الغدير
في الكتابْ و السّنّة و الأدبْ
الجزء التاسع
يتضمن تراجم جمع من أعاظم
الصَحابة رجال الدعوة الصالحة والبحث
عمّا لفَّقته يد الإفتعال من التاريخ المزوَّر. وما
ألَّفته سماسرة الجهل والدجل من الكتب. والإعراب
عن صحيح ما في قصَّة قتيل الصَحابة « عثمان »
وإخفاق ما هنالك من جلبة ولغط، أو مكاء
وتصدية والله وليُّ التوفيق
بسم الله الرّحمن الرّحيم
سُبحانَكَ! ما كانَ لنا أنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُوِنكَ مِنْ أولياءَ، فالحَقُّ و الحقَّ أقولُ، حَقيقٌ عليَّ أنْ لا أقولَ عَلى اللهِ إلّا الحقَّ، مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغيرِ عِلمٍ وَ لا هدىً و لا كِتابٍ مُنِير، وَ لَدينا كِتابٌ يَنطِقُ بِالحقِّ، كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَربيّاً، إذهبْ بِكتابي هذا فألقِهِ إلَيهمْ ثُمَّ تَولَّ عَنهُمْ، و قُلْ جاءَ الحَقُّ وَ زَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً، و لقَدْ وَصَّلنا لهُمُ القولَ لعلهُم يَتذكّرونْ، وَ لِيعلمَ الذينَ اُوتوا العِلمَ أَنَّهُ الحقُّ مِنْ ربِّك فَيُؤمِنُوا بهِ فَتُخبِتَ لَهُ قُلوبهُمْ، إنَّما كان قَولُ المـُؤمِنينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ وَ رَسُولِهِ لِيحكم بينَهُمْ أنْ يقُولوا: سمِعنا وَ أَطعنا، ألذينَ يَستمِعُونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسَنَهُ اُولئِكَ الذِينَ هَداهُمُ الله وَ أُولئِكَ هُم اُولوا الألبابِ.
يا قوم لا أسألكمْ عَليهِ مالاً إنْ أجري إلّا على الله، لا أسألكُمْ عَليهِ أجراً إلّا المودَّة فِي القُربى، وَ مَا عَلَينا إلَّا البَلاغُ المـُبينُ، إنَّما وَليُّكُمُ اللهُ وَ رَسولُه وَ الذينَ آمَنُوا الذينَ يُقيمونَ الصّلاةَ وَ يُؤتُونَ الزَّكاةَ وَ هُم راكِعُون. فَالحَمدُ لِلَّهِ وَ سلامٌ عَلى المـُرسلينَ.
الأمينى
يتبع الجزء الثامن
_٤١_
الخليفة يخرج ابن مسعود من المسجد عنفاً
أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٣٦ قال: حدَّثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف وعوانة في إسنادهما: إنَّ عبد الله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال: مَن غيَّر غيَّر الله ما به. ومن بدَّل أسخط الله عليه، وما أرى صاحبكم إلّا وقد غيَّر وبدَّل، أيُعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويولّى الوليد؟ وكان يتكلّم بكلام لا يدعه وهو:
إنَّ أصدق القول كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشرَّ الاُمور محدثاتها، وكلّ محدَث بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار(١) .
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال: إنّه يعيبك ويطعن عليك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه فاجتمع الناس فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيءٌ تكرهه، فقال: إنَّ له عليَّ حقّ الطاعة ولا اُحبُّ أن أكون أوَّل من فتح باب الفتن. وفي لفظ أبي عمر: إنَّها ستكون امور وفتن لا اُحبّ أن أكون أوَّل من فتحها. فردَّ الناس وخرج اليه(٢) .
قال البلاذري: وشيّعه أهل الكوفة فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن فقالوا له: جزيت خيراً فلقد علّمتَ جاهلنا، وثبَّت عالمنا، وأقرأتنا القرآن، وفقَّهتنا في الدين، فنعم أخو الإسلام أنت ونعم الخليل، ثمَّ ودَّعوه وانصرفوا، وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا رآه قال: ألا إنّه قد قدمت عليكم دُويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح، فقال إبن مسعود: لست كذلك ولكني صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم بدر ويوم بيعة الرضوان. ونادت عائشة: أي عثمان! أتقول هذا لصاحب
____________________
١ - هذه جملة من كلمة ابن مسعود وقد اخرجها برمتها ابو نعيم فى حلية الاولياء ١: ١٣٨ وهى كلمة قيمة فيها فوائد جمة.
٢ - الاستيعاب ١: ٣٧٣.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ثمَّ أمر عثمان به فاُخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً، وضرب به عبد الله ابن زمعة الأرض، ويقال: بل احتمله « يحموم » غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدُقَّ ضلعه، فقال عليٌّ: يا عثمان! أتفعل هذا بصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقول الوليد بن عقبة؟ فقال: ما بقول الوليد فعلت هذا ولكن وجّهت زُبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة فقال له ابن مسعود: إنَّ دم عثمان حلال، فقال عليٌّ: أحلت عن زبيد على غير ثقة.
وفي لفظ الواقدي: إنَّ ابن مسعود لمـَّا استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلمَّا علم عثمان بدخوله قال: يا أيُّها الناس انّه قد طرقكم الليلة دُويبةٌ، من يمشي على طعامه يقيء ويسلح، فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكنني صاحب رسول الله يوم بدر، و صاحبه يوم بيعة الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين. قال: وصاحت عائشة: يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله؟ فقال عثمان: اسكتي. ثمَّ قال لعبد الله ابن زمعة: أخرجه إخراجاً عنيفاً، فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب المسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعاً من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان.
قال البلاذري: وقام عليٌّ بأمر إبن مسعود حتى أتى به منزله، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي، وأراد حين برىء الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان: إنَّ ابن مسعود أفسد عليك العراق، أفتريد أن يُفسد عليك الشام؟ فلم يبرح المدينة حتّى توفّي قبل مقتل عثمان بسنتين، وكان مقيماً بالمدينة ثلاث سنين.
وقال قومٌ: إنّه كان نازلاً على سعد بن أبي وقاص، ولمـّا مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائداً فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربِّي. قال: ألا أدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا آمر لك بعطائك؟(١) قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه؟ قال: يكون لولدك، قال: رزقهم على الله. قال: إستغفر لي يا أبا عبد الرحمن، قال: أسأل الله أن
____________________
١ - قال ابن كثير فى تاريخه ٧: ١٦٣: كان قد تركه سنتين.
يأخذ لي منك بحقي، وأوصى أن لا يصلّي عليه عثمان فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم فلمَّا علم غضب، وقال: سبقتموني به؟ فقال له عمّار بن ياسر: إنَّه أوصى أن لا تصلّي عليه.
فقال ابن الزبير(١) :
لأعرفنَّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوَّدتني زادي |
وفي لفظ ابن كثير في تاريخه ٧: ١٦٣: جاءه عثمان في مرضه عائداً فقال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي. قال فما تشتهي؟ قال: رحمة ربِّي. قال: لا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطائك؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال: لا حاجة لي.
فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إنِّي أمرت بناتي أن يقرأن كلَّ ليلة سورة الواقعة وإنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: مَن قرأ الواقعة كلّ ليلة لم تصبه فاقةٌ أبداً.
وقال البلاذري: كان الزبير وصيّ ابن مسعود في ماله وولده، وهو كلّم عثمان في عطائه بعد وفاته حتّى أخرجه لولده، وأوصى ابن مسعود أن يصلّي عليه عمار بن ياسر، وقومٌ يزعمون انَّ عمّاراً كان وصيّه ووصيَّة الزبير أثبت.
وأخرج البلاذري من طريق أبي موسى القروي باسناده: انَّه دخل عثمان على ابن مسعود في مرضه فاستغفر كلّ واحد منهما لصاحبه، فلمّا انصرف عثمان قال بعض من حضر: إنَّ دمه لحلال. فقال إبن مسعود: ما يسرُّني انَّني سددت إليه سهماً يخطئه وأنَّ لي مثل اُحد ذهباً.
وقال الحاكم وأبو عمرو ابن كثير: أوصى ابن مسعود إلى الزبير بن العوام فيقال: إنَّه هو الذي صلّى عليه ودفنه بالبقيع ليلاً بايصائه بذلك إليه ولم يعلم عثمان بدفنه، ثمَّ عاتب عثمان الزبير على ذلك، وقيل: بل صلّى عليه عثمان، وقيل: عمّار(٢) .
وفي رواية توجد في شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٣٦: لمـّا حضره الموت قال: مَن يتقبّل منِّي وصيَّة اوصيه بها على ما فيها؟ فسكت القوم وعرفوا الذي يريد فأعادها فقال عمّار: أنا أقبلها، فقال ابن مسعود: أن لا يصلّي عليَّ عثمان. قال: ذلك لك، فيقال:
____________________
١ - كذا والصحيح كما فى شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٣٦: فتمثل الزبير.
٢ - المستدرك ٣: ٣١٣، الاستيعاب ١: ٣٧٣، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٣.
إنَّه لمـّا دفن جاء عثمان منكراً لذلك فقال له قائلٌ: إنَّ عمّاراً وليُّ الأمر. فقال لعمّار: ما حملك على أن لم تؤذنِّي؟ فقال: عهد إليَّ أن لا اوذنك. إلخ. وذكر كلَّ ما رويناه عن البلاذري مع زيادة، فراجع.
وفي لفظ اليعقوبي: إعتلَّ إبن مسعود فأتاه عثمان يعوده فقال له: ما كلام بلغني عنك؟ قال: ذكرت الذي فعلته بي إنَّك أمرت بي فوطئ جوفي فلم أعقل صلاة الظهر ولا العصر ومنعتني عطائي. قال: فانِّي اقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك. قال: ما كنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء. قال: فهذا عطاؤك فخذه، قال: منعتنيه وأنا محتاجٌ إليه. وتعطينيه وأنا غنيٌّ عنه، لا حاجة لي به. فانصرف فأقام ابن مسعود مغاضباً لعثمان حتّى توفّي. تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٧.
وأخرج محمَّد بن إسحاق بن محمّد بن كعب القرظي: انَّ عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطاً في دفنه أبا ذر. شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٣٧.
وفي تاريخ الخميس ٢: ٢٦٨: حبس (عثمان) عبد الله بن مسعود وأبي ذر عطاءهما وأخرج أبا ذر إلى الربذة وكان بها إلى أن مات. وأوصى (عبد الله) إلى الزبير وأوصاه أن يصلّي عليه ولا يستأذن عثمان لئلّا يصلّي عليه، فلمّا دفن وصل عثمان ورثته بعطاء أبيهم خمس سنين.
وأجاب بأنّ عثمان كان مجتهداً ولم يكن من قصده حرمانه، إمّا التأخير إلى غاية أدباً، إمَّا مع حصول تلك الغاية أو دونها وصل به ورثته ولعلّه كان أنفع له.
وفي السيرة الحلبية ٢: ٨٧ من جملة ما انتُقم به على عثمان: انَّه حبس عبد الله ابن مسعود وهجره، وحبس عطاء اُبِّي بن كعب، وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لمـّا شكاه معاوية، وضرب عمّار بن ياسر وكعب بن عبدة ضربه عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال، وقال لعبد الرحمن بن عوف: إنَّك منافق. الخ.
قال الأميني؟ لعلّك لا تستكنه هذه الجرأة ولا تبلغ مداها حتّى تعلم أنَّ ابن مسعود مَن هو، فهنالك تؤمن بأنَّ ما فُعل به حوبٌ كبير لا يبرّر مَن ارتكب به أيّ عذر معقول فضلاً عن التافهات.
١ - أخرج مسلم وابن ماجة من طريق سعد بن أبي وقاص قال نزل قوله تعالى:
ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما مِن حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين « الأنعام ٥٢ » في ستة نفر منهم عبد الله بن مسعود.
راجع تفسير الطبري ٧: ١٢٨، المستدرك للحاكم ٣: ٣١٩، تاريخ ابن عساكر ٦: ١٠٠، تفسير القرطبى ١٦: ٤٣٢، ٤٣٣، تفسير ابن كثير ٢: ١٣٥، تفسير ابن جزي ٢: ١٠، تفسير الدر المنثور ٣: ١٣، تفسير الخازن ٢: ١٨، تفسير الشربيني ١: ٤٠٤، تفسير الشوكاني ٢: ١١٥.
٢ - أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣: ١٠٨ ط ليدن من طريق عبد الله بن مسعود نزول قوله تعالى: الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتّقوا أجر عظيم « آل عمران ١٧٢ » في ثمانية عشر رجلاً هو أحدهم.
وذكر ابن كثير والخازن في تفسيرهما: إنّ ابن مسعود ممّن نزلت فيهم الآية.
٣ - ذكر الشربيني والخازن نزول قوله تعالى: أمّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة. في ابن مسعود وعمَّار وسلمان. يأتي تفصيله بُعيد هذا في ترجمة عمَّار.
٤ - عن عليّعليهالسلام مرفوعاً: عبد الله يوم القيامة في الميزان أثقل من اُحد. وفي لفظ: والذي نفسي بيده لهما (يعني ساقي ابن مسعود) أثقل في الميزان من اُحد.
وفي لفظ: والذي نفسي بيده لساقا عبد الله يوم القيامة أشدُّ وأعظم من اُحد وحراء.
راجع مستدرك الحاكم ٣: ٣١٧، حلية الأولياء ١: ١٢٧، الاستيعاب ١: ٣٧١، صفة الصفوة ١: ١٥٧، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٣، الاصابة ٢: ٣٧٠، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ٢٨٩، وقال: أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح غير امّ موسى وهي ثقة، ورواه من طريق البزّار والطبراني فقال: رجالهما رجال الصحيح. كنز العمّال ٦: ١٨٠، ١٨١، ج ٧: ٥٥ نقلاً عن الطبراني والضياء وإبن خزيمة وصحَّحه.
٥ - عن علقمة وعمر في حديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من سرَّه أن يقرأ القرآن
غضّاً. أو: رطباً، كما اُنزل فليقرأه على قراءة ابن أمِّ عبد.
أخرجه أبو عبيد في فضائله. أحمد. الترمذي. النسائي. البخاري في تاريخه. إبن أبي خزيمة. إبن أبي داود. إبن الأنباري. عبد الرزاق. إبن حبان. الدارقطني إبن عساكر. أبو نعيم. الضياء المقدسي. البزّار. الطبراني. أبو يعلى. وغيرهم.
راجع سنن إبن ماجة ١: ٦٣، حلية الأولياء ١: ١٢٤، مستدرك الحاكم ٣: ٣١٨، الاستيعاب ١: ٣٧١، صفة الصفوة ١: ١٥٦، طرح التثريب ١: ٨٥، الاصابة ٢: ٣٦٩، مجمع الزوائد ٩: ٢٨٧، كنز العمّال ٦: ١٨١.
٦ - عن أبي الدرداء مرفوعاً في حديث: رضيت لاُمَّتي ما رضي الله لها وابن اُمِّ عبد، وسخطت لاُمّتي ما سخط الله لها وابن اُم عبد.
أخرجه البزار والطبراني ورجال البزّار ثقات كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٢٩٠، ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣١٧، ٣١٨ وأبو عمر في الاستيعاب ١: ٣٧١ ويوجد في كنز العمّال ٦: ١٨١ و ج ٧: ٥٦.
٧ - عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : آذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سِوادي(١) حتّى أنهاك. قال ابن حجر: أخرجه أصحاب الصحاح.
مسند أحمد ١: ٣٨٨، سنن ابن ماجة ١: ٦٣، حلية الأولياء ١: ١٢٦، الاستيعاب ١: ٣٧١، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٢، الاصابة ٢: ٣٦٩.
٨ - أخرج الترمذي من طريق عبد الله في حديث قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تمسّكوا بعهد إبن اُم عبد.
وفي لفظ أحمد: تمسّكوا بعهد عمّار، وما حدَّثكم إبن مسعود فصدِّقوه.
راجع مسند أحمد ٥: ٣٨٥، حلية الأولياء ١: ١٢٨، تاريخ ابن كثير ٢: ١٦٢، الاصابة ٢: ٣٦٩، كنز العمّال ٧: ٥٥.
٩ - سُئل عليٌّ (أمير المؤمنين) عن ابن مسعود قال: علم القرآن وعلم السنّة ثمَّ انتهى وكفى به علماً.
____________________
١ - كذا فى جميع المصادر والسواد بالكسر: السرار. يقال: ساودت الرجل اى ساورته. وحسبه ناشر حلية الاولياء غلطا فجعله فى المتن « سرارى » وقال فى التعليق: فى الاصلين: سوادى.
راجع حلية الأولياء لأبي نعيم ١: ١٢٩، المستدرك للحاكم ٣: ٣١٨، الاستيعاب ١: ٣٧٣، صفة الصفوة ١: ١٥٧.
١٠ - أخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٣١٥ من طريق حبة العرني قال: إنَّ ناساً أتوا عليّاً فأثنوا على عبد الله بن مسعود فقال: أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل: من قرأ القرآن وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، فقيهٌ في الدين، عالمٌ بالسنّة.
١١ - أخرج الترمذي باسناد رجاله ثقاتٌ من طريق حذيفة بن اليمان: إنَّ أشبه الناس هدياً ودلّاً وسمتاً بمحمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم عبد الله.
وفي لفظ البخاري: ما أعرف أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلّاً برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من إبن اُم عبد، وزاد الترمذي: ولقد علم المحفوظون من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّ إبن ام عبد أقربهم إلى الله زلفى. وفي لفظ أبي نعيم: انّه من أقربهم وسيلة يوم القيمة. وفي لفظ أبي عمر: سمع حذيفة يحلف بالله ما أعلم أحداً أشبه دلّا وهدياً برسول الله من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه من عبد الله بن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة.
وفي لفظ علقمة: كان يشبّه بالنبيِّ في هديه ودلّه وسمته.
راجع صحيح البخاري كتاب المناقب. مسند أحمد ٥: ٣٨٩، المستدرك ٣: ٣١٥، ٣٢٠ حلية الاولياء ١: ١٢٦، ١٢٧، الاستيعاب ١: ٣٧٢، مصابيح السنَّة ٢: ٢٨٣، صفة الصفوة ١: ١٥٦، ١٥٨، تاريخ ابن كثير ٢: ١٦٢، تيسير الوصول ٣: ٢٩٧ الاصابة ٢: ٣٦٩، كنز العمّال ٧: ٥٥.
١٢ - أخرج الشيخان والترمذي عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلّا أنّه رجلٌ من أهل بيت النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم لما نرى من دخوله و دخول اُمِّه على النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
راجع المستدرك للحاكم ٣: ٣١٤، مصابيح السنَّة: ٢: ٢٨٤، تيسير الوصول ٣: ٢٧٩ نقلاً عن الشيخين والترمذي، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٢، مرآة الجنان لليافعى ١: ٨٧، الاصابة ٨: ٣٦٩ قال: عند البخاري في التاريخ بسند صحيح.
١٣ - أخرج أحمد في مسنده ٤: ٢٠٣ من طريق عمرو بن العاصي قال: مات
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يحبُّ عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٢٩٠ بلفظ: مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو راض عنه. حكاه عن أحمد والطبراني فقال. رجال أحمد رجال الصحيح، وأخرجه ابن عساكر من طريق عثمان بن أبي العاص الثقفي كما في كنز العمّال: ٧: ٥٦.
١٤ - أخرج البخاري من طريق عبد الله بن مسعود قال: أخذت من في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سبعين سورة وإنَّ زيد بن ثابت لصبيٌّ من الصبيان. وفي لفظ: أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت وله ذؤابة يلعب مع الغلمان. وفي لفظ: ما ينازعني فيها أحد.
حلية الأولياء ١: ١٢٥، والاستيعاب ١: ٣٧٣، تهذيب التهذيب ٦: ٢٨ وصحَّحه كنز العمّال ٧: ٥٦ نقلاً عن ابن أبي داود.
١٥ - أخرج البغوي من طريق تميم بن حرام(١) قال: جالست أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فما رأيت أحداً أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أحبُّ إليَّ أن أكون في صلاحه من إبن مسعود، الاصابة لإبن حجر ٢: ٣٧٠.
وأخرجه البخاري في تاريخه ١ قسم ٢ ص ١٥٢ ولفظه: أدركت أبي بكر وعمر وأصحاب محمَّد عليهم السَّلام فما رأيت أحداً. الخ.
١٦ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان عبد الله صاحبِ سواد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعني سرِّه.
وعن أبي الدرداء: ألم يكن فيكم صاحب السواد عبد الله؟.
وعن عبد الله بن شدّاد: إنَّ عبد الله كان صاحب السِواد والوساد والسواك والنعلين(٢) .
راجع طبقات ابن سعد ٣: ١٠٨، حلية الأولياء ١: ١٢٦، الاستيعاب ١: ٣٧١، صفة الصفوة ١: ١٥٦، طرح التثريب ١: ٧٥.
١٧ - عن أبي وائل قال إبن مسعود: إنِّي لأعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم و
____________________
١ - فى تاريخ البخارى: حذلم.
٢ - كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله ويحمل نعليه. قاله ابن حجر فى تهذيب التهذيب ٦: ٢٨.
ما في كتاب الله سورة ولا آية إلّا وأنا أعلم فيم اُنزلت ومتى نزلت. قال أبو وائل: فما سمعت أحداً أنكر ذلك عليه.
أخرجه الشيخان والنسائي كما في تيسير الوصول ٣: ٢٧٩، وأبو عمر في الاستيعاب ١: ٣٧٢، وذكره اليافعي في مرآته ١: ٨٧.
هذا ابن مسعود
وهذا علمه وهديه وسمته وصلاحه وزلفته إلى نبيِّ العظمةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أضف إلى ذلك كلّه سابقته في الإسلام وهو سادس ستة، وهجرته إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة، وشهوده بدراً ومشاهد النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّها، وهو أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة كما في رواية أبي عمر في الإستيعاب، ولعلّك لا تشكُّ بعد سيرك الحثيث في غضون السيرة والتاريخ في أنَّه لم يكن له دؤب إلّا على نشر علم القرآن وسنَّة الرسول وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وتثبيت القلوب، وشدِّ أزر الدين، في كلّ ذلك هو شبيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في هديه و سمته ودلِّه، فلا تجد فيه مغمزاً لغامز، ولا محلاًّ للمز لامز، وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم اُمور دينهم، وبعث عمّاراً أميراً وكتب إليهم: إنَّهما من النجباء من أصحاب محمَّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي(١) وقد سمعت ثناء أهل الكوفة عليه بقولهم: جُزيت خيراً، فلقد علّمت جاهلنا وثبَّتَ عالمنا، وأقرأتنا القرآن، وفقَّهتنا في الدين، فنعم أخو الإسلام أنت ونعم الخليل.
كان إبن مسعود أوَّل من جهر بالقرآن بمكّة، إجتمع يوماً أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ، فمن رجلٌ يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا. قالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنَّما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإنَّ الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتّى أتى المقام في الضحى، وقريشٌ في أنديتها، حتّى قام عند المقام ثمَّ قرأ: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. رافعاً بها صوته. ألرحمن علّم القرآن. قال: ثمَّ استقبلها يقرؤها. قال: وتأمَّلوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن اُم عبد؟ قال: ثمَّ قالوا: إنَّه ليتلو بعض ما جاء به محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتّى بلغ منها ما شاء
____________________
١ - الاستيعاب ١: ٣٧٣، ج ٢ ٤٣٦، الاصابة ٢: ٣٦٩.
الله أن يبلغ، ثمَّ انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن. ولئن شئتم لاُغادينَّهم بمثلها غداً، قالوا: لا، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون(١) .
وقد هذَّبته تلكم الأحوال وكهربته، فلم يُسق لمغضبة على باطل، ولم يحده طيشٌ إلى غاية، فهو إن قال فعن هُدى، وإن حدَّث فعن الصادع الكريم صدقاً، وإن جال ففي مستوى الحقّ، وإن صال فعلى الضلالة، وعرفه بذلك مَن عرفه من أوّل يومه، وكان معظماً مبجَّلاً لدى الصحابة وكانوا يحذرون خلافه والردَّ عليه ويعدُّونه حوباً قال أبو وائل: إنَّ ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل إزاره فقال: ارفع إزارك. فقال: و أنت يا ابن مسعود! فارفع إزارك. فقال: إنِّي لست مثلك إنَّ بساقي حموشة وأنا آدم الناس فبلغ ذلك عمر فضرب الرجل ويقول: أتردّ على ابن مسعود؟(٢) .
وأخرج أبو عمر بن الاستيعاب ١: ٣٧٢ بالاسناد عن علقمة قال: جاء رجلٌ إلى عمر وهو بعرفات فقال: جئتك من الكوفة وتركت بها رجلاً يحكي المصحف عن ظهر قلبه فغضب عمر غضباً شديداً وقال: ويحك ومن هو؟ قال عبد الله بن مسعود. قال: فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله وقال: والله ما أعلم من النّاس أحداً هو أحقُّ بذلك منه.
فلماذا يحرم هذا البدريّ العظيم عطاؤه سنين؟ ثمَّ يأتيه مَن سامه سوء العذاب وقد خالجه الندم ولات حين مَندم متظاهراً بالصلة فلا يقبلها ابن مسعود وهو في منصرم عمره، ويسأل ربّه أن يأخذ له منه بحقِّه، ثمَّ يتوجَّه إلى النعيم الخالد مُعرضاً عن الحطام الزائل، موصياً بأن لا يصلّي عليه من نال منه ذلك النيل الفجيع.
لماذا فُعل به هذا؟ ولماذا شُتم على رؤس الاشهاد؟ ولماذا اُخرج من مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مُهاناً عنفاً، ولماذا ضُرب به الأرض فدُقَّت أضالعه؟ ولما بطشوا به بطش الجبّارين؟.
كلّ ذلك لأنَّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال
____________________
١ - سيرة ابن هشام ١: ٣٣٧.
٢ - الاصابة ٢: ٣٧٠، كنز العمّال: ٥٥.
الكوفة يوم كان عليه ما اُمر به، فألقى مفاتيح بيت المال لمالم يجد من الكتاب والسنَّة وهو العليم بهما مساغاً لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها، وعلم أنَّها سوف تتبعها من الأعطيات التي لا يقرّها كتاب ولا سنَّة، فتسلّل عن عمله وتنصّل، وما راقه أن يبوء بذلك الإثم، فلهج بما علم، وأبدى معاذيره في إلقاء المفاتيح، فغاض تلكم الأحوال داعية الشهوات، وشاخص الهوى الوليد بن عقبة، فكتب في حقّه ونمَّ وسعي، فكان من ولائد ذلك أن ارتكب من ابن مسعود ما عرفت، ولم تمنع عن ذلك سوابقه في الإسلام وفضائله وفواضله وعلمه وهديه وورعه ومعاذيره وحججه، فضلاً على أن يُشكر على ذلك كلّه، فأوجب نقمة الصحابة على مَن نال ذلك منه، وإنكار مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وصيحة اُمّ المؤمنين في خدرها، ولم تزل البغضاء محتدمة على هذه وأمثالها حتّى كان في مغبَّة الأمر ما لم يحمده خليفة الوقت وزبانيته الذين جرَّوا إليه الويلات.
ولو ضرب المسيطر على الأمر صفحاً عن الفظاظة في الإنتقام، أو أعار لنصح صلحاء الاُمَّة اُذناً واعية، أولم يستبدل بجراثيم الفتن عن محنّكي الرجال، أولم ينبذ كتاب الله وسنَّة نبيّه وراء ظهره، لما استقبله ما جرى عليه وعلى من اكتنفه من الوأد والهوان لكنَّه لم يفعل ففعلوا، ولمحكمة العدل الآلهيِّ غداً حكمها البات.
ولابن مسعود عند القوم مظلمةٌ اُخرى وهي جلده أربعين سوطاً في موقف آخر، لماذا كان ذلك؟ لأنَّه دفن أبا ذر لمـّا حضر موته في حجَّته. وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميتاً كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان.
وجد صحابيّاً عظيماً كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يُقرّبه ويُدنيه قد فارق الدنيا.
وجد عالماً من علماء المسلمين قد غادرته الحياة.
وجد مثالاً للقداسة والتقوى، فتمثَّل أمام عينيه تلك الصورة المكبَّرة التي كان يشاهدها على العهد النبويِّ.
وجد شبيه عيسى بن مريم في الاُمَّة المرحومة هدياً وسمتاً ونُسكاً وزُهداً وخُلقاً، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام.
وجد عزيزاً من أعزّاء الصحابة على الله ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوماً مضطهداً.
وجد في قارعة الطريق جثمان طيِّب طاهر غريب وحيد نازح عن الأوطان تصهره الشمس، وتسفي عليه الرياح، وذكر قول رسول الله: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده، ويحشر وحده.
فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرُّوا على ذلك المنظر الفجيع دون أن يمتثلوا حكم الشريعة بتعجيل دفن جثمان كلِّ مسلم فضلاً عن أبي ذر الذي بشَّر بدفنه صلحاء المؤمنين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنهضوا بالواجب فأودعوه في مقرِّه الأخير والعيون عبرى، والقلوب واجدة على ما ارتكب من هذا الإنسان المبجّل، فلمّا هبطوا يثرب نقم على ابن مسعود من نقم على أبي ذر، فحسب ذلك الواجب الذي ناء به ابن مسعود حوباً كبيراً، حتّى صدر الأمر بجلده أربعين سوطاً، وذلك أمرٌ لا يُفعل بمن دفن زنديقاً لطمّ جيفته فضلاً عن مسلم لم يبلغ مبلغ أبي ذر من العظمة والعلم والتقوى والزلفة، فكيف بمثل أبي ذر وعاء العلم، وموئل التقوى، ومنبثق الايمان، وللعداء مفعولٌ قد يبلغ أكثر من هذا.
أيّ خليفة هذا لم يُراع حرمةً ولا كرامة لصلحاء الاُمَّة وعظماء الصحابة من البدريِّين الذين نزل فيهم القرآن، وأثنى عليهم النبيُّ العظيم؟ وقد جاء في مجرمٍ بدريّ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا قال عمر: إئذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه: مهلاً يا ابن الخطّاب إنَّه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال: إعملوا ما شئتم فانِّي غافرٌ لكم(١) واختلق القوم حديثاً لإدخال عثمان في زمرتهم لفضلهم المتسالم عليه عند الاُمَّة جمعاء، كأنَّ الرجل آلى على نفسه أن يُطلَّ على الاُمَّة الداعية إلى الخير، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، بالذلِّ والهوان، ويُسرَّ بذلك سماسرة الأهواء من بني أبيه، فطفق بمراده، والله من ورائهم حسيب.
والمدافع إن أعوزته المعاذير تشبَّث بالطحلب فقال:(٢) حداه إلى ذلك الإجتهاد.
ذلك العذر العام المصحّح للأباطيل، والمبرِّر للشنايع، والوسيلة المتَّخذة لإغراء
____________________
١ - أحكام القرآن ٣: ٥٣٥.
٢ - راجع التمهيد للباقلانى ص ٢٢١، الرياض النضرة ٢٦ ١٤٥، الصواعق ص ٦٨، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٨.
بسطاء الاُمَّة، وذلك قولهم بأفواهم، وانَّ ربَّك يعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون، وإنَّ الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
٤٢
مواقف الخليفة مع عمّار
١ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٤٨ بالاسناد من طريق أبي مخنف قال: كان في بيت المال بالمدينة سفطٌ فيه حليٌّ وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلّي به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فخطب فقال: لنأخذنَّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت اُنوف أقوام: فقال له عليٌّ: إذاً تُمنع من ذلك ويُحال بينك وبينه. وقال عمّار بن ياسر: اُشهد الله إنَّ أنفي أوَّل راغم من ذلك. فقال عثمان: أعليَّ يا ابن المتكاء(١) تجترئ؟ خذوه، فاُخذ ودخل عثمان ودعا به فضربه حتى غُشي عليه ثمَّ اُخرج فحمل حتى اُتي به منزل اُمّ سلمة زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم يصلِّ الظهر والعصر والمغرب فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال: ألحمد لله ليس هذا أوَّل يوم اُوذينا فيه في الله، وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمّار حليفاً لبني مخزوم فقال: يا عثمان أمّا عليّ فاتَّقيته وبني أبيه، وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتّى أشفيتَ به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلنَّ به رجلاً من بني اميَّة عظيم السُرَّة، فقال عثمان: وإنَّك لهاهنا يا ابن القسريَّة؟ قال: فإنَّهما قسريَّتان وكانت اُمّه وجدَّته قسريَّتين من بجيلة، فشتمه عثمان وأمر به فاُخرج، فأتى اُمَّ سلمة فاذا هي قد غضبت لعمّار، وبلغ عائشة ما صنع بعمّار فغضبت وأخرجت شعراً من شعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثمَّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنّة نبيِّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبلَ بعدُ. فغضب عثمان غضباً شديداً حتّى ما درى ما يقول فالتجَّ المسجد وقال الناس: سبحان الله، سبحان الله. وكان عمرو بن العاص واجداً على عثمان لعزله إيّاه عن مصر وتوليته إيّاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح فجعل يُكثر التعجب والتسبيح.
وبلغ عثمان مصير هشام بن الوليد ومن مشى معه من بني مخزوم إلى اُمِّ سلمة وغضبها لعمّار فأرسل إليها: ما هذا الجمع؟ فأرسلت إليه دع ذا عنك يا عثمان! ولا
____________________
١ - المتكاء: البظراء. المفضاة. التى لا تمسك البول. العظيمة البطن.
تحمل الناس في أمرك على ما يكرهون. واستقبح الناس فعله بعمّار وشاع فيهم فاشتدَّ إنكارهم له.
وفي لفظ الزهري كما في أنساب البلاذري ص ٨٨: كان في الخزائن سفطٌ فيه حليٌّ وأخذ منه عثمان فحلّى به بعض أهله فأظهروا عند ذلك الطعن عليه وبلغه ذلك فخطب فقال: هذا مال الله اُعطيه مَن شئت وأمنعه مَن شئت فأرغم الله أنف من رغم فقال عمّار: أنا والله أوَّل من رغم أنفه من ذلك. فقال عثمان: لقد اجترأت عليَّ يا ابن سميَّة؟! و ضربه حتّى غشي عليه فقال عمّار: ما هذا بأوَّل ما اوذيت في الله. وأطلعت عائشة شعراً من رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ونعله وثياباً من ثيابه - فيما يحسب وهب - ثمَّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنَّة نبيِّكم. وقال عمرو بن العاص: هذا منبر نبيِّكم وهذه ثيابه وهذا شعره لم يبلَ فيكم وقد بدَّلتم وغيَّرتم. فغضب عثمان حتّى لم يدر ما يقول.
٢ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ٤٩ إنَّ المقداد بن عمرو وعمّار بن ياسر وطلحة والزبير في عدَّة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كتبوا كتاباً عدَّدوا فيه أحداث عثمان و خوَّفوه ربَّه وأعلموه أنَّهم مواثبوه إن لم يُقلع فأخذ عمّار الكتاب وأتاه به فقرأ صدراً منه فقال له عثمان: أعليَّ تقدم مِن بينهم؟ فقال عمّار: لأنّي أنصحهم لك. فقال: كذبت يا ابن سميَّة! فقال: أنا والله ابن سميَّة وابن ياسر. فأمر غلمانه فمدّوا بيديه ورجليه ثمَّ ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً كبيراً فغُشي عليه.
وذكره ابن أبي الحديد في الشرح ١: ٢٣٩ نقلاً عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه.
وقال أبو عمر في الاستيعاب ٢: ٤٢٢: وللحلف والولاء الذين بين بني مخزوم وبين عمّار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمّار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه ورغموا وكسروا ضلعاً من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لقتلنا به أحداً غير عثمان.
صورة مفّصلة
قال ابن قتيبة: ذكروا انَّه اجتمع ناسٌ من أصحاب رسول اللهعليهالسلام كتبوا كتاباً
_١_
ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سُنَّة رسول الله وسنَّة صاحبيه.
٢ - وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حقُّ الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين.
٣ - وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدّوا سبع دور بناها بالمدينة داراً لنائلة وداراً لعائشة وغيرهما من أهله وبناته.
٤ - وبنيان مروان القصور بذي خشب وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لِلَّه ولرسوله.
٥ - وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمّه من بني اميَّة من أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرَّسول ولا تجربة لهم بالامور.
٦ - وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلّى بهم الصبح وهو أميرٌ عليها سكران أربعة ركعات ثمَّ قال لهم: إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم.
٧ - وتعطيله إقامة الحدِّ عليه وتأخيره ذلك عنه.
٨ - وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم.
٩ - وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة.
١٠ - وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبيِّعليهالسلام ثمَّ لا يغزون ولا يذبّون.
١١ - وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وانَّه أوَّل من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنَّما كان ضرب الخليفتين قبله بالدِرَّة والخيزران.
ثمَّ تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان وكان ممَّن حضر الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة، فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد عمّار جعلوا يتسلّلون عن عمّار حتى بقي وحده فمضى حتى جاء دار عثمان فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات فدخل عليه وعنده مروان بن الحكَم وأهله من بني اُميَّة فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: ومَن كان معك؟ قال: معي نفرٌ تفرَّقوا فرَقاً منك. قال: ومن هم؟ قال: اُخبرك بهم. قال: فلمَ
اجترأت عليَّ من بينهم؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين! إنَّ هذا العبد الأسود (يعني عمّاراً) قد جرَّأ عليك الناس وإنَّك إنْ قتلته نَكلتَ بهِ مَن وراءه. قال عُثمان: إضربوه. فضربوه وضربه عثمان معهم حتّى فتقوا بطنه فغشي عليه فجرُّوه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به اُمّ سلمة زوج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فاُدخل منزلها وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلمّا خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال: أما والله لئن مات عمّار من ضربه هذا لأقتلنَّ به رجلاً عظيماً من بني اُميَّة فقال عثمان: لست هناك. قال: ثمَّ خرج عثمان إلى المسجد فإذا هو بعليّ وهو شاك معصوب الرأس فقال عثمان: والله يا أبا الحسن! ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟ فوالله لئن متّ ما اُحبُّ أن أبقى بعدك لغيرك، لأنِّي لا أجد منك خَلفا ولئن بقيت لا أعدم طاغياً يتَّخذك سُلّماً وعضداً ويعدّك كهفاً وملجأ، لا يمنعني منه إلّا مكانه منك ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقَّه، فإمّا سِلمٌ فنسالم وإمّا حربٌ فنحارب، فلا تجعلني بين السَّماء والأرض. فإنَّك والله إن قتلتني لا تجد منِّي خلفاً، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفاً، ولن يلي أمر هذه الاُمَّة بادئ فتنة. فقال عليٌّ: إنَّ فيما تكلّمت به لجواباً ولكني عن جوابك مشغولٌ بوجعي فأنا أقول كما قال العبد الصالح: فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون. قال مروان: إنّا والله إذاً لنكسرن رماحنا ولنقطعن سيوفنا ولا يكون في هذا الأمر خيرٌ لمن بعدنا، فقال له عثمان: اسكت، ما أنت وهذا؟. الامامة والسياسة ١ ص ٢٩.
وذكره مختصراً ابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٢: ٢٧٢ نقلاً عن أبي بكر بن أبي شيبة من طريق الأعمش قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة فقالوا: من يذهب بها إليه؟ قال عمّار: أنا. فذهب بها إليه فلمّا قرأها قال: أرغم الله أنفك قال: وبأنف أبي بكر وعمر قال: فقام إليه فوطئه حتى غشي عليه ثمَّ ندم عثمان وبعث إليه طلحة والزبير يقولان له: إختر إحدى ثلاث: إمّا أن تعفو، وإمّا أن تأخذ الأرش، وإمّا أن تقتصَّ، فقال: والله لا قبلت واحدةً منها حتّى ألقى الله.
٣ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ٥٤: وقد روي أيضاً: انَّه لمـّا بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال: رحمه الله. فقال عمّار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كلِّ أنفسنا. فقال
عثمان: يا عاضَّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: ألحق بمكانه فلمّا تهيَّأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يُكلّم عثمان فيه فقال له عليّ: يا عثمان! إتَّق الله فإنَّك سيّرت رجلاً(١) صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك، ثمَّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلامٌ حتى قال عثمان: أنت أحقُّ بالنفي منه فقال عليٌّ: رُم ذلك إن شئت. واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلّما كلّمك رجلٌ سيِّرته ونفيته فانَّ هذا شيءٌ لا يسوغ. فكفَّ عن عمّار.
وفي لفظ اليعقوبي: لمـّا بلغ عثمان وفاة أبي ذر قال: رحم الله أبا ذر. قال عمّار: نعم رحم الله أبا ذر من كلِّ أنفسنا. فغلظ ذلك على عثمان وبلغ عثمان عن عمّار كلام فأراد أن يسيِّره أيضاً، فاجتمعت بنو مخزوم إلى عليِّ بن أبي طالبعليهالسلام وسألوه إعانتهم فقال عليٌّ: لا ندع عثمان ورأيه. فجلس عمّار في بيته، وبلغ عثمان ما تكلّمت بنو مخزوم فأمسك عنه. تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٠.
٤ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ٤٩: إنَّ عثمان مرَّ بقبر جديد فسأل عنه فقيل: قبر عبد الله بن مسعود فغضب على عمّار لكتمانه إيّاه موته إذ كان المتولِّي للصَّلاة عليه والقيام بشأنه فعندها وطىء عمّاراً حتّى أصابه الفتق.
وذكره ابن أبي الحديد في شرحه ١: ٢٣٩ نقلاً عن الشريف المرتضى من دون غمز فيه.
وفي لفظ اليعقوبي: توفّي « ابن مسعود » وصلّى عليه عمّار بن ياسر وكان عثمان غائباً فستر أمره فلمّا انصرف رأى عثمان القبر فقال: قبر مَن هذا؟ فقيل: قبر عبد الله ابن مسعود، قال: فكيف دُفن قبل أن أعلم؟ فقالوا: ولي أمره عمَّار بن ياسر وذكر انَّه أوصى أن لا يُخبر به ولم يلبث إلّا يسيراً حتّى مات المقداد(٢) فصلّى عليه عمّار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به فاشتدَّ غضب عثمان على عمّار وقال: ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليماً. تاريخ اليعقوبي ٢: ١٤٧.
وفي طبقات ابن سعد ٣: ١٨٥ ط ليدن: إنَّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّاراً
____________________
١ - يعنى سيدنا ابا ذر الغفارى.
٢ - اتفقوا على انّه مات سنة ثلاث وثلاثين، وتوفى ابن مسعود قبله بسنة او اقل او اكثر.
وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان ابن عفّان.
قال الأميني: هذه أفاعيل الخليفة في رجل نزل فيه القرآن شهيداً على طمأنينته بالايمان والرضا بقنوته آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة، في رجل هو أوّل مسلم إتَّخذ مسجداً في بيته يتعبَّد فيه(١) في رجل تضافر الثناء عليه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مشفوعاً بالنهي المؤكّد عن بغضه ومعاداته وسبّه وتحقيره وانتقاصه بألفاظ ستقف عليها إنشاء الله تعالى. وقد أكبرته الصحابة الأوَّلون ونقمت على من آذاه وأغضبه وأبغضه، وفُعل به كلّ تلكم المناهي ولم يؤثر عن عمّار إلّا الرضا بما يُرضي الله ورسوله والغضب لهما والهتاف بالحقِّ والتجهُّم أمام الباطل رضي الناس أم غضبوا، ولم يزل على ذلك كلّه منذ بدء أمره الذي اوذي فيه هو وأبواه، فكان مرضيّاً عند الله ايمانهم وخضوعهم وبعين الله ما قاسوه من المحن فعاد ذكرهم ورداً لنبيِّ الاسلام فلم يزل يلهج بهم ويدعو لهم ويقول:
اصبروا آل ياسر! موعدكم الجنَّة. من طريق عثمان بن عفان(٢) .
ويقول: ابشروا آل ياسر! موعدكم الجنَّة. من طريق جابر(٣) .
ويقول: أللهمَّ اغفر لآل ياسر وقد فعلت. رواه عثمان أيضاً(٤) .
وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار وبأبيه واُمِّه - وكانوا أهل بيت اسلام - اذا حميت الظهيرة يعذِّبونهم برمضاء مكّة فيمرّ بهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقول: صبراً آل ياسر! موعدكم الجنَّة. صبراً آل ياسر! فإنَّ مصيركم إلى الجنَّة(٥) .
نعم: كان عمّارا هكذا عند مفتتح حياته الدينيَّة إلى منصرم عمره الذي قتلته فيه
____________________
١ - طبقات ابن سعد ٣: ١٧٨ ط ليدن، وذكره ابن كثير فى تاريخه ٧: ٣١١.
٢ - أخرجه الطبرانى كما فى مجمع الزوائد ٩: ٢٩٣ فقال: رجاله ثقات، وأخرجه الطبرانى عن عمّار، والبغوى وابن مندة والخطيب وأحمد وابن عساكر عن عثمان كما فى كنز العمال ٦: ١٨٥.
٣ - مجمع الزوائد نقلا عن الطبرانى ٩: ٢٩٣ فقال: رجاله رجال الصحيح غير ابراهيم وهو ثقة.
٤ - مسند احمد ١: ٦٢، مجمع الزوائد ٩: ٢٩٣ فقال: رجاله رجال الصحيح. واخرجه البيهقى والبغوى والعقيلى والحاكم فى الكنى وابن الجوزى وابن عساكر كما فى كنز العمال ٧: ٧٢.
٥ - سيرة ابن هشام ١: ٣٤٢، حلية الاولياء ١: ١٤٠، طرح التثريب ١: ٨٧، واخرجه الحارث والضياء والحاكم والطيالسى والبغوى وابن مندة وابن عساكر كما فى كنز العمال ٧: ٧٢.
الفئة الباغية. وقد أخبر به النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:
ويحك يا ابن سميَّة تقتلك الفئة الباغية.
وفي لفظ: تقتل عمَّار الفئة الباغية، وقاتله في النار.
وفي لفظ: ويح عمَّارا وويح ابن سميَّة تقتله الفئة الباغية.
وفي لفظ معاوية: تقتل عمّارا الفئة الباغية.
وفي لفظ عثمان: تقتلك الفئة الباغية، قاتل عمّار في النار.
وفي لفظ: تقتل عمّاراً الفئة الباغية عن الطريق، وإنَّ آخر رزقه من الدنيا ضياحٌ من لبن.
وفي لفظ عمّار: أخبرني حبيبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه تقتلني الفئة الباغية، وأنَّ آخر زادي مذقة من لبن.
وفي لفظ حذيفة: انَّك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية الناكبة عن الحقِّ، يكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن.
وفي لفظ: ويح عمّار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار.
وفي لفظ أنس: ابن سميَّة تقتله الفئة الباغية قاتله وسالبه في النار.
وفي لفظ عائشة: أللهمَّ بارك في عمّار، ويحك ابن سمَّيه تقتلك الفئة الباغية، و آخر زادك من الدنيا ضياحٌ من لبن.
وفي لفظ: ويح ابن سميَّة ليسوا بالذين يقتلونك إنَّما تقتلك الفئة الباغية.
جاء هذا الحديث من طرق كثيرة تربو حدَّ التواتر منها طريق عثمان بن عفان. عمرو بن العاص. معاوية بن أبي سفيان. حذيفة بن اليمان. عبد الله بن عمر. خزيمة بن ثابت. كعب بن مالك. جابر بن عبد الله. ابن عباس. أنس بن مالك. أبي هريرة الدوسي عبد الله بن مسعود. أبي سعد. أبي امامة. أبي رافع. أبي قتادة. زيد بن أبي أوفى. عمّار بن ياسر. عبد الله بن أبي هذيل. أبي اليسر. زياد بن الفرد. جابر بن سمرة. عبد الله ابن عمرو بن العاص. اُمّ سلمة. عائشة.
راجع طبقات ابن سعد ٣: ١٨٠، سيرة ابن هشام ٢: ١١٤، مستدرك الحاكم ٣: ٣٨٦، ٣٨٧، ٣٩١، الاستيعاب ٢: ٤٣٦ وقال: تواترت الآثار عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم
إنَّه قال: تقتل عمّاراً الفئة الباغية. وهذا من إخباره بالغيب واعلام نبوَّته وهو من أصحِّ الأحاديث. طرح التثريب ١: ٨٨ وصحَّحه، تيسير الوصول ٣: ٢٧٨، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٧٤، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٦٧، ٢٧٠ مجمع الزوائد ٩: ٢٩٦ وصحَّحه من عدَّة طرق، تهذيب التهذيب ٧: ٤٠٩ وذكر تواتره، الاصابة ٢: ٥١٢ وقال: تواترت الأحاديث، كنز العمّال ٦: ١٨٤، ج ٧، ٧٣، ٧٤، ونصَّ على تواتره السيوطي في الخصايص كما مرَّ في الجزء الثالث ٢٥٠ ط ٢.
وأخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، والبزار، وعبد الرازق، والطبراني، و الدارقطني، وأبو يعلى، وأبو عوانة، والاسماعيلي، والضياء المقدسي، وأبو نعيم، وتمام، وابن قانع، وابن مندة، والبارودي، والبرقاني، وابن عساكر، والخطيب.
(عمّار في الذكر الحكيم)
هذا عمّار بين البدء والختام المحمودين وهو بينهما كما أثنى عليه الذكر الحكيم بقوله تعالى: أمَّنْ هُو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة (الزمر ٩)
أخرج ابن سعد في الطبقات ٣: ١٧٨ ط ليدن وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس: انَّها نزلت في عمّار بن ياسر.
وذكر الزمخشري في تفسيره ٣: ٢٢: انَّها نزلت في عمّار وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.
وذكر القرطبي في تفسير ١٥: ٢٣٩ عن مقاتل: انَّ مَن هو قانت: عمّار بن ياسر
وذكر الخازن في تفسيره ٣: ٥٣: انَّها نزلت في ابن مسعود وعمّار وسلمان. وذكره الخطيب الشربيني في تفسيره ٣: ٤١٠. وذكر الشوكاني في تفسيره ٤: ٤٤٢ حديث ابن سعد وابن مردويه وابن عساكر. وزاد الآلوسي عليه في تفسيره ٢٣: ٢٤٧ قوله: و أخرج جويبر عن ابن عباس انَّها نزلت في عمّار وابن مسعود وسالم مولي أبي حذيفة.
وعن عكرمة: الإقتصار على عمّار. وعن مقاتل: المراد بمن هو قانت: عمّار وصهيب و ابن مسعود وأبو ذر. وجلُّ ما ذكره الآلوسي مأخوذ من الدر المنثور ٥: ٣٢٣.
(آية ثانية) : أخرج ابن ماجة في قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء. الآية (الأنعام ٥٢) انَّها
نزلت في عمّار وصهيب وبلال وخباب.
راجع تفسير الطبري ٧: ١٢٧، ١٢٨، تفسير القرطبي ١٦: ٤٣٢، تفسير البيضاوي ١: ٣٨٠، تفسير الزمخشري ١: ٤٥٣، تفسير الرازي ٤: ٥٠، تفسير ابن كثير ٢: ١٣٤، تفسير ابن جزي ٢: ١٠، الدر المنثور ٣: ١٤، تفسير الخازن ٢: ١٨، تفسير الشربيني ١: ٤٠٤، تفسير الشوكاني ٢: ١١٥.
(آية ثالثة) أخرج جمعٌ من الحفّاظ نزول قوله تعالى: إلّا مَن اُكره وقلبه مطمأنٌّ بالإيمان (سورة النحل: ١٠٦) في عمّار. وقال أبو عمر في الاستيعاب. هذا ممّا اجتمع أهل التفسير عليه. وقال القرطبي: نزلت في عمّار في قول أهل التفسير. وقال ابن حجر في الإصابة: اتَّفقوا على انَّه نزل في عمّار.
قال ابن عبّاس (في لفظ الواحدي) نزلت في عمّار بن ياسر وذلك انَّ المشركين أخذوه وأباه ياسراً واُمَّه سميّة وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً، فأمَّا سمّية فإنَّها رُبطت بين بعيرين ووُجئ قُبلها بحربة، وقيل لها: إنّك أسلمتِ من أجل الرجال. فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أوَّل قتيلين قُتلا في الإسلام، وأمّا عمّار فإنَّه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً فاُخبر النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنَّ عمّاراً كفر. فقال: كلّا إنَّ عمّاراً ملئ ايماناً من قرنه إلى قدمه، واخلط الايمان بلحمه ودمه، فأتى عمّار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يبكي فجعل رسول اللهعليهالسلام يمسح عينيه وقال: إن عادوا لك فُعد لهم بما قلت. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخرج حديث نزولها في عمّار، إبن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبري عن ابن عبّاس. وعبد الرزّاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصحَّحه وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن محمَّد عمّار عن أبيه. وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن أبي مالك.
راجع طبقات ابن سعد ٣، ١٧٨، تفسير الطبري ١٤: ١٢٢، أسباب النزول للواحدي ص ٢١٢، مستدرك الحاكم ٢: ٣٥٧، الإستيعاب ٢: ٤٣٥، تفسير القرطبي ١٠: ١٨٠، تفسير الزمخشري ٢: ١٧٦، تفسير البيضاوي ١: ٦٨٣، تفسير الرازي ٥: ٣٦٥، تفسير ابن جزي ٢: ١٦٢، تفسير النيسابوري هامش الطبري ١٤: ١٢٢، بهجة
المحافل ١: ٩٤، تفسير ابن كثير ٢: ٥٨٧، الدرّ المنثور ٤: ١٣٢، تفسير الخازن ٣: ١٤٣، الإصابة ٢: ٥١٢، تفسير الشوكاني ٣: ١٩١، تفسير الآلوسي ١٤: ٢٣٧.
(آية رابعة) ذكر الواحدي من طريق السديّ انّ قوله تعالى: أفَمَن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمَن متَّعناه متاع الحياة الدُنيا ثمَّ هو يوم القيامة من المحضرين (القصص: ٦١) نزل في عمّار والوليد بن المغيرة.
راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٥٥، تفسير القرطبي ١٣: ٣٠٣، تفسير الزمخشري ٢: ٣٨٦، تفسير الخازن ٣: ٤٣، تفسير الشربيني ٣: ١٠٥.
(آية خامسة) أخرج أبو عمر من طريق إبن عبّاس في قوله تعالى: أومَن كان ميِّتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس (الأنعام: ١٢٢) إنَّه عمّار بن ياسر.
وأخرج نزولها في عمّار إبن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ راجع الإستيعاب ٢: ٤٣٥، تفسير ابن جزي ٢: ٢٠، تفسير ابن كثير ٢: ١٧٢ تفسير البيضاوي ١: ٤٠٠، تفسير السيوطي ٣: ٤٣، تفسير الشربيني ١: ٤٢٩، تفسير الخازن ٢: ٣٢، تفسير الشوكاني ٢: ١٥٢.
الثناء الجميل على عمّار
أمّا الأحاديث الواردة في الثناء عليه فحدِّث عنها ولا حرج وإليك نزراً منها:
١ - عن إبن عبّاس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث: إنَّ عمّاراً مُلئ ايمانه مِن قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه.
راجع حلية الأولياء ١: ١٣٩، تفسير الزمخشري ٢: ١٧٦، تفسير البيضاوي ١: ٦٨٣، بهجة المحافل ١: ٩٤، تفسير الرازي ٥: ٣٦٥، تفسير الخازن ٣: ١٤٣، كنز العمّال ٦: ١٨٤، و ج ٧، ٧٥، تفسير الآلوسي ١٤: ٢٣٧.
٢ - أخرج ابن عساكر من طريق عليّ: عمّار خلط الله الايمان ما بين قرنه إلى قدمه، وخلط الايمان بلحمه ودمه، يزول مع الحقِّ حيث زال، وليس ينبغي للنار أن تأكل منه شيئاً (كنز العمّال ٦: ١٨٣).
٣ - أخرج البزّار من طريق عائشة قالت: ما أحدٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا لو شئت لقلت فيه ما خلا عمّاراً فإنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: مُلئ ايماناً
إلى مشاشه. وفي لفظ أبي عمر: مُلئ عمّار ايماناً إلى أخمص قدميه. وفي لفظ له: إنَّ عمّار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة اُذنيه ايماناً.
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٢٩٥ وقال: رجاله رجال الصحيح، وأخرجه ابن ماجة من طريق عليّ كما في طرح التثريب ١: ٨٧، وأخرجه إبن ديزيل والنسائي من طريق عمرو بن شرحبيل عن رجل مرفوعاً كما في تيسير الوصول ٣: ٢٧٩، والبداية والنهاية ٧: ٣١١، ولفظه: لقد مُلئ عمار ايماناً من قدمه إلى مشاشه. ورواه عبد الرزاق والطبراني وابن جرير وابن عساكر كما في كنز العمّال ٦: ١٨٤. وأخرجه أبو عمر بالألفاظ الثلاثة في الاستيعاب ٢: ٤٣٥.
٤ - أخرج إبن ماجة وأبو نعيم من طريق هاني بن هاني قال: كنّا عند عليّ فدخل عليه عمّار فقال: مرحباً بالطيِّب المطيِّب سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: عمّارُ ملئ ايماناً إلى مشاشه.
سنن ابن ماجة ١: ٦٥، حلية الأولياء ١: ١٣٩، الإصابة ٢: ٥١٢.
٥ - أخرج ابن سعد في الطبقات ٣: ١٨٧ ط ليدن مرفوعاً: إنَّ عمّاراً مع الحقّ والحقّ معه، يدور عمّار مع الحقِّ أينما دار، وقاتل عمّار في النار.
وأخرج الطبراني والبيهقي والحاكم من طريق إبن مسعود مرفوعاً: إذا اختلف النّاس كان ابن سميَّة مع الحقِّ.
ذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٧٠، والسيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه ٦: ١٨٤، وفي لفظ إبراهيم بن الحسين بن ديزيل - في سيرة عليّ -: جاء رجلٌ إلى ابن مسعود فقال: أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال: عليك بكتاب الله. قال: أرأيت إن جاء قوم كلّهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إذا اختلف النّاس كان ابن سميَّة مع الحقِّ.
وأخرج أبو عمر في الإستيعاب ٢: ٤٣٦ من طريق حُذيفة: عليكم بابن سميَّة فإنَّه لن يُفارق الحقّ حتّى يموت. أو قال: فإنَّه يدور مع الحقِّ حيث دار.
٦ - أخرج ابن ماجة من طريق عطاء بن يسار عن عائشة مرفوعاً: عمّار ما عُرض عليه أمران إلّا اختار الأرشد منهما.
وفي لفظ أحمد من طريق ابن مسعود مرفوعاً: ابن سميَّة ما عُرض عليه أمران قطّ إلّا أخذ بالأرشد منهما. وفي لفظ آخر له من طريق عائشة: لا يخيَّر بين أمرين إلّا اختار أرشدهما. وفي لفظ الترمذي: ما خُيّر عمّار بين أمرين إلّا اختار أرشدهما.
راجع مسند أحمد ١: ٣٨٩ و ج ٦: ١١٣، سنن ابن ماجة ١: ٦٦، مصابيح البغوى ٢: ٢٨٨، تفسير القرطبي ١٠: ١٨١، تيسير الوصول ٣: ٢٧٩، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٧٤، كنز العمّال ٦: ١٨٤، الإصابة ٢: ٥١٢.
٧ - أخرج الترمذي من طريق عليّ قال: إستأذن عمّار على النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إئذنوا له: مرحباً بالطيِّب المطيِّب. فقال: حسنٌ صحيحٌ.
وأخرجه الطبراني وابن أبي شيبة وأحمد في المسند ١: ١٠٠، ١٢٦، ١٣٨، والبخاري في تاريخه ٤: ٢٢٩ من القسم الثاني، وابن جرير وصحَّحه والحاكم والشاشي وسعيد بن منصور وأبو نعيم في حلية الأولياء ١: ١٤٠، والبغوي في المصابيح ٢: ٢٨٨، وأبو عمر في الإستيعاب ٢: ٤٣٥، وابن ماجة في السنن ١: ٦٥، وابن كثير في البداية ٧: ٣١١، وابن الديبع في التيسير ٣: ٢٧٨، والعراقي في طرح التثريب ١: ٨٧، و السيوطي في الجامع الكبير ٧: ٧١.
٨ - عن أنس بن مالك مرفوعاً: إنَّ الجنَّة تشتاق إلى أربعة: عليّ بن أبي طالب، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد.
وفي لفظ الترمذي والحاكم وابن عساكر: إشتاقت الجنَّة الى ثلاثة: عليٌّ وعمّار وسلمان.
وفي لفظ لابن عساكر: إشتاقت الجنَّة إلى ثلاثة: إلى عليّ وعمّار وبلال.
أخرجه أبو نعيم في الحلية ١: ١٤٢، والحاكم في المستدرك ٣: ١٣٧، وصحَّحه هو والذهبي، والترمذي والطبراني كما في تفسير القرطبي ١٠: ١٨١، وتاريخ ابن كثير ٧: ٣١١، ومجمع الزوائد للهيثمي ٩: ٣٠٧، وأخرجه إبن عساكر في تاريخه ٣: ٣٠٦ وفي ج ٦: ١٩٨، ١٩٩، وأبو عمر في الإستيعاب ٢: ٤٣٥.
٩ - أخرج البزّار من طريق عليّ مرفوعاً: دم عمّار ولحمه حرامٌ على النّار أن تطمعه. وفي لفظ ابن عساكر: دم عمّار ولحمه حرامٌ على النّار أن تأكله أو تمسّه.
مجمع الزوائد ٩: ٢٩٥، كنز العمّال ٦: ١٨٤، ج ٧: ٧٥.
١٠ - أخرج ابن هشام مرفوعاً: ما لهم ولعمّار؟ يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النّار، إنَّ عمَّاراً جِلدةٌ ما بين عينيَّ وأنفي، فإذا بُلغ ذلك من الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه.
سيرة ابن هشام ٢: ١١٥، العقد الفريد ٢: ٢٨٩، شرح إبن أبي الحديد ٣: ٢٧٤ ولفظه: ما لقريش ولعمّار يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النّار، قاتله وسالبه في النار، وبهذا اللفظ ذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٦٨.
١١ - أخرج الطبراني وابن عساكر من طريق عائشة مرفوعاً: كم من ذي طمرين لا ثوب له لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم: عمّار بن ياسر. (مجمع الزوائد ٩: ٢٩٤، كنز العمال ٦: ١٨٤).
١٢ - أخرج أحمد من طريق خالد بن الوليد مرفوعاً: مَن عادى عمّاراً عاداه الله، ومَن أبغض عمّاراً أبغضه الله. صحَّحه الحاكم والذهبي بطريقين، وصحَّحه الهيثمي.
وفي لفظ: من يسبّ عمَّاراً يسبُّه الله، ومَن يبغض عمّاراً يبغضه الله، ومَن يسفّه عمّاراً يسفهه الله. صحّحه الحاكم والذهبي.
وفي لفظ: مَن يسبّ عماراً، يسبّه الله ومَن يُعادِ عمّاراً يُعادِه الله، صحَّحه الحاكم والذهبي.
وفي لفظ لأحمد: مَن يعاد عمّاراً يعاده الله عزَّ وجلَّ، ومَن يبغضه يبغضه الله عزَّ وجلَّ، ومَن يسبّه يسبّه الله عزَّ وجلَّ.
وفي لفظ الحاكم: مَن يحقِّر عمّاراً يحقِّره الله ومن يسبّ عمّاراً يسبّه الله، ومن يبغض عمّاراً يبغضه الله.
وفي لفظ ابن النجار: من سبَّ عمّاراً سبَّه الله، ومن حقَّر عمّاراً حقَّره الله، ومن سفَّه عمّاراً سفهه الله.
وفي لفظ ابن عساكر: من يبغض عمّاراً يبغضه الله، ومن يلعن عمّاراً يلعنه الله.
وفي لفظ الطبراني: من يُعادي عمّاراً يعاديه الله، ومن يبغض عمّاراً يبغضه الله، ومن يسبُّ عمّاراً يسبُّه الله، ومن يسفِّه عمّاراً يسفهه الله، ومن يحقّر عمّاراً يحقّره الله
وفي لفظ الطبراني أيضاً: من يحقِّر عمّاراً يحقِّره الله، ومن يسب عمّاراً يسبّه الله، ومن ينتقص عمّاراً ينتقصه الله، ومن يعاد عمّاراً يعاده الله. قال الهيثمي: رجاله ثقات.
أخرج هذا الحديث على اختلاف ألفاظه جمعٌ كثير من الحفّاظ وأئمة الفنِّ راجع مسند أحمد ٤: ٨٩، مستدرك الحاكم ٣: ٣٩٠، ٣٩١، تاريخ الخطيب ١: ١٥٢، الاستيعاب ٢: ٤٣٥، اُسد الغابة ٤: ٤٥، طرح التثريب ١: ٨٨، تاريخ ابن كثير ٧: ٣١١، الاصابة ٢: ٥١٢، كنز العمّال ٦: ١٨٥، ج ٧: ٧١ - ٧٥.
١٣ - عن حذيفة انَّه قيل له: إنَّ عثمان قد قُتل فما تأمرنا؟ قال: ألزموا عمّاراً قيل: إنَّ عمّاراً لا يفارق عليّاً قال: إنَّ الحسد هو أهلك للجسد، وإنَّما ينفركم من عمّار قربه من عليّ.
فوالله لعليٌّ أفضل من عمّار أبعد ما بين التراب والسحاب، وإنَّ عمّاراً من الأخيار. أخرجه ابن عساكر في كنز العمّال ٧: ٧٣.
١٤ - عن عبد الله بن جعفر قال: ما رأيت مثل عمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر كانا لا يحبّان أن يعصيا الله طرفة عين، ولا يخالفان الحقّ قيد شعرة. أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد ٩: ٢٩٢.
١٥ - ذكر الأبشيهي في المستطرف ١: ١٦٦ في حديث: هبط جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم اُحد (وكان يسأل عن أصحابه) إلى أن قال: من هذا الذي بين يديك يتَّقي عنك؟ قال: عمّار بن ياسر. قال: بشِّره بالجنّة حرمت النار على عمّار.
هذا عمّار
إذا درستَ هذه كلّها فهل تجد من الحقِّ أن يُعمل معه تلكم الفظاظات مرّة بعد اُخرى؟ وهل تجد مبرِّراً لشيء منها؟ فإن زعمت انَّها تأديبٌ من خليفة الوقت فانَّ التأديبٌ لا يسوغ إلّا على إسائة في الأدب، وزور من القول، ومناقضة للحقِّ، ومضادَّة للشريعة، ويُجلّ عمّار عن كلِّ ذلك، فلم يصدر منه غير دُعاء إلى الحقِّ، وأذان بالحقيقة، وتضجُّرٍ لمظلوم، وعمل بالوصيَّة واجب، ورسالةٍ عن اُناس مؤمنين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فهل حظر الإسلام شيئاً من هذه فأراد الخليفة أن يعيد عمّاراً إلى نصاب الحقِّ؟ أو أنَّ الخليفة مفوّضٌ في النفوس كما يرى انّه مفوّضٌ في الأموال
فيراغم فيها عامَّة المسلمين بارضاء من يجب إرغامهم من اُناس لا خلاق لهم؟ وكذلك يفعل بالنفوس فعل المستبدِّين ولوازم الدكتاتوريَّة ومقتضيات الملك العضوض.
ولو كان الخليفة ناصباً نفسه للتأديب فهل أدَّب أمثال عبيد الله بن عمر، والحكم ابن أبي العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، ونظرائهم من رجال العيث والفساد المستحقَين للتأديب حيناً بعد حين؟ وهو كان يرنو إلى أعمالهم من كثَب، لكنَّه لم يصدر منه إلّا إرضائهم وتوفير العطاء لهم والدفاع عنهم، وتسليطهم على النفوس والأموال حتى أوردوه مورد الهلكة، ولقدادَّ خر تأديبه كلّه لصلحاء الاُمَّة مثل عمّار وأبي ذر وابن مسعود ومن حذا حذوهم، فإلى الله المشتكى.
وإنَّك لو أمعنت النظرة في أعماله وأفعاله لتجدنَّه لا يقيم وزناً لأيِّ صالح من الاُمَّة، ولقد ترقّى ذلك أو تسافل حتى انَّه جابه مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام غير مرَّة بقوارص كلماته وممّا قال له ممّا مرَّ في صفحة « ١٨، ١٩ » قوله: أنت أحقُّ بالنفي منه. وقوله: لئن بقيتُ لا أعدم طاغياً يتخذك سلّماً وعضداً ويعدُّك كهفاً وملجأ. يريد بالطاغي أباذر وعمّار وأمثالهما ويجعل الامامعليهالسلام سُلّماً وعضداً وكهفاً وملجأ لمن سمَّاهم الطغاة.
كبرت كلمةً تخرج من أفواههم.
كأنَّ الرجل لم يصاحب النبيَّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أولم يَعِ إلى ما هتف به من فضائل مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام من أوَّل يومه آناء الليل وأطراف النهار في حلّه ومرتحله، في ظعنه وإقامته، عند أفراد من أصحابه أو في محتشد منهم، ولدى الحوادث والوقايع وعند كلِّ مناسبة، وفي حروبه ومغازيه.
وكأنَّه لم يشهد بلاء مولانا الإمامعليهالسلام في مآزق الاسلام الحرجة، ولم يشهد كرَّاته وقد فرَّ أصحابه، وتفانيه في سبيل الدعوة عند خذلان غيره، واقتحامه المهالك لصالح الإسلام حيث ركنوا إلى دعة، وتقهقر بهم الفرَق، وثبَّطهم الخول.
يزعم القوم أنَّ الخليفة كان حافظاً للقرآن وانَّه كان يتلوه في ركعة في لياليه ولو صحَّ ما يقولون فهلّا كان يمرُّ بآية التطهير ومولانا الإمامعليهالسلام أحد الخمسة الذين اُريدوا بها؟ وبآية المباهلة وهو نفس النبيِّ فيها؟ إلى آيات اُخرى نازلة فيها بالغة إلى
ثلاثمائة آية كما يقوله حبر الاُمَّة عبد الله بن العباس(١) أو أنّه كان يمرُّ بها على حين غفلة من مفادها؟ أو يمرُّ بها وقد بلغ منه اللغوب من كثرة التلاوة فلا يلتفت اليها؟ أو أنَّه كان يرتِّلها ملتفتاً إلى مغازيها؟ ولكن...
أنا لا أدري بماذا يُعلّل قوارص الخليفة عليّاًعليهالسلام إبنا حجر وكثير وأمثالهما المعلّلون أقوال الخليفة وأفعاله في مثل أبي ذر وابن مسعود ومالك الأشتر، بانَّ مصلحة بقائهم في الأوساط الإسلاميَّة مع الحريَّة في المقال لا تكافئ المفسدة المترتَّبة عليه من سقوط اُبَّهة الخلافة. على انَّه ما كان عند القوم إلّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهل يجرُّهم الحبُّ المعمي والمصمُّ إلى أن يقولوا بمثل ذلك في حقِّ عظيم الدنيا والدين مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ؟ فهل كانت مفسدة هنا لك مترتّبة على مقام الإمام في المدينة حتى يكون نفيه عنها أولى؟ وهل هو إلّا الصلاح كلّه؟وهل المصالح النوعي َّ ة والفرديَّة يُستقى من غيره؟ ولعمر الحقِّ انَّ اُبّهة تسقط لمكان أمير المؤمنينعليهالسلام وفضله ونزاهته وعلمه وإصلاحه لحريَّةٌ بالسقوط، وأيم الله لو وسع اُولئك المـُدافِعون عن تلكم العظائم لدنَّسوا ساحَة قُدس الإمام بالفرية الشائِنة، واتَّهموه بمثل ما اتَّهموا به غيره من صُلَحاء الاُمَّة وأعلام الصحابة والخيرة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولكن...
ولو كان الخليفة يعير لنصائح الإمامعليهالسلام اُذناً واعية لصانه عن المهالك، ولم تزل الاُبَّهة مصونة له، والعزُّ والنجاح ذخراً له ولأهل الإسلام، وكان خيراً له من ركوبه النها بير التي جرَّعته الغصص و أودت به وجرَّت الويلات على الاُمَّة حتى اليوم، ولكنَّه...
لا جرم انَّ الله يعلم ما يسرُّون و مايعلنون، إنَّ هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلا.
_٤٣_
تسيير الخليفة صلحاء الكوفة إلى الشام
روى البلاذري عن عبّاس بن هشام بن أبيه عن أبي مخنف في إسناده قال: لَمّا
____________________
١ - راجع ما مرّ في الجزء الاول ص ٣٣٤ ط ٢.
عزل عثمان رضي الله عنه الوليدبن عقبة عن الكوفة ولّاها سعيد بن العاص وأمره بمداراة أهلها، فكان يجالس قرّاءها ووجوه أهلها ويسامرهم فيجتمع عنده منهم: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، وزيد وصعصعة إبنا صوحان العبديَّان، وحرقوص بن زهير السعدي، وجندب بن زهير الأزدي، وشريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر العبسي، وكعب ابن عبدة النهدي، وكان يقال لعبدة بن سعد بن ذو الحبكة -، وكان كعب ناسكاّ وهو الذي قتله بُسر بن أرطاة بتثليث - وعدي بن حاتم الجواد الطائي ويكنّى أبا طريف، وكدام بن حضري بن عامر، ومالك بن حبيب بن خراش، وقيس بن عطارد بن حاجب، وزياد بن خصفة بن ثقف، ويزيد بن قيس الأرحبي، وغيرهم ف ا نَّهم لعنده وقد صلّوا العصر إذ تذاكروا السَّواد والجبل ففضلوا السواد وقالوا: هو ينبت ما ينبت الجبل وله هذا النخل، وكان حسّان بن محدوج الذهلي الذي إبتدأ الكلام في ذلك فقال عبد الرحمن بن خُنيس الأسدي صاحب شرطة: لوددت أنَّه للأمير وانَّ لكم أفضل منه. فقال له الأشتر: تمنَّ للأمير أفضل منه ولا تمنَّ له أموالنا. فقال عبد الرحمن: ما يضرّكِ من تمنّي حتّى تزوي ما بين عينيك فوالله لو شاء كان له. فقال الأشتر: والله لو رام ذلك ما قدر عليه. فغضب سعيد وقال: إنَّما السّواد بستان لقريش. فقال الأشتر: أتجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك؟ والله لو رامه أحدٌ لقُرع قرعاً يتصأصأ منه. ووثب بابن خنيس فأخذته الأيدي.
فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان وقال: إنِّي لا أملك من الكوفة مع الأشتر وأصحابه الذين يُدعون القرّاء وهم السفهاء شيئاً. فكتب إليه أن سيِّرهم إلى الشام. وكتب إلى الأشتر: إنِّي لأراك تضمر شيئاً لو أظهرته لحلَّ دمك وما أظنّك منتهياً حتّى يصيبك قارعةٌ لا بُقيا بعدها، فإذا أتاك كتابي هذا فسر إلى الشام لإفسادك مَن قِبلك وإنَّك لا تألوهم خبالا. فسيَّر سعيد الأشتر ومَن كان وثب مع الأشتر وهم: زيد و صعصعة إبنا صوحان، وعائذ من حملة الطُهوي من بني تميم، وكميل بن زياد النخعي، وجُندب بن زهير الأزدي، والحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، ويزيد بن المكفف النخعي، وثابت بن قيس بن المنقع النخعي، وأصعر(١) بن قيس بن الحارث الحارثي
____________________
١ - كذا فى انساب الاشراف بالعين المهملة وفي الإصابة بالمعجمة.
فخرج المسيِّرون من قرّاء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق نزلوا مع عمرو بن زرارة فبرَّهم معاوية وأكرمهم، ثمَّ انَّه جرى بينه وبين الأشتر قولٌ حتّى تغالظا فحبسه معاوية فقام عمرو بن زرارة فقال: لئن حبسته لتجدنَّ من يمنعه. فأمر بحبس عمرو فتكلّم سائر القوم فقالوا: أحسن جوارنا يا معاوية! ثمَّ سكتوا فقال معاوية: مالكم لا تكلّمون فقال زيد بن صوحان: وما نصنع بالكلام؟ لئن كنّا ظالمين فنحن نتوب إلى الله، وإن كنّا مظلومين فانّا نسأل الله العافية. فقال معاوية: يا أبا عائشة! أنت رجل صدق. وأذن له في اللحاق بالكوفة، وكتب إلى سعيد بن العاص: أمّا بعد: فانِّي قد أذنت لزيد بن صوحان في المسير إلى منزله بالكوفة لما رأيت من فضله وقصده وحسن هديه فأحسن جواره وكفّ الأذى عنه وأقبل إليه بوجهك وودّك، فانَّه قد أعطاني موثقاً أن لا ترى منه مكروهاً. فشكر زيد معاوية وسأله عند وداعه إخراج مَن حبس ففعل.
وبلغ معاوية أنَّ قوماً من أهل دمشق يجالسون الأشتر وأصحابه فكتب إلى عثمان: إنَّك بعثت إليَّ قوماً أفسدوا مصرهم وأنغلوه، ولا آمن أن يفسدوا طاعة مَن قِبلي و يعلموهم ما لا يُحسنونه حتّى تعود سلامتهم غائلة، واستقامتهم اعوجاجا.
فكتب إلى معاوية يأمره أن يسيِّرهم إلى حمص، ففعل وكان واليها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، ويقال: إنَّ عثمان كتب في ردِّهم إلى الكوفة فضجَّ منهم سعيد ثانية فكتب في تسييرهم إلى حمص فنزلوا الساحل.
الأنساب ٥: ٣٩ - ٤٣.
صورة مفصّلة
إنَّ عثمان أحدث أحداثاً مشهورة نقمها الصحابة من تأمير بني اُميَّة ولا سيّما الفسّاق منهم وأرباب السفه وقلّة الدين، وإخراج مال الفئ إليهم وما جرى في أمر عمار وأبي ذر وعبد الله بن مسعود وغير ذلك من الاُمور التي جرت في أواخر خلافته، ثمَّ اتَّفق انَّ الوليد بن عقبة لمـّا كان عاملاً على الكوفة وشهد عليه بشرب الخمر صرفه، وولَّى سعيد بن العاص مكانه فقدم سعيد الكوفة واستخلص من أهلها قوماً يسمرون عنده فقال سعيد يوماً: إنَّ السَّواد بستان لقريش وبني اُميَّة، فقال الأشتر النخغي: وتزعم انَّ السَّواد الذي أفاءه الله على المسلمين بأسيافنا بستانٌ لك ولقومك؟ فقال صاحب شرطته: أتردُّ على الأمير مقالته؟ وأغلظ له، فقال الأشتر لمن حوله من النخع وغيرهم
_٢_
من أشراف الكوفة: ألا تسمعون؟ فوثبوا عليه بحضرة سعيد فوطؤه وطأ عنيفاً وجرُّوا برجله، فغلظ ذلك على سعيد وأبعد سماره، فلم يأذن بعدُ لهم فجعلوا يشتمون سعيداً في مجالسهم ثمَّ تعدوا ذلك إلى شتم عثمان، واجتمع إليهم ناسٌ كثيرٌ حتّى غلظ أمرهم فكتب سعيد إلى عثمان في أمرهم فكتب إليه أن يسيَّرهم إلى الشام لئلّا يفسدوا أهل الكوفة وكتب إلى معاوية وهو والي الشام: إنَّ نفراً من أهل الكوفة قد همَّوا بإثارة الفتنة وقد سيِّرتهم، إليك، فانههم فإن آنست منهم رشداً فأحسن إليهم وارددهم إلى بلادهم.
فلمّا قدموا على معاوية، وكانوا: الأشتر، ومالك بن كعب الأرحبي، والأسود بن يزيد النخعي، وعلقمة بن قيس النخعي، وصعصعة بن صوحان العبدي، وغيرهم جمعهم يوماً وقال لهم:
إنَّكم قومٌ من العرب ذووا أسنان وألسنة وقد أدركتم بالإسلام شرفاً وغلبتم الاُمم وحويتم مواريثهم، وقد بلغني انَّكم ذممتم قريشاً، ونقمتم على الولاة منها، ولولا قريش لكنتم أذلَّة إنَّ أئمَّتكم لكم جُنَّة فلا تفرَّقوا عن جنَّتكم، إنَّ أئمَّتكم ليصبرون على الجور ويحتملون فيكم العتاب، والله لتنتهينَّ أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم الخسف ولا يحمدكم على الصبر ثمَّ تكون شركاؤهم فيما جررتم عليه الرعيَّة في حياتكم وبعد وفاتكم.
فقال له صعصعة بن صوحان: أمّا قريش فإنَّها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهليَّة، وإنَّ غيرها من العرب لأكثر منها وأمنع.
فقال معاوية: إنَّك لخطيب القوم ولا أرى لك عقلاً وقد عرفتكم الآن، وعلمت أنَّ الذي أغراكم قلّة العقول، اُعظّم عليكم أمر الإسلام فتذكروني الجاهليَّة، أخزى الله قوماً عظّموا أمركم، إفقهوا عنِّي ولا أظنُّكم تفقهون: إنَّ قريشاً لم تعزّ في جاهليَّة ولا في الإسلام إلّا بالله وحده، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدِّها ولكنَّهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهليَّة والناس تأكل بعضهم بعضا إلّا بالله، فبوَّأهم حرماً آمناً يتخطَّف الناس من حولهم، هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً؟ إلّا وقد أصابهم الدهر في بلدهم وحرمهم إلّا ما كان من قريش، فانّه لم يردّهم أحدٌ من الناس بكيد إلّا جعل الله خدَّه الأسفل حتّى أراد الله تعالى أن يستنقذ
من اكرمه باتِّباع دينه من هوان الدنيا وسوء مردِّ الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثمَّ ارتضى له أصحاباً، وكان خيارهم قريشاً، ثمَّ بنى هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم فلا يصحُّ الأمر إلّا بهم، وقد كان الله يحوطهم في الجاهليَّة وهم على كفرهم، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه؟ اُفٍ لك ولأصحابك، أمّا أنت يا صعصعة! فانَّ قريتك شرُّ القرى، أنتنها نبتاً، وأعمقها وادياً، وألأمها جيراناً، وأعرفها بالشرِّ، لم يسكنها شريفٌ قطُّ، ولا وضيع إلّا شبَّ بها نزاع الاُمم وعبيد فارس، وأنت شرُّ قومك أحين أبرزك الإسلام وخلطك بالناس أقبلت تبغي دين الله عوجا، وتنزع إلى الغواية؟ إنّه لن يضرَّ ذلك قريشاً ولا يضعهم ولا يمنعهم من تأدية ما عليهم، إنَّ الشيطان عنكم لغير غافل، قد عرفكم بالشرِّ فأغراكم بالناس، وهو صارعكم وإنَّكم لا تدركون بالشرِّ أمراً إلاّ فتح عليكم شرُّ منه وأخزى، قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا ينفع الله بكم أحداً أبداً ولا يضرُّه، ولستم برجال منفعة ولا مضرَّة، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا نبطرنكم النعمة، فإنّ البطر لا يجرُّ خيرا، اذهبوا حيث شئتم، فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم.
وكتب إلى عثمان: إنَّه قدم عليَّ قومٌ ليست لهم عقولٌ ولا أديان، أضجرهم العدل لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلّمون بحجَّة، إنَّما هممهم الفتنة والله مبتليهم وفاضحهم وليسوا بالذين نخاف نكايتهم، وليسوا الأكثر ممَّن له شعب ونكير. ثمَّ أخرجهم من الشام.
وروى الحسن المدائني: انَّه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم، وإنَّ معاوية قال لهم في جملة ما قاله: إنَّ قريشاً قد عرفت انَّ أبا سفيان أكرمها وابن أكرمها إلّا ما جعل الله لنبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فانَّه إنتجبه وأكرمه، و لو انَّ أبا سفيان ولد الناس كلّهم لكانوا حلماء.
فقال له صعصعة بن صوحان: كذبت، قد ولدهم خيرٌ من أبي سفيان، مَن خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البرُّ والفاجر والكيِّس والأحمق.
قال: ومن المجالس التي دارت بينهم: إنَّ معاوية قال لهم: أيُّها القوم ردُوا خيراً
واسكنوا وتفكّروا وانظروا فيما ينفعكم والمسلمين فاطلبوه وأطيعوني.
فقال له صعصعة: لست بأهل لذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله.
فقال: إنَّ أول كلام ابتدأتُ به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة رسوله وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا.
فقال صعصعة: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقال: إن كنتُ فعلتُ فإنِّي الآن أتوب وآمركم بتقوى الله وطاعته ولزوم الجماعة وأن توقّروا أئمَّتكم وتطيعوهم.
فقال صعصعة: إذا كنت تبت فإنّا نأمرك أن تعتزل أمرك فإنَّ في المسلمين من هو أحقّ به منك ممّن كان أبوه أحسن أثراً في الاسلام من أبيك، وهو أحسن قَدماً في الإسلام منك.
فقال معاوية: إنَّ لي في الإسلام لقدماً وإن كان غيري أحسن قدماً منِّي لكنَّه ليس في زماني أحدٌ أقوى على ما أنا فيه منِّي، ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى منِّي لم يكن عند عمر هوادة لي ولغيري، ولا حدث ما ينبغي له أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب إليَّ فاعتزلت عمله، ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوت أن لا يعزم له على ذلك إلّا وهو خير، فمهلاً فإنَّ فيَّ دون ما أنتم فيه، ما يأمر فيَّ الشيطان وينهى، ولعمري لو كانت الاُمور تقضي على رأيكم وأهوائكم ما استقامت الاُمور لأهل الإسلام يوماً وليلة، فعودوا الخير وقولوه. فقالوا: لست لذلك أهلاً. فقال: أما والله إنّ لِلّه لسطوات ونقمات وإنِّي لخائفٌ عليكم أن تتبايعوا إلى مطاوعة الشيطان ومعصية الرَّحمن فيحلّكم ذلك دار الهوان في العاجل والآجل.
فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته فقال: مَهْ، إنَّ هذه ليست بأرض الكوفة والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكتُ أن أنهاهم عنكم حتّى يقتلوكم فلعمري إنَّ صنيعكم ليشبه بعضه بعضا، ثمَّ قام من عندهم فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلاً ما بقيت وكتب إلى عثمان:
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان أمَّا بعد: يا أمير المؤمنين! فانَّك بعثت إليَّ أقواماً يتكلّمون بألسنة الشياطين وما يملون
عليهم ويأتون النّاس زعموا منِ قبل القرآن فيشبِّهون على النّاس، وليس كلّ النّاس يعلم ما يريدون، وإنَّما يريدون فُرقة، ويقرِّبون فتنة، قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، و تمكّنت رُقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيراً من النّاس ممَّن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغرُّوهم بسحرهم و فجورهم فارددهم إلى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم. والسَّلام.
فكتب إليه عثمان يأمره أن يردَّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردَّهم إليه فلم يكونوا إلّا أطلق ألسنةً منهم حين رجعوا، وكتب سعيد إلى عثمان بضجُّ منهم، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيِّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان أميراً على حمص وهم: الأشتر، وثابت بن قيس الهمداني(١) وكميل بن زياد النخعي، وزيد بن صوحان وأخوه صعصعة، وجندب بن زهير الغامدي، وحبيب بن كعب الأزدي، وعروة ابن الجعد(٢) وعمرو بن الحمق الخزاعي.
وكتب عثمان إلى الأشتر وأصحابه: أمَّا بعد: فانَّي قد سيَّرتكم إلى حمص فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها فإنَّكم لستم تألون الإسلام وأهله شرّاً. والسَّلام.
فلمَّا قرأ الأشتر الكتاب قال: ألّلهمَّ أسوأنا نظراً للرعيَّة، وأعملنا فيهم بالمعصية فعجّل له النقمة. فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل وأجرى عليهم رزقاً.
وروى الواقدي: إنَّ عبد الرحمن بن خالد جمعهم بعد أن أنزلهم أيّاماً وفرض لهم طعاماً ثمّ قال لهم: يا بني الشيطان! لا مرحباً بكم ولا أهلاً، قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعدُ في بساط ضلالكم وغيّكم، جزى الله عبد الرحمن إن لم يؤذكم، يا معشر مَن لا أدري أعربٌ هم أم عجم، أتراكم تقولون لي ما قلتم لمعاوية؟ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن مَن عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئُ عين الردَّة، والله يا ابن صوحان! لأطيرنَّ بك طيرة بعيدة المهوى إن بلغني أنَّ أحداً ممَّن معي دقَّ أنفك فاقتنعت رأسك، قال: فأقاموا عنده شهراً كلّما ركب أمشاهم معه ويقول لصعصعة: يا ابن الخطية! إنَّ مَن لم
____________________
١ - فى تاريخ الطبرى: النخعى. بدل: الهمدانى.
٢ - فى اسد الغابة ٣: ٤٠٣: كان ممّن سيره عثمان رضي الله عنه الى الشام من أهل الكوفة.
يُصلحه الخير أصلحه الشرُّ، مالك لا تقول كما كنت تقول لسعيد ومعاوية؟ فيقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله، فما زال ذاك دأبه ودأبهم حتى قال: تاب الله عليكم. فكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله فيهم فردَّهم إلى الكوفة.
تاريخ الطبري ٥: ٨٨ - ٩٠، الكامل لابن الأثير ٣: ٥٧ - ٦٠، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٥٨ - ١٦٠ ورأى هذه الصورة أصحَّ ما ذكر في القضيَّة، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٨٧ - ٣٨٩، تاريخ أبي الفدا ج ١: ١٦٨ في حوادث سنة ٣٣.
قال الأميني: كان في عظمة أكثر هؤلاء القوم وصلاحهم المتسالم عليه وتقواهم المعترَف بها مُرتدَعٌ عن أذاهم وإجفالهم عن مستوى عزِّهم وموطن إقامتهم وتسييرهم من مَنفي إلى منفى، والإصاخة الى سعاية ذلك الشابِّ المستهتر والله سبحانه يقول: إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيَّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين(١) وكان على الخليفة أن يبعث اليه باللائمة بل يعاقبه على ما فرط في جنب أولياء الله بتسميته إيّاهم السفهاء وهم قرّاء المصر، وزعماء الملأ، ونسَّاك القطر، وفقهاء القارَّة، وهم القدوة في التقوى والنسك، وبهم الاسوة في الفقه والأخلاق، ولم يكن عليهم إلّا عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف، وعدم مماشاتهم إيّاه على شهواته ومزاعمه، وهلّا استشفَّ الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتى يحكم فيه بالحقِّ، لكنَّه بدل أن يَّتخذ تلكم الطريقة المثلى في القضيَّة استهواه ذلك الشابُّ المترف فمال اليه بكلّه، ونال من القوم ما نال، وأوقع بهم ما حبَّذه له الحبُّ والمعمي والمصمّ، لكن الدين وملأه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ ممّا نقم به على عثمان.
كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لاعن حلم، وخشونة لا يستمرُّ عليها، كلّ ذلك لم يكن لنصرة حقّ أو ابتغاء إصلاح، وإنّما كان يكاشفهم جلباً لمرضاة الخليفة، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غداً، وكان يعرف القوم بالشدَّة والمتبوعيَّة، فما كان يروقه قطع خطِّ الرجعة بينه وبينهم متى تسنّى له الحصول على غايته المتوخّاة، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه، ولا يزال هو يعدّ الدقائق والثواني للتوصُّل إليها، وكان أحبّ الأشياء إليه إكتساح العراقيل دونها، ولذلك أطلقُ سراح
____________________
١ - سورة الحجرات: ٦.
القوم وتثبَّط عن النهضة لنصرة عثمان لمـّا استنصره (كما سيأتي تفصيله) حتّى قُتل و معاوية في الخاذلين له.
وأمّا إبن خالد فقد مجرى أبيه في الفظاظة والغلظة، فلم يعاملهم إلّا بالرعونة ولم يُجاملهم إلّا بالقسوة، وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.
وهاهنا نوقفك على نُبذ من أحوال مَن يهمّك الوقوف على حياته الثمينة مِن اُولئك الرجال المنفيِّين الأبرار، حتّى تعلم أن ما تقوَّلوه فيهم وفعلوه بهم في منتأىً عنهم، وإنَّما كان ذلك ظلماً وعدواناً، وتعلم أنَّ ابن حجر مائنٌ فيما يصف به الأشتر من المروق(١) غير مصيب في قذفه، متجانف للإثم في الدفاع عن عثمان بقوله: إنَّ المجتهد لا يُعترض عليه في اُموره الإجتهاديَّة، لكن اُولئك الملاعين المعترضون لا فهم لهم بل ولا عقل(٢) .
الأشتر
١ - مالك بن الحارث الأشتر، أدرك النبيَّ الأعظم وقد أثنى عليه كلُّ مَن ذكره، ولم أجد أحداً يغمز فيه، وثَّقة العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يُحمل عدم رواية أيِّ إمام عنه على تضعيفه، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠: ١٢: قال مهنّا: سألت أحمد عن الأشتر يروي عنه الحديث؟ قال: لا. قال: ولم يرد أحمد بذلك تضعيفه، وإنَّما نفى أن تكون له رواية. وكفاه فضلاً ومنعة كلمات مولانا أمير المؤمنين في الثناء عليه في حياته وبعد المنون، وإليك بعض ما جاء في ذلك البطل العظيم:
١ - من كتاب لمولانا أمير المؤمنين كتبه إلى أهل مصر لَمّا ولَّى عليهم الأشتر: أمّا بعد: فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع، أشدّ على الفجّار من حريق النَّار. و هو: مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ، فإنَّه سيفٌ مِن سيوف الله، لا كليل الظُبة(٣) ولا نابي الضريبة، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنَّه لا يُقدم ولا يُحجم، ولا يؤخِّر ولا يُقدِّم إلّا عن أمري، وقد
____________________
١ - راجع الصواعق ص ٦٨.
٢ - راجع الصواعق ص ٦٨.
٣ - الظبة بتخفيف الموحدة: حدّ السيف.
آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم، وشدَّة شكيمته على عدوّكم. إلخ.
تاريخ الطبري ٦: ٥٥، نهج البلاغة ٢: ٦١، شرح إبن أبي الحديد ٢: ٣٠.
صورة اُخرى
رواها الشعبي من طريق صعصعة بن صوحان.
أمّا بعد: فإنِّي قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر، لا ناكلٌ من قدم، ولا واهٍ في عزم، مِن أشدّ عباد الله بأساً، وأكرمهم حسباً، أضرّ على الفجّار من حريق النّار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو: مالك بن الحرث الأشتر، حسامٌ صارمٌ، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحدّ، حكيمٌ في السِّلم، رزينٌ في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإن أمركم بالنفر فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنَّه لا يُقدم ولا يُحجم إلّا بأمري، وقد آثرتكم به نفسي نصيحة لكم، وشدَّة شكيمته على عدوّكم. إلخ(١) .
٢ - من كتاب للمولى أمير المؤمنين كتبه إلى أميرين من اُمراء جيشه.
وقد أمَّرت عليكما وعلى من في حيّزكما مالك بن الحارث الأشتر، فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعاً ومجنّاً، فإنَّه ممَّن لا يخاف وهنه ولا سقطته، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل.
قال إبن أبي الحديد في شرحه ٣: ٤١٧: فأمّا ثناء أمير المؤمنينعليهالسلام عليه في هذا الفصل فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل، ولعمري كان الأشتر أهلاً لذلك، كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق، ومن كلام عمر: إنَّ هذا الأمر لا يصلح إلّا لقويّ في غير عُنف، وليِّن في غير ضعف.ا ه.
٣ - من كتاب كتبه مولانا أمير المؤمنين إلى محمَّد بن أبي بكر يذكر فيه الأشتر فيقول:
إنَّ الرجل الذي كنت ولّيته مصر كان لنا نصيحاً، وعلى عدوّنا شديداً، وقد
____________________
١ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٢٩، جمهرة الرسائل: ١: ٥٤٩.
استكمل أيّامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب.
تاريخ الطبري ٦: ٥٥، نهج البلاغة ٢: ٥٩، الكامل لإبن الأثير ٣: ١٥٣، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٠.
٤ - لمـّا بلغ عليّاً (أمير المؤمنين) موت الأشتر قال: إنّا لِلَّه وإنّا إليه راجعون والحمد لِلَّه ربِّ العالمين؛ أللهمَّ إنِّي أحتسبه عندك فإنَّ موته من مصائب الدهر. ثمَّ قال: رحم الله مالكاً فقد كان وفى بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربَّه، مع أنّا قد وطَّنا أنفسنا أن نصبر على كلِّ مصيبة بعد مصابنا برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنَّها من أعظم المصائب، قال المغيرة الضبي: لم يزل أمر عليّ شديداً حتى مات الأشتر(١) .
٥ - عن جماعة من أشياخ النخع قالوا: دخلنا على عليّ أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهَّف و يتأسَّف عليه ثمَّ قال: لِلَّه درُّ مالك، وما مالك؟ لو كان مِن جبل لَكان فِنداً(٢) ، ولو كان من حجر لكان صلدا، أما والله ليهدنَّ موتك عالماً، وليفرحنَّ عالماً، على مثل مالك فليبك البواكي، وهل موجودٌ كما لك؟.
وقال علقمة بن قيس النخعي: فما زال علىٌّ يتلهَّف ويتأسَّف حتّى ظننّا انّه المصاب دوننا، وعرف ذلك في وجهه أيّاماً.
وفي لفظ الشريف الرضي والزبيدي: لو كان جبلاً لكان فِنداً، لا يرتقيه حافر، ولا يوفى عليه الطائر.
نهج البلاغة ٢: ٢٣٩، شرح إبن أبي الحديد ٢: ٣٠، لسان العرب ٤: ٣٣٦، الكامل لإبن الأثير ٣: ١٥٣، تاج العروس ٢: ٤٥٤.
٦ - قال ابن أبي الحديد في شرحه ٣: ٤١٦: كان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها، شديد التحقق بولاء أمير المؤمنينعليهالسلام و نصره وقال فيه بعد موته: رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٧ - دسَّ معاوية بن أبي سفيان للأشتر مولى عمر فسقاه شربة سويق فيها سمُّ فمات
____________________
١ - شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٩.
٢ - الفند بالكسر: القطعة العظيمة من الجبل.
فلمّا بلغ معاوية موته قام خطيباً في النّاس فحمد الله وأثنى عليه وقال: أمَّا بعد: فإنَّه كانت لعليِّ بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفِّين وهو عمَّار بن ياسر، و قطعت الاُخرى اليوم وهو مالك الأشتر. تاريخ الطبري ٦: ٢٥٥، الكامل لإبن الأثير ٣: ١٥٣، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٩.
قال الأميني: ما أجرأ الطليق ابن الطليق الطاغية على السرور والتبهُّج بموت الأخيار الأبرار بعد ما يقتلهم، ويقطع عن أديم الأرض اصول بركاتهم، ويبشِّر بذلك اُمَّته الفئة الباغية، ويأمرهم بالدعاء عليهم، اُولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون، وسوف يعلمون حين يرون العذاب مَن أضلّ سبيلا؟.
٨ - وقبل هذه كلّها ما جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في دفن أبي ذر سيِّد غفّار من قوله في لفظ الحاكم وأبي نعيم وأبي عمر: ليموتنَّ أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين. وفي لفظ البلاذري: يلي دفنه رهطٌ صالحون. وقد دفنه مالك الأشتر وأصحابه الكوفيُّون كما في أنساب البلاذري ٥: ٥٥، وحلية الأولياء لأبي نعيم ١: ١٧، والمستدرك للحاكم ٣: ٣٣٧، والإستيعاب لأبي عمر ١: ٨٣، وشرح ابن أبي الحديد، ٣: ٤١٦ فقال: هذا الحديث يدلُّ فضيلة عظيمة للأشتر رحمه الله وهي شهادة قاطعةٌ من النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه مؤمن.
قال الأميني: ما أبعد المسافة بين هذه الشهادة وبين وصف إبن حجر إيّاه في الصواعق ص ٦٨ بالمروق وعدم الفهم والعقل، ولعنه إيَّاه وأصحابه الصلحاء، وقد عزب عنه انَّه لا يلفظ من قول إلّا ولديه رقيبٌ عتيد.
نحن لسنا الآن في صدد التبسُّط في فضائل مالك وتحليل نفسيّاته الكريمة ومآثره الجمّة وإلّأ لأريناك منه كتاباً ضخماً، ولقد ناء بشطر مهمّ منها الفاضلان الشريفان السيِّد محمَّد الرضا آل السيِّد جعفر الحكيم النجفي، وابن عمِّه السيِّد محمَّد التقي بن السيِّد السعيد الحكيم النجفي في كتابيهما المطبوعين المخصوصين بمالك، وقد سبقهما الى ذلك بعض علمائنا السابقين، يوجد كتابه المخطوط في مكتبة مولانا الإمام الرضاعليهالسلام بخراسان المشرّفة، حيّا الله حملة العلم سلفاً وخلفاً.
٢ - زيد بن صوحان العبدي الشهير بزيد الخير، أدرك النبيَّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم وترجمه
أبو عمر وابن الأثير وابن حجر في معاجم الصحابة، قال أبو عمر: كان فاضلاً ديِّناً سيِّداً في قومه.
أخرج أبو يعلى وابن مندة والخطيب وابن عساكر من طريق عليّعليهالسلام مرفوعاً: مَن سرَّه أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنّة فلينظر إلى زيد بن صوحان.
وفي حديث آخر: الأقطع الحبر زيد، زيد رجلٌ من اُمَّتي تدخل الجنَّة يده قبل بدنه - قطعت يده يوم القادسيَّة -.
وفي حديث أخرجه ابن مندة وأبو عمر وابن عساكر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم زيد وما زيد؟ يسبقه بعض جسده إلى الجنَّة ثمَّ يتبعه سائر جسده إلى الجنَّة.
وأخرج ابن عساكر من طريق الحكم بن عيينة قال: لَمّا أراد زيد أن يركب دابَّته أمسك عمر بركابه ثمَّ قال لمن حضره: هكذا فاصنعوا بزيد وإخوته وأصحابه.
تاريخ ابن عساكر ٦: ١١ - ١٣، تاريخ الخطيب ٨: ٤٤٠، الاستيعاب ١: ١٩٧، اسد الغابة ٣: ٢٣٤، بهجة المحافل ٢: ٢٣٧، الاصابة ١: ٥٨٢.
وفي الفائق للزمخشري ١: ٣٥: قال فيه النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: زيد الخير الأجذم من الخيار الأبرار.
وفي معارف ابن قتيبة ص ١٧٦: كان من خيار الناس، وروي في الحديث انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: زيد الخير الأجذم، وجندب ما جندب؟ فقيل: يا رسول الله! أتذكر رجلين؟ فقال: أمَّا أحدهما فسبقته يده إلى الجنَّة بثلاثين عاماً، وأمّا الآخر فيضرب ضربة يفصل بها بين الحقِّ والباطل، فكان أحد الرجلين زيد بن صوحان شهد يوم جلولاء فقطعت يده وشهد مع علىّ يوم الجمل فقال: يا أمير المؤمنين! ما أراني إلّا مقتولا، قال: وما علمك بهذا يا أبا سليمان؟ قال: رأيت يدي نزلت من السَّماء وهي تستشيلني. فقتله عمرو ابن يثربي وقَتل أخاه سليمان يوم الجمل.
وفي تاريخ الخطيب ٨: ٤٣٩: كان زيد يقوم الليل ويصوم النهار واذا كانت ليلة الجمعة أحياها، وقال: قُتل يوم الجمل وقال: ادفنوني في ثيابي فانِّي مخاصم. وفي رواية: لا تغسلوا عنّي دماً ولا تنزعوا عنّي ثوباً إلّا الخفين، وارمسوني الأرض رمساً فإنِّي رجلٌ محاجّ. زاد أبو نعيم: اُحاجُّ يوم القيامة.
وفي مرآة الجنان لليافعي ١: ٩٩: كان زيد بن سادة التابعين صوّاماً قوّاماً و في شذرات الذهب ١: ٤٤: من خوّاص عليّ من الصلحاء الأتقياء.
وقال عقيل بن أبي طالب لمعاوية في حديث مروج الذهب ٢: ٧٥: أمّا زيد و عبد الله (أخوه) فانَّهما نهران جاريان يصبُّ فيهما الخلجان، ويغاث بهما اللهفان، رجلا جدّ لا لعب معه.
ووصفه أخوه صعصعة لابن عبّاس لَمّا قال له: أين أخواك منك زيد وعبد الله؟ صفهما فقال: كان « زيد » والله يا ابن عبّاس عظيم المروَّة، شريف الاُخوَّة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش العروة، أليف البدوَّة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكراً لله طرفي النهار وزلفاً من الليل، الجوع والشبع عنده سيّان، لا ينافس في الدنيا، وأقلّ في أصحابه من ينافس فيها، يطيل السكوت، ويحفظ الكلام، وإن نطق نطق بمقام يهرب منه الدعار الأشرار، ويألفه الأحرار الأخيار. فقال ابن عباس: ما ظنّك برجل من أهل الجنَّة، رحم الله زيداً.
٣ - صعصعة بن صوحان العبدي أخو زيد الخير المذكور، ذكر في معاجم الصحابة قال أبو عمر: كان مسلماً على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يلقه ولم يره. كان سيِّداً فصيحاً خطيباً ديِّناً. قال الشعبي: كنت أتعلّم منه الخطب، وقال عقيل بن عليّ بن أبي طالب لمعاوية في حديث: أمّا صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان، قاتل أقران، يرتق ما فتق، ويفتق ما رتق، قليل النظير، وقال ابن الأثير: كان سيِّداً من سادات قومه عبد القيس، وكان فصيحاً خطيباً لسناً ديِّناً فاضلاً يُعدُّ في أصحاب عليّ رضي الله عنه.
له مع عثمان محاورة سيوافيك شيءٌ منها، ومواقفه مع معاوية ذكرت جملة منها في مروج الذهب ٢: ٧٦ - ٨٣، وتاريخ ابن عساكر ٦: ٤٢٤ - ٤٢٧، وثَّقه ابن سعد والنسائي وابن حبّان وابن عساكر وابن الأثير وابن حجر.
أخرج ابن شبة أنَّ عمر بن الخطاب قسَّم المال الذي بعث اليه أبو موسى وكان ألف ألف درهم وفضلت منه فضلة فاختلفوا عليه حيث يضعها فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيُّها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس فما تقولون فيها؟ فقام صعصعة بن صوحان وهو غلامٌ شابٌّ فقال: يا أمير المؤمنين! إنّما تُشاور الناس لم ينزل الله
فيه قرآناً، أمّا ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها فقال: صدقت أنت منِّي وأنا منك. فقسّمه بين المسلمين.
راجع طبقات ابن سعد، مروج الذهب، تاريخ ابن عساكر، الاستيعاب، اُسد الغابة، الإصابة، تهذيب التهذيب، خلاصة الجزري.
٤ - جندب بن زهير الأزدي، صحابيٌّ مترجم له في الاستيعاب، واُسد الغابة، والإصابة وله في يومي الجمل وصفِّين مواقف محمودة مع أمير المؤمنينعليهالسلام .
٥ - كعب بن عبدة، سمعت فيما مرَّ عن البلاذري انَّه كان ناسكاً.
٦ - عدي بن حاتم الطائي، صحابيٌّ عظيمٌ قدم على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سنة ٧ لم يختلف اثنان في ثقته أخرج حديثه أئمّة الصحاح الستّ، وقد أثنى عليه عمر بن الخطاب لَمّا قال له: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ فقال: نعم والله إنِّي لأعرفك، اكرمك الله بأحسن المعرفة، أعرفك والله آمنت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، وإنَّ أوَّل صدقة بيَّضت وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجوه أصحابه صدقة طيء جئت بها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ثمَّ أخذ يعتذر.
أخرجه أحمد في المسند ١: ٤٥، وابن سعد في الطبقات، ومسلم في صحيحه، وأبو عمر في الاستيعاب، والخطيب في تاريخه، وابن الأثير في اُسد الغابة وفيه: انَّه كان منحرفاً عن عثمان، وابن حجر في تهذيب التهذيب ٧: ١٦٦.
وأعجب ما أجده من التحريف في تاريخ الخطيب ما أخرجه في ج ١: ١٩١ بالإسناد عن المغيرة قال: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله البجلي، وحنظلة الكاتب من الكوفة فنزلوا قرقيساء وقالوا: لا نقيم ببلد يُشتم فيه عثمان.
والصَّواب: يُشتم فيه عليٌّ. فبدَّلت يد التحريف عليّاً بعثمان وذكره على علاته ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧: ١٦٧.
توجد ترجمة عدي في الإستيعاب، تاريخ بغداد ج ١، اُسد الغابة، الإصابة، تهذيب التهذيب.
٧ - مالك بن حبيب. له إدراكٌ عُدَّ من الصحابة.
٨ - يزيد بن قيس الأرحبي. له إدراكٌ وكان رئيساً كبيراً عظيماً عند الناس ولمـّا
ثار أهل الكوفة على عثمان اجتمع قرّاء الكوفة وأمّروه، وكان مع عليّ في حروبه و ولّاه شرطته ثمّ ولّاه اصبهان والري وهمذان وهو المعنيُّ في قول ثمامة:
معاوي إن لا تُسرع السير نحونا |
فبايع عليّاً أو يزيد اليمانيا |
وله يوم صفِّين مواقف وخطابات تُعرب عن نفسيّاته الكريمة وملكاته الفاضلة، تُذكر وتُشكر، ذكر جملة منها ابن مزاحم في كتاب صفِّين، والطبري في تاريخه، وابن الأثير في الكامل، وممّا ذكروه قوله:
إنَّ المسلم السليم من سلم دينه ورأيه، إنَّ هؤلاء القوم ما إن يقاتلونا على إقامة دين رأونا ضيِّعناه، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه، ولا يقاتلونا إلّا على إقامة الدنيا، ليكونوا جبابرة فيها ملوكاً، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهوراً ولا سروراً - إذاً ألزموكم مثل سعيد والوليد وعبيد الله بن عامر السفيه، يحدِّث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت، ويأخذ مال الله ويقول: هذا لي ولا إثم عليَّ فيه، كأنّما اُعطي تراثه من أبيه، وإنّما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا، قاتلوا، عباد الله! القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم، إنَّهم إن يظهروا عليكم يُفسدوا دينكم ودنياكم، وهم من قد عرفتهم وجربتم، والله ما أرادوا إلى هذا إلّا شراً، واستغفر الله العظيم لي ولكم(١) .
٩ - عمرو بن الحمق(٢) بن حبيب الخزاعي الكعبي. صحب النبيَّ الأعظم وحفظ عنه أحاديث، وحظي بدعائهصلىاللهعليهوآلهوسلم له لمـّا سقاه لبناً وبقوله: أللهمَّ أمتعه بشبابه فاستكمل الثمانين من عمره ولم يرَ شعرة بيضاء(٣) أخرج حديثه البخاري في التعاليق، وابن ماجة والنسائي وغيرهم، وكان من أعوان حُجر بن عدي سلام الله عليه وعليهم، ترجمه أبو عمر في الاستيعاب، وابن الأثير في اُسد الغابة، وابن حجر في الإصابة، ولم أجد كلمة غمز لأيِّ أحد فيه مع قولهم: كان ممَّن سار إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو أحد
____________________
١ - كتاب صفين ص ٢٧٩، تاريخ الطبرى ٦: ١٠، شرح ابن ابى الحديد ١: ٤٨٥، الاصابة ٣: ٦٧٥.
٢ - بفتح المهملة وكسر الميم.
٣ - اسد الغابة ٤: ١٠٠، الاصابة ٢: ٥٣٣.
الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا وصار بعد ذلك من شيعة عليّ. وقولهم: إنَّه كان ممَّن قام على عثمان. وقولهم: كان أحد من ألَّب على عثمان.
وله يوم صفين مواقف مشكورة وكلم قيِّمة خالدة مع الأبد تُعرب عن ايمانه الخالص، وروحه النزحة الطاهرة، راجع كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ١١٥، ٤٣٣، ٤٥٤، ٥٥١.
قال ابن الأثير في اسد الغابة ٤: ١٠١: قبره مشهورٌ بظاهر الموصل يزار، وعليه مشهدٌ كبير ابتدأ بعمارته أبو عبد الله سعيد بن حمدان - وهو ابن عمّ سيف الدولة وناصر الدولة ابني حمدان - في شعبان من سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة، وجرى بين السنَّة والشيعة فتنة بسبب عمارته.
١٠ - عروة بن الجعد، ويقال: أبي الجعد البارقي الأزدي، صحابيٌّ مرضيٌّ مترجم له في معاجم الصحابة: الاستيعاب، اُسد الغابة، الإصابة. روى حديث: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم. قال شيب بن غرفدة: رأيت في دار عروة سبعين فرساً رغبة في رباط الخيل(١) أخرج حديثه أئمة الصحاح الستِّ فيها.
١١ - أصعر بن قيس بن الحارث الحارثي: له إدراكٌ ذكره ابن حجر في الإصابة ١: ١٠٩.
١٢ - كميل بن زياد النخعي، كان شريفاً في قومه قتله الحجَّاج سنة ٤٢، وثَّقه ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وابن عمّار، وذكره ابن حبّان في الثقات(٢) .
١٣ - الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، من رواة الصحاح الأربعة من الستة قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلم الفرائض من عليّ قال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى: يُحتجُّ بالحارث؟ فقال: ما زال المحدِّثون يقلبون حديثه. وقال أحمد بن صالح المصري: ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن عليّ وأثنى عليه. ووثَّقه ابن سعد.
وهناك مَن كذَّبه والعمدة في ذلك الشعبي. قال ابن عبد البرّ في كتاب العلم:
____________________
١ - صحيح البخاري فى المناقب باب قول الله تعالى: يعرفونه كما يعرفون ابنائهم.
٢ - تهذيب التهذيب ٨: ٤٤٧.
أظنُّ الشعبي عوقب بقوله في الحارث: كذّابٌ، ولم يبن من الحارث كذبه، وإنَّما نقم عليه إفراطه في حبِّ عليّ.
وقال أحمد بن صالح: لم يكن الحارث يكذب في الحديث، إنَّما كان كذبه في رأيه وقال الذهبي: والنسائي مع تعنُّته في الرجال قد احتجَّ به والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب.
(تهذيب التهذيب ٢: ١٤٥، ١٤٧)
فمحصَّل القول في الهمداني: انَّه لا مغمز فيه غير نزعته العلويَّة الممدوحة عند الله وعند رسوله.
_٤٤_
تسيير الخليفة كعب بن عَبدة وضربه
كتب جماعةٌ من القرّاء إلى عثمان منهم مَعقل بن قيس الرياحي، وعبد الله بن الطفيل العامري، ومالك بن حبيب التميمي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وحجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد الخزاعي ويُكنَّى أبا مطرف، والمسيِّب بن نجبة الفزاري، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النهدي، وزياد ابن النضر بن بشر بن مالك بن الديّان الحارثي، ومسلمة بن عبد القاري من القارة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة.
إنَّ سعيداً كثَّر على قوم من أهل الورع والفضل والعفاف فحملك في أمرهم على ما لا يحلُّ في دين ولا يحسن في سماع، وإنّا نُذكرك الله في اُمَّة محمَّد، فقد خفنا أن يكون فساد أمرهم على يديك، لأنَّك قد حملت بني أبيك على رقابهم، واعلم أنَّ لك ناصراً ظالماً، وناقماً عليك مظلوماً، فمتى نصرك الظالم ونقم عليك الناقم تباين الفريقان واختلفت الكلمة، ونحن نُشهد عليك الله وكفى به شهيدا، فانَّك أميرنا ما أطعتَ الله و استقمت، ولن تجد دون الله مُلتحدا ولا عنه مُنتقذا.
ولم يُسمِّ أحدٌ منهم نفسه في الكتاب وبعثوا به مع رجل من عنزة يكنَّى أبا ربيعة وكتب كعب بن عبدة كتاباً من نفسه تسمَّى فيه ودفعه إلى أبي ربيعة، فلمّا قدم أبو ربيعة على عثمان سأله عن أسماء الذين كتبوا الكتاب فلم يخبره فأراد ضربه و حبسه فمنعه عليٌّ من ذلك وقال: إنّما هو رسول أدَّى ما حُمل، وكتب عثمان إلى
سعيد أن يضرب كعب بن عبدة عشرين سوطاً، ويحوِّل ديوانه إلى الري. ففعل ثمَّ إنَّ عثمان تحوَّب وندم فكتب في إشخاصه اليه ففعل فلمَّا ورد عليه قال له: إنّه كانت منِّي طيرة ثمَّ نزع ثيابه وألقى اليه سوطاً وقال: إقتص، فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين!.
ويقال: إنَّ عثمان لمـّا قرأ كتاب كعب كتب إلى سعيد في إشخاصه اليه فأشخصه اليه مع رجل أعرابيّ من أعراب بني أسد فلمّا رأى الأعرابيُّ صلاته وعرف نسكه وفضله قال:
ليت حظِّي من مسيري بكعب |
عفوه عنّي وغفران ذنبي |
فلمّا قدم به على عثمان قال عثمان: لإن تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه وكان شابّاً حديث السنِّ نحيفاً ثمَّ أقبل عليه فقال: أأنت تعلّمني الحقَّ وقد قرأت كتاب الله وأنت في صلب رجل مشرك؟ فقال له كعب: إنَّ إمارة المؤمنين إنَّما كانت لك بما أوجبته الشورى حين عاهدت الله على نفسك في (أن) تسيرن بسيرة نبيِّه، لا تقصِّر عنها وإن يشاورونا فيك ثانية نقلناها عنك، يا عثمان! إنَّ كتاب الله لمن بلغه وقرأه وقد شركناك في قرائته، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجَّة عليه. فقال عثمان: والله ما أظنّك تدري أين ربُّك؟ فقال: هو بالمرصاد. فقال مروان: حلمك أغرى مثل هذا بك وجرَّأء عليك. فأمر عثمان بكعب فجرّد وضُرب عشرين سوطاً، وسيَّره إلى دُباوند(١) ويقال: إلى جبل الدخان، فلمّا ورد على سعيد حمله مع بكير بن حمران الأحمري فقال: الدهقان الذي ورد عليه: لِمَ فُعل بهذا الرجل ما أرى؟ قال بكير: لأنَّه شريرٌ فقال: إنَّ قوماً هذا من شرارهم لخيار.
ثمَّ إنَّ طلحة والزبير وبّخا عثمان في أمر كعب وغيره وقال طلحة: عند غبّ الصدر يحمد عاقبة الورد. فكتب في ردِّ كعب رضي الله عنه وحمله إليه فلمّا قدم عليه نزع ثوبه وقال: يا كعب! إقتص. فعفا رضي الله عنهم أجمعين(٢)
وعدَّ الحلبي في السيرة ٢: ٨٧ من جملة ما انتقم به على عثمان: انَّه ضرب كعب
____________________
١ - بفتح المهملة وتضم ويقال: دنباوند، ودماوند بالميم بدل الموحّدة: كورة من كورة الرى
٢ - انساب البلاذرى ٥: ٤١ - ٤٣، تاريخ الطبرى ٥: ١٣٧، الرياض النضرة ٢: ١٤٠ - ١٤٩، شرح ابن ابي الحديد ١: ١٦٨، الصواعق ص ٦٨، واللفظ للبلاذرى.
_٣_
ابن عبدة عشرين سوطاً ونفاه إلى بعض الجبال.
قال الأميني: ألا تعجب في أمر هذا الخليفة انَّ مناوئيه كلّهم في عاصمة الخلافة وبقيَّة الأوساط الإسلاميَّة خيار البلاد وصلحاء الاُمَّة؟ كما أنَّ من اكتنف به وأغراه بالأبرار هم المتهتّكون في الدين، المفضوحون بالسمعة الشائنة، رُوَّاد الشرَه، وسماسرة المطامع، من طُغمة الأمويِّين ومَن يقتصُّ أثرهم، فلا ترى له سوط عذاب يُرفع إلّا وكان مصبُّه اُولئك الصالحون، كما أنَّك لا تجد جميلاً له يُسدى ولا يداً موفورة إلّا لاُولئك الساقطين، فهل بُعث الخليفة (وهو رحمة للعالمين) نقمةً على المؤمنين؟ أم ماذا كانت حقيقة الأمر؟ أنا لا أدري لماذا أسخط الخليفة كتاب القوم فأراد بحامله السوء من حبس وضرب بعد يأسه عن معرفة كاتبيه لولا أنَّ عليّاً أمير المؤمنين حال بينه وبين ما يشتهيه، وهل كان الرجل إلّا وسيطاً كلّف بالرسالة فأدّاها؟ ولعلّه لم يكن يعلم ما فيها، وليس في الكتاب إلّا التذكير بالله، والتحذير عمّا يوجب تفريق الكلمة، وإقلاق السَّلام، وإظهار الطاعة بشرط طاعة الله والإستقامة الذي هو مأخوذُ في الخليفة قبل كلِّ شيء (وعليه جرى انتخاب يوم الشورى) وإيقافه على مكان سيعد الشابِّ الغِرِّ من السعاية التي خافوا أن تكون، وبالاً عليه، وبالأخير وقع ما خافوا منه وحذَّروا الخليفة عنه، والشهادة لاُولئك المنفيِّين بالبراءة ممّا نُبزوا به وانَّهم من أهل الورع والفضل والعفاف، وإنّ تسييرهم لا يحلُّ في دين الله، ويشوِّه سمعة الخليفة.
ولِماذا أغضبه كتاب كعب؟ وهو بطبع الحال لدة ما كتبه القوم من النصح الجميل.
ولِماذا أمر بإشخاصه إلى المدينة وضربه وجازاه على نصحه بجزاء سنمّار؟
فهلّا انبعث الخليفة إلى التفاهم مع القوم فيما أظهروا انّهم يتحرُّون ما فيه صلاحه وصلاح الاُمَّة؟ فإمّا أن يُقنعهم بما عنده، أو يقتنع بما يبدونه، فيرتفع ذلك الحوار، وتُدفع عنه المثلات، لكنَّه أبى إلّا أن يستمرَّ على ما ارتآه وحبَّذه له المحتفُّون به الذين إتَّخذوه قنطرة إلى شهواتهم، ولذلك لم يتفاهم مع كعب إلّا بالغلظة فقال له: أأنت تُعلّمني.. الخ. أنا لا أدري موقع هذا الكلام التافه، هل الكون في صُلب رجل مشرك يحطّ من كرامة الإنسان وقد آمن بالله ورسوله؟ إذن لتسرَّب النقص إلى الصحابة الذين نقلوا من أصلاب المشركين وارتكضوا في أرحام المشركات، وكثير منهم أشركوا
بالله قبل إسلامهم، لكن الإسلام يجبُّ ما قبله، وهل الأصلاب والأرحام إلّا أوعية؟
ثمَّ السبق إلى قرّاء الكتاب العزيز هل هو بمجرَّده يرفع من قدر الرجل حتى إذا لم يعمل به كما أجاب به وفصّله كعب؟
ولا أدري ما يريد الخليفة بقوله: والله ما أظنّك تدري أين ربُّك. هل هو يريد المكان؟ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا، وأيّ مسلم لا يعرف انَّ ربَّه لا يُقلّه حيِّزٌ، فإنَّه حريٌّ بالسقوط، وما أحسن جواب كعب من قوله: هو بالمرصاد، فإن كان يريد مثل ما قاله كعب فلماذا احتمل انَّ مثل كعب الموصوف بالفضيلة والتقوى لا يعرف ذلك؟ وهل يريد عندئذ إلّا إهانة الرجل وهتكه؟
ثمَّ ماذا كان في هذه المحاورة حتى عدَّ مروان سكوت الخليفة عنه من الحلم وكلام كعب من الجرأة وثوَّر الخليفة على الرجل؟ وهنالك إنفجر بركان غضبه فأمر به فجرّد وضُرب وسُيِّر، وعوقب لنصحه وصلاحه، ولا حول ولا قوَّه إلّا بالله العليِّ العظيم.
لقد أراد القوم أن يزحزحوا التبعة عن عثمان فاختلق كلٌّ شيئاً من غير تواطؤ بينهم حتى يفتعلوا أمراً واحداً، ففي ذيل هذه الرواية انَّ الخليفة ندم على ما فعل وتاب بعد توبيخ طلحة والزبير إيّاه واستعفى الرجل فعفى عنه، ولم يعلم المتقوِّل أنَّ خليفةً لا يملك طيشه حيث لا موجب له لا يُأتمن على دين ولا دنيا، فانَّ من الممكن عندئذ أن يقتحم المهالك حيث لا مُوبِّخ فيستمرّ عليها فيهلك ويُهلك، وإنَّ ممّا قاله الخليفة نفسه يوم الدار عن الثائرين عليه: إنَّهم يخيِّروني إحدى ثلاث: إمّا يقيدونني بكلِّ رجل أصبته خطأ أو صواباً غير متروك منه شيء، فقلت لهم: أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يُستقد من أحد منهم. الخ. وهذه الكلمة تعطينا انَّه ما كان يتنازل للإقادة حتى في أحرج ساعاته المشارفة لقتله، فكيف بآونة السِّعة وساعة المقدرة؟ فما يزعمه هذا الناحت لذيل الرواية من أنَّه تنازل لكعب لأن يقيده بنفسه لا يكاد يلائم مع هذه النفسيَّة، ولو كان فعل شيئاً من ذلك لتشبَّث به في ذلك المأزق الحرج.
وهناك روايةٌ اُخرى جاء، بها الطبري من طريق السري الكذّاب المتروك عن شعيب المجهول عن سيف الوضّاع المرميِّ بالزندقة المتَّفق على ضعفه(١) عن محمَّد وطلحة
____________________
١ - راجع ما مرّ فى ج ٨: ٨٤، ١٤٠، ١٤١، ٣٢٦ - ٣٣٣ من كلمات الحفاظ حول رجال الاسناد.
انَّ كعباً كان يعالج نيرنجاً(١) فبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقرَّ به فأوجعه فدعا به فسأله فقال: إنَّما هو رفقٌ وأمرٌ يُعجب منه فأمر به فعزِّر وأخبر النّاس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنَّه قد جُدَّ بكم فعليكم بالجدِّ وإيّاكم والهزّال فكان النّاس عليه وتعجَّبوا من وقوف عثمان على مثل خبره فغضب فنفر في الذين نفروا فضرب معهم فكتب إلى عثمان فيه، فلمّا سُيِّر إلى الشام مَن سُيّر سُيّر كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبد الله وكان دينه كدينه إلى دُنباوند لأنَّها أرض سَحرة فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد:
لعمري لئن طرَّدتني ما إلى التي |
طمعتَ بها من سقطتي لسبيلُ |
|
رجوت رجوعي يا ابن أروى ورجعتي |
إلى الحقِّ دهراً غال ذلك غولُ |
|
وإنَّ اغترابي في البلاد وجفوتي |
وشتمي في ذات الإله قليلُ |
|
وإنَّ دعائي كلَّ يوم وليلة |
عليك بدُنباوندكم لطويلُ |
فلمّا ولّى سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه فكفره فلم يزدد إلّا فساداً(٢) شوَّه الطبري صحيفة تاريخه بمكاتبات السري وقد أسلفنا في الجزء الثامن انّها موضوعةٌ كلّها، اختلق الرجل في كلّ ما ينتقد به عثمان رواية تظهر فيها لوائح الكذب، يريد بها رفاءً لما هنالك من فتق، وهو الذي قذف أباذر ونظرائه من الصالحين، غير مكترث لمغبَّة الكذب والإفتراء، ومن ملامح الكذب في هذه الرواية أنَّ تسيير مَن سُيِّر إلى الشام مِن قرّاء الكوفة ونُسّاكها وضرب كعب إنَّما هو على عهد سعيد بن العاص لا الوليد بن عقبة كما زعمه مختلق الرواية.
وإنَّ كتاب عثمان إلى الوليد لا يصلحّ ولم يؤثر في أيِّ من مدوَّنات التاريخ والسير ولو كان تفرَّد به اُناس يوثق بهم لكان مجالاً للقبول، لكن الرواية كما قيل:
صحاحهم عن سجاح عن مسيلمة |
عن ابن حيّان والدوسيُّ يمليهِ |
|
وكلّهم ينتهي إسناد باطله |
إلى عزازيل مُنشيه ومُنهيهِ(٣) |
____________________
١ - النيرج والنيرج: اخذ كالسحر وليس به.
٢ - تاريخ الطبرى ٥: ١٣٧.
٣ - البيتان من قصيدة للشريف ابن فلاح الكاظمى.
على أنَّه يقول فيها: إنَّ وليداً قرأه على رؤس الأشهاد، كأنَّه يحاول معذرةً عمّا اُرتكب من كعب، وإنَّه كان برضىً من المسلمين، ولو صحَّت المزعمة لكانت مستفيضة إذ الدواعي كانت متوفّرة على نقلها، لكنهم لم يسمعوها فلم يرووها، مضافاً إلى أنَّ المعروف من كعب بن عبدة انَّه كان من نسّاك الكوفة وقرّائها كما سمعته من كلام البلاذري وغيره لا ممَّن يتلهّى بالنيرنجات وأشباهها.
وإن تعجب فعجبٌ انَّ صاحب النيرنج - لو صدقت الأحلام - يُعزَّز ويعاقب، ومُعاقر الخمور - وليد الفجور - لا يُحدُّ لشربه الخمر إلّا بعد نقمة الصحابة على خليفة الوقت من جرّاء ذلك، ثمَّ يكونُ مقيم الحدّ عليه غيره وهو مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ولم يكن في اُولئك المسيّرين مَن يسمّى مالك بن عبد الله وإنّما كان فيهم مالك بن الحارث الأشتر، ومالك بن حبيب الصحابيّان كما تقدَّم ذكرهما.
وأبيات كعب تناسب أن يخاطب بها عثمان لا الوليد فإنّه هو ابن أروى بنت كريز وفيها صراحة بسبب إغتراب كعب وجفوته وشتمه، وانَّها كانت في ذات الله، يقول ذلك بملأ فمه ولا يردُّ عليه رادُّ بأنّها ليست في ذات الله وإنّما هي لأنّه كان يعالج نيرنجاً.
هكذا لعبت بالتاريخ يد الأهواء والشّهوات تزلّفاً إلى اُناس وانحيازاً عن آخرين، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتّى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.
_٤٥_
تسيير الخليفة عامر بن عبد قيس التميمي البصري الزاهد الناسك إلى الشام
أخرج الطبري من طريق العلاء بن عبد الله بن زيد العنبري إنَّه قال: إجتمع ناسٌ من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه ويخبره بأحداثه، فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثمَّ العنبري وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فأتاه فدخل عليه فقال له: إنَّ ناساً من المسلمين إجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت اُموراً عظاماً فاتَّق الله عزَّ وجلَّ وتب إليه وانزع عنها. قال له عثمان: انظر إلى هذا فإنَّ النّاس يزعمون أنَّه قارىءٌ ثمَّ هو يجيء فيكلّمني في المحقَّرات فوالله ما يدري أين الله. قال عامر: أنا لا أدري أين الله؟ قال نعم، والله ما تدري أين الله. قال عامر: بلى والله إنَي لأدري إنَّ الله بالمرصاد لك. فأرسل عثمان إلى
معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد ابن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وإلى عبد الله بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغ عنهم فلمّا اجتمعوا عنده قال لهم: إنَّ لكلِّ امرئ وزراء ونصحاء وانّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع النّاس ما قد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمّالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبُّون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ.
فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين! أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمّرهم في المغازي حتّى يذلُّوا لك، فلا يكون همَّة أحدهم إلّا نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه.
ثمَّ أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن كنتَ تريد رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف، واعمل برأيي تصب. قال: وما هو؟ قال: إنَّ لكلِّ قوم قادة متى تهلك يتفرَّقوا ولا يجتمع لهم أمرٌ. فقال عثمان: إنَّ هذا الرأي لولا ما فيه.
ثمَّ أقبل على معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين! أن تردَّ عمّالك على الكفاية لِما قِبَلهم وأنا ضامنٌ لك قِبَلي.
ثمَّ أقبل على عبد الله بن سعد فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين! إنَّ النّاس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم.
ثمَّ أقبل على عمرو بن عاص فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى إنَّك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم إن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً وامض قدماً.
فقال عثمان: مالك قمل فروك؟ أهذا الجدّ منك؟ فأسكت عنه دهراً حتّى إذا تفرَّق القوم قال عمرو: لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعزُّ عليَّ من ذلك، ولكن: قد علمت أن سيبلغ النّاس قول كلِّ رجل منّا فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيراً أو أدفع عنك شرّاً.
فردَّ عثمان عمّاله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على مَن قِبَلهم وأمرهم بتجمير
النّاس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاج إليه(١) .
وقال البلاذري في الأنساب ٥: ٥٧: قال أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره: كان عامر ابن قيس التميمي يُنكر على عثمان أمره وسيرته فكتب حُمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز في حمله فحمله فلمّا قدم عليه فرآه وقد أعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده، ألطفه وأكرمه وردَّه إلى البصرة.
وروى ابن المبارك في الزهد من طريق بلال بن سعد أنَّ عامر بن عبد قيس وُشي به إلى عثمان، فأمر أن يُنفى إلى الشام على قتب، فأنزله معاوية الخضراء وبعث اليه بجارية وأمرها أن تعلمه ما حاله، فكان يقوم الليل كلّه ويخرج من السحر فلا يعود إلّا بعد العتمة، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً، كان يجيء معه بكسر فيجعلها في ماء فيأكلها ويشرب من ذلك الماء، فكتب معاوية إلى عثمان بحاله فأمره أن يصله ويدنيه فقال: لا ارب لي في ذلك.
(الاصابة لابن حجر ٣: ٨٥).
وذكر ابن قتيبة في المعارف ص ٨٤ و ١٩٤، وابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٢: ٢٦١، والراغب في المحاضرات ٢: ٢١٢ جملة ممّا نُقم به على عثمان وعدَّوا منه: انَّه سيَّر عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام، وقال ابن قتيبة: كان خيّراً فاضلاً.
قال الأمينيُّ: منظرٌ غريبٌ لعمرك في ذلك اليوم، أليس من المستغرب انَّ صلحاء البلاد مضطهدون فيه على بكرة أبيهم؟ فمن راسفٍ تحت نير الاضطهاد، ومن معتقل في غيابة الجبِّ، ومن مغترب يجفل به من منفىً إلى منفى، ومن منقطع عن العطاء، ومن ممقوت ينظر اليه شزراً، ومن مضروب تُدقّ به أضالعه، إلى المشتوم يُهتك به الملأ الديني لِماذا ذلك كلّه؟ لأنّهم غضبوا للحق، وانكروا المنكر، فهلّا كان في وسع مَن يفعل بهم ذلك إقناعهم بالإقلاع عمّا ينكرونه وفيه رضا الله قبل كلِّ شيء، ومرضاة رسوله من بعده، ومرضاة الاُمَّة جمعاء، وبه كانت تُدحر عنه المثلاث وتخمد الفتن، وكانت فيه مجلبة للمودَّة، ومكتسح للقلاقل، وهو أدعى لجمام النفس، وسيادة الأمن، وإزاحة
____________________
١ - أنساب البلاذرى ٥: ٤٣، تاريخ الطبرى ٥: ٩٤، الكامل لابن الاثير ٣: ٦٢، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٠.
الهرج، وكان خيراً له من ارتكاب العظائم بالنفي والضرب والشتم والإزعاج والجفوة، ولو كان الخليفة يرى خطأهم في إنكارهم عليه فإنّه كان في وسعه أن يَعقد لهم محتفلاً للتفاهم، فإمّا أن يتنازلوا عن بعض ما أرادوا، أو يتنازل هو عن بعض ما يبتغيه، أو يتكافئا في التنازل فتقع خيرة الكلِّ على أمر واحد، وكان عقد هذا المنتدى خيراً له ممّا عقده للنظر في شأن عامر بن عبد قيس، وجمع خلقاً من اُصول الجور، وجذوم الفتن، وجراثيم العيث والفساد، فروع الشجرة الملعونة، وهم الذين جرَّوا اليه الويلات بجورهم وفجورهم واستعبادهم الاُمّة وابتغائهم الغوائل، وهملجتهم وراء المطامع، فلم يُسمع منهم في ذلك المجتمع ولا في غيره إلّا رأي مُستغش، ونظريَّة خائن، أو أفيكة مائن، أو دسيسة لعين بلسان النبيِّ الأقدس مرَّة بعد اُخرى، وهو مع ذلك يراهم وزراءه ونصحاءه وأهل ثقته أولا تعجب من خلافة يكون هؤلاء وزرائها ونصحائها وأهل ثقة صاحبها؟
ثمَّ انظر كيف كان التفاهم بين الرجلين: الخليفة وسفير المسلمين اليه، هذا يذكّره بالتقوى وبالتوبة إلى الله وينهاه عن ارتكاب العظائم التي استعظمها المسلمون العلماء منهم والقرّاء والنساك وذووا الرأي والمسكة، والخليفة يعدُّ ما استعظمته الاُمَّة من المحقّرات، ثمَّ يهزأ به ويقذفه بقلّة المعرفة مشفوعاً ذلك باليمين كما قذف به كعباً و صعصعة بن صوحان وسمع منهما ما سمعه من عامر لأنَّهم حملة العلم، والعلم حرفٌ واحد كثَّره الجاهلون.
والأعجب كيف يعير الخليفة الى سعاية حمران بن أبان اُذناً واعية وقد رآه على الفاحشة هو بنفسه وذلك انّه تزوَّج امرأة في العدَّة فضربه ونفاه الى البصرة(١) و أسرَّ اليه سرًّا فأخبر به عبد الرحمن بن عوف، فغضب عليه عثمان ونفاه(٢) وقال البلاذري في الأنساب ٥: ٧٥: كان عثمان وجَّه حُمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد فلمّا قدم على عثمان كذب عن الوليد وقرَّظه ثمَّ إنّه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له: الأمر جليل فأخبر مروان عثمان بذلك فغضب على حمران وغرَّبه إلى البصرة لكذبه إيّاه وأقطعه داراً.
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ٩١، الكامل لابن الاثير ٣: ٦٠.
٢ - تهذيب التهذيب ٣: ٢٤.
كيف وثق خليفة المسلمين بخبر إنسان هذا شأنه من الفسق والتهوّر والله جلَّ اسمه يقول: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا، أن تصيبوا قوماً بجهالة. الآية؟
ثمَّ اعجب أنَّ حمران نفاه الخليفة على فسقه وأقطعه داراً لجمع شمله، والعبد الصالح أبوذر الغفاري الصادق المصدوق اُجفل الى الربذة، وتُرك في البرِّ الأقفر لا يأوي إلى مضرب، ولا يظلّه خباء، هذا من هوان الدنيا على الله.
وهل الخليفة عرف عامراً ومكانته في الاُمّة ومنزلته من الزهد والتقوى ومحلّه من التعبد والنزاهة، فأصاخ فيه إلى قول الوشاة وأشخصه إلى المدينة مرَّة وسيّره إلى الشام على القتب اُخرى، وأزرى به وأهانه حين مثِّل بين يديه؟ أو انّه لم يعرفه ولا شيئاً من فضله، فوثق بما قالوه؟ وكان عليه أن يعرفه لمـّا علم بسفارته من قِبَل وجهاء البصرة وأهل الحريجة والتقوى، ذوي الحلوم الراجحة، والآراء الناضجة، فإنّهم لا يرسلون طبعاً إلّا من يرضونه في مكانته وعلمه وعقله وتقواه. وهل كان فيما يقوله مغضبة أوانَّه ما كان يتحرّى صالح الاُمَّة وصلاح من يسوسها؟
إنَّ من العصيب أن نعترف بأنّه ما كان يعرف عامراً وصلاحه، فقد كان يسير بذكره الركبان، وهبَّت بأريج فضله النسائم في الأجواء، والأرجاء، وفي طيّات المعاجم والسير اليوم نماذج من تلكم الشهرة الطائلة عن عامر بين العباد وفي البلاد يوم ألزم نفسه أن يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة(١) فكانوا يعدُّونه من أولياء الله المقرَّبين، وأوَّل الزهاد الثمانية، وذكروا له كرامات ومكرمات.
أفمن الممكن إذن أن لا يعرفه الخليفة؟ ولم يكن فيما ينكره إلّا ما أصفقت على إنكاره أهل الحلِّ والعقد يومئذ من الصالح العام في الحواضر الإسلاميّة كلّها، غير انّهم لم يجدوا كما أنَّ عامراً لم يجد اُذناً مصغية لهتافهم، فتكافئ دؤُب الخليفة على التصامم ودؤُب القوم على الإنكار حتّى استفحل الخطب ودارت الدوائر.
وهلّم معي ننظر إلى رواية الضعفاء رواية كذّاب متروك عن مجهول منكر عن وضّاع متّهم بالزندقة متّفق على ضعفه: السري عن شعيب عن سيف بن عمر بن محمَّد و طلحة: إنَّ عثمان سيَّر حمران بن أبان أن تزوَّج امرأة في عدَّتها وفرَّق بينهما وضربه و
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٧: ١٦٩، الاصابة ٣: ٨٥.
سيَّره إلى البصرة، فلمّا أتى عليه ما شاء الله وأتاه عنه الذي يحبُّ، أذن له فقدم عليه المدينة ومعه قومٌ سعوا بعامر انَّه لا يرى التزويج، ولا يأكل اللحم، ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية فلمّا قدم عليه رأى عنده ثريداً فأكل أكلاً عربيّاً، فعرف أنَّ الرجل مكذوبٌ عليه فعرَّفه معاوية سبب إخراجه فقال: أمّا الجمعة فاني أشهدها في مؤخَّر المسجد ثمَّ ارجع في أوائل الناس، وأمّا التزويج فانِّي خرجت وأنا يُخطب عليَّ، وأمّا اللحم فقد رأيت(١) .
أوَلا تعجب من الذين اتّخذوا هذه الرواية مصدراً في تعذير عثمان عن نفي عامر وإشخاصه وهم يبطلون الرواية في غير هذا المورد بوجود واحد من رجال هذا السند الثلاثة، لكنّهم يحتجّون بروايتهم جميعاً هاهنا، وفي كلِّ ما نقم به على عثمان؟
ثمَّ لننظر فيما وُشى به على الرجل بعد الفراغ من النظرة في حال الواشي وهو حمران المتقدّم ذكره، هل يوجب شىءٌ منها ذمّا أو تعزيراً تأديباً أو تغريباً؟ وهل هي من المعاصي المسقطة لمحلِّ الإنسان؟ أمّا ترك التزويج فلم يثبت حرمته إن لم يكن من باب التشريع وأخذه ديناً، وإنّما النكاح من المرغَّب فيه، على أنّه كان لم يزل يخطب لنفسه لكنّه لا يجد من يلائمه في خفّة المؤنة، أخرج أبو نعيم في الحلية ٢: ٩٠: انَّ عامر بن عبد قيس بعث اليه أمير البصرة فقال: إنَّ أمير المؤمنين أمرني أن أسألك مالك لا تزوِّج النساء؟ قال: ما تركتهنَّ وانِّي لدائبٌ في الخطبة، قال: وما لك لا تأكل الجبن؟ قال: أنا بأرض فيها مجوس فما شهد شاهدان من المسلمين أن ليس فيه ميتة أكلته. قال: وما يمنعك أن تأتي الاُمراء؟ قال: إنَّ لدى أبوابكم طلاّب الحاجات فادعوهم واقضوا حوائجهم، ودعوا من لا حاجة له اليكم.
وأخرج من طريق أحمد بن حنبل باسناده عن الحسن قال: بعث معاوية إلى عبد الله بن عامر أن انظر عامر بن عبد قيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وامهر عنه من بيت المال، فأرسل اليه انَّ أمير المؤمنين قد كتب إليَّ وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى مَن شئت وأمهر عنك من بيت المال. قال: أنا في الخطبة دائبٌ. قال: إلى
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ٩١، تاريخ ابن عساكر ٧: ١٦٧، الكامل لابن الاثير ٣: ٦٠، اسد الغابة، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٨٩.
مَن؟ قال: إلى مَن يقبل منيِّ الفلقة والتمرة.
وهذان الحديثان يكذِّبان ما جاء به السري، ولو صحَّ ذلك فما وجه هذه المسألة في أيّام معاوية عن تزويج عامر؟
وأمّا ترك اللحوم فليس من المحرَّم ايضاً وقد جاءت السنّة بتحليلها كلّها من غير ايجاب، نعم تركها النهائي مكروهٌ إن لم يكن من باب التديّن، وقد تستدعي المبالغة في الزهادة الذهول عن شؤن الدنيا بأسرها فلا يلتفت صاحبها إلى الملاذّ كلّها، وكان مع ذلك لعامر عذر، قال ابن قتيبة في المعارف ص ١٩٤: وكان سبب تسييره أنَّ حمران بن أبان كتب فيه: انَّه لا يأكل اللحم، ولا يغشى النساء، ولا يقبل الأعمال، فعرض بأنَّه خارجيٌّ، فكتب عثمان إلى ابن عامر: أن ادع عامرا فإن كانت فيه الخصال فسيِّره فسأله فقال: أمّا اللحم فإنِّي مررت بقصّاب يذبح ولا يذكر اسم الله، فإذا اشتهيت اللحم اشتريت شاة فذبحتها، وأمّا النساء فإنَّ لي عنهنَّ شغلاً، وأمَّا الأعمال فما أكثر مَن تجدونه سواي.
فقال له حمران: لا أكثر الله فينا أمثالك، فقال له عامر: بل أكثر الله فينا من أمثالك كسّاحين حجّامين.
وأمّا عدم الحضور للجمعة: فقد بيَّن عامر نفسه حقيقته لمعاوية وهو الصَّادق الأمين على انَّه كان له أن لا يحضر الجمعة والجماعة إن لم يرَ لمقيمها أهليَّة للأيتمام به، وليس من المنكر ذلك في حقِّ الولاة الأمويِّين يومئذ.
وعلى فرض صحَّة الرواية وكون كلِّ ممّا نُبز به حوباً كبيراً فكان من الميسور تحقيق حال الرجل من قِبَل والي البصرة كما وقع ذلك فيما مرَّ من رواية أبي نعيم بالنسبة إلى التزويج وأكل الجبن وإتيان الاُمراء. ولا أدري هل من الفرائض في الشريعة السمحاء أكل الجبن بحيث يوجب تركه التجسُّس والتفتيش؟ وعلى كلّ فما الموجب لإجفال الرجل العظيم من مستقرِّ أمنه على قتب إلى الشام منفى الثائرين على الخليفة؟ وأيُّ عقل يقبل تسييره وتعذيبه لتلك الاُمور التافهة؟ نعم: الغريق يتشبَّث بِكلِّ حشيش.
_٤٦_
تسيير الخليفة عبد الرحمن بن حنبل الجمحي
عُدّ ممّن سيَّره الخليفة عبد الرحمن بن حنبل الجمحي. قال اليعقوبي: سُيّر
عبد الرحمن صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى القموس(١) من خيبر، وكان سبب تسييره إيّاه أنَّه بلغه كرهه مساوي ابنه وخاله وانَّه هجاه.
وقال العلائي عن مصعب وأبو عمر في الأستيعاب انَّه لمـّا أعطى عثمان مروان خمس مائة ألف من خمس أفريقيّة قال عبد الرحمن:
وأحلف بالله جِهد اليمين |
ما ترك الله أمراً سُدى |
|
ولكن جعلتَ لنا فتنة |
لكي نُبتلى بك أو تُبتلى |
|
دعوت الطريد فأدنيته |
خلافاً لِما سنَّه المصطفى |
|
وولّيت قرباك أمر العباد |
خلافاً لَسنَّة من قد مضى |
|
وأعطيت مروان خمس الغنيمة |
آثرته وحميت الحمى |
|
ومالاً أتاك به الأشعري |
من الفئ أعطيته من دنا |
|
فإنَّ الأمينين قد بيِّنا |
منار الطريق عليه الهدى |
|
فما أخذا درهماً غيلة |
ولا قسَّما درهماً في هوى(٢) |
فأمر به فحبس بخيبر، وأنشد له المرزباني في معجم الشعراء انَّه قال وهو في السجن:
إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا |
أبا حسن غلّا شديداً اُكابده |
|
بخيبر في قعر الغموص كأنَّها |
جوانب قبر أعمق اللحد لاحده |
|
أ إن قلتُ حقاً أو نشدتُ أمانة |
قُتلت؟ فمن للحقِّ إن مات ناشده؟ |
وكتب إلى عليّ وعمّار من الحبس:
أبلغ عليّاً وعمّاراً فأنَّهما |
بمنزل الرشد إنَّ الرشد مُبتدرُ |
|
لا تتركا جاهلاً حتى يوقّره |
دين الإله وإن هاجت به مُررُ |
|
لم يبق لي منه إلّا السيف إذ علقت |
حبائل الموت فينا الصّادق البررُ |
|
يعلم بأنِّي مظلومٌ إذا ذكرت |
وسط النديِّ حجاج القوم والعذرُ |
فلم يزل عليٌّ يكلّم عثمان حتى خلّى سبيله على أنَّه لا يساكنه بالمدينة فسيَّره
____________________
١ - كذا فى لفظ اليعقوبى. وفى الاصابة: الغموص كما فى الابيات. والصحيح: القموص بالقاف المفتوحة وآخره صاد مهملة.
٢ - قد تنسب هذه الابيات الى أسلم راجع ٨: ٢٥٤.
إلى خيبر فأنزله قلعة بها تسمّى « القموص » فلم يزل بها حتى ناهض المسلمون عثمان و ساروا اليه من كلِّ بلد فقال عبد الرحمن:
لولا عليٌّ فإنَّ الله أنقذني |
على يديه من الأغلال والصفدِ |
|
لما رجوت لدى شدّ بجامعة |
يُمنى يديّ غياث الفوت من أحدِ |
|
نفسي فداء علىّ إذ يخلّصني |
من كافر بعد ما أغضى علي صمدِ |
كان عبد الرحمن مع عليّ في صفِّين قال الطبري من طريق عوانة: إنّه جعل ابن حنبل يقول يومئذ:
إن تقتلوني فأنا ابن حنبل |
أنا الذي قد قلت فيكم نعثل |
راجع تاريخ الطبري ٦: ٢٥، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٠، الاستيعاب ٢: ٤١٠، شرح ابن ابي الحديد ١: ٦٦، الاصابة ٢: ٣٩٥.
قال الأميني: هذا أحد المعذَّبين الذين أقلّتهم غيابة الجبِّ مُصفَّداً بالحديد و لم يجهز عليه إلّا إنكاره المنكر، وجنوحه إلى الحقِّ المعروف، والكلام فيه لدة ما كرَّرناه في غير واحد من زملائه الصالحين، وأحسن ما ينمُّ عن سريرته شعره الطافح بالايمان.
_٤٧_
تسيير الخليفة عليّاً أمير المؤمنين
لعلَّ التبسُّط في البحث عمّا جرى بين عثمان أيّام خلافته وبين عليّ أمير المؤمنين يوجب خدش العواطف، وينتهي إلى ما يُحمد عقباه، والتاريخ وإن لم يحفظ منه إلا النزر اليسير غير أنَّ في ذلك القليل غنى وكفاية وبه تُعرف جليَّة الحال، ونحن نمرُّ به كراماَ، فلا نحوم حول البحث عن كلمه القوارص لعليّعليهالسلام ، البعيدة عن ساحة قدسه النائية عن مكانته الراقية التي لا يُدرك شأوها، ويقصر دون استكناهها البيان.
أيسع لمن أسلم وجهه لِلَّه وهو محسن وآمن بالكتاب وبما نزل من آية في سيِّد العترة، وصدَّق بالنبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبما صدع به من فضائل عليّعليهالسلام ، وجاوره مع ذلك حقباّ وأعواماّ بيت بيت، ووقف على نفسيّاته الكريمة وهو على ضمادة من أفعاله وتروكه وشاهد مواقفه المبرورة ومساعيه المشكورة في تدعيم الدين الحنيف، أيسع لمسلم هذا شأنه أن يخاطب أخا الرسول المطهَّر بلسان الله بقوله: لِمَ لا يشتمك - مروان - إذا
شتمته فوالله ما أنت عندي بأفضل منه؟(١) ومروان طريد رسول الله وابن طريده و لعينه وابن لعينه.
أم بقوله له: والله يا أبا الحسن! ما أدري أشتهي موتك؟ أم أشتهي حياتك؟ فوالله لئن متَّ ما اُحبّ أن أبقى بعدك لغيرك لأنِّي لا أجد منك خلفاً، ولئن بقيت لا أعدم طاغياً يتَّخذكُ سلّماً وعضداً، ويعدّك كهفاً وملجأً، لا يمنعني منه إلّا مكانه منك ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاقِّ من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقّه. إلى آخر ما مرَّ في في ص ١٨؟.
أم بقوله له: ما أنت بأفضل من عمّار، وما أنت أقلّ إستحقاقاً للنفيِّ منه(٢) ؟
أم بقوله له: أنت أحقُّ بالنفيِّ من عمّار؟(٣) .
أم بقوله الغليظ الذي لا يحبُّ المؤرِّخون ذكره ونحن سكتنا عن الإعراب عنه(٤) .
وبعد هذه كلّها يزحزحهعليهالسلام عن مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وُيقلقه من عقر داره ويخرجه إلى ينبُع مرَّة بعد اُخرى قائلاً لابن عبَّاس: قل له فليخرج إلى ماله بالينبُع، فلا أغتمّ به ولا يغتمّ بي.
ألا مُسائل الرجل عمَّا أوجب أولويَّة الإمام الطاهر المنزَّه عن الخطل، المعصوم من الزلل بالنفي ممَّن نَفاهم من الاُمَّة الصالحة؟ أكان بزعمه عليٌّعليهالسلام شيوعّياً إشتراكيّاً شيخاً كذّاباً كأبي ذر الصَّادق المصدَّق؟ أم كان عندهُ دويبة سوء كإبن مسعود أشبه الناس هدياً ودلاًّ وسمتاً برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
أم كان الرجل يراه ابن متكاء، عاضاً اير أبيه، طاغياً كذّاباً يجترأ عليه ويجرّأ عليه الناس كعمّارِ جلدة ما بين عيني النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
أم كان يحسبه معالجاً نيرنجاً ككعب بن عبدة الصالح الناسك؟
____________________
١ - راجع ج ٨ ص ٣٠٤ و ٣١٠.
٢ - الفتنة الكبرى ص ١٦٥.
٣ - راجع صفحة ١٩ من هذا الجزء.
٤ - راجع ج ٨: ٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠٦، ٣٢٣.
أم كان يراه تاركاً الجبن واللحم والجمعة والتزويج كعامر بن عبد قيس القارئ الزاهد المتعبِّد؟.
أم كان الإمام متكلّماً بألسنة الشّياطين غير عاقل ولا ديِّن كصلحاء الكوفة المنفيِّين؟.
حاشا صنو النبيِّ الأقدس عن أن يُرمى بسقطة في القول أو في العمل بعد ما طهّره الجليل، واتّخذه نفساً لنبيّه، واختارهما من بين بريَّته نبيّاً ووصيّاً.
وحاشا أولئك المنفيُّون من الصحابة الأوَّلين الأبرار والتابعين لهم بإحسان عن تلكم الطامات والأفائك والنسب المفتعلة.
نعم كان يرى الرجل كلاًّ من اُولئك الصفوة البررة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر طاغياّ إتّخذ عليّاًعليهالسلام سُلّماً ويعدّه كهفاً وملجأً يُدافع عنهم بوادر غضب الخليفة، ويحول بينهم وبين ما يرومه من عقوبة تلك الفئة الصالحة الناقمة عليه لِما ركبه من النهابير، فدفع هذا المانع الوحيد عن تحقّق هواجس الرجل كان عنده أولى بالنفي من أولئك الرجال المنفيِّين، ولولاه لكان يشفي منهم غليله، ويتسنّى له ما كان يبتغيه من البغي عليهم، والله يدافع عن الذين آمنوا وإنّه على نصرهم لقدير.
على أنَّه ليس من المعقول أن يكون من يأوي إلى مولانا أمير المؤمنين وآواه هو طاغياً كما يحسبه هذا الخليفة، فإنَّه لا يأوي إلى مثله إلّا الصالح الراشد من المظلومين وهوعليهالسلام لا يحمي إلّا من هو كذلك، وهو وليُّ المؤمنين، وأمير البررة، وقائد الغرّ المحجَّلين، وإمام المتقين، وسيِّد المسلمين، كلّ ذلك نصّاً من الرسول الصّادق الأمين وليتني أدري ممَّ كان يغتمّ عثمان من مكان أمير المؤمنينعليهالسلام بالمدينة؟ ووجوده رحمةٌ ولطفٌ من الله سبحانه وتعالى على الأمَّة جمعاء لا سيما في البيئة التي تُقّله، يكسح عن أهلها الفساد، ويكبح جماح المتغلّبين، ويقف أمام نعرات المتهوِّسين، و يسير بالناس على المنهج اللاحب سيراً سجحاً.
نعم: يغتمّ به سماسرة النهمة والشرَه فيروقهم بعاده ليهملج كلٌّ منهم إلى غاياته قلق الوضين.وما كان هتاف الناس به يومئذ إلّا لأن يقيم أوَد الجامعة، ويعدِّل الخطّة العوجاء، ويقف بهم على المحجَّة الواضحة، غير أنَّ ذلك الهتاف لا يروق من لا يروقه
ذلك كلّه، فالإغتمام به جنايةٌ على المجتمع الديني، ووقوفٌ أمام سير الصالح العام.
ولعمر الله إنَّ هذه القوارص هي التي فتحت باب الجرأة على أمير المؤمنين بمصراعيه طيلة حياته، وهتكت منه حجاب حرمته وكرامته، وأطالت عليه ألسنة البذاءة والوقيعة فيه، وعثمان هو الذي أزرى الإمام في الملأ الديني، وصغَّره في أعين الناس وجرّأ عليه طغام الأمويِّين وسفلة الأعراب، فباذأه أبناء أميَّة وهم على آسال خليفتهم إتَّخذوه أسوةً وقدوةً في شتيمته وقذيعته وآذوا نبيّهم في أخيه علم الهدى، إنَّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعدَّلهم عذاباً مُهينا، والذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليم، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بُهتاناً وإثماً مبينا.
_٤٨_
آية نازلةٌ في الخليفة
أخرج الواحدي والثعلبي من طريق ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك قالوا: نزلت قوله تعالى في سورة النجم ٣٣، ٣٤، ٣٥: أفرأيت الذي تولّى، وأعطى قليلاً وأكدى(١) ، أعنده علم الغيب فهو يرى. نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يتصدَّق وينفق في الخير فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يُبقي لك شيئاً.فقال عثمان: إنَّ لي ذنوباً وخطايا وإنِّي أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال له عبد الله: أعطني ناقتك وبرحلها وأنا أتحمَّل عنك ذنوبك كلّها. فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة، فأنزل الله تعالى: أفرأيت الذي تولّى. الخ. فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله.
وذكره جمعٌ من المفسِّرين وفي تفسير النيسابوري: معنى تولّى: ترك المركز يوم اُحد.
راجع أسباب النزول للواحدي ص ٢٩٨، تفسير القرطبي ١٧: ١١١، الكشاف ٣: ١٤٦، تفسير النيسابوري هامش الطبري ٢٧: ٥٠ تفسير الشربيني ٤: ١٢٨.
____________________
١ - قال ابن عباس ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك: أكدى: انقطع فلا يعطي شيئاً. يقال البئر أكدت.
قال الأميني: لا غرابة من ابن أبي سرح وقد تشاكلت أحواله يوم كفره وإسلامه وردَّته وزلفته من عثمان على عهد خلافته إن لهج بهذه السخافة التي لا تلائم أيّاً من نواميس العدل، ولكن إن تعجب فعجبٌ قبول عثمان تلكم الخرافة منه، ومنحه إيّاه ناقته برحلها على أن يحمل عنه ذنوبه (ولا تزر وازرةٌ وزر اخرى) وإشهاده عليه وإمساكه عن الصدقات، وحسبانه انَّ ما قاله ذلك الساخر كائنٌ لا محالة، كأنَّ بيد إبن أبي سرح أزمَّة الحساب، وعنده مقاليد يوم القيامة، وهو الخبير ما يكون فيه، فأنبأه بأنَّ ذنوبهُ محيت بتلك المبادلة، أو أنَّ عثمان نفسه كان يعلم الغيب، فهو يرى أنَّ ما يقوله حميمه حقّ، وكأنَّه نسي قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيْء إنَّهم لكاذبون، وليحملنَّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليُسألنَّ يوم القيامة عمّا كانوا يفترون(١) وقوله تعالى: مَن يعمل سوءاً يُجزَ به ولا يجد له من دون اللّه وليّاً ولا نصيرا(٢) وقوله تعالى: فمَن يعمل مثقال ذرَّة خيراً يره، ومَن يعمل مثقال ذرَّة شرّاً يره(٣) وقوله تعالى: كلٌّ نفس بما كسبت رهينة(٤) ومن يكسب إثماً فإنَّما يكسبه على نفسه(٥) أليوم تُجزى كلٌّ نفس بما كسبت لا ظلم اليوم(٦) ولتجزى كلّ نفس بما كسبت وهم لا يُظلمون(٧) إلى آي كثيرة من أمثالها وهي كلّها تقرِّر حكم العقل بقبح أخذ أيِّ أحد بجريمة غيره.
والعدل يحكم بأنَّ إبن أبي سرح وهو مثال المئاثم والمخازي إن حُمّل إثماً مِن جرّاء قولته هذه فإنَّما هو جرأته على الله تعالى وتصغيره عظمة نيران القسط الإلهي و نهيه عن الصدقة لا ما سبق لعثمان إقترافه من السيّئات، لكن هلمَّ معي إلى ضئولة عقل مَن يصدّق تلكم المهزأة، ويرتِّب عليها آثاراً عمليَّة حتى ندَّد به الذكر الحكيم.
____________________
١ - سورة العنكبوت: ١٢، ١٣.
٢ - سورة النساء: ١٢٣.
٣ - سورة الزلزلة: ٧، ٨.
٤ - سورة المدثر: ٣٨١.
٥ - سورة النساء: ١١١.
٦ - سورة غافر: ١٧.
٧ - سورة الجاثية: ٢٢.
وهب أنّا غاضينا الراوي على عود الرجل إلى ما كان بعد نزول الآية الكريمة، لكن ذلك لا يُجديه نفعاً يُزيح عنه وصمة ضعف الرأي وقوَّة الرعونة فيه، نعم: كان يُجديه لو لم يعبأ بتلكم الضلالة، أوانَّه عدل عنها بقوَّة التفكير لا بتوبيخ الوحي الإلهي، وليته لم يعدل فإنَّه عدل إلى ما عرفت من سيرته في الصدقات، وجاء يخضم مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع.
_٤٩_
الخليفة لا يعرف المخلص من النَّار
أخرج ابن عساكر في تاريخه ٢: ٥٨ من طريق أحمد بن محمَّد أبي عليّ بن مكحول البيروتي قال: مرَّ عمر على عثمان بن عفّان فسلّم عليه فلم يردّ عليه السلام فجاء عمر إلى أبي بكر الصدِّيق فقال: يا خليفة رسول الله! ألا اُخبرك بمصيبة نزلت بنا من بعد رسول الله؟ قال: وما هي؟ قال: مررت على عثمان فسلّمت عليه فلم يردَّ عليَّ السَّلام. فقال أبو بكر: أوَ كان ذلك؟ قال: نعم. فأخذ بيده وجاء إلى عثمان فسلّما عليه فردَّ عليهما السَّلام. فقال أبو بكر: جاءك عمر فسلّم عليك فلم تردَّ عليه؟ فقال: والله يا خليفة رسول الله! ما رأيته. قال: وفي أيِّ شيء كانت فكرتك؟ قال: كنت مفكّراً في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فارقناه ولم نسأله: كيف الخلاص والمخلص من النّار؟ فقال أبو بكر: والله لقد سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبرني فقال عثمان: ففرّج عنّا قال أبو بكر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تمسَّكوا بالعروة الوثقى قول لا إله إلّا الله.
قال الأميني: أكان في اُذن الرجل وقرٌ على عهد النبوَّة عمّا كان يتهالك دونه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويهتف به آناء الليل وأطراف النهار منذ بدء البعثة إلى أن لقي ربَّه من الإشادة بكلمة التوحيد، وإنَّ الإخلاص بها هو المنقذ الفذّ، والسبب الوحيد للنجاة من الهلكة التي من ورائها النار، وانَّ مَن يسلم وجهه لِلّه وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى(١) فمَن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى(٢) والذين آمنوا وعملوا الصّالحات اُولئك أصحاب الجنَّة(٣) انَّه مَن يشرك بالله فقد
____________________
١ - سورة لقمان: ٢٢.
٢ - سورة البقرة: ٢٥٦.
٣ - سورة البقرة: ٨٢.
حرَّم الله عليه الجنَّة ومأواه النّار(١) .
ألم يك يسمع نداءهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا(٢) ؟.
وقوله: مَن شهد أن لا إله إلّا الله، وانَّ محمَّداً رسول الله، حرّم الله عليه النار.
وقوله: مَن قال: لا إله إلّا الله مخلصاً دخل الجنَّة.
وقوله: ما مِن أحد يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، صدقاً من قلبه إلّا حرَّمه الله على النّار.
وقوله: إنِّي لأعلم كلمة لا يقولها عبدٌ حقّاً من قلبه فيموت على ذلك إلّا حرِّم على النّار: لا إله إلّا الله. إلى أحاديث كثيرة جمع جملة ضافية منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ١٦٠ - ١٦٤.
أو انَّ الرجل كان يسمع هذه الكلمات الذهبيَّة، لكنَّه لا يعيرها اُذناً واعية فنسيها؟ فإن كان لم يعِ هذه وهي أساس الدعوة فما الذي وعاه؟ وما الذي تعقّله من نبيّ جاء وذهب ولم يعرِّف ما هو المخلص من النّار؟ ولم يبعث إلّا لانتشال اُمّته منها، وفي يده كتابه الكريم فيه تبيان كلّ شيء، وأيّ نبيّ كان يحسبه عثمان، نبيّ العظمة؟ وعلى أيِّ أساس علاُ صروح إسلامه؟ وأيّ مسلم هذا يدرك أيّام دعوة نبيِّه كلّها ثمَّ يدركهصلىاللهعليهوآلهوسلم الموت ولم يعرف المسكين بعدُ ما ينجيه من النّار؟ نعم: لم يأل نبيُّ الإسلام في تنوير سبل السّلام، وإنقاذ البشر من النّار، فماذا عليه؟ إن لم تصادفه نفسٌ صاغية إلى تعاليمه فلم تحفظها.
_٥٠_
ترك الخليفة التكبير في كلِّ خفض ورفع
أخرج أحمد بالإسناد عن مطرف عن عمران بن حصين قال: صلّيت خلف عليّ صلاة ذكّرني صلاة صلّيتها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والخليفتين قال: فانطلقت فصلّيت معه فإذا هو يكبِّر كلّما سجد وكلّما رفع رأسه من الركوع فقلت: يا أبا نجيد مَن أوّل مَن تركه؟ قال: عثمان رضي الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه(٣) .
____________________
١ - سورة المائدة ٧٢.
٢ - تاريخ البخارى ج ٤ القسم الثانى ص ١٤.
٣ - مسند احمد ٤: ٤٢٨، ٤٢٩، ٤٣٢، ٤٤٠، ٤٤٤.
قال الأميني: سيوافيك البحث الضافي في الجزء العاشر إنشاء الله تعالى حول التكبيرة في الصَّلاة عند كلِّ رفع وخفض وانّها سنّة ثابتة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تسالمت عليها الاُمَّة، وعمل بها الصحابة، واستقرَّ عليها إجماع أئمَّة المذاهب، وهذا الحديث يعطينا خُبراً بأنَّ أوَّل مَن تركها هو عثمان وتبعه معاوية وبنو اُميَّة، وما زال الناس على هذا المزن وتمرَّنت عليه الاُمّة طوعاً أو كرهاً حتّى ضاعت السنّة الثابتة ونُسيت، وكان مَن جاء بها يُعدُّ أحمقاً كأنَّه إرتكب بأمر إمر شاذّ عن الشرع المقدَّس، والتبعة في ذلك كلّه على الخليفة البادي بترك سنَّة الله التي لا تبديل لها. قال الزرقاني في شرح الموطّأ ٢: ١٤٥: ولأحمد عن عمران: أوَّل من ترك التكبير عثمان حين كبر، وللطبري عن أبي هريرة: أوَّل مَن ترك معاوية، ولأبي عبيد: أوَّل من تركه زياد. ولا ينافي ما قبله لأنَّ زياداً تركه بترك معاوية، وكأنّه تركه بترك عثمان وقد حمله جماعةٌ من العلماء على الإخفاء. ه.
وتبرير عمل عثمان بالحمل على الإخفاء يأباه صريح لفظ ترك. وإنَّما يخبر ابن حصين عن تكبير أمير المؤمنين في الهويِّ والإنتصاب لا عن جهره به، والسائل إنَّما يسأله عن أوَّل مَن تركه لا عمّن خافتَ به أوَّلاً، ويزيِّفه ما يأتي عن ابن حجر والشوكاني وغيرهما من قولهم كما سمعت عن الزرقاني: كان معاوية تركه بترك عثمان. ولم يؤثر عن معاوية غير الترك والتنقيص كما يأتي حديثه بلفظ نقص، وقد اتّبع إثر عثمان في اُحدوثته فإلى الملتقى.
نتاج البحث
هذه نُبذٌ قليلةٌ نشرتها يد التاريخ الجانية بعد أن طوى كشحاً عن ذكر مهمّات ما جرى في ذلك العهد المشحون بالقلاقل، الطافح بالفتن، المفعم بالهنابث، وقد عرفناه جانياً بستر تلكم الحقايق، جنوحاً إلى العاطفة، سايراً مع الميول، والتاريخ حرٌّ يجب أن يمضي مع الواقع وأن لا يلويه مع القصد تعصبُّ لأحد أو تحيّزٌ إلى فئة، لكن القوم لم يسيروا في سرد التاريخِ كما يجب عليهم، فطفقوا يُحرِّفون الكلم عن مواضعه، ويُثبتون ما يوافق هواهم، ويدَعون ما لا يروقهم.
قال الطبري في تاريخه ٥: ١٠٨: إنَّ الواقدي ذكر في سبب مسير المصريِّين إلى
عثمان ونزولهم ذا خُشب أموراً كثيرة، منها ما تقدَّم ذكره، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة منِّي ذكره لبشاعته.
وقال في ج ٥: ١١٣: قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه إنَّهم جعلوها ذريعةً إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت الى الإعراض عنها.
وقال في ص ٢٣٢: إنَّ محمَّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لمـَّا ولي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يتحمَّل سماعها العامَّة.
ومرَّ في ج ٨: ٣٠٥ في ذكر ما جرى بين عليٌّعليهالسلام وعثمان قول المسعودي: فأجابه عثمان بجواب غليظ لا اُحبُّ ذكره وأجابه عليٌّ بمثله.
وقال ابن الأثير في الكامل ٣: ٧٠: قد تركنا كثيراً من الأسباب التي جعلها الناس ذريعةً إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٧: ١٦٦: وفي هذه السنة (يعني ٣٣) سيَّر عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام وإلى مصر بأسباب مسوّغة لما فعله رضي الله عنه فكان هؤلاء ممّن يؤلِّب عليه ويُمالئ الأعداء في الحطِّ والكلام فيه وهم الظالمون في ذلك، وهو البارُّ الراشد رضي الله عنه.
وقال في ص ١٧٧: جرت اُمورٌ سنورد منها ما تيسَّير وبالله المستعان. ثمَّ ذكر من الاُمور ما راقه ويُلائم ذوقه ولم يذكر إلّا سلسلة أكاذيب لم يصحّ شيءٌ منها.
وقال الدكتور أحمد فريد رفاعي في عصر المأمون ١: ٥: أمّا نحن فلا يُطلب منّا أن نبدي رأينا في عثمان، فهو صحابيٌّ عظيم وله أثره الخالد في جمع القرآن وغير القرآن وله دينه السمح الذي لا تشوبه شائبة، وما كان الدين ليحتِّم على الناس جميعاً أن يكون نظرهم إلى الحياة الدنيا نظر التقشّف والزهد، ولا يُطلب منّا أن نثبت ضعف الحكومة العثمانيَّة، وإنّما يُطلب منّا أن نسرد الحوادث بايجاز، ولنا في تسلسل هذه الحوادث و دراستها وتقييد آثارها ما قد يسمح لنا بالتعرُّض له حين معالجتنا الكلام عن عصرنا فيما بعدُ. ه.
ثمَّ ذكر ما جاء به اليعقوبي من الأيعاز إلى بعض ما نُقم به على عثمان فتخلّص عن البحث فيه بما أتى به إبن الأثير من رواية الطبري عن السري الكذّاب عن شعيب المجهول عن سيف المتروك الساقط المتَّهم بالزندقة أو عن اُناس آخرين أمثال هؤلاء.
أضف إلى هذه كثيراً من كتب التاريخ المؤلَّفة قديماً وحديثاً فإنّها اُلِّفت بيد أثيمة على ودايع العلم والدين، ولعلَّ في المذكور في كتابنا هذا وهو قليلٌ من كثير مقنعاً للحصول على العلم بنفسيّات الخليفة من شتّى نواحيه، ومبلغه من العلم، ومقداره من التقوى، ومداه من الرأي، ومآثره من ناحية ملكاته، وقد عرف كلَّ ذلك مَن عاصره وعاشره، فكانت كلمتهم في حقِّه واحدة، ورأيهم فيه فذّاً، وأعمالهم معه كلٌّ يشبه الآخر، ونحن نذكر لك نماذج ممّا لُفظ به من قول وعُمل به من فعل في ذلك الدور القاتم بالفجايع والفظايع فدونكها:
١- حديث أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب صلوات الله عليه
١ - من كلام لهعليهالسلام في معنى قتل عثمان: لو أمرت به لكنت قاتلاً، أو نهيت عنه لكنت ناصراً، غير انَّ من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله مَن أنا خيرٌ منه، و مَن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خيرٌ منِّي، وأنا جامعٌ لكم أمره: إستأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولِلَّه حكمٌ واقعٌ في المستأثر والجازع(١)
قال ابن أبي الحديد في الشرح ١: ١٥٨: قوله: غير أنَّ مَن نصره. معناه انَّ خاذليه كانوا خيراً من ناصريه، لأنَّ الذين نصروه كان أكثرهم فسّاقاً كمروان بن الحكم وأضرابه، وخذله المهاجرون والأنصار.
٢ - من كلام لهعليهالسلام قاله لابن عبّاس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصورٌ يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع فقالعليهالسلام :
يا ابن عبّاس! ما يريد عثمان إلّا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب(٢) اُقبل واُدبر بعث إليَّ أن أخرج ثمَّ بعث إليَّ أن أقدم، ثمَّ هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج، والله لقد دفعت عنه حتّى خشيت أن أكون آثماً(٣) .
٣ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٩٨ من طريق أبي حادة انَّه سمع عليّاً رضي الله عنه يقول وهو يخطب فذكر عثمان فقال: والله الذي لا إله إلّا هو ما قتلته، و
____________________
١ - نهج البلاغة ١: ٧٦.
٢ - الناضح: البعير يستقى عليه. الغرب: الدلو العظيمة.
٣ - نهج البلاغة ١: ٤٦٨.
لا ما لأت على قتله، ولا ساءني.
٤ - أخرج ابن سعد من طريق عمّار بن ياسر قال: رأيت عليّاً على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين قُتل عثمان وهو يقول: ما أحببت قتله ولا كرهته، ولا أمرت به ولا نهيت عنه. الأنساب للبلاذري ٥: ١٠١.
وأو عز شاعر أهل الشام كعب بن جعيل إلى قول الامامعليهالسلام بأبيات له ألا وهي:
وما في عليّ لمستعتب |
مقالٌ سوى ضمِّه المحدثينا |
|
وإيثاره اليوم أهل الذنوب |
ورفع القصاص عن القاتلينا |
|
إذا سيل عنه حذا شبهة(١) |
وعمّى الجواب على السائلينا |
|
فليس براضٍ ولا ساخطٍ |
ولا في النُهاة ولا الآمرينا |
|
ولا هو ساء ولا سرَّة |
ولا بدَّ من بعض ذا أن يكونا(٢) |
قال ابن أبي الحديد بعد ذكر الأبيات: ما قال هذا الشعر إلّا بعد أن نقل إلى أهل الشام كلام كثير لأمير المؤمنين في عثمان يجري هذا المجرى نحو قوله: ما سرَّني ولا ساءني، وقيل له: أرضيت بقتله؟ فقال: لم أرض، فقيل له: أسخطت قتله؟ فقال: لم أسخط. وقوله تارةً: ألله قتله وأنا معه. وقوله تارة اُخرى: ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله. وقوله تارةً اُخرى: كنت رجلاً من المسلمين أوردتُ إذا وردوا، و أصدرتُ إذا صدروا. ولكلِّ شيء من كلامه إذا صحَّ عنه تأويلٌ يعرفه اُولو الألباب.
٥ - أخرج أبو مخنف من طريق عبد الرحمن بن عبيد: انَّ معاوية بعث إلى عليّ حبيب من مسلمة الفهري وشرحبيل بن سمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه وأنا عنده (إلى أن قال بعد كلام حبيب وشرحبيل وذكر جواب مولانا أمير المؤمنين): فقالا أتشهد انَّ عثمان رضي الله عنه قُتل مظلوماً؟ فقال لهما: لا أقول ذلك. قالا: فمن لم يشهد انَّ عثمان قُتل مظلوماً فنحن منه بُرءآء. ثمَّ قاما فانصرفا فقال عليٌّ: إنَّك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصمَّ الدعاء إذا ولَّوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تُسمع إلّا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون.
____________________
١ - فى العقد الفريد: زوى وجهه.
٢ - كتاب صفّين لابن مزاحم ص ٦٣، العقد الفريد ٢: ٢٦٧، شرح ابن أبى الحديد ١: ١٥٨
كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ٢٧٧ واللفظ له، تاريخ الطبري ٦: ٤، الكامل لابن الأثير ٣: ١٢٥.
٦ - ذكر البلاذري في الأنساب ٥: ٤٤ في حديث قول عليّعليهالسلام لعثمان: يا عثمان! إنَّ الحق ثقيلٌ مَرئ، وإنَّ الباطل خفيفٌ وبئ، وإنَّك متى تُصدق تسخط ومتى تُكذب ترضَ.
٧ - كان عليٌّ كلّما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل إبنه الحسن إليه فلمّا أكثر عليه قال له: إنَّ أباك يرى أنَّ أحداً لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل، فكفَّ عنّا، فلم يبعث عليٌّ إبنه في شيء بعد ذلك، وذكروا أنَّ عثمان صلّى العصر ثمَّ خرج إلى عليّ يعوده في مرضه ومروان معه فرآه ثقيلاً فقال: أما والله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلّم بما اُريد أن أتكلّم به، والله ما أدري أيّ يوميك أحبّ إليَّ أو أبغض، أيوم حياتك؟ أو يوم موتك؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتاً يعدّك كهفاً، ويتَّخذك عضداً، ولئن متَّ لأفجعنَّ بك، فحظِّي منك حظّ الوالد المشفق من الولد العاقِّ، إن عاش عقَّه، وإن مات فجعه فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علماً نقف عليه ونعرفه، إمّا صديقٌ مُسالم، وإمّا عدوٌّ معاني، ولا تجعلني كالمختنق بين السَّماء والأرض، لا يرقى بيد ولا يهبط برجل، أما والله لِئن قتلتك لا اصيب منك خلفاً، ولئن قتلتني لا تصيب منِّي خلفاً، وما اُحبّ أن أبقى بعدك. قال مروان: إي والله، واُخرى انَّه لا ينال ما وراء ظهورنا حتّى تكسرَ رماحنا، وتقطع سيوفنا، فما خير العيش بعد هذا؟ فضرب عثمان في صدره وقال: ما يدخلك في كلامنا؟ فقال عليٌّ: إنِّي والله في شغل عن جوابكما ولكنِّي أقول كما قال أبو يوسف: فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون.
(العقد الفريد ٢: ٢٧٤، الإمامة والسياسة ١: ٣٠).
٨ - في كتاب لمولانا أمير المؤمنين يجيب به معاوية بن أبي سفيان قال: وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إيّاهم والبغي عليهم، فأمّا البغي فمعاذ الله أن يكون، وأمّا الكراهة لهم فوالله ما اعتذر للناس من ذلك، وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه فقد عمل عثمان بما قد علمت، وعمل به النّاس ما قد بلغك، فقد علمت أنِّي كنت من أمره في عزلة إلّا أن تجنّى فتجنَّ ما شئت، وأمّا ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم
إليك فإنِّي نظرتُ في هذا الأمر وضربتُ أنفه وعينه فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، وإن لم تنزع عن غيّك لنعرفنَّك عمّا قليل يطلبونك ولا يكلّفونك أن تطلبهم في سهل ولا جبل ولا برّ ولا بحر.
كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ١٠٢، العقد الفريد ٢: ٢٨٦، نهج البلاغة ٢: ١٠، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٤٠٩.
٩ - أخرج الطبري من طريق إسماعيل بن محمَّد: انَّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقام رجل فقال: أقم كتاب الله، فقال عثمان: اجلس فجلس حتّى قام ثلاثاً فأمر به عثمان فتحاثوا بالحصباء حتّى ما ترى السَّماء وسقط عن المنبر وحمل فاُدخل داره مغشيّاً عليه فخرج رجلٌ من حجاب عثمان ومعه مصحفٌ في يده وهو ينادي: إنَّ الذين فارقوا دينهم وكانوا شيَعاً لست منهم في شيء إنَّما أمرهم إلى الله. ودخل عليٌّ بن أبي طالب على عثمان رضي الله عنهما وهو مغشيٌّ عليه وبنو اُميَّة حوله، فقال: مالك يا أمير المؤمنين؟ فأقبلت بنو اُميَّة بمنطق واحد فقالوا: يا عليّ! أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين، أما والله لئن بلغت الَّذي تريد لتُمرنَّ عليك الدنيا. فقام عليٌّ مغضباً.
تاريخ الطبري ٥: ١١٣، الكامل لابن الأثير ٣: ٦٧.
١٠ - ذكر ابن قتيبة في الامامة والسياسة ١ ص ٤٢ في حديث مسائلة عمرو بن العاص راكباً: فقال له عمرو: ما الخبر؟ قال: قتل عثمان، قال: فما فعل الناس؟ فقال: بايعوا عليّاً. قال: فما فعل عليٌّ في قتلة عثمان؟ قال: دخل عليه وليد بن عقبة فسأله عن قتله فقال: ما أمرت ولا نهيت، ولا سرَّني ولا ساءني. قال: فما فعل بقتلة عثمان؟ فقال: آوى ولم يرضَ، وقد قال له مروان: إن لا تكن أمرت فقد تولَّيت الأمر، وإن لا تكن قتلت فقد آويت القاتلين، فقال عمرو بن العاص: خلط والله أبو الحسن.
١١ - روى الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عليّاًعليهالسلام على منبر الكوفة وهو يقول: يا أبناء المهاجرين! انفروا إلى أئمَّة الكفر، وبقيَّة الأحزاب وأولياء الشيطان، إنفروا إلى مَن يقاتل على دم حمّال الخطايا، فوالله الّذي
فلق الحبَّة وبرأ النسمة انَّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقض من أوزارهم شيئا(١) .
قال الأميني: طعن ابن أبي الحديد في هذا الحديث بمكان قيس(٢) بن أبي حازم وقال: هو الذي روى حديث انَّكم لترون ربَّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، وقد طعن مشايخنا المتكلّمون فيه وقالوا: إنَّه فاسقٌ ولا تُقبل روايته لأنَّه قال: إنِّي سمعت عليّاً يخطب على منبر الكوفة ويقول: انفروا إلى بقيَّة الأحزاب. فأبغضته ودخل بغضه في قلبي ومَن يبغض عليّاًعليهالسلام لا تقبل روايته. ثمَّ حمله على فرض الصحَّة على إرادة معاوية من قوله: حمّال الخطايا فقال: لأنَّهم يحامون عن دمه، ومَن حامى عن دم إنسان فقد قاتل عليه. ا هـ.
ألا مُسائل الرجل عن انَّ رواية حديث الرؤية أيُّ منقصة وحزازة فيها وقد أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في مسنده؟ فهل طعن أحدٌ في أولئك الأئمَّة لروايتهم إيّاها؟
ثمَّ لو كان مَن أبغض عليّاًعليهالسلام فاسقاً غير مقبول الرواية - كما هو الحقُّ - فما قيمة الصحاح عندئذ في سوق الإعتبار؟ وما أكثر فيها من الرواية عن مناوئي أمير المؤمنين ومنهم نفس الرجل (قيس بن أبي حازم) فقد أخرج أئمَّة الصحاح أحاديث من طريقه و هو من رجالهم.
على أنَّ علماء الفنِّ من القوم مع قولهم بأنَّه كان يحمل على عليّ نصوّا على ثقة الرجل وقالوا: متقن الرواية، والحديث عنه من أصحِّ الإسناد، وقال ابن خراش: كوفيٌّ جليلٌ. وقال ابن معين: ثقةٌ. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن حجر: أجمعوا على الذهبي الإحتجاج به ومن تكلّم فيه فقد آذى نفسه.
(راجع تهذيب التهذيب ٨: ٣٨٦)
وأمّا تأويل: (حمّال الخطايا) بإرادة معاوية منه فمن التافه البعيد عن سياق العربيَّة نظير تأويل معاوية الحديث الوارد في عمّار من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تقتلك الفئة الباغية.
١٢ - كان مولانا أمير المؤمنين يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم و
____________________
١ - شرح ابن ابى الحديد ١: ١٧٩.
٢ - من رجال الصحيحين: البخارى ومسلم.
يستنفرهم إلى أهل الشام فقال له الأشعث بن قيس: هلّا فعلت فعل ابن عفان؟ فقال له: إنَّ فعل ابن عفّان لمخزاةٌ على من لا دين له ولا وثيقة معه، إنَّ امرأ أمكن عدوّه من نفسه يهشم عظمه ويفري جلده لضعيفٌ رأيه، مأفونٌ عقله، أنت فكن ذاك، إن أحببت فأمّا أنا فدون أن اعطي ذاك ضرب بالمشرفيَّة الفصل(١) .
١٣ - من كتاب لهعليهالسلام كتبه إلى أهل مصر لَمّا ولّى عليهم الأشتر:
من عبد الله عليٍّ أمير المؤمنين: إلى القوم الذين غضبوا لِلَّه حين عُصي في أرضه وذُهب بحقِّه، فضرب الجور سرادقه على البرِّ والفاجر، والمقيم والظاعن، فلا معروف يُستراح إليه، ولا منكرٌ يُتناهى عنه(٢) .
قال ابن أبي الحديد في شرحه ٣: ٥٨: هذا الفصل يشكل عليَّ تأويله لأنَّ أهل مصرُهم الذين قتلوا عثمان، وإذا شهد أمير المؤمنينعليهالسلام انَّهم غضبوا لِلَّه حين عُصي في الأرض، فهذه شهادةٌ قاطعةٌ على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر. ثمَّ تأوَّله بما رآه تعسّفاً، والتعسّف لا يغني عن الحقِّ شيئاً ولا تتمُّ به الحجَّة.
هَبْ ابن أبي الحديد تعسّف هاهنا وتأوَّل فما يصنع ببقيَّة كلمات مولانا أمير المؤمنين وكلمات ساير الصحابة لدة هذه الكلمة وهي تربو على مئات؟ فهل يسعنا أن نكون عسوفاً في كلِّ ذلك؟ سل عنه خبيراً.
١٤ - من كلام لأمير المؤمنين قاله لعثمان لَمَّا اجتمع الناس إليه وشكوا إليه ما نقموه على عثمان فدخلعليهالسلام عليه فقال:
إنَّ الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلو نا بشيء فنبلّغكه وقد رأيتَ كما رأينا، وسمعتَ كما سمعنا وصحبت رسول الله كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحقِّ منك، وأنت أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشيجة رحم منهما، وقد نلتَ من صهره ما لم ينالا، فالله الله في نفسك فانَّك والله ما تُبصَّر من عمىً، ولا تُعلّم من جهل، وإنَّ الطرق
____________________
١ - شرح ابن ابى الحديد ١: ١٧٨.
٢ - تاريخ الطبرى ٦: ٥٥، نهج البلاغة، ٢: ٦٣، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٩.
لواضحةٌ، وإنَّ أعلام الدين لقائمة، فاعلم أنَّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادل، هُدي وهَدى، فأقام سنَّةً معلومةً، وأمات بدعةً مجهولةً، وإنَّ السنن لنيِّرةٌ لها أعلامٌ، وإنَّ البدع لظاهرةٌ لها أعلام، وأن شرَّ الناس عند الله إمامٌ جائرٌ، ضَلَّ وضُلَّ به، فأمات سنَّةً مأخوذةً، وأحيا بدعةً متروكةً، وانِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصيرٌ ولا عاذرٌ فيُلقى في نار جهنَّم فيدور فيها كما تدور الرحى ثمَّ يرتبط في قعرها، وإنِّي أُنشدك الله أن تكون إمام هذه الاُمَّة المقتول فإنَّه كان يُقال: يُقتل في هذه الاُمَّة إمامٌ يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويُلبِّس اُمورها عليها، ويُثبِّت الفتن فيها، فلا يبصرون الحقَّ من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا، فلا تكوننَّ لمروان سيِّقةً يسوقك حيث شاء بعد جُلال السنِّ و تقضّي العمر، فقال له عثمان: كلّم الناس في أن يؤجِّلوني حتى أخرج اليهم من مظالمهم فقالعليهالسلام : ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك اليه(١) .
تاريخ الطبري ٥: ٩٦، الأنساب للبلاذري ٥: ٦٠، نهج البلاغة ١: ٣٠٣، الكامل لإبن الأثير ٣: ٦٣، تاريخ ابن كثير ٧: ١٦٨.
١٥ - أخرج ابن السمّان من طريق عطاء إنَّ عثمان دعا عليّاً فقال: يا أبا الحسن! إنَّك لو شئت لاستقامت عليَّ هذه الاُمَّة فلم يخالفني واحدٌ. فقال عليُّ: لو كانت لي أموال الدنيا وزخرفها ما استطعت أن أدفع عنك أكفَّ الناس، ولكنّي سأدلّك على أمر هو أفضل ممّا سألتني: تعمل بعمل أخويك أبي بكر وعمر، وأنا لك بالناس لا يخالفك أحدٌ
(الرياض النضرة ٢: ١٢٩)
١٦ - من خطبة لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام الشقشقيَّة قوله: إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى انكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكتب به بطنته.
مرَّت مصادر هذه الخطبة في الجزء السابع ص ٨٢ - ٨٥ ط ٢.
١٧ - قال ابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٢: ٢٦٧: قال حسّان بن ثابت لعليّ: إنَّك تقول: ما قتلتُ عثمان ولكن خذلته، ولا آمر به ولكن لم أنه عنه، فالخاذل
____________________
١ - سيأتى تمام الحديث فى صور توبة الخليفة وحنثه ايّاها مرّة بعد اخرى.
شريك القاتل، والساكت شريك القاتل.
١٨ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ١٣ من طريق عبد الله بن عباس قال: إنَّ عثمان شكا عليّاً إلى العبّاس فقال له: يا خال؟ إنَّ عليّاً قد قطع رحمي، وألّب الناس إبنك، والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب! أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحقُّ أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليه. قال عبد الله بن العبّاس: فأطرق أبي طويلاً ثمَّ قال: يا ابن أخت؟ لئن كنت لا تحمد عليّاً فما يُحمدك له، وإنَّ حقّك في القرابة والإمامة للحقُّ الذي لا يُدفع ولا يُجحد، فلو رقيت فيما تطأطأ أو تطأطأت فيما رقى تقاربتما، وكان ذلك أوصل وأجمل، قال: قد صيَّرت الأمر في ذلك إليك فقرِّب الأمر بيننا. قال: فلمّا خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه فلمّا رجع قال: يا خال! اُحبّ أن تؤخِّر النظر في الأمر الذي ألقيت إليَّ حتّى أرى من رأيي، فخرج أبي من عنده ثمَّ التفت إليَّ فقال: يا بُنيَّ ليس إلى هذا الرجل من أمره شيءٌ، ثمَّ قال: أللهمَّ أسبق بي الفتن ولا تبقني إلى ما لا خير لي في البقاء اليه. فما كانت جمعة حتى هلك.
١٩ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ١٤ من طريق صهيب مولى العبّاس: إنَّ العبّاس قال لعثمان: اُذكّرك الله في أمر ابن عمّك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد بلغني انَّك تريد أن تقوم به وبأصحابه، فقال: أوَّل ما اُجيبك به أنّي قد شفعتك، انَّ عليّاً لو شاء لم يكن أحدٌ عندي إلّا دونه ولكنَّه أبى إلّا رأيه، ثمَّ قال لعليّ مثل قوله لعثمان، فقال عليٌّ: لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت.
٢٠ - من كتاب لأمير المؤمنينعليهالسلام إلى معاوية: أمّا بعد: فوالله ما قتل ابن عمّك غيرك، وإنّي لأرجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته.
(العقد الفريد ٢: ٢٢٣، وفي ط ٢٨٥).
ولا تنس في الختام قول حسّان بن ثابت:
صبراً جميلاً بني الأحرار لا تهنوا |
قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا |
|
يا ليت شعري وليت الطير تُخبرني |
ما كان شأن عليّ وابن عفّانا |
لتسمعنَّ وشيكاً في دياركُم |
ألله أكبر يا ثارات عثمانا(١) |
قال الأميني: يُعطينا الأخذ بمجامع هذه الأحاديث انَّ الإمامعليهالسلام ما كان يرى الخليفة إمام عدل يسوءه قتله، أو يهمّه أمره يُسخطه التجمهر عليه، بل كان يعتزل عن أمره ويخشى أن يكون آثماً إن دؤب على الدفاع عنه، ولا يرى الثائرين عليه متحوِّبين في نهضتهم وإلّا لساءه ذلك فضلاً عن أن يسكت عنهم، أو يطريهم كما سمعته من كتابه إلى اهل مصر، أو يرى الخاذلين له خيراً ممَّن نصره، ولو كان يراه إمام عدل فأقلّ المراتب أن يقول: إنَّ ناصره خيرٌ من خاذله. بل الشأن هذا في أفراد المسلمين العدول من الرعيَّة فضلاً عن إمامها.
وحديث شكاية عثمان إلى عمّه العبّاس المتوفّى سنة ٣٢ يُعلمنا بأنَّ الخلاف والتشاجر بينهما كانا قبل تجمهر الثائرين عليه في أواسط أيّام خلافته قبل وفاته بأعوام وقول أمير المؤمنين له: لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت. فيه إيعازٌ إلى أنَّ إنكارهعليهالسلام على الرجل لم يكن قطّ في الملك، وما كان يرضى بشقِّ عصا المسلمين بالخلاف عليه في أمره، وإنَّما كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يك يرى لنفسه بُدًّا من ذلك.
ولو أمعنت النظر فيما سردناه من ألفاظه الدريَّة لا نفتح عليك أبواب من رأي الإمامعليهالسلام في الخليفة لم نوعز إليها، ويُعرب عن رأيه فيه ما مرَّ في ج ٨ ص ٢٨٧ ط ٢ من خطبة لهعليهالسلام خطبها في اليوم الثاني من بيعته من قوله: ألا إنَّ كلَّ قطيعة أقطعها عثمان. وكلَّ مال أعطاه من مال الله فهو مردودٌ في بيت المال. فلو كان الرجل إمام عدل عند الإمامعليهالسلام لكان أخذه وردُّه وقطعه وعطاءه حجَّة لا يتطرَّق إليها الردُّ، ولكن...
١حديث عائشة
بنت أبي بكر اُمّ المؤمنين
١ - قال ابن سعد: لَمّا حُصر عثمان كان مروان يُقاتل دونه أشدَّ القتال، و أرادت عائشة الحجَّ وعثمان محصورٌ فأتاها مروان وزيد بن ثابت و عبد الرّحمن بن عتاب
____________________
١ - أنساب البلاذري ٥: ١٠٤.
فقالوا: يا اُمَّ المؤمنين! لو أقمت فانَّ أمير المؤمنين على ما ترين محصورٌ ومقامك ممّا يدفع الله به عنه. فقالت: قد حلبت ظهري، وعرّيت غرائري، ولست أقدر على المقام فأعادوا عليها الكلام فأعادت عليهم مثل ما قالت لهم، فقام مروان وهو يقول:
وحرَّق قيسٌ عليَّ البلا |
د حتَّى إذا استعرت أجذما |
فقالت عائشة: أيُّها المتمثِّل عليَّ بالأشعار وددتُ والله إنَّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كلّ واحد منكما رَحاً وإنّكما في البحر، وخرجت إلى مكّة وفي لفظ البلاذري: لَمّا اشتدَّ الأمر على عثمان أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن عتاب بن اسيد فأتيا عائشة وهي تريد الحجَّ فقالا لها: لو أقمتِ فلعلَّ الله يدفع بكِ عن هذا الرجل. فقالت: قد قرنتُ ركابي وأوجبتُ الحجَّ على نفسي، ووالله لا أفعل. فنهض مروان وصاحبه ومروان يقول:
وحرَّق قيسٌ عليَّ البلا |
د حتّى إذا اضطرمت أجذما |
فقالت عائشة: يا مروان! وودت والله انَّه في غرارة(١) من غرائري هذه وأنِّي طوَّقت حمله حتَّى اُلقيه في البحر.
٢ - مرَّ عبد الله بن عبّاس بعائشة وقد ولّاه عثمان الموسم وهي بمنزل من منازل طريقها فقالت: يا ابن عبّاس؟ إنَّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردَّ الناس عن هذا الطاغية. أخرجه البلاذري.
وفي لفظ الطبري: خرج ابن عبّاس فمرَّ بعائشة في الصلصل(٢) فقالت: يا ابن عبّاس! انشدك الله فإنَّك قد اُعطيت لساناً إزعيلا أن تخذّل عن هذا الرجل وأن تشكّك فيه النّاس، فقد بانت لهم بصائرهم وانهجت ورفعت لهم المنار وتجلّبوا من البلدان لأمر قد جمّ، وقد رأيت طلحة بن عبد الله قد اتَّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فإن يلِ يسير بسيرة ابن عمِّه أبي بكر رضي الله عنه. قال: قلت: يا اُمَّه! لو حدث بالرجل حدثٌ ما فزع النّاس إلّا إلى صاحبنا.
فقالت: أيهاً عنك إنِّي لست اُريد مكابرتك ولا مجادلتك. وحكاه ابن أبي الحديد عن تاريخ الطبري في شرح النهج غير انَّ فيه:
____________________
١ - الغرارة بكسر المعجمة: الجوالق.
٢ - صلصل بالضم والتكرير: موضع بنواحي المدينة على سبعة أميال منها.
فقالت يا ابن عبّاس! انشدك الله فإنَّك قد اُعطيت فهماً ولساناً عقلاً أن لا تخذِّل النّاس عن طلحة فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان، واتهجت ورفعت لهم المنابر وتجلّبوا من البلدان لأمر عظيم قد حمّ، وانَّ طلحة قد اتخَّذ رجالاً على بيوت الأموال، وأخذ مفاتيح الخزائن، وأظنّه يسير إنشاء الله بسيرة ابن عمِّه أبي بكر. الحديث.
٣ - كانت عائشة واُمّ سلمة حجَّتا ذلك العام (عام قتل عثمان) وكانت عائشة تؤلِّب على عثمان فلمّا بلغها أمره وهي بمكّة أمرت بقبّتها فضربت في المسجد الحرام وقالت: إنِّي أرى عثمان سيشأم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدر. رواه البلاذري.
٤ - أخرج عمر بن شبة من طريق عبيد بن عمرو القرشي قال: خرجت عائشة رضي الله عنها وعثمان محصورٌ فقدم عليها مكّة رجلٌ يقال له: أخضر، فقالت: ما صنع الناس؟ فقال: قتل عثمان المصريِّين. قالت: إنّا لِلَّه وإنّا إليه راجعون، أيقتل قوماً جاؤا يطلبون الحقَّ ويُنكرون الظلم؟ والله لا نرضى بهذا. ثمَّ قدم آخر فقالت: ما صنع النّاس؟ قال: قتل المصريُّون عثمان، قالت. العجب لأخضر زعم انَّ المقتول هو القاتل فكان يضرب به المثل: أكذب من أخضر. وأخرجه الطبري.
٥ - مرَّ في الجزء الثامن صفحة ١٢٣ ط ٢: أن الشهود على الوليد بن عقبة بشربه الخمر استجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة فقال: أما تجد مرّاق أهل العراق وفسّاقهم ملجأ إلّا بيت عائشة. فسمعت فرفعت نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقالت: تركت سنَّة رسول الله صاحب هذا النعل. ألحديث فراجع.
٦ - أسلفنا في هذا الجزء صفحة ١٦ في مواقف عمّار: انَّ عائشة لَمّا بلغها ما صنع عثمان بعمار فغضبت وأخرجت شعراً من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وثوباً من ثيابه ونعلاً من نعاله ثمَّ قالت: ما أسرع ما تركتم سنَّة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعدُ؟ فغضب عثمان غضباً شديداً حتّى ما درى ما يقول. ألحديث.
وقال أبو الفدا: كانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه وكانت تخرج قميص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشعره وتقول: هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بُلي دينه.
٧ - وفي كتاب لأمير المؤمنينعليهالسلام كتبه لَمّا قارب البصرة إلى طلحة والزبير و عائشة: وأنتِ يا عائشة فإنَّكِ خرجتِ من بيتكِ عاصيةً لِلَّه ولرسوله تطلبين أمراً كان
عنك موضوعاً، ثمَّ تزعمين انّكِ تريدين الإصلاح بين المسلمين، فخبّريني ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال، والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحرَّمة؟ ثمَّ أنَّك طلبتِ على زعمكِ دم عثمان وما أنتِ وذاك؟ عثمان رجلٌ من بني اُميَّة وأنتِ من تيم، ثمَّ بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر، ثمَّ تطلبين اليوم بدمه؟ فاتَّقي الله وارجعي إلى بيتك، واسبلى عليكِ ستركِ، والسَّلام.
٨ - أخرج الطبري وابن قتيبة: انَّ غلاماً من جهينة اًقبل على محمّد بن طلحة (يوم الجمل) وكان محمَّد رجلاً عابداً فقال: أخبرني عن قتلة عثمان فقال: نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث: ثلتٌ على صاحبة الهودج يعني عائشة، وثلثٌ على صاحب الجمل الأحمر يعني طلحة، وثلثٌ على عليِّ بن أبي طالب. وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال ولحق بعليّ وقال: في ذلك شعراً:
سألت ابن طلحة عن هالك |
بجوف المدينة لم يُقبرِ؟ |
|
فقال: ثلاثة رهطٍ هُمُ |
أماتوا ابن عفّان واستعبرِ |
|
فثلثٌ على تلك في خِدرها |
وثلثٌ على راكب الأحمرِ |
|
وثلثٌ على بن أبي طالب |
ونحن بدويَّةٍ قرقرِ |
|
فقلت: صدقت على الأوَّلين |
وأخطأت في الثالث الأزهرِ |
٩ - أخرج الطبري من طريقين: انَّ عائشة رضي الله عنها لمـّا انتهت إلى سَرِف(١) راجعةً في طريقها إلى مكّة لقيها عبد بن اُم كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى اُمّه فقالت له: مهيمْ؟ قال: قتلوا عثمان رضي الله عنه فمكثوا ثمانياً. قالت: ثمَّ صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالإجتماع فجازت بهم الاُمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على عليِّ بن أبي طالب. فقالت: والله ليت إنَّ هذه انطبقت على هذه إن تمَّ الأمر لصاحبك ردُّوني ردُّوني. فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قُتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنَّ بدمه. فقال لها ابن اُمِّ كلاب: ولِمَ؟ فوالله انَّ أوَّل من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر(٢) . قالت: إنَّهم استتابوه ثمَّ قتلوه، وقد
____________________
١ - سرف بالفتح ثم الكسر: موضع على ستة أميال من مكة.
٢ - فى لفظ ابن قتيبة: فجر.
_٥_
قلت وقالوا وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوَّل. فقال لها ابن اُم كلاب(١) .
منكِ البداء ومنكِ الغِيَرْ |
ومنكِ الرياح ومنكِ المطَرْ |
|
وأنتِ أمرتِ بقتل الإمام |
وقلتِ لنا: إنَّه قد كفرْ |
|
فهبنا أطعناكِ في قتله |
وقاتله عندنا من أمرْ |
|
ولم يسقط السقف من فوقنا |
ولم ينكسف شمسنا والقمرْ |
|
وقد بايع النّاس ذا تُدرإ |
يزيل الشبا ويُقيم الصَّعَرْ |
|
ويلبس للحرب أثوابها |
وما من وفى مثلُ من قد غدرْ |
فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فستَّرت واجتمع اليها الناس فقالت: يا أيُّها الناس! إنَّ عثمان رضي الله عنه قُتل مظلوماً ووالله لأطلبنَّ بدمه.
١٠ - قال أبو عمر صاحب الاستيعاب: إنَّ الأحنف بن قيس كان عاقلاً حليماًذا دين وذكاء وفصاحة ودهاء، لَمّا قدمت عائشة البصرة أرسلت إلى الأحنف بن قيس فأبى أن يأتيها ثمَّ أرسلت اليه فأتاها فقالت: ويحك يا أحنف! بمَ تعتذر إلى الله من ترك جهاد قتلة أمير المؤمنين! عثمان رضي الله عنه؟ أمن قلّة عدد؟ أو أنَّك لا تُطاع في العشيرة؟ قال: يا اُم المؤمنين! ما كبرت السنُّ ولا طال العهد وإنَّ عهدي بكِ عام أوّل تقولين فيه وتنالين فيه. قالت: ويحك يا أحنف! إنَّهم ماصوه موص الإناء ثمَّ قتلوه. قال: يا اُم المؤمنين! إنِّي آخذٌ بأمركِ وأنتِ راضية، وأدعه وأنت ساخطة.
١١ - أخرج ابن عساكر من طريق أبي مسلم انَّه قال لأهل الشام وهم ينالون من عائشة في شأن عثمان، يا أهل الشام! أضرب لكم مثلكم ومثل امّكم هذه: مثلها و مثلكم كمثل العين في الرأس تؤذي صاحبها ولا يستطيع أن يعاقبها إلّا بالذي هو خيرٌ لها.
١٢ - قال ابن أبي الحديد: قال كلُّ من صنَّف في السير والأخبار: إنَّ عائشة كانت من أشدِّ الناس على عثمان حتّى أنَّها أخرجت ثوباً من ثياب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين اليها: هذا ثوب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبل و عثمان قد أبلى سنَّته. قالوا: أوَّل من سمّى عثمان نعثلاً عائشة، وكانت تقول: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلا.
____________________
١ - فى لفظ ابن قتيبة: عذر والله ضعيف، يا ام المؤمنين. ثم ذكر الابيات.
١٣ - روى المدائني في كتاب الجمل قال: لَمّا قُتل عثمان كانت عائشة بمكّة وبلغ قتله إليها وهي بشراف فلم تشكّ في أنَّ طلحة هو صاحب الأمر وقالت: بُعداً لنعثل وسحقاً، ايه ذا الإصبع! ايه أبا شبل! ايه يا ابن عمّ! لكأنِّي أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له، حثوا الابل ودعدعوها. قال: قد كان طلحة حين قُتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثمَّ فسد أمره فدفعها إلى عليِّ بن أبي طالب.
١٤ - قال أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي في كتابه: إنَّ عائشة لَمّا بلغها قتل عثمان وهي بمكّة أقبلت مسرعة وهي تقول: ايه ذا الإصبع لله أبوك، أما انَّهم وجدوا طلحة لها كفواً، فلمَّا انتهت إلى شراف(١) استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي فقالت له: ما عندك؟ قال: قُتل عثمان. قالت: ثمَّ ماذا؟ قال: ثمَّ حارت بهم الاُمور إلى خير محار، بايعوا عليّاً. فقالت: لوددت أنَّ السماء انطبقت على الأرض إن ثمَّ هذا، ويحك انظر ماذا تقول. قال: هو ما قلت لك يا اُمَّ المؤمنين! فولولت. فقال لها: ما شأنكِ يا اُمَّ المؤمنين؟ والله ما أعرف بين لابتيها أحداً أولى بها منه ولا أحقّ، ولا أرى له نظيراً في جميع حالاته، فلماذا تكرهين ولايته؟ قال: فما ردَّت عليه جواباً.
وقد روي من طرق مختلفة: انَّ عائشة لَمّا بلغها قتل عثمان وهي بمكّة قالت: أبعده الله، ذلك بما قدَّمت يداه وما الله بظلّام للعبيد.
١٥ - قال: وقد روى قيس بن أبي حازم: انَّه حجَّ في العام الذي قُتل فيه عثمان وكان مع عائشة لَمّا بلغها قتله فتحمَّل إلى المدينة قال: فسمعها تقول في بعض الطريق ايه ذا الإصبع. وإذا ذكرت عثمان قالت: أبعده الله. حتّى أتاها خبر بيعة عليّ فقالت: لوددت أنَّ هذه وقعت على هذه. ثمَّ أمرت بردِّ ركائبها إلى مكّة فرددت معها ورأيتها في سيرها إلى مكّة تخاطب نفسها كأنَّها تخاطب أحداً: قتلوا ابن عفان مظلوماً. فقلت لها: يا اُمَّ المؤمنين! ألم أسمعك آنفاً تقولين أبعده الله؟ وقد رأيتكِ قبلُ أشدَّ الناس عليه وأقبحهم فيه قولاً، فقالت: لقد كان ذلك ولكنّي نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتَّى إذا تركوه كالفضّة البيضاء أتوه صائماً محرماً في شهر حرام فقتلوه.
١٦ - قال: وروي من طرق اُخرى: أنّها قالت لَمّا بلغها قتله: أبعده الله قتله ذنبه،
____________________
١ - راجع صفحة ٢٣٦ من الجزء الثامن، وص ٨٠ من هذا الجزء.
وأقاده الله بعمله، يا معشر قريش! لا يسومنَّكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه، إنَّ أحقَّ النّاس بهذا الأمر ذو الإصبع. فلمّا جاءت الأخبار ببيعة عليّعليهالسلام قالت: تعسوا لا يردُّون الأمر في تيم أبداً. كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكّة كتباً أن خذِّلي النّاس عن بيعة عليّ، وأظهري الطلب بدم عثمان. وحملا الكتب مع ابن اختها عبد الله بن الزبير، فلمّا قرأت الكتب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان، وكانت اُمّ سلمة رضي الله عنها بمكّة في ذلك العام فلمّا رأت صنع عائشة قابلتها بنقيض ذلك وأظهرت موالاة عليّعليهالسلام ونصرته على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الضرَّتين.
١٧ - قال أبو محنف: جاءت عائشة إلى اُمِّ سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي اُميَّة أنت أوَّل مهاجرة من أزواج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنت كبيرة اُمَّهات المؤمنين، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك. فقالت اُمّ سلمة: لأمرٍ ما قلتِ هذه المقالة؟ فقالت عائشة: إنَّ عبد الله أخبرني أنّ القوم استتابوا عثمان فلمّا تاب قتلوه صائماً في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعلَّ الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا. فقالت: أنا اُمّ سلمة، إنّكِ كنت بالأمس تحرِّضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان إسمه عندكِ إلّا نعثلاً، وإنَّكِ لتعرفين منزلة عليَّ بن أبي طالب عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ألحديث(١) .
١٨ - روى ابن عبد ربِّه عن العتبي قال: قال رجلٌ من بني ليث: لقيت الزبير قادماً فقلت: يا أبا عبد الله ما بالك؟ قال: مطلوبٌ مغلوبٌ يغلبني إبني ويطلبني ذنبي، قال: فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقّاص فقلت: أبا إسحاق! مَن قتل عثمان؟ قال: قتله سيف سلّته عائشة، شحَّذه طلحة، وسمَّه عليٌّ. قلت: فما حال الزبير؟ قال: أشار بيده وصمت بلسانه.
وفي الإمامة والسياسة: كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقّاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولّى كبره، فكتب إليه سعد: إنَّك سألتني من قتل عثمان، وإنِّي اُخبرك إنَّه قُتل بسيف سلّته عائشة، وصقَّله طلحة، وسمَّه ابن أبي طالب، و
____________________
١ - فيه فوائد جمّة لا تفوت الباحث وعليه به.
سكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه، ولكن عثمان غيَّر وتغيَّر وأحسن وأساء، فإن كنّا أحسنّا فقد أحسنّا، وإن كنّا أسأنا؟ فنستغفر الله، واُخبرك أنَّ الزبير مغلوبٌ بغلبة أهله وبطلبه بذنبه، وطلحة لو يجد أن يشقَّ بطنه من حبِّ الإمارة لشقَّه.
١٩ - وقال ابن عبد ربِّه: دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أبا عبد الله! لو رأيتني يوم الجمل قد انفذت النصل هودجي حتّى وصل بعضها إلى جلدي. قال لها المغيرة: وددت والله إنَّ بعضها كان قتلك. قالت: يرحمك الله ولِمَ تقول هذا؟ قال لعلّها تكون كفّارةً في سعيكِ على عثمان. قالت: أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله إنِّي أردت قتله، ولكن علم الله إنِّي أردت أن يُقاتل فقوتلت، وأردت أن يُرمى فرُميت، وأردت أن يُعصى فعصيت، ولو علم منِّي أنِّي أردت قتله لقُتلت.
٢٠ - وروى ابن عبد ربّه عن أبي سعيد الخدري قال: إنَّ ناساً كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكّة فمرَّ بنا عثمان فما بقي أحدٌ من القوم إلّا لعنه غيري فكان فيهم رجلٌ من أهل الكوفة فكان عثمان على الكوفة أجرأ منه على غيره فقال: يا كوفي! أتشتمني؟ فلمّا قدم المدينة كان يتهدِّده قال: فقيل له: عليك بطلحة، قال: فانطلق معه حتّى دخل على عثمان فقال عثمان: والله لأجلدنَّه مائة سوط. قال طلحة: والله لا تجلده مائة إلّا أن يكون زانياً. قال: والله لأحرمنَّه عطاءه. قال: الله يرزقه.
٢١ - قال ابن الأثير والفيروز آبادي وابن منظور والزبيدي: النعثل الشيخ الأحمق ونعثل يهوديٌّ كان بالمدينة. قيل شبّه به عثمان رضي الله عنه كما في التبصير، ونعثل رجلٌ من أهل مصر كان طويل اللحية، قال أبو عبيد: كان يشبه عثمان، وشاتموا عثمان يسمّونه نعثلاً، وفي حديث عثمان انَّه كان يخطب ذات يوم فقام رجلٌ فنال منه فوذأه ابن سلام فاتَّذأ فقال له رجلٌ: لا يمنعنك مكان ابن سلام أن تسبَّ نعثلاً فإنَّه من شيعته، وكان أعداء عثمان يسمّونه نعثلاً، وفي حديث عائشة: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً. تعني عثمان، وكان هذا منها لمـّا غاضبته وذهبت إلى مكّة، وفي حياة الحيوان: النعثل كجعفر: الذكر من الضباع وكان أعداء عثمان يسمّونه نعثلاً.
٢٢ - روى البلاذري في الأنساب قال: خرجت عائشة رضي الله تعالى عنه باكية
تقول: قُتل عثمان رحمه الله. فقال لها عمّار بن ياسر: أنتِ بالأمس تحرِّضين عليه ثمَّ أنت اليوم تبكينه.
راجع طبقات ابن سعد ٥: ٢٥ ط ليدن، انساب البلاذري ٥: ٧٠، ٧٥، ٩١، الإمامة والسياسة ١: ٤٣، ٤٦، ٥٧، تاريخ الطبري ٥: ١٤٠، ١٦٦، ١٧٢، ١٧٦، العقد الفريد ٢: ٢٦٧، ٢٧٢، تاريخ ابن عساكر ٧: ٣١٩، الاستيعاب ترجمة الأحنف صخر بن قيس، تاريخ ابي الفدا ج ١: ١٧٢، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٧٧، ٥٠٦، تذكرة السبط ص ٣٨، ٤٠، نهاية ابن الأثير ٤: ١٦٦، اسد الغابة ٣: ١٥: الكامل لابن الأثير ٣: ٨٧، القاموس ٤: ٥٩، حياة الحيوان ٢: ٣٥٩، السيرة الحلبيَّة ٣: ٣١٤، لسان العرب ١٤: ١٩٣، تاج العروس ٨: ١٤١.
قال الأميني: هذه الروايات تُعطينا درساً ضافياً بنظريَّة عائشة في عثمان وإنَّها لم تكن ترى له جدارة تسنُّم ذلك العرش، وبالغت في ذلك حتّى ودَّت إزالته عن مستوى الوجود. فأحبَّت له أن يُلقى في البحر وبرجله رحىً تجرّه إلى أعماقه، أو أنَّه يُجعل في غرارة من غرائرها وتشدُّ عليه الحبال فيقذف في عباب اليمِّ فيرسب فيه من غير خروج، أو أن يودي به حراب المتجمهرين عليه فتكسح عن الملأ معرَّة اُحدوثاته، ولذلك كانت تُثير الناس عليه بإخراج شعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وثوبه ونعله، ولم تبرح تؤلِّب الملأ الدينيَّ عليه وتحثهم على مقته وتخذِّلهم عن نصرته في حضرها سفرها، وإنَّها لم تعدل عن تلكم النظريَّة حتّى بعد ما اُجهز على عثمان إلّا لمـّا علمت من انفلات الأمر عن طلحة الذي كانت عائشة تتهالك دون تأميره وتضمر تقديمه منذ كانت تُرهج النقع على عثمان، وتهيِّج الاُمَّة على قتله، فكانت تُروم أن تعيد الإمرة تيميَّة مرَّة اُخرى، و لعلّها حجَّت لبثِّ هاتيك الدعاية في طريقها وعند مجتمع الحجيج بمكّة، فكان يُسمع منها قولها في طلحة: ايه ذا الاصبع! ايه أبا شبل! ايه يا ابن عمّ! لكأنِّي أنظر إلى اصبعه وهو يبايع له، وقولها: ايه ذا الإصبع! لِلَّه أبوك، أما انَّهم وجدوا طلحة لها كفواً.
وقولها في عثمان: اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر وقولها لابن عبّاس: إيّاك أن تردَّ الناس عن هذا الطاغية، وقولها بمكّة: بُعداً لنعثل وسحقاً، وقولها لَمّا بلغها قتله: أبعده الله، ذلك ما قدمت يداه وما الله بظلّام للعبيد.
لكنّها لَمّا علمت أنَّ خلافة الله الكبرى عادت علويَّة واستقرَّت في مقرِّها الجدير بها - ولم يكن لها مع أمير المؤمنينعليهالسلام هوى - قلبت عليها ظهر المجنِّ، فطفقت تقول: لوددت انَّ السَّماء إنطبقت على الأرض إن تمَّ هذا، وأظهرت الأسف على قتل عثمان ورجعت إلى مكّة بعد ما خرجت منها، ونهضت ثائرةً تطلب بدم عثمان لعلّها تجلب الإمرة إلى طلحة من هذا الطريق، وإلّا فما هي من أولياء ذلك الدم، وقد وُضع عنها قود العساكر ومباشرة الحروب، لأنَّها امرأة خلقها الله لخدرها، وقد نهيت كبقيَّة نساء النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم خاصَّة عن التبرُّج، وقد أنذرها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحذَّرها عن خصوص واقعة الجمل، غير أنَّها أعرضت عن ذلك كلّه لما ترجَّح في نظرها من لزوم تأييد أمر طلحة، وتصاممت عن نبح كلاب الحوأب، وقد ذكره لها الصّادق الأمين عند الإنذار والتحذير، ولم تزل يقودها الأمل حتّى قُتل طلحة فألمـَّت بها الخيبة، وغلب أمر الله وهي كارهة.
٣ - حديث عبد الرحمن بن عوف
أحد العشرة المبشَّرة، شيخ الشورى، بدريٌّ
١ - أخرج البلاذري عن سعد قال: لَمّا توفِّي أبو ذر بالزبدة تذاكر عليٌّ و عبد الرّحمن بن عوف فعل عثمان فقال عليٌّ: هذا عملك. فقال عبد الرَّحمن: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انَّه قد خالف ما أعطاني.
٢ - قال أبو الفدا: لَمّا أحدث عثمان رضي الله عنه ما أحدث من توليته الأمصار للأحداث من أقاربه روي انَّه قيل لعبد الرحمن بن عوف: هذا كلّه فعلك. فقال: ما كنت أظنُّ هذا به، لكن لِلَّه عليَّ أن لا اُكلّمه ابداً، ومات عبد الرَّحمن وهو مهاجرٌ لعثمان رضي الله عنهما، ودخل عليه عثمان عائداً في مرضه فتحوَّل إلى الحائط ولم يُكلّمه.
٣ - روى البلاذري من طريق عثمان بن الشريد قال: ذُكر عثمان عند عبد الرّحمن ابن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبد الرّحمن: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يُسقى منها نعم عبد الرَّحمن بن عوف فمنعه إيّاها فقال عبد الرحمن: اللهمَّ اجعل ماءها غوراً. فما وجدت فيها قطرة.
٤ - عن عبد الله بن ثعلبة قال: إنَّ عبد الرَّحمن بن عوف كان حلف ألا يكلّم عثمان أبداً.
٥ - عن سعد قال: إنّ عبد الرّحمن أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان، فصلّى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص، وتوفّي سنة اثنتين وثلاثين.
٦ - قال ابن عبد ربِّه: لَمّا أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلّة من أصحاب محمَّد قيل لعبد الرَّحمن: هذا عملك. قال: ما ظننت هذا. ثمَّ مضى ودخل عليه وعاتبه وقال: إنَّما قدَّمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال: إنَّ عمر كان يقطع قرابته في الله و أنا أصل قرابتي في الله. قال عبد الرّحمن: لِلَّه عليَّ أن لا اُكلّمك أبداً. فلم يكلّمه أبداً حتّى مات وهو مهاجرٌ لعثمان، ودخل له عثمان عائداً له في مرضه فتحوَّل عنه إلى الحائط ولم يكلّمه.
راجع انساب البلاذري ٥: ٥٧، العقد الفريد ٢: ٢٥٨، ٢٦١، ٢٧٢، تاريخ ابي الفدا ج ١: ١٦٦.
٧ - أخرج الطبري من طريق المسور بن المخرمة قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم فبلغ ذلك عبد الرّحمن بن عوف فأرسل إلى المسور بن المخرمة وإلى عبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها فقسَّمها عبد الرَّحمن في الناس وعثمان في الدار.
تاريخ الطبري ٥: ١١٣، الكامل لابن الأثير ٣: ٧٠، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٦٥.
٨ - قال أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل: اُستجيبت دعوة عليّعليهالسلام في عثمان وعبد الرّحمن فما ماتا إلّا متهاجرين متعاديين، أرسل عبد الرَّحمن إلى عثمان يعاتبه (إلى أن قال): لَمّا بنى عثمان قصره طمار الزوراء وصنع طعاماً كثيراً ودعا الناس اليه كان فيهم عبد الرّحمن فلمّا نظر إلى البناء والطعام قال: يا ابن عفان! لقد صدَّقنا عليك ما كنّا نكذِّب فيك، وإنِّي أستعيذ بالله من بيعتك، فغضب عثمان وقال: أخرجه عنِّي يا غلام! فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحدٌ إلّا ابن عبَّاس كان يأتيه فيتعلّم منه القرآن والفرائض، ومرض عبد الرّحمن فعاده عثمان وكلّمه فلم يكلّمه حتّى مات. شرح ابن أبي الحديد ١: ٦٥، ٦٦.
قول العسكري: اُستجيبت دعوة عليٍّ. إشارةٌ إلى ما ورد من قولهعليهالسلام يوم الشورى لعبد الرَّحمن بن عوف: والله ما فعلتها إلّا لأنَّك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه دقَّ الله بينكما عطر منشم(١) .
ومنشم امرأة عطّارة من حمير، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثر القتلى فيما بينهم، فكان يقال: أشأم من عطر منشم فصار مثلاً.
وقول عبد الرّحمن: لقد صدَّقنا عليك ما كنّا نكذِّب فيك. ايعازٌ إلى قول مولانا أمير المؤمنين يوم الشورى ايضاً: أما إنِّي أعلم أنَّهم سيولون عثمان، وليحدثنّ البدع و الأحداث، ولئن بقي لأذكرنَّك، وإن قُتل أو مات ليتداولونها بنو اُميَّة بينهم، وإن كنت حيّاً لتجدني حيث تكرهون(٢) .
قال الشيخ محمد عبده في شرح نهج البلاغة ١: ٣٥: لَمّا حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الأحداث من أقاربه على ولاية الأمصار، ووجد عليه كبار الصحابة روي إنَّه قيل لعبد الرحمن: هذا عمل يديك. فقال: ما كنت أظنُّ هذا به ولكن لِلَّه عليَّ أن لا اُكلّمه أبداً، ثمَّ مات عبد الرحمن وهو مهاجرٌ لعثمان، حتَّى قيل: أنَّ عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحوَّل إلى الحائط لا يكلّمه، والله أعلم والحكم لِلَّه يفعل ما يشاء.
وقال ابن قتيبة في المعارف ص ٢٣٩: كان عثمان بن عفّان مهاجراً لعبد الرّحمن ابن عوف حتّى ماتا.
قال الأميني، لا بدَّ أن يُسائل هؤلاء عن أشياء فيقال لهم: إنَّ سيرة الشيخين التي بويع عثمان عليها هل كانت تطابق سنَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو تخالفها؟ وعلى الأوّل فشرطها مستدركٌ، ولا شرط للخلافة إلّا مطابقة كتاب الله وسنَّة نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا نقمة على تاركها إلّا بترك السنّة لا السيرة، فذكرها إلى جانب السنَّة الشريفة كضمِّ اللا حجَّة إلى الحجَّة، أو كوضع الحجر إلى جنب الإنسان، وعلى الثاني فإنَّ مِن
____________________
١ - شرح ابن ابى الحديد ١: ٦٣.
٢ - شرح ابن ابى الحديد ١: ٦٤.
الواجب على كلّ مسلم مخالفتها بعد فرض إيمانه بالله وبكتابه ورسوله واليوم الآخر، فكان من حقِّ المقام أن ينكروا على عثمان مخالفة السنَّة فحسب. ولهذا لم يقبل مولانا أمير المؤمنين لَمّا ألقى إليه عبد الرّحمن أمر البيعة على الشرط المذكور إلّا مطابقة أمره للسنَّة والإجتهاد فيها(١) .
وليت شعري إنَّه لَمّا شرط ابن عوف على عثمان ذلك هل كان يعلم بما قلناه من الموافقة أو المخالفة أو لا؟ وعلى فرض علمه يتوجَّه عليه ما سطرناه على كلّ مِن الفرضين، وعلى تقدير عدم علمه وهو أبعد شيء، يُفرض فكيف شرط عليه ما لا يعلم حقيقته، وكيف يناط أمر الدين وزعامته الكبرى بحقيقة مجهولة؟ وما الفائدة في إشتراطه؟.
وللباقلاني في التمهيد ص ٢١٠ في بيان هذا الشرط وجهٌ نُجلُّ عنه ساحة كلِّ متعلّم فاهم فضلاً عن عالم مثله.
ثمَّ نأتي إلى عثمان فنحاسبه على قبوله لأوَّل وهلة، هل كل يعلم شيئاً ممَّا قدَّمناه من النسبة بين السنَّة والسيرة أولاً؟ فهلّا شرط الأمر على تقدير الموافقة؟ ورفضَه على فرض المخافة؟ وإن كان لا يعلم فكيف قبل شرطاً لا يدري ما هو؟ ثمَّ هل كان يعلم يومئذ أنَّه يطيق على ذلك أو لا؟ أو كان يعلم أنَّه لا يطيقه؟ وعلى الأخير فكيف قبل ما لا يطيقه؟ وعلى الثاني كيف أقدم على الخطر فيما لا يعلم أنَّه يتسنّى له أن ينوء به؟ وعلى الأوَّل فلماذا خالف ما اُشترط عليه وقبله ووجدت البيعة عليه؟ وحصل القبول والرضا من الاُمَّة به؟ ثمَّ جاء يعتذر لمـّا أخذه ابن عوف بمخالفته إيّاها بأنَّه لا يطيق ذلك فقال فيما أخرجه أحمد في مسنده ١: ٦٨ من طريق شقيق: وأمّا قوله: ولِمَ أترك سنَّة عمر؟ فإنِّي لا اُطيقها ولا هو. وذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٠٦.
وكيفما اُجيب عن هذه المسائل فعبرتنا الآن بنظريَّة عبد الرَّحمن بن عوف الأخيرة في الخليفة، وهي من أوضح الحقايق لمن استشفَّ ما ذكرناه من قوله له: إنِّي أستعيذ بالله من بيعتك. وقوله لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ
____________________
١ - مسند احمد ١: ٧٥، تاريخ الطبرى ٥: ٤٠، تمهيد الباقلانى ص ٢٠٩، تاريخ ابن كثير ٧: ١٤٦.
سيفى. إلخ. مستحلّا قتاله، وقوله: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه. وقد بالغ في الإنكار عليه ورأيه في سقوطه انَّه لم يره أهلاً للصَّلاة عليه وأوصى بذلك عند وفاته فصلّى عليه الزبير، وهجره وحلف أن لا يكلّمه أبداً حتّى انَّه حوَّل وجهه إلى الحائط لمـّا جاء عائداً، وإنَّه كان لا يرى لتصرّفاته نفوذاً ولذلك لمـَّا بلغه إعطاء عثمان إبل الصدقة لبعض بني الحكم أرسل إليها المسور بن المخرمة وعبد الرّحمن بن الأسود فأخذها فقسَّمها عبد الرّحمن في النّاس وعثمان في الدار، ولهذه كلّها كان يراه عثمان منافقاً و يقذفه بالنفاق كما ذكره ابن حجر في الصواعق ص ٦٨ وأجاب عنه متسالماً عليه بأنَّه كان متوحِّشاً منه لأنَّه كان يجيئه كثيراً. إقرأ واضحك. وذكره الحلبي في السيرة ٢: ٨٧ فقال: أجاب عنه ابن حجر ولم يذكر الجواب لعلمه بأنَّه اُضحوكة.
ونسائل القوم بصورة اُخرى مع قطع النظر عن جميع ما قلناه: إنَّ ما اُشترط على عثمان وعُقد عليه أمره هل كان واجب الوفاء؟ أو كان لعثمان منتدحٌ عنه بتركه؟ وعلى الأوَّل فما وجه مخالفة الخليفة له؟ ولِماذا لم يقبله مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وهو عيبة علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والعارف بأحكامه وسننه وبصلاح الاُمَّة منذ بدء أمرها إلى منصرمه، وهل يخلع الخليفة في صورة المخالفة؟ فلماذا كان عثمان لا يروقه التنازل عن أمره لمـّا أرادت الصحابة خلعه للمخالفة؟ أو أنَّه لا يُخلع؟ فلماذا تجمهروا عليه فخلعوه وقتلوه؟ وهم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم العدول كلّهم في نظر القوم، وإن كان لا يجب الوفاء به؟ فلماذا لم يبايعوا أمير المؤمنينعليهالسلام لَمّا جاء بعدم الإلتزام بما لا يجب الوفاء به؟ وما معنى إعتذار عبد الرَّحمن بن عوف في تقديمه عثمان على أمير المؤمنينعليهالسلام بأنّه قبل متابعة سيرة الشيخين ولم يقبلها عليٌّعليهالسلام ؟ ولِماذا ألزموا عثمان به؟ ولِماذا التزم به عثمان؟ ولِماذا تمَّت البيعة عليه؟ ولِماذا تجمهروا عليه لَمّا شاهدوا منه المخالفة؟.
وَلَيُسْئَلُنَّ يومَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفتَروُن
فيومَئِذٍ لا يَنفَعُ الذين ظَلمُوا مَعْذِرَتُهم وَلا هُمْ يُستَعتَبون
٤ - حديث طلحة بن عبيد الله
أحد العشرة المبشّرة، وأحد الستَّة أصحاب الشورى
١ - من كلام لمولانا أمير المؤمنين في طلحة: والله ما استعجل متجرِّداً للطلب بدم عثمان إلّا خوفاً من أن يُطالَب بدمه لأنَّه مظنَّته، ولَم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالِط بما أجلب فيه ليلبس الأمر ويقع الشك، ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفّان ظالماً - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه أو ينابذ ناصريه. ولئِن كان مظلوماً لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذِّرين فيه. ولئِن كان في شكّ من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانباً ويدع النّاس معه، فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره(١) .
قال إبن أبي الحديد في الشرح ٢: ٥٠٦: فإن قلت: يُمكن أن يكون طلحة إعتقد إباحة دم عثمان أوَّلاً ثمَّ تبدَّل ذلك الإعتقاد بعد قتله فاعتقد أنَّ قتله حرامٌ وأنَّه يجب أن يقتصّ من قاتليه.
قلت: لو اعترف بذلك لم يقسم عليٌّعليهالسلام هذا التقسيم و إنَّما قسَّمه لبقائه على إعتقاد واحد، وهذا التقسيم مع فرض بقائه على إعتقاد واحد صحيحٌ لا مطعن فيه، وكذا كان حال طلحة فإنَّه لَمُ يُنقل عنه إنَّه قال: ندمت على ما فعلت بعثمان.
فإن قلت: كيف قال أمير المؤمنين: فما فعل واحدةً من الثلاث؟ وقد فعل واحدة منها لأنَّه وازر قاتليه حيث كان محصوراً. قلت: مراده: إنَّه إن كان عثمان ظالماً وجب أن يوازر قاتليه بعد قتله يحامي عنهم ويمنعهم ممَّن يروم دماءهم، ومعلوم أنّه لم يفعل ذلك. وإنّما وازرهم وعثمان حيّ وذلك غير داخل في التقسيم. اهـ.
٢ - أخرج الطبري من طريق حكيم بن جابر قال: قال عليٌّ لطلحة - وعثمان محصورٌ -: أنشدك الله إلّا رددت النّاس عن عثمان قال: لا والله حتّى تعطي بنو اُميّة الحقَّ من أنفسها.
____________________
١ - نهج البلاغة ١: ٣٢٣.
تاريخ الطبري ٥: ١٣٩، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٦٨ فقال: فكان عليٌّعليهالسلام يقول: لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل.
٣ - أخرج الطبري من طريق بشر بن سعيد قال: حدّثني عبد الله بن عبّاس بن أبي ربيعة قال: دخلت على عثمان رضي الله عنه فتحدَّثت عنه ساعة فقال: يا ابن عبّاس! تعال فأخذ بيدي فأسمعني كلام مَن على باب عثمان فسمعنا كلاماً، منهم من يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم مَن يقول: انظروا عسى أن يراجع، فبينا أنا وهو واقفان إذ مرَّ طلحة بن عبيد الله فوقف فقال: أين ابن عديس؟ فقيل: هاهوذا. قال: فجاء ابن عديس فناجاه بشيء ثمَّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله ثمَّ قال عثمان: أللهمَّ اكفني طلحة بن عبيد الله فإنَّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم، والله إنِّي لأرجو أن يكون منها صفراً وأن يُسفك دمه، انّه انتهك منِّي ما لا يحلُّ له، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلّا في إحدى ثلاث: رجلٌ كفر بعد إسلامه فيقتل، أو رجلٌ زنى بعد إحصانه فيرجم، أو رجلٌ قتل نفساً بغير نفس. ففيمَ اُقتل؟ قال: ثمَّ رجع عثمان. قال ابن عبّاس: فأردت أن أخرج فمنعوني حتّى مرَّ بي محمَّد بن أبي بكر فقال: خلّوه. فخلّوني. تاريخ الطبري ٥: ١٢٢، الكامل ابن الأثير ٣: ٧٣.
٤ - أخرج الطبري من طريق الحسن البصري: إنَّ طلحة بن عبيد الله باع أرضاً له من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه فقال طلحة: إنَّ رجلاً تتسق هذه عنه(١) وفي بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله عزَّ وجلَّ لغريرٌ بالله سبحانه، فبات ورسوله يختلف بها في سكك المدينة يقسِّمها حتّى أصبح فأصبح وما عنده منها درهم. قال الحسن: وجاء هاهنا يطلب الدينار والدرهم. أو قال: الصفراء والبيضاء.
تاريخ الطبري ٥: ١٣٩، تاريخ ابن عساكر ٧: ٨١.
٥ - حكى ابن أبي الحديد عن الطبري: انَّ عثمان كان له على طلحة خمسون الفاً فخرج عثمان يوماً إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيّأ مالك فاقبضه فقال: هو لك
____________________
١ - فى شرح ابن ابى الحديد: عنده.
يا أبا محمَّد معونة لك على مروءتك. قال: فكان عثمان يقول وهو محصورٌ جزاء سنمّار(١) .
وقال ابن أبي الحديد: كان طلحة من أشدِّ الناس تحريضاً عليه، وكان الزبير دونه في ذلك. روي انَّ عثمان قال: ويلي على ابن الحضرميَّة - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يحرِّض على نفسي، أللهمَّ لا تمتِّعه به ولقِّه عواقب بغيه.
قال: وروى الناس الذين صنَّفوا في واقعة الدار: انَّ طلحة كان يوم قُتل عثمان مقنّعاً بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام، ورووا ايضاً: انَّه لمـَّا اُمتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دارٍ لبعض الأنصار فأصعدهم إلى سطحها وتسوَّروا منها على عثمان داره فقتلوه. شرح ابن أبي الحديد ٢: ٤٠٤.
٦ - روى المدائني في كتاب مقتل عثمان: إنَّ طلحة منع من دفنه ثلاثة أيّام، وإنَّ عليّاً لم يبايع الناس إلّا بعد قتل عثمان بخمسة أيّام، وأنَّ حكيم بن حزام أحد بني أسد ابن عبد العزى وجبير بن مطعم بن الحرث بن نوفل استنجدا بعليّ على دفنه فأقعد طلحة لهم في الطريق ناساً بالحجارة فخرج به نفرٌ يسيرٌ من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يُعرف بحشِّ كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلمَّا صار هناك رجم سريره وهمُّوا بطرحه، فأرسل عليٌّ إلى الناس يعزم عليهم ليكفّوا عنه، فكفّوا فانطلقوا به حتّى دفنوه في حشِّ كوكب.
وأخرج المدائني في الكتاب قال: دُفن عثمان بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلّا مروان بن الحكم وابنة عثمان وثلاثة من مواليه فرفعت ابنته صوتها تندبه وقد جعل طلحة ناساً هناك أكمنهم كميناً فأخذتهم الحجارة وصاحوا: نعثل نعثل، فقالوا: الحائط الحائط. فدفن في حائط هناك.
٧ - أخرج الواقدي قال: لَمّا قُتل عثمان تكلّموا في دفنه فقال طلحة: يُدفن بدير سلع. يعني مقابر اليهود. ورواه طبري في تاريخه ٥: ١٤٣ غير أنَّ فيه مكان طلحة: رجل.
٨ - أخرج الطبري بالاسناد قال: حُصر عثمان وعليٌّ بخيبر فلمّا قدم أرسل إليه
____________________
١ - هذا الحديث اخرجه الطبرى فى تاريخه ٥: ١٣٩ وليس فيه ما حكاه عنه ابن أبى الحديد (فكان عثمان يقول وهو محصور: جزاء سنمار).
عثمان يدعوه فانطلق فقلت: لأنطلقنَّ معه ولأسمعنَّ مقالتهما، فلمّا دخل عليه كلّمه عثمان فحمد الله وأثني عليه ثمَّ قال: أمّا بعد فإنَّ لي عليك حقوقاً حقُّ الإسلام وحقُّ الإخاء، وقد علمت أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين آخى بين الصحابة آخى وبيني وبينك، وبيِّن حقَّ القرابة والصهر وما جعلت لي في عنقك من العهد والميثاق، فوالله لو لم يكن من هذا شيءٌ ثمَّ كنّا إنَّما نحن في جاهليَّة لَكان مُبطّاً على بني عبد مناف أن يبتزَّهم أخو بني تيم ملكهم. فتكلّم عليٌّ فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمّا بعد: فكلّ ما ذكرتَ من حقِّك عليَّ على ما ذكرت، أمّا قولك: لو كنّا في جاهليّة لَكان مُبطّاً على بني عبد مناف أن يبتزَّهم أخو بني تيم ملكهم، فصدقت وسيأتيك الخبر. ثمَّ خرج فدخل المسجد فرأى اُسامة جالساً فدعاه فاعتمد على يده فخرج يمشي إلى طلحة وتبعته فدخلنا دار طلحة بن عبيد الله وهي رجّاسٌ من الناس فقام إليه فقال: يا طلحة! ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا حسن! بعد ما مسَّ الحزام الطبيين(١) فانصرف عليٌّ ولم يُحر إليه شيئاً حتّى أتى بيت المال فقال: افتحوا هذا الباب. فلم يقدر على المفاتيح فقال: اكسروه فكُسر باب بيت المال فقال: أخرجوا المال. فجعل يُعطي النّاس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع عليٌّ فجعلوا يتسلّلون إليه حتّى تُرك طلحة وحده، وبلغ الخبر عثمان فسرَّ بذلك، ثمَّ أقبل طلحة يمشي عائداً إلى دار عثمان فقلت: والله لأنظرنَّ ما يقول هذا فتتبَّعته فاستأذن على عثمان فلمّا دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين! أستغفر الله وأتوب إليه أردت أمراً فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنّك والله ما جئت تائباً ولكنَّك جئت مغلوباً، الله حسيبك يا طلحة. تاريخ الطبري ٦: ١٥٤، كامل ابن الأثير ٣: ٧٠، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٦٥!. تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٧.
قال الأميني: هذا لفظ تاريخ الطبري المطبوع وقد لعبت به أيدي الهوى بالتحريف وزادت فيه حديث الإخاء بين عثمان وعليّ المتسالم على بطلانه بين فرق المسلمين، كأنَّ القوم آلوا على أنفسهم بأن لا يدعو حديثاً إلّا شوَّهوه بالإختلاق، وقد حكى ابن أبي الحديد هذا الحديث عن تاريخ الطبري في شرحه ٢: ٥٠٦ ولا توجد فيه مسألة الإخاء وإليك لفظه:
____________________
١ - أى: اشتدّ الامر وتفاقم. كتب عثمان الى عليّ عليه السلام : قد بلغ السيل الزبا وجاوز الحزام الطبيين. تاج العروس ١: ٢٢٢.
روى الطبري في التاريخ: أنَّ عثمان لَمّا حُصر كان عليٌّعليهالسلام بخيبر في أمواله فلمّا قدم أرسل إليه يدعوه فلمّا دخل عليه قال له: إنَّ لي عليك حقوقاً: حقَّ الإسلام، وحقّ النسب، وحقّ مالي عليك من العهد والميثاق، ووالله إن لو لم يكن من هذا كلّه شيءٌ وكنّا في جاهليَّة لكان عاراً علي بني عبد مناف أن يبتزَّهم أخو تيم ملكهم يعني طلحة، فقال لهعليهالسلام : سيأتيك الخبر. إلى آخر الحديث باللفظ المذكور.
وقد أسلفنا في الجزء الثالث ص ١٠٤ - ١١٦ حديث المواخاة بأوسع ما يُسطر وفيه: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي واخى أمير المؤمنينعليهالسلام لا غيره.
٩ - ذكر البلاذري في حديث: إنَّ طلحة قال لعثمان: إنَّك أحدثت أحداثاً لَم يكن النَّاس يعهدونها، فقال عثمان: ما أحدثت أحداثاً ولكنَّكم أظنّاء تفسدون عليَّ النّاس وتؤلّبوهم. الأنساب ٥: ٤٤.
١٠ - حكى البلاذري عن أبي مخنف وغيره: حرس القوم عثمان ومنعوا من أن يُدخل عليه، وأشار عليه سعيد بن العاص بأن يُحرم ويُلبِّي ويخرج فيأتي مكّة فلا يقدم عليه. فبلغهم قوله فقالوا: والله لئن خرج لا فارقناه حتّى يحكم الله بيننا وبينه، واشتدَّ عليه طلحة بن عبيد الله في الحصار، ومنع من أن يُدخل إليه الماء حتّى غضب عليُّ ابن أبي طالب من ذلك، فاُدخلت عليه روايا الماء. الأنساب ٥: ٧١.
١١ - في رواية للبلاذري ص ٩٠: كان الزبير وطلحة قد استوليا على الأمر، و منع طلحة عثمان من أن يدخل عليه الماء العذب فأرسل عليٌّ إلى طلحة وهو في أرض له على ميل من المدينة: أن دع هذا الرجل فليشرب من مائة ومن بئره يعني بئر رومة، و لا تقتلوه من العطش. فأبى فقال عليٌّ: لولا أنِّي قد آليت يوم ذي خُشب انَّه إن لم يُعطني لا أردُّ عنه أحداً لأ دخلت عليه الماء.
وفي الإمامة والسياسة ١: ٣٤: أقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلاً و نهاراً وطلحة يحرِّض الفريقين جميعاً على عثمان، ثمَّ إنَّ طلحة قال لهم: إنَّ عثمان لا يبالي ما حضرتموه وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه.
١٢ - قال البلاذري: قالوا: مرَّ مجمع بن جارية الأنصاري بطلحة بن عبيد الله فقال: يا مجمَّع ما فعل صاحبك؟ قال: أظنكم والله قاتليه. فقال طلحة: فإن قُتل فلا
ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ. الأنساب ٥: ٧٤.
١٣ - وروى البلاذري في حديث: وسلّم عثمان على جماعة فيهم طلحة فلم يردُّوا عليه فقال: يا طلحة! من كنت أرى إنِّه أعيش إلى أن اُسلّم عليك فلا تردّ عليَّ السَّلام الأنساب ٥: ٧٦.
كأنَّ هذه القضيَّة غير ما وقع في أيّام الحصار الثاني ممّا ذكره الديار بكري في تاريخ الخميس ٢: ٢٦٠ قال: أشرف عثمان عليهم ذات يوم وقال: السَّلام عليكم. فما سمع أحداً من الناس يردّ عليه إلّا أن يردَّ في نفسه. وسيوافيك حديث جبلة بن عمرو الأنصاري ونهيه الناس عن ردِّ السَّلام على عثمان إذا سلّمهم.
١٤ - أخرج البلاذري من طريق يحيى بن سعيد قال: كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار، فبعث عثمان عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب إلى عليّ بهذا البيت:
وإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي |
وإلّا فأدركني ولمـَّا اُمزَّق(١) |
وقال أبو مخنف: صلّى عليٌّ بالناس يوم النحر وعثمان محصورٌ فبعث إليه عثمان ببيت الممزّق، وكان رسوله به عبد الله بن الحارث ففرَّق عليٌّ الناس عن طلحة، فلمّا رأى ذلك طلحة دخل على عثمان فاعتذر فقال له عثمان: يا ابن الحضرميَّة! ألَّبت عليَّ الناس ودعوتهم إلى قتلي حتّى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً، لا قَبل الله ممّن قبل عذرك. الأنساب ٥: ٧٧.
١٥ - روى البلاذري باسناده من طريق ابن سيرين انَّه قال: لم يكن من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم أشدّ على عثمان من طلحة. الأنساب ٥: ٨١، وذكره ابن عبد ربِّه في العقد الفريد ٢: ٢٦٩.
١٦ - أخرج ابن سعد وابن عساكر قال: كان طلحة يقول يوم الجمل: إنّا داهنّا في أمر عثمان فلا نجد شيئاً أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، أللهمَّ خذ لعثمان منِّي اليوم حتّى ترضى. طبقات ابن سعد، تاريخ ابن عساكر ٧: ٨٤، تذكرة السبط ص ٤٤.
١٧ - أخرج ابن عساكر قال: كان مروان بن الحكم في الجيش - يوم الجمل -
____________________
١ - هذا البيت للممزق العبدى شاش بن لها بن الاسود. وبه سمى الممزق.
فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فهو الذي رمى طلحة فقتله، ثمَّ قال لأبان بن عثمان: قد كفيتك بعض قتلة أبيك، وكان السهم قد وقع في عين ركبته، فكانوا إذا أمسكوها انتفخت وإذا أرسلوها انبعثت فقال: دعوها فانَّها سهمٌ أرسله الله. تاريخ ابن عساكر ٧: ٨٤.
قال أبو عمر في الاستيعاب: لا يختلف العلماء الثقات في أنَّ مروان قتل طلحة يومئذ وكان في حزبه، روى عبد الرّحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل:
ندمت ندامة الكُسعيِّ لمـّا |
شريت رضا بني جرم برغمي(١) |
أللهمَّ خذ منِّي لعثمان حتى يرضى.
« بيان » الكسع: حيٌّ من قيس عيلان، وقيل: هم حيٌّ من اليمن رماة، و منهم الكسعيُّ الذي يضرب به المثل في الندامة وهو رجلٌ رامٍ رمى بعد ما أسدف الليل عِيراً فأصابه وظنَّ انَّه أخطأه فكسَّر قوسه وقيل: وقطع إصبعه ثمَّ ندم من الغد حين نظر إلى العِير مقتولا وسهمه فيه، فصار مثلاً لكلِّ نادم على فعل يفعله. وإيّاه عني الفرزدق بقوله:
ندمت ندامة الكُسعيِّ لمـّا |
غدت منِّي مطلّقةً نوارُ |
وقال آخر:
ندمت ندامة الكُسعيِّ لمـّا |
رأت عيناه ما فعلت يداه |
وقيل: كان اسم الكُسعيِّ محارب بن قيس.
وأخرج أبو عمر من طريق ابن أبي سبرة قال: نظر مروان إلى طلحة يوم الجمل فقال: لا أطلب بثاري بعد اليوم. فرماه بسهم فقتله.
وأخرج من طريق يحيى بن سعيد عن عمِّه انَّه قال: رمى مروان طلحة بسهم ثمَّ التفت إلى أبان بن عثمان قال: قد كفينا بعض قتلة أبيك.
وأخرج من طريق قيس نقلاً عن ابن أبي شيبة انَّ مروان قتل طلحة، ومن طريق وكيع واحمد بن زهير باسنادهما عن قيس بن أبي حازم حديث: لا أطلب بثاري
____________________
١ - هذا البيت معه ثلاثة ابيات اخر ذكرها ابن الاثير فى اسد الغابة ٣: ١٠٤، وسبط ابن الجوزى فى التذكرة ص ٤٤.
بعد اليوم. وزاد في « اسد الغابة » ما مرَّ من قول مروان لأبان.
وقال ابن حجر في الإصابة ٢: ٢٣٠: روى ابن عساكر من طرق(١) متعددة: أنَّ مروان بن الحكم هو الذي رماه فقتله، منها: وأخرجه أبو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة قال: لَمّا كان يوم الجمل نظر مروان إلى طلحة فقال: لا أطلب ثاري بعد اليوم فنزع له بسهم فقتله.
وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أنَّ مروان بن الحكم رأى طلحة في الخيل فقال: هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدم يسيح حتّى مات. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣: و ٣٧٠.
أخرجه عبد الحميد بن صالح عن قيس، وأخرجه الطبراني من طريق يحيى بن سليمان الجعفي عن وكيع بهذا السند قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته، فما زال الدم يسيح إلى أن مات.
وأخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٣٧٠ من طريق عكراش قال: كنّا نقاتل عليّاً مع طلحة ومعنا مروان قال: فانهزمنا فقال مروان: لا أدرك بثأري بعد اليوم من طلحة فرماه بسهم فقتله.
وقال محبّ الدين الطبري في الرياض ٢: ٢٥٩: المشهور أنَّ مروان بن الحكم هو الذي قتله رماه بسهم وقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم. وذلك أنَّ طلحة زعموا انَّه كان ممَّن حاصر عثمان واشتدَّ عليه.
وأخرج البلاذري في « الأنساب » ص ١٣٥ في حديث عن روح بن زِنباع: إنَّه قال: رمى مروان طلحة فاستقاد منه لعثمان.
يوجد حديث قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله أخذاً بثار عثمان في مروج الذهب ٢: ١١، القعد الفريد ٢: ٢٧٩، مستدرك الحاكم ٣: ٣٧٠، الكامل لابن الأثير ٣، ١٠٤، صفة الصفوة لإبن الجوزي ١: ١٣٢، اُسد الغابة ٣: ٦١، دول الإسلام للذهبي
____________________
١ - حذفتها يد الطبع الامينة على ودايع العلم حيا الله الامانة. لقد لعبت يد الشيخ عبد القادر بن بدران بتاريخ ابن عساكر لمـّا هذبه ورتبه على زعمه فأخرجه عما هو عليه، وجعله مسيخا مشوّهاً بادخال آرائه الساقطة فيه، وأسقط منه أحاديث كثيرة متنا واسناداً ممّا لا يروقه.
١، ١٨، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٤٧، تذكرة السبط ص ٤٤، مرآة الجنان لليافعي ١: ٩٧، تهذيب التهذيب ٥: ٢١، تاريخ ابن شحنة هامش الكامل ٧: ١٨٩.
١٨ - أخرج ابن سعد بالاسناد عن شيخ من كلب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أنَّ أمير المؤمنين مروان أخبرني انَّه قتل طلحة ما تركت أحداً من ولد طلحة إلّا قتلته بعثمان.
١٩ - أخرج الحميدي في النوادر من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن مروان قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد فقال له الوليد: ما دخلتَ عليَّ قطُّ إلّا هممتُ بقتلك لولا أنَّ أبي أخبرني أنَّ مروان قتل طلحة. تهذيب التهذيب ٥: ٢٢.
٢٠ - أخرج الطبري في حديث: فقام طلحة والزبير خطيبين (يعني بالبصرة) فقالا: يا أهل البصرة توبةٌ بحوبة، إنَّما أردنا أن يُستعتب أمير المؤمنين عثمان ولم نُرد قتله فغلب سفهاء النّاس الحلماء حتّى قتلوه. فقال النّاس طلحة: يا أبا محمَّد قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا. تاريخ الطبري ٥: ١٧٩.
٢١ - ذكر المسعودي في حديث وقعة الجمل: ثمَّ نادى عليٌّ رضي الله عنه طلحة حين رجع الزبير: يا أبا محمَّد! ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان. قال عليٌّ: قتل الله أولانا بدم عثمان(١) مروج الذهب ٢: ١١.
٢٢ – لمـّا نزل طلحة والزبير السبخة(٢) أتاهما عبد الله بن الحكيم التميمي لكتب كانا كتباها إليه فقال لطلحة: يا أبا محمد! أما هذه كتبك إلينا؟ قال: بلي، قال: فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله حتّى إذا قتلته أتيتنا ثائراً بدمه، فلعمري ما هذا رأيك، لا تريد إلّا هذه الدنيا، مهلاً إذا كان هذا رأيك فَلمَ قبلت من عليّ ما عرض عليك من البيعة؟ فبايعته طائعاً راضياً ثمَّ نكثت بيعتك، ثمَّ جئت لتدخلنا في فتنتك. ألحديث(٣) .
٢٣ - قال ابن قتيبة: ذكروا انَّه لَمّا نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة إصطفَّ
____________________
١ - لقد استجاب الله تعالى دعاء الامام عليه السلام فقتل طلحة فى اسرع وقت.
٢ - السبخة بالتحريك موضع بالبصرة.
٣ - شرح ابن ابى الحديد ٢: ٥٠٠.
لها النّاس في الطريق يقولون: يا اُمَّ المؤمنين! ما الذي أخرجكِ من بيتكِ؟ فلمّا أكثروا عليها تكلّمت بلسان طلق وكانت من أبلغ النّاس فحمدت الله وأثنت عليه ثمَّ قالت: أيّها الناس والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يُستحلَّ دمه(١) ولقد قُتل مظلوماً، غضبنا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من القتل، وإنَّ من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ثمّ يُردُّ هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطّاب. فمن قائل يقول: صدقت. وآخر يقول: كذبت. فلم يبرح النّاس يقولون ذلك حتّى ضرب بعضهم وجوه بعض فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان. فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال نعم. قال: فما ردَّك على ما كنت عليه، وكنت أمس تكتب الينا تؤلِّبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه؟ وقد زعمتما انَّ عليّاً دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله إذ كنتما أسنَّ منه فأبيتما إلّا أن تقدِّ ماه لقرابته وسابقته فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما؟ قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا انَّه غير فاعل ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار، وخفنا أن نردَّ بيعته فنقتل فبايعناه كارهين، قال: فما بدا لكما في عثمان؟ قال: ذكرنا ما كان من طعننا عليه و خذلاننا إيّاه، فلم نجد من ذلك مخرجاً إلّا الطلب بدمه. قال: ما تأمراني به؟ قال: بايعنا على قتال عليّ ونقض بيعته، قال: أرأيتما إن أتانا بعدكما مَن يدعونا اليه ما نصنع؟ قالا: لا تبايعه. قال ما أنصفتما أتأمراني أن اُقاتل عليّاً وأنقض بيعته وهي في أعناقكما وتنهاني عن بيعة من لا بيعة له عليكما؟ أما إنَّنا قد بايعنا عليّاً، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا. قال: ثمَّ تفرق الناس فصارت فرقةٌ مع عثمان بن حنيف، وفرقةٌ مع طلحة والزبير. ثمَّ جاء جارية بن قدامة فقال: يا اُمَّ المؤمنين! لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجكِ من بيتكِ على هذا الجمل الملعون، انَّه كانت لكِ من الله حرمة و ستر، فهتكتِ سترَك، وأبحتِ حرمتكِ، انَّه من رأى قتالكِ، فقد رأى قتلكِ، فإن كنت يا اُمّ المؤمنين! أتيتينا طائعة؟ فارجعي إلى منزلكِ، وإن كنت أتيتينا مستكرهة؟ فاستعتبي(٢) .
____________________
١ - أنّى هذا المحال والتمحل من قوارصها التى مرّت في ص ٧٧ - ٨٥.
٢ - الامامة والسياسة ١: ٦٠.
٢٤ - ذكر ابو مخنف من طريق مسافر بن عفيف من خطبة(١) لمولانا أمير المؤمنين قوله: اللهمَّ إنَّ طلحة نكث بيعتي وألَّب على عثمان حتى قتله ثمَّ عضهني به ورماني أللهمَّ فلا تمهله، اللهمَّ إنَّ الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر على عدوّي فاكفنيه اليوم بما شئت(٢) .
٢٥ - أخرج الطبري في تاريخه ٥: ١٨٣ من طريق علقمة بن وقاص الليثي قال: لَمّا خرج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم رأيت طلحة وأحبُّ المجالس إليه أخلاها وهو ضاربٌ بلحيته على زَوره(٣) فقلت: يا أبا محمَّد! أرى أحبَّ المجالس اليك أخلاها وأنت ضاربٌ بلحيتك على زورك، إن كرهت شيئاً فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقّاص! بينا نحن يدٌ واحدة على مَن سوانا إذا صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضاً انّه كان منِّي في عثمان شيءٌ ليس توبتي إلّا أن يُسفك دمي في طلب دمه.
الوجه في هذه التوبة إن صحَّت وكان الموئود من النفوس المحترمة أن يسلّم نفسه لأولياء القتيل أو لإمام الوقت فيقيدوا منه، لا أن يلقح فتنة كبرى تُراق فيها دماءٌ بريئة من دم عثمان، وتزهق أنفسٌ لم تكن هنالك في حَلّ ولا مرتحل، فيكون قد زاد ضغثاً على ابّالة، وجاء بها حشفاً وسوء كيلة.
٥ - حديث الزبير بن العوام
أحد العشرة المبشَّرة، وأحد أصحاب الشورى الستّ.
١ - أخرج الطبري في حديث وقعة الجمل: خرج عليٌّ على فرسه فدعا الزبير فتواقفا فقال عليٌّ للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منّا. فقال عليٌّ: لستُ(٤) له أهلاً بعد عثمان رضي الله عنه؟ قد كنّا نعدُّك من بني عبد المطلب حتّى بلغ إبنك ابن السوء ففرَّق بيننا وبينك. وعظَّم عليه أشياء فذكر أنَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرَّ عليهما فقال لعليّ: ما يقول ابن عمَّتك؟ ليقاتلنّك وهو لك ظالمٌ(٥) .
____________________
١ - ذكرها ابن ابى الحديد فى شرح النهج ١: ١٠١.
٢ - يا لها من دعوة مستجابة اصابت الرجلين من دون مهلة.
٣ - الزور: الصدر وقيل: وسط الصدر. وقيل: أعلى الصدر. وقيل: ملتقى أطراف عظام الصدر.
٤ - فى الكامل لابن الاثير: ألست.
٥ - هذا الحديث اخرجه جمع من الحفاظ كما اسلفناه فى الجزء الثالث ص ١٩١ ط ٢.
فانصرف عنه الزبير وقال: فانِّي لا اُقاتلك، فرجع إلى ابنه عبد الله، فقال: ما لي في هذا الحرب بصيرة. فقال له ابنه: إنَّك قد خرجت على بصيرة، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أنّ تحتها الموت فجبنت، فأحفظه حتّى أرعد وغضب وقال: ويحك إنّي قد حلفت له ألّا اُقاتله. فقال له إبنه: كفِّر عن يمينك بعتق غلامك (سَرجيس) فأعتقه وقام في الصفِّ معهم، وكان عليٌّ قال الزبير: أتطلب منِّي دم عثمان؟ وأنت قتلته، سلّط الله على أشدِّنا عليه اليوم ما يكره(١) .
وقول عليٍّعليهالسلام للزبير: أتطلب منِّي دم عثمان وأنت قتلته. الخ. أخرجه أيضاً الحافظ العاصمي في زين الفتى. وفي لفظ المسعودي: قال عليٌّ: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان. قال عليٌّ: قتل الله أولانا بدمِ عثمان.
قال الأميني: إنّما حلف الزبير على ترك القتال لأنَّه وجده بعد تذكير الإمامعليهالسلام له الحديث النبويَّ، وبعد إتمام الحجَّة عليه بذلك محرَّماً عليه في الدين، وانَّه من الظلم الفاحش الذي استقلَّ العقل بتحريمه، فهل التكفير بعتق الغلام يُبيح ذلك المحرَّم بالعقل والشريعة؟ ويسوِّغ الخروج على الإمام المفترض طاعته؟ لا. لكن تسويل عبد الله هو الذي فرَّق بين الزبير وبين آل عبد المطلب، وأباح له كلَّ محظور، فقاتل إمام الوقت ظالماً كما ورد في النصِّ النبويِّ، وصدَّق الخُبر الخَبر.
٢ - ذكر المسعودي في حديث: انَّ مروان بن الحكم قال - يوم الجمل -: رجع الزبير، يرجع طلحة، ما اُبالي رميت ها هنا أم هاهنا، فرماه في أكحله فقتله.
(مروج الذهب ٢: ١١)
٣ - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢: ٤٠٤: كان طلحة من أشدِّ الناس تحريضاً عليه، وكان الزبير دونه في ذلك، رووا أنَّ الزبير كان يقول: اُقتلوه فقد بدَّل دينكم. فقالوا له: إنَّ ابنك يحامي عنه بالباب. فقال: ما أكره أن يُقتل عثمان ولو بدئ با بني، إنَّ عثمان لجيفةٌ على الصراط غداً.
٤ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٧٦ من طريق أبي مخنف قال: جاء الزبير إلى عثمان فقال له: إنَّ في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جماعةٌ يمنعون من ظلمك، ؤ يأخذونك
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ٢٠٤، مروج الذهب ٢: ١٠، الكامل لابن ألاثير ٣: ١٠٢.
بالحقِّ، فأخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج معه فوثب الناس عليه بالسِّلاح فقال: يا زبير! ما أرى أحداً يأخذ بحقّ، ولا يمنع من ظلم، ودخل ومضى الزبير إلى منزله.
٥ - قال البلاذري في الأنساب ٥: ١٤: وجدت في كتاب لعبد الله عن الصالح العجلي ذكروا: انَّ عثمان نازع الزبير فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا؟ فقال عثمان: بماذا أيا لبعير يا أبا عبد الله؟ قال: لا والله ولكن بطبع خباب، وريش المقعد، وكان خباب يطبع السيوف، وكان المقعد يريش النبل.
وقال ابن المغيرة بن الأخنس متغنّياً على قعود له:
حُكيم وعمّار الشجا ومحمّد |
وأشتر والمكشوح جرّوا الدواهيا |
|
وقد كان فيها للزبير عجاجة |
وصاحبه الأدنى أشاب النواصيا(١) |
٦ - حديث طلحة والزبير
١ - من كلام لمولانا أمير المؤمنين في شأن الرجلين: والله ما أنكروا عليَّ منكراً ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً، وإنَّهم ليطلبون حقّاً هم تركوه، ودماً هم سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإنَّ لهم نصيبهم منه، وإن كانوا وُلوه دوني فما الطلبة إلّا قِبَلهم، وإنَّ أوَّل عدلهم للحكم على أنفسهم، وإنَّ معي لبصيرتي ما لبَّست ولا لُبِّس عليَّ، وإنَّها للفئة الباغية فيها الحما والحُمة(٢) .
(نهج البلاغة ١: ٢٥٤).
وفي لفظ أبي عمر في « الإستيعاب » في ترجمة طلحة بن عبيد الله: إنِّي مُنيت بأربعة: أدهى النّاس وأسخاهم طلحة، وأشجع النّاس الزبير، وأطوع النّاس في النَّاس عائشة، وأسرع النّاس إلى الفتنة يعلى بن منية، والله ما أنكروا عليَّ شيئاً منكراً، ولا استأثرت بمال، ولا ملت بهوى، وانَّهم ليطلبون حقّاً تركوه، ودماً سفكوه، ولقد ولوه دوني، وإن كنت شريكهم في الإنكار لما أنكروه، وما تبعة عثمان إلّا عندهم، وانَّهم لهم الفئة الباغية. إلى قولهعليهالسلام : والله إنَّ طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أنِّي على الحقِّ وأنّهم مبطلون.
____________________
١ - كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص ٦٠، ٦٦.
٢ - قال ابن ابى الحديد: كنى علىّ عليه السلام عن الزوجة بالحمة. وهى: سم العقرب. والحما يضرب مثلا لغير الطيب ولغير الصافى.
٢ - من كتاب لهعليهالسلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: أمّا بعد: فإنِّي اُخبركم عن أمر عثمان حتّى يكون سمعه كعيانه، إنَّ النَّاس طعنوا عليه فكنت رجلاً من المهاجرين اُكثر استعتابه، واُقلُّ عتابه، وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف، وأرفق حدائهما العنيف، وكان من عائشة فيه فلتة غضب، فاُتيح له قومٌ فقتلوه، وبايعني الناس غير مستكرَهين ولا مجبَرين بل طائعين مخيَّرين.
(نهج البلاغة ٢: ٢، الإمامة والسياسة ١: ٥٨).
قال ابن أبي الحديد في الشرح ٣: ٢٩٠: أمَّا طلحة والزبير فكانا شديدين عليه (على عثمان) والوجيف: سير سريعٌ وهذا مثلٌ يقال للمستمرِّين في الطعن عليه حتى أنَّ السير السريع أبطأ ما يسيران في أمره، والحداء العنيف أرفق ما يحرِّضان به عليه.
٣ - قال البلاذري: حدَّثني المدائني عن ابن الجعدبة قال: مرَّ عليٌّ بدار بعض آل أبي سفيان فسمع بعض بناته تضرب بدُف وتقول:
ظُلامة عثمان عند الزبير |
وأوتر منه لنا طلحهْ |
|
هما سعراها بأجذالها |
وكانا حقيقين بالفضحهْ |
فقال عليٌّ: قاتلها الله، ما أعلمها بموضع ثأرها؟ الأنساب ٥: ١٠٥.
٤ - أخرج الطبري من طريق ابن عبَّاس قال: قدمت المدينة من مكّة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بخمسة أيَّام فجئت عليّاً أدخل عليه فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة فجلست بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلّم عليَّ فقال: متي قدمت؟ فقلت: ألساعة. فدخلت على عليّ فسلّمت عليه فقال لي: لقيت الزبير وطلحة؟ قال: قلت: لقيتهما بالنواصف. قال: مَن معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فئة من قريش. فقال عليٌّ: أما انَّهم لن يدعوا أن يخرجوا يقولون: نطلب بدم عثمان والله نعلم أنّهم قتلة عثمان.
(تاريخ الطبري ٥: ١٦٠).
٥ - أخرج الطبري عن عمر بن شبه من طريق عتبة بن المغيرة بن الأخنس قال: لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق فقال: أين تذهبون؟ و ثأركم على أعجاز الإبل اقتلوهم(١) ثمَّ ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم. قالوا:
____________________
١ - يعنى طلحة والزبير وأصحابهما.
بل نسير فلعلّنا نقتل قتلة عثمان جميعاً. فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني. قالا: لأحدنا أيّنا اختاره الناس. قال: بل اجعلوه لولد عثمان فانّكم خرجتم تطلبون بدمه. قالا: ندعُ شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم؟ قال: أفلا أراني أسعى لأخرجها من بني عبد مناف؟ فرجع ورجع عبد الله بن خالد بن اسيد فقال المغيرة بن شعبة: الرأي ما رأى سعيد بن كان هاهنا من ثقيف فليرجع فرجع. الحديث
(تاريخ الطبري ٥: ١٦٨).
٦ - وفي كتاب كتبه ابن عبّاس إلى معاوية جواباً: وأمّا طلحة والزبير فانَّهما أجلبا عليه وضيَّقا خناقه، ثمَّ خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك، فقاتلناهما على النكث كما قاتلناك على البغي. كتاب نصر بن مزاحم ص ٤٧٢، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٨٩.
٧ - قدم على حابس بن سعد سيِّد طيّ بالشام ابن عمّه فأخبره انَّه شهد قتل عثمان بالمدينة المنوَّرة وسار مع عليّ إلى الكوفة وكان له لسانٌ وهيبة فغدا به حابس إلى معاوية فقال: هذا ابن عمِّي قدم من الكوفة، وكان مع عليّ وشهد قتل عثمان بالمدينة وهو ثقةٌ فقال معاوية: حدِّثنا عن أمر عثمان. قال: نعم وليه محمَّد بن أبي بكر، وعمّار ابن ياسر، وتجرَّد في أمره ثلاث نفر: عدي بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحمق، ودبَّ(١) في أمره رجلان: طلحة والزبير، وأبرأ الناس منه عليُّ بن أبي طالب ثمَّ تهافت الناس على عليّ بالبيعة تهافت الفراش حتى ضلّت(٢) النعل، وسقط الرداء، ووطئ الشيخ ولم يُذكر عثمان ولم يَذكروه. الخ.
(الإمامة والسياسة ١ ص ٧٤، كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ٧٢، شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٥٩).
٨ - أخرج الحاكم في المستدرك ٣: ١١٨ باسناده عن إسرائيل بن موسى انَّه قال: سمعت الحسن يقول: جاء طلحة والزبير إلى البصرة فقال لهم الناس: ما جاء بكم؟ قالوا: نطلب دم عثمان. قال الحسن: أيا سبحان الله! أفما كان للقوم عقولٌ فيقولون: والله ما قتل عثمان غيركم؟
____________________
١ - لفظ ابن مزاحم: وجدّ فى أمره رجلان.
٢ - وفى لفظ: ضاعت النعل.
٩ - لَمّا انتهت عائشة وطلحة والزبير إلي حُفر أبي موسى(١) قريباً من البصرة أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل عليّ على البصرة إلى القوم أبا الأسود الدؤلي فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها فقالت: أطلب بدم عثمان. قال: إنَّه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحدٌ، قالت. صدقت ولكنهم مع عليِّ بن أبي طالب بالمدينة وجئت استنهض اهل البصرة لقتاله، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟ فقال لها: ما أنتِ من السوط والسيف؟ إنَّما أنتِ حبيس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمركِ أن تقرِّي في بيتك، وتتلي كتاب ربِّك، وليس على النساء قتال، ولا لهنَّ الطلب بالدماء، وانَّ عليّاً لأولى بعثمان منك وأمسّ رحماً فانَّهما إبنا عبد مناف. فقالت: لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه، أفتظنُّ يا ابا الأسود! انّ أحداً يقدم على قتالي؟ قال: أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. ثمَّ قام فأتى الزبير فقال: يا أبا عبد الله! عهد الناس بك و أنت يوم بويع أبو بكر آخذٌ بقائم سيفك تقول: لا أحد أولى بهذا الأمر من إبن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك؟ فذكر له دم عثمان، قال: أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا. قال: فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول. فذهب إلى طلحة فوجده سادراً في غيِّه مصرّاً على الحرب والفتنة. الحديث.
الإمامة والسياسة ١ ص ٥٧، العقد الفريد ٢: ٢٧٨، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٨١
١٠ - خرج عثمان بن الحنيف إلى طلحة والزبير في أصحابه فناشدهم الله والإسلام واذكرهما بيعتهما عليّاً فقالا: نطلب بدم عثمان. فقال لهما: وما أنتما وذاك؟ أين بنوه؟ أين بنو عمِّه الذين هم أحقّ به منكم؟ كلّا والله، ولكنّكما حسدتماه حيث إجتمع النّاس عليه، وكنتما ترجوان هذا الأمر وتعملان له، وهل كان أحدٌ أشدَّ على عثمان قولاً منكما؟ فشتماه شتماً قبيحاً وذكرا اُمَّه. ألحديث. شرح ابن أبي الحديد ٢: ٥٠٠.
١١ - لَمّا نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس من أرض خيبر أقبل عليهم سعيد ابن العاصي على نجيب له فأشرف على النّاس ومعه المغيرة بن شعبة فنزل وتوكّأ على قوس له سوداء فأتى عائشة فقال لها: أين تريدين يا اُمَّ المؤمنين؟ قالت: اُريد البصرة.
____________________
١ - حفر ابن موسى هى ركايا احفرها ابو موسى الاشعرى على جادة البصرة الى مكة بينها و بين البصرة خمس ليال.
قال: وما تصنعين بالبصرة؟ قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معكِ، ثمَّ أقبل على مروان فقال له: أين تريد أيضاً؟ قال: البصرة. قال: وما تصنع بها؟ قال: أطلب قتلة عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك؟ إنَّ هذين الرجلين قتلا عثمان: طلحة والزبير، وهما يريدان الأمر لأنفسهما فلمّا غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة.
ثمَّ قال المغيرة بن شعبة: أيّها النّاس إن كنتم إنَّما خرجتم مع اُمِّكم؟ فارجعوا بها خيراً لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان؟ فرؤساؤكم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على عليّ شيئاً؟ فبيِّنوا ما نقمتم عليه، أنشدكم الله، فِتنتين في عام واحد؟ فأبوا إلّا أن يمضوا بالنّاس.
« الإمامة والسياسة ١: ٥٥ »
١٢ – لمـّا نزل طلحة والزبير البصرة قال عثمان بن حنيف: نعذر إليهما برجلين فدعا عمران بن حصين صاحب رسول الله وأبا الأسود الدؤلي فأرسلهما إلى الرجلين فذهبا إليهما فناديا: يا طلحة! فأجابهما فتكلّم أبو الأسود الدؤلي فقال: يا محمَّد؟ انَّكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله، وبايعتم عليّاً غير مؤامرين لنا في ييعته، فلم نغضب لعثمان إذ قُتل، ولم نغضب لعليّ إذ بويع، ثمَّ بدا لكم فأردتم خلع عليّ ونحن على الأمر الأوّل، فعليكم المخرج ممَّا دخلتم فيه. ثمَّ تكلّم عمران فقال: يا طلحة! إنَّكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمَّ بايعتم عليّاً وبايعنا مَن بايعتم، فإن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ؟ فحظُّكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى، فقال طلحة: يا هذان إنَّ صاحبكما لا يرى أنَّ معه في هذا الأمر غيره وليس على هذا بايعناه، وأيم الله ليسفكنَّ دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران! أمّا هذا فقد صرَّح انَّه إنَّما غضب للملك. ثمَّ أتيا الزبير فقالا: يا أبا عبد الله! إنّا أتينا طلحة. قال الزبير: إنَّ طلحة وإيّاي كروح في جسدين، وإنَّه والله يا هذان! قد كانت منَّا في عثمان فلتات إحتجنا فيها إلى المعاذير، ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرناه نصرناه الحديث. « الإمامة والسياسة ١ ص ٥٦ »
١٣ - من خطبة لعمَّار بن ياسر خطبها بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة! إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت اليكم اُمورنا، إنَّ قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس ولا ينكرون ذلك، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجِّيهم فيه، أحيا الله من أحيا،
وأمات مَن أمات، وإنَّ طلحة والزبير كانا أوَّل من طعن وآخر من أمر، وكانا أوَّل من بايع عليّاً، فلمّا أخطأهما ما أمَّلاه نكثا بيعتهما من غير حدَث. الحديث.
« الإمامة والسياسة ١: ٥٩ »
١٤ - روى البلاذري عن المدائني قال: ولَّى عبد الملك علقمة بن صفوان بن المحرِّث مكّة فشتم طلحة والزبير على المنبر فلمّا نزل قال لأبان بن عثمان: أرضيتك في المدهنين في أمير المؤمنين عثمان؟ قال: لا والله، ولكن سؤتني، بحسبي بليَّة أن تكون شركاً في دمه.
« الأنساب للبلاذري ٥: ١٢٠ »
١٥ - أخرج أبو الحسن عليُّ بن محمَّد المدائني من طريق عبد الله بن جنادة خطبة لمولانا أمير المؤمنين منها قوله: بايعني هذان الرجلان في أوَّل مَن بايع، تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرِّقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم، أللهمَّ فخذهما بما عملا أخذةً واحدةً رابية، ولا تنعش لهما صرعة، ولا تقل لهما عثرة، ولا تمهلهما فواقا، فانَّهما يطلبان حقّاً تركاه، ودماً سفكاه، أللهمَّ إنِّي أقتضيك وعدك فانّك قلت: وقولك الحقّ لمن بغي عليه لينصرنَّه الله، أللهمّ فانجز لي موعدك، ولا تكلني إلى نفسي إنَّك على كلِّ شيء قدير.
(شرح ابن أبي الحديد ١: ١٠٢).
١٦ - من خطبة لمولانا أمير المؤمنين ذكرها الكلبي كما في شرح ابن أبي الحديد ١: ١٠٢: فما بال طلحة والزبير؟ وليسا من هذا الأمر بسبيل، لم يصبرا عليَّ حولاً ولا أشهراً حتّى وثبا ومَرقا، ونازعاني أمراً لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين، يرتضعان اُمّا قد فطمت، ويحييان بدعةً قد اُميتت، أدم عثمان زعما؟ والله ما التبعة إلّا عندهم وفيهم، وإنَّ أعظم حجَّتهم لعلى أنفسهم، وأنا راض بحجَّة الله عليهم وعلمه فيهم. الحديث.
١٧ - من كلمة لمالك الأشتر: لعمري يا أمير المؤمنين! ما أمر طلحة والزبير و عائشة علينا بمخيَّل، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثتَ ولا جور صنعتَ، زعما انَّهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما، فإنَّهما أوَّل من ألَّب عليه وأغرى الناس بدمه، واُشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنَّهما بعثمان
فإنَّ سيوفنا في عواتقنا، وقلوبنا في صدورنا، ونحن اليوم كما كنّا أمس.
« شرح ابن أبي الحديد ١: ١٠٣ »
قال الأميني: إنَّ الأخذ بمجامع هذه الأخبار البالغة خمسين حديثاً يعطينا درساً ضافياً بأنَّ الرجلين هما أساس النهضة في قصَّة عثمان، وهما اللذان أسعرا عليه الفتنة، وانَّهما لم يريان حرجاً في إراقة دمه، وقد استباحا عندئذ ما يحرم إرتكابه في المسلمين إلّا أن يكون مهدور الدم بسبب من الأسباب الموجبة لذلك، فلم يتركاه حتّى أوديا به، وكان لطلحة هنالك مواقف مشهودة، فمنع عنه الماء الذي هو شرعٌ سواءٌ بين المسلمين، وانَّه لم يردَّ على عثمان لَمّا سلّم عليه ومن الواجب ردُّ السَّلام على كلِّ مسلم، وقد منع عن دفنه ثلاثاً في مقابر المسلمين، وقد أوجبت الشريعة الإسلاميَّة المبادرة إلى دفن المسلم، وقد أمر برمي الجنازة ورمي من يتولّى تجهيزها بالحجارة والمسلم حرمته ميتاً كحرمته حيّاً، فلم يرض طلحة بالأخير إلّا دفنه في مقبرة اليهود « حشّ كوكب » وهل لهذه الأعمال وجهٌ بعد حفظ كرامة صحبتهما؟ والقول بعدالة الصحابة كلّهم؟ و قبول ما ورد في الرجلين إنَّهما من العشرة المبشَّرة؟ إلا أن يُقال: إنَّهما كانا يريان القتيل خارجا عن حوزة المسلمين، وإلّا لردعتهما الصحبة والعدالة والبشارة عن ارتكاب تلكم الأعمال في أيّ من ساقة المسلمين فضلاً عن خليفتهم.
ونحن في هذا المقام نقف موقف المتحايد، ولسنا هاهنا إلّا في صدد بيان آراء الصحابة الأوَّلين في عثمان، وما أفضناه من رأيهما كان معروفاً عنهما في وقتهما، ولم يزل كذلك في الأجيال المتأخِّرة عنهما حتّى العصر الحاضر، إن كانت الآراء تُؤخذ من المصادر الوثيقة، وكانت حرَّة غير مشوبة بحكم العاطفة، نزهة عن الميول والشهوات وأمّا ما أظهراه من التوبة بعد أن نكثا البيعة الصحيحة المشروعة فقد قدَّمنا وجهها في ص ١٠١ في طلحة ويشاركه في ذلك الزبير ايضاً، فقد قفّيا الحوبة بالحوبة لا بالتوبة حسبا (إن كانا يصدقان) أنها تمحو السيّئة، بل الحوبة الأخيرة أعظم عند الله، فقد أراقا بها من الصفِّين في واقعة الجمل دماءً تعدُّ بالآلاف بريئة من دم عثمان.
وهتكا حرمة رسول الله بإخراج حشيَّة من حشاياه من خدرها، وقد نهىصلىاللهعليهوآلهوسلم نساءه عن ذلك، وأوقفاها في محتشد العساكر وجبهة القتال الدامي، وقصدا قتل إمام الوقت
المفترض طاعته الواجب حفظه، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله من ورائهم محيط.
٧ - حديث عبد الله بن مسعود
الصحابيّ البدريّ العظيم
مرَّ في هذا الجزء ص ٦٣ شطراً من أحاديثه المعربة عن رأيه السديد في عثمان وعمّا كان حاملاً بين جنبيه من الموجدة عليه، وإنَّه كان من الناقمين عليه يعيبه ويقدح فيه، أفسد عليه العراق بذكر محدثاته، وأخذه عثمان بذلك أخذاً شديداً وحبسه وهجره ومنعه عطاءه سنين وأمر به واُخرج من مسجد رسول الله إخراجاً عنيقاً، وضُرب به الأرض فدقَّ ضلعه وضربه أربعين سوطاً.
وكان ابن مسعود على اعتقاده السيِّء في الرجل مغاضباً له حتّى لفظ نفسه الأخير وأوصى أن لا يصلّي عليه، وفي الفتنة الكبرى ص ١٧١: روي انَّ ابن مسعود كان يستحلُّ دم عثمان أيّام كان في الكوفة، وهو كان يخطب الناس فيقول: إنَّ شرَّ الاُمور محدثاتها، وكلّ محدث بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار(١) يعرض في ذلك بعثمان و عامله الوليد.ا ه.
هذا رأي ذلك الصحابيِّ العظيم في الرَّجل، فبأيّ تمحُّل يتأتّى للباحث تقديس عثمان بعد ما يستحلُّ دمه أو يشدِّد النكير عليه ويراه صاحب محدثات وبدع مثل ابن مسعود أشبه النّاس هدياً ودلّاً وسمتاً بمحمَّد نبيِّ العظمةصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟.
٨ - حديث عمار بن ياسر
البدريِّ العظيم الممدوح بالكتاب والسنّة
١ - من خطبة لعمّار خطبها يوم صفِّين قال:
انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون انَّهم يطلبون بدم ظالم إنَّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو دَرَس هذا الدين: لِمَ قتلتموه؟ فقلنا لأحداثه، فقالوا: إنَّه لم يُحدث
____________________
١ - راجع ص ٣ من هذا الجزء.
شيئاً، وذلك لأنّه مكّنهم من الدُنيا فهم يأكلونها و يرعونها، ولا يبالون لو انهدمت الجبال، والله ما أظنّهم يطلبون بدم، ولكن القوم ذاقوا الدُنيا فاستحلّوها واستمرؤها وعلموا: أنَّ صاحب الحقِّ لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها، إنَّ القوم لم يكن لهم سابقةٌ في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قُتل إمامنا مظلوماً ليكونوا جبابرة وملوكاً، تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولاها ما تابعهم من الناس رجلٌ. إلخ.
وفي لفظ نصر بن مزاحم في كتاب صفِّين: امضوا (معي) عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنَّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان. إلخ. وله لفظٌ آخر يأتي بُعيد هذا.
وفي لفظ الطبري في تاريخه: أيّها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفّان ويزعمون انَّه قتل مظلوماً. إلخ.
راجع كتاب صفِّين لإبن مزاحم ط مصر ص ٣٦١، ٣٦٩، تاريخ الطبري ٦: ٢١، الكامل لابن الأثير ٣: ١٢٣، شرح ابن أبي الحديد ١: ٥٠٤، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٦٦، جمهرة الخطب ١: ١٨١.
٢ - خطب معاوية يوم وفد إليه وفدٌ(١) بعثه إليه أمير المؤمنينعليهالسلام فقال:
أمّا بعد فإنَّكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا وهي، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنّا لا نراها، إنَّ صاحبكم قتل خليفتنا، وفرَّق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقتلنا، وصاحبكم يزعم انَّه لم يقتله، فنحن لا نردُّ ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنَّهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به، ثمَّ نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.
فقال له شبث بن ربعي: أيسرُّك يا معاوية! انَّك اُمكنت من عمَّار تقتله؟ وفي لفظ ابن كثير: لو تمكّنت من عمّار أكُنت قاتله بعثمان؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك؟ والله لو اُمكنت(٢) من ابن سميَّة ما قتلته بعثمان رضي الله عنه، ولكن
____________________
١ - كان فيه: عديّ بن حاتم، يزيد بن قيس، شبث بن ربعي، زياد بن حفصة.
٢ - فى لفظ ابن مزاحم: لو امكننى صاحبكم من ابن سمية.
كنت قاتله بناتل مولى عثمان.
فقال شبث: وإله الأرض وإله السّماء ما عدلت معتدلاً، لا والذي لا إله إلّا هو، لا تصل إلى عمَّار حتّى تندر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاءُ عليك برحبها.. إلخ.
كتاب صفِّين لإبن مزاحم ص ٢٢٣، تاريخ الطبري ٦: ٣، الكامل لإبن الأثير ٣: ١٢٤، شرح ابن أبي الحديد ١: ٣٤٤، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٥٧، جمهرة الخطب ١: ١٥٨.
٣ - أرسل أمير المؤمنين إبنه الحسن وعمّار بن ياسر إلى الكوفة فلمّا قدماها كان أوَّل مَن أتاهما مسروق بن الأجدع فسلّم عليهما وأقبل على عمَّار فقال: يا أبا اليقظان! علام قتلتم عثمان رضي الله عنه؟ قال: على شتم أعراضنا، وضرب أبشارنا(١) . فقال: والله ما عوقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيراً للصابرين.
فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمَّه إليه وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان! أعدوت(٢) فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجّار؟ قال: لم أفعل ولم يسؤني، فقطع عليهما الحسن فأقبل على أبي موسى فقال: يا أبا موسى! لِمَ تُثبِّط الناس عنّا؟ فوالله ما أردنا إلّا الإصلاح وما مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء، فقال: صدقت بأبي أنت واُمِّي، ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنّها ستكون فتنة القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم خيرٌ ما الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب، وقد جعلنا الله عزَّ وجلَّ إخواناً وحرَّم علينا أموالنا ودماءنا وقال: يا أيُّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و لا تقتلوا أنفسكم إنَّ الله بكم رحيما. الآية. فغضب عمّار وساءه وقام وقال: يا أيُّها النّاس إنَّما قال رسول الله له خاصَّة: أنت فيها قاعداً خيرٌ منك قائماً. وقام رجلٌ مِن بني تميم فقال لعمّار: اُسكت أيُّها العبد أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا و
____________________
١ - ابشار جمع البشرة: أعلى جلدة الوجه والجسد من الانسان.
٢ - شرح ابن ابي الحديد: غدوت فيما غدا.
_٧_
ثار زيد بن صوحان. ألحديث(١) .
تاريخ الطبري ٥: ١٨٧، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٢٨٥، الكامل لابن الأثير ٣: ٩٧.
٤ - قال الباقلاني في التمهيد ص ٢٢٠: روي انَّ عمّاراً كان يقول: عثمان كافرٌ. وكان يقول بعد قتله: قتلنا عثمان يوم قتلناه كافراً. وهذا سرفٌ عظيمٌ من خرج إلى ما هو دونه استحقَّ الأدب من الإمام. فلعلَّ عثمان انتهره وأدَّ به لكثرة قوله: قد خلعت عثمان وأنا بريءٌ منه، فأوّى الأدب إلى فتق أمعائه، ولو أدّى الأدب إلى تلف النفس لم يكن بذلك مأثوماً ولا مستحقّاً للخلع، فإمّا أن يكون ضربه باطلاً وإمّا أن يكون صحيحاً فيكون ردعاً وتأديباً ونهياً عن الإغراق والسرف، وذلك صوابٌ من فعل عثمان، وهفوةٌ من عمّار.
قال الأميني: هذه التمحّلات تضادُّ ما صحَّ وثبت عن النبيِّ الأقدس في عمّار، ونحن لا يسعنا تكذيب النبيِّ الصادق الأمين تحفّظاً على كرامة أيِّ ابن اُنثى فضلاً عن أن يكون من أبناء الشجرة المنعوتة في القرآن.
٥ - روى أبو مخنف عن موسى بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: أقبلنا مع الحسن وعمّار بن ياسر من ذي قال حتّى نزلنا القادسيَّة فنزل الحسن وعمَّار ونزلنا معهما، فاحتبى عمَّار بحمائل سيفه، ثمَّ جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم، ثمَّ سمعته يقول: ما تركت في نفسي حزَّة أهمّ إليَّ من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثمَّ أحرقناه بالنار. « شرح ابن أبي الحديد ٣: ٢٩٢ »
٦ - جاء في محاورة وقعت بين عمَّار بن ياسر وعمرو بن العاص فيما أخرجه نصر في كتابه: قال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ قال: فتح لكم باب كلّ سوء. قال عمرو: فعليٌّ قتله، قال عمّار: بل الله ربّ عليّ قتله وعليٌّ معه. قال عمرو: أكنت فيمن قتله؟ قال: كنت معَ من قتله وأنا اليوم اُقاتل معهم. قال عمرو: فلِمَ قتلتموه؟ قال عمّار: أراد أن يغيِّر ديننا فقتلناه؟ فقال عمرو: ألا تسمعون؟ قد اعترف بقتل عثمان. قال عمّار: وقد
____________________
١ - فى هذا الحديث اشياء موضوعة حذف بعضها ابن الاثير فى الكامل وزاد فيه أيضاً، وهو من مكاتبات السرى وكلها باطل فيها دجل.
قالها فرعون قبلك لقومه: ألا تسمعون؟. الحديث.
كتاب صفِّين لا بن مزاحم ص ٣٨٤، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٧٣:
٧ - إنَّ عمّار بن ياسر نادى يوم صفين(١) : أين من يبغي رضوان ربِّه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد؟ قال: فأتته عصابةٌ من الناس فقال: أيُّها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنَّه قُتل مظلوماً، والله إن كان إلّا ظالماً لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله. « كتاب صفِّين ص ٣٦٩ »
وفي الفتنة الكبرى ص ١٧١: فقد روي أنَّ عمّار بن ياسر كان يكفِّر عثمان و يستحلُّ دمه ويسمِّيه نعثل.
قال الأميني: هذا الصحابيُّ البطل الذي عرفته في صفحة ٢٠ - ٢٨ من هذا الجزء عمّار بن ياسر المعنيّ في عدَّة آيات كريمة من الذكر الحكيم، ومصبِّ الثناء البالغ المتكرّر المستفيض من صاحب الرسالة، من ذلك: أنَّه مُلئ ايماناً من قرنه إلى قدمه، وانَّه مع الحقِّ والحقُّ معه يدور معه أينما دار، وأنَّه ما عُرض عليه أمران إلاّ أخذ بالأرشد منهما، وانّه من نفر تشتاق اليهم الجنَّة، وإنَّه جِلدة بين عينيهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإنَّه تقتله الفئة الباغية، فمعتقد هذا الرجل العظيم وهو متلفِّعٌ بهاتيك الفضائل كلّها في الخليفة ما تراه يكرّره من أنَّه كان ظالماً لنفسه، حاكماً بغير ما أنزل الله، مُريداً تغيير دين الله تغييراً أباح لهم قتله، وانَّه قتله الصالحون، المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان، إلى ما لهذه من عقائد تركته جازماً بما نطق به، مصرّاً على ما ارتكبه، معترفاً بأنَّه كان مع المجهزين عليه، متأسِّفاً على ما فاته من نبش قبره وإحراقه بالنار، فلم يبرح كذلك حتى أخذ يقاتل الطالبين بثاره مع قاتليه وخاذليه، مذعناً بأنَّ الثائرين له مبطلون يجب قتالهم فلم يفتأ على هذه المعتقد حتى قتلته الفئة الباغية. أصحاب معاوية، وقاتله وسالبه وباغضه في النار نصّاً من النبيِّ المختارصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٩ - حديث المقداد
ابن الأسود الكندي فارس يوم بدر
قال اليعقوبي في تاريخه ٢: ١٤٠ في بيعته عثمان واستخلافه: مال قومٌ مع عليٍّ
____________________
١ - فى شرح ابن ابى الحديد ٢: ٢٦٩: ناداه فى صفين قبل مقتله بيوم او يومين.
ابن أبي طالب، وتحاملوا في القول على عثمان، فروى بعضهم قال: دخلت مسجد رسول الله فرأيت رجلاً جاثياً على ركبتيه يتلهف تلهّف من كأنَّ الدنيا كانت له فسلبها وهو يقول: واعجباً لقريش ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيِّهم، وفيهم أوَّل المؤمنين، وابن عمّ رسول الله، أعلم الناس وأفقههم في دين الله، وأعظمهم عناءاً في الإسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الظاهر النقيّ، وما أرادوا إصلاحاً للاُمَّة، ولا صواباً في المذهب، ولكنَّهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعداً وسحقاً للقوم الظالمين.
فدنوت منه فقلت: مَن أنت يرحمك الله ومن هذا الرجل؟ فقال: أنا المقداد بن عمرو وهذا الرجل عليُّ بن أبي طالب، قال فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر بهذا فاعينك عليه؟ فقال: يا ابن أخي! إنَّ هذا الأمر لا يُجزي فيه الرجل ولا الرجلان، ثمَّ خرجت فلقيت أبا ذر فذكرت له ذلك، فقال: صدق أخي المقداد، ثمَّ أتيت عبد الله بن مسعود فذكرت ذلك له، فقال لقد أخبرنا فلم نأل.
وذكر ابن عبد ربِّه في العقد ٢: ٢٦٠ في حديث بيعة عثمان: فقال عمّار بن ياسر (لعبد الرَّحمن): إن أردت أن لا يختلف المسلمون؟ فبايع عليّاً، فقال المقداد بن الأسود: صدق عمّار إن بايعت عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن ابي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش؟ فبايع عثمان، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا. فشتم عمّار إبن أبي سرح وقال: متى كنت تنصح المسلمين؟ فتكلَّم بنو هاشم وبنو اُميَّة فقال عمّار: ايُّها الناس إنَّ الله أكرمنا بنبيِّنا وأعزَّنا بدينه، فأنَّى تُصرفون هذا الأمر عن بيت نبيِّكم؟ فقال له رجلٌ من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سميّة، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أفزع قبل أن يفتتن الناس، فلا تجعلنَّ أيُّها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليّاً فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملنَّ بكتاب الله وسنَّة نبيِّه وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ثمَّ دعا عثمان فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملنَّ بكتاب الله وسنَّة نبيِّه وسيرة الخليفتين من بعده، فقال: نعم. فبايعه فقال عليٌّ حبوته محاباة ليس ذا بأوَّل يوم تظاهرتم فيه علينا، أما والله ما ولّيت عثمان إلّا ليردّ الأمر اليك، والله كلّ يوم هو في شأن. فقال عبد الرَّحمن: يا عليُّ لا تجعل على نفسك
سبيلاً فإنِّي قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحداً، فخرج عليٌّ و هو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، قال المقداد: أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحقِّ وبه يعدلون، فقال: يا مقداد! والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين.ثم َّ قال المقداد: ما رأيت مثل ما اوتي أهل هذا البيت بعد نبيِّهم، ولا أقضى منهم بالعدل، ولا أعرف بالحقِّ، أما والله لو أجد أعواناً.قال له عبد الرّحمن: يا مقداد! اتَّق الله فانِّي أخشى عليك الفتنة.وأخرج الطبري نحوه في تاريخه ٥: ٣٧، وذكره ابن الأثير في الكامل ٣: ٢٩، ٣٠، وابن أبي الحديد في شرح النهج ١: ٦٥.
وفي لفظ المسعودي في المروج ١: ٤٤٠: فقام عمّار في المسجد فقال: يا معشر قريش! أما إذا صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيِّكم ههنا مرَّة وههنا مرَّة فما أنا بآمن أن ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله، وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيِّهم. فقال له عبد الرّحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إنِّي والله لأحبهم بحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن الحق معهم وفيهم يا عبد الرحمن! أعجب من قريش - وأنت تطولهم على الناس أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعده من أيديهم، أما وأيم الله يا عبد الرّحمن! لو أجد على قريش أنصار لقاتلتهم كقتالي إيّاهم مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم بدر. وجرى بينهم من الكلام خطبٌ طويل قد أتينا ذكره في كتابنا أخبار الزمان في اخبار الشورى والدار.
ومرَّ في هذا الجزء ص ١٧: أنَّ المقداد أحد الجمع الذين كتبوا كتاباً عدَّدوا فيه أحداث عثمان وخوَّفوه ربَّه وأعلموه انَّهم مواثبوه إن لم يُقلع. راجع حديث البلاذري المذكور.
قال الأميني: لعلّك تعرف المقداد ومبلغه من العظمة، ومبوَّأه من الدين، ومثواه من الفضيلة، قال أبو عمر: كان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار. هاجر الهجرتين وشهد بدراً والمشاهد كلّها، أوَّل من حارب فارساً في الإسلام. كان فارساً يوم بدر، ولم يثبت انَّه كان فيها على فرس غيره، وهو عند القوم أحد السبعة الذين أظهروا الإسلام، وأحد
النجباء الأربعة عشر وزراء رسول الله ورفقائه(١) سمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أوّاباً كما في حديث أخرجه أبو عمر في « الاستيعاب »
وأنِّى يسع للباحث أن يستكنه ما لهذا الصحابيِّ العظيم من الفضائل أو يدرك شأوه وبين يديه قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الثناء عليه: إنَّ الله أمرني بحبِّ أربعة، وأخبرني أنَّه يحبّهم: عليٌّ. والمقداد. وأبوذر. وسلمان؟(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ الجنَّة تشتاق إلى أربعة: عليٌّ. وعمّار و سلمان. والمقداد أخرجه ابو نعيم في حلية الأولياء ١: ١٤٢.
فهذا الرجل الدينيُّ الذي يحبّه الله ويأمر نبيَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحبِّه كان ناقماً على الخليفة واجداً على خلافته من أوَّل يومه، متلهِّفاً على استخلافه تلهُّف من كأنَّ الدنيا كانت له فسلبها، وكان يُثبِّط الناس ويُخذِّلهم عنه، ويرى إمرته إمراً من الأمر وإدّا، يعتقدها ظلماً على أهل بيت العصمة، ويستنجد أعواناً يقاتل بهم مستخلفيه كقتاله إيّاهم يوم بدر، هذا رأيه في عثمان من يوم الشورى قبل بوائقه، فكيف بعد ما شاهد منه من هنات وهنات.
_١٠_
حديث حجر بن عدي
الكوفي سلام الله عليه وعلى أصحابه
إنَّ معاوية بن أبي سفيان لمـّا ولّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة ٤١ دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمّا بعد: فإنَّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس(٣) :
لذي الحِلم قبل اليوم ما تُقرع العصا |
وما عُلّم الإنسان إلّا ليعلمها |
وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا
____________________
١ - مستدرك الحاكم ٣: ٣٤٨، ٣٤٩، الاستيعاب ١: ٢٨٩، اسد الغابة ٤: ٤١٠، الاصابة ٣: ٤٥٥.
٢ - أخرجه الترمذى فى جامعه، وابو عمر فى الاستيعاب ١: ٢٩٠، وذكره ابن الاثير فى اسد الغابة ٤، ٤١٠، وابن حجر فى الاصابة ٣: ٤٥٥.
٣ - هو جرير بن عبد المسيح من بنى ضبيعة، توجد ترجمته فى (الشعر والشعراء) لابن قتيبة ص ٥٢، وفى (المؤتلف والمختلف) ص ٧١، ٢٠٢، ٢٠٧.
تاركها إعتماداً على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، ويصلح به رعيّتي، ولست تاركاً ايصاءك بخصلة: لا تتحمَّ عن شتم عليّ وذمِّه، والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب عليّ والإقصاء لهم وترك الإسماع منهم، وباطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم والإستماع منهم. فقال المغيرة: قد جرَّبت وجُرِّبت و عملت قبلك لغيرك فلم يُذمم بي دفعٌ ولا رفعٌ ولا وضعٌ، فستبلو فتحمد أو تذمّ ثمَّ قال: بل نحمد إن شاء الله.
فأقام المغيرة بالكوفة عاملاً لمعاوية سبع سنين وأشهراً لا يدع ذمّ عليّ والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والإستغفار له والتذكية لأصحابه، فكان حُجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: بل إيّاكم فذمّم الله ولعن. ثمَّ قام فقال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: كونوا قوّامين بالقسط شهداء لِلَّه، وأنا أشهد أنَّ من تذمّون وتعيرون لأحقُّ بالفضل، وانَّ من تزكّون وتُطرون أولى بالذمِّ. فيقول له المغيرة: يا حجر! لقد رُمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر! ويحك إتَّق السلطان، إتَّق غضبه وسطوته، فإنَّ غضبة السلطان أحياناً ممّا يهلك أمثالك كثيراً، ثمَّ يكفّ عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته: اللهمَّ أرحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله فإنَّه عمل بكتابك واتَّبع سنَّة نبيِّكصلىاللهعليهوآلهوسلم وجمع كلمتنا وحقن دمائنا وقُتل مظلوماً، اللهمَّ فارحم أنصاره وأولياءه ومحبِّيه والطالبين بدمه. ويدعو على قتلته فقام حجر بن عدي فنعر نعرةً بالمغيرة سمعها كلّ مَن كان في المسجد وخارجاً منه وقال: إنّك لا تدري بمن تولّع من هرمك أيُّها الإنسان! مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنّك قد حبستها عنّا وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت بذمِّ أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين. قال: فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبرَّ، مُر لنا بأرزاقنا واعطياتنا، فانّا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئاً وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه.
إلى أن هلك المغيرة سنة ٥١ فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان فأقبل حتى دخل القصر بالكوفة ثمَّ صعد المنبر فخطب ثمَّ ذكر عثمان وأصحابه فقرَّ ظهم وذكر
قتلته ولعنهم، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة.
قال محمَّد بن سيرين: خطب زياد يوماً في الجمعة فأطال الخطبة وأخَّر الصَّلاة فقال له حجر بن عدي: الصَّلاة. فمضى في خطبته ثمَّ قال: الصّلاة فمضى في خطبته، فلمّا خشى حجر فوت الصَّلاة ضرب بيده إلى كفّ من الحصا وثار إلى الصَّلاة وثار الناس معه، فلمّا رأى ذلك زياد نزل فصّلى بالناس، فلمّا فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثَّر عليه فكتب إليه معاوية: أن شدَّه في الحديد ثمَّ احمله إليَّ. فلمَّا أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه فقال: لا، ولكن سمعٌ وطاعةٌ، فشُدَّ في الحديد ثمَّ حُمل إلى معاوية. ساروا به وبأصحابه وهم:
١ - الأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم.
٢ - شريك بن شدّاد الحضرمي.
٣ - صيفي بن فسيل الشيباني.
٤ - قبيصة بن ضُبيعة بن حرملة العبسي.
٥ - كريم بن عفيف الخثعمي من بني عامر ثمَّ من قحافة.
٦ - عاصم بن عوف البجلي.
٧ - ورقاء بن سميِّ البجلي.
٨ - كدام بن حيّان العنزي.
٩ - عبد الرَّحمن بن حسَّان العنزي.
١٠ - مُحرز بن شهاب التميمي من بني منقر.
١١ - عبد الله بن حوية السعدي من بني تميم.
وأتبعهم زياد برجلين وهما: عتبة بن الأخنس السعدي، وسعيد بن نمران الهمداني، فمضوا بهم حتى انتهوا إلى مرج عذراء (بينها وبين دمشق اثنا عشر ميلاً) فحبسوا بها فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستّة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنّا قد اُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعن له فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإنَّ أمير المؤمنين يزعم انَّ دماءكم قد حلّت بشهادة أهل مصركم عليكم غير انّه قد عفى عن ذلك، فابرؤا من هذا الرجل نخلّ سبيلكم قالوا: أللهمَّ إنّا
لسنا فاعلي ذلك. فأمر بقبورهم فحفرت واُدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كلّه يصلّون فلمّا أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء! لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصَّلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أوَّل من جار في الحكم وعمل بغير الحقِّ. فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم. ثمَّ قاموا إليهم فقالوا: تبرؤن من هذا الرجل؟ قالوا: بل نتولّاه ونتبرَّأ ممَّن تبرَّأ منه. فأخذ كلُّ رجل منهم رجلاً ليقتله وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتّى قتلوا ستَّة وهم.
١ - حُجر ٢ - شريك ٣ - صيفي ٤ - قبيصة ٥ - محرز ٦ - كدام.
أخذنا من القصَّة ما يهمّنا ذكره راجع الأغاني لأبي الفرج ١٦: ٢ - ١١، تاريخ الطبري ٦: ١٤١ - ١٦٠، تاريخ ابن عساكر ٢: ٣٧٠ - ٣٨١، الكامل لإبن الأثير ٣: ٢٠٢ - ٢١٠، تاريخ ابن كثير ٨: ٤٩ - ٥٥.
قال الأميني: هذه نظريَّة الصحابيّ العظيم حجر وأصحابه العظماء الصلحاء الأخيار في عثمان فكانوا يرونه أوَّل من جار في الحكم وعمل بغير الحقِّ، وكان حجر يراه من المجرمين فيما جابه به المغيرة بالكوفة، وقد بلغ هو وزملائه الأبرار من ذلك حدّا إستساغوا القتل دون ما يرونه، وأبوا أن يتحوَّلوا عن عقائدهم، وبرز الذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فاستمرؤا جُرَع الموت في سبيلها زُعافاً مُمقراً.
_١١_
حديث عبد الرحمن
ابن حسّان العنزي الكوفي
لمـَّا قُتل حجر بن عدي سلام الله عليه وخمسة من أصحابه رضوان الله عليهم قال عبد الرَّحمن بن حسّان وكريم بن عفيف الخثعمي (وكانا من أصحاب حُجر): ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فاخبروه فبعث: إئتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي: لا تبعد يا حجر! ولا يبعد مثواك فنعم أخو الإسلام كنتَ. وقال الخثعمي نحوذ لك. ثمَّ مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثّلاً:
كفى بشفاة القبر بُعداً لهالك |
وبالموت قطَّاعاً لحبل القرائنِ |
فلمّا دخل عليه الخثعمي قال له: ألله ألله يا معاوية! إنَّك مقتولٌ من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ومسؤولٌ عمَّ أردت بقتلنا وفيم سفكت دماءنا، فقال: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول فيه قولك، أتتبرّأ من دين عليّ الذي كان يدين الله به؟ وقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه، فقال: هو لك غير أنِّي حابسه شهراً فحبسه ثمَّ أطلقه على أن لا يدخل الكوفة ما دام له سلطان، فنزل الموصل فكان ينتظر موت معاوية ليعود إلى الكوفة فمات قبل معاوية بشهر.
وأقبل على عبد الرَّحمن بن حسَّان فقال له: يا أخا ربيعة! ما تقول في عليّ؟ قال: أشهد أنَّه من الذاكرين الله كثيراً والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والعافين عن الناس. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: وأوَّل من فتح أبواب الظلم، وارتج أبواب الحقِّ قال: قتلت نفسك. قال: بل إيّاك قتلت لا ربيعة بالوادي (يعني انَّه ليس ثمَّ أحدٌ من قومه فيتكلّم فيه) فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه: إنَّ هذا شرُّ مَن بعثت به، فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها، واقتله شرَّ قتلة.
فلمّا قدم به على زياد بعث به إلى قيس الناطف فدفنه حيّاً.
الأغاني لأبي الفرج ١٦: ١٠، تاريخ الطبري ٦: ١٥٥، تاريخ ابن عساكر ٢: ٣٧٩، الكامل لابن الأثير ٣: ٢٠٩.
قال الأميني: انظر إلى تصلُّب الرجل الدينيِّ في معتقده في حقِّ الرجلين: علىّ أمير المؤمنين، وعثمان، وكيف بلغ من ذلك حدّاً إستباح فيه أن يُراق دمه دون أن يعدل عمّا عقد عليه ضميره، وأخبتت إليه نفسه، وكان يرى من واجبه الإشادة بما ذكر وان اُريق عليه دمه الطاهر، واُسبلت نفسه الزكيَّة.
_١٢_
حديث هاشم المرقال
خرج يوم صفِّين (من عسكر معاوية) فتىً شابّ وهو يقول:
أنا ابن أرباب الملوك غسّانْ |
والدائن اليوم بدين عثمانْ |
|
أنبأنا أقوامنا بما كانْ: |
إنَّ علياً قَتَل ابن عفانْ |
ثمَّ شدَّ فلا ينثني يضرب بسيفه، ثمَّ جعل يلعن عليّاً ويشتمه ويُسهب في ذمِّه، فقال له هاشم بن عتبة: إنَّ هذا الكلام بعدَه الخصام، وإنَّ هذا القتال بعده الحساب فاتَّق الله فانَّك راجعٌ إلى ربِّك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به، قال: فإنِّي اُقاتلكم لأنَّ صاحبكم لا يصلّي كما ذُكر لي، وإنَّكم لا تُصلّون، واُقاتلكم إنَّ صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان؟ إنَّما قتله أصحاب محمَّد وقرّاء الناس حين أحدثَ أحداثاً وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمَّد هم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في اُمور المسلمين، وما أظنُّ أنَّ أمر هذه الاُمَّة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قطُّ. قال الفتى: أجل أجل والله لا أكذب فانَّ الكذب يضرّ ولا ينفع ويشين ولا يزين. فقال له هاشم: إنَّ هذا الأمر لا علم لك به فخلّه وأهل العلم به. قال: أظنّك والله قد نصحتني. وقال له هاشم: وأمّا قولك: إنَّ صاحبنا لا يصلّي. فهو أوَّل مَن صلّى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله، وأمّا من ترى معه فكلّهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجّداً، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون. قال الفتى: يا عبد الله! إنِّي لأظنّك امرءاً صالحاً، وأظنّني مخطئاً آثماً، أخبرني هل تجد لي من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك فإنَّه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيِّئات ويحبُّ التوّابين ويحبُّ المتطهِّرين. الحديث(١) .
قال الأميني: هذا هاشم المرقال الصحابيُّ المقدَّس، وبطل الدين العظيم، وهذا رأيه في عثمان وهو يبوح به في موقف قتال حصل من جرّاء قتله، مبرِّراً فيه عمل المجهزين عليه، ويرى انَّه خالف حكم الكتاب وأحدث أحداثاً أباحت لأصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم قتله وانَّ مَن قتله هم أهل الدين والقرآن.
_١٣_
حديث جهجاه بن سعيد
الغفاري ممَّن بايع تحت الشجرة(٢)
ورد من طريق أبي حبيبة انَّه قال: خطب عثمان الناس فقام اليه جهجاه الغفاري:
____________________
١ - كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص ٤٠٢، تاريخ الطبرى ٦: ٢٣، شرح ابن ابى الحديد ٢: ٢٧٨، الكامل لابن الاثير ٣: ١٣٥.
٢ - الاستيعاب. اسد الغابة. الاصابة.
فصاح: يا عثمان! ألا إنَّ هذه شارفٌ قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة فأنزل فلندرِّعك العباءة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثمَّ نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبَّحك الله وقبَّح ما جئت به. قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلاّ عن ملأ عن الناس، وقام إلى عثمان خيرته وشيعته من بني اُميَّة فحملوه فأدخلوه الدار.
وجاء من طريق عبد الرّحمن بن حاطب قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم التي كان عليها وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال له جهجاه: قم يا نعثل! فانزل عن هذا المنبر. وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الاُكلة فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدّوها فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلّا خرجة أو خرجتين حتَّى حُصر فقتل.
وفي لفظ البلاذري: خطب عثمان في بعض أيّامه فقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يا عثمان! انزل ندرِّعك عباءةً ونحملك على شارف من الإبل إلى جبل الدخان كما سيَّرت خيار الناس، فقال له عثمان: قبَّحك الله وقبَّح ما جئت به. وكان جهجاه متغيِّظاً على عثمان، فلمَّا كان يوم الدار ودخل عليه ومعه عصاً كان النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم يتخصَّر بها فكسرها على ركبته فوقعت فيها الاكلة.
راجع الأنساب للبلاذري ٥: ٤٧، تاريخ الطبري ٥: ١١٤، الاستيعاب في ترجمة جهجاه، الكامل لابن الأثير ٣: ٧٠، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٦٥، الرياض النضرة ٢: ١٢٣، تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٥، الاصابة ١: ٢٥٣، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٠.
قال الأميني: الجهجاه من أهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه بنصِّ الذكر الحكيم وهو يستبيح خلع عثمان ونفيه وتشهيره ملفوفاً بعباءة مكبّلاً بالحديد إلى جبل الدخان، ولا يتحرَّج من هتكه وكسر مخصرته، وإنَّما قال ما قاله وفعل ما فعل بمحضر من المهاجرين والأنصار، فلم يؤاخذه على ذلك أحدٌ منهم ولا ردَّ عليه رادٌّ، فكأنَّه كان يُخبر عن صميم أفئدتهم، وأظهر ما أضمروه، وجاء بما أحبّوه حتّى قضى ما كان مقتضياً.
إنَّ حدوث الجرح في ركبة جهجاه لولوج شيء من كسرات العصا فبها المتحوّل اُكلة إن صحَّ فمن ولائد الإتفاق وليس بكرامة للقتيل، كما أنّ وقوع عبد الله بن
أبي ربيعة المخزومي والي عثمان على اليمن من مركبه وموته وقد جاء لنصر عثمان لم يكن نقمةً ولا نكبةً له. قال أبو عمر وغيره: جاء عبد الله المخزومي لينصره لَمّا حُصر فسقط عن راحلته بقرب مكّة فمات(١) .
وقال البلاذري في الأنساب ٨٧٥: أقبل عبد الله المخزومي وكان عامله على مخاليف الجند لينصره فلمّا انتهى إلى بطن نخلة سقط عن راحلته فانكسرت رجله فانصرف إلى أهله.
١٤ - حديث سهل بن حنيف
أبي ثابت الأنصاري (يدريٌّ)
١٥ - رفاعة بن رافع بن مالك
أبي معاذ الأنصاري (بدريٌّ)
١٦ - الحجاج بن غزية الانصارى
قال البلاذري في الأنساب ٥: ٧٨: قال أبو مخنف في روايته: إنَّ زيد بن ثابت الأنصاري قال: يا معشر الأنصار! إنَّكم نصرتم الله ونبيّه فانصروا خليفته. فأجابه قومٌ منهم فقال سهل بن حنيف: يا زيد! أشبعك عثمان بن عضدان المدينة - والعضيدة نخلة قصيرةُ ينال حملها - فقال زيد: لا تقتلوا الشيخ ودعوه حتّى يموت فما أقرب أجله. فقال الحجّاج بن غزيَّة الأنصاري أحد بني النجّار: والله لو لم يبق من عمره إلّا بين الظهر والعصر لتقرَّبنا إلى الله بدمه.
وجاء رفاعة بن مالك الأنصاري ثمَّ الزرقي بنار في حطب فأشعلها في أحد البابين فاحترق وسقط، وفتح النّاس الباب الآخر واقتحموا الدار.
وفي لفظ للبلاذري ص ٩٠: قال زيد للأنصار: إنَّكم نصرتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكنتم أنصار الله فانصروا خليفته تكونوا أنصاراً لِلَّه مرَّتين. فقال: الحجّاج بن غزيّة: والله إن تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول، والله لو لم يبق من أجله إلّا ما بين العصر إلى الليل لتقرَّبنا إلى الله بدمه.
وقال ابن حجر في الإصابة ١: ٣١٣: روى الحجّاج بن غزيَّة أصحاب السنن
____________________
١ - الاستيعاب ١: ٣٥١، اسد الغابة ٣: ١٥٥، الاصابة ٢: ٣٠٥.
حديثاً صرَّح بسماعه فيه من النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحجِّ قال ابن المديني: هو الذي ضرب مروان يوم الدار حتّى سقط(١) .
قال الأميني: نظريَّة هؤلاء الثلاثة ليست بأقلّ صراحة من نظريّات إخوانهم المهاجرين والأنصار في استباحة دم الخليفة وإزالته عن منصَّة الملك الإسلام الديني.
_١٧_
حديث أبي أيوب الانصارى
من السابقين من جلّة الصحابة البدريِّين
قال في خطبة له: إنَّ أمير المؤمنين - أكرمه - الله قد استمع من كانت له اُذنٌ واعية وقلبٌ حفيظ، إنَّ الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حقَّ قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عمِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخير المسلمين وأفضلهم وسيِّدهم بعده، يفقّهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلّين، فوالله لكأنّكم صمٌّ لا تسمعون، وقلوبكم غلفٌ مطبوعٌ عليها فلا تستجيبون، عباد الله! أليس إنَّما عهدكم بالجور والعدوان أمس؟ وقد شمل العباد، وشاع في الإسلام، فذو حقّ محرومٌ مشتومٌ عرضه، ومضروبٌ ظهره، وملطومٌ وجهه، وموطوءٌ بطنه، ومُلقىً بالعراء، فلمّا جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحقِّ، ونشر العدل، وعمل بالكتاب، فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تتولّوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، أشحذوا السيوف وجدّدوا آلة الحرب، واستعدّوا للجهاد، فإذا دُعيتم فأجيبوا، وإذا اُمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصّادقين.
الإمامة والسياسة ١: ١١٢ في طبع وفي آخر ص ١٢٨، جمهرة الخطب ١: ٢٣٦ قال الأميني: هذا أبو أيّوب الأنصاري عظيم الصحابة الذي اختار الله داره منزلاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من بين الأنصار، وحسبه ذلك شرفاً، وهو من البدريِّين، وشهد المغازي كلّها، وقد دعا له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا أخذ شيئاً من كريمته الشريفة بقوله: لا يصيبك السوء يا أبا أيّوب! وهذا يعمُّ الأسواء الظاهرة من قتل بهوان وأسر وسجن في مذلّة وأمراض مخزية من جذام وبرص غيرهما، واختلال في العقل، والأسواء المعنويَّة من تزحزح عن الايمان وتضعضع في العقيدة، وانحياز عن الدين، فهو رضوان الله عليه ملكوءٌ
____________________
١ - سيوافيك حديث ضربه مروان.
عن هذه كلّها بتلك الدعوة المجابة، وهو مع فضله هذا يعدُّ عهد عثمان عهد جور و عدوان، ويعدّد ما حدث هنالك من البوائق النازلة على صلحاء الاُمَّة كأبي ذر وعمّار وابن مسعود وغيرهم ممَّا مرَّ تفصيله، ولو لم يكن إلّا شهادة أبي أيّوب لكفت حجَّة في كلِّ مهمَّة، فكيف وقد صافقه على ما يقول سروات المهاجرين والأنصار؟.
_١٨_
حديث قيس بن سعد
ابن عبادة الأنصاري، سيِّد الخزرج « بدريٌّ »
١ - من خطبة له خطبها بمصر في أخذ البيعة لأمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه قال: ألحمد لِلّه الذي جاء بالحقِّ وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيُّها النّاس إنّا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمَّد نبيِّناصلىاللهعليهوآلهوسلم فقوموا أيُّها النّاس فبايعوا على كتاب الله وسنَّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
تاريخ الطبري ٥: ٢٢٨، الكامل لابن الأثير ٣: ١١٥، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٣.
٢ - من كتاب لمعاوية إلى قيس بن سعد قبل وقعة صفِّين: أمّا بعد: فإنَّكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفّان رضي الله عنه في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط ضربها، أو شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في إستعماله الفُتي، فإنَّكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أنَّ دمه لم يكن يحلّ لكم، فقد ركبتم عظيماً من الأمر وجئتم شيئاً إدّا، فتب إلى الله عزَّ وجلَّ يا قيس بن سعد! فإنَّك كنت في المجلبين على عثمان بن عفّان رضي الله عنه إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً.
فأمّا صاحبك: فإنّا استيقنّا أنَّه الذي أغرى به النّاس وحملهم على قتله حتّى قتلوه وإنَّه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس! أن تكون ممَّن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين إذا ظهرتُ ما بقيتُ، ولمن أحببتَ مِن أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا ممّا تحبّ فإنَّك لا تسألني شيئاً إلّا اُوتيته، واكتب إليَّ برأيك فيما كتبت به إليك والسَّلام.
فكتب إليه قيس:
أمّا بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان رضي الله عنه وذلك أمرٌ لم اُقارفه ولم أطف به. وذكرت صاحبي هو أغرى الناس بعثمان ودسَّهم إليه حتّى قتلوه، وهذا لم أطَّلع عليه، وذكرت عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأوَّل النّاس كان فيه قياماً عشيرتي.إلخ.
وفي لفظ: فلعمري إنَّ أولى الناس في أمره عشيرتي. فلعمري إنَّ أوَّل النّاس كان فيه قياماً عشيرتي ولهم اُسوة.
تاريخ الطبري ٥: ٢٢٧، كامل ابن الأثير ٣: ١١٦، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٣، النجوم الزاهرة ١: ٩٩، جمهرة الرسائل ١: ٥٢٤.
٣ - تحاور قيس بن سعد والنعمان بن بشير بين الصفَّين بصفِّين فقال النعمان: يا قيس بن سعد! أما أنصفكم مَن دعاكم إلى ما رضي لنفسه؟ إنَّكم يا معشر الأنصار! أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم على أهل الشام بصفّين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليّاً، كان هذا بهذا، ولكنّكم خذلتم حقّاً، و نصرتم باطلاً، ثمَّ لم ترضوا أن تكونوا كالناس، شعلتم الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعاً إلى برازكم غير أنكاس عن حربكم. الكلام.
فضحك قيس وقال: والله ما كنت أراك يا نعمان! تجترئ على هذا المقام، أمّا المنصف المـُحقّ فلا ينصح أخاه مَن غشَّ نفسه، وأنت والله الغاشُّ لنفسه، المبطل فيما نصح غيره.
أمّا ذكر عثمان فإن كان الايجاز يكفيك؟ فخذه. قتل عثمان مَن لستَ خيراً منه، وخذله من هو خيرٌ منك، وأمّا أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث، وأمّا معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار. وأمّا قولك: إنّا لسنا كالناس فنحن في هذه الحرب كما كنّا مع رسول الله، نلقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا، حتّى جاء الحقُّ وظهر أمر الله وهم كارهون. ولكن اُنظر يا نعمان! هل ترى مع معاوية إلّا طليقاً أعرابيّاً أو يمانيّاً مستدرجاً؟ وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون باحسان، الذين رضي الله
عنهم ورضوا عنه؟ ثمَّ انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك؟(١) ولستما والله بدريَّين ولا عقبيَّين(٢) ولا لكما سابقةٌ في الإسلام ولا آية في القرآن.
كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ٥١١، الامامة والسياسة ١: ٩٤، وفي ط ٨٣، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٩٨، جمهرة الخطب ١: ١٩٠.
٤ - قدم المدينة قيس بن سعد فجاءه حسان بن ثابت شامتاً به وكان حسان عثمانياً فقال له: نزعك عليُّ بن أبي طالب وقد قتلت عثمان، فبقي عليك الإثم ولم يحسن لك الشكر. فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك، اُخرج عنِّي. تاريخ الطبري ٥: ٣٢١، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٥.
قال الأميني: إنَّ فتى الأنصار وأمير الخزرج وابن أميرها قيس بن سعد الذي تقدَّمت فضائله وفواضله في الجزء الثاني ص ٦٩ - ١١٠ ط ٢ تراه يتبجَّح في كتابه إلى معاوية بأنَّ عشيرته الأنصار كانوا أوَّل الناس قياماً في دم عثمان، وفي خطبته ترى أنَّ الحقَّ المحيى مع مولانا أمير المؤمنين، وإنَّ الباطل الذي اُميت كان في العهد البائد بقتل عثمان، وأنَّ المقتولين في واقعة الدار هم الظالمون، واعطف على هذه كلّها محاورته مع النعمان بن بشير بصفّين، فالكلُّ لهجةٌ واحدةٌ من رئيٍّ في الدين والدنيا واحد.
_١٩_
حديث فروة بن عمرو
ابن ودقة البياضي الأنصاري (بدريٌّ)
أخرج مالك في الموطأ حديثه في باب (العمل في القراءة) وسكت عن اسمه ولم يسمِّه، بل ذكره بلقبه « البياضي » وقال ابن وضاح(٣) وابن مزين(٤) : إنَّما سكت مالك عن اسمه، لأنَّه كان ممَّن أعان على قتل عثمان.
وعقَّبه أبو عمر في « الاستيعاب » فقال: هذا لا يُعرف ولا وجه لما قالاه في ذلك و لم يكن لقائل هذا علمٌ بما كان من الأنصار يوم الدار.
____________________
١ - يعنى به عمرو بن العاص.
٢ - يعنى ممن بايعوه صلى الله عليه وآله فى العقبة.
٣ - أبو عبد الله محمد بن الحسين بن على بن الوضاح الانبارى المتوفى ٣٤٥.
٤ - كذا في الاستيعاب واسد الغابة وشرح الموطأ للزرقاني، وفي الاصابة: ابن سيرين.
الإستيعاب ترجمة فروة، اسد الغابة ٤: ١٧٩، الاصابة ٣: ٢٠٤، شرح الموطأ للزرقاني ١: ١٥٢.
قال الأميني: الذي يشهد ببطلان ما قالاه انَّ ما حسبوه جريمة من فروة إن كان مسقطاً لعدالته؟ فالإخراج عنه باطلٌ سمّاه أولم يسمِّه، وإن كان غير مسقط لها؟ فهو مشمولٌ لما عمَّ الصحابة عند القوم من الفضل والعدالة، وإنَّ روايته حجَّة يُؤخذ بها ولا يضرُّه إذن إلغاء الإسم، ثمَّ إن كانت هذه الجريمة ممّا يُؤاخذ به صاحبه؟ فهي عامَّة للأنصار كلّهم كما أو عز إليه أبو عمر بقوله: لم يكن لقائل هذا علمٌ بما كان من الأنصار يوم الدار. فيجب إسقاط رواياتهم أو السكوت عن اسمائهم جمعاء. وبالجملة: إنَّ هذا الأنصاريُّ البدريُّ عُدَّ ممَّن أعان على قتل عثمان، ولم يشذَّ في رأيه عن الأنصار أو عن بقيَّة الصحابة أجمع.
_٢٠_
حديث محمد بن عمرو
ابن حزم أبي سليمان الأنصاري
أحد المحامدة الذين سمّاهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم محمَّداً. قال أبو عمر في « الاستيعاب » في ترجمته: يقال: إنَّه كان أشدَّ الناس على عثمان المحمَّدون: محمَّد بن أبي بكر. محمَّد بن أبي حذيفة. محمَّد بن عمرو بن حزم.
_٢١_
حديث جابر بن عبد الله
أبي عبد الله الأنصاريّ الصحابيّ العظيم وقوم آخرين من الصحابة
لَمّا فرغ الحجّاج من أمر ابن الزبير كنس المسجد الحرام من الحجارة والدم وأتته ولاية مكّة والمدينة، وكان عبد الملك حين بعثه لقتال عبد الله بن الزبير عقد له على مكّة ولكنَّه أحبَّ تجديد ولايته إيّاها، فشخص الحجّاج إلى المدينة، واستخلف على مكّة عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث الخزاعي، فلمّا قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخفَّ بهم وقال: إنَّهم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم يد جابر بن عبد الله برصاص وأيدي قوم آخرين كما يُفعل بالذمَّة، منهم: أنس بن مالك
ختم عنقه، وأرسل إلى سهل بن سعد فدعاه فقال: ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان ابن عفان؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت. ثمَّ أمر به فختم في عنقه برصاص.
أنساب البلاذري ٥: ٣٧٣، تاريخ الطبري ٧: ٢٠٦، الكامل لابن الأثير ٤: ١٤٩
قال الأميني: تُعطي هذه الرِّواية أنَّ مؤاخذة الحجّاج لبقيَّة الصحابة وفيهم جابر - صاحب الحلقة في مسجد النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم يُؤخذ منه العلم كما في الاصابة ١: ٢١٣ - كانت لتدخُّلهم في واقعة عثمان بمباشرة أو تخذيل عنه أو بتقاعد عن نصرته، نحن لا نقول بوثاقة الرجل فيها يرويه كما لا نقول بسداده فيما يرتأيه، غير أنَّ الحالة تشهد أنَّ تلكم النسبة كانت مشهورةً بين الملأ فاحتجَّ بها الحجّاج على ما ارتكبه من إهانتهم ولم يظهر من القوم أيُّ إنكار لما رُموا به ردئاً لعادية الطاغية، لكنَّهم صبروا على البلاء وشدَّة المنازلة ثباتاً منهم على ما ارتكبوه في واقعة الدار.
_٢٢_
حديث جبلة بن عمرو(١)
ابن ساعدة الساعدي الأنصاري (بدريٌّ)
أخرج الطبري من طريق عثمان بن الشريد قال: مرَّ عثمان علي جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعةٌ فقال: يا نعثل؟ والله لأقتلنَّك ولأحملنَّك على قلوص جرباء ولأخرجنَّك إلى حرَّة النار، ثمَّ جاءه مرَّة اُخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه وأخرج من طريق عامر بن سعد قال: كان أوَّل من اجرأ على عثمان بالمنطق السيِّء جبلة بن عمرو الساعدي، مرَّ به عثمان وهو جالسٌ في نديِّ قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعةٌ، فلمّا مرَّ عثمان سلّم فردّ القوم فقال جبلة: لِمَ تردُّون على رجل فعل كذا وكذا؟ قال: ثمَّ أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحنَّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنَّ بطانتك هذه. قال عثمان: أيّ بطانة؟ فوالله إنِّي لا أتخيَّر الناس. فقال: مروان تخيَّرته، ومعاوية تخيَّرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيَّرته، وعبد الله بن سعد تخيَّرته، منهم من نزل القرآن بذمِّه وأباح رسول الله دمه(٢) قال: فانصرف عثمان فما
____________________
١ - قال البلاذرى فى الانساب ٥: ٤٧: قال الكلبى: هو رخيلة بن ثعلبة البياضى، بدرى.
٢ - هو عبد الله بن سعد راجع ما اسلفناه فى ج ٨: ٢٨٠ ط ٢.
زال الناسمجترئين عليه إلى هذا اليوم.
تاريخ الطبري ٥: ١١٤، الكامل لابن الأثير ٣: ٧٠، تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٦، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٦٥.
وأخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٤٧ الحديث الأوَّل باللفظ المذكور فقال: ثمَّ أتاه وهو على المنبر فأنزله، وكان أوّل من اجترأ على عثمان وتجهَّمه بالمنطق الغليظ وأتاه يوماً بجامعة فقال: والله لأطرحنّها في عنقك، أو لتتركنَّ بطانتك هذه، أطعمت الحارث بن الحكم السوق وفعلتَ وفعلتَ، وكان عثمان ولَّى الحارث السوق فكان يشتري الجَلَب بحكمه ويبيعه بسومه، ويجبي مقاعد المتسوِّقين، ويصنع صنيعاً منكراً، فكلّم في إخراج السوق من يده فلم يفعل، وقيل لجبلة في أمر عثمان وسُئل الكفَّ عنه فقال: والله لا ألقى الله غداً فأقول: إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيل.
وأخرج ابن شبه في أخبار المدينة من طريق عبد الرَّحمن بن الأزهر: انَّهم لَمّا أرادوا دفن عثمان فانتهوا إلى البقيع من دفنه جبلة بن عمرو فانطلقوا إلى حشِّ كوكب فدفنوه فيه(١) .
قال الأميني: إنّك جِدُّ عليم بما في هذا الرجل المبجَّل البدريّ الذي أثنى عليه أبو عمر في « الاستيعاب » بقوله: كان فاضلاً من فقهاء الصحابة. وهو أحد الصحابة العدول الذين يُحتجُّ بما رووه أو رأوه من شدَّة على عثمان وثباة عليها، حتّى انَّه يعدّ المحايدة يومئذ من الضلال الذي يأمر به السّادة والكبراء الضالّون، ويهدّد عثمان و يرعد ويبرق وينهى عن ردّ السّلام عليه الذي هو تحيَّة المسلمين، ومن الواجب شرعاً ردُّها، وينزِّله عن منبر الخطابة إنزالاً عنيفاً بين الملأ، ثمَّ لم يزل يستخفُّ به ويهينه ولا تأخذه فيه هوادة حتّى منعه عن الدفن في البقيع، فدفن في حشِّ كوكب مقابر اليهود وكلُّ هذه لا تلتئم مع حسن ظنّه به فضلاً عن حسن عقيدته.
نعم: إنَّ جبلة فعل هذه الأفاعيل بين ظهراني الملأ الديني الصحابة العدول وهم بين مُتجمهرٍ معه، ومُخذِّلٍ عن الخليفة المقتول، ومتثبِّطٍ عنه، وراضٍ بما دارت على الخليفة من دائرة سوء، ما خلا شذّاذ من الأمويِّين الذين وصفهم جبلة فى بيانه،
____________________
١ - الاصابة ١: ٢٢٣.
وقدَّمنا نحن تفصيل ما نزل في القرآن فيهم في الجزء الثامن(١) ولم تقم الجامعة الدينيَّة لهم ولآرائهم وزناً.
_٢٣_
حديث محمد بن مسلمة
أبي عبد الرحمن الأنصاري (بدريٌّ)
أخرج الطبري من طريق محمّد بن مسلمة قال: خرجت في نفر من قومي إلى المصريِّين وكان رؤساءهم أربعة: عبد الرَّحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن النباع(٢) قال: فدخلت عليهم وهم في خباء لهم أربعتهم ورأيت الناس لهم تبعاً، قال: فعظَّمتُ حقّ عثمان، وما في رقابهم من البيعة، وخوّفتهم بالفتنة، وأعلمتهم أنَّ في قتله اختلافاً وأمراً عظيماً، فلا تكونوا أوَّل من فتحه وانَّه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه وأنا ضامنٌ لذلك. قال القوم: فإن لم ينزع قال: قلت فأمركم إليكم. قال: فانصرف القوم وهم راضون فرجعت إلى عثمان فقلت: اخلني. فأخلاني فقلت: الله الله يا عثمان! في نفسك، إنَّ هؤلاء القوم إنّما قدموا يريدون دمك وأنت ترىِ خذلان أصحابك لك، لا، بل هم يقوّون عدوّك عليك، قال: فأعطاني الرضا وجزّاني خيراً قال: ثمَّ خرجت من عنده فأقمت ما شاء الله أن اُقيم، قال: وقد تكلّم عثمان برجوع المصريِّين وذكر أنَّهم جاءوا لأمر فبلغهم غيره فانصرفوا. فأردت أن آتيه فاُعنّفه ثمَّ سكتُّ فإذا قائلٌ يقول: قد قدم المصريّون وهم بالسويداء(٣) قال: قلت: أحقَّ ما تقول؟ قال: نعم، قال: فأرسل إلىَّ عثمان، قال: وإذا الخبر قد جاءه و قد نزل القوم من ساعتهم ذا خُشب(٤) فقال: يا أبا عبد الرَّحمن! هؤلاء القوم قد رجعوا فما الرأي فيهم؟ قال قلت: والله ما أدري إلّا إنِّي أظنّ أنَّهم لم يرجعوا لخير قال: فارجع إليهم فارددهم قال: قلت: لا والله ما أنا بفاعل، قال: ولِمَ؟ قال: لأنِّي ضمنت لهم اموراً تنزع عنها، فلم تنزع عن حرف منها قال: فقال: الله المستعان قال: وخرجت
____________________
١ - راجع صفحة ٢٤٧ - ٢٤٩، ٢٧٥، ٢١٨ ط ٢.
٢ - كذا فى تاريخ الطبرى وفيما حكى عنه والصحيح: ابن البياع وهو عروة بن شييم الليثى.
٣ - السويداء: موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام.
٤ - واد على مسيرة ليلة من المدينة.
وقدم القوم وحلّوا بالأسواف وحصروا عثمان وجاءني عبد الرَّحمن ابن عديس ومعه سودان بن حمران وصاحباه فقالوا: يا أبا عبد الرَّحمن ألم تعلم أنَّك كلّمتنا ورددتنا وزعمتَ انَّ صاحبنا نازعٌ عما نكره؟ فقلت: بلى، فإذا هم يُخرجون إلىَّ صحيفة صغيرة وإذا قصبة من رصاص فإذا هم يقولون: وجدنا جملاً من إبل الصدقة عليه غلام عثمان فأخذنا متاعه ففتَّشناه فوجدنا فيه هذا الكتاب. الحديث يأتي بتمامه.
تاريخ الطبري ٥: ١١٨، الكامل لابن الأثير ٣: ٧٠.
قال الأميني: إنّك تجد محمّد بن مسلمة هاهنا لا يشك في أنَّ ما نقمه القوم على الخليفة موبقات يستحلُّ بها هتك الحرمات ممّن ارتكبها، لكنّه كره المناجزة وحاول الإصلاحِ حذار الفتنة المستتبعة لطامات وهنا بث، وسعى سعيه في ردِّ القوم بضمانه عسى أن ينزع الخليفة عمّا فرَّط في جنب الله، وأن يكون ذلك توبة نصوحاً، فلعلَّ الفورة تهدأ، ولهيب الثورة يخبأ، لكنّه لمـّا شاهد الفشل في مسعاه، وأخفق ظنّه بعثمان، و رأى منه حنث الإلِّ، وعدم النزوع عن أحداثه، تركه والقوم، فارتكبوا منه ما ارتكبوا ولم يجبه حينما استنصره، ولم يُقم لطلبته وزناً، ولم يرَ له حرمة يدافع بها عنه، و لذلك خاشنه في القول، فكان ما كان مقضيّاً.
_٢٤_
حديث ابن عباس
حبر الاُمّة ابن عمِّ النبيِّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم
١ - أخرج أبو عمر في « الاستيعاب » في ترجمة مولانا أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه من طريق طارق قال: جاء ناسٌ إلى ابن عبّاس فقالوا: جئناك نسألك فقال: سلوا عمّا شئتم فقالوا: أيّ رجل كان أبو بكر؟ فقال: كان خيراً كلّه. أو قال: كالخير كلّه على حِدَّة كانت فيه. قالوا: فأيّ رجل كان عمر؟ قال: كان كالطائر الحذر الذي يظنُّ أنَّ له في كلِّ طريق شركاً. قالوا: فأيّ رجل كان عثمان؟ قال: رجل ألهته نومته عن يقظته. قال: فأيّ رجل كان عليّ؟ قال: كان قد مُلئ جوفه حكماً وعلماً وبأساً و نجدةً مع قرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان يظنّ أن لا يمدَّ يده إلى شيء إلّا ناله، فما مدَّ يده إلى شيء فناله.
٢ - من كتاب لمعاوية إلى ابن عبّاس: لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لِلَّه رضا وأن يكون رأياً صواباً، فإنَّك من الساعين عليه، والخاذلين له، و السافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلحٌ فيمنعك منِّي ولا بيدك أمان(١) .
فكتب إليه ابن عبّاس جواباً طويلاً يقول فيه: وأمّا قولك « إنِّي من الساعين على عثمان والخاذلين له، والسافكين له، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منِّي » فاقسم بالله لأنت المتربِّص بقتله، والمحبُّ لهلاكه، والحابس الناس قِبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت به حتَّى بعثت إليه معذراً باجرة أنت تعلم انّهم لن يتركوه حتّى يُقتل، فقتل كما كنت أردت ثمَّ علمت عند ذلك أن النّاس لن يعدلوا بيننا و بينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه، وتقول قُتل مظلوماً، فإن يك قُتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين، ثمَّ لم تزل مصوِّباً و مصعّداً وجاثماً ورابضاً تستغوي الجهّال وتنازعنا حقّنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت وإن أدري لعلّه فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين.
قال الأميني: إنَّ حبر الاُمّة وإن لم يكن له أيّ تدخّل في واقعة الدار، وكان أمير الحاجِّ في سنته تلك، لكنّك تراه لا يشذّ عن الصحابة في الرأي حول الخليفة، ولا يقيم له وزناً، ولا يرى له مكانة، ومن أجل ذلك أعطى المقام حقَّه في جواب السائل عن الخلفاء، غير انّه لم يصف عثمان إلّا بما يُنبأ عن عدم كفائته برقدته الطويلة الغاشية على يقظته، وسُباته العميق الساتر لإنتباهته، ومن جرَّاء ذلك الإعتقاد تجده لم يهتم بشيء من أمره لمـّا جاءه نافع بن طريف بكتاب(٢) من الخليفة يستنجد الحجيج و يستغيث بهم، على حين انَّه محصورٌ، فقرأه نافع على الناس بينما كان ابن عبّاس يخطب فلمّا نجزت قراءته أتمَّ خطبته من حيث أفضت اليه، ولم يلو إلى أمر عثمان وحصاره، ولم ينبس في أمره ببنت شفة، وكان في وسعه أن يستثيرهم لنصرته، وهل ذلك كلّه لسوء رأي منه في الخليفة؟ أو لعدم الإهتمام في أمره؟ أو لحسن ظنّه بالثائرين عليه؟ إختر ما شئت، ولعلّك تختار تحقّق الجميع لدى ابن عباس، وكأنَّ عائشة شعرت منه
____________________
١ - شرح ابن الحديد ٤: ٥٨. قال: كتبه اليه عند صلح الحسن عليه السلام يدعوه الى بيعته
٢ - يأتى تفصيله فى هذا الجزء عند ذكر كتب عثمان ان شاء الله.
ذلك فقالت يوم مرَّ بها ابن عبّاس في منزل من منازل الحجِّ: يا ابن عبّاس! إنَّ الله قد اتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردَّ النّاس عن هذا الطاغية.(١)
ومن جرّاء رأيه الذايع الشايع كان يحذر معاوية ويخاف بطشه، ولمـّا قال له أمير المؤمنينعليهالسلام : إذهب أنت إلى الشام فقد وليّتكها. قال: إنِّي أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك، ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنّه وعده. الحديث(٢)
وفي أثر ذلك الرأي كان يسكت عن لعن قتلة عثمان ولَمّا كتب اليه معاوية: أن اخرج إلى المسجد والعن قتلة عثمان. أجاب بقوله: لعثمان ولدٌ وخاصَّة وقرابة هم أحقّ بلعنهم منِّي، فإن شاءوا أن يلعنوا، وإن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا(٣) .
_٢٥_
حديث عمرو بن العاصي
الذي عرَّفناكه في ج ٢ ص ١٢٠ - ١٧٦
أخرج الطبري من طريق أبي عون مولى المسور قال: كان عمرو بن العاصي على مصر عاملاً لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصَّلاة، استعمل عبد الله بن سعد على الخراج، ثمَّ جمعهما لعبد الله بن سعد، فلمّا قدم عمرو بن العاصي المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل اليه يوماً عثمان خالياً به فقال: يا ابن النابغة ما أسرع ما قمل به جربّان جبَّتك؟ إنَّما عهدك بالعمل عاماً أوَّل، أتطعن عليَّ، ويأتيني بوجه، وتذهب عنِّي بآخر؟ والله لولا اُكلة ما فعلت ذلك. فقال عمرو: إنَّ كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطلٌ، فاتَّق الله يا أمير المؤمنين! في رعيِّتك، فقال عثمان: والله لو استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك، فقال عمرو: قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عنِّي راض فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ولكنِّي لنتُ عليك فاجترأت عليَّ، أمّا والله لأنا أعزُّ منك نفراً في الجاهليَّة وقبل أن ألي هذا
____________________
١ - راجع ما مر فى هذا الجزء من حديث عائشة.
٢ - تاريخ ابن كثير ٧: ٢٢٨، الكامل لابن الاثير ٣: ٨٣.
٣ - الامامة والسياسة قتيبة ١: ١٤٨.
السلطان، فقال عمرو: دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وهدانا به، قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاصي كان أشرف من أبيك(١) فانكسر عثمان وقال: ما لنا ولذكر الجاهليَّة، وخرج عمرو ودخل مروان فقال: يا أمير المؤمنين! وقد بلغت مبلغاً يذكر عمرو بن العاصي أباك، فقال عثمان: دع هذا عنك، مَن ذكر آباء الرجال ذكروا أباه. قال فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقدٌ عليه يأتي عليّاً مرَّة فيؤلّبه على عثمان، ويأتي الزبير مرَّة فيؤلّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرَّة فيؤلّبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حصر عثمان الأوَّل خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها: السبع، فنزل في قصر له يقال له: العجلان وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان قال: فبينا هو جالسٌ في قصره ذلك ومعه إبناه محمَّد، وعبد الله، وسلامة بن رَوح الجذامي إذا مرَّ بهم راكبٌ فناداه عمرو: من أين قدم الرجل؟ فقال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل؟ يعني عثمان. قال: تركته محصوراً شديد الحصار قال عمرو: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمِكواة في النّار فلم يبرح مجلسه ذلك حتّى مرَّ به راكبٌ آخر فناداه عمرو: ما فعل الرَّجل؟ يعني عثمان. قال: قُتل. قال: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لأحرِّض عليه حتّى إنِّي لاُحرِّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش! إنَّه كان بينكم وبين العرب بابٌ وثيقٌ فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نخرج الحقَّ من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحقِّ شرعاً سواء، وكانت عند عمرو اُخت عثمان لاُمِّه اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله(٢) .
٢ – لمـّا ركب علي وركب معه ثلاثون رجلاً من المهاجرين والأنصار إلى أهل مصر في أوَّل مجيئهم المدينة ناقمين على عثمان، وردَّهم عنه فانصرفوا راجعين ورجع
____________________
١ - ليت شعرى ما مكانة عفان من الشرف ان كان يفضل عليه العاصى الساقط المشرف بقوله تعالى: « ان شانئك هو الأبتر » كما مرّ تفصيله فى الجزء الثانى ص ١٢٠ ط ٢.
٢ - تاريخ الطبرى ٥: ١٠٨، ٢٠٣، الانساب للبلاذرى ٥: ٧٤، الامامة والسياسة ١: ٤٢، الاستيعاب ترجمة عبد الله بن سعد بن أبى سرح، شرح ابن أبى الحديد ١: ٦٣، وأوعز اليه ابن كثير فى تاريخه ٧: ١٧٠ بصورة مصغرة جريا على عادته فيما لا يروقه.
عليٌّعليهالسلام إلى عثمان وأخبره انَّهم قد رجعوا، حتّى إذا كان الغد جاء مروان عثمان فقال له: تكلّم وأعلم النّاس أنَّ أهل مصر قد رجعوا، وإنَّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، فإنَّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه. فأبى عثمان أن يخرج، فلم يزل به مروان حتّى خرج فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أما بعد: إنَّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمرٌ فلمّا تيقَّنوا أنَّه باطلٌ ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم(١) فناداه عمرو بن العاصي من ناحية المسجد: إتَّق الله يا عثمان! فإنَّك قد ركبت نهابير(٢) وركبناها معك فتب إلى الله نتب، فناداه عثمان: وإنَّك هناك يا ابن النابغة؟ قملت والله جبَّتك منذ تركتك من العمل، فنودي من ناحية اُخرى: تب إلى الله وأظهر التوبة يكفّ النّاس عنك. فرفع عثمان يديه مدّاً واستقبل القبلة فقال: أللهمَّ إنِّي أوّل تائب تاب إليك.
ورجع إلى منزله، وخرج عمرو بن العاصي حتّى نزل منزله بفلسطين فكان يقول: والله إن كنت لألقى الراعي فاُحرِّضه عليه. وفي لفظ البلاذري: يا ابن النابغة! وإنَّك ممَّن تؤلِّب عليَّ الطغام؟ وفي لفظ: قال عمرو: يا عثمان! إنَّك قد ركبت بهذه الاُمَّة نهاية من الأمر وزغت فزاغوا فاعتدل أو اعتزل. وفي لفظ: ركبت بهذه الاُمَّة نهابير من الاُمور فركبوها منك، ومِلت بهم فمالوا بك، اعدل أو اعتزل.
تاريخ الطبري ٥: ١١٠، ١١٤، أنساب البلاذري ٥: ٧٤، الإستيعاب ترجمة عثمان، شرح ابن أبي الحديد ٢: ١١٣، الكامل لابن الأثير ٣: ٦٨، الفائق للزمخشري ٢: ٢٩٦، نهاية ابن الأثير ٤: ١٩٦، تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٥، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٦، لسان العرب ٧: ٩٨، تاج العروس ٣: ٥٩٢.
٣ - قال ابن قتيبة: ذكروا انَّ رجلاً من همدان يقال له « برد » قدم على معاوية فسمع عمراً يقع في عليّ فقال له: يا عمرو إنَّ أشياخنا سمعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. فحقٌّ ذلك أم باطلٌ؟ فقال عمرو: حقٌّ وأنا أزيدك انّه ليس
____________________
١ - ما عذر الخليفة فى هذا الكذب الفاحش على منبر النبى الأعظم وهو بين يدى قبره الشريف لعله يعتذر بأن مروان حثه عليه ولم يكن له منتدح من قبول أمره، والملك عقيم.
٢ - النهابير والنهابر: المهالك: الواحدة: نهبرة ونهبور.
أحدٌ من صحابة رسول الله له مناقبٌ مثل مناقب عليّ. ففزع الفتى فقال عمرو: إنَّه أفسدها بأمره في عثمان فقال برد: هل أمر أو قتل؟ قال: لا، ولكنه آوى ومنع، قال: فهل بايعه الناس عليها؟ قال: نعم. قال: فما أخرجك من بيعته؟ قال: إتِّهامي إيّاه في عثمان. قال له: وأنت أيضاً قد اُتّهمت. قال: صدقت فيها، خرجت إلى فلسطين. فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنّا أتينا قوماً أخذنا الحجَّة عليهم من أفواههم، عليٌّ على الحقِّ فاتَّبعوه. « الإمامة والسياسة ١ ص ٩٣ »
٤ - أخرج الطبري في تاريخه ٥: ٢٣٤ من طريق الواقدي قال: لَمّا بلغ عمراً قتل عثمان رضي الله عنه قال: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إنَ يلِه طلحة فهو فتى العرب سيباً، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنظف الحقَّ، وهو أكره من يليه إليَّ.
٥ - أسلفنا في حديث طويل في الجزء الثاني ص ١٣٣ - ١٣٦ ط ٢ من قول الإمام الحسن السبط الزكي لعمرو بن العاصي: وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعَّرت عَليه الدنيا ناراً، ثمَّ لحقت بفلسطين فلمّا أتاك قتله قلتَ: أنا أبو عبد الله إذا نكأت « أي قشرت » قرحةً أدميتها، ثمَّ حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ودّ، وبالله ما نصرت عثمان حيّاً، ولا غضبت له مقتولاً.
قال أبو عمر في « الاستيعاب » في ترجمة عبد الله بن سعيد بن أبي سرح: كان عمرو ابن العاصي يطعن على عثمان ويؤلِّب عليه ويسعى في إفساد أمره، فلمّا بلغه قتل عثمان وكان معتزلاً بفلسطين قال: إنِّي إذا نكأت قرحة أدميتها أو نحو هذا.
وقال في ترجمة محمَّد بن أبي حذيفة: كان عمرو بن العاص مذ عزله عثمان عن مصر يعمل حيلة في التأليب والطعن على عثمان.
وفي الإصابة ٣: ٣٨١: إنَّ عثمان لمـّا عزل عمرو بن العاص عن مصر قدم المدينة فجعل يطعن على عثمان، فبلغ عثمان فزجره، فخرج إلى أرض له بفلسطين فأقام بها.
قال الأميني: لعلَّ ممّا يستغني عن الإفاضة فيه مناوءة ابن العاصي لعثمان ورأيه في سقوطه، وتبجُّحه بالتأليب عليه، ومسرَّته على قتله، وقوله بملأ فمه: أنا أبو عبد الله قتلته
وأنا بوادي السباع. وقوله: إنِّي إذا نكأت قرحةً أدميتها. وهل الأحن بينهما استفحلت فتأثَّرت بها نفسيَّة ابن العاصي حتَّى انَّه اجتهد فأخطأ. أو انَّه أصاب الحقّ، فكان اجتهاده عن مقدَّمات صحيحة مقطوعة عن الضغائن الثائرة، معتضدة بآراء الصحابة، و أيّاماً كان فهو عند القوم من أعاظم الصحابة العدول يرى في الخليفة هذا الرأي.
_٢٦_
حديث عامر بن واثلة
أبي الطفيل الشيخ الكبير الصحابيّ.
قدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه فأرسل إليه فأتاه وهو شيخٌ كبيرُ فلمَّا دخل عليه قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر ابن واثلة؟ قال: نعم. قال معاوية: أكنت ممَّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن ممَّن شهده فلم ينصره.
قال: ولِمَ؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، فقال معاوية أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقّاً واجباً وفرضاً لازماً، فإذ ضيَّعتموه فقد فعل والله بكم ما أنتم أهله وأصاركم إلى ما رأيتم. فقال أبو الطفيل: فما منعك يا أمير المؤمنين! إذ تربَّصت به ريب المنون أن لا تنصره ومعك أهل الشام؟ قال معاوية: أوَ ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال بلى: ولكنِّي وإيّاك(١) كما قال عبيد بن الأبرص:
لأعرفنَّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي مَا زوَّدتني زادي |
فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الرَّحمن بن الحكم فلمّا جلسوا نظر إليهم معاوية ثمَّ قال: أتعرفرن هذا الشيخ؟ قالوا: لا. فقال معاوية: هذا خليل عليِّ بن أبي طالب، وفارس صفّين وشاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل. قال سعيد بن العاص: قد عرفناه يا أمير المؤمنين! فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم فزجرهم معاوية قال: فربَّ يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعاً ثمَّ قال: أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟ قال: ما اُنكرهم من سوء ولا أعرفهم بخير وأنشد شعراً:
فإن تكن العداوة قدأكنَّت |
فشرُّ عدواة المرء السبابُ |
فقال معاوية: يا أبا الطفيل! ما أبقى لك الدهر من حبِّ عليّ؟ قال: حبّ اُم
____________________
١ - كذا والصحيح كما فى مروج الذهب. ولكنك واياه.
موسى وأشكو إلى الله التقصير. فضحك معاوية وقال: ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سألوا عنِّي ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل والله لا نقول الباطل.
الإمامة والسياسة ١: ١٥٨، مروج الذهب ٢: ٦٢، تاريخ ابن عساكر ٧: ٢٠١، الإستيعاب في الكنى، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٣٣.
قال الأميني: أترى هذا الشيخ الكبير الصالح كيف يعترف بخذلانه عثمان؟ و يحكي مصافقته على ذلك عن المهاجرين والأنصار الصحابة العدول، غير متندِّم على ما فرَّط هنالك، ولو كان يتحرّج هو ومَن نقل عنهم موافقتهم له لردعتهم الصحبة والعدالة عمّا ارتكبوه من القتل والخذلان، ولو كان لحقه وإيّاهم شيءٌ من الندم لباح به وباحوا، لكنّهم اعتقدوا وأمراً فمضوا على ضوئه، وإنَّهم كانوا على بصيرة من أمرهم، وما اعتراهم الندم إلى آخر نفس لفظوه.
_١٧_
حديث سعد بن ابى وقاص
أحد العشرة المبشَّرة، وأحد الستَّة أصحاب الشورى
١ - روى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ١ ص ٤٣ قال: كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقّاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولّى كِبره فكتب إليه سعد: إنَّك سألتني من قتل عثمان وأنِّي اخبرك انَّه قُتل بسيف سلّته عائشة، وصقَّله طلحة، وسمَّه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غيَّر وتغيَّر وأحسن وأساء، فإن كنّا أحسنّا فقد أحسنّا، وإن كنّا أسأنا فنستغفر الله. الحديث مرَّ بتمامه ص ٨٣.
٢ - عن أبي حبيبة قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثمَّ خرج من عنده وهو يسترجع ممّا يرى على الباب فقال له مروان: الآن تندم؟ أنت أشعرته. فأسمع سعداً يقول: استغفر الله لم أكن أظنّ النّاس يجترؤن هذه الجرأة ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلّم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك فنزع عن كلِّ ما كُره منه وأعطى التوبة. وقال: لا أتمادى في الهلكة انَّ ما تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أتوب وأنزع. فقال مروان: إن كنت تريد أن تذبَّ عنه فعليك
بابن أبي طالب فإنَّه متستّرٌ وهو لا يُجبه. فخرج سعد حتّى أتى عليّاً وهو بين القبر والمنبر فقال: يا أبا الحسن! قم فداك أبي واُمِّي جئتك والله بخير ما جاء به أحدٌ قطّ إلى أحد، تصل رحم ابن عمّك، وتأخذ بالفضل عليه، وتحقن دمه، ويرجع الأمر على ما نحبّ. قد أعطى خليفتك من نفسه الرضى فقال عليٌّ: تقبَّل الله منه يا أبا إسحاق! والله ما زلتُ أذبّ عنه حتّى انِّي لأستحيي، ولكن مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى، فإذا نصحته وأمرته أن تنحِّيهم استغشَّني حتى جاء ما ترى، قال: فبينا هم كذلك جاء محمَّد بن أبي بكر فسارَّ عليّاً فأخذ عليٌّ بيدي ونهض عليٌّ وهو يقول: وأيّ خير توبته هذه؟ فوالله ما بلغت داري حتّى سمعت الهائعة: انَّ عثمان قد قتل. فلم نزل والله في شرّ إلى يومنا هذا. تاريخ الطبري ٥: ١٢١.
قال الأميني: يُترأى للقارئ من هذه الجمل أنَّ سعداً خذل الخليفة على حين أنَّه مكثورٌ لا يُراد به إلّا القتل وهو على علم منه أنَّه مقتولٌ لا محالة لما كان يرى انّه غيَّر ومتغيَّر، وغير عازب عن سعد حينئذ حكم الشريعة بوجوب كلاءة النفس المحترمة للمتمكّن منها وهو يقول: وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. حتّى أنّه بعد هدوء الثورة غير جازم بأنّه ارتكب حوباً في خذلانه فيقول: إن كنَّا أحسنّا فقد أحسنّا، وإن كنّا أسأنا فنستغفر الله، وعلى تقدير كونه إساءةً يراها من اللمم الممحوِّ بالاستغفار، ولعلَّ الشقَّ الأخير من كلمته مجاملة مع عمرو بن العاصي لئلاّ يلحقه الطلب بدم عثمان ولذلك ألقى المسؤوليّة على اُناس آخرين من عليّة الاُمّة ذكرهم في كتابه، وعليه فصميم رأيه هو ما ارتكبه ساعة القتل من الخذلان.
_٢٧_
حديث مالك الاشتر
ابن الحارث المترجم له فيما مرَّ ص ٣٨ - ٤٠
ذكر البلاذري في الأنساب ٥: ٤٦: إنَّ عثمان كتب إلى الأشتر وأصحابه مع عبد الرَّحمن بن أبي بكر، والمسور بن مخرمة يدعوهم إلى الطاعة ويُعلمهم انّهم أوَّل من سَنَّ الفرقة، ويأمرهم بتقوى الله ومراجعة الحقّ، والكتاب إليه بالذي يُحبُّون.
فكتب إليه الأشتر:
من مالك الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنَّة نبيِّه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.
أمّا بعد: فقد قرأنا كتابك فانه نفسك وعمّالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمح له بطاعتنا، وزعمتَ أنّا قد ظلمنا أنفسنا، وذلك ظنّك الذي أرداك، فأراك الجور عدلاً، والباطل حقّاً، وأمّا محبَّتنا فإن تنزع تتوب وتستغفر الله من تجنِّيك على خيارنا، وتسييرك صلحاءنا، وإخراجك إيّانا من ديارنا، وتوليتك الأحداث علينا، وأن تولِّي مصرنا عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري وحُذيفة فقد رضيناهما، واحبس عنّا وليدك وسعيدك ومَن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله والسَّلام.
وخرج بكتابهم يزيد بن قيس الأرحبي، ومسروق بن الأجدع الهمداني، وعبد الله بن أبي سبرة الجعفي، وعلقمة بن قيس أبو شبل النخعي، وخارجة بن الصلّت البرجمي في آخرين. فلمّا قرأ عثمان الكتاب قال: أللهمَّ إنِّي تائبٌ وكتب إلى أبي موسى وحذيفة: أنتما لأهل الكوفة رضىً ولنا ثقة، فتولَّيا أمرهم وقوما به بالحقِّ غفر الله ولكما. فتولَّى أبو موسى وحُذيفة الأمر، وسكّن أبو موسى النّاس وقال عتبة بن الوغل:
تصدَّق علينا يا ابن عفَّان واحتسب |
وأمِّر علينا الأشعريَّ لياليا |
فقال عثمان: نعم وشهوراً إن بقيت.
قال الأميني: نظريَّة مالك الذي عرفته صحيفة ٣٨ في عثمان صريحةٌ واضحةٌ لا تحتاج إلى تحليل وتعليل، وإنَّما أعطى من نفسه الرضا في كتابه بشرط النزوع و التوبة، لكنَّه لمـّا لم يجد للشرط وفاءاً بل وجد منه إصراراً على ما نقمه هو والصحابة كلّهم تنشَّط للمخالفة، وأجلب عليه خيلاً ورجلاً، ولم يزل مشتدّاً في ذلك حتّى بلغ ما أراد.
وسنوقفك على حقيقة أمر الخليفة من توبته بعد توبته في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى.
_٢٨_
حديث عبد الله بن عكيم
أخرج ابن سعد والبلاذري باسنادهما عن عبد الله بن عكيم الجهني « الصحابي » قال: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان. فقيل له يا أبا معيد وأعنت على دمه؟ قال: إنِّي أعدُّ ذكر مساويه إعانة على دمه.
طبقات إبن سعد ٣: ٥٦، الأنساب للبلاذري ٥: ١٠١.
قال الأميني: هذا الحديث صريحٌ في أنَّ الرجل كان يعتقد في عثمان مساوي ومثالب، وقد اطمأنَّ بثبوتها له، فتحدَّث بها في الأندية والمحاشد إعانةً على دمه، فكان ذلك من موجبات قتله، ولم يزل معترفاً به بعد أن اُسيلت نفسه واُريق دمه.
_٢٩_
حديث محمد بن أبي حذيفة
كان أبو القاسم محمَّد بن أبي حذيفة العبشمي من أشدِّ الناس تأليباً على عثمان، و ذكر البلاذري في الأنساب قال: كان محمّد بن أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمَّد بن أبي حذيفة، خرجا إلى مصر عام مخرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها، فأظهر محمَّد بن أبي حذيفة عيب عثمان والطعن عليه وقال: إستعمل عثمان رجلاً أباح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دمه يوم الفتح ونزل القرآن بكفره حين قال: سأنزل مثل ما أنزل الله(١) .
وكانت غزاة ذات الصوري في المحرَّم سنة أربع وثلاثين وعليها عبد بن سعد، فصلّى بالناس فكبّر ابن أبي حذيفة تكبيرة أفزعه بها فقال: لولا إنَّك أحمق لقرَّبت بين خطوك، ولم يزل يبلغه عنه وعن ابن أبي بكر ما يكره، وجعل ابن أبي حذيفة يقول: يا أهل مصر! إنّا خلّفنا الغزو وراءنا. يعني غزو عثمان.
إنَّ محمَّد بن أبي حذيفة ومحمَّد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ووافقا بمصر محمَّد بن طلحة بن عبيد الله وهو مع عبد الله بن سعد، وإنَّ ابن أبي حُذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم
____________________
١ - يعنى بذلك عبد الله بن سعد بن ابى سرح وهو صاحب يوم الفتح وفيه نزلت الآية كما مرّ فى ص ٢٨١ من ج ٨ ط ٢.
فيها ففاتته الصَّلاة فجهر بالقراءة فسمع ابن أبي سرح قراءته فسأل عنه، فقيل: رجلٌ أبيض وضئ الوجه. فأمر إذا صلّى أن يؤتى به فلمّا رآه قال: ما جاء بك إلى بلدي؟ قال: جئت غازياً، قال: ومَن معك؟ قال: محمَّد بن أبي بكر. فقال: والله ما جئتما إلّا لتُفسدا الناس، وأمر بهما فسجنا، فأرسلا إلى محمّد بن طلحة يسألانه أن يكلّمه فيهما لئلّا يمنعهما من الغزو، فأطلقهما ابن أبي سرح وغزا ابن أبي سرح افريقيَّة فأعدَّ لهما سفينة مُفردة لئلّا يُفسد عليه الناس، فمرض ابن أبي بكر فتخلّف وتخلّف معه ابن أبي حذيفة، ثمَّ إنَّهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلّا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان فلمّا وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه، فشخص إلى المدينة وخلف على مصر رجلاً كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة، فكان ممَّن شايعهم وشجَّعهم على المسير إلى عثمان.
قالوا: وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر فوضُع في المسجد وقال: يا معشر المسلمين! ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني و يرشوني عليه؟ فازداد أهل مصر عيباً لعثمان وطعناً عليه، واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم، فلمّا بلغ عثمان ذلك دعا بعمّار بن ياسر فاعتذر إليه ممّا فعل به واستغفر الله منه وسأله أن لا يحقده عليه، وقال: بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحَّة خبر ابن أبي حذيفة، وحقّ ما بلغه عنه من باطله، وأمره أن يقوم بعذره، ويضمن عنه العُتبي لمن قدم عليه، فلمّا ورد عمّار مصر(١) حرَّض الناس على عثمان ودهاهم إلى خلعه، وأشعلها عليه، وقوى رأي ابن أبي حذيفة وابن أبي بكر وشجَّعهما على المسير إلى المدينة، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يُعلمه ما كان من عمّار، ويستأذنه في عقوبته، فكتب إليه: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح فأحسن جهاز عمّار وأحمله إليَّ، فتحرَّك اهل مصر وقالوا: سُيِّر عمّار، ودبَّ فيهم ابن أبي حذيفة ودعاهم إلى المسير فأجابوه(٢) .
وذكر أبو عمر الكندي في امراء مصر: انَّ عبد الله بن سعد أمير مصر كان توجَّه
____________________
١ - سنوقفك على انّ بعث عمار الى مصر قط لا يصح.
٢ - أنساب البلاذرى ٥: ٤٩ - ٥١، تاريخ ابن كثير ٧: ١٥٧.
_٩_
إلى عثمان لَمّا قام الناس عليه، فطلب اُمراء الأمصار فتوجَّه إليه في رجب سنة ٣٥ واستناب عقبة بن عامر فوثب محمَّد بن أبي حذيفة على عقبة - وكان يوم ذاك بمصر - فأخرجه من مصر وغلب عليها، وذلك في شوّال منها، ودعا إلى خلع عثمان، واسعر البلاد، وحرَّض على عثمان(١) .
وأخرج من طريق الليث عن عبد الكريم الحضرمي كما في الإصابة ٣: ٣٧٣: إنَّ ابن أبي حذيفة كان يكتب الكتب على أزواج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الطعن على عثمان كان يأخذ الرواحل فيحصرها ثمَّ يأخذ الرجال الذين يريد أن يبعث بذلك معهم فيجعلهم على ظهور بيت في الحرّ، فيستقبلون بوجوههم الشمس ليلوحهم تلويح المسافر، ثمَّ يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة، ثمَّ يرسل رسلاً يخبروا بقدومهم فيأمر بتلقّيهم، فإذا لقوا الناس قالوا لهم: ليس عندنا خبر، الخبر في الكتب، فيتلقّاهم ابن أبي حذيفة و معه الناس فيقول لهم الرسل: عليكم بالمسجد فيقرأ عليهم الكتب من اُمّهات المؤمنين: إنّا نشكوا إليكم يا أهل الإسلام كذا وكذا من الطعن على عثمان، فيضجُّ أهل المسجد بالبكاء والدعاء، فلمّا خرج المصريّون ووجَّهوا نحو المدينة على عثمان شيِّعهم محمَّد بن أبي حذيفة إلى عجرود ثمَّ رجع.
قال الأميني: أترى هذا الصحابيّ العظيم كيف يجدُّ ويجتهد في إطفاء هذه النائرة ولا يخاف فيما يعتقدانَّه في الله لومة لائم، غير مكترث لما بهته به العثمانيّون من إختلاق الكتب على اُمَّهات المؤمنين، وتسويد الوجوه بمواجهة الشمس، ولم يزل على دؤبه و اجتهاده حتى قضي الأمر، واُزيحت المثلات، وما نبزوه به من الإفتعال والتزوير هو حرفة كلِّ عاجز، ولعلّه دُبّر في الأزمنة الأخيرة كما دُبّرت أمثاله في كلٍّ من الثائرين على عثمان ستراً على الحقائق الراهنة.
وهل من المستبعد أن تكتب في التأليب على عثمان صاحبة قول: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً إنَّه قد كفر. وقائلة: وددت والله إنِّك « يا مروان » وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رِجل كلِّ واحد منكما رحاً وانّكما في البحر. وقائلة: بُعداً لنعثل و
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١٠٩، الاستيعاب ١: ٢٣٣، الكامل لابن الاثير ٣: ٦٧، الاصابة ٣: ٣٧٣.
سحقاً. وقائلة: أبعده الله، ذلك لما قدَّمت يداه وما الله بظلّام للعبيد. وقائلة: يا ابن عبّاس إنَّ الله قد أتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردَّ الناس عن هذا الطاغية.
وهي كانت في الرعيل الأوَّل من الثائرين على عثمان بشتَّى الحيل والطرق الثائرة.
هب انَّهم بهتوا القوم بتلكم الأفائك لكن هل يسعهم إنكار تألّبهم على الخليفة يومئذ؟ وقد التزموا بعدالتهم، والصحاح والمسانيد مشحونة بالإحتجاج بهم والإخراج عنهم، نعم غاية ما يمكّنهم من التقوُّل الحكم بالخطأ في الإجتهاد شأن كلِّ متقابلين في حكم شرعيّ، وليس تحكّمهم هذا بأرجح مِن رأي مَن يرى أنّهم أصابوا في الإجتهاد وإجماع الصحابة يومئذ كان معاضداًلهم، وهم يقولون: إنَّ اُمّة محمَّد لا تجتمع على خطأ.
-٣٠-
حديث عمرو بن زرارة النخعي أدرك عصر النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم
قال البلاذري وغيره: إنَّ أوَّل من دعا إلى خلع عثمان والبيعة لعليّ عمرو بن زرارة ابن قيس النخعي، وكميل بن زياد بن نهيك النخعي، فقام عمرو بن زرارة فقال: أيّها النّاس إنَّ عثمان قد ترك الحقَّ وهو يعرفه، وقد أغرى بصلحائكم يولّي عليهم شراركم فبلغ الوليد فكتب إلى عثمان بما كان من ابن زرارة، فكتب إليه عثمان: إنّ ابن زرارة أعرابيٌّ جلفٌ فسيِّره إلى الشام. وشيِّعه إلى الأشتر والأسود بن يزيد بن قيس وعلقمة بن قيس بن يزيد وهو عمُّ الأسود والأسود أكبر منه فقال قيس بن قهدان يومئذ:
اُقسم بالله ربِّ البيت مجتهداً |
أرجو الثواب به سرًّ او إعلانا |
|
لأخلعنَّ أبا وهب وصاحبه |
كهف الضَّلالة عثمان بن عفّانا |
وقال ابن الأثير: هو ممَّن سيَّره عثمان من أهل الكوفة إلى دمشق.
راجع الأنساب للبلاذري ٥: ٣٠، اسد الغابة ٤: ١٠٤، الاصابة ١: ٥٤٨، ج ٢: ٥٣٦.
قال الأميني: ليس على نظريَّة هذا الصحابيّ سترٌ يماط عنها، ولا انَّه كان يلهج بغير المكشوف حتَّى يُسدل عليه شيءٌ من التمويه، فانَّك لا تجد رأيه إلّا في عدد آراء الصحابة جمعاء يومئذ.
_٣١_
حديث صعصعة بن صوحان سيِّد قومه عبد القيس
أخرج ابن عساكر في تاريخه ٦: ٤٢٤ من طريق حميد بن هلال العدوي قال: قام صعصعة إلى عثمان بن عفان وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين! ملت فمالت اُمَّتك، اعتدل يا أمير المؤمنين! تعتدل اُمَّتك.
قال: وتكلّم صعصعة يوماً فأكثر فقال عثمان: يا أيّها النّاس إنَّ هذا البجباج، النفَّاج ما يدري مَن الله ولا أين الله. فقال: أمّا قولك: ما أدري مَن الله. فإنَّ الله ربُّنا و ربُّ آبائنا الأوَّلين، وأمّا قولك: لا أدري أين الله. فإنَّ الله لبالمرصاد، ثمَّ قرأ: اُذن للذين يُقاتلون بأَنَّهم ظُلموا وانَّ الله على نصرهم لقدير(١) . فقال عثمان: ما نزلت هذه الآية إلّا فيَّ وفي أصحابنا اُخرجنا من مكّة بغير حقّ.
وذكره الزمخشري في الفائق ١: ٣٥ فقال: البجباج: الذي يهبّر الكلام وليس لكلامه جهة، وروي: الفجفاج. وهو الصيّاح المكثار. وقيل: المأفون المختال. و النفَّاج: الشديد الصلف.
وأوعز إليه ابن منظور في لسان العرب ٣: ٣٢، وقال: البجباج من البجبجة التي تفعل عند مناغاة الصبي، وبجباج فجفاج كثير الكلام، والبجباج: الأحمق، والنفَّاج: المتكبِّر.
وكذا ذكره ابن الأثير في النهاية ١: ٧٢، والزبيدي في تاج العروس ٢: ٦.
قال الأميني: هذا صعصعة الذي أسلفنا صفحة ٤٣ من هذا الجزء ذكر عظمته و فضله وبطولته وثقته في الدين والدنيا يرى أنَّ الخليفة مال عن الحقِّ فمالت اُمَّته ولو اعتدل اعتدلت، وفي تلاوته الآية الكريمة في محاورته ايذان بالحرب، وإنّه ومَن شاكله مظلومون من ناحية عثمان منصورون بالله تعالى، فهو بذلك مستبيحٌ لمنابذته ومناجزته، لقد لهج صعصعة بهذه على رؤس الأشهاد والخليفة على المنبر يخطب، فلم يسمع إنكاراً أو دفاعاً من أفاضل الصحابة العدول.
____________________
١ - سورة الحج الاية: ٣٩.
_٣٢_
حديث حكيم بن جبلة
العبدي الشهيد يوم الجمل
كان هذا الرجل العظيم صالحاً ديِّناً مطاعاً في قومه كما وصفه أبو عمر، وأثنى عليه المسعودي بالسيادة والزهد والنسك. كان أحد زعماء الثائرين على عثمان من أهل البصرة كما يأتي. وقال المسعودي: إنَّ النّاس لمـّا نقموا على عثمان ما نقموا سار فيمن سار إلى المدينة حكيم بن جبلة. وقال الذهبي: كان ممَّن ألَّب على عثمان رضي الله عنه. وجاء في مقال خفاف الطائي في الحديث عن عثمان: حصره المكشوح، وحكم فيه حكيم، ووليه محمد وعمّار، وتجرَّد في أمره ثلاثة نفر: عدي بن حاتم. والأشتر النخعي. وعمرو بن الحمق. وجدَّ في أمره رجلان: طلحة والزبير. الحديث.
وقال أبو عمر: كان ممَّن يعيب عثمان من أجل عبد الله بن عامر وغيره من عمّاله. قال أبو عبيد: قطعت رجل حكيم يوم الجمل فأخذها ثمَّ زحف إلى الذي قطعها. فلم يزل يضربه بها حتّى قتله وقال:
يا نفس لن تراعي |
دعاك خير داعي |
|
إن قطعت كراعي |
إنَّ معي ذراعي(١) |
فالباحث يجد لهذا البطل الصالح الديِّن الزاهد الناسكَ قدماً أيَّ قَدم في التأليب على الخليفة، وله خطواته الواسعة في إستحلال دمه والتجمهر عليه، وهو مع ذلك كلّه بعدُ صالحٌ يُذكر ويُشكر ويُثنى عليه، ما اسودَّت صحيفة تاريخه بمناجزته الخليفة والوقيعة فيه ومقته والنقمة عليه، ولم يتضعضع بها أركان صلاحه، وما اختلَّ بها نظام نسكه، ولا شوَّهت سمعته الدينيَّة، ولا دنّست ساحة قدسه، وهذه كلّها لا تلتئم مع كون الخليفة إمام عدل.
____________________
١ - راجع كتاب صفين لابن مزاحم ص ٨٢، مروج الذهب ٢: ٧، الاستيعاب ١: ١٢١، دول الاسلام للذهبى ١: ١٨، ابن أبى الحديد ١: ٢٥٩.
_٢٣_
حديث هشام
ابن الوليد المخزومي أخي خالد
مرَّ في ص ١٥ من هذا الجزء قول الرجل لعثمان لمـّا ضرب عمّاراً حتّى غُشي عليه: يا عثمان! أمّا عليّ فاتَّقيته وبني أبيه، وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربتَ أخانا حتّى أشفيتَ به على التلف، أما والله لئن مات لأقتلنَّ به رجلاً من بني اُميَّة عظيم السرَّة. فقال عثمان: وانّك لهاهنا يا ابن القسريَّة؟ قال: فانَّهما قسريّتان، وكانت اُمُّه وجدَّته قسريَّتين من بجيلة، فشتمه عثمان وأمر به فاُخرج.
ولهشام أبيات في عثمان ذكرها المرزباني في معجم الشعراء كما قاله ابن حجر في الإصابة ٣: ٦٠٦ وذكر منها قوله:
لساني طويلٌ فاحترس من شدائه |
عليك وسيفي من لساني أطولُ |
لعلَّ الباحث لا يعزب عنه رأي هذا الصحابِّي - العادل - في الخليفة، ولا يجده شاذّاً عن بقيَّة الصحابة في إصفاقهم على مقته بعد ما يراه كيف يجابه الرجل بفظاظة و خشونة، ويقابله بالقول القارص، ويهدّده بالهجاء والقتل، غير راع له أيّ حرمة وكرامة، لا يحسب تلكم القوارص زوراً من القول، وفنداً من الكلام، بل يرى الخليفة أهلاً لكلِّ ذلك، فهل يجتمع هذا مع كون الرجل إمام عدل عند المخزومي؟.
_٣٤_
حديث معاوية ابن أبي سفيان الأموي
١ - من كتاب لأمير المؤمنين إلى معاوية: فسبحان الله ما أشدَّ لزومك للأهواء المبتدعة والحيرة المتَّبعة، مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق التي هي لِلَّه طلبة، وعلى عباده حجّة، فأمّا إكثارك الحجاج في عثمان وقتله فإنّك إنَّما نصرت عثمان حيث كان النصر لك، وخذلته حيث كان النصر له(١) .
٢ - ومن كتاب لهعليهالسلام إلى معاوية: فوالله ما قتل ابن عمّك غيرك.
____________________
١ - نهج البلاغة ٢: ٦٢.
راجع ما مرَّ من حديث أمير المؤمنين.
٣ - ومن كتاب لهعليهالسلام إلى الرجل: قد أسهبت في ذكر عثمان، ولعمري ما قتله غيرك، ولا خذله سواك، ولقد تربَّصت به الدوائر، وتمنَّيت له الأماني، طمعاً فيما ظهر منك. ودلَّ عليه فعلك. شرح ابن ابي الحديد ٣: ٤١١.
٤ - من كتاب لابن عبّاس إلى معاوية: أمّا ما ذكرت من سرعتنا اليك بالمساءة إلى أنصار ابن عفان، وكراهتنا لسلطان بني اُميَّة، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره، حتَّى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمِّك وأخو عثمان: الوليد بن عقبة.
كتاب نصر ٤٧٢، الإمامة والسياسة ١: ٩٦، شرح ابن ابي الحديد ٢: ٢٨٩.
٥ - من كتاب لابن عبّاس إلى معاوية: وأمّا قولك: إنِّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلحٌ فيمنعك منِّي، فاقسم بالله لأنت المتربِّص بقتله، والمحبُّ لهلاكه، والحابس الناسِ قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث ويستصرخ، فما حفلت به حتى بعثت اليه معذراً باجرة أنت تعلم أنَّهم لن يتركوه حتى يُقتل، فقتل كما كنتَ أردتَ، ثمَّ علمت عند ذلك أنَّ الناس لن يعدلوا بيننا وبينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه وتقول: قُتل مظلوماً. فإن يك قُتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين. مرَّ تمام الكتاب في صفحة ١٣٤.
٦ - روى البلاذري في الأنساب قال: لَمّا أرسل عثمان إلى معاوية يستمدُّه بعث يزيد بن أسد القسري جدّ خالد بن عبد الله بن يزيد أمير العراق وقال له: إذا أتيت ذا خُشب فأقم بها ولا تتجاوزها ولا تقل: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فإنَّني أنا الشاهد وأنت الغائب، قال: فأقام بذي خُشب حتى قُتل عثمان، فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان ارسل معه، وإنَّما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعوا إلى نفسه. راجع شرح ابن ابي الحديد ٤: ٥٧.
٧ - من خطبة لشبث بن ربعي يخاطب معاوية: انَّه والله لا يخفى علينا ما تغزو و ما تطلب، إنَّك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلّا قولك: « قُتل إمامكم مظلوماً، فنحن نطلب بدمه » فاستجاب له سفهاء طغام،
وقد علمنا قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب. الخ
كتاب صفِّين لابن مزاحم ص ٢١٠، تاريخ الطبري ٥: ٢٤٣، الكامل لابن الأثير ٣: ١٢٣، شرح ابن ابي الحديد ١: ٣٤٢.
٨ - من كتاب لأبي أيّوب الأنصاري جواباً لمعاوية: فما نحن وقتلة عثمان إنَّ الذي تربَّص بعثمان وثبَّط اهل الشام عن نصرته لأنت، وإنَّ الذين قتلوه غير الأنصار.
الإمامة والسياسة ١: ٩٣ وفي ط ٨١، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٨١.
٩ - من كتاب لمحمَّد بن سلمة الأنصاري جواباً لمعاوية: ولئن كنت نصرتَ عثمان مَيتاً لقد خذلته حيّاً، ونحن ومَن قِبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب. الإمامة والسياسة ١: ٨٧، شرح ابن ابي الحديد ١: ٢٦٠.
١٠ - في محاورة بين معاوية وأبي الطفيل الكناني: قال معاوية: أكنت فيمن حضر قتل عثمان؟ قال: لا، ولكنّي فيمن حضر فلم ينصره، قال: فما منعك من ذلك وقد كانت نصرته عليك واجبة؟ قال: منعني ما منعك إذ تربَّصت به ريب المنون وأنت بالشام، قال: أوَ ما ترى طلبي بدمه نصرةً له؟ قال: بلى ولكنَّك وإيّاه كما قال الجعدي:
لألقينَّك بعد الموت تندبني |
وفي حياتي ما زوَّدتني زادا |
راجع ما مرَّ في هذا الجزء ص ١٣٩
١١ - لَمّا أتى معاوية نعي عثمان وبيعة الناس عليّاًعليهالسلام ضاق صدراً بما أتاه و تظاهر بالندم على خذلانه عثمان وقال كما في كتاب صفِّين ص ٨٨:
أتانيَ أمرٌ فيه للنفس غمَّةٌ |
وفيه بكاءٌ للعيون طويلُ |
|
وفيه فناءٌ شاملٌ وخزايةٌ |
وفيه اجتداعٌ للانوف أصيلُ |
|
مصاب أمير المؤمنين وهذه |
تكاد لها صمّ الجبال تزولُ |
|
فلِلّه عيناً مَن رأى مثل هالك |
اُصيب بلا ذنب وذاك جليلُ |
|
تداعت عليه بالمدينة عصبةٌ |
فريقان منها قاتلٌ وخذولُ |
|
دعاهم فصمُّوا عنه عند جوابه |
وذاكم على ما في النفوس دليلُ |
|
ندمت على ما كان من تبعي الهوى |
وقصري(١) فيه حسرةٌ وعويلُ |
____________________
١ - قصرى: أى حسبى يقال: قصرك: أى حسبك وكفايتك. كما يقال: قصارك وقصاراك.
قال الأميني: إنَّ زبدة مخض هذه الكلمات المعتضدة بعضها ببعض انَّ ابن هند لم يشذّ عن الصحابة في أمر عثمان، وإنّما يفترق عنهم بأنَّ اولئك كانوا مهاجمين عليه أو خاذلين له، وأمّا معاوية فقد اختصَّ بالخذلان والتخذيل اللذين كان يروقه نتاجهما حتّى وقع ما كان يحبُّه ويتحرّاه، وحتّى حسب صفاء الجوِّ ما كان يضمره من التشبّث بثارات عثمان، والظاهر بعد الأخذ بمجامع هذه النقول عن أعاظم الصحابة وبعد تصوير الحادثة نفسها من شتّى المصادر: أنَّ لخذلان معاوية أتمّ مدخليَّة في انتهاء أمر الخليفة إلى ما انتهى إليه، والخاذل غير بعيد عن المجهز، ومن هنا وهنا يقول له الامامعليهالسلام : فوالله ما قتل ابن عمّك غيرك. ويقول: ولعمري ما قتله غيرك، ولا خذله سواك، إلى كلمات آخرين لا تخفى عليهم نوايا الرجل، فلو كان مستعجلاً بكتائبه إلى دخول المدينة، غير متربّص قتل ابن عمّه لحاموه ونصروه، وكان مبلغ أمره عندئذ إمّا إلى الفوز بهم، أو تراخي الأمر إلى أن يبلغه بقيّة الأنصار من بلاد اُخرى، فيكون النصر بهم جميعاً، لكن معاوية ما كان يريد ذلك وإنَّما كان مستبطئً أجل الرجل، طامعاً في تقلُّده الخلافة من بعده، فتركه والقوم فهو أظلم الظالمين إن كان قُتل مظلوماً كما قاله حبر الاُمَّة، أو أنَّه من الصحابة العدول - كما يحسبه القوم - وهذا رأيه في الخليفة المقتول.
-٣٥-
حديث عثمان نفسه
دخل المغيرة بن شعبة على عثمان رضي الله عنه وهو محصور فقال: يا أمير المؤمنين! إنَّ هؤلاء قد اجتمعوا عليك فإن أحببت فألحق بمكّة؟ وإن أحببت أن نخرق لك باباً من الدار فتلحق بالشام؟ ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام، وإن أبيت فاخرج ونخرج وتحاكم القوم إلى الله فقال عثمان: أمّا ما ذكرت من الخروج إلى مكّة فانِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يُلحد بمكّة رجلُ من قريش عليه نصف عذاب هذه الاُمَّة من الإنس والجنِّ. فلن أكون ذلك الرجل إن شاء الله. الحديث.
وفي لفظ أحمد: يُلحد رجلٌ من قريش بمكّة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا إيّاه.
وفي لفظ الخطيب: يُلحد بمكّة رجلٌ من قريش عليه نصف عذاب الاُمَّة فلن أكونه.
وفي لفظ الحلبي: إنَّ ابن الزبير لَمّا قال لعثمان رضي الله عنه وهو محاصرٌ: إنَّ عندي نجائب أعددتها لك فهل لك أن تنجو إلى مكّة؟ فانَّهم لا يستحلّونك بها، قال له عثمان: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يُلحد رجلٌ في الحرم من قريش أو بمكّة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا.
راجع مسند احمد ١: ٦٧، رجال إسناده كلهم ثقات، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ٣٥، تاريخ الخطيب ١٤، ٢٧٢، الرياض النضرة ٢: ١٢٩، تاريخ ابن كثير ٧: ٢١٠، مجمع الزوائد ٧: ٢٣٠ قال: ورواه احمد ورجاله ثقات وله طرق، الصواعق ص ٦٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٠٩، السيرة الحلبيَّة ١: ١٨٨، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٣، إزالة الخفا ٢: ٢٤٣.
(الإنسان على نفسه بصيرة)
تُعطينا هذه الرواية أنَّ ثقة عثمان بانطباق ما ذكره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الرجل الملحَد بمكّة على نفسه من جرّاء ما علم أنَّه مُرتكبه من الأعمال أشدَّ وأكثر من ثقته بايمانه بما رووه له من البشارة بالجنَّة في العشرة المبشَّرة إلى فضايل اُخرى صنعتها له أيدي الولاء والمحبَّة، على أنَّ هذه كلّها نصوصٌ فيه، وأمّا ما خشي إنطباقه عليه فهو واردٌ في رجل مجهول إستقرب الخليفة أن يكونه هو، فامتنع عن الإنفلات إلى مكّة وآثر عليه بقاءه في الحصار حتى اودي به، ولم يكن يعلم أنَّه يقتل بمكّة لو خرج اليها، وعلى فرض قتله بها فمن ذا الذي أخبره انَّه يكون هو ذلك الرجل؟
كيف يخاف عثمان أن يكون هو ذلك الرجل وقد اشترى الجنَّة من النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرَّتين بيع الحقِّ: حيث حفر بير رومة، وحيث جهَّز جيش العسرة؟(١)
كيف يخاف عثمان وقد عهد إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنَّه يُقتل ويُبعث يوم القيامة
____________________
١ - اخرجه الحاكم فى المستدرك ٣: ١٠٧ وصححه غير ممعن نظره فى اسناده وعقبه الذهبى بتضعيف عيسى بن المسيب من رجال اسناده وقال: ضعفه ابو داود وغيره.
أميراً على كلِّ مخذول، يغبطه أهل المشرق والمغرب، ويشفع في عدد ربيعة ومضر(١)
كيف يخاف عثمان وقد سمع وصيَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اُمَّته به بقوله: عليكم بالأمير وأصحابه. وأشار الى عثمان؟.
كيف يخاف وقد أخبرصلىاللهعليهوآلهوسلم عن شأنه في الجنّة لَمّا سُئل: أفي الجنَّة برقٌ؟ فقال: نعم والذي نفسي بيده إنَّ عثمان ليتحوَّل من منزل إلى منزل فتبرق له الجنّة؟(٢) .
كيف يخاف عثمان وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم بمشهد منه ومسمع: ليس من نبيّ إلاّ وله رفيقٌ من اُمَّته معه في الجنَّة وإنَّ عثمان رفيقي ومعي في الجنَّة؟(٣)
كيف يخاف عثمان وقد قال لهصلىاللهعليهوآلهوسلم معتنقاً إيّاه: أنت وليّي في الدنيا والآخرة.
أو قال: هذا جليسي في الدنيا ووليّي في الآخرة؟(٤) .
كيف يخاف عثمان بعد ما جاء عن جابر انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ما صعد المنبر فنزل حتّى قال: عثمان في الجنَّة؟(٥) .
نعم: للباحث أن يجيب بأنَّ هذه كلّها أباطيل وأكاذيب لا يصحُّ شيءٌ منها فما ذنب عثمان؟ وكيف لا يخاف والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره؟.
قريض يؤكد ما سبق
ذكر البلاذري في الأنساب ٥: ١٠٥ للأعور الشَنِّي بشر بن منقذ يكنّى أبا منقذ أحد بني شن بن أقصى كان مع أمير المؤمنين يوم الجمل، ترجمه المرزباني في معجم الشعراء ص ٣٩ قوله:
بكت عين من يبكي ابن عفان بعد ما |
نفى ورقَ الفرقان كلّ مكانِ |
|
ثوى تاركاً للحقِّ متَّبع الهوى |
وأورث حرباً حَشَّها بطِعانِ |
|
برئت إلى الرَّحمان من دين نعثل |
ودين ابن صخر أيّها الرجلان |
____________________
١ - سيوافيك الحديث باسناده ومتنه كملا.
٢ - راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص ٣١٣ ط ٢.
٣ - سيأتيك الحديث باسناده وانه باطل.
٤ - سنوقفك فى هذا الجزء على انه باطل لا يصح.
٥ - من اكاذيب جاء بها محب الطبرى فى رياضه ٢: ١٠٤.
ويقال: ابن الغريرة النهشلي، ويقال: الحباب بن يزيد المجاشعي(١) :
وقال عليُّ بن الغدير المضرِّس الغنوي، ويقال: إهاب بن همام بن صعصعة المجاشعي:
لعَمر أبيكِ فلا تكذبي |
لقد ذهب الخيرُ إلاّ قليلا |
|
لقد فُتن الناسُ في دينهم |
وخلّى ابن عفّان شرّاً طويلا |
|
اُعاذل كلَّ امرىء هالك |
فسيري إلى الله سيراً جميلا |
راجع الأنساب ٥: ١٠٤، تاريخ الطبري ٥: ١٥٢، الاستيعاب: ٢: ٤٨٠، تفسير ابن كثير ١: ١٤٣.
وأخرج نصر بن مزاحم في كتاب صفِّين ص ٤٣٥ من رجز همام بن الأغفل يوم صفِّين قوله:
قد قرَّت العين من الفسّاقِ |
ومن رؤس الكفر والنفاقِ |
|
إذ ظهرت كتائب العراقِ |
نحن قتلنا صاحب المـُرّاقِ |
|
وقائد البُغاة والشقاقِ |
عثمان يوم الدار والإحراقِ(٢) |
|
لَمّا لففنا ساقهم بساقِ |
بالطعن والضرب مع العناقِ |
وقال محمّد بن أبي سبرة بن أبي زهير القرشي كما في كتاب صفِّين ص ٤٣٦.
نحن قتلنا نعثلاً بالسيرهْ |
إذ صدَّ عن أعلامنا المنيرهْ |
|
يحكم بالجور على العشيره |
نحن قتلنا قبله المغيره(٣) |
|
نالته أرماحٌ لنا موتوره |
إنّا اناسٌ ثابتو البصيره |
وقال الفضل بن العبّاس مجيباً الوليد بن عقبة بن أبي معيط عن أبيات له:
أتطلب ثأراً لست منه ولا له |
وأين ابن ذكوان الصفوري من عمروِ؟ |
|
كما اتَّصلت بنت الحمار باُمِّها |
وتنسى أباها إذ تُسامي اُولي الفخرِ |
|
ألا إنَّ خير الناس بعد محمَّد |
وصيّ النبيِّ المصطفى عند ذي الذكرِ |
|
وأوّل مَن صلّى وصنو نبيِّه |
وأوّل مَن أردى الغواة لدى بدرِ |
____________________
١ - فى تاريخ ابن عساكر ٣. ٢٥٨: الحتات بن يزيد.
٢ - اشارة الى احراق باب دار عثمان كما مر حديثه ويأتى.
٣ - هو المغيرة بن الاخنس المقتول يوم الدار مع عثمان كما يأتى حديثه.
فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمّكم |
لكانوا له من ظلمه حاضري النصر |
|
كفى ذاك عيباً أن يُشيروا بقتله |
وأن يُسلموه للأحابيش من مصرِ |
« تاريخ الطبري ٥: ١٥١ »
نادى عمرو بن العاص يوم صفِّين بأعلى صوته:
يا أيُّها الجند الصليب الايمانْ |
قوموا قياماً واستعينوا الرَّحمنْ |
|
إنِّي أتاني خبرٌ ذو ألوانْ(١) |
: إنَّ عليّاً قتل ابن عفّانْ |
ردٌّا علينا شيخنا كما كان
فردَّ عليه أهل العراق وقالوا:
أبت سيوف مذحجِ وهمدانْ |
بأن تردَّ نعثلاً كما كانْ |
|
خَلقاً جديداً مثل خلق الرَّحمن |
ذلك شأنٌ قد مضى وذا شانْ |
ثمّ نادى عمرو بن العاص ثانية برفع صوته:
رُدّوا علينا شيخنا ثمَّ بجلْ |
أو لا تكونوا حرّزاً من الأسلْ(٢) |
فردَّ عليه أهل العراق:
كيف نردُّ نعثلاً وقد قحلْ |
نحن ضربنا رأسه حتّى انجفلْ(٣) |
|
وأبدل الله به خير بدلْ |
أعلم بالدين وأزكى بالعملْ(٤) |
شدَّ الأشتر مالك بن الحارث يوم صفِّين على محمَّد بن روضة وهو يقول:
لا يبعد الله سوى عثمانا |
وأنزل الله بكم هوانا |
|
ولا يسلّي عنكم الأحزانا |
مخالفٌ قد خالف الرَّحمانا |
نصرتموه عابداً شيطاناً(٥)
____________________
١ - فى كتاب نصر: فأشجان.
٢ - فى كتاب صفيين: جزراً من الاسل. الجزر: قطع اللحم تأكله السباع. الاسل: الرماح.
٣ - قحل: يبس فهو قاحل. انجفل: انقلب وسقط.
٤ - كتاب صفين ص ٢٥٦، ٢٥٧، ٤٥٤، شرح ابن أبي الحديد ١: ٤٨٢، لسان العرب ١٤: ٧٠، تاج العروس ٨: ٧٧.
٥ - كتاب صفين ص ١٩٩، شرح ابن أبى الحديد ١: ٣٣٠. حذف منها الشطرين الاخيرين.
-٣٦-
حديث المهاجرين والانصار
١ - من كتاب كتبه مولانا أمير المؤمنين إلى معاوية: زعمت أنَّك إنَّما أفسد عليك بيعتي خفري بعثمان، ولعمري ما كنت إلّا رجلاً من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فلزمتني خطيئة الأمر، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل(١) .
٢ - روى البلاذري عن المدائني عن عبد الله بن فائد إنَّه قال: نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فقال: إنِّي لاُبغضهم. فقال سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: تبغضهم لأنَّهم قتلوا أباك. قال: صدقت، قتل أبي علوج الشام وجفاته وقتل جدَّك المهاجرون والأنصار. أنساب البلاذري ٥: ١٩٥، ٣٧٢.
٣ - قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ١: ٩٢: ذكروا أنَّ أبا هريرة وأبا الدرداء قدما على معاوية من حمص وهو بصفِّين فوعظاه وقالا: يا معاوية! عَلام تُقاتل عليّاً؟ وهو أحقّ بهذا الأمر منك في الفضل والسابقة، لأنَّه رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين السابقين بالاحسان، وأنت طليق وأبوك من الأحزاب، أما والله ما نقول لك أن تكون العراق أحبَّ إلينا من الشام ولكن البقاء أحبَّ إلينا من الفناء، والصَّلاح أحبَّ إلينا من الفساد فقال: لستُ أزعم إنّي أولى بهذا الأمر من عليّ ولكنّي اُقاتله حتّى يدفع إليَّ قتلة عثمان فقالا: إذا دفعهم إليك ماذا يكون؟ قال: أكون رجلاً من المسلمين: فأتيا عليّاً فإن دفع اليكما قتلة عثمان جعلتها شورى. فقدما علي عسكر عليّ فأتاهما الأشتر فقال يا هذان! انَّه لم ينزلكما الشام حبُّ معاوية، وقد زعمتما انّه يطلب قتلة عثمان فعمّن أخذتما ذلك؟ فقبلتماه، أعمَّن قتله؟ فصدَّقتموهم على الذنب كما صدَّقتموهم على القتل.
أم عمّن نصره؟ فلا شهادة لمن جرَّ إلى نفسه، أم عمّن إعتزل؟ إذ علموا ذنب عثمان وقد علموا ما الحكم في قتله، أو عن معاوية؟ وقد زعم أنَّ عليّاً قتله، إتّقيا الله فإنّا شهدنا وغبتما، ونحن الحكّام على مَن غاب. فانصرفا ذلك اليوم.
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ٨٧، العقد الفريد ٢: ٢٨٤، الكامل للمبرد ١: ١٥٧، شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٥٢.
فلمّا أصبحا أتيا عليّاً فقالا له: إنَّ لك فضلاً لا يدفع، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السَّفهاء، ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان فإن فعلت ثمَّ قاتلك كنّا معك قال عليٌّ: أتعرفانهم؟ قالا. نعم. قال: فخذاهم فأتيا محمَّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر والأشتر فقالا: أنتم من قتلة عثمان وقد اُمرنا بأخذكم. فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل فقالوا: نحن قتلنا عثمان. فقالا: نرى أمراً شديداً أليس عليّاً الرجل.
فانصرف أبو هريرة وأبو الدرداء إلى منزلهما بحمص فلمّا قدما حمص لقيهما عبد الرَّحمن ابن عثمان وسأل عن مسيرهما فقصّا عليه القصَّة فقال: العجب منكما إنَّكما من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أتأتيان عليّاً و تطلبان إليه قتلة عثمان؟ وقد علمتما أنَّ المهاجرين والأنصار لو حرَّموا دم عثمان نصروه، وبايعوا عليّاً على قتلته، فهل فعلوا؟ وأعجب من ذلك رغبتكما عمّا صنعوا، و قولكما لعليّ: إجعلها شورى واخلعها من عنقك، وإنَّكما لتعلمان أنَّ مَن رضي بعليّ خيرٌ ممَّن كرهه، وإنَّ من بايعه خيرٌ ممَّن لم يبايعه، ثمَّ صرتما رسولي رجل مِن الطلقاء لا تحلُّ له الخلافة. ففشى قوله وقولهما فهمَّ معاوية بقتله، ثمَّ راقب فيه عشيرته.
وفي لفظ ابن مزاحم في كتاب صفِّين ص ٢١٣، خرج أبو امامة الباهلي وأبو الدرداء فدخلا على معاوية وكانا معه فقالا: يا معاوية! عَلام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله لهو أقدم منك سلماً، وأحقُّ بهذا الأمر منك، وأقرب من النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعلامَ تُقاتله؟ فقال: اُقاتله على دم عثمان، وانَّه آوى قتلته فقولوا له: فليقدنا من قتلته فأنا أوَّل مَن بايعه من أهل الشام، فانطلقوا إلى عليّ فأخبروه بقول معاوية فقال: هم الذين ترون فخرج عشرون ألفاً أو أكثر مسربلين في الحديد لا يُرى منهم إلّا الحدق فقالوا: كلّنا قتله فإن شاءوا فليروموا ذلك منّا.
٤ - مرَّ في صفحة ١٣٩ من حديث أبي الطفيل قول معاوية له: أكنت ممَّن قتل عثمان أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن ممَّن شهده فلم ينصره، قال: ولِمَ؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار. الحديث فراجع.
٥ - قال شعبة: ما رأيت رجلاً أوقع في رجال أهل المدينة من القاضي أبي إسحاق سعد « بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف المدني الزهري المتوفّى سنة ١٢٥ » ما كنت
أرفع له رجلاً منهم إلّا كذَّبه فقلت له في ذلك فقال: إنَّ أهل المدينة قتلوا عثمان. تاريخ ابن عساكر ٨٣:٦.
٦ - ذكر ابن عساكر في تاريخه ٧: ٣١٩ قال: كان أبو مسلم الخولاني التابعي في المدينة فسمع مكفوفاً يقول: أللهمَّ العن عثمان وما ولد. فقال: يا مكفوف! ألعثمان تقول هذا؟ يا أهل المدينة! كنتم بين قاتل وخاذل فكلّا جزى الله شرّاً، يا أهل المدينة! لأنتم شرٌّ من ثمود، إنَّ ثمود قتلوا ناقة الله وأنتم قتلتم خليفة الله، وخليفة الله أكرم عليه من ناقته.
قال الأميني: غايتنا الوحيدة في نقل هذا الحديث ايقاف الباحث على موقف الصحابة من أهل المدينة وانّهم كانوا بين قاتل وخاذل، وأمَّا رأي أبي مسلم الخولاني فيهم فتعرف جوابه من قول الأشتر قُبيل هذا.
٧ - قال الواقدي في إسناده: لمـّا كانت سنة أربع وثلاثين كتب بعض أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله، وما النّاس فيه من عمّاله ويكثرون عليه ويسأل بعضهم أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد، ولم يكن أحدٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدفع عن عثمان ولا يُنكر ما يقال فيه إلّا زيد ابن ثابت، وأبو اُسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت الأنصاري، فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان ويعظه؟ فأتاه فقال له إنَّ النّاس ورائي قد كلّموني في أمرك، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما اعرّفك شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، وإنَّك لتعلم ما نعلم، وما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، لقد صحبتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسمعتَ ورأيتَ مثل ما سمعنا ورأينا، وما ابن أبي قحافة وابن الخطاب بأولى بالحقِّ منك، ولأنت أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رحماً، ولقد نلت من صهره ما لم ينالا، فالله الله في نفسك، فإنَّك لا تُبصّر من عمى، ولا تُعلّم من جهل، فقال له عثمان: والله لو كنت مكاني ما عنَّفتك ولا أسلمتك ولا عتبتُ عليك إن وصلت رحماً(١) وسددت خلّة، وآويت ضائعاً، وولّيت من كان عمر يولّيه، نشدتك الله ألم
____________________
١ - انظر الى الرجل يحسب كلمته هذه تبرّر اعماله الشاذة عن الكتاب والسنة وتجعل اعطياته لابناء امية من الغنائم والصدقات صلة للرحم، ودفعه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة الى رجال الفتن والثورات المدلهمة سدّا للخلة، ورد الحكم وأبناؤه مطرودى النبيّ الاعظم الى المدينة ايواء للضايع، دع هو وحسبانه، لكن العجب كل العجب انه يروم افحام مثل أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الخزعبلات.
يولّ عمر المغيرة بن شعبة؟ وليس هناك. قال: نعم. قال: فلِمَ تلومني إن ولّيت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ قال عليٌّ: سأخبرك أنَّ عمر بن الخطاب كان كل مَن ولّى فانّما يطأ على صماخه، إن بلغه عنه حرفٌ جلبه، ثمَّ بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل، ضعفتَ ورفقت على أقربائك، قال عثمان: هم أقرباؤك ايضاً. فقال عليُّ: لعمري إنَّ رحمهم منِّي لقريبة ولكن الفضل في غيرهم. قال: أوَ لم يولّ عمر معاوية؟ فقال عليٌّ: إنَّ معاوية كان أشدَّ خوفاً وطاعة لعمر من يرفاء وهو الآن يبتزّ الاُمور دونك وأنت تعلمها ويقول للناس: هذا أمر عثمان. ويبلغك فلا تُغيِّر على معاوية.
راجع الأنساب للبلاذري ٥: ٦٠، تاريخ الطبري ٥: ٩٧، الكامل لابن الأثير ٣: ٦٣، تاريخ ابي الفدا ج ١: ١٦٨، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩١.
٨ - أخرج ابن سعد في طبقاته ٣: ٤٧ ط ليدن عن مجاهد قال: أشرف عثمان على الذين حاصروه فقال: يا قوم! لا تقتلوني فانِّي والٍ وأخٌ مسلم - إلى أن قال -: فلمّا أتوه قال: أللهمَّ احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، قال مجاهد: فقتل الله منهم من قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى المدينة عشرين ألفاً فأباحوا المدينة ثلاثاً يصنعون ما شاءوا لمداهنتهم.
وقال حسّان بن ثابت فيمن تخلّف عن عثمان وخذله عن الأنصار وغيرهم وأعانه على قتله من أبيات له:
خذلته الأنصار إذ حضر المو |
ت وكانت وُلاته الأنصارُ |
|
من عذيري من الزبير ومن طلحة |
إذ جاء أمرٌ له مقدارُ(١) |
|
فتولّى محمَّد بن أبي بكر |
عياناً وخلفه عمّارُ |
|
وعليٌّ في بيته يسأل النا |
س ابتداءً وعنده الأخبارُ |
|
باسطاً لِلّذي يريد يديه |
وعليه سكينةٌ ووقارُ(٢) |
وقال حميد بن ثور أبو المثنّى الهلالي في قتل عثمان كما في تاريخ ابن عساكر ٤: ٤٥٨.
____________________
١ - فى العقد الفريد:
من عذيري من الزبير ومن طلحة |
هاجا أمراً له اعصار |
٢ - مروج الذهب ١: ٤٤٢، العقد الفريد ٢: ٢٦٧.
_١٠_
إنَّ الخَلافة لمـَّا أظعنت ظعنت |
من أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا |
|
صارت إلى أهلها منهم ووارثها |
لَمّا رأى الله في عثمان ما انتهكوا |
|
السافكي دمه ظلماً ومعصيةً |
أيّ دم لا هُدوا من غيِّهم سفكوا |
|
والهاتكي ستر ذي حقّ ومحرمة |
فأيّ شرّ على أشياعهم هتكوا |
|
والخيل عابسةٌ نضج الدماء بها |
تنعى ابن أروى على أبطالها الشككُ |
|
من كلِّ أبيض هنديّ وسابغة |
تغشى البنان لها من نسجها حبكُ |
|
قد نال جلّهم حصرٌ بمحصرة |
ونال فتَّاكهم فتكٌ بما فتكوا |
|
قرَّت بذاك عيونٌ واشتفين به |
وقد تقرُّ بعين الثائر الدركُ |
-٣٧-
كتاب أهل المدينة
إلى الصحابة في الثغور
أخرج الطبري من طريق عبد الرحمن بن يسار انَّه قال: لَمّا رأى النّاس ما صنع عثمان كتب مَن بالمدينة مِن أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى مَن بالآفاق منهم وكانوا قد تفرَّقوا في الثغور:
إنَّكم إنَّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزَّ وجلَّ تطلبون دين محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنَّ دين محمَّد قد أفسده من خلفكم وترك، فهلمّوا فأقيموا دين محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وفي لفظ ابن الأثير: فإنَّ دين محمَّد قد أفسده خليفتكم فاقيموه. وفي لفظ ابن أبي الحديد: قد أفسده خليفتكم فاخلعوه، فاختلفت عليه القلوب. فأقبلوا من كلِّ اُفق حتّى قتلوه(١) .
وأخرج من طريق محمَّد بن مسلمة قال: لَمّا كانت سنة ٣٤ كتب اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعضهم إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله ويسأل بعضهم بعضاً: أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، وكثر النّاس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون ليس فيهم أحدٌ ينهي ولا يذبُّ إلّا نفير: زيد بن ثابت، وأبو اُسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان ويعظه فأتاه فقال له: إنَّ الناس ورائي. إلى آخر ما مرَّ في ص ٧٤.
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١١٥، الكامل لابن الاثير ٥: ٧٠، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٦٥.
_٣٨_
كتاب المهاجرين الى مصر
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
من المهاجرين الأوَّلين وبقيَّة الشورى إلى مَن بمصر من الصحابة والتابعين.
أمّا بعد: أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فإنَّ كتاب الله قد بُدِّل، وسنَّة رسول الله قد غيّرت، وأحكام الخليفتين قد بُدِّلت، فننشد الله مَن قرأ كتابنا من بقيَّة أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلّا أقبل إلينا وأخذ الحقَّ لنا وأعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وأقيموا الحقَّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقِّنا، واستولى على فيئنا، حيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد نبيّنا خلافة نبوَّة ورحمة وهي اليوم ملكٌ عضوضٌ مَن غلب على شيء أكله(١) .
_٣٩_
كتاب اهل المدينة الى عثمان
أخرج الطبري في تاريخه ٥: ١١٦ من طريق عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجُّون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتّى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من الله، فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه و أهل بيته. إلى آخر ما يأتي.
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ٣٢.
الاجماع والخليفه
تُعلمنا هذه الأحاديث المتضافرة الواردة عن آحاد الصحابة من المهاجرين و الأنصار أو عامَّة الفريقين، أو عن جامعة الصحابة البالغة مائتين حديثاً انَّه لم يشذّ عن النقمة على عثمان منهم أحدٌ ما خلا أربعة وهم: زيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، و كعب بن مالك، واُسيد الساعدي. فمن مُجهز عليه إلى محبذ لعمله، إلى محرض على قتله، إلى ناشر لاحداثه، إلى مؤلِّب عليه يسعى في إفساد أمره، إلى متجاسر عليه بالوقيعة فيه، إلى مناقد في فعاله يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، إلى خاذل له بترك نصرته لا يرى هنالك في الناقمين الثائرين عليه منكراً ينهي عنه، أوفي جانب الخليفة حقّاً يتحيَّز إليه، وهم كما مرَّ في ص ١٥٧ عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام : ما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى. فكان ذلك إجماعاً منهم أثبت من إجماعهم على نصب الخليفة في الصدر الأوَّل، فإن كانت فيه حجَّة فهي في المقامين إن لم تكن في المقام الثاني أولى بالاتِّباع.
ومن أمعن النظر فيما مرَّ ويأتي من النصوص الواردة عن مولانا أمير المؤمنين و
٢ - عائشة اُمِّ المؤمنين. و
٣ - عبد الرَّحمن بن عوف. أحد العشرة المبشَّرة ورجالات الشورى. و
٤ - طلحة بن عبد الله. أحد العشرة المبشَّرة. و
٥ - الزبير بن العوام. أحد العشرة المبشَّرة. و
٦ - عبد الله بن مسعود صاحب سرِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . « بدريٌّ » و
٧ - عمّارِ جلدة ما بين عيني النبيِّ، النازل فيه القرآن « بدريّ » و
٨ - المقداد بن أبي الأسود، الممدوح بلسان النبيِّ الطاهر. « بدريٌّ » و
٩ - حجر بن عدي الكوفي الصالح الناسك. و
١٠ - هاشم المرقال الذي كان من الفضلاء الخيار كما في « الاستيعاب » و
١١ - جهجاه بن سعيد الغفاري، من رجالات بيعة الشجرة. و
١٢ - سهل بن حنيف الأنصاري « بدريّ » و
١٣ - رفاعة بن رافع الأنصاري « بدريّ » و
١٤ - حجّاج بن غزيَّة الأنصاري. و
١٥ - أبي أيّوب الأنصاري صاحب منزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم « بدريّ » و
١٦ - قيس بن سعد الأنصاري، أمير الخزرج الصالح « بدريّ » و
١٧ - فروة بن عمرو البياضي الأنصاري « بدريّ » و
١٨ - محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري « بدريّ » و
١٩ - جابر بن عبد الله الأنصاري. و
٢٠ - جبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري « بدريّ » و
٢١ - محمّد بن مسلمة الأنصاري « بدريّ » و
٢٢ - عبد الله بن عبّاس حبر الاُمّة. و
٢٣ - عمرو بن العاصي. و
٢٤ - عامر بن واثلة أبي الطفيل الكناني الليثي. و
٢٥ - سعد بن أبي وقاص. أحد العشرة المبشّرة. و
٢٦ - مالك بن الحارث الأشتر. وهل موجودٌ كمالك؟ قاله أمير المؤمنين. و
٢٧ - عبد الله بن عكيم. و
٢٨ - محمّد بن أبي حذيفة العبشمي. و
٢٩ - عمرو بن زرارة بن قيس النخعي. و
٣٠ - صعصعة بن صوحان، سيِّد عبد القيس. و
٣١ - حكيم بن جبلة العبدي الشهيد يوم الجمل. و
٣٢ - هشام بن الوليد المخزومي. و
٣٣ - معاوية بن أبي سفيان. و
٣٤ - زيد بن صوحان، من الخيار الأبرار كما في الحديث. و
٣٥ - عمرو بن الحمق الخزاعي المشرَّف بدعاء النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم . و
٣٦ - عديِّ بن حاتم الطائي الصحابيِّ العظيم. و
٣٧ - عروة بن السعد الصحابيِّ. و
٣٨ - عبد الرّحمن بن حسان العنزي الكوفي. و
٣٩ - محمّد بن أبي بكر بن أبي قحافة. الممدوح بلسان مولانا أمير المؤمنين. و
٤٠ - كميل بن زياد النخعي. و
٤١ - عائذ بن حملة الطهوي التميمي. و
٤٢ - جندب بن الزهير الأزدي. و
٤٣ - الأرقم بن عبد الله الكندي. و
٤٤ - شريك بن شداد الخضرمي. و
٤٥ - قبيصة بن ضُبيعة العبسي. و
٤٦ - كريم بن عفيف الخثعمي العامري. و
٤٧ - عاصم بن عوف البجلي. و
٤٨ - ورقاء بن سميّ البجلي. و
٤٩ - كدام بن حيّان العنزي. و
٥٠ - صيفي بن فسيل الشيباني. و
٥١ - محزر بن شهاب التميمي المنقري. و
٥٢ - عبد الله بن حويّة السعدي التميمي. و
٥٣ - عتبة بن الأخنس السعدي. و
٥٤ - سعيد بن نمران الهمداني. و
٥٥ - ثابت بن قيس النخعي. و
٥٦ - أصعر بن قيس الحارثي. و
٥٧ - يزيد بن المكفكف النخعي. و
٥٨ - الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني. و
٥٩ - الفضل بن العبّاس الهاشمي. و
٦٠ - عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي. و
٦١ - زياد بن النضر الحارثي. و
٦٢ - عبد الله الأصم العامري. و
٦٣ - عمرو بن الأهتم نزيل الكوفة. و
٦٤ - ذريح بن عباد العبدي. و
٦٥ - بشر بن شريح القيسي. و
٦٦ - سودان بن حمران السكوني. و
٦٧ - عبد الرَّحمن بن عديس أبي محمّد البلوي. و
٦٨ - عروة بن شييم ابن البيّاع الكناني الليثي. و
٦٩ - كنانة بن بشر السكوني التجيبي. و
٧٠ - الغافقي بن حرب العكي. و
٧١ - كعب بن عبدة، الزاهد الناسك. و
٧٢ - مثنى بن مخربة العبدي. و
٧٣ - عامر بن بكير بن عبد ياليل الليثي الكناني « بدريّ » و
٧٤ - عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي. و
٧٥ - عبد الرَّحمن بن عبد الله الجمحي. و
٧٦ - مسلم بن كريب القابضي الهمداني. و
٧٧ - عمرو بن عبيد الحارثي الهمداني. و
٧٨ - عمرو بن حزم الأنصاري. و
٧٩ - عمير بن ضابئ التميمي البرجمي. و
٨٠ - أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي.
إلى نظرائهم ممَّن مرَّ حديثه أو يأتي في هذا الجزء يزداد بصيرةً في إنعقاد هذا الإجماع الذي لا محيد عن مؤدّاه، ولا منتدح عن الجري معه، ولا محيص عن أخذه حجَّة قاطعة، وكيف لا؟ وفيهم عُمد الصحابة ودعائمها، وعظماء الملّة وأعضادها، وذوو الرأي والتقوى والصلاح من البدريِّين وغيرهم، وفيهم: اُمُّ المؤمنين وغير واحد مِن العشرة المبشَّرة، ورجال الشورى، فاذا لم يحتجّ بإجماع مثله لا يحتجُّ بأيِّ اجماع قطُّ، و لو جاءت عن أحد من هؤلاء كلمةٌ واحدة في حقِّ أي إنسان مدحاً أو ذمّا لأتّخذوه
حجّة دامغة، فكيف بهم؟ وقد اجتمعوا على كلمة واحدة.
وبهذه كلّها تظهر قيمة الكلم التافهة التي جاء بها القوم لإغراء الدهماء بالجهل أمثال ما في تاريخ ابن كثير ٨: ١٢ من قوله: قال أيّوب والدار قطني: مَن قدَّم عليّاً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وهذا الكلام حقٌّ وصدقٌ وصحيحٌ ومليح.ا ه. إقرأ واضحك أو إبك. فمن قدَّم عثمان على أيِّ موحّد أسلم وجهه لِلّه وهو مؤمن بعد هذا الإجماع والمتسالم عليه فضلاً عن مولى المؤمنين عليّ صلوات الله عليه فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، والصحابة الأوَّلين والتابعين لهم بإحسان.
لقد جاءك الحقُّ من ربِّك فلا تكوننَّ من الممترين.
_٤٠_
قصّة الحصار الأولّ
الإجتماع على عثمان من أهل الأمصار:
المدينة. الكوفة. البصرة. مصر
أخرج البلاذري وغيره بالإسناد: إلتقى أهل الأمصار الثلاثة: الكوفة والبصرة ومصر في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام، وكان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر بن عتّاب ابن عوف السكوني ثمَّ التجيبي، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه، وقالوا: لا يسعنا الرضى بهذا، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كلُّ واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكّة من أهل الخلاف على عثمان إلى مَن كان على مثل رأيهم من أهل بلده، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره فيستمعوه، فإن أعتب، وإلّا رأوا رأيهم فيه ففعلوا ذلك.
فلمّا حضر الوقت خرج الأشتر مع أهل الكوفة إلى المدينة في مائتين، وقال ابن قتيبة: أقبل الأشتر من الكوفة في ألف رجل في أربع رفاق، وكان اُمراؤهم هو وزيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم العامري، و على الجميع عمرو بن الأهتم.
وخرج حكيم بن جبلة العبدي في مائة من أهل البصرة ولحق به بعد ذلك خمسون فكان في مائة وخمسين وفيهم: ذريح بن عبّاد العبدي، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرّش - ابن المحترش - وقال ابن خلدون: وكلّهم في مثل عدد أهل مصر في أربع رايات.
وجاء أهل مصر وهم أربع مائة، ويقال: خمس مائة، ويقال: سبع مائة، ويقال: ست مائة، ويقال: ألف، وفي شرح ابن أبي الحديد: كانوا ألفين. وكان فيهم: محمَّد بن أبي بكر، وسودان بن حمران السكوني، وميسرة - ويقال قتيرة - السكوني، وعمرو
ابن الحمِق الخزاعي وكان من رؤسهم وعليهم اُمراء أربعة:
١ - عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي. |
على رُبع |
٢ - عبد الرَّحمن بن عديس أبو محمَّد البلوي. |
على رُبع |
٣ - عروة بن شييم بن البياع الكناني الليثي. |
على رُبع |
٤ - كنانة بن بشر السكوني التجيبي. |
على رُبع |
وعليهم جميعاً: الغافقي بن حرب العكي، وكان يصلّي بالناس في أيّام الحصار، قال الطبري: كان جماع أمرهم جميعاً إلى عمرو بن بديل الخزاعي، وكان من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإلى عبد الرحمن بن عديس التجيبي.
فلمّا أتوا المدينة أتوا دار عثمان، ووثب معهم رجال من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار منهم: عمّار بن ياسر العبسي وكان بدريّاً، ورفاعة بن رافع الأنصاري وكان بدريّاً، والحجاج بن غزية وكانت له صحبة، وعامر بن بكير وكان بدريّاً أحد بني كنانة.
وفي كتاب لنائلة امرأة عثمان إلى معاوية في رواية ابن عبد ربّه: وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى عليّ ومحمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله، وكان معهم من القبائل خزاعة، وسعد بن بكر، وهذيل، وطوائف من جهينة و مزينة وأنباط يثرب، وهؤلاء كانوا أشدَّ الناس عليه.
وفي حديث سعيد بن المسيب في الأنساب والعقد الفريد وغيرهما: وقد كانت من عثمان قبلُ هنات إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمّار بن ياسر: فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمّار بن ياسر.
وفي لفظ المسعودي: وفي الناس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود، لأنَّه كان من أحلافها، وهذيل لأنَّه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمّار، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتيم بن مرة مع محمَّد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممَّن لا يحمل ذكره كتابنا. فحصروا عثمان الحصار الأوَّل(١)
____________________
١ - راجع طبقات ابن سعد ط ليدن ٣: ٤٩، الانساب للبلاذرى ٥: ٦ ٢، ٥٩، الامامة و السياسة ١: ٣٤، المعارف لابن قتيبة ص ٨٤، تاريخ الطبرى ٥: ١١٦، مروج الذهب ١: ٤٤١، العقد الفريد ٢: ٢٦٢، ٢٦٩، الرياض النضرة ٢: ١٢٣، ١٢٤، الكامل لابن الاثير ٣: ٦٦، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٣، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٠٢، تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٠، ١٧٤، حياة الحيوان للدميرى ١: ٥٣، الاصابة ٢: ٤١١، الصواعق ص ٦٩، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٠٦، تاريخ الخميس ٢: ٢٥٩.
كتاب المصريّين الى عثمان
أخرج الطبري في تاريخه ٥ ص ١١٦ من طريق عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كتب أهل مصر بالسقيا(١) أو بذي خُشب(٢) إلى عثمان بكتاب فجاء به رجلٌ منهم، حتّى دخل به عليه فلم يردّ عليه شيئاً فأمر به فاُخرج من الدار، وكان فيما كتبوا اليه:
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
أمّا بعد: فاعلم أنَّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، فالله الله ثمَّ الله الله، فإنَّك على دنيا فاستتمَّ إليها معها آخرة، ولا تلبس(٣) نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم أنّا والله لِلّه نغضب وفي الله نرضي، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرّحة أو ضلالة مجلّحة مبلّجة، فهذه مقالتنا لك وقضَّيتنا إليك والله عذيرنا منك. والسَّلام.
عهد الخليفة على نفسه
أن يعمل بالكتاب والسَّنة وذلك في سنة ٣٥ ه
أخرج البلاذري من رواية أبي مخنف في الأنساب ٥: ٦٢: انَّ المصريِّين وردوا المدينة فأحاطوا وغيرهم بدار عثمان في المرَّة الاُولى « إلى أن قال » : وأتى المغيرة بن شعبة فقال له: دعني آتِ القوم فأنظر ما يريدون، فمضى نحوهم فلمّا دنا منهم صاحوا به: يا أعور! وراءك، يا فاجر! وراءك، يا فاسق! وراءك. فرجع، ودعا عثمان عمرو بن العاص فقال له: ائت القوم فادعهم إلى كتاب الله والعتبى ممّا ساءهم. فلمّا دنا منهم سلّم فقالوا
____________________
١ - من أسافل أودية تهامة.
٢ - واد على مسيرة ليلة من المدينة كما مرّ.
٣ - كذا ولعله: لا تنس نصيبك، أخذا من القرآن الكريم.
لا سلّم الله عليك، ارجع يا عدوَّ الله! راجع يا ابن النابغة! فلست عندنا بأمين ولا مأمون فقال له ابن عمر وغيره: ليس لهم إلّا عليّ بن أبي طالب فلمّا أتاه قال: يا أبا الحسن! ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه. قال: نعم إن أعطيتني عهد الله وميثاقه على إنَّك تفي لهم بكلِّ ما أضمنه عنك، قال: نعم. فأخذ عليُّ عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون وأغلظ وخرج إلى القوم فقالوا: وراءك، قال: لا، بل أمامي، تُعطَون كتاب الله وتُعتبون من كلِّ ما سخطتم، فعرض عليهم ما بذل عثمان، فقالوا: أتضمن ذلك عنه؟ قال: نعم، قالوا: رضينا. وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتّى دخلوا على عثمان و عاتبوه فأعتبهم من كلِّ شيء فقالوا: اكتب بهذا كتاباً فكتب.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
هذا كتابٌ من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين انَّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنَّة نبيِّه، يُعطى المحروم، ويُؤمن الخائف، ويُردُّ المنفيُّ، ولا تجمر(١) البعوث، ويُوفر الفئ، وعليُّ بن أبي طالب ضمين المؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء في هذا الكتاب.
شهد الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله؟ وسعد بن مالك بن أبي وقّاص، و عبد الله بن عمرو، وزيد بن ثابت، وسهل بن خُنيف، وأبو أيوب خالد بن زيد.
وكتب في ذي العقدة سنة خمس وثلاثين. فأخذ كلُّ قوم كتاباً فانصرفوا.
وقال عليُّ بن أبي طالب لعثمان: أخرج فتكلّم كلاماً يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشهد الله ما في قلبك، فانَّ البلاد قد تمخَّضت عليك، ولا تأمَن أن يأتي ركبٌ آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر فتقول: يا عليّ اركب إليهم. فإن لم أفعل قلت: قطع رحمي، واستخفَّ بحقِّي، فخرج عثمان فخطب الناس فأقرَّ بما فعل واستغفر الله منه، وقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: من زلَّ فليُنب. فأنا أوَّل من اتَّعظ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليردُّوني برأيهم، فوالله لو ردَّني إلى الحقِّ عبدٌ لاتَّبعته وما عن الله مذهب إلّا إليه، فسرَّ الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه مبتهجين بما كان منه
____________________
١ - تجمر الجيش: تحبس فى ارض العدو ولم يقفل.
فخرج إليهم مروان فزبرهم وقال: شاهت وجوهكم ما اجتماعكم؟ أمير المؤمنين مشغولٌ عنكم، فإن احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا، وبلغ عليّاً الخبر فأتى عثمان و هو مُغضب فقال: أمّا رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بافساد دينك، وخديعتك عن عقلك؟ وإنِّي لأراه سيوردك ثمَّ لا يُصدرك، وما أنا بعائدٍ بعد مقامي هذا لمعاتبتك وقالت له امرأته نائلة بنت الفرافصة: قد سمعت قول عليِّ بن أبي طالب في مروان وقد أخبرك انَّه غير عائد إليك، وقد أطعت مروان ولا قدر له عند الناس ولا هيبة، فبعث إلى عليّ فلم يأته.
وأخرج ابن سعد من طريق أبي عون قال: سمعت عبد الرَّحمن بن الأسود بن عبد يغوث ذكر مروان فقال: قبَّحه الله خرج عثمان على الناس فأعطاهم الرضى وبكى على المنبر حتّى استهلّت دموعه، فلم يزل مروان يفتله في الذروة والغارب(١) حتّى لَفَته عن رأيه، قال: وجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر ومعه عمّار بن ياسر ومحمَّد بن أبي بكر وهما يقولون: صنع مروان بالناس؟ قلت: نعم(٢) .
صورة أخرى من توبة الخليفة
أخرج الطبري من طريق عليِّ بن عمر بن أبيه قال: إنَّ عليّاً جاء عثمان بعد انصراف المصريِّين فقال له: تكلّم كلاماً يسمعه الناس منك، ويشهدون عليه ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فانَّ البلاد قد تمخَّضت عليك فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا عليّ إركب إليهم. ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذراً.
ويقدم ركبٌ آخرون من البصرة فتقول: يا عليُّ إركب إليهم. فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقِّك. قال: فخرج عثمان وخطب الخطبة التي نزع فيها و أعطى النّاس من نفسه التوبة فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثمَّ قال:
أمَّا بعد: أيُّها النّاس فوالله ما عاب مَن عاب منكم شيئاً أجهله، وما جئت شيئاً إلّا وأنا أعرفه، ولكنِّي منّتني نفسي وكذبتني، وضلَّ عنِّي رشدي، ولقد سمعت رسول
____________________
١ - لم يزل يفتل فى الذروة والغارب. مثل فى المخادعة. اى يدور من وراء خديعته.
٢ - واخرج الطبرى حديث ابن عون هذا وتبعه ابن الاثير وسيوافيك لفظه، واوعز اليه الدميرى فى حياة الحيوان ١: ٥٣.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: من زل َّ فليتب(١) ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة، إنَّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فأنا أوَّل من اتَّعظ، أستغفر الله عمّا فعلت، و أتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم، فوالله لئن ردَّني إلى الحقِّ عبدٌ لأستنن بسنّة العبد، ولأذلنَّ ذلّ العبد، ولأكوننَّ كالمرقوق إن مُلك مصر، وإن عُتق شكر، وما عن الله مذهبٌ إلّا إليه، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إليَّ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي.
قال: فرقَّ الناس له يومئذ وبكى من بكى منهم وقام إليه سعيد بن يزيد فقال: يا أمير المؤمنين! ليس بواصل لك من ليس معك، الله الله في نفسك، فاتمم على ما قلت فلمّا نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيداً(٢) ونفراً من بني اُميّة ولم يكونوا شهدوا الخطبة فلمّا جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنه الفرافصة امرأة عثمان الكلبيَّة: لا بل اصمت فانَّهم والله قاتلوه ومؤتّموه، انّه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان فقال: ما أنتِ وذاك؟ فوالله لقد مات أبوكِ وما يحسن يتوضَّأ. فقالت له: مهلاً يا مروان! عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وأنَّ أباك لا يستطيع أن يدفع عنه، أما والله لولا أنّه عمّه و وأنّه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه.قال: فأعرض عنها مروان ثمَّ قال: يا أمير المؤمنين! أتكلّم أم أصمت؟ قال: بل تكلّم.فقال مروان: بأبي أنت واُمِّي والله لوددت أنَّ مقالتك هذه كانت وأنت مُمنّعٌ منيع فكنت أوَّل من رضي بها وأعان عليها لكنّك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطُبيين، وخلف السيل الزبى، وحين أعطى الخطّة الذليلة الذليل، والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوَّف عليها، وإنّك إن شئت تقرَّبت بالتوبة ولم تقرِّر بالخطيئة وقد اجتمع اليك على الباب مثل الجبال من الناس.فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم فإنِّي أستحي أن اُكلّمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم؟ كأنَّكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه، كلّ إنسان آخذٌ باذن صاحبه إلّا من اُريد(٣) جئتم
____________________
١ - كذا فى تاريخ الطبرى والصحيح ما مر فى رواية البلاذرى: من زل فلينب.
٢ - هو سعيد بن العاص.
٣ - كذا فى تاريخ الطبرى وفى الكامل: شاهت الوجوه الى من اريد.
تريدون أن تنزعوا ملكنا من إيدينا أخرجوا عنّا، أما والله لئن رمتمونا ليمرنَّ عليكم منّا أمرٌ لا يسرّكم ولا تحمدوا غبّ رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنّا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا، قال: فرجع النّاس وخرج بعضهم حتّى أتا عليّاً فأخبره الخبر فجاء عليٌّعليهالسلام مغضباً حتّى دخل على عثمان فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بتحرّفك(١) عن دينك وعن عقلك مثل جَمَل الظعينة يُقاد حيث يسار به؟ والله ما مروان بذي رأي في دينه، ولا نفسه، وأيم الله انِّي لأراه سيوردك ثمَّ لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغُلبت على أمرك.
فلمّا خرج عليٌّ دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته فقالت: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلّمي. فقالت: قد سمعت قول عليّ لك وانَّه ليس يعاودك؟ وقد أطعت مروان يقودك حيت شاء قال: فما أصنع؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له وتت َّ بع سنَّة صاحبيك من قبلك، فإنَّك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبّة، وإنّما تركك النّاس لمكان مروان، فأرسل إلى عليّ فاستصلحه فإنَّ له قرابةً منك وهو لا يُعصى.قال: فأرسل عثمان إلى عليّ فأبي أن يأتيه، وقال: قد أعلمته: أنِّي لست بعائد.فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلّم. فقال: إنَّ بنت الفرافصة. فقال عثمان: لا تذكرنَّها بحرف فأسوء لك وجهك فهي والله أنصح لي منك. فكفَّ مروان(٢) .
صورة اخرى من التوبة
من طريق أبي عون قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال: قبَّح الله مروان، خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت الى لحية عثمانُ مخضلَّة من الدموع وهو يقول: أللهمَّ إنِّي أتوب اليك، أللهمَّ إنِّي أتوب اليك، أللهمَّ إنِّي أتوب اليك، والله لئن ردَّني الحقّ إلى
____________________
١ - فى لفظ البلاذرى: الا بافساد دينك، وخديعتك عن عقلك. وفى لفظ ابن كثير: الا بتحويلك عن دينك وعقلك، وان مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به.
٢ - الانساب للبلاذرى ٥: ٦٤، ٦٥، تاريخ طبرى ٥: ١١١، الكامل لابن الاثير ٣: ٦٨، تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٢، شرح ابن ابى الحديد ١، ١٦٣، ١٦٤، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٦، ٣٩٧.
أن أكون عبداً قِناًّ لأرضينَّ به، إذا دخلت منزلي فادخلوا عليَّ، فوالله لا أحتجب منكم ولأعطينَّكم ولأزيدنَّكم على الرضا، ولأنحينَّ مروان وذويه.
قال: فلمَّا دخل أمر بالباب ففتح ودخل بيته ودخل عليه مروان فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عمّا كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيَّام ما خرج استحياءً من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: شاهت الوجوه إلّا مَن اُريد ارجعوا إلى منازلكم، فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه وإلاّ قرَّ في بيته. قال عبد الرّحمن: فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر وأجد عنده عمّار بن ياسر ومحمَّد بن أبي بكر وهما يقولان: صنع مروان بالناس وصنع، قال: فأقبل عليَّ عليٌّ فقال: أحضرتَ خطبة عثمان؟ قلت: نعم.قال: أفحضرتَ مقالة مروان للناس؟ قلت نعم. قال عليٌّ: عياذ الله يا للمسلمين، إنِّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقِّي، وإنِّي إن تكلَّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث شاء بعدِ كبَر السنِّ وصحبة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال عبد الرَّحمن بن الأسود: فلم يزل حتَّى جاء رسول عثمان إئتني فقال عليُّ بصوت مرتفعٍ عالٍ مغضبٍ: قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد. قال: فانصرف الرسول فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين جائياً فسألت ناتلاً غلامه من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ، فقال عبد الرَّحمن بن الأسود فغدوت فجلست مع عليّعليهالسلام فقال لي: جاءني عثمان بارحة فجعل يقول: إنِّي غير عائد وإنِّي فاعل، قال: فقلت له. بعد ما تكلّمت به على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأعطيت من نفسك، ثمَّ دخلت بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم؟ قال: فرجع وهو يقول: قطعت رحمي وخذلني و جرَّأت الناس عليَّ فقلت: والله إنِّي لأذبُّ الناس عنك، ولكنِّي كلّما جئتك بهنَةٍ أظنُّها لك رضى جاء باُخرى فسمعت قول مروان عليَّ واستدخلت مروان. قال: ثمَّ انصرف إلى بيته أزل أرى عليّاً منكّباً عنه لا يفعل ما كان يفعل(١) .
عهد آخر بعد حنث الاول
أخرج الطبري من طريق عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كتب أهل المدينة إلى
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١١٢، الكامل لابن الاثير ٣: ٩٦.
عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجّون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حقِّ الله، فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليِّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردَّهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتَّى يأتيه أمداده فقال: إنَّ القوم لن يقبلوا التعليل وهي محمّلي عهداً وقد كان منِّي في قدمتهم الأولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به. فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين! مقاربتهم حتَّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فاعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك، فانَّما هم بغوا عليك فلا عهد لهم، فأرسل إلى عليّ فدعاه فلمّا جاءه قال: يا أبا حسن! إنَّه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان منِّي ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي فأرددهم عنِّي فإنَّ لهم الله عزَّ وجلَّ أن اُعتبهم من كلِّ ما يكرهون، وأن أعطيهم الحقَّ من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي، فقال له عليٌّ: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وإنِّي لأرى قوماً لا يرضون إلّا بالرضا وقد كنت أعطيهم في قدمتهم الأولى عهداً من الله لترجعنَّ عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثمَّ لم تفٍ لهم بشيء من ذلك فلا تغرَّني هذه المرَّة من شيء، فانِّي معطيهم عليك الحقَّ. قال: نعم فاعطهم فوالله لأفينَّ لهم. فخرج عليٌّ إلى الناس فقال: أيُّها الناس إنَّكم إنَّما طلبتم الحقَّ فقد اعطيتموه إنَّ عثمان قد زعم انَّه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجعٌ عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكّدوا عليه. قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنّا والله لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم عليٌّ: ذلك لكم. ثمَّ دخل عليه فأخبره الخبر، فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلاً يكون لي في مهلة، فانِّي لا أقدر على ردِّ ما كرهوا في يوم واحد، قال له عليٌّ: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك، قال: نعم، ولكن أجِّلني فيما بالمدينة ثلاثة أيّام. قال عليٌّ: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجَّله فيه ثلاثاً على أن يردَّ كلَّ مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه، ثمَّ أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناساً من وجوه المهاجرين والأنصار، فكفَّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعل يتأهَّب للقتال ويستعدُّ بالسَلاح، قد كان اتَّخذ
_١١_
جنداً عظيماً من رقيق الخمس، فلمّا مضت الأيّام الثلاثة وهو على حاله لم يغيِّر شيئاً ممّا كرهوه، ولم يعزل عاملاً، ثار به الناس، وخرج عمرو بن حزم الأنصاري حتّى أتى المصريِّين وهم بذي خُشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتّى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على انَّك زعمت انّك تائبٌ من أحداثك، وراجعٌ عمّا كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه؟ قال: بلى أنا على ذلك. قال: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك؟ الحديث(١) .
سياسة ضئيلة
لَمّا تكلّم عليٌّ مع المصريِّين ورجَّعهم إلى بلادهم ورجع هو إلى المدينة دخل على عثمان وأخبره انَّهم قد رجعوا فمكث عثمان ذلك اليوم حتَّى إذا كان الغد جاءه مروان فقال له: تكلّم وأعلم النّاس أنَّ أهل مصر قد رجعوا، وانَّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً فإنَّ خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه. فأبى عثمان أن يخرج. فلم يزل به مروان حتَّى خرج فجلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أمّا بعد: إنَّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمرٌ فلمّا تيقّنوا انَّه باطلٌ ما عنه رجعوا إلى بلادهم.
فناداه الناس من كلِّ ناحية: اتَّق الله يا عثمان! وتب إلى الله. وكان أوَّلهم عمرو ابن العاصي. قال: إتَّق الله يا عثمان! فانَّك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب إلى الله نتب. إلى آخر ما مرَّ في هذا الجزء صفحة ١٣٧.
قصّة الحصار الثانى(٢)
أخرج البلاذري من طريق أبي مخنف قال: لَمّا شخص المصريّون بعد الكتاب
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١١٦، الكامل لابن الاثير ٣: ٧١، ٧٢، شرح ابن أبى الحديد: ١: ١٦٦.
٢ - مصادرها: الانساب ٥: ٢٦ - ٦٩، ٩٥ الامامة والسياسة ١: ٣٣ - ٣٧، المعارف لابن قتيبة ص ٨٤، العقد الفريد ٢: ٢٦٣، تاريخ الطبرى ٥، ١١٩، ١٢٠، الرياض النضرة ٢: ١٢٣، ١٢٥، الكامل لا بن الاثير ٣: ٧٠، ٧١، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٦٥، ١٦٦ تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٧، تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٣، ١٧٤، ١٨٦، ١٨٩، حياة الحيوان للدميرى ١: ٥٣، الصواعق ص ٦٩، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٠٦، ١٠٧، السيرة الحلبية ٢: ٨٤، ٨٦، ٨٧، تاريخ الخميس ٢: ٢٥٩، واللفظ للبلاذرى والطبرى.
الذي كتبه عثمان فصاروا بأيلة(١) أو بمنزل قبلها رأوا راكباً خلفهم يريد مصر فقالوا له: من أنت؟ فقال: رسول أمير المؤمنين إلى عبد الله بن سعد، وأنا غلام أمير المؤمنين. وكان أسود فقال بعضهم لبعض: لو أنزلناه وفتَّشناه ألّا يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئاً، فقال بعضهم لبعض: خلّوا سبيله فقال كنانة بن بشر: أما والله دون أن أنظر في إداوته فلا. فقالوا: سبحان الله أيكون كتابٌ في ماء؟ فقال: إنَّ للنّاس حِيَلاً. ثمَّ حلَّ الإداوة فإذا فيها قارورةٌ مختومةٌ، أو قال: مضمومة، في جوف القارورة كتابٌ في أنبوب من رصاص فأخرجه فقُرئ فإذا فيه:
أمّا بعد: فإذا قدم عليك عمرو بن بُديل فاضرب عنقه، واقطع يدي ابن عُديس و كنانة، وعروة، ثمَّ دعهم يتشحّطون في دمائهم حتَّى يموتوا، ثمَّ أوثقهم على جذوع نخل.
فيقال: إنَّ مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلمّا عرفوا ما في الكتاب، قالوا: عثمان مُحَلُّ، ثمَّ رجعوا عودهم على بدئهم حتَّى دخلوا المدينة فلقوا عليّاً بالكتاب وكان خاتمه من رصاص، فدخل به عليُّ على عثمان فحلف بالله ما هو كتابه ولا يعرفه وقال: أمّا الخطّ فخطُّ كاتبي، وأمّا الخاتم فعلى خاتمي، قال عليٌّ فمن تتَّهم؟ قال: أتَّهمك وأتَّهم كاتبي. فخرج عليٌّ مغضباً وهو يقول: بل هو أمرك. قال أبو مخنف: وكان خاتم عثمان بَدءً عند حُمران بن أبان ثمَّ أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه:
وفي لفظ جُهيم الفهري قال: أنا حاضرٌ أمر عثمان فذكر كلاماً في أمر عمّار.
فانصرف القوم راضين ثمَّ وجدوا كتاباً إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق رؤساء المصريِّين، فرجعوا ودفعوا الكتاب إلى عليّ فأتاه به فحلف له أنَّه لم يكتبه ولم يعلم به.
فقال له عليٌّ: فمن تتَّهم فيه؟ فقال: أتَّهم كاتبي وأتَّهمك يا عليُّ! لأنَّك مُطاع عند القوم ولم تردّهم عنِّي.
وجاء المصريُّون إلى دار عثمان فأحدقوا بها وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم: يا عثمان! أهذا كتابك؟ فجحد وحلف فقالوا: هذا شرّ، يكتب عنك بما لا تعلمه، ما مثلك
____________________
١ - أيلة بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم ممّا يلى الشام. وقيل: هى آخر الحجاز وأول الشام.
يلي اُمور المسلمين، فاختلع من الخلافة. فقال: ما كنت لأنزع قميصاً قمَّصنيه الله، أو قال: سربلنيه الله. وقالت بنو اُميّة: يا عليُّ أفسدت علينا أمرنا ودسست وألَّبت، فقال: يا سفهاء! إنّكم لتعلمون انَّه لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وإنِّي رددت أهل مصر عن عثمان ثمَّ أصلحت أمره مرَّة بعد اُخرى. فما حيلتي؟ وانصرف وهو يقول: أللهمَّ إنِّي بريءٌ ممَّا يقولون ومن دمه إن حدث به حدثٌ.
قال: وكتب عثمان حين حصروه كتاباً قرأه ابن الزبير على النّاس يقول فيه: والله ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا علمت بقصَّته وأنتم مُعتَبون من كلِّ ما ساءكم، فأمِّروا على مصركم من أحببتم، وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوا إلى من شئتم فقالوا: قد اتَّهمناك بالكتاب فاعتزلنا.
وأخرج ابن سعد من طريق جابر بن عبد الله الأنصاري قال: إنَّ عثمان وجَّه إلى المصريِّين لمـَّا أقبلوا يريدونه محمَّد بن مسلمة في خمسين من الأنصار أنا فيهم فأعطاهم الرضى وانصرفوا فلمّا كانوا ببعض الطريق رأوا جملاً عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلامٌ لعثمان ففتَّشوه فإذا معه قصبةُ من رصاص في جوف إداوة فيها كتابٌ إلى عامل مصر: أن افعل بفلان كذا، وبفلان كذا، فرجع القوم إلى المدينة فأرسل إليهم عثمان محمَّد بن مسلمة فلم يرجعوا وحصروه.
صورةٌ اُخرى
عن سعيد بن المسيِّب قال: إنَّ عثمان لمـّا ولي كره ولايته نفرٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنَّ عثمان كان يحبُّ قومه، فولي الناس اثنتى عشرة سنة، وكان كثيراً ما يولِّي بني اُميّة ممَّن لم يكن له من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صحبة، وكان يجيئُ من اُمرائه ما يكره أصحاب محمَّد، فكان يُستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلمّا كان في الحجج الآخرة استأثر ببني عمِّه فولّاهم وولّى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلّمون منه، وقد كانت من عثمان قبل هُنات إلى عبد الله ابن مسعود وأبي ذر عمّار بن ياسر، فكان في قلوب هُذيل وبني زهرة وبني غفار و أحلافها من غضب لأبي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمّار بن ياسر، فلمّا جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، كتب إليه كتاباً يتهدَّده فيه، فأبى أن ينزع عمّا نهاه
عثمان عنه وضرب بعض من شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتّى قتله، فخرج من أهل مصر سبع مائة رجل إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصّلاة إلى أصحاب محمَّد، فقام طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة رضي الله عنها تسأله أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه عليُّ بن أبي طالب وكان متكلّم القوم فقال له: إنَّما يسألك القوم رجلاً مكان رجل، وقد ادَّعوا قِبَله دماً فاعزله واقض بينهم، فإن وجب عليه حقٌّ فانصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلاً اُولّيه عليكم مكانه. فأشار النَّاس عليهم بمحمَّد بن أبي بكر الصدِّيق فقالوا: استعمل علينا محمَّد بن أبي بكر. فكتب عهده وولّاه ووجَّه معهم عدَّة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح، فشخص محمَّد بن أبي بكر وشخصوا جميعاً فلمّا كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطاً كأنَّه رجلٌ يَطلب أو يُطلب، فقال له أصحاب محمَّد بن أبي بكر: ما قصَّتك؟ وما شأنك؟ كأنَّك هاربٌ أو طالب. فقال لهم مرَّة: أنا غلام أمير المؤمنين، وقال اُخرى: أنا غلام مروان، وجَّهني إلى عامل مصر برسالة، قالوا: فمعك كتابٌ؟ قال: لا. ففتَّشوه، فلم يجدوا معه شيئاً وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيءٌ يتقلقل فحرَّكوه ليخرج فلم يخرج فشقّوا الإداوة فإذا فيها كتابٌ من عثمان إلى ابن أبي سرح.
فجمع محمَّد من كان معه المهاجرين والأنصار وغيرهم ثمَّ فكَّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمَّد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمّد وقرّ على عملك حتّى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إليَّ متظلّماً منك إن شاء الله، فلمّا قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمَّد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر ممَّن كان معه، ودفعه إلى رجل منهم وقدموا المدينة، فجمعوا عليّاً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ فكّوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصّة الغلام وأقرأوهم الكتاب، فلم يبق أحدٌ من أهل المدينة إلّا حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وعمَّار بن ياسر وأبي ذر حنقاً وغيظاً، وقام أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنازلهم ما منهم أحدٌ إلّا وهو مغتمّ لِما في الكتاب.
وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمَّد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على
ذلك طلحة بن عبيد الله، وكانت عائشة تقرُصه كثيراً، ودخل عليٌّ وطلحة والزبير وسعد وعمّار في نفر من أصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّهم بدريّ على عثمان ومع عليّ الكتاب والغلام والبعير فقال له عليٌّ: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير بعيرك؟ قال: نعم. قال: وأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحَلف بالله: ما كتبت هذ الكتاب ولا أمرت به ولا علمت شأنه فقال له عليٌّ: أفالخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟ فحلف بالله: ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا وجَّهت هذا الغلام إلى مصر قطُّ. وعرفوا أن الخطَّ خطُّ مروان فسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من عنده غِضاباً وعلموا انَّه لا يحلف بباطل إلّا أنَّ قوماً قالوا: لن يبرأ عثمان في قلوبنا إلّا أن يدفع إلينا مروان حتّى نبحثه عن الأمر ونعرف حال الكتاب، وكيف يُؤمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حقٍّ؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منّا في أمر مروان، فلزموا بيوتهم فأبى عثمان أن يخرج مروان.
فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال: أفيكم عليٌّ؟ فقالوا: لا. قال: أفيكم سعد؟ فقالوا: لا. فسكت، ثمَّ قال ألا أحدٌ يبلِّغ عليّاً فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليّاً فبعث إليه بثلاث قِرَب مملوءةً ماءً فما كادت تصل إليه وجُرح بسببها عدَّة من موالي بني هاشم وبني اُميَّة حتّى وصلت.
لفظ الواقدي
من طريق محمَّد بن مسلمة وقد أسلفنا صدره في ص ١٣٢، ١٣٣، وإليك بقيَّته: فوجدنا فيه هذا الكتاب فإذا فيه:
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. أمّا بعد: فإذا قدم عليك عبد الرّحمن بن عديس فاجلده مائة، واحلق رأسه ولحيته، واطل حبسه حتّى أتيك أمري، وعمرو بن الحمق، فافعل به مثل ذلك، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن البيّاع الليثي مثل ذلك. قال: فقلت: وما يدريكم انَّ عثمان كتب بهذا؟ قالوا: فيقتات مروان على عثمان بهذا فهذا شرّ، فيخرج نفسه من هذا الأمر. ثمَّ قالوا: انطلق معنا إليه فقد كلّمنا عليّاً ووعدنا أن يكلّمه إذا صلّى الظهر وجئنا سعد بن أبي وقاص فقال: لا أدخل في أمركم، وجئنا سعيد
بن زيد بن عمرو فقال مثل هذا، فقال محمَّد: فأين وعدكم عليَّ؟ قالوا: وعدنا إذا صلّى الظهر أن يدخل عليه. قال محمَّد: فصلّيت مع عليّ، قال: ثمَّ دخلت أنا وعليّ عليه فقلنا: إنَّ هؤلاء المصريِّين بالباب فأذن لهم، قال: ومروان جالس فقال مروان: دعني جُعلت فداك اُكلّمهم. فقال عثمان: فضَّ الله فاك اخرج عنِّي، وما كلامك في هذا الأمر؟ فخرج مروان وأقبل عليٌّ عليه قال وقد أنهى المصريّون إليه مثل الذي انهوا إليَّ فجعل عليٌّ يُخبره ما وجدوا في كتابهم، فجعل يُقسم بالله ما كتب ولا علم ولا شوَّر فيه، فقال محمَّد بن مسلمة: والله انّه لصادقٌ، ولكن هذا عمل مروان، فقال عليٌّ: فادخلهم عليك فليسمعوا عذرك. قال: ثم أقبل عثمان على عليّ فقال: إنَّ لي قرابة ورحماً والله لو كنت في هذه الحلقة لحللتها عنك، فأخرج إليهم فكلّمهم فانّهم يسمعون منك. قال عليٌّ: والله ما أنا بفاعل ولكن أدخلهم حتّى تعتذر إليهم. قال: فادخلوا.
قال محمَّد بن مسلمة: فدخلوا يومئذ فما سلّموا عليه بالخلافة فعرفت انَّه الشرّ بعينه قالوا: سلامٌ عليكم، فقلنا: وعليكم السّلام قال: فتكلّم القوم وقد قدَّموا في كلامهم ابن عديس، فذكر ما صنع إبن سعد بمصر وذكر تحاملاً منه على المسلمين وأهل الذَّمة وذكر استئثاراً منه في غنائم المسلمين، فإذا قيل له في ذلك قال: هذا كتاب أمير المؤمنين إليَّ، ثمَّ ذكروا أشياء ممّا أحدث بالمدينة وما خالف به صاحبيه قال: فرحلنا من مصر ونحن لا نريد إلّا دمك أو تنزع، فردَّنا عليٌّ ومحمَّد بن مسلمة و ضمن لنا محمَّد النزوع عن كلّ ما تكلّمنا منه، ثمّ أقبلوا على محمَّد بن مسلمة قالوا: هل قلت ذاك لنا؟ قال محمَّد: فقلت: نعم، ثمَّ رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله عزَّ وجلَّ عليك ويكون حجَّة لنا بعد حجَّة، حتّى إذا كنّا بالبُوَيب(١) أخذنا غلامك فأخذنا كتابك وخاتمك إلى عبد الله بن سعد تأمره فيه بجلد ظهورنا، والمثل بنا في أشعارنا، وطول الحبس لنا، وهذا كتابك، قال: فحمد الله عثمان أثنى عليه ثمَّ قال: والله ما كتبت ولا أمرت ولا شوَّرت ولا علمت قال: فقلت وعليٌّ جميعا: قد صدق. قال: فاستراح إليها عثمان فقال المصريّون: فمن كتبه؟ قال: لا أدري. قال: أفيُجترأ عليك فيُبعث غلامك وجملٌ من صدقات المسلمين، ويُنقش على خاتمك، ويُكتب إلى عاملك بهذه الاُمور
____________________
١ - البويب: مدخل اهل الحجاز بمصر.
العظام وأنت لا تعلم؟ قال: نعم، قالوا: فليس مثلك يلي، اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه. قال: لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله عزَّ وجلَّ. قال: وكثرت الأصوات واللغط فما كنت أظنّ أنَّهم يخرجون حتّى يواثبوه قال: وقام عليٌّ فخرج فلمَّا قام عليٌّ قمت وقال المصريِّين: اخرجوا فخرجوا، ورجعت إلى منزلي ورجع عليٌّ إلى منزله فما برحوا محاصرته حتَّى قتلوه.
وأخرج الطبري من طريق عبد الرحمن بن يسار: أنَّ الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي(١) وهو الذي كان يدعو عليه أمير المؤمنينعليهالسلام في قنوته مع اناس كما مرَّ حديثه في ج ٢: ٣٢ ١ ط ٢، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه ١: ١٦٥.
وأخرج من طريق عثمان بن محمَّد الأخنسي قال: كان حصر عثمان قبل قدوم أهل مصر فقدم أهل مصر يوم الجمعة وقتلوه في الجمعة الاُخرى. تاريخ الطبري ٥: ١٣٢.
الخليفة توّاب عوّاد
أخرج الطبري من طريق سفيان بن أبي العوجاء قال: قدم المصريّون القدمة الأولى فكلّم عثمان محمّد بن مسلمة فخرج في خمسين راكباً من الأنصار فأتوهم بذي خشب فردَّهم ورجع القوم حتَّى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاماً لعثمان معه كتابٌ إلى عبد الله بن سعد فكرّوا وانتهوا إلى المدينة وقد تخلّف بها من الناس الأشتر و حكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كَتَبه وقال: هذا مُفتعلٌ. قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك؟ قال: أجل، ولكنَّه كتبه بغير أمري قالوا: فإنَّ الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك؟ قال: أجل، ولكنَّه خرج بغير إذني. قالوا: فالجمل جملك قال: أجل، ولكنّه أخذ بغير علمي. قالوا: ما أنت إلّا صادقٌ أو كاذبٌ، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لِما أمرتَ به من سفك دمائنا بغير حقِّها، وإن كنت صادقاً فقد استحققتَ أن تُخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك، لأنَّه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يُقتطع مثل الأمر دونه لضعفه وغفلته، وقالوا له: إنَّك ضربت رجالاً من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقِّ عند ما يستنكرون
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١١٥:
من أعمالك، فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالمٌ، فقال: الإمام يُخطئ ويُصيب فلا اُقيد من نفسي لأنِّي لو أقدت كلَّ من أصبته بخطأ أتى على نفسي قالوا: إنَّك قد أحدثت أحداثاً عظاماً فاستحققت بها الخلع، فإذا كلّمت فيها أعطيتَ التوبة ثمَّ عدت إليها و إلى مثلها ثمَّ قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحقِّ ولامنا فيك محمَّد بن مسلمة، وضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرَّ أمنك وقال: لا أدخل في أمره، فرجعنا أوّل مرَّة لنقطع حجَّتك ونبلغ أقصى الأعذار إليك نستظهر بالله عزَّ وجلَّ عليك فلحقنا كتابٌ منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت انَّه كُتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخطِّ كاتبك عليه وخاتمك فقد وقعتْ عليك بذلك التهمة القبيحة، مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم، والأثرة في القسم، والعقوبة للأمر بالتبسُّط من الناس، والإظهار للتوبة ثمَّ الرجوع إلى الخطيئة ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتّى نجعلك ونستبدل بك من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مَن لم يُحدث مثل ما جرَّبنا منك، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا، فإنَّ ذلك أسلم لنا منك، فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم، قال:
ألحمد لله وأستعينه وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، أمّا بعد: فإنّكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أمّا قولكم: تخلع نفسك. فلا أنزع قميصاً قمَّصنيه الله عزَّ وجلَّ وأكرمني به وخصَّني به على غيري ولكنّي أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون، فإنِّي والله الفقير إلى الله الخائف منه.
قالوا: إنَّ هذا لو كان أوّل حدَث أحدثته ثمَّ تُبت منه ولم نقم عليه لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك ولكنه: قد كان منك من الأحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرَّة الأولى وما نخشى أن تكتب فينا ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك، وكيف نقبل توبتك؟ وقد بلونا منك انَّك لا تُعطي من نفسك التوبة من ذنب إلّا عُدتَ اليه، فلسنا منصرفين حتّى نعزلك ونستبدل بك، فإن حال مَن معك
من قومك وذوي رحمك وأهل الإنقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم حتَّى نخلص إليك فنقتلك، أو تلحق أرواحنا بالله.
فقال عثمان: أمّا أن أتبرَّأ من الإمارة فان تصلبوني أحبُّ إليَّ من أن أتبرَّأ من أمر الله عزَّ وجلَّ وخلافته وأمّا قولكم: تقاتلون من قاتل دوني. فإنِّي لا آمر أحداً بقتالكم(١) فمن قاتل دوني فانَّما قتل بغير أمري، ولعمري لو كنت اُريد قتالكم لقد كنت كتبت إلى الأجناد(٢) فقادوا الجنود وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق، فالله الله في أنفسكم فابقوا عليها إن لم تُبقوا عليَّ: فإنّكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دماً. قال: ثمَّ انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمَّد بن مسلمة فكلّمه أن يردَّهم فقال: والله لا أكذب الله في سنة مرَّتين. تاريخ الطبري ٥: ١٢٠، ١٢١.
نظرة فى أحاديث الحصارين
أوَّل ما يقع عليه النظر من هذه الأحاديث أنّ المجهزين على عثمان هم المهاجرون والأنصار من الصحابة ولم يشذّ عنهم إلّا أربعة أسلفنا ذكر في صفحة ١٩٥ وهم الذين أصفقوا مع أهل مصر والكوفة والبصرة على مقت الخليفة وقتله بعد أن أعيتهم الحيل وأعوزهم السعي في استتابته، وإكفائه من الأحداث، ونزوعه عمّا هو عليه من الجرائم وإنَّ في المقبلين من تلكم البلاد من عظماء الصحابة، ومن رجال الفضيلة والفقه والتقى من التابعين جماعات لا يستهان بعدَّتهم، ولا يُغمز في دينهم، وهم رؤساء هاتيك الجماهير والمؤلِّبين لهم على عثمان. فمن الكوفيِّين:
١ - زيد الخير، له إدراكٌ أثنى عليه النبيُّ الأعظم، وانَّه من الخيار الأبرار.
٢ - مالك بن الحارث الأشتر، له إدراكٌ، أوقفناك على عظمته وفضله وموقفه من الايمان، ومبلغه من الثقة والصلاح.
٣ - كعب بن عبدة النهدي، وقد سمعت عن البلاذري انَّه كان ناسكاً.
____________________
١ - لم يكن معه هناك غير بنى أبيه حتى يامر أحداً بالقتال وهم ليسوا هناك وقد تحصنوا يوم قتله بكندوج ام حبيبة كما يأتيك حديثه.
٢ - كان يتأهب للقتال، ويستعد بالسلاح، ويكتب الى الاجناد، ويجلب الى المدينة الجنود المجندة من الشام، وغيرها، غير انه كان يغفل الناس بكلماته هذه وسنوافيك كتبه.
٤ - زياد بن النضر الحارثي، له إدراكٌ.
٥ - عمرو بن الأهتم، صحابيٌّ خطيبٌ بليغٌ شريفٌ في قومه، ترجمه ابن عبد البرّ في « الاستيعاب » ، وابن الأثير في « اسد الغابة » وابن حجر في « الاصابة »
(وفي المصريِّين):
٦ - عمرو بن الحمق الخزاعي، صحب النبيَّ وحفظ عنه أحاديث، وحظي بدعائهصلىاللهعليهوآلهوسلم له كما مرَّ تفصيله ص ٤٥.
٧ - عمرو بن بديل الخزاعي، صحابيٌّ عادلٌ مترجمٌ في معاجم الصحابة.
٨ - عبد الله بن بديل الخزاعي: قال أبو عمر: كان سيِّد خزاعة وخزاعة عيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشهد حنيناً والطائف وتبوك، وكان له قدرٌ وجلالةٌ، وكان من وجوه الصحابة. راجع الإستيعاب، واُسد الغابة، والإصابة.
٩ - عبد الرَّحمن بن عديس أبو محمّد البلوي، صحب النبيَّ وسمع منه، وكان ممَّن بايع تحت الشجرة من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
١٠ - محمَّد بن أبي بكر، وحسبك فيه ما في الإستيعاب والإصابة من أنَّ عليّاً « أمير المؤمنين » كان يُثني عليه ويفضّله وكانت له عبادة واجتهاد، وكان من أفضل أهل زمانه.
(ورئيس البصريِّين):
١١ - حكيم بن جبلة العبدي، قال أبو عمر في « الإستيعاب » : أدرك النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان رجلاً صالحاً له دين مطاعاً في قومه. وقال المسعودي في المروج ٢: ٧: كان من سادات عبد القيس وزهّادها ونسّاكها. وأثنى عليه مولانا أمير المؤمنين بقوله كما في الكامل ٣: ٩٦:
دعا حكيم دعوة سميعه |
نال بها المنزلة الرفيعه |
|
يا لهف ما نفسي على ربيعه |
ربيعة السامعة المطيعه |
قد سبقتني فيهم الوقيعة
وإنَّ ما جرى في غضون تلكم المعامع، وتضاعيف ذلك الحوار من أخذٍ وردٍّ وهتافٍ وقول، كلّها تنمُّ عن صلاح القوم وتقواهم، وإنَّهم لم يغضبوا إلّا لله، ولا دعوا
إلّا إلى أمره، ولا نهضوا إلّا لإقامة الأمت والعوج، وتقويم دين الله وتنزيهه عن المعرّات والأحداث، ولم يجلبهم إلى ذلك الموقف مطمعٌ في إمارة، أو نزعٌ إلى حكم أو هوىً في مال، ولذلك كان يرضيهم كلّما يبديه الخليفة من النزول على رغباتهم، والنزوع عن أحداثه، والإنابة إلى الله ممّا نقموا به عليه، غير انَّه كان يثيرهم في الآونة بعد الاُخرى ما كانوا يشاهدونه من المقام على الهنات، ونقض العهد مرَّة بعد مرَّة حتى إذا اطمأنّوا إلى أنَّ الرَّجل غير منكفئ عمَّا كان يقترفه، ولا مطمئنّ عمّا كان يفعله، فاطمأنّوا إلى بقاء التكليف عليهم بالوثوب، فوقفوا لإزالة ما رأوه منكراً ذلك الموقف الشديد حتّى قضى من الأمر ما كان مقدوراً.
ولو كان للقوم غاية غير ما وصفناه لَما أثنى مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام على المصريِّين منهم بقوله من كتاب كتبه الى أهل مصر: إلى القومِ الذين غضبوا لِلَّه حين عُصي في أرضه، وذهب بحقِّه، إلى آخر ما مرَّ في صفحة ٧٤، ولَما كانوا مذكورين في المعاجم والكتب بالثناء الجميل عليهم بعد تلكم المواقف المشهودة، ولو صدر عن أيِّ أحد أقلَّ ممّا صدر من اولئك الثائرين على عثمان في حقِّ فرد من أفراد المسلمين فضلاً عن الخليفة لعدَّ جنايةً لا تغفر، وذنباً لا يبرَّر، وسقط صاحبه إلى هوَّة الضعة، ولا تبقى له بعدُ حرمة ولا كرامة، وغير أنَّ....
الثاني من مواقع النظر في الأحاديث المذكورة: انَّ الخليفة كانت عنده جرائم يستنكرها المسلمون وينكرونها عليه وهو يعترف بها فيتوب عنها، ثمَّ يروغ عن التوبة فيعود إليها، ولا أدري انّه في أيِّ الحالين أصدق؟ أحين اعترف بالأحداث فتاب؟ أم حين عبث به مروان فرقى المنبر وقال: إنَّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمرٌ فلمّا تيقَّنوا انَّه باطلٌ ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم؟
الثالث: أنّه أعطى العهود والمواثيق المؤكّدة على النزوع عمّا كان يرتكبه ممّا ينقمونه عليه وسجّل ذلك في صكوك يبثّها في البلاد بأيدي الناهضين عليه، إذ كان على علم بأنَّ البلاد قد تمخَّضت عليه كما مرَّ في كلام لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، ثمَّ لم يلبث حتّى نكثها بعد ما ضمن له بالعمل على ذلك الضمان مثل مولانا أمير المؤمنين ومحمّد ابن مسلمة ذلك الصحابيِّ العظيم، وقد شهدت ذلك الضمان اُمَّةٌ كبيرةٌ من الصحابة،
فكأنَّه ما كان يرى للعهد لزوماً، ولا للضمان حرمة، ولا للضامنين مكانة، ولا لنكث العهد معرَّة، ولعلّه كان يجد مبرِّراً لتلكم الفجايع أو الفصايح، وعلى أيّ فالمسلمون « ويقدمهم الصحابة العدول » لم يرقهم ذلك المبرِّر ولا اعترفوا به، فمضوا إلى ما فعلوه قُدماً غير مُتحوِّبين ولا متأثِّمين.
الرابع: إنّ التزامه في كتاب عهده في الحصار الأوَّل بالعمل بالكتاب والسنّة وهو في حيِّز النزوع عمّا كان يرتكبه قبل ذلك، وقد أعتب بذلك المتجمهرين عليه المنكرين على أحداثه المنحازة عنهما، يرشدنا إلى انّه كان في أعماله قبل ذلك الالتزام محيدٌ عن الكتاب والسنَّة، وحَسب أيّ إنسان من الضعة أن تكون أعماله منتئية عنهما
الخامس: إنَّ الطريد بن الطريد، أو قل عن لسان النبيِّ الأمين(١) : الوزغ ابن الوزع، اللعين ابن اللعين، مروان بن الحكم كان يؤثِّر في نفسيّات الخليفة حتى يحوِّله « كما قال مولانا أمير المؤمنين(٢) » عن دينه وعقله، ويجعله مثل الظعينة يقاد حيث يسار به.
فلم يزل به حتى أربكه عند منتقض العهود ومنتكث المواثيق، فأورده مورد الهكة، وعجيبٌ من الخليفة أن يتأثَّر بتسويلات الرجل وهو يعلم محلّه من الدين وموقفه من الايمان، ومبوَّأه من الصِّدق والأمانة، وهو يعلم أنَّه هو وزبانيته هم الذين جرّوا عليه الويلات وأركبوه النهابير، وأنَّهم سيوردونه ثمَّ لا يصدرونه، يعلم ذلك كلّه وهو بين الناب والمخلب وفي منصرم الحياة، ومع ذلك كلّه لا يزال مقيماً على هاتيك الوساوس المروانيّة، فيا للعجب.
وأعجب من ذلك انَّه مع هذا التأثّر يتَّخذ نصح الناصحين له كمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وكثير من الصحابة العدول باعتاب الناس ورفض تمويهات مروان الموبقة له ظهريّاً فلا يُعير لهم بعد تمام الحجَّة وقطع سُبل المعاذير اُذناً واعية، وهو يعلم أنَّهم لا يعدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدعونه إلى ما فيه نجاته ونجاح الاُمَّة.
(لفت نظر) وقع في عدِّ أيّام حصار عثمان خلافٌ بين المؤرِّخين فقال الواقدي: حاصروه تسعة وأربعين يوماً. وقال الزبير: حاصروه شهرين وعشرين يوماً. وفي رواية:
____________________
١ - راجع ما مر فى الجزء الثامن ص ٢٦٠ ط ٢.
٢ - راجع ما مضى فى هذا الجزء صفحة ١٧٤.
انَّهم حصروه أربعين ليلة. وقال ابن كثير: استمرَّ الحصر أكثر من شهر وقيل: بضعاً و أربعين. وقال الشعبي: كانت مدَّته اثنتين وعشرين ليلة. وفي رواية للطبري: كان الحصر. أربعين ليلة والنزول سبعين. وفي بعض الروايات: حصروه عشرين يوماً بعد قضيَّة جهجاه المذكورة ص ١٢٤ إلى أقوال اُخرى، ولعلَّ كلٌّ منها ناظرٌ إلى ناحية من مدَّة أيّام الحصارين أو مدَّة أحدهما، ومن مدة نزول المتجمرين حول داره، و من أيّام ضاق عليه الخناق، ومُنع من ادخال الماء عليه، وحيل بينه وبين اختلاف الناس إليه، ومن حصار الثائرين عليه من الأمصار، ومن إصفاق أهل المدينة معهم على الحصار. إلى تأويلات اُخرى يتأتّى بها الجمع بين تلكم الأقوال.
كتب عثمان ايام الحصار(١)
أخرج الطبري في تاريخه من طريق ابن الكلبي قال: إنَّما ردَّ أهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنَّه أدركهم غلامٌ لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلب بعضهم فلمّا أتوا عثمان قالوا: هذا غلامك؟ قال: غلامي إنطلق بغير علمي، قالوا: جملك؟ قال: أخذه من الدار بغير أمري. قالوا: خاتمك؟ قال: نقش عليه فقال عبد الرَّحمن بن عُديس التجيبي حين أقبل أهل مصر.
أقبلنَ من بلبيس والصعيدِ(٢) |
خوصاً كأمثال القسيِّ عودِ |
|
مُستحقباتٍ حَلق الحديد |
يطلبن حقَّ الله في الوليدِ |
|
وعند عثمان وفي سعيدِ |
يا ربّ فارجعنا بما نريدُ |
فلمّا رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام:
____________________
١ - الامامة والسياسة ٢: ٣٢ - ٣٣، الانساب ٥: ٧١، ٧٢، تاريخ الطبرى ٥: ١٠٥، ١١٥، ١١٦، ١١٩، تاريخ اليعقوبى ٢: ١٥٢، الكامل لابن الاثير ٥. ٦٧، ٧١، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٦٥، تاريخ ابن خلدون ٢: ٣٩٤، الفتنة الكبرى ص ٢٢٦.
٢ - بلبيس: بكسر الباءين وسكون اللام مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة على طريق الشام. الصعيد: بلاد واسعة كثيرة بمصر يقال: انها تسعمائة وسبع خمسون قرية.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
أمّا بعد: فإنَّ أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، فابعث إليَّ مَن قِبلك من مقاتلة اهل الشام على كلِّ صعب وذلول.
فلمّا جاء معاوية الكتاب تربّص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد علم اجتماعهم، فلمّا أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن اسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويُعظِّم حقَّه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله عزَّ وجلَّ به من طاعتهم ومناصحتهم ووعدهم أن يجندهم جنداًو بطانة دون الناس، وذكرهم بلاءه عندهم وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإنَّ القوم معاجلي.
فلمّا قُرئ كتابه عليهم قام يزيد بن أسد بن كرز البجلي ثمَّ القسري فحمد الله و أثنى عليه، ثمَّ ذكر عثمان فعظَّم حقّه، وحضَّهم على نصره، وأمرهم بالمسير إليه، فتابعه ناسٌ كثيرٌ وساروا معه حتّى إذا كان بوادي القرى(١) بلغهم قتل عثمان رضي الله عنه فرجعوا.
وأخرج البلاذري من طريق الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية: أن أمدَّني، فأمدَّه بأربعة آلاف مع يزيد بن اسد بن كريز البجلي، فتلقّاه النّاس بمقتل عثمان فرجع من الطريق وقال: لو دخلت المدينة وعثمان حيٌّ ما تركت بها محتلماً إلّا قتلته، لأنَّ الخاذل والقاتل سواء.
كتابه الى أهل الشام
قال ابن قتيبة: وكتب إلى أهل الشام عامَّة وإلى معاوية وأهل دمشق خاصَّة:
أمّا بعد: فإنِّي في قوم طال فيهم مقامي، واستعجلوا القدر فيَّ، وقد خيَّروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل الدحيل، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني، وبين أن اقيدهم ممَّن قتلت، ومن كان على السلطان يخطئ ويصيب، فيا غوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دوني، فالعجل العجل يا معاوية! وأدرك ثمَّ أدرك وما أراك تدرك.
____________________
١ - وادى القرى: واد بين المدينة والشام من اعمال المدينة.
كتابه الى اهل البصرة
وكتب إلى عبد الله بن عامر: أن أندب إلىَّ أهل البصرة - نسخة كتابه إلى أهل الشام - فجمع عبد الله بن عامر الناس فقرأ كتابه عليهم، فقامت خطباء من أهل البصرة يحضُّونه على نصر عثمان والمسير إليه فيهم: مجاشع بن مسعود السلمي، وكان أوَّل مَن تكلّم وهو يومئذٍ سيِّد قيس بالبصرة، وقام أيضاً قيس بن الهيثم السلمي، فخطب وحضَّ النَّاس على نصر عثمان، فسارع النّاس إلى ذلك، فاستعمل عليهم عبد الله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم حتّى إذا نزل النّاس الربذة ونزلت مقدّمته عند صرار ناحية من المدينة أتاهم قتل عثمان.
وقال البلاذري: وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر بن كريز ومعاوية بن أبي سفيان يُعلمهما أنَّ أهل البغي والعدوان من أهل العراق ومصر والمدينة قد أحاطوا بداره فليس يُرضيهم بزعمهم شئٌ دون قتله أو يخلع السربال الذي سربله الله إيّاه، ويأمرهما بإغاثته برجال ذوي نجدة وبأس ورأي، لعلَّ الله أن يدفع بهم عنه بأس يكيده و يريده، وكان رسوله إلى ابن عامر جُبير بن مُطعم، وإلى معاوية المسور بن مخرمة الزهري، فأمّا ابن عامر فوجَّه إليه مجاشع بن مسعود السلمي في خمس مائة أعطاهم خمس مائة خمس مائة درهم، وكان فيمن ندب مع مجاشع زفر بن الحارث على مائة رجل، وأمّا معاوية فبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري في ألف فارس، فقدم حبيب أمامه يزيد بن أسد البجلي جدّ خالد بن عبد الله بن يزيد القسري من بجيلة، وبلغ أهل مصر ومن معهم ممَّن حاصر عثمان ما كتب به إلى ابن عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدَّة عليه وجدّاً في حصاره وحرصاً على معاجلته بالقتل.
كتابه الى اهل الامصار
أخرج الطبري وغيره وقالوا: كتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدُّهم:
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
أمّا بعد: فإنَّ الله عزَّ وجلَّ بعث محمَّداً بالحقِّ بشيراً ونذيراً، فبلّغ عن الله ما أمره به ثمَّ مضى وقد قضى الذي عليه وخلّف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه، وبيان الاُمور
التي قدَّر فأمضاها على ما أحبَّ العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ثمَّ اُدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأٍ من الامَّة، ثمَّ أجمع أهل الشورى عن ملأٍ منهم ومن النّاس على غير طالب منِّي ولا محبّة، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعاً غير مستتبع، متبعاً غير مبتدع، مقتدياً غير متكلّف، فلمّا انتهت الاُمور، وانتكث الشرُّ بأهله، بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا تِرة فيما مضى إلّا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمراً وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر، فعابوا عليَّ أشياء ممّا كانوا يرضون وأشياء عن ملأٍ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبَّرت لهم نفسي و كففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله عزَّ وجلَّ جرأةً حتى أَغاروا علينا في جوار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحَرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيّام الأحزاب أو مَن غزانا باُحد إلّا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول، فبعث معاوية حبيب ابن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن خديج السكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو. الحديث.
كتابه الى اهل مكة
ومَن حضر الموسم سنة ٣٥
ذكر ابن قتيبة قال: كثب عثمان كتاباً بعثه مع نافع طريف إلى أهل مكّة و من حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكّة وابن عبّاس يخطب وهو يومئذٍ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم فقام نافع ففتح الكتاب فقرأه فإذا فيه:
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى مَنْ حضرَ الحجَّ من المسلمين. أمّا بعد: فانِّي كتبت اليكم كتابي هذا وأنا محصورٌ أشرب من بئر القصور، ولا آكل من الطعام ما يكفيني، خيفة أن تنفد ذخيرتي فأموت جوعاً أنا ومَن معي، لا اُدعى إلى توبة أقبلها، ولا تُسمع منِّي حُجَّة أقولها، فأنشد الله رجلاً من المسلمين بلغه كتابي إلّا قدم عليَّ فأخذَ الحقَّ فيَّ ومنعني من الظلم والباطل.
_١٢_
قال: ثمَّ ابن عبّاس فأتمَّ خطبته ولم يعرض لشيء به شأنه.
قال الأميني: هذا ما يمكننا أن نؤمن به من كتاب عثمان إلى الحضور في الموسم وهناك كتابٌ مفصَّل إلى الحاجّ يُنسب إليه يتضمّن آياً من الحِكم والموعظة الحسنة يطفح عن جوانبه الورع الشديد في دين الله، والأخذ بالكتاب والسنَّة، والإحتذاء بسيرة الشيخين، يبعد جدّاً عن نفسيّات عثمان وعمّا عرفته الاُمَّة من تاريخ حياته، والكتاب أخرجه الطبري في تاريخه ٥ ١٤٠ - ١٤٣ وراق الدكتور طه حسين ما وجد فيه من المعاني الراقية والجمل الرائقة، والفصول القيِّمة فذكره في ملحق كتابه « الفتنة الكبرى » ص ٢٢٧ - ٢٣١ ذاهلاً عن أنَّ الكتاب لم يُروَ إلاّ من طريق ابن أبي سبرة القرشي العامري المدني الوضّاع الكذّاب السابق ذكره في سلسلة الوضّاعين في الجزء الخامس، قال الواقدي: كان كثير الحديث وليس بحجَّة، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان يضع الحديث. و قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بشيء كان يضع الحديث ويكذب، وعن ابن معين ليس حديثه بشيء، ضعيف الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفاً في الحديث، وقال مرَّة: كان منكر الحديث. وقال الجوزجاني: يضعف حديثه. وقال البخاري: ضعيفٌ. وقال مرَّة: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه غير محفوظ وهو في جملة من يضع الحديث. وقال ابن حبّان: كان ممَّن يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الإحتجاج به. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي الموضوعات عن الأثبات(١) .
نظرة فى الكتب المذكورة
لقد تضمَّنت هذه الكتب أشياء هي كافية في إثارة عواطف المؤمنين على مَن كتبها ولو لم يكن له سابقة سوء غيرها. منها:
قوله عن المهاجرين والأنصار وليس في المدينة غيرهم: انَّ أهل المدينة قد كفروا، واخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة. وقوله: فهم كالأحزاب أيّام الأحزاب أو من غزانا باُحد وهو يريد أصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، المشهود لهم جمعاء بالعدالة عند قاطبة أهل السنَّة، ولقد صعَّدوا وصوَّبوا في إثبات ذلك بما لا مزيد عليه عندهم، ولا يزالون يحتجّون بأقوالهم
____________________
١ - راجع تاريخ الخطيب ١٤: ٣٦٧ - ٣٧٢، تهذيب التهذيب ١٢: ٢٧.
وما يُؤثر عنهم من قول أو عمل في أحكام الدين، كما يحتجّون بما يُؤثر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من السنَّة، ثقة بايمانهم، وطمأنينة بعدالتهم، ويرون انّهم لا ينبسون ببنت شفة ولا يخطون في أمر الدين خطوة إلّا بأثر ثابت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسموع أن منقول: أو مشاهدة عمل منهصلىاللهعليهوآلهوسلم يطابق ما يرتأونه أو يعملون به، فهل على مؤمن هذا شأنه قذفٌ أثقل عليه من هذا؟ أو تشويهٌ أمسُّ بكرامته من ذلك؟ ولعمر الحقِّ انَّ مَن يغضّ عن مثله فلا يستثيره خِلوٌ عن العاطفة الدينيَّة، خِلوٌ عن الحماس الإسلامي، خِلوٌ عن الشهامة المبدئيَّة، خِلوٌ عن الغيرة على الحقِّ، خِلوٌ وخِلوٌ. ولذلك اشتدَّت الصحابة عليه بعد وقوفهم على هذا وأمثاله.
ثمَّ إنَّه ليس لأحد طاعةٌ مفترضةٌ على أعناق المسلمين بعد الله ورسوله إلّا إمام حقّ يعمل بكتاب الله وسنَّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمتجمهرون على عثمان وهم الصحابة أجمع كانوا يرون انَّه تخطّاهما، وانَّ ما كان ينوء به من فعل أو قول قد عديا الحقّ منهما، فأيّ طاعة واجبة والحال هذه - وحسبان القوم كما ذكرناه - حتّى يُؤاخذوا على الخلف؟.
والبيعة إنَّما لزمت إن كان صاحبها باقياً على ما بويع عليه، والقوم إنَّما بايعوه على متابعة الكتاب والسنَّة والمضيّ على سيرة الشيخين، وبطبع الحال انَّها تنتكث عند نكوص صاحبها عن الشروط، وهو الذي نقمه المسلمون على خليفتهم، فلا موجب لمؤاخذتهم أو منابذتهم، وهاهنا رأى المسلمون أنَّ الرجل زاد ضغثاً على اُبّالة، فهو على أحداثه الممقوتة طفق يستثير الجنود عليهم، ويعرِّضهم على القتل والنهب، فتداركوا الأمر فأوردوه حياض المنيَّة قبل أن يجلب إليهم البليّة، وتلافوا الأمر قبل أن يمسّهم الشرُّ، وما بالهم لا تستثيرهم تلكم القذائف؟ وهم يرون أنَّهم هم الذين آووا ونصروا ولم يألوا جهداً في جهاد الكفّار حتّى ضرب الدين بجرانه، فمن العجيب والحالة هذه أن يشبَّهوا بالأحزاب والكفرة يوم اُحد.
(ومنها) تلوُّنه في باب التوبة التي تظاهر بها على صهوة المنبر بملأ من الصحابة، وسجّل ذلك بكتاب شهد عليه عدَّةٌ من أعيان الاُمَّة وفي مقدَّمهم سيِّدنا أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وكتب ذلك إلى الأمصار النائية كما تقدَّم في صفحة ١٧١ و
هو في كلِّ ذلك يعترف بالخطيئة ويلتزم بالإقلاع عنها، لكنَّه سرعان ما نكث التوبة وأبطل المواثيق المؤكّدة بكتبه هذه، إذ حسب أنَّ من يكتب إليهم سينفرون اليه مقانب وكتائب وهم أولياءه ومواليه، فنفى عنه المآثم التي شهد عليها أهل المدينة بل وأهل الأمصار من خيرة الاُمَّة، وهو يريد أن يقلّب عليهم ظهر المجن، فيؤاخذ وينتقم وكأنَّه نسي ذلك كلّه حتَّى قال: في كتابه إلى أهل مكّة: لا اُدعى إلى توبة أقبلها، ولا تُسمع منِّي حجَّة أقولها.
يقول له المحامي عن المدنيِّين: أوَ لم تُدعَ أيُّها الخليفة إلى التوبة فتبتَ على الأعواد وعلى رؤس الأشهاد مرَّة بعد اُخرى؟ لكنّهم وجدوك لا تقرُّ على قرار، ولا تستمرُّ على مبدء، وشاهدوك تتلوَّن تلوُّن الحِرباء(١) فجزموا بأنَّ التوبة لا تُردعك عن الأحداث، وانَّ النزوع لا يزعك عن الخطايا، وجئت تماطل القوم بذلك كلّه حتّى يوافيك جيوشك فتهلك الحرث والنسل، وتمكن من أهل دار الهجرة مثل يزيد بن كرز الذي يقول: لو دخلت المدينة وعثمان حيٌّ ما تركت بها محتلماً إلّا قتلته. الخ،
عرف القوم أيُّها الخليفة نواياكَ السيِّئة فيهم، وعرفوا إنحرافك عن الطريقة المثلى بابعاد مروان إيّاك عنها كما قال مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهو يخاطبك: