّ لم يذكرها البعض ، وفي المدارك نقلت من دونها(٦) .

قلت : الذي وجدته في الفقيه منقولاً عن نوادر إبراهيم بن هاشم بالمتن المنقول في التهذيب مع زيادة مصححة له ، وفيها : « فإذا اختلف‌

__________________

(١) ذيل الحديث من قوله : فإذا. إلى آخر الحديث ساقط عن « م » و « رض ».

(٢) التهذيب ٣ : ٥٤ / ١٨٧ ، الوسائل ٨ : ٢٤١ أبواب الخلل ب ٢٤ ح ٨ ، وما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) كالشهيد الثاني في المسالك ١ : ٤٢ ، وصاحب المدارك ٤ : ٢٧٠.

(٥) المدارك ٤ : ٢٧٠.

(٦) المدارك ٤ : ٢٧٠.


على الإمام » إلى آخره. والزيادة المصححة : فيسبّح اثنان على أنّهم صلّوا ثلاثاً ويسبّح ثلاثة على أنّهم صلّوا أربعاً ، إلى آخره(١) . وهذا كما ترى يفيد أنّ الجواب مبيّن للاختلاف المذكور وأنّه يقتضي أخذ كل من الإمام والمأموم بالجزم.

ثم إنّ في متن رواية الصدوق : « إذا حفظ من خلفه سهوه باتفاق منهم وفي التهذيب : « يإيقان » والفرق بين الأمرين ظاهر ، والاعتبار يشهد لما في الفقيه ، لأنّ الاختلاف قد ذكر في الرواية أخيراً بين الإمام والمأموم ، والاتفاق أوّلاً بين المأمومين وفيه : أنّ التفصيل لا يناسبه ، وعلى كل حال المخالفة لكلام من رأينا كلامه موجودة.

والعجب من عدم تعرض شيخناقدس‌سره لذلك ، والحكم بمجرد رواية الشيخ(٢) ، والرواية في الفقيه حسنة ، لأنّ طريقه إلى إبراهيم بن هاشم لا ريب فيه ، وظن أنّ الطريق في المشيخة إلى إبراهيم لا إلى نوادره ، بعيد ، بل الظاهر انتفاؤه ، ورواية إبراهيم بن هاشم لا يقصر عن الصحيح عنده.

روى الشيخ في التهذيب في الزيادات عن محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال : سألته عن رجل يصلي خلف إمام(٣) لا يدري كم صلّى هل عليه سهو؟ قال : « لا »(٤) .

وهذه الرواية قال شيخناقدس‌سره : إنّها دالة على حكم المأموم في مسألة‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٣١ / ١٠٢٨.

(٢) في « م » زيادة : وقوله ما رواه الشيخ عن يونس عن رجل ، مع أن محمد بن عيسى رواها عن يونس.

(٣) في « رض » : الإمام.

(٤) التهذيب ٢ : ٣٥٠ / ١٤٥٣ ، الوسائل ٨ : ٢٣٩ أبواب الخلل ب ٢٤ ح ١.


الشك(١) .

ويمكن أن يقال : إنّها محتملة لأن يكون السؤال فيها عمّن صلّى خلف إمام لا يدري هل هو في أوّل الصلاة أو في أثنائها ، لا أنّ المأموم شك في صلاته ، إلاّ أنّ الظاهر من الرواية خلاف هذا.

وإذا تقرّر جميع ما ذكر فاعلم أنّ الأخبار المذكورة في الإمام والمأموم بين مطلق ومقيد بالحفظ ، والدال على الحفظ قد سمعت القول فيه ، والمانع من التخصيص بخبر زرارة ليس إلاّ احتمال الاتفاق من الأصحاب على عدم الفرق بتقدير عدم العمل بالأخبار أو العمل ، وإثبات الاتفاق مشكل. فينبغي النظر في ما ذكرناه ، فإنّي لا أعلم أحدا ( حام حوله )(٢) .

وينبغي أن يعلم أن الأخبار المبحوث عنها مقيدة بما دل على الظن مع الشك عند الأصحاب الذين رأينا كلامهم(٣) .

وما عساه يقال : إنّ مدلول بعضها الإعادة مع الشك ، فالصحة مع الظن بعد البطلان لا وجه لها.

يمكن الجواب عنه ـ بعد ثبوت العمل بالظن في المذكورات من الفرائض ـ : بأنّ البطلان لا يحصل إلاّ بعد عدم الظن ، ويشكل بصيرورة العبادة قبل الظن موقوفة غير محكومة بصحتها ولا ببطلانها ، والحال أنّ العبادة لا تخرج عنهما. وقد خطر في البال هذا الإشكال في تقسيم الأُصوليين العبادة إلى الصحيحة والباطلة.

وقد ذكر جدّيقدس‌سره وجوب التروّي عند الشك في أفعال الصلاة(٤) ،

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٧٠.

(٢) بدل ما بين القوسين في « فض » و « رض » : ذكره.

(٣) راجع ص : ١٨٤٦.

(٤) المسالك ١ : ٤٢.


وغير خفي أنّ الوجوب محل إشكال ؛ لعدم الوقوف على دليله ، بل المستفاد من الأخبار أنّ الظن لو حصل يعمل عليه ، وما ذكرناه من الإشكال في مثل الفرائض التي يبطلها لك لا يخلو اعتبار الظن فيها من غموض ؛ لأنّ التروي إذا لم يجب فالمرتبة المقتضية للصحة مع الظن لا حدّ لها ، فليتأمّل.

وما وقع في كلام بعض المتأخّرين من ذكر غلبة الظن(١) غير ظاهر الدليل ، بل المستفاد مطلق الظن.

ويختلج في البال أنّ غلبة الظن وقعت في عبارة المتقدمين ، ويراد بها غلبة الظن على الشك ، فالمتأخّرون جعلوا غلبة الظن للشاك مريدين غلبة ظنه على شكه ، والعبارة أوهمت أنّ غلبة الظن يراد به الظن الغالب في نفسه(٢) ، والحال غير خفيّة.

بقي في المقام شي‌ء وهو أنّ ما تضمّنه خبر العلاء من أنّ الشك في الوتر يقتضي(٣) الإعادة يخالف(٤) إطلاق جماعة من الأصحاب كالشيخ فيما مضى(٥) عن قريب من أنّ النافلة يبنى فيها على الأقلّ وإن شاء على الأكثر ، وعدم تعرض الشيخ وغيره للخبر مع صحته غريب.

وقد أشار شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب إلى مدلول الرواية ، غير أنّها لا يخلو من إجمال بالنسبة إلى الوتر ، فإنّه اسم للثلاثة على ما يستفاد من الأخبار ، فالشك فيه إمّا أن يراد في مجموع الثلاثة أو في شفعة وحده أو المفردة وحدها ، والأوّل يفيد أنّ الشك مع الانفصال يقتضي إعادة‌

__________________

(١) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ١٢٨.

(٢) المسالك ١ : ٤٢.

(٣) في « م » : يلزم.

(٤) في « م » : بخلاف.

(٥) في ص ١٨٣٨ ، ١٨٣٩.


المجموع ، وفيه ما لا يخفى ، والحمل على الاتصال يخالف ما مضى ، والثاني ممكن الإرادة ، كما أنّ الأوّل ممكن التسديد بوجه غير بعيد.

وأمّا ما يقتضيه ظاهر الأخبار من إطلاق إبطال الشك في الفرائض المذكورة ربما يظن منه التناول للركعات وأجزائها ، إلاّ أنّ تبادر الركعات يمكن ادعاؤه ، والوتر كذلك ، فليتأمّل المقام فإنّه حريّ بالتأمّل التامّ وبالله سبحانه الاعتصام.

قوله :

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن معاوية بن حكيم(١) ، عن محمد بن أبي عمير ، عن حماد الناب ، عن عمار الساباطي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل لم يدرِ كم(٢) صلّى الفجر ركعتين أو ركعة؟ قال : « يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة ، فإن كان(٣) صلّى ركعتين كانت هذه تطوّعا ، وإن ( كان صلّى )(٤) ركعة كانت هذه تمام الصلاة »(٥) .

فهذا خبر شاذ مخالف للأخبار كلّها ، واجتمعت الطائفة على ترك العمل به ، على أنّه يحتمل أن يكون إنّما شك في ركعتي الفجر النافلتين ، فجاز له أن يبني على الواحدة ويصلّي ركعة أُخرى استظهاراً ، وليس في الخبر ذكر الفريضة ، وإنّما ذكر صلاة الفجر وذلك‌

__________________

(١) في « م » : معاوية بن الحكم.

(٢) ليس في الاستبصار ١ : ٣٦٦ / ١٣٩٧.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٦٧ / ١٣٩٧ زيادة : قد.

(٤) في « م » : كانت صلاته. وفي الاستبصار ١ : ٣٦٧ / ١٣٩٧ : كان قد صلى.

(٥) في الاستبصار ١ : ٣٦٧ / ١٣٩٧ ، عن التهذيب زيادة : وهذا والله ممّا لا يقضى أبداً.


يعبّر به عن الفرض والسنّة ، وعلى هذا التأويل لا ينافي ما تقدم من الأخبار.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته وقد سبقه بركعة ، فلمّا فرغ الإمام خرج مع الناس ثم ذكر أنه فاتته ركعة ، قال : « يعيدها ركعة واحدة ».

عنه ، عن ابن أبي عمير ، عن عبد الله بن بكير ، ( عن عبيد بن زرارة )(١) قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يصلّي الغداة ركعة ويتشهد ، ثم ينصرف ويذهب ويجي‌ء ، ثم يذكر بعدُ أنّما صلّى ركعة ، قال : « يضيف إليها ركعة ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين والأخبار الأوّلة ؛ لأن الشك الذي يوجب الإعادة إنّما هو إذا لم يذكر كم صلّى ، فأمّا من ظن أنّه صلّى ركعتين وعمل عليه ثم ذكر وعلم بعد ذلك أنّه كان صلّى ركعة لا يكون شاكاً ، ويكون فرضه إتمام ما فاته ما لم يستدبر القبلة.

السند‌ :

في الأوّل : فيه معاوية بن حكيم ، وقد وثقه النجاشي(٢) . وفي الخلاصة نقلاً عن الكشي : أنّه فطحي(٣) . والموجود في اختيار الشيخ للكشي ذلك نقلاً عن محمد بن مسعود(٤) . وقد يقال : إنّ محمد بن مسعود‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٧ / ١٣٩٩ : عن ابن زرارة.

(٢) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.

(٣) الخلاصة : ١٦٧ / ٣.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٦٣٥ / ٦٣٩.


فيه كلام ذكرته في محل آخر ، والحاصل أنّ النجاشي قال : إنّه كان عاميا ورجع إلينا(١) .

وحينئذٍ فالنقل عنه غير معلوم الوقت ؛ إلاّ أن يقال : إنّ الظاهر تأخر ذلك. وفيه ما فيه. وفي الكشي في مصدق بن صدقة ما يقتضي أنّ معاوية ابن حكيم فطحي من غير نقل(٢) ؛ ويحتمل أن يكون مرجعه إلى محمد بن مسعود ، ويحتمل غير ذلك ، فتأمّل.

أمّا عمّار الساباطي فمشهور الحال. وحمّاد الناب هو ابن عثمان الثقة.

والثاني : واضح الصحة. ومحمد هو ابن مسلم ، والعلاء : ابن رزين.

والثالث : فيه عبد الله بن بكير ، وقد تكرر القول فيه(٣) .

المتن :

في الأوّل : كما ترى يدل على فعل الاحتياط في الفجر ، والقائل به على هذا الوجه منتفٍ كما ذكره الشيخرحمه‌الله . وما ذكره العلاّمة في المنتهى : من أنّ الإعادة بالشك في الثنائية قول علمائنا أجمع إلاّ ابن بابويه ، فإنّه جوّز له البناء على الأقل والإعادة(٤) . لا ينافي قول الشيخ بعدم الخلاف ؛ لأنّ المنقول عن ابن بابويه لا دلالة في الرواية عليه ، بل على خلافه ( وهو البناء على الأكثر )(٥) كما هو واضح.

أمّا حمل الشيخ فدفعه ممكن بعد قولهعليه‌السلام : « كانت هذه تطوّعاً » فإنّ‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٥٠ / ٩٤٤.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٣) في ج ١ : ١٢٥.

(٤) المنتهى ١ : ٤١٠.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


هذا الكلام ظاهر(١) في أنّ الصلاة فريضة ، إلاّ أن يقال : إنّ المراد بالتطوع زيادة التطوع ، وبالتمام المذكور تمام الموظف. وفيه ما فيه ، إلاّ أنّ ضرورة الجمع تقتضيه.

وأمّا الثاني : فقد ظن شيخناقدس‌سره عدم ارتباطه بالباب مع غيره من الروايات الآتية ؛ لأنّه قال في فوائد الكتاب : لا يخفى أنّ هذه الرواية مع ما بعدها خارج عما وضع له الباب وهو الشك في فريضة الغداة. انتهى. وقد يقال : إنّ العنوان وإن كان يفيد ما قالهقدس‌سره إلاّ أنّ ظاهر بعض الأخبار السابقة نفي السهو في الفجر ، وفي الخبر المبحوث عنه والثاني ما قد ينافيه.

وغير خفي أنّ جواب الشيخ لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ [ مفاد الأخبار ](٢) الأولة الدالة على بطلان الفجر مع الشك هو أنّه إذا لم يدر كم صلّى ، واللازم من ذلك أن يحمل الخبرين على من درى كم صلّى ؛ والحال أنّه حملهما على من ظن أنّه صلّى ركعتين وعمل عليه فلا يكون شاكاً.

ويتوجه على هذا أنّ بعض الأخبار السابقة المتضمن لنفي السهو في الفجر يتناول ما ينافي الخبرين ؛ إذ يحتمل أن يراد بالسهو عزوب المعنى عن القوة ( الذاكرة )(٣) لا الشك ، والظن بأنّه صلّى ركعتين غير معلوم الحصول. وحمل السهو في الخبر الدال عليه على الشك لا وجه له إن كان لوجود الأخبار غيره الدالة على الشك ؛ إذ لا مانع من الإبطال بالشك والسهو ، وكون السهو يستعمل في الأخبار بمعنى الشك لا يقتضي انصرافه إليه.

__________________

(١) في « رض » زيادة : وهو البناء على الأكثر.

(٢) في النسخ : مفاده حمل الأخبار ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) بدل ما بين القوسين في « م » : على ما ذكره في تعريفه.


والحق أن يقال : إنّ كلام الشيخ في مقام الجمع لا بأس به ، والعدول عن الظاهر لا خير فيه لذلك ، وإن كانت عبارة الشيخ توهم أنّ مدلول الأخبار الأوّلة صريحاً ما ذكره.

أمّا ما قاله الشيخرحمه‌الله من اشتراط عدم استدبار القبلة فستسمع القول فيه(١) .

وقد نقل العلاّمة في المختلف عن الشيخ في المبسوط أنّه قال : من نقص ركعة أو ما زاد سهواً ولا يذكر حتى يتكلم أو يستدبر القبلة أعاد. قال العلاّمة : وهو اختياره في النهاية ، قال ـ يعني الشيخ ـ : وفي أصحابنا من قال : إنّه إذا نقص ساهياً لم يكن عليه إعادة الصلاة ؛ لأنّ الفعل الذي يكون بعده في حكم السهو. قال ـ يعني الشيخ ـ : وهو الأقوى عندي ، سواء ذلك في صلاة الغداة أو المغرب أو صلاة السفر أو غيرها من الرباعيات ، فإنّه متى تحقق ما نقص قضى ما نقص وبنى عليه. قال ـ يعني الشيخ ـ : وفي أصحابنا من يقول : إنّ ذلك يوجب استئناف الصلاة(٢) .

ونقل العلاّمة عن أبي جعفر بن بابويه في المقنع أنّه قال : إن صلّيت ركعتين ثم قمت فذهبت في حاجتك فأضف إلى صلاتك ما نقص منها ولو بلغتَ الصين ولا تعد الصلاة ، فإنّ إعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس بن عبد الرحمن(٣) . انتهى.

وفي الفقيه نقل رواية عبيد بن زرارة المذكورة هنا(٤) . وظاهره العمل‌

__________________

(١) في ص ١٨٥٧.

(٢) المختلف ٢ : ٣٩٤ ، وهو في المبسوط ١ : ١٢١.

(٣) المختلف ٢ : ٣٩٦ ، ولم نعثر في المقنع على هذه العبارة والموجود فيه : وإن صليت ركعتين ثم قمت فذهبت في حاجة لك فأعد الصلاة ولا تبن على ركعتين ، المقنع : ٣١.

(٤) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٣.


بها ، وهي صريحة في الفجر إذا صلّى منها ركعة ، وطريقه إلى عبيد فيه الحكم بن مسكين ، إلاّ أنّ روايته مؤيّدة بما أسلفناه.

والذي نقله في المختلف يقتضي التخصيص بصلاة ركعتين ، فما قاله شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب من : أنّه يستفاد من الأخبار المعتبرة أنّ من نقص من صلاته ركعة فصاعداً ناسياً ثم يذكر بعد الانصراف والفعل الكثير يبني على صلاته ويتم ما بقي ، وبمضمونها أفتى ابن بابويه في المقنع. محل تأمّل ، إلاّ أن يكون وقف على عبارة المقنع. وفي الفقيه نقل العبارة المنقولة في المختلف روايةً عن عمار(١) .

قوله :

يدل على ذلك : ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب ابن يزيد ، عن علي بن النعمان ، عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد الله ،عليه‌السلام قال : قلت : أجي‌ء إلى الإمام وقد سبقني بركعة في الفجر ، فلمّا سلّم وقع في قلبي أنّي قد أتممت ، فلم أزل ذاكراً لله حتى طلعت الشمس ، فلمّا طلعت نهضتُ فذكرتُ أنّ الإمام كان قد سبقني بركعة ، قال : « إن كنت في مقامك فأتم بركعة ، وإن كنت قد انصرفت فعليك الإعادة ».

قولهعليه‌السلام : « وإن كنت قد انصرفت فعليك الإعادة » محمول على أنّه قد استدبر القبلة ، وما تضمنه خبر عبيد بن زرارة من قوله : يذهب ويجي‌ء. محمول على أنّه لم يستدبرها ، ولا تنافي بينهما.

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٢.


يدل على هذا التفصيل :

ما رواه محمد بن مسعود ، عن جعفر بن محمد(١) ، قال : حدثني علي بن الحسن(٢) وعلي بن محمد ، عن العبيدي ، عن يونس ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته وقد سبقه بركعة ، فلمّا فرغ الإمام خرج مع الناس ثم ذكر أنّه فاتته ركعة ، قال : « يعيد ركعة واحدة ، يجوز له ذلك إذا لم يحوّل وجهه عن القبلة ، فإذا حوّل وجهه فعليه أن يستقبل الصلاة استقبالاً ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر ابن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد بن زرارة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل صلّى ركعة من الغداة ثم انصرف وخرج في حوائجه ، ثم ذكر أنّه صلّى ركعة ، قال : « فليتمّ ما بقي ».

عنه ، عن ابن أبي نجران ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين ، ثم ذكر وهو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنّه صلّى ركعتين ، قال : « يصلّي ركعتين ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على أنّ الشك وقع في النوافل دون الفرائض ، ويحتمل أن يكون ذلك مخصوصاً بمن يظن أنّه كان ترك شيئاً من الصلاة ولا يتحقق ، فلا يجب عليه الإعادة فإنّه انتقل إلى حالة اخرى ، والشك لا تأثير له ، ويكون ما تضمّن من الأمر بإتمام‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٦٨ / ١٠٤١ والتهذيب ٢ : ١٨٤ / ٧٣٢ : أحمد.

(٢) في « م » والتهذيب ٢ : ١٨٤ / ٧٣٢ : الحسين.


الصلاة محمولاً على ضرب من الاستحباب ، يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيوب الخزاز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته ، قال : فقال : « لا يعيد ولا شي‌ء عليه ».

على أنّ الخبر الثاني إنّما تضمن ذكر من صلّى ركعتين ( ونسي ركعتين )(١) ، وذلك يكون في الرباعيات دون صلاة الغداة ، غير أنّه وإن كان الحكم كذلك فالحكم في ذلك أيضاً مثل الحكم في صلاة الغداة من أنّه متى انصرف إلى استدبار القبلة كان عليه إعادة الصلاة ، والذي يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السهو ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى بالناس الظهر ثم سها فسلّم ، فقال له ذو الشمالين : يا رسول الله أنزلَ في الصلاة شي‌ء؟ فقال : وما ذاك؟ قال : إنّما صلّيت ركعتين. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أتقولون مثل قوله؟ قالوا : نعم (٢) . فأتمّ بهم الصلاة وسجد سجدتي السهو » قال : قلت : أرأيتَ من صلّى ركعتين وظن أنّها أربع فسلّم وانصرف ، ثم ذكر بعد ما ذهب أنّه إنّما صلّى ركعتين؟ قال : « يستقبل الصلاة من أوّلها » قال : قلت : فما بال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يستقبل الصلاة وإنّما أتمّ لهم ما بقي من صلاته؟ فقال : « إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبرح ( من مكانه ، فمن ) (٣) كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته ».

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في النسخ ، أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٦٩.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٦٩ / ١٤٠٥ زيادة : فقام.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٦٩ / ١٤٠٥ ، والتهذيب ٢ : ٢٤٧ / ١٤٢٨ : من مجلسه فإن.


السند‌ :

في الأوّل : واضح الحال بعد ما قدمناه في الحسين بن أبي العلاء عن قريب إجمالاً وبعيدٍ تفصيلاً(١) . وعلي بن النعمان مضى القول فيه وأنّه ثقة(٢) .

والثاني : فيه أنّ الطريق إلى محمد بن مسعود وهو العياشي غير مذكور في المشيخة ، وفي الفهرست(٣) وإن روى جميع مروياته الداخل فيها ما نحن فيه نظراً إلى إخبار الشيخ بذلك في النقل ، إلاّ أنّ في الطريق إليه أبا المفضل الشيباني ، وقد ضعّف في الرجال(٤) .

وما عساه يقال : إنّ كون الرواية من رواياته يتوقف على ثبوت صحة الطريق إليه والحال ما ذكرته.

جوابه يعرف مما أشرنا إليه مجملاً(٥) وفصّلناه سابقاً من : أنّ الظاهر من رواية الشيخ عن محمد بن مسعود أنّ الخبر من مرويات محمد ابن مسعود.

واحتمال أن يقال : إنّ الشيخ إنّما حكم بأنّه من مروياته بالسند المذكور في الفهرست إليه. والسند فيه ما فيه.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الشيخ حاكم بأنّه من مروياته ، وإنّما ذكر‌

__________________

(١) تقدم في ص ١٢٥ وج ١ : ١٥٢.

(٢) راجع ج ٢ : ٩ وج ٤ : ٢١٧.

(٣) الفهرست : ١٣٦ / ٥٩٣.

(٤) رجال النجاشي : ٣٩٦ / ١٠٥٩ ، الفهرست : ١٤٠ / ٦٠٠.

(٥) في ص ١٤٠ ١٤١.


السند لفائدة أُخرى.

وما قد يقال : إنّا لو نظرنا إلى اعتماد الشيخ لزم الحكم بصحة الروايات وإن كان فيها الضعيف.

يمكن الجواب عنه : بالفرق بين الجزم بكون الروايات من مرويات الشخص وبين الحكم بالصحة ، فليتأمّل.

ثم إنّ محمد بن مسعود قد أشرنا إلى مجمل حاله عن قريب(١) ، ( والحاصل أنّ النجاشي قال : إنّه كان في أوّل عمره عامي المذهب ثم تبصّر وعاد إلينا ، وعلى هذا فقبول روايته موقوف على العلم بتأخرها عن رجوعه ، وكذلك الاعتماد عليه في تزكية الرجال ؛ إلاّ أن يقال : إيراده الروايات بعد الرجوع )(٢) .

وأمّا ( جعفر بن محمد ففيه اشتراك(٣) ، وقد يظن أنّ الصواب : جعفر ابن محمد عن محمد بن مسعود ؛ لأنّ )(٤) جعفر بن محمد بن مسعود يروي عن أبيه(٥) . والجواب وجود جعفر بن محمد في المرتبة. ( وفي التهذيب عن جعفر بن أحمد(٦) ، وفي الرجال جعفر بن أحمد بن أيّوب(٧) ، قال العلاّمة في الخلاصة : روى عنه )(٨) محمد بن مسعود العياشي(٩) . وقد‌

__________________

(١) في ص ١٨٥٠.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « فض » و « رض ».

(٣) انظر هداية المحدثين : ١٨٣.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٥) انظر رجال الطوسي : ٤٥٩ / ١٠.

(٦) التهذيب ٢ : ١٨٤ / ٧٣٢.

(٧) خلاصة العلاّمة : ٣٢ / ١٤ ، رجال النجاشي : ١٢١ / ٣١٠.

(٨) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٩) الخلاصة : ٣٢ / ١٤.


يظن أنّ الصواب حينئذٍ ابن أحمد ؛ وفيه نوع تأمّل ؛ لأنّ الذي في النجاشي روى عن محمد بن مسعود والطريق إليه يؤيّد ذلك ، لأنّه قال : إنّ الراوي عنه أبو عمرو الكشي(١) . واحتمال غير ذلك بعيد.

أمّا علي بن الحسن ( فكأنه ابن فضال كما يعرف من الرجال(٢) ، حيث قيل : إنّ محمد بن مسعود روى عن أصحاب علي بن الحسن بن فضال )(٣) .

وعلي بن محمد مشترك(٤) ، واحتمال ابن قتيبة ربما يدعى ظهوره ، وفيه ما فيه.

والعبيدي محمد بن عيسى ، وقد تقدم القول فيه مع روايته عن يونس(٥) .

والثالث : لا ارتياب فيه.

والرابع : كذلك بالنسبة إلى رجاله ، إلاّ أنّ في رواية سعد عن ابن أبي نجران نظراً واضحاً ؛ لأنّ ابن أبي نجران من أصحاب الرضا والجوادعليهما‌السلام وأين هو من سعد. ويحتمل أن يعود ضمير « عنه » لمحمد ابن الحسين بن أبي الخطاب ؛ لأنّه معدود من رجال الجوادعليه‌السلام مع العسكريعليه‌السلام لكن لا يخفى مخالفة عادة الشيخ في الكتاب ، ولا بدّ من اعتبار ما قلناه ، أو النقل من الشيخ لا يخلو من الخلل ، والعجب أنّ في‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ١٢١ / ٣١٠.

(٢) رجال النجاشي : ٣٥٠ / ٩٤٤.

(٣) بدل ما بين القوسين في « م » : هو بن فضال ، وفي هذا نوع دفعٍ للظن السابق ، لأنّه روى عن الأصحاب لا عنه مع احتمال ما.

(٤) هداية المحدثين : ٢١٨.

(٥) في ص ٥٤.


التهذيب : فأمّا ما رواه سعد ابن عبد الله عن ابن أبي نجران ، إلى آخره(١) . وبالجملة فالخبر غير واضح الصحة.

والخامس : صحيح على ما تقدم من القول في رجاله(٢) .

والسادس : موثق كذلك(٣) .

المتن :

في الأوّل : كأنّ الشيخ يريد به الدلالة على أنّ حكم الظن غير حكم الشك ، لتضمن الخبر قوله : وقع في قلبي ، إلى آخره. وهو يدل على الظن في الجملة ، إلاّ أنّ غيره من الأخبار مطلق ، والسؤال لا يقيّد الإطلاق بل هو أحد أفراد المطلق ، كما كررنا القول فيه(٤) .

ولو أراد الشيخ الدلالة على عدم الاستدبار فالإشكال فيه واضح ؛ لأنّ كونه في مقامه لا يدل على عدم الاستدبار ، إلاّ أن يدّعى تبادر ذلك منه ، والحقّ أنّ الشيخ ليس هذا غرضه بدلالة قوله : إنّه محمول على الاستدبار ، فإنّ الحمل إن كان من غيره فكيف يكون دليلاً؟.

وأمّا الثاني : فربما دل على الاستدبار من تحويل الوجه ، فإنّه يستعمل في الانحراف عن القبلة بكله ؛ ولو أريد بالانحراف عن القبلة ولو بالوجه كان الخبر صريحاً في مطلوب الشيخ ، إلاّ أنّه مستبعد من قول الشيخ : ما لم يستدبر ، فإنّ الاستدبار يبعد عنه تحويل الوجه.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٤٧ / ١٤٤٠.

(٢) انظر ج ١ : ٧٠ ، ٩٣ ، ١٠٢ ، ١٠٦ ، ٤٢٩.

(٣) بزرعة فإنه واقفي ، راجع ج ١ : ١٧٤.

(٤) في ص ١٤٠ ، ١٤٣ ، ١٤٥.


وفي التهذيب في نسخة معتبرة : « فإذا حوّل وجهه بكليته استقبل الصلاة استقبالاً »(١) وهنا كما ترى « فعليه » والظاهر أنّ ما في التهذيب أصح فيدل على مطلوب الشيخ في الجملة.

وقد يحتمل أن يقال : إنّ الأخبار الكثيرة غير المبحوث عنه الدالة على عدم التفات من ذهب وجاء المستلزمة لتحويل الوجه بلا ريب لا بُعد معها في حمل ما تضمن تحويل الوجه على الاستحباب في الإعادة ، وقد نقلنا الأخبار من زيادات التهذيب في حواشيه ، فمن أرادها وقف عليها.

وأمّا الثالث والرابع : فما ذكره الشيخ فيهما من الحمل على النافلة الظاهر أنّ تركه أولى ؛ لأنّ الثاني صريح في صلاة ركعتين بعد الذكر وليس في النوافل ما هو أربعة ، وإرادة غير ذلك لا وجه لها ؛ وقد أوضحت الكلام في حواشي التهذيب زيادةً على هذا المقدار ، وفي الظن أنّ الاختصار هنا أولى من الإكثار.

أمّا الخامس : فدلالته من جهة أُخرى ، والدخول في مضمونها يتوقف على تكلف زائد ؛ لأنّ الظاهر منها بل الصريح الشك ، وأين هذا من ظاهر الأخبار الأوّلة ، بل الصراحة في الجانبين.

وما ذكره الشيخ من أنّ الخبر الثاني مختص بالرباعيات لا ريب فيه ، إلاّ أنّه يستلزم ردّ توجيهه. والكلام أيضاً لا يخلو من تشويش ، بل الظاهر أنّ فيه غلطاً ، والمحصّل منه واضح لو ثبت الدليل.

أمّا السادس : فقد يستفاد منه نوع دلالة على عدم الاستدبار إن كان المراد بعدم براح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من مجلسه استقباله القبلة كما قد يشعر به ،

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٨٤ / ٧٣٢.


وإن كان فيه كلام.

ولا يخفى دلالة الخبر المبحوث عنه على أنّ من أتم سهوه ليس عليه سجود السهو ، إلاّ أنّ سجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ينافي ذلك لإتمام سهوه.

( والظاهر أنّ سجودهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأجل التسليم ، والمنفي أوّلاً السجود لأجل النقص )(١) .

والشيخ في التهذيب قال : إنّ الخبر شاذ ، وإنّ سجود السهو يحتمل أن يكون للشك في الزيادة ، ويجوز أن يكون فعل ذلك لأنّه خبر واحد لم يقطع به ، أو يكون غلطاً من الراوي وإنّما سجد السجدتين احتياطاً(٢) . وأراد بالغلط الإشارة إلى الرواية التي تكلم بعدها الدالة على أنّهما سجدتا السهو. وجميع ما ذكره الشيخ بمعزل عن التسديد.

وما عساه يقال : من احتمال سجود السهو للكلام منهعليه‌السلام بقوله : « ما ذاك » قد يشكل بأنّ جوابهم يقتضي ذلك ، فعدم أمرهعليه‌السلام لهم بالسجود يدل على نفيه عن جهة الكلام. وفيه : استلزامه عدم سجود السهو للكلام في غير محله ، إلاّ أن يفرق بأنّ الكلام من قبيل المستثنى في الصلاة ، أو جواب النبي واجب. وكلامهعليه‌السلام محتمل كون السجود له مع التسليم فيكفي سجدتان عنهما.

وفي التهذيب في الزيادات روى الشيخ بطريق صحيح عن سعيد الأعرج قضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي المتن : « وسجد سجدتين لمكان الكلام »(٣) وعلى هذا يرتفع الإشكال في الجملة.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « فض » و « رض ».

(٢) التهذيب ٢ : ٣٥٠.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣٣ ، الوسائل ٨ : ٢٠٣ أبواب الخلل ب ٣ ح ١٦.


وفي المقام كلام يعرف من حواشي التهذيب. ولا يبعد أن يكون سؤال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من القوم لتحصيل اليقين ، والله أعلم بالحال.

إذا عرفت هذا فهنا أُمور لا بدّ من التنبيه عليها :

الأول : يستفاد من بعض الأخبار المذكورة بتقدير المشي مع كلام الشيخ وعدمه أنّ الكلام في أثناء الصلاة المنسي منها بعضها لا يوجب سجود السهو لإطلاق الإعادة من دون ذكر سجود السهو.

وحكى شيخناقدس‌سره عن العلاّمة في المنتهى : اتفاق الأصحاب على أنّ التكلم في الصلاة ناسياً موجب السجود(١) . وسيأتي من الشيخ ما قد يدل على ذلك. وقد ذكر الصدوق رواية عمار المتضمنة لعدم الإعادة وإن بلغ الصين(٢) . وذكر أنّ من تكلم في صلاته ناسياً يقول : أقيموا صفوفكم ، عليه سجود السهو(٣) ؛ كما هو مفاد رواية الشيخ الآتية(٤) .

فيحتمل أن يكون اعتماده على رواية عمّار من حيث عدم الإعادة وعدم السجود ، وتخصيص سجود السهو بمضمون الرواية التي ذكرها.

ويحتمل أن تكون رواية عمّار في الإعادة وحكم سجود السهو أمر آخر.

ويحتمل أن يكون الحكم مخصوصاً بالكلام بنوع آخر من النسيان ، كما قد يظهر من الخبر الآتي في الباب الآتي عن قريب(٥) .

وفي المختلف ذكر الخلاف في سجود السهو في الكلام ناسياً ،

__________________

(١) مدارك الاحكام ٤ : ٢٧٥ ، وهو في المنتهى ١ : ٤١٧.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٢.

(٣) الفقيه ١ : ٢٣٢ / ذيل الحديث ١٠٢٨.

(٤) في ص : ١٩١٠.

(٥) انظر ص ١٨٦٢.


واحتج على الوجوب برواية عبد الرحمن بن الحجاج الآتية ، ونقل عن المانع الاحتجاج بما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ، عن الباقرعليه‌السلام في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم ، فقال : « يتم ما بقي من صلاته تكلم أو لم يتكلم ، ولا شي‌ء عليه » وأجاب عنها بنفي الإعادة(١) . ولا يخفى منافاة ما ذكره لدعوى الاتفاق في المنتهى(٢) . والرواية المستدل بها قد سمعت القول فيها(٣) .

الثاني : في بعض الأخبار(٤) أيضاً ما يدل على أنّ الحدث الواقع في الأثناء ونحوه من الفعل الكثير الذي تمحى به صورة الصلاة لا يبطل الصلاة ، والمنقول عن أكثر الأصحاب وجوب الإعادة(٥) ، وقد سمعت قول الصدوق ، واستدل على الإعادة بأخبار(٦) . وقال شيخناقدس‌سره إنّه يمكن الجمع بحمل ما دل على عدم الإبطال على الجواز ، وما تضمن الاستئناف على الاستحباب(٧) .

ولا يخفى أنّ ما تضمن البناء مختلف المعاني ، وما تضمن الإعادة هو ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل صلّى ركعتين ثم قام ، قال : « يستقبل » قلت : فما يروي الناس فذكر له حديث ذي الشمالين فقال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يبرح من مكانه ولو برح استقبل »(٨) .

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤١٩.

(٢) المنتهى ١ : ٤١٧.

(٣) ص ١٤٩ ١٥٠.

(٤) انظر الوسائل ٧ : ٢٣٧ أبواب قواطع الصلاة ب ١ ح ١١.

(٥) منهم المحقق في المعتبر ٢ : ٢٥٥ ، مدارك الاحكام ٤ : ٢٢٦.

(٦) انظر الوسائل ٧ : ٢٣٣ أبواب قواطع الصلاة ب ١.

(٧) مدارك الاحكام ٤ : ٢٢٨.

(٨) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣٤ ، أبواب الخلل ب ٣ ح ٧.


وعن محمد بن مسلم السابق في الأخبار المبحوث عنها المتضمن لتحويل الوجه ، وما رواه الشيخ عن أبي بصير المتضمن لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم ينتقل من موضعه. وهذه الأخبار لا يخفى عدم دلالتها على المطلوب جميعه ؛ والثاني فيه محمد بن عيسى عن يونس ؛ والثالث واضح الحال.

الثالث : سيأتي في قواطع الصلاة أخبار تدل على أنّ الالتفات الفاحش يقطع الصلاة وكذلك الانحراف بوجه آخر. وحينئذٍ يمكن الجمع بين الأخبار المبحوث عنها وبين تلك بالعمد وعدمه ، وفيه تأمّل يعرف وجهه ممّا يأتي.

ولعلّ الجمع بحمل هذه على مواردها وهي ما لو ترك بعض الصلاة بخلاف تلك. وسيجي‌ء إن شاء الله تعالى تمام الكلام هناك(١) .

ولا يخفى أنّه على تقدير الإتمام فالفعل إمّا على طريق الأداء كما هو ظاهر الأخبار ، ويحتمل القضاء ، ولم أر من صرّح بالتفصيل ، وإدراك الركعة من الوقت يتناوله كما لا يخفى.

قوله :

باب السهو في صلاة المغرب

الحسين بن سعيد ، عن صفوان وفضالة ، عن العلاء ، عن محمد ابن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن السهو في المغرب ، فقال : « يعيد حتى يحفظ ، إنها ليست مثل الشفع ».

عنه ، عن النضر ، عن موسى بن بكر ، عن الفضيل قال : سألته‌

__________________

(١) في ص ١٨٦٣ و ١٨٦٤.


عن السهو؟ فقال : « في صلاة المغرب ( إذا جاز )(١) الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك ».

عنه ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إذا سهوت

في المغرب فأعد الصلاة ».

قال محمد بن الحسن : وأكثر الروايات التي قدّمناها في الباب الأوّل يتضمن ذكر المغرب أيضاً مع ذكر الغداة وهي تؤكد هذه الأخبار.

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين ، عن فضالة ، عن سيف بن عميرة ، عن أبي بكر الحضرمي قال : صلّيت بأصحابي المغرب ، فلمّا أن صلّيت ركعتين سلّمت ، فقال بعضهم : إنّما صلّيت ركعتين ، فأعدتُ ، فأخبرت أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فقال : « لعلّك أعدت؟ » فقلت : نعم ، فضحك ثم قال : « إنما كان(٢) يجزئك أن تقوم فتركع ركعة ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سها فسلّم في ركعتين » ثم ذكر حديث ذي الشمالين ، قال : « ثم قام فأضاف إليها ركعتين ».

وروى سعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن الحارث بن المغيرة النصري(٣) قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام :

__________________

(١) كذا في النسخ ، وفي الاستبصار ١ : ٣٧٠ / ١٤٠٧ : إذا لم تحفظ ، وفي التهذيب ٢ : ١٧٩ / ٧١٩ : إذا لم تحفظ ما بين.

(٢) ليس في الاستبصار ١ : ٣٧٠ / ١٤٠٩.

(٣) في النسخ والتهذيب ٢ : ١٨٠ / ٧٢٥ : الحرث بن المغيرة النصري ، وفي الاستبصار ١ : ٣٧١ : الحارث بن المغيرة النضري ، والصواب ما أثبتناه ، انظر رجال النجاشي : ١٣٩ / ٣٦١ ، ورجال الطوسي : ١١٧ / ٤٢ ، ١٧٩ / ٢٣٣ ، ومعجم رجال الحديث ٤ : ٢٠٤ ٢٠٨.


إنّا صلينا المغرب ، فسها الإمام فسلّم في الركعتين فأعدنا الصلاة ، فقال : ( ولِمَ أعدتم؟ أليس قد انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله في الركعتين فأتم بركعتين ، ألا أتممتم؟ ».

فليس في هذين الخبرين ما ينافي ما قدمناه ؛ لأنّ السهو إنّما وقع ها هنا في أن سلّم في الركعة الثانية ، ولم يقع السهو في أعداد الصلاة ، ومن سها فسلّم في الركعتين الأوّلتين لا تجب عليه الإعادة بل يجب عليه جبرانها بركعة حسب ما تضمنه الخبران.

السند‌ :

في الأول : واضح الصحة لما تكرر من القول في رجاله(١) .

والثاني : فيه موسى بن بكر ، وهو واقفي غير ثقة فيما وجدت ، وقد مضى عن قريب الكلام فيه(٢) .

والثالث : فيه أبو بصير. أمّا هارون بن خارجة فمضى عن قريب وبعيد(٣) القول فيه(٤) ، والحاصل أنّ هارون بن خارجة ثقة ، وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ : هارون بن خارجة مهملاً(٥) .

__________________

(١) انظر ص ٤٩ ، ٧٦ ، ١٠٨ ، ٢٨٩ ، ٨٦٥.

(٢) في ص ١٨٣٢.

(٣) في ص ١٣٥٠ و ١٨٣٢.

(٤) في « م » زيادة : كأبي بصير.

(٥) رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٤.


والرابع : الحسين فيه ابن سعيد. وأبو بكر الحضرمي تقدم مراراً أنّا لم نعرف من حاله ما يزيد على الإهمال(١) . وسيف بن عميرة ثقة ، والقول بالوقف فيه قائله(٢) وهو محمد بن شهرآشوب غير معلوم الحال.

والخامس : صحيح ، لأنّ الحارث بن المغيرة ثقة ثقة في النجاشي(٣) ، والنضري في الخلاصة بالنون والصاد المهملة(٤) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ السهو في المغرب يوجب الإعادة حتى يحفظ ؛ لكن السهو محتمل لإرادة الشك والمعنى السابق(٥) ، والحفظ محتمل لإرادة اليقين والظنّ ، غير أنّي لم أقف الآن لأحد من أصحابنا على قول في أنّ السهو في المغرب بمعناه يقتضي الإعادة.

وما عساه يقال : إنّ السهو هنا ظاهر في الشك ، إذ قوله : « حتى يحفظ » يدل عليه ، حيث إنّ حفظ السهو لا معنى له.

يمكن الجواب عنه : باحتمال إرادة أنّ عُزوب شي‌ء من أجزاء المغرب إذا حصل يقتضي الإعادة ، ويراد بالحفظ الذكر ؛ والفائدة تظهر في فوات شي‌ء من القراءة ونحوها من الواجبات ، لكن الظاهر ما ذكر مضافاً إلى عدم ظهور القائل.

وما عساه يقال : إنّ السهو في المغرب يتناول الأوّلتين والأخيرة ،

__________________

(١) في ص ٤٣٠.

(٢) معالم العلماء : ٥٦ / ٣٧٧.

(٣) رجال النجاشي : ١٣٩ / ٣٦١. في النسخ : الحرث ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) الخلاصة : ٥٥ / ١٠.

(٥) في ص ١٨٥٢.


والحال أنّ السهو في الركعتين ربما قيل بتناوله للأجزاء كما يظهر من التهذيب(١) وإذا كان كذلك فالسهو في المغرب إذا أُريد به الشك دل على اعتبار اليقين من الحفظ ، لدلالة خبر زرارة السابق(٢) على اليقين في الأوّلتين ، فيدل إطلاق هذا الخبر على اليقين في المغرب في الأخيرة ؛ ولو أُريد بالسهو غير الشك أمكن من حيث دخول الأوّلتين ويصير معونة على الأخيرة ، ولا مانع من اختصاص المغرب بما ذكر.

يمكن الجواب عنه : بأنّ القول في الأوّلتين بالشمول للأجزاء محل كلام ، وإرادة الشك هنا لا تستلزم اليقين في الأخيرة ؛ لأنّ الظاهر من قولهعليه‌السلام : « إنّها ليست مثل الشفع » أنّها ليست الرباعية ، فيدل على أنّ الحكم ( بنفي السهو )(٣) في الأخيرة لو تعلق الشك بها إمّا في الزيادة أو في النقيصة ، بعد إكمال الأولتين أو قبله ، بخلاف الرباعية.

ويؤيّد هذا أنّ الشفع لو أُريد به ما يشمل الثنائية ، لم يتم الفرق لحصول مشاركة الثنائية ، فينبغي تأمّل ما ذكرته(٤) .

وفي المختلف نقل عن الشيخ أبي جعفر بن بابويه القول في كتاب المقنع بأنّ من شك في المغرب ولم يدر في ثلاث هو أو في أربع ، وقد أحرز الثنتين يضيف إليها أُخرى ولا يعتد بالشك ؛ وإن ذهب وهمه إلى [ الثلاثة ] سلّم وصلّى ركعتين وهو جالس(٥) .

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٨٢.

(٢) في ص ١٨٣٤.

(٣) بدل ما بين القوسين في « رض » : يبقى.

(٤) في « م » زيادة : فقد خطر في نظري القاصر من غير وقوفٍ على كلام لأحد من الأصحاب.

(٥) المختلف ٢ : ٣٨٨ ، وبدل ما بين المعقوفين في المصدر : الثالثة.


ثم إنّ العلاّمة اختار الإعادة سواء كان في الزيادة أو النقصان ، واستدل بأخبار منها الخبر المبحوث عنه ، وفي آخره : « ليست مثل الشفع الرباعية ». وهذه الزيادة لم أقف على مأخذها ؛ وقول العلاّمة : سواء كان في الزيادة أو النقصان. على الظاهر يريد به الركعات ، والأخبار التي استدل بها سبق نقلها في الباب السابق ، وغير خفي أنّ إجمالها أيضاً حاصل(١) .

وأمّا الثاني : فما تضمنه من قوله : « إذا جاز الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك » يقتضي بمفهومه أنّ ما لم يتجاوز لا يقتضي الإعادة ، ويجاب عن ذلك بأنّ المفهوم إذا عارضه منطوق غيره لا يعتدّ بدلالته.

وما عساه يقال : إنّ ما عداه لا يخلو عن الإطلاق وهو مقيد.

يمكن الجواب عنه : بعدم معلومية القائل على تقدير صحة الخبر ، والإطلاق في الأخبار أيضاً محل كلام. ولا يبعد أن يكون ذكر الثلاث والأربع لبيان الفرق بينها وبين الرباعية ، كما تضمنه الخبر الأوّل من أنّها ليست كالشفع ، وعلى هذا فمورد الخبر محل الاشتباه ، فليتأمّل.

وفي التهذيب بهذا السند عن الفضيل قال : سألته عن السهو؟ فقال : « في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك »(٢) . ولا يخفى أنّ ما نقله الشيخ هنا فيه نوع تغيير للحديث ، وفي خبر التهذيب دلالة على أنّ الحفظ في المغرب معتبر ، فيؤيّد ما مضى القول فيه(٣) من أنّ أخبار الشك في المغرب والفجر مطلقة في الإبطال. إلاّ أنّ الظاهر عدم الخلاف في اعتبار الظن ، فالخبر مؤيّد مع الخبر الذي نقلناه‌

__________________

(١) في « م » زيادة : فليتأمّل.

(٢) التهذيب ٢ : ١٧٩ / ٧١٩ ، الوسائل ٨ : ١٩٥ أبواب الخلل ب ٢ ح ٩.

(٣) في ص ١٨٤٣.


سابقاً(١) عن التهذيب في حكم الثنائية والاكتفاء بالظن فيها ، كما ظنّه شيخناقدس‌سره (٢) . وستأتي الأخبار الدالة على الظن ، لكن في تناولها للفجر والمغرب تأمّل يأتي بيانه في ذكرها.

وأمّا ما ذكره الشيخ من أنّ الأخبار السابقة تدل على المغرب فهو صحيح.

والكلام في الثالث كغيره.

أمّا الرابع والخامس : فما ذكره الشيخ فيهما من الدلالة على أنّ السهو وقع في التسليم دون أعداد الصلاة ؛ فيه دلالة على ما قدّمناه من أنّ السهو المنفي في المغرب راجع إلى الأعداد في الركعات ، وقد تقدم منه في الأخبار الواردة في صلاة الغداة المنافية لما مضى منها : أنّ الشك الذي يوجب الإعادة إنّما هو إذا لم يدرِ كَم صلّى ، أمّا من ظن فلا(٣) ، وهنا كلامه يقتضي أنّ السهو إذا وقع في التسليم لا يضر بحال الصلاة بخلاف ما إذا وقع في الأعداد.

( وظاهر قوله هنا وهناك نوع مغايرة ؛ لأنّ السابق يقتضي أنّ من لم يدرِ كَم صلّى في المغرب يعيد ، والحال )(٤) أنّ مع الشك في المغرب الأقل متيقن في بعض الأوقات ؛ ومقتضى قوله هنا أنّ السهو في الأعداد يوجب الإعادة مطلقا ، سواء تحقق الأقل أم لا.

ولا يبعد التسديد بوجه يتفق به مآل المعنى على تقدير عدم الخلاف‌

__________________

(١) في ص ١٨٤٤.

(٢) المدارك ٤ : ٢٦٢.

(٣) راجع ص ١٨٥٠.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


في البين ، لكن ابن بابويه قد سمعت قوله(١) ، وسيأتي من الأخبار ما يقال : إنّه دليله ؛ فعلى تقدير العمل بالخبر الآتي لا يتم إطلاق الشيخ أنّ الشك في المغرب مطلقاً يقتضي الإعادة.

أمّا ما عساه يقال : من أنّ الخبر الأوّل من الخبرين يفيد أنّ الكلام فيما يتعلق بالصلاة من المأموم ، وقبول قوله في الشك مذكور ، أمّا في صلاة ركعتين فقط فالقبول يحتاج إلى دليل.

يمكن الجواب عنه : بأنّ الخبر يفيد ذلك ؛ واحتمال حصول العلم من قول أصحابه غير كافٍ في الجزم باعتباره ، إذ عدم استفهامهعليه‌السلام من السائل لحصول العلم كافٍ. لكن الخبر قد علمت حال سنده ، فالمشقة ( في الكلام فيه غير مفيدة لولا كونه مؤيّداً لما يأتي إن شاء الله تعالى.

والثاني من الخبرين إنّما تضمن ذكر )(٢) قضية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إجمالاً ، فلا صراحة فيه بقبول قول المأمومين على الإطلاق ، والاعتماد على ما سبق من الأخبار(٣) الدالة على سؤالهعليه‌السلام للقوم يتوقف على الصحة في السابق ، ولعلّ فيما يأتي كفاية.

قوله :

والذي يكشف عما ذكرناه : ما رواه سعد ، عن أيوب بن نوح ، عن علي بن النعمان الرازي قال : كنت مع أصحاب لي في سفر وأنا‌

__________________

(١) في ص ١٤٣.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) راجع ج ١ : ٢٠٣.


إمامهم ، فصلّيت بهم المغرب فسلّمت في الركعتين الأوّلتين ، فقال أصحابي : إنّما صلّيت بنا ركعتين ، فكلّمتهم وكلّموني ، فقالوا : أمّا نحن فنعيد ، فقلتُ : ولكني لا أُعيد وأُتمّ بركعة ، فأتممت بركعة ، ثم سرنا فأتينا(١) أبا عبد اللهعليه‌السلام ، فذكرتُ له الذي كان من أمرنا ، فقال لي : « أنت كنت أصوب منهم فعلاً ، إنّما يعيد من لا يدري كم صلّى ».

فبيّنعليه‌السلام في هذا الخبر أنّ من لا يدري ما صلّى يجب عليه الإعادة دون من تيقّن ، مع أنّ في الحديثين ما يمنع من التعلق بهما وهو حديث ذي الشمالين وسهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك ممّا تمنع منه الأدلّة القاطعة في أنّه لا يجوز عليه السهو والغلط.

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد والحكم بن مسكين ، عن عمّار الساباطي قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلّى أو ثلاثاً؟ قال : « يسلّم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة » ثم قال : « هذا والله ممّا لا يقضى(٢) أبداً ».

وما رواه أحمد بن محمد ، عن معاوية بن حكيم ، عن محمد بن أبي عمير عن حماد(٣) الناب ، عن عمّار الساباطي قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجل صلى المغرب فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثاً؟ قال : « يتشهد وينصرف ، ثم يقوم فيصلّي ركعة ؛ فإن كان صلّى ثلاثاً كانت هذه تطوعاً ، وإن كان صلّى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة ، وهذا‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧١ / ١٤١١ والتهذيب ٢ : ١٨١ / ٧٢٦ والفقيه ١ : ٢٢٨ / ١٠١١ : فأتيتُ.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧٢ / ١٤١٢ زيادة : لي.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧٢ / ١٤١٣ زيادة : ذي.


والله مما لا يقضى(١) أبداً ».

فالوجه في هذين الخبرين أن لا تعارض بهما الأخبار الأوّلة ، لأنّ الأصل فيهما واحد وهو عمّار الساباطي ، وهو ضعيف فاسد المذهب لا يعمل على ما يختص بروايته ، وقد اجتمعت الطائفة على ترك العمل بهذا الخبر ؛ ويجوز أن يكون الوجه فيهما من سها في نافلة المغرب جاز له أن يبني على ما تضمنه الخبر ويتم ما بقي ؛ ويحتمل أيضاً أن يكون محمولاً على من يغلب على ظنه ذلك ، وإن لم يكن متحققاً جاز له أن يبني على الأكثر ، ويكون ما تضمن من إضافة الركعة إليه على وجه الاستحباب.

السند‌ :

في الأوّل : فيه علي بن النعمان الرازي ، وهو غير موجود فيما وقفت عليه من الرجال بهذا الوصف ، وفي الفقيه : وروى عن النعمان الرازي إلى آخر المتن(٢) فالظاهر أنّه الصواب ، والنعمان الرازي مذكور مهملاً في كتاب الشيخ من رجال الصادقعليه‌السلام (٣) ؛ ولا يخفى أنّ إيداع الخبر في الفقيه ظاهر المزية كما كررنا القول فيه(٤) .

والثاني : فيه الحكم بن مسكين ، وهو مذكور في الرجال مهملاً(٥) .

__________________

(١) يوجد في الاستبصار ١ : ٣٧٢ / ١٤١٣ زيادة : لي.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٨ / ١٠١١ ، والموجود فيه : وروى علي بن النعمان الرازي.

(٣) رجال الطوسي : ٣٢٥ / ٢٤.

(٤) راجع ص ٤٨.

(٥) رجال النجاشي : ١٣٦ / ٣٥٠.


والثالث : فيه مع معاوية بن حكيم السابق عن قريب(١) عمار كالثاني ، وقد ذكر الشيخ كما ترى أنه ضعيف ؛ والنجاشي قال : إنّه ثقة في الرواية(٢) ، ولم يذكر الفطحية فيه ؛ والشيخ في الفهرست قال : إنّه فطحي من غير توثيق(٣) . وقد قدّمنا القول في مثل هذا الواقع من النجاشي والشيخ(٤) . أمّا ما قاله الشيخ في الفهرست : من أنّ له كتاباً معتمداً(٥) ؛ فلا ينافي قوله هنا : إنّه ضعيف ، إلاّ إذا كان الخبر من كتابه وذلك غير معلوم ، فليتأمّل. وما عساه يتوجه على الشيخ ستسمعه(٦) في المتن إن شاء الله تعالى.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ من سلّم في الركعتين الأوّلتين من المغرب لا يعيدها ؛ وما تضمنه من عدم ذكر سجود السهو للتسليم والكلام ، يمكن(٧) توجيهه بأنّ السؤال من حيث البطلان ، والسجود أمر آخر.

نعم ربما يقال : إنّ تكليمه لهم بعد أن كلّموه يدل على أنّ الكلام وقع عمداً ، لأنّ الإتمام يقتضي قبول قولهم ، ومعه يشكل الحال.

ويجاب : بأنّ تكليمه لم يكن بعد كلامهم له على وجه يعتمد عليه الإمام في صريح الرواية ، إذ يجوز أن يكون الأصحاب غير معتمدي القول‌

__________________

(١) في ص : ١٨٥٠.

(٢) رجال النجاشي : ٢٩٠ / ٧٧٩.

(٣) الفهرست : ١١٧ / ٥١٥ ، ولكن وثقه في التهذيب ٧ : ١٠١ / ٤٣٥.

(٤) في ص ٧٩.

(٥) الفهرست : ١١٧ / ٥١٥.

(٦) في ص ١٨٧٠.

(٧) أثبتناه من « رض ».


في أوّل الأمر. ولا يخفى إشكال الجواب بقوله : فقلت : ولكني [ لا أُعيد(١) ]. فإنّه متأخّر عن كلامهم المفيد لوقوع التسليم في غير محله ، مضافاً إلى أنّ اعتبار(٢) العدالة في المصلّين غير معلوم. ويحتمل أن يكون قوله : ولكني لا أُعيد. من قبيل المستثنى في الصلاة ، وفيه ما فيه.

وبالجملة : لم أجد تحقيق الحال في الرواية لأحد الآن ، والشيخ كما ترى أجمل الكلام ، وذكرت في حواشي التهذيب ما لا بدّ منه مفصلاً. والاتكال على ضعف الرواية يشكل برواية الصدوق لها.

وما تضمنه من قوله : « إنّما يعيد » إلى آخره. الظاهر أنّ المراد من لم يدرِ كم صلّى على الوجه المذكور فيها وهو تحقق الركعتين ، لا أنّه متناول لمن يشك في المغرب ولم يتحقق الأوّلتين ، وفي الظاهر دلالته غير بعيدة.

وما تضمنه من حديث ذي الشمالين لا يخلو من إجمال ، لكن الشيخ في زيادات التهذيب روى قصة ذي الشمالين بطريق صحيح عن سعيد الأعرج(٣) ، فيتأيّد بالأخبار المذكورة الحكم.

وأمّا قول الشيخ من جهة السهو فللكلام فيه مجال ، وقد تابع(٤) الصدوق في إنكار نفي السهو عن الإمام بما لا مزيد عليه(٥) ، والعجب من عدم تعرّض الشيخ في الخبر السابق في الباب الذي قبل هذا لردّ الخبر وقد تضمن قصّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(١) في النسخ : أُعيد ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في « رض » و « فض » : حصول.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣٣.

(٤) في « رض » : بالغ.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣٤.


و أمّا الثاني : فقد ذكره العلاّمة في المختلف حجة لابن بابويه ، وأجاب بالطعن في السند(١) . وغير خفي أنّ دلالته على المنقول من قوله غير واضحة إلاّ بتكلف أظن تركه أولى.

أمّا حمل الشيخ على النوافل للمغرب فحاله في البُعد أظهر من أن يخفى ، والحمل على غلبة الظن محتمل في الجملة. أمّا ردّ الحديث بالضعف فهو منافٍ لما مضى منهرحمه‌الله من أنّه لا يردّ الخبر بالضعف في السند إلاّ إذا انتفى إمكان حمله.

وينبغي أن يعلم أنّ ما تقدم من بعض الأخبار الدالة على الأخذ بالجزم وما رواه الصدوق في الفقيه عن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنه قال له : « أجمع لك السهو في كلمتين ، متى شككت فخذ بالأكثر ، فإذا سلّمت فأتم ما ظننت أنّك نقصت »(٢) ربما يدل على قول ابن بابويه إذا لوحظ تفصيله ، لكن التكلف لا محيد عنه.

وما تضمنه الخبر ان من قوله : « لا يقضى أبداً » مجمل المرام ؛ إذ يحتمل أن يراد إخفاء الحكم فيه عن غير أهله ، فيراد بالقضاء الحكم ؛ ويحتمل القضاء الإعادة ؛ ويحتمل أن يراد أنّ هذا لا يحكم به غيرهمعليهم‌السلام ؛ وهم أعلم بالحقائق صلوات الله عليهم.

بقي شيئان ، الأوّل : أنّه يحتمل أن يكون الإعادة في خبر النعمان على سبيل الاحتياط لعدم ثبوت غير الشك من المأموم ، وعلى هذا فكلامه لا يضر بالحال بعد كلامهم ؛ والتعبير في الحديث بأنّه « أصوب منهم فعلاً » ربما يدل على أنهم لو أتمّوا جاز ، وإشكاله بعد الكلام عمداً واضح ؛ إلاّ أن‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٨٩.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩٢ ، الوسائل ٨ : ٢١٣ أبواب الخلل ب ٨ ح ١.


يقال : إنّ كلامهم لفائدة لا بدّ منها. وفيه إمكان الإشارة ؛ إلاّ أن يقال : إنّ المراد بالكلام ذلك. وفيه بُعد. ويحتمل أن يكون تقصيرهم بسبب الكلام ، وفيه أيضاً ما لا يخفى. وبالجملة فتمام تحقيق الرواية يطلب من حواشي التهذيب ، والمهم هنا ما ذكرناه.

الثاني : تقدم في خبر زرارة(١) المنقول من الفقيه أنّ : « من شك في الأولتين أعاد ، ومن شك في الأخيرتين عمل بالوهم ». وغير خفي أنّ المغرب خارجة عنه من حيث ذكر الأخيرتين ؛ والدخول في الأوّلتين من المغرب ربما يستبعد ، ويجاب : بأنّ سياق الحديث يدل على أنّ العشر ركعات يعتبر فيها اليقين ، والسبعة يعتبر فيها الوهم ، فيحتمل أن يغلب الأخيرتان على أخيرة المغرب. والحقّ أنّ الدخول محل تأمّل ، فلا تظن دلالتها على حكم الأخيرة إلاّ بالتكلّف الذي ذكرناه ، فينبغي عدم الغفلة عن ذلك.

قوله :

باب من شك في اثنتين وأربعة‌

الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل صلّى ركعتين فلا يدري ركعتان هي أم أربع ، قال : « يسلّم ثم يقوم ، فيصلّي ركعتين بفاتحة الكتاب وينصرف ، وليس عليه شي‌ء ».

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ،

__________________

(١) في ص ١٨٣٤ ، وهو في الفقيه ١ : ١٢٨ / ٦٠٥.


عن يونس ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل لا يدري ركعتين صلّى أم أربعاً ، قال : « يتشهد ويسلّم ، ثم يقوم فيصلّي ركعتين وأربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلّم ؛ فإن صلّى أربعاً كانت هاتان نافلة ، وإن صلّى ركعتين كانت هاتان تمام الأربعة ؛ وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو ».

عنه ، عن علي ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : قلت له : من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز الثنتين ، قال : « يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شي‌ء عليه ، وإذا لم يدر في ثلاث هو أم في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها(١) أُخرى ولا شي‌ء عليه ، ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر ولكن ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمد قال : سألته عن الرجل لا يدري ( ركعتين صلّى )(٢) أو أربعاً ، قال : « يعيد الصلاة ».

فلا ينافي الأخبار الأوّلة لأنّ الوجه فيه أن نحمله على صلاة لا يجوز فيها الشك مثل الغداة والمغرب على ما قدّمناه.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧٣ / ١٤١٦ زيادة : ركعة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧٣ / ١٤١٧ : صلى ركعتين.


السند‌ :

في الأوّل : واضح الصحة.

والثاني : فيه محمد بن عيسى عن يونس ( وقد مضى القول فيه مفصّلاً(١) )(٢) ، وأمّا ابن مسكان فلا يبعد ادعاء كونه عبد الله ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع والأمر سهل.

والثالث : حسن.

والرابع : صحيح ، ومحمد فيه هو ابن مسلم ، كما أنّ العلاء ابن رزين ، والإضمار غير قادح كما بيناه مراراً(٣) .

المتن :

في الأوّل والثالث : استدل به بعض القائلين بأنّ الشك في الصورة المذكورة لا يفيد البطلان(٤) ، والقول محكي في المختلف بما ذكر عن الشيخين وعلي بن بابويه وابن أبي عقيل والسيد المرتضى وأبي الصلاح وابن البراج وابن إدريس ، ونقل عن أبي جعفر بن بابويه في المقنع القول بإعادة الصلاة ، ثم قال ـ يعني أبا جعفر ـ : وروى أنّه يسلّم ثم يقوم فيصلّي ركعتين(٥) .

إذا عرفت هذا فالخبر الأوّل صريح في البناء على الأربع ثم صلاة‌

__________________

(١) راجع ص ٥٣.

(٢) ما بين القوسين زيادة في « م ».

(٣) راجع ص ٥١.

(٤) المختلف ٢ : ٣٨٧ و ٣٨٨.

(٥) المختلف ٢ : ٣٨٧.


ركعتين قائماً بفاتحة الكتاب ، وقولهعليه‌السلام : « ليس عليه شي‌ء » لعل المراد به سجود السهو ، واحتمال ما يعم الإثم أو يخصه ممكن كاحتمال نفي الإعادة.

والثاني : كالأوّل إلاّ أنّ فيه سجود السهو للكلام(١) ، ولا يخلو من إجمال ؛ إذ الكلام محتمل لأن يكون في الصلاة أو بين فعل الاحتياط والصلاة ، وقد يقرّب الثاني قربه ويبعّده عدم تحقق الجزئية من الصلاة ، واحتمال الكلام في الاحتياط مشكل لنفي السهو في السهو كما قيل(٢) .

وقد يحتمل أن يراد بقوله : « فإن صلّى أربعا » إن علم أنّه صلّى أربعاً ، وحينئذ يكون قوله : « وإن صلّى ركعتين » ( مراداً به أنّه )(٣) علم ، فلو فرض وقوع الكلام بين الاحتياط والصلاة أو فيه أو فيها سجد للسهو ، فليتأمّل.

وقد روى الصدوق في الفقيه صحيحاً عن الحلبي مدلول الخبر الثاني من دون ذكر سجود السهو(٤) (٥) ، وظاهره العمل به ، فكأنّه رجوع عمّا في المقنع(٦) .

وأمّا الثالث : فالشيخ كما ترى ظن اتحاد دلالته على مدلول الأوّلين كالعلاّمة ( في المختلف والمنتهى(٧) )(٨) .

وربّما يقال : إنّه يدل على البناء على الأقل المتيقن والإتمام ،

__________________

(١) في « رض » زيادة : فيه.

(٢) اللمعة ( الروضة البهية ١ ) : ٣٤٠.

(٣) بدل ما بين القوسين في « م » : مراد به إن ، وفي « فض » : مراد انه إن ، والأولى ما أثبتناه من « رض ».

(٤) ليس في « م ».

(٥) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٥.

(٦) المقنع : ٣١.

(٧) المختلف ٢ : ٣٨٨ ، المنتهى ١ : ٤١٦.

(٨) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


والركعتان المأمور بفعلهما بلفظ الخبر تمام الصلاة.

إلاّ أن يقال : إنّ تعين الفاتحة في الأخيرتين كما هو الظاهر يدل على أنّهما ركعتا الاحتياط.

وفيه : أنّ الأمر بفاتحة الكتاب في الأخيرتين موجود في كثير من الأخبار مع ثبوت التسبيح ، وبالجملة فلا أقلّ من الاحتمال ، ومعه لا يتم الاستدلال.

ولا يخفى دلالته على عدم وجوب التسليم إمّا في الصلاة أو في الاحتياط ، إلاّ أن يقال : إنّ التشهد اسم للمجموع حتى التسليم ، وفيه ما فيه.

