بسم الله الرحمن الرحيم
شهداء الاسلام
(من سنة ٤٠ إلى ٥١ الهجريّة
المجلّد الثالث
حبيب طاهر الشّمريّ
شهداء الإسلام
من سنة ٤٠ إلى ٥١ الهجريّة
المجلّد الثالث
حبيب طاهر الشمّريّ
الطبعة الأولى: ١٤٣٥ ق / ١٣٩٣ ش
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على نبيّنا المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
حلقة ثالثة في سلسلة (شهداء الإسلام)، كان الأولى قد تناولت شرح الوقائع والحروب في عصر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم و ترجمة للمسلمين الذين استشهدوا في تلك الحروب.
وتناولت الحلقة الثانية شرحا لمجرى الأمور بعد رحلة النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ أي من السنة العاشرة اللهجرة الشريفة وانتهاء بشهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام و ترجمة لشهداء هذه المرحلة في تاريخ الإسلام.
وهذه هي الحلقة الثالثة من (شهداء الإسلام)؛ تناولت حياة الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام و شهادته ثم شهداء (مَرْج عذراء) وبعض الشهداء ممّن استشهدوا على يد ابن هند معاوية ومن جاء بعده.
في هذه الحلقة عرضنا للشجرة الملعونة، لذكر القرآن لها ولعنها ولما وجدته من أمور لا يُسكت عليها مخالفة للقرآن الكريم والسُنّة النبويّة المطهّرة وهما يأمران الناس بدعوة الأبناء إلى آبائهم ورتّبا آثاراً اجتماعيّة وأحكاماً شرعيّة على ذلك، فكانت الشجرة المعلونة حقلاً واسعاً للدراسة لكثرة الأدعياء بدءاً بأميّة العبد القبطيّ الذي اشتراه عبد
شَمْس ثمّ أعتقه واستلحقه! وأعتق أميّة عبده ذَكْوان واستلحقه وسمّاه (أبو عمرو). ولم يقف عند هذا، إنّما زوّجه من امرأته!! وكلّما نزلنا أو صعدنا عن أميّة ازدحمت الفضائح حتّى وصلنا صخر بن حرب (أبو سفيان) وامرأته هند، وفضائحهما تزكم الأنوف من ذلك: أنّ معاوية يُدعى لأربعة، ولعبدٍ مغنٍّ اسمُه الصُّبّاح؛ وينسب أيضاً إلى وحشي قاتل حمزة بن عبد المطّلبعليهالسلام . ووجدنا ابن ميسون الناقص (يزيد) مطعون في نسبه وأنّه لغير معاوية. وكانت جدّة معاوية (حمامة) من ذوات الرايات.
هذا في حقل النسب، وأمّا في الأفعال، فإنّ استنان ابن هند بالأوائل ممّن مهّد له السبيل، قد عدى على أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فحرقها، وأحيا الجاهليّة بمتاجرته بتماثيل النحاس والخمر! وصرّح بأنّه يسعى إلى دفن اسم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وخرج على وليّ أمر المسلمين وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وحاربه، ثمّ حارب الإمام الحسن المجبتبىعليهالسلام و خان عهود الصلح وسمّ الحسنعليهالسلام .
ومن جرائمه قتل الصلحاء: حجر بن عَديّ وصحبه الكرام وقتله الصحابيّ الجليل (عمرو بن الحَمِق).
فكان لزاماً أن نعطي الموضوع حقّه ومقابل ذلك جرى الكلام بتوسّع في شأن الشجرة المباركة إذ الأبواق الأمويّة والزبيريّة والخارجيّة لم تسكت منذ تلك الأعصر في رفع شأن الشجرة الملعونة والنيل من الشجرة المباركة. وفي عصرنا كثرت الإصدارات في تمجيد مَن هبّ ودبّ ورائدهم (ابن تيميّة) صاحب الفتنة الكبرى. ولذا يجد القارئ الكريم كثرة ذكر الخوارج، فهناك الخوارج المارقون الّذين خرجوا على أمير المؤمنين عليعليهالسلام وقاتلهم في النهروان؛ وهناك كلّ من خرج على الله ورسوله وأئمّة الهدىعليهمالسلام .
نسأل الله تعالى أن يتقبّل منّا بأحسن قبوله وآخر قولنا أن الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
مع جزيل شكري لمديري مجمع البحوث الإسلاميّة على توفيرهم فرصة العمل لإتمامه أسأل الله لهم ولكلّ مَن عمل بحرصٍ لإخراج العمل بأسلوب أفضل.
حبيب الشمّريّ
ألغارات
إنّ الّذي أحدثه الأوائل بخروجهم على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وما نزل فيهم من قرآن على ما ذكرنا، وخروجهم عليه لـمّا أراد أن يكتب الوصيّة حتّى طردهم، فلمّا خرجوا لم يعودوا فيعتذروا وإنّما مضوا إلى الصراع من أجل الحكم، وتوفّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنهم غيرُ راضٍ!
ولم يقف القوم عند هتْكهم حُرمة الأنصار وقتلهم سيّد الخزرج سعد بن عُبادة - غيلةً - إذ رفض بيعة أبي بكر، ثمّ عمر، وخرج إلى الشام، ألجأه إلى ذلك عمر، ثمّ أرسل جنيّاً قتله بالشأم! - مرّ تفصيل ذلك- -. وتمادى القوم فخرجوا على الله تعالى الذي جعل من عليّعليهالسلام وليّاً للمسلمين، وخرجوا على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ أنزله من نفسه منزلة هارون من موسى، وجعله نفسه التي يباهل بها، وتعدّدت مناسبات التنصيب للإمارة والولاية كان منها حديث الثقلين، والتتويج يومَ غدير خُمّ....
ولماّ تخلّف عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام عن بيعة أبي بكر، وكان أبوبكر علم أنّ رسول الله قد أوصى عليًّا كما أوصى الأنصار، فهو ملتزم بالوصيّة حينما نشط أبوبكر وأمر عمر بن الخطّاب أن يأخذ عليًّا أعنف الأخذ فمضى هذا وجمع الحطب على بيت فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبيده قبس من نار، فتلقّته فاطمةعليهاالسلام مندهشة وقالت: أتريد أن تحرق علينا البيت يا ابن الخطّاب؟! قال: نعم....
و والله لولا علمهم بالوصيّة لـما أقدموا، وهم يعلمون أيُّ ليث في البيت هو عليٌّ؛ الذي وَتَرَ بني عَديّ، وبني تَيْم، وبني مخزوم، وبني عبد شَمس، وبني لُؤَيّ، وبني أميّة، وبني أبي مُعَيْط، وبني أسد بن عبد العُزّى، وبني جُمَح، وبني نَوْفَل بن عبد مَناف، وبني سعد بن سَهْم، وبني عبد الدار، وبني العاص.....؛ كلّ هؤلاء وَتَرَهم يومَ بَدْر؛ فمن مجموع خمسين هالك، كان الّذين عجّل بهم فتى الإسلام وسيفه الّذي سلّه الله تعالى على الشرك والنفاق: تسعا وعشرين، وفي قول: سبعا وعشرين وشرك عمّه حمزةعليهالسلام في ثلاث، وكلّهم من أبطال وصناديد الشرك والكفر. ذكرنا جملةً منهم.
وهو الّذي قطع رؤوس أصحاب الألوية يوم أُحد، ومثلما المحرّق وصاحبه لم يقربا أبطال الشرك إنّما لجأ المحرّق إلى صخرة مع طلحة ومجموعة يأكلون فإذا سُئلوا عن سبب اعتزالهم المعركة كان جوابهم أن قُتل محمّد! وكان ذلك إثْرَ هتاف الشيطان وإذاعته بذلك، فيما وصل عثمان الجَعْلبَ بأطراف المدينة فصدّتهم نساء الأنصار وأطفالهم من دخول مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلبثوا ثلاثاً ورجعوا بها عَرِيضةً!
ويوم الخندق - تكلّمنا عنه - وإنّما نؤكّد أمراً: أنّ غير عليّ ابن عمّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لم يجب عمرو بن عبد ودّ، ثلاث مرّات ينهض عليّ فيجلسه النبيّ! لماذا؟ لا أظنّ إلّا ليثبت لعليّ فضيلة ربّما يزعم أحدُهم بعدُ: أنّني كدتُ أخرج إلى عمرو، فسبقني عليّ إليه! فلمّا أحجمَ الجميع وبحّ صوت عمرو من النداء، أذن النبيّ لعليّ لينطلق فيريح عمرو من النداء بضربة علويّة، وعطف على ابنه حِسْل فألحقه بأبيه؛ ففرَّ بنو مخزوم بعارها! فلم يستردّ عِكرمة بن أبي جهل وتر أبيه ولا خالد بن الوليد وتر عمّه وأخيه وبني عمّه، وهم جملة وفيرة وتَر بهم عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام خالداً وعمرَ، على ما ذكرنا تفصيله سابقاً. وإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أحرج القوم يومَ الخندق إذ لم يأذن لعليّ بمنازلة
فارس المشركين، فقد حصل نظير ذلك يوم خَيبر؛ فقد شاءت الحكمة الإلهيّة أن يرمد عليّعليهالسلام ؛ فرآها رسول الله مناسبةً ليُحرج الرجلين؛ فأعطى الراية إلى أبي بكر، فذهب بها قليلاً وعاد يُجبّن أصحابه ويُجبّنه أصحابُه! ولئلّا يقول عمر: لو أعطاني النبيّ الراية لكان الفتح على يدي لـما يعرفه اليهود من بسالتي! فأعطاه النبيّ الراية، فمضى بها قليلاً وعاد يُجبّن أصحابه ويُجبّنه أصحابه. فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لأعطينّ الراية غداً رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار يفتح الله عليه). فلمّا كان الغد دعا رسول الله عليًّا وكان يشتكي عينيه لا يرى موضع قدميه، فشفاهما رسول الله بريقه، وأعطاه الراية، فذهب بها عليّ يُهرول حتّى ركزها في أطم من آطام اليهود، ثمّ قلع باب حصن من حصونهم تترّس به وقتل فارسهم (مرحب) فكان الفتح على يديه(١) .
إنّ قول رسول الله: (... يُحبُّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار يفتح الله على يديه)، ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تجنح به عاطفة إنّما ينطق عن وحي، فقوله في الرجل الذي سيعطيه الراية ليس من جنس من أخذها ففرّ، إنّما هو (كرّار غير فرّار) لكثرة كرّاته ونكايته في العدوّ، لا يجبن فيفرّ. وهو يحبّ الله ورسوله، والله ورسوله يُحبّانه، إذاً: من كان قبله ليس مثله ولو كان مثله ما فرّ، وفتح الله على يديه! وهذه نبوءة لو لم تتحقّق في هذا الرجل؛ بطل قول رسول الله فيه - حاشا له أن يقول إلّا ما أُوحي إليه -؛ فباتوا ليلتهم وكلّهم يرجونها! فكان الرجل هو عليّعليهالسلام الذي أخذ الراية وراح يُهرول بها وكأنّه ذاهبُ إلى عُرسٍ! وتحقّقت نبوءة رسول الله فيه إذ قطّر فارس اليهود (مرحب) واقتلع باب حصنهم وما زال يقاتلهم حتّى فتح الله على يديه.
ومن حبّ عليّعليهالسلام لله ورسوله: أنّه كلّه إسلام، فهو تسليم مطلق لله ولرسوله،
____________________
(١) خرجنا مصادره في موضع آخر؛ إلا أنّ المقام اقتضى ذكره هنا.
ليس في حياته ثمّة خروج، وطاعته لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاته نفسها في حياته؛ فكان من جملة تلك الطاعة: امتثاله وصيّته بالصبر، ولم يجرّد حسامه ذا الفَقار، وإلّا فليس في القوم كما قلنا عمرو بن عبد وُدٍّ، ولا مرحب، ولا فرسان بدر وأُحُد وغيرها.
إبن هند على سرِّ أسلافه
وابن هند هو معاوية، وهند أمّه يُنسَب ويُنسِب نفسه إليها في كلّ مقام فيه وعد ووعيد أو تفاخر! فيقول: وأنا ابنُ هِند.
هند: هي هِندُ بنت عُتْبَةَ بن رَبيعةَ بن عبد شمس. وتَرَها عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام في أبيها: عُتبة بن ربيعة؛ جدّ معاوية لأمّه، شركه في قتله حمزة بن عبد المطّلبعليهالسلام ، قتلاه يوم بدر(١) . فوَتَرا بذلك معاوية.
ووتَر أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بمشاركة عمّه حمزة أيضا هند بنت عتبة بن ربيعة، بعمّها شيبة بن ربيعة بن عبد شمس؛ فوترا بذلك معاوية، وذلك يوم بدر أيضا(٢) .
وانفرد أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بقتل أخيها، خال معاوية: الوليد بن عتبة، يوم بدر أيضاً(٣).
هؤلاء من هم ذوو رحم ماسّة بـ (هند)، فمِن ثَمَّ بـ (معاوية) وأفردنا عنهم حنظلة بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة، قتله أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يوم بدر(٤) . ولم نعدّه فيمن وتر به معاوية! فضلا عن هند! لـما ستعلمه من مقصود بحثنا، وإن وتَر به عليّعليهالسلام آل
____________________
(١) النسب، لابن سلام: ٢٠٤، تاريخ الطبري ٢: ١٤٨، الثقات، لابن حبّان ١: ٦٥.
(٢) طبقات ٢: ١٧.
(٣) السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٣٦٦، المغازي، للواقدي ١: ١٤٨، طبقات ابن سعد ٢: ١٧، المحبّر: ١٧٥، أنساب الأشراف ١: ٣٥٦، النسب، لابن سلام: ٢٠٢، تاريخ الطبري ٢: ١٤٨، كتاب الثقات ١: ٦٥، الإرشاد: ٦٠.
(٤) المغازي، للواقدي ١: ١٤٧، المحبر، لابن حبيب: ١٧٦، أنساب الاشراف ١: ٣٥٥؛ الإرشاد، للمفيد: ٦٣.
أبي سفيان. فأمّ حنظلة بن أبي سفيان: ريحانة بنت أبي العاص بن أميّة(١) ؛ وأمّا معاوية، وعتبة؛ فأمّهما هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس(٢) ، لا خلاف في ذلك ولكن الخلاف في أبيهما!
ومن ولد أبي سفيان: عنبسة ومحمّد؛ أمّهما: عاتكة بنت أبي أزيهر وكان معاوية ولّى عنبسة الطائف، ثمّ نزعه وولاّها عتبة، فدخل عليه فقال: أما والله ما نزعتني من عضف ولا خيانة قال معاوية: إنّ عتبة ابن هند، فولّى عنبسة وهو يقول:
كُنّا لِحَربٍ صالحاً ذاتُ بَيْننا |
جميعاً فأضْحَتْ فَرَّقَتْ بيننا هِنْدُ |
إنّ قول معاوية: إنّ عتبة ابن هند، له دلالة: أقلّ ما يقال فيه انتفاؤه من أبي سفيان وصريح انتسابه إلى هند، هو وأخوه عتبة! أمّا أبوهما، فموضع شُبهة!
وتزوّجت هند بنت عتبة بن ربيعة: الفاكِه بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، قُتل عنها بالغميصاء؛ ثمّ حفص بن المغيرة مات؛ ثم أبا سفيان، صخر بن حرب(٣) .
وهند، وإن انتهى المطاف بها إلى أحضان أبي سفيان، إلّا أنّ الألسن والأقلام ظلّت تلاحق هندا وتقذفها بالزنا وتروّج إلى أنّ معاوية وأخاه عتبة ابنا هند ليسا لأبي سفيان!
فإنّ معاوية يُعزى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد، وإلى العبّاس بن عبد المطّلب، وإلى الصُّبّاح مُغنٍّ أسود كان لعُمارة. قالوا: كان أبو سفيان دميماً قصيراً فدعت هندٌ الصُّبّاحَ إلى نفسها. وقالوا: إنّ عتبة من الصبّاح أيضا، وإنّها كرهت تضعه في منزلها، فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك. وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت:
____________________
(١) جمهرة النسب، لابن الكبي: ٣٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤٩ - ٥٠.
(٣) المحبّر، لابن حبيب: ٤٣٧.
لمن الصبيُّ بجانب البَسط |
حساء مُلقىً غيَر ذي سُهدِ(١) |
|
نَجَلت به بيضاءُ آنِسةٌ |
من عبد شمس صَلْتَهُ الَخدِّ(٢) ،(٣) |
وكان بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبيد الله كلام بين يدي معاوية فقال يزيد: يا إسحاق، إنّ خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة! فقال إسحاق: وأنت خير لك أن يدخل بنو العبّاس كلّهم الجنّة! فأنكر يزيد ولم يدر ما عناه، فلمّا قام إسحاق قال معاوية: أتدري ما عناه إسحاق؟ قال يزيد: لا. قال: فكيف تشاتم رجلا قبل أن تعلم ما يقال لك وفيك؟ إنّه عنى ما زعم الناس أنّ أبا العبّاس أبي. وكانت هند اتّهمت به وبغيره، ولذلك لـمّا جاءت إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تبايعه، فتلا:( يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ ) (٤) . فلمّا بلغ قوله:
____________________
(١) في ديوان حسّان: (في التّرب ملقى غير ذي مهد).
(٢) نجلت به: ولدته. صلته الخدّ: خدّها بارز ناعم.
(٣) ربيع الأبرار للزمخشريّ ٣: ٥٥١. وفي ديوان حسّان زيادة:
تسعى إلى الصُّبّاح معولةً |
يا هندُ إنّك صُلبةُ الَحردِ |
|
غلبتْ على شبه الغلام وقد |
بانَ السوادُ لحالِك جَعْدِ |
الحالك: الشعر الأسود. الجعد: المجعّد، وهي صفة شعر العبيد السود وقال لها أيضاً:
لمن سواقطُ صبيان مُنبَّذَةٍ |
باتت تَفَحَّص في بطحاء أجيادِ |
|
باتت تمخَّضُ ما كانت قوابلُها |
إلّا الوحوش وإلّا جنّة الوادي! |
|
فيهم صبيٌّ له أمٌّ لها نسبٌ |
في ذروة من ذُرى الأحساب أيّادِ |
|
تقول وَهْناً وقد جدّ المخاض بها: |
يا ليتني كنت أرعى الشَّول للغادي! |
|
قد غادَروه لحرّ الوجه منعفراً |
وخالُها وأبوها سيّد النادي |
ديوان حسان بن ثابت الأنصاريّ: ٩٦ - ٩٧. (مُنبّذة: منبوذة. تفحّص: تتفحّص. أجياد: اسم موضع بمكّة، وهو شعب من شعابها. تمخّض: المرأة تطلق حال الولادة. القوابل: جمع قابلة وهي المرأة التي تشرف على الولادة. الشّّول: النِياق لها بقيّة لبن).
(٤) الممتحنة: ١٢.
( وَلاَ يَزْنِينَ ) قالت هند: وهل تزني الحرّة؟! فنظر النبيّ، إلى عمر وتبسّم!(١)
ولقد جرى كلام بين ابن هند وعبد الرحمن بن خالد فيه إشارة إلى (أجياد):
فقد ذكرنا قبل ُانحراف َوعداءَ خالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ لعليّ أمير المؤمنينعليهالسلام ، وأوضحنا سبب ذلك وهو أنَّ أمير المؤمنين قد وتَر خالداً يومَ بدر في أخيه واثنين من بني عمّه، ويومَ أُحد في اثنين من بني عمّه، مضافاً إلى عدّة من قومه من بني مخزوم، مع تأخّر إسلام خالد إذ فرَّ يوم فتح مكّة لئلّا يرى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمين، وأسلم بعد هو وابن النابغة. وجرَت على يد خالد فتوحات في العراق والشأم ومات بالشأم وكان قد أوصى إلى عمر بن الخطّاب لصلة الرحم، فخالد ابن خال عمر. ودفن في قرية على ميل من حمص، فدثرت تلك القرية! وضاع قبر خالد(٢) .
وكان عبد الرحمن بن خالد قد شهد صفّين مع ابن هند، وكان يلي له الصوائف - أي: الغزو بالصيف - ويبلي ويحسن أثره فعظم شأنه بالشأم ومال الناس إليه فحسده معاوية وخافه، فدسّ إليه متطبِّباً يقال له: ابن أُثال، وجعل له خراج حمص، فسقاه شربةً فمات، فاعترض خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - ويقال خالد بن عبد الرحمن - ابنَ أُثال فقتله، فرُفع ذلك إلى معاوية فحبسه أيّاماً ثمّ أغرمه ديّته ولم يَقِدْه(٣) .
وذكر ابن الأثير أنّ معاوية حين أراد البيعة ليزيد وخطب أهل الشأم أنّه كبرت سنّة وانّه أراد أن يعقد لرجل يكون نظاماً لهم! فما كان منهم إلّا أن أصفقوا لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فشقّ ذلك على معاوية وأسرّها في نفسه. ثمّ مرض عبدالرحمن فدسّ
____________________
(١) محاضرات الأدباء، للراغب الإصفهانيّ ١: ٣٥٣.
(٢) أنساب الأشراف ١٠: ٢٠٨.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٠٩.
معاوية طبيباً هو أثال النصرانيّ فدسّ له السمّ فقتله. فاتّهم المهاجر بن خالد معاوية وقتل أثال(١).
وكان معاوية لـمّا ولّى عبد الرحمن بن خالد الصائفة كتب له عهداً ثمّ قال له: ما أنت صانعٌ بعهدي؟ قال: سأتّخذه إماماً ومثالاً فلا أتجاوزه، فقال: ردّ عليّ عهدي! فقال: أتعزلني ولم تخبرني؟ أما والله لو كنّا ببطن مكّة على السواء ما فعلتَ بي هذا، فقال معاوية: لو كنّا ببطن مكّة لكنت معاوية بي أبي سفيان وكنت عبدالرحمن بن خالد، وكان منزلي بالأبطح وكان منزلك بأجياد أعلاه مَدْرة وأسفله عُذْرة(٢) .
ففي النصّ السابق إشارة من معاوية إلى ما قيل فيه أنّ أمّه (هند) كرهت أن تضعه في منزلها، فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك.
وفي النصوص التي عرضنا لها وجدنا ابن هند، يحسد المخلصين له في رجاله ويغدر بهم فيسمّهم!؛ ولذا صار أمراً طبيعيّاً للغاية أن يخون المشار إليه عهوده ومواثيقه بعد توقّف حرب صفّين، فراح يشنّ الغارات على أطراف توابع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فيقتل وينهب ويسلب على طريقة الخوارج! وبعث البعوث إلى مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإلى مكّة المشرّفة؛ فأرجف قادته بأهلهما وانتهكا حرمتهما، وقبل ذكر الغارات التي لها صلة بموضوعنا دون غيرها، نذكر جُملا أخرى تُدَلّل على انتساب معاوية للفراش (هند).
ابن هِنْد بالدليل القاطع والبرهان الساطع
في تاريخ دمشق: لـمّا ولّى عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاّه من الشام خرج إليه معاوية، فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيتِ ابنكِ صارَ تابعاً لابني! فقالت:
____________________
(١) أسد الغابة ٣: ٤٤٠.
(٢) أنساب الأشراف ١٠: ٢٠٩ - ٢١٠.
إن اضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع ابنَك ممّا يكون فيه ابني(١) .
المستفاد من الخبر: أنّ صاحب الخبر قد نسب يزيد إلى أبي سفيان ولم ينسب معاوية إليه. وأمّا في كلام أبي سفيان وهو يفاخر زوجته هند؛ فقد وجدنا فيه أبا سفيان يقرّ ببنوّة يزيد له، وهو ينتفي من أبوّة معاوية! فيفتخر بابنه على ابن هند. ومقابل ذلك فإنّ هند أكّدت هذا المعنى، فمعاوية الذي هو من صلب آخر، أجدر في مواجهة الشدائد ممّن هو من صلبه!
فكان كما قالت هند! فقد تحدّى ابنها (معاوية) الله تعالى، ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومشاعر المجتمع الإسلاميّ؛ إذ استلحق ابن النابغة زياد، وادّعى أنّه أخوه، وأقام على ذلك الشهود، وتمرّد على وليّ الله عليّعليهالسلام ، فكانت حرب صفّين والتي انتهت بعقد هدنة ومعاهدة بأن يرجع أهل العراق إلى عراقهم وأهل الشأم إلى شأمهم لمدّة سنة لا يحدثون فيها حدثاً، إلّا أنّ ابن هند خان العهد، وراح يشنّ الغارات على أطراف أمير المؤمنين ويفعل فعل الخوارج بشيعة عليّعليهالسلام .
( إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ ) (٢) .
ووصلت غارات ابن هند إلى المدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة وقد أمر قادته أن يهينوا أهل الحرمين ويسمعوهم من الكلام ما يخيفهم، ومن أخاف أهل الحرمين لم تنله رحمة الله.
في هذه الأجواء المظلمة عاش وترعرع ابن ميسون يزيد بعد أن وضعته أمّه في قومها! فلمّا بلغ مبلغ الصبا أخذه ابن هند عنده في دمشق فاشتهر من أوّل شبابه باعتكافه على تعاطي الخمرة والصيد وملاعبة القرود والكلاب...، وهو يرى ابن هند
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٤: ٤٠٣.
(٢) الحجّ: ٣٨.
همّه الأكبر محاربة الوصيّ عليّعليهالسلام وشنّه الغارات منتهكاً حرمة الحرمين الشريفين وتتبّع شيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فانطبع ذلك في نفس ابن ميسون وصار همّه التصدّي إلى إمام الهدى سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهماالسلام ، ومضى على سيرة سلفه في انتهاك الحرمين، وأطلق لأهل الشأم إباحة مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثة أيّام، ففعلوا بها ما لم يفعله المغول، فإنّ وزير آخر بني العبّاس (ابن العلقميّ) لمعرفته بالحال وأن ليس لبغداد جيشاً يطمّ عين الشمس مثل الذي كان للمغول الذي اكتسح الأقاليم العظيمة ودوّخ الممالك وهو ماضٍ قدماً نحو بغداد، وحاكمها أسكرته اللّذة تتحكّم به الجواري وجلّهن من العنصر التركيّ، وكذلك كان قادته ممّن لا تجربة له بحرب وغالباً ما كانوا غلماناً! فبكياسته، استطاع (ابن العلقميّ) أن يقنع الحاكم العبّاسيّ بأن يهادن سلطان المغول ويرسل إليه سِفْطَ جواهر وذهب لأنّه يحبّ هذه الأمور؛ فبرد سلطان المغول وطلب أن يفتحوا له بوّابة بغداد فيدخلها من غير قتال، وكاد العبّاسيّ يقنع بذلك لولا حاشية السوء فدخلها المغول عَنَتاً فكانت الدماء. وطلبوا من المسالمين رفع رايات بيضاء على سطوحهم فسلِموا، وحين دخلوا قصر بني العبّاس، أمر القائد بفرز النساء اللاتي لم يباشرهنّ العبّاسيّ فهل فعل هذا أهل الشأم الأبدال وعصائب حقّ معاوية ويزيد وعبدالملك؟!
أم أنّهم لم يقتلوا في وقعة واحدة سوى سبعمائة من حملة القرآن الذي بيع في أيّام ابن هند، فكان ذلك واحدة من بدعه وهي كثيرة!
وفجر الأبدال بألف بِكرٍ فحملن من غير أزواج، وظلّ عارهم يحول دون زواجهنّ! والأمم التي تبجّل صليب نبيّها وآثار الأنبياء الآخرين، فإنّ منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو على تُرعة من تُرَع الجنّة وفي روضة مباركة لا يجوز رفع الصوت فيها ولا
الجهر بالسوء عندها، إلّا أنّ قادة ابن هند، وبعده ابن ميسون، كانوا يرتقون المنبر الذي شمّ عبقَ النبوّة وكان مدرسة يعلم عليه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين مناسكهم وعباداتهم ويعظهم ويسمعهم صوت الوحي؛ فكان هؤلاء يفحشون ويشتمون أنصار الله ورسوله ويسمّونهم باليهود.
ونذكر من تلك الغارات بعضاً منها وبإيجاز إذ هي تمهيد لغارات يزيد وأفعاله الشنيعة.
غارة ابن الحضرميّ
وهي أوّل غارة، وكانت سنة ثمان وثلاثين. ومن خبرها: بعد صفّين توجّه ابن النابغة إلى مصر، وبها محمّد بن أبي بكر، فتمكّن معاوية بن حديج من قتله، وظهر ابن هند على مصر، فبعث عبد الله بن الحضرميّ إلى البصرة وقاله له: إنّ جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم يودّون أن يأتيهم من يجمعهم وينظم أمرهم وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فتودّد الأزد فهي سِلمُك ودع عنك ربيعة فلن ينحرف عنك سواهم لأنّهم ترابيّة كلّهم(١) .
وكتب إلى عمرو بن العاص في ذلك، فكتب إليه عمرو يؤيّده على ذلك. فلمّا جاء كتاب عمرو سرّح ابن الحضرميّ إلى البصرة، وأوصاه أن ينزل في مضر(٢) ، ويحذر ربيعة ويتودّد إلى الأزد. فسار حتّى نزل في بني تميم، فأتاه العثمانيّة مسلّمين عليه ومعظّمين له مسرورين به.
فخطبهم فقال: إنّ إمامكم إمام الهدى قتله عليّ بن أبي طالب وقاتلتم من قاتله!
____________________
(١) ترابيّة: نسبة إلى عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام الذي كنّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبا تراب، فكانت أحبّ كناه إليه. وكانت ربيعة عصب جيش أمير المؤمنينعليهالسلام يوم الجمل وصفّين والنهروان.
(٢) من المألوف أن يحسد المرء أخاه وابن قومه، فحسدت مضر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والوصيّ عليّعليهالسلام فكان ما كان من الحروب، حتّى ليقال إنّ الحروب التي وقعت أيّام الإمام عليّعليهالسلام : حروب مضريّة ربعيّة!
فجزاكم الله من أهل مصر خيراً!
فقام إليه الضحاك بن قيس بن عبد الله الهلالي فقال: قبح الله ما جئتنا به وما تدعونا إليه. أتيتنا والله بما أتانا به طلحة والزبير، وإنّهما جاءانا وقد بايعنا عليًّا وبايعاه واستقامت أمورنا فحملانا على الفرقة وضرب بعضنا بعضاً، ونحن الآن مجتمعون على هذا الرجل، وقد أقال العثرة وعفا عن المسيء...، والله ليوم من أيّام عليّ مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خير من معاوية وآل معاوية.
واختلفت كلمة الناس بين مؤيّد لدعوة ابن الحضرميّ، وبين معتزل وبين مناهض له مناصر لأميرالمؤمنينعليهالسلام . وكثرت غاشيةُ ابن الحضرميّ وأتباعه، وكان نازلاً في بني تميم(١) ، فكتب زياد، وكان واليا لأميرالمؤمنينعليهالسلام على البصرة يعلمه الخبر. فبعث أمير المؤمنينعليهالسلام أعين بن ضبيعة المجاشعيّ التميميّ إلى البصرة وكتب معه إلى زياد يعلمه أنّه وجّهه إلى قومه ليفرّقهم عن ابن الحضرميّ. فلمّا قدم البصرة اجتمع إليه قومه فوعظهم، ثمّ خرج بجماعة منهم فلقيه جماعة من أصحاب ابن الحضرميّ فناوشوهم ثمّ تحاجزوا. ورجع أعين إلى منزله وتبعه عشرة، فلمّا آوى إلى فراشه قتلوه غيلةً.
فكتب زياد إلى أمير المؤمنينعليهالسلام يعلمه الأمر، فبعث أمير المؤمنين جارية بن قدامة التميميّ في خمسين رجلاً من بني تميم وقيل خمسمائة رجل وبعث معه شريك بن الأعور. فلمّا وصل البصرة قام في الأزد فجزّاهم الخير، وقرأ كتاباً كتبه عليّعليهالسلام إلى أهل البصرة معه يوبّخهم أشدّ التوبيخ ويتوعّدهم بالمسير إليهم إن ألجؤوه إلى ذلك حتّى يُوقع بهم وقعةً تكون وقعة الجمل عندها لَقعةً بِبَعرة(٢) .
____________________
(١) لتميم وقبائل نجد الأخرى قصص! منها تأخّر دخولهم في الإسلام حتّى عام الوفود. وإذ جاؤوا يعرضون إسلامهم فهم يمنّون على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك! ونزل في ذلك تبيان، ومنهم رجال الخوارج.
(٢) لقعة ببعرة: رمي بالبعرة. لاحظ النهاية، لابن الأثير ٤: ٢٦٥ (مادّة: لقع).
فقال صبرة بن شيمان الحدانيّ، وكان قد أجار زياداً، سمعاً وطاعةً، نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم سلم.
وقام أبو صفرة فقال لزياد: والله لو أدركت الجمل ما قاتل قومي عليًّا، وهو يوم بيوم وأمر بأمر، والله إلى الجزاء بالحسنى أسرع منه إلى المكافأة بالسوء، والتوبة مع الحوبة والعفو مع الندم.
فلمّا أصبحوا، سارت الأزد بزياد، وسار جارية بمن قدم معه ومن سارع إليه من تميم، وانضمّ إليه شريك بن الأعور الحارثي، وما هي إلّا ساعة حتّى هزموا ابن الحضرميّ وألجؤوه إلى دار سنبيل السعديّ فحصروهم فيها يومهم، وأحاط جارية بن قدامة الدار بالنار فحرقها، فهلك فيها إبن الحضرميّ في سبعين رجلاً...(١) .
غارة النعمان بن بشير
سنة تسع وثلاثين وجّه معاوية النعمان بن بشير في ألفي رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب، مَسلحةً لعليّعليهالسلام وما مع مالك إلّا مائة رجل؛ فقاتلهم مالك في العصابة التي معه كأشدّ القتال وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، وانهزم أهل الشام وتبعهم مالك، فقتل منهم ثلثة نفر، ومضوا على وجوههم(٢) .
وذكر البلاذريّ أنّ عبد الرحمن بن حوزة الأزديّ قتل مع مالك بن كعب يومئذ(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ١٨٥ - ١٩٦، تاريخ الطبريّ ٤: ٨٤ - ٨٦، تاريخ خليفة: ١٤٨، جمهرة النسب: ٣٠.
(٢) تاريخ الطبريّ ٤: ٨٦ - ١٠٢، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ١٢٨ - ١٥١.
(٣) أنساب الأشراف ٣: ٢٠٥ - ٢٠٧.
غارة سفيان بن عوف الأزديّ
بعد غارة النعمان بن بشير، وجّه معاويةُ سفيان بن عوف بن المغفّل الأزديّ ثمّ الغامديّ، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، ثمّ يمضي حتّى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها. وحذّره أن يأتي الكوفة وقال له: إنّ الغارة تنخب قلوبهم وتكسر حدّهم وتقوّي أنفس أوليائنا ومنّتهم. فشخص سفيان إلى هيت فلم يجد بها أحداً، ثمّ أتى الأنبار وبها مائة رجل مسلحة لعليّعليهالسلام عليهم أشرس بن حسّان البكري؛ فقاتلهم حسّان بمن معه على قلّتهم، ثمّ استشهد في ثلاثين من أصحاب عليّعليهالسلام ، واحتملوا ما في الأنبار من الأموال ونهبوا أهلها ثمّ عادوا إلى الشام. وكان ذلك سنة تسع وثلاثين(١) .
غارة عبد الرحمن بن قباث
بعد غارة سفيان الأزديّ، وجّه معاوية عبدالرحمن بن قباث نحو الجزيرة، وكان كميل بن زياد النخعيّ(٢) وقتها في ناحية قرقيسيا إذ بلغه أنّ قوماً قد أجمعوا على أن يغيروا على هيت ونواحيها، فبينا هو كذلك إذ أتاه كتاب شبيب بن عامر الأزديّ، وكان مقيماً بنصيبين في ستّمائة رجل من أصحاب عليّعليهالسلام ، يُعلمه خبر ابن قباث، وأنّه لا يدري أيريد ناحيته أو ناحية هيت والفرات، فقال كميل: إن كان ابن قباث يريدنا لَنتلقّينّه، وإن كان يريد إخواننا بنصيبين لنعترضنّه...، فخرج في أربعمائة فارس،
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٠١، الفتوح ٤: ٤٨، تاريخ الطبريّ ٤: ١٠٣.
انظر إلى التباين بين مدرستي الإمام عليّعليهالسلام ، وبين مدرسة معاوية؛ فعليّعليهالسلام يمنع من البدء بقتال والإجهاز على جريح وإتّباع مدبر وأخذ شيء من معسكر العدوّ إلّا عدّة الحرب ويمنع من أخذ المال لأنّه لورثته، فكيف ينهب أبرياءٌ، مثل معاوية وجيشه؟!
(٢) من خاصّة أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام . قتله الحجّاج الثقفيّ لذلك. رجال البرقيّ: ٦، رجال ابن داود: ٢٨١، كتاب النسب: ٣١٨، تاريخ خليفة: ٢٢٢، طبقاته: ٢٤٩، الاشتقاق: ٤٠٤ - ٤٠٥، البخاريّ الكبير: ٢٤٣، تاريخ الثقات: ٣٩٨، ثقات ابن حبّان ٣: ٤٦١.
وخلّف رجّالته وهم ستّمائة في هيت. وأتاه الخبر بانحياز ابن قباث من الرقّة نحو رأس العين ومصيره إلى كفرتوثا(١) . فأغذّ كميل السير نحو كفرتوثا، قتلقّاه ابن قباث، ومعن ابن يزيد السلميّ بها في ألفين وأربعمائة فارس، فواقعهما كميل ففضّ جمعهما وغلب عليهما وقتل من أصحابهما بشراً، فأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، وقتل من أصحاب كميل رجلان: عبد الله بن قيس القابسيّ، ومدرك بن بشر الغنويّ...(٢) .
غارة الضحّاك بن قيس
ووجّه معاوية في العام نفسه (سنة تسع وثلاثين) الضحّاك بن قيس الفهريّ، ويكنّى أبا أنيس، في ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وأمره أن يمرّ بأسفل واقِصة فيُغير على من يلقاه ممن كان في طاعة أميرالمؤمنين، وأن يصبح في بلد ويمسي في آخر....
فأقبل الضحّاك إلى القُطْقُطانة، وجعل يأخذ أموال الناس من الأعراب وغيرهم، ويقتل من ظنّ أنّه على طاعة عليّ أو كان يهواه حتّى بلغ الثعلبيّة، وأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم.
وجاء عمر بن عُميس بن مسعود ابن أخ عبد الله بن معسود حاجّاً، ومعه أهله، وكان عمرو بن عميس من خيرة أصحاب عليّعليهالسلام ، فقتله الضحّاك بن قس. وبلغ الخبر أميرالمؤمنين، فجهّز جيشا أربعة آلاف من أهل الكوفة عليهم حجر بن عَدِيّ، فلحقهم ببلاد كلبٍ فكانت بينهم وقعةٌ عند تَدمُر قتل فيها تسعة عشر من أهل الشام، وقتل من أصحاب حجر اثنان(٣) .
____________________
(١) كفرتوثا: قرية كبيرة من أعمال الجزيرة، بينها وبين دارا خمسة فراسخ، وهي بين دارا وراس العين. معجم البلدان ٤: ٤٦٨.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٣١ - ٢٣٣، الفتوح ٤: ٤٨ - ٥٢.
(٣) أنساب الأشراف ٣: ١٩٧ - ١٩٩، تاريخ الطبريّ ٤: ١٠٤، الفتوح ٤: ٣٧ - ٣٨.
وحسبك هذا التفاوت والتباين في المواقف والمبادئ: موقف عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام الذي يحفظ العهود والميثاق، وموقف قادته المقتدين بسنّته: فهم بعد أن يهزموا عدوّهم، يأمروا جندهم أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح؛ وبين مبدأ معاوية الذي يفصح عن بغض متأصل لعليّعليهالسلام ، فيأمر قائد حملته في قتل من يلقاه ممّن كان في طاعة عليّعليهالسلام . فأطاعه الضحّاك في ذلك وهو يوم صفّين أحد ثلاثة: معاوية، وعمرو ابن العاص، والضحّاك؛ ممّن برزوا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فلمّا برز إليهم ورأوه لم يكن عند أحدهم ما يدفع به عن نفسه إلّا سوءته، فيرمي كلّ واحد منهم نفسه على الأرض ويرفع رجله ويبدي سواد سوءته، فإن الضحّاك هذا مضافا إلى قتله من قتل، فقد نهب أموال أناس أعراب وغيرهم لا علاقة لهم بأميرالمؤمنينعليهالسلام ، وإلاّ لقتلهم ومن دناءة نفسه وحقارتها أنّه أغار على الحاجّ فنهب أمتعتهم، ولم يرع لعمرو بن عُميس حرمته وقد جاء حاجّاً ولم يأت منابذاً مقاتلاً، ولا رعى حرمة زوجته، فقتله أمامها، كلّ ذلك يذكّرنا بفعل الخوارج. وأنّ السيرة هذه هي التي مهّدت ليزيد أن ينحَ منحى أبيه في بُغض أهل البيتعليهمالسلام والاتّعاد لحربهم، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن حرب أهل البيت حرب لله تعالى ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولنختم حديثنا عن الغارات التي شنّها معاوية ناقضاً العهود والمواثيق فتربّى يزيد في أحضان هذا الأب الذي جعل الوهّابيّون، من هذه التربية أحد أسباب دفاعهم عن يزيد وجرائمه الفظيعة.
فنذكر غارةً هي لوحدها ناهضة بيزيد ليتجرّأ على الله ورسوله متابعةً لسيرة أبيه، وسلفه الطالح: أبو سفيان قائد الأحزاب وجدّته هند وما صنعت بأسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلبعليهالسلام ، وأعمامه الذين عجّل بهم أبو الحسنين عليّعليهالسلام إلى
النار. الغارة تلك هي غارة بُسْر بن أبي أرطاة، فقد سمع يزيد من أبيه ما كان يلقيه على مسامع الذليل بسر ما جعله أهلا لارتكاب كلّ جناية.
غارة بُسر بن أبي أرطاة:
في سنة أربعين كانت غارة بُسر بن أبي أرطاة، وكان دستور ابن هند فيها كاشفا عن كفره وضلاله وأنّه لا يتورّع عن كلّ حرام؛ فقد أمر بسراً أن يطأكلّ أرض فيها لأميرالمؤمنين شيعة وأتباع، وأن يذبحهم بلا رحمة ولا تمييز بين محارب وغيره! وله أن ينهب ويحرق، وأن يرهب أهل المدينة ويخيفهم ويذلّهم!
(دعا ابن هند بُسر بن أبي أرطاة الفِهريّ أحدّ فراعنة الشام، فعقد له عقدا وضم إليه أربعة آلاف رجل من نخبة أهل الشام، ثمّ قال له: سِرْ إلى اليمن سيرا عنيفا حتى تأخذ بيعة الناس؛ فإنّهم قد خالفوا عليًّا، وانظر أن تجعل طريقك على مكّة والمدينة، فلا تنزلنَّ بلدا أهله في طاعة عليّ إلّا بسطت لسانك عليهم حتى يظنّوا أنّك محيط بهم وأنّه لا نجاة لهم منك، ثمّ اصفح عنهم بعد ذلك وادعُهم إلى البيعة، فمن أبي عليك فاستعمل السيف، واقتل كلّ مَن نابذك حتى تدخل أرض اليمن)(١) .
إنّ ما وقع في هذه الغارة نظير ما جرى في عهد دعيه يزيد! من ذبحٍ عامٍّ ونهب للأموال، كلّ ذلك خارج الحرمين، إلّا أن ابن هند انتهك حرمتهما من خلال أمره مأموره الذليل ببسط لسانه على أهلهما إذ لم يكن في البيت الحرام مقاتل له عائذ بالبيت كما هو شأن ابن الزبير أيّام يزيد، ولا ثائرين مناهضين له في المدينة المنوّرة كما هو في عهد يزيد أيضا! وإنّما ابتداءً أمره أن يجعل طريقه على مكّة والمدينة وأن يبسط لسانه
____________________
(١) الفتوح ٤: ٥٦.
عليهم ترويعاً وتخويفاً حتّى يظنّوا لا نجاة لهم منه، وبعدها يدعهم إلى البيعة، فمن أبي؛ فالسيف هو الحكم. فأيّ بيعة هذه تؤخذ بالتهديد وحدِّ السيف، لتنقل منه وراثة إلى يزيد المتهتّك علنا حتى يخاطبه معاوية تارة: أن لولا هواي فيك لكان لي منك شأن آخر، وأخرى يطلب منه أن يتستّر من الناس وهو يمارس تلك القاذورات!
مضافا إلى ما ذكرناه: فإنّ أهل الحرمين الشريفين خرجوا لاستقبال بُسْر، وأعطوه البيعة، إلّا أنّه قبّحهم وشتمهم وكفّرهم وهدم منازل بعضهم...، منتهكا بذلك حرمة الحرمين من غير قتال منهم له كما ذكرنا.
رواية البلاذري: (يا بُسر، إنّ مصر قد فتحت فعزّ وليّنا وذلّ عدوّنا، فسِرْ على اسم الله، فمر بالمدينة فأخف أهلها وأذعرهم وهَوّل عليهم حتّى يروا أنّك قاتلهم، ثمّ امض إلى صنعاء فإنّ لنا بها شيعة فانصرهم واستعن بهم على عمّال عليّ وأصحابه، واقتل كلّ من كان في طاعة عليّ إذا امتنع من بيعتنا، وخذ ما وجدت لهم من مال)(١) .
فخرج بسر يغذّ السير حتّى قدم المدينة، وعامل عليّعليهالسلام عليها أبو أيّوب الأنصاري، فخرج منها خوفا على نفسه إلى عليّعليهالسلام بالكوفة. ودخل بُسر المدينة وصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد. (فنادى على المنبر: يا دينار ويا نجّار و يا زُريق - سخريةً منه بالأنصار - شيخي شيخي عهدي به بالأمس، فأين هو؟ يعني عثمان ثمّ قال: والله لولا ما عهد إليَّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلّا قتلته! ثم بايع أهل المدينة. وأرسل إلى بني سلمة قال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فانطلق جابر إلى أمّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال لها: ماذا ترين إنّي خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة؟ قالت: أرى أن تبايع، فأتاه جابر فبايعه. وهدم بسر بالمدينة
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢١١ - ٢١٢.
دوراً، ثمّ مضى بسر حتى أتى مكّة فخافه أبو موسى أن يقتله،فقال له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله ذلك! فخلّى عنه)(١) .
قال ابن أعثم: خرج بسر يريد المدينة... فخرج منها أبو أيّوب خوفا على نفسه. وخرج أهل المدينة إلى بسر يستقبلونه خوفا منهم على أنفسهم! فلمّا نظر إليهم صاح بهم وانتهرهم ثم قال: شاهت الوجوه! إنّ الله تعالى ضرب لكم مثلا( قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (٢) فقد وقع بكم هذا المثل وأنتم أهل لذلك...، ثمّ راح يذكر مقتل عثمان ويشتم أهل المدينة ويتوعّدهم: والله لأفعلنّ بكم الأفاعيل، ولأجعلنّكم كالأمم السابقة! يا أشرار الأنصار وحلفاء اليهود! ! ويا أسماء العبيد، إنما أنتم بنو النجّار وبنو دينار، وبنو سالم وبنو زُريق وبنو طَريف وبنو عجْلان، أما والله لأوقعنَّ بكم وقعة تشفي صدور المؤمنين.
ثمّ دخل المدينة، وصعد المنبر وتكلم نظير ذلك حتى خاف أهل المدينة أن يوقع بهم. وأمر بدور قوم من الأنصار فحرقت وهدمت، ثم دعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه. ثمّ أرسل إلى جابر بن عبد الله الأنصاريّ ليأتيه فلم يفعل، فهمّ بقتله حتى أرسلت إليه أمّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وسألته الأمان له، فقال بسر: لا والله لا أومّنه حتّى يبايع معاوية، فبايع جابر معاوية على الكره منه. ثم نادى في الناس فجمعهم ثم
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٠٦ - ١٠٧، مختصر تاريخ دمشق ٥: ١٨٤. وعجب ولا عجب! لا حرمة لمدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند بسر وسيّده معاوية، أمّا أبو موسى فهو صاحب رسول الله وله الأمان! ولم لا؟ أليس الرجل عثمانيّا مخذّلا عن أميرالمؤمنين؟ وأمّا جابر الصحابي الجليل: فأوّل من يسأل عنه بسر ليذلّه ويقسره على البيعة لابن هند!
(٢) النحل: ١١٢.
قال: يا أهل المدينة، إنّي قد صفحت عنكم وما أنتم أهل لذلك! لأنه ما من قوم قتل إمامهم بين أظهرهم فلم يدفعوا عنه بأهل أن يعفى عنهم، وإن نالتكم العقوبة في الدنيا فإني لأرجو أن لا تنالكم رحمة الله في الآخرة. ألا وإني استخلفت عليكم أبا هريرة، فاسمعوا له وأطيعوا وإيّاكم والخلاف، فو الله لئن عدتم لمعصية لأعودنّ عليكم بالهلاك وقطع النسل (١).
في مثل هذا الجوّ المظلم المغرق في الظلم والزندقة ترعرع يزيد وتجذّرت نبتته نبتة السوء، فهو يسمع معاوية يأمر أمراءَ جنده أن يطأوا كلّ أرض فيها لعليّ عليه السلام شيعة وأتباع فيذبحهم بلا رحمة ولا تمييز بين محارب وغيره، وله أن ينهب ويحرق وأن يرهب أهل المدينة ويذلّهم! وهم لم يكونوا ثائرين ناكثين بيعة؛ ومع ذلك فهم أهل حرم رسول الله فقد حرّمصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة كما حرّم الله تعالى بيته، فأراد معاوية أن يبدل سنّة الله تعالى وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسنّته المعادية لله ولرسوله ولأوليائه، فشنّها حربا دامية ما زال أثرها حتى يومنا – صفّين - - وأعقبها بالغارات على ما وصفنا وانتهاكه حرمة الحرمين الشريفين، ثم سنّته التي خلّدته ومَن سار عليها في جهنّم وبئس مثوى المنافقين! ذلك أنّه ألزم نفسه وولاته في الأمصار الإسلاميّة بختم الصلاة بلعن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام!!
وقد علمت أنّ حبّ عليّ عليه السّلام إيمانٌ وبغضه نفاق، على لسان رسول الله والمنافق في النار، كيف إذا ضمّ إليه ما ذكرناه من عظيم جرائمه؟! ولذا الغرابة والعجب يكونان إذا أحبّ يزيد أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يعتدِ عليهم ولم يهتك حرمة الحرمين الشريفين؛ ومن شابَه أباه فما ظلم!
(ثمّ سار من المدينة يريد مكّة وبها يومئذ قثم بن العبّاس، فخرج منها هارباً خوفا
____________________
(١) الفتوح ٤: ٥٦ - ٥٨.
على نفسه، حتّى إذا أشرف بُسر على مكّة خرج إليه أشراف أهلها، فلمّا نظر إليهم انتهرهم وشتمهم ثمّ قال: أمّا والله لولا خلّة واحدة أوصاني بها أمير المؤمنين معاوية! لـما تركت منكم أحداً يمشي على وجه الأرض!)(١) .
لا كلام لنا مع الذليل بسر مبعوث ابن هند بشأن عدوانه على أشراف أهل بيت الله الحرام وقد خرجوا يستقبلونه دفعا لشرّه، فالحرمة واحدة للبيتين إلّا أن نقول: إنَّه في المدينة المنوّرة وجد ذريعة فيما أحدث: من قتل عثمان الذي اشتركت فيه الأمصار والاقاليم الإسلامية الناقمة على سياسة عثمان ولم يشترك من أهل المدينة إلّا نفر، كان طليعتهم عائشة التي سعّرت عليه البلاد والعباد ودعت إلى قتله بقوله: (أُقتلوا نعثلا فإنّه كفر) وتبعها على ذلك من العشرة: عبدالرحمن بن عوف، وطلحة والزبير. وأمّا ابن هند فقد استنجد به عثمان، فما أنجده!
إنّ دستور معاوية إلى بسر في إهانة وترويع أهل الحرمين...، مبارزة لله تعالى. عن أنس بن مالك عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عن الله تبارك وتعالى، قال: (من أهان لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة)(٢) .
____________________
(١) نفس المصدر السابق ٤: ٥٨.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ١٦٨.
ما جاء في منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
إنّ الذي أحدثه طغاة بني أميّة وقادتهم وولاتهم في عدوانهم على سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وآثاره، في كل مفرداتها، والذي فتح الباب لذلك ابن هند، كبيرهم الذي علّمهم هتك حرمة الحرمين كما ذكرنا في مبحث الغارات بعثها لهذه الغاية ولإخافة أهل الحرمين وبثّ الرّعب في قلوبهم! فصار سنّة لمن في قلبه مرض وذوي العاهات والأدعياء يقفو كلٌّ أثر سابقه في طمس سنّة النبي ومحو آثاره التي كانت موضع تتبّع وتبجيل وتبرّك عند المسلمين( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) (١) . وكان من تلك الآثار منبره الذي ماسّ بدنه الطاهر وكان مدرسةً للمسلمين من عليه يُفقّه أمّته. وزيادة على ذلك فهو مستقرٌّ على باب من أبواب الجنّة؛ سُعِد من تبرّك به تبرُّكَ تيمّن وموالاة لصاحبه واستناناً بسُنّته من غير تعطيل، وانتهاجا لكتاب الله تعالى الذي بلغه من غير تأويل، وشقى من استخفّ حرمته، وخالف كتاب الله تعالى وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهتك حرمة الكعبة فحرقها وهدمها؛ فحريّ به أن يحشر مع من أحب، فلا يدخلا الجنة وقد هتكا حرمتها في الدنيا واستخفّا بها؛ فما بقي إلّا النار.
____________________
(١) الزخرف: ٣٦.
علّة صنع المنبر
وإنما كان منبر رسول الله بمثابةصلىاللهعليهوآلهوسلم مدرسة مباركة علّم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين دروسا في مناسكهم وعباداتهم وأحكاما شرعية وأخلاقيّة من على ذلك المنبر الشريف، الذي لو كان لأمّة من الأمم لعملوا له متحفاً يحفظونه ويفتخرون به ويقدّسونه.
بأسانيد كثيرة يعضّد بعضها الآخر وتنتهي بأم سلمة وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي هريرة، وسهل بن سعد الساعديّ، وابن عبّاس، وأُبَيّ بن كعب، وغيرهم.
عن سهل بن سعد الساعديّ وقد سئل عن المنبر من أيّ عود هو؟ فقال: أرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى فلانة، امرأة سمّاها، فقال: (مُرِي غلامَك النجّار يعمل لي أعواداً أُكلّم الناس عليها)، فعمل هذه الثلاث الدرجات من طرفاء الغابة، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فوضعت هذا الموضع، قال سهل: فرأيت رسول الله أوّل يوم جلس عليه كبّر فكبّر الناس خلفه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقهرى فسجد في أصل المنبر، ثمّ عاد حتّى فرغ من صلاته، فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى، فلمّا فرغ أقبل على الناس فقال: (أيّها الناس إنّما صنعت هذا لتأتمّوا بي ولتُعَلِّمُوا صلاتي)(١) .
وعن ابن عباس: أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كان يخطب إلى جذع، فلما اتُّخذ المبنر فتحوّل إليه حنّ الجذع حتّى أتاه فاحتضنه، فقال: (لو لم أحتَضِنْه لحنّ إلى يوم القيامة)(٢) .
وعن أبيّ بن كعب عن أبيه قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلّي إلى جذع إذ كان المسجد عريشاً، فكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٩٤، سنن ابن ماجه ١: ٤٥٥ / ١٤١٦ وفيه: حتى سجد على الأرض.
(٢) سنن ابن ماجة ١: ٤٥٤ / ١٤١٥.
هل لك أن أعمل لك منبراً تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتُسمعهم خطبتك؟ قال: (نعم)، فصنع له ثلاث درجات هنَّ اللاتي على المبنر أعلى المنبر، فلمّا صنع المنبر ووضع في موضعه وأراد رسول الله أن يقوم على المنبر، فمرّ إليه، فخار الجذع حتّى تصدّع وانشقّ، فنزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فمسحه بيده حتى سكن ثمّ رجع إلى المنبر، وكان إذا صلّى صلّى إلى ذلك الجذع، فلمّا هُدم المسجد وغيّر أخذ ذلك الجذع أبيّ ابن كعب فكان عنده في داره حتّى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا(١) .
وعن ابن عباس أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ،كان يخطب إلى جذع، فلمّا اتّخذ المنبر فتحوّل إليه حنّ الجذع حتّى أتاه فاحتضنه، فقال: (لولم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة)(٢) .
فهذا الجذع الذي يبدو لنا أنّه أصمّ لا إحساس له، وهذه علاقته رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلماذا يُلزمنا الوهّابيّون بما ألزموا به أنفسهم من حرمة شدّ الرحال لزيارة النبي الأكرم والتبرك بآثاره وأن نخضع لاعتقادهم أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بات عظاماً وَرْمَةً ومن الشرك تقبيل قبره.
وليس هذا موضع الإفاضة في الآثار الواردة في حياة رسول الله في روضته الطاهرة، وسنعقد بابا لذلك، ولحياة الميّت في قبره، يمسع من يزوره ويعرفه ويأنس به إن كان مؤمنا غير متجاوز على ذات الله تعالى بتجسيم وتبعيض وتشبيه وغير ذلك من صفات النقص، ولا سافكا لدم حرام أو هاتك لحرمة البيتين الشريفين أو مصدرا لفتوى تكفيريّة تسبّب في إزهاق أرواح موالي أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأرواح الأبرياء شيوخا وأطفالاً ونساءً.
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٩٣.
(٢) نفس المصدر السابق. وانظر الحديث في سنن ابن ماجة ١: ٤٥٤ / ١٤١٦، مسند أحمد ١: ٢٤٩، ٢٦٧، سنن الدارمي ١: ١٩، المعجم الكبير، للطبراني ١٢: ١٨٧، البداية والنهاية ٦: ١٤٥، ١٤٧، ١٤٨.
لقد جرت سيرة السلف على التبرّك بمنبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لمماسّته بدنه الطاهر وكفى بذلك قربة. وقد زاده موضعه ومكانه شرفاً وقدسيّة.
بسند عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (منبري هذا على تُرْعةٍ من تُرَع الجنّة)(١) ، قال: والتُرعة الباب.
ومثله عن سهل بن سعد الساعديّ(٢) .
وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (قوائمُ منبري رواتبٌ في الجنّة)(٣) .
ومن طرق عدّة، عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (ما بين بيتي ومنبري وروضةٌ من رياض الجنّة ومنبري على حوضي)(٤) .
وفي لفظ: (ما بين منبري وبيتي روضةٌ من رياض الجنّة)(٥) .
فأيّ بلاغ أفصح في أنّ هذه البقعة لها خصوصيّة لا يمكن أن يتجاوزها إلّا من حلّت به اللعنة وساء مستقرّاً، فإنّ المدينة المنوّرة حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حرّمها كما حرّم الله تعالى مكّة سواء؛ فلا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا تخبط فيها
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٩٤، مسند أحمد ٢: ٣٦٠، مجمع الزوائد ٤: ٩.
(٢) نفس المصدر السابق، والمعجم الكبير، للطبراني ٦: ١٧٤، ٢٣٧. فالتبرّك به، تبرّك بباب الجنّة، والصدُّ عنه صدٌّ عن الجنّة. وفي النهاية لابن الأثير ١: ١٨٧، وقد ذكر الحديث، قال: التُّرعة في الأصل: الروضة على المكان المرتفع، فإذا كانت في المطمئنّ فهي روضة. قال القُتيبي: معناه أنّ الصلاة والذكر في هذا الموضع يؤدّيان إلى الجنّة، فكأنّه قطعة منها.
(٣) نفس المصدر السابق؛ والسنن الكبرى ٥: ٢٤٧، ٢٤٨، مسند أحمد ٦: ٢٨٩، ٢٩٢. فأيّ بقعة مباركة استقرّ عليها منبر سيّد الرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم ! وبأيّ جواز هتك حرمته بنو أميّة ومن اقتدى بهم؟!
(٤) طبقات ابن سعد ١: ١٩٥، صحيح البخاري ٢: ٧٧، ٣: ٢٩، ٨: ١٥١، صحيح مسلم ٩: ١٦٢، سنن الترمذي: ح ٣٩١٥، ٢٩١٦، سنن النسائي ٢: ٥٣، مسند أحمد ٢: ٢٣٦، ٢٧٦، السنن الكبرى، للبيهقي ٥: ٢٤٧، فتح الباري ٤: ٩٩، ١٠٠.
(٥) صحيح مسلم ٩: ١٦١، صحيح البخاري ٢: ٧٧، ٣: ٢٩، فتح الباري ١١: ٤٦٥.
شجرة إلّا لعلف ولا يقتل طيرها... ومن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد ذكرنا أحاديث في ذلك في موضعها. هذا بشأن المدينة المنوّرة، فكيف بك بروضة من رياض الجنّة فيها من أنقذنا من الضّلالة وظلمة الجاهليّة سيّدنا ونبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
ولم يكن الاحتفاء بالمنبر للأسباب التي ذكرناها وحسب؛ وإنّما لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مثلما عرّف ببقعته الطاهرة ومكان منبره الشريف، فإنّه قد غلّظ وشدّد على من حلف يميناً باطلة عند منبره ولو على شيء يسير.
بسند عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لا يحَلِف رجلٌ على يمينٍ آثمةٍ عند هذا المنبر إلّا تبوّأ مقعده من النار ولو على سِواكٍ أخضر)(١) .
فكان بنو أميّة وولاتهم أوّل من انتهك حرمة مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأعملوا السيف في أهلها ثلاثة أيّام وقد أباح أمير الوهّابيّين لهم كلّ شيء، فأوغل جيش الشام قتلاً ونهباً وزناً حتّى حبلت ألف امرأة بكر، وقُتل من قُتل من الصحابة والتابعين وحملة القرآن، وكان أميرهم قد ارتقى منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأكل التمر ويطرح النوى في وجوه الأسرى من أهل المدينة استخفافاً منه بحرمة صاحب المنبر ويقول: شاهت الوجوه.
وقد خلت سيرة السلف على التبرّك بالمنبر. عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت ناسا من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا خلا المسجد أخذوا برمّانة المنبر الصلعاء التي تلي القبر بميامنهم ثمّ استقبلوا القبلة يدعون(٢) .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٩٥، مسند أحمد ٣: ٣٤٤، سنن ابن ماجة ٢: ٧٧٩، السنن الكبرى ١٠: ١٧٦، حيلة الأولياء ٧: ٢٤٨.
(٢) طبقات ابن سعد ٢: ١٩٦.
وعن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبد القاريّ أنّه نظر إلى ابن عمر وضع يده على مقعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من المنبر ثمّ وضعها على وجهه(١) .
القول في معنى حديث الروضة
ذكر النووي في شرحه: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة)، ذكروا في معناه قولين أحدهما أنّ ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنّة؛ والثاني أنّ العبادة فيه تؤدّي إلى الجنّة. قال الطبري في المراد ببيتي هنا قولان: أحدهما القبر، والثاني المراد بيت سكناه على ظاهره، وروى (ما بين حُجرتي ومنبري). قال الطبري: والقولان متّفقان، لأنّ قبره في حجرته وهي بيته.
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ومنبري على حوضي)، قال القاضي: قال أكثر العلماء: المراد منبره الذي كان في الدنيا. قال: وهذا هو الأظهر. قال: وقيل: إنّ له هناك منبراً على حوضه، وقيل: معناه أنّ قصد منبره والحضور عنده، لملازمة الأعمال الصالحة، يُورِد صاحبَه الحوض ويقتضي شربه منه، والله أعلم(٢) .
فترى العلماء يستشرفون هذه المعاني الجليلة الرائعة: فإنّ الموضع الذي بين بيته ومنبره بقعة من بقاع الجنّة على نحو اليقين، ولذا فهو ينقل إلى الجنّة، وثاني معانيه أنّ له من القدسيّة والمنزلة في أنّ العبادة فيه تؤدّي إلى الجنّة؛ وأيّاً من المعنيين فإنّ البقعة هذه لها حرمة لا ينتهكها إلّا شقيّ حليف للشيطان، وقد فعلها بنو أميّة وخلفهم الوهّابيّون.
وإنّ قدسيّة هذه البقعة المباركة تستمدّ قدسيّتها من اتّصالها بقبره الشريف، لأنّ قبره في حجرته وهي بيته كما بيّن الطبريّ. وأيضاً من اتّصالها بمنبره الميمون الذي كان
____________________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) حاشية صحيح مسلم، شرح النووي ٩: ١٦١ - ١٦٢.
يعلّم الناس من عليه عباداتهم كما مرّ بنا، فصار المنبر وملازمته، ملازمةً للأعمال الصالحة، ولـمّا كان المنبر على حوض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ الأعمال الصالحة عنده سبب لورود الحوض والنهل منه.
اقتربنا كثيراً من حديث شدّ الرحال الذي تمسّك به ابن تيميّة، وتلقّاه الوهّابيّون حجّة بينهم وبين ربّهم الذي يزعمونه! نعم فلهم كما ألمعنا ربّ غيرُ ربّنا سبحانه؛ فربّهم قد خلق آدمعليهالسلام على صورته، وله وجه بعين باصرة وفم يضحك حتّى تبدو نواجذه، وله يد ورجل يضعها في جهنّم فيملأ فراغها فتسكت ولا تقول بعد: هل من مزيد؟ وينطق بحرف وصوت وهو بذاته على عرشه قد ملأه، ويتحرّك وينزل إلى سماء الدنيا ويصعد إلى السابعة...، وأنّ لا خلود في جهنّم! ويمنعون من التوسّل بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الله تعالى في قضاء الحوائج، ويحرّمون شدّ الرحال لزيارتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويحكمون بالشرك على من قبّل الضريح المقدّس أو توسّل بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقدّمه بين يدي حاجته إلى الله تعالى، ويرفعون أصواتهم المنكرة بالبذاءة من القول في شأن ضيوف الرحمن الذين يرون من الجَفْوة أن يحجّوا ولا يتبرّكوا بزيارة نبيّهم، وإنّما يرون أنّ من تمام الحجّ الزيارة، ويعتقدون أنّ النبيّ حيٌّ يسمعهم ويجيبهم إذا سلّموا عليه ويدعو لهم ويشفع لهم فيغفر الله لهم ويرفع درجتهم في الجنّة.
إنّ رفع هؤلاء الأعراب أصواتهم عند حجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبكلمات مخالفة للشرع، إساءة لصاحب المقام الكريم، متابعةً منهم لأسلافهم الأوائل من أعراب نجد الذين أنزل الله تعالى فيهم ما لم ينزله من الذمّ في قوم آخرين إلّا اليهود، فلقد تأخّر إسلام قبائل نجد إلى العام التاسع من هجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ففي السنة الثامنة تمّ تحرير البيت الحرام، ودخل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مكّة، وأذعنت قريش فأظهرت الإسلام،
فضربت القبائل من كلّ صوب نحو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بوفودها معلنةً الإسلام، ومن أجله سمّي ذلك العام بعام (الوفود).
وأمّا نجد، فإنّ البعض من قبائلها تأخّر إسلامها إلى العام التاسع، فيما لم يدخل بعضهم الإسلام إلّا في السنة العاشرة. وهم خلال السنوات السابقة لم يكونوا موادعين للمسلمين، فغزاهم رسول الله غير مرّة.
ما نزل فيهم من القرآن
ولم تكن قبائل نجد من الأدب وهي تظهر إسلامها، فأنزل الله تعالى في ذلك بياناً. ولا نريد أن نفيض في سلوك تلك القبائل النجديّة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو أمر يطول وصفه، ولكن نذكر الآيات القرآنيّة التي نزلت في أعراب نجد، فهي أجدر أن تخبرك حقيقتهم التي ورثها أحفادهم، وأضاف إليها ناصبيّ عصره ابن تيميّة ما جعلهم وبالاً على أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم !
نزل فيهم قوله تعالى:( الْأَعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ إلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَاأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) (١) .
وقوله تعالى:( يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (٢) .
عن مجاهد (أسلمنا)، قال: استسلمنا مخافة القتل والسبي(٣) .
____________________
(١) التوبة: ٩٧.
(٢) الحجرات: ١٧.
(٣) الدرّ المنثور ٧: ٥٨٢.
وقوله تعالى:( إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) (١) . نزلت في وفد تميم، قبيلة محمّد بن عبد الوهّاب التميميّ النجديّ؛ ذلك أنّهم دخلوا المسجد ونادوا رسول الله من وراء حجراته: أن أخرج إلينا يا محمّد، فآذى ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: يا محمّد! جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا؛ قال: قد أذنت لخطيبكم...، وبعد أن قام خطيبهم فراح يعدّد مفاخر قومه وأنّهم أعزّ أهل المشرق وأولي فضلهم لكثرة عددهم وعدّتهم، ومتحدّياً من يعدّد مثل ما لهم! فقام إليه خطيب رسول الله فأجابه فقطعه. ثمّ قام شاعرهم فافتخر بقومه كلّ فخر، فقام حسّان بن ثابت فأجابه؛ (فقال الأقرع بن حابس التميمي: وأبي، إنّ هذا الرجل لمؤتّى له(٢) ، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلمّا فرغ القوم أسلموا)(٣) إنّ القوم لم يأتوا مسلمين، وإنّما أتوا مفاخرين بآثار الجاهليّة. فبعد إساءتهم للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمناداته وصياحهم من وراء حجراته وباسمه المجرّى من غير رسول أو نبيّ، وهو أمر نهى الله تعالى عنه وفعله أولئك وورثه عنهم أحفادهم الوهّابيّون منذ مائتي سنة تقريباً وحتّى الآن. قال تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنّ الّذِينَ يَغُضّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتّقْوَى لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن
____________________
(١) الحجرات: ٤.
(٢) لموتى له: لموفّق له.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ٢١٢.
وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١) .
وذكروا في سبب نزول قوله تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ ) :
عن نافع بن عمر، عن ابن أبي ملكية، قال: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكر، وعمر، رفعا أصواتهما حين قدم عليه ركب بني تميم، في العام التاسع، ويدعى عام الوفود، فأشار أحدهما بالاقرع بن حابس، وأشار الآخر برجل، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلّا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنزلت الآية:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ ) الآية(٢) .
عامر بن الطُّفيل يأتمر بقتل رسول الله
وممّن قدم على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قبائل نجد: وفد عامر ينتهي نسبهم إلى تميم.
وكان في الوفد: عامر بن الطّفيل، وأربد بن قيس، وجبّار بن سلمي؛ قال ابن إسحاق: (وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر بن الطفيل عدوّ الله، على رسول الله وهو يريد الغدر به...، وقال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإنّي سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعْلُه بالسيف، فلمّا قدموا على رسول الله قال عامر: يا محمّد، خالني(٣) . قال: (لا والله حتّى تؤمن بالله وحده). وجعل يكلّمه وينتظر
____________________
(١) الحجرات: ٢ - ٥.
(٢) صحيح البخاري ٦: ٤٦، ٨: ١٤٥، مسند أحمد ٢: ٦، سنن الترمذي ٥: ٦٣ / ٣٣١٩، سنن النسائي ٨: ٢٢٦، تفسير الطبري، ح ٣١٦٧٣، أسباب النزول، للواحدي: ١٥٢، سنن أبي يعلى: ٦٨١٦، أحكام القرآن، لابن العربي ٤: ١٠٨، معالم التنزيل، للبغوي: ١٩٩٠.
(٣) خالني: أي تفرّد لي خالياً حتّى أتحدّث معك.
من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئاً. ولـمّا أبى عليه رسول الله قال: والله لأملأنّها عليك خيلاً ورجالاً، فلمّا ولّى قال رسول الله: أللّهم اكفني عامر بن الطفيل. فلمّا خرجوا من عند رسول الله، قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنت أمرتك به؟... قال: لا أبا لك! لا تعجلْ عليَّ، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلّا دخلت بيني وبين الرجل حتّى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟... حتّى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله...، ثمّ خرج أصحابه حين وارَوه، فلمّا قدِموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء والله، لقد دعانا إلى عبادة شيء لودِدتُ أنّه عندي الآن فأرميه بالنَّبل حتّى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرقتهما)(١) .
عن عبد الله بن عبّاس، وقد ذكر أربد وما قتله الله به فقال:( وَيُرْسِلُ الصّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) (٢) .(٣)
نجد أرض النبوّات الكاذبة
وكما تأخّر إسلام قبائل نجد، وكان منها الذي كان وهي تظهر إسلامها، من سوء أدب وائتمار في قتل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ نجد هي أرض النبوّة الكاذبة؛ فقد تنبّأ طلحة ابن خويلد وشكّل خطراً على الإسلام، إذ تبعته قبائل نجد.
ومنها كان: مسيلمة الكذّاب الحنفيّ التميميّ النجديّ، الذي ادّعى النبوّة، فاتّبعته تميم.
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) الرعد: ١٣.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ٢١٥.
وتنبّأت سجاح التميميّة فاتّبعتها قبائل نجديّة وشكّلت خطراً على مسيلمة فدعاها للتفاوض وضرب لها قُبّة عطّرها...، فأقامت عنده ثلاثاً ثمّ انصرفت إلى قومها تعلمهم أنّها تزوّجته وأنّها ضمّت نبوّتها إلى نبوّته!(١)
الشيخ النجديّ
بعد هجرة المسلمين إلى المدينة بدأت مخاوف قريش من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تزداد، فاجتمعوا للتشاور في أمر النبيّ، إذ اعترضهم إبليس في هيئة شيخ من أهل نجد، فوقف على باب الدار، فلمّا رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتّعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأياً ونصحاً، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم. وبعد التشاور، تعدّدت آراؤهم في طريقة التخلّص من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هذا والشيخ النجدي يردّها، حتّى أدلى أبو لهب برأيه وهو أن يحمل شابّ من كلّ قبيلة سيفاً فيضربوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ضربةً واحدةً فيضيع دمه بين القبائل؛ فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، واتّفقوا على ذلك.
قال السهيلي: وإنّما قال لهم إنّي من أهل نجد لأنّهم قالوا: لا يدخل معكم أحد من أهل تهامة لأنّ هواهم مع محمّد، فلذلك تمثّل لهم في صورة شيخ نجدي. وقد ذكر في خبر بنيان الكعبة أنّه تمثّل في صورة شيخ نجدي أيضاً حين حكموا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في أمر الركن من يرفعه، فصاح الشيخ النجدي: يا معشر قريش! أقد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم؟ فلمعنى آخر تمثّل نجديّاً؛ وذلك أنّ نجداً يطلع منها قرن الشيطان، كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حين قيل له: وفي نجدنا يا رسول؟ قال: (هنالك الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان) فلم يبارك عليها كما بارك على
____________________
(١) تاريخ الطبريّ ٢: ٤٩٩.
اليمن والشّام وغيرها(١) .
وفي سنن الترمذي وفي سنن الترمذي عن ابن عمر: (أللّهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا، فقال: أللّهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا. قالوا: وفي نجدنا، قال: هنالك الزلازل والفتن وبها، أو منها يخرج قرن الشيطان)(٢) .
وذكره العيني وقال: أخرجه البخاري في الفتن. وقال في شرحه: في شامنا ويمننا أي الإقليمين المشهورين، ويحتمل أن يراد بهما البلاد التي في يمننا ويسارنا أعمّ منهما، يقال: نظرت يمنة وشامة أي: يميناً ويساراً؛ ونجد هو خلاف الغور، والغور هو تهامة، وكلّ ما ارتفع عن تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. وإنّما ترك الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشرّ الذي هو موضوع في جهتهم، لاستيلاء الشيطان بالفتن عليها. قوله: (وبها) أي: بنجد. (يطلع قرن الشيطان): أي أمّته وحزبه(٣) .
وعن ابن عمر قال: (خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من بيت عائشة فقال: إنّ الكفر هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان(٤) .
نجد أصل الخوارج
ولقد وجدنا جلّ رجال الخوارج وقادتهم من أرض نجد، وأغلبهم من تميم، نذكر بعضهم موجزاً:
- ذو الخويصرة التميميّ النجديّ، وهو الخارجيّ الأوّل، خرج على رسول
____________________
(١) هامش السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ١٢٤.
(٢) مسند أحمد ٢: ٢٦٦ / ٥٩٥١.
(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، محمّد بن أحمد العيني ٧: ٥٨ / ٦٤.
(٤) مسند أحمد بن حنبل ٢: ١٠٥ / ٤٧٨٨.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ومن قصّته حينما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعطي الناس من أموال حنين، جاء ذو الخويصرة التميميّ فقال: يا محمّد! قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أجل، فكيف رأيت؟) فقال: لم أرك عدلت؛ فغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ قال: (ويحك! إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟) فقال عمر: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فقال: (لا، دعه، فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السّهم من الرّميّة، ينظر في النّصل، فلا يوجد شيء، ثمّ في القدح، فلا يوجد شيء، ثمّ في الفوق، فلا يوجد شيء، سَبقَ الفَرْثَ والدَّمَ)(١) .
وعن أبي سعيد الخدري: بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقسم قسماً، إذ جاءه ذو الخويصرة التميميّ، وهو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج، فقال: إعدلْ...؛ وذكر قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ قال أبو سعيد: أشهد لسمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأشهد أنّي كنت مع عليّ بن أبي طالبعليهالسلام حين قاتلهم، فالتُمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) .
وذكر ابن أبي الحديد، قال: وفي بعض الصحاح أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأبي بكر وقد غاب الرجل عن عينه، (قم إلى هذا فاقتله)، فقام ثمّ عاد وقال: وجدته يصلّي، فقال لعمر مثل ذلك، فعاد وقال: وجدته يصلّي، فقال لعليّ مثل ذلك، فعاد وقال: (لم أجده)، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لو قتل هذا لكان أوّل فتنة وآخرها، أما إنّه سيخرج من
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ١٣٩. (يتعمّقون في الدين) اي يتتبّعون أقصاه. و (النصل): حديد السهم. و (القدح): السّهم. و (الفوق) طرف السّهم الذي يباشر الوتر. و (الفرث): ما يوجد في الكرش. والمعنى: إنّهم ليس لهم من الدين شيء كالسهم يخترق البدن ويخرج بسرعة من غير أن يعلق به أثر من دم وغيره.
(٢) أسد الغابة ٢: ١٧٢.
ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين...)(١) .
ومثله في الكامل إلّا قوله: (لو قتل هذا ما اختلف اثنان في دين الله)(٢) .
وعن سيماء الخوارج، قال: وذكر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لـما وصفهم: (سيماهم التحليق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، علامتهم رجل مخدج اليد)(٣) .
ومخدج اليد: اي ناقصها، وكذلك كانت يده قصيرة كأنّها ثدي المرأة. التحليق: أي حلق شعر الرأس. والأحاديث كثيرة في انبعاث حركات الضلال من هذه الديار وأنّ علامتهم التسبيد أو التحليق، فكان كما أخبرصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقد أخبرت الأحاديث بخروج الدجّال من هذه الأرض(٤) .
(وقد أمدّ عمر المسلمين بحرقوص في قتال الهرمزان، وبقي حرقوص إلى أيّام عليّ، وكان مع الخوارج لـمّا قاتلهم عليّ، فقتل يومئذ)(٥) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام بعد أن فرغ من أمر أهل النهروان: (اطلبوا المخدّج)، فطلبوه فلم يجدوه حتّى ساء ذلك عليًّا حتّى قال رجل: لا والله يا أميرالمؤمنين، ما هو فيهم، فقالعليهالسلام : (والله ما كذبت ولا كذّبت) وجاء رجل فقال: قد أصبناه يا أميرالمؤمنين، فخرّ عليعليهالسلام ساجداً، وكان إذا أتاه ما يسرّه من الفتوح سجد وقال: (لو أعلم شيئاً أفضل منه لفعلته)، ثمّ قال: (سيماه يَدُه، إنّ يَده كالثدي عليها شعرات كشارب السنور، ائتوني بيده المخدجة) فأتوه بها فنصبها(٦) .
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٦٧.
(٢) الكامل في الأدب، للمبرّد: ٥٠٧.
(٣) نفس المصدر السابق: ٥٢٤.
(٤) انظر سنن ابن ماجة ١: ٦٢.
(٥) أسد الغابة ١: ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٦) الكامل، للمبرد: ٥٢٥، البداية والنهاية ٧: ٢٩١.
- وقَطَام بنت شِجْنة التميميّة، التي اشتراطت على عبدالرحمن بن ملجم حين خطبها، فيما اشترطت: قتل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام. وكان أبوها (شجنة) وأخوها (الأخضر) قد قتلا يوم النهروان.
- وعبدالرحمن بن ملجم المرادي ثمّ التميميّ - لعنه الله - المباشر لتنفيذ المؤامرة الدنيئة في قتل أمير المؤمنينعليهالسلام ، غيلةً وهو يصلّي.
- ووَرْدان بن مجالد بن عُلَّفَة بن الفَرِيش بن نُشْبَة التميميّ، ابن عمّ قَطَام. كان وَرْدان فيمن جلس مع ابن ملجم لقتل الإمامعليهالسلام .
- وشبيب بن بجرة الأشجعيّ ثمّ التميميّ. أحد الثلاثة المشتركين بمباشرة تنفيذ جريمة اغتيال أمير المؤمنينعليهالسلام .
- وشِجْنة بن عدي بن عامر بن عوف التميميّ، والد قطام - كما ذكرنا - قتل يوم النهروان مع الخوارج.
- والأخضر بن شِجْنة بن عَدِيّ التميميّ، أخو قطام. قتل يوم النهروان.
- وعبدالله بن الكوّاء التميميّ. كان فيمن اعترض على أمير المؤمنينعليهالسلام يوم اختيار الحكمين بصفّين، حينما اختار أمير المؤمنينعليهالسلام عبد الله بن عبّاس حكماً، فأصرّ ابن الكوّاء وجماعته على أن يكون الحكم هو أبو موسى الأشعري. وقد بايع الخوارج ابن الكوّاء ثمّ بايعوا عبد بن وهب الراسبي.
- وعبد الله بن وهب الراسبيّ التميميّ. بايعه الخوارج بعد خروجهم واجتماعهم بحروراء. وقد قتله أمير المؤمنينعليهالسلام يوم النهروان.
- والعَيْزار بن الأخنس التميميّ. من بني سدوس ثمّ من بني تميم. قتله أمير المؤمنين يوم النهروان.
- وعُروة بن حُدَيْر التميميّ. من بني حنظلة بن زيد مَناة بن تميم.
- ومسيلمة الكذّاب الحنفيّ التميميّ الذي ادّعى النبوّة فاتّبعته تميم وقبائل نجديّة أخرى، مضى خبره.
- وسجاح التميميّة النجديّة. مضى خبرها.
- ومسعر بن فدكيّ التميميّ. من قادة الخوارج، وهو الذي تقدّم إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، في جماعة من القرّاء الذين صاروا من بعد خوارج، فقال له مسعر: يا عليّ! أجب القوم إلى كتاب الله، وإلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفّان.
- وأبو بلال مرداس بن حُدَيْر التميميّ. من زعماء الخوارج وشعرائهم. شهد النهروان ونجا فيمن نجا، وقتل زمن عبيد الله بن زياد.
- وسعيد بن قفل التميميّ. خرج في رجب سنة ثمان وثلاثين، وكان معه مائتا رجل، فكتب أمير المؤمنين إلى عامله على المدائن، فخرج إلى ابن قفل وأصحابه فواقعهم فقتلهم.
- وهلال بن علقمة، وأخوه مجالد بن علقمة، من تيم الرّباب ثمّ من تميم. خرجا على أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقتلا وذلك سنة ثمان وثلاثين.
- وأبو مريم السعدي، ثمّ التميمي، من سعد مناة بن تميم. خرج بعد وقعة النهروان في مائتين جلّهم من الموالي فأقام بشهرزور أشهراً يحضّ على قتال أميرالمؤمنين، فصار في أربعمائة من الموالي والعجم، ليس فيهم إلّا خمسة من بني سعد، وأبو مريم سادسهم.
- والمستورد بن سعد التميمي. كان فيمن شهد يوم النُّخَيلة ونجا من سيف أمير المؤمنين عليه السلام. ثمّ خرج على المغيرة بن شعبة، وهو والي الكوفة لمعاوية، فخرج إليه
معقل بن قيس الرياحي، فقتل كلّ واحد منهما صاحبه.
- وسهم بن غالب التميمي. وهو أوّل خارجيّ بعد النَّهْر، خرج في ولاية عبد الله ابن عامر ثمّ هرب إلى الأهواز حين قدم زياد البصرة.
وشبث بن ربعي، أبو عبد القدّوس اليربوعي التميمي. شخصيّة متقلّبة الأهواء، جاهليّ ثمّ أسلم، وارتدّ فكان مؤذّن سجاح التميميّة، ثمّ تاب وكان مع أمير المؤمنينعليهالسلام ، ثمّ صار مع الخوارج، وأعلن التوبة، ثمّ كان فيمن قاتل الحسينعليهالسلام .
- والبلجَاء التميميّة. من مجتهدي الخوارج. أخذها عبيد الله بن زياد فقتلها شرَّ قتْلةٍ: قطع يديها ورجليها ورمى بها بالأسواق.
- وأبو الوازع الراسبيّ التميمي. كان من مجتهدي الخوارج.
- ونافع بن الأزرق الحنفيّ التميميّ. وإليه تنسب فرقة الخوارج الأزارقة.
وآراء نافع هي آراء المحكّمة الأولى التي خرجت على أمير المؤمنينعليهالسلام ، مع توغّل في التطرّف. وقد مهّد خروج نافع لأن يُفصح كلّ طرف من الخوارج عن مكنونه.
ومن هنا تبلورت ظاهرة التعدّد في فرق الخوارج.
- وعبيد الله بن بشير بن الماحوز التميميّ. قام بأمر الخوارج يومَ دُولاب، بعد مقتل نافع بن الأزرق فيها.
- والزّبير بن عليّ السليطي التميمي، من رهط ابن الماحوز التميمي. كان على مقدّمة ابن الماحوز، وكان ابن الماحوز يخاطب بالخلافة، ويخاطب الزبير بالإمارة. قتل الزبير بن علي وعبيد الله بن بشير في حرب المهلّب لهم.
- وأبو نعامة، قَطَري بن الفُجاءَة المازني التميمي. خرج زمن مصعب بن الزبير وذلك سنة ستّ وستّين، فبقي قطري عشرين سنة يقاتل ويسلّم عليه بالخلافة، وكان
الحجّاج بن يوسف الثقفيّ يسيّر إليه جيشاً بعد جيش، وكان آخرهم: سفيان بن الأبرد الكلبي، فظهر عليه وقتله.
- وصالح بن المسرّح التميمي، رأس الخوارج الصّفريّة. مات بالموصل وقبره هناك لا يخرج أحد من الصّفرية إلّا حضر قبره وحلق رأسه عنده.
إنّ ما كان يفعله الخوارج هو مصداق لـما حذّر منه رسول اللهعليهالسلام ، من خروج قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، وإنّ سمتهم (التحليق).
- ونجدة بن عُوَيْمِر الحنفيّ التميميّ. من رؤساء الخوارج؛ له مقالة مفردة من مقالتهم، استولى على اليمامة(١) وعظم أمره حتّى ملك اليمن والطائف وعمّان والبحرين ووادي تميم وعامر....
ومن مذهبه: إنّ الدين أمران: معرفة الله، ومعرفة رسوله، وما سوى ذلك فالناس معذورون بجهله...، فمن استحلّ محرّماً من طريق الاجتهاد فهو معذور، حتّى من تزوّج من أمّه أو أخته مستحلاًّ لذلك بجهالة فهو معذور مؤمن....
- وأبو طالوت مَطَر بن عُقْبة بن زيد بن الفند، من بني مالك بن صعب، من بني حنيفة ثمّ من تميم.
بويع له بالحضارم، والحضارم واد باليمامة (نجد).
- وعمران بن الحارث الراسبيّ التميميّ، من نسّاك الخوارج الذي قتلوا في الحرب، قتل يوم دولاب، اختلف هو والحجّاج بن باب الحميريّ ضربتين فخرّا ميّتين.
- وعثمان بن بشير بن الماحوز التميميّ، وأخوه الزبير بن بشير؛ إخوة الزبير بن بشير ابن الماحوز التميميّ - مرّ ذكره -. كانا من أمراء نافع بن الأزرق.
____________________
(١) اليمامة معدودة من نجد، وقاعدتها حَجْر. (معجم البلدان، لياقوت الحموي ٥: ٤٢٤).
- وعمر بن عمير العنبريّ التميميّ، من أمراء الخوارج الأزارقة.
- وصخر بن حبنا التميميّ، من أمراء الخوارج الأزارقة.
- وعمرو القنا التميميّ، من فرسان الخوارج، قتل في حرب المهلّب للخوارج.
- وعطيّة بن الأسود الحنفيّ التميميّ، أحد الخوارج الذين نقموا على نجدة بن عويمر الحنفيّ، في أمور اختلفوا بها معه، فسار عطيّة بأصحابه إلى سجستان.
- وأبو بيهس، هيصم بن جابر الضبعيّ، من بني حنيفة ثمّ من تميم. كان من أصحاب نافع بن الأزرق، ثمّ انشقّ عنه لاختلاف في الآراء. وإليه تنسب فرقة الخوارج البيهسيّة.
- وعبد الله بن إباض التميميّ. خرج أيّام مروان بن محمّد، وإليه تنسب الخوارج الإباضيّة.
- وسوار بن المضرب التميميّ، من بني سعد ثمّ من بني تميم.
- وياسين بن بشر التميميّ(١) .
نكتفي بما ذكرنا من رجال الخوارج وزعمائهم وكلّهم ينتمون إلى تميم قبيلةً وإلى نجد أرضاً. وإنّ من رجال الخوارج من ينتمي إلى غطفان، وأسد، وهي من قبائل نجد، وقد تأخّر إسلامها وكانت خطراً على الإسلام.
____________________
(١) انظر رجال الخوارج في: جمهرة النسب، للكلبي (ت ٢٠٤ هـ)، وكتاب النسب، لابن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، وأنساب الأشراف، للبلاذري (ت ٢٧٩ هـ)، ومسند أحمد بن حنبل، والفتوح، لابن أعثم (ت ٣١٤ هـ)، وتاريخ الطبري، وتاريخ اليعقوبي، ومروج الذهب، للمسعودي، وجمهرة أنساب العرب، لابن حزم، وسنن ابن ماجة (ت ٢٧٥ هـ)، والسيرة النبويّة، لابن هشام، والغارات، للثقفي (ت ٢٨٣ هـ)، وعمدة القاري، للعيني، والكامل في الأدب، للمبرّد، وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، والمعارف، لابن قتيبة، والإمامة والسياسة له، والملل والنحل، للشهرستاني، وطبقات ابن سعد، والفهرست، لابن النديم و....
وكان خاتمة هذا العقد البغيض: محمّد بن عبد الوهّاب التميميّ النجديّ، وأتباعه من أعراب نجد (الوهّابيّون).
ثمّة ملاحظة:
ذكرنا الآيات التي نزلت في أعراب نجد؛ إلّا أنّ آية تصف الأعراب وصفا جميلاً:( وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتّخِذُ مَايُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرّسُولِ أَلاَ إِنّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ ) (١) ، قال ابن عبّاس: (هم مُزَيْنَة، وجُهَيْنَة، وأسْلَم).
وهذه القبائل خارج نجد. فلذا دعا لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالخير وذكرهم القرآن كذلك.
قال ابن عمر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصيّة، عصت الله ورسوله)(٢) .
أبو هريرة: قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لَأَسلم وغفار، وشية من مزينة وجهينة، خير عند الله من أسد وغَطَفان وهوازن وتميم)(٣) .
ويرد الحديث في مسند أحمد، عن ابن عمر بطرقٍ عدّة(٤) ، وعن أبي ذر(٥) ، وجابر بن عبد الله(٦) ، وأبي برزة(٧) .
____________________
(١) التوبة: ٩٩.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ٢: ٩٢ / ٤٦٨٨.
(٣) نفس المصدر السابق: ٤٥٩ / ٧١١٠.
(٤) نفس المصدر السابق ٢: ١٥٣، ١٢٦، ٢٩٧.
(٥) نفس المصدر السابق ٥: ١٧٥.
(٦) نفس المصدر السابق ٣: ٣٤٠.
(٧) نفس المصدر السابق ٤: ٤٨.
التحريض على قتل الخوارج
ولعلم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأخلاق الخوارج وما سيكون منهم من فتن، فقد حذّر منهم وحرّض المسلمين على قتلهم، وإنّ في قتلهم أجراً عظيماً.
عن الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البريّة لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)(١) .
وعن مسروق، قال: قالت لي عائشة: إنّك من ولدي ومن أحبّهم إليّ فهل عندك علم من المخدج؟ فقلت: نعم، قتله عليّ بن أبي طالب، على نهر يقال لأعلاه تامرّا ولأسفله النهروان. قالت: أَبْغِني على ذلك بيّنة، فأقمت رجالاً شهدوا عندها بذلك. قال: فقلت لها: سألتك بصاحب القبر، ما الذي سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم؟ فقالت: نعم، سمعته يقول: (إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة)(٢) .
وعن مسروق أيضاً: أنّ عائشة قالت له لـمـّا عرفت أنّ عليًّاعليهالسلام قتل ذا الثدية: لعن الله عمرو بن العاص! فإنّه كتب إليّ يخبرني أنّه قتله بالإسكندريّة، إلّا أنّه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله يقول: (يقتله خير أمّتي من بعدي)(٣) .
وبسند عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه ذكر أناساً يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من
____________________
(١) صحيح البخاري (٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠)، صحيح مسلم ٧: ١٦٧ - ١٦٨، مسند أحمد (١ / ٨١، ١١٣، ١٣١)، والفضائل له / ١١٩٨، سنن أبي داود: ٤٧٦٧، مسند أبي يعلى: ١ / ٢٢٦، الخصائص، للنسائي: ١٤٣.
(٢) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٦٧.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٦٨.
الرّميّة، هم شرّ الخلق، تقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحقّ، وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق(١) .
ولم يكن معاوية وأصحابه بمنأى عن هذه الأحاديث وإن سمّاهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (القاسطين) وأخبر أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام بأنّه سيقاتل: الناكثين، والقاسطين، والمارقين؛ فالناكثون هم أهل الجمل؛ والقاسطون أهل الشأم أتباع معاوية؛ والمارقون هم الخوارج، إلّا أنّهم جميعاً يجمعهم أمر واحد هو بغض أمير المؤمنين عليّعليهالسلام .
المدائني في إسناده قال: لـمّا دخل المحكّمة الكوفة، ونزلوا حروراء وذهب عنهم كلال السفر؛ مشت عصبة منهم إلى عليّ فقالوا: علام كنّا نقاتل يوم الجمل؟ قال: على الحقّ. قالوا: فأهل البصرة؟ قال: على النكث والبغي. قالوا: فأهل الشأم؟ قال: هم وأهل البصرة سواء. قالوا: فلم أجبت معاوية إلى وضع الحرب؟ قال: خالفتموني وخفت الفتنة. قالوا: فعد إلى أمرك! قال: قد أعطيتهم ميثاقاً إلى مدّة فلا يحلّ قتالهم حتّى تنقضي المدّة، وقد أخذنا على الحكمين أن يحكما بكتاب الله، فإن حكما به فأنا أولى الخلق بالأمر. فقالوا: إنّ معاوية يدّعي مثل الذي تدّعي ففارقوه(٢) .
هذا هو عليّعليهالسلام ؛ فكلّه عليّ، وما شاققه إلّا دنيّ.
وهؤلاء أعداء عليّعليهالسلام ؛ ينكثون العهد والميثاق ويبغون بلا علم ولا كتاب منير... وليس معاوية بأفضل من الخوارج؛ فقد ورد الأحاديث والأخبار في لعنه ووجوب قتله، وفسّروا آية الشجرة الملعونة في القرآن ببني أميّة؛ وأُصوله الأُسريّة وأصول من حوله أنفت منها الأُنوف!
وفي الحوار الذي ذكره المدائني، فإنّ الخوارج يحمّلون عليًّاعليهالسلام أمراً كانوا هم سببه، وذلك لـمّا رفعت المصاحف، فرفعوا أصواتهم: قبلنا بحكم الله! ولـمـّا أبى أمير المؤمنينعليهالسلام
____________________
(١) صحيح مسلم: ٧ / ١٦٩، خصائص أميرالمؤمنين، للنسائي: ١٤٠ / ١٦٨.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ١٣١.
القبول بالخُدعة رفعوا عقيرتهم: إنِ الحُكم إلّا لله، لا لك يا عليّ!! فاقبل بحكم الله ولـمّا جرى التحكيم أرادعليهالسلام أن يكون الحكم من جانبه ابن عبّاس فرفضوا بشدّة وأرادوا أبا موسى الأشعريّ... ولـمّا صار الاتّفاق أن يرجع كلّ فريق إلى وطنه ووضعوا مهلة سنة بعدها يداولون الحكم، صار الخوارج إلى تحميل أمير المؤمنين ما ارتكبوا من الإثم وإنّ عليه أن يرجع عمّا أعطى من ميثاق وهذا خيانة لا تناسب من هو من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلة هارون النبيّ من موسى النبيّعليهماالسلام .
وكأنّهم لم يسمعوا بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّ عليّعليهالسلام ، ومنه: وجوب طاعته، وإنّ معصيته مثل معصية رسول اللهعليهالسلام ؛ فإذا كان هكذا حالهعليهالسلام فما هو حكم معاوية وشجرته، ومن قبله أتباع الجمل، ثمّ المارقين الخوارج؟!
وقد قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لبني وليعة: (لَتنتهُنَّ أو لأَبعثَنَّ إليكم رجلاً كنفسي، طاعته كطاعتي ومعصيته كمعصيتي، يغشاكم بالسيف)(١) .
____________________
(١) كتاب الولاية، لابن عقدة الكوفي (ت ٣٣٢ هـ)، مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام ، للفقيه ابن المغازلي الشافعي: ١١٥.
وعبدالرزّاق، عن معمّر، عن ابن طاووس عن أبيه، عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لوفد ثقيف حين جاؤوه: (لتسلمنَّ أو ليبعثنَّ الله رجلاً منّي - أو قال: مثل نفسي - فليضربنّ أعناقكم، وليسبينّ ذراريكم، وليأخذنّ أموالكم). فقال عمر بن الخطّاب: فو الله ما تمنّيت الإمارة إلّا يومئذٍ فجعلت أنصب صدري له رجاء أن يقول: هو هذا قال: فالتفت إلى عليّ بن أبي طالب فأخذ بيده ثمّ قال: (هو هذا، هو هذا). المصنّف، لعبد الرزّاق ١١: ٢٢٦، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٦، مسند أحمد بن حنبل ٢: ٥٩٣ رقم ١٠٠٨، أنساب الأشراف ٢: ١٤٢، الاستيعاب ٣: ٤٦، أسد الغابة ٤: ١٠٥، المناقب، للموفّق الخوارزميّ الحنفيّ: ١٣٦، الجامع الصحيح، للترمذيّ ٥: ٢٩٨ رقم ٣٧٩٩، خصائص أميرالمؤمنين، للنسائي: ٨٩ حديث ٦٧، المعجم الكبير، للطبرانيّ ٣: ٢٧٢١ وفيه ما بعث النبيّ عليًّا مبعثاً إلّا أعطاه الراية، تذكرة الخواصّ: ٤٥، تاريخ بغداد ١: ١٣٤ و ٨: ٤٣٣، كفاية الطالب: ٩٧، أمالي الطوسيّ ٢: ١١٧، كتاب المسند، لابن أخي تبوك: ٤٢٨، تاريخ ابن عساكر: حديث ٨٦٦ و ٨٦٧ و ٨٦٩، ذخائر العقبى: ٧٦، مجمع الزوائد ٩: ١٦٣.
فعليٌّعليهالسلام حينما يقاتل معه دليل وهو على حقّ وبيّنة والذين يقاتلوه بغاة عادون على نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما في الحديث الذي ذكرناه، وآية المباهلة، إذ خرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يباهل النصارى بعليّ فكان نفسه الشريفة، وبفاطمة ابنته فكانت نساءه، وبالحسن والحسين، فكانا أبناءه. وبهم لا بناكث ولا قاسط ولا خارجيّ ولا عِلية الصحابة الكرام؛ وإنّما بهذه الوجوه المقدّسة عند الله تعالى، هزم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، النصارى وأعجزهم عن المباهلة؛ فكان الخمسة من آل البيتعليهمالسلام معجزة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يومئذ. وسيأتي الحديث والكلام عنه وعن آية التطهير التي اختصّ الله تعالى بها نبيّه ووصيّه عليًّا وزوجه فاطمة وولديه الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين.
وسيأتي الكلام عن حديث الكساء لـمّا جلل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه الزكيّة بكساء ولم يسمح لواحدة من زوجاته أن يدخلن معه تحت الكساء، لكنّه سمح لابنته فاطمة الصدّيقة وولديه الحسن والحسين وأخيه ووصيّه وصاحب حوضه عليّ أن يكونوا معه تحت الكساء؛ ومن الملائكة: سفير الله تعالى، جبريلعليهالسلام ليتلو عليهم آية التطهير؛ فما كان تحت الكساء إلّا من عصمه الله تعالى من ملك أو بشر، علم سبحانه نزاهتهم وأهليّتهم لحمل الرسالة فحباهم بالطهارة الظاهرة في العصمة.
فهل بعد كلّ هذا ومع أعلميّة عليّ وشجاعته وأمر القرآن الكريم بولايته كما في آية التصدّق بالخاتم حال الركوع وأمر رسول الله أكثر من مرّة باتّباع عليّ حتّى توجّها بتنصيبه أميراً للمؤمنين في حجّة الوداع وكانت الرزيّة!
لمّا مرض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأراد أن يرحم أمّته بكتابة الوصيّة المتمثّلة باتّباع الثقلين: كتاب الله الصامت، والكتاب الناطق عليّ وأهل البيتعليهمالسلام إذ الحقّ معهم يدور حيثما داروا؛ فاعترض معترض وارتفعت معه الاصوات بالمنع من الكتابة، ووصف المعترض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأقبح وصف! إذ قال: إنّ الرجل ليهجر! معاذ الله، فأين
النّبوّة ومقامها الرفيع حتّى يقال عنه (الرجل) وبخطاب الغائب! مع التوكيد بحرف اللاّم؛ ويهجر: أي لا يدري ماذا يقول؟! ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسدّد بالوحي ما ينبغي لمثله أن ينطق إلّا بوحي، معصوم من الخطل والهوى وغياب الوعي.
ولذلك ولـمّا كثر اللّغط بين من يقول قدّموا له القلم والورق ليكتب ومن يمنع من ذلك وعلت الأصوات: وما يجوز التقديم بين يدي الله ورسوله، أي سبقه بالقول؛ ولا يجوز رفع الأصوات فوق صوته، كلّ ذلك في القرآن الكريم، وكلّ ذلك يؤذي رسول الله لأنّه ليس من خُلقه، فقد جاء ليتمّم مكارم الأخلاق كما قال هوصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصفه القرآن المجيد مخاطباً إيّاه:( وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (١) ؛ فما كان منهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا أن قال للقوم: قوموا إنّه لا ينبغي خلاف عند نبيّ، فخرج القوم ومعنى ذلك أنّهم طُردوا من رحمة الله تعالى؛ فلو أنّهم اعتذروا وقبلوا الوصيّة لكان خيراً ممّا جمعوا له إذ ذهبوا إلى سقيفة بني ساعدة وهناك وقع الصراع من أجل خلافة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى وصل الأمر إلى التهديد وبطش عمر بسيّد الخزرج سعد بن عُبادة وكاد يقتله...، وبقي عليّ عليًّا يسارّه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تلك الليلة ورأسه إلى صدر عليّ حتّى فاضت روحه الزكيّة وهو بين سَحْر ونَحْر عليّ.
وسنعود إلى مفاخر وخصائص أبي الحسن العلويّة وكلّ خصائصه علويّة من الأصل والمنحدر إلى المستودع فالولادة ومحلّها إلى أوّل ما نزل في فيه، فالنشأة الفريدة وانتهاءً بآخر عمره لـمـّا هوى سيف ابن اليهوديّة على رأسه الشريف فعلا هتافه بما كان ينتظره حتّى طال أمده: (فزت وربّ الكعبة). فهنيئاً لوليد الكعبة بلحاقه بأخيه المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم والخزي والعار ثمّ الخلود بجهنّم لمن عادا عليًّا وبنيه الأطهار وشيعتهم الأخيار.
____________________
(١) القلم: ٤.
وكما هدّد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وفد ثقيف بعليّعليهالسلام ، فكذلك هدّد قريش بأميرالمؤمنينعليهالسلام فبسند عن عليّ بن حكيم(١) ، قال أخبرنا محمّد بن فُضَيل(٢) ،
____________________
(١) عليّ بن حكيم بن ذُبيان الأَوْديّ الكوفيّ.
روى عن سفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرّاح، وشريك بن عبد الله، وحفص بن غياث، وعليّ بن مسهر... روى عنه: البخاري في (الأدب)، ومسلم، وعبدالله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يحيى بن زكريا الأوديّ، وأبو الصّلت عبد السلام بن صالح الهرويّ، وهو من أقرانه؛ ومحمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ويعقوب بن سفيان الفارسي، ونجيح بن إبراهيم الزّهريّ...؛ توفي سنة (٢٣١ هـ).
قال ابن الجنيد، عن يحيى بن معين: ليس به بأس، ثقة. (الجرح والتعديل: ٦ / الترجمة ١٠٠٢). وقال أبو حاتم: صدوق (المصدر نفسه). ذكره ابن حبّان في الثقات ٤: ٤٦٧. وترجم له البخاري في التاريخ الكبير: ٣ / الترجمة ٢٣٧٦، وتهذيب التهذيب ٣: ٦٠، وتهذيب الكمال ٢٠: ٤١٥....
(٢) محمّد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضّبيّ، الكوفيّ.
روى عن: الأجلح بن عبد الله الكندي، وأبيه فضيل بن غزوان، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمّد بن السائب الكلبيّ، ومحمد بن سعد الأنصاريّ، ومحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان الأعمش، وعاصم الأحول، عطاء بن السائب، وفضيل بن مرزوق، ومِسْعَر بن كِدَام، ومسلم الملائيّ، ويحيى بن سعيد الانصاريّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وحمزة بن حبيب الزيّات، ومالك بن مغول، وعبدالله بن صهبان... وخلق كثير من التابعين وكلّهم مذكور بالثقة.
روى عنه: أحمد بن حنبل، وسفيان الثّوريّ وهو أكبر منه، وأبوبكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة، وعثمان بن محمّد بن راهويه، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ... وخلق كثير من أئمة الحديث والرجال.
قال حرب بن إسماعيل، عن أحمد بن حنبل: كان يتشيّع، وكان حسن الحديث. (الجرح والتعديل: ٨ / الترجمة ٢٦٣).
وقال عثمان بن سعيد الدارميّ، عن يحيى بن معين: ثقة. (تاريخ الدارميّ: الترجمة ٥٥١). وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. (الجرح والتعديل: ٨ / الترجمة ٢٦٣ ٩. وقال أبو حاتم: شيخ. فضيل: كوفيّ، ثقة، كان يتشيّع. (تاريخ الثقات: ٤١١ / ١٤٩٠). وقال يعقوب بن يوسف: ثقة. (المعرفة والتاريخ ٣: ١١٢)، وقال ابن شاهين: قال عليّ بن المديني: كان محمّد بن فضيل: ثقة، ثبتاً في الحديث، وما أقلّ سقط حديثه (تاريخ أسماء الثقات، لابن شاهين: ٢٩١ / ١٢٠٢). وقال الذهبيّ: كوفيّ صدوق مشهور، وكان صاحب حديث ومعرفة (الميزان: ٣ / الترجمة ٨٠٦٢). قال ابن داود: ثقة (رجال ابن داود: ٣٣٠ / ١٤٤٩).
توفّي محمّد بن فضيل سنة (١٩٥ هـ). طبقات ابن سعد ٦: ٣٨٩.
عن الأَجْلَح(١) ، عن قَيْس بن مسلم(٢) ، عن ربعي بن
____________________
(١) الأَجْلَح بن عبد الله بن معاوية الكنديّ، أبو حجيَّة الكوفيّ.
روى عن: قيس بن مسلم، وزيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، وعامر الشّعبيّ، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وعمّار الدّهنيّ، وأبي إسحاق عمرو ابن عبد الله السّبيعيّ، وأبي الزبير محمّد بن مسلم المكّي، ونافع مولى ابن عمر....
روى عنه: محمّد بن فضيل بن غزوان، وسفيان الثّوريّ، وشريك بن عبد الله النّخعيّ، وشعبة بن الحجّاج، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن نمير، وعليّ بن مسهر، وجعفر بن عون، والحسن بن صالح بن حيّ، ويحيى بن سعيد القطّان، وابوبكر بن عيّاش، وهشيم بن بشير، ويعلى بن عبيد، وأبو عوانة الوضّاح بن عبد الله، وزهير بن معاوية، والقاسم بن معن المسعودي؛ وهؤلاء مذكورون في الثقات.
وأمّا نفس الأجلح، فقد قال فيه أحمد بن حنبل: (ما أقرب الأجلح من فِطْر بن خليفة). (الميزان للذهبي ١: ٧٩). وبشأن فطر: قال يحيى بن معين: (فطر بن خليفة الخيّاط، كوفيّ، ثقة). تاريخ يحيى بن معين ١: ١٩٦ / ١٢٥٤. وقال العجليّ: (فطر بن خليفة الخياط، كوفيّ، ثقة، حسن الحديث وكان فيه تشيّع قليل). تاريخ الثقات: ٣٨٥ / ١٣٦٠.
وعن الأجلح، قال يحيى بن معين: (الأجلح، ثقة). تاريخ يحيى بن معين ١: ١٩٨ / ١٢٧٦؛ الكامل، لابن عدي ٣: ٢٢٧، الكنى والأسماء، للدّولابيّ ١: ١٤٤، الجرح والتعديل ٤: ٢ / ١٦٣، ميزان الاعتدال ٤: ٣٨٨.
وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، يروي عنه الكوفيّون وغيرهم، ولم أجد له حديثاً منكراً مجاوزاً للحدّ، لا إسناداً ولا متناً. إلّا أنّه يعدّ في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق. الكامل ٣: ٢٢٧.
توفي الأجلح سنة (١٤٥ هـ). طبقات ابن سعد ٦: ٣٥٠.
(٢) قَيْس بن مسلم الجَدَلي العدواني، أبو عمرو الكوفيّ، من قيس عيلان. طبقات ابن سعد ٦: ٣١٧، طبقات خليفة: ١٦٠، تاريخ البخاري الكبير: ٧ / الترجمة ٦٩١، تاريخ الثقات للعجلي: ٣٩٤، المعرفة والتاريخ، لليعقوب ١: ٤٥٦، ٢٣٤ و ٢: ٥٦٨ و ٣: ٨٩، الجرح والتعديل: ٧ / الترجمة ٥٨٨، تاريخ أبي زرعة الدمشقيّ: ٥٦٧، ٦٤٠، الكاشف: ٢ / الترجمة ٤٦٨٣، تهذيب الكمال ٢٤: ٨١.
روى عن: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم بن عبد البجليّ، والحسن ابن محمّد بن الحنفيّة، وطارق بن شهاب.
روى عنه: سليمان الأعمش، وسفيان الثّوريّ، وشعبة بن الحجّاج، وأبو العميس عتبة بن عبد الله المسعوديّ، ومسعر بن كِدَام، وأبو حنيفة النّعمان بن ثابت، وحفص بن سليمان، ورقبة بن مصقلة....
قال العجليّ: كوفيّ، ثقة من كبار شيوخ سفيان وشعبة ويقال: إنّه كان يرى الإرجاء. تاريخ الثقات، للعجلي: ٣٩٤ / ١٤٠٠.
وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتاً له حديث صالح. طبقات ابن سعد ٦: ٣١٧ وذكره ابن حبّان في الثقات وقال: يروي عن طارق بن شهاب وله صحبة ٤: ٤٤٢ / ٣٣٩١.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة في الحديث. الجرح والتعديل: ٧ / الترجمة ٥٨٨.
حراش(١) ، قال: سمعت عليًّاعليهالسلام وهو بالمدائن يقول: جاء سهيل بن عمرو إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا محمّد إنّه قد خرج إليك أناس من أرقّائنا ليس بِهِمُ للدين تعبّداً فارددهم علينا. فقال أبوبكر وعمر: صدق يا رسول الله! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لنْ تنتهوا يا معشر قريش حتّى يبعث الله رجلاً منّي امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين وأنتم مُجْفِلُون عنه إجْفالَ النَّعَم).
فقال أبوبكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: (لا). قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: (لا، ولكنّه خاصف النّعل).
قال: وكان في كفّ عليّ نعل يخصفها لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
____________________
(١) رِبْعي بن حِراش - أو خِراش - بن جَحْش بن عمرو بن عبدالله بن بِجاد بن عبد مالك بن غالب ابن قُطيعة بن عَبْس بن بغيض بن رَيْث بن غَطَفان بن سعد بن قيس عَيلان بن مُضر بن نزار بن معدّ بن عدنان الغطفاني ثمّ العبسي، أبو مريم الكوفيّ.
جمهرة النسب، لابن الكلبيّ، ٤٥٠، طبقات ابن سعد ٦: ١٢٧، تاريخ بغداد ٨: ٤٣٣، تاريخ خليفة: ٢٨٨، وطبقاته: ١٥٤، تاريخ البخاري الكبير: ٣ / الترجمة ١١٠٦.
روى عن: عليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطّاب، وحُذَيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، وعمران بن حصين، وأبي بكرة الثقفيّ، وعبدالله بن شدّاد بن الهاد وهو من أقرانه، وعمرو بن ميمون الأوديّ....
روى عنه: منصور بن المعتمر - وهو أحد رواة الحديث عن ربعيّ - وعامر الشّعبيّ، وأبو النّضر كثير بن أبي كثير التميميّ الكوفيّ....
ذكره ابن حبّان في كتاب الثقات: ١٤٣ / ١١١٦، وقال: مات سنة مائة أو إحدى ومائة.
قال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة من خيار التابعين، يقال: إنّه لم يكذب كذبةً قطّ، كان به ابنان عاصيان زمن الحجّاج، وقيل للحجّاج: إنّ أباهما لم يكذب كذبةً قطّ، لو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه، فقال: أين ابناك، قال: هما في البيت؛ قال: قد عفوت عنهما بصدقك. (تاريخ الثقات، للعجلي: ١٥٢ - ١٥٣ / ٤١٥). وفي رجال البرقي: ٥ (من خواصّ أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام : ربعيّ ومسعود ابنا خراش - بالخاء المنقوطة - العَبْسيّان).
(٢) مناقب أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، محمّد بن سليمان الكوفي القاضي من علماء القرنين الثالث والرابع ١: ٦٤٦ - ٦٤٨ / ٥٢١.
ورواه الخطيب البغداديّ في ترجمة (رِبعي بن حراش)، وفيه: محمّد بن جعفر الفِيدي عن محمّد بن فُضَيْل بن غَزْوان... إلى آخر السند الماضي، ونفس المتن.
وأخرجه ابن أبي شَيْبة بسند آخر عن رِبْعي عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
قال: حدّثنا الأسود بن عامر(١) ، عن شريك(٢) ، عن
____________________
(١) الأسود بن عامر شاذان، أبو عبدالرحمن الشاميّ، نزيل بغداد.
روى عن: شريك بن عبدالله النخعيّ، وحمّاد بن زيد، وسفيان الثّوريّ، وشعبة بن الحجّاج، وعبد الله بن المبارك، وأبي بكر بن عيّاش، وصالح بن حيّ، وإسرائيل بن يونس... ابوبكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة، وأخوه عثمان بن محمّد بن أبيّ وعليّ بن المدينيّ، وأحمد بن محمّد بن حنبل، وبقيّة بن الوليد، وعمرو بن محمّد الناقد، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعبّاس بن محمّد الدّوريّ، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ....
قال عثمان بن سعيد الدارميّ، عن يحيى بن معين: لا بأس به. الجرح والتعديل ١: ١: ٢٩٤، تاريخ بغداد ٧: ٣٥.
وقال أبو حاتم، عن عليّ بن المدينيّ: ثقة. (نفس المصدر).
وقال محمّد بن سعد: صالح الحديث، مات سنة ثمان ومئتين. طبقاته ٧: ٣٣٦. وكذلك في تاريخ خليفة: ٤٧٣، وتاريخ بغداد ٧: ٣٥ وتاريخ البخاري الكبير ١: ١ / ٤٤٨.
(٢) شريك بن عبد الله بن أبي شريك النّخعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ القاضي. أدرك زمان عمر بن عبد العزيز.
طبقات ابن سعد ٦: ٣٧٨، المصنّف لابن أبي شيبة ١٣: ١٥٧٨١، تاريخ يحيى ٢: ٢٥٠، تاريخ الدارميّ، الترجمة ٨٥، ٨٨، تاريخ خليفة: ٤٣٤ ومواضع أخرى، وطبقاته: ١٦٩، تاريخ البخاري الكبير: ٤ / الترجمة ٢٦٤٧، تاريخ الثقات، للعجليّ: ٢١٧ / ٦٦٤، المعرفة والتاريخ، لليعقوب: ٤ / الترجمة ١٦٠٢، الكامل، لابن عديّ ٢: ٢٧٣، تاريخ أسماء الثقات، لابن شاهين: ١٦٩ / ٥٢٨، تاريخ بغداد ٩: ٢٧٩، تهذيب الكمال ١٢: ٤٦٢ / ٢٧٣٦.
روى عن: منصور بن المعتمر، ومحمّد بن إسحاق بن يسار، وعمّار الدّهنيّ، وسلمة بن كهيل، وسليمان الأعمش، وسماك بن حرب، وعاصم بن سليمان الأحول، وأبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، ومحمّد سعد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي حمزة ثابت بن أبي صفيّة الثّمالي، وإبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي....
منصور(١) ، عن ربعي بن حراش - مضت ترجمته -، عن عليّعليهالسلام ، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال:
____________________
روى عنه: الأسود بن عامر شاذان، وإبراهيم بن سعد الزّهريّ، وإبراهيم بن مهدي، وأبوبكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن صالح العجليّ، وأبو داود سليمان بن داود الطّيالسيّ، ومحمّد بن إسحاق بن يسار - وهو من شيوخه -، والفضل بن دكين، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطّان، ووكيع بن الجرّاح، ويحيى بن عبد الحميد الحمّاني....
قال العجلي: شريك بن عبد الله النّخعي القاضي: كوفي، ثقة، وكان حسن الحديث... تاريخ الثقات: ٢١٧ / ٦٦٤. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ قلت ليحيى بن معين: شريك أحبّ إليك في منصور - بن المعْتَمِر - أو أبو الأحوص؟ فقال: شريك أعلم به. تاريخ يحيى ٢: ٢٥١. وقال يحيى الحماني، قال لي عبد الله بن المبارك: أما يكفيك علم شريك؟! تاريخ بغداد ٩: ٢٨٠. وقال محمّد بن معاوية النيسابوريّ قال سمعت عباداً يقول: قدم علينا معمر وشريك واسطاً، وكان شريك أرجح منه. نفس المصدر / ٢٨١. وقال عليّ بن حكيم الأوديّ: لم يكن أحد أروى عن الكوفيّين من شريك. الجرح والتعديل: ٤ / الترجمة ١٦٠٢.
وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحداً قطُّ أورع في علمه من شريك. نفس المصدر السابق. وقال عيسى بن يونس: رجل الأمّة: شريك بن عبد الله، وكان يومئذ حيّاً. قيل: فابن لهيعة؟ قال: رجل سمع من أهل الحجاز، قيل: فمالك بن أنس؟ قال: شيخ أهل مصر.
مات شريك سنة سبع وسبعين ومئة. تاريخ بغداد ٩: ٢٩٥، المعرفة ١: ١٦٨.
(١) منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيّعة، أبو عتّاب السّلميّ الكوفيّ. طبقات ابن سعد ٦: ٣٣٧، تاريخ خليفة: ٣٢٦، وطبقاته: ١٦٤، وتاريخ البخاري الكبير: ٧ / الترجمة ١٤٩١، تاريخ الثقات، للعجلي: ٤٤٠ / ١٦٣٩، الكنى والألقاب، للدّولابي ٢: ٧٦، الجرح والتعديل ٨: ٧٧٨، حلية الأولياء ٥: ٤٠، إكمال الإكمال، لابن ماكولا ٤: ٢٣، ثقات ابن شاهين، الترجمة ١٣١٧، الكاشف: ٣ / الترجمة ٥٧٤١، تهذيب التهذيب ١٠: ٣١٢ - ٣١٥، تهذيب الكمال ٢٨: ٥٤٦ / ٦٢٠١. روى عن: ربعي بن حراش، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح، وكريب مولى ابن عبّاس، ومحمّد بن مسلم الزّهريّ، والمنهال بن عمرو، ومجاهد بن جبر المكّي، وأبي وائل شقيق بن سلمة، وإبراهيم النّخعيّ، وأبي معشر زياد بن كليب....
روى عنه: شريك بن عبد الله، وسفيان الثّوريّ - وهو أثبت الناس فيه -، وسفيان بن عيينة، وسليمان الأعمش، وسليمان التّيميّ - وهما من أقرانه -، وشعبة بن الحجّاج، وأبان بن صالح، وفضيل بن عياض، ومسعر بن كدام، ومعتمر بن سليمان، وأبان بن صالح، وإسرائيل بن يونس، وأبو وكيع الجرّاح، وأيّوب السّختيانيّ وهو من أقرانه، وحجّاج بن دينار، وزهير بن معاوية وخلق كثير.
(يا معشر قريش! لَيَبْعَثَنَّ الله عليكم رجلاً منكم قد امتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم أو يضرب رقابكم). فقال أبوبكر: أنا هو يا رسول الله؟! قال: (لا)، فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟! قال: (لا، ولكنّه خاصف النّعل)، وكان أعطى عليًّا نَعْلَه يخصفها(١) .
خوارج أغمض التاريخ عنهم
مضت سيرة السّلف في الكلام عن الخوارج بذكر الخارجيّ الأوّل: ذي الخويصرة التميميّ النّجديّ، الذي خرج على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله له؛ وكان النبيّ يعطي الناس
____________________
قال عليّ بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال سفيان: كنت لا أحدّث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلّا ردّه، فإذا قلت: منصور، سكت. قلت ليحيى: منصور عن مجاهد أحبّ إليك أم ابن أبي نجيح؟ قال: منصور أثبت، ثمّ قال: ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم من منصور. الجرح والتعديل: ٨ / الترجمة ٧٧٨.
وقال بِشْر بن المفضّل: لقيت سُفيان الثَّوْريّ بمكّة، فقال: ما خلفتُ بعدي بالكوفة آمن على الحديث من منصور بن المعتمر. نفس المصدر السابق. وقال العجلي: منصور بن المعتمر، كوفي، ثقة، ثبت في الحديث، كان اثبت أهل الكوفة، وكان حديثه العدل لا يختلف فيه واحد متعبد، رجل صالح أكره على القضاء - قضاء الكوفة - فقضى عليها شهرين وكان يجلس في مجلس القضاء فإذا جلس الخصمان بين يديه فقصّا قصّتهما قال: يا هذان إنّكما تختصمان إليَّ في شيء لا علم لي به فانصرفوا، فأعفي عن القضاء. تاريخ الثقات: ٤٤٠ / ١٦٣٩.
قال عبّاس الدوري: سمعت يحيى يقول: منصور أحبّ إليّ من حبيب بن أبي ثابت، ومن عمرو ابن مُرّة ومن قَتادة. قيل ليحيى: فأيّوب؟ قال: هو نظير أيّوب عندي. تاريخ الدوري ٢ / ٥٨٨. توفي منصور بن المعتمر سنة اثنتين وثلاثين ومئة. طبقات ابن سعد ٦: ٣٣٧، تاريخ خليفة: ٣٢٦.
(١) المصنف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٧، كتاب الفضائل، فضائل عليّعليهالسلام ، رقم ١٨، خصائص أمير المؤمنينعليهالسلام ، للنسائي: ٣١، مسند أحمد ٢: ٤٨ / ١٣٣٦، الفضائل، لاحمد بن حنبل: ٢٢٧، السنن الكبرى، للبيهقي ٩: ٢٢٩، سنن أبي داود ٣: ٦٥، شرح معاني الآثار، للطحاوي ٤: ٣٥٩، سنن الترمذي ٥: ٦٣٤ / ٣٧١٥، المستدرك على الصحيحين ٢: ١٣٧ و ٤: ٢٩٨ بسندين، كنز العمال ١٣: ١٢٧ / ٣٦٤٠٢، المناقب، للخوارزمي: ١٢٨ رقم ١٢٩، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ١: ٦٤٦ / ٥٢١.
يومَ حُنَيْن: يا محمّد! قد رأيتُ ما صنعتَ هذا اليوم، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أجل، فكيف رأيت؟) قال: لم أرك عدلتَ؛ فغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ قال: (ويحك! إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون!...) وقد ذكرنا من أخباره في غير هذا المورد، وأنّه لـمـّا تولّى بعث رسول الله خلفه أبابكر ليقتله! فذهب أبوبكر ثمّ عاد وقال: وجدته يصلّي، فقال لعمر: مثل ذلك، فعاد وقال: وجدته يصلّي! فما أشبه هذا الإمتحان بيوم خيبر وحديث الراية، إذ امتحن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الرجلين فأعطى الأوّل الراية فمضى قليلاً ثمّ عاد يُجبّن أصحابه ويُجبّنه أصحابه؛ ثم أعطى الثاني الراية فعاد مثل صاحبه، فحينها قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (سأعطي الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّار غير فرّار يفتح الله على يديه)، فلمّا كان الغد دعا عليًّاعليهالسلام الذي شاء الله تعالى أن يرمد عينيه، فيكشف صفحة الآمر، والمنفّذ للتحريق؛ فكان الرجل الذي يحبّه الله ورسوله، وهو يحبّهما، ونتيجة هذا الحبّ أنّه كثير الكرّ، لا يفرّ أبداً. فمسح بريقه عينيه وأعطاه الراية فراح يهرول بها هرولةً! حتّى ركزها في أطم من آطام اليهود وقتل عظيمهم (مرحب) وقلع باب حصنهم فما زال بيده يذبّ به عن نفسه حتّى كان الفتح على يديه. وقد تكلّمنا عن حديث الراية مفصّلاً مع مصادره في موضع آخر، إلّا أنّ هذه الثلاثيّة التي أراد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لنا أن نتأمّل بها ونأخذ منها العبر؛ فكما في حديث الراية فغيره كثير مما يثير المشاعر ويفرض أكثر من سؤال لمعرفة مَن؟ ولماذا نحبّ ونوالي!!.
وفي حديث ذي الخويصرة التميميّ النجديّ: بعد أن رجع عمر وقال: وجدته يصلّي؛ لم يبق إلّا ذو الفقار وحامله أبو الحسنين عليّعليهالسلام ، فبعثه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ عاد وقال: (يا رسول الله، لم أجده). فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أما إنّه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية...).
وقد تكلّمنا بتفصيل عن الخوارج الذين حذّر منهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصفاتهم وأنّ عليًّا سيتولّى قتالهم، وحثّ على قتالهم، وذكرنا فيه أمراً اقتضت الضرورة إعادة ذكره وهو ما رواه أبو سعيد الخدريّ: أنّ ذا الخويصرة التميميّ، وهو حرقوص بن زهير، أصل الخوارج؛ ثمّ ذكر خبره مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعمر الذي شهد موقف حرقوص من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو ثاني اثنين بعثهما النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لقتل حرقوص، فما قتلاه وزعما أنّه كان يصلّي؛ فإنّ حرقوص هذا ارتفع شأنه زمن عمر بن الخطّاب إذ أمدّ عمرُ المسلمين بحُرقوص في قتال الهُرْمُزان.
إنّ حكم رسول الله في قتل حُرقوص، ماض لا يُغيّره أحد، حاله حال حكمه في لعن أُناس من بني أُميّة وبني مروان وحثّه على قتل معاوية إذا رُؤي على منبره...، فخالف في كلّ ذلك وخرج على أقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فأَمدّ المسلمين بحرقوص المخدّج - أي ناقص اليد - وسلّط بني أميّة على الشام، ولـمّا نعى إلى أبي سفيان ابنه يزيد وقد مات واليا لعمر على الشام فجعل محلّه ابن هند معاوية فقال له أبو سفيان، ومن جعلت مكانه؟ قال عمر: معاوية؛ فقال أبو سفيان: وصِلَتُك رحِم، وفي قول: وصلتَ الرحم!
ولمّا جاء ابن هند أوّل مرّة إلى مكّة ذهب أوّلاً إلى عمر بن الخطّاب فسأله عمر: بمن بدأت؟ قال: بك بدأت، قال عمر: إبدأ بأبويك، وابدأ بهند أوّلاً!
وقد ذكرنا في التحقيق في نسب معاوية أنّه يُعزى إلى أربعة، وأنّها حينما جاءت تبايع مع النساء، وكان من شرط النبي عليهنّ فيما شرط: أن لا يزينين، فانبرت هند وقالت: وهل تزني الحرّة، فالتفت النبيّ إلى عمر وتبسّم.
ومثلما كان معجباً بابن هند ويسمّيه (كسْرى العرب)، فهو معجب بمواهب ذي
الخُوَيْصِرة مع عاهته البدنيّة، وأمّا أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتله، فقد ذهب مع كثير من أوامره وسننه إذ صار (عظاماً وَرْمَة!).
وبقي حُرْقوص ذو الخُوَيْصِرة التميميّ النجديّ إلى أيّام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وكان مع الخوارج يوم النهروان، فقتل في الأربعة آلاف منهم والذين لم يسلم منهم إلّا دون العشرة كما أخبر أميرالمؤمنين، فرّ أحدهم أو اثنان إلى (حرّان) فتناسلا هناك وكثر نسلهما، وحرّان موطن ومنشأ ابن تيميّة.
الخارجيّ الثالث: قالوا: والخارجيّ الثالث ابن تيميه، لخروجه على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فتنقّصه وأنكر فضائله وفضائل أهل البيتعليهمالسلام .
الخارجيّ الرابع: قالوا: والخارجيّ الرابع هو الأعرابيّ النجديّ محمد بن عبد الوهّاب التميميّ، وأتباعه الذين صاروا مذهباً جديدا وإن شئت قلت ديناً جديداً! فلهم عقيدتهم في ذات الله تعالى تباين عقيدة المسلمين، ولهم رأيهم في النار والبرزخ، والوسيلة وزيارة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وغير ذلك مما تفرّدوا به وكفّروا غيرهم من المسلمين واستحلّوا دماءهم على هذه المبتنيات التي يسمّونها الشرك الخفي فهو بنظرهم أعظم خطراً من الكفر الصريح ومع مرور الزمن، وببسط قوى الاستحمار يد أعراب نجد، صاروا من الفتوى الضالّة ومضايقة ضيوف الرحمن إلى تنظيمات إرهابيّة تفجرّ المساجد والمراقد المقدّسة وتستهدف الأسواق وكلّ مكان مزدحم لقتل أكثر عدد من النساء والأطفال والشيوخ؛ وفتاوى مشايخ الضلال الوهابيّين النجديّين تنطلق من مكّة المكرّمة تُعلن أنّ قتْلِ الشيعة أَولى من قتْلِ المحتلّين الأمريكان! وأنّ مَن قُتل أو قَتل نفسه في عمليّة انتحاريّة يستهدف بها الشيعة فإنّه يفتح عينيه ليجد نفسه إلى جوار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يتناول الطعام معه...!
إنّ عقيدة ابن عبد الوهّاب هي نفسها عقيدة سَلَفه ابن تيميه، بل هو تبعٌ له في عقيدته وآرائه الفاسدة والتي كادت أن تبيد وتختفي مع هلاك صاحبها ابن تيميه؛ فأحياها بعد عدّة قرون هذا الأعرابي المنبعث من أرض الزلازل والفتن (نجد)، ومن عهده وحتى الآن فأتباعه عاكفون على ابن تيميه الذي خالف كلّ المذاهب الاسلاميّة، فهو (الإمام المطلق) و (شيخ الإسلام)، وهكذا يُسمّونه؛ لأنّ له آراءه الخاصّة وله مذهبه المستقلّ وإنّه لا يأخذ بفتاوى أئمّة المذاهب الأخرى. وعلى هذا فأتباع ابن عبد الوهّاب خارج المذاهب الإسلاميّة؛ فهم وهّابيّون تَيمِيون، عقيدةً ورأياً وفقهاً. فهم بهذا اللحاظ خوارج، وهم بجرائمهم مارقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، وهم نواصب بُغاة؛ وجب عليهم من الأحكام ما وجب على أسلافهم، والله لا يهدي القوم الظالمين.
وإذا كان ذو الخويصرة التميمي النجدي قد خرج على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقول قال، فإنّ من يطالع التاريخ والسيرة وتراجم الرجال يجد الهَوْلَ؛ فذو الخويصرة سكت التاريخ عن سيرته غير ما ذكرناه إلّا أنَّ رجالاً ونساءً لهم ذكرٌ في التاريخ فسيحٌ قد كان منهم أمورٌ في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، خرجوا بها على الله ورسوله ونزل في طائفة منهم قرآن؛ وبعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أركسوا في الفتنة فخرجوا على الله ورسوله وعترة الرسول وخالفوا القرآن والسّنّة وآذوا الله ورسوله في وليّ الأمر ووصيّ النبيّ وغصبوا إرث النبيّ وكذّبوا الصدّيقة الطاهرة فاطمة وردّوا شهادة وليّ الله، وفعلوا فعلتهم النكراء في تحريق باب بيت آل الرسول، وتسليط بني أميّة وابن هند خاصّة والافتتان به، وتسليط بني مُعيط على رقاب المسلمين ودرأ الحدّ عن الأعور الزنّاء المغيرة بن شعبة وجلد الشهود الثلاثة الذين أصرّ عمر على أنّهم رأوه يدخله فيها ويخرجه مثل
دخول المرود بالمكحلة، فشهدواعلى ذلك فقال له: ذهب ثلثا دينك! فماذا بقي؟! فلمّا جاء ابن سُميّة زياد أوحى إليه عمر وفهمها زياد! ومع ذلك فقد شهد أنّه رآه جالسا منها بين فخذيها، فماذا يصنع؟ يعالجه من مرض وهي محرّم عليه؟! وجاء في شهادته أنّه رأى خصيتيه سوداوين يدردرين متبطننّها، أي بطنه على بطنها، ونفسٌ يعلو ونفسٌ ينزل! فهل كانا يتعبّدا؟! ومع ذلك أغلظ له عمر وقال: أرأيته يُدخله فيها كما يدخل المرود في المكحلة، فنكص زياد عن الشهادة أمام إصرار ابن حنتمة! وقد تذكّر قول عمر أوّل وروده عليه إذ قال: أرى وجه رجل لا يخزي الله على يديه صحابيّا من صحابة رسول الله، فكبّر عمر على هذا الفتح وأراد أن يجلد أبا بكرة أخا زياد، وقد جلده أوّلا! فقال أمير المؤمنين عليعليهالسلام : (إن جلدته رجمت صاحبك بأحجاره) فكفّ عمر.
ولعمر مع المغيرة في هذه المرأة خبر ذكره أبو الفرج الأصفهاني، قال: (كانت أمّ جميل بنت عمر، التي رُمي بها المغيرة بالكوفة، تختلف إلى المغيرة في حوائجها فيقضيها لها. ووافقت عمر بالموسم والمغيرة هناك، فقال له عمر: أتعرف هذه؟ قال: نعم، هذه أمّ كلثوم بنت عليّ! فقال له عمر: أتتجاهل عليَّ؟! والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك وما رأيتكم إلّا خفتُ أن أُرمَى بحجارةٍ من السماء!)(١) .
حقّ لعمر أن يدفع عن المغيرة الزنّاء الذي أحصن في الإسلام ثمانين إمرأة، غير مَن أُتّهم بالزنا بهنّ!
ومثلما كان ابن هند موضع إعجاب عمر على ما بيّنا وأنّه كان يسمّيه (كسرى العرب)؛ فإنّ المغيرة الذي صار فيما بعد أحد أفراد الهيئة الاستشاريّة لابن هند، وهو الذي أشار عليه بتعيين يزيد بعده، وكان يقول إثرَ ذلك: لقد وضعتُ رجل معاوية في
____________________
(١) الأغاني ١٦: ٩٩.
غَرْز غَيٍّ إلى يوم القيامة! إنّ ابن المتمنّية المغيرة كان موضع إجلال وتقدير عند أبي بكر، ومحلّه لديه أرقى من الأنصار الذين ذكرهم القرآن بخير، وضمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إليهم وجعل ذمّته ذمّتهم (الدم الدم، والهدم الهدم) وأوصى بهم خيرا وأن يحُسن إلى محسنهم ويُعفى عن مسيئهم.
عن المغيرة قال: كنت جالسا عند أبي بكر إذ عُرِض عليه فرسٌ له، فقال رجل من الأنصار: احْمِلْني عليها. فقال أبو بكر: لأن أحمل غلاما قد ركب الخيل على غُرْلَتِهِ - يعني الأقْلَف - أحبُّ إلىّ من أن أحملك عليها! فقال له الأنصاريّ: أنا خير منك ومن أبيك. قال المغيرة: فغضبت لـما قال لأبي بكر! فقمت إليه، فأخذتُ برأسه فركبتُه على أنفه - أي ضربت أنفه بركبتي -، فكأنّما كان عَزْلاء مَزَادةٍ - أي نزف دماً -، فتواعَدَني الأنصار أن يستقيدوا منّي، فيبلغ ذلك أبا بكر، فقام فقال: إنّه بلغني عن رجال زعموا أني ّ مُقيدُهم من المغيرة، ووالله لأنْ أُخرجَهم من دارهم أقرب إليهم من أن أُقِيدَهم من وَزَعة الله الذين يَزَعُون عنه!(١)
إنّ الأنصاريّ لم يتكلّم بسوء؛ جهده أن طلب من أبي بكر أن يحمله على الفرس، فإمّا تطيب نفسه لطلبه وإمّا يمتنع لسبب فيجيبه بأدب! لا أن يهينه فيثيره ويردّ عليه. وما مثل المغيرة الذي تزكم سيرته الأُنوف من مثل غَدْرِه ببني مالك، ومن قصّته قال المغيرة: كنّا قوما من العرب المتمسّكين بديننا ونحن سدنة اللّات، فأُراني لو رأيتُ قومي قد أسلموا ما تبعتهم - فلَكَ شيطان يغويك! - فأجمع نفر من بني مالك على الوفود على المقَوْقِس، وأجمعت الخروج معهم، وليس معهم أحدٌ من الأحلاف
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ١٦٢ - ١٦٣. والوزعة الذين يمنعون من الشرّ! فنعمت التزكية للمغيرة الزنّاء الغدّار، وصبرا للأنصار على الأثرة!
غيري، فأنزلنا في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافة، ثمّ دعا بنا فنظر إلى رأس بني مالك فأدناه وأجلسه معه وسأله: أكلّ القوم من بني مالك؟ فقال: نعم، إلّا رجل واحد من الأحلاف، فعرّفه إيّاي، فكنت أهون القوم عليه، ووضعوا هداياهم بين يديه فسرّ بها، وأمر لهم بجوائز، وفضّل بعضهم على بعض، وقصّر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له، ,اقبل بنو مالك يشترون الهدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض عليَّ رجلٌ منهم مواساةً؟
وخرجوا وحملوا معهم الخمر، فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبى نفسي تدَعُني ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا، وماحباهم الملك ويخبرون قومي بتقصيره وازدرائه إيّاي، فأجمعت على قتلهم! فلمّا كنّا ببَيْسان(١) تمارضت وعصبت رأسي فوضعوا شرابهم ودعوني فقلت: رأسي يُصَدَّع، ولكن أجلس فأسقيكم... وجلست أسقيهم فجعلت أَصْرف لهم - أي خمراً صرفاً لا يخلطه بماء! - وأترعَ الكأسَ، فيشربون ولا يدرون، فأهْمَدَتُهمُ الكأس حتّى ناموا ما يعقلون، فقتلتهم جميعاً وهم ثلاثة عشر إنساناً، وأخذتُ جميع ما كان معهم...، ثمّ أسلمت وكنت أكون مع أبي بكر(٢) .
فما مثل المغيرة أن يُنتصر له ويُؤخذ منه الحقّ لأنصار الله ورسوله وفوق ذلك يتوعّد أبوبكر أهل المدينة التي آوت ونصرت ولم تجبن ولم تبخل، بأن يخرجهم من ديارهم من أجل المغيرة الذي كان مع أبي بكر. وسيرة المغيرة في جاهليّتة وبعد إظهاره الإسلام متأخّراً، وهو القائل - مرّ بنا -: كنّا قوما من العرب متمسّكين بديننا ونحن سدنة اللّات، فأراني لو رأيت قومي أسلموا ما تبعتهم؛ فلمّا أظهر الإسلام ارتفع! فازداد قُبحاً، فكيف صار عند أبي بكر أفضل من الأنصار وأنّه ممّن يُدفع به الشرّ! وأيّ شرّ
____________________
(١) بَيْسان: موضع في جهة خيبر من المدينة. معجم البلدان ١: ٥٢٧.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ١٥٧ - ١٥٨.
يعني أبوبكر؟ إلّا أن يكون من بطانته ويردّ عنه الأنصاريّ ويُنزف أنفه.
إنّ الذي كان من أبي بكر في حقّ الأنصار، امتدادٌ لموقفه منهم يوم السقيفة وما فعله صاحبه عمر بسيّد الأنصار سعد بن عُبادة ولم يطب خاطره حتّى أخرجه من مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ولم يهدأ له بال حتّى أرسل جنيّاً إليه فقتله بأرض الشأم.
ولم يكن الذي صنعوه مع الثقل الثاني من تركة النبيّ بعد القرآن، أهل بيت العصمة، الذين حربهم حرب لله ولرسوله، ولن يدخل الجنّة إلّا مؤمن وحبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق، فكيف بحرق البيت عليه وعلى سيّدة نساء العالمين وسيّدي شباب أهل الجنّة؟!
إنّ كلّ ما ذكرناه وفي كلّ وقفة تأمّل نجد ثمّة خروج على الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلى وليّ الله عليّعليهالسلام ، ولم يُسَمَّ أولئك بالخوارج! ابتداء من هَتْكِ حُرمة بيت آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وهتك حرمة الأنصار، وغصبهم الحقوق، والخروج على رسول الله بتسليط من أمر بقتله مثل (حرقوص) ورفع شأنه وجعله مددا للمسلمين إلى أن قتل مع نظاره (الخوارج المارقة) يوم النهروان؛ فإن قيل: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أمر الأنصار بالصبر على ما سيجدونه من أثرة! فكذلك أوصى ابن عمّه ووصيّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بالصبر على ما سيجده من القوم من تجاوز حدود الله تعالى وغصبه حقّه وحمله على البيعة ولذا فإنّ هذا يختلف عن شأن (حرقوص) الذي لا وصيّة فيه!
وجوابه: إنّ حرقوص لا شأن له إنّما هو من أعراب نجد، من تميم، قال قولاً لا يليق برسول الله، فاستحقّ القتل وحفلت كتب السير والتاريخ بذكره؛ وأمّا أن يخرج من يدعون بمسمّيات سامية! وهم يخالفون نصّ القرآن فيخرجون عليه، ويسمعون النبيّ يصرّح بحبّه وحبّ الله له، وأنّ على النار عقبة لا يجوزها أحد إلّا بولاء عليّ؛
ويبايعونه يوم غدير خمّ ثمّ يخرجون عليه، ولم يُسمّهم ورعٌ يخاف المعاد لا يعبد الرجال على أسمائها، فيسمّهم في الخوارج ثمّ يلتمس لهم الأعذار مثل حال المارقين! إذ كانوا اثنا عشر ألفاً، فلمّا ناظرهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، تاب منهم ثمانية آلاف وبقي على حربه أربعة آلاف، فالناس متفاوتون في الفهم والتقوى والاجتهاد!
وهل كان عمر وأبوبكر إذ تماريا في حضرة رسول الله وارتفعت أصواتهما ونزل الوحي منكِراً عليهما ذلك! إلّا مجتهدين تأوّلا فأخطئا؟ وإن كثرت أخطاؤهما، فهما بشر، يُخطئان ويصيبان. وكثيرة حالات خروجهما وقد ذكرناها ومنها ما كان من إيذاء النبيّ ليلة وفاته لـمّا أراد أن يكتب وصيّته ومنعوه من ذلك! وليس قول ذي الخويصرة بأوجع ولا أكثر خروجاً على رسول الله وحرمان الأُمّة ممّا أراد لها نبيّها من خير، من قول عمر في رسول الله: دعوه، إنّ الرجل لَيَهْجُر! فطردهم رسول الله من رحمة الله؛ فأيّ الخروجين أعظم؟! ولا يسمّون فعل أبي بكر بواسطة خالد المخزوميّ! بالقبائل التي امتنعت عن بيعته إذ لم ترها شرعيّة؛ فأقامت على الإسلام وامتنعت من إعطائه الزكاة فأمر خالد بن الوليد بقتالهم أشدّ القتال ثمّ لم يترك أحداً قدر عليه إلّا أحرقه بالنار إحراقاً! وأن يسبي الذراري والنساء!! ويأخذ الأموال.
أن يخرج به غضبه من أجل أيّام معدودات! فيكون الذي ذكرناه منه بشأن الأنصار، وأمره لعمر بأن يأخذ عليًّاعليهالسلام بأعنف العنف فكان تحريق باب البيت. وكان يرى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حروبه مع أعدائه من الأحزاب، وليس مع المسلمين مثل حرب أبي بكر، فهلّا اقتدى بسيرة رسول الله في حروبه؛ وليس على النساء والذراري جناح ولا له إليهم سبيل، فكيف سوّغ لخالد ذلك؟ هل خرج عن حكم الله، أم تأوّل، أو أوّل الحكم، وهو صحابيّ من العشرة.
ومع ذلك تبقى مسألة التشفّي من القاعدين عن بيعته والأمر بعقابهم أشدّ العقاب، من ذلك التحريق بالنار التي بدأت ببيت أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ! ونِعْمَت الخَلَف للنبيّ الواجب الطاعة في حفظ الثقل الثاني في وصيّته: (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) - قالها ثلاث مرّات -. فكان من الوفاء ولا نقول الخروج! غصبهم حقوقهم، وتأخيرهم عن مراتبهم التي رتّبها الله تعالى لهم، والنزو عليهم بقبس النار والحطب؛ ممّا مهّد للموتورين الأدعياء والمستلحقين و... أن يجرؤوا فيعدوا على هذا البيت الطاهر وشيعتهم تقتيلاً وتمثيلاً وسبياً وتشريداً....
وللطحاويّ أحمد بن محمّد الأزديّ المصريّ الحنفيّ (ت ٣١ هـ) تعليق على الحديث (حديث الثقلين) قال: (فمن أخرج عترة رسول الله صلّى الله عليه وعليهم من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيّه ممّا قد وجدنا في هذه الآثار، فجعلهم كسواهم ممّن ليس من أهل بيته وعترته، كان به ملعوناً إذ كان قد خالف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما فعل من ذلك)(١) .
فكيف إذا صار الأمر إلى مساواتهم بسواهم بالتعنيف والتحريق؟! قلنا: مسألة التشفّي من القاعدين عن بيعة أبي بكر بأشدّ العقاب ومنه التحريق بالنار؛ فهل هذا مما يرتضيه الله ورسوله، أم هو خروج على الله ورسوله وسنن العرب في جاهليّتهم؟!
مبدأ عليّعليهالسلام
وما أَبْيَن المبدأين! ففي يوم البعير، اجتمع خوارج الناكثين بعد أن أعطوه بيعتهم طواعيةً، وقد أخذ على طلحة بن عبيد الله التيميّ ابن عمّ أبي بكر التيميّ، وعلى الزبير
____________________
(١) مشكل الآثار، للطحاويّ ٤: ٢٥٤ / ٣٧٩٧.
ابن العوّام الأيمان المغلّظة بأن لا ينكثا بيعتهما! بعدما راى منهما ما رأى من الحماس في حصار عثمان ومن النساء كانت عائشة قد خرجت على أمر الله ورسوله في أن تقرّ في بيتها، فخرجت تدور في السكك بين النساء والرجال تحرّض على قتل عثمان بن عفّان وترفع صوتها: (اقتلوا نعثلاً فقد كفر) تشبّه عثمان برجل يهوديّ اسمه نعثل، والعلّة أنّ عثمان أخّر حقّها بعض الوقت، وأمّا طلحة والزبير فقد خرجا عليه وكانا أشدّ المحاصرين له لأنّه خيّب آمالهما فلم يعيّنهما عمّالاً له فلمّا قتل جاءا إلى أمير المؤمنين يطلبان منه أن يعرض نفسه للخلافة وأنّهما أوّل من يبايعه، فامتنع وطلب أن يكون أحدهما صاحب الأمر فيبايعه، فأبيا وأظهرا إصرارهما على بيعته فقال: (هذا أمر لا يكون إلّا علانيّة)، فوافقاه، وحضر المسجد وخطب الناس فكان أوّل من مسح على يده طلحة، ثمّ الزبير، ثمّ تدافع الناس لبيعته. وفي البصرة أخذ جارية بن قُدامة السعديّ البيعة لأمير المؤمنينعليهالسلام . وفي الكوفة بايع هاشم بن عُتبة المرقال أمير المؤمنين وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ(١) .
وفي المدائن، بايع حذيفة بن اليمان لامير المؤمنين واضعاً يده اليمنى على اليسرى وحثّ الناس على بيعته ونصرته وقال: لا أبايع بعده لأحد من قريش، ما بعده إلّا أشعر أو أبتر! وقال: من أراد أمير المؤمنين حقّاً فليأت عليًّا(٢) .
ثمّة ملاحظة: كان على الكوفة أبو موسى الأشعريّ من قبل عثمان، فلمّا صار الأمر إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، وبايع هاشم المرقال على نحو ما علمت وكان يعلم ما نفس الأشعريّ، فكان ممّا قال بعد إعلانه بيعته:
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ١٤.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٧.
أبايعُ غير مُكتَتِم عليًّا |
ولا أخشى أميري الأشعريّا(١) |
ثمّ بايع أبو موسى! فقال عمّار حين بلغته بيعته: والله، لينكثنّ عهده ولينقضنّ عقده وليفرنّ جهده وليسلمنّ جنده! فلمّا كان من طلحة والزبير ما كان قعد يُثبّط أهل الكوفة عن أمير المؤمنين وكان يقول: الإمرة ما أُمّر فيها، والملك ما غُلب عليه. وكان يقول: هذه فتنة، حتّى وجّه عليّ عمّار بن ياسر، مع الحسن بن عليّ إلى الكوفة، وعزل أبا موسى(٢) .
(عمّار مع الحقّ والحقّ معه)، هكذا قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن كان هذا شأنه لا يغيب عنه معدن الرجال، فأبو موسى منحرف عن عليّعليهالسلام ، خارج عليه، وكذلك ابنه أبو بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الذي كتب شهادة الزور التي أرادها ابن سميّة زياد، على حُجر بن عَديّ رضوان الله عليه، فكتبها أبو بردة وزاد على ما أراد ابن سميّة وكثّر، وأمضاها في جملة خوارج يزيدون على ثلاثين أكثرهم ممّن شرك في قتل سبط رسول الله وريحانته سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهماالسلام ، وأرسلوها إلى ابن هند ممّا أوغر قلب ابن آكلة الأكباد حقّاً! مع مقدّمات ذلك، فحجر من خاصّة عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام وقاتل معه يوم صفّين وله صولات مع ابن هند فيما بعد، فعمد إلى قتله في مجموعة من صحبه الكرام.
وتوكيد عمّاررضياللهعنه على خروج أبي موسى على أمير المؤمنين بنكث بيعته ونقض عقده وإسلام جنده؛ فقد سبقه إلى ذلك هاشم المرقال كبش العراق الذي أذاق أهل الشأم السمّ القاتل يوم صفّين، فهو يبايع عليًّا رغم أنف الصحابيّ الأشعريّ! وإن كان أمير الكوفة؛ وصدّق قول عمّار ما ذكرناه من قعود الأشعريّ عن بيعته وخروجه على
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ١٤.
(٢) نفس المصدر السابق.
عليّعليهالسلام لـمّا سمع بحركة خوارج البعير، فكان منه الذي كان.
وفي الشام كان ابن هند والياً لعثمان ومن قبله لعمر، فأظهر الخلاف لأمير المؤمنين، ومنع واليه من دخول الشأم؛ فكانت فيما بعد وقعة صفّين بين أمير المؤمنينعليهالسلام ومعه أهل الكوفة، وبين ابن هند ومعه أهل الخوارج من أهل الشأم الباغين.
وفي مكّة كانت عائشة التي خرجت على عثمان فلمّا جدّ الجدّ خرجت إلى مكّة مغاضبةً لعثمان، وكان بمكّة جمعٌ من بني أميّة فرّوا إليها بعد مقتل عثمان، كان منهم عبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد بن أبي العاص؛ ومعهم المغيرة بن شعبة الثقفيّ؛ وكان يَعلى بن مُنية عامل عثمان على اليمن، فلمّا رأى وفود اليمن تترى على المدينة لمبايعة أمير المؤمنينعليهالسلام خرج منها إلى مكّة ومعه أربعمائة بعير بحُملانها! وأموال وفيرة لينضمّ إلى الخوارج فصاروا جميعأً جبهة واحدة ضدّ الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام . واستأذن طلحة والزبير أمير المؤمنين في العمرة! فقال لهما: (لعلّكما تريدان البصرة)، فأقسما أنّهما لا يقصدان غير مكّة(١) .
وخرج معهما عبد الله بن عامر بن كريز، ابن خال عثمان، فجعل يقول لهما: أبشرا، فقد نلتما حاجتكما! والله لأمدّنّكما بمائة ألف سيف.
ما وجدت في فرق الخوارج مطلقاً جمعاً مثل هؤلاء! صحيح أنّك تجد غزالة من شجعان الخوارج، وهي التي وضعت سنان رمحها في كتف الحجّاج إذ ولّى هارباً بين يديها! وتجد من مشاهير الخوارج كحيلة، وقطام، إلّا أنّهم غالباً متجانسين في المبدأ والمنحدر القبليّ؛ وجُلّهم من تميم وغطفان، وفيهم من أسد، من أرض نجد أرض الزلازل والفِتَن وقَرْن الشيطان ويتاماه الوهّابيّين.
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٣٥٧.
أمّا هؤلاء فأقطابهم طلحة والزبير أشدّ الناس في حصار عثمان، فإذا أشرف عليهم من سطح داره وسلّم لم يردّوا وإذا كلّمهم انتهروه! ولم ينجده إلّا القرآن الناطق أعني عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إذ إذ أرسل ولديه الحسن والحسينعليهالسلام وخادمه قنبر ليحرسوا دار عثمان ويدفعوا عنه وجرح الحسنان وشجّ قنبر ولـمّا أصاب عثمان الظمأ، أدخل أمير المؤمنينعليهالسلام الروايا والقرب إليه، وفرّق عنه جموع الجماهير الناقمة عليه سياسته والذين وفدوا من الأقطار؛ فأفسد عليه مروان بن الحكم ما أصلحه إذ كتب على لسان عثمان إلى ولاة تلك الأقطار أن يوقعوا أشدّ العقاب بهذه الوفود إذا رجعت إلى بلدانها، وختم الكتاب بختم عثمان وأعطاه إلى غلام فوقع الغلام بأيديهم، فقرّروه فاعترف أنّ مروان هو الذي أعطاه الكتاب، فرجعوا إلى المدينة وأعطوا الكتاب إلى أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، فأخذه ودخل على عثمان وجرى بينهما كلام وخرجعليهالسلام مغضباً... وانتهى الأمر بقتل عثمان.
مروان أمويّ كان مع عثمان في الدار وكان يقلّب عليه المواقف منها مسألة الكتاب ومجموعة من ركب الخوارج على أمير المؤمنينعليهالسلام أمويّون وواحد ثقفيّ عزيز على قلب عمر على ما وصفنا، والقادة: تيميّ ابن عمّ أبي بكر، وآخر من آل العوّام الذين قيل إنّهم ليسوا من بني أسد بن عبد العزّى، إنّما هم من أرض مصر، من القبط، فقد ذكر أنّ خويلد بن أسد أتى أرض مصر ثمّ انصرف منها بالعوّام فتبنّاه وعاش الزبير يتيماً في كنف نوفل - ذكرنا تفاصيل ذلك وشعر حسّان يهجو آل العوام ويذكر أنّهم من القبط - وقد تعجّل بالسؤال: ما الذي جمع هذه الأطياف المتباينة من الخوارج، ففيهم قتلة عثمان وفيهم ابن خال عثمان وجمع من بني أميّة ومروان وابن العاص والمغيرة الثقفيّ؟! أم تقول: إنّ الشيطان استحوذ عليهم، فغضّ الموتور عن الواتر نظرة إلى
حين بدليل أنّ ابن الزرقاء مروان لـمّا رأى الخوارج ينهزمون، رمى ابن الحضرميّة طلحة بسهم وقال: لا أطلب بثاري بعد اليوم. فأصاب السهم ركبة طلحة فكان الدم يسيل، فإذا أمسكوا ركبته انتفخت فقال: دعوه فإنّما هو سهم أرسله الله، أللّهم خذ لعثمان منّي اليوم حتّى ترضى)(١) .
وكان عبد الملك بن مروان يقول: لولا انّ أمير... أخبرني أنّه هو الذي قتل طلحة ما تركت من ولد طلحة أحداً إلّا قتلته بعثمان بن عفّان!(٢)
مزيد بيان: ذكرنا أنّ طلحة ابن عمّ أبي بكر؛ وزوج ابنته أمّ كلثوم بنت أبي بكر، وقد خلف عليها مصعب بن الزبير بن العوّام. والزبير هو صهر أبي بكر، زوجته أسماء بنت أبي بكر، ولدها عبد الله. ولعبد الله قصّة مفادها أنّه ابن متعة، ولذلك حينما تنقّص ابن عبّاس فقال فيما قال إنّه يفتي بالمتعة، أجابه ابن عبّاس: إذا نزلت من المنبر فسل أمّك أسماء عن بردي عوسجة، فلمّا سأل أمّه أقرّت له أنّه ابن متعة، وسيأتي بيانه مفصّلاً في موضع آخر وكان عبد الله ناصبيّاً شديداً حضر الجمل، وكان شديد اللهجة مع الزبير!
عائشة: بعد الذي كان من خروجها على عثمان توجّهت إلى مكّة فبلغها أنّ الناس بايعوا طلحة فقالت: إيه ذا الإصبع لله أنت، وجدوك لها محشاً، وأقبلت جذلةً مسرورة حتّى إذا انتهت إلى (سرف) (٣) استقبلها عبيد بن مسلمة الليثي، فسألته عن الخبر، قال: قتل الناس عثمان، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ قال: خيراً، أخذها أهل المدينة بالاجتماع
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٤٣، طبقات ابن سعد ٢: ٢٢٢، الأخبار الطوال: ١٤٨، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٣٦. وفي مروج الذهب ٢: ٣٦٥ (جرحه عبد الملك في جبهته ورماه مروان في أكحله).
(٢) طبقات ابن سعد ٣: ٣٢٣.
(٣) سرف: موضع على ستّة أميال من مكّة. معجم البلدان ٣: ٢١٢.
فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على ابن عمّ نبيّهم عليّ فبايعوه. فقالت: أو فعلوها؟! وددت أنّ هذه أطبقت على هذه، إن تمّت الأمور لصاحبك الذي ذكرت! ردّوني ردّوني إلى مكّة، وهي تقول: قتل عثمان مظلوماً! والله لأطلبنّ بدمه! فقال لها عبيد بن مسلمة: فلم، فو الله إنّ أوّل من أمال حرفه لأنتِ، ولقد كنت تقولين: أقتلوا نعثلاً فقد كفر!! قالت: إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأوّل، فقال لها عبيد:
مِنكِ البَداءُ ومِنك الغِيَر |
ومِنك الرِّياحُ ومِنك المطَرْ |
|
وأنت أمرتِ بقتلِ الإمام |
وقُلتِ لنا: إنّه قد كَفَرْ! |
|
فهَبنا أطعناكِ في قتلِه |
فقاتلُه عندنا مَن أَمرْ |
فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد، فقصدت للحجر فسترت، واجتمع إليها الناس فقالت: إنّ عثمان قُتل مظلوماً، ووالله لأطلبنّ بدمه!(١)
واجتمع الخوارج من ناكثي البيعة طلحة والزبير، ومعهم مروان وعقدوا مع عائشة صفقة خاسرة هي الخروج على أمير المؤمنينعليهالسلام بتهمة قتل عثمان التي أوّل من يوقف إلى الحساب عليها رؤوس الخوارج هؤلاء، وليس معاوية عنها ببعيد إذ استنجده عثمان فما أجابه وخذله، وخرج بعد ذلك يطلب بدمه، ولا أظنّ أنّ له حقّاً في ذلك، فشرعاً أتباع البعير هم المسؤولون عن دم عثمان يشاطرهم في ذلك ثوّار الأقاليم الناقمون على عثمان سياسته، مع تحميل مروان جانباً كبيراً من تلك المسؤوليّة بتقليبه المواقف على عثمان ممّا زاد في نقمة الثوّار على عثمان. مضافاً إلى ما ذكرناه من خذل ابن
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ١٨، تاريخ الطبريّ ٣: ٤٧٦ - ٤٧٧، الفتوح ٢: ٢٤٩، تذكرة الخواصّ: ٦٦، الكامل في التاريخ ٣: ١٠٢.
هند له ومعه الأبدال! من أهل الشأم. ولعلّ خذله لعثمان الأمويّ ينضاف إلى ما ذكرناه من تحقيق في نسبه وأنّه ليس لأبي سفيان، إنّما هو لأربعة رجال، وفي قول: للصُّبّاح مغنٍّ أسود.
ونشط الخوارج لحرب أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان أشدّهم عائشة بنت أبي بكر التي كانت بالأمس تجول بين الرجال رافعة صوتها: اقتلوا نعثلاً فقد كفر! واليوم تطلب بدمه عمّن نصره وجرح ولده في الدفاع عنه، ولولاه لـما دفن عثمان! وقد أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتال ثلاث فرق: الناكثين وهم خوارج البعير، والقاسطين وهم خوارج البغاة من أهل الشأم مع ابن هند وخوارج المارقين يوم النهروان؛ فهلّا سمعت عائشة الحديث كما سمعته أمّ سلمة وروته في جمع من الصحابة فوقع كما حدّث بهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكان من أعلام النبوّة، وهي كثيرة، أم أنّ لها شيطاناً يعتريها فتنسى مثلما نسيت تحذير النبيّ لها من خروجها وحذّرها أن تنبحها كلاب الحَوْأَب، فنبحتها فتذكّرت فقالت ردّوني فأقام لها الحواري! وابنه وطلحة المبشّر شهوداً أنّها ليست كلاب الحوأب، فتذكرت عليًّاعليهالسلام فمضت في القيادة.
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: أمرنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فقلنا يا رسول الله، أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ فقال: (مع عليّ معه يُقتل عمّار)(١) .
____________________
(١) أسد الغابة ٤: ١١٤، المناقب، للخوارزميّ: ١٩٠؛ ثمّ ذكره نفس المصدر حديث رقم ٢٢٦، والحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٩ من حديث أبي أيّوب الأنصاريّ. وفي المناقب، للخوارزمي: ١٧٧ حديث ٢١٤. قالت أمّ سَلَمَة لأبي ثابت مولى أبي ذرّ: أين طار قلبك حين طارت القلوب مطايرها؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب، قالت: وفّقت، والذي نفس امّ سلمة بيده لسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لمن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض). ولقد بعثت ابني، وابن أخي عبد الله، وأمرتهما أن يقاتلا مع عليّ من قاتله، ولولا أنّ رسول الله أمرنا أن نقرّ في حجالنا أو في بيوتنا، لخرجت حتّى أقف في صفّ عليّ. انظر فرائد
نهدت عائشة تحرّض على أميرالمؤمنين، وأقبلت على أمّ سلمة زوجة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وراحت تتزلّف لها لتقنع بالخروج معها، فقالت لها أمّ سلمة: يا بنت أبي بكر! بدم عثمان تطلبين! والله لقد كنت من أشدّ الناس عليه وما كنت تسمّيه إلّا نعثلاً، فما لك ولدم عثمان...، أعلى عليّ وابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تخرجين وقد بايعه المهاجرون والأنصار؟! ثمّ جعلت أمّ سلمة تذكّر عائشة فضائل عليّ، وابن أختها أسماء: عبد الله على الباب يسمع ذلك، فصاح بأمّ سلمة: يا بنت أبي أميّة!! إنّنا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير! فقالت أمّ سلمة: والله لتوردنّها ثمّ لا تصدرنّها! أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بالزبير وصاحبه طلحة وعليّ بن أبي طالب حيّ وهو وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة؟! فقال عبد الله: ما سمعنا هذا من رسول الله ساعة قطّ! فقالت أمّ سلمة إن لم تكن سمعته فقد سمعته خالتك عائشة وها هي فاسألها؛ فقد سمعته يقول: (عليٌّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي، فمن عصاه فقد عصاني). أتشهدين يا عائشة بهذا؟ فقالت عائشة: أللّهم نعم! فقالت أمّ سلمة: فاتّقي الله يا عائشة في نفسك واحذري ما حذّرك الله ورسوله ولا تكوني صاحبة الحوأب، ولا يغرنّك الزبير وطلحة فإنّهما لا يغنيان عنك من الله شيئاً.
____________________
السمطين ١: ١٧٧، الخصائص الكبرى ٢: ٢٣٥، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفيّ: ٢ ح ٨٠٨ و ٨٢٩ و ١٠٤٨ و ١٠٧٢؛ كلّها عن عليّعليهالسلام ، وحديث ١٠٨ عن عمّار؛ ومختصر تاريخ دمشق ١٨: ٥٤، عن عليّعليهالسلام . ونفس المصدر عن أمّ سلمة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - والحديث طويل -، وصفحة ٥٥ منه عن أبي سعيد الخدريّ قال: أمرنا رسول الله بقتال الناكثين...، نفس لفظ الحديث السابق. وأيضاً عن أبي أيّوب الأنصاريّ. والمعجم الكبير للطبرانيّ ١٠: ٩١ / ١٠٠٥٣ عن عمّار، المعجم الأوسط ٩: ١٩٨ عن عليّعليهالسلام ؛ أعاده الكوفيّ عن عليّعليهالسلام ٢: ٤٢١ / ١٠٤٨ و ١٠٤٩ وفيه قال: الناكثون أهل الجمل، والمارقون أهل الخوارج، والقاسطون أهل الشأم.
أقول: إن لم تستطع عائشة أن تفعل خيراً لعليّعليهالسلام ، فهلّا أطاعت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فكفّت شرّها عن عليّ، وقعدت في حجلتها أو بيتها ولم تكن مع الخوارج تتقدّم الرجال؟!
وخرجت عائشة من عند أُمّ سلمة وهي حَنِقةٌ عليها؛ ثمّ إنّها بعثت إلى حَفْصة بنت عمر بن الخطّاب، لتخرج معها إلى البصرة، فأجابتها حفصة إلى ذلك، إلّا أنّ عبد الله بن عمر حال بينها وبين الخروج(١) .
( فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَي الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُور ) (٢) .
وإلاّ، ما هذا الحقد الموروث والناصبيّة الشديدة والحسد لبيت النبوّة وكبير البيت سيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ! فإنّ عائشة التي حرّقت الأرض على عثمان، ما أن سمعت أنّ وليّ الأمر بصريح القرآن وأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد آلت إليه خلافة المسلمين بالإجماع حتّى شهقت وتمنّت أن تنطبق السماء على الأرض! وصار نَعْثل عثمان المقتول ظلماً! وأنّها المكلّفة بالقيادة وحشد الخوارج لأخذ ثأر نَعْثل أعني عثمان الإمام! من عليّ بن أبي طالب.
ولم تجد غير أمّ سلمة هذه المرأة المؤمنة الصالحة العاقلة، حتّى تبدأ بها فتدعوها إلى النار بالخروج على من حبّه إيمان وبغضه نفاق، وحربُه حربٌ لله ورسوله؛ فبدأت بها أمّ سلمة تذكّرها بأنّها أشدّ الناس على عثمان وما كانت تسمّيه إلّا نَعْثلاً، ثمّ عطفت على خروجها على رجل بايعه المهاجرون والأنصار؛ وكأنّها تريد أن تقول أنّها بيعة إجماع ولم تكن فلتة وقى الله شرّها! وراحت تذكّر عائشة بفضائل أمير المؤمنين وتردّ على الناصبيّ عبد الله الذي لم يكن مؤدّباً في خطابه لأُمّ المؤمنين أمّ سَلَمة إذ قال لها: يا بنت أبي أميّة! ولقد كانت أُمّ سلمة من الذكاء والحكمة بمكان إذ أشهدت عائشة على نفسها أنّها سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (عليٌّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي، فمن
____________________
(١) الفتوح ٢: ٢٨٢ - ٢٨٣، تاريخ الطبريّ ٣: ٤٧٠.
(٢) الحجّ: ٤٦.
عصاه فقد عصاني)، أي أنّ لعليّ أن يُنفذ أحكامي التي حكمتها فيكم وأنا موجود معكم أو حال مماتي، وعائشة تعرف هذا المعنى الذي ذهبت إليه أمّ سلمة، وذلك أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم طلّق عائشة وحفصة وجاءه أبوبكر وعمر وراجعاه فيهما فقبلهما وجعل أمرهما إلى عليّعليهالسلام ، ولذلك حين انتهت وقعة البعير ولجأت عائشة ومروان في جمع إلى دار، أرسل إليها أمير المؤمنين أن تخرج وتذهب إلى المدينة فعصت، فجاءها وهدّدها بإمضاء ما خوّله رسول الله، ولولت واستجابت وحينما سئلت أجابت عن سرّ ذلك - نوضّحه في موضعه -.
ثمّ حذّرتها ممّا حذّرها منه الله ورسوله، فلا تكون صاحبة الحوأب، وعائشة سمعت ذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن أبت إلّا خروجاً على الله ورسوله ووليّه.
إجتماع الخوارج: ثمّ إنّ القوم اجتمعوا في دار عائشة، وأداروا أمرهم فاستقرّ على المسير إلى البصرة، وانطلقوا إلى حفصة بنت عمر فقالت: رأيي تبع لعائشة إلّا أنّ عبد الله بن عمر منعني. وجهّزهم يَعلى بن مُنْية، ومنية أمّه بها يُعرف(١) ، بالمال والجمال، فارتحلوا. وكتبت أمّ سلمة رضي الله عنها إلى أمير المؤمنينعليهالسلام تعلمه الخبر، وكتبت إليه بذلك أم الفضل بنت الحارث. سار البعير وعلى ظهره عائشة بنت أبي بكر وخلفه الرجال حتى إذا بلغت مياه بني عامر اعترضتها الكلاب ونبحتها فقالت: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها: الحوأب(٢) ، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك فقالت: رُدّوني إلى حرم رسول الله، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: بالله! ما هذا ماء
____________________
(١) جمهرة أنساب العرب: ٢٣٢. وفي جمهرة النسب: ٢١٢: يعلى بن أميّة بن أبي عبيدة، ابن منية، وهي أمّه، حليف بني نوفل بن عبد مناف. وكان عاملاً لعثمان على اليمن. فهم بين دعيّ ولصيق ومتردّد في النسب وأبناء أمّهات وأحلاف.
(٢) الحوأب: موضع بئر في طريق البصرة. معجم البلدان ٢: ٣١٤.
الحوأب! ولقد غلط فيما أخبرك به. ولحقها طلحة فأقسم أنّ ذلك ليس الحوأب، وشهد معهم خمسون رجلاً ممّن كان معهم، فكان ذلك أوّل شهادة زور في الإسلام(١) .
أتباع البعير يتشاحّون في الصلاة!
وكان مؤذّنهم مروان بن الحكم فقال: من أدعو للصلاة؟ فقال ابن الزبير: ادع أبا عبد الله، وقال محمّد بن طلحة: ادع أبا محمّد. فقالت عائشة: ما لنا ولك يا مروان؟ أتريد أن تغري بين القوم وتحمل بعضهم على بعض؟! ليصلّ أكبرهما، فصلّى الزبير(٢) .
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٣٥٨، تاريخ الطبريّ ٣: ٣٧٥، الفتوح ٢: ٢٨٨، أنساب الأشراف ٣: ٢٤. وفي (المعيار والموازنة، للإسكافيّ ت ٢٢٠ هـ): عن ابن عبّاس قال: طرقت عائشة ومن معها ماء الحوأب ليلاً، فنبحتهم كلاب الحوأب، فنفرت صِعابُ إبلهم..، قالت عائشة: أيّ ماء هذا!؟ فقال محمّد بن طلحة وعبد الله بن الزبير: هذا ماء الحوأب، فقالت عائشة: رُدّوني رُدّوني والله لا صحبتكم، إنّي سمعت رسول الله يقول: (كأنّي بكلاب ماء يدعى الحوأب قد نبحت على امرأة من نسائي وهي في فئة باغية)، ثمّ قال: (لعلّك أنت يا حميراء)، قالت: ثمّ دعا عليًّا ناجاه بما شاء. ردّوني، فقال لها الزبير: مهلاً يرحمك الله، يراك الناس والمسلمون فيصلح الله ذات بينهم. وقال طلحة: ليس هذا بحين رجوع. ثمّ جاء عبد الله بن الزبير فقال: ليس هذا بماء الحوأب وحلف لها على ذلك قالت: وهل من شاهد؟ فأقاموا لها خمسين رجلاً من الأعراب يشهدون أنّه ليس ماء الحوأب، وجعلوا لهم - جعلاً -، أي مالاً، وكانت أوّل شهادة زور أقيمت في الإسلام. المصدر ٥٥. وفي المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٣٨ / ٣٧٧٤ عن ابن عبّاس قال قال رسول الله: (أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدبب يقتل حولها قتلى كثيرة بعد ما كادت) وفيه برقم ٣٧٧٧ عن أبي بكرة قيل له: ما منعك أن تكون قاتلت على بصيرتك يوم الجمل؟ قال: سمعت رسول الله يقول: (يخرج قوم لا يفلحون، قائدهم امرأة). فهلّا سمعت عائشة هذه الأحاديث أم أنّ الفلاح لها وهم الخاسرون؟
(٢) المعيار والموازنة: ٥٦، مروج الذهب ٢: ٣٥٨. ولقد أنبأ أمير المؤمنين عن حال الرجلين إذ خطب بعد أن بلغه مسيرهم فقال: (قد سارت عائشة وطلحة والزبير، وكلّ يدّعي الأمر دون صاحبه، يطلبه طلحة لأنّه ابن عمّ عائشة، ولا يرى الزبير إلّا أنّه أحقّ بالخلافة لأنّه ختن عائشة. فوالله لئن ظفروا بما يريدون، ولا يرون ذلك أبداً ليضربنّ طلحة عنق الزبير، والزبير عنق طلحة، تنازعاً شديداً على الملك!) (المعيار والموازنة: ٥٣).
هيهات هيهات! أن يقسم أبو الحسنعليهالسلام على شيء باطلاً، فتنازع الرجلان الصلاة وقتلا ولم يَصِلا إلى شيء سوى العار فالنار.
وقيل: أمرت عبد الله بن الزبير ومحمّد بن طلحة بالصلاة، فكان أحدهما يصلّي بالناس صلاة والآخر يصلّي بالناس صلاة(١) . (وتشاحّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي بالناس عبد الله بن الزبير يوماً، ومحمّد بن طلحة يوماً، في خطب كان بين طلحة والزبير إلى أن اتّفقا على ما وصفنا)(٢) .
إنّ الخوارج لا دين لهم! فزعيم القوم لم يردعها ما سمعته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحذيره لها، فعصته، ومعصية النبيّ معصية لله مع سبق الإصرار، فهل تنفع والحال هذه توبة، مع لحاظ أنّ الخروج على من تجب طاعته وهو نفس رسول الله وأخوه ومن بيده عقدة نكاحها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ...، فمضت على غير بصيرة وقد اعتراها الشيطان! فلمّا نبحتها كلاب ماء الحوأب وسألت: فشهد لها ابن أختها عبد الله، وابن ابن عمّها محمّد أنّه ماء الحوأب، شاء الشيطان أن يجعلهم في اختبار فخلّى عنهم هنيعة! فقالت زعيمة القوم: لا صحبتكم ردّوني، وذكرت لهم حديث رسول الله في خروجها في فئة باغية...، فتصدّى لها الحوراي طالباً منها الثبات ليراها الناس فيصلح أمرهم. واتّخذها وصاحبه طلحة سلعة للوصول إلى أمر ماتا دونه! وأمّا العائذ ابن الحواري فعاد إليها ليكذب عليها ويغيّر قوله الأوّل فقال: ليس هذا ماء الحوأب وحلف على ذلك، ثمّ أعطوا رشوةً إلى أعراب شهدوا لها أنّه ليس ماء الحوأب.
والخوارج هؤلاء لم ينالوا شيئاً بعد أن تنازعوا على إمامة الصلاة؛ فماذا سيكون أمرهم لو آلت الخلافة إليهم؟! إلّا أن يقطع الزبير رأس طلحة، وطلحة يفعل ذلك بالزبير، وليس لعائشة حينئذ إلّا أن تستأجر فيلاً تركبه وتصرخ قتل فلان مظلوماً لآخذنّ بثاره!
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٤.
(٢) الفتوح ٢: ٢٩٠.
وعلى ذكر الصلاة: هل يقبل الله تعالى صلاة قوم يقام عليهم إمام بالفرض والجبر؟!
إفحام عائشة في الحوار
ما يصدر من باطل لا يصمد لحقّ. فلقد هزمت عائشة في حوارها لأمّ سلمة.
ولمّا قربت عائشة من البصرة بعث إليها عثمان بن حنيف والي أمير المؤمنين علىعليهالسلام البصرة عمران بن الحصين الخزاعيّ، وأبا الأسود الدّؤليّ، فلقياهم بحفر أبي موسى، فلمّا دخلا عليها قالا لها: يا أمّ المؤمنين! أبعهد من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرجت من بيتك؟ ألم يبايع الناس لابن عمّ نبيّهم ووصيّ رسولهم وخير من تعلمون؟ فتركت بلد رسول الله وحرمه وأتيت البصرة؟! قالت: جئنا نطلب بدم عثمان! فقال لها عمران بن حصين: ليس بالبصرة أحد من قتلة عثمان! قالت: لكنّهم مع عليّ بن أبي طالب فجئنا نقاتلهم فيمن تبعنا من أهل البصرة وغيرهم!! غضبنا لكم من السوط والعصا على عثمان، ولا نغضب لعثمان على السيف؟! فقالا لها: وما أنت من سيفنا وسوطنا وسوط عثمان وعصاه؟ إنّما أنت حبيسة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد أمرك أن تقرّي في بيتك وتذكري ما يتلى فيه من آيات ربّك، فتركتِ ذلك وجئتِ تضربين الناس بعضهم ببعض! ولست من طلب الدماء وحضور القتال في شيء، وعليّ أولى بعثمان منكِ. فقالت: وهل أحد يقاتلني؟ قالا: إي والله قتالاً أهوَلُه الشديد. فقالت: إنّما جئت مصلحة. فقال لها عمران بن حصين: اتّقي الله يا أمّ المؤمنين، فإنّ الله إنّما عظّمك وشرّفك في أعين الناس ببني هاشم، فاتّقي الله واحفظي قرابة عليّ من رسول الله وحبّه إيّاه؛ قد بايع الناس أباك ولم يخالف ولم ينكث، ثمّ جعله عمر سادس ستّة، ثمّ كان من أحداث
عثمان وأمر الناس فيه ما قد علمت، وكنت أشدّ الناس فيه قولاً وأكثرهم عليه تحريضاً. ثمّ بايعه طلحة والزبير والناس، وأتتنا كتبهم بذلك فرضينا وبايعنا، فما الذي بدا لكم؟!
فلم يكن عندها شيء أكثر من أن قالت لهما: القيا طلحة(١) .
من خلال الحوار الماضي فإنّ عائشة تتحوّل من ذريعة إلى أخرى، وهذا شأن الباطل! فهي ادّعت أنّها جاءت البصرة طلباً لدم عثمان؛ فلمّا قيل لها: ليس فيها أحد منهم؛ تحوّلت إلى سبب آخر وهو أنّ أهل البصرة مع عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وآخرين منهم ليسوا معه فهي تقاتل بهم وبمن معها عليًّاعليهالسلام وأصحابه من أهل البصرة. ثمّ أردفت بالقول: (غضبنا لكم من السوط والعصا على عثمان...)، وفيه اعتراف منها من قيامتها على سياسة عثمان وتحريضها عليه؛ ثمّ اتّهمت أمير المؤمنين بدم عثمان! فكان الجواب لها أنّها مخالفة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بخروجها وأنّ عليًّا أولى بدم عثمان لأنّه أميرالؤمنين ووليّ الأمر.
فعادت إلى لهجة التحدّي فأجابها بأشدّ من لهجتها! فتحوّلت إلى مصلحة لا مقاتلة ولا طالبة ثأر! فذكّرها بجملة حقائق منها: أنّها قصارى جهدها وعظيم شرفها قربها من بني هاشم ولولا ذلك كانت ضاحية! وذلك أنّها واحدة من زوجات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عرضها أبوها عليه فقبلها، وبكلمة واحدة تخرج من حياة رسول الله (طالق) أمّا أمّهات المؤمنين، فحكمة الله تعالى اقتضت ذلك إذ حرم بذلك الزواج منهنّ بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولولا ذلك لكانت مصيبة!.
مقدّمات الجمل: ليس هذا مقام التاريخ لتلك الوقائع، ولكن ما نؤرّخ له من
____________________
(١) المعيار والموازنة: ٥٧ - ٥٨، أنساب الأشراف ٣: ٢٤ - ٢٥، تاريخ الطبريّ ٣: ٤٨٠.
وقائع فيما بعد هو وليد هذه الأمور، ولولا تتابع سلسلة الخوارج لـما كان خارجة أهل الشأم وابن هند وعظائم الأمور، ثمّ ظهور خارجة المارقة، وتوالي العدوان على أئمّة الهدى واستباحة الحرمين في ثلاثة عهود!! ! ومتابعة شيعة عليّعليهالسلام بالقتل اقتداءً بسيرة أبي بكر وعمر في الخروج على الله ورسوله ووليّه على ما أوضحنا ومروراً بالسقيفة والعدوان على الأنصار وتحريق بيت النبوّة والخروج على الله في كيفيّة التعامل لرافضيّ بيعة أبي بكر وما كان من خالد، وها هي عائشة على سرّ أبيها في الخروج وإعلانها أنّ بالبصرة شيعة لعليّ جاءت لتقتلهم!
ذو الخويصرة النجديّ، قال في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جملةً فخلّده التاريخ على أنّه الخارجي الأوّل، والمارقة لأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال فيهم وأنّ عليًّاعليهالسلام ومعه أهل العراق يقتلونهم، والناكثون والقاسطون لأنّ النبيّ قال لعليّ وأمره بقتالهم؛ ولكن يبقى أولئك بمنأى عن تسمية الخروج مع علمنا بحالهم! فلنقل: إنّهم خرجوا بتأويل واجتهاد، وبعضهم تاب وندم كما حصل لأبي بكر لـمّا قال: ثلاثة فعلتهنّ وليتني لم أفعلهنّ وثلاثة تركتهنّ... إلى آخر قوله، وإنّ عائشة كانت كلّما ذكرت يوم الجمل بكت حتّى تبل خمارها، وكانت تحدّث ببعض فضائل عليّعليهالسلام .
يوم الجمل الصغير
ويصلح تسميته بذلك، لأنّ طلحة والزبير وعائشة دخلوا المربد، حيٌّ قديم بالبصرة، وجاء عثمان بن حُنيف ومعه أهل البصرة. وخطب طلحة والزبير أنّ عثمان أحدث أحداثاً ثمّ أعتب لـمّا استعتب، وقُتل مظلوماً، واتّهما أمير المؤمنين بذلك فقال قائلون: نطِقا بالحقّ! وقال آخرون: كذبا، ولهما كانا أشدّ الناس على عثمان. وارتفعت الأصوات، وأُتي بعائشة على بعيرها، فتكلّمت فقالت: إنّ عثمان خليفتكم! قُتل
مظلوماً بعد أن تاب إلى ربّه وخرج من ذنبه...، فينبغي في الحقّ أن يؤخذ قتلته فيقتلوا به ويجعل الأمر شورى!
فقال قائلون: صدقت، وقال آخرون: كذبت... فصاروا فرقتين، فرقة مع عائشة، وفرقة مع ابن حُنيف وكان على خيل ابن حُنيف حكيم بن جَبَلة العبدي، وتأهّبوا للقتال. إنّ الذين صدّقوا الخوارج في أقوالهم هم الذين كانت إليها قيادة الخوارج تراهن عليهم في قتال أصحاب عليّ في البصرة. والخوارج لو تخلّوا عن مقولة توبة عثمان ولكنّ الناس قتلوه ظلماً، إذ بعد التوبة حوبة! لكان لهم خيراً؛ ذلك أنّهم كانوا أشدّ الناس عليه ومنعوه حتّى من الماء الذي أدخله إليه رغم أنوفهم! عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام وعائشة أظهرت السرور لـمّا بلغها مقتل عثمان؛ فأولى الناس أن يؤخذ بقتل عثمان هم هؤلاء الخوارج الذين الناس لهم تبع:
وأقبل جارية بن قدامة السعديّ فقال: يا أمّ المؤمنين، والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على الجمل الملعون عرضةً للسلاح؛ إنّه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكتِ ستركِ وأبحتِ حرمتك. إنّه مَن رأى قتالك فإنّه يرى قتْلَك؛ إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مستكرهة فاستعيني بالناس. وله شعر في هتك طلحة والزبير لحرمة عائشة.
عن الزهريّ قال: لـمّا قدم طلحة والزبير البصرة أتاهما عبد الله بن حكيم التميميّ بكتب كتبها طلحة إليهم يؤلّبهم فيها على عثمان، فقال له حكيم: أتعرف هذه الكتب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على التأليب عليه أمس والطلب بدمه اليوم؟ فقال: لم أجد في أمر عثمان شيئاً إلّا التوبة والطلب بدمه!(١)
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٨.
( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ) (١) .
غدر الخوارج: وليس عليهم بجديد! بدأوا حياتهم وأنهوها بذلك. تأهّب الخوارج للقتال، فقام طلحة والزبير خطيبين - فكذبا! - فقالا: يا أهل البصرة توبة بحوبة، إنّما أردنا أن يستعتب أمير المؤمنين عثمان!! ولم نرد قتله فغلب سفهاء الناس الحلماء حتّى قتلوه. فقال الناس لطلحة: قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا! فقال الزبير: فهل جاءكم منّي كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتل عثمان... وأظهر عيب عليّ! فقام إليه رجل من عبد القيس، فحاجّ الزبير في مجريات الخلافة، وإنّهم رضوا بما رضى به المهاجرون انتهاءً ببيعتهم لعليّ ونكثهم لها، طالباً سبباً وجيهاً لهذا الإنقلاب ليكونوا معهم على عليّ! فهمّوا بقتله، فقام من دونه عشيرته، فلمّا كان الغد وثبوا عليه وعلى من معه فقتلوا سبعين رجلاً(٢) .
غدر آخر: وزحف إليهم عثمان بن حنيف فقاتلهم أشدّ القتال، فكثرت بينهم القتلى وفشت الجراح. ثمّ إنّهم تداعوا إلى الصّلح فكتبوا بينهم كتاباً بالموادعة إلى قدوم عليّعليهالسلام ، على أن لا يعرض بعضهم لبعض في سوق ولا مشرعة، وأنّ لعثمان بن حنيف دار الإمارة وبيت المال والمسجد. فلمّا كان في بعض الليالي بيّتوا عثمان بن حنيف وهو يصلّي بالناس العشاء الآخرة فأسروه، وأمرت عائشة بقتله! ثمّ إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مخُلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حنيف وغيره من الأنصار. فاكتفوا بضربه وحلقوا راسه ونتفوا لحيته وشاربيه وأشفار عينيه، ثمّ حبسوه. وأرادوا
____________________
(١) البقرة: ٥٤.
(٢) أنساب الأشراف ٣ ذ: ٢٨، تاريخ الطبريّ ٣: ٤٨٦، موجزاً.
بيتَ المال فمانعهم الخزّان والموكّلون به، فقتل من الخزّان سبعون رجلاً، خمسون منهم ضربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر، غير مَن جُرح.
وركب حكيم بن جبلة العبديّ، معه إخوته: الرَّعل، والأشرف ابنا جَبَلة، في ثلاثمائة رجل، فطلب من طلحة والزبير أن يحلاّ عثمان بن حنيف ويرجع إلى دار الإمارة وبيت المال، فأبوا عليه ذلك ووقع القتال، فقتل حكيم والرَّعل والأشرف أبناء جبلة، وقتل من قوم حكيم سبعون رجلاً. وكانت الوقعة لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين.
وقفة قصيرة مع الخوارج
لمّا أتاهم من يقدّم إليهم كتب طلحة أحد العشرة المبشّرة! يؤلّب أهل البصرة فيها على عثمان، لم يكن عند طلحة إلّا أن يقول: لم أجد في أمر عثمان شيئاً إلّا التوبة والطلب بدمه! فكان عليه أن يبدأ بعائشة والزبير، ثمّ يضع ظبة سيفه في بطنه فيتّكئ عليه؛ ذلك أزكى له. ومتى كان عثمان عند الخوارج (أميرالمؤمنين)...، وإنّما هو عندهم نعثل؛ ولذا تصدّى له الناس بقولهم: قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا؛ فما أصفق وجهه!
وأيّ عيب يا ابن العوّام القبطيّ وقد أدنتك صفيّة بنت عبد المطّلب الهاشميّة وعمّة الشمس الساطعة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فأدنتك من الظلّ ولولاها كنت ضاحية! وأيّ عيب في عليّ تذكره...؟!
وحالة الغدر التي اتّسم بها الخوارج، من غدرهم بعثمان، إلى نفاقهم في الطلب بدمه من ناصره! إلى غدرهم ببني عبد القيس فقتلوا منهم سبعين رجلاً؛ إلى خيانتهم للعهد بينهم وبين عثمان بن حنيف وما أحدثوه به. فقتلهم لسبعين آخرين هم خزّان
بيت مال لأنّهم دافعوا السرّاق الخوارج عن بيت مال المسلمين! ثمّ قتلوا حكيم والرعل والأشرف وسبعين رجلاً من قوم حكيم؛ ولو أمهلهم أبو الحسنعليهالسلام أكثر لأوغلوا في الدماء أكثر.
مسير أمير المؤمنينعليهالسلام إلى العراق
بلغ أمير المؤمنين ما أحدثه الخوارج البغاة من الناكثين وغيرهم، فسار في سبعمائة من المهاجرين والأنصار، منهم سبعون بدريّاً، واستخلف على المدينة سهل بن حنيف.
وسار إليه من أهل الكوفة تسعة آلاف، وتوارد عليه ستّة آلاف من أهل المدينة والحجاز وأهل مصر، وجعل الناس يجتمعون إليه حتّى صاروا في تسعة عشر ألف رجل - ليس فيهم امرأة! -.
مبدأ أمير المؤمنين فيعليهالسلام القتال
لقد بدأنا بهذا العنوان ولم نفِه حقَّه؛ أمرعليهالسلام أصحابه أن يُصافّوهم ولا يبدأوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح وأن لا يجهزوا على جريح ولا يمثّلوا بقتيل، ولا يدخلوا داراً بغير إذن، ولا يشتموا أحداً ولا يلحقوا مدبراً ولا يهيجوا امرأة، ولا يأخذوا إلّا ما في عسكرهم ولا يكشفوا عورة، ولا يهتكوا ستراً.
أين هذا من مبدأ الخوارج على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو في السقيفة وما بعدها ومروراً بمبدأ التحريق والعدوان على الأنصار، والقتل العام للقبائل المسلمة وسبي نسائهم وذراريهم وحرقهم. وانتهاءً بأفعال الخوارج يوم الجمل الصغير؛ فكان لأميرالمؤمنين أن يبدأهم القتال ولم يفعل وتلى على أصحابه إرشاداته السامية ثمّ قال لأصحابه:
(أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يده أخذه باليد الأخرى! وإن قطعت أخذه بأسنانه؟) قال فتىً شاب يقال له: مسلم المجاشعيّ من تميم: أنا، فقال له أميرالمؤمنين: (أعرض عليهم هذا وقل: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، والله في دمائنا ودمائكم). فحمل الفتى وفي يده المصحف فقطعت يداه فأخذه بأسنانه حتّى قتل. ورمى أصحابُ أصحابَ أمير المؤمنين فعقروا منهم جماعة، ثمّ جيء برجل من أصحابهعليهالسلام قد رمي بسهم فقتل؛ فقال: (أللّهم اشهد). ثمّ أذن بالقتال وهو يقول: (الآن طاب الضّراب)....
قتل في المعركة من رؤوس الخوارج الزبير بن العوّام، وطلحة، قتله مروان كما ذكرنا! وهلك من الخوارج عشرون ألفاً؛ واستشهد من أصحاب أمير المؤمنين ألف وسبعون شهيداً. وبعد الوقعة نادى أمير المؤمنينعليهالسلام في أصحابه: (لا تتّبعوا مولّياً ولا تجهزوا على جريح ولا تنتهبوا مالاً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن). - فله في النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أسوة -.
تسيير عائشة
بعث أميرالؤمنينعليهالسلام عبد الله بن عبّاس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عبّاس، أخطأت السنّة المأمور بها دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا! فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلّفك فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما دخلنا إلّا بإذنك وما جلسنا على رحلك إلّا بأمرك وإنّ أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة والتأهّب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبيت ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى أمير المؤمنين فخبّره
بامتناعها، فردّه إليها وقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي؛ فأنعمت وأجابت إلى الخروج.
عجب لمنطق الخوارج! امرأة من عرض النساء خاملة الذكر، فلمّا مدّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ظلّه عليها صارت أمّ المؤمنين، مأمورة قرآناً وسنّةً أن تقرّ في بيتها، وقد حذّرها النبيّ من خروجها هذا، وذكّرتها أمّ المؤمنين أمّ سلمة؛ فمضت في مشروعها غيّاً بعد أن تمّ لها ما أرادت في عثمان! وهي تحتجّ على ابن عبّاس أن يدخل من غير إذن ويجلس على الرحل بغير أمر منها! غير ملتفتة إلى أنّها وبدستور أبيها إلى خالد فهي سبيّة! ولعلّه يجري عليها القتل إذ هي صاحبة البعير المشؤوم والرأس في القيادة. إلّا أنّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام جهّزها وأتاها في اليوم الثاني فدخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي ولده وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من همدان، فلمّا بصرت به النسوان صحن في وجهه: يا قاتل الأحبّة! فقال: لو كنت قاتل الأحبّة لأمرت بقتل من في هذا البيت! وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبدالله بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم، فضرب من كان معه إلى قوائم سيوفهم لـمّا علموا من في البيت مخافة أن يخرجوا فيغتالوه. فسألته عائشة أن يؤمّن ابن أختها عبد الله فأمّنه وأمّن مروان والوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أميّة وأمّن الناس جميعاً.
خروج عائشة من البصرة
وخرجت عائشة من البصرة وقد بعث معها أمير المؤمنين أخاها عبدالرحمن بن أبي بكر وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس وهمدان وغيرهما، ألبسهنّ العمائم وقلّدهنّ السيوف وقال لهنّ: (لا تعلمنّ عائشة أنّكنّ نسوة، وتلثَّمنَ
كأنّكنّ رجال وكنّ اللاتي تلين خدمتها وحملها). فلمّا أتت المدينة قيل لها: كيف كان مسيرك؟ قالت: كنت بخير والله، لقد اعطى عليّ بن أبي طالب فأكثر، ولكنّه بعث معي رجالاً أنكرتهم، فعرّفها النسوة أمرهنّ فقالت: ما ازددت يا ابن أبي طالب إلّا كرماً!(١)
ولم يختلف مبدأ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في قتاله الخوارج القاسطين يوم صفّين وفي كلّ موطن: (لا تقاتلوا القوم حتّى يبدؤوكم؛ فإنّكم بحمد الله على حجّة، وترككم إيّاهم حتّى يبدؤوكم حجّة أخرى لكم عليهم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثّلوا بقتيل. فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ولا تدخلوا داراً إلّا بإذني، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلّا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأةً بأذىً وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم، ولقد كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ وإنّهنّ لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهليّة بالهراوة أو الحديد فيُعيّرُ بها عقِبُه من بعده).
هكذا في كلّ وقعة يوصي أبو الحسنعليهالسلام بالمرأة، وأبوبكر يأمر خالداً بأسرها والذريّة، وعمر لا يرقّ قلبه لسيّدة نساء أهل الجنّةعليهاالسلام إذ تقول له وقد رأت بيده قبس النار والرجال يحملون الحطب: (أجئت لتحرق البيت علينا؟) فقال: نعم؛ وفعل! وعليّ يمنع من المثلة بالقتيل، وخوارج الجمل مثّلوا بالصحابيّ عثمان بن حنيف حيّاً! وهو يمنع من كشف عورة، وخوارج البغاة كشفوا عوراتهم يدفعون بها عن أنفسهم، فعل ذلك ابن هند، وابن النابغة، وبسر بن أبي أرطاة، يوم صفّين!
ومن المواقف المتباينة بين جبهة الحقّ والباطل يوم صفّين:
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٨ - ٥١، تاريخ الطبريّ ٣: ٥١٣ - ٥٤٨، الفتوح ٢: ٣٠٨ - ٣٤٣، مروج الذهب ٢: ٣٥٧ - ٣٧٢.
فقد ذكرنا أنّ أمير المؤمنين قد نصر عثمان حيّاً وميّتاً! وكان أشدّ الناس عليه أصحاب البعير في أقوام آخرين، وكان ابن هند يقول: إنّ عثمان غيّر فغيّر الله عليه! ولذا لـمّا استنجده عثمان لم ينجده، وكان هو وأبناء عمومته من بني أميّة سبب نقمة الأقطار الإسلاميّة على عثمان، إذ كانوا ولاته فأفسدوا؛ فلمّا قتل عثمان، صار غنيمةً يطلب بدمه خوارج الناكثين ومن تبعهم؛ فلمّا انتهت الوقعة خرج ابن هند في عسكر الفئة الباغية يطلب بدم عثمان! ومن حوار جرى بينه وبين محمّد بن أبي حذيفة، وكان ابن خال معاوية؛ وكان من أنصار عليّعليهالسلام وأشياعه ومن خيار المسلمين. فلمّا استشهد أمير المؤمنين أخذه معاوية وأراد قتله، فحبسه في السجن دهراً ثمّ قال ذات يوم: ألا ترسل إلى هذا السفيه فنبكّته ونخبره بضلاله ونأمره أن يسبّ عليًّا؟ قالوا: نعم. فبعث إليه فأخرجه من السجن فقال له: ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك عليّ بن أبي طالب الكذّاب؟ ألم تعلم أنّ عثمان قتل مظلوماً، وأنّ عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه؟! قال محمّد بن حذيفة: إنّك تعلم أنّي أمسّ القوم بك رحماً وأعرفهم بك. قال: أجل. قال: فو الله الذي لا إله غيره ما أعلم أحداً شرك في دم عثمان وألّب عليه غيرك لـمـّا استعملك ومن كان مثلك، فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك فأبى، ففعلوا به ما بلغك. ووالله ما شرك قتله بدئياً ولا أخيراً إلّا طلحة والزبير وعائشة؛ فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة - أي بالكفر! - وألّبوا عليه الناس، وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والأنصار جميعاً. قال: قد كان كذلك! قال: وإنّي لأشهد أنّك منذ عرفتك في الجاهليّة والإسلام لعلى خلق واحد ما زاد الإسلام فيك قليلاً ولا كثيراً، وإنّ علامة ذلك فيك لبيّنة، تلومني على حبّ عليّ! كما خرج مع عليّ كلّ صوّام قوّام مهاجريّ وأنصاريّ، وخرج معك أبناءُ
المنافقين والطّلقاء والعتقاء، خدعتهم دينهم وخدعوك دنياك. والله يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت، وما خفي عليهم ما صنعوا إذ أحلّوا أنفسهم بسخط الله في طاعتك. ووالله لا أزال أحبّ عليًّا، وأبغضك في الله ورسوله أبداً ما بقيت.
قال معاوية: وإنّي أراك على ضلالتك بعد، ردّوه فردّوه إلى السجن وهو يقرأ( رَبّ السّجْنُ أَحَبّ إِلَيّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) (١) فمات في السجن(٢) .
مبدأ عليّعليهالسلام ، ومبدأ معاوية
إستولى ابن هند على شريعة ماء متفرّعة من الفرات ووكّل أبا الأعور السّلميّ بالشريعة مع أربعين ألفاً وقد أجمعوا أن يمنعوا عسكر أمير المؤمنين الماء، وبات جيش أمير المؤمنين عطاشاً، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إنّ عليًّا لا يموت عطشاً هو وتسعون ألفاً من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهم، ولكن دعهم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا والله أو يموتوا عطشاً كما مات عثمان!
ودعا أمير المؤمنين صعصعة بن صوحان فقال: (ائت معاوية فقل: إنّا سرنا مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنّك قد قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك ونحن من رأينا الكفّ حتّى ندعوك ونحتجّ عليك. وهذه أخرى فعلتموها: حلتم بين الناس وبين الماء فخلّ بينهم وبينه حتّى ننظر فيما بيننا وبينكم...)، وبعد مشاورة معاوية لمن معه قال: لا سقى الله معاوية ولا أباه من حوض محمّد إن شرب عليّ أو أصحابه من ماء الفرات أبداً إلّا أن يغلبوا عليه!
____________________
(١) يوسف: ٣٣.
(٢) رجال الكشيّ ١: ٢٨٦ - ٢٨٨.
فانصرف صعصعة إلى عليّ فأخبره؛ فصبحهم أصحابُ عليّ واستعر على الماء القتال ولحقت الهزيمة بأهل الشأم وصار الماء بيد أصحاب عليّعليهالسلام .
فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ما ظنّك بالقوم اليوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس؟ فقال معاوية: دع ما مضى، ما ظنّك بعليّ؟ قال: ظنّي أنّه لا يستحلّ منك ما استحللت منه، لأنّه أتاك في غير أمر الماء، وقد كنت أشرت عليك في بدء الأمر أن لا تمنعه الماء، فخالفتني، فقلّدت نفسك عاراً يحدّث به إلى آخر الأبد.
وأمر أمير المؤمنين إلّا يمنع أهل الشام من الماء، فكانوا يسقون جميعاً، ويختلط بعضهم ببعض ويدخل بعضهم في معسكر بعض، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلّا بخير، ورجوا أن يقع الصّلح!(١)
ما هذا التفاوت بين ابن هند، وأميرالمؤمنين؛ فالأوّل يمنع الماء وأميرالمؤمنين يبيحه حتّى يصبح سلوكه هذا مبعث اطمئنان للفريقين. وعلى سرّ معاوية كان يزيد وجنده إذ حرّموا الماء على الحسينعليهالسلام وعياله وسقوا الرضيع سهماً عوضاً عن الماء!
فتنة الخارجيّ الثالث
وضعنا النقاط على الحروف، فسمّينا الخوارج بأسمائهم وأشرنا إلى شيء من أفعالهم فوجدناهم غير التصنيف المتعارف عليه. ولولا الأسلاف لـما كان لابن تيميه خطره وفتنته الكبرى؛ ولولا أعراب نجد أتباع كلّ فتنة، لماتت فتنة ابن تيميه، فأحيوها من بعد هلاكه بعدّة قرون ديناً جديداً عقيدةً وتشريعاً يكفّر من سواه بيسر تحت عنوان: بدعة، وشرك....
____________________
(١) باختصار عن وقعة صفّين، لنصر بن مزاحم: ١٦٠ - ١٩٣.
وقد أرجأنا الحديث عن هذا الخارجيّ الناصبيّ؛ لأنّه اختزل روح النَّصب الأمويّ وغير الأمويّ، حتّى أنّك تجد أولئك الذين حاربوا عليًّا أمير المؤمنينعليهالسلام ، يقرّون في مناسبات بفضائله، وينكرها ابن تيميه؛ فإذا وجد نفسه محرجاً! أمام فضيلة لأميرالمؤمنين قد ذكرها من لا يستطيع ردّهم، مع قلّة ذلك! تجده يقطع من الحديث شيئاً، ولا يجعله فضيلة خاصّة بهعليهالسلام ، ثمّ يصرف الحديث إلى غير المعنى المستفاد محمّلاً إيّاه ما لا يحتمل! واللاّفت للنظر: إنّه كثير الدفاع عن بني أميّة شجرةً وأوراق صفراء طفيليّة حتّى يمكن القول: إنّه أمويّ محترق! وفي نفس الوقت فهو منافح عنيد عن الخوارج حتّى لتقول: إنّه إمام الخوارج غير مدافَع! كلّ ذلك ردّاً لفضائل أهل البيت وأميرالمؤمنين وشيعتهم؛ وكتابه (منهاج السّنّة) وهو أولى أن يكون (منهاج الضلالة) بأربعة أجزاء بدأه وختمه بالوقيعة بشيعة أهل بيت محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنكاره فضائل عليّ وأهل البيت المتواترة المجمع عليها.
وصاحب الفتنة هذه واحد من أبناء السوء؛ فابن حمامة، وابن أسماء، وابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء، وابن سميّة، وابن مرجانة...؛ وابن تيميه:
وهو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيميه الحرّاني، ثمّ الدمشقيّ، حنبليّ النشأة. (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)(١) .
وأسرته جميعاً إخواناً وأعماماً تنتهي عند (تيميه) وبها تعرف. وتيميه، امرأة وليست برجل. وقد جعل الإسلام النسب للأب لا للأمّ، وليس في تاريخ العرب أن تنتمي أسرة واسعة إلى امرأة. إلّا أنّ اليهود جعلت النسب للأمّهات.
____________________
(١) منهاج السنّة ١: ٢، علم الحديث: ٤١ كلاهما لابن تيميه؛ العقود الدريّة في مناقب ابن تيميه، لابن عبد الهادي السلفي: ٩، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٧٥، تذكرة الحفّاظ، للذهبيّ ٤: ١٤٩٦.
وقصارى ما نعلمه عن تيميه أنّها واعظة(١) . وغير تيميه: كان محمّد بن الخضر المعروف بابن تيميه الحرّانيّ الواعظ الحنبليّ. توفّي بحرّان سنة (٥٤٢). قال سبط ابن الجوزي فيه: كان ضنيناً (أي حسوداً) متى نبغ بحرّان أحد لا يزال خلفه حتّى يخرجه ويبعده عنها(٢) .
وعن أمّه فهي: سِتُّ النِعَم بنت عَبْدوس الحرّانيّة، توفّيت بدمشق سنة ٧١٦ هـ، ولدت تسعة بنين، عرف منهم غير صاحب الترجمة، بدر الدين أخو الشيخ ابن تيميه، كان فقيهاً ساكناً قليل الشرّ! توفّي سنة (٧١٧)(٣) .
إنّ قول ابن الوردي السلفي (ت ٧٤٩ هـ) وهو معاصر لابن تيميه ومعجب به! قوله في أخيه بدر الدين: كان ساكناً قليل الشرّ، له دلالته لـما عُرف من سيرة أخيه أحمد ابن تيميه صاحب الفتنة.
ومثلما انقطع نسبه عند امرأة، فإنّ أمّه ومن اسمها تجدها هجيناً غير عربيّة. وقد رجّح أبو زهرة شيخ الأزهر أنّ ابن تيميه من الكرد، وبشأن أمّه قال: (ولم يذكر المؤرّخون شيئاً عن أمّه ولا قبيلها، وهي في الغالب ليست عربيّة)(٤) .
إنّ مثل هذه الأمور تختزن في نفس صاحبها لتتحوّل إلى عاهة تعيقه عن الحقّ وهكذا وجدنا الذين من قبله من ذوي العاهات بين دعيّ ومستلحق ومجهول النسب مضافاً لـما قصرت به الهمّة والعلم والورع، فحالف قرين السوء وعادى أولياء الله تعالى.
____________________
(١) المصادر جميعاً.
(٢) وفيات الأعيان، لابن خلّكان ٤: ٣٨٦ - ٣٨٨.
(٣) تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٥٦.
(٤) ابن تيميه حياته وعصره، محمّد أبو زهرة: ١٩.
ومن المفارقات في حياة ابن تيميه: إنّه بلغ من العمر سبعاً وستّين سنة حين وفاته ولم يتزوّج، ولا كان له من العلوم إلّا شيء قليل، وكان أخوه يقوم بمصالحه(١) .
رجل بلغ العقد السابع ولم يتزوّج، لماذا؟ هل فيه عيب خفيّ يعلمه فيخاف من عاقبة الزواج؟ أم الذي ذكره ابن الوردي الحنبليّ السلفيّ من أنّه كان كلًّا على أخيه، فهو القائم بمصالحه وعيشه، فيما هو منشغل بالنزاعات والخصومات، ومن هذا شأنه فهو في خوف من عالة الزوجة والذريّة إن كان له إمكان على الإنجاب.
وابن الوردي كان جريئاً فلم تمنعه حنبليّته ولا تلمذته على ابن تيميه أن يُقرّ أنّ أستاذه كان قليل العلم.
وإلى عُقَده وعاهاته، فإنّ بيئته وعامل الوراثة والتقلّبات السياسيّة والأجواء الدينيّة في عصره، زاد كلّ ذلك في أن ينزلق هذا المنزلق.
البيئة: تلاقحت حرّان ودمشق في تكوين شخصيّة ابن تيميه، ففي حرّان ولد وهي موطن آبائه، وأمضى بها سنيّه السبع الأولى، وهي المرحلة التي يكون ابن آدم أكثر استعداداً للتلقّي والتأثّر بمحيطه، ذلك أنّ تأثير البيئة أسرع وأشدّ من تأثير عامل التي على خطرها فإنّها غير مرتبطة بسنّ معيّنة. ولذا أعطى الإسلام عناية فائقة بهذه المرحلة من وجوب حسن التربية لأنّها أساس لـما بعدها. وكان العرب في جاهليّتهم يختارون لمواليدهم مرضعات من البادية ولا يستردّونهم حتّى يبلغوا السادسة، فكيف هي ملامح حران؟
حرّان موطن الصابئة من أقدم عصورها. ولسنا بصدد شرح الديانة الصابئيّة بقدر ذكر بعض طقوسهم المؤثّرة في نفوس من خالطهم: فلهم سراديب فيها أصنام...
____________________
(١) تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٧٩.
يأتون بالأطفال ويعرضونهم عليها، فيحدث لهم صُفْرةٌ لـما يسمعون من ظهور أنواع الأصوات وفنون اللغات من تلك الأصنام والأشخاص، بحيلٍ قد اتّخذت ومنافيخ قد عملت...، فيصطادون به العقول، وتسترقّ به الرقاب...(١) .
في مثل هذه البيئة عاش الخارجيّ ابن تيميه سنيّه السبع الأولى، أخطر مرحلة في حياته. ومهما بلغ الإنسان من عمره وارتقى في سلّم المعرفة، تبقى خواطر تلك المرحلة تداعب ذهنه وتهبط على نفسه وربّما أثّرت في سلوكه، وبقدر الحالة النفسيّة للصبيّ، يكون الجذب والطرد للمحيط الاجتماعي في تكوينه.
فإذا قيل: إنّ أسرته حنبليّة؛ فذلك غير شافع في تحصين وليدهم المتمرّد! لـما فيه من طباع الحدّة والعناد؛ ولم تكن أسرة علم بقدر ما هي أسرة وعظ في أحسن الأموال، مع مجاهيل كثيرة تُقال في الأسرة، وشرٍّ في أحدهم لا يُطاق وشرّ قليل في آخر، وذِكر خامل في آخرين؛ فهي أسرة لا ضابط لها أن تنشئ وليدها وتحصّنه من تلك المزالق، فانطبع بطابعهم من حيث التقلّب في المواقف والأقوال حتّى قال له القاضي المالكي في محاكمته: يا ابن تيميه! أنت مثل العصفور كلّما أردت أن أمسكك فررت من غصن إلى غصن.
وأثّرت تلك المرحلة من عمره في نسج أفكاره ومعتقداته بعد، من تشبيه وتجسيم لذات الله تعالى وأنّ له حرفاً وصوتاً وأعضاءً مثل الإنسان...، تعالى الله ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً، وعامل ابن تيميه والخوارج أتباعه بعدله.
وإذا كان هذا أثر البيئة في المرحلة الأولى من عمر الخارجيّ الناصبيّ ابن تيميه، فإنّ عاملاً محتملاً تؤكّده وتقوّيه كلماته التي لا يرقى إليه خارجة أسلافه في النيل - وأنّى له
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٢٣٧.
ذلك! - من شخص أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ ذلك هو عامل الوراثة؛ فقد ذكر ابن أعثم (ت ٣١٠ هـ) أنّ الخوارج الذين فلتوا يومَ النهروان، انتهى منهم ثلاثة إلى الجزيرة، واحد منهم حطّ رحاله على مشارف حرّان، وإنّ الخوارج أولئك كان نسلهم موجود إلى أيّام ابن أعثم. ولا توجد قرينة على انقراضهم، وعلى عكس ذلك فتلك الخوارج الإباضيّة في أيّامنا هذه، وتلك خارجة نجد؛ فلا يبعد أن يكون في دماء الأسرة أصول خارجيّة وابن تيميه يكاد يصرّح بذلك! هذا كتابه بأجزائه الأربعة مشحون بذكر الخوارج فيصفهم أهل دين وعبادة وصدق وأنّهم على الحقّ، وأمّا الشيعة فأهل باطل في كلّ ما يقولون....، ويصف أمير المؤمنين بالنفاق! والكفر! وطالب رياسة...، يقول كلّ ذلك ويلقيه على ألسنة الخوارج، بدعوى أنّهم أهل حقّ وحجّة فإذا قالوا ذلك لم يمكن الشيعة ردّهم. ثمّ يعمد إلى خصائص وفضائل أمير المؤمنينعليهالسلام فينكرها، وكما قلنا: ليس له إلّا أن يقول: وهذا كذب بالإجماع! ولا يذكر من ذلك الإجماع شيئاً، أو يقول: وهو كذب عند أهل العلم بالحديث! ولكثرة استعماله هاتين العبارتين: تصل إلى نتيجة مفادها إجماع نفسه الخبيثة، وأنّ أهل العلم بالحديث كذلك يعني نفسه التي وصفها ابن الورديّ بقلّة العلم! وإذا كانت حرّان بيئة ابن تيميه الأولى على ما وصفنا، فهي معقل بني أميّة فقد خضعت لسلطانهم وتأثّرت بآرائهم، وقد اتّخذها مروان، مروان الحمار آخر ملوك بني أميّة مقرّ حكمه بدلاً من دمشق، فكان يخرج منها يحارب ويرجع إليها يعتصم بها، فأشرب الحرّانيّون حبّ بني أميّة. ولـمّا هاجمها المغول فرّت أسرة تيميه تحمل مشؤومها إلى دمشق، فتلاقحت حرّان ودمشق في تكوين شخصيّة ابن تيميه، فدمشق وإلى حدّ دخول أسرة تيميه إيّاها وحتّى ما بعد ذلك أمويّة الهوى، وإن وجدت مذاهب إسلاميّة أخرى؛ فغلب عليه الهوى الأمويّ وما أن استدّ ساعده حتّى
دخل في خصومات مع المذاهب الإسلاميّة من خلال عقيدته الفاسدة التي تتضمّن أنّ الله تعالى جسم ذو أعضاء مثل البشر، وقد خلق آدم على صورته، وأنّه ينطق بحرف وصوت، وأنّه بذاته على عرشه وأنّ الناس يرونه يوم القيامة وأنّه يتحرّك من مكان إلى آخر، وينزل إلى السماء الدنيا كلّ ليلة جمعة فينادي هل من مستغفر فأغفر له! ثمّ يعرج إلى السماء السابعة، وإنّ جهنّم لا يسكن زفيرها حتّى يضع الجبّار رجله فيها فتسكن وينزوي بعضها إلى بعض وتقول طق طق! وأنكر عالم البرزخ! فلعلّه يخادع نفسه ويعلّلها أن تستكين إلى حين، ولكن لاتَ حين مَناص؛ فليلة الوحشة التي لا يسلم من ضغطة قبرها وهولها إلّا نبيّ أو وصيّ أو وليّ امتحن الله قلبه بالإيمان ولم يشاقق الله ورسوله ووليّه وصالحي المؤمنين واعتقد الكفريّات ووالى الخوارج كلاب النار! وعتاة بني سفيان والحجّاج وزياد، وقدّم معاوية ويزيد على أمير المؤمنين عليّ والسبطين الحسن والحسينعليهمالسلام ، وحمل حملة ظالمة على شيعة أهل البيت، رماهم بكلّ إفكٍ وفِريةٍ، وقاد بنفسه جيشاً هاجمهم في الجبل السوري.
لم يكن ابن تيميه مسلماً! فهو لم يشنّ الغارة على الشيعة وحسب وإن كان قد اختصّهم بالقسط الأوفر من حملة التشهير والتكفير، وحملته النكراء على أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ؛ فقد فتح باب المعركة مع الأشاعرة والمعتزلة، فهاجمهم وهاجموه. ولم يكن يفتي بآراء مذهب من المذاهب الإسلاميّة وإنّما بما يتحصّل له من رأي، مع قلّة علمه كما أخبر تلميذه الوفي ابن الوردي؛ فجاء بآراء شاذّة بدَّعُوه لأجلها، وفتاوى مخالفة لنصوص القرآن والسنّة.
وكان جانب العقيدة وما جاء به من تجسيد وتبعيض وغير ذلك من صفات النقص ممّا هي لازمة للحوادث والمخلوقات، الأهمّ في إثارة الخلاف بين الخارجيّ ابن تيميه
وبين المسلمين بمذاهبهم أجمع؛ وممّا أثار عليه العامّة والخاصّة: فتواه بحرمة زيارة قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقبور الأولياء والصالحين.
ابن تيميه أمام القضاء
بعد الذي أحدثه ابن تيميه من فتنة، أخذ، وأخذ معه تلميذه ابن قيّم الجوزيّة في جماعة من أصحابه وعزّروا، وأصاب الحنابلة بسببه أذىً كثير، وقدّم إلى القضاء، فكان حكم قضاة المذاهب الأربعة: الشافعيّ والحنفيّ والمالكيّ والحنبليّ إجماعاً، إذ أصدروا حكمهم بحبسه لفساد عقيدته في ذات الله تعالى، فهو مشبّه مجسّم، ولسوء عقيدته في النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من خلال منعه من زيارته، فأخذ وحبس في قلعة دمشق وذلك سنة (٧٢٦ هـ) وحبس معه تلميذه ابن القيّم ونودي عليه بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيميه حلّ دمه وماله(١) . وفي سنة (٧٢٨ هـ) خرج ابن تيميه من الحبس جسداً بلا روح، ليطوي آخر صفحة من صفحات سجونه؛ وأطلق سراح ابن القيّم، وكان قد أفتى بما أفتى به أستاذه ابن تيميه من تحريم الزيارة؛ وكان وفيّاً لأستاذه إذ انصرف إلى جمع تراثه وإحياء مؤلّفاته.
أشرنا إلى أنّ ابن تيميه سجن مرّات عدّة، ونذكر الآن هذه الحبوس بإيجاز شديد:
فقد أخذ سنة (٦٩٨ هـ) بسبب المسألة الحمويّة في الصفات وقدّم إلى القاضي الحنفي، فطافوا به في سكك دمشق ونودي عليه بأنّه لا يستفتى(٢) .
وفي سنة (٧٠٥ هـ) اجتمع العلماء والفقهاء بقلعة مصر؛ وصدر الحكم بشأن ابن
____________________
(١) دفع الشّبه، تقي الدين الحصيني: ٤٥ - ٤٧، الدرر الكامنة، لابن حجر ١: ١٤٧، تاريخ ابن الوردي ٢: ٧٢٨.
(٢) العقود الدريّة: ١٩٥.
تيميه لقوله: إنّ الله تكلّم بالقرآن بحرف وصوت، وأنّه تعالى على عرشه بذاته، وأنّ الله يشار إليه الإشارة الحسيّة. فاقيم وأخواه وسجنوا بالجبّ بقلعة الجبل، وجرت أمور طويلة(١) .
بقي ابن تيميه في غيابت الجبّ سنة ونصفاً؛ ثمّ كتب براءة من عقيدته وتعهّداً إلّا يعود، فأخرج. إنّ براءته من عقيدته وتعهّده إلّا يعود إلى آرائه وفتاواه، إعتراف منه بخطيئته وإقراره على نفسه؛ فهل وفي بعهده أم كان من المنافقين وهي إحدى التّهم الموجّهة إليه في القضاء بسبب تنقيصه للإمام عليّعليهالسلام ؟!
إنّ الذي في ابن تيميه يمنعه إلّا أن يحارش، فما أن خرج من السجن حتّى بادى الصوفيّة بالعداوة وهاجم ابن عربي وتكلّم في صفوة الأولياء؛ فسجن سنةً ونصفاً(٢) .
وفي سنة (٧١٨ هـ) اعتقل في مسألة الحلف بالطلاق وعقد لذلك مجلس ونودي به في البلد(٣) .
سنة (٧٢٦ هـ) اعتقل وطيف به على دابّة بالمقلوب حاسر الرأس مضروباً بالدرّة وقد تكلّمنا عنها إذ مكث في السجن إلى سنة (٧٢٨ هـ) حيث هلك.
إنّ الخارجيّ هذا (ابن تيميه) هو خلاصة روح الناصبيّة البغيضة وخارجة الأوائل، والغريب تفرّده من بين الخوارج بالخوض في ذات الله تعالى على نحو أخرجه من ربقة الإسلام وهو ما لم تكن فرقة من فرق الخوارج تتعرّض له وإذا كان ابن هند في ناصبيّته وخروجه على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بشعار الثأر لدم عثمان، وسبّه لعليّ على
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ١٩٦ - ١٩٧.
(٢) العقود الدرّيّة: ١٩٧ - ١٩٨.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٥٩.
منابر المسلمين؛ فإنّه لا يحجم عن الإقرار له بفضائله بين آونة وأخرى، أمّا الناصبيّ ابن تيميه فهو بخروجه على أمير المؤمنينعليهالسلام ، لم يبق فضيلةً له إلّا وأنكرها ولا خصوصيّة إلّا ونفاها وغاية الأمر فيما لا يجد فيه بُدّاً من قبوله، مع قلّة ذلك، أن يجعله مشتركاً بينه وبين غيره، أو أن يصرف معناه إلى غير ما وضع له، أو أن يقطع من الحديث ألفاظاً مثل حديث الثقلين إذ يذكره هكذا (إنّي تارك فيكم القرآن ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا)! فأين الثقلين، وعترتي أهل بيتي؟!
حُرمة المدينة وفضلها
واسمها القديم (يثرب)، فنَسَخَه القرآن الكريم لقباحته، وسمّاها (المدينة) في سور عدّة، وتمسّك بالاسم الأوّل المنافقون والذين في قلوبهم مرض. ففي يوم الأحزاب إذ اجتمعت قوى الشرّ من يهود ومشركين وكان لأبي سفيان شرف قيادتها؛ جاءت لقطع شأفة الإسلام وكان يوماً عصيباً زاغت الأبصار فيه وبلغت القلوب الحناجر، ونجم النفاق:( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طّائِفَةٌ مّنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ) (١) الآية.
فالمنافقون وجدوها سانحةً للإفصاح عن كوامنهم، فها هي جموع الأحزاب جاءت لخلاصهم من الإسلام! فمن الوفاء أن يُضعفوا الجبهة الداخليّة لعسكر الإسلام بإيجاد ثلمة فيه من خلال انسحابهم ورجوعهم، وقد تعلّلوا لذلك أنّ بيوتهم عورة، ونفى القرآن ذلك وإنّما، إن يريدون إلّا فراراً.
وظهروا على حقيقتهم فهم الآن ردّوا الأشياء إلى أسمائها التي اندرست، فالمدينة صارت يثرب، ولولاهم وأنّ القرآن الكريم يتحدّث عن أحوالهم لـما وجدت لهذا
____________________
(١) الأحزاب: ١٢ - ١٣.
الاسم في القرآن من أثر!
ويثرب اشتقاقه من التّثريب وهو التّقريع والتّقهير بالذنب(١) . ويقال: ثرّب فلان على فلان، إذا لامه ووبّخه، وهو التثريب(٢) . ومنه قوله تعالى:( لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) (٣) .
فاسمها المبارك: (المدينة) بحذف مقدّر وهو (المنوّرة) أو بإطلاقها فلا يراد منها إلّا (مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ). فإذا قيل: المدينة انصرف الذهن إلى مكان واحد لا غير، هو: المدينة المنوّرة بنور الهجرة والرسالة التي انطلق شعاعها من مكّة المكرّمة، فلمّا ضاقت الأمور برسول الله وكادوا أن يقتلوه، أمره الله سبحانه بالهجرة إلى مدينة الأنصار، فكان انبعاث نور الإسلام منها أوسع وأسرع.
ولكونها حاضنة الرسالة ومثوى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقبره على تُرعة من ترع الجنّة، فقد صارت حرماً كما أنّ مكّة حرم.
روى مسلم قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز بن محمّد الدّراورديّ، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن عبّاد بن تميم، عن عمّه عبد الله بن زيد بن عاصم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (إنّ إبراهيم حرّم مكّة ودعا لأهلها، وإنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة وإنّي دعوت في صاعها ومُدّها ما دعا به إبراهيم لأهل مكّة)(٤) .
ذكر النووي في شرحه، قال: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّ إبراهيم حرّم مكّة) هذا دليل لمن يقول إنّ تحريم مكّة إنّما هو من زمن إبراهيمعليهالسلام ؛ والصحيح أنّه كان يوم خلق الله السماوات
____________________
(١) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني: ٨٥.
(٢) الاشتقاق، لابن دريد: ٣٥.
(٣) يوسف: ٩٢.
(٤) صحيح مسلم ٩: ١٣٤ - ١٣٥، باب فضل المدينة ودعاء النبي فيها بالبركة وبيان تحريمها.
والأرض وقد كانت المسألة مستوفاة قريباً - سنرى -. وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين أحدهما أنّه حرّمها بأمر الله تعالى بذلك، لا باجتهاده، فلهذا أضاف التحريم إليه تارة وإلى الله تارة؛ والثاني أنّه دعا لها فحرّمها الله بدعوته فأضيف التحريم إليه لذلك. وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (وإنّي حرّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة) وذكر مسلم الأحاديث التي بعده بمعناه.
هذه الأحاديث حجّة ظاهرة للشافعيّ ومالك، ففيهما في تحريم صيد المدينة وشجرها. وبسنده أخرج مسلم عن رافع بن خديج قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّ إبراهيم حرّم مكّة وإنّي أحرّم ما بين لابتيها - يريد المدينة)(١) .
وعن نافع بن جبير أنّ مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكّة وأهلها وحرمتها ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكّة وأهلها وحرمتها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها وقد حرّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولانيّ إن شئت أقرأتكه؟ قال: فسكت مروان ثمّ قال: قد سمعت بعض ذلك!(٢)
قال: حدثنا أبوبكر قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الأسديّ حدّثنا سفيان عن أبي الزّبير عن جابر قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّ إبراهيم حرّم مكّة وإنّي حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها)(٣) .
____________________
(١) صحيح مسلم ٩: ١٣٥. واللابة: الحرّة وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء. وللمدينة لابتان شرقيّة وغربيّة وهي بينهما.
(٢) نفس المصدر السابق. وانظر الحقد الأمويّ المروانيّ! على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل المدينة فمروان بعد الاحتجاج عليه يقول: قد سمعت بعض ذلك؟!
(٣) نفس المصدر السابق: ١٣٦.
وبسنده عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّي أحرّم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها) وقال: (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلّا أبدله الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لَأْوائِها وجَهْدها إلّا كنت له شفيعا أو شهيداً يوم القيامة)(١) .
وللقاضي عياض تفسير للحديث الشريف يظهر من خلاله فضيلة أهل المدينة الذين صاروا لأسباب عدّة ومنها احتفاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بهم واختصاصهم بفضائل وأنّهم موضع شفاعته وهو الشهيد عليهم يوم القيامة.
قال القاضي عياض: (قال أهل اللغة اللأواء: بالمدّ الشدّة والجوع، وأمّا الجهد فهو المشقّة...، ومجيء أو في لفظ الحديث، إمّا أن يكون للتقسيم فيكون شهيداً لبعض أهل المدينة، وشفيعاً لبقيّتهم، إمّا تشفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإما شهيداً لمن مات في حياته وشفيعاً لمن مات بعده..، وهذه خصوصيّة زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيامة وعلى شهادته على جميع الأُمّة وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم في شهداء أحد: (أنا شهيد على هؤلاء)، فيكون لتخصيصهم بهذا كلّه مزيد، أو زيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون (أو) بمعنى الواو - واو العطف - فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً. وقد روى: (إلاّ كنتُ له شهيداً أو شفيعاً). قال: وإذا جعلنا (أو) للشكّ؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة (شهيداً) اندفع الاعتراض لأنّها زائدة على الشفاعة المدّخرة المجرّدة لغيرهم؛ وإن كانت اللفظة الصحيحة (شفيعاً)؛ فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادّخارها لجميع هذه الأمّة؛ أنّ هذه شفاعة أخرى غير العامّة التي هي لإخراج أمّته من النار ومعافاة بعضهم منها بشفاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم في القيامة، وتكون هذه
____________________
(١) صحيح مسلم ٩: ١٣٦.
الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظلّ العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر أو الإسراع بهم إلى الجنّة أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض، والله أعلم(١) .
هذه هي المدينة المنوّرة، فهي حرام مثلما مكّة حرام؛ وأهلها خير أهل فقد آمنوا إذ كفرت قريش وغيرها، وآووا ونصروا وجاهدوا وبذلوا وذكر لهم القرآن فضيلة السبق إلى الإسلام، هم والسابقون من المهاجرين.
فهي طيبة، وطابة، والمدينة المنوّرة، ومدينة الرسول؛ وليست: نتنة! وأهلها أهل حرم لايجوز انتهاكه، فضلاً عن استباحتها أيّاماً ثلاث!
ومسلم بسنده عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ثمّ ذكر مثل الحديث السابق وزاد في الحديث: (ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلّا أذابهُ الله في النار ذوب الرّصاص، أو ذوب الملح في الماء)(٢) .
وكان كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد هلك مسرف بن عقبة المرّي الغطفاني وأصل قبيلته من نجد الزلازل والفتن، هلك منصرفه من المدينة وبعد فعلته النكراء ليوقع بمكّة، فعاجلته عقوبة الله تعالى فمات بين المدينة ومكّة، واخترم الله القدير عمر يزيد، إذ مضى الشأميّون إلى الحرم الثاني مكّة وفعلوا فعلتهم الشنيعة فجاءهم الخبر أنّ يزيد مات في ليلةٍ مرّات عدّة ثمّ زهقت روحه مع آخر جرعة خمر! عندها فتّ في عضد الشأميّين وصاروا فِرَقاً!( إِنّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ ) (٣) .
____________________
(١) هامش صحيح مسلم ٩: ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٣٨.
(٣) البروج: ١٢.
التغليظ في حرمة المدينة
مسلم بسنده عن أبي سعيد المهْريِّ أنّه أصابهم بالمدينة جَهْدٌ وشدّة وأنّه أتى أبا سعيد الخدريّ فقال له: إنّي كثير العيال وقد أصابتنا شدّة فأردت أن أنقل عيالي إلى بعض الرّيف، فقال أبو سعيد: لا تفعل، ألزم المدينة فإنّا قد خرجنا مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أظنّ أنّه قال حتّى قدمنا عُسْفان فأقام بها ليالي فقال الناس والله ما نحن هاهنا في شيء وإنّ عيالنا لَخُلُوفٌ(١) ما نأمنُ عليهم. فبلغ ذلك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: (ما هذا الذي بلغني من حديثكم، والذي أحلف به أو والذي نفسي بيده لقد هممت، أو إن شئتم لآمرنّ بناقتي ترحل(٢) ثمّ لا أحلّ له عُقْدةً حتّى أقدم المدينة)(٣) . وقال: (أللّهم إنّ إبراهيم حرّم مكّة فجعلها حرماً وإنّي حرّمت المدينة حراماً ما بين مَأزِمَيْها(٤) أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تُخْبَطَ فيها شجرةٌ إلّا لِعَلْفٍ(٥) . أللّهم بارك لنا في مدينتنا، أللّهم بارك لنا في صاعنا أللّهم بارك لنا في مُدّنا، أللّهم بارك لنا في مدينتنا، أللّهم اجعل مع البركة بركتين)(٦) .
فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يحبّ المدينة حبّاً شديداً ويرجو أن يصلها بسرعة وقد حرّمها حرمةً
____________________
(١) خُلُوف: أي ليس عندهم رجال ولا من يحميهم.
(٢) تُرحَل: أي يشدّ عليها رحلها.
(٣) (لا أحلّ لها عقدةً...) معناه: أو أصل المسير ولا أحل عن راحلتي عقدةً من عُقَد حملها ورحلها حتّى أصل المدينة لمبالغتي في الإسراع إلى المدينة.
(٤) المأزم: هوالجبل، وقيل المضيق بين الجبلين ونحوه، والأوّل هو الصواب هنا، ومعناه ما بين جبليها كما في حديث أنس وغيره.
(٥) العلف اسم للحشيش والتبن والشعير ونحوهما، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف، بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنّه حرام.
(٦) صحيح مسلم ٩: ١٤٦ - ١٤٧.
غليظة ودعا لها بالبركة المضاعفة، وقد سمّاها: مدينتنا مرّتين! ومن هنا يتّضح السرّ في بغض الأمويّين للمدينة وأهلها من تسمية الجبابرة لها: (أم نتن) وأهلها (يهود) و (أخبث أهل)، والإيقاع بأهلها والسخرية بمقام رسول الله وشخصه؛ فإنّ أهل المدينة هو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبه سمّيت وبه شرفت، ثمّ بايعه أهلها على النّصرة فكانوا خير أهل.
وأخرج مسلم بسنده عن عاصم الأحول قال: سألت أنساً أحرّم رسول الله المدينة؟ قال: نعم، هي حرام لا يُختلى خَلاها فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين!(١)
فكيف بقطع الرؤوس صبراً وضرب الرضيع بالحائط فيتناثر دماغه وتُبقر بطن الحامل فتموت مع جنينها( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) (٢) .
ولكن يبدو أنّ للشأميّين أفئدة تفقه ما لا يفقه المسلمون فهم( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَيَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَيُبْصِرُونَ بِهَا ) (٣) ؛ وذلك لاستحواذ الشيطان عليهم فقست قلوبهم( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِن ذِكْرِ اللّهِ ) (٤) .
ويحسن أن نذكر بعض الشعر لابن النابغة عمرو، وزير ابن هند معاوية و مستشاره في الملمّات، فقد علّمه وقادته سبيل النجاة من سيف ذي الفقار، بكشف عوراتهم! لمعرفته أنّ عليًّاعليهالسلام عليٌّ عن الدنيّات وإن كان فيها الانتصار! فهوعليهالسلام منتصر للحقّ مقاتل في سبيل الله، فكيف يجهز القرآن الناطق على رجال كلّهم عورات! إلّا أنّهم
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ١٤١.
(٢) التكوير: ٨ - ٩.
(٣) الأعراف: ١٧٩.
(٤) الزمر: ٢٢.
كشفوا عن الموضع المشترك بينهم وبين المؤمن المتّقي ذلك الموضع الذي يسمّى (عورة) و (فرج) وقد أُمروا بحفظه من أن يظهر وينكشف، ومن أن يستفاد منه فيما حرّم الله تعالى:( وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (١) .
وأُمروا بغضّ الأبصار عمّا دون الفَرْج، فكيف وأستاه عمرو ومعاوية والضحّاك مكشوفة بسَوادها في ساح الوغى، فأشاح أبو الحسن عليّعليهالسلام بوجهه ترفّعاً وإكراماً لذي الفقار الذي هتف به الوحي يوم بدر ويوم أحد، عملاً منه بالقرآن؛ أليس هو مع القرآن والقرآن معه، والله تعالى يقول:( قُل لّلْمُؤْمِنِينَ يُغُضّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) (٢) .
فكشف أولئك فروجهم فتردّوا، وغضّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بصره فزكى وعلا؛ وهو في البدء زكيٌّ عليٌّ.
وأمّا شعر ابن النابغة ففيه إقرار بإمامة أمير المؤمنين وفضائله، وفضل أهل العراق فهم أهل التّقى والعقول، وأمّا أهل الشأم فهم بَقَر بُكم يُساقون...، ويذكر كشف السوءات! وحيلته في رفع المصاحف وغير ذلك وهذا بعض شعره:
ولماّ عصيت إمام الهدى |
وفي جيشه كلّ مستفحل |
|
أبا البَقَرِ البُكْم أهل الشآم |
لأهلِ التُّقى والحِجَى أُبتلي؟ |
|
فقلت: نعم، قم فإنّي أرى |
قتال المفضَّل بالأفضلِ |
____________________
(١) المؤمنون: ٥ - ٦؛ المعارج: ٢٩ - ٣٠.
(٢) النور: ٣٠.
فَبِي حاربوا سيّدَ الأوصياء |
بقَوْلي: دمٌ طُلَّ من نَعْثَلِ(١) ! |
|
وكِدتُ لهم أن أقاموا الرِّماح |
عليها المصاحفُ في القَسْطَلِ |
|
وعلّمتُهم كشْفَ سوءاتهمْ |
لردِّ الغَضَنْفَرَةِ المقْبِلِ |
|
ورقيتك المنبرَ المشْمَخِرََّ |
بلا حدِّ سيفٍ ولا منصلِ |
|
ولو لم تكن أنتَ من أهله |
وربِّ المقام ولم تكملِ! |
|
نصرناك من جهلنا يا ابنَ هند |
على النبأ الأعظم الأفضلِ! |
|
وحيث رفعناك فوق الرؤوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفل! |
|
وكم قد سمِعنا من المصطفى |
وصايا مخصّصةًفي عليّ؟!؟؟ |
|
وفي يوم (خُمٍّ) رقى منبراً |
يُبلِّغ، والرِّكبُ لم يَرحلِ |
|
وفي كفّهِ كُفّه مُعلناً |
يُنادي بأمرِ العزيز العلي: |
|
ألستُ بكُمْ منكم في النفوس |
بأولى؟ فقالوا: بلى فافعلِ |
|
فأَنْحَلهُ إمرةَ المؤمنين |
من الله مُستخلَف المنْحَلِ |
|
وقال: فَمَن كنت مولىً له |
فهذا له اليوم نِعْمَ الولي |
|
فوالِ مُواليه يا ذا الجلا |
ل وعادِ مُعادي أخِ المرسَلِ |
|
ولا تَنْقُضوا العهدَ مِن عِتْرتي |
فقاطِعُهم بيَ لم يُوصَلِ |
|
فَبَخْبَخَ شيخُك لـمّا رأى |
عُرَى عَقدِ حَيْدرَ لم تُحْلَلِ |
____________________
(١) اسم لعثمان كانت عائشة تُسمّه به وتقول: أقتلوا نعثلاً فقد كفر.
(٢) هو قول عمر بن الخطّاب لعليّ بعد أن نصبه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير أميراً للمسلمين وخليفة من بعده، فهنّأه عمر وقال: بخّ بخّ لك يا عليّ أصبحت وليّ كلّ مسلم ومسلمة.
فقال: وليُّكُمُ فاحفظوه |
فَمَدْخَلُه فيكمُ مَدْخَلي |
|
وإنّا وما كان من فعلنا |
لَفي النار في الدَّرك الأسفلِ |
|
وما دمُ عثمان منجٍ لنا |
من الله في الموقف المخْجَلِ |
|
وإنّ عليًّا غداً خصمُنا |
ويعتزُّ باللهِ والمرسَلِ |
|
يُحاسبُنا عن أُمورٍ جَرَتْ |
ونحن عن الحقّ في مَعْزِلِ |
|
فما عُذْرُنا يوم كَشْفش الغطا؟! |
لك الويلُ منه غداً، ثمّ لي(١) |
أحد في حديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
وأخرج مسلم بسنده عن أنس خادم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: أقبل النبيّ حتّى إذا بدا له أحد قال: (جَبَلٌ يحبّنا ونحبّه)، فلمّا أشرف على المدينة قال: (أللّهم إنّي أحرّم ما بين جبليها مثلَ ما حرّم إبراهيم مكّة، أللّهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم)(٢) .
ذكر النووي في شرحه قوله: حتّى إذا بدا له أحد قال: (هذا جبل يحبّنا ونحبّه)، قال: الصحيح المختار أنّ معناه أنّ أحُداً يحبّنا حقيقةً، جعل الله تعالى فيه تمييزاً يحبّ به كما قال تعالى:( وَإِنّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ ) (٣) ، وكما حنّ الجذع اليابس(٤) ، وكما رجف حراء فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (اسكن حراء فليس عليك إلّا نبيّ أو شهيد) الحديث.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٥٢٢.
(٢) صحيح مسلم ٩: ١٣٩.
(٣) البقرة: ٧٤. في تفسير ابن زمنين ١: ٣٤، وتفسير الطبريّ ١: ٤٠٨، ح ١٣٢١: قال مجاهد: كلّ حجر انفجر منه ماء أو تردّى من رأس جبل فهو من خشية الله.
(٤) عن ابن عباس: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخطب إلى خشبة كانت في المسجد، فلمّا صنع المنبر فصعده رسول الله، حنّت الخشبة، فنزل رسول الله فاحتضنها فسكنت. طبقات ابن سعد ١: ١٨٨.
فسكن حراء. وكما سبّح الحصى في يده، وكما من حديث الشاة(١) ، وكما قال سبحانه وتعالى:( وَإِن مِن شَيْءٍ إِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِن لّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (٢) قال: معنى هذه الآية أنّ كلّ شيء يسبّح حقيقة بحسب حاله ولكن لا نفقهه واختاره المحقّقون في معنى الحديث وأنّ أُحُداً يحبّنا حقيقةً. وقيل: أهله، فحذف المضاف (أهل أُحُد) وأقام المضاف إليه (أُحُد) مقامه، والله أعلم(٣) .
وعاد مسلم إلى ذكر جبل أحُد، فجزم المحقّق بأنّ هذا الحبّ على ظاهره أي عائد إلى الجبل نفسه.
فبسند آخر من طريق قتادة عن أنس قال: نظر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أحد فقال: (إنّ أُحُدا جبل يحبّنا ونحبّه)(٤) .
قال النووي: يحبّنا أهله وهم أهل المدينة ونحبّهم والصحيح أنّه على ظاهره وأنّ معناه: يحبّنا هو بنفسه وقد جعل الله فيه تمييزاً، وقد سبق بيان هذا الحديث قريباً والله أعلم(٥) .
ذكر مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠ هـ) بشأن الآية التي استدلّ بها النووي من سورة
____________________
(١) عن أبي سلمة قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، فأهدت إليه يهوديّة شاة مصليّة (مطبوخة) فأكل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منها هو وأصحابه. فقالت: إنّي مسمومة، فقال لأصحابه: ارفعوا أيديكم فإنّها قد أخبرت أنّها مسمومة، قال: فرفعوا أيديهم، قال: فمات بشر بن البراء، فأرسل إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: أردت أن أعلم إن كنت نبيّاً لم يضررك. وإن كنت ملكا أرحت الناس منك، قال: فأمر بها فقتلت. (طبقات ابن سعد ١: ١٧٢).
(٢) الإسراء: ٤٤.
(٣) هامش صحيح مسلم ٥: ١٣٩.
(٤) نفس المصدر السابق: ١٦٢.
(٥) نفس المصدر السابق: ١٦٢ - ١٦٣.
الإسراء:( تُسَبّحُ لَهُ السّماوَاتُ السّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِن لّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) الآية.
قال: عظّم نفسه جلّ وعلا، فقال سبحانه:( تُسَبّحُ لَهُ ) ، يعني تذكرة،( السّماوَاتُ السّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ وَإِن مِن شَيْءٍ ) يعني وما من شيء( إِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ ) يقول: إلّا يذكر الله بأمره، يعني من نبت، إذا كان في معدنه، أو دابّة، أو خلق،( وَلكِن لّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ، يقول: ولكن لا تسمعون ذكرهم لله عزّ وجلّ(١) .
فالمعنيان مقبولان في مسألة (جبل أُحُد) فهو على ظاهره بقرينة تسبيح السماوات والأرض وهي ليس من جنس العاقل: من بشر أو ملائكة أو جنّ، وذكر ضمير ما تضمّه السماوات والأرض في التسبيح( وَمَن فِيهِنّ ) وعاد إلى العموم الشامل:( وَإِن مِن شَيْءٍ ) فهي عموم الموجودات من عاقلة وغيرها ومن جامدة بحسب الظاهر من نبات ما زال في معدنه أي تربته لم يقطع ولم يُقلَع.
أمّا لم خصّ أُحُداً بهذه الكرامة؟! أليس الجبل الثاني المقابل له والمحيط بمدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسبّح وأنّ فيه تمييزاً فهو مثل أحُد في المحبّة؟ فليس هذا من شأننا إنّما عِلْم ذلك عند الله تعالى، ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم. ولكن لنا أن نقول: إنّ أحُداً صار جنّة الشهداء في وقعة أُحُد وما بعدها، والمدينة مدينة الأنصار وحاضرة الإسلام ومثوى سيّد الرّسل صلّى الله عليه وعليهم وعلى آله الطاهرين، فلأجل ذلك حرّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة حرمة مغلّظةً ولعن من أراد بأهلها سوءاً أو أحدث بها حدثاً يؤدّي إلى هتك
____________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢: ٢٥٨ - ٢٥٩.
حرمتها؛ ولأجله خرج سيّد الشهداء سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وريحانته وسيّد شباب أهل الجنّة من المدينة ووّدع جدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم باكياً على مفارقته لأنّه عارف أنّ القوم لن يتركوه، فإمّا أن يبايع بيعة ضلال وإمّا أن يقتل؛ والأمّة في خَدَرٍ وسُبات من سيرة يزيد الخمور والكلاب والقرود والزنا...، فاختار طريق الشهادة التي مضى إليها وهو على بصيرة من أمره أخبره بذلك الصادق الأمين جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبكاه وقبّله في منحره وأراه التُربة التي ستروى من دمه ودماء أهل بيته والبدور من صحابته من أُسْد العراق يقتلهم أثنا عشر ألفاً وفي قول عشرون ألفاً من أهل الشأم ومعهم أربعة آلاف من خوارج وعثمانيّة الكوفة والحمراء من أبناء خراسان جلبهم ابن سميّة، وهم من أبناء ملوك الأكاسرة، فكان يصول بهم ويسلّطهم على مشايخ ورؤساء قبائل الكوفة فيقتلون ويحبسون.
فلمّا كان ابن مرجانة عبيد الله ساقهم مع أولئك الخوارج والعثمانيّة بقيادة ابن عمّ يزيد: عمر بن سعد العذريّ!.
المهمّ في هذه الملاحظة السريعة أنّ الإمام المفدّى الحسينعليهالسلام لم يكن سبباً في هتك حرمة الحرمين الشريفين.
لعنة من أحدث في المدينة
عن عاصم قال قلت لأنس بن مالك: حرّم رسول الله المدينة؟ قال: نعم؛ ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث بها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يومَ القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً(١) .
وبسند عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (المدينة حَرَمٌ فمن أحدث فيها حَدَثاً أو آوى مُحْدِثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يُقبل منه يومَ
____________________
(١) صحيح مسلم ٥: ١٤٠ - ١٤١.
القيامة عَدْلٌ ولا صَرْفٌ)(١) .
وبنفس الإسناد عن سفيان عن الأعمش مثله ولم يقل: يوم القيامة؛ وزاد فيه: (وذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أَخْفَرَ مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل منه عدل ولا صرف)(٢) .
فهذا النكير على من أحدث أمراً يقلق به أمن أهل المدينة ويسيء إلى قدسيّتها التي أراد لها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ أو آوى المحُدِثَ وضمّه إليه فجعله في كنفه وحمايته، فعلى المحدِث ومن حماه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، زيادةً في التنكير، وهو وعيد شديد لمن ارتكب ذلك واستدلّوا على ذلك بأنّه من الكبائر لأنّ اللعنة لا تكون إلّا في كبيرة، ومعناه أنّ الله تعالى يلعنه وكذا الملائكة والناس أجمعون، مبالغةً في إبعاده عن رحمة الله تعالى فإنّ اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد؛ فالمراد هنا العذاب الذي يستحقّه على ذنبه.
(ولا يقبل منه عَدْل ولا صَرْف): العدل أي الفدية، والصرف التوبة. قال القاضي عياض: قد يكون معنى الفدية هنا أنّه لا توجد أو لا يجد في القيامة فداء يفتدي به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضّل الله عزّ وجلّ على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهوديّ أو نصرانيّ كما ثبت في الصحيح(٣) .
هذه هي المدينة وعظيم حرمتها، فمن أحدث بها حدثاً لا شفاعة له، ولا توبة له مقبولة وفديته مردودة إذ لا قيمة لها ما زال قد حدثه في المدينة!
____________________
(١) صحيح مسلم ٥: ١٤٥.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) حاشية صحيح مسلم ٥: ١٤١.
وأمّا قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (وذمّة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف). فالذمّة هنا الأمان، فأمان المسلمين للكافر صحيح؛ فإذا أمنه أحد من المسلمين حرم على غيره التعرّض له مادام في أمان المسلم وللأمان شروط معروفة. ويسعى به أدناهم، أي أنّ أمان المرأة وهي غير محاربة مثل الرجل فأمانها صحيح محفوظ محترم، وكذلك أمان العبد.
وقوله: (فمن أخفر ذمّة مسلم) معناه: من نقض أمان مسلم وفي اللغة: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته إذا أمنته.
هذه مبادئ الإسلام وقد نقض صرحها بنو أميّة عبد عبد شمس، وذوو العاهات المنتسبون إليه أو المدّعون إليهم أو قادتهم وكلّ له عاهته في النسب أو الخلقة والتكوين والانتماء القبليّ.
ولذا بعد القتل الذريع العام الذي تلا وقعة الحرّة واستباحة المدينة ثلاثة أيّام يقطعون الرؤوس عوضَ عِضاها! ويبقرون البطون الحوامل ويفجرون بالبواكر. بعد الأيّام السوداء الثلاث تلك أعطى قائد جيش الأبدال -كذا! -، والقيادة ألوان! الأمان؛ فكان يجيء أحدهم فيسأله ويسخر منه ويأمر بضرب عنقه صبراً! أو يمنّ عليه: فيطلب منه أن يبايع ليزيد أنّه عبد قنّ له يتصرّف به كيف شاء! فإذا أبى ذلك ضرب عنقه.( وَالّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ ) (١) .
وإذا كان ابن هند شقّ عليه أن يُصاح خمس مرّات (أشهد أنّ محمّداً رسول الله) ثمّ
____________________
(١) الرعد: ٢٥.
يُعقّب: إلّا دفناً دفناً، أي بدفن معالم رسالة الإسلام وتشويه معالمه الناصعة، وتصدّيه وخروجه على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ومتابعة ذلك بما ذكرناه من غارات على الحاجّ، على نهج الخوارج المارقة، وبعثه البعوث للإرجاف بأهل الحرمين...، ناقضاً بذلك العهد والميثاق مع سيّد الوصيّينعليهالسلام ؛ ومن قبل ولمجرّد أنّ حصب أهل العراق واليهم، وإن لم يوضّح لنا الراوي السبب، وإلاّ فأهل العراق قد حصبوا ولاةً طغاةً عدّة لمخالفتهم السّنّة وإتيانهم البدعة؛ ففي تلك التي كانت على عهد عمر دعا عليهم بالهلاك وأن يسلّط عليهم غلام ثقيف – لـما كان يسمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بخروج ثقفيّ مبير كذّاب - فكان الحجّاج، وكما دعا عمر: أن يتسلّط أهل الشام على أهل العراق! وأن يقعوا تحت طائلة السيف الثقفيّ؛ فكان ذلك إشارة إلى معاوية وهو غنيّ عنها، فصار يسلّط على العراق جبّاراً بعد آخر، وينتقيهم من ذوي العاهات كما انتقاه الشيطان للشأم وهو هو في الدين! وفي النّسب فقد ذكرنا قصّته واشتراك أربعة رجال في هند والنسّابة يقولون: إنّه وعتبة أخاه لأمّه وفي القصّة تفصيل لمحاولة تخلّص هند من عتبة إذ أمرت جاريتها أن تضعه على قارعة الطريق....
ولا نعيد كلّ ما ذكرناه في هذا الأمر، إلّا أنّ الكلام يجرّ إلى الكلام وكما يقولون الحديث ذو شجون والتذكير لازم؛ ويوم الفتح وجاءت النساء يبايعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان من أحد ما شرط عليهنّ: أن لا يزنين؛ فلم تعترضه إلّا هند أمّ معاوية، قالت: وهل تزني الحرّة؟! فنظر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عمر بن الخطّاب وابتسم.
ولا نريد الإضافة في نسبهم وبعدهم عن الإسلام فقد نزل بهم بياناً في القرآن، ولعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسمّاهم قبائل وأفراداً، وذكر الحرّة وكربلاء، ولم يسلم بيت الله الحرام من فسّاق عجّل عمر بالاستعداد للعدوان على العراق، وكان من ضحايا
غلام ثَقيف: إبنُه القاعد عن بيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وكان موادعاً لا يُخشى جانبه ولذا لـمّا أوصى ابن هند يزيداً حذّره الإمام الحسينعليهالسلام ، وحذّره تربّص ابن الزبير وطمأنه جانب عبد الله بن عمر الذي راح ضحيّة حسد الطاغية ابن أمّ الحجاج.
وليس هنا مقام العرض للأبناء والمستلحقين ممّا تزكم منه الأُنوف، ويبقى اسم صَهّاك مجهولاً لكثير ولا يعلم أنّها من ذوات الرايات! ولكن يثور أمامنا من جديد: أفعال خالد المخزوميّ وخزاياه إذ يقتل المؤمنين ويجعل من رؤوسهم أثفيةً، أي وقوداً، يطبخ عليها عشاءه ويدخل بزوجة الرجل الشهيد الصالح (مالك بن نُوَيْرة) ليلة قتله زوجها!! وإعراسه وهو في طريقه لتوسيع ملك سلطان أبي بكر؛ واستبدال عمر القيادة بقيادة جديدة وتسليط بني أميّة مع ما سمعه من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بلعنهم ووجوب قتل معاوية إذ اعتلى المنبر، فهل عقمت أرحام النساء أن يلدن من هو أفضل من معاوية مولداً وديناً.
قال ابن عساكر: لـمّا ولّى عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان ما ولاّه من أمر الشأم، خرج إليه معاوية، فقال أبوسفيان لهند: كيف رأيت ابنك صار تابعاً لابني. فقالت: إن اضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع ابنك ممّا يكون فيه ابني.
ذكرنا هذا المقطع عرضاً ونعيده في التحقيق في نسب معاوية وتذكيراً للقارئ الكريم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) صدق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد خالف معاوية هذا الحكم في استلحاقه ابن سميّة زياداً ونصب لذلك شهوداً اشتهروا بالقيادة - الجمع بين الرجل والمرأة في حرام - وفسّاق فجّار شهدوا له أمام أهل الشأم أنّ زياداً أخاه، وكان في كلام أبي مريم السّلوليّ أنّ أباسفيان وهو في سفر طلب أن يأتيه بامرأة، فقال: لا أعرف الآن إلّا سميّة وكانت من ذوات الرايات، فقال
ائتني بها، فجاء بها سوداء، فلمّا أصبح سأله أبو مريم وكان خمَّاراً فأجابه كنت فيها في راحةٍ على ذَفَرٍ في إبطَيها. ثمّ وقع عليها مرّة أخرى مع رجال سنذكرهم فحملت فاختصموا فيه فقالت: إنّه من أبي سفيان، فلمّا قيل لها إنّه شحيح أي بخيل، قالت ولكنّه سيّد قومه. وبعد الاستلحاق صار زياد وولده يُسمّون بنو أبي سفيان! ولم يسأله أهل الشأم: أين كان قبل إذ كان يُدعى ابن عُبيد، وابن عبد علاج، وابن أبيه؛ والآن فهو أخوك؛ فإن لم نكن مسلمين فنحن عرب أحرار فأبى أن يحكمنا مطعون في نسبه ويستلحق ولد الزنا فنكون سُبّةً للآخرين؟!
ثمّ إنّ قول صخر بن حرب لهند: (كيف رأيت ابنك صار تابعاً لابني؟!) وثيقة صادقة صادرة من داخل البيت، وأهل البيت أدرى بما فيه! ففيها نفي لأبوّة صخر - أبي سفيان - لمعاوية، وإثبات لأبوّة صخر ليزيد بن أبي سفيان، وأمّه غير أمّ معاوية.
ونذكّر أنّ عمر لـمـّا مات يزيد بن أبي سفيان، استخلف معاوية بن هند مكانه وبسط سلطانه، فجاء هذا إلى المدينة فبدأ بعمر فسأله عمر: هل بدأت بأحد؟ فقال بك بدأت؛ قال: إبدأ بهند.
حُكمُ معاوية في ولد الفراش
ولمّا كان معاوية تعتمل في نفسه عُقدة النقص وتصرعه مشاعر وضاعة النَّسب، وكانت أُمُّه التي يفاخر بها ويسبق الآخرين بقوله: أنا ابن هند، ولكثرة ما خوطب بذلك، وما قاله هو عن نفسه؛ لا أستحضر الآن أنّه قال: أنا ابن أبي سفيان. فكان إذا تقدّم إليه مختصمان في قضيّة نسب وإستلحاق، ألحق المختصم فيه بالعاهر (الزاني) مخالفاً بذلك سنّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم القاضية (الولد للفراش وللعاهر الحجَر).
والغريب في الأمر، ما نقل عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، وفي أهل أُحُد ما بقي منهم أحَد، وفي كذا وفي كذا، وليس فيها الطليق ولا لولد الطليق ولا لمسلمة الفتح شيء(١) .
أما لم خرج عمر عن رأيه هذا وهو العبقريّ فسلّط الطّلقاء، واختار من بينهم من لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وسعى هو جاهداً لدثر إسم رسول الله (إلاّ دفنا دفنا - في جوابه للمغيرة، مضى)؛ فإنّه هنا أفصح لأهل العراق - وهم يعلمون نيّته، إلّا أنّه أراد أن يتشفّى، لِمَ حاربهم؟ فهم لا يندرجون تحت عنوان للخروج، وهم أهل دين يصلّون ويحجّون ويؤدّوا الفرائض الأخرى؛ فهذه أمور ليس لها معيار في ميزان ابن هند، وهذه لو لم يات بها أهل الشأم لا يحاسبهم عليها، وكيف يصنع وهو في كنفهم وهم يده الضاربة؟! ثمّ ماله وللفرائض وهو أوّل من خالف السّنّة فعمد أوّلاً إلى المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اقتداءً بعمر كما ذكرنا في موضعه، وأوّل من صلّى جالساً؛ وأحدوثات معاوية كثيرة ذكرناها.
وذكرنا أنّ عمر بن الخطّاب كان مفتتناً بمعاوية، يسمّيه كسرى العرب! وعمر كان تاجراً ولذا تأخّر إسلامه إلى ما بعد (٤٥) نفر أو يزيد ممّن دخلوا الإسلام، وكان لإسلامه قصّة ملخّصها أنّه سمع أنّ أخته وزوجها قد أسلما، فاستشاط غيظاً وذهب في سورة غضبه فوجدهم يقرؤون قرآناً فصفع خدّ أخته فأدماه وكاد أن يفتك بصهره لولا أن حالت أخته بينه وبين زوجها، وقذف الله الرحمة في قلبه فهداه.
أقول: وكان أبوسفيان تاجراً وتجارته إلى أرض الشأم ومصر، فلعلّ عمر عرف لهذا البيت ما لم يعرفه غيره إلّا أنّ العقبة هي في موقف هذا البيت من الإسلام
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٢.
والمسلمين؛ وإنّ من شروط الحاكم أن يكون صريح النسب، وقول عمر: إنّ هذا الأمر لا يكون في طليق أو ابن طليق ولا مسلمة فتح! فهذه أمور غريبة نعرض عنها ونرجع لنفرغ من شأن (طيبة مدينة الرسول المنوّرة).
دعاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم للمدينة بركتين
عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (أللّهم بارك لنا في صاعنا ومدّنا واجعل مع البركة بركتين)(١) .
وبسند عن أبي هريرة قال: كان الناس إذا رأوا أوّل الثّمر جاؤوا به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإذا أخذه رسول الله قال: (أللّهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدّنا، أللّهم إنّ إبراهيم عبدك وخليلك ونبيّك وإنّي عبدك ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة وإنّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكّة ومثله معه، ثمّ يدعو أصغر ولد له فيعطيه ذلك الثمر)(٢) .
وبسند آخر وبلفظ مغاير قليلاً عن السابق، عن أبي هريرة أيضاً: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يؤتى بأوّل الثمر، فيقول: (أللّهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدّنا وفي صاعنا بركةً مع بركة) ثمّ يعطيه أصغر من يحضره من الولدان(٣) .
وهكذا تجد المبعوث رحمةً للعالمين إذا دعا لثمر، جمع في دعائه، ودعاؤه مجاب عند الله تعالى، بين الدعاء لثمر المدينة والمدينة، وأضاف المدينة إلى نفسه (مدينتنا)؛ فالمدينة هي مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما أنّ عليًّا هو نفس رسول الله في آية المباهلة؛ وابنته سيّدةُ
____________________
(١) صحيح مسلم ٥: ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٤٦.
(٣) نفس المصدر السابق.
نساء العالمين وزوج سيّد العرب عليّ فاطمة الزهراء نساؤه في الآية أيضاً، وابناها سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين ابناء النبيّ في الآية أيضاً؛ ولذا هي مدينة هذه الوجوه المقدّسة التي نذكرها في التشهد في الصلاة ولو ذكرنا وأشركنا غيرهم لبطلت صلاتنا مثل أيّ مبطل للصلاة. ومن ثمّ فهي مدينة السابقين من المهاجرين والأنصار. والمدينة عزيزة على قلب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيدعو لها بالخير والبركة والسلامة، ويدعو لأهلها بكلّ خير، ولثمرهم بالنّماء وأن يجعل الله تعالى فيه ضعفي البركة في ثمر مكّة بيت الله! ويدعو الله تعالى بمعاجلة من أراد بها سوءاً.
حمى المدينة
وتستبين عِظَمُ حرمة المدينة من توسيع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حماها فليس لآثم مهما تدرّج في الوَضاعة! أن يحيف ويجتاز حمى رسول الله فيقلق الآمنين بذلك الحمى.
عبد الرزّاق حدّثنا معمر عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: حرّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت، وفي لفظ: رأيت الظّباء ترتع(١) بالمدينة، وفي لفظ: ما بين لابتيها، ما ذعرتها(٢) وجعل اثنى عشر ميلاً حول المدينة حمىً(٣) .
وأبو سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (إنّي حرّمت ما بين لابتي المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة)؛ قال أبو سعيد: ثمّ كان أحدنا يأخذ الطّير فيفكّه من يده ثمّ يرسله(٤) .
____________________
(١) ترتع: ترعى، وتسعى وتبسط.
(٢) ذعرتها: أفزعتها.
(٣) صحيح مسلم ٥: ١٤٥.
(٤) نفس المصدر السابق: ١٤٩ - ١٥٠.
الظّباء ترتع، فترعى، وتسرح وتنبسط وتسعى، فلا تَوْجَل إذ لا مُسْرِف يقظّ مضجعها؛ ولا حسود حقود لجوج أخفش العينين ممسوح الجاعرتين يتقرّب بها طاغية الشأم، والحِمى اثنى عشر ميلاً خارج المدينة، والبركة مرّتين ممّا هي بمكّة، والقبائل هي آوت ونصرت وليست التي قاتلت الإسلام حتّى كان النصر والفتح المبين وتهاوت آلهتهم تحت ضربات المحاجن والفؤوس.. دعنا من مسرف، والحجّاج وأهل الشأم الذين ندبهم عمر ليستعدّوا لأهل العراق، ولنذكر شيئاً من صنيع ابن هند بأهل المدينة الحرام وإن كنّا قد ذكرنا شيئاً في مبحث الغارات، وشيئاً نظيراً لـمـــا نذكره هنا، فإنّما هي الجراحات التي حلّت بأطهر بيوت الله (أهل البيتعليهمالسلام ) والذي جرى لهم ولشيعتهم شيعة النبيّ والقرآن! وحتّى عصرنا الحاضر فهم هدف لكلّ غائر العينين أخفشهما ناتئ الوجنتين قذفته نجد من رحمها ليكون مفتي مكّة وشغله الشاغل تكفير الشيعة ووجوب قتلهم وتفجير مساجدهم فباع أتباعهم أنفسهم للشيطان بلا ثمن إلّا الجحيم الخالد إذ يفجّرون أنفسهم وسط الأبرياء من المصلّين وفي الأسواق...؛ وتجرّأ أعراب نجد بشتيمة سادة أهل الجنّة فالويل لهم إذ خصمهم الله ورسوله وخير البريّة، جمع الله بينهم وبين من يحبّون: يزيد، وقد كتبوا عن أمجاده وإمارته وحقّه في قتل الحسينعليهالسلام ، ومسرف والحجّاج ومعاوية ومن مهّد لذلك.
قال الشعبيّ: لـمّا قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقّته رجال من قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعزّ نصرك وأعلى أمرك. فما ردّ عليهم جواباً! حتّى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد فإنّي والله ما وليت أمركم حين وليته إلّا وأنا أعلم أنّكم لا تسرّون بولايتي ولا تحبّونها، وإنّي لعالم بما في نفوسكم، ولكنّي خالستكم بسيفي هذا مخالسةً، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي
قُحافة فلم أجدها تقوم بذلك، وأردتها على عمل ابن الخطّاب فكانت عنه أشدّ نفوراً، وأردتها على سُنيَّات عثمان فأبتْ عليّ، وأين مثل هؤلاء؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممّن بعدهم، غير أنّي قد سلكت بها طريقاً لي فيه منفعة ولكم فيه مثل ذلك. ولكلٍّ فيه مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم، فأنا خيركم لكم؛ والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدّم ممّا قد علمتموه فقد جعلته دَبْرَ أُذني، وإن لم تجدوني أقوم بحقّكم كلّه فارضوا منّي ببعضه، فإنّها ليست بقائبةٍ قُوبَها(١) ، وإنّ السيل إذا جاء يَتْرى وإن قلّ أغثى... وإيّاكم والفتنة! فلا تهمّوا بها فإنّها تفسد المعيشة وتكدّر النعمة، وتورث الاستئصال!(٢)
فلا عتب على الحجّاج ولا على يزيد ومسرف؛ فهذا ابن هند وقد تلقّته وجوه قريش مهنّئةً له وداعية، فلم يقيم لها وزناً ولم يردّ جواباً، وقصد المسجد الذي استمدّ قدسيّته لقربه من حضرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولدعاء النبيّ لمن صلّى فيه مزيداً من الخير والبركة. ثمّ اعتلى المنبر الذي كان مدرسةً للمسلمين، يجلس عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلّمهم صلاتهم كيف يؤدّونها وأحكام دينهم...، وكان الصحابة يتبرّكون بهذا المنبر يقبّلون جوانبه ويمسحون أيديهم برمّانته ثمّ يمسحون بها وجوههم. وهو ليس من عرض المنابر، فهو في روضة من رياض الجنّة - سنأتي على الروايات في ذلك -، فصار منبراً لمن يكذب على رسول الله ومن كذب عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد تبوّأ مقعده من النار! واصدار أوامر الغصب والظلم، ويأكل عليه الولاة الفجرة ويهزؤون برسول الله
____________________
(١) لغة تهديد! ومعناه أنّ الطير إذا فارق بيضته لم يعد إليها.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٥. (ما هذه اللهجة الجافية الحادّة لغة الوعيد بالاستئصال الذي يعني الإبادة العامّة؟!).
ويعلون عليه شأن الزنادقة ويطرحون النوى في وجوه أشراف أهل المدينة وينحرونهم صبراً....
وليت ابن هند إذ لم يردّ على وجوه قريش وقد استقبلوه، أن يتأدّب بحضرة رسول الله فيقول خيراً؛ فإنّه راح يكيل التّهم للمجتمعين وينعتهم بالنفاق! وإنّه تسلّط عليهم بالسيف وهم كارهون، ويتوعّدهم أشدّ الوعيد إن ثارت فيهم فتنة، فمصيرهم الاستئصال، وهي لغة غاية البعد في التهديد أي لا يبقى منهم أثراً! والحال لم يقع منهم بعد شيء ولا دخلوا في خلاف. ويرتفع العجب إذا تذكّرنا دائماً غاراته التي بعثها من قبل وأمر قادته أن يرجفوا بأهل الحرمين خصوصاً أهل المدينة حتّى يشعروا أنّه موقع بهم، وأن يبسط لسانه عليهم ويغلظ في القول لهم.
هذا ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أنزل المدينة منزلة مكّة المكرّمة ودعا لها بالبركة ضعف ما دعا لمكّة ولعن من أحدث بها حدثاً أو آوى محدثاً ولقد دعا إبراهيم الخليلعليهالسلام ربّه من أجل مكّة:( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ) (١) الآية.
عن سهل بن حنيف قال: أهوى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده إلى المدينة فقال: (إنّها حرم آمن)(٢) .
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أللّهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكّة من البركة)(٣) .
____________________
(١) البقرة: ١٩.
(٢) صحيح مسلم ٥: ١٥٠.
(٣) نفس المصدر السابق: ١٤٣.
دعاؤهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنقائها
عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أللّهم حبّب إلينا المدينة كما حبّبت مكّة أو أشدّ، وصحّحها وبارك لنا في صاعها ومدّها وحوّل حمّاها إلى الجحفة)(١) .
فتراهصلىاللهعليهوآلهوسلم تارةً يدعو الله تعالى أن يجعل بركته على المدينة ضعفي بركته على مكّة؛ وأخرى يسأل الله تعالى أن يحبّب المدينة إليه وإلى المؤمنين أشدّ من حبّهم مكّة، وهذا لا يكون إلّا بوفرة الغذاء وهذا ما حصل إذا صارت المدينة حاضرة الدولة الإسلاميّة وإليها تُجبى الأموال والأرزاق من مختلف البلدان؛ وبنقاء هوائها والبركة في الرزق.
أمّا قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم (وحوِّل حمُّاها إلى الجُحفة) قال الخطابي وغيره: كان ساكنوا الجحفة في ذلك الوقت يهوداً، ففيه دليل للدعاء على الكفّار والأعداء بالأمراض والأسقام والهلاك وفيه الدعاء للمسلمين بالصحّة وطيب بلادهم... وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ الجحفة من يومئذ مجتنبة ولا يشرب أحد من مائها إلّا حُمَّ(٢) .
تسمية المدينة المباركة
في خبر طويل فيه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّما المدينة ُكالكِير تَنفي خَبَثَها ويَنْصَعُ طَيِّبُها)(٣) .
وزيد بن ثابت عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (إنّها طَيْبةُ، يعني المدينة وإنّها تنفي الخبيثَ كما تنفي النارُ خَبضثض الفِضّة)(٤) .
____________________
(١) صحيح مسلم ٥: ١٥٠.
(٢) هامش صحيح مسلم ٥: ١٥٠ من تفسير النووي.
(٣) نفس المصدر السابق: ١٥٥.
(٤) نفس المصدر السابق: ١٥٦.
وعن جابر بن سَمُرَةَ قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (إنّ الله تعالى سمّى المدينة طابَةَ)(١) .
اسمها في القرآن الكريم: (المدينة). وقد سمّاها الله تعالى كما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (طابَةَ).
وهي عند رسول الله (طيّبة) و (طيبة) والمدينة. وهي حرام آمن يأمن فيها الطّير، والظّباء، ولا تخبط شجرتها. وهي عند بني أميّة (نتنة) و (أخبث بلد).
وأهلها: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأهل بيت العصمةعليهمالسلام والسابقون من المهاجرين والأنصار، وأمّهات المؤمنين. وهم عند بني أميّة عظام وَرْمَةً - أي بالية، ويهود أبناء يهود...، ومن أفضل الأعمال وأزكاها قتل أهل المدينة.
فضل الصلاة بمسجد المدينة
ولمسجد المدينة فضل ومنزلة متسبّبة من تشريف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك المسجد، وانتساب المسجد إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكما أنّ المدينة بلد حرام لتحريم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لها، ومكّة حرام حرّمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، وكان الذي بنى الكعبة هو نبيّ الله، أبو البشر آدمعليهالسلام ، ثمّ اندرست معالمها؛ حتّى بناها إبراهيم النبيّ خليل الرحمنعليهالسلام ؛ ودعا الله تعالى لها بالحرمة والبركة فاستجاب الله تعالى دعاءه، فصارت حرمتها تنسب إلى النبيّ إبراهيم، فإضافةً إلى رفعه لقواعدها المندرسة، صار معها مقام لم يكن هو مقام إبراهيم، وأضيفت مناسك ظاهراً لم تكن موجودة في حجّ آدمعليهالسلام ؛ ولأجله قرن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تحريمه للمدينة وتبريكه عليها بحرمة مكّة، تعظيماً لها وسدّاً لباب الذريعة لأيّ عدوان عليها؛ وردّ تحريم مكّة إلى دعاء إبراهيمصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ لم يسبق
____________________
(١) صحيح مسلم ٥: ١٥٦.
إبراهيم في الدعاء في ذلك أحد؛ فمكّة بقعة مباركة ملعون من هتك حرمتها، وكذلك المدينة وإلاّ فإنّا نجد مساجد محترمة مقدّسة جاء فيها ما يدلّ على منزلتها ولم تسلم من يد العدوان!
وقبل الإشارة إلى هذه المساجد، نذكر بعض ما أورده ابن عساكر في (تاريخ دمشق) وهو يتحدّث عن فضائل دمشق والشأم وأهلها، وقد أطنب في الإطراء في ذلك؛ بيد أنّ الواقع أملى نفسه في هذا الفصل الطويل: فقد ذكر أنّ معاوية سأل عبد الله بن الكوّاء عن أهل الشأم؟ قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق، ولا يحسبون للسماء ساكناً(١) .
وقد سبق ابن النابغة في تشخيص هذا الحال لأهل الشأم في شعره لابن هند. قال: وفي حديث آخر: أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق، وأجرؤهم على الموت لا يُدرى ما بعده دمشقيُّهم يشتمل ولا يدري، وحمصيّهم يسمع ولا يعي(٢) .
قال: والمراد في هذه الحكايات ما كان عليه أهل الشأم من طاعة أئمّتهم وأمرائهم، واقتدائهم في الفتن والحروب بآرائهم، من غير نظر في عواقب الفتن كما فعلوا في سالف الزمن من قتالهم عليّ بن أبي طالب، وهو الإمام المرتضى، وفعلهم يوم الحرّة، وحصار ابن الزبير(٣) .
أسفاً عليك يا ابن عساكر! وأين فعلتهم الشنيعة وجريمتهم العظمى في قتلهم ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الحسين سيّد شباب أهل الجنّةعليهالسلام وآل بيته وصحبه الكرام؟ أم أنّك
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١: ١٣٥.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٣٦.
(٣) نفس المصدر السابق.
عن قصد كما رأينا في موسوعتك (تاريخ دمشق) إذ ترفع من أهل الشأم كثيراً، لابدّ وأن تقرن بهم أهل الكوفة ولكن تنقيصاً وتنزيلاً؛ ولا أدري ينتابك السهو كما انتاب المغيرة بن شعبة، وابن النابغة، وابن هند، إذ صدحوا بفضل ومَجْد أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ؛ فأنت كذلك تصدح في مؤلّفك هذا بفضل الكوفة وأهلها وتذكر نقائص أهل الشأم؟!
يا ابن عساكر: إنّ الناقص الذي أمر بقتل الحسينعليهالسلام لم يكن مقرّه الكوفة وإنّما دمشق التي أرّخت لها؛ ومن مدن الشأم خرج اثنا عشر ألف، وبعضهم يقول أكثر من ذلك، وضمّ إليهم كما ذكرنا سابقاً الحمراء من أبناء خراسان وخوارج وعثمانيّة الكوفة لقتال الحسينعليهالسلام . فالذين قتلوا الحسينعليهالسلام حقيقةً هم أهل الطاعة العمياء! ولقد ذكرت في ترجمة يزيد فقلت: (وخرج الحسين بن عليّ إلى الكوفة ساخطاً لولاية يزيد، فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد، وهو واليه على العراق: إنّه قد بلغني أنّ حسيناً سار إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت من بين العمّال، وعندها تعتق أو تعود عبداً. فعندها قتله عبيد الله وبعث برأسه إلى يزيد...)(١) .
ويزيد الذي أوقع بأهل المدينة، بعث إليهم مسلم بن عُقبة المرِّيّ (طبعاً في أهل الشأم!) فأصابهم بالحرّة(٢) .
وهنا لم تذكر فعلتهم الثالثة (حصار ابن الزبير)! وفي قتل الحسينعليهالسلام اكتفيتَ بقولك: قتله عبيد الله.
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٨: ١٩.
(٢) نفس المصدر السابق.
قال: وعن النعمان بن المنذر الغساني قال: كنت مع مكحول - الشاميّ - قال: فأتاه فتيان من أهل العراق فجعلوا يسألونه؛ فجعل يخبرهم؛ قال: فقالوا له: عمّن ومن حدّثك؟ قال: فنشط لهم مكحول، فجعل يُسند لهم، فلمّا تهيّأ قيامه ضحك، ثمّ قال: هكذا ينبغي لكم يا أهل العراق، لا يصلحكم إلّا هذا، وأمّا أصحابنا هؤلاء أهل الشأم فيأخذون كما تَيسَّر. قال: ثمّ قام(١) .
قال الأعمش: كنّا إذا جاءنا الحديث وأنكرناه قلنا: شاميّ!(٢)
ممّا تقدّم يدخل في صفة مجتمع هو تربية ابن هند الذي علّمهم الطاعة من غير نظر في عواقب فتنه، وأمّا أهل العراق فإنّهم أهل علم، فكثير منهم يحجزه علمه عن الحركة ويسأل أن لماذا هذه الحرب مع علمهم أنّهم مع إمام مفترض الطاعة. ومع غيره فلا تخدعهم الأسماء فلا يأخذوا الحديث والرواية حتّى يسألوا عن السند فينظروا فيه، ولذلك مدحهم مكحول الشاميّ وقوله: (هكذا ينبغي لكم يا أهل العراق) إنّما يعني أنّكم أهل علم لا يقاس بكم من يأخذ الشيء جاهزاً كما وصل إليهم. وقوّى هذا المعنى الأعمش الذي ذهب بعيداً فجعل منبع الأحاديث المنكرة (شآميّة)، ويعني بذلك المدرسة الأمويّة.
وأخرج ابن عساكر، عن سليمان بن يَسار قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى كعب الأحبار أن اخترلي المنازل فكتب إليه:
إنّه بلغنا أنّ الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليَمن، فقال حسن الخُلُق: أنا معك. وقال الجَفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريد الشأم،
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١: ١٣٧.
(٢) نفس المصدر السابق.
فقال السيف: وأنا معك. وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك. فاختر لنفسك يا أميرالمؤمنين. فلمّا ورد الكتاب على عمر بن الخطّاب قال: فالعراق إذاً، فالعراق إذاً(١) .
إنّ اختيار عمر بن الخطّاب العراق بعد الذي سمعه من وصف كعب الأحبار، ربّما كان قبل حصب أهل الكوفة واليهم ودعوة عمر أهل الشأم ليستعدّوا لأهل العراق ودعائه بتعجيل تسلّط كذّاب ثقيف ومبيرها الحجّاج بن أمّ الحكم على العراق، ولعلّه جاء بعد حين من الزمن هدأت فيه ثائرة عمر وحنقه على العراق، وسمع كلام كعب الأحبار الذي هو موضع ثقة لدى عمر، ومعاوية؛ إذ عنده كثير من أخبار اليهود وقصصهم.
وعن أنس بن مالك، في خبر طويل هذا بعضه: (وقال ملك السيف: أنا أسكن الشأم، فقال له ملك البأس: أنا أسكن معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا - العراق - فقال له ملك المروءة أنا معك. فقال ملك الشرف: وأنا معكما، فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق(٢) .
وذكر الخطيب البغدادي، قال: (إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكر أهل العراق وقال: أوحى الله تعالى إلى إبراهيمعليهالسلام : إنّي جعلت خزائن علمي فيهم وأسكنت الرحمة قلوبهم)(٣) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١: ١٣٣. وذكره الخطيب البغداديّ مثلما في تاريخ دمشق، وزاد عليه بسنده عن عمر أنّه قال: (أهل العراق كنز الإيمان، وجمجمة العرب وهم رمح الله يحرزون ثغورهم ويمدّون أمصارهم). تاريخ بغداد ١: ٢٥.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١: ١٣٤.
(٣) تاريخ بغداد ١: ٢٥.
فضل الكوفة
وتتفاوت البقاع في الفضل للأسباب والخصوصيّات التي اختصّ بعضها دون بعض. فبيت الله الحرام ولوجود الكعبة المشرّفة فهو أفضل البقاع يَفده الحاجّ من أدنى الأصقاع وأقصاها يحيون سيرة الأنبياء من لدن آدم، وإبراهيم وانتهاءً بالنبيّ الخاتم عليهم صلوات الله وسلامه؛ وحرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، المدينة المنوّرة، فمن تمام الحجّ زيارة النبيّ ومن لم يزره فقد جفاه، ومن زاره كان كمن زاره في حياته، والصلاة في مسجده أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا المسجد الحرام، وفي لفظ فيما سواه - من غير المساجد -، خرّجه مسلم من طرق عدّة(١) ، وشرف مسجده مُستمَدّ من كونه يفضي إلى قبره، وقبره روضة من رياض الجنّة.
ومن البقاع المباركة المسجد الأقصى بيت المقدس، فهو مهبط الوحي ومقرّ الأنبياء وذلك هو قول الله عزّ وجلّ:( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) (٢) الآية.
وللكوفة فضلها ومنزلتها
الكوفة حاضرة الإسلام ومركز الإشعاع الفكري الإسلامي والحضاري مذ مُصّرت في صدر الإسلام وحتّى عصرنا، ضمّ مسجدها عدداً وفيراً من الأنبياء وشهد جلسات أمير المؤمنينعليهالسلام يعض ويقضي وحوله الأماثل: سبطا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والبدريّون وبقايا المهاجرين والأنصار. ومن الكوفة انطلقت جحافل المؤمنين لنصرة
____________________
(١) صحيح مسلم ٥: ١٦٢ - ١٦٤.
(٢) الإسراء: ١.
الحقّ، فقاتلوا مع الإمام عليّعليهالسلام أصحاب الجمل، وقاتلوا معه خوارج الشام القاسطين أصحاب ابن هند؛ ومضوا على عهدهم فقاتلوا معهعليهالسلام الخوارج المارقين، يوم النهروان.
وفي مسجد الكوفة استشهد أمير المؤمنينعليهالسلام ، ضربه الخارجيّ ابن ملجم المراديّ، وهو ساجد في صلاة الفجر، لعن الله ابن ملجم. ودفن أمير المؤمنين بظهر الكوفة التي أحبّها وأحبّته فتبرّكت به وصارت بقعته المباركة مزار الملايين، وهذا هو شأن من شرى نفسه للّه تعالى.
ذكر ابن أبي الحديد في فضل الكوفة، قال:
وقد جاء في فضل الكوفة عن أهل البيتعليهمالسلام شيء كثير، نحو قول أمير المؤمنينعليهالسلام : (نعمت المدَرة)(١) .
وقولهعليهالسلام : (إنّه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً، وجوههم على صورة القمر)(٢) .
وقولهعليهالسلام: (هذه مدينتنا ومحلّتنا، ومقرّ شيعتنا)(٣) .
وقول جعفر بن محمّدعليهالسلام : (أللّهم إرم من رماها، وعاد من عاداها)(٤) .
وقوله أي أمير المؤمنينعليهالسلام : (تربة تحبّنا ونحبّها)(٥) .
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ١٩٨.
(٢) نفس المصدر السابق. وفي وقعة صفّين لنصر بن مزاحم (ت ٢١٢ هـ): (يحشر من ظهر الكوفة سبعون ألفاً على غرّة الشمس يدخلون الجنّة بغير حساب). (وغرّة الشمس: مطلعها).
(٣) شرح نهج البلاغة ٣: ١٩٨.
(٤) نفس المصدر السابق.
(٥) نفس المصدر السابق.
ومن كلام لهعليهالسلام يخاطب أصحابه من أهل الكوفة:
(أنتم الأنصار على الحقّ والإخوان في الدين، والجنن يوم البأس(١) ، والبطانة دون الناس. بكم أضرب المدبر، وأرجو طاعة المقبل)(٢) .
ومن كتاب لهعليهالسلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة:
(من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار وسنام العرب)(٣) .
ثمّ شرح لهم أمر عثمان ودور طلحة والزّبير وأمّهم عائشة، وما يجب عليهم: (فأسرعوا إلى أميركم وبادروا جهاد عدوّكم إن شاء الله)(٤) .
ومن كتاب لهعليهالسلام إليهم بعد فتح البصرة:
(وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيّكم أحسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته، فقد سمعتم وأطعتم، ودعيتم فأجبتم)(٥) .
وذكر ياقوت الحموي شرح حال الكوفة من تاريخ تمصيرها والأدوار التي مرّت بها، ثمّ قال:
وقال الكلبيّ: قدم الحجّاج بن يوسف على عبد الملك بن مروان ومعه أشراف العراقيّين، فلمّا دخلوا على عبد الملك تذاكروا أمر الكوفة والبصرة، فقال محمّد بن عمير العطاردي: الكوفة سفلت عن الشأم ووبائها وارتفعت عن البصرة وحرّها؛ فهي بريّة مريئة مريعة، إذا أتتنا الشمال ذهبت مسيرة شهر على رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا ريح السّواد ووَرْدِه وياسمينه وأُترنجه، وماؤنا عذب وعيشنا
____________________
(١) الجنن: جمع جنّة وهي الوقاية، والبأس: الشدّة.
(٢) نهج البلاغة، بشرح محمّد عبده ٢: ٢٣١.
(٣) شبّههم بالجبهة من حيث الكرم ووحدة الصفّ في النصرة، وبالسنام من حيث الرفعة.
(٤) نفس المصدر السابق ٣: ٢ - ٣.
(٥) نفس المصدر السابق: ٣.
خِصْب. فقال عبد الملك بن الأهتم السعدي: نحن والله أوسع منهم بَرِية وأعدّ منهم في السريّة وأكثر منهم ذرّيّةً وأعظم منهم نفراً، يأتينا ماؤنا صفواً ولا يخرج من عندنا إلّا سائق أو قائد.
فقال الحجاج: يا أمير...، إنّ لي بالبلدين خبراً، فقال: هات غير متّهم فيهم، فقال: أمّا البصرة فعجوز شمطاء بَخْراء دَفْراء أوتيت من كلّ حليّ! وأمّا الكوفة فبكر عاطل عيطاء لا حلي لها ولا زينة. فقال عبد الملك: ما أراك إلّا قد فضّلت الكوفة.
وكان عليّعليهالسلام يقول: (الكوفة كنز الإيمان وحجّة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث شاء، والذي نفسي بيده لينتصرنّ الله بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بأهل الحجاز)(١) .
وكان سلمان الفارسيّ يقول: (أهل الكوفة أهل الله، وهي قبّة الإسلام يحنّ إليها كلّ مؤمن)(٢) .
وأمّا مسجدها: فقد رويت فيه فضائل كثيرة، ورى حبّة العرنيّ(٣) قال: كنت جالساً عند عليّعليهالسلام فأتاه رجل فقال:
يا أمير المؤمنين هذه راحلتي وزادي أريد هذا المسجد أعني بيت المقدس، فقال عليّعليهالسلام : (كُلْ زادك وراحلتك وعليك بهذا المسجد، يعني مسجد الكوفة، فإنّه أحد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدلان عشراً فيما سواه من المساجد، والبركة منه إلى اثني
____________________
(١) معجم البلدان ٤: ٤٩٢.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) قال العجلي: حبّة بن جوين العرنيّ، كوفيّ، تابعيّ، ثقة. تاريخ الثقات، للعجلي (ت ٢٦١ هـ): ١٠٥ / ٢٤٣. وذكره البرقيّ في أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام . رجال البرقي: ٦. وذكر اسمه داود في أصحاب أمير المؤمنين وفي أصحاب الإمام الحسنعليهماالسلام . رجاله: ٩٨ / ٣٧١.
عشر ميلاً من حيث ما أتيته وهي نازلة من كذا ألف ذراع، وفي زاويته فار التّنور وعند الأسطوانة الخامسة صلّى إبراهيمعليهالسلام ؛ وقد صلّى فيه ألف نبيّ وألف وصيّ، وفيه عصا موسى والشجرة اليقطين، وفيه هلك يغوث ويعوق، وفيه مصلّى نوحعليهالسلام ، ويحشر منه يوم القيامة سبعون ألفاً ليس عليهم حساب؛ ووسطه روضة من رياض الجنّة، وفيه ثلاث أعين من الجنّة تذهب الرّجس وتطهّر المؤمنين، لو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حَبْواً)(١) .
وقال السيّد الحميريّ يذكر مسجد الكوفة:
لعَمْرُك! ما من مسجد بعد مسجد |
بمكّة ظهراً أو مُصلّىً بيثرب |
|
بشرق ولا غرب علمنا مكانه |
من الأرض معموراً ولا متجنّب |
|
بأَبْيَن فضلاً من مصلّىً مبارك |
بكوفان رحب ذي أواسٍ ومخصب |
|
مُصلّىً، به نوحٌ تَأثّلَ وابتنى |
به ذاتَ حَيزوم وصَدْر محنّب |
|
وفارَ به التّنور ماء وعنده |
له قيل: أيا نوح في الفلك فاركب |
|
وباب أمير المؤمنين الذي به |
ممرُّ أمير المؤمنين المهذّب |
عن مالك بن دينار قال: كان عليّ بن أبي طالب إذا أشرف على الكوفة قال:
يا حبّذا مَقالُنا بالكوفة
أرض سواء سهلة معروفة(٢)
وذكر الدّينوريّ قول أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بشأن الكوفة بعد أن انتهى من أمر الجمل، قال:
____________________
(١) معجم البلدان ٤: ٤٩٢.
(٢) نفس المصدر السابق.
بعد أن انتهى أمير المؤمنينعليهالسلام من أمر وقعة الجمَل، سار فلمّا أَشْرَف على الكوفة، قال: (وَيْحَكِ يا كوفان، ما أطيب هواءك، وأغْذَى تُربتك؛ الخارج منك بذنب، والداخل إليك برحمة، لا تذهب الأيّام والليالي حتّى يجيء إليك كلّ مؤمن، ويبغض المقام بك كلّ فاجر، وتعمرين، حتّى إنّ الرجل من أهلك ليُبَكِّر إلى الجمعة فلا يلحقها من بُعْد المسافة)(١) .
وعن علمهم بالحلال والحرام، فقد خطبهمعليهالسلام يوم صفّين، قال:
(إنّ الله أكرمكم بدينه، وخلقكم لعبادته، فانصبوا أنفسكم في أداء حقّه، وتنجّزوا موعوده...، ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سفِه نفسه، معاوية وجنده، الفئة الباغية الطاغية، يقودهم إبليس...، وأنتم أعلم الناس بحلاله وحرامه، فاستغنوا بما علمتم...)(٢) .
وخطبهم الحسنعليهالسلام فحثّهم على الجهاد والمضي قدماً في نهج الحقّ.
ثمّ خطبهم الحسينعليهالسلام فكان ممّا قال:
(يا أهل الكوفة، أنتم الأحبّة الكرماء، والشّعار دون الدثار؛ جدّوا في إحياء ما دثر بينكم وإسهال ما توعّر عليكم...) وحثّهم على الجهاد ونزل، فأجاب عليًّا جلّ الناس إلى السير إلى الجهاد والسير إلى العدوّ(٣) .
____________________
(١) الأخبار الطوال، أحمد بن داود الدّينوريّ (ت ٢٨٢ هـ): ١٥٢. ولقد صدقت نبوءة أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقد أقام الشهيد السعيد محمّد محمّد صادق الصدر صلاة الجمعة في مسجد الكوفة أيّام الطاغية المقبور صدّام، فكان يقصدها الجموع الغفيرة من مدن العراق. وبعد سقوط الصنم عمّت صلاة الجمعة، عراقِ أئمّة أهل البيتعليهمالسلام .
(٢) وقعة صفّين: ١١٢ - ١١٣.
(٣) نفس المصدر السابق: ١١٤ - ١١٥.
وفي قوله تعالى:( رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) (١) .
عن وهب بن منبّه: قيل إنّها الكوفة(٢) .
وقال أبو جعفر - الصادقعليهالسلام -:( رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) ، الكوفة، والمعين: الفُرات)(٣) .
وعن محمّد بن مسلم قال: سألت الصادق عن قول الله عزّ وجلّ، وذكر الآية، قال: (الربوة: النجف، والقرار: المسجد، والمعين: الفُرات). ثمّ قال: (إنّ نفقة بالكوفة الدرهم الواحد يعدل بمئة درهم في غيرها والركعة بمئة ركعة. ومن أحبّ أن يتوضّأ بماء الجنّة ويشرب من ماء الجنّة ويغتسل بماء الجنّة فعليه بماء الفرات، فإنّ فيه مثعبين من الجنّة(٤) ، وينزل من الجنّة كلّ ليلة مثقالان من مسك في الفرات. وكان أمير المؤمنين عليّ يأتي النجف ويقول: وادي السلام، ومجمع أرواح المؤمنين، ونعم المضجع للمؤمن هذا المكان. وكان يقول: أللّهم اجعل قبري بها)(٥) .
وسرت تلك التسمية على مقبرة النجف الأشرف حتّى يومنا، ويحرص المؤمنون مهما بعدت بهم الشّقّة على دفن موتاهم في وادي السّلام.
وقد حقّق الله تعالى لأميرالمؤمنين أمنيته واستجاب له دعاءه؛ فهو سيّد الوصيّين، ويعلم ما لهذه البقعة من شأن فكان يتعاهدها بالزيارة ويذكرها بالخير ويدعو الله تعالى أن يجعل قبره فيها وليس مثل أمير المؤمنين من يُرَدُّ دعاؤه، فاستُشهد في القَرار، مسجد
____________________
(١) المؤمنون: ٥٠.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١: ٨٩.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) المثعَبْ: واحد مَثَاعب (الحياض).
(٥) نفس المصدر السابق.
الكوفة؛ ودفن في الربوة، النجف، إلى جنب نبيّي الله: آدم، ونوحعليهماالسلام إذ يرد في الأثر وفي زيارة أمير المؤمنينعليهالسلام : (السّلام عليك وعلى ضَجِيعَيْك آدمَ ونُوح) ومن هنا تتجلّى منزلة هذه البقعة المباركة من بين البقاع، فيها من علمت من الأنبياء، وخير الأوصياء سلام الله عليهم أجمعين.
قال أبو الغنائم: في النجف ماءٌ طيّبٌ تنزله العرب، يُقال له: السلام(١) .
الكوفة موضع ابتلاء
والكوفة حالها حال البقاع المقدّسة المباركة: مكّة، والمدينة، فقد أنبأ أمير المؤمنينعليهالسلام أنّها ستكون موضع ابتلاء وعرضة للجبابرة المفسدين، وأنّ الله سبحانه منتقم ممّن أرادها بسوء. قالعليهالسلام : (كأنّي بك يا كوفة تمدّين مدّ الأديم العكاظيّ، تُعْرَكِينَ بالنّوازِل، وتُرْكَبِين بالزلازل، وإنّي لأعلم أنّه ما أراد بك جبّار سوءاً إلّا ابتلاه الله بشاغل، ورماه بقاتل)(٢) .
عُكاظ: اسم موضع بناحية مكّة كانت العرب تجتمع فيه كلّ سنة يقيمون به سوقاً مدّة شهر، ويتبايعون ويتناشدون الأشعار ويتفاخرون، فلمّا جاء الإسلام رفع ذلك. وأديم عكاظيّ منسوب إليها لكثرة ما كان يباع منه. والعرك أي: الدلك. والنوازل هي: المصائب، تقدير لحال الكوفة المستقبلة حال تجاذب أيدي الظالمين لأهلها بأنواع الظلم. ثمّ أشار إلى مشاهدة ثانية لـما يقع لمن أراد بهم سوءً وأوقع بهم ما أوقع من البلاء، فأشار إلى أنّهم جبابرة ثمّ إلى ابتلاء الله بعضهم بشاغل في نفسه عمّا يريد من سوء أو يهمّ به من حادث خراب ورمى بعضهم بقاتل.
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١: ٨٩.
(٢) نهج البلاغة، خطبة رقم ٤٦.
قال المنصور لجعفر بن محمّدعليهماالسلام: إنّي قد هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها، ويجمّر نخلها، ويستصفي أموالها، ويقتل أهل الرّيبة منها؛ فأشر عليّ. فقالعليهالسلام : (إنّ المرء ليقتدي بسلفه، ولك أسلاف ثلاثة: سليمان أُعْطي فشكر، وأيّوب ابتُليَ فصبر، ويوسف قدَرَ فغفر، فاقتد بأيّهم شئت). فصمت قليلاً، ثمّ قال: قد غفرت(١) .
وابن أمّ الحجّاج، أو المتمنّية(٢) : جبّار شقيّ، تطول أخباره ونذكرها في موضعها ولكن قبل ذكر عاقبته نذكر نزراً من خبره؛ وقد ذكرنا سيرته مع أهل المدينة وتحقيره وتهديده لهم ومخالفته سنّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأنصار واستخفافه بالنبيّ وتفضيله عبد الملك ابن مروان عليه! وقوله في المدينة: أمّ نَتَن ثمّ فعله ببيت الله الحرام. وهكذا هم الطغاة يفرغون سخطهم الناجم من عقدهم النفسيّة وعاهاتهم، على كلّ شيء رفع الله شأنه، والكوفة من ذلك.
خطبة الحجّاج في أهل الكوفة: كان من الحجّاج أوّل دخوله الكوفة فصعد المنبر وخطب، جاء في كلامه: إنّ الله ضرب( مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (٣) !
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ١٩٨.
(٢) والحجّاج، مضافاً إلى معاناته من أصله، ومن عيوب بدنه؛ فإنّه مثل سميّه ابن سميّة، مغموز في أمّه الفارعة، ولها قصّة في تسميتها المتمنّية، نوجزها: أنّها تمنّت أنّها على سطح فياح وعندها نصر ابن حجّاج فقالت:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها |
أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج |
أنساب الأشراف ٧: ٣٧٥.
(٣) النحل: ١١٢.
فذلك حرم الله تعالى وحرم نبيّه إبراهيم الخليلعليهالسلام ، وتلك المدينة حرم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذه الكوفة حرم الوصيّعليهالسلام وكلّها هدف ذوي العاهات، لم يعتبر أحدهم بما جرى للذي حلّ بقبله. وهل يليق برمح الإسلام، وقبّته ومدد المسلمين وأنصار الله وسنام العرب العاملين بطاعة الله والشاكرين لنعمته، مدوّخي البعير ومن حمل والضاربين أبناء البغايا على كفرهم بخروجهم على نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى ألجؤوهم إلى الدفاع عن أنفسهم بعوراتهم وكم أعدّ ابن هند فرسه ليهرب من وراء فسطاطه حتّى أنقذته حيلة ابن النابغة ومكره....
أمثل هؤلاء ينعتون بالكفر؟! نعم هم كافرون بالجبت والطاغوت كافرون بتسلّط أبناء البغايا ويحافظون على أصولهم وأعراضهم فكانوا سنام العرب ورمح الإسلام وقبّته، أحبّهم أهل البيتعليهمالسلام وبغضهم أعداء الله ورسوله وأعداء أهل بيته.
قال المدائني في إسناده: قدم الحجّاج في سنة خمس وسبعين في رجب، فبدأ بالكوفة، فخطب أهلها وتوعّدهم، وأرسل إلى وجوههم وإلى كثير من العامّة، فقال: أخبروني عن الولاة قبلي، ما كانوا يعاقبون به العصاة؟ قالوا: الضرب والحبس، قال: لكنّي لا أعاقبهم إلّا بالسيف....
وقال ليزيد بن علاقة السكسكي صاحب شرطة: اجعل سيفك سوطاً، فمن وجدته بعد ثالثة عاصياً فاقتله(١) .
وكان إلهه الذي ظلّ عاكفاً عليه من دون الله! عبد الملك بن مروان يشدّ من أزره وينفخ في جاعريته ليوغل في دماء أهل العراق، فقد كتب إليه ابن المتمنّية الحجّاج يشرح له بعض أفعاله بهم فأجابه عبدالملك: (أما بعد فقد بلغني كتابك، وأنت
____________________
(١) أنساب الأشراف ٧: ٢٧٥.
الناصح النجيب الأمين بالغيب القليل العيب، فإذا رابك من أهل العراق ريب فاقتل أدناهم، يرعب منك أقصاهم والسلام)(١) . بهذه الروح المجبولة على حقد متأصّل على أهل العراق، وهم هنا أهل الكوفة بلا شك إذ العراق آنذاك مصران البصرة، والكوفة؛ فأمّا البصرة فوُلاؤُها لأهل البيت يومذاك قليل، والكوفة هي التي أسقطت الهودج من ظهر حامله بالبصرة وقدّمت في قتال الخوارج الناكثين قسطاً وافراً من الشهداء، وهي التي دوّخت خوارج الشأم القاسطين وكادت تلحق الشأم بالعراق لولا مكر ابن النابغة عمرو، وللكوفة شرف إبادة ثمانية آلاف من خوارج النهروان، فهم ترابيّة! حقّاً ولا أمل في الشجرة الملعونة ومن والاها، ومن جاء بعدها إلّا أن يريد بالكوفة سوءاً، ولكنّها مهوى أفئدة المؤمنين وإليها انتهى طوفان نوح، وهي لا غيرها عاصمة حكم المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه.
موت الطاغية
بعد قتله لسيّد قرّاء الكوفة (سعيد بن جبير)، لم يلبث إلّا أربعين ليلة لم يذق بها طعم نوم، كان كلّما نام رأى سعيد بن جبير آخذاً بمجامع ثوبه ويقول: يا عدوّ الله فيم قتلتني؟ فيهبّ فزعاً وهو يقول: ما لي ولسعيد بن جبير!(٢)
وأصابه الزّمهرير، وقرّح جوفه حتّى كانت القديدة تدلّى في حلقه ثمّ تجبذ فيخرج فيها الدود وهو يصيح: ما لي ولسعيد بن جبير، فلم يزل كذلك حتّى مات(٣) .
وكان الذي أخذ سعيد بن جبير: خالد بن عبد الله القسريّ، أمّه نصرانيّة، وكان
____________________
(١) أنساب الأشراف ٧: ٢٩٢.
(٢) نفس المصدر السابق: ٣٧١.
(٣) نفس المصدر السابق: ٣٦٩.
والياً على مكّة من قبل الوليد بن عبدالملك، فبعث به إلى الحجّاج(١) .
عن هشام الدّستوائي قال: رأيت سعيد بن جبير يطوف بالبيت مقيّداً ورأيته دخل الكعبة عاشر عشرة مقيّدين(٢) .
عن عبدالملك بن أبي سليمان قال: سمع خالد - القسريّ - صوت القيود فقال: ما هذا؟ فقيل له: سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما يطوفون بالبيت. فقال: اقطعوا عليهم الطواف!(٣)
بدل قطع القيود، أمر بقطع الطواف عليهم.
وكانت ولاية خالد بن عبد الله القسريّ على الكوفة سنة ثماني عشرة ومائة(٤) .
وأخباره تطول في فساده واستحواذه على بيت المال واتّخاذه ضياعاً مع تعسّف وظلم واضطهاد لأهل الكوفة واستهتار بالحرمات بدأها أبوه، وانتهج هو سيرة أبيه. ذكر أبو الفرج الأصفهانيّ: أنّ أمّه كانت روميّة نصرانيّة وهبها عبد الملك لأبيه. فبنى لها كنيسة في ظهر قبلة المسجد الجامع بالكوفة. فكان إذا أراد المؤذّن أن يؤذّن، ضرب لها بالناقوس. وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم!(٥)
هذه هي البلايا التي حذّر منها أمير المؤمنينعليهالسلام والتي ستصيب سنام العرب وقبّة الإسلام! وقد بدأت من عهود سابقة إذ صلّى الوليد في المسجد سكراناً، فصلّى الصبح أربع ركعات وتقيّأ في المحراب...، وحصبه أهل الكوفة وأخرجوه، ثمّ جاء آخر
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٦: ٢٦٤.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) نفس المصدر السابق.
(٥) الأغاني، لأبي الفرج الأصفهانيّ ١٩: ٥٩.
فشكوه إلى عثمان وهكذا وقد ذكرنا تفاصيل ذلك في الجزء الثاني من (شهداء الإسلام) في أسباب ثورة الأقاليم على عثمان.
ومن أخبار خالد التي تدلّ على كفره وانحراف عقيدته، ما ذكره فضيل بن الزبير قال: سمعت خالداً - القَسْريّ - يقول: زمزم لا تُنزح ولا تُذَمّ! بلى والله إنّها لتُنزح وتُذَم! هذا أمير... قد ساق لكم قناة بمكّة من حالها وحالها(١) .
قال البلاذريّ: حدّثني محمّد بن سعد عن الواقديّ في إسناده أنّ خالداً قال: إنّ نبيّ الله إسماعيل استسقى ربّه فسقاه ملحاً أجاجاً، وسقى أمير... عذباً زلالاً، بئراً احتفرها له(٢) .
وقال أبو عاصم النبيل: ساق خالد الماء إلى مكّة فنصب طستاً إلى جانب زمزم، ثمّ خطب فقال: قد جئتكم بماء الغادية لا يشبه ماء أم الخنافس - يعني زمزم -(٣) .
وأيضاً أبو عاصم النبيل عن عمر بن قيس أنّه سمع خالداً يقول حين أخذ سعيد ابن جبير، وطَلْق بن حبيب بمكّة: كأنّكم أنكرتم ما صنعت، والله لو كتب إليّ أمير... أن أنقضها حجراً حجراً لفعلت - يعني الكعبة -(٤) . فهو والحجّاج حذو النّعل بالنّعل والقذّة بالقذّة؛ خارجيان قذران لا من جنس خوارج النهروان ولا من جاء بعدهم من فرق الخوارج، فأولئك لا يعلنون بغيضةً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويدفعون عن بيت الله الحرام، مع مروقهم؛ وأمّا الحجّاج فقد عرفت سيرته وقوله في حقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفي الأنصار، وعدوانه على البيت الحرام، وادّعائه الوحي!
____________________
(١) أنساب الأشراف ٩: ٥٨. وكان وقتها خالد والياً على مكّة.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) نفس المصدر السابق. وقد مضى ما فيه الكفاية في فضل زمزم وأنّها آية بين المؤمنين والمنافقين!
(٤) نفس المصدر السابق: ٥٩.
وخالد لا قيمة لدم سعيد بن جبير وصحبه عنده، وهو غير متردّد في نقض الكعبة وتخريبها؛ وسمعت كلامه في ماء زمزم. بعد: هل خرج على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ؟
بسندٍ عن سفيان بن أبي عبد الله قال: سمعت خالداً يقول: أللّهم العن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم زوج فاطمة، وأبا الحسن والحسين، هل كنَّيْتُ؟(١)
إيغالاً بالخروج عن الدين ودخولاً في الكفر، ومنتهى الناصبيّة؛ يلعن سيّد الوصيّين وأميرالمؤمنين حقّاً عليًّا أبا السبطين نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والنبأ العظيم وزوج سيّدة نساء أهل الجنّة، بهذه الصورة البشعة! هنيئاً لابن تيميه والوهّابيّين الذين يناصبون عليًّا وأهل بيته العداء فهم خوارج القرون المتأخّرة؛ ويوالون بني أميّة وذوي العاهات. وعقيدتهم هي نفسها عقيدة صنمهم الذين يعبدونه من دون الله وهو من أبناء الأمّهات منقطع النسب كما ترجمنا له، ذلك هو ابن تيميه الجدّ الثالث أو الرابع للأسوة جميعاً!! فعقيدتهم التي يفتون بها والتي أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بوحي من الله تعالى أن ينفيها من الحرم المكّي وبعد جهاد سنوات خرج بلا اختيار إلى المدينة المنوّرة ليبدأ ويتمّ مسيرته هناك.
وكان الخارجيّ الأوّل والخوارج الذين ذكرناهم من أرض الزلازل والفتن (نجد) وبالتعيين من تميم أوّلاً ثم غطفان...، وبعد خروج الخارجيّ الثالث - بحسب التقسيم الذي تعارف عليه أصحاب الدراسات، وإلاّ فلنا رأي في ذلك، فهم كما ذكرنا أوسع أفقاً وكلّ جبهة لها وجهتها التي هي إليها والأمم الذي تنضوي تحته - وخوارج الوهّابيّين نجديّون تميميّون استدلّوا على الحرم المكيّ بأعرابيّتهم الفجّة وعقيدتهم المنحرفة من تجسيم وتشبيه وتبعيض لله. تعالى الله عمّا يصفون، وكلّ ما ذكرناه من
____________________
(١) أنساب الأشراف ٩: ٥٩.
عقيدة ابن تيميه فهم يكفّرون من يخالف ذلك. وانتهجوا نهج ابن تيميه والحجّاج وزياد وابن مرجانة وابن النصرانيّة في العداء لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومحاربة زيارته والحكم بالشرك على زيارته وزيارة الأولياء والتوسّل بهم إلى الله تعالى، ونصبوا العداء لعليّ أمير المؤمنين وللزهراء الطاهرة والأئمّة من ولدهم وفضّلوا عليهم ابن هند وابن ميسون وابن سميّة وابن النابغة وابن مرجانة، وأصدروا كتباً نفخ الشيطان فيها بأمجاد هؤلاء وحمل على آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وشتموا علناً عبر الفضائيّات أهل البيتعليهمالسلام .
فالموعد قريب ويحاسب كلّ امرئ بنيّته ولا نقول إلاّ: أللّهم عاملهم بعدلك.
دعاء الأسقف أرجى من دعاء عليّ!
واتّخذ خالد كنيسة لأمّه في قصر الإمارة، وكانت امتنعت من القدوم عليه فلم يزل بها حتّى قدمت الكوفة، وأمر المؤذّنين إلّا يؤذّنوا حتّى يضرب النصارى بنواقيسهم(١) .
قال: وحدّثني عبد الله بن صالح عن قوم من أهل الكوفة قالوا: اتّخذ خالد طستاً في مسجد الكوفة ميضأة، وحفر لها قناة من الفرات، ثمّ أخذ بيد أسقف النصارى يمشي به في المسجد حتى وقف على الطست ثمّ قال للأسقف: ادع لنا بالبركة فوالله لدعاؤك أرجى عندي من دعاء عليّ بن أبي طالب!(٢)
( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (٣) .
ما وجدنا النصارى يناصبون عليًّا، ولا وجدنا المارقة! الذين أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا
____________________
(١) أنساب الأشراف ٩: ٥٨.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) النمل: ١٤.
الحسن عليّعليهالسلام بقتالهم يشنعون وينصبون لعليّ وأهل بيته مثل خالد جهنّم هذا، والحجّاج، ومعاوية ويزيد، وزياد وعبيد الله وعمر بن سعد وما عرفنا أنّ قتل أئمّة أهل البيتعليهمالسلام كان على أيدي المارقة إلّا ما كان من شأن أمير المؤمنين عليّ وليّ الله وخيرته من خلقه وأحبّه إليهم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وأمّا الباقون فكان قتلهم على أيدي أصحاب القصور الخوارج من العهدين الأمويّ والعبّاسيّ.
إنّ لعن خالد جهنّم لأميرالمؤمنين بالصورة التي ذكرناها سابقاً وهي شاهد على زندقته وخروجه عن الدين هو والذي ولاّه. وهنا يأخذ بيد الأسقف راجياً منه أن يدعو لهم بالبركة في المسجد الأعظم ويتحدّى مشاعر المسلمين بأن يقول له: (لدعاؤك أرجى عندي من دعاء عليّ بن أبي طالب) إذاً هو في دخيلة نفسه يعرف من هو عليّ وأثر دعاء عليّ، إلّا أنّه الحسد يعمي ويصمّ وينقل من الجنّة إلى النار.
ويبدو أنّ خالد هذا دعيّ، فتعاورته العاهات وعقد النّقص فسخط على الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى عليّ أمير المؤمنين وآله الطاهرينعليهمالسلام وعلى خيار المسلمين وفضلائهم. فأبوه خسيس لا مقام له، وأمّه نصرانيّة أبت أن تدخل الإسلام، وقد قيل فيه أنّه كان دعيّاً؛ أعوذ بالله من مملكة ملوكها وولاتهم أدعياء ذوو عاهات.
ذكر البلاذريّ أنّ امرأة دخلت على خالد تشكو حالها، فقال لها خالد: من أنت؟ قالت: امرأة أكبّ عليها الزمان فلم يدع لها سبداً ولا لبداً ولا صافناً ولا ماهناً. فقيل لها: هل لك أن يتزوّجك الأمير؟ قالت: والله لئن فقدت نشباً ما فقدتُ حسباً وما كنت لأتزوّج دعيّاً وإن مثرياً غنيّاً(١) . فالمرأة ألجأتها الحاجة، فلمّا عرض عليها الزواج من الأمير! أبت ذلك لأنّه دعيّ.
____________________
(١) أنساب الأشراف ٩: ٦٨.
إغراقه في الكفر
وأخباره القبيحة والمذمومة من الكثرة لو جمعت صارت كتاباً، منها خبر يصعب ذكره ويستحى من نقله! لـما فيه من تجاوز على حضرت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والتعديّ على ذات الله القدسيّة! رأينا أن نذكره زيادةً في بيان حقائق الطغاة من ذوي العاهات الذين هم موضع تبجيل ابن تيميه ويفضّلهم على أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم.
قالوا: وكُلّم في عامل له ضرب رجلاً، وسُئل أن يقتصّ منه، فقال: أقتصّ من عامل؟! فوالله لئن اقتصصتُ منه لأقصّ من نفسي، ولئن اقتصصتُ من نفسي ليقصّنّ أمير... من نفسه، ولئن أقصّ أمير... من نفسه ليقصّنّ رسول الله من نفسه، ولئن أقصّ رسول الله من نفسه ليقصنّ هاه هاه - يريده تبارك وتعالى! -(١) .
فسلّط الله عليه جلّاداً عذّبه حتّى مات تحت سياطه؛ وذلك أنّ أخبار إثرائه الفاحش وصلت هشام بن عبدالملك، وهو معروف ببخله! فكتب إلى خالد القَسْريّ كتاباً مطوّلاً لم يبق له من ذارية تنقّصه في جدّه (يزيد بن أسد بن كُرْز القَسْريّ)، قال فيه: ولقد حشدَ جدُّك يزيد بن أسد مع معاوية يوم صفّين، وعرض دينه ودمه - أي باعه لمعاوية! - فما اصطنع إليه، ولا ولاّه ما اصطنع إليك أمير... وولاّك وقِبَله من أشراف أهل اليمن مَن قبيلتُه أشرف من قبيلتك...؛ وإنّها لقريبٌ منك مأخذها سريعٌ مكرها... فيما صنعتَ وارتكبتَ بالعراق من أهله، واستعانتك باليهود والنصارى والمجوس، تولّيهم أموال المسلمين وخراجهم، وتسلّطهم عليهم، نزعَ بك إلى ذلك عِرْقُ سوءٍ من التي قامت عنك، فبئس الجنين أنت عُدَيُّ نفسه...، وراح يتوعّده ويعدّد عيوبه من ضعف الطبيعة وسوء التدبير وفساد بطانته وخاصّته وغلبة جاريته
____________________
(١) أنساب الأشراف ٩: ٦٠.
الزانية! عليه، وغير ذلك من الرذائل(١) .
وكتب هشام إلى (يوسف بن عمر) وهو عامله على اليمن، بولايته على العراق لـِما بلغه من خبثه؛ فتمكّن من خالد فحبسه وجميع عمّاله وعذّب يوسف خالداً شديداً من غير أن يبلغ نفسه، ثمّ أتاه كتاب من هشام في استخلاصه إلى ما قبله، فوجّهه إليه.
فكان مقيماً بالشأم إلى أن مات هشام، فردّه الوليد بن يزيد إلى يوسف بالعراق، فعذّبه حتّى قتله!(٢) .
وطاغوتٌ أسكرته لذّة الاستلحاق وعارُها! ابن سميّة زياد، فكان شغله الشاغل تتبّع شيعة عليّ والعترة الطاهرة، يعرض عليهم البراءة من عليّ الذي حبّه إيمان وبغضه نفاق، وعليّ قسيم النار والجنّة، يُحشر إذ يُحشر مع رسول الله وتُحشر شيعته بإخلاص معه؛ فأين يُحشر مُبغضوه ومحاربوه (وحربه حربٌ لله ولرسوله)؛ فكان ابن سميّة يقتل ويقطع أيدي وأرجل من لم يبرأ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـما علمت أنّهما نفس واحد في أكثر من موضع ومن ذلك آية المباهلة.
قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: إنّ زياداً لـمـّا حصبه أهل الكوفة، وهو يخطب على المنبر، قطع أيدي ثمانين منهم، وهمّ أن يخرّب دورهم، ويجمّر نخلهم، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرّحبة، يعرضهم على البراءة من عليّعليهالسلام ؛ وعلم أنّهم سيمتنعون، فيحتجّ بذلك على استئصالهم، وإخراب بلدهم.
قال عبدالرحمن بن السائب الأنصاريّ: فإنّي لمع نفر من قومي، والناس يومئذ في أمر عظيم؛ إذ هوّمت تهويمةً، فرأيت شيئاً أقبل، طويل العنق، مثل عنق البعير، فقلت:
____________________
(١) الأخبار الموفّقيّات، للزبير بن بكّار (ت ٢٥٦ هـ): ٢٨٩ - ٢٩٥.
(٢) الأخبار الموفّقيّات: ٢٩٦، تاريخ الطبري ٥: ٥٤١.
ما أنت؟ قال: أنا النَّقّاد ذو الرقبة، بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعاً، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا؛ فأخبرتهم، وخرج علينا صاحب القصر، فقال: انصرفوا، إنّ الامير يقول لكم: إنّي عنكم مشغول اليوم، وإذا بالطاعون قد ضربه، فكان يقول: إنّي لأجد في النّصف من جسدي حرّ النار حتّى مات، فقال عبد الرحمن بن السائب:
ما كان مُنْتَهِياً عمّا أراد بنا |
حتّى تناوله النَّقّاد ذو الرَّقَبَه |
|
فأثبت الشِّقَّ منه ضربةٌ عظُمَتْ |
كما تناول ظُلماً صاحب الرَّحَبَه(١) |
وقوله: (صاحب الرحبه)، لأنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يجلس معظم وقته في رحبة المسجد يحكم بين الناس فنسب إليه بهذا الاعتبار.
وذكر البلاذري عن الوليد بن مسلم: طعن زياد فمكث شهراً ثمّ مات(٢) .
وذكر خبر النقّاد مع اختلاف، قال: حدّثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن القاسم بن النضر العبسي عن أبيه عن عمّه قال: أرسل إلينا زياد لنلعن عليًّا ونبرأ منه، فإنّا لمجتمعون إذ أَغفيتُ إغفاءةً، فرأيتُ رجلاً أسود فراعني فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا النَقّادُ ذو الرَقَبة، أرسلت إلى هذا الشاتم صاحب الرحبة، فأتانا رسول زياد فقال: انصرفوا فإنّ الأمير عليل فعرضت له الأكِلة فمات بعد ثلاثة أيّام، فقلت:
ما كان مُنْتَهشياً عمّا أراد بنا |
حتّى أُتِيحَ له النَقّاد ذو الرَقَبَه |
|
فجلَّلَ الرأس منه ضربةً عَجِلاً |
لمّا تناول بَغْياً صاحبَ الرَحَبَه(٣) |
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٣: ١٩٩.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٨٨.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٨٤ - ٢٨٥.
وممّن تسلّط على الكوفة: يزيد بن عمرو بن هبيرة بن مَعَيَّة بن سُكين بن خديج بن بَغِيض بن رَيْث بن غَطَفان، الغَطَفانيّ. ولي العراقَيْن، هو وأبوه قبله، لمروان بن محمّد، وليزيد بن عبدالملك. وظلما وجارا في الحكم ولم يدم أمرهما فقد تنكّر لهما السلطان فأوقع بهما وقتلهما، وقتل مع يزيد ابنه داود(١) .
أمّا ابن مرجانة، وسميّة عبيد الله
فحاله حال ابن سميّة زياد، وابن المتمنّية الحجّاج، وابن النابغة عمرو وابن المتمتّعة الذي هتك حُرمة البيت الحرام...، وما أكثر الأبناء أميرهم ابن هند!
من يسمع بابن مرجانة يظنّه شيئاً مذكوراً! إلّا أنّه أقلّ من ورقة صفراء في الشجرة الملعونة! ولولا الناقص لَـما سمعنا لابن مرجانة من ذكر! فهو الذي أحيا أمره:
إنّ عبيد الله هذا فيه مطعن في نسبته إلى ابن سميّة، فهو دعيّ ابن دعيّ هكذا تجد ذكره وفي أحسن الأحوال فهو ابن مرجانة. ولذلك لـمـّا أراد ابن هند أن يوثّق أواصره مع ابن سميّة زياد؛ زوّجه ابنة حكيم بن طليق بن سفيان بن أميّة. وقال له: ائتني بولدك أزوّجهم فزوّج المغيرة بن زياد من ابنة المهاجرين طليق بن سفيان بن أميّة. وزوّج فاختة بنت عتبة (المقتول بأحد كافراً) من عبد الرحمن بن زياد. وزوّج ابنته عائشة بنت معاوية من محمّد بن زياد. وزوّج ابنته صفيّة أيضاً من محمّد بن زياد.
وأمّا ابنتا يزيد، فقد تزوّجهما عبّاد بن زياد واحدة بعد اخرى(٢) .
ولا تجد لعبيد الله بينهم ذكراً؟!
ومن خبره وهو طويل: أنّ عبيد الله قدم على معاوية بعد هلاك زياد فوجده لاهياً
____________________
(١) جمهرة أنساب العرب: ٢٥٥.
(٢) انظر نسب قريش، لمصعب الزبيري: ١٢٨ ومواضع أخرى، وكتب النسب الأخرى.
عنه، فجعل يتصدّى له بخلوة ليسبُر من رأيه ما كره أن يُشرك به عمله، ففطن معاوية لذلك فبعث إلى يزيد ومروان وعمرو بن العاص وغيرهم من خاصّته. فتكلّم عبيد الله يشكو ما حلّ بهم بعد هلاك زياد وشماتة الناس بالمسْتَلْحَق والمسْتَلْحِق ويرجو معاوية أن ينصفهم....
فهدَر معاوية! بتوبيخ عبيد الله، وإنّ زياداً كفر بنعمة استلحاقه وتمرّده! وكلامه طويل هذا آخره: فاذهب إليك، فأنت نَجْل الدَّغَل، وعِترة النَّغَل، والآخر شرّ(١) .
يزيد وسيلة ابن عمّه!
فقال يزيد: إنّ للشاهد غيرَ حكم الغائب، وقد حضرك زياد، وله مواطن معدودة بخير، لا يفسدها التظنّي ولا تغيّرها التُّهم، وأهلوه أهلوك! التحقوا بك، وتوسّطوا شأنك....
شهادة من مثل يزيد الخمور والقرود والكلاب، الجامع بين الأُختين، والبنت وأمّها بحقّ زياد، فهو لم يقرّر دعوة زياد وحسب، وإنّما جعل من سُميّة شريكة هند في وضع معاوية...، فكيف لا يستأسد الذليل ويكون ليزيد نعله الذي ينتعله؟!
فنظر معاوية إلى عبيد الله فقال: يا ابن أخي، إنّي لأعرَف بك من أبيك، وكأنّي بك في غمرة لا يخطوها السابح؛ فالزم ابن عمِّك، فإنّ لـما قال حقّاً.
فخرجوا، ولزم عبيد الله يزيد يرد مجالسه ويطأ عِقَبه أياماً، حتّى رمى به معاوية إلى البصرة والياً عليها. ثمّ لم تزل توكسه أفعاله حتّى قتله الله بالخازر(٢) .
( وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَيَفْقَهُونَ ) (٣) .
____________________
(١) العقد الفريد ٤: ١٧٢ - ١٧٤.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٧٤ - ١٧٥.
(٣) التوبة: ٨٧.
وإلاّ أيّ إغراق في الكفر، والنفاق، والرذيلة، التي كان عليها معاوية؛ يعني ابن هند، وقد قلنا: إنّ كتب التاريخ والأدب غرقى بهذه التسمية، سواء من يخاطبه، أو حينما ينهد ويتكلّم عن نفسه فلا نجده يقول: وأنا معاوية، وكأنّما يخاف أن يتصدّى له أحد فيقول له: وما معاوية إلّا كلبة عوت فاستعوت معها الكلاب، وهو يسمع أبا سفيان يقول لهند: كيف رأيتي ابني يزيد بن أبي سفيان، من ابنك معاوية؟ وقد مرّ بنا، فتأصّل في نفسه أنّه ابن هند؛ ولذا لـمّا أراد أن يستقوي بابن سميّة زياداً، لم يجد بأساً في ذلك، وزوّج بنات آل أبي سفيان من ولد زياد، والآن وقد هلك زياد، قلب ابن هند له ظهر المجن ورماه بحاصب وأظهر أنّه قد استلحقه! يريد بذا إقصاء الذليل عبيد الله ابن مرجانة! ثمّ عاد ليجعل من ابن مرجانة ابن أخيه! ويطلب منه لزوم ابن عمّه يزيد، وبعد ولاّه البصرة، وبعد هلاك معاوية كتب يزيد إلى عبيد الله للتحوّل إلى الكوفة وضبطها قبل ورود الإمام المفدّى الحسينعليهالسلام ، فسار ابن مرجانة سيرة زياد بن أبيه وشدّ على قتل الحسينعليهالسلام وهتك حرمات الكوفة، ولـمّا قدّر الله تعالى للمختار أن يخرج من حبسه وكان وهو في الحبس يحلف بالله أن يأخذ بثار أهل البيتعليهمالسلام ، فكانوا يعجبون لقوله، فلمّا خرج جمع شيعة أهل البيتعليهمالسلام ونادى بشعار: يا لثارات الحسين، وراح يتتبّع قتلة الحسين فيهدم بيوتهم ويقتلهم، وهرب ابن مرجانة مصعداً حتّى وصل الخارز، نهر بين إربل والموصل؛ فبعث المختار إبراهيم بن مالك الأشتر في طلبه حتّى ظفر به فقتله واحتزّ راسه وبعثه إلى المختار.
هلاك يزيد: وقد ذكرناه غير مرّة لتكرّر المناسبة، يزيد أمير كلّ عاهر وفاجر، وفي عصرنا فهو أمير الوهّابيّين، يقرّون له ولعشيرته وبطانته بالفضل وإنّه الأمير حقّاً وشرعاً، وأنّ الإمام الحسينعليهالسلام خارج على إمام زمانه.
بعد هتكه لحُرَم الكوفة وما أوقعه بالحسينعليهالسلام ومن معه، ثمّ عدوانه على طيبة
(المدينة المنوّرة)، والحرم المكّي؛ بات آخر ليلة من عمره اللامبارك معذّباً يتقيّأ الخمر، يضعون له الطست فيمتلأ فيرفعونه ويأتون بآخر حتّى قذف بروحه مع آخر جرعة خمر، إلّا أنّ ابن كثير ذكر قصّة طريفة في هلاك يزيد، قال: قيل: إنّ سبب موته أنّه حمل قردةً وجعل ينقزها فعضّه والله أعلم بصحّة ذلك(١) .
قيل لأبي مسلم الخولاني يوم مات يزيد: ألا تصلّي على يزيد؟ فقال: يُصلّي عليه ظِباءُ حُوّارين، وقيل: دفن بها(٢) .
قال ابن عَرادَة السعدي:
أَبني أُميّةَ إنّ آخِرَ مُلْكِكُم |
جَسَدٌ بحُوّارينَ ثَمَّ مُقيمُ |
|
طَرقَتْ مَنِيَّتُه وعندَ وسادِه |
كوبٌ وزِقٌ راعِفٌ مَرْثومُ |
|
ومُرِنّةٌ تبكي على نَشَواتِهش |
بالصَّنْجِ تقعُدُ ساعةً وتقومُ(٣) |
____________________
(١) البداية والنهاية، لابن كثير ٨: ٢٣٦.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٧٦.
(٣) نفس المصدر السابق. والشعر وصف لعاقبة يزيد فهو لم يدخل معه في قبره إلّا ما اشتهر به من خمر (كوب وزقّ) وسماعه الغناء.
فضائل الأنصار
إنّ أهل المدينة الذين أرجف بهم بُسر بن أبي أرطاة، حتّى أشعرهم أنّه مُوقعٌ بهم، وشتمهم وتنقّصهم إنفاذاً لأمر ابن هند - معاوية -، على ما ذكرنا في: مبحث الغارات؛ وتبعه الطاغية معاوية إذ قدِمَ عليهم فاستقبلوه قرب المدينة، فأهانهم وتوعّدهم إذ لم يخرجوا لاستقباله عن بُعْد؛ فصار ذلك سنّة لخلفه الناقص وقادته إذ أوقع بأهل المدينة وكان من دستوره لقائده مسرف (مسلم بن عقبة) إن ظفر بأهل المدينة قيبيحها ثلاثة أيّام يفعل ما يشاء...، فبعد القتل الذريع الذي لم ينج منه رضيع ولا امرأة ولا شيخ مسنّ... ونهب وسلب وتجاوز على النساء حتّى حبلت ألف من غير زوج، فكانت هذه واحدة من مكارم أهل الشأم. وفي اليوم الثالث وضع للمجرم كرسيّاً جلس عليه وراح يعدّد قبائل المدينة ويشتمهم ويسخر منهم!، ثمّ يؤتى برؤوس وأشراف المدينة فيطلب منهم البيعة ليزيد على أنّه عبد قنّ له يفعل به ما يشاء، فإن أبي أمر بضرب عنقه صبراً.
وكان أهل الشأم يقاتلون أهل المدينة ويقولون: يا يهود!(١)
والحجّاج، ورقة أخرى في الشجرة الملعونة، له مواقف وأقوال كفّره علماء المسلمين لأجلها، من ذلك:
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٣٤٥.
حدّث بزيغ بن خالد الضبي قال: سمعت الحجّاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم أكرم عليه أم خليفته في أهله! فقلت في نفسي: لله عليّ إلّا أصلّي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنّكم معهم(١) .
يعني بذلك عبدالملك بن مروان والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم !!
وذكر البلاذريّ فقال: حدّثني محمّد بن سعد عن الواقديّ في إسناده قال: لـمّا خرج الحجّاج من المدينة قال: الحمد لله الذي أخرجني من أمِّ نَتْن! أهلها أخبثُ أهل - عين كلام قادة الغارات أيّام معاوية - أغشّه لأمير...، وأحسده له على نعمته، والله لولا ما كان يأتيني من كتب أمير... فيهم لجعلتها مثل جَوْف الحمار أعوادٌ يعوذون بها، ورِمّة قد بَلِيَت، يقولون: منبر رسول الله، وقبر رسول الله؛ فبلغ جابر بن عبد الله قوله فقال: إنّ أمامه ما يسوءه، قد قال فرعون ما قال، ثمّ أخذه الله بعد أن أنْظَره(٢) .
وكتب إلى عبدالملك بن مروان: إنّ خليفة الله في أرضه أكرم عليه من رسوله إليهم(٣) .
وخطب الحجّاج يوماً فقال: أيّا الناس إنّي أريد الحجّ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا وأوصيته فيكم بخلاف وصيّة رسول الله بالأنصار، فإنّ رسول الله أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإنّي أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يعفو عن مسيئكم، وإنّكم ستقولون بعدي مقالةً لا يمكنكم من إظهارها إلّا مخافتي؛ تقولون: لا أحسن الله له الصحابة، ألا وإنّي قائل: لا أحسن الله عليكم الخلافة، ثمّ نزل(٤) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢١٤.
(٢) أنساب الأشراف ٧: ١٣٦.
(٣) العقد الفريد ٥: ٣١٢.
(٤) أنساب الأشراف ١٣: ٣٥٥.
والحجّاج هو الذي قاد جيوش الشأميّين في عهد عبدالملك بن مروان، ونصبوا المجانيق وجعلوا يرمون البيت الحرام بالحجارة فتقع في المسجد كالمطر حتّى انصدع الحائط الذي على بئر زمزم عن آخره وانتقضت الكعبة من جوانبها، ثمّ أمرهم الحجّاج فرموا بكيزان النفط والنار حتّى احترقت الستارات كلّها، وللحجّاج في ذلك رجز؛ وقُتل ابن الزبير وأصحابه في المسجد الحرام(١) ، بعد أن سَلَم من أيدي أهل الشأم في حصارهم الأوّل لبيت الله الحرام ودكّهم البيت بالمنجنيق وحرقهم للكعبة عقيب إيقاعهم بأهل المدينة أيّام يزيد. وأهل المدينة الذين تعرّضوا لحرب إبادة بدأها ابن هند وقادة جنده بحرب كلاميّة وإيقاع الرّعب في نفوسهم وشتم قبائلهم وتَوَّجها يزيد وجنده بما أشرنا إليه، هم الأنصار الذين آووا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبلوا الإسلام إذ رفضته قريش التي واصلت مساعيها يقودها أبوسفيان لمنع نور الإسلام أن ينتشر. واستقبل الأنصار المهاجرين فقاسموهم ما يملكون، وكانوا سيفاً مصلتاً قرّت له عين النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكرهم القرآن:( وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٢) .
أمثل هؤلاء يقال عنهم: يهود؟ هلاّ إذ قاتلتموهم، كففتم عنهم ألسنة السوء كما فعل أمير المؤمنين حقّاً عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إذ كان في كلّ حروبه لا يبدأ خصمه بحرب، ويمنع جنده أن يشتموا الآخرين وإن شتموهم وأن لا يجهزوا على جريح ولا يلحقوا مدبراً.
____________________
(١) الفتوح، لابن أعثم ٦: ٢٧٥ - ٢٧٩، تاريخ اليعقوبيّ ٢: ٢٦٦، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ٢: ٢٤.
(٢) التوبة: ١٠٠.
ولكن لكم بساحركم الذي شرى آخرتكم الخاسرة بثمن بَخْس، أُسوة وهو يشين أهل المدينة ويرعبهم بكم، ثمّ كانت الحرّة فزادتكم خسارة لا رجعة عنها!
الأنصار في السنّة
ذلك قول الله عزّ وجلّ في الأنصار، وأمّا في السنّة، ذكر ابن هشام: بلغني عن يحيى ابن سعيد: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حين افتتح مكّة ودخلها، قام على الصفا يدعو الله، وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم: أترون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلمّا فرغ من دعائه قال: (ماذا قلتم؟) قالوا: لا شيء يا رسول الله؛ فلم يزل بهم حتّى أخبروه؛ فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (معاذ الله! المحيا محياكم، والممات مماتكم)(١) .
هذا قول سيّد الرّسلصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأنصار الذين قال مسرف - مسلم - بن عقبة بعد أن فرغ من قتل أهل المدينة: (أللّهم إنّك تعلم إنّي لم أغشّ خليفةً قطُّ في سرّ ولا علانيّة، وأنّ أزكى عمل عملته قطُّ في نفسي بعد شهادة أن لا إله إلّا الله قتلي أهل الحرّة...)(٢) . ومن قول له وهو يحتضر: (إنّ الله قد طهّرني بقتل هؤلاء الأرجاس)(٣) .
هذا هو منطق الطّغاة! فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يضمّ نفسه إلى الأنصار لـمّا رأى منهم من النصرة، والمؤلّفة قلوبهم والذين أشربت قلوبهم نفاقاً، لا ينسون بارقة سيوف الأنصار تضربهم على الإسلام، فحان الوقت لطلب الثارات!
عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني أنّه سمع أبا هريرة يقول: قال
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ٥٩.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٣٤٩.
(٣) نفس المصدر السابق.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّ الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فاقبلوا عن محسنهم واعفوا عن مسيئهم، فإنّهم قد أدّوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم)(١) .
وعبد الرزّاق بسنده عن جابر أنّ رجلاً من الأنصار جاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: بايعني على الهجرة، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم: (إنّما الهجرة إليكم، ولكنّي أبايعك على الجهاد)، وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (الأنصار محْنة، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)(٢) .
وعبد الرزّاق بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لو لا الهجرة لكنت إمْرأً من الأنصار، ولو يندفع الناس في شعبةٍ أو وادٍ، والأنصار في شعبة، إندفعت مع الأنصار في شعبتهم)(٣) .
عبدالرزّاق عن جابر، قال: النقباء كلُّهم من الأنصار، سَعْد بن عُبادة، والمنذر بن عمرو من بني ساعدة؛ وسعد بن خَيْثمة من بني عمرو بن عوف؛ وسعد بن الرّبيع، وسعد بن زرارة من بني النجّار، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وعُبادة بن الصامت، وعبد الله بن رَواحة، وأبو الهيثم بن التيِّهان، وعبد الله بن عمرو أبو جابر بن عبد الله من بني سَلَمة، والبَراء بن معرور من بني سَلَمة، ورافع بن مالك الزّرقيّ(٤) .
عبدالرزّاق عن معمر عن عبدالله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، أنّ معاوية لـمّا قدم المدينة لقيه أبو قَتادة الأنصاريّ، فقال: تلقّاني الناس كلّهم غيركم يا معشر الأنصار! فما منعكم أن تلقوني؟ قال: لم تكن لنا دوابّ، قال معاوية: فأين النواضح؟
____________________
(١) مختصر المصنّف، لعبد الرزّاق بن همام (ت ٢١١ هـ) ٣: ٤٩١ / ٥٨٥٠.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤٨٩ / ٥٨٤٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٤٨٩ / ٥٨٤٦.
(٤) نفس المصدر السابق: ٤٩٣ / ٥٨٥٨.
قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، قال: ثمّ قال أبو قتادة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لنا: إنّا لنرى بعده أثرة، قال معاوية: فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتّى نلقاه، قال: فاصبروا حتّى تلقوه(١) .
وعن ابن شهاب الزُّهريّ، قال: وفد أبو أيّوب الأنصاريّ على معاوية فقضى حوائجه، ثمّ قال له أبو أيّوب: لي مال ولا غِلمان لي يقومون به، فأعطني مالاً أشتري به غلماناً، فقال: ألم أعطك لوفادتك وأقض حوائجك في خاصّتك وعامّتك؟ قال: بلى. قال: فما لك عندي شيء سوى ذلك. فقال أبو أيّوب: ألا تفعل يا معاوية، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (إنّكم ستلقون بعدي أثْرة يا معاشر الأنصار، فاصبروا حتّى تلقوني). قال معاوية: فاصبر يا أبا أيّوب! قال: أقُلتَها يا معاوية؟! والله لا أسألك بعدها شيئاً أبداً(٢) .
وللأنصار مع معاوية صولات، رجالهم ونساؤهم:
البلاذري قال: حدّثني محمّد بن سعد عن الواقديّ عن يزيد بن عياض قال: قال معاوية: الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذتُ فلي، وما تركته للناس فبالفضل منّي! فقال صعصعة بن صوحان: ما أنت وأقصى الأمّة في ذلك إلّا سواء، ولكن من ملك استأثر؛ فغضب معاوية وقال: لهممت، فقال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك؟! قال: الذي( يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) (٣) ، وخرج وهو يقول ببيت الشمّاخ:
أريدوني إرادَتَكُم فإنّي |
وحَذْفَةَ كالشَّجا تحتَ الوريدِ(٤) |
____________________
(١) مختصر المصنّف ٣: ٤٩٠ / ٥٨٤٩.
(٢) أنساب الأشراف ٤: ٧٠.
(٣) الأنفال: ٢٤.
(٤) أنساب الأشراف ٥: ٢٧ - ٢٨. وحذفة: اسم فرس خالد بن جعفر الكلابي.
أبو الحسن المدائني عن أبي عبدالرحمن العجلاني عن سعيد بن عبدالرحمن قال: دخل قوم من الأنصار على معاوية فقال لهم: يا معشر الأنصار، قريش خيرٌ لكم منكم لها، فإن يكُ ذلك لقتلى أُحد فقد نلتم يوم بدر مثلهم، وإن يكن لِلأَثْرة فوالله ما تركتم لنا إلى صلتكم سبيلاً! لقد خذلتم عثمان يوم الدار وقتلتم أنصاره يوم الجمل وصَلِيتم بالأمر يوم صفّين؛ فتكلّم قيس بن سعد بن عبادة فقال: أمّا ما قلت من أنّ قريشاً خير لنا منّا لهم، فإن يفعلوا فقد أسكنّاهم الدار وقاسمناهم الأموال وبذلنا لهم الدماء ودفعنا عنهم الأعداء، وأنت زعمت! سيّد قريش فهل لنا عندك جزاء؟ وأمّا قولك إن يكن ذلك لقتلى أحد؛ فإنّ قتيلنا شهيد وحيّنا ثائر، وأمّا ذكرك الأثْرة فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمرنا بالصبر عليها، وأمّا خذلان عثمان فإنّ الأمر في عثمان كان الأَجْفَلَى(١) ، وأمّا قتل أنصاره يوم الجمل فما لا نعتذر منه وبوُدّك أنّ الجميع اصطلموا، وأمّا قولك إنّا صَلِينا يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل لم نأْلُه خيراً؛ ثمّ قاموا فخرجوا، فقال معاوية: لله درّهم! فوالله ما فرغ كلامه حتّى ضاق المجلس عليّ وما كان فيكم رجل يجيبه، ثمّ ترضّاهم ووصلهم(٢) .
والمدائني بسند آخر: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ مع رهط من الأنصار على معاوية فقال معاوية: يا معشر الأنصار بماذا تطلبون ما قِبَلي؟ والله لقد كنتم قليلاً معي كثيراً عليَّ، ولقد فللتم حدّي يوم صفّين حتّى رأيتُ المنايا تَلَظَّى في أسنّتكم، وهجموتموني بأشدّ من وَخْز الأشافي(٣) ، حتّى إذا أقام الله ما حاولتم مَيْله قلتم:
____________________
(١) الأجْفلي: الجماعة من كلّ شيء.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٦٢.
(٣) الأشفى: المثقب.
أرْعَ فينا وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هيهات هيهات يأبى الحَقينُ العذرة. فقال قيس بن سعد: إنّا نطلب ما عندك بالإسلام الكافي به الله فَقْدَ ما سِواه لا بما تَمُتُّ به إليك الأحزاب، وأمّا عداوتنا لك فلو شئتَ كففتَها عنك، وأمّا هِجاؤنا إيّاك فقولٌ يزول باطله ويثبت حقّه، وأمّا استقامة الأمر لك فعلى كُرْهٍ منّا، وأمّا فلّنا حَدَّك يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل نرى طاعته لله طاعةً، وأمّا وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنا، فإنّ من آمن به رعاها بعده، وأمّا قولك يأبى الحقين العذرة فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك يا معاوية! فقال معاوية: سَوْءَةً، ارفعوا حوائجكم، فرفعوها فقضاها(١) .
وذكر ابن أعثم الكوفيّ، قال: بعد مقتل عليّعليهالسلام ، دخل عَدِيّ بن حاتم الطائيّ على معاوية وعنده عمرو بن العاص، ورجل من بني الوحيد، فسلّم عَدِيّ، فردّوا عليه السلام؛ فقال له معاوية: أبا طريف ما الذي أبقى لك الدهر من ذكر عليّ بن أبي طالب؟ فقال عديّ: وهل يتركني الدهر أن لا أذكره؟! قال: فما الذي بقي في قلبك من حبّه؟ قال عديّ: كلّه، وإذا ذكر ازداد!
فقال معاوية: ما أُريد بذلك إلّا إخلاقَ ذكره!(٢)
فقال عديّ: قلوبُنا ليست بيدك يا معاوية. فضحك معاوية ثمّ قال: يا معشر طيّء! إنّكم ما زلتم تُشرّفون الحاجّ ولا تُعظّمون الحرم، فقال عديّ: إنّا كنّا نفعل ذلك ونحن لا نعرف حلالاً ولا ننكر حراماً، فلمّا جاء الله عزّ وجلّ بالإسلام غلبناك وأباك على الحلال والحرام، وكنّا للبيت أشدّ تعظيماً منكم له(٣) .
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٦٢ - ٦٣.
(٢) أي إماتة ذكره.
(٣) الفتوح، لابن أعثم (ت ٣٣١ هـ) ٣: ١٣٤ - ١٣٥، مروج الذهب، للمسعودي ٣: ١٧.
وخرج عديّ مغضباً، فأرسل إليه معاوية بجائزةٍ سنيّة وترضّاه(١) .
(حبّ عليّ إيمان وبُغضه نفاق) أحبّه الله ورسوله والملائكة المقرّبون وأحبّ هو الله حبّاً بلغ به حدّ اليقين لو كُشف القناع ما ازداد يقيناً، فأحبّه قوم أشدّ من حبّهم أنفسهم وأولادهم وما يملكون، فمنهم من قضى نحبه شهيداً في الجمل في قتال خوارج الناكثين، وضِعْفِ هذا العدد ويزيد مضى إلى ربّه شهيداً حميداً يوم صفّين في مجاهدة خوارج البُغاة القاسطين، وبعض استشهد في مجاهدة الخوارج المارقين بالنهروان، ورجعوا إلى عاصمة الإسلام مع إمامهم منتظرين انتهاء المدّة التي اتّفق عليها الطرفان لمعاودة الحرب فيما لو أخلّ أحدهما بالشروط، وقد ذكرنا في مبحث الغارات أنّ معاوية بعد رجوعه إلى الشأم راح يبثّ الغارات على أطراف أمير المؤمنينعليهالسلام فيقتل وينهب، وبثّ غاراته على الحرمين الشريفين وكان أمره لقادة جنده أن يرجفوا بأهل الحرمين حتّى يظنّوا أنّه مُوقِعٌ بهم وأن يسمعهم من الإهانة والتوهين بالحرمين وبمقام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
إلاّ أنّ الأجل الذي لابدّ منه، فكانت شهادة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وتفرّد ابن هند بالسلطان فراح يطلب ثارات بدر، وصفّين! بتسليط أولاد البغايا لمعرفته بحقيقة نفسه!
وبغضه لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، هاجسه النفسيّ، ما إن يدخل عليه من شيعة أهل البيت نفر أو جماعة، رجل أو إمرأة، إلّا وبدأ بالتحارش فإذا أدحضت حجّته - وهي داحضةٌ دائمةٌ إذ لا يصدر إلّا عن باطل - انتقل إلى غيرها فإذا كُبكب بين يدي منطق الحقّ راح يستعطف ويستلطف، ولكن من غير أن يعود عن طبع التهارش والتحارش كأنّ فيه شيئاً يحرّكه!
____________________
(١) نفس المصادر.
ولا نريد أن نتوقّف عند كلّ فقرة من كلام معاوية مع الأنصار، فقد أجاب عنها قيس بن سعد، ولكن وقفة سريعة عند قول ابن هند في حقّ نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصيّه وليّ الأمر قرآناً وسنّةً عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؛ إذ قال: (ما أريد بذلك إلّا إخلاقَ ذكره!).
يذكّرنا هذا بقوله في حقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ ابن أبي كبشة يصاح به كلّ يوم خمس مرّات (أشهد أنّ محمّداً رسول الله) فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم لا أباً لك - مخاطباً المغيرة بن شُعبة في حوارٍ ذكرناه سابقاً - لا والله إلّا دفناً دفناً.
أيْ دفن رسالة الإسلام وإخمال ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودين عليّ دين رسول الله، لم يسجد لصنم من أصنام ابن هند، وابن حمامة أبي سفيان ولا غيرهما ممّن تظاهر بالإسلام تحت بارقة سيوف الفتح المبين ولم تطهر نفوسهم، فالأزلام في يد أبي سفيان يوم حنين، ولـمّا راى الهزيمة أظهر ضغنه فقال: لا تنتهي هزيمتهم دونَ البحر(١) ؛ فأظهر شماتته بالمسلمين. وإنّ حمله الأزلام معه دليل على كفره.
ولمّا رأى أبو سفيان الناس يطؤون عقب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، حسده فقال في نفسه: لو عاودتُ الجمعَ لهذا الرجل، فضرب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صدره ثمّ قال: (إذاً يخزيك الله) فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، والله ما تفوّهت به إلّا شيء حدّثت به نفسي. ومن طريق أبي إسحاق السَّبِيعيّ نحوه وقال: ما أيقنت أنّك رسولُ الله حتّى الساعة! ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: قال أبو سفيان في نفسه ما أدري بم يغلبنا محمّد فضرب في صدره وقال: (بالله نغلبك) فقال: أشهد أنّك رسول الله!(٢)
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ٨٦، السيرة النبويّة، لابن كثير ٣: ٦١٩. والأزلام: سهام كانوا يستقسمون بها.
(٢) الإصابة ٢: ١٧٩.
ويوم اليرموك: كان أبوسفيان في مشيخة من قريش فجعلوا إذا مال المسلمون يقولون: إيه بني الأصفر، وإذا مالت الروم قالوا: يا وَيْح بني الأصفر(١) .
وبسند عن عبد الله بن الزبير قال: لـمّا كان يوم اليرموك خلّفني أبي، فأخذت فرساً له وخرجت، فرأيت جماعةً من الخلفاء فيهم أبوسفيان بن حرب فوقفت معهم، فكانت الروم غذا هَزَمتِ المسلمين قال أبوسفيان: إيه بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون قال أبوسفيان:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبقَ منه مذكور
قال: فلمّا فتح الله على المسلمون حدّثت أبي فقال: قاتله الله! يأبى إلّا نفاقاً؛ أولسنا خيراً له من بني الأصفر! ثمّ كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: حدّثهم، فأحدّثهم فيعجبون من نفاقه(٢) .
ولمّا ولي عثمان؛ نجم كفر ونفاق أبي سفيان، فبسند عن الحسن البصري قال: دخل أبوسفيان على عثمان بعد أن كُفّ بصره، فقال: هل علينا من عَيْن؟ فقال له عثمان: لا. فقال: يا عثمان، إنّ الأمر عالميّة، والملكَ ملكُ جاهليّة، فاجعل أوتاد الأرض بني أميّة(٣) .
فالأمر عند أبي سفيان أمرُ العالم، الناس، لا أمر الله تعالى، حيث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قُبض، فقُبض معه الإسلام! تفكير جاهليّ واطئ؛ وكأنّ الدين رهن بشخص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ! لا بالقرآن الكريم الخالد المصون الذي تكفّل بحفظه ذو العزّة والجلال.
____________________
(١) الإصابة ٢: ١٧٩.
(٢) الأغاني ٦: ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٥٥.
ولذا يدعو كهف الكفر والنفاق أن يكون الملك جاهليّاً أوتاده بنو أميّة، فهم الشجرة الملعونة في القرآن وعلى لسان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وممّا يدلّ على سوء عقيدته وأنّه ما آمن مذ كفر:
بسند عن قيس بن أبي حازم أنّ أباسفيان دخل على عثمان وهو مكفوف، ثمّ خرج من عنده وهو يقول: تلقّفوها يا بني أميّة تلقّف الكرة فما الأمرُ على ما يقولون!(١)
وعن ابن سيرين قال، قال أبوسفيان حين قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تلقّفوها الآن تلقّف الكرة فما من جنّة ولا من نار(٢) .
فقوله: فما الأمر على ما يقولون، تكذيب بالرسالة والرسول والوعد والوعيد... فما عليكم يا بني أميّة والحال هذه، وإنّ عثمان أمويّاً تولّى الحكم، ومعاوية قد مهّد له، ثمّ رسّخ ووسّع له السلطة في الشام وغيرها وزاده عثمان بسطةً في الحاكميّة، فما عليكم إلّا شحذ الهمم لمسلك زمام الأمور وحكم الأمّة بأحكام الجاهليّة التي فقدنا حلاوتها!
ولقد كان هذا الباب الوسيع الذي ينفذ منه الأنصار في تحدّيهم معاوية وثلبه. فلو أنّه وأباسفيان وفروع الشجرة شكروا النعمة إذ لم يعاقبهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال لهم: اذهبوا أنتم الطُّلقاء، وأعطاهم من غنائم حُنَين يتألّف قلوبهم؛ فأظهروا ديناً وأبطنوا كفراً! ربّما أغمض الأقلام من أن تجري بسوء سيرتهم وكمّ أفواهاً من أن تلهج بأُصولهم وأنسابهم. كيف وهم يعاوون ويبزّون الأشراف!
معاوية يكاتب قيس بن سعد
أخبار قيس بن سعد بن عبادة الخزرجيّ مع معاوية كثيرة ذكرنا بعضها بعد شهادة
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٩.
(٢) نفس المصدر السابق، الأغاني ٦: ٣٥٦.
أميرالمؤمنينعليهالسلام ، وقبل شهادتهعليهالسلام وكان قيس وقتها عاملاً لأميرالمؤمنين عليّ على مصر، فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فإنّك يهوديّ ابن يهوديّ، إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر قوسه ورمى غرضَه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفْصَل، فخذله قومُه، وأدركه يومُه، ثمّ مات بحوران طريداً.
فكتب إليه قيس بن سعد: فإنّما أنت وثن ابن وثن، دخلتَ في الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً، لم يقدُم إيمانك، ولم يحَدُث نفاقُك، وقد كان أبي أوترَ قوسَه، ورمى غرضه، فشغَب به من لم يبلغ عقبه، ولا شقّ غُباره، ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي فيه دخلت(١) .
واحدة بواحدة، ولا سواء! فابن هند يكاتب ابن سيّد الخزرج من أنصار دين الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقول له: إنّك يهوديّ ابن يهوديّ! وعلى نفس النّسق يجيبه الأنصاريّ: أنت وثن ابن وثن؛ فلو صدق ابن هند وأنّى له الصدق؟! فأن يكون المرء يهوديّاً خير له من أن يكون وثنيّاً! فالأوّل لو أحسن النيّة والتزم التوراة التي لم تحرّف فهو صاحب كتاب يعبد الله تعالى بما وصله من شريعة موسىعليهالسلام ؛ وأمّا أن يعكف على حجارة يقدّسها ويتّخذها إلهاً ينتصر لها، أو يصنع إلهاً من تمر فإذا جاع أكله، ثمّ يرى آلهته تتهاوى يوم الفتح المبين وتكسّر بفؤوس المسلمين فلا تنتصر لنفسها، ويرى من نسب إليه: أبوسفيان الذي قاد جيوش الشرك في حروبها مع المسلمين، يشفع له العبّاس بن عبدالمطّلب لدى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم، فيقبل شفاعته فيه ولكن يأمره أن يحبسه بمضيقٍ حتّى تمرّ به عشرة آلاف به جند الله، فإذا رآها قال للعبّاس: لقد أصبح مُلك ابن أخيك عظيماً!
____________________
(١) مروج الذهب ٣: ١٦ - ١٧.
فهو لا يعرف منطقاً غير هذا؟ فقال له العبّاس: إنّها النبوّة يا أبا سفيان. وكان العبّاس لـمّا وعده أن يأخذ له أماناً، شرط عليه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الإسلام، فجاء به فنطق بالتوحيد وسكت. فلمّا سأله النبيّ: أتشهد أنّي رسول الله؟ امتنع! وقال: إنّ هذه في النفس منها شيء، حتّى هدّده العبّاس وقال إن امتنعت تقتل، قالها على كرهٍ منه.
ولمّا حان الأوان ووطّؤوا لمعاوية الطليق ابن الطليق فتفرّد بالشأم وصار الأمر إلى عثمان، أظهر أبوسفيان ما في نفسه ودعا إلى حكم الجاهليّة، وأنكر الرسالة والوعد والوعيد ودعا بني أميّة لتلقّف الأمر تلقّف الكرة، وقد ذكرنا أقواله في ذلك.
وأقوال معاوية في حقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وقد ذكرنا بعضها في محاورة المغيرة بن شعبة له وجواب معاوية وتسميته للنبيّ ابن أبي كبشة، وقوله دفناً دفناً، اي لن يقرّ له قرار إلّا بدفن اسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وإماتته، ممّا أثار حفيظة المغيرة وكان معجباً بابن هند، فعاد إلى بيته مغموماً فلمّا سأله ابنه أخبره بما سمعه من ابن هند.
وقيس بن سعد أعرف بحال ابن هند، ولذلك قال له دخلت الإسلام كرهاً وخرجت منه طوعاً.
وأمّا ما ذكره بشأن أبيه: سعد بن عبادة؛ فما مثل ابن هند له أن ينطق باسم سعد! كفاه أن يقول: أنا ابن هند، وأخي زياد، نقلته من أبيه وسُميّة إلى أبي سفيان وأقمت الخمّارين شهوداً على ذلك! ووزيري ابن النابغة؛ وكفى المرء بنفسه شاغلاً.
سَعْد بن عُبادة سيّد الخزرج من الأنصار
ما من موقف حميد إلّا ولسعد فيه ذِكرٌ؛ ففي غزوة الأبواء، على رأس اثني عشر شهراً من الهجرة، خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واستخلف على المدينة سعد بن عُبادة(١) .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٢: ٨.
وحضر يومَ بدر، وكان فيها من الطرف الآخر أبوسفيان وعُصبة الطُّلقاء، فمنهم من ذهب إلى جهنّم ومنهم من امتدّ به العمر ليزداد إثماً! وكان لسعد يومئذ موقف: ابن سعد، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن عكرمة قال: استشار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يومئذ الناس، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله سر إذا شئت وانزل حيث شئت وحارب من شئت وسالم من شئت، فوالذي بعثك بالحقّ لو ضربت أكبادها حتّى تبلغ بُرْك الغُماد من ذي يَمَن تبعناك ما تخلّف عنك منّا أحد(١) .
ويوم أحد: كان معه لواء الخزرج(٢) ؛ وكذلك يوم الخندق(٣) . وفي غزوة الغابة خلّفصلىاللهعليهوآلهوسلم ابن أمّ مكتوم، واستخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة رجل من قومه يحرسون المدينة. وفي هذه الغزوة، أمدّ سعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأحمال تمر، وبعشر جزائر(٤) . ويوم خيبر دفع إليه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إحدى الرايات، وإلى عليّعليهالسلام لواءه الأبيض(٥) .
ويوم الفتح كانت بيده راية رسول الله، فبلغ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عنه كلام في قريش وتواعد لهم فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كَداء والزبير وخالد من اللّيط، ودخلصلىاللهعليهوآلهوسلم من أذاخِر، ونهى عن القتال(٦) .
ولم يكن سعد بن عبادة نَكرة، إنّما هو سيّد الأنصار الذين يكنّ لهم ذووا العاهات والمستلحقون كُرهاً خاصّاً يكاد يعدل كرههم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٢: ٢٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤٠.
(٣) نفس المصدر السابق: ٦٧.
(٤) نفس المصدر السابق: ٨٠.
(٥) نفس المصدر السابق: ١٠٦.
(٦) نفس المصدر السابق: ١٣٥.
ذكر ابن سعد: جاء عمرو بن معدي كرب في عشرة من زُبيد، المدينة فقال: من سيّد أهل هذه البَحرة؟ فقيل له: سعد بن عُبادة، فأقبل حتّى أناخ راحلته ببابه فخرج إليه سعد فرحّب به وأمر برحله فحطّ وأكرمه وحباه ثمّ راح به إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأسلم وأقام ايّاماً ثمّ أجازه رسول الله فرجع إلى بلاده فلمّا مات النبيّ، ارتدّ ثمّ عاود الإسلام وأبلى يوم القادسيّة بلاءً حسناً(١) .
ولم يكن سعد شحيحاً على ماله مثلما كان أبوسفيان وبوصف هند له! فجَفْنةُ سعد عامرة بالكرم. ذكر ابن سعد بسنده عن محمّد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ: كانصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا خطب المرأة قال: اذكروا لها جَفْنَة سعد بن عُبادة(٢) .
وعمارة بن غَزيّة وغيره: كانت جفنة سعد بن عبادة مرّة بلحم ومرّةً بسمن ومرّة بلبن يبعث بها إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّما دار دارت معه(٣) .
وعن أمّ سلمة قالت: كانت الأنصار الذين يُكثرون إلطاف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: سعد ابن عُبادة وسعد بن مُعاذ وعُمارة بن حزم وأبو أيّوب، وكان لا يمرّ يوم إلّا ولبعضهم هديّة تدور مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث دار، وجفنة سعد تدور حيث دار لا يغبّها كلّ ليلة(٤) .
سعد بن عُبادة نقيب
وإذا كان أبوسفيان نقيب الشيطان سلّطه على قيادة قوى الضَلال ونعق فنعقت معه الأحزاب للقضاء على الإسلام والمسلمين والرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم، وهو في كلّ
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٥: ٥٢٦.
(٢) نفس المصدر السابق ٨: ١٦٢.
(٣) نفس المصدر السابق ٥: ١٦٢.
(٤) نفس المصدر السابق: ١٦٣.
ذلك يضحّي عن نفسه بغيره وإن كان منه أقرب لحماً ودماً! فهو أجبنُ من يُقارع أسود المهاجرين والأنصار ومنه ورث مَن نُسب إليه!
بسند عن محمّد بن عمرو بن حزم قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، للنّفر الذين لقوه بالعَقَبَة: (أخرجوا إليَّ اثني عشر منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفل الحواريّون لعيسى بن مريم). فأخرجوا اثني عشر رجلاً. وكان الذين لقوه بالعقبة سبعون رجلاً من الأنصار. وكان النقباء من الأوس ثلاثة نفر، ومن الخزرج تسعة منهم سعد بن عبادة(١) .
هذا هو سعد بن عبادة في تقلّبه في المكرمات، ينعته الوثن ابن هند بأنّه يهوديّ! فتعس شانئ سعد وابنه قيس!
وتكلّم بما كان منه: (أوْتَر قوسه ورمى غرضَه...، وأدركه يومُه ثمّ مات بحوران طريداً).
فهو إشارة إلى موقفه الرافض هو وجماعة لا يستهان بهم لبيعة أبي بكر، وما كان بينه وبين عمر بن الخطّاب؛ فترك سعد المدينة وتحوّل إلى الشأم فأرسل عمر من قتله بحوران!
بسند عن ابن عبّاس عن عمر بن الخطّاب أنّ الأنصار حين توفّى الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم، اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ومعهم سعد بن عُبادة فتشاوروا في البيعة له، وبلغ الخبر أبابكر وعمر فخرجا حتّى أتياهم ومعهما ناس من المهاجرين فجرى بينهم وبين الأنصار كلام ومحاورة في بيعة سعد بن عبادة، فقام خطيب الأنصار - حباب بن المنذر - فقال: أنا جُذَيلها المحكَّك وعُذيقها المرجَّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٨٥ - ٨٧، طبقات ابن سعد ٣: ٦٠٢.
فكثير اللغط وارتفعت الأصوات فقال عمر: فقلت لأبي بكر أبسط يدك، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة وكان مزمّلاً بين ظهرانيهم فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع. قال قائل منهم: قتلتم سعداً، قلت: قتل الله سعداً، إنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من بيعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا بعدنا فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى وإمّا أن نخالفهم فيكون فساداً.
ثمّ إنّ أبابكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أقبل فبايع فقد بايع الناس فقال: لا والله لا أبايع حتّى أراميكم بما في كنانتي وأقاتلكم بمن تبعني من عشيرتي وقومي. فلمّا جاء الخبر إلى أبي بكر قال له بشير بن سعد: إنّه أبى ولجّ وليس بمبايعكم أو يقتل ولن يقتل حتّى يقتل معه وله وعشيرته ولن يقتلوا حتّى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتّى تقتل الأوس، فلا تحرّكوه فقد استقام لكم الأمر. فقبل أبوبكر نصيحة بشير فترك سعداً.
فلمّا ولي عمر لقيه ذات يوم في طريق المدينة فقال: إيه يا سعد، فقال سعد: إيه يا عمر، فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ فقال سعد: نعم أنا ذاك وقد أفضى الأمر إليك، كان والله صاحبك أحبّ إلينا منك وقد والله أصبحت كارهاً لجوارك. فقال عمر: إنّه من كره جوار جاره تحوّل عنه. فقال سعد: أمّا إنّي غير مستنسئ بذلك وأنا متحوّل إلى جوار من هو خير منك. فلم يلبث إلّا قليلاً حتّى خرج مهاجراً إلى الشأم فمات بحوران.
قال: عُلِم بموته بالمدينة! فقد سمع غلمان في بئر مُنبه وهم يقتحمون نصفَ النهار في حرٍّ شديد قائلاً يقول من البئر:
قد قَتَلْنا سيّد الخزرج سعدَ بن عُباده |
وَرَمَيْناه ُبسَهمَينِ فلم نُخْطِ فُؤادهْ(١) |
وادّعى في رواية هذا الشعر أنّ الجنّ هي التي قتلت سعد بن عبادة، ولم يبيّن علّة عداوة الجنّ لسعد بن عبادة؟!
إلاّ أنّ المدائنيّ وبسنده عن صالح بن كيسان، وعن أبي مخنف، عن الكلبي: إنّ سعد بن عبادة لم يبايع أبابكر، وخرج إلى الشأم.
فبعث عمر رجلاً إلى الشأم وقال له: اختل به(٢) وادعه إلى البيعة، واحمل له بكلّ ما قدرت عليه، فإن أبى فاستعن بالله عليه! فقدم الرجل الشأم فلقيه بحوارين(٣) في حائط له، فدعاه إلى البيعة، فقال: لا أبايع، قال: فإنّي أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت ممّا دخلت فيه الأمّة؟ قال: أما من البيعة فإنّي خارج، فرماه بسهم فقتله(٤) .
هذا آخر المطاف مع كلام ابن هند: فسعد لم يخذله قومه فهو سيّد الأنصار بلا منازع! ولذلك تحدّى أبابكر لـمّا أراد حمله على البيعة القسريّة لا الشوريّة! بأنّه لا يبايع حتّى يراميهم بما في كنانته، وليس فيها زهوراً وإنّما سهاماً أنصاريّة نفذت في قلوب أعداء الإسلام في معارك بدر وأحد وكلّ الغزوات؛ وأن يقاتلهم بولده وعشيرته؛ ولذا أشار بشير بن سعد على أبي بكر أن يسكت عن بيعته وإلاّ يقاتلهم ولن يقتل حتّى يقتل معه ولده وعشيرته والخزرج والأوس؛ فسكت عنه. وأمّا تحوّله إلى حوران؛ فسعد أفصح عنها ألا وهي كراهية جوار عمر.
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٣: ٦١٥ - ٦١٧.
(٢) اختل به: الْقه في مكان خالٍ من الناس، دليل الخَتْل والغَدْر!
(٣) هكذا في أنساب الأشراف، وفي العقد الفريد: حوران. وهي الآن قرية تابعة لمنطقة مركز محافظة حمص من سوريا.
(٤) أنساب الأشراف ٦: ٢٧٢، العقد الفريد ٥: ١٤.
الأنصار بين منطقين
نطق القرآن بفضل الأنصار في سبقهم إلى الإسلام وتحدّث رسول الله عن فضلهم فضمّ نفسه إليهم، وجعلهم عنواناً في حبّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم، وبغضه، فمن أحبّ الأنصار فقد أحبّ النبي ومن بغض النبيّ بغض الأنصار. وإلاّ بماذا نفسّر اختصاص معاوية بعض الأقاليم بالعدوان، منها ما كان ولاء أهلها لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، فأوقع بهم أشدّ وقيعة؛ ومنها الحرمين الشريفين والإرجاف بأهلهما. وإذا كان أهل الشأم يشتمون أهل المدينة ويقولون لهم: يا يهود! فإنّهم في انتهاكهم حرمة بيت الله كانوا يقولون: خليفة الله في أرضه أعظم حرمةً من البيت(١) .
ومن قبل مرّ بنا قول مسرف فيما فعل بأهل المدينة، فإذا نزل به الموت وهو في طريقه للإيقاع ببيت الله الحرام، وجدناه يشهد الله تعالى على أنّه لم يغشّ خليفةً قطُّ - كذا - وأيّ خليفة هو يزيد شريب الخمر يزيد الكلاب والقرود الجامع بين البنت وأمّها وقد مات لإفراطه في شرب الخمر، فما زال يتقيّأ فيوضع له طشت ويرفع آخر إلى الصبح فكان حتفه، وسيحشر سكراناً فيُقال له ما لَك؟! فقول: سكران! فيقال خذوه إلى وادي سكران ليجد الأوفياء له من قتلة سيّد شباب أهل الجنّة الحسينعليهالسلام ، وأعداء الله تعالى ممّن عَدَوا على الحرمين الشريفين.
وكان من شهادة الذليل مسرف أنّه يشعر بالفخر وأنّه تطهّر بقتله أهل المدينة الذين وصفهم بالأرجاس.
ومن ذوي العاهات: الحجّاج، وقد ذكرنا قوله في المدينة وأهلها، مضاهاةً لقول الله تعالى الذي سمّى المدينة في آيات كثيرة بهذا الاسم ولم يسمّها (يثرب) لقبح دلالته،
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٣٦٤.
ومدح الأنصار؛ ومضاهاةً للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي يكنّ له بنوأميّة وولاتهم عداءً فإذا وجدوا فُسحةً افصحوا عن ذلك بقول أو فعل. وإذا كان معاوية قد منع من كتابة حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم؛ ولم يمنعه قرينه عن إظهار ضغائن نمّت عن كفره وأنّه نعُمت عين أبيه لـمّا تولّى عثمان فدخل ابن حمامة(١) (أبو سفيان) على عثمان وقال: تلقّفوها يا بني أميّة تلقّف الكُرة؛ فإنّه لا كما يزعمون فلا جنّة ولا نار....
ومعاوية على سرّ أبي سفيان، دعنا الآن من عقدة نسبه وما قيل فيه أنّه ينسب إلى أربع، وكذلك أخوه عتبة فهو ليس لأبي سفيان، فذكر هذا في مكان آخر، ولكن لنذكر ما يدلّ على بقاء معاوية على كفره:
روى الزبير بن بكّار في (الموفّقيّات) عن مطرف بن المغيرة بن شعبة، قال: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية، وكان أبي يأتيه فيتحدّث ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً منذ الليلة، فظننت أنّه لأمر حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال: يا بنيَّ، جئت من أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّاً، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى بني هاشم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وأنّ ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه. فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تَيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك، حتّى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: أبوبكر.
ثمّ ملك أخو عَديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك، إلّا أن يقول قائل: عمر.
____________________
(١) حمامة جدّة أبي سفيان أمّ أمّه بغيّة في الجاهليّة كانت لها راية تؤتى. كتاب الغارات، للثقفي ٢: ٦٤ - ٦٥.
وإنّ ابن أبي كبشة يصاح به كلّ يوم خمس مرّات (أشهد أنّ محمّداً رسول الله) فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم لا أباً لك؟! لا والله إلّا دفناً دفناً(١) .
فلمّا علم ولاته وأمراؤه نهجه ونيّته، أصدقوه العمل على دفن معالم مسيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من خلال ملاحقة وتقتيل أهل بيته وشيعتهم الذين هم شيعة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم، للنفس الواحدة والشجرة الواحدة وسراية الإمامة والولاية في أمير المؤمنين عليّ والسبطين الزكيّين....
ولم يقف الأمر عند الحدّ هذا وإنّما فعلوا فعلتهم الشنيعة بالحرمين، وهم في كلّ أفعالهم يقتدون بابن هند الذي أراد لهذه الرسالة أن تدفن، ولكن شاء وشاء الله بحفظ القرآن وصيانته، فما زال القرآن محفوظاً فالإسلام قائماً وإن تغلّبت عناصر الشرّ في مراحل زمنيّة إلّا أنّ عذاب الله عاجلها والعاقبة للمتّقين.
والحجّاج الذي قلنا عنه أنّه من ذوي العاهات؛ فقد شهد على نفسه وذلك أنّ عبد الملك بن مروان قال له: ما من أحد إلّا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك ولا تخبئ منها شيئاً. قال: أنا لجوج حقود حسود. قال عبدالملك: إذاً بينك وبين إبليس نسب. فقال: يا أمير...، إنّ الشيطان إذ رآني سالمني. قال محمّد بن إدريس الشافعي بعد روايته الخبر: الحسد إنّما يكون من لؤم العنصر وتعادي الطبائع واختلاف التركيب وفساد مزاج البُنية وضعف عقد العقل، والحاسد طويل الحسرات عادم الراحات(٢) .
هذا هو الحجّاج في صفاته النفسيّة، فهو ضريع إبليس، حليف الشيطان! وهو مثل
____________________
(١) الموفقيّات، للزبير بن بكّار (ت ٢٥٦)، القسم الضائع منه ٥٧٦ - ٥٧٧؛ شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٧١.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢١٧.
سالفه (مسرف) عدوّ لله ولرسوله ولأمير المؤمنين، وسيف مصبوب على المؤمنين؛ وكلاهما: مسرف، وابن أمّ الحجّاج عبيد أذلاّء لطغام بني أميّة وبني مروان.
وأمّا في صفاته الجسمانيّة، مضافاً إلى سوء منحدرته القبليّ بين قبائل العرب، مع ما يرد في نبزه في أمّه؛ فقد خلقت مجموع هذه الأمور منه تلك الشخصيّة المتعطّشة لدم من هم أفضل منه، مع خضوع لا مثيل له لمن يرى أنّه وليّ نعمته؛ إلّا ذوي العاهات أمثال ابن سميّة زياد، وابن مرجانة عبيد الله، وابن النابغة عمرو، وابن هند معاوية، وسلفه مسرف.
قال عوانة بن الحكم الكلبي: دخل أنس بن مالك(١) على الحجّاج بن يوسف، فلمّا وقف بين يديه وسلّم عليه، فقال الحجّاج: لا مرحباً ولا أهلاً يا خبيث، شيخ ضلالة، جوّال في الفتن، مرّةً مع أبي تراب، ومرّة مع ابن الزبير، ومرّة مع ابن الجارود، أما والله لأجرّدنّك جرد القضيب، ولأعصبنّك عصب السلمة، ولأقلعنّك قلع الصمغة، فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال: إيّاك أصمّ الله صداك.
فرجع أنس فكتب كتاباً إلى عبد الملك شكا فيه الحجّاج وما صنع به، فأجابه جواباً لطيفاً، وكتب إلى الحجّاج: (أمّا بعد يا ابن أمّ الحجّاج، فإنّك عبد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتّى عدوت طورك وتجاوزت قدرك، وأيم الله يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب(٢) لأغمزنّك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطة تودّ لها لو أنّك رجعت في مخرجك من بطن أمّك، أما تذكر حال آبائك في الطائف حيث كانوا
____________________
(١) كان ابنه عبد الله بن أنس ممّن خرج مع ابن الجارود فقتل. (أنساب الأشراف ٧: ٢٩٥).
(٢) المستفرمة: التي تجعل الدواء في فرجها ليضيق. اللسان: فرم.
وهذا نبز للحجّاج في أمّه! وقد نسبه أوّلاً إليها (يا ابن أمّ الحجّاج)، وما أكثر الأبناء والمستلحقين في تلك العصور غطّى على عوراتهم السلطان واختلاف الروايات!
ينقلون الحجارة على ظهورهم ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق، وقد بلغني الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأةً وإقداماً، وأظنّ أنّك أردت أن تسبر ما عندي في أمره، فتعلم إنكاري ذلك أو إغضاي عنه، فإن سوّغتك ما كان منك مضيت عليه قدماً؛ فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصكّ الرجلين، ممسوح الجاعرتين...، فإذا قرأت كتابي فكن أطوع له من خفّه ونعله! وإلاّ أتاك منّي سهم مشكل بحتف قاضٍ)(١) .
والكتاب أطول من هذا فيه سباب وتقريع للحجّاج الذي حرّم الطواف بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم! وقال: إنّهم يطوفون بعظام وَرْمَةٍ! هلاّ طافوا بقبر أمير... عبد الملك بن مروان!(٢) وقوله السالف: إنّ خليفة الله في أرضه أكرم عليه من رسوله إليهم، فهو يفضّل عبد الملك على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم!
وأقواله الأخرى بشأن المدينة التي سمّاها: أمّ نتن! وأهلها، أخبث أهل، والقرآن الكريم لم يسمّها (يثرب) لدلالته القبيحة، وإنّما حفل القرآن باسم واحد لها هو: (المدينة). والنبيّ الكريم سمّاها (طيبة)، و (طابة) ونسب (يثرب) إلى المنافقين على ما سيأتي في فضل المدينة. وأمّا أهلها فقد تحدّثنا عنهم، لتعرف بذلك كفر الحجّاج وأمثاله.
والحجّاج على غطرسته واستئساده على الآخرين حتّى روي أنّهم أحصوا الذين قتلهم الحجاج، فوجدوهم مائة وعشرين ألفاً(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٧: ٢٩٥ - ٢٩٧، مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٢١ - ٢٢٢ مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(٢) العقد الفريد ٥: ٣١٠.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٠٩.
أقول: إنّه على غطرسته، فهو عبد حقير لعبد الملك بن مروان يتحمّل منه كلّ هذه الشتائم والوعيد، يذكّره بعيوبه البدنيّة من قباحة عينيه وتقوّس رجليه وانمساح إسته! وخسّة أصله وعشيرته، ونبزه بأمّة (بالزنا)! ويأمره أن يكون لأنس أطوع من نعله؛ فيمتثل! ولم لا وهو الكذّاب الثقفيّ الذي ادّعى أنّ عبد الملك يوحى إليه!! ومضى أكثر أنّه هو أيضاً يوحى إليه، وبه تهدّد عمر بن الخطّاب أهل العراق:
خرّج ابن عساكر في تاريخه: (جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب، فأخبره أنّ أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلّى لنا صلاةً فسها فيها حتّى جعل الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله. فلمّا سلّم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثمّ قام آخر. قال الراوي: ثمّ قمت أنا وقام رابع، فقال: يا أهل الشام استعدّوا لأهل العراق، فإنّ الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، أللّهم إنّهم قد لبسوا عليّ فالبس عليهم، وعجّل عليهم بالغلام الثقفيّ، يحكم فيهم بحكم الجاهليّة، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم)(١) .
إنّ الترسيخ الذي بدأه عمر بن الخطّاب لملك بني أميّة على ما بيّنا في التمهيد والذي كان موضع شكر وتقدير من لدن أبي سفيان إذ قال له لـمّا مات ابنه يزيد بن أبي سفيان وكان والياً لدمشق من قبل عمر؛ فأقرّ عمر ابن هند معاوية مكانه وضمّ إليه مصر وغيرها؛ فقال له أبوسفيان: وصِلَتُك رَحِم؛ ولـمّا ورد معاوية المدينة بدأ بعمر، فسأله عمر: هل بدأت بأحد؛ فقال معاوية: بك بدأت. قال عمر: فابدأ بأبويك، وابدأ بهند أوّلاً؛ ففعل. فقالت هند: اعرفوا لهذا الرجل حقّه...؛ فعمر أعرف بأحوال أهل الشأم، ولذا اختار لبني أميّة مقرّ حكم مناسب ولم يختر لهم العراق ولا غيرها، وقد
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢١٧.
أفلح في ذلك! فهم يأخذون جوائزهم ويقاتلون من غير سؤال على ماذا نقاتل؛ فبهم قاتل معاوية وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بصفّين، وبهم شنّ الغارات على طريقة ونهج الخوارج! ولم يكن مع أهل الشأم عراقيّ واحد في استباحة المدينة المنوّرة فكانت الجريمة الكبرى والأفعال الشنيعة التي لا يقدم عليها مسلم وإن ضعف إيمانه! وكذلك الحال في العدوان على بيت الله الحرام مرّتين، واحدة أيّام الناقص بن معاوية، والثانية أيّام عبد الملك بن مروان.
وكان عصب جند أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يوم الجمل: أهل العراق. فلمّا فرغعليهالسلام من قتال الخوارج الناكثين، سار بأهل العراق لقتال الخوارج القاسطين معاوية وأهل الشأم. ولـمـّا وقعت الفتنة واجتمع الخوارج المارقون بالنهروان، سار أهل العراق مع إمامهمعليهالسلام ، فطحنوا المارقين الذين لم يسلم منهم إلّا دون العشرة، كما أخبر أمير المؤمنينعليهالسلام قبل وقوع المعركة.
وعلى ذلك: عمر، رسخ الذي مهّد له من كان قبله، ووسعه؛ ومهّد وقدّم لأهل الشام بالإعداد لأهل العراق! فإذا كان حُجر بن عَديّ وصحبه قد حصبوا ابن سميّة زياداً لمخالفته السنّة، فزوّر زياد شهادة كثّر فيها من أمر حجر، وجمع زياد في سجنه ثلاثة عشر من شيعة أبي الحسن عليّعليهالسلام ، رابع عشر منهم الصحابي الجليل حجر بن عديّ؛ وأمر ابن سميّة جماعة وجد أنّهم لا يرجون آخرة ومنهم بل جلّهم منافقوا الكوفة ممّن كتب إلى أبي عبد الله الحسينعليهالسلام فلمّا وفد كربلاء، أنكروا أنّهم كتبوا إليه! ثمّ قاتلوه وكانوا أشدّاء عليه.
وكان الذي كتب أبو بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، فهو ابن أبيه المخذّل عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، والذي لم يرتضي الخوارج المحكمة إلّا به فكتب أبو بردة: هذا ما
شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين، وشهد الشهود:...، وذكر أموراً لم تصدر من حجر عظّمها عليه عند معاوية، ولم يكن من حجر إلّا أنّه اعترض زياداً في مخالفته للسنّة وعدم إنفاذه حكم الله تعالى - وسنأتي على قصّته كاملاً؛ واللافت للنظر أنّ الشهود وعددهم (٣٨) ثلاثة منهم ولد طلحة بن عبيد الله الخارجي على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يوم البعير، وأمّهم أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، والمنذر بن الزبير الخارجي يوم البعير، وكان المنذر مخالفاً لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، منقطعاً إلى معاوية ومن الشهود: عُمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط؛ وما أدراك ما عُمارة! ومن قتلة الحسين السبط الشهيدعليهالسلام : عمر بن سعد ابن عمّ يزيد بن معاوية وقائد الجيش الذي حارب الحسينعليهالسلام ، وشمر بن ذي الجوشن، وشَبِث بن رِبعي التميميّ، وحَجّار بن أَبْجَر العِجْليّ، وزَحْر بن قَيْس الجُعْفيّ، وعَزْرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمّد بن الأشعث الكنديّ...(١) .
هروب المختار
موقف مشرّف لرجل ذي همّةٍ ورفعة ومُبادَءَةٍ وشجاعة افتقدها كثير من القادة الثائرين على الجور وروافض حكم الطّلقاء وأبناء الأمّهات وذوي العاهات هذا الرجل الولائي الذي أرادت الدعاية الزبيريّة والأمويّة تشويه صورته الجميلة برشقات تنثرها على هالته الوضّاءة ولكن هيهات! والسرّ باختصار - إذ سنذكر تفصيل ذلك في موضعه -، فإنّ الحسينعليهالسلام لم يُستشهد بعد حتّى يخرج المختار رافعاً شعار الطلب بثاره ولكنّه في الحقيقة طالب دنيا! وطالب حكم فوجد في ذلك خير
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦١ - ٢٦٣.
وسيلة إلى ما يريد. وفرّعوا من حقيقة واحدة (الغلام الثقفيّ) فجعلوه اثنين: مبير، وهو الحجّاج؛ وكذّاب، وهو المختار - حاشا له ذلك - فأمّا الحجّاج فقد علمنا سيرته، فهو مبير، خارج على الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام . وهم لا ينكرون هذا وإنّما منهم أخذنا معلوماتنا. وأمّا المختار ووصفه بالكذب، فباختصار: هلاّ قال له ابن الزبير أنا لا أنتصر بالكذّابين، فالخوارج معي؟! فإذا فقد المختار بقي في اضطراب حتّى يأتي المختار، وكان المختار يملي على ابن الزبير شروطاً في القتال فلمّا رأى منه تقليبه المواقف من تركه الصلاة على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعين جمعة فلمّا سئل قال: إنّ له أُهَيْل سوء...، واضطهاده لبني هاشم وقوله لابن عبّاس: إنّي أكنّ البُغض لكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة! وانتقاله من شعار العائذ بالبيت إلى أمر الشورى ثمّ رفع شعار الخوارج المحكّمة: لا حكم إلّا لله! وأخيراً ولـمّا قتل شيخ الخوارج (المِسْوَر بن مَخْرَمة) دعا إلى نفسه إزاء هذه المواقف المتقلّبة، فارقه المختار فبدأت الدعاية الزبيريّة بوضع هذا الحديث. وزادوا في ذلك: أنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه! والحقيقة أنّ الذي زعم أنّ الوحي لم ينقطع وأنّه يوحى إليه هو المبير الحجّاج الثقفيّ، زعم ذلك وزعم أنّ سيّده عبد الملك بن مروان يوحى إليه. فأسقطوا الثانية (الكذب) عن الحجّاج وحتّى عن ابن الزبير وحملوها على النجيب المختار الذي أخذ الكوفة وأخرج منها والي ابن الزبير مكرّماً، وراح يتتبّع قتلة الحسينعليهالسلام ، فصار بذلك عدوّاً لطرفين: ابن الزبير، وبني أميّة فبثّ هذا وهؤلاء دعايتهم في كذب المختار لإضعاف جانبه. إلّا أنّ مجمل الأمور تشير إلى نصاعة هذا الرجل وشهادة أئمّة أهل البيتعليهمالسلام الطاهر بحقّه خير بيان، وسيرته العمليّة دليل ساطع على طهارته ممّا نسب إليه. ويكفي من دليل في ذلك أنّ ابن الزبير قد أثبتنا ناصبيّته وسوء طويّته ومعاناته من عقد النقص بعد
أن ثبت له أنّه ابن متعة ومردّد في المتمتّع: الزبير، أو سَبْرة؟! وأنّه رأى الزبير وهو يقسو على أمّه أسماء بالضرب ثمّ طلّقها ليعيش مع أمّه في كنف جدّه أبي بكر الذي تولّى تربيته.
لمّا أعدّ ابن سميّة الكتاب وجمع الشهود، بادر المختار إلى الهرب(١) ، لئلاّ يحرج، فإمّا أن يرفض الشهادة ونتيجة ذلك عليه وخيمة، وإمّا أن يشهد فيكون مع الكذّابين، ويبوء بدم حجر وصحبه؛ فصدَقَ اللهَ النيّة.
والعجب: أن لا يروون مثلما رووا في المختار، مثلاً: يكون كذّابين منهم من يطلب الإمارة ويقتل دونها بعد أن يكون سبباً لانتهاك حرمة البيتين؛ وسبع وثلاثين كذّاباً يشهدون شهادة زور على رجال يغضب لقتلهم الله تعالى والملائكة.
الحجّاج لا يعمل إلّا بوحي!! !
قال عتّاب بن أسيد بن عتّاب: لـمّا قبض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، جعلت أمّ أيمن تبكي ولا تستريح من البكاء. فقال أبوبكر لعمر: قم بنا إلى هذه المرأة فدخلا عليها، فقالا: يا أمّ أيمن ما يبكيك! قد أفضى رسول الله إلى ما هو خير له من الدنيا. فقالت: ما أبكي لذلك، إنّي لأعلمُ أنّه أفضى إلى ما هو خير من الدنيا، ولكن أبكي على الوحي انقطع. فبلغ ذلك الحجّاج فقال: كذبت أمّ أيمن، ما أعمل إلّا بوحي!!(٢)
فصدق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ يقول: (يكون من ثقيف مبير وكذّاب)، فهوصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد بذلك الحجّاج، فهو مبير وكذّاب. أمّا مبير فقد اشتهر به، وأمّا كذّاب: ألا تراه حين بلغه خبر أمّ المؤمنين أمّ أيمن؛ كيف وسَمها بالكذب! ونحن لا نعجب منه ذلك وقد
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٣.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢١٥.
تجرّأ على من هو أفضل منها: سيّد البشر مطلقاً رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما ذكرنا. وتكذيب الواقع؛ كذب! فإنّ الوحي قد انقطع. ولم يكتف بهذا وإنّما زعم أنّه يوحى إليه: (ما أعمل إلّا بوحي!) وأيّ وحي هذا الذي يوحى إليه من عدوانه على البيت الحرام وقتله الصلحاء من أمثال سعيد بن جبير؟ إلّا أن يكون وحيه من سنخه:( وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) (١) الآية.
وعن عوف: والخبر الطويل هذا بعضه: قال الحجّاج: أتزعمون يا أهل العراق أنّ خبر السماء قد انقطع عن أمير! كذبتم والله يا أهل العراق، والله ما انقطع خبر السماء عنه إن عنده منه كذا وعنده منه كذا!(٢)
استجابة دعاء عمر بن الخطّاب
إنّ تسليط عمر لمعاوية على الشأم ومصر وغيرهما مخالف لسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقد ذكرنا كمّاً وافراً من الروايات في لعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لمعاوية، ووصف مكانه في جهنّم، وحذّر من فتنته وأمر المسلمين بقتله إذا رأوه على منبره، وكاد يفعله أحدهم إلّا أنّ أبا سعيد قال له: لا تفعل ما زال عمر!
إلاّ أنّ دعوته أهل الشأم ليستعدّوا لأهل العراق، ودعاءه بتسليط الغلام الثقفيّ عليهم؛ فقد استجاب أهل الشأم ولكن لا للعراق فقط وإنّما لهتك كلّ حرمة بما في ذلك الحرمين الشريفين، وكان قائد الحملة الثانية على بيت الله الحرام هو غلام ثقيف!
وكان من ضحايا الغلام الثقفيّ: عبد الله بن عمر بن الخطّاب! والمعروف عن
____________________
(١) الأنعام: ١١٢.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢١٤.
عبدالله هذا أنّه كان مسالماً موادعاً لبني أميّة ولذا أوصى معاوية يزيد به خيراً. إلّا أنّ اللجوج الحسود الحقود قتله في عرفة، فلم يعرف لذلك اليوم والمكان حرمةً، ولا لعمر أدنى منزلة! ولا لوصيّة من يعبده من دون الله، قيمةً؛ والسبب: عاهاته؛ والمناسبة:
ذكر المصعب الزبيريّ: أنّ عبد الله بن عمر شهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حجّة الوداع فوقف معه في موقف عرفة، فكان يقف في ذلك الموقف كلّما يحجّ(١) . فحجّ عام قتل ابن الزبير مع الحجّاج بن يوسف، وكان عبد الملك كتب إلى الحجّاج إلّا يخالف ابن عمر في الحجّ...، فانطلقا حتّى وقف - ابن عمر - موقفه الذي كان يقف فيه فكان ذلك الموقف بين يدي الحجّاج، فأمر الحجّاج مَن نَخَسَ به حتّى نفرت ناقته، فسكنها حتّى سكنت، ثمّ ردّها إلى ذلك الموضع بين يدي الحجّاج، فأمر الحجّاج أيضاً بناقته فنخست، فسكنها حتّى سكنت ثمّ ردّها إلى ذلك الموقف، فثقل على الحجّاج أمره، فأمر رجلاً معه حربة يقال إنّها كانت مسمومة، فلمّا دفع الناس من عرفة، لصق به ذلك الرجل فأمرّ الحربة على رجله وهي في غَرْز رَحْله، فمرض منها أيّاماً، فمات بمكّة، فدفن بها وصلّى عليه الحجّاج بن يوسف!(٢)
هذه أخلاق هذا الخارجيّ الورقة الصفراء في الشجرة الملعونة، فهو يألّه عبدالملك ويتصاغر له، إلّا أنّه يتجاوز أمره فيقتل ابن عمر لأنّه وقف ذلك الموقف!
أسجاع الحجّاج في عبد الملك
إنّ المختار الذي أغاض خوارج الناكثين والقاسطين، صار غرضاً لسهامهم سواء،
____________________
(١) فلينظر الوهّابيّون المانعون من التبرّك كيف يتتبّع ابن عمر آثار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والحجّاج يمنعه، وقولكم وقول الحجّاج وابن تيميه واحد يطوفون بعظام ورمة!
(٢) نسب قريش، لمصعب الزبيريّ: ٣٥١.
فوضعوا على لسانه أسجاعاً، إلّا أنّ ما ذكرناه من سيرة الحجّاج تبطل ما كذبوا على هذا الثائر العظيم (المختار)، فكان الكذّاب الأشر هو نفسه المبير الثقفيّ (الحجّاج).
في العقد الفريد: (الشيباني عن الهيثم عن أبي عياش قال: كنّا عند عبدالملك بن مروان إذ أتاه كتاب الحجّاج يعظّم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السماوات والأرض إلّا بها، وأنّ الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقرّبين، والأنبياء والمرسلين. وذلك أنّ الله خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنّته، ثمّ أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلاً إليه. فأعجب عبد الملك بذلك وقال: لوددت أنّ عندي بعض الخوارج بهذا الكتاب! فانصرف عبد الله بن يزيد إلى منزله، فجلس مع ضيفانه، وحدّثهم الحديث، فقال له حُوار بن زيد الضَّبيّ، وكان هارباً من الحجّاج: توثّق لي منه ثمّ أعلمني به. فذكر ذلك لعبد الملك فقال: هو آمنٌ على كلّ ما يخاف. فانصرف عبد الله إلى حُوار فأخبره بذلك، فقال: بالغداة إن شاء الله. فلمّا أصبح اغتسل ولبس ثوبين، ثمّ تحنَّط(١) وحضر باب عبدالملك، فقال: هذا الرجل بالباب. فقال: أدخله يا غلام. فدخل رجل عليه ثياب بِيض يوجد عليه ريح الحنوط، ثمّ قال: السلام عليكم. ثمّ جلس؛ فقال عبد الملك: إيت بكتاب أبي محمد - أي الحجاج - يا غلام. فأتاه به، فقال: إقرأ. فقرأه حتى أتى على آخره، فقال حُوار: أراه جعلك في موضع ملكا وفي موضع نبيّا وفي موضع خليفة؛ فإن كنت مَلَكا فمن أنزلك؟ وإن كنت نبيّا فمن أرسلك؟ وإن كنت خليفة فمن استخلفك؟ أعن مشورة من المسلمين، أم ابتززت الناس أمورهم بالسيف؟
فقال عبد الملك: قد أمنّاك ولا سبيل إليك، والله لا تجاورني في بلد أبداً؛ فارحل
____________________
(١) استعداداً للموت قتلاً لصعوبة مقاله.
حيث شئت. قال: فإنّي قد اخترت مصر. فلم يزل بها حتّى مات عبد الملك(١) .
أبو بكر يأمر عمر بن الخطّاب في قتال المتخلّفين عن بيعته
لم يكن سيّد الأنصار سعد بن عُبادة فارداً في الامتناع عن إعطاء البيعة، هو وجمهور الأنصار، لأبي بكر! وقد ذهب ضحيّة موقفه الصارم من عمر، فأتبعه عمر بعد كره جواره وتحوّل إلى حوران بجنيٍّ! فشكّ فؤاده.
فقد قعد عن بيعة أبي بكر، أمير المؤمنين حقّاً عليّ بن أبي طالبعليهالسلام والعبّاس والزبير في بيت فاطمةعليهاالسلام حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطّاب! أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمّة!(٢)
والمدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التَيْميّ؛ وعن ابن عون: أنّ أبابكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع؛ فجاء عمر، ومعه قبس فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطّاب! أتراك محرّقاً عليَّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!(٣)
والبلاذريّ: حدّثني بكر بن الهيثم، حدّثنا عبد الرزّاق، عن معمر، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال:
بعث أبوبكر عمر بن الخطّاب إلى عليّ حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف
____________________
(١) العقد الفريد ٥: ٣١٠ - ٣١١.
(٢) العقد الفريد ٥: ١٣.
(٣) أنساب الأشراف ٢: ٢٦٨.
العنف، فلمّا أتاه جرى بينهما كلام فقال عليّ: (احلب حلباً لك شَطْرُه. والله ما حرصُك على إمارته اليوم إلّا ليؤمّرك غداً وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنّا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إنّ لنا حقّاً لا يجهلونه). ثمّ أتاه فبايعه(١) .
إذاً: لم يكن الأنصار وهم كتيبة الإسلام، وعلى رأسهم سعد بن عبادة، من أوتر القوس ورمى الغرض؛ وإنّما فيهم مهاجرون رأسهم وسيّد الفريقين من سوّدته نفسه بالسبق إلى الإسلام ومن اتّخذه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخاً من بين الجميع، فكان عليّعليهالسلام يفخر بهذه المنقبة ويحاجج بها فيحجّ ويفلج لدى الخصومة، والمشيخة والفتية لكلّ وثنه ولكلّ واحد صنمه! وعمر خاصّة هو النفر الخامس والأربعون ممّن دخل الإسلام(٢) ، وكلّ خالط لحمه حرام وخَمْر...؛ وعليّ احتضنته الكعبة ثمّ أفرجت عنه ليتناوله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيناوله لبان فمه الطاهر فجرى في عروقه، فكان عرقه دسّاساً بالنقاء والعصمة. ولم يكن لعليّ صنم يسجد له ولأجله خصّ وأُفرد عن أبطال السقيمة بعبارة (كرّم الله وجهه) و (عليه السلام) لأنّ عليًّا وأهل البيتعليهمالسلام يصلّى عليهم عند التشهّد في الصلاة وهي عمود الدين، ولو صلّي معهم على أحد غيرهم لبطلت الصلاة! كمن أحدث فجاء بمبطل من المبطلات. وعليّ منزّه من العاهات النفسيّة والخَلْقيّة والنسبيّة وهذه بمجموعها أو بشطرين منها قد اجتمعت في كلّ أعداء عليّ بن أبي طالبعليهماالسلام ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر وهو قريش بن مالك بن النّضر بن كنانة.
القرشيّ، الهاشميّ. كان قصيّ سيّد قومه إذ جمعها بعد تفرّقها، ولا أحد بل قبيلة
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٢٦٩.
(٢) في أنساب الأشراف ١٠: ٢٨٩: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشرة نسوة.
تتخلّى هاشماً شرفاً وسؤدداً، وانتقلت السيادة في قريش إلى ابنه عبد المطّلب ومنه إلى ابنه المجاهد الذابّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما يطول سرده وشهد له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بصدق وعظم جهاده، فلمّا رأى المشيخة والذين في قلوبهم مرض! أنّهم لا يضارعون عليًّا في منقبة، لا في نقاء النسب فإذا أوغلوا في ذلك صاروا إلى الحطّ من نسب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ نسبه ونسب ابن عمّه واحد، فصاروا إلى تكفير مؤمن قريش وسيّد البطحاء أبي طالب زاعمين أنّه مات مشركاً، وافتعلوا رواية كاذبة في ذلك( وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ) (١) ؛ ولذا فلعليّ سنام الفخر في النسب الذي كان ينتسب إليه أخوه وابن عمّه وخليله فكلاهما ابنا الفواطم والعواتك - ليس هذا محلّ ذكرهنَّ نأتي عليه في محلّه في سجال مع خارجيّ ناصبيّ من ذوي العاهات! - وأين كانت الشجاعة هذه لدى القوم؟! وقبل الحديث عن الشجاعة: فإنّ سلوك أبي بكر وعمر خروج على أمر الله تعالى، فقد أمر سبحانه عليًّا في أكثر من موضع، وجعل ولايتهعليهالسلام مقروةً بولايته سبحانه وبولاية رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ونصبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أميراً ووليّاً للمؤمنين وأقامه مقامه في حجّة الوداع بغدير خمّ وأنطق الله عمر بن الخطّاب يومئذ ليهنّئ أبا الحسن فيقول له: بخٍ بخٍ لك يا عليّ، وفي لفظ يا ابن أبي طالب، أصبحت وليّي ووليّ كلّ مسلم ومسلمة، ولا غرابة! فلقد نطق بحقّ عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام أعداؤه والذين قاتلوه: عائشة بنت أبي بكر، وابن هند، والمغيرة بن شعبة، وابن النابغة عمرو، و....
قال تعالى:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ
____________________
(١) طه: ٦١.
حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (١) .
فالآية المباركة في مقام تعيين أولي الأمر الذين تجب طاعتهم، فحصرت الولاية بثلاثة: الله تعالى، ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمؤمن المتصدّق حال الركوع؛ وبهذا خرج غيرهم من عنوان الولاء والانقياد له.
عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، قال نزلت في عليّعليهالسلام خاصّةً(٢) .
وقوله:( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) ، قال: عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (٣) .
فإذا كان الأمر هكذا، ولم تنزل آية تنسخها؛ فعليّعليهالسلام وليّ المؤمنين بعد الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا يجوز حرق البيت عليه وعلى زوجته بضعة رسول الله وأمّ ذريّته وعترته الطاهرين أمّ أبيها! يؤذيه ما يؤذيها ويفرحه ما يفرحها.
وولاية عليّ غلبةٌ، يعني فلاحٌ، والعدوان عليه، يعني حسرة وخسران فلا تفكيك في ولايته وولاية رسول الله ومن ثمّ ولاية الله، بصريح القرآن. أ من هذا البرهان أسطع في الولاية؛ وحديث المنزلة الصريح في العصمة والوصيّة: فمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّ، وموسىعليهالسلام نبيّ؛ وهارونعليهالسلام نبيّ وصيّ أخ نبي؛ وعليّعليهالسلام أخ وصيّ إلّا أنّه ليس بنبيّ (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي)؛ وفي لفظ: (إلاّ أنّك لست بنبيّ).
____________________
(١) المائدة: ٥٥ - ٥٦.
(٢) تفسير الحِبرَيّ الحسين بن الحَكَم (ت ٢٨٦ هـ): ٢٦، تفسير فرات: ٣٨.
(٣) تفسير الحبريّ: ٢٦١، تفسير فرات: ٣٨.
أمر الله تعالى بولاية عليّعليهالسلام ؛ وإنزال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم له هذه المنزلة الصريحة في الوصيّة أوْلى، أم المختلقات في تقديم رجل ليصلّي بالناس في حال مرضه أولى؟! ولو صحّ هذا فأين نضع العهد والميثاق المغلّظ يوم الغدير إذ أخذ لعليّعليهالسلام البيعة بقوله: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!) قالوا: بلى. قال: (أللّهم اشهد، من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، أللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله).
هل قال مثقال أو دون ذلك لأبطال السقيفة الذين لولاهم لَـما ظهر وتجرّأ على عليّعليهالسلام حثالات أميّة وطغامهم!
سبب نزول الآية المباركة
عن محمّد بن السائب الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: أقبل عبد الله ابن سلام ومعه نفر من قومه ممّن آمنوا بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: يا رسول الله، إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لـمّا رأونا آمنّا بالله ورسوله وصدّقنا رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يواكلونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فبينما هم كذلك يشكون إلى النبيّ إذ نزلت هذه الآية على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، فلمّا اقترأها رسول الله قالوا: رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء؛ وأذّن بلال بالصلاة فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المسجد والناس يصلّون بين قائم وراكع وساجد، وغذا هو بمسكين يسأل، فدعاه رسول الله؛ فقال له: (هل أعطاك أحد شيئاً؟) قال: نعم؛ قال: (ماذا؟) قال: خاتم من فضّة. قال: (من أعطاكه؟) قال: ذلك الرجل القائم، فإذا هو عليّ. قال: (على أيّ حال أعطاكه؟) قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ قرأ:( وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ
آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (١) .(٢)
____________________
(١) المائدة: ٥٦.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (ت ١٥٠ هـ) ١: ٤٨٥ - ٤٨٧، تفسير الحبريّ (ت ٢٨٦ هـ): ٢٦١، تفسير ابن أبي زَمنين (ت ٣٩٩ هـ) وهو مختصر تفسير يحيى بن سَلاّم، ١: ٢٠٤، تفسير فرات (القرن الرابع الهجريّ): ٣٨؛ وترد الرواية عن ابن عبّاس وعن غير ابن عبّاس في مصادر كثيرة. وترد أحياناً عن غير ابن عبّاس وربّما بإضافات نعرض لبعضها ورواتها بعد أن نفرغ من إدراج المصادر:
تفسير الطبريّ ٦: ١٥٦، أنساب الأشراف، للبلاذري (ت ٢٧٩ هـ) ٢: ٣٨١، شواهد التنزيل، للحسكانيّ الحنفيّ (من أعلام القرن الخامس) ١: ١٨١، التفسير الكبير، للفخر الرازيّ ٣: ٤٣١، تفسير ابن كثير الحنبليّ ٢: ٧١، الذريّة الطاهرة، للدولابيّ (ت ٣١٠ هـ): ١٠٩ / ١١٤، مختصر تاريخ ابن عساكر ١٨: ٨، المناقب، للخوارزمي الحنفيّ (ت ٥٦٨ هـ): ٢٦٦، غاية المرام، هاشم البحراني (١١٠٧ هـ) ٩: ١٨، معرفة علوم الحديث، للحاكم النيسابوري (٤٠٥ هـ): ١٠٢، الدر المنثور، للسيوطيّ الشافعيّ (٩١٠ هـ) ٢: ٢٩٣، الأمالي الخميسيّة للمرشد بالله الشجريّ (٤٩٩ هـ) ١: ١٣٧ و ١٣٨، تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ الحنبليّ ثمّ الحنفيّ (٦٥٤ هـ): ٢٠٧، العمدة في عيون صحاح الأخبار، ابن البطريق: ٦١، مناقب الإمام عليّ، للفقيه ابن المغازليّ الشافعيّ (٤٨٣ هـ): ٣١٤، ينابيع المودّة، القندوزي الحنفي: ٢١٢، تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٩: ٣٣٦، نور الأبصار، الشبلنجي: ٧٧، سعد السّعود، لابن طاووس عليّ بن موسى الحسني الحسيني (٦٦٤ هـ): ٧٠، كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، محمد بن يوسف الگنجي الشافعيّ (المقتول تعصّباً ٦٥٨ هـ): ٢٢٨، تفسير البيضاوي الشافعيّ ١: ٣٤٥، أسباب النزول للواحدي (٤٦٨ هـ): ١٣٢ - ١٣٤، مجمع البيان في تفسير القرآن، للطبرسيّ (٥٤٨ هـ) ٢: ٢١٠، الصواعق المحرقة، ابن حجر: ٢٤، نظم درر السمطين، لجمال الدين الزّرنديّ الحنفيّ: ٨٧، تفسير (غرائب القرآن)، لنظام الدين النيسابوري، بهامش تفسير الطبريّ ٦: ١٦٧، أمالي الطوسي، نقلا عن (تأويل ما نزل من القرآن)، لابن الجحّام ١: ٥٨، تفسير العيّاشي (القرن الثالث) ١: ٣٢٧، مجمع الزوائد، للهيتميّ ٧: ١٧، فتح القدير، للشوكاني ٢: ٥٠، فرائد السمطين ١: ١٨٩، لباب النقول في أسباب النزول، للسيوطيّ: ٩١، مطالب السؤول، كمال الدين بن طلحة الشافعي: ٣١، جامع الأصول من أحاديث الرسول، ابن الأثير الشافعي (٦٠٦ هـ) ٩: ٤٧٨، تفسير النفسي بهامش الخازن ١: ٤٩٦، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، المحبّ الطبريّ (٦٩٤ هـ): ١٠٢، تفسير الخازن علاء الدين ١: ٤٩٦، الرياض النضرة، المحبّ الطبريّ ٢: ٣٠٢، أحكام القرآن، الجصّاص أحمد بن عليّ الرازيّ (٣٧٠ هـ) ٢: ٥٤٢، تفسير البحر المحيط، أبو حيّان الأندلسي ٣: ٥١٤، تفسير معالم التنزيل، للفرّاء الشافعيّ
هذا ما أنزله الله تعالى في ولاية عليّعليهالسلام ، فمن أبى فقد كفر! إذ هو رافضيّ خارجيّ على الله ورسوله.
ليلة الخميس:
ليلة الخميس وما أدراك وما ليلة الخميس إذا اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعه فأراد أن يرحم أمّته كما صنع يوم غدير خمّ فطلب قرطاساً يكتب لهم وصيّة لا يضلّوا بعدها أبداً، ولا ينقلبوا على أعقابهم يضرب بعضهم رأس بعضه، فانبرى عمر وصدّ أن يقدّم لرسول الله ما طلب، وعلا الهرج فطردهم رسول الله وبقي الوفي عليّ معه؛ وطرده لهم طرد من رحمة الله تعالى. وقد تكلّمنا عن هذه المسألة في غير هذا الموضع بإفاضة، وعن الرّدة التي تكلّم عنها القرآن الكريم وأنّها في هؤلاء القوم!
عودٌ على التحريق
إنّ قول أبي بكر لعمر: ائتني به بأعنف العنف! أُخت فعلتهم بسيّد الأنصار؛ ولولا خوفهم سيوف الأنصار لقتلوه. ولم تطب خواطرهم حتّى بعثوا خلفه جنيّاً! إلى حوران فشكّ فؤاده. وهذا المرّة جاء عمر بالنار ليحرق بيت فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولـمّا سألته: (يا ابن الخطّاب! أتراك محرّقاً عليّ بابي؟) قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك!
____________________
(٥١٥ هـ) بهامش تفسير الخازن ٢: ٥٥، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبيّ ١: ١٨١، تفسير الكشّاف، للزمخشريّ الحنفيّ (٥٢٨ هـ) ١: ٤٢٢، الفصول المهمّة، ابن الصبّاغ المالكيّ: ١٢٣، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٢٧٥، مناقب عليّ بن أبي طالب وما نزل من القرآن في عليّ، ابن مردويه أحمد بن موسى بن مردويه الأصفهاني (٤١٠ هـ): ٢٣٣ / ٣٣٥، وذكره في ٢٣٤ - ٢٣٨ وأرقامه: ٣٣٦، ٣٣٧، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤؛ المعجم الكبير، للطبراني ١: ٣٢٠ / ٩٥٥.
كنّا نظنّ أنّه يستحي فيعتذر! ويرجع، أو يلين ويقول: ولكن يا ابنة رسول الله أنا مأمور وزوجك لو بايع انتهى الأمر. ولكن بعنف وتوكيد: نعم، مستدلاًّ برسالة الإسلام ومن غير احترام لمقام النبوّة كأن يقول: فيما جاء به رسول الله. إلّا أنّا تعوّدنا وعهدنا من عمر هذا! أوليس هو القائل ليلةَ الرزيّة لـمّا منع من تقديم ما أراد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليثبت به وصيّته: إنّ الرجلَ ليهجر، قد غلَبه الوَجعُ! وتكلّمنا تفصيلاً عن هذا في غير هذا الموضع ولكن لنا أن نقول مختصراً: فهو لم يحترم مقام النبوّة فلم يقل النبيّ أو رسول الله وإنّما (الرجل) بلفظ النكرة! ويهجر أي يهذي ولا يدري ماذا يقول - معاذ الله وحاشا لك يا رسول الله - وقد أدخل على الفعل لام التوكيد إيغالاً منه في التنكير! وأردف بجملة توكيد لـما في نفسه ونطق به لسانه: قد غلبه الوجع.
فإذا كان هكذا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهل لهذا البيت حرمة من أن يمتنع من حرقه؟!
وهو البيت الذي كان النبيّ يمرّ عليه ستّة أشهر صباح كلّ يوم فينادي الصلاة أهل البيت إنّما يريد الله أن يذهب عنكم الرّجس ويطهّركم تطهيراً؛ وذلك بعد أن جمع نفسه الزكيّة مع نفس عليّ وابنته فاطمة وولديه الحسن والحسينعليهمالسلام تحت الكساء ودعا الله تعالى أن يعصهمهم ويذهب عنهم الرّجس... فهبط الأمين جبرئيل فاستأذن أن يكون مع هذه الوجوه التي أراد عمر أن يحرقها! فأذن له النبيّ بعد أن امتنع من الإذن لزوجاته أن يكنّ معهم؛ فتلا عليه آية التطهير تحقيقاً من الله تعالى لدعاء رسوله وبهذه الوجوه المقدّسة خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يباهل وفد نصارى نجران فغلبهم، فكانوا معجزته يومئذ ولم يكن فيهم واحد من أهل السقيفة؛ وهم تركة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمّته فمن ضيّعها فحظَّ نفسه ضيّع، ومن حفظها فنفسه قد حفظ، هم عترة رسول الله والثّقل الثاني اللذين تركهما وأوصى بهما (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عزّ وجلّ،
وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً). فلا يمكن إثبات إسلام مسلم إلّا من أخذه بوصيّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أوصى بالتزام اثنين القرآن الكريم وأهل بيته، فلا يجوز الأخذ بالثقل الأوّل والتمسّك به وحرق الثاني (أهل البيت). وحتّى في حال الإعراض عن الثاني؛ فإنّ الأوّل (القرآن المجيد) يصدح بالثاني (أهل البيت) بما لا يحتاج إلى مزيد تأمّل حتّى من سِيبويه ونَفطويه! فآية المباهلة أثبتت أنّ عليًّا عليٌّ على مَن سواه إلّا رسول الله وهو أخوه ووصيّه، وهو منه بمنزلة هارون من موسى، وهو في هذه الآية نفس رسول الله، فهل يليق أن يتقدّمه غيره أو يعقل أن يقدّم رسول الله عليه غيره؟! فإذا صحّ لكان ذلك الشخص أولى من عليّ بإنزاله منزلة هارون من موسى ولخرج يباهل به! وكانت فاطمة زوجة عليّ ابنة النبي نساءه في آية المباهلة، وابنا عليّ وفاطمة الحسن والحسين أبناءه في الآية. هذا هو البيت الذي جاء عمر لتحريقه!
تنزّل على قَدر العقول!
لعلّ المصحف الذي لدى القوم يومئذ لم يتضمّن آية المباهلة، ولا آية التطهير، ولا آية الولاية؛ وإنّما تضمّن آية رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا، وسورة بطول سورة البقرة، كانوا يقرأونها على عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بما زعم عمر! فهلّا تذكّر العهد والميثاق يوم الغدير وقد هنّأ عليًّاعليهالسلام قائلاً له: أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم ومسلمة، أم نسي؟ وهلاّ ذكر حديث الثقلين، أم؟!
وماذا عن تحدّيه لفاطمة في تحريقها وابنيها وبعلها، لم يطرق سمعه أنّها سيّدة نساء العالمين، وسيّدة نساء الجنّة، أم ماذا؟ وأنّ ابناها معها في البيت وهما سبطا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّدا شباب أهل الجنّة؛ فإذا عرضَ لأهل بيت الطهارة والسيادة ما أراده
أبوبكر وعمر، ودخلا الجنّة ماذا يقولون وبم يعتذرون؟! أم يرفضا سيادتهم كما رفضاها في الدنيا؟ مع ملاحظة: ليس في الجنّة ما يحمل على الألم والأسى ولا سقيفة مع ما تمخّض عنها ومن ثمّ ما يفضي إلى الكهولة والشيخوخة. والحسينعليهالسلام ، في روايات أنّه استشهد وعمره سبع وخمسون سنة، فهو وأخوه سادة أهل الجنّة إلّا ما كان من أبيهما وجدّهما وأمّهما، وفضلهم عائد إليهما لا إلى من هو بعيد عنهم فكيف بمن خالفهم وخرج عليهم، بل أعدّ لقتلهم وحرقهم، وبذا فتح باب الخروج عليهم والاستهانة بحقّهم وقتلهم. والمصادر ذكرت الحديث مطلقاً، إلّا في بعض منها جاء فيها (وأبوهما خير منهما).
فاطمةعليهاالسلام سيّدة نساء أهل الجنّة، سيّدة نساء العالمين، سيّدة نساء الأمّة، سيّدة نساء المؤمنين
إلى أيّ عنوان أخذت، وإلى أيّها انتسبت؛ أيّها أحببت وأيّها أبغضت! أتسيغ لنفسك وتجيب قرينك الذي لا ينفكّ يوغل بالوسواس فتحمل حطباً وقبساً لتحرّق سادة الورى، ولا يلين قلبك لابنة المصطفى فاطمة الزهراء! ذكر سيادتها صلوات الله عليها جمع منهم: عائشة، وأنس، وابن عبّاس، وأبو سعيد الخدريّ، وعمران بن حصين، وأبو هريرة، وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن، وعليّعليهالسلام .
الحديث: عن الشعبيّ عن مسروق عن عائشة: أنّ النبيّ قال وهو في مرضه الذي توفّي فيه: (يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء هذه الأمّة وسيّدة نساء المؤمنين؟)(١) .
____________________
(١) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوريّ ٣: ١٧٠ / ٤٧٤٠. قال الذهبي في التلخيص: صحيح.
وعن أبي سعيد الخدريّ قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وفاطمة سيّدة نسائهم، إلّا ما كان من مريم بنت عمران)(١) .
ابن أبي شيبة بسنده عن حذيفة، قال: أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فخرج فاتّبعته فقال: (ملك عرض لي استأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويخبرني أنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة)(٢) .
ومن حديث عمران بن حصين - في مرض فاطمةعليهاالسلام وزيارته لها مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والحديث طويل وفيه -: قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أي بنيّة أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين؟ والذي بعثني بالحقّ لقد زوّجتك سيّداً في الدنيا وسيّداً في الآخرة ولا يبغضه إلّا منافق)(٣) .
ويطول الأمر بذكر النصوص في سيادة فاطمة الزهراء ابنة سيّد الرسل زوجة سيّد الأوصياء - نأتي على نصوص سيادته - أمّ سادة شباب أهل الجنّة - وكما قلنا ليس في الجنّة شيوخ وكهول - أعمامها سادة الشهداء: جعفر ذو الجناحين يطير بهما بالجنّة، وحمزة أسد الله وأسد رسوله، أمّها إحدى أربع ذكرهنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الفضل: خديجة زوجة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومريم العذراء، وآسية بنت مزاحم، وابنته فاطمة.
وقبل أن نورد قائمة المصادر التي ذكرت سيادة فاطمةعليهاالسلام ، ولئلاّ نغمظ الأخريات فضلهنّ، فقد ذكروا لعائشة في هذا المقام ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن مصعب بن سعد قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (عائشة تفضل النساء كما يفضل الثّريد على سائر الطعام)(٤) .
____________________
(١) مشكل الآثار، للطحاوي الحنفيّ (ت ٣٢١ هـ) ١: ٣٥ / ٩٦.
(٢) المصنّف، لابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) ٧: ٥٣٧ / ٣.
(٣) مشكل الآثار ١: ٣٦ / ١٠١.
(٤) المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٢٨ / ٣.
مصادر حديث سيادة فاطمةعليهاالسلام
جمهرة النسب، لابن الكلبيّ (ت ٢٠٤) وفيه: سيّدة النساء، المصنّف، لابن أبي شيبة (٢٣٥) ٧: ٥٢٧ / ٢ و ٣ و ٥ و ١٢: ١٢٧ / ١٣٣٢٣؛ تفسير القرآن العزيز، لعبد الرزّاق الصنعاني (٢١١) ١: ١٢٨ / ٤٠٣، الولاية، لابن عقدة (٣٢٣): ١٧٢ ومواضع أخرى، مسند أبي يعلى ٢: ٣٩٥ / ١١٦٩، سنن الترمذيّ ٥: ٦٥٦، خصائص النسائي: ١٢٩، معرفة الصحابة، لأبي نعيم ٢: ٣١٩، مسند أحمد - مضى ذكره - و ٥: ٣٩١، مشكل الآثار، للطحاويّ الحنفيّ (٣٢١) مضى ذكره في أكثر من موضع، حلية الأولياء، لأبي نعيم ٥: ٧١، مناقب ابن المغازليّ الشافعيّ: ١٤٤، تاريخ الإسلام، للذهبيّ الحنبليّ ٣: ٤٦، بحار الأنوار ٤٣: ٥١، الاستيعاب ٤ / ١٨٩٤، أمالي الصدوق / المجلس ٢٦ ح ٧، المناقب، لابن شهر آشوب ٣: ٣٢٣، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ٢٨، ذخائر العقبى: ٤٣، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفيّ ٢: ١٤ / ٦٨٠ و ٢٠ / ٦٨٦، الذرّية الطاهرة، للدولابيّ: ١٤٧، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٠ / ٤٧٤٠، التلخيص، للذهبي هامش المستدرك؛ مناقب عليّ وما نزل من القرآن في عليّ، لابن مردويه: ١٩٣ / ٢٦٢ و ٢٦٣، و ١٩٤ / ٢٦٤، الدرّ المنثور ٢: ٢٣، كنز العمّال ١٢: ١٤٥ / ٣٤٤١١، البداية والنهاية، لابن كثير الحنبليّ ٢: ٧١، صحيح البخاري - المناقب ٢٥ فضائل أصحاب النبيّ، ١٢ المغازي ٣٨ - الاستئذان ٤٣؛ صحيح مسلم - فضائل الصحابة رقم ٩٧ - ٩٩، ابن ماجة كتاب الجنائز ٦٤، تهذيب الكمال، للمزيّ ٣٥: ٢٥١ - ٢٥٢ ولقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخاطب عليًّا فيقول: (أُوتيتَ ثلاثا لم يُؤتهنَّ واحدٌ ولا أنا، أُوتيتَ صِهْراً مثلي ولم أوتَ أنا مثلي، وأُوتيتَ زوجةً صدّيقةً مثل ابنتي ولم أُوتَ مثلها زوجة. وأوتيتَ الحسن والحسين من صُلْبك ولم
أوتَ من صلبي مثلهما، ولكنّكم منّي وأنا منكم)(١) . سلام عليك يا رسول الله يوم ولدت ويوم بعثت فأنكرتك قريش أشدّ النّكير وأْتمروا بك ليقتلوك فأُمرت وأَمرت، أمرك الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، وأمرت ابن عمّك الفدائيّ أن يبيت على فراشك، فامتثل وأطاع وشرى نفسه لله، على نهج جدّه إسماعيلعليهالسلام في طاعة أبيه إبراهيمعليهالسلام لتصديق رؤياه!( قَالَ يَا بُنَيّ إِنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ) (٢) .
وكان الخير فيما اختاره الله لك يا رسول الله إذ اكتنفتك الأنصار. إلّا أنّ قريش ما زالت في عدوانها حتّى الفتح المبين. وفي المدينة صبرت على جوى قوم حتّى ليلة قبضك الله إلى جواره ليمتحن بهم أهل بيتك الذين أنت منهم وهم منك، فأنتم الشجرة المباركة الطيّبة والكوثر الطاهر.
أبناء رسول الله وتهديد عمر بحرقهم
وعمر إذ عزم على حرق بيت سيّدة نساء أهل الجنّة، يعلم أنّ في البيت سادة آخرين منهم سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وهذه الخارجيّة بعينها والتي تتضاءل عندها خارجيّة ذي الخويصرة التميميّ النجديّ حتّى تكاد تكون قذّة في بحر خطايا القوم، وهو التمهيد لاستهانة ذوي العاهات بحرمة بيوتات الله، وهذا واحد منها طهّره الله تعالى وعصم أهل بيته، فصار يسيراً على ابن هند أن يخرج على سيّد المسلمين ووليّ أمرهم ويحاربه...، وعلى الناقص أن يستخفّ بحرمة سيّد شباب أهل الجنّة ويقتله ويجعل من بدنه الطاهر ميداناً لخيل الفاسقين.
____________________
(١) الرياض النضرة، المحبّ الطبريّ ٢: ٢٠٢.
(٢) الصافّات: ١٠٢.
وقبل ذكر الحديث ومصادره، نقولها بقوّة وتحدّي: إنّها العناية الإلهية بهذا البيت الطاهر أنّى التفتَّ وأمعنت! أنْشُر بين يديك كتبَ النّسب المشهورة مثل (جمهرة النسب) لابن الكلبيّ (ت ٢٠٤ هـ) و (نسب قريش) لمصعب الزبيري (ت ٢٣٦ هـ) و (جمهرة أنساب العرب) لابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) مضافاً إلى مؤلّفات ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) مثل (المحبَّر) والمنَمَّق) و (تاريخ خليفة بن خيّاط) (ت ٢٤٠ هـ) وطبقاته، وطبقات ابن سعد، ومغازي الواقدي (ت ٢٠٤ هـ) وكتب التاريخ والسير والرجال...، فإنّك لا تجد: حسن، وحسين؛ حتّى وُلد الحسن والحسين أبنا عليّ سبطا رسول الله صلّى الله عليه وعليهم وسلّم.
ومثلما حبا سبحانه وتعالى رسوله بالرسالة والعصمة وكرامات ومعاجز، فكذلك صنع بأهل بيته بما ذكرنا، وذكرنا غير ذلك في غير هذا الموضع، وجعل لقرّة عين النبيّ وبضعته ووصيّه، كرامة خاصّة إذ تولّى سبحانه وتعالى تسميتهما؛ عن محمّد بن عليّ قال: لـمـّا ولد الحسن سمّاه حمزة، فلمّا ولد الحسين سمّاه بعمّه جعفر قال: فدعاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إنّي أمرت أن أغير اسم هذين، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسمّاهما حسناً وحسيناً)(١) .
وعبد الرزّاق الصنعاني (ت٢١١ه) عن إبن عُنيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة،قال: لـمّا ولدت فاطمة الحسن بن عليّ جاءت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسمّاه حسناً، فلمّا ولدت حسيناً جاءت به إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، هذا أحسن من هذا، تعني حسيناً، فشُقّ له من إسمه، فسمّاه حسيناً.(٢)
____________________
(١) مسند أحمد ١: ٢٥٧ / ١٣٧٤.
(٢) المصنّف، لعبد الرزّاق ٤: ٣٣٥ / ٧٩٨١.
وأيضاً عبد الرزّاق عن ابن جريج قال: أخبرني جعفر - الصادق - بن محمّد - الباقر - عن أبيه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سمّى حسيناً يومَ سابعه، وإنّه اشتقّ من اسم حسن اسم حسين، وذكر أنّه لم يكن بينهما إلّا الحمل(١) .
من أسماء أهل الجنّة
أخرج الدولابيّ بسنده عن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة، لم يكونا في الجاهليّة(٢) .
فمن التبرّك تسمية الأولاد باسميهما المباركين.
ولا إطالة في كونهما ابني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج يُباهل بهما فكانا مع أبيهما وأمّهما معجزة رسول الله يومئذ، فالعدوان عليهما عدوان على القرآن الكريم كما منع من تدوين حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ! وأن يُنكر أحاديث (حسين منّي وأنا من حسين)، (أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً) وأنّ حرب أهل بيته حرب لله ولرسوله! وهل حرق البيت دون الحرب؟!
ويرد حديث سيادة الحسنينعليهماالسلام من طُرُق كثيرة عن أهل البيتعليهمالسلام تنتهي بأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ؛ وعمر بن الخطّاب! وابنه عبد الله بن عمر، وحذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخُدْري!، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، ومعاوية بن قُرّة، عن أبيه.
وكان ممّا احتجّ به سيّد المسلمين والمؤمنين عليّعليهالسلام يومَ الشورى، قال: (فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطي الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة،
____________________
(١) المصنّف، لعبد الرزّاق ٤: ٣٣٥ / ٧٩٧٩.
(٢) الذريّة الطاهرة، للدولابي (ت ٣١٠ هـ): ١٢١ / ١٣٦.
غيري؟) قالوا: أللّهم لا.
والمناشدة طويلة ناشدهم الله بفضائله وما اختصّه الله تعالى ورسوله به، وهم يقولون: نعم، فلم يردّوا عليه واحدة! ولـمـّا كنّا ذكرنا احتجاجهعليهالسلام بسيادة ولديه عليهم وعلى أهل الجنّة؛ فقد احتجّ بسيادة زوجته فاطمةعليهاالسلام قال: (فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء أهل الجنّة، غيري؟) قالوا: أللّهم لا.
وقد ذكره المناشدة جمع من الحفّاظ، فذكر بعضهم شطراً منها، كما في الاستيعاب ٣: ٣٥، ميزان الاعتدال، لسان الميزان ٢: ١٥٧، تهذيب الكمال ٣: ٣٠٤، كفاية الطالب: ٣٨٦، المناقب، للخوارزميّ: ٣٠١؛ من طريق أبي ذرّ.
وذكرها بطولها الجويني في مصنّفه: فرائد السمطين ١: ٣١٩، الباب الثامن والخمسون، حديث ٢٥١، ذكرها عبدالرحمن بن أبي ليلى. ومن طرق عدّة ذكرها عامر بن واثلة الصحابيّ. ذكرها جميعاً ابن عقدة (ت ٣٣٢ هـ) في كتاب الولاية: ١٦٣ - ١٧٨، وكذلك الفقيه الشافعيّ ابن المغازليّ في كتابه: مناقب الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام: ١١٢ - ١١٨، حديث ١٥٥. وابن مردويه في مناقب الإمام عليّعليهالسلام : ١٣٠ - ١٣٢.
ولقد سمعت قول أمير المؤمنين عليّ في الحسن والحسينعليهمالسلام ، ولنسمع من غيره: ذكر ابن أبي شيبة بسنده عن حذيفة قال: أتيتُ النبيّ فصلّيت معه المغرب ثمّ قام يصلّي حتّى صلّى العشاء ثمّ خرج فأتبعته فقال: (مَلَك عرَضَ لي استأذن ربّه أن يسلّم عليّ ويبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)(١) .
____________________
(١) المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥١٢ / ٤.
وابن أبي شيبة، أيضاً، بسنده عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)(١) .
ويرد حديث سيادة الحسنينعليهماالسلام مع استثناء، إلّا أنّه لم يكن لكهول الجنّة حيث لا هرم ولا كهولة فيها. أخرج يعقوب بن سفيان بسنده عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة إلّا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريّا)(٢) . فلا ينقص من منزلتهماعليهماالسلام ! فكلّ ونظيره، ولذا يوم المؤاخاة كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يضم المثل إلى مثيله فآخى بين عمر وأبي بكر و...، وأبقى نفسه لعليّ فآخى بينه وبينه وقال له: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)، فنبيّ ووصيّ أخوان كما نبيّ ووصيّ نبيّ أخوان! ومريم وفاطمةعليهماالسلام أختان، وعيسى ويحيىعليهماالسلام نبيّان مكرّمان، فكلّهم سادة مطهّرون معصومون.
مصادر الحديث: أمّا المصادر التي حفلت بحديث (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)، فمن الوفرة، هذه طائفة منها:
المصنّف، لابن أبي شيبة - ذكرناه -، مناقب الإمام عليّ، لابن مردويه: ١٣١، المعجم الكبير، للطبرانيّ ٣: ٣٢ / ٢٥٨٦ وفيه: (...، الحسن والحسين سبطان من الأسباط)، وهو في مسند أحمد ٤ / ١٧٢ والبخاري في الأدب المفرد (٣٦٤) والتاريخ الكبير، له (٤ / ٢ / ٤١٤ - ٤١٥) والترمذيّ (٣٨٦٤)، سنن ابن ماجة (١٤٤)، صحيح ابن حبّان (٢٢٤٠)، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٧، وأماكن أخرى؛ المعجم الكبير، للطبراني (وليس فيه لفظ سبطان وإنّما اقتصر على سيّدي شباب أهل الجنّة) ٣: ٣٥ -
____________________
(١) المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥١٢ / ٣.
(٢) المعرفة والتاريخ، يعقوب بن سفيان (ت ٢٧٧ هـ) ٣: ١٩.
٣٩ ح ٢٥٩٨ - ٢٦١٨، فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣: ٦٦، مجمع الزوائد ٩: ١٧٥ ومواضع أخرى، موارد الظمآن، للهيثمي: ٥٥١، الخصائص، للنّسائي: ٢٥٥ - ٢٥٧، وغيره، الفضائل، لأحمد: ١٣٦٠، تهذيب الكمال ٦: ٤٠١، وموارد أخرى؛ تاريخ بغداد ٤: ٢٠٧ و ١: ١٤٠ و ٢: ١٨٥ و ٦: ٣٧١ و ٩: ٢٣١ و ١٢: ٤، حلية الأولياء ٥: ٧١، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفيّ ٢: ٤٨ ح ٧٠٣ و ٧١٩ و ٢٢٨ و ٧٣٣ و ٧٤٠ و ٧٤١؛ مشكل الآثار: ٢ / ٣٩٣ / ١٩٦٧، أنساب الأشراف ٣: ٢٦٨ ومواضع أخرى، تفسير الثعلبي ١: ١٤٧، معجم الصحابة، للبغوي ٢٢: ٤٢، صحيح مسلم حديث ٢٤٢٤، تفسير الطبري ٢٢: ٦٧، سير أعلام النبلاء ٣: ٢٨٢، فرائد السمطين حديث ٤١٤ و ٤١٥، أسد الغابة ٢: ١٩، الاستيعاب ١: ٣٧٦، نور الأبصار: ٢٣١. وذكره ابن عساكر من طرقه المتعدّدة(١) ، منها رواية ابن عباس أنَّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، من أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني)(٢) .
فهل تحريق البيت عليهم عن ولَعِ حبّ، أم عن بغض...؟!
عن سلمان المحمّديّ قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (الحسن والحسين من أحبّهما أحببته، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنّم، وله عذاب مقيم)(٣) .
وأيّ بغي أكثر من حرق البيت عليهم، وأين هذا الخروج من خروج ذي
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٧: ١١٨ - ١١٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ١١٨.
(٣) نفس المصدر السابق: ١٢١.
الخُوَيْصرة الذي قال جملةً فيها تنقيص لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وذو الخويصرة لم يكن متيّماً بذي الأستاه ابن هند، فلم يصفه بما وصفه عمر:
هشام الكلبيّ، والمدائني، قالا: كان عمر يرى معاوية فيقول: هذا كسرى العرب(١) . ودرّة عمر يضرب بها المثل! إلّا ابن هند! فبه وصل عمر الرحم بأبي سفيان إذ جعله على الشأم بعد هلاك يزيد بن أبي سفيان.
وابن هند كسرى العرب بوصف عمر، يعترض على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يقال عنه: خارجيّ مثلما قيل عن ذي الخويصرة النجديّ لاعتراضه على النبيّ بجملة!
البلاذريّ بسنده عن الزهريّ قال: أعطى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلاً فشكر وأثنى، فقال: (ولكنّ أبا سفيان أعطي فلم يثن ولم يشكر)، فبلغ ذلك معاوية فقال: إنّ أبي يرى له حقّاً على الكرام!(٢)
نهاية كسرى العرب!
كان لزاماً أن يكون هذا في موضع آخر، وبالتحديد في انتقام الله تعالى ممّن أراد سوءاً بالبقاع المقدّسة المباركة وذكرنا جمعاً منهم؛ ولا بأس كثيراً بذكره.
البلاذريّ: حدّثني هشام بن عمّار(٣) عن الوليد بن مسلم(٤) قال: جامَعَ معاوية جارية له خراسانيّة ثمّ حُمّ من يومه فمات من مرضه ذلك(٥) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٥٥.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) هشام بن عمّار الدمشقيّ: صدوق. تاريخ الثقات، للعجليّ: ٤٥٩ / ١٧٤١. ووثّقه ابن معين، وقال الدار قطني: صدوق كبير المحل. (التهذيب ١١: ٥٢).
(٤) الوليد بن مسلم: (الدمشقي) ثقة. تاريخ الثقات: ٤٦٦ / ١٧٧٨.
(٥) نفس المصدر السابق.
خرجنا عن موضوعنا قليلاً، مع صلته به! وهو الخروج على الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ووصيّهعليهالسلام ، والأمر بقسرِ الوصيّ على البيعة وأخذه على ذلك أخذاً عنيفاً وتحريق البيت على من فيه وصار بنا الكلام إلى سيادة الصدّيقة الطاهرة فاطمةعليهماالسلام ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسيادة ولديها إبنا رسول الله بحكم آية المباهلة وأحاديث النبيّ في ذلك. والآن، الحديث عن سيادة صاحب البيت، وسيادته ثبتت أثبتها الله عزّوجلّ، له في آية الولاية فهو وليُّ المؤمنين بعد الله ورسوله، ولا تكون الولاية هذه إلّا وهو سيّد لا مطعن فيه، وإلاّ حاشا لله تعالى أن يختار مسوداً مفضولاً! عضد ذلك ونهض به آية التطهير الظاهرة في العصمة وهي في أهل البيت الذي أريد له الإحراق، ويقوّي المعنى حديث الكساء إذ لم تشرك امرأة إلّا فاطمة ومن الذكور فهم عليّ والحسن والحسين، وضمّ رسول الله نفسه الزكيّة إليهم؛ والتحق بركبهم جبريل. وجرى الكلام مقتضباً عن المؤاخاة إذ توسّعنا فيه في مكان آخر وآية المباهلة: من النساء فاطمة، ومن الذكور عليّ والحسن والحسين، و... و...! فهو عين السيادة وإن رغمت أنوف! ولكن ننظر إذ لا غرابة أنّ كلّ ذلك مع التنصيب يوم الغدير أميراً ووالياً للمؤمنين لا لغيرهم! مع مجريات اليلة الرزيّة فتُصادر كلّ هذه وأحاديث جمّة في الولاية، ويصار إلى أمر النبيّ لأبي بكر أن يصلّي بالناس إذ هو مريض ثمّ يقطع عليه صلاته فيؤمّهم من حيث انتهى فيكون ذلك أمارةً على حقّ أبي بكر بالخلافة، فمن أبي فقد قتل!
وطرقه تنتهي بأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، ابن عبّاس، أبو ذرّ، جابر، أنس، عمّار، أبو رافع، مجاهد، عبد الله بن أسعد بن زرارة، عمران بن حصين، أبو سعيد الخدريّ.
عن عمران بن حصين أنَّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لفاطمةعليهاالسلام :
(لقد زوّجتك سيّداً في الدنيا وسيّداً في الآخرة، فلا يحبّه إلّا مؤمن، ولا يبغضه إلّا منافق)(١) .
فكيف بمن أمر بأخذه بأعنف العنف! وبمن حمل الحطب ليحرق البيت عليه وعلى زوجته وولده، وتوجد روايات أنّ الباب احترقت.
وعن ابن عبّاس: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمة: (إنّ الله اختار من أهل الأرض رجلين، أحدهما أبوك والآخر زوجك)(٢) .
وبسند عن أنس بن مالك، قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (يا أنس اسكب لي وضوءاً). قال فعمدت فسكبت للنبيّ وضوءاً ثمّ عدت إليه فأخبرته، فخرج فتوضّأ ثمّ عاد إلى البيت إلى مجلسه، ثمّ رفع رأسه إليّ فقال: (يا أنس، أوّل من يدخل علينا أمير وسيّد المسلمين وقائد الغرّ المحجّلين).
قال أنس: فقلت بيني وبين نفسي: أللّهم اجعله رجلاً من قومي. قال: فإذا باب الدار يضرب فخرجت ففتحت فإذا عليٌّ دخل، فرأيت رسول الله حين رآه وثب على قدميه مستبشراً، فلم يزل قائماً وعليٌّ يمشي حتّى دخل عليه البيت واعتنقه رسول الله، فرأيت رسول الله يمسح عرق وجهه بكفّه، فيمسح به وجه عليّ، ويمسح عرق وجه عليّ بكفّه فيمسح به وجه نفسه، فقال عليٌّ: (يا رسول الله لقد صنعت بي شيئاً ما صنعته بي قطُّ)، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (ما يمنعني وأنت وصيّي وخليفتي والذي تبيّن لهم الذي يختلفون فيه بعدي وتسمعهم صوتي)(٣) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٤١.
(٢) نفس المصدر السابق. (هل يعقل أن يخالف رسول الله ما اختاره الله تعالى؟!)
(٣) مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ١: ٣٧٠ /، حلية الأولياء ١: ٦٣، تاريخ دمشق ٢: ٢٥٩، ط ٢، المناقب، للخوارزميّ الحنفيّ: ٤١، مناقب سيّدنا عليّ، للعيني: ٦١، ذخاةر العقبى: ٧٠.
وقد ذكر ابن مردويه ثلاثة عشر حديثاً نبويّاً في سيادة أمير المؤمنينعليهالسلام ، مقرونة بإمرة المؤمنين، وأخرى وليّ المتّقين؛ وخير الوصيّين، وأخرى خاتم الوصيّين؛ مع كونه الصدّيق الأكبر، والفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل(١) .
إنّ مثل هذا الفعل المشين ينمّ عن بُغض دفين لم يجرؤوا أن يظهروه في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وله أكثر من سبب تظهر لنا من خلال سيرنا في البحث وقد ورد من طرق عدّة قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لا يحبّ عليًّا منافق، ولا يبغضه مؤمن)(٢) . ويرد بألفاظ عدّة كلّها بمعنى: حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق. فأين يكون مبغض عليّ؟
قال القاضي ابن أبي يعلى الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور يقول: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله! ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ عليًّا قال: (أنا قسيم النار)؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ أليس رَوَينا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ:
____________________
(١) مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن مردويه: ٥٨ - ٦٤ حديث ٢٠ - ٣١.
(٢) المصنّف، لابن أبي شيبة: ٧ / ٥٠٥ / ٦٤، مسند أحمد ١: ٨٤، فضائل الصحابة، لأحمد: ١٤٣ / ٢٠٨، صحيح مسلم ١: ٨٦ ح ١٣١، صحيح الترمذيّ ٢: ٣٠١، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٩، سنن النسائيّ - في الإيمان - ١١٧٨، مسند أبي يعلى: ١ / ٢٥١ / ٢٩١، كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٧٤، سنن ابن ماجة - المقدّمة: ١١٤، المعجم الأوسط، للطبراني ٥: ٨٩ / ٤١٦٣، معجم الصحابة، للبغويّ الشافعيّ ١٤: ١١٤ / ٣٩٠٩، مسند الحميدي ١: ٣١ ح ٥٨، أنساب الأشراف ١: ٣٥٠، المحاسن والمساوئ، للبيهقيّ ١: ٢٩٠، تذكرة الخواصّ، لسبط ابن الجوزيّ: ١٥، حلية الأولياء ٦: ٢٩٤، تاريخ بغداد ٢: ٢٥٥، تفسير الحبريّ: ٣٥٠، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: ١٣٧، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفيّ ٢: ٣٤٢ / ٩٧٥ و ٩٩٠ و ٩٩١، بشارة المصطفى، للطبريّ: ٦٤ و ٧٦ وغيرها، كشف الأستار، للبزّاز ٣: ١٩٩، مجمع الزوائد ٩: ١٣٣، معرفة علوم الحديث، للحاكم: ١٨٠، شرح السنّة، للبغويّ ١٤: ١١٤ / ٣٩٠٩، أمالي الطوسيّ ح ٣ من المجلس ٢٨، الشفا: ٣١، الصواعق المحرقة: ٧٥، فضائل الإمام عليّ، لابن مردويه: ١١٥ ح ١٣٨، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ١٥، الاستيعاب ٣: ٤٦ و ٤٧، تاريخ الإسلام، للذهبيّ ٣: ٦٣٤، الإرشاد، للمفيد: ٣٩، الرياض النضرة ٢: ٢١٤، كفاية الطالب: ٦٩، تفسير فرات: ١١٥....
(لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق)؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليّ قسيم النار(١) .
يبدو أنّ القوم كانوا في سِنَةٍ أو غفلة الشيطان التي تعتريهم! وقد أقرّوا بهذا، ولكن الإصرار مُشْكل! مع علم أبي بكر أنّ على الصراط عقبة لا يجوزها إلّا بجواز من عليّ! الحسن بن أبي الحسن البصريّ عن أنس بن مالك، عن أبي بكر، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (إنّ على الصراط لَعَقَبَةٌ لا يجوزها أحدٌ إلّا بجواز من عليّ بن أبي طالب)(٢) .
والعبّاس بن بكّار، عن عبد الله بن المثنّى، عن عمّه ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إذا كان يوم القيامة ونصب الصّراط على شفير جهنّم، لم يجز إلّا من معه كتاب ولاية عليّ بن أبي طالب)(٣) .
والأحاديث في هذا الباب من الكثرة بمكان فمن بلغه ذلك ثمّ جفاه وعاداه، كان حقّاً أن تزلّ به القدم فيتردّى في جهنّم.
ويثور أكثر من سؤال: لمَ اختُصّ سيّدهم ووليّهم وإمامهم بهذا اللون من الخروج وفي تلك اللحظة الحرجة؟! صحيح إنّ الأنصار ابتلوا واعتدي على سيّدهم ولكن كفّ عنه حتّى انتهى الأوّل وجاء الثاني فحدث لسعد الذي حدث.
إنّ دعوى تقديم النبيّ لأبي بكر ليصلّي بالناس في مرضه فصلّى نصف صلاة ثمّ جاء النبيّ فأمّهم من حيث انتهى، أمارة على تقديمه في الخلافة وإلغاءً للقرآن الكريم
____________________
(١) طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى ١: ٣٢٠، كفاية الطالب.
(٢) تاريخ بغداد ١٠: ٣٥٧.
(٣) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ٢٤٢، ميزان الاعتدال ١: ٢٨ حديث ٧٥، لسان الميزان ١: ٥١، حلية الأولياء ١: ٢٤١، ينابيع المودّة: ١١٣ - ١١٤.
وزخّ الأحاديث في تنصيب عليّ وليّاً وإماماً وخليفة له ما لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد فرغنا من ذلك فنقول:
وإنّ دعوى الإجماع على بيعته - أبي بكر - باطلة، قعد عنه عليّعليهالسلام ، ولم يبايع حتّى توفّيت الصدّيقة الزهراء مغصوبة إرثها من أبيها في (فدك) وغير فدك وعند الله الملتقى وحينها يخسر المبطلون.
وعليّ مع الحقّ والحقّ معه، وهو مع القرآن والقرآن معه؛ فلو قعد لوحده كان أمّةً نقضت الإجماع.
وقد علمنا موقف الأنصار، فكيف كانت إجماعاً؟!
وكان اثنى عشر رجلاً قد تصدّوا لأبي بكر أنكروا عليه وحاجّوه وهو على المنبر يوم الجمعة، وهم: سلمان المحمّديّ، وأبوذرّ الغفاريّ، والمِقْداد بن الأسود الكنديّ، وعمّار بن ياسر، وبُريدة الأسلميّ، وخُزيمة بن ثابت الأنصاري - ذو الشهادتين -، وأبو الهيثم مالك بن التَّيِّهان، وسهل بن حُنيف، وعثمان بن حُنيف، وأبو أيّوب الأنصاريّ، وخالد بن سعيد بن العاص.
وكان خالد بن سعيد وإخوته يعملون للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فخالد عامل النبيّ على صدقات اليمن، وأخوه أبان بن سعيد عامل رسول الله على البحرين، وأخوهما عمرو بن سعيد عامل النبيّ على تَيماء وخبير؛ فلمّا استولى أبوبكر على الأمر، رجعوا فسألهم: لم رجعتم عن أعمالكم؟ قالوا: لا نعمل بعد رسول الله لأحد، وكان ميلهم إلى بني هاشم. ولم يبايع خالد وغيره حتّى بايع عليّ وبنو هاشم! وانجفلت كثير من القبائل عن قول بيعة أبي بكر ومنعته صدقاتها؛ وكانت قبائل أسد، وفَزارة تقول: لا والله لا نبايع أبا الفَسيل أبداً يعنون أبا بكر(١) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٤٨٥، الفتوح، لابن أعثم ١: ١٤. والفصيل: ولد الناقة أو البقرة إذا فُصل عن أمّه.
ولمّا رأى أبوبكر أنّ جلّ القبائل قد أقامت على الإسلام إلّا أنّها منعت الزكاة، عزم على محاربتها، فقال أصحاب رسول الله لأبي بكر: اقبل منهم. فقال: (لو منعوني عِقالاً ممّا أعطَوا رسول الله لقاتلتهم).
دستور أبي بكر لقائد جيشه
ثمّ إنّ أبا بكر جمع جيشاً وجعل أمرهم إلى خالد بن الوليد المخزوميّ، وأمره أن يسير أوّلاً إلى بني أسد، وأمره أن يقاتل مَن عارضه أشدّ القتال، ثمّ لم يترك أحداً قدر عليه إلّا أحرقه بالنار إحراقاً، وأن يسبي الذراري والنساء والأموال!...، وعملاً بما أمر به أبوبكر جمع خالد عدداً من بني سليم فجعلهم في حظائر ثمّ أضرم عليهم النار(١) .
أمّا طليحة الذي قاتل وقتل من المسلمين وفرّ إلى الشام، فقد عفى عنه أبوبكر وقبل بيعته عمر. فحال طليحة حال الأشعث بن قيس لدى أبي بكر.
لم نخض في تفاصيل مسيرة خالد المشينة إذ وجد القوم يصلّون! ولا ينكرون شيئاً من إسلام محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا تلك الآفة الكبرى: إنكارهم خلافة صاحبه. وقد عرضنا تفاصيل ذلك في محلّ آخر بما فيه قتله للرجل الصالح (مالك بن نُويرة) رحمه الله، ودخوله بزوجته ليلة قتله. وإنّما ذكرنا الخبر بهذا الاختصار دليلاً على تكذيب الإجماع المنعقد على بيعة أبي بكر.
شجاعة القوم في مواجهة عليّعليهالسلام
مضينا مع كتب المغازي والسّير، والتاريخ والتفسير والتراجم؛ فما وجدنا للاثنين
____________________
(١) تاريخ خليفة: ٦٤ - ٦٧، تاريخ الطبري ٢: ٤٥٦ - ٤٩٤، الفتوح، لابن أعثم ١: ١ - ١٩.
حظّاً في مبارزة بطل، فضلاً عن جرحه أو قتله، إلّا في موضع ذلك إذا جيء بأسير إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، نهض عمر فقال: دعني أقتله يا رسول الله، ولم يحقّقصلىاللهعليهوآلهوسلم له طلبه في كلّ مرّة! فإمّا أن يُفادي بالأسير، وإمّا أن يدفعه إلى عليّعليهالسلام فيقتله! فتأمّل.
ويوم خيبر إذ امتحنكم الله ورسوله، فكان عليكما عسيراً! فيومها شاء الله أن يحقّ حقّاً فكان عليّعليهالسلام أرمد العينين، فأعطى النبيّ الراية إلى أبي بكر فمضى بها ورجع هارباً يجبّن أصحابه ويجبنّه أصحابه، فأخذها فأعطاها المحرّق عمر بن الخطّاب فمضى مثل صاحبه ورجع هارباً يجبنّ أصحابه ويجبنّه أصحابه! فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (سأعطي الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله رسوله؛ كرّار غير فرّار، يفتح الله على يديه).
فباتوا ليلتهم كلّهم يرجونها، فلمّا كان الغد قال رسول الله: أين عليٌّ؟ فجيء به لا يبصر تحت قدميه، فوضعصلىاللهعليهوآلهوسلم من ريق فمه على عينيه فشفيتا. ثمّ أعطاه الراية فأخذها ومضى بها يهرول! حتّى ركزها في أُطَم عند حصنهم وخرج إليه بطل اليهود (مَرْحَب)، وكما هو معهودٌ منه ضربه على رأسه ضربةً قدّت البيضةَ والمغفر وفلقت رأسه ونبت السيف بين أسنانه، فقطّره. ثمّ عمد إلى باب من أبواب حصن اليهود فتناوله وترّس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يُقاتل حتّى فتح الله عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ. قال أبو رافع مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فلقد رأيتني في نفر سبعةٍ أنا ثامنهم نَجْهد أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه(١) .
____________________
(١) ابن إسحاق (ت ١٥٠ هـ) في (سيرة ابن هشام ٣: ٣٤٩ - ٣٥٠)، المغازي، للواقديّ (٢٠٧ هـ) ٢: ٦٥٤ - ٦٥٧، مسند أبي داود الطيالسيّ (٢٠٤): ٣٢٠، مسند أحمد ١: ١٨٥، ٤: ٥٢؛ طبقات ابن سعد ٢: ١١١، ٣: ٢٤، ٢٥؛ صحيح البخاري ٥: ٢٢، ٣٣، صحيح مسلم ٤: ١٨٧١ و ١٨٧٢ و ٧: ١١٩، كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٦٩، الجامع الصحيح، للترمذيّ ١٣: ١٧١، الروض الأنف، للسهيلي ٢: ٢٢٩، سنن ابن ماجة ١: ٤٥، خصائص أميرالمؤمنين، للنسائيّ: ٧، عُمدة القاري ١٦: ٢١٦، تاريخ الطبريّ ٢: ٣٠١، تاريخ بغداد ٨: ٥، المناقب، لابن المغازلي:
ولنغادر (بدر) التي ميزانٌ في معرفة أحوال المؤمنين، فتراهم يقولون: بَدْريّ عقبيّ شهد أُحُد والخندق وخيبر والمغازي بعدها. ويومَ بَدْر هتف الملَك ببسالة عليٍّ (لا سيف إلّا ذوالفَقَار لا فتى إلّا عليّ).
وأعاد الملك هتافه هذا يوم أحد، وما أدراك ما أحد! ومع كلّ ما يحسد عليه عليّعليهالسلام ، وحقّ لهم أن يحسدوه، فلا جوائزه تنقطع من الله ومن رسوله، ولا يتصدّق أو يطعم هو وزوجه وابناه، إلّا ينزل فيه بيان يتلى في المحاريب وقد حاول غيره أن يصنع مثل صنيعه لعلّه ينزل فيه مثل الذي نزل في حقّ هذا البيت الكريم، فلم يؤتى، وإنّما الأعمال بالنيّات، ويجزي الله الصادقين بصدْقهم. وقبل أن نرحل عن بدر: فقد ذكروا أنّ قتلى المشركين خمسون رجلاً، وفي قول: سبعون رجلاً(١) .
وكان حصّة فتى الإسلام وسيفه المسلول ذي الفقار سبعة وعشرين من أبطال الجاهليّة، وشارك عمّه حمزةعليهالسلام في قتل ثلاثة(٢) .
فوتر بني عبد شمس، وبني أبي سفيان بن حرب بن أميّة(٣) ، وبني العاص بن أميّة،
____________________
١٧٦ - ١٨٩، المناقب، للخوارزميّ: ١٢٥، حلية الأولياء ١: ٦٢، مجمع الزوائد ٩: ١٢٤، المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٨، تاريخ الإسلام، للذهبيّ ٢: ١٩٤، الاستيعاب ٣: ٢٣، تهذيب الكمال ٢٠: ٤٨٥، تذكرة الخواصّ: ٣٢، كفاية الطالب: ٩٨، المعجم الكبير ٦: ٥٨١٨، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٩: ٤٣، أسد الغابة ٤: ٩٨، الإصابة ٢: ٥٠٨، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٤٤، تهذيب التهذيب ٣: ٢٣٧ و ٧: ٤٨، ميزان الاعتدال ١: ٢٦٣، لسان الميزان ٢: ٣٢٤، البداية والنهاية ٤: ١٨٨، صبح الأعشى ١٠: ١٧٤، أنساب الأشراف ٢: ٣٤٧.
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٧٢ - ٣٧٤، والقول الأوّل، لابن إسحاق (١٥٠١ هـ).
(٢) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦ - ٣٦٩ و ٢٩٨ و ٣٧٢، المغازي، للواقديّ ١: ١٤٨ - ١٥٢، طبقات ابن سعد ٢: ١٧ و ٥: ٣١، المحبّر، لابن حبيب: ١٧٥ - ١٧٦، الإرشاد، للمفيد: ١٦٠ - ١٦٣، النسب، لابن سلاّم: ٢٠٥ - ٢٠٦ و ٢١٠، أنساب الأشراف ١: ٣٥٥ - ٢٥٩، تاريخ الطبريّ ٢: ١٤٨، الثقات، لابن حبّان ١: ٦٥.
(٣) فرّقنا بين بني أبي سفيان بن حرب بن أميّة وبين عبد شمس لـما يرد من أنّ أميّة إنّما هو عبدٌ لعبد شَمس فتبنّاه فصار يُعرَف به.
وبني أسد بن عبد العزّى؛ فهو بهذا وتر بني العوّام(١) ، وبني عبد الدار، وبني تيم قوم طلحة وعائشة وأبي بكر، قتل عمّ طلحة وأبي بكر؛ وبني المغيرة بن مخزوم - في جمع منهم أخو خالد بن الوليد وعمّه وابن عمّه -، وبني مُعَيْط، وبني جُمَح، وبني سَهْم.
وهذه البيوتات هي التي تظافرت فناهضت أمير المؤمنينعليهالسلام كلّ بحسبه، فمنهم من خرج عليه فسلبه حقّه وفتح باب الخروج لمن جاء بعده، فتحمّل وزره ووزر غيره وأمامه العقبة ولن يجيزها إلّا بجواز من عليّ، ولن يجيزه عليّ حتّى يرضى الله تعالى، ولن يرضى الله سبحانه وقد خرج على كتابه وسنّة نبيّه وآذى وليّه.
ومنهم من افترى على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووضع الأحاديث لينال من وليّ الله وحجّته، ويرفع من مقام أعدائه.
ومنهم من حاربه وأراق الدماء الفوّارة في ذلك، وعليّ يغوص لهوات الوقائع لا تلين قناته وهو القائل: (والله لو تظاهرت العرب كلّها على قتالي منفرداً لـما ولّيت هارباً!) وكانت صفّين، ودعنا من رفع ابن هند، وابن النابغة، وبُسر بن أبي أرطاة أرجلهم كاشفين سواد عوراتهم أمام صولات أبي الحسن، فكانت عوراتهم وسيلة نجاتهم.
ليلة الهرير
لسنا في مقام الحديث عن كيفيّتها وإنّما لنعرف عدد الأبطال الذين ليس في القوم المحرّقين واحد يعدل واحداً من أولئك الذين قطّرهم أمير المؤمنين عليّ أبو الحسنين في
____________________
(١) ولنفس العلّة السابقة فرّقنا بين بني أسد وبني العوّام، فإنّما العوّام من عبيد مصر قبطيّ تبنّاه خويلد في سفر له إلى مصر فصار يسمّى به. وسنذكر بشكل موسّع في غير هذا الموضع هذه المطالب.
ليلة واحدة، هل يصل عددهم عشرين أم يزيد؟ فإذا كان كذلك فما السرّ في جرأة القوم على ما فعلوا؟
قتلاهعليهالسلام ليلة الهرير
حمل في سواد الليل وحملت معه الناس فكلّما قتل بيده رجلاً من أهل الشأم كبّر تكبيرةً حتّى أحصي له خمسمائة تكبيرة وثلاث وعشرون تكبيرة؛ في كلّ تكبيرة له قتيل.
عن جابر بن عمير الأنصاريّ ممّن شهد صفّين قال: لا والله الذي بعث محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحقّ نبيّاً، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق الله السماوات والأرض أصاب بيده ما أصاب، إنّه قتل فيما ذكر العادّون زيادةً على خمسمائة من أعلام العرب؛ يخرج بسيفه منحنياً فيقول: معذرةً إلى الله عزّ وجلّ وإليكم من هذا! لقد هممتُ أن أصقله ولكن حجزني عنه أنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول كثيراً: (لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ) وأنا أقاتل به دونه، فكنّا نأخذه فنقوّمه ثمّ يتناوله من أيدينا فيقحم في عرض الصفّ فلا والله ما ليث أشدّ نكايةً منه في العدوّ، رحمة الله عليه رحمةً واسعة(١) .
فمن هذا بعض أمره؛ كيف سكت على ما كان من القوم، وما الذي جرّأ هؤلاء على فعلتهم الشنيعة؟
والجواب باختصار: إنّها الوصيّة. فكما أوصىصلىاللهعليهوآلهوسلم الأنصار بالصبر على ما سيرونه بعده من الأثرة، فكذلك أوصى وصيّه بالصبر على ما سيلقاه من القوم حياطة على حرمة الإسلام.
عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فمرّ بحديقة فقال عليّ: (يا
____________________
(١) وقعة صفّين، لنصرهم بن مزاحم (٢١١ هـ): ٤٧٧ - ٤٧٨.
رسول الله، ما أحسنَ هذه الحديقة!) قال: (حديقتك في الجنّة أحسن منها)، ثمّ وضع النبيّ رأسه على إحدى منكبي عليّ فبكى! فقال له عليّ: (ما يبكيك يا رسول الله؟) قال: (ضغائنٌ في صدور أقوام لا يبدونها لك حتّى أفارق الدنيا). فقال عليّ: (فما أصنع يا رسول الله؟) قال: (تصبر)، قال: (فإن لم أستطع؟) قال: (تلقى جهداً). قال: (ويسلم لي ديني؟) قال: (ويسلم لك دينك)(١) .
إذاً: فعليٌّ موصّىً والقوم يعلمون كما علم معاوية بأنّ الأنصار عندهم وصيّة من رسول الله وعليهم الصبر، فما زاده إلّا عُتوّاً وما زاده إلّا إنتهاكاً للحرمات وكلّ يقفو إثر من سبقه في إستباحة الحرمات.
وروى الزبير بن بكّار قال: روى محمّد بن إسحاق:
أنّ أبابكر لـمّا بويع افتخرت تَيْم بن مرّة.
قال: وكان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أنَّ عليًّا هو صاحب الأمر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال الفضل بن العبّاس: يا معشر قريش، وخصوصاً يا بني تيم ابن مرّة، إنّكم إنّما أخذتم الخلافة بالنبوّة. ونحن أهلها ولو طلبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسَداً منهم وحقداً علينا، وإنّا لنعلم أنّ عند صاحبنا عهداً هو ينتهي إليه(٢) .
وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطّلب بن هاشم شعراً:
ما كنتُ أحسَبُ أنّ الأمر منصرفٌ |
عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن |
|
أليسَ أوّل مَن صلّى لقبلتكم |
وأعلم الناس بالقرآن والسُّنَن |
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٨٠.
(٢) الموفّقيّات، للزبير بن بكّار (ت ٢٥٦ هـ): ٥٨٠ / ٣٨٠.
وأقرب الناس عهداً بالنبيّ ومَنْ |
جبريل عونٌ له في الغسل والكفن |
|
ما فيه ما فيهمُ لا يمترون به |
وليس في القوم ما فيه من الحسن |
|
ما ذا الذي ردّهم عنه فتعلمه |
ها إنّ ذا غبننا من أعظم الغبَن(١) |
قال الزبير: فبعث إليه عليّ فنهاه وأمره إلّا يعود، وقال: (سلامة الدين أحبّ إلينا من غيره)(٢) .
إذاً: سلامة الدين فوق كلّ شيء ومقدّم على كلّ أمر، وإلاّ ليس فيهم صناديد بدر وقد جزّرهم، ولا أصحاب ألوية أُحد وقد قطّرهم وصاحب النار قد لجأ هو وطلحة التيميّ في مجموعة إلى صخرة استجابة لهتاف الشيطان: قُتِل محمّد! فقعدوا هناك يشربون ويأكلون ولا ندري هل كان أكلهم (ثريد)، وأمّا عثمان وجمع فلم يقعوا فيما وقع فيه أهل الصخرة! وإنّما ذهبوا بها عريضةً حتّى بلغوا الجَلْعب قُربَ المدينة فتلقّتهم نسوة المدينة بالتحقير ولم يرجعوا إلّا بعد ثلاثة أيّام.
وليس فيهم أعلام العرب كان يحصدهم في وقعة صفّين ونأسف للتاريخ إذ لم يدوّن لنا مجموع قتلاه في تلك الوقعة، هذا لوحده، أمّا أسود العراق وأشترها ومرقالها وعمّارها و...، فقد قالوا أنّ قتلاها كذا ألف حتّى تجاوزوا الأربعين ألف شأمي، وقلنا: كان حصيد أبي الحسنعليهالسلام ممّا لا يعدّ وإن ذكروا كثيراً منهم، إلّا أنّها (ليلة الهرير) وأكثر من خمسمائة قتيل له وحدهعليهالسلام ، فهل كان المحرّقون وأنصارهم إلّا أولئك أصحاب الصخرة والموتورون؟ وكم عددهم لو اجتمعوا أمام القائل (والله لو اجتمعت العرب جميعاً على قتالي وحيداً لَـمَا ولّيت فراراً). ولكنّها الوصية والعَهْد.
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٨٠ - ٥٨١.
(٢) نفس المصدر السابق.
وذكر الزبير مشاهد من أحوال الناس بعد بيعة أبي بكر يطول بيانها من ذلك أنّه لـمّا كان من الغد، قام أبوبكر فخطب الناس، وقال: (إنّ لي شيطاناً يعتريني! فإيّاكم وإيّاي إذا غضت)(١) .
وقبلَ عرض بعض هذه المشاهد؛ نسأل: هل إنّ شيطان أبي بكر هو الذي أوقعه في هاوية لا مخرج منها لـمّا أمر عمر بن الخطّاب بأخذ عليّ بأعنف العنف وتحريق بيت العصمة والسيادة؟
ويبدو أنّ عمر بن الخطّاب أيضاً له شيطاناً يعتريه، ففي غضب أبي بكر اعتراه شيطانه فلم يجد غير عمر من يرسله، فلمّا أرسله اعتراه شيطانه فلم يعد يميّز بين سيّدة نساء العالمين ويردّها بعنف ويحرق باب بيت النبوّة.
ذكر الزبير بن بكّار في (الموفّقيّات):
أنَّ سريةً جاءت لعبد الرحمن أو لعبيد الله بن عمر بن الخطّاب إليه تشكوه فقال: ألا تعذرني من أبي عيسى؟ قال: ومن أبي عيسى؟ قالت: ابنك عبيد الله، قال: ويحك! وقد تكنّيت بأبي عيسى! ثمّ دعاه فقال: إيهاً أكتنيت بأبي عيسى! فحذر وفزع، وأخذ يده وعضّها ثمّ ضربه وقال: ويلك! وهل لعيسى أب؟ أتدري ما كُنَى العرب؟ أبو سَلَمة، أبو حَنْظَلة، أبو مُرّة(٢) .
قال الزبير:
وكان عمر إذا غضب على بعض أهله لم يسكن غضبه حتّى يعضّ يده عضّاً شديداً. وكان عبد الله بن الزبير كذلك، ولقوّة هذا الخلق عنده أضمر عبد الله بن عبّاس في
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٧٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ٦٠٢ / ٣٩١.
خلافته إبطال القول بالعَوْل(١) وأظهره بعده، فقيل له: هلاّ قلت هذا في أيّام عمر! فقال: هبتُه(٢) .
بُعداً لمهاجمة البيوت وتحريقها مفيدين من العهود والوصايا! وذبح من تصل إليه يد مع الأمر بالتحريق. فشتّان بين هذا وبين مبدأ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في الحرب.
مبدأ عليّعليهالسلام في القتال
يوم الجمل وغيره من الأيّام، أمرعليهالسلام أصحابه أن يصافّوهم ولا يبدؤوهم بقتال ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، وأن لا يجهزوا على جريح ولا يمثّلوا بقتيل، ولا يدخلوا داراً بغير إذن، ولا يشتموا أحداً ولا يلحقوا مدبراً ولا يهيجوا إمرأةً، ولا يأخذوا إلّا ما في عسكرهم، ولا يكشفوا عورةً، ولا يهتكوا ستراً.
عليٌّ! إنّ الغُلاة هم الذين خرجوا على الله ورسوله فحاربوك، وأوغلوا في دماء المسلمين من أجل الحاكميّة؛ والروافض هم الذين رفضوك وقد ارتضاك الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصالح المؤمنين، بل ران على قلوبهم فهم لا يفقهون.
ذكر الزبير مواقف المنحرفين عن أميرالمؤمنين، قال:
وكان خالد بن الوليد شيعةً لأبي بكر ومن المنحرفين عن عليّ(٣) فقام خطيباً، فقال:
____________________
(١) العَوْل: إرتفاع الحساب في الفرائض.
(٢) الموفّقيّات: ٦٠٢.
(٣) كيف لا يكون كذلك والمخزوميّات تحت آل مروان والحجّاج وآل طلحة وآل أبي بكر! ويوم بدر وتر أمير المؤمنين بني مخزوم، قوم خالد، بأكثر من نفر، منهم في الصميم من القربى منه:
١ - أبو قيس بن الوليد بن المغيرة المخزومي، أخو خالد بن الوليد. قتله عليّ بن أبي طالب. (المغازي، للواقديّ ١: ١٥، النسب، لابن سلّام: ٢١٠، أنساب الأشراف، للبلاذريّ ١: ٣٥٩،
____________________
الإرشاد، للمفيد: ٦٣).
٢ - عبد الله بن أبي رفاعة بن أميّة بن المغيرة المخزومي. ابن عمّ خالد بن الوليد، قتله عليّ بن أبي طالب. (نفس المصادر السابقة).
٣ - مسعود بن أميّة بن المغيرة المخزوميّ. ابن عمّ خالد بن الوليد. قتله عليّ بن أبي طالب. (السيرة، لابن هشام ٢: ٣٦٨، المغازي ١: ١٥٠، أنساب الأشراف ١: ٣٥٩، الإرشاد: ٦٣).
وذكر ابن إسحاق: عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة بن عابد المخزوميّ. قتله عليّ بن أبي طالب. ولعلّه آخر. (السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٩).
هؤلاء ألصق الناس بخالد المخزوميّ الذي فعل أفعاله الشنيعة منها قتله لمالك صاحب صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على تميم ودخوله بامرأته من غير عدّه، فلمّا قالوا لأبي بكر وأكثروا، قال: سيف من سيوف الله سلّه على أعدائه، فلن أغمده! ومن هنا جاءت تسمية خالد سيف الله.
ومن قوم خالد ممّن وتره بهم أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يوم بدر:
٤ - يزيد بن تميم التميميّ، حليف بني مخزوم (وحليف القوم منهم) قتله عليّ بن أبي طالب. (أنساب الأشراف ١: ٣٥٩، المغازي ١: ١٥٠).
٥ - حرملة بن عمرو بن أبي عتبة من بني مخزوم. قتله عليّ بن أبي طالب. (السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٨، المغازي ١: ١٥٠، أنساب الأشراف ١: ٣٥٩).
٦ - حاجز بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم (المغازي ١: ١٥١). وقيل: جابر بن السائب (أنساب الأشراف). وعن ابن الكلبيّ، وأبي عبيد، وابن هشام قالوا: حاجب بن السائب بن عويمر. قتله عليّ بن أبي طالب. (السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٧٠، النسب: ٢١٢، الإرشاد: ٦٣).
٧ - عويمر بن السائب (أخو الذي سبقه). قتله عليّ بن أبي طالب. (نفس المصادر).
وليت خالداً برز إلى عليّعليهالسلام ، ليلحقه بأخيه وابني عمّه وقومه فيريحه من العناء والنّصب!
وعليّعليهالسلام وتر خالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ يوم أحد بقتل ابني عمّه:
١ - أبو أميّة بن أبي حذيفة بن المغيرة المخزوميّ، ابن عمّ خالد. قتله عليّ بن أبي طالب. (السيرة، لابن هشام ٣: ١٣٥، المغازي ١: ٣٠٨، أنساب الأشراف ١: ٤٠٧، تاريخ خليفة: ٣٨، المعارف: ١٦٠، الإرشاد: ٨١).
٢ - هشام بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ. ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ. قتله عليّ ابن أبي طالب. (طبقات ابن سعد ٢: ٤٣، الإرشاد: ٨١، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٢١).
ويوم الخندق (الأحزاب) إذ جاءت قوى الضلال بنفاقها ويهودها وشركها تقدمها (قريش) بزعامة أبي سفيان، وقريش هي الرائدة في مواقف الشرّ جميعها ولذا فإنّ (الأئمّة من قريش) بشهادة ابن النابغة عمرو! وعلى هذا أصفقت كلمتهم في مكافحة الأنصار!
في هذا اليوم، استطاع عَمرو بن عبد وَدّ أخو بني عامر بن لؤيّ، وابنه حِسْل بن عمرو، وضِرار
(...، وإنّه والله، ما صاحب الأمر - يعني أبابكر - بالمسؤول عنه ولا المختَلف فيه، ولا الخفيّ الشخص ولا المغموز القناة)(١) .
____________________
ابن الخطّاب الفِهريّ. ومن بني مخزوم: هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، وعِكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة المخزوميّ؛ خالد ابن عمّ أبي جهل، ونَوْفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ ابن عمّ خالد بن الوليد. فطلب عمرو أن يبرز إليه أحد، فخَنَس الجميع بما فيهم أبطال التحريق! وبارزه عليّ فقتله. وانهزم الباقون. (السيرة النبويّة، لابن هشام ٣: ٢٦٥، تاريخ اليعقوبي ٢: ٥٠، طبقات ابن سعد ٢: ٦٦، المغازي ٢: ٤٩٦، المحبّر: ١٧٥، جمهرة النسب: ١١٠، أنساب الأشراف ١: ٤٢٩، النسب، لابن سلاّم: ٢١٧، تاريخ الطبريّ ٢: ٢٤٠).
قال ابن هشام: وحدّثني الثقة عن ابن شهاب الزّهريّ أنّه قال: قتل عليّ بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبد وُدّ وابنه حِسْل بن عمرو. (السيرة ٣: ٢٦٥).
قال اليعقوبيّ: وكَبا بِنَوْفل - ابن عمّ خالد - فرسه فلحقه عليّ فقتله. (تاريخ اليعقوبي ٢: ٥، المغازي ٢: ٤٩٦، تاريخ الطبريّ ٢: ٢٤٠، جمهرة النسب: ٨٧، نسب قريش: ٣١٩).
هؤلاء بنو عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ ممّن جنْدلَهم سيف ذي الفقار؛ مع أخ خالد بن الوليد، في معارك ثلاث، غير من صرعهم إلى جهنّم من قوم خالد؛ فكيف لا يكون منحرفاً عن عليّعليهالسلام ؟!
وهل صحّ من خالد إسلام؟ صحيح أنّ أمّ عمر بن الخطّاب مخزوميّة وأنّها ابنة عمّ خالد فهي: حَنْتَمة بنتُ هاشم بن المغيرة المخزميّة، وخالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، إلّا أنّ هذا ليس بشافع لخالد فهو حتّى ذي القعدة سنة سبع، ما زال في كفر وزندقة! فخالد خال عمر؛ وليس بقاعدة مطّردة وحتميّة: (الخال أحد الضجيعين!) في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعمر أسلم قبل خالد بقليل.
شهر ذي القعدة سنة سبع خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معتمراً عمرة القضاء وتسمّى عمرة القصاص، لأنّ المشركين صدّوا رسول الله عن العمرة في شهر ذي القعدة سنة ستّ. (السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ١٢).
فرار خالد: (وكان خالد بن الوليد خرج من مكّة فراراً أن يرى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه، كراهةً للإسلام وأهله). (نسب قريش: ٣٢٤).
وكان ابنه عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، على سرّ أبيه، وكان عظيم الشأن عند أهل الشأم، وشهد مع معاوية صفّين؛ ومع ذلك ولما رآه من تعظيم أهل الشأم له، خافه وحسده فدسّ إليه بطريق متطبّب يقال ابن أثال، فسقاه في دواء شربة فمات. (نفس المصدر السابق: ٣٢٤ - ٣٢٧).
(١) الموفقيّات: ٥٨١ / ٣٨١.
موقف الأنصار من بيعة أبي بكر
قال الزبير: وحدثنا محمّد بن موسى الأنصاريّ، قال: حدّثني إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف الزّهريّ قال:
لمّا بويع أبوبكر واستقرّ أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ولام بعضهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه. وإنّه في داره فلم يخرج إليهم(١) ؛ وجزع لذلك المهاجرون، وكثر في ذلك الكلام!
وكان أشدّ قريشٍ على الأنصار نفرٌ فيهم، وهم: سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤيّ؛ والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل المخزوميّان، وهؤلاء أشراف قريش الذين حاربوا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ دخلوا في الإسلام، وكلّهم موتور قد وتره الأنصار.
أمّا سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدخشم يوم بدر، وأمّا الحارث بن هشام فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر، وهو فارّ عن أخيه. وأمّا عكرمة بن أبي جهل فقتل أباه ابنا عفراء، وسلبه درعه يوم بدر زياد بن لبيد، وفي أنفسهم ذلك.
فلمّا اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء، فقام سهيل بن عمرو فقال: يا معشر قريش، إنّ هؤلاء القوم قد سمّاهم الله الأنصار، وأثنى عليهم في القرآن فلهم بذلك حظّ عظيم وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم وإلى عليّ بن أبي طالب، وعليّ في بيته لو شاء لردّهم! فادعوهم إلى صاحبكم وإلى تجديد بيعته، فإن أجابوكم وإلاّ قاتلوهم، فوالله إنّي لأرجوا الله أن ينصركم عليهم كما نُصرتم به(٢) .
____________________
(١) هذا ما يؤكّد أنّهعليهالسلام متّبع وصيّة نبيّ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعهده، وإلاّ فقد ذاقت قريش زعاف حدّ سيف ذي الفقار، وها هي كتيبة الإسلام (الأنصار) معه!
(٢) الموفّقيّات: ٥٨٣ - ٥٨٤ / ٣٨٢.
تهافت أقوال وحُجج داحضة، يحُكم غَزله ويُنقضه، فهو يقرّ بفضل القوم لأنّ الله عزّ وجلّ هو الذي سمّاهم الأنصار وما في هذا من معنى، فهم أنصار الله من خلال نصرة دينه ونبيّه وإيوائهم للمهاجرين فراراً من ظلم سهيل بن عمرو وفلان وفلان من قريش فقاسموهم أسباب الحياة، فاستحقّوا دعاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم وللمدينة بالبركة والحرمة ومضاعفة الخير وأن يجعل الله تعالى البركة فيهم ضعفي ما بمكّة! وأن يعجّل الله تعالى بانتقامه ممّن أحدث بها حدثاً وأراد بها سوءاً. ولم يتحوّل منها وإنّما جعلها مقرّ حكومتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانتهى الأمر به أن دخل معهم، لثقته بهم، في حلف غاية في الشدّة.
ونورد من أخبار العقبة الثانية وهو طويل: (خرج من الأنصار ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعهم امرأتان حتّى اجتمعوا عند العقبة، فجاءهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه عمّه العبّاس بن عبد المطّلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلّا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له. فلمّا جلس كان أوّل من تكلّم العبّاس فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب إنّما يسمّون هذا الحيّ من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها -: إنّ محمّداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممّن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ في قومه ومَنَعة في بلده، وإنّه أبى إلّا الانحيازَ إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنّكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم تَروْن أنّكم مُسْلموه وخاذِلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فَدَعُوه، فإنّه في عِزّ ومَنَعة من قومه وبلده. فقالوا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلّمْ يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربّك ما أحببت. فتكلّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثمّ قال: (أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم).
فأخذ البَراء بن مَعْرور بيده ثمّ قال: نعم، والذي بعثك لنمنعنَّك ممّا نمنع منه أُزُرَنا(١) ، فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحَلْقة(٢) ، ورِثناها كابراً عن كابر. فاعترض القول، والبراء يكلّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أبو الهيثم بن التّيهان، فقال: يا رسول الله، إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً حبالاً، وإنّا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ قال: (بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)(٣) . وليس مثل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول ما لا يفعل! أو يقول ما لا يدري! على جرأة: إنّ الرجل ليهجر! أعوذ بالله من ذلك.
ولقد وجدنا من حلف النبيّ مع الأنصار أنّه منهم وهم منه فمَن نال منهم نال من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحربهم حرب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، للحرمة الواحدة!
وسهيل بن عمرو إذ أقرّ بشأن الأنصار الغالب! لأنّ القرآن سمّاهم بهذا الاسم (الأنصار)، فهو لم يشر إلى أقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم، وضمّ نفسه الزكيّة إليهم وأنّ سلمهم سلمه وحربهم حربه وإراقة دمائهم إراقة دمه الطاهر! ونقض غزله إذ مضى في القول أنّهم هتفوا باسم عليّ، وعليّ في البيت لو شاء لردّهم!
ولذا فهو يرى دعوة الأنصار ليجدّدوا بيعتهم فإن لم يفعلوا وجب قتالهم وأنّهم منتصرون عليهم - كما يرى - كما نصرهم من قبل.
لو أنّ شخصاً في أقصى الصين عارف بعليّعليهالسلام ، وهتف باسمه، فعليٌّ مسؤول عنه.
____________________
(١) أزرنا: أي نساءنا. والمرأة قد يكنّى عنها بالإزار، كما يكنّى بالإزار عن النفس.
(٢) الحلقة: أي السلاح.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٨٣ - ٨٥.
والأنصار لـمّا اجتمعت كلمتهم لم يجدوا غير عليّ كُفؤاً بل ولم يجدوا من يقرب منه منزلةً!
هذا بشأن الأنصار، أمّا بشأن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام: فهو غير مسؤول عن أفعال غيره، وإنّما هناك سلطان إن تعامل مع الأشياء بحكمةٍ وعقل ولم يَعْترِه شيطانه، ولم يُرسل ثائر المزاج يعضّ يده غضباً، وإنّما تخيّر جماعة من ذوي الحجى - وإن كان أكثرهم ما زال معتزلاً - لمفاوضة الأنصار بالتي هي أحسن؛ فهو أفضل من الدعوة إلى القتال وإن أدّى إلى الانتصار المزعوم. ولا أدري متى نصرهم الله تعالى؟ في معاركهم مع رسول الله وأنصاره من أهل المدينة الطيّبة! وسهيل بن عمرو هو الذي كتب بيده معاهدة عمرة القضيّة (القصاص) - مضى ذكرها - سنة سبع، وأبى على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم، ورفض كتابة رسول الله مقرونةً باسم النبيّ، محتجّاً: لو كنت أعلم أنّك نبيّ ما قاتلتك؛ ولم يسلم سهيل بن عمرو إلّا يوم فتح مكّة فهو من الطّلقاء. وهو إذا كان موتوراً بأسر الأنصار له يوم بدر؛ فهو موتور وتره أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بقتل ابن عمّه فارس قريش ٠ عمرو بن عبد بن أبي قيس بن عبد ودّ العامريّ) وهو (سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ) فاضطغنها المقهوم بسيف الأنصار والموتور بذي الفقار، فأعرب عن مكنونه إذ هتفوا باسم عليّ وقبلهم هتف الوحي ببسالته ونزل القرآن بولايته وأكّده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرّةً بعد أخرى، فما ذنب الأنصار بعدئذ؛ ومن ثمّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ؛ أم أمنتم صولة الأنصار احتراماً لوصيّة النبيّ لهم بالصبر بعده لـما يلقونه من أثرة (الأئمّة من قريش)، واطمأنّت نفوسكم لحملة الكرّار عليّ لوصيّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم له بما أوصى الأنصار (الصبر)!
قال الزبير: ثمّ قام الحارث بن هشام(١) فقال: إن يكن الأنصار تبوّأت الدار والإيمان من قبل، ونقلوا رسول الله إلى دورهم من دورنا، فآووا ونصروا، ثمّ ما رضوا حتّى قاسمونا الأموال، وكفّونا العمل، فإنّهم قد لهجوا بأمر، إن نبتوا عليه، فإنّهم قد خرجوا ممّا وُسِموا به، وليس بيننا وبينهم إلّا السيف، وإن نزعوا عنه فقد فعلوا الأَوْلى بهم، والمظنون معهم(٢) .
المنطق واحد: فهو لا يستطيع دفع حقيقة تلك هي أنّ الأنصار تقدّمت في إسلامها وعظم إيمانها حتّى صارت بقعةً مؤهّلةً أن يتحوّل إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويترك أحبّ البقاع إليه (مكّة) ولو أنّ المشركين من أمثال الحارث بن هشام وإخوته وعشيرته وبني حرب وغيرهم لم يتحوّل، حتّى صار إلى الدعاء بأن يحبّب الله له المدينة كحبّه مكّة وأشدّ، وأن يجعل البركة فيها ضعفي ما في مكّة. كلّ هذا والحارث وقومه ومشركوا قريش عاكفون على آلهتهم يستمدونها النصر! حتّى جاء النّصر من الله تعالى لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والفتح المبين؛ فدخل النبيّ مكّة في عشرة آلاف مسلم، وعملت الفؤوس في آلهة الشرك تحطيماً وتكسيراً من غير أن تردّ عن نفسها شيئاً فآمن عندها من آمن من أهل مكّة ومنهم من قال بالتوحيد وأظهر الإسلام حفظاً على نفسه ولكن قتْل الأحبّة! جرح لـمـّا يندمل!
____________________
(١) الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ. شهد بدراً مع المشركين؛ فكان فيمن انهزم، فعيّره حسّان بن ثابت، وله شعر في ذلك. وكان مع المشركين يوم أحد، ولم يزل متمسّكاً بالشّرك حتّى يوم فتح مكّة فأظهر الإسلام. يقولون إنّ أم هانئ استأمنت له فأمّنه رسول الله، وخرج أيّام عمر بأهله إلى الشأم فأقام بها حتّى مات. نسب قريش: ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) نفس المصدر السابق: ٥٨٤.
وهذا المخزوميّ الحارث بن هشام وقد ذكر الزبير شيئاً من سيرته وذكرنا شيئاً آخر، ونذكر هنا بعضاً آخر: فقد قتل أخوه لأبيه وأمّه (عمرو، وهو أبوجهل بن هشام) قتل يوم بدر كافراً. وذكرنا فيمن قتلهم أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، يوم بدر: أبو قيس بن الوليد، أخو خالد بن الوليد؛ ومسعود بن أميّة بن المغيرة، ابن عمّ خالد، وعبد الله بن أبي رفاعة بن أميّة بن المغيرة، ابن عمّ خالد؛ وهشام بن المغيرة هو عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة. وغير هؤلاء فقد ذكرنا عدداً ممّن قتلهم أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يوم بدر وهم قوم بني المغيرة من بني مخزوم، غير مَن قتل منهم يومَ أُحد!
وبعد إقراره مرغماً! بفضل الأنصار في أنّ دارهم هي دار الإيمان وهم أهل السبق وبهم انتصر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد قاسموا المهاجرين أموالهم وكفوهم العمل! بعد كلّ هذا فليس لهم أن يطلبوا أمراً إنّما هو لمن لم يرمِ بسهم ولم يطعن برمح ولا خدش بسيف ولم يضمّ رسول الله نفسه إليه ولم يجعل حربه حربه وسلمه سلمه ودمه دمه!! مثلما جعل ذلك للأنصار.
فإذا تكلّموا في ذلك فقد أخرجهم المخزوميّ الحارث بن هشام ممّا وسموا به وليس بينه وبينهم إلّا السيف الذي ما نفعه يوم بدر، إذ ولّى هارباً عن أخيه منشغلاً بجرحه؛ فمن أين أتته العزيمة الآن في مجابهة الأنصار، الوصيّة بالصبر على الأثرة؟!
عِكرمة بن أبي جَهْل: قال: ثمّ قام عكرمة بن أبي جهل(١) فقال: والله لولا قول رسول الله: (الأئمّة من قريش)، ما أنكرنا إمرة الأنصار ولكانوا لها أهلاً، ولكنّه قول لا شكّ فيه ولا خيار، وقد عجلت الأنصار علينا، والله ما قبضنا عليهم الأمر ولا أخرجناهم من الشورى، وإنّ الذي هم فيه من فلتات الأمور ونزغات الشيطان، وما لا يبلغه المنى ولا يحمله الأمل، أعذِروا إلى القوم فإن أبوا فقاتلوهم، فوالله لو لم يبق
____________________
(١) عكرمة هذا ابن أخ الحارث بن هشام المتكلّم قبله، موتور بأبيه ومن ذكرنا من آل مخزوم كما ذكرنا.
من قريش كلّها إلّا رجل واحد لصيّر هذا الأمر فيه(١) .
لا كلام مع عكرمة فهو موتور وَتَره الأنصار بأبيه أبي الجهل والضّلال! وموتور بحشد من بني مخزوم. ولكن لو علِم من الأنصار جِدّاً، هل يفوه بذلك؟!
ومن هوان الدنيا أن يكون أبو سفيان من المتكلّمين في الأنصار فيشنأهم!
قال: وحضر أبو سفيان صخر بن حرب فقال:
يا معشر قريش، إنّه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتّى يقرّوا بفضلنا عليهم، فإن تفضَّلوا فحسبنا حيث انتهى بها، وإلاّ فحسبهم حيث انتهى بهم، وأيم الله لئن بطروا المعيشة وكفروا النعمة، لنضربنّهم على الإسلام كما ضربوا عليه(٢) .
لقد فضّلهم الله تعالى، ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفضلّكم خاصّة أنت ومعشر المتكلّمين: أنّكم حاربتم الإسلام حتّى سنة الفتح المبين، فأظهرتم الإسلام تعوّذاً، فدخلتم فيه مقهرين وخرجتم منه طائعين. ذكركم في الجاهليّة خامل وسيرتكم مذمومة، وفي الإسلام طلبتم ثارات بدر وحنين. نسبكم مدخول! وأنت وابناك ممّن لعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أكثر من موضع! فبأيّ شيء تَفْضُلونَ أنصار الله ورسوله؟!
وعجب قولك: بطروا المعيشة! وكفروا النعمة؛ وكأنّهم عالة عليك وعلى قريش! وأنت المنعوت بالشُّحّ حتّى شَكَتْكَ هِندٌ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فرخّص لها أن تأخذ من جيبك مقدار حاجتها، مع تقلّبك بين البغايا وحانات الخمور؛ والأنصار قاسمت إخوانهم المهاجرين كلّ شيء من أسباب الحياة. وأيّ نعمة كفَر الأنصار بها؟ نعمةَ الإسلام التي ضربتك وقومك وأحزاب الضّلالة عليه؟! فلو كفروا به؛ لنقض رسول
____________________
(١) نسب قريش: ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) نفس المصدر السابق: ٥٨٤ - ٥٨٥.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حلفه معهم، ولما أبقى حربهم حربه وسلمهم سلمه، فالهدم الهدم والدم الدم؛ ولنقل ذلك - وحاشا له أن يفعل! - إليك؛ لتكون آخر عمرك رجلاً شجاعاً وتأخذ بثارات حنظلة وشيبة وعتبة وعقبة وو...؛ ولكن كيف يحالفك وقد لعنك؟! وممّن تأخذ ثارك؟ فأوّل من تبدأ به أخاه ووصيّه عليّ بن أبي طالب!
قال الزبير بن بكّار: فلمّا بلغ الأنصار قول هؤلاء الرّهط قام خطيبهم ثابت بن قيس ابن شماس فقال:
يا معشر الأنصار، إنّما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش، أمّا إذا كان من أهل الدنيا لا سيّما من أقوام كلّهم موتور فلا يكبُرنّ عليهم، إنّما الرأي والقول مع الأخيار المهاجرين. فإن تكلّمت رجال قريش الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء، فعند ذلك قولوا ما أحببتم وإلاّ فأمسكوا(١) .
وما أن سكنت الأمور حتّى قدم عمرو بن العاص في سفر كان فيه فحرّك الفتنة ونال من سعد بن عبادة والأنصار، وله في ذلك شعر، فبلغ الأنصار ذلك فبعثوا إليه لسانهم وشاعرهم النعمان بن العجلان، فأتى عمراً وهو في جماعة من المهاجرين فردّ عليه مقالته وممّا قال له:
فأمّا المهاجرون والأنصار فلا فرق بينهم أبداً، ولكنّك يا ابن العاص وترت بني عبد مناف بمسيرك إلى الحبشة لقتل جعفر وأصحابه، ووترت بني مخزوم بإهلاك عُمارة ابن الوليد، ثمّ انصرف فقال:
فقل لقريشٍ: نحن أصحاب مكّة |
ويوم حُنين والفوارس في بدر |
|
وأصحاب أحْدٍ والنضير وخيبرٍ |
ونحن رجعنا من قُريظةَ بالذكر |
|
ويوم بأرض الشام أدخل جعفر |
وزيد وعبدالله في عَلَقٍ يجري |
____________________
(١) نسب قريش: ٥٨٥.
وفي كلّ يوم ينكر الكلبُ أهله |
نطاعن فيه بالمثقّفةِ السُّمْر |
|
ونضرب في نقع العجاجة أرؤساً |
ببِيضٍ كأمثال البروق إذا تسري |
|
نصرنا وآوينا النبيّ ولم نخفْ |
صروف الليالي والعظيمَ من الأمر |
|
وقلنا لقوم هاجروا قبل: مرحباً |
وأهلاً وسهلاً قد أمنتم من الفقر |
|
نقاسمكم أموالنا وبيوتنا |
كقسمة أيسار الجزور على الشَّطر |
|
ونكفيكُم الأمر الذي تكرهونه! |
وكنّا أناساً نُذهب العُسر باليُسر |
|
وقلتُم: حرامٌ نصب سعد ونصبكم |
عتيق بن عثمان حلالٌ أبابكر |
|
وأهلٌ أبوبكر لها خير قائمٍ |
وإنّ عليًّا كان أخْلقَ بالأمر |
|
وكان هواناً في عليّ وإنّه |
لأهلٌ لها يا عمرو بن حيث لا تدري |
|
فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى |
وينهى عن الفحشاء والبغي والنُّكر |
|
وصيُّ النبيّ المصطفى وابنُ عمّه |
وقاتلُ فرسان الضلالة والكفر |
|
فلو لا اتقاء الله لم تذهبوا بها |
ولكن هذا الخير أجمعُ للصبر |
|
ولم نرضَ إلّا بالرضا ولربّما |
ضربنا بأيدينا إلى أسفل القِدر(١) |
تعقيب: قوله (وتَرتَ بني عبد مناف...)؛ ذلك أنّ قريشاً بعثت عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد إلى النجاشيّ بشأن المهاجرين إليه مع جعفر بن أبي طالب لتسليمهم إلى قريش وقد جمعوا للنجاشيّ هديّة، فلمّا يئس عمرو، مَحِلَ - أي وشى - عند النجاشيّ، فتزعم قريش أنّه سَحَره، فذهب مع الوحش فلم يزل مستوحشاً حتّى مات(٢) .
____________________
(١) نسب قريش: ٥٩٢ - ٥٩٤.
(٢) جمهرة النسب: ٨٨، نسب قريش: ٣٢٢، طبقات ابن سعد ٤: ١٠٥.
فلمّا انتهى شعر النعمان وكلامه إلى قريش غضب كثير منهم، وألفى ذلك قدوم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن، وكان رسول الله استعمله عليها، وكان له ولأخيه أثر عظيم في الإسلام، وهما من أوّل من أسلم من قريش، ولهما عبادة وفضل.
فغضب للأنصار، وشتم عمرو بن العاص، وقال: يا معشر قريش، إنّ عمراً دخل في الإسلام حين لم يجد بدّاً من الدخول فيه، فلمّا لم يستطع أن يكيده بيده كاده بلسانه، وإنّ من كيده الإسلام تفريقه وقطعه بين المهاجرين والأنصار.
والله ما حاربناهم للدّين ولا للدّنيا، ولقد بذلوا دماءهم لله فينا وما بذلنا دماءنا لله فيهم، وقاسمونا ديارهم وأموالهم وما فعلنا مثل ذلك بهم، وآثرونا على الفقر وحرمناهم على الغنى، ولقد وصّى رسول الله بهم، وعزّاهم عن جفوة السلطان، فأعوذ بالله أن أكون إيّاكم الخَلَف المضيّع، والسلطان الجاني!
ولخالد بن سعيد شعر في ذلك يردّ على عمرو بن العاص ويتكلّم فيه عن فضائل الأنصار، لم نذكره خوف الإطالة(١) .
ابن العاص والأنصار، مرّة أخرى!
حاله حال معاوية فإنّ الذي فيهما ما زال يحركهما حتّى أرداهما في هاوية سحيقة! قال الزبير: ثمّ إنّ رجالاً من سفهاء قريش ومثيري الفتن منهم، أجمعوا إلى عمرو بن العاص فقالوا له: إنّك لسان قريش ورجلها في الجاهليّة والإسلام، فلا تدع الأنصار وما قالت، وأكثروا عليه من ذلك، فراح إلى المسجد، وفيه ناس من قريش وغيرها، فتكلّم وقال: إنّ الأنصار ترى لنفسها ما ليس لها، وأيمُ الله وددتُ أنّ الله خلّى عنّا
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٩٤ - ٥٩٥.
وعنهم، وقضى فيهم وفينا بما أحبّ، ولنحن الذين أفسدنا على أنفسنا، أحرزناهم عن كلّ مكروه! وقدّمناهم إلى كلّ محبوب حتّى أمنوا المخوف، فلمّا جاز لهم ذلك صَغروا حقّنا ولم يراعوا ما أعظمنا من حقوقهم(١) .
ثمّ التفت فرأى الفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب! وندم على قوله، للخؤولة التي بين ولد عبدالمطّلب وبين الأنصار، ولأنّ الأنصار كانت تعظّم عليًّا، وتهتف باسمه حينئذ، فقال الفضل: يا عمرو، إنّه ليس لنا أن نكتم ما سمعنا منك، وليس لنا أن نجيبك وأبو الحسن شاهد بالمدينة إلّا أن يأمرنا فنفعل.
ثمّ رجع الفضل إلى عليّ فحدّثه، فغضب وقال: (آذى الله ورسوله)، ثمّ أتى المسجد، فاجتمع إليه كثير من قريش وتكلّم مغضباً فقال: (يا معشر قريش، إنّ حبّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم. واذكروا أنّ الله رغب لنبيّكم عن مكّة فنقله إلى المدينة، وكره له قريشاً فنقله إلى الأنصار، ثمّ قدمنا عليهم ديارهم، فقاسمونا الأموال وكفونا العمل، فصرنا منهم بين بذل الغنيّ وإيثار الفقير، ثمّ حاربنا الناس فوقونا بأنفسهم، وقد أنزل الله تعالى فيهم آية من القرآن، جمع لهم فينا خمس نعم، فقال:( وَالّذِينَ تَبَوّءُوْا الدّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٢) .
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٥٩٥ / ٣٨٦. (عجب! ولا عجب من ابن النابغة؛ من لا يعلم أنّ الأنصار هم الذين آووا المهاجرين وقاسموهم ما يملكون ودفعوا عنهم كلّ مكروه؛ فقلب ابن النابغة الأمور).
(٢) الحشر: ٩.
ألا وإنّ عمرو بن العاص قد قام مقاماً آذى فيه الميّت والحيّ، ساء به الواتر وسرّ به الموتور فاستحقّ من المستمع الجواب ومن الغائب المقت، وإنّه مَن أحبّ الله ورسوله أحبّ الأنصار، فليكفف عمرو عنّا نفسه)(١) .
قال الزبير: فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص فقالوا: أيّها الرجل، أما إذ غضب عليّ فاكفُف(٢) .
إذاً إذا صار الأمر في حقّ غيره غضب الليث فهابته قريش، كيف وصوارم بني هاشم والأنصار مرهفة! أمّا في حقّ نفسه فهو قيد الوصيّة.
قال الزبير: وقال عليٌّ للفضل: (يا فضل، انصر الأنصار بلسانك ويدك، فإنّهم منك وإنّك منهم)، فقال الفضل:
قلتَ يا عمرو مقالاً فاحشاً |
إنْ تعدو يا عمرو والله فلك |
|
إنّما الأنصارُ سيفٌ قاطع |
مَن تصيبه ظُبَة السيف هلك(٣) |
|
وسيوفٌ قاطع مضرَبهُا |
وسهام الله في يوم الحَلَك |
|
نصروا الدين وآووا أهله |
منزلٌ رحْبٌ ورِزق مشترك |
|
وإذا الحربُ تلظّت نارها |
بركوا فيها إذا الموت بَرك |
ودخل الفضل على عليّ فأسمعه شعره، ففرح به وقال: وريْتُ بك زنادي يا فضل، أنت شاعر قريش وفتاها، فأظهر شعرك وابعث به إلى الأنصار).
فلمّا بلغ ذلك الأنصار قالت: لا أحد يجيب إلّا حسّان الحسام. فبعثوا إلى حسّان بن
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٩٦.
(٢) نفس المصدر السابق: ٥٩٧ / ٣٨٧.
(٣) ظبة السيف: حدّه.
ثابت، فعرضوا عليه شعر الفضل فقال: كيف أصنع بجوابه! إنْ لم أتحرَّ قوافيه فضحني، فرويداً حتّى أقفوا أثره في القوافي. فقال له خُزَيمَة بن ثابت - ذو الشهادتين - إذ جعل النبي شهادته تعدل شهادة رجلين -: اذكر عليًّا يكفِك عن كلّ شيء، فقال:
جزى الله عنّا والجزاءُ بكفِّه |
أبا حسنٍ عنّا ومَن كأبي حسن! |
|
سبقتَ قريشاً بالذي أنت أهله |
فصدرُك مشروح وقلبك ممتَحن |
|
تمنّت رجالٌ من قريش أعزّةٌ |
مكانك، هيهات الهزال من السِّمَن |
|
وأنت من الإسلام في كلّ موطن |
بمنزلة الدَّلو البَطين من الرَسَن |
|
غضبتَ لنا إذ قام عمروٌ بخطبةٍ |
أمات بها التقوى وأحيا بها الإحَن |
|
فكنتَ المرُجّى من لؤيّ بن غالب |
لما كان منهم والذي كان لم يكن |
|
حفظت رسول الله فينا وعهده |
إليك ومَن أولى به منك مَنْ ومَنْ؟! |
|
ألستَ أخاه في الهدى و وصيَّه |
وأعلَمَ منهم بالكتاب وبالسُّنن |
|
فحقك ما دامت بنجد وشيجةٌ |
عظيمٌ علينا ثمّ بعد على اليمن |
قال الزبير: وبعثت الأنصار بهذا الشعر إلى عليّ بن أبي طالب، فخرج إلى المسجد فقال لمن به من قريش وغيرهم: (يا معشر قريش، إنّ الله جعل الأنصار أنصاراً، فأثنى عليهم في الكتاب، فلا خير فيكم بعدهم. إنّه لا يزال سفيه من قريش وغيرهم وتره الإسلام ودفعه عن الحقّ وأطفأ شرفه وفضّل غيره عليه، يقوم مقاماً فاحشاً فيذكر الأنصار، فاتّقوا الله وارعوا حقّهم، فو الله لو زالوا لزلتُ معهم لأنّ رسول الله قال لهم: أزول معكم حيثما زُلتم). فقال المسلمون جميعاً: رحمك الله يا أبا الحسن، قلت قولاً صادقاً.
قال الزبير: وترك عمرو بن العاص المدينة، وخرج منها حتّى رضي عنه عليٌّ والمهاجرون(١) .
هذه هي الأنصار في مجدها وفضلها، نطق القرآن الكريم بذلك، ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخير البريّة: خليفة رسول الله وأميرالمؤمنين حقّاً عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وخيرة الأمّة؛ فاتخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدينتهم مقرّاً له ومدفناً وأبى أن يرجع إلى مكّة إلّا في حجّ وعمرة؛ وحالفهم من بين الأقوام؛ ولم ينكر فضلهم ويزيلهم عن منزلتهم التي أنزلهم الله ورسوله ووليّه إيّاها، إلّا مشكوك في إيمانه مدخول في نسبه مع تفاوت في هذه المسألة.
ومع ذلك كلّهم وكما ذكرنا: فإنّ الذي فتح باب التعرّض بالإهانة للأنصار ولمدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن ثمّ إراقة دمائهم ودماء أهل البيتعليهمالسلام ، هم الأوائل بما أحدثوه يوم السقيفة وتتبّع من لم يعط البيعة وقد خرج إلى بلد آخر فشكّوا فؤاده ونسبوا ذلك إلى الجنّ! وسلّطوا الأدعياء والطّلقاء على رقاب المسلمين ودافعوا عن الزّناة ودرؤوا عنهم الحدّ! فلم تكن همّة المتسلّطين إلّا الطلب بثارات بدر وأحد وحنين. فبدأها معاوية بغارات التهديد والإرجاف والوعيد ثمّ كانت كربلاء وتبعتها الحرّة فالعدوان على بيت الله الحرام ودكّ الكعبة بالمنجنيق مرّتين. وبمعرفة العدوّ والخصم وسيرته، تعرف فضل الآخر فبعد الذي كان من ابن النابغة، كان الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط.
قال الزبير: ثمّ إنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يبغض الأنصار، لأنّهم أسّروا أباه يوم بدر، وضربوا عنقه بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قام يشتم الأنصار ويذكرهم بالهُجْر. وممّا قاله: (والله ما نستطيع مودّتهم لأنّه لا يزال قائل منهم يذكر ذلّنا بمكّة وعزّنا بالمدينة، ولا ينفكّون يعيّرون موتانا ويغيظون أحياءنا....).
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٩٨ - ٥٩٩.
وله شعر يردّ به على الأنصار وينكر فضلهم، ويردّ على حسّان بن ثابت، هذا آخر بيت منه:
وأهلٌ بأن يُهجَوا بكلّ قصيدة |
وأهلُ بأن يُرمَوا بنبل فواقر |
ففشا شعره في الناس، فغضبت الأنصار وغضب لها من قريش قوم، منهم ضرار بن الخطّاب الفهريّ وزيد بن الخطّاب(١) ، ويزيد بن أبي سفيان، فبعثوا إلى الوليد فجاء.
فتكلّم زيد بن الخطاب فقال: يا ابن عُقبة بن أبي مُعَيْط! أما والله لو كنت من الفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً؛ لأحببت الأنصار، ولكنّك من الجفاة في الإسلام البطآء عنه الذين دخلوا فيه بعد أن ظهر أمر الله وهم كارهون.
إنّا نعلم أنّا أتيناهم ونحن فقراء فأغنونا، ثمّ أصبنا الغنى فكفّوا عنّا. ولم يرزؤونا شيئاً. فأمّا ذكرهم ذلّة قريش بمكّة وعزّها بالمدينة فكذلك كنّا. وكذلك قال الله تعالى:( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطّفَكُمُ النّاسُ ) (٢) ، فنصرنا الله بهم، وآوانا إلى مدينتهم. وأمّا غضبك لقريش فإنّا لا ننصر
____________________
(١) زيد بن الخطّاب، أخو عمر بن الخطّاب لأبيه. كان من المهاجرين الأوّلين. أسلم قبل عمر. شهد بدراً. (السيرة، لابن هشام ٢: ٣٣٩، المغازي ١: ١٥٦، طبقات خليفة: ٥٥) وأحداً والخندق والمشاهد الأخرى (طبقات ابن سعد ٣: ٣٧٧، الاستيعاب ١: ٥٤١، تهذيب الكمال ١٠: ٦٥٠، أسد الغابة ٢: ٢٨٦). وفي نسب قريش: ٣٤٨: شهد بدراً وأحداً. وشهد بيعة الرضوان (الاستيعاب ١: ٥٤١). وقتل يوم اليمامة (جمهرة النسب: ١٠٥، نسب قريش: ٣٤٨، جمهرة أنساب العرب: ١٥٦، تاريخ خليفة: ٧٣، طبقات ابن سعد ٣: ٣٧٧، كتاب النسب: ٢١٧، فتوح البلدان: ١٠١، الفتوح ٢: ٣٢، المحبّر: ٧٣، ثقات ابن حبّان ١: ٣١٩، الاشتقاق: ١٣٤، المستدرك على الصحيحين ٣: ٢٥٢، الاستيعاب ١: ٥٤١، تاريخ الطبري ٢: ٥١٢، تهذيب الكمال ١٠: ٦٥، أسد الغابة ٢: ٢٨٦، طبقات خليفة: ٥٥).
(٢) الأنفال: ٢٦.
كافراً، ولا نوادّ ملحداً فاسقاً. ولقد قلت وقالوا فقطعك الخطيب وألجمك الشاعر.
وأمّا ذكرك الذي كان بالأمس، فدع عنك المهاجرين والأنصار فإنّك لست من ألسنتهم في الرضا، ولا نحن من أيديهم في الغضب(١) .
للهِ درُّك يا زيد! ما أبين كلامك وأفصحه وشدّة عارضتك وقوّة حجّتك! ثأرت للحقّ وكأنّك لست لعديّ! ونصرت الأنصار بحقّهم الجَلي، فلم ترَ كُرْهاً في ذلّ قريش بمكّة وعزّها في المدينة في ظلّ الأنصار. وفضحت الوليد في أبيه إذ قتل كافراً يوم بدر؛ وفي نفسه فهو الملحد الفاسق كما سمّاه الله عزّ وجلّ.
وتكلّم يزيد بن أبي سفيان، وضرار بن الخطّاب (وكلاهما من مسلمة الفتح)، فقالا شيئاً ولكن دون قول زيد.
وأقبل حسّان بن ثابت مغضباً من قول الوليد بن عقبة وشعره، فدخل المسجد وفيه قوم من قريش فقال: يا معشر قريش! إنّ أعظم ذنبنا إليكم قتلنا كفّاركم! وحمايتنا رسول الله؛ وإن كنتم تنقمون منّا منّة كانت بالأمس فقد كفى الله شرّها، فما لنا ما لكم. والله ما يمنعنا من قتالكم الجبن، ولا من جوابكم العِيّ. إنّا لَحيُّ فِعال ومقال ولكنّا قلنا: إنّها حرب، أوّلها عار وآخرها ذلّ. فأغضينا عليها عيوننا، وسبحنا ذيولنا حتّى نرى وتَروا، فإن قُلتم قلنا وإن سكتّم سكتنا.
فلم يجبه أحد من قريش، ثمّ سكت كلٌّ من الفريقين عن صاحبه، ورضي القوم أجمعون، وقطعوا الخلاف والعصبيّة(٢) .
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٩٩ - ٦٠١ / ٣٩٠.
(٢) نفس المصدر السابق.
تعريف بالوليد
الوليد الذي أخطأ استه الحفرة! ورمى بسهم خائب، إذ تكلّم في الأنصار! وهو فاسق ابن كافر حفيد متبنّى لصيق، وهذا هو شأن البيت الأمويّ فكلّه عورات وللناسِ ألسنٌ! إلّا من رحم ربّي مثل خالد وأخيه أبان....
والوليد شانئ الأنصار، ومن قبلهم شانئ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فأنزل الله تعالى بشنآته لعليّ بياناً، وسمّاه فاسقاً، وسمّى عليًّا مؤمناً.
من هو هذا الفاسق؟
هو الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْط بن أبي عَمرو بن أميّة.
واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو. واسم أبي عمرو ذَكْوان بن أميّة(١) .
وفي الاشتقاق: أبو معيط، وهو أبان بن أبي عمر. و (مُعَيْط) تصغير أمْعَط، واشتقاقه من الذّئب إذا تَمعَّط شعرَهُ عن جِلده(٢) . ولـمـّا مات عفّان، تزوّج عقبة بن أبي معيط زوجته أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فأولد عقبة منها: الوليد، وعمارة، وخالداً؛ فهم إخوة عثمان بن عفّان لأمّه(٣) .
قال أبو اليقظان: كان أبو عمرو، عبداً يسمّى: ذكوان، فاستلحقه (أميّة) وكنّاه: أبا عمرو. فخلف على امرأة أميّة وهي: آمنة بنت أبان، أمّ الأعياص(٤) .
وقال ابن الكلبيّ: كان أميّة خرج إلى الشأم، فأقام بها عشر سنين، فوقع على أمَةٍ لِلَخمٍ، يهوديّة من أهل صَفُّورية، يقال لها: تُرنا. وكان لها زوج من أهل صَفُّورية
____________________
(١) طبقات خليفة: ٤١.
(٢) الاشتقاق: ١٦٧.
(٣) نسب قريش: ١٤٧، النسب، لابن سلاّم: ٢٠١، تاريخ دمشق ١٢: ٢٨٤.
(٤) المعارف، لابن قتبية: ٣١٨.
يهوديّ، فولدت له ذكوان، فادّعاه أميّة واستلحقه وكنّاه أبا عمرو. ثمّ قدم به مكّة، فذلك قول النبيّ لعقبة يوم أمر بقتله: إنّما أنت يهوديّ من أهل صَفُّورية(١) . وبذا وذا انتفى نسبه إلى قريش وإلى أميّة.
وقبل الاستطراد في قبائح آل أبي معيط! نقول: إنّ جدّهم الأعلى (ذكوان) عبد لأميّة فاستلحقه ونسبه إليه فصار يُعرف: أبو عمرو بن أميّة! فإذا هلك أُميّة؛ خلف ذكوان على امرأة أبيه، وهو ليس أباه! وإذا كان في الجاهليّة التي رافقت زعماء قريش وأظهروها بعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بصور شتّى أظهرها إقصاء أمير المؤمنين عليّعليهالسلام عن منزلته التي أنزله الله ورسوله إيّاها، وغصب بضعة الرسول وأمّ الذريّة الطاهرة حقّها من إرث أبيها وتوفّيت وهي واجدة عليهم والنبيّ يقول لها: (إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك)؛ وعدوانهم على من جعل الخير في رؤوسهم: الأنصار، وتسليطهم الطّلقاء وآل أبي معيط، ففتحوا بذلك باباً لسفك الدماء وانتهاك الحرمات وتوالي الفتن على مدى الدهور وإلى الله المشتكى!
أقول: إذا وجد قبل الإسلام من ارتضى لنفسه أن يخلف أباه على أمّه، وكان الذي يخلف أباه هو الولد الأكبر، وكانت العرب تسمّي هذا النكاح (نكاح مقت). فهل استطاب ذكوان نكاح امرأة أبيه أميّة ولو بالاستلحاق؟! إلّا أنّ المقريزي يذهب في هذا الأمر مذهباً مريراً: (وصنع أميّة في الجاهليّة شيئاً لم يصنعه أحد من العرب، زوّج ابنه أبا عمرو - ذكوان - بن أميّة امرأته في حياةٍ منه - والمقْتيّون في الإسلام هم الذين أولدوا نساءَ آبائهم واستنكحوهنّ من بعد موتهم، وأمّا أن يتزوّجها في حياته، ويبني عليها وهو يراه؛ فإنّ هذا لم يكن قطّ، وأميّة قد جاوز هذا المعنى، ولم يرضى بهذا
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٣١٩.
المقدار، حتّى نزل عنها له وزوّجها منه، وأبو معيط بن أبي عمرو بن أميّة قد زاد في المقت درجتين)(١) .
فلا عتب على معاوية أن يستلحق ابن سميّة، فيصبح زياد بن أبي سفيان ويتشرّف بتزويجه وولده ابنته وبنات أميّة وعبد شمس! ! فجدّه الأعلى قد رسم لهم خارطة الطريق. ألم يستلحق أميّة عبده (ذكوان) وينسبه إلى نفسه، ويخلف ذكوان على جدّة معاوية من علوّ (امرأة أميّة)؟!
وعلى الرواية الثانية: فإنّ أميّة قد وقع على أمَةٍ يهوديّة، لها زوج يهودي فولدت ذَكْوان، فألحقه أميّة بنفسه، والحال: مَن قال إنّه نتيجة اللقاء المشؤوم ذلك؟ ولم يكن من زوجها اليهوديّ!
وسميّة من ذوات الرايات واقعها في ليلة واحدة أربعة رجال، فمن قال إنّه من أبي سفيان؟ وأين صار (الولد للفراش وللعاهر الحجر)؟! إرث أمويّ لم يسلم منه معاوية نفسه! نذكره في محلّه.
وعُقبة: من زنادقة قريش وهم: أبوسفيان بن حرب بن أميّة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل السَّهميّ، والوليد بن المغيرة المخزوميّ، تعلّموا الزندقة من نصارى الحيرة(٢) . وقتل هؤلاء جميعاً كفّاراً إلّا أبا سفيان تظاهر بالإسلام يوم فتح مكّة فهو من الطّلقاء. وقتل عقبة يوم بدر صبراً، قتله أمير المؤمنين عليّعليهالسلام (٣) .
الوليد: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان لأمّه، من الطّلقاء كان شديد
____________________
(١) التنازع والتخاصم للمقريزي: ٤٢. (وقد مضى أنّ أبا عمرو اسمه ذكوان عبد لأميّة فاستلحقه).
(٢) المحبّر: ١٦١.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٢٩٨، جمهرة النسب: ٥١، المصنّف، لعبد الرزّاق، ح ٣٤٩٥.
العداوة لعليّعليهالسلام يبغضه ويشتمه. عن ابن عبّاس: قال الوليد بن عقبة لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أنا أحدُّ منك سِناناً وأبسط منك لساناً وأملأ للكتيبة منك! فقال له عليّ: أسكت يا فاسق - وفي لفظ: إنّما أنت فاسق - فأنزل الله تعالى فيهما:( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ) (١) ، يعني بالمؤمن عليًّا، وبالفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط(٢) . وسمّي الوليد بحسب ذلك الفاسق فكان لا يعرف في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا بالوليد الفاسق. وسمّاه الله تعالى فاسقاً في آية أخرى، وهو قوله تعالى:( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ ) (٣) الآية. وسبب نزولها مشهور؛ وهو كذب الوليد على بني المصطلق، وادّعاؤه أنّهم منعوا الزكاة وشهروا السيف حتّى أمر النبيّ بالتجهّز للمسير إليهم، فأنزل الله تعالى في تكذيبه وبراءة ساحة القوم هذه الآية. والقصّة مذكورة تفصيلاً في المصادر(٤) .
وكان الوليد مذموماً معيباً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويشنؤه ويعرض عنه، وكان الوليد يبغض رسول الله أيضاً ويشنؤه، وأبوه عقبة بن أبي معيط هو العدوّ الأزرق بمكّة، والذي كان يؤذي رسول الله في نفسه وأهله، وورث الوليد الشنآن والبغضة لمحمّد وأهله، فلم يزل عليهما إلى أن مات(٥) .
____________________
(١) السجدة: ١٨.
(٢) أسباب النزول، للواحدي: ٢٣٦، الأغاني ٥: ١٤٠، تهذيب الكمال ٣١: ٥٥ و ٥٧، تاريخ دمشق ٢٦: ٣٤٠، الاستيعاب ٢: ٦٣٢ - ٦٣٣، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ٨٠.
(٣) الحجرات: ٦.
(٤) أسباب النزول: ٢٦١ - ٢٦٢، الأغاني ٥: ١٤١، والمصادر السابقة، والإصابة ٣: ٦٣٧، أسد الغابة ٥: ٤٥١، أنساب الأشراف ٦: ١٤٥.
(٥) شرح نهج البلاغة ٤: ٨١.
ودخل الإمام الحسن المجتبى على ابن هند وعنده عدد من ذوي العاهات منهم الوليد ضائع النّسب ابن عقبة بن أبي معيط، فنالوا من سيّد شباب أهل الجنّة وكان آخر المتكلّمين الوليد، فلمّا فرغوا، انحدر سيل النبوّة والإمامة كأنّه ينطق عن لسان أمير البلاغة عليّعليهالسلام ، فبدأ بصاحب المكان ابن هند معاوية فما أبقى له من ذارية، فما من لعنة مع كثرتها، لعنه رسول الله ولعن أباه إلّا وذكرها؛ وما من موبقة من بوائقه إلّا وعدّها؛ فأخرجه من إسلام وردّه إلى شرك. والتفت إلى ابن النابغة عمرو، فبدأ بنشأته وأنّ أمره مشترك في أربعة من قريش، مروراً بقتاله رسول الله مشركاً وسعيه بالمسلمين عند النجاشي وهجوه النبيّ وبني هاشم...، فإذا فرغ من ابن النابغة التفت إلى الوليد: وأمّا أنت يا وليد؛ فوالله ما ألومك على بغض عليّ، وقد جلدك ثمانين في الخمر وقتل أباك بين يدي رسول الله صبراً، وأنت الذي سمّاه الله الفاسق، وسمّى عليًّا المؤمن، حيث تفاخرتما فقلت له: أسكت يا عليّ! فأنا أشجع منك جناناً، وأطول منك لساناً، فقال لك عليٌّ: أُسكت يا وليد، فأنا مؤمنٌ وأنت فاسقٌ. فأنزل الله تعالى في مُوافَقَة قوله:( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ) (١) ثمّ أنزل فيك على موافقة قوله:( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا ) (٢) .
ويحك يا وليد! مهما نسيت، فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه:
أنزل اللهُ والكتابُ عزيزٌ |
في عليٍّ وفي الوليد قُرانا |
|
فتَبَوَّى الوليدُ إذ ذاك فِسقاً |
وعليٌّ مُبَوَّأُ إيمانا |
|
ليس مَن كان مؤمناً عَمرَك ا |
للهُ كمَن كان فاسقاً خوّانا |
____________________
(١) السجدة: ١٨.
(٢) الحجرات: ٦.
سوف يُدعى الوليدُ بعد قليلٍ |
وعليٌّ إلى الحساب عِيانا |
|
فعليٌّ يُجزى بذاكَ جِناناً |
ووليدٌ يُجزى بذاك هَوانا |
|
رُبَّ جَدٍّ لِعُقبَةَ بن أبان |
لابِسٍ في بلادِنا تُبَّانا |
وما أنت وقريش؟ إنّما أنت عِلجٌ من أهل صَفُّورية، وأقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد وأسنّ ممّن تدعى إليه!(١)
إنّ كلام الإمام المفدّىعليهالسلام يلقي ظلاًّ من الشكّ في أن يكون الوليد لعُقبة، ويقوّي قولنا في نسبة (ذكوان) إلى أميّة وقد يكون يهوديّاً فتبنّاه!
تولية عمر الوليد
بعد الذي نزل في الوليد وشاع اسمه الوليد الفاسق وإعراض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عنه، وصار معلوماً لدى المجتمع أنّ النبيّ، والوليد يبغض أحدهما الآخر...، فإنّ عمر بن الخطّاب قد ولّى الوليد هذا على صدقات بني تغلب! ثمّ استعمله عثمان على الكوفة. وليس بغريب من تولية عمر الوليد، واستنان عثمان الأمويّ به وقد تكلّمنا عن توليته لنظائره من ذوي العاهات منهم ابن هند ولاّه الشأم وقد كان مسحوراً به يسمّيه (كسرى العرب)، وولّى المغيرة بن شعبة البصرة فلمّا شهد عليه عند عمر بالزّنا، بذل جهده في درأ الحدّ عنه... وبعد ذلك عزله عن البصرة فولاّه الكوفة!
ويكفي في التعريف بالمغيرة جواب الإمام المجتبى الحسنعليهالسلام له لـمّا أدلى بدلوٍ فارغة في حضرة ابن هند، هو والوليد وابن النابغة...، فطحنهمعليهالسلام وكان من جوابه لهذا الأعور الزنّاء، قال:
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٦: ٢٨٥ - ٢٩٤.
وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنّما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي، فإنّي طائرة عنك! فقالت النخلة: وهل عَلِمتُ بك واقعةً عليَّ فأعلَمُ بكِ طائرةً عنّي؟!
والله ما نشعر بعداوتك إيّانا، ولا أغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشقّ علينا كلامك. وإنّ حدّ الزنا لثابتٌ عليك. ولقد دَرَأ عمرُ عنك حقّاً، الله سائله عنه. ولقد سألتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها؟ فقال: (لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا)، لعلمه بأنّك زان! وأمّا فخرك علينا بالأمارة، فإن الله تعالى يقول:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) (١) .(٢)
وقفة بين يدي أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة معذرةً إليك! فأنت أدرى بنفسك إذ جهلوك وعدوا عليك؛ فهلّا أبقيت بيتاً لم تزرع به نائحة وتورثهم لك وللطُّهرِ من أهل بيتك البَغضية فتكالبت عليك الأحزاب وائتلف عليكم ذوو العاهات وأبناء الرايات، لا رايات مجد أثيل ولا ميدان تباري للجِنان! إنّما رايات نَتَنٍ وبغاء؛ فحفيد صهّاك عبقريّ القوم! فحفيد حمَاَمة - وما أجمل الاسم وقُبح المخبر - يقترن بصلبة الحَرْد وقد اختبرها من قبله آخر ووضعت ذكرين لم يقرّ ما يسمّى بالزوج بأُبوّة أحدهما فوضعته على قارعة الطريق خلاصاً من القالة ونُسب الثاني إلى أربع بما يذكّرنا بقول مسيلمة
____________________
(١) الاسراء: ١٦.
(٢) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٦: ٢٨٥ - ٢٨٦. (ولم تكن المرأة مجهولة على عمر! فهناك موقف بين عمر والمغيرة بحضور امرأة، وكانت المرأة ذات شأن عند عمر نذكره في غير هذا المكان في مناسبته!)
لسجاح ويذكر لها طريقة الأربع! إلى ابن العبقريّة في المعاطاة حتّى بزّت ذوات الرايات فكانت النابغة. وآل العوّام أردتُم لهم خيراً فنقلتموهم من هويّتهم القبطيّة. ونقلتموهم إلى بني أسد بن عبد العزّى عن السناء والنسب عن الآباء لا الأمّهات، ولم يكن سعد بأحسن حال من غيره، فآل أبي وقّاص دعوتهم في بني عذرة من قحطان أوثق من دعوتهم في بني زهرة، وما زهرة إلّا امرأة كما يذهب إليه البعض. وأمّا آل أبي معيط، فأنت سيّدي أعلم بحالهم ومضى الحديث في استلحاق أميّة لعبده (ذكوان) في أرض مصر وتسميته له (أبو عمرو) وكان من وفاء الذئب أبي معيط أن خلف على امرأة أبيه أمية بالاستلحاق. ليكون من ثمرة هذا النكاح الذي تاباه الشجرة المباركة وتأنف بشدة من الاستلحاق فلا تطعم شجرتها أو تلوثها بالسقط ولا بغيره. وكذلك هم الأنصار. وآل عَوف جُلُّهم من آل أبي معيط الذي طهّرتَ الأرض من دنسه، وحكمَ الله تعالى بينك وبين ابنه عُقبة، فسمّاك المؤمن، وسمّى عُقبة الفاسق.
يا أمير المؤمنين وإمام المتقين، يا من النظر إلى وجهه وذكره عبادة: هلاّ صفحت عن واحد منهم وهم رؤوس الكفر والشرك فلم تبق بيتا تَيميّاً ولا عَدِيّاً إلّا وَتَرته، وأَوْغلتَ في دماء بني مخزوم فزرعت الفواجع في بيوتهم وأوغرت صدروهم. ولم تقصّر في بني عبد شمس، ولا في بني أميّة ولا لُؤيّ بن غالب، وقل مثل ذلك في بني سَهْم وبني جُمَح وأمّا عبد الدار فإنّ هند وصويحباتها كنّ يضربنَ بالدفوف ويصهلن:
ويهٍ بني عبد الدار |
ويهٍ حُماة الديار |
ضرباً بكلّ بتّار
إن تُقبلوا فعاتق |
ونفرش النمارق |
|
أو تُدْبِروا نفارق |
فراق غير وامِق |
آخر المطاف مع الأنصار في أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بدأنا في الكلام عن الأنصار بما ورد عنهم في القرآن الكريم، وأقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم، وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام وانتصاره لهم؛ ويحسن أن ننهي الكلام ونوشّحه بروايات وأقوال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، في الأنصار.
عبد الرزّاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال يوم الخندق: (أللّهم لا عيش إلّا عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة، والعن عضلاً والقاره، وهم كلّفونا ننقل الحجاره)(١) .
وعبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أللّهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار)(٢) .
عبد الرزّاق عن معمر عن حرام بن عثمان عن ابني جابر عن جابر قال: أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بني سلمة يزورهم، فلمّا رجع اجتمع صبيان من صبيانهم ونساء من نسائهم، ينظرون إليه ويتبعونه، فالتفت إليهم فقال: (أما والله لئن أجبتموني إنّكم لأحبّ الناس إليّ)(٣) .
عبد الرزّاق عن معمر عن الزهريّ قال: أخبرني أنس بن مالك أنّ ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن، فطفق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يعطي رجالاً من قريش، المئة من الإبل كلّ رجل منهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدّثت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمقالتهم، فارسل إلى الأنصار فجمعهم في قبّة من أدم، لم يدع معهم أحداً غيرهم، فلمّا
____________________
(١) المصنّف، لعبد الرزاق، رقم ٥٨٥١.
(٢) نفس المصدر السابق، رقم ٥٨٥٢.
(٣) نفس المصدر السابق، رقم ٥٨٥٥.
اجتمعوا جاءهم رسول الله، فقال: (ما حديثٌ بلغني عنكم؟) فقالت الأنصار: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئاً، وأمّا أناس حديثة أسنانهم فقالوا كذا وكذا - للذي قالوا - فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّما أعطي رجالاً حديثي عهد بالكفر أتألّفهم، أو قال: استألفهم؛ أو لا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فو الله لـما تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به)، قالوا: أجل يا رسول الله، قد رضينا. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله، فإنّي فرطكم على الحوض)(١) .
ونظيره عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطب الأنصار وهم يقولون: صدق الله ورسوله، ثم قال: (ألا تجيبوني! ألا تقولوا: أتيتنا طريدا فآويناك، وأتيتنا خائفا فأمّنّاك، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله تدخلون به دوركم؛ لو أنكم سلكتم واديا أو شعباً، والناس واديا أو شِعْباً، لسلكت واديكم أو شعبكم، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، وإنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً فاصبروا حتى تلقوني)(٢) .
هذه هي الأنصار السابقة إلى الإسلام، فإذا قال حديثوا السِّنّ منهم شيئا لـما يروا من إعطاء المؤلّفة قلوبهم، وهو كلام لم يقُله أهل الرأي من الأنصار؛ سألهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، سؤال أبٍ مشفِقٍ، فاعتذروا إليه أنه لم يكن من ذوي الرأي والسنّ الذين يُرجع إليهم، ولـمّا راحصلىاللهعليهوآلهوسلم يسألهم فيعدّد نعم الله تعالى عليهم؛ ما كان منهم إلّا التصديق والتسليم لـما يقول (صدق الله ورسوله). فتحوّلصلىاللهعليهوآلهوسلم يعدّد مآثرهم:
____________________
(١) المصنّف، لعبد الرزّاق، رقم ٥٨٤٧.
(٢) نفس المصدر السابق، رقم ٥٨٥٧.
فالأنصار آووا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد أن طردته قريش من بينها! وهو ذروة سنامها في النّسب وأشرفها في الخُلُق والدين الذي جاء به، فخرج من بينها خائفاً يترقّب على الدين الذي حمل مسؤوليّة تبليغه، فأمّنه الأنصار، وذادوا قريشاً وغيرها عن رسول الله والدين الحنيف. هذه مآثر الأنصار يتلوها رسول الله عليهم عرفاناً منهصلىاللهعليهوآلهوسلم بفضلهم؛ ورتّبصلىاللهعليهوآلهوسلم على ذلك أثراً عظيماً: ذلك أنّ الناس الذين أعطاهم هم حدثاء عهد بكفر، فأعطاء يستألف قلوبهم بالشاء والبعير، فيدفع بذلك شرّاً حتى يقضي الله أمراً!
وأمّا الأنصار، فعوضهم من العَرض الزائل، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدخل دورهم ويدعو لهم بالبركة، ويدعو الله تعالى أن يعاجل بالعقوبة من أرادهم بسوء. وأيّ فضيلة أو منزلة وفوز يريد الأنصار من أن يتبع رسول الله أثر الأنصار، فلو أنّ الناس، ولا نقول أبوسفيان وابن هند وبسر بن أبي ارطاة وابن النابغة ومسرف وآل حرب وآل معيط و...؛ سلكوا وادياً، لـما دخله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ودخل وادي الأنصار؛ ولولا أنّ النبيّ كان مهاجراً إلى الأنصار، لكان أنصاريّاً، أي جعل نفسه في عدادهم؛ وهو الذي عقد حلفاً معهم كما ذكرنا فجعل ذمّته لا يخفرها، وهم كذلك أن يريقوا دماءهم فداء له، وقد وفوا.
أروى تلجلج الطُّلقاء وأبناء البغايا
عن أنس بن مالك قال: دخلت أروى بنت الحارث بن عبدالمطّلب على معاوية بن أبي سفيان بالموسم، وهي عجوز كبيرة، فلمّا رآها قال: مرحباً بك يا عمّه كيف كنتِ بعدنا؟
قالت: كيف أنت؟ لقد كفرتَ يدَ النعمة وأسأت لابن عمك الصُّحبة، وتسمّيت
بغير اسمك، وأخذت غير حقّك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام(١) . ولقد كفرتم بما جاء به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأتعسَ الله منكم الجُدود وأصعَر(٢) منكم الخُدود حتّى ردّ الله الحقّ إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون، فكنّا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظّاً ونصيباً وقدراً، حتّى قبض الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مغفوراً ذنبه مرفوعا درجته شريفا عند الله مرضيّاً، فصرنا أهل البيت بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيّد المرسلين فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى، حيث يقول: يا ابن أمّ، إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجمع لنا بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شمل ولم يسهّل لنا وعر، وغايتنا الجنّة، وغايتكم النار.
قال عمرو بن - العاص -: أيّتها العجوز الضالّة! أقصري من قولك، وغضّي من طرفك.
قالت: ومن أنت لا أمّ لك؟
قال: عمرو بن العاص.
قالت: يا ابن اللّخناء النابغة(٣) ، أتكلّمني! إربَعْ على ظَلْعِك واعْنِ بشأنِ نفسك(٤) ، فوالله ما أنت من قريش في اللّباب من حَسَبها ولا كريم منصبها، ولقد ادّعاك ستّة من قريش كلّهم يزعم أنّه أبوك، ولقد رأيت أمّك أيّام منى بمكّة مع كلّ عبد عاهر، فأْتَمَّ
____________________
(١) في العقد الفريد: من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام.
(٢) في العقد الفريد: وأضرع، وفي نثر الدرّ: وصغّر. وكلّها بمعنى واحد، أي أذلّ.
(٣) اللّخناء: المنتنة الرائحة. وفي العقد الفريد: فقالت له: يا ابن النباغة - أي الزانية -، وأمّك كانت أشهر امرأة تغنّي بمكّة، وآخَذَهنّ لأجرة؟!
(٤) إربع: أقم. والظّلع: العرَج. مثل يُضرب لمن عيوبه كثيرة، وهو مشغل عنها بغيره.
بهم فإنّك بهم أشبه(١) .
فقال مروان بن - الحكم! -: أيّتها العجوز الضالّة! سُلخ(٢) بصرُك مع عقلك، فلا يجوز شهادتك!
قالت: وأنت أيضاً يا ابن الزرقاء تتكلّم؟! فو الله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كَلَدَة(٣) أشبه منك بالحَكَم، وإنّك لشبهُه في زُرقة عينيك وحُمرة شَعرك مع قِصَر قامتك وظاهر دَمامتك، ولقد رأيت الحكم مادَّ القامة، نثر الهامة، سَبْطُ الشَّعر، وما بينكما قرابة إلّا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرِب، فاسأل أمّك فإنّها تخبرك بشأن أبيك إن صدَقتْ، ثمّ التفتت إلى معاوية، فقالت: والله عرّضني لهؤلاء غيرُك، وإنّ أمّك لَلقائلةُ في يوم أُحد في قتل حمزة رحمة الله عليه:
نحن جَزَيْناكُم يومَ بَدْرِ |
والحربُ بعدَ الحربِ ذاتُ سُعْرِ |
|
ما كان عن عُتْبةَ لي من صَبْرِ |
ولا أخي وعمِّه وبِكري(٤) |
____________________
(١) في العقد الفريد: فقالت له: ادّعاك خمسة كلّهم يزعم أنّه أبوك، فسئلت أمّك عنهم فقالت: كلّهم أتاني، فانظروا أشبههم به فألحقوه به، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به.
(٢) في نثر الدرّ: ساخ.
(٣) الحارث بن كلدة طبيب العرب، من بني علاج ثمّ من ثقيف، كانت له سميّة أمّ زياد بن أبيه، فأنتسب إليه أبو بكرة بن الحارث، ونافع بن كلدة. (جمهرة النسب: ٣٨٩)
(٤) قتل عُتبة بن ربيعة - أبو هند - ببَدْر. شارك عليٌّ حمزة في قتله. (النسب: ٢٠٤، تاريخ الطبريّ ٢: ١٤٨، الثّقات ١: ٦٥).
وقتل أخوها الوليد بن عتبة - خال معاوية - أيضاً ببدر. قتله عليّ بن أبي طالب. (السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦، المغازي ١: ١٤٨، طبقات ابن سعد ٢: ١٧، المحبّر: ٧٥، أنساب الأشراف ١: ٣٥٦، النسب، لابن سلام: ٢٠٢، تاريخ الطبريّ ٢: ١٤٨، كتاب الثقات ١: ٦٥، الإرشاد: ٦٠). وقتل شيبة بن ربيعة - عمّ هند - ببدر كذلك. قتله عليّعليهالسلام . (طبقات ابن سعد ٢: ١٧).
وقتل ابنها حنظلة بن أبي سفيان يوم بدر كذلك. قتله عليّعليهالسلام . (المغازي ١: ١٤٧، المحبّر: ١٧٦، أنساب الأشراف ١: ٣٥٥، الإرشاد: ٦٣).
شفيتُ نفسي وقَضَيتُ نَذري |
شفيتَ وَحشِيُّ غليلَ صدري(١) |
|
فشُكر وحشيٍّ عليَّ عُمري |
حتّى ترمَّ(٢) أعظُمي في قبري |
فأجبتُها:
يا بنت رقّاعٍ(٣) عظيمِ الكفرِ |
خزِيتِ في بدرٍ وغير بدرٍ |
|
صَبَّحكِ اللهُ قُبيلَ الفجرِ |
بالهاشميّين الطُّوالِ الزُّهْرِ |
|
بكلِّ قطّاعٍ حُسامٍ يَفْري |
حمزةُ لَيْثي وعليٌّ صَقْري |
|
إذ رامَ شَيبٌ(٤) وأبوكِ غَدْري |
أعطيتِ وحشيَّ ضميرَ الصَّدرِ(٥) |
|
هتَكَ وحشيُّ حجاب السترِ |
ما لِلبغايا بَعدَها من فخر(٦) |
فقال معاوية لمروان وعمرو: ويْلَكما أنتما عرّضتماني لها، وأسمعتُماني ما أكره.
وجرى بينهما كلام طويل من ذلك: أنّ ابن هند تعرّض لأمير المؤمنينعليهالسلام في العطاء، فقالت أروى: إنّ عليًّا أدّى الأمانة وعمل بأمر الله وأخذ به، وأنت ضيّعت أمانتك، وخنت الله في ماله، فأعطيت مال الله من لا يستحقّه، وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبيّنها فلم تأخذ بها، ودعانا - أي عليّعليهالسلام - إلى أخذ حقّنا الذي فرض الله لنا، فشغل بحربك عن وضع الأمور مواضعها، وما سألتك من مالك شيئاً فتَمُنّ
____________________
(١) كانت هند كلّما مرّت بوَحْشيّ، قالت: وَيْها أبا دَسْمة، اشف واستَشفِ! وكان وحشي يُكنّى أبا دسمة (السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦). وهو ما ذهبت إليه أروى من نعتها لهند بالزّنا!
(٢) تَرمّ: تبلى وتتفتّت.
(٣) في السيرة النبويّة: وقّاع، بالواو: الكثير الوقوع في الدنايا.
(٤) شيب: أرادت شيبة.
(٥) كناية عن فعل الدنيء.
(٦) توضيح لـِما تقدّم وتوكيده.
به! إنّما سألتك من حقّنا، ولا نرى أخذ شيء غير حقّنا. أتذكر عليًّا فضّ الله فاك وأجهد بلاءك! ثمّ علا بكاؤها وقالت:
ألا يا عين وَيْحَكِ أسعِدينا |
ألا وأبكى أميرَ المؤمنينا |
|
رُزِينا خيرَ مَن رَكِبَ المطَايا |
وفارِسَها ومَن ركبَ السفينا |
|
ومَن لَبِسَ النِّعالَ أو احتذاها |
ومَن قرأ المثانيَ والمئينا |
|
إذا استقبلتَ وجه أبي حسينٍ |
رأيتَ البدرَ راعَ الناظرينا |
|
ولا والله لا أنسى عليًّا |
وحُسنَ صلاتِه في الراكعينا |
|
أفي الشهر الحرام فَجَعتُمونا |
بخيرِ الناس طُرّاً أجمعينا |
أمام هذا الإعصار الجامع بالحقائق والمشبوب بالعاطفة الصادقة والولاء الذي لا يعرف النهاية، تهاوى معاوية، فأمر لها بستّة آلاف دينار، وقال لها يسترضيها يا عمّة، أنفقي هذه فيما تحبّين، فإذا احتجت فاكتُبي إلى ابن أخيك يُحسن صَفَدكِ(١) ومعونتك إن شاء الله(٢) .
لله درّ أروى؛ وكذلك شأن من يصدر من هذا البيت الذي عنوانه الشرف والسؤدد والإيمان والكرم الحسب وسلامة النسب؛ وعلى ضدّ ذلك كلّه من شنأهم وناصبهم انظر إليها وهي عجوز كبيرة يرحّب بها ابن هند ويسألها: كيف كنت بعدنا؟! وكأنّه يريد أن يثبت لنفسه ولاية الأمر؛ فجاءه الجواب سريعاً من أروى: وكيف أنت؟ أي ومن أنت حتّى تسأل عن أحوال الصالحين وكيف صار أمرهم من
____________________
(١) الصَفَد: العطاء.
(٢) بلاغات النساء، لابن طيفور (ت ٢٨٠ هـ): ٤٠ - ٤١، العقد الفريد، لابن عبد ربّه (ت ٣٢٨ هـ) ١: ٣٥٧ - ٣٥٨، نثر الدرّ، للآبي (ت ٤٢١ هـ).
بعدك! فلقد كفرتَ يدَ النعمة إذ منّ عليك وعلى أبيك وقومك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ عفى عنكم فأنتم الطّلقاء، ثمّ خرجت وتولّيت بغير حقّ مع كفر لا يبارحكم! وصرتم والخوارج جميعاً يداً واحدة على أهل بيت النبوّة؛ وعزاؤنا الذي يهوّن الخطب أنّا إلى الجنّة، وأنتم إلى النار!
وكما هو المألوف من بطانة ابن هند أنّهم لا يعتبرون ممّا يقع لهم في مجالس سيّدهم من إذاعة فضائحهم، وأكثر من ذلك نجدهم يقرّون بها، فمن لا دين له لا حياء له. تعرّض لها ابن النابغة عمرو؛ فلم تقم له قائمة، فهو من ذوي العاهات في الحسب، وابن آباء ستّة في النسب وأمّه تُعاطي كلّ عبد عاهر.
ولم يتّعظ ابن الزرقاء مروان ممّا سمع في ابن هند، وابن النابغة؛ فرمى بسهم خائب؛ سرعان ما ارتدّ إلى نحره! فهو ليس إلى الحكم الذي يتسمّى به، إنّما هو إلى سفيان بن الحارث ثمّ صار بن الحَكَم! فما أكثر العهر والبغايا والمستلحقين والأدعياء في صفوف الخوارج؟!
وأثارت الشجون أروى، فرأت في ابن هند سبباً عرّضها لهؤلاء؛ فصدحت بأمجاد بني هاشم وخصّت منهم حمزة أسد الله وأسد رسوله؛ ثمّ عرّضت بهند أمّ معاوية فوصفتها بالفجور والزنى وأنّها أعطت نفسها لوَحْشي قاتل حمزةعليهالسلام .
سَودَة تستعدي معاوية على بُسْر بن أبي أرطاة
روى عامر الشعبيّ قال: وَفَدت سَودَة بنت عِمارة بن الأشتر الهَمْدانيّة على معاوية فاستأذنت عليه فأذن لها، فلمّا دخلت عليه سلّمت، فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟
قالت: بخير.
قال: أنت القائلة لأخيك:
شَمِّرْ كفعلِ أبيكَ يا ابن عمارةِ |
يومَ الطِّعانِ ومُلتَقَى الأقرانِ |
|
وانصُرْ عليًّا والحسينَ ورهطَهُ |
واقْصِدْ لهِندٍ وابنِها بِهَوانِ(١) |
|
إنّ الإمامَ أخو النبيّ محمّدٍ |
عَلَمُ الُهدى ومنارةُ الإيمانِ |
|
فَقُدِ الجيوشَ وسِرْ أمامَ لوائِه |
قُدُماً بأبيضَ صارمٍ وسِنانِ |
قالت: لقد مات الرأس، وبُتِر الذَّنَب، فَدَع عنك تَذكارَ ما قد نُسِي.
قال: هيهات، ليس مثلُ مقام أخيك يُنسى!
قالت: صدقتَ والله، ما كان أخي خفيَّ المقام، ذليلَ المكان، ولكن كما قالت الخنساء:
وإنّ صَخْراً لَتأْتمُّ الهداةُ بهِ |
كأنّه علَمٌ في رأسه نارُ |
وبالله أسألك إعفائي ممّا استعفيتُه.
قال: قد فعلتُ، فقولي حاجتك.
قالت: إنّك أصبحت للناس سيّداً، ولأمورهم مقلَّداً، واللهُ سائلك عمّا افترض عليك من حقّنا، ولا تزال تُقْدِم علينا مَن ينهض بعزّك، ويَبسط سلطانَك، فيحصدنا حصادَ السُّنبل، ويدوسنا دِياس البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسألنا الجليلة؛ هذا ابن أرطاة(٢) قدِم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عِزّ ومَنَعة، فإمّا أن
____________________
(١) إنّ معاوية أعرف بنفسه فيقول في مواطن الفخر: وأنا ابن هند، وأبو سفيان يقول لهند كيف رأيت ابني (يزيد) من ابنك (معاوية) - ذكرناه - وهذه المرأة وغيرها من معاصريه إنّما ينسبونه إلى هند، ومضى في تحقيقنا أنّه ينسب إلى أربع رجال....
(٢) هو بُسر بن أرطاة، ويقال: ابن أبي أرطاة، صاحب الغارة التي أرسله ابن هند فيها إلى اليمن والحرمين الشريفين. ذكرناها في مبحث الغارات.
عزلته فشكرناك، وإما لا فَعَرفناك!
فقال معاوية: إيّاي تُهدِّدين بقومك؟! والله لقد هممتُ أن أردَّك إليه على قَتَب(١) أشرس فينفِّذ حكمه فيك!
فسكتت، ثمّ قالت:
صلّى الإلهُ على رُوحٍ تَضَمَّنَه |
قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفونا |
|
قد حالفَ الحقَّ لا يَبغي به ثمناً |
فصار بالحقِّ والإيمان مقرونا |
قال: ومَن ذاك؟!
قالت: عليّ بن أبي طالب، رحمه الله تعالى.
قال: ما أرى عليك منه أثراً!
قالت: بلى، أتيته يوماً في رجل ولاّه صدقاتنا، فكان بيننا وبينه ما بين الغَثِّ والسمين، فوجدتُه قائماً يُصلّي، فانفتل من صلاته ثمّ قال برأفة وتعطّف: ألكِ حاجة؟ فأخبرته خبرَ الرجل، فبكى، ثمّ رفع يديه إلى السماء فقال: (أللّهم إنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا تَرك حقّك). ثمّ أخرج من جيبه قطعة جراب فكتب فيه:( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْيَاءَهُمْ (٢) وَلاَ تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) (٣) إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتّى يأتي من يقبضه منك والسلام).
____________________
(١) القَتَب: الرّحل الصغير على قدر سنام البعير.
(٢) إلى هنا: الأعراف: ٨٥.
(٣) هود: ٨٥ - ٨٦.
فعزَله؛ ما خَزَمَه بخشزام(١) ، ولا ختمه بخِتام.
فقال معاوية: اكتبوا لها بالإنصاف لها والعدل عليها.
فقالت: ألي خاصّة أم لقومي عامّة؟
قال: وما أنتِ وغيرك؟
قالت: هي والله الفحشاء إذاً واللؤم، إن لم يكن عدلاً شاملاً، ولا يَسَعني ما يَسَع قومي!
قال: هيهات! لمظَكم(٢) ابن أبي طالب الجرأة على السلطان، فبطيئاً ما تُفْطَمون، وغَرَّكم قوله:
فلو كنتُ بوّاباً على باب جنّةٍ |
لَقلتُ لِهَمْدانَ: ادخُلوا بسَلامِ(٣) |
اكتبو لها بحاجتها(٤) .
كيان مُهَلْهَل أنّى وضعت إصبعك تخرّق فبدت لك عاهات وعورات. فما من امرأة هي لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام شيعةً إلّا وخرّقت تلك الحجب البالية، واقتحمت ميدان الخوارج من غير خيول ولكن بألسن حداد! تهدّد ابن هند، وتبيّن حاله وحال تابعيه وما هم عليه من باطل وضلال وعدوان؛ وحال أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في رعيّته من العدل والإنصاف. فإذا اُضطرّ ابن هند أن يكتب لها بالإنصاف؛ أبت شكيمتها إلّا أن يكون ذلك عامّاً لها ولقومها، فهي ترى إن استمنحت حاجتها دون قومها فاحشةً ولؤماً!
____________________
(١) خزمه: شكّه وثقبه، أي أقفله.
(٢) أي عوّدكم وعلّمكم.
(٣) الشعر في: وقْعَة صفّين، لنصر بن مزاحم: ٤٣٧.
(٤) بلاغات النساء: ٤٤ - ٤٦، العقد الفريد ١: ٣٤٤ - ٣٤٦، نثر الدرّ ٤: ٧٧ - ٧٩.
غانمة تنتصر لهاشم
بلغ غانمة بنت غانم سبُّ ابن هند وابن النابغة بني هاشم! فقالت لأهل مكة: أيها الناس، إنّ قريشاً لم تَلِد من رَقم ولا رُقم، سادت وجادت، ومُلِّكت فملكت، وفُضِّلت فَفَضَلت، واصطُفِيَت فاصطَفَت، ليس فيها كدرُ عيب ولا أفْنُ(١) ريب، ولا حشروا طاغين، ولا حادوا نادمين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالّين. إنّ بني هاشم أطولُ الناس باعاً، وأمجَدُ الناس أصلاً، وأحلمُ الناس حلماً، وأكثر الناس عطاءً. منّا عبد مَناف الذي يقول فيه الشاعر:
كانت قريش بيضةً فتفلّقت |
فالمخُّ خالِصُها لعبدِ مَناف |
وولده هاشم الذي هشَمَ الثَّريدَ لقومشه، وفيه يقول الشاعر:
هشم الثريد لقومه وأجارَهم |
ورجال مكّة مُسْنِتُون عِجافُ(٢) |
ثمّ منّا عبد المطّلب الذي سُقينا به الغَيث، وفيه يقول الشاعر:
ونحن سِنيَّ المحلِ قامَ شفيعُنا |
بمكّةَ يدعو والمياهُ تَغورُ |
وابنُه أبوطالب عظيمُ قريش، وفيه يقول الشاعر:
آتيتُه مَلِكا فقام بحاجتي |
وترى العُلَيّجَ خائباً مذموما |
ومنّا العبّاس بن عبد المطّلب، أردفه رسولُ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر:
رَدِيفُ رسولِ الله لم أرَ مثلَهُ |
ولا مِثلُهُ حتّى القيامةِ يُوجَدُ |
____________________
(١) أفْن: ضعيف الرأي.
(٢) في جمهرة النسب: فولَدَ عبد مَناف بن قُصَيّ: هاشماً، وهو عمرو، وسُمِّيَ هاشماً لأنّه هشم الثَّريدَ، وله يقول الشاعر:
عمرو العُلى هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِهِ |
ورجالُ مكّةَ مُسْنتِونَ عِجافُ |
ومنّا حمزة سيّد الشهداء، وفيه يقول الشاعر:
أبا يَعلى لكَ الأركانُ هُدّتْ |
وأنتَ الماجدُ البرُّ الوَصُولُ |
ومنّا جعفر ذو الجناحين أحسنُ الناس وأكملهم كمالاً، ليس بغدّار ولا ختّار، بدّله الله عزّ وجلّ بكلّ يد له جناحاً يطير به في الجنّة، وفيه يقول الشاعر:
هاتوا كجعفرنا الطيّار أو كعليّنا |
أليسا أعزّ النّاس عند الخلائق؟! |
ومنّا أبو الحسن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، أفرس بني هاشم وأكرم من احتفى وتنعّل بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن فضائله ما قصر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر:
ومن يكُ جدُّه حقّاً نبيّاً |
فإنّ لَهُ الفضيلة في الأنام |
ومنّا الحسين بن عليّ رضوان الله عليه، حمله جبرئيل علىعليهالسلام عاتقه وكفى بذلك فخراً، وفيه يقول الشاعر:
نفى عنه عيبَ الآدميّين ربُّهُ |
ومن مجدِه مجدُ الحسينِ المطهَّرِ(١) |
ثمّ قالت: يا معشر قريش! والله ما معاوية بأميرالمؤمنين، ولا هو كما يزعم، هو والله شانئ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّي آتيةٌ معاوية وقائلة له بما يعرق جبينُه ويكثر منه عويله(٢) .
فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلمّا بلغه أنّ غانمة قد قرُبت منه أمر بدارِ ضيافةٍ
____________________
(١) صريح في العصمة.
(٢) لـمّا تأتي ابن هند بعد، حتّى جعلتها تظاهرة في مكّة صدحت بفضائل الشجرة المباركة. ولكن لا أظن سيعرق جبين ابن هند فهو نسيج عاهات وعورات سارت بها الركبان!
فنُظّفت وألقي فيها فرش، فلمّا قربت من المدينة استقبلها يزيد في حَشَمه ومماليكه، فلمّا دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم، فقال لها يزيد: إنَّ عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته، فقالت: من أنت كّلأكّ الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: لا رعاك الله يا ناقص! لست بزائد، فتمعّر لون يزيد(١) ، فأتى أباه فأخبره، فقال: هي أسَنّ قريش وأعظمهم. فلما قال يزيد: كم تعدّ لها؟ قال: كانت على عهد رسول الله أربعمائة عام وهي من بقيّة الكرام.
فلمّا كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت: وعلى المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان! ثمّ قالت: من منكم ابن العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسبّ بني هاشم وأنت والله أهل السبّ وفيك السبّ وإليك يعود السبّ يا عمرو! إنّي والله عارفة بعيوبك وعيوب أمّك، وإنّي أذكر لك عيبا عيباً؛ ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء تبول من قيام ويعلوها اللّئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذَ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً! وأما أنت، فقد رأيتُك غاويا غير راشد ومفسدا غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غِرتَ ولا أنكرتَ!
وأمّا أنت يا معاوية، فما كنت في خير ولا رُبّيت في خير، فما لَكَ ولبني هاشم؟ أنساء بني أميّة كنسائهم أم أُعطي أميّة ما أُعطي هاشم في الجاهليّة والإسلام؟ وكفى برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
فقال معاوية: أيّتها الكبيرة أنا كاف عن بني هاشم. قالت: فإنّي أكتب عليك عهداً، كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا ربّه أن يستجيب لي خمس دعوات، فأجعل تلك الدعوات كلّها فيك. فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسبّ بني هاشم أبداً(٢) .
____________________
(١) أي تغيّر وعَلَته صُفرة.
(٢) المحاسن والمساوئ، للبيهقي: ٩١ - ٩٤.
أخذ الله تعالى على ابن هند وحاشيته الفاسدة أبصارهم وأسماعهم، وطبع على قلوبهم، فهم يتعاوون. يسبّون (خير البشر؛ ومن أبى فقد كفر) و (خير البريّة)...، وشجرته المباركة! ولا يأتي السبّ إلّا عن أفن وسوء منبت وفساد طبع وفقدان حجّة. فسلّط الله سبحانه عليهم من يذيع فضائحهم التي تزكم الأنوف.
وللهِ محتدك يا غانمة! إذ بدأت بقريش، فهي المبرّزة بين قبائل العرب فبدأت بها لتنتقي منها جوهرتها (عبد مناف) ومن ولد عبد مناف: ذورة السنام من غير منازع (بني هاشم) موضع سبّ ابن النابغة وابن هند وكفى بصنعهما هذا حقارة وصغاراً! وتحوّلت إلى وريثه في المجد: ولده (عبد المطّلب)، ومن ولد عبد المطلب، انتقت ولده مؤمن قريش وعظيمها (أبا طالب). وراحت تعدد من بني هاشم الأماجد، فكان (العباس بن عبد المطلب)، رديف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فحمزة؛ سيد الشهداء بن عبد المطلب؛ فجعفر ذا الجناحين بن أبي طالب. ثمّ حطّت رحالها في دوحة الفخر عند عليّ بن أبي طالب أكرم خلق الله بعد رسوله؛ ومنه إلى شبله سبط رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة وكفى بذلك فخراً (الحسن المجتبى بن عليّ المرتضى) فإلى الحسين بن عليّ الذي طهّره الله وتشرّف جبريل بحمله على عاتقه. فمن ذا حمل ابن هند ووضعه على قارعة الطريق؟!
وبعد أن أحكمت كلامها إذ بدأت بقريش وانتهت بخامس أصحاب الكساء، عادت تخاطب قريشا وتذكرهم بفعل ابن هند وتسلبه الإمارة الجبريّة، فهو شانئ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فهي لذلك منتصرة لهذا البيت المنيف والشجرة المباركة، من بيت الطغاة والكفر والشجرة الملعونة.
فكان أوّل من وقع بين براثنها: الناقص حفيد هند، ولو لاها لم ندر أنّ النابغة من الشّبق والتبذّل أن ركبها واحد وأربعون رجلاً في يوم واحد، وانّ ابنها عمرو مع
نبوغه في الضلال؛ فإنّه رأي عاهرا مع زوجته في فراشه فلم يغر ولم ينكر!
والتفتت غانمة إلى ابن هند، فلم يكن في بيئة اجتماعيّة طيّبة ولم يتولّ تربيته أهل خير؛ وإن شاءت المقادير أن ينسب إلى بني أميّة، مثلما نسب هو ابن سُميّة زيادا ونقل نسبه إلى نسبه وادّعى أخوّته وزوّجه وزوّج ولده من بنات آل سفيان؛ ومع ذا فليس نساء بني أميّة مثل نساء بني هاشم واشتُهر منهنّ حَمامة جدّة أبي سفيان بغيّ لها راية تؤتى؛ ومنهنّ هند أمّ معاوية، وقد عرضنا لحالها. وإغراق رجالهم في الجهل والغدر والكفر والنفاق وحرب الإسلام...، وإذا اقتصرنا على اشتقاق الأسماء؛ فإنّ (سفيان) اشتقاقه من (السفيه)(١) .
قال: وأبو سفيان، واسمه صخر بن حرب بن أميّة. والصخر، معروف، وليس كلّ الحجارة تسمّى صخراً، وإنّما الصخرة الصّفاة العظيمة التي لا يمكن حملها وإزالتها عن مكانها. (ابن حربٍ) الحرب: ضد السلم. ورجل محرب ومحراب، إذا كان صاحب حرب يسعرها(٢) .
و (أميّة): تصغير أَمَة(٣) .
و (معاوية): استعوى الكلاب ليسمع نُباحَها فيعلمُ أنّه قريب من ماء(٤) .
وابن هند حقيق بهذه التسمية وكأنّ مشيّة الله تعالى أملت على هند أن تسمّيه به، لـما يعلمه سبحانه ممّا سيكون منه تناوش وتهارش ونباح على كلّ قريب وبعيد.
____________________
(١) الاشتقاق، لابن دريد: ٧٣.
(٢) نفس المصدر السابق: ٧٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٥٤.
(٤) نفس المصدر السابق: ٧٥.
عواؤه على شريك بن الأعور
دخل شريك بن الحارث بن عبد الله الهمدانيّ الحارثيّ البصريّ المعروف بشريك بن الأعور، على معاوية. وكان شريك هذا من خيار الشيعة وكان سيّد قومه، فقال له: ما اسمك؟ قال: شريك. قال: ابن من؟ قال: ابن الأعور. قا ل: إنّك شريك وما لله شريك، وإنّك لابن الأعور والصحيح خير من الأعور، وإنّك لدميم سيّئ الخلق فكيف سُدتَ قومَك؟(١)
فقال: وأنت والله معاوية، وما معاوية إلّا كلبة عوت فاستعوت(٢) فسمّيت معاوية، وإنّك لابن صخر والسهل خير من الصَّخر، وإنّك لابنُ حَرْبٍ والسِّلمُ خيرٌ من الحرب، وإنّك لابن أميّة وأميّة أَمَة صغر بها، فكيف سمّيت أميرالمؤمنين؟!
قال معاوية: واحدة بواحدة والبادي أظلم.
ولشريك شعر في المناسبة يتوعّد فيه ابن هند، فقاسمه(٣) معاوية أن يسكت وقرّبه وأدناه(٤) .
فهل تمسّك ابن هند بقَسَمِه هذا، أم حنَثَ فعاد إلى المحارشة وقد حلف لغانمة كما مرّ بنا أن لا يعود، ولغيرها، ثمّ عاد؟!
وفي التنازع والتخاصم: روى سفينة عن أمّ سلمة أنّه قال لها: إنّ بني أميّة يزعمون
____________________
(١) ابن هند، يعرف شريك حقّ المعرفة، إلّا أنّ سجيّته حملته على سؤاله عن اسمه! وابن من؟! وعرف شريك مرمى ابن هند؛ فلم يقل ابن الحارث وتعمّد أن يقول: ابن الأعور ليستنطقه فيصبّ عليه شؤبوب سخطه!
(٢) استعوت: أي نبحت فتبعها الكلاب. وفي لسان العرب: المعاوية، الكلبة المستحرمة تعوي إلى الكلاب إذا صرفت ويعوين إليها. ومعاوية اسم وهو منه.
(٣) قاسمه: أي حلف له يميناً.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ١٠: ٣٠٥.
أنّ الخلافة فيهم، فقالت: كذبت بنو الزرقاء، بل هم ملوك ومن شرّ الملوك(١) .
قال: ويقال إنّ الزرقاء هذه هي أمّ بني أميّة؛ واسمها: أرنب، وكانت في الجاهليّة من صواحب الرايات(٢) .
وذكرها ابن حزم في ولد الحكم بن أبي العاصي بن أميّة، فذكر مروان وإخوته وقال: أمّهم اسمها أرنب، وهي من بني مالك بن كنانة، وهي الزّرقاء التي كان يعيّر بها عبد الملك وغيره من بني مروان(٣) .
إنّ قول المقريزي: إنّ الزرقاء، واسمها أرنب، وهي في الجاهليّة من صواحب الرايات؛ هي أمّ بني أميّة.
وقول ابن حزم: إنّ أرنب وهي الزرقاء، هي أمّ ولد الحكم بن أبي العاص بن أميّة، التي يعيّر بها عبد الملك وغيره من بني مروان؛ قريب منه جواب أروى بنت الحارث ابن عبدالمطّلب لمروان في مجلس ابن هند - وقد ذكرناه - إذ خاطبته بقولها: يا ابن الزرقاء، مع نفيها إيّاه من الانتساب إلى الحكم، ونسبته إلى سفيان بن الحارث بن كلدة. وزادت بياناً أنّه يشبه سفيان في زرقة عينيه وحمرة شعره. وذكرت صفات في الحكم غير موجودة في مروان. فما أنكر عليها مروان.
إذاً: الزَّرقاء وهي أرنب، وهي بغيّ من ذوات الرايات، ابنها مروان؛ فمروان وبنوه: بنو الزرقاء، وأيضاً بنو الأزرق لنسبتهم إلى سفيان، أزرق العينين.
وهذا لا يمنع أن تكون الزرقاء ثانية على ما ذكر المقريزي وأنّها أمّ بني أميّة، ولا داعي للتوقّف عند ورود اسم أرنب في أمّ بني أميّة، وفي أمّ بني مروان، فما أكثر تشابه
____________________
(١) النزاع والتخاصم، للمقريزي: ٤٢.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) جمهرة أنساب العرب، لابن حزم: ٨٧، والعقد الفريد ١: ٣٥٧.
الأسماء؛ وإلاّ لوجب حذف أكثر التاريخ لهذه الشُبهة! والقاسم مشترك بين بني مروان وبني أميّة؛ فإنّ في نسب أميّة قول إذ ذهب البعض إلى أنّهم ليسوا من العرب وإنّما من الروم. ولأجل ذلك توقّف شريك بن الحارث (الأعور) الهمدانيّ وهو يلقم المعاوية حجراً مسكتاً، عند حدود أميّة ووسمه بالأمة أي العبد المسترق، وهو لفظ مؤنّث! ثمّ صغّره لا عن شماتة، وإنّما هكذا به يعرف. ولم يكن أميّة في نفسه هناك، وإنّما رفعه أبوه الذي يتبنّاه - ومعذرةً أن نقول: أبوه، إلّا أنّه غلب فصار العبد الرومي (أميّة) يعرف بابن عبد شمس؛ وبنوه الذين أخذوا شهرة بمعاداتهم لبني هاشم! فهم في حالي سلامهم وموادعتهم؛ أو حال حربهم محقّقوا مجد وسمعة: فهم أنداد هاشم وكفى بذلك فخراً! ولئلاّ يشطبهم التاريخ لخمول ذكرهم، فلمّا ناوؤا هاشماً عرفوا.
ولئلاّ ننسى: فلا ننسى (حمامة) وقد أشرنا إليها، جدّة أبي سفيان صخر بن حرب ابن أميّة؛ بَغيّ نابغة في هذا الفنّ من ذوات الرايات.
ولا ننسى (أمّ جميل)؛ اسمٌ جميل لامرأةٍ خلّدها عملُها مع زوجها في جهنّم؛ وهذا هو الوفاء: أن تسير المرأة على خطى زوجها في الدنيا، وتعانقه في الآخرة، فهي معه في السّراء والضّراء وإن كان باطلاً!
(أمّ جميل) بنت حرب بن أميّة؛ أخت أبي سفيان صخر بن حرب، عمّة معاوية - تنزّلاً؛ إذ قامت البراهين أنّه ابن شُبهة، فتارة للصُّبّاح، وأخرى لأربعة، وثالثة لرجل آخر...، وهي: حمّالة الحطب، امرأة أبي لهب، ولا نعرف لها فضيلةً! إلّا حملها الحطب والشوك وطرحه في طريق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ولشدّة عداء زوجها (أبي لهب) وعداءها وإيذائهما النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنزل الله تعالى فيهما سورة كاملةً من القرآن تخلّد عملهما، وتخلّدهما في جهنّم، تلك هي سورة (تبّت) أو (المسد).
وللمعاويةَ حوار مع عقيل بن أبي طالب، قطعه فيه عقيل النسّابة المعروف بسرعة
البديهة. وقبل ذكر ذلك، لا ندري هل جرى ذلك بعد الوعد الذي أعطاه ابن هند لشريك أن يسكت عن التهارش أم قبله، وهل كان ذلك بعد وعده لغانمة أم قبل ذلك...؟!
ذكر أبو عمرو بن العلاء، قال: قال معاوية يوماً وعنده عمرو بن العاص وقد أقبل عقيل: لأضحكنّك من عقيل! فلمّا سلّم قال له معاوية: مرحباً برجل عمّه أبو لهب. فقال له عقيل: أهلاً برجلٍ عمّته حمّالةُ الحَطَب في جيدها حبْلٌ من مَسَد.
قال معاوية: يا أبا يزيد، ما ظنّك بأبي لهب؟ قال: يا معاوية - ولم يكنّه كما فعل ابن هند إذ كنّى عقيلاً -، إذا دخلت النار فخذ على يسارك تجده مفترشا عمّتك حمّالة الحطب؛ أفناكحٌ في النار خيٌر أم منكوح؟! قال: كلاهما سواءٌ شرٌّ والله(١) .
ليس مثل عقيل بن أبي طالب رضي الله عنهما، مَن يكعّ عن جواب ابن هند أو تخونه بديهته حتّى يجعله أضحوكة لابن النابغة، لكن شاء الله لـما علم من حال ابن هند، وحال أسرته؛ أن يُخليهم وأنفسهم يعمهون ولا يكفّ عنهم قرناءهم ليزيّنوا لهم أعمالهم، فهم عمون.
واتّفق من حال ابن هند أنّ فيه شيئاً يحركه فلا يطيق إلّا أن يعود فيعاد عليه شرّه. وله مع عقيل مواقف غير ما ذكرنا، من ذلك:
قال معاوية لعقيل: ما أبين الشَّبَق(٢) في رجالكم يا بني هاشم!
قال: لكنّه في نسائكم يا بني أميّة أبيَن!(٣)
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ٩٣؛ وبلفظ قريب منه في العقد الفريد ٤: ٩١، الموفقيّات: ٣٣٥، البيان والتبيين، للجاحظ ٢: ٣٢٦، عيون الأخبار ٢: ١٩٧، أنساب الأشراف ٢: ٣٣٠، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ١٢٢.
(٢) الشّبق: إشتداد الشهوة الجنسيّة.
(٣) العقد الفريد ٤: ٩١، أنساب الأشراف ٢: ٣٣٠، عيون الأخبار ٢: ٢١٠، شرح نهج البلاغة ٢: ٣٢٩، وفي نثر الدرّ ٢: ١٩٨ قال معاوية لعقيل: إنّ فيكم شبقاً يا بني هاشم. قال: هو منّا في الرجال، ومنكم في النساء.
وقال معاوية لعقيل وقد ابتلي به: إنّ فيكم يا بني هاشم لِيناً. قال: أجل، إنّ فينا لينا من غير ضعف، وعزّاً من غير عنف، وإنّ لينكم يا معاوية غَدْر وسِلمكم كفر، فقال معاوية: ولا كلّ هذا يا أبا يزيد!(١)
فلم يكن عقيل يتكلّم من غير بيّنة؛ فهند أعطت لوحشي ضمير الصدر، ومعاوية مردّد بين الصُّبّاح؛ وبين أربع رجال، حاله حال أخيه عُتبة؛ وعدا الصُّبّاح والأربع فهناك رجل آخر...، ومن قبل تزوّجت هند رجالاً ثلاث؛ فأيّ شبق بعد هذا؟!
لم يكن معاوية يجهل حال أمّه هند؛ وهو يرى أنّ عمر بن الخطّاب يوصيه بها خاصّةً ويعرف كثيراً عن حياة هذا الرجل (أبوسفيان) الذي ارتبط بأمّه؛ وجدّة هذا الرجل (حمامة) ذكرناها في مشاهير البغايا من ذوات الرايات. ولـمّا كان من شأن هؤلاء وما اشتهروا به هو الاستلحاق والادّعاء، وقد استلحق ابن هند ابن سميّة زياداً فادّعى إخوّته، وهو مثله ابن زنىً يدعى إلى أربعة وأمّه من ذوات الرايات؛ فليس صعباً على ابن هند أن يمارس الزنا وإن تربّع على منبر المسلمين، فورث يزيد القرود ذلك منه!
المدائني عن محمّد الثقفيّ قال: دعا معاوية بجارية له خراسانيّة فخلا بها، وعرَضتْ له وصيفةٌ مولّدة فترك الخُراسانيّة وخلا بالوصيفة فنال منها وخرج فقال للخراسانيّة: ما اسم الأسد بالفارسيّة؟ فقالت: كَفْتار، فخرج وهو يقول: أنا الكَفْتار، فقيل له: أتدري ما الكفتار؟ قال: نعم الأسد، قالوا: لا ولكنّه الضّبُع العرجاء، فقال: ما لها لله دَرُّها! سرعان ما أدركت بثأرها(٢) .
ومن شابه أُمَّه فما ظلم! فكلاهما سواءٌ شرٌّ.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٤: ٩٣.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٦٤.
سوء تقدير، أم حسن تدبير
لا أظنّ أنّ بيتاً في جاهليّة ولا إسلام ضمّ بين حناياه ما ضمّه البيت الأمويّ من خزايات وعاهات، لا يفتحون ماخُورَهم إلّا لمعْرِقٍ في الغَدْر والكفر والعُهْر ومَن ضُرب في ضياع النسب بسهم وافر!
فكانت خضراء ابن هند بدمشق، وخضراء الحجّاج بواسط، وخضراء المنصور العباسيّ ببغداد؛ وأخيراً خضراء فرعون العصر وأعتى الطواغيت صدّام ببغداد أيضاً، مواخير فسق ومراتع إبليس ومناحر لأطهر وأشرف عباد الله، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
كان لابن هند هيئة استشارية يركن إليها في الملمّات منهم الصحابي الأعور الزنّاء المغيرة بن شعبة، وقد عرفت من قصّة غدره ببني مالك فذبحهم أجمعين، حسداً...، وإحصانه في الإسلام أكثر من ثمانين امرأة، ثمّ كان من فضائله زناه الذي شهد عليه فيه عند حاكم المسلمين عمر بن الخطّاب، وقد ناضل عمر أشدّ النضال في درأ الحدّ عن الصحابيّ حتّى جاء ابن سميّة زياد فأسمعه عمر ما يريده منه! ولذا فلم يشهد مثل سابقيه الّذين أذهبا بشهادتهما ثلثي دين المغيرة، فأبقى على الثالث الآخر فلهو لم يرَ مثلهما أنّه يدخله فيها ويخرجه إدخال الميل في المكحلة، وإنّما رآه متبطّنها جالساً بين فخذيها - ربما يعالجها من مرض! - ولم ير من عورته إلّا خصيته السوداويين؛ ونفساً يعلو؛ ونكص عن الشهادة برؤية ميل المغيرة يولجه في المرأة ويخرجه مثل الميل في المكحلة؛ فكبّر عمر وجلد الشهود...؛ وقد علمتَ مَن هي المرأة.
ومن لُجنته وإن شئت سمّيته وزيره: ابن النابغة عمرو الذي ينسب إلى ستّة، وتلونا عليك من أنبائه أنّ أمّه من ذوات الرايات، وما أكثر رايات البغاء والعُهْر والضلال في
هذا البيت! ولـمّا انعقدت نطفته سألوها إلى من تنسبه من هؤلاء الزّناة فاختارت العاص بن وائل السَّهميّ. ذكره ابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ) في كتابيه (المحبّر: ١٦١) و (المنَمَّق: ٤٨٧) في (زنادقة قريش) - تعلّموا الزندقة من نصارى الحيرة - وهم: أبو سفيان صخر بن حرب، أظهر الإسلام؛ وعقبة بن أبي معيط، ضربت عنقه يوم بدر، ضربها عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؛ وأبيّ بن خلف الجُمَيّ، قتله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم أحد، والنَّصر بن كَلَدة من بني عبد الدار، قتله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يوم بدر؛ ومنبّه، ونبيه ابنا الحجّاج السّهميّان، قتلا يوم بدر كافرين، قتلهما عليّ بن أبي طالبعليهالسلام. وقتل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام : العاص بن منبّه السَّهْميّ يوم بدر. وقد ذكرنا الذين قتلهم أمير المؤمنينعليهالسلام من بني عبد شمس، وبني أميّة وغيرهم مع مصادر ذلك في غير هذا الموضع. وإنّما أردنا أن نشير إلى دواعي انضمام ابن النابغة إلى ابن هند، وكلاهما يعرف بأمّه، سارت بذلك الرّكبان. ولا يستحي عمرو أن ينتمي إلى أمّه موضع فخره! ركبها في يوم واحد، واحد وأربعون رجلاً وعاشرت العبيد بمكّة، ثمّ كانت الليلة المشؤومة التي تراودها فيها ستّة وانعقدت نطفة عمرو؛ فنسبته إلى العاص بن وائل.
قلنا: إنّ ابن حبيب ذكر العاص في الزنادقة؛ وكذلك قد ذكره في المستهزئين برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وماتوا ميتات مختلفات.
قال: وأمّا سبب موته، فإنّ العاص بن وائل خرج في يوم مطير على راحلته ومعه ابنان له يتنزّه ويتغدّى، فنزل شعباً من تلك الشعاب، فلمّا وضع قدمه على الأرض صاح، فطافوا فلم يروا شيئاً، فانتفخت رجله حتّى صارت مثل عنق البعير، فمات من لدعة الأرض(١) .
____________________
(١) المحبّر: ١٥٩، المنمّق: ٤٨٦.
فالعاهة واحدة، وعقدة النسب؛ تؤلّف بين قلبي ابن هند، وابن النابغة وتجعلهما يداً على من حاز دونهما كلّ فخر، وزكى عليهما في طهارة المولد، ومفاخر آبائه وأمّهاته.
وهما مع علمهما أن لا نسب لهما بأبي سفيان صخر بن حرب، والعاص بن وائل السهميّ؛ فهما لم يجدا بدّاً من الرضا بهذا النسب حتّى أشربا إيّاه، يوترهما ما يوتره؛ وقد وتر أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ابن هند بما ذكرناه؛ ووتر ابن النابغة بما ذكرناه؛ فصار هذا سبباً آخر في أن يكونا جبهةً واحدةً.
النابغة: سأل رجل عمرو بن العاص عن أمّة فقال: سلمى بنت حَرمَلة، تُلقَّب النابغة من بني عنزة، أصابتها رماح العرب، فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكِهُ بن المغيرة، ثمّ اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثمّ صارت إلى العاص بن وائل، فولدت له، فأنجبت، فإن كان جُعِل لك شيء فخذه(١) .
عمرو، أعرف بأمّه، فهي سبيّ، بيعت في الأسواق كما تباع البضائع، فاشتراها الفاكه بن المغيرة المخزوميّ(٢) ، وبعد أن نال منها وطراً! اشتراها منه عبد الله بن جدعان التيميّ، من قوم طلحة وأبي بكر؛ فأصاب منها دهراً، وأخيراً، برواية ابنها عمرو، صارت إلى العاص بن وائل.
فهو لا يجد حرجاً في الكلام عن أمّه وتقلّبها بين الرجال، إلّا أنّه لم يصرّح كيف صارت إلى العاص بن وائل، هل بالشراء مثل الفاكه، وابن جُدْعان؟
ثمّ خلط الأمور بقوله (فولدت له، فأنجبت)؛ إيحاءً منه بما حدث؛ فأنجبت
____________________
(١) أسد الغابة ٤: ٢٤٤.
(٢) الفاكه بن المغيرة المخزوميّ، ابن عمّ خالد بن الوليد المخزوميّ. والفاكه هو الزوج لهند أمّ معاوية، قتل عنها بالغميصاء؛ ثمّ حفص بن المغيرة، مات؛ ثمّ صخر (أبو سفيان) بن حرب. (المحبّر: ٤٣٧).
عمرو؛ إلّا أنّه جعل الأمر وكأنّه بعد أن صارت النابغة إلى العاص وليس عكس ذلك أي: لـمّا واقعها عدّة رجال منهم العاص بن وائل فحملت بعد ذلك، فلمّا وضعت حملها سئلت: بمن يلحقوه؟ فاختارت العاص: فعلى ذلك؛ كان على عمرو أن يقول: إنّ النابغة وقع عليها العاص في رجال...، ويتمّ الخبر كما هو، وكيفما قال عمرو فإنّ النابغة لم تسمّ بذلك إلّا لنبوغها في الزنا، وهي من ذوات الرايات.
فحال عمرو في الانتساب إلى العاص مثل حال انتساب معاوية إلى أبي سفيان. إنّ انتساب عمرو إلى النابغة، هو الثغرة الأولى التي ينفذ منها كلّ من أراد تنقّصه وتوهين أمره؛ فإذا ذكره قال: يا ابن النابغة؛ وأعرض عن كفره وكشف عورته يوم صفّين ووشايته بجعفر وجماعته لدى النجاشيّ، وعدم غيرته وهو يرى رجلاً مع امرأته في فراشه؛ فإنّ النابغة غطّت على كلّ هذه الفضائح وغيرها وقد خاطبه سيّد الصادقين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام، يوم صفّين بذلك، لـمّا وقع الخلاف عند كتابة وثيقة التحكيم، فرفض ابن هند وابن النابغة صيغة الكتاب وامتنعا من تسمية عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام، مثلما كان من مشركي قريش في صلح الحديبيّة، إذ أصرّ مفاوضهم سهيل بن عمرو على محو عبارة (رسول الله) من وثيقة الصلح. وقد أشار أمير المؤمنينعليهالسلام إلى ذلك، طاعناً بإسلام عمرو وحزبه، فقال عمرو: سبحان الله! ومثل هذا شبّهتنا بالكفّار ونحن مؤمنون؟ فقال له عليّعليهالسلام : (يا ابن النابغة، ومتى لم تكن للكافرين وليّاً وللمسلمين عدوّاً، وهل تشبه إلّا أمّك التي وُضعت بك!)(١) .
المعاوية تكشف عورات حرب
قال ابن عبّاس: قدِمت على معاوية وقعد على سريره وجمع أصحابه، ووفودُ العرب
____________________
(١) وقعة صفّين: ٥٠٨.
عنده، فدخلت وسلمت وقعدت، فقال: مَن الناس يا ابن عباس؟ فقلت: نحن. قال: فإذا غبتم؟ قلت: فلا أحد! قال: ترى أنّي قعدت هذا لا مقعد بكم؟ قلت: نعم، فبمن قعدت؟ قال: قال: بمن كان مثل حرب بن أميّة.
قلت: من أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه. قال: فغضب وقال: وارِ شخصك شهراً قد أمرت لك بصلتك وأضعفتها لك. فلمّا خرج ابن عبّاس قال لخاصّته: ألا تسألوني ما الذي أغضب معاوية؟ إنّه(١) لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبه أو مضيق مع قوم إلّا لم يتقدّمه أحد حتّى يجوزه، فالتقى حرب بن أميّة مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدّمه التميميّ، فقال حرب: أنا حرب بن أميّة، فلم يلتفت إليه التميميّ وجازه، فقال: موعدك مكّة؛ فبقي التميميّ دهراً، ثم أراد دخول مكّة فقال: من يجيرني من حرب بن أمية؟ فقالوا: عبد المطلب. قال: عبد المطلب أجَلّ قدَراً من أن يُجير على حرب! فأتى ليلا دارَ الزبير بن عبد المطّلب فدقّ عليه، فقال الزبير للغَيْداق(٢) : قد جاءنا رجلٌ إمّا طالب حاجة وإمّا طالب قِرىً وإمّا مستجير، وقد أعطيناه ما أراد.
قال: فخرج إليه الزبير، فقال التميميّ:
لاقَيْتُ حَرْباً في الثَّنِيّةِ مُقْبِلاً |
والصبحُ أبْلَجَ ضَوؤُهُ للساري(٣) |
|
فَدَعا بصوتٍ واكتَنَى لِيَرُوعَني(٤) |
ودَعا بِدَعْوتِهِ يُريدُ فَخاري |
|
فتركتُه كالكلبِ يَنبَحُ وحدَهُ |
وأتيتُ أهلَ معالمٍ وفَخَارِ |
____________________
(١) عائدة إلى حرب بن أميّة.
(٢) الغَيداق بن عبد المطّلب، واسمه نوفل، وأمّه ممتّعة بنت عمرو الخزاعيّة (جمهرة النسب: ٢٩، النسب: ١٩٧، الاشتقاق: ٤٧. وفي نسب قريش: ١٨: الغيداق، واسمه مصعب).
(٣) الثّنيّة: طريق الصعبة. أبلَجَ: أشرق وأضاء.
(٤) يروعني: يفزعني.
لَيْثاً هِزَبراً يُستجارُ بقُربِه |
رَحْبَ المباءةِ مُكِرماً للجارِ(١) |
|
ولقد حلفتُ بزمزمٍ وبمكّةِ |
والبيت ذي الأحجار والأستارِ |
|
إنّ الزبير لَمانعي من خوفِه |
ما كبَّر الحُجّاجُ في الأمصارِ |
قال: تقدّم فإنّا لا نتقدّم من نُجيره. فتقدّم التميميّ فدخل المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف فعدا حتّى دخل دار عبد المطّلب، فقال: أجرني من الزبير، فأكفأ عليه جفنةً كان عبد المطّلب يطعم فيها الناس، فبقي هناك ساعةً ثمّ قال له: أُخرج. فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتَبَوا بسيوفهم على الباب؟! فألقى عليه رداء كان كساه إيّاه سيف بن ذي يَزَن، له طرّتان خضراوان. فخرج عليهم فعلموا أنّه قد أجاره، فتفرّقوا عنه(٢) .
مكرمة جديرة بالذكر
من الإنصاف ذكر مكارم الناس وليس الاقتصار على الخوض في مثالبهم مهما كان خمول ذكرهم.
قال محمّد بن كعب: إنّا لجلوس مع البراء في مسجد الكوفة إذ دخل قاصّ، فجلس فقصّ، ثمّ دعا للعامّة والخاصّة، ثمّ دعا للخليفة، ومعاوية يومئذ خليفة!
فقلنا للبراء: يا أبا إبراهيم! دخل هذا فدعا للعامّة والخاصّة، ثمّ دعا لمعاوية فلم نسمعك قلت شيئاً، فقال: إنّا شهدنا وغِبْتُم، وعلما وجهِلْتم، إنّا بينا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحنين إذ أقبلت امرأة فوقفت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالت: إنّ أبا سفيان ومعاوية أخذا
____________________
(١) هِزَبر: شديد صلب. المباءة: المنزل، المحيط.
(٢) المحاسن والمساوئ، للبيهقيّ: ٨٩ - ٩٠، المحاسن والأضداد، للجاحظ: ٨٦ - ٨٧. وهذا معنى قول ابن عبّاس: (من أكفاً عليه إناءه وأجاره بردائه).
بعيراً لي فغيّباه عليَّ. فبعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلاً إلى أبي سفيان بن حرب ومعاوية: أن ردّا على المرأة بعيرها. فأرسلا: إنّا والله ما أخذناه، وما ندري أين هو. فعاد إليها الرسول فقالا: والله ما أخذناه وما ندري أين هو. فغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى رأينا لوجهه ظلالا ثمّ قال: انطلق اليهما فقل لهما: بل والله إنّكما صاحباه، فأديّا إلى المرأة بعيرها. فجاء الرسول إليهما وقد أناخا البعير وعقلاه فقالا: إنّا والله ما أخذناه، ولكن طلبناه حتّى أصبناه. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اذهبا(١) .
وقفة أخرى مع أميّة
فيما تقدّم، ذكرنا أنّ أميّة عبدُ عبدِ شَمْس، روميّ اشتراه عبد شمس من أرض مصر ثمّ أعتقه واستحلقه فصار يعرف بأميّة بن عبد شمس.
وإذا وقع شكّ في عبوديّة نسب أميّة؛ فلا شكّ في عبوديّة السبب! وقبل الحديث عن هذه باختصار نقول: لم يكن لأميّة في نفسه ميزة أو خليقة ترفعه إلى شرف ونُبْل. ولو افترضنا نسبته إلى عبد شمس، فلم يكن لهذا في نفسه ميزة كذلك؛ إنّما يذكر بأبيه وبأخيه هاشم الذي كان يكفل عيشه ويسدّ مسغبته(٢) .
ثمّ إنّ أميّة إنّما صار شيئاً مذكوراً ببنيه(٣) الذين إنّما أحيا ذكرهم ما قرنهم ببني هاشم، إذ صاروا خصوماً ألدّاء لهاشم وبنيه فلا يذكر الهاشميين ذاكر إلّا ذكر معهم الأمويّين مهما كانت المناسبة والذكر.
وذكره المقريزي أيضاً فقال: (ولم يكن أمية هناك...، وكان مضعوفاً وكان صاحب عهار)(٤) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٧٢ - ٧٣.
(٢) انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٤٦٦.
(٣) النزاع والتخاصم، للمقريزي: ٢١.
(٤) نفس المصدر السابق: ٤١.
ونورد نصّين نستجلي منهما حقيقةً مهمّة في أميّة:
في كتاب كتبه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إلى ابن هند، عقد فيه موازنة بين هاشم وأميّة وبين حرب وعبد المطّلب وبين نفر من آل هاشم ونفر من آل أميّة؛ وفيه: (وليس المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق)(١) .
ويقول أبوطالب من أبيات أنشأها حين تظاهر عليه وعلى رسول الله، بنو عبد شمس، ونوفل.
توالى علينا موالينا كلاهما |
وإذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر |
|
بلى لهما أمر ولكن تراجما |
كما ارتجمت من رأس ذي القلع الصخر |
|
أخصّ خصوصاً عبد شمس ونوفلا |
هما نبذانا مثل ما نبذ الخمر |
|
قديماً أبوهم كان عبداً لجدّنا(٢) |
بني أَمَة شهلاء جاش بها البحر |
فهاتان شهادتان صادرتان من رجلين برَّيْن تقيّين يتحرّجان القولَ من غير علم، ويأنفان أن تأخذهما الحميّة فيتعمّد الهجاء؛ وإذا أخبرنا؛ لم يصدرا إلّا عن صدق وإنصاف.
ففي قول أمير المؤمنين إذ يخاطب ابن هند فيصفه بـ (اللصيق)؛ فليس أدلّ في اللغة العربيّة على انتحال أميّة نسبه إلى عبد شمس.
وفي قول أبي طالب زيادة في الدلالة وتفصيلاً لـِما أجمله ولده أمير المؤمنينعليهماالسلام.
فقد نصب (بني) - في آخر بيت - بإضمار فعل يخصّص من كان أبوهم عبداً لجدّ الطالبيّين، فالمعنيّون في البيت: بنو أميّة بقرينة نصب (بني) بفعل (أعني أو أخصّ) وبهذا التقدير يتّسق البيت ويتّضح معناه.
____________________
(١) من كتاب لهعليهالسلام جواباً على كتاب معاوية إليه، وهو في نهج البلاغة - باب الكتب رقم ١٧.
(٢) إشارة إلى واقعة استبعد فيها عبد المطلب أميّة عشر سنين، يأتي خبرها.
والملفت أنّه أنّث الموصوف (أمة) وأتبع ذلك بتأنيث الصفة (شهلاء) وتأنيث الضمير (بها). أنّث كلّ ذلك باعتبار اللفظ ثمّ أنّثه قاصداً إلى تأنيثه استصغاراً له وتعويضاً عن تصغير لفظه الذي لا يستقيم معه الوزن لو جاء بلفظ (أميّة) فكأنّه حين أراد المصغر ولم يُواتِه الوزن، جاء بمُكبَّرهِ (أمَة) ثمّ دلّ على ما يريده منه بتوهين أمره واستصغار شأنه بهذا التأنيث المطّرد وبهذا الوصف الزريّ.
والبيت صريح بأنّ أميّة ممّا قذفه البحر إلى الحجاز مع هذه التجارة التي كانت ترد إلى مكّة من الروم وغيرها.
ولا يجيش البحر بسلع آدميّة إلّا الرقيق والإماء! وليس عبثاً انتقاء أبي طالب كلمة (شهلاء)، فهي صفة لا تعرف بها العين العربيّة التي هي في الأغلب سوداء؛ والشّهلة دون الزرقة، وهي صفة عرفت بها العين الروميّة، أو ربّما كثرت هذه الصفة في عيون الروم.
ويؤيّد ذلك، ما ذكرناه من نقيضته التي ناقض عصره ومحيطه الاجتماعيّ بها؛ المتمثّلة في استلحقاه عبده (ذكوان) وتسميته (أبو عمرو) ثمّ تزويجه امرأته في حياته، فهو بهذه الإباحيّة والتردّي في أخلاق ليست من أخلاق العرب في جاهليّتهم من شيء، وإنّما تناقضها تماماً إذ كانت الحميّة تطبع العصر الجاهليّ وتدمغ العفاف بسنّة قاسية غشوم تلك هي سنّة الوَأْد هرباً من خيال العار! وحرصاً على المرأة من تلك المهاوي الوقاح.
وربّما صلح هذا الأسلوب من أساليب الفسق الذي لا يعرفه العرب في الدلالة على الشكّ في نسبه وأيّد القول بعروضه على مكّة من وراء البحر حيث تشيع أمثال هذا المجون الذي يأنفه العرب وينكرونه(١) .
____________________
(١) نذكّر بما ذكرناه: فهو أميّة؛ تصغير أمَة؛ وهو عبد روميّ مُتبنّى؛ وتبنّى عبده (ذكوان) فسمّاه (أبو عمرو)؛ وزوّجه من امرأته.
ومن هذا شأنه، فهو منبت كلّ سوء، ولذا تجد فيه الحسد لمن طار صيته في الآفاق ونطق بمجده الصغير والكبير؛ وورث هذا الحسد بنوه أصالةً أو بالاستلحاق مع مصاهرة على امرأته!! فهم يتنسمون الزندقة والإباحيّة والدياثة..؛ وبغض هاشم وبنيه، كلٌّ بغَضَه بوُسع حاله، فمنهم من نافرَه فنفرَه القمرُ الباهر فنفاه عن مكّة إلى الشأم عشرَ سنين.
وعاد اللصيق من منفاه في الشأم وكانّه ذهب في تجارة استغرقت منه عشر سنين في الذهاب والإياب والمتاجرة بماذا؟! وعاد إلى مكّة لم يفد من نفيه إلّا إلحاحاً على العناد وإسرافاً في الفساد ومضيّاً في الحسد وإيغالاً في العداوة؛ وكأنّ ابتعاده إلى تلك الأراضي قرّبه من أنفاس أبناء جلدته؛ ولـمّا وجد هاشماً قد أودع مكارمه (شيبة الحمد) وارتحل؛ فظنّ واهماً أن يصيب بعض الفوز مع عبد المطّلب بعد أن أخفق مع هاشم؛ إلّا أنّ اللصيق مضى يستفزّ عبد المطّلب ويلحّ إلى أن اضطرّ عبد المطّلب إلى قبول منافرة اللصيق ومراهنته؛ إلّا أنّه جعلها مناسبة للقضاء على معنويّة أمويّة وتحقيره وإهانته بما هو أهل له. ولم يكن رهاناً، إنّما امتحاناً صعباً لولا الروحيّة العظيمة وقدس الذات وصفاء النفس الّتي كان عليها عبد المطّلب، لـما أقدم على أمر يتساوى في عقباه مع أميّة؛ إذ طلب إجراء فرسين واحد له والآخر لأميّة، وشرط على المغلوب مائة من الإبل وعشرة من الأعبد، ومثلها من الإماء، واستعباد سنة، وجزّ الناصية وهو علامة على الاستعباد، يشقّ على من عوقب به تحمّله.
فهل مثل عبد المطّلب يضع مثل هذه الشروط وهو لا يدري أنّ فرس أميّة تجري مجرى فرسه وأنّ كلاّ منهما عرضة للكبوة؛ فكيف يكون أمره لو فاز أميّة في هذا الامتحان؟! فلتذهب الإبل وغيرها، أمّا أن يصبح عبد المطّلب - حاشا له! - عبداً
للعبد الروميّ الذي جاش به البحر، المستحلق لعبده ذكوان واحتفل بتزويجه من امرأته؛ فهو أمر لا يطاق سماعه! أمّا أن يتخلّف فرس أميّة فهو من تخلّف صاحبه ويزيد في تاريخ أميّة نواقص هو لها أهل.
أجري الجوادان، وكان السبق لجواد عبد المطّلب، وعملا بالشرط استلم عبد المطّلب ما شرطه ووزّع منه ما يقبل التوزيع على قريش وأراد أن يجزّ ناصية أميّة ولكن أميّة افتدى ناصيته بأن يكون عبداً لعبد المطّلب عشر سنين - بدلاً من سنة واحدة - (فكان أميّة في حشم عبد المطّلب وعضاريطه عشر سنين)(١) .
ويدلّ على هذه العبوديّة قول أبي طالب حين تظاهر عبد شمس ونوفل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد ذكرنا الأبيات.
ويدلّ عليه أيضاً ما افتخر به عبد الله بن جعفر على يزيد عند معاوية جاء فيه أنّ عبد الله قال ليزيد: بأيّ آبائك تفاخرني؟ بحرب الذي أجرناه، أم بأميّة الذي ملكناه أم بعبد شمس الذي كفلناه؟
يقول ذلك على مسمع من معاوية فيقرّ معاوية فخره ويأمر يزيد إلّا يفاخر الهاشميين لأنّهم (قوم لا يجهلون ما علموا ولا يجد مبغضهم لهم سبّاً)(٢) .
ذكرنا منافرة حرب لعبد المطّلب، مع ما ذكروا فيها أنّ عبد المطّلب لم يكن ساعياً إليها إذ ليس من شأنه أن يتنزّل إلى مثل حرب فيباريه عن طريق المسابقة، وإنّما ذكرناها إذ ذكرها المؤرّخون. وأخّرنا ذكر منافرة هي متقدّمة عليها، لأنّ لنا عليها ملاحظات أكثر، سنذكرها رغم تلك الملاحظات التي لا تلغي التاريخ على شهرته. ونتكلّم قليلاً
____________________
(١) شرح نهج البلاغة ٣: ٤٦٦.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤٦٥.
عن هذا السِفر الخالد، شَيْبة الحمد(١) ، عبد المطّلب بن هاشم سيّد قريش وأمّه سَلْمى بنت عمرو أحد بني عديّ بن النجّار.
وهاشم كان سيّد قريش بلا منازع، واسمه عمرو بن عبد مناف وإنّما سمّي هاشماً في قصّة ملخّصها: أصاب قومَه مجاعة، فأرسل عمرو ماله فاشترى به من الشام كعكاً وذبح الجِمال وطبخها وثرد بها الكعك وأطعم أهل مكّة وغيرهم فأشبعهم فسمّوه هاشماً وكان إليه السقاية والرفادة إلى أن مات؛ فولى السقاية والرفادة المطّلب بن عبد مناف، وكانت قريش تسمّيه الفيض لسماحته وفضله(٢) . وكان يقال لهاشم والمطلب: البدران(٣) .
قال ابن سعد: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: كان المطلب بن عبد مناف بن قصيّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس، وهو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشيّ في متجرها، وكان شريفاً في قومه مطاعاً سيّداً(٤) .
وكانت وفاة هاشم بغزّة، في تجارة له، وابنه شيبة إذ ذاك مع أمّه عند أخواله.
سلسلة بعضها من بعض وشجرة مباركة يجري على أيدي أبنائها الخير وما يصلح أحوالهم، فالذي حقّقه الله تعالى من خير على يد المطلب بن عبد مناف لقريش إذ أخذ الحلف لها من قيصر لأن تختلف آمنةً، وأمّا مَن على الطريق فألّفهم على أن تحمل قريش بضائعهم، ولا كراء على أهل الطريق، فكتب له قيصر كتاباً، وكتب إلى النجاشيّ أن يدخل قريشاً أرضه، وكانوا تجّاراً(٥) .
____________________
(١) جَمهرة النسب: ٢٧. وفي تاريخ الطبريّ ٢: ٨ سمّي شيبة لوجود شيب في مقدّم رأسه.
(٢) المصادر جميعاً.
(٣) أنساب الأشراف ١: ٦٩.
(٤) طبقات ابن سعد ١: ٨١.
(٥) نفس المصدر السابق: ٧٨.
كلّ هذه المنزلة السامقة والعطاء الثَّر بما يعمّ الجميع والسخاء الذي غيّر اسم عمرو إلى هاشم؛ وهاشم لـمّا يتجاوز العقد الثالث من عمره فأقصى الروايتين أنّه مات وعمره خمس وعشرون سنة ويرى البعض أنّ الثبت أنّه توفّي وعمره عشرون سنة.
قال ابن سعد: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: أوصى هاشم بن عبد مناف إلى أخيه المطّلب بن عبد مناف. فبنو هاشم وبنو المطّلب يد واحدة إلى اليوم، وبنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مناف يد إلى اليوم(١) . وهو ما ذكره أبو طالب في شعره بتخصيص عبد شمس ونوفل.
عبد المُطّلب
قلنا إنّ هاشماً ذهب في تجارة ووافاه الأجل بغزّة فدفن بها، وكان قد ترك صغيره شَيْبة مع أمّه عند أخواله.
قال ابن سعد عن الواقدي قال: وقدم ثابت بن المنذر، وهو أبو حسّان الشاعر مكّة معتمراً فلقي المطّلب وكان له خليلاً، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالاً وهيبة وشرفاً، لقد نظرت إليه وهو يناضل فتياناً من أخواله فيُدخل مِرْماتيَه جميعاً في مثل راحتي هذه ويقول كلما خَسَقَ: أنا ابن عمرو العُلى، فقال المطّلب: لا أمسي حتّى أخرج إليه فأقدم به...، فخرج المطّلب فورد المدينة وجعل يسأل عنه حتّى وجده يرمي في فتيان من أخواله فلمّا رآه عرف شبْه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليه وكساه حلّة يمانيّة...، وبعد أن استرضى أمّه حمله معه إلى مكّة (٢).
وقريب منه ذكر البلاذريّ، قال: بلغ عمّه المطّلب بن عبد مناف خبرُه في لبسه
____________________
(١) طبقات ابن سعد: ٧٩.
(٢) نفس المصدر السابق: ٨٢ - ٨٣.
ونظافته وشبهه بهاشم أبيه، فاشتاق إليه، فركب إلى المدينة، فوافاه وهو يرمي مع الصبيان. فلمّا أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيّد البطحاء، فقال له: من أنت يا غلام؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف؛ قال: وأنا عمّك المطّلب بن عبد مناف وقد جئت لحملك إلى بلدك وقومك ومنزل أبيك وجوار بيت الله...(١) .
فدخل المطّلب مكّة ومعه شيبة مردفه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطّلب ابتاعه، فبها سمّي شيبة عبد المطّلب. فقال المطلّب: ويحكم! إنّما هو ابن أخي هاشم، قدمت به من المدينة. فلم يزل عبد المطّلب مقيماً بمكّة حتّى أدرك، وخرج المطّلب تاجراً إلى أرض اليمن فتوفّي بردمان من أرض اليمن. فولي عبد المطّلب بن هاشم السقاية والرّفادة بعد عمّه المطّلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبّه قومه وعظم خطره فيهم(٢) .
إنّ الله تعالى إذا أحبّ امرء لأسباب يعلمها عزّ وجلّ فيه؛ جمع له محاسن النفس والبدن؛ يروى أنّ عثمان تمنّى رجلا يحدّثه عن الملوك وعمّا مضى، فذكر له رجل بحضر موت، فأحضره فكان بينهما حديث يطول منه أن سأله: أرأيت عبد المطّلب؟ فقال: نعم؛ رأيت رجلاً قعداً أبيض طويلاً مقرون الحاجبين بين عينيه غرّة يقال إنّ فيها بركة، وإنّ فيه بركة. قال: أفرأيت أميّة؟ قال: نعم، رأيت رجلا آدم دميماً قصيراً أعمى يقال إنّه نكد؛ فقال عثمان يكفيك من شرّ سماعه، وأمر بإخراج الرجل(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٧١ - ٧٢.
(٢) السيرة النبوية، لابن هاشم ١: ١٤٥، ١٥٠؛ طبقات ابن سعد ١: ٨٣. وفي أنساب الأشراف ١: ٧٢، وتاريخ الطبريّ ٢: ٩، إنّ قريش كانت تسأل المطّلب عن شيبة فيقول: هو عبد لي، فصار اسمه عبد المطّلب؛ ولو صحّ إنّما خوفاً عليه، ومع هذا فالأوّل أصحّ وأقرب إلى خُلق المطّلب.
(٣) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٤٦٧.
وقال معاوية لدغفل النسّابة: أرأيت عبد المطّلب؟ قال: نعم. قال: كيف رأيته قال: رأيتُه رجلا نبيلاً جميلاً وضيئاً كان على وجهه نور النبوّة. قال معاوية: أفرأيت أُميّة؟ قال: نعم. قال: كيف رأيته؟ قال: رأيته رجلاً ضئيلاً منحنياً أعمى يقوده عبده ذكوان، فقال معاوية: ذلك ابنه أبو عمرو، قال دغفل: أنتم تقولون ذلك أمّا قريش فلم تكن تعرف إلّا أنّه عبده(١) .
ولم يكن عبد المطّلب ليسفّ مثل غيره فيقع في شراك الشرك، فهو مع وفور العقل وطهارة النسب وعلى جبينه غرّة النبوّة فهي تتنقل من أجداده إليه فإلى ولده مؤمن قريش وسيّد البطحاء أبي طالب، نصير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن حفيده الزكي عبد الله، لتستقرّ في سيّد البشر محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال الواقديّ عنه: وكان يَتَألَّهُ ويُعظّم الظلم والجور(٢) .
وذكر ابن سعد بأسانيد عدّة، قالوا: كان عبد المطّلب أحسن قريش وجهاً وأمدّه جسماً وأحلمه حلماً وأجوده كفّاً وأبعد الناس من كلّ موبقة تفسد الرجال، ولم يره ملك إلّا أكرمه وشفّعه وكان سيّد قريش حتّى هلك(٣) .
كان عبد المطّلب يُطعم الحاجّ ويسقيهم في حياض من أدم بمكّة، فلمّا سُقي زمزم ترك السقْي في الحياض بمكّة وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم، وكانت زمزم سُقْيا من الله. فما أكرم عبد المطّلب عند الله تعالى! وفي قصّة زمزم دروس وعِبَر:
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٤٦٦. ما لمعاوية وأميّة؟ وقد ذكرنا الكثير في نسبه، فلو سأله عن هند، وأصح ما قيل في صيرورته منها كان له أفضل.
(٢) طبقان ابن سعد ١: ٨٥.
(٣) نفس المصدر السابق.
أُتي عبد المطّلب في المنام فقيل له: احفر طِيبة(١) ، قال: قلت: وما طِيبة؟ قال: ثمّ ذهب عنّي. فلمّا كان الغد، جاءه فقال: احفر بَرّة(٢) ، قال: وما برّة؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر المضْنُونة(٣) ؟ قال: وما المضنونة؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال: حَفْرُ زمزم؟ قال: لا تُنْزَحُ ولا تُذَمّ(٤) ، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم عند نُقْرة الغراب الأَعْصم؛ قال: وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم؛ وهي شرب لك ولولدك من بعدك؛ فغدا عبد المطّلب بمعوله ومسحاته معه ابنه الحارث بن عبد المطّلب، وليس له يومئذ ولد غيره، فجعل عبد المطّلب يحفر بالمعول ويغرف بالمسحاة في المكتل فيحمله الحارث فيلقيه خارجاً، فحفر ثلاثة أيّام ثمّ بَدا له الطّوِيّ(٥) فكبّر وقال: هذا طويّ إسماعيل، فعرفت قريش أنّه أدرك الماء فأتوه فقالوا: أشركنا فيه، فقال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم فاجعلوا بيننا وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذيم، وكانت بمعان من أشراف الشأم(٦) ، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون نفر من بني عبد مناف، وخرجت قريش بعشرين رجلاً، فلمّا كانوا في الطريق فنى ماء عبد المطّلب وأصحابه، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم...، فجلس عبد المطّلب وأصحابه ينتظرون الموت! ثمّ إنّ عبد المطلب قال لأصحابه: والله إنّ القاءنا بأيدينا هكذا لَعجزٌ، ألا نضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد! فارتحلوا، وقام عبد المطّلب
____________________
(١) قيل لزمزم طيبة، لأنّها للطيّبين والطيّبات من ولد إبراهيم.
(٢) قيل لها برة، لأنّها فاضت على الأبرار وغاضت عن الفجّار.
(٣) قيل لها مضنونة، لأنّها ضنّ بها على غير المؤمنين.
(٤) في السيرة: لا تنزف؛ وكلاهما بمعنى: لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها.
(٥) في السيرة: الطّيّ، وهي الحجارة التي طوى بها البئر.
(٦) أشراف الشأم: ما ارتفع من أرضه.
إلى راحلته فركبها، فلمّا انبعثت به انفجر تحت خُفّها عينُ ماءٍ عَذْبٍ، فكبّر عبد المطّلب وكبّر أصحابه وشربوا جميعاً، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء الروّاء فقد سقانا الله، فشربوا واستقوا وقالوا: قد قضي لك علينا، الذي سقاك هذا الماء بهذه الفَلاة هو الذي سقاك زمزم، فوالله لا نخاصمك فيها أبداً! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم(١) .
عبد المطّلب يتألّه، كما ذكر الواقديّ؛ أي موحّد لا يشرك بالله شيئاً. وهو قد اجتمعت فيه صفات الجمال الخلقيّة والخلقيّة وليس فيه واحدة من مفاسد أميّة ولا حرب..؛ وهو سيّد قريش؛ لا يراه ملك إلّا واحتفى به فأكرمه وشفّعه.
ولم يكن غير عبد المطّلب أهلاً لكرامة الله تعالى ليستخرج زمزم ويجعلها نحلة له ولولده.
ودرسٌ في قصّة زمزم آخر: إنّ الماء نفد وكاد العطش يأتي على جماعة عبد المطّلب، ولبوا من رفقتهم من قريش شيئاً من الماء فمنعوهم لآمَةً إلّا أنّ إيمان عبد المطّلب بالله تعالى، وهمّته وعزيمته الماضية، فلم ييأس من رَوح الله عزّ وجلّ ونهض وكلّه أمل أن يحصل على الماء! ولم يخيّب الله سبحانه عبده المخلص؛ فزيادة في كراماته فقد منّ عليه بكرامة نظيرة بكرامة ومعجزة حفيده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث نبع الماء من أصابعه الشريفة؛ فإنّ عبد المطّلب الموحّد ما أن استقرّ على راحلته، فلمّا انبعثت به انفجر تحت خفّها عين ماء، ولم يكن الماء أجاج إذ هو في صحراء! وإنّما ماء عذب. ولم يستخفّ المشهد عبد المطّلب ولم يدهشه! فهو إيمان كلّه، وحصيف كلّه؛ فلم يستحوذه ما حدث، ولم يشكر اللاّت وهُبَل! رفع صوته بالتكبير (الله أكبر)؛ وكبّر معه رفقته من بني عبد مناف؛ حقيقةً: مشهد مدهش لنا!
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٨٤ - ٨٥، السيرة النبويّة، لابن هاشم ١: ١٥١ - ١٥٣.
ويزيد الموقف روعةً وعبدالمطّلب رفعةً أن يدعو قريش التي شحّت عليه ولو بقطرة ماء يبلّ بها شفتيه، لتشرب وتسقي رواءً من غير منّةٍ! فهو رضوان الله عليه يردّ الفضل إلى الله عزّ وجلّ: (... فقد سقانا الله) ولـمّا رأت قريش هذه الكرامة التي خصّ الله تعالى بها عبد المطّلب مع ما له من فضائل؛ رجعت إلى رشدها وأعلنت أنّ الله سبحانه قضى لعبد المطّلب عليها، فلا حاجة لحكم كاهنة بني سعد؛ وخلّت بين عبد المطّلب وبين زمزم.
ونظير موقف قريش في منع الماء عن عبد المطّلب وبني عبد مناف؛ ما وقع بصفّين؛ فقد وصل جيش ابن هند إلى مشرعة ماء قبل جيش أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وعسكروا عليه وأوصى ابن هند أن لا يذوق عسكر أمير المؤمنين الماء أو يموتوا عطشاً! خُلُقٌ سيّئ موروث وقرين سوء لا ينفكّ منه فهو يجري منه مجرى الدم فيخزيه ويُرْدِيه وإلاّ أين ذهب عنه: أنّ في جيش عليّ كلّ مُسْتَفْحِل غايته رضى الله والشهادة مبتغاه؛ فمثل هذا يموت عطشاً! حتّى يروّي المشرعة من دمه أو يجهز على قرينه فيرتوي من ماء الفرات!
هجم عسكر الإيمان على الخوارج البُغاة، فما انجلت الغُبرة إلّا والمشرعة بيد جند حفيد عبد المطّلب ذي المكرُمات؛ وما أشبه الموقفين، أليس الصفات الخُلُقيّة تُتوارث مثلما تتوارث الخَلقيّة؟! نادى عليٌّ وجندُه على أهل الشأم أن هلمّوا فاشربوا واسقوا؛ فكان الشأميّ يمرّ على العراقيّ فلا يعرض له بسوء وربما حادثه.
وأعادها خوارج الطفّ؛ فقد كانت أوامر ابن ميسون المدعوّ للمعاوية وهذا المدعو لأربعة وقيل لفلان المغنّي ولفلان - دعنا من نَتَنه -، ولقد علمتَ من حال حمامة وحرب وأميّة وحتّى عبد شمس؛ في حال التنزّل ونسبته إليهم! أمرَ الناقص بأخذ
الآفاق على سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وريحانته وسيّد شباب أهل الجنّة ومنعه وعيالاته من الماء؛ سنّة متوارثة وخلق رديّ متحدّر...، وأميره على الكوفة: ابن مرجانة الخراسانيّة بغيّ من ذوي الرايات؛ والمدعوّ لابن سميّة الخراسانيّة من ذوات الرايات تقلّبت من فراش إلى آخر؛ حتّى كانت الليلة المشؤومة إذ جمع له إبليس خزايات أربع أو ستّة تراودوها على ذفر في إبطيها فانعقدت نطفة زياد في تلك الليلة؛ فلمّا شبّ، ما زال صخر (أبو سفيان) يردّد على المسامع بأنّه هو الذي وضعه في رحم أمّه، من غير أن يندى له جبين! والحال أنّه واحد من نفر واقعوا سميّة في طهر واحد فحملت!
وتسافل معاوية أكثر من صخر إذ استلحق ابن سميّة زياداً وسمّاه زياد بن أبي سفيان، وزوّجه وزوّج ولده من ابنته ومن بنات سفيان وآل أبي سفيان على ما ذكرنا، كيف والحال هذه لا يمتثل ابن مرجانة أوامر ابن ميسون وإن عظم الخَطب وسُعّرت الجحيم.
وأمّا قائد الجيش: عمر بن سعد بن أبي وقّاص؛ وسعد هو المخذّل عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام إذ جعله ابن الخطّاب في الستّة لاختيار خليفة مع ترجحي الكفّة التي فيها ابن عوف؛ وما كان لهم الخيرة يومئذ ولا يوم السقيفة! بعد أن اختار الله سبحانه لهم عليًّا وقرن ولايته بولايته وولاية رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ولو كان هذا النصّ القرآني لوحده لقامت الحجّة البالغة وبطل حكم الحاكمين بغير ما أنزل الله وتهاوت دعاوى أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر من يصلّي بالناس في علّته فدلّ على فضله، فلو صحّ شيء من ذلك لأمَر مَن أمر الله بتفضيله ذلك هو عليّ! ولو صحّ شيء من ذلك لـما كان الاعتراض على رسول الله إذ أراد كتابة الوصيّة، فإن قيل: غيره الذي اعترض وهو وزيره وخليفته! لكان من الواجب عليه أن يضمّ صوته إلى جبهة المؤيِّدين بتقديم القرطاس والقلم للنبيّ ومن هذه الجبهة النسوة اللاّتي نادين من خلف الستر: ويحكم، قدّموا لرسول الله ما يريد،
وكان جواب عمر لهنّ قاسياً: إنّكن صويحبات يوسف...، ثمّ قوله في حقّ النبيّ: إنّ الرجل ليَهْجُر!! ذهبت النبوّة وبات من عرَض الرجال، واللام لفت نظر وتوكيد؛ ويهجر: يُهذي - معاذَ الله - لا يدري ما يقول! وهو كلام لا يقال بحقّ رجل موقّر محترم؛ فكيف إذا كان نبيّاً خاتم الرّسل مُسدّداً بالوحي! ولو كان الأمر كما يقولون في شيء من الحق، فإنّه لـمـّا طردهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من رحمة الله تعالى وبقي معه عليّ لبقي أبو بكر معه ولم يذهب في جملة الخارجين على أمر النبيّ، ليدخل صراعاً من أجل الحكم في السقيفة.
فعمر بن سعد، يحمل إرثاً، أضف إلى ذلك فهو ابن عمّ يزيد؛ جدّته حَمْنة بنت سفيان، وكان ضعيفاً في نفسه لا دين له، فوعده الناقص بمُلك الريّ إن هو قاد الجيش وظفر بالإمام الحسينعليهالسلام فقتله عطشاً....
نفذ الماء الذي حمله ابن رسول الله، وتعالى بكاء الأطفال من شدّة الظمأ وليس هنا سرد المواقف في ذلك إلّا ذكر واقعة تختزل جِبلّة القوم ونترك لابن تيميه والوهّابيّين وآل سعود النجديّين ولكلّ ناصبيّ أعمى البصيرة حكمهم: إنّ سيّد شباب أهل الجنّة، ابن سيّد الوصيّين، ابن سيّدة نساء العالمين، سبط سيّد المرسلين وريحانته؛ هو الذي يُقاتلهم ويُقاتلونه، ولا يكون سيّداً في الجنّة ولا يكون سيّداً في الأرض! ولا يكون سيّداً وابناً لرسول الله يُباهل به، وهو من أهل بيت طهّرهم الله أي عصمهم، وهم العدل والثقل الثاني بعد القرآن، وحربهم حرب لله ولرسوله....
فهو حقّ يُقاتل باطل؛ هذا أقلّ ما يقال! فنقول: الحسينعليهالسلام هو الذي يقاتلهم ويقاتلونه، يقاتلهم في عدّة لم تصل المائة يقابلهم من أهل الشأم خمسة عشر ألفاً! ومن خوارج الكوفة أربعة آلاف.
منعُ الماء: ليس هنا تفصيل الوقعة، ولا حتّى الحديث تفصيلاً عن خُلُق الخوارج قتلة الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه، في أمر الماء، فهم نُطَفٌ في أصلاب الرجال وأرحام النساء كلّما قطع منهم قَرن ظهر قَرن آخر.
أرسل الإمامعليهالسلام إلى القوم ليعطوه شيئاً من الماء؛ فأجابه جلف جافي: أن يا حسين، انظر إلى الماء كأنّه بطون الحيتان...، لن تذوقه حتّى ترِد الحامية!
لا عجب لهذا المنطق من قوم قاتل بهم ابن هند أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام وبعده السبط المجتبى الحسنعليهالسلام ، والآن يقاتل ابن مرجانة بأمر الناقص ابن ميسون الحسينعليهالسلام . ولكن أن يرد سيّد شباب أهل الجنّة الحامية؛ فأين يكون قاتله والآمر بقتله؟
وموقف آخر يترجم خسّة عسكر الشأم؛ فقد خرج الإمامعليهالسلام يحمل طفله الرضيع وهو يلوع من العطش! وطلب منهم أن يأخذوه فيسقوه شربة ماء إن كانوا يظنّون إنّما يريده لنفسه؛ فما كان منهم إلّا أن سقوه سهماً ذبحه من الوريد إلى الوريد.
وبعد انتهاء المعركة مثّلوا بالأجساد وسلبوه كلّ لباس وقطعوا رؤوسهم وحملوها على الرماح مع سبايا آل بيت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من بلد إلى بلد....
وحسبك هذا التفاوت بين عبد المطّلب وقومه من قريش في أمر الماء وبين ابن هند وأهل الشأم وأميرالؤمنين عليّعليهالسلام وأهل العراق في الأمر ذاته، وهذا الذي كان يوم كربلاء.
ونذكّر بما كان من الزبير وطلحة وابن عوف في تحريضهم على عثمان ومنعهم إدخال الماء إليه حتّى أدخله أمير المؤمنين عليّعليهالسلام إليه.
هذه هي مسيرة الماء بين النفوس الفيّاضة بالخير، والمجبولة على الرذيلة.
قصّة ماء أخرى
وذكروا أنّ لعبد المطّلب ماء بالطائف يدعى الهرم. فغلبه عليه جندب بن الحارث الثقفيّ وقوم من ثقيف، فتنافروا إلى الكاهن العذريّ، تنافرا على إبلٍ سمّوها. وخرجوا إليه فنفد ماء عبد المطّلب وأصحابه، فطلبوا إلى الثقفيّين أن يسقوهم، فأبوا، ففجّر الله لهم عيناً من تحت جران بعير عبد المطّلب، فحمد الله عزّ وجلّ وعلم أنّ ذلك منّة، فشربوا ريّهم وحملوا حاجتهم، ونفد ماء الثقفيّين فبعثوا إلى عبد المطّلب يستسقونه فسقاهم، وأتوا الكاهن فنفّر عبد المطّلب عليهم، فأخذ عبد المطّلب الإبل فنحرها، وأخذ الهرم ورجع وقد فضّله عليه وفضّل قومه على قومه(١) .
وفي أنساب الأشراف، زيادة طويلة منها أنّ الكاهن قال:
أما وربّ القلص الرواسم |
يحملن أزوالا بقيّ طاسم |
|
إنّ سناء المجد والمحارم |
في شبة الحمد سليل هاشم(٢) |
أبي النبي المرتضى للعالم
ثمّ قال:
إنّ بني النّضر كرام ساده |
من مضر الحمراء في القلاده(٣) |
|
أهل سناء وملوك قاده |
مزارهم بأرضهم عباده(٤) |
إنّ مقالي فاعلموا شهاده(٥) .(٦)
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٨٧ - ٨٨.
(٢) في المنمّق: ١٠٢: (في شيبة الحمد الندى ابن هاشم).
(٣) في المنمّق: (إنّ مقالي فاسمعوا شهادة أنّ = بني النضر كرام سادة).
(٤) في المنمّق: (من مضر الحمراء في القلادة = أهل سناء وملوك قادة).
(٥) في المنمّق: (زيارة البيت لهم عبادة).
(٦) أنساب الأشراف ١: ٨٣.
شهامة عبد المطّلب
قال الكلبيّ: حجّ قوم من جذام، ففقدوا رجلاً منهم اغتيل منهم بمكّة، ولقيهم حذافة بن غانم العدويّ فربطوه. وقم عبد المطّلب من الطائف، وقد كفّ بصره، وأبو لهب يقوده، فهتف به حذافة. فأتاهم، فقال: قد عرفتم تجارتي وكثرة مالي؛ وأنا أحلف لكم لأعطينّكم عشرين أوقية ذهباً، أو عشراً من الإبل، وغير ذلك ممّا يرضيكم، وهذا ردائي رهن بذلك. فقبلوا منه، وأطلقوا حذافة. فأردفه، حتّى أدخله مكّة، ووفى لهم عبد المطّلب بما جعل لهم.
فقال العدوي:
أخارج إما أهلكن فلا يزل |
لشيبة منكم شاكراً آخر الدهر |
|
وأولاده بيض الوجوه وجوههم |
تضيء ظلام الليل كالقمر البدر |
|
لهو لهم خير الكهول ونسلهم |
كنسل الملوك لا قصار ولا خدر |
|
لساقي الحجيج ثمّ للشيخ هاشم |
وعبد مناف ذلك السيد الفهري |
|
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمعا |
به جمع الله القبائل من فهر(١) |
عبد المطّلب يثأر لجاره
بسند عن محمّد بن السائب الكلبيّ وغيره، قالوا: كان عبد المطّلب من حلماء قريش وحكّامها، وكان في جواره يهوديّ يقال له أدينة، وكان اليهوديّ يتسوّق في أسواق تهامة بماله، فغاظ ذلك حرباً فألّب عليه فتياناً من قريش، وقال: هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض بلادكم بمالٍ جمّ كثير من غير جوار ولا خيل؛ والله لو
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٧٣ - ٧٤.
قتلتموه وأخذتم ماله، ما خفتم تبعة ولاعرض لكم أحد يطلب بدمه. فشدّ عليه عامر ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة، فقتلاه. فجعل عبد المطّلب لا يعرف له قاتلاً، فلم يزل يبحث عن أمره حتّى علم خبره بعد. فأتى حرب بن أميّة، فأنّبه بصنيعه وطلب بدم جاره، فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما وأخفاهما. وطالبه عبد المطّلب بهما، فتغالظا في القول. حتّى دعاهما المحك إلى المنافرة فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزّى العدويّ، جدّ عمر بن الخطّاب. فقال لحرب: (أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأوسم منك وسامة، وأعظم منك هامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً، وأطول منك مذوداً(١) ؛ وإنّي لأقول هذا، وإنّك لبعيد الغضب، رفيع الصيت في العرب، جلد النزيرة(٢) ، ولكنّك نافرت منفرّاً). فنفّر عبد المطّلب، فغضب حرب، وأغلظ لنفيل. ولم يفارقه عبد المطّلب حتّى أخذ منه مائة ناقة، ودفعها إلى ابن عمّ اليهوديّ، وارتجع ماله إلّا شيئاً كان شعث منه، فغرمه من ماله(٣) .
ومن جاور عبد المطّلب فما ظلم، ولا هظم! رجل يهودي عاش بجوار عبد المطّلب يتجر بماله وينتفع ويستشعر الأمان بهذا الجوار؛ إلّا أنّ ذا العاهات حرباً بن أميّة، وليتها أمة! لخفّت وطأتها على نفسه؛ وهو يعلم الارض التي جاش بها البحر، ويعلم علوّ كعب هاشم العلى على عبد شمس ممّا يحكم عقد النقص في نفس أميّة ليورثها إلى حرب منزولاً، لتتجذّر في الشجرة المعلونة؛ مع انفجار فجر الهداية وبزوغ شمس الإسلام في البيت الهاشمي!؛ فالنبيّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن
____________________
(١) الذود: السوق والطرد والدفع. والمذود وعاء يقدّم فيه الطعام.
(٢) النزير: الإلحاح في السؤال والاحتثاث والاستعجال. وهي صفة مذمومة.
(٣) طبقات ابن سعد ١: ٨٧، أنساب الأشراف ١: ٨١ - ٨٢.
عبد مناف؛ والإمامة في عليّعليهالسلام بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.
ولا أظنّ حرباً نفس على اليهوديّ تجارته وكثرة ماله بقدر كونه في جوار عظيم قريش وسيّد بني هاشم عبد المطّلب رضي الله عنه! وإلاّ فاليهود من الوفرة في شبه جزيرة العرب وحرفتهم التجارة في الأغلب؛ وفيمن نسب إلى بني أميّة فيهم أعراق يهوديّة كما ذكرنا في تحقيق بعضهم. وأيّاً كان الذي أثار حفيظة حرب فعمد إلى قتل اليهوديّ فإنّ عبد المطّلب أبت أخلاقه أن يخفر ذمّة جاره حتّى بعد موته؛ فانتصر له وأخذ فديته وماله فأعطاه إلى ابن عمّه؛ ولـمّا كان مال اليهودي قد نقص منه شيء، فقد أتمّه عبد المطّلب من ماله الخاص! وهذا منتهى الخلق العالي والكرم الذي لا يعرف حدوداً.
الاستسقاء برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بعدّة أسانيد عن رقيقة بنت أبي سيفي بن هاشم، قالت: تتابعت على قريش سنون ذهبت بالأموال، فسمعت في النوم قائلاً يقول: (هذا أوان نبيّ مبعوث فيكم، معشر قريش، وبه يأتيكم الحيا(١) والخصب؛ فليخرج رجل منكم طوال عظام، أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار، جعد الشعر أشمّ العرنين، من أوسطكم نسباً؛ فليخرج هو وولده وولد ولده، وليخرج من كلّ بطن رجل فتطهّروا وتطيّبوا ثمّ استلموا الركن حتّى يعلوا أبا قبيس، ثمّ يتقدّم هذا الرجل فيستسقي ويؤمّنون فإنّكم ستسقون)، فأصبحت فقصّت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفات في عبد المطّلب، فاجتمعوا عليه، وفعلوا ما أمروا به. وكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مع عبد المطّلب، فقدّموا وخرج
____________________
(١) الحيا: المطر والخصب.
معهم من كلّ بطن منهم رجل، ثمّ علوا على أبي قبيس، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم معهم، فتقدّم عبد المطّلب فقال: لاهمّ، هؤلاء عبادك بنو إمائك وقد نزل بهم ما ترى وتتابعت عليهم هذه السنون فذهبت بالخفّ والظلف، وأشفت الأنفس منهم على التلف والحتف، فأذهب عنّا الجدب، وائتنا بالحياة والخصب. فما برحوا حتّى سالت الأودية، وبرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، سقوا، فقالت رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا |
وقد فقدنا الحيا واستبطئ المطر |
|
فجاد بالماء جونيّ له سبل |
دان فعاشت به الأنعام والشجر |
|
منّاً من الله بالميمون طائره |
وخير من بشّرت يوماً به مضر |
|
مبارك الأمر يستسقى الغمام به |
ما في الأنام له عدل ولا خطر(١) |
أكثر من مشهد وعبد المطّلب سبيل خير ووسيلة حياة ومنها ما اقترن وجوده الشريف بانبثاق الماء العذب ومن تلك المياه: ماء زمزم الذي مضى على جريانه مئات السنين ولم ينقطع. والماء لا استغناء عنه وهو قوام الحياة؛ قال تعالى:
( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ ) (٢) .
ألا ترى: إنّ المحدّثة جاءها في نومها من يبشّر بانبعاث نبيّ من قريش به الحياة والخصب. ثمّ أمرها بخروج رجل له صفات من الجمال والهيئة يتبعه من بطون القبائل رجل؛ يستقي الرجل ربّه، ويؤمّن الآخرون؛ فيسقيهم الله عزّ وجلّ؛ فصدقت رؤياها في عبد المطّلب إذ لم تات تلك الخصال لغيره؛ كيف وقد أخرج معه حفيده الذي كان يتوسّم فيه صفات وعلامات النبوّة، فكان الاستسقاء إرهاصة بظهور نبوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٩١، طبقات ابن سعد ١: ٨٩ - ٩٠، المنمّق: ١٦٦ - ١٦٩.
(٢) الأنبياء: ٣٠.
جرت على لسان جدّه المتحنّث؛ وسالت أودية بمياهها بعد سنين جفاف عجاف؛ فخصّ هذا البيت بالفيض والسماحة والروّاء، وحرم من ذلك البيت الأمويّ، فكان الحسد والمنافرة والعداء....
عبد المطّلب يتحنّث
الواقدي: حدّثني عبد الله بن جعفر، أنّ مخرمة بن نوفل الزهريّ قال: مات عبد المطّلب وأنا شاهده مع قريش، وقد قاربت عشرين سنة، وأنّ أمّي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم كانت لدة عبد المطّلب، فتقول لي: شقّ قميصك على خالك لمن تستبقيه بعده. قال: ونظرت إلى نساء بني عبد مناف قد جززن الشعور. وإنّه ليقال إنّه يومئذ ابن ما بين الثمانين إلى التسعين، وإن كان لمعتدل القناة. وكان أوّل من تحنّث بحراء. والتحنّث التألّه والتبرر، وكان إذا أهلّ هلال شهر رمضان، دخل بحراء فلم يخرج حتّى ينسلخ الشهر، ويطعم المساكين. وكان يعظم الظلم بمكّة، ويكثر الطواف بالبيت(١) .
عناية عبد المطّلب برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
توفّي عبد الله بن عبد المطّلب، وآمنة بنت وهب حامل بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا وضعته أرسلت إلى جدّه أنّه قد ولد لك غلام. فنهض مسروراً ومعه بنوه حتّى أتاه فنظر إليه. وحدّثته بما رأت منه، وبسهولة حمله وولادته. فأخذه عبد المطّلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال:
الحمد لله الذي أعطاني |
هذا الغلام الطيّب الأردان |
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٩٢ - ٩٣.
أعيذه بالبيت ذي الأركان |
من كلّ ذي بغي وذي شنآن(١) |
وحاسد مضطرب العنان(٢)
المدائني، عن يزيد بن عياض، عن الزهريّ وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أنّ عبد المطّلب كان إذا أتي بالطعام، أجلس النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى جانبه، وربّما أقعده على فخذه، فيؤثره بأطيب طعامه. وكان رقيقاً عليه برّاً به. فربما أتي بالطعام وليس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حاضراً، فلا يمسّ شيئاً منه حتّى يؤتى به، وكان يفرش له في ظلّ الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالا له، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على الفراش، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه، فيقول عبد المطّلب: مهلاً، دعوا ابني ما تريدون منه. ثمّ يقول: دعوه فإنّ له لشأناً، أما ترونه؟ ويقبّل رأسه وفمه، ويمسح ظهره، ويسرّ بكلامه وما يرى منه(٣) .
البلاذريّ: حدّثني محمّد بن إسماعيل الضرير الواسطيّ، حدّثنا عليّ بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشميّ، عن الكندير بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهليّة، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت، وهو يقول:
ردّ عليّ راكبي محمّدا |
واصطنعن بردّه عندي يدا |
فقلت: من هذا الشيخ؟ قالوا: عبد المطّلب بن هاشم، قلت: ما شأنه؟ قالوا: أضلّ إبلا له، فخرج في طلبها بنيّ ابنه: محمذد بن عبد الله، وقد أبطأ عليه، فقد أخذه ما ترى؛ قال: برحت حتّى رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو غلام، وجاء بالإبل، فسمعت عبد
____________________
(١) في طبقات ابن سعد: قد ساد في المهد على الغلمان = أعيذه بالله ذي الأركان.
(٢) أنساب الأشراف ١: ٨٩، طبقات ابن سعد ١: ١٠٣.
(٣) نفس المصدر السابق: ٨٩ - ٩٠.
المطّلب يقول له: يا بنيّ، لقد جزعت عليك جزعاً، لا تفارقني بعده حتّى أموت(١) .
قد يقال: إنّ عناية عبد المطّلب برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمر عادي، فهو جدّه لأبيه، فتأخذه العاطفة والحميّة على العناية والرعاية له.
إلاّ أنّ ثمّة أمور تدفع هذا التفسير؛ فإنّ رجلاً مثل عبد المطّلب لم يكن يسلك هذا المسلك مع أبناءه مع عاطفته الأبويّة، وإجلالهم له على نحو ما علمناه.
وعبد المطّلب رضوان الله عليه، مع موفور عقله؛ يؤثر حفيده على نفسه وولده بأطيب الطعام، ويجلسه إلى جنبه أو على فخذه. فإذا قال أحد: ومع ذا، فلا يزيد أنّ عبد المطّلب إنّما أراد أن يعوّض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يتمه! ولكن ألا يكفي أن يحتفي به على هذا النحو في مجلس الطعام؟ حتّى يعظّمه في مجلسه الخاص في ظلّ الكعبة حيث يقف بنو عبد المطّلب مع عبيده على رأسه إجلالاً لعبد المطّلب، فإذا جاء رسول الله وهو يومئذ غلام، أخذه أعمامه ليؤخّروه، اعترضهم عبد المطّلب وقال: دعوا ابني ما تريدون منه! ثمّ أفصح لهم عن سرّ احتفاءه به فقال: فإنّ له لشأناً، أما ترونه؟ إنّ عبد المطّلب المتألّه يرى ما لا يراه غيره من مستقبل حفيده المبارك. فهو متحنّث يعتكف في غار حراء طيلة شهر رمضان، يطعم المساكين، أعظم قريشاً حلماً وأبعدهم من كلّ موبقة ومذنبة تفسد الرجال، وقد سمع من آمنة ما سمعه بشأن سهولة حملها ووضعها للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما رأته منه بعد الوضع؛ فلم يستخفّه ذلك! إنّما أخذه وأدخله الكعبة، وعوّذه بالله تعالى متأمّلاً له سيادة.
وعبد المطّلب مبارك في نفسه أجرى الله تعالى له كرامات ذكرناها إذ فجّر الماء له أكثر من مرّة، وبه وبحفيده النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم سقى الله قريشاً بعد جدب سنين.
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٩٠.
وعبد المطّلب لم يجزع على إبله المفقودة، إنّما كان جزعه كلّه على بنيّ ابنه - وهو لغة في التحبيب - الذي خرج في طلب الإبل، فابطأ؛ فلم يضرع مؤمن قريش وعظيمها للتوسّل بهبل، وإساف ونائلة! إنّما توجّه إلى الله تعالى يدعوه أن يردّ عليه بنيّ ابنه، وقد أخذ منه إبطاؤه عليه كلّ مأخذه، فما برح مستجاب الدعوة: عبد المطّلب إلّا ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قادم ومعه الإبل، ولم يخف عبد المطّلب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان منه، وطلب منه أن لا يفارقه حتّى يموت!
عبد المطّلب يوصي برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولم يغمض لعبد المطّلب رضي الله عنه جفن حتّى أوصى برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قالوا: ولـمّا احتضر عبد المطّلب، جمع بنيه فأوصاهم برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكان الزبير ابن عبد المطّلب، وأبو طالب أخوي عبد الله لأمّه وأبيه. وكان الزبير أسنّهما. فاقترع الزبير وأبوطالب أيّهما يكفل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأصابت القرعة أبا طالب، فأخذه إليه. ويقال: بل اختاره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على الزبير، وكان ألطف عمّيه به. ويقال: بل أوصاه عبد المطّلب بأن يكفله بعده(١) .
وروى بعضهم أنّ الزبير كفل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى مات. ثمّ كفله أبو طالب بعده؛ وذلك غلط لأنّ الزبير شهد حلف الفضول، ولرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ نيف وعشرون سنة. لا اختلاف بين العلماء في أنّ شخوص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الشأم مع أبي طالب (رضي الله عنه) بعد موت عبد المطّلب (رضي الله عنه) بأقلّ من خمس سنين(٢) .
ولمّا كان ميل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عمّه أبي طالب إذ كان ألطف به، وإنّه خرج معه بعد موت جدّه بأقلّ من خمس سنين؛ فإذا كان الأمر كذلك ترجّح القول أنّ عبد المطّلب
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٩٣.
(٢) نفس المصدر السابق.
إنّما أوصى ولده برعاية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما كان يرعاه ويعرفوا له منزلته ومستقبله الذي كان يستشرفه. ونجزم باليقين أن لو امتدّ بعبد المطّلب العمر وأدرك الرسالة، لكان مصدّقاً لحفيدهصلىاللهعليهوآلهوسلم وناصره. ولم يخب أمله بولده شيخ البطحاء وسيّد قريش من بعده (أبو طالب) مؤمن قريش وناصر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بماله ولسانه وولده.
من شعر يوصي به عبد المطّلب ابنه أبا طالب بالنبيّ
قال ابن إسحاق: وكان عبد المطّلب يوصي أبا طالب برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك أنّ عبد الله وأبا طالب لأمّ، فقال عبد المطّلب فيما يوصيه به، واسم أبي طالب عبد مناف:
أوصيك يا عبد مناف بعدي |
بموحد بعد ابيه فرد |
|
فارقه وهو ضجيع المهد(١) |
فكنت كالأم له في الوجد |
|
تدنيه من أحشائها والكبد |
حتى إذا خفت مداد الوعد |
|
أوصيت أرجى أهلنا للتوفد |
بابن الذي غيّبته في اللّحد |
|
بالكره منّي ثمّ لا بالعمد |
فقال لي والقول ذو مرد |
|
ما ابن أخي ما عشت في معدّ |
إلاّ كأدنى ولدي في الود |
|
عندي أرى ذلك باب الرّشد |
بل أحمد قد يرتجى للرشد |
|
وكلّ أمر في الأمور ودّ |
قد علمت علام أهل العهد |
|
إنّ ابني سيّد أهل نجد |
يعلو على ذي البدن الأشد(٢) |
وقال عبد المطلب (رضي الله عنه) أيضاً:
____________________
(١) الأشهر أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد أباه، وأمّه حامل به.
(٢) سيرة ابن إسحاق المسمّاة: السّير والمغازي (٨٥ - ١٥١ هـ): ٦٩.
أوصيت من كنيته بطالب |
عبد مناف وهو ذو تجارب |
|
بابن الذي غاب غير آئب |
بابن أخ والنسوة الحبائب |
|
بابن الحبيب أقرب الأقارب |
فقال لي كشبه المعاتب! |
|
لا توصني إن كنت بالمعاتب |
بثابت الحق عليّ واجب |
|
محمّد ذو العرف والذوائب |
قلبي إليه مقبل وائب |
|
فلست بالآيس غير الراغب |
بأن يحقّ الله قول الراهب!(١) |
|
فيه وأن يفضّل آل غالب |
إنّي سمعت أعجب العجائب |
|
من كلّ حبر عالم وكاتب |
هذا الذي يقتاد كالجنائب |
|
من حل بالأبطح والأخاشب |
أيضاً ومن تاب إلى المثاوب |
من ساكن للحرم أو مجانب(٢)
إنّ شعر عبد المطّلب عاطفة تتأجّج تضارع الأمّ في حقّ ولدها! فإذا أوجس اقتراب الأجل، أوصى من توسّم فيه بوادراً أن يحيي ذكراه، فيكون أهلاً أن يوصي إليه بمحمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فانتدب أبا طالب الذي قال عنه: (أرجى أهلنا)؛ فكان كذلك: فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقرب إلى أبي طالب من عليّعليهالسلام وبقيّة ولده؛ وليس هذا الودّ عن محض عاطفة! فهو مثل عبد المطّلب إنّه صادر عن عقل ورشد لـما يتوسّمه في ابن أخيه؛ وهو يرى في ابن أخيه سبيل هداية وكلّ أمر محمود؛ وإنّه يقول ذلك عن علم راسخ وإنّ أمر ابن أخيه يسود نجْد ويعلو على كلّ ذي شأن!
____________________
(١) الراهب بحيرا، وقصّته مع ركب قريش وكان فيهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما رآه الراهب من أمور لفتت نظره في النبيّ فاحتفى به كثيراً وأبلغ عمّه أبا طالب أنّ لابن أخيه شأن وحذّره من اليهود. (سيرة ابن اسحاق: ٧٣ - ٧٥، والمصادر جميعاً).
(٢) نفس المصدر السابق: ٦٩ - ٧٠.
بالله عليك أيّها المنصف، ممّن تخاف المعاد، ولا تعبد الرجال على أسمائها! هذا جواب أبي طالب؛ والد عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام ! كان ممكناً له أن يطيّب خاطر والده بحفظ وصيّته في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويتعهّد له برعايته؛ لا أن يكون ودّه له على ما وصفنا؛ ثمّ يترجم سبب ذلك بسؤدده وعلوّ أمره؛ كلّ ذلك والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ما زال يافعاً ولم يبلّغ بعد بالرسالة! فكيف بك، وقد بلغ النبيّ مبلغ الرجال، فصدع يبلّغ رسالة الإسلام؛ أينكفأ سيّد قريش وشيخ البطحاء فيكذّب ابن أخيه الذي رأى منه قبل الوحي أموراً جعلته يخرم بسواده أمره وعلوّه على كلّ ذي شأن!
إنّ حياة أبي طالب كلّها جهاد وكفاح، وهو الصادح بأنّ دين محمّد خير دين , وتحمّل الكثير من عنت قريش.
ولنبق مع مرحة الوصيّة: تكلّمنا على شعر عبد المطّلب وجواب ولده أبي طالب. وفي الشعر الآخر إذ تكلّم عبد المطّلب عن وصيّته ابنه بابن الحبيب أقرب الأقارب! فإنّ أبا طالب يرى أنّ حفظ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ورعايته حقّ واجب عليه أداؤه من غير وصيّة؛ فغير العلقة القلبيّة الوثيقة؛ فإنّ أبا طالب رأى أموراً وسمع عجائباً بشأن رجل المستقبل: محمّد رسول الله، الذي ستنقاد له الوديان والجبال وتنتشر رسالته في الحرم وحواليه!
كلّ هذا يقوله أبو طالب رضي الله عنه، وما أخبره به الرهبان بما يجدونه من صفات آخر نبيّ وأنّها متعيّنة في ابن أخيه...؛ ويأتي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمعجز الذي يخبت له من لا يداني أبا طالب كذا مرقاة عقل وإدراك، فيأخذ القرآن بمجامع نفسه ويعلن إسلامه ولا يؤثّر في نفس أبي طالب؟! بماذا نفسّر مناصرة أبي طالب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى آخر لحظة من عمره الشريف حتّى وقعت العداوة بينه وبين قريش وفقد زعامته ومكانته
الخاصّة فيها؛ فكانت المقاطعة الظالمة من قريش له ولبني هاشم، وكانت مقاطعة شاملة أضطرّت أبا طالب وبني هاشم إلى دخول شعب أبي طالب ودامت المقاطعة أكثر من سنتين، ضيّقت قريش عليهم أن يصل إليهم أحد أو يدخل إليهم طعام!
إذا كان أبو طالب غير مؤمن ولم يدخل الإسلام؛ فعلام هذا الفداء وتعريض نفسه للقتل لولا سيوف هاشميّة، وعناية إلهيّة؟ فلمّا فشلوا في الترغيب، والوعيد، وكادت المنازلة تقع، ثمّ نكصوا فعمدوا إلى المقاطعة. أما كان له أن يطلب من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكفّ عن تبليغ رسالته ولا يحمّله عنت قريش وطغيانها، وإلاّ فإنّه لم يعد يتحمل مع كبر سنّه ما يجده من القوم ويخلّي بينه وبيهم؟! أم أنت مصدّق مقولة: إنّ أبا طالب كان آخر قوله قبل موته: إنّي على دين عبد المطّلب! وهل كان عبد المطّلب إلّا متألّهاً ذا كرامات أقرب إلى الإعجاز - مرّ ذكر بعضها -؛ وكان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عبد المطّلب المنزلة التي عرفناها، وكان عبد المطّلب مثل ولده أبي طالب، يعلمان أنّ ابنهما له شأن قادم؛ ولا ندري أن لو أدرك عبد المطّلب الوحي وآمن بنبوّة حفيدة ونصره، هل يجري له ما جرى لأبي طالب من مقاومة وتشكي بل إصرار أنّه مات مشركاً وأنّ آخر ما قاله عند موته: إنّي على دين أبي هاشم؟!
أم أنّك رافضيّ، ترفض الباطل والسفيه من القول، وتقول: إنّ الخوارج النواصب الأوائل من بني أميّة ومن سبقهم، قد وترهم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وسبقهم إلى كلّ فضيلة وتنزّه عن كلّ شين ونقيصة وكرّمه الله تعالى ممّا هم له عابدون، حتى قيل في حقّه: كرّم الله وجهه؛ وما قيل ذلك في حقّ أحد غيره؛ وزاد عليهم بعصمة أمّه به! وطهارة آبائه وإسلام والده، فبعد تجوال وجدوا مشركي قريش وهم يفاوضون أبا طالب رضي الله عنه بشأن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويشكون إليه ما يجدونه منه من سبّ آلهتهم
وعيب دينهم وتضليل آباءهم...؛ ثمّ قالوا له: وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه، وطلبوا منه أن يكفّه عنهم، أو يخلّوا بينه وبينهم؛ فردّهم أبوطالب ردّاً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه. ثمّ إنّ قريشاً تآمروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين أسلموا يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله منهم رسوله بعمّه أبي طالب، ودعا بني هاشم وبني المطّلب إلى ما هو عليه من منع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من دفع عن رسول الله، إلّا ما كان من أبي لهب....
فلمّا اجتمعت بنو هاشم وبنو المطّلب معه ورأى أن قد امتنع بهم وأنّ قريشاً لن يعادوه معهم قال أبو طالب، وبادى قومه بالعداوة، ونصب لهم الحرب، فقال:
منعنا الرسول رسول المليك |
ببيض تلألأ كلمع البروق |
|
أذبّ وأحمي رسول المليك |
حماية حام عليه شفيق |
في أبيات أخرى.
فلمّا رأى أبوطالب من قومه ما سرّه من جدّهم معه، وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم، ومكانه منهم، ليشتدّ لهم رأيهم فيه، ليحدبوا معه على أمرهم، فقال أبوطالب:
إذا اجتمعت يوماً قريش لفخر |
فعبد مناف سرّها وصميمها |
|
وإن حصلت أشراف عبد منافها |
ففي هاشم أشرافها وقديمها |
|
وإن فخرت يوماً فإنّ محمّداً |
هو المصطفى من سرّها وكريمها |
|
تداعت قريش غثّها وسمينها |
علينا فلم تظفر وطاشت حلومها |
وكنّا قديماً لا نقرّ ظلامةً |
إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها |
|
ونحمي حماها كلّ يوم كريهة |
ونضرب عن أحجارها من يرومها(١) |
إذن: أوّل من نطق بشرك أبي طالب رضي الله عنه: مشركوا قريش، والإناء ينضح بما فيه! فهم في مفاوضة مع أبي طالب من أجل التوصّل إلى طريق ينتهوا عنده للخروج من الحرج الذي سبّبه لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكلّ طالب حاجة لابدّ له من مقدّمة يسترضي بها من حاجته عنده، فبماذا يخاطب الوفد أبا طالب؟ أيقولون له: وإنّك ونحن من قريش، وهو أمر لا يجهله أبو طالب، ولم يكن النبيّ ببعيد من قريش؛ بل هو في الصميم من علاها كما وصفه عمّه المسدّد أبو طالب أم يقولوا نحن من بني هاشم، وليس فيهم هاشميّ(٢) ؛ فكان أن قالوا: (وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه) ولم يكن كما قالوا! فقد سبق أبو طالب كلّ عذل أمويّ، ناصبي، تيميّ وهابيّ؛ فإنّه رضي الله عنه قد اختاره عبد المطّلب الأريب دون غيره ليوصيه برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولمّا كانت المهمّة شاقّة ومهمّة؛ فقد اختار لوصيّته بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم: (أرجى أهله) وقد بيّن عظيم هاشم وسيّد قريش علّة انتقاءه أبي طالب لهذه الوصيّة؛ فهو رجل حنكته التجارب (وهو ذو تجارب)، ومن تجاربه ما رآه في عفّة ابن أخيه ووفور عقله وما وقع له في صحبته له في بعض الأسفار وإخبار الأحبار والرهبان ما يجدونه في كتبهم بشأن
____________________
(١) سيرة ابن إسحاق: ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) في (سيرة ابن إسحاق: ١٤٨) قال: مشى رجال من قريش إلى أبي طالب فيهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وأبو البختري، والأسود بن المطّلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج؛ فقالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا...، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال أبوطالب قولاً رفيقاً، وردّ ردّاً جميلاً؛ فانصرفوا.
ابن أخيه، ومن قبل كان يرى صنع عبد المطّلب أبيه برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحفاوته به وإنّه كان يصرّح بأنّه سيكون له شأن؛ ولذلك كان من جوابه لأبيه في شأن الوصيّة ما أقرّ به عينه وأثلج فؤاده، فما محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا وهو أقرب ودّاً إلى نفسه من جميع ولده وهو يقول ذلك بكامل رشده! بل إنّه يرتجي الرشد في ابن أخيه! فهو يتوسّم فيه سيادته لأهل نجد وغلبته للأشدّاء وانتشار دعوته بالأبطح والجبال ومكّة وما جاورها! وهو يذكر أهل نجد؛ فأيّ فقيه أبوطالب بالقبائل، فأهل نجد مناكير، فكان منهم أن نزلت فيهم آيات تترجم أحوالهم وسوء أدبهم مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وإغراقهم في الكفر، وأنّهم من الأجدر بهم أن لا يفقهوا حدود الله! وبهم نزلت سورة (الحجرات). ومن أرض الزلازل والفتن نجد؛ كما وصفها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن قبائلها، خرج الخوارج - بالمعنى الأخصّ -.
عود على مفاوضة المشركين لأبي طالبعليهالسلام
لم ينل المشركون من أبي طالب شيئاً، فلم يخدعوه بقولهم: (وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه)، ليحرّكوا بوهمهم مشاعره فتلين قناته وتخور عزيمته في نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وله الخيار: أن يكفّ النبيّ عن سبّ آلهتهم وعيب دينهم وتسفيه أحلامهم؛ وإمّا أن يتخلّى عنه، فيقضوا عليه!
وبحلمه؛ ردّهم أبوطالب، ولو كان مثلهم كما يزعمون! لـما استدّ في مؤازرة ابن أخيه؛ أليس أبولهب عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ! ولشدّة كفر أبي لهب وكثرة إيذائه لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تشركه في ذلك امرأته: أمّ جميل بنت أبي سفيان، أنزل الله تعالى فيهما سورة كاملة (سورة تبّت).
لم يتخلّ أبوطالب عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولم يسلمه عند اشتداد المحنة، وأفلح بتوفيقٍ من الله تعالى في جمع بني هاشم وبني المطّلب للدفع عن النبيّصلىاللهعليهوآله و بادى قومه بالعداوة ونصب لهم الحرب؛ فمتى كان شيخ قريش ومؤمنها مع المشركين على ما هم عليه من خلاف لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟!
وشعره الذي ذكرناه صريح في إيمانه، إذ يقول: منعنا الرسول رسول المليك... وأيضاً: أذّب وأحمي رسول المليك...
وذكرنا شعره الذي جمع فيه فخر قريش في عبد مناف؛ وخلص من عبد مناف فجعل فخرها و شرفها في هاشم؛ وانتهى فخر هاشم ومجدها في محمّد المصطفى؛ فلماذا هذه الحصيلة التي انتهى إليها أبوطالب ولماذا محمّدصلىاللهعليهوآله عنده خلاصة الفخر والشرف، وماذا يعني عنده الاصطفاء؟
وإن فخرت يوماً فإنّ محمّداً |
هو المصطفى من سرّها وكريمها |
فإن قلت: المصطفى هنا ليس إلّا الاصطفاء في الفخر و الشرف، لا الاصطفاء الشرعيّ الذي يعني أنّ الله تعالى اصطفى نبيّه على العالمين.
فنقول: لا بأس في ذلك! ولكن لم اجتمع الفخر كلّه في شخص محمّدصلىاللهعليهوآله فكان هو المصطفى؟ فأين قُصيّ وهاشم وعبد مناف وعبد المطّلب؟ ما السرُّ أن بَزّهم؛ وبَزّ الكلَّ أجمعينا محمّد المصطفىصلىاللهعليهوآله ؟! وإذا كان كذلك، فهو أعلى شأناً من عمّه «أبوطالب»! بإقرار عمّه. فما السرّ أن ارتقى المصطفى هذا المرتقى؛ والنسب واحد، فهم في دَوْحة العلياء ومنتهى الفخر من قريش؛ وهم أبناء الزواكي العواتك والفواطم ممّن لم يُسْهِم فيهنّ فاسقٌ وفاجر. هذا بشأن النسب فلم يبق إلّا السبب: وهو النُّبوّة. فنبيّنا أشرف الخلق أجمعين وسيّد الأنبياء والمرسلين صلّى الله عليه وآله وعليهم أجمعين.
وليت عبد المطّلب رضي الله عنه أدرك نبوّته ليؤمن به ويصدّقه ويؤازره إذا كان يفسّر احتفاءه به بأنّه سيكون له شأن. ولم يخيب ظنّه بولده أبي طالب إذ أوصى إليه برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فكان الولد على سرّ أبيه، فقد أوقف عمره الشريف في نصرة الرسول والرسالة، ومن الإنصاف أن نعود إلى سيّد قريش حتّى آخر عمره: عبد المطّلب؛ فمن ذلك: قال مطرود بن كعب الخزاعيّ يبكي عبد المطلب وبني عبد مناف:
يا أيّها الرجل المحوّل رحله |
هلاّ سألت عن آل عبد مناف |
|
هبلتك أمّك لو حللت بدارهم |
ضمنوك من جرم ومن إقراف(١) |
|
الخالطين غنيّهم بفقيرهم |
حتّى يعود فقيرهم كالكافي |
|
المنعمين إذا النجوم تغيّرت |
والظّاعنين لرحلة الإيلاف |
|
والمطعمين إذا الرياح تناوحت |
حتّى تغيب الشمس في الرّجّاف(٢) |
|
إمّا هلكت أبا الفعال فما جرى |
من فوق مثلك عقد ذات نطاف |
|
إلاّ أبيك أخي المكارم وحده |
والفيض مطّلب أبي الأضياف(٣) |
وقال حذيفة بن غانم أخو بني عديّ بن كعب بن لؤيّ، يبكي عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، ويذكر فضله وفضل قصيّ على قريش، وفضل ولده من بعده عليهم، والقصيدة طويلة؛ نذكر جلّها، لمضامينها، قال:
____________________
(١) هبلتك: فقدتك. وهوعلى جهة الإغراء لا الدعاء. والإقراف: مقاربة الهجنة. أي منعوك من أن تنكح بناتك وأخواتك من لئيم فيكون الابن مقرفاً للؤم أبيه وكرم أمّه، فيلحقك وصم من ذلك.
(٢) تناوحت: تقابلت. والرجاف - هنا -: البحر.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ١٨٨ - ١٨٩. (يريد أنّه كان لأضيافه كالأب. والعرب تقول لكلّ جواد: أبو الأضياف).
أعينيّ جودا بالدموع على الصّدر |
ولا تسأما أسقيتما سبل القطر(١) |
|
وجودا بدمع واسفحا كلّ شارق |
بكاء امرئ لم يشوه نائب الدهر(٢) |
|
على الماجد البهلول ذي الباع والندى |
ربيع لؤيّ في القحوط وفي العسر(٣) |
|
على خير حاف من معدّ وناعل |
كريم المساعي طيّب الخيم والنّجر(٤) |
|
وخيرهم أصلاً وفرعاً ومعدناً |
وأحظاهم بالمكرمات وبالذّكر |
|
على شيبة الحمد الذي كان وجهه |
يضيء سواد الليل كالقمر البدر |
|
وساقى الحجيج ثمّ للخير هاشم |
وعبد مناف ذلك السيّد الفهري |
|
طوى زمزماً عند المقام فأصبحت |
سقايته فخراً على كلّ ذي فخر |
|
ليبك عليه كلّ عان بكربة |
وآل قصيّ من مقلّ وذي وفر(٥) |
|
بنوه سراة كهلهم وشبابهم |
تفلّق عنهم بيضة الطائر الصّقر(٦) |
|
قصيّ الذي عادى كنانة كلّها |
ورابط بيت الله في العسر واليسر |
|
فإن تك غالته المنايا وصرفها |
فقد عاش ميمون النّقيبة والأمر(٧) |
|
وأبقى رجالاً سادةً غير عزّل |
مصاليت أمثال الرّدينيّة السّمر(٨) |
____________________
(١) السبل: المطر.
(٢) كل شارق: أي عند طلوع الشمس كلّ يوم؛ ولم يشوه:لم يخطئه.
(٣) البهلول: السيّد. وذي الباع: الجود والكرم والعطاء.
(٤) النجر: الأصل.
(٥) العاني: الأسير.
(٦) سراة: خيار.
(٧) النقيبة: النفس. وميمون النقيبة: منجح الفعال مظفر المطالب.
(٨) عزّل: جمع أعزل غير رامح. مصاليت: شجعان. الردينية: الرماح.
كهولهم خير الكهول ونسلهم |
كنسل الملوك لا تبور ولا تحري(١) |
|
هم ملئوا البطحاء مجداً وعزّةً |
إذا استبق الخيرات في سالف العصر |
|
وفيهم بناة للعلا وعمارةً |
وعبد مناف جدّهم جابر الكسر |
|
فسرنا تهاميّ البلاد ونجدها(٢) |
بأمنه حتّى خاضت العير في البحر |
|
وهم حضروا والناس باد فريقهم |
وليست بها إلّا شيوخ بني عمرو(٣) |
|
بنوها دياراً جمة وطووا بها |
بئاراً تسحّ الماء من ثبج بحر(٤) |
|
لكي يشرب الحجّاج منها وغيرهم |
إذا ابتدروها صبح تابعة النّحر |
|
وهم يغفرون الذنب ينقم دونه |
ويعفون عن قول السّفاهة والهجر(٥) (٦) |
رثاء بنات عبد المطّلب أباهنّ
رثت بنات عبد المطّلب أباهنّ، فقالت صفيّة تبكي أباها عبد المطّلب:
أرقت لصوت نائحة بليل |
على رجل بقارعة الصّعيد |
|
ففاضت عند ذلكم دموعي |
على خدّي كمنحدر الفريد(٧) |
|
على رجل كريم غير وغل(٨) |
له الفضل المبين على العبيد |
____________________
(١) لا تبور: لا تهلك. ولا تحري: لا تنقص.
(٢) يريد ما انخفض منها وما علا.
(٣) شيوخ بني عمرو: يريد بني هاشم، لأنّ اسمه عمرو.
(٤) ثبج كلّ شيء: معظمه.
(٥) الهجر: القبيح من الكلام الفاحش.
(٦) السيرة النبويّة، لابن هاشم ١: ١٨٤ - ١٨٧.
(٧) الفريد: الجوهر، والدرّ.
(٨) الوغل: الضعيف النذل الساقط المقصّر في الأشياء.
على الفيّاض شيبة ذي المعالي |
أبيك الخير وارث كلّ جود |
|
صدوق في المواطن غير نكس |
ولا شخت المقام ولا سنيد(١) |
|
طويل الباع أروع شيظميّ(٢) |
مطاع في عشيرته حميد |
|
رفيع البيت أبلج ذي فضول |
وغيث الناس في الزمن الحرود(٣) |
|
كريم الجدّ ليس بذي وصوم(٤) |
يروق على المسوّد والمسود |
|
عظيم الحلم من نفر كرام |
خضارمة ملاوثة أسود |
|
فلو خلد امرؤ لقديم مجد |
ولكن لا سبيل إلى الخلود |
|
لكان مخلّداً أخرى الليالي |
لفضل المجد والحسب التّليد |
فصفيّة بنت عبد المطّلب تبكي أباها شيبة المعالي، فتذكر مناقبه ولا تقول إلّا حقّاً! فمن ينكر عبد المطّلب في فضل نسبه وكريم طباعه، وحاشاه أن يقرن بأميّة وحرب فيكون وغلاً! ولا هو بضعيف الرأي هزيل البدن، إنّما هو الرجل الذي أمر الملك به ليستقي لقومه إذ أصابتهم السنة، وأعطى صفاته وقد ذكرناها؛ فجمع الله تعالى له جمال الخلق والخلق، فكان من خلقه الصدق كما جاء في سيرته وذكرتها ابنته صفيّة، ومن خلقه الجود والكرم فسمّي الفيض والفيّاض؛ وللصفات التي اجتمعت في عبد
____________________
(١) النكس: الرجل الضعيف الذي لا خير فيه. والشخت: الدقيق الضامر أصلاً لا هزالاً. والسنيد: الضعيف الذي لا يستقلّ برأيه حتّى يسند رأيه إلى غيره.
(٢) الشيظمي: الفتى الجسيم.
(٣) الحرود: الناقة القليلة الدرّ، شبّه الزمن في جدبه بها.
(٤) الوصوم: جمع وصم، وهو العار.
(٥) الخضارمة: جمع خضرم، وهو الجواد المعطاء والسيد الحمول. والملاوثة: جمع ملواث، من اللوثة، وهي القوّة.
المطّلب؛ فهو أولى بالخلود لو كان في هذه الدنيا خلود. هذا قول صفيّة بنت عبد المطّلب بحقّ أبيها.
ورثته ابنته برّة بنت عبد المطّلب، فقالت تبكيه:
أعينيّ جودا بدمع درر |
على طيّب الخيم والمعتصر(١) |
|
على ماجد الجدّ واري الزّناد |
جميل المحيّا عظيم الخطر |
|
على شيبة الحمد ذي المكرمات |
وذي المجد والعزّ والمفتخر |
|
وذي الحلم والفصل في النّائبات |
كثير المكارم جمّ الفجر(٢) |
|
له فضل مجد على قومه |
منير يلوح كضوء القمر |
|
أتته المنايا فلم تشوه(٣) |
بصرف الليالي وريب القدر |
عاتكة: وقالت عاتكة بنت عبد المطّلب تبكي أباها:
أعينيّ جودا ولا تبخلا |
بدمعكما بعد نوم النّيام |
|
أعينيّ واسحنفرا واسكبا |
وشوبا بكاءكما بالتدام(٤) |
|
أعينيّ واستخرطا واسجما |
على رجل غير نكس كهام(٥) |
|
على الجحفل الغمر في النائبات |
كريم المساعي وفي الذّمام(٦) |
____________________
(١) الخيم: السجية والطبيعة. ومعنى كونه طيب المعتصر، أنّه جواد عند المسألة.
(٢) الفجر: العطاء، والكرم والجود، والمعروف؛ والمال وكثرته.
(٣) لم تشوه: لم تصب الشوى وهي الأطراف، بل أصابت المقتل.
(٤) اسحنفر المطر وغيره: كثر صبّه. والالتدام: ضرب النساء وجوههن في النياحة.
(٥) استخرط في البكاء: لجّ فيه. والكهام: الرجل الكليل المسنّ. فهو ليس بنكس أي ضعيف ولا كليل.
(٦) الجحفل: الرجل العظيم. الغمر: الكريم الواسع الخلق.
على شيبة الحمد واري الزّناد |
وذي مصدق بعد ثبت المقام |
|
وسيف لدى الحرب صمصامة |
ومردي المخاصم عند الخصام |
|
وسهل الخليقة طلق اليدين |
وفي عد مليّ صميم لهام(١) |
|
تبنّك في باذخ بيته |
رفيع الذّؤابة صعب المرام(٢) (٣) |
وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبد المطّلب تبكي أباها:
ألا يا عين جودي واستهلّي |
وبكّي ذا النّدى والمكرمات(٤) |
|
ألا يا عين ويحك أسعفيني |
بدمع من دموع هاطلات |
|
وبكّي خير من ركب المطايا |
أباك الخير تيّار الفرات(٥) |
|
طويل الباع شيبة ذا المعالي |
كريم الخيم محمود الهبات |
|
وصولاً للقرابة هبرزيّا |
وغيثاً في السنين الممحلات(٦) |
|
وليثاً حين تشتجر العوالي |
تروق له عيون الناظرات(٧) |
|
عقيل بني كنانة والمرجّى |
إذا ما الدهر أقبل بالهنات(٨) |
|
ومفزعها إذا ما هاج هيج |
بداهية وخصم المعضلات(٩) |
____________________
(١) العدملي: الضخم. واللهام الكثير الخير.
(٢) تبنّك: تأصّل، من البنك، وهو أصل الشيء وخالصه. تريد أنّ بيته تأصل في باذخ من الشرف.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ١٨٠ - ١٨١.
(٤) استهلّيّ: أظهري البكاء. بكّي: إبكي عليه.
(٥) التيّار: معظم الماء. والفرات: الماء العذب.
(٦) الهبرزي: الجميل الوسيم، وأيضاً الحاذق في أموره.
(٧) تشتجر: تختلط. العوالي: الرماح. تريد حين تجدّ الحرب.
(٨) عقيل القوم: سيّدهم. الهنات: جمع هنة، كناية عن القبيح.
(٩) مفزعها: ملجؤها والهَيج: الحرب.
فبكّه ولا تسمى بحزن |
وبكّي، ما بقيت الباكيات(١) (٢) |
وقالت أميمة بنت عبد المطّلب تبكي أباها:
ألا هلك الرّاعي العشيرة ذو الفقد |
وساقي الحجيج والمحامي عن المجد(٣) |
|
ومن يؤلف الضيف الغريب بيوته |
إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد(٤) |
|
كسبت وليداً خير ما يكسب الفتى |
فلم تنفكك تزداد يا شيبة الحمد |
|
أبو الحارث الفيّاض خلى مكانه |
فلا تبعدن فكلّ حيّ إلى بعد |
|
فإنّي لباك ما بقيت وموجع |
وكان له أهلاً لـما كان من وجدي |
|
سقاك وليّ الناس في القبر ممطراً |
فسوف أبكّيه وإن كان في اللّحد |
|
فقد كان زيناً للعشيرة كلّها |
وكان حميداً حيث ما كان من حمد(٥) |
هل يعني كلام أميمة: (سقاك وليّ الناس في القبر ممطراً) أنّها على نهج أبيها عبد المطّلبعليهالسلام ، من توحيده، واعتقاد بعالم البرزخ؟ فأين أبوطالبعليهالسلام عن هذا المعتقد وهو من ذوي الحجى؟!
وقالت أروى بنت عبد المطّلب تبكي أباها:
بكت عيني وحقّ لها البكاء |
على سمح سجيّته الحياء(٦) |
____________________
(١) ولا تسمى: أي لا تسأمي.
(٢) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ١٨١ - ١٨٢.
(٣) في سيرة ابن إسحاق:... راعي العشيرة ذو العقد = وساقي الحجيج المحامي عن الحمد
(٤) في سيرة ابن إسحاق: ومن يؤلف الجار الغريب لبيته = إذا ما سماء البيت تبخل بالرعد
(٥) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ١٨٢.
(٦) السجية: الطبيعة.
على سهل الخليقة أبطحيّ |
كريم الخيم نيّته العلاء(١) |
|
على الفيّاض شيبة ذي المعالي |
أبيك الخير ليس له كفاء(٢) |
|
طويل الباع أملس شيظميّ |
أغرّ كأنّ غرّته ضياء(٣) |
|
أقبّ الكشح أروع ذي فضول |
له المجد المقدّم والسّناء(٤) |
|
أبيّ الضّيم أبلج هبرزيّ |
قديم المجد ليس له خفاء(٥) |
|
ومعقل مالك وربيع فهر |
وفاصلها إذا التمس القضاء(٦) |
|
وكان هو الفتى كرماً وجوداً |
وبأساً حين تنسكب الدماء |
|
إذا هاب الكماة الموت حتّى |
كأنّ قلوب أكثرهم هواء(٧) |
|
مضى قدماً بذي ربد خشيب |
عليه حين تبصره البهاء(٨) |
هذا هو عبد المطّلب المتألّه المتحنّث الفيّاض أبيّ الضّيم لا يظلم جاره ولا يسلم من استجاره. أبلج أغرّ أروع معرق في المجد، نقيّ الثوب يستسقى الغمام به وبحفيده ميمون النقيبةصلىاللهعليهوآلهوسلم . ويعطيه الله تعالى زمزم، فهي له من دون قريش! فإذا نافروه، ورأى القوم لا يعقلون إلّا ذلك! وافقهم، وفي الصحراء إذا نضب ماؤه وماء أصحابه؛
____________________
(١) أي من قريش البطاح، وهم الذين ينزلون بين أخشبي - أي جبلي مكّة.
(٢) الكفاء: المثل.
(٣) شيظميّ: من صفات الجمال، وقد مرّ تفسيره. وأيضاً: المقول الفصيح. وأغرّ: ذا حسن، وغرّته: طلعته ووجهه.
(٤) أقبّ: ضامر. والكشح: الخصر. والأروع: من يعجبك بحسنه، ومنظره وشجاعته.
(٥) هبرزي: مرّ تفسيره، وأبيّ الضّيم: لا يقبل الظلم.
(٦) الفاصل: الذي يفصل في الخصومات.
(٧) الكماة: الشجعان، واحدهم: كمي.
(٨) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ١٨٢ - ١٨٣.
أبت قريش إلّا لؤماً، فامتنعت أن تسقيه قطرةً، ففجر الله له عيناً عذباً شرب منه وجماعته، وابت نفسه إلّا تكرّماً فدعى قريشاً فشربوا وسقوا، وعلموا أنّ هذا أمراً أراده الله سبحانه لعبد المطّلب كرامةً له، فاكتفوا بذلك وتركوا المنافرة ورجعوا وخلّوا بين عبد المطّلب وزمزم. ومثل ما جرى بينه وبين قريش؛ فقد نافرته ثقيف، وحدث له نفس الأمر، وفجّر الله له ماءً عذباً في صحراء قاحلة، وفعل الفيّاض معهم مثل ما فعل مع قريش....
ولقد تركنا من أخبار عبد المطّلبرضياللهعنه كثيراً، مثل هجوم أبرهة الحبشي لخراب الكعبة وقصّة عبد المطّلب معه، وحروبه واستنصاره بأخواله، وغير ذلك.
وقد كتبنا شيئاً عن عبد المطّلب لـما حملنا التأمّل في مسألة المنافرة التي هي ليست من شأن عبد المطّلب، وقلنا: إنّنا إذ نقول هذا وإنّما إنْ ثبت فلأنّ الطرف الآخر سبيله المنافرة فإن أبى عبد المطّلب قيل: غلبت؛ فإنّ إبراهيم الخليلعليهالسلام لـمّا قال لقومه بشأن الكواكب: هذا ربّي، فلمّا أفل؛ قال: هذا ربّي؛ وهكذا من نجم إلى آخر؛ إلى أن قال: لا أحبّ الآفلين؛ إنّما أراد أن يقيم الحجّة عليهم إذ كانوا يعبدون الكواكب. فأثبت لهم أنّها مخلوقة مأمورة لله تعالى.
ذهب عبد المطّلب، كما يقولون، فثابت قريش إلى رشدها وهي ترى كرامته شبه المعجز مع عظيم خلقه وهو عليها ليس بجديد، فرجعت عن المنافرة. وأمّا ثقيف وقد ذكرنا قصّته معهم وهم قوم مناكير، فأبوا مع ما رأوا ما أعطى الله تعالى عبد المطّلب من كرامة نبع الماء، إلّا مواصلة المسيرة لإجراء المنافرة، فغلبهم مؤمن قريش عبد المطّلبرضياللهعنه.
أبوطالب يخلّد ذكر أبيه
انتهت إلى أبي طالب الزعامة الكبرى لا عن كلالة! وإنّما لصفات اجتمعن فيه دون غيره؛ فورث بذلك آباءه عبد المطّلب وهاشم وعبد مناف؛ من غير ثروة يضارع بها أخوته سيّما (أبو لهب) لعنه الله؛ عظيم المال، كاسد البضاعة! لم يكتف بتكذيب ابن أخيه في رسالته، وإنّما أمعن في إيذاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تعنيه في ذلك (أمّ جميل بنت حرب) زوجته، أخت أبي سفيان صخر بن حرب.
فلقد كان لأبي طالبرضياللهعنه من الحنكة وقوّة النفس والخلق الرفيع ما فرضه زعيم مكّة لا يعدل به ولا يعدل عنه.
كان له علم ورأي وقوّة نفس لا تتضعضع إذا شدّت الأمور حيازيمها وقد رأيناه كيف صرف عتاة الوفد المفاوض بشأن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد وضعوه أمام خيارين: إمّا أن يكفّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن تبليغه الرسالة؛ وإمّا أن يتخلّى عنه فيتولّون الإجهاز عليه وإنهاء أمره؛ وبحمله ووفور عقله، صرفهم صرفاً جميلاً حتّى يدبّر أمره، فعقد الحلف بين بني هاشم وبني المطّلب - كما ذكرنا - لنصرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فلمّا استوثق من الحلف مدحهم بما ذكرناه، وبادى أبو طالب قريشاً العداوة، وانطلق النبيّ في مسيرته.
وممّا يسجّل لأبي طالب من مقوّمات السيادة: أنّه حرذم على نفسه الخمر والموبقات، ودرج طوال حياته لم يؤخذ عليه قول ولم ينتقص بفعل ولم يذمّم بعهد. وسنّ القسامة فأقرّها الإسلام(١) .
ومن جواب لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إلى ابن هند معاوية على كتاب
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٤٦١. (والقسامة: مال الصدقة لأنّه يقسم على الضعفاء. وأيضاً الأيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم).
كتبه إليه: (ليس أميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطّلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب؛ ولا المهاجر كالطليق ولا المحقّ كالمبطل. وفي أيدينا فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز، وأعززنا بها الذليل)(١) .
فأميرالمؤمنينعليهالسلام لا يقول إلّا حقّاً؛ وإلاّ لما قرن الله تعالى ولايته بولايته عزّ وجلّ وولاية رسوله الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في آية الولاية(٢) .
ولا نعرف بيتاً طهّره الله فعصمه إلّا أصحاب الكساء: محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهماالسلام ؛ وبهم خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يباهل نصارى نجران فأعجزهم بهم؛ وكانت تلك الوجوه المقدّسة معجزة النبيّ يومئذ ولو كان في الأمّة أفضل منهم لخرج يباهل به! وقد خلّد القرآن المجيد الواقعة في آية المباهلة. فكان ابن أبي طالبعليهالسلام عليّ نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فمن يضاهي، بل يداني، بل... نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! وابناه ابني رسول الله؛ ونساؤه نساء النبيّ صلّى الله عليه وعليهم؛ وهم عدل القرآن؛ والقرآن معصوم؛ فهمعليهمالسلام لهذا وما تقدّم وغيره من الأدلّة معصومون.
ففي المعيار والموازنة من جواب أميرالمؤمنين، فليس أميّة من يقرن بهاشم، ولا حرب بعبد المطّلب، ثمّ يوصل الكلام فلا يقطعه! فإنّ أبا سفيان صخر بن حرب وقد أظهر الإسلام قسراً، لا يقرن بأبي طالب؛ ومثل عليّ لا تجنح به عاطفة فيقول باطلاً، وإلاّ لأجابه معاوية وقال: إنّك فخرت بمن مات مشركاً وأبي مات مسلماً وإن كنت وإيّاه من الطّلقاء، فبماذا فضّل عليّ أباه على أبي سفيان؛ بل إنّ استعماله لفظ النفي (ليس) والمثيلة والتشبيه (حرف الكاف) أبلغ من التفضيل؛ ففي الثانية مشتركات مع
____________________
(١) وقعة صفّين: ٤٧١.
(٢) المائدة: ٥٦ - ٥٧.
تقديم و ترجيح. أمّا الأوّل فليس فيه مشتركات فهاشم غير أميّة في الخير كلّه وكذلك عبد المطّلب وأخيراً أبوطالب. ولـمّا فرغ من الآباء، تحوّل إلى الأبناء: فمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد الأنبياء والرّسل ورسالته أشرف الرسالات وخاتمتها، بلّغها أحسن تبليغ؛ وضرب عليّعليهالسلام خراطيم الشرك وعتاة الكفر وشياطينهم؛ فذلّ متكبّر عنيد إذ صُعِّر خدّه صريعاً بعد عزٍّ موهوم! وعزّ ذليل مستضعف مستعبد.
وقد خاب من افترى! فليس خال المؤمنين - كذا - الطليق ابن الطليق ممّن دخلوا الإسلام رهباً، وخرجوا منه رغباً؛ ليس مثل ابن هند أن يقرن بوليّ الله وسيفه المسلول، أوّل من أسلم، الصدّيق الأكبر وفاروق الأمّة نجيّ رسول الله وصفيّه وحواريّه وباب علمه وابن عمّه، زوج ابنته الطاهرة التي انتهت ذريّة رسول الله إليها؛ فكان النبيّ والوصيّ أبويّ هذه الأمّة، إلّا النواصب والخوارج.
وليس مثل عليّعليهالسلام مَن يلقي الكلام على عَوَاهِنه ويَهْجُر - حاشا له - وهو الّذي سنّ لقريش الفصاحة بإقرار ابن هند؛ وورعه وتقواه يصدّانه أن يقول غير الحقّ؛ فهوعليهالسلام إذ يشهد لنفسه بالحقّ ولمعاوية بالباطل؛ برهان ساطع ودليل قاطع في ذلك وأنّ معاوية ما صحّ منه إسلام منذ أن كفر. وقد ذكرنا قوله للمغيرة بن شعبة إذ حاوره بشأن بني هاشم؛ فراح ابن هند يذكر أبابكر، وعمر، وعثمان؛ ويعقّب: فهلك وهلك ذكره؛ وختم أن قال: وأنّ أخا بني هاشم يصاح به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله؛ فأيّ عمل يبقى بعد هذا، لا أمّ لك؟! إلّا دفناً دفناً!(١)
وابن هند لا يستحي أن يعلن حقيقة قتاله لأهل العراق، فهو ينسب إلى امرأة؛ وتره الإسلام على يد فتى الإسلام عليّعليهالسلام في معركة واحدة؛ وهو ربيب رجل عاهر اقترن
____________________
(١) كشف الغمّة ٢: ٤٤، كشف اليقين: ٤٧٤ - ٤٧٥.
اسمه به فصار ينسب إليه، وأمر الدعوى والاستلحاق في هذا البيت من خصوصياته! كما هو حال كثرة البغايا وذوات الرايات.
ومضى الكثير في ذكر هند، ومعاوية، مروراً بأبي سفيان؛ وحط الرحل عند أميّة؛ وإن تعدّاه الكلام إلى عبد شمس بن عبد مناف، فوجدناه خامل الذكر، كلاًّ على فخر قريش في زمانه (هاشم)، ومن موبقاته - عبد شمس -: أنّه استلحق عبده الروميّ (أميّة) حتّى صار أميّة بن عبد شمس. ومضت السّنّة؛ فقد استلحق أميّة عبده ذكوان وسمّاه أبا عمرو وتنازل له عن زوجته، فزوّجه إيّاها.
وبغضّ النظر عن صحّة النسب وعدمه، والأخذ بالسبب، فإنّ فرع آل أبي معيطة الذين حذّر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من تسليطهم على رقاب المسلمين؛ فسلّطهم عثمان! فكان ذلك واحداً مهمّاً من أسباب نقمة الأقطار الإسلاميّة عليه فإنّ هذا الفرع راح يباري الأصل من الشجرة الملعونة في ميادين الرذيلة....
بعدنا عن القصد: فقد ذكرنا أنّ ابن هند لا يستحي أن يعلن حقيقة قتاله لأهل العراق.
عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنّخيلة(١) الجمعة في الضّحى، ثمّ خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، قد عرفت أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون(٢) .
وكيف يستحي من هذا القول ابن امرأة وترتها سيوف الإسلام، وكان السهم الأوفر لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهماالسلام ، ذكرنا تفصيله في غير الموضع. وذكرنا
____________________
(١) النّخيلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام. معجم البلدان ٥: ٢٧٨.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٣.
شيئاً من سوء سيرته وسيرة أبي سفيان ربيبه! من سرقة وزنىً وقبل الرجوع إلى أخبار مؤمن قريش أبي طالب، ذكر بعض نوادر أخبار ابن هند.
المدائني عن عبد الله بن فائد وغيره قال: أراد معاوية ابتياع ضيعة من بعض اليهود، وذكرت له، فبعث إلى صاحبها فأتي به، وهو شارب نبيذ، فلمّا رآه معاوية طمع في غبنه، فقال له: بعني ضيعتك، فضحك اليهودي وقال: ليس هذا وقت بيع ولا شراء، ولكن إن شئت غنّيتك صوتاً، فضحك معاوية وقال: أللّهم أخزه فما أشدّ عقدته، وأثبت عكدته!(١)
إنّما الخزاية لمن يتربّص بالآخرين ليختلسهم، إلّا أنّ اليهوديّ خيّب ابن هند ما أمّل إذ لم يكن النبيذ قد أخذ منه مأخذه فيغلبه!
ثور وبعير: إنّ طمع ابن هند بما في أيدي الناس، أرداه في الدنيّات وتوجّه أميراً للخوارج النواصب وامتدّت إمارته إلى الناقص...، وسيحشر كلّ مع وليّه وإمامه في هذه الدنيا.
المدائني عن عليّ بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه أنّ معاوية قال لعمرو بن العاص: أحبّ أن تصفح لي عن الوهط(٢) ، ضيعتك، فقال: أحبّ أن تعرض لي عنها، قال: لا، فأبي عمرو أن يفعل، فقال معاوية: مثلك يا عمرو كمثل ثور في روضة، إن ترك رتع، وإن هيج نطح، فقال عمرو: ومثلك مثل ثور في روضة يصيب من أخلاط الشجر فيها، فرأى شجرةً على صخرة زلاّء، فرغب عمّا هو فيه وتعاطى الشجرة فتكسّر!(٣)
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٧٢ - ٧٣. والعكدة: الغاية والقوّة.
(٢) الوهط: بستان ومال كان لعمرو بن العاص بالطائف... كان يعرش على ألف ألف خشبة. شراء كلّ خشبة درهم. القاموس.
(٣) نفس المصدر السابق: ٧٥.
وعن مسلمة بن محارب قال: كان معاوية معجباً بجارية له، فدخل عليه يزيد يوماً وهي جالسة على السرير، ومعاوية على الأرض وفي يدها قضيب تلويه على رأسه، فقال يزيد: أو هذا أيضاً؟! وهمّ بها، فبادرت فدخلت بيتاً، فقال معاوية: ويحكِ شُدّي لِزاز الباب دونه، وأراد دفعَ الباب فنهاه معاوية، ثمّ قال: من يعذرنا من هذا، يدخل علينا ويضرب جوارينا، ارجع يا بنيّ فإنّ الجواري لُعُبٌ، والرجل في بيته مع أهله بمنزلة الصبيّ، فاستحيا يزيد وخرج.
وأيّ شيء لا يعجب ابن هند فيشتهيه؟ إن كانت ضيعة ليهوديّ، أو لوزيره ابن النابغة أو بعيراً لامرأة فيسرقه هو وزوج أمّه أبوسفيان؛ أو سواقط النساء ومن دناءته أن يعاشر فارسيّة فإذا مرّت به جارية سوداء، ترك الفارسيّة وعاشر السوداء فإذا عاد إلى الأولى سألها عن اسم الأسد بالفارسيّة فقالت: (كفتار) ويعني الضبع الأعرج، فخرج يفخر على قومه ويقول: أنا الكفتار فسخروا منه. ويبدو أنّه (ساديّ) النزعة في الجنس! وهي ملمح من ملامح الانحطاط الغربيّ، إذ مارس بعضهم وضعاً شاذّاً بان يتعرّى فتضربه الممارسة أسواطاً موجعة ربّما أدمته! ومن ثمّ يمارس الجنس بخشونة! ولولا الناقص وفضوله إذ دخل على أبيه متواضعاً على الأرض بين يدي جاريته وهي تقرع رأسه بالسّوط؛ لربّما ترك السوط آثاراً في ظهره وبطنه التي شملتها دعوةُ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن لا تشبع، فكان يأكل ولا يشبع حتّى مات.
عمر يخالف قوله في تولية ابن هند
عن عمر قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثمّ في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها الطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء(١) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٢.
والأمر محيّر! فعمر يقول ذلك ثمّ يطلق يد معاوية في الشأم، وكان ابن هند مثار إعجابه، يسمّيه كسرى العرب! ولهند موضع خاصّ من عمر، فإنّ معاوية في أوّل مرّة جاء بها من الشأم إلى المدينة المنوّرة، بدأ بعمر، فسأله عن حاله وبمن بدأ في مجيئه هذا؟ فلمّا أعلمه أنّه به بدأ؛ قال له: لا، اذهب وابدأ بهند!
وتطول أخبار ابن هند، وأخبار الأوائل، فنذكر هذا الخبر لنرجع إلى قصدنا:
قال الأسود بن يزيد: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخلافة؟! قالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر؛ وقد ملك فرعون أهل مصر أربع مائة سنة(١) .
ما هكذا تورد الإبل يا عائشة، فإنّ الله تعالى لا يرتضي الفاجر سلطاناً فيكون شريكاً له في ظلم العباد وإفساد البلاد - حاشا لله ذلك -، ولا ندري أنّ قولك هذا عن جهل بالأمور فتعذرين؛ أم لأنّك رايتي أباك قد بعث يزيد بن أبي سفيان في قادة فتح الشام وكان معاوية بن هند يحمل رايته، فلمّا مات يزيد عهد إلى معاوية، وتوفي أبوبكر وهو عنه راض؛ فلمّا تولّى الأمر عمر وكان مفتتناً بابن هند، أفرده بالشام؛ ثمّ كان قتالك لعليّعليهالسلام يوم البعير، فعجزتي وظفر بكِ ولو شاء لقتلكِ ومروان ومن معه من بني أميّة ولكنّه أنعم فأنتم الطّلقاء! ولـمّا سُئلتِ عن مسيرك هذا؟ قلتِ: قدَرُ الله وكان قدَرُ الله مقدوراً! فأنتِ جبريّة تردّين منكرات العباد إلى الله الذي حرّمها وأنذر بالعقاب عليها.
أمّا قولكِ في معاوية، فالأصل فيه قتاله لخصمكِ أمير المؤمنينعليهالسلام ومع ذاك: نستفيد من مقالها أنّ ابن هند فاجر، إذ في طرفي المعادلة بَرٌّ وفاجر؛ وخير البريّة وأوّل
____________________
(١) نفس المصدر السابق.
القوم إسلاماً، من كرّم الله وجهه، زوج البتول أخو الرسول ووصيّه وأبو سبطيه، نفس رسول الله وخاصّته المعصوم بصريح القرآن في آية التطهير، والثقل الثاني بعد القرآن...؛ والطرف الثاني: ابن هند، فهو بها يعرف، سيرته تطول، متقلّب في الكفر والنفاق والغدر معروف بشتّى الموبقات، غير رضيٍّ إلّا لدى خارجيٍّ ناصبيّ.
فمن هذا: أفادنا قول عائشة: أنّ الفاجر الذي مثّلت له بفرعون هو ابن هند.
بقيّة أخبار أبي طالب
جرى الكلام عن إيمان أبي طالبرضياللهعنه، وقد قامت الأدلّة الساطعة على عمق إيمان أبي طالب وجهاده؛ وقبل ذكر أخباره الأخرى وأشعاره التي منها نقرأ شخصيّة أبي طالب، نقول: للمبادئ والعقائد أحكام لا تقبل معها شفاعة قرابة ولا وساطة رحم، فلو اختلف الآباء والأبناء في شيء من ذلك لتناحروا من أجله واستباحوا كلّ محرم من عقوق ودم وجفاء، وذكرنا من قبل: أنّ أبا لهب مثل أبي طالب في صلة الرحم برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو عمّه، إلّا أنّه كان من أعتى أعداء رسول الله، وأمّا أبو طالب، فإنّه كان يصف ابن أخيه فيقول: (إنّه الحليم الأمين الطاهر)(١) . وكان يقول لرسول الله: (والله لا أسلمتك ما كنت حيّاً حتّى يتمّ الذي تريد) ثمّ يلتفت إلى ولده عليّ فقال: (أمّا أنت يا بني، فما بك رغبة عن الدخول فيما دخل فيه ابن عمّك)(٢) .
إنّ أباطالب في كلّ موطن، يصف ابن أخيه ويقرّ له بالنبوّة. لمسنا ذلك منه إذ أوصاه أبوه عبد المطّلب برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد عرفنا جوابه لأبيه وأنّه غنيّ عن الوصيّة لأنّه حقّ لازم وما ذلك إلّا لأنّه يتفرّس فيه مثل ما يتفرّس هو فيه من طلائع النبوّة
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ١٢٧.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٢٦.
والسّؤدد. فآزره وتحمّل كلّ أذىً. وها هو يصفه بصفات الأنبياء: فهو الحليم، ومن قبل وصف الله تعالى نبيّه إبراهيم الخليلعليهالسلام بأنّه أوّاهٌ حليم. وهو الأمين الذين عرفته قريش فكانت تودع عنده ودائعها وتسمّيه الصادق الأمين، فلمّا صدع برسالة ربّه لم تثب إلى رشدها! فتقول: هذا ابننا نسمّيه الصادق لكثرة صدقه ولم نسجّل عليه كذبةً قطُّ ولا خطلةً في سلوك، فلنجلس إليه نسمع ما يقول ونحاوره فإن كان على حقّ اتّبعناه وصدّقناه...، وإن كانت الأخرى صددناه. إلّا الجهل خيّم عليهم والشيطان استحوذ عليهم وكان اولئك النفر الوفد المفاوض لأبي طالب من أشدّ قريش وغيرها على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيذاءً، واستهزاءً، وزندقةً.
ثمّ: إنّ أبا طالب يسمّي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (الطاهر) وليس مثل أبي طالب من يطلق الكلمات جزافاً؛ ونقطع أنّه يعني العصمة الملازمة للنبوّة!
وقسمه بالله تعالى أن لا يسلمه ويتخلّى عنه ما زال أبوطالبرضياللهعنه حيّاً حتّى يتمّ لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما يريد من تبليغ رسالته وهل عند أبي طالب من المنعة ما يدفع بها عن النبيّ إلّا الإيمان الراسخ والحزم في الرأي فيطيعه بنو طالب ويحالفوا بني هاشم فتشتدّ شوكتهم، ثمّ لسانه الذي كان أوقع من قعقعة الحسام. وإذا كان أبو طالب عظيم قريش مات مشركاً؛ فعلام يحلف بالله على مواصلة نصرته للنبيّ مقروناً بظهور دين الإسلام وغلبته.
وأبو طالب لا يرقّ قلبه فتأخذه الشفقة على ولده المبارك عليّعليهالسلام فيمنعه ويحجبه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنّما رأيه أن يدخل فيما دخل فيه ابن عمّه من دين، فشدّ بذلك أزر النبيّ بابن عمّه.
ومن إيمان أبي طالب لـمّا رأى ولده عليًّا يصلّي إلى جنب النبيّ، أن أمر ابنه جعفر بن
أبي طالب قائلاً: صل جناح ابن عمّك.
وأبو طالب يرى في متابعة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سبيل نجاة دنياً وآخرة. فهو يقول لابنه جعفر بعد أن طلب منه أن يصل جناح ابن عمّه: الزم ابن عمّك فإنّك تسلم به من كلّ بأس عاجل وآجل). ويقول:
إنّ الوثيقة في لزوم محمّد |
فاشدد بصحبته عليّ يديكا(١) |
منتهى الإيمان وذروة الجهاد أن يأمر الرجل فلذة كبده بلزوم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واللزوم هذا لا يأتي إلّا عن تصديق برسالته؛ فيورّطه المهالك، ومع ذاك يرى في ذلك سلامة له من كلّ باس، وهو يعلم بتكالب قريش وشدّة وطأتها على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فأيّ عرفان هذا! وقد بلغ درجة اليقين أبوطالب، أوقع الموت عليه أو وقع الموت عليه، سيّان عند أبي طالب، فهو وثيقة السلامة في الآجلة، كما هو في العاجلة؛ وهذا دليل على إيمان أبي طالب بحياة ما بعد الموت.
إلاّ أنّ عيبه الوحيد: فهو أبو عليّعليهالسلام مجمع الفضائل والذي زرع في كلّ بيت قرشيّ وغيره، أصيل أو مستلحق، ناعيةً، ففتّشت الدعاية الزبيريّة، والمعاوية لتجد ثغرةً تنفذ من خلالها وقد بذلتا لذلك المال، فوجدوا المشركين يقولون لأبي طالب في شكايتهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه)، إحراجاً منهم لهعليهالسلام ، أو لأنّهم لا يعقلون أكثر من ذلك، والإناء ينضح بما فيه. فعكفت الأقلام المأجورة على كلام المشركين مع تهذيب وتشذيب وإضافة وزيادة وإدالة وكأنّ المؤمن المجاهد بمقوله وسيفه وموقعه الاجتماعيّ وولده من أجل الرسول الذي آمن به صغيراً لم يبعث فتفرّس فيه المجد وأنّ رسالته ستعمّ الأباطح والأخاشب - الجبال -، والحرم وغير الحرم؛ فأدالوا الكلام وجاؤوا بإفك وبهتان عظيم: أنّ ابا طالب مات مشركاً؛
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ٢٦٥، تاريخ الطبري ٢: ٢١٤.
وهذا مثل ما عملته الإذاعة الزبيريّة وتناقلته المروانيّة بشأن المجاهد الثائر الآخذ بثأر الإمام الشهيد الحسين وأهل بيته وصحبهعليهمالسلام : المختار الثقفيّ رضوان الله عليه. فقد افتعلوا حديثاً عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال: (سيكون في أمّتي من ثقيف مبير وكذّاب)، ورتّبوا على ذلك أنّ المبير هو الحجاج الثقفيّ، وأنّ الكذّاب هو المختار الثقفيّ. وقد أثبتنا في غير هذا الموضع - في حال صدق صدور الحديث - أنّ المبير والكذّاب شخص واحد، وينطبق الوصفان على الحجّاج فهو مبير واقعاً لا يعرف لدم حرمة وهو الذي دكّ الكعبة بالمنجنيق فهدمها وحرقها، وقتل خيار الصحابة والتابعين؛ وكان يكذب كثيراً ومن كذبه أنّه كان يسخر من قراءة ابن مسعود للقرآن ويقول عنه: إنّه يزعم أنّه يقرأ قرآناً نزل به الوحي! كذب عبد هذيل ما هو قرآن؛ أنا ينزل عليّ الوحي. وكان يقول: إنّ عبد الملك بن مروان ينزل عليه الوحي. وأمور أخرى ذكرناها في موضعها وخلصنا إلى نتيجة في حال صحّة الحديث!: انّه سيكون من ثقيف مبير أي سفّاح للدماء وهو كذّاب. ثمّ ذكرنا سبب الدعاية الزبيريّة الظالمة بحقّه: فالمختار معروف ببسالته، ولـمّا كان ابن أسماء سيتّضح لك السرّ في هذه التسمية، محصوراً بمكّة ويسمّي نفسه العائذ، أي العائذ ببيت الله، فإنّ المختار سارع إلى نصرته وكان له مواقف مشهودة، ثمّ رأى منه المختار ما لا يعجبه فغادره فبقى عبد الله في حرج يسأل عنه وبعد مدّة عاد المختار ولم يدخل في صفّه حتّى أملى عليه شروطاً قبِلها عبد الله، إلّا أنّ الأخير اعتمد على الخوارج كثيراً وكان شيخهم المِسوَر ابن مَخْزَمة الزُّهريّ مع عبد الله، وكان الخوارج يأخذون برأيه؛ فلمّا قتل المِسوَر، أصابته شظيّة من رمي خوارج الشأم! وبدأ عبد الله يتقلّب في شعاراته من عائذ إلى جعل الأمر شورى إلى طلب الخلافة لنفسه؛ كفّره الخوارج وكفّروا طلحة والزبير وفارقوه.
ثمّ إنّه أظهر مكنون نفسه من بغض لبني هاشم وللنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ففارقه المختار وذهب
إلى الكوفة فأخرج منها عامل عبد الله واستولى هو عليها. ولـمّا وصلته الأنباء أنّ عبد الله ترك الصلاة على النبيّ في صلاة الجمعة وحصر بني هاشم في الوادي وجمع الحطب لحرقهم! أرسل رجالاً يحملون الخشب لئلاّ ينتهكوا حرمة البيت فأنقذوا بني هاشم؛ فشتّان بين موقفه وموقف عبد الله متقلّب المواقف، تارك الصلاة على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعين جمعة والذي حاول حرق بني هاشم. ومن مواقف عبد الله المشينة: أنّه استنزل أكثر من خمسين رجلاً من الجبال، أعطاهم الأمان فلمّا نزلوا أخذهم فذبحهم في بيت الله الحرام! وأخيراً أرسل جيشاً جرّاراً لقتال المختاررضياللهعنه ، بقيادة أخيه مصعب، بعد أن مهّد لذلك بإذاعة الخبر المكذوب بشأن المختار، وتلقّفته الإذاعة الأمويّة لنشره. والطريف في الأمر! إنّ الوقعة مع المختار كانت في وقت توجّه فيه جيش عبد الملك بن مروان من أهل الشأم لقتال مصعب فعقد هذا هدنةً مع أهل الشأم حتّى يفرغ من أمر المختار، وبعد شهادة المختاررضياللهعنه ، انطبق أهل الشأم على معصب فانهزم جيشه وقتل مصعب.
وقد ذكرنا أشياء عن هذا الرجل الفذّ وسنذكر أكثر في موضعه إلّا أنّ الشواهد ألزمتنا ذلك. ولو كان المختار كذّاباً - حاشا له – لـما كان همّه الشاغل تتّبع قتلة سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الإمام الشهيد سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ولما ترحّم عليه أئمّة أهل البيتعليهمالسلام وأثنوا عليه، يأتي بيانه. وكان فيما ورد عنهم: إذ سئلوا عمّا يقال عن كذبه؟! نفوا عنه ذلك بشدّة.
أبوطالب يتحنّف
ولقد كان أبوطالب على سرّ أبيه عبد المطّلب؛ فهو يتحنّف أي على دين إبراهيم الخليلعليهالسلام ، تلمس ذلك من أشعاره، من ذلك قوله:
أعوذ بربّ الناس من كلّ طاعنٍ |
علينا بسُوءٍ أو ملحّ بباطل |
|
ومن كاشح يسعى لنا بمَعيبةٍ |
ومن مُلْحِق في الدين ما لم نحاول |
|
وثَوْرٍ ومن أرسى ثَبيراً مكانَه |
وراقٍ لَيَرْقى في حِراء ونازل(١) |
|
وبالبيت حقّ البيت، من بطن مكة |
وبالله إنّ الله ليس بغافل |
|
ومَوْطئ(٢) إبراهيم في الصخر رَطْبة |
على قَدَميْه حافياً غير ناعل |
هذا مقطع من قصيدة طويلة نعود إليها، وفيها من المعاني الجليلة من قبيل إقراره بالزعامة والرئاسة لابن أخيه محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وفي المقطع الذي اقتبسناه: فقوله (ومن ملحق في الدين ما لم نحاول)؛ صريح في إسلامه، وأنّ دينه لا شائبة فيه، إذ لحظنا أنّه جاء بعد تعوّذه ممّن يطعن عليهم بسوء أو باطل، واستعمل لفظ الجمع يعني بذلك نفسه ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجماعة المؤمنين جعفراً وعلياً وخديجةعليهمالسلام . وما أجمل بلاغته! وهو يتعوّذ: (أعوذ بربّ الناس)، فلقد أنشأها على نسق القرآن الكريم.
ثمّ ذكر أماكن لها تاريخها منها حراء، وفي غاره كان أبوه عبد المطّلب المتألّه يعتكف طليلة شهر رمضان كما ذكرنا، فما يدرينا أنّ احتفاء أبي طالب بحراء وذكره مثلما ذكر (البيت حقّ البيت!)، وحلفه بالله تعالى وذكره لموطئ قدم إبراهيمعليهالسلام ؛ (والأشواط بين الصفا والمروة والمزدلفة والمشعر، والجمرة الكبرى ورمي الحصا... وكلّها ذكرها في قصيدته وهي من مشاعر الحجّ وواجباته)، دليل على ما قلناه من دين أبي طالب قبل
____________________
(١) ثور وثبير وحراء، جبال بمكّة.
(٢) يعني موضع قدميه، وذلك فيما يقال: حين غسلت كنّته رأسه وهو راكب، فاعتمد بقدمه على الصخرة حتّى أمال رأسه ليغسل، وكانت سارة قد أخذت عليه عهداً حين استأذنها في أن يطالع تركته بمكة، فحلف لها أنّه لا ينزل عن دابته، ولا يزيد على السّلام واستطلاع الحال، غيرة من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة أبقى الله فيها أثر قدمه آية. (راجع الروض الانف).
بعثة رسول الله محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا بعثصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يجد أبو طالب حرجاً في الدين الذي جاء به ابن أخيه، بل كان يصرّح بأنّه سبيل النجاة في العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة.
ما أعظمك أبا طالب ابن الفيض المتألّه عبد المطّلب الذي استعبد أميّة عشر سنين، فكان في حشم عبد المطّلب عشر سنين. ومن قبل نافر هاشم بن عبد مناف، فحلّ البوار في ساحة أميّة ونفاه هاشم إلى الشام عشر سنين، وها أنت تحمل راية الجهاد جنديّاً بين يدي ابن أخيك تبتغي استكمال الفضيلة، حتّى صحّ القول فيك أن جنّة لا يدخلها أبو طالب، لجنّة مقفرة قد خلت من الصالحين! وإنّ ناراً يأوي إليها أبو طالب، لنار مباركة ومأوى الأبرار والصدّيقين! وذلك حين تتبادل الجنّة والنار مفهوميها.
وإنّ كلاماً ينطق به عتاة المشركين الزنادقة المؤذون لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمستهزؤون به؛ ويؤسّس عليه الطليق واللصيق ونظراءه شرك أبي طالب، زيادة في عظمة وطهارة أبي طالب وتزكيته.
ومن يقف على سيرة الوفد المفاوض لأبي طالب وقولهم له (وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه)، وتلقّفها حصب جهنّم؛ لا يجد أيّ مثليّة بدءاً ومسيرةً ونهاية، وحتّى في النسب الزكيّ فهو ذروة وهم قيعان!
ولا نخوض في جزئيّات حياتهم فيخرجنا البحث عن الأصل، وحياتهم كلّها رذائل! إنّما نتكلّم عن كليّات ونرى بماذا ماثلهم أبوطالب منها:
فلقد ذكر ابن حبيب المتوفى سنة ٢٤٥ هـ، زنادقة قريش، تعلّموا الزندقة من نصارى الحيرة، وهم: صخر بن حرب، ونبيه ومنبه ابنا الحجّاج، من بني سهم، والعاص بن وائل السّهميّ، الوليد بن المغيرة المخزوميّ والد خالد بن الوليد، وعمّ
أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة. وذكر غير هؤلاء في الزنادقة غيرهم منهم عقبة بن أبي معيط وإنّما ذكرنا تلك الأسماء لأنّها واردة في الوفد الذي جاء إلى مؤمن قريش، ولم يجيء أبوطالب إليهم.
المستهزؤون: وكما ذكر الوليد والعاص في الزنادقة فقد ذكرهما في المستهزئين. قال: المستهزؤون من قريش ماتوا كفّاراً بميتات مختلفات: العاص بن وائل السهميّ، والوليد بن المغيرة المخزوميّ، والأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى. وذكر غير هؤلاء تركناهم وذكرنا هؤلاء للسبب المتقدّم. وذكر ابن إسحاق أبا جهل في المستهزئين.
المؤذون لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ذكر منهم ابن حبيب: الحكم الطريد ابن أبي العاص بن أميّة، وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار. وهؤلاء لم يكونوا في الوفد إلى أبي طالبرضياللهعنه .
وذكر ابن إسحاق المؤذني فذكر منهم العاص بن وائل السَّهْميّ وذكر ما نزل فيه من القرآن. والوليد بن المغيرة المخزوميّ؛ والعاص بن وائل السهميّ، وذكر نزول سورة (الكافرون) فيهما وفي أبي بن خلف.
ومن المؤذين ذكر أبا جهل، ومحاولته قتل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بحجارة ضخمة وصرف الله بصره عن النبيّ فوقاه شرّه(١) .
وقد مات هؤلاء جميعاً كفّاراً مشركين، جاهدهم أبوطالب بإعلان الحرب معهم
____________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في (المنمّق)، لابن حبيب: ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٨٧ - ٤٨٨ والسيرة النبويّة، لابن هشام، الجزء الثاني - مواضع كثيرة منه.
ومع طوائف المشركين، وله قصائد في الرّد على المشركين هي أشد من تقصّف الرماح في صدور الرجال، ومن قعقعة السيوف على الهام وأنفذ من النبال في أكبادهم؛ فللّه درّه، ورفع الله منزلته مع النبيّ والوصيّ عليّ. لا تشمّ منها أثر المرجفين فيه، وإنّما هم أولى بها صليّاً! وكلّما امتدّ به العمر ووهن منه العظم وتلاحقت المحن كان أبو طالب الذي عهدناه رجلاً مهيباً وقوراً أوقف عمره عن وعي ويقين نصرةً للرسالة والرسول. فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتلو آيات القرآن ويبلّغها، وأبو طالب يبلّغ مفاهيم القرآن مشعراً تأنس له النفوس الطيّبة.
من مجموع أولئك العشرة الذين اجتمعوا بأبي طالب، لم ينجَ منهم أحد فقد ماتوا كما قلنا ميتات مختلفة؛ إلّا ابا سفيان صخر بن حرب، فقد امتدّ به العمر ليقود المشركين في حروبها ضدّ المسلمين , وهذا من مفاخره! التي يسجّلها له ابن تيمية الخارجيّ الناصبيّ وأشياعه من خوارج عصرنا الوهّابيّين النواصب. وعام الفتح المبين، أرغم أبو سفيان على التظاهر بالإسلام، فما صحّ منه إسلام ولا طهرت سيرته.
وأمّا مُنبِّه بن الحجّاج الجُمَحيّ، فقد قتله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، يوم بدر(١) .
ونُبَيه بن الحجّاج الجُمَحيّ، أخو السابق؛ أيضاً قتله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، يوم بدر(٢) .
وعُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. شارك عليّ بن أبي طالب عمّه حمزة بن عبد المطّلب في قتله يوم بدر(٣) .
____________________
(١) المغازي ١: ١٥١، النسب: ٢١٣، أنساب الأشراف ١: ٣٦٠، الإرشاد: ٦٣، المحبّر: ١٧٦.
(٢) المغازي ١: ١٥٢، النسب: ٢١٥، أنساب الأشراف ١: ٣٦٠.
(٣) النسب: ٢٠٤، الطبريّ ٢: ١٤٨، الثقات ١: ٦٥. وعتبة هذا هو جدّ معاوية لأمّة!
وشَيْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، أخو السابق؛ أيضاً اشترك في قتله عليّ بن أبي طالب وحمزةعليهماالسلام ، وذلك يوم بدر(١) .
هؤلاء من الذي حضروا المفاوضة، وممّن لم يحضروها ووتر ابن أبي طالبعليهماالسلام ، تلك البيوتات:
الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. قتله عليّ بن أبي طالب يوم بدر(٢) .
عُقْبة بن أبي مُعَيْط. أسر يوم بدر فأمر النبيّ بقتله فقتله عليّ بن أبي طالب(٣) .
حنظلة بن أبي سفيان صخر بن حرب، أخو معاوية لأبيه؛ قتله عليّ بن أبي طالب يوم بدر(٤) .
عامر بن عبد الله الأنماري، حليف بني عبد شمس. قتله عليّ بن أبي طالب يوم بدر(٥) .
العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة. قتله عليّ بن أبي طالب يوم بدر(٦) .
ومعاوية (الضَّبُع الأعرج) كما أوهمته الجارية الخراسانيّة إذ سألها عن اسم السَبُع - قي قصّة ذكرناها -؛ فقد أكره على إظهار الإسلام عام الفتح ولم يجبّه ذلك من لعن
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٢: ١٧.
(٢) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦، المغازي ١: ١٤٨، طبقات ابن سعد ٢: ١٧، أنساب الأشراف ١: ٣٥٦، المحبّر: ١٧٥، كتاب الثقات ١: ٦٥، تاريخ الطبريّ ٢: ١٤٨، النسب: ٢٠٢، الإرشاد: ٦٠، والوليد هذا خال معاوية بن هند.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٢٩٨.
(٤) المغازي ١: ١٤٧، المحبّر، لابن حبيب: ١٧٦، أنساب الأشراف ١: ٣٥٥، الإرشاد: ٦٣.
(٥) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦، المغازي ١: ١٤٨، أنساب الأشراف ١: ٣٥٦، الثقات ١: ٦٥.
(٦) السيرة النبويّة ٢: ٣٦٦، طبقات ابن سعد ٥: ٣١، أنساب الأشراف ١: ٣٥٥، المحبّر: ١٧٥، كتاب الثقات ١: ٦٥، الإرشاد: ٦٢.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، له ولأبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان في أكثر من خمسين موضع؛ ودعنا من حسبه ونسبه فهو ابن هند آكلة الأكباد وبها يعرف وبها يعرّف نفسه وقد تكلّمنا كثيراً عن هذا الأمر وذكرنا نزراً من خزاياته، ولا عتب عليه في استلحاقه زياداً وتزويجه وأولاده الثلاث من بنات آل أبي سفيان - ذكرنا تفصيله في غير هذا الموضع -، وإن كان جرماً وخلافاً لحكم الله تعالى القاضي بالولد للفراش؛ فهو يجد هنداً تعيش مع أبي سفيان، فإذا جرى بينهما كلام افتخر صخر بابنه يزيد، وهند بابنها معاوية! ومعاوية لا يتحرّج أن ينطبق بحقيقة يأنف منها ذو الدين والحميّة! تلك هي نسبته إلى أربعة رجال. وشعر حسّان بن ثابت فيه لـمّا أملصته هند وأمرت جواريها أن يضعنه على قارعة الطريق، وفيه أيضاً أنّ عُتبة بن هند ولم يكن لصخر، فما الذي يمنعه من استلحاق ابن سمية زياداً؟! ولماذا لا يتّخذ ابن النابغة عمرو وزيراً، وعقدة النقص واحدة، وتاريخ ابن النابغة محفوظ لابن هند، وقد كان راس وفد المشركين من قريش إلى النجاشي إذ لجأ إليه جمع من المسلمين، فخيّب النجاشيّ آمالهم ولم يسلم المسلمين إليهم.
وكفى معاوية كفراً قوله للمغيرة بن شعبة بشأن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
(... وإنّ ابن أبي كبشة يصاح به خمس مرّات...، لا والله إلّا دفناً دفناً).
وخروجه على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فكانت حرب صفّين؛ وقتله حجر بن عديّ وجماعته، وقتله الحضرميين، وانتزاعه الأمر من الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام ، ومنعه من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسنّة سبّ سيّد الوصيّين عليّ عقب كلّ صلاة جمعة، وإرجافه بأهل الحرمين وإخافتهم وإهانتهم....
إنّ سخط ابن هند على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم! قد علمنا سرّه من خلال حواره مع المغيرة
ابن شعبة، وهو خلود ذكرهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو يحسده، أمّا على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ؛ فلما آتاه الله سبحانه من شرف الحسب وطهارة النسب وهذه عقدة معاوية القاتلة! وعليّ امتداد لشخص النبيّ بحسب آية المباهلة وآية التطهير وحديث الكساء، وهو وليّه من بعده قرآناً وسنّةً؛ فهو يبغضه لبغضه للنبيّ، ويحسده لـما خصّه الله به وحباه. ثمّ هو يشتدّ بغضه له إذ وتره ببدر بقتل خاله (الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس). وفجعه يومئذ بجدّه (عتبة بن ربيعة بن عبد شمس) جدّه لأمّه؛ ففضله، إن كان ثمّة فضل! عائد إلى هند أمّه، فهي حبل الوصل إلى عبد شمس خامل الذكر الكلّ على أخيه هاشم الذي كان متكفّلاً بنفقته كما ذكرنا؛ وأمّا عن طريق أبي سفيان فحلقتان مشبوهتان قبل أن نصل إلى عبد شمس، فالنظرية هنا أعسر من نظرية (دارون)! مع قصر السلسلة: معاوية بن هند يدعى إلى أربعة منهم أبوسفيان المغرق بالرذائل والكفر والزندقة، واسمه: صخر بن حرب، وقد عرفت من حسده للفيض المتألّه عبد المطّلب، فلم يزل به حتّى استعبده عبد المطّلب عشر سنين وأغرمه. وحرب ابن أميّة، أمة صغرت فجاش بها البحر من أرض مصر، عبد قبطيّ اشتراه عبد شمس ثمّ أعتقه واستلحقه فصار يعرف. أميّة بن عبد شمس.
وراح أُمَيّة يباري عبد شمس؛ فقد أعتق مملوكه (ذَكْوان) وسمّاه أبا عمرو واستلحقه؛ وزاد على سنّة عبد شمس، أن تنازل لذكوان عن امرأته وزوّجه إيّاها، فأنجب أبا معيط وأنجب هذا: عقبة بن أبي معيط؛ قتل عُقبةَ يوم بدر أميرُ المؤمنين عليّ ابن أبي طالبعليهالسلام بأمرٍ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإذا كان لمعاوية ثأر عند عليّعليهالسلام من خلال قتله جدّه لأمّه عُتبة بن ربيعة، فإنّ شَيْبَة بن ربيعة عمّ هند قد شرك عليّ حمزة في قتله.
وإذا كان وليّ القوم منهم، والمستلحق كالصريح! فما بالك بالمشترك أمره ثمّ هو ربيب صخر وبه اشتهر؟! فأبناؤه إخوانه، وحنظلة بن أبي سفيان أخو معاوية. وقد قتل عليّ بن أبي طالب حنظلة يوم بدر. وعجّل على العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة، فألحقه به. وجمع شملهم بحليف بني عبد شمس عامر بن عبد الله الأنماري.
هذه الفواجع التي أدخلها أمير المؤمنين عليّعليهالسلام إلى قلوب معاوية وبني أميّة وغيرهم مع ما يرونه من علوّ شأنه عند الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حفّزتهم على بذل الجهد للعثور على ثغرة للنفوذ منها لتنقيصه فعجزوا حتّى دلّهم الشيطان على جملة قالها المشركون، فنسجوا حولها بيتاً مهلهلاً أوهن من بيت العنكبوت! وقبل الرجوع إلى أبي طالب عظيم قريش، نكمل الصورة في خبر موت الآخرين من أعضاء الوفد المفاوض:
أبو البختري العاص بن هشام، وفي قول: هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، كان نديماً لطلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار. قال ابن إسحاق: قتل أبو البختري يوم أحد، قتله المجذّر بن ذياد البلويّ(١) . وقتل طلحة عليّ بن أبي طالب يوم أحد أيضاً(٢) .
____________________
(١) السيرة النبوية، لابن هشام ٣: ٣٦٧، المحبّر: ١٧٧.
(٢) نفس المصدر السابق. وتاريخ خليفة: ٣٨، والنسب: ٢٠٤، وطبقات ابن سعد ٢: ٤٣، وتاريخ خليفة: ٣٨؛ ونسب قريش: ٢٥١ قال: قتل يوم أحد كافراً، وكان معه لواء المشركين، قتله عليّ بن أبي طالب وبارزه؛ والمغازي ١: ٣٠٧ وقال: يحمل لواءهم؛ والمعارف: ١٦٠ كان صاحب لواء المشركين.
إنّ قولهم: يحمل لواءهم، ذلك أنّهم يوم أحد كان لهم ألوية طليعتهم طلحة بن أبي طلحة. وقد ذكر الطبريّ أنّ عليًّاعليهالسلام قتلهم؛ انظر ذلك في حديث الهتاف يوم أحد الذي ذكره الطبريّ بسنده عن أبي رافع.
أبو جهل، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، المخزوميّ، ابن عمّ خالد بن الوليد.
ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله ثمّ ضربه معوّذ بن عفراء حتّى أثبته(١) ، ثمّ ذفّف عليه عبد الله بن مسعود، واحتزّ رأسه(٢) .
الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، المخزوميّ.
قال ابن إسحاق: وكان عظماء المستهزئين، خمسة نفر من قومهم من بني مخزوم بن يقظة بن مرّة: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. (وهو والد خالد بن الوليد، وعمّ أبي جهل).
ومن بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب: العاص بن وائل بن هشام.
قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم(٣) .
ومن بني زهرة بن كلاب: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة(٤) .
ومن بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب: الأسود بن المطّلب بن أسد أبو زمعة، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - فيما بلغني - قد دعا عليه لـما كان يبلغه من أذاه واستهزائه به، فقال: (أللّهم أعم بصره، وأثكله ولده)(٥) .
قال ابن حبيب: والحارث بن قيس بن عدي السهمي، وهو صاحب الأوثان، كلّما
____________________
(١) أثبته: جرحه جراحة لا يقوم معها.
(٢) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٨.
(٣) نفس المصدر السابق: ٥١، المنمّق: ٤٨٤.
(٤) نفس المصدر السابق، المنمّق: ٤٨٥.
(٥) نفس المصدر السابق.
مرّ بحجر أحسن من الذي عنده أخذه وألقى ما عنده وفيه نزلت:( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ ) (١) .(٢)
من بني خزاعة: الحارث بن الطّلاطلة بن عمرو بن الحارث.
فلمّا تمادوا في الشرّ وأكثروا برسول الله الاستهزاء أنزل الله تعالى عليه:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (٣) .
قال ابن إسحاق: إنّ جبرئيل أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله إلى جنبه، فمرّ به الأسود بن المطّلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي. ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا. ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار أثر جرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجرّ سبله - أي فضول ثوبه - وذلك أنّه مرّ برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فتعلّق سهم من نبله بإزاره، فخدش برجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به قتله(٤) . ومرّ به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه(٥) ، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به على شبارقة(٦) فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتله. ومرّ به الحارث
____________________
(١) الجاثية: ٢٣.
(٢) المنمّق: ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٣) الحجر: ٩٤ - ٩٦.
(٤) انتقض الجرح: إذا تجدّد بعد ما برئ.
(٥) الأخمص من باطن القدم: ما لم يصب الأرض.
(٦) الشبارقة: شجرة عالية.
ابن الطّلاطلة، فأشار إلى رأسه فامتخض قيحاً(١) ، فقتله(٢) .
واستجاب الله تعالى دعوة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأسود بن المطّلب بن أسد؛ فأعمى بصره كما ذكرنا، وأثكله ولده، فأمّا:
زمعة بن الأسود بن المطّلب، اشترك في قتله حمزة وعليّ بن أبي طالب وثابت بن الجذع(٣) . وقال المفيد: قتله عليّعليهالسلام (٤) .
وكان ذلك يوم بدر.
والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطّلب. قتله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، أيضاً يوم بدر(٥) .
وعقيل بن الأسود بن المطّلب بن أسد. قتله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يوم بدر(٦) .
نظرة في الوفد المفاوض
إنّ رجالاً هذا حالهم: إغراق في الجهل، زندقة، خفّة عقل يعبدون حجارة لا تنفع ولا تضرّ؛ وهم مستهزؤون مؤذنون لرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فانتقم الله تعالى منهم، حتّى أنّ أحدهم لتقتله شوكة! وآخر ينتقض به جرح قديم فيقتله، أو خدش يسلبه الحياة...، والحظّ الأوفر منهم قد وشحه سيف ابن أبي طالب عليّعليهالسلام ، فعجّل به إلى النار. أفمثل
____________________
(١) أي أنّ القيح انتشر في رأسه.
(٢) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٥٠ - ٥٢، المنمّق: ٤٨٤ - ٤٨٩، أنساب الأشراف ١: ١٤٠ - ١٧٢.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦، تاريخ الطبري ٢: ١٤٨.
(٤) الإرشاد: ٦٣.
(٥) النسب: ٢٠٦، أنساب الأشراف ١: ٣٥٧، الإرشاد: ٦٣.
(٦) المغازي ١: ١٤٩، النسب: ٢٠٦، أنساب الأشراف ١: ٣٥٧، الإرشاد: ٦٣. وفي السيرة النبويّة ٢: ٣٦٦، قال ابن هشام: اشترك فيه حمزة وعليّ.
هؤلاء يكون أبو طالب في خلافهم على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! هل كان من المستهزئين برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ إذاً لكفى الله نبيّه منه حيث كفاه المستهزئين فلحقه ما لحقهم من الخزايات؛ حاشا لأبي طالب أن يختزى. أم هو من المؤذين لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الذي صاول قريشاً بنفسه وولده وعشيرته! أم أنّ الجملة اليتيمة التي أذاعها أعداء أمير المؤمنين عليّعليهالسلام أنّ أبا طالب مع حدبه على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مات مشركاً، دليل صادق!
وهذا شعر أبي طالب يترم حقيقته؛ ينطق بالتوحيد والمعاد، وآمن بنبوّة ابن أخيه وهو لم يبعث بعد، وما زال ينطق بنبوّته وأنّه تبع له ويأمر ولديه بلزومه ففيه الفلاح. ولنعد إلى رحابه، فهذه بعض أخباره:
قال ابن إسحاق:
ثمّ إنّ قريشاً حين عزموا أنّ أباطالب قد أبى خذلان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واستلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، أنهد(١) فتىً في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتّخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم، فنقتله، فإنّما هو رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً. فقال المطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف بن قصيّ: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك! وجهدوا على التخلّص ممّا تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً؛ فقال أبوطالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنّك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ، فاصنع ما بدا لك،
____________________
(١) أنهد: أشدّ وأقوى.
فحقب(١) الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضاً(٢) .
بئس الرأي ألقاه الشيطان إلى أوليائه! وتعس العشير، سفهاء الأحلام هؤلاء الذين أراد أعداء عليّعليهالسلام إلصاق أبيه أبا طالبرضياللهعنه بهم وإشراكه بشركهم! فهم في المرّة الأولى صرفهم أبوطالب برفق، فإذا تأتّى له جمع شمل بني هاشم وبني المطّلب، بادى القوم العداوة. وجهر بإيمانه:
منعنا الرسول رسول المليك |
ببيض تلألأ كلمع البروق |
|
أذبّ وأحمي رسول المليك |
حماية حام عليه شفيق |
|
وما أن أدب لأعدائه |
دبيب البكار حذار الفنيق |
|
ولكن أزئر لهم سامياً |
كما زأر ليث بغيل مضيق(٣) |
ثمّ قال شعره الذي جمع فيه فخر قريش بعبد مناف، وأنهى شرف عبد مناف بهاشم، فإذا فخرت هاشم، فإنّ محمّداً هو المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم:
وإن فخرت يوماً فإنّ محمّداً |
هو المصطفى من سرّها وكريمها |
|
تداعت قريش غثّها وسمينها |
علينا فلم تظفر وطاشت حلومها |
في أبيات ذكرناها.
فهو مؤمن برسالة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي جاء بالتوحيد ونبذ ما سوى الله تعالى، وهو يتحدّى جمع قريش دفاعاً عن المصطفى مجمع الفخر والشرف. والآن جاؤوا بصفقة خائبة! وهذه المرّة عدلوا عن قولهم السابق (وإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه)،
____________________
(١) حقب: زاد واشتدّ.
(٢) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ٢٨٥ - ٢٨٦.
(٣) سيرة ابن إسحاق: ١٤٩.
فقد علموا أنّ ذلك لا ينال من ثبات أبي طالب إذ لا شيء من المماثلة بينهم وبينه وهو أجلّ شأناً وأرفع منزلة من أن يقرنوا أنفسهم به؛ فأبدلوا قولهم في مخاطبته، قالوا: (ابن أخيك الذي قد خالف دينك ودين آبائك)، فأبو طالب على دين أبيه عبد المطّلب؛ وعبد المطّلب متألّه يشهد بوحدانيّة الله تعالى، يعتكف شهر رمضان في غار حراء ويطعم المساكين، حنيفاً عزّ وجاره فهو يأبى الظلم، وعلى هذا نشأ أبوطالب، فكانت نفسه منفتحة على الله تعالى وقبول الإسلام، فكان متّعداً على التضحية بنفسه وولده وعشيرته في حفظ وسلامة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم، يرى في ذلك سبيل النجاة. وكان كلامه هذه المرّة معهم قاطعاً لا رفق فيه (هذا والله ما لا يكون أبداً). واشتدّ أبوطالب في الردّ على المطعم بن عديّ، وتحدّاهم، وحميت الحرب. وقال عند ذلك يعرّض بالمطعم بن عديّ، ومن خذله من بني عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش:
ألا قُلْ لعمرو والوليد ومُطْعمٍ |
ألا ليت حظّي من حياطتكم بِكْرُ(١) |
|
أرى أخوَيْنا من أبينا وأُمّنا |
إذا سُئلا قالا إلى غيرنا الأمرُ |
|
بلى لهما أمرٌ ولكن تَجَرْجَما(٢) |
كماجُرجمتْ من رأس ذي عَلَق الصَّخر(٣) |
|
أخُصّ خصوصاً عبد شمس ونوفلاً |
هما نَبذانا مثلَ ما يُنبذ الجمر |
|
هما أغمزا(٤) للقوم في أخوَيْهما |
فقد أصبحا منهم أكفّهما صِفر(٥) |
____________________
(١) البكر: الفتى من الإبل، يريد أن بكراً من الإبل أنفع لي منكم.
(٢) تجرجم: سقط وانحدر.
(٣) ذو علق: اسم جبل في ديار بني أسد.
(٤) أغمزه: استضعفه وعابه وصغر شأنه.
(٥) صفر: خالي.
هما أشركا في المجد من لا ابا له |
من الناس إلا أن يرس(١) له ذكر |
|
وليداً أبوه كان عبداً لجدّنا |
إلى علجة زرقاء جاش بها البحر(٢) |
|
وتيم ومخزوم وزهرة منهم |
وكانوا لنا مولى إذا ابتغي النّصر |
|
وقد سفهت أحلامهم وعقولهم |
وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر(٣) |
أبو طالب يتحدّى القبائل ويتعوّذ بحرم مكّة ويشيد بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على أثر التحدّي الذي أعلنه أبو طالب لقريش ومَن والاها في خلافها لرسول الله قال قصيدةً طويلةً نقتطف منها هذه الأبيات:
ولما رايتُ القومَ لا وُدَّ لهم |
وقد قطعوا كلَّ العُرَى والوسائل |
|
وقد صارحونا بالعداوة والأذى |
وقد طاوعُوا أمْرَ العدو الـمُزايل |
|
وقد حالفوا قوماً علينا أَظِنّةً |
يَعَضُّون غيظاً خلفنا بالأنامل |
|
صبرتُ لهم نفسي بسَمْراء سَمْحةٍ |
وأبيضَ عَضْب من تُراث الـُمقاول |
|
وأحضرتُ عند البيت رَهطي وإخوتي |
وأمسكتُ من أثوابه بالوصائل(٤) |
|
قياماً معاً مستقبلين رِتاجَه |
حيثُ يَقْضى حَلْفه كلُّ نافلْ(٥) |
|
أعوذُ بربّ الناس من كلّ طاعنٍ |
علينا بسوء أو مُلحّ بباطل |
|
ومن كاشحٍ يسعى لنا بمَعيبةٍ |
ومن مُلْحِق في الدين ما لم نحاول |
____________________
(١) رست الحديث، إذا حدثت به في خفاء.
(٢) البيت هذا في السيرة، لابن إسحاق: ١٥٣.
(٣) في سيرة ابن إسحاق: (وكانوا كجفر شرها ضغطت جفر).
(٤) الوصائل: ثياب حمر فيها خطوط، كان يكسى بها البيت.
(٥) كلّ نافل: أي كلّ متبرئ.
وثَوْرٍ ومَن أرسى ثَبيراً مكانَهُ |
وراقٍ لَيَرْقى في حِراء ونازل |
|
وبالبيت حقّ البيت من بطن مكّة |
وباللهِ إنّ الله ليس بغافل |
|
وبالحَجر الـمُسْودّ إذ يَمْسحونه |
إذا اكتنفوه بالضُّحى والأصائل |
|
ومَوطئ إبراهيم في الصخر رَطْبة |
على قَدَميْه حافياً غير ناعل |
ومضى يُعدّد مشاعر الحجّ! الأشواط بين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، والجَمْرة الكبرى ورمي الحجارة...، وقد أوضحنا معنى قوله: موطئ إبراهيم؛ وثور وثبير؛ وهو إذ يواجه دهماء العرب، فقد أعدّ لذلك نفساً صابرة لا تتضعضع ينصره رَهْطه الأخصّون، وقبل النزال توجّه بمن معه إلى بيت الله لا إلى هُبَل! متعوّذاً ببيت الحقّ وبربّ الناس، الله سبحانه الذي لا يغفل عن نصرة من ينصر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ أمشرك أبو طالب بعد كلّ هذا؟! وأبو طالب يجيب على ذلك! إذ يقول:
فهل بعد هذا من مَعاذٍ لعائذٍ |
وهل من مُعيذٍ يتّقي الله عاذل |
فليس بعد بيت الله ومشاعر الحجّ الإبراهيميّ شيء يعوذ به العائذ، ولا عدوان على تقيّ الله؛ إيمان أم شرك هذا؟!
ويمضي أبوطالب طابَ فُوه يتلو آياتٍ في الـمُضي قُدُماً في نُصرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
كذبتم وبيت اللهِ نُبْزَى محمّداً |
ولـمّا نطاعن دونه ونُناضل(١) |
|
ونُسْلمه حتّى نصرَّع حولَه |
ونَذْهل عن أبنائنا والحلائل(٢) |
ويسترسل في وصف قومه ونَجْدتهم وبسالتهم؛ ثمّ يصف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
(١) نبزى محمّداً: أي نُسْلَبه ونُغلَب عليه.
(٢) الحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة.
وأبيض يُسْتسقى الغَمام بوَجْهه |
ثِمال اليتامى عصمةٌ للأرامل(١) |
|
يلوذُ به الهلاّك من آل هاشم |
فهم عنده في رحمة وفواضِلِ |
ويذكر أسماء المشركين الذين تمالؤوا على معاداة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحزّبوا على بني هاشم فيعيبهم ويُظهر مثالبهم ومناقص قبائلهم؛ ويتحدّاهم بنشر الدعوة! فيقول:
فأبلغ قصيّاً أن سيُنشر أمرنا |
وبشّر قصيّاً بعدنا بالتخاذل |
ويختم قصيدته بفضائل النبيّ، قال:
لعمري لقد كلِّفت وجداً بأحمد |
وإخوته دَأْبَ الـمُحِبِّ الـمُواصل |
|
فمَن مِثلُه في الناس أيّ مؤمَّل |
إذا قاسه الحُكّام عند التفاضل |
|
حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غيرُ طائش |
يُوالي إلهً ليس عنه بغافل |
|
لقد علموا أنّ ابنَنا لا مُكذَّبٌ |
لدينا ولا يُعنَى بقولِ الأباطل |
|
فأصبح فينا أحمدٌ في أَرومة |
تُقصِّر عنه سَوْرة الـمُتطاول(٢) |
|
حَدِبْتُ بنفسي دونه وحَمَيْتُه |
ودافعتُ عنه بالذُّرا والكَلاكِل |
|
فأيَّده ربُّ العباد بنَصره |
وأظهر ديناً حقُّه غير باطل |
|
رجالٌ كرامٌ غيرُ مِيلٍ نَماهُم |
إلى الخير آباءٌ كرام المحاصل(٣) |
إنّ أبا طالب العاقل قد استحوذ عليه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو لا ينفكّ يحبّه وما ذلك إلّا أنّه لم يجد من يفضله في حلم وعقل وعدل وإتّزان ومن ثَمّ فهو يدعو إلى إلهٍ يسمع ويرى وينصره، لا من جنس آلهة القوم صُمّ بُكم؛ فدين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حقّ لا باطل فيه؛ فماذا بعد
____________________
(١) ثمال اليتامى: الذي يثملهم ويقوم بهم.
(٢) السورة (بضم السين): المنزلة. وبفتحها: الشدّة والبطش.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ٢٩١ - ٢٩٩.
الشهادتين إلّا الإسلام؟!
وقصيدة أبي طالب اللّاميّة تربو على تسعين بيتاً.
أبوطالب يخاطب قريشاً بشأن الصحيفة
لـمّا رأت قريش أنّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نزلوا بلداً آمناً (الحبشة) وأنّ النجاشي منع مَن لجأ إليه منهم؛ كتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على بني هاشم، وبني المطّلب أن لا ينكحوا منهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، وتواثقوا على ذلك وكتبوه في صحيفة جعلوها في جوف الكعبة. فلمّا صنعت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبي طالب فدخوا معه في شِعْبه واجتمعوا إليه؛ فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتّى جُهِدوا لا يصل إليهم شيءٌ إلّا سرّاً مستخفياً مَن أراد صِلَتهم من قريش. وفي ذلك يقول أبوطالب:
ألا أبلغا عنّي على ذاتٍ بَيْننا |
لُؤَيّاً وخُصّا من لؤيٍّ بني كعب |
|
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً |
نبيّاً كموسى خُطّ في أول الكُتْب |
|
وأنّ عليه في العِباد محبّةً |
ولا خيرَ ممّن خصّه الله بالحُبّ |
ويحذرهم مغبّةَ حرب شاملة ثمّ يقول:
فلسنا وربِّ البيت نُسْلم أحمداً |
لعزّاءَ من عضّ الزمان ولا كرْب(١) |
|
ولما تَبِنْ منّا ومنكم سَوالف |
وأيدٍ أُترّت بالقُساسيّة الشُّهب(٢) |
في أبيات يظهر صمود قومه وكفاحهم. وكلامنا في شهادة أبي طالب على نفسه في
____________________
(١) العزّاء: الشدّة ومثله عض الزمان.
(٢) سيرة ابن إسحاق: ١٥٧، السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ٣٧٧ - ٣٧٨.
كلّ مناسبة، وكفى بالمرء شاهداً على نفسه؛ فهو قد وجد في كتب الأوّلين ذكر نبوّة موسى ومحمّدعليهماالسلام ، ولـمّا كان محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّاً، فهو يُقاتل دونه لأنّه مؤمن بنبوّته.
وقال أيضاً متحدّياً القوم وصحيفتهم الجائرة:
ألا أبلغا عنّي لؤيّاً رسالة |
بحقّ وما تُغني رسالةُ مرسل |
|
بني عمّنا الأدنين تيماً نخصّهم |
وأخوتنا من عبد شمس ونوفل |
|
أظاهرتم قوماً علينا ولاية |
وأمر غَوي من غُواة وجهل |
|
يقولون إن قد قتلنا محمّداً |
أقرّت نواصي هاشم بالتذلّل |
|
كذبتم وربّ الهَدي(١) تدمى نحورها |
بمكّة والركن العتيق المقبل |
|
تناولونه أو تعطلون لقتله |
صوارم تفري كلّ عظم ومفصل |
ويمضي في تحدّيه أن ينالوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلى أن يقول:
فإن كنتم ترجون قتْلَ محمّد |
فروموا بما جمعتم نقل يَدْبَل(٢) |
|
فإنّا سنمنعه بكلّ طمرة |
وذي ميعة نهد المراكل هيكل(٣) |
|
وكلّ رُديني طمى كعوبه |
وعضب كما ماض الغمامة مفصل(٤) |
|
بأيمان شُم من ذوابة هاشم |
مغاوير بالأبطال في كلّ محفل(٥) |
فلمّا سمعت قريش بذلك، رأوا منه الجدّ وأيسوا منه، فأبدوا لبني عبد المطّلب
____________________
(١) الهدي: ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر.
(٢) يدبل: جبل بنجد.
(٣) الطمرة: جواد، وما بعده وصف له.
(٤) رُديني اسم رُمح، وطمى غطّى، الكعوب ما بين الابنوبتين من القصب، والعضب: الحسام القاطع.
(٥) سيرة ابن إسحاق: ١٥٧ - ١٥٨.
الجفاء وكتبوا صحيفتهم الظالمة.
مباهلة: فلمّا رأى أبوطالب ما فعل المشركون، انطلق بمَن معه من المسلمين فقاموا بين أستار الكعبة، فدعوا الله على ظلم قومهم لهم، وفي قطيعتهم أرحامهم واجتماعهم على محاربتهم، وبتأوّلهم سفك دمائهم، فقال أبوطالب: أللّهمّ إن أبى قومنا إلّا النصر علينا، فعجّل نصرنا، وحل بينهم وبين قتْل ابن أخي. ثمّ أقبل إلى جمع قريش وهم ينظرون إليه وإلى أصحابه، فقال أبو طالب: ندعو بربّ هذا البيت على القاطع المنتهك للمحارم، والله لتنتهنّ عن الذي تريدون، أو لينزلنّ الله بكم في قطيعتنا بعض الذي تكرهون، فأجابوه إنكم يا بني عبد المطّلب لا صلح بيننا وبينكم ولا رحم إلّا على قتْل هذا الصبيّ السفيه!
( أَلاَ إِنّهُمْ هُمُ السّفَهَاءُ وَلكِن لاَيَعْلَمُونَ ) (١) .
ثمّ عمدَ أبو طالب فأدخل الشعب ابن أخيه وبني أبيه ومن اتّبعهم فدخلوا شعبهم، وهو شعب في ناحية من مكّة، فلمّا قدم عمرو بن العاصي وعبد الله بن أبي ربيعة إلى قريش وأخبروهم بالذي قاله النجاشي لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه، اشتدّ وجدهم وضيّقوا عليهم ونادى منادي الوليد بن المغيرة المخزوميّ في قريش: أيما رجل وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه، وحولوا بينهم وبينه ومن لم يكن عنده نقد فليشتر و عليَّ النقد! ففعلوا ذلك ثلاث سنين حتّى بلغ القوم الجهد الشديد، وحتّى سمعوا أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب(٢) ؛ وأبو طالب ذلك الشيخ الطاعن في السنّ، لم تزده المحن إلّا عزيمة وصلابةً ومضيّاً في خطّ الرسالة.
____________________
(١) البقرة: ١٣.
(٢) سيرة ابن إسحاق: ١٥٩.
تضحية وفداء
ذكر ابن إسحاق، قال: كان أبوطالب يخاف أن يغتالوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلاً أو سرّاً، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أخذ مضجعه أو رقد، بعثه أبو طالب عن فراشه وجعله بينه وبين بَنيه خشية أن يقتلوه(١) .( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلّهُ اللّهُ عَلَى عِلْمٍ ) (٢) ،( وَمَنْ أَضَلّ مِمّنِ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ ) (٣) .
ألا يمكن لأبي طالب أن يقول لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: لقد نصرتُك بنفسي ونابذت قريش والقبائل العداوة في نصرتك، وولدي ورهطي معك، وأنا الآن كبر سنّي فلعلّ القوم يخلون سبيلي لأذهب إلى بيتي، فقد أضرّت بي المقاطعة...؟ لم يكن من هذا شيء، مضى أبو طالب على بصيرة من أمره، فقد آمن بما جاء به ابن أخيهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّ النجاة في ذلك كما أرشد ولده إليه. أرأيت؛ إن لم تكن تابع هوى أو وهّابيّاً أو ممّن ضلّله الخارجيّ ابن تَيميه؛ أرأيتَ رجلاً تحمله الحميّة على بذل مهجته والتضحية بأعزّ الناس إليه: وُلده قرابين في سبيل حفظ ابن أخيه وسلامته من خطر محتمل؟! ومتى وجدتم أو قرأتم سيرة رجل عظيم قومه يصف نفسه أنّه تَبِعٌ لابن أخيه ويصفه بمعالي الأخلاق وأنّ مكارم وشرف قريش تجمّعت في عبد مَناف، ومن ثَمّ في هاشم لتنتهي جميعها في محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ! ويفقد زعامته ومنزلته الاجتماعيّة بين قريش ومن تبعها من القبائل من أجل تابعيّته لابن أخيه، ويتحمّل الحصار مع حياطته الدائبة وفداءه بوُلده في حماية النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١) سيرة ابن إسحاق: ١٦٠.
(٢) الجاثية: ٢٣.
(٣) القصص: ٥٠.
وهوعليهالسلام وفي هذا الظرف الصعب ينشد الشعر بما يعرب عن إيمان لا يضعف ونفس لا تستكين وعزيمة ماضية في نصرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
ألا من لهم آخر الليل معتم |
طواني وأخرى النجم لم يتقحم |
|
طواني وقد نامت عيون كثيرة |
وسائر أخرى ساهر لم ينوم |
|
لأحلام أقوام أرادوا محمّداً |
بسوء ومن لا يتقي الظلم يظلم |
|
سعوا سفهاً واقتادهم سوء رأيهم |
على قليل من رأيهم غير محكم |
|
رجاء أمور لم يسألوا نظامها |
وإن حشدوا في كلّ نفر وموسم |
|
يرجون أن نسخا بقتل محمّد |
ولم تختضب سمر العوالي من الدم |
|
يرجون منا خطة دون نيلها |
ضراب وطعن بالوشيج المقوم |
|
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه |
جماجم تلقى بالحطيم وزمزم |
|
وتقطع أرحام وتنسى حليلة |
حليلها ونغشاً محرماً بعد محرم |
|
وينهض قوم في الدروع إليكم |
يذبون عن أحسابهم كل مجرم(١) |
أبوطالبرضياللهعنه رسول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى قريش
للموضع الخاص والمنزلة المتفردة لأبي طالبرضياللهعنه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مثلما منزلة ولده العلي عليّ بن أبي طالبعليهالسلام الذي خصّه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بتبليغ (براءة)؛ فكذلك خصّ أبا طالب بإبلاغ قريش نبأ صحيفتهم الجائرة وما سلّط الله تعالى عليها.
ففي السيرة لابن هشام: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأبي طالب: يا عمّ، إنّ ربّي قد سلّط
____________________
(١) سيرة ابن إسحاق: ١٦٠.
الأرضة على صحيفة قريش، فلم تَدَعْ اسماً هو لله إلّا أثبتته فيها، ونفت الظُلم والقطيعة والبُهتان؛ فقال: أربُّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم؛ قال: فو الله ما يدخل عليك أحدٌ، ثمّ خرج إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنّ ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلمّ صحيفتكم، فإن كان كما قال ابنُ أخي فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عمّا فيها، وإن كان كاذباً دفعتُ ابنُ أخي إليكم، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا، فإذا هي كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فزادهم ذلك شرّاً! فعند ذلك صنع الرهطُ من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا(١) .
إنّ سؤال أبي طالب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أربُّك أخبرك بهذا؟) ليس تشكيكاً منه بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الذي يصفه بالصدق والأمانة ومعالي الأخلاق ومنتهى الفخر وأنّه رسول المليك، يفديه بولده وعشيرته ونفسه وتحمّل معه القطيعة المهلكة لأكثر من سنتين؛ إنّما أراد أن يعلم وهو ليس بعيداً عن رسول الله، في هذا الشعب ووسط هذا الرهط، هل الأمر إخبار من الله تعالى له؛ مثل قول إبراهيم الخليلعليهالسلام لربّه عزّ وجلّ في أن يره كيف يحيي الموتى؟ فلمّا قال له ربّه: أوَلَمْ تؤمن؟! قال: بلى! ولكن ليطمئنّ قلبي. أي أنا مؤمن يا ربّ، ولكن أُريد أن تُكرمني فتُرني هذا الأمر، فأصلُ حدَّ اليقين الّذي بعده لا يخطر في نفسي سؤال عن ذلك. فكذلك أبوطالب فما زاده جواب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (نعم)! إلّا إيماناً وتصديقاً؛ ولم يردّ عليه قولاً، إنّما قال: (فو الله ما يدخل عليك أحد) فالفاء تعقيباً على قول النبي؛ وتصديقاً حيث حلف بالله أنّه ما يدخل عليه أحدٌ من قريش ولا غيرها فيُخبره خبر الصحيفة؛ ولم يبق إلّا الوحي الذي يُخبره عن الله تعالى؛ والذي آمن به أبوطالب، وهم به مشركون! وكم هي ثقة أبي
____________________
(١) السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ١٦ - ١٧.
طالب بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وإلاّ كيف صار إلى قريش في موقف تحدّي حرج؛ تعهّد لهم فيه إن لم يكن أمر الصحيفة على ما وصفه ابنُ أخيه النبيّ، فهو كاذب ويدفعه إليهم؛ وعلى عكسه إن كان أمرها كما وصف، فالصحيفة باطلة. فإذا هي كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومبعوثه أبوطالب.
إنّ الوثائق تترى يعضّد بعضها بعضاً في أنّ أبا طالب ما أشرك ليؤمن وما زاده الإسلام إلّا شرفاً وسؤدداً. وفي خبر الصحيفة نجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يُعلم عمّه بما أوحي إليه بشأنها ولم يطلب منه أن يجاهر القومَ بها؛ إلّا أنّ هذا الرجل الْمُلهَم يجد فيها وسيلةً لأن يهدّ عرش الغواية القرشيّ ويشقّ صفّهم، حتّى قام منهم رجال نقضوا الصحيفة ومزّقوها.
وقال أبوطالب في شأن الصحيفة، نذكر هذه الأبيات:
وما ذنب من يدعو إلى البر والتقى |
ولم يستطع أن يا رب الشعب يَأرب |
|
وقد جرّبوا فيما مضى غبَّ أمرهم |
وما عالم أمراً كمن لم يجرب |
|
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة |
متى ما يخبر غائب القوم يعجب |
|
محى الله منها كفرهم وعقوقهم |
وما نقموا من باطل الحق معرب |
|
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً |
ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب |
|
وأمسى ابن عبد الله فينا مصدّقاً(١) |
على سخط من قومنا غير معتب |
|
فلا تحسبوا يا مسلمين محمّداً |
لذي عربة منا ولا متغرب |
|
ستمنعه منّا يدُ هاشميّة |
مركبها في الناس خير مركب(٢) |
____________________
(١) في أيّ شيء مصدّق؟! ليس إلّا الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك!
(٢) سيرة ابن إسحاق: ١٦٣ - ١٦٤.
وأبوطالبعليهالسلام على هداية من أمره ووعي لصحّة معتقده فهو ينتصر لابن أخيه لأنّه نبيّ، فهو بذلك ينتصر للدين الذي آمن به ويرى فيه الرشاد وسبيل النجاة. وهو على الفطرة الطاهرة وبما ورثه عن آبائه الطيّبين يأبى الظلم والبغي. ومن شعره قوله وقد غضب لعثمان بن مظعون حين عذّبته قريش ونالت منه:
أمِن تذكّر دهر غير مأمونِ |
أصبحت مكتئباً نبكي لمحزونِ |
|
أم من تذكّر أقوامٍ ذوي سفهٍ |
يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين؟! |
|
ألا ترون أذلّ الله جمعكم |
إنّا غضبنا لعثمان بن مظعون؟ |
|
ونمنع الضيم من يبغي مضيَّما |
بكلّ مطَّرد في الكف مسنونِ |
|
ومرهفات كأن الملح خالطها |
يُشفي بها الداء من هام المجانين |
|
حتّى تقرَّ رجال لا حلوم لها |
بعد الصعوبة بالأسماح واللين |
|
أو تؤمنوا بكتابٍ منزلٍ عجبٍ |
على نبيٍّ كموسى أو كذي النون(١) |
اللّهمّ غفرانك! أن نثبت إيمان أبي طالب! الذي ما كفر لينتقل إلى إيمان، وهو حكيم نفسه، يؤمن بكتابك المنزل المعجز (عجب)، ويؤمن بالنبيّ الذي نزل عليه القرآن الكريم، وهو عارف بقصص الأنبياء وما أنزلت عليهم من كتب.
ومن شعره يمدح النبيّ الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله:
لقد أكرم الله النبيّ محمّداً |
فأكرمُ خلق الله في الناس أحمد |
|
وشقّ له من اسمه ليجلّه |
فذو العرش محمود وهذا محمّد |
أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد، وأبو نعيم في دلائل
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٣١٣.
النبوّة ١: ٦، وابن عساكر في تاريخه ١: ٢٧٥، وابن أبي الحديد في شرحه ٣: ٢١٥، وابن كثير في تاريخه ١: ٢٦٦، وابن حجر في الإصابة ٤: ١١٥، والقسطلان في المواهب اللدنيّة ١: ٥١٨ نقلاً عن تاريخ البخاري، والديار بكري في تاريخ الخميس ١: ٢٥٤.
فما من موقف ومناسبة إلّا وصرّح بنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنّه أكرم خلق الله لا لأنّه ابن أخيه، وإنّما لأنّ الله تعالى هو الذي اجتباه وأكرمه وقرن اسمه باسمه.
وهو تبع لمحمّد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومفتتن به لعظيم أخلاقه وقربه من الله عزّ وجلّ ولأنّ دينه خير الأديان - مرّ ذكره -.
ومن شعرهعليهالسلام يؤكّد فيه نبوءة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويتحدّث فيه عن تقدّمه وسيادته وطيب أرومته وتفانيه في نصرته:
أنت النبيّ محمّدٌ |
قرمٌ أغرُّ مسوّدُ |
|
لمسوّدين أكارم |
طابوا وطاب المولدُ |
|
نعم الأُرومة أصلها |
عمرو الخضمّ الأوحدُ |
في أبيات أخرى منها:
أنّى تُضام ولم أمت |
وأنا الشجاع العربدُ |
|
وبطاح مكّة لا يُرى |
فيها نجيعٌ أسودُ |
|
وبنوا أبيك كأنّهم |
أسد العرين توقَّدوا |
|
ولقد عهدتك صادقاً |
في القول لا يتزيَّد |
|
ما زلت تنطق بالصوا |
بِ وأنت طفلٌ أمردُ(١) |
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٣١٥.
ومن شعره يخاطب النبيّ ويسكن جأشه، ويأمره بإظهار الدعوة:
لا يمنعنَّك من حقٍّ تقوم به |
أيدٌ تصول ولا ساقٌ بأصواتِ |
|
فإنّ كفّك كفّي إن مليت بهم |
ودون نفسك نفسي في الملِمّات(١) |
أمشركٌ أبو طالبعليهالسلام وهو يقول مقالاته الخطرة فيه، فأكرم الناس طُرّاً محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسرّ ذلك لا لطيب أُرومته، وأَكرِم بها؛ ولكن: لأنّ الله تعالى أكرمه، وما بعد الله سبحانه إلّا ضلال. ومن كرمه أن شقّ للنبيّ من اسمه اسماً.
وهو إذ يخاطب النبيّ يقول: أنت النبيّ، وأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نطق بالحقّ والصواب وهو طفل. ويدعوه للجهر بدعوته من غير وجل من العتاة فمعه أكفّ وايد تصول منها كفّ أبي طالب ونفسه تزهق ولا يصلوا إلى النبيّ.
أحميّة من أبي طالب كلّ هذا الفداء لابن أخيه؛ إذن كفاه هذا، ولكن لم هذا الخطاب المتوالي بأنّه النبيّ، وأنّه مخطوط في الكتب نبيّ مثل يوشع وذي النون. إنّ الفارق بين أبي طالب والمشركين هو الإيمان بنبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتصديقه؛ فآمن أبو طالب وجاهد بنفسه وبنيه ورهطه؛ وازداد المشركون عتوّاً وحرباً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن شعره يوصي بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أوصي بنصرِ نبيّ الخير أربعة |
إبني عليًّا وشيخ القوم عبّاسا |
|
وحمزة الأسد الحامي حقيقته |
وجعفراً أن تذودوا دونه الناسا |
|
كونوا فداءً لكم أُمّي وما ولدت |
في نصر أحمد دون الناس أتراساً(٢) |
ومن شعره وقد أجمع لنصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم:
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٣١٥.
(٢) متشابهات القرآن، ابن شهر آشوب، في تفسيره (ولينصرنّ الله من ينصره) من سورة الحجّ.
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتّى أوسّد في التراب دفينا! |
|
إمضي لأمرك ما عليك غضاضة |
وابْشر وقرّ بذاك عيونا |
|
ودعوتني وعلمتُ أنّك ناصحٌ |
فلقد صدقتَ وكنتَ قديماً أمينا |
|
وعرضتَ ديناً قد عرفتُ بأنّه |
من خير أديان البريّة دينا(١) |
أيّ مضيٍّ وعزيمة أوتيهما أبو طالب على كبر سنّه، وأيّ فداء ونصرة تصل حدّ الموت من أجل سلامة النبيّ ومضيّه في طريق الدعوة؛ أيّ إشراق نفس وطهارة قلب يدرك الرسالة فيؤمن بها فيما قست قلوب قريش ومعهم أخوه (أبو لهب) فتبّ أبو لهب وأمّا أبو طالب فأجاب دعوة رسول الله لمعرفته أنّه لا يدعو إلّا إلى خير فهو الصادق الأمين؛ وبحسّه المرهف وعقله الراجح وجد أبوطالب في دين الإسلام أنّه خير الأديان السماوية التي عرفها؛ فكيف بالوثنيّة والصنميّة؟! أمثل أبي طالب الحصيف وبعد قيام الحجّة له، أتراه بعد ذلك كلّه ينصره بلسانه وولده ويعوّض نفسه للهلكة وقلبه مشرك بالله؟!
نهاية المطاف: إنّ أبا طالب لو كان أبا أحد من رجالهم لنشروا فضائله وتغنّوا بأمجاده؛ إلّا أنّه أبو عليّعليهالسلام سابقهم إلى كلّ فضيلة والمختصّ بمعالي الطيّبات الطاهر من كلّ نقيصة شبّ وشاب عليها غيره من شانئيه الخوارج، فشتموه! وأيّ شتيمة أعظم من أن يقال عن شيخ البطحاء ومؤمن قريش وشريفها وحامي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمجاهد بولده ورهطه ونفسه حتّى النفس الأخير: أنّه مات مشركاً؟! وإذا كان أبو
____________________
(١) سيرة ابن إسحاق: ١٥٥، فتح الباري ٧: ١٥٣، المواهب اللدنيّة ١: ٦١، السيرة الحلبيّة ١: ٣٠٥، ديوان أبي طالب: ١٢، السيرة النبويّة، لزيني دحلان هامش السيرة الحلبية ١: ٩١، بلوغ الإرب ١: ٣٢٥، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣٠٦.
طالب أبا أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ فهو عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، فشتمه والنيل منه، هو كذلك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم !
لقد ألفنا من الخوارج النواصب قاموس الشتائم والإسقاط والأفائك، وذكرنا المجاهد الآخذ بثأر أهل البيتعليهمالسلام وصحبهم الكرام، المختاررضياللهعنه وما جنته العصابة الزبيريّة والأمويّة في الافتراء عليه. وكيفيه فخراً أنّ الدعيّ ابن سميّة لـمـّا كتب كتاب زور إلى ابن هند في شأن كوكبة الهدى حجر بن عديّ وصحبه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، والذي كتب الكتاب أبو بردة بن أبي موسى الأشعري! كلّفه ابن سميّة بكتابته فأنعم وكتبه بما تقرّ له عين ابن سميّة! وجمع حشداً أغلبهم من قتلة سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسين بن عليّ سيّد شباب أهل الجنّة الشهيد بكربلاءعليهالسلام ؛ فلمّا علم المختار بالخبر خرج من الكوفة لئلاّ يطلب منه الشهادة.
ولمّا كان مخالفاً لابن أسماء عبد الله بعد أن كان معه؛ فلمّا رأى منه أموراً منها بغضه لبني هاشم وتركه الصلاة على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعين جمعة! فلمّا سئل قال: إنّ له أهيل سوء إذا سمعوا ذلك شنفوا برؤوسهم!! مع بخل شديد وغير ذلك، فارقه واستولى على الكوفة وتعقّب قتلة الحسين؛ انطبق عدوّا الأمس اللّدودان: بنو مروان، وبنو الزبير بفرعيه! لـما ستعلم من معنى ذلك فأكثر البيوتات قيل فيها شيء حتّى عبد الله العائذ صاحب فتنتي الحرم والحرّة، فإذا مررنا بالزبير وجدها الهول! فهو حسود تربّى في أجواء مظلمة وله مع أسماء قصص انتهت بالطلاق، وكان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يحذّر عليًّاعليهالسلام من غدره! وأنّه يقاتله وهو ظالم له، فكان كذلك والزبير عقدته في العوّام، فكما قيل في أميّة، وذكوان؛ قيل في العوّام من أنّه قبطيّ مصريّ تبنّاه خويلد، ولقد كانت صفيّة بنت عبد المطّلب تحسن تأديبه بالضرب! هذه وغيرها كثير من مفردات عقد النقص في
نفوس ذوي العاهات والتي طهرت منها الشجرة المباركة والدوحة الهاشميّة وكانت درّة مشكاتها وصفوتها أحمد الذي بشّرت به الرسالات السابقة وما جعفر وعليّ وأبو طالب إلّا كواكباً في فلك شمس محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
وقد جرى ذكر المختار وعديّ، وستقف على ذكر صلحائهم عند الله في أعلى علّيين، لم تسطع أبواق السفيانيين ومن جاء بعدهم أن تنال منهم.
والذي جرى لهؤلاء جرى لبضعة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أمّ أبيها كماكان يسمّيها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع علمهم بمنزلتها الخاصّة عند الله تعالى، فقد تقدّم للزواج أبوبكر، وعمر، فأعرض عنهما بوجهه، ولم يردّ جواباً، وفي قول: كان يقول: (أمرها إلى ربّها) ثمّ جمعهم فزوّجها عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (١) .
ومن الطريف! ما يذكرون في هذا الباب، أنّ أبابكر وعمر أتيا ابن عوف فقالا: أنت أكثر قريش مالاً! فلو أتيت رسول الله فخطبت فاطمة زادك الله مالاً إلى مالك وشرفاً إلى شرفك. فأتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله، زوّجني فاطمة، فأعرض عنه فأتاهما فقال: قد نزل بي مثل الذي نزل بكما(٢) .
فالقوم كانوا يرجون شرفاً من الزواج بفاطمةعليهاالسلام ، فيقال: إنّ فلان صهر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم. فهي لهم مسألة ربح ولذا لـمّا خابت آمالهما توجّها صوب ابن عوف ظنّاً أنّه سيكون الفائز لـما يملك من ثروة! وكأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طالب مال! فكان تزويجه لعليّ دحضاً لذلك. وكان تزويج فاطمة من عليّ بأمر الله تعالى. بسند عن أنس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
(١) المناقب، للخوارزميّ: ٣٤٣، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ٣٤٦ حديث ٣٩٧ و ٣٤٧ حديث ٣٤٩، كفاية الطالب: ٣٠٤، أسد الغابة ١: ٤٦٢، فضائل الخمسة ٢: ١٣٠، الرياض النضرة ٢: ١٨٠، ذخائر العقبى: ٢٧، الذريّة الطاهرة: ٩٣ حديث ٨٣، ٨٥ - ٨٧ حديث ٩٤ - ٩٥.
(٢) كفاية الطالب: ٣٠٢ - ٣٠٣، مجمع الزوائد ٩: ٢٠٩، كنز العمال ٧: ١١٣.
أقبل على أبي بكر وعمر، فقال: (إنّ الله أمرني أن أزوّجها من عليّ).
وبعد هذا التطلّع للتشرّف من الزواج بفاطمة الصدّيقة الكبرى، أصدر أبوبكر أمره إلى عمر بأن يأتي بعليّ بن أبي طالبعليهماالسلام بأعنف العنف! وكانعليهالسلام معتزلاً في جمع من بني هاشم الفتنة في بيت فاطمة الزهراءعليهاالسلام بنت محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وهرع ابن الخطّاب في جمع يحمل حطباً وقبساً من نار!
فخرجت الزهراء لعلهم يستحون إن رأوها! فقالت: أجئت لتحرق علينا البيت يا ابن الخطاب؟ قال: نعم!
فاين هذا الموقف من التودّد للزواج منها، وفي البيت سبطا رسول الله وذريّته الحسن والحسين، فكان بداية خطّ خارطة الطريق لهتك حرمة أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من يومئذ، وأتبعوا ذلك بتمكين بني صخر وهند من الشأم ثمّ بسط يد ابن هند فيها، وعلّوا منزلة ابن سميّة زياد! أيّام عمر فمهّد لابن هند أن يستلحقه....
يبدو أنّ القوم اكتنزوا شجاعتهم واختزنوا بطولتهم لليلة الخميس، ليلة الرّزيّة كما كان يسمّيها ابن عبّاس، حينما اشتدّ برسول الله وجعه فطلب أن يقرّبوا له قرطاساً ليكتب لهم ما إن تمسّكوا به فلن يضلّوا بعده أبداً، فانبرى عمر بن الخطّاب قائلاً: كفى بكتاب الله، وضمّ بعض القوم أصواتهم إلى صوته تأييداً له ومظاهرةً على رسول الله! ونادت النسوة من خلف السّتر: ويحكم! اتقوا الله وقدّموا لرسول الله ما يريد؛ فناداهن ابن الخطّاب: اسكتن، إنّكن صويحبات يوسف...، في كلام بذيء! فطردهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبقي معه ابن عمّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وكان أقسى قول قاله ابن الخطّاب وهو يعترض على تقديم ما طلبه النبيّ هو: دعوه! إنّ الرجل ليهجر! أي أتركوه وشأنه، فهو - حاشا لك يا رسول الله، وغفراناً أن ننطقها يا رب! - رجلٌ،
وليس نبيّ، يهذي. وعلى هذا الظاهر من القول، فإنّه مات على غير نبوّة!! فما أسهل وأيسر أن يقولوا مات أبوطالب مشركاً!
وجمعوا قواهم لسقيفة بني ساعدة التي كاد أن يقتل فيها سيّد الخزرج سعد بن عبادة، والذي بقي عمر يلاحقه حتّى أرسل جنّيّاً إلى الشأم فشكّ فؤاده! وبذا فتحوا الباب على مصراعيه لكلّ غاوٍ عاوعٍ، لهتكِ حُرمة الأنصار، فشنّ ابن هند غاراته على حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحرم الله تعالى؛ وقد أوصى قادة جيوشه أن يرعبوا أهل الحرمين ويخيفوهم حتّى يظنّوا أنّهم موقع بهم. فصار ذلك سنّة لمن خلفه، وكانت وقعة الحرم المكّيّ مرّتين دكت قبلة المسلمين بالمجانيق والنيران فهدمت واحترقت؛ وإن كنّا لا نبرّئ ابن أسماء من جريرة ما حدث إذ تحصّن بالبيت وهو يعرف عدوانيّة وزندقة ابن ميسون وقيادته وصلف أهل الشأم، فكان حقّاً عليه أن ينقل ساحة المعركة إلى خارج الحرم فيقطع بذلك ذريعة الشأميّين أيّام ابن ميسون، أو أيّام ابن الزرقاء فلا يتعرّضوا للحرم الشريف؛ كما فعل الإمام السبط الشهيد الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام .
أكثر من هذا فقد انتهك ابن أسماء حرمة البيت مباشرةً بذبحه رجالاً في البيت الحرام، ذكرنا خبرهم، وكان سبباً مساهماً لأهل الشأم في وقعة الحرّة العظيمة، وإن كان المباشر للجريمة الشنيعة ابن ميسون وجنده من أهل الشأم. وسبق هاتين الجريمتين وقعة الطف واستشهاد الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام وصحبه الكرام رضوان الله تعالى عليهم.
إنّ سنّة معاوية في لعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام عقب كلّ صلاة ودخوله حرباً ضروساً مع أمير المؤمنينعليهالسلام هي حرب صفّين، كلّ ذلك امتداد لجرأة القوم وغصبهم الخلافة وليس فيهم طاهر؛ طهّره الله تعالى وزوجته وولده، مثلما طهّر رسول
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليًّا وزوجه فاطمة الزهراء وولديه الحسن والحسينعليهمالسلام ؛ فكانوا أهلاً أن يباهل بهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم النصارى ويغلبهم بهم، لا بمن ناوأهم وغصب حقّهم في الخلافة المقرّرة قرآناً وسنّة، وقد أقرّ المحرّق! لعليّ بالإمارة يوم الغدير؛ ولا عجب فلقد تأخّر إسلامه فكان بعد أكثر من أربعين رجل وامرأة، ونال أخته وزوجها منه أذى لـمـّا علم مفارقتهما لآلهته ودخولهما الإسلام، وبعد أن أسلم شقّ عليه تركه الخمر حتّى نزلت الآية الثالثة بشأن الخمر القاطعة بحرمته وتلاها عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هتف ابن الخطّاب: انتهينا انتهينا. وليس في جميع من صدق إسلامه ووفي ببيعته، دعننا من الخوارج النواصب! من أسبغ عليه رسول الله سيادة الجنّة إلّا فاطمة وعليّ والحسن والحسين وقد استوسق له الأمر، ومضى أمير المؤمنين حقّاً ووليّهم بنصّ القرآن والسّنّة؛ فللعاهات التي اجتمعت فيه:
فبطنه التي أصابتها دعوة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أن يأكل ولا يشبع، فكان يوضع له الطعام فيأتي عليه ثمّ يرفعون الصفحة ويؤتى له بغيره وهكذا حتّى يقوم وهو يقول: ما شبعت ولكن تعبت! وكان يعقد بطنه على فخذه إذا جلس، لعظمها. فهي تلازمه حينما حلّ فتذكّره بدعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهو لا ينسى لعن النبيّ له ولزوج أمّه هند صخر أبي سفيان بن حرب، وابنه يزيد؛ وأقوال النبيّ فيه وفي موضعه من النار.
وهو إن ينسى فلا ينسى أنّه أظهر الإسلام تعوّذاً يوم فتح الله تعالى بيته الحرام لنبيّه الهاشميّ الكريم يحمل لواء الفتح معه وزيره وأخوه عليّ بن أبي طالب؛ فلمّا رأى بارقة السيف وضاقت الأرض عليه بما رحبت أظهر إسلاماً وأبطن نفاقاً. وهذا ما ترجمه في قوله للمغيرة بن شعبة - مرّ بنا - وفيه أنّه يسعى حثيثاً لدفن الرسالة!
وهو إن ينسى فلا ينسى أنّ الذي جاهد المشركين بجمعهم وصدق النبيّ الإيمان والنصرة حتّى وفاته هو أبوطالبعليهالسلام ، وابنه عليّعليهالسلام هو الذي دكدك حصون الكفر وطهّر الأرض من عتاة الشرك، ويكفيه بدر؛ فمن مجموع (٧٠) هالك من قريش، قتل ابن أبي طالب عليّعليهالسلام (٢٧)، واشترك في قتل ثلاثة. منهم خال معاوية: الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس؛ وجدّه لأمّه: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس؛ وشيبة بن ربيعة، اشترك في قتله عليّ وحمزةعليهماالسلام ، وحنظلة بن أبي سفيان، أخو معاوية لأبيه.
هؤلاء ممّن تطلب هند بثاراتهم يوم أحد! ووتر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام معاوية. وغير هؤلاء فإنّ ثلاثة من بني أميّة قتلهم عليّعليهالسلام يوم بدر، ذكرناهم سابقاً، إلّا أنّ أمرهم لا يهمّ معاوية! لـما بيّناه في نسبة معاوية إلى هند أمّه، وإلى ستّة رجال! وإقرار معاوية بذلك كلّه، وعند التحدّي الذي ذكرناه إذ أقرّ صخر بن حرب أبو سفيان بأبوّته ليزيد ونسبة معاوية إلى هند، وافتخار هند بابنها معاوية على يزيد ابن أبي سفيان.
فليس الطلب بدم عثمان هو الذي حمل ابن هند على حرب الإمام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فأوّلاً عثمان أمويّ لا شكّ في ذلك، وأمّا معاوية فقد عرفت! ولقد استنجده عثمان فما أنجده، وتفانى أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في نصرته ونجدته. وإذا كان رموز الفتنة وأشدّ المؤلّبين عليه قد قتلا يوم الجمل، طلحة والزبير؛ فقد بقي من حرّق على عثمان نار الفتنة (عائشة)، فمع كذب ابن هند في الطلب بدم عثمان! كان عليه أن يطلبه عند عائشة!
وثانياً: إنّ الطلب بثارات الرؤوس العفنة التي قطعها عليّعليهالسلام يوم بدر، هو السبب الواقعيّ في خروج ابن هند على أمير المؤمنينعليهالسلام . ومعاوية في أحسن أحواله أن ينسب
وينسب نفسه إلى هند؛ ولو نسب نفسه إلى أبي سفيان الذي نفاه كما مرّ بنا! فإنّه يجد امرأة تصاول بين رجال المشركين تضرب بالدف وتوعد من يقبل بالمعانقة، متبذّلة توعد وحشي حشاشة صدرها يفعل ما يريد! لو قتل حمزة، أو عليًّاعليهماالسلام .
صليطة اللسان! إذ لـما فرض الله الإسلام على طواغيت قريش وجاءت النسوة تبايع فيهنّ هند وشرط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليهن أن لا يسرقن ولا يزنين...، سلّمن إلّا هند قالت: وهل تزني الحرّة؟! فنظرصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عمر! وابتسم؟ وسرّها عند ولدها البار معاوية! الذي ينهد فيقول: وأنا ابن هند.
وهو ربيب أبي سفيان، والاستلحاق كما بينّا أمر مألوف في آل أميّة بدءاً بأميّة الذي استلحقه عبد شمس بعد أن اشتراه عبداً روميّاً من مصر؛ فكان للعبد هذا عبد اسمه ذكوان فأعتقه وتبنّاه وسمّاه أبا عمرو بن أميّة! ونزل له عن زوجته فتزوّجها ذكوان فولدت له أبا معيط، فولد هذا عقبة بن أبي معيط، أسر يوم بدر، فأمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليًّاعليهالسلام فضرب عنقه.
فكيفما كان أمر ابن هند ولون علاقته بالبيت الأمويّ! فإنّه لم ينجب من خير ولا ربّي في خير، وهو سمع من سيرة هذا البيت وآخرهم أبو سفيان وهند، ويجد أبا سفيان يذكر ابن سميّة زياداً فيدّعيه ويذكر من غير حياء أنّه الذي وضعه في رحم أمّه! فبنى ابن هند على ذلك واستلحق زياداً وزوّج بنيه من بنات آل أبي سفيان، وعبد شمس. ذكرنا تفاصيل ذلك، وذكرناه موجزاً لئلاً ننسى!
فنقول: بماذا يتنقّص الخوارج، ابن هند وغيره أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام ، بأمّه إحدى الفواطم اللاّتي يفخر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالانتساب إليهنّ بقوله: (أنا ابن الفواطم والعواتك)؛
أوّل الفواطم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم(١) ، أم عبد الله وأبي طالب؛ فهي جدّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّعليهالسلام .
ومن الفواطم المباركات: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. كافلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والقائمة مقام أمّه. أوّل هاشميّة ولدت لهاشميّ. أسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفّيت ودفنت بها. ولـمّا ماتت كفّنها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقميصه. واضطجع في قبرها وجزّاها خيراً. فقالوا: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه! قال: (إنّه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ منها، إنّي ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنّة، واضطجعت في قبرها ليهون عليها)(٢) .
وعن أنس بن مالك، قال: لـمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ، دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: (رحمك الله يا أمّي؛ كنت أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيّب الطعام وتطعميني تريدين بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة)(٣) وأخبارها تطول.
لعلّك تيقّظت إلى قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (إنّه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها...)، قال ذلك وأبو طالبعليهالسلام قد توفّاه الله تعالى، فما بال النبيّ يذكر رجلاً مشركاً كما يفترون؟! وهو إذ يتحدّث عن امرأة مؤمنة هاجرت على قدميها وكانت أوّل المبايعات؛ ولها ولوليدها العلي عليّ من علوّ الشأن أن فتحت لها الكعبة لـمّا ضربها
____________________
(١) جمهرة النسب: ٢٩، النسب، لابن سلاّم: ١٩٦.
(٢) المناقب، للخوارزميّ: ٤٦ - ٤٨ و ٢٧٧، شرح نهج البلاغة ١: ١٤، نسب قريش، للزبيري: ٤٠، تهذيب الكمال ٢٠: ٤٧٣، الاستيعاب ٤: ٣٨١، أسد الغابة ٧: ٢١٧، الإصابة ٤: ٣٨٠، نور الأبصار: ١٥٦، المجدي، للعمري: ١١، تذكرة الخواص: ٢٠.
(٣) نفس المصادر السابقة.
المخاض فدخلتها وانطبقت عليها وبعد ثلاث خرجت تحمله لتعطيه للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليتولاّه؛ فما عسى أن يقرن بها رجلاً قد نهي عن الاستغفار له والدعاء كما يفترون؟!
إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا صنع بفاطمة بنت أسدرضياللهعنه ما صنع وسئل بيّن لهم علّة ذلك ببرّها به ذلك البرّ الذي عوّضه عن برّ زوجها أبي طالب أبي عليّ وعمّ النبيّ.
( كَلّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .
وإذا كرّم الله وجوه الفواطم والعواتك عن شنائع هند؛ فهناك امرأة إذا ذكرت نسيت هند! تلك هي (حمامة)، اسم جميل لمخلوق قذر! فهي امرأة بغيّ من ذوات الرايات، وهي جدّة أبي سفيان(٢) .
ولعلّ معاوية يجد عزاءه في خارجيّ يقتدي به جدّته من ذوات الرايات اسمها: صهّاك، وقيل صهال. وإنّ معاوية ممّن أشرب الرذيلة فلا يستحي أن يكون لستّة رجال! أو أقلّ.
وممّا حفّز ابن هند أن يصاول أمير المؤمنين ويحاربه، أنّه وجد من سبقه قد هتكوا حرمة عليّ والصدّيقة فاطمة ابنة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما انتهكوا حرمة الأنصار وخيار المهاجرين، فما الذي يمنعه أن يصنع صنيعهم وقد فعل!
ولنختم كلامنا في هذا الباب بشهادة أعتى أعداء عليّعليهالسلام وبني هاشم شهادة معاوية، وله شهادات أنطقه الله الحكيم بها لتكون أكثر بياناً في الحق.
حدّث الزبير بن بكّار، قال: دخل محقن بن أبي محقن الضبّيّ على معاوية فقال: جئتك من عند ألأم العرب وأبخل العرب وأجبن العرب!
____________________
(١) المطفّفين: ١٤.
(٢) أنساب الأشراف ٢: ٣٢٩.
قال: ومن هو يا أخا بني تميم؟
قال: عليّ بن أبي طالب!
قال معاوية: أسمعوا يا أهل الشام ما يقوله أخوكم العراقي، فابتدروه أيّهم ينزل عليه ويكرمه! فلما تصدّع الناس عنه قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه.
فقال له: ويحك يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب، وجدّه عبد المطّلب، وامرأته فاطمة بنت رسول الله؟! وأنّى يكون أبخل العرب؟! فو الله لو كان بيتان: بيت تبن، وبيت تبر(١) ، لأنفد تبره قبل تبنه؛ وأنّى يكون أجبن العرب؟! فو الله ما التقت فيتيان(٢) قطُّ إلّا كان فارسهم غير مدافع. وأنّى يكون أعيا العرب؟! فو الله ما سنّ البلاغة لقريش غيره ولما(٣) قامت عنه أم محقن ألأم وأبخل وأجبن وأعيا لبظر أمّه، فو الله، لولا ما تعلم لضربت الذي فيه عيناك. فإيّاك عليك لعنة الله، والعودة إلى مثل ذلك.
قال: والله أنت أظلم منّي، أيّ شيء قاتلته وهذا محلّه؟!
قال: على خاتمي هذا(٤) ، حتّى يجوز به أمري.
قال: فحسبك ذلك عوضاً من سخط الله، وأليم عذابه.
قال: لا يا ابن محقن، ولكنّي أعرف من الله ما جهلت حيث يقول:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ ) (٥) .(٦)
____________________
(١) التبر: الذهب غير المضروب.
(٢) لعلّها: فئتان، وكلاهما صحيح.
(٣) أي أنّ الذي ولدته هذه المرأة وهو محقن بن أبي محقن بهذه النعوت.
(٤) إشارة إلى التحكيم وتثبيت ابن النابغة له من خلال مهزلة تثبيت الخاتم في إصبعه!
(٥) الأعراف: ١٥٦.
(٦) كشف الغمّة ٢: ٤٧، كشف اليقين: ٤٧٥ - ٤٧٦.
وصيّة أبي طالب وقد حضرته الوفاة
ومثلما عاش حميداً أبو طالب؛ فقد مات سعيداً، فهو على سرّ آبائه في حبّ الخير لقومه وجمع شملهم وإذكاء المحبة بينهم؛ هذا ما جاء في وصيّته عند موته؛ أليس أبوه الأعلى قصيّ المدعى مجمّعاً لأنّه جمع القبائل من قريش بعد تفرّقها، وهاشم درّة قريش وذروة مجدها الذي هشم الثريد فأشبعهم وغيرهم من القبائل؛ وعبد المطّلب الفيض ذو الكرامات المتألّه المتحنّف أبيّ الظلم والعدوان، ومن وصاياه لأبي طالب في رعاية النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
فلنسمع وصيّة أبي طالب، ففيها أمور غير ما ذكرنا:
عن الكلبي، قال: لـمّا حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش! أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيّد المطاع، وفيم المقدام الشجاع، والواسع الباع، واعلموا أنّكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلّا أحرزتموه، ولا شرفاً إلّا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب وعلى حربكم إلب، وإنّي أوصيكم بتعظيم هذه البنيّة (يعني الكعبة)، فإنّ فيها مرضاة للربّ، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطأة.
صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإنّ صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإنّ فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإنّ فيهما محبّة في الخاصّ، ومكرمة في العام.
وإنّي أوصيكم بمحمّد خيراً فإنّه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجامع لكلّ ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان، مخافة الشنآن، وأيم الله كأنّي أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من
الناس قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاؤها أرباباً(١) ؛ وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته(٢) العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها؛ دونكم يا معشر قريش! ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك سبيله أحد إلّا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلّا سعد، ولو كان لنفسي مدّة، وفي أجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهي(٣) .
وصيّة مترعة بالإيمان والتسديد؛ فهو بعد ذكره مآثر قريش ونخوته إيّاهم أن لا يفرّطوا بها، ثمّ أوصاهم بحرمة الكعبة وتعظيمها؛ وبعد، أوصاهم بأمور هي من شريعة الإسلام، وبيّن لهم مغانم أفعال ومغبّة أخرى.
وجمع كلّ خير أوصاهم به بشخص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأوصاهم باتّباعه. وعظيم أبو طالب! فكأنّه يستقرأ المستقبل فيرى المستضعفين هم الذين سيتّبعوا النبيّ وبهم ينتصر... وأنّ العرب ستعطي النبي قيادها ويعود إلى تحريضهم ليكونوا له ولاةً، ويعطيهم يميناً أنّ الرشاد والسعادة بسلوك سبيله والأخذ بهديه. وهو في حال الاحتضار لا يتخلّى عن النبيّ ونصرته وكلّه عزيمة أن لو تأخّر أجله، ليدفعنّ عنه الدواهي من غير ضعف أو توقّف. ولو لم يكن قلبه مطمئنّ بالإيمان لـما كان آخر ما تكلّم به: أنّ الرشاد والسعادة في هدي محمّد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١) أي سادة.
(٢) أي أخلصته.
(٣) الروض الأنف ١: ٢٥٩، المواهب اللدنية ١: ٧٢، بلوغ الإرب ١: ٣٢٧، السيرة الحلبيّة ١: ٣٧٥، أسنى المطالب: ٥، ثمرات الأوراق هامش المستطرف ٢: ٩.
وصيّة أبي طالب لبني عبد المطّلب
أخرج ابن سعد في طبقاته: أنّ أبا طالب لـمـّا حضرته الوفاة دعا بني عبد المطّلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد وما اتّبعتم أمره، فاتّبعوه وأعينوه ترشدوا(١) .
أبوطالبعليهالسلام ، مع رجحان عقله، وفي آخر عهده من الدنيا وأوّل عهده من الآخرة، يوصي بني أبيه باتّباع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وطاعته وأن يكونوا عوناً له لأنّ الرشاد في ذلك، ومن قبلها وصيّته لقريش إذ أوصاهم بمعالي الأخلاق، ومنها إلى الوصيّة بالنبيّ فهو الجامع لتلك الأخلاق؛ فهو الأمين في قريش، الصدّيق في العرب؛ وقبل البعثة كانت القبائل تسمّيه الصادق الأمين. فدعاهم إلى ما دعى إليه بني أبيه ففيه رشدهم، فإن ضيّعوه فحظّ أنفسهم ضيّعوا؛ وحذّرهم عاقبة ذلك أن سيضعفوا ويرتفع المستضعفون باتّباعهم له. فهل يعقل أن مثل أبي طالب يوصي غيره بالشيء ويمتنع هو منه؟!
شهادات حقّ في إسلام أبي طالب
من الحيف أن نقيم على إسلام أبي طالبعليهالسلام شهادات، فأبو طالب دلّ على ذاته بذاته وبسيرته البيضاء فلم يسجّل عليه شين مذ طفولته حتّى احتضانه الرسول والرسالة؛ فتنزّه عن مجانسة شانئيه ولئن تعدّوا على ساحته المقدّسة؛ فلقد تعدّوا على ساحة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ قدّموا بين يديه ورفعوا أصواتهم عليه حتّى نزل بهم قرآن، وخالفوا وصيّته واعتدوا على عترته، ووضعوا أحاديثاً كاذبة، وأبو طالب لم يكن عنه شيء في ذلك، إنّما كان جنديّاً فدائيّاً للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى لحظة مماته يوصي قريشاً به
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٢٣.
ويحذّرهم أنّ المستقبل له ولجنده من المستضعفين. ثمّ يوصي بنيه ورهطه أن يكونوا على العهد الذي عرفه منهم. وإنّما نذكر شيئاً من تلك الشهادات لأنّه منّا ونحن منه ومن ولده الوصيّعليهالسلام بالولاء المفروض علينا؛ أمّا أولئك فلهم دينهم ولنا ديننا ولهم أولياؤهم ولنا أولياؤنا وكلّ نفس بما كسبت رهينة.
وأبو طالبعليهالسلام هو الشاهد الأوّل على إسلامه وجهاده من خلال أشعاره التي كانت على قريش وغيرها أمضى من قعقعة السيوف وتناولها الهام، والطافحة بالإيمان من غير تورية: فمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم رسول المليك، رسول الإله - لا ألىلهة! ـمحمّد النبي أرسله الله بآياته وبخير أديان البريّة، ومحمّد أكرم خلق الله وسرّ ذلك أنّ الله تعالى أكرمه ومن كرمه أن شقّ له من اسمه اسماً، فذو العرش محمود والنبيّ محمّد، وهو لا يعجب مثل قريش ومشركيها بنزول كتاب على محمّد فهو نبيّ مثل موسى وذي النون، وحال حال موسى والمسيح في النبوّة، وهو يستسقي بالنبيّ فيسقى، فينشد: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه... إلى آخر شعره وقد ذكرناه، وهو يشهد أنّ الناس إذا افتخروا فقريش، فإذا افتخرت قريش ففخرها عبد مناف، فإن افتخرت عبد مناف فعزّها هاشم، وانتهى فخر هاشم وعزّها بمحمّد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فكان حتام على أبي طالب أن ينصر رسول الله بنفسه وولده ورهطه فإذا نام رسول الله، حوّله بين ولديه جعفر وعليّ حذراً من غدر قريش!... فشهادات أبي طالب في حقّ نفسه وإسلامه بين القول والعمل تصلح أن تكون كتاباً مستقلاًّ ختمها بوصيّته لقريش، لبني أبيه، فسلام عليه في جنّات الخلد مع نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
شهادة النبيّ له
ذكر ابن هشام أنّ أهل المدينة أقحطوا فأتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فشكوا إليه، فصعدصلىاللهعليهوآلهوسلم
المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر حتّى شكا الناس الغرق، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أللّهم حوالينا ولا علينا)، فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل؛ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه)، فقال بعض أصحابه: كأنّك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيض يُسْتسقى الغَمام بوَجْهِه |
ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ |
قال: (أجل)(١) .
فلو كان أبو طالب - حاشا له - مشركاً، لـما ذكره النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مثل هذا المشهد الطيّب؛ فهي شهادة منهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبي طالب. إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسدّد بالوحي فلا يقول باطلاً؛ فهو كما ذكر أبا طالب بخير، فكذلك ذكر جدّه عبد المطّلبرضياللهعنه فانتسب إليه، ولو كان مشركاً لـما جاز له ذلك سميّاً وهو في موطن حرب، كان ذلك يوم حنين. فلمّا غشى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم المشركون، جعل يرتجز ويقول:
أنا النبيُّ لا كَذِبْ |
أنا ابنُ عبد المطّلبْ |
فما رُئيَ من الناس أشدّ منه(٢) .
ومثل الذي ذكره ابن هشام في أمر الاستسقاء وذكر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبي طالبعليهالسلام ، على نحو آخر:
عن أنس بن مالك قال: أتى أعرابيّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبيّ يصطبح، ثمّ أنشد:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها |
وقد شغلت أمُّ الصبيِّ عن الطفل |
____________________
(١) السيرة النبويّة، لابن هشام ١: ٣٠٠.
(٢) تاريخ الطبريّ ٢: ٣٤٨، العقد الفريد ٦: ١٣٢.
ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا |
سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل |
|
وليس لنا إلّا إليك فرارنا |
وأين فرار الناس إلّا إلى الرُّسل |
فقام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (أللّهم اسقنا غيثاً مغيثاً سحّاً طبقاً غير رايث، تنبت به الزرع، وتملأ به الضرع، وتحيي به الأرض بعد موتها؛ وكذلك تخرجون). فما استتمّ الدعاء حتّى التقت السماء بروقها، فجاء أهل البطالة يضجّون: يا رسول الله! الغرق، فقال: (حوالينا ولا علينا). فانجاب السحاب عن المدينة كالإكليل، فضحك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى بدت نواجذه وقال: (لله درّ أبي طالب لو كان حيّاً لقرّت عيناه، من الذي ينشدنا شعره؟) فقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: يا رسول الله، كأنّك أردت قوله:
وأبيض يُسْتسقى الغَمام بوَجْهِه |
ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ |
قال: (أجل)، فأنشده أبياتاً من القصيدة ورسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر، ثمّ قام رجل من كنانة وأنشد:
لك الحمد والحمد ممّن يشكر |
سقينا بوجه النبيِّ المطر |
|
دعا الله خالقه دعوةً |
وأشخص معها إليها البصر |
|
فلم يَكُ إلّا كإلقا الردا |
وأسرع حتّى رأينا الدرر |
|
دفاق العزاليّ جمّ البُعاق |
أغاث به الله عليا مضر(١) |
|
فكان كما قاله عمُّه |
أبو طالب أبيضٌ ذو غرر(٢) |
|
به الله يسقي صيوب الغمام |
وهذا العيان لذاك الخبر |
____________________
(١) العزالي جمع العزلاء: مصبّ الماء. والبُعاق: السحاب الممطر بشدّة.
(٢) في أمالي الطوسي: ٤٦: (...، أبوطالب ذا رواءٍ غزر).
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إن يك شاعراً يحسن فقد أحسنت)(١) .
فقول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لله درّ أبي طالب) يشهد له بأنّه لو رأى النبيّ وهو يستسقي على المنبر لسرّه ذلك، ولقرّت عيناه؛ فهذا من النبيّ شهادة لأبي طالب بعد موته أنّه كان يفرح بكلمات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وتقرّ عينه بها، وما ذلك إلّا لسرّ وقر في قلبه من تصديقه بنبوّته وعلمه بكمالاته.
وفي رواية الطوسي: قال: أجل، فأنشده أبياتاً من القصيدة ورسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر ثمّ قام رجل من كنانة وأنشد - وذكر شعره -.
وعن ابن عبّاس: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عاد من جنازة أبي طالب فقال: (وصِلتُك رحِم؛ وجزيت خيراً يا عمّ)(٢) ، وفي لفظ الخطيب: عارض النبيّ جنازة أبي طالب فقال: (وصِلتُك رحِم، جزاك الله خيراً)(٣) .
وقال اليعقوبي: لـمّا قيل لرسول الله: إنّ أبا طالب قد مات، عظم ذلك في قلبه واشتدّ لذلك جزعه ثمّ دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرّات وجبينه الأيسر ثلاث مرّات ثمّ قال: (يا عمّ! ربّيت صغيراً، وكفلت يتيماً؛ فجزاك الله عنّي خيراً)، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: (وصِلتُك رحِم، وجزيت خيراً)(٤) .
لم يكن لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يفعل ويترحّم على مشرك، ويدعو له بالخير، ويوصل رحمه بعد مماته، ويشتدّ جزعه لموته!
____________________
(١) أعلام النبوّة، للماورديّ: ٧٧، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣١٦، عمدة القاري ٣: ٤٣٥، السيرة النبويّة، لزيني دحلان ١: ٨٧، أسنى المطالب: ١٥.
(٢) دلائل النبوّة، للبيهقي: ٢٥، تذكرة الخواصّ: ٦، البداية والنهاية ٣: ١٢٥، الإصابة ٤: ١١٦.
(٣) تاريخ بغداد ١٣: ١٩٦.
(٤) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٦.
وبسند عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، قال: قال العبّاس: يا رسول الله أترجو لأبي طالب؟ قال: (كلّ الخير أرجو من ربّي)(١) .
ورجال سنده رجال صحاح ثقات.
ومن قولٍ لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخاطب به عقيل بن أبي طالب: (يا أبا يزيد إنّي أحبّك حبّين، حبّاً لقرابتك منّي، وحبّاً لـما كنت أعلم من حبّ عمّي أبي طالب إيّاك)(٢) .
هذا شاهد صدق على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعتقد إيمان عمّه أبي طالب وإلاّ فما قيمة حبّ كافر لغيره حتّى يكون سبباً لحبّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لهذا الغير؟!
وعلام يتمثّل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأقوال أبي طالبعليهالسلام في مواقف كثيرة إن لم يكن عاش حميداً ومات مسلماً سعيداً؟!
يوم بدر نظر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى القتلى وهم مصرّعون فقال لأبيّ: (لو أنّ أبا طالب حيّ لعلم أنّ أسيافنا قد أخذت بالأماثل) يعني قول أبي طالب:
كذبتم وبيت الله إن جدَّ ما أرى |
لتلتبسن أسيافنا بالأماثل(٣) |
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمّي وعمّي أبي طالب وأخ كان لي في الجاهليّة)(٤) .
وفي تاريخ اليعقوبي: روى عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّه قال: (إنّ الله عزّ وجلّ وعدني في أربعة في أبي وأمّي وعمّي وأخ كان لي في الجاهليّة)(٥) .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) الاستيعاب ٢: ٥٠٩، ذخائر العقبى: ٢٢٢، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣١٢، مجمع الزوائد ٩: ٢٧٣ وقال: رجاله ثقات.
(٣) الأغاني ١٧: ٢٨.
(٤) ذخائر العقبى: ٧.
(٥) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٦.
وبسند عن عليّعليهالسلام عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (هبط جبرئيلعليهالسلام عليّ فقال: إنّ الله يقرئك السّلام ويقول: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك) أمّا الصلب فعبد الله وأمّا البطن فآمنة، وأمّا الحجر فعمّه أبو طالب، وفاطمة بنت أسد(١) .
وفي شرح ابن أبي الحديد: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (قال لي جبرائيل: إنّ الله مشفعّك في ستّة: بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك عبد الله بن عبد المطّلب، وحِجْر كفلك أبو طالب، بيت آواك عبد المطّلب، وأخ لك وأخ لك في الجاهليّة...)(٢) الخ.
أبو طالبعليهالسلام على لسان ولده عليّعليهالسلام
وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ذو النفس الطاهرة بصريح القرآن وأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن خلال سيرته العَلَويّة العُلْويّة، فهو خيرُ البَرِيّة - كما في سورة البيّنة - وخيرُ البشر ومَن أبى فقد كفر كما في رواية جابر الأنصاريّ فلا تجنح به عاطفة فيرثي كافراً وإن كان أباه - حاشا له - رثاء متوجّع ويمدحه بما هو فيه من خُلُق حميد وتفان في سبيل الرسالة والرسول! فإذا كذّبوا عليًّاعليهالسلام في شهادته، فقد باؤوا بغضب من الله، وهو الخسران المبين.
قالعليهالسلام يرثي أباهعليهالسلام :
أباطالب عصمة المستجير |
وغيث المحول ونور الظُّلَمْ |
|
لقد هدّ فقدُك أهل الحفاظ |
فصلّى عليك وليُّ النّعمْ |
|
ولقّاك ربُّك رضوانه |
فقد كنتَ للطهرِ خيرَ عمْ(٣) |
____________________
(١) التعظيم والمنّة، للسيوطي: ٢٥.
(٢) شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣١١.
(٣) تذكرة الخواصّ: ٦، ديوان أبي طالب: ٣٦.
وثيقة ناطقة من قرآن ناطق في حقّ أبي طالبعليهالسلام ، فأبو طالب ليس من جنس المفترين عليه ولا من جنس آبائهم؛ من استجار بأبي طالب فقد عُصم دمُه وذهب محِلُه كما كان عبد المطّلب، ومَن شَابَهَ أباه فما ظُلِم. وفقدُ أبي طالب ترك أثراً بالغاً في نفوس أهل النَّجْدة والمحامين عن رسول الله. وحاشا لوصيّ النبيّ ووليّ المؤمنين وباب علم الرسول وزوج البتول أن يقول طيشاً فيصلّي عليه والصلاة والسلام إنّما للنبيّ وللمعصوم من أئمّة أهل البيت ومن قبلهم الله بأحسن القبول، ويدعو بالرضوان لمن مات مشركاً! وإن كان ذا قربة.
واسمعه يذكر شجونه المتجدّدة وقد أرّقه فقد أبي طالب مأوى الصعاليك الذين توعّد بهم أبو طالب وجوه قريش، وتنبّأ أنّ المستقبل لهم ويسخر من فرح قريش! بموت أبي طالب، فإنّ الموت لاقيهم؛ وينطق عن لسان أبيه في نصرة النبيّ، فبنو هاشم دون النبيّ له فداء:
أرقتُ لطيرٍ آخر الليل غرّدا |
يذكّرني شجواً عظيماً مجدّدا |
|
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى |
جواداً إذا ما أصدر الأمر أوردا |
|
فأمست قريش يفرحون بموته |
ولستُ أرى حيّاً يكون مخلّدا |
|
أرادوا أموراً زيّنتها حلومهم |
ستوردهم يوماً من الغيِّ موردا |
|
يُرجُّون تكذيبَ النبيّ وقتْله |
وأن يفترى قِدماً عليه ويجحدا |
|
كذبتم وبيت الله حتّى نذيقكم |
صدور العوالي والحسام المهنَّدا |
|
فإمّا تُبيدونا وإمّا نُبيدكم |
وإمّا تروا سِلْمَ العشيرة أرشدا |
|
وإلّا فإنّ الحيَّ دون محمّد |
بني هاشم خير البريّة مَحتدا |
وأشعار أمير المؤمنين عليّعليهالسلام كثيرة في عُلوّ شأن أبي طالب وإسلامه.
وهذه شهادات أخرى لأهل البيت الطاهرعليهمالسلام ؛ إذ لم يُطهّر الله بيتاً غيره، فهم أدرى بما في البيت، وشهاداتُهم أوْلى أن يؤخذ بها لا شهادات أهل الشنآن!
عن سيّد شباب أهل الجنّة الإمام السبط الحسين بن عليّعليهماالسلام عن والده أمير المؤمنين أنّه كان جالساً في الرحبة والناس حوله فقام إليه رجلٌ فقال له: يا أميرالمؤمنين: إنّك بالمكان الّذي أنزلك الله وأبوك معذّب في النار! فقال له: (مَهْ فضّ الله فاك، والّذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً لو شفع أبي في كلّ مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله، أبي معذّبٌ في النار وابنُه قسيم الجنّة والنار!؟ والّذي بعث محمّداً بالحقّ إنّ نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلّا خمسة أنوار: نور محمّد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة، الا إنّ نوره من نورنا خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام)(١) .
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : (والله ما عبد أبي ولا جدّي عبد المطّلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قطُّ). قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال: (يصلّون إلى البيت الحرام على دين إبراهيمعليهالسلام متمسّكين به)(٢) .
الإمام زين العابدينعليهالسلام
ولزين العابدين السجّاد عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهمالسلام استدلال رائع في إيمان أبي طالب ذكره ابن أبي الحديد، قال: روي أنّ عليّ بن الحسينعليهالسلام سئل عن
____________________
(١) تفسير أبي الفتوح ٤: ٢١١، بحار الأنوار ٩: ١٥، تفسير البرهان ٣: ٧٩٤، كنز الفوائد، للكراجكي: ٨٠.
(٢) كمال الدين، للصدوق: ١٤٠، تفسير أبي الفتوح ٤: ٢١٠، تفسير البرهان ٣: ٧٩٥.
هذا - يعني عن إيمان أبي طالب - فقال: (واعجبا! إنّ الله تعالى نهى رسوله أن يقرَّ مسلمةً على نكاح كافر وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتّى مات)(١) .
الإمام محمّد الباقرعليهالسلام
ولولده الإمام محمّد الباقرعليهالسلام كلمة في ذلك. فقد سئلعليهالسلام عن إيمان أبي طالب فقال: (لو وضع إيمان أبي طالب في كفّة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفّة الأخرى لرجح إيمانه). ثمّ قال: (ألم تعلموا أنّ أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام كان يأمر أن يحجّ عن عبد الله وابنه وأبي طالب في حياته ثمّ أوصى في وصيّته بالحجّ عنهم؟)(٢)
هذه آيات بيّنات شعّ نورها من أئمّة أهل البيت الطاهرعليهمالسلام على ضفاف بحر أبي طالب اللُّجّيّ بالطهر والإيمان والجهاد؛ وقبلها سيّد الرسلصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ودُرَر نضيد أبي طالبعليهالسلام أمّا الناصبيّة الخوارج فلا يُلتفت إلى نعيقهم إلّا بقوله تعالى:( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ ) (٣) .
شهادة المأمون
للمأمون العباسي في إسلام أبي طالب قول ذكره ابن أبي الحديد، قال:
قالوا وقد اشتهر عن عبد الله المأمون أنّه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله:
نصرتُ الرسول رسول المليك |
بِبيضٍ تلألأ كلمعِ البروق |
____________________
(١) شرح ابن أبي الحديد ٣: ٣١٢.
(٢) نفس المصدر السابق: ٣١١.
(٣) آل عمران: ١١٩.
أذبُّ وأحمي رسول الإله |
حماية حامِ عليه شفيق |
|
وما إن أدبّ لأعدائه |
دبيب البكار حذار الفنيق |
|
ولكن أزير لهم سامياً |
كما زار ليثٌ بغيل مضيق |
المأمون عبّاسيّ، ولم تكن صحيفته نقيّة؛ قتل أخاه الأمين، وأولغ في الدماء من أجل تثبيت حكمه الزائل إذ هو عرَضٌ زائل في دنيا زائلة تذهب لذائذها، والحُكمُ من هذه؛ ويبقى كدرها وتبعاتها، وواحدة من أفعال المأمون عدوانه على الإمام عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام بعد أن بنى مُلكه باسمه وقسره على قبول ولاية العهد، فكسب أفئدة العامّة وجيّش الجيوش للقضاء على أخيه الأمين في بغداد وقد أضفى على حركته غطاءً من الشرعيّة بتقريبه الإمام الرضا، وضرب السكّة باسمه وحمل جنده والعامّة على خلع السواد - شعار بني العباس - وألزمهم بلباس الخضرة شعار العلويّين.
وقد عرف عن المأمون أنّه عالم وله مطارحات فكريّة مع علماء المذاهب العاميّة أفحمهم فيها وأثبت فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وتقدّمه على الآخرين في كلّ الميادين ومنها أحقيّته بالخلافة.
إلاّ أنّ الحُكم أفسد علمه وأصمّه عن الحقّ فكان منه الذي كان مع الإمام الرضاعليهالسلام ؛ مع ملاحظة أنّ الإمامعليهالسلام لم يكن يقود حركةً مناهضة ولا دخل له في أمور الحكم؛ إلّا انعطاف قلوب الأُمّة نحو الإمامعليهالسلام وأنّها كانت ترى فيه الخليفة الشرعيّ، اخاف المأمون فأقدم على جريمته. ولكن هذا لا يمنع أن ينطق ببعض الحقائق منها ما أوصله علمه على القسم بالله تعالى أنّ أبا طالبعليهالسلام كان مسلماً مستدلاًّ على ذلك بشعره في نصرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وليت النواصب الخوارج وقد رأوا جذورهم ضاربةً في غياهب الجاهليّة وعبادة الأصنام؛ سكتوا عن الخوض في إسلام أبي طالب،
لا إثباتاً ولا نفياً، كرامةً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّه عمّه وكافله وناصره والمجاهد بنفسه وولده ورهطه، ولم يكن منهم من ذلك أثر! حتّى إذا مات أبوطالب، نالت قريش من رسول الله واشتدّت وطأتهم حتّى أضطرصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الهجرة إلى (طيبة: المدينة المنوّرة) التي نكّل ابن هند بأهلها أنصار الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووبّخهم وأرسل البعوث غارة بعد أخرى موصياً قوّاده بإهانتهم وأخافتهم - على نحو ما ذكرنا في مبحث الغارات - وأوصى جروه الناقص بالإيقاع بهم، وحذّره من الإمام السبط سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهماالسلام ، لمعرفته بتهتّك يزيد، وأنّ الحسينعليهالسلام لن يقرّ على مفاسد تُعلن ويقتدي الناس بصاحبها.
أرادوا من تكفير أبي طالب سبّ عليّ والنيلَ منه؛ وسبّ عليّ هو سبٌّ للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عرفاً وشرعاً، ومن ثمَّ سبٌّ لله تعالى، ومن سبّ الله، كبّه على منخريه في جهنّم.
فعلى الأوّل لـما علمتَ من القرابة القريبة لأبي طالب من النبيّ وحياطته له مع ثبوت إيمانه وإسلامه، ولم يكن إسلامه من جنس من قدّم بين يدي الله والرسول! إنّما هو الجنديّ المطيع ورمز الفداء بولده عليّعليهالسلام الذي شرى نفسه لله فبات على فراش النبيّ ليلة هجرته، وموقفه هذا ترعد فرائص القوم لو أمر النبيّ أحدهم به، ولربّما قال له: أهجرت؛ تعرضني للموت، وقد أنزل الله تعالى بذلك بياناً. فحياة عليّ إنّما نأخذها من القرآن الكريم وأحاديث رسول الله.
وعلى الثاني: فلقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (من سبّ عليًّا سبّني...) وللأحاديث في أنّ حرب عليّ وأهل بيته حرب لله ولرسوله.
بسند عن يعقوب بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: كنت مع عبد الله بن العباس وسعيد بن جبير يقوده، فمرّ على ضفّة زمزم فإذا بقوم من
أهل الشأم يسبّون عليًّاعليهالسلام . فقال لسعيد: رُدّني إليهم، فوقف عليهم فقال: أيُّكم السّابُّ لله عزّوجلّ؟! قالوا: سبحان الله، ما فينا أحدٌ يسبُّ الله عزّ وجلّ! قال: فأيّكم السابُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ! قالوا: سبحان الله، ما فينا أحدٌ يسبّ رسول الله؛ قال: فأيُّكم السابُّ عليّ بن أبي طالب؟! قالوا: أمّا هذا فكان. قال: فأشهد على رسول الله، سمعته أذناي ووعاه قلبي يقول لعليّ بن أبي طالب: (يا عليّ! من سبّك فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله عزّ وجلّ، ومن سبّ الله عزّ وجلّ كبّه الله على منخريه في النار) ثمّ ولّى عنهم، ثمّ قال: يا بنيّ ماذا رأيتهم صنعوا؟ فقلت له: يا أبه:
نظروا إليك بأعين محمرّة |
نظر التّيوس إلى شفار الجازر |
فقال: زدني فداك أبوك! فقلت:
خزر العيون نواكس أبصارهم |
نظر الذليل إلى العزيز القاهر |
قال: زدني فداك أبوك! قلت: ليس عندي مزيد، فقال: ولكن عندي فداك أبوك:
أحياؤهم عار على أمواتهم |
والميّتون مسبّة للغابر(١) |
وذكر العبديّ(٢) الحادثة ضمن قصيدة له تعرب عن ولائه وعقيدته في أهل البيتعليهمالسلام:
وقد روى عكرمة في خبر |
ما شكّ فيه أحد ولا امترى |
|
مرّ ابن عبّاس على قوم وقد |
سبّوا عليًّا، فاستراع وبكى |
|
وقال مغتاظاً لهم: أيّكم |
سبّ إله الخلق جلّ وعلا؟! |
____________________
(١) نثر الدّر، للآبي ١: ٤١٢ - ٤١٣، مناقب الإمام، عليّ لابن المغازليّ: ٣٩٤ - ٣٩٥ حديث ٤٤٨، كفاية الطالب: ٨٢ - ٨٣ (الباب العاشر في كفر من سبّ عليًّا)، نور الأبصار: ٢٢٠.
(٢) في رجال البرقي: ٤١ (أصحاب الصادقعليهالسلام ): سفيان بن مصعب الشاعر العبدي من أهل همدان. وممّا يشير إلى حسن حاله وساتقامة طريقته ما رواه الكشّيّ في رجاله: ٢٤٥ بإسناده عن سماعة قال: قال الصادق: (يا معشر الشيعة علّموا أولادكم شعر العبدي فإنّه على دين الله).
قالوا: معاذ الله! قال: أيّكم |
سبّ رسول الله ظلماً واجترا؟! |
|
قالوا: معاذا الله! قال: أيّكم |
سبّ عليًّا خير من وطئ الحصا؟! |
|
قالوا: نعم قد كان ذا! فقال: قد |
سمعت والله النبيّ المجتبى |
|
يقول: من سبّ عليًّا سبّني |
وسبّتي سبّ الإله، واكتفى |
وعن أبي عبد الله الجدليّ، قال: دخلت على أمّ سلمة فقالت: يا أبا عبد الله، أيسبّ رسول الله فيكم وأنتم أحياء؟! قلت: معاذ الله! قالت: أليس يسبّون عليًّا ومن أحبّه؟! قلت: بلى(١) .
والأحاديث والروايات في سلم وحرب عليّ وأهل بيتهعليهمالسلام، ومحبّتهم وبغضهم، والثواب والعقاب على ذلك، وكفر الناصبيّ غريزة نأتي عليها في محلّها.
ونختم حديثنا عن أبي الشهداء مؤمن قريش، حصن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أبي طالبعليهالسلام ، بشعر ذكره السيّد زيني دحلان في أسنى المطالب قال: ولله درّ القائل:
قفا بمطلع سعد عزّ ناديه |
وأمليا شرح شوقي في مغانيه |
|
واستقبلا مطلع الأنوار في افق |
الحجون واحترسا أن تبهرا فيه |
|
مضى به وابل الرضوان منهمرٌ |
ونائرات الهدى دلّت مناديه |
|
قفا فذا بلبل الأفراح من طرب |
يروي بديع المعاني في أماليه |
|
واستمليا لأحاديث العجائب عن |
بحر هناك بديع في معانيه |
|
حامي الذمار مجير الجار من كرمت |
منه السجايا فلم يفخر مباريه |
____________________
(١) أنساب الأشراف ٢: ١٨٢، المعجم الصغير، للطبراني ٢: ٢١، كنز العمّال ١٥: ١٢٨، تاريخ دمشق ٢: ١٧١ / ٦٦٤.
عم النبي الذي لم يثنه حسد |
عن نصره فتغالى في مراضيه |
|
هو الذي لم يزل حصنا لحضرته |
موفقا لرسول الله يحيمه |
|
وكل خير ترجاه النبي له |
وهو الذي قطُّ ما خابت أمايه |
|
فيا من أمّ العلا في الخالدات غدا |
أغث للهفانه واسعف مناديه |
|
قد خصّك الله بالمختار تكلؤه |
وتستعزّ به فخراً وتطريه |
|
عنيت بالحبّ في طه ففزت به |
ومن ينل حبّ طه فهو يكفيه |
|
كم شمت آيات صدق يستضاء بها |
وتملأ القلب إيماناً وترويه |
|
من الذي فاز في الماضين أجمعهم |
بمثل ما فزت من طه وباريه؟ |
|
كفلت خير الوري في يتمه شغفا |
وبت بالروح والأبناء تفديه |
|
عضته حين عادته عشيرته |
وكنت حائطه من بغي شانيه |
|
غن الذي أنت قد أحببت طلعته |
حبيب من كلّ شيء في أياديه |
|
لله درك من قناص فرصته! |
مذ شمت برق الأماني من نواحيه |
|
يهنيك فوزك أن قدمت منك يداً |
غلى ملي وفي في جوازيه |
|
من يسد أحسن معروف لأحسن من |
جازى ينل فوق ما نالت أمانيه |
|
ومن سعى لسعيد في مطالبه |
فهو الحري بأن تحظى أماليه |
|
فيا سعيد المساعي في متاجره |
قد جئت ربعك أستهمي غواديه |
|
مستمطراً منك مزن الخير معترفاً |
بأنّ غرس المنى يعنى بصافيه(١) |
____________________
(١) أسنى المطالب: ٤٣.
ومع السيّد زيني دحلان نقول: لله درّ القائل -رحمهالله -؛ في حقّ سيّدنا المجاهد العظيم أبي طالبعليهالسلام ؛ فأنصفه! ولكنّ الملأ من الأوائل، والذين هم أراذل بادي الرأي، عمّيت عليهم:( أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) (١) .
وقال - زيني دحلان - وقيل أيضاً:
إنّ القلوب لتبكي حين تسمع ما |
أبدى أبوطالب في حقّ من عظما |
|
فإن يكن أجمع الأعلام إنّ له |
ناراً فلله كل الكون يفعل ما(٢) |
|
أما إذا اختلفوا فالرأي أن تردا |
موارداً يرتضيها عقل من سلما |
|
تتابع المثبتي الإيمان من زمر |
في معظم الدين تابعناهم فكما(٣) |
|
وهم عدول خيار في مقاصدهم |
فلا نقل: إنّهم لن يبلغوا عظما |
|
لا تزدريهم أتدري من همو فهمو |
همو عرى الدين قد أضحوا به زعما |
|
هم السيوطيّ والسّبكيّ مع نفر |
كعدّة النّبا حفّاظ أهل حما |
|
وأهل كشف وشعرانيّهم وكذا |
القرطبيّ والسحيميّ الجميع كما(٤) (٥) |
وقبل هؤلاء؛ ذكرنا شهادات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي من ردّ شهادته وكذّبه فقد ردّ على الله تعالى وكذّبه وإن جلس على منبر المسلمين وحكمهم بالقسر والطغيان.
وشهادة ولده سادة المسلمين وسادة شباب أهل الجنّة: عليّ بن أبي طالب وولداه: الحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، وهم الذين ضمّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفاطمة سيّدة نساء العالمين، إلى نفسه الزكيّة تحت الكساء اليمانيّ ودعا الله تعالى أن يعصمهم كما
____________________
(١) هود: ٢٨.
(٢) أي يفعل ما يشاء.
(٣) أي كما تابعناهم في معظم الدين نتابعهم في هذا.
(٤) أي كما ترى في الوثاقة.
(٥) نفس المصدر السابق: ٤٤.
عصمه، ولم يسمح لأحد أن يدخل معهم تحت الكساء إلّا لجبرئيلعليهالسلام لأنّه من جنسهم في الطهارة والعصمة. فإذا قال واحد منهم شيئاً في شأن أحد، كانت شهادةً صادقة إلى يوم المحشر؛ وقد شهد اصحاب الكساءعليهمالسلام بإسلام أبي طالبعليهالسلام وعلو شأنه؛ وشهد له أئمة أهل البيتعليهمالسلام من ولد الحسين بن علي؛ ودع عنك الخوارج الواصب الذي جعلوا النيل من علي بن أبي طالب وسيلة للنيل من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم !
بسند عن عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال: (حسبي حسب النبيعليهالسلام ، وديني دين النبيّ، ومن نال منّي شيئاً فإنّما يناله من النبيّ)(١) .
وإن تعجب، فعجبك أكبر حين تجد القوم يؤذون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ثلب والديه ويصرّون على أنّهما ماتا مشركين، وقد اعتلوا المنابر باسمه الشريف، وصار لهم شأن بعد إذ لم يكونوا شيئاً مذكوراً! ومنهم مَن حطّ به نسَبُه وقعدت به سيرته، لا يعرفون إلّا بالأمّهات واقبح الأفعال! ما رُبُّوا في خير ولا رَبَّوا أبناءَهم على خير. وإذا كبُر على الأبناء ومَن سلّطهم ومهّد لهم وكتّابهم المرتزقة أن يقرّوا بإسلام أبي طالبعليهالسلام ؛ ثمّ عدَوا على رسلو اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكفّروا أبويه؛ حسداً من عند أنفسهم، والله مجازيهم بما كسبت أبويهم. ورغم أنف مَن رغم! روى ابن سعد قال:
أخبرنا الضحّاك بن مخلد الشيباني(٢) عن شبيب بن بِشر(٣) عن عكرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى:( وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ ) (٤) . قال: من نبيّ إلى نبيّ، ومن نبيّ إلى نبيّ
____________________
(١) ترجمة الإمام عليّ من تاريخ دمشق ٣: ٢٩٤ حديث ١٣٢٣، أمالي الصدوق: ١٩٧، أمالي المفيد: ٦٠ حديث ٣، كنز العمّال ١٥: ٤١٨ باب فضائل عليّعليهالسلام.
(٢) بصريّ، ثقة. وكان له فقه، كثير الحديث. تاريخ العجلي: ٢٣١ / ٧١١. قال أبو حاتم: صدوق (الجرح والتعديل: ٤ / الترجمة ٢٠٤٢). قال ابن معين: ثقة. تاريخه، الترجمة ٤٤٤. ترجمة في جميع كتب الرجال، وما ذكروه إلّا بخير. انظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٣: ٢٨١ / ٢٩٢٧.
(٣) قال يحيى بن معين: ثقة. تاريخه ٢: ٢٤٨. ترجمته في تهذيب الكمال ١٢: ٣٥٩ / ٢٦٨٩.
(٤) الشعراء: ٢١٩.
حتّى أخرجك نبيّاً(١) .
ذريّة بعضُها من بعض؛ شجرة طيّبة مباركة، أنبتها الله تعالى وهو خيرُ الخالقين؛ أوّلها نبيّ، يتلوه نبيّ، وهكذا حتّى انتهت بنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ليس فيها تيميّ ولا عَديّ ولا مخزوميّ ولا عبيدٌ: عوّامي، أو أُمويّ.
فنحن وتفسير ابن عبّاس: هل أخطأت النبوّة في مسيرتها عبد الله والد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! فمن وراء ذلك، المنبئ سبحانه، أم النبيّ عبد الله؟ وإن لم يكن الأمر غير قول ابن عبّاس؛ فهلّا كان عبد الله موحّداً على نهج ودين أبيه عبد المطّلب فتكون صورة خاتم الرُّسُل أكثر إشراقاً لا تمتدّ يد آثمة بإصبع إتّهام، فهو نبيّ متحدّر من صُلْب زكيّ إلى رحم طاهر!
في تفسير الطبرسيّ للآية المباركة: (أي وتقلّبك في أصلاب الموحّدين حتّى أخرجك نبيّاً من نكاح غير سفاح من لدن آدمعليهالسلام) (٢) .
وعلى المعنى الثاني: فإنّ محمّداً النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بن عبد الله بن عبد المطّلبعليهمالسلام ، لم يكن في آبائه من لَدُن آدمعليهالسلام وانتهاءً بأبيه عبدالله مشرك؛ وكما عفّ آباؤه فلم يباشروا السفاح وهو الزنى، فكذلك حالُ أمّهاته؛ فلم يُصبهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيء من آثام الجاهليّة.
( إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدّ لَهُمْ عَذَاباً مّهِيناً ) (٣) .
ابن سعد قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ عن أبيه قال: كتبت للنبيّ، عليه الصلاة والسلام، خمسمائة أمّ فما وجدت فيهنّ سفاحاً ولا شيئاً ممّا كان من أمر
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٢٥.
(٢) مختصر مجمع البيان، للطبرسيّ ٢: ٤٦٦.
(٣) الأحزاب: ٥٧.
الجاهليّة(١) .
أنس بن عياض أبو ضَمْرة اللَّيثي عن جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ بن الحسين أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ٠ إنّما خرجتُ من نكاحٍ ولم أخرجْ من سِفاحٍ من لَدُن آدمَ لم يُصِبْني من سِفاحِ أهل الجاهليّة شيءٌ، لم أخرُجْ إلّا من طُهْرِهِ)(٢) .
والروايات في هذا المعنى عديدة.
ولقد شهدت جزيرة العرب قبل البعثة النبويّة الشريفة: الحنيفيّة وهم مَن كان على بقايا ديانة إبراهيم الخليلعليهالسلام موحّدين يرفضون الشرك بالله وعبادة الأصنام والأكل ممّا ذُبح على النُّصُب، يحجّون البيت الحرام ويعرفون حُرْمته وإذا ألمّت بهم مُلمّة جمعوا الأقربين ولاذوا بالبيت الحرام وتجمهروا ما بين الرّكن والمقام يباهلون الخصوم أن يجعل الله تعالى، اللعنة على الكاذبين والعادين؛ لهم الرّفادة والسِّقاية؛ فيطعمون الحاج ويسقونه حتّى إذا حبا الله عبد المطلب زمزمَ، وأنبأه بمكانه؛ وهو من آثار إسماعيل النبيّعليهالسلام، وقد طوى فعفا أثره، استخرجه عبد المطّلب ذو الكرامات النبويّة وقد ذكرنا بعضها فكانت خاصّةً به وبولده، ولو كانت مشتركةً لعدى عليها بنو فلان وغيرهم فأفسدوها ولعلّ الله تعالى يغوّرها عليهم عندئذ فتُطوى! وإذا فاتت الشهادة عبد اللهعليهالسلام ، فكفاه فخراً أنّ نور النبوّة الذي كان في جبينه قد تحوّل إلى ابنه سيّد ولد آدمعليهالسلام وخاتم الأنبياء والرّسلصلىاللهعليهوآلهوسلم :
من طرق عدّة: لـمّا خطب عبد المطّلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة لابنه عبد الله، فأُجيب إلى تزويجه إيّاها؛ فمرّ عبد الله بامرأة كانت من أجمل الناس وأشَبّه
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٦٠.
(٢) نفس المصدر السابق: ٦١.
وأعفّه، وكانت قد قرأت الكتب فرأت نور النبوّة في وجه عبد الله فقالت: هل لك أن تقع عليّ وأعطيك مائة من الإبل؟ فقال عبد الله:
أمّا الحَرامُ فالمماتُ دونَه |
والحِلّ لا حِلّ فأسْتَبِينَه |
فكيف بالأمر الذي تَنْوينَه؟
ثمّ مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب، فكان معها، وحلمت آمنة في أيّامها الثلاثة. فكانت تلك المرأة تقول: إنّي والله لست بصاحبة ريبة، ولكنّي رأيت نور النبوّة في وجه عبد الله فأردت أن يكون ذلك فيَّ وأبى الله إلّا أن يجعله حيث جعله(١) .
المرأة ممّن قرأت الكتب، أي كتب الديانات القديمة، وعرفت منها صفات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وصفات أبيه، فلما رأت عبد اللهعليهالسلام رأت ضياء النبوة في جبهته؛ وفي روايات ضياء يسطع إلى السماء، فدعته إلى نفسها وجعلت له مقابل ذلك مائة من الإبل؛ إلّا أنّ عبد الله لم تغره المرأة وجمالها وإبلها، وأسمعها أنّ الحرام ليس من شيمته وإن تعرّض للمات إن لم يفعله! ألا يتّفق سلوك عبد الله هذا مع تقلّب ابنه في الساجدين؛ من نبيّ إلى نبيّ حتّآ أخرجه الله تعالى من صلب آخر نبيّ وهو عبد الله؟ أو التفسير الثاني: في أصلاب الموحّدين وآخرهم الموحّد عبد الله؟! أو تقلّبك في أصلاب الموحّدين من نكاح غير سفاح؛ وذلك أضعف الإيمان في إسلام عبد الله ونقاء آمنة، ليخرج محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّاً زكيّاً لا عيب فيه؟ وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي يفتخر بأبيه والانتساب إليه وإلى جدّه عبد المطّلب في قوله يوم حنين: (وأنا ابن عبد المطّلب)، وبافتخاره بأمّهاته في قوله: (أنا ابن الفواطم والعواتك) فهل مثل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من ينتمي إلى مشركين ويفخر بذلك؟! وقد أحصى له ابن الكلبيّ خمسمائة أمّ فما وجد فيهنّ سفاحاً
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٩٦ - ٩٧، أنساب الأشراف ١: ٨٨. ذ
ولا شيئاً ممّا كان من أمر الجاهليّة. وآمنة انتهت إليها أنوار النبوّة، فكانت الرحم الذي حمله، فماذا وجدت آمنة رضي الله عنها، من هذا الحمل؟
الحمل المبارك وتكليم آمنة
لما حملت آمنة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كانت تقول: ما شعرت أنّي حملت به، ولا وجدت له ثقلةً كما تجد النساء. وأتاني آت وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنّك حملت؟ فكأنّي أقول: ما أدري، فقال: إنّك قد حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها. ثمّ أمهلني حتّى إذا دنا ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال: إذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد الصّمد من شرّ كلّ حاسد، ثمّ سميّه محمّداً؛ وفي قول: أحمد وكانت تقول: لقد علقت به فما وجدت له مشقّة حتّى وضعته. فلمّا فصل منّي خرج معه نور أضاء ما بين المشرق إلى المغرب، ثمّ وقع على الأرض معتمداً على يديه ثمّ أخذ قبضةً من تراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء، وقال بعضهم: وقع جاثياً على ركبتيه رافعاً رأسه إلى السماء وخرج معه نور أضاءت له قصور الشأم وأسواقها، حتّى رايت أعناق الإبل ببصرى(١) .
وبسند عن حسّان بن عطيّة، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لـمـّا ولد وقع على كفّيه وركبتيه شاخصاً بصره إلى السماء(٢) .
عكرمة عن ابن عبّاس عن أبيه العبّاس بن عبد المطّلب قال: ولد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مختوناً مسروراً؛ قال: وأعجب ذلك عبد المطّلب وحظي عنده، وقال: ليكوننّ لابني هذا شأن! فكان له شأن(٣) .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ١٠٢ - ١٠٣، أنساب الأشراف ١: ٨٩، السيرة النبوية، لابن هشام ١: ١٦٦.
(٢) طبقات ابن سعد ١: ١٠٣.
(٣) نفس المصدر السابق.
ولمّا ولدت آمنة رضي الله عنها، رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أرسلت إلى عبد المطّلب، فجاءه البشير وهو جالس في الحجر معه ولده ورجال من قومه، فأخبره أنّ آمنة ولدت غلاماً، فسرّ ذلك عبد المطّلب وقام هو ومن كان معه فدخل عليها، فأخبرته بكلّ ما رأت وما قيل لها وما أمرت به وبسهولة حمله وولادته؛ فأخذه عبد المطّلب فأدخله الكعبة وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه(١) .
قال محمّد بن عمر الأسلمي: وأخبرت أنّ عبد المطّلب قال يومئذ:
الحمد لله الذي أعطاني |
هذا الغلام الطّيّب الأردان |
|
قد ساد في المهد على الغلمان |
أعيذه بالله ذي الأركان |
|
حتّى أراه بالغ البنيان |
أعيذه من شرّ ذي شنآن(٢) |
من حاسد مضطرب العنان(٣)
لنا ملاحظتان فيما تقدّم:
نبدأ بعبد المطّلب وقد تكلّمنا عنه غير قليل، ولكنّ الحديث هنا مشترك بينه وبين أم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
إنّ عبد المطّلب لـمّا جاءه البشير بولادة حفيده، كان في مجلسه المألوف (الحجر) معه ولده ورجال من قومه، فهو بعيد عن مجالس اللّهو والخمر والفواحش التي ألفها غيره، فكان طاهراً من آثام قريش وغير قريش.
ولمّا رآه مختوناً مسروراً، أعجبه ذلك وحظي عنده وقال: (ليكوننّ لابني هذا
____________________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) في أنساب الأشراف: أعيذه بالبيت ذي الأركان = من كلّ ذي بغي وذي شنآن
(٣) طبقات ابن سعد ١: ١٠٣، أنساب الأشراف ١: ٨٩.
شأن). إنّ قول عبد المطّلب هذا لا يأتي عن فراغ! وإلاّ فهو حديث عهد بالولادة، فكيف علم أن سيكون له شأن؟! ذلك أنّه رآه مختوناً مسروراً، وهكذا يولد الأنبياءعليهمالسلام . ولـمّا أخبرته آمنة بما رأت وما قيل لها وما أمرت به، أخذه عبد المطّلب ولم يذهب به إلى هبل، ولا اساف ونائلة! فهو يكفر بأرباب الأقوام ويوحّد الله تعالى ويعبده؛ ولذا أدخل حفيده الكعبة إرث الأنبياء آباءه، لاعتقاده أنّها مباركة وأطهر بقعة يستجاب فيها الدعاء، فقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه؛ ويعيذ حفيده بالله تعالى، من شرّ أهل الشنآن والحسد؛ فقد توسّم السيادة في حفيده؛ فكيف علم عبد المطّلب أنّ ابنه ليكوننّ، بالتوكيد مرّتين بحرف اللاّم، ونون التوكيد المشدّدة؛ له شأن! وأنّه سيّد المستقبل الذي لم يحن وقته، وهذا توكيد آخر! رجم بالغيب، أم إلهام، أم وحي، فهوعليهالسلام أحد الأصلاب الشامخة التي تقلّب فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من لدن آدمعليهالسلام وحملته الأرحام المطهّرة حتّى انتهى أمره إلى صلب عبد الله ورحم آمنةعليهماالسلام !! وقد ذكرنا من كرامات عبد المطّلب نبع الماء له في الصحراء القاحلة مرّتين بعد أن شحّ عليه القوم من قريش وأخرى من ثقيف فلم يسقوه وقومه قطرة ماء حتّى كاد يهلك ومن معه عطشاً، فدعا ربّه فسقاه عيناً عذباً، سقي وقومه ولم يصنع صنيع قريش ولا ثقيف! إنّما دعاهم فشربوا وسقوا. وخصّه الله تعالى وبنيه بزمزم وجاءه الهاتف ثلاث مرّات بذلك حتّى استنبطه وجعله للحجيج يحمل الماء منه مع ابنه إلى رؤوس الجبال فيسقون الحجيج. وهو الفيض الذي هتف بصفاته ليستسقي للناس بعد أن أشرفوا على الهلاك من القحط وحبس السماء، فبه وبرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، سقوا. يصوم رمضان ويطعم الجياع ويعتكف الشهر كلّه في غار حراء ولم يشنه ما ينقص الرجال، حامي الجار، وفيّ الذمار، أبيّ الضّيم يرفض الظّلم، متألّه.
الملاحظة الثانية في أخبار آمنةرضياللهعنها :
فهي آمنة من الفزع الاكبر، فهي آخر الخمسمائة من النساء اللاتي أحصاهنّ ابن الكلبيّ من أمّهات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يجد فيهنّ سفاحاً ولا شيئاً من أمر الجاهليّة.
آمنة انتهت إليها غرّة النّبوّة ونورها فحملت برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا أنّها ما شعرت أنّها حامل! ولا وجدت ثقلةً كما تجد النساء، فلماذا هذه العناية الإلهيّة بآمنة، هل هي كرامة لرسول الله، فهو نبيّ، وأمّه بزعمهم مشركةٌ - معذرةً إليك سيّدي يا رسول الله، فهذا ليس من قولنا، إنّما شانؤوك أصحاب القول - يصيبها ما يصيب النساء عند الحمل، والولادة؛ فهلّا تيقّظت لأمرها فآمنت بالله ولو بعد الولادة، فلا تموت مشركة؟!
ويعترضنا أمر: أنّها كانت محدّثة؛ أتاها يت فقال لها هل شعرت أنّك حملت؟ فقلّما قالت: ما أدري، فقال لها: إنّك حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها! فهلّا حفّزها هذا على استبيان حالها، والسؤال: من هذا الذي يكلّمني ويبشّرني أنّي حامل بسيّد الأمّة ونبيّها؟ فكيف تجمع بين الشرك بالله تعالى، وحملها لنبيّ الله!
لنقل إنّها كانت في ريبة من كلّ ذلك! ولكنّ محدّثها عاد إليها بعد حين حيث اقتربت ولادتها فقال لها ما قال في تعويذها لمولودها القادم، بالواحد الصّمد؛ وهذه ليست من لغة أهل الجاهليّة والمشركين فهلّا تنبّهت فخلعت لباس الشرك وآمنت بالواحد الصّمد. وهو يأمرها بتسميته محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكما لم تجد مشقّة حمل، كذلك لم تجد مشقّة وضع، فإذا وضعته مختوناً مسروراً وهو أمر غير مألوف ولا مسبوق! وقد خرج معه نور أضاء لها المشرق والمغرب وولد نظيفاً! ألا تسأل آمنة نفسها: من هذا الذي يرعى وليدها ويحوطه برعايته ويتكفّله حتّى أنّها لا تدري انّها حامل، ويخرجه نظيفاً
مختوناً مسروراً ساجداً لله تعالى شاخصاً ببصره إلى العلياء، حاملاً اسمه معه، فهو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتسمع جدّه الوحّد يقول: ليكوننّ لابني هذا شأن، وهو ما زال في يومه الأوّل؛ فكان له شأن والله عظيم، أقظّ مضاجع أهل الشنآن، فمنهم من حاربه، ومنهم من أساء الصّحبة فآذوه في حياته؛ ونبزوه بعد مماته في امّه وأبيه رضوان الله عليهما، وخالفوا الوصيّة وحرّقوا البيت على سيّد العرب والمسلمين أخيه وسيّدة النساء ابنته وسادة أهل الجنّة سبطيه، وما زال الخلف يتبع أثر السّلف في الإساءة إلى رسول الله في والديه وذريّته وشيعة أهل بيته، فلم تنقطع قوافل الشهداء حتّى يبعث الله قائم آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وحينها يخسر المبطلون، ولعذاب الآخرة أشدّ على من آذى رسول الله في والديه وعترته أهل بيته وشيعتهم.
إسلام مضر
شجرة طيّبة وذريّة بعضها من بعض، والله يجتبي لدينه من يشاء. ولا يسع البحث، إذ جرّنا الكلام عن إسلام والدي النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعمّه المجاهد أبي طالب، وجدّه الأوّل عبد المطّلب المتألّه المخصوص بالنبوّة والخلافة في بنيه.
بسند عن المسور بن مخرمة قال: كان عبد المطّلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير؛ فنزل عليه مرّة فوجد عنده رجلاً من أهل اليمن قد أمهل له في العمر، وقد قرأ الكتب، فجعل يتأمّل في وجه عبد المطّلب، فقال: أرى نبوّة وأرى ملكاً وأرى أحدهما في بني زهرة؛ فرجع عبد المطّلب فتزوّج هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وزوّج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجعل الله في بني عبد المطّلب النبوّة والخلافة، والله أعلم حيث وضع ذلك(١) .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٨٦.
مضر: مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ نصّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على إسلامه ونهى عن سبّه. ومضر هو الجدّ السابع عشر للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولو أدرك مضر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لآمن به وناصره مثل أبي طالب؛ فهو من الأصلاب الشامخة التي انحدر منها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
بسند عن عبيد الله بن خالد(١) ، أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (لا تسبّوا مضر، فإنّه كان مسلماً)(٢) .
وعن الحسن - البصريّ - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لا تسبّوا مضر وربيعة، فإنّهما قد أسلما)(٣) .
وربيعة شقيق مضر ابنا نزار بن معدّ بن عدنان.
منزلة مضر وولده
ذكر ابن حبيب في كتابه (المنمّق): قال الكلبي في أسانيده:
(فضّل الله مضر بن نزار على سائر العرب لأنّهم كانوا أعلمهم بسنّة إبراهيم صلّى الله عليه وعلى محمّد وآله وألزمهم لمناسكه، وفضّل الله بني هاشم على قريش لأنّهم كانوا أوصلهم وأكفّهم عن الآثام، وفضّل الله بني عبد المطّلب على سائر بني هاشم بولادة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفضّل الله محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم على سائر بني عبد المطّلب لأنّه كان خيرهم وأبرّهم وأصدقهم وأوصلهمصلىاللهعليهوآلهوسلم (٤) .
____________________
(١) في طبقات ابن سعد: عبد الله بن خالد.
(٢) أنساب الأشراف ١: ٣٧. وفي طبقات ابن سعد ١: ٥٨ (فإنّه كان قد أسلم). وانظر كنز العمّال، الحديث ٣٣٩٨٧.
(٣) أنساب الأشراف ١: ٣٧، كنز العمّال، حديث ٣٤١١٩.
(٤) المنمّق، لابن حبيب (ت ٢٤٥ هـ): ٤.
فما يقول الناصبة الخوارج، أليس محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو حفيد مضر من علوّ، وهو ينهى عن سبّه وسبّ أخيه ربيعة لأنّهما مسلمان، وقد فضّلهم الله على سائر العرب لأنّهم أعلم بسنّة إبراهيم وألزمهم بمناسكه، وإبراهيمعليهالسلام مسلماً حنيفاً منقطعاً إلى الله تعالى وما كان من المشركين؟
وهكذا هاشم، وعبد المطلب وبنوه، ومن بني عبد المطّلب: محمّد رسول الله؛ درّة بني عبد المطّلب وإليه منتهى الفخر.
فتعلّل المرضى! أنّ أبا طالب مع سيرته البيضاء المليئة بالكفاح والجهاد والمجاهرة بالإسلام؛ يقولون مات مشركاً وقصارى قوله: إنّه على دين عبد المطّلب؛ وعبد المطّلب دينه الإسلام، فما الذي يمنع أبا طالب أن يموت مسلماً وقد عاش ومات مسلماً! وأليس عبد الله هو ابن عبد المطّلب، فهلّا مات على ما مات عليه شقيقه أبو طالب وهو دين عبد المطّلب - بزعمهم!؟ ـ
انتساب النبيّ إلى مضر
عن يحيى بن جابر، وكان أدرك بعض أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: جاءت بنو فهيرة إلى رسول الله، قال: فقالوا: إنّك منّا، فقال: (إنّ جبرئيل ليخبرني أنّي رجل من مضر)(١) .
كم هو عظيم مضر! حتّى يخبر جبريلعليهالسلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه من مضر؛ ولعلّه عميت على الخوارج الناصبة فلم يكفّروا مضر كما كفّروا والدي وعمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
الصريحان من ولد إسماعيل: قال البلاذريّ: قالوا: وكان يقال لمضر، وربيعة (الصريحان) من ولد إسماعيل(٢) .
____________________
(١) طبقات ابن سعد ١: ٢٢.
(٢) أنساب الأشراف ١: ٣٠.
خيرة الله
قال محمّد بن سلاّم الجمحيّ(١) في اسانيده: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: (إنّ الله عزّ وجلّ اختار من الناس العرب، ثمّ اختار من العرب مضر، ثمّ اختار من مضر كنانة، ثمّ اختار من كنانة قريشاً، ثمّ اختار من قريش بني هاشم، ثمّ اختارني ممّن أنا منه)(٢) .
ذكر رسول الله نسبه شعباً، وقبيلة، وعشيرة، وبطناً؛ وانتهى إلى أبيه فلم ينتف منه ولو كان كافرا لوضع رحله عند هاشم ذروة السّنام، إلّا أنّه أكّد على اختيار الله تعالى لهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عبد اللهرضياللهعنه ؛ ولو كان عبد الله كما قال عنه الخوارج الناصبة لاختار الله أباً مسلماً على ملّة إبراهيمعليهالسلام!
وما من أب من آبائهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا وكان سيّداً مطاعا يشارك السلسلة الذهبيّة في مكارمها وعلى رأس ذلك التوحيد والإسلام، ويعرف بخصوصيّة يذكر بها، فهذا (عدنان) الجدّ العشرون لهصلىاللهعليهوآلهوسلم قيل عنه: إنّه أوّل من كسا الكعبة، كساها أنطاع الأدم(٣) .
ولابنه معدّ شأن ونسبه محفوظ فهو: معدّ بن عدنان بن أدد بن زيد... بن إسماعيل ابن إبراهيم(٤) .
وفي خبر طويل:... وأنّه معروف عند أحبار أهل الكتاب وعلمائهم، مثبت في أسفارهم(٥) .
____________________
(١) المتوفّى سنة ٢٣١ هـ له طبقات فحول الشعراء وغيره. روى عنه عبد الله بن سلاّم في النسب، ترجمته في معجم الأدباء، لياقوت الحموي ١٨: ٢٠٤.
(٢) المنمّق: ٤.
(٣) أنساب الأشراف ١: ٢٠.
(٤) نفس المصدر: ٥٧، طبقات ابن سعد ١: ١٧، نسب قريش: ٣ - ٤، وانظر المحبّر، لابن حبيب، والنسب، لابن سلاّم.
(٥) طبقات ابن سعد ١: ٥٧.
كعب بن لؤيّ: كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر (وإليه جماع قريش). (كان عظيم القدر في العرب. فأرّخوا بموته إعظاماً له، إلى أن كان عام الفيل فأرّخوا به. ثمّ أرّخوا بموت عبد المطّلب. وكان كعب يخطب الناس في أيّام الحجّ فيقول: أيّها الناس افهموا واسمعوا وتعلموا أنّه ليل ساج، ونهار ضاح، وإنّ السماء بناء، والأرض مهاد، والنجوم لم تخلق عبثاً، فتضربوا عنها صفحاً. الآخرون كالأوّلين. والدار أمامكم، واليقين غير ظنّكم. صلوا أرحامكم، واحفظوا أصهاركم، وأوفوا بعهدكم. وثمروا أموالكم، فإنّها قوام مروّاتكم، ولا تصونوها عمّا يجب عليكم. وأعظموا هذا الحرم وتمسّكوا به فسيكون له نبأ، ويبعث منه خاتم الأنبياء. بذلك جاء موسى وعيسى). ثمّ ينشد:
على فترة يأتي نبيّ مهيمن |
يخبر أخباراً عليماً خبيرها(١) |
كعب هو الجدّ السابع لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ليس في بطون ولا أفخاذ الناصبة الخوارج؛ فضلاً عمّن جاش بهم البحر، أو من تقطّعت به السّبل! فهو ينسب إلى أربع وإلى ستّ.
من تمتدّ عنقه إلى كعب! فهو عظيم العرب، لم يذهب قدره بموته إنّما صار موته تأريخاً مثل عام الفيل وموت عبد المطّلب.
وكعب؛ وهو يخطب الناس في أيّام الحجّ، فهو صاحب رسالة!
أوّلاً: اختياره للموسم حيث يجتمع الناس من أصقاع مختلفة وفي رحاب الله تعالى؛ فهو اختيارٌ موفّق.
وثانياً: كلامه إنشائيّاً يحاكي أسلوب القرآن الكريم، ومضامينه ممّا جاء به الإسلام. فقوله: (وإنّ السماء بناء، والأرض مهاد، والنجوم أعلام) جاء نظائرها في القرآن الكريم؛ وتعقيبه بقوله: (لم تخلق عبثاً...) تذكير لهم بآيات الله، وأنّها خلقت بحكمة
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٤٧ - ٤٨.
وعليهم أن يتدبّروا فيها. وهو مؤمنٌ بالآخرة؛ فالأوّلون والآخرون مجموعون لدار اليقين. ثمّ يذكر لهم بعض ما في الإسلام من مبادى، من صلة الرحم، وحسن انتقاء الأصهار، والوفاء بالعهد. ويحثّهم على حفظ حرمة البيت الذي هتك حرمته خوارج الأمويّين وابن الزبير. ويتنبّأ لهم أنّ الحرم هذا له (نبأ؟!) قادم؛ فمنه يبعث خاتم الأنبياء ويعلمهم أنّ ما يقوله لهم قد جاء به موسى وعيسىصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو مؤمنٌ ببعثة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبينه وبين النبيّ سبعة آباء، فكم هي المدّة الزمنيّة الفاصلة بينهما إذن؟!
ثمّ يذكر في شعر أنّ هذا النبيّ يأتي على فترة؛ نظير قوله تعالى: (على فترة من الرّسل)! وستكون له الغلبة والنصر!!
قصيّ: أحد آباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الجدّ الرابع له. مهندس مكّة، ومشبع الحاج، مدبّر أمر قريش، وأمره دين تعمل قريش به ولا تخالفه، ولم يخمل ذكره وتزل عظمته بعد موته، فاتّخذوا قبره مزاراً.
ذكر البلاذري: حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه، عن ابن خربوذ وغيره، قالوا: كانت قريش قبل قصيّ تشرب من بئر حفرها لؤيّ بن غالب خارج مكّة، ومن حياض ومصانع على رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها مرّة بن كعب ممّا يلي عرفة. فحفر قصيّ بئراً سمّاها العجول. وهي أوّل بئر حفرتها قريش بمكّة. وفيها يقول بعض رجّاز الحاج:
تروى على العجول ثمّ تنطلق |
إنّ قصيّاً قد وفى وقد صدق |
ولبناً محضاً وخبزاً هشما
وكان قصيّ ربّما أطعم الثريد(١) .
فكلّ أب من آبائهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، له ذكر حميد، فهم أب عن جدّ سقاة الناس والحاج ومطعموا الطعام.
قال: ولـمّا قسم قصيّ مكّة خططاً ورباعاً بين قريش، فاتّسقت له طاعتهم، قال لهم: (يا معشر قريش، إنّكم جيران الله وسكّان حرمه، والحاج أضياف الله وزوّار بيته؛ فترافدوا، حتّى تصنعوا لهم طعاماً وشراباً في أيّام الحجّ، ينال منه من يحتاج إليه؛ فلو اتّسع مالي لجميع ذلك، لقمت به دونكم). ففرض عليهم خرجاً للرفادة فكانوا يخرجونه، ويأمر بإنفاقه على طعام الحاج وشرابهم(٢) .
دار الندوة: وبنى قصيّ داره، فسمّيت دار الندوة، لأنّهم كانوا ينتدون فيها فيتحدّثون ويتشاورون في حروبهم وأمورهم، ويعقدون الألوية، ويزوّجون من أراد التزويج. وكان امر قصيّ ديناً يعملون به ولا يخالفونه.
ولمّا مات، دفن بالحجون. فكانوا يزورون قبره ويعظّمونه(٣) . أيّ رجل قصيّ! مهندس مكّة وساقي أهلها ومطعم الحاج وساقيهم، يعظّم الله ويعرف للبيت حرمته. مطاع في قريش أمره عندهم دين يعملون به ولا يخالفونه. ولم تمت منزلته عندهم بموته فكانوا يزورون قبره ويعظّمونه. ودار قصيّ منتدى قريش يتشاورون فيه في أمورهم.
عبد مناف: وولد قصيّ عبد مناف واسمه المغيرة، وكان يدعى (القمر) لجماله. يقال: إنّه وجد كتاب في حجر: (أنّ المغيرة بن قصيّ أوصى قريشاً بتقوى الله وصلة الرحم)(٤) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٥٨.
(٢) نفس المصدر السابق: ٥٩.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) نفس المصدر السابق.
هاشم والمطّلب: ومن ولد عبد مناف: هاشم، والمطّلب. والمطّلب يدعى الفيض(١) . وكان يقال لهاشم والمطّلب (البدران)(٢) . فهما البدران وأبوهما القمر.
وذكرنا للمطّلب وهاشم شيئاً من أخبارهما؛ ويكفي هاشماً من عظيم الفخر: اصطفاء الله تعالى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من بنيه.
محمّد بن سعد: أخبرنا محمّد بن مصعب، أخبرنا الأوزاعي عن شدّاد أبي عمّار، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم)(٣) .
خلاصة البحث
أحصينا لسيّد البشر وخاتم الأنبياء والرّسل محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، واحداً وعشرين أباً؛ فكانوا مصداقاً لقوله تعالى: (وتقلّبك في السّاجدين)؛ وتفسير ابن عبّاس للآية: (من نبيّ إلى نبيّ، ومن نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّاً).
وتفسير الطبرسيّ (وتقلّبك في أصلاب الموحّدين حتّى أخرجك نبيّاً من نكاح غير سفاح من لدن آدمعليهالسلام ).
وقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إنّما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم لم يصبني من سفاح الجاهليّة شيءٌ).
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٦٨.
(٢) أنساب الأشراف ١: ٦٩.
(٣) طبقات ابن سعد ١: ١٩، سنن الترمذي (٣٦٠٥)، مسند أحمد ٤: ١٠٧، الشفا ١: ٣٢٦، الدرّ المنثور ٣: ٢٩٤.
وقول ابن الكلبيّ: (كتبت للنبيّ، عليه الصلاة والسلام خمسمائة أمّ فما وجدت فيهنّ سفاحاً ولا شيئاً ممّا كان من أمر الجاهليّة).
فوجدناكلّ واحد من أباءهصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد أهل زمانه، موحّدين، يعظّمون بيت الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. يأبون الظلم وينصرون المظلوم، يحترمون العهد والميثاق ويحفظوا الجار، يطعمون الحاجّ ويسقونه، يجري الله تعالى لهم من الكرامات أشبه بمعاجز الأنبياء، لم تدنسهم الجاهليّة بأنجاسها، لم يسهم فيهم عاهر وإنّما ولدوا من نكاح غير سفاح! يبشّرون بنبيّ هو خاتم الأنبياء يسود البشر وفي اتّباعه الرّشد والفلاح، جمع الله لهم حسن الخلق والخلق؛ فانتهى كلّ ذلك إلى عبد اللهرضياللهعنه ، فكان نور النّبوّة في جبهته، فأودعه عند آمنة الطاهرةرضياللهعنها ، ولولا الوحي لـما علمت آمنة أنّها حامل، ومضت شهور لم تحسّ آمنة بثقل الحمل المبارك وعاودها الوحي يعلمها أنّها حامل بسيّد البشر ونبيّ الأمّة وأنّ عليها إن وضعته أن تعوّذه بالله من شرّ كلّ حاسد! وأن تسمّيه محمّداً؛ وما علمنا امرأةً جرى لها ما جرى لآمنة، ولا لرجل من آباء القوم أو أمّهاتهم؛ فالله تعالى محمود ونبيّه محمّد، وولدته فما وجدت مشقّة وخرج إلى الدنيا ومعه نور أضاء لآمنة المشرق والمغرب، وجاء إلى الدنيا ساجداً نظيفاً معقود السرّة مختوناً، فمن الذي تولّى كلّ ذلك؛ ومن الذي بشّرها لـما علقت به وهي لا تدري أنّها حامل! أنّه سيّد البشر ونبيّ الأمّة؟! هنيئاً لكِ آمنة وسلامُ الله عليكِ.
وما أعظمت قصيّ! إذ قلت: (الحسود عدوّ خفي المكان)(١) . فكيف لا يحسد وليدك سيّدتي وهذا شأنه؛ كان فيهم (الصادق الأمين)، فلمّا سفّه أحلامهم ونال ألهتهم؛ انكفؤوا عليه وراموا به سوءاً، إلّا أنّهم رأوا دونه الموت يلوح بسيوف هاشميّة إذ أشار
____________________
(١) أنساب الأشراف ١: ٦٥.
أبو طالب؛ سجدت على هامهم؛ فحزبهم الشيطان على سفاهة أخرى: المقاطعة؛ فاعتزلهم أبو طالب وما يعبدون من دون الله، برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورهطه؛ فآووا إلى الشعب عسى أن ينشر لهم ربّهم من رحمته فرجاً. ودامت المقاطعة الشاملة الظالمة ثلاث سنين لم تفتّ بعضد أبي طالب وقد جاوز الثمانين سنة، وما وهن بنوه ورهطه، ثمّ مات أبوطالب بعد مسيرة جهاد استمرّت عشر سنين إذ وافاه أجله في أوّل ذي القعدة سنة عشر من المبعث، وختم عمره لـمّا أحسّ باخترام عمره الشريف بجمع الوجوه من القبائل فأوصاهم بمعالي الأخلاق وبرسول الله واتّباعه ففي ذلك رشدهم ثمّ جمع بني عبد المطّلب فاوصاهم برسول الله خيراً وأن يلزموه ولا يخذلوه، ونام قريراً سلام الله عليه.
فلمّا مات أبوطالب ولم يمت ذكره، وسبقته خديجة رابعة سيّدات النساء عليهاالسلام؛ أمر الله تعالى نبيّه إذ مات ناصراه، فخرجصلىاللهعليهوآلهوسلم ونام عليّ بن أبي طالبعليهماالسلام على فراش النبيّ يفديه بنفسه ونزل بذلك قرآن، ووزّع الودائع التي كانت عند رسول الله على أهلها ثمّ التحق بالنبيّ الذي توقّف قبل المدينة ففارقه أبوبكر التيميّ فنزل على أهل زوجته بالسّنح، فلمّا وافى عليّ النبيّ، دخلا سويّة إلى المدينة.
احتفت الأنصار برسول الله كما احتفت بالمسلمين من قبله ثمّ آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار واتّخذ عليًّا أخاً له، وكان الأنصار ينزلون عن نصف أموالهم للمهاجرين حتّى وصل الأمر بهم أنّ من كان له أكثر من زوجة، ينزل عن إحداهنّ ليتزوّجها أخوه المهاجر. هكذا كانت الأنصار. ولقد صدقوا الله ورسوله النّصرة؛ فبحقّ سمّوا أنصار الله، وأنصار الله ورسوله.
فيوم بدر، كان عدد الشهداء تسعة عشر، منهم عشرة من الأنصار. وهلكى
المشركين سبعون، منهم ثلاثون عجّل بهم إلى جهنّم فتى الإسلام عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فزرع النوائح والضغائن عليه في بيوتات بني عبد شمس، قوم هند أمّ معاوية، وبني أميّة، وبني أسد بن عبد العزّى، وجمح، وبني سهم، وبني عامر، وآل معيط، وبني المغيرة بن مخزوم، قوم خالد بن الوليد ابن خال عمر بن الخطّاب، وبني تيم قوم طلحة وأبي بكر، وعبد الدار، وبني عدي قوم عمر.
ويوم أحد: يوم التمحيص والابتلاء؛ فرّ فيه عثمان بن عفّان في جماعة حتّى بلغوا (الجلعب) قرب المدينة، فخرج إليهم النساء والأطفال بالحجارة، فبقوا هناك ثلاثة أيّام، ولـمّا وصلهم خبر انتهاء المعكرة ونجاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عادوا فقال لهم رسول الله: (لقد ذهبتم بها عريضةً). ولجأ عمر بن الخطّاب في مشيخة من قريش إلى سفح جبل قعدوا يأكلون ويشربون، فمرّ بهم رجل من أحبار اليهود اسمه (مخيريق) فسألهم فقالوا: قتل محمّد؟! فقال: هلاّ قاتلتم على ما قتل عليه محمّد؟! ودخل المعركة فقاتل وقتل شهيداً!
ويومئذ استشهد من المسلمين مائة وأربعة وعشرون منهم حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله وأسد رسوله، ومخيريق الحبر اليهوديّ الذي قال عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مخيريق خير يهود). وقبل موته أوصى بأمواله إلى رسول الله يصنع بها ما شاء، وهي سبعة حوائط(١) .
واستشهد من الأنصار يومئذ مائة وثلاثة عشر من مائة وأربعة وعشرين.
وقتل من المشركين يومئذ اثنان وعشرون؛ قتل منهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام سبعة عشر، منهم أصحاب الألوية. فجع بهم ثقيف، وعبد الدار، وبني
____________________
(١) المغازي، للواقدي ٣: ٣٧٨، فتوح البلدان: ٣١، السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ١٤٠ و ٣: ٣٨.
المغيرة المخزوميّ قوم خالد بن الوليد بن المغيرة بن مخزوم، وبني عامر.
يوم بئر معونة: وقدّم أنصار الله، تسعة وعشرين شهيداً من مجموع ثلاثة وثلاثين.
يوم الخندق، وهو يوم الأحزاب: قتل من المسلمين اثنا عشر شهيداً؛ كلّهم من الأنصار.
وقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، من المشركين فارسهم وبطلهم عمرو بن عبدودّ العامريّ الذي خنس الجميع من الخروج إليه، فبرز إليه فتى الإسلام فقطّره نصفين، وقتل ابنه حسل بن عمرو. وكبا بنوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ، فلحقه عليّعليهالسلام فقتله. ونوفل هذا هو ابن عمّ خالد بن الوليد.
وسمّيت الأحزاب إذا اجتمعت قريش في عشرة آلاف ومن تبعهم من أحابيشهم وبنو كنانة، وأهل تهامة، وقائدهم أبوسفيان بن حرب بن أميّة؛ وقبائل نجد غطفان وفزارة ومرّة وأشجع، واليهود.
فلمّا قتل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام من قتل من فرسانهم، ولّوا خاسئين.
وقعة خيبر: وفيها جرى إمتحان تتلوه الأجبال حتّى تقوم الساعة وحينها يبطل المفترون ويخسر الكاذبون!
فقد شاء الله تعالى أن يرمد عليّ بن أبي طالب، فبعث رسول الله أبابكر التيميّ برايته، فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه، ثمّ بعث الغد عمر بن الخطاب العدويّ، فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه؛ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لأعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه؛ يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، ليس بفرّار). فلو كان من مضى بالراية في اليوم الأول، وكذلك الثاني ممّن يحبّ الله ورسوله ويحبّها الله ورسوله؛ لـما فرّا، ولكان الفتح على يديهما، فكان ذلك منقبة وما أعظمها! ولغسلا بذلك عار
الهزيمة يوم أحد ولصار لهما ذكر في سجلّ المجاهدين، ولو كان أبوطالب حاضراً ذلك اليوم وأعطاه الراية، لمضى بها، فإمّا فتح وإمّا شهادة، ألم يكن في المقاطعة الظالمة ينم النبيّ إلى جنبه، أو بين ولديه جعفر وعليّ خوفاً عليه من بيات قريش وغدرها، فأمّا هو فقد عاش حميداً ومات سعيداً، وأمّا ابنه جعفر فقد قطعت يداه ثمّ قتل يوم مؤتة فأبدله الله بجناحين يطير بهما في الجنّة. وأمّا عليّ فما زال يسرع في طريق الكرامة ينزله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منه منزلة هارون من موسى، ويزوّجه بضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين لتلد له سبطي النبيّ سيّدي شباب أهل الجنّة، ولـمّا كان اليوم الثالث من خيبر دعاه رسول الله، فجاء عليّ وهو لا يرى موضع قدميه فدعا له النبيّ فبرئ ثمّ أعطاه الراية فأخذها ومضى بها يهرول حتّى رايته في رضم من حجارة تحت الحصن وما رجع حتّى فتح الله على يديه.
ويوم خيبر، قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فقام إليه رسول الله فقبّل ما بين عينيه، ثمّ قال: (والله ما أدري بأيّهما أنا أشدّ سروراً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر).
قتلى اليهود يوم خيبر
الحارث أخو مرحب، كان أوّل من خرج فانكشف المسلمون، وثبت عليٌّ فضربه ضربات فقتله.
مرحب: وخرج مرحب، فحمل عليه عليّ فقطّره على الباب وفتحه.
عامر، وكان رجلاً طويلاً جسيماً، وهو يصيح: مَن يُبارز؟ فأحجم الناس عنه، فبرز إليه عليٌّ فقتله.
وقُتل يومئذ من الأنصار: سبعة عشر، من مجموع تسع وعشرين. ولا نستغرق في
ذكر شهداء الأنصار في المعارك الأخرى، وقد ذكرنا فيما سبق من البحث الذين قتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام معزّزة بالمصادر، وهتاف الوحي ببسالته مرّتين: يوم بدر، ويوم أحد، إلّا أنّ الحديث يجرّ إلى الحديث كما يُقال، وصار الحديث بنا عن آباء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لـمّا وجدنا (الحسود عدوّ خفيّ) كما قال قُصيّ، فوجدناه يحسد النبيّ ويُبغضه على ما آتاه الله من طيب الأُرومة آباءً وأمّهات لا تمتدّ إصبع الاتّهام إلى أحدهم إلّا وقطعه سيف النّبل والطهارة، ورجع الأمر إليه والكثكث في فيه!
فهم بين صَهّاك وهند وحمامة والفارعة وأبناء مُتْعةٍ بثوبٍ أحمر! وبين مُن جاشَ به البحر، عبداً روميّاً تفيّأ ظِلال عبد شمس خامل الذكر كلاّ على أخيه هاشم ينفق عليه؛ وقرأنا عن (نكاح المقت) الذي أبطله الإسلام؛ ولم أجد مثل فعل هذا العبد الروميّ الذي استلحقه عبد شمس؛ فصار أميّة سيّداً بذلك يملك عبداً اسمه (ذكوان) فأعتقه وصيّره ابناً وسمّاه: أبا عمرو؛ وهنا وقع الأمر الذي أنفت منه أنوف الجاهليّة! فقد نزل العبد الروميّ عن امرأته وزوّجها عبده ذكوان ودخل بها في حياة أميّة لا بعد هلاكه! فولد له: ابو معيط، من نسله: عقبة بن أبي معيط، قتله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يوم بدر.
وجاش البحر أخرى! بقبطيّ من مصر اسمه العوّام، تبنّاه خويلد بن أسد بن عبد العزّى؛ مات كافراً، فتزوّج العوّام صفيّة بنت عبد المطّلب، فولدت الزبير - وقد نشأ يتيماً في حجر عمّه نوفل، فقتل عنه كافراً. فكان الفضل لصفيّة بنت عبد المطّلب على آل الزبير فهي التي أدنتهم من الظلّ بعد أن كانوا ضاحية! ولعلّ أوّل سيف كاد أن يفتك بأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، غير المحرّق وصاحبه! هو سيف الزبير بن العوّام؛ لـمـّا جاءه أمير المؤمنينعليهالسلام يعوده وهو مريض، فاستأذن الدخول عليه، فلمّا أخبر الخادم الزبير قال: أخّره قليلاً ثمّ أذن له، فلمّا دخل أمير المؤمنين سلّمعليهالسلام ووقف
عند الباب قليلاً وخرج، فقال الزّبير لخادمه: قف حيث وقف عليّ وانظر هل ترى شيئاً؛ ففعل وقال: نعم أرى ذُباب - أي طرف - السيف خارجاً من تحت الفراش! فقال الزبير: ذاك أعجل الرجل(١) .
ومن قبلُ، حذّر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليًّا أمير المؤمنين من الزبير، وأنّه سيقاتله وهو ظالـمٌ له؛ وأمر عليًّا بأن يقاتل فئات ثلاث: الناكثين، والقاسطين، والمارقين. فلمّا قتل طلحةُ، والزُّبيرُ، وعائشةُ عثمانَ بن عفّان؛ توجّه طلحة والزبير نحو عليّصلىاللهعليهوآلهوسلم يعرضان عليه بيعتهما له، فأبى وقال: أنت له أبا محمّد (طلحة) فلم يقبل؛ وقال للزبير مثل ذلك فأبى. عندها أعلمهما أنّ هذا الأمر لا يتمّ سرّاً ولابدّ أن يكون من مشورة المسلمين فقبلا. وفي اليوم الثالث حضر المسجد وخطب الناس فصاح الناس وجلّهم الأنصار: رضينا بك أبا الحسن، وكانت أوّل يد وقعت على يده هي يد طلحة فمسح على يد عليّعليهالسلام ثمّ تبعه الزبير فبايعه وتتابع الناس. فكانت بيعته عامّةً لا مخالسة ولا سقيفة جرت فيها أكاذيب وبطش بسيّد الأنصار سعد بن عبادة ولم يسلم سعد حتّى أخرجه عمر بن الخطّاب من مدينة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ بعث خلفه جنّياً! فشكّ فؤادَه بسهم.
وعن السقيفة غاب رجال عظيمُهم نفسُ رسول الله وأخوه وأمير المؤمنين حقّاً، وجاءته بيعةُ الأقطار الإسلاميّة، وقعد عن بيعته بضعة نفر لم يحملهمعليهالسلام على بيعته ولم يشكّ فؤاد أحدهم! وكما أخبر الصادق الذي لا ينطق إلّا عن وحي؛ فقد نكث الزّبير وطلحة بيعتهما وخرجا على أمير المؤمنينعليهالسلام ، كان رأس الخوارج عائشة بنت أبي بكر؛ فما أفلحوا وقُتل طلحة والزبير ونجت عائشة بعد إذ كادت أن تهلك!
بعد الجَمل؛ تحرّك ابن هند في الشأم، فكانت وقعة صِفّين وكان عَصَب جيش
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣: ٤٥٤.
أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام أهل الكوفة والأنصار، والصحابة وأهل المدينة والحجاز ومصر. فكان أهل البعير الناكثين؛ وأهل الشأم يوم صفّين القاسطين. وبعد الفتنة التي قدح نارها ابن النابغة خرج المارقون وعسكروا بحروراء، قرية قرب الكوفة، فأرسل إليهم أمير المؤمنينعليهالسلام ابن عبّاس لمحاورتهم، فلم يرجعوا، فخرج إليهم أمير المؤمنين وخرج إليه ابن الكوّاء في عشرة من رجالهم بعد أن آمنه أمير المؤمنين من سيفه، فذكر أمير المؤمنين الحرب وما جرى من حرب صفّين ومخالفة الخوارج له، فانحاز ابن الكوّاء مع العشرة الذين معه إلى صفّ أميرالمؤمنين، وقد رجعوا عن رأس الخوارج، ومضى الباقون وهم يقولون: لا حكم إلّا لله ولا طاعة لمن عصى الله!
اجتمع الخوارج المارقون بالنهروان وتدارسوا أمرهم، فأمّروا عليهم عبد الله بن وهب التميميّ الراسبيّ، وحرقوص بن زهير البجليّ. وعاثوا في الأرض فساداً. وكان الخوارج الذين قدموا من البصرة منع مسعر بن فدكي التميميّ قد استعرضوا الناس في طريقتهم؛ فقتلوا عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بعد أن سألوه: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول إنّه أمير المؤمنين وإمام المسلمين؛ فذبحوه، واخذوا امرأته وهي حامل متمّ فبقروا بطنها وهي تقول: أما تتّقون الله؟! - فأين الحكم إلّا لله؟! - وقتلوا ثلاث نسوة كنّ معها(١) .
وزاد الطبريّ فيه: قالوا فما تقول في عليّ؟ قال: إنّه أعلم بالله منكم وأشدّ توقّياً على دينه وأنفذ بصيرةً؛ فقالوا: إنّك تتّبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها... فذبحوه وبقروا بطن أمرأته وقتلوا ثلاث نسوة من طيء وقتلوا أمّ سنان الصيداويّة(٢) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٢: ٣٦٧ - ٣٦٨، الفتوح ٤: ١٩٨.
(٢) تاريخ الطبريّ ٤: ٦١، الإمامة والسياسة ١: ١٢٢ وقال: أمّ سنان، صحبت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن مفارقات أولئك الخوارج وهم يفعلون مثل هذا؛ إنّ أحدهم مرّ به خنزير لذميّ، فاخترط سيفه فقتله، فقال له بعض أصحابه: إنّ هذا لمن الفساد في الأرض، فطلب صاحب الخنزير حتّى أرضاه!(١)
وبلغ أمير المؤمنين ما اجترأه الخوارج، فبعث إليهم الحارث بن مرّة العبديّ ليعرف خبرهم ويكتب به على وجهه ولا يكتمه... فخرجوا إليه وقتلوه(٢) .
عند ذلك سار أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بأصحابه وأخبرهم أنّه لا يقتل من أصحابه إلّا دون العشرة ولا ينجو منهم إلّا دون العشرة!
مناظرة أمير المؤمنينعليهالسلام للمارقين
دخل أمير المؤمنينعليهالسلام في مناظرة مع المارقين أبطل فيها حججهم وألزمهم الحجّة، فصاح القوم من كلّ جانب: التوبة! التوبة! يا أميرالمؤمنين. فاستأمن إليه منهم ثمانية آلاف، وبقي على حربة أربعة آلاف وأقبلعليهالسلام إلى هؤلاء المستأمنين إليه فقال: اعتزلوا عنّي في وقتكم هذا وذروني والقوم. وأمر أصحابه أن لا يبدأوهم بقتال. فرمى المارقة عسكر أميرالمؤمنين، فقيل له: قد رمونا، فقال: كفّوا، فكرّروا القول عليه ثلاثاً وهو يأمرهم بالكفّ حتّى أتي برجل متشحّط بدمه، فقالعليهالسلام: الله أكبر! الآن حلّ قتالهم؛ فاختلط الفريقان وما هي إلّا ساعة حتّى قتل المارقون إلّا تسعة فرّوا، ولم يقتل من عسكر أمير المؤمنين إلّا تسعة؛ فكان الأمر كما أخبرعليهالسلام (٣) .
____________________
(١) تاريخ الطبريّ ٤: ٦١، الإمامة والسياسة ١: ١٢٢.
(٢) تاريخ الطبريّ ٤: ٦١.
(٣) أنساب الأشراف ٣: ١٤٩، تاريخ خليفة: ١٤٩، مروج الذهب ٢: ٤٠٤، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٩٣.
الفواطم والعواتك من أمّهات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
لم تقتصر الإساءة المتعمّدة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، على أمّه آمنة المحدّثة والتي رأت من آيات الله ما رأت! وعلى أبيه عبد الله المتعفّف ذي الغرّة النبويّة وقد أودعها إلى آمنة لتلد سيّد البشر محمّد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وعلى كفيله وراعيه المتفاني في الذبّ عنه وفي الدعوة إلى رسالته:
عمّه أبي طالب؛ إنّما أساء الخوارج إلى أمّهات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قبل أمّه آمنة رضي الله عنها، واللاتي هنّ موضع اعتزاز وفخر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
عرف عن عبد الله المدعو إلى الزبير بن العوّام! ذلك أنّ الأخبار تشير إلى أنّ عبد الله إنّما هو ابن متعة، وأنّه إلى رجل اسمه (عوسجة)(١) .
فلهذه العقدة النفسيّة وما كان يجد من معاملة الزبير لأسماء بنت أبي بكر إذ كان يقسو عليها ويضربها حتّى تستنجد بعبد الله فينجدها إلى أن طلّقها الزبير فتحوّلت بعبد الله إلى بيت أبيها أبي بكر، فعنى أبوبكر بتربيته. فتركت هذه الأمور أثرها في نفس عبد الله. وهو يسمع الأحاديث في شأن عليّعليهالسلام وبضعته الطاهرة فاطمة الزهراء وولديها الحسن والحسينعليهمالسلام ، ويرى مكانة ابن عبّاس عند المسلمين، مع خمول ذكره وذكر من انتسب إليه؛ فزاده حقداً على من به شرف هؤلاء مع شرف ذواتهمعليهمالسلام .
ففي حوار بينه وبين ابن عبّاس قال ابن الزبير: إنّي لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة!(٢)
ومن طرق عدّة: كان عبد الله بن الزبير يبغض عليًّاعليهالسلام؛ ويتنقّصه: روى عمر بن
____________________
(١) مروج الذهب ٣: ٨١، الفتوح ٦: ٣٦٧، محاضرات الأدباء ٣: ٢١٤، أنساب الأشراف ٤: ٥٧.
(٢) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ٦٢.
شبّة وابن الكلبيّ والواقديّ وغيرهم، أنّه مكث أيّام ادّعائه الخلافة أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ! وقال: لا يمنعني من ذكره إلّا أن تشمخ رجال بآنافها.
وفي رواية محمّد بن حبيب، وأبي عبيدة معمر بن المثنّى: أنّ له أهيل سوء ينغضون(١) رؤوسهم عند ذكره(٢) .
وروى عمر بن شبّة عن سعيد بن جبير، قال: خطب عبد الله بن الزبير فنال من عليّعليهالسلام، فبلغ ذلك محمّد بن الحنفيّة، فجاء إليه وهو يخطب، فوضع له كرسيّ، فقطع عليه خطبته وقال: يا معشر العرب، شاهت(٣) الوجوه! أينتقص عليّ وأنتم حضور؟! إنّ عليًّا كان يد الله على أعداء الله، وصاعقةً من أمره أرسله على الكافرين والجاحدين لحقّه، فقتلهم بكفرهم فشنؤوه وأبغضوه، وأضمروا له الشّنف(٤) والحسد، وابن عمّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيّ بعد لم يمت، فلمّا نقله الله إلى جوارح وأحبّ له ما عنده، أظهرت رجال أحقادها، وشفت أضغانها؛ فمنهم من ابتزّ حقّه، ومنهم من ائتمر به ليقتله - مثل الزبير - ومنهم من شتمه وقذفه بالأباطيل، فإن يكن لذريّته وناصري دعوته دولة تنشر عظامهم، وتحفر على أجسادهم، والأبدان منهم يومئذ بالية، بعد أن تقتل الأحياء منهم، وتذلّ رقابهم، فيكون الله عزّ اسمه قد عذّبهم بأيدينا وأخزاهم ونصرنا عليهم وشفا صدورنا منهم؛ إنّه والله ما يشتم عليًّا إلّا كافر يسرّ شتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويخاف أن يبوح به(٥) . فيكنى بشتم عليّعليهالسلام عنه. أما إنّه قد تخطت المنيّة منكم من امتدّ عمره،
____________________
(١) نغض: حرّك رأسه تعجباً، كناية عن الافتخار.
(٢) عمر بن شبّة بصريّ معمّر شاعر أخباريّ فقيه صادق اللهجة غير مدخول الرواية...، مات بسرّ من رأى سنة اثنتين وستّين ومائتين (الفهرست، لابن النديم: ١٦٣)
(٣) شاهت: قبحت.
(٤) الشنف: البغض.
(٥) لقد أنزل محمّد بن عليّ بن أبي طالب، والمعروف بابن الحنفيّة ابن الزبير وهو الذي فارق عليًّا
وسمع رسول الله يقول فيه - أي في عليّ -: (لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق)(١) وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
وعاد ابن الزبير إلى خطبته فقال: عذرت بني الفواطم(٢) يتكلّمون، فما بال
____________________
وألّب عليه يوم الجمل وحصر بني هاشم في شعب أبي طالب وأراد أن يضرم النار عليهم، منزلة الكفر ذلك أنّ عليًّا نفس رسول الله كما في آية المباهلة، والأحاديث كثيرة في أنّ من سبّ عليًّا فقد سبّ النبيّ ومن سبّ النبيّ فقد سبّ الله عزّ وجلّ. (مسند أحمد ٦: ٣٢٢، صحيح الترمذيّ برقم ٣٠٨١، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢١، العقد الفريد ٢: ٣٠١، أنساب الأشراف ٢: ١٨٢، مناقب ابن المغازلي: ٣٩٤، كفاية الطالب: ٨٢، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٦٦، الاستيعاب ٣: ٣٧، ذخائر العقبى: ٦٥، المعجم الصغير، للطبراني ٢: ٢١، كنز العمّال ١٥: ١٢٨، ١٤٦، تاريخ الإسلام ٣: ٦٣٤، أمالي الصدوق: ١٩٧، أمالي المفيد: ٦٠.
(١) صحيح مسلم ١: ٦٤، صحيح الترمذيّ رقم ٣٧٣٧، مسند أحمد ١: ٨٤، ٩٥، المصنف، لابن شيبة ٧: ٤٩٤ / ١، ٥١، سنن النسائي ٨: ١١٧، أنساب الأشراف ١: ٣٨٣، تاريخ بغداد ١٤: ٤٢٦، الاستيعاب ٣: ٤٦، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٦٧ - ٣٧٥، مناقب ابن المغازلي: ١٣٧، أسد الغابة ٤: ١٠٥، حلية الأولياء ٣: ٢٠، مناقب الخوارزمي: ٣٨٠.
(٢) أراد بهذا تنقيص بني هاشم، بل تنقيص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـما يأتي بيانه، ممّا يؤكّد ناصبيّة ابن الزبير، فهو مثلما نسب محمّد بن عليّ إلى أمّه، فكذلك نسب بني هاشم (بني الفواطم)، ونعمت الفواطم أمّهات المكارم وأشرف النساء، فهنّ جدّة النبيّ وعمّته وابنته؛ وهنّ جدّة عليّ وأمّه وامرأته.
إنّ الفواطم اللائي تنقّصهنّ ابن الزبير هنّ موضع فخر النبيّ! روي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: (أنا ابن الفواطم والعواتك). أنساب الأشراف ٢: ١٩٥.
قال ابن سعد: والعاتكه في كلام العرب الطاهرة. طبقات ابن سعد ١: ٦١.
الفواطم والعواتك:
أمّ عبد الله بن عبد المطّلب: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران، وهي أولى الفواطم؛ وأمّ عمرو ابن عائذ: فاطمة بنت عبد الله بن رزام... من هوازن. وأمّها فاطمة بنت الحارث من بني سليم بن منصور، وأمّ قصيّ فاطمة بنت سعد... من أزد شنوءة، جدّة عبد مناف لأبيه، وأمّها فاطمة بنت نصر... من خزاعة.
وأمّا العواتك: عاتكة بنت هلال بن أهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر. وأمّ أهيب بن ضبّة: عاتكة بنت غالب بن فهر. وأمّها عاتكة بنت يخلد بن النّضر، والنّضر قريش بن كنانة.
وأمّ هاشم بن عبد مناف: عاتكة بنت مرّة بن هلال... من بني سليم بن منصور، وأمّ مرّة بن هلال: عاتكة بنت مرّة بن عديّ... من خزاعة؛ وأمّ هلال عاتكة بنت عصيّة... من بني سليم.
ابن أمّ حنيفة!(١)
قال محمّد: يا ابن أمّ رومان!(٢) وما لي لا أتكلّم! وهل فاتني من الفواطم إلّا واحدة(٣) ولم يفتني فخرها، لأنّها أمّ أخويّ. أنا ابن فاطمة بنت عمران بن مخزوم(٤) ، جدّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وأنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم، كافلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والقائمة مقام
____________________
وأمّ عبد الله بن رزام جدّ عمرو بن عائذ لأمّه: عاتكة بنت سعد بن هذيل.
ومن جدّات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّه:
عاتكة بنت عمرو بن الظّرب... بن الحارث، وهو عدوان، وأمّ مالك بن النّضر بن كنانة: عاتكة بنت عدوان.
وأمّ النّضر بن كنانة: برّة، وأمّها ماويّة، وأمّها: عاتكة بنت الأزد. وأمّ كعب بن لؤيّ: ماويّة بنت القين... وأمّها وحشيّة بنت حرام، وأمّها: عاتكة بنت رشدان، قضاعيّة. وأمّ كلاب بن مرّة: هند بنت سرير... كنانيّة، وأمّها: عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة، أسديّة. قال أبو عبيدة: أمّ غالب بن فهر: ليلى بنت الحارث... بن هذيل، وأمّها: سلمى من ولد طابخة بن اليأس، وأمّها: عاتكة من الأزد، وأمّ ولد غالب بن فهر: عاتكة بنت يخلد بن النضر، وهي إحدى العواتك. (أنساب الأشراف ٢: ١٩٥ - ١٩٨، المحبّر: ٤٧ - ٥١، طبقات ابن سعد ١: ٦١ - ٦٤ وقد زاد في الفواطم ستّة؛ وبذا يكون الفواطم عشراً، والعواتك ثلاث عشرة).
(١) هي خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة من بني حنيفة بن لجيم، أمّ محمّد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بابن الحنفيّة (جمهرة النسب: ٣١، نسب قريش: ٤١).
ونذكّر أنّ من الفواطم: فاطمة بنت أسد الهاشميّة أمّ عليّ، كان النبيّ يسمّيها أمّي بعد أمّي ومرّ بنا صنيعه بها بعد موتها. ومن الفواطم، وهي أشرفهنّ: سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، التي لم يفت ابن الحنفيّة شرفها، وفات ابن الزبير!
(٢) أمّ رومان بنت عمير بن عامر بن كنانة، وهي أمّ عائشة بنت أبي بكر. وفي نسب قريش: ٢٧٦: أمّ رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتّاب... بن كنانة، أمّ عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر. وعائشة أخت أسماء بنت أبي بكر، لأبيها، وأسماء هذه أمّ عبد الله بن الزبير، وعائشة خالته. وكانت أسماء تحت الزبير بن العوّام ثمّ طلّقها، ولذلك قصّة نعرض عنها. (انظر أسد الغابة ٧: ٩ - ١٠).
(٣) هي فاطمةعليهاالسلام بنت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، امرأة عليّعليهالسلام، فهي بمقام أمّه.
(٤) أمّ عبد الله وأبي طالب، جدّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام، فحقّ لمحمّد بن عليّ أن ينتسب إليها.
أمّه(١) . أما والله لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في بني أسد بن عبد العزّى عظماً إلّا هشمته(٢) ، ثمّ قام فانصرف(٣) .
ذكرنا من أمّهات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الفواطم والعواتك اللاّئي يفخر بالانتساب إليهنّ مثلما افتخر بانتسابه إلى آبائه وذكر أنّهم على دين الإسلام، إلّا أنّ الخوارج الناصبة أصرّوا على موت أمّه وأبيه مشركين، ونبزوه في عمّه المجاهد؛ حسداً من عند أنفسهم وتسويغاً لخروجهم عليه وعلى وصيّه وذريّته وشيعتهم، فتتابعت قوافل الشهداء.
____________________
(١) فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيّة الهاشميّة، أمّها فاطمة بنت هرم من بني عامر بن لؤيّ، أمّها فاطمة بنت عبيد من بني عامر. ويكفي بالتعريف بها قوله: كافلة رسول الله والقائمة مقام أمّه. (انظر: ابن هشام ١: ١١٤، جمهرة النسب: ٢٩، النسب: ١٩٦، المحبّر: ١٦، الاستيعاب ٤: ٣٨١، الإصابة ٤: ٣٨٠، أسد الغابة ٧: ٢١٧، المناقب، للخوارزمي: ٤٦ - ٤٨، المجدي، للعمري: ١١).
(٢) وذلك لأنّ خديجة رضي الله عنها من بني أسد بن عبد العزّى.
(٣) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ٦٢ - ٦٣.
الإمام السبط المجتبى الحسن بن عليّعليهماالسلام
فرع الشجرة المباركة. تولّى الله تعالى تسميته وأخيه الحسين، زيادة في فضلهما ورفعة في منزلتهما وخصوصيّة من خصائصهماعليهماالسلام .
أخرج أحمد بن حنبل عن محمّد بن عليّ قال: لـمّا ولد الحسن سمّاه حمزة، فلمّا ولد الحسين سمّاه بعمّه جعفر. قال: فدعاني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: (إنّي أمرت أن أغيّر اسم هذين)، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسمّاهما حسناً وحسيناً(١) .
وعبد الرزّاق - ت ٢١١ هـ - عن ابن جريج قال: أخبرني جعفر - الصادق - بن محمّد - الباقر - عن أبيه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سمّى حسيناً يوم سابعه، وإنّه اشتقّ من اسم حسن حسين، وذكر أنّه لم يكن بينهما إلّا الحمل(٢) .
وأيضاً عبد الرزّاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: لـمـّا ولدت فاطمة الحسن بن عليّ جاءت به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فسمّاه حسناً، فلمّا ولدت حسيناً جاءت به إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، هذا أحسن من هذا، تعني حسيناً، فشقّ له من اسمه، فسمّاه حسيناً(٣) .
____________________
(١) مسند أحمد ١: ٢٥٧ / ١٣٧٤.
(٢) المصنّف، لعبد الرزّاق ٤: ٣٣٥ / ٧٩٧٩.
(٣) نفس المصدر السابق ٤: ٣٣٥ / ٧٩٨١.
والطبراني بسنده عن عبد الله بن عقيل بن محمّد بن عليّعليهالسلام أنّه سمّى ابنه الأكبر حمزة وسمّى حسيناً جعفراً، باسم عمّيه، فسمّاهما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم باسم: حسناً وحسيناً(١) .
ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى. ولم يكن في الجاهليّة من يسمّى حسناً وحسيناً، ممّا يؤكّد تسمية الله تعالى لهما، فمن التبرّك تسمية الأولاد بهما.
أخرج الدّولابيّ بسنده عن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة، لم يكونا في الجاهليّة(٢) .
الحسنعليهالسلام سيّد شباب أهل الجنّة
والحسن هو وأخوه الحسين، سيّدا شباب أهل الجنّة. فمن طرق عدّة، أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)(٣) .
____________________
(١) المعجم الكبير، للطبراني ٣: ٩٨ / ٢٧٨٠.
(٢) الذّريّة الطاهرة، للدّولابي (ت ٣١٠ هـ): ١٠٠ / ٩٢، مختصر تاريخ دمشق ٧: ٧.
(٣) المصنَّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥١٢ ح ٤ من فضائل الحسنين، مسند أحمد ٤: ١٧٢، و ٥: ٣٩١، الأدب المفرد، للبخاري: ٣٤٦، والتاريخ الكبير له ٤: ٢ / ٤١٤ - ٤١٥، صحيح مسلم، ح ٢٤٢٤، الفضائل، لأحمد: ١٣٦٠، معرفة الصحابة: ترجة الامام الحسن، صحيح الترمذي:٣٨٦٤، سنن ابن ماجة: ١٤٤، صحيح ابن حبّان: ٢٢٤٠، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٧، المعجم الكبير ٣: ٣٢ / ٢٥٨٦ ونفسه: ٣٥ - ٤ ح ٢٥٩٨ - ٢٦١٨، تاريخ خليفة (ت ٢٤٠ هـ): ١٦٢، الإبانة، لابن بطّة: ٦٢، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ٣٨ ومواضع أخرى، مناقب الإمام علي، لابن المغازلي: ١١٤، الخصائص، للنّسائي: ٢٥٥ - ٢٥٧، مشكل الآثار، للطحاويّ ٢: ٣٩٣ ح ١٩٦٧، أنساب الأشراف ٣: ٢٦٨، تفسير الثعلبي ١: ١٤٧، معجم الصحابة، للبغويّ ٢٢: ٤٢، تفسير الطبريّ ٢٢: ٦٧، سير أعلام النبلاء، للذهبيّ ٣: ٢٨٢، فرائد السمطين: ح ٤١٤ و ٤١٥، أسد الغابة ٢: ١٩، الاستيعاب ١: ٣٧٦، نور الأبصار: ٢٣١، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ٢: ٤٨ ح ٧٠٣ و ٧١٩ و ٢٢٨ و ٧٣٣ و ٧٤٠ و ٧٤١، تاريخ بغداد ٤: ٢٠٧ و ١: ١٤٠ و ٢: ١٨٥ و ٦: ٣٧١ و ٩: ٢٣١ و ٣٦٠، مجمع الزوائد ٩: ١٧٥، حلية الأولياء ٥: ٧١، فتح الباري ١٣: ٦٦، موارد الظمآن، للهيثمي: ٥٥١، تهذيب الكمال ٦: ٤٠١ وموارد أخرى.
والحديث يرد عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، ومعاوية بن قرة عن أبيه، واسامة بن زيد. وقد ذكرت المصادر الحديث في مواضع أكثر ممّا ذكرنا.
وليس في الجنّة ما يؤدّي إلى الكهولة والشيخوخة، والحسينعليهالسلام ، في روايات أنّه استشهد وعمره سبع وخمسون سنة، فهو وأخوه سادة أهل الجنّة إلّا ما كان من أبيهما وجدّهما وأمّهما. والمصادر ذكرت الحديث مطلقاً، إلّا في بعض منها جاء فيها (وأبوهما خير منهما)، فتأمّل!
والسيادة ظاهرة في العصمة والإمامة إذ لا يمكن - شرعاً وعقلاً - أن يسود الآخرين إلّا وهو أفضلهم؛ فالحديث ناهض بإمامة الحسنينعليهماالسلام لا يجوز العدوان عليهما وإلاّ أبعد من هتك حرمتهما وصادر حقّهما من الجنّة إذ لا يجتمع السيّد والخارجيّ في مكان واحد.
أمّ الحسنعليهالسلام فاطمةعليهاالسلام (سيّدة نساء العالمين)(١) ابنة سيّد الأنبياء والرّسل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأبوه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام سيّد العرب، وسيّد المسلمين.
عن الشعبي قال: قال عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مرحباً بسيّد
____________________
(١) ويرد الحديث بلفظ آخر (سيّدة نساء أهل الجنّة). ويرد الحديث في: تفسير القرآن العزيز، لعبد الرزّاق الصنعاني (ت ٢٤٠ هـ) ١: ١٢٨ ح ٤٠٣، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٢٧ ح ٣، و ١٢: ١٢٧ ح ٣٣٢٣، مسند أحمد - مسند أبي سعيد: ح ١٠٦١٦، كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٧٢ وغيره، مشكل الآثار ١: ٣٦ ح ٩٨، الذريّة الطاهرة: ١٤٧، مسند أبي يعلى ٢: ٣٩٥ ح ١١٦٩، سنن الترمذيّ ٥: ٦٥٦ ذيل ح ٣٧٦٨ باب مناقب الحسنين، خصائص النسائي: ١٢٩، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٠ ح ٤٧٤٠، الاستيعاب ٤: ١٨٩٤، حلية الأولياء ٥: ٧١، معرفة الصحابة، لأبي نعيم ٢: ٣١٩، أمالي الصدوق: المجلس ٢٦ ح ٧، المناقب، لابن شهر آشوب ٣: ٣٢٣، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفيّ ٢: ١٤ ح ٦٨٠ و ٢٠ ح ٦٨٦، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ٢٨، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: ١١٤، تاريخ الإسلام، للذهبيّ ٣: ٤٦، الرياض النضرة ٢: ٢٠٢ ولفظه: قال النبيّ لعليّ: (أوتيت ثلاثاً لم يؤتهنّ واحد ولا أنا؛ أوتيت صهراً مثلي ولم أوت أنا مثلي. وأوتيت زوجة صدّيقة مثل ابنتي ولم أوت مثلها زوجة. وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم أوت من صلبي مثلهما؛ ولكنّكم منّي وأنا منكم).
المسلمين، وإمام المتّقين)؛ فقيل لعليّ: فأيّ شيء كان من شكرك؟ قال: (حمدت الله على ما آتاني، وسألته الشكر على ما أولاني، وأن يزيدني فيما أعطاني)(١) .
عن عبد الله بن عُكَيم الجهني قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (إنّ الله أوحى إليّ في عليّ ثلاثة أشياء ليلة أسري بي: إنّه سيّد المؤمنين وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين)(٢) .
عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (اسكب لي وضوءاً) ثمّ قام يصلّي ركعتين، ثمّ قال: (يا أنس، أوّل من يدخل من هذا الباب أميرالمؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين وسيّد المسلمين عليّ)(٣) .
عن عائشة قالت: كنت قاعدة مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (يا عائشة هذا سيّد العرب)، قالت: فقلت: يا رسول الله ألست سيّد العرب؟ قال: (أنا سيّد ولد آدم، وهذا سيّد العرب)(٤) .
وبسند عن الحسن بن عليّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (انطلق ادع لي سيّد العرب)، يعني عليًّا، فقالت عائشة: يا رسول الله ألست سيّد العرب؟ قال: (أنا سيّد ولد آدم وعليٌّ سيّد العرب). فلمّا جاء عليٌّ أرسل رسول الله إلى الأنصار فأتوه فقال: (يا معشر الأنصار ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (هذا عليٌّ فأحبّوه لحبّي وأكرموه لكرامتي، فإنّ جبرئيل أخبرني بالذي قلت لكم عن الله)(٥) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٨: ١٢.
(٢) نفس المصدر السابق ١٧: ٣٧٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٣٧٦.
(٤) نفس المصدر السابق.
(٥) مناقب أميرالمؤمنين، للكوفيّ ١: ٢٣٦.
وبسند عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (يا عليّ، إنّك سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد المحجّلين، ويعسوب المؤمنين)(١) .
وجدّته لأمّه: خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها والتي يقول فيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة ابنة خويلد وفاطمة ابنة محمّد) رواه أنس(٢) .
وعن الحسن قال: قال رسول الله: (حسب من نساء العالمين بأربع: (خديجة ابنة خويلد وفاطمة ابنة محمّد وآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران)(٣) .
وعن عكرمة عن ابن عبّاس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد ومريم وآسية)(٤) .
جدّته لأبيه: جدّته لأبيه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشيّة الهاشميّة، كافلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، والقائمة مقام أمّه؛ أسلمت وبايعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وكانت أوّل من بايع من النساء.
روى الزبير بن العوّام، قال: سمعت رسول الله يدعو النساء إلى البيعة حين نزلت هذه الآية( يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ) (٥) الآية، فكانت فاطمة
____________________
(١) مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن مردويه: ٦٤ / ٣٤. ويرد الحديث بهذا اللفظ وألفاظ أخرى في حلية الأولياء ١: ٦٣ و ٥: ٣٨ و مواضع أخرى، وكفاية الطالب: ٢٠٩ الباب الثالث والخمسون، و ٢١٠ و ٢١١ و ٢١٢، وتذكرة الحفّاظ ٢: ٦٦١، تاريخ بغداد ١١: ٩٨، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٤، مجمع الزوائد ٩: ١١٦، موضح أوهام الجمع، للخطيب ١: ١٨٨ - ١٩٠، الإصابة ٤: ٦، معرفة الصحابة، لأبي نعيم ٢: ٣٠١.
(٢) تفسير القرآن العزيز، عبد الرزّاق الصنعاني ١: ١٢٨، كتاب الولاية: ١٧٢.
(٣) المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٣٠ ح ٥.
(٤) تاريخ الإسلام، للذهبيّ ٣: ٤٦.
(٥) الممتحنة: ١٢.
بنت أسد أمّ عليّ بن أبي طالب أوّل امرأة بايعت(١) .
وهاجرت إلى المدينة، فكانت أوّل امرأة تهاجر إلى رسول الله؛ عن جعفر بن محمّد: (إنّ فاطمة بنت أسد أوّل امرأة هاجرت من مكّة إلى المدينة على قدميها، وكانت أبرّ الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم )(٢) .
وسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (إنّ الناس يحشرون يوم القيامة عراة) فقالت: واسوأتاه! فقال لها: (إنّي أسأل الله أن يبعثك كاسية).
وسمعته يذكر ضغطة القبر؛ فقالت: واضعفاه، فقال: (إنّي أسأل الله أن يكفيك ذلك)(٣) .
وتوفّيت بالمدينة ودفنت بها، وكفّنها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقيمصه، واضطجع في قبرها وجزّاها خيراً. ولـمّا سئل عن ذلك قال: (إنّه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها)، وكان يسمّيها: (أمّي).
وعن أنس بن مالك، قال: لـمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ، دخل عليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجلس عند رأسها فقال: (رحمك الله يا أمّي؛ كنت أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيّب الطعام، وتطعميني تريدين بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة)(٤) .
إضافة إلى ما حباها الله تعالى من رجحان العقل والعفّة وطيب الأرومة فهي من الشجرة المباركة، وأنّها مستودع وحامل أعظم رجل بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وزيادة في
____________________
(١) المناقب، للخوارزمي: ٢٧٧ ح ٢٦٤، شرح نهج البلاغة ١: ١٤.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق، وتذكرة الخواصّ.
(٤) الاستيعاب ٤: ٣٨١، الإصابة ٤: ٣٨٠، أسد الغابة ٧: ٢١٧، المناقب، للخوارزمي: ٤٦ - ٤٨.
كرامتها فقد عصمها الله تعالى بابنها عليّعليهالسلام من أن تسجد للأصنام؛ فعليّ في بطنها لم يمكنها من ذلك (كانت إذا أرادت أن تسجد لصنم، يضع رجله على بطنها ويلصق ظهره بظهرها ويمنعها من ذلك، ولذلك يقال عند ذكره: كرّم الله وجهه، أي عن أن يسجد لصنم)(١) .
وعليّعليهالسلام أوّل مولود في الكعبة، وما ولد قبلها أحد فيها(٢) .
أجداد الحسنعليهالسلام
فغير جدّه سيّد الأنبياء والمرسلين وسيّد ولد آدم مطلقاً؛ فقد تكلّمنا عنهم، وكلّ واحد منهم كان سيّد زمانه حتّى قيل عن بعضهم أنّه نبيّ.
هذه هي السيادة التي يتقلّب فيها الإمام الحسن بن عليّعليهماالسلام فهو سيّد في ذاته هو وأخوه الحسينعليهالسلام ؛ فهما سيّدا شباب أهل الجنّة؛ وأمّهما سيّدة نساء العالمين وأبوهما سيّد الوصيّين وهو سيّد العرب والمسلمين، وجدّهما سيّد الأنبياء والرّسل وهكذا قل عن جدّاتهم وأجدادهم. فبعد كلّ هذا، وبعدما عرفنا من عناية الله ورسوله في تسميتهما بأسماء لم تكن معروفة في الجاهليّة، أليس كلّ ذلك دالاًّ على عصمتهما وأهليتهما للإمامة؟ وهل يجوز الخروج عليهما وحربهما كما خرجوا على أبيهما فحاربوه؟!
حرب وسلم أهل البيت حرب وسلم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
بسند عن السدّيّ، عن صبيح مولى أمّ سلمة، عن زيد بن أرقم: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسينعليهمالسلام : (أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم).
____________________
(١) نور الأبصار، للشبلنجي: ١٥٦.
(٢) المجدي، للعمري: ١١، العمدة، لابن البطريق: ١٢، تذكرة الخواصّ: ٢٠، مناقب ابن المغازلي: ٦ - ٧، تاريخ بغداد ٣: ١٠٦، الفصول المهمّة، لابن الصبّاغ المالكي: ٣٠.
وبسند عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أبصر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليًّا وحسناً وحسيناً، فقال: (أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم)(١) .
فحرب الأوائل لأهل البيت والأمر بأخذ أمير المؤمنينعليهالسلام بأعنف الأخذ! وتحريق البيت عليهم! بداية الحرب لهم والخروج الذي سلكه الأبناء: ابن هند، وابن سميّة، وابن النابغة، وابن مرجانة، وابن المستفرمة بالزبيب... وابن تيمية، وابن عبد الوهّاب وما حربهم إلّا حرب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحرب رسول الله حربٌ لله تعالى.
قالعليهالسلام: (الويل لظالمي أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدّرك الأسفل من النار)(٢) .
وعن سلمان قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم: (الحسن والحسين من أحبّهما أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله جنّات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنّم، وله عذاب مقيم)(٣) .
فما القول في الخوارج الذين نعتهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اقبح نعت؛ بدءاً بمن جلس على
____________________
(١) مصادر الروايتين: المصنّف، لابن أبي شيبة ٦: ٣٨١ ح ٨ فضائل الحسنين، وعنه ابن حبّان في صحيحه ١٥: ٤٣٤ ح ٦٩٧٧، مسند أحمد ٢: ٤٤٢، سنن ابن ماجة ١: ٥٢ ح ١٤٥، صحيح الترمذي ٢: ٣١٩، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٩، شواهد التنزيل ٢: ٢٧ ح ٦٦٥، الأسماء والكنى، للدولابي ٢: ١٦٠، تاريخ بغداد ٧: ١٣٦، المعجم الكبير ٣: ٤٠ ح ٢٦١٩ و ٢٦٢٠ و ٢٦٢١، ٧: ٢٧ ح ٥٠٣٠ - ٥٠٣١، المعجم الأوسط ٦: ٨ و ٨: ١٢٨ ح والمعجم الصغير ٢: ٣، جامع المسانيد، لابن كثير ٤: ٣، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ١: ٨٠٧ ح ٦٤٧ و ٦٦٢ و ٦٦٤، ذخائر العقبى: ٢٥، الرياض النضرة ٢: ١٩٩، الصواعق المحرقة: ١١٢، كنز العمّال ٦: ٢١٦، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ٦٤، كفاية الطالب: ٣٣١، البداية والنهاية ٨: ٢٠٥، الصواعق المحرقة: ١١٢، ينابيع المودّة: ٢٦١، مجمع الزوائد ٩: ١٦٩، مختصر تاريخ دمشق ٧: ١٢٠.
(٢) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ٦٩، مقتل الحسين، للخوارزميّ ٢: ٨٥.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٧: ١٢١.
الأريكة - بحسب تعبير رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي تحقّق بعده، ممّا يعدّ من دلائل النبوّة - فظلم رسول الله بحرق أحاديثه، وأمر المحرّق بما ذكرنا من العدوان على نفس رسول الله وأخيه ووصيّه لحمله على البيعة بعد غصبه حقّه في إدارة الأمّة ورعايتها، وحرق بيت السادة وفيه سيّدة نساء العالمين وسيّدا شباب أهل الجنّة؟! فكان ذلك تمهيداً لابن هند أن يجرأ فيخرج على إمام الهدى الذي كانت بيعته عن رضا الأمّة، عامّ’ وعلنيّة، لا مخالسةً وعدوان ومن امتنع اتّهم بالردّة عن الإسلام فهدر دمه واستبيح حرمه وماله. فلمّا رأى ابن هند ذلك وقد أطلق أصحاب الأريكة يده ومكّنوه من الشأم؛ خرج على أمير المؤمنين حقّاً وحاربه، ثمّ حارب الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام .
ولا يستطيع أحد أن يقول: إنّ ظلم أولئك لأهل البيت عن حبّ وإنّما عن بغض متأصّل؛ فإلى ماذا يصار بهم؟!
والحسن والحسينعليهماالسلام ، وهما سيّدا شباب أهل الجنّة وقد عدا ابن هند فحارب الحسن وقتل خيرة صحابته ودسّ إليهم السمّ فمضى شهيداً وحارب ابن ميسون الحسين فمضى إثر أبيه واخيه شهيداً؛ فهما ريحانتا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ عن أمّ سلمةرضياللهعنها قالت: قال رسول الله لعليّ: (سلام عليك أبا الريحانتين، أوصيك بريحانتيّ من الدنيا)(١) .
وعن ابن عبّاس قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأذني، وإلاّ فصمّتا، وهو يقول: (أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعليّ لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، والمحبّون أهل البيت ورقها من الجنّة حقّاً حقّاً)(٢) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٧: ١٢٣.
(٢) نفس المصدر السابق.
وبلفظ مقارب، عن عبدالرحمن بن عوف قال: لا تسألوني قبل أن تشوب الأحاديث بالأباطيل. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أنا الشجرة، وفاطمة أصلها، أو فرعها، وعليّ لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها؛ فالشجرة أصلها في عدن والأصل والفرع واللقاح والورق والثمر في الجنّة)(١) .
والحسن من معجزة رسول الله، أعجز النبيّ به وبأخيه الحسين وأمّهما وأبيهما وفد نصارى نجران يوم المباهلة، فالعدوان على واحد منهم عدوان على القرآن عدلهم والصادح بفضلهم ومنزلتهم، وعدوان على الله ورسوله. والشواهد قائمة على أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج بعليّ وفاطمة والحسن والحسين لمباهلة النصارى، فغلبهم بهم، ولو علم الله أنّ في الأرض أكرم منهم لأمر رسوله أن يباهلهم بهم. فكان الحسن والحسين ابني رسول الله وفاطمة نساءه وعليّ نفسه. فأنزل الله فيهم:( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٢) .(٣)
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ١٢٤.
(٢) آل عمران: ٦١.
(٣) كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٧٧، تفسير مقاتل بن سليمان ١: ٢٨٢، تفسير الحبري: ٢٤٨، تفسير الطبريّ ٣: ٢١٢، تفسير الثعلبي ٣: ٨٥، أسباب النزول: ٦٨، تفسير ابن كثير ١: ٣٧١، شواهد التنزيل ١: ١٢٨، تفسير فرات: ٢٩، سعد السعود: ٩١ - ٩٢، مسند أحمد ١: ١٨٥، صحيح مسلم ٧: ١٢٠ - ١٢١، دلائل النبوّة، لأبي نعيم: ١٢٤، تذكرة الخواصّ: ١٧، مناقب عليّ، لابن مردويه: ٢٢٦ - ٢٢٨، كفاية الطالب: ١٤٢، سنن الترمذيّ ٤: ٢٩٣ - ٢٩٤، مصابيح السنّة النبويّة ٢: ٢٧٧، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠، الإصابة ٢: ٥١٩، الصواعق المحرقة، ٧٢، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: ٢٦٣، فتح القدير ١: ٣١٦، الدرّ المنثور ٢: ٣٨، جامع الأصول، لابن الأثير ٩: ٤٦٩، المناقب، للخوارزميّ: ١٥٩ - ١٦٠، البداية والنهاية ٥: ٥٣، الرياض النضرة ٢: ٢٤٨، تيسير الوصول ٣: ٢٧٢، أسد الغابة ٤: ١٠٥، تاريخ الإسلام، للذهبيّ ٣: ٦٣٧، الطرائق، لابن طاوس: ٤٥.
لقد كانت المباهلة بالوجوه المقدّسة عند الله تعالى أوقع في قلوب النصارى وأبلغ في الإعجاز لهم من المباهلة بكتاب الله المجيد، فأظهروا العجز عن المباهلة وأقرّوا بالخراج؛ فكان أهل البيت معجزة رسول الله يومئذ وبذلك قاموا مقام القرآن في الإعجاز الذي هو دليلنا على تصديق الأنبياء من قبل، ومن ثمّ تصديق الكتب التي جاؤوا بها ولولا أنّ القرآن ذكرهم وصدّق كتبهم لـما كان يلزمنا ذلك. ولـمّا كان أهل البيت دلالة على تصديق نبوّة رسول الله وأنّ القرآن من عند الله سبحانه؛ فكانوا بذلك بمقام الأنبياء رتبة ورفعة، لا وحياً ونبوّة.
والمباهلة، أي الملاعنة ودعاء الله تعالى أن ينزل عقابه على الكاذبين، وهي سنّة أمضاها الأنبياء الأوّلون فحقّ عقاب الله تعالى بالمكذّبين من أقوامهم، ورجال الدين وأحبار النصارى يعلمون ذلك، فلمّا رأوا تلك الوجوه الزّهر، خافوا وشعروا بالهزيمة، فرضوا بإعطاء الجزية على أن لا يباهلوا.
ومن هنا كان عليّ وفاطمة والحسنان: معجزة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ، ولو قامت الحجّة على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وحلّ العقاب بساحته! لبطلت معجزته وانتهت رسالته، فدلّ ذلك على عصمتهم واستقامة صراطهم ولزوم منهجهم.
أم يقول الخوارج الأوّلون: كنّا نجلس إلى رسول الله، فما سمعناه يتلو هذه الآيات وليست هي في المصاحف التي بأيدينا؛ إلّا ما كان من أمر سقوط آيات كنّا نقرأها على عهد رسول الله، مثل آية رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا وسقوط سورة بطول سورة البقرة...!
أو يتعلّلوا أنّهم ما شاهدوا أفعال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأهل بيته ولم يسمعوا - مع أنّهم لا واسطة بينهم وبين النبيّ؛ فيجب أن يكون سماعهم منه مباشرةً - من يخبرهم بتلك
الأمور؛ أو يصرّحوا أنّها كانت في مئات الأحاديث التي حرقوها، ثمّ منعوا من الحديث وكتابته؟! وتابعهم ابن هند وعصابته، والخوارج المارقة وانتهاءً بابن تيميه، وشيعته من أعراب نجد الوهّابيّون؟!
لله درّ الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله! وإلاّ ما بالهم يحادّون الله ورسوله وعترته أهل بيته، يقصونهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله إيّاها، ويخفون الأحاديث بشأنهم، ويوالون من لعنه الله وأمر بقتله إنْ رؤي على المنبر؛ فيطلعون يده على الشأم؛ فكانت المصائب متوالية على حجج الله من أهل البيت وشيعتهم ووبالاً على الإسلام.
عصمة الإمام الحسنعليهالسلام
حال الإمام الحسن في طهارة النشأة وطهارة الذات، سيرة وقرآناً يتلوه المسلمون، حال جدّه المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبيه المرتضى وأمّه الزهراء وأخيه سبط الرحمة وإمام الأمّة. فمن كانت محبّته سبباً لدخول الجنّة، وبغضه يفضي إلى جهنّم؛ ومن كان سيّداً لشباب اهل الجنّة؛ وبه وبأخيه وأمّه وأبيه غلب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم نصارى نجران؛ فكان ريحانة رسول الله الذي أوجب طاعته؛ فمن هذا شأنه وجبت عصمته؛ وقد نطق القرآن الكريم بعصمة أهل البيتعليهمالسلام ، ذلك قوله تعالى:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .
الآية خاصّة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام (٢) .
إنّ ضمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه الطاهرة إلى أهل البيت وتلاوته على مسامع المسلمين
____________________
(١) الأحزاب: ٣٣.
(٢) من طرق عدّة عن عائشة؛ وطرق كثيرة عن أمّ سلمة؛ وعن أبي سعيد الخدري؛ وعن ابن عبّاس، إنّها في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام .
مراراً: إنّه منهم وهم منه يؤذيه ما يؤذيهم وهو سلم لمن سالمهم، حرب لمن حاربهم، وهو وإيّاهم أهل السيادة وباهل بهم فأثبت بهم رسالته؛ فكانوا عدل القرآن الذي به غلب العرب وأثبت لهم رسالته - وسنأتي على حديث الثقلين - ولا يكون سادة الجنّة ومعجزة النبيّ وعدل القرآن إلّا مثله في العصمة.
قال جميع بن عمير: دخلت مع أمّي على عائشة، فقالت: أخبريني كيف كان حبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ؟ فقالت عائشة: كان أحبّ الناس إلى رسول الله، لقد رأيته يوماً أدخله تحت ثوبه وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: (أللّهم هؤلاء أهل بيتي، أللّهم أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً). قالت: فذهبت لأدخل رأسي فمنعني، فقلت: يا رسول الله، أولست من أهلك؟ قال: (إنّك على خير)(١) .
وبسند عن أمّ سلمة، قالت: كنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في البيت، فقالت الخادم: هذا عليّ وفاطمة معهما الحسن والحسين، فقال: (قومي تنحّي عن أهل بيتي)، فقمت فجلست في ناحية، فأذن لهم فدخلوا، فقبّل فاطمة واعتنقها، وقبّل عليًّا واعتنقه، وضمّ إليه الحسن والحسين ثمّ أغدف عليهم خميصةً - أغدف: أرسل عليهم. الخميصة: كساء مربّع - سوداء، وقال: (أللّهم إليك لا إلى النار). فقلت: وأنا يا رسول
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٦٥. وفي المحاسن والمساوئ، للبيهقيّ: ٢٩٨ زيادة: قيل لها: فكيف سرت إليه؟ قالت: أنا نادمة، وكان ذلك قدراً مقدوراً!
ومن طريق آخر حديث عائشة: صحيح مسلم ٧: ١٣٠، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٧، التلخيص، للذهبيّ - بذيل مستدرك الصحيحين، ينابيع المودّة: ١٠٧، كفاية الطالب: ٣٧٣ - ٣٧٥، وفي صحفة ٥٤ قال: الصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنانعليهمالسلام ، كما رواه مسلم. ثمّ ذكر حديث عائشة. قال: وأيضاً روى مسلم بإسناده أنّه لـمّا نزلت آية المباهلة دعا رسول الله عليًّا وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: (أللّهم هؤلاء أهل أهلي). وأخرجه إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده ١: ١٨٥، من طرق كثيرة؛ وفي تفسير الخازن ٣: ٤٦٧ وقال: أخرجه مسلم.
الله؟ قال: (وأنت على خير)(١) .
إنّ قول رسول الله لأمّ المؤمنين (قومي تنحّي عن أهل بيتي) دالّ جزماً أنّ أهل بيت النبيّ هم أصحاب الكساء عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام لا يشركهم أحد من أزواجه ولا من غير أزواجه.
وأبو سعيد الخدريّ قال: نزلت هذه الآية (آية التطهير) في رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، في بيت أمّ سلمة(٢) .
والخدريّ عن أمّ سلمة قالت: نزلت هذه الآية في عليّ (آية التطهير) قالت: قلت يا رسول الله، ألست من أهل البيت؟ قال: (إنّك على خير، إنّك من أزواج النبيّ). وكان في البيت رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(٣) .
مصادر نزول الآية في أهل البيتعليهمالسلام
مسند أحمد ١: ١٨٥ و ٣٣١ و ٦: ٢٩٢، صحيح مسلم ٧: ١٣٠، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠١ من طرقه المختلفة، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٧، كتاب الولاية: ١٧٥، التلخيص، للذهبيّ حاشية المستدرك، تفسير الحبري: ٣٠٤، تفسير فرات: ١٢١، أحكام القرآن، للجصّاص ٣: ٥٢٦، الكنى والأسماء، للدولابي ٢: ٢٥٤ / ٢٦١٩ و ٢٥٥ / ٢٦٢٣، أسباب النزول، للواحديّ: ٢٣٩، تهذيب الكمال ١٢: ٥٨٨، المعارف، لابن قتيبة: ٤٤٨، سنن الترمذي ٥: ٣٦١، شواهد التنزيل ٢: ١٠ -
____________________
(١) تفسير الحبري: ٣٠٤ - ٣٠٥، تفسير فرات: ١٢١، الكنى والأسماء، للدولابي ٢: ٢٥٤ / ٢٦١٩ و ٢٥٥ / ٢٦٢٣.
(٢) تفسير الحبريّ: ٣٠٦.
(٣) مشكل الآثار ١: ٣٣٤، تفسير الحبري: ٢٩٨، شواهد التنزيل برقم ٧١٢ - ٧١٣، تفسير ابن كثير ٣: ٤٨٥، المعجم الكبير ١: ١٢٧.
٩٢ / ٦٣٧ - ٧٧٤ من ١٣٨ طريق، تفسير الطبري ٢٢ / ٧، مسند أبي يعلى ١٢ / ٣١٣ / ١٠، مشكل الآثار ١: ٣٣٤ وغيره؛ مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٦٥ ومواضع أخرى، تفسير ابن كثير ٣: ٤٨٥، المعجم الكبير ١: ١٢٧ ومواضع أخرى، المعجم الصغير ١: ١٣٥، ينابيع المودّة ١٠٨، ذخائر العقبى: ٢٥، تاريخ بغداد ١٠: ٢٧٨، نور الأبصار: ٢٥، ما نزل من القرآن في عليّ، لابن مردويه ٣٠١ / ٤٧٥٤، كفاية الطالب: ٢٤٤ وغيره، الشفا، للقاضي عياض: ٣١، الدر المنثور ٥: ١٩٩، مجمع الزوائد ٩: ١١٩، الرياض النضرة ٢: ٢٦٩، الشرف المؤبّد، للنبهاني: ٦، تذكرة الخواص: ٢٤٨، التفسير الكبير، للفخر ٢٧: ١٦٦، المحاسن والمساوئ، للبيهقي: ٢٩٨، المعرفة والتاريخ ١: ٢٩٥، الكامل، لابن عدي ٦: ٢٠٨٧، تفسير الثعلب ٢: ١٣٩، الأمالي الخميسية ١ / ١٥١ / ١٦، سير أعلام النبلاء ٢: ١٣٤، مناقب الكوفي ١: ١٧٢ / ٨٣ و ٩٢ ومواضع أخرى؛ تفسير الطبري ٢٢: ٨، تفسير الخازن ٣: ٤٦٧.
إنّ قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّ المؤمنين: (قومي تنحّي عن أهل بيتي) يدلّ على أنّ أهل البيت المطهّرون - حصراً - هم أصحاب الكساء.
وقد ذكرنا قول النبيّ لأمّ سلمة لـمّا منعها أن تكون مع أهل الكساء: (إنّك أهلي، وهؤلاء أهل بيتي). والعرب تسمّي المرأة أهلي أي زوجتي تكريماً لها. وفي لفظ آخر عن أمّ سلمة: قالت: قلت يا رسول الله! ألست من أهل البيت؟ قال: (إنّك على خير، إنّك من أزواج النبيّ). وهو صريح في أنّ أهل البيت في الآية هم النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين؛ وأمّا نسوته فهنّ أزواجه تبين إحداهنّ بكلمة واحدة فتصير غريبة وترجع إلى أهلها، وهي (طالق). وقد طلّق رسول الله اثنتين من أزواجه فجاء بهنّ أبواهما إلى رسول الله معتذرين إليه فردّهماصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعل طلاقهنّ في حياته وبعد موته إلى
عليّعليهالسلام ؛ وهذا سرّ استجابة من قاتلته منهما وبعد أن ظفر بها - وله في الشرع حقّ قتلها - عصت أمره بالرجوع إلى المدينة فلمّا هدّدها بإمضاء ما خوّله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، صرخت وأجابت!
ولقد وجدنا عائشة وهي تذكر آية التطهير تذكر فيه أنّ عليًّا كان أحبّ الناس إلى رسول الله؛ وهذه المسألة من أكثر ما ناضل الخوارج النواصب ومن أولئك ابن تيميه، ومع الأسف شايعه في ذلك تلميذه مؤرّخ الإسلام - كذا! - ومضى به الشطط لشنّ الغارة على صاحب المستدرك على الصحيحين إذ ذكر حديث (الطّير) وحكم على صحّته؛ فعلّق عليه الذهبيّ بتكذيب الحديث ولم يكن له من دليل إلّا بالطعن بأحد رجال السند الذي قال عنه الحاكم: صدوق مأمون؛ فقال الذهبي: لا والله! لا مأمون ولا يعرف بالصدق، بل هو كذّاب.
وقد تكلّمنا عن الحديث وسنده في كتابنا (نقد منهج ابن تيميه).
قال الكنجي الشافعيّ في كتابه (كفاية الطالب: ٥٤): والصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنانعليهمالسلام ؛ وذكر حديث مسلم عن عائشة. ثمّ قال: وهذا دليل أنّ أهل البيت هم الذين ناداهم الله بقوله: أهل البيت، وأدخلهم رسول الله في المرط. قال: وأيضاً روى مسلم بإسناده أنّه لـمّا نزلت آية المباهلة دعا رسول الله عليًّا وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: (أللّهم هؤلاء أهل بيتي). وأخرجه إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل في مسنده من غير واحد من أصحاب رسول الله والتابعين.
ولخطر الأمر فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ذلك كان يمرّ على بيت فاطمة فيسلّم على أهله. روى ابن مردويه، عن ابن عبّاس: إنّ رسول الله بعد نزول هذه الآية، كان يمرّ ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: (السلام عليك أهل البيت ورحمة الله
وبركاته، الصلاة رحمكم الله( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وذلك طيلة سبعة أشهر(١) .
ومن جواب ابن عبّاس ليزيد، وقد كتب إليه يطلب منه أن يدخل في طاعته! وأن يحثّ الناس على ذلك: (ثمّ إنّك سألتني أن أحثّ الناس على طاعتك، وان أخذّلهم عن ابن الزبير، فلا مرحباً ولا كرامة! تسألني نصرتك ومودّتك، وقد قتلت ابن عمّي وأهل رسول الله، مصابيح الهدى، ونجوم الدّجى؟! غادرتهم جنودك بأمرك صرعى في صعيد واحد قتلى. أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لقتل الحسين؟! فما زلت وراءه تخيفه حتّى أشخصته إلى العراق، عداوةً منك لله ورسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً)(٢) .
وكتاب ابن عبّاس إلى يزيد طويل، كشف فيه عورات آل أبي سفيان، وأنّ ابن ميسون كان يتحرّك في نفس الدائرة التي كان يتحرّك فيها ابن هند وربيبه أبي سفيان: الطلب بثاراتهم يوم بدر وأحد...، وبالتالي ردّ الجاهليّة لتسود؛ فما فرق يزيد الفهود والقردة والكلاب، عن ربيبه ابن هند الذي خرج على الله ورسوله ووليّه ووصيّ رسوله. فذهبت تلك الألوف في حرب صفّين، ثمّ حارب خليفة المسلمين ببيعة عامّة لا بمهزلة خلع خاتم وتثبيت آخر! حارب أحد الثقلين ولم يكن في الثقل المقابل للقرآن الكريم واحد من خيرة الصحابة، فكيف بالنكرة منهم ومن خرج عليه في حياته وبعد مماته؟! وخرج على الله بمخالفته كتابه؟! وليس الصحابيّ إلّا من صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طويلاً من الزمن وأطاعه في كلّ ما أتى به من قرآن، أو حديث! وثبت
____________________
(١) ما نزل من القرآن في عليّ، لابن مردويه ٣٠١ / ٤٧٥٤، نور الأبصار: ٢٢٦.
(٢) تذكرة الخواصّ: ٢٤٨.
على طاعته بعد مماته بالتزامه بالقرآن والسنّة معاً، ولم يغيّر ولم يبدّل ولم يتهوّك فيحرق أحاديث رسول الله. ولابن ميسون قدوة بابن هند، وإن طلّقت ميسون وهي حامل فعاش ابنها ربيع عمره بين أخواله النصارى، ثمّ ألحقه ابن هند به فلم يزده ذلك إلّا خبالاً! ويوم مات لم يحضره الناقص، كان في حوارين منشغلاً بأمور! وبعد جلوسه على الأريكة، كانت همّته منصرفة إلى قتل معجزة اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحد الثقلين وسيّد شباب أهل الجنّة وابن سيّد العرب والمسلمين ومن أمّه سيّدة نساء العالمين. سبط رسول الله وريحانته. ولولا كلّ ذلك وغيره لـما طلبه ابن ميسون طلباً حثيثاً ليقتله. ولم يكن الإمام الحسينعليهالسلام ممّن يلوذ بقبر جدّه أو يعوذ ببيت الله؛ فينتهك حرمتهما وينجو هو! فخرج إلى اقرب موقع من الشأم، وهو الكوفة، وبذا لم يكن سبباً في الفظائع التي ارتكبها أهل الشأم وهتكهم لحرمة رسول الله ومدينته المنوّرة (طيبة) فكان اليزيديّون يسمّونها (نتنة) وأهل المدينة يسمّونهم (اليهود أبناء اليهود) اقتداءً بابن هند الذي أطلق على سيّد الأنصار (يهوديّ ابن يهوديّ)!
وعن زندقته ذكرنا كثيراً منه ما حدّث به المغيرة بن شعبة عن ابن هند وفيه (...، وأنّ أخا بني هاشم يصاح به في كلّ يوم خمس مرّات: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، فأيّ عمل يبقى بعد هذا، لا أمّ لك؟ إلّا دفناً دفناً!!).
ومن قبل: أبو سفيان المنقطع النسب إذ ينتهي إلى أميّة الذي لم يكن ابناً لعبد شمس، إنّما هو عبد روميّ اشتراه عبد شمس فأعتقه وتبنّاه فصار يعرف أميّة بن عبد شمس، وعرفنا من وضاعة أميّة أنّه أعتق عبده (ذكوان) وتنازل له عن زوجته فزوّجه إيّاها في حياته! فأبو سفيان يحطّ رحاله عند العبد الروميّ أميّة ولا علاقة له بقريش ولا أيّ قبيلة عربيّة - بيّنا تفاصيل ذلك فيما مضى - وعرفنا من زندقة أبي سفيان وتقلّبه
في مواخير الزنا والخمر؛ وهو مثلما لم يكن له حياء إذ سمع ابن سميّة العاهر، يخطب؛ فقال: أنا الذي وضعته في رحم أمّه، وكان قائد المشركين والأحزاب في حربها لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى كان الفتح المبين فأظهر الإسلام نفاقاً! وقد ذكرنا من أقواله لعشيرته بتلقّف الأمر تلقّف الكرة، وإنكاره للجنّة والنار، بعد أن صار الأمر إلى عثمان. وأبو سفيان يعلم بقصّة هند مع أولئك الرجال، فكان يخاطبها مفاخراً بولده يزيد وناسباً معاوية إليها، فتقرّ هي بذلك وتفاخره بمعاوية وتنسبه إليها. مرّ تفاصيل ذلك.
وفي ابن ميسون قول! وقد ورث الزندقة والكفر وبغض أهل البيت وبني هاشم من معاوية وهند وأبي سفيان؛ فقد تمثّل بشعر ابن الزّبعرى:
لعبتْ هاشمُ بالملك فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل! |
وذلك لـمـّا وضع بين يديه رأس الإمام الحسينعليهالسلام.
ما جاء في معنى التطهير
ابن عبّاس، قال: الرّجس الشكّ(١) .
قال يوسف النبهانيّ: قال الإمام أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ في تفسيره: يقول الله تعالى: إنّما يريد الله ليذهب عنكم السّوء والفحشاء يا أهل محمّد، ويطهّركم من الدنس الذي يكون في معاصي الله تطهيراً. وروي عن أبي زيد: أنّ الرجس هاهنا الشيطان. وذكر أي الطبريّ، بسنده إلى سعيد بن قتادة أنّه قال: قوله:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فهم أهل بيت طهّرهم الله من السوء وخصّهم برحمة منه. وقال ابن عطيّة: والرجس اسم يقع على
____________________
(١) تفسير الحبريّ: ٣٠٧، شواهد التنزيل ٢: ٣٠ / ٦٧١.
الإثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت. وقال الإمام النّوويّ: قيل هو الشكّ، وقيل العذاب، وقيل الإثم. قال الأزهريّ: الرجس اسم لكلّ مستقذر، من عمل وغيره(١) .
قال: وقال شيخ الصوفيّة محيي الدين بن عربي، في الباب التاسع والعشرين من الفتوحات المكيّة: ولـمّا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عبداً محضاً قد طهّره الله وأهل بيته تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس وهو كلّ ما يشينهم، فإنّ الرجس هو القذر عند العرب...؛ فلا يضاف إليهم إلّا مطهّرٌ ولابدّ: فإنّ المضاف إليهم هو الذي يشبههم، فلا يضيفون إلى أنفسهم إلّا من له حكم الطهارة والتقديس؛ فهذه شهادة من النبيّ لسلمان الفارسيّ بالطهارة والحفظ الإلهيّ والعصمة، حيث قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (سلمان منّا أهل البيت). وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم. وإذا كان لا يضاف إليهم إلّا مطهّر مقدّس، وحصلت له العناية الربّانيّة الإلهيّة بمجرّد الإضافة، فما ظنّك بأهل البيت في نفوسهم؟! فهم المطهّرون، بل هم عين الطهارة، فهذه الآية تدلّ على أنّ الله تعالى قد شرك أهل البيت مع رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في قوله تعالى:( لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ ) (٢) ، وأيّ وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ؟! فطهّر الله سبحانه نبيّه بالمغفرة ممّا هو ذنب بالنسبة إلينا، ولو وقع منهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لكان ذنباً في الصورة لا في المعنى، لأنّ الذمّ لا يلحق به على ذلك من الله، ولا منّا شرعاً. فلو كان حكمه حكم الذّنب لصحبه ما يصحب الذّنب من المذمّة، ولم يكن يصدق قوله:( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فدخل الشّرفاء
____________________
(١) الشرف المؤبّد لآل محمّد، ليوسف النبهاني: ٦.
(٢) الفتح: ٢.
أولاد فاطمة كلّهم رضي الله عنهم - ومن هو أهل البيت، مثل سلمان الفارسيّ رضي الله عنه - إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران، فهم المطهّرون اختصاصاً من الله وعنايةً بهم، لشرف محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم، وعناية الله بهم...(١) .
وعن مفهوم أهل البيت، قال الشبلنجي: إنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ، ودليل نبوّته يوم المباهلة. ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين أراد المباهلة هو ووفد نجران؛ وذكر الآية، قال: أراد بالأبناء الحسن والحسين، وبالنساء فاطمة، وبالنفس نفسهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليًّا رضي الله عنه (ثُمّ نَبْتَهِل ) قال ابن عباس: نتضرّع في الدعاء، وقيل معناه: نجتهد ونبالغ في الدعاء، وقيل معناه: نلتعن.
قال المفسّرون: لـمّا قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتّى نرجع وننظر في أمرنا ثمّ نأتيك غداً. فلمّا خلوا بعضهم ببعض قالوا للعاقب - وكان كبيرهم وصاحب رأيهم - ما ترى يا عبد المسيح؟ قال: لقد علمتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسل، ولئن فعلتم ذلك لنهلكنّ. وفي رواية قال لهم: ما لا عن قوم قطُّ نبيّاً إلا هلكوا عن آخرهم، فإن أبيتم إلاّ البقاء على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ يمشي خلفها، والنبيّ يقول لهم: (إذا دعوت فأمّنوا)، فلمّا رآهم أسقف نجران قال: يا معشر النصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا
____________________
(١) الشرف المؤبّد: ١٢ - ١٣.
فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نباهلك وأن نتركك على دينك وتتركنا على ديننا. فقال لهم رسول الله: (فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكن ما للمسلمين وعليكم ما عليهم). فأبوا ذلك، فقال: (فإنّي أنابذكم)(١) فقالوا: ما لنا في حرب العرب طاقة، ولكنّا نصالحكم على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا، وأن نؤدّي إليك في كلّ سنة كذا وكذا..، فصالحهم رسول الله على ذلك، وقال: (والذي نفسي بيده، إنّ العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليها الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى هلكوا) انتهى عن الخازن وغيره. قال الشبلنجي: وفي ذلك دليل على نبوّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وعلى فضل أهل الكساء(٢) .
فهلاّ باهل أهل بيت الرحمة النواصب الخوارج، فإن رضوا المباهلة لحلّوا دار البوار، ولم يكن وجود لصنيعتهم: ابن هند، ولم تكن صفّين ولا يوم البعير ولا نهروان ولا الطفّ ولا حرّة وابن تيميه ووهّابيّون، وحزب الضلالة والإجرام (البعث) المشؤوم!
إلاّ أنّه بيت رحمة معلوم له ما سيجري له بتعليم وإخبار من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد باهل الحسين، يوم الطفّ أحد جيش أهل الشأم فسقط لتوّه من فرسه وتعلّقت قدمه بركاب الفرس فركض به يضرب رأسه بكلّ حجر ومدر فقطع بدنه أو أوصالاً.
وقد ذكرنا ميتات السوء التي مات بها رجال السوء ممّن اعتدى وانتهك حرمة
____________________
(١) الطرائف، للسيّد ابن طاووس الحسنيّ: ٤٥.
(٢) نور الأبصار: ٢٢٣ - ٢٣٤.
البيت الطاهر الذي بلغ شأنه أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مضت عليه شهور من نزول آية التطهير وهو يقصد بيتهم عند صلاة الفجر فيسلّم عليهم ويناديهم إلى الصلاة، ولم يعترضه المتهوّكون! فيقل أحدهم: ما هذه البدعة يا رسول الله؟!
إنّه بيت حقيق بكلّ مسلم صادق أن يشدّ الرّحال إليه رغم أنف من أنف! فهو بيت ينزل الوحي فيه ومنه يعرج، وهو بيت السيادة والطهارة ومعجزة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم، وهم وودّهم الاجرة المفروض على الأُمّة لتبليغ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رسالته؛ وذكرهم في القرآن يضيق مقام البحث هنا أن يجمعه، فقد ذكرهم بالوصف والنسبة وهو أبلغ في العربيّة من الذكر بالإسم.
وإن كنّا ذكرنا حديث حرب وسلم أهل البيت هو حرب وسلم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّه يرد أنّ حبّ الحسنين وبغضهما حبّ وبغض لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
عن سالم بن أبي حفصة عن أبي حازم عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (من أحب حسنا وحسينا أحبّني ومن أبغضهما أبغضني)(١) .
ونذكّر بقول أحمد بن حنبل لـمّا سئل عن قوله في حديث: (عليٌّ قسيم النار)؟
____________________
(١) كتاب الفضائل، للنسائي: ٩٠ / ٦٥، مسند أحمد ٢: ٢٨٨ و ٢٤٩ و ٤٤٠ و ٥٣١، سنن ابن ماجة ١: ٥١ / ١٣، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٧ قال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في التلخيص، ومسند أبي يعلى: ١١ / ٧٨ / ٦٢١٥، الكامل، لابن عدي: ٣ / ٨٢ / ٦٢٥ و ٣٤٤ / ٧٩٣، الأدب المفرد، للبخاري: ٣٠٤، السنن الكبرى، للنسائي كتاب المناقب - مناقب الحسنين ح ٦٥، أمالي الطوسي ح ٣٨، صحيح مسلم: ٧ / ١٢٩، حلية الأولياء: ٢: ٣٥، المعجم الكبير ٣: ٤٧ - ٥٠ ح ٢٦٤٥ - ٢٦٤٩ و ٤٩ ح ٢٦٥١ ولفظه: (أللّهم إنّي أحبّهما فأحبّهما وابغض من يبغضهما). والحديث بنصّه في طبقات ابن سعد في ترجمته للحسنينعليهماالسلام ، وكذلك في تهذيب الكمال - ترجمتهما -، الفضائل، لأحمد ح ٦٠ من فضائل الحسنين وتاريخ دمشق - أيضاً ترجمتهماعليهماالسلام -، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٠، صحيح ابن حبّان ح ٢٢٣٣.
فقال: ألسنا نروي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (لا يحبّ عليًّا إلّا مؤمن ولا يبغضهما إلّا منافق)؟ قالوا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قالوا: في الجنّة. قال: وأين المنافق؟ قالوا: في النار. قال: هذا جواب سؤالكم.
وقد قرنصلىاللهعليهوآلهوسلم حبّ الحسن والحسين بحبّه، وبغضهما ببغضه؛ فأين يكون شيعة النبيّ والحسن والحسين؛ وأين يكون مبغضهم؟!
والجواب من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبسند عن سلمان قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للحسن والحسين: (من أحبّهما أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله جنّات النعيم، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله عذاب جهنّم وله عذاب مقيم)(١) .
فأين يكون من أحبّ الحسن والحسينعليهماالسلام ؛ وأين يكون من أبغضهما؛ بل حرابهما وقتلهما وقطع أيدي ورؤوس من أحبّهما؟! ومن مهّد لهم بالتمكين ومن هو على سيرتهم؟!
هل وجدتم في سيرة أسلافكم شريف الحسب والنسب كما وجدنا في أهل البيت الطاهر؟ هل جاء في أحدهم حديث واحد يجعله قرين أهل البيتعليهمالسلام ؟ ! أم تقولون: إنّ أولئك داخلون في عدل القرآن وثقله، وإن لم يصرّح بأسماء؟! ولكن لفظ (العترة، وحامّة النبيّ وخاصّته أهل بيته...) قطعت هذا الطريق وحديث الكساء قاطع من أن يدخل في أهل البيتعليهمالسلام من منعه النبيّ أن يكون معهم، فكيف بك بمن أمضى شطر عمر الاكبر في شرك وعبادة الأصنام وإتيان الفواحش! ولو كان فيهم من هو أطهر وأفضل من أهل البيت لخرج يباهل به النصارى كما هزم به من لا نعرف اسمه في بدر
____________________
(١) المعجم الكبير: ٣ / ٥٠ / ٢٦٥٥، مجمع الزوائد: ٩ / ١٨١، مختصر تاريخ دمشق ٧: ١٢١.
وأحد وغيرها، ولعلّه كان مرهقاً أو لعلّة أخرى فأعطى فضيلة قتل بطل يهود (خيبر) - مرحب - إلى أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فقتله وكان الفتح على يديه؛ لأنّه (يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله) - ذكرنا الحديث -، ولو كان فيهم مثل عليّ أو أفضل منه لجعله أخاه؛ فيوم المؤاخاة جعل يضمّ النظير إلى نظيره وأبقى عليًّا، فآخاه - ذكرنا مصادره - ويومها في مواقف عديدة قال لعليّعليهالسلام : (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي) وهارونعليهالسلام نبيّ ووصيّ أحد الرّسل أولى العزم ونبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد الأنبياء والرّسل، فوصيّه أفضل من وصيّ غيره! وهارون توفّي في عهد موسىعليهالسلام ؛ فقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام : (أنت منيّ بمنزلة هارون من موسى) الظاهر في العصمة، بضمّ معنى آخر هو (الإمامة) فعليّ عاش بعد رسول الله، وهو لم يقل له: هذه المنزلة ما دمت حيّاً، فانتبه!
حبّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم للحسنعليهالسلام
بسند عن محمّد بن فضيل بن غزوان، عن فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للحسن:
(أللّهم إنّي قد أحببته فأحبّه وأحبّ من أحبّه)(١) .
____________________
(١) صحيح البخاري ٩: ٣٧٤، الأدب المفرد له ح ٨٦، صحيح ابن حبّان: ١٥ / ٤١٦ / ٦٩٦٢، صحيح مسلم: ٢٤٢٢ / ٥٨ - ٥٩، المصنّف، لابن أبي شيبة ٦ / ٣٨٢ / ٣٢١٨٢، مسند أحمد: ٣ / ٥٤٢ و ٤٦١، الفضائل له ح ١٣٥٣ و ١٣٨٨، مسند الطيالسي: ٧٣٢، سنن الترمذيّ: ٥ / ٦١ / ٣٧٨٢ و ٣٧٨٣، السنن الكبرى، للنسائي ج ٥ ح ٣ من مناقب الحسنين، المعجم الكبير: ٣ / ٣١ / ٤٥٨٢ و ٢٥٨٤، المعجم الأوسط: ٢ / ٥٧٩ / ١٩٩٣، السنن الكبرى، للبهقي ١٠ / ٢٣٣، شرح السنّة، للبغوي: ١٤ / ١٣٤ / ٢٩٣٢، تاريخ بغداد: ١٢ / ٩، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ٢ / ٦٤ / ٧١٨.
شهادةٌ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الله تعالى: أنّه يحبّ الحسن ويسأل الله تعالى أن يحبّه، وأن يحبّ من يحبّه. ولم يكن من حرق البيت عليه يحبه، ولا من حاربه وقد أخذت البيعة له طواعية، يحبّه؛ وكيف يحبّه ولـمّا تجفّ أقدام أهل الشأم من الدماء وخيولهم من عرقها، وقد هلك مهم في حربهم لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام أكثر من (٤٥) ألفاً، وهم قد أدخل الإسلام إلى بلادهم يزيد بن أبي سفيان ومعاوية ابن هند الذي أفرده بحكم الشأم عمر بن الخطّاب، فأدّبهم بآدابه ومن تلك الآداب: المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتربيتهم على بغض أهل البيتعليهمالسلام .
أقول: ما إن انتهت صفّين واتّفق الفريقان على هدنة لمدّة سنة بعدها ينظروا في أمرهم، ورجع أهل الشأم إلى شأمهم وأهل العراق إلى عراقهم، ثمّ كانت حركة الخوارج المارقين ومعركة النهروان التي انتهت بما أنبأ به أمير المؤمنين أن لا يقتل من جيشه إلّا دون العشرة، ولا ينجو منهم إلّا دون العشرة فكان كما قال. ثمّ استشهدعليهالسلام ، فبايع الناس الإمام الحسنعليهالسلام ؛ فتحرّك ابن هند ومعه أهل الشأم لحرب سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فدينهم دين ابن هند وكفى بابن النابغة عمرو أن يصفهم على ما مرّ بنا. فبهم وبخوارج الكوفة وعثمانيتها وبأساليب الغدر، استشهد سبط رسول الله الحسينعليهالسلام وهم الذين تفرّدوا بوقعة الحرّ النكراء، وهم وحدهم الذين انتهكوا حرمة البيت الحرام بعد هتكهم حرمة المدينة المنوّرة، وتخريبهم وحرقهم الكعبة المشرّفة! وأعادوا فعلتهم هذه بالبيت الحرام وهدم وحرق الكعبة أيّام عبد الملك بن مروان؛ هذا غير الغارات التي تحدّثنا عنها ناكثا لعهوده، فهاجم المدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة وقطع سبيل الحاجّ وقتل من وصلت إليه يد جنده من أهل الشأم.
ولم يفعل الخوارج المارقون ما فعله خوارج الشأم أتباع ابن هند! وكان سلوك
الخوارج الأوائل من إقصائهم أهل البيت عن مراتبهم التي رتّبها الله لهم، ومصادرتهم حقوقهم مثل (فدك)، وحرقهم البيت الذي كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يدخل مسجده لصلاة الفجر إلا بعد أن يق عنده فيسلم على أهله ويرفع صوته بذلك: (السلام عليكم أهل البيت، إنّما يريد الله أن يذهب عنكم الرّجس ويطهّركم تطهيراً؛ الصلاة أهل البيت) - يقولها ثلاثاً.
إنّ فضل أيّ من أهل البيتعليهمالسلام راجع إلى الآخر، وهو مشترك بينهم؛ فإذا قيل: بيت سيادة، لم تذهب الخواطر والنفوس إلا الى هذا البيت النبوي العلوي العلوي الذي أوّله سيّد الرّسل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وعماده ابن مؤمن قريش وشريفها مثل الجهاد رضوان الله عليه أبو طالب؛ أمّه أوّل المبايعات؛ عوّضت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حنان الوالدة المؤمنة الصالحة تلك هي الجوهرة الفريدة آمنة بنت وهب؛ وزوجه الطهر الطاهرة بضعة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وابناه ريحانتا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتدرّجاً في آبائه مصابيح الهدى وفخر الإنسانيّة، لا عيب في أحدهم وإن بعدت سلسلة الآباء؛ فإذا قيل: من فخر ولد آدمعليهالسلام ؟ قيل: هموا. ولم تكن هذه السيادة لفخر النسب وإن زكى؛ ولا من عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المسدّد بالوحي والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ إنّما هو من عند الله تعالى؛ ومن السيرة الذاتيّة لكلّ شمس مشرقة في هذا البيت الذي منع الله تعالى ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يشركهم مفاخر الرجال! ونساؤه أن يشركوهم بما اختصّهم الله تعالى به من الفخر والعصمة ولم يخرج بغيرهم يتحدّى النصارى بهم؛ فغلبهم بهم؛ فكانوا أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حقّاً، وترجمان القرآن وعدله، وهما تركة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أمّته لا يجوز العمل بما عند أحدهما دون الآخر؛ وهتك حرمة أحدهما، هتك لحرمة الثقل الثاني وعدله؛ فلينظر كلّ من هتك حرمة أهل البيتعليهمالسلام ، مستقرّهم يوم الحساب!
حديث الثقلين
من طرق عدة، يرد قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم:
(إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، لن تضلّوا ما استمسكتم بهما، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)(١) .
____________________
(١) الصمنّف، لعبد الرزّاق ٤ / ٥٢ / ٦٩٤٣، المصنف، لابن أبي شيبة ١٠ / ٥٠٦ و ١٢ / ٩٧ / ١٢٢٣٠، صحيح مسلم ٤ / ١٨٧٤ و ٧ / ١٢٢ / ٢٠٤٨ و ٣ ص ١٤ و ١٧ و ٢٦ و ٥٩، و ١٧ / ١٦٩، وفضائل الصحابة له ح ١٧٠ و ٣٥ - ٣٦، و ٦٧ ح ١١٤، سنن الترمذيّ في باب مناقب أهل البيت ٥ / ٣٢٨ / ٣٨٧٦ و ١٢ / ١٢٦، كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٧٥، المعرفة والتاريخ ١ / ٥٣٦ - ٥٣٧، المعجم الكبير ٥ / ١٦٦ / ٤٩٦٩ و ١٨٣ / ٥٠٨٣ وأجزاء وصفحات اخرى منه، مسند أبي يعلى ٢ / ٣٧٦ / ١١٤٠ وح ٤٨ و ٥٣ و ١٦٦، سنن الدارمي ٢ / ٤٢١ وو ٣ / ٤٣١، السنّة، لابن أبي عاصم ٦٢٩ / ١٥٥٠ و ١٥٥٥، المعجم الصغير ١: ٢٥٥، المعيار والموازنة: ٣٥، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٨ - ١٤٩، الشافي ١ / ٩٨٩ - ٩٩٩، ورواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُوا ) - آل عمران: ١٠٣، مشكل الآثار ٤ / ٢٥٤ / ٢٧٩٧. قال الطحاوي: فمن أخرج عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم.. . فجعلهم كسواهم... كان به ملعوناً؛ سنن البيهقي ٢ / ١٤٨ و ١٠ / ١١٤ ومواضع أخرى، شرح السنّة، للبغوي ١٤ / ١١٧ / ٣٩١٣ ومواضع أخرى، كشف الأستار ١٩٠ / ٢٥٤٠، صحيح ابن حبّان ١ / ١٣٣ / ١٢٣، الصواعق المحرقة: ٧٥، الأمالي الخميسيّة ١ / ١٥٤ ومواضع أخرى، فرائد السمطين ٢ / ١٤٤ ومواضع أخرى، أنساب الأشراف ٢ / ١٨٣، إكمال الدين، للصدوق ١ / ٣٦ باب ٢٢، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ٢٣٦ ح ٢٤٨ ومواضع أخرى، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ١ / ٧٤٨ / ٦١٥ - ٦١٧، ونفسه ٧٧٨ / ٦٣٢ - ٦٣٣ و ٧٨٥ / ٦٣٥ و ٧٩٧ / ٦٣٩ و ٨٢٣ / ٦٦٣ و ٨٣ / ٦٧٠، غاية المرام: ٥٣٩، أمالي المحاملي ٣ / ٣٨، البداية والنهاية ٧ / ٣٦٠، المؤتلف والمختلف، للدار قطني ٤ / ٢٠٦٠، معاني الأخبار، للصدوق: ٩٠ باب ٣٤، عيون أخبار الرضا: ٤٦، المناقب، للخوارزمي ح ١٨٥، سنن أبي داود ٤ / ٢٩٤ / ٤٩٧٣، تفسير ابن كثير ٤ / ١١٣ (تفسير آية المودّة من سورة الشورى)، موارد الظمآن، للهيثمي رقم ٢٢٤٤، طبقات ابن سعد ٣ / ١٩٤، خصائص أميرالمؤمنين، للنسائي ٩٦ / ٧٨، تاريخ بغداد ٨ / ٤٤٨، كنز العمّال ١٣: ٦٤١، مجمع الفوائد، للهيثمي ٩ / ١٦٣، كفاية الطالب: ١١ الباب الأوّل، فتح القدير ٧ / ٧٤.
فالحديث بيّن واضح أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو مرجع الأُمّة في العقيدة والاحكام، وقد أوكلها من بعده إلى منبعين فيهما الهداية والنور؛ وما أتى به النبيّ ينبغي أتّباعه، وما نهى عنه يجب تركه كما تبيّن لنا فيما مضى. فكان الواجب التزام ما أمر به جميعا أو تركه كذلك ممّا دلّ على عصمة الثقل الثاني بالتبعة لثقله الأول (القرآن). وهذا الذي ذهب إليه الطحاوي الحنفي (ت ٣٢١ هـ) شيخ البخاري، في كلامه عن حديث الثقلين، وقد ذكرنا بعضه في الهامش ونعيد ذكره كاملاً؛ قال أبو جعفر - الطحاوي: (فمن أخرج عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليهم من المكان الذي جعلهم الله به على لسان نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ممّا قد ذكرنا في هذه الآثار فجعلهم كسواهم ممّن ليس من أهل بيته وعترته كان به ملعونا إذ كان قد خالف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما فعل من ذلك)(١) .
فهل عمل الخوارج من يومهم الأوّل، مروراً بابن هند، إلى ابن تيميه فالوهّابيّين بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأنزلوا عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الذين طهّرهم الله تطهيراً بآية التطهير، وهم أهل الكساء، المنزلة التي أنزلهم الله إيّاها، أم حسدوهم في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى شكى سيّد المسلمين أمير المؤمنين ما يجد من حسد قريش له، فكان من جواب رسول الله له: أنّه سيلقى من بعده أذىً كثيراً وعليه أن يصبر! فلمّا سمعها الذين في قلوبهم مرض مع علمهم أنّ عليًّاعليهالسلام لا يعصي لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمراً وأنّه ملتوم بوصيّته وأنّه مقدّم لمصلحة الإسلام على كلّ شيء؛ نفخوا بسبلتهم وشمّروا عن سواعد كانت تلوذ برسول الله وبأخيه عليّ الذي كفاهم بأس الأعداء وزرع في كلّ بيت قرشي أو حليف ناحة! وشنّوا الغارة على بيت مهبط الوحي، بيت أهل رسول الله الذي كان لا يتعدّاه حتّى يرفع صوته بالسّلام عليه: (السّلام عليكم أهل البيت؛ إنّما
____________________
(١) مشكل الآثار، للطحاوي الحنفي ٤: ٢٥٤ / ٣٧٩٩.
يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) وما كان يصنع مثل ذلك ببيت من تلك البيوت، ولهذا ولغيره من عظيم الخصائص صار من أخرجهم من مكانهم الذي جعلهم الله فيه ملعوناً، كما ذكر الطحاوي.
كيف يكون حال من هتك حرمة هذا البيت بالتحريق والوعيد الشديد لمن لم يبايع وشهر عليهم السيف وقتلهم؛ ولمن أعلن أن لا جنّة ولا نار وتاجر بالأصنام وأباح حرم الرسول وهتك حرمة بيت الله، وخالف سنّة رسول الله وحرقها، ولو كان يسعفه الأمر لحرق القرآن! أو لم يجعل الوليد كتاب الله هدفاً لسهمه، وصلّى بالناس صلاة الصبح سكراناً، فزادهم ثمّ التفت إليهم وقال: هل أزيدكم؟!
بسند عن عائشة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (ستّة ألعنهم، لعنهم الله وكلّ نبيّ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت يذلّ به من أعزّ الله عزّوجلّ ويعزّ من أذلّ الله عزّ وجلّ، والتارك لسنّتي، والمستحلّ لحرم الله عزّوجلّ، والمستحلّ من عترتي ما حرم الله عزّوجلّ)(١) .
وما نال أمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته الطاهرة على يد أحد ما نالهم على يد المتسلّط بالجبروت واشتقاقه من الجبريّة مثل الملكوت من الملك؛ فانظر في سلطان الجميع، في قربه وبعده من الجبروت، ومن لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منهم لتسلّطه الجبروتي، ومن خلال سيرته في إعزاز من أذلّة تعالى بذنوبه وإذلال من أعزّه الله ورفع مقامه لطهارته؛ تعرف من هو الجبروت؟
وفي الحديث لعن من استحلّ ما حرّم الله عزّ وجلّ فيجعل من حرم الله كما سواه ممّا لم يحرّمه من بلاده، وقد أبان سبحانه حرمه من سائر الأصقاع من منع عباده من
____________________
(١) مشكل الآثار، للطحاوي الحنفيّ ٤: ٢٥٤ / ٣٧٩٣.
دخوله إلّا محرمين إمّا بالحجّ أو بالعمرة من تحريم صيده، ومن دخله كان آمناً لقوله تعالى:( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) (١) . وبتحريمه عضاهه للحرمة التي لم يجعلها لعضاه غيرها ومن منعه القتال فيه، من لا يجب قتاله، لأنّه قد أعلمنا عزّ وجلّ على لسان رسوله إنّ مكّة لا تغزى بعد العام الذي غزاه وأنّه لا يقتل قرشيّ بعد عامه ذلك صبراً، اي لا تقتلوا أهلها بعد ذلك العام، فيغزون كما غزوا في ذلك العام للكفر الذي أباح دماء أهلها القرشيّين في ذلك العام؛ فمن أنزل الحرم بخلاف تلك المنزلة كان به ملعوناً. ولذلك أذاع ابن الزبير في أوّل أمره: أنّه عائذ ببيت الله، لعلّ جيوش الشأم تكفّ عنه؛ ولا أدري! نسي أو تناسى أنّهم طوع المتسلّط بالجبروت المشتهر بالخمر وملاعبة الكلاب والقرود والفهود؛ ومن قبل شنّوا الغارات على الحرمين الشريفين، ولم يكن وقتها تمرّد ولا حتّى عائذ!
وكان منه أن حرّض أهل المدينة على خلع أسفه متسلّط بالجبروت فكان الحرّة، ثمّ عطف جيش الشأم على بيت الله فدكّوا قبلة المسلمين فهدموها وحرقوا ستائرها وهم يرقصون ويتغنون فرحاً بما فعلوا؛ ولولا أنّ خبر هلاك طاغيتهم المتسلّط بالجبروت قد وصلهم لـما رجعوا إلّا برأس ابن الزبير؛ عند ذلك اختلفوا وصاروا أكثر من فرقة ورجعوا إلى الشأم لتبدأ مرحلة جديدة هي تسلّط مروان بن الحكم، وفي عهد ابنه عبد الملك خرّبت الكعبة مرّة أخرى على ايدي أهل الشأم ولم يرجعوا إلّا بعد أن قتل ابن الزبير وصلب.
وقوله: (والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله) وعترته هم أهل بيته الذين على دينه
____________________
(١) آل عمران: ٩٧.
وعلى التمسّك بأمره، ولذا قرنهم بكتاب الله كما في حديث الثقلين، وأهل بيته الذين على دينه هم أهل الكساء: عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسينعليهمالسلام ، الذين جمعهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم معه تحت الكساء ودعا لهم وقال: (أللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً) وفيهم نزلت آية التطهير. فمن أخرجهم عن مكانتهم ومنزلتهم التي أنزلهم الله تعالى إيّاها كافر بالقرآن لأنّ أهل البيت بعض القرآن لـما نزل فيهم، فليس بمؤمن من آمن ببعض القرآن وكفر ببعضه، ومن فعل ذلك فله خزي في الحياة الدنيا وله يوم الآخرة عذاب عظيم! وحاله حال من استحلّ حرم الله عزّ وجلّ فيما استحلّ من حرمة أهل البيتعليهمالسلام ، فكلا المستحلّين موضع لعنة سيّد الأنبياء والرسل، ودعوة كلّ نبيّ مجاب! فأين يكون من استحلّ حرمة أهل بيته بالمداهمة والتحريق ومصادرة نحلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابنته الصدّيقة الطاهرةعليهاالسلام وتكذيب دعواها وماتت وهي واجدة على القوم! وأقصوا أمير المؤمنين بنصّ القرآن الكريم وأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، عن تلك المنزلة؛ ولـمـّا بويع بيعة شرعيّة عامّةً خرج عليه ابن هند فحاربه، ثمّ حارب من بعده ثاني العترة السبط الزكي الحسن بن عليّعليهماالسلام ، ومن بعد ذلك قتل ابن ميسون سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهماالسلام وتوالت المصائب على العترة الطاهرة وشيعتهم حتّى يومنا.
فأين يكون الفريقان الباغي والمبغى عليه، العترة الطاهرة وشيعتهم ومن تسلّط بالجبروت فقتلهم ونكّل بهم، هل يجتمع الفريقان في مكان واحد؟! فهذا ليس من عدل الله تعالى الذي جعل قتل النفس الواحدة مثل قتل الناس جميعاً؛ هذا في عموم الناس! كيف إذا صار إلى قتل عترة نبيّه وشيعتهم خير البريّة، وقتل من طهّرهم من دون خلقه وكانوا معجزة نبيّه يوم المباهلة وأمر سبحانه بولايتهم؟! ولـمّا كانوا مع
الحقّ والحقّ معهم لا يفارقهم، وهم عدل القرآن والثقل الثاني اللّذان تركهما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأوصى بهما، فإنّ القرآن معهما دنياً وآخرة ويأبى أن يحشر مع ثقله عدوّه وقاتله!
الصلاة على أهل البيت في العبادة
الصلاة عمود الدين ومعراج المؤمن وصلة العبد بربه... وفي هذه العبادة العظيمة يصلّى على النبيّ وأهل بيته عقب التشهّد في كلّ صلاة، ولا يجوز ذكر غيرهم فيها وإلاّ بطلت الصلاة، فحال غيرهم حال المبطلات الأخرى. فأيّ منزلة هي منزلة أهل البيتعليهمالسلام حتّى يذكروا في الصلاة؛ وهل تجوز صلاة خارجيّ ناصبيّ، إن كان من المصلّين! وقد استحلّ حرمة أهل البيت، وهو أحد الستّة الذين لعنهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
وقد جرى الكلام عن هذه الفضيلة والمنزلة الرفيعة متوسّعاً في ترجمة سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن عليّعليهماالسلام.
بيعة الإمام الحسنعليهالسلام
كانت بيعة الإمام الحسن نظير بيعة أبيه أمير المؤمنينعليهماالسلام، فلم يكن فيها بطش وتهديد بالقتل! ولم تكن جبريّة وإنّما على علن من الجميع ورضاهم.
البلاذريّ: حدّثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف وعوانةبن الحكم في إسنادهما، قالوا: لـمّا قتل عليّ بن أبي طالب قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فخطب وحمد الله وأثنى عليه، ثمّ وصف فضل عليّ وسابقته وقرابته والذي كان عليه في هديه وعدله وزهده، وقرّظ الحسن ووصف حاله ومكانه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي هو أهله في هديه وحلمه واستحقاقه الأمر بعد أبيه، ورغّبهم في بيعته، ودعاهم إلى طاعته، وكان قيس أوّل من بايعه ثمّ ابتدر الناس بيعته(١) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٧٨.
وقد كان قيس عامل عليّ على آذربيجان فكتب إليه في القدوم للغزو معه، فقدم فشهد مقتله(١) .
____________________
(١) نفس المصدر السابق. وقيس سيّد ابن سيّد؛ فهو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الخزرجيّ. وسعد بن عبادة، سيّد الخزرج، أبو ثابت ويقال: أبو قيس، المدنيّ، صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمّ سعد: عمرة بنت مسعود؛ من بني مالك بن النجّار بن الخزرج. من المبايعات، توفّيت بالمدينة ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غائب في غزوة دومة الجندل، وكان سعد معه في تلك الغزوة، فلمّا قدم رسول الله المدينة أتى قبرها فصلّى عليها. شهد سعد العقبة مع السبعين من الأنصار، وبيعة الرضوان وكان أحد النقباء الاثني عشر، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان سيّداً جواداً. كان سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وأبو دجانة لـمّا أسلموا يكسرون أصنام بني ساعدة. وهو من بيت عريق في الكرم؛ كان سعد وعدّة من آبائه ينادى على آطامهم: من أصبّ الشّحم واللّحم فليأت أطم دليم ابن حارثة. وكذلك كان يصنع ابنه قيس بن سعد بن عبادة. وكان راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المواطن كلّها راية المهاجرين مع عليّ بن أبي طالب وراية الأنصار مع سعد بن عبادة.
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أمسى قسم ناساً من أهل الصفّة بين رجال من أصحابه، فكان الرجل يذهب بالرجل، والرجل يذهب بالرجلين...، وكان سعد بن عبادة يرجع كلّ ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشّيهم.
عن ابن عبّاس: كانت راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المواطن كلّها راية المهاجرين مع عليّ بن أبي طالب، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة. (مسند أحمد ١ / ٣٦٨). وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: لـمّا بلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إقبال أبي سفيان قال: أشيروا عليّ، فقام أبوبكر فقال له: اجلس! ثمّ قام عمر فقال له: اجلس! فقام سعد بن عبادة: إيّانا تريد يا رسول الله؟ فلو امرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ذلك. (مسند أحمد ٣ / ٣٦٨، ٢١٩، ٢٥٥٧، ٢٨٧؛ وصحيح مسلم ٥ / ١٧٠ و ٨ / ١٦٣؛ وسنن أبي داود: ٢٦٨١). امتنع سعد بن عبادة من بيعة أبي بكر، فبعث إليه أبوبكر أن بايع، فقال: لا والله حتّى أراميكم بما في كنانتي وأقاتلكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي. فلمّا جاء الخبر إلى أبي بكر قال بشير بن سعد: إنّه قد أبى ولجّ وليس بمبايعكم أو يقتل ولن يقتل حتّى يقتل معه ولده وعشيرته ولن يقتلوا حتّى تقتل الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتّى تقتل الأوس، فلا تحركوه...، فقبل أبوبكر نصيحة بشير فترك سعداً، فلمّا ولي عمر لقيه ذات يوم في طريق المدينة فقال: إيه يا سعد! فقال سعد: إيه يا عمر، فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ فقال: نعم أنا ذاك وقد أفضى هذا الأمر إليك، كان والله صاحبك أحبّ إلينا منك وقد والله أصبحت كارهاً لجوارك. فقال عمر: إنّه من كره
جوار جاره تحوّل عنه، فقال سعد: أما إنّي غير مستنسئ بذلك وأنا متحوّل إلى جوار من هو خير منك، فخرج مهاجراً إلى الشأم واستوطن حوران. ولم يتركه عمر بل ارسل خلفه رجلاً يسأله إن كان ما زال على رأيه أو يبايع ولـمّا علم أنّه مصرّ على موقفه سدّد مبعوث عمر سهماً إلى قلب سعد فقتله وأشاعوا أنّ الجنّ قتله لأنّه بال واقفاً! ولم يقولوا إن كان قاتله من جنّ الجنّ أم الإنس كأن يكون الرجل الذي بعثه عمر - وقد ذكرنا اسم الرجل والمصادر التي ذكرت أنّه مأمور بقتله إن امتنع - ولا ندري لم تقتل الجنّ رجلاً بال واقفاً (انظر ابن سعد ٣: ٦١٦ - ٦١٧ و ٧: ٣٩٠ - ٣٩١) وانظر في ترجمة سعد بن عبادة المصنف، لابن أبي شيبة: ١٣ رقم ١٥٧٨٢، السيرة النبويّة، لابن هشام في مواضع متعدّدة، المغازي للواقدي في مواضع عدّة، طبقات خليفة: ٩٧ و ٣٠٣ و تاريخه: ٧٢ و ١١٧ و ١٣٥، تاريخ البخاري الكبير: ٤ ترجمة ١٩١١، صحيح مسلم ٥: ١٧٠ و ٨: ١٦٣، وسنن أبي داود (٢٦٨١)، المعارف، لابن قتيبة: ٢٥٩، المعرفة، ليعقوب ١: ٢٩٤، المعجم الكبير، للطبراني: ٦ رقم ٥٢٧... وكتب التراجم والتاريخ والحديث.
وابنه: قيس بن سعد بن عبادة: صحابيّ وأبوه صحابيّ؛ وكان قيس من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، و أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، والإمام الحسن بن عليّعليهماالسلام (الكشي: ٦٣ و ٧٢) وهو من العشرة الذين نصروا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وممّن لم يبايع أبا بكر (رجال ابن داود: ٢٧٩ / ١٢١٠).
وقد ذكرنا من كرم بيته أنّه وأباه وأجداده كانوا يطعمون الطعام فكانوا يقف أحدهم فينادي: من أحبّ الشّحم واللّحم فليأت أطم دليم بن حارثة. وقيس بن سعد أوّل من بايع الإمام الحسنعليهالسلام بعد أن خطب في الناس فبيّن فضل أمير المؤمنينعليهالسلام ومدح الإمام الحسنعليهالسلام بما هو أهله، ولـمّا بايع قيس ابتدر الناس بيعته. وقد ذكره الطبريّ في سنده عن الزّهريّ قال: جعل عليّعليهالسلام قيس بن سعد على مقدّمته إلى اذربيجان وعلى أرضها، وشرطة الخميس وكانوا أربعين ألفاً بايعوا عليًّا على الموت ولم يزل قيس يدارئ ذلك الجيش حتّى قتل الحسنعليهالسلام واستخلف أهل العراق الحسن بن عليعليهالسلام على الخلافة. (تاريخ الطبري ٤: ١٢١). وفي رجال البرقي: ٣؛ في ذكر أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال: وأصحاب أمير المؤمنين الذي كانوا شرطة الخميس كانوا ستّة آلاف رجل؛ وقال عليّ بن الحكم: أصحاب أمير المؤمنين الذي قال لهم: (تشرّطوا إنّما أشارطكم على الجنّة، ولست أشارطكم على ذهب ولا فضّة، إنّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأصحابه فيما مضى: تشرّطوا فإنّي لست أشارطكم إلّا على الجنّة). فهل يجتمع قيس مع الخوارج في مكان واحد؟! قال أنس بن مالك: كان قيس بن سعد من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلة صاحب الشّرطة من الأمير. (الاستيعاب ٣: ١٢٨٩).
وكان قيس بن سعد بن عبادة خادماً للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خدمه عشر سنين. ومن جوده: بسند عن جابر بن عبد الله خرجنا في بعث وعلينا قيس بن سعد بن عبادة فنحر لنا تسع ركائب، فلمّا قدمنا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكر له ذلك، فقال: (إنّ الجود من شيمة أهل ذلك البيت). (الاستيعاب ٣: ١٢٩٠).
وقال هشام بن عروة، عن أبيه: باع قيس بن سعد مالاً من معاوية بتسعين ألفاً، فأمر منادياً فنادى في المدينة: من أراد القرض فليأت منزل سعد، فأقرض أربعين أو خمسين، وأجاز بالباقي، وكتب على من أقرضه صكّاً، فمرض مرضاً قلّ عوّاده فقال لزوجته: لم ترين قلّ عوّادي؟ قالت: للذي لك عليهم من الدّين. فأرسل إلى كلّ رجل بصكه. (تاريخ بغداد ١: ١٧٨ - ١٧٩).
ومن أخباره مع ابن هند: كان قيس بن سعد بن عبادة عاملاً لعليّ على مصر، فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنذك يهوديّ ابن يهوديّ، إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما غليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر قوسه، ورمى غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثمّ مات بحوران طريداً. فكتب إليه قيس بن سعد: أمّا بعد، فإنّما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً، لم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك، وكان ابي أوتر قوسه ورمى غرضه، فشغب به من لم يبلغ عقبه، ولا شقّ غباره؛ ونحن أنصار الدين الذي منه خرجت، وأعداء الدين الذي فيه دخلت. (مروج الذهب ٣: ١٦ - ١٧). وإذا كان هذا منطق قيس بن سعد بن عبادة مع معاوية في وجود الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ومكاتبةً، فإنّه شؤبوب اضطرمت في كبد ابن هند بمحضر منه في مجلسه، وأميرالمؤمنينعليهالسلام قد استشهد.
(دخل قيس بن سعد بن عبادة، بعد وفاة عليّ ووقوع الصلح في جماعة من الأنصار، على معاوية، فقال لهم معاوية: يا معشر الأنصار، بم تطلبون ما قبلي؟! فو الله لقد كنتم قليلاً معي كثيراً عليّ، ولفللتم حدّي يوم صفّين حتّى رأيت المنايا تلظّى في أسنّتكم، وهجوتموني في ألافي بأشدّ من وقع الأسنّة، حتّى إذا أقام الله ما حاولتم ميله قلتم: ارع فينا وصيّة رسول الله، هيهات يأبى ذلك الحقين العذرة! فقال قيس: نطلب ما قبلك بالإسلام الكافي به الله، لا بما تمتّ به إليك الأحزاب. وأمّا عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك. وأمّا هجاؤنا فقول يزول باطله ويثبت حقّه. وأمّا استقامة الأمر فعلى كره كان منّا. وأمّا فلّنا حدّك يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل نرى طاعته لله طاعة. وأمّا قولك: يأبى الحقين العذرة فليس دون الله يد تحجزك منّا يا معاوية. فقال معاوية: ارفعوا حوائجكم. (المصدر السابق: ١٧).
لله أمّ قامت عن قيس بن سعد بن عبادة، فلا السيف يردعه ولا اللسان يقطعه؛ ولا الشيطان ينفكّ عن قرينه معاوية، هوت به هامه في هاوية، فهو بحقّ معاوية وما معاوية إلّا كلبة عوت فاستعوت الكلاب - مرّ بنا جواب البعض له في ذلك والتفسير اللّغوي لكلمة معاوية - فما دخل عليه شريف من الأشراف، رجلاً كان أم امرأة، فرداً كان أو جماعة، وحتّى الأعراب، إلّا ونبحهم! وحارشهم. فهو ما أن دخل عليه أنصار الله ورسوله، وفيهم قيس بن سعد وكان الصلح قد أبرم - وإن خان ابن هند كلّ بنود الصلح مع الإمام المعصوم بما ذكرنا بعضاً من الأدلّة قرآناً وسنّة في عصمتهعليهالسلام - حتّى نقله قرينه قرين السوء الشيطان الرجيم إلى عرصات صفّين
فرأى أنّ الأنصار هم عصب جيش أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، ولاحت له رماحهم تلظّى المنايا في أسنّتها كما صرّح وكان أكثر الشهداء يوم صفّين منهم وأكثر هلكى الشأم على أيدي الأنصار حتّى كادوا يصلوا إليه فيطهّروا الأرض من وثنيّته وعهره وبدعه التي ابتداعها، لولا خضوع أعراب نجد من أسد وغطفان وتميم ممّن لم يقدم إسلامهم ولم يكونوا شيعة لأميرالمؤمنين على نحو التشيّع الذي أمر به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو الطاعة المطلقة لهعليهالسلام كما كان يوم الغدير إذ أخذ له البيعة وأنّه وليّ من وليّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودعا له ولمن والاه بالنصرة، وبالخذلان لمن خذله وعاداه. والأحاديث جمّة في هذا المعنى من ذلك حديث الثقلين وحديث المنزلة وقرن طاعته بطاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمره بقتال الخوارج بفرقهم الثلاث: الناكثين - يوم البعير - والقاسطين البغاة - ابن هند وأهل الشأم، والمارقين يوم النهروان، وإنّ قتاله وقتال أهل بيته وسلمهم، قتال وسلم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا ما فهمه الشيعة الإماميّة من يومهم الأوّل بتعليم النبيّ لهم هذا المعنى. والأنصار إذ يطلبون حقّهم الذي حبسه ابن هند، وراح يتعلّل عليهم بالملكيّة التي قاتل عليها الأنصار، وكان يقول: أنا أوّل ملك، فكان جواب قيس صادراً من مدرسة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أمضى عشر سنين يخدمه ويرى فعله ويسمع كلامه ويقاتل معه؛ فلمّا رجع الحقّ إلى صاحبه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، كان من شيعته وحامل راية قبيلته في معارك أميرالمؤمنين. والأنصار الذين أذاقوا ابن هند مرّ المنايا، وقد ضمّ أمير المؤمنين نفسه الطاهرة إليهم ووقف إلى صفّهم فمن أراد أن ينال منهم ينال منهعليهالسلام ، هذا والأمر لم ينته إليه بعد، ذكرنا تفصيله في (فضائل الأنصار). فهم تبع للقرآن الكريم، ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ ولذا يطلبون حقّهم الذي قرّره لهم الإسلام وكفله الله لهم، لاحقين العذرة ابن هند! وصلات أحزاب الضلالة والنفاق. والأنصار تبع الحقّ، فما لابن هند وما مضى؟! وليس في هجاء الأنصار إلّا قول الحقّ من غير فحش، فهم مع شرفهم في أنفسهم، فإنّهم مع إمام عدل معصوم لا يبدأ أعداءه بقتال ويأمر أصحابه أن لا يشتموا خصمهم وإن شتمهم، ويأمر أصحابه أن لا يهجون أحداً إلّا بوصف عمله ولا يزيد على ذلك. ومتى استقام الأمر لابن هند وما هي كرامته عند الله تعالى ليستقيم له الأمر؟! إنّما هي فتنة حذّر منها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنبأ أنّ ابنه (الحسن الزكيعليهالسلام) هو السيّد الذي يصلح الله به بين فئتين عظيمتين. وقد خرجعليهالسلام لملاقاة ابن هند، ومعه ما يزيد على أربعين ألفاً من أهل الكوفة واضعين سيوفهم على عواتقهم على نحو خروجهم لنصرة أمير المؤمنينعليهالسلام يوم الجمل، وكان طليعتهم: قيس بن سعد بن عبادة، وقد اندسّ في جيشه عدد كبير من الخوارج المارقين فلمّا حانت الفرصة لهم طعنوا الإمام الحسنعليهالسلام ، ووصل الخبر قيس بن سعد؛ فكان موقفه نظير مالك الأشتر، لم يتضعضع، ولكن لـمّا ذكّر بمحنة الإمام رجع إليه، وجرت مفاوضات الصلح وشرط الإمام الحسنعليهالسلام شروطاً وافق عليها ابن هند، لم يف بها، وكان قيس بن سعد ضدّ الصّلح حتّى جاءه ابن هند فنكس قيس يديه في حجره فمدّ معاوية يده وأخذ يد قيس ومسح عليها!
وانظر إلى قيس إذ يعقّب على قول ابن هند إذ يكشف عن سرّ الأنصار في فلّهم حدّ ابن هند يوم صفّين ذلك أنّهم كانوا مع رجل يرون طاعته طاعةً لله، فإنّهم كما أمروا بالصلاة وغيرها من العبادات ولا يستقيم إسلامهم إلّا بتأديتها، فكذلك طاعتهم لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام هي طاعة لله الذي أمر بها وذلك قوله:( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) و( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) فوليّ الأمر الذي تجب طاعته هو الله تعالى ثمّ رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي بلّغ رسالته، ثمّ وليّ الله ورسوله وقد عرّف به سبحانه أنّه المتصدّق حال الركوع، وبالإجماع المتواتر أنّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه وعلى أبيه سلام الله - ذكرنا مصادره - فهنيئاً لأنصار الله ورسوله ووليّه، وسحقاً وبعداً لأعدائهم.
وما أبلغك قيس بن سعد بن عبادة، وأشدّ وطأتك على ابن هند! فلقد سرت معه جملةً بجملة تهدم ما بنى؛ فلقد نفيت إيمانه فلو كان مؤمناً لرعى وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالأنصار فإنّه الذي سنّ سنّته السيّئة إذ أمر ولاته في كلّ مكان أن يجعلوا من شتم ولعن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، واجباً متمّماً للصلاة! فكيف يرعى وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأنصار الذي ضربوه وربيبه أبا سفيان على الإسلام، ورأى المنايا على أسنّتهم تلظّى يوم صفّين. وكيف يرعى وصيّة رسول الله فيهم وقد سمعه يقول فيهم: (لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار وادياً، لسلكت وادي الأنصار)! وابن هند حسود حقود على ما عرف من طبعه، فكان يصرّح ببغضه وحسده لرسول الله وأنّه يسعى لدفن ذكرهصلىاللهعليهوآلهوسلم (إلاّ دفناً دفناً) وهو غير مبتدع في ذلك بعد أن عرف سنّة سلفه في مخالفة كتاب الله وحرق سنّته والعدوان على أهل بيته حسداً من عند أنفسهم، وعهدهم بجاهليّتهم ما زال عوده مخضرّاً! كما وجدهم للأنصار ألدّاء ولهم من الحاسدين وقد بعثوا جنّياً قتل سيّد الأنصار، وكان عفريتاً! فلم يخطأ قلب سعد بن عبادة رضي الله عنه.
وبابن هند اقتدى ولاة بني ذوي العاهات! وقد ذكرنا للحجّاج المبير الكذّاب والذي كان يتوعّد به عمر أهل العراق؛ فإنّه قال عن نفسه: أنا لجوج حقود حسود. فقال له عبد الملك بن مروان: إذاً بينك وبين إبليس نسب! فقال: إنّ الشيطان إذ رآني سالمني. قال محمّد بن إرديس الشافعيّ بعد روايته الخبر: إنّما يكون من لؤم العنصر وتعادي الطبائع واختلاف التركيب وفساد مزاج البنية وضعف عقد العقل، والحاسد طويل الحسرات عادم الراحات (مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢١٧).
وعلى ما علم من حال الحجّاج الذليل لبني مروان، وإنّه كان يصول بهم ولا يعرف لله وقاراً ولا لرسول الله منزلةً، وكان عبد الملك بن مروان يعجبه ما كان يقوله المبير الكذّاب الحجّاج الثقفيّ ويكتب إليه! من ذلك ما رواه أبو عياش قال: كنّا عند عبد الملك بن مروان إذ أتاه كتاب الحجّاج يعظّم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السماوات والأرض إلّا بها، وأنّ الخليفة عند الله أفضل
من الملائكة المقرّبين، والأنبياء والمرسلين... (العقد الفريد ٥: ٣١٠ - ٣١١). وهو القائل: إنّ خليفة الله في أرضه أكرم عليه من رسوله إليهم. وقال وهو يرى المؤمنين يطوفون بقبر رسول الله: إنّهم يطوفون بعظام ورمة! هلاّ طافوا بقبر أمير... عبد الملك بن مروان! (العقد الفريد ٥: ٣١٠). هذا بعض من كثير من أخبار الحجّاج وكفره، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أكثر من ذلك؛ منها: أقواله بشأن المدينة: أمّ نتن! وقد سمّاها النبيّ (طيبة) و (طابة) ونسب أهلها إلى النفاق، وأمّ المؤمنين: أمّ أيمن إلى الكذب، وادّعى النبوّة وزعم أنّه ما يعمل إلّا بوحي! وأنّ ابن مروان كذلك يوحى إليه... وكان عددالذين قتلهم الحجّاج مائة وعشرين ألفاً!
والحجّاج هو القائل بشأن أهل المدينة: أخبث أهل...، والله لولا ما كان يأتيني من كتب أمير... فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار! أعواد يعوذون بها، ورمّة قد بليت، يقولون: منبر رسول الله، وقبر رسول الله....
والحجّاج هو صاحب الفعلة الشنيعة إذ قاد أهل الشأم في حملتهم الثانية على بيت الله الحرام وذلك أيّام عبد الملك بن مروان فدكّوا الكعبة بالمجانيق وحرّقوها، وكان فعلتهم الأولى أيّام الناقص بن ميسون، فهم على رأي ملكهم ابن مروان، وقائدهم الحجّاج، لا يرون لبيت الله حرمة، ولذلك كان عليهم قتل سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسينعليهالسلام أمراً ميسوراً، ووقعتهم بأهل المدينة يوم الحرّة؛ ومن قبل ذلك قتالهم للإمام السبط الزكي الإمام الحسنعليهالسلام ، وخروجهم لقتال أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بصفّين.
إنّ الحجّاج المشوّه، يرى اتّباع وصيّه ابن مروان أولى من وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد قال للأنصار: (الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم) (السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٨٣).
وأمّا الحجّاج فقد خطب يوماً فقال: (أيّها الناس إنّي أريد الحجّ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا وأوصيته بخلاف وصيّة رسول الله بالأنصار فإنّ رسول الله أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإنّي أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يعفو عن مسيئكم، وإنّكم ستقولون بعدي مقالةً لا يمكنكم إظهارها إلّا مخافتي، تقولون: لا أحسن الله له الصحابة، ألا وإنّي قائل: لا أحسن الله عليكم الخلافة ثمّ نزل. (أنساب الأشراف ١٣: ٣٥٥).
وإذا كان هذا منطق الحجّاج مع الأنصار لأنّهم نصروا الله ورسوله فإنّ عبد الله بن عمر لم يكن من الأنصار، فإنّه لم يسلم من ابن أمّ الحجّاج، مع فضل عمر على معاوية ويزيد إذ أسّس له ملكه على الشام وامتدّ هذا الفضل في بني مروان، فإنّ الحجاج سرت إليه البغيضة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من معاوية الذي لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مواطن كثيرة ودعا إلى قتله إن رؤي على المنبر، فرأوه ولم يقتلوه خوفاً من عمر! فما أفلحوا.
وقد ذكرنا قصّة ابن المستفرمة في قتله عبد الله بن عمر بن الخطّاب وقد رآه ذو العاهات يتتبّع آثار
وفي الفتوح: لـمّا مضى عليّ بن أبي طالب [عليهالسلام ] إلى سبيل الله اجتمع الناس إلى ابنه الحسن، فبايعوه ورضوا به وبأخيه الحسين من بعده. قال: فنادى الحسن في الناس فجمعهم في مسجد الكوفة، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ الدنيا دار بلاء وفتنة وكلّ ما فيها فآئل إلى زوال واضمحلال، وقد نبّأنا الله عنها لكي نعتبه، وتقدم إلينا فيها بالوعد لكي نزدجر، فلا يكون له علينا حجّة بعد الإعذار والإنذار، فازهدوا فيما يفنى، وارغبوا فيما يبقى، وخافوا الله في السرّ والعلانية؛ ألا وقد علمتم أنّ أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام ، عاش بقدر ومات بأجل، وإنّي أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت وتسالموا من سالمت.
____________________
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقف عندها فأغاض الحجّاج ذلك فنفر بناقة ابن عمر، فعاد ابن عمر إليها، فدسّ الحجّاج إليه من قتله.
إنّ الحجّاج الذي هو موضع تبجيل الخارجيّ ابن تيميه، وبه كان عمر يتوعّد أهل العراق، لم يكن يجرأ هو وأسياده بدءاً بابن هند على التطاول على الأنصار لولا أنّهم عرفوا بوصيّة رسول الله الأنصار بأنّهم سيلقون بعده أثرةً وأوصاهم بالصبر حتّى يلقوه على الحوض، فهي نفس وصيّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، ولولا الوصيّة لم يجرأ أولئك على أفعالهم وألسنتهم إلى أهل بيته، ولا إلى كتيبة الإسلام الأنصار وإلى سيّدهم سعد بن عبادة، ولا جرأ ابن هند على ملاسنة ابنه قيس بن سعد....
انظر: ترجمة قيس بن سعد بن عبادة وأخباره في: طبقات ابن سعد ٦: ٥٢، تاريخ الدوري ٢: ٤٩١، تاريخ خليفة: ١٩٧ و ٢٠١ و ٣٢٧، وطبقاته: ٩٧ و ١٤٠ و ٢٩٢، مسند أحمد ٣: ٤٢١ و ٦: ٦، تاريخ البخاري الكبير: ٧ الترجمة ٦٣٦، المعرفة، ليعقوب ١: ٢٩٩ و ٢: ٧٥٦ و ٨١١ و ٣: ٨٢، الجرح والتعديل: ٧ الترجمة ٥٦٠، ثقات ابن حبّان ٣: ٣٣٩، رجال صحيح مسلم: ١٤٧، معجم الطبراني الكبير ١٨: ٣٤٦، تاريخ الخطيب ١: ١٧٧، الاستيعاب ٣: ١٢٨٩، الإصابة: ٣ الترجمة ٧١٧٧، تهذيب التهذيب ٨: ٣٩٥ - ٣٩٦، التقريب ٢: ١٢٨، شذرات الذهب ١: ٥٢، نهاية السؤول: ٣٠٦، العبر: ٤١ و ٤٨، أسد الغابة ٤: ٢١٥، الكاشف: ٢ الترجمة ٤٦٦٨، وقعة صفّين: ١٥ ومواضع كثيرة، العقد الفريد ١: ١٨١ و ٣: ٣٢٩ و ٤: ١٢٠ و ٥: ٨٦.
فقال الناس: سمعنا وأطعنا، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين(١) .
والبلاذريّ: خرج عبيد الله بن العبّاس بن عبدالمطّلب إلى الناس بعد وفاة عليّ [عليهالسلام ] ودفنه فقال: إنّ أمير المؤمنين رحمه الله قد توفي برّاً تقيّاً، عدلاً مرضيّاً، أحيا سنّة نبيّه وابن عمّه، وقضى بالحقّ في أمّته. وقد ترك خلفاً رضيّاً مباركاً حليماً فإن أحببتم خرج غليكم فبايعتموه، وإن كرهتم ذلك فليس أحد على أحد.
فبكى الناس وقالوا: يخرج مطاعاً عزيزاً، فخرج الحسن فخطبهم فقال: اتّقوا الله أيّها الناس حقّ تقاته فإنّا أمراؤكم وأضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله:( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) . والله لو طلبتم ما بين جابلق وجابرس مثلي في قرابتي وموضعي ما وجدتموه، ثمّ ذكر ما كان عليه أبوه من الفضل والزهد والأخذ بأحسن الهدى، وخروجه من الدنيا خميصاً لم يدع إلّا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، فأراد أن يبتاع بها خادماً. فبكى الناس ثمّ بايعوه، وكانت بيعته التي أخذ على الناس أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم(٣) .
الطبري: بسنده عن أبي خالد بن جابر قال: سمعت الحسن يقول لـمّا قتل عليّعليهالسلام وقد قام خطيباً فقال: لقد قتل الليلة رجل، في ليلة فيها نزل القرآن وفيها رفع عيسى ابن مريمعليهالسلام وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسىعليهالسلام . والله ما سبقه أحد كان قبله ولا يدركه أحد يكون بعده، والله إن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليبعثه في السّريّة وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة أرصدها لخادمه(٤) .
____________________
(١) الفتوح، لابن أعثم ٤: ١٤٨.
(٢) الأحزاب: ٣٣.
(٣) أنساب الأشراف ٣: ٢٧٩.
(٤) تاريخ الطبري ٤: ١٢١.
قال: وفي هذه السنة (سنة ٤٠ هـ) بويع للحسن بن عليّ بالخلافة. وقيل: إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه وقتال المحلّين فقال له الحسنعليهالسلام : على كتاب الله وسنّة نبيّه فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط فبايعه وسكت وبايعه الناس(١) .
من النصوص السابقة، وجدنا أنّ البيعة للإمام السبط الزكي الحسنعليهالسلام كانت بيعة عامّة، كما ذكرنا من قبل ولم تكن قسريّة جبريّة؛ وكانت أوّل يد مسحت على يد الإمام الحسنعليهالسلام يد قيس بن سعد بن عبادة ولم تكن يده شلاّء! ولم يكن فيها اصطراع مثلما جرى في مؤامرة السقيفة كاد يودي بحياة سيّد الخزرج سعد بن عبادة! ولو جرّد الأنصار بأوسها وخرجها السيف! وكلّهم تبع لسعد، ومعهم المعارضة القويّة من المهاجرين؛ فلا أظنّ، وإنّما أقطع انّ تلك المجموعة التي خرجت لتوّها من حجرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مطرودة من قبل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لخروجها عليه وإساءتها الأدب بحضرته - على ما مرّ بنا - تصمد ساعة واحد لتلك السّباع التي أذاقت المشركين المرّ، وبسيوفها وبذي الفقار كانت المجموعة المهاجمة! موتورةً؛ ذكرنا قتلاهم. إلّا أنّهم قدّموا دينهم على دنياهم، ممّا أعطى محبّي (الأريكة) فسحةً لأن يصولوا في السقيفة، فإذا حقّقوا أملهم ونابوا بغيتهم، أمر صاحب (الأريكة) بمهاجمة بيت من بيوت الله، ذكر القرآن قدسيّته وفضله في أكثر من موضع من ذلك آية التطهير، وليس في بيوت الخوارج على الله ورسوله وأهل البيت، بيت طاهر؛ وإذا كان بيت الله قد طهّره الله تعالى على يد أنبيائه( أَن طَهّرَا بَيْتِيَ ) ، فقد تولّى الله تطهير هذا البيت( إِنّمَا
____________________
(١) تاريخ الطبريّ ٤: ١٢١.
يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) بلا واسطة. فكان ذلك العدوان فاتحة شرّ! وما ابن هند إلّا ثمرة ذلك العدوان، لا سيّما أنّ الشأم من حواضر الرومان وقد دخلها الغزاة تحت راية الإسلام ولم يمض طويلاً حتّى مات أبو عبيدة بالطاعون فجاء الأمر من الحجاز بإفراد دمشق بابن صخر يزيد، ولم يمض كثير وقت حتّى هلك يزيد وقد تولّى الأريكة عمر بن الخطّاب وكان مفتتناً بابن هند معاوية كسرى العرب كما يسمّيه عمر بن الخطّاب، وقد لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مواطن منها المواطن الستّة، وحكم عليه بجهنّم، مرّ تفصيل ذلك. وبيّنة ابن هند: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر أبا الحسن عليّعليهالسلام بقتال ثلاث فئات من الخوارج: الناكثين وهم أهل البعير، والباغين وهم ابن هند ومعه أهل الشأم، والمارقين. وقد نصب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمّار بن ياسر علامة فارقة بين أهل الغيمان وأهل الضّلال إذ قال: (عمّار تقتله الفئة الباغية).
بعد موت يزيد، أطلق عمر يد ابن هند فضمّ إليه الشأم جميعاً فكان إسلام أهلها من إسلام ابن هند، الذي ما كلّمه أحد من العارفين به إلّا وقال له: أظهرت الإسلام كرهاً وخرجت منه طوعاً.
وترجم حاله تجارته بالأصنام النحاسيّة ولأجل هذا وغيره ردّ عليه قيس بن سعد ابن عبادة إذ شتمه ابن هند بقوله: إنّما أنت يهوديّ ابن يهوديّ!! فقال قيس: إنّما انت وثن ابن وثن.
وقد ذكرنا من سيرته مع النساء الزواني! وممارسته السرقة وخروجه على القرآن والنبيّ في البدع الكثيرة التي جاء بها، ومن ذلك منعه من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واستلحاقه ابن سميّة زياداً بأبي سفيان في وقت لم يثبت نسب معاوية إلى أبي سفيان.
ومن جرائمه العظمى خروجه على إمام الحقّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فقاتله، ثمّ قاتل سيّد شباب أهل الجنّة الحسن بن عليّعليهماالسلام والذي كانت بيعته لا عن جيوش غازية كما حصل للشأم ولا على شاكلة السقيفة ولا مؤامرة الشورى في بيت مغلق على ستّة نفر مع جعل شرط في حال التساوي في اختيار نفر ينظر إن كان في صفّه عبدالرحمن ابن عوف فيؤخذ برأيه، وإن لم يختاروا شخصاً، فلصهيب - الذي له موقف مشكور! لدى المحرّق يوم الهجوم على البيت الطاهر الحرام - أن يقتلهم! وإنّما كانت بيعة علنيّة عامّة ولم تكن طاغوتيّة. لم تمتدّ يد أو رجل لتنال من أحد! ولم يجر فيها كلام يغضب الله مثلاً دعاء على أحد بالهلاك.
ففي نصّ: خطب قيس بن سعد فذكر أمير المؤمنين بما هو فيه ثمّ ذكر الحسن وقدره ومنزلته... ودعا الناس إلى بيعته وطاعته، وكان هو أوّل من بايعه ثمّ ابتدر الناس بيعته.
وفي نصّ: لـمّا مضى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إلى سبيل ربّه، اجتمع الناس إلى ابنه الحسن، فرضوا به وبأخيه الحسين من بعده. فخطب الإمام الحسنعليهالسلام ومن خطبته: إنّي أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت وتسالموا من سالمت. فأظهروا السمع والطاعة المطلقة. قالوا: سمعنا وأطعنا، فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين أي سمعنا قولك وأطعناك فيه فأنت أميرنا نطيعك في سلمك وحربك فمرنا نسمع.
ومبايعتهم له على ما تقدّم ولأخيه الحسينعليهالسلام من بعده ممّا يدلّل على أنّهم بايعوا عن صدق ومعرفة لمقام الإمامة بمفهومها عند شيعة أهل البيت الإماميّة.
وفي النص الذي ذكره البلاذري وفيه عبيد الله بن العبّاس الذي خطب الناس وذكر سيرة أمير المؤمنين وأنّه ترك خلفاً مباركاً طيّباً. وخيّرهم في بيعته فإن كانوا كارهين ذلك فلا سلطان لأحد على أحد.
فبكى الناس وقالوا: يخرج مطاعاً عزيزاً. ولـمّا خرج الإمام الحسنعليهالسلام إليهم وكان في خطبته ذكر فضل أهل البيت الطاهر وفضائل أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام وزهده، فبكى الناس ثانية ثمّ بايعوه غير مكرهين. وهنا أيضاً كما في النصوص السابقة فقد بايعوه أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم.
وفي نصّ الطبري: بويع للإمام الحسنعليهالسلام بالخلافة وكان أوّل من بايعه قيس بن سعد بن عبادة، سيّد الخزرج، وكان مجدّاً في قتال المحلّين، إلّا أنّ الإمام الحسنعليهالسلام كان على سيرة أبيه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، فقد وجدناه يوم البعير وصفّين والنهروان لا يبدأ خصومه بقتال حتّى يبدأوه، ولا يكتفي بمراماتهم له بالسهام، ولا حتّى بجرح بعض أصحابه! حتّى يؤتى ببعضهم شهيداً متشحّطاً بدمه؛ عند ذلك يقول: طاب الضّراب، بعد أن يشهد الله عليهم وأنّهم استحلّوا منه ما حرّم الله تعالى.
وأمّا مبادؤه لو وقعت المعركة وقد ذكرناها في غير هذا الموضع فهي: أن لا يجهز على جريح ولا يتبع مدبر ولا تكشف عورة ولا تقتل امرأة ولا طفل ولا تسبى امرأة ولا يؤخذ من مال العدوّ إلّا ما وجد في عسكرهم ممّا يدخل في عدّة الحرب. فأيّ واحد من هذه المبادئ كانت في الخوارج من يومهم الأوّل وحتّى يومنا؟!
ولما يعلمه الإمام الحسنعليهالسلام من الوضع الاجتماعي على ما سنبيّنه فإنّهعليهالسلام بايع الناس على الشرط الذي وضعه لهم مستفيداً من تجربة أبيه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام لـمـّا خرج عليه المارقون فهم أوّلاً حملوا سيوفهم بوجهه إذا لم يوقف الحرب ويقبل بحكم القرآن! الذي هتكت حرمته برفعه على رؤوس الرماح، فقال لهم: ويحكم أنا أوّل من دعا إلى حكم القرآن وإنّ القوم خدعوكم لـمـّا رأوا إنّ الحرب عضّتهم! فأصرّوا على إيقاف الحرب والقبول بالتحكيم، وكان مالك الأشتر قاب قوسين من فسطاط ابن
هند، وكان هذا قد أعدّ فرسه من خلف الفسطاط للهزيمة؛ فما كان من الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام في مثل هذا الموقف الصعب إلّا أن يوقف الحرب لئلاّ يقال أنّه قتل أصحابه فحاله حال ابن حرب كلاهما يقاتل من أجل الدنيا و (الأريكة)، وحاشا لأبي الحسن؛ وإلاّ لأجهز على ابن هند الذي أسمعه ابن سميّة وغيره ما جعله يحمي فأقحم نفسه القتال فبرز إليه أمير المؤمنينعليهالسلام ، فلمّا رأى المنيّ’ تلوح بذي الفقار، لم يجد وسيلة يدفع بها عن نفسه إلّا عورته! فارتمى على الأرض شائلاً رجليه ومبدياً عورته! لمعرفته بكنه عليّعليهالسلام ، الذي أشاح بوجهه الطاهر وأكرم ذا الفقار عن رجس ابن رجس، ورجع ابن هند إلى معسكره ركضاً تتقطّع أنفاسه بعد أن رأى الموت الأحمر عياناً! وحدث هذا لوزيره ابن سميّة بعد أن لجّ ابن هند في محارشته وتجبينه فخرج مضطرّاً، فلمّا علم أنّ الذي برز إليه أمير المؤمنينعليهالسلام ، لم يكن منه إلّا أن يتأسّى بابن هند، فيدفع عن نفسه بسوءته! وهكذا كان أمر بسر بن أبي أرطاة! ولـمّا أوقف أمير المؤمنينعليهالسلام الحرب واتّفق الطرفان على المفاوضات أرادعليهالسلام أن يكون المفاوض عنه مالك الأشتر وأصرّ الخوارج على أبي موسى الأشعري، فقال لهم أميرالمؤمنين: أبو موسى خذّل الناس عنّي (وكان والي عمر بن الخطّاب على الكوفة) وعداده في الناكثين! ذلك أنّ البيعة بعد أن تمّت في المدينة المنوّرة أخذ جارية بن قدامة السّعدي البيعة لأميرالمؤمنين بالبصرة، وكان بها عبد الله بن عامر والياً لعثمان، ففرّ منها إلى مكّة.
وفي الكوفة، بايع هاشم بن عتبة المرقال أمير المؤمنين وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ وقال:
أبايعُ غير مُكتَتِم عليًّا |
ولا أخشى أميري الأشعريّا |
ثمّ بايع أبو موسى فقال عمّار حين بلغته بيعته له: والله، لينكثنّ عهده ولينقضنّ
عقده وليفرنّ جهده وليسلمنّ جنده. فلمّا كان من طلحة والزبير وعائشة من خروجهم على أمير المؤمنينعليهالسلام قعد أبو موسى يثبّط أهل الكوفة عن أمير المؤمنينعليهالسلام وكان يقول: الإمرة ما أمر فيها، والملك ما غلب عليه! وكان يقول: هذه فتنة؛ حتّى أن وجّه أمير المؤمنين الحسنعليهماالسلام ومعه عمّار بن ياسر إلى الكوفة وعزل أبا موسى وولّى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري. ونفر مع الحسنعليهالسلام وعمّار تسعة آلاف من أهل الكوفة(١) ، وفي الفتوح تسعة آلاف ومائتا رجل(٢) .
لم يكن عمّار الذي أنبأ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه مع الحقّ لا يزايله، وأنّه ما عرض له قول إلّا أخذ بأرشدهما، أن يقول في الأشعريّ وكان من عثمانيّة الكوفة وكان منهم في الكوفة عدد كثير، إضافة إلى الخوارج الذين انخزلوا من المارقين يوم النهروان بعد أن حاججهم أمير المؤمنينعليهالسلام فأقام عليهم البيّنة، فأعلن ثمانية آلاف منهم التوبة وبقي على حربه أربعة آلاف، فقالعليهالسلام للذين أعلنوا توبتهم: اعتزلوني الآن وذروني والقوم، فاعتزل القوم، وتقدّمعليهالسلام في أصحابه وما هي إلّا ساعة حتّى تحقّق ما أنبأ به أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ فلم يفلت من الخوارج غير تسعة ولم يستشهد من أصحابه غير تسعة، ودخل أولئك الثمانية آلاف الكوفة.
وفي الكوفة غير العثمانيّة، والمارقين الخوارج، يوجد أمويّون وشيعة لم تتبلور عندهم فكرة التشيّع على النحو الذي عند الشيعة الإماميّة وشيعة أهل البيت الإماميّة مع خليط من الأعراب ممّن استوطن الكوفة. ذكرنا الخارطة السكّانيّة للكوفة لـما ترتّب على ذلك من آثار يوم صفّين والنهروان وشهادة أمير المؤمنينعليهالسلام وشهادة السبطين
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٩.
(٢) الفتوح، لابن أعثم ٢: ٢٩٢.
الحسن والحسينعليهماالسلام ...، وشهادة المختار المظلوم رضي الله عنه، وحركة التوّابين الأحرار طلباً بثأر سيّد شباب أهل الجنّة الحسينعليهالسلام ، وقتل وصلب الأماثل الأخيار من شيعة أهل البيتعليهمالسلام ، وهم من أهل الكوفة، إلّا أنّ التاريخ وقد كتبته أياد زبيريّة ومرتزقة ابن هند، ومروانيّ’؛ وأضافت إليها العبّاسيّة مزيداً من التشويه فصارت الكوفة مثلاً للخذلان والغدر وقتل أهل البيت من غير تأمّل لتصفية بني العبّاس لنبي عمومتهم أئمّة الهدى وأعلام التقى؛ وهم لم يشهروا سيفاً، ومع ذاك أو غلوا في دمائهم وإذ جرى الكلام عن الجشرة الملعونة، فإنّ بني العبّاس كانوا ملوكاً فراعنة مغرقين في الخمرة ونوادي اللهو التي يقصر عنها ابن هند وابن ميسون...، وإذا كان فروع الشجرة الملعونة وأوراقها الصفراء مثل بسر بن أبي أرطاة، والضحّاك بن قيس، وعمر ابن سعد العذريّ! - وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أنّ النسّابة تذكر أنّ سعد بن ابي وقّاص، ليس من بني زهرة، إنّما هو من بني عذرة - وغيرهم؛ لم تطب أعراقهم ولم تطهر أصولهم، وقد عدوا على أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، ولم يرعوا للبيتين حرمة، وقتلوا سيّد شباب أهل الجنّة وصحبه الكرام، وتتبّعوا شيعتهم قتلاً وتشريداً ومثّلوا بهم؛ فإنّ بني العبّاس غلبوا إبليس في أساليبه! فإنّهم كانوا في غمرة من الناس، فلمّأ بدأت ملوكيّة الأدعياء تضعف وتهرم؛ تحرّك بنو العبّاس وبثّوا دعاتهم وكان شعارهم (يا للرضا من آل البيت) فكان الناس يظنّون أنّهم يدعون إلى أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويعملون إلى ردّ الحقّ إلى أهله، فقويت دعوتهم وانخرط الناس في سلكها، فلمّا استحكم الأمر لهم، قلبوا لأئمّة أهل البيتعليهمالسلام ظهر المجن وبدأت ملاحقتهم لهم من عهدهم الأوّل وإذا كان ولاة ابن هند، وبني مروان يقطعون أيادي وأرجل محبّي وشيعة أهل البيتعليهمالسلام ، ودفنهم أحياء...، فإنّ ما فعله بنو العبّاس أعظم! فمضافاً إلى
تصفيتهم لعدّة من أئمّة الهدى فإنّهم كانوا أشدّ على شيعة أهل البيت من أسلافهم، فكانوا يأخذونهم ويأخذون العلويّين فيعذّبونهم صنوف التعذيب ثمّ يربطونهم بالسلاسل ويقيمونهم وقوفاً ويأمرون البنّاء فيبني حول أحدهم أسطوانة ويسقفها عليه، فيموت على هذا الوضع.
ولم تطهر قصور بني العبّاس من الخمرة التي أتت على نهاية آخر ملوكهم في قصّة مشهورة. والسيرة واحدة للأبناء: بنو أميّة وبنو سفيان؛ وبو العبّاس؛ فغير ما ذكرنا من المشتركات بينهم، فإنّ أمر التبنّي والادّعاء أمر مألوف لهم؛ وقد وجدنا الناقص (يزيد) ابن ميسون النصرانيّة، وابن معاوية ادّعاءً وبين الأخير وأميّة جدّان الثاني منهما تبنّاه أميّة ثمّ استحلقه وتنازل له عن زوجته! وغيره من (ذكوان) إلى (أبي عمرو) ولم يكن أميّة صالحاً في نفسه إنّما هو عبد روميّ اشتراه (عبد شمس) وتبنّاه ثمّ استلحقه فصار: أميّة بن عبد شمس وكما ذكرنا: لم يكن عبد شمس ممّن يقرن بأخيه هاشم المجد، وكان خامل الذكر كلاًّ على أخيه هاشم فقد كان ينفق عليه.
ولمّا ذكرنا في المشتركات بين الأقوام، نذكر أمراً في غاية الوجازة في أمر الدعوة والاستلحاق.
فقد ذكروا أنّ عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب ولد: سليط، لأمّ ولد؛ ونفاه عبد الله بن العبّاس!، ثمّ استلحقه! واتّهم أخوه عليّ بقتله؛ فجلده الوليد بن عبد الملك لذلك مائة سوط. وادّعى أبو مسلم (الخراساني) أنّه عبد الرحمن بن سليط هذا ابن عبد الله بن العبّاس(١) .
هنا يثور أكثر من سؤال: لم نفى عبد الله بن العبّاس ابنه سليط؛ هل كان لشبهة في
____________________
(١) جمهرة أنساب العرب: ١٩، النزاع والتخاصم، للمقريزي: ١٤٩ - ١٥٠.
أمّه وهي أمّ ولد؛ والشبهة لا يترتّب عليها مثل هذا الحكم، وابن عبّاس أعلم بذلك؟! ولا معنى للاستلحاق! وإن كان عن بيّنة فإنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، وعلى أيّ حال، فهو ابنه ولا معنى للاستلحاق كما ذكرنا.
والآخر: لم قتل عليّ أخاه سليط، نفياً للعار أم لأمر آخر؟ ولعلّ ادّعاء أبي مسلم أنّه ابن سليط، وتفانيه في تأسيس حكم بني العبّاس، دليل على صحّة نسب سليط إلى ابن عبّاس.
شهادة الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام
ذكرنا خارطة الكوفة السكّانيّة وأنّها لم تكن شيعيّة، فكثير من أهلها عثمانيّة، وجبهة عريضة منها خوارج ذلك أنّ الخوارج المارقين لـمّا اجتمعوا بالنهروان وحاججهم أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فأقام الحجّة عليهم، أعلن منهم ثمانية آلاف التوبة فطلب منهم أمير المؤمنين أن يعتزلوه في لحظته تلك فدخلوا الكوفة، وهذا لا يعني أنّ نفوسهم طهرت من كلّ شائبة. وحتّى الشيعة لم يكونوا طبقة واحدة، فليسوا جميعاً سلمان المحمّدي ولا أباذرّ ومقداد ومالك الأشتر...، ممّن ينظرون الإمامة بعين واحدة، فهي منصب إلهيّ يؤتيه الله من يشاء. فالإمام معصوم قرآناً وسنّةً بآية التطهير والمباهلة وآية الولاية وحديث المنزلة والثقلين والسيادة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولوصيّه وابنته وولديه وسبطيه الذين شاءت الحكمة الإلهيّة أن تنتهي ذرّية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهما إذ حرّم على أرحام زوجات النبيّ أن يحملن منه، وإلاّ لكانت مصيبة! ومن حكمته تعالى أن أنزل زوجات النبيّ منزلة أمّهات المؤمنين فقطع الطريق أن يتزوّج منهنّ أحد، وما يدرينا لو تزوّج أحدهم إحداهنّ وحملت منه أن لا تنسبه إلى النبيّ، وبذا وذا تضيع الذريّة الطاهرة!
إلاّ أنّ من الناس من يحبّ أهل البيتعليهمالسلام على أنّهم أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يجب حبّهم لذلك من غير نظر في آيات وأحاديث العصمة والطاعة لهم وأن لا يجوز الخروج عليهم ومخالفتهم؛ فسلمهم سلم لله ولرسوله، وحربهم حرب لله ولرسوله؛ ومن ثمّ منهم ترجمان القرآن وثقله الذي تختلّ الموازنة بالأخذ بأحدهما دون الآخر وتوجد طبقة من الشيعة فيها تردّد وشكّ تضعف في ظروف أو قل: تعجل فتحمل الإمام المعصوم على ما تريد باجتهادها! وهذه هي الطبيعة البشريّة؛ ثمّ تنشط إذا ما أوضح لها الإمام حقيقة الأمر.
ولذلك صنّف أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام إلى: الأصحاب؛ نسبة إلى صحبتهم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبقوا على صحبته لم يغيّروا ولم يبدّلوا، ثمّ صحبوا أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام . ثمّ الأصفياء، ثمّ الأولياء، ثمّ شرطة الخميس(١) .
وفي تسميتهم (شرطة الخميس) قال عليّ بن الحكم: أصحاب أمير المؤمنين الذي قال لهم: (تشرّطوا إنّما أشارطكم على الجنّة، ولست أشارطكم على ذهب ولا فضّة، إنّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأصحابه فيما مضى: تشرّطوا فإنّي لست أشارطكم إلّا على الجنّة)(٢) .
فيما نجد ابن هند يشارط أهل الشأم على الغنائم والأموال، ومساجلاته مع ابن النابغة وشرط الأخير أن يطعمه مصر ليحفظ له كرسي حكمه بحيله المعروفة، ويستغلّ تدنّي ابن سميّة ويلوّح له بنسبه الضائع فيعده أن يصل حبله بحبله ويلحق نسبه بنسبه المبتور إلى أبي سفيان؛ وهكذا اشترى ابن ميسون ابن مرجانة لـما أبطأ عن إنفاذ أمره.
____________________
(١) رجال البرقي: ٣.
(٢) نفس المصدر السابق.
وممّا أعان الأبناء على شراء أهل الشأم وسوقهم حيثما شاؤوا، أنّ الأرض هذه تعاقبت عليها الأمم الضالّة وانتهت أن صارت حاضنة يزيد بن أبي سفيان، ولم يعمّر هذا طويلاً، إذ طعن - مرض الطاعون - فأوصى إلى ابن هند، فأقرّه عمر على دمشق ثمّ بسط يده على الشأم...؛ فلمّا كان عثمان ألحق به أقاليم أخرى؛ ذكرنا تفصيل ذلك.
وقد كانت سياسة ابن هند فيهم أن لا يردع أحداً من فاحشة ويبسط لهم بالمال يغريهم به لقطع الطريق على الابرياء وقتلهم وسلبهم وبعث منهم البعوث ليشنّوا الغارات على مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هتكاً لحرمته وحرمة مدينته تمهيداً لمن يأتي بعده فيشنّ الغارة عليها من دون وازع ولا رادع، وفعل مثل ذلك بحرم الله تعالى، فما أيسر فعل ذلك على الناقص الذي تربّى بين أخواله النصارى ولـمّا استلحقه ابن هند لم يزد في تربيته إلّا معاقرة الخمور والاعتكاف على كلّ موبقة وهو يرى من سيرته أنّه أعاد لهبل مكانته إذ كان يتاجر بأصنام النحاس إلى الهند في مراكب مشحونة بأزقة الخمر الشأميّ؛ ويرى قصره تختلف عليه الزواني من ترك وخراسان، ويجده يوماً باركاً تعلوه زنجيّة كان مولعاً بها وهي تلوي السوط على رأسه فلا يردّها - شرحنا ذلك مفصّلاً -. والمجتمع حوله لا همّ لهم إلّا أخذ الأعطيات والأرزاق؛ ولا همّة لهم إلّا امتثال أوامر الحاكم الغشوم وإن كان فيها خرق العهود وخيانة المعاهدات كما حصل مع الإمام عليّعليهالسلام ، وشنّ غاراتهم بعد كتابة المواثيق ورجوع أهل العراق إلى عراقهم وأهل الشأم لشأمهم، فهم لا يسألون لم نقتل الأبرياء الذاهبين إلى الحجّ ولا يحكمهم قرآن ولا سنّة: علام نقاتل أولياء الله، ونعدو على ما حرّم الله ورسوله؟! فهم يرون طاعة الجبروت الملعون على لسان رسول الله، أوجب من طاعة الله تعالى، وأنّ الدراهم التي لم تؤخذ من حلّها أفضل من الجنّة ونعيمها، إن كانوا يؤمنون بيوم المعاد! فهم على
دين أبي سفيان الذي يحلف أن لا جنّة ولا نار ويدعو بني أميّة لتلقّف الأمر تلقّف الكرة؛ فوجد ابن هند ضالّته في هذا المجتمع؛ واقتدى ابن ميسون به فأرسل خوارج الشأم ليشركوا خوارج الكوفة وعثمانيّتها وحمراء خراسان في قتل سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسين بن عليّعليهماالسلام وأهل بيته وصحبه وسبوا عياله؛ وأعرب عن كفره وزندقته لـمّا وضع رأس الحسينعليهالسلام بين يديه فكان ينكته بالقضيب وينشد:
لَعِبتْ هاشمُ بالـمُلك فلا |
خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزلْ |
ثمّ بعث خوارج الشأم للعدوان على حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فكانت وَقْعَةُ الحرّة العظيمة؛ وتوجّه ذلك الجيش صوب حرم الله، فدكّوا الكعبة بالمنجنيق وحرقوها وهم يرتجزون استخفافاً بالكعبة.
إنّ خوارج الشأم الذين كانوا يبدون صفّاً واحداً تجمعهم الدراهم والطاعة العمياء لسلاطين الجور والزندقة، فقد صمّوا وعمّوا وصاروا في حيرة من أمرهم وفشا فيهم الاختلاف الشديد! وذلك لـمّا وصلهم خبر هلاك الناقص ابن ميسون، ومن خبره بإيجاز، إذ سيأتي تفصيله وما حدث لأهل الشأم. فإنّ خليفتهم - كذا! - قد ذاق جهنّم قبل ورودها! ذلك أنّه شرب من الليل شراباً كثيراً ثمّ أصبح مخموراً فذرعه القيء ثمّ لم يزل كذلك حتّآ قذف عشرين طشتاً ثمّ هلك، فلمّا وصل خبره إلى قائد أهل الشأم: الحصين بن نمير؛ ارتبك أمره وأقبل على ابن أسماء يعلمه الخبر ويطلب منه أن يصحبه إلى الشأم وسيكون هو أوّل من يبايعه فأبى عليه فارتحل الحصين بعسكره إلى الشأم وأهلها يومئذ في أمر عظيم من الاختلاف، فقوم يؤمّون ابن أسماء؛ وقوم إلى خالد بن يزيد، وقوم إلى الضحّاك بن قيس الفهري، وآخرون مع ابن الزرقاء مروان. وسنأتي على تفصيل كلّ ذلك في موضعه.
لقد كان ابن النابغة أعرف بنفسه وبأهل الشأم وبابن هند؛ وبعليّعليهالسلام وأهل العراق. ففي قصيدة يخاطب بها ابن هند؛ جاء فيها:
معاويةُ الحال لا تجهل |
وعن سبيل الحقِّ لا تعدلِ |
|
نسيت احتيالي في جُلَّق |
على أهلها يوم لبس الحلي؟ |
|
وقد أقبلوا زمراً يهرعون |
مهاليع كالبقر الجفَّلِ(١) |
|
وقولي لهم إنّ فرض الصلاة |
بغير وجودك لم تُقبلِ! |
|
فولّوا ولم يعبأوا بالصلاة |
ورمتَ النفارَ إلى القسطلِ |
|
ولـمّا عصيت إمام الهدى |
وفي جيشه كلُّ مُستفحلِ |
|
أبِالبقرِ البُكم أهل الشآم |
لأهل التُقى والحِجى أُبتلي؟ |
فتجده يخاطب ابن هند ويصفه بأنّه على باطل؛ ويصف أهل الشأم بأنّهم بقَرٌ لا يفقهون ما أن سمعوا قوله في الصلاة تركوها! ويصف أمير المؤمنينعليهالسلام بأنّه إمام الهدى وجيشه أبطال وأنّه لـما عصى الإمام واتّبع معاوية، فقد خرج من صفّ أهل التُقى ذوي العقول وأُبتلي بالبقرِ الذين لا يفقهون. ثمّ يقول:
فبي حاربوا سيّد الأوصياء |
بقولي: دمٌ طُلَّ من نَعْثَلِ(٢) |
|
وكدتُ لهم أن أقاموا الرماح |
عليها المصاحف في القسطلِ |
|
وعلّمتهم كشف سوءاتهم |
لردِّ الغَضَنْفَرة المقُبْلِ |
|
فقام البُغاة على حيدرٍ |
وكفّوا عن المشعل المصطلي |
____________________
(١) أهرع: أسرع. الهلع: الجزع. الجفل: البقر الشرود.
(٢) طلّ الدم: هدر ولم يثأر له.
نسيتَ محاورة الأشعري |
ونحن على دُومة الجندل؟ |
|
خلعتُ الخلافةَ من حيدرٍ |
كخلع النَعال من الأرجلِ |
|
وألبستُها فيك بعدَ الإياس |
كلبس الخواتيم بالأنمل |
|
ورقَّيتك المنبر المشمخرّ |
بلا حدّ سيف ولا منصل |
|
ولو لم تكن أنت من أهله |
وربِّ المقام ولم تكملِ |
وأقرّ ابن النابغة لأميرالمؤمنينعليهالسلام أنّه سيّد الأوصياء؛ وبخديعة ابن النابغة وهي الطلب بدم عثمان الذي سمّاه نعثلاً، فإنّ أولئك الذين قال إنّهم بقر بكم، قد حاربوا أميرالمؤمنين. ومضى يعدّد مواقفه يوم صفّين من رميه نفسه عن الفرس وكشفه عن عورته اتّقاء للإعصار والموت المعلّق بسيف ذي الفقار، والذي صار سنّة أقبح بها! لكلّ من سوّل له الشيطان فخرج لمبارزة سيّد الأوصياء، فرأى المنيّة عياناً، فما كان منه إلّا أن يستنّ بفعله ابن النابغة صنع ذلك ابن هند، وبسر بن أبي أرطاة؛ وانتقل إلى مشهد آخر ذلك هو خروج المارقة منخدعين برفع المصاحف التي هتك حرمتها ابن النابغة بجعلها على أسنّة الرماح.
ثمّ يذكر ابن هند بأنّه هو الذي رقّاه المنبر المكرّم وإن كان ليس من أهله؛ وذلك من خلال خديعته للأشعريّ المتخاذل.
ومنها قوله:
وجهلُك بي يابن آكلة الـ |
ـكبود لأعظم ما أُبتلي! |
|
فلو لا موازرتي لم تُطَع |
ولو لا وجودي لم تُقبَلِ |
|
ولولاي كنتَ كمثلِ النساء |
تعاف الخروج من المنزل |
نصرناك من جهلنا يابنَ هند |
على النبأ الأعظم الأفضلِ |
|
وحيث رفعناك فوق الرؤوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفلِ |
|
وكم قد سمعنا من المصطفى |
وصايا مخصّصة بعلي؟ |
|
وفي يوم (خُمٍّ) رقى منبراً |
يُبلّغ والركب لم يرحلِ |
|
وفي كفِّه كفُّه مُعلناً |
يُنادي بأمر العزيز العلي |
|
ألستُ بكم منكمُ في النفوس |
بأَولى؟ فقالوا: بلى فافعلِ |
|
فأَنحلَه إمرة المؤمنين |
من الله مُستخلف المنحلِ |
|
وقال: فمَن كنت مولى له |
فهذا له اليوم نِعم الولي |
|
فوالِ مواليه يا ذا الجلا |
لِ وعادِ معادي أخ المرسَلِ |
|
ولا تنقضوا العهد من عترتي |
فقاطعهم بي لم يوصلِ |
|
فبَخْبَخَ شيخُك لـمّا رأى |
عُرى عقد حيدرٍ لم تُحللِ |
|
فقال: وليّكم فاحفظوه |
فمدخله فيكمُ مدخلي |
|
وإنّا وما كان من فعلنا |
لفي النار في الدرك الأسفل! |
|
وما دمُ عثمان منجٍ لنا |
من الله في الموقف الـمُخجل |
|
وإنّ عليًّا غداً خصمنا |
ويعتزُّ بالله والمرسَلِ |
|
يُحاسبنا عن أمور جرت |
ونحن عن الحقّ في معزل |
|
فما عُذرنا يوم كشف الغطا؟ |
لك الويل منه غداً ثمّ لي |
|
ألا يابنَ هند أبعتَ الجنان |
بعهدٍ عهدتَ ولم توفِ لي |
وبعد أبيات يعاتبه على غدْره لـمّا استقام له الأمر وراح يُماطل بشأن إمرة مصر ثمّ
دفعها إلى عبد الملك بن مروان؛ فذكّره بيوم صفّين حيث ضاق عليه الخناق فلجأ إليه لينقذه وقد شاطره مصر:
كأنّك أنسيت ليل الهرير |
بصفّين مع هولها المهولِ |
|
وقد بتّ تذرق ذرق النعام |
حذاراً من البطل الـمُقْبل |
|
وحين أزاح جيوش الضلا |
لِ وافاك كالأسد الـمُسبل |
|
وقد ضاق منك عليك الخناق |
وصار بك الرّحب كالفلفل(١) |
|
وقولك: يا عمرو أين المفرّ |
من الفارس القسور المسبل |
|
عسى حيلة منك عن ثنيه |
فإنّ فؤادي في عسعل |
|
وشاطرتني كلّما يستقيم |
من الملك دهرك لم يكمل |
|
فقمت على عجلتي رافعاً |
وأكشف عن سوأتي أذيلي |
|
فستّر عن وجهه وانثنى |
حياء وروعك لم يعقل |
|
وأنت لخوفك من بأسه |
هناك ملأت من الأفكل(٢) |
|
ولمّا ملكت حماة الأنام |
ونالت عصاك يد الأوّل |
|
منحت لغيري وزن الجبال |
ولم تعطني زنة الخردل |
|
وأنحلت مصراً لعبد الملك |
وأنت عن الغيّ لم تعدل |
وبعد أبيات يتهدّد فيها ابن هند؛ ينفي عنه إمرة المؤمنين ويُبطل دعواه الخلافة، ويعقد مقارنة بينه وبين الإمام عليّعليهالسلام:
____________________
(١) الفلفل: القُرب بين الخطوات، كناية عن اضطرابه.
(٢) الأفكل: الرعدة من الخوف.
فإنّك من إمرة المؤمنين |
ودعوى الخلافة في معزل |
|
وما لك فيها ولا ذرّة |
ولا لجدودك بالأوّل |
|
فإن كان بينكما نسبة |
فأين الحسام من المنجل؟ |
|
وأين الحصا من نجوم السما |
وأين معاوية من علي؟ |
|
فإن كنت فيها بلغت المنى |
ففي عنقي علق الجلجل(١) |
وبالبيت الأخير سمّيت القصيدة: الجلجليّة، وهي قراءة لعسكري أهل الجهل البقر البكم حصب جهنّم؛ والآخر أهل التقى والعقول، ممّن أطاع الله ورسوله في التمسّك بولاية أمير المؤمنين ولم ينقضوا العهد مع عترته الطاهرة فهم الفائزون يوم القيامة.
ولكن هل اتّعظ ابن النابغة بعد إقراره على نفسه وعلى سيّده ابن هند وعلى المجتمع الذي هو فيه، بكلّ تلك الخزايات والمساوئ؛ وما ذكره من محاسن أمير المؤمنين عليعليهالسلام وأهل بيته الكرام، وصحبه النجباء؛ وما أعدّ الله لكلا الفريقين، فرجع عن غيّه، أم أنّه مضى في ركب الشيطان بعد أن ردّ عليه ابن هند طعمة مصر؟
لقد مضى ابن النابغة عبداً لابن هند، مشترياً دنياً دنيّة بنار تلظى، أليس هو القائل:
وإنّا وما كان من فعلنا |
لفي النّار في الدرك الأسفل! |
أي مع نمرود وفرعون وقارون، وما ذلك إلّا لأنّه وصاحبه والبقر البكم قد خرجوا على أمير المؤمنين الذي عداؤه عداء أخيه النبيّ المرسل، فشملتهم دعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكلّ نبيّ مجاب الدعوة؛ ومن دعوتهصلىاللهعليهوآلهوسلم: موالاة من والى عليًّا أمير المؤمنينعليهالسلام، ومعاداة معاديه، وأنّه غداً خصمهما ومعه الله ورسوله؛ فمن ينصرهما على الله ورسوله؟! وأيّ صلة لهما برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد نقضوا العهد من
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٥٢٢.
عترته، فقطعوا بذلك صلتهم بالنبيّ ومن ثمّ بالإسلام إن كانوا مسلمين! أليس هو القائل في جلجليّته:
ولا تنقضوا العهد من عترتي |
فقاطعهم بي لم يوصل |
فإذا كانت مصراً عمته وصمّته فشارك ابن هند في عارها وشنارها يوم صفّين؛ فما باله يتعرّض لسبط رسول الله وريحانته الحسنعليهالسلام في مناسبة وغير مناسبة؟!
لقي عمرو الحسن بن عليّعليهماالسلام في الطواف، فقال: يا حسن! أزعمت أنّ الدين لا يقوم إلّا بك وبأبيك؟ فقد رأيت الله أقامه بمعاوية فجعله ثابتاً بعد ميله، وبيّناً بعد خفائه، أفيرضى الله قتل عثمان، أم من الحقّ تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب كغرقئ البيض، وأنت قاتل عثمان، والله إنّه لألمّ للشعث، وأشهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك!
فقال الحسن صلوات الله عليه: (إنّ لأهل النار علامات يعرفون بها وهي: الإلحاد في دين الله، والموالاة لأعداء الله، والانحراف عن دين الله؛ وإنّك لتعلم أنّ عليًّا لم يتريّث في الأمر، ولم يشكّ في الله طرفة عين، وأيم الله لتنتهينّ يابن العاص، أو لأقرعنّ قصّتك بقراع وكلام، وإيّاك والجرأة عليّ؛ فإنّي من عرفت لست بضعيف المغمز ولا بهشّ المشاشة(١) ، ولا بمريء المأكلة، وإنّي لمن قريش كأوسط القلادة؛ معرق حسبي ولا أعدى لغير أبي. وقد تحاكمت فيك رجال فغلب عليك ألأمها حسباً، وأعظمها لعنة، فإيّاك عنّي! فإنّما أنت نجس، ونحن أهل بيت الطهارة أذهب الله عنّا الرّجس وطهّرنا تطهيراً)(٢) .
____________________
(١) المشاشة: رأس العظم الليّن.
(٢) المحاسن والأضداد، للجاحظ: ٨٥.
أرأيت! كيف يناقض ابن النابغة نفسه؟ فأوّلاً هو في طواف حيث لا رفث ولا فسوق، إلّا أنّ عاهاته منعته إلّا وأن يغايظ الإمام وثانياً جاء بكلام أقلّ ما يقال فيه: إنّه باطل إلّا آخره! وهو التهديد بإيراد سيّد شباب أهل الجنّة حياض ابيه؛ ونعم المورد إذ سيجدهعليهالسلام مشمّراً يذود عن حياضه أهل الكفر والشرك والنفاق؛ منهم ابن هند، وابن النابغة.
وقد بدأ كلامه بتكذيبه قيامة الدين بأولياء الله وعدل القرآن والثقل الثاني الذي أوجب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الرجوع إليه بعد القرآن الكريم، وهم المطهّرون بآية التطهير، ومعجزة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم المباهلة، وهم مع الحقّ والحقّ معهم؛ فهم صراط الله المستقيم. إلّا أنّ ابن النابغة وقد رجعت إليه طعمة مصر؛ نسي قوله في أمير المؤمنينعليهالسلام : إمام الهدى، وسيّد الأوصياء، وأميرالمؤمنين كما في بيعة يوم الغدير، ووجوب ملازمته وعترته الطاهرة؛ أمّا ابن هند عنده؛ فهو ابن آكلة الكبود، ولم يكن جلوسه على المنبر عن أمر من الله تعالى ولا بوصية من رسوله؛ وإنّما بحيلة ابن النابغة ولذا فله المنّة عليه بذلك؛ وليس لابن هند من فضيلة يقيم الله بها دينه إلّا فضيلة دعاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحقّه: (لا أشبع الله بطنه) فكان يأكل ولا يشبع حتّى مات؛ ولعنة رسول الله له ولأبي سفيان وابنه يزيد بن أبي سفيان وقد رأى أبا سفيان راكباً جملاً، وابن هند وابن أبي سفيان وابنه يزيد بن أبي سفيان وقد رأى أبا سفيان راكباً جملاً، وابن هند وابن أبي سفيان أحدهما يقودها والآخر يسوقها، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (أللّهم العن الراكب والقائد والسائق)؛ وقد لعنه في أكثر من أربعين موضع، ودعا إلى قتله إن شوهد على المنبر، وحكم عليه بالنار وأنّه في تابوت مقفل عليه في قعر جهنّم، وغير ذلك ممّا ذكرناه في غير هذا الموضع. وذكرنا من سيرته ما تزكم منه الأنوف ويكفي أن نذكر منها واحدةً تلك هي: أنّه مات من نكحته عاهراً!
فلا خير في دين يقيمه ابن هند، والخير كلّه في دين عماده أبو الحسن عليّ وابنه المجتبىعليهماالسلام .
وما لابن النابغة ولعثمان؛ إذ يقول للإمام المفدّىعليهالسلام: (وأنت قاتل عثمان)! فأين كان عن عثمان إذ اعتزل بمصر حيث حاصرت وفود الأقاليم وهي مجمعة على قتل عثمان، ولم ينجده ابن هند لـمـّا استغاثه عثمان؛ أم يقولا لقد رأينا أمّنا عائشة ومعها طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، أشدّ الناس على عثمان وكانوا يسمّونه نعثلاً، وقد منعوا عنه الماء فلا طاقة لنا بهم!
وقد صرّحت لسيّدك بأنّ خدعة الطلب بدم عثمان لا تقيكم من الله إذ خصمكم إليه هو عليّعليهالسلام .
وهل أحد أشدّ الناس نصرة لعثمان من أمير المؤمنينعليهالسلام بدءاً بالنّصح له، فإذا قبل نصيحته وهدأت الأمور وقفلت الوفود راجعةً قلّب ابن الزرقاء مروان الأمور على عثمان ممّا أثار حفيظة الثائرين فرجعوا إلى شأنهم في قتل عثمان؟!
وهل أحد أدخل الماء على عثمان غير عليّعليهالسلام فيما كان عائشة وطلحة والزبير وابن عوف أشدّ المانعين من إدخال الماء! حتّى جرح الحسن والحسينعليهماالسلام وشجّ قنبر مولى عليّ؟! وقد كان من تتّهمه بقتل عثمان، وهو الإمام الحسن، هو وأخوه الحسين في مجموعة من المؤمنين يقفون على باب عثمان يحرسونه؛ فهلّا كنت معهم أو كان إمامك ابن هند معهم؟!
وتعرّض ابن النابغة لسيّد شباب أهل الجنّة الحسنعليهالسلام كثير، في كلّ منها يرجع خاسئاً؛ فنكتفي بما ذكرناه.
عود على بدء
عرضنا للتركيبة السكّانيّة للكوفة فوجدنا فيها: الحزب الأموي أو العثمانيّة، وهم عناصر قوة لهم نفوذ وكثرة في الأتباع وقد عملوا على نصرة ابن هند في أوساط شيعة الإمام الحسنعليهالسلام وكانوا بمثابة جواسيس وعيون على تحرّك الإمامعليهالسلام .
وطيف آخر وهم: الخوارج وكانوا أكثر أهل الكوفة لجاجةً على الحرب حتّى أنّهم اشترطوا على الإمامعليهالسلام عند بيعتهم له حرب الحالّين الضالّين فرفض؛ فانكفؤا وصاروا مع الحزب الأموي يداً واحدةً على الإمامعليهالسلام وخطراً كامناً تفجّر عمليّاً كما سنرى.
وإلى جنب هؤلاء كان الشكّاكون المتأثّرون بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم، ويغلب على طبعهم الانهزام.
وفريق آخر هم الحمراء وهم شرطة ابن سميّة، وطابعهم أنّهم جنود المنتصر وسيوف المتغلّب، وقد استفحل أمرهم حتّى نسبوا الكوفة إليهم فقالوا: (كوفة الحمراء).
وبمواجهة هؤلاء جميعاً كان أتباع الإمامعليهالسلام الذين أسرعوا إلى بيعته بلا فاصل بين ذلك وشهادة أبيه الإمام عليّعليهالسلام وكانوا هم الأكثر عدداً في الكوفة ولكن دسائس الآخرين ممّن ذكرنا من تلك الطوائف وفتنتهم؛ تعمل دائماً لإحباط أيّ توجّه منهم.
ثمّه مسألة مهمّة تلك هي الفارق التاريخيّ بين شخصيّة الإمام عليّ، والإمام الحسنعليهماالسلام ، ونعني بالفارق التاريخي: رصيد كلّ واحد منهما في أذهان الناس، إذ ليس فارق بينهما في حساب الله عزّ وجلّ، فإنّ كلّ واحد منهما إمام معصوم مفترض الطاعة؛ إلّا أنّ المقصود هو أنّ المسلمين آنذاك لم يكونوا يؤمنون بفكرة النصّ على
إمامة الإمام سوى شريحة منهم؛ ولذلك لم يعاملوا الإمام الحسنعليهالسلام كإمام مفترض الطاعة منصوص عليه، وإنّما عاملوه على أنّ إمامته إمامة عامّة وامتداد لخطّ السقيفة ومفهومها للخلافة.
فرصيد الإمام عليّ التأريخيعليهالسلام في نفوس الناس لم يكن مثله للإمام الحسنعليهالسلام ؛ ولقد بعدت الشقّة بين عهد أمير المؤمنين والحسنعليهماالسلام وعهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، نسبيّاً وعضّت الحروب أهل الكوفة، فمن حرب الجمل التي كان عصب جيش الإمام عليّعليهالسلام فيها أهل الكوفة وقد أعاروا جماجمهم طاعة للوصيّ وأعطوا فيها ألوف الشهداء، إلى حرب صفّين التي لم يبخلوا فيها بل جادوا والجود بالنفس أقصى غاية الجود فقدّموا أكثر من أربعين شهيد؛ ولولا الخوارج المتحفّزة نفوسهم لقلب معادلة الحرب من نصر موزّر نتيجته تطهير الأرض من ابن هند وبسط خلافة سيّد الأوصياء عليّعليهالسلام على ربى الشأم، إلى ما كان من إيقاف الحرب في اللحظة الحاسمة ثمّ إلى القبول بمهزلة التحكيم وتبعات ذلك من انخزال المحكّمة من الخوارج واجتماعهم بالنهروان؛ فكان الجيش الذي قاده أمير المؤمنينعليهالسلام هم أهل الكوفة، قضىعليهالسلام بهم على الخوارج المارقين.
إنّ توالي تلك الحروب على أهل الكوفة مع فقدان الأماثل منهم من أمثال عمّار بن ياسر الذي أبلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بشأنه: (عمّار يزول مع الحقّ حيث يزول)(١) رواه ابن مسعود.
وعن حذيفة بن اليمان وقد سئل عن الفتن فقال: دوروا مع كتاب الله حيث ما دار وانظروا الفئة التي فيها ابن سميّة فاتّبعوها فإنّه يدور مع كتاب الله حيث ما دار. قال:
____________________
(١) مستدرك الصحيحين ٣: ٤٣٩، والتلخيص، للذهبي حاشية المصدر.
فقلنا له: ومن ابن سميّة؟ قال: عمّار، سعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول له: (لن تموت حتّى تقتلك الفئة الباغية، تشرب ضياح تكن آخر رزقك من الدنيا)(١) . وكان كما أخبرصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد استشهد عمّار بصفّين مع أمير المؤمنينعليهالسلام وكان آخر شرابه ضياح لبن.
قال ابن النابغة لابن هند: قد قتل عمّار بن ياسر! فقال ابن هند: قتل عمّار فكان ماذا؟! فقال: ألا تعلم أنّ النبيّ قال لعمّار: (تقتلك الفئة الباغية وإنّ آخر زادك من الدنيا اللبن)(٢) ؟ فقال ابن هند: إنّما قتله من جاء به إلى الحرب! فقال عبد الله بن عمرو: وكذلك حمزة بن عبد المطّلب يوم أحد إنّما قتله النبيّ ولم يقتله وحشي؟! فقال معاوية لعمرو: نحّ عنّا ابنك هذا الموسوس الذي لا يدري ما يقول!(٣)
قاتل عمّار وسالبه في النار
عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، أنّ رجلين أتيا عمرو يختصمان في دم عمّار وسلبه؛ فقال عمرو: خلّيا عنه فإنّي سمعت رسول الله يقول: (أللّهم أولعت قريش بعمّار، إنّ قاتل عمّار وسالبه في النار)(٤) .
وفي يوم من أيّام صفّين، خرج ذو الكلاع الحميريّ، وكان مع معاوية، صوب عسكر أمير المؤمنين وطلب أن يخرج إليه أبو نوح الحميريّ وكان مع عليّعليهالسلام ، ليسأله عن أمر، فخرج إليه حتّى التقيا فقال ذو الكلاع: إنّما دعوتك أحدّثك حديثاً حدّثناه عمرو بن العاص في إمارة عمر بن الخطّاب قال: إنّ رسول الله قال: (يلتقي أهل الشأم
____________________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) المصادر جميعاً.
(٣) الفتوح ٣: ٢٦٨.
(٤) المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٤٧، وقال على شرط الصحيحين ولم يخرجاه.
وأهل العراق، وفي إحدى الكتيبتين الحقّ وإمام الهدى ومعه عمّار بن ياسر).
قال أبو نوح: لعمر الله إنّه لفينا!
قال: أجادّ في قتالنا؟
قال أبو نوح: نعم وربّ الكعبة، لهو أشدّ على قتالكم منّي! ولوددت أنّكم خلق واحد وبدات بك قبلهم ,انت ابن عمّي!
قال ذو الكلاع: ويلك علام تتمنّى ذلك منّي؟! والله ما قطعتك فيما بيني وبينك وإنّ رحمك لقريبة، وما يسرّني أن أقتلك ز
قال أبو نوح: إنّ الله قطع بالإسلام أرحاماً قريبة، ووصل به أرحاماً متباعدة وإنّي لقاتلك أنت وأصحابك، ونحن على الحقّ وأنت على الباطل مقيمون مع أئمّة الكفر ورؤوس الأحزاب.
ثمّ طلب ذو الكلاع من أبي نوح أن يأتي معه ليسمع عمرو بن العاص فذهب معه؛ وقال ذو الكلاع لعمرو: هل لك في رجل ناصح يخبرك عن عمّار بن ياسر؟
فقال عمرو: إنّي لأرى عليك سيما أبي تراب!
قال أبو نوح: عليّ سيما محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه، وعليك سيما أبي جهل وفرعون.
فقال له عمرو: أذكّرك بالله يا أبا نوح إلّا ما صدقتنا ولم تكذبنا، أفيكم عمّار بن ياسر؟
فقال له أبو نوح: ما أنا بمخبرك حتّى تخبرني لم تسألني عنه؛ فإنّ فينا من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عدّة غيره، وكلّهم جادّون على قتالكم؟
قال عمرو: سمعت رسول الله يقول: (إنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية، وإنّه ليس ينبغي لعمّار أن يفارق الحقّ وأن تأكل النار منه شيئاً).
فقال أبو نوح: لا إله إلّا الله والله أكبر! إنّه لفينا، جادّ على قتالكم.
قال عمرو: والله إنّه لجادّ على قتالنا؟!
قال: نعم والله الذي لا إله إلّا هو، ولقد حدّثني يوم الجمل أنّا سنظهر عليكم، ولقد حدّثني أمس أن لو ضربتمونا حتّى تبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على حقّ وأنّكم على باطل وقتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار.
فقال له عمرو: هل تستطيع أن تجمع بيني وبينه؟
قال: نعم.
فركب عمرو وركب معه نفر من صحبه وخرج إليه عمّار في عدد من صحبه. فتشهّد عمرو، فقال له عمّار: اسكت! فقد تركتها في حياة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد موته، ونحن أحقّ بها منك، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقّنا باطلك؛ وإن شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك وتكفّرك قبل القيام وتشهد بها على نفسك ولا تستطيع أن تكذّبني.
قال عمرو: يا أبا اليقظان، ليس لهذا جئت، إنّما جئت لأنّي رأيتك أطوع هذا العكسر فيهم، أذكّرك الله إلّا كففت سلاحهم وحقنت دماءهم وحرّضت على ذلك، فعلام تقاتلنا؟ أولسنا نعبد إلهاً واحداً، ونصلّي إلى قبلتكم، وندعو دعوتكم، ونقرأ كتابكم، ونؤمن برسولكم؟!
قال عمّار: الحمد لله الذي أخرجها من فيك، إنّها لي ولأصحابي: القبلة، والدين، وعبادة الرحمن، والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والكتاب من دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالاًّ مضلاًّ، لا تعلم هاد أنت أم ضالّ وجعلك أعمى. وسأعلمك علام قاتلتك عليه أنت وأصحابك. أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن أقاتل الناكثين وقد فعلت؛ وأمرني أن أقاتل
القاسطين، فانتم هم. وأمّا المارقون فما أدري أدركهم أم لا. أيّها الأبتر! ألست تعلم أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. أللّهم وال من والاه وعاد من عاداه) وأنا مولى الله ورسوله وعليّ بعده، وليس لك مولىً.
قال له عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان ولست أشتمك؟!
قال عمّار: وبم تشتمني، أتستطيع تقول: إنّي عصيت الله ورسوله يوماً قطُّ؟
قال له عمرو: إنّ فيك مسبّات سوى ذلك!
فقال عمّار: إنّ الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعاً فرفعني الله، ومملوكاً فأعتقني الله، وضعيفاً فقوّاني الله، وفقيراً فأغناني الله(١) .
من كان مع الحقّ كان الحقّ معه ينطق على لسانه، فقد قرّر عمّار رضي الله عنه ابن النابغة أنّ الدين، والكتاب، والقبلة، وعبادة الرحمن والنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ كلّ ذلك لعليّ وعمّار وصحبهما؛ وليس من ذلك شيء لابن هند وابن النابغة وصحبهم أهل الضلال؛ ولاجله يقاتلهم عمّار بأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما قاتلهم قبل أن يستسلموا! ولم يسلموا؛ وكما قاتل راية الضلال يوم الجمل، طاعةً منه لله تعالى ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولوليّه المنصوب من الله وبتبليغ رسوله.
وبعد هذا التقرير عاد ابن النابغة إلى جاهليّته يتلمّس مسبّات في عمّار! ولم يكن عمّار غافلاً عمّا اراد ابن النابغة في كلامه وهو عزّ الجاهليّة، ولا عزّ فيها واقعاً، إنّما هو الجبت والطاغوت والخيلاء وسدانة أحجار سمّوها آلهةً فهي غساف ونائلة ومناة وهبل وقد تهاوت تحت مطارق المسلمين وآل عمّار البيت الشهيد؛ فأمّه سميّة؛ وشتّان بينها وبين سميّة أمّ زياد، فبينهما بعد المشرقين؛ فالثانية من زواني خراسان من ذوات
____________________
(١) وقعة صفّين: ٣٣٣ - ٣٣٧.
الرايات ركبها في ليلة سبعة كان ثمرة مياههم عمرو؛ وأمّا الأولى فهي سابعة سبعة في الإسلام، أسلمت هي وزوجها ياسر وابنها عمّار وابنها عبد الله؛ فكان بنو المغيرة في بني مخزوم يعذّبونها أشدّ العذاب على الإسلام وهي تأبى غيره حتّى قتلوها؛ طعنها أبو جهل بحربة فقتلها فكانت أوّل شهيدة في الإسلام؛ وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرّ بهم وهم يعذّبون بالأبطح في رمضاء مكّة، فيقول: (صبراً آل ياسر، موعدكم الجنّة)(١) .
وقتل ياسر، وعبد الله ابنه شهيدين؛ كانت شهادتهم بمكّة قبل الهجرة، وبقي عمّار فشهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بدراً وأحداً وحنين ومغازي رسول الله الأخرى؛ وشهد مع وليّ الله عليّعليهالسلام الجمل وصفّين. أهذه هي المسبّات الأخرى التي أشار إليها ابن النابغة؟! ولنا أن نقول: إنّنا مع إجلالنا العظيم لعمّار؛ لنعجب ممّن يعتريه الشكّ في أمره لمكان عمّار ولا يعتريه الشكّ لمكان عليّعليهالسلام ، ويستدلّ على أنّ الحقّ مع أهل العراق لوجود عمّار فيهم ولا يستدلّ على ذلك لوجود عليّ فيهم وهو إمامهم وأميرهم، ويحذر من قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمّار: (تقتلك الفئة الباغية) ولا يحذر من قول رسول الله لعليّ: (أللّهم وال من والاه وعاد من عاداه)!
وإذا كان الحقّ مع عمّار ملازماً له؛ فهو مولى عليّ بعد الله ورسوله فالحقّ كلّ الحقّ مع عليّعليهالسلام ؛ ولذا كان خيرة الصحابة وأهل بيت الرحمة والأنصار مع عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ لا لعصبيّة وإنّما انتصاراً للحقّ على الضلال؛ فما لسيّدي شباب أهل الجنّة أحدي عدل القرآن المأمور بالرجوع إليهما في أخذ الأحكام التعبّديّة وهو عين العصمة، أن يزيغا عن الحقّ ويركبا الباطل، حاشا لهما، وهما إمامان إن قاما وإن قعدا، كما صرّح بذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهما إمامان معصومان على أيّ حال وفي كلّ آن، وهما
____________________
(١) السيرة، لابن إسحاق: ١٩٢، أسد الغابة ٥: ٤٦٧، الاستيعاب ٤: ٣٣٠.
كذلك إن قاما بالجهاد أو قعدا عنه لأنّهما لا يصنعا إلّا ما توافق مع إمامتهما وعصمتهما؛ وقد عرف لهما ذلك حشد من خيرة أصحاب رسول الله وأصحاب أبيهما، فشهدوا مشاهدهما. فاستشهد من استشهد معهما؛ فيما انتفض كثيرون منهم في وقعة عين الوردة؛ أو مع المجاهد السديد المختار رضوان الله تعالى عليه؛ واستشهد آخرون على أيدي الطغاة وبمواضع متفرّقة.
موقف الإمام الحسنعليهالسلام
تسلّم الإمام الحسنعليهالسلام الحكم بعد استشهاد أبيه الإمام عليّعليهالسلام وتعييناً: صبيحة الليلة التي استشهد فيها أمير المؤمنينعليهالسلام ؛ ممّا قوّى موجة الشكّ في رساليّة المعركة التي يخوضها الإمام الحسن، حتّى أنّ الإيحاء لدى كثير بأنّ المعركة هي معركة بيت مع بيت، وهي بالتالي ليست معركة رساليّة.
فلذا وللأسباب والملابسات التي مرّ ذكرها، عقّدت موقف الإمام من مسألة الحكم وصار أمام خيارات:
الخيار الأوّل:
وهو إغراء الزعامات وأصحاب النفوذ بإعطائهم الأموال ووعدهم بالمناصب لاستمالتهم إلى جانبه؛ وهذا الخيار اقترحه البعض عليه إلّا أنّ الإمامعليهالسلام رفضه ماضياً على سيرة أبيهعليهالسلام .
فقد كتب إليه عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، وفيه: لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس، أما بعد يا ابن رسول الله! فإنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد أبيك، وقد أنكروا قعودك عن معاوية وطلبك لحقّك، فشمّر للحرب
وجاهد عدوّك، ودار أصحابك وولّ أهل البيوتات والشرف وما تريد من الأعمال، فإنّك تشتري بذلك قلوبهم، واقتد بما جاء عن أئمّة العدل من تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، واعلم أنّ الحرب خدعة؛ ولك في ذلك سعة ما زلت محارباً ما لم ينتقص حقاً لمسلم هو له؛ وقد علمت أنّ أباك عليًّا إنّما رغب الناس عنه وصاروا إلى معاوية لأنّه واسى بينهم في الفيء وسوى بينهم في العطاء، فثقل ذلك عليهم، واعلم بأنّك إنّما تحارب من قد حارب الله ورسوله حتّى أظهر الله أمره...(١) .
فابن عبّاس يطلب من الإمامعليهالسلام بمداراة أصحابه وإرضائهم؛ ولا يكون ذلك إلّا عن إغضاء الإمام عن حرام يراه وأثرة يسكت عنها؛ وتولية أهل البيوتات على نسبهم وشرفهم بين قومهم فيشتري بذلك قلوبهم؛ اقتداءً بمن سبقه إذ أمّر أبوبكر خالد بن الوليد فعمل ما عمل وأفسد حتّى راح عمر يطالبه بنزعه فلمّا أكثر عليه في الطلب قال له: أتريد أن أغمد سيفاً سلّه الله على أعدائه! فصار خالد يدعى سيف الله المسلول، لذلك. وما زال أبوبكر ينقله من موقع إلى آخر رغم فعلته ببني أسد وبني فزارة من القتل الذريع للنساء والرجال والأطفال؛ وفعلته ببني يربوع، وقد رأى حسن إسلامهم وأذانهم وتأديتهم الصلاة في وقتها وبعد أن أمن القوم من خالد وقومه؛ غدر بهم فقتلهم وقتل الرجل الصالح مالك بن نويرة رضي الله عنه، ودخل بامرأته ليلة قتله. ثمّ بعث به في فتوح العراق، وهناك فعل أفعالاً ذمّم بسببها، فبعثه في بعوث فتوح الشأم واحداً من القوّاد(٢) .
وبعث ضمن القوّاد يزيد بن أبي سفيان ومعه ابن هند معاوية يحمل رايته فلمّا مات
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٤٩.
(٢) ذكرنا تفاصيل ذلك في الجزء الثاني من (شهداء الإسلام).
أبو عبيدة؛ نصب أبوبكر يزيد على دمشق فلمّا انتهى الأمر إلى عمر وقد مات يزيد، نصب ابن هند مكانه ثمّ بسط سلطانه على جميع الشأم؛ فلمّا صار الأمر إلى عثمان ضمّ مصر وأقطار أخرى إليه - مرّ تفصيل ذلك بنا -.
فهذا الذي أراده ابن عبّاس في كتابه إلى الإمام المعصوم، وهيهات أن يصنععليهالسلام صنيع بني تيم، وعدي، وأميّة.
وقوله: (واعلم بأنّ الحرب خدعة)، وكأنّه جاء بأمر جديد! وأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام هو القائل: ما معاوية بأمكر منّي! إلّا أنّه يغدر ويفجر؛ والإمام الحسنعليهالسلام على سرّ أبيهعليهالسلام لا يريد نصراً عسكريّاً يأتي من تلك الطرق المرفوضة في الإسلام، فهو في سلمه وحربه إنّما يريد إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل وحفظ وسلامة جماعة المسلمين.
وقوله: (وقد علمت أنّ أباك عليًّا إنّما رغب الناس عنه وصاروا إلى معاوية لأنّه واسى بينهم في الفيء وسوى بينهم في العطاء فثقل ذلك عليهم).
فعجب! فمتى رغب الناس عن أمير المؤمنين لذلك، وهم ينتقلون معه من أتون حرب مسعرة إلى ثانية فثالثة وسيوفهم على عواتقهم لخوض رابعة مع ابن هند لولا انّ المنيّة عاجلته. وحتّى الخوارج المارقة لم يحتجّوا عليه بما ذكره ابن عبّاس، وإنّما لشبهة وقعت لهم في أمر التحكيم؛ فلمّا ناظرهمعليهالسلام ، استأمن إليه منهم ثمانية آلاف.
وأمّا طلحة والزبير وعائشة: فأمّا عائشة فقد كانت تحرّض على عثمان لأنّه أخّر عطاءها قليلاً، فلمّا صار الأمر إلى أمير المؤمنين شقّ عليها ذلك لحسد دفين آفته العناية الخاصّة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعليّعليهالسلام حتّى أنّه زوّجه بضعته الطاهرة ولم تطهر واحدة من نسائه ومنهنّ عائشة! إلّا خديجة رضوان الله تعالى عليها، وهي أمّ سيّدة نساء أهل الجنّة، ولم يقل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل هذا بشأن عائشة وإنّما حذّرها أن تكون من الخوارج
الناكثين فتنبحها كلاب الحوأب. ولعلّ ما زاد في حنقها على أمير المؤمنينعليهالسلام أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ردّ أباها ولم يزوّجه سيّدة نساء العالمين فاطمةعليهاالسلام ، وكذا ردّ عمر وعبد الرحمن بن عوف وفيّ كلّ مرّة يقول أمرها إلى الله حتّى جاءه جبريلعليهالسلام بأمر الله تعالى في زواج فاطمة من عليّعليهماالسلام .
وأمّا طلحة والزبير فحسدهما لعليّعليهالسلام قديم، وقد ذكرنا قصّة محاولة الزبير للغدر بعليّ والفتك به. ولـمّا صار الأمر إليه لم يتحقّق لهما رغبتهما في ولاية بعض الأقاليم لمعرفته بهما، فلمّا رأيا ذلك خرجا عليه اقتداءً بمن خرج عليه من قبل. وفي البصرة تشاحّ طلحة والزبير على الصلاة حتّى أصلحت بينهما عائشة. ولـمّا سئلا عن سبب مجيئهما قالا: علمنا أنّ هاهنا دراهم فجئنا نأخذها.
فغذا كان ابن عبّاس يعني هذا؛ فنعم ما صنع أمير المؤمنينعليهالسلام وللإمام الحسنعليهالسلام أسوة بأبيه في ذلك.
الخيار الثاني:
وهو أن يتجّه الإمام إلى الصلح من أوّل أمره ما دام على الأمر على النحو الذي شرحنا فيه حال المجتمع الكوفيّ.
وقد استبعد الإمام هذا الخيار مثلما استبعد الخيار الأوّل؛ لأنّه في مثل هذا الصلح سيضفي شرعيةً على حكم ابن هند من غير أن يحقّق للمجتمع الإسلامي، ولشيعته مكسباً.
ومع الحالة المعقّدة والمحنة التي كان الإمام يعاني منها مضافاً إلى المبدأ الذي انتهجه أهل البيتعليهمالسلام وكان من العلامات الفارقة بينهم وبين الآخرين، ذلك المبدأ السامي وهو أن لا يبدأوا غيرهم بقتال حتّى يبدأهم.
فكان خيارهعليهالسلام هوأن لا يبدأ بحرب مع رجل يتلبّس وجه من يريد حقن ماء المسلمين، وبناء على هذا استجاب الإمام لدعوة الصلح؛ فكانت الاستجابة نصراً على معاوية وفضحاً لسياسته المخادعة وكشفاً لحقيقته أمام الجماهير. ذلك أنّ الإمامعليهالسلام يعلم أنّ الإمامعليهالسلام يعلم أنّ ابن هند لا وفاء له، وبالأمس القريب خان العهود والمواثيق مع أمير المؤمنين ووليّ المسلمين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ؛ فشنّ غاراته يقطع السبيل على الحاجّ ويقتل الأبرياء نساء وأطفالاً وهتك حرمة الحرمين.
وقد فضحه الله تعالى. فبسند عن عليّ بن الجعد قال: حدّثنا قيس بن الربيع عن عطاء بن السائب، عن الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: (ما اختلفت أمّة بعد نبيّها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها)، ثمّ إنّه انتبه فندم! فقال: إلّا هذه الأُمّة فإنّها وإنّها(١) .
فهو محض باطل وحليف الشيطان، فكان حقّاً على الله أن يفضحه ويظهر مكامن نفسه؛ فابن هند وأتباعه أهل باطل. وكما لم يلتزم بمواثيقه لأميرالمؤمنين فإنّه لم يلتزم بعهده مع الإمام الحسنعليهالسلام ، وجعل كلّ التزام تحت قدميه! على ما سنذكره.
وابن هند لا يهمّه أمر الناس، أطاعوا الله أم عصوه؛ إنّما هي الإمرة التي أتته وهو غير مصدّق، أفي يقظة هو أو في نوم؟!
عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثمّ خطبنا فقال: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك. وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون(٢) .
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٤٥.
(٢) مقاتل الطالبيّين: ٤٥، ومختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٣.
إذا كان هذا كلام ابن هند مع أهل العراق الذين قاتلوه فأذاقوه مرّ الحياة؛ فأقبح منه كلامه مع أهل المدينة، وأسوأ منهجاً. قال الشعبي: لـمـّا قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقّته رجال من قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعزّ نصرك وأعلى أمرك. فما ردّ عليهم جواباً حتّى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد فإنّي والله ما وليت أمركم حين وليته إلّا وأنا أعلم أنّكم لا تسرّون بولايتي ولا تحبّونها، وإنّي لعالم بما في نفوسكم، ولكنّي خالستكم بسيفي هذا مخالسةً؛ ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة! فلم أجدها تقوم بذلك، وأردتها على عمل ابن الخطّاب! فكانت أشدّ نفوراً، وحاولتها على سنيّات عثمان فأبت عليّ، وأين مثل هؤلاء؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممّن بعدهم! غير أنّي قد سلكت بها طريقاً لي فيه منفعة ولكم فيه مثل ذلك، ولكّ فيه مؤاكلة حسنة، ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خيركم لكم؛ والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدّم ممّا قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني، وإن لم تجدوني أقوم بحقّكم كلّه فارضوا منّي ببعضه، فإنّها ليست بقائبة قوبها(١) وإنّ السيل إذا جاء يترى وإن قلّ أغثى، وإيّاكم والفتنة فلا تهمّوا بها فإنّها تفسد المعيشة وتكدّر النعمة، وتورث الاستئصال، وأستغفر الله لي ولكم. ثمّ نزل(٢) .
ولله في خلقه شؤون! وإلاّ متى كان ابن هند شيئاً مذكوراً! لا في جاهليّة ولا في إسلام، ويتقلّب في خزايات؛ فهو يدعى إلى أربعة وإلى الصبّاح مغنّ أسود وإلى وحشي فقد وعدته أن تعطيه ضمير الصدر إن قتل حمزةعليهالسلام ، فلمّا قتله؛ وفّت و حقّقت قولها
____________________
(١) مثل معناه أنّ الفرخ إذا فارق بيضته لم يعد إليها.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٥.
له: اشف واشتف. أبهذا يأنف ابن هند أن يردّ على رجال قريش وقد خرجوا من المدينة يستقبلوه ويدعون له؟! فهلّا ردّ التحيّة بمثلها إن لم يطق أن يردّها بأحسن منها! إلّا أنّ هذا خلق الإسلام الذي كان مباعداً له وعدوّاً لدوداً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولحامّته ولجماعة المسلمين. ولم يدخل الإسلام قلبه حتّى عام الفتح فاستسلم تحت بارقة السيوف وخرج منه كما يخرج السهم من الرمية لم يعلق به من الإسلام شيء؛ حاله حال الخوارج المارقين.
وما قبض الله تعالى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم إليه إلّا ولعنات النبيّ تلاحق ابن هند التي لم تربّه إلّا على الخطايا والتقلّب بين أحضان الرجال؛ فمن أزواج ثلاثة إلى معاشرة ستّة ثمرتهم معاوية فاستلحقه أبوسفيان! كما ادّعى ابن سميّة المدعى إلى ستّة وغلب عليه (ابن أبيه) لاختلاط المياه؛ ثمّ استلحقه ابن هند فعصى الله تعالى في أمره بدعوة الأبناء إلى آبائهم؛ وعصى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي جعل الولد للفراش وللعاهر الحجر فلم تزده هند إلّا شذوذاً وإغراقاً في الخزايات حتّى مات إثر مجامعته زنجيّة! مرّ تفصيله وبيانه.
وهو يراها تضرب بالدفّ وتسهل! تحرّض الرجال على قتل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ففجعها أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بأبيها (عتبة بن ربيعة) وبذا فجع معاوية بجدّه لأمّه؛ كان ذلك يوم بدر. وكذلك فجعها يومئذ بعمّها شيبة بن ربيعة؛ وبالوليد بن عتبة بن ربيعة خال معاوية. وفجع أبا سفيان بابنه حنظلة بن أبي سفيان؛ كلّ ذلك كان يوم بدر الكبرى؛ وليس من سبب إلّا أنّ قوم هند وأبي سفيان ومن معهم جاؤوا انتصاراً للاّت والعزّى وهبل ولا جتثاث شأفة المسلمين؛ فكان عليعليهالسلام الذي هتف جبريل ببسالته في وقعتي بدر وأحد، والمسلمون معه يجاهدون في سبيل الله.
ويوم بدر هلك من عبّاد الأصنام والأوثان سبعون وأسر منهم سبعون. قتل فتى
الإسلام وسيف ذي الفقار من أولئك السبعين ستّاً وعشرين وشارك عمّه حمزة في قتل ثلاثة(١) .
ولم نسمع أنّ ابن هند قد جرح واحداً فضلاً عن قتله من المسلمين في أيّ وقعة بين المشركين والمسلمين؛ فمن أين تأتّت له هذه الصفاقة! حتّى يتحدّى قريش على نحو ما ذكرناه، ثمّ علا المنبر ليخلط حقّاً بباطل ويشوب صدقاً كذباً، لقد صدق في قوله: (أنا أعلم أنّكم لا تسرّون بولايتي ولا تحبّونها)؛ ومن يحبّ ابن هند ويسرّ بولايته إلّا يكون من سنخه، والمرء مع من أحبّ؛ وقد لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مواطن شتّى وأعلن عنه أنّه في تابوت مقفل عليه في قعر جهنّم، فلا يحبّه من رغب عن الجنّة وفضّل جهنّم عليها؟! وكيف لا يكرهون من أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتله إن رؤي على منبره فلمّا أراد قتله أحد المسلمين لـمـّا رآه على المنبر في العراق حجبه عبد الله بن مسعود وقال له حتّى يأتي الأمر من عمر، فمات عمر وابن هند متسلّط على دمشق.
وما لابن هند وسيرة ابن أبي قحافة، هل كانت سيرة إسلاميّة؟ فلم لم تقم نفسه بها. ويعظم الأمر إذ يجد نفسه أشدّ نفوراً من عمل ابن الخطّاب! ومن سنيّات عثمان، وانظر حيث يذكر ابن أبي قحافة، وابن الخطّاب فلا يذكرهما بالاسم، وهما ربّا نعمته في تسليطه على الشأم، ولكن يذكر عثمان. فما العيب في الأوّلين؟! و (هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممّن بعدهم) أيعني بذلك أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما في آية المباهلة؛ وأخوه يوم المؤاخاة وما بعده، وهو ما كان يفخر به عليّعليهالسلام فيهتف
____________________
(١) انظر السيرة النبويّة، لابن هشام ٢: ٣٦٦ - ٣٧٢، والمغازي ١: ١٤٨ - ١٥٢، والمحبّر: ١٧٥ - ١٧٦، وطبقات ابن سعد ٢: ١٧ و ٥: ٣١، والنسب: ١٩٩ و ٢٠٢ و ٢٠٤ و ٢٠٥ و ٢١٠ و ٢١٢ و ٢١٣ و ٢١٥ و ٢٥٠، وأنساب الأشراف ١: ٣٥٥ و ٣٥٦ - ٣٥٧ و ٣٥٩ - ٣٦٠، وتاريخ الطبري ٢: ١٤٨، وكتاب الثقات ١: ٦٥، والإرشاد: ٦٠ و ٦٢ - ٦٣.
صادقاً بأنّه أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسابقها إلى الإسلام وصدّيق هذه الأُمّة وفاروقها، لا يقولها بعده أحد إلّا كذّاب!
وهل أنزل منه أحداً بمنزلة هارون من موسى إلّا عليّ؟! وعليّ طاهر معصوم هو وزوجته الطاهرة المعصومة فاطمة وابناهما الحسنان طاهران معصومان، ذكر ذلك القرآن الكريم، ولذا ضمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه الطاهرة إليهم ولم يأذن لأحد أن يكون معهم إلّا جبريلعليهالسلام لـمـّا استأذن النبيّ أن يكون معهم تحت الكساء فأذن له لأنّه ملك مقرّب معصوم طاهر.
فلو كان عليّ لم يبلغ شأو من ذكر ابن هند، لخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يباهل بهم وبنسائهم وأولادهم وينصب واحداً منهم مكان نفسه ثمّ يلحّ بالدعاء إلى الله عزّ وجلّ بأن يحلّ اللعنة على الكاذبين! ولم تنزل آية في تنصيب واحد ممّن ذكر وليّاً للمسلمين ولكن نزل قرآن في ولاية عليّعليهالسلام . ولم يرفع يد واحد من أولئك يوم الغدير ليجعله أمير المؤمنين ووليّاً للمسلمين. وإنّما رفع يد عليّعليهالسلام حتّى بان بياض إبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودعا له (أللّهم وال من والاه وعاد من عاداه)، فهل والى ابن هند عليًّا أم كان ناصبيّاً يتعبّد ببغض عليّ، وخارجيّاً خرج على عليّ وحاربه وسنّ سبّ عليّ دبر كلّ صلاة، وسبّ عليّ سبّ لله كما علمت. والبراءة منه، ودين عليّ دين النبيّ، فالبراءة منه براءة من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم.
وعليّ وبنوه سفينة النجاة وصراط الله المستقيم، فهل ركبوا السفينة فنجوا أم تخلّفوا عنها فغرقوا وحادوا عن الصراط المستقيم؟! وعليّ باب مدينة علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعليّ وزوجته وابناهعليهمالسلام أطهر بيت وأشرفه وأفضله؛ وحربهم حرب لله ولرسوله، فأين يكون ابن هند يوم الآخرة وقد حارب عليًّا والحسنعليهماالسلام ؟!
منطق جاهليّ:
وقوله: (وإن لم تجدوني أقوم بحقّكم كلّه فارضوا منّي ببعضه)! فلمعرفته بنفسه وأنّه يبخس الناس حقّهم؛ فقد قدّم بين يدي معذرته! أن يرضوا منه بالبعض ويسكتوا!
من أين جاء بهذا الحكم؟! وهل مساواة أهل مدينة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالظلم من خلال انتقاصهم حقوقهم، مع تفصيل أهل الشأم عليهم في ذلك، دليل على تحوّل ابن هند من جاهليّة إلى إسلام؟! وعقّب متوعّداً إن هم طلبوا حقّهم وسمّى ذلك فتنةً تورث الاستئصال! أي القتل العام؛ كلّ ذلك وأهل المدينة لم يقع منهم أمر مريب يثير حنقه، إلّا أنّه حقد دفين لمن ضربوه وقومه بسيوفهم وأرغموهم على إظهار الإسلام دون أن تفارق الأصنام قلوبهم! وقد وجدنا ابن هند بعد تسلّطه على الشأم يتاجر بالأصنام النحاسيّة إلى الهند؛ وأبو سفيان وقد حظر مع المسلمين يوم يرموك، فكان هو ومجموعة من قريش إذا مال الروم على المسلمين قالوا: إيه بني الأصفر! تشجيعاً للروم وشماتة بالمسلمين، والأزلام في كنانة أبي سفيان. وقد حذّر ابن هند ابن ميسون من أهل المدينة، فلمّا كانت وقعة الحرّة أباح الدعيّ ابن الدعيّ المدينة لأهل الشأم ثلاثة أيّام يفعلون ما يشاؤون، فقتلوهم قتلاً ذريعاً: الرجال والنساء والشيوخ والأطفال ولم يسلم حتّى الرضيع! ووقعوا على النساء وحبلت ألف امرأة من غير زوج ولم يسمع أذان في المدينة طيلة الأيّام تلك. ونهبوا وسلبوا كلّ ما وقعت عليه أبصارهم.
وقفة مع ابن عبّاس:
وقد مرّ بنا كتاب ابن عبّاس إلى الإمام الحسنعليهالسلام يسأله إلّا يقتدي بأبيه
أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام في مساواته بين الناس في الفيء والعطاء، وإنّما عليه مداراة أصحابه فيولّي أهل البيوتات ويشتري قلوبهم بالمال، وقد رفض الإمام هذا الرأي ورفض فكرة أنّ الحرب خدعة، فهوعليهالسلام لا يريد مكسباً دنيويّاً أو أن يحقّق نصراً عسكريّاً تحقيقاً لذاته. كان الإمام يريد تحقيق الأهداف الإسلاميّة النبيلة وغايته رضا الله تعالى وله بأبيه أسوة فهوعليهالسلام ما زال ينتقل من نصر مؤزّر إلى ظفر باهر وانتهى به الأمر أن استشهد في محراب الصلاة ساجداً لله سبحانه إذا بادره خارجيّ شرب حليب يهوديّة، فضربه على رأسه بسيف شراه بثلاثة آلاف وصقله بثلاثة آلاف وسمّه بثلاثة آلاف! وفي لحظة الضربة استحضر أمير المؤمنين ما كان يخبره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أمره، فتيقّن أنّه غاد إلى الله ورسوله وذلك هو الفوز العظيم فهتف صلوات الله وسلامه عليه: (فزت وربّ الكعبة)! فازعليهالسلام بالجنّة والرضوان، إلّا أنّ الأُمّة تهيّأت للمحن وتمهّد السبيل لابن هند إذ قبل شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام كان أهل الشأم يدعون ابن هند: الأمير؛ فلمّا استشهد أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، بايعوه على أنّه أمير الـ....
وفي الكوفة: بايع الناس الإمام الحسنعليهالسلام بالخلافة وإمرة المؤمنين. قال ابن أعثم: لـمـّا مضى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إلى سبيل الله، اجتمع الناس إلى ابنه الحسن فبايعوه ورضوا به وبأخيه الحسين من بعده.
قال: فنادى الحسن في الناس فجمعهم في مسجد الكوفة، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ الدنيا دار بلاء وفتنة، وكلّ ما فيها فآئل إلى زوال واضمحلال، وقد أنبأنا الله عنها لكي نعتبه، وتقدّم إلينا فيها بالوعد لكي نزدجر، فلا يكون له علينا حجّة بعد الإعذار والإنذار، فازهدوا فيما يفنى، وارغبوا فيما يبقى وخافوا الله في السرّ والعلانية؛ ألا وقد علمتم أنّ أمير المؤمنين عليًّا رحمه الله حيّاً وميّتاً،
عاش بقدر ومات بأجل، وإنّي أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت وتسالموا من سالمت؛ فقال الناس: سمعنا وأطعنا، فمرنا بأمرك يا أميرالمؤمنين. قال: فأقام الحسن -عليهالسلام - بالكوفة شهرين لا ينفذ إلى معاوية أحداً ولا ذكر المسير إلى الشأم(١) .
وبأسانيد عدّة أخرج أبو الفرج الأصفهاني؛ قالوا:
خطب الحسن بن عليّ بعد وفاة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، فقال: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولا يدركه الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتّى يفتح الله عليه؛ ولقد توفّي في الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم وتوفّي فيها يوشع بن نون وصيّ موسى. وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه. ثمّ قال أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً والذين افترض الله مودّتهم في كتابه إذ يقول:( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) (٢) . فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت.
قال أبو مخنف عن رجاله: ثمّ قام ابن عبّاس(٣) بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته
____________________
(١) الفتوح، لابن أعثم ٤: ١٤٨.
(٢) الشورى: ٢٣.
(٣) أطلقه ولم يحدّده، والظاهر أنّه عبيد الله بن العبّاس لأنّه كان مع الإمام الحسنعليهالسلام قبل قبل أن يتغيّر! وعبد الله كان بعيداً عن الكوفة.
فاستجابوا له وقالوا: ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة فبايعوه(١) .
ومثل رواية الأصفهاني في الطبري، قال: وفي هذه السنة أعني سنة أربعين بويع للحسن بالخلافة.
وقيل: إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عزّوجلّ وسنّة نبيّه وقتال المحلّين فقال الحسنعليهالسلام : على كتاب الله وسنّة نبيّه فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط؛ فبايعه وسكت وبايعه الناس(٢) .
وفي رواية البلاذري:
حدّثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن أبي مخنف وعوانة بن الحكم في إسنادهما، وحدّثني عبد الله بن صالح العجلي عن الثقة عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان قالوا: لـمـّا قتل عليّ بن أبي طالب بالكوفة، قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثمّ وصف فضل عليّ وسابقته وقرابته والذي كان عليه في هديه وعدله وزهده وقرّظ الحسن ووصف حاله ومكانه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي هو أهله في هديه وحلمه واستحقاقه الأمر بعد أبيه، ورغّبهم في بيعته، ودعاهم إلى طاعته، وكان قيس أوّل من بايعه ثمّ ابتدر الناس بيعته.
وقد كان قي عامل عليّ على آذربيجان فكتب إليه في القدوم للغزو معه، فقدم فشهد مقتله(٣) .
قال: وخرج عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب إلى الناس بعد وفاة عليّ ودفنه
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٢ - ٣٣.
(٢) تاريخ الطبري ٤: ١٢١.
(٣) أنساب الأشراف ٣: ٢٧٨.
فقال: إنّ أمير المؤمنين رحمه الله تعالى فقد توفّي برّاً تقيّاً، عدلاً مرضياً، أحيا سنّة نبيّه وابن عمّه، وقضى بالحقّ في أمّته. وقد ترك خلفاً رضيّاً مباركاً حليماً فإن أحببتم خرج إليكم فبايعتموه، وإن كرهتم ذلك فليس أحد على أحد. فبكى الناس وقالوا: يخرج مطاعاً عزيزاً، فخرج الحسن فخطبهم فقال: اتّقو الله أيّها الناس حقّ تقاته فإنّا أمراؤكم وأضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله:( لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) . والله لو طلبتم مثلي في قرابتي وموضعي ما وجدتموه، ثمّ ذكر ما كان عليه أبوه من الفضل والزهد والأخذ بأحسن الهدى، وخروجه من الدنيا خميصاً لم يدع إلّا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، فأراد أن يبتاع بها خادماً. فبكى الناس ثمّ بايعوه، وكانت بيعته التي أخذ على الناس أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم(٢) .
موجز البيعة:
الذي وجدناه في بيعة الإمام الحسنعليهالسلام أنّها نظير بيعة أبيه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، فلم تكن فلتةً وقى الله شرّها وثمرة ممالأة في ظلّ سقيفة جرّت إلى صراع بين الأجنحة ذات النفوذ وكادت تأتي على حياة سيّد الخزرج، ووفاءً للعهود والمواقف المشكورة! عهد الأوّل للثاني، وزواها الثاني عن صاحبها قرآناً وسنّةً وسيرةً ذاتيّة! بتشكيله فريق عمل على ما هو معروف للجميع. وبعد مضيّ اتّجهت الأنظار صوب أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولمعرفة أصحاب البعير أن لا حظّ لهما في الأمر بادرا أن يكونا أوّل
____________________
(١) الأحزاب: ٣٣.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٧٩.
من بايع أمير المؤمنين أملاً أن يكون لهما نصيب في الأمر مع ما تنطوي جوائحهم عليه من أميرالمؤمنين! إلّا أنّ أمير المؤمنين خيّب آمالهما فنكثا البيعة وخرجا يتبعان بعيراً وصاحبته.
لقد جاءا أمير المؤمنينعليهالسلام في بيته وعرضا عليه البيعة، فأبى عليهما وعرض عليهما أن يبايع لأحدهما بعد تراض منهما على أحدهما وأن تكون البيعة عامّة في المسجد فمن بايع له الناس كانعليهالسلام كأحدهم! فأحرجهما بذلك لمعرفتهما أنّ المسلمين لن يبايعوا لأحدهما وعليّعليهالسلام موجود، وبذلك يخسروا كلّ شيء.
وعاودوا مراجعته، فقالعليهالسلام : إنّ هذا الأمر لا يكون مخالسةً ولابدّ أن يكون على رؤوس الملأ علانيةً وبرضى المسلمين، فقبلا. واحتشد المسلمون وبعد أن تكلّم عدد من الأنصار فذكروا فضائل أمير المؤمنين ثمّ قالوا: ولو علمنا مكان أحد هو أفضل منه وأجمل لهذا الأمر وأولى به لدعوناكم إليه. فقال الناس كلّهم وبكلمة واحدة: رضينا به طائعين غير كارهين. فقال لهم عليّ: أخبروني عن قولكم هذا: أحقّ واجب من الله عليكم أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟ قالوا: بل هو واجب أوجبه الله عزّ وجلّ لك علينا، فقال عليّ: فانصرفوا يومكم هذا إلى غدٍ. فلمّا كان من غد أقبل الناس إلى المسجد، وجاء عليّ بن أبي طالب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ايّها الناس إنّ الأمر أمركم فاختاروا لأنفسكم من أحببتم وأنا سامع مطيع لكم!
فصاح الناس من كلّ ناحية وقالوا: نحن على ما كنّا عليه بالأمس، فابسط يدك حتّى يبايعك الناس، فسكت عليّ، وقام طلحة إلى عليّ فبايعه وضرب يده على يد عليّ، وكان به شلل من ضربة اصابته يوم أحد، فلمّا وقعت يده على يد عليّ قال قبيصة بن جابر: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! أوّل يد وقعت على كفّ أمير المؤمنين يد شلاّء، لا والله
لا يتمّ هذا الأمر من قبل طلحة بن عبيد الله أبداً. ثمّ وثب الزبير وبايع، وبايع الناس بعد ذلك(١) .
إنّ الذي كان من أمير المؤمنينعليهالسلام إنّما أراد ليقطع الطريق على معاذير المشاغبين، وهو يعلم ما تُكنّه صدور طلحة والزبير من كراهية وحسد له وتطلّع إلى الإمارة، وقد أعلمه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما سيكون من الفتن ومنها حرب الجمل.
ذكر الطبري عن موسى بن عُقبة عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لـمـّا قتل الناس عثمان وبايعوا عليًّا جاء عليّ إلى الزبير فاستأذن عليه فأعلمته به، فسلّ السيف ووضعه تحت فراشه! ثمّ قال: ائذن له فأذِنتُ له، فدخل فسلّم على الزبير وهو واقف بنحوه ثمّ خرج، فقال الزبير: لقد دخل المرء ما أقصاه، قُم في مقامه فانظر: هل ترى من السيف شيئاً فقمت في مقامه فرأيتُ ذُبابَ السيف فأخبرتُه، فقال: ذاك أعجلَ الرجل(٢) .
لقد كان ابن العوّام من العزم على قتل أمير المؤمنين غدراً بعد ليلة من بيعته، فما يرجى منه بعد؟ وقد أنبأه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه سيقاتل عليًّا وهو ظالم له فكان كما أنبأ.
وفي البصرة، أخذ جارية بن قدامة السّعدي البيعة لأميرالمؤمنين وكان بها عبد الله ابن عامر بن كريز والياً لعثمان، ففرّ منها إلى مكّة.
وفي الكوفة، بايع هاشم بن عُتبة المرقال أمير المؤمنين وقال: هذه يميني وشمالي لعليٍّ.
وفي المدائن، بايع حذيفة بن اليمان لأميرالمؤمنين واضعاً يده اليمنى على اليسرى وحثّ الناس على بيعته ونصرته وقال: لا أبايع بعده لأحد من قريش، ما بعده إلّا
____________________
(١) الفتوح ٢: ٢٤٣ - ٢٤٦، تاريخ الطبري ٣: ٤٥٦.
(٢) تاريخ الطبري ٣: ٤٥٤.
أشعر أو أبتر، وقال: من أراد أن يلقى أمير المؤمنين حقّاً فليأت عليًّا(١) .
هكذا كانت بيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بيعةً عامةً عن رضىً وطيب خاطر، والمسلمون مجمعون في بيعتهم له أنّها حقّ واجب أوجبه الله عليهم.
وهكذا كانت بيعة الإمام الحسنعليهالسلام ، فلا كراهية ولا جبرية في البيعة، إنّما عن طيب نفس فقد (اجتمع الناس إليه فبايعوه ورضوا به وبأخيه الحسين من بعده). وبعد أن سمعوا شرطه الذي شرطه عليهم (وإنّي أبايعكم على أن تحاربوا من حاربت وتسالموا من سالمت) فما أسرع أن قالوا: سمعنا وأطعنا، فمرنا بأمرك يا أميرالمؤمنين. وفي جواب آخر شبيه بجواب من بايع أباهعليهالسلام قالوا: ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة فبايعوه. وقولهم إذ سئلوا: إن أحبّوا بيعته خرج إليهم فبايَعُوه، وإن كرهوا ذلك فليس أحد على أحد. فبكوا وقالوا: يخرج مطاعاً عزيزاً. فخرج إليهم وخطبهم، فبكوا ثمّ بايعوه وقبلوا شرطه عليهم: أن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم.
فبيعتهعليهالسلام على مثل بيعة أميرالمؤمنين، هي السمع والطاعة له ولأخيه الحسينعليهماالسلام ، وقبول شرْطه.
أمّا لماذا زادوا في البيعة للحسينعليهالسلام ؟ فللأحاديث الكثيرة في إمامتهما المفروضة وقد ذكرنا بعضها، ولما يقرأونه من قرآن في شأنهما، فأرادوها بيعة واحدةً.
وبسندين عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام في قوله تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (٢) الآية؛ قال: (نزلت في ولد فاطمة خاصّة، جعل الله منهم أئمّة يهدون بأمره)(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ١٤، مروج الذهب ٢: ٣٥٧.
(٢) السجدة: ٢٤.
(٣) شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٦٥٤ رقم ٦٢٤ و ٦٢٥.
وبسند عن مقاتل عن عطاء، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ، قال: جعل الله لبني إسرائيل بعد موت هارون وموسى، من ولد هارون سبعة من الأئمّة، كذلك جعل من ولد عليّ سبعة من الأئمّة. ثمّ اختار بعد السبعة من ولد هارون خمسة فجعلهم تمام الاثني عشر نقيباً، كما اختار بعد السبعة من ولد عليّ خمسة فجعلهم تمام الاثني عشر(١) .
ولم يقع من أهل الكوفة ما وقع لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام في المدينة. فإنّ أكثر الناس حماساً بظاهر الحال! في بيعة أميرالمؤمنين: طلحة والزبير، فلمّا تمّت البيعة ولم يجدا له معارض، راحا يعدّان لخبيث ما انطوت عليهما نفسيهما؛ فإنّ الزبير لـمـّـا جاءه الإمامعليهالسلام واستأذن عليه، أخّره قليلاً وسلّ سيفه فوضعه تحت الفراش ليفتك به ثمّ أذن له، فلمّأ دخل عليه ورأى ذباب السيف خارجاً من تحت الفراش عرف بما بيّته الزبير، فخرجعليهالسلام وحبط سوء عمل الزبير.
وسمع طلحة والزبير بما يجري بمكّة ذلك أنّ جمعاً من بني أميّة منهم عبد الله بن عامر بن كريز، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم؛ والمغيرة بن شعبة الثقفيّ، ويعلى بن مُنية، ومُنية أُمّه! كان عامل عثمان على اليمن، فلمّا رأى وفود اليمن تترى على المدينة لمبايعة أميرالمؤمنين، خرج منها إلى مكّة ومعه أربعمائة بعير بحملانها وأموال وفيرة، فصاروا جميعاً جبهةً واحدة مع أمّهم عائشة بنت أبي بكر؛ ضدّ عليّعليهالسلام . فاستأذن طلحة والزبير أمير المؤمنينعليهالسلام في العمرة فقال لهما: لعلّكما تريدان البصرة؟ فأقسما أنّهما لا يقصدان غير مكّة. فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان: لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة، وما بايعناه إلّا مكرهين تحت السيف!
____________________
(١) شواهد التنزيل ١: ٤٥٥ / ٦٢٦.
فبلغ ذلك أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: أخذهما الله إلى أقصى دار وأحرّ نار(١) .
إنّ مثل هذا الأمر لم يجر للإمام الحسنعليهالسلام بعد أن أعطاه أهل الكوفة بيعتهم؛ ومن قبله بايعوا أباه عليًّاعليهالسلام ؛ ولـمّا استنصرهم في وقعة البعير، وكان رسول عليّ إليهم ابنه الحسن ومعه عمّار بن ياسر؛ فخطب عمّار ثمّ خطب الحسن، فنفر معهما تسعة آلاف من فرسان الكوفة، واجتمع إليهم ستّة آلاف من أهل المدينة وأهل مصر وأهل الحجاز والناس يجتمعون إليهم حتّى صار في تسعة عشر ألف رجل من فارس وراجل. تسعة آلاف من أهل الكوفة وعشرة آلاف من بقيّة الأقاليم. فالكوفة مع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام كما هي مع أمير المؤمنين الحسنعليهالسلام .
وشذّ الشأم عن الأقاليم التي دخلت في طاعة عليّعليهالسلام لوجود ابن هند حيث كان والياً لعثمان ومن قبله لعمر؛ فأظهر الخلاف لأميرالمؤمنين ومنع واليه من دخول الشأم. وبقيت الشأم على حالها: ففيها ابن هند خارج على إمام عصره ومخالف للإمام الحسنعليهالسلام .
نُذُر الحرب
كانت نُذُر الحرب تلوح في الأُفُق، فابن هند متمرّد في الشأم ويُعدّ للحرب عُدّتها، وأهل العراق أشدّ منه حماساً أن يُعيدوها جَذْعةً وهم على موعدٍ مع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام إن انتهت مدّة الهدنة بين الطرفين والتي أمدها سنة؛ فخان ابن هند العهود والمواثيق - على ما ذكرناه - إلّا أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام مضى شهيداً.
وبعد البيعة لأميرالمؤمنين الإمام الحسنعليهالسلام ، دسّ ابن هند رجلين أحدهما إلى
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٢، مروج الذهب ٢: ٣٥٧.
الكوفة والآخر إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فأُخذا وقُتلا(١) .
وكتب الإمامعليهالسلام إلى معاوية:
أما بعد، فإنّك دسست إليَّ الرجال كأنّك تُحبّ اللقاء، وما في ذلك فتوقّعه إن شاء الله. وقد بلغني أنّك شمتّ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنّما مثلك في ذلك كما قال الأول:
وقُل للذي يبغي خلاف الذي مضى |
تجهّز لأُخرى مثلها فكأن قدِ |
|
وإنّا ومن قد مات منّا لكالذي |
يروح ويُمسي في المبيت ليغتدي(٢) |
فالإمامعليهالسلام على نهج أبيهعليهالسلام . وكلّ أئمّة أهل البيت الأطهارعليهمالسلام يصدرون من مدرسةٍ واحدة هي الإسلام ومبدؤهم أن لا يكيدوا عدوّاً ولا يبدؤوه بقتال.
وما دسّ ابن هند جواسيسه في حيّز الإمام الحسنعليهالسلام إلّا نُذُر حرب؛ فضلاً عن كونه خارجيّ قاسط أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتالهِ وقتال الناكثين من قبله والمارقين(٣) .
ولم يكن عند ابن هند ما يدفع به عن نفسه، فكان جوابه: أمّا بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن ولم أشمت ولم آس(٤) .
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٣، الأغاني ١٨: ١٦٢، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ١١، الإرشاد: ١٤٨.
(٢) مقاتل الطالبيّين: ٣٣.
(٣) كتاب الولاية لابن عقدة: ١٧٤، المعيار والموازنة: ٣٧ و ٥٥، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٩ ومواضع أخرى، الخصائص الكبرى ٢: ٢٣٥، فرائد السمطين ١: ١٧٧، المناقب، للخوارزمي: ١٧٧، مناقب ابن المغازلي: ١١٨، مناقب الكوفي ٢: ١٥٧ ومواضع عدّة، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ٥٤ وغيره، المعجم الكبير ١٠: ٩١ / ١٠٠٥٣، المعجم الأوسط ٩: ١٩٨، السنة، لابن أبي عاصم: ٤٢٥ / ٩٠٧، موضّح أوهام الجمع ١: ٣٨٦، تاريخ بغداد ١٣: ١٨٦، تيسير المطالب ح ٢٦.
(٤) مقاتل الطالبيّين: ٣٤.
فكتب إليه الإمام الحسنعليهالسلام كتاباً مطوّلاً تكلّم فيه عن نعمة الله تعالى ببعثة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة للعالمين وما أحدث الخوارج من إزواء الخلافة عن أهلها أهل البيتعليهمالسلام وغصبهم حقّهم وظلمهم فأمسك أهل البيت عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزاً يثلمونه به أو يكون لهم بذلك سبب لـما أرادوا به من فساده.
وجاء في الكتاب: (واليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكن الله خيّبك وستردّ فتعلم لمن عقبى الدار؛ تالله لتلقينّ عن قليل ربّك ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك وما الله بظلّام للعبيد...)(١) .
بعد أن استقرأ السبط الزكيعليهالسلام تاريخ ما أحدثه الخوارج الأوائل وما أراده أهل بيت الرحمة من إمساكهم عن المنازعة وهو حياطة الإسلام من كيد المنافقين لـما أرادوا من إفساد أمره؛ وهل أدلّ على ذلك من تصريح ابن هند من أنّه يريد إماتة ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم! ومن متاجرته بتماثيل النحاس والخمر وسلوكه الشاذّ مع الزواني حتّى مات فداء لشهوته!
ومن السياسة التي اتّبعها أبوبكر واشتدّ فيها عمر وتابعهم ابن هند من حرق أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودفنها وغسلها بالماء؛ والمنع من كتابة الحديث والتهديد بالمعاقبة على ذلك!!
ثمّ انتقلعليهالسلام إلى تقريع ابن هند وصبّ شؤبوب الغضب عليه بإظهار العجب من
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٥.
توثّبه على أمر ليس من أهله نافياً عنه أن يكون له فضل في الدين وأثر محمود في الإسلام إنّما هو ابن حزب من الأحزاب المناوئة للإسلام وأعدى أعداء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
وجاء في الكتاب أيضاً: (إنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما ببني وبين الله سبحانه وتعالى في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ ومن له قلب منيب واتّق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به فادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحقّ به منك ليطفئ الله النائرة(١) بذلك وتجمع الكلمة وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيّك نهدتُ(٢) إليك المسلمين فحاكمتك حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(٣) .
أهلُ بيت مشكاة واحدة مصباحها يضيء ولو لم تمسسه نار؛ أئمّة يهدون بأمر الله. لا يبدأون خصماً بقتال وإن كان عدوّاً لُدّاً حتّى يعذروا بينهم وبين الله في أمر خصمهم، فهم يبدأون بالحوار وسماع حجّة خصمهم؛ فهدفهم الإصلاح في أُمّة محمّد وحقن الدماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ ومن وسائل ذلك إماطة الباطل عن المجتمع الإسلاميّ والمتمثل آنذاك بابن هند.
والإمامعليهالسلام في كتابه إلى ابن هند يحمّله الدماء التي سُفكت ويدعوه إلى ما دخل فيه
____________________
(١) النائرة: العداوة والبغضاء.
(٢) نهد إليه: ارتفع وتقدّم.
(٣) مقاتل الطالبيّين: ٣٥.
الناس من السلم والطاعة والبيعة لهعليهالسلام وأن يترك البغي الذي هو صفة مركوزة فيه ولذلك أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام بقتاله لأنّه في واحدة من فرق الضلال الثلاث: الناكثين، والقاسطين وهم البغاة، والخوارج المارقين؛ وكلّ من الفرق الثلاث خوارج يجب قتالهم.
ثمّ تحوّل أمير المؤمنين الإمام الحسنعليهالسلام إلى لغة التهديد إن هو أبى إلّا التمادي في غيّه؛ فقد أعذرعليهالسلام وما عليه إلّا أن ينهَد إليه بجموع المسلمين حتّى يحكم الله بينهما وهو خير الحاكمين.
إنّ هذه المبادأة من الإمام الحسنعليهالسلام نذير حرب وردّ شديد على مقولات الخوارج بكلّ طوائفهم ممّن زعم أنّ الإمام الحسنعليهالسلام لم يكن معدّاً نفسه للقتال إذا حانت الظروف المناسبة لذلك. وله بأبيه أمير المؤمنينعليهالسلام مثَلٌ، فلو كانعليهالسلام قد قبِل عرض طلحة والزبير على بيعته في منزله لكانت النتيجة نفسها التي فعلاها، بل ربّما وجدا من يصدّقهما لو أعلنا أنّ عليًّا ألزمنا البيعة في داره كرهاً وجبراً وأنتم تعلمون من هو عليّ شجاعةً وبأساً، فاتّقيناه وأعطيناه البيعة ونحن لذلك كارهون!
وربّما أحدثا فتنةً تشغل الإمامعليهالسلام والمجتمع مع وجود جبهة الخوارج الذين أشرنا إليهم في مكّة؛ فلمّا فوّت عليهم ذلك خرجوا إلى العمرة وإنّما أرادا البصرة والغدرة.
ولم يبادئعليهالسلام القوم بقتال حتّى وصلته أخبارهم وما صنعوه بعامله ابن حُنيف وقتلهم السبابـجة وأخذهم مفاتيح بيت المال. فنهدَ إليهمعليهالسلام وجاءه أهل الكوفة مسرعين في اثني عشر ألفاً، واضعين سيوفهم على عواتقهم، طلباً للشهادة؛ وانضمّ إليهم من البصرة ثلاثة آلاف، حتّى اكتمل جيشهعليهالسلام فسار بهم إلى البصرة؛ وكما قلنا أنّ مسيره كان بعد الذي فعله أصحاب البعير من نهب بيت المال وقتلهم السبابـجة
خزّان بيت المال ولم يبدأهم بقتال وإنّما واقفهم من صلاة الغداة إلى صلاة الظهر، يدعوهم ويُناشدهم....
وأمرعليهالسلام أصحابه أن لا يقاتلوا حتّى يُبدأوا، وأن لا يجهزوا على جريح ولا يُمثلوا ولا يدخلوا داراً بغير إذن ولا يشتموا أحداً، ولا يُهيّجوا امرأة، ولا يأخذوا إلّا ما في عسكرهم.
وأمر رجلاً أن يرفع مصحفاً فرفعه وقام بين الصفّين ودعاهم إلى ترك التفرّق وذكّرهم بنعمة الله عليهم في الألفة والجماعة؛ فقطعت يده اليمنى فأخذه باليسرى فقطعت فأخذه بأسنانه فرمي بالنبل حتّى قتل؛ فأخذه رجل آخر فقتل!
وسمع أمير المؤمنين أصوات الجمل يدعون على قتلة عثمان ويلعنونهم. قال: نعم! لعن الله قتلة عثمان، فو الله ما قتله غيرهم وما يلعنون إلّا أنفسهم ولا يدعون إلّا عليها!(١)
وهنا أمران: أوّلهما أنّهعليهالسلام أمر أصحابه أن لا يبدأوا بالقتال رغم قتل أتباع البعير السبابـجة السبعين ونتف لحية واليه في البصرة ابن حُنيف، وقتل رجلين حملا القرآن؛ عند ذلك قالعليهالسلام: الآن طاب الضراب. فلم يعترض عليه أحد طيلة هذه المسيرة ولم يرفع أحد من أصحابه صوته: إنّنا نقتل وطالت المدّة فهو يريد أن يصالح. ومن قبل كان يعلم بتجمّع الخوارج بمكّة، فلم يذهب خلفهم لأنّهم لم يُحدثوا حدثاً بعد. وهو فعلاً ناشد صلح لأنّه إمام الأمّة وأميرالمؤمنين يسعى جهده لحفظ الدماء أن تُراق. ولم يذهب إلى البصرة حتّى جاءه عامله عثمان بن حُنيف وقد نُتف لحيته! وقال له: بعثتني رجلاً فعدتُ إليك فتىً أمرد، ولولا عشيرته لقتلوه؛ وخبر سفكهم لدماء سبعين رجلاً ونهبهم أموال المسلمين.
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٣٢ - ٣٧.
ولم يقارع القوم حتّى دعاهم إلى القرآن وما فيه وإلى الإلفة والجماعة وترك الفرقة، فهتكوا حرمة القرآن إذ قطعوا يد الفتى وهي تحمل القرآن؛ وانظر أنّهم لم يقتلوه وإنّما قطعوا هذه اليد دون الأخرى! فبادر الفتى لتناوله باليسرى فقطعوها فتناوله بأسنانه لئلاّ يقع على الأرض فتدوسه سنابك الخيل. فإنّ أوّل من دعى إلى كتاب الله هو أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، ولم يهتك حرمته بل أعطاه لفتى يُعظّم حُرمته حتّى مضى شهيداً رضوان الله عليه، وقد صنع ذلك والحرب لـمّا تقع ولم يكنعليهالسلام في حرج من أمره ومعه الله وهو وليّه، وسباع العراق. ولم يرفع أحد من الخوارج صوته، وفيهم اثنان من المبشّرين بالجنّة: طلحة والزبير، ومعهم أمّهم عائشة؛ إن الحكم إلّا لله!
وأمّا ابن هند فإنّه لـمّا عضّته الحرب، لجأ إلى ابن النابغة ووعده مصر، فرفعوا المصاحف على أسنّة الرّماح فهتكوا بذلك حرمته. وكان مبدأ عليّعليهالسلام يوم صفّين نفس مبدأه يوم الجمل، وهكذا يوم النهروان.
فالإمام الحسنعليهالسلام على نفس النهج والمبدأ، فقد وضع شرطاً في بيعته وهو: (أنّ يسالموا من سالم ويحاربوا من حارب). فهو أعلم بمصلحة المسلمين، ولم يضع شرطاً في أن (يحاربوا من حارب) فيقال أنّه لا يريد إلّا الحرب. أو (يسالموا من سالم) فيقال أنّه استسلم؛ إنّما يحارب ما سلم المسلمون وقطعت الفتنة، ويسالم إن كان السلم يحقّق ذلك. فلمّا بدأ ابن هند بإرسال الجواسيس، كان ذلك نُذُر حرب. فكتب إليه الإمامعليهالسلام كتابه في ذلك، ويدعوه إلى الإلفة ودخول الطاعة والبيعة له ويحمّله مسؤوليّة الدماء التي سفكت بسبب غيّه وبغيه؛ وإلاّ فإنّه سينهد إليه بعصائب أهل الحقّ.
كتاب ابن هند
كتب إليه ابن هند كتاباً مطوّلاً تكلّم فيه عن بيعة أبي بكر وأنّ صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامّتهم ولّوا أبابكر لأنّه أقدمهم إسلاماً وأعلمهم بالله وأحبّهم له وأقواهم على أمر الله...(١) .
ولا نقف طويلاً عند هذا المقطع من كتاب ابن هند؛ وقد تكلّمنا في غير هذا الموضع عن ولاية أبي بكر وكيف كانت والمعارضة الواسعة لتلك البيعة ممّا اضطرّ أبابكر أن يرسل جيشاً واسعاً لوأد تلك المعارضة وسحق القبائل الممتنعة عن بيعته ودستوره لجيوشه في أن لا يفرّقوا بين شيخ وصبيّ ورجل وامرأة؛ فما أشبه مبدأه هذا بمبدأ ابن ميسون في وقعة الحرّة؛ وبهم اقتده!
وعرفنا أنّ نفس رسول الله وأخاه الذي هو بمنزلة هارون من موسى، وختنه على ابنته سيّدة نساء العالمين، وأباه ولده الذين نصبصلىاللهعليهوآلهوسلم منهم اثنا عشر إماماً كعدّة نقباء بني إسرائيل، وطهّر الله هذا البيت الذي كان يهبط فيه الوحي ومنه يعرج، وهو البيت الذي حبّه إيمان وبغضه نفاق، وحربه وسلمه حرب وسلم لله ولرسوله، البيت الذي باهل به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهزم به النصارى...؛ هذا البيت الذي لم يسهم فيه عاهر وإنّما ينتمي إلى فخر البشريّة جميعاً محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ابن الفواطم والعواتك، وقد مضى الكلام عن سؤدد آبائهم ونسائهم وكراماتهم وليس لأبي بكر به رابطة وكان عماد البيت من الممتنعين عن بيعة أبي بكر في جماعة من بني هاشم والأنصار وبعث صاحب الأريكة الذي لم يذكر التاريخ أنّه باشر حرباً مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو بالمشركين رؤوف رحيم! رقيق القلب إلى حدّ أنّه لم يخدش مشركاً؛ أما الآن فهو يذبّح أبناء المسلمين
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٧.
ويستحيي نساءهم وفي ذلك بلاء عظيم! وبعث محرّقاً - عمر بن حنتمة - ليأتي له بعليّ أمير المؤمنين حقّاً ووليّ الله قرآناً وسنّة أن يأتي به بأعنف العنف! مستغلّا (الوصيّة) التي احترمها أبو الحسن وأساء الآخرون الفائدة منها كما أساؤا وصيّة رسول الله بالأنصار وللأنصار! بهم أن يقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم؛ ولهم إذا أوصاهم أنّهم سيلقون من بعده أثرة وعليهم أن يصبروا... وكان عدوانهم على بيت الوحي منتهى الوقاحة والخروج على الله ورسوله ووليّه وسادة أهل الجنّة.
وأمّا تعلّله بسابقة أبي بكر وأعلميّته وأنّه أحبّ إلى قريش وأقواها على أمر الله! فالإجماع والتواتر منعقدان على سابقة عليّعليهالسلام إلى الإسلام وأنّه لم ينتقل من شرك وعبادة الأصنام كما هو حال من ذكر، إلى إيمان؛ وأعلميّته فلا اختلاف بين اثنين أنّهعليهالسلام أعلم الأمّة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو باب مدينة علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو الذي يبيّن للناس ما اختلفوا فيه وهو الأذن الواعية في القرآن الكريم وهو الذي يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على تنزيله.
وأمّا: أبوبكر أحبّ إلى قريش! فهنيئاً! فقريش كانت أشدّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى الإسلام والمسلمين، أما لباب قريش وجوهرتها فهو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفخره عائد إلى عليّ، ولو لم يكن عليّ أحبّ الناس إليه لـما دعىصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يأتيه بأحبّ الخلق إليه يأكل معه (حديث الطير) فجاء عليّعليهالسلام فأكل معه، ولا قال فيه (لأبعثنّ إليكم رجلاً طاعتُه كطاعتي ومعصيتُه كمعصيتي) ولا قال فيه: (كذب من زعم انّه يحبّني ويبغض هذا) ولا جعل ولايته على الناس لعليّ (حديث الغدير) ولا كان (حبّه إيمان وبغضه نفاق) ولا قال فيه (إنّه منّي وأنا منه) فقال جبرئيل: وأنا منكما؛ ولا أنزله منه بمنزلة هارون من موسى، بعد أن ادّخره لنفسه فاتّخذه أخاً، ولا صرّح بأنّ (النظر إلى عليٍّ عبادةٌ) وإنّ
سلمه وسلم أهل بيته سلمٌ له وحربهم حرب له؛ ولَـما ردّ أبابكر وعمر وابن عوف إذ خطبوا سيّدة نساء العالمين، وقال لهم: أمر زواجها إلى الله، فجاءه جبريل أن زوّج فاطمة من عليّ(١) ؛ ثمّ ما لابن هند والخوض في مثل هذه الأمور وهو ليس من قريش إنّما ابن دعوة يُدعى إلى أربعة وإلى رجل آخر هو الصُبّاح مغنٍّ أسود، وتحوم حوله الشُبهة في أنّه لقاتل حمزةعليهالسلام (وحشي)؛ وإن وصل حبله بأُميّة عن طريق أُمّه هند، فأُميّة عبد روميّ قبطيّ اشتراه عبد شمس المستضعف ومنّ عليه عبد شمس فأعتقه واستلحقه؛ فلم يجد هذا القبطيّ حرجاً أن يدّعي عبده ذكوان وسمّاه أبا عمرو وتنازل له عن زوجته فزوّجه منها فولدت أبا معيط...، أمور تكلّمنا بإسهاب عنها في فصل آخر من هذا الكتاب، إلّا أنّها شجون جاش بها الصدر وأثارها ابن هند، مع التذكير أنّ النسب للأب لا إلى الأُم!
تتمّة كتاب ابن هند
وممّا جاء في كتاب ابن هند جواباً على كتاب الإمام الحسنعليهالسلام: (وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها أنتم وأبوبكر، ولو علمت أنّك أضبط منّي للرعيّة وأحوط على هذه الأمّة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدوّ لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلاً ولكنّي قد علمت أنّي أطول منك ولاية وأقدم منك لهذه الأمّة تجربة وأكثر منك سياسةً وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في
____________________
(١) الأحاديث والروايات التي أشرنا إليها ليس محلّ الإضافة بها في هذا المحلّ وقد ذكرنا كثيراً منها مع مصادرها في أماكن أخرى.
طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت ولك خراج إلى كور العراق شئتَ معونة لك على نفقتك يجبيها لك أمينُك ويحملها إليك في كلّ سنة ولك ألّا يستولي عليك بالإساءة ولا تُقضى الأمور دونك ولا نُعصى في أمر أردتَ به طاعة الله عزّ وجلّ. أعاننا الله وإيّاك على طاعته إنّه سميع مجيب الدعاء والسلام)(١) .
قال جندب بن عبد الله الأزدي، وكان رسول أمير المؤمنين الحسنعليهالسلام فلمّا أتيت الحسن بن عليّ بكتاب معاوية قلت له: إنّ الرجل سائر إليك، فابدأ أنت بالمسير حتّى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإمّا أن تقدر أنّه يتناولك فلا والله حتّى يرى يوماً أعظم من يوم صفّين، فقال: أفعل(٢) .
إنّ ابن هند يصف الحال فيما بينه وبين الإمام الحسنعليهالسلام بالحال التي كان عليها أهل البيت: وأبي بكر! ولقد علمنا من خروج أبي بكر ومن معه على الله ورسوله من ليلة وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما كان من أمر السقيفة وتحريقهم البيت الذي كان يمرّ عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند صلاة الفجر فينادي: الصّلاة أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس ويطهّركم تطهيراً؛ وكلّ إناء بالّذي فيه ينضحُ، ومَن أحبّ قوماً حُشر معهم! فابن هند يتوعّد الإمام الحسنعليهالسلام ، فيقرن نفسه بابن أبي قُحافة في الموقف العدائي من أهل بيت النبوّة، ولا عدوان إلّا على الظالمين.
وأمّا ما ذكر من مفردات فلا يصحّ منها إلّا قوله: (وأنا أكبر منك سنّاً) ولو كان مهذّباً لقال: أنا أسنّ منك. وما أشبه ذريعته بما كان من أمر القوم مع أمير المؤمنين
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٧.
(٢) نفس المصدر السابق.
عليّعليهالسلام إذ احتجّوا في تقديم أبي بكر بأنّه أسنّ من أمير المؤمنينعليهالسلام . ومتى كان السنّ دليلاً على اكتمال الشخصيّة وأنّه أهل لحمل الرسالة، وهذا رسول الله اختارهصلىاللهعليهوآلهوسلم الله وفي محيطه كثير ممّن هم أسنّ منه؛ وأسلم عليّعليهالسلام وكبار السنّ غارقون في الجهل عاكفون على عبادة الأصنام... هلّا افتخر ابن هند بطهارة مولده وعظيم عطائه في ملاقاة الأقران غير كشفه عن سوأته، وبعلمه الذي يضاهي به عليًّاعليهالسلام باب مدينة علم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ القائل: (سلوني قبل أن تفقدوني)، وما من فضيلة إلّا وعليّ داخل فيها، وما من رذيلة إلّا وعليّ خارج منها، وعليّ حبّه إيمان وبغضه نفاق، ولأجله كان قسيم النار والجنّة... وقوله: أضبط للرعية وأحوط على هذه الأمّة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدوّ.
صدق ابن هند في آخر كلامه في جمع الأموال وكيادة العدوّ، فأمّا جمع الأموال فلم يكن من عمل يمارسه كما كان أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يمارس الفلاحة ويرقّع ثوبه بيده وكان خجلاً لكثرة ما رقّع الرقّاع من نعله وكان بيته من طين وقصب، وقد بنى ابن هند الخضراء بدمشق وعلى نهجه سار الطواغيت فقد بنى الحجّاج الخضراء في واسط، وبنى المنصور العبّاسي الخضراء ببغداد، وبنى طاغوت عصرنا صدّام الخضراء ببغداد. ولم تأت هذه القصور والمدن من مصدر حلال! ولا كانت للوعظ والإرشاد؛ فأمّا الأموال فمن بيت مال المسلمين وتجارة ابن هند بتماثيل النحاس إلى الهند والخمرة الدمشقيّة. وكيادته للعدوّ فأبلغ ما فيها أنّه يكذب ويغدر كما وصفه أمير المؤمنينعليهالسلام .
كتاب الإمامعليهالسلام إلى معاوية
لـمّا وصل كتاب ابن هند إلى أمير المؤمنين الحسنعليهالسلام ، أجابهعليهالسلام : بسم الله الرحمن
الرحيم؛ أما بعد: وصل إليّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك، فاتّبع الحقّ تعلم أنّي من أهله، وعليَّ إثم أن أقول فأكذب، والسلام(١) .
ثمّ كتب معاوية إلى عمّاله نسخة واحدة: من معاوية إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوّكم وقتلة خليفتكم إنّ الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعليّ بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرّقين مختلفين فاقبلوا إليّ حين يأتيكم هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدّتكم فقد أصبتم بحمد الله الثأر وبلغتم الأمل وأهلك أهل البغي والعدوان والسلام عليكم(٢) .
هذا هو الذي كتب به أمير المؤمنين الحسنعليهالسلام إلى ابن هند يذكر فيه شماتة ابن هند بقتل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وقد أنكر ابن هند ذلك وقال: إنّي لم أشمت ولم آس.
وفي كتابه هذا تجد أنّ ابن هند قد أعدّ للعدوان على جبهة الحقّ. ثمّ جمع معاوية الناس وخرج في ستّين ألفاً يريد العراق وبلغ أمير المؤمنين خبر مسيره وأنّه بلغ جسر منبج، وكتب الإمام إلى عمّاله يأمرهم بالاحتراس، ثمّ ندب الناس إلى حرب معاوية، فكان أوّل المبادرين: حجر بن عديّ الكندي، وقيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي، وزيد بن صعصعة التيمي فتكلّموا في الناس وحرّضوهم وكلّموا الإمام الحسن بمثل كلام عديّ بن حاتم في الإجابة والقبول(٣) .
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٨.
(٢) نفس المصدر: ٣٨ - ٣٩.
(٣) نفس المصدر: ٤٠.
فقال لهم الحسنعليهالسلام: صدقتم - رحمكم الله - ما زلت أعرفكم بصدقِ النيّة والوفاء بالقول والمودّة الصحيحة فجزاكم الله خيراً ثمّ نزل.
وخرج الناس، فعسكروا ونشطوا للخروج وخرج الحسن إلى معسكره واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه فجعل يستحثّهم ويُخرجهم حتّى التأم العسكر.
ثمّ إنّ الحسن خرج في عسكر عظيم وعدّة حسنة حتّى إذا أتى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثاً حتّى اجتمع الناس ثمّ دعا عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب فقال له: يا ابن عمّ إنّي باعث معك اثنا عشر ألفاً من فرسان المصر؛ الرجل منهم يزن الكتيبة! فسر بهم وألن لهم جانبك وابسط وجهك وافرش لهم جناحك وأدنهم من مجلسك فأنّهم بقيّة ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شطّ الفرات حتّى تقطع بهم الفرات ثمّ تصير إلى مَسْكِن ثمّ امضِ بهم حتّى تستقبل معاوية فإن أنت لقيته فاحبسه حتّى آتيك فإنّي في إثرك وشيكاً وليكن خبرك عندي: لّ يوم شواور هذين؛ يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتّى يقاتلك فإن فعل فقاتل فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس وإن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس ثمّ أمره بما أراد(١) .
بعد مراسلات جمع ابن هند جيوشه لمداهمة الإمام الحسنعليهالسلام فجمععليهالسلام جيشه وخطب وجوه الناس فشهد لهم وهو المعصوم بصدق النيّة والوفاء بالقول ومودّتهم لأهل البيتعليهمالسلام ، وجزّاهم خيراً. وكان مبدؤه في القتال مبدأ أبيه أمير المؤمنينعليهالسلام فقد أمر قائد جيشه أن لا يقاتل معاوية حتّى يكون معاوية هو البادئ. ولم يكن الرجال
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٣٩ - ٤٠.
الذين بعثهمعليهالسلام، عاديّين فهم اثنا عشر ألفاً من فرسان عرب الكوفة وقرّائها، وبوصف الإمامعليهالسلام فإنّ الرجل منهم يزن الكتيبة! وهم بقيّة ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه؛ ذلك أنّهم من شرطة الخميس، وقد أشرنا في تصنيف أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام إلى طبقات منها شرطة الخميس قد بايعوا أمير المؤمنين عليّعليهالسلام على الموت، وكانوا أربعين ألفاً، كان أمير المؤمنين جعل عليهم قيس بن سعد على مقدّمته إلى آذربيجان ولم يزل قيس يدارئ ذلك البعث حتّى قتل عليّعليهالسلام واستخلف أهل العراق الحسن بن عليّ على الخلافة، ثمّ خرج بالناس حتّى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفاً وأقبل معاوية في أهل الشأم حتّى نزل مَسْكِن(١) .
وفي صفة جيش الإمام الحسنعليهالسلام ذكر البخاري بسنده عن الحسن البصري قال: استقبل والله الحسن بن عليّ معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنّي لأرى كتائب لا تولّي حتّى تقتل أقرانها(٢) .
خطبة أُسيء فهمها
لقد وجدنا الإمام الحسنعليهالسلام قد بويع بيعة عامّة لم يتخلّف عنه أحد من أهل الكوفة، وأوّل من سارع لصدّ عدوان ابن هند أهل الحميّة والنجدة ووجوه العرب وفرسانها، قرّاء الكوفة وشرطة الخميس يزن أحدهم كتيبةً، لا يردّون على إمامهم قولاً وكانوا له كما كان مالك الأشتر لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام؛ وكان جيش الإمام بوصف الحسن البصريّ أمثال الجبال، وكان ابن النابغة متخوّفاً ممّا يرى منهم إلّا أنّ ثمّة أمور قلبت المعادلة فتحقّق ما أنبأ به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٢١ - ١٢٢.
(٢) صحيح البخاري ٣: ٢٤٣ - ٢٤٤.
سار عبيد الله بن العبّاس... ولزم الفرات والفالوجة حتّى أتى مَسْكِن. وأخذ الحسنعليهالسلام حتّى أتى ساباط المدائن، فأقام بها فلمّا أراد الرحيل، قام في الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (أيّها الناس إنّكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، فو الله إنّي لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على أحدٍ ضغينة ولا مريداً به سوءاً ولا غائلة، ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفُرقة، ألا وإنّي ناظر لكم خيراً من نظركم لانفسكم، فلا تخالفوا أمري ولا تردّوا عليّ رأيي...)(١) .
إنّ الإمام الحسنعليهالسلام بايع الناس على الشرط الذي شرطه لهم (أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت) فبايعوه على السمع والطاعة؛ وأن يخرج إليهم عزيزاً مطاعاً؛ بايعوه على الخلافة ومن بعده لأخيه الحسينعليهالسلام . ولم يظهر أحد خلافاً. إلّا أنّ ذلك لا يمنع من وجود طفيليّات تشوب حركة الإمام، وقد تكلّمنا عن المجتمع الكوفيّ وأنّ فيه جماجم العرب وبقيّة ثقة أصحاب أمير المؤمنين عليّعليهالسلام؛ وإلى جنب هؤلاء العثمانية، والخوارج وكان هؤلاء أكثر الناس طلباً للحرب لا نُصرة للحقّ وإنّما للحرب ذاتها وقد عرفنا موقفهم من أمير المؤمنين عليّعليهالسلام . فكان الإمام الحسنعليهالسلام يتجنّب خوض حرب بداية وأكثر همّه هو حقن الدماء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وقد رأى من ابن هند أساليب الغدر والمكر والخداع وتضليل الناس. فلم يشأ الإمامعليهالسلام أن يخوض حرباً يخسر فيها شيعته وهو يعلم أنّ ابن هند لا همّ له إلّا الحكم؛ وفي الكوفة هذا الشوب من الناس. ولـمّا خطبهم كان عليهم أن يستفهموه ويناظروه إن لم يكن أولئك الذين أساؤا من شيعته، ولكنّ الذي كان أن نظر بعضهم إلى بعض
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٤٠ - ٤١، الفتوح ٤: ١٥٤، أنساب الأشراف ٣: ٢٨٢ مع اختلاف بسيط في بعض الألفاظ.
وقالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنّه يريد أن يصالح معاوية فقالوا: كفر والله الرجل ثمّ شدّوا على فسطاطه فانتهبوه وشدّ عليهم أحدهم فنزع مطرفه عن عاتقه؛ فدعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته، ومنعوا منه من أراده؛ فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان فدعوا له فأطافوا به ومنعوا الناس عنه ومعهم شوب من غيرهم. وانطلق رجل من بني أسد بن خزيمة من بني نصر بن الهون يقال له الجرّاح ابن سنان وكان يرى رأي الخوارج إلى مظلم ساباط فلمّا مرّ به قام إليه وبيده مغول(١) فقال: الله أكبر يا حسن أشركت كما أشرك أبوك من قبل ثمّ طعنه فوقعت الطعنة في فخذه، وضرب الحسن وجهه ثمّ اعتنقه وخرّا إلى الأرض، ووثب عبد الله بن أخطل فنزع المغول من يد الجرّاح وأخذ ظبيان بن عمارة التميمي بأنفه فقطعه، وضرب بيده إلى قطعة آجرة فشدخ بها وجهه ورأسه حتّى مات.
وحمل الحسن إلى المدائن وعليها سعد بن مسعود الثقفي عمّ المختار، وكان عليّ ولاّه فأقرّه الحسن بن عليّ، فأتاه بطبيب وقام عليه حتّى برئ.
ثمّ إنّ معاوية وافى حتّى نزل بمَسْكِن، فأقبل عبد الله بن العبّاس حتّى نزل بإزائه، فلمّا كان من غد وجّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العبّاس فيمن معه، فضربهم حتّى ردّهم إلى معسكرهم.
خدعة ابن هند
فلمّا كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العبّاس أنّ الحسن قد راسلني في الصُّلح وهو مسلّم الأمر إليّ فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلاّ دخلت وأنت تابع ولك إن جئتني الآن أن أُعطيك ألف ألف درهم، يعجّل لك في هذا الوقف
____________________
(١) المغول: نصل طويل أو سيف دقيق له قفاً.
النصف وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيد الله ليلاً فدخل عسكر معاوية، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلّي بهم فلم يخرج فطلبوه فلم يجدوه فصلّى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثمّ خطبهم فقال: أيّها الناس، لا يهولنّكم هذا الأمر... ثمّ ذكر عبيد الله وأخاه عبد الله وأباه العبّاس بأمور.
فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا فانهض بنا إلى عدوّنا فنهض بهم. وبايع قيساً أربعة آلاف على الموت.
وظنّ معاوية أنّ مصير عبيد الله قد كسر الحسنعليهالسلام ، فأمر بسر بن أبي أرطاة وكان على مقدّمته بعشرين ألفاً، فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع وهذا الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم.
فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا احدى اثنتين، إمّا القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشأم حتّى ردّوهم إلى مصافّهم.
وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنّيه فكتب إليه قيس: لا والله لا تلقاني أبداً إلّا وبيني وبينك الرمح.
فكتب إليه معاوية:
أما بعد: فإنّما أنت يهوديّ ابن يهوديّ! تشقى نفسك وتقتلها فيما ليس لك، إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك وإن ظهر أبغضهما إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوْتَر غيرَ قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثرَ الحزّ وأخطأ الـمِفْصَل فخذله قومُه، وأدركه يومُه فمات بحوران طريداً غريباً.
فكتب إليه قيس بن سعد:
(أمّا بعد: فإنّما أنت وثَن ابن وثَن من أوثان مكّة، دخلت في الإسلام كُرهاً، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقُك، ولم تزل حرباً لله ورسوله وحزباً من أحزاب المشركين؛ فأنت عدوّ الله ورسوله والمؤمنين من عباده. وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلّا قوسه، ولا رمى إلّا غرضه، فشغَب عليه من لا يشقّ غباره ولا يبلغ كعبه، وكان أمراً مرغوباً عنه مزهوداً فيه. وزعمت أنّي يهوديّ ابن يهوديّ ولقد علمت وعلم الناس أنّي وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرتَ إليه).
فلمّا قرأ كتابه معاوية غاظه وأراد إجابته فقال له عمرو: مهلاً إن كاتبته أجابك بأشدّ من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنه(١) .
على ما حدث لأميرالمؤمنين الحسنعليهالسلام وخديعة ابن هند لعبيد الله بن العبّاس، فإنّ قيس بن سعد بن عُبادة سدّ الفراغ الذي أحدثه غياب عبيد الله، وبقي طوداً شامخاً ولـمّا خايَر أصحابه بين القتال مع غير إمام أو يبايعوا بيعة ضلال؛ اختاروا القتال بلا إمام فقد أَصَّلوا أمرهم على وجوب قتال الخوارج القاسطين كما قاتلوا الخوارج يوم البعير، ويوم صفّين والنهروان وكانت بيعتهم في كلّ وقعة على الموت.
هذا هو شأن أنصار الله وأنصار دينه ورأسُهم قيس بن سعد بن عُبادة، هو وأبوه لهم السيادة في الخزرج، وأنصار الخزرج والأوس تَبَعٌ لقولهما وقد مرّ بنا سيرة أبيه سعد بن عُبادة ولزومه عليًّا أمير المؤمنينعليهالسلام واشتداد الخوارج الأوائل عليه حتّى أخرج من مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم؛ ولم تطب نفوس أولئك حتّى بعثوا جنيّاً! قتله بحوران، وهذا الذي أراد ابن هند من كتابه إلى قيس بن سعد في قتل أبيه طريداً بحوران.
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٨٥، مقاتل الطالبيّين: ٤٣.
وليت ابن هند وقف عند هذا الأمر؛ إلّا أنّه معاوية، وقد علمتَ أنّه ما عوى على أحدٍ إلّا وردّه بما يندم عليه! ولكنّ قرينه يُنسيه مرامي ضعفه فيرجع إلى طبعه في المحارشة فترشقه سهامُ الردّ بدءاً باسمه (عاوية) ومروراً بهند أُمّه وعطفاً على أبي سفيان زوج هند الرابع، والذي لم تكن له علاقة نسبيّة بمعاوية المنسوب إلى أربعة وربّما ستّة، ولعنات رسول الله له ولأبي سفيان وأمره بقتله إن شوهد على المنبر.
وقد ظنّ ظنّاً كاذباً! إذ رأى أنّه تمكّن من خديعة عبيد الله بن العبّاس وأنّه بذلك أضعف جبهة الإمام الحسنعليهالسلام ولا يدري أنّ القوم قد زادهم ما حدث عزيمةً وقد بايعوا قيس بن سعد على الموت. فبعث إليهم بُسْر بن أبي أرطاة ليضعف قناتهم بانضمام عبيد الله إلى ابن هند، وكذب عليهم بقوله: إنّ الحسنعليهالسلام قد بايع ابن هند! وما أروع الموقف وأرشده! فإنّ قيس بن سعد لم يضعف ولم تهزّه الهزاهز، إلّا أنّه لم يُقحم جيشه في معركةٍ حتّى استشارهم فاختاروا القتال بلا إمامٍ على بيعة ضلال فهم مع الحق حيث زال فهزموا بُسراً. عند ذلك عوى ابن هند فبعث رسالة إلى قيس بن سعد بدأه بقوله: (إنّما أنت يهوديّ ابن يهوديّ!) ولا ندري ربّما أراد أن يقول: إنّما أنت أنصاري ابن سيّد الأنصار! فأخذ عليه قرينُه بصيرته؛ فصرف من هذا إلى ذاك، مثل قوله في خطبته حين بويع له: (ما اختلفت أمّة بعد نبيّها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها).
ولقد كان كتاب ابن هند إلى قيس بن سعد، بعد كتابه الأوّل إليه يدعوه فيه إليه ويُمنّيه! فجاءه جواب قيس كالصاعقة: (لا والله لا تلقاني أبداً إلّا وبيني وبينك الرمح).
وكان جوابه على كتابه الثاني قاصعة بدأه: (إنّما أنت وثن ابن وثن، دخلت في
الإسلام كُرهاً وخرجتَ منه طوعاً ولم يجعل الله لك فيه نصيباً). صدق قيس وكذب ابن هند؛ فقيس وأبوه من أنصار الدين الذي دخله ابن هند كرهاً تحت بارقة السيوف، وخرج منه طوعاً يصدّقه في ذلك لعنات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم، له والتحذير من فتنته وخروجه على أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وأمر النبيّ لعليّ بقتاله؛ فما أبينها من حجّة!
وشتّان بين شتيمة ابن هند وجواب قيس! فابن هند نسب قيساً وأباه إلى أهل الكتاب - مع جلالتهما من ذلك - وأمّا قيس فنسب ابن هند، وأبا سفيان إلى الوثنيّة، وسيرتهما وأقوال رسول الله فيهما تصدّق ذلك.
ابن هند يطلب الصلح
بعد جواب قيس بن سعد بن عُبادة، وبعد وقعتين بين أهل العراق وأهل الشأم، جعل قيس بن سعد ينتظر الحسنعليهالسلام أن يقدم عليه، وهو لا يعلم ما الذي نزل به. فبينا هو كذلك إذ وقع الخبر في العسكرين أنّ الحسن بن عليّ قد طعن في فخذه وأنّه قد تفرّق عنه أصحابه؛ فاغتمّ قيس بن سعد وأراد أن يشغل الناس بالحرب لكي لا يذكروا هذا الخبر، فزحف القوم بعضهم إلى بعض فاختلطوا للقتال، فقتل من جماعة معاوية جماعة وجرح بشر كثير وكذلك من أصحاب قيس بن سعد، ثمّ تحاجزوا.
وأرسل معاوية إلى قيس فقال: على ماذا تقاتلنا وتقتل نفسك وقد أتانا الخبر اليقين بأنّ صاحبك قد خلعه أصحابه، وقد طعن في فخذه... فيجب أن تكفّ عنّا ونكفّ عنك حتّى يأتيك علم ذلك.
ووجّه معاوية عبد الله بن كُرَيْز، وعبد الرحمن بن سَمُرة إلى الحسن للصلح، فدعواه إليه، فقبل وبعث معهما عمرو بن سلمة الهمداني ثمّ الأرحبي، ومحمّد بن الأشعث الكندي، ليكتبا على معاوية الشرط ويعطياه الرضى.
فكتب معاوية كتاباً نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب للحسن بن عليّ من معاوية بن أبي سفيان، إنّي صالحتك على أنّ لك الأمر من بعدي، ولك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله وأشدّ ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وعقد، لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً، وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال وعلى أنّ لك خراج فسا، ودار أبجرد، تبعث إليهما عمّالك وتصنع بهما ما بدا لك).
شهد عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سلمة الهَمْداني، وعبد الرحمن بن سَمُرة، ومحمّد بن الأشعث الكندي. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة احدى وأربعين.
فلمّا قرأ الحسنعليهالسلام الكتاب قال: يُطمعني معاوية في أمرٍ لو أردتُ لم أسلّمه إليه(١) .
ثمّ بعث الحسنعليهالسلام عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، وأمّه هند بنت أبي سفيان فقال له: ائت خالك فقل له إن أمنت بايعتك(٢) . وفي لفظ: إن أمنت الناس على أنفسهم وأموالهم وأولادهم ونسائهم بايعتك، وإن لم تؤمنهم لم أبايعك(٣) .
فالإمامعليهالسلام لا ينظر إلى مصلحته خاصّة وإنّما همّه سلامة الناس كافّة. ولو كان ممّن يغريه السلطان لـما تنازل عنه أوّلاً ومعه مائة ألف سيف؛ ولا رفضه ومعاوية قد جعل الأمر إليه من بعده:
فدعا معاوية بصحيفة بيضاء فوضع عليها طينة وختمها بخاتمه ثمّ قال: خذ هذه الصحيفة، فانطلق بها إلى الحسن وقل له فليكتب فيها ما شاء وأحبّ ويشهد أصحابه على ذلك، وهذا خاتمي بإقراري.
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٨٦.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) الفتوح ٤: ١٥٨.
فأخذ عبد الله بن نوفل الصحيفة وأقبل إلى الحسن ومعه نفر من أصحاب معاوية فدخلوا على الحسنعليهالسلام فسلّموا وقالوا: أبا محمّد، إنّ معاوية قد أجابك إلى جميع ما أحببت، فاكتب الذي تحبّ. فقالعليهالسلام: أما ولاية الأمر من بعده، فما أنا بالراغب في ذلك، ولو أردت هذا الأمر لم أسلّمه إليه، وأمّا المال، فليس لمعاوية أن يشرط لي في المسلمين، ولكن أكتب غير هذا.
كتاب الصلح
فأمر الإمام الحسنعليهالسلام كاتبه فكتب إلى ابن هند:
(بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم إليه ولاية أمر المسلمين(١) ، على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة نبيّه وسيرة الخلفاء الصالحين، وعلى أنّه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم؛ وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه؛ وعلى أنّه لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحدٍ من أهل بيت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سرّاً وعلانية، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق، شهد على ذلك عبد الله بن نوفل بن الحارث، وعمر بن أبي سلمة وفلان، وفلان)(٢) .
إذاً: فسبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخامس أصحاب الكساء وأحد تركة النبيّ الذين هم عِدْلُ القرآن؛ على سيرة جدّه وأبيه فلم تكن حروب جدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جميعها إلّا دفاعيّة حياطةً
____________________
(١) هكذا في أنساب الأشراف، وفي الفتوح (المؤمنين).
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٨٥ - ٢٨٧، الفتوح ٤: ١٥٨ - ١٦٠.
على الإسلام، فهو رحمةٌ للعالمين نصّ على ذلك القرآن الكريم وهكذا كانت السيرة العلويّة وقد استوفينا الحديث كيف كانت البيعة لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام، فلا سقيفة ولا مؤامرات في الخفاء ولم تكن قسريّة ولا إكراه وإنّما كانت بيعةً عامّة وعلى رؤوس الملأ فنكثها خوارج البعير بعد حربهم عليها وإظهار الحماس لها وكان أحد رؤوس أهل البعير أوّل من مسح على يد أمير المؤمنينعليهالسلام عنواناً للبيعة وتبعه صاحبه وتوالى الناس وبويع له في الأقاليم من غير سفك دم.
وعرفنا سيرته مع خوارج الناكثين فهو لم يسر إليهم حتّى أفسدوا فأراقوا الدماء وسرقوا بيت المال؛ ولم يبدأهم بقتال حتّى قتلوا وجرحوا؛ فلمّا انجلت الغبرة عفا وصفح وكان له أن يقتل مَن في الدار مع عائشة: مروان وابن الزبير وجمع من بني أميّة. وهكذا في حروبه الأخرى فهي دفاعيّة لا هجوميّة وحفظاً للكيان الإسلاميّ. وهكذا كان حال فرع الشجرة المباركة الإمام الحسنعليهالسلام .
فتراهعليهالسلام ينزل عن الولاية بشرط العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، وهو يعلم أنّ ابن هند لا يُمكنه أن يعمل بهذا الشرط فقد فُطر على الضلال ورواهُ الشيطان ضرعه حتّى صار قرينه ومَن كان الشيطان قرينه فساءَ قريناً، فهو عدوّ الله ونبيّه وما في كتاب الله وسنّة نبيّه مخالف لأهواء ابن هند وضلاله؛ ولكن هذا ما ينبغي لمنبع العصمة أن يفعله فيبرئ ذمّته ويحرج ابن هند في الدنيا ويخزه عند الله تعالى بوزر ما صنع.
وقيّده بقيدٍ آخر هو أن لا يعهد إلى أحدٍ من بعده بعهدٍ بل الأمر شورى بين المسلمين كوفيّهم وشأميّهم وحجازهم....
وأخذ عليه عهداً أنّ الناس آمنون حيث كانوا، وأخذ عليه بذلك ميثاقاً مغلّظاً لمعرفته بسرّ وعلانية ابن هند الذي لا عهد له ولا وفاء إذ ألغى تلك العهود وسعى
لقتل الإمام الزكي الحسنعليهالسلام كما يأتي الحديث عن ذلك.
وانظر موقف ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من مسألة الخلافة والحكم، فهوعليهالسلام إذ نزل عن الحكم بعد أن أفرغ وسعه في مجاهدة العدوّ وطعن تلك الطعنة التي كادت تصل العظم! طعنه إيّاها أحد خارجة المارقين وكتب إليه ابن هند يمنّيه الحكم وأن يكون الأمر من بعده، رفضعليهالسلام ذلك بإباءٍ، فهو ليس طالب حكم وقد حقّق ما بايع الناس عليه؛ في أن يسالموا من سالم ويحاربوا من حارب وقد شرط على ابن هند أن يُؤمّن الناس حيث كانوا، فعلى ابن هند الوفاء، وعلى الناس كفّ ابن هند عن غيّه وغدره، وللسبط الزكي بجدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أُسوة حسنة، فقد آذاه قومه بما لم يوذ به نبيّ قبله فما كان منه إلّا أن يدعو لهم بالمغفرة لأنّهم قوم يجهلون! وكانت حجرته يجلس فيها قوم أعداءٌ له ويظهرون الإسلام، وقد أخبره القرآن بذلك فلم يُبادهم بسوء.
وكذلك أبوه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وقد ذكرنا من سيرته مع صنوف الخوارج، وكذلك مع الذين داهموا بيته وفعلوا فعلتهم مستغلّين الوصيّة! وكان يقول: أُسالم ما سلم الدين. وسنأتي على حيثيّات قبول الإمامعليهالسلام الصلح إن شاء الله.
موقف قيس بن سعد بن عُبادة
سار الإمام الحسنعليهالسلام إلى الكوفة ثمّ تبعه ابن هند لأخذ البيعة منه وقد أرسل إليه: هلمّ أبا محمّد إلى البيعة. فأرسل إليه الإمامعليهالسلام : أبايعك على أنّ الناس كلّهم آمنون.
فقال معاوية: الناس كلّهم آمنون إلّا قيس بن سعد، فإنّه لا أمان له عندي؛ فأرسل إليه الحسن: إنّي لست مبايعاً أو تؤمن الناس جميعاً، وإلاّ لم أبايعك. فأجاب معاوية إلى ذلك.
إنّ الإمامعليهالسلام لم يرض أن يبايع ابن هند عن ضعف وإنّما أراد حقن الدماء وله ولجماعته دينهم؛ ولابن هند ومن معه دينهم وسيحكم الله بينهم فيفلج الباطل.
ولم تكن بيعة قيس بن سعد لمعاوية سهلةً فقد اعتزل في أربعة آلاف قد بايعوه على الموت، وأرسل إليه معاوية أربعين ليلة يسأله أن يبايعه وهو يأبى ذلك حتّى أرسل إليه أخيراً يقول: على طاعة من تقاتلني وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك! فأبى قيس أن يلين له حتّى أرسل إليه معاوية بسجلّ قد ختم في أسفله فقال: اكتب في هذا السجلّ ما شئت فهو لك. قال عمرو لمعاوية بسجلّ قد ختم في أسفله فقال: اكتب في هذا السجلّ ما شئت فهو لك. قال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا وقاتله! فقال معاوية: على رسلك فإنّا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتّى يقتلوا أعدادهم من أهل الشأم فما خير العيش بعد ذلك؟ وإنّي والله لا أقاتله أبداً حتّى لا أجد من قتاله بدّاً.
فلمّا بعث إليه معاوية بذلك السجلّ، اشترط فيه قيس له ولشيعته على الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجلّه ذلك مالاً وأعطاه معاوية ما سأل فدخل قيس ومن معه في الطاعة(١) .
والتلميذ على سرّ أستاذه وإمامه، فهو وقد صنع معه ابن هند صنيعه مع الإمامعليهالسلام وظنّ أنّه يغريه فيشغله بمطالب الدنيا من حكم ومال وغير ذلك إلّا أنّ الإمام شرط عليه العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه والأمان العام؛ فكذلك فعل ابن سعد إذ لم يطلب مالاً وإنّما اشترط الأمان له ولشيعة أهل البيتعليهمالسلام .
ولم يبادر قيس بن سعد بن عبادة إلى بيعة ابن هند حتّى رجع إلى إمامه بشأن البيعة التي له في عنقه! وأبرّ بقسمه إذ كان قد حلف أن لا يلقى ابن هند إلّا وبينهما الرمح! ولم يبايعه حتّى أذلّه فأَبْرَكه ليمسح هو على يد قيس بن سعد، فما أعظمه من مشهد!
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٢٥، أنساب الأشراف ٣: ٢٩٢، الفتوح ٤: ١٦١.
ابن أعثم: أرسل معاوية وذلك بعد بيعة الحسن، إلى قيس بن سعد فدعاه إلى البيعة، فأبى أن يبايع، فدعاه الحسن وأمره أن يبايع، فقال له قيس: يا ابن رسول الله! إنّ لك في عنقي بيعة، وإنّي والله لا أخلعها أبداً حتّى تكون أنت الذي تخلعها!
فقال له الحسن: فأنت في حلٍّ وسَعة من بيعتي، فبايع؛ فعندها بايع قيس لمعاوية. فقال له معاوية: يا قيس! إنّي قد كنت أكره أن تجتمع الناس إليّ وأنت حيّ! فقال قيس: وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن يصير الأمر إليك وأنا حيّ(١) .
واحدة بواحدة والبادئ أظلم.
وفي كيفيّة بيعة قيس بن سعد لابن هند، أنّ الإمام لـمّا تمّ الصلح بينه وبين معاوية أرسل إلى قيس يدعوه إلى البيعة فأتى وكان رجلاً طويلاً يركب الفرس المسرف ورجلاه تخطّان في الأرض، فلمّا أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إنّي قد حلفت أن لا ألقاه إلّا بيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبرّ بيمينه.
ثمّ قال لقيس: بايع، فقال قيس بيده هكذا، وجعلها في حجره ولم يرفعها إلى معاوية ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه ومدّ يده حتّى مسح على يد قيس وهي في حجره فما رفع قيس إليه يده(٢) .
موقف السبط الإمام الحسينعليهالسلام من البيعة
وأرسل ابن هند إلى الإمام الحسين بن عليّعليهالسلام فدعاه إلى البيعة، فأبى الحسين أن يبايع، فقال الحسن: يا معاوية! لا تكرهه فإنّه لن يبايع أو يُقتل، ولن يُقتل حتّى يُقتل
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٦٢.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٩٣، مقاتل الطالبيّين: ٤٧.
أهل بيته، ولن يُقتل أهل بيته حتّى تُقتل شيعته، ولن تقتل شيعته حتّى يبيد أهل الشأم؛ فسكت معاوية عن الحسين ولم يُكرهه(١) .
معاوية يرفض كتاب الله وسنّة نبيّه
إنّ صلح الإمام الحسنعليهالسلام وتداعي الأمور بعد ذلك أظهر أنّ معاوية محض باطل وكهف نفاق ولولا حكمة الإمام لا هريقت أنهر دم شيعته وشيعة أبيهعليهماالسلام وربّما قُتل الإمام على يد مارق وفعلاً طعنه أحد المارقين طعنة كادت تأتي عليه، ولو وقع ذلك ما يدرينا ما يرفع ابن هند من شعار علّه ينعق يا للثأر لعثمان وحكم الله وسنّة رسوله! ولكن حنكة الإمام أبطلت مقولاته.
قالوا: جاء هانئ بن خطاب الهمداني إلى معاوية فقال: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه، فقال: لا شرط لك، قال: وأنت أيضاً فلا بيعة لك. ثمّ قال معاوية: إذن فبايع فما خير شيء ليس فيه كتاب الله وسنّة نبيّه! فبايعه(٢) .
خطبة الإمام الحسنعليهالسلام
قالوا: إنّ معاوية أمر الحسنعليهالسلام أن يخطب لـمـّا سلّم الأمر إليه وظنّ أنّه سيحصر فقال في خطبته: إنّما الخليفة من سار بكتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس الخليفة من سار بالجور؛ ذلك ملِكٌ ملَكَ مُلكاً يمتّع به قليلاً ثمّ تنقطع لذّته وتبقى تبعته:( إِنْ أَدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (٣) .(٤)
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٦١ - ١٦٢.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٣) الأنبياء: ١١١.
(٤) مقاتل الطالبيّين: ٤٧.
ظنّ ابن هند أنّ سلالة الرحمة وسبط النبوّة سيحصر ويقعده العَيّ! فطلب منه أن يخطب؛ فخطب الإمامعليهالسلام وأوجز وطوّق عنق ابن أمّه (معاوية) بقيدٍ ثقيل ينوء بحمله! فقد عرّف بالخليفة الذي هو أهل للانقياد له فإذا هو الذي يعمل بكتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا يجور في الحكم ولا هو ملِكاً ممّن حذّر منهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ أشار إلى مرحلة حكم ابن هند ومن تلاه وسمّاها (ملكيّة).
ابن هند يتردّى في خُطبه
ولـمّا كان الغد اجتمع الإمام الحسنعليهالسلام ومعاوية فلمّا استقرّ المجلس قال معاوية: أبا محمّد! إنّك جُدْتَ بما - بشيء - لا تجود به أنفس الرجال، ولا عليك أنّ تتكلّم وتُعلم الناس بأنّك قد بايعتَ حتّى يعلموا ذلك، قال الحسن: فإنّي أفعل.
ثمّ تكلّم الإمام الحسنعليهالسلام وقال: أيّها الناس، إنّ أكيس الكيس التقى، وإنّ أحمق الحمق الفجور، وإنّكم لو طلبتم رجلاً جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين، وقد علمتم أنّ الله تعالى هداكم بجدّي محمّد، وأنقذكم به من الضلالة، ورفعكم به من الجهالة، وأعزّكم به بعد الذلّة، وكثّركم به بعد القلّة؛ وإنّ معاوية نازعني على حقّ هو لي دونه، فنظرتُ صلاح الأمّة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإنّ معاوية واضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته ورأيت أن ما حقن الدماء خير ممّا سفكها، وما أردت بذلك إلّا صلاحكم وبقاءكم، إن أدري لعلّه فتنةٌ لكم ومتاع إلى حين(١) .
ثمّ سكت، وقام عمرو بن العاص، فقال: يا أهل العراق! إنّا كنّا وأنتم جميعاً على
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٦٣ - ١٦٤، أنساب الأشراف ٣: ٢٨٨.
كلمة هي السواء ففرّق بيننا وبينكم الأهواء، ثمّ تحاكمنا إلى الله فحكم أنّكم أنتم الظالمون لنا، فتداركوا ما سلف منكم بالسمع والطاعة يصلح لكم دينكم ودنياكم(١) .
ثمّ تكلّم معاوية فقال: أيّها الناس إنّه لم تتنازع - اختلفت - أمّة بعد نبيّها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها، ثمّ انتبه فقال: إلّا هذه الأمّة...، وقد كنت شرطت لكم شروطاً، والآن فقد جمع الله كلمتنا وأعزّ دعوتنا، فكلّ شرط شرطته لكم فهو مردود، وكلّ وعد وعدته أحداً منكم فهو تحت قدمي.
فغضب الناس من كلام معاوية وضجّوا وتكلّموا، ثمّ شتموا معاوية وهمّوا فيه في وقتهم ذلك وكادت الفتنة تقع، وخشي معاوية على نفسه فندم على ما تكلّم به أشدّ الندم(٢) .
وبسندٍ عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق، قال: سمعت معاوية بالنُخيلة يقول: ألا إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدمي هاتين لا أفي به!
قال أبو إسحاق: وكان والله غدّاراً(٣) .
وعن الأعمش عن عمرو بن مُرّة عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة ثمّ خطبنا فقال: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك. وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!(٤)
يا ابن هند! صدق قول الله تعالى:( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) .
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٦٤، أنساب الأشراف ٣: ٢٨٨.
(٢) الفتوح ٤: ١٦٤.
(٣) مقاتل الطالبيّين: ٤٥.
(٤) نفس المصدر السابق.
هلاّ نظرت لنفسِك ما أنت لاقيه، فقد صارت الإمرة إليك بعد أن ضاق عليك الخناق، فلمّا رأى سيّد شباب أهل الجنّة التي هي مأوى الأتقياء، وهيهات أن يكون لغدّار مثلك فيها موضع إنّما تُنصب للغادر في جهنّم راية، فكيف بغدّار مثلك.
وأين نباحك هذا وأنت تقود البقر البُكم - كما قال وزيرك ابن النابغة - خوارج القاسطين يوم صفّين، فلم يكن عندك إلّا رفع الأرجل وإبداء السوءة تعلّمت ذلك من ابن النابغة وتعلّمها بُسر بن أبي أرطاة، فجميعكم رضع ضرع الشيطان.
وعظيم هو قيس بن سعد بن عُبادة إذ أبركك لتمسح أنت على يده وبينكما الرمح! فما سمعنا ببيعة مثلها. وكنت أنت الذي راسلت إمام الحقّ تدعوه إلى الصّلح، فرأىعليهالسلام أنّ حقن الدماء أفضل من سفكها، فحاشا لسيّد شباب أهل الجنّة هو وأخوه وأبوهما سيّد المسلمين والعرب والأوصياء وجدّه سيّد المرسلين وجدّته سيّدة وأكمل النساء هي ومريم وآسية وامرأة فرعون أن يردّ دعوة صلح ولم يكن للإمرة عنده موضع فرفضها إذ شرطتها له من بعدك وكان همّه أخذ الأمان للنّاس أينما كانوا وأن تعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه. وكلاهما يشدّدان على إقام الصلاة وأداء الحجّ والصوم والزكاة وينكران على من قصّر في ذلك؛ وابن هند لا يهمّه من أمر ذلك شيء، وأقصى همّته أن يتأمّر عليهم، أليس هو القائل: (ما اختلفت أمّة بعد نبيّها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها)؟!
قال شريك في خطبة ابن هند بالنخيلة: (هذا هو التهتّك)(١) .
ومن تهتّك ابن هند ما رواه حبيب بن أبي ثابت قال: لـمـّا بويع معاوية خطب فذكر عليًّا فنال منه ونال من الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه ثمّ
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٤٦.
قام فقال: أيّها الذاكر عليًّا! أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر(١) وأمّي فاطمة وأمّك هند وجدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجدّك حرب وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً وشرّنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل - بن دُكَين -: فقال يحيى بن مَعين: ونحن نقول: آمين. قال أبو عبيد - القاسم بن سلام -: ونحن أيضاً نقول: آمين. قال أبو الفرج - الأصفهاني -: وأنا أقول: آمين(٢) .
ونحن نقول آمين.
أميرالمؤمنين يُنبئ بضلال ابن هند
دخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنُخيلة، وبين يديه خالد بن عُرْفطة ومعه رجل يُقال له حبيب بن عمّار(٣) يحمل رايته حتّى دخل الكوفة فصار إلى المسجد فدخل من باب الفيل فاجتمع الناس إليه.
بسند عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: بينما عليّ -عليهالسلام - على المنبر إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين مات خالد بن عُرْفطة، فقال: لا والله ما مات! إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين مات خالد بن عُرْفطة، فقال: لا والله ما مات، إذ دخل رجل آخر فقال: يا أميرالمؤمنين، مات خالد بن عُرْفطة، فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتّى يدخل من باب هذا المسجد (يعني باب الفيل) براية ضلالة يحملها له حبيب بن عمّار - حمار - قال: فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمّار وأنا لك شيعة؛
____________________
(١) تمشيّاً مع العرف العام وإلاّ فالإمامعليهالسلام يعلم معاوية ابن مَن؟!
(٢) مقاتل الطالبيّين: ٤٦.
(٣) في الإصابة ١: ٤١٠ (حبيب بن حمار).
قال: فإنّه كما أقول! فقدم خالد بن عُرْفطة على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمّار(١) .
وقد ذكره ابن حجر على مثل ما في المقاتل إلّا أنّه قال: (إنّ ابن زياد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليّ، فجعل خالداً على مقدّمته وحبيب بن حمار صاحب رايته فدخل بها المسجد من باب المقبل)(٢) .
إنّ إنباء أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بالمغيّبات كثير تحقّقت كلّها على نحو ما وصف، وهي من العلوم التي اختصّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليًّاعليهالسلام بها، ومن ذلك ما كان منه مع قاتله ابن ملجم المرادي - لعنه الله - إذ كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول على المنبر في أكثر من مرّة: (متى يبعث أشقاها حتّى يخضّب هذه من هذا) ويشير إلى لحيته ورأسه. حتّى خطب فقال في آخر خطبته: (متى يبعث أشقى مراد! حتّى يخضّب هذه من هذا) فخاف ابن ملجم المرادي وقام إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال له: يا أميرالمؤمنين! هذه يدي فاقطعها! فقال له: ويحك كيف أقتلك ولم تقتلني بعد. حتّى كان اليوم الموعود فضربه ابن ملجم على رأسه وهو ساجد في محراب المسجد بالكوفة.
موقف الشيعة من البيعة وتفسير الإمام
ذكرنا أنّ الشيعة لـمّا سمعوا كلام ابن هند وغدره بعهوده ونكثه للمواثيق؛ غضبوا من ذلك وضجّوا وتكلّموا وشتموا ابن هند وهمّوا به، وكادت الفتنة تقع، وخشي معاوية على نفسه فندم على ما تكلّم أشدّ الندم.
البلاذري: حدّثني عبّاس بن هشام عن أبيه، عن أبيه مخنف، عن أبي الكنود عبد
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٤٦.
(٢) الإصابة ١: ٤١٠.
الرحمن بن عبيد قال: لـمّا بايع الحسن بن عليّ معاوية، أقبلت الشيعة تتلاقى بإظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا بعد سنتين من يوم بايع معاوية فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلّهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم - كناية عن الاتّعاد للقتال - ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ثمّ لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ولا حظّاً في العطيّة، ولو أنّك إذ فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب، وكتبت عليه كتاباً بأنّ الأمر لك من بعده كان الأمر علينا أيسر، ولكنّه أعطاك أشياء بينك وبينه ثمّ لم يفِ به، ثمّ لم يلبث أن قال على رؤوس الناس: إنّي كنت شرطت شروطاً ووعدتُ عِداةً إرادةً لإطفاء نار الحرب، فأمّا إذ جمع الله لنا الكلمة والإلفة فإنّ ذلك تحت قدمي؛ فو الله ما اغترّني بذلك إلّا ما كان بينك وبينه وقد نُقض، فإذا شئتَ فأعد الحرب جَذعةً، وأنذر لي في تقدّمك إلى الكوفة، فأخرج عنها عامله وأظهر خلعه وتنبذ إليه( عَلَى سَوَاءٍ إِنّ اللّهَ لاَيُحِبّ الْخَائِنِينَ ) (١) .
وتكلّم الباقون بمثل كلام سليمان، فقال الحسنعليهالسلام: (أنتم شيعتنا وأهل مودّتنا، فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أربض وأنصب ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً، ولا أشدّ شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكنّي أرى غير ما رأيتم، وما أردتُ فيما فعلت إلّا حقْنَ الدم، فارضوا بقضاء الله، وسلّموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا حتّى يستريح بِرّ أو يستراح من فاجر)(٢) .
____________________
(١) الأنفال: ٥٨.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٩٠ - ٢٩١.
فهذه شهادة من الإمام المعصوم الحسن الزكيعليهالسلام في أهل الكوفة؛ فهم شيعة أهل البيتعليهمالسلام ، وأهل مودّتهم؛ ثمّ بيّنعليهالسلام أنّه ليس مثل ابن هند الذي كلّ همّه ونصيبه الدنيا ولا يقيم للدماء وزناً إلّا أنّه لا عزيمة له مثل عزيمة سيّد شباب أهل الجنّة، ولا هو أشدّ منه شكيمة؛ إلّا أنّ الإمامعليهالسلام يعلم أنّ الأمر سينتهي إلى معاوية! بإخبار من جدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأبيهعليهالسلام ، بعد أن يفنى أكثر شيعته ومثلهم من أهل الشأم، وقد ذكرنا خبر جرح الإمامعليهالسلام على يد أحد الخوارج المندسّين في جنده.
كلام المسيّب بن نَجَبة
وكلّم المسيّب بن نَـجَبة الإمام الحسنعليهالسلام يوم البيعة وكلامه نظير كلام سُليمان بن صُرَد، ودعاه إلى نقض البيعة، ممّا أثار الناس، ونظر الإمام إلى ابن هند وإلى ما قد نزل به من الخوف والجزع، فجعل يسكن الناس حتّى سكنوا، ثمّ قال للمسيّب: يا مسيّب، إنّ الغدر لا يليق بنا ولا خير فيه ولو أنّي أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر منّي على اللقاء، ولا أثبت عند الوغاء، ولا أقوى على المحاربة إذا استقرّت الهيجاء، ولكنّي أردت بذلك صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض...(١) .
فقال المسيّب: أما والله يا ابن رسول الله، ما يعظم هذا الأمر الذي صار إلى معاوية، ولكنّا نخاف عليكم أن تضامّوا بعد هذا اليوم، وأمّا نحن فإنّهم يحتاجون إلينا وسيطلبون المودّة منّا كلّما قدروا عليه.
فقال له الحسنعليهالسلام : لا عليك يا مسيّب، فإنّه من أحبّ قوماً كان معهم(٢) .
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٦٥.
(٢) نفس المصدر السابق.
فالتفتَ الحسين إلى أخيه الحسن فقال: والله لو اجتمع الخلق طرّاً على أن لا يكون الذي كان إذاً ما استطاعوا، ولقد كنتُ كارهاً لهذا الأمر ولكنّي لم أُحبّ أن أُغضبك، إذ كنت أخي وشقيقي(١) .
وكلّمه حجر بن عَدِيّ الكندي، فعاتبه على قبوله الصلح فقال له الإمام الحسنعليهالسلام : ليس كلّ إنسان يُحبّ ما تُحبّ ولا رأيه كرأيك، وإنّي لم أفعل ما فعلت إلّا إبقاءً عليكم، والله تعالى كلّ يوم هو في شأن(٢) .
إنّ كلّ من ذكرناه ممّن عتب على الإمامعليهالسلام ، لم تغب عنهم الشهادة فقد قتلهم ابن هند فيما بعد وسنأتي على سيرتهم وشهادتهم رضوان الله تعالى عليهم ولعن الله قاتليهم.
كلام سفيان بن أبي ليلى
بسند عن الشعبي عن سفيان بن أبي ليلى قال: أتيت الحسن بن عليّ حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مُذلّ المؤمنين! فقال: عليك السلام يا سفيان انزل فنزلت فعقلت راحلتي ثمّ أتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان؟ فقلت: السلام عليك يا مذلّ رقاب المؤمنين. فقال: ما جرَّ هذا منك إلينا؟ فقلت: أنت والله، بأبي أنت وأمّي أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلّمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد ومعك مائة ألف كلّهم يموت دونك. وقد جمع الله لك أمر الناس.
فقال: (يا سفيان، إنّا أهلُ بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به، وإنّي سمعت عليًّا يقول:
____________________
(١) الفتوح ٤: ١٦٥.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٦٦.
سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لا تذهب الليالي والأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الأمّة على رجل واسع السُرم ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع لا ينظر الله إليه ولا يموت حتّى لا يكون له في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر(١) وإنّه لَمعاوية، وإنّي عرفت أنّ الله بالغ أمره).
ثمّ أذّن المؤذّن فخرجنا نمشي إلى المسجد فقال لي: ما جاءنا بك يا سفيان؟ قلت: حبّكم والذي بعث محمّداً بالهدى ودين الحقّ. قال: (فأبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليًّا يقول: سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يرد على الحوض أهلُ بيتي ومَن أحبّهم من أمّتي كهاتين؛ يعني السبّابتين. ولو شئت لقلت هاتين يعني السبّابة والوسطى، إحداهما تفضل على الأخرى. ابشر يا سفيان فإنّ الدنيا تسع البِرّ والفاجر حتّى يبعث الله إمام الحقّ من آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم )(٢) .
وفي الفتوح، والأخبار الطوال:
بينا الحسن يكلّم حُجْر بن عَديّ إذا برجل من أصحابه يقال له سفيان بن أبي ليلى فقال له: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين، هلّا قاتلت حتّى تموت ونموت معك! فقال له الحسن: يا هذا! إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يخرج من الدنيا حتّى رفع له ملك بني أميّة، فنظر إليهم يصعدون منبره واحداً بعد واحد، فشقّ ذلك عليه، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً فقال:( إِنّا انزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (٣) من سلطان بني أميّة(٤) .
____________________
(١) في مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ١: ٧٧١ / ٦٢٥ (حامد).
(٢) مقاتل الطالبيّين: ٤٤.
(٣) القدر: ١ - ٣.
(٤) الفتوح ٤: ١٦٦ - ١٦٧، الأخبار الطوال: ٢٨٠.
وبأسانيد عدّة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال في الحسنعليهالسلام : (إنّ ابني هذا سيّد، وإنّ الله سيُصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)(١) .
وبسند عن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن إنّ الناس يقولون إنّك تريد الخلافة. فقال: كانت جماجم العرب بيدي يسالمون مَن سالمت ويحاربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجه الله ثمّ أريدها بأهل الحجار؟! وفي قول: بأتياس الحجاز(٢) .
خلاصة البحث
إنّ ابن هند تربّى في بيت مشحون بالفضائح فهو يسمع أبا سفيان يفتخر على هند بابنه يزيد بن أبي سفيان، وهند تفخر بابنها معاوية على أبي سفيان؛ وكلّما شبّ معاوية شابت عليه الخزايات! فقد علم أنّه يُنسب إلى أربع، وإلى الصُّبّاح مغنٍّ أسود، وإلى وَحْشي قاتل حمزة بن عبد المطّلبعليهالسلام وأنّ هنداً تزوّجت ثلاثة رجال قبل أبي سفيان - ذكرنا تفصيل ذلك - وأنّ الأخير منهم لا يمّت بأميّة القبطيّ! بصلة، لـما قيل في ضياع نسب معاوية، وشهد هو بذلك؛ ولذلك كان بهند ألصق، يتنهّد بها ويفخر فيقول: وأنا ابن هند وغلب على مخاطبيه رجالاً ونساءً بنسبته إلى هند التي ينتهي نسبها إلى عبد شمس، وكان خاملَ الذِكر كلًّا على هاشم إذ كان يُنفق عليه.
وعبد شمس أطلق عبده الروميّ (أميّة) ثمّ استلحقه! فسنّ بذلك سُنّةً سيّئةً إذ أعتق أميّة عبده (ذَكْوان) واستلحقه وسمّاه: أبا عمرو. ومضى بعيداً! فنزل له عن زوجته وزوّجه منها! ومعاوية يعلم كلّ ذلك مع علمه أنّ جدّته (حمامة) من ذوات
____________________
(١) البخاري ٥: ٣٢، النسائي ٣: ١٠٧، الترمذي رقم ٢٣٧٣ وغيرها كثير.
(٢) أنساب الأشراف ٣: ٢٩١ - ٢٩٢، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٠، حلية الأولياء ٢: ٣٦ - ٣٧.
الرايات! ولم تزده صحبته لزوج هند (أبو سفيان) إلّا خَبالاً! علّمه كيف يسرق بعير الأعرابي حتّى أحرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أبا سفيان ومعاوية ابن هند فجاءا بالبعير.
وتعلّم من أبي سفيان التردّد على مواخير الخمور ومراودة ذوات الرايات واستلحاق أبناء الشُبهة إذ كان أبو سفيان يزعم أنّه هو الذي وضع زياد بن سُميّة في رحم أمّه وقد غلب ماؤه على ماء الرجال الذين تراودوا سُميّة، فوقر في قلب ابن هند ذلك؛ فإذا احتاج إلى صولة ابن سميّة استلحقه وادّعاه وأقام الشهود بعد أن أرشاهم فصيّره أخاه: زياد بن أبي سفيان؛ ومعاوية نفسه لم يثبت نسبه إلى أبي سفيان؟! ولذا لم يشقّ عليه أن يدّعي ابن ميسون يزيد؛ فصيّره: يزيد بن معاوية ابن هند.
فهنيئاً لمن والى هؤلاء وسمّاهم أمراء المؤمنين وناصب لأجلهم العداء والبغيضة لأهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة وأنت تعلم من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق(١) .
ولا تظنّ أنّ ابن هند خرج على إمام زمانه وهو يحبّه! ولم يصله هذا الحديث؛ ولم يسمع بإمرة عليّعليهالسلام بأمر الله تعالى وذلك يوم الغدير، ولا ولايته في القرآن في آية
____________________
(١) يرد ذلك من طرق عدّة في: صحيح مسلم ٢: ٦٤، سنن النسائي ٨: ١١٥ - ١١٦، خصائص أمير المؤمنين علي، له: ١٠١ / ٩٧ - ٩٩، سنن الترمذي ١٠: ٢٣٩، المعيار والموازنة: ٢٢٤، العقد الفريد ٥: ٣٥٤، الحميديّ ١: ٣١، ابن ماجة: ١١٤، السنّة، لابن أبي عاصم ٢: ٥٩٨، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ١٥٩ / ١، سنن أبي يعلى ١: ٢، ابن حبّان ٢: ١٧٧ / ٢، أنساب الأشراف ٢: ٩٦، مسند أحمد ١: ٨٤ و ٩٥ و ١٢٨، فضائل الصحابة له: ٩٤٨ - ٩٦١، علوم الحديث، للحاكم: ١٨٠، الخطيب في تاريخه ٢: ٢٥٥ و ١٤: ٤٢٦، ابن النجّار في ذيل تاريخ بغداد: ١٠٢ - ١٠٣، مناقب ابن المغازلي: ٢٢٥ - ٢٣١، المحاسن والمساوئ، للبيهقي ١: ٢٩٠، تفسير الحبري: ٣٥٠، بشارة المصطفى، للطبريّ: ٦٤ و ٧٦ وغيرها، الرياض النضرة ٢: ٢١٤، كفاية الطالب: ٦٩، تذكرة الخواصّ: ١٥، شرح السنّة، للبغوي ٢: ٧١٧، مسند البزار ٣: ١٨٢، معجم الصحابة، للبغوي: ٤٢٠، معالم التنزيل ٦: ١٨٠.
التصدّق حال الركوع، ولا حديث تبليغ براءة، ولا قرأ آية التطهير ولم يعلم فيمن نزلت ولا آية المباهلة وبمن باهل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وغير ذلك كثير وكثير.
وربّما يعذره خلفه النواصب أنّ سيّدهم وأميرهم لم يكن من أهل القرآن ومجالس العلم إنّما شغلته بطنه لدعوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه: (أللّهم لا تُشبع بطنه) فكان يأكل ولا يشبع ولـمّا تفضّل عليه أبوبكر إذ بعثه مع يزيد بن أبي سفيان يحمل رايته وكان يزيد أحد أمراء فتح دمشق ثمّ لـمـّا مات يزيد أقرّه عمر بن الخطّاب على دمشق ثمّ وسّع له! فأعطاه جميع الشأم، وضمّ إليه عثمان مصر وبعض الأقاليم؛ فكانت نشوة الحكم قد أنسته حتّى الذي سمعه أو أثارت كوامنه كما صرّح في خطبته بالنُخيلة لـمّا قال: (ما اختلفت أمّة بعد نبيّها حتّى غلب أهل باطلها أهل حقّها)، فمارس في حكمه التمرّد على إمام زمانه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ثمّ على الإمام الحسنعليهالسلام ؛ وصرّح بحقيقته أمام المغيرة بن شعبة لـمّا قال: إنّ ابن أبي كبشة - يعني النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم - يصاح به خمس مرّات... لا والله إلّا دفناً دفناً!!
ولذلك صار سهلاً عليه وهو في بيئة تعينه على ما يريد، فتاجر بالخمر وتماثيل النحاس واشتهر بالزنا مع تنويعه للنساء ففيهنّ الفارسيّة والتركيّة والزنجيّة، وصار مطيّة لهذه وتلك تركبه فيزحف بها، وتلوي أخرى السوط على رأسه ويموت بسبب زنية! وقد مرّ تفصيل ذلك ولكن صار الخطاب إلى النواصب فلا بدّ من التذكير إيجازاً.
فإذا كان حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق، فكيف بحربه وسبّه على منابر المسلمين؟! ونحن نعلم أنّ المؤمن في الجنّة والمنافق في جهنّم؛ فأين يصار بمعاوية ومن والاه؟!
وبعد حربه لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام حارب الإمام الحسنعليهالسلام فلمّا عضّته الحرب طلب الصلح فأجاب سيّد شباب أهل الجنّة ووضع شروطاً هي العمل بكتاب الله
وسنّة نبيّه وحفظ دماء المسلمين أينما كانوا...، ورفض ما شرطه له ابن هند من مال، وأن يكون له الحكم بعد هلاك ابن هند.
وحرب الحسن وبغضه وكذلك أخيه حسيناً مثل حبّ وبغض وحرب أمير المؤمنين عليّعليهالسلام!
حب وبغض الحسن والحسينعليهماالسلام
بأسانيد عدّة ومن طرق مختلفة فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم صرّح بشأن الحسن والحسين مثلما في أبيهما؛ فأين يُصار بابن هند ومَن حارب الحسن والحسينعليهماالسلام وشيعتهم هل إلّا إلى جهنّم؟ والناصبيّ مع من أحبّ.
بسندٍ عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (من أحبّ حسناً وحسيناً أحبّني ومن أبغضهما أبغضني)(١) .
وإذا كان حبّ عليّعليهالسلام إيمان وبغضه نفاق؛ ولذا كانعليهالسلام قسيم النار والجنّة إذ المؤمن في الجنّة والمنافق في النار؛ فكيف الحال مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
بسندٍ عن سلمان المحمّدي قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم للحسن والحسين: (من أحبّهما أحببته، ومن أحببته أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله جنّات النعيم؛ ومن أبغضهما أو بغى
____________________
(١) الأدب المفرد، للبخاري: ٢٠٤، مسند أحمد ٢: ٨٨٠ و ٢٤٠ و ٥٣١، سنن ابن ماجة ١: ٥١، طبقات ابن سعد ح ٣٨ و ٥٥ من ترجمة الإمام الحسن، النسائي في كتاب الفضائل: ٩٠، مسند أبي يعلى ١١: ٧٨ / ٦٢١٥، الكامل، لابن عدي ٣: ٣٤٤ / ٧٩٣ ومواضع أخرى، السنن الكبرى، للنسائي - كتاب المناقب ح ٦٥ باب مناقب الحسنين، المعجم الكبير ٣: ٤٧ / ٢٦٤٥ - ٢٦٤٩، تاريخ بغداد ١: ١٤١، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٧ ووافقه الذهبي، صحيح مسلم ٧: ١٢٩، حلية الأولياء ٢: ٣٥، أمالي الطوسي ح ٣٨، المصنّف، لابن أبي شيبة ١٢: ١٠١، مناقب الكوفي ٢: ٦١ / ٧١٦ وغيره.
عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله عذاب جهنّم وله عذاب مقيم)(١) .
ولقد بغى ابن هند على الإمام الحسنعليهالسلام ، ولـمّا رأى كتائب أهل العراق وأنّ الواحد منهم يزن الكتيبة، هرع يطلب الصلح؛ فأجابه الإمامعليهالسلام حقناً للدماء، فلمّا تمّ واستوثق، نكث وغدر؛ ومن قبل قاتل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فلمّا كان من الخوارج المارقين ما كان وكتب كتاب الهدنة لمدّة سنة وعاد أهل العراق إلى عراقهم وأهل الشأم إلى شأمهم غدر ابن هند وراح يشنّ الغارات - ذكرنا بعضها في الغارات -.
وحرب أهل البيتعليهمالسلام حرب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا يحارب رسول الله إلّا كافر!
عن زيد بن أرقم: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ وفاطمة وحسن وحسينعليهمالسلام : (أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم)(٢) .
كفر معاوية
سيرة ابن هند حتّى لحظة موته تشير إلى أنّه ما آمن منذ كفر، وقد أوردنا الأدلّة الكثيرة في كفره وزندقته.
قول سعد في معاوية
بسند عن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن مالك عن مُتعة الحجّ فقلت: إنّ
____________________
(١) المعجم الكبير ٣: ٥٠ / ٢٦٥٥.
(٢) مسند أحمد ٢: ٢٢، صحيح الترمذي، سنن ابن ماجة: ١٤، المعجم الصغير ٢: ٣، تاريخ بغداد ٧: ١٣٦، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٩، المعجم الكبير ١: ٩٤٧ و ٣: ٢٦٤٦، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ٦٦، الصواعق المحرقة: ١١٢، البداية والنهاية ٨: ٢٠٥، ذخائر العقبى: ٢٥، كفاية الطالب: ٣٣١، الرياض النضرة ٢: ١٩٩، كنز العمّال ٦: ٢١٦، تاريخ بغداد ٧: ١٣٦.
معاوية ينهى عنها؟ فقال: وما يدري الفاسق؟ فعلناها على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعاوية كافر بالله(١) .
حتّى اللحظة التي صرّح فيها سعد بن أبي وقّاص فابن هند لا تطاوعه نفسه أن ينزع من الكفر ويدخل فيما دخل فيه الناس من الإسلام، ولعلّ تصريح سعد هذا هو أهمّ الأسباب في اغتيال ابن هند إيّاه، على ما ستعلم.
جعدة تسمّ الحسنعليهالسلام
بعد الصّلح وما شرط الإمام الحسنعليهالسلام على معاوية عادعليهالسلام إلى المدينة، وقد وقفنا على خروقات ابن هند وخيانته للعهود والمواثيق التي أخذها عليه السبط الزكيعليهالسلام ومن ذلك: أن لا يعهد معاوية إلى أحد بعده وإنّما الأمر شورى بين المسلمين.
وكان هذا الشرط الأخير، وما قبله: بكتاب الله وسنّة نبيّه؛ أثقل شيء على ابن هند.
ذكر الأصفهاني في ذلك: أراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيء أثقل من أمر الحسن بن عليّ وسعد بن أبي وقّاص فدسّ إليهما سمّاً فماتا منه(٢) .
أمّا سمّ ابن هند للإمام الحسنعليهالسلام ، فأمر غير غريب وقد قاتله فلمّا ظنّ أنّه إنّما
____________________
(١) التاريخ الكبير ١: ١٢٥، صحيح مسلم ٢: ٨٩٨، المصنّف، لابن أبي شيبة ٢: ٨٩٨، الموطّأ، لمالك ١: ٣٤٤، سنن الشافعي ١: ٣٧٣، الناسخ والمنسوخ، لأبي عبيد: ٣٢٦، مسند الدورقي: ١٢٣ و ١٢٤، المعرفة والتاريخ ١: ٣٦٣، غريب الحديث، للحربي ١: ١٧١، سنن الترمذي ح ٨٢٣، سنن النسائي ٥: ٥٢، سنن البيهقي ٥: ١٧، سنن الدارمي رقم ١٨١٤، مسند البزار رقم ١٢٣٢، مسند أبي يعلى: ٨٢٧، صحيح ابن حبّان رقم ٣٩٢٣، موضّح أوهام الجمع والتفريق ٢: ٣١٧ ومواضع أخرى، معرفة علوم الحديث، للحاكم: ١٢٢، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ٢: ١٣٨ / ٧٩١، إنّ بعض المصادر ذكرته في أكثر من موضع.
(٢) مقاتل الطالبيّين: ٤٨.
أحيط به، راح يتوسّل بالصّلح فلمّا صار الأمر إليه ثقل أمر وجود الإمام فسعى إلى الخلاص منه. أمّا سعد بن أبي وقّاص، فأمر غريب أن يسعى ابن هند لقتله! فلم يكن لسعد أثر في الأمّة كما كان للإمام الحسنعليهالسلام ولم تكن له معارضة ملحوظة. وسعد أمّه حنتمة بنت سفيان بن أميّة، فهو من جهة الأم في الصميم من آل سفيان، وابنه عمر بن سعد بن أبي وقّاص ابن ابن عمّ يزيد بن ميسون، هذا لو نسبنا يزيد إلى معاوية! وقد قاد عمر بن سعد خوارج وعثمانيّة الكوفة وجيوش أهل الشأم لقتال سيّد شباب أهل الجنّة. وأمّا لماذا سعى ابن هند لتصفية سعد بن أبي وقّاص؟ فلعلّه لـما رواه سعد بكفر ابن هند، مرّ بنا!
بسندٍ عن جرير بن مغيرة قال: أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث: إنّي مزوّجك بيزيد على أن تسمّي الحسن بن عليّ، وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمّت الحسن، فسوّغها المال ولم يزوّجها من يزيد فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيّروهم وقالوا: يا بني مُسِمّة الأزواج(١) .
عن ابن جُعْدُبة: كانت جَعْدة بنت الأشعث بن قيس تحت الحسن بن عليّ، فدسّ إليها يزيد أن سُمّي الحسن إنّني زوجك، ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت جَعْدَةُ إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنّا والله لم نَرْضك للحسن فنرضاك لأنفسنا(٢) .
وقال سفيان بن عُيينة، عن رَقَبَة بن مَصْقلة: لـمّا حضر الحسن بن عليّ الموت، قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار حتّى أنظر في ملكوت السماوات. فأخرجوا فراشه،
____________________
(١) مقاتل الطالبيّين: ٤٨، والإرشاد: ١٧١، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٤: ١٧، أنساب الأشراف ٣: ٢٩٤، مروج الذهب ٣: ٥.
(٢) تهذيب الكمال، للمِزي السلفي ٦: ٢٥٣.
فرفع رأسه إلى السماء فنظر، ثمّ قال: أللّهم إنّي أحتسب نفسي عندك، فإنّها أعزُّ الأنفس عليَّ. فكان ممّا صنع الله له أن احتسب نفسه عنده(١) .
ومَن كان حسبه الله فقد كفاه أمر دنياه وآخرته وانتصف له ممّن ظلمه وهضمه حقّه يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت؛ فسلام على سادات أهل الجنّة والعَقَبة التي من اجتازها دخل الجنّة وفاز والله بولائهم الفائزون.
وصيّة الإمام في دفنه
بسند عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال الحسن حين حضرته الوفاة: ادفنوني عند قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا أن تخافوا أن يكون في ذلك شرّ، فإن خفتم الشرّ فادفنوني عند أمّي.
وتوفّي فلمّا أرادوا دفنه أبى ذلك مروان وقال: لا يُدفن عثمان في حش كوكب ويُدفن الحسن هاهنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أميّة فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤوا بالسلاح فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان! أتمنع الحسن أن يُدفن في هذا الموضع وقد سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول له ولأخيه الحسين: (هما سيّدا شباب أهل الجنّة). فقال مروان: دعنا عنك، لقد ضاع حديث رسول الله إن كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخُدْري! إنّما أسلمتَ أيّام خيبر؛ قال: صدقتَ، أسلمتُ أيّام خيبر، إنّما لزمتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم أكن أُفارقه، وكنت أسأله وعنيتُ بذلك حتّى علمتُ وعرفت مَن أحبَّ ومن أبغضَ ومن قرّبَ ومن أبعد، ومن أقرَّ ومن نفى، ومن دعا له ومن لعنه.
____________________
(١) حلية الأولياء ٢: ٣٨ - ٣٩.
فلمّا رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشرّ بينهم وتُسفك الدماء قالت: البيت بيتي ولا آذن أن يُدفن فيه أحد!(١)
وكان معاوية قد كتب إلى مروان يأمره بمنع دفن الحسن عند قبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فكتب: إذا مات الحسن فامنع من ذلك أشدّ المنع كما منعنا من دفن عثمان مع النبيّ(٢) .
عليّ بن طاهر بن زيد: لـمّا أرادوا دفنه ركبت عائشة بغلاً واستنفرت بني أميّة مروان بن الحكم ومن كان منهم ومن حشمهم وهو القائل فيوماً على بغلٍ ويوماً على جمل(٣) .
الوزغ بن الوزغ، ابن الزرقاء مروان المدعى إلى الحكم! وقد مرّ بنا نسبه الحقيقي، والحكم هو طريدُ رسول الله نفاه من المدينة وأعاده عثمان، يمنع بأمر ابن هند وبمؤازرة عائشة التي أرادت إعادة يوم الجمل ولكن هذه المرّة ركبت على بغلٍ! ربّما لتُنسي الناس اسم الجمل، فكان يوم البَغْل! وفي الأوّل حاربت سيّد الوصيّين وفي الثاني خرجت لحرب سيّد شباب أهل الجنّة. ثمّ ما بالُها إذ رأت الرجال والسلاح أن قالت: البيتُ بيتي ولا آذن أن يُدفن فيه أحد؟! هلاّ قالت: البيت بيتي وهذا ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وريحانتُه من الدنيا، وإنّي أذنت أن يُدفن عند قبر جدّه!
وليس حديث (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة) ممّا تفرّد به أبو هريرة وأبو سعيد الخُدْري! وما العيب لو كان الأمر كذلك؟! هل دعيّ طريد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي لعنه رسول الله، وهو في بطن أُمّه، لعنه ولعن ذرّيته، أفضل من أبي هريرة وأبي
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٩٨.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) مقاتل الطالبيّين: ٤٩.
سعيد الخُدْري؟! وقد ذكرنا طرق الحديث ومصادره فإذا هي تنتهي بعلية الصحابة والتابعين؛ وأمّا مصادره فهي المصنّفات والمسانيد والصحاح والسُنن والتاريخ والرجال المعتبرة.
قالوا في السبط المجتبى
قال يونُس بن بُكَير، عن محمّد بن إسحاق: حدّثني مُساور مولى بني سَعْد بن بكر، قال: رأيت أبا هريرة قائماً على مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم مات الحسن بن عليّ يبكي وينادي بأعلى صوته: يا أيّها الناس! مات اليوم حِبُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فابكوا(١) .
وبسند عن عمر بن عليّ بن أبي طالب، قال: لـمّا قُبض الحسن بن عليّ وقف على قبره أخوه محمّد بن عليّ، فقال: يرحمك الله أبا محمّد فإنْ عزّت حياتك، لقد هدّتْ وفاتك، ولنعمَ الروح روح تضمّنه بدنك، ولنعم البَدَن بدن تضمّنه كفنُك، وكيف لا يكون هكذا وأنت سليل الهدى، وحليفُ أهل التُّقى، وخامسُ أصحاب الكساء، غذّتك أكُفُّ الحقّ، ورُبّيتَ في حجر الإسلام، ورضعت ثدْيَ الإيمان، وطِبتَ حيّاً وميّتاً، وإن كانت أنفسُنا غير طيّبة بفراقك فلا نشكّ في الخيرة لك، يرحمك الله(٢) .
قال ثعلبة بن أبي مالك: شهدنا حسن بن عليّ يوم مات ودفنّاه بالبقيع، فلقد رأيت البقيع ولو طُرِحت إبرةٌ ما وقعت إلّا على إنسان(٣) .
ورثى سليمان بن قتة الحسنعليهالسلام فقال:
يا كَذَّب الله من نعى حسناً |
ليس لتكذيب قوله ثَـمَنُ |
____________________
(١) مروج الذهب ٣: ٦.
(٢) المصدر السابق: ٦ - ٧.
(٣) تهذيب الكمال ٦: ٢٥٦.
أجول في الدار ولا أرى في الدّ |
ار أُناس جوارهُمْ عُبُنُ(١) |
|
كنت خليلي وكنت خالصتي |
لكلِّ حيٍّ من أهله سَكَنُ |
|
بَدَلْتُهُم منك ليت أنَّهُمُ |
أمسو وبيني وبينهم عدنُ(٢) |
وقال النجاشي الحارثي الشاعر:
يا جَعْدُ بكّيه ولا تسأمي |
بكاء حقٍّ ليس بالباطل |
|
على ابن بنت الطاهر المصطفى |
وابن عمّ المصطفى الفاضل |
|
كان إذا شَبَّتْ له نارُه |
يوقدها بالشَرْفِ القابل |
|
كيما يراها يائِسٌ مرْمِلٌ |
أو ذو اغترابٍ ليس بالآهل |
|
لن تغلقي باباً على مثله |
في الناس من حافٍ ولا ناعِلِ |
|
نِعْمَ فتى الهيجاء يوم الوغى |
والسيّد القائلِ والفاعلِ(٣) |
واختُلف في سنة شهادتهعليهالسلام ، ففي قول: سنة خمسين، وقيل: سنة احدى وخمسين، وقيل غير ذلك.
فسلامٌ عليه يوم ولد ويوم استُشهد ويوم يُبعث شاهداً على القوم الشانئين والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد سيّد المرسلين وآله الطيّبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
____________________
(١) العُبُن: الـمــِلاح.
(٢) أنساب الأشراف ٦: ٣٠٣.
(٣) نفس المصدر السابق: ٣٠٣ - ٣٠٤.
شهداء مَرْج عَذْراء
ابنُ هند، شرٌّ كلُّه! لم ينعقد من خير ولا رُبّي في خير. فهو ابنُ هند، وعاش في ظلّ أبي سفيان صَخْر بن حَرْب. وهو يسمع مُلاسَنةَ صَخْر وهند، إذ يفخر بابنِه يزيد! على ابنها معاوية، فتردّه هند بأن سيرى ابنها قد سادَ ابنَه.
وهو يعلم أنّ هنداً تَعاقَبَ عليها رجلان قبل صَخْر:
المدائني عن مَسْلَمة بن مُحارب قال: كانت هند بنت عُتْبة قبل أبي سفيان عند حَفْص بن الـمُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثمّ خلف عليها الفاكه بن الـمُغيرة(١) فقتله بنو كِنانة في الجاهليّة بالغُمَيْصاء(٢) .
وهو يعلم أنّه يُعزى إلى أربعة: مسافر بن أبي عمرو، وإلى عُمارة بن الوليد، وإلى العبّاس بن عبد المطّلب، وإلى الصُّباح مغنٍّ أسود كان لعُمارة. قالوا: كان أبو سفيان دميماً قصيراً، فدعت هندٌ الصُّباحَ إلى نفسها. وقالوا: إنّ عُتبة بن أبي سفيان من الصُّباح أيضاً، وإنّها كرهت أن تضعه في منزلها، فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك. وفي ذلك
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٢. وحَفْص، والفاكه؛ عمّا حَنْتَمة بنت هاشم بن المغيرة أُمّ عمر بن الخطّاب، وعمّا خالد بن الوليد بن المغيرة الذي هو ابن عمّ حنتمة. انظر جمهرة النسب: ٨٤ - ٨٦، والمحبّر: ٤٣٧.
(٢) الغُمَيْصاء: موضع في بادية العرب قرب مكّة. معجم البلدان.
قال حسّان:
لِـمَن الصبيُّ بجانب البَطـ |
حاء مُلقىً غيرَ ذي سُهدِ(١) |
|
نَجَلت به بيضاءُ آنِسةٌ |
من عبدِ شمسٍ صَلْتَةُ الَخدِّ(٢) (٣) |
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع تفصيلاً أوسع، من ذلك ما جرى بين ابن هند وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ وبين ابن هند وابنه يزيد عقب حوار بين يزيد وبين إسحاق بن طلحة...، ولأجل ذلك قال ابن هند ليزيد:... زعم الناس أنّ أبا العبّاس أبي.
ومرّ بنا أنّ (حَمامة) وهي جدّة أبي سفيان، وكانت بغيّاً من ذوات الرايات.
ومع أنّه ابنُ هِنْد، فصار يُعرف ويُدعى إلى أبي سفيان، وما يَضيرُ أبا سفيان - أحد زنادقة قريش، ذكرناهم - أن يُدعى إليه ابنُ امرأته! وإن سبقه في الزواج منها حَفْص، والفاكه ابنا الـمُغيرة المخزوميّان؟! وهل هو أعفّ من هِنْد، وهو المتقلّب بين مواخير
____________________
(١) في ديوان حسّان: (في التُّرب مُلقىً غيرَ ذي مَهْدِ).
(٢) نجلت به: ولَدته. صَلْتَهُ الخَدّ: خدّها بارز ناعم.
(٣) ربيع الأبرار، للزمخشري ٣: ٥٥١. وفي ديوان حسّان زيادة:
تسعى إلى الصُّبّاح مُعوِلَةً |
يا هندُ إنّكَ صُلْبةُ الحَرْدِ |
|
غَلَبَتْ على شَبَه الغُلام وقد |
بانَ السّوادُ لِحالِكِ جَعْدِ |
الحالك: الشعر الأسود. الجعد: المجعَّد، وهي صفة شعر العبيد السود.
وقال لها أيضاً:
لـمَن سواقِطُ صبيانٍ مُنبَّذةٍ |
باتَتْ تَفَحَّصُ في بطحاءِ أجيادِ |
|
باتَت تَـمَخَّضُ ما كان قَوابِلُها |
إلاّ الوحوشُ وإلاّ جِنّة الوادي |
|
فيهم صبيٌّ لَهُ أُمٌّ لها نسَبٌ |
في ذُروةٍ من ذُرى الأحساب أيّادِ |
|
قد غادَروه لِحُرّ الوَجْهِ مُنعفِراً |
وخالُها وأبوها سيّدُ النادي |
ديوان حسّان بن ثابت: ٩٦ - ٩٧. (تمخّض: تطلق حال الولادة. القوابل: جمع قابلة وهي المرأة التي تشرف على الولادة).
الخَمْر وبيوتات الزواني، حتّى كانت تلك الليلة المشؤومة التي حطّ رحاله مع رجالٍ من قريش عند الخمّار (أبي مريم السَّلُوليّ) وكان قد عُرف عنه أنّه يجمع بين الرجال والنساء زنىً! فلمّا أخذت الخمرة من الرجال مأخذها، طلب أبو سفيان من أبي مريم أن يأتيه بامرأة، فأخبره أنّه لا يعرف الآن إلّا امرأةً سوداء مُنْتِنة! تأخذ الأجرة على ذلك، فقال له: آتني بها على أيّ حال! فجاء بها وهي (سـُمَيّة، أُم زياد) فواقعها أبو سفيان، ثمّ واقعها الرجال الذين معه؛ وحملت سـُمَيّة من ليلتها تلك حتّى وضعت زياداً...، وسمعه أبو سفيان يخطب يوماً ما فقال: أتعلمون مَن الذي وضع هذا في رَحِم أُمِّه؟! قالوا: مَن؟ قال: أنا الذي وضعته في رحم أُمِّه!
وليس هنا الكلام كيف عرف أبو سفيان أنّ ماءه غلب ماء الرجال الذين شاركوه في أمره القذر الـمُسْتَقْبَح، ولا إتيانه الفعل هذا وقد ارتضى لنفسه امراةً دخل بها رجلان قبلَه، وهي متّهمة برجالٍ أربع! وهي في عصمته يشهد لذلك نسبته معاوية إليها ونسبة يزيد ابنه إليه لأنّه من أُمٍّ أُخرى. ولا نريد بسط البحث من جديد في أمر حَرْب بن أُميّة؛ ونفي هاشم لحرب، ثمّ استعباد عبد الـمُطّلب له عشرَ سنين؛ وصفات أميّة الجسمانيّة وأنّه من الروم اشتراه عبدُ شَمْس بن عبد مَناف، الـمُستَضْعَف الذي كان كَلًّا على هاشم يُنفق عليه. وكان من أمر أميّة أن أعتقه عبد شمس وتبنّاه؛ وأعتق أميّة عبدَه ذَكْوان واتّخذه ولداً! وسمّاه أبا عمرو ونزل له عن امرأته وزوّجه إيّاها! فولدت له أبا مُعَيْط واسمه أبان، فولد عُقْبة بن أبي مُعَيْط، قتله أمير المؤمنين عليّعليهالسلام يومَ بَدْر في جملة المشركين الذين قتلهمعليهالسلام يومئذ.
وقلنا فيما سبق: إنّ معاوية حينما يتنهّد مفاخراً أو متوعّداً لا ينسب نفسه إلى أبي سفيان، إنّما يقول: وأنا ابنُ هند.
فحيثما تقلّب ابن هند فكلُّه عورات وللناس ألسنُ.
وهو يعلم أنّ هنداً، وهي نسبُه وفخرُه، أمرت وحشيّاً بقتلِ عليٍّعليهالسلام الذي فجعها يوم بدر، بأخيها الوليد بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وشارك عمّه حمزةعليهالسلام ، في قتل أبيها عُتبة بن ربيعة، وشاركه كذلك في قتل شيبة بن ربيعة؛ وقتل حنظلة بن أبي سفيان وآخرين من بني عبد شمس؛ فلمّا أظهر عجزه عن قتل عليّعليهالسلام ؛ وافقت على قتل حمزةعليهالسلام ، ووعدته بمالٍ، وأن تُعطيه صدرَها! وليس وحشيّ عندها أقلّ شأناً من أبي سفيان أو الرجال الآخرين في صفحة حياتها. وقتل وحشيّ حمزةعليهالسلام ، غدراً يوم أحد؛ وكانت هند وفيّةً بما وعدت، وقد كتبنا تفصيله.
وهو في صحبته لزوج أمّه، أبي سفيان تعلّم السرقة، والكذب، والزنا... وذكرنا خبر سرقتهما لجمل امرأة ولم يردّاه حتّى فضحهما رسول الله، فأتيا به. وذكرنا بعض أخباره في الخمر، والزنا.
ولـمّا رأى في ابن سميّة (زياد) ضالّته، راسله وأغراه بأن يخرجه من نسبه الضائع المتردّد بين: ابن عبيد، وابن أبيه، وابن سُميّة؛ وهو الغالب عليه، ليدخله في نسبه ويتّخذه أخاً! ولكن كيف؟ وهذا ابن سُميّة، وهو ابن هند؟! والسنّة المطهّرة قضت بأنّ الولد للفراش - سُميّة - وللعاهر - أبو سفيان - الحجَر؛ ولم يجد ابن هند حَرجاً يُذكر في مجتمع نأتي على وصفِه، فيطرح سنّة رسول الله ودعوة القرآن بدعوة الأبناء إلى آبائهم؛ ويعمل بسنّة أبي سفيان.
دعوة زياد
قالوا: لـمّا قدم زياد على معاوية صعد المنبر، وأمر زياداً فصعد معه، فقال: أيّها
الناس إنّي قد عرفتُ شَبَهنا أهلَ البيت في زياد(١) ، فمَن كانت عنده شهادة فليُقمْها، فقام الناس - أهل الشأم - فشهدوا أنّه ابن أبي سفيان، أقرّ به قبل موته ثمّ مات.
وقام أبو مريم السَّلولي، وكان خمّاراً في الجاهليّة، فقال: أشهد أنّ أبا سفيان قدم علينا الطائف، فأتاني فاشتريت له لحماً وأتيته بخمر وطعام، فلمّا أكل قال: يا أبا مريم أصبْ لي بَغيّاً، فخرجت فأتيتُه بسُمَيّة وقلتُ لها: إنّ أبا سفيان مَن قد عرفتِ حاله، وقد أمرني أن أُصيب له عِرساً فقالت: يجيء عُبيد زوجي من غَنمِه فإذا تعشّى ووضع رأسه أتيته، فلم تلبث أن جاءت فدخلت معه، فلم تزلْ معه حتّى أصبحت، فقلت له: كيف رأيتها؟ قال: خير صاحبة لولا ذَفَر إِبْطَيْها ونتن رُفْغَيْها(٢) ، فقال زياد من فوق المنبر: مَهْ يا أبا مريم، لا تشتم أمّهات فتُشتم أمّك. ثمّ جلس أبو مريم(٣) .
وقام رجل فقال: أشهد أنَّ عمر بن الخطّاب أخذ بيد زياد فأخرجه يومَ أخرجه إلى الناس، فقال رجل ممّن كان حاضراً: للهِ أبوه من رجلٍ لو كان له عُنْصرٌ. فقال أبو سفيان وهو إلى جانبي: أنا والله وضعته في رحم أُمّه سُميّة وما له أبٌ غيري(٤) .
وقال هشام بن الكلبي: قال معاوية لأبي البَيْضاء النَهْدي، وزياد حاضر: ما عندك في أمر زياد؟ قال: شهدتُ أبا سفيان واقَعها في الجاهليّة، ورجع وذَكَرُهُ يقطر، وهو
____________________
(١) الشَبَه صحيح في: السِفاح، فزياد ابن أربع وأنت مثله. وإن اقتصرنا على العبد الروميّ عُبيد فلابدّ أن يكون في زياد منه شَبَه في الحُمرة ولهذا ولأنّ سُميّة خراسانيّة فقد اتّخذ له جيشاً من أبناء ملوك فارس ألبسهم الأحمر وسمّاهم الحمراء يصول بهم، وكذلك ابن مرجانة وهي خراسانيّة فعل. وأمّا أنت يا ابن هند، فإن تجاوزنا ونسبناك لصَخْر بن حَرْب بن أميّة، فأميّة عبدٌ روميّ تبنّاه عبد شمس، فغلب عليك البياض لا السُّمرة.
(٢) الرفغ: الإبط وما حول فرج المرأة. القاموس.
(٣) أنساب الأشراف ٥: ٢٠٢.
(٤) نفس المصدر السابق.
يقول: لعنها الله فما أَنْتَنَها! فقال زياد: أدِّ شهادتك ولا تُفْحِشْ، فإنّما دُعيتَ شاهداً ولم تُدْعَ شاتماً(١) .
قالوا: فلمّا تكلّم معاوية على المنبر، تكلّم زياد فقال: أيّها الناس إنّ أمير... والشهود قد قالوا ما سمعتم، ولستُ أدري ما حقُّ هذا من باطله! وهو وهُمْ أعلم، وإنّما عُبَيْد أبٌ مبرور ووالٍ مشكور، ثمّ نزل(٢) .
وقد كان معاوية بعث إلى سعيد بن عُبَيْد أخي صفيّة بنت عُبيْد فأرضاه حتّى أقرّ ورضي بما صنع معاوية، وأبي يونس ابنُه أن يرضى، وطلب الدخول على معاوية فلم يصل إليه، فلمّا كان يوم الجمعة ومعاويةُ يخطُبُ على المنبر(٣) ، أقبل يونس بن سعيد حتّى قام بين يديه فقال: يا معاوية قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّ الولد للفراش وللعاهر الحجَر، وإنّك قضيت بالولدِ للعاهرِ وجعلتَ للفراشِ الحجَر، فاتّق الله فو الله لئن كان زياد ابن أبي سفيان إنّه لَعَبْدي ومولايَ أعتقته عمّتي؛ قال معاوية: والله لتكفَنَّ يا يونس أو لأطيرنّ نُعرَتَك(٤) . فقال يونس بن سعيد: أليس المرجعُ بي وبك بَعْدُ إلى الله؟
وقال ابن الكلبي، قال يونس بن سعيد العلاجيّ: رُدّ عليَّ ولاءَ عمّتي من زياد، فقال: أتركتَ شُرْبَ ما في الدنان؟ قال: نعم، وترك أبي الزّنا في الجاهليّة(٥) .
إنّ ابن هند حقّ فيه ما قيل: كلبة عوت فاستعوت الكلاب! وحين قدمَ عليه جاريةُ
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٠٣.
(٣) هذه واحدة من بِدع ابن هند الكثيرة، فهو أوّل من خطب الجمعة والعيدين من جلوس وذلك لـما عظُمَ بطنُه!
(٤) أي خيشومك.
(٥) نفس المصدر السابق: ٢٠٣.
ابن قدامة السَّعديّ، له صحبة، وشهد مع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام مشاهده وعقد له يوم صِفّين لواءً وأمّره على سعد ورباب البصرة(١) ؛ وقد بعثه عليّعليهالسلام إلى البصرة وبها عبد الله بن عامر الحضرميّ بعثه معاوية يستنفر الناس على قتال عليّعليهالسلام ، فتحصنّ ابن الحضرميّ بدار تُعرف بدار سنبل، فأضرم جاريةُ النار عليه فاحترقت بمَن فيها(٢) .
فلمّا قدم على ابن هند فيما بعد، قال له - وهو يعرفه! -: مَن أنت؟ قال: جاريةُ بن قُدامة. قال: وما عسَيتَ أن تكون، هل أنت إلّا نَحْلة؟! قال: لا تفعل، فقد شبّهتني بها حامية اللَّسعة حُلوة البُساق. والله ما معاوية إلّا كلبةٌ تعاوي الكلاب، وما أميّة إلّا تصغير أَمَة(٣) .
وعوى، فأُلقم حجَر! فقد عرّض بيونس بن سعيد العلاجي بشُرب الخمر وقد تركه يونس بعد التحريم وأقام عليه ابن هند؛ ورماه بسهم ثان: (وترك أبي الزنا في الجاهليّة)، أي أنّ أباه لم يُقارف القبيح وهو الزنا في الجاهليّة على عكس أبي سفيان الزنّاء! وفيه إشارة إلى ادّعاء أبي سفيان أنّه زنا بسميّة فزرع في رحمها بذْرةَ الشرّ والشقاء زياداً، وشهد لصحّة ذلك على رؤوس أهل الشأم، الخمّار أبو مريم السَلوليّ الذي كان يجمع بين الزُّناة والزانيات تصديقاً لابن هند الزنّاء! الذي فضحته الجارية الخُراسانيّة إذ خدعته لـِما رأت منه أنّه أعرض عنها ومال إلى جاريةٍ أُخرى فلمّا قضى وَطَرَه منها عاد إلى الفارسيّة فسألها عن اسم الأسد بالفارسيّة؟ فقالت: كَفْتار، فخرج على قومه وهو يقول: أنا كَفْتار! فضحكوا منه، ولـمّا استعلم الحال أخبر أنّ كفتار يعني الضَبُع الأعرج؛ فقال: قاتلها الله! سرعانَ ما أخذت بثأرها.
____________________
(١) وقعة صفّين: ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٢) الطبقات الكبرى ٧: ٣٩، مختصر تاريخ دمشق ٥: ٣٦٤.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٥: ٣٦٥.
فما ظنُّك بمجتمع أميرُهم ابنُ امرأة، وليس لوسائلِ إعلامه إخفاء هذه الحقيقة، فهو يعلن في كلّ موقف: أنا ابنُ هند؛ ويُصرّح أنّه ابنُ أربع رجال، ويخبر ناقصه بذلك ويذكر له أنّ الناس ينسبونه إلى أبي العبّاس وإلى غيره؛ وقد فشا شعر حسّان بن ثابت في قصّته إذ طرحته هند على قارعة الطريق؛ وهو وعتبة ليسا لأبي سفيان!
ونحن في عصرنا هذا نعلم أنّ أبا سفيان انتفى منه ولم ينتفِ من ابنه يزيد بن أبي سفيان؛ ولو انتسب إليه ما زاده إلّا قُبحاً وخَبالاً! فهو صَخْر؛ والسَهْل أفضلُ من الصخر؛ وهو ابن حَرْب، والسِلمُ خيرٌ من الحَرْب؛ وهو ابن أُمَيّة تصغير أَمَة أُنثى صغُرت فكانت أميّة وفي أحسن الأحوال: عبدٌ روميّ اشتراه عبدُ شَمس الذي كان كلًّا على أخيه سيّد زمانه هاشم بن عبد مَناف، يُنفق عليه.
وما تعلّم من صُحبته لزوجِ أُمّه (أبي سفيان) إلّا ما ذكرنا: الكذب، والسرقة والزندقة التي أفصحَ عنها بقوله للمغيرة بن شُعبة: (... وإنّ أخا بني هاشم يُصاح به كلّ يومٍ خمس مرّات: أشهدُ أنّ محمّداً رسولُ الله! فأيُّ عملٍ يبقى بعدَ هذا، لا أُمَّ لك؟! إلّا دَفْناً دَفْناً). وهم يسمعون أقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه، وفي أبي سفيان وابنه يزيد، ولعنه لهم (الراكب والقائد والسائق)، وكان أبو سفيان راكباً جملاً يسوقه ابنُه يزيد، ويقوده ابنُ هند. والروايات في لعن ابن هند وأنّه في قعر جهنّم عليه ألوانُ العذاب، ذكرنا شيئاً منها. ودعوةُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقتل ابن هند إذ شوهد على منبر المسلمين، فعصمه من القتل تنصيب عمر بن الخطّاب له على الشام وغيرها، وما كان يُبديه من إعجابه به وكان يُسمّيه (كسرى العرب) وكثيراً ما يوصيه بأُمّه (هِنْد). ولذلك لـمّا شوهد على المنبر وقام أحدُهم وقد سلّ سيفَه، أقعده بعضُهم وقال له: ما تريد أن تصنع؟ قال: سمعتُ رسول الله يقول: (إذا رأيتم معاوية على المنبر فاقتلوه). قيل له:
وعمر موجود، لا يمكن ذلك حتّى نستأذنه، فأرسلوا إليه فوجدوه قد مات. وقد ذكرنا هذا الخبر فيما سبق، ولكن نقول: هل تُعطَّل السُّنّة بانتظار جواب عمر؟! ألم يُعْلِي عمرُ معاويةَ شأنَ معاوية فيولّيه الشأم بعد يزيد بن أبي سفيان وهو يعلم من أمر رؤيا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ رأى بني أميّة ينزون على منبره نزوَ القردة؛ فكان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في همّ حتّى نزلت سورة القَدْر وفيها (ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شَهْر) أي أنّ ليلة القدر بما نزل فيها من القرآن، خيرُ من ألف شهر يحكمها بنو أميّة وبنو الحَكَم. فسُرّي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
و يا لَهُ من مجتمعٍ يسمع بابنِ سُميّة، ابن عُبَيد، ابن أبيه، ابن ستّ ذكور! وأخيراً استقرّ أمره فهو ابن سُميّة لمعلوميّة المرأة التي وضعت به! فيما مضى آخرون على مجهوليّة أبيه، فهو ابن أبيه وتعاقبت القرون وهو لا يُعرَف إلّا ابن أبيه، وابن سُـمَيّة.
مجتمع يرى أبناء الأمّهات يرقون منابر المسلمين ويطرحون القرآن الكريم خلف ظهورهم ويتجاوزوا سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أبناء الزنا، فيتّخذ بعضهم بعضاً أخاً، ويقدّم لذلك بيّنةً، كانت بيّنة السَلولي الخمّار، وله مهنة أخرى أقبح؛ أولى بالقبول من شهادة ابن هند، ذلك أنّه لـمّا أقام ابن سميّة إلى جنبه على المنبر؛ لم يرد على قوله: (إنّي قد عرفتُ شَبَهنا أهلَ البيت في زياد) فقام أهل الشأم فشهدوا أنّه ابن أبي سفيان أقرّ به قبل موته! ولا ندري متى كان الشَبَه بيّنة على آصرة الدم؟!
وإذا كان الشَبَه بين الناس مجزياً في إثبات آصرة القرابة؛ لصارت المجتمعات أُمّةً واحدةً، ولكان ابن هند غنيّاً بذلك عن شهادة السلولي الذي أخزى الابنين معاً: ابن هند في أبي سفيان، وابن سميّة في أمّه الذي استقبح ما قاله فيها من ذَفَر إِبْطَيْها ونَتْن رُفْغَيْها؛ ولم يستقبح خيانتها لزوجها على الصورة التي ذكرها السَلولي. ولم يُنكر زياد
على أبي البَيْضاء النَهْدي شهادته وإنّما أنكر عليه وصفه لحالِ أبي سفيان بعد وطئه لسُمَيّة.
ولم يأْبَه ابن هند لذلك، فهو يعلم أنّه ليس لأبي سفيان وإنّما هو لهند، مع معرفته بقذارة أبي سفيان وسُميّة.
كيف صارت سُمَيّة إلى عُبَيْد
قالوا: كان من خبر زياد أنّ سميّة أُمّه كانت لرجل من بني يَشْكُر ينزل بناحية كَسْكَر، فأصاب اليَشْكُريَّ وجعٌ شديدٌ أعيا مَن حوله من الأطبّاء، فبلغه مكانُ الحارث ابن كَلَدَة بن عَمرو بن عِلاج بن أبي سَلِمة بن عبد العُزّى بن غِيَرَة بن عَوْف بن ثقيف الثقفيّ بالطائف، فأتاه فعالجه حتّى برئ، فوهب له سُميّة فوقع الحارث عليها فولدت على فراشه نافع بن الحارث، ثمّ ولدت له نُفَيْعاً وهو أبو بكرة، فأنكره الحارث ونسبه إلى غلامٍ له يُقال له مَسْروح، وكان أشبه الناس بمسروح، فكان أبو بكرة يقول: أنا نُفَيْع بن مَسْروح! وقيل للحارث: إنّ جاريتك فاجرة لا تدفع كفَّ لامسٍ؛ فزوّجها الحارثُ من عبدٍ لامرأته صفيّة بنت عُبَيْد بن أسيد بن عِلاج الثقفيّ، روميّ يقال له عُبَيْد، كان ساقه في مَهْرها، فولدت له زياداً على فراشه، وتزوّج عُتْبة بن غَزَوان أَزْدَة بنت الحارث بن كَلَدة، فلمّا ولاّه عمر بن الخطّاب البصرة قدمها ومعه نافع بن الحارث ابن كَلَدَة، ونُفَيْع أبو بكرة، وزياد، وهو يومئذ يُنسب إلى عُبَيْد...(١) .
أنقى الأخبار وأكثرها إنصافاً لسُميّة وولدها! فهي كانت لرجلٍ يشكريّ؛ إلّا أنّه لم يقل أنّه أصابها أم لا؟! ولعلّه نال منها ولسببٍ لم تحمل منه! ثمّ وهبها للحارث بن
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٩٧ - ١٩٨.
كَلَدَة الثقفيّ؛ فوقع عليها أَمَةً فحملت بنافع فأقرّ به الحارث! وإن لم يُعلمنا المصدر كيف كان هذا الوطء؛ زواجاً، ملك يمين، زنىً؟! وإن كان القرينة ترجّح الزنا، بدليل أنّه انتفى من نُفَيْع ابن سُميّة ونسبه إلى غُلامه مَسْروح؛ فكيف يكون هو وغلامُه شريكين في امرأة واحدة؟! ثمّ جاءت الجملة بعدها إذ قيل للحارث: (إنّ جاريتك فاجرة لا تدفع كفَّ لامس!)، فأيّ امرأةٍ هذه التي تسبق نطفتُها نطفةَ الرجل؟! ولذا فثمّة سؤال لابدّ له من جواب: كيف ثبتت أبوّة الحارث لنافع؟ فإن قيل: ولدته على فراشه بعدما وقع عليها! إلّا أنّ فجورها وتراود الرجال لها وهي لا تردّ يد لامس يجعلنا في حالة شكّ من نسبة نافع إلى الحارث. ولـمّا وجد أن نَتْنَ سُميّة قد زكمَ الأنوف؛ زوّجها من عبد امرأته صفيّة وهو عبد روميّ يُقال له: عُبَيْد، فولدت لعُبيد الروميّ زياداً! على فراشه.
ولأوّل مرّة في حياة سميّة ترد كلمة (زواج)؛ لـمّا زوّجها مولاها الحارث من عبد روميّ كان لزوجته صفيّة. ولاحظ دقّة الراوي وحَذَقه إذ قال: فولدت لعبيد الروميّ زياداً، على فراشه، وبذلك نسب زياداً له، وصار زياد يدعى لدهر إلى عبيد. ولكن نافعاً كذلك ولد على فراشه لـمّا وقع الحارث على سميّة من غير زواج؛ ومع ذلك أقرّ به لأنّه ولد على فراشه ولكن نسب ابنها أبا بكرة نُفَيْعاً إلى غُلامه أبي مَسْروح لعلّة الشَبَه بين أبي بَكْرة وأبي مَسْروح.
فنحن والرواية هذه: نجد سميّة قد تراودها رجال - دعنا ممّا قبل اليشكري، فعلمُهم عندَها - ثمّ: اليَشْكُريّ، فالحارث بن كَلَدة، ومَسْروح غلام اليشكري - وأيضاً دعنا من عدد الذين لم تردّ يدَهم سميّة وهي جاريةٌ للحارث -، وعُبَيْد الروميّ، عبدٌ للحارث بن كلدة.
فهؤلاء أربع رجال في حياة (سميّة)، في رواية واحدة، من غير مجموعة الرجال الذين تراودوها قبل اليشكريّ.
وحالُ زياد في الانتساب إلى عبيد الروميّ، حال انتساب أخيه لأمّه نافع بن الحارث، فكلاهما نسب إلى الفراش الذي ولد عليه إلّا أنّ الحارث وقع على سميّة وعبيداً تزوّج سميّة؛ وإن كنّا لا نقطع بأنّ زياداً لعبيد كما شكّكنا بنسبةِ نافع إلى الحارث؛ لحال أمّهما (سميّة) كما عرفت.
ولكن: هل استقرّ أمر سميّة بعد تزويجها من الروميّ عبيد فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى بعد تقلّب من فراش إلى فراش؟ فإنّ ابن هند، وهند أكرم من سميّة؛ إنّها من بني عبد شمس وليس في حياتها من الرجال إلّا ثلاثاً زواجاً؛ وأربعاً سِفاحاً وخامسهم وحشيّ؛ هذا ما ذكر، والله أعلم بعدّتهم! لم يكن عنده بيّنة في استلحاق زياد إلّا شَبَهه به! وشهادة الخمّار والذي مهنته (القِيادة) السَلوليّ. وأبو سفيان لم يطلب من السَلوليّ امرأةً إنّما طلب (بَغِيّاً) والمعنى واحد إلّا أنّ الوصف يدلّ على الواصف! ولكن كيف عرف السلوليّ (سميّة) وهي في عصمة زوج (عبيد) لو لم يسبقه إليها في رجال آخرين جمع بينهم وبينها وهي في عصمة المسكين (عبيد)؟!
وزياد وهو يسمع الشهادات في بغاء أُمّه، لا ينكر على الشهود إلّا وصفهم لنَتْن إِبْطَي أُمِّه وفرجها ولَعْن أبي سفيان لها وذَكَرُه يقطر! وكم هو خسيس وضيع، وهو يسمع ابن هند ينسبه إليه بدلالة الشَبَه الذي زعمه فيقول: أيّها الناس إنّ أمير... والشهود قد قالوا ما سمعتم، ولستُ أدري ما حقُّ هذا من باطله، وهو وهُمْ أعلم، وإنّما عُبيد أبٌ مبرور ووالٍ مشكور!
يا ابن سُميّة الفاجرة التي لا تدفع كفّ لامسٍ؛ فإن كان الذي قالوه حقّاً، فللعاهرِ
الحجَر والولد للفراش؛ فأنت لستَ لأبي سفيان. وإن كان باطلاً فلستَ لأبي سفيان كذلك لبطلانِ دعواهم! ومع هذا لازلتَ تقرّ بأبوّة عُبَيْد الذي تراه أباً مبروراً ووال مشكوراً، فكيف ارتضيتَ لنفسِك أبوين؟! أب أصالةً كنت تُدعى إليه وما زلتَ تنسب نفسَك إليه؛ وآخر زنّاء خمّير زنديق ليس له من الفضائل إلّا التنصّل من معاوية إذا نافَرتْهُ هِنْد؛ ونسبه إليها، فكان معاوية ينسب نفسَه إلى هند ولا يجد حرَجاً فيما يسمعه من خَوْض الناس في عدد الرجال وهم ثلاثة الذين دخلوا بهند زواجاً؛ وأربعة خامسهم وحشي من غير زواج.
وأنت لو صنعتَ صنيع ابن هند، لكان ذلك أزكى! فسُميّة كانت تتقلّب بين رجال ثلاث، حتّى انتهت إلى عبيد الروميّ فتزوّجها ولا ندري عدد الأكفّ التي لامستها قبل عبيد! وهي تحت عبيد الذي شغلته الغنم عن سميّة فكان السَلوليّ يوصل إليها الرجال منهم أربعة فيهم أبو سفيان؛ في ليلة واحدة. وبتجاوز الأكفّ غير المعلومة؛ فهؤلاء ثمانية في حياة سميّة، فهلّا بقيتَ عليها مثلما بقي ابن هند على نسبه إلى أمّه، ولربّما صفح التاريخ عن أولئك الرجال لو أنّك انتسبتَ إلى عبيد؛ فلمّا خدعك ابن هند وهو شرٌّ كلُّه، كما ذكرنا صدر البحث، فادّعاك ولم تكن هند أمّك ولا أبو سفيان أباك، وإلاّ لَرَميته بأحجاره! فلمّا خارت عزائمُك وقبلتَ باطلَ ابن هند؛ صرتَ له أطوع من خاتمه، فكان همّك تتّبع شيعة أهل بيت النبوّة، تدفنهم أحياء وتجدع آنافهم وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وكان فيمن قتلت: الصحابيّ الجليل حُجر بن عَديّ وصحبه الكرام، بعد أن زوّرت عليهم شهادةً شهد لك فيها الأراذل بادي الرأي جلّهم من قتلة سيّد شباب أهل الجنّة سبط رسول الله وريحانته الحسين بن عليّعليهالسلام.
والفضيلة الأخرى التي تُسجّل للرجل الذي قبلتَ أُبوّته، ولَيتَك أشركته في عُبيد
بذلك فقلت: إنّما عُبيد أبٌ مبرور ووالٍ مشكور، وأبو سفيان فكما سمعتم، فرجل رذيل يُواقع أمّهات الأبناء ذوات أزواج! فأنا من الآن: زياد بن عبيد وأبي سفيان، أو زياد بن عبيد المدعو لأبي سفيان؛ أو ابن عبيد زواجاً، ادّعاني لزنيةٍ أبو سفيان، فبأيّ شئتم سمّيتم، وبأيٍّ اقتديتم اهتديتم.
وهذه الفضيلة الأخرى لأبي سفيان والتي يؤكّد عليها الخارجي ابن تَيمِيَه وخوارج عصرنا الوهّابيّون حتّى أنّهم يدرّسونها لتلامذةِ المدارس الثانوية في الحجاز الذي صار اسمُه يُعرف بجدّ العائلة المالكة (المملكة العربيّة السعوديّة)، ويفخرون بها، وهي قيادته لقوى الفكر والأحزاب حتّى تحرير بيت الله الحرام من أسار الوثنيّة وجاء به العبّاس بن عبد المطّلب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد أن امتنع أنّه مقتولٌ إذن، فلمّا عرضه على النبيّ سأله إن كان يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله؟ فوكزه العبّاس؛ فتشهّد الشهادة الأولى وتوقّف عن الثانية؛ ولـمّا سأله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تشهد أنّي رسول الله؟ قال: أمّا هذه ففي القلب منها شيء! فأعلمه العبّاس إن هو امتنع فإنّه مقتول؛ فاضطُرَّ إلى النُّطق بها. وطلب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من العبّاس أن يحبسه عند مضيق الوادي حتّى تمرّ به جيوش المسلمين، فحبسه إلى الفجر إذ بدأت تمرّ به جحافل الإسلام تخفق راياتُها وكان يسأل العبّاس من هؤلاء تحت هذه الراية فيُخبره، فلمّا رأى عِظَمَ الجيش قال للعبّاس: إنّ مُلْك ابن أخيك صار عظيماً! فقال له العبّاس: ليست مُلكاً يا أبا سفيان؛ إنّها النُّبوّة؛ ولم يُظهر ابنُ هند الإسلام إلّا وهو يرى بارقة سيف النصر المؤزّر لجُندِ الله ويسمع تكبير عشرة آلاف ويرى آلهته وآلهة أسلافه تهوى لوجهها ولا تنتصر لنفسها من معاول جُند الله وهي تحوّلها قِطعاً قِطعاً. إلّا أنّ أبا سفيان، وربيبه ابن هند؛ مثلما أظهرا الإسلام كرهاً، فقد أنكراه طَوعاً وقد ذكرنا كثيراً من الشواهد، من ذلك لـمـّا صار
الأمر إلى عثمان بن عفّان الأمويّ ودخل عليه أبو سفيان ثمّ خرج من عنده وهو يقول: تلقّفوها يا بني أميّة تلقّف الكرة فما الأمر على ما يقولون(١) . وقولُه لـمّا قُبض رسولُ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تلقّفوها الآن تلقّف الكرة فما من جنّةٍ ولا نار(٢) .
ورواية أُمّ سلمة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان جالساً فمرّ أبو سفيان على بعير ومعه معاوية وأخٌ له، أحدُهما يقود البعير والآخر يسوقه، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق)(٣) .
وفي معاوية ذكرنا ما وسع المقام ونذكر بعضاً:
عن الأعمش عن سالم بن أبي الجَعْد قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنّم)(٤) .
والأعمش عن الحسن قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)؛ فتركوا أمره فلم يُفلحوا ولم ينجحوا(٥) .
عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْريّ أنّ رجلاً من الأنصار أراد قتلَ معاوية، فقُلنا له: لا تسلّ السيف في عهد عمر حتّى تكتب إليه، قال: إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه)، قال: ونحن سمعناه ولكن لا نفعل حتّى نكتب إلى عمر؟! فكتبوا إليه فلم يأتِهم جواب الكتاب حتّى مات!(٦)
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٣٦.
(٢) نفس المصدر السابق، الأغاني ٦: ٣٥٦.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) نفس المصدر السابق.
(٥) نفس المصدر السابق، مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٦.
(٦) أنساب الأشراف ٥: ١٣٦، مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٦.
الأنصاريّ رحمه الله، أراد أن يعمل بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قتل ابن هند؛ ومنعه الآخرون لعلمهم أنّ ذلك يُغضب عمر، فهو عاملُه وهو مُفْتَتنٌ به، يُسمّيه: كسرى العرب؛ ولكن ما كان لهم أن يتركوا سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لِلَومِ لائم، فلم يُفلحوا بفعلهم، إذ لم يأتهم جواب عمر وتنمّر لهم ابن هند.
إنّ عمر بن الخطّاب الذي تحاماه المسلمون في قتْلِ ابن هند هو القائل: (هذا الأمر في أهل بَدْر ما بقي منهم أحد، ثمّ في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها الطليق ولا لولد طليق ولا لـِمُسلمة الفتح شيء)(١) .
وما عشتَ أراك الدهرُ عجباً! هل نسي عمر أنّ ابن هند من مُسلمة الفَتح وهو وأمّه هند من الطلقاء، أم أنّ صلة الرحم هي العلّة في إطلاق يد ابن هند في الشأم؟
وابن هند لا يجد حَرجاً أن يُعلن عن خبيئة نفسه، قال: (أنا أوّل الملوك). وقال: (أنا أوّلُ ملكٍ وآخر خليفة)(٢) .
ابن هند ودعوة جُنادة!
عبيد الله بن مُعاذ عن أبيه عن شُعبة قال: أراد معاوية أن يَدّعي جُنادة بن أبي أميّة الأزدي، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعتُ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (لا يريح ريحَ الجنّة مَن ادّعى إلى غير أبيه) فقال جُنادة: أنا سهمُك في كِنانتك، فأمّا الدعوةُ فلا!(٣)
ما أيسرَ الدعوة عند ابن هند! ولو يَسّر له لادّعى أقواماً بقضّها وقضيضها ليقوّي سلطانه ولو: متاعٌ إلى حين.
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٤٢.
(٢) نفس المصدر السابق: ٥٥. و ٦: ١١٩ - ١٢٠ (ترجمة جُنادة).
(٣) نفس المصدر السابق: ٦٩.
ومقابل ذلك يضع الدعوى على الأشراف من شيعة عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلبعليهمالسلام ، ليبطش بهم، كما حصل للصحابيّ الجليل عَمرو بن الحَمِق الخُزاعيّ وزوجته المرأة الصالحة الوفيّة. وللكوبة مصابيح الدُّجى: شهداء مَرْج عَذْراء؛ حُجر ابن عَديّ وصحبه الكرام.
كلّ ذلك يجري على أرض (الأبدال!) من أهل الشأم الذي سيطول وقوفهم على الأعراف مع ابن هند في قتالهم سيّد الوصيّين وإمام المتّقين عليّعليهالسلام ، يومَ صِفّين؛ وهم لا غيرهم الذين توجّهوا إلى مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد قتلهم الحسينعليهالسلام وأهل بيته الكرام؛ فكانت وقعة الحرّة، قتلوا المقاتلة وأباحوا (طيبة) مدينة رسول الله ويُسمّيها أهل الشأم: نَتِنة، وفجروا بالنساء حتّى حبلت ألف امرأة بِكْر من غير زوج... وسنأتي على تفاصيلها.
ومن حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، توجّه أهلُ الشأم ولم يُشركوا كذلك غيرهم في عدوانهم على بيت الله الحرام، فدكّوا البيت بحجارة المجانيق وخطّارة النفط والنار فاحترقت الكعبة وتهدّمت جدرانها.
وأعاد أهل الشأم كرّتهم أيّام عبد الملك بن مروان فهدموا الكعبة وحرّقوها وهم يرتجزون مفتخرين بعملهم.
وإذا كان ابن هند بخروجه على إمام زمانه ووليّ المؤمنين عليّعليهالسلام وما أراق من الدماء، قد ارتكب الموبقة الكبرى (مجازاةً لـما سالم عليه المؤرّخون)، وإلاّ لكتبت مجلّداً ضخماً ليبدأ باسمه، مروراً بعقدة نسبه وضياع أصله وتأخّر إسلامه حتّى عام الفتح وتحت بارقة السيف واللعنات المتلاحقة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولربيبه وابنه؛ فإنّ الموبقة الثانية: قتلُه حُجر وأصحابه رضوان الله عليهم.
الثالثة: انتزاءُ الأُمّة أمرها وتنصيبه جروه الناقص من بعده من غير مشورة من المسلمين وفيهم الصلحاء وأبناء الأنبياء.
الرابعة: ادّعاؤه ابن سُميّة ونقل نسبه إلى أبي سفيان، فما زاده شرفاً ولا نقله إلى خير! ولولا ذلك لكان ابن سميّة وابن أبيه، وربّما طُويت صفحته على عبيد الروميّ. فلمّا ادّعاه ولم تكن له جرأة على رفض الدعوة مثلما رفضها جنادة بن أبي أميّة، بعدما سمع رواية عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بتحريم الجنّة على من ادّعى إلى غير أبيه. ولم يكن ابن سميّة موغِلاً بدماء المؤمنين حتّى أوْقعه ابنُ هند في حبائله، وأغراه فزوّج ولده من بنات سفيان ومن بنات عبد شمس - مرّ ذكر ذلك وتفاصيله - وولّى زياداً البصرة، ثمّ ضمّ إليه الكوفة، فطغى ابن أبيه وسميّة وعبيد ورجالاً آخرين! فكان أشدّ على شيعة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والوصيّ المرتضى عليّعليهالسلام ؛ من ابن هند عليهم!
يزيدُ ابنُ مَن؟!
قلنا: ابن هند! شرٌّ كلُّه، لم ينعقد من خير ولا رُبّي في خير. وذكرنا شيئاً من سيرة أمّه هند؛ فنسبه عندها ينتهي، وعدّدنا ما وصل إلينا من أسماء أزواج هند، فوجدناهم ثلاثة أخرهم أبو سفيان صخر بن حرب. ووجدنا معاوية ينسب إلى رجال أربع. وكان لقاتل (حمزةعليهالسلام )، وهو (وحشي) الحبشيّ شراكةً في هند. فهل يأنف أن يكون (يزيد) مشترك بينه وبين غيره، مع البَوْن الشاسع بين الأُمّين: أمّه هند، وأمّ يزيد في أسماء الرجال؟!
البلاذريّ: حدّثني عبّاس بن هشام الكلبيّ عن أبيه عن جدّه وشَرقي بن القُطامي قالا: ولي معاوية الشأم لعمر وعثمان، فأتاه وهو بالشأم بَحْدَل بن أَنَيْف بن دُلْجة من
ولد حارثة بن جَناب الكلبي بابن أخٍ له قد قتل أخاه، وكان ابنا أخيه هذا خطبا مَيْسون بنت بـَجْدَل جميعاً فزوّج المقتول، فإنّ رأسه لفي حِجْرها وهي تَفْليه إذ دخل عليه أخوه بصخرة فلَقَ بها رأسه، فلمّا أن أتى معاوية قال له: إن شئت قتلته لك فذهب ابنا أخيك جميعاً، وإن شئت فالدّية، فقبل الدّية.
ووجّه معاوية بعد ذلك رسولاً إلى بهدل بن حسّان بن عديّ بن جَبَلة بن سلامة بن عُلَيم بن جناب الكلبي ليخطب عليه ابنته، وكانت بكراً، فغلط فمضى إلى بجدل بن أنيف فخطب ابنته، فزوّجه ميسون، فقال عمرو الزهري من كلب يهجو حسّان بن مالك بن بحدل:
إذا ما انْتَمَى حَسّانُ يوماً فقُل لَهُ |
بـِمَيْسون نِلْتَ المجدَ لا بابنِ بَحْدَلِ |
|
بِخُمْصانةٍ رَيّا العظامِ كأنّها |
من الوَحْشِ مَكحول المدامعِ عَيْطَلِ |
|
ولَولا ابنُ مَيْسونٍ لَـما ظَلْتَ عاملاً |
تَخَمَّطُ أبناءَ الأكارم من عَلِ |
|
وما كان يَرجُو مالكٌ أن يَرَى ابنَهُ |
على مِنْبرٍ يَقضي القضاءَ بفَيْصَلِ |
|
ألا بَهْدَلاً كانوا أرادوا فضُلِّلَتْ |
إلى بَحْدَلٍ نفْسُ الرسولِ الـمُضَلَّلِ |
|
فشَتّانَ إنْ قايستَ بينَ ابنِ بَحْدلٍ |
وبينَ ابن ذي الشَّرْطِ الأغرِّ الـمُحَجَّلِ(١) |
وكان لعَديّ بن جَبَلة بن سَلامة شرطٌ في قومه: لا يدفنوا ميّتاً حتّى يكون هو الذي يخطّ له موضع قبره، وفيه يقول طُعْمَة بن مَدْفَع الكلبي:
عَشِيَّةَ لا يرجو امْرُؤ دَفْنَ أُمِّهِ |
إذا هي ماتتْ أوْ يَخُطَّ لها قبراً |
قال المدائني: طلّق معاوية ميْسون وهي حامل(٢) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ١٥٧.
فائدة: إنّ ابن هند أراد أن يتزوّج ابنة بَهْدل بن حسّان الكلبيّة، وكانت بكراً؛ فبعث مَن يخطبها فغلط مبعوثه فمضى إلى بَحْدل بن أُنَيف الكلبي فخطب ابنته! ولم تكن بكراً، فقد تزوّجها ابن عمّها الذي قتله أخوه حسداً له. ولم يعلمنا الراوي عن المدّة التي أمضتها ميسون مع زوجها، وهل حملت منه أم لا؟! ولا المدّة التي أمضاها معها ابن هند؟ ولماذا رضي بغلط مبعوثه فتزوّجها، وما سبب طلاقها؟!
إنّا لا نقطع بأمرٍ من هذه الأمور إلّا أنّ ظلال الشكوك تمدّ عليها؛ فإنّ ابن هند، وهو حاكم الشأم، وبنو كلب في سلطانه وقد أراد امرأة منهم أن تكون زوجته فجيء بغيرها وله حقّ الرفض، فلماذا قبلها؟ ثمّ وجدها غير بِكْر فكانت حجّته أقوى من رفضها؛ هذا إن قلنا أنّه لم يكن قد علم أنّها متزوّجة من ابن عمّها ردحاً من الزمن؛ فلم الطلاق بعد أن أمضى معها ردحاً من الزمن؟ وتطليقها حاملاً ليس فيه جزم أنّ يزيد منه؛ فقد سبقه إليها ابن عمّها، فإن لم نقطع بأنّ يزيد ليس من ابن هند. إنّما هو من ابن عمّها فليس لنا أن ننسبه إلى ابن هند؛ الذي من نظريّته في النسب: الشبه! كما في قصّة استلحاقه ابن سميّة، فإنّ يزيد لا شبه له بابن هند، وفيه جُدَريّ لم يكن في ابن هند، بإجماع المصادر، وإن لم نكن مع نظريّة الشبه في النسب. وقد تربّى ابن ميسون عند أخواله (بني كلب)، وكان ابن هند يقول: لولا هواي في يزيد ما ولّيته! ووصلت الولاية إلى يزيد وهو في حوّارين يصيد الضباء!
وكانت أكفان معاوية في يد الضحّاك بن قيس الفِهْري، فكان ممّا قال عند دفنه: ونحن رائحون به مُدْرجاً في أكفانه، ومُدخلوه في قبره ومُخلّون بينه وبين ربّه وعلمه(١) ، فإن شاء الله رحمه وإن شاء عاقبه.
____________________
(١) ظاهراً: وعمله.
أظنّها المرّة الأولى التي يُقال بحقّ ميّت مثل هذا الكلام! فأقل ما يُقال في مثل هذا الحال: أللّهم إنّا لا نعلم منه إلّا خيراً... ثمّ يُدعى له بالخير والمغفرة وزيادة إحسانه إن كان محسناً أمّا أن يقول وصيُّه: مُدخلوه في قبره ومُخلّون بينه وبين ربّه وعلمه - أو عمله - فإن شاء الله رحمه وإن شاء عذّبه! ينمّ عن معرفة الضحّاك بسيّده، فلا دعاء ينفع معه ولا شفاعة له تُرتجى، والله تعالى أولى به عفواً وعقوبةً!
ابن مرجانة!
ما أكثر الأبناء في تاريخ ابن هند، وابن مَيْسون ومَن جاء بعدهم من حكّام الجور والفسق! فإذا كان زياد ابن أبيه وسميّة المدعو لعُبيد الروميّ؛ فكذلك ابن مرجانة عبيد الله، ومرجانة زنّاء خراسانيّة، استقرّت مرجانة عند زياد فنسب ابنها عبيد الله إليه ونشطت الدعاية الأمويّة في تسميته عبيد الله بن زياد، فما زاده ذلك شرفاً وأطلق الألسن في نسبه.
لـمّا جاء هلاك الناقص ابن ميسون، وجيشه كان محاصراً البيت الحرام وقد هدموا الكعبة وحرّقوها؛ فخارت عزائمهم ورجعوا إلى الشأم وبلغ ذلك ابن مرجانة عبيد الله - لعنه الله - حتّى صار إلى الشأم وبلغ ذلك أخاه سَلْم وهو يؤمئذ بخراسان ولاّه ابن ميسون، فتجّهز وخرج يريد الشأم ومعه مالٌ جزيل...، فلمّا صار في بعض الطريق استقبله عبد الله بن خازم السلمي فقال: إلى أين يا عدوّ الله؟ إلى أين يا ابن مرجانة؟ إلى أين يا ابن عبد بني عِلاج...(١) .
وقال ابن الكلبي وغيره: حلف ابن زياد لَيقتلنَّ المختار بن أبي عبيد فسمع ذلك
____________________
(١) الفتوح ٥: ٣١٠. وسنأتي على تتمّته في موضعه.
أسماء بن خارجة، وعروة بن المغيرة، فدخلا عليه فأخبراه بذلك وقالا: أوصنا بمالك واحفظ لسانك، فقال: كذب والله ابن مرجانة الزانية، والله لأقتلنّه ولأضَعنّ رجلي على خدّه(١) . وسنأتي على تمام الخبر، ولكن: أيُّ رجلٍ المختار رضي الله عنه وهو في سجن ابن مرجانة؛ ويُقسم بالله أنّه سيفعل به ما ذكرناه وقد تحقّق ذلك فيما بعد؟! فتبّاً لأعداء أهل البيتعليهمالسلام وأعداء أنصارهم وشيعتهم!
ولـمّا ظفر ابن مرجانة بعُرْوة بن أُدَيّة، قال له: ما قولك فيَّ؟ قال: أوّلُك لزنيّةٍ وآخرُك لدعوَة(٢) .
منّة الدعوة وذلّتها!
العُتبي، قال: وفد زياد على معاوية، فأتاه بهدايا عظام، وسفط مملوء جواهراً، فسرّ معاوية بذلك سروراً شديداً، فلمّا رأى زياد ذلك صعد المنبر فقال: أنا والله يا أمير.. أقمت لك صَعَر العراق، وجبيتُ لك مالها وألفظتُ لك بحرها.
فقام إليه يزيد فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عُبيد إلى حرب بن أميّة.
فقال له معاوية: اجلس فداك أبي وأُمّي(٣) .
تبّاً لك ابن سميّة وسُحْقاً! إذ أمكنتَ ابن هند من الثُّغرة بعد إذ كان يتودّدك ويتحاشاك! فصرتَ مطيّته ومطيّة ابن ميسون يركباك إلى كلّ حرام وينتهجان بك السبيل إلى مواطن الخوارج، حيث فرعون... ولأجل النسب الذي يزكم الأُنوف نَتْنُه
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٤١٣.
(٢) نفس المصدر السابق: ٤١٥.
(٣) مختصر تاريخ دمشق ٢٨: ٢٢.
أرداك في قعر جهنّم حتّى بات الناقص ابن ميسون يزيد، يمنّ به عليك! وإن كان مثلوبَ النسب، ولا ندري ألهند أم لغيره كان ابن هند يقول: (لولا هوائي في يزيد لأبصرتُ قَصْدي!)(١)
ولقد كنتَ ترى وضاعة ما دُعيت إليه وأنّك على ما أنت عليه أشرف منه حتّى ما زال بك الأعور الزنّاء الذي أحصن تسعاً وتسعين امرأة.
صحيح أنّا وجدنا عدد الرجال المعروفين في تراود سميّة يقارب الذين وجدناهم في هند؛ إلّا أنّه لم يصنع بك خيراً بهذه الدعوة، فقد بدأ بحبس ابنك سالم وعبيد الله بن مرجانة المدعى إليك! فماذا جَنيتَ: أنت ابن سميّة وهو ابن هند؛ وأنت ابن عبيد؛ وهو منقطع عند هند انتفى منه أبو سفيان وتمسّكت هند به؟! فإن قلتَ: إنّه صار يدعى لأبي سفيان؛ فأنت أيضاً دعوت نفسك - بعض المصادر، سنذكرها تقول: إنّ زياداً قد قال: كان عبيد ربيباً... وهو ما صحّ في تحقيقنا - إلى عبيد الرومي. وما فضل أبي سفيان على عبيد؟! وأبو سفيان بن حرب، عرفنا بعض سيرته، وهو ابن أميّة عبد روميّ تبنّاه عبد شمس ثمّ استلحقه. فأيُّ شرف نالك بهذا الاستلحاق أكثر من أن زادك طينة خَبال وطُغيان حتّى قطعت في يوم واحد في مسجد الكوفة أكثر من ثمانين يداً! وزوّرت شهادة زور بحقّ القمر المنير (حُجْر بن عُدَيّ) وصحبه الكرام فقتلهم أخوك في الاستلحاق والكفر: ابن هند، واشتهر عنك قطع الألسن والأيدي والأرجل من خلاف. وعلى سُنّتك سار ابن مرجانة في قتل أولياء الله وتولّى مهمّة قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رضي الله عنهما؛ وقتل سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٨: ٢٢.
عليّعليهماالسلام . وقبل الدعوة كنت تقرأ قوله تعالى:( ادْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ ) (١) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (ملعونٌ ملعونٌ من انتسبَ إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مَواليه)(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في خطبة حجّة الوداع: (الولد للفراش وللعاهر الحجر، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه، فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)(٣) .
وقرأتَ وقرأنا لعنة النبيّ لمعاوية وربيبه وابنه؛ فوالله لو بقيت ابن سميّة، لكان أزكى لك، فهي أمّك لا إنكار في ذلك، وأسلم لك لنجاتك من عقوبة الدعوة الملعونة التي جعلتك ومَن يُنتسب إليك خاتماً في إصبع ابن هند؛ يصولون بكم حيث شاؤوا....
رواية المسعودي في استلحاق زياد
قال المسعودي: لـمـّا همّ معاوية في إلحاق زياد بأبي سفيان، شهد عنده زياد بن أسماء الحرمازي ومالك بن ربيعة السلولي، والمنذر بن الزبير بن العوّام(٤) : أنّ أبا سفيان أخبر أنّه ابنه. ثمّ زاده يقيناً إلى ذلك شهادة أبي مريم السلولي، وكان أخبر الناس ببدء الأمر
____________________
(١) الأحزاب: ٥.
(٢) محاضرات الأدباء ١: ٣٥٠.
(٣) السيرة النبويّة، لابن هشام ٤: ٢٥٣.
(٤) المنذر بن الزبير بن العوّام، وأُمّه أسماء بنت أبي بكر ذات الحزامين، ابنُها عبد الله ابن مُتعة - نذكر تفصيله بعد -، كان صديقاً لزياد، ولعلّ الصداقة بعد أن شهد له زوراً بشأن المختار! وكان في وفد المدينة إلى ابن ميسون؛ ولـمّا رجع وفد المدينة كلّهم إلّا المنذر فإنّه قدم على ابن مرجانة بالبصرة فأكرمه وأحسن ضيافته، وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف درهم. تاريخ الطبري ٤: ٢٦٨.
وذلك أنّه جمع بين أبي سفيان وسميّة أم زياد في الجاهليّة على زنا، وكانت سميّة من ذوات الرايات بالطائف خارجاً عن الحضَر في محلّة يقال لها حارة البغايا.
وكان قد غلب على فارس واستوسق أمرها له. وكان معاوية يتهدّده، ثمّ أخذ بُسر ابن أرطاة عبيد الله وسالماً ولديه وكتب إليه يُقسم ليقتلنّهما إن لم يُراجع ويدخل في طاعة معاوية وكتب معاوية إلى بُسر ألّا يعرض لهما، وكتب إلى زياد أن يدخل في طاعته ويردّه إلى عمله، فقدم زياد على معاوية فصالحه على مال وحُليٍّ، ودعاه معاوية أن يستلحقه(١) ، فأبى زياد ذلك، وكان المغيرة بن شعبة قال لزياد قبل قدومه على معاوية: ارمِ بالغرض الأقصى، ودع عنك الفضول، فإنّ هذا الأمر لا يمدّ إليه يداً إلّا الحسن بن عليّ وقد بايع لمعاوية، فخذ لنفسك قبل التوطين، قال زياد: فأشر عليَّ؛ قال: أرى أن تنقل أصلك إلى أصله، وتصل حبلُك بحبله، وأن تَعيرَ الناس منك أُذناً صمّاء، فقال زياد: يا ابن شعبة، أأغرسُ عُوداً في غير منبته ولا مدرة فتُحْييه ولا عِرْق فيسقيه؟! ثمّ إنّ زياداً عزم على قبول الدعوى وأخذ برأي ابن شُعبة. وأرسلت إليه جُويرية بنت أبي سفيان عن أمر معاوية، فأتاها فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه، وقالت: أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم، ثمّ أخرجه معاوية إلى المسجد، وجمع الناس، فقام أبو مريم السلولي فقال: أشهد أنّ أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمّار بالجاهليّة فقال: ابغني بغياً، فأتيته وقلت له: لم أجد إلّا جارية الحارث بن كلدة سميّة، فقال: ائتني بها على ذفرها وقذرها، فقال له زياد: مهلاً يا أبا مريم، إنّما بُعثتَ شاهداً ولم تُبعثْ شاتماً، فقال أبو مريم: لو كنتم أعفيتُموني لكان أحبَّ إليَّ، وإنّما شهدتُ بما عاينتُ ورأيتُ؛ والله لقد أخذ بِكُمِّ درعها وأغلقتُ الباب عليهما وقعدتُ دهشاناً، فلم ألبث أن خرج
____________________
(١) في الأصل (يستحلفه)، ولعلّ ما أثبتناه هو الصواب.
عليّ يمسح جبينه، فقلت: مَه يا أبا سفيان، فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم، لولا استرخاء من ثديها وذَفَرٍ من فيها؛ فقال زياد: أيّها الناس هذا الشاهد قد ذكر ما سمعتم، ولستُ أدري حقُّ ذلك من باطله، وإنّما كان عُبيد ربيباً مبروراً، أو وليّاً مشكوراً، والشهود أعلم بما قالوا. فقام يونس بن عُبيد أخو صفيّة بنت عبيد بن أسد ابن علاج الثقفيّ - وكانت صفيّة مَولاة سميّة - فقال: يا معاوية، قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقضيت أنت أنّ الولد للعاهر وأنّ الحَجَر للفراش، مخالفةً لكتاب الله تعالى، وانصرافاً عن سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان، فقال معاوية: والله يا يونس لتنتهينّ أو لأطيرنّ بك طيرةً بطيئاً وُقوعُها، فقال يونس: هل إلّا إلى الله ثمّ أقع؟ قال: نعم! وأستغفر الله. فقال عبد الرحمن بن أُمّ الحكم في ذلك، ويقال: إنّه ليزيد بن مفرغ الحميري:
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
مغلغلةً عن الرجل اليماني |
|
أتغضب أن يقال: أبوك عفٌّ |
وترضى أن يقال: أبوك زاني؟! |
|
فأشهد أنّ رحِمَك من زياد |
كرحم الفيل من ولد الأتان |
وفي زياد وإخوته يقول خالد النجاري:
إنّ زياداً ونافعاً وأبا |
بَكْرَةَ عندي من أعجب العجبِ! |
|
إنّ رجالاً ثلاثة خُلقوا |
من رحم أُنثى مخالفي النسبِ |
|
ذا قرشي فيما يقول، وذا |
مَوْلىً، وهذا بزَعْمِهِ عربي(١) |
في رواية المسعودي أكثر من أمرٍ يوجب التأمّل: من ذلك أنّ مجتمعاً مثل أهل الشأم
____________________
(١) مروج الذهب ٣: ٦ - ٨.
غنيٌّ عن شهادة شهود، وكفى بقتالهم أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين ووليّ المؤمنين على لسان ربّ العالمين، أبي السبطين سيّدي شباب أهل الجنّة، وزوج الطاهرة سيّدة نساء العالمين. ثمّ غاراتهم بعد العهد والميثاق؛ يعترضون البريء والحاج فيقتلونه ويسلبونه؛ وغاراتهم على أهل الحرمين يُرجفون بهم حتّى ظنّوا أنّهم واقعٌ بهم؛ كلّ ذلك من غير سؤال لابن هند: لماذا نصنع هذا؟! فإذا كان أميرهم الناقص ابن مَيْسون، وجّه منهم سبعة عشر أو يزيدون لقتال ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحسينعليهالسلام ؛ فلمّا فرغ من قتل الحسين وأهل بيته وصَحْبه النُجباء، بعثهم للإيقاع بأهل المدينة وأباحها لهم ثلاثة أيّام! لهم ما يشاؤون من قتل وسلب وزنىً بالمحصنات والمخدّرات حتّى حبلت ألف بِكْر...؛ ومن حرم رسول الله إلى حرم الله حيث دكّوا الكعبة بالمجانيق وحرّقوها بالنيران؛ وأعادوا الكرّة أيّام عبد الملك فهدموا قبلة المسلمين! وحرّقوها وهم يرتجزون طرباً! فهم منهم أبرياء وربُّها منهم بريء!
شهادة ابن النابغة
ابنُ النابغة(١) ، أحد الأبناء، وهو وزير ابن هند ومستشيره في الـمُلمّات، وقد علّمه
____________________
(١) سُمّيت النابغة لنبوغها في الزنا، وكان لها راية تُؤتى، وولدت عمرو من مواقعة ستّة رجال. ولم يكن حَيِي فيما قيل فيه وفي أُمّه مُلاعبة الأسنّة؛ وكان أجرأ من ابن سميّة! فهو أعرف بحال أهل الشأم وقد وصفهم بالبقر البُكم! ولذا لـمّا سُئل عن أُمّه، أجاب إلّا أنّه قلّل من عدد الرجال! (سأل رجلٌ عمرو بن العاص عن أمّه، فقال: سلمى بنت حَرمَلة، تُلقَّب النابغة من بني عَنزَة، أصابتها رماحُ العرب، فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكِهُ بن المغيرة، ثمّ اشتراها منه عبد الله بن جُدْعان، ثمّ صارت إلى العاص بن وائل، فولدت له فأنجبت، فإن كان جُعِل لك شيء فخذه) (أسد الغابة ٤: ٢٤٤). ويوم صفّين خاطبه أمير المؤمنينعليهالسلام : (...، وهل تشبه إلّا أمّك التي وضعت بك؟!) وقعة صفّين: ٥٠٨.
والعاص بن الوائل، أحد زنادقة قريش، هو وأبو سفيان، وعُقبة بن أبي مُعَيط والوليد أبو خالد
المخزومي و... (المحبّر: ١٦١، والمنمّق: ٤٨٧). وهو من المستهزئين وفيه نزلت:( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ ) الجاثية: ٢٣. (نفس المصدر: ١٥٨ - ١٦٠؛ ٤٨٤ - ٤٨٧).
وقد قلنا: إنّ ابن النابغة عمرو يُنسب إلى ستّة أتوا أمّه في ليلة موحشة. ولعقيل بن أبي طالب مساجلة مع ابن هند، أدخل عليه فعوى ابن هند فسأله عن عسكره، وعسكر أميرالمؤمنين؛ فقال: (مررتُ بعسكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؛ فإذا ليلٌ كليل النبيّ ونهارٌ كنهار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إلّا أنّ رسول الله ليس فيهم. ومررتُ بعسكرك، فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفّر برسول الله ليلةَ العقبة. ثمّ قال: من هذا الذي عن يمينك يا معاوية؟ قال: هذا عمرو بن العاص. قال: هذا الذي اختصم فيه ستّةُ نفر فغلب عليه جَزّارُها، فمَن الآخر؟ قال: الضحّاك بن قيس الفِهْري. قال: أما والله، لقد كان أبوه جيّد الأخذ لعسب التّيس. (وفي شرح نهج البلاغة، للمعتزلي ١: ١٥٧ و ٢: ١٢٤: أنّ قيساً أبا الضحّاك كان يبيع عسب الفحول - أي ماؤه - في الجاهليّة. وفي أنساب الأشراف ٢: ٣٣٢: كان أبوه من خاصي القِرَدة، ما كان بمكّة أخصى لكلبٍ أو قردٍ من أبيه). فمن هذا الآخر؟ قال: أبو موسى الأشعري. قال: هذا ابن المرّاقة - مرّاقة: خارجيّة، أو مغنّية -، فلمّا هذا الآخر؟ قال: أبو موسى الأشعري. قال: هذا ابنُ الـمَرّاقة - مرّاقة: خارجيّة، أو مغنّية -، فلمّا رأى معاوية أنّه قد أغضب جُلَساءَه؛ قال: يا أبا يزيد، ما تقول فيّ؟ قال: دَع عنك. قال: لتقولنّ. قال: أتعرف حمامة؟! قال: ومَن حمامة؟ قال: أخبرتك. ومضى عقيل، فأرسل معاوية إلى النسّابة فقال: أخبرني من حمامة؟ قال: أعطني الأمان على نفسي وأهلي! فأعطاه؛ قال: هي جدّتك وكان بغيّةً في الجاهليّة لها راية تُؤتى. قال أبوبكر بن زبين: هي أمّ أم أبي سفيان (كتاب الغارات، للثقفي ٢: ٦٤ - ٦٥). وأضاف في شرح نهج البلاغة ٢: ١٢٥: فقال معاوية: قد ساويتكم وزدت عليكم فلا تغضبوا.
إنّ عقيل نسّابة معروف، وعالم بمساوئ الأفراد والقبائل، وهو لم يأتِ ابن هند من أمّه لمعرفته أنّ أمرها معلوم للجميع، فذهب إلى المجهول لهم: حَمامة جدّة ربيب معاوية. تاريخ نتن! عاهات ومخازي وهنيئاً لخوارج نَجْد وإعلامهم الكاذب الناصب!
أروى تنشر مخازي الأبناء!
عن أنس بن مالك قال: دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطّلب على معاوية بالموسم، وهي عجوز كبيرة، فلمّا رآها قال: مرحباً بكِ يا عمّة، كيف كنتِ بعدنا؟ قالت: كيف أنت؟! لقد كفرتَ يدَ النعمة وتَسمّيت بغير اسمك وأخذت غير حقّك...، ولقد كفرتم بما جاء به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ...، فلم تُبقِ له من ذارية. وكان آخرُ كلامها: وغايتُنا الجنّة، وغايتُكم النار!
قال ابن النابغة: أيّتها العجوز الضالّة، أقصري من قولك، وغُضّي من طَرفك! قالت: ومَن أنت لا أُمَّ لك؟! قال: عمرو بن العاص. قالت: يا ابن اللَّخناء النابغة [ اللَّخناء: الـمُنتنة الرائحة، والنابغة: الزانية ] أتكلّمني! إربَعْ على ظَلْعِك واعْنِ بشأن نفسك [ اربع: أقِم. والظَّلَع: العَرَج. مَثَل يُضرب لـمَن عيوبه كثيرة. وهو منشغل عنها بغيره ]، فو الله ما أنت من قريش في اللُّباب من
حَسَبها ولا كريم منصبها، ولقد ادّعاك ستّة من قريش وكلُّهم يزعم أنّه أبوك، ولقد رأيتُ أُمَّك أيّام مِنى بمكّة مع كلّ عبدٍ عاهر، فأْتَمَّ بهم فإنّك بهم أشبه. [ في العقد الفريد ]: ادّعاك خمسة كلُّهم يزعم أنّه أبوك، فسُئلت أمّك عنهم فقالت: كلُّهم أتاني، فانظروا أشبَهَهُم فألحِقوه به، فغلب عليك شَبَهُ العاص بن وائل فلحِقتَ به.
إذا قالت حَذَامِ فصدّقوها |
فإنّ القولَ ما قالت حَذامِ |
ولقد قالت النبّاغة فصدّقوها فألحقوك بالعاص.
ونبحها ابن الزرقاء مروان فقال: أيّتها العجوز الضالّة! سُلخ بصرك [ في نثر الدرّ: ساخَ ] مع ذهاب عقلك، فلا يجوز شهادتك. قالت: وأنت أيضاً يا ابن الزرقاء تتكلّم؟! فو الله لأنتَ إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبَه منك بالحَكم، وإنّك لشْبههِ في زُرقة عينَيك وحُمرة شعرك مع قِصَر قامتك وظاهر دَمامتك، ولقد رأيت الحَكَم مادَّ القامة، نثر الهامة، سَبْط الشَّعر، وما بينكما قرابة إلّا كقرابة الفَرَس الضامر من الأتان الـمُقرِب، فاسأل أُمَّك عمّا ذكرتُ لك فإنّها تُخبرك بشأن أبيك إن صَدَقتْ! ثمّ التفتت إلى معاوية، فقالت: والله ما عرّضني لهؤلاء غيرك، وإنّ أُمّك للقائلة في يوم أحد في قتل حمزة رحمة الله عليه:
نحن جَزَيناكم بيومِ بَدْرٍ |
والحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعْرِ |
|
ما كانَ مِن عُتْبةَ لي من صَبْرِ |
ولا أخي وعمِّه وبِكري |
|
شَفَيتُ نفسي وقَضَيتُ نَذري |
شَفَيتَ وَحشيُّ غليلَ صدري |
|
فشُكرُ وحشيٍّ عليَّ عُمري |
حتّى ترمَّ أعظُمي في قبري |
تكلّمنا سابقاً عن هذه الأسماء ومقتلهم يوم بدر، وما أعطت هند من وعدٍ لوَحْشيٍّ الحبشيّ إن قتل أحد ثلاثة: النبيُّ أو عليٌّ أو حمزة؛ فقتل حمزة يوم أُحد، فشفت هند صدر وحشي. قالت أروى: فأجبتُها:
يا بنتَ رَقّاعٍ عظيمِ الكفر |
خَزيتِ في بدرٍ وغير بَدْر |
(في السيرة النبويّة، لابن هشام: وَقّاع، بالواو: الكثير الوقوع في الدنايا، مع تقديم عجز البيت على صدره).
صبّحكِ اللهُ قُبيلَ الفجرِ |
بالهاشميّين الطُّوال الزُّهْرِ |
|
بكلِّ قَطّاعٍ حُسامٍ يَفْري |
حمزةُ لَيثي وعليٌّ صَقْري |
|
إذ رامَ شيْبٌ وأبوكِ غَدْري |
أعطيتِ وحشيَّ ضميرَ الصَّدْرِ |
|
هتَكَ وحشيُّ حجابَ السترِ |
ما لِلبغايا بعدَها من فَخْرِ |
(شيب: أرادت شَيْبة بن رَبيعة. وقولها: أعطيتِ وَحْشي... كناية عن فعل الدنيء. وما بعده توضيح ما تقدّم وتوكيده).
فقال معاوية لمروان وعَمرو: ويْلَكما! أنتم عرّضتماني لها وأسمعتماني ما أكره. ثمّ تودّد إليها وقضى حاجتها، في خبر يطول وفيه شعر لأروى ترثي به أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وتتوجّع عليه. (بلاغات النساء: ٤٠ - ٤١، نثر الدرّ ٤: ٣٦ - ٣٨، العقد الفريد ١: ٣٥٧ - ٣٥٨).
خبر غانمة
بلغ غانمة بنت غانم سبُّ معاوية وعمرو بني هاشم فخطبت أهل مكّة فأجادت وذكرت مفاخر بني هاشم وما قيل من شِعر في كلّ من ذكرته منهم فبدأت بعبد مناف، ثمّ هاشم وعبد المطّلب وأبو طالب والعبّاس بن عبد المطّلب وحمزة سيّد الشهداء وجعفر الطيّار وأبو الحسن عليّ والحسن ثمّ الحسينعليهمالسلام . ثمّ قالت: يا معشر قريش! والله ما معاوية بأميرالمؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانئ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنّي آتيةٌ معاوية وقائلة له بما يعرق منه جَبينُه ويكثر منه عَويلُه.
وكان من خبرها أن استقبلها ابنُ ميسون في حَشَمه فقالت له: مَن أنت كَلأك الله؟ قال: يزيد بن معاوية. قالت: لا رعاك الله! يا ناقص، فلستَ بزائد. فلمّا كان من الغد أتاها ابن هند فسلّم عليها، فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان! ثمّ قالت: مَن منكم ابنُ العاص؟ قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسُبّ قريشاً وبني هاشم وأنت أهلُ السبّ وفيك السبّ وإليك يعود السبُّ يا عمرو! إنّي والله عارفة بعيوبك وعيوب أُمّك، وإنّي أذكر لك ذلك عيباً عيباً؛ وُلِدتَ من أَمَةٍ سوداء مجنونة حمقاء تبولُ من قيام ويعلوها اللّئام، إذا لامَسَها الفَحْل كانت نُطفتُها أنفذَ من نُطفته، ركبها في يومٍ واحدٍ أربعون رجلاً!! وأمّا أنت، فقد رأيتُك غاوياً غير راشد ومفسداً غيرَ صالح، ولقد رأيت فَحْلَ زوجتك على فراشك فما غِرتَ ولا أنكرت! وأمّا أنت يا معاوية فما كنتَ في خيرٍ ولا رُبّيت في خير، فما لكَ ولبني هاشم؟ أنساءُ بني أميّة كنسائِهم أم أُعطي أميّة ما أعطي هاشم في الجاهليّة والإسلام؟ وكفى برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم. فقال معاوية: أيّتها الكبيرة أنا كافٌّ عن بني هاشم. قالت: فإنّي أكتب عليك عهداً، كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعا ربّه أن يستجيب لي خمس دعوات، فأجعلُ تلك الدعوات كلّها فيك؛ فخاف معاوية وحلَف لها أن لا يسبَّ بني هاشم أبداً. (المحاسن والمساوئ، للبيهقي: ٩١ - ٩٤).
غانمة بنتُ غانم؛ غَنَمَ أبوها وفَلَح إذا كانت ابنتُه غانمة حقّ نسّابة عالمةً بدقائق النساء والرجال؛ فهي معيار الفواضل لنساء ورجال الشجرتين: المباركة؛ والملعونة! مع لسان أبلغ من السيف القاطع، وقلب تنزوي له أفئدة أبناء البغايا وتنتكس إزاءَه رايات الزواني الساقطات...
فهي بعد أن انتصرت للشجرة المباركة بدءاً بعبدِ مَناف الذي يقول فيه الشاعر:
كانت قريش بيضةً فتفلّقتْ |
فالـمُخُّ خالصُها لعبد مَنافِ |
ثمّ مرّت بهاشم، فعبد المطّلب، فأبي طالب والعبّاس وحمزة وجعفر الطيّار، فعليّ والحسن والحسين، وفضائلهم.
وعلّم بُسْر بن أبي أرطاة كيف يَدرؤوا عن أنفسهم الموت المحتّم المعلَّق بسيفِ ذي الفقار، إذا أحرج كلّ واحد منهم للخروج يوم صفّين إلى فتى الإسلام عليُّ بن أبي طالبعليهماالسلام ، فلم يكن لأحدهم مَنجىً من الموت المعلَّق بذي الفقار إلّا ما فعله ابن النابغة من كشف عُورته السَوداء ورفْع رجليْه فكان أمير المؤمنين وهو القرآن الناطق يشيح وجهه الشريف ويُكرم سيفه الميمون، فهو ليس طالب نصر عسكريّ، إنّما يريد إحقاق الحقّ وأن يرى الإسلام شرعةً ونظاماً.
ومن قصيدة تُسمّى الجلجليّة بعثها إلى ابن هند جواباً له على كتابه إليه يطلب خراج مصر ويُعاتبه على امتناعه عنه:
ولَـمّا عصيتُ إمامَ الهُدى |
وفي جَيْشه كلُّ مُستفحلِ |
|
أَبِالْبَقَرِ البُكم أهل الشآم |
لأهلِ التُّقى والحِجَى أبتلي؟! |
|
فقلت: نعم، قم فإنّي أرى |
قتالَ المفضَّل بالأفضلِ |
|
فَبِي حاربوا سيّدَ الأوصياء |
بقَوْلي: دمٌ طُلَّ من نَعْثَلِ!(١) |
|
وكِدتُ لهم أن أقاموا الرِّماح |
عليها المصاحفُ في القَسْطَلِ |
|
وعلّمتُهم كشْفَ سَوْءاتهمْ |
لِرَدِّ الغَضَنْفَرَةِ الـمُقْبِلِ |
____________________
وما أن وصلت أرض الشأم حتّى تناولت ابن ميسون بما يستحقّ ثمّ حين دخلت مجلس الجبابرة صبّت شؤبوب سخطها على ابن النابغة وقرأت بعض سجلّ خزايات أُمّه التي غليها ينتمي، فإذا هي أَمَةٌ سوداء مجنونة ولذا يسهل تداولها، تبول واقفة كالحمار ورذّال الرجال وسفلتهم، غاية في الجنس! تفرغ قبل المواقع لها! وأيّ شيء هي؟! يركبها في يوم واحد أربعون حماراً ولو وُجد عدّتهم لـما تعبت! فلا دهشة أن يرى ابن النابغة إمرأته تحت رجل وعلى فراشه فله في أُمِّهِ مَثَلٌ يُحتذى.
(١) طُلّ الدم: هُدِر ولم يُثأر له، ونعثل اسمٌ لعثمان سمّته به عائشة.
ورقيتك المنبرَ الـمُشْمَخِرَّ |
بلا حدِّ سيفٍ ولا منصلِ |
|
ولو لم تكن أنتَ من أهله |
وربِّ المقام ولم تكملِ! |
وعن إقراره بالمنزلة العليّة لعليّعليهالسلام واعترافه بيوم الغدير - الذي أنكره الخارجيّ ابن تَيْمِيَه الحرّاني الدمشقي وشايعه على ذلك خارجة نَجْد الوهّابيّون - وأنّهما - ابن هند وابن النابغة - حطبُ جهنّم:
نصرناك من جهلنا يا ابنَ هند |
على النبأ الأعظم الأفضلِ!(١) |
|
وحيث رفعناك فوق الرؤوس |
نزلنا إلى أسفل الأسفلِ! |
|
وكم قد سمِعنا من المصطفى |
وصايا مخصّصةً في عليّ؟! |
|
وفي يوم (خُمٍّ) رقى منبراً |
يُبلِّغ، والرِّكبُ لم يَرحلِ(٢) |
____________________
(١) أخرج الحاكم الحسكاني الحنفيّ (من أعلام القرن الرابع الهجريّ)، من طُرُق عدّة بشأن قوله تعالى:( عَنِ النّبَإِ الْعَظِيمِ ) [ النبأ: ٧٨ ] أنّه عليّعليهالسلام . (شواهد التنزيل ٢: ٣١٧ - ٣١٨ / ١٠٧٢ - ١٠٧٥).
(٢) حديث يوم الغدير، وأخذ الولاية لأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، أشهر من أن يُتحدّث عنه وأغنى من أن يُتكلَّم فيه. وأحصينا ما بلغنا من رواته من الصحابة (٨٦) ومن مشاهير التابعين (٦٩). ولا يسعنا هنا إلّا ذكر بعض مصادره:
وقعة صفّين: ١٨٦، المعيار والموازنة: ٧١ و ٢٩١ و ٢٢٨، مسند أحمد ١: ١١٨ و ٤: ٣٧٠ و ٥: ٣٦٦، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٥ / ٩، التاريخ الكبير، للبخاري ٤: ١٩٣ / ٢٤٥٨، صحيح مسلم ٢: ٣٢٥ و ١٥: ١٧٩، المعارف، لابن قتيبة: ٢٩١، الإمامة والسياسة له: ٩٣، سنن ابن ماجة ١: ٢٨ وغيرها، سنن الترمذي ٢: ٢٩٨ و ٢٩٧٥، أنساب الأشراف ٢: ٣٥٥ و ٣٥٦ - ٣٥٧، تفسير الحبري: ٢٦٢، تفسير العيّاشي ١: ٣٣١ - ٣٣٤، خصائص أميرالمؤمنين، للنسائي: ٧ وغيرها، تفسير الطبري ٣: ٤٢٨، كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٧٣، كتاب الأغاني ٧: ٢٦٣ وغيرها، مشكل الآثار ٢: ٣٠٧، العقد الفريد ٢: ٣٧٥ و ٢: ٤٢، مروج الذهب ٢: ١١، المعجم الصغير ١: ٦٤ - ٦٥، المعجم الكبير ٣: ٣٠٥٢ كلاهما للطبراني، تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) ٤: ٩٢، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٠٩ ومواضع كثيرة منه، محاضرات الأدباء ٤: ٤٦٣، تاريخ بغداد ١٢: ٣٤٤ و ٥: ٤٧٤ و ٧: ٣٧٧ و ٨: ٢٩٠ و ١٤: ٢٣٦، الاستيعاب ٣: ٣٦،
وفي كفّهِ كفُّه مُعلناً |
يُنادي بأمرِ العزيز العلي: |
|
ألستُ منكم في النفوس |
بأولى؟ فقالوا: بلى فافعلِ |
|
فأَنْحَلهُ إمرةَ المؤمنين |
من الله مُستخلَف الـمَنْحَلِ |
|
وقال: فَمَن كنت مولىً له |
فهذا له اليوم نِعْمَ الولي |
|
فوالِ مُواليه يا ذا الجلا |
لِ وعادِ مُعادي أخِ الـمُرسَلِ |
|
ولا تَنْقُضوا العهدَ مِن عِتْرتي |
فقاطِعُهمْ بي لم يُوصَلِ |
____________________
حلية الأولياء ٤: ٢٣ و ٥: ٣٦٤ و ٩: ٦٤، أسباب النزول، للواحدي: ١٣٥، تفسير فرات: ٣٨، أمالي الطوسي: ٤٧، مناقب الإمام علي، لابن المغازلي الشافعيّ: ١٦ - ٢٧، شواهد التنزيل ١: ١٩٠، الأمالي الخميسيّة، للمرشد بالله ١: ٥ وغيرها، مصابيح السنّة ٢: ١٩٩، المناقب، للموفّق الخوارزميّ: ١٥٤ - ١٥٧، صفة الصفوة، لأبي الفرج ابن الجوزي ١: ١٢١، التفسير الكبير، للفخر الرازي ٣: ٦٣٦، معجم الأدباء، لياقوت الحموي ١٨: ٨٤، تذكرة الخواصّ: ٣٥ - ٤٠، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ٢٨٩ و ٢: ٢٧٣، سَعد السُعود: ٦٩ - ٧٣، كفاية الطالب: ٥٦ - ٦٢، الرياض النضرة ٢: ١٦١، ذخائر العقبى له: ٦٧، العُمدة في عيون صحاح الأخبار: ٥٣، مختصر تاريخ دمشق ١٧: ٣٥٢ - ٣٥٩، فرائد السمطين ١: ١٧١، تهذيب الكمال ٢٠: ٤٨٤، التلخيص، للذَهبي هامش المستدرك على الصحيحين ٣: ١٠٩ وموارد أخرى، ميزان الاعتدال ١: ١١٥ و ٢: ٣٠٣ و ٣: ٢٢٤، البداية والنهاية ٢: ٢٤٦ و ٣: ٣٤٠ و ٥: ٢٠٩ و ٧: ٣٤٧، تفسير النيسابوري ٦: ١٩٤، فضائل عليّ بن أبي طالب، لابن مَردويه: ٣٤٠ حديث ٥٧٣، مجمع الزوائد ٩: ١٠٣، أسنى المطالب: ٤٨ - ٥١، المناقب، لابن شهر آشوب ٣: ٢١، تهذيب التهذيب ١: ٣٩١ و ٧: ٣٣٧، الإصابة ٢: ٥٠٩، الصواعق المحرقة: ٢٥، الفصول المهمّة: ٢٥، مقتل الحسين، للخوارزمي: ٤٧، عمدة القاري، للعيني ٨: ٥٨٤، تاريخ الخلفاء، للسيوطي: ١١٤ وغيرها، الدرّ المنثور له ٢: ٢٥٩ وغيرها، مطالب السؤول: ١٦ وغيرها، كنز العمّال ١١: ٦٠٨ - ٦١٠، الخطط، للمقريزي ٢: ٢٢٢، كنوز الحقائق: ١٤٧، شرح المواهب اللّدنيّة ٧: ١٣، ينابيع المودّة: ٣٠ - ٣٤، نور الأبصار: ١٥٩، المناقب الثلاثة: ١٩ - ٢١، تاريخ الإسلام، للذهبي ٢: ١٩٥ ومواضع أخرى.
وأنت ترى أنّ المصادر التي ذكرناها لعلماء المصنّفات أساتذة أصحاب الصحيحين أو الصحاح، وأئمّة المذاهب الأربع وعلمائهم.
فَبَخْبَخَ شيخُك لـمّا رأى |
عُرَى عَقدِ حَيْدرَ لم تُحْلَلِ |
|
فقال: وليُّكُمُ فاحفظوه |
فَمَدْخَلُه فيكُم مَدْخَلي |
|
وإنّا وما كان من فعلنا |
لَفي النار في الدَّرك الأسفلِ |
|
وما دمُ عثمان منجٍ لنا |
من الله في الموقف الـمُخْجَلِ |
|
وإنّ عليًّا غداً خصمُنا |
ويعتزُّ باللهِ والمرسَلِ |
|
يُحاسبُنا عن أمورٍ جَرَتْ |
ونحن عن الحقّ في مَعْزِلِ |
|
فما عُذْرُنا يومَ كَشْفِ الغطا؟! |
لك الويلُ منه غداً، ثمّ لي!(١) |
إذا تقاطعت المصالح الشخصيّة؛ وهذا ما حصل بعد أن حطّت حرب صفّين أوزارها، وتنفّس الأبناء الصعداء بعد ما كادوا يهلكوا وخسرت الشأم أكثر من خمس وأربعين أكثرهم قُتل وهو يظنُّ أنّ سيّد المتّقين عليًّاعليهالسلام لا يُصلّي! ماطَلَ ابنُ هند وزيرَه ابن النابغة بشأن مصر، وكان وعده بها طُعمةً إن كان معه في حربه الظالمة لأمير المؤمنين عليٍّعليهالسلام ، وكان له شرِّ نصير! يعرف الحقّ فيقاتله، وكان ابن هند مفتقراً إلى رأي ابن النابغة الذي تعلّم من أمّه ما يدفع عنه فعلّمه ابنَ هند فسلم بعد أن كاد يهلك! وحفظ له كرسيّه بخُدعته المعروفة ورجع ابن هند إلى الشأم، فلمّا تنصّل من الوفاء بعث إليه بهذه القصيدة التي بدأها بإقرارِه بعصيانه لإمامِ الهدى الذي عسكره جيش المهتدين الأبطال، وإعترافه أنّ عليًّا سيّد الأوصياء وهو النبأ الأعظم الذي ذكره القرآن الكريم الذي خصّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بوصايا وفضائل - وابن تَيميَه في كتابه منهاج السنّة بأربع مجلّدات جعله وقفاً لإنكار فضائل عليّ وأهل البيتعليهمالسلام ؛ فإذا اضطرّ إلى الإقرار بواحدة منها صرف اللفظ إلى غير المعنى الذي وُضع له مع تقطيعه للنصّ وأكثر من
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٥٢٢.
ذلك وهو رافضيّ خارجيّ ناصبيّ! يأبى أن تكون تلك الفضيلة خاصّةً بهعليهالسلام ! - وقد أقرّ ببيعة الغدير وتنصيب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ أميراً للمؤمنين وأنّه وليُّ مَن النبيّ وليُّه ودُعاؤه بنصرة الله له ومعاداته لـِمَن عاداه؛ مع إقراره بحديث الثقلين وأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بريء مِمَّن عادى عترته... وأنّ ما كان منهم سيأخذ بهم إلى الدَّركِ الأسفل من النار إذ خصيمُهم عليٌّ ونصيرُه عليهم الله ورسوله فمَن نصيرهم على الله ورسوله ووليّه يوم كشفِ الغطا، البَقَر البُكْم أهل الشآم؟! على وصف ابن النابغة؛ وكفى به شاهداً فمثل هؤلاء وهم يعرفون أنّ أميرهم يُنسب إلى أربع! وإنّ التي وضعت به متزوّجه غير هؤلاء ثلاثة؛ وقد شفاها الحَبَشي واشتفى منها! ووزيره زادَ عليه فنُسب إلى ستّة؛ ولها الحظّ الأوفر إذ ضاجعت أربعين رذيلاً فأتعبتهم في يوم واحد ولا ندري في ليلٍ كان هذا أم في نهار! ولقد عرفوا من ابن مَيْسون ورضوه أميراً! ومن ابن الزرقاء وقد عرفتَ وعرفوا كذب نسبته إلى الحَكَم ورضوه أميراً لهم وخليفةً لابن هند، وابن ميسون ليبدأ عهد القِرَدة الذين أزعجت رؤية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيّاهم ينزون على مِنبره نزو القردة. وعرفوا مهنة أبي قائدهم بُسْر بن أبي أرطاة وهي خَصْي البُهَم وبيع ماء فحولها! ومن جُبْنِه أن يرمي نفسه أمام صَوْلةِ أبي الحسنعليهالسلام ، ويكشف سوءته فله في ابن هند وابن النابغة مثال يحتذيه، وقد ارتضاه أهل الشأم خليفة ابن ميسون لـمـّا جاءهم خبرُ هلاكه بعد تخريبهم الكعبة وحَرْقِها حتّى قضى عليه ابن الزرقاء مروان - يأتي تفصيله -.
وهل سمعتَ خبر حبّابة، وسلاّمة؟! فاجرتان مغنّيتان أولع بهما يزيد، ولهما صَوْلة في قصر الإمارة بدمشق، ولا عيبَ في مجتمع يرتضي حاكماً مثل ابن هند الذي تتلوّى على رأسه سياطُ جارية، ويموت من زنيةٍ بامرأة فارسيّة - ذكرنا ذلك -.
في مثل هذا المجتمع، كفى بابن هند أن يزعم أنّ ابن أبيه وسُميّة أخوه، فلا يحتاج
إلى شهود، ولو قال لهم: أنّه شقيقه وإنّما أرضعته سميّة، لقبلوا منه! أَوَلَم يقبلوا أنّ أميّة الروميّ هو ابن عبد شمس ويرتضوا عتق أميّة عبدَه ذَكوان ويتّخذه ولداً وينزل له عن زوجته فتزوّجها في حياته؟!
إنّما أراد ابن هند بذلك أموراً: أن يخرج عن المألوف في الاستلحاق بأن يستلحق الرذيل عبده ويتّخذه ولداً، أو يسكت على أفعال امرأته لأنّه مثلهافي الدناءة! فيقبل ابنها وينسبه إلى نفسه، أو يغلب المجتمع عليه فينسبه إليه؛ وماذا يصير زياد في ميزان صخر بعد أن صار معاوية فيه؟!
فأراد ابن هند للمجتمعات غير الشأميّة مسوّغاً لاستلحاق ابن سميّة مع الفارق: فأولئك الحقوا أبناء الآخرين لأصلابهم؛ وابن هند ألحق ابن سميّة لصُلب ربيبه أبي سفيان صَخْر بن حرب، فما زاده نُعمَةَ عينٍ ولا كرامة إذ نقله من دناءة إلى أخرى وشهّر به ولولا ذلك لـما خاض الناس في سيرتيهما أكثر!
الأمر الآخر من إقامة الشهود: ليقطع الطريق على ابن سميّة في النكوص عن قبول الدعوة المخالفة لحكم القرآن والسنّة والوجدان!
ملاحظة: ذكر ابن عساكر أنّ أبا سفيان قد طلّق هند(١) . ولم يذكر إيضاحاً لظروف وأسباب ذلك الطلاق ومتى كان؟!
ويبدو أنّ الاستلحاق كان بعد عرض ابن هند على ابن سميّة ذلك، فتأبّى عليه، وفي لحظة داخله فيها الشيطان؛ خارت عزائمه فقبل الدعوة!
ومن خلال الرواية، يبدو أنّ الـمُغيرة قد وطّأ الأمرَ لابن هند فوضع رجل ابن
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٧: ١٩١.
سميّة في غَرْز غيٍّ(١) ، إذ على أثر ذلك تنمّر ففعل ما عجز عنه سلَفُه الـمُغيرة بن شُعبة، فكان من نصيحة المغيرة له! أن ينقل أصله إلى أصل ابن هند، ولا أظنّ أنّ المغيرة سيجد حرَجاً لو سأله ابن سميّة: إلى أيّهم أنقل أصلي من الرجال إلى وحشيّ، أم الرجال الستّة، أم إلى الأزواج الثلاثة، أم إلى أبي سفيان؟! فجوابه حاضر وقد سبقه قبل السؤال بأن ينقل أصله إلى أصله وأن يُعيرَ الناس أُذناً صَمّاء! فهو ربيب عُبيد ومعاوية ربيب أبي سفيان!
مسألة أُخرى مهمّة في رواية (المسعودي): في رواية غيره أنّ ابن سميّة قال في عُبيد (أبٍ مبرور ووالٍ مشكور)، وفي رواية المسعودي: (رَبيبٌ مبرورٌ)؛ وفرق بيّن بين اللفظين؛ والثاني أقرب إلى الواقع!
فقوله (رَبيب) غيرُ والد، وأب؛ اللذان تعنيان انتساب الولد إلى رجلٍ أصالةً وأنّه من صلبه. وأمّا: ربيب، شخص يعني ويرعى آخر لكونه زوج أمّه أو قريباً له أو لسبب آخر؛ وعلى هذا فقد نفى زيادُ أبوّة عُبيد له، وفي نفس الوقت نفى أُبوّة أبي سفيان إذ أقرَّ بفضل ربيبه ووليّ نعمته عُبيد من غير أن يذكر أبا سفيان، مع تشكيكه بشهادة الشهود. فهو بعُبيد أولى.
وإذا رضينا تنزّلاً بمواقعة أبي سفيان لسُميّة وهي ذات زوج ولها راية يأخذ الحارث منها ضريبة كدحها في البغاء؛ فأمر زياد مشترك بين أبي سفيان وعُبيد وكلّ من أتاها؛ فكيف بك والدعوة كانت بعد الإسلام الذي يحكم بأنّ الولد للفراش وللعاهر
____________________
(١) في بيعة الناقص ابن ميسون: عن الحسن البصريّ: أنّ المغيرة بن شُعبة أشار على معاوية ببيعة ابنه ففعل، فقيل له: ما وراءَك؟ قال: وضعتُ رجل معاوية في غَرْزِ غيٍّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة، قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء أولادهم ولولا ذلك لكانت شورى. سير أعلام النُبلاء، للذهبيّ ٤: ٣٩.
الحجر؟! مع تمسّكنا بأنّ ابن هند ليس لأبي سفيان وقد علمتَ نفي أبي سفيان له، والرجال وهم كثيرون في حياة هند؛ فحتّى في حال الدعوة المرفوضة! فإنّ زياداً لا يكون لأبي سفيان وإنّما تختار له سميّة أباً من بين هؤلاء كما اختارت النابغة أباً لعمرو من بين مجموع رجال!
وقفة أخيرة:
أيّ بيت مهلهل بيتُ هند! إن لم يكن لكم دين ولا تخافون المعاد! فارجعوا إلى أحسابكم؛ ولكن أي حسب وأيُّ نسب؟! فلقد ذكر المسعودي في روايته: أنّ جُويرية بنت أبي سفيان أرسلت إلى زياد عن أمر معاوية، فأتاها فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه وقالت: أنتَ أخي أخبرني بذلك أبو مريم.
وجُويرية هذه أمّها هند بنت رَبيعة، فهي أخت معاوية ابن هند. ولو أمرها معاوية أبعد من ذلك لفعلت؛ أليس ابن سميّة أخاها من زنيةٍ بشهادة الخمّار الجامع بين الزناة والبغايا؟! وهل من اللزوم لها الكشف عن شعرها وهو عورةٌ لتثبتَ له أنّها أخته، فلو كان مصدّقاً لها لكفى بقولها من غير أن تجمع عدّة معاصي في آنٍ واحد: الخلوة بين أجنبيّين وكشف شعرها ودعوة باطلة؟!
وصدق عمر بن الخطّاب إذ يقول لابن هند: (لَئِن أطعتُك لتُدخلُني النار)(١) .
ولعلّ النسيان الذي ابتلي به ابن حَنْتَمة - حنتمة بنت المغيرة المخزوميّة، عمّة خالد بن الوليد - مضافاً إلى إعجابه بابن هند ووَلَعِه به، حملاه على إقراره على الشأم.
بسندٍ عن سعيد بن المسيّب قال: كان عمر بن الخطّاب قد اعتراه نسيان في الصلاة
____________________
(١) أنساب الأشراف ١٠: ٣٣٩.
فجعل رجل خلفه يُلقّنه الصلاة، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل(١) .
وكان يتحرّج في الأحكام لئلّا يُخطئ. عن سالم بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب كان يدخل يدَه في دَبْرَةِ البعير ويقول: إنّي لخائف أن أُسأل عمّا بك(٢) .
وعن ابن عون عن محمّد قال: قال عمر: ما بقي فيَّ شيء من أمر الجاهليّة إلّا أنّي لستُ أبالي أيَّ الناس نكحت وأيّهم أنكحت(٣) .
أهل الكوفة ودعوة ابن سُميّة
في الشأم؛ صار ابن سميّة: ابن أبي سفيان لا غُبار على ذلك! طاعتُه من طاعة ابن هند؛ وأمّا في العراق: أخرج الطبريّ بسنده عن أبي إسحاق - السَّبيعيّ - أنّ زياداً لـمّا قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمرٍ ما طلبته إلّا لكم، قالوا: ادعُنا إلى ما شئت، قال: تُلحقون نَسبي بمعاوية! قالوا: أمّا بشهادة الزور، فلا! فأتى البصرة فشهد له رجل(٤) .
إلى أيّ قدْرٍ هو سافل ابن سميّة؟! يستجدي النسب، ويقولها بملء فمه: (تُلحقون نسبي بمعاوية)، لم يكْفه أن ألحقه ابن هند بنسبه ووصل حَبْله بحبله وكشف له شَعرُ أخته، فأصفق أهل الشأم على أخوّته لابن هند؛ فهو في الشام أخو مَلِكهم، وفي العراق نائبه، فهلّا جزاه ذلك حتّى اصطدم بأناسٍ ذوي رأيٍ أَبَوا أن يَشهدوا زُوراً فيلحقوه بابن هند وفي البصرة لم يشهد له غير رجلٍ واحد لم يُسمّه الطبريّ!
____________________
(١) أنساب الأشراف ١٠: ٣٣٨.
(٢) نفس المصدر السابق: ٣٤١.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) تاريخ الطبري ٤: ١٦٣ - ١٦٤.
أفضل ما قيل في ابن سُميّة
المدائني: أنّ جماعة قال بعضُهم لبعض: أزياد أفضل أم عبيد الله؟ فقال شيخ منهم: إن لم يولّدْ لعُبيد الله ابنٌ مثلُه فزيادُ أفضل من عبيد الله(١) .
انظر فطنة هذا الشيخ وبلاغته! فهو لم يخفّف لام الفعل (يولد) وإنّما شدّدها كناية عن أنّ عبيد الله ليس لزياد ولذا اشتُهر في تسميته (ابن مَرْجانة) مثلما غلب على زياد: ابن أبيه وابن عُبيد وابن سميّة؛ ولم تشفع له حواضن ابن هند وابن ميسون، ومن قبل لم تشفع لزياد.
والأمر الآخر في كلام الشيخ هو السيرة الواحدة لابن سميّة وابن مرجانة، في غلظتهما وشدّتهما على خيار الأمّة من قتلٍ وتقطيع للأوصال وحمل الرؤوس على الرماح من بلدٍ إلى آخر.
البلاذريّ، حدّثنا عمرو الناقد عن موسى بن قيس عن سَلَمَة بن كُهَيْل قال: أوّل مَن وطئَ على صِماخ الإسلام زياد(٢) .
وقال: حدّثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزّاق عن مَعْمَر عن قَتادة قال: كان زياد سَيّئة من سيّئات معاوية، وكان سَمُرَة بن جُنْدَب سيّئة من سيّئات زياد(٣) .
قالوا: ومات زياد وعلى الكوفة من قِبَلهِ عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سَمُرة، فأقرّ معاوية سَمُرة على البصرة ستّة أشهر، ويقال ثمانية عشر شهراً، ثمّ عزله فقال سَمُرة: لعن الله معاوية! لو أطعتُ الله كما أطعت معاوية ما عذّبني أبداً(٤) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٠٨.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٤٩.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٤٨.
(٤) نفس المصدر السابق.
أمرُ ابن سُميّة بعد الدعوة
ثمّ إنّ ابن هند استعمل ابن سميّة على البصرة وخراسان وسجستان ثمّ جمع له الهند والبحرين وعمان، وقدم البصرة في آخر شهر الربيع الآخر سنة (٤٥ هـ) وكان ادّعاؤه سنة (٤٤ هـ)(١) .
تخوّف المغيرة من ابن سميّة
لـمـّا سار ابن سميّة إلى البصرة كان طريقه على الكوفة فنزلها فظنّ المغيرة أنّه قد عزل وأنّ ابن سميّة حلّ محلّه.
قال الطبري بسنده عن معبد بن خالد الجدليّ، قال: قدم علينا زياد الذي يقال له ابن أبي سفيان من عند معاوية فنزل دارَ سلمان بن ربيعة الباهلي ينتظر أمر معاوية فبلغ المغيرة بن شعبة وهو أمير على الكوفة أنّ زياداً ينتظر أن تجيء إمارته على الكوفة(٢) .
فدعا قَطَن بن عبد الله الحارثي فقال: هل فيك خيرٌ تكفيني الكوفة حتّى آتيك من عند أمير...؟ قال: ما أنا بصاحب ذا، فدعا عُيينة بن النهاس العجلي فعرض عليه فقبل، فخرج المغيرة إلى معاوية فلمّا قدم عليه سأله أن يعزله وأن يقطع له منازل بقرقيسيا بين ظهري قيس، فلمّا سمع بذلك معاوية خاف بائقته وقال: والله لترجعنّ إلى عملك يا أبا عبد الله، فأبى عليه، فلم يزده ذلك إلّا تُهمةً! فردّه إلى عمله فطرَقنا ليلاً وإنّي لَفوقَ القصر أحرسه فلمّا قرعَ الباب أنكرناهُ فلمّا خاف أن ندلي عليه حجراً تسمّى لنا فنزلت إليه فرحّبت به وسلّمت، فقال: اذهب إلى ابن سميّة فرحّله حتّى لا يصبح إلّا من وراء
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٦٤.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٦٤ - ١٦٥. وانظر دقّة تعبير الطبريّ وأهل الكوفة (زياد الذي يقال له ابن أبي سفيان).
الجِسر، فخرجنا فأتينا زياداً فأخرجناه حتّى طرحناه من وراء الجسر قبل أن يُصبح(١) .
قال: استعمل معاويةُ زياداً على البصرة وخراسان وسجستان ثمّ جمع له الهند والبحرين وعُمان، وقدِم البرة في آخر شهر الربيع الآخر أو غرّة جمادى الأولى سنة ٤٥(٢) .
فائدة: لقد تمّ الاستلحاق وصار زياد في الشأم: زياد بن أبي سفيان، وهو في العراقَيْن: الكوفة، والبصرة ابنُ أبيه وابن سميّة، ووجد منهم صدوداً خصوصاً في الكوفة فأوقع بهم لـمّا صار أمرهم إليه.
وفي تاريخ الطبري، فهو (زياد) لا يزيد على ذلك، إلّا في هذا الموضع، واللفظُ لغيره ومع ذلك لم ينسبه إلى أبي سفيان ربيب ابن هند معاوية؛ إنّما قال: زياد الذي يقال له ابن أبي سفيان فجاء بكلمة (يُقال) وهي تفيد التضعيف والتوهين! فهو زياد لا شكّ في ذلك، إلّا أنّ البعض قال عنه ابن أبي سفيان.
والأمر الآخر في الخبر: أنّ مجموعة ذِئاب! يعمل أحدُهم للآخر ويتوجّس أحدُهم من الآخر! فإنّ المغيرة هو الذي أقنع ابن سميّة في نقل نسبه إلى ربيب أبي سفيان معاوية وأن يوصل حبله بحبله ولا يلتفت إلى ما سيقوله الناس فيه وأن يعيرهم أُذناً صمّاء، فلمّا ورد ابن سميّة الكوفة وبلغ المغيرة إنّما جاء أميراً عليها وهو ينتظر أمرَ ابن هند، أَوْجَسَ المغيرة في نفسه خيفةً فمضى لوجهه إلى ابن هند مبادراً بطلب عزله وأن يقطعه منازل وإنّما أراد بذلك أن يستجلي الحقيقة؛ فإن كان ابن هند عزله فعلاً؛ فإنّه قد سبقه إلى ذلك؛ فيكون أطيبَ لخاطره وقطعاً لِلقالِة فيه، مع حصوله على منازل.
____________________
(١) تاريخ الطبريّ ٤: ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٦٥.
ولم يكن ابن هند وهو أحد جماعة يُعدّون دُهاةً: المغيرة بن شعبة، وابن النابغة عمرو، وابن سميّة زياد، وابن هند معاوية؛ أن يخفى عليه ما في ضمير ابن شعبة، فلمّا سمع كلامه خاف بائقته، أي غَدْره ومَكْرَه؛ وزاد تُهمتَه له أنّه لـمّا عزم عليه أن يرجع إلى عمله، أبى عليه؛ فردّه إلى عمله.
وكما ذكرنا: أنّ المغيرة هو الذي أقنع ابن سميّة بنقل نسبه إلى نسب ابن هند وأن يوصل حبله بحبله، فهو هنا عاد إلى تسميته: (ابن سميّة) تحقيراً له وتضعيفاً لئلّا يفكّر بالكوفة ولم يمهله أن يصبح فيها، فحملوه وطرحوه خارجها مذؤوماً مدحوراً!
وكانت ولاية المغيرة بن شعبة في سنة إحدى وأربعين ووفاته في سنة خمسين، فمجموع ولايته تسع سنين.
دستور ابن هند للمُغيرة
حين أراد ابن هند المغيرة، أوصاه، فكان ممّا قال له: يا مغيرة: قد يجزئ عنك الحلم بغير تعليم، وقد أردت أن أوصيك بأشياء كثيرة، فتركت ذلك اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويشدّد سلطاني ويصلح رعيّتي، غير أنّي لا أدع إيصاءك بخصلةٍ: لا تَكَفْكَفَنَّ عن شَتْم عليّ وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعَيْبَ لأصحاب عليّ والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، والإطراء لشيعة عثمان والاستماع لهم.
فقال المغيرة: قد جَرَّبتُ وجُرِّبت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يُذمم لي رَفْع ولا وَضْع، وسَتَبلوا فتحمدَ أو تذم، فقال: نحمد إن شاء الله(١) .
موقفُ حُجْر من المغيرة
رجع المغيرة من عند ابن هند وقد ازداد غوايةً وضلالاً إلى ما هو عليه.
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٥٢.
وسمع حُجْرُ المغيرةَ يقول يوماً: لعن الله فلاناً - يعني عليًّا! - فإنّه خالف ما في كتابك، وترك سنّةَ نبيّك، وفرّق الكلمة وهراق الدماء وقتل ظالماً، أللّهم العنْ أشياعه وأتباعه ومحبّيه والمهتدين بهَدْيه والآخذين بأمره. فوثب حُجر رضي الله تعالى عنه، فنَعَر(١) نَعْرة سُمعت من كلّ جانب في المسجد، وسُمعت خارجاً منه فقال له: إنّك لا تدري بمن تولَعُ، وقد هَرِمْتَ أيّها الإنسان وحرمتَ الناس أرزاقهم، وأخّرت عنهم عطاءهم، وإنّما أراد بهذا القول تحريض الناس عليه. وقام مع حُجْر أكثر من ثلاثين كلّهم يقول مثل قوله ويسمعون المغيرة، فيقولون له: أُولِعْتَ بذمّ الصالحين وتقريض المجرمين(٢) ، فنزل المغيرة فدخل داره، فعاتبه أصحابه على احتمال حُجر وقالوا: إنّ معاوية غير محتملك على هذا، فقال: ويحكم إنّي قد قتلته بحلمي عنه، سيأتي بعدي من لا يحتمله فيقتله في أوّل وَهْلَةٍ، وقد قرب أجلي وضعف عملي ولا أحبّ أن أبتدئ أهلَ المصر بقتل خيارهم ووجوههم، فيَسعدوا وأشقى، ويَعِزُّ معاوية في الدنيا ويذلُّ المغيرة في الآخرة، ولكنّي قابل من محسنهم وعافٍ عن مسيئهم، وحامد حليمهم وواعظ سفيههم، حتّى يفرّق الموت بيني وبينهم(٣) .
وأنا بادئ مع المغيرة من امتناعه عن قتل حجر موكلاً ذلك إلى من يجيء بعده، لمعرفته برغبة ابن هند الشديدة بولاية ابن سميّة للكوفة. وهو متناقض مع نفسه! فهو أوّلاً يلعن خير البشر، وأشياعه فلمّا كان من حجر وأصحابه موقفهم الشجاع الرافع للمغيرة، فدخل داره وعاتبه أصحابه؛ كان من جملة معاذيره: أنّ أجله بات وشيكاً
____________________
(١) نعر: صاح وصوّت بخيشومه. القاموس.
(٢) تقريض: المدح والذم. القاموس.
(٣) أنساب الأشراف ٥: ٢٥٢ - ٢٥٣.
ولذا لا يريد أن يبدأ عمله بقتل وجوه وأشراف أهل الكوفة وخيارهم من شيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وأتباعه ومحبّيه والمهتدين بهديه. وهو قبل وهلة لعن سيّدهم وإمامهم، ولعنهم معه؛ فكيف صاروا وجوه البلد وخياره وشهد لهم بالجنّة والسعادة ولنفسه بالشقاء في جهنّم؛ إن هو أقدم على قتلهم، وليس في قتلهم إلّا تعزيز ملك ابن هند في هذه الدنيا الفانية، وذلّ ابن شعبة في الآخرة التي لا انتهاء لها!
وهذه الشهادة من المغيرة وهو أحد أركان الهيئة الاستشاريّة لابن هند الذي يخشى بائقته لدهائه! وهو الذي وضع رجل ابن هند في غَرْز غيٍّ إلى يوم القيامة بإشارته عليه في تولية ابن ميسون من بعده؛ وما بعد القيامة أمرّ وأدهى! وهو الذي غلب دهاؤه دهاء ابن سميّة فأوقع الرغبة في نفسه بأن يضمّ نسبه إلى نسبه من بعد شدّة تمنّع؛ ومن قبل قوله في ابن هند (أخبث الناس) وذكرنا قصّته. فشهادته في شيعة عليّعليهالسلام وأنّهم أهل الجنّة وخيار أهل الكوفة.
وقصيدة وزيره ابن النابغة بيان صريح لحالة الفريقين، فإنّ أهل الكوفة وشيعة عليٍّ هم الأتقياء ذوو العقول وإمامهم إمام هدى سيّد الأوصياء وهو وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة وأمير المؤمنين حقّاً...؛ وأمّا أهل الشأم فهم بَقَرٌ بُكْمٌ غارقون في الجهل يرون في كشف العورة من وسائل الحرب والدفاع عن النفس... وهو مثل المغيرة يعتقد جازماً أنّهم مع معاوية في أسفل درك من النار!
شهادةُ ابن هند في حقّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام
لم تكن الشهادة في فضائل عليّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم تجري على لسان الأذلاّء من حاشية ابن هند، إنّما شاءت حكمته أن ينطق بها ابن هند مُرغماً! حدّث الزبير بن بكّار في كتابه الموفّقيّات، قال:
دخل مِـحْقن بن أبي مـِحْقن الضّبيّ على معاوية فقال: جئتك من عند ألأم العرب وأَبْخَل العرب وأَعْيا العرب وأَجْبَن العرب!! قال: ومَن هو يا أخا بني تميم؟ قال: عليّ ابن أبي طالب! قال معاوية: إسمعوا يا أهلَ الشأم، ما يقول أخوكم العراقيّ! فابْتدَروه أيّهم ينزل عليه ويكرمه! فلمّا تصدّع الناس عنه قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه. فقال له: ويحك يا جاهل، كيف يكون ألأم العرب وأبوه أبو طالب، وجدّه عبد المطّلب، وامرأته فاطمة بنت رسول الله؟! وأنّى يكون أبخل العرب؟! فو الله لو كان له بيتان: بيتُ تِبْنٍ وبيتُ تِبْرٍ(١) لأَنفدَ تِبْرَه قبل تِبْنه. وأنّى يكون أجبن العرب؟! فوالله ما التقتْ فئتان قطُّ إلّا كان فارسَهم غير مُدافَع. وأنّى يكون أعيا العرب؟ فوالله ما سَنَّ البلاغةَ لقريش غيرُه. ولَـمَا قامت أمّ محقن عنه ألأم وأبخل وأجبن وأعيا لبَظَرِ أمّه، فوالله لولا ما تعلم لضربتُ الذي فيه عيناك، فإيّاك عليك لعنةُ الله، والعودةُ إلى مثل ذلك.
قال: والله، أنت أظلم منّي، أيّ شيء قاتلتَه وهذا محلّه؟!
قال: على خاتمي(٢) ، حتّى يجوز به أمري(٣) .
هذه شهاداتُ حقٍّ! بحقِّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام نطق بها أعداؤه وهم كارهون!
معاوية أكفر الناس وأخبثهم
إنّ إقرار ابن هند بفضائل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام لا يعني أنّه أناب فتاب! وإنّما هو على كفره ولا أدلّ على ذلك من سنّته الخبيثة التي هلك وهي ماضية إذ أمر أئمّة الجماعة بختم الصلاة بلعنِ أمير المؤمنينعليهالسلام ، ودامت هذه السنّة البغيضة حتّى رفعها عمر بن عبد العزيز.
____________________
(١) التِبر: الذهب غير المضروب.
(٢) إشارة إلى مهزلة التحكيم وتثبيت ابن النابغة له بتثبيت الخاتم في إصبعه!
(٣) كشف الغمّة ٢: ٤٧، كشف اليقين: ٤٧٥ - ٤٧٦.
روى الزبير بن بكّار: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: جاء أبي من عند معاوية ذات ليلةٍ فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً فانتظرته ساعةً، وظننت أنّه لأمر حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال: يا بنيّ، جئتُ من أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغتَ سنّاً، فلو أظهرتَ عدلاً وبسطتَ خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلتَ أرحامهم، فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقى لك ذِكْره وثوابه؟ فقال: هيهات، هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم - أبو بكر - فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك، حتّى هلك ذكره إلّا أن يقول قائل: أبوبكر. ثمّ ملك أخو عديّ - عمر -، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلّا أن يقول قائل: عمر.
وإنّ ابن أبي كبشة! ليُصاح به كلّ يوم خمس مرّات (أشهد أنّ محمّداً رسول الله) فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك؟! إلّا دفناً دفناً(١) .
فالمغيرة على ما هو عليه وما عرف من سيرته القذرة، فإنّه ينكر على ابن هند، ويقول عنه: أكفر وأخبث الناس لما سمعه منه يحطّ من قدر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وإنّه عازم على دفن اسمه الشريف وتشويه معالم رسالته وإحياء مآثر الجاهليّة وقطع نسله.
قصّة أبي كبشة
قال ابن حبيب: كانت قريش تنسب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أبي كبشة فيقولون: (قال ابن أبي كبشة) و (فعل ابن أبي كبشة). وذلك أنّ أكثر من أب من آباء أمّهات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ يكنّى
____________________
(١) الموفّقيّات: ٥٧٦ - ٥٧٧ / ٣٧٥.
أبا كبشة؛ فكان (وهب) بن عبد مَناف بن زُهرة، أبو آمنة، يكنّى أبا كبشة؛ و (وهب) جدُّه الأعلى لأُمّه (وجز) بن غالب بن عامر... يكنّى أبا كبشة. و (عمرو) بن زيد بن لبيد يكنى أبا كبشة وهو جدّ عبد المطّلب، أبو أمّه(١) .
والعرب تدعوا الأبناء لآبائهم الذين هم من صلبهم والقرآن أمر بدعوة الأبناء لآبائهم الذين ولدوهم؛ وليس في آباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (أبو كبشة) من (عبد الله) رضي الله عنه وحتّى معدّ بن عدنان. إلّا أنّ ابن هند أبى إلّا كفراً، فشقّ أن ينادى باسم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خمس مرّات في اليوم؛ فدعا بدعوة الجاهليّة فنسب النبيّ إلى آباء الأمّهات للسبب الذي أشرنا إليه؛ ولعُقْدتِه في نشأته! وليس في واحد ممّن كُنيتُه (أبو كبشة) مَن هو لصيق، إنّما صريح النسب حتّى جدّه الأعلى.
ورائعٌ جواب قيس بن سعد بن عُبادة - ذكرنا ترجمة سَعْد بن عُبادة - إلى ابن هند، وقد كتب إليه أن يصير إليه، وكان مع الإمام الحسنعليهالسلام فأبى، فكتب إليه ابن هند: يا يهوديّ ابن اليهوديّ إنّما أنت عبدٌ من عبيدنا؛ فكتب إليه: يا وَثَن ابن الوَثَن دخلتم في الإسلام كارهين وخرجتم منه طائعين(٢) .
تجارة ابن هند
لم يكن جواب قيس بن سعد بن عبادة، ردّ فعل، وإنّما نطق بحقيقة ابن هند، فما سبّ أحداً إلّا وردّ بنفس ردّ قيس حتّى بات وكأنّه لا يعرف إلّا (وثن ابن وثن دخلتم في الإسلام كارهين وخرجتم منه طائعين). ويكفي دليلاً على ذلك ما نقله عنه أقرب الناس ممّن يثق به وهو المغيرة بن شعبة من قوله في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١) المحبّر: ١٢٩.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٤٠.
وإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد حطّم آلهة ابن هند يوم الفتح؛ فإنّ ابن هند ثأر لها فكانت تجارته بيع الأصنام!
جرير بن الأعمش عن أبي وائل قال: كنت مع مسروق بالسِلسِلة فمرّت به سفائن فيها أصنام من صُفْرٍ - أي نحاس - تماثيل الرجال، فسألهم عنها فقالوا: بعث بها معاويةُ إلى أرض السند والهند تُباع له، فقال مسروق: لو أعلمُ أنّهم يقتلونني لغرّقتُها، ولكنّي أخافُ أن يعذِّبوني ثمّ يفتنوني؛ والله ما أدري أيّ الرجلين معاوية، أرجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتّع من الدنيا أم رجل زيّن له سوء عمله(١) .
ابن هند يمنع من الحديث
ومتابعة منه لطمس معالم الإسلام ومحو ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمد إلى إخفاء أحاديث رسول الله. عن محمّد بن سيرين قال: (كان معاوية قليل الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم )(٢) .
قال رجاء بن حَيْوَة: (كان معاوية ينهى عن الحديث يقول: لا تحدّثوا عن رسول الله. قال: وما سمعته يروي عن رسول الله إلّا يوماً واحداً)(٣) .
ولا ندري أيّ حديث رواه ابن هند! هل قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه: (لا أشبع الله بطنه)؟ أم قوله: (يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت على غير ملّتي) فلمّا طلع معاوية، قال: (هو هذا)؟ أم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)؟ أو (معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنّم)؟ أو: (لعن الله الحامل والمحمول والقائد والسائق)؟
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ١٣٧.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ٥٠.
(٣) نفس المصدر السابق، الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي ١: ٧.
قدوة ابن هند
لم يكن ابن هند فارداً في المنع من حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد سبقه إلى ذلك: أبو بكر، وعمر بن الخطّاب، وهما ربّا نعمته على ما مضى بيانه. فأمّا أبوبكر، فقد جمع أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في كتاب فبلغ عددها خمسمائة حديث، ثمّ دعا بنارٍ فأحرقها!(١)
وحَذْو النعْل بالنعْل والقذّة بالقذّة؛ فقد استنّ عمر بأبي بكر.
قال يحيى بن جعدة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتبَ السنّة، ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب في الأمصار: (من كان عنده منها شيءٌ فليمحه)(٢) .
قال القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس، إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبّها إلى الله أعدلها وأقومُها، فلا يُبقينّ أحد عنده كتاباً إلّا أتاني به، فأرى فيه رأيي. قال: فظنّوا أنّه يريد ينظر فيها ويُقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأَتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنار. ثمّ قال: أُمنية كأمُنية أهل الكتاب(٣) .
والتعليق على صنيع الرجلين يطول فيخرجنا عن المطلوب، ونكتفي بالقول: إنّ هذه الكتب مِلك أصحابها فلا يجوز تلفها. وهي عزيزة على نفوسهم ولو كانوا يعلمون أنّ مصيرها الحرق لـما أحضروها، ولابدّ أنّها كانت تحتوي على أصول السُنن، فهل يوافق علماء الإسلام - باستثناء الوهّابيّين! - على ذلك؟!
وقد صدق الله إذ يقول:( مَن يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) (٤) ، قال ابن حزم:
____________________
(١) تذكرة الحفّاظ، للذهبيّ ١: ٥، علوم الحديث، لصبحي الصالح: ٣٩.
(٢) نفس المصادر السابقة.
(٣) تقييد العلم، للخطيب البغدادي: ٥٢، وانظر طبقات ابن سعد ١: ١٤٠.
(٤) النساء: ٤.
صِدْقُ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : هي مثْل القرآن، ولا فرق في وجوب طاعة كلّ ذلك علينا. وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّ ذلك وحيٌ من عند الله تعالى. قال الله عزّ وجلّ:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى ) (١) .
فقول النبيّ في القرآن وفيه أصله، قُرب أو بُعد، فهمه مَن فهمه، وعَمِهَ عنه مَن عَمِه. وعقدَ الدارمي باباً ترجمه: باب أنّ السنّة قاضية على كتاب الله، نقل فيه عن ابن أبي كثير شيخ الأوزاعي قوله: السنّة قاضية على القرآن، وليس القرآنُ بقاضٍ على السنّة(٢) .
وعن حسّان بن عطيّة قال: كان جبريلعليهالسلام ينزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلّمه كما يعلّمه القرآن.
ونقل عن أحمد بن حنبل قوله: السنّة تفسّر الكتاب وتُبيّنه، والسُنّة عندنا آثار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والسنّة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن(٣) .
وقد جاء مَن قال لعِمْران بن الحُصين: ما هذه الأحاديث التي تحدّثونا وقد تركتم القرآن؟ لا تحدّثونا إلّا بالقرآن!
فقال عمران: أرأيت لو وُكِّلتَ إلى القرآن، أكنتَ تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ في اثنتين؟
أرأيت لو وُكّلت إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟ ثمّ قال: اتّبعوا حديثنا ما حدّثناكم، وخذوا عنّا، وإلاّ ضللتم(٤) .
____________________
(١) النجم: ٣ - ٤.
(٢) سنن الدارمي ١: ١١٧، باب ٤٩ حديث ٥٩٤.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) الكفاية في علوم الرواية، للخطيب البغدادي: ٤٨، والمستدرك على الصحيحين ١: ١٠٩.
وعن أيّوب السختياني، قال: إذا حدّث الرجل بالسنّة فقال: دعنا من هذا وحدّثنا بالقرآن؛ فاعلم أنّه ضالّ مضلّ(١) .
حديث الأريكة
ولقد حذّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من أصحاب الدعوة الخبيثة بالاكتفاء بالقرآن وترك الحديث والسنّة.
بسند عن المقدام بن معدي كرب الكندي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: يُوشك الرجل متّكئاً في أريكته، يحدِّث من حديثي فيقول: (بيننا وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه) ألا، وإنّ ما حرّمَ رسول الله مثل ما حرّمَ الله(٢) .
ويرد بألفاظ أخرى، ولفظ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (ألا إنّي أُوتيتُ الكتابَ، ومثله معه). (ألا إنّي قد أُوتيت القرآن ومثله). (ما قيل من قول حسَن فأنا قلتُه).
وأمّا قول صاحب الأريكة، فله ألفاظ أخرى منها: (دعونا من هذا، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعنا) و (دعونا من هذا وهاتوا القرآن) و (لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه).
وقد لاحظنا في قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ صاحب القول المعارض إنّما هو صاحب
____________________
(١) الكفاية: ٤٩.
(٢) مسند أحمد ٤: ١٣١، سنن أبي داود (كتاب السنّة) باب ٥ لزوم السنّة ٤: ٢٠٠ حديث ٤٦٠٤، سنن ابن ماجة ١: ٦ باب ٣ حديث ١٢، سنن الدارمي ١: ١١٧ حديث ٥٩٢، سنن البيهقي ٩: ٣٣١، دلائل النبوّة له ١: ٢٥ و ٦: ٥٤٩، المستدرك على الصحيحين ١: ٨ و ١٠٩. وأورده الخطيب في الكفاية: ٣٩ - ٤٠، والفقيه والمتفقّه ١: ٨٨، والترمذي في سننه، كتاب العلم ٢: ١١٠ - ١١١، صحيح ابن حبّان ١: ١٤٧، الاعتبار، للحازمي: ٧.
(أريكة) وهي سرير الحاكم. وقوله: (يُوشك) لفظٌ يستعمل لِلدَلالة على قُرب تحقّق العمل، فهو من أفعال المقاربة. وقد وجدنا (أبابكر) أقرب عهداً إلى زمان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ قعد على الأريكة، وتصدّى للحديث بعين ما أنبأ به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
روى الذهبي: أنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناسُ بعدَكم أشدُّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: (بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه)(١) . فكان هذا من أعظم دلائل النبوّة وأوضح أعلامها.
والـمُدهش أنّ الذهبيّ حاول أن يصرف حديث الأريكة عن فعل أبي بكر من منع الحديث. قال: إنّه لم يقل: (حسبُنا كتاب الله) كما تقوله الخوارج(٢) . لكن: إنّ الكلمة التي حذّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قائلها هي: (بيننا وبينكم كتاب الله) وقد قالها أبوبكر بعينها.
وأمّا كلمة (حسبنا كتاب الله) فإن لم يقلها أبوبكر، فقد قالها عمر، الذي كان أشدّ في منع الحديث وتدوينه، بدعوى أنّه لا يريد أن يُلبس القرآن بشيء(٣) . وعمّم ذلك على الناس في كتاب رسميّ، فكتب إلى الأمصار: (من كان عندَهُ منها شيءٌ، فليمحُه)(٤) .
وعوض حرقها ومحوها؛ هلاّ عمَدَ أبوبكر، وعمر، فجمعا وجوهَ الصحابة ممّن يُطمأنّ إليهم لطول الصُّحبة والحافظة والتقوى وعرضا عليهم تلك الأحاديث، فما صوّبوه وصحّحوه؛ أثبتوه؟!
____________________
(١) تذكرة الحفّاظ ١: ٢ - ٣.
(٢) تذكرة الحفّاظ ١: ٣.
(٣) تقييد العلم: ٤٩.
(٤) تقييد العلم: ٥٣، جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ القرطبيّ ١: ٨٧، كنز العمّال ١٠: ٢٩٢ حديث ٢٩٤٧٦.
فعمر، هو أوّلُ من قال: (حسبنا كتاب الله) وقد قالها جريئةً في وقت حرج، فقد طلب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه الذي توفّي فيه (قرطاساً ودواةً) وكان طلبُه جديّاً ومهمّاً، إذ علّق عليه أمراً مهمّاً وهو هداية الأمّة وصيانتها من الضلالة.
عن عبد الله بن عبّاس، قال: لـمّا احتضر النبيّ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال: (هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدَه). فقال عمر: إنّ النبيّ غَلَبَه الوجع، وعندكم القرآن فحسبُنا كتاب الله!
واختلف أهل البيت - أي الحضور وليس بالمعنى الخاص لأهل بيت العصمةعليهمالسلام - واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله كتاباً لن تضلّوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر! فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: (قوموا عنّي). فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(١) .
هذا الموقف فيه: تقديم بين يدي الله ورسوله، المنهي عنه في القرآن. وفيه تفويت على الأُمّة ما أراد لها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الخير، وفيه غِلظة! فقوله: (غلبه الوجع) أي أنّ النبيّ - حاشا له - في وضع من لا يملك قواه العقليّة فهو يقول ما لا يدري لـما به من الوجع. كما إنّ حالة اللّغو والاختلاف واللّغط، كلّ ذلك سوء أدب في حضرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورفع الأصوات فوق صوت النبيّ ممّا نهى عنه القرآن.
ولـِمَ اعترض عمر ومَن معه رسولَ الله في كتابة الكتاب؟ هل كان يدرك ما
____________________
(١) المصنّف، لعبد الرزّاق ٥: ٣٠٣ / ٩٨٢٠، مسند أحمد ١: ٢٢٢، صحيح البخاري ١: ٣٧ و ٥: ١٣٨ و ٨: ١٦١، صحيح مسلم ٣: ١٢٧٥ / ١٦٣٧ و ١٢٥٩ / ٢٢، مسند أبي يعلى ٤: ٢٩٨ / ٢٤٠٩، دلائل النبوة، للبيهقي ٧: ١٨١ و ١٨٣، تاريخ الطبري ٣: ١٩٣، الملل والنحل ١: ٢١، عمدة القاري ١: ٥٧٥، فتح الباري ١: ١٨٥.
سيكتبه النبيّ، فتدارك الأمر بالاعتراض الشديد؟ وقول النبيّ لهم: (قوموا عنّي) كان عن سخط منهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسخطه من سخط الله تعالى! وليتهم ترضّوه فلعلّ الله سبحانه يرض عنهم، وإنّما مضوا إلى السقيفة ليبدأوا تاريخاً ما زال أثره حتّى يومنا هذا.
ويرد لفظه بنحو آخر يساوقه في معناه. فعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: يومُ الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعُه فقال: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً) فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي أن يُتنازع - فقالوا: ما شأنه أَهْجَرَ؟! استفهموه! فذهبوا يُعيدون عليه، فقال: (دَعُوني، فما أنا فيه خيرٌ ممّا تدعونني إليه...)(١) .
وأَهْجَرَ: إذا قال القبيح(٢) .
أيليق بطليعة الصحابة وفي مقدّمتهم أعلمهم - كذا! - أن ينعتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمثل هذا الكلام، والحمد لله، لم يكن فيهم عليٌّ الذي لا ذكر له في السقيفة، ولو حضرها لحظةً لناله ما نالهم من طرد النبيّ لهم وبذا تظهر أعلميّة عليّ، فعليٌّ لم يقدّم بين يدي الله ورسوله إذ لم يعترض قول النبيّ ولم يُسْمعهُ قولاً قبيحاً.
وعن عمر بن الخطّاب قال: لـمّا مَرِض النبيّ قال: أدعوا لي بصحيفة ودواة أكتب كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فقال النّسوة من وراء السّتر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟! فقلت: إنّكنّ صواحباتُ يوسف: إذا مَرِض رسول الله عَصَرْتُنّ أعينَكنَّ، وإذا صحَّ ركبتُنّ عُنُقَه! فقال رسول الله: دَعُوهنّ، فإنّهنّ خيرٌ منكم(٣) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢: ٤٣٦، وتذكرة الخواصّ: ٦٥ وصرّح باسم القائل: عمر.
(٢) تهذيب الألفاظ، لابن السكّيت: ٢٦٤، والمفردات، للراغب: ٥١٥.
(٣) كنز العمّال ٥: ٦٤٤.
لقد كانت النسوة خيراً وأعلم من الرجال أصحاب اللَّغط ممّن اعترض النبيّ ورفع صوته فوق صوته، وقوله: (إنّكنّ صواحبات يوسف...) تنقيص لهنّ إذ وصفهنّ بالنسوة اللاّتي شُغِفنَ بجمال النبيّ يوسفعليهالسلام وأنهنّ أتباع لذّة! ماكرات! ومَن هنّ؟ إنّهنّ سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت النبيّ، وأمّهات المؤمنين، وحاضنة الرسول، والصحابيّات المبايعات. وعبارته (إنّهنّ خير منكم) خير بيان لرزيّة رجال يوم الخميس الذين لم يكن منهم مَن لم يغيّر ولم يبدّل أوّلهم عليّ. فكان النساء أعلم ممّن ذكرتَ بأحكام الله تعالى وكتابه الشريف!
وفي حوار بين عمر، وابن عبّاس، قال عمر: هل بقي في نَفْس عليٍّ شيءٌ من أمر الخلافة؟ فقال ابن عبّاس: نعم. قال عمر: ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يُصرِّح باسمه فمنعته من ذلك إشفاقاً وحيطةً على الإسلام!(١)
حَصْحَصَ الحقّ؛ فإنّ عمر قد منع من كتابة السنّة في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، على النحو الوقح! الذي ذكرناه. وهو لا يتوقّف أن يعلن عن سبب منعه من الكتابة، لعلمه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد أن ينصب عليًّا (يصرّح باسمه) معلّلاً ذلك بإشفاقه وحيطته على الإسلام! وكأنّه أعلم بالمصالح العامّة من الله تعالى لـمّا نصب عليًّاعليهالسلام وليّاً للمؤمنين وذلك قوله عزّ وجلّ:( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) .
عن حبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: نزلت في عليّ. مرّ به
____________________
(١) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٢: ٢١.
(٢) المائدة: ٥٥.
سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه؛ فنزلت الآية(١) .
فلا ولاية إلّا لله تعالى الذي فرّع من ولايته ولاية رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ هو المعصوم الطاهر المبلّغ لرسالته والذي لا يعقل أن يواصل مسيرته إلّا من سنخه عصمةً وكمالاً.
ولم يأت ناسخ لهذه الولاية لا في قرآنٍ ولا سنّة، وعلى عكس ذلك ترادفت الآيات والأحاديث بشأن عليّعليهالسلام ، فهو أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو منه بمنزلة هارون من موسى، وهارون عدا أنّه أخو موسى، فهو وصيّه؛ فإنّ عليًّا أخو رسول الله، بل نفسه
____________________
(١) وعن غير ابن عبّاس، ورد نزول الآية في أمير المؤمنين عليّعليهالسلام من طرق مختلفة؛ فهو يرد عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وبطرق عدّة من أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ؛ وعن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي ذرّ الغفاري، وأبي رافع، وعمّار بن ياسر...
المصادر: تفسير مقاتل بن سليمان (٨٠ - ١٥٠ هـ) ١: ٣٠٦ - ٣٠٧، تفسير الطبريّ، تفسير الزمخشري (الكشّاف) ١: ٤٢٢، تفسير الحبري: ٢٦١، تفسير ابن كثير ٢: ٧١، تفسير العيّاشي ١: ٢٧، أسباب النزول، للواحدي: ١٣٣ - ١٣٤، تفسير فرات: ٣٦، تفسير القرطبيّ ٩: ٣٣٦، التفسير الكبير، للفخر الرازي ٣: ٤٣١، معالم التنزيل، للفرّاء الشافعي ٢: ٥٥، تفسير النسفي بهامش الخازن ١: ٤٩٦، تفسير الخازن: ٤٩٦، تفسير الكلبي (التسهيل لعلوم التنزيل) ١: ١٨١، تفسير النيسابوري (غرائب القرآن) ٣: ١٩٣، تفسير البيضاوي١: ٣٤٥، الفصول المهمّة، لابن الصبّاغ، الدرّ المكنون، للسيوطي٢: ١٩٣، معرفة علوم الحديث، للحاكم: ١٠٢، أنساب الاشراف٢: ١٥٠ تهذيب الكمال للمِزّي ١: ١٨-٢١ و٢: ٤٨٤، تذكرة الخواص: ٢٤، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ٢٧٥، دُرَر السمطين: ٢٨٦، فرائد السمطين ١: ١٨٩٠، الأمالي الخميسيّة ١: ١٣٨، لُباب النُّفول من أحاديث الرسول: ٩١، مجمع الزوائد ٧: ١٧، غاية المرام ٩: ١٨، البداية والنهاية ٧: ٣٥٧، المناقب، للخوارزميّ: ٣١١، فتح القدير ٢: ٥٠، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي الشافعي: ٣١٢، جامع الأصول لأحاديث الرسول، لابن الأثير ٩: ٤٧٨، كفاية الطالب، لابن الكنجي الشافعي، ذخائر العُقبى، غاية المرام: ١٨٠٩، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ٨، ذخائر العقبى: ١٠٢، ينابيع المودّة: ٢١٢، نور الأبصار: ٧٧.
والمصادر أكثر من هذا، وهي لرجال امتدّ بهم العمرُ بين القرن الأوّل والثاني الهجريين، وهم حنفي وشافعيّ ومالكي وبعض الحنابلة والسلفيّة.
بنصّ القرآن، في آية المباهلة(١) .
ووصيُّه ووليُّ كلّ مؤمن ومؤمنة، بأمر الله تعالى، وتنصيب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يومَ الغدير، وقد ذكرنا مصادر الحديث.
في طريق البحث
قد يقال: هلاّ مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لإنجاز ما أراد بعد طرده المخالفين في طريق إنجاز ما همّ به، فكتب الكتاب؟
والجواب: لو نفّذ طَلَبهُ وكتب الكتاب، لم يكن لعملِه بعدَ ذلك الأسلوب الـمُستهجَن من ذوي الخلاف أثر يُذكر، ولم يكن لعمله وقعٌ عند الناس، خصوصاً الرجال منهم! فأمسك عن طلبه وعن أداء ذلك الواجب، حفاظاً على واجب أهمّ، وهو أصل الإسلام من أن يصاب بشيء على أيدي المخالفين لكتابة ذلك الكتاب.
ولـمّا كان (البخاري) قد ذكر مخالفة (عمر) لأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بطلب القرطاس والدواة وكان أمره جديّاً تتعلّق بهداية الأُمّة وعصمتها من الضلال أبداً؛ وقد ذكره
____________________
(١) كتاب الولاية، لابن عُقدة: ١٧٧، تفسير مقاتل بن سليمان ١: ٢٨٢، تفسير الحبري: ٢٤٨، تفسير الطبريّ ٣: ٢١٢، تفسير الثعلبي ٣: ٨٥، أسباب النزول: ٦٨، تفسير ابن كثير ١: ٣٧١، شواهد التنزيل ١: ١٢٨، تفسير فرات: ٢٩، سعد السعود، لابن طاووس: ٩١ - ٩٢، مسند أحمد ١: ١٨٥، صحيح مسلم ٧: ١٢٠ - ١٢١، دلائل النبوّة، لأبي نعيم: ١٢٤، تذكرة الخواصّ: ١٧، مناقب عليّ، لابن مردويه: ٢٢٦ - ٢٢٨، كفاية الطالب: ١٤٢، الجامع الصحيح ٤: ٢٩٣ ت ٢٩٤، مصابيح السنّة النبويّة ٢: ٢٧٧، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠، الإصابة ٢: ٥١٩، الصواعق المحرقة: ٧٢، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: ٢٦٣، فتح القدير ١: ٣١٦، الدرّ المنثور ٢: ٣٨ - ٣٩، جامع الأصول، لابن الأثير ٩: ٤٦٩، المناقب، للخوارزميّ: ١٥٩ - ١٦٠، البداية والنهاية ٥: ٥٣، الرياض النضرة ٢: ٢٤٨، تيسير الوصول ٣: ٢٧٢، أسد الغابة ٤: ١٠٥، تاريخ الإسلام، للذهبي ٣: ٦٢٧.
البخاري في خمسة مواضع من كتابه الذي سمّاه (الصحيح الجامع)، ذكرنا منها ثلاثة مواضع وانظر (٤: ٨٥ و ٧: ١٥٦ منه)، وهو حجّة القوم بينهم وبين الله تعالى، فما وجد في القرآن الكريم فإليه المرجع وما لم يكن فيه فهو في البخاري ثمّ في (صحيح مسلم النيسابوري)، فإذا تفرّد به مسلم (الذي ينعتونه أنّه أصحّ وأكثر دقّة في تتبّع السند، من البخاري - انظر مقدّمة شرح النووي لصحيح مسلم وغيره)؛ فلا شأن له عند الخارجيّ الثالث (ابن تيميه) حتّى وإن ذكره الحكيم الترمذيّ فحسّنه أو صحّحه! وتابعه خارجة عصرنا. فهم يَرَوْنَ أنّه لم يظهر كتاب صحيح بعد القرآن إلّا (صحيح البخاري)! وقد وجدنا هذا الصحيح قد ذكر حديث (القرطاس والدواة) في خمسة مواضع؛ مع ذلك وجدنا أكثر المؤلّفين في (تدوين الحديث) يُهملون ذكره والاستدلال به!
فعلى كتاب (تقييد العلم) للخطيب البغدادي، قال الدكتور يوسف العشّ معلّقاً: ومن العجب أن يكون سَها [! ] عن بال الخطيب الاستشهاد بالكتاب الذي أراد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكتبه حين وفاته، وخبره في صحيح البخاري(١) .
ومَن جعل البخاري حكماً على غيره، فالصحيح ما حكم في صحّته؟!
ومع هذا فقد ذكره في خمسة مواضع كما ذكرنا؛ وذكره صاحب الصحيح الثاني الذي ذكرنا وصفه في دقّة الإسناد، وهو قريب عهد به، فإنّ البخاري توفّي سنة (٢٥٦ هـ) ومسلم توفّي سنة (٢٦١ هـ).
ومن مشاهير المحدّثين والمفسّرين وقد ذكره: عبد الرزّاق بن همّام الصنعاني المتوفّى سنة (٢١١ هـ) وأحمد بن حنبل، وفاته سنة (٢٤١ هـ) ولقبه لديهم: مُحيي السنَّة، وإمام أهل السُنّة؛ وعبد الرزّاق وأحمد متقدّمان على البخاري ومسلم، وكتب الجميع
____________________
(١) تقييد العلم: ٨٦، هامش ١٨٣.
مشحونة بالرواية عنهما وعن ابن أبي شيبة المتوفّى سنة (٢٥٣ هـ) وله المصنّف، ولأحمد (المسند).
وأمّا صرف الذهبي حديث الأريكة عن ما فعله أبوبكر في منع الحديث وقوله: إنّ أبابكر لم يقل (حسبنا كتاب الله) كما تقوله الخوارج. فمضى جوابه؛ فإنّه إن لم يقل ذلك، فقد قال عين الكلمة (بيننا وبينكم كتاب الله).
وأمّا (حسبنا كتاب الله) فقد قالها عمر - ذكرنا مصادره فيما سلف -.
كما نقل عنه قوله: (لا كتاب مع كتاب الله) ناهياً عن السُنّة(١) .
أمّا الخوارج، فله تُعْهد منهم هذه الكلمة ولا اتّخذوها شعاراً، وإنّما شعارهم: (لا حُكمَ إلّا لله) ولذلك يسمّون المحكّمة(٢) .
نعم، نُقل عن عائشة بنت أبي بكر، عندما ردّت بعض أحاديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قولها: (حسبُكم القرآن)(٣) .
ولقد تنبّه علماء قُدامى ومعاصرون إلى ما صمَتَ الذهبي عنه أو تغافل، فتنبّهوا إلى ما تحويه هذه الدعوة من خطر على الإسلام فأعربوا صراحةً عن خبثها وكفر دعاتها:
قال ابن حزم: لو أنّ امرءاً قال: (لا نأخذ إلّا ما وجدنا في القرآن) لكان كافراً بإجماع الأمّة، وقائل هذا كافر، مشرك، حلال الدم والمال!(٤)
ومن المعاصرين: الشيخ سليمان الندوي، قال: إنّ الذين أرادوا أن يفرّقوا بين القرآن والسنّة، فيقبلوا القرآن ويردّوا السنّة، قد ابتعدوا عن الصراط المستقيم. فإنّهم
____________________
(١) جامع بيان العلم ١٤: ٧٧، كنز العمّال ١٠: ٢٩٢ حديث ٢٤٧٥.
(٢) لاحظ مفاتيح العلوم، للخوارزمي: ١٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الجنائز ٢: ٧٧، النقد في علوم الحديث، لنور الدين عتر: ٢٤.
(٤) الأحكام في أصول الأحكام، لابن حزم ١: ٢٠٨، حجيّة السنّة: ٢٥٥.
يحاولون أن يفهموا من القرآن حسب ما يدركونه بعقولهم ويجعلوا استنباطهم من القرآن كلّ ما للإسلام من تعاليم صحيحة ويكتفوا بذلك دون غيره.
هيهات! فإنّهم مبتدعون، ضالّون(١) .
الدعوة الوهّابيّة
ذكر الشيخ زيني دَحْلان بشأن صاحب الفتنة الضالّة الوهّابيّة قال: إنّ الشيخ محمّد ابن عبد الوهّاب، كان يُضمر في نفسه دعوى النبوّة، وأنّه رفض الاحتجاج بالسنّة وتظاهر باتّباع القرآن(٢) .
والمؤسف أن يتسمّى أتباع هذه الدعوة بـ (أهل السنّة) وأن يُعنوَنوا هذه الدعوة الخبيثة، بالدعوة الإسلامية أو السلفيّة أو العمل الإسلاميّ وما أشبه من الأسماء الكريمة.
شيعة عمر في المنع
يكاد ينحصر عدد المانعين بعد أبي بكر وعمر في: أبي سعيد الخُدري، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري.
وفي مقابل هؤلاء فإنّ الصحابة يقولون بجواز التدوين وإباحته، وكثير منهم زاولَ عملَ التدوين والكتابة.
ولم يكن للمانعين دليل شرعيّ وهم عددٌ ضئيل. مع أنّ المبيحين مَن هو أكثر اتّصالاً بالنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مثل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وحتّى أنس خادمه، وعائشة زوجته.
____________________
(١) تدوين الحديث، مناظرات حسن گيلاني: ٤٥.
(٢) خلاصة الكلام، لدحلان: ٢٢٩.
ومسألة مهمّة: أنّ الصحابة - كما قلنا - أكثرهم من أباح التدوين وفعلها والأقل من ترك الكتابة؛ ولا يمكن تقديم الترك على الفعل، لأنّ دلالة الفعل نصٌّ، ودلالة الترك ظاهرٌ، لأنّه أعمٌّ من الحرمة، وتقديم النصّ على الظاهر أولى.
وانتهى الأمر بالقوم أن صار توحيد الله وتنزيهه وحمده: بدعة، وضالة، وفتنة!
عن سليم بن الأسود، قال: كنتُ أجالس أبانا في المسجد، فأتيتُهم ذات يوم، فإذا عندهم صحيفة يقرؤونها، فيها ذكرٌ، وحمدٌ، وثناء على الله، فأعجبتني فقلت لصاحبها: اعطنيها، فأنسخها.
قال: فإنّي وعدتُ بها رجلاً، فأعدّ صحفك، فإذا فرغ منها، دفعتُها إليك.
فأعدتُ صحفي، فدخلت المسجد ذات يومٍ، فإذا غلام يتخطّى الخلق، يقول: أجيبوا عبد الله بن مسعود في داره.
فانطلق الناس، فذهبتُ معهم، فإذا تلك الصحيفة بيده، وقال: ألا إنّ ما في هذه الصحيفة فتنة، وضلالة، وبدعة، وإنّما مَن كان قبلكم من أهل الكتاب، باتّباعهم الكتب وتركهم كتاب الله، وإنّي أُحرّج على رجلٍ يعلم منها شيئاً إلّا دلّني عليه، فو الذي نفس عبد الله بيده، لو أعلم منها صحيفة بدير هند لأتيتُها ولو مشياً على رجلي، فدعا بماء فغسل تلك الصحيفة(١) .
ورواه الدارمي، ومحتوى الكتاب في روايته: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر).
فقال عبد الله: إنّ ما في هذا الكتاب: بدعة، وفتنة، وضلالة، وإنّما أهلك مَن كان قبلكم هذا وأشباه هذا، إنّهم كتبوا، فاستلذّتها ألسنتُهم وأُشربتها قلوبهم(٢) .
____________________
(١) تقييد العلم: ٦٥.
(٢) السنن، للدارمي (ت ٢٥٥ هـ) ١: ١٠٢، حديث ٤٨٥.
إنّ من البشاعة في قول ابن مسعود بشأن الصحيفة المحتوية على تلك الأذكار: بدعة وفتنة وضلالة! ولماذا؟ وهي من الأذكار التي جاء بها الإسلام وليست مفرداتها إلّا كلمات وجملاً من القرآن، فلِمَ تكون باطلة وليس فيها إلّا توحيد الله تعالى وهو أصل الإسلام الأوّل حتّى أنّ الأصلين الآخرين: النبوّة، والمعاد؛ إنّما هما تبَعٌ له؛ وفيها تنزيهه تعالى عن مجانسة مخلوقاته؛ وحمده وخصّه بذلك إذ الحمد من ألفاظ الخصوص على عكس الشُكر فهو مشترك، تشكر الله على نعمته عليك وتشكر مَن أحسن إليك من البشر.
ثمّ إفراده سبحانه وتعالى بالعزّ والكبرياء، فلا شيء أكبر منه وهو أكبر من كلّ شيء.
ولذلك فإنّ هذه الكلمات يردّدها المسلمون الشيعة في الركعتين الأخيرتين من صلاتهم الرباعيّة، ويرونها مؤدّية إلى القرآن لا إلى تركه!
وأمر آخر: أليس اتّهام أهل خير القرون وسلف المسلمين بترك القرآن بسبب جمع الحديث، وتأليفه وتدوينه وتقييده، تجاسر عليهم وهتك لحُرماتِهم؟
إنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن من الكتب هو ما كان منافياً للقرآن، وأبرز مظهر لذلك في تلك العصور هو كتب الضلالة التي كان يتداولها أهل الكتاب. ويكون الملتزم بتلك الكتب غير معتقد بحقيّة القرآن وبطلان تلك الكتب.
ويكشف عن شكّه في القرآن، وهو (التهوّك) الذي أغضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وترد روايات في عمر في هذا الشأن؛ فهو أولى أن لا يؤخذ بقوله، فقد خرج على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وقدّم بين يدي الله ورسوله، وخرج عليه أشدّ الخروج في مرضه الذي توفّي فيه حتّى طرده رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويرد حديث (التهوّك) بعدّة ألفاظ، من ذلك:
روي عن عمر بن الخطّاب أنّه قال للنبيّ: إنّا نسمع أحاديث من يهود، تُعجبنا! أفترى أن نكتبَها؟
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أمُتهوّكُون أنتم، كما تَهَوَّكت اليهود والنصارى؟ لقد جِئْتُكم بها بيضاء نقيّة(١) .
وعن عبد الله بن ثابت الأنصاري قال: جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه (جوامع من التوراة) فقال: مررتُ على أخٍ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة؟ أفلا أعرضها عليك؟
فتغيّر وجه رسول الله فقال الأنصاري: أَمَسخَ الله عقْلَك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول الله؟ فقال عمر: رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد رسولاً! فذهب ما كان بوجه رسول الله فقال: والذي نفسي بيده، لو أنّ موسى أصبح فيكم ثمّ اتّبعتموه وتركتموني لَضَلَلْتُم؛ أنتم حظّي من الأمم وأنا حظّكم من النبيّين.
ونصفح عن ذكر نصوص الروايات الأخرى ونأخذ منها المشتركات:
ففي قول لعمر: كتاب انتسخته، لنزدادَ به علماً إلى علمنا!
ومن جواب رسول الله:... لقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة، فلا تتهوّكوا، ولا يقربنّكم المتهوّكون.
فقال عمر: رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبك رسولاً.
وفي رواية جابر بن عبد الله: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّ الله بعثني خاتماً، وأُعطيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يُلهنّكم المتهوِّكون. ولو كان موسى حيّاً ما وسعه إلّا اتّباعي.
____________________
(١) النهاية، لابن الأثير ٥: ٢٨٢، لسان العرب ١٢: ٤٠٠.
والمتهوّكون: المتحيّرون. والتهوّك: السقوط في هوّة الردى(١) .
وقال أبو عبيدة: أمتحيّرون في الإسلام حتّى تأخذوه من اليهود؟
وقيل معناه: أمتردّدون ساقطون؟(٢) (٣)
إنّ الضلال الذي ذكره النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالعمل بالتوراة فلأنّ المسلمين عندهم القرآن يغنيهم عن غيره من الكتب وهو مهيمن على الكتب جميعها، ولأنّ التوراة المتداولة بين اليهود محرّفة؛ وتبعة موسىعليهالسلام لنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لأنّ نبيّنا خاتم الأنبياء وسيّدهم ورسالته تحتوي رسائلهم وتزيد عليها بما ينبغي لهم اتّباعه.
والحاصل أنّ ترك القرآن - والمراد به عدم الاعتقاد به - إنّما يترتّب على الالتزام بكتب الأديان الأخرى التي جاء القرآن نافياً لها وكافياً عنها؛ وليس على كتابة شيء آخر ممّا لا يعارض القرآن ولا ينافيه.
وليس في حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيء من ذلك وقد صرّح القرآن بأنّ النبيّ( مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى ) (٤) .
وعن حسّان بن عطيّة، قال: كان جبريلعليهالسلام ينزل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن ويعلّمه كما يعلّمه القرآن(٥) .
____________________
(١) حجيّة السنّة: ٣١٧.
(٢) الصحاح، للجوهري (هول)، لسان العرب ١٢: ٤٠٠.
(٣) دخلت مصادر الأحاديث بعضها في بعض لاشتراكها ونذكر الأهمّ منها: المصنّف، لعبد الرزّاق ١٠: ٣١٣ / ١٩٢١٣ و ١١ / ١١١ / ٢ / ٢٠٠٦٢، الأسماء المبهمة، للخطيب (٨ - ١٨٩) رقم ٩٥، دلائل النبوّة، لأبي نعيم ١: ٥٠، سنن الدارمي ١: ١١٥، مسند أحمد ٣: ٣٨٧، مجمع الزوائد ١: ١٧٤.
(٤) النجم: ٣ - ٤.
(٥) المراسيل، لأبي داود السجستاني: ٢٤٩ حديث ٢.
وعن أحمد بن حنبل: السنّة تفسّر الكتاب وتبيّنه، والسنّة عندنا آثار رسول الله، والسنّة تفسير القرآن، وهي دلائل القرآن(١) .
وقال ابن حزم: لـمّا بينّا أنّ القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع - مضى قوله - نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ووجدناه فيه واصفاً لرسوله:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى ) .
فصحّ لنا بذلك أنّ الوحي ينقسم من الله عزّ وجلّ إلى رسوله على قسمين:
أحدهما: وَحْيٌ، متلوٌ، مؤَلَّفٌ تأليفا مُعجزَ النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحيٌ، مرويٌّ، منقولٌ، غير مؤلَّف، ولا معجز النظام ولا متلوّ، لكنّه مَقْروءٌ، هو الخبر الوارد من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو المبيّن عن الله عزّ وجلّ مراده(٢) .
ويطول الكلام في هذا الأمر، وإنّما جرّنا إليه المانعون عن نصف الوحي من غير دليل شرعيّ على تلك الممارسة وكان أشدّهم في ذلك المتهوِّك وواقعاً متهوِّكاً! إذ دخل الإسلام بعد أكثر من أربعين رجلاً وخمسة وثلاثين امرأة، وقدّم بين يدي الله ورسوله مرّاتٍ؛ وجاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بصحيفة أعجبته من أخٍ يهوديٍّ له! والخيرُ فيما وقع، فإنّ غضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـما كان من عمر ووصفه بالمتهوِّك وهو المتحيّر المتردّد الشاكّ في دينه! وزجره له بأن يكتب من أهل الكتاب عند ذلك أذعنَ عمرُ فأقرّ لله تعالى بالربوبيّة ولرسول الله بالنبوّة وبشريعة الإسلام.
ولكن: هل استقرّ على ما أبداه؟ ومن غير التفاصيل، فإنّ ليلة الرزيّة حاكمة لـمّا أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده، فما أجملَ القصد والطّلب
____________________
(١) حجيّة السنّة: ٣٣٢.
(٢) الأِحكام في أصول الأحكام، للغزالي ١: ٩٣.
وأقبح الردّ من لدن المتهوّك؟!
ففتنة وضلالة مع إقصاء عليّ بن أبي طالب، خيرٌ من هداية صاحب لوائها عليّ، وهذا ما صرّح به عمر، مرّ بنا قبل صفحات. وأن يكتب عن إخوته اليهود، خيرٌ ممّا يكتبه رسول الله! معرضاً عن أمر الله بطاعة الرسول وأنّها من طاعة الله وقرن بذلك طاعةُ عليٍّ كما في آية الولاية وقد ذكرنا شيئاً عنها. والمؤمن يحفظ العهد، وعمر حضر الغدير وسمع خطبة النبيّ إذ نصب عليًّا منصبه وجاء عمر إليه فصافحه وقال: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحتَ وليّي ووليّ كلّ مسلم ومسلمة! وليس له ولا لغيره نقض ما أمر به النبيّ والقرآن صرّح بذلك:( مَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) .
ومتابعةً للمصيبة (الرزيّة) إذ منع عمر وتابعه آخرون رسول الله من كتابة كتاب الهداية الدائم، فقد سلك أبوبكر، ثمّ عمر مسلك الخروج على الله رسوله ووليّه من خلال أمر أبي بكر لعمر بأن يذهب إلى أمير المؤمنين عليّ فيأخذه بأعنف العُنف، بعد أن اطمأنّ إلى وصيّة رسول الله لعليّ أن لا يسلّ سيفه، فمضى أبو حَفْصة مُصلتاً سيفه في مجموعة يحملون الحطب لحرق بيت أخ رسول الله وزوج ابنته الطاهرة...، فكان ما كان ممّا مضى شرحه. ومضا الرجلان في خروجهما على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بحرق أبي بكر خمسمائة حديث لرسول الله، وشايعه عمر في حرق ومحو ودفن سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وكان أشدّ في ذلك.
ولا ندري أين كان أبوبكر، وعمر؛ عن حديث الأريكة؟ ما هي المناسبة في غيبتهما
____________________
(١) الحشر: ٧.
كليهما يومئذ؛ أو لم ينقله إليهما من سمعه؟! فتورّعا أن يكونا المعنيين به، ومن ثمّ لا يُقْدِمان على صنيعهما؟!
خاتمة المطاف مع ذرائع المنع
لقد مارس عمر الكتابة في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنقل من كتب التوراة بما يزيده علماً - كما زعم - وبسبب غضب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من ذلك وتشكيكه بإسلام عمر (المتهوّك)، أعلن رضاه بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد نبيّاً.
فهو أوّل من مارس الكتابة، لا عن قرآن ولا سنّة، وإنّما عن يهود فلمّا أراد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يكتب منعه عمر أشدّ المنع واصطفّ معه بعض أهل خير القرون! ثمّ عاودته فكرة الكتابة، ثمّ بدا له أن لا يكتبها (السنّة) وكان غدره هنا هو مَفادُ حديث (التهوّك)، وتوبيخ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم له إذ أكبّ على التوراة تاركاً القرآن وسنّة نبيّه!
وبشأن خصوص فعله، فهو مصداق حديث (الأريكة).
وبه اقتدى ابن مسعود، وذكرنا قوله بشأن صحيفة الأذكار الأربعة.
وعلى نهجه مضى أبو موسى الأشعري وقوله مقارب لقول ابن مسعود، قال: (إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتّبعوه، وتركوا التوراة).
والأشعريّ والي عمر على الكوفة، وكان قعد عن بيعة عليّعليهالسلام ، فبايع هاشم بن عتبة المرقال أمير المؤمنين وقال: هذه يميني وشمالي لعليّ. وقال:
أُبايعُ غير مكتتِم عليًّا |
ولا أخشى أميري الأشعريّا |
ثمّ بايع أبو موسى فقال عمّار حين بلغته بيعته له: والله، لينكثنّ عهده ولينقضنّ عقده ولَيفِرنّ جهده وليسلمنّ جنده. فلمّا كان من طلحة والزبير ما كان قعد يُثبّط أهل
الكوفة عن أميرالمؤمنين. وكان يقول: الإمرة ما أُمر فيها، والـمُلك ما غُلب عليه. وكان يقول: هذه فتنة، حتّى أن وجّه عليٌّ عمّار بن ياسر، مع الحسن بن عليّ إلى الكوفة، وعزل أبا موسى(١) .
مهزلة التحكيم
ولـمّا كان أبو موسى الأشعريّ والياً لعمر بن الخطّاب على الكوفة، ويعرف هواه من عليّ، فهو على علم من سبب منع عمر له من الحديث لـما فيه من فضل وحقّ عليّ وأهل البيتعليهمالسلام . فلم يكن قعوده يُثبّط أهل الكوفة عنه منفصلاً عن ذلك.
ولذا، لا نصدّق مقولة غباء وسذاجة الأشعري إزاء دهاء ابن النابغة من خلال مهزلة خلع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بخلع خاتمه من إصبعه، وتثبيت ابن النابغة لابن هند من خلال تثبيت خاتمه في إصبعه!
المنع تدبير سياسيّ
اتّضح أنّ المنع من التدوين بدءاً بمنع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة كتاب الهداية، ليلةَ وفاته واجراءات أصحاب الأريكة في دثر السنّة مع تصريح عمر أنّه منع النبيّ من الكتابة لأنّه عرف أنّ الكتاب هو في ولاية عليّ؛ أنّه تدبير سياسيّ.
روى الخطيب بسنده عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: جاء علقمة بكتاب في أهل البيت، في أهل بيت النبيّ، فاستأذنّا على عبد الله بن مسعود فدخلنا عليه فدفعنا إليه الكتاب - وفي لفظ: الصحيفة -، قال: فدعا الجارية، ثمّ دعا بطست فيها ماء.
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ١٤.
فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن، انظر فيها، فإنّ فيها أحاديث حساناً. فجعل يُميثها فيها ويقول:( نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ) (١) .
القلوبُ أوعيةٌ، فاشغِلُوها بالقرآن، ولا تُشْغِلُوها ما سواه(٢) . فالصحيفة المعرّضة للإبادة فيها أحاديث حسان وموضوعها يرتبط بأهل البيتعليهمالسلام وهذا الذي أثار ابن مسعود، لأنّ الصحيفة في فضل أهل البيت، وتؤكّد على خلافتهم عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليكونوا خلفاءه، وتجعلهم قرناء للقرآن؛ فهما الخليفتان والثقلان وقال الدارمي - في شرح منع عمر عن الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم -: معناهُ عندي الحديث عن أيّام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس السنن والفرائض!(٣)
وروى الزبير بن بكّار (المتوفّى ٢٥٦ هـ) بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً، سنة (٨٢) وهو وليّ عهد، فمرّ بالمدينة، ودخل الناس عليه، وركب إلى مشاهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، التي صلّى فيها، وحيث أُصيب أصحابه بأُحُد، ومعه أبان بن عثمان... وآخرون فأَتَوْا به قُباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة أمّ إبراهيم، وأُحُد، وكلّ ذلك يسألهم؟ ويُخبرونه عمّا كان.
ثمّ أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومغازيه. فقال أبان: هي عندي، قد أخذتها مصحّحةً ممّن أثقُ به. فأمر بنسخها، وألقى فيها إلى عشرة من الكتّاب، فكتبوها في رقٍّ، فلمّا صارت إليه، نظر، فإذا فيها ذِكرُ الأنصار في العقبتين وذكر الأنصار في بَدْرٍ.
____________________
(١) يوسف: ٣.
(٢) تقييد العلم: ٥٤.
(٣) سنن الدارمي ١: ٧٣ حديث ٢٨٦.
فقال: ما كنت لأرى لهؤلاء القوم هذا الفضلَ، فإمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وإمّا أن يكونوا ليس هكذا.
فقال أبان: لا يمنعنا أن نقول بالحقّ ما صنعوا، وهم على ما وصفنا في كتابنا هذا. قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لأمير... لعلّه يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخُرق، وقال: أسأل أمير... إذا رجعت، فإن يوافقه فما أيسر نسخه. فرجع سليمان فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان، فقال عبد الملك: وما حاجتُك أن تُقْدِم بكتابٍ ليس لنا فيه فضل؟ تُعرِّف أهل الشأم أموراً لا نريد أن يعرفوها! قال سليمان: فلذلك أمرتُ بتخريق ما كنتُ نسخته حتّى أستطلع رأي أمير... فصوّب رأيه(١) .
فإذا كانوا لا يتحمّلون ذكر فضل الأنصار الذين ضربوهم على الإسلام وقد ذكرنا انتصار أمير المؤمنين عليّ لهم من ابن النابغة، وضمّ نفسه الزكيّة إليهم؛ فكيف يتحمّلون ذكر فضل أهل البيت وسيّدهم أمير المؤمنين عليّعليهمالسلام ؟ !
وهذا خالد القسريّ، أحد ولاة الشجرة المعلونة، طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال الكاتب: فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة عليّ بن أبي طالب، أفأذكره؟
فقال خالد: لا، إلّا أن تراه في قعر جهنّم!!(٢)
كيف يكون هذا وقد ذكر عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (إنّ على الصراط لعقبةٌ لا يجوزها أحد إلّا بجواز من عليّ بن أبي طالب)(٣) .
____________________
(١) الموفّقيّات للزبير بن بكّار: ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) الأغاني ٢٢: ٢٥.
(٣) مناقب الإمام عليّ، لابن المغازليّ: ٢٤٢، حلية الأولياء ١: ٢٤١، ميزان الاعتدال ١: ٢٨، لسان الميزان ١: ٥١، ينابيع المودّة.
كلام أحمد بن حنبل في الحديث: قال القاضي ابن أبي يعلى (ت ٣٠٧) الحنفيّ: سمعت محمّد بن منصور يقول: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله! ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ عليًّا قال: (أنا قسيمُ النار)؟ فقال أحمد: وما تنكرون من ذا؟ أليس رَوَينا أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّ: (لا يُحبّك إلّا مؤمن ولا يُبغضك إلّا منافق)؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار؛ قال: فعليٌّ قسيم النار(١) .
فأيُّهم أولى بها صِليّاً؟ ومَن هو خالدٌ في قعر جهنّم، القسريُّ خالد، وغيرُه من مُبغضي عليّ؛ أم عليٌّ وهو قسيمُ النار ومحبّوه؟!
حديث الولاية برواية الإمام الحسينعليهالسلام
عن عبد الله بن الحسين الهاشميّ قال: جاء رجل إلى الحسين بن عليّ فقال: حدّثني
____________________
(١) طبقات الحنابلة، للقاضي أبي يعلى ١: ٣٢٠، كفاية الطالب: ٧٢.
وحديث: (حبُّ عليّ إيمان وبُغضه نفاق) يرد من أكثر من طريق وبألفاظ عدّة وفي أكثر من مناسبة؛ فنذكر مصادره فقط: مسند الحميدي ١: ٣١ ح ٥٨، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٥ / ٦٤، مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٤، كتاب الفضائل له: ١٤٣ / ٢٠٨، صحيح الترمذي ٢: ٣٠١، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٩، كتاب الولاية، لابن عقدة: ١٧٤، المحاسن والمساوئ، للبيهقي ١: ٢٩٠، تفسير الحبري: ٣٥٠، سنن ابن ماجة - المقدّمة: ١١٤، تذكرة الخواصّ: ١٥، تاريخ بغداد ٢: ٢٥٥، سنن النسائي - في الإيمان - ٨: ١١٧، معجم الصحابة، للبغوي الشافعي: ٤٢٠، شرح السنّة له ١٤: ١١٤ / ٣٩٠٩، الشفا، للقاضي عياض: ٣١، تفسير فرات: ١١٥، مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ٢: ٣٤٢ / ٩٧٥ و ٩٩٠ و ٩٩١، صحيح مسلم ١: ٨٦ ح ١٣١ - كتاب الإيمان، مسند أبي يعلى ١: ٢٥١ / ٢٩١، معرفة علوم الحديث، للحاكم: ١٨٠، أنساب الأشراف ١: ٣٥٠، المعجم الأوسط، للطبراني ٥: ٨٩ / ٤١٦٣، كفاية الطالب: ٦٩، مناقب الإمام عليّ، لابن المغازلي: ١٣٧، بشارة المصطفى، للطبريّ: ٦٤ و ٧٦، مجمع الزوائد ٩: ١٣٣، الإرشاد، للمفيد: ٣٩، أمالي الطوسيّ ح ٣ من المجلس ٢٨، الصواعق المحرقة: ٧٥، تاريخ الإسلام، للذهبي ٣: ٦٣٤، الاستيعاب ٣: ٤٦ - ٤٧، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ١٥، فضائل عليّ، لابن مردويه: ١١٥ ح ١٣٨، كشف الأستار، للبزّار ٣: ١٩٩.
في عليّ بن أبي طالب. فقال: وما عسيت أن أحدّثك في عليّ وهو أبي؟! قال: بلى فحدّثني، قال:
إنّ الله تبارك وتعالى أدّب نبيّه الآداب كلّها، فلمّا استحكم النبيّ الأدب، فوّض الله الأمر إليه فقال:( مَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) . إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أدّب عليًّا بتلك الآداب التي أدّبه بها، فلمّا استحكم الآداب كلّها فوّض الأمر إليه فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه(١) .
فوجبت على كلّ مسلم سمعها، ولقد وعاها القوم كما وعيناها، حفظها من حفظها، وحقّ علينا أن نوالي من والاه ونعادي عدوّه لأمر الله وأمر رسوله.
وعن إبراهيم بن رجاء الشيباني قال: قيل لجعفر بن محمّد: ما أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله لعليّ يوم الغدير: (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه أللّهم وال من والاه وعادِ من عاداه)، فاستوى جعفر بن محمّد قاعداً ثمّ قال: (سئل والله عنها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: الله مَولاي وأولى بي من نفسي، لا أمر لي معه؛ وأنا وليّ المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي، ومن كنتُ أولى به من نفسه، لا أمر له معي، فعليّ بن أبي طالب مولاه، أولى به من نفسه، لا أمر له معه)(٢) .
ما هذا النسيج الواحد، بدءاً بحسد عليّعليهالسلام إذ انتجاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالوا: انتجى ابن عمّه من دوننا! فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم: (ما أنا انتجيته ولكنّ الله انتجاه) وتزويجه بضعته الطاهرة فاطمة بعد أن ردّ أصحاب الأريكة، وتأميره عليهم بآية الولاية والغدير
____________________
(١) مناقب أميرالمؤمنين، للكوفي ٢: ٢٨٥ / ٩٢٢.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٢٣ / ٨٦٣. (وهذا معنى التفويض في الحديث السابق، وهو نفسه في آية الولاية والتصدّق بالخاتم).
واتّخاذه أخاً من بين الجميع، وإعلانه أنّه منه بمنزلة هارون من موسى، وجعله نفسه وأبناءه أبناءه وزوجته نساءه وذلك يوم المباهلة ولو كان هناك مَن هو أكرم منهم عند الله تعالى لخرج يُباهل بهم؛ فكانوا معجزته غلب بهم النصارى؛ وهم الثقل الثاني بعد القرآن، ولم يطهر بيت غير بيتهم، وهم الأَجْرُ في تبليغ الرسالة وهم وهم...؛ فكيف لا يعترض المعترضون عليهم منزلتهم! فيمنعوا من كتابة الكتاب ويواصلوا ذلك بحرق الكتب والمنع من الحديث؟! فإذا تولّى ابن هند ونظائره، ساروا على السكّة ذاتها وأوغلوا في دماء أهل البيت الطاهر وشيعتهم، فكان حُجر بن عديّ وصحبه من مفردات تلك السيرة.
والدلائل قائمة على أنّ السبب الحقيقيّ في إخفاء الحديث الشريف سبب سياسيّ القصد منه إخفاء فضائل أهل البيت ليسهل إقصاؤهم والتنكيل بهم، حتّى وصل الأمر أن يسنّ ابن هند سنّته في لعن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام بعد كلّ صلاة!
قال ابن قتيبة الدينوريّ: أهملوا من ذكره - أي الإمام عليّعليهالسلام - أو روى حديثاً في فضائله، حتّى تحامى كثير من المحدّثين أن يتحدّثوا بها، وعُنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص، ومعاوية، كأنّهم لا يُريدونهما بذلك، وإنّما يُريدونه(١) .
وأخرج ابن الجوزيّ، عن طريق عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي: ما تقول في عليّ ومعاوية؟
فأطرق، ثمّ قال: إعلم أنّ عليًّا كان كثير الأعداء، ففتّش أعداؤه له عَيْباً فلم يجدوا، فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطْروه، كيداً منهم لعليّ(٢) .
____________________
(١) الاختلاف في اللفظ، لابن قُتيبة (ت ٢٧٦ هـ): ٤٨.
(٢) فَتح الباري ٧: ٨٣، الصَواعقُ المحرقة: ٧٦.
وعلى نفس النهج والسيرة، سار ابن تَيْمِيَه، وشيعته الوهّابيّة: أطروا ابن هند وابن ميسون وابن النابغة وابن سميّة وابن مَرجانة وابن الـمُستفرمة بزبيب العجم (الحجّاج) والخوارج؛ وفضّلوا هؤلاء على أمير المؤمنين وأهل البيت! وقالوا: إنّ الرافضيّ لا يستطيع أن يُثبت إيمان عليّ فضلاً عن جهاده ما لم يثبتوا مثلَ هذا لمعاوية ويزيد والحجّاج....
سيرة المغيرة في الكوفة
ذكرنا من سيرة المغيرة بن شعبة ما يؤهّله أن يكون ظهيراً للمجرمين وعدوّاً للمؤمنين؛ فقد اشتُهر بشدّة الشَّبَق وبالخديعة والغدر والحسد. فكان من غدره ببني مالك لـما رأى من احتفاء ملك الروم بهم وتقريبه لهم وإتحافهم الهدايا، وازدرائه له واقصائه له. فلمّا رجعوا، غدر بهم وهم نيامٌ فذبحهم جميعاً - ذكرنا قصّته - ومكر بسيّده! ابن هند إذ أشار عليه بتوليته يزيد من بعده، وقال عقب ذلك: وضعتُ رجل معاوية في غَرْز غَيٍّ إلى يوم القيامة. ومكر بابنِ سُميّة وأقنعه أن يضمّ نسبه إلى نسب ابن هند.
وكان إذا ذكر قيل: الأعور الزنّاء لاشتهاره بكثرة الزنا، وذكرنا قصّة زناه التي رفعت إلى عمر بن الخطّاب، وظهر أنّ المرأة لم تكن مجهولة لعمر! وأفرغَ عمر وُسْعه وناضل أشدّ النِضال في تبرئة المغيرة الذي ما استطاع أن يمسك شهوته وهو في طريقه إلى عمر بسبب فعلته الشنيعة، فرأى امرأة فأعجبته فخطبها إلى أبيها فزوّجه منها.
وبذل عمر جهداً يعجز عنه الشجعان في ميدان القتال! فلقد تقدّم ثلاثة شهود، كلّما تقدّم واحد منهم؛ كان عمر يقول: أرى وجهَ رجلٍ أرجو أن لا يُخزي الله أحداً من
صحابة رسول الله على يديه! إيحاءً منه للشاهد والشهود الآخرين أنّ رغبته أن ينكصوا عن الشهادة لتبرئة ساحة المغيرة. فتقدّم الشاهد الأوّل فذكر أنّه رأى المغيرة متبطّناً المرأة عارِيْين...؛ إلّا أنّ عمر لم يثبت الشهادة إلّا بعد أن يسأله: إنْ رآه يدخله في المرأة ويخرجه منها كما يدخل الميل ويخرج من المِكْحَلة؟! فيجيبه: نعم؛ ويعيد عليه السؤال فيجيبه أن نعم؛ فيلتفت عمر إلى المغيرة ويقول له: ذهب رُبعُ دينك! ويتقدّم الشاهد الثاني فيبادره عمر بقوله الإيحائيّ السالف وبعد الوصف الدقيق لوضع المغيرة مع المرأة والشهود بالإيلاج والإخراج، قال: ذهب نصف دينك يا مغيرة. وهكذا الشاهد الثالث، حتّى جاء ابن سميّة زياد، فلمّا سمع كلام عمر، تلكّأ قليلاً ثمّ شهد برؤيته المغيرة متبطّناً المراة رافعةً رجليها و... وعمر يصرّ عليه إن كان شاهدَ كذا وكذا؟ عندها أنكر زياد إن كان شاهدَ ذلك؛ فكبّر عمر! وجلد الشهود؛ وجاءه أبوبَكْرة وهو أخو زياد لأُمّه، فقال له: اتّق الله يا زياد! فلقد رأيت ما رأينا؛ فأمر عمر بجلده! فقال له أمير المؤمنين عليّ: إذا جلدته؛ رجمتُ صاحبك، فتركه. وذلك أنّ عمر لو جلدَ أبا بَكْرة ثانيةً، لكان ذلك مقابل شهادتين؛ فيستحقّ المغيرة بذلك الرجم.
المغيرة عامل عمر
وكان عمر قد استعمل المغيرة على البحرين فكرهوه، فعزله، واستعمله على البصرة؛ فكان منه ما ذكرناه مع المرأة، فأرسل عمرُ أبا موسى الأشعريّ إلى البصرة، ومعه كتاب إلى المغيرة، وقد كان المغيرة أرسل إلى أبي موسى حين قدم عليه بجاريةٍ من مولَّدات الطائف يقال لها عَقِيلة، وقال: إنّي رضِيتُها لك فاتّخذها لنفسك(١) .
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ١٦٧.
ولاية المغيرة الكوفة
فلمّا رأى عمر أنّه انتصر لصاحبه المغيرة ووجد أن ليس من المصلحة أن يردّه إلى البصرة، ولا أن يضيّعه وقد جهد في الدفع عنه فنقله إلى الكوفة وصيّره والياً عليها.
(يروى عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: ما تقولون في توليه ضعيفٍ مسلم، أو قويّ فاجر؟ فقال له المغيرة: المسلم الضعيف إسلامه لك، وضعفه عليك وعلى رعيّتك وأمّا القويُّ الفاجر ففجوره عليه، وقوّته لك ولرعيّتك. فقال له عمر: فأنت هو، وأنا باعثك يا مغيرة)(١) .
هذا هو منطق صاحب الاريكة المتهوّك الذي حذّر منه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم! متى كان الفجّار خيراً من الأخيار؟! وكيف يطمأنّ إليهم ليتولّوا شؤون البلاد والعباد، وقد نهى القرآن الكريم، وليس الوحي الثاني وهو السنّة الشريفة المرفوضة من أصحاب الأريكة المتهوّكين! نهى عن قبول شهادة الفاسق؛ فكيف لو صار حاكماً؟! وهل خلت الأرض من المسلمين الأقوياء، حتّى يلجأ إلى الفجّار الأقوياء الذين يحفظون الأريكة والمجتمع؛ أم أنّ حفظ الأريكة لا يكون إلّا من خلال فاجر يعمل بدستور صاحب الأريكة فيرفض الحديث ويعاقب عليه؟!
وقول عمر للمغيرة: فأنت هو، أي فأنت الفاجر القويّ، وهذا يؤيّد شهادة الشهود بفجور المغيرة بالمرأة! فذهب المغيرة وعمل بدستور عمر في منع الحديث؛ ثمّ عمل لابن هند على الكوفة وقد ذكرنا دستور ابن هند للمغيرة في عمله الذي تعهّد الالتزام به وهو لعن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وأهل بيته والعيب لأصحاب عليّعليهالسلام ، والإقصاء لهم.
فعليٌّ وأهل البيت وشيعتهم، الأصل الذي بنى عليه مانعوا الحديث عملهم.
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ١٦٩.
بين المغيرة وصَعْصَعَة
قال المغيرة بن شعبة، والي الكوفة من قبل معاوية، لصعصعة بن صَوْحان: إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تظهر شيئاً من فضل عليّ، فأنا أعلم بذلك منك! ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذ بإظهار عيبه للناس، فنحن ندَعُ شيئاً كثيراً ممّا أمرنا به، ونذكر الشيء الذي لا نجدُ منه بُدّاً ندفعُ به هؤلاء القوم عن أنفسنا، فإن كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرّاً، وأمّا علانية في المسجد فغنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا(١) .
إنّ المغيرة عمل لعمر بن الخطّاب الذي كان له نصيراً شديداً فدفع عنه حدّ الرجم الذي كاد يوقعه فيه أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ففي قلبه شيء من عليّعليهالسلام لذلك ولانحراف المغيرة أخلاقيّاً، ولأنّ عمر قد منع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة الكتاب الذي اراد النبيّ أن يصرّح باسم عليّ للخلافة كما قال عمر؛ وثبته ابن هند في إمارة الكوفة مشروطا بما لا حاجة لابن شعبة من شرطه وهو الدوام على شتم عليّ وذمّه والعيب لاصحاب عليّ والإقصاء لهم؛ مع عُقْدته من عينه العوراء وافتضاحه بالزنا، فمجموع هذه العوامل جعلت من ابن شعبة يمنع من الحديث بفضائل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، مع إقراره بتلك الفضائل وأنّه أكثر معرفة بحقّها من صعصعة بن صوحان؛ فإنّ الحديث بها خطرٌ على السلطان، فهم مُلْزَمون بإخفاء فضائل أميرالمؤمنين، وبالحديث افتراءً لتقوية سلطان الظالمين!
تولية ابن سُمَيّة
ومن العام نفسه الذي استعمل ابن هند المغيرة على الكوفة فقد استعمل ابن سميّة
____________________
(١) الكامل في التاريخ ٣: ٤٣٠.
على البصرة وخراسان وسجستان ثمّ جمع إليه البحرين والهند وعمان، وقدم البصرة والفسق ظاهر فاش، فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها، فكان ممّا قال: أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفُجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرُها ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام - وخطبته طويلة كلّها تقريعٌ وتوبيخ وتهديد - من ذلك: (وإنّي أقسم بالله لآخذنّ الوليّ بالوليّ والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم، حتّى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انجَ سعدُ فقد هلك سعيد، وقد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الكوفة ويرجع إليّ... وكان يؤخّر العشاء حتّى يكون آخر مَن يصلّي ثمّ يصلّي، يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة ومثلها يرتّل القرآن ثمّ يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج ولا يرى إنساناً إلّا قتله....
وكان زياد أوّل مَن شدّ أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وألزم الناس الطاعة وتقدّم في العقوبة وجرّد السيف وأخذ بالظنّة وعاقب على الشُبهة وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً...(١) .
وروي أنّه رقى المنبر فقال: أيّها الناس أنّه بلغني ما لا صبر عليه، إنّي قد أجّلتكم في أن يبلغ شاهدكم غائبكم ثلاثاً، إنّا إن وجدنا أحداً بعد صلاة العَتَمة ضربنا عنقه، ثمّ نزل.
وجعلوا يتحدّثون بقوله فيهزأون، فلمّا مضى الأجل دعا عبّاد بن الحصين الحَبَطي، وكان ولاّه شُرَطه، فأمره فطاف فلم يجد أحداً بعد العَتَمة إلّا ضرب عنقه، فأصبح في الرحبة خمسمائة رأس! وفعل ذلك ليالي متواليةً، فجعل الناس إذا سلّم الإمام في العتمة نهض الرجل من خلفه مبادراً فربّما ترك نعلَيْه من العَجَلة(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٦٥ - ١٦٨.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٠٦.
وبرواية هشام الكلبي، قال: قدم أعرابيّ بغنم له ذات ليلة يريد، فلمّا استوحش من الجبّانة، دخل البيوت، فأخذه عَبّاد بن الحصين فقال: ويحك أما علمت بنداء الأمير؟ قال: لا والله، فرحمه عبّاد. فلمّا أصبح دفعه إلى زياد فسأله عن قصّته فأخبره، فقال: لا أراك إلّا صادقاً ولكن أكره أن أُكذّب نفسي في وعدي ووعيدي، اضربوا عنقه. فقُتل(١) .
أمامَنا كثير من أخبار ابن سميّة؛ ولكن لابدّ من وقفتين فيما ذكرنا من خبره، فنقول: هل من الإسلام والوجدان بثّ الرعب في قلوب الناس إن هم خرجوا من بيوتهم بعد العتمة، فإذا شاء أحدهم أن يصلّي جماعةً، فعليه أن يشغل قلبه بالنجاة والحفاظ على نعليه خوفاً من فوات الوقت الذي أقامه ابن سميّة للمجتمع.
ولعلّ قطع خمسمائة راس في ليلة واحدة لتجاوز أصحابها دستور ابن سميّة، إذ كانوا خارج بيوتهم بعد العتمة! هو ما حبّبه إلى قلب ابن تيميه! وجعله يفضّله على كثير من ثقات الشيعة! وقد فعل ذلك ليالي متوالية.
وما ذنب الأعرابيّ وقد لاذ بالبيوت فلا يرحمه ابن الحصين فيطلق سراحه؟ وما بالُ ابن سميّة يُصدّق الأعرابيّ ويقتله! لأنّه لا يريد أن يكذّب نفسه في وعده ووعيده، فهلّا كان صادقاً مع نفسه فأبى أن ينتسب إلى غير أبيه ويرفض دعوته ابن هند؟!
المدائني: أنّ جماعة قال بعضهم لبعض: أزياد أفضل أم عبيد الله؟ فقال شيخ منهم: إن لم يولد لعبيد الله ابنٌ مثله فزياد أفضل من عبيد الله(٢) .
ضمّ الكوفة إلى زياد
قال ابن الكلبي: قدم زياد وهو يريد البصرة، فلمّا صار ببعض الطريق أتاه موت
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٠٨.
المغيرة بن شعبة بالكوفة، فخاف أن يُستعمل ابن عامر على الكوفة وقال: إن وليها أخاف أن يضرّنا جواره ويلجأ أهل خراجنا إليه، فكتب إلى معاوية: كتبتُ إليك وقد مات المغيرة وترك بحمد الله عُروةَ بن المغيرة خلفاً صالحاً أميناً طيّباً مسلماً، وأرى أن يولّيه أمير... عَمَلَ والده فيصطنعه ويرعى حقّ والده فيه، فإنّي أرجو أن يرى الخيرة في ذلك إن شاء الله. فلمّا قرأ معاوية الكتاب ضحك وعرف ما أراد، فكتب إليه: لِيُفْرِخْ رَوْعُك يا أبا المغيرة، لستُ بموَلٍّ ابن عامر، وبعث إليه بعهده على الكوفة، فجمع له الـمِصْرَيْن وأعمالهما، فكان أوّلُ مَن ضُمّا إليه(١) .
أبو بكرة ينصح زياداً
أراد زياد الحجّ، فأتاه أبو بكرة - وهو لا يُكلّمه مذ ترك زياد الشهادة على المغيرة بن شعبة وعرَّضه لأن حُدَّ - فدخل عليه وأخذ ابنَه فأجلسه في حِجْره ليخاطبه ويُسمع أباه زياداً، فقال: إن أباك هذا أحمق قد فجرَ في الإسلام ثلاث فجرات: أولاهنّ كتمانه الشهادة على المغيرة، والله يعلم أنّه قد رأى ما رأينا، والثانية في انتفائه من عُبيد وادّعائه إلى أبي سفيان، وأقسم أنّ أبا سفيان لم يَرَ سميّة قطُّ، والثالثة أنّه يريد الحج وأم حبيبة - أختُ معاوية وزوج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم - زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هناك، وإن أذنت الأختُ لأخيها فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وإن هي حَجَبَتْه فاعْظِمْ بها عليه حجّةً، فقال زياد: ما تدعُ النُصْحَ لأخيك على حالٍ، وترك الحجّ في تلك السنة، وماتت أمّ حبيبة في سنة أربع وأربعين(٢) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٠٧.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢١٠.
المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: يُعجبني من الرجل إذا سِيمَ خُطّة ضيْم أن يقول: (لا) بملء فيه، وإذا أتى مجلس قوم أن يعرف قدره فيجلس فيه، وإذا ركب دابّة أن يحملها على ما يُريد ولا تحمله على ما تريد، وقلَّ مَن رأيته هكذا إلّا وجدته مُبرّزاً(١) .
ونقول لزياد: وهل كانت خُطّة ابن هند خُطّةَ ضَيْم إذ نفاك من عُبيد ونقلك إلى أبي سفيان، وجعل أُمّك سميّة حديث الألسن ولولا ذلك ربّما رحمك الدهر ولما خاض الرجال والنساء في سيرتها النتنة من يومئذ فهلّا قلت (لا) بملء فيك؟!
وهل كنت دابّة ركبك ابن هند على ما يريد، أم كان الدابّة فحملته على ما تريد؟!
سيرة الطواغيت
عن عوانة وغيره قالوا: لـمّا جمع معاوية لزياد الكوفة والبصرة في سنة خمسين، كان يخلف سَمُرَة بن جُنْدَب الفَزاري بالبصرة إذا خرج إلى الكوفة، ويخلُفُه بالكوفة إذا خرج إلى البصرة عمرو بن حُريْث، وكان يقيم بالكوفة ستّة اشهر وبالبصرة ستّة أشهر، وكان سمرة يُحْدِثْ أحداثاً عظيمة من قتل الناس وظلمهم، أعطى رجلٌ زكاةَ ماله ثمّ صلّى ركعتين فأمر به سمرة فقُتل، فقال أبو بكرة: ما شأنُ هذا؟ فأخبروه فقال: لقد قتله سمرة عند أحسن عمله فاشهدوا أنّه - أي المقتول - منّي وأنا منه، ثمّ قال لسمرة: ويلك لـِمَ قتلتَ رجلاً عند أحسن عمله؟ فقال: هذا عمل أخيك زياد هو يأمرني بهذا، فقال: أنت وأخي في النار، أنت وأخي في النار، وتلا أبو بكرة:( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى ) (٢) ويزعمون أنّ زياداً نهاه بعد ذلك
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٢١١.
(٢) الاعلى: ١٤ - ١٥.
عن القتل(١) .
عن أبي المعلّى الجنّابي عن أبيه قال: كنتُ واقفاً على رأس سمرة بن جندب فقدّم إليه بضعة عشر رجلاً، يسأل الرجل: ما دينك؟ فيقول: الإسلام ديني ومحمّد نبيّي، فيقول: قدّماه فاضربا عنقه، فإن يك صادقاً فهو خير له(٢) .
وعن أنس بن سيرين قال: استخلف زياد سمرة على البصرة وخرج إلى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف، فقال له: هل تخاف أن تكون قتلت بريئاً؟ فقال: لو قتلت مثلهم لم أخفْ أن أقتل بريئاً(٣) .
عن أبي السَوّار العَدَوي، قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين رجلاً كلّهم قد جمع القرآن(٤) .
إنّ الأفعال السابقة وغيرها كثير من أفعال سمرة وهي رضىً عند ابن سميّة، وأفعال ابن سميّة رضىً عند ابن هند وهو القائل له: إنّي ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة، فولّني الحجاز...؛ وضبطه العراق إشارة إلى المقاتل العظيمة التي باشرها هو ورجاله من أمثال سمرة.
أوس بن خالد قال: كنت أقدم على أبي مَحذورة فيسألني عن سمرة، وأقدم على سمرة فيسألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة: إنّك لتسألني عن سمرة فلِمَ ذاك؟ فقال: كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت واحد فأخذ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضادتي الباب وقال: (إنّ آخركم موتاً في النار)، قال: فمات أبو هريرة ثمّ مات أبو محذورة ثمّ
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٢٠.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) نفس المصدر السابق.
سمرة(١) .
عن جرير بن حازم قال: كان زياد بن سميّة أوّل من أخذ بالظنّة وعاقب على الشُبهة وأخاف الناس في سلطانه، فلمّا قدم الحجّاج سأل عن سيرته فأخذ بشدّته وترك لينه(٢) .
وجمع معاوية لزياد البصرة والكوفة في سنة خمسين حين مات المغيرة بن شعبة. وكتب إلى زياد أن أوفدْ إليَّ بنيك من مُعاذة العُقَيْليّة، وهم: عبد الرحمن، ومغيرة، ومحمّد، وكُنْ معهم ففعل، فزوّج عبد الرحمن فاختة بنت عتبة بن أبي سفيان، وزوّج المغيرة ابنة المهاجرين طليق بن سفيان بن أميّة، وزوّج محمّداً ابنته صَفِيّة بنت معاوية، وقال: أما إنّها أحسن بناتي، فقال زياد: وهو أحسن بنيّ(٣) .
ومن أجل أن يشدّ أواصره برجاله، فإنّه مثلما صنع مع ابن سميّة، فكذلك مع المغيرة بن شعبة.
قال ابن شَوْذَب: أحصن المغيرة بن شعبة أربعاً من بنات أبي سفيان، وكان آخر من تزوّج بها عَرَج، فلمّأ خطبها قال له معاوية: إنّها ضَمِنة(٤) ، قال: إنّي لست أُريد أراهن عليها، إنّما أردتُ بناتِ أبي سفيان. فزوّجه إيّاها(٥) .
قول الحسن في ابن سميّة
عن الحسن البصري وذكر زياداً فقال: ما كان أجرأه على الله، سمعته يقول: لآخذنّ
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٢٠.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٢٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٣١.
(٤) الضَمِن: المصاب بعاهة أو علّة. اللسان (ضمن).
(٥) مختصر تاريخ دمشق ٢٥: ١٧٤.
الجارَ بالجار، والله يقول:( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (١) .
شدّته على الشيعة
وقد علمتَ دستور ابن هند في لعن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام والبراءة منه ولعن شيعته؛ فعمل ابن سميّة بذلك ومضى به بعيداً.
عن الحسن قال: تتبّع زياد شيعة عليّ بن أبي طالب يقتلهم، فقال الحسن: أللّهمَّ تَفَرَّدْ بمَوْتِهِ فإنَّ القَتْلَ كَفَّارَةٌ(٢) .
قالوا: وبنى زياد مساجد لشيعة بني أميّة ومن يُبغض عليًّا، فمنها مسجد بني عَديّ - قوم عمر بن الخطّاب -، ومسجد بني مجاشع، ومسجد الأساورة، ومسجد الحُدّان، وكان لا يدع أحداً يبني بقُرب مسجد الجماعة مسجداً، فكان مسجد بني عَديّ أقربها منها(٣) .
شهادة حُجر بن عَديّ وأصحابه
من الموبقات العظمى التي اشترك فيها ابن سميّة وابن هند قتلهم خيار أهل الكوفة (حُجر بن عُديّ، وأصحابه الكرام) قتلوا بمَرْج عَذراء، وكان حُجر هو الذي فتحها.
عن أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، قال: يا أهل الكوفة، سيُقتل منكم سبعة نفر خياركم، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، منهم حُجْر بن الأدبر وأصحابه(٤) .
وعن عائشة قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: سيُقتل بعذراء ناس يغضب الله
____________________
(١) الإسراء: ١٥.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢١٢.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٣٩.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٤١.
لهم وأهل السماء(١) .
قال معاوية: ما قتلتُ أحداً إلّا وأنا أعلم فيمَ قتلتُه، وما أردتُ به، إلّا حجر بن عديّ، فإنّي لا أعرفُ فيمَ قتلتُه(٢) .
قال أبوبكر بن عياش:
دخل عبد الله بن يزيد بن أسد على معاوية وهو في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعاً فقال: ما يجزعك يا أمير... إن متَّ؟ قال: الجنّة. وإن عشتَ، فقد علِمَ الله حاجة الناس إليك. قال: رحم الله أباك إن كان لناصحاً، نهاني عن قتل ابن الأدبر يعني حُجْراً، ثمّ عاده عبد الله بن يزيد فعاد معاوية مثل ذلك القول(٣) .
وكان يُقال: أوّلُ ذلّ دخل على الكوفة قتل حُجر بن عديّ(٤) .
شهادةُ (مَن عنده علمُ الكتاب) بمقتل سبعة من أهل الكوفة هم خيارهم، فمثلُهم مثلُ أصحاب الأُخدود الذي ذكرهم القرآن الكريم، منهم حجر وأصحابه؛ فهم شهداء حقٍّ قاتلُهم في السعير؛ وقد وقع الأمر كما أنبأ به أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولو لم يكن الأمر على ما أخبر لبطلت إمامته.
وقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في غضب الله تعالى وأهل السماء لشهداء مرج عذراء، من أعلام النبوّة أوّلاً، وعظم جريمة الأبناء: ابن هند وابن سميّة وعُلُوّ منزلة حجر وأصحابه عند الله تعالى، ثانياً.
وأمّا كلام ابن هند في حُجْر، فهو من باب: حتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُم الـْمُوْتُ قال آمنتُ!
____________________
(١) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٤١.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٤٢.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) نفس المصدر السابق: ٢٤٠.
فإنّ ابن هند أمر ابن سميّة، ومن قبله المغيرة بلعن أمير المؤمنين والنيل منه وإقصاء شيعته ولعنهم...، ومن قبل حرب صفّين. والآن وقد حضره الموت، ولات حين نَدْم، إذ يرى مقعده من جهنّم، أظهر ندمه على قتله حجر؛ فكيف بعمّار الذي قتلته الفئة الباغية، وقد جعله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علامةً على حقّ الفئة التي يُقتل فيها لأنّه مع الحقّ والحقّ معه وهل عليّعليهالسلام إلّا الحقّ ومن يُقاتله الباطل، وقد قاتله ابنُ هِند؟! ولم يقفْ عند هذا، بل جعل من سبّ عليّ والبراءة منه سُنّةً بعد الصلاة؛ وسبُّ عليٍّ والبراءة منه سبّ للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبراءة منهما. ولقد تتبّع شيعة عليّ في كلّ مكان بين حبس وتشريد وقتل. والمؤمنُ أعظمُ حرمةً من الكعبة كما في حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أقام المغيرة بن شُعْبَة بالكوفة والياً لمعاوية تسع سنين لا يدع ذمّ عليّ والوقيعة فيه(١) . وقد ذكرنا ما كان بينه وبين حجر. وأمّا الطبريّ فقد ذكر أنّ المغيرة كان لا يدع ذمّ عليّ والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عديّ إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فذمّم الله ولعن. ثمّ قال: إنّ الله عزّ وجلّ يقول:( كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ ) (٢) وأنا أشهد أنّ من تذمّون وتعيّرون لَأَحقُّ بالفضل وأنّ مَن تزكّون وتطرون أولى بالذمّ. فيقول له المغيرة: يا حجر، لقد رُمي بسهمِك إذ كنتُ أنا الوالي عليك. يا حجر ويحك اتّق السلطان، اتّق غضبَه وسطوته، فإنّ غضْبةَ السلطان أحياناً ممّا يهلك أمثالك كثيراً ثمّ يكفّ عنه ويصفح حتّى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته: أللّهم ارحم عثمان بن عفّان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله،
____________________
(١) في تاريخ الطبري ٤: ١٨٨ (سبع سنين وأشهراً).
(٢) النساء: ١٣٥.
فإنّه عمل بكتابك واتّبع سنّة نبيّكصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وجمع كلمتنا وحقن دماءنا وقُتل مظلوماً، أللّهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبّيه والطالبين بدمه... ويدعو على قتلته.
فقام حجر بن عديّ فنعَرَ نَعْرةً بالمغيرة سمعها كلّ مَن كان في المسجد وخارجاً منه وقال: إنّك لا تدري بمن تُوَلِّعْ من هرمك أيّها الإنسان مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنّك قد حبستها عنّا وليس ذلك لك ولم يكن يطمع بذلك مَن كان قبلك. قد أصبحتَ مولعاً بذمِّ المؤمنين وتقريظ المجرمين. فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون صدق والله حُجر وبَرَّ، مُرْ لنا بأرزاقنا وأُعطياتنا فإنّا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا شيئاً وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه.
فنزل المغيرة فدخل واستأذن عليه قومُه فأذن لهم فقالوا علامَ تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة، إنّك تجمع على نفسك بهذا خصلتين أمّا أوّلهما فتهوين سلطانك، وأمّا الأخرى: فإنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليه...، فقال لهم المغيرة: إنّي قد قتلته، إنّه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه يصنع بي فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتْلةٍ...(١) (ثمّ ذكر ما ذكره البلاذريّ).
ولـمّا مات المغيرة سنة (٥٠)(٢) وقيل (٥١)(٣) جُمعت البصرة والكوفة لزياد؛ فيما ذكر ابن عساكر عن يونس بن عبيد: إنّ معاوية عزل المغيرة واستعمل زياداً(٤) ، فلمّا قدم زياد الكوفة، دعا حُجر بن عديّ فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تعلم حبّي لعليّ؟ قال:
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٨٨ - ١٨٩ مع اختلاف كثير عمّا ذكرناه عن البلاذري.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٥٣.
(٣) تاريخ الطبري ٤: ١٨٩.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٣٦.
شديداً. قال: فإنّ ذلك قد انسلخ أجمع فصار بُغضاً! فلا تكلّمني بشيء أكرهه، فإنّي أحذّرك(١) .
ما الذي غيّر حبّ ابن سمية الشديد لعليّعليهالسلام إلى بغض، وهو يعلم أنّ حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق، فمن أحبّه دخل الجنّة، ومن أبغضه دخل النار، وقد تكلّمنا عن الحديث؛ هل هو تفضّل ابن هند عليه إذ نقله من الجنة إلى النار! إذ نقل نسبه إلى أبي سفيان، فقبل كلام ابن هند وترك كلام الله تعالى بدعوة الناس إلى آبائهم؛ فحلّت به لعنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ لعن من انتفى من أبيه وانتسب إلى غيره وغير مواليه؛ وما الذي زاده هذا النسب غير الفضيحة والعار وخسارة الدنيا والآخرة؟! وهل كان أبو سفيان - على ضوء ما عرضنا بعض سيرته - إلّا مَن يأنف منه الشريف؟ ومتى صار زياد بن سميّة، وفي أحسن الأحوال: ابن عُبيد، وابن أبيه! أخاً لمعاوية وهو مثله ابن أبيه، وابن أربع، وابن الـمُغنّي: الصُّبّاح -. ألهذا ولنقله من القلم إلى المنبر، وبهذا يشتمه ابن هند وابن ميسون إن غضبا عليه؛ فبهذا صار حبّه الشديد! لأمير المؤمنين وسيّد الوصيّين ونفس رسول الله وأخيه، بغضاً شديداً، وطاعةً عَمياء لمن يُدانيه في النقيصة ويماثله في الخَسيسة؟!
والأخبار في شهادته كثيرة لـما عُرف عنه من لزومه الحقّ ومقارعته الباطل. وقبل ذكر أخبار نذكر ترجمته:
حُجر بن عَديّ بن جَبَلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثَوْر بن مَرتع بن معاوية بن كِندة بن عُفَيْر بن عَدي بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عُرَيب بن زيد بن كهلان بن سبأ(٢) . وهو حُجر الخير، وأبوه
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) طبقات ابن سعد ٦: ٢١٨، مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٣٥، جمهرة أنساب العرب: ٤٢٦.
عَدِيّ الأدبر طُعن مولّياً فسُمّي الأدبر. وفد على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مع أخيه هانئ بن عديّ، وشهد حُجر القادسيّة وهو الذي افتتح مَرْج عَذْرى - عذراء -، عداده في أهل الكوفة. وكان من أصحاب عليّ بن أبي طالب وشهد معه الجمل وصفّين(١) .
قُتل وأصحابُه شهداءً بمرج عذراء، قتلهم ابن هند، ومسجد قبره بها معروف(٢) .
وابناه عبيد الله، وعبد الرحمن، قتلهما الناصبيّ مصعب بن الزبير صبراً، وكانا يتشيّعان. وكان حجر ثقةً معروفاً(٣) .
قال أبو معشر: كان حجر بن عديّ رجلاً من كندة، وكان عابداً. قال: ولم يُحدث قطُّ إلّا توضّأ، وما توضّأ إلّا صلّى(٤) .
ذكر ابن سعد، فقال: لـمّا قدم زياد والياً على الكوفة دعا بحُجر بن عديّ، فقال: تعلم أنّي أعرفك! وقد كنت أنا وإيّاك على ما قد علمتَ، يعني من حبّ عليّ بن أبي طالب، وإنّه قد جاء غير ذلك، وإنّي أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فاستفرغه كلّه، أمْلِكْ عليك لسانك وليَسَعْك بيتُك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضيّة لديّ فاكفني نفسَك فإنّي أعرف عجلتك، فأنشدك الله يا أبا عبد الرحمن في نفسك، وإيّاك وهؤلاء السفلة وهؤلاء السفهاء أن يستزلّوك عن رأيك فإنّك لو هُنتَ عليَّ أو استخففتُ بحقّك لم أخصّك بهذا من نفسي.
فقال حُجْر: قد فهمتُ. ثمّ انصرف إلى منزله، فأتاه إخوانه من الشيعة فقالوا: ما قال لك؟ فأخبرهم. قالوا: ما نصح لك. فأقام وفيه بعض الاعتراض وكانت الشيعة
____________________
(١) المصادر جميعاً.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٦: ٢٣٥.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٣٦.
(٤) نفس المصدر السابق.
يختلفون إليه ويقولون: إنّك شيخنا وأحقّ الناس بإنكار هذا الأمر. وكان إذا جاء إلى المسجد مشوا معه، فأرسل إليه عمرو بن حريث، وهو يومئذ خليفة زياد على الكوفة وزياد بالبصرة: أبا عبد الرحمن ما هذه الجماعة وقد أعطيت الأمير من نفسك ما قد علمت؟ فقال للرسول: تنكرون ما أنتم فيه، إليك وراءك أوسع لك.
فكتب عمرو بن حريث بذلك إلى زياد، وكتب إليه: إن كانت لك حاجة بالكوفة فالعجل. فأغذّ زياد السير حتّى قدم الكوفة فأرسل جماعة من أشراف أهل الكوفة إلى حجر بن عديّ لِيُعْذِرَ إليه وينهاه، فأتوه فلم يجبهم إلى شيء ولم يكلّم أحداً. فنهض القوم عنه وأتوا زياداً فأخبروه ببعض وخزنوا بعضاً، وحسّنوا أمره، وسألوا زياداً الرفق به فقال: لست إذاً لأبي سفيان. فأرسل إليه الشَّرَطَ والبخاريّة فقاتلهم بمن معه ثمّ انفضّوا عنه وأتي به زياد فقال له: ويلك ما لك؟ فقال: إنّي على بيعتي لمعاوية لا أقيلها ولا أستقيلها. فجمع زياد سبعين من وجوه أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه، ففعلوا ثمّ وفّدهم على معاوية وبعث معهم حجر وأصحابه.
فقرأ معاوية الكتاب وجاء الشهود فشهدوا، فقال معاوية: أخرجوهم إلى عذرى فاقتلوهم هنالك. فحُملوا إليها، فقال حجر: ما اسمُ هذه القرية؟ قالوا: عذراء. قال: الحمد لله، أما والله إنّي أوّل مسلم نبّح كلابها في سبيل الله، ثمّ أتي بي إليها مصفوداً. ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من أهل الشأم ليقتله، ودفع حجر إلى رجل من حمير فقدّمه ليقتله فقال: يا هؤلاء دعوني أصلّي ركعتين. فتوضّأ وصلّى ركعتين فطوّل فيهما فقيل له: طوّلتَ، أجزِعتَ؟ فانصرف فقال: ما توضّأت قطُّ إلّا صلّيتُ، وما صلّيتُ صلاة قطُّ أخفّ من هذه، ولئن جزعتُ لقد رأيتُ سيفاً مشهوراً وكفناً منشوراً وقبراً محفوراً.
فقيل لحُجْر: مُدّ عنقك، فقال: إنّ ذاك لَدمٌ ما كنتُ لأعين عليه. فقُدّم فضربت عنقه.
وكان معاوية قد بعث رجلاً من بني سلامان بن سعد يقال له هُدْبة بن فَيّاض فقتلهم، وكان أعور، فنظر إليه رجل منهم من خَثْعَم فقال: إن صدقَتِ الطيرُ قُتل نصفنا ونجا نصفنا. فلمّا قُتل سبعة أردف معاوية برسول بعافيتهم، فقُتل سبعة ونجا ستّة، أو قُتل ستّة ونجا سبعة. وكانوا ثلاثة عشر رجلاً. وقد كانت هند بنت زيد بن مخرّبة الأنصاريّة وكانت شيعيّة، قالت حين سُيّر بحُجر إلى معاوية:
تَرَفَّعْ أيّها القمرُ الـمُنيرُ |
تَرفّعْ هل ترى حُجْراً يسيرُ |
|
يَسيرُ إلى معاويةَ بنِ حَرْبٍ |
ليَقْتُلَهُ كما زَعَم َالخَبيرُ |
|
تجبّرت الجَبابِرُ بَعدَ حُجْرٍ |
وطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّديرُ |
|
وأصْبَحَتِ البلادُ له مُحُولاً |
كأنْ لم يُحْيِها يوماً مَطِيرُ |
|
ألا يا حُجْرُ حُجْر بَني عَدِيّ |
تَلَقّتْكَ السَّلامةُ والسرورُ |
|
أخافُ عليكَ ما أردى عَدِيّاً |
وشَيْخاً في دمشقَ لهُ زئيرُ |
|
فإنْ تَهْلِكْ فكلّ عَميدِ قَومٍ |
إلى هُلْكٍ من الدنيا يَصيرُ |
قال: لـمّا أتي بحُجْر فأمر بقتله قال: ادفنوني في ثيابي فإنّي أُبعثُ مخاصماً. قال: وكان ثقةً معروفاً ولم يرو عن غير عليّ شيئاً(١) .
في رواية ابن سعد، بدأ مع حجر رضي الله عنه، من أمرٍ كان يجمعه معه وهو حبُّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ؛ والآن فقد تغيّر بقبوله دعوة ابن هند، فصار الحبُّ بغضاً يُعاقب
____________________
(١) طبقات ابن سعد ٦: ٢١٧ - ٢٢٠.
عليه وأنّ على حجر وشيعة عليّعليهالسلام أن يغيّروا حبّهم له ويأخذوا بسُنّة ابن هند. فإنْ لم يُغيّر كما غيّر ابن سميّة؛ يقتله! وحذّره أن يُطلق لسانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتراض أُمراء السوء. وحذّره ممّن سمّاهم سفلة سفهاء يعني بذلك شيعة عليّعليهالسلام ومحبّيه! وإنّما السافلُ مَن سفلَ عن حبّ عليّ، فسفَّه بذلك عقله وكان من شيعة إبليس وحزبه ذلك أنّ عليّا وشيعته خَيْرُ البريّة.
بسند عن حِبّان، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (١) قال: في عليّ وشيعته(٢) .
____________________
(١) البيّنة: ٧.
(٢) تفسير الحبريّ: ٣٢٨، الفصول المهمّة: ١٢٣، ولفظه عن ابن عبّاس قال: لـمّا نزلت هذه الآية، قال لعليّ: (هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين ويأتي أعداؤك غضباناً مقمحين). وهذه بعض شواهده: روح المعاني، للآلوسي ٣٠: ٢٠٧، مفتاح النجاة: ٤٢، كشف اليقين: ٣٦٦، الصواعق المحرقة: ١٦١، المصنّف، لابن أبي شَيبة ٧: ٥٠٤ ح ٥٧ من فضائل عليّ، أنساب الأشراف ٢: ٣٥٧، المعجم الكبير، للطبراني ١: ٣١٩ ح ٩٤٨، مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن مردويه: ٣٤٧ ح ٥٨١، مناقب سيّدنا عليّ، للعينيّ: ٣٢، تفسير الطبريّ ٣٠: ١٧١ بسنده عن محمّد بن عليّ.
ـ أمير المؤمنينعليهالسلام ، بسند عن يزيد بن شراحيل - كاتب عليّعليهالسلام - قال: سمعتُ عليًّاعليهالسلام يقول: (حدّثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا مسندُه إلى صدري فقال: أي عليّ! ألم تسمع قول الله تعالى:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) : أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جَثَتْ الأمم للحساب تُدْعَون غُرّاً مُحَجَّلين). شواهد التنزيل ٢: ٣٥٦، المناقب، للخوارزميّ: ٢٦٦، كفاية الطالب: ٢٤٦، الدرّ المنثور ٦: ٣٧٩، فضائل الخمسة ١: ٢٧٨، فتح القدير ٥: ٤٦٤.
ـ مجاهد: وذكر الآية، قال: هم عليٌّ وأهل بيته ومحبّوهم. تذكرة الخواصّ: ٢٧.
ـ أبو سعيد الخدريّ، عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: (عليٌّ خيرُ البريّة). تاريخ بغداد، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ١٤، المناقب، للخوارزمي: ١١١، لسان الميزان ١: ١٧٥، فرائد السمطين ٢: ١٥٥، الدرّ المنثور ٦: ٣٧٩، ذخائر العقبى: ٩٦.
ـ جابر بن عبد الله الأنصاريّ. رواه عنه جمع هذه بعض طرقه: عن جابر بن عبد الله مرسلاً، قال:
وبالجمع بين أحاديث وروايات حبّ عليّ إيمان وبغضه نفاق وأنّ عليًّا بذلك: قسيم النار والجنّة - مضى الكلام فيه -، وبين الأحاديث والروايات في أنّ عليًّا وشيعته خيرُ البريّة، وهم الفائزون يوم القيامة؛ فهل يُعقل أن يعطي عليّعليهالسلام براءةً إلى ابن هند، وابن النابغة، وابن سميّة، وابن الـمُسْتفرِمة بزبيب العجم(١) ، وابن مرجانة، وابن شعبة، وابن مَيْسون، وابن جُندَب، وابن تَيمِيَه وغيرهم من عُتاة الطواغيت
____________________
كنّا عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقبل عليّ بن أبي طالب فقال النبيّ: قد أتاكم أخي. ثمّ التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال: والّذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لهُمُ الفائزون يومَ القيامة. ثمّ قال: إنّه أوّلكم إيماناً معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعيّة، وأقسمكم بالسّويّة، وأعظمكم عند الله مزيّة). قال:( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) . قال: فكان أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خيرُ البريّة. مختصر تاريخ دمشق ١٨: ١٤.
وهذا الحديث بهذا اللفظ ذكروه بسند عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، وفيه (هم الفائزون). تفسير الطبريّ ٣٠: ١٤٦، حلية الأولياء ١: ٦٦، المناقب، للخوارزميّ: ١١١ - ١١٢، الصواعق المحرقة: ٩٦، الدرّ المنثور ٦: ٣٧٩، كفاية الطالب: ٢٤٤ - ٢٤٥. وعن زرّ بن حُبيش، عن عبد الله عن عليّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (مَن لم يقُلْ عليٌّ خيرُ الناس، فقد كفر) ذكره الخطيب في تاريخه ٣: ١٩٢.
وعن عطيّة العوفيّ قال: قلت لجابر: كيف كان منزلة عليّ فيكم؟ قال: كان خير البشر. مختصر تاريخ دمشق ١٨: ١٤.
وعن جابر: قال: عليٌّ خير البشر لا يشكّ فيه إلّا منافق. نفس المصدر: ١٥.
وعن جابر وقد سُئل عن عليّ فقال: ذاك خير البريّة، لا يُبغضه إلّا كافر. نفس المصدر وتفسير الطبريّ ٣٠: ١٧١، كفاية الطالب: ٢٤٦.
وعن عطيّة العوفيّ قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وقد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، فقلنا له: أخبرنا عن عليّ. قال: فرفع حاجبيه ثمّ قال: ذاك من خيرُ البشر. المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٤ / ٥٧.
والروايات في هذ الباب كثيرة اكتفينا بما ذكرناه.
(١) من كتاب كتبه عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج يوبّخه ويعني بكلامه أنّ أمّه تعمل من الزبيب ما يضيّق فرجها! وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
والمجرمين، ممّن خاض في دماء خير البريّة فيدخل الفريقان الجنّة؟!
ومن هو السفيه السافل: الخارجيّ الناصبيّ ممّن اعتدى على حقّ عليّ وأهل البيتعليهمالسلام ، وحاربهم وقتلهم وقتل شيعتهم ونصب العداوة لهم؛ أم هو خير البريّة؟!
إنّ ابن سميّة قد بلغت به الخسّة أن يُشهّر بكينونته وأنّه من بغيّ من ذوات الرايات وقد فَجَر بها أبو سفيان في رجال عدّة ولكنّ الشَبَه يدلّ على غلبة ماء أبي سفيان، فلذلك هو أخو معاوية الذي أثبتنا أنّه لا ينتمي إلى أبي سفيان، ومع كلّ ذلك قبل المجتمع الشأميّ شهادة الخمّار السلولي فصار عندهم ابن سميّة وابن أبيه: ابن أبي سفيان، فهو أخو أميرهم معاوية.
فكان ذلك منعطفاً في حياة ابن سميّة إذ صار حبّه الشديد لعليّ، بُغضاً شديداً كما صرّح به لحجر بن عديّ وأشدّ من ابن هند في تتبّع الشيعة وقتلهم والتمثيل بهم فكان من ضحاياه حُجر بن عَديّ.
وتستوقفنا في مسير البحث: أنّ حُجراً قد خالف السلطان في منكره، وأنّ السلطان خالف الله تعالى في معروفه وأوامره! وأنّ حجراً لم يخرج بتلك المخالفة عن طاعة السلطان إلّا فيما خالف الله تعالى، ولم ينكث بيعته لمعاوية، وذلك قوله لابن سميّة: إنّي على بيعتي لمعاوية لا أقيلها ولا أستقيلها؛ فغيّر ابن سميّة كلام حجر وكتب شهادة زور إلى ابن هند كتب فيه أنّه أعلن براءته منه ونكث بيعته وكثّر في الكلام، مع علمه أنّ ابن هند هو المحرّض على الشيعة؛ إلّا أنّ حجراً لم يكن مجهول الحال، فأراد بكتابه ذاك أن يوغر صدر ابن هند عليه أكثر وإن كان ثمّة أمل في العفو عنه أو يكتفي بحبسه، فكتب شهادة زور وكثّر عدد الشهود، وبالنظر إلى الكاتب! وأسلوب الكتابة وأسماء الشهود، تعرف الحقّ وأهله والباطل وأهله.
وذكر الطبري بسنده عن محمّد بن سيرين قال: خطب زياد يوماً في الجمعة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة فقال له حُجْر بن عديّ: الصلاة، فمضى في خطبته فقال له: الصلاة، فمضى في خطبته، فلمّا خشي حُجر فوتَ الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فلمّا رأي ذلك زياد نزل فصلّى بالناس فلمّا فرغ كتب في أمره وكثّر عليه فكتب معاوية إليه أن شُدَّة في الحديد ثمّ احمله إليّ. فلمّا أن جاء كتاب معاوية، أراد قوم حجر أن يمنعوه فقال: لا، ولكن سمعاً وطاعة! فشُدَّ في الحديد ثمّ حُمِل إلى معاوية، فلمّا دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير... فقال له معاوية: أمير...! أما والله لا أقيلُك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه، فأُخرج من عنده فقال حجر للذين يَلُون أمرَه دعوني حتّى أصلّي ركعتين فقالوا: صلّه، فصلّى ركعتين خفّف فيهما ثمّ قال: لولا أن تظنّوا بي غير الذي أنا عليه لأحببتُ أن تكونا أطول ممّا كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خير، فما في هاتين خير. ثمّ قال لمن حضره من أهله: لا تُطلقوا عنّي حديداً ولا تغسلوا عنّي دماً؛ فإنّي أُلاقي معاوية غداً على الجادّة، ثمّ قُدّم فضُربت عنقه(١) .
قال هشام: كان محمّد بن سيرين إذا سئل عن الشهيد، يُغسّل؟ حدَّثهم حديث حُجر. قال ابن سيرين: فبلغنا أنّه - معاوية – لـمـّا حضرته الوفاة جعل يُغرغر بالصوت ويقول: يومي منك يا حُجر يوم طويل(٢) .
في هذه الرواية أمور:
إنّ ابن سميّة قد خالف السنّة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة عن وقتها فتصدّى له
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٩٠ - ١٩١.
(٢) نفس المصدر السابق: ١٩١.
حجر وذكّره بالصلاة، إلّا أنّ ابن سميّة لم يلتفت إلى ذلك ومضى في خُطبته، وذكّره حجر بالصلاة ثانيةً ولم يلتفت ابن سميّة كذلك لذلك وسار في خطبته فعند هذا ثار حجر الخير والناس معه إلى الصلاة، فلمّا خاف زياد أن يفلت زمام الأمور من يده؛ نزل فصلّى بالناس... وكتب إلى معاوية في أمر حجر وكثّر عليه ما لم يكن منه، ووجدها ابن هند مناسبةً للإيقاع بوجه الشيعة في الكوفة وأكثرهم حماساً في النهي عن المنكر، وصاحب المواقف المشهورة في حروب أمير المؤمنين عليّعليهالسلام من ذلك وقعة صفّين.
ولقد وجدناه يمنع قومه من حرب القوم إذ جاء كتاب ابن هند يأمر بشدّه بالحديد وحمله إليه وقال: سمعاً وطاعة! فهو لم ينكث بيعة وإنّما أنكر مخالفة سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وسلّم على ابن هند، فاستخفّ به وأمر بقتله!
وحُجر يُخفّف صلاته، إذ ربّى نفسه على لقاء الله تعالى، فهو دائماً على وضوء وما توضّأ إلّا صلّى؛ فهو لا يريد أن يترك ما ربّى نفسه عليه في أشقّ المواقف وأرهبها، إذ يرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً! فأراد أن تسبق صلاته شهادته إلى الله تعالى فهو يخفّف صلاته في مثل هذا الموقف لئلاّ يظنّوا غير الذي هو عليه من الطُمأنينة بقضاء الله والجنّة التي هو صائر إليها، ولذلك أنّ ابن سيرين إذا سُئل عن الشهيد، يُغسّل؟ حدّثهم حديث حُجر ذلك أنّ حُجراً طلب إلّا يفكّوا قيوده ولا يُغسِّلوا عنه دماً فإنّه مخاصمٌ قتَلَتَه، فهو شهيد، فهل يعفو الله تعالى عن قتلته بدءاً بعمرو بن حريث ومروراً بابن سميّة وجنده البخاريّة (الحمراء) ثمّ ابن هند وانتهاءً بالمباشر للقتل. وما غرغرة ابن هند عند هلاكه وقوله: يومي منك طويل يا حُجر؛ إلّا أنّه كان يرى حُجراً آخذاً بحُجزته يقول له بِمَ قتلتني؟!
وأخبار حجر تطول، فقد شهد الجَمَل مع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وكان على رجّالة الجناح. ولـمّا أمّرعليهالسلام الأسباع يوم صفّين من أهل الكوفة جعل حُجر بن عديّ على كندة وحضرموت وقضاعة ومَهرة(١) .
ومن شعره يوم صفّين:
يا ربَّنا سلّم لنا عليًّا |
سلّم لنا المهذَّبَ النقيّا |
|
المؤمن المسترشدَ المرضيّا |
واجعلهُ هادي أُمّةٍ مهديّا |
|
لا أخطلَ الرأيِ ولا غَبيّا |
واحفظهُ ربّي حفظَك النبيّا |
|
فإنّه كان له وليّا |
ثمّ ارتضاهُ بعدَه وَصِيّا(٢) |
وله موقف ينمّ عن الطاعة المطلقة لإمامة عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام :
بسند عن عبد الله بن شريك قال: خرج حجر بن عديّ، وعمرو بن الحَمِق - يوم صفّين - يظهران البراءة واللعن لأهل الشأم، فأرسل إليهما عليّ: أن كُفّا عمّا يبلغني عنكما، فأتياه فقالا: يا أميرالمؤمنين، ألسنا محقّين؟ قال: بلى، قالا: أوليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: (كرهتُ لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين، تشتمون وتتبرؤون. ولكن لو وصفتم مساويَ أعمالهم، فقلتم من سيرتهم كذا وكذا، ومن عملهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر. ولو قلتم مكان براءتكم منهم ولعنكم إيّاهم: أللّهم احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتّى يعرف الحقَّ منهم من جهلَه، ويرعويَ عن الغيّ والعدوان مَن لهج به، كان هذا أحبَّ إليَّ وخيراً لكم). فقالا: يا أمير المؤمنين نقبل
____________________
(١) وقعة صفّين، لنصر بن مزاحم: ١١٧.
(٢) نفس المصدر السابق: ٣٨١.
عظتك، ونتأدّب بأدبك.
وقال عمرو بن الحَمِق: إنّي والله يا أمير المؤمنين ما أحببتُك ولا بايعتُك على قرابةٍ بيني وبينك، ولا إرادة مالٍ تُؤتينيه، ولا التماس سلطانٍ يُرفع ذكري به؛ ولكن أحببتُك لخصالٍ خمسٍ فيك: أنّك ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأوّل مَن آمن به، وزوج سيّدة نساء الأُمّة فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأبو الذرّية التي بقيت فينا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأعظم رجلٍ من المهاجرين سهماً في الجهاد. فلو أنّي كُلِّفت نقْلَ الجبال الرواسي، ونزحَ البحور الطوامي حتّى يأتيَ عليَّ يومي في أمرٍ أقوِّي به وليّك وأُوهن به عدوَّك، ما رأيتُ أنّي قد أدَّيت به كلَّ الذي يحقُّ عليَّ من حقّك.
فقال أمير المؤمنين عليّ: أللّهم نوِّر قلبه بالتُّقى، واهدِه إلى صراط مستقيم. ليت أنّ في جندي مائةً مثلَك. فقال حُجر: إذاً والله يا أميرالمؤمنين، صحَّ جندُك، وقلَّ فيهم من يَغُشّك.
ثمّ قام حجر فقال: يا أميرالمؤمنين، نحن بنو الحرب وأهلُها، الذين نُلقحها ونُنْتِجُها، قد ضارستنا وضارسناها(١) ، ولنا أعوانٌ ذوو صلاح، وعشيرةٌ ذات عدد، ورأي مجرّب وبأس محمود، وأزمّتنا منقادة لك بالسمع والطاعة، فإن شرّقتَ شرّقنا، وإن غرّبتَ غرّبنا، وما أمرتنا به من أمرٍ فعلناه.
فقال عليّ: (أكلُّ قومك يرى مثلَ رأيك؟) قال: (ما رأيتُ منهم إلّا حسناً، وهذه يدي عنهم بالسمع والطاعة، وبحسن الإجابة). فقال له عليٌّ خيراً(٢) .
اشتداد ابن سميّ’ في أمر حُجْر
ولو ذكرنا ما يعترض طريقنا في أمر حُجر وشهادته لصارت كتاباً مستقلاًّ واسعاً،
____________________
(١) ضارست الأمور: جرّبتها وعرفتها. اللسان ٨: ٤٢٤.
(٢) وقعة صفّين: ١٠٣ - ١٠٤.
إلاّ أنّا نروي نزراً من هذه الروايات التي وجدنا أنّها بجُملتها تجمع على حُسن سيرة هذا الشهيد، وأنّه شيخ (خير البريّة) في الكوفة من شيعة أهل البيت الطاهر؛ فكان محبّاً للمعروف منكر للمُنكر مقتدياً بأميرالمؤمنين عليّعليهالسلام ، وقد مرّ بنا ما فعله أمير المؤمنين به وبعمرو بن الحمق لـمّا شتما أهل الشأم وأظهرا البراءة منهم، وهم في حال حرب معهم، إلّا أنّهعليهالسلام لم يرضَ ذلك منهما وأرشدهما إلى الصحيح من القول وهو وصف أعمال الخصم؛ فقبِلا قولَه وأظهر السمع والطاعة؛ فكيف يخون حجر الأمانة والميثاق فيكون مثل ابن هند إذ خانَ العهد الذي كُتب بين أمير المؤمنين وبين ابن هند على إثر مجريات وقعة صفّين وراح يقتل مَن ظفر به من شيعة أمير المؤمنين ويقتل الحاجّ ويقطع السبيل ووصلت غاراته إلى الحرمين الشريفين وأهان أهلهما وأرجف بهم - على ما مرّ ذكره -. وقد صرّح حجر بوفائه بعهده ولم يظهر براءة بعد ميثاق! وهو أحد الشهود ممّن كتبت أسماؤهم في معاهدة صفّين؟! إلّا إنّ ابن سميّة جدَّ في أمره وأمر أصحابه وكتب إلى ابن هند أنّهم فارقوا الجماعة وشتموا ابن هند وأظهروا البراءة! وكثّر في الكلام ليحمله على قتلهم.
قال أبو مخنف: لـمّا حال أصحابُ حجر بينه وبين رسل زياد، أمر الهيثم بن شدّاد أن يأتيه به، فلمّا صار إليه قال أصحابه: لا ولا نُعمَةَ عَينٍ، لا نُجيبه، فشدّ الهيثم ومن معه عليهم بعُمُد السُوق، فضرب رجل من حَمْراء الدَيْلم(١) يقال له بكر بن عُبيد رأس عمرو بن الحمق الخزاعيّ فحُمل إلى أهله، وشدّ عبد الله بن خليفة الطائي، وضرب رجلاً من جُذام كان في الشُّرَط، وضُربت يد عائذ بن حَمَلة وكَسَّر نابه، وحمى حُجراً
____________________
(١) الحَمراء: من أبناء العجم جاء بهم ابن سميّة فكان يصول بهم، وفرضَ لهم ابن هند وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل. الأخبار الطوال: ٢٨٨.
أصحابه حتّى خرج، فأركبه أبو العَمَرَّطة عُمَير بن يزيد الكندي على بغلته، وشدّ يزيد ابن طريف الـمُسلي على أبي العَمَرَّطة فضربه، وجذب أبو العَمَرَّطة سيفه فضربه على رأسه فخرّ لوجهه ثمّ برئ بعدُ. واجتمع عدد من كندة فقاتلوا ساعة(١) .
قال الكلبي: لجأ حجر إلى سليمان بن يزيد بن شراحيل الكندي، ودعا زياد محمّد ابن الأشعث بن قيس فقال له: يا مؤنّث! لتأتينّي بحُجر أو لا أدع لك نخلةً إلّا قطعتها ولا داراً إلاّ هدمتها ثمّ لا تسلم منّي حتّى أقطّعك إرباً إرباً، فأمر به إلى الحبس، فقيل له: خلّه حتّى يأتي بصاحبه، ففعل، وبعث حجر إلى محمّد غلاماً له، فقال له: يقول لك مولاي: قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد، وأنا خارج إليك، فاجمع نفراً من قومك حتّى يؤمنني حتّى يبعث بي إلى معاوية فيرى رأيَه فيَّ، فأتى جرير وعبد الله بن الحارث النخعي أخو الأشتر زياداً، فطلبوا إليه أن يومّن حُجرا ولا يعجل حتّى يبعث به إلى معاوية، ففعل وأرسلوا إلى حجر، فأتى زياداً وهو جريح، فلمّأ رآه زياد قال: أحرب في أيّام الحرب وحرب في أيّام السلم؟! على نفسها جنت براقِش، ما فارقت طاعةً ولا جماعة ولا مِلْتُ إلى خلاف ومعصية وإنّي لعلى بَيعتي، فقال: تشجّ وتأسو؟! وأمر به إلى الحبس وقال: لولا أنّي آمنته ما برح حتّى يلفظ عَصْبَه(٢) .
كلام حُجْر يُغني عن البيان! ولكن لو ادّعى لغير أبيه ولصق نسبه بنسب غيره وجلس بين يدي أُخت صاحب الدعوة مكشوفة الشعر بدعوى أنّها أُخته، وقطع ثمانين رأساً في ليلة واحدة لأنّهم خالفوا أمره فخرجوا في العَتْمة... وغير ذلك كثير، لكان أفضل له من أن ينكر منكراً ويأمر بمعروف! وجدّ زياد في أمر أصحاب حجر وطلبهم أشدّ الطلب، فأخذ من قدر عليه منهم، فأتي برِبْعِيّ بن حِراش العَبْسي بأمان
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ١٥٩.
فقال: والله لأجعلنّ لك شُغلاً بنفسك عن تلقيح الفِتَن، ودعاه إلى الوقيعة في عليّ فأبى فحبسه، ثمّ كلّم فيه فأخرجه، وأتي بكريم بن عفيف الخَثْعمي، فقال: وَيْحك ما أحسن اسمك وأقبح فعلك وأمر به إلى الحبس.
وجاء رجل من بني شيبان إلى زياد فقال له: إنّ امرءاً منّا له صَيْفيّ بن فشيل(١) من رؤساء أصحاب حجر وهو أشدّ الناس عليك، فبعث إليه فأُتي به فقال له: يا عدوّ الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال: ومَن أبو تراب؟ قال: ما أعرَفَك به، أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟ قال: الذي كنتَ عاملَه؟ ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحبُ شُرَطه: يقول لك الأمير: أبو تُراب وتقول: لا؟! قال: أَكْذِبُ إن كذبَ الأمير وأشهد بالباطل كما شهد؟! فقال زياد: ما قولك في عليّ؟ قال: أحسن قولٍ أقولُه في أحد من عباد الله، أقول مثلَ قولك فيه قبل الضلال، قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالأرض، فضُرب حتّى لصق بالأرض، ثمّ قال: أَقْلِعوا عنه، إيه ما قولُك في عليّ؟ قال: والله لو شرّحتني بالمواسي والـمُدي ما قُلتُ إلّا ما سمعت منّي! قال: لَتلْعَنّنه أو لأضربنّ عنقك؛ قال: إذاً والله تضربها قبلَ ذلك، فإن أَبَيتَ إلّا أن تضربها؛ رضيتُ بالله وشقيتَ أنت، قال: ادفعوا في رقبته ثمّ قال أَوْقروه حديداً وألقوه في السجن(٢) .
قُتل صيفيّ بن فسيل شهيداً بمرج عذراء، مع حجر بن عديّ وصحبه الكرام.
وعدّه البرقيّ، وابن داود من خواصّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وقال البرقيّ: كان ممّن خدم عليًّاعليهالسلام .
____________________
(١) في تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٣١، ورجال البرقيّ: ٥، وتاريخ الطبري ٤: ١٩٨، ورجال ابن داود: ١٨٩: صيفي بن فَسِيل - بالسين من غير نقاط -.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٠، تاريخ الطبريّ ٤: ١٩٨، مختصر تاريخ دمشق ٤: ٢٣٨، معجم البلدان ٤: ٩١.
وبلغ زياداً أنّ عبد الله بن خليفة الطائي بالكوفة، وكان قد قاتل مع حجر رضي الله تعالى عنه، فحبس عديّ بن حاتم ليأتي به، فلم يَبق أحد من نِزار واليمن بالكوفة إلّا ارتاع واغتمّ لحبسه وبعث إليه عبد الله: إن أحببت أن أخرج فعلتُ، فبعث إليه: لو أنّك تحت قدَمي ما رفعتُها عنك. ودعا به زياد فقال: أُخلّي سبيلك على أن تنفي ابن خليفة من الكوفة فينزل بالجبلَيْن، فقال: نعم، فلحق عبد الله بالجبلَيْن، وقال له عديّ: إذا سكن غضبه كلّمته فيك(١) .
عدّة السُجناء
قالوا: اجتمع في سجن ابن سميّة من الشيعة أربعة عشر رجلاً وهم: حجر بن عديّ الأدبر، الأرقم بن عبد الله الكنديّ، شريك بن شدّاد الحَضْرميّ، صيفيّ بن فَسيل الشيبانيّ، قَبيصة بن ضُبَيْعة بن حَرْملة العَبْسيّ، كريم بن عَفيف الخَثْعميّ، عاصم بن عَوْف البَجَليّ، وَرْقاء بن سُميّ البَجَليّ، كِدام بن حيّان العَنزي، وأخوه عبدالرحمن بن حيّان من بني هُمَيْم، مُحْرِز بن شِهاب الـمِنْقَريّ، عبد الله بن حَوِيّة الأعرجيّ، عُتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر، سعيد بن نمران الناعطي من هَمْدان(٢) .
ولقد كانت همّة ابن سميّة متوجّهة إلى الإيقاع بحجر وأصحابه ولذلك لم يكتفِ بالشهود الأربعة الذين كتبوا أسماءَهم فصيّرهم سبعين، نجد أغلبهم ممّن قاتلَ سيّد شباب أهل الجنّة وبعضهم ممّن باشر قتْل السبط الزكي الحسينعليهالسلام .
ولم يرتضِ إنشاء الشهادة! مع علمه أنّ ابن هند جادٌّ في تتبّع شيعة عليّعليهالسلام ؛ فغيّر
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٠ - ٢٦١، تاريخ الطبريّ ٤: ١٩٨ - ١٩٩ وفيه زيادة.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٢.
من ذلك. مضافاً إلى ذلك فإنّه ذكر أسماء أشخاص لم يكن لهم حظور عند كتابة الشهادة!
دعا زياد رؤوس الأرباع فقال: اشهدوا على حُجر بما رأيتم منه، وكان رؤوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حُريث على رُبع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهَمدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزوميّ على ربع ربيعة وكندة، وأبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ على مذحج وأسد. فشهد هؤلاء الأربعة أنّ حُجراً جمع إليه الجموع وأظهر شتْم الخليفة ودعا إلى حربه وزعم أنّ هذا الأمر لا يصلح إلّا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير...، وأظهر عُذْرَ أبي تراب والترحّم عليه والبراءة من عدوّه وأهل حربه؛ وأنّ هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره(١) .
فنظر ابن سميّة في شهادة الشهود فقال: ما أظنّ هذه الشهادة قاطعة وإنّي لأحبّ أن تكون الشهود أكثر من أربعة(٢) .
ألا تعجب من أمر ابن سميّة، فهو كما ذكرنا يعلم شدّة ابن هند على الشيعة وأنّه لا يحتاج إلى ذريعة للبطش بهم؛ مع ذا فإنّ الشهادة كافية لأن تضرم حقد ابن هند؛ فماذا بعد شتمه والدعوة إلى حربه وإعلان البراءة منه....
فكتب أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ: هذا ما شهد عليه الشهود أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ للهِ ربّ العالمين؛ شهد أنّ حُجر بن عديّ خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه جموعاً يدعوهم إلى نكث
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ١٩٩.
(٢) نفس المصدر السابق.
البيعة وخلع أمير...، فكفر بالله كفْرَةً صلعاءَ، وأتى معصية شنعاء.
فقال ابن سميّة: اشهدوا على مثل شهادته؛ فشهدوا رؤساء الأرباع الآخرون وقد ذكرناهم، وشمر بن ذي الجوشن - كان من أشدّ الناس على حرب وقتل الحسينعليهالسلام ، وأيضاً شهد من قتلة الحسينعليهالسلام : عَزْرة بن قيس الأحمسي، وحجّار بن أَبْجَر العِجْلي، ومحمّد بن الأشعث الكنديّ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص - كان قائد الجيش الذي قاتل الحسينعليهالسلام -، وشبث بن ربعي وهو أوّل من حرّر الحروريّة الخارجية، ويزيد بن رُوَيم الشيباني، وزُحَر بن قيس الجُحفيّ، والعُريان ابن الهيثم النخعيّ.
وغير هؤلاء أيضاً: إسحاق وموسى وإسماعيل ولد طلحة بن عبيد الله الذي قاتل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، يومَ الجمل.
والمنذر بن الزبير بن العوّام، والزبير شريك طلحة وعائشة ومروان في قتال عليّعليهالسلام يوم الجمل، وكان المنذر بن الزبير في وفد أهل المدينة فلمّا رجعوا أجازه ابن ميسون مائة ألف دينار فلم يرجع معهم إلى المدينة وإنّما صار إلى ابن مَرجانة.
وعُمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيْط، وخالد بن عُرْفُطه...(١) .
وممّن كُتبت شهادته ولم يكن حاضراً: السري بن وقاص الحارثي كتب شهادته وهو غائب في عمله(٢) .
وأيضاً: شُريح بن الحارث الكنديّ القاضي وهو غائب، فلمّا بلغه ذلك كتب إلى ابن هند: إنّي نُبّئت أنّ زياداً كتب إليك كتاباً في منزله وستره عن العامّة أكّد فيه شهادات
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ٢٠٠ - ٢٠١، أنساب الأشراف ٥: ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٢) تاريخ الطبري ٤: ٢٠٠.
قوم على حُجر أخي كندة وسمّاني فيهم؛ ألا وإنّ شهادتي على حُجر أنّه رجل مسلم عفيف يُقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم شهر رمضان ويُديم الحجّ والعُمرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، وإنّ له لغناءً في الإسلام، وقد رفعتُها إليك فتقلّد معها ما أنت مختار لنفسك، والسلام(١) .
فقال معاوية حين قرأ كتاب شُريح: أمّا هذا فقد أخرج نفسه من الشهادة(٢) .
لو كان ابن هند مسلماً لسأل نفسه: أنا أعرف حجراً حقّ المعرفة، وإنّه على ما وصف شُريح؛ فإنّه حرامُ الدم والمال لمجموع الخصال التي ذكرها شُريح. ثمّ إنّ ابن سميّة قد أقحمَ اسم شُريح في الشهود؛ لماذا؟! هل هذا إلّا تدبير من ابن سميّة لقتل حُجر؟ ولماذا هذا العدد الكبير من الشهود؛ أليس سعياً حثيثاً منه لإمضاء وتحقيق نيّته؟!
هرب المختار
أمّا المختار بن أبي عبيد الثقفي رضي الله عنه، الذي ظلمته الدعاية الزبيريّة والأُمويّة إذ رمته بالكذب وغيره فقد هرب هو، وعروة بن المغيرة بن شُعبة من أن يشهدا(٣) .
فإنّ المختار، يهرب من الكوفة لئلاّ يشهد شهادة زُور على حُجر وأصحابه، فيها سفكُ دمائهم، وسيرته الجهاديّة التي قلّ نظيرها! فهو سجين ويتوعّد ابن مرجانة ويحلف بالله أن ينتقم منه ومن قَتَلةِ الحسينعليهالسلام ! ويُحقّق ذلك. وهو يفارق ابن أسماء
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٤، وذكره الطبري مختصراً.
(٢) نفس المصادر السابقة.
(٣) نفس المصادر السابقة.
عبد الله لـما رأى منه من تقليبه المواقف، فلمّا تمكّن من الكوفة وأخرج عامل ابن أسماء منها وأخذ بثأر الإمام الحسينعليهالسلام ، نشرت إذاعة الشجرة الملعونة، والزبيريّة أكاذيبها بشأنه تمهيداً لإضعاف ركنه ومن ثَـمَّ مهاجمته، فتوقّف جيش الشأم الـمُعدّ للقضاء على ابن أسماء وتوجّه مصعب بن الزبير فأجهز على المختار رضي الله عنه. ويكفي بحقّه شهادات أهل البيتعليهمالسلام .
ابن بُزَيعة: وكان فيمَن شهد على حُجر: شَدّاد بن المنذر أخو حُضين بن المنذر لأبيه، وكانت أُمّه نَبَطيّة، واسمها بزعة وكانت تُصغّر فيقال بُزَيْعة، ولم يكن يُنسب إلّا إليها، فلمّا مرّ اسمُه بزياد فرأى: وشهد شَدّاد بن بُزَيْعة قال: أمَا لهذا أبٌ يُنْسب إليه؟ فقالوا: هذا أخو حُضَين بن المنذر الرقاشي فقال: اطرحوا اسمه! فقال شدّاد: وَيْلي على ابن الزانية وهل يُعرف إلّا بسميّة الزانية!(١)
هكذا فعلت دعوة ابن هند لابن سميّة! فجعلته يصول ويقطع الرؤوس والأيدي والأرجل من خلاف! وينكر على مَن يُعرف بأمّه مع معرفة أبيه! ولا ينكر على نفسه وهو بالأمس: ابن سميّة وابن أبيه وابن عُبيد؛ واليوم إذ أشركه ابن هند في الإثم بقبول الدعوة ونسبته إلى أبي سفيان الرذيل، نسى أمسه الذي لم ينسه الناس فهو لا يزال عندهم: ابن سميّة ابن أبيه، وعند البعض ابن عُبيد، وكما ذكرنا: فإنّ هذا هو اسمه في كتب النسب والتاريخ، وإذا ذكره أحدُهم ضمن آل أبي سفيان قال: ولد أبي سفيان:...، وزياد بن أبيه، أو زياد بن سميّة والي العراق!(٢)
وحمل زياد حُجراً وأصحابه إلى معاوية في السلاسل على جِمال اكتراها لهم صعاباً،
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٤.
(٢) انظر جمهرة النسب، لابن الكلبيّ (ت ٢٠٤ هـ): ٤٩ وغيره من كتب النسب والرجال والتاريخ.
ووجّه معهم شَبث بن رِبْعي الرياحي، ووائل بن حُجر الحضرمي، ومَصْقَلة بن هُبَيرة الشيباني، وكثير بن شهاب الحارثي، وكتب إليه: قد بعثت إليك بحُجر ووجوه أصحابه، ومُضي بهم إلى الشأم فلم يُدخلوا على معاوية، وأمر أن يُحبسوا بمَرْج عَذراء، فحُبسوا هناك؛ وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلاً. وكتب معاوية إلى زياد: إنّي متوقّف في أمرهم. وتوقّف معاوية في أمرهم، فمرّةً يرى قتلهم ومرّةً يرى الصفح عنهم، فكتب إليه زياد: قد عجبتُ من اشتباه الأمر عليك في حجر وأصحابه، وقد حضرتُ أمرهم، وشهد خيار أهل المصر بما شهدوا به عليهم، فإن كانت لك في المصر حاجة فلا تُردّن حُجراً وأصحابه. فلمّا قرأ معاوية الكتاب في جواب ما كتب به إلى زياد، قال: ما ترون يا أهل الشأم؟ فقال عبدالرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، وهو ابن أمّ الحكم أخت معاوية: جِذاذَها جِذاذَها(١) فقال معاوية: لا يُغني أمراً، وخرج أهل الشأم لا يدرون ما قال معاوية وعبدالرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أمّ الحَكَم، فقال النعمان: قُتل القوم. فكُلّم معاوية في ورقاء بن سُمَيّ وعاصم بن عوف، وكتب فيهما جرير بن عبد الله البَجَلي، فشفّعه معاوية ووهبهما له. وكلّمه أبو الأعور السُلَمي في عُتبة بن الأخْنس فوهبه له، وكلّمه حمزة بن مالك الهَمْداني في سعيد بن نِمْران فوهبه له، وكلّمه حبيب بن مَسلمة الفِهْري في ابن حَوِيّة فخلّى سبيله. وكُلِّم في الأرقم بن عبد الله الكندي فخلّى سبيله. وكلّمه مالك بن هُبَيرة السَكوني في حُجر فلم يُجْبه، وقال: هذا رأس القوم وهو أَنغَل المصر وأفسده، ولئن وهبته لك اليوم لتحتاجنّ أن تقاتله غداً، فقال: والله ما أنصفتني، قاتلتُ معك ابن عمّك حتّى ظفرتَ، ثمّ سألتك ابن عمّي فسطَرت عليَّ من القوم ما لا أنتفع به، ثمّ انصرف فجلس في بيته(٢) .
____________________
(١) جذذ: قطع، أي اقتل اقتل. النهاية، لابن الأثير.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٥ - ٢٦٦، الطبري ٤: ٢٠٣ - ٢٠٤.
لا والله ما صدقت يا ابن هند، وما كنت قبل اليوم صادقاً! وكفى بكتاب شُريح الذي كذب عليه ابن سميّة إذ كتب شهادته على حُجر، وشُريح غائب، وقد كذّب ابن سميّة في كلّ أمرٍ افتراه على حجر، ونعَتَ حُجراً بمكارم الأخلاق. وقبل شُريح حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد أنبأ بمقتل رجالٍ في مَرْج عَذراء يغضب لهم الله وأهل السماء. فيومُك طويل يا ابن هند من حُجرٍ وأصحابه الكرام.
وممّا يؤيّد أنّ ابن هند لم يكن مصدّقاً لكتاب ابن سميّة بشأن حجر وأصحابه، توقّفه في أمرهم وحبْسهم بمرج عذراء لا يدري: يقتلهم أو يعفو عنهم، وقد أعلم ابن سميّة بتوقّفهِ وهو الذي أمر بقتل الشيعة تحت كلّ حَجَرٍ ومَدرٍ وبأيّ ذريعة؛ كيف وقد كتب إليه أخوه في الشقاء وبتحرير ابن المخذّل عن عليّعليهالسلام ، يوم الجمل وصاحب الخاتم المخلوع يومَ صفّين؛ وبشهادة سبعين رجلاً من خوارج وعثمانيّة الكوفة؟! وأيضاً ما ذكره البلاذريّ، قال: وبعث معاوية إلى من بقي منهم - أي مَن بقي بعد تخلية أولئك بشفاعة أصحابه - بأكفانٍ وحَنوط مع رجل من أهل الشأم ليُرعبهم بذلك، وأمره أن يدعوهم إلى البراءة من عليّ وإظهار لعنه، ويَعِد مَن فعل ذلك أن يتركه، فإنْ لم يفعلْ قُتل، فإنّ دماءهم حلال بشهادة أهل مصرهم عليهم فقالوا: أللّهم إنّا لا نفعل ذلك، ثمّ أمر بقبورهم فحُفرت وأُدنيت أكفانهم؛ فقاموا الليل يصلّون، فلمّا أصبحوا عرض عليهم مثل الذي عرض فأبوه(١) .
ابن هند، مصدّق لإسلام هذه الكوكبة بإرساله الأكفان والحَنوط وإن كان البلاذريّ فسّر ذلك ليُرعبهم فيُعلنوا البراءة من عليّ ويعلنوه فإن فعلوا خلّى سبيلهم، وإلاّ حلّتْ دماؤهم بمفترض ابن هند وهو أمرٌ مقبول في شرع ابن هند؛ إلّا أنّهم لم
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٦. وانظر: الطبري ٤: ٢٠٥.
يفعلوا فقتلهم ثمّ كفّنوهم وصلّوا عليهم ودفنوهم نحو القبلة! فانتفت بذلك شهادة الزور التي دبّرها ابن سميّة في كفرهم وخروجهم على الشرع، وسقطت شهادة سبعين رجلاً؛ إذ لا يُفعل مثل ذلك إلّا بمسلم.
قالوا: لـمّا رأى حُجر الأكفان قال: تُكفّنوننا كأنّا مسلمون، وتقتلوننا كأنّا كافرون(١) .
قالوا: بعث معاوية رجلاً وقال له: امضِ حتّى تجلس إلى الحسين وتنعي حُجراً، وانظر ما يقول؛ فقال له الرجل: إنّ معاوية قتل حُجراً وأصحابه، قال: ثمّ صنع ماذا؟ قال: كفّنهم ودفنهم، فقال: خصموه وربّ الكعبة، ثمّ ترحّم على حجر(٢) .
وكان الحسن إذا ذكر معاوية قال: وَيْلُ معاوية من حجر وأصحاب حجر، يا وَيْلَهُ(٣) .
المدائني عن مسلمة وغيره أنّ معاوية لـمّا احتُضر جعلوا يقلّبونه فيقول: أيّ جسدٍ يقلّبون إن نجا من ابن عديّ(٤) .
المدائني قال: كتب معاوية إلى زياد: أنّه قد تلجلج في صدري شيء من أمر حُجر، فابعث إليَّ رجلاً من أهل المصر له فضل ودين وعلم، فأشخص إليه عبدالرحمن بن أبي ليلى وأوصاه أن لا يقبّح له رأيه في أمر حجر، وتوعّده بالقتل إن فعل، قال ابن أبي ليلى: فلمّا دخلتُ عليه رحّب بي وقال: اخلع ثياب سفرك والبس ثياب حضرك، ففعلت وأتيته، فقال: أما والله لوددت أنّي لم أكن قتلت حُجراً، ووددتُ أنّي كنت
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٦.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٧٢.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٧٣.
(٤) نفس المصدر السابق: ٢٧٥.
حبسته وأصحابه أو فرّقتهم في كُورِ الشأم فكفتنيهم الطواعين، أو مَنَنْتُ بهم على عشائرهم. فقلت: وودتُ والله أنّك فعلتَ واحدةً من هذه الخِلال، فرجعت وما شيء أبغض إليّ من لقاء زياد، وأجمعتُ على الإستخفاء، فلمّا قدمت الكوفة صلّيت في بعض المساجد، فلمّا انفتل الإمام إذا رجل يذكر موتَ زياد، فما سررتُ بشيء سُروري بموته(١) .
ولقد كان في قتل حجر صبراً - مَن يُقتل مأسوراً خارج ساحة الحرب - امتحاناً عسيراً ابتُلي به مَن قعد عن نُصرته ومقاومة الظالم.
عن الحسن - البصريّ - وكان مع الربيع بن زياد بناحية خراسان، قال: قال الربيع لـمّا بلغه قتل حجر وأصحابه: ألا إنّ الفتنة قد كانت تكون ولم يكن قتلُ الصبر، وقد قُتل حُجر وأصحابه صبراً، فهل من ثائر، هل من مُعين، هل من منكر؟! قال ذلك مراراً، فلم يُجبه أحد، فقال: أما إذا أَبَيْتُم فسَتُبْتَلون بالقتلِ صبراً على الظلم(٢) .
وفعلاً حصل ذلك، إذ تمادى ابن سميّة في غيّه فيقتل على الظنّة والريبة ويقطع أيدي وأرجل الناس من خِلاف! وتابعه على سيرته ابن مرجانة، وكان فيمَن قتل: سيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّعليهماالسلام ، وكان عليه شديداً، توعّد عمر بن سعد بن أبي وقّاص (كان سعد بن أبي وقّاص من القاعدين عن بيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام) ، وكان قد جعله على قيادة أهل الشأم وعدّتهم تجاوزت اثنى عشر ألفَ مقاتل مضافاً إلى عثمانيّة’ الكوفة وخوارجها وعدّتهم أربعة آلاف؛ لقتال الحسينعليهالسلام، وجاء الحجّاج الثقفيّ الـمُبير الكذّاب الذي ذكره النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأمّا مبير: فقد سأل عن محاسن - كذا! -
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٧٥.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٧٥ - ٢٧٦.
سيرة ابن سميّة ومساوئها؟ فأخذ بمساوئها وترك محاسنها وكان من قتلاه سيّد التابعين والقُرّاء سعيد بن جُبير رضي الله عنه، فكان يقطع الأعضاء ويسمل العيون وقطع الألسن ويَدفنُ الأحياء.
وروي أنّ الحسن بن الربيع قال: رَبِّ إنّ حُجراً قُتل صبراً، فإن كنت مُغَيّراً ذلك وإلاّ فاقبضني إليك، فمات من ليلته(١) .
البلاذريّ: حدّثني عبّاس بن هشام عن أبيه قال: كان حُجْر فتحَ حين غزا المسلمون الشأم مَرج عَذراء، فلمّا أرادوا قتله وهو بها قال: لئن قُتلتُ بها إنّي لأوّلُ مَن نَبَحَتْهُ كَلابُها ومشى في أكنافها وكبّر في واديها(٢) .
عن ابن عوانة عن أبيه قال: دعا معاوية هُدْبة بن الفيّاض الأعور فأعطاه سيفاً، وسرّح معه عدّة رجال وأمره أن يعرضهم على البراءة من عليّ، فإن فعلوا وإلاّ قتلهم، وبعث معه بأكفان وأمر بأن يُقبروا، فعرض عليهم ما أمر به معاوية، فلم يجيبوا، فقُتلوا وذُبحَ حُجر ذبحاً، وبلغ أمّه فشهقت وماتت. وقال عليّ بن الغدير:
لو كان حُجْرٌ من بَجيلَةَ لم يُنَلْ |
هناك ولم يُقرَع بأبيض صارِمِ |
|
يَزيدهُمُ أَنْجى أسارهُ بعدما |
جَرَى قَتْلُهُم ذبْحاً كذبح البهائمِ |
يعني: يزيد بن أسد بن كُرْز البَجَلي جدّ خالد بن عبد الله بن يزيد القسري، لأنّه تكلّم في مَن كان من بَجيلة فوُهبوا له، وهم ثلاثة(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٧٦.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٧١.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٦٨.
أسماءُ مَن اجتمع في سجن زياد
قالوا: فاجتمع في سجن زياد من الشيعة أربعة عشر رجلا وهم:
حجر بن عديّ، صيفيّ بن فَسيل الشيبانيّ، قَبيصة بن ضُبَيْعة بن حَرْملة العَبْسي، كِدام بن حيّان العَنزي، واخوه عبد الرحمن بن حيّان، كريم بن عَفيف الخَثْعمي، كعب ابن الأسْلع بن عَمرو الـمُراديّ، مُحْرِز بن شِهاب بن مُحرِز بن سُمَيّ التميمي، الأرقم ابن عبد الله الكندي، شريك بن شَدّاد الحَضْرميّ، عاصم بن عَوْف البَجَلي، وَقاء بن سُميّ البَجَلي، وعُتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر، وسعيد بن نمران الناعطي من هَمْدان(١) .
قصّة حُجْر مع ابن الأشعث
بيت الأشعث هو بيت العنكبوت، فالأشعث بن قيس الكنديّ جاهليّ إسلاميّ، ثمّ ارتدّ عن الإسلام فأُسِر، وله في ذلك قصّة طريفة: فإنّ خالد بن الوليد رأى من إسلام مالك بن نُوَيْرَة وحسن صلاتهم وقد أذّنوا مثل أذان جماعة خالد ونفى بشدّة إن كان قد ارتدّ هو أو أصحابه، إلّا أنّ خالد أصرّ على ردّته، فلمّا قدّم لقطع رأسه قال: يا خالد! بهذه قتلتني وأشار إلى زوجته وكان فيها جمال؛ فقطع رأسه ورؤوس مَن معه وجعل رؤوسهم أثفيةً، أي وقوداً! طبخوا عليها ثمّ أكلوا، ودخل خالد بزوجة الشهيد مالك من ليلته تلك! فلمّا كلّم عمر أبابكر بشأن خالد وجريمته تلك وأنّ عليه أن يعزله وألحَّ في ذلك قال أبوبكر: لا أغمدُ سيفاً سلّة الله على أعدائه فصار خالدُ يُعرف بسيف الله!
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٢.
وخالد إذ يصنع ذلك بمسلمين لم يثبت عليهم شيءٌ، فإنّه أرسل الأشعث ورجاله مقيّدين إلى أبي بكر، وقد ثبت عليهم أنّهم ارتدّوا فلم يقتلهم، وقال الأشعث لأبي بكر وهو مقيّد اعفو عنّي، قال: عفوتُ عنك! فقال وهو ما زال مقيّداً: وزوّجني أختَك أمّ فَروة، قال: زوّجتك! ثمّ فكّ القيود عنهم وزوّجه أمّ فروة. ويوم صفّين كان مع أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ولـمّا وقع الخلاف بعد خديعة رفع المصحف كان الأشعث في صفّ الخوارج.
ولابنه هذا محمّد بن الأشعث أدوارٌ قذرة! منها غَدره بحجر بن عديّ، ثمّ غدره بالإمام الحسينعليهالسلام حيث كاتبه فلمّا جاء الحسينعليهالسلام غدر به فكان في صفوف من قاتله. وقبل الحسينعليهالسلام غدر بمسلم بن عقيل وأعان ابنَ مرجانة في الوصول إلى مكان مسلم.
وجَعدة بنت الأشعث زوجة الإمام السبط الزكي الحسن بن عليّعليهالسلام، فأرسل إليها ابن هند مكتوباً إن هي سمَّت الإمام الحسن أن يعطيها مبلغاً من المال ويزوّجها من يزيد. فلمّا فعلت ما أراد، وفى لها بالمال ولم يزوّجها يزيد لئلاً تصنع به ما صنعته بالإمام الحسنعليهالسلام، فخسرت الدنيا والآخرة.
وله دور في الغدر بحجر بن عديّ رضي الله عنه شبيه بدوره في الغدر بمسلم بن عقيل. فإنّ ابن سميّة لـمّا اقتحم الكوفة، تغيّب حُجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا زياد جالسٌ يوماً وأصحاب الكراسي حوله فيهم محمّد بن الأشعث بن قيس إذ أتى ابنَ الأشعث ابنه فناجاه وأخبره أنّ حجراً قد لجأ إلى منزله، فقال له زياد: ما قال ابنُك؟ قال: لا شيء، قال: والله لتُخْبرني ما قال لك حتّى أعلم أنّك صدقتني، أو لا تبرح مجلسك حتّى أقتلك، فأخبره، فقال لرجلٍ من أشراف أهل الكوفة: قُمْ فاتني به،
قال: أعفني لا أصلحك الله من ذلك وابعث غيري، فقال: لعنة الله عليك مخبث خبيث، والله لتأتيني به أو لأقتلنّك، فخرج الرجل حتّى دخل عليه وأخبره الخبر، وقال له: إبعث إلى جرير بن عبد الله ليكلّمه فيك، فإنّي أخاف أن يعجل عليك، فدخل جرير على زياد فكلّمه فيه، فقال: هو آمن أن أقتله، ولكنّي أخرجه إلى معاوية فجاء به على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطاً معه، وكتب إلى معاوية أن أَغْنِ عنّي حجراً إن كان لك بما قِبَلي حاجةٌ، فبعث معاوية إليه فلقاه بالعَذراء فقُتل هو وأصحابه(١) .
أيُّ أمانٍ هذا؛ وإن لم يقتله فقد بعث به إلى ابن هند وأردفه بكتابٍ وكأنّ العراق رهينٌ بوجود حُجر رضي الله عنه، فإن لم يُباشر ابن سميّة قتْلَ حجر، فقد حرّض ابن هند أشدَّ التحريض على قَتلِ حجر؛ وابن هند لم يُباشر بنفسه قتلَ حجر وإنّما أمر مَن ينفّذ ذلك حاله حال الآخرين الذين قتلهم؛ والحال نفسه في شهادة الإمام الحسينعليهالسلام، فهو الذي أمر بقتله وأعطى الأمر إلى ابن مَرْجانة وترك هذا قيادة الجيوش إلى عمر بن سعد؛ فكلّهم قتلة: الآمر والقائد والمباشر لقتله وكلّ من أركض فرسه في ميدان الحرب.
ابن سميّة
لقد جدَّ ابنُ هندٍ وسعى غاية المقصود لاستلحاق ابن سميّة وضمّ نسبه إلى نسبه من خلال دعوته إلى رَبيبه أبي سفيان إلّا أنّ فَلَتات لسان ابن هند سواء في النُطق بحقّ أعدى أعدائه والإقرار بفَضْلِه، أو نقض ما أبرم!
المدائني قال: لـمـّا بلغ عائشة أخذُ حجر وحمْل زياد إيّاه وجّهتْ إلى معاوية عبدَ
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٧٩.
الرحمن بن هشام في أمره، فقدم عليه وقد قتله وأصحابه، فقال له: أين كان حلمك؟! فقال: غاب عنّي مثلك من حلماء قومي، وحملني ابنُ سميّة فاحتملت!(١)
متى كان حليماً مَن تأخّر أمره حتّى إذا ضاقت به السُبُل أظهر الإسلام جُنّةً وخرج منه كما صنع رَبيبُه أبوسفيان؛ ومتى كان حليماً مَن حكم عليه رسولُ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بجهنّم، ولعنه في سبعة مواطن ولعن رَبيبَه القائل: تلقّفوها يا بني أميّة تلقُّف الكرة فإنّ الأمر على غير ما يصفون؛ فما من جنّةٍ ولا نار!
وهو الذي شملته دعوةُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فكان يأكل ولا يشبع ويقعد بطنَه على فخذيه لعظمِها! وهو القائل لأهل العراق: ما قاتلتكم لتصلّوا وتحِجّوا وتصوموا وتزكّوا...، أنّي أعلم أنّكم تفعلون ذلك، ولكن قاتلتكم لأتأمّرَ عليكم.
وهو القائل ما قال في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبشهادة المغيرة بن أبي شعبة وغيره من أقرب رجاله إليه.
أحليمٌ مَن يمدُّ عنقه لجاريةٍ فارسيّة وهي تلوي السَوْط على رأسه، وتخدعه فارسيّة أخرى فيخرج على القوم مفتخراً فيقول: أنا الكَفْتار - أي الضَّبُع الأعرج - وهو يظنّ أنّها صدقته القول إذ سألها عن اسم السَّبُع بالفارسيّة، فقالت: كَفْتار، فلمّا قال ذلك، ضحِك منه القوم وسخروا.
ومتى كان حليماً مَن ألحق ابن سميّة بأبي سفيان، من زنيةٍ مشترك أمرها! فصيّره أخاه بذلك يجوز له أن يخلو بأُختِه مكشوفة الرأس! وهو نفسه بـهِنْدٍ ألصق وأصدق ولم يثبت أنّه لأبي سفيان!
وما وجدناه في كتاب له ابن سميّة، ولا الأخير إلى ابن هند، أو في خطاب لأحدهما
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٧٣.
يذكر الثاني بمفهوم الأَخَويّة! ولقد وجدنا ابن هند يذكر هنا أي في جوابه لمبعوث عائشة، فيقول: ابنُ سُميّة فردّهُ إلى اسمه الّذي كان به يُعرف!
ووجدنا ابن هند وخير تجارته إلى الهند هي الاصنام المصنوعة من النّحاس، ولكنّ الراوي لم يذكر إن كان ابن هند قد جعل لتلك الأصنام من أسماء مثل هُبَل وغير ذلك؟!
وهل يكون حليماً مَن قاتل وحارب الله ورسولَه من خلال حربه لعليٍّعليهالسلام؛ وسبّهما ولعنهما إذ سبّ عليًّا ولعنه وأعلن البراءة منه؟!
قال الهيثم: قال عوانة: قال حُجر: والله لقد فتحت هذا الموضع وإنّي لأرجو أن أكون شهيداً فيه؛ وهو كان فتح مرج عذراء(١) .
وكان هُدْبَة الذي أمره ابن هند بقتلهم أعور فلمّا رآه كريم بن عفيف الخَثْعَمي قال: يُقتل نصفُكم وينجو نصفُكم، فقال ابن نِمْران: أللّهم اجعلني ممّن ينجو وأنت عنّي راضٍ، وقال عبدالرحمن بن حيّان العَنزي: أللّهم اجعلني ممّن يُكْرَم بهوانِهم وأنت عنّي راضٍ، فعزلوا الثمانية، وعرضوا على الباقين البراءة من عليّعليهالسلام فقال كريم بن عفيف وعبدالرحمن بن حيّان: انطلقوا بنا إلى معاوية فنحن نقول بقوله، فعزلوهما وأبى الآخرون.
وأخذ كلّ رجل رجلاً فقتله، وصلّى حُجر ركعتين ثمّ قتله الأعور بن فيّاض، ويقال ذبحه ذبحاً. وجيءَ بكريم الخثعمي وعبدالرحمن بن حيّان إلى معاوية، فأمّا الخثعمي فقال له: ما تقول في عليّ؟ قال: مثل مقالتك أنا أبرأُ من دين عليّ الذي يدينُ به فحبسه ليستبرئ أمرَه، فكلّمه فيه شَمِر بن عبد الله الخَثْعميّ فخلّى سبيله على أن لا
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٦٨.
يدخل الكوفة، فأتى الموصل فأقام بها ومات قبل معاوية بشهرٍ. وأمّا ابن حيّان فقال له: ما تقول في عليّ؟ قال: من الذاكرين كثيراً والآمرين بالحقّ سرّاً وجهراً، فلا تسألني عن غير هذا فهو خيرٌ لك، فبعث به إلى زياد وكتب إليه أن اقتُلْه شرَّ قتْلةٍ فبعث به إلى قُسّ الناطف فدُفن حيّاً(١) .
إنّ الخثعميّ لم يحقّق لابن هند أُمنيته التي هي محور أمره وشوقه وهو البراءة من أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام لأنّ البراءة منه براءة من رسول الله و من الله تعالى الذي جعله وليّاً للمؤمنين. ولكنّه وجد لنفسه مخرجاً وفي الوقت نفسه إدانةً لابن هند! فهو علّق جوابه وقوله على مقالة ابن هند في دين عليّ عليه السلام! فهو يبرأ من مثل هذا الدين؛ وهذا يعني أنّه لم يبرأ من دين عليّ الذي هو دين النبيّ صلى الله عليه وآله وقد فهم ابن هند هذا المعنى ولذلك حبسه شهراً، وشفع فيه فأخلى سبيله بشرط أن لا يدخل الكوفة، فتخلّص.
وأمّا عبد الرحمن بن حيّان فقد كان صلباً في موقفه جريئاً على ابن عند وأسمعه الموجع من القول، فحوّله إلى ابن سميّة لمعرفته بجرأته على الله تعالى، وأوصاه بما هو غنيّ عنه فدفنه هذا حيّاً.
وفي تاريخ الطبريّ: مثل ما في أنساب الأشراف. قال: وقال لهم رسول معاوية: إنّا قد أُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وإنّ أمير... يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنّه قد عفى عن ذلك فابرؤوا من هذا الرجل نُخلِ سبيلكم! قالوا: أللّهمّ إنّا لسْنا فاعِلي ذلك؛ فأمر بقبورهم فحُفرت وأُدنيت أكفانهم وقاموا اليلَ كلَّه يُصلّون فلمّا أصبحوا قال أصحابُ معاوية: يا هؤلاء! لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم
الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أوّل من جار في الحكم وعمل بغير الحقّ، فقال أصحاب معاوية: أمير... أعلم بكم، ثمّ قاموا إليهم فقالوا: تبرؤون من هذا الرجل؟ قالوا بل نتولاّه ونتبرّأ ممّن تبرّأ منه؛ فأخذ كلّ رجل منهم رجلاً ليقتله...(١) .
بين الإمام الحسنعليهالسلام، وابن سميّة
إنّ زياداً وهذا أحسن ما كان يُسمّى به، وإلاّ فالشائع ابن أبيه وابن سميّة، وابن عُبيد؛ وابنُ هند وبعد دعوته فصيّره إلى ربيبه أبي سفيان فهو في مواطن الوعد والوعيد يردّه إلى عبيد وإلى سميّة، وحتّى الناقص ابن ميسون إذا غضب عليه فعل ذلك. وليس في أن يُسمّى الرجل باسمِه مجرّداً عيب، إنّما العيب أن يُنسب إلى غير أبيه أو يُدعى إلى غيره مواليه.
عن ابن عون عن أبيه قال: لـمّا ادّعى معاوية زياداً وولّاه، طلب زياد رجلاً كان دخل في صلح الحسنعليهالسلام فكتب الحسن فيه إلى زياد ولم ينسبه إلى أب، فكتب إليه زياد: أمّا بعد فقد أتاني كتابك في فاسق يؤوي مثله الفسّاق من شيعتك وشيعة أبيك! وأيم الله لأطلبنّه ولو بين جلدك ولحمك فإنّ أحبّ إليّ آكُلُه لَلَحْمٌ أنت منه.
فلمّا قرأ الحسن الكتاب قال: كفر زياد، وبعث بالكتاب إلى معاوية فلمّا قرأه غضب فكتب إليه: أما بعد يا زياد فإنّ لك رأيين، رأي أبي سفيان ورأي سميّة، فأمّا رأيك من أبي سفيان فحزْمٌ وحلم، وأمّا رأيك من سميّة فما يشبهها! فلا تعرض لصاحب الحسن فإنّي لم أجعل لك عليه سبيلاً، وليس الحسن ممّا يرمي به الرجوان(٢) وقد عجبت من
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ٢٠٥.
(٢) أي يُستهزأ به. القاموس.
تركك نَسَبَه إلى أبيه أفإلى أمّه وَكَلْتَهُ وهي فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فالآن اخترتَ له والسلام(١) .
الإمام المجتبى سيّد شباب أهل الجنّة سمّى زياداً ولم ينسبه إلى أب لِلْشُبْهةِ في ذلك؛ فصبَّ عليه ابنُ هند شآبيب غضبِه، فليختر أيّها أقلّ إيلاماً؟!
شهداء يوم مَرْج عَذْراء
حجر بن عديّ الكنديّ، وشريك بن شدّاد الحضرميّ، وصَيفي بن فَسيل الشيباني، وعبد الرحمن بن حسّان العَنزي، وقبيصةُ بن ضُبَيْعَة العَبْسيّ، وكدام بن حيّان العَنْزيّ، ومُحْرِز بن شهاب الـمِنقريّ(٢) .
فهؤلاء سبعة شهداء سُعداء وقد استُشهدوا بتمسّكهم بولاية أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، فلهم الجنّة والرضوان ولـمَن قتلهم عذابُ جهنّم والخلود في عذاب السعير. قال عبيدة الكندي وهو يعيّر محمّد بن الأشعث بخذلانه حُجراً:
أسلمتَ عمَّك لم تُقاتل دونه |
فَرَقاً ولولا أنت كان مَنِيعا |
|
وقتلتَ وافدَ آل بيتِ محمّدٍ |
وسَلَبتَ أسيافاً له ودُرُوعا(٣) |
ولـمـّا عزل زياد أنس بن أبي إياس عن ولاية خراسان وولّى مكانه خلَيد بن عبد الله الحنفي، قال أنس:
____________________
(١) أنساب الأشراف ٣: ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٧١، تاريخ الطبريّ ٤: ٢٠٧، جمهرة النسب: ٢٣٢ - ٤٥٠، طبقات ابن سعد ٦: ٢١٧، تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٣١، رجال البرقيّ: ٥، رجال ابن داود: ١٨٩. وفي الاشتقاق: ٤١٢ (كعب بن الأَسْلَع الـمُراديّ، قُتل مع حُجر بن عَديّ).
(٣) تاريخ الطبري ٤: ٢١٢.
ألا مَن مبلغٌ عنّي زياداً |
مُغَلغَلةً يَخُبُّ بها البَريدُ |
|
أتَعزِلني وتطعمها خُليداً |
لقد لاقتْ حنيفةُ ما تريدُ |
|
عليكم باليمامةِ فاحرُثوها |
فأوّلكم وآخرُكم عبيدُ(١) |
قالوا: وكان رجل من بني مخزوم أعمى يُكنّى أبا العُريان، فمرّ به زياد في موكبه، فقال: مَن هذا؟ قالوا: زياد بن أبي سفيان! قال: ما ولَدَ أبو سفيان إلّا فلاناً وفلاناً، فمَن هذا فو الله لرُبَّ أمرٍ قد نقضه الله، وبيتٍ قد هدمه الله، وعبدٍ قد ردّه الله إلى مواليه، فبلغ معاوية قوله، فأرسل إلى زياد: ثكِلَتْك أمّك اقطع لسان بني مخزوم، فبعث إليه بألف دينار وقال لرسوله: أقرئْه السّلام وقل له: يقول لك ابن أخيك أنفق هذه حتّى يأتيك مثلها، ومرَّ به زياد من الغد فسلّم فقال قائل: مَن هذا؟ فقال أبو العُريان: هذا زياد بن أبي سفيان، وجعل يبكي ويقول: والله إنّي لأعرف منه حَزْم أبي سفيان ونُبْله وأشبّه جِرْمه بجرمه، وبلغ معاوية خبره فكتب إليه:
ما لَبَّثَتْك الدنانيرُ التي رُشِيَتْ |
أنْ لَوَّنَتْك أبا العُرْيان ألوانا |
|
للهِ دَرُّ زيادٍ لو يُعَجِّلُها |
كانت له دونَ ما يَخْشاهُ قُربانا |
فكتب إلى معاوية:
أحْدِثْ لَنا صِلَةً تَحْيا النفوس بها |
قد كِدْتَ يابْنَ أبي سفيان تَنْسانا |
|
مَن يُسْدِ خيراً يَجِدْهُ حينَ يَطْلُبُهُ |
أَوْ يُسْدِ شرّاً يَجِدْهُ حيثما كانا(٢) |
قال الـهَيْثم: كان لزياد صديق من بني شيبان يقال له عُمَير، فقال له زياد يوماً: كيف
____________________
(١) تاريخ الطبري ٤: ٢١٣، أنساب الأشراف ٥: ٢٣٠.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٢٩.
ترى عملي؟ قال: أراك أصلحتَ الناس بفساد نفسك! فقال له زياد: ما فَسُدَ مَن صلحتْ عليه العامّة(١) .
يقطع يداً على درهم!
تعرّض رجل من أصحابه لرجلٍ في سفينة فأخذ منه درهماً وقال: أُمرتُ أن أَجبي من كلّ سفينة درهماً، فأخذ الرجل فقطع يده(٢) .
وحَمَل الربيع مرزبانَ مَرْو إلى زياد، فأمر الناسَ فصُفّوا من الـمِربَد إلى دار الإمارة وعليهم السلاح، فقال: كيف رأيت عُدّتنا مع قُرْب عهدنا بالسلطان؟ فقال: ما أحسنَ ما رأيتُ؛ قد ملك السلاحَ قبلكم أقوامٌ فلم أرَهُ أغنى عنهم شيئاً حين انقطعت آثارُهم وانقضت مدّتهم(٣) .
اقتداء ابن سميّة بسيرة عمر
عن الشعبي قال: أتى عامر بن مسعود زياداً بأبي علاقة التميمي فقال: أصلح الله الأمير، إنّه هجاني فقال:
وكيف أُرَجّي بعد يومي نَماءَها |
وقد سارض فيها خُصْيَةُ الكلب عامرُ |
فقال أبو عِلاقة: لم أقل هكذا، ولكنّي قلت:
وإنّي لأرْجو بعدَ يومي نَماءَها |
وقد سار فيها يأخُذُ الحقَّ عامرُ |
فقال زياد: قاتل الله الشعراءَ يقلّبون ألسنتهم كما يريدون، والله أن تكون سُنّةص يُقْتدى بها لقطعتُ لسانَه، فقام قيس بن قهْد الأنصاري فقال: أُحدّثك بما سمعتُ من
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٣١.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٣٠.
عمر بن الخطّاب، شهدتُه وأتاه الزبْرِقان بن بَدْر بالحُطيئة العَبْسي فقال له: هجاني، فقال: وما قال لك؟ قال:
دَع المكارِمَ لا تَرْحل لبُغْيتها |
واقعد فإِنّك أنت الطاعِمُ الكاسي |
فقال عمر: ما أسمع هجاءً ولكنّها معاتبةٌ جميلة! فقال الزبرقان: أوَما تُبلغ مُروءتي إلّا أن آكل وألبس؟! فقال عمر: عليَّ بحسّان بن ثابت، فسأله عمر عن البيت فقال: لم يَهْجُه ولكنّه خَرِئَ عليه، فأمر به عمر فحُبس ببئر وأُلقيت عليه خَصَفة، فقال الحُطَيئة:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بِذي مَرخٍ |
حُمْر الحَواصِل لا ماءٌ ولا شَجرُ |
|
أَلْقَيْتَ كاسِبَهم في قَعْرِ مُظْلِمةٍ |
فاغفرْ عليك سلامُ الله يا عمرُ |
فأخرجه عمر وقال: إيّاك وهجاء الناس! قال: إذاً يموت عِيالي جوعاً، هذا كسبي ومعاشي! قال: فإيّاك والقَذْعَ وأن تقول في شعرك فلانٌ خيرٌ من فلان. وفلانٌ أكرمُ من فلان، فقال الحطيئة: أنت والله أَهْجى منّي؟! فقال عمر: والله لولا أن تكون سُنَّةً لقطعتُ لسانك، ولكن خُذْه إليك يا زِبْرِقان؟! فألقى الزبرقان في عنقه عمامته وجعل يقوده...؛ فأمر زياد عامر بن مسعود أن يفعل بأبي عِلاقة مثل ذلك، فألقى في عنقه نِسْعة واجترّه بها...(١) .
عن ابن شُبْرُمة قال: قال ابن سميّة (والتسمية له): من عرّض عرّضنا له بالسَوْط، ومَن صرّح صرّحنا له بالحدّ، يعني التعريض بالشتيمة(٢) .
المدائني قال: حُصب زياد على منبر الكوفة فأمر بالأبواب فمُنعت، وجلس وعرض الناس عليه، فمَن حلف تركه ومن أبى قطع يده، فقطع يومئذ ثمانين يداً(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) نفس المصدر السابق: ٢٤٤.
(٣) نفس المصدر السابق: ٢٨٤.
لا دليل شرعيّ على جواز قطع الأيدي سيّما هذا العدد لمجرّد حصب والي؛ فكيف إذا كان الوالي ابن سميّة.
المدائني عن عبد الله بن المبارك عن داود بن عبدالرحمن أنّ زياداً كتب إلى معاوية: إنّي أشكو إليك ما ألقى من سفهاء قريش، فكتب إليه: كتبت تشكو ما تلقى من سفهاء قريش؛ فاصبر فإنّ حلماءها صبروا عليك حتّى وضعوك بهذا الموضع!(١)
المدائني قال: كان الجَموح بن عمرو الفَهمي شهد صفّين مع عليّ فآمَنَهُ معاويةُ وكتب إلى زياد: إنّي قد عرفتُ زَلّته وغفرتها له لحِلفه أبا سفيان، فدعاه زياد إلى ولاية بيت المال فأبى، فقال له زياد: أتتأبّى عليَّ وقد سفكتَ الدماء مع عليّ بن أبي طالب؟! فقال: يا زياد، أتقول هذا فو الله إن كنتَ لمنتفياً من الأب الذي صرتض إليه منسوباً إلى الأب الذي انتفيتَ منه وأنت تسفك الدماء معه وتجبي الخراج له، وأنت يومئذ خيرٌ منك اليوم، فضربه زيادُ مائة سوط وحلقَ رأسه ولِحْيته، فكتب إليه معاوية كتاباً غليظاً يقول فيه: لهممتُ أن أوجّه إليك من يقتصّ له منك، فأوفد الجموح إليه فأظهر كرامته، وأنشده الجموح:
مُعاويَ إنّ الله فوقَ سمائِهِ |
وإنّك ذو ذَنْبٍ ولا يُؤْمَنُ الذنبُ |
|
سَطا بِبَني عادٍ فلم يَبْقَ مِنهمُ |
بقايا ولا عَيْنٌ لعادٍ ولا شِرْبُ |
|
وإنّ زياداً موعَبٌ في أَديمكُمْ |
وشائِمُكُمْ والشُؤْمُ أَعظَمُهُ الخَطْبُ |
|
وتارِكُكُمْ في لعنةٍ بعدَ لعنةٍ |
وداءُ الصِحاح أَنْ تُقارِفَها الجُرْبُ |
|
فوالله ما ينهى زياداً وغَيَّهُ |
سوى أن تقولَ لا زيادٌ ولا حربُ |
____________________
(١) نفس المصدر السابق: ٢٨٤.
فقال معاوية: قلْ ما شئتَ فإنّك حليفُ أبي! ودعا له بـِخِلْعةٍ قد لبسها فكساه إيّاها وقال: امشِ مشيتك في قريش، وأعطاه مِخْصرَة فقال: اختصر بها(١) .
ابن هند ومنبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم
تكلّمنا في غير هذا الموضع عن منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ وعِلّة صنعه وتكريم المسلمين له لـما كانوا يسمعونه من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالشأن الخاصّ لمنبره وأنّه على تُرْعةٍ من الجنّة؛ وسيرة الطُّغاة واستخفافهم بالمنبر الشريف إذ كانوا يجلسون على المنبر يأكلون التمر ويطرحون النوى ويهينوا الأنصار.
وفي سنة خمسين أمر معاوية بحمل منبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من المدينة إلى الشأم، فلمّا حُمل كسفت الشمس ورؤيت الكواكب بالنهار، فجزع من ذلك وأعظَمه، وردّه إلى موضعه، وزاد فيه ستّ مراقي(٢) .
هلاك ابن سميّة
عن سفيان عن يونس عن الحسن قال: بلغ الحسن بن عليّ أنّ زياداً يتبع شيعة عليّ فيقتلهم، فقال: أللّهم تفرّد بموته فإنّ في القتل كفّارة(٣) .
في سنة ثلاث وخمسين هلك زياد بن أبيه بالكوفة وقد كان كتب إلى معاوية أنّه قد ضبط العراق بيمينه، وشماله فارغة فجمع له الحجاز مع العراقين، واتصلت ولايته بأهل المدينة، فاجتمع الصغير والكبير بمسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وضجّوا إلى الله ولاذُوا بقبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثة أيّام لعلمهم بما هو عليه من الظلم والعسف؛ فخرجت في كفّه
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٨٣ - ٢٨٤.
(٢) مروج الذهب ٢: ٢٥ - ٢٦.
(٣) أنساب الأشراف ٥: ٢٨٦.
بَثْرة ثمّ حكّها فسرت واسودّت فصارت آكلة سوداء، فهلك بذلك ودُفن بالثوية من أرض الكوفة(١) .
وكان في وصيّة زياد أن يُدفن عند أبي موسى الأشعريّ(٢) .
البلاذري: حدّثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف عن القاسم بن النضر العَبْسيّ عن أبيه عن عمّه قال: أرسل إلينا زياد لنعلن عليًّا ونَبْرأ منه، فإنّا لـمُجتمعون إذ أَغْفَيْتُ إغفاءةً فرأيت رجلاً أسود راعَني فقلتُ له: مَن أنت؟ فقال: أنا النقّاد ذو الرَقَبَة، ارسلت إلى هذا الشاتم صاحب الرَحَبَة، فأتانا رسول زياد فقال: انصرفوا فإنّ الأمير عليل، فعرَضتْ له الأَكِلَة(٣) فمات بعد ثلاثة أيّام، فقلت:
ما كانَ مُنْتهِياً عَمّا أراد بنا |
حتّى أُتيحَ لَهُ النَقّاد ذو الرَقَبَة |
|
فجلَّل الرأسَ منه ضَرْبةً عَجِلاً |
لَـمّا تَنَاوَلَ بَغْياً صاحبَ الرَحَبَة(٤) |
المدائني، قال: قدِم الهيثم بن الأسود بولاية زياد الحجاز، فقيل له قدم الهيثم بعَهْدِك على الحجاز، فقال: لَشَرْبة ماءٍ باردٍ أجد طَعْمَها أحبُّ إليَّ ممّا قدِم به الأسود، ولم يلبث أن مات(٥) .
أيّ عذابٍ يعاني منه الطاغية ابن سميّة وهو على قَيْد الحياة ينتظر ولايته على الحجاز التي باتت شربة ماء بارد يجد بردها لعلّها تسكّن قليلاً من حرارة ما يجد؛ فهي أحبّ إليه من ولاية الحجاز؛ ولَعذاب ربّك يوم الآخرة أشدّ نكالاً. فلا دنيا بقيت له ولا آخرة أدرك.
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٢٦.
(٢) أنساب الأشراف ٥: ٢٨٩.
(٣) الأَكِلَة: ديدان البطن.
(٤) أنساب الأشراف ٥: ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٥) نفس المصدر السابق: ٢٨٦.
ويُقال: إنّه طُعن في إصبعه فكان من شدّة الألم أن همَّ بقطع إصبعه فالإصابةُ في إصبعه والألمُ في قلبه ولم يلبث أن مات وهو زاهدٌ بولاية الحجاز!
قالوا: وكان زياد لا يقطع أمراً دون شُرَيح، فقال له: يا أبا أميّة ما ترى في قطع إصبعي؟ قال: سَلْ أهل الطبّ، فبعث إلى دينار مولى بكر بن وائل، فقال له: أين تجد الألم؟ قال: في قلبي، قال: عِشْ سويّاً ومُت سويّاً ولا تمثّلْ بنفسك؛ قالوا: وخرج شريح من عند زياد، فسألوه: كيف تركت زياداً؟ قال: تركتُه يأمر وينهى، عَنَى شريح أنّه يأمر بالوصيّة والكفن وينهى عن النوح والبكاء(١) .
وعن عَوانة، قال: لـمـّا شاور زياد شُرْيحاً في قطع إصبعه قال له: إن كان الأجَل قد حضرك لقيتَ الله وقد قطعتَ يدكَ فراراً من لقائه، وإن كان الأجلْ متأخّراً عِشتَ أَجْذَمَ فعُيّر بذلك ولدك، فلم يلبثْ أن مات(٢) .
لا أظنّ الطبيبَ قد نصح لزياد! فقطع يد مصابة ليس مثل قطع ثمانين يداً معافاةً وخمسمائة رأس في ساعة واحدة؛ والإثم! هو حبُّ عليّعليهالسلام والتمسّك بولايته ورفض البراءة منه. وليس يدُ ابن سميّة بأشرف من الرؤوس التي سبّب قطعها لنفس السبب الماضي؛ وهل العذاب إنّما هو عذاب الأرواح والنفوس؛ فلعلّ الطبيب أراد له أن يذيقَه ألمَ يده مدّةً أطول.
وفي رواية للطبريّ وفيها: وخرج شريح فسألوه فأخبرهم بما أشار به فلامُوه وقالوا: هلاّ أشرت عليه بقطعها؟ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (الـمُسْتَشار مُؤتَمن)(٣) .
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٨٦.
(٢) نفس المصدر السابق.
(٣) تاريخ الطبري ٤: ٢١٥.
وفي رواية وبعد استشارته لشريح، قال: أنام والطاعون في لحافٍ! فعزم أن يفعل فلمّا نظر إلى النار والمكاوي جزع وترك ذلك(١) .
عمرو بن الحَمِق
عمرو(٢) بن الحمق(٣) بن الكاهِن(٤) بن حبيب بن عمرو بن القَيْن بن رَزاح بن عمرو ابن سعد بن كعب بن عمرو بن(٥) خُزاعة، الخزاعيّ.
من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٦) .
هاجر إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بعد الحُديبيّة، وقيل: بل أسلم عامَ حجّة الوداع(٧) ، والأوّل أصحّ. صحب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحفظ عنه أحاديث، وسكن الكوفة(٨) .
روى عنه جُبَير بن نفير، ورفاعة بن شَدّاد القتبانيّ، وغيرُهما.
____________________
(١) نفس المصدر السابق.
(٢) النسب: ٢٩٠، طبقات ابن سعد ٦: ٢٥، طبقات خليفة: ١٠٧ و ١٣٦، تاريخ خليفة: ١٩٤ و ٢١٢، المعارف: ٢٩١ و ٥٥٤، جَمْهرة أنساب العرب: ٢٣٨، الإشتقاق: ٤٧٤، المحبَّر: ٢٩٢ و ٤٩٠، مسند أحمد ٥: ٢٢٣ و ٤٣٦، التاريخ الكبير ٦: ٣١٣ / ٢٤٩٩، المعرفة والتاريخ ١: ٣٣٠ و ٢: ٤٨٣ و ٣: ١٩٣، الجَرحْ والتعديل ٦: ٢٢٥ / ١٢٤٨، تاريخ الثقات، للعِجليّ: ٣٦٣ / ١٢٥٥، الثُقات، لابن حَبّان ٣: ٢٧٥، رجال ابن داود: ٢٥٨ / ١٠٩٦، رجال البرقي: ٤، بلاغات النساء، لابن طيفور: ٨٧ - ٨٩، تهذيب الكمال ٢١: ٥٩٦ / ٤٣٥٣، أُسد الغابة ٤: ١٠٠، الإصابة ٢: ٥٢٤، تهذيب الأشراف ٥: ٢٥٧ و ٢٨١، وقعَة صِفّين: ٦٥ و ١٠٣ ومواضيع أخرى، الإستيعاب ٢: ٥٢٤، مختصر تاريخ دمشق ١٩: ٢٠١ / ١٢٥، العِقْد الفريد ٣: ٣٣٣.
(٣) في جمهرة أنساب العرب (الجموح).
(٤) في الاشتقاق (الحَمِق الكاهن). وفي تهذيب الكمال (كاهِل).
(٥) في جمهرة أنساب العرب (عمرو بن لُحَيّ).
(٦) المصادر جميعاً.
(٧) تهذيب الكمال ٢١: ٥٩٧.
(٨) أُسد الغابة ٤: ٢١٧.
عن عمرو بن الحمق، قال: إنّه سقى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: (أللّهم متّعه بشبابِه). فمرّت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء(١) .
وعنه قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (ما من رجلٍ أمَّنَ رجلاً على دمه فقتله فأنا بريءٌ من القاتل وإن كان المقتول كافراً)(٢) .
وعنه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً عَسَلَهُ)(٣) .
وعن الأجلح بن عبد الله الكنديّ قال: وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال له: (يا عمرو أتحبُّ أن أُريكَ آيةَ الجنّة؟) قال: نعم يا رسول الله؛ فمرّ على عليّ فقال: (هذا وقومُه آيةُ الجنّة). فلمّا قُتل عثمان وبايع الناسُ عليًّا لزمه فكان معه حتّى أُصيبَ؛ ثمّ كتب معاوية في طلبه وبعث مَن يأتيه به(٤) .
شهادة النبيّ له بالصلاح
عن معمر، قال: بلغني أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان جالساً في أصحابه يوماً، فقال: (أللّهم أنجِ أصحابَ السفينة) ثمّ مكث ساعةً فقال: (قد استمرّت) فلمّا دنوا من المدينة، قال: (قد جاؤوا يقودهم رجلٌ صالح).
قال: والذين كانوا في السفينة الأشعريُّون، والذي قادَهم عمرو بن الحمق الخُزاعيّ؛ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم: (من أين جئتم؟) قالوا: من زَبيدْ(٥) . قال النبيّ: (باركَ
____________________
(١) أسد الغابة ٤: ٢١٧، مختصر تاريخ دمشق ١٩: ٢٠٢، ولفظه: لم ير الشعرة البيضاء.
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٩: ٢٠١، وثقات العجليّ: ٣٦٣ مع اختلاف.
(٣) مختصر تاريخ دمشق. وفي مسند أحمد ٤: ٢٠٠: قيل: وما عسله؟ قال: يفتح الله عزّ وجلّ له عملاً صالحاً قبل موته، ثمّ يقبضه عليه.
(٤) مختصر تاريخ دمشق ١٩: ٢٠٢.
(٥) زبيد: مدينة مشهورة باليمن. (معجم البلدان ٣: ١٣١).
الله في زَبيد). قالوا: وفي زَمْع(١) . قال: (بارك الله في زبيد). قالوا: وفي زَمْع يا رسول الله. قال في الثالثة: (وفي زَمْع)(٢) .
ذكره ابن سعد في زعماء الثوّار من أهل مصر ممّن نَقِم سياسة عثمان، قال: وكان رؤساؤهم أربعة: عبدالرحمن بن عُدَيس البَلَويّ، وسودان بن حُمران المراديّ، وابن البَيّاع، وعمرو بن الحَمِق الخُزاعيّ، لقد كان الاسمُ غلب حتّى يُقال: جيشُ عمرو بن الحَمِق(٣) .
شهادة الحسين له بالصلاح
ذكره ابنُ داود في رجاله: (عمرو بن الحَمِق صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، شهد له الحسين بالصلاح والعبادة)(٤) .
وقد مضت شهادة جدّه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في عمرو بالرجل الصالح.
تشيّعُه
كان عمرو بن الحمق من شيعة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وحواريه. (وفي كتب أحاديث أصحابنا أحاديث كثيرة من كلماته وحِكَمه ومواعظه البليغة الدالّة على كمال علمه، وربّانيّته، وأنّه ممّن أُوتي الحكمة رضي الله تعالى عنه. وناهيك بما روي أنّه من حواري أمير المؤمنينعليهالسلام) (٥) .
____________________
(١) زَمْع: من منازل حِمْيَر باليمن. (معجم ما استعجم ١: ٧٠٢).
(٢) مختصر تاريخ دمشق ١٩: ٢٠١ - ٢٠٢.
(٣) الطبقات الكبرى ٣: ٦٥. (وقد تكلّمنا بما فيه الكفاية من دواعي وأسباب الثورة على عثمان، وذلك في الجزء الثاني من شهداء الإسلام، فليلاحظ).
(٤) رجال ابن داود: ٢٥٨ / ١٠٩٦.
(٥) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، لحسن الصدر: ٤٠٦.
وعدّه البرقيّ من أصحاب أمير المؤمنين الذين كانوا شرطة الخميس، الذين قال لهم: (تشرّطوا إنّما أشارطكم على الجنّة، ولستُ أُشارطكم على ذهبٍ ولا فضّة، إنّ نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأصحابه فيما مضى: تشرّطوا فإنّي لست أُشارطكم إلّا على الجنّة) ثمّ عدّ منهم عمرو بن الحمق الخزاعيّ(١) .
وشهد عمرو بن الحمق مع أمير المؤمنينعليهالسلام ، مشاهدة: الجَمَل، وصِفّين، والنهروان. وكان من المتفانين في نصرة أمير المؤمنين وبذل الـمُهَج بين يديه، مع بصيرةٍ من أمره أنّ أمير المؤمنين هو الإمامُ الحقّ الذي لا يُعْدَل به أحدُ.
من كلام كلّم به أمير المؤمنين يوم صفّين، قال:
(إنّي واللهِ ما أحببتُك ولا بايعتُك على قرابةٍ بيني وبينك، ولا إرادة مالٍ تُؤتينيه، ولا التماس سُلطانٍ يُرفع ذكري به؛ ولكن أحببتُك لخصالٍ خمسٍ: أنّكَ ابن عمّ رسول الله، وأوّل من آمن به، وزوج سيّدة نساء الأُمّة فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم، وأبو الذرّية الّتي بقيت فينا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأعظم رجلٍ من المهاجرين سهماً في الجهاد. فلو أنّي كُلِّفت نَقْل الجبال الرواسي، ونَزْحَ البُحور الطوامي حتّى يأتي عليَّ يومي في أمرٍ أقوّي به وليّك وأُوهن به عدوَّك، ما رأيت أنّي قد أدَّيتُ به كلَّ الذي يحقُّ عليَّ من حقّك!)
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام: (أللّهم نوِّر قلبَه بالتُّقى، واهدِه إلى صراط مستقيم؛ ليت أنّ في جندي مائةً مثلَك).
فقال حُجر: (إذاً والله يا أمير المؤمنين صحَّ جندُك، وقلَّ فيهم من يُغِشّك)(٢) .
إنّ في دعاء أمير المؤمنينعليهالسلام ، لعمرو بن الحمق، وتمنّيه أن يكون في جنده مائة مثله؛
____________________
(١) رجال البرقيّ: ٤.
(٢) وقعة صِفّين: ١٠٣ - ١٠٤.
مع علمنا: أنّهعليهالسلام لا يصدر إلّا من حقّ، فهو مع الحقّ والحقّ معه، وهو مع القرآن والقرآن معه، وهو وأهل بيته الثقل الثاني بعد القرآن الكريم(١) وتأييد حجر الخير لقول أميرالمؤمنين؛ هي شهادات في تزكية هذا الرجل الصالح (عمرو بن الحمق) مضافاً لـما عرف من سيرته المستقيمة.
لواء خُزاعة
ويوم صفّين كان لواء خُزاعة مع عمرو بن الحمق. ومن شعره يومئذ:
تقول عِرْسي لـما أنْ رأتْ أرَقي |
ماذا يَهِيجُك من أصحاب صِفِّينا |
|
ألستَ في عُصْبَةٍ يهدي الإلهُ بهم |
لا يَظلِمونَ ولا بَغْياً يُريدونا |
|
فقلتُ: إنّي على ما كان من سَدَرٍ(٢) |
أخشى عواقبَ أمر سوف يأتينا |
|
إدالةَ القومِ في أمرٍ يُرادُ بنا |
فاقْنَيْ حياءً وكفِّي ما تقولِينا(٣) |
موقف عمرو بن الحمق من رفع المصاحف
لـمـّا عمل معاوية بحيلة ابن النابغة: عمرو بن العاص، وأمر برفعِ المصاحف على
____________________
(١) المعاني المذكورة ترد بألفاظ عدّة نذكر ما يسع ذكره من مصادرها للفائدة: صحيح الترمذيّ - المناقب ٣٧٩٨، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٤، المعيار والموازنة، للإسكافيّ: ٣٥، فرائد السمطين ١: ١٧٦، غاية المرام: ٥٣٩، طبقات ابن سعد ٢: ٣٣٨، شواهد التنزيل ١: ٣٣، حِلية الأولياء ١: ٦٨٨، الصواعق المحرقة: ٧٦، الاستيعاب ٣: ٤٣، كفاية الطالب: ٢٠٨، المناقب، للخوارزميّ: ٩٠، المعرفة والتاريخ، للفَسَويّ ١: ٢٩٦، المناقب، لابن المغازليّ: ١٣٢، الولاية، لابن عقدة: ١٧٥، صحيح مسلم ١٦: ١٨٠، مصابيح السنّة ٤: ١٨٥، مسند أحمد ٣: ١٤...، الجامع الصغير، للطبرانيّ ١: ١٣١...، كنز العمّال ١٣: ٦٤١، مقتل الخوارزميّ: ٤٣....
(٢) سَدَر: حيرة.
(٣) وقعة صفّين: ٢٠٥.
رؤوس الرماح ونادوا بالتحكيم، واختلفت كلمة مَنْ بعسكر أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقام عديّ بن حاتم، ثمّ مالك الأشتر، يشدّان أزْرَ أمير المؤمنين ويعطيان العهدَ على مواصلة الجهاد.
ثمّ قام عمرو بن الحمق فقال: (يا أميرالمؤمنين، إنّا والله ما أجبناك ولا نصرناك عصبيّةً على الباطل ولا أجبنا إلّا لله عزّ وجلّ، ولا طلبنا إلّا الحقّ، ولو دعانا غيرُك إلى ما دعوتَ إليه لاسْتَشْرَى(١) فيه اللِّجاج(٢) وطالَتْ فيه النجوى؛ وقد بلغ الحقُّ مقْطَعَه، وليس لنا معك رأي)(٣) .
وكان عمرو بن الحمق أحدَ الشهود من أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام بما في كتاب التحكيم، بعد أن اتّفق الطّرفان على القبول بالتحكيم(٤) .
شهادتهرضياللهعنه
لـمّا استتبّ الأمر لمعاوية، ولّى زياد ابن أبيه على العراق، فأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر، من: سبّ أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وحمل الناس على ذلك ومن امتنع قُتل أو غُيِّب في السجن؛ وغيّر أحكامَ الله تعالى، من قبيل حكم القتل بين العربيّ وغيره؛ وأطال الخُطبة وأخّر الصلاة كثيراً، فحصَبَه حُجر بن عديّ، وخلَعه ولم يخلع معاوية(٥) ، وتابعه جماعة من شيعة أمير المؤمنين عليّ، في خَلْعِ زياد والإنكار عليه، منهم عمرو بن الحمق.
____________________
(١) استشرى: اشتدّ.
(٢) اللجاج: الخصومة.
(٣) وقعة صفّين: ٤٨٢.
(٤) نفس المصدر السابق: ٥٠٨.
(٥) ذكرنا تفاصيل ذلك في ترجمة حجر بن عديّ من هذا الكتاب.
بعد الذي حصل بين زياد، وحجر وأصحاب حجر؛ سعى ابن أبيه حثيثاً للإيقاع بحجر، وتزوير الأمور حتّى وافقه معاوية، فأرسل بعثاً للقبض عليه، فحال أصحابه بينه وبين رُسُل زياد.
قال أبو مخنف: لـمّا حال أصحاب حجر بينه وبين رسل زياد، أمر الهيثم بن شدّاد أن يأتيه به، فلمّا صار إليه قال أصحابُه: لا ولا نُعْمَةَ عينٍ، لا نُجيبه، فشدّ الهيثم ومَن معه عليهم بعُمُدِ السوق، فضرب رجلٌ من حَمْراءِ الدَيْلَم يقال له بكر بن عُبَيْد رأس عمرو بن الحمق الخزاعيّ؛ ويقال: بل ضربه رجل من الأزد يقال له: عبد الله بن مرغد، فحُمل إلى أهله(١) .
ثمّ إنّ زياداً تمكّن من حجر وأصحابه، وحملهم مقيّدين إلى معاوية، فلمّا بلغوا مرج عذراء، أمر بقتلهم، فمضوا شهداء.
على إثر ذلك غيّب عمرو بن الحمق نفسه عن ابن زياد. قالوا: (لـمّا طلب ابن زياد أصحاب حجر بن عديّ، هرب عمرو بن الحمق ورِفاعة بن شدّاد البَجَلي إلى المدائن، ثمّ مضيا إلى الأنبار ثمّ إلى الموصل، فصارا إلى جبل من جبالها ممّا يلي الجزيرة، فكَمَنا فيه. وبلغ عاملَ الرُّستاق أنّ رجلين كامنان في الجبل، فأنكر شأنهما واسترابَ بهما، وكان العامل رجلاً من هَمْدان يقال له عبد الله بن أبي تلعة، فصار إليهما ومعه أهل البلد، فلمّا انتهى إلى موضعهما خرجا إليه، فأمّا عمرو بن الحمق فكان مريضاً قد سَقَى بطنه، فلم يكن عنده امتناعٌ فأُخذ، وأمّا رفاعة بن شدّاد البَجَليّ فكان شابّاً قويّاً، فوثب على فرسٍ له جوادٍ، وحمل على القوم فأفرجوا له، فخرج وخرجت الخيل في طلبه، وكان رامياً فجعل يرمي مَن لحقه فيجرحه، حتّى نجا بنفسه وأمسكوا عن طلبه، فيُقال
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٥٧.
إنّه قال لعمرو بن الحمق. أُقاتل عنك، فقال: إنج بنفسك؛ وسألوا عمراً مَن هو فلم يُخبرهم، فبعث به عبد الله بن أبي تلعة إلى عبدالرحمن بن أمّ الحَكَم - وأمّ الحكم هي أختُ معاوية - وهو الذي قتل عليٌّ جدَّه عثمان الثَقفيّ يوم حُنَيْن(١) ، وكان عبدالرحمن على الموصل والجزيرة، فلمّا رأى عمرو بن الحمق عرفه فحبسه، وكتب إلى خاله معاوية بظفره به، فكتب إليه: إنّه يزعم أنّه طعن عثمان تسع طَعَنات، فاطعنْه تسعَ طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسعاً مات في الأولى منهنّ أو الثانية، ثمّ احتزّ رأسه وبعث به إلى معاوية، فهو أوّل رأس بعث به إلى معاوية.
قال الهيثم بن عديّ: فكان أوّل رأسٍ حُمل في الإسلام من بلدٍ إلى بلد.
وشريك عن أبي إسحاق قال: أوّل رأس أُهدي في الإسلام رأس عمرو بن الحمق، أُهدي إلى معاوية. فنصبه للناس، ثمّ بعث به إلى امرأته آمنة بنت سُوَيْد(٢) وكانت محبوسة عند معاوية؛ فقالت: لقد نفيتموه طويلاً وأهديتموه قتيلاً، فمرحباً به من هديّةٍ غير مَقْليّة؛ ونفاها إلى حِمْص فماتت بحمص(٣) .
____________________
(١) عثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفيّ جدّ عبدالرحمن بن أمّ الحَكَم. قتله عليّعليهالسلام ، يوم حنين، ومعه لواء المشركين. (النسب: ٢٦٧).
(٢) في بلاغات النساء، ومختصر تاريخ دمشق: آمنة بنت الشريد.
(٣) أنساب الأشراف ٥: ٢٨١ - ٢٨٢، والمصادر الأخرى.
عن الزّهريّ؛ وسهل بن أبي سهل التميميّ، عن أبيه قالا: لـمّا قُتل عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، بعث معاوية في طلب شيعته فكان في مَن طلب عمرو بن الحمق الخزاعيّ، فراغ منه فأرسل إلى امرأته آمنة بنت الشريد، فحبسها في سجن دمشق سنتين! ثمّ إنّ عبدالرحمن بن الحكم ظفر بعمرو بن الحمق في بعض الجزيرة فقتله وبعث براسه إلى معاوية، وهو أوّل رأس حمل في الإسلام، فلمّا أتى معاوية الرسول بالرأس بعث به إلى آمنة في السجن وقال للحرسيّ: احفظ ما تكلّم به حتّى توديّه إليّ واطرح الرأس في حجرها! ففعل هذا فارتاعت له ساعةً ثمّ وضعت يدها على رأسها وقالت: واحزناً لصغره في دار هوانٍ وضيقاً من ضيمة سلطان! نَفَيْتموه عنّي طويلاً وأهديتموه إليَّ قتيلاً، فأهلاً وسهلاً بمَنْ كنتُ له غير قالِيَة وأنا له اليوم غير ناسية، ارجع به أيّها الرسول إلى معاوية فقل
له ولا تَطْوُهِ دونَه! أَيْتمَ الله ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك!
فرجع الرسول إلى معاوية فأخبره بما قالت: فأرسل إليها، فأتته وعنده نفرٌ فيهم إياس بن حِسْل أخو مالك بن حسل، وكان في شِدْقيه - الشِدْق: زاوية الفم من باطن الخَدَّين - نتوء عن فيه لعظم كان في لسانه وثقل إذا تكلّم، فقال لها معاوية: أأنتِ يا عدوّة الله! صاحبةُ الكلام الذي بلغني؟ قالت: نعم غيرُ نازعةٍ عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له، فلَعَمْري لقد اجتهدتُ في الدعاء إن نفع الاجتهاد، وأنّ الحقّ لَـمِن وراء العباد، وما بلغت شيئاً من جزائك وإنّ الله بالنقمة من ورائك. فأعرض عنها معاوية؛ فقال إياس: اقتل هذه يا أميرالمؤمنين، فوالله ما كان زوجها بأحقّ بالقتل منها! فالتفت إليه فلمّا رأته ناتئ الشِدقين ثقيل اللسان قالت: تبّاً لك ويْلك بين لِحيتيْك كجثمان الضِفْدَع! ثمّ أنتَ تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس إن تريد إلّا أن تكون جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين. فضحك معاوية ثمّ قال: لله درّك! أُخرجي ثمّ لا أسمع بكِ في شيءٍ من أرض الشام. قالت: وأبي لأخرجنَّ ثمّ لا تسمع لي في شيءٍ من الشام، فما الشام لي بحبيب، ولا أعرج فيها على حميمٍ وما هي لي بوطنٍ ولا أحنُّ فيها إلى سكن، ولقد عظمَ فيها دِيتي وما قرّتْ فيها عيني وما أنا فيها إليك بعائدة ولا حيث كنتَ بحامدة؛ فأشار إليها ببنانه: أُخرجي، فخرجت وهي تقول: واعجبي لمعاوية! يكفّ عني لسانه ويشير إلى الخروج ببنانه؛ أما والله ليعارضنّه عمرو - تعني زوجها - بكلامٍ مؤيَّدٍ سديد أوجع من نوافذ الحديد، أو ما أنا بابنِة الشريد، فخرجت.
وتلقّاها الأسودُ الهلاليّ، وكان رجلاً أسود أصلع أسلع أصعل - وأسلع: أبرص، ومَن كان بجسده شقوق. وأصعل: دقيق الرأس والعُنق -، فسمعها وهي تقول ما تقول، فقال: لـِمَن تعني هذه ألأميرِ المؤمنين تعني؟ عليها لعنة الله! فالتفتت إليه فلمّا رأته قالت: خزياً لك وجدعاً - جدعاً: قطعاً، أي جعلك الله معيبا وقطع عنك الخير - أتلعنني واللعنة بين جنبيك وما بين قرنيك إلى قدميك، إخسأ يا هامّة الصعل ووجه الجُعَل - الجُعَل: دويبّة سوداء - فأذلل بك نصيراً وافلل بك ظهيراً. فبهت الأسلع ينظر إليها ثمّ سأل عنها فأخبر فأقبل إليها معتذراً خوفاً من لسانها فقالت: قد قبلت عذركَ وإن تعدْ أعدْ ثمّ لا أستقيلُ ولا أراقبُ فيك.
فبلغ ذلك معاوية فقال: زعمتَ يا أسلع أنّك لا تُواقف - تواقف القوم في الحرب أي وقف بعضهم مع بعض - من يغلِبك. أما علمتَ أنّ حرارة المتبول - الذي أسقمه الحبّ أو الدهر - ليست بمخالسة نوافذ الكلام عند مواقف الخِصام؟ - المخالسة: السلبُ مخاتلةً، والمنافذة: المحاكمة والمحاججة - أفلا تركتَ كلامها قبل البصبصة - بصبص الكلب: حرّك ذنَبه والبصبصة التملّق - منها والاعتذار إليها؟ قال: أي والله يا أمير المؤمنين، لم أكن أرَ شيئاً من النساء يبلغ من معاضيل الكلام - معضل الكلام، المسألة المستغلقة المشكلة - ما بلغت هذه المرأة؛ جالستُها فإذا هي تحمل قلباً شديداً ولساناً حديداً وجواباً عتيداً - العتيد: الحاضر -، وهالتني رعباً وأوسعتني
وقبره مشهور بظاهر الموصل يُزار، وعليه مَشْهدٌ كبير ابتدأ بعمارته أبو عبدالله سعيد بن حَمْدان ابن عمّ سيف الدولة، وناصر الدولة ابني حمدان، في شعبان من سنة ستٍّ وثلاثين وثلاثمائة. وجرى بين السُّنّة والشيعة فتنةٌ بسبب عمارته(١) .
____________________
سبّاً ثمّ التفت إلى عبيد بن أوس فقال: ابعث لها ما تقطع به عنّا لسانها وتقضي به ما ذكرت من دَيْنها وتخفّ به إلى بلادها، فلمّا أتاها الرسول بما أمر به معاوية قالت: يا عجبي لمعاوية يقتل زوجي ويبعث إليّ بالجوائز! فأخذت ذلك وخرجت تريد الجزيرة، فمرّت بحِمْص فقتلها الطاعون. فبلغ ذلك الأسلع فأقبل إلى معاوية كالمبشّر له، فقال له معاوية: فنفسك فبشّر بما أحببت فإنّ موتها لم يكن على أحدٍ أروَحُ منه عليك. ولَعَمْري ما انتصفتَ منها حين أفرغتْ عليك شُؤْبوباً - الشُؤْبوب: الدفعةُ من المطر، شدّةَ اندفاع كلّ شيء - وبيلاً؛ فقال الأسلع: ما أصابني من حرارة لسانها شيء إلّا وقد أصابكَ مثله أو أشدَّ منه. (بلاغات النساء: ٨٧ - ٨٩، مختصر تاريخ دمشق ٥: ١٤٨).
ما ذنب امرأة عمرو بن الحمق تُسجن رهينةً بجريرةِ زوجها - كذا - سنتين والمبدأ الإسلاميّ ينصُّ: أن لا تزر وازرةٌ وِزر أخرى! ثمّ تُروّع بإلقاء رأس زوجها إليها؟ هذا هو دين معاوية ومن يتولّاه.
(١) أُسْدُ الغابة ٤: ٢١٩.
الفهرس
إبن هند على سرِّ أسلافه ١٠
ابن هِنْد بالدليل القاطع والبرهان الساطع ١٤
غارة ابن الحضرميّ ١٧
غارة النعمان بن بشير ١٩
غارة سفيان بن عوف الأزديّ ٢٠
غارة عبد الرحمن بن قباث ٢٠
غارة الضحّاك بن قيس ٢١
غارة بُسر بن أبي أرطاة: ٢٣
ما جاء في منبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٢٩
علّة صنع المنبر ٣٠
القول في معنى حديث الروضة ٣٤
ما نزل فيهم من القرآن ٣٦
عامر بن الطُّفيل يأتمر بقتل رسول الله ٣٨
نجد أرض النبوّات الكاذبة ٣٩
الشيخ النجديّ ٤٠
نجد أصل الخوارج ٤١
ثمّة ملاحظة: ٤٩
التحريض على قتل الخوارج ٥٠
خوارج أغمض التاريخ عنهم ٦٠
مبدأ عليّ عليهالسلام ٧٠
أتباع البعير يتشاحّون في الصلاة! ٨١
إفحام عائشة في الحوار ٨٣
يوم الجمل الصغير ٨٥
وقفة قصيرة مع الخوارج ٨٨
مسير أمير المؤمنين عليهالسلام إلى العراق ٨٩
مبدأ أمير المؤمنين في عليهالسلام القتال ٨٩
تسيير عائشة ٩٠
خروج عائشة من البصرة ٩١
مبدأ عليّ عليهالسلام ، ومبدأ معاوية ٩٤
فتنة الخارجيّ الثالث ٩٥
ابن تيميه أمام القضاء ١٠٢
حُرمة المدينة وفضلها ١٠٥
التغليظ في حرمة المدينة ١١٠
أحد في حديث النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ١١٤
لعنة من أحدث في المدينة ١١٧
حُكمُ معاوية في ولد الفراش ١٢٢
دعاء النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم للمدينة بركتين ١٢٤
حمى المدينة ١٢٥
دعاؤه صلىاللهعليهوآلهوسلم بنقائها ١٢٩
تسمية المدينة المباركة ١٢٩
فضل الصلاة بمسجد المدينة ١٣٠
فضل الكوفة ١٣٥
وللكوفة فضلها ومنزلتها ١٣٥
الكوفة موضع ابتلاء ١٤٢
موت الطاغية ١٤٥
دعاء الأسقف أرجى من دعاء عليّ! ١٤٩
يزيد وسيلة ابن عمّه! ١٥٥
فضائل الأنصار ١٥٩
الأنصار في السنّة ١٦٢
معاوية يكاتب قيس بن سعد ١٧٠
سَعْد بن عُبادة سيّد الخزرج من الأنصار ١٧٢
سعد بن عُبادة نقيب ١٧٤
الأنصار بين منطقين ١٧٨
هروب المختار ١٨٥
الحجّاج لا يعمل إلّا بوحي!! ! ١٨٧
استجابة دعاء عمر بن الخطّاب ١٨٨
أسجاع الحجّاج في عبد الملك ١٨٩
أبو بكر يأمر عمر بن الخطّاب في قتال المتخلّفين عن بيعته ١٩١
سبب نزول الآية المباركة ١٩٥
ليلة الخميس: ١٩٧
عودٌ على التحريق ١٩٧
تنزّل على قَدر العقول! ١٩٩
فاطمة عليهاالسلام سيّدة نساء أهل الجنّة، سيّدة نساء العالمين، سيّدة نساء الأمّة، سيّدة نساء المؤمنين ٢٠٠
مصادر حديث سيادة فاطمة عليهاالسلام ٢٠٢
أبناء رسول الله وتهديد عمر بحرقهم ٢٠٣
من أسماء أهل الجنّة ٢٠٥
نهاية كسرى العرب! ٢٠٩
دستور أبي بكر لقائد جيشه ٢١٥
شجاعة القوم في مواجهة عليّ عليهالسلام ٢١٥
ليلة الهرير ٢١٨
قتلاه عليهالسلام ليلة الهرير ٢١٩
مبدأ عليّ عليهالسلام في القتال ٢٢٣
موقف الأنصار من بيعة أبي بكر ٢٢٦
ابن العاص والأنصار، مرّة أخرى! ٢٣٥
تعريف بالوليد ٢٤٢
تولية عمر الوليد ٢٤٧
وقفة بين يدي أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ٢٤٨
آخر المطاف مع الأنصار في أحاديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٢٥٠
أروى تلجلج الطُّلقاء وأبناء البغايا ٢٥٢
سَودَة تستعدي معاوية على بُسْر بن أبي أرطاة ٢٥٧
غانمة تنتصر لهاشم ٢٦١
عواؤه على شريك بن الأعور ٢٦٦
سوء تقدير، أم حسن تدبير ٢٧١
المعاوية تكشف عورات حرب ٢٧٤
مكرمة جديرة بالذكر ٢٧٦
وقفة أخرى مع أميّة ٢٧٧
عبد المُطّلب ٢٨٣
قصّة ماء أخرى ٢٩٢
شهامة عبد المطّلب ٢٩٣
عبد المطّلب يثأر لجاره ٢٩٣
الاستسقاء برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٢٩٥
عبد المطّلب يتحنّث ٢٩٧
عناية عبد المطّلب برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٢٩٧
عبد المطّلب يوصي برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٠٠
من شعر يوصي به عبد المطّلب ابنه أبا طالب بالنبيّ ٣٠١
عود على مفاوضة المشركين لأبي طالب عليهالسلام ٣٠٧
رثاء بنات عبد المطّلب أباهنّ ٣١١
أبوطالب يخلّد ذكر أبيه ٣١٨
عمر يخالف قوله في تولية ابن هند ٣٢٣
بقيّة أخبار أبي طالب ٣٢٥
أبوطالب يتحنّف ٣٢٩
المؤذون لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٣٣٢
نظرة في الوفد المفاوض ٣٤٠
أبوطالب يخاطب قريشاً بشأن الصحيفة ٣٤٧
تضحية وفداء ٣٥٠
أبوطالب رضياللهعنه رسول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى قريش ٣٥١
وصيّة أبي طالب وقد حضرته الوفاة ٣٦٨
وصيّة أبي طالب لبني عبد المطّلب ٣٧٠
شهادات حقّ في إسلام أبي طالب ٣٧٠
شهادة النبيّ له ٣٧١
أبو طالب عليهالسلام على لسان ولده عليّ عليهالسلام ٣٧٦
الإمام زين العابدين عليهالسلام ٣٧٨
الإمام محمّد الباقر عليهالسلام ٣٧٩
شهادة المأمون ٣٧٩
الحمل المبارك وتكليم آمنة ٣٩٠
إسلام مضر ٣٩٤
منزلة مضر وولده ٣٩٥
انتساب النبيّ إلى مضر ٣٩٦
خيرة الله ٣٩٧
خلاصة البحث ٤٠١
قتلى اليهود يوم خيبر ٤٠٦
مناظرة أمير المؤمنين عليهالسلام للمارقين ٤١٠
الفواطم والعواتك من أمّهات النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ٤١١
الإمام السبط المجتبى الحسن بن عليّ عليهماالسلام ٤١٧
الحسن عليهالسلام سيّد شباب أهل الجنّة ٤١٨
أجداد الحسن عليهالسلام ٤٢٣
حرب وسلم أهل البيت حرب وسلم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ٤٢٣
عصمة الإمام الحسن عليهالسلام ٤٢٨
مصادر نزول الآية في أهل البيت عليهمالسلام ٤٣٠
ما جاء في معنى التطهير ٤٣٥
حبّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم للحسن عليهالسلام ٤٤١
حديث الثقلين ٤٤٤
الصلاة على أهل البيت في العبادة ٤٤٩
بيعة الإمام الحسن عليهالسلام ٤٤٩
شهادة الإمام الحسن المجتبى عليهالسلام ٤٦٦
عود على بدء ٤٧٨
قاتل عمّار وسالبه في النار ٤٨٠
موقف الإمام الحسن عليهالسلام ٤٨٥
الخيار الأوّل: ٤٨٥
الخيار الثاني: ٤٨٨
وقفة مع ابن عبّاس: ٤٩٤
موجز البيعة: ٤٩٨
نُذُر الحرب ٥٠٣
كتاب ابن هند ٥١٠
تتمّة كتاب ابن هند ٥١٢
كتاب الإمام عليهالسلام إلى معاوية ٥١٤
خطبة أُسيء فهمها ٥١٧
خدعة ابن هند ٥١٩
ابن هند يطلب الصلح ٥٢٣
كتاب الصلح ٥٢٥
موقف قيس بن سعد بن عُبادة ٥٢٧
موقف السبط الإمام الحسين عليهالسلام من البيعة ٥٢٩
معاوية يرفض كتاب الله وسنّة نبيّه ٥٣٠
خطبة الإمام الحسن عليهالسلام ٥٣٠
ابن هند يتردّى في خُطبه ٥٣١
أميرالمؤمنين يُنبئ بضلال ابن هند ٥٣٤
موقف الشيعة من البيعة وتفسير الإمام ٥٣٥
كلام المسيّب بن نَجَبة ٥٣٧
كلام سفيان بن أبي ليلى ٥٣٨
خلاصة البحث ٥٤٠
حب وبغض الحسن والحسين عليهماالسلام ٥٤٣
كفر معاوية ٥٤٤
قول سعد في معاوية ٥٤٤
جعدة تسمّ الحسن عليهالسلام ٥٤٥
وصيّة الإمام في دفنه ٥٤٧
قالوا في السبط المجتبى ٥٤٩
شهداء مَرْج عَذْراء ٥٥١
دعوة زياد ٥٥٤
كيف صارت سُمَيّة إلى عُبَيْد ٥٦٠
ابن هند ودعوة جُنادة! ٥٦٦
يزيدُ ابنُ مَن؟! ٥٦٨
ابن مرجانة! ٥٧١
منّة الدعوة وذلّتها! ٥٧٢
رواية المسعودي في استلحاق زياد ٥٧٤
شهادة ابن النابغة ٥٧٧
وقفة أخيرة: ٥٨٨
أهل الكوفة ودعوة ابن سُميّة ٥٨٩
أفضل ما قيل في ابن سُميّة ٥٩٠
أمرُ ابن سُميّة بعد الدعوة ٥٩١
تخوّف المغيرة من ابن سميّة ٥٩١
دستور ابن هند للمُغيرة ٥٩٣
موقفُ حُجْر من المغيرة ٥٩٣
شهادةُ ابن هند في حقّ أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ٥٩٥
معاوية أكفر الناس وأخبثهم ٥٩٦
قصّة أبي كبشة ٥٩٧
تجارة ابن هند ٥٩٨
ابن هند يمنع من الحديث ٥٩٩
قدوة ابن هند ٦٠٠
حديث الأريكة ٦٠٢
في طريق البحث ٦٠٨
الدعوة الوهّابيّة ٦١١
شيعة عمر في المنع ٦١١
خاتمة المطاف مع ذرائع المنع ٦١٨
مهزلة التحكيم ٦١٩
المنع تدبير سياسيّ ٦١٩
حديث الولاية برواية الإمام الحسين عليهالسلام ٦٢٢
سيرة المغيرة في الكوفة ٦٢٥
المغيرة عامل عمر ٦٢٦
ولاية المغيرة الكوفة ٦٢٧
بين المغيرة وصَعْصَعَة ٦٢٨
تولية ابن سُمَيّة ٦٢٨
ضمّ الكوفة إلى زياد ٦٣٠
أبو بكرة ينصح زياداً ٦٣١
سيرة الطواغيت ٦٣٢
قول الحسن في ابن سميّة ٦٣٤
شدّته على الشيعة ٦٣٥
شهادة حُجر بن عَديّ وأصحابه ٦٣٥
اشتداد ابن سميّ’ في أمر حُجْر ٦٤٩
عدّة السُجناء ٦٥٣
هرب المختار ٦٥٦
أسماءُ مَن اجتمع في سجن زياد ٦٦٣
قصّة حُجْر مع ابن الأشعث ٦٦٣
ابن سميّة ٦٦٥
بين الإمام الحسن عليهالسلام، وابن سميّة ٦٦٩
شهداء يوم مَرْج عَذْراء ٦٧٠
اقتداء ابن سميّة بسيرة عمر ٦٧٢
ابن هند ومنبر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ٦٧٥
هلاك ابن سميّة ٦٧٥
عمرو بن الحَمِق ٦٧٨
شهادة النبيّ له بالصلاح ٦٧٩
شهادة الحسين له بالصلاح ٦٨٠
تشيّعُه ٦٨٠
لواء خُزاعة ٦٨٢
موقف عمرو بن الحمق من رفع المصاحف ٦٨٢
شهادته رضياللهعنه ٦٨٣