وأمّا الرابع : فقد نقل العلاّمة احتجاج ابن بابويه به ، وأجاب بما ذكره الشيخ ، وزاد إمكان حمله على الشك في حال القيام ، كأنّه يقول : لا أدري قيامي لثانية أو رابعة(١) ، ولا يخفى أنّه لو قال : قبل إكمال السجود ، كان أولى.

وينبغي أن يعلم أنّ في الخبر الثالث على الاحتمال(٢) دلالة على ما ينقل عن السيد المرتضى من البناء على اليقين في الشك في الجملة(٣) .

وما تضمنه من قوله : « ولا ينقض اليقين بالشك » قد يقال : إنّه صريح في نفي احتمال إرادة الاحتياط من الركعتين والركعة ، فلا وجه للاحتمال.

ويمكن الجواب : بأنّه يحتمل أن يراد لا يبطل اليقين الأوّل بالشك فيبطل الصلاة ، وحينئذ لا ينافي البناء على الأكثر.

وفيه : أنّ المتبادر من عدم نقض اليقين عدم رفعه بالبناء على الأكثر ؛

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٨٨.

(٢) في « فض » : الإجمال.

(٣) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٢٥٦ ، وهو في المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٠١.


( إذ البناء على الأكثر )(١) يستلزم عدم الالتفات إلى اليقين ، والإبطال لليقين بمعنى إبطال الصلاة لا وجه له ، فإنّ إبطال اليقين يتحقق من دون إبطال الصلاة كما هو واضح ، ومن هنا يعلم أنّ الاحتمال الذي ذكرناه في الخبر يكاد أن يتعين.

وما عساه يقال : إنّ عدم نقض اليقين بالشك محتمل لأن يراد به عدم تغيير اليقين عن كونه يقيناً بالشك ، فاليقين في الأوّلتين حاصل ، فلا يتوهم أنّ عدم اليقين في الأوّلتين إذا حصل لزم البطلان ، لما مضى(٢) في خبر زرارة الدال على اليقين في الأولتين ، وحينئذ فمفاد الخبر البناء على الجزم أو على الأكثر والاحتياط ، ثم بيان فائدة ، وهي أنّ اليقين في الأولتين ( لا يضرّه الشك يمكن توجيهه ، إلاّ أنّ الظاهر بعده عن السياق.

وما قد يقال : إنّ اليقين في الأوّلتين )(٣) إن أُريد به يقين فعل الركعتين فقط فلا ريب أنّ الشك في الأربع يرفعه ، وإنْ أُريد يقين الأوّلتين في الجملة بمعنى الأعم من كونهما وحدهما أو مع ضميمة الأخيرتين فالشك قد نقض اليقين بالانفراد عن الأخيرتين.

يجاب عنه : بأنّ هذا لا يضر بحال يقين الأوّلتين ، إذ هو حاصل في الجملة ، وذلك كاف في الصحة.

نعم ما تضمنه الخبر من قوله : « ولا يدخل الشك في اليقين » لا يخلو من إجمال ؛ إذ يحتمل أن يراد أنّ لليقين حكماً وللشك حكماً فلا يدخل أحدهما في الآخر ، وهذا لا يخفى أنّه لا يطابق حكم الرواية من البناء على‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) راجع ص ١٨٣٤.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


الجزم أو على الأربع ، إلاّ أن يقال : أنّه حكم آخر لا دخل له بالأوّل.

ويحتمل أن يراد أنّ الشك في الأخيرتين لا تعمل به كما تعمل بيقين الأوّلتين فتبني على الأربع لتكون أدخلت حكم الشك في حكم اليقين ، وهذا كما ترى يطابق أول الرواية ، ويؤيد احتمال إرادة البناء على الجزم في جميع صور الشك أو في هاتين المسألتين أو في الأخيرة.

وقولهعليه‌السلام : « ولا يخلط أحدهما بالآخر » معناه كمعنى لا يدخل الشك في اليقين ، وربما يقال ـ بتقدير القول بالبناء على الأكثر ـ : إنّ الخبر لا ينافي ذلك ؛ لأنّ عدم الإدخال والخلط يتحقق بأنّ حكم الشك فعل الاحتياط دون اليقين فالتميّز بينهما حاصل.

أمّا قوله : « ولكن ينقض الشك باليقين » فواضح ، غير أنّ الظن أيضاً ينقض الشك في المقام ، فلعلّ المراد باليقين عدم الشك أعم من اليقين ، إلاّ أنّه يشكل بأنّ اليقين لو أُريد به هذا المعنى كان في جميع ما ذكر ويشكل في الأوّلتين ، ويمكن أن يقال : إنّ مفاد الرواية اليقين ، والظن مستفاد من غيرها.

ولا يخفى أنّ قوله : « ويتم على اليقين. ولا يعتد بالشك » ربّما يعطي عدم جواز البناء على الشك ، والحال أنّ الأخبار ناطقة بخلافه ، ويمكن توجيه قوله : « ويتم على اليقين » بأنّ المراد عدم نقض الشك له(١) ، أمّا عدم الاعتداد بالشك فمشكل ، إلاّ أن يقال : إنّ المقصود عدم الاعتداد بالشك من دون الاحتياط ، أو عدم الاعتداد به مطلقاً بل في بعض الصور الواردة في الأخبار ؛ والأمر كذلك فإنّ بعض صور الشك لا يعمل فيها بأحكامه ، هذا ما يخطر في البال في كشف غامض الحديث فينبغي تأمّله‌

__________________

(١) ليس في « م ».


لأنّي لم أجد من(١) ذكر ذلك من الأصحاب ، غير أنّ بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله قال بعد ذكر الخبر إجمالاً : إنّهعليه‌السلام أراد باليقين أصل العدم الذي كان يقيناً وأنّ حكمه باق ولا يدفعه الشك(٢) ، ولا يخفى عليك الحال فيما يتوجه من المقال.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ الذي سمعته من كلام المختلف يقتضي أنّ الصدوق قائل بالإعادة في الصورة المذكورة وأنّ التسليم والاحتياط رواية(٣) . وفي شرح الإرشاد لجدّيقدس‌سره ما يفيد أنّ الصدوق قائل بالتخيير(٤) . ويمكن أن يكون استفادة ذلك من حيث إنّ ذكر الرواية مع عدم ردّها يشعر باختياره العمل بها فيفيد قوله التخيير ، ويحتمل أن يكون ذكر الرواية في الفقيه مع اعتماده على ما ينقله فيه يدل على التخيير إذا انضم إلى كلامه في المقنع ، وفيه ما فيه.

وبالجملة : يمكن القول بالتخيير لتعارض الأخبار إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.

وفي التهذيب روى الشيخ عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن شعيب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلّم(٥) واسجد سجدتين وأنت جالس ثم تسلم بعدهما »(٦) .

__________________

(١) ليس في « م ».

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ١٨٤.

(٣) في ص ١٨٧٢.

(٤) روض الجنان : ٣٥١ ، وفيه : وذهب الصدوق إلى بطلان الصلاة هنا.

(٥) في التهذيب ٢ : ١٨٥ / ٧٣٨ زيادة : واركع ركعتين ثمَّ سلّم.

(٦) التهذيب ٢ : ١٨٥ / ٧٣٨ ، الوسائل ٨ : ٢٢١ أبواب الخلل ب ١١ ح ٨.


وهذه الرواية ضعيفة السند إلاّ أنّ فيها تأييداً لما دلّ على البناء على الأقل ؛ إذ الظاهر من الركعتين المأمور بهما تمام الصلاة.

وما تضمنه من سجود السهو(١) لعلّه على الاستحباب ، ( واستبعاد الاستحباب فيه ربما يدفعه تصريح الشيخ به في الكتاب ، إلاّ أنّ الاعتماد على كلام الشيخ مشكل )(٢) ، وربما كان قرينة على عدم تعين البناء على الأقل ، وينقل عن الشيخ أنه حمل الرواية المذكورة على من تكلم في الصلاة بالنسبة إلى سجدتي السهو(٣) .

قوله :

باب من شك فلم يدر صلّى ركعة أو ثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن علي بن إسماعيل ، عن حماد ، عن حريز ، عن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إن(٤) شككت فلم تدر في ثلاث(٥) ( أنت أم في اثنتين )(٦) أو(٧) في واحدة أو أربع فأعد الصلاة ولا تمض على الشك ».

عنه ، عن عباد بن سليمان ، عن سعد بن سعد ، عن صفوان ،

__________________

(١) في « فض » : السجود.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ١٨٢.

(٤) في « رض » : إذا.

(٥) في الاستبصار ١ : ٣٧٣ / ١٤١٨ : أفي ثلاث.

(٦) في « م » : كنتَ أم ثنتين.

(٧) في الاستبصار ١ : ٣٧٣ / ١٤١٨ : أم.


عن أبي الحسنعليه‌السلام قال : « إن كنت لا تدري كم صلّيت ولم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه ، عن أبيه قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل لا يدري كم صلّى واحدة أم ثنتين أم ثلاثاً؟ قال : « يبني على الجزم ( ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهداً خفيفاً ».

فلا ينافي الخبرين الأوّلين ؛ لأنّه قال : يبني على الجزم )(١) والذي يقتضيه الجزم استئناف الصلاة على ما بيناه ، والأمر بسجدتي السهو يكون محمولاً على الاستحباب ( لا لجبران )(٢) الصلاة.

فأمّا ما رواه ( محمد بن أحمد بن يحيى )(٣) ، عن معاوية بن حكيم ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن علي بن أبي حمزة ، عن رجل صالح(٤) ، قال : سألته عن الرجل يشك فلا يدري واحدة صلّى أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً تلتبس عليه صلاته ، قال : « كلّ ذا قال : قلت : نعم ، قال : « فليمض في صلاته ويتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم فإنّه يوشك أن يذهب عنه ».

فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين ، أحدهما : أن نحمله على النافلة وليس في الخبر أنّه شك في صلاة فريضة ، والوجه الثاني : أن‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) في « م » و « رض » : لجبران ، وفي « فض » : بجبران ، والصواب ما أثبتناه من الإستبصار ١ : ٣٧٤ / ١٤٢١.

(٣) بدل ما بين القوسين في « رض » : أحمد بن محمد ابن يحيى ، وفي « م » : أحمد ابن يحيى.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧٤ / ١٤٢١ زيادة :عليه‌السلام .


يكون المراد من يكثر سهوه ولا يمكنه التحفّظ جاز له أن يمضي في صلاته ، لأنّه إذا وجب عليه الإعادة وهو من شأنه السهو فلا ينفك من الصلاة على حال ، فأمّا من كان شكه أحياناً فإنّه يجب عليه الإعادة حسب ما قدمناه.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ؛ ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة وأبي بصير قالا : قلنا له : الرجل يشك كثيراً في صلاته حتى لا يدري كم صلّى ولا ما بقي(١) عليه ، قال : « يعيد » قلنا : فإنّه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك ، قال : « يمضي في شكه » ثم قال : « لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض (٢) الصلاة فتطمعوه (٣) فإنّه إذا فعل ذلك (٤) مرّات لم يعد إليه الشك » قال زرارة : وقال : « إنّما يريد أن يطاع فإذا عُصي لم يعد إلى أحدكم ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه علي بن إسماعيل ولم أتحقق كونه الممدوح الذي ذكر النجاشي : أنّه من وجوه من روى الحديث وهو ابن [ التمّار(٥) ] ـ

__________________

(١) في « رض » : يبقى.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٢ : بنقض.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٢ زيادة : فإن الشيطان خبيث معتاد لما عوّد فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلاة.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٢ زيادة : ثلاث.

(٥) رجال النجاشي : ٢٥١ / ٦٦١ ، وفيه : كان من وجوه المتكلمين من أصحابنا ، وبدل ما بين المعقوفين في النسخ : عمّار ، والظاهر ما أثبتناه.


بتقدير دلالة لفظ الوجه على المدح ، أو غيره من المجهولين ، وقد وصف شيخنا(١) ( المحقق ميرزا محمد أيّده الله رواية الصدوق )(٢) عن إسحاق ابن عمار بالصحة إليه مع أنّ في الطريق علي بن إسماعيل. وفي مدارك شيخناقدس‌سره وصف هذه الرواية بالصحة(٣) قائلاً : ما رواه الشيخ ، والرواية في التهذيب كما هنا(٤) ، فلا أدري الوجه في الصحة.

والثاني : ضمير « عنه » فيه يحتمل عوده إلى محمد بن يحيى العطار ، لأنّ الشيخ في الفهرست(٥) قال : إنّ الراوي عنه الصفار. ويحتمل أنّ العود لمحمد بن أحمد بن يحيى ، لأنّ النجاشي ذكر أنّ الراوي عنه محمد بن خالد البرقي(٦) .

فإن قلت : أيّ فرق بين قول الشيخ في الفهرست وقول النجاشي؟.

قلت : لأن محمد بن خالد البرقي لحق الجوادعليه‌السلام والصفار لم يذكر إلاّ في أصحاب العسكريعليه‌السلام في كتاب الشيخ(٧) ، فروايته عمن يروي عنه محمد بن خالد الذي هو آخر من لقي الجوادعليه‌السلام لا وجه لها إلاّ بتقدير تعمير عبّاد إلى زمن العسكريعليه‌السلام ولم ينقل ما يقتضي ذلك ، وقد ذكر الشيخ عبّاداً في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام (٨) .

__________________

(١) منهج المقال : ٤٠٨.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » :قدس‌سره رواية.

(٣) المدارك ٤ : ٢٥٣.

(٤) التهذيب ٢ : ١٨٧ / ٧٤٣.

(٥) لم نعثر عليه في الفهرست ، ولكن ذكره في الرجال : ٤٨٤ / ٤٣.

(٦) رجال النجاشي : ٢٩٣ / ٧٩٢.

(٧) رجال الطوسي : ٤٣٦ / ١٦.

(٨) رجال الطوسي : ٤٨٤ / ٤٣.


فإن قلت : محمد بن أحمد بن يحيى(١) من رجال أيّ إمام؟

قلت : لم أجد ذلك في الرجال إلاّ في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ(٢) ؛ لكن الراوي عنه سعد ومحمد بن يحيى العطار ، فيكون في مرتبة ( من(٣) يروي )(٤) عن العسكريعليه‌السلام وما ضاهاها.

واحتمال أن يقال : كيف يروي عن عبّاد الراوي عنه محمد بن خالد الذي هو من رجال الجوادعليه‌السلام ؟. يمكن تكلّف الجواب عنه ، إلاّ أنّ عباداً مهمل في الرجال(٥) ، فالحال يغني عن مشقة القول ، وإنّما ذكرنا ما ذكرناه للتنبيه على ما وقع في الفهرست والنجاشي.

وأمّا سعد بن سعد فهو الأشعري ولا ريب في ثقته ، وإنّما قلنا وهو الأشعري مع أنّ في الرجال غيره لأنّ الشيخ في الفهرست ذكره مكرّراً في أحدهما سعد الأحوص وفي الأُخرى سعد بن سعد الأشعري له كتاب(٦) ، وفي رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه سعد الأحوص ثقة(٧) ، وكذلك في النجاشي(٨) : الموثق الأحوص ، وفيه زيادة : ابن سعد الأشعري ، وقد نبّهنا فيما سبق على أنّ الشيخ يذكر الرجل الواحد مكرراً بمجرد الاختلاف في‌

__________________

(١) في « فض » : محمد بن يحيى.

(٢) رجال الطوسي : ٤٩٣ / ١٢.

(٣) في « رض » زيادة : لم.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) رجال الطوسي : ٣٨٤ / ٥٤.

(٦) الفهرست : ٧٦ / ٣٠٧ ، ٣٠٩.

(٧) رجال الطوسي : ٣٧٨ / ٤.

(٨) رجال النجاشي : ١٧٩ / ٤٧٠.


الوصف ، حتى أنّه يوقع في توهم الاشتراك فيمن ليس بمشترك ، ومن عرف طريقه يسهل عليه الخطب في بعض المواضع الذي في النجاشي ، وما لم يكن فيه يشكل الحال بالنسبة إلى وجود الاحتمال.

وأمّا صفوان فهو ابن يحيى لما يظهر من الكشي(١) وتصريح النجاشي بروايته عن الرضاعليه‌السلام (٢) ، ورواية ابن مهران عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٣) ، والرجلان ثقتان فالأمر سهل ، وغيرهما من المسمى بالاسم لا يحتمله المقام كما لا يخفى على من راجع الرجال.

والثالث : واضح الصحة.

والرابع : فيه معاوية بن حكيم وقد مضى عن قريب(٤) . وعلي بن أبي حمزة ( كأنّه البطائني الواقفي لروايته عن الإمام موسىعليه‌السلام المعبّر عنه برجل صالح ، واحتمال ابن أبي حمزة )(٥) الثمالي ( في حيّز الإمكان ، وما عساه يقال : إنّ مرتبة ابن أبي حمزة الثمالي )(٦) تأبى الوصول إلى موسىعليه‌السلام ، لأنّ علي بن أبي حمزة مذكور مع إخوته ومرتبتهم أعلى ، جوابه غير خفي.

وينبغي أن يعلم أنّه اتفق في علي بن أبي حمزة البطائني شي‌ء لا بأس بالتنبيه عليه ، وهو أنّ العلاّمة في الخلاصة قال ـ في ترجمة علي بن أبي حمزة بعد نقل قول الشيخ فيه بالوقف ـ : وقال أبو الحسن علي بن‌

__________________

(١) رجال الكشي ٢ : ٧٩٢.

(٢) رجال النجاشي : ١٩٧ / ٥٢٤.

(٣) رجال النجاشي : ١٩٨ / ٥٢٥.

(٤) راجع ص ١٨٥٠.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».


الحسن بن فضال : علي بن أبي حمزة كذّاب متّهم ملعون وقد رويت عنه أحاديث كثيرة ( وكتب تفسير القرآن )(١) من أوّله إلى آخره إلاّ أنّي لا أستحلّ أن أروي عنه حديثاً واحداً(٢) .

وقال العلاّمة في الحسن بن علي بن أبي حمزة : قال ( الكشي : حدثني محمد بن مسعود قال : سألت علي بن الحسن بن فضال عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة )(٣) قال : كذّاب ملعون رويت عنه أحاديث كثيرة وكتبت عنه تفسير القرآن من أوّله إلى آخره إلاّ أنّي لا أستحل أن أروي عنه حديثاً واحداً(٤) .

ولا يخفى عليك أنّ كلام الكشي المنقول يقتضي أن يكون في الحسن فكيف يذكره في علي؟ وإرسال الحديث في عليّ مع إسناده في الحسن غريب ، والذي في النجاشي ما نقله في الحسن(٥) ، وقد تبع في ذلك ابن طاوس(٦) ، وأوهامه في الكتاب كثيرة.

وأمّا الخامس : فقد تكرر القول في رجاله بما يغني عن الإعادة(٧) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّ من لم يدر ( في ثلاث أم )(٨) في اثنتين أو(٩)

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في المصدر : وكتبت عنه تفسير القرآن كلّه.

(٢) الخلاصة : ٢٣١ / ١.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) الخلاصة : ٢١٢ / ٧.

(٥) رجال النجاشي : ٣٦ / ٧٣.

(٦) التحرير الطاوسي : ١٢٤ / ٩٦.

(٧) راجع ص ٣١ ، ٣٨ ، ١٨٧٢.

(٨) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٩) في « رض » : أم.


في واحدة أو أربع يعيد.

والثاني : يدل على أنّ من لم يدرِ كَم صلّى ولم يقع وهمه على شي‌ء يعيد ، والمعروف من الوهم في الأخبار الظن ، وحينئذ يحتمل أن يكون قوله : « ولم يقع وهمك » راجعاً لمن لم يدرِ كَم صلّى ، وحاصله أنّ من لم يدر كم صلّى هو الذي لم يقع وهمه على شي‌ء ، ويحتمل أن يكون بياناً لصورتين يجب فيهما الإعادة ، أحدهما من لم يدرِ كَم صلّى ، وثانيهما من لم يقع وهمه على شي‌ء ، والفرق بين الأمرين أنّ الأوّل يقتضي أنّ من لم يدرِ كَم صلّى يعيد ولا يلتفت فيه إلى الوهم ، والثاني يفيد أنّ من درى كم صلّى إذا لم يقع وهمه على شي‌ء يعيد.

فإن قلت : كلا الأمرين غير تام ، أمّا الأوّل : فلأنّه يقتضي إعادة كل من لم يدر وإن ظن ، والحال أنّ ما دل على البناء على

الوهم يتناوله ؛ وأمّا الثاني : فلأنّ من لم يقع وهمه على شي‌ء لا يلزمه الإعادة مطلقاً بل يلزمه أحكام الشك ( إمّا من البناء على المقرر أو الإعادة )(١) بمعنى أنّه إن تحقق الأوّلتين أو ظنهما وشك لزمه حكم الشك ، وإن لم يتحقق الأوّلتين لزمه الإعادة ، وكذا في بعض صور الشك.

قلت : من لم يدر يصير في حكم المجمل والخبر الأوّل الدال على أنّ من لم يدر في ثلاث أو اثنتين أو واحدة أو أربع مبيّن ، والصحة في هذه الصورة مع الظن محلّ تأمّل ؛ لأنّ الأوّلتين لم يتحقق والشرط فيهما التحقق على وجه اليقين كما تضمنه خبر زرارة.

نعم على قول من اعتبر الظن في الأوّلتين ربما يلزمه عدم الإعادة ، إلاّ‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م » و « رض ».


أن يقول : إنّ ما دل على الظن مع الشك يخص بهذا الخبر ، وفيه : أنّ الخبر الأوّل يدل على أنّ من لم يدر ، ومن ظن فقد درى ، والخبر الثاني : ظاهره عدم المضيّ على الشك ، ومع الظن لا شك.

ولم أجد الآن كلاما للأصحاب في خصوص هذه المسألة ، وإطلاق الظن في كلام من رأينا كلامه ربما يتناول ما نحن فيه.

وأمّا ما ذكر من جهة الوهم فلأنّ من لم يقع وهمه على شي‌ء ربما يتبادر منه أنّ من لم يظن شيئاً من الصلاة يعيد ، وحينئذ يخرج عنه من تحققت منه الأوّلتان أو ظنتا ، نعم يدخل فيه من ظن واحدة ، ولا مانع من تخصيصه بما دل على ظن الأوّلتين أو تحققهما ، ويبقى فيه من وقع همه على الزائد عن الأربع ونحوها ، والمخصص أيضاً موجود ، هذا بتقدير الاحتمال الثاني. وأمّا الاحتمال الأوّل : فله نوع قرب من حيث الظاهر واحتياج الاحتمال الثاني إلى زيادة تخصيص.

وقد يحتمل أن يراد أنّ من لم يدر في أوّل الأمر ولم يقع وهمه بعد ذلك على شي‌ء ، لا أنّه تفسير لمن لم يدر ، والفرق بينه وبين الأوّل أنّ الأوّل يقتضي أنّ من لم يقع وهمه على شي‌ء هو(١) من لم يدر ، وليس كذلك ، أمّا أوّلاً : فلأنّ من لم يدر في الظاهر لا بدّ من تقييده بالخبر الأوّل ، وعلى تقدير عدم التقييد لو فسّر بمن لم يقع وهمه على شي‌ء يصير المعنى أنّ كل من لم(٢) يقع وهمه على شي‌ء كان ممن لم يدر فيلزمه الإعادة ، والحال أنّ إشكال هذا واضح ؛ لأنّ حاصل المعنى أنّ من شك ولم يقع‌

__________________

(١) ليس في « فض ».

(٢) ساقط عن « م ».


وهمه على شي‌ء فهو من لم يدر فحينئذٍ(١) يعيد ، وهو يتناول صور عدم الإعادة ، إلاّ أن يقال : إنّ التفسير(٢) بعد التخصيص بالخبر الأوّل ، على معنى أن لم يدر بأحد الأُمور المذكورة في الخبر الأوّل ، وعدم الدراية أن لا يقع وهمه على شي‌ء ، ولا يخلو من تكلف ، بخلاف ما إذا قيّدناه بالأوّل وجعلنا عدم وقوع الوهم بعد الحصول للشك فإنّه خال من التكلف الأوّل ، وقد يظن اتحادهما مآلاً ، والتأمّل ينفيه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ هذه الرواية رواها الكليني بطريق فيه محمد ابن خالد ، وقد ذكرناها سابقاً في حكم الظن في الأوّلتين حيث استند إليها شيخناقدس‌سره حتى أنّه في المدارك ذكرها في مسألة من لم يدرِ كَم صلّى ، مستدلاًّ بها على الحكم ، واصفاً لها بالصحة(٣) .

وفي نظري القاصر أنّ الاستدلال بها على الحكمين لا يخلو من تأمّل ؛ لأنّ الاستدلال بها على حكم الظن في الأوّلتين يقتضي شمول من لم يدرِ كَم صلّى المذكور فيها للأوّلتين والأخيرتين ، أو للأوّلتين وحدهما وللأخيرتين وحدهما ، والشمول يضرّ بالحال في الأخيرتين ( وحدهما إلاّ أن يقال بالمخصص من خارج ، والشمول يقتضي أنّ حكم الأوّلتين )(٤) وحدهما خارج فلا يتم الاستدلال بها على حكم الأوّلتين بالانفراد ، وربما يمكن التسديد ، إلاّ أنّ عدم التعرض له غير لائق ، هذا.

وأمّا الثالث : فدلالته واضحة على البناء على الجزم في صورة الشك‌

__________________

(١) ساقط عن « فض » و « م ».

(٢) في « فض » : التعبير ، وفي « رض » : اليقين ، والصواب ما أثبتناه من « م ».

(٣) المدارك ٤ : ٢٥٤.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


بين الواحدة والاثنتين والثلاث ، فالمعارضة للأوّل غير ظاهرة ؛ لأنّ الأوّل يجوز كون الإعادة فيه لضميمة الأربع ، إلاّ أن يقال : إنّ المقصود عدم تحقق الأوّلتين ، فإذا دلّ الخبر على أنّه لا يضر حصلت المعارضة بينه وبين الأوّل ، وضميمة الأربع لا دخل لها حينئذ.

فإن قلت : هل معارضتها للثانية واضحة أم لا؟

قلت : لا وضوح لها لجواز أن تكون الثانية مطلقة والأولى مقيدة ، ويرجع حاصل الأمر إلى أنّ من لم يدرِ كَم صلّى هو الشاك في مضمون الرواية الأُولى ، وأمّا ما تضمنته الثالثة(١) من البناء على الجزم فقد يظن منافاته لما دل على تحقق الأوّلتين بل وظن الأوّلتين ؛ لأنّ التحقق وإن ظن حصوله بالبناء على الواحدة حيث إنّه إذا أتى بالثانية فقد فعل الأوّلتين جزماً ، إلاّ أنّ احتمال وقوع الأوّلتين سابقاً يقتضي عدم تحققهما على وجههما ، والظاهر من التحقق ذلك ، إلاّ أن يقال : إنّ التحقق مرجعه إلى الدليل ، فإذا وجد عمل به ، غاية الأمر في صورة لا يوجد الدليل يقال لا بدّ من التحقق على الوجه المأمور به ، وأمّا مع الظن فكذلك.

وحمل الشيخ في أعلى مراتب البعد بل لا وجه له ؛ لأنّ سجود السهو مع الإبطال يتوقف على صراحة الرواية ليقال إنه تعبّد وقوله : بجبران(٢) الصلاة ، هكذا في النسخة التي وقفت عليها ، ولا وجه له ، وفي التهذيب : دون جبران الصلاة(٣) .

والذي يقتضيه ظاهر الخبر العمل بالمتيقن واحتمال استحباب‌

__________________

(١) في النسخ : الثانية ، والصواب ما أثبتناه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧٤ / ١٤٢٠ : لا لجبران الصلاة.

(٣) في التهذيب ٢ : ١٨٨ / ٧٤٥ : لا لجبران الصلاة.


سجدتي السهو أو الوجوب لاحتمال الزيادة ؛ لكن احتمال الزيادة وحدها لم أقف على القائل به ، وقد يشعر به كثير من الأخبار كما يعرف بالتتبّع وما سيأتي(١) من كلام الصدوق.

ثم إنّ الخبر المبحوث عنه ربما يؤيّد القول المنقول في الشكوك بالأخذ بالمتيقن ، وقد أجاب عن الرواية العلاّمة في المختلف على ما نقله شيخناقدس‌سره (٢) بالحمل على كثرة(٣) الشك ، ولم أقف عليه في المختلف ، وهو غريب ؛ لأنّ كثير الشك لا يبني على الجزم بل على الفعل المشكوك فيه.

ونقل شيخناقدس‌سره أيضاً عن الصدوق في الفقيه القول بجواز البناء على الأقل في مسألة من لم يدرِ كَم صلّى(٤) .

والذي رأيته في الفقيه : وروى عن علي بن أبي حمزة عن العبد الصالح ، وذكر الرواية الرابعة ، ثم قال : وروى سهل بن اليسع في ذلك عن الرضاعليه‌السلام أنّه « يبني على يقينه ويسجد سجدتي السهو بعد التسليم ويتشهد تشهداً خفيفاً » وقد روي أنّه « يصلي ركعة من قيام وركعتين وهو جالس » وليست هذه الأخبار مختلفة ، وصاحب السهو بالخيار بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب ، وروى عن إسحاق بن عمار أنّه قال : قال لي أبو الحسن الأوّلعليه‌السلام : « إذا شككت فابن على اليقين » الحديث(٥) . وقد مضى نقله.

ولا يخفى أنّ كلام الصدوق صريح في العمل بالتخيير.

فإن قلت : ما حال أسانيد الأخبار المذكورة في الفقيه؟

__________________

(١) في ص ١٨٨٧.

(٢) المدارك ٤ : ٢٥٤.

(٣) في « رض » : كثير.

(٤) المدارك ٤ : ٢٥٢.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣٠ و ٢٣١ : بتفاوت يسير.


قلت : أمّا الأوّل فالطريق إلى علي بن أبي حمزة فيه محمد بن علي ماجيلويه(١) وفيه كلام ، والعلاّمة صحّح بعض الطرق المشتملة عليه(٢) . وعلي بن أبي حمزة قد ذكرناه(٣) ، ولم يستفد(٤) من الفقيه تعين كونه البطائني أو غيره ، لكن العبد الصالح في الفقيه يفيد تعيين كونه الإمامعليه‌السلام ، دون ما في الكتاب من قوله : رجل صالح ، وإن كان الظاهر عدم الفرق.

وأمّا الطريق إلى الثاني ففيه أحمد بن زياد الهمداني ، والعلاّمة وثّقه بصورة أنّه كان رجلاً ثقة ديّناً فاضلاً(٥) . ولم نجد ذكره في غير الخلاصة ( من كتب الرجال )(٦) ، وقول ابن داود : إنّه في لم(٧) ، هو أعلم به ، نعم في كتاب كمال الدين للصدوق روى حديثاً فيه أحمد بن زياد المذكور ، ثم قال الصدوق : قال مصنف هذا الكتاب : لم أسمع هذا الحديث إلاّ من أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني وكان رجلاً ثقة ديّناً فاضلاً(٨) . والظاهر أنّ توثيق العلاّمة من الكتاب المذكور.

ثم إنّ في الطريق إلى سهل إبراهيم بن هاشم فالحديث حسن بل صحيح بروايته في الفقيه(٩) .

__________________

(١) مشيخة الفقيه ٤ : ٨٧.

(٢) خلاصة العلاّمة : ٢٧٨ ، وهو طريق الصدوق إلى إسماعيل بن رياح الكوفي كما في منهج المقال : ٣٠٩.

(٣) في ص ١٨٠ ١٧٩.

(٤) في « رض » : لم نستفد.

(٥) خلاصة العلامة : ١٩ / ٣٧.

(٦) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٧) رجال ابن داود : ٣٨ / ٧٧ وفيه زيادة : ثقة.

(٨) كمال الدين : ٣٦٩ / ٦.

(٩) الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١٠٢٢.


وأمّا الأخيرة فقد قدّمنا القول(١) في طريقها بأنّ فيه علي بن إسماعيل ، مع أنّ صورتها كما ترى : روي عن إسحاق ، فدخولها في المشيخة لا يخلو من شي‌ء.

ثم إنّ حديث سهل دال على سجود السهو فيؤيّد رواية علي بن يقطين المذكورة هنا ، وربما يستفاد منه أنّ في خبر علي بن يقطين نوع سهو وهو سقوط الأربع ؛ لأنّ ظاهر رواية سهل أنّ مضمونها مضمون السابقة عليها وهي رواية علي بن أبي حمزة ، وقد تضمنت الواحدة والاثنتين والثلاث والأربع ، وعلى هذا فالمعارضة بين رواية ابن يقطين والأولى ظاهرة وإن احتمل أن يقال : إنّ سجود السهو لا مانع منه في الصورتين أعني مضمون روايتي(٢) ابن يقطين وسهل.

ولا يخفى أنّ ظاهر الصدوق القول بسجود السهو على تقدير اختيار البناء على اليقين.

فإن قلت : كلامه صريح في ذلك فما وجه ما ذكرت أوّلاً من عدم الوقوف على القائل؟

قلت : المنفي أوّلاً عدم الوقوف على القائل بسجود السهو لاحتمال الزيادة ؛ إذ يجوز أن يكون سجود السهو هنا لخصوص هذه الصورة وإن كان ربما يدعى الظهور ، والاحتياط مطلوب في هذه الصورة بعد احتمال قول الصدوق.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الرابع(٣) يدل من حيث السؤال على أنّ‌

__________________

(١) في ص ١٨٧٩.

(٢) في « فض » : رواية.

(٣) كذا في النسخ ، ولعلّ الأنسب : الخامس.


الرجل كلما أعاد شك ، والكثرة بهذا المعنى لم أعلم معتبرها من الأصحاب ، وبتقدير التوجيه على ما يوافق ما ذكروه يدل بظاهره على عدم الالتفات والمضي في صلاته ، لكن المضي لا يخلو من احتمالين ، أحدهما البناء على فعل المشكوك فيه ، وثانيهما البناء على الجزم وهو الواحدة.

والشيخ كما ترى ذكر في ثاني وجهي الجمع ما يقتضي البناء على فعل المشكوك فيه ، كما هو مقرر في كثير الشك بين من رأينا كلامه من الأصحاب(١) . وإن كان يخطر في البال احتمال أن يقال : إنّ كثير الشك إذا ورد أنّه لا يلتفت فاحتمال إرادة عدم لزوم الاحتياط له كاحتمال البناء على المشكوك فيه ؛ لكن عدم معلوميّة القائل يوجب الاقتصار على ما قالوه ، وحينئذ فالخبر إذا حمل على كثير الشك لزمه البناء على الأكثر.

والصدوق كما نقلناه عنه من إيراد الرواية مع غيرها ممّا ذكر قال بالتخيير في مضمون الروايات(٢) ، والتخيير محتمل للرجوع إلى مضمون الاولى وهي المبحوث عنها ، فيعمل على المشكوك فيه من غير فعل شي‌ء ، والثانية الدالة على سجود السهو مع العمل على اليقين وهي رواية سهل ، والثالثة المرسلة الدالة على ركعة من قيام وركعتين وهو جالس.

ويحتمل العود إلى المجموع ، ويكون اعتقاده من الاولى البناء على اليقين من غير فعل شي‌ء ، وبعد اعتبار الرواية المبحوث عنها برواية الصدوق يمكن أن يوجّه حملها على مضمون رواية علي بن يقطين من البناء على الجزم ، وخبر إسحاق في الفقيه أيضاً مؤيّد مع احتمال البناء على‌

__________________

(١) انظر المعتبر ٢ : ٣٩٣ ، والتذكرة ٣ : ٣٢٢ ، والمدارك ٤ : ٢٧١.

(٢) الفقيه ١ : ٢٣١.


المشكوك فيه(١) .

واعتبار الكثرة المذكورة في كلام الأصحاب الذين رأينا كلامهم إن انعقد الاتفاق عليه فالاحتمال منتف ، وإلاّ أمكن أن يراد بالكثرة في الأخبار ما يتناول مدلول الرواية فيراد بالكثرة كثرة متعلق الشك وما دل على الإعادة على الاستحباب يكون محمولاً.

فإن قلت : استحباب الإعادة إن أُريد به فعل العبادة بعد البناء على المشكوك فيه فله وجه ، أمّا إن أُريد به القطع والاستئناف فمشكل.

قلت : لو أُريد الثاني فلا مانع منه(٢) وإن كان الأوّل أقرب إلى الاعتبار.

وما عساه يقال : إنّ المانع موجود ، وهو النهي(٣) عن إبطال العمل. يمكن الجواب عنه : بأنّ ما دل على الإعادة مخصص إلاّ أن يقال : بأنّ ما دل على الإعادة معارض بما دل على البناء على الجزم فالعموم باق ، ويمكن ادعاء أنّ الأولى الإتمام ثم الإعادة ، لكن فيه مخالفة المشهور.

وأمّا الخامس : فما تضمنه السؤال من قوله : يشك كثيراً في صلاته ، محتمل لأن يراد به كثرة الشك في كل صلاة ، وأن يراد الكثرة في مجموع الصلاة ؛ ثم على التقدير الأوّل يحتمل الكثرة في متعلق الشك كما قدّمنا إليه الإشارة ، وكذلك على الثاني ؛ والسؤال وإن لم يفد حكماً إلاّ أنّ الجواب له تعلق بالسؤال ، وذلك لأنّ قولهعليه‌السلام : « يعيد » دالّ على أنّ المراد ليس إلاّ‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٣١ / ١٠٢٥.

(٢) ليس في « فض ».

(٣) ليس في « م ».


الشك في فريضة بأن يكثر متعلقه ، كأن يشك بين الواحدة والاثنين والثلاث والأربع ، إذ لو حمل السؤال على بقيّة الاحتمالات لم يتم الإعادة على الإطلاق في الجواب.

وعلى هذا فقوله في السؤال : فإنّه يكثر عليه ذلك ، يراد به أنّ من لم يدرِ كَم صلى يتكرر منه هذا ، وحينئذٍ الجواب بأنّه يمضي يدل على أنّ من لم يدرِ كَم صلّى إذا تكرّر منه ذلك لا يلتفت ، والإجمال في الحديث واقع بالنسبة إلى عدم الالتفات ، بل ربما كان الظاهر من قولهعليه‌السلام : « لا تعوّدوا الخبيث نقض الصلاة » عدم قطعها أعم من البناء على الجزم أو على فعل المشكوك فيه ، هذا ما خطر في نظري القاصر من معنى الخبر ، وعليه فالاستدلال به على أنّ كثير الشك لا يلتفت بل يبني على فعل المشكوك فيه كما فعله شيخناقدس‌سره (١) وقبله جماعة من المتأخرين(٢) ، محلّ تأمّل.

نعم يمكن أن يستنبط من آخره حكم غير الصورة المسئول عنها بنوع من التوجيه لو احتيج إلى الخبر ، لكن في الأخبار ما يدل على كثير الشك وإن كان فيها نوع إجمال ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

قوله :

باب من شك فلا يدري صلّى اثنتين أو ثلاثاً.

أخبرني الشيخ رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد بن عيسى ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أحدهما قال : قلت له : رجل لا يدري‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٧١.

(٢) انظر المنتهى ١ : ٤١١ ، والروضة البهية ١ : ٣٣٨.


أواحدة صلّى أم اثنتين؟ قال : « يعيد » قال : قلت(١) : رجل لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثاً؟ قال : « إنْ دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة(٢) ثم يسلم ولا شي‌ء عليه ».

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر ، عن حمّاد ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلّى أم ثلاثاً ، قال : « يعيد » قلت : أليس يقال : لا يعيد الصلاة فقيه؟ فقال : « إنّما ذلك في الثلاث والأربع ».

فمحمول على صلاة المغرب أو الغداة ؛ لأنّ هاتين الصلاتين لا سهو فيهما وتجب(٣) الإعادة على كل حال.

وأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن محمد بن سهل قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن رجل(٤) لا يدري أثلاثاً صلّى أم ثنتين(٥) ، قال : « يبني على النقصان ويأخذ بالجزم ويتشهد بعد انصرافه تشهداً خفيفاً كذلك من أوّل الصلاة وآخرها ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه إنّما يبني على النقصان إذا ذهب وهمه عليه(٦) ويصلّي تمامه استحباباً ، فأمّا مع اعتدال الوهم فالبناء على الأكثر أحوط إذا تمم بعد الفراغ من الصلاة على ما بيناه ، والذي يؤكّد ذلك‌

__________________

(١) في « رض » زيادة : له.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٣ زيادة : ثمّ صلى الأخرى ولا شي‌ء عليه.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٤ زيادة : فيهما.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٥ : الرجل.

(٥) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٥ : اثنتين.

(٦) في الاستبصار ١ : ٣٧٥ / ١٤٢٥ : إليه.


ما رواه أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن الحسن بن علي ، عن معاذ بن مسلم ، عن عمار بن موسى الساباطي قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر ، فإذا انصرفت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت ».

( ويحتمل أن يكون الخبر )(١) مخصوصاً بالنوافل ، فإنّ الأفضل في النوافل البناء على الأقل على ما بيناه.

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أيوب بن نوح عن صفوان ، عن عنبسة قال : سألته عن رجل لا يدري ركعة ركع أو ثلاثاً قال : « يبني صلاته على ركعة واحدة يقرأ(٢) بفاتحة الكتاب ويسجد سجدتي السهو ».

فالوجه في هذا الخبر ايضاً أن نحمله على النوافل ، لأنّ المسنون فيها البناء على الأقل ، وليس ذلك في الفرائض.

السند‌ :

في الأوّل : حسن.

والثاني : صحيح على تقدير اتحاد حماد بن عثمان ، لأنّه الراوي عن عبيد بن زرارة في الرجال(٣) ، لكن اتحاد حماد محل كلام ، وقد وصف الرواية بعض محقّقي المتأخّرين(٤) وتبعه شيخناقدس‌سره بالصحة(٥) ، ولا أظن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧٦ / ١٤٢٦ بدل ما بين القوسين : ويحتمل الخبر أن يكون.

(٢) الاستبصار ١ : ٣٧٦ / ١٤٢٧ : فيقرأ فيها.

(٣) رجال النجاشي : ٢٣٣ / ٦١٨.

(٤) مجمع الفائدة ٣ : ١٧٦.

(٥) المدارك ٤ : ٢٥٦.


شيخنا يحكم باتحاد حماد ، نعم الوالدقدس‌سره كان جازماً به(١) .

والثالث : فيه محمد بن سهل ، وحاله لا يزيد على الإهمال ، وفي التهذيب : عن محمد بن سهل عن أبيه(٢) ، وهو الصواب ، لأنّ في الفقيه روى مضمونها عن سهل(٣) .

والرابع : فيه محمد بن خالد ، وقد تكرر القول فيه(٤) . والحسن بن علي فيه اشتراك(٥) ، وما عساه يقال : إنّ الظاهر كونه ابن عبد الله بن المغيرة ، لأنّ الراوي عنه في النجاشي البرقي(٦) . يدفعه أنه خلاف الظاهر ؛ لاحتمال البرقي لأحمد ، سيما وقد ذكر الشيخ في الفهرست أنّ الراوي عن الحسن محمد بن علي بن محبوب(٧) ، ومرتبته مرتبة أحمد. ويؤيّد هذا أنّ ابن بطّة روى(٨) عن أحمد في الرجال(٩) ، والراوي عنه محمد بن خالد في السند.

وأمّا معاذ بن مسلم فالعلاّمة في الخلاصة قال : إنّه ثقة(١٠) ( وقد قدّمنا أنه يمكن استفادة توثيقه من النجاشي في ترجمة محمد بن الحسن بن أبي سارة(١١) .

__________________

(١) منتقى الجمان ٢ : ٣١٢.

(٢) التهذيب ٢ : ١٩٣ / ٧٦١.

(٣) الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١٠٢٣.

(٤) راجع في ص ٦٨.

(٥) هداية المحدثين : ١٩٠.

(٦) رجال النجاشي : ٥٠ / ١٠٨.

(٧) الفهرست : ٥٠ / ١٦٦.

(٨) في « فض » : رأو.

(٩) رجال النجاشي : ٥٠ / ١٠٨.

(١٠) الخلاصة : ١٧١ / ١٢.

(١١) رجال النجاشي : ٣٢٤ / ٨٨٣.


و )(١) يستفاد من الفقيه في باب الصوم إذا صحت الرؤية يوم الفطر أنّ معاذ بن مسلم هو معاذ بن كثير(٢) ، ومعاذ بن كثير مهمل في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٣) . إلاّ أنّ المفيد في إرشاده ذكر أنّه من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وثقاته ، وعدّ معه المفضل بن عمر(٤) . وهذا يوجب نوع تعجّب ؛ لأنّ النجاشي قال : إنّ المفضّل بن عمر فاسد المذهب(٥) . والنجاشي ثبت ، واحتمال كون توثيق المفيد سابقاً بعيد أيضاً ؛ إذ لا يخفى عليه رجوعه ، وبالجملة مثل هذا يوجب الحيرة ، كما مرّ في محمد بن سنان(٦) .

والخامس : فيه عنبسة وهو ابن بجاد : لرواية صفوان عنه في الفهرست(٧) . وقد وثّقه النجاشي قائلاً : إنّه كان قاضياً(٨) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر صدره الدلالة على أنّ الشك في الأوّلتين يوجب الإعادة ، وقد يؤيّد به ما دل على إعادة من لم يدر صلّى واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً ، إلاّ أن يقال بجواز اختصاص بعض الصور إذا حصل زيادة الشك.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : ولم يقف عليه في غيره موثقاً ، نعم.

(٢) الفقيه ٢ : ١١٠ / ٤٧١.

(٣) رجال الطوسي : ٣١٤ / ٥٤٢.

(٤) إرشاد المفيد ٢ : ٢١٦.

(٥) رجال النجاشي : ٤١٦ / ١١١٢.

(٦) في ص ٨٥.

(٧) الفهرست : ١٢٠ / ٥٣٣.

(٨) رجال النجاشي : ٣٠٢ / ٨٢٢.


وأمّا عجزه فلا يخلو من إجمال ، وقد ذكر بعض محقّقي المتأخرينرحمه‌الله أنّ المراد بدخوله في الثانية إكمال السجدتين ، ومعنى المضيّ في الثالثة البناء عليها(١) . وشيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب وغيرها قال : إنّ من(٢) المعلوم كون المراد بالركعة الثالثة المتردد في كونها ثالثة أو رابعة ، قالقدس‌سره : ومقتضى ذلك البناء على الأقل في هذه الصورة ، ولم يتعرضعليه‌السلام لحكم الشك بين الاثنتين والثلاث قبل دخوله في الثالثة ، وربما كان في ذلك إشعار بالبطلان ، وعلى ذلك يحمل رواية عبيد بن زرارة ؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيّد. انتهى.

وفي نظري القاصر أنّ الوجه الأوّل أقرب إلى الاعتبار ؛ إذ على الثاني يلزم عدم جواب السؤال وهو غير لائق ، واحتمال استفادته من الجواب حيث إنّ من لوازم الشك بين الثلاث والأربع الشك بين الاثنتين والثلاث ، فإذا أفاد أنّ الصحيح هو الشك في الثلاث والأربع كان غيره ليس بصحيح ، فيه من التكلّف ما لا يخفى. والإنصاف أنّه لا استبعاد في إرادة إكمال السجدتين من الدخول في الثالثة ويكون من قبيل مجاز المشارفة ، وحينئذ يفيد الخبر البناء على الأكثر في الصورة المذكورة.

ويحمل الثاني على الاستحباب في الإعادة ، وربما يؤيّد الاستحباب أنّ حديث : « لا يعيد الصلاة فقيه » إذا انحصر في الثلاث والأربع أفاد الإعادة في كل ما عداها ، والظاهر أنّه منتف ، فلا بدّ أن يحمل المنفي الاستحباب في الثلاث والأربع ، إلاّ أن يقال : إنّ الاستحباب في الثلاث والأربع أيضاً موجود ، أو يقال : إنّ معنى الخبر : ما أعادها فقيه يحتال فيها ويدبّرها ، كما‌

__________________

(١) مجمع الفائدة ٣ : ١٧٧.

(٢) ليس في « م » و « رض ».


في بعض الأخبار غير سليمة الإسناد في التهذيب(١) ، فليس المنفي مطلق الإعادة ، غاية الأمر أنّ الاحتيال مجمل يرجع بيانه إلى الإمامعليه‌السلام كنفي الإعادة مع وجود المشارك ، فليتأمّل.

وأمّا حمل الشيخ ففي أعلى مراتب البعد ، بل لا وجه له مع قولهعليه‌السلام : « إنّما ذاك في الثلاث والأربع » إلاّ أن يقال : إنّ غرض الإمامعليه‌السلام إعلام السائل بأنّ ذكر الخبر في كل مقام لا وجه له ، فإنّه خاص ، وفيه ما فيه.

وأمّا الثالث : فقد مضى من القول فيه بما يغني عن الإعادة ، وتوجيه الشيخ غريب في الظاهر ؛ لأنّ البناء على النقصان مع الظن يقتضي وجوب الإتمام ، فكيف يقول : ويصلّي تمامه استحباباً؟! ولعلّ مراده أنّ البناء على النقصان مع فعل تمام الصلاة مستحب ويجوز الإعادة ، فيكون الإتمام مع الأخذ بالجزم أفضل الفردين ؛ وأمّا مع اعتدال الوهم فالأكمل العمل على الأكثر والاحتياط المعبّر عنه بالإتمام ، لكن لا يخفى أنّ مع غلبة الظن يخرج عن حكم الشك ؛ إذ الأقل في نفسه متيقن وإنّما الشك في كون الأقلّ مفرداً أو مع غيره ، فإذا حصل الظن بالأقل انتفى الشك ، إلاّ أن يقال : إنّ مراده عدم يقين الأقل بل ظنه فقط ، واحتمال إرادة الشيخ أنّ الإتمام مستحب ثم يعيد ، في غاية البُعد.

وأمّا قوله : على ما بيناه ، فلا أدري البيان في ( أيّ محل )(٢) ، ولعل مراده بالبيان في غير هذا الكتاب وهو أنّ من شك بين الاثنتين والثلاث يحتاط بعد الفراغ بركعتين جالساً أو ركعة قائماً ، فقوله : إذا تمّم ، يريد به‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٥١ / ١٤٥٥ ، الوسائل ٨ : ٢٤٧ أبواب الخلل ب ٢٩ ح ١.

(٢) في « م » بدل ما بين القوسين : ماذا.


إذا أتى بما هو تمام للنقص ( لو كان ويحتمل )(١) .

أمّا ما تضمنه الخبر من التشهد الخفيف فهو كناية عن سجود السهو لكن الظاهر السهو في النقل لما يظهر من الفقيه وقد مضى(٢) .

أمّا قوله : « كذلك من أوّل الصلاة وآخرها » فليس في الفقيه ، والمراد فيه مجمل ، واحتمال إرادة البناء على الجزم في الأوّلتين والأخيرتين له وجه مؤيّد لقول بعض الأصحاب بالبناء على الجزم في جميع الشكوك. واحتمال أن يراد أنّ تشهد سجود السهو أو سجوده كما يجب في الشك المتعلق بالأوّلتين كذلك يجب في الأخيرتين ، و(٣) كما يستحب ( يستحب ، بعيد )(٤) .

وأمّا الرابع : فالكلّية فيه قد تشكل في بعض صور دلّت الأخبار على البناء على الأقلّ فيها ، ويجاب : بأنّ العام يخص ، أو يحمل البناء على الأكثر مع الاحتياط على الجواز الراجح ، والبناء على الأقل كذلك من دون رجحان ، لكن الشيخ لا يوافق ما أطلقه سابقاً هذا الخبر كما لا يخفى.

ولعلّ المراد بقول : « ما ظننت » الشك ، أو المراد أنّك لو ظننت بعد الصلاة النقصان لا يكتفى بالاحتياط ، وفي الفقيه روى عن عمّار هذا المضمون(٥) .

أمّا حمل الشيخ على النوافل فلا وجه له بعد ما تضمّنته الرواية من قولهعليه‌السلام : « ويتشهد » إلى آخره. إلاّ أن يقال : إنّه تشهد النافلة ، وفيه ما فيه.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م » وفي « رض » : لو كان.

(٢) في ص ١٩٣ ، وهو في الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١٠٢٣.

(٣) في « فض » : أو.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « فض » وفي « م » : بعيد.

(٥) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩٢.


وأمّا الخبر الأخير فالحمل على النافلة لا يوافقه سجود السهو إلاّ بتكلّف استحبابه في النافلة ، وغيره من التأويلات متكلِّف أيضاً.

(١) إذا عرفت هذا فاعلم أنّ المنقول عن علي بن بابويه القول بأنّ من شك بين الاثنتين والثلاث إن ذهب وهمه إلى الثالثة(٢) أضاف إليها رابعة ، فإذا سلّم صلّى ركعة بالحمد وحدها ، وإن ذهب وهمه إلى الأقلّ بنى عليه وتشهد في كل ركعة ثم سجد للسهو ، وإن اعتدل الوهم فهو بالخيار بين البناء على الأقل والتشهد في كل ركعة والأكثر مع ما وصف(٣) . قال الشهيد في الذكرى ولم نقف على مأخذه(٤) .

وغير بعيد استفادة التخيير بين البناء على الأقل والأكثر مع الاحتياط كما يلوح من الفقيه(٥) لاختلاف الأخبار ، فيكون هذا مستند علي بن بابويه في قوله : وإن اعتدل الوهم ، ويريد بما وصف : الاحتياط ، واعتدال الوهم يريد به الشك بمعنى عدم الترجيح ، والتشهد في كل ركعة يريد به في الركعات الواقعة بعد الشك ، واستفادة هذا من الأخبار بعيدة.

أمّا ما ذكره من ذهاب الوهم إلى الأقلّ أو الأكثر فقول الشهيدرحمه‌الله من عدم الوقوف على المأخذ فيه ظاهر ، نعم سجود السهو ربما يستفاد في الجملة من بعض الأخبار ، كما في رواية سهل.

بقي ، شي‌ء وهو أنّ جدّيقدس‌سره ذكر أنّ إكمال الركعتين يتحقق بتمام‌

__________________

(١) في « فض » زيادة : ولكن.

(٢) في « فض » : الثلاثة.

(٣) حكاه عنه في الذكرى : ٢٢٦.

(٤) الذكرى : ٢٢٦.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣٠ و ٢٣١.


ذكر الثانية(١) ، وقال بعض محققي المتأخرين : إنّه يتحقق بوضع الجبهة(٢) ، وقد يظن أنّه لا يتحقق إلاّ بالرفع ، والاحتياط مطلوب. والله تعالى أعلم بحقائق الأحكام.

قوله :

باب من تيقن أنّه زاد في الصلاة

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن عدّة من أصحابنا ، عن محمد ابن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن أُذينة ، عن زرارة وبكير ابني أعين ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا(٣) استيقن أنّه زاد في صلاته(٤) المكتوبة لم يعتدّ بها واستقبل صلاته استقبالاً إذا كان قد استيقن يقيناً ».

علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « من زاد في صلاته فعليه الإعادة ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمد بن عبد الله بن هلال ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن رجل استيقن بعد ما صلّى الظهر أنّه صلّى خمساً ، قال : « فكيف استيقن؟ » قلت : علمَ ، قال : « إن كان علم أنّه كان جلس في الرابعة‌

__________________

(١) روض الجنان : ٣٥١.

(٢) مجمع الفائدة ٣ : ١٧٩.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧٦ / ١٤٢٨ : ان.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧٦ / ١٤٢٨ : الصلاة.


فصلاة الظهر تامّة ، فليقم فليضف إلى الركعة الخامسة ركعة ويسجد سجدتي السهو وتكونان ركعتي نافلة ولا شي‌ء عليه ».

أحمد بن محمد ، عن ابن أبي نصر ، عن جميل بن دراج ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن رجل صلّى خمساً فقال : « إن كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته ».

فلا تنافي بين هذين الخبرين والخبرين الأوّلين ؛ لأنّ من جلس في الرابعة وتشهّد ثم قام وصلّى ركعة لم يخلّ بركن من أركان الصلاة وإنما أخلّ بالتسليم ، والإخلال بالتسليم لا يوجب إعادة الصلاة حسب ما قدّمناه.

فأمّا ما رواه سعد(١) ، عن أبي الجوزاء ، عن الحسين بن علوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ، عن آبائه ، عن عليعليه‌السلام قال : « صلّى بنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الظهر خمس ركعات ثم انفتل ، فقال له بعض القوم : يا رسول الله هل زيد في الصلاة شي‌ء(٢) ؟ فقال : وما ذاك؟ قال : صليت بنا خمس ركعات ، قال : فاستقبل القبلة وكبّر وهو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلّم ، وكان يقول : هما المرغمتان ».

فالوجه في هذا الخبر أنّ نحمله على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما سجد سجدتين لأنّ قول واحد له لا يوجب علماً فيحتاج أن يستأنف الصلاة وإنّما يقتضي الشك ، ومن شك في الزيادة ففرضه أن يسجد سجدتي السهو على ما بيناه في كتابنا (٣) الكبير وهما المرغمتان.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧٧ / ١٤٣٢ زيادة : بن عبد الله.

(٢) ليس في « رض ».

(٣) التهذيب ٢ : ٣٤٩.


السند‌ :

في الأوّل : قد قدمنا أن العدّة ذكرها الشيخ في باب ترتيب(١) الوضوء(٢) وفيها ( من يعتمد عليه )(٣) ، والظاهر عدم الاختصاص بذلك الموضع ، وإن كان باب الاحتمال واسعاً ، وعلى الظاهر فالخبر حسن.

والثاني : فيه أبو بصير ، أمّا أبان فقد مضى(٤) أنّه لا وجه للتوقف فيه.

والثالث : فيه محمد بن عبد الله بن هلال وهو مجهول الحال ؛ لعدم ذكره فيما وجدت من الرجال.

والرابع : صحيح.

والخامس : مشتمل على من هو عامّي وزيديّ كما مضى القول فيه(٥) ، والشيخ ذكر في باب مسح الرجلين ما يقتضي أنّ عمرو بن خالد إمّا زيدي أو عامي(٦) .

المتن :

في الأوّل : ظاهره الإطلاق في أنّ الزيادة في الصلاة مبطلة مع اليقين ، غاية الأمر ربما يدعى ظهور الزيادة في الركعات ، أمّا المكتوبة فتتناول الرباعية وغيرها ، وستسمع الكلام فيما يقتضي التقييد(٧) .

__________________

(١) ليس في « م ».

(٢) في ص ٣٤٧.

(٣) بدل ما بين القوسين في « م » : وفيها ثقة.

(٤) في ص ١٣٠.

(٥) في ص ٣١٨.

(٦) الاستبصار ١ : ٦٦ / ١٩٦.

(٧) في ص ١٩٠٠.


والثاني : كالأول ، إلاّ أنّه ليس فيه اعتبار اليقين ، فهو مطلق والأوّل مقيد من هذه الجهة.

أمّا الثالث : فله اختصاص بالظهر في السؤال ، وظاهر الجواب البناء عليه ، وكأنّ الرابعة يرجع تعريفها إلى رابعة الظهر ، لكن بعد توجيه الشيخ لا يظهر تفاوت بين الظهر وغيرها ، واحتمال اختصاص الرباعية مع توجيه الشيخ لا وجه له ، بل ينبغي اختصاص الظهر ، لكن الرابع يدل على الشمول لغير الظهر من الرباعيات.

والمنقول عن الشيخ في جملة من كتبه(١) والسيد المرتضى(٢) وابن بابويه(٣) القول بالبطلان مع زيادة الركعة سواء الرباعية وغيرها ، وجلس في آخر الصلاة أو لا ، وعلى هذا ظاهر عبارة الشرائع(٤) ، وينقل عن الخلاف الاحتجاج بتوقف يقين البراءة على الإعادة ؛ وإنّما يعتبر الجلوس بقدر التشهد أبو حنيفة(٥) بناءً على أنّ الذكر في التشهد ليس بواجب ، ولا يخفى دلالة الخبرين الأوّلين عليه أيضاً ، ويحكى عن ابن الجنيد القول بأنّ الجلوس مقدار التشهد في الرباعية كاف(٦) ، وفي المختلف اختاره(٧) .

ونقل شيخناقدس‌سره عن المحقق في المعتبر اختيار القول أيضاً(٨) ، لكن‌

__________________

(١) كما في النهاية : ٩٢ ، الاقتصاد : ٢٦٥.

(٢) في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٣٥.

(٣) في المقنع والهداية : ٣١.

(٤) الشرائع ١ : ١١٤.

(٥) الخلاف ١ : ٤٥١ ، وحكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٩٤.

(٦) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٣٩٢.

(٧) المختلف ٢ : ٣٩٢.

(٨) كما في المدارك ٤ : ٢٢١.


العلاّمة في المختلف استدل بما حاصله أنّ مع الجلوس قدر التشهد قد أتى بالمأمور به ؛ لأنّه مكلّف بأربع ركعات وقد فعل ، وما أورده على نفسه من أنّه مأمور بالتشهد ولم يأت به ، ومأمور بترك الزيادة أيضاً ولم يفعل ، أجاب عنه : بأنّ الأمر بالتشهد للذاكر دون الناسي ، ولهذا لم يجب الإعادة بنسيان التشهد ، لأنّه ليس ركناً ، وترك الزيادة حصل بالجلوس لأنّه بالجلوس أكمل صلاته ويكون قيامه عن صلاة نسي تشهدها وأكمل عددها فلا تعدّ زيادة بل هو أمر خارج ، أمّا لو لم يجلس فإنّ هيئة الصلاة ، لم تحصل فتجب الإعادة(١) .

وفي نظري القاصر أنّه موضع تأمّل ؛ لأنّ المكلف به أربع مع التشهد )(٢) فمع الإخلال بشي‌ء من ذلك لم يأت بالمأمور به ، فيبقى تحت العهدة إلاّ ما أخرجه الدليل.

وقوله ( في الجواب : إنّ الناسي غير مأمور ، إلى آخره. ففيه : أنّه غير مأمور حال النسيان ، أمّا بعد الذكر في الوقت أو خارجه )(٣) إن أراد أنّه غير مأمور بالإعادة أو القضاء مع البطلان فهو لا يقول بعدم إعادة الناسي مطلقاً ، كما صرح به في الكتاب من أنّ إعادة الناسي لعدم الإتيان بالمأمور به.

وقوله : إنّه بالجلوس أكمل صلاته. لا وجه له ؛ لأنّ الإكمال فرع الإتيان بكمال الأجزاء سواء كانت ركناً أو غيره ، وعدم الإعادة بالإخلال بالواجب للدليل ، لا لمجرد عدم الركن.

وقوله : إنّ القيام عن صلاة نسي تشهدها. فيه : أنّه لو لم يجلس‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٩٢.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


كذلك ؛ إذ التشهد ليس بركن سواء كان جلوسه أو غيره ، وحصول هيئة الصلاة مع الجلوس إن أراد به الصلاة المأمور بها وهي المجموع من الركعات والتشهد فغير حاصلة ، وإن أراد مجرد الركعات فغير مأمور بها ، ونسيان التشهد المأمور بقضائه لو سلّم تناوله للأخير يقال : ذاك فيما إذا لم يزد ركعة في محله ؛ لأنّ المتبادر من الأخبار ذلك بتقدير شمولها للأخير.

على أنّه ربما يقال : إنّ ما دل على أنّ زيادة الركعة مبطل ( يخصّ )(١) تلك الأخبار الواردة بقضاء التشهد بالتشهد الأوّل ، ولو نوقش في ذلك فالأخبار الواردة هنا الدالة على الجلوس بتقدير حملها على ظاهرها تدل على أنّ الزيادة لا بدّ فيها من أمر زائد على نسيان أصل التشهد الموجب للقضاء ، ومن ثم لم يجب هنا قضاء التشهد عند القائلين بمجرد الجلوس ، فعلم أنّ نسيان التشهد الغير المضر بالحال في الأخبار السابقة يراد به المجموع ، فلا يمكن أن يستند إلى تلك الأخبار في عدم الإعادة هنا ، ويؤيّد ذلك دلالة بعض تلك(٢) الأخبار على أنّ الذي يقضي التشهد يجلس ثم يقضي(٣) ، وإذا رجع الحال إلى الأخبار كان الاستدلال بها أولى من التكلفات التي لا تليق بكتب الاستدلال.

( إذا عرفت هذا فنقول : )(٤) إنّ الخبرين الأوّلين وإن دلاّ على الإعادة إلاّ أنّهما كما قدّمنا لا يخرجان عن الإطلاق ، والخبران الآخران علمت‌

__________________

(١) في « رض » : نحنُ نخصّ.

(٢) ليس في « رض ».

(٣) في « م » زيادة : وفي بعض.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


ما فيهما من القيد.

وفي الفقيه روى عن جميل بن دراج عنه والظاهر أنّه الصادقعليه‌السلام لذكره قبل هذا قال في رجل صلّى خمساً : « إنّه إن كان جلس في الرابعة مقدار التشهد فعبادته جائزة »(١) .

وروى أيضاً عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل صلى الظهر خمساً ، فقال : « إن كان لا يدري جلس في الرابعة أم لم يجلس فليجعل أربع ركعات منها الظهر ويجلس ويتشهد ثم يصلّي وهو جالس ركعتين وأربع سجدات ويضيفهما إلى الخامسة فتكون نافلة(٢) .

والطريقان صحيحان إلى جميل والعلاء في كلام مشايخنا وغيرهم(٣) ، لكن قد يحصل نوع توقف في الأوّل ، لأنّ الصدوق في المشيخة نقل طريقه إلى محمد بن حمران وجميل(٤) ، وهو صحيح ، لكن لا يدرى(٥) أنّ غرضه الطريق إلى الرجلين معاً أو إلى كل واحد ، واستبعاد الأوّل يقربه أنّه كثيراً ما يذكر الطريق إلى الرجل وحده وإليه مع غيره ، إلاّ أن يقال : إنّ هذا مع تصريحه بالطريقين أعني الاجتماع والانفراد ، والحال في جميل ليس كذلك. وفيه : أنّ الاحتمال موجود ، هذا ما خطر في البال فينبغي تأمّله ، وعلى كل حال الخبر معتبر برواية الصدوق وتأييده ظاهر.

وأمّا خبر العلاء فظاهره لا يخلو من منافرة لمدلول غيره من حيث إنّ‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٦ ، الوسائل ٨ : ٢٣٢ أبواب الخلل ب ١٩ ح ٦.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٧ ، الوسائل ٨ : ٢٣٢ أبواب الخلل ب ١٩ ح ٧.

(٣) كما في خلاصة العلاّمة : ٢٧٧ ، ٢٧٨.

(٤) مشيخة الفقيه ( الفقيه ) ٤ : ١٧.

(٥) في « م » : لا ندري.


مقتضى الغير اعتبار الجلوس في صحة الصلاة ، بل ظاهر الأوّل من الأخيرين في الكتاب أنّه إن كان علم بالجلوس فصلاته تامّة وظاهر القائلين الاعتماد على ذلك ، ومفاد خبر العلاء أنّ مع عدم العلم بالجلوس يجلس ويتشهد ثم يصلّي ركعتين ، إلى آخره وغير خفي وجه المنافرة.

والعجب من العلاّمة في المختلف(١) أنّه جعل خبر العلاء في جملة الأدلة على أنّ الجلوس كافٍ مع عدم التنبيه ( لظاهره ، وفي نظري القاصر إمكان أن يقال ، إنّ قوله : إن كان لا يدري ، كلام مستقل )(٢) وقوله : جلس أم لا ، يراد به بيان عدم الفرق بين الجلوس وعدمه في حال عدم الدراية بل إنّما يعتبر الجلوس في حال الدراية وهي اليقين ، فإذا لم يدر بالزيادة بل كان شاكّاً ينبغي يبني على الأربع ويصلّي ركعتين وهو جالس لاحتمال الزيادة فتكون نافلة ، وعدم ذكر سجدتي السهو إمّا لاحتمال التخيير بينهما وبين الركعتين المذكورتين أو لعلم السائل بهما أو نحو ذلك ، وأمّا الجلوس والتشهد(٣) فتوجيهه سهل ، وهذا التأويل وإن بعد لكنه لا بدّ منه عند القائلين بالجلوس ، ولو عملنا بظاهر الخبر وأنّ الصدوق عامل به لا بدّ أن يقال : إنّ مع نسيان التشهد مع الجلوس يجلس ويتشهد ويأتي بما ذكر ، ومع الجلوس لا يحتاج إلى المذكور في الرواية.

وقد نقل شيخناقدس‌سره عن المعتبر الاستدلال لما اختاره بأنّه إذا جلس فقد فصل بين الفرض والزيادة ، وبروايتي زرارة ومحمد بن مسلم.

ثم اعترض عليه شيخناقدس‌سره بأنّ الروايتين ظاهرهما أنّ المراد من‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٣٩٣.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٣) في « م » : في التشهد.


الجلوس بقدر التشهد التشهد ؛ لشيوع مثل هذا الإطلاق وندور تحقق الجلوس من دون التشهد.

ثم نقل عن الشهيد في الذكرى أنّه حكى حمل الشيخ المذكور في الكتاب ، وهو ما قاله من أنّ المراد جلس وتشهد ، كما فهمه شيخناقدس‌سره قائلاً : واستحسن الشهيد حمل الشيخ ، ثم قال ـ يعني الشهيد ـ : فيكون في هذه الأخبار دلالة على ندب التسليم ، وإلى هذا القول ذهب ابن إدريس في سرائره فقال : من صلّى الظهر مثلاً أربع ركعات وجلس في دبر الرابعة فتشهد الشهادتين وصلّى على النبي وآله ثم قام ساهياً عن التسليم فصلّى خامسة فعلى مذهب من أوجب التسليم فالصلاة باطلة ، ومن لم يوجبه فالأولى أن يقال : إنّ الصلاة صحيحة لأنّه ما زاد في صلاته ركعة لأنّه بقيامه خرج من صلاته ، ثم قال شيخناقدس‌سره انتهى كلامه يعني الشهيدرحمه‌الله وهو في محله. انتهى(١) .

وفي نظري القاصر أنّ في البين تأمّلاً من وجوه :

الأول : ما ذكره الشيخ هنا فيه : أنّ قوله : لم يخلّ بركن. يقتضي أنّ المبطل الإخلال بالركن ، والحال أنّ الإخلال بكل جزء مبطل إلاّ ما أخرجه الدليل ، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه ، وخروج بعض الأجزاء بدليل لا يقتضي خروج الجميع ، ومن ثم حكم الأصحاب بأنّ الجاهل إذا ترك ما يجب فعله أبطل صلاته عدا ما استثني(٢) .

وعلى تقدير تسليم ما ذكر فقوله : والإخلال بالتسليم ، إلى آخره. يقتضي أنّ العلّة استحباب التسليم لا عدم ركنيّته كما عقله عنه من نقل‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٢٢ ، وهو في الذكرى : ٢١٩ ، والسرائر ١ : ٢٤٥.

(٢) منهم العلاّمة في التحرير : ٤٩ ، وصاحب المدارك ٤ : ٢١٢.


كلامه ، فآخر الكلام ينافي أوّله ، إلاّ أن يقال : إنّ غرضه أوّلاً عدم الإبطال بالتسليم لعدم الركنيّة وإن كان واجباً ثم ينزل عن ذلك بأنّه غير واجب ، وفيه : أنّ هذا يقتضي عدم الفائدة في قوله : وتشهد ؛ لأنّ التشهد ليس بركن ، فلو أخلّ به لا يبطل.

فإن قيل : إن البطلان للنص ؛ والجواب أنّه عدول عن التوجيه ، والنص لا يدل على التشهد صريحاً ، بل ولا ظاهراً كما نذكره.

الثاني : ما قاله شيخناقدس‌سره من أنّ الظاهر إرادة التشهد للإطلاق ، صحيح في أنّ الإطلاق موجود في الأخبار كما سبق ، لكن خبر العلاء في الفقيه(١) صريح في أنّ ترك التشهد يقتضي صحة الصلاة مع الزيادة ، فلا وجه للحمل على التشهد والغفلة عن الخبر.

ثم إنّ الظاهر في الخبر الأوّل من الخبرين الأخيرين يمكن توجيهه ، أمّا الثاني فالظاهر من قدر التشهد خلافه.

الثالث : ما ذكره الشهيد(٢) من دلالة الأخبار على ندب التسليم(٣) . لا وجه له ؛ لأنّ عدم البطلان لا يدل على الندب ، بل يجوز أن يكون التسليم واجباً مع عدم الإبطال للنص ، ولو نوزع في ذلك فخبر العلاء دال على أنّ التشهد مع وجوبه لا يبطل ( الإخلال به ، كما دل غيره من الأخبار على أنّ النقصان لبعض الواجبات لا يبطل )(٤) .

وما عساه يقال : إنّ ما دل على الزيادة للركعة يبطل كالخبر الأول مع‌

__________________

(١) راجع ص ١٩٠١.

(٢) في « رض » : الشيخ.

(٣) راجع ص ١٩٠٢.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الخبرين الدالين على الصحة مع الجلوس هو المقتضي لقول الشهيد باستحباب التسليم.

فيه : أنّ ما دل على البطلان مطلق قابل للتقييد بغير الرباعية أو الاستحباب سيما بعد خبر العلاء.

الرابع : ما ذكره ابن إدريس من أنّه على مذهب من أوجب التسليم الصلاة باطلة ، غير مسلّم ؛ لدلالة الأخبار المعتبرة على الصحة ، فلا مانع من وجوب التسليم مع الصحة ، وقوله : مع الاستحباب الأولى(١) ، إلى آخره. فيه : أنّ مع الاستحباب لا وجه لقوله : لأنّه بقيامه ، إلى آخره. إذ الفراغ من التشهد يوجب الخروج من الصلاة ، وعلى كل حال فالزيادة إمّا أن تكون من أوّل التشهد أو من أثنائه أو قبل التسليم بعد الفراغ من التشهد ، وإطلاق الصحة مع استحباب التسليم موضع نظر يعرف وجهه بأدنى تأمّل.

إذا عرفت هذا كلّه وتحققته فاعلم أنّ الخبرين الأخيرين المبحوث عنهما بتقدير دلالتهما على فعل جلوس قدر التشهد أو هو مع التشهد ، والعمل على إطلاق الثانية لا بخصوص الظهر في سؤال الأُولى ، فإنّما يدلاّن على عدم البطلان مع زيادة الركعة الرباعية على الوجه المذكور ، فلو اختلف الحال بأن كانت الزيادة في الثنائية ، أو الثلاثية ، أو الزيادة في الرباعية من دون الجلوس ، أو بين السجدتين ، أو قبلهما ، أو ذكر الزيادة قبل إكمال الركعة المزادة إمّا قبل سجودها أو في أثنائه أو قبل ركوعها ، فللأصحاب هنا كلام لكن لمّا لم يلتفتوا إلى رواية العلاء الدالة على عدم اعتبار الجلوس أوجب ذلك وقوع النظر في توجيه البعض لعدم الإبطال في بعض الصور ،

__________________

(١) راجع ص ١٩٠٢.


وتوجيه بعض الإبطال بزيادة الركن وعدمه مع عدم زيادة الركن ، ثم التعميم في كلام بعض لغير الرباعية بناءً على عدم وجوب التسليم.

وربما يقال : إنّ(١) ما دل على الإعادة مع يقين الزيادة كالخبرين الأوّلين وإن كانا غير صحيحين ( إلاّ أنّ )(٢) تأيّدهما(٣) بعدم تحقق الامتثال حيث يتحقق تغير(٤) صورة الصلاة يوجب(٥) العمل بهما بتقدير عدم العمل بالحسن ، وخبر العلاء وارد في الرباعية كما لا يخفى على ( من راجعه )(٦) ، وحينئذ ( فالصحة مع الزيادة في الثنائية أو الثلاثية والزيادة في الرباعية بين السجدتين محل تأمّل.

فإن ) (٧) قلت : على تقدير استحباب التسليم أيّ فرق بين الرباعية وغيرها؟

قلت : مقتضى الروايتين الأخيرتين اعتبار الجلوس ، فإمّا مع التشهد أو عدمه ، والحال الاختصاص بالرباعية ، فإذا حصلت الزيادة في الثنائية والثلاثية بعد الجلوس والتشهد أمكن الإبطال ، من حيث دلالة بعض الأخبار الواردة ( على الإعادة في من صلى أربعاً في السفر )(٨) كما تقدم(٩) في بحث التسليم مع القول باستحبابه ، فكما يقال هناك يقال هنا.

__________________

(١) ليس في « فض » و « رض ».

(٢) يوجد في « رض » و « فض » يمكن.

(٣) في « م » : تأييدهما.

(٤) في « م » : بغير.

(٥) في « رض » و « فض » : فوجب.

(٦) في « م » : مراجعة.

(٧) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٨) بدل ما بين القوسين في « م » : في من صلى خمساً في السفر الإعادة.

(٩) في ص : ١٧٢٤.


ومع الجلوس من دون التشهد في الثنائية والثلاثية فالصحة لا وجه لها ؛ لعدم عموم الخبرين لهما ، فعلى تقدير إرادة الجلوس فقط في الروايتين لا يتم الحكم بأنّ الجلوس فقط في الثنائية والثلاثية يفيد الصحة ؛ لعدم تناول الدليل ، والإخلال بالواجب المقتضي لعدم تحقق فعل المأمور به ، وخبر العلاء خاص بالرباعية.

ومن هنا يندفع ما قد يقال على كلامنا على ابن إدريس ـ حيث قال : إنّه بقيامه خرج من صلاته(١) ، فأوردنا عليه أنّه لا وجه للقيام بعد استحباب التسليم ـ : من أنّ اعتباره القيام لأجل احتمال أن يقول باستحباب التسليم مع تحقق الخروج ، كما في مسألة المسافر ؛ ووجه الاندفاع أنّ هذا يقتضي عدم الصحة ، ولأنّ فيه اعترافاً باعتبار شي‌ء مع التسليم ، ومع الزيادة لا يتم الشي‌ء المطلوب ، فينبغي تأمّل هذا فإنّه حريّ بالتأمّل.

ومن هذا التحرير يعلم أنّ ما في كلام بعض الأصحاب حيث قال : وأمّا إذا ذكر يعني الزيادة بين السجدتين ( أي الذكر بين السجدتين بمعنى ذكره زيادة ركعة حال كونه بين السجدتين والحال أنّه جلس بعد الرابعة )(٢) فالظاهر أنّه مثل الأوّل يريد في عدم الإبطال ـ ( فيجعلها نافلة ويكملها مع احتمال الإبطال )(٣) وكذا بين الركوع والسجود ، وهذا إلى البطلان أقرب من الأوّل ، والظاهر الصحة في الكل للرواية فإنّه إذا لم تبطل بالركعة فبالبعض أولى(٤) . محل تأمّل.

__________________

(١) السرائر ١ : ٢٤٦.

(٢) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) مجمع الفائدة ٣ : ٨٧.


كما أنّ قول شيخناقدس‌سره : ولو ذكر الزيادة قبل الركوع صحت صلاته مطلقاً بغير إشكال ؛ لأنّ زيادة القيام سهواً غير مبطلة(١) . محل بحث أيضاً ؛ لأنّ نفي الإشكال موضع إشكال ، والوجه فيه يعرف مما قررناه ، فلا وجه لإعادته مفصّلاً.

والإجمال أنّ النص مخصوص بزيادة الركعة ، وزيادة البعض مع النص الوارد بالإبطال لمطلق الزيادة المؤيّد بترك فعل المأمور به على وجهه(٢) تقتضي البطلان إلاّ ما خرج بالدليل ، فإن ثبت الإجماع على عدم ضرر زيادة القيام فلا كلام ، أو على أنّ التسليم ( بتقدير استحبابه لا يضر ما يفعل من شبه(٣) الصلاة من دون فعله مطلقاً ( فكذلك )(٤) ، وإلاّ فالبحث واسع المجال.

فإن قلت : بتقدير وقوع التشهد كما هو رأي من ذكرته فأيّ ضرر بالإخلال بالتسليم )(٥) بتقدير الاستحباب؟

قلت : الضرر من حيث ورود بعض الأخبار ببطلان صلاة المسافر أربعاً مع استحباب التسليم ، والحمل على قصد الأربع من الأوّل قد تكلمنا فيه سابقاً ، وبتقدير تمامه فالتشهد إن وقع بقصد الأخير أمكن التوجيه ، لكن النص مطلق بوقوع التشهد ، فلو وقع عقيب الرابعة بقصد التشهد الأوّل ظاهر النص الصحة ، لكن النص دل على الركعة التامة فنقول : لو كانت‌

__________________

(١) المدارك ٤ : ٢٢٢.

(٢) في « م » زيادة : بل الصحيح عند شيخناقدس‌سره .

(٣) في « فض » : بهيئة.

(٤) أثبتناه من « رض ».

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


ناقصة خرج عن النص فيرد الإشكال في وقوع التشهد بقصد الأوّل ، فلا يكون مجزئاً عن الثاني ، وإذا استحب التسليم(١) وزيادة القيام إنما لا يضر بالحال بتقدير التشهد الأخير المقصود به الأخير لا مطلقا ، إلاّ إذا ثبت إجماع على الإطلاق.

فإن قلت : قد روى الشيخ في زيادات التهذيب في باب السهو خبراً حسناً بإبراهيم عن الفضيل بن يسار تضمن أنّ من صلّى ركعتين ثم نسي وقام قبل أن يجلس ، قال : « يجلس ما لم يركع وقد تمت صلاته ، وإن لم يذكر حتى ركع فليمض فإذا سلّم نقر ثنتين وهو جالس »(٢) وهذا يدل على أنّ القيام لا يضر زيادته.

قلت : هذا وارد في التشهد الأوّل فهو خاص ، واحتمال الاستدلال بالخبر الدال على أنّ سجود السهو للقيام في موضع قعود فإنّه عام ، يمكن أن يقال عليه : إنّه قابل للتخصيص ، هذا.

وأمّا الخامس : فالذي أظن أنّ علامات الوضع فيه لائحة ، لا من حيث تضمنه سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّ نفي ذلك محل كلام بعد ورود معتبر الأخبار ، وإن كان الأولى بالشيخ ردّه من هذا الوجه كما سبق منه في غيره بل لتضمّنه(٣) أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يصلّي مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم ينبّه لسهوه ويكون المنبّه غيره ، مضافاً إلى تضمنه الصحة مع عدم الجلوس بعد الرابعة ، وعلى تقدير وقوع الجلوس كيف لم ينتبه عليعليه‌السلام ؟

__________________

(١) في « رض » زيادة : وزيادة التسليم.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣١ ، الوسائل ٦ : ٤٠٥ أبواب التشهد ب ٩ ح ١.

(٣) في النسخ : لأنّ تضمنه ، غيّرناها لاستقامة العبارة.


ثم جلوسه من غير تشهد أشد بُعداً ، وقد روى مسلم في صحيحه الحديث وزاد فيه أنّه لما قيل له : زدت في صلاتك ، قال : كلاّ ، قالوا : بلى(١) ؛ وهذا أيضاً من العلامات.

أمّا ما قاله الشيخ فقد يتوجه عليه أنّ الواحد غير معلوم الرواية ، واعتبار التعدد في المأموم ( غير معلوم الاعتبار ، إلاّ أن يقال : إنّ المأموم )(٢) مقبول القول في الشك لا في النقصان ، أو يقال : إنّ المأموم خرج عن الايتمام ظاهراً ، ومن هنا يتجه الجواب عما ذكرناه سابقاً في بعض الأخبار المتضمنة لإخبار بعض المأمومين بالنقص حيث تكلم الإمام بعد كلام المنبّهين له(٣) ولم يبطل الصلاة بالكلام ، فيقال : إنّ المأموم خرج عن الايتمام باعتقاد الإمام.

وأمّا قول الشيخ : إنّ سجدتي السهو للشك في الزيادة فقد(٤) ذكره في الكتاب الكبير لم أقف عليه الآن بعد النظر ، لكن قدّمنا(٥) نوع كلام في الخبر الدال على سجود السهو لمن زاد أو نقص ، وذكرنا أيضاً ما تضمن سجود السهو في الحديث المتضمن لقوله : « إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً أم زدت أو(٦) نقصت ».

ويمكن أن يقال هنا : إنّ ما دل على الزيادة قد يستفاد منه السجود مع‌

__________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٤٠١ باب السهو في الصلاة والسجود ٩٢.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٣) في « فض » زيادة : في الخبر.

(٤) في « فض » : قد.

(٥) راجع ص ١٨١٤.

(٦) في « رض » : أم.


الشك بطريق أولى ، وفيه : ( أنه(١) ) محل كلام ذكرناه مكرّراً(٢) ، غير أنّه ينبغي أن يعلم أنّ الحديث المتضمن لقوله : « أم زدت أم نقصت » قد سبق فيه احتمال بل احتمالان.

ويزيد هنا احتمال آخر ، وهو أنّ المراد وجوب سجود السهو لثلاثة أُمور : الشك بين الأربع والخمس ، والزيادة المحققة ، والنقيصة المحققة ، وحينئذ يكون مفاد الخبر تأكيد ما دلّ على سجود السهو لزيادة الركعة وعلى سجود السهو لنقيصة الركعة ، وعلى هذا ربما يترجح إرادة هذا المعنى من الخبر بما دل على سجود السهو في نقصان الركعة أو زيادتها بل نقصان الأكثر من ذلك وزيادته كما مضى فيه القول(٣) والأخبار.

وأمّا احتمال إرادة الشك في الزيادة والنقيصة أو الشك في أحد الأمرين إمّا الزيادة أو النقيصة ففي تعين إرادته من الخبر نظر ، غاية الأمر أنّ تركيب الخبر بالنسبة إلى المعنى المذكور لا يخلو من خفاء ؛ لأنّ قوله : « إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً أم زدت أم نقصت » غير واضح العطف ، بل يحتاج إلى نوع توجيه.

وما قدّمنا من قول بعض الأصحاب أنّ المراد بالزيادة فيه والنقصان في الركعات ، وإن تأيّد بما ذكرناه هنا ، إلاّ أنّ ما ورد من السجود في نقصان السجدة قد يؤيّد احتمال إرادة ما يتناول الأجزاء ، وسيأتي في الخبر عند ذكر الشيخ له زيادة توضيح إن شاء الله تعالى ، فليتأمّل في المقام فإنّه حريّ بالتأمّل التام ، وبالله سبحانه الاعتصام.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « م » : التوقف على العلّة ومعها أيضاً.

(٢) راجع ص ١٨١٧.

(٣) في ص ١٩٠٠.


اللغة :

قال في القاموس(١) : رغم أنفي الله(٢) تعالى مثلّثة ذلّ عن كره ، ولا يخفى أنّ المرغمتين في الخبر اسم فاعل على ما في القاموس واضح ، ويحتمل غير ذلك ممّا فيه أيضاً )(٣) .

قوله :

باب من تكلم في الصلاة ساهياً أو عامداً.

محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، جميعاً عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يتكلم ناسياً في الصلاة يقول : أقيموا صفوفكم ، فقال : « يتم صلاته ثم يسجد سجدتي(٤) السهو » فقلت : سجدتي السهو قبل التسليم هما أو بعده؟ قال : « بعده ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن أبي جعفر ، عن أبيه والحسين بن سعيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلّم ، قال : « يتم ما بقي من صلاته تكلّم أو لم يتكلّم ولا شي‌ء عليه ».

__________________

(١) القاموس ٤ : ١٢٢ ( الرغم ).

(٢) في المصدر : لله.

(٣) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧٨ / ١٤٣٣ : سجدتين.


فلا ينافي الخبر الأوّل في وجوب سجدتي السهو ؛ لأنّه ليس في الخبر أنّه ليس عليه سجدتا السهو ، وإنّما قال : ليس عليه شي‌ء ، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى غير ذلك من الإثم والوزر.

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن عبد الله بن هلال ، عن عقبة بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في رجل دعاه رجل وهو يصلّي فسها فأجابه بحاجته كيف يصنع؟ قال : « يمضي على صلاته ويكبّر تكبيراً كثيراً ».

فلا ينافي الخبرين الأوّلين في وجوب سجدتي السهو ( عليه ؛ لأنّه ليس في الخبر أنّه ليس عليه سجدتا السهو ، وإنّما أمَره بأن يكبّر ، وليس يمتنع بأن(١) يكبّر استحباباً ويسجد سجدتي السهو )(٢) وجوباً(٣) .

فأمّا الكلام عامداً يجب فيه(٤) إعادة الصلاة بلا خلاف ، ولا ينافي ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن القاسم بن بريد(٥) ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل صلّى ركعتين من المكتوبة فسلّم وهو يرى أنّه قد أتمّ (٦) وتكلم ثم ذكر أنّه لم يصل ركعتين ، قال (٧) : « يتم ما بقي من صلاته ولا شي‌ء عليه ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧٨ / ١٤٣٥ : أن.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧٨ / ١٤٣٥ : جبراناً.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٧٨ / ١٤٣٥ : منه.

(٥) في النسخ : يزيد ، والصواب ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٧٩ / ١٤٣٦.

(٦) في الاستبصار ١ : ٣٧٩ / ١٤٣٦ زيادة : الصلاة.

(٧) في الاستبصار ١ : ٣٧٩ / ١٤٣٦ : فقال.


وروى محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي ابن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد الله ٧ في رجل نسي التشهد في الصلاة ، قال : « إن ذكر أنّه قال سبحان الله فقط فقد جازت صلاته ، وإن لم يذكر شيئاً من التشهد أعاد الصلاة »(١) والرجل يذكر بعد ما قام وتكلم ومضى في حوائجه أنّه إنّما صلّى ركعتين من الظهر أو العصر أو العتمة أو المغرب ، قال : « يبني على صلاته ويتمها(٢) ولو بلغ الصين ولا يعيد الصلاة ».

فليس بين هذين الخبرين وبين ما ذكرناه تناف ؛ لأنّ من سها فسلّم ثم تكلّم بعد ذلك فلم يتعمّد الكلام في الصلاة ، لأنّه إنّما تكلم(٣) حين ظن أنّه فرغ من الصلاة ، فجرى مجرى من هو في الصلاة وتكلم لظنه أنّه ليس فيها ، ولو أنّه حين ذكر أنّه قد فاته شي‌ء من هذه الصلاة ثم تكلم بعد ذلك عامداً لكان يجب عليه إعادة الصلاة حسب ما قدّمناه في المتكلم عامداً ، على أنّ هذا الخبر الأخير قد تكلمنا عليه فيما مضى وأنّه ليس بمعمول عليه ؛ لأنّه ينافي الأُصول ؛ لأنّ المعمول عليه من الأخبار هو أنّه إذا استدبر القبلة وجب عليه استئناف الصلاة ، وإنّما يجوز له البناء إذا ذكر وهو مستقبل القبلة ، وهذا الخبر يتضمن أنّه لو بلغ الصين لم يعد الصلاة ، وذلك خلاف ما قدّمناه.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٧٩ / ١٤٣٦ زيادة : قال.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٧٩ / ١٤٣٦ : فيتمها.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٧٩ / ١٤٣٦ : يتكلم.


السند‌ :

في الأول : معلوم مما تكرر الكلام فيه(١) في محمد بن إسماعيل وغيره سيما عبد الرحمن بن الحجاج ، والحاصل في أمره أنّ النجاشي قال : إنّه رمي بالكيسانية ، والرامي غير معلوم الحال ( إلاّ أنّ قول النجاشي بعد النقل : ثم رجع(٢) ، يدل على جزمه بأنّه كيساني ، إلاّ أن يقال : إنّ الرجوع منقول أيضاً ممّن رماه ، وفيه بُعد )(٣) و(٤) الصدوق في مشيخة الفقيه ذكر أنّ عبد الرحمن بن الحجاج كان موسىعليه‌السلام إذا ذكر عنده قال : إنّه لثقيل على الفؤاد(٥) . وهذا ربما يقتضي الطعن فيه ، وأنّ الصدوق جازم بذلك ، وفي نفسه طعن عليه ، وقد ذكرنا الجواب فيما مضى باحتمال التقيّة عليه من الخلاف ، لكن خفاء ذلك عن الصدوق بعيد.

ولعلّ المراد أنّه ثقيل على أهل الخلاف ، لشدّة إيمانه وورعه ؛ واحتمل شيخنا المحقق سلّمه الله أن يكون المراد ثقل اسمه واسم أبيه أيضاً(٦) ؛ وبالجملة لم نر من مشايخنا من توقف فيه(٧) .

والثاني : فيه محمد بن عيسى الأشعري وقد كرّرنا القول فيه(٨) ؛

__________________

(١) في ص ٣١.

(٢) رجال النجاشي : ٢٣٧ / ٦٣٠.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في « فض » و « م » : لكن.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٤١.

(٦) منهج المقال : ١٩١.

(٧) من هنا إلى قوله : كأنه غير معتبر ، في ص ١٩١٧ ساقط عن نسخة « م ».

(٨) راجع ص ١٤٧.


وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى ، والحسين بن سعيد إمّا معطوف على محمد بن عيسى ، أو على سعد فيكون ابتداء سند ، وعلى كل حال لا ارتياب في الرجال بعد ما قدمناه(١) .

والثالث : فيه محمد بن عبد الله بن هلال وقد مضى(٢) أنّه مجهول ؛ وأمّا عقبة بن خالد فقد ذكره في الفهرست مهملاً وأنّ الراوي عنه محمد بن عبد الله بن هلال(٣) ، والنجاشي ذكره مهملاً(٤) ، وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب [ الشيخ(٥) ] عقبة بن خالد مهملاً ثم عقبة بن خالد كذلك(٦) ، والعلاّمة في الخلاصة ذكر في القسم الأوّل ما هذه صورته : عقبة بن خالد روى الكشي عن محمد بن مسعود قال : حدثني عبد الله بن محمد ، عن الوشاء قال : حدثنا علي بن عقبة عن أبيه قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ لنا خادماً لا تعرف ما نحن فيه(٧) فإذا أذنبت ذنباً أو(٨) أرادت أن تحلف بيمين قالت : لا وحق الذي إذا ذكرتموه بكيتم ، فقال : « رحمكم الله من أهل البيت » انتهى(٩) .

ولا يخفى أنّ هذا الخبر لا يقتضي دخول الرجل في قسم المقبولين ؛ وحكى شيخنا سلمه الله في كتاب الرجال أنّ في الكافي في باب‌

__________________

(١) في ص ٣٩ ، ٤٩ ، ٦٨ ، ٧٢ ، ٢٠٩.

(٢) في ص ١٨٩٨.

(٣) الفهرست : ١١٨ / ٥٢١.

(٤) رجال النجاشي : ٢٩٩ / ٨١٤.

(٥) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة المتن.

(٦) رجال الطوسي : ٢٦١ / ٦٢٤ ، ٦٢٥.

(٧) في المصدر : عليه.

(٨) في المصدر : و.

(٩) الخلاصة : ١٢٦.


ما يعاين المؤمن والكافر حديثاً يدل على إيمان الرجل وحسن عقيدته(١) .

والرابع : واضح ؛ لأنّ القاسم بن بريد ثقة.

والخامس : موثق(٢) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ من تكلّم في الصلاة بالكلام الخاص ناسياً عليه سجدتا السهو ، وأنّهما بعد التسليم ، ولا يبعد ادعاء ظهور نسيان كونه مصلّياً ، ويحتمل نسيان التحريم ، لكن العلاّمة في المنتهى ينقل عنه دعوى الإجماع على أنّ التكلم في الصلاة موجب لسجود السهو(٣) ، وفي المختلف كلامه يقتضي الخلاف في المسألة كما سبق نقله(٤) ، والحاصل أنّه بعد استدلاله بالخبر المبحوث عنه على وجوب السجدتين قال : احتج المانع ، وذكر الخبر الثاني وأجاب بنحو جواب الشيخ ، وحكى قبل ذلك عن ابن بابويه أنّه قال : وإن تكلمت في صلاتك ناسياً فقلت : أقيموا صفوفكم ، فأتم صلاتك واسجد للسهو ؛ وهذه العبارة في الفقيه(٥) ، والظاهر منها الاختصاص من جهة الكلام في الصلاة.

وفي الظن أنّ هذا القول لا يعارضه الخبر الثاني ؛ لاحتمال الخبر‌

__________________

(١) انظر منهج المقال : ٢٢١.

(٢) بأحمد بن الحسن وعمرو بن سعيد ومصدق بن صدقة وعمّار بن موسى لأنّهم كلّهم فطحية ، انظر رجال الكشي ٢ : ٥٢٤ / ٤٧١ ، ٨٣٥ / ١٠٦٢ ، ٨٦٩ / ١١٣٧ ، ورجال النجاشي : ٨٠ / ١٩٤ ، والفهرست : ١١٧ / ٥١٥.

(٣) المنتهى ١ : ٤١٧.

(٤) راجع ص ١٥١ ، وهو في المختلف ٢ : ٤١٩.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣٢.


احتمالاً ظاهراً أن يراد بالسهو في الركعتين توهم الفراغ من الصلاة ، وقوله : ويتكلم ، يراد(١) به الكلام مع الوهم ، فنفي السجود عنه الداخل في نفي الشي‌ء لا مانع منه ، والأخبار الدالة على أنّ من سها في الركعتين يتمهما من دون ذكر سجود السهو والحال أنّ الكلام واقع بين الركعتين من الإمام ، كما مضى ذلك تؤيّد عدم وجوب سجدتي السهو لخصوص هذا الكلام ، أمّا ما دل عليه بعض الأخبار من كلام المأمومين مع ذكر سجود السهو فلا ينافي ما ذكرناه ؛ لأنّ ما تضمن ذلك ليس فيه أنّ المأمومين أتموا صلاتهم ليتوجه ما أُورد ، وقضيّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تتضمن سجود أصحابه ، وتضمن الخبر المذكور في زيادات التهذيب أنّهعليه‌السلام سجد لمكان الكلام(٢) ، فيه : أنّ اختصاصهعليه‌السلام بالسجود مع أنّ الكلام وقع منه ومنهم ، فلو كان الكلام موجباً للسجود لما اختص يمكن حمله على الاستحباب ، وعدم فعلهم تبعاً له ولو مستحباً لا ضير فيه.

وينقل عن الكليني أنّ مذهبه وجوب السجود للكلام بعد التسليم لا لمطلق الكلام(٣) ، فيمكن حمل الخبر عليه ولا ينافي ما ذكرناه.

ويخطر في البال إمكان أن يقال : إنّ كلام أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان واجباً ، أمّا من جهة جواب سؤاله فواضح ؛ لتصريح بعض الأصحاب لوجوب إجابته في الصلاة ، وأمّا من جهة أوّل السؤال لهعليه‌السلام ، فربما يوجه بأنّ العلم بأحوال الصلاة واجب وإمكان الاستفادة بغير الكلام لعلّه منتف.

ولو نوقش في ذلك أمكن أن يقال : إنّ سجودهعليه‌السلام مع عدم‌

__________________

(١) في « رض » : المراد.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣٣.

(٣) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٢٧٦. وهو في الكافي ٣ : ٣٦٠.


سجودهم في ظاهر الخبر يقتضي مخالفة ما ذكره بعض الأصحاب من أنّ المأموم يسجد مع الإمام واجباً إن عرض له السبب(١) ؛ وقد استدل على ذلك بالاشتراك.

ومشى شيخناقدس‌سره في الاستدلال على المسلك المذكور بعد عبارة المحقق الدالة على ما نقلناه ، ثم نقل عن الشيخ أنّه لا سجود على المأموم وإن عرض له السبب ، وأنّ الشيخ في الخلاف ادعى الإجماع على ذلك مع رواية عمار المتضمنة لأنّه ليس على المأموم إذا سها خلف الإمام سهو ، وردّها بالضعف مع عدم التعرض للإجماع(٢) .

وفي نظري القاصر أنّ الخبر الصحيح الوارد في قضيّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أكبر المؤيّدات لدعوى الشيخ الإجماع ، وحينئذ لا مانع من عدم سجود المأمومين في القصة المذكورة ، مضافاً إلى ما قدمناه من بعض الاحتمالات في الخبر.

وإذا تمهد هذا فاعلم أنّ الثالث ربما يظن منه عدم وجوب سجدتي السهو مع الكلام المذكور فيه ، ويتأكّد اختصاص السجدتين بالكلام السابق.

وما يفهم من كلام الشيخ أنّه حمل قوله : « ويكبّر تكبيراً كثيراً » على التكبير المستحب في سجود السهو ، يمكن دفعه بأنّ التكبير محتمل لأن يراد به تعليم جواب السؤال(٣) في الصلاة إذا وقع بأن يكبّر إعلاماً بأنّه يصلّي ، والوصف بالكثرة محتمل لأن يراد به عدم الاقتصار على المرّة وما وظف في الصلاة بل يسوغ وإن كثر ، ويحتمل أن يراد إكثار التكبير‌

__________________

(١) المبسوط ١ : ١٢٤ ، المدارك ٤ : ٢٨٠.

(٢) المدارك ٤ : ٢٨٠ و ٢٨١.

(٣) في « رض » : السائل.


ليخرج عن تكبير الصلاة فإنّ الاجتماع ليس من وظائفها.

فإن قلت : كلام الشيخ لا صراحة فيه بأنّ التكبير لسجدتي السهو ، بل لا يأبى أن يريد بالتكبير ما ذكرت.

قلت : بل الظاهر من قوله : أن يكبر ويسجد ، وقوع التكبير بعد الصلاة ، ولا يخفى عدم ملائمة الكثرة لتكبير سجود السهو.

وأمّا الرابع : فدلالته على ما ذكرناه من احتمال عدم وجوب سجدتي السهو إلاّ للكلام الخاص ممكنة ، ولا يضر بالحال لزوم عدم السجود للتسليم مع وجوبه ؛ لأنّ القائل بنفيه موجود ، كما صرح به العلاّمة في المختلف قائلاً إنّه احتج بهذا الخبر(١) ، ونقل شيخناقدس‌سره عن المنتهى دعوى الاتفاق على وجوب السجدتين للتسليم(٢) ، غريب منه ، كادعاء العلاّمة ، فإنّ المختلف يحتاج إليه في المسائل المحتملة للخلاف.

وأعجب من ذلك أنّهقدس‌سره اعترض على الاستدلال لهذا المطلب من العلاّمة بحديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي نقلنا عن الشيخ روايته في باب الزيادات صحيحاً المتضمّن لأنّهعليه‌السلام سجد سجدتين لمكان الكلام(٣) ، بأنّه يجوز أن يكون السجود للكلام بعد التسليم لا لنفس التسليم ، كما هو مذهب الكليني(٤) ، ثم قال بعد الجواب عن الرواية المبحوث عنها : بأنّ المراد ب : لا شي‌ء عليه ، نفي الإعادة ، ولو لا الاتفاق على هذا الحكم لأمكن الجمع بين الروايات بحمل ما تضمن السجود على الاستحباب(٥) .

__________________

(١) المختلف ٢ : ٤١٩.

(٢) المدارك ٤ : ٢٧٦.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣٣.

(٤) الكافي ٣ : ٣٦٠.

(٥) المدارك ٤ : ٢٧٦.


وليت شعري كيف يحمل الاولى على الاستحباب بمجرد معارضة الثانية وهي المبحوث عنها ، مع أنّها مجملة لا تأبى التقييد بغير سجود السهو إذا دلت عليه الاولى وهي الواردة في قضيّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا كانت الاولى غير صريحة في سجود السهو للتسليم فهي صريحة في سجود السهو للكلام ، والثانية متضمنة الكلام والسلام ، ونفي الشي‌ء يعم سجود السهو ، فإذا حملت الاولى على الاستحباب في الكلام لمعارضة الثانية كان له وجه ، أمّا السلام لا وجه للاستحباب فيه ، إذ لا تضمن للرواية الاولى له إلاّ بتقدير شمول الكلام له ، وشموله له لا يوافق قول الكليني المنقول عنه أوّلاً ، وجعله وجهاً للنظر في الاستدلال ، وبالجملة فالبحث في وجوب سجود السهو لمطلق الكلام واسع المجال ، والله سبحانه أعلم بحقائق الأحوال.

وأمّا ما ذكره الشيخرحمه‌الله في الخامس فاستدراكه يدفع المناقشة عنه في الجملة ، لكن يبقى فيه أنّ العامل به وهو الصدوق موجود فلا إجماع في الظاهر ، ومعه لا يتم الردّ ، إلاّ أن يدعى انعقاد الإجماع بعد الصدوق ، وفيه ما فيه.

ثم إنّ الخبر تضمن إعادة الصلاة مع عدم ذكر شي‌ء من التشهد والاكتفاء بقول « سبحان الله » عنه ، وهذا مما يرجح عدم الاعتماد عليه.

والصدوق روى عن عمار البعض المتضمن لعدم إعادة الصلاة بالنقيصة الأخيرة(١) ، ولا أدري ترك باقيه لعدم صحته عنده ، أو لاطراح ما خالف الإجماع منه ، ومع الاحتمال لا يصلح الاستدلال به على جواز ترك بعض الخبر لدليل والعمل بباقيه ، والخبر كما ترى ظاهر في عدم سجود‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٢٢٩ / ١٠١٢ ، الوسائل ٨ : ٢٠٤ أبواب الخلل ب ٣ ح ٢٠.


السهو كما قدمنا فيه القول والشيخ لم يتعرض هنا في أوّل الكلام لذلك ، بل إنما ذكر عدم الإبطال ، وعلى ما ذكرهرحمه‌الله ينبغي أن يراد بالكلام المبطل ما تكلم به مع العلم بالصلاة ، وحينئذ فاشتراط العلم بالتحريم كأنّه غير معتبر(١) أو أنّ له محلاًّ آخر.

وفي المنتهى : وقد أجمع أهل العلم كافّة على أنّ من تكلم في الصلاة عالماً أنّه فيها وأنّه محرّم عليه لغير مصلحة الصلاة ولا لأمر يوجب الكلام ولا داعياً يبطل صلاته(٢) . وقد يستفاد من هذا وجه عدم بطلان صلاة المأمومين بكلامهم السابق في بعض الأخبار لاحتمال جهلهم بالتحريم ، ومن هنا يعلم أنّ اقتصار الشيخ على ذكر ظن الفراغ ليس للحصر بل لبيان ما لا بدّ منه في المقام ، أمّا قوله : فقد تكلمنا عليه فيما مضى ، فيريد به الكلام على مثله ؛ إذ لم يتقدم نفسه.

وقد روى في زيادات التهذيب حديثاً في الموثق تضمن السؤال عما يجب فيه سجدتا السهو ، فقالعليه‌السلام : « إذا أردت أن تقعد فقمت ، أو أردت(٣) أن تقوم فقعدت ، أو أردت أن تقرأ فسبّحت ، أو أردت أن تسبّح فقرأت فعليك سجدتا السهو ، وليس في شي‌ء مما يتم به الصلاة سهو » وعن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ثم ذكر من قبل أن يقوم(٤) شيئاً أو يحدث شيئاً ، قال : « ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشي‌ء » وعن الرجل إذا سها في الصلاة فنسي أن يسجد سجدتي السهو ، قال : « يسجدها متى ذكر » ‌

__________________

(١) من قوله : والثاني. في ص ١٩١٢ إلى هنا ساقط عن نسخة « م ».

(٢) المنتهى ١ : ٣٠٨.

(٣) في « فض » و « م » : وأردت.

(٤) كذا في النسخ ، وفي المصدر : يقدم.


وعن الرجل يصلّي ثلاث ركعات وهو يظن أنّها أربع فلمّا سلّم ذكر أنّها ثلاث قال : « يبني على صلاته متى ما ذكر ويصلّي ركعة ويتشهد ويسجد سجدتي السهو وقد جازت صلاته »(١) .

وما تضمنه من القيام في موضع قعود قد مضى القول فيه(٢) إجمالاً ، وأشرنا إلى نوع إشكال في صورتي القعود بين السجدتين وجلسة الاستراحة على القول بوجوبها ، فإنّ الواجب إذا كان المسمى فالسجود للسهو إمّا منتف مع تحقق المسمى أو يستحب لمجرد الاستحباب ، والتشهد كذلك في قعود مستحباته ، والفرق بين إرادة فعلها وعدمها.

وما تضمنه من قوله : من قبل أن يقوم شيئاً. لا يبعد أن يكون « شيئاً » مفعولاً لـ « ذكر » والمعنى أنّه ذكر شيئاً من الأذكار الموظفة للقيام والحال أنّها في غير محلها إذ هو محل القعود ، وحينئذ فالجواب [ بنفي(٣) ] سجود السهو عن ذلك واضح.

وقوله : أو يحدث. كأنّ المراد به التردد في أنّه قال : ذكر أو يحدث ، والمآل واحد ، ويدلُّ على إرادة هذا المعنى ذكر الكلام ، ولو أُريد إحداث شي‌ء وهو تأثيره بشي‌ء من الأفعال غير الكلام أمكن.

ولا يخفى أنّ الخبر وإن كان في سنده كلام بالنسبة إلى العمل إلاّ أنّ فيه تأييداً ما ، فليتأمّل.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٥٣ / ١٤٦٦.

(٢) في ص ١٨٢٢.

(٣) في رض : ينبغي ، وفي فض : يبقى ، وفي « م » ينفي ، ولعل الأنسب ما أثتبناه.


قوله :

باب في أن سجدتي السهو بعد التسليم وقبل الكلام(١)

أخبرني الشيخرحمه‌الله ، عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن الحسن ، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبد الله بن ميمون القداح ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن عليعليه‌السلام قال : « سجدتا السهو بعد التسليم وقبل الكلام ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى ، عن البرقي ، عن سعد ابن سعد الأشعري قال : قال الرضاعليه‌السلام في سجدتي السهو : « إذا نقصت قبل التسليم ، وإذا زدت بعده »(٢) .

وما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن سنان ، عن أبي(٣) الجارود قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : متى أسجد سجدتي السهو؟ قال : « قبل التسليم ، فإنّك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على ضرب من التقيّة ؛ لأنّهما موافقان لمذاهب(٤) كثير من العامة ، وقال أبو جعفر بن بابويه : إنّما أُفتي بهما في حال التقيّة.

__________________

(١) في « م » : قوله باب موضع سجدتي السهو.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٨٠ / ١٤٣٩ : وإذا زادت فبعده.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) في « رض » : لمذهب.


السند‌ :

في الأوّل : فيه محمد بن قولويه ، وقد مضى القول فيه(١) .

وأمّا موسى بن الحسن فلا يبعد أن يكون هو ابن عمران الأشعري الثقة ؛ لأنّ في الرجال موسى بن الحسن مهملاً في رجال الكاظمعليه‌السلام (٢) ، ومحمد بن الحسين من رجال الجواد والهادي والعسكريعليهم‌السلام (٣) . وفي الرجال موسى بن الحسن النوبختي ، ومرتبته غير مبينة(٤) ، وكأنّه ليس من الرواة ، بل ذُكر أنّ له كتاباً في النجوم(٥) .

وممّا يؤيد الأوّل أنّ الراوي عن الأشعري الحميري عن أبيه عنه ، والظاهر من الحميري وإن كان عبد الله فيكون الراوي جعفر الحميري ، والراوي هنا سعد ، وهو أقرب من جعفر ، لأنّ سعداً في مرتبة عبد الله بن جعفر ، إلاّ أنّه يمكن معاصرة سعد لعبد الله وأبيه ، أو أنّ الحميري محمد بن عبد الله ، ولا بُعد في الإطلاق عليه.

وأمّا عبد الله بن ميمون فهو ثقة في النجاشي(٦) ، وللعلاّمة فيه عبارة غريبة يعرفها من راجعها ، والحاصل أنّه ذكر عبارة النجاشي ولم يحكها عنه ، ثم نقل عن الكشي رواية وقال : إنّها ضعيفة ، والاعتماد على قول النجاشي(٧) .

__________________

(١) في ص ٨١.

(٢) رجال الطوسي : ٣٦١ / ٣٥.

(٣) رجال الطوسي : ٤٠٧ / ٢٨ ، ٤٢٣ / ٢٣ ، ٤٣٥ / ٨.

(٤) في « م » زيادة : إلاّ أنه في الرجال غير مذكور الطريق إليه.

(٥) رجال النجاشي : ٤٠٧ / ١٠٨٠.

(٦) رجال النجاشي : ٢١٣ / ٥٥٧.

(٧) خلاصة العلاّمة : ١٠٨ / ٢٩.


والحال أنّ النجاشي لم يتقدم له ذكر ، لكن الممارسة تقتضي أنّ الخلاصة منقولة من النجاشي غالباً بواسطة كتاب ابن طاوس ، ولمّا كان في ذهنهرحمه‌الله ذلك اكتفى به(١) .

والثاني : تقدم القول فيه عن قريب(٢) .

والثالث : فيه ابن سنان ، وهو محمد. وأبو الجارود وهو زياد بن المنذر ، يقال إنّه زيدي(٣) .

المتن :

في الأوّل : استدل به القائلون بأنّ سجود السهو محله بعد التسليم مطلقاً(٤) ، بل قيل : إنّه قول معظم الأصحاب(٥) . والخبر وإن كان غير سليم عند بعض(٦) ، إلاّ أنّ له مؤيّدات من الأخبار ، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يفيد ذلك.

ونقل شيخناقدس‌سره في المسألة صحيحة عبد الله بن سنان(٧) ، والذي وقفت عليه بالمتن المنقول عن عبد الله بن سنان فيه محمد بن عيسى عن يونس ، وقد رواه الشيخ عن محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن سنان ، قال‌ :

__________________

(١) في « م » زيادة : والعجلة هي العذر.

(٢) في ص ١٥٧٧.

(٣) انظر خلاصة العلاّمة : ٢٢٣ / ١.

(٤) كما في المعتبر ٢ : ٣٩٩ ، والتذكرة ٣ : ٣٥٥.

(٥) كما في المدارك ٤ : ٢٨١.

(٦) انظر المختلف ٢ : ٤٢٧ ، والمدارك ٤ : ٢٨٢.

(٧) انظر المدارك ٤ : ٢٨١.


« إذا كنت لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك »(١) وهذا المتن هو الذي نقله ، والحال غير خفية.

ونقل شيخناقدس‌سره أيضاً(٢) صحيحة ابن أبي يعفور الواردة في التشهد إذا نسي ولم يذكر إلاّ بعد الركوع ، حيث قال فيه : « فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يتكلم »(٣) وقد يقال إنّ في دلالته خفاء ؛ لأنّ تمام الصلاة لا يعلم بأيّ شي‌ء إلاّ بتقدير إثبات أنّ السلام مستحب أو خارج عن الصلاة ، نعم صحيح عبد الرحمن بن الحجاج السابق في الكلام يقول : أقيموا صفوفكم(٤) . صريح الدلالة على البعدية.

وروى الشيخ في التهذيب في نسيان التشهد خبراً عن سليمان بن خالد ، وليس فيه توقف إلاّ من جهته ، وقد عرفت الحال مما مضى ، والمتن في آخره : « فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلّم ويسجد سجدتي السهو »(٥) وربما كان فيه دلالة على أنّ الإتمام بغير السلام فيتأيّد الإشكال السابق في الجملة ، لكن مقام التأييد واسع الباب ، هذا.

وأمّا الثاني : فالقول بمضمونه منقول عن ابن الجنيد(٦) .

أمّا الثالث : فمضمونه منقول عن بعض الأصحاب(٧) ، لكن لم يعلم قائله.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ١٩٥ / ٧٦٧ ، الوسائل ٨ : ٢٠٧ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٥ ح ٢.

(٢) المدارك ٤ : ٢٨١.

(٣) الفقيه ١ : ٢٣١ / ١٠٢٦ ، التهذيب ٢ : ١٥٩ / ٦٢٤ ، الوسائل ٦ : ٤٠٢ أبواب التشهد ب ٧ ح ٤.

(٤) تقدّم في ص ١٩١٠.

(٥) التهذيب ٢ : ١٥٨ / ٦١٨ ، الوسائل ٦ : ٤٠٢ أبواب التشهد ب ٧ ح ٣ وفيه : وليسجد.

(٦) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٤٢٦.

(٧) انظر المدارك ٤ : ٢٨٢.


وجواب الشيخ كما ترى لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ الحاكم بصحة خبر سعد بن سعد لو قال بجواز العمل بمضمونه على الأكملية قد يظن أنّه لا مانع منه ، إلاّ أن يقال : إنّ هذا لا قائل به ، وما عساه يسأل عن وجه التوقف في الصحة جوابه يعلم ممّا قدّمناه في البرقي(١) ، لكن في الفقيه رواه عن صفوان بن مهران(٢) ، وله إليه طريقان فيهما نوع كلام ، إلاّ أنّ التأييد برواية الصدوق جلي ، ولعل جزم الصدوق بالتقية يوجب الرجحان للجمع ، والله أعلم.

قوله :

باب التسبيح والتشهد في سجدتي السهو

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أبي جعفر ، عن محمد بن أبي عمير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبيد الله بن علي الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه قال : « إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم خمساً أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتي السهو بغير ركوع ولا قراءة ، وتشهّد فيهما تشهداً خفيفاً ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار(٣) الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن سجدتي‌

__________________

(١) تقدّم في ص ٦٨.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٥ / ٩٩٥.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٨١ / ١٤٤٢ : عمّار بن موسى الساباطي.


السهو ، هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال : « لا إنما هما سجدتان فقط ، فإن كان الذي سها هو الإمام كبّر إذا سجد وإذا رفع رأسه ، ليعلم من خلفه أنّه قد سها ، وليس عليه أن يسبح فيهما ، ولا فيهما تشهد بعد السجدتين ».

فالوجه في هذا الخبر أنّه ليس فيهما تسبيح وتشهد على سبيل الإطالة ، لأنّ المسنون فيهما تشهد خفيف على ما تضمن الخبر الأوّل.

السند‌ :

في الأوّل : فيه محمد بن قولويه ، وقد مضى فيه القول(١) ، لكن في التهذيب روى الخبر عن سعد(٢) ، والطريق إليه لا ارتياب فيه ؛ لأنّ له طريقين إليه ، أحدهما كما هنا ، وثانيهما عن المفيد ، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن أبيه ، عن سعد.

والثاني : موثق.

المتن :

في الأوّل : قد قدّمنا فيه كلاماً على الإجمال ، والتفصيل أنّ الذي يخطر بالبال أنّ في قوله : « أم نقصت أم زدت » احتمالات ، أحدها : أن يراد الشك في الزيادة والشك في النقصان على الانفراد.

وثانيها : أن يراد الشك في الأمرين معاً ، بمعنى أن يشك زاد أم نقص ، وهذا يتحقق بوجهين ، أحدهما أن يعلم وقوع أحدهما ويشك في‌

__________________

(١) تقدّم في ص ٨١.

(٢) التهذيب ٢ : ١٩٦ / ٧٧٢.


تعيينه ، وثانيهما أن لا يعلم ذلك ، ويحصل الشك.

وثالثها : أن يراد النقص بالفعل ، أو الزيادة بالفعل.

والذي يظهر من العلاّمة في المختلف أنّه فهم من الخبر الشك في أنّه زاد أو نقص ؛ لأنّه ذكر صورة سادسة لوجوب سجدتي السهو ، وهي من شك فلا يدري زاد أو نقص ، واستدل بالخبر المذكور ، ثم ذكر الاعتراض الذي أسلفناه عنه ، من أنّ ظاهر الخبر الركعات ، وأجاب بأنّ اللفظ يتناول(١) ، وتقديم الشك في الركعات لا يقتضي الحصر فيها(٢) .

وهذا كما ترى يقتضي أنّ في الخبر احتمالاً رابعاً ، وهو أنّ الزيادة والنقصان في الركعات فقط. وخامساً : أنّه يتناول الركعات والأجزاء. وسادساً : أسلفنا الإشارة إليه(٣) ، وهو أن يراد الشك في الأربع والخمس ، بمعنى أنّه لا يدري زاد فصلّى خمساً أم نقص عن الخمس ، ولا يخفى بعده.

وإذا تقررت الاحتمالات يظهر ( لك أنّ استدلال العلاّمة بالخبر موقوف على انحصار الاحتمال الذي هو مطلوبه ، وإن كان كلامه لا يخلو )(٤) من احتمالين ، أحدهما الشك في الزيادة وحدها والنقيصة وحدها ، وثانيهما الشك فيهما بنحو ما قدمناه. وقد استدل مع الخبر بأنّ سجدتي السهو مع الزيادة تجبان ، وكذا مع النقصان ، فمع الشك بينهما كذلك ، لعدم الانفكاك منهما. وهذا الاستدلال يقتضي أنّ مراده تحقق أحد‌

__________________

(١) في المصدر زيادة : كل زيادة ونقصان ، سواء كانت في الأفعال أو الإعداد.

(٢) المختلف ٢ : ٤٢١.

(٣) في ص ١٩٠١.

(٤) ما بين القوسين ساقط من « رض ».


الأمرين ، والشك في [ التعين(١) ].

وأنت إذا تأمّلت الخبر وراعيته بعين العناية تراه من جهة التركيب العربي لا يخلو من غموض ؛ لأنّ العطف بأم ، إمّا على أصل الجملة الأُولى ، أو على معمول تدر ، وعلى التقديرين فالترجيح مشكل في الاستدلال ، والصحة في البعض عندي فيها نوع توقف ، يعلم اندفاعه من مراجعة كلام أهل العربية الموثوق بهم ، ولم يحضرني الآن ، غير أنّ الاستدلال من العلاّمة مدخول فيما يظهر في بادئ النظر.

كما أنّ نقل شيخناقدس‌سره الاستدلال به للقول بوجوب السجدتين لكل زيادة ونقيصة ، نظراً إلى أنّ الوجوب مع الشك يقتضي الوجوب مع اليقين(٢) ؛ محل بحث أيضاً ، لا لما ذكره في الاعتراض على الاستدلال بالخبر ، بأنّ العلة في المفهوم شرط ، وهي غير معلومة هنا ، بل لما قررناه في الحديث من الاحتمالات التي لا ينطبق بعضها على المدعى.

ويزيد هنا احتمالاً سابعاً ، وهو أنّ مرجع الزيادة والنقصان إلى المذكور ، وهو الشك بين الأربع والخمس ، لا على الوجه السابق ، بل لو اتفق الشك في أنقص من المذكور ، أو أزيد منه ، كما لو وقع الشك في الثلاث والخمس ، أو الست.

وقد يدفع هذا بشدة البعد ، كما يقرّب الاحتمال الأوّل موثقة سماعة في زيادات التهذيب(٣) ، ورواية الفضيل بن يسار في الفقيه(٤) ، المتضمن‌

__________________

(١) في النسخ : اليقين ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) انظر المدارك ٤ : ٢٧٩.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٤٦ / ١٤٣٨.

(٤) الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١٠١٨ ، الوسائل ٨ : ٢٢٥ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١٤ ح ٦.


متنهما أنّ من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو ، إنّما السهو على من لم يدر أزاد أم نقص. فإنّ هذا يدل على أنّ المراد بمن لم يدر أزاد أم نقص : من لم يحفظ السهو بعينه ؛ لأنّ قوله : « من حفظ سهوه » يدل على اليقين. وقوله : « فأتمه » محتمل لأن يراد به فعله في موضعه ، وحينئذ من لم يدر أزاد أم نقص لا يمكنه إتمامه.

وقد يشكل الأمر في المتن المذكور بأنّ اللازم أنّ من حفظ ولم يتم بالإتيان به يلزمه سجود السهو مطلقاً. والحال أنّه في التشهد والسجدة ممكن ، لوجود ما يدل عليه في الجملة ، بخلاف غيره. يمكن الجواب عنه : بأنّ الحكم مسكوت عنه ، فيرجع إلى الأدلة.

نعم يشكل المتن بوجه آخر ، وهو أنّ خبر سماعة فيه بعد ما ذكر : « فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى بالناس الظهر ركعتين ، ثم سها » وذكر قصة ذي الشمالين وسجودهعليه‌السلام للسهو ، وهذا لا يطابق إرادة ما احتمل في المتن كما هو ظاهر ، بل ولا غيره بعد التأمّل. ولو ترك متن خبر سماعة ، فخبر الفضيل محتمل لما ذكر ومحتمل لبعض الاحتمالات غير ما ذكر ، كاحتماله لأُمور يطول بشرحها الكلام ، والفائدة منتفية بسبب عدم التعيّن(١) .

ويبقى في الخبر القول من جهة الشك بين الأربع والخمس ، والمذكور في كلام بعض أن له أربع صور(٢) ، وفي كلام بعض ثمانية(٣) ، بل وأكثر. والحاصل أنّ الشك إمّا أن يكون قبل القراءة ، أو في أثنائها ، أو بعدها قبل الركوع ، أو بعده قبل السجود ، أو بين السجدتين ، أو بعدهما‌

__________________

(١) في « رض » : اليقين.

(٢) انظر المدارك ٤ : ٢٧٧.

(٣) كما في الذكرى : ٢٢٧.


قبل التشهد ، أو بعده ، والمقرر في كلام جماعة أنّ الشك قبل الركوع يوجب الهدم ، ويصير الشك بين الثلاث والأربع(١) . ولا سجود للسهو فيما يظهر من كلام البعض ، حيث لم يذكر سوى الاحتياط(٢) .

( وصرح جدّيقدس‌سره في الروضة ، بأنّ عليه سجود السهو ، لما هدمه من القيام(٣) . وفيه المطالبة بدليل وجوب السجود لمثل هذا )(٤) .

وقد ينظر في عدم وجوب سجدتي السهو للخبر من جهة قوله : « أم نقصت أم زدت » ويجاب : بأنّ الاحتمالات فيه تخرجه عن الصلوحية ، والاستدلال بما دل على السجود للزيادة المحتملة ، فيه ما سبق ، وهذا الخبر المبحوث عنه ، فيه ما ذكر.

واحتمال قوله : « أربعاً صلّيت » لتمام الركعات ثم الشك بعد ذلك ظاهر الخبر ، وهو يقتضي تمام الركعة ، أمّا بالرفع ، أو بتمام الذكر ، واللازم حينئذ عدم سجود السهو لو حصل الشك بين السجدتين ، وظاهر البعض سجود السهو في هذه الصورة(٥) ، وفيه ما لا يخفى إن كان الدليل الخبر.

وقول جدّيقدس‌سره في الروضة(٦) ، بعد قول الشهيد بوجوب سجود السهو لو حصل الشك بعد الركوع : سواء سجد أم لا ، لإطلاق النص بأنّ من لم يدر أربعاً صلّى أم خمساً يتشهد ويسلّم ثم يسجد سجدتي السهو(٧) . قد‌

__________________

(١) الذكرى : ٢٢٧ ، التنقيح ١ : ٢٦٣ ، الروضة البهية ١ : ٣٣٠.

(٢) الذكرى : ٢٢٧.

(٣) الروضة البهية ١ : ٣٣٠.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) كما في المدارك ٤ : ٢٧٧.

(٦) الروضة البهية ١ : ٣٣٠.

(٧) ورد مؤدّاه في الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١٠١٩ ، التهذيب ٢ : ١٩٦ / ٧٧٢ ، الإستبصار ١ : ٣٨٠ / ١٤٤١ ، الوسائل ٨ : ٢٢٤ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١٤ ح ٤.


يقال عليه : إنّ ظاهر قولهعليه‌السلام : « يتشهد ويسلّم » وقوع الشك بعد السجود ، إلاّ أن يقال : إنّ هذا كناية عن إتمام الصلاة. وفيه : أنّ الشك لو كان قبل الركوع دخل في الخبر ، والحال أنّه يقول بالهدم ، ولعلّ هذا سهل الجواب بجواز المخصص.

ومن العجب أنّ الشهيدرحمه‌الله في اللمعة قال : وقيل تبطل الصلاة لو شك ولمّا يكمل السجود إذا كان قد ركع ، والأصح الصحّة(١) ؛ لقولهمعليهم‌السلام : « ما أعاد الصلاة فقيه »(٢) وفي الروضة قال جدّيقدس‌سره بعد قوله : قد ركع : لخروجه عن المنصوص ، فإنّه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه أنّه شك بينهما ، ولتردّده بين محذورين : الإكمال المعرِّض للزيادة ، والهدم المعرِّض للنقصان ، ثم قالقدس‌سره بعد قوله : فقيه ، : يحتال فيها ويدبّرها ، حتى لا يعيدها ، ولأصالة عدم الزيادة ، واحتمالها لو أثّر لأثّر في جميع صورها ، والمحذور إنّما هو زيادة الركن(٣) . انتهى.

ووجه التعجب في نظري القاصر أُمور ،الأوّل : ما ذكره جدّيقدس‌سره من الخروج عن المنصوص ، يقتضي أنّ النص مختص بإكمال الركعة ، والحال أنّه قائل بسجود السهو بعد الركوع ، سواء سجد أم لا ، لإطلاق النص ، وبين الأمرين تدافع.

الثاني : قول الشهيدرحمه‌الله : ولمّا يكمل السجود ، يقتضي أنّ القائل بالبطلان عمّم الحكم للشك بين السجدتين ، والمنقول عن العلاّمة القول بالبطلان لو حصل الشك بين الركوع والسجود ، لمحذور زيادة الركن‌

__________________

(١) اللمعة ( الروضة البهية ١ ) : ٣٣٠.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٥١ / ١٤٥٥ ، الوسائل ٨ : ٢٤٧ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٩ ح ١.

(٣) الروضة البهية ١ : ٣٣٠.


ونقصانه(١) ، فإن كان القول المحكي هنا غيره ، فاستدلال جدّيقدس‌سره لخروجه عن النص ، فيه : أنّه لا يوجب البطلان.

وذكره التردّد بين المحذورين ، إن أراد به ما يشمل الشك بين السجود ، فالمحذوران غير ظاهرين إلاّ بإرادة زيادة السجدة ونقصانها ، فإن كان القائل بالبطلان وجّهه بذلك كان في غاية البعد ، وإن أرادقدس‌سره بيان احتمال زيادة الركن ونقصانه ومخالفة المنصوص لما إذا كان الشك بين السجدتين ، ففيه : أنّ الكلام لا يدل عليه ، بل على خلافه ، وفي الظن عدم القائل بهذا.

فإن قلت : إذا خرج عن النص فالصحة من أين؟

قلت : يمكن ادعاء أصالة الصحة ، واحتمال الزيادة والنقيصة لا يقتضي(٢) البطلان ، ولو لا تصريحه بالركن أمكن صرف كلامه إلى ما قلناه بتقدير القول به كما هو ظاهر.

الثالث : ما ذكره الشهيد في دليل الصحة ، فيه : أنّ الخبر المتضمن لما قاله غير صحيح ، ومعارضه خبر صحيح دال على أنّ قولهمعليهم‌السلام : « لا يعيد الصلاة فقيه » خاص بالثلاث والأربع ، وقول جدّيقدس‌سره : يحتال فيها. هو أيضاً من تتمة الخبر الضعيف ، فعدم التعرض للصحيح غريب منه.

وعلى تقدير العمل بالخبر فنفي الإعادة إذا توقف على الاحتيال فمرجعه إلى الاستدلال لا إلى الخبر ، فدعوى الصحة بمجرد الخبر لا وجه لها ، نعم على تقدير عدم زيادة يحتال فيها ربما يتخيل أنّ ظاهر النص أنّ الذي يعيد صلاته لا يكون فقيهاً ، بل يكون جاهلاً ، فيدل على عدم جواز‌

__________________

(١) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٢٧٧ ، وهو في التذكرة ٣ : ٣٤٧.

(٢) في « فض » : لا يقضي ، وفي « رض » : لا ينبغي ، والأنسب ما أثبتناه.


الإعادة ، لكن فيه مع هذا احتمال أظهر منه يوافق تتمته من قوله : يحتال فيها ، إلى آخره. فإذا انضمت إليه الزيادة استغنى عن ذكر الاحتمال ، وبالجملة فوقوع مثل هذا الاستدلال من هذين الجليلين قدّس الله سرّهما في غاية الغرابة ، وقد ذكرت بعض القول في حواشي الروضة.

إذا تقرّر هذا فاعلم أنّه يختلج في الخاطر أنّه يستفاد من قوله : « فتشهّد وسلم » بعد ذكر الشك في الزيادة والنقيصة مع الشك في الأربع والخمس ، أنّ الشك لو وقع بعد التشهد لا يوجب السجود ، فليُتأمّل(١) . وفي المقام أبحاث أُخر ، والمهم ما ذكرناه.

وأمّا الثاني : فعدم سلامة سنده من الكلام يوجب عدم التعرض له ، إلاّ أنّ الصدوق رواه(٢) فله مزية ، وقد تضمّن كما ترى نفي التكبير عن غير الإمام ، والمحقق في الشرائع ذكر استحباب التكبير مطلقاً(٣) . والخبر بتقدير ضعفه والعمل في المستحب بمثله ينبغي اتّباعه ، وقد تضمن التكبير بعد الرفع أيضاً ولم يُذكر.

وأمّا التشهد والتسليم فادعى في المنتهى الإجماع على وجوبهما فيما نقل(٤) ، وفي المختلف ما يخالف ذلك(٥) ، وعمل الصدوق بظاهر الخبر يقتضي نفي التشهد والتسليم ، إلاّ أنّه ذكر رواية الحلبي(٦) المتضمنة للتشهد‌

__________________

(١) في « م » زيادة : أمّا ما عساه يقال : إنّ الصحّة مع الهدم قبل الركوع هل فيها سجود السهو للزيادة المحتملة ، والصحّة بعد الركوع وبين السجود ، مع إطلاق بعض الأخبار بالبناء على الأكثر في الشك؟ والجواب عنه يغني عنه ما مضى.

(٢) الفقيه ١ : ٢٢٦ / ٩٩٦ ، الوسائل ٨ : ٢٣٥ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ٢٠ ح ٣.

(٣) الشرائع ١ : ١١٩.

(٤) حكاه عنه في المدارك ٤ : ٢٨٣ ، وهو في المنتهى ١ : ٤١٨.

(٥) المختلف ٢ : ٤٢٨.

(٦) الفقيه ١ : ٢٣٠ / ١١٩ ، الوسائل ٨ : ٢٢٥ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب ١٤ ح ٤.


الخفيف ، وربما قيل : إنّ الخفيف الخالي من الزائد عن الواجب.

وقد يدل نفي التسبيح على مرجوحية فعله إن قيل بإجزاء مطلق الذكر فيه ، وتعين النوع الخاص من الدعاء في بعض الأخبار محتمل لأن يكون على وجه الأكملية.

أمّا كون السجود مثل سجود الصلاة فمذكور في كلام بعض(١) ، وادعي أنّه هو المتبادر من السجود عند إطلاقه ، وفي بعض الأخبار ما يدل على نوع مغايرة لسجود الصلاة كما رواه الشيخ في الزيادات ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أنْ يجلس ـ إلى أنْ قال ـ : « فإذا سلّم نقر ثنتين وهو جالس »(٢) وغير خفي أنّ الطمأنينة مع النقر بعيدة الحصول ، إلاّ بتقدير عدم وجوب ( الذكر ، إلاّ أنْ يقال : إنّ النقر يتحقق معه مسمى الذكر. وفي كلام بعض الأصحاب وجوب )(٣) النية(٤) ، والظاهر من المنقول عن المنتهى دعوى الإجماع على ذلك ، مع ضميمة غيره من السجود على الأعضاء والتشهد والتسليم(٥) ، وكلامه في المختلف أشرنا إليه ، لكنه حكم بوجوب النية(٦) ( وفي الروضة : والنية مقارنة لوضع الجبهة على ما يصح السجود‌

__________________

(١) كما في مجمع الفائدة ٣ : ١٦١.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٤٥ / ١٤٣١ ، الوسائل ٦ : ٤٠٥ أبواب التشهد ب ٩ ح ١. وفيه : سجد سجدتين بدل ( نقر ثنتين ).

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) كما في مجمع الفائدة ٣ : ١٦٢.

(٥) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٣ : ١٦٢.

(٦) المختلف ٢ : ٤٢٨.


عليه ، أو بعد الوضع ، على الأقوى(١) . وهو أعلم بالوجه ؛ إذ ربما يظن أنّ النية بعد الوضع لا يخلو من إشكال ، فإنّ حقيقة السجود وضع الجبهة ، أمّا استمرار الوضع فالتحقق به محل كلام ، فليتأمّل )(٢) وظاهر المحقّق في الشرائع التردد في الذكر ، وفي تعين اللفظ على تقدير الوجوب(٣) .

وذكر بعض الأصحاب : إنّ الظاهر الوجوب قبل الكلام ، لدلالة بعض الأخبار ، ولو لم يفعل فعل بعد ذلك ؛ لدلالة خبر عمّار(٤) ، وقد مضى نقله من التهذيب(٥) . وللبحث في الوجوب بالنسبة إلى بعض الفروع مجال ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

__________________

(١) الروضة البهية ١ : ٣٢٨.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) الشرائع ١ : ١١٩.

(٤) كالأردبيلي في مجمع الفائدة ٣ : ١٦٢.

(٥) في « فض » زيادة : وفي الروضة والنية.


قوله :

أبواب ما يجوز الصلاة فيه

وما لا يجوز من اللباس والمكان

باب الصلاة في جلود الثعالب والأرانب‌

أخبرني الشيخقدس‌سره عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين ابن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن جلود الثعالب أيصلّى فيها؟.

فقال : « ما أحب أنْ أُصلّي فيها ».

عنه ، عن محمّد بن إبراهيم قال : كتبت إليه أسأله عن الصلاة في جلود الأرانب ، فكتب : « مكروهة ».

أحمد بن محمد ، عن جعفر بن محمّد عن(١) ابن أبي زيد قال : سئل الرضاعليه‌السلام عن جلود الثعالب الذكية ، فقال : « لا تصلّ فيها ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الجبار ، عن علي ابن مهزيار ، عن رجل سأل الماضي(٢) عليه‌السلام عن الصلاة في جلود الثعالب؟ فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليه ، فلم يدر أيّ الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد؟ فوقّع بخطه‌ :

__________________

(١) ليس في « م » و « رض ».

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٨١ / ١٤٤٦ : الرضا.


« الثوب الذي يلصق بالجلد ».

وذكر أبو الحسن أنّه سأله عن هذه المسألة فقال : « لا تصلّ في الذي فوقه ولا في الذي تحته ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الصلاة في جلود الثعالب؟ فقال : « إذا كانت ذكية فلا بأس ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن صفوان ، عن جميل ، عن الحسن بن شهاب قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن جلود الثعالب إذا كانت ذكيّة أيُصلّى فيها؟ قال : « نعم ».

عنه ، عن علي بن السندي ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الرحمن(١) بن الحجاج قال : سألته عن اللحاف من الثعالب أو الخوارزمية(٢) أيُصلّى فيها أم لا؟ قال : « إذا كان ذكيا فلا بأس به ».

فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على ضرب من التقية دون حال الاختيار ؛ لأنّ ذلك مذهب جميع العامة ، ويؤكد ما قدّمناه :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن الوليد بن أبان قال : قلت للرضاعليه‌السلام أُصلي في الفَنَك (٣) والسنجاب (٤) ؟ قال : « نعم » فقلت : يُصلى في‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٨٢ / ١٤٤٩ : عبد الله.

(٢) خوارزم : هي جرجانية وهو اسمها الأصلي. والخوارزمية منسوب إلى خوارزم. مجمع البحرين ٦ : ٥٦ ( خرزم ).

(٣) الفنك : دويبة برية غير مأكول اللحم يؤخذ منها الفرو. ويقال أن فروها أطيب من جميع أنواع الفراء. مجمع البحرين ٥ : ٢٨٥ ( فنك ).

(٤) السنجاب : حيوان على حد اليربوع أكبر من الفأرة شعره في غاية النعومة ، يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعمون ، مجمع البحرين ٢ : ٨٤ ( سنجب ).


الثعالب إذا كانت ذكيّة؟ قال : « لا تصلّ فيها ».

علي بن مهزيار قال : كتب إليه إبراهيم بن عقبة : عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب ، فهل تجوز الصلاة فيها من غير ضرورة ولا تقية؟ فكتبعليه‌السلام : « لا تجوز الصلاة فيها ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن عيسى ، عن علي بن مهزيار ، عن احمد بن إسحاق الأبهري قال : كتبت إليه : جعلت فداك عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الأرانب ، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقية؟ فكتبعليه‌السلام : « لا تجوز الصلاة فيها ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن عبد الجبار قال : كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام أسأله : هل يُصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه ، أو تكة حرير محض ، أو تكة من وبر الأرانب؟ فكتب : « لا تحل الصلاة في الحرير المحض ، وإذا (١) كان الوبر ذكيا حلّت الصلاة فيه إن شاء الله ».

السند‌ :

في الأوّل : واضح مما تكرر القول فيه(٢) .

والثاني : ضمير « عنه » الواقع فيه لا يخلو من اشتباه هنا ، نظراً إلى اشتباه محمّد بن إبراهيم ، حيث إنّ في الرجال من يحتمل الاسم غير‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٨٣ / ١٤٥٣ : فإن كان.

(٢) في ص ٢٦ ، ٢٧ ، ٣٨ ، ٤٩ ، ٧٦ ، ١٧٨٨.


واحد(١) ، لكن في التهذيب ما يدل على رجوعه للحسين بن سعيد ؛ لأنّه ذكر الحسين بن سعيد في حديث ، ثم قال : وعنه ، عن حماد ، إلى أنْ قال : وعنه ، عن محمّد بن إبراهيم(٢) . ثم إنّ محمّد بن إبراهيم لا يبعد أن يكون هو الهمداني المذكور في الكشي بما لا يزيد عن الإهمال(٣) .

والثالث : فيه كما ترى جعفر بن محمّد بن أبي زيد ، وليس في الرجال من هو بهذه النسبة ، وفي نسخة : عن ابن أبي زيد(٤) ، والظاهر أنّه الصواب.

وجعفر بن محمّد هو يحتمل ابن عون الأسدي المقول في حقه : إنّه وجه ، على ما في الخلاصة(٥) ؛ لأنّ الراوي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى فيها أيضاً ، ويحتمل جعفر بن محمّد بن يونس الأحول الثقة في الخلاصة(٦) ؛ وكتاب الشيخ في رجال الجوادعليه‌السلام (٧) ؛ لأنّ النجاشي قال : روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى(٨) . واحتمال غيرهما قائم.

وأمّا ابن أبي زيد ففي الرجال داود بن أبي زيد(٩) فيما أعلمه الآن ، لكن كأنّه ليس في هذه المرتبة ، وهو ثقة ، وقد يمكن توجيه القرب ، إلاّ أنّ احتمال غيره في حيّز الإمكان ، فلا يفيد تكلّف القول إلاّ ضياع الزمان.

__________________

(١) انظر هداية المحدثين : ٢٢٤.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٠٥ / ٨٠٢ ، ٨٠٣.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٦٦ / ١١٣١.

(٤) الاستبصار ١ : ٣٨١ / ١٤٤٥ : عن ابن أبي زيد.

(٥) الخلاصة : ٣٣ / ٢٥.

(٦) الخلاصة : ٣١ / ٣.

(٧) رجال الطوسي : ٣٩٩ / ١.

(٨) رجال النجاشي : ١٢٠ / ٣٠٧.

(٩) الفهرست : ٦٨ / ٢٧٣.


والرابع : في ظاهر الحال قد يرتاب فيه بالإرسال ، وربما يقال : إنّه لا ارتياب فيه ؛ لأنّ جهالة السائل يدفع ضررها جزم ابن مهزيار بالتوقيع في قوله : فوقّع بخطه. لكن لا يخفى أنّ في المتن نوع شي‌ء ؛ لأنّ الرجل السائل في ظاهر الكلام أنّه ليس بمكاتبة ، والجواب منهعليه‌السلام بقوله : فنهى. يدل على ذلك أيضاً ، ثم قول : فلم يدر ، والجواب : فوقّع(١) . فيه عدم الموافقة بحسب الظاهر ، ولا يبعد أن يكون في الرواية اختصار ، وحاصل الأمر أنّ السائل أخبر بالنهي عن الصلاة فيما ذكر لعلي بن مهزيار ، فلمّا أخبره لم يعلم ابن مهزيار ما المراد ، فكتب إلى الإمامعليه‌السلام ، وجاءه الجواب ، أو أنّهعليه‌السلام علم بعدم فهم المراد ، فأجاب من دون السؤال.

وما تضمنه من قوله : وذكر أبو الحسن. يراد بأبي الحسن علي بن مهزيار في الظاهر ؛ لأنّها كنيته. وفائدة هذا الكلام بعد ما قرّرناه غير واضحة ؛ إذ هو في قوة إعادة السؤال بعد الجواب ، إلاّ بتقدير أن يقال : إنّ الجواب الأوّل تضمن النهي عما يلصق بالجلد ، وفي الثاني عما يلصق بالأمرين ، واستبعاد السؤال بعد جوابهعليه‌السلام أوّلاً ، يمكن تقريبه ، إلاّ أنّه متكلف.

وربما يقال : إنّ ( القائل : لم أدر )(٢) محمّد بن عبد الجبّار ، فيكون الجواب أوّلاً له ، ثم حكى محمّد بن عبد الجبّار ، عن علي بن مهزيار أنّه سأل أيضاً عن ذلك ، فأجابهعليه‌السلام بما ذكره. والفائدة في ذكر هذا كلّه من محمّد بن عبد الجبّار أنّ الجواب فيه نوع تغاير ، نظراً إلى تضمن توقيعه أحد الأمرين ، وجواب علي بن مهزيار الشمول للأمرين.

ولا يخفى أنّ هذا لا يضر بالحال كما سنذكره في المتن ، وإنّما‌

__________________

(١) في « رض » : توقّع.

(٢) كذا في النسخ والأولى : قائل لم يدر.


تعرضنا هنا لما ذكرناه لاحتمال الحديث نوع إرسال من جهة الرجل السائل ، بأن يكون هو المخبر عن النهي ، ولا يبعد ذلك ، ليكون إخباره لمحمد هو السبب للتوقيع ، من جهة عدم دراية محمّد ، وإن كان في حال سماع محمّد النهي يجوز أن يخطر في باله ما ذكره ، فيأتي الجواب مبيّناً لمراده ، إلاّ أنّ الأوّل أبلغ في إظهار المغيبات.

لكن لا يخفى أنّ الإرسال الأوّل غير مضر بعد إخبار محمّد بالجواب الثاني ، غاية الأمر أنّ في البين احتمال أنْ يكون القائل : لم يدر ، الرجل ، وهو المخبر عن التوقيع ، وفيه بُعد ظاهر ، وبتقديره فأخبار محمّد ، عن أبي الحسن علي بن مهزيار كافٍ ، إلاّ أنْ يقال : إنّ المخبر عن أبي الحسن يجوز أن يكون الشيخرحمه‌الله وفيه : أنّ طريقه إلى علي بن مهزيار لا ارتياب فيه ، فليتأمّل.

والخامس : واضح الصحة بعد ما قدّمناه(١) مراراً.

والسادس : فيه الحسن بن شهاب ، وهو مهمل في الرجال(٢) .

والسابع : فيه علي بن السندي ، وقد ذكرنا حاله(٣) بما يغني عن الإعادة ، غير أنّ في رواية علي بن السندي ، عن صفوان بن يحيى نوع قرينة على ما قدمناه(٤) ، من أنّ علي بن السندي يقال له علي بن إسماعيل ، لأنّ في مشيخة الفقيه : علي بن إسماعيل ، عن صفوان بن يحيى ، عن إسحاق بن عمار(٥) ، وذكرنا سابقاً(٦) ما يدفع الإنكار هنا على ما قلناه ، من‌

__________________

(١) في ص ٤٩ ، ٧٢ ، ١٦٧٠.

(٢) رجال الطوسي : ١٦٧ / ٢٧.

(٣) تقدّم في ص ٢٥٧.

(٤) في ص ٢٥٧.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٥.

(٦) في ص ٢٥٧.


حيث إنّه لا مانع من رواية علي بن إسماعيل وعلي بن السندي ، عن صفوان ، فلا دلالة على الاتحاد ، والذي قدمناه ليس ببعيد أنّه يفيد الاتحاد بنوع تقريب تحتاج إعادته إلى تطويل ، والاحتياج إلى هذه الفائدة اندفاع ما تخيل أنّ علي بن إسماعيل هو علي بن السري أو السدي ، ونحو ذلك.

والثامن : فيه الوليد بن أبان ، وهو مذكور مهملاً في رجال الرضاعليه‌السلام من كتاب الشيخ(١) .

والتاسع : واضح الصحة ، وعدم توثيق إبراهيم ومدحه لا يضر بالحال ؛ لأنّ الظاهر من علي بن مهزيار جزمه بالجواب كما لا يخفى.

والعاشر : فيه أحمد بن إسحاق الأبهري ، ولم أقف عليه في الرجال ، وفي التهذيب(٢) كما هنا ، وقد يحتمل التصحيف بالأشعري ، إلاّ أنّه بعيد.

والحادي عشر : واضح.

المتن :

في الأوّل : يدل على عدم محبتهعليه‌السلام أن يُصلّي في جلود الثعالب ، وهو أعمّ من التحريم والكراهة إنْ لم يكن له ظهور في الكراهة.

والثاني : في معنى الأوّل ؛ إذ المكروه يستعمل في غير المحبوب ، كما يستعمل في المكروه شرعاً ، وفي المحرّم ، والظاهر أنّ الشيخ فهم التحريم من المكروه ، وإلاّ فلا وجه لعدم ذكره ( في المعارض ، وللشيخرحمه‌الله نوع اضطراب في مثل هذا اللفظ ، فتارةً يحكم بأنّه صريح في الكراهة )(٣)

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٩٤ / ١.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٠٦ / ٨٠٥.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الأُصولية حتى يجعله مفسِّراً لمراده إذا جمع بين الأخبار ، وتارة يذكره كما هنا في مقام المنع ، ولعلّ مراده هنا التحريم بقرينة غيره ، وفيه ما لا يخفى.

والثالث : ظاهر في النهي ، لكن لا مانع من حمله على الكراهة ، لدلالة ما قبله ، إلاّ أن يقال : إنّ النهي حقيقة ( في التحريم ، وما قبله ليس نصّاً في الكراهة المخالفة للتحريم ، بل يستعمل في التحريم وغيره ، فيبقى(١) النهي على حقيقته )(٢) . وفيه : أنّ ما سيأتي من الأخبار يؤيّد العدول عن النهي حقيقة.

والرابع : لا مانع من حمله على الكراهة ، للمعارض ، لكن الشيخرحمه‌الله كأنّه نظر إلى ما ذكرناه.

وما تضمنه الجواب فيه من التخصيص بما يلصق بالجلد ، قد يدل بظاهره على أنّ النهي ليس متوجهاً إلى الثوب الملاصق للوبر ، مع أنّ الجواب الآخر )(٣) يقتضي النهي عنه أيضاً ، فبتقدير الحمل على التحريم ربما يقال من جانب الشيخ : إنّ السائل لمّا سأل عن الجلد كان الجواب بعدم الصلاة فيه وما يتصل من الثياب ، لاحتمال انفصال جزء منه ، وإنْ كان الوبر حكمه حكم الجلد ، إلاّ أنّه لم يسأل عنه ، ولو فُرض أنّ الجلد يعمّ الوبر ، أمكن أنْ يكون الجواب مطابقاً أيضاً ، لأنّ ما فوقه يحتمل توجه النهي عنه ، بسبب بعد خلّوه عن الشعر وإنْ كان قليلاً ، فيستفاد ما تحته بطريق أولى ، وقد ينظر في هذا بأنّ المقام لا يوافقه ، ولعل الأولى أنْ يقال : إنّ سؤال الرجل كان عن نفس الجلد ، والذي لم يدرِ أتاه الجواب على مراد‌

__________________

(١) في « رض » : فينبغي.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


السائل.

وأمّا أبو الحسن فسؤاله عن الجلد والوبر محتمل ؛ إذ لم يبيّن السؤال ما هو ، وقوله : عن هذه المسألة ، يحتمل إرادة الجلود مع الوبر ، وارتباطها بالأُولى لتعلقٍ ما. وأنت خبير بأنّ التكلف لا محيد عنه ، بخلاف ما إذا قلنا بالكراهة ، فإنّه يجوز اختلافها شدة وعدمها ، ففي كل جواب على حسب المقتضي.

وأمّا [ الخامس (١) ] : فهو ظاهر الدلالة على جواز الصلاة في جلود الثعالب إذا كانت ذكيّة ، وكذلك [ السادس والسابع(٢) ] ، وفي التهذيب الجرز(٣) منه(٤) .

هذا والحمل على التقية لا يخلو من وجه بالنسبة إلى الشيخ ، لكن لا يخفى أنّ مفاد كلام الشيخ حمل الجواز في الأخبار على حال يكون فيها تقية ، ولو حمل الحكم بالجواز فيها من الأمامعليه‌السلام تقيةً ، أمكن أيضاً(٥) .

وأمّا من يلتفت إلى تصحيح الأحاديث ، فربما ينظر إلى أنّ الصحيح من الأوّل الدال على التحريم هو الأوّل وخبر ابن مهزيار على تقدير التوجيه السابق ؛ والأخبار الدالة على عدم التحريم ( وإن كان الصحيح منها هو الأوّل أيضاً فقط ، لكن سيأتي في الباب الآتي(٦) خبران صحيحا السند ، يدلان‌

__________________

(١) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في النسخ : الخامس والسادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) الجِرز بالكسر والراء المهملة والزاي المعجمة : لباس من لباس النساء من الوبر قاله الجوهري ويقال هو الفرو الغليظ. مجمع البحرين ٤ : ٩ ( جرز ).

(٤) التهذيب ٢ : ٣٦٧ / ١٥٢٨.

(٥) في « رض » و « م » زيادة : هذا.

(٦) في ص ١٩٤٢.


على عدم التحريم )(١) كما ذكره شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب قائلاً : إنّ المحقق في المعتبر ( بعد أن أوردهما يعني الخبرين الآتيين قال : وطريق هذين الخبرين أقوى من تلك الطرق ، ولو عمل بهما عامل )(٢) جاز(٣) ، انتهى. وعلى هذا فالرجحان لأخبار العدم ، أمّا الالتفات في الترجيح إلى ما في سند الأوّل من أخبار المنع من جهة ابن أبان وابن الوليد ، فهو مردود عند جماعة من المتأخّرين(٤) .

نعم ربما يقال : إنّ مفاد الأوّل نفي [ ترجيحه(٥) ]عليه‌السلام ، وهو غير صريح في التحريم ، فلا يقاوم غيره ، لكن المنقول عن المنتهى أنّ فيه ترجيح عدم الجواز في الثعالب والأرانب بالشهرة وكثرة الأخبار والاحتياط(٦) ، وما ذكره من الاحتياط لا يصلح لإثبات التحريم ، وأمّا كثرة الروايات والشهرة ففيها نوع كلام ، لكن الاحتياط في المقام مطلوب ، وسيأتي(٧) بقية القول في الخبرين الواردين في الفنك وغيرهما ، مما يدل على المنع في الثعالب. ولا يخفى أن الخبر الأوّل تضمن الثعالب فقط ، وأمّا الأرانب فما تضمنها غير سليم هنا ، لكن سيأتي(٨) فيما أشرنا إليه ما يشملها.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) المعتبر ٢ : ٨٧.

(٤) نقد الرجال : ٢٩ / ١٣٠ و ١٠٣ / ٣١.

(٥) في « رض » : توجيهه ، وفي « فض » و « م » : توجيه والظاهر ما أثبتناه ، أو : تحبيبه ، على احتمال.

(٦) حكاه عنه في مجمع الفائدة ٢ : ١٠٠ ، وهو في المنتهى ١ : ٢٢٧.

(٧) في ص ١٩٤٢.

(٨) في ص ١٩٤٥.


وما قد يقال : إنّ الخبر الأوّل والأخير من الأخبار الدالة على المنع مطلقة ، وما دل على الجواز مقيد بالتذكية ، فيحمل المطلق على غير المذكى ، فيه تأمّل ، لكنه قابل للتوجيه.

[ والثامن(١) ] كما ترى لا يحتاج في توجيهه على وجهٍ لا ينافي غيره إلى إعادة ما قدمناه ، وما تضمنه من الجواز في الفنك يأتي(٢) بيانه في بابه إن شاء الله.

[ والتاسع(٣) ] مع صحته واضح الدلالة على عدم جواز الصلاة في وبر الأرانب المنسوج.

[ والعاشر(٤) ] كذلك ، ويندفع بالأوّل عند من يعتبر الصحة قول من جوز الصلاة في التكة من الوبر ، لكونها مما لا تتم الصلاة فيها منفردة ، وهو منقول عن الشيخ في النهاية(٥) وعن المحقق الميل إلى ذلك والتعدية لكل ما لا يتم الصلاة فيه منفرداً(٦) ، وعن الشهيد في الذكرى : أنّ الأشبه المنع ، وأنّ الاستثناء إنّما يثبت في النجاسة ، وهي مانع عرضي(٧) .

وهذا كلّه حكاه بعض محققي المعاصرين سلّمه الله بعد ذكر الخبر [ الحادي عشر(٨) ] الدال بظاهره على أنّ التكة من وبر الأرانب يصلّى فيها إذا‌

__________________

(١) في النسخ : والخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في ص ١٩٤٢.

(٣) في النسخ : والسادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) في النسخ : والسابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٥) حكاه عنه في المعتبر ٢ : ٨٢ ، وهو في النهاية : ٩٨.

(٦) المعتبر ٢ : ٨٣.

(٧) الذكرى : ١٤٤.

(٨) في النسخ : الثامن ، والصحيح ما أثبتناه.


كان الوبر ذكيا ، وحكى عن الشهيدرحمه‌الله أنّه أجاب عن الخبر وهو [ الحادي عشر(١) ] أوّلاً : بضعف المكاتبة. و ( ثانياً : )(٢) بوروده في قلنسوة عليها وبر فلا يلزم جواز الصلاة في المتخذ من الوبر ، وقد اعترض على الشهيد من حكينا عنه بتصريح الحديث بأنّ التكة من وبر الأرانب(٣) ، والأمر كذلك ، وقد أوردنا هذا في معاهد التنبيه وغيره على شيخناقدس‌سره حيث ذكر نحو ما قاله الشهيد(٤) .

ونزيد في المقام كلاماً وهو : أنّ الخبر [ العاشر(٥) ] قد دل على عدم الجواز ، والخبر [ الحادي عشر(٦) ] لو أريد فيه الجواز في التكة المعمولة من الوبر حصلت المنافاة ، فعدم التفات الشيخ إلى ذلك غريب كعدم التفات الشهيدرحمه‌الله في كلامه إليه ، بل إلى [ الحادي عشر(٧) ].

وربّما يقال في دفع المنافاة : أنّ [ الحادي عشر(٨) ] يحمل على الشعرات التي على القلنسوة ، والعاشر على المنسوج ، أو يحمل العاشر على الكراهة [ والحادي عشر(٩) ] على الجواز.

ولعل الثاني له ظهور ، من حيث إنّ الشعرات وقعت مع غيرها ، وهي التكة المنسوجة من الوبر ، فالتخصيص بعيد مع اتحاد الجواب ، وإن دُفع هذا بوقوع نظيره في مواضع أمكن أن يوجّه الظهور : بأنّ اشتراط التذكية في جواز‌

__________________

(١) في النسخ : الثامن ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) ما بين القوسين أضفناه من المصدر.

(٣) انظر الحبل المتين : ١٨٣.

(٤) الذكرى : ١٤٤.

(٥) في النسخ : السابع والصواب ما أثبتناه.

(٦) في النسخ : الثامن والصواب ما أثبتناه.

(٧) في النسخ : الثامن والصواب ما أثبتناه.

(٨) في النسخ : الثامن والصواب ما أثبتناه.

(٩) في النسخ : الثامن والصواب ما أثبتناه.


الشعرات الملقاة على القلنسوة دون المعمولة من الوبر ، بحيث لا تجوز الصلاة فيها وإن كان الوبر مذكى ، بعيد ، لأنّ العلة عدم الصلاة في القلنسوة منفردة.

وقد يقال بجواز اختصاص الشيخ بما لا يشاركه غيره ، وفيه : أنّ ما دل على الصلاة في شعر الإنسان يدل على أنّ الذكاة لا تعتبر في غير المنسوج ، لكن لا يخفى عدم ورود هذا بعد ملاحظة ما ذكرناه في معاهد التنبيه في الحديث المتضمن لشعر الإنسان ، من أنّ الخبر المنقول في الفقيه ظاهر في شعر الإنسان نفسه(١) ، وإنّما الشيخ نقله ، والراوي واحد ، لكن المتن فيه تغيير يظن منه شمول شعر الإنسان لمن يصلّي به وغيره ، وإذا تحقق الاختصاص فلا مشاركة لما نحن فيه ، بل وعلى تقدير ثبوت شعر مطلق الإنسان لا مشاركة.

والحقّ أنّ الخبرين متعارضان ، أعني [ الحادي عشر والعاشر ](٢) والجمع بالكراهة ظهوره من جهة احتياج اعتبار المنسوج وعدمه إلى زيادة بعدٍ عن ظاهر الجواب والسؤال في [ الحادي عشر(٣) ].

وإذا عرفت هذا كلّه ظهر لك ما في إجمال الشيخ في المقام ، فتأكيد الأخبار لمطلوبه محل كلام.

وفي التهذيب بعد ذكر حديث جميل وهو الخامس قال : يحتمل أن يكون لا بأس به إذا كان على مثل القلنسوة وما أشبهها ممّا لا تتم الصلاة بها ، قال : والذي يكشف عما ذكرناه : ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، وذكر [ الحادي عشر(٤) ] ، ثم احتمل التقية ، واحتمل أيضاً أن تكون « في » ‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٧٢ / ٨١٢ ، الوسائل ٣ : ٢٧٧ أبواب لباس المصلي ب ١٨ ح ١.

(٢) في النسخ : الثامن والسابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : الثامن ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) في النسخ : الثامن ، والصواب ما أثبتناه.


بمعنى « على » فكأنّهعليه‌السلام قال : لا بأس بالوقوف عليه(١) ، انتهى.

وفي كلام بعض محققي المعاصرين سلّمه الله أنّ هذا يقتضي تعدية الحكم إلى كل ما لا تتم الصلاة فيه من التكة وغيرها من الأرانب والثعالب(٢) ، انتهى. وأنت إذا تأمّلت عبارة الشيخ إلى آخرها يظهر لك حقيقة الحال.

ثم ما تضمنه الخبر المبحوث عنه وهو [ الحادي عشر(٣) ] من قوله : عليها وبر ما لا يؤكل لحمه ، وقولهعليه‌السلام في الجواب : « إذا كان الوبر ذكيا » إلى آخره. فيه شمول بحسب الظاهر في السؤال للطاهر ونجس العين ، والجواب : يحتمل أن يراد بالذكاة فيه : الطهارة ، لاستعمالها في ذلك ، كما في قولهعليه‌السلام ( « كل يابس ذكي » وقراءتها بالزاء تصحيف ، والوجه في اشتراط الطهارة لإخراج نجس )(٤) العين.

ويحتمل ( أن يراد بالذكاة )(٥) : المقررة.

فالأول : يمكن ادعاء عدم صحته ؛ لأنّ طاهر العين لا تصح الصلاة فيه إذا كان من ميتة ، مع أنّه طاهر ، لعدم الخلاف المحقق في ذلك ، نعم في الظن نوع إطلاق في بعض الأخبار.

وأمّا الثاني : فالذكاة حينئذٍ فيما يقبلها لا ارتياب في الحكم معها ، أمّا ما لا يقبلها فلا يبعد عدم جواز الصلاة فيه ، لظاهر النص.

وقد يشكل بأنّ الذكي يقال للطاهر فلا مانع من إرادته في الخبر ، فإذا‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٠٦ / ٨٠٩.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٨٣.

(٣) في النسخ : الثامن ، والصواب ما أثبتناه.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


خرج ما ميتته نجسة بالإجماع بقي الباقي ، وفيه : أنّ اشتراك الذكاة كافٍ في المنع ، إلاّ أن يقال : إنّ الاشتراك ينافي الاستدلال من أصله في الحكمين ، فلا بدّ من الاعتماد على الظهور.

وما عساه يقال : إنّ المنسوج من وبر الأرانب هو المسئول عنه ، والجواب حينئذٍ يفيد أنّ المنسوج من وبر الأرانب ( إذا كان الوبر ذكيا جاز ، فلا يعم الخبر جميع الوبر. يمكن الجواب عنه : بأنّ الوبر المذكور أوّلاً عام فيتم )(١) المطلوب ، وفيه : أنّ ( الوبر الأوّل لما كان على القلنسوة فلا ينفع عمومه في المنسوج ، ومن هنا يظهر أنّ )(٢) إطلاق جواب بعض محققي المعاصرين سلّمه الله عن كلام الشهيدرحمه‌الله (٣) غير تام.

وقد ذكرت في حاشية التهذيب ما يدل على عدم جواز الصلاة فيما لا يتم فيه منفرداً ، بل وعلى عدم جوازها مع حمله إذا كان غير طاهر ، بسبب عدم الذكاة ، وهو ما رواه علي(٤) بن جعفر في الصحيح ، وحاصله السؤال عن الصلاة مع فأرة المسك ، والجواب أنّه لا بأس إذا كان ذكيا(٥) ، وغير ذلك من الأخبار المؤيدة(٦) .

وما قاله شيخناقدس‌سره (٧) وبعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ(٨) من‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) تقدّم في ص ١٩٣٨.

(٤) في التهذيب ٢ : ٣٦٢ : عبد الله.

(٥) التهذيب ٢ : ٣٦٢ / ١٥٠٠ ، الوسائل ٤ : ٤٣٣ أبواب لباس المصلي ب ٤١ ح ٢.

(٦) الوسائل ٤ : ٤٣٣ أبواب لباس المصلي ب ٤١.

(٧) مدارك الاحكام ٢ : ٢٧٥.

(٨) حبل المتين : ١٠١.


احتمال الحديث لإرادة الطهارة من النجاسة العارضة ، قد ذكرنا فيه أنّه لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ المنع مع النجاسة العارضة يقتضي ذلك مع الأصلية بطريق أولى عند الموجهين. ( وعلى تقدير عدم التسليم فاشتراط عدم النجاسة العارضية(١) كأنّه لا قائل به.

وأمّا ما تضمنه الخبر )(٢) من عدم حل الصلاة في الحرير المحض فسيأتي(٣) القول فيه في بابه ان شاء الله.

قوله :

باب الصلاة في الفنك والسمّور(٤) والسنجاب

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن ابن بكير قال : سأل زرارة أبا عبد الله عليه‌السلام عن الصلاة في الفنك والثعالب والسنجاب وغيره من الوبر؟ فأخرج كتاباً زعم أنّه إملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّى في غيره مما أحلّ الله أكله ، ثم قال : يا زرارة هذا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاحفظ ذلك يا زرارة ، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شي‌ء منه جائزة إذا علمت أنّه ذكي قد ذكّاه الذبح ، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن‌

__________________

(١) ليس في « فض » و « م ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) في ص ١٩٥٤.

(٤) السمور : بالفتح كتنور دابة معروفة يتخذ من جلدها فراء مثمنة تكون ببلاد الترك تشبه النمر ومنه أسود لامِع وأشقر. مجمع البحرين ٣ : ٣٣٦ ( سمر ).


أكله أو حرم عليك أكله فالصلاة في كل شي‌ء منه فاسدة ، ذكّاه الذبح أو لم يذكّه ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن عمر بن علي بن عمر بن يزيد(١) ، عن إبراهيم بن محمّد الهمداني قال : كتبت إليه يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة ، فكتبعليه‌السلام : « لا تجوز الصلاة فيه ».

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن محمّد ، عن عبد الله بن إسحاق ، عمن ذكره ، عن مقاتل بن مقاتل قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الصلاة في السمّور والسنجاب والثعالب ، فقال : « لا خير في [ ذلك ](٢) كلّه ، ما خلا السنجاب ، فإنّه دابة لا تأكل اللحم ».

علي بن مهزيار ، عن أبي علي بن راشد قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام ما تقول في الفراء ، أيّ شي‌ء يصلّى فيه؟ قال : « أيّ الفراء؟ » قلت : الفنك والسنجاب والسمّور ، قال : « فصلّ في الفنك والسنجاب ، وأمّا(٣) السمّور فلا تصلّ فيه » قلت : فالثعالب يصلّى فيها؟ قال : « لا ، ولكن تُلبس بعد الصلاة » قلت : أُصلّي في الثوب الذي يليه؟ قال : « لا ».

محمّد بن أحمد ( بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد )(٤) ، عن داود‌

__________________

(١) في « فض » و « م » : عمر بن علي عن عمر بن يزيد ، وفي « رض » : عمرو بن علي عن عمر بن يزيد ، وفي الاستبصار ١ : ٣٨٤ / ١٤٥٥ : عمر بن علي بن يزيد ، والصواب ما أثبتناه من التهذيب ٢ : ٢٠٩ / ٨١٩. انظر معجم رجال الحديث ١٣ : ٤٨ ٤٩.

(٢) في النسخ : ذا ، وما أثبتناه من الاستبصار.

(٣) في الاستبصار ١ : ٣٨٤ / ١٤٥٧ : فأما.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الصرمي قال : حدّثني بشير بن يسار(١) قال : سألته عن الصلاة في الفنك والفراء والسمّور والسنجاب والحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو ببلاد الإسلام(٢) أُصلّي فيه بغير تقية؟ قال : فقال : « صلّ في السنجاب والحواصل الخوارزمية(٣) ، ولا تصلّ في الثعالب ولا السمّور ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن العباس ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الفراء والسمّور والسنجاب والثعالب وأشباهه؟ قال : « لا بأس بالصلاة فيه ».

أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، ( عن أبيه علي )(٤) بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن لباس الفراء والسمّور والفنك والثعالب وجميع الجلود؟ قال : « لا بأس ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على ضرب من التقية على ما بيناه في غيرهما من الأخبار ، لأنّ ذلك لا يوافقنا عليه أحد ، ويجوز أن يكون قوله : « لا بأس به » مخصوصاً ببعض ما تضمنه السؤال وهو السنجاب ، لأنّ ذلك قد رخص في الصلاة فيه على ما بيناه في بعض الأخبار ، ويكون عوّل في الجواب عما عدا السنجاب على‌

__________________

(١) في « فض » : بشير بن بشار.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٨٤ / ١٤٥٨ زيادة : أن.

(٣) الحواصل الخوارزمية : حيوانات منسوبة إلى خوارزم اسم بلدة. مجمع البحرين ٤ : ٩ ( جرز ).

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


ما تقدم منه ومن آبائهعليهم‌السلام من البيان ، وأمّا(١) السمّور خاصة فيدل على كراهيته أيضاً :

ما رواه أحمد بن محمّد ، عن البرقي ، عن سعد بن سعد الأشعري ، عن الرضاعليه‌السلام ، قال : سألته عن جلود السمّور؟ فقال : « أيّ شي‌ء هو ، ذلك الأدبس؟ » فقلت : هو الأسود ، فقال : « يصيد؟ » فقلت : نعم يأخذ الدجاج والحمام ، قال : « لا ».

السند‌ :

في الأوّل : معدود في الموثق بابن بكير ، لكن لا يخفى أنّ فيه إبراهيم ابن هاشم الممدوح ، فالظاهر أنّه لا يؤثّر في الوصف ، لعدم اشتمال باقيه على ضعف ، كما هو مأخوذ في تعريف الموثق ، غاية الأمر أنّ العامل بالموثق إن كان عاملاً بالحسن فالأمر سهل ، أمّا لو لم يعمل به احتيج إلى الفرق بين ما اشتمل باقيه على ممدوح وغيره ، والظاهر أنّ الفرق غير موجود كما يقتضيه إطلاق من رأينا كلامه ، وإن كان باب الاحتمال واسعاً.

والثاني : فيه عمر بن علي ، والذي في الرجال يحتمله هو ابن علي ابن عمر المذكور في النجاشي مهملاً(٢) ، وكذا في الفهرست(٣) ، والراوي لكتابة محمّد بن علي بن محبوب ، أمّا غير هذا فليس في المرتبة ، وفي الكشي في ترجمة إبراهيم بن محمّد الهمداني ذكر حديثاً يرويه محمّد بن أحمد ، عن عمر بن علي بن عمر بن يزيد ، عن إبراهيم(٤) ، لكن الاعتماد‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٨٥ : فأمّا.

(٢) رجال النجاشي : ٢٨٦ / ٧٦١.

(٣) الفهرست : ١١٥ / ٥٠٣.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٨٦٩ / ١١٣٦.


على الكشي مشكل ، وعلى كل حال ليس في الرجال من نقلناه.

أمّا إبراهيم بن محمّد الهمداني فالعلاّمة في الخلاصة قال : إنّه وكيل بطريق الجزم ، ونقل عن الكشي ما يفيد توثيقه رواية(١) ، والرواية في طريقها جهالة كما ذكره جدّي ١ في حواشي الخلاصة ، لكن في الفوائد اللاحقة بالخلاصة ذكر العلاّمة ما صورته : ومنهم أحمد بن إسحاق وجماعة ، وقد خرج التوقيع في مدحهم ، وقد روى أحمد بن إدريس ، ( عن محمد بن أحمد ، عن محمّد بن عيسى )(٢) ، عن أبي محمّد الرازي(٣) قال : كنت أنا وأحمد بن أبي عبد الله بالعسكر ، فورد علينا من قبل الرجل فقال : أحمد بن إسحاق الأشعري وإبراهيم بن محمّد الهمداني واحمد بن حمزة ابن اليسع ثقات(٤) .

ولا يبعد أن تكون هذه الرواية من كتاب الغيبة للشيخ(٥) ، والطريق في الفهرست إلى جميع روايات أحمد بن إدريس صحيح(٦) ، فيستفاد التوثيق كما ظنه بعض(٧) ، ( بناءً على ما قدّمناه في مثل هذا. )(٨) ( وفيه انّ أبا محمّد الرازي مجهول )(٩) ، والأمر في المقام سهل ، وإنما ذكرنا ذلك لفائدة ما.

وأمّا التوكيل فيستفاد من النجاشي في ترجمة محمّد بن علي بن‌

__________________

(١) الخلاصة : ٦ / ٢٣.

(٢) في النسخ : عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، وما أثبتناه من المصدر. الخلاصة : ٢٧٥.

(٣) في « فض » : الزراري ، وفي الخلاصة : أبي أحمد الرازي.

(٤) الخلاصة : ٢٧٥.

(٥) الغيبة : ٢٥٨.

(٦) الفهرست : ٢٦ / ٧١.

(٧) حاوي الأقوال ١ : ١٣٢ / ١٦.

(٨) ما بين القوسين ساقط عن « فض ».

(٩) بدل ما بين القوسين في « م » : إلاّ أن الجزم بكونه من روايات الشيخ مشكل.


إبراهيم المذكور(١) ، فالعجب من شيخنا المحقق أيّده الله حيث لم يذكر ذلك في كتاب الرجال ، وعلى كل حال الوكالة لا تثبت التوثيق كما قرّرناه سابقاً مفصّلاً.

والثالث : فيه مع الإرسال عبد الله بن إسحاق ، والذي وجدته في الرجال عبد الله بن إسحاق الهاشمي مهملاً في أصحاب الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٢) ، ورواية علي بن محمّد الذي هو علاّن ، عنه ، لا وجه لها ، فالرجل مجهول.

أمّا مقاتل بن مقاتل فالشيخ قال : إنّه واقفي خبيث(٣) ، وهو من أصحاب الرضاعليه‌السلام .

والرابع : فيه أبو علي بن راشد ، وهو الحسن بن راشد الثقة في رجال الجوادعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٤) ، وورد فيه أخبار في المدح ، ليس هذا محل ذكرها ، فالعجب من شيخناقدس‌سره أنّه قال في كتاب الخمس من المدارك : إنّ أبا علي بن راشد لم يوثق صريحاً(٥) .

والخامس : فيه داود الصرمي ، وهو ابن مافِنَّة المهمل في الرجال(٦) . وبشير بن يسار هو الموجود فيما رأيته من النسخة ، وفي الرجال بشر بن يسار بغير ياء(٧) ، وهو مهمل على كل حال.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٤٤ / ٩٢٨.

(٢) رجال الطوسي : ٢٢٣ / ١٢.

(٣) رجال الطوسي : ٣٩٠ / ٤٠.

(٤) رجال الطوسي : ٤٠٠ / ٨.

(٥) المدارك ٥ : ٣٠٤.

(٦) رجال النجاشي : ١٦١ / ٤٢٥ ، الفهرست : ٦٨ / ٢٦٨.

(٧) الفهرست : ٤٠ / ١٢٠.


والسادس : واضح ، والعباس هو ابن معروف في الظاهر من ممارسة الأخبار ، وغيره ممن يضر بالحال في غاية البعد.

والسابع : لا ارتياب فيه.

والثامن : مضى فيه القول مفصلاً من جهة البرقي(١) .

المتن :

في الأوّل : لا يخلو من نوع حزازة في التعبير ومنشأه النقل بالمعنى ، ومن أمثال هذا يظهر أنّ الالتفات إلى نكت المعاني في

أخبارنا(٢) محتاج إليه.

وقد استفاد بعض محققي المعاصرين سلّمه الله من الخبر التناول لجلود الأرانب والثعالب وأوبارها ، بل في الشعرات العالقة بالثوب منها ومن سائر ما لا يؤكل ، سواء كانت له نفس سائلة أم لا ، وسواء كان قابلاً للذكاة أم لا ، إلاّ ما أخرجه الدليل كالخز وشعر الإنسان نفسه والحرير غير المحض ، فلا تجوز الصلاة في جميع ذلك ، بل عدم الجواز في ثوب أصابه فضلات غير مأكول اللحم كعرقه ولعابه ولبنه ، وكذلك البدن ، فيستفاد عدم صحة صلاة المتلطخ بالزباد(٣) ، انتهى ملخصاً.

ولقائل أن يقول : إنّ الخبر تضمن أنّ الصلاة في الأشياء المذكورة ، والظرفية حقيقةً في البعض غير ممكنة ، فإمّا أن يتجوّز فيها بإرادة المعيّة ، أو يراد بها الحقيقة فيما يمكن ، والمجاز في غيره ، والأوّل وإنْ كان أقرب‌

__________________

(١) في ص ٦٨.

(٢) في « فض » و « رض » زياده : غير.

(٣) انظر الحبل المتين : ١٨٤ ، والزَّباد : الطيب المتخذ من سِنّور الزَّباد.


بالنظر إلى أنّ استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز يقتضي تعدد المجاز كما حققناه في الأُصول ، إلاّ أنّه يعارض بلزوم محذور زيادة التخصيص ، من حيث اقتضائه عدم جواز الصلاة في لعاب الحيوانات ، مثل الذباب وفضلاتها ، وعدم الجواز في الثوب الذي أصابه العسل. والظاهر عدم القائل بهذا ، والأوّل إجماعي.

ثم العرق يتناول عرق غير الإنسان ( نفسه من الإنسان )(١) ، ولم ينقل عدم جواز الصلاة في المعار من الثياب أو المشتري إلاّ بعد غسله عن السلف ، بل الظاهر خلاف ذلك من الآثار ، واحتمال الخروج بالإجماع كما خرج غير ما ذكر بالدليل ممكن ، إلاّ أنّ مثل هذا العام وإنْ خص ، وكان العام المخصوص حجة ، إلاّ أنّ اللائق بالحكمة في تعليم الأحكام غير هذا الإجمال ، ( إلاّ على التوجيه الآتي )(٢) .

واستثناء شعر الإنسان نفسه إن كان مستنده الرواية المنقولة من المستثنى فهي عامة ، وادعاء ظهور أنّ المراد بها شعر المصلّي ، كما قاله العلاّمة في المنتهى(٣) ، محل بحث ، بل الأولى الاعتماد على ما أشرنا إليه سابقاً ، من إيراد(٤) متن الرواية في الفقيه صريحة في الاختصاص(٥) .

وعلى كل حال ففضلة الإنسان نفسه غير الشعر من البصاق ونحوه ، إن كانت خارجة بسبب المشقة ، فالمشقة غير منضبطة ، والأخبار الواردة في معانقة الزوجة ( ونحوها )(٦) مع العرق وهي حائض صريحة في عدم المنع‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٣) المنتهى ١ : ٢٣٥.

(٤) في « رض » : إرادة.

(٥) تقدّم في ص ٢٥٧.

(٦) أثبتناه من « رض ».


من الصلاة ، بل معانقة غيرها كما يظهر من الأخبار.

ثم إنّ الخبر كما ترى يدل على اشتراط العلم بالذكاة في المأكول ، والقائل بهذا نادر إن وجد. ولو أُريد العلم الشرعي أمكن ، لكنه بعيد عن الظاهر ؛ ثم التقييد بأنّ الذبح ذكّاه يشكل بذكاة غيره كالجراد والسمك والمنحور وغير ذلك ممّا يطول بشرحه الكلام.

ولو حمل اللفظ على حقيقته ومجازه ربما قربه غير ما ذكرناه ما تقدم في خبر علي بن مهزيار الدال على عدم جواز الصلاة في الجوارب والتكك من وبر الأرانب ، والمعارضة بما دل على المنع تقدم القول فيها(١) ، ويمكن تخصيص الجواز بغير المنسوج.

ويقرب ما ذكرناه أيضاً أنّ السؤال عن السنجاب في جملة غيره ، والإجماع مدعى على الجواز فيه ، فيبعد أنْ يكونعليه‌السلام عمم الحكم فيه مع دعوى الإجماع وإنْ قرّب هذا ما يوجد في الإجماع المنقول بكثرة من مخالفة الناقل نفسه.

وما يقال في السنجاب : من أنّ بعض الأخبار الواردة فيه متعارضة ، فستسمع القول في ذلك إن شاء الله(٢) .

أمّا تأييد الخبر لما دل على النهي عن الصلاة في الحرير المحض ، وهو خبر محمّد بن عبد الجبار ، فالحال غير محتاجة إليه ، نعم ذاك الخبر قد يقال فيه نحو ما ذكرناه هنا من أنّ « في » حقيقة في الظرفية ، فإذا دلّ الخبر على انّ الصلاة في الحرير غير جائزة ظهر منه أن يكون الحرير ظرفاً على الحقيقة أو ما يقرب منها ، حيث كان السؤال عن التكة ، ولا يبعد حقيقة‌

__________________

(١) في ص ١٩٣١.

(٢) انظر ص ١٩٤٨ و ١٩٤٩ و ١٩٥٠.


الظرفية عنها بعد التأمّل.

أمّا مثل القطعة في الثوب فيمكن أيضاً ادّعاء الظرفية ، بخلاف مثل الزرور ونحوها فإنّها في المعنى من قبيل المحمول.

وما يقال من أنّه لو جاز الحرير في الزرور لجاز الذهب ، أمكن الاعتراف به ، كما أنّ الحرير لو كان مجرد الحصول كافياً في المنع لزم في مثل الخيوط المنع ، ولا أظن قائلاً بذلك.

أمّا القلنسوة من الحرير فورد في بعض الأخبار ما يقتضي المنع منها ، وهو ما رواه الشيخ في ما يأتي عن محمّد بن عبد الجبار(١) ، وسيأتي(٢) أنّ الخبر لولا أنّه ظاهر في صدق الظرفية على القلنسوة لأمكن أنْ يقال : إنّ الجواب محتمل لأن يراد الإخبار عن اشتراط الظرفية ، والقلنسوة ليست ظرفاً ، غير أنّ الظاهر ما سمعته.

ولا يبعد أن يراد بظرفية الصلاة مثل هذا ، كما في التكة ، مع احتمال أنْ يقال في التكة كما في القلنسوة : من أنّهعليه‌السلام أراد بيان اشتراط الظرفية ، وسيأتي بقية الكلام في الحرير إن شاء الله(٣) ، وإنّما ذكرنا ما هنا للنقل السابق.

ثم إنّ الثاني كما ترى على تقدير تسليم السند يدل بسبب عدم الاستفصال من الإمامعليه‌السلام على العموم في الشعر للآدمي وغيره ، والمخصص قد سبق القول فيه ، والظرفية ربما تنافي صريحاً ما قررناه ، إلاّ أنّ إمكان إرادة عدم الصلاة في الثوب الذي أصابه الشعر والوبر ، وغير خفي‌

__________________

(١) في ص ١٩٥٢.

(٢) في ص ١٩٥٢.

(٣) في ص ١٩٥٤.


الفرق حينئذ بينه وبين الأوّل من هذه الجهة ، إلاّ أنّ في هذا دلالة على أنّ المراد في الخبر الأوّل الأعم من الشعر المنسوج وغيره.

والثالث : واضح الدلالة على جواز الصلاة في السنجاب لو صحّ السند ، والتعليل بأنّه لا يأكل اللحم ، قيل : إنّ المراد به نفي كونه من السباع ؛ لأنّ السبع هو الذي لا يكتفي في الغذاء بغير اللحم(١) ، وقد ادعى العلاّمة في المنتهى الإجماع على التحريم في السباع وكذلك في المسوخ(٢) ، ولا يخفى ما في الإجماع الأوّل من النظر ، والتفسير كذلك ، لكن إنّما ذكرنا ما نقله العلاّمة لاحتمال أنّ يقال : إنّه يستفاد عدم صحة الصلاة في جلود السباع. والثعلب يأكل اللحم ، فالخبر يدل على الثعلب من نفي الخير والتعليل.

والرابع : يدل على أنّ الفنك والسنجاب يُصلّى فيهما ، فيؤيّد الإجماع المنقول في السنجاب(٣) ، وبعض الأخبار يؤيده(٤) ، ومعارضة الخبر الأوّل له توجب تخصيص الأوّل ، والجواب عن الخبر المبحوث عنه بتضمنه الفنك ، وهم لا يقولون به يمكن أن يقال عليه : إنّه يجوز إخراج الفنك بالدليل ، ولا مانع من ذلك ، وفيه : كمال استبعاد التخصيص ، مع نصوصية الخبر في تخصيص الفنك والسنجاب.

وما عساه يقال : من إمكان ذكر الفنك مع السنجاب للجواز في الأمرين ، والنص على المنع في الفنك غير معلوم من القائلين بالسنجاب ،

__________________

(١) كما في المدارك ٣ : ١٧٠.

(٢) المنتهى ١ : ٢٢٦.

(٣) المدارك ٣ : ١٧٠.

(٤) الوسائل ٤ : ٣٤٧ أبواب لباس المصلي ب ٣.


والإجماع على المنع معلوم الانتفاء من ظاهر الصدوق في الفقيه(١) .

يمكن أن يجاب عنه : بأنّ المنقول القول بالجواز عن الشيخ في النهاية والمبسوط ، حتى قال ( في المبسوط )(٢) : وأمّا السنجاب والحواصل فلا خلاف في أنّه تجوز الصلاة فيهما. والظاهر من هذا نفي الجواز في الفنك ، هكذا حكاه العلاّمة في المختلف عنه(٣) .

وأمّا المتأخّرون عن العلاّمة فالشهيد في الذكرى ينقل عنه القول بالجواز(٤) ، وتبعه المحقّق الشيخ علي(٥) ؛. وغير خفي أنّ الجواب بقول إنهم لا يقولون بالفنك ، منحصر في الشيخ على ما في المختلف ؛ لأنّه الناقل للقول ، ثم القائل : احتج المجوزون بالرواية المبحوث عنها ، ثم المجيب : بأنّهم لا يقولون(٦) . والحال أنّه نقل عن الشيخ في الخلاف أنّه قال : كلّ ما لا يؤكل لحمه لا تجوز الصلاة في جلده ، إلى أن قال : ووردت رخصة في جواز الصلاة في الفنك والسمور والسنجاب ، والأحوط ما قلناه(٧) ، يعني المنع.

ونقل عن ابن الجنيد المنع(٨) ، وكذا عن أبي الصلاح(٩) ، وعن السيّد‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٧٠.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) المختلف ٢ : ٩٣ ، وهو في النهاية : ٩٧ ، وفي المبسوط ١ : ٨٢ ، ٨٣.

(٤) الذكرى : ١٤٤ ، وحكاه عنه في الحبل المتين : ١٨٢.

(٥) جامع المقاصد ٢ : ٧٩.

(٦) المختلف ٢ : ٩٥.

(٧) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٣ ، وهو في الخلاف ١ : ٥١١.

(٨) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٣.

(٩) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٣ ، وهو في الكافي في الفقه : ١٤٠.


المرتضى في الجمل(١) ، وابن زهرة(٢) وعن سلاّر(٣) نحو ما قاله الشيخ في الخلاف وعن ابن بابويه ما ذكره في رسالة أبيه له المتضمنة لأنّه : إذا كان عليك من سنجاب أو سمّور أو فنك فانزعه ، وقد روي فيه رخص(٤) .

وأنت خبير بأنّ القائل بالجواز حينئذٍ الشيخ وسلاّر ، وظاهر كلام علي ابن بابويه ، وقد ذكروا الرخصة في الفنك ، فالجواب بأنّهم لا يقولون بالفنك ، إن أُريد به مطلقاً ، فتوجّه الكلام فيه ظاهر ، وإن كان على سبيل الاختيار ، إن أُريد بالرخصة الاضطرار ، أو أنّ الأولى ترك الصلاة فيه ، فكان الأولى بيان حقيقة الحال ، ( لا الجواب بأنّهم )(٥) لا يقولون على الإطلاق.

وأمّا الصدوق فقد روى عقيب ما نقله عن أبيه ما يدل على جواز الصلاة في الفنك والسنجاب ، والرواية عن يحيى بن أبي عمران ، أنّه قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني ٧ في السنجاب والفنك والخزّ ، وقلت : جعلت فداك أُحب أن لا تجيبني بالتقية في ذلك ، فكتب بخطه إليّ : « صلّ فيها »(٦) .

وهذه الرواية وإن كان في سندها محمّد بن علي ما جيلويه ، وفيه كلام مضى ، ويحيى بن أبي عمران غير مذكور في الرجال(٧) ، إلاّ أنّ‌

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٤ وهو في جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٢٨.

(٢) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٤ ، وهو في الغنية : ٥٥٥.

(٣) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٤ ، وهو في المراسم : ٦٤.

(٤) حكاه عنه في المختلف ٢ : ٩٤ ، وهو في الفقيه ١ : ١٧٠.

(٥) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٦) الفقيه ١ : ١٧٠ / ٨٠٤ ، الوسائل ٤ : ٣٤٩ أبواب لباس المصلي ب ٣ ح ٦.

(٧) ذكره الكشي في ترجمة أحمد بن سابق ، رجال الكشي ٢ : ٨٢٨ ، وذكر الصدوق طريقه إليه في مشيخة ( الفقيه ٤ ) : ٤٤. وراجع معجم رجال الحديث ٢٠ : ٢٦ ٢٨.


المقصود من ذكرها كون الظاهر من نقلها اعتماد الصدوق على مضمونها ، وهي تعطي انتفاء الضرورة ، فلا يكون قائلاً بالرخصة كما قاله أبوه في رسالته ، إلاّ أن يقال : إنّ المستفاد من الرواية الإفتاء من غير تقية ، وهذا لا ينافي الجواز ( لضرورة اخرى ، وفيه ما فيه.

والحاصل أنّ الرواية لها اعتبار بما كررنا القول فيه ، ودلالتها على مذهب الصدوق كذلك )(١) فيكون قائلاً بالفنك ، فلا إجماع على نفي الجواز ، إلاّ أن يثبت تأخّره ، وفيه ما فيه. كما أنّ القائل بالجواز في السنجاب غير مانع من الفنك مطلقاً ، فلا مانع من العمل بظاهر الخبر المبحوث عنه ، غاية الأمر احتمال اختصاص الفنك والسنجاب بالرخصة ، كما يظهر من بعض القائلين بالجواز في السنجاب من المتقدمين(٢) .

ومن هنا يظهر ما في كلام العلاّمة من النظر ، والمشي على قوله في عبارة جدّي ١ في شرح الإرشاد(٣) ، وكلام بعض محققي المعاصرين(٤) سلّمه الله أغرب.

نعم يبقى الكلام في ضميمة الحواصل للسنجاب في دعوى الشيخ عدم الخلاف(٥) ، وهو أعلم بالحال ، كما أنّ السمّور في الخبر المبحوث عنه قد نهي عنه ، والشيخ ادعى الرخصة فيه ، فإن استند إلى الخبر [ السادس ](٦) فهو محمول هنا على التقية ، ولو أراد بالرخصة التقية لم يتم حكمه في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) تقدّم في ص ١٩٤٩ وهو الشيخ في الخلاف ١ : ٥١١ وسلار في المراسم ٦٤.

(٣) روض الجنان : ٢١٣.

(٤) الحبل المتين : ١٨٢.

(٥) كما في المبسوط ١ : ٨٢ ٨٣.

(٦) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.


السنجاب ، لمشاركته للفنك والسمور ، وبالجملة فالأمر لا يخلو من اضطراب.

ولو نظرنا إلى الأصل في جواز الصلاة ما لم يعلم التحريم ، ومع تعارض الأخبار في السنجاب لا يتحقق الخروج عن الأصل ، احتمل أنْ يقال : إنّ ما دل على المنع من الصلاة في جلد غير المأكول بعمومه موجود ، فيخرج عن الأصل ، وفيه : أنّ من يعمل بالموثق يمكنه أنْ يستدل بخبر ابن بكير على ما ذكر ، ومن لم يعمل فالأصل عنده له وجه ، واحتجاج العلاّمة في المختلف بأنّ الذمة مشغولة بيقين ، فلا يحصل اليقين في السنجاب(١) ، فيه نظر واضح ، ذكرنا وجهه في الكتاب ، والاحتياط مطلوب.

وأمّا [ الخامس (٢) ] : فالخلل الواقع في متنه غير خفي ، وأظن أنّ عدم التعرض له بعد معرفة حال السند أولى.

[والسادس (٣) ] : قد قدّمنا فيه القول ، بأنّ شيخنا ١ ذكره في جملة الأخبار الصحيحة الدالة على جواز الصلاة في الثعالب(٤) ، وغير خفي اشتماله على ما يتعين بسببه الحمل على التقية.

وما عساه يقال : إنّ ما تضمنه من قوله : وأشباهه ، لعلّ المراد به أشباهه ممّا تضمنه غيره من الأخبار ، لا ما ادّعي عليه الإجماع في المنتهى من السباع والمسوخ(٥) ، وحينئذٍ يراد بالأشباه الفنك والحواصل على قول الشيخ من الإجماع في الحواصل.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٩٥.

(٢) في النسخ : الرابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : الخامس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) المدارك ٣ : ١٧٠.

(٥) المنتهى ١ : ٢٢٦.


يمكن الجواب عنه : بأنّ السمّور لا قائل به على وجه الاختيار ، وظاهر النص خلافه ، وعلى هذا يبعد إطلاق الحكم في الثعالب ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الغرض من النص أصل الجواز ، ويبقى حكم الضرورة في البعض موكولاً إلى غيره من الأدلة. وفيه : أنّ المستدل بالخبر لو قال بهذا أمكن التوجيه ، وإلاّ فلا وجه للاستدلال بالخبر.

[والسابع (١) ] : ظاهر في جواز اللبس ، أمّا الصلاة فأمر آخر ، إلاّ أن يُدّعى أن إطلاق الجواب مع احتمال الصلاة فيه كافٍ في الجواز ، وفيه : أنّه لا مانع من التخصيص ، ولعلّ احتمال التقية ، كما قاله الشيخ أقرب إلى الاعتبار ، أمّا احتمال الجواب عن البعض فلا ينبغي أن ينسب إلى الأئمّة الأطهار.

وأما [ الثامن (٢) ] : فالظاهر من الشيخ حيث عبّر بالكراهة أنّه فهم من النهي فيه ذلك ، بمعونة غيره من الأخبار ، وللبحث فيه مجال.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الفنك بالتحريك : دابة فروها أطيب أنواع الفراء وأعدلها(٣) . وفي الحبل المتين : أنّه حيوان غير مأكول اللحم ، يتخذ من جلده الفراء ، والسمّور على وزن تنور ، أو بكسر السين وتشديد الميم المفتوحة(٤) .

__________________

(١) في النسخ : والسادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) في النسخ : السابع ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) القاموس المحيط ٣ : ٣٢٧.

(٤) الحبل المتين : ١٨٠.


قوله :

باب كراهية الصلاة في الإبريسم المحض.

محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن عبد الجبار ، قال : كتبت إلى أبي محمّدعليه‌السلام أسأله هل يُصلّى في قلنسوة حريرٍ محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتبعليه‌السلام : « لا تحل الصلاة في حرير محض ».

أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن إسماعيل بن سعد الأشعري ، قال : سألته عن الثوب الإبريسم ، هل يصلّي فيه الرجل؟ قال : « لا ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن عدة من أصحابنا ، عن علي بن أسباط ، عن أبي الحارث قال : سألت الرضاعليه‌السلام هل يصلّي الرجل في ثوب إبريسم؟ قال « لا ».

فأمّا ما رواه سعد ( بن عبد الله )(١) ، عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد ابن إسماعيل بن بزيع قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الصلاة في ثوب ديباج؟ فقال : « ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس ».

فأوّل ما في هذا الخبر أنّا قد روينا عن أبي الحسنعليه‌السلام ما ينافي هذه الرواية ، ولا يجوز أن تختلف أقواله عليه‌السلام إلاّ لوجهٍ ( أو تأويلٍ ) (٢) صحيح ، على أنّه ليس في ظاهر الخبر أنّه لا بأس على كل حال ، وإذا لم يكن ذلك فيه حملناه على حال الحرب دون حال الاختيار ، يدل على ذلك‌ :

__________________

(١) ليس في الاستبصار ١ : ٣٨٦ / ١٤٦٥.

(٢) في « فض » : أو لتأويل ، وفي « فض » : والتأويل ، وفي « م » : أو التأويل ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٨٦.


ما رواه سعد ، عن محمّد بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن لباس الحرير والديباج؟ قال : « أمّا في الحرب فلا بأس وإن كان فيه تماثيل ».

ويجوز أن يكون المراد بالديباج ما يكون مخلوطاً بالقطن أو الكتان ، لأنّ ذلك تجوز الصلاة فيه ، ويكون تسميته بالديباج على ضربٍ من التجوّز ، يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان بن يحيى ، عن يوسف ابن إبراهيم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « لا بأس بثوبٍ(١) أن يكون سداه وزرّه وعلمه حريراً ، وإنما كره الحرير المبهم للرجال ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب ، عن موسى بن بكر ، عن زرارة قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام ينهى عن لباس الحرير للرجال والنساء ، إلاّ ما كان من حرير مخلوطٍ (٢) بخزّ أو سداه خزّ أو كتان أو قطن ، وإنّما يكره الحرير المحض (٣) للرجال والنساء.

السند‌ :

في الأوّل : لا ارتياب في صحته ، كالثاني.

والثالث : فيه مع الإرسال جهالة أبي الحارث ؛ إذ لم أقف عليه في‌

__________________

(١) الاستبصار ١ : ٣٨٦ / ١٤٦٧ : بالثوب.

(٢) في « رض » : مخلوطاً.

(٣) في النسخ : محضاً ، وما أثبتناه من التهذيب ٢ : ٣٦٧ / ١٥٢٤ والاستبصار ١ : ٣٨٦ / ١٤٦٨.


الرجال. أمّا علي بن أسباط فمعلوم الحال.

والرابع : لا ريب في صحته ، ومنه يعلم أنّ رواية محمّد بن يعقوب عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع بواسطتين ، فيبعد الرواية(١) عنه بلا واسطة ، كما يخيل في محمّد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان أنّه ابن بزيع.

والخامس : فيه محمّد بن عيسى وقد قدّمنا(٢) رجحان قبول روايته في غير موضع الاستثناء(٣) . كما ذكرنا حال سماعة بن مهران(٤) .

والسادس : فيه يوسف بن إبراهيم ، وهو مهمل في رجال الصادق ٧ من كتاب الشيخ(٥) .

والسابع : فيه موسى بن بكر ، وهو واقفي غير ثقة.

المتن :

في الأوّل : استدل به المانعون من الصلاة في الحرير إذا كانت الصلاة لا تتم في الثوب وحده ، حكاه في المختلف بعد أن نقل عن الشيخ أنّه قال : تكره الصلاة في التكة والقلنسوة إذا عملتا من حريرٍ محض ، واختاره ابن إدريس ، وقال أبو الصلاح : ومعفو عن الصلاة في القلنسوة والتكة والجورب والنعلين والخفين ، وإن كان نجساً أو حريراً ، والتنزه عنه أفضل. وكذا قال الشيخ في المبسوط ، ولم يستثن المفيد ولا ابن بابويه‌

__________________

(١) في « رض » : فيبعد وجه الرواية ، وفي « م » فلا وجه للرواية ، وما أثبتناه من « فض ».

(٢) في « رض » زيادة : احتمال.

(٣) تقدم في ص ٥٣.

(٤) في ص ٧٨.

(٥) رجال الطوسي : ٣٣٦ / ٥٧.


ولا ابن الجنيد شيئاً ، والظاهر من مذهبهم عموم المنع(١) .

ثم نقل احتجاج الشيخ بالأصل وهو عدم التكليف بالتحريم ، ولأنّ تسويغ الصلاة فيهما مع النجاسة وإخراجهما عن عموم حكم الثياب يستلزم تسويغ الصلاة فيهما إذا كانا من إبريسم محض ؛ لاشتراكهما في المصلحة المطلوبة من الصلاة فيهما.

وبما رواه الحلبي ، عن الصادقعليه‌السلام قال : « كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه ، مثل التكة الإبريسم والقلنسوة والخفين والزّنار(٢) يكون في السراويل ويصلّى »(٣) .

وأجاب العلاّمة عن الحجة المذكورة ، أمّا عن الأصل : فبالمعارضة بما دل على المنع ، وبالفرق بين النجس والحرير ؛ لأنّ المانع في النجس عارض ، وفي الإبريسم ذاتي.

والحديث في طريقه أحمد بن هلال ، وهو غالٍ ، وابن الغضائري وإن عمل بروايته فيما يرويه عن ابن أبي عمير ، أو الحسن بن محبوب ، إلاّ أنّ عندنا غلوّه يمنع من قبول روايته ، ثم قال العلاّمة : ورواية محمّد بن عبد الجبّار(٤) قويّة ، فإذن الأقوى المنع(٥) . انتهى.

وفي نظري القاصر أنّ في المقام بحثاً من وجوه :

الأوّل : رواية محمّد ابن عبد الجبّار كما ترى ظاهرة في المنع في‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٩٨.

(٢) الزنّار كتُفّاح : شي‌ء يكون على وسط النصارى واليهود ، والجمع زنانير مجمع البحرين ٣ : ٣١٩ ( زنر ).

(٣) الوسائل ٤ : ٣٧٧ أبواب لباس المصلي ب ١٤ ح ٢.

(٤) المتقدّمة في ص ١٩٣١.

(٥) حكاه في المختلف ٢ : ٩٨ ، ٩٩.


الصلاة من الحرير المحض بعد السؤال عما ذكر فيها ، وقد قدّمنا(١) نوع احتمال من جهة الظرفية ، إلاّ أنّ الظاهر دخول القلنسوة ، لبعد الجواب على وجه يخرج عن السؤال ، لكن لا يخفى أنّ رواية محمّد بن إسماعيل دالة على الجواز ، وحمل الشيخ لا يعيّن الرواية ، بل هو احتمال ، وغيره لا يمتنع ، بل يجوز حمله على الجواز والأوّل على الكراهة ، والتعبير بلفظ « لا تحل » لا مانع منه ، بسبب المعارض ، والإجماع الواقع(٢) للكراهة ، حيث لم ينقل بالجواز في الحرير المحض للرجال ، فيه : أنّ ما لا تتم الصلاة فيه منفرداً قد تحقق فيه الخلاف ، فانتفى الإجماع ، وحينئذٍ فالأصل لا يُخرج عنه بمجرد خبر محمّد ابن عبد الجبّار بعد وجود المعارض له.

فإن قلت : إنّ الشيخ في ظاهر العنوان حاكم بالكراهة في الحرير المحض ، فكيف الإجماع؟

قلت : الظاهر أنّ الشيخ ذكر الكراهة قاصداً بالباب ما لا تتم الصلاة فيه منفرداً ، ولمّا كان عنده فيه الكراهة كما نقله العلاّمة(٣) ، جعل العنوان بما في ذهنه ، مع احتمال إرادة التحريم من الكراهة ، إذ هي تُستعمل في ذلك ، وربّما يؤيد الثاني ما ينقله من الأخبار الأُخر مع المعارض كما لا يخفى.

وفي الظن أنّ من الوجه الذي ذكرناه يمكن الاستدلال على جواز صلاة النساء في الحرير المحض ، وإن كان الجواب في خبر محمّد بن عبد الجبار عاما ، فيقال : إنّ الأصل لا يخرج عنه مع التعارض ، والإجماع منتفٍ من جهة النساء.

__________________

(١) في ص ١٩٤٨.

(٢) في « م » و « فض » : الرافع.

(٣) المختلف ٢ : ٩٨.


فإن قلت : الخبر الدال على المنع لا يمكن حمله على الكراهة مطلقاً ، لأنّ من الحرير المحض ما لا خلاف في تحريم الصلاة فيه ، وحينئذٍ لا بدّ من الحمل على التحريم ، وما دل على الجواز يحمل على ما قاله الشيخ ، ولو حمل ما دل على المنع على الأعم من الكراهة والتحريم ، أشكل بأنّ حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز ممنوع منه في مثل المقام ، أو مطلقاً.

قلت : يمكن توجيه حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز ، ولا مانع منه مجازاً ، والقرينة في مثله لا يضر خفاؤها عنّا ، والمعارض وهو ما دل على الجواز قرينة المجاز بالنسبة إلينا ( بنوع من )(١) التوجيه.

ولو نوقش في ذلك ، أمكن الحمل على عموم المجاز ، وربما كان أقرب من الأوّل ، كما قُرر(٢) في الأُصول ، وحينئذٍ يراد مطلق المرجوحية. وعلى التقديرين يبقى الخبر الدال على المنع مجملاً ، فيتم مطلوبنا.

فإن قلت : على تقدير حمل الشيخ يبقى الخبر الأوّل على حقيقته ، وهو أولى من المجاز.

قلت : لا بدّ من التجوّز في الخبر الأوّل على تقدير إرادة التحريم ، لا من حيث جواز صلاة النساء في الحرير ، لإمكان أن يقال : إنّ الظاهر من السؤال الرجال ، بل لأنّ الشيخ قائل بجواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه منفرداً من الحرير.

ولو نوقش في هذا ، بأنّ الشيخ له أنّ يوجّه الخبر الأوّل ، بأنّ إطلاقه يُقيد بما ظنه مقيداً ، أمكن أن يقال بأنّ التجوّز حينئذٍ لازم.

__________________

(١) ما بين القوسين أثبتناه من « رض ».

(٢) في « رض » : قررنا.


وأمّا ما ذكره العلاّمة في المختلف : من أنّ الخبر لمّا كان السؤال فيه عن ملابس الرجال ، فالظاهر اختصاصه بالرجال وإن عمّ(١) ؛ ففيه نوع كلام ؛ لأنّ قولهم : الاعتبار بعموم الجواب ، يأبى ما ذكره ، كما أوضحنا القول في المسألة في معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه ، حيث اختار المنع مطلقاً(٢) ، لكن هذا النحو من الاستدلال لم يتقدم منا.

وما عساه يقال : إنّ خبر محمّد بن إسماعيل فيه الديباج ، ومن أين يعلم أنّه الحرير؟ بل يجوز كونه الممزوج بالقطن ونحوه ، كما ذكره الشيخ.

يجاب عنه : بتصريح أهل اللغة فيما وقفت عليه منقولاً عنهم بأنّه نوع من الثياب متخذ من الحرير(٣) ، والظاهر من الشيخ الاعتراف بهذا ، لأنّه قال : على ضربٍ من التجوز ، فعُلم منه أنّه الحرير المحض حقيقة.

ويؤيد خبر محمّد بن إسماعيل خبر رواه الصدوق ، عن إبراهيم بن مهزيار(٤) ، وحمله على وجهٍ بعيد ، ( يعلمه من راجعه )(٥) .

[ و(٦) ] روى أيضاً الشيخ في زيادات التهذيب ، عن الحسين بن سعيد ، قال : قرأت كتاب محمّد بن إبراهيم إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، يسأله عن الصلاة في ثوبٍ حشوه قزّ فكتب إليه : « قرأته ، لا بأس بالصلاة فيه »(٧) فليتأمّل هذا كلّه.

__________________

(١) المختلف ٢ : ٩٧.

(٢) الفقيه ١ : ١٧١.

(٣) انظر : لسان العرب ٢ : ٢٦٢ ، المصباح المنير : ١٨٨. وفي الجميع : وهي الثياب المتخذة من الإبريسم.

(٤) الفقيه ١ : ١٧١ / ٨٠٧ ، الوسائل ٤ : ٤٤٤ أبواب لباس المصلي ب ٤٧ ح ٤.

(٥) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٦) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٧) التهذيب ٢ : ٣٦٤ / ١٥٠٩ ، الوسائل ٤ : ٤٤٤ أبواب لباس المصلي ب ٤٧ ح ١.


وهذا الخبر مع صحته يؤيد أنّ المنع من الحرير ليس مطلقاً ، كما يستفاد من خبر محمّد بن عبد الجبّار ، وتفسير القزّ بقزّ الماعز ، كما ذكره الصدوق في خبر إبراهيم بن مهزيار(١) ، في غاية البعد.

وينقل عن الشهيد في الذكرى القول بجواز الصلاة في ثوبٍ حشوه قز(٢) ، والمحقق في المعتبر منع ، نظراً إلى عموم النهي(٣) ، وفيه نظر واضح ، يعرف ممّا قرّرناه.

( أمّا ما قاله المحقق أيضاً : من أنّ الحسين بن سعيد في الخبر المنقول عن الشيخ ، لم يسمعه من محدّث ، وإنّما وجده في كتاب(٤) )(٥) ، فقد اعترضه في الذكرى بأنّ الظاهر جزم الحسين بن سعيد ، والمكاتبة المجزوم بها في قوة المشافهة(٦) ، والأمر كما قال.

الثاني : ما ذكره العلاّمة في جواب الشيخ ، من أنّ الفرق بين الحرير والنجس ظاهر ، للفرق بين العارض والذاتي(٧) ، لا يخفى أنّه يقتضي كون ما لا تتم الصلاة فيه منفرداً إذا كان من عين النجاسة لا تصح الصلاة ، بل إذا كان منجّساً تجوز ، لأنّ العارض في المقام لا يفهم له معنى إلاّ من هذه‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٧١.

(٢) الذكرى : ١٤٥.

(٣) المعتبر ٢ : ٩١.

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : أمّا ما قاله المحقق أيضاً أن الحسين بن سعيد في الخبر المنقول عن الشيخ لم يسمعه من يحدث وإنّما هو وجده في كتاب. وفي « فض » : أمّا ما قيل من أنّ الحسين بن سعيد في الخبر المنقول عن الشيخ لم يسمعه من محدث قاله المحدث أيضاً وجده في كتاب. وما أثبتناه من « م ».

(٥) المعتبر ٢ : ٩١.

(٦) الذكرى : ١٤٥.

(٧) المختلف ٢ : ٩٩.


الجهة ، والحال أنّهم في بحث نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه لم يذكروا الفرق ، وإن كان يفهم من التمثيل بالخف النجس ونحوه كون النجاسة ( عارضة ، أمّا أنّه من نفس النجاسة )(١) كالميتة مثلاً فلا ، وهذا قد يمكن توجيهه بما دل على عدم الصلاة في الميتة ولو بشسعٍ منها وما دلّ على فأرة المسك كما قدّمناه(٢) . فكان على العلاّمة أنْ يوضح الحال في مسألة ما لا تتم الصلاة فيه منفرداً من بيان الفرق ، ولعلّه اعتمد على ظاهر كلامه المفيد للنجاسة العارضية.

فإن قلت : ما الفرق بين العارضية والذاتية؟

قلت : قد ذكر بعض محققي المعاصرين سلّمه الله أنّ الذاتي مثل التكة من جلد الميتة ، أو غير المأكول(٣) ، وكأنّ المراد أنّ النجس هو الثوب الذي تعرض له النجاسة ، فالعفو عن القلنسوة ونحوها إذا كانت نجسة من خارج ، بخلاف ما إذا كانت من نفس النجاسة ، والحرير نفس الثوب ممنوع من الصلاة فيه ، وكذا القلنسوة ونحوها من الحرير.

وغير خفي إمكان أن يقال : إنّ ما تقدم من خبر محمّد بن عبد الجبّار(٤) صريح في أنّ القلنسوة من وبر ما لا يؤكل لحمه إذا كان ذكيا تصح الصلاة فيه ، فأيّ فرق [ بينها(٥) ] وبين الحرير؟ إذ الأمران ذاتيان ، والتكة من الميتة على تقدير المنع منها بما قدمناه ، يقال : إنّها خارجة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٢) في ص ٢٥٩.

(٣) كالبهائي في الحبل المتين : ١٨٤.

(٤) تقدّم في ص ٢٤٧.

(٥) في النسخ : بينهما ، والظاهر ما أثبتناه.


بالنص ، لا لكون النجاسة ذاتية ، على أنّ النجاسة لا معنى لها إلاّ ما توقفت العبادة على إزالتها ، ونحو ذلك ، فالثوب النجس ذاتاً وعرضاً يحتاج الفرق بينهما إلى مشقة ، غاية الأمر أنّ مقام البحث يكفيه ما ذكر ، لولا قضية القلنسوة من الوبر.

ولعلّ الأولى أن يقال في الجواب : إنّ المانع النص على المنع من الحرير مطلقاً ، والنص في القلنسوة من غير الحرير ، وإن نظرنا إلى ما احتملناه في الحرير من الرجوع إلى الإجماع ، لاختلاف الأخبار ، يتحصل لقول الشيخ وجه ، إذ الإجماع في القلنسوة ونحوها منتفٍ ، نعم وجدت في رواية معتبرة(١) ما يدل على أنّ الديباج غير الحرير ، وهي ما رواه علي بن جعفر في الصحيح ، عن أخيه ، وفيها السؤال عن فراش حرير ، ومثله من الديباج ، ومصلّى من حرير ، ومثله من الديباج(٢) .

وعلى هذا فخبر محمد بن إسماعيل بن بزيع الوارد في الديباج غير صريح ، إلاّ أن يقال : إنّ الديباج حرير مختلف الألوان ، كما يشعر به قوله في الخبر(٣) : « ما لم يكن فيه التماثيل » لكني لم أرَ مَن صرّح بذلك من أهل اللغة ، فليتأمّل.

الثالث : ما ذكره العلاّمة : من أنّ رواية الحلبي وإن عمل ابن الغضائري ، إلى آخره. يريد به أنّ الرواية سندها عن أحمد بن هلال ، عن ابن أبي عمير ، وذكر في الخلاصة عن ابن الغضائري ، أنّه توقف في رواية أحمد بن هلال : إلاّ فيما يرويه عن ابن أبي عمير من نوادره(٤) ، ثم رجّح‌

__________________

(١) في « فض » : مفسّرة.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٧٣ / ١٥٥٣ ، الوسائل ٤ : ٣٧٨ أبواب لباس المصلي ب ١٥ ح ١.

(٣) المتقدم في ص ١٩٥٥.

(٤) الخلاصة : ٢٠٢ / ٢.


العلاّمة عدم العمل بما يرويه ، كما في المختلف(١) .

وقد يتوجه عليه : أنّ المنقول روايته عن ابن أبي عمير من نوادره ، والعلم بأنّ الرواية من نوادره غير حاصل.

ثم إنّ قول ابن الغضائري ، إن كان مقبولاً عنده فلا وجه لعدم قبول رواية أحمد مطلقاً ، وإن كان غير مقبول فكيف يعتمد عليه في كثير من المواضع؟ ولعلّ الوجه في عدم قبول قول ابن الغضائري هنا تعارض الأقوال في أحمد ، وما عساه يقال : إنّ الشيخ قد ذكر في الفهرست إلى جميع روايات ابن أبي عمير وكتبه(٢) ، ما يوجب القبول ، وهذه الرواية من روايات ابن أبي عمير بنقل الشيخ ، فجوابه قد قدمناه بما يغني عن الإعادة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الثاني غني عن البيان بعد ما ذكرناه في الأوّل كالثالث.

والرابع : مضى أيضاً ما لا بدّ منه فيه ، وقول الشيخ : قد روينا عن أبي الحسنعليه‌السلام ما ينافي هذه الرواية صريح في أنّه فهم من الديباج الحرير ، أمّا ما استدل به على الحمل فقد يدل على المغايرة في الجملة ، وفيه نوع منافاة للخبر المحمول على حال الحرب ؛ لتضمن الخبر ما لم يكن فيه تماثيل ، والخبر الدالّ تضمن الجواز وإن كان فيه تماثيل ، ولعل الحمل على الكراهة في التماثيل ممكن ، فيندفع المحذور عن الشيخ.

أمّا [ السادس (٣) ] : فالدلالة فيه كأنها من حيث إنّ المبهم يراد به‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ٩٩.

(٢) الفهرست : ١٤٢ / ٦٠٧.

(٣) في النسخ : الخامس ، والصحيح ما أثبتناه.


المحض ، لكن الكراهة تنافي مطلوب الشيخ إن أراد التحريم في العنوان ولعل مراده بالكراهة التحريم كما سبق(١) ، ولو صح الخبر دل على اختصاص الرجال بالتحريم ، لكن قد علمت حال السند.

[والسابع (٢) ] : يدل على اشتراك الرجال والنساء في التحريم ، لكن القائل بالتحريم مطلقاً غير معلوم ، بل ظاهر الصدوق القائل بمنع الصلاة في الحرير للمرأة جواز اللبس(٣) ، وكذا ينقل عن المفيد(٤) ، لكن الخبر فيه موسى بن بكر ، فالأمر سهل والاحتياط مطلوب.

قوله :

باب الصلاة في الخزّ المغشوش‌

محمّد بن يعقوب ، عن عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد يرفعه ، عن(٥) أبي عبد اللهعليه‌السلام : « في الخزّ الخالص أنّه لا بأس به ، فأمّا الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو(٦) غير ذلك مما يشبه هذا فلا يصلّى فيه ».

أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن عيسى ، عن أيوب بن نوح ، رفعه ، قال : قال أبو عبد الله :عليه‌السلام « الصلاة في الخزّ الخالص لا بأس به (٧) ،

__________________

(١) في ص ١٩٥٦.

(٢) في النسخ : السادس ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) الفقيه ١ : ١٧١.

(٤) المقنعة : ٢٥.

(٥) في الاستبصار ١ : ٣٨٧ / ١٤٦٩ : إلى.

(٦) في « رض » و « م » : و.

(٧) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٢ : ٢١٢ / ٨٣١ ، والاستبصار ١ : ٣٨٧ / ١٤٧٠.


فأمّا الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو(١) غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصلّ فيه(٢) ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن داود الصرمي ، قال : حدّثني بشير بن يسار(٣) ، قال : سألته عن الصلاة في الخزّ يغشّ بوبر الأرنب؟ فكتب : « يجوز ذلك ».

فهذا خبر شاذ ؛ إذ لم يروه إلاّ داود الصرمي ، وإن تكرر في الكتب بأسانيد مختلفة ، ويجوز أن يكون الوجه فيه ضرباً من التقيّة ، كما قلناه في غيره من الأخبار.

السند :

في الأوّل : مرفوع ، أمّا العدة إلى أحمد بن محمّد فقد بيّنّاها مفصلةً في أوّل الكتاب(٤) .

والثاني : مرفوع أيضاً ، ومحمّد بن عيسى مضى مكرراً(٥) .

والثالث : تقدّم(٦) بعينه سنداً ، وإنْ اختلف متناً ، وفيه بشير ، وذكرنا(٧)

__________________

(١) في « م » : و.

(٢) في « رض » و « م » : فلا يصلّى فيه ، وفي « فض » فلا يصل فيه ، وما أثبتناه من التهذيب ٢ : ٢١٢ / ٨٣١ ، والاستبصار ١ : ٣٨٧ / ١٤٧٠.

(٣) في « فض » و « م » : بشر بن بشار ، وفي « رض » : بشير بن بشار ، والصحيح ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٨٧ / ١٤٧١ راجع معجم رجال الحديث ٣ : ٣٣١ / ١٨٠٥.

(٤) في ص ٢٦.

(٥) تقدّم في ص ٥٣.

(٦) في ص ١٩٤٢.

(٧) في ص ١٩٤٥.


أنّ الظاهر بشر بغير ياء ، كما هو في الرجال(١) ، وعلى كل حال لا يزيد على الإهمال.

المتن :

في الأوّلين : ظاهر في نفس الوبر ، ولفظ « ما يشبه هذا » في الخبر يراد به ما يشبهه في كونه غير مأكول اللحم في الظاهر ، وقد ادعي عدم الخلاف في وبر الخزّ ، وإنّما الخلاف في الجلد ، فنقل العلاّمة في المختلف عن ابن إدريس المنع من الصلاة فيه ، مستدلاً بعموم النهي عن الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه ، واستقرب العلاّمة الجواز(٢) ، مستدلاً برواية سعد بن سعد في الصحيح المتضمّنة : أنّ كل ما حل وبره حل جلده ، والرواية في التهذيب مذكورة في الزيادات(٣) ، وفي طريقها البرقي ، وفيه كلامٌ مضى(٤) ، وفي غير التهذيب لم أقف الآن على مأخذها ؛ إذ الضرورة غير داعية إلى ذلك ، لجهالة الحال في الخز.

وتعريفه في كلام جماعة بأنّه دابّة ذات أربع ، بحرية ، إذا فارقت الماء ماتت(٥) ، لا أدري مأخذه أيضاً. وفي المعتبر : حدّثني جماعة من التجار أنّه القندس ، ولم أتحققه(٦) . وفي الذكرى : لعلّه ما يسمى في زماننا بمصر‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ١٥٥ / ٨.

(٢) المختلف ٢ : ٩٥.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٧٢ / ١٥٤٧ ، الوسائل ٤ : ٣٦٦ أبواب لباس المصلي ب ١٠ ح ١٤.

(٤) في ص ٦٨.

(٥) كما في المعتبر ٢ : ٨٤ ، المنتهى ١ : ٢٣١ ، المسالك ١ : ٢٣.

(٦) المعتبر ٢ : ٨٤.


وبر السمك(١) . وفي بعض الأخبار ما يقتضي تعريفه في الجملة(٢) ، والأمر سهل بعد ما ذكرناه. أمّا الأخبار في وبره فكثيرة معتبرة(٣) .

وأمّا الأخير : فالظاهر منه أنّه لا بأس بالغش المذكور ، أمّا جواز الصلاة فلا ظهور له فيه ، إلاّ من حيث التعميم المحتمل ، لعدم التفصيل من الإمامعليه‌السلام ، والتسديد ممكن لو احتيج إليه ، لكن الحال كما ترى.

قوله :

باب كراهية المئزر فوق القميص في الصلاة‌

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن يزيد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن بعض أصحابنا ، عن أحدهمعليهم‌السلام ، قال : « الارتداء فوق التوشّح(٤) في الصلاة مكروه ، والتوشّح(٥) فوق القميص مكروه ».

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن هشام بن سالم ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال (٦) « لا ينبغي أن تتوشح بإزار فوق (٧) القميص إذا أنت صلّيت ، فإنّه من زيّ الجاهلية ».

__________________

(١) الذكرى : ١٤٤.

(٢) التهذيب ٢ : ٢١١ / ٨٢٨.

(٣) الوسائل ٤ : ٣٢٦ أبواب لباس المصلي ب ١٠.

(٤) في النسخ : التوشيح ، وما أثبتناه من التهذيب ٢ : ٢١٤ / ٨٣٩ ، والاستبصار ١ : ٣٨٧ / ١٤٧٢.

(٥) في النسخ : التوشيح ، وما أثبتناه من التهذيب ٢ : ٢١٤ / ٨٣٩ ، والاستبصار ١ : ٣٨٧ / ١٤٧٢.

(٦) في الاستبصار ١ : ٣٨٨ / ١٤٧٣ : قال : قال.

(٧) في الاستبصار ١ : ٣٨٨ / ١٤٧٣ زيادة : قميص وأنت تصلي ، ولا تتزر بإزارٍ فوق. وفي الحاشية : زيادة من الكافي.


عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، أنه قال : « إيّاك والتحاف الصمّاء » قلت : وما التحاف الصمّاء؟ قال : « أن تدخل الثوب من(١) تحت جناحك ، فتجعله على منكبٍ واحد ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن محمّد بن الحسن(٢) ، عن موسى بن عمر بن يزيد(٣) قال : قلت للرضاعليه‌السلام : أشدّ الإزار والمنديل فوق قميصي في الصلاة؟ فقال : « لا بأس ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن موسى بن القاسم البجلي قال : رأيت أبا جعفر الثانيعليه‌السلام يصلّي في قميصٍ قد اتزر فوقه بمنديل ، وهو يصلّي.

عنه ، عن علي بن إسماعيل ، عن حماد بن عيسى قال : كتب الحسن بن علي بن يقطين إلى العبد الصالحعليه‌السلام : هل يصلّي الرجل الصلاة وعليه إزار متوشح(٤) به فوق القميص؟ فكتب : « نعم ».

فالوجه في هذه الاخبار رفع الحظر والجواز ، والأخبار الأولة متناولة للفضل والاستحباب ، وليس بينهما تناف.

السند‌ :

في الأوّل : فيه الإرسال ، أمّا محمّد بن إسماعيل ففيه اشتراك(٥) ، وإن‌

__________________

(١) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٢ : ٢١٤ / ٨٤٠ ، والاستبصار ١ : ٣٨٨ / ١٤٧٤.

(٢) في التهذيب ٢ : ٢١٤ / ٨٤٢ ، والاستبصار ١ : ٣٨٨ / ١٤٧٥ : محمّد بن الحسين.

(٣) في التهذيب ٢ : ٢١٤ / ٨٤٢ ، والاستبصار ١ : ٣٨٨ / ١٤٧٥ : بن بزيع.

(٤) في « م » : متشح.

(٥) انظر هداية المحدثين : ٢٢٧.


أمكن تقريب ابن بزيع ، إلاّ أنّ باب الاحتمال واسع.

والثاني : فيه أبو بصير.

والثالث : حسن.

والرابع : فيه موسى بن عمر بن يزيد ، وهو مهمل في الرجال(١) ، وبعض الأصحاب نقل عن المنتهى أنّ فيه عمر بن بزيع ، ووصفه بالصحّة(٢) ، وهو كذلك إنْ كان ابن بزيع.

والخامس : واضح الصحّة.

أمّا السادس : ففيه علي بن إسماعيل ، وهو مشترك ، كما قدّمنا القول فيه(٣) .

المتن :

في الأوّل : كما ترى يدل على [ أنّ(٤) ] الارتداء فوق التوشح في الصلاة مكروه ، كما أنّ التوشح فوق القميص مكروه.

والثاني : تضمن النهي عن التوشح فوق القميص. والذي يفهم من الشيخ في ذكر المعارض أنّه استفاد من الخبرين النهي عن الإزار فوق القميص ، وقد كتب شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب أنّه ليس في الروايات التي رواها الشيخ في هذا الباب دلالة(٥) على كراهة الاتزار فوق القميص ، وإنّما تضمنت كراهة التوشح فوق القميص ، والتوشح خلاف الاتزار.

__________________

(١) انظر الفهرست : ١٦٣ / ٧٠٩.

(٢) حكاه عنه في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٨٩.

(٣) في ص ٥٠٣ و ٧٤٥.

(٤) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٥) في « م » زياده : الأكثر.


قال الجوهري : يقال توشّح الرجل بثوبه أو سيفه ، إذا تقلد بها(١) ، ونحوه قال في القاموس(٢) ، وعلى هذا فلا تعارض ، والأجود كراهة التوشح فوق القميص دون الاتزار فوقه ، فإنّه غير مكروه ، كما اختاره المحقق في المعتبر(٣) وبعض من تأخّر عنه(٤) ونقل بعض الأفاضل أنّ في الكافي في رواية أبي بصير المذكورة : « لا ينبغي أن تتوشح(٥) بإزار فوق القميص وأنت تصلّي ، ولا تتّزر بإزارٍ فوق القميص إذا أنت صلّيت ، فإنّه من زيّ الجاهلية »(٦) .

والظاهر أنّ هذا سقط من قلم الشيخ ؛ هنا ، وفي التهذيب(٧) ؛ لأنّ ذكر المعارض يؤيّده.

ويحكى عن العلاّمة في المنتهى أنّه نقل عن الشيخ والسيّد كراهة الاتزار فوق القميص ، وردّه بخبري موسى بن عمر بن بزيع ، وموسى بن القاسم ، ثم قال العلاّمة : إنّما المكروه التوشح ، ونقل عنه أيضاً : إنّ التوشح شدّ الوسط بما يشبه الزنّار(٨) .

وربما يظن من رواية أبي بصير أنّ التوشح هو الاتزار ، إلاّ أن يفرق بين الأمرين بنوعٍ من العمل ، كما قد يفهم من بعض أهل اللغة(٩) ، لكن‌

__________________

(١) انظر الصحاح ١ : ٤١٥.

(٢) القاموس المحيط ١ : ٢٦٤.

(٣) المعتبر ٢ : ٩٦.

(٤) كالعلاّمة في المنتهى ١ : ٢٣٢ ، والشهيد في الذكرى : ١٤٨ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ٨٩.

(٥) في النسخ توشح ، والصحيح ما أثبتناه من المصادر.

(٦) الكافي ٣ : ٣٩٥ الصلاة ب ٦٤ ح ٧ ، الوسائل ٤ : ٣٩٥ أبواب لباس المصلي ب ٢٤ ح ١.

(٧) التهذيب ٩ : ٢١٤ / ٨٤٠.

(٨) المنتهى ١ : ٢٣٢.

(٩) انظر مجمع البحرين ٢ : ٤٢٣ وج ٣ : ٢٠٤ ، والمصباح المنير : ١٣ ، ٦٦١.


المنقول من شيخنا(١) قدس‌سره عن الجوهري والقاموس لا يخلو من إباءٍ عن موافقة الاتزار ، هذا وقد يتخيل من رواية الكليني شي‌ء ، وأظنه لا يخفى مع جوابه.

وأمّا ما تضمنه الثالث من تفسير الصمّاء فلا يخلو من إجمال ، لكن ربّما يستفاد منه أنّ الشيخ جعله التوشح المنهي عنه أو شبهه ، لأنّ ذكره معه في الباب يشعر بذلك ، لكن المنقول عنه في المبسوط والنهاية أنّه فسّره بأنْ يلتحف بالإزار ، ويدخل طرفيه تحت يديه ، ويجمعهما على منكبٍ واحد(٢) . والعلاّمة في المنتهى استدل له بالحديث(٣) ، وهو يعطي استفادة اليدين من الخبر ، ولا ظهور لذلك(٤) .

وينقل عن الصحاح أنّ فيه تفسيراً له بأن تجلِّل جسدك بثوبك ، نحو شِملة الأعراب بأكسيتهم ، وهو أنْ يردّ الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ، ثم يردّه ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطّيهما جميعاً(٥) .

وعن أبي عبيدة : أنّ اشتمال الصمّاء عند العرب ( أنْ يشتمل الرجل بثوب يجلّل به جسده كلّه ، ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده(٦) .

ولا يخفى ما في الخبر )(٧) المبحوث عنه من الإجمال ، وما ذكره‌

__________________

(١) انظر المدارك ٣ : ٢٠٣.

(٢) المبسوط ١ : ٨٣ ، النهاية : ٩٧.

(٣) المنتهي ١ : ٢٣٣.

(٤) في « فض » : كذلك.

(٥) الصحاح ٥ : ١٩٦٨.

(٦) لسان العرب ١١ : ٣٦٨ ( شمل ).

(٧) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الشيخ في الجمع لا يخلو من وجه ، والله تعالى أعلم بالحال.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الوشاح بالضم والكسر كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان أو أديم عريض يرصَّع بالجوهر ، تشدّه المرأة بين عاتقها وكشحيها ، ثم قال : وتوشح بسيفه وثوبه : تقلده(١) . فليتأمّل.

قوله :

باب أنّ المرأة الحرّة لا تصلي بغير خمار‌

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن أدنى ما تصلّي فيه المرأة؟ قال : « درعٌ وملحفة تنشرها على رأسها وتجلل بها »(٢) .

عنه ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي الحسنعليه‌السلام قال « ليس على الإماء أنْ يتقنّعن في الصلاة ، ولا ينبغي للمرأة أنْ تصلّي إلاّ في ثوبين »(٣) .

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي يعفور قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « تصلّي المرأة في ثلاثة أثواب : إزار ودرع وخمار ، ولا يضرها بأن تقنع بالخمار (٤) ، فإن‌

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٢٦٤.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٨٨ / ١٤٧٨ : به.

(٣) في « رض » : ولا ينبغي للمرأة إلاّ أن تصلي في ثوبين.

(٤) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٢ : ٢١٧ / ٨٥٦ ، والاستبصار ١ : ٣٨٩ / ١٤٨٠.


لم تجد فثوبين ، تأتزر(١) بأحدهما ، وتقنع بالآخر » قلت : فإن كان درعاً وملحفةً ، ليس عليها مقنعة؟ فقال : « لا بأس إذا تقنّعت بملحفة ، فإن لم تكفها(٢) فلتلبسها طولاً ».

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ( عن محمّد )(٣) بن عبد الله الأنصاري ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس بالمرأة المسلمة الحرّة أن تصلّي وهي مكشوفة الرأس ».

عنه ، عن أبي علي محمّد بن عبد الله بن أبي أيوب المكي ، عن علي بن أسباط ، عن عبد الله بن بكير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا بأس أن تصلّي المرأة المسلمة وليس على رأسها قناع ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على الصغر من النساء دون البالغات ؛ لأنه لا يجوز لهن أن يصلين بغير قناع ، ويحتمل(٤) أنْ يكون إنّما جوّز لهن في حال لا يتمكّن من شي‌ء يتقنّعن به(٥) ، فإنّه يجوز والحال على ما وصفناه أنْ يصلين بغير قناع ، ويحتمل أنْ يكون المراد بذلك إذا كان عليها ثوب يسترها من رأسها إلى قدميها مثل إزارٍ وما أشبهه.

وأمّا الخبر الأخير : فليس فيه ذكر الحرّة ، ويجوز أنْ يكون ذلك‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٨٩ / ١٤٨٠ : تتزر.

(٢) في النسخ : يكن ، وما أثبتناه من التهذيب ٢ : ٢١٧ / ٨٥٦ ، والاستبصار ١ : ٣٨٩ / ١٤٨٠.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٨٩ / ١٤٨٢ زيادة : أيضاً.

(٥) ليست في النسخ ، أثبتناها من الإستبصار ١ : ٣٨٩ / ١٤٨٢.


مختصاً بالإماء ؛ لأنّ الأمة يجوز لها أن تصلّي وليس عليها قناع ، يدل على ذلك ما قدمناه من الأخبار ، ويزيده بياناً :

ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد(١) وعبد الله ابني محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : قلت له : الأمة تغطّي رأسها؟ قال : « لا ، ولا على أُمّ الولد أن تغطّي رأسها إذا لم يكن لها ولد ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ابن دراج قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المرأة تصلّي في درع وخمار؟ فقال : « تكون عليها(٢) ملحفة تضمها عليها ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الاستحباب ، ويجوز أن يكون المراد به إذا كان الدرع والخمار ممّا لا يواري شيئاً ، فإنّه إذا كان كذلك فلا بدّ من ساتر ، والذي يدل على ما قلناه :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يصلح (٣) للمرأة المسلمة أن تلبس من الخمر والدروع ما (٤) لا يواري شيئاً ».

__________________

(١) في النسخ زيادة : بن محمّد ، وما أثبتناه موافق للتهذيب ٢ : ٢١٨ / ٨٥٩ ، والاستبصار ١ : ٣٩٠ / ١٤٨٣.

(٢) ليست في النسخ ، أثبتناها من التهذيب ٢ : ٢١٨ / ٨٦٠ ، والاستبصار ١ : ٣٩٠ / ١٤٨٤.

(٣) في « رض » : لا يصحُّ.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٩٠ / ١٤٨٥ : ممّا.


السند‌ :

في الأوّل : صحيح على ما مضى(١) ، كالثاني ، والكلام في عبد الرحمن ابن الحجاج لا يغفل عنه.

والثالث : ( واضح الحال )(٢) لما قدمناه أيضاً.

والرابع : فيه محمّد بن عبد الله الأنصاري ، وفي الرجال محمّد بن عبد الله بن غالب الأنصاري ثقة في الرواية على مذهب الواقفة على ما في النجاشي والراوي عنه حميد(٣) ، وفي بعض النسخ عن الأنصاري ، وحينئذٍ محمّد بن عبد الله مشترك(٤) ، والأنصاري محتمل لمن ذكر ، لكن المرتبة فيها نوع بُعد ، ويحتمل غيره.

والخامس : فيه محمّد بن عبد الله بن أبي أيوب المكّي ، والذي وقفت عليه في الرجال محمد بن عبد الله المكّي في رجال من لم يرو عن الأئمّة : من كتاب الشيخ مهملاً(٥) ، وفي الفهرست أيضاً ، والراوي عنه حميد(٦) ، واحتمل شيخنا المحقق سلّمه الله أن يكون هو المسلي الثقة على وجه الظهور ، لرواية حميد عنه أيضاً(٧) ، وفيه تأمّل.

لكن لا يخفى أنّ من في السند المبحوث عنه بالكنية والجدّ غير‌

__________________

(١) في ص ٣٩ ، ٤٩ ، ٧٢ ، ٢٠٩.

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : ضعيف بعثمان بن عيسى.

(٣) رجال النجاشي : ٣٤٠ / ٩١٣.

(٤) انظر هداية المحدثين : ٢٤١.

(٥) رجال الطوسي : ٤٩٩ / ٥٣.

(٦) الفهرست : ١٥٢ / ٦٥٩.

(٧) انظر منهج المقال : ٣٠٤.


مذكور في الرجال ، فالظاهر أنّه غيره ، وفي نسخة عن المكّي ، فيحتمل كونه المذكور في الرجال ، أمّا محمّد بن عبد الله فهو حينئذٍ مجهول.

والسادس : صحيح ، لكن قد تقدّم عن النجاشي ، نقلاً عن الكشي ، عن نصر بن الصباح أنّ أحمد بن محمّد بن عيسى كان لا يروي عن ابن محبوب ، وذكرنا ما فيه ، فلا ينبغي الغفلة عنه.

والسابع : صحيح على ما تقدّم(١) . كما أنّ الثامن حسن.

المتن :

في الأوّل : دال على أنّ أدنى ما تصلّي فيه المرأة درع وملحفة تنشرها على رأسها وتجلل بها ، وقد يستدل به على وجوب تغطية الشعر ، إذ الملحفة تقتضي ذلك ، إلاّ أنْ يقال : إنّ تغطية الملحفة جميع الشعر غير معلوم ، وفيه : احتمال عدم الفارق ، إلاّ أنْ يقال : إنّ ما دل على اكتفاء المرأة بالقناع يقتضي حمل الملحفة على الاستحباب ، فلا تكون تغطية الشعر واجبة.

وما عساه يقال : إنّ ما دل على القناع فيه عثمان بن عيسى ، فلا يصلح للاعتماد.

يجاب عنه : بأنّ الشيخ روى في التهذيب ، عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، وفي المتن : « والمرأة تصلّي في الدرع والمقنعة إذا كان الدرع كثيفاً وفي تتمته أنّه ـ

__________________

(١) في ص ٤٩ ، ٧٢ ، ١٦٧٠.


ليس على الأمة قناع »(١) .

وما عساه يقال : إنّ الخبر المبحوث عنه تضمن السؤال عن أدنى ما تصلّي فيه المرأة ، فلو كان القناع يغني عن الملحفة ، لكان هو الأدنى.

يمكن الجواب عنه : باحتمال إرادة الأدنى بالنسبة إلى ما دل على ثلاثة أثواب ، ولو نوقش في ذلك بأنّ ما تضمن الثلاث ضعيف ، أمكن الجواب : بأنّ خبر جميل بن دراج الآتي(٢) صحيحاً يدل كما سنذكره على الثلاث.

فإن قيل : هو احتمال فيه فلا يفيد.

قلت : بل ربما يدعى ظهوره كما سنذكره إن شاء الله ، وبتقدير المنع يمكن أنْ يوجه الخبر المبحوث عنه بأنّ الضرورة في الجمع(٣) بالنسبة إلى ما دل على القناع تقتضي الحمل على الأكملية في القناع ، فتكون الملحفة أدنى ، كما يدل عليه خبر الفضيل المتضمن لأنّ فاطمةعليها‌السلام صلّت في درعٍ وخمار ، ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها(٤) . فإنّ الخبر يدل على أكملية الخمار على الملحفة ، والقناع هو(٥) الخمار ، وإنّما دلّت على الأكملية ، لأنّ فاطمةعليها‌السلام إنّما تفعل الأكمل.

وقد نقل عن العلاّمة في المنتهى أنّه ادعى الإجماع على عدم وجوب الإزار ، وأنّه يستحب(٦) ، فالملحفة المذكورة إن كانت هي الإزار أشكل‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢١٧ / ٨٥٥ ، الوسائل ٤ : ٣٨٧ أبواب لباس المصلي ب ٢١ ح ١.

(٢) في ص ١٩٧٣.

(٣) في « م » : الجميع.

(٤) الفقيه ١ : ١٦٧ / ٧٨٥ ، الوسائل ٤ : ٤٠٥ أبواب لباس المصلي ب ٢٨ ح ١.

(٥) في « فض » و « م » : نحو.

(٦) المنتهى ١ : ٢٣٧.


الحال بترك فاطمةعليها‌السلام ذلك ، وإن أُريد بها الخمار أو القناع ولو بالتجوز أمكن ، لكن على كل حال ترك فاطمةعليها‌السلام الإزار ينافي الإجماع المنقول ، إلاّ بتوجيه بيان الجواز ، وقد يسهّل الأمر قصور سند رواية الفضيل.

والعجب من الشهيد أنّه استقرب وجوب ستر الشعر ، لرواية الفضيل(١) ، ولو نظر إلى ما دل على الملحفة كان أولى ، وإن كان للنظر فيه مجال يعرف ممّا قررناه.

ثم إنّ الخبر المبحوث عنه استفاد منه بعض الأصحاب عدم وجوب ستر الكفين(٢) ، لأنّ الدرع قيل : إنّه القميص ( نقلاً عن الصحاح )(٣) ، وهو لا يسترهما ، وكذا لا يستر القدمين(٤) ، بل قيل ولا العقبين(٥) ، وأمّا الوجه فقيل : إنّ المقنعة لا تستره ، وقد وردت في الخبر السابق من التهذيب(٦) .

وربّما يناقش في بعض ما ذكر ، إلاّ أنّ الذي يخطر في البال وقد ذكرته في مواضع أنّ دليل كون بدن المرأة عورة من الأخبار غير موجود على وجه يعتمد عليه ، وإذا لم يوجد فالأمر يسهل ، من حيث إنّ ما دل على الدرع والمقنعة ونحوهما يحتاج أنْ يعلم أنّه ساتر للوجه والكفين والقدمين ليحكم بالوجوب ، وما لم يعلم فالأصل عدم الوجوب ، إلاّ ما اتفق عليه ، وهذا بخلاف الرجل ؛ فإنّ إطلاق العورة قد وجد فيه في الأخبار ، فيحتاج إخراج بعض ما وقع فيه الخلاف إلى دليل ، ولم أرَ من ذكر هذا‌

__________________

(١) كما في الذكرى : ١٤٠.

(٢) كما في الذكرى : ١٣٩ ، والمدارك ٣ : ١٨٨.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٤) كما في المنتهى ١ : ٢٣٧.

(٥) كما في المدارك ٣ : ١٨٩.

(٦) تقدّم في ص ١٩٦٩.


المسلك.

فإنْ قلت : قد ورد في بعض الأخبار عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ المرأة عورة.

قلت : الرواية حكاها العلاّمة في المنتهى(١) ، وسندها غير معلوم الحال.

وأمّا الإجماع فقد ذكره البعض على غير الوجه والقدمين والكفين(٢) ، بل نقل عن المنتهى الإجماع على عدم كون الوجه والكفين عورة في الصلاة من الإمامية ، وفي الوجه من المسلمين(٣) .

أمّا استدلال العلاّمة ؛ بقوله تعالى :( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها ) (٤) لأنّ ابن عباس قال : إنّه الوجه والكف. ثم قوله : إنّ القدمين ليس بأفحش من الوجه والكفين(٥) .

ففي نظري القاصر أنّه غريب ، كما أنّ موافقة بعض الأصحاب له(٦) في الجملة أغرب ؛ لأنّ الآية بتقدير تسليم تفسيرها إنّما تدل على عدم جواز إبداء الزينة إلاّ ما ظهر ، لكن الشرطية في الصلاة حكم آخر.

والتوجيه بأنّ الاستدلال ليس إلاّ من جهة استثناء الوجه واليدين ، لأنّ جواز إظهارهما مطلق يتناول الصلاة. فيه : أنّ جواز إظهار سائر البدن للزوج مثلاً لا يبيح الصلاة مع إظهاره ، فالمعلوم من الآية أنّ الحكم بالنسبة إلى الأجانب والصلاة حكم آخر ؛ وعلى تقدير تمامية ما ذكر فالقدمان انتفاء‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٢٣٦.

(٢) كما في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٠٤.

(٣) حكاه عنه في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٠٤ ، وهو في المنتهى : ٢٣٦.

(٤) النّور : ٣١.

(٥) المنتهى : ٢٣٦.

(٦) كما في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٠٤.


كون ظهورهما أفحش لا يقتضي الجواز كما هو ظاهر ، واحتمال مفهوم الموافقة في غاية البعد ، مضافاً إلى ما قدمناه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الثاني ربما يستفاد منه عدم الوجوب من حيث قوله : « لا ينبغي » وربما كان الوجه فيه أنّ الثوبين مع الإطلاق يراد بهما الشاملان كالدرع والملحفة ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الثوب لا بُعد في إرادة الخمار منه ، كما أنّ « لا ينبغي » يستعمل في الواجب.

أمّا الثالث : فقوله : « ولا يضرّها بأن تقنع » فالظاهر أنّ المراد به عدم كراهة القناع لها في مادة الاكتفاء به أو زيادته. وفي قوله : « ثوبين » إلى آخره. دلالة على إطلاق الثوب على القناع إن أُريد به القناع ، ولو أُريد أن تعمل بالإزار كالقناع فلا دلالة. وقوله : فإن كان ، إلى آخره. يحتمل أنْ يراد به أنّ فعل الملحفة عوض القناع من دون مقنعة هل يجزئها أم لا؟ ويحتمل أنْ يراد أنّ الملحفة لو لم تتقنع بها هل يضرّها أم لا؟. وفي الخبر احتمالات إلاّ أنّه غير مستحق لإظهارها فيه ، ولو لا أمر ما لم نتعرض لما ذكرناه.

والرابع : ظاهر في المنافاة لو صحّ.

أمّا الخامس : فلا ، لاحتمال إرادة عدم لزوم القناع بل الستر للرأس شرط بأيّ وجه كان.

وحمل الشيخ الأوّل لا وجه له بعد قوله : « المرأة » إلاّ أنْ يقال بالتجوّز ، أمّا الحمل الثاني فهو وإنْ بَعُد له وجه. والحمل الثالث لا وجه له بعد قوله في الأوّل : « وهي مكشوفة الرأس ». وأمّا ما ذكرهرحمه‌الله : من احتمال الأمة وأنّ الأخبار السابقة دالة على الحرة. فالأوّل ممكن وإنْ بَعُد ؛ وأمّا الثاني فدلالة الأخبار عليه غير معلومة.


والسادس : المستدل به يدل على عدم التغطية مطلقا ، إلاّ أنّ الصلاة داخلة في الحكم ، وقد سبق في الخبر المنقول من التهذيب دلالة على الأمة في الصلاة(١) .

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من قوله : « إذا لم يكن لها ولد » لا يخلو من إجمال ، بل قد يظن أنّ الظاهر إذا كان لها ولد ، ويراد به الحي ليكون أبلغ في بيان الحكم من حيث قربها إلى الحرية

ولعلّ المراد أنّ أُمّ الولد إذا مات ولدها ليس عليها تغطية الرأس ، فيدل على أنّ مع وجوده تجب عليها التغطية ؛ لكن لا أعلم القول بذلك الآن ، بل الظاهر من البعض عدم وجوب الستر ما لم يعتق(٢) . وقد يحتمل أنْ يراد أنّ أُمّ الولد من حيث كونها أُمّ ولد لا يجب عليها الستر وإنْ لم يكن لها ولد ، إلاّ أنّ العبارة لا تساعد عليه ظاهراً.

أمّا السابع : فالذي يظهر منه إرادة فعل الساتر الكامل ، فكأنّهعليه‌السلام أراد أنّ الملحفة فوق الخمار أولى(٣) . واحتمال أنْ يراد أنّ الملحفة أولى من الخمار في حيّز الإمكان ، كاحتمال إرادة أنّ ما ذكر في السؤال يجوز مع جواز الاكتفاء بملحفة تضمها(٤) عن الدرع والخمار ، إلاّ أنّهما بعيدان ، والثاني أبعد.

وفي التهذيب احتمل الشيخ الأوّل على وجه الجزم ، حيث قال بعد الخبر : فإنّ المراد بذكر الملحفة زيادة على الدرع والخمار زيادة الفضل. ثم‌

__________________

(١) تقدم في ص ١٩٦٩.

(٢) المنتهى ١ : ٢٣٧ ، جامع المقاصد ٢ : ٩٨.

(٣) في « م » : أوفى.

(٤) في « رض » : تضمنها.


احتمل ما هنا ثانياً(١) .

وأمّا الثامن : فهو كما ترى يدل على أنّ المرأة المسلمة في جميع الحالات لا يصلح لها أنْ تلبس ما لا يواري شيئاً ، وكأنّ الشيخ نظر إلى أنّ حال الصلاة من الجملة ، وفيه شي‌ء ، إلاّ أنّه قابل للتسديد.

قوله :

باب كراهية الصلاة في خرقة الخضاب

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن الحسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بكر الحضرمي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يصلي وعليه خضابه ، فقال : « لا يصلّي وهو عليه ولكن ينزعه إذا أراد أنْ يصلّي » قلت : إنّ حِنّاءه وخرقته نظيفة ، فقال(٢) : « لا يصلّي وهو عليه ، والمرأة أيضاً لا تصلّي وعليها خضابها ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن رفاعة قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن المختضب ، إذا تمكّن من السجود والقراءة أيضاً(٣) أيصلّي في حِنّائه؟ قال : « نعم إذا كان خرقته طاهرة وكان متوضئاً ».

عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سهل بن اليسع الأشعري ، عن أبيه ، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته أيصلّي الرجل في خضابه إذا كان على طهر؟ فقال : « نعم ».

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢١٩.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٩١ / ١٤٨٦ : قال.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٣٩١ / ١٤٨٧.


عنه ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق ابن صدقة ، عن عمّار الساباطي(١) قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المرأة تصلّي ويداها مربوطتان بالحِنّاء ، فقال : « إذا(٢) كانت توضأت للصلاة قبل ذلك فلا بأس بالصلاة وهي مختضبة ويداها مربوطتان ».

عنه ، عن أبي جعفر ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة والرجل يختضبان ويصلّيان وهما بالحِنّاء والوسمة ، فقال : « إذا أبرز الفم والمنخر فلا بأس ».

فإنّ الخبر الأوّل محمول على الكراهة وهذه الأخبار محمولة على الجواز.

السند‌ :

في الجميع واضح بعد ما كرّرنا القول فيه ، والإجمال أنّ الأوّل ضعيف بأبي بكر الحضرمي ؛ والثاني صحيح ؛ والثالث ضعيف لإهمال محمد بن سهل في الرجال ؛ والرابع موثق ؛ والخامس صحيح.

لمتن :

في الأوّل : ظاهر في أنّه لا يصلّي بالخضاب.

والثاني : يدل على الجواز بالقيد ، فيحمل الأوّل على الكراهة لو‌

__________________

(١) في التهذيب ٢ : ٣٥٦ / ١٤٧٢ ، ونسخة من الاستبصار ١ : ٣٩١ / ١٤٨٩ : عن عمّار ابن موسى الساباطي.

(٢) في التهذيب ٢ : ٣٥٦ / ١٤٧٢ ، والاستبصار ١ : ٣٩١ / ١٤٨٩ : إن.


صحّ ، لكن لا يدل على ما يفيده العنوان من كراهة الصلاة في خرقة الخضاب.

والثالث : كالثاني.

والرابع : يدل على أنّه لا بأس بالصلاة واليدان مربوطتان ، ولا معارض له من جهة الربط كما لا يخفى.

قوله :

باب الإنسان يصلّي محلول الأزرار ويداه داخل الثياب

الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يصلّي ولا يخرج يديه من ثوبه ، فقال : « إنْ أخرج يديه فحسن ، وإنْ لم يخرج فلا بأس ».

سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن زياد بن سوقة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قال : « لا بأس أنْ يصلّي أحدكم في الثوب الواحد وأزراره محلولة ، إنّ دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حنيف » أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن فضّال ، عن رجل قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إنّ الناس يقولون : إنّ الرجل إذا صلّى وأزراره محلولة ويداه داخلة في القميص إنّما يصلّي عرياناً ، قال : « لا بأس ».

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن أحمد بن الحسن ابن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار‌


الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يصلّي ويدخل يده في ثوبه ، قال : « إنْ كان عليه ثوب آخر إزار أو سراويل فلا بأس ، وإنْ لم يكن فلا يجوز له ذلك ، وإن يدخل يداً واحدة(١) ولم يدخل الأُخرى فلا بأس ».

عنه ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن يحيى ، عن غياث ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال : « لا يصلّي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار ».

فالوجه في هذين الخبرين ضرب من الكراهية دون الحظر ، يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن إبراهيم الأحمري قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل يصلّي وأزراره محلّلة ، قال : « لا ينبغي ذلك ».

السند‌ :

في الأوّل : صحيح على ما مضى(٢) .

والثاني : فيه زياد بن سوقة ، وقد وثّقه العلاّمة في الخلاصة(٣) . والشيخ ذكره في رجال الباقرعليه‌السلام ولم يوثّقه ، وكذلك في رجال الصادق(٤) عليه‌السلام .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٢ / ١٤٩٤ : وإن أدخل يدا وحدة.

(٢) في ص ٤٩ ، ٢٨٩ ، ٨٦٥.

(٣) الخلاصة : ٧٤ / ٥.

(٤) رجال الطوسي : ١٩٧ / ٣٠ ، ١٢٢ / ٣.


والنجاشي لم أقف عليه فيه(١) .

والثالث : فيه الإرسال ومعلومية ابن فضال.

والرابع : موثق.

والخامس : فيه محمد بن يحيى وهو الخزاز لأنّه الراوي عن غياث في الرجال(٢) ، وهو ثقة. ويأتي في بعض الروايات التصريح بالخثعمي ، وقد صرّح الشيخ في هذا الكتاب بأنّه عامي ، وقد مضى القول في ذلك في باب بول الخشّاف مفصلاً(٣) كما ذكرنا هناك أنّ غياث هو ابن إبراهيم ، قال الشيخ : إنّه بتري(٤) . والنجاشي وثقه من دون القدح(٥) . وشيخناقدس‌سره نقل عن الكشي القول بأنّه بتري رواية ؛ لكن الجارح مجهول ، ولم نقف على ذلك في الكشي ، وغير بعيد أنْ يكون اعتماد الشيخ على ما في الكشي ، والنجاشي أثبت.

والسادس : فيه إبراهيم الأحمري ، وهو ضعيف في الرجال أو مهمل ؛ لأنّ المذكور في النجاشي والفهرست : إبراهيم بن إسحاق النهاوندي الأحمري وأنّه كان ضعيفاً(٦) . وفي رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ إبراهيم الأحمري مهملاً(٧) . والعلاّمة في الخلاصة قال بعد ذكر الضعف‌

__________________

(١) ذكره النجاشي في ترجمة أخيه حفص بن سوقه ووثّقه ، رجال النجاشي : ١٣٥ / ٣٤٨.

(٢) انظر الفِهرست : ١٥٤ / ٦٨٣.

(٣) تقدّم في ص ٩٢٥.

(٤) رجال الطوسي : ١٣٢ / ١.

(٥) رجال النجاشي : ٣٠٥ / ٨٣٣.

(٦) رجال النجاشي : ١٩ / ٢١ ، الفِهرست : ٧ / ٩.

(٧) رجال الطوسي : ١٤٦ / ٧٤.


وقال ـ يعني الشيخ في كتاب الرجال في أصحاب الهاديعليه‌السلام ـ : إبراهيم ابن إسحاق ثقة. فإنْ يك هو هذا فلا تعويل على روايته(١) .

وفي فوائد جدّيقدس‌سره عليها أنّ الشيخ ذكر النهاوندي في رجال من لم يرو عنهم : وقال : إنّه ضعيف ، وعلى هذا فالظاهر أنّ الذي في أصحاب الهاديعليه‌السلام ليس هذا. انتهى.

ولا يخفى أنّ الشيخ يذكر من أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام في باب من لم يرو كثيراً ، فاستفادة نفي الاحتمال منه غير واضحة ، كما أنّ احتمال كونه الضعيف من العلاّمة كذلك.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ إخراج اليدين من الثوب حسن وعدمه ليس به بأس ، وعنوان الباب يقتضي بيان حكم من يصلّي محلول الأزرار ويديه داخل الثياب ، وغير خفي أنّ الخبر المبحوث عنه محتمل لإرادة القميص وغيره ، إلاّ أنْ يدعى تبادر القميص ، وإطلاقه يتناول محلول الأزرار وغيره ، فيدل على المطلوب في الجملة.

غير أنّه ربما يسأل عن إفادته استحباب إخراج اليدين من الثوب أم لا؟ وغير بعيد استفادة الاستحباب من حيث قوله : « فحسن » وقوله : « فلا بأس » إذ الحسن ظاهر الدلالة على نوع رجحان ؛ وعلى هذا لا يتوجه أنّ الخبر يدل على الإباحة.

فإنْ قلت : الإباحة إنْ كانت الشرعية فلا مانع من استفادتها ؛ إذ هي‌

__________________

(١) الخلاصة : ١٩٨ / ٤.


تساوي الطرفين شرعاً ، والخبر قد تضمن نفي البأس في عدم الإخراج ، والحسن في الإخراج ، ونفي البأس لا ينافي الحسن في العدم أيضاً.

قلت : وإنْ لم يناف الحسن ، لكن لا يدل عليه ، والمطلوب في المباح الشرعي إثبات الحسن في الطرفين ، غاية الأمر أنّ وجود هذا عزيز ؛ إذ لم نقف له على ما يصلح لإثباته سوى ما في كتاب الصوم ، وهو الخبر الدالّ على السحور ، فإنّ ظاهره التخيير ، ومع هذا قد يحصل نوع توقف في الثبوت به ، فإنّ تساوي الفعل والترك في كونه مراداً للشارع على حد سواء بعيد كما لا يخفى ؛ إذ الفعل يقتضي مشقة فكيف يساوي عدمه؟ وتحقيق الحال في الأُصول.

نعم ينبغي أنْ يسأل هنا عن وجه عدم الكراهة إذا لم يخرج يده من الثوب؟ لأنّ الحسن في الإخراج إذا أفاد الرجحان ، فتركه يكون مرجوحاً ، واللازم منه الكراهة.

ويجاب : بأنّ ترك المستحب ليس بمكروه ؛ إذ المكروه يتوقف على النهي ، ولا نهي عن ترك المستحب كما ذكره مشايخنا ٥.

ويخطر في البال أنّ الأمر بالشي‌ء إذا اقتضى النهي عن ضده العام في الواجب ينبغي أنْ يقتضي النهي عن ضده العام في المندوب ، فيكون تركه مكروهاً ؛ وقد ذكرت هذا للوالدقدس‌سره فأجاب : بأنّ ظاهر كلام الأُصوليين في الوجوب ، والأمر كما ترى.

فإن قلت : الظاهر من الشيخ أنّ مطلوبه الكراهة كما ينبئ عنه آخر كلامه ، فكأنّه استفاد من الخبر ذلك.

قلت : كلام الشيخ إنّما يتحصل منه كراهة الصلاة لمحلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار ، وهذا حكم آخر ، وسيأتي تفصيله في الخبر الدال على‌


ما ذكر(١) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الثاني يدل على أنّ الصلاة في الثوب الواحد وأزراره محلولة لا بأس بها ، ولو صحّ لدلّ بإطلاقه على أنّ مشاهدة العورة في حال الصلاة لا تضر بالحال ؛ إذ من المستبعد عدم المشاهدة حال الركوع والثوب الواحد محلول الأزرار ، وما تضمّنه من التعليل يدل على أنّ الدين واسع سهل.

وأمّا الثالث : ففيه احتمالان ، أحدهما : أنْ يراد نفي البأس عن الصلاة والأزرار محلولة واليدان داخلة في القميص. وثانيهما : أنْ يراد نفي البأس في قول الناس ، والمعنى أنّه لا بأس بقولهم ، فيفيد كراهة ما ذكر أو تحريمه ، لكن مع الاحتمال الأوّل لا يتم المطلوب لو صلح الخبر للاعتماد عليه.

فإنْ قلت : هل في الخبر دلالة على أنّ الصلاة في قميص واحد أم لا؟.

قلت : ربما يدعى ظهورها في ذلك ؛ إلاّ أنّ احتمال إرادة كون الأزرار محلولة من غير القميص واليدان داخل القميص ممكن.

وما عساه يقال : إنّ الظاهر من قوله : إنّما يصلّي عرياناً. إرادة القميص وحده ، من حيث إنّ القميص لو كانت أزراره غير محلولة وما فوقه محلول الأزرار واليدان تحت القميص لا يقال : إنّه صلّى عرياناً.

يمكن الجواب عنه : باحتمال كون الصلاة عرياناً من جهة أنّ اليدين على الجسم ، والحق أنّ الظهور لا مجال لإنكاره.

__________________

(١) في ص ١٩٨٠.


( ثم إنّه لا يستفاد منه منافاة لما ذكرناه في الثاني ؛ إذ يجوز كون اليدين مع دخولهما هو المقتضي لما ذكر ، مضافاً إلى الاحتمال في نفي البأس ، فليتأمّل )(١) .

ولا يخفى أنّ مطلوب الشيخ في العنوان لا يدل عليه الخبر ، إلاّ بتقدير أنْ يريد الشيخ بقوله : ويداه تحت الثياب. تحت جميع الثياب ليدخل القميص ، لكن حلّ الأزرار يبقى على الإجمال ، والخبران الأوّلان يحتاج تطبيقهما على مدعى الشيخ إلى تكلف غير خفي.

وأمّا الرابع : فدلالته على ما يضنّ إنّما هي على أنّ من يصلّي ويدخل يده في قميصه إنْ كان عليه مئزر أو سراويل فلا بأس ، وإنْ لم يكن فلا يجوز. وإرادة المئزر من الإزار غير مستبعدة ، وفي الأخبار موجودة ؛ واستبعاد هذا من قوله : « عليه إزار » يقربه اقتران السراويل مع الإزار ، وعلى هذا ربما يدل الخبر على عدم الكراهة لو أدخل الإنسان يده تحت ثوبه فوق القميص ، لما يلوح منه ، مضافاً إلى الخبر السابق وهو الثالث ، ويحمل « عدم الجواز » على الكراهة للخبر الثالث إن حمل « لا بأس » على الجواز ، أمّا لو حمل على أنّ قول الناس لا بأس به فيدل على مدلول الثاني ؛ ولو صحّ السند أمكن ورود الإشكال في الكراهة ، لكن الحال ما ترى.

والخامس : فيه تأييد لما ذكرناه من أنّ المراد بالإزار المئزر.

فإن قلت : الخبر الخامس لا دخل له بما قبله ؛ لتضمن السابق إدخال اليدين ، وهذا الخبر يدل على المنع وإنْ لم يدخل اليدين ، والخبر الرابع تضمن الفرق بين اليدين والواحدة ولم يتضمن حلّ الأزرار ؛ وبالجملة‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».


فالأخبار غير متفقة.

قلت : الأمر كما ذكرت ، إلاّ أنّ الشيخ ؛ لا يلتفت إلى تحرير مدلول الأخبار ، ولو صحت الأسانيد أمكن التوجيه إلاّ أنّ الفائدة مع ما ذكرناه قليلة.

ومن العجب استدلال الشيخ على مطلوبه بالسادس ، وهو متضمن للصلاة والأزرار محلولة ، وما سبق بعضه في إدخال اليدين وبعضه مع حلّ الأزرار ؛ فليتأمّل.

قوله :

باب الصلاة في الثوب الذي يعار لمن يشرب الخمر

أو يأكل شيئاً من النجاسات

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان قال : سأل أبي أبا عبد اللهعليه‌السلام وأنا حاضر : إنّي أُعير الذمّي ثوبي ، وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ، فيردّه عليّ ، فأغسله قبل أن أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك ، فإنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنّه نجّسه ، فلا بأس أنْ تصلّي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه ».

فأمّا ما رواه علي بن مهزيار ، عن فضالة ، عن عبد الله بن سنان قال : سأل أبي أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنّه يأكل الجرّي ويشرب الخمر ويردّه ، أيصلّي فيه قبل أنْ يغسله؟ قال‌ :


« لا تصلّ فيه حتى تغسله »(١) .

فهذان الخبران جميعاً رواهما(٢) عبد الله بن سنان ، والحكاية فيهما جميعاً (٣) عن مسألة أبيه أبا عبد الله عليه‌السلام ، ولا يجوز أنْ يتناقض على ما ترى بأنْ يقول تارة : صلّ فيه ، وتارة يقول : لا تصلّ فيه ، إلاّ أنْ يكون قوله : لا تصلّ فيه ، على وجه الكراهية دون الحظر.

السند‌ :

في الخبرين واضح بعد ما قدمناه في محمد بن قولويه(٤) ؛ لكن الأوّل تضمن السؤال من أبيه وعبد الله حاضر ، والثاني ليس فيه الحضور فيكون غير صحيح ؛ لأنّ الأب مذكور ولم يثبت توثيقه ولا مدحه. واحتمال أنْ يكون قال : « لا تصلّ فيه » من سماع عبد الله بن سنان ، فيكون الخبر صحيحاً ، كاحتمال كونه من إخبار سنان ؛ إلاّ أنْ يقال : إنّه لو كان من الأب لَذكر عبد الله ما يدل على ذلك مثل : قال : قال : لا تصلّ فيه. وظاهر الاقتصار على لفظ « قال » مرة يخالف هذا. وفيه تأمّل ؛ لعدم المانع من إخبار عبد الله بالقول جزماً باعتبار حصوله من أبيه. وقد وصفه بالصحة بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ(٥) والأمر كما ترى.

المتن :

في الأوّل : يدل من حيث التعليل على أنّ النجاسة لا يكفي فيها‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٣ / ١٤٩٨ : لا يصلّ فيه قبل أنْ يغسله.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٩٣ : راويهما.

(٣) ليست في الاستبصار ١ : ٣٩٣.

(٤) في ص ٨١.

(٥) انظر الحبل المتين : ١٧٢.


الظنّ ـ كما سبق تفصيل القول فيه ـ(١) ؛ كما أنّه يدل على أنّ استصحاب اليقين لا يعارضه الظاهر وإنْ كان استصحاب اليقين لا يثمر يقيناً ، بل إنّما يفيد الظن ، وقد يكون الظاهر أقوى منه ظنا ، ومع تعارض الظن الراجح والمرجوح يقدم الراجح ، إلاّ أنّ الخبر يفيد خلاف هذا ؛ وقد مضى أيضاً نحوه في أبواب إزالة النجاسات(٢) .

فإنْ قلت : هل في الخبر دلالة على ترجيح الظاهر على الأصل مطلقا ؛ لأنّ اليقين لا يبقى في المقام بل استصحابه إنّما يفيد الظن.

قلت : فيما نحن فيه ربما يدعى ظهور ترجيح الأصل على الظاهر من حيث إطلاق النصّ الشامل لما يفيد الظن الراجح من الظاهر ، أمّا مطلق الظاهر فترجيحه على مطلق الأصل فلا.

وما عساه يقال : إنّ التعليل يفيد أنّ كل ما تيقن واستصحب لا يعارضه الظاهر ، وهذا كاف.

يجاب عنه : بأنّ مثل هذا لا يقال له : إنّه مطلق على الإطلاق ؛ وربما يقال : إنّ التعليل خاص بالطهارة ، إذ يجوز أنْ يكون يقين الطهارة لا يعارضه إلاّ يقين النجاسة ، وإن كان يقين الطهارة صار ظنّاً ، أمّا يقين غيرها إذا عارضه الظاهر فلا. والفرق أنّ ما دلّ على أنّ الظن بالنجاسة غير كاف يدل على أنّ الظاهر غير كاف في الحكم بالنجاسة ، لأنّه لا يخرج عن الظن ، وقد حكم بعدم الاكتفاء به إذ(٣) مبنى الكلام عليه. وعلى هذا فلا يقال مثله في اليقين السابق المعارض بالظاهر إذا لم يدل دليل على اعتبار اليقين فيه.

__________________

(١) في ص ٨٨١.

(٢) في ص ٨٨١.

(٣) في « م » و « فض » زيادة : هو.


فإن قلت : يقين الطهارة لو لم يعارضه إلاّ يقين النجاسة لم تثبت النجاسات بالظنّ ، والحال أنّها ثابتة ضرورة بأخبار الآحاد.

قلت : المراد بثبوت النجاسات الحكم بالتنجيس لا ثبوت الأصل ، ولو سلّم لأمكن أن يقال في الأصل ما قدمناه من ثبوتها بالعلم الشرعي ، ولا مانع منه.

فإن قلت : توقف زوال يقين الطهارة على يقين النجاسة يقتضي عدم الحكم بنجاسة ما اختلف فيه ، إذ لا يحصل اليقين بالنجاسة مع الاختلاف ؛ والنظر إلى أنّ وقوع ما يظن النجاسة يخرج اليقين عن كونه يقيناً يوجب القول بمثله فيما نحن فيه ، إذ الفرض أنّ اليقين السابق بالاستصحاب صار ظنّاً ، وقد صرح النصّ بعدم الالتفات إلى الظن بل لا بدّ من العلم.

قلت : ما وقع فيه الاختلاف إنْ أُريد بعدم الحكم بالنجاسة بالنسبة إلى المقلد فهذا لا وجه له ، وإنْ أُريد بالنسبة إلى المجتهد فالظن الحاصل له بالنجاسة قد أزال يقين النجاسة لأنّ ظنه شرعيّ ، غاية الأمر أنّه يلزم أنْ يكون فيما نحن فيه لو نقل أنّ الذمّي باشره بالنجاسة لكن على وجه لا يفيد اليقين بل بما(١) يفيد الظن كشهادة الشاهدين لا يلزم القبول ، لإطلاقهعليه‌السلام اعتبار اليقين ، إلاّ أن يقال : إنّ شهادة الشاهدين قائمة مقام العلم. وفيه : أنّ قيامها مقام العلم إنّما هو بالإجماع ، ( وفي النجاسة لا إجماع كما يعلم من بعض الأصحاب المنقول عنه عدم قبول شهادة الشاهدين بالنجاسة )(٢) وعلى هذا فلا بُدّ من اليقين بالنجاسة لظاهر النص.

فإنْ قلت : ليس في الخبر أنّ الذمّي لبس الثوب ، والعارية له أعمّ من‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».


اللبس ، والظهور إنّما يدعى مع اللبس.

قلت : المتبادر من الإعارة للثوب اللبس ، هذا. وقد مضى الإشارة إلى أنّ في الخبر دلالة على نجاسة الخمر من حيث التقرير من الإمامعليه‌السلام ، فلا ينبغي الغفلة عنه.

وأمّا الثاني : فالحمل المذكور من الشيخ لا يخلو من وجه ، وقد ورد في بعض الأخبار المعتبرة ما يؤيّد الأوّل ، كحديث معاوية بن عمّار قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الثياب السابرية يعملها المجوس ، وهم أخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال ، ألبسها ولا أغسلها وأُصلّي فيها؟ قال : « نعم » قال معاوية : فقطعت له قميصاً وخطته وفتلت له أزراراً ورداءً من السابري ، ثم بعثت بها إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار ، فكأنّه عرف ما أُريد فخرج بها إلى الجمعة. الحديث(١) .

اللغة‌ :

قال في القاموس : الجرّي كذمّي سمك(٢) . وضبطه جدّيقدس‌سره في الروضة بالجيم المكسورة فالراء المهملة المشددة المكسورة ، ويقال : الجريث. بالضبط الأوّل مختوماً بالثاء المثلثة(٣) .

قوله :

باب الشاذكونة تصيبها النجاسة أيصلّى عليها أم لا؟

أحمد بن محمّد ، عن علي بن الحكم ، عن أبان بن عثمان ، عن‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٦٢ / ١٤٩٧.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٣١٤.

(٣) الروضة البهية ٧ : ٢٦٣.


زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الشاذكونة يكون عليها الجنابة أيصلّى عليها في المحمل؟ فقال : « لا بأس ».

عنه ، عن العباس بن معروف ، عن صفوان ، عن صالح النيلي ، عن محمّد بن أبي عمير قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أُصلّي على شاذكونة وقد أصابتها النجاسة(١) ؟ فقال : « لا بأس ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الشاذكونة يصيبها الاحتلام أيصلّى عليها؟ فقال : « لا ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الاستحباب دون الحظر.

السند‌ :

في الأوّل : فيه أبان بن عثمان ، وقد قدّمنا فيه القول مكرراً(٢) ( من أنّ العامل بالموثق يلزمه الحكم بأنّ خبره موثق ، لأنّ القائل إنّه ناووسي : ابن فضال الفطحي ، ومن لم يعمل بالموثق فخبر أبان صحيح ينبغي أن يكون عنده لعدم ثبوت الناووسية له ، ولو عدّ من الصحيح خبره من يعمل بالموثق نظراً إلى الإجماع على تصحيح ما يصح عنه خالف اصطلاح المتأخرين )(٣) . أمّا علي بن الحكم فهو الثقة بتقدير الاشتراك(٤) لرواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٣ / ١٥٠٠ : الجنابة.

(٢) راجع ص ١٣٠.

(٣) ما بين القوسين زيادة من « م ».

(٤) انظر هداية المحدثين : ٢١٦.


والثاني : ضمير « عنه » فيه لأحمد بن محمّد بن عيسى.

فإنْ قلت : المذكور في الرجال رواية أحمد بن محمّد بن خالد عن العباس بن معروف(١) ، واللازم من عود ضمير « عنه » إلى أحمد بن محمّد السابق أنْ يكون هو ابن خالد ، فلا دلالة له حينئذٍ على أنّ علي بن الحكم هو الثقة.

قلت : لا ارتياب في أنّ أحمد بن محمّد الأوّل هو ابن عيسى ، وأمّا رواية أحمد بن محمّد بن خالد عن العباس فلا يقتضي الانحصار.

وأمّا صالح النيلي ، ففي الرجال صالح بن الحكم النيلي ضعيف في النجاشي(٢) ، ومهمل في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٣) .

والثالث : موثق على ما تقدم(٤) .

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على جواز الصلاة على الشاذكونة في المحمل إذا كان عليها الجنابة. وقد استدل به للمشهور(٥) من عدم اعتبار طهارة مساقط أعضاء السجود ما عدا الجبهة ـ خلافاً لما نقله العلاّمة في المختلف عن أبي الصلاح أنّه شرط طهارة الأعضاء السبعة مع الجبهة ـ(٦) وكذلك استدل بالثاني.

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٨١ / ٧٤٣.

(٢) رجال النجاشي : ٢٠٠ / ٥٣٣.

(٣) رجال الطوسي : ٢١٩ / ٦.

(٤) في ص ٨٩.

(٥) كما في المختلف ٢ : ١٣٠.

(٦) المختلف ٢ : ١٣٠ ، وهو في الكافي في الفقه : ١٤٠.


وقد يقال : إنّ الخبر الأوّل يتناول موضع الجبهة أيضاً ، والإجماع المنقول على طهارة موضع الجبهة(١) ، فيه ما مضى من وجود المخالف ، ولو سلّم فالرواية ظاهرة في جواز الصلاة في المحمل ، ويجوز أنْ يكون ذلك للضرورة.

ويمكن الجواب عن هذا : بأنّ إطلاق الجواز في المحمل مع عدم قيد الضرورة يدل على المطلوب.

وأمّا من جهة النجاسة ، فيحتمل أنْ يكون السؤال عن الصلاة من حيث كونها نجسة في الجملة ، ونجاسة موضع الجبهة إذا لم يعلم لا يضر بالحال. وما اشتهر بين المتأخرين من الفرق بين المحصور وغيره يتوقف على الثبوت.

والحقّ أنّ الإطلاق في الخبر له تأييد لقول البعض بعدم اعتبار طهارة موضع الجبهة(٢) ، وتأييد لاحتمال عدم الفرق بين المحصور وغيره إذا لم يعلم موضع النجاسة ، ( إلاّ أن يدّعى ظهور السؤال عن الصلاة على الشاذكونة مع العلم بموضع النجاسة ، )(٣) وفائدة السؤال حينئذٍ من حيث اشتمالها على النجاسة ، ووجه الظهور أنّ مباشرتها برطوبة توجب التعدي تحتاج إلى بيان عدم جواز الصلاة ، فالإطلاق لا يناسب ، وفيه احتمال السؤال عن نفس الصلاة مع العلم بعدم التعدّي ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الكلام في ظاهر الإطلاق.

وأمّا الثاني : فكالأوّل لكنه غير مقيّد.

__________________

(١) كما في المختلف ٢ : ١٣٠.

(٢) انظر مجمع الفائدة ٢ : ١١٥.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


والثالث : حكى الاستدلال به لأبي الصلاح العلاّمة في المختلف ، وأجاب عنه بعدم صحة السند ، ومع التسليم يحمل على تعدي النجاسة أو على الاستحباب(١) .

ولا يخفى أنّ الحمل على كونه من(٢) المحصور فلا تصح الصلاة عليه مع النجاسة المشتبهة ممكن بالنسبة إلى المجنب ، فليتأمّل.

ولو حمل على غير المحمل لكن بطريق الاستحباب أمكن ، إلاّ أنّ السؤال في الأوّل لا يفيد تقييداً كما نبّهنا عليه في مواضع.

ومن هنا يعلم أنّ قول بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : إنّ الحديث المذكور وإنْ كان يؤذن بالضرورة ، إلاّ أنّ الاعتبار بإطلاق الجواب(٣) . محل تأمّل ؛ لأنّ الجواب لا إطلاق فيه ، بل هو جواب عن سؤال خاص بنفي البأس ، فأين إطلاقه؟

نعم ما سبق منّا حاصله : أنّ الجواب عن بعض الأفراد لا يفيد التقييد للإطلاق ، لكن لا إطلاق الجواب ، بل إطلاق ما دل على الجواز في الموضع النجس غير موضع الجبهة إن تمّ الإجماع. والعجب من قوله سلّمه الله بعد ما نقلناه : مع أنّه لا تقييد فيما رواه ابن أبي عمير ؛ والحال أنّ الرواية ضعيفة السند كما هو واضح.

اللغة :

الشاذكونة بالشين المعجمة والنون قبل الهاء حصير صغير ، قال بعض الأصحاب(٤) .

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٣٠.

(٢) في « رض » : في.

(٣) انظر الحبل المتين : ١٦٣.

(٤) مجمع الفائدة ٢ : ١١٤.


قوله :

باب الوقوف على البساط الذي فيه التماثيل‌

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحسن ابن محبوب ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام أُصلّي والتماثيل قدّامي وأنا أنظر إليها؟ قال : « لا بأس ، اطرح عليها ثوباً ولا بأس بها إنْ(١) كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك ، وإنْ كانت في القبلة فألق عليها ثوباً وصلّ ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمّد ، عن سعد بن إسماعيل ، عن أبيه قال : سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن المصلّي والبساط يكون عليه التماثيل ، أيقوم عليه فيصلّي(٢) أم لا؟ فقال : « والله إنّي لأكره » وعن رجل دخل على رجل و(٣) عنده بساط ( وعليه تماثيل )(٤) ؟ فقال : « لا تجلس عليه ولا تصلّ عليه ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية دون الحظر.

السند‌ :

في الأوّل : واضح الصحة.

والثاني : فيه سعد بن إسماعيل ، وهو مجهول الحال ؛ إذ لم أقف‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٤ / ١٥٠٢ : إذا.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٩٤ / ١٥٠٣ : ويصلي.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٣٩٤ / ١٥٠٣.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٩٤ / ١٥٠٣ : عليه تمثال.


عليه في الرجال. وأمّا سعد أبوه فيحتمل أنْ يكون الأشعري الثقة(١) ، لأنّه من أصحاب الرضاعليه‌السلام ، لكن غيره في حيّز الإمكان.

المتن :

في الأوّل : ظاهره أنّ الصلاة مع النظر إلى التماثيل لا بأس بها ، والأمر بطرح الثوب محتمل لأنْ يراد به تقييد نفي البأس بالطرح ، فيفيد أنّ بدون الطرح في البين البأس. ويحتمل أنْ يراد نفي البأس مطلقاً ، والأمر بالطرح لزيادة الكمال.

وقوله : « لا بأس بها إذا كانت عن يمينك » إلى آخره. محتمل لإرادة نفي البأس وإنْ لم يطرح عليها شي‌ء ، فيفيد حينئذٍ ثبوت البأس إذا كانت قدّامه من دون الطرح ، وحينئذٍ يؤيّد الاحتمال السابق.

وقوله : « وإنْ كانت في القبلة » ربما دل على أنّ المراد بالأوّل نفي البأس عنه ما كانت التماثيل مائلة عن القبلة في الجملة ، وحينئذٍ يدل على نفي البأس عن المنحرف مطلقاً ، وإنْ كان الأولى طرح الثوب. وإنْ كانت في نفس القبلة ، فإلقاء الثوب على زيادة الأكمليّة يحمل إنْ لم يعمل بظاهره من الوجوب.

ويحتمل أنْ يكونعليه‌السلام بعد نفي البأس أوّلاً أراد بيان ما ينبغي طرح الثوب عليه وما تجوز الصلاة بغير طرح.

ويحتمل أن يكون السؤال عمّن صلّى والتماثيل قدامه ثم أرادعليه‌السلام بيان أنْ ينبغي أن يطرح أوّلاً عليها ما يسترها ثم يصلّي إذا كانت في القبلة ،

__________________

(١) كذا في النسخ ، ولعلّه سهو ، إذ من الواضح أنّ والد سعد بن إسماعيل هو إسماعيل بن عيسى ، ولم يوصف بالأشعري. انظر معجم رجال الحديث ٣ : ١٦٣ ، ٨ : ٥٥.


فهو حكم آخر ، ولعلّ الخبر لا يخلو من ظهور على هذا.

والثاني : ما تضمنه من لفظ : المصلّى ، يمكن أنْ يراد به محل الصلاة من سجادة ونحوها. ويحتمل أنْ يراد به المصلّي باسم(١) فاعل ، والمراد السؤال عن المصلّي والحال أنّ البساط الذي يصلّي عليه أو عنده عليه التماثيل ، والجواب حينئذٍ يفيد كراهة الصلاة مطلقا ، سواء كان في قبلته أم لا. أمّا التغطية وعدمها فلا يتناول الخبر ذلك ، إذ الظاهر من السؤال عدم التغطية ، فكأنّ(٢) الكراهة مع عدمها. وآخر الحديث يدل على النهي عن الصلاة [ على(٣) ] البساط المشتمل على التماثيل مطلقا.

وما ذكره الشيخ من الحمل على الكراهة لا يخفى إجماله(٤) بعد ما قررناه من الاحتمالات ، لكن(٥) يستفاد الكراهة في بعضها ، وربما يستفاد اختلاف الكراهة منها.

ثم إنّ التماثيل شاملة للحيوان وغيره ، وينقل عن ابن إدريس أنّه خص الكراهة في الثوب الذي فيه مثال حيوان(٦) . وقد نقل في المختلف القول بتحريم الصلاة في الثوب المشتمل على التماثيل عن الشيخ في الكتابين(٧) ، والآن لم أقف عليه هنا ، وفي بعض الأخبار المعتبرة ما يدلّ على أنّ تغيير الصورة يرفع(٨) البأس. وحكى في المختلف عن‌

__________________

(١) في « فض » و « م » : اسم.

(٢) في « فض » : وكان.

(٣) في النسخ : عن ، والأنسب ما أثبتناه.

(٤) في « م » : احتماله.

(٥) في « رض » زيادة : لا.

(٦) حكاه عنه في المختلف ٢ : ١٠٤ ، وهو في السرائر ١ : ٢٦٣.

(٧) المختلف ٢ : ١٠٣.

(٨) في « فض » : يدفع.


أبي الصلاح القول بعدم حِلّ الصلاة على البسط المصورة(١) ، وقد علمت الحال في الخبرين.

قوله :

باب الصلاة في بيوت الحمّام

محمّد بن يعقوب ، عن علي بن محمّد بن عبد الله ، عن ابن البرقي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الفضل ، عمن حدّثه ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « عشرة مواضع لا يصلّى فيها : الطين والماء والحمّام والقبور ومسان الطرق(٢) وقرى النمل ومعاطن الإبل ومجرى الماء والسبخ والثلج ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن خالد ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة في بيت الحمّام؟ قال : « إذا كان موضعاً نظيفاً فلا بأس به ».

فالوجه في هذا الخبر أنْ نحمله على بيت المسلخ أو على ضرب من الرخصة ، لأنّ فعل ذلك مكروه وليس بمحظور.

السند‌ :

في الأوّل : فيه مع الإرسال علي بن محمّد بن عبد الله ، والظاهر أنّه ابن أُذينة المذكور في جملة العدة التي يروي عنها الكلينيرحمه‌الله عن أحمد‌

__________________

(١) المختلف ٢ : ١١٩.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٩٤ / ١٥٠٤ : الطريق.


ابن محمّد بن خالد(١) ، لكن الرجل غير معلوم الحال. وابن البرقي أحمد ، وأبوه محمّد بن خالد ، وقد مضى ما لا بُدّ منه فيهما(٢) . أمّا عبد الله بن الفضل فهو ثقة في النجاشي(٣) ، وما يوجد في بعض كتب الرجال من عبد الله بن الفضل مهملاً(٤) فهو عبيد الله مصغّراً في النجاشي(٥) .

والثاني : فيه علي بن خالد ، وقد مضى أنّه زيدي عن إرشاد المفيد ، ثم رجع(٦) . والحال لا يخفى.

المتن :

في الأوّل : وإنْ ضعف سنده إلاّ أنّ الصدوق ذكره في الفقيه(٧) ، ومزيّته ظاهرة كما قرّرناه مراراً(٨) ، وقد ذكرنا في معاهد التنبيه الكلام فيه مفصّلاً.

والحاصل : أنّ مفاد الخبر وإنْ كان بصورة الخبر إلاّ أنّ الجمل(٩) الخبرية في هذه المقامات قيل إنّها بمعنى النهي كما مضى القول فيه ، وذكرنا إمكان المناقشة باحتمال أنْ يكون العدول من الأمر لفائدة(١٠) عدم‌

__________________

(١) انظر رجال العلاّمة : ٢٧٢ / ف ٣.

(٢) في ص ٦٨ و ٣٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢٢٣ / ٥٨٥.

(٤) كما في رجال الطوسي : ٢٢٢ / ٣.

(٥) رجال النجاشي : ٢٣٢ / ٦١٦.

(٦) في ص ١٤٣٤.

(٧) الفقيه ١ : ١٥٦ / ٧٢٥.

(٨) راجع ص ٧٤٥.

(٩) في « م » و « رض » : الجملة.

(١٠) في « م » : بفائدة.


وجوب مدلول الجملة ، فإنّ المقرر في المعاني أنّ العدول من الإنشاء إلى الإخبار لفائدة زيادة الحثّ على إيجاد الفعل إنْ كان أمراً ، وعدمه إنْ كان نهياً ، وقد تكلم فيه باحتمال فوائد أُخر إلاّ أنّ احتمال إرادة عدم الوجوب أو عدم التحريم لم أر من صرّح به.

وأنت خبير بأنّ ما نحن فيه لا يمكن حمله على الكراهة في الجميع ؛ لأنّ الصلاة في الماء قد تحرم ، وكذلك الطين ، وحينئذٍ فإمّا أنْ يحمل الخبر على إرادة بيان المرجوحيّة أعم من التحريم والكراهة فيحتاج إثبات التحريم إلى الدليل كالكراهة ، أو يقال : إنّه للتحريم فيحتاج إثبات الكراهة إلى الدليل ، وربما يشكل الحال في هذا باستبعاد التحريم مع كراهة الأكثر ، وحينئذٍ يحمل على الأكثر ويقيّد الماء والطين بما يتمكن من الصلاة فيهما ، وفيه نوع بُعدٍ.

ولو حكم بالتحريم في الأكثر كما ينقل عن أبي الصلاح من القول بعدم حل الصلاة في الحمام كما مضى ، وفي معاطن الإبل(١) ؛ وعن المفيد من عدم جواز الصلاة بين القبور إلاّ مع الحائل(٢) ؛ وعن ابن بابويه(٣) والمفيد من عدم الجواز على الجوادّ(٤) ؛ أمكن إلاّ أنّ(٥) الحديث قد تضمن ما الخلاف(٦) فيه فيشكل الاعتماد عليه والمعارض موجود ، إلاّ أنْ يقال : إذا حكم بالتحريم سهل الأمر بإخراج بعضه بالدليل ، وفيه نوع تأمّل. لكن‌

__________________

(١) الكافي في الفقه : ١٤١.

(٢) المقنعة : ١٥١.

(٣) انظر المقنع : ٢٤.

(٤) المقنعة : ١٥١ ، وحكاه عنهم في المختلف ٢ : ١١٩.

(٥) في « م » : لأن.

(٦) في « م » : بالخلاف.


الذي يظهر من الصدوق العمل بظاهره ، إلاّ أنْ يقال : إنّه أتى بمضمون الخبر والعمل فرع الفهم(١) من المضمون ولا يدرى.

وفي الظن أنّ هذا هو السبب في عدم نسبة القول بالمنع إلى الصدوق في الحمّام وغيره.

وأمّا الثاني : كما ترى يدلّ على أنّ الموضع إذا كان نظيفاً فلا بأس ، والنظافة محتملة لأنْ يراد بها الطهارة ، ويحتمل أنْ يراد النزاهة من الأخباث التي توجب عدم الإقبال على العبادة ، وعلى كل حال حمل الشيخ الخبر على المسلخ غير واضح بعد وجود القيد ، والأوّل مطلق ، فلو قيّد المطلق لا مانع منه ، غير أنّ الإجمال في معنى النظيف يبقى.

وأمّا الرخصة فالمراد بها من الشيخ بل ومن الصدوق غير واضح كما نبّهنا عليه في مواضع من معاهد التنبيه.

وربما يظهر من الكلام هنا أنّ الرخصة يراد بها بيان الجواز.

وفيه : أنّه لو أُريد ذلك مع قيد النظافة لا يطابق المراد ؛ لأنّ المقصود من بيان الجواز عدم التحريم ، بل الكراهة ، وإذا كان الحكم بالكراهة مقيداً بالنظافة دل على أنّه مع عدم النظافة لا يلزم منه الكراهة ، بل إمّا يحمل على الجواز المطلق أو على التحريم ، لكن الجواز المطلق غير معقول ، فإنّ الكراهة فيه بطريق أولى ، والتحريم لا يقول به الشيخ ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الصدوق روى الثانية بطريقه الصحيح عن علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفرعليهما‌السلام عن الصلاة في بيت الحمّام ، فقال : « إذا كان الموضع نظيفاً فلا بأس » يعني المسلخ(٢) .

__________________

(١) في « م » : المفهم.

(٢) الفقيه ١ : ١٥٦ / ٧٢٧ ، الوسائل ٥ : ١٧٦ أبواب مكان المصلي ب ٣٤ ح ١.


وهذه العبارة محتملة لأنْ تكون من علي بن جعفر لفهمه من أخيهعليه‌السلام ، ويحتمل أنْ تكون من الصدوق ، لإرادة الجمع ، لكن الثاني مستبعد ؛ لأنّ الجزم بكون الإمامعليه‌السلام يعني مشكل ، بل يقال بما يفيد الاحتمال ، فالظاهر(١) أنّه من علي بن جعفر ، وحينئذٍ فالخبر يفيد اشتراط النظافة في المسلخ ، أمّا في بيت الحمام الداخل فالكراهة مطلقة أو التحريم.

وقد يتعجب من قول شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب بعد ذكر أنّ الصدوق روى نحو الرواية الثانية في الصحيح وحمله على المسلخ : وهو بعيد ، ويمكن حملها على نفي التحريم إلاّ أنّ ذلك يتوقف على صحة المعارض. انتهى.

وأنت خبير بأنّ الحمل إنْ عاد إلى الشيخ فهو خلاف الظاهر من العبارة ، وإنْ عاد إلى الصدوق فغير متعيّن ، والحمل على نفي التحريم مطلقاً لا وجه له كما لا يخفى.

اللغة‌ :

قال في القاموس ما يفهم منه أنّ المسانّ : الطرق المسلوكة(٢) . وفيه : العَطَن محركة وطن الإبل ومبركها حول الحوض ، الجمع أعطان ، كالمعطَن ، والجمع : معاطن(٣) .

__________________

(١) في « فض » : والظاهر.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٢٣٩.

(٣) القاموس المحيط ٤ : ٢٥٠ ، في النسخ : وجمع الجمع : معاطن ، والصحيح ما أثبتناه كما في المصدر.


قوله :

باب الصلاة في مرابط الخيل والبغال‌

الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الصلاة في أعطان الإبل وفي مرابض(١) البقر والغنم؟ فقال : « إنْ نضحته بالماء وقد(٢) كان يابساً فلا بأس بالصلاة فيها ، وأمّا مرابط الخيل والبغال فلا ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة في أعطان الإبل؟ فقال : « إنْ تخوّفت الضيعة على متاعك فاكنسه وانضحه وصلّ ، ولا بأس بالصلاة في مرابض الغنم ».

فالوجه في هذا الخبر حال الضرورة حسب(٣) ما تضمن الخبر من الخوف على المتاع.

السند‌ :

في الأوّل : موثق ، والثاني : صحيح على ما مضى(٤) .

المتن :

في الأوّل : كما ترى يدل على أنّ أعطان الإبل ومرابض البقر والغنم‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٥ / ١٥٠٦ : مرابط ، وفي « رض » : مرابظ.

(٢) ليس في الاستبصار ١ : ٣٩٥ / ١٥٠٦.

(٣) في « فض » و « رض » : حيث.

(٤) في ص ٤٩ ، ١٧٨٨ ، ٣٨ ، ٧٦.


إذا نضح بالماء وقد كان يابساً فلا بأس بالصلاة فيها ، لكن قوله : « وقد كان يابسا » محتمل لأنّ يراد أنّ النضح إنّما يرفع البأس إذا كان المحل يابساً ، أمّا لو كان رطباً فالحال فيه مسكوت عنها إثباتاً ونفياً ، إلاّ أن يقال : إنّ البأس ثابت مع الرطوبة ، لأنّ نفيه يتوقف على أمرين : النضح واليبوسة ؛ وهو غير بعيد. ويحتمل أنْ يراد بقوله : « وقد كان يابساً » حال النضح ، أمّا لو كان رطباً ونضحته فيه البأس ، وفيه نوع بُعد ، كاحتمال أنْ يراد أنّ اليبس بعد النضح يرفع البأس.

وقولهعليه‌السلام : « امّا مرابط الخيل » إلى آخره. فاحتمال إرادة ثبوت النهي سواء نضح أم لا ، يابساً أو رطباً ممكن مع ادّعاء الظهور ، واحتمال أنْ يراد عدم استحباب النضح لها مع اليبس بل يصلّى عليها ، لا وجه له في الظاهر.

ثم إنّ الثاني : يدل على أنّه مع الخوف على المتاع إذا كنس ونضح فلا بأس بالصلاة ، وحينئذٍ منافاته للأوّل من حيث اشتراط الخوف ، ومن حيث الكنس وعدم اشتراط اليبس في أعطان الإبل ، ومن حيث عدم اعتبار شي‌ء في مرابض الغنم والأوّل وقع فيه الاشتراط ، والضميمة في الأوّل للبقر لا يثمر فرقا لبعد إرادة الاجتماع كما لا يخفى.

وقول الشيخ حينئذٍ : فالوجه في هذا الخبر ، يريد به الخبر الثاني ، والمعنى : أنّ عدم اعتبار ما مضى في أعطان الإبل من تمام الشروط ، وفي مرابض الغنم من ترك الشروط بسبب الخوف ؛ وعلى هذا فقول شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب : لا وجه لحمل الرواية الأخيرة على حال الضرورة ، وفي التهذيب حمل الرواية الأُولى المتضمنة لنفي البأس عن الصلاة في أعطان الإبل مع نضحها بالماء على حال الضرورة ، واستدل عليه بالرواية(١) ، وهو‌

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٢٠ / ٨٦٨.


جيّد ، ولعلّ المشار إليه بقوله : فالوجه في هذا الخبر ، الأوّل لا الثاني.

فيه : أنّ إمكان تسديد الكلام هنا ممكن كما ذكرناه ، بل لا يبعد أنْ يكون ما في التهذيب غير تام كما يعرف بالتأمّل(١) . وما هنا أيضاً محل كلام ، والأمر سهل.

إذا عرفت هذا فالمنقول على ما مضى عن أبي الصلاح عدم حل الصلاة في معاطن الإبل ومرابض الغنم ومرابط الخيل والبغال والحمير مع غير ذلك(٢) . وعن المفيد عدم الجواز في معاطن الإبل(٣) . وذكر العلاّمة الاحتجاج بالرواية السابقة المرسلة ، وبمضمون الرواية الثانية ، قائلاً : إنّها في الحسن عن الحلبي عن الصادقعليه‌السلام : « لا تصلّ في أعطان الإبل إلاّ أنْ تخاف على متاعك الضيعة فاكنسه ورشّه بالماء وصلّ ». قال : والنهي يدل على الفساد أو على الكراهة ، وعلى كلا التقديرين لا تصح الصلاة ؛ إذ وجوب الصلاة يضادّ تحريمها أو كراهتها. وأجاب : بأنّ النهي إنْ كان لوصفٍ منفكٍّ عن الماهية جامع وجوبها ، وهو هنا كذلك ، إذ ليس النهي متوجّهاً إلى جوهر الماهية ولا إلى جزئها ولا إلى لازمها ، بل إلى عارض كنفار الإبل في المعطن(٤) . انتهى.

وفي نظري القاصر أنّه لا يخلو من تأمّل ، أمّا الاستدلال : فلأنّ ما دل على النهي إنْ أُريد به التحريم كما هو ظاهر المنقول من عدم الحل عن أبي الصلاح وعدم الجواز ، فالتوجيه للاستدلال بأنّ النهي يدل على الفساد‌

__________________

(١) في « م » زيادة : التامّ.

(٢) كما في الكافي في الفقه : ١٤١.

(٣) انظر المقنعة : ١٥١ ، وحكاه عنهما في المختلف ٢ : ١١٩.

(٤) انظر المختلف ٢ : ١٢٠.


والكراهة لا وجه له إلاّ بتقدير القول بالكراهة وبطلان الصلاة ، ومجامعة الكراهة للصلاة الباطلة على الإطلاق فيه ما لا يخفى. وإنْ كان التوجيه منه فالمطابقة للقولين المحكيين غير حاصلة.

ثم إنّ ظاهر الردّ بأنّ النهي عن خارج عن العبادة إنْ كان في جميع ما يقول القائل كالحمام فالتعليل(١) بنفار الإبل خاص مع عدم إثبات ما ذكره. وبتقدير العود إلى التحريم والكراهة فتنفير الإبل لا يوصف مطلقاً بالتحريم ولا الكراهة ؛ نعم لو كان تصرفاً في ملك الغير فأمر آخر ؛ وعلى كل تقدير ، فالنهي إنْ أُريد به عن الصلاة في الأعطان كما هو ظاهر الأخبار كانت نفس الصلاة منهياً عنها لا عن تنفير الإبل ، وإنْ كان النهي عن التنفير فأيّ مناسبة للرشّ والنضح؟.

نعم لو قلنا بالكراهة بمعنى الأقلّ ثواباً فلا مانع من مجامعته للصحة ، أمّا التحريم فلا يبعد أنْ يوجّه عدم البطلان إن كان القائل بالتحريم قائلاً بعدم البطلان بأنّ المنهي عنه شغل الحيّز كالحمّام مثلاً ، وليس نفس شغل الحيّز جزءاً من الصلاة ولا شرطاً ، بل هو أحد أفراد شغل الحيّز الذي من ضروريات الجسم ، بل هو مقارن للصلاة ، والاستقرار المعدود جزءاً من الصلاة عدم التحرك بمشي ونحوه ، وشغل الحيّز يقارنه ، لا أنّه هو ، كما ذكره بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ(٢) .

وإنْ كان يخطر في البال إمكان أنْ يقال عليه : إنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به إذا كان واجباً عند الموجِّه فاللازم اجتماع الواجب والحرام في الشي‌ء الواحد ؛ لأنّ عدم الحركة لا يتم إلاّ بالحيّز ، كما أنّ الجسم لا بدّ له من حيّز ،

__________________

(١) في النسخ : والتعليل ، والأنسب ما أثبتناه.

(٢) كالبهائي في الحبل المتين : ١٥٧.


ولا مانع من اشتراك الحيّز بين كونه مقدمة للسكون في الصلاة وحصول الجسم فيه ، وحينئذٍ فاللازم على تقدير صحة الصلاة أنْ يوصف جزء الصلاة بالوجوب والتحريم.

فإنْ قلت : المقدمة للواجب قد يتحقق مع التحريم ، كما في الحج على الطريق المغصوبة ، والدابة المغصوبة ، مع صحة الحج ؛ وعلى هذا لا مانع من صحة الصلاة ، وإنْ كان الحيّز منهيّاً عنه والكون متوقف عليه.

قلت : الفرق بين الحج وما نحن فيه أنّ الحج نفسه لا تعلق له بتحريم المقدمة لكون أفعاله واقعة على الوجه المأمور به ، وأمّا المقدمة فالغرض منها التوصل إلى الواجب وقد حصل بأيّ وجه كان ، بخلاف الصلاة ، فإنّ الكون جزؤها ، لا أنّها أفعال يتوقف على الكون فلا يضرّ بها التحريم.

ولو سلّم أنّ المطلوب من الصلاة ليس شغل الحيّز داخلاً فيه ، الأمر بالصلاة ليس أمراً بالفرد كما هو الحق ، بل بالماهية مقدمة لحصولها ، فإذا ورد النهي عن الصلاة في الحمام مثلاً إنْ أُريد به ماهية الصلاة الحاصلة في الحمام فترك هذه الماهية لا يتم إلاّ بعدم إيقاع فرد من الأفراد في الحمام ، وعلى تقدير الوقوع لا يكون الامتثال للنهي عنه حاصلاً ، فكيف يجامع الامتثال للأمر عدم الامتثال للنهي ، وهل هذا إلاّ تضادّ؟!

فإنْ قلت : هذا بعينه وارد في الحج.

قلت : الفرق أنّ تلك مقدمة لم يقع النهي بخصوصها بأن يقول الشارع : لا حج على الطريق المغصوبة ، بخلاف ما نحن فيه ، غاية الأمر أنّ لزوم اجتماع الواجب والحرام في سفر الحج قد ذكرنا في حواشي المعالم : أنّه ربما يظن لزومه من القول بوجوب المقدمة في مثل الحج. ويمكن‌


الجواب : بأنّ المقدمة المحرمة لا توصف بالوجوب ، بل الواجب مطلق قطع المسافة ، وفعل المقدمة المحرمة لم يتحقق به الامتثال بل سقط الفرض بفعله ، والتوصل حصل بالمحرم الذي هو يشبه المقدمة الواجبة.

فإنْ قلت : مطلق قطع المسافة يتحقق بالمحرمة فالإشكال بحاله.

قلت : الذي يتحقق بالمحرمة سقوط الواجب من قطع المسافة ، وبين الأمرين فرق واضح.

وقد يمكن الفرق بين الصلاة في الحمّام وبين المكان المغصوب بوجه آخر ، وهو أنّ الحمّام ليس النهي فيه لذات الحيّز من حيث هو المتوقف عليه العبادة ، بل يجوز أنْ يكون لوصف عارض للمحل والعبادة لا تتوقف عليه ، كما ذكروه في معاطن الإبل ، إلاّ أنّي لم أقف على ما يقتضي التعليل سوى ما في خبر علي بن جعفر المشعر بنظافة المحل(١) .

وما ذكره الشهيدرحمه‌الله : من أنّه مأوى الشياطين(٢) (٣) ، لعلّه مأخوذ من قول الصدوق في الفقيه ، فإنّه قال : ولا بأس بالصلاة في مسلخ الحمام ، وإنما يكره في الحمام لأنه مأوى الشياطين(٤) . والظاهر أنّ هذا من النص ، واحتمال كونه ( استنباطاً قائم )(٥) .

وأمّا رواية الحلبي الذي نقلها العلاّمة واصفاً لها بالحسن(٦) فلم أقف‌

__________________

(١) انظر الفقيه ١ : ١٥٦ / ٧٢٧ ، وتقدم في ص ١٩٩١.

(٢) انظر الذكرى : ١٥٢.

(٣) في حاشية « فض » زيادة : لكن يتوقف على الإثبات ، وهي مناسبة لما بعد قوله : قائم.

(٤) الفقيه ١ : ١٥٦ / ٧٢٧.

(٥) بدل ما بين القوسين في « م » بعد بياض بقدر كلمتين ـ : العورة لكن يتوقف على الإثبات.

(٦) انظر المختلف ٢ : ١٢٠.


الآن عليها ، لكن الصدوق روى عن الحلبي ، والطريق إليه صحيح ، وصورة الرواية : وسأل الحلبي أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال : « صلّ ، ولا تصلّ في معاطن الإبل إلاّ أنْ تخاف على متاعك الضيعة فاكنسه(١) ورشّه بالماء وصلّ »(٢) وهذه الرواية ظاهرة الدلالة مع صحتها كما لا يخفى.

وعلى كل حال ، فالمشهور الكراهة في المذكورات في الأخبار المبحوث عنها.

ويبقى الكلام فيما تضمنه خبر سماعة من قوله : « فأمّا مرابط الخيل والبغال فلا » فإنّ ظاهره التحريم ، والعامل بالموثق يحتاج إلى مزيد توجيه للكراهة.

وما قاله في المختلف : من الاستدلال للكراهة بالأصل ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً ، أينما أدركتني الصلاة تيمّمت وصلّيت »(٣) وما رواه في الحسن الحلبي وذكر الرواية السابقة عنه ، وعن سماعة وذكر الرواية الأُولى(٤) .

فيه : أنّ الأصل يخرج عنه بالدليل ، والخبر لم يعلم سنده لكن الصدوق روى مضمونه في الجملة فيمكن الاعتماد عليه ، لكن شمول الحكم لغير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله محل كلام ، إلاّ أنْ يقال : إنّ هذا ليس من خواصّه. وفيه : أنّ تمام الحديث يدل على ذكر الخواص كما يعرف من مراجعته في‌

__________________

(١) في « فض » : واكنسه.

(٢) انظر الفقيه ١ : ١٥٧ / ٧٢٩ ، الوسائل ٥ : ١٤٥ أبواب مكان المصلي ب ١٧ ح ٢.

(٣) في « م » : فصليت.

(٤) المختلف ٢ : ١١٩.


الفقيه. وغيره من الأخبار إنْ عمل به فهو ما بين مشروط ومتضمن للنهي عن مرابط الخيل والبغال على الإطلاق ، فليتأمّل.

وينبغي أنْ يعلم أنّ في المنتهى على ما نقل عنه أنّ المراد بأعطان الإبل هي مباركها حول الماء لتشرب عللاً بعد نهل ، قاله صاحب الصحاح ، والعلل : الشرب الثاني ، والنهل : الشرب الأوّل ، والفقهاء جعلوه أعم من ذلك وهي مبارك الإبل مطلقاً التي تأوي إليها ، ويدلُّ عليه ما فهم من التعليل بكونها من الشياطين. انتهى(١) .

وفي المنتهى أيضاً : أنّ المواضع التي تبيت فيها الإبل في سيرها ، أو تناخ فيها لعلفها لا بأس بالصلاة فيها ، [ لأنّها ] لا تسمّى معاطن(٢) . وقد تقدم عن القاموس ما نقلناه(٣) . وفي القاموس : الربض مأوى الغنم(٤) . هذا ولا يخفى ما في عنوان الباب من القصور.

قوله :

باب الصلاة في السبخة

الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : سألته عن الصلاة في السباخ ، فقال : « لا بأس ».

فأمّا الخبر المتقدّم وما تضمّنه من النهي عن الصلاة في السبخة ، فإنّما هو محمول على ضرب من الاستحباب ، ويجوز أنْ يكون‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٢٤٥.

(٢) المنتهى ١ : ٢٤٥ ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(٣) في ص : ١٩٩٢.

(٤) القاموس المحيط ٢ : ٣٤٢.


محمولاً على سبخة لا تتمكن الجبهة فيها من السجود.

يدل على ذلك :

ما رواه الحسين بن سعيد ، عن حماد بن عيسى ، عن شعيب بن يعقوب ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن الصلاة في السبخة فكرهه ، لأنّ الجبهة لا تقع مستوية ، فقلت : إنْ كان فيها أرض مستوية؟ فقال : « لا بأس » (١) .

السند‌ :

في الأوّل : موثق.

والثاني : فيه أبو بصير ، أمّا شعيب فهو العقرقوفي ابن أُخت أبي بصير يحيى بن القاسم الوارد فيه من الأخبار المعتبرة في هذا الكتاب ما يقتضي الذم الموجب لعدم قبول روايته ، أمّا شعيب فهو ثقة وروايته ربما كانت قرينة على تعين أبي بصير في المذكور.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على نفي البأس عن الصلاة في السباخ ، والخبر السابق يقصر عن مقاومته لولا إيراد الصدوق له كما قدّمناه(٢) ، فحمل السابق على الاستحباب بهذا الخبر محل كلام ، والقول بالمنع نقله في المختلف عن المفيد(٣) .

والصدوقرحمه‌الله ذكر في الفقيه بعد رواية الحلبي السابقة ما هذا لفظه‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٦ / ١٥٠٩ زيادة : به.

(٢) في ص ٣٣٦ ٣٣٧.

(٣) المختلف ٢ : ١١٩ ، وهو في المقنعة : ١٥١.


قال : وكره الصلاة في السبخة إلاّ أنْ يكون مكاناً ليّناً تقع عليه الجبهة مستوية ، وعن الصلاة في بيوت المجوس ، إلى آخره(١) .

والظاهر أنّ لفظ « قال » عائد إلى الحلبي ، والذي كره أبو عبد اللهعليه‌السلام ، وعلى هذا فيكون مدلول الثاني في هذا الكتاب صحيح الطريق من الفقيه ، إلاّ أنّ المتن مختلف.

والمكروه في الأخبار كما في الخبر المذكور محتمل للمكروه المعروف والتحريم ، فالخبر السابق الوارد بالنهي عن الصلاة في السبخ يقيّد بهذا الخبر.

والشيخ كما ترى كلامه مجمل في الحمل الثاني ؛ لاحتماله التحريم فيما إذا لم تقع الجبهة مستوية ، ولفظ الكراهة ( عند الشيخ يأبى هذا ، لأنّه كثيراً ما يقول في مثل الخبر : إنّه جاء نصّاً في الكراهة ، ويحتمل أنْ يريد الكراهة )(٢) لكن الحمل على الاستحباب لا يغاير هذا إلاّ بأن يقال : إنّ الحمل الأوّل يراد به كراهة السبخة مطلقاً فيستحبّ التنزّه عنها ، والثاني يفيد الكراهة إذا لم تستو الجبهة.

وقد نقل بعض محققي المعاصرين سلّمه الله الخبر الثاني واصفاً له بالموثق ، ومتنه : قال : سألته عن الصلاة في السبخة لمَ تكرهه؟ قال : « لأنّ الجبهة لا تقع مستوية » فقلت : إن كان فيها أرض مستوية؟ قال : « لا بأس »(٣) وأنت خبير بعد ما قدّمناه من صحّة السند(٤) وعدم ظهور وجه التوثيق.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٥٧.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « م ».

(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٦١.

(٤) في ص ١٩٩٨.


اللغة :

قال في القاموس : السبخة محركة ومسكّنة أرض ذات نزّ وملح ، الجمع سباخ(١) .

قوله :

باب المصلّي يصلّي وفي قبلته نار

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يصلّي(٢) الرجل وفي قبلته نار أو حديد ».

محمّد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أبي الحسنعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يصلّي والسراج موضوع بين يديه في القبلة؟ فقال : « لا يصلح له أنْ يستقبل النار ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن ، عن الحسين بن عمرو ، عن أبيه ، عن(٣) عمرو بن إبراهيم الهمداني ، رفع الحديث قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « لا بأس أنْ يصلّي الرجل (٤) والسراج والصورة بين يديه ، إنّ الذي يصلّي له أقرب إليه من الذي بين يديه ».

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٢٧٠.

(٢) في « فض » لا يصلّ.

(٣) ليس في الاستبصار ١ : ٣٩٦ / ١٥١٢.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٩٦ / ١٥١٢ زيادة : والنار.


فهذه رواية شاذة مقطوعة الإسناد ، وهي محمولة على ضرب من الرخصة ، وإن كان الأفضل ما قدّمناه.

السند‌ :

في الأوّل : موثق ، وما عساه يقال : إنّ رواية محمّد بن أحمد ، عن أحمد بن الحسن مستبعدة ؛ لأنّ سعداً يروي عن أحمد بن الحسن ، والطريق إلى محمّد بن أحمد بن يحيى سعد بن عبد الله ؛ جوابه غير خفيّ بعد الممارسة.

والثاني : صحيح على ما مضى ، وقد رواه الصدوق أيضاً عن علي بن جعفر(١) ، وليس في الطريق ارتياب.

فإن قلت : ظاهر الكلام التوقف في طريق الشيخ ، وهو غير واضح.

قلت : لأنّ في الطريق أحمد بن محمّد بن يحيى العطار ، وقد مضى فيه أنّه غير مصرح بتوثيقه(٢) ، لكنه معتبر عند مشايخنا(٣) ومن تقدّمهم من المتأخرين(٤) . أمّا طريق الصدوق فعن أبيه عن محمّد بن يحيى.

والثالث : الحسن فيه هو ابن علي الكوفي ، كما في الفقيه(٥) ، والحسن هو ابن أبي المغيرة ( كما يستفاد من الصدوق في مشيخة الفقيه في ذكر الطريق إلى روح بن عبد الرحيم(٦) كما نبّه عليه الوالدقدس‌سره وشيخنا‌

__________________

(١) انظر الفقيه ١ : ١٦٢ / ٧٦٣.

(٢) في ص ٢٦.

(٣) انظر منهج المقال : ٤٧ ، منتقى الجمان ١ : ٣٩ ٤١.

(٤) خلاصة العلاّمة : ٢٧٦ ، الدراية ٦٩.

(٥) الفقيه ١ : ١٦٢.

(٦) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ١٠٣.


ـ أيّده الله ـ في كتاب الرجال(١) ، وقد يستفاد من قول الصدوق هنا توثيقه هنا أيضاً )(٢) لأنّه ( قال : [ يرويه ] الحسن بن علي الكوفي وهو معروف ، ثم قال : إنّ )(٣) الرواية صدرت عن ثقات ثم اتصلت بالمجهولين والانقطاع(٤) .

وظاهر هذا الكلام أنّ الثقات الحسن بن علي الكوفي ومن تقدّمه إلى الصدوق ، وغير خفي إعطاء كلامه توثيق علي بن الحسن بن علي الكوفي ، وجعفر بن علي بن الحسن الكوفي ؛ إذ طريقه إلى الحسن هذان الرجلان(٥) ، ولم أر من ذكرهما في الرجال.

ثم إنّ الجهالة في الثلاثة بعد الحسن ذكرها الصدوق ( في الفقيه(٦) وقد ذكرت في معاهد التنبيه كلاماً في المقام ، وحاصل الأمر : أنّ(٧) الذي يستفاد من الصدوق )(٨) وغيره عدم العمل بالخبر من حيث الطرق ، بل من أخذه من الكتب المعتمدة ونحو ذلك ، والخبر المذكور ردّه بأنّه حديث يرويه ثلاثة من المجهولين بإسناد منقطع ، وهو يعطي التفاته للطريق.

__________________

(١) منهج المقال : ١٤١.

(٢) بدل ما بين القوسين في « م » : على ما فهمته من الوالدقدس‌سره . واستفادته من الرجال غير بعيدة ، لأنَّ الصدوق ذكر في الطريق إلى الحسن بن علي الكوفي عن أبيه عن علي بن الحسن بن علي الكوفي عن أبيه. والمذكور في النجاشي في الحسن بن علي بن أبي المغيرة أنَّ ابنه يروي عنه. وقد يتوجه في المقام نوع كلام ، إلاّ أنّ الذي يفهم من الفقيه توثيق الحسن بن علي الكوفي هذا.

(٣) ما بين القوسين ليس في « رض » ، وبدل ما بين المعقوفين في « فض » و « م » : إنّ ، وما أثبتناه من المصدر.

(٤) الفقيه ١ : ١٦٢.

(٥) مشيخة الفقيه ( الفقيه ٤ ) : ٤٠.

(٦) الفقيه ١ : ١٦٢.

(٧) ليس في « رض ».

(٨) ما بين القوسين ليس في « م ».


ثم إنّه قال أخيراً : أنّها رخصة اقترنت بها علة صدرت عن ثقات ثم اتصلت بالمجهولين والانقطاع ، فمن أخذ بها لم يكن مخطئاً بعد أنْ يعلم أنّ الأصل هو النهي ، وأنّ الإطلاق هو الرخصة والرخصة رحمة.

وهذا الكلام كما ترى ظاهره أنّ الخبر قد نقله الثقات ، فلا يضرّ الجهالة والقطع فيه ، والحال أنّ الثقات إذا رووه عن المجهولين فإنْ كان من جهة الاعتماد على المجهولين فليسوا بمجهولين ، وإنْ كان من حيث انضمام القرائن فلا يضرّ الجهالة ، والظاهر هو هذا ؛ لأنّ العمل بالخبر لا يفهم وجهه إلاّ من هذه الحيثية ، واحتمال كون الثقات قبل المجهولين لا وجه له ، واحتمال كون الثقات معهم كالأوّل. وبهذا يتضح أنّ الخبر صحيح عند الصدوق ، لا أنّه شاذّ كما قاله الشيخ ، وتبعه شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب قائلاً : إنّه لا يخفى أنّ ثبوت الرخصة بهذه الرواية مع كونها شاذّة مقطوعة الإسناد مشكل جدّاً.

وفي الظن ، أنّ الخبر حينئذٍ يعتمد عليه بنحو ما قرّرناه في غيره ، وإن بقي الإشكال في ظاهر كلام الصدوق المقتضي للتنافي بين عادته وقوله هنا ، وإلى الآن لم يخطر في البال وجه التسديد ، والله المستعان.

ويبقى الكلام في الرخصة المذكورة في كلام الشيخ والصدوق ، فإنّ الظاهر من الشيخ إرادة الجواز ، وأنّ الأفضل عدم الصلاة إلى النار ، والرخصة في عبارة الصدوق لم يتضح لي معناها ، فلو أراد بها ما قاله الشيخ يكون قائلاً بكراهة الصلاة إلى النار ، وظاهر قوله : إنّ الأصل هو النهي ؛ يفيد التحريم ، وأنّ الرخصة يراد بها جواز الفعل للضرورة على نحو ما قرّره أهل الأُصول في الرخصة.

فإنْ قلت : قوله : اقترنت بها علة ، ثم قوله : فمن أخذ بها لم يكن‌


مخطئاً. لا يوافق المعنى الأُصولي(١) ، إذ الرخصة عُرّفت بما يقتضي جواز الفعل مع قيام المانع منه ، واقتران العلّة المذكورة لو لوحظ فيه ما قرّر في الأُصول من أنّ الرخصة جواز الفعل مع الضرورة فغير خفيّ أنّ العلة في الخبر لا دخل لها بالضرورة المناسبة بجواز الفعل على حدّ الضرورة المقررة في الرخصة. وقد سبقه إلى هذا شيخنا الشهيدرحمه‌الله في شرح الإرشاد(٢) . وأمّا قوله : فمن أخذ بها ، إلى آخره. فعدم المناسبة فيه ظاهر ؛ إذ المتبادر من جواز العمل بالخبر مع عدم الضرورة وقوله بعد ذلك : إنّ الإطلاق هو الرخصة. يدل على هذا.

قلت : ما ذكرته في الأوّل واضح من حيث إنّ العلة في الخبر لا توافق الضرورة إلاّ على تكلّف بأنْ يراد بالعلّة الضرورة ، والمعني باقتران العلّة الضرورة ، وحينئذٍ فالكلام في قوة أنّ الجواز مشروط بالضرورة ، ووجه التكلف غير خفيّ. وربما يدفع التوجيه الكلام الأخير حيث ذكر الإطلاق ، إلاّ أنّه يمكن التوجيه بأنْ يراد بالإطلاق الإباحة(٣) . وأمّا الثاني : فما ذكرته فيه يمكن دفعه بإرادة أنّ من عمل بالخبر حال الضرورة لم يكن مخطئاً.

وبالجملة : فالرخصة في كلامهرحمه‌الله مجملة المعنى.

فإن قلت : الرخصة في الأُصول ما(٤) وجه إخراج التيمم منها ( ونحوه ، مع أنَّ الظاهر الدخول. قلتُ : الظاهر أنّ المراد من الرخصة أن‌

__________________

(١) في « رض » : الأُولى.

(٢) روض الجنان : ٢٣٠.

(٣) في « م » زيادة : وقد يمكن أن يوجه موافقة العلة للضرورة على تقدير كونها غيرها بأنّ مع الضرورة فالعلّة المدخولة في الرواية مؤثرة ، وإن كانت العلّة في الظاهر شمولها للضرورة وعدمها. وفيه من التكلف ما لا يخفى.

(٤) ليست في « رض ».


يكون التحريم مثلاً مطلقاً غير مشروط التكليف به بشي‌ء ، ثمَّ إنّ الشارع يبيح الفعل للضرورة ، بخلاف التيمم ونحوه )(١) .

وأوضح من هذا أنْ يقال : إنّ المشروط بالضرورة في الرخصة الفعل لا التحريم ، بل هو مطلق بخلاف التيمم ، فإنّ المشروط فيه الوجوب ألا ترى أنّ الصلاة واجب مطلق مع اشتراط فعلها بالوضوء ، بخلاف الزكاة والحج. وقد اشتبه الفرق بين الواجب المشروط والفعل المشروط على بعض المتأخّرين حتى أوقعهم ذلك في مضايق اكتفوا في الخروج عنها بالإجمال ، فمن جملتها أحكام الميت فإنّها كفائية مع توقف بعضها على إذن الولي.

وقد أجاب جدّيقدس‌سره عن إشكال الجمع بين الوجوب والتوقف على الإذن بعدم المنافاة ، ولا يخفى غرابته لولا ما قلناه من أنّ المتوقف هو الفعل لا الوجوب. وتحقيق القول في بحث الأموات وغيره يأتي إنشاء الله تعالى.

وقد نقل في المختلف القول بالتحريم عن أبي الصلاح ، وهو يشعر بأنّ الصدوق غير قائل به ، كما يؤيّده استشهاده بكلام الصدوق على الكراهة(٢) ، والأمر كما ترى.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ خبر علي بن جعفر ظن شيخناقدس‌سره أن قولهعليه‌السلام : « لا يصلح » يشعر بالكراهة ؛ لعدم الصراحة في التحريم(٣) . وقد سبقه إلى‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في ( فض ) و « ض » : مع أنّ الظاهر أنّ ما ذكر إنما يجوز مع الضرورة فهو في معنى الرخصة.

قلت : المراد من الرخصة أنْ يكون التحريم مثلاً مطلقاً غير مشروط التكليف به بشي‌ء ، ثم إنّ الشارع : يبيح الفعل للضرورة ، بخلاف التيمم ونحوه ، فما ذكره الشريف من أنّ التكليف به مشروط بعدم الماء. فلا تكليف بدون فقد الماء.

(٢) المختلف ٢ : ١٢٤.

(٣) المدارك ٣ : ٢٣٥.


هذا شيخنا الشهيدرحمه‌الله في شرح الإرشاد(١) . وقد يناقش في ذلك إلاّ أنّ الأمر يسهل بعد ما قدّمناه.

ومن هنا يعلم أنّ قول بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : ولو قلنا به يعني بالتحريم لكان وجهاً ؛ لضعف الرواية المؤذنة بالجواز جدّاً ، وهي مرفوعة عمر بن إبراهيم ، وذكر الرواية(٢) ؛ واستدلال العلاّمة في المختلف على الكراهة بما حاصله أنّه مكلف بإدخال ماهية الصلاة إلى الوجود ، وهو حاصل في صورة النزاع(٣) ؛ غريب في الظاهر ، إلاّ أنّه يمكن تصويره ، والضرورة غير داعية إلى ذلك.

المتن :

قد قدّمنا ما لا بدّ منه في الكلام عليه وإنّما أدخلناه في السند لانسياق القول فيه من عبارة الفقيه ، غير أنّه ينبغي أنْ يعلم أنّ الأوّل يدل على النهي عن الصلاة لمن في قبلته النار.

والثاني : تضمن أنّ السراج موضوع في القبلة بين يدي المصلّي ، والجواب مطابق أيضاً ، فهو موافق للأوّل في القبلة ( فتعبير بعض المتأخّرين بكراهة كون النار بين يدي المصلّي(٤) ، محلّ تأمّل ؛ لأنّ الانحراف عن القبلة )(٥) يقتضي زوال الكراهة أو التحريم مع(٦) صدق أنّها بين اليدين في‌

__________________

(١) روض الجنان : ٢٣٠.

(٢) البهائي في الحبل المتين : ١٦٣.

(٣) المختلف ٢ : ١٢٥.

(٤) الشرائع ١ : ٧٢.

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) في « رض » زيادة : تحقق.


الجملة ، وكذلك التعبير بالمضرمة ليس في الأخبار التي وقفنا عليها ما يدلّ عليه.

قوله :

باب الصلاة بين المقابر

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد ابن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن ( محمّد بن أحمد بن يحيى )(١) عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يصلّي بين القبور؟ قال : « لا يجوز ذلك ، إلاّ أنْ يجعل بينه وبين القبور إذا صلّى عشرة أذرع من بين يديه ، وعشرة أذرع من خلفه ، وعشرة أذرع عن يمينه ، وعشرة أذرع عن يساره ، ثم يصلّي إن شاء ».

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن(٢) يحيى ، عن معاوية بن حكيم(٣) ، عن مَعْمر بن خلاّد ، عن الرضاعليه‌السلام قال : « لا بأس بالصلاة بين المقابر(٤) ما لم يتخذ القبر قبلة ».

وما رواه محمّد بن علي بن ( محبوب ، عن محمّد بن عيسى العبيدي(٥) ، عن الحسين (٦) بن علي بن يقطين ، عن أخيه ، عن أبيه‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٣٩٧ / ١٥١٣ : أحمد بن محمّد.

(٢) في « فض » زيادة : محمّد بن.

(٣) في « فض » : حكم.

(٤) في الاستبصار ١ : ٣٩٧ / ١٥١٤ : إلى القبر.

(٥) في الإستبصار ١ : ٣٩٧ / ١٥١٥ : العبدي.

(٦) في الإستبصار ١ : ٣٩٧ / ١٥١٥ : الحسن.


علي بن )(١) يقطين قال : سألت أبا الحسن الماضيعليه‌السلام عن الصلاة بين القبور هل يصلح؟ قال : « لا بأس ».

فالوجه في هذين الخبرين أنْ نحملهما على أنّه إذا كان بينه وبين القبر حائل أو يكون بينه وبين القبر عشرة أذرع حسب ما فصّله في الخبر الأوّل.

السند‌ :

في الأوّل : موثق.

والثاني : فيه معاوية بن حكيم ، وقد وثقه النجاشي(٢) . والكشي قال : إنّه فطحي(٣) . ولا يبعد ترجيح النجاشي ؛ لما قدمناه(٤) . وما يقال : من أنّه لا منافاة بين توثيق النجاشي وكونه فطحياً ؛ جوابه أيضاً مضى من أنّ النجاشي لو كان من عادته عدم التعرض لذكر الفطحية ونحوهم أمكن ، إلاّ أنّه يذكر من ثبت عنده الحكم فيه. وأمّا مَعْمر بن خلاّد فهو ثقة بلا ارتياب.

والثالث : فيه محمّد بن عيسى العبيدي ، وقد مضى القول فيه(٥) ، وغيره خال من الارتياب. والنسخة التي نقلت منها كما ترى عن الحسين عن أخيه ، وربما كان المتعارف عن الحسن عن أخيه ، والأمر سهل.

المتن :

في الأوّل : ظاهره عدم الجواز بين القبور إلاّ بالمقدار المذكور ، وقد‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) رجال النجاشي : ٤١٢ / ١٠٩٨.

(٣) رجال الكشي ٢ : ٨٣٥ / ١٠٦٢.

(٤) في ص ٧٩.

(٥) في ص ٥٣.


نقل العلاّمة في المختلف عن المفيد أنّه سوّغ الصلاة إلى القبر بشرط الحائل ، وكذا سلاّر ، والشيخ كره الصلاة بين القبور إلاّ مع الساتر ولو عنزة ، فإنْ لم يتمكن فليكن بينه وبين القبر عشرة أذرع عن قدّامه وعن يمينه ويساره ، ولا بأس بأنْ لا يكون ذلك من خلفه ، لما رواه عمّار الساباطي ، وذكر الرواية المبحوث عنها(١) . ولا يخفى عدم مطابقتها في الجملة للمقدار ، وما نقله عنه من التفصيل.

وحكى العلاّمة عن المفيد أيضاً أنّه قال : لا تجوز الصلاة بين القبور حتى يكون بين يدي الإنسان وبينه حائل ولو قدر لبنة أو عنزة منصوبة أو ثوب موضوع ، وقد روي أنّه لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر إمام ، ( والأصل ما ذكرناه ، ويصلّي الزائر ممّا يلي رأس الإمام وهو أفضل من أنْ يصلّي إلى القبر من غير حائل )(٢) بينه وبينه على حال ، وكذا منع سلاّر من الصلاة إلى القبر(٣) .

ولا يخفى أنّ الثاني والثالث دالاّن على الجواز ، لكن الثاني مقيّد بما لم يتخذ القبر قبلة فيمكن أنْ يخصّ الثالث به.

وأمّا الدلالة على التحريم إذا كان القبر قبلة ، ففيها : أنّ المستفاد من الرواية ثبوت البأس وهو أعم من التحريم ، ولو حمل على الكراهة نظراً إلى ظاهر إطلاق الثالث كان متوجّهاً.

وما قد يقال : إنّ ظاهر ( الأخبار بين القبور ، أمّا القبر الواحد فلا دلالة عليه.

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٢١.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) المختلف ٢ : ١٢١.


يمكن الجواب عنه : بأنّ ظاهر )(١) قوله : « ما لم يتخذ القبر قبلة » الشمول للواحد ، إلاّ أنّ يقال : إنّ مع تعدد القبور إذا اتخذ القبر قبلة يثبت الحكم المستفاد من الأخبار.

وفي المنتهى : لو كان في الموضع قبر أو قبران لم يكن بالصلاة فيه بأس إذا تباعد عن القبر بنحو من عشرة أذرع(٢) .

وإذا ثبت زوال الكراهة أو التحريم مع الحائل ثبت في قبورهم ؛ لوجود الحائل ، لكن دليل الحائل لم نقف عليه.

وقد روى الصدوق في الفقيه عن علي بن جعفر وهو صحيح عن أخيه موسىعليه‌السلام ، عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال : « لا بأس به »(٣) .

فإنْ قلت : إنّ الصدوق قال قبل هذه الرواية : وأمّا القبور فلا يجوز أنْ تتّخذ قبلة ولا مسجداً ، ولا بأس بالصلاة بين خللها ما لم يتخذ شيئاً منها قبلة ، والمستحب أنْ يكون بين المصلّي وبين القبور عشرة أذرع من كلّ ناحية(٤) ؛ وهذا يقتضي عدم عمله بإطلاق رواية علي بن جعفر.

قلت : الظاهر ما ذكرت ، فيكون قائلاً بتحريم جعل القبر قبلة ، وظاهر قوله : بين خللها ، أنّ الحكم المذكور في القبور ، أمّا القبر الواحد فاستفادته مشكلة ، لكن لا أعلم الفارق الآن من الأصحاب.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما قاله الشيخ بعد الخبر الأخير : من أنّه محمول على الحائل أو البعد بالقدر المذكور ؛ لم يتقدم ما يدلّ عليهما في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) المنتهى ١ : ٢٤٥.

(٣) الفقيه ١ : ١٥٨ / ٧٣٧ ، الوسائل ٥ : ١٥٨ أبواب مكان المصلي ب ٢٥ ح ١.

(٤) الفقيه ١ : ١٥٦.


الأوّل ، فكأنّ مراده بدلالة الأوّل على المقدار لا الحائل.

ثم إنّ ما تقدم نقله عن المفيد من قوله : وقد روي أنّه لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر إمام(١) ؛ قد ذكر الشيخ في التهذيب بعد عبارة المفيد ما هذه صورته : روى ذلك محمّد بن أحمد بن داود ، عن أبيه قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحميري قال : كتبت إلى الفقيه أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمّةعليهم‌السلام هل يجوز أنْ يسجد على القبر أم لا ، وهل يجوز لمن صلّى عند قبورهم أنْ يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أنْ يتقدّم القبر ويصلّي ويجعله خلفه أم لا؟ فأجابعليه‌السلام وقرأت التوقيع ومنه نسخت : « أمّا السجود على القبر ( فلا يجوز )(٢) في نافلة ولا فريضة ولا زيارة بل يضع خدّه الأيمن على القبر ، وأمّا الصلاة فإنّها خلفه يجعله الامام ، ولا يجوز أنْ يصلّى بين يديه ، لأنّ الإمام لا يتقدّم ، ويصلّى عن يمينه وشماله »(٣) وهذا الخبر موصوف بالصحة في كلام بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ(٤) .

وعلى ما في التهذيب فالطريق إلى محمّد بن أحمد بن داود غير مذكور في المشيخة ، بل إلى أبيه(٥) ، لكن في الفهرست ذكر الطريق إلى جميع كتبه ورواياته جماعة منهم المفيد(٦) ، والظاهر دخول هذه الرواية ( في رواياته )(٧) ، واحتمال أنْ يقال : إنّ الحكم بأنّها من رواياته فرع صحة‌

__________________

(١) راجع ص ٣٤٧.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٣) التهذيب ٢ : ٢٢٨ / ٨٩٨ ، الوسائل ٥ : ١٦٠ أبواب مكان المصلي ب ٢٦ ح ١.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٥٦.

(٥) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٧٨.

(٦) الفهرست : ١٣٦ / ٥٩٢.

(٧) ما بين القوسين ليس في « م ».


الطريق إليه ولم تعلم ، قد قدّمنا الجواب عنه في هذا الكتاب من أنّ ظاهر الشيخ الحكم بأنّ من رواياته ما نقله ، واحتمال رجوع الحال إلى الشيخ فهو نوع إرسال ، يمكن دفعه بأنّه يخرج عن الإرسال بذكر الطريق في الفهرست إلى جميع رواياته وكتبه.

ثم إنّ محمّد بن أحمد من الشيوخ الأجلاّء وإنْ لم يصرح بتوثيقه كأمثاله.

والخبر كما ترى يدلّ على جواز جعل قبر الإمام قبلة ، فلا ندري الوجه في عدم اعتباره من المفيد ، واحتمال التوقف في المكاتبة له وجه ، ولا يبعد أنْ يقال : إنّ الجواب تضمن جعل القبر الأمام ، لا بأنْ يكون خلفه ، وما دلّ على البعد يقيّده ، لكن من لم يعمل بالموثق لا يحتاج إلى هذا ، فليتأمّل.

قوله :

باب المصلّي يصلّي وعليه لثام

محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن حمّاد بن عيسى ، عن ربعي ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قلت له : أيصلّي الرجل وهو متلثم؟ فقال : « أمّا على الأرض فلا ، وأمّا على الدابة فلا بأس ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يصلّي ويقرأ القرآن وهو متلثم؟ فقال : « لا بأس ».

سعد ، عن أبي جعفر ، عن العباس بن معروف ، عن عليّ بن‌


مهزيار ، عن الحسن(١) بن علي ، عمّن ذكره ، عن أحدهماعليهما‌السلام أنّه قال : « لا بأس بأنْ يقرأ الرجل في الصلاة وثوبه على فيه ».

فالوجه في هذين الخبرين أنْ نحملهما على أنّه إذا لم يمنع اللثام من سماع القرآن فإنّه لا بأس به وإنّما كره ذلك إذا كان مانعاً من سماع القراءة ، يدل على ذلك :

ما رواه سعد بن عبد الله ( عن أحمد بن محمّد(٢) ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن الحلبي قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ) (٣) هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه؟ فقال : « لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة ».

السند‌ :

في الأوّل : تكرّر القول فيه(٤) من جهة محمّد بن إسماعيل ، والبواقي من رجاله لا ارتياب فيهم.

والثاني : ضعيف بعثمان بن عيسى.

والثالث : فيه مع الإرسال اشتراك الحسن بن علي(٥) .

والرابع : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه. وفي نسخة : سعد ، عن أحمد ابن الحسن ، وهو ابن فضّال فيكون موثقاً ، لكن قد تقدم الحديث في باب إسماع الرجل نفسه القراءة بسند صحيح من غير ارتياب(٦) ، فليراجعه من‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٨ / ١٥١٨ : الحسين.

(٢) في الاستبصار : ٣٩٨ / ١٥١٩ : الحسن.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) في ص ٣١ ، ٧٨.

(٥) هداية المحدثين : ١٩٠.

(٦) في ص ١٦٠١.


أراده.

المتن :

في الأوّل : ظاهر في الفرق بين الراكب ومن على الأرض(١) في المتلثّم ، والحكمة خفية.

والثاني : كما ترى وإن كان ظاهره القراءة في الصلاة مع اللثام ، ( إلاّ أنّ فيه احتمال إرادة قراءة القرآن في غير الصلاة وهو متلثّم والصلاة مع اللثام )(٢) والتفاوت سهل ؛ إذ إطلاق جواز الصلاة متلثّما يدلّ على أنّه لا يمنع من القراءة في حال اللثام.

أمّا الثالث : فالظاهر أنّ وضع الثوب على الفم مغاير اللثام ، وقد يحصل الفرق بينه وبين اللثام بقوة المانع مع اللثام ، وضعفه مع وضع الثوب على الفم. وما ذكره الشيخ من الحمل قد يشكل بأنّه إذا منع لا وجه للكراهة ( بل ينبغي التحريم ، إلاّ أنْ يريد ذلك. وفيه : أنّ الكراهة )(٣) مع عدم المنع محتملة ، لدلالة الخبر على المنع لمن كان على الأرض ، ولو منع القراءة لما حصل الفرق بين الراكب وغيره.

وأمّا الرابع : فقد مضى القول فيه في الباب المشار إليه(٤) ، وبيّنّا أنّ ظاهره الاكتفاء بالهمهمة بالنسبة إلى إسماع نفسه في الإخفاتية وإسماع الصحيح القريب في الجهرية ، ولم أر من صرّح به ، ودلالته على وضع‌

__________________

(١) في « م » : الأربع.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في ص ١٦٠٢ ١٦٠١.


الثوب غير خفية ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : اللثام ككتاب ما على الفم من النقاب ، وتلثّمت : شدّته(١) . وعلى هذا فقوله في الخبر الأوّل : وهو متلثم. يراد به مشدود اللثام ، وذكر النقاب يدلّ على ما قدّمناه من المغايرة.

قوله :

باب الرجل يصلّي والمرأة تصلّي بحذاه

الحسين بن سعيد ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد(٢) ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يصلّي(٣) في زاوية الحجرة ، وامرأته أو بنته(٤) تصلّي بحذاه في الزاوية الأُخرى؟ قال : « لا ينبغي ذلك ، وإنْ كان بينهما شبرٌ أجزأه » يعني إذا كان الرجل متقدّماً للمرأة بشبر.

عنه ، عن فضالة ، عن الحسين بن عثمان ، عن الحسن الصيقل ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير قال : سألته عن الرجل والمرأة يصلّيان في بيت واحد والمرأة عن يمين الرجل بحذاه؟ قال : « لا ، إلاّ أن يكون بينهما شبر أو ذراع » ثم قال : « كان طول رحل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) القاموس المحيط ٤ : ١٧٦.

(٢) في الاستبصار ١ : ٣٩٨ / ١٥٢٠ زيادة : بن مسلم.

(٣) ليست في « رض ».

(٤) في « م » : وابنته.


ذراعاً وكان يضعه بين يديه إذا صلّى ليستره ممن يمرّ بين يديه ».

عنه ، عن صفوان وفضالة ، عن العلاء ، عن محمّد ، عن أحدهماعليهما‌السلام ، قال : سألته عن المرأة تزامل(١) الرجل في المحمل يصلّيان جميعاً؟ فقال : « لا ، ولكن يصلّي الرجل فإذا فرغ صلّت المرأة ».

عنه ، عن محمّد بن سنان ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل والمرأة يصلّيان جميعاً في بيت ، المرأة عن يمين الرجل بحذاه؟ قال : « لا ، حتى يكون بينهما شبر أو ذراع أو نحوه ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن ابن فضال ، عمّن أخبره ، عن جميل ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يصلّي والمرأة(٢) بحذاه أو إلى جنبه ، فقال : « إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس ».

عنه ، عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن المرأة تصلّي عند الرجل؟ فقال : « لا تصلّي المرأة بحيال الرجل إلاّ أنْ يكون قدّامها ولو بصدره ».

السند‌ :

في الأوّل : صحيح على ما مضى(٣) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٣٩٩ / ١٥٢٢ : تواصل.

(٢) في النسخ : الحرّة ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٣٩٩ / ١٥٢٤.

(٣) في ص ٤٩ ، ١٠٨ ، ٨٦٥ ، ٧٦.


والثاني : فيه أبو بصير والحسن الصيقل وتقدم الكلام فيهما أيضاً مفصّلاً(١) كالحسين بن عثمان.

والثالث : صحيح.

والرابع : واضح الضعف.

والخامس : فيه مع الإرسال معلوميّة ابن فضّال على أيّ حال.

والسادس : صحيح لما قدّمناه في عمر بن أُذينة من دفع وهم الاشتراك فيه(٢) .

المتن :

في الأوّل : ربما كان ظاهراً في الكراهة من لفظ « لا ينبغي » كما فهمه شيخناقدس‌سره (٣) وغيره(٤) . وقد يشكل باستعمال اللفظ في المحرّم. ويجاب : بأنّ اشتراك اللفظ بين المحرّم والمكروه كاف في عدم الحكم بالتحريم كما لا يخفى.

وما وقع في الخبر من قوله : يعني ، إلى آخره. ربما ظن منه جماعة(٥) أنّه من الشيخ ، بناءً على أنّ لفظ « شبر » بالشين المعجمة والباء الموحّدة. فدفع بأنّه بالسين المهملة والتاء المثنّاة فوق. وفي ظني أنّ فيه نظراً ؛ لأنّ كونه من الشيخ في غاية البعد ، إذ اللائق في أمثال هذا أنْ يقال على سبيل الاحتمال أو الظاهر لا الجزم.

__________________

(١) في ص ٥١ ، ١٤٥٩.

(٢) في ص ٢٠٩.

(٣) مدارك الأحكام ٣ : ٢٢٢.

(٤) انظر المعتبر ٢ : ١١٠ ، روض الجنان : ٢٢٥ ، جامع المقاصد ٢ : ١٢١.

(٥) كالبهائي في الحبل المتين : ١٥٩.


وغير بعيد أنْ يكون من الراوي عن الإمامعليه‌السلام لفهمه ذلك منه ، كما سبق مثله في كلام الصدوق في المسلخ(١) .

وقد ذكر بعض محققي المتأخّرينرحمه‌الله أنّ الشبر بالشين المعجمة لو أُريد ظاهره لكان لغواً(٢) . وغرضه أنّ الزاوية لا يتصور كونها بمقدار ما يصلّي الرجل والمرأة فيها وبينهما شبر. وقد يقال : إنّ المقصود من الإمامعليه‌السلام بيان الكراهة على وجه أبلغ ، وهو أنّ وقوف كلّ منهما في زاوية مع المحاذاة ( لا ينبغي ، أمّا الإجزاء فلو حصل بينهما شبر في أيّ مكان كفى ، [ لا أنّ(٣) ] الزاوية هذا المقدار.

ومن هنا يعلم أنّ القرينة )(٤) على أنّ لفظ « لا ينبغي » يصير ظاهره(٥) لولا احتمال كون التفسير من الراوي لفهمه من الإمامعليه‌السلام . ولو رجع إلى الشيخ فالأخبار الآتية ربما يقال : إنّها تنافيه ؛ لأنّ الثاني تضمّن أنْ يكون بينهما شبر أو ذراع ، وكذلك الرابع. ويدفعه أنّ الاحتمال الذي ذكره الشيخ جار(٦) في الأخبار الثلاثة ، ويؤيد احتمال الشيخ الخامس ، فإنّ سجودها إذا كان موضع ركوعه فالتقدم منه بنحو ذراع وشبر ، والسادس كذلك.

ولو حمل الخبر الأوّل على الستر بالسين المهملة أمكن أيضاً ، ويكون الغرض زوال الكراهة ، كما أنّ بالشبر أيضاً تزول ، كما يستفاد من الأخبار.

__________________

(١) في ص ١٩٩١.

(٢) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٢٩.

(٣) في النسخ : لأنّ ، والظاهر ما أثبتناه.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) كذا في النسخ.

(٦) في « رض » : جاز.


ومن هنا يعلم أنّ القول بالتحريم لا يخلو من إشكال مع ملاحظة الأخبار وما ذكرناه.

وحكى العلاّمة في المختلف القول بعدم الجواز إذا صلّت المرأة إلى جنب الرجل أو تقدمته عن الشيخين وابن حمزة وأبي الصلاح ، وعن المرتضى القول بالكراهة ، وأنّ الشيخ احتج بإجماع الفرقة واشتغال الذمّة بالصلاة بيقين ، ولا يزول إلاّ بيقين كما تكرر من الشيخ مثله ، وبرواية أبي بصير وهي الرابعة وبخبر عمّار الآتي(١) ، وبخبر آخر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أظن ترك ذكره أولى.

وأجاب العلاّمة عن الإجماع بعدم ثبوته ، ثم تعجّب من نقله الإجماع مع حكايته يعني الشيخ خلاف السيّد ؛ وأمّا عن اليقين فبأنّ الاشتغال ( بيقين قبل )(٢) هذه الصلاة لا بعدها(٣) . وهذا عجيب منهرحمه‌الله فإنّ الاستدلال كثيراً ما يستدل بمثله ، وقد أجبنا عنه بما ذكره فيما تقدم.

وقد يقال هنا : إنّ ثبوت الصلاة بيقين قبل هذه الصلاة ، فإمّا أن يتوقف زواله على اليقين أو يكفي الظن ، فإن توقّف على اليقين لم تكن الصلاة مشروعة من أوّل الأمر ، فلا يزول بها يقين الاشتغال ، وإنْ اكتفي بالظن فلا حاجة إلى دفع يقين الاشتغال ، بل يقال : إنّه زال بالامتثال.

وما عساه يقال : إنّ ذكر زوال(٤) الاشتغال لأنه وقع في كلام الشيخ.

فيه : أنّ غرض الشيخ كون اليقين لا يزيله إلاّ اليقين ، لا أنّ زوال‌

__________________

(١) في ص ٢٠١٧.

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : يتعيّن فيه.

(٣) المختلف ٢ : ١٢٦.

(٤) في « م » زيادة : يقين.


الاشتغال بيقين كاف ، فلو رام المجيب ادعاء الاكتفاء بزوال الاشتغال بيقين رجع إلى ( ما به مستدلّ )(١) .

إلاّ أنْ يقال : إنّه يمنع توقف اليقين على اليقين بل على زوال اليقين وهو يحصل بالصلاة المذكورة.

وفيه : أنّه إن اكتفى بالاحتمال فله وجه ، أمّا إذا تعرض للاكتفاء كما هو ظاهر مذهب المجيب فيرجع إلى الاستدلال ، ويحتاج إلى إثبات الاكتفاء بزوال يقين الاشتغال كيف اتفق كما لا يخفى على المتأمّل.

ثم أجاب العلاّمة عن رواية أبي بصير بتضمّنها الشبر والذراع والشيخ لا يقول به(٢) . ولا يذهب عليك أنّ ترك مذهب الشيخ هنا من العلاّمة لا وجه له كما هي عادته ، وقد صرّح هنا بأنّ اعتبار العشرة أذرع إذا كانا على خط واحد ، أمّا مع التقدم فلا كما يأتي مع الكلام عليه ، هذا.

وما تضمنه الثاني من قوله : « كان طول رحل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله » إلى آخره. غير واضح الارتباط بأوّل الرواية ، وكأنّه بيان حكم آخر.

ثم الثالث : لا يخلو ذكره مع غيره من الأخبار من غرابة ، وكأنّ الوجه فيه أنّ المعلوم من المزاملة المحاذاة ، فيفيد أنّ المحاذاة تقتضي عدم الصلاة من الرجل والمرأة معاً ، ولا يخفى أنّ التقدم بالشبر ممكن مع المزاملة ، فلو حمل إطلاقه على المقيد أمكن.

أمّا ما تضمنه الأوّل من قوله : أو بنته. ربما يتناول البالغة وغيرها ، كما أنّ غيره من الأخبار يتناول الصلاة جماعة وفرادى ، ولا يبعد استفادة الجماعة من خبري أبي بصير بسبب ذكر اليمين ، كاحتمال استفادتها أيضاً‌

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : انه مستدل.

(٢) المختلف ٢ : ١٢٨.


من خبر محمّد بن مسلم الثالث. وقد صرّح القائل بالمنع بعدم الفرق بين الصلاة جماعة وغيرها ، هذا.

وقد روى الشيخ في التهذيب عن سعد ، عن سندي بن محمّد البزاز ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبد الله بن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أُصلّي والمرأة إلى جنبي وهي تصلّي؟ فقال : « لا ، إلاّ أنْ تتقدم هي أو أنت فلا بأس ، ولا بأس أنْ تصلّي وهي بحذاك جالسة أو قائمة »(١) .

وهذه الرواية ليس في رجالها ارتياب بعد ما تقدم في أبان بن عثمان(٢) . وسندي بن محمّد لم أجد وصفه بالبزاز في الرجال ، ولعلّه لا يضرّ بالحال ، إذ احتمال جهالته بعيد. وأمّا لفظ « أبي عبد الله » فكأنّه سبق قلم ، ودلالة الرواية على تقدم المرأة أو الرجل لا يخلو من إشكال ، وأظن أنّ المراد بتقدّمها صلاتها قبله وتقدّمه صلاته قبلها ، ولا ينافي ما تضمنه الخبر الأوّل من المبحوث عنه من تفسير الشيخ أو الراوي بتقدم الرجل على المرأة بشبر.

وروى الشيخ في الزيادات من التهذيب عن أحمد ، عن الحجّال ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام في المرأة تصلّي عند الرجل ، قال : « إنْ كان بينهما حاجز فلا بأس »(٣) وهذه الرواية معتبرة الإسناد كما لا يخفى. والحاجز فيها يشمل الساتر بحيث لا يرى كلّ منهما الآخر ومجرّد الساتر.

وفي الفقيه ، روى الصدوق عن معاوية بن وهب ، أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٢٣١ / ٩٠٩ ، الوسائل ٥ : ١٢٤ أبواب مكان المصلي ب ٥ ح ٥.

(٢) في ص ١٣٠.

(٣) التهذيب ٢ : ٣٧٩ / ١٥٨٠ ، الوسائل ٥ : ١٢٩ أبواب مكان المصلي ب ٨ ح ٢.


عن الرجل والمرأة يصلّيان في بيت واحد؟ فقال « إذا(١) كان بينهما قدر شبر صلّت بحذاه وحدها وهو وحده لا بأس »(٢) وهذا الخبر وإنْ كان في طريقه محمّد بن علي ماجيلويه ، إلاّ أنّ حاله لا يقصر عن الصحيح بسبب إيراد الصدوق له على تقدير التوقف في محمّد بن علي. وفيه دلالة على أنّ مقدار الشبر إذا كان بينهما يصلّي كل واحد بانفراده. والظاهر من الانفراد عدم الصلاة جماعة ، لا أنّ كلّ واحد يصلّي ثم يصلّي الآخر بعده. والذي [ ينبئ عن(٣) ] الظاهر قوله : « صلّت بحذاه » ، واحتمال أنْ يراد المحاذاة حال جلوسه ، لا وجه له كما لا يخفى.

وعلى هذا فالذي يظهر من الصدوق القول بأنّه مع المساواة والبعد بمقدار شبر لا يصلّي جماعة.

ويستفاد من الخبر أنّ الخبر الأوّل المبحوث عنه على تقدير أنْ لا يكون لفظ « يعني » فيه من ( الراوي لفهمه من الإمامعليه‌السلام يحتمل لأنْ يراد البعد مع المحاذاة بشبر ، ويكون الإجزاء مقيّداً بالصلاة على )(٤) الانفراد بخبر معاوية بن وهب ، ويحتمل حصول الإجزاء جماعة وفرادى ، والأكمل في الجماعة البعد بأكثر. ولو كان من الراوي لفهمه ذلك أمكن حمل خبر معاوية بن وهب على المحاذاة في الجملة ، لدفع احتمال التأخّر عنه بمسقط(٥) الجسد ونحو ذلك.

__________________

(١) في « رض » : إن.

(٢) الفقيه ١ : ١٥٩ / ٧٤٧ ، الوسائل ٥ : ١٢٥ أبواب مكان المصلي ب ٥ ح ٧.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في « م » : ينبغي عن ، وفي « رض » : يبنى على ، وفي « فض » : يبنى عن ، والأولى ما أثبتناه.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) في « م » : بحفظ.


وروى الصدوق عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام « أنّه إذا كان بينها وبينه قدر ما يتخطّى أو قدر عظم الذراع فصاعداً فلا بأس »(١) وهذه الرواية ، أوردها عقيب رواية معاوية بن وهب بصورة : وفي رواية زرارة ، وظاهر الحال اتحاد(٢) الحكم في المحاذاة ، لكن نفي البأس في خبر زرارة إمّا عن مطلق الصلاة جماعة أو فرادى ، أو مخصوص بمدلول رواية معاوية ، كما يقتضيه السياق.

وقد نقل بعض محقّقي المتأخّرينرحمه‌الله خبر زرارة واصفاً له بالصحة ومتنه : « إذا كان بينها وبينه قدر ما يتخطّى ، أو قدر عظم الذراع فصاعداً فلا بأس صلّت بحذاه وحدها »(٣) وهذا الخبر لم أقف عليه الآن ، إلاّ أنّه مؤيّد لما ذكرناه في عبارة الصدوق بالنسبة إلى رواية زرارة ، وقد نسب الرواية المذكورة إلى الفقيه ، ولولاه لأمكن أنْ يكون من غيره.

ونقل عن غير الفقيه خبراً عن حريز ، موصوفاً بالحسن ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في المرأة تصلّي إلى جانب الرجل قريباً منه ، فقال : « إنْ كان بينهما موضع الرحل فلا بأس »(٤) وهذا الخبر ظاهر في اعتبار البعد لا التقدم ، ولم أقف على مأخذه الآن أيضاً.

وروى عن جميل خبراً أوضحنا ما فيه في حواشيه فليراجعه من أراده ، وسيأتي رواية جميل في الكتاب(٥) ، ويذكر ما فيها إن شاء الله.

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٥٩ / ٧٤٨ ، الوسائل ٥ : ١٢٥ أبواب مكان المصلي ب ٥ ح ٨.

(٢) في « فض » : اتخاذ.

(٣) الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٢٨ بتفاوت يسير.

(٤) مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٢٨ بتفاوت يسير.

(٥) في ص ٢٠١٧.


اللغة :

قال في القاموس ، حاذاه : آزاه ، والحذاء : الإزاء ، ويقال : هو حذاؤك ((١) وداري حذوة داره ، بإزائها(٢) . ولا يخفى أنّ لحوق التاء للعشرة في خبر عمّار يدلّ على عدم كون الذراع مؤنثاً سماعيّاً كما ينقل عن بعض اللغويين(٣) ، فتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد المدائني ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه سئل عن الرجل يستقيم له(٤) أنْ يصلّي وبين يديه امرأة(٥) تصلّي؟ قال : « لا يصلّي حتى يجعل بينه و ( بين المرأة )(٦) أكثر من عشرة أذرع ، فإنْ كانت عن يمينه أو عن يساره يجعل بينها وبينه مثل ذلك ، وإن كانت تصلّي خلفه فلا بأس وإنْ كانت تصيب ثوبه ، وإنْ كانت المرأة قاعدة أو نائمة أو قائمة في غير صلاة فلا بأس حيث كانت ».

فالوجه في هذا الخبر ، أنْ نحمله على ضرب من الاستحباب ،

__________________

(١) من عبارة : وداري. إلى عبارة : أمّا منصور بن ، في ص : ٢٠٢١ ساقط عن « م ».

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٣١٧.

(٣) حكاه في حبل المتين : ١٦٠.

(٤) ليس في الاستبصار ١ : ٣٩٩ / ١٥٢٦.

(٥) في الاستبصار ١ : ٣٩٩ / ١٥٢٦ : امرأته.

(٦) بدل ما بين القوسين في الاستبصار ١ : ٣٩٩ / ١٥٢٦ : بينها.


ويجوز أنْ يكون إنّما راعى أنْ يكون بينهما عشرة أذرع إذا كانا على خط واحد ، فأمّا إذا تقدم الرجل عليها ولو بشبر سقط هذا الاعتبار حسب ما فصّله في الأخبار الأوّلة.

فأمّا ما رواه سعد ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عمّن أخبره ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في الرجل يصلّي والمرأة تصلّي بحذاه ، قال : « لا بأس ».

فالوجه في هذا الخبر أنْ نحمله على أنّه إذا كان الرجل متقدماً على المرأة بشي‌ء يسير ، ويكون(١) قوله : تصلّي بحذاه ، على ضرب من المجاز لقربها منه.

السند‌ :

في الخبرين معلوم ممّا قررناه غير مرّة.

المتن :

في الأوّل : ظاهر الدلالة على أنّ المرأة إنْ صلّت بين يدي الرجل لا يستقيم لها ذاك حتى يجعل(٢) بينها وبينه أكثر من عشرة أذرع ، وكذا لو كانت عن يمينه أو يساره ، بخلاف ما إذا كانت خلفه ، والظاهر من خلفه تأخّرها عنه بمسقط جسدها كما ينبئ عنه قوله : « وإنْ كانت تصيب ثوبه » لأنّ هذا بيان لآخر المراتب.

وقول الشيخ في الحمل الثاني : إذا كانا على خط واحد ؛ يعطي أنّه لو‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٠ / ١٥٢٧ : فيكون.

(٢) في « رض » : يحصل.


حصل الميل اليسير ولو بشبر [ لكفى ، و(١) ] لا يخفى مخالفته لما قدّمناه من الظاهر ، لكن لا بعد فيه بعد وجود المعارض على تقدير إرادة الشبر والذراع في التقدم ، ولو أُريد البعد لا يتم المطلوب. ويحتمل الاستحباب في التأخر بمقدار مسقط الجسد.

والثاني : ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من بعد ، والحمل على الجواز وما دل على البعد أو التقدم أو المقدار المذكور على الاستحباب ممكن.

وقد روى الصدوق خبر جميل بصورة : « لا بأس أنْ تصلّي المرأة بحذاء الرجل وهو يصلّي ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي وعائشة مضطجعة بين يديه وهي حائض ، وكان إذا أراد أنْ يسجد غمز رجلها »(٢) ولا يخفى عدم مناسبة آخر الرواية لأوّلها في ظاهر الحال ، وقد ذكرنا ما لا بدّ منه في معاهد التنبيه ، هذا.

ومن العجب ذكر جماعة من المتأخرين البعد بعشرة أذرع(٣) ، مع أنّ الرواية التي هي الأصل تضمّنت أكثر من عشرة.

ويبقى في المقام خبر نقله الشيخ في التهذيب عن محمّد بن مسعود العيّاشي ، عن جعفر بن محمّد قال : حدثني العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام ، قال : سألته عن إمام كان في الظهر فقامت امرأته بحياله تصلّي وهي تحسب أنّها العصر ، هل يفسد ذلك على القوم؟

__________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه لاستقامة العبارة.

(٢) الفقيه ١ : ١٥٩ / ٧٤٩ ، وفيه : رجليها.

(٣) المحقق في الشرائع ١ : ٧١ ، والعلاّمة في القواعد ١ : ٢٨ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٢٨.


وما حال المرأة في صلاتها معهم وقد كانت صلّت الظهر؟ قال : « لا يفسد ذلك على القوم ، وتعيد المرأة(١) »(٢) .

وهذا الطريق وإنْ كان غير سليم كما يعرف مما مضى ، إلاّ أنّ الشيخ روى المتن في صلاة الجماعة عن علي بن جعفر(٣) ، والطريق إليه صحيح في المشيخة(٤) ، فيكون الخبر صحيحاً.

وقول بعض المحققين من المتأخّرينرحمه‌الله بعد نقله عن العلاّمة الحكم بصحة الخبر : إنّ الظاهر كون الصحة لأنّ علي بن جعفر فيه ، والطريق إليه صحيح. ثم اعترض على هذا ، بأنّه غير داخل في الطرق(٥) ؛ لا وجه له بعد ما ذكرناه.

وقد يظن من هذه الرواية الدلالة على عدم صحة صلاة المرأة مع المحاذاة ؛ لأنّ إعادة المرأة منحصرة في أحد أمرين ، إمّا لظن العصر أو للمحاذاة ، لكن الأوّل قد ورد فيه أخبار بعدم الإعادة ، فتعيّن الثاني.

وفيه : أنّ الثاني ورد أيضاً فيه الأخبار بعدم الإعادة فلا وجه للترجيح ، ولو حمل على الاستحباب من كلّ من الجهتين أمكن.

وفي الرواية المذكورة كلام طويل أنهيته في محل آخر ، والمقصود هنا الإشارة إلى ما لا بدّ منه في المقام ، وبالله الاعتصام.

__________________

(١) في التهذيب ٢ : ٢٣٢ / ٩١٣ زيادة : صلاتها.

(٢) التهذيب ٢ : ٢٣٢ / ٩١٣ ، الوسائل ٥ : ١٣٠ أبواب مكان المصلي ب ٩ ح ١.

(٣) التهذيب ٣ : ٤٩ / ١٧٣.

(٤) مشيخة التهذيب ( التهذيب ١٠ ) : ٨٦ / ٧٥.

(٥) انظر مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١٣١.


قوله :

باب الصلاة على كدس حنطة إذا كان مطيّناً

أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن علي الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ(١) ، عن عمر بن حنظلة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : يكون الكدس من الطعام مُطيناً مثل السطح؟ قال : « صلّ عليه ».

فأمّا ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن أحمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حسين بن عثمان ، عن ابن مسكان ، عن محمّد بن مضارب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن كدس حنطة مُطيّناً أُصلّي فوقه؟ فقال : « لا تصلّ فوقه » قلت : فإنّه مثل السطح سواء(٢) فقال : « لا تصلّ عليه ».

فالوجه في هذا الخبر ضرب من الكراهية دون الحظر.

السند‌ :

في الأوّل : فيه أحمد بن عائذ ، وهو ثقة في النجاشي(٣) . وعمر بن حنظلة غير معلوم التوثيق ولا المدح إلاّ ممّا ذكره جدّيقدس‌سره في شرح الدراية من أنّه علم توثيقه من محل(٤) . قد ذكرنا سابقاً عدم صلاحيته لما قاله(٥) .

والثاني : فيه محمّد بن مضارب ، وهو مذكور مهملاً في رجال‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٠ / ١٥٢٨ ، ونسخة « رض » : عائد ، بالدال المهملة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٠٠ / ١٥٢٩ ، مستو.

(٣) رجال النجاشي : ٩٨ / ٢٤٦.

(٤) الدراية : ٤٤.

(٥) في ص ٤٠٥.


الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(١) .

المتن :

على تقدير العمل فالحمل على الكراهة لا يخلو من وجه ، وما عساه يقال : إنّ الأوّل عام والثاني خاص بالحنطة ، فيحمل النهي عن الصلاة على كدس الحنطة ويبقى ما عداه على الجواز ، لا يخلو أيضاً من وجه ، والأمر سهل.

وفي القاموس : الكُدس بالضم ، وكرُمّان : الحبّ المحصود المجموع(٢) .

__________________

(١) رجال الطوسي : ٣٠٠ / ٣٢٢.

(٢) القاموس المحيط ٢ : ٢٥٤.


أبواب ما يقطع الصلاة وما لا يقطعها‌

باب أنّ البول والغائط والريح

يقطع الصلاة عمداً كان أو سهواً

أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن إسماعيل عن منصور بن يونس ، عن أبي بكر الحضرمي ، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام أنّهما قالا : « لا يقطع الصلاة إلاّ أربع : الخلاء ، والبول ، والريح ، والصوت ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن عباد بن سليمان ، عن سعد بن سعد ، عن محمّد بن القاسم ، عن الفضيل بن يسار ، عن الحسن بن الجهم قال : سألته(١) عن رجل صلّى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة؟ فقال : « إنْ كان قال أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا يعد ، وإنْ كان لم يتشهد قبل أنْ يحدث فليعد ».

عنه ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : « في الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حبّ القرع فليس عليه شي‌ء ولم ينقض وضوءه ، وإن خرج متلطخاً بالعذرة فعليه أنْ يعيد الوضوء ، وإنْ كان في صلاته قطع الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة ».

__________________

(١) في التهذيب ٢ : ٣٥٤ / ١٤٦٧ : سألت أبا الحسنعليه‌السلام .


السند‌ :

في الأوّل : محمّد بن إسماعيل فيه هو ابن بزيع ؛ لروايته عن منصور ابن يونس في الرجال(١) ، على أنّه المتعارف من رواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه في الأخبار. أمّا منصور بن )(٢) يونس فقد مضى(٣) ، والحاصل أنّ النجاشي وثّقه من غير ذكر الوقف(٤) ، والشيخ في رجال الكاظمعليه‌السلام من كتابه قال : إنّه واقفيّ(٥) . وقد قدّمنا القول في مثل هذا من إمكان ترجيح قول النجاشي(٦) . والعلاّمة في الخلاصة توقف فيما يرويه ، وردّ قوله لوصف الشيخ له بالوقف(٧) ، فليتأمّل. وأبو بكر الحضرمي مضى ما يغني عن إعادة القول فيه(٨) .

والثاني : فيه عباد بن سليمان ، وحاله لا يزيد على الإهمال ، وقد مضى أيضاً(٩) ، والشيخ ذكره في رجال من لم يرو عن الأئمّةعليهم‌السلام وأنّ الراوي عنه الصفار(١٠) ، والنجاشي ذكر أنّ الراوي عنه محمّد بن خالد البرقي(١١) ،

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٣٠ / ٨٩٣.

(٢) من عبارة : وداري حذوة داره ، في ص : ٢٠١٧ ، إلى هنا ليس في « م ».

(٣) في ص ٥٩٥.

(٤) رجال النجاشي : ٤١٣ / ١١٠٠.

(٥) رجال الطوسي : ٣٦٠ / ٢١.

(٦) راجع ص ٧٩.

(٧) الخلاصة : ٢٥٩.

(٨) في ص ٤٣٠.

(٩) في ص ١٦٦٠.

(١٠) رجال الطوسي : ٤٨٤ / ٤٣.

(١١) رجال النجاشي : ٢٩٣ / ٧٩٢.


فليتدّبر في ذلك.

أمّا سعد بن سعد ، فهو الأشعري الثقة. ومحمّد بن القاسم فيه اشتراك بين الثقة وغيره(١) ، وقد يظن أنّ السند عن محمّد بن القاسم بن الفضيل ، ويدفعه عدم استبعاد رواية محمّد بن القاسم بن الفضيل عن جدّه بهذه الصورة الموجودة بتقدير أنْ يكون هو المذكور. أمّا الحسن بن الجهم ففي النجاشي أنّه ثقة(٢) ، وهو ابن بكير بن أعين روى عن الرضاعليه‌السلام وأبي الحسن موسىعليه‌السلام . والشيخ ذكر في رجال الرضاعليه‌السلام من كتابه الحسن بن الجهم الزراري مهملاً(٣) . والظاهر الاتحاد كما لا يخفى.

والثالث : واضح الحال بما تكرّر من المقال(٤) .

المتن :

في الأوّل : لا ريب أنّ الحصر فيه إضافي ؛ إذ ما يقطع الصلاة لا ينحصر في الأربع ، ولعلّ المقصود الردّ على بعض العامة ، وما عساه يقال : إنّ الحصر يمكن جعله حقيقياً ، ويراد بالقطع بالأربع عمداً وسهواً ، إذ ما عداها انّما يبطل مع العمد. ففيه ما لا يخفى.

ثم إنّ الخلاء يراد به الغائط بقرينة البول ، وأمّا الصوت فالمراد به غير واضح ، واحتمال ارادة الكلام المشتمل عليه يبعّده أنّ السياق في قواطع الصلاة من الأحداث.

__________________

(١) هداية المحدثين : ٢٥٠.

(٢) رجال النجاشي : ٥٠ / ١٠٩.

(٣) رجال الطوسي : ٣٧٣ / ٢٨ وفيه الحسين بن جهم الرازي.

(٤) في ج ١ : ٣١١.


واحتمال إرادة الريح المشتملة على الصوت ، ويكون الريح التي هي قسيمه الخالية عنه قد يشكل بأنّ ظاهر معتبر الأخبار حصر الناقض من الريح فيما له صوت.

ويمكن الجواب عنه : بأنّ ما تضمّن ذلك اقتضى اعتبار الريح أو الصوت ، وحينئذٍ يجوز تخصيص الريح بما ذكر ، على أنّ القائل بالتخصيص غير معلوم.

ثم إنّ احتمال الكلام يدفعه عدم اعتبار الصوت فيه فيما يعلم من الأصحاب.

وبالجملة : فالخبر غني بضعفه عن تكلّف القول فيه.

وأمّا الثاني : فظاهر الدلالة على أنّ الحدث مبطل إذا وقع قبل التشهد المذكور ، ودلالته على إجزاء الكيفية المذكورة من التشهد واضحة لو صح ، أمّا دلالته على عدم وجوب الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد يختلج فيها الارتياب من حيث إنّ الصلاة مذكورة في الرواية وإنْ كانت بنحو خاص ، إلاّ أنْ يقال بعدم تعين كون الصلاة المذكورة من الإمامعليه‌السلام ، وبتقدير التعين لا يلزم كونها جزاء من الصلاة ، ولو نوقش في ذلك بأنّ الظاهر ثبوت الأمرين من الرواية أمكن أنْ يقال : بأنّ الصورة الخاصة غير معلوم القول بها ، وفيه نوع تأمّل.

ولعلّ الأولى أنْ يقال : إنّ ظاهر قولهعليه‌السلام : « وإنْ كان لم يتشهد » إلى آخره. يدل على أنّ الاعتبار بالتشهد لا بالصلاة معه.

وما عساه يقال : إنّ احتمال إرادة عدم التشهد المذكور المشتمل على الصلاة ، وإطلاق التشهد على ما يشمل الصلاة لو نوقش فيه لا يضر هنا ، لأنّ المقام قرينة واضحة ، ولا يخفى عليك أنّ ثمرة هذا هيّنة بعد معرفة‌


سند الرواية ، إلاّ أنّ الشيخرحمه‌الله كان عليه التنبيه على الخبر في باب الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الباب المتقدم ، ومثله في التشهد أيضاً ، لكن الشيخ قليل الالتفات إلى هذه الخصوصيات.

وأمّا الثالث : فظاهره أنّ خروج العذرة على الوجه المخصوص قاطع للصلاة ، لكن المتن لا يخلو من حزازة ، والمراد واضح.

ثم إنّ خروج حب القرع متلطخاً لا يخفى اقتضاؤه قطع الصلاة ، لكن القطع هل هو موقوف على العلم بالتلطخ ، أو البقاء على الصلاة مشروط بعدم التلطخ؟ احتمالان ، لم أر من صرّح بهما ، ولا يبعد استفادة الأوّل من الرواية بعد التأمّل فيها ؛ لأنّ الشرط في الإبطال التلطخ فلا بُدّ من العلم به ، وليس حكم عدم التلطخ مستفاداً إلاّ من حيث المفهوم ، وغاية ما يفيده المفهوم أنّ عدم التلطخ لا يقطع الصلاة ، أمّا اشتراط العلم به فلا. وربما يتحدّس(١) نوع احتمال في المقام ، فليتأمّل.

ثم إنّه هل يجب على الإنسان النظر في مثل حبّ القرع ليعلم حقيقة الحال ، أم لا ، بل لو اتفق النظر كان حكمه ما ذكر؟ احتمالان مبنيّان على ما سبق القول فيه. وأمّا حبّ القرع فهو دود يحدث في الحيوان معروف.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشيخ في التهذيب ادعى الإجماع على بطلان الصلاة بما يبطل الطهارة المائية ، حيث قال ـ بعد رواية زرارة الدالة على أنّ المتيمّم إذا أحدث ثمّ وجد الماء يبني بعد وضوئه على صلاته ـ : ولا يلزم مثل ذلك في المتوضّئ إذا صلّى ثمّ أحدث أنْ يبني على ما مضى من صلاته ؛ لأنّ الشريعة منعت من ذلك ، وهو أنّه لا خلاف بين أصحابنا أنّ من أحدث في الصلاة ما يقطع صلاته يجب عليه استئنافه. انتهى(٢)

__________________

(١) في « رض » : ينخدش.

(٢) التهذيب ١ : ٢٠٥ / ٥٩٥.


وستسمع القول(١) في خلاف هذا عن قريب إن شاء الله.

وقد روى الشيخ في الحسن في التهذيب أنّ الصلاة ثلث طهور ، وثلث ركوع ، وثلث سجود(٢) وهذا الخبر واضح الدلالة على المدعى لولا احتمال تخصيصه بما يأتي ، وقد ذكرنا ما لا بُدّ منه في معناه في حاشية التهذيب.

وربما يؤيّده حديث : « لا صلاة إلاّ بطهور » وإنْ كان التوجيه لهذا في حيّز الإمكان الظاهر ؛ لأنّ ما دلّ على البناء مع الحدث تضمن الطهارة ثم البناء ، فليتأمّل.

قوله :

فأمّا ما رواه علي بن مهزيار ، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : أكون في الصلاة فأجد غمزاً في بطني أو أذى أو ضرباناً ، فقال : « انصرف ثم توضّأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة(٣) متعمداً ، وإن تكلّمت ناسياً فلا بأس عليك فهو بمنزلة من تكلّم(٤) في الصلاة ناسياً » قلت : فإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال : « نعم وإن قلب وجهه عن القبلة ».

فليس ينافي هذا الخبر ما قدّمناه من الأخبار لأنّه ليس في الخبر‌

__________________

(١) في ص ٢٠٢٦.

(٢) التهذيب ٢ : ١٤٠ / ٥٤٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٠١ / ١٥٣٣ زيادة : ( بالكلام ). من التهذيب.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٠١ / ١٥٣٣ : يتكلم.


أكثر من أنّه وجد أذى في بطنه ، وليس كل من وجد أذى كان محدثاً ، وليس في الخبر أنّه أحدث ، وأمّا قوله : « ما لم تنقض الصلاة متعمدا » لا يدل على أنّه إذا كان ساهياً لا تجب عليه الإعادة إلاّ من حيث دليل الخطاب ، وقد يترك دليل الخطاب عند من قال به لدليل ، وقد دلّلنا على ذلك بالأخبار المتقدمة ، فأمّا أمره له بالوضوء يكون محمولاً على ضرب من الاستحباب ، ويحتمل أن يكون ذلك مخصوصاً بالكلام ؛ لأنّ من تكلم ساهياً لا تجب عليه الإعادة ، ولأجل ذلك قال عقيب هذا القول : « وإن تكلّمت ناسياً فلا بأس عليك » فدل على أنّه أراد بقوله : « ما لم تنقض الصلاة متعمداً » بالكلام دون غيره.

السند‌ :

لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه في حريز ؛ لأنّ طريق الشيخ في المشيخة إلى علي بن مهزيار ، عن المفيد ، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن أبيه ومحمد بن الحسن ، عن سعد والحميري ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس ، كلهم عن أحمد بن محمد ، عن العباس بن معروف ، عن علي بن مهزيار(١) . وفي الفقيه ، رواه عن الفضيل بن يسار(٢) ، وطريقه إليه غير معلوم الصحة ، إلاّ أنّ رواية الصدوق غير خفيّة المزية ، وفي المتن زيادة يأتي التنبيه عليها.

المتن :

ما ذكره الشيخ فيه لا يخلو من نظر ، ومقتضاه عدم ناقضيّة الأذى‌

__________________

(١) مشيخة الاستبصار ( الاستبصار ٤ ) : ٣٣٨.

(٢) الفقيه ١ : ٢٤٠ / ١٠٦٠.


واستحباب الوضوء ، ولا ريب في أنّ فعل الوضوء من دون إخراج الأذى زيادة ضرر ، وقد ذكر شيخنارحمه‌الله ذلك في فوائد الكتاب قائلاً : إنّ هذا الوجه يكاد أن يكون مقطوعاً بفساده ؛ لأنّ من هذا شأنه إذا لم يحدث فأيّ فائدة في قطعه الصلاة والانصراف والوضوء. ثم قالقدس‌سره : والحقّ أنّ الانصراف كناية عن قضاء الحاجة ، أو يقال : إنّ المراد بالغمز وما في معناه ما حصل معه النقض كما نقل عن المرتضىرضي‌الله‌عنه وعلى هذا تكون الرواية دالة على البناء مع تخلل الحدث على هذا الوجه ، وقوله : « ما لم ينقض الصلاة متعمداً » يعني بالكلام ، وقد أورد ابن بابويه في كتابه هذه الرواية بعينها ، وفيها : « ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّداً » والظاهر أنّ ذلك سقط من الرواية التي أوردها الشيخ ، وهذه الرواية صحيحة السند وفي معناها أخبار كثيرة وليس لها معارض صريحا ، وقد أفتى بمضمونها الشيخ والمرتضى في بعض كتبه ، فيتجه العمل بها. انتهى.

وما قالهقدس‌سره : من أنّ المراد بالغمز ما حصل معه النقض وأنّه منقول عن السيّد المرتضى ، فقد نقل في المدارك عن الشيخ والمرتضى أنّهما قالا : يتطهر ويبني على ما مضى من صلاته إذا كان الحدث سهوا(١) ؛ وهذا يخالف دعوى الشيخ الإجماع في التهذيب كما مضى(٢) .

والمنقول منه عن المعتبر أن الشيخ في الخلاف وعلم الهدى قالا : إذا سبقه الحدث ففيه روايتان إحداهما يعيد الصلاة ، والأُخرى يعيد الوضوء ويبني على صلاته ، إلى أن قال ـ يعني المحقق ـ : وما حكاه الشيخ وعلم الهدى هو إشارة إلى ما رواه فضيل بن يسار ، وذكر الرواية ، إلى أن قال : وقال علم الهدى : لو لم يكن الأزّ والغمز ناقضاً للطهارة لم يأمره بالانصراف‌

__________________

(١) المدارك ٣ : ٤٥٥.

(٢) في ص ٢٠٢٤.


والوضوء ؛ وما ذكره لا دلالة فيه على جواز البناء مع سبق الحدث لأنّ الأزّ والغمز ليس بناقض(١) وقد أطال المحقق الكلام في المقام مما لا حاجة إليه ، والذي يقتضيه نظري القاصر أنّ في المقام تأمّلاً من وجوه :

الأوّل : ما قاله شيخناقدس‌سره من أنّ الانصراف كناية عن قضاء الحاجة ، فيه : أنّ قضاء الحاجة إن أراد به الحدث أعني إخراج الريح فهو خلاف المتعارف من العبارة ، وعلى تقدير تماميته فالأمر بالانصراف يؤول إلى الأمر بإخراج الحدث ، وأين هذا من مذهب السيّد المرتضى والشيخ ، وقد صرّحقدس‌سره أخيراً بإفتاء الشيخ والمرتضى بمضمونها ، والأمر كما ترى ، ولو أُريد بقضاء الحاجة غير إخراج الريح فالقول به غير معلوم.

الثاني : ما قاله المحقق في جواب السيد ، من أنّ الأزّ والغمز ليس بناقض. فيه : أنّ غرض السيّد بالاستدلال على تقدير استدلاله بها أنّ الأزّ كناية عن خروج الريح ، وحينئذ لا وجه للاعتراض.

الثالث : مفاد كلام السيّد سبق الحدث ، وكذلك الشيخ ، والرواية ظاهرة في أنّ الأذى إذا حصل جاز إخراجه ، وحينئذٍ لا يدلّ على مطلوبهما إلاّ بتكلف ، وعلى تقدير تمامه فالمنقول من شيخناقدس‌سره كما سبق عن المدارك أنّ الحدث إذا وقع سهواً يقتضي الوضوء والبناء عند الشيخ والمرتضى ، واستفادة السهو من الرواية غير ظاهرة.

واحتمال أن يراد بقولهعليه‌السلام : « ما لم تنقض الصلاة متعمّداً » أن ما سبق في النقض سهواً ؛ يشكل بما تضمّنه قوله : « وإن تكلّمت ناسياً » مع وجود عبارة الصدوق المنقولة في كلام شيخناقدس‌سره الدالة على الكلام ، فإن‌

__________________

(١) المعتبر ٢ : ٢٥٠ ، وفيه في الموردين : الأذى بدل الأزّ.


كان الشيخ نظر إلى ظاهر الرواية ففيه : أنّ الظاهر منها بمعونة قوله : « وإن تكلّمت ناسياً » خلاف ما قاله ، وقد صرّح بذلك الشيخ هنا على أنّ السهو أُريد به السهو عن كونه مصلّياً ، فالرواية لا تدل عليه ، وإن أُريد به السهو في وقوع الحدث ، بمعنى كونه من غير اختيار فالرواية من حيث الأمر بالانصراف ربما ينافيه إلاّ بتكلف.

ثم إنّ الرواية لو حملت على الكلام ( متعمداً لزم من ظاهرها أنّ الحدث عمداً لا يضّر بالحال للحصر ظاهراً في الكلام )(١) عمدا ، إلاّ أن يقال : إنّ الحدث يستفاد بمفهوم الموافقي(٢) ، وفيه ما لا يخفى. وقد يقال : إنّ قوله : « وإن تكلّمت ناسياً » إلى آخره. يدل على أنّ الحدث وقع نسياناً على معنى نسيان كونه مصلّيا ، إلاّ أن يقال : باحتمال إرادة نسيان كونه مصلّياً بعد الانصراف للوضوء لا مطلقا ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يستفاد من الرواية بطلان الصلاة بالكلام متعمداً ، والكلام في العمد قد مضى شي‌ء منه ، وأمّا حقيقة الكلام فالذي في المنتهى : أنّه يجب ترك الكلام في الصلاة ، فلو نطق بحرفين فصاعداً عمداً بطلت صلاته لا سهواً ؛ ثم ذكر ما يفيد الإجماع(٣) .

واستدل أيضاً بعض الأصحاب بما رواه الصدوق عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « كلما ناجيت به ربك في الصلاة فليس بكلام ».

وروى أيضاً عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « لا بأس أن يتكلم الرجل في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) في « م » : الموافقة.

(٣) المنتهى ١ : ٣٠٨.


صلاة الفريضة بكل ما يناجي به ربه »(١) ومثله روى الشيخ في التهذيب(٢) في خبر من الصحيح ، وسيأتي في باب الرعاف خبر حسن دال على أنّ الكلام قاطع(٣) وآخر صحيح من الكافي(٤) .

ولا يخفى أنّ الكلام إذا ثبت له معنى شرعي فلا كلام ، وبدونه فاللغة وإلاّ فالعرف ، لكن الثبوت لغةً محل كلام ، والعرف ربما يقتضي عدم دخول الحرفين من التنحنح ونحوه في الكلام ، واحتمال شموله للحرف الواحد أو الأزيد مهملاً وغيره لكن الحرف الواحد خرج بالإجماع فيبقى ما عداه قد يوجّه وإن كان محل تأمّل.

وفي الظن أنّ الاستدلال على تحقق الكلام بما يخرج من التنحنح ونحوه بما قاله الصدوق في الفقيه : مَن أنَّ في صلاته فقد تكلم(٥) . أولى من غيره.

وما عساه يقال : إنّ هذا مجرد فتوى ، والاعتماد عليها لغير المقلد لا وجه له.

يمكن الجواب عنه : بأنّ هذا المضمون رواه الشيخ عن ( أحمد بن محمد ، عن محمد بن يحيى )(٦) ، عن طلحة بن زيد(٧) ؛ والطريق وإن كان غير سليم ، إلاّ أنّ رواية الصدوق لمضمونه يفيد الصحة ، واحتمال أن يقال‌

__________________

(١) كالأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٥٢.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٢٥ / ١٨٦.

(٣) في ص ٢٠٤٠.

(٤) الكافي ٣ : ٣٦٤ / ٢.

(٥) الفقيه ١ : ٢٣٢ / ١٠٢٩.

(٦) بدل ما بين القوسين في « رض » : احمد بن محمد بن يحيى.

(٧) انظر التهذيب ٢ : ٣٣٠ / ١٣٥٦.


بالتخصيص بالأنين كما يظهر من الصدوق يدفعه الاعتبار الصحيح.

وما قد يقال : إنّ الأنين يتناول الحرف ، ولا قائل به.

يمكن الجواب عنه : بخروجه بالإجماع ، فليتأمّل المقام فإنّه حريّ بالتأمّل التام.

بقي شي‌ء ، وهو أنّ الموجود في النسخ التي رأيتها الآن أذى ، وفي التهذيب أزّاً(١) ، وفي القاموس : الأزّ ضربان العرق(٢) .

قوله :

فأمّا ما رواه محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان ، عن عبد الله بن بكير ، عن عبيد بن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير؟ فقال : « تمت صلاته ، وإنّما التشهد سنّة في الصلاة ، فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكاناً نظيفاً فيتشهد ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه أحدث بعد الشهادتين وقبل استيفاء التشهد المندوب إليه ، فحينئذٍ يتوضّأ ويعيد التشهد استحباباً ، ولو كان قبل الشهادتين لكان عليه إعادة الصلاة ، كما بيناه في الأخبار الأوّلة.

فأمّا ما رواه سعد ، ( عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن محمد بن عيسى والحسين بن سعيد ومحمد بن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة )(٣) ،

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣٣٢ / ١٣٧٠.

(٢) القاموس المحيط ٢ : ١٧١ أزز.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».


عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد ، قال : « ينصرف ويتوضّأ ، فإن شاء رجع إلى المسجد ، وإن شاء ففي بيته ، وإن شاء حيث شاء قعد فتشهد ، ثم يسلّم ، وإن كان الحدث(١) بعد الشهادتين فقد مضت صلاته ».

فيحتمل هذا الخبر أن يكون مخصوصاً بمن دخل في الصلاة بتيمم ثم أحدث ناسياً(٢) ، جاز له أن يتوضّأ ويبني على صلاته على ما بيناه في كتاب الطهارة من ( الكتاب الكبير ، ويحتمل أن يكون إنّما أحدث بعد الشهادتين اللتين هما شرط في صحة ) (٣) الصلاة ، ويكون قوله : « وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته » إشارة إلى استيفاء الشهادتين المرغَّب فيهما من التطويل ، ويكون الأمر بإعادة التشهد على ضربٍ من الاستحباب.

السند‌ :

في الأوّل : موثق بعبد الله بن بكير.

والثاني : كما ترى فيه : عن أبيه ، عن محمد بن عيسى ، ومحمد بن عيسى على هذا اليقطيني ، وقد مضى فيه القول(٤) .

وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عيسى ، وأبوه محمد بن عيسى مضى‌

__________________

(١) ليست في « م ».

(٢) في « م » شيئاً.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في ص ٩١.


القول(١) ( فيه من أنّي لم أعلم )(٢) ما يقتضي توثيقه ، وفي الظن أنّ لفظة « عن » بين أبيه ومحمد سهو ، وإنما محمد بن عيسى هو الأب ، لتعارف هذا في الأخبار كما يعرف بالممارسة ، وفي التهذيب في نسخة معتبرة ، عن أبيه محمد بن عيسى(٣) .

فإن قلت : الخبر صحيح على كل حال ، فأيّ فائدةٍ في القول؟

قلت : على تقدير النسخة المنقول منها يحتمل أن يكون الحسين بن سعيد معطوفاً على محمد بن عيسى العبيدي ، وحينئذٍ فالرواية عن محمد ابن عيسى الأشعري ، وإذا لم يعلم توثيقه لم يثبت الصحة ، إلاّ أنّ الظاهر ما في التهذيب ، وحينئذٍ الحسين معطوف على محمد بن عيسى الأشعري وهو المتعارف ، ( كما أشرنا إليه.

فإن قلت : عطف ابن أبي عمير على الحسين تعيّن أنّ المعطوف )(٤) عليه أولاً محمد بن عيسى الأشعري ، لأنّ أحمد بن محمد بن عيسى يروي عن الحسين بن سعيد وابن أبي عمير.

قلت : كما أنّ أحمد بن محمد بن عيسى يروي عن ابن أبي عمير بغير واسطة تارة ، كذلك يروي عنه بواسطة الحسين بن سعيد ( اخرى ، وإذا روى بواسطة الحسين بن سعيد )(٥) فلا مانع من الرواية عن ابن أبي عمير بواسطة أبيه ، وسيأتي(٦) في باب ما يمرّ بين يدي المصلّي حديث سنده‌

__________________

(١) في ص ١٤٧.

(٢) في « رض » : من أنّي. وفي « م » : فيه أنّا لم نعلم.

(٣) لم نعثر على هذه النسخة ، وفي المطبوعة من التهذيب ٢ : ٣١٨ / ١٣٠١ كما هنا.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٦) في ص ٢٠٥٠.


أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير.

( ولا يخفى احتمال كون الحسين بن سعيد معطوفاً على سعد بطريق الشيخ إليه ، إلاّ أنّ عطف ابن أبي عمير )(١) يبعده ، واحتمال رواية الشيخ عن ابن أبي عمير بطريقه إليه ، فيكون معطوفاً على سعد ، أبعد ، فليتدبّر.

المتن :

في الأوّل : كما ترى ظاهر في أنّ الحدث المتخلل بين التشهد والسجدة الأخيرة لا يقتضي بطلان الصلاة ، بل يأتي المحدث بما ذكر في الخبر ، لكن عدم معلومية القائل بذلك يقتضي التأويل.

وما ذكره الشيخ ، فيهأوّلاً : أنّ التعليل بكون التشهد سنّة لا يوافقه ، والظاهر أنّ المراد بالسنّة ما ثبت بالسنّة ، وإن كان الفعل واجباً.

وثانياً : أنّ السؤال كالصريح في أنّ الحدث بعد الرفع من السجود ، قبل فعل شي‌ء من التشهد.

وثالثاً : أنّ عدم ذكر الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا وجه له من الشيخ ، إلاّ أن يريد بالتشهد ما يشمله ، والتعبير بالشهادتين لا يوافقه ، ولو اختار الشيخ عدم ضرورة الحدث قبل الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نافى ما سبق منه وما ذكره هنا من التشهد المندوب كما لا يخفى.

فإن قلت : المنقول عن المرتضى والشيخ من القول بأنّ من أحدث سهواً يتوضّأ ويبني(٢) ، لا مانع من حمل الخبر عليه.

قلت : موانع الحمل كثيرة ، منها التعليل بأنّ التشهد سنّة ، ولو حمل‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٢) حكاه عنهما في المدارك ٣ : ٤٥٥.


على ما قالاه كان الأولى في الجواب التفصيل بين الحدث سهواً وعمداً ، على أنّ التشهد لو كان فرضاً لا يضر عند المذكورين ، لتجويزهما البناء مطلقاً ، إلاّ أن يقال : إنّ الحمل على مذهبهما أقرب من حمل الشيخ ، وتوجيه كون التشهد سنّة ممكن ، بأنْ يقال : إنّ الحدث لو وقع بين الفروض لا يؤثّر ، فكيف قبل السنّة أعني الواجب بها وفيه : أنّ إثبات كون الحدث سهواً في حيّز التكلف ، والفرار من توجيه الشيخ انتقالٌ من تكلفٍ إلى تكلف.

نعم ربما احتمل أن يراد بالخبر من ظن أنّه أتمّ صلاته فأحدث ، والتكلف قد يكون أخف في هذا الوجه ، لكن لا يخفى أنّ اللازم الإتيان بالتشهد على هيئة الصلاة ، والخبر لا يوافق هذا.

وقد يؤيد احتمال نسيان التشهد ( ما روي فيمن نسيه حتى ينصرف من صلاته ، أنّه إن كان قريباً يرجع إلى مكانه فيتشهد ، وإلاّ طلب مكاناً نظيفاً ، وفيه : إنّما التشهد )(١) سنّة ، وقد مضى الخبر عن زرارة. ووجه التأييد غير خفي ، لولا زيادة البعد عن ظاهر الخبر ، ولعلّ مقام التأويل واسع الباب ، والطرح مع إمكان الدخول في التأويل لا وجه له ، والله تعالى أعلم بالحال.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر المبحوث عنه ربما دل على عدم وجوب التسليم ، كما يدل على عدم وجوب قضاء الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل عدم وجوب أدائها ، إلاّ أنّ للكلام في الصلاة مجالاً ، لاحتمال دخولها في التشهد ، والتعبير بالشهادتين إنّما هو من الشيخ.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


ثم إنّ الثاني ربما قرب إليه تأويل نسيان التشهد ، أمّا تأويل الشيخ فعن السداد بمعزل :

أمّا أوّلاً : فلأنّ من دخل في الصلاة بتيمم ، إذا أحدث ثم وجد الماء يتمّم صلاته ، والظاهر من الشيخ في التهذيب اعتبار عدم الاستدبار ؛ لأنّه ذكر عبارة المقنعة المتضمنة لذلك ، ثم قال : يدل على ذلك ، وذكر الرواية الدالة على أنّه يبني على ما مضى من صلاته(١) ، والمستفاد من الخبر المبحوث عنه الإتيان بالتشهد في المسجد أو البيت أو غيرهما.

وأمّا ثانياً : ( فلتضمن الخبر اعتبار الشهادتين ، والصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) غير مذكورة ، وذلك يضر بحال الشيخ.

وأمّا ثالثاً : )(٣) فالفرق بين الشهادتين في غاية التكلف ، بل تركه أولى في مقام التأويل.

وما قاله شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب ، على قول الشيخ : يحتمل أن يكون مخصوصاً ، إلى آخره : هذا التخصيص يحتاج إلى دليل ، ومجرد وجود البناء في التيمم لا يقتضي نفي الحكم في غيره ، بل ربما(٤) كان ذلك مؤيداً للإطلاق. ففيه : أنّ عدم القائل هو المقتضي لتأويل الشيخ ، نعم ما ذكرناه في الظن أنّه متوجه ، فليتأمّل.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٣١٨ / ١٣٠١.

(٢) جملة : على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أثبتناه من « رض ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) في م : إنما. وفي « فض » : بما.


قوله :

باب الرعاف‌

سعد بن عبد الله ، عن موسى بن الحسن(١) ، عن السندي بن محمد ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القي‌ء في الصلاة ، كيف يصنع؟ قال : « ينفتل ، فيغسل أنفه ، ويعود في الصلاة ، وإن تكلم فليعد الصلاة ».

أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال : سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلّي المكتوبة فيعرض له رعاف ، كيف يصنع؟ قال : « يخرج ، فإن وجد ماءً(٢) قبل أن يتكلم فليغسل(٣) الرعاف ، ثم ليعُد فليبن على صلاته ».

فأمّا ما رواه أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أخيه الحسين ، عن أبيه علي بن يقطين قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرعاف والحجامة والقي‌ء؟ قال : « لا ينقض هذا شيئاً من الوضوء ، ولكن ينقض الصلاة ».

أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن أبي خالد ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « لا يقطع الصلاة إلاّ رعاف ورِزّ في البطن ، فبادروا بهما (٤) ما استطعتم ».

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٣ / ١٥٣٦ : موسى بن الحسين.

(٢) ليس في « رض ».

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٠٣ / ١٥٣٧ زيادة : أنفه من.

(٤) في « م » : لهن ، وفي « رض » : معهنّ ، وفي « فض » والتهذيب ٢ : ٣٢٨ / ١٣٤٧ : بهنّ ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٠٣ / ١٥٣٩.


فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على رعافٍ يحتاج صاحبه إلى الانصراف عن القبلة ، أو إلى الكلام ، فأمّا مع عدم ذلك فلا يقطع الصلاة على ما فصّل في الخبرين الأوّلين.

السند‌ :

في الأوّل : فيه موسى بن الحسن ، والظاهر أنّه ابن عامر بن عمران الأشعري الثقة في النجاشي ، لأنّ الراوي عنه في النجاشي الحِمْيري ، عن أبيه(١) ، ومرتبة سعد لا تبعد عن ذلك ، وفي الرجال موسى بن الحسن بن نوبخت ، وهو غير معلوم التوثيق والمرتبة(٢) ، لكنه يبعد عن الاحتمال في المقام ، كما يعرف من ملاحظة الرجال ، إلاّ أنّ في البين كلاماً ، وقد حكى بعض محققي المتأخرينرحمه‌الله أنّ الكليني رواه في الصحيح(٣) . ولم يحضرني الآن ، لكنه مروي في زيادات التهذيب بطريق صحيح(٤) .

أمّا السندي بن محمد فهو ثقة ، لكن الشيخ قال في الفهرست : إنّ الراوي عنه الصفار(٥) ، والنجاشي قال : إنّ من جملة الرواة عنه محمد بن علي بن محبوب(٦) ، وربما يظن استبعاد رواية سعد عنه بواسطة مع رواية من ذكر ، ويدفعه التأمّل في الرجال.

وأمّا الثاني : فلا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه ، لا سيّما في علي بن‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٠٦ / ١٠٧٨.

(٢) انظر خلاصة العلاّمة : ١٦٦ / ٦ ، رجال ابن داود : ١٩٣ / ١٦١٤.

(٣) حكاه عنه في مجمع الفائدة والبرهان ٣ : ٥٤.

(٤) التهذيب ٢ : ٣١٨ / ١٣٠٢.

(٥) الفهرست : ٨١ / ٣٣١.

(٦) رجال النجاشي : ١٨٧ / ٤٩٧.


الحكم على تقدير اشتراكه(١) ، فإنّه الثقة بقرينة رواية أحمد بن محمد عنه.

والثالث : كالثاني.

والرابع : ظاهر الضعف بمحمد بن سنان ؛ أمّا أبو خالد فكثيراً ما يقال للقمّاط ، وقد يطلق على غيره كما ذكر شيخنا المحقق سلّمه الله في كتاب الرجال(٢) ، وفي أبي خالد القمّاط كلام ذكرناه فيما سبق(٣) ؛ وأبو حمزة هو الثمالي على الظاهر من الإطلاق في الأسانيد ، وقد يقرب معه أن يكون أبو خالد هو الكابلي ، لما يظهر من الرجال ، وفي أبي خالد الكابلي نوع اضطراب ، يعرف من كتاب شيخنا سلّمه الله(٤) .

والحاصل أنّ الشيخ في الفهرست قال : أبو خالد القمّاط له كتاب ، وقال ابن عقدة اسمه كنكر(٥) ، والعلاّمة في الخلاصة قال : وردان أبو خالد الكابلي ولقبه كنكر(٦) ، والشيخ في رجال الباقرعليه‌السلام من كتابه قال : وردان أبو خالد الكابلي الأصغر ، والكبير اسمه كنكر ، ونحوه في رجال الصادقعليه‌السلام (٧) ، فليتأمّل.

المتن :

في الأوّل : كما ترى تضمن السؤال عن الرعاف والقي‌ء ، والجواب‌

__________________

(١) انظر هداية المحدثين : ٢١٦.

(٢) انظر منهج المقال : ٣٨٦.

(٣) تقدّم في ج ١ : ٨٨.

(٤) انظر منهج المقال : ٣٥٤.

(٥) الفهرست : ١٨٤ / ٨٠٦.

(٦) خلاصة العلاّمة : ١٧٧ / ٣.

(٧) رجال الطوسي : ٣٢٨ / ٢٦ ، ١٣٩ / ٥.


إنّما تضمن غسل الرعاف والعود إلى الصلاة ما لم يتكلم ، فإن تكلم أعاد الصلاة ، وكأنّ حكم القي‌ء استفيد من السكوت عنه ، وهو الطهارة ، لكن الخبر الثالث تضمن أنّ القي‌ء ينقض الصلاة ، والنقض إمّا من جهة النجاسة أو من كونه فعلاً يقتضي الخروج عن هيئة الصلاة ، وكلا الأمرين يشكل معه الجواب في الخبر الأوّل ، حيث اقتصر فيه على غسل الأنف.

وربما يقال : إنّهعليه‌السلام اقتصر على غسل الأنف ، لبيان عدم إبطال الصلاة به على تقدير فعل ما ذكر ، وأمّا القي‌ء فالإبطال به من حيثية أُخرى ، ويجوز أن يكون ترك بيانه اعتماداً على المعلومية من غيره ، وفيه ما لا يخفى.

ولعلّ احتمال أن يريدعليه‌السلام غسل الأمرين أعني الرعاف والقي‌ء واكتفى بأحدهما عن الآخر ، ممكن ، والخبر الثالث لا يفيد الطهارة ، بل عدم نقض الوضوء ، وحينئذٍ يكون ذكر نقض الصلاة لتحققه في الجملة ، وذلك كافٍ في بيان الفرق بين الوضوء والصلاة ، وينبه على ذلك ذكر الرعاف مع القي‌ء ، فإنّ نقض الصلاة بالرعاف أيضاً في الجملة.

وأمّا الثاني : فدلالته ظاهرة على وجوب غسل الرعاف ثم البناء على الصلاة قبل أن يتكلم.

وفي نظري القاصر أنّ في الخبرين الأوّلين وغيرهما دلالة على عدم العفو عن الدم إذا كان أقلّ من درهم أو مقداره إذا حصل في أثناء الصلاة ، وقد حُكي عن بعض الأصحاب القول بذلك(١) ، لكن لم يحضرني الآن دليله ، وسمعت عنه الاستدلال بأنّ ظواهر الأخبار الدالة على العفو لا يتناول‌

__________________

(١) معالم الفقه : ٢٩٠.


ما حصل في الأثناء ، وردّه بعض الأصحاب بالخبر الآتي(١) عن علي بن جعفر ، المتضمن للثالول والجرح ، وقد يقال عليه ما تسمعه من احتمال أن يراد بالسيلان الخروج ، أمّا ما عساه يقال من احتمال أن تكون أخبار الرعاف محمولة على الغالب من الكثرة ، ففيه نظر.

نعم ربما يقال : إنّ العفو عن الدم لا يمنع من جواز غسله ، فإذا دلّت الأخبار على غسله على الوجه المخصوص فلا مانع منه ، وقد يشكل هذا بدلالة الخبر الثالث على نقض الصلاة على الإطلاق ، ويمكن الجواب : بأنّ الخبر فيه احتمال ما قدمناه من بيان الفرق بين الصلاة والوضوء ، وحينئذٍ يبقى بيان النقض موكولاً إلى غيره(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الثالث ربما كان له دلالة على أنّ القي‌ء نجس بحسب الظاهر منه ، وإن احتمل ما قدمناه من الخروج عن هيئة الصلاة.

وربما كان أظهر منه في الدلالة ما رواه الصدوق في الفقيه بطريقه الصحيح ، عن عمر بن أُذينة ، عنهعليه‌السلام ، أنّه سأله عن الرجل يرعف وهو في الصلاة ، وقد صلّى بعض صلاته؟ فقال : « إن كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت ، ( وليبن على صلاته ، فإن لم يجد الماء حتى يلتفت )(٣) فليعد الصلاة » قال : « والقي‌ء مثل ذلك »(٤) . ووجه الأظهريّة غير خفي.

__________________

(١) في ص ٢٠٤٠.

(٢) في « م » زيادة : فليتأمّل.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) الفقيه ١ : ٢٣٩ / ١٠٥٦ ، الوسائل ٧ : ٢٣٨ أبواب قواطع الصلاة ب ٢ ح ١.


والعجب من العلاّمة في المختلف أنّه نقل عن الشيخ في المبسوط ، أنّه عزى إلى بعض الأصحاب القول بنجاسة القي‌ء ، ثم احتجّ للقول بالنجاسة بالقياس على الغائط والدم ، بجامع كون كل منهما غذاءً متغيراً خرج من آدمي(١) ، ثم زاد في التوجيه بما تركه أولى من ذكره ، وقد ذكرته في كتاب معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه.

وأعجب من ذلك أنّ الوالدقدس‌سره في المعالم نقل حديثاً رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى ، عن أبي هلال ، تضمن أنه يجزئ من الرعاف والقي‌ء أن يغسله ولا يعيد الوضوء ، ثم قالقدس‌سره : فيمكن أن يحتج للقول بالنجاسة بالأمر بالغسل ، وجوابه المطالبة بصحة السند أوّلاً ، والحمل على الاستحباب ثانياً ، ثم ذكرقدس‌سره روايتين آخرتين غير صحيحتين(٢) ، ولم يتعرض لما ذكرناه.

وفي النظر القاصر إمكان الجواب عن رواية الصدوق بأنّ قولهعليه‌السلام : « والقي‌ء مثل ذلك » يحتمل أن يريد به عدم الالتفات ، ومع قيام الاحتمال فأصالة الطهارة لا يخرج عنها. أمّا الخبر الأوّل المبحوث عنه هنا فهو مجمل كما لا يخفى.

فإن قلت : ما تضمنه خبر الصدوق من قوله : « فإن لم يجد الماء حتى يلتفت » إلى آخره. صريح في أنّ دم الرعاف غير معفو عنه في الأثناء ، فلا يتم ما قدّمته من الاحتمال.

قلت : يحتمل أن يكون قوله : « فإن لم يجد الماء حتى يلتفت » يراد به أنّه لو تحقق الالتفات أعاد الصلاة ، لا أنّ الالتفات لازم ليتم الإشكال ،

__________________

(١) المختلف ١ : ٣٠٢.

(٢) معالم الفقه : ٢٧٤.


على أنّه يحتمل أن يخص بالكثرة على وجه لا يعفى عنها ، وفي البين كلام لا يُغفل عنه.

أمّا ما تضمنه الخبر الأوّل من أنّ الكلام موجب للإعادة فمخصوص بالعمد ؛ لما مضى.

والثاني دال على الغسل بالماء ، فيؤيد اختصاص الماء للغسل في الدم.

أمّا ما تضمنه الثالث من ذكر الحجامة فالظاهر أنّ المراد منه خروج الدم من موضع الحجامة.

وأمّا الرابع : فظاهره أنّ الرعاف والرزّ على ما وجدت من النسخة قاطع للصلاة ، وإطلاقه في الرعاف مقيد بغيره ، والرزِّ في القاموس : الصوت يسمع من بعيد(١) ، ولعلّ المراد به الريح ، لكن إطلاق الإبطال به ربما يقيد بما سبق من الوضوء والبناء في خبر الفضيل(٢) .

وقوله : « فبادروا بهما(٣) ما استطعتم » ربما كان فيه ( دلالة على ما ذكرناه ؛ إذ الحاصل من المعنى الإسراع في غسل الدم ، والرجوع إلى إكمال الصلاة ، والوضوء كذلك ، ولو حمل )(٤) على ظاهر الإطلاق من القطع لم يتضح المعنى في قوله : « فبادروا » إلى آخره. إلاّ أن يراد أنّ الرعاف وما معه يقطعان الصلاة ، فينبغي المبادرة إلى دفعهما بما أمكن ، وفيه ما لا يخفى.

__________________

(١) القاموس المحيط ٢ : ١٨٣.

(٢) في ص ٢٠٢٤.

(٣) في النسخ : بهنّ ، ولعل الأنسب ما أثبتناه من الاستبصار. كما تقدم في ص ٢٠٣٤.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».


ويحتمل أن يراد المبادرة في الصلاة ، بمعنى الإسراع فيها قبل أن يكثر الرعاف ، أو يؤول الرِّزّ إلى الزيادة ، وبعده ظاهر ، إلاّ أنّ في الكافي خبراً يقربه في الرعاف ، وهو ما رواه في الحسن ، وسيأتي في باب ما يمر بين يدي المصلّي بعضه ، وهو عن الحلبي ، وموضع الحاجة منه : قال : وسألته عن رجلٍ رعف فلم يرق رعافه حتى دخل وقت الصلاة؟ قال : « يحشو أنفه بشي‌ء ، ثم يصلّي ، ولا يطيل إن خشي أن يسبقه الدم »(١) الحديث(٢) .

وأنت خبير بما في كلام الشيخ من النظر بالنسبة إلى الخبر الأخير ؛ فإنّ الرِّزّ لا يتم فيه التوجيه إلاّ بتقدير حمل ما تضمن الوضوء والبناء على ظاهره ، وقد سبق من الشيخ خلاف ذلك.

ثم إنّ قوله : « فبادروا » إلى آخره. بتقدير توجيه الشيخ غير موافق ، كما يعلم بأدنى تأمّل ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

قوله :

ويدلُّ على ذلك أيضاً :

ما رواه علي بن مهزيار ، عن فضالة ، عن أبان ، عن سلمة(٣) ، عن أبي حفص ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : « إنّ عليّاً عليه‌السلام كان يقول : لا يقطع الصلاة الرعاف ، ولا الدم ، ولا القي‌ء ، فمن وجد أذى (٤)

__________________

(١) الكافي ٣ : ٣٦٥ الصلاة ب ٥٠ ح ١٠.

(٢) في « فض » زيادة : وفيه دلالة على ما هذا وفي « رض » : وفيه دلالة هذا.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٩٤٠ : مسلم.

(٤) في الكافي ٣ : ٣٦٦ / ١١ : أزّاً.


فليأخذ بيد رجل من القوم من الصف فليقدّمه(١) ، يعني إذا كان إماماً ».

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يصيبه الرعاف وهو في الصلاة؟ قال : « إن قدر على ماء عنده يميناً أو شمالاً أو بين يديه ، وهو مستقبل القبلة ، فليغسله(٢) عنه ، ثم ليصلّ ما بقي من صلاته ، وإن لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته ».

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن العمركي ، عن علي ابن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفرعليهما‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح ، هل يصلح له أن يقطع الثؤلول(٣) وهو في صلاته ، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ، ويقرحه(٤) ؟ قال : « إن لم يتخوف أن يسيل الدم فلا بأس ، وإن تخوف أن يسيل الدم فلا يفعله » وعن الرجل يكون في صلاته(٥) ، فرماه رجل فشجّه فسال الدم فانصرف فغسله ولم يتكلم حتى رجع إلى المسجد ، هل يعتدّ بما صلّى ، أو يستقبل الصلاة؟ قال : « يستقبل الصلاة ، ولا يعتدّ بشي‌ء ممّا صلّى ».

فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على من التفت إلى استدبار‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٥٤٠ : وليقدّمه.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٥٤١ ، فيغسله.

(٣) في النسخ في الموضعين : الثالول ، ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٥٤٢.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٥٤٢ : ويقدحه ، وفي التهذيب ٢ : ٣٧٨ / ١٥٧٦ : ويطرحه.

(٥) في النسخ : الصلاة ، وما أثبتناه موافق للإستبصار ١ : ٤٠٤ / ١٥٤٢ ، والتهذيب ٢ : ٣٧٨ / ١٥٧٦ ، والفقيه ١ : ١٦٤ / ٧٧٥.


القبلة ، فإنّ ذلك يفسد صلاته ، ويحتمل أن يكون ورد مورد التقية ؛ لأنّ عند كثير من العامة أنّ خروج الدم ينقض الوضوء ، فإذا نقض الوضوء أوجب إعادة الصلاة من أوّلها ، حسب ما قدّمناه.

السند‌ :

في الأوّل : فيه سَلَمة ، وهو مشترك(١) ، كأبي حفص ، فإنّه يقال لأبي حفص الرمّاني عمر الثقة في النجاشي(٢) ، ولعمر أبي حفص ( القزّاز المهمل في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(٣) ، ولعمر بن سعيد أبي حفص )(٤) الثوري المذكور مهملاً في رجال الصادقعليه‌السلام أيضاً(٥) ، وغيرهما ، وقد اتفق في النجاشي أنّه ذكر أيضاً عمر أبا حفص الزبالي ، وأنّه روى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وأنّ له كتاباً يرويه عبيس بن هشام(٦) ، والحال أنّه ذكر في أبي حفص عمر الرمّاني الثقة أنّ الراوي عنه عبيس ، والظاهر الاتحاد ، والاشتباه في لفظ الرمّاني والزبالي غريب من النجاشي.

وأمّا الثاني : فواضح حسنه كصحة الثالث.

المتن :

في الأوّل : كأنّ الشيخ ظن دلالته على مدّعاه من إطلاق صدره في‌

__________________

(١) انظر هداية المحدثين : ٧٤.

(٢) رجال النجاشي : ٢٨٥ / ٧٥٧.

(٣) رجال الطوسي : ٢٥٤ / ٤٩٢.

(٤) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٥) رجال الطوسي : ٢٥١ / ٤٥٢.

(٦) رجال النجاشي : ٢٨٥ / ٧٦٠.


عدم قطع الصلاة بما ذكر في الخبر ، والحال أنّ إطلاقه لا يتم العمل به إلاّ بالقيد المستفاد من غيره ، فالدلالة على المطلوب زيادة على ما مضى غير واضحة من جهة الصدر ، ولو نظر إلى العجز زاد الإشكال في الدلالة ؛ لأنّ مفاده أنّ من وجد أذى حال كونه إماماً يقدّم غيره للصلاة ثم يقطع صلاته ، والظاهر من الأذى الحدث ، وحينئذٍ يفيد أنّ ما ذكر في الخبر أوّلاً لا يقطع الصلاة مطلقاً ، والمنافاة لما مضى ظاهرة ، ولو حمل الأذى على المذكورات ، أو على ما تقدم(١) من الأزّ أشكل باقتضائه تقديم غيره في صورة الرعاف وما معه ، ثم يبقى الحكم مجملاً ، وعلى تقدير الأزّ كذلك ، وبالجملة فالاستدلال بالخبر مع الإجمال لا يخلو من غرابة.

والثاني : كما ترى يدل على أنّ الماء إذا كان يميناً أو شمالاً أو بين يديه فليغسل الرعاف ، وليصلّ ما بقي ، وإن لم يقدر حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم قطع صلاته ، وقد تقدّم(٢) في الخبر المروي في الفقيه ما تضمن ذكر الماء خلفه أيضاً ، لكن لا يخفى أنّه لا يضر بالحال ، لأنّ المفهوم من ذلك الخبر أن لا يلتفت ، فلا فرق بين كون الماء خلفه أو عن يمينه أو شماله.

أمّا دلالة هذا الخبر على أنّ الانصراف بالوجه يقتضي البطلان فظاهرة ، ودلالة خبر الصدوق على الالتفات ربما يشمل الوجه ، وحينئذٍ يتأيّد بالرواية ما دل على بطلان الصلاة بالالتفات بالوجه ، كما يأتي إن شاء الله(٣) .

__________________

(١) في ص ٣٨١ ٣٨٢.

(٢) في ص ٣٩٢.

(٣) في ص ٤٠٢.


وأمّا الثالث : فقد مضى فيه إجمال قول ، وهو أنّ السيلان فيه محتمل لأن يراد به خروج الدم(١) ، لا خروجه مع تعدي محله ، لينافي ما دل على عدم العفو عن الدم الموجود في أثناء الصلاة.

وممّا يؤيد الاحتمال أنّ السيلان لو أُريد به تعدي المحل فعدم العفو عنه على الإطلاق غير واضح ، بل إذا لم يصل إلى حدٍ لا يُعفى عنه لا مانع منه ، على تقدير القول بشمول العفو للموجود في أثناء الصلاة ، وإذا عدل عن ظاهر الخبر لا مانع من الحمل على إرادة عدم الخروج.

فإن قلت : يجوز أنْ يراد بتخوف السيلان زيادته عن مقدار ما يعفى عنه ، لغيره من الأخبار الدالة على اعتبار المقدار ، أمّا حمله على عدم الخروج فالمعارض له ليس إلاّ أخبار الرعاف ، وقد تقدم فيها احتمال تضعف بسببه عن المعارضة ، وبتقدير دفع الاحتمال يجوز اختصاص الرعاف بالحكم.

قلت : أمّا الأخبار الدالة على العفو فتناولها لما يحصل في الأثناء محل كلام ، وبتقدير الظهور فالأخبار الواردة في الرعاف ، وهذا الخبر ، سيّما السؤال الثاني فيه ظاهرة في عدم العفو عن المتجدد في الأثناء ، وحينئذٍ لا مانع من التخصيص لذلك الظاهر.

أمّا احتمال اختصاص الرعاف فلا أعلم القائل به ، والسؤال الثاني في الخبر المبحوث عنه وإن أفاد أنّ للرعاف حكماً خاصاً من حيث تضمنه إعادة الصلاة من دم الشجّة مطلقاً ، والحال أنّ الرعاف ليس كذلك ، بل فيه التفصيل ، إلاّ أنّه يحتمل أن يكون مقيداً بالانحراف ، وعدم الكلام لا يستلزم‌

__________________

(١) في ص ٢٠٣٧.


عدم الانحراف ، ويؤيد الانحراف ذكر الرجوع إلى المسجد ، وربما يقال : إنّ هذا خلاف ظاهر الخبر(١) ، وجواز الفرق بين الرعاف والشجّة لا ينكر ، إلاّ أنّ الحق توقف هذا على معلومية القائل.

وقول الشيخ في توجيه الخبر أنّه محمول على من التفت إلى استدبار القبلة ، محل تأمّل ،أمّا أوّلاً : فلأنّ اعتبار استدبار القبلة لا دليل عليه مما سبق ، بل ظاهر خبر الحلبي الانصراف بالوجه ، والخبر السابق عن الصدوق مقتضاه الالتفات.

وأمّا ثانياً : فلأنّ التوجيه [ إمّا أن يكون لأوّل(٢) ] الخبر وآخره ، أو للآخر فقط ، فإن كان للأمرين فلا ريب في عدم تماميته بالنسبة إلى أوّله كما هو واضح ، وإن عاد للآخر ففي حكم الأوّل من إطلاق عدم الفعل مع خوف السيلان ، لا بُدّ له من بيان ، ولا يخفى أنّ الظاهر من الشيخ مساواة حكم الشجّة للرعاف ، فيتأيد ما أشرنا إليه ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في الخبر المبحوث عنه دلالة على أنّ ما ينفصل من بدن الإنسان [ طاهر(٣) ] لأنّ إطلاقهعليه‌السلام جواز الفعل مع أمن السيلان يتناول ما كان برطوبة أو عدمها ، أمّا القول بتنجيس(٤) المنفصل وإن كان يابساً فالخبر صريح في دفعه ، وفي المنتهى استقرب العلاّمة الطهارة ، معلّلاً بعدم إمكان التحرز ، وبالرواية(٥) ، والظاهر أنّه يريد بالرواية هذه ، إذ‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

(٢) في « فض » : لا أن يكون الأوّل ، وفي « رض » : إمّا أن يكون الأوّل ، وفي « م » : إمّا أن يكون للأوّل ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) في النسخ : ظاهر ، والصحيح ما أثبتناه.

(٤) في « رض » : بتنجس ، وفي « فض » : بنجيس.

(٥) المنتهى : ١٦٦. لم نعثر على استدلاله بالرواية.


لم نقف(١) على غيرها.

وقد اتفق للوالدقدس‌سره في المعالم أنّه ظن انحصار الأخبار الدالة على نجاسة الميتة في خبرين ، أحدهما حسن عن الحلبي ، وقد مضى(٢) في باب الميتة من هذا الكتاب ، والآخر رواه إبراهيم بن ميمون(٣) ، ثم ردّهما بقصور السند(٤) ، والحال أنّ في خبر حسن عن حريز في باب الأطعمة من هذا الكتاب ما يدل على نجاسة الميتة(٥) ، لكن حُسنه يمنع من العمل به عنده ، فكان الأولى ذكره ، وقد تكلمت في الخبر بما لا مزيد عليه في حواشي الروضة.

وحاصل الأمر أنّ من لم يعمل بالحسن كالوالدقدس‌سره عمدة الدليل على نجاسة الميتة [ عنده(٦) ] هو الإجماع ، وانتفاؤه على الأجزاء المبحوث عنها ظاهر ، لوقوع الخلاف فيها ، وحينئذٍ يكون الخبر المبحوث عنه مؤيّداً للأصل ، فليتأمّل.

اللغة‌ :

قال في القاموس : الثؤلول كزنبور بثر صغير صلب مستدير على صورٍ شتّى(٧) . وفيه : شجّ رأسه يشِجّ ويشُجّ كسَرَه(٨) . وفيه : القرح ويضم عَضّ‌

__________________

(١) في « م » : يقف.

(٢) انظر ص ٩٤٥.

(٣) في ص ٩٤٧.

(٤) معالم الفقه : ٢٢٢.

(٥) الإستبصار ٤ : ٨٨ / ٣٣٨.

(٦) ما بين المعقوفين أثبتناه لاقتضاء السياق ذلك.

(٧) القاموس المحيط ٣ : ٣٥٢.

(٨) القاموس المحيط ١ : ٢٠٢.


السلاح ونحوه مما يخرج بالبدن ، وكمنع جرح(١) .

قوله :

باب الالتفات في الصلاة إلى الاستدبار

الحسين بن سعيد ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة ، أنّه سمع أبا جعفرعليه‌السلام يقول : « الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكلّه ».

عنه ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته هل يلتفت الرجل في صلاته؟ فقال : « لا ، ولا ينقض أصابعه ».

محمد بن يعقوب ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك ، فإنّ الله قال لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفريضة :( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (٢) واخشع بصرك ولا ترفعه إلى السماء ، وليكن(٣) حذاء وجهك في موضع سجودك ».

فأمّا ما رواه سعد ، عن محمد بن الحسين ، عن جعفر بن بشير ، عن حمّاد بن عثمان ، عن عبد الحميد ، عن عبد الملك قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الالتفات في الصلاة ، أيقطع الصلاة؟ قال : « لا ،

__________________

(١) القاموس المحيط ١ : ٢٥٠.

(٢) البقرة : ١٤٤ ، ١٥٠.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٠٥ / ١٥٤٥ ، والتهذيب ٢ : ١٩٩ / ٧٨٢ : ولكن.


وما أُحبّ أن يفعل(١) ».

فالوجه في هذا الخبر أنْ نحمله على من لم يلتفت إلى ما وراه ، بل التفت يميناً وشمالاً ، فإنّه لا يقطع صلاته ، وإنْ كان قد ترك الأفضل حسب ما فصّله في هذا الخبر ، وغيره من الأخبار ، ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا التفتّ في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشاً ، فإذا (٢) كنت قد تشهدت فلا تعد ».

السند‌ :

في الأوّل : لا ارتياب فيه بعد ما قدمناه(٣) ، وكذلك الثاني. والثالث : حسن على ما مضى(٤) والرابع : فيه عبد الحميد وهو مشترك(٥) كعبد الملك ، والخامس : حسن.

المتن :

في الأوّل : لا يخلو ضمير كلّه » فيه من إجمال ، إذ يحتمل عوده إلى الوجه ، ويحتمل عوده إلى الوجه مع البدن ، بأن يراد كل الإنسان ، وقد‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٥ / ١٥٤٦ : تفعل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٠٥ / ١٥٤٧ : وإن.

(٣) في ص ٣٩ ، ٤٩ ، ٧٢ ، ٢٠٩.

(٤) في ص ٣٦.

(٥) كما في هداية المحدثين : ٩١ و ٢٠٩.


يقرب الأوّل أنّ المتعارف من الالتفات ما كان بالوجه ، ( فعود الضمير إليه بأن يراد جميعه ربما يدعى ظهوره ، ويقرب الثاني أنّ المصلّي أقرب إلى الإطلاق ، وعلى هذا فالمفهوم عدم قطع الصلاة بالالتفات بالوجه )(١) فقط ، سواء كان إلى اليمين واليسار أو إلى الخلف إن أمكن ، لكن الثالث قد يفيد الإفساد إذا التفت بالوجه عن القبلة ، فلا يعمل بالمفهوم من الأوّل بعد معارضة المنطوق عند العامل بالحسن.

وقد يقال : إنّ الظاهر من الثالث إرادة عدم(٢) كمال الصلاة ، بقرينة الأمر فيه والنهي.

وفيه : أنّه لا مانع من اشتمال الخبر على المستحب والواجب بعد التصريح بالإفساد ، نعم ربما يقال : إنّ الوجه في الخبر على نحو الآية ، وغير بعيد أنْ يراد بالوجه ما قابل الظهر ، فيشمل جميع البدن ، إذ الظاهر من الآية ذلك ، إلاّ أنْ يقال : إنّ ظاهر الآية الاستقبال بالوجه ، وغيره ثبت من الأخبار والإجماع.

وربما يقال : إنّ ظاهر الخبر الثالث متروك ؛ إذ مقتضاه الإفساد بمجرد الالتفات ، والمعروف بين الأكثر عدم الإفساد به ، بل في المنتهى يكره الالتفات يميناً وشمالاً ، وقال بعض الحنفية بالتحريم(٣) ، وظاهر هذا عدم الخلاف عندنا ، لكن المنقول عن الشيخ فخر الدين القول بالبطلان(٤) .

والحق أنّ الاستدلال بالخبر ( على البطلان )(٥) مشكل بعد تقييد الخبر‌

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) ليس في « رض ».

(٣) المنتهى ١ : ٣١٢.

(٤) انظر الذكرى ٤ : ٢١.

(٥) ما بين القوسين ليس في « م ».


الأوّل بكلّه.

إلاّ أنْ يقال : إنّ مفهوم الشرط إنّما يقيّد الحكم إذا كان الغرض النفي عما عداه ، وبعد وجود ما دل على الإبطال بمجرد الالتفات يجوز أنْ يكون الشرط لغرض آخر.

وفيه : أنّ ما دل على اعتبار كون الالتفات فاحشاً يخصص الخبر الثالث ، إذ مجرد الالتفات إلى اليمين واليسار لا يكون فاحشاً.

وقد يشكل بأنّ الكلام في هذا بالنسبة إلى الشرط كالأوّل ، ودعوى انحصار الفاحش ( في الالتفات )(١) إلى ما وراء محل تأمّل ، وهذا كله على تقدير العمل بالأخبار المذكورة ، ( ويمكن أنْ يؤيّد البطلان )(٢) بالالتفات بالوجه مطلقاً بالخبر الحسن السابق عن الحلبي في باب الرعاف(٣) .

ثم إنّ خبر زرارة الحسن هنا يمكن أن تستفاد صحته من الفقيه ، لأنّه قال فيه : وروى زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال : « لا صلاة إلاّ إلى القبلة » إلى أن قال : وقال في حديثٍ ذكره له : « ثم استقبل القبلة بوجهك ولا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك » الحديث(٤) .

وغير خفي أنّ الظاهر من قوله : وقال في حديثٍ ذكره له ، أنّ الطريق إلى زرارة الصحيح يتناوله ؛ وربما يستفاد من قوله : « ثم استقبل القبلة بوجهك » ما قدّمناه من أنّ المراد بالوجه غير الظهر ، وإذا صحّ الخبر فالمفهوم من الأوّل يمكن أنْ يقيد بالمنطوق ، بأنْ يراد بالكل جميع الوجه ،

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٢) بدل ما بين القوسين في « رض » : وقد يمكن ان يؤيد الإبطال.

(٣) راجع ص ٢٠٤٠.

(٤) الفقيه ١ : ١٨٠ / ٨٥٥.


ويراد بالانحراف بالوجه إلى وراء ، لأنّ القبلة أمرها متسع كما يظهر من الأخبار ، وحينئذٍ فالانحراف لمجرد اليمين واليسار يمكن ادعاء الانحراف به عن القبلة ، وفيه تأمّل ، لاحتمال إبقاء الشرط على ظاهره ، وعمل المفهوم عمله إنما هو بما قدمناه ، فاحتمال البطلان بمجرد اليمين واليسار ممكن ، لكن المشهور ما ذكرناه أوّلاً.

وربما يقال : إنّ الخبر الثاني يدل على التحريم من حيث النهي ، والمشهور الكراهة ، والخروج به عن المشهور كالخروج بالثالث ، إلاّ أنْ يقال : إنّ النهي في الثاني يحتمل الكراهة بمعونة ذكره نقض الأصابع ، وفيه نوع تأمّل ؛ لعدم المانع من خروج النهي في الأصابع عن الحقيقة وبقاء غيره ، وفيه بُعد لا يخفى.

ولا يذهب عليك أنّ ما ذكرناه على تقدير عدم العمل بالرابع ، أمّا لو عمل به قرب حمله على الالتفات اليسير ، أمّا حمل الشيخ ففيه نظر ؛ لتضمن الخامس اعتبار كون الالتفات فاحشاً ، ويمكن ادعاء تحققه في اليمين واليسار ، وادعاء الشيخ أنّه يزيد ما ذكره بياناً فيه ما فيه.

وينبغي أنْ يعلم أنّ الخبر المذكور في الفقيه تضمن ما هذا لفظه :

قال : قلت : أين حدّ القبلة؟ قال : « ما بين المشرق والمغرب قبلة كله » قال : قلت : فمن صلّى لغير القبلة ، أو في يوم غيم في(١) غير الوقت؟ قال : « يعيد »(٢) ثم قال : وفي حديث(٣) ، إلى آخره(٤) . وهذا كما ترى يشعر‌

__________________

(١) في الفقيه ١ : ١٨٠ / ٨٥٥ : وفي.

(٢) الفقيه ١ : ١٨٠ / ٨٥٥.

(٣) في « فض » : ثم قال قال وفي الحديث ، وفي « م » : ثم قال قال وفي حديث.

(٤) الفقيه ١ : ١٨٠ / ٨٥٦.


بأنّ الالتفات بالوجه على تقدير حمل الوجه على الظاهر منه التفات إلى نفس اليمين واليسار ، بقرينة قوله : « انّ ما بين المغرب والمشرق قبلة » وعلى هذا يتأيد احتمال البطلان ، وقد يتأيد إرادة كل الوجه من قولهعليه‌السلام في الخبر الأول : « بكلّه ». ويحتمل أن يراد بكل البدن إلى نفس المغرب والمشرق.

وفي الذكرى : ويحرم الالتفات ولو يسيراً(١) ، وإشكاله غير خفي بعد ما قررناه.

وفي المنتهى : الالتفات يميناً وشمالاً لا ينقص(٢) ثواب الصلاة ولا يبطلها ، وعليه جمهور العلماء(٣) .

وربما يدل عليه صحيحة علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام ، فيما رواه الشيخ في التهذيب ، قال : سألته عن الرجل يكون في صلاته ، فيظن أنّ ثوبه قد انخرق ، أو أصابه شي‌ء ، هل يصلح له أن ينظر فيه أو يمسه(٤) ؟ قال : « إن كان في مقدم ثوبه أو جانبيه فلا بأس ، وإن كان في مؤخّره فلا يلتفت ، فإنّه لا يصلح »(٥) .

وهذا الخبر وإن كان في ظاهره جواز النظر إلى خلف ، من حيث قوله : « لا يصلح » إلاّ أنّه قابل للتوجيه باحتمال « لا يصلح » للمنع ، أو بأنّ المقام مقام ضرورة ، ويجوز أن يخص الحكم بها ، ومن ثم قلنا ربما يدل ، فليتأمّل.

__________________

(١) الذكرى ٤ : ١٦.

(٢) في « رض » والمصدر : لا ينقض.

(٣) المنتهى ١ : ٣٠٧.

(٤) في « فض » : ان ينظر فيها وتمسه.

(٥) التهذيب ٢ : ٣٣٣ / ١٣٧٤.


إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه الخبر [ الثالث(١) ] من قوله : « وليكن حذاء وجهك » كأنّ المراد به أن يكون النظر غير خارج عن الوجه ، متصلاً إلى موضع السجود ، بحيث إنّه كما لا يرتفع إلى السماء لا ينحصر في مقاديم البدن ، ولا يتوجه إلى ما بين القدمين ونحوهما.

وأمّا ما تضمنه الأخير من قوله : « وإن كنت قد تشهدت فلا تعد » فربما كان واضح الدلالة على عدم وجوب التسليم ، أمّا الصلاة على النبي وآلهعليهم‌السلام فربما كانت داخلة في التشهد ، وقد يدعى دخول التسليم فيه ، لكنه بعيد.

ويبقى في المقام أُمور بالنسبة إلى أنّ الانحراف إمّا عن عمد أو سهو ، ثم إمّا أن يكون إلى الاستدبار أو إلى اليمين واليسار ، بالبدن أو الوجه ، مع وقوع بعض الأفعال وعدمه ، ثم التذكر في الوقت أو خارجه ، وقد أوضحها جماعة من الأصحاب(٢) ، والمستفاد من الأخبار هو المهم هنا ، والله تعالى أعلم بالحقائق.

اللغة‌ :

قال في القاموس : نفض الثوب حرّكه(٣) ، وفيه : النقض بالقاف ضد الإبرام(٤) ، وفيه : الخشوع : الخضوع(٥) .

__________________

(١) في النسخ : الثاني ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) انظر روض الجنان : ٣٣٢ ، المدارك ٣ : ٤٦١ و ٤٦٢.

(٣) القاموس المحيط ٢ : ٣٥٩.

(٤) القاموس المحيط ٢ : ٣٥٩.

(٥) القاموس المحيط ٣ : ١٨.


قوله :

باب ما يمرّ بين يدي المصلّي

أحمد بن محمّد ، عن الحسن بن محبوب ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجعل العنزة بين يديه إذا صلّى ».

الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « كان طول رحل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذراعاً ، وكان إذا صلّى وضعه بين يديه يستر به ممن يمرّ بين يديه ».

أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن غياث ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : « إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وضع قلنسوة وصلّى إليها ».

فأمّا ما رواه ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا يقطع الصلاة شي‌ء ، كلب ولا حمار ولا امرأة ، ولكن استتروا بشي‌ء ، فإن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت ».

أحمد بن محمّد ، عن عثمان بن عيسى ، عن ابن مسكان ، عن ابن أبي يعفور قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل هل يقطع صلاته شي‌ء ممّا يمرّ به؟ فقال « لا يقطع صلاة المسلم شي‌ء ، ولكن ادرؤوا‌ ما استطعتم ».

عنه (١) ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل أيقطع صلاته شي‌ء ممّا يمرّ به بين يديه؟ فقال : « لا يقطع صلاة المسلم شي‌ء ، ولكن ادرأ

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٦ / ١٥٥٣ : علي.


ما استطعت ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين ، عن عمرو ابن خالد ، عن سفيان بن خالد ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه كان يصلّي ذات يوم إذ مرّ رجل قدّامه وابنه موسى جالس ، فلمّا انصرف من الصلاة(١) قال له : « يا أبت ما رأيت الرجل مرّ(٢) قدّامك؟ فقال : يا بنيّ إنّ الذي أُصلّي له أقرب إليّ من الذي مرّ قدّامي ».

فالوجه في هذه الأخبار الجواز ، والفضل فيما قدّمناه من الأخبار ، ويزيد ذلك بياناً :

ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن موسى بن عمر ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن الرضاعليه‌السلام ، في الرجل يصلّي ، قال : « يكون بين يديه كومة من تراب ، أو يخط بين يديه بخط ».

محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن آبائهعليهم‌السلام قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا صلّى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخّرة الرحل ، فإن لم يجد فحجراً ، فإن لم يجد فسهماً ، وإن لم يجد فليخطّ ( في الأرض ) (٣) بين يديه ».

السند‌ :

في الأوّل : لا ارتياب فيه بعد ما قدّمناه(٤) ، ومعاوية بن وهب ثقة.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٧ / ١٥٥٤ لا يوجد : من الصلاة.

(٢) في الاستبصار ١ : ٤٠٧ / ١٥٥٤ زيادة : من.

(٣) ما بين القوسين ليس في « م ».

(٤) في ج ١ : ٩٥ ، ٤٥٣ وج ٥ : ١٣٥.


والثاني : فيه ابن سنان ، وهو محمّد على ما مضى القول فيه(١) من تكرر(٢) رواية الحسين عن محمّد بن سنان ، وما يوجد في بعض الطرق من رواية الحسين عن عبد الله بن سنان ، جزم الوالدقدس‌سره بأنّه سهو(٣) ، ويمكن أن يكون عبد الله أخا محمّد بن سنان ( لا أنّه عبد الله بن سنان )(٤) الثقة ، وبتقدير احتمال عبد الله لا ينفع في صحة الحديث كما هو واضح. ( هذا كله بتقدير سلامة السند من الموانع غيره ، لكن فيه أبو بصير ، وحاله قد تكرر(٥) )(٦) .

والثالث : فيه عبد الله بن غياث ، وهو مجهول الحال ؛ لعدم الوقوف عليه في الرجال.

والرابع : فيه مع عدم الطريق في مشيخة الكتاب إلى ابن مسكان أبو بصير ، والطريق في الفهرست غير عام.

والخامس : فيه عثمان بن عيسى ، وقد مضى بيانه(٧) .

والسادس : فيه محمّد بن عيسى الأشعري ، فربما يعدّ حسناً بسببه ، كما أشرنا إليه فيما سبق(٨) .

والسابع : فيه عمرو بن خالد ، وهو مشترك(٩) إن لم يتعين الضعيف ،

__________________

(١) في ص ٨٥.

(٢) في النسخ : تكرره ، والأنسب ما أثبتناه.

(٣) منتقى الجمان ١ : ٣٦.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) في ص ٥١.

(٦) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٧) في ص ٥٠.

(٨) انظر ص ١٤٧.

(٩) انظر هداية المحدثين : ٢٢٠.


وسفيان بن خالد مهمل في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(١) .

والثامن : فيه موسى بن عمر ، وهو مشترك(٢) .

والتاسع : فيه النوفلي والسكوني ، وهما معلوما الحال.

المتن :

في الأوّل : يدل على أنّه جعل العنزة بين يديهعليه‌السلام ، لكن كيفية الوضع غير معلومة ، فيحتمل أن يكون عرضاً كما ذكره بعض الأصحاب في الخط أنّه يكون عرضاً ، ويحتمل نصبها ، والاحتمال في الخط غير واضح المأخذ ، وبتقدير موافقة الاعتبار لا يلزم مثله في العنزة ، وربما يؤيد كونها منصوبة ما دل على الكومة من التراب ونحوها ، ولا يخفى أنّ في الرواية إطلاقاً يتناول الصلاة في الفضاء والبناء ، وبعض محققي المعاصرين سلّمه الله قال : الظاهر أنّه كما يستحب في الفضاء يستحب في البناء ، إذا كان المصلّي بعيداً عن الحائط والسارية ونحوهما ، ولو كان قريباً من أحدهما كفى(٣) .

والثاني : كما ترى يدل على أنّ وضع الرحل ليستتر به ( ممن يمر به ، وقد يظن منه أنّ مع الدنوّ من الحائط ونحوه لا يستحب وضع السترة ، لحصول الغرض بغير )(٤) السترة ، لكن الاستتار لا يخلو من غموض ، ولعل المراد به منع المارّ بسبب الستر ، وعلى كل حال استفادة التفصيل المذكور‌

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢١٣ / ١٧٥.

(٢) انظر هداية المحدّثين : ٢٦٢.

(٣) البهائي في الحبل المتين : ١٦١.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


من الآثار غير واضحة ، لكن الاعتبار قد يقتضي ذلك في الجملة.

والثالث : فيه إطلاق أيضاً.

أمّا الرابع : فالظاهر منه الردّ على أهل الخلاف ؛ لأنّهم قد رووا في صحاحهم قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة(١) ، وفي بعضها الكلب الأسود(٢) ، وفي بعضها زيادة اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير(٣) ، ولا يخفى أنّ الخبر لا يعارض ما تقدّم ؛ إذ السابق لا يفيد البطلان مع عدم السترة ، إلاّ بتقدير أن يقال : إنّ ظاهر الخبر الأوّل المداومة ، وكذا الثالث ، وحينئذٍ فالصحة بدون السترة تتوقف على الدليل ؛ وفيه ما لا يخفى.

والحقّ أنّ الخبر المبحوث عنه يدل على الأمر بالاستتار بشي‌ء ، وأنّ الأرض المرتفعة قدر ذراع كافية عن السترة من غيرها ، وحينئذ فمفاده كغيره مع زيادة.

فإن قلت : يحتمل قوله : « ولكن استتروا بشي‌ء » إلى آخره. أن يعود إلى الاستتار من الثلاثة ، والأخبار السابقة مطلقة في الاستتار ، فمن ثم حصلت المنافاة.

قلت : هذا الوجه لم يلحظه الشيخرحمه‌الله كما يعلم من كلامه أخيراً ، والظاهر من الرواية الاستتار على الإطلاق ، حيث إنّ ذكر الثلاثة للرد على من ذكر ، حيث قال بالقطع ، ثم إنّهعليه‌السلام بيّن الاستتار مطلقاً ، ولو فرض إجماله فغيره مبيّن.

والخامس : واضح الدلالة ، وفيه الأمر بدفع كل ما يمرّ بالمصلي على‌

__________________

(١) انظر سنن ابن ماجة ١ : ٣٠٥ / ٩٥٠.

(٢) كما في صحيح مسلم ١ : ٣٦٥ / ٢٦٥.

(٣) كما في سنن أبي داود ١ : ١٨٧ / ٧٠٤.


حسب الإمكان ، وهو يتناول ما يخالف التفصيل السابق ، وتقدير البعض للسترة بالذراع على الإطلاق(١) .

والسادس : كالخامس.

أمّا السابع : فربما كان فيه دلالة على عدم استحباب السترة ، وربما احتمل مرور الرجل معها ، وحمل الشيخ فيه على الأوّل متوجه.

والثامن : واضح الدلالة ، وقد مضى القول في الخط(٢) ، وبعض العامة يحكى عنهم جعل الخط طولاً(٣) ، أو مدوراً كالهلال.

والتاسع : غني عن البيان بعد ما ذكرناه(٤) .

اللغة‌ :

قال في القاموس : العَنَزة رُمَيح بين العصى والرمح فيه زُجّ(٥) ، وفي كلام بعض الأصحاب أنّها بفتح العين المهملة وتحريك النون وبعدها زاي عصاه في أسفلها حربة(٦) . وفي القاموس درأه(٧) دفعه. وفيه : الكومة بالضم القطعة من التراب(٨) . وفيه : الرحل مركب البعير وما يستصحبه من الأثاث(٩) .

__________________

(١) كما في الحبل المتين : ١٦١.

(٢) انظر ص ٢٠٥١.

(٣) انظر عمدة القارئ ٤ : ٢٩٢.

(٤) انظر ص ١٤١ و ٢٠٥١.

(٥) انظر القاموس ٢ : ١٩٠.

(٦) كما في الحبل المتين : ١٦١.

(٧) القاموس المحيط ١ : ١٥.

(٨) القاموس المحيط ٤ : ١٧٥.

(٩) القاموس المحيط ٣ : ٣٩٤.


قوله :

باب البكاء في الصلاة

محمّد بن يعقوب ، عن الحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن حمّاد بن عثمان ، عن سعد بيّاع السابري قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أيتباكى الرجل في الصلاة؟. فقال : « بخٍ بخ ، ولو مثل رأس الذباب ».

قال محمّد بن الحسن : هذا الخبر محمول على أنّه أراد إذا بكى من خشية الله دون أن يبكي لشي‌ء من مصايب الدنيا ، يدل على ذلك :

ما رواه محمّد بن علي بن محبوب ، عن علي بن محمّد ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن داود ، عن النعمان بن(١) عبد السلام ، عن أبي حنيفة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن البكاء في الصلاة ( أيقطع الصلاة؟ قال : « إن بكى لذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة ) (٢) ، وإن كان ذكر ميتاً له فصلاته فاسدة ».

السند‌ :

في الأوّل : فيه معلّى بن محمّد ، وهو ضعيف في النجاشي(٣) ، وسعد بيّاع السابري لم أقف عليه في الرجال.

والثاني : فيه علي بن محمّد ، وفي الظاهر أنّه المنقري الثقة في‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٤٠٨ / ١٥٥٨ : عن.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٣) رجال النجاشي : ٤١٨ / ١١١٧.


النجاشي ؛ لأنّ الراوي عنه فيه محمّد بن علي بن محبوب(١) لكن سليمان ابن داود المذكور في السند على ما في الفهرست أنّه المنقري ؛ لأنّه ذكر أنّ الراوي عنه علي بن محمّد القاساني ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان(٢) . والنجاشي ذكر أنّ الراوي عن سليمان بن داود المنقري ( القاسم ابن محمّد(٣) . وإذا تعيّن أنّ سليمان بن داود هو المنقري بما ذكر كان مفاد الشيخ في الفهرست )(٤) أنّ علي بن محمّد هو القاساني ، وقد عرفت كلام النجاشي ، وغير بعيد الجمع بين الأمرين ، فيكون علي بن محمّد المنقري يروي عن المذكور ، والقاساني كذلك ، وحينئذٍ يكون مشتركاً في السند ، فليتأمّل.

أمّا القاسم بن محمّد فيحتمل الجوهري وغيره ، ولا يخفى أنّ ضعف السند يغني عن إطالة القول ، لولا ظن الفائدة في التنبيه على ما اتفق في النجاشي والفهرست.

والنعمان بن عبد السلام مجهول الحال ؛ إذ لم نقف عليه في الرجال.

أمّا أبو حنيفة فالظاهر أنّه سابق الحاج المسمى بسعيد بن بيان(٥) الثقة في النجاشي(٦) .

المتن :

في الخبرين لو عمل بهما من قبيل المطلق والمقيد على ما يقتضيه‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٥٧ / ٦٧٤.

(٢) الفهرست : ٧٧ / ٣١٦.

(٣) رجال النجاشي : ١٨٤ / ٤٨٨.

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٥) في « فض » و « رض » : بنان ، وفي « م » : يسار ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) رجال النجاشي ١٨٠ / ٤٧٦.


كلام الشيخ ، والظاهر من إطلاق الثاني جواز البكاء لذكر الجنة والنار ، وإن اشتمل على الصوت ، ( ولكن السند قد عرفت حاله )(١) والأوّل ربما أفاد ذلك ، إلاّ أنّ فيه احتمال ظهور خروج الدمع فقط ، وقوله : « ولو مثل رأس الذباب » كأنّ المراد به إخراج الدمع وإن قلّ.

وفي كلام بعض الأصحاب ما يشعر بعدم الخلاف في إفساد الصلاة بالبكاء للأمر الدنيوي(٢) ، وربما علل بأنّ الأمر الدنيوي ينافي الأُخروي ، وفي الأمرين بحث ، أمّا الإجماع فواضح الإشكال ، وأمّا المنافاة فإن أُريد بها منافاة الصلاة من حيث كونها للأمر الأُخروي فغير خفي المغايرة بين الصلاة والبكاء للأمر الدنيوي ، وإن أُريد غير ذلك فلا يعلم وجهه.

وفي كلام جدّيقدس‌سره في بعض مصنفاته أنّ البكاء المبطل للصلاة هو المشتمل على الصوت لا مجرد خروج الدمع ، مع احتمال الاكتفاء به في البطلان ، ووجه الاحتمالين اختلاف معنى البكاء لغةً مقصوراً وممدوداً ، والشك في إرادتهما من الأخبار ، قال الجوهري : البكاء يمدّ ويقصر ، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء ، وإذا قصَرت أردت الدمع(٣) ولنا معه في المقام كلام في حواشي الروضة ، ( والحاصل أنه احتمل )(٤) أصالة عدم زيادة اللفظ(٥) ، يعني المدّ عن القصر ، والذي تضمنه الخبر كما ترى أنه إن بكى لذكر جنة ، واستفادة المدّ والقصر من هذا غير‌

__________________

(١) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٢) كما في المدارك ٣ : ٤٦٦.

(٣) انظر الروض : ٣٣٣ ، وهو في الصحاح ٦ : ٢٢٨٤ ( بكى ).

(٤) بدل ما بين القوسين في « رض » : واحتمل أصالة ، وفي « م » : والحاصلة أنّه أطال القول في المسألة واحتمل.

(٥) انظر الروضة البهية ١ : ٢٣٣ ٢٣٤.


ظاهرة ، ( والفعل ربما يتحقق بخروج الدمع )(١) مضافاً إلى ضعف الخبر ، فلم يبق إلاّ الإجماع.

وقد ذكر بعض الأصحاب تحققه مع الصوت(٢) ، ( لكن لا يخفى أنّ الصوت إن تحقق به الكلام بحرفين أمكن البطلان ، أمّا لو خرج الصوت )(٣) بنحو التنحنح فالإشكال السابق آتٍ هنا ، إلاّ أنْ يقال : إنّ الإجماع في البكاء أخرجه عن حكم غيره ، وأنت خبير بأنّ ثبوت الإجماع في غاية الإشكال. وقد يمكن تقريب ما ذكرناه ( في الأنين سابقاً ، لكنه محل تأمل.

وفي كلام جدّيقدس‌سره إنّ البكاء )(٤) للآخرة إذا اشتمل على الصوت أبطل أيضاً(٥) ، وفيه بحث غير خفي الوجه إن لم يتحقق الإجماع.

ولو اشتمل البكاء على قرآن أو دعاء صرّح جدّيقدس‌سره بأنّه لا يبطل(٦) ، وله وجه ظاهر ، وقد ورد في الآثار الحثّ على التباكي(٧) في الصلاة ، كما رواه الصدوقرحمه‌الله عن منصور بن(٨) يونس أنّه سأله عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكي؟ فقال : « قرّة عين والله »(٩) الحديث.

__________________

(١) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٢) كما في المدارك ٣ : ٤٦٦.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٥) انظر المسالك ١ : ٣٢.

(٦) كما في روض الجنان : ٣٣٣.

(٧) في « م » البكا.

(٨) في « فض » عن.

(٩) الفقيه ١ : ٢٠٨ / ٩٤٠ ، الوسائل ٧ : ٢٤٧ أبواب قواطع الصلاة ب ٥ ح ١.


ولا يخفى أنّ في إيراد الصدوق لها مزية ظاهرة ، وقال أيضاً ما هذا لفظه : وروى أنّ البكاء على الميت يقطع الصلاة ، والبكاء لذكر الجنة والنار من أفضل الأعمال(١) . ولا يبعد اعتماده على الرواية ، وهي مضمون رواية أبي حنيفة المبحوث عنها فيقرب صحتها ويندفع بعض ما أشرنا إليه سابقاً ، فيتأمّل.

ومن هنا يعلم أنّ ما قاله شيخناقدس‌سره في فوائد الكتاب على رواية أبي حنيفة : من أنّها ضعيفة السند ، فيشكل التعويل عليها في إثبات هذا الحكم ، وكيف كان فينبغي أن يراد بالبكاء المبطل ما كان معه انتحاب وصوت لا مجرد خروج الدمع اقتصاراً على موضع الوفاق إن تم.

محل بحث ، أمّا أوّلاً : فلما قدّمناه من احتمال صحة الرواية. وأمّا ثانياً : فلأنّ الاشتمال على الصوت في البكاء للآخرة غير مسلّم الإبطال ( به ، ودعوى الإجماع فيها لم أقف عليه.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ جدّيقدس‌سره ذكر في مثال البكاء )(٢) للأُمور الدنيوية ذهاب المال وفقد المحبوب(٣) ، وربما نوقش بأنّ البكاء لذهاب المال قد يؤول إلى أمر الآخرة ، وكذلك فقد المحبوب. وقد يقال باعتبار الحيثية.

وذكر العلاّمة في الأدلة لجواز البكاء للأُمور الأُخروية قوله تعالى في وصف المؤمنين( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ) (٤) ونقل رواية عن الجمهور : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي وبصدره‌

__________________

(١) انظر الفقيه ١ : ٢٠٨ / ٩٤١ ، الوسائل ٧ : ٢٤٧ أبواب قواطع الصلاة ب ٥ ح ٢.

(٢) ما بين القوسين ساقط عن « رض ».

(٣) انظر الروضة البهية ١ : ٢٣٤.

(٤) مريم : ٥٨.


أزيز كأزيز المِرجل من البكاء. قال أبو عبيدة : الأزيز بالزاء بين غليان الصدر وحركته بالبكاء(١) .

اللغة‌ :

قال في القاموس : التباكي تكلف البكاء(٢) ، وفيه : بخ أي عظُم الأمر وفخُم ، تقال وحدها وتكرر بخٍ بخ ، الأوّل مُنوّن والثاني مُسكّن ، وقل في الإفراد بخ ساكنة وبخِ مكسورة وبخٍ منّونة وبخٌ منوّنة مضمومة ، ويقال : بخ بخ مسكّنين وبخٍ بخٍ منوّنين وبخٍّ بخٍّ مشدّدين : كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشي‌ء أو الفخر أو المدح(٣) .

قوله :

باب الصبيان متى يؤمرون بالصلاة

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن أحمد العلوي ، عن العمركي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسىعليه‌السلام ، قال : سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة والصوم(٤) ؟ قال : « إذا راهق الحلم وعرف الصلاة والصوم ».

عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن‌

__________________

(١) انظر المنتهى ١ : ٣١١.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٣٠٦.

(٣) القاموس المحيط ١ : ٢٦٥.

(٤) في الاستبصار ١ : ٤٠٨ / ١٥٥٩ : الصوم والصلاة.


ابي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال : « إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة ، فإذا(١) احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم ، والجارية مثل ذلك إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن الحصين ، عن محمّد بن الفضيل ، عن إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « إذا أتى للصبي ست سنين وجب عليه الصلاة ، فإذا أطاق الصوم وجب عليه الصيام ».

محمّد بن علي بن محبوب ، عن محمّد بن الحسين(٢) ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمّد بن مسلم ، عن أحدهماعليهم‌السلام ، في الصبي متى يصلّي؟ فقال : « إذا عقل الصلاة » قلت : متى يعقل الصلاة وتجب عليه؟ قال : « لست سنين ».

عنه ، عن العباس بن معروف ، عن حمّاد بن عيسى ، عن معاوية ابن وهب قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام : في كم يؤخذ الصبي بالصلاة؟ فقال : ( « فيما بين سبع سنين وست سنين » قلت : في كم يؤخذ بالصيام؟ فقال : « فيما بين خمس عشرة أو أربع عشرة ، وإنْ )(٣) صام قبل ذلك فدعه فقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته ».

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن‌

__________________

(١) في الإستبصار ١ : ٤٠٨ / ١٥٦٠ : فإن ، وفي « رض » : وإذا.

(٢) في « فض » : الحسن.

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».


الحلبي ، ( عن أبي عبد الله ، عن أبيهعليهما‌السلام )(١) ، قال : « إنّا(٢) نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين ، فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين ، ونحن نأمر صبياننا بالصوم إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم إن(٣) كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقلّ ، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه ، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع(٤) سنين بالصوم ما استطاعوا من صيام اليوم ، فاذا غلبهم(٥) العطش أفطروا ».

فالوجه في هذه الأخبار أن نحملها على ضربٍ من الاستحباب والندب والتأديب ، والأوّلة على الوجوب ، لئلا تتناقض الأخبار.

السند‌ :

في الأوّل : فيه محمّد بن أحمد العلوي ، وهو مذكور مهملاً في رجال من لم يرو عن الأئمةعليهم‌السلام من كتاب الشيخ(٦) ، وكأنّه مراد شيخناقدس‌سره بوصفه بالجهالة في فوائد الكتاب.

والثاني : موثق ، ومحمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطاب.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « فض » : عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام . ، وفي « رض » و « م » : عن أبي عبد اللهعليه‌السلام . وما أثبتناه من الاستبصار ١ : / ٤٠٩ / ١٥٦٤.

(٢) في « فض » و « م » : فإنا ، وفي « رض » : فإننا ، وما أثبتناه موافق للتهذيب ٢ : ٣٨٠ / ١٥٨٤ والاستبصار ١ : ٤٠٩ / ١٥٦٤.

(٣) في الاستبصار ١ : ٤٠٩ / ١٥٦٤ : وإن.

(٤) في « رض » و « م » : سبع.

(٥) في الاستبصار ١ : ٤٠٩ / ١٥٦٤ : غلب عليهم.

(٦) رجال الطوسي : ٥٠٦ / ٨٣.


والثالث : فيه محمّد بن الحصين ، وهو مشترك بين مهمل وضعيف(١) . ومحمّد بن الفضيل فيه اشتراك(٢) .

والرابع : صحيح كالخامس.

والسادس : حسن.

المتن :

في الأوّل : ظاهره وجوب الصلاة والصوم على الغلام إذا راهق الحلم وعرف الصلاة والصوم ، والمستفاد من القاموس أنّ الرهق ما دنا من الحلم(٣) ، وربما كان في الثاني تقييد له ، أعني الثلاث عشرة.

وأمّا عرفان الصلاة والصوم فالظاهر أنّ المراد به تعليمه أحكامهما أو وجوبهما ، وحينئذٍ قد يستفاد سقوط الوجوب عن الجاهل بقسميه أو أحدهما ، ويحتمل أن يراد بالوجوب التمرين ، ويراد بيان منتهاه بالمراهقة ومَبدَئه إذا عرف الصلاة والصوم.

ويدلُّ على الأوّل ما يذكره في خبر معاوية بن وهب ، وعلى الثاني خبر محمّد بن مسلم ، لكن الشيخ اعتمد على أنّ المراد منه الوجوب حقيقةً إن كان ما يذكره هنا مذهباً له.

والثاني : الظاهر منه وجوب الصلاة بالثلاث عشرة ، لكن ربما كان في ذكر جريان القلم مع وجوب الصلاة إذا احتلم قبل ذلك دلالة على أنّ الوجوب أوّلاً يراد به منتهى التمرين ، لكن لا يخفى أنّ ما تضمنه من‌

__________________

(١) انظر هداية المحدثين : ٢٣٥.

(٢) انظر هداية المحدثين : ٢٤٩.

(٣) القاموس المحيط ٣ : ٢٤٧.


مساواة الجارية للغلام يخالف المشهور ، نعم في الغلام قول بذلك منقول ، وظاهر الشيخ القول به هنا إن كان يعتمد على ما يذكره ، وقد يستفاد حينئذٍ قوله في الجارية بالثلاث عشرة ، ولا أعلم الآن نقله عنه ، بل ظاهر التذكرة أنّ بلوغها بالتسع إجماعي(١) ، وإن كان فيه نوع تأمّل ذكرناه في كتاب معاهد التنبيه في كتاب الصوم.

وأمّا الثالث : فهو محمول على الوجوب التمريني.

والرابع : كما ترى يقتضي بظاهره السؤال عن صلاة الصبي ، والجواب أفاد : إذا عقل الصلاة يصلّي ، ثم السؤال ثانياً وإن تضمن الوجوب إلاّ أنّ المراد به التمريني ، لكن مقتضى خبر إسحاق اعتبار الست سنين ، وهذا الخبر المبحوث عنه يفيد اعتبار أنْ يعقل الصلاة ثم بيان ذلك بالست سنين ، وغير خفي أنه قد يظن عدم الملازمة ، ولعلّ المراد بيان الأغلب.

وعلى كل حال فقد روى الشيخ والصدوق ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، أنّه سُئل عن الصلاة على الصبي متى يُصلّى عليه؟ قال : « إذا عقل الصلاة » قلت : متى تجب الصلاة عليه؟ قال : « إذا كان ابن ست سنين ، والصيام إذا أطاقه »(٢) وقد ذكرت في هذا الخبر كلاماً حاصله انّه مذكور في بحث الأموات في الصلاة على الصبي ، والذي يستفاد من آخره وجوب الصلاة عليه تمريناً ، لمناسبة الصيام ، والخبر المبحوث عنه يؤيّده ، وتوضيح الحال(٣) يأتي في بابه إن شاء الله(٤) .

__________________

(١) التذكرة ٢ : ٧٥ ( الحجري ).

(٢) التهذيب ٣ : ١٩٨ / ٤٥٦ ، الفقيه ١ : ١٠٤ / ٤٨٦.

(٣) في « رض » زيادة : في محل آخر.

(٤) في ص ٢٣٨١.


ثم الخامس : كما ترى يدل على أنّ التمرين في الصلاة ما بين سبع سنين وست سنين ، وربما كان فيه دلالة على أنّ ما دل على اعتبار كونه يعقل الصلاة لا ينحصر في الستة ، ( وسيأتي(١) ما يؤيده في بحث الأموات )(٢) .

أمّا ما تضمنه من أنّ الصوم فيما بين خمس عشرة أو أربع عشرة فلا يخلو من إجمال ، وقد أوضحت القول فيه في معاهد التنبيه ، ( مضافاً إلى الأقوال في المسألة )(٣) بما لم أقف عليه في كلام الأصحاب.

والحاصل أنّ دلالته على تحقق البلوغ بالأربع عشرة لا وجه له كما ظنه بعض(٤) ؛ لأنّ ذكر الخمس عشرة يقتضي عدم الفائدة ، بل الظاهر أنّ الترديد من الراوي ، لحصول الشك منه. والمراد والله أعلم أنّ التمرين في الصوم إلى خمس عشرة أو أربع عشرة ، وهذا يفهم من الصدوق في الفقيه ؛ لأنّه ذكر الأخبار المتعددة في مقدار زمان التمرين ومن جملتها الخبر المذكور ، ثم قال : وهذه الأخبار متفقة المعاني أنّه يؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ تسع سنين إلى أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة(٥) . وعلى هذا فالمبدأ للتمرين يستفاد من غير هذا الخبر كالأخير.

وما عساه يقال : إنّ قولهعليه‌السلام : « وإن صام قبل ذلك فدعه » ينافي ما وجّهنا به الخبر ( ؛ لأنّ ظاهر هذا البناء أنّ السؤال )(٦) عن الصوم اللازم ،

__________________

(١) في ص ٢٣٨١.

(٢) ما بين القوسين ليس في « رض » و « م ».

(٣) ما بين القوسين ساقط عن « م ».

(٤) انظر مجمع الفائدة والبرهان ٩ : ١٨٩.

(٥) انظر الفقيه ٢ : ٧٦.

(٦) بدل ما بين القوسين في « رض » : لأنه ظاهر هذا أن السؤال. ، وفي « فض » : لأنّ ظاهر هذا السؤال.


والجواب أنّ ما قبل المذكور غير لازم ، ولو كان التمرين مراداً في المذكور لما كان الفرق حاصلاً ولا الجواب مطابقاً.

فجوابه : انّ احتمال إرادة الإلزام تمريناً في المدة المذكورة ينبغي فعله ، وما قبل ذلك لا ينبغي الإلزام ، وقد روى الصدوق في باب انقطاع اليتم عن الحسن بن علي الوشّاء ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « إذا بلغ الغلام أشدّه ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة سنة وجب عليه ما وجب على المحتلمين ، احتلم أو لم يحتلم » الحديث(١) .

والطريق إلى الوشاء صحيح ، أمّا الوشّاء فهو ممدوح ، لكن رواية الصدوق واضحة المزية ، وقد رواه الشيخ في باب الوصية من التهذيب في الحسن(٢) .

وربّما كان في الخبر دلالة على أنّ الترديد في الخبر المبحوث عنه من الراوي ، فليتأمّل. وفي الكافي رواه ب : « الواو » دون « أو »(٣) ومعه قد يشكل الحال. ومن اطلع على كلامنا في معاهد التنبيه يعلم ما وقع لشيخناقدس‌سره وجدّيقدس‌سره وغيرهما ، ولو لا الاكتفاء بما ذكرناه هناك لأتينا به هنا.

وإذا عرفت هذا فما تضمنه الخبر الأخير من اعتبار السبع سنين في الأمر بالصلاة يؤيد ما قدّمناه من عدم تعين السنة ، وما ذكره الشيخ من الحمل على الاستحباب لا يخلو من غرابة ؛ لأنّ الأخبار في غاية الاختلاف ، والاستحباب المطلوب لا بُدّ من بيان اختلاف مراتبه ، كما أنّ الوجوب في‌

__________________

(١) الفقيه ٤ : ١٦٤ / ٥٧١.

(٢) التهذيب ٩ : ١٨٣ / ٧٣٩.

(٣) الكافي ٤ : ١٢٥ / ٢.


الأخبار الأوّلة في غاية الإشكال ، والوجه فيه يعرف مما قررناه.

ثم إن الاستحباب إمّا أن يتعلق بالولي أو بالغلام(١) ، ولجدّيقدس‌سره (٢) وغيره(٣) كلام في مثل هذا المقام ، من حيث إنّ الأحكام الشرعية لا تتعلق بغير المكلف ، وفيه بحث ( أنهيناه في حواشي الروضة )(٤) .

اللغة‌ :

قال في القاموس : غرث كفرخ جاع فهو غرثان(٥) .

__________________

(١) في « فض » زيادة : تعلقه ، وفي « رض » : وتعليمه.

(٢) مسالك الافهام ١ : ٧٠.

(٣) المختلف ٣ : ٢٥٦.

(٤) ما بين القوسين أثبتناه من « م ».

(٥) القاموس المحيط ١ : ١٧٧.



فهرس الموضوعات

أبواب السهو والنسيان‌ ٥

باب من نسي تكبيرة الافتتاح‌ ٥

السند‌ : ٦

باب من نسي تكبيرة الافتتاح ٢٢

هل يجزؤه تكبيرة الركوع عنها أم لا؟ ٢٢

باب من نسي القراءة‌ ٢٦

باب من نسي الركوع ٤٥

باب من شك وهو قائم فلا يدري أركع أم لا‌ ٦٠

باب وجوب سجدتي السهو على من ترك ٨٩

سجدة واحدة ولم يذكرها إلاّ بعد الركوع ٨٩

باب من شكّ فلم يدر واحدة سجد أم اثنتين‌ ٩٩

باب من نسي التشهد الأوّل حتى ركع في الثالثة‌ ١٠٦

باب السهو في الركعتين الأوّلتين‌ ١١٤

باب الشك في فريضة الغداة‌ ١٢٩

باب السهو في صلاة المغرب ١٥٥

باب من شك في اثنتين وأربعة‌ ١٦٨

باب من شك فلا يدري صلّى اثنتين أو ثلاثاً ١٩٢

باب من تيقن أنّه زاد في الصلاة ٢٠١

باب من تكلم في الصلاة ساهياً أو عامداً ٢١٨

باب في أن سجدتي السهو بعد التسليم وقبل الكلام ٢٣٠

باب التسبيح والتشهد في سجدتي السهو ٢٣٤

أبواب ما يجوز الصلاة فيه ٢٤٥

وما لا يجوز من اللباس والمكان ٢٤٥

باب الصلاة في جلود الثعالب والأرانب‌ ٢٤٥

باب الصلاة في الفنك والسمّور والسنجاب ٢٦٠


باب كراهية الصلاة في الإبريسم المحض ٢٧٦

باب الصلاة في الخزّ المغشوش‌ ٢٨٧

باب كراهية المئزر فوق القميص في الصلاة‌ ٢٩٠

باب أنّ المرأة الحرّة لا تصلي بغير خمار‌ ٢٩٥

باب كراهية الصلاة في خرقة الخضاب ٣٠٥

باب الإنسان يصلّي محلول الأزرار ويداه داخل الثياب ٣٠٧

باب الصلاة في الثوب الذي يعار لمن يشرب الخمر ٣١٤

أو يأكل شيئاً من النجاسات ٣١٤

باب الشاذكونة تصيبها النجاسة أيصلّى عليها أم لا؟ ٣١٨

باب الوقوف على البساط الذي فيه التماثيل‌ ٣٢٣

باب الصلاة في بيوت الحمّام ٣٢٦

باب الصلاة في مرابط الخيل والبغال‌ ٣٣١

باب الصلاة في السبخة ٣٣٨

باب المصلّي يصلّي وفي قبلته نار ٣٤١

باب الصلاة بين المقابر ٣٤٨

باب المصلّي يصلّي وعليه لثام ٣٥٣

باب الرجل يصلّي والمرأة تصلّي بحذاه ٣٥٦

باب الصلاة على كدس حنطة إذا كان مطيّناً ٣٦٩

أبواب ما يقطع الصلاة وما لا يقطعها‌ ٣٧١

باب أنّ البول والغائط والريح ٣٧١

يقطع الصلاة عمداً كان أو سهواً ٣٧١

باب الرعاف‌ ٣٨٨

باب الالتفات في الصلاة إلى الاستدبار ٤٠٢

باب ما يمرّ بين يدي المصلّي ٤٠٩

باب البكاء في الصلاة ٤١٥

باب الصبيان متى يؤمرون بالصلاة ٤٢٠

اللغة‌ : ٤٢٧


إستقصاء الإعتبار الجزء ٦

إستقصاء الإعتبار

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
تصنيف: متون حديثية
ISBN: 964-319-178-8
الصفحات: 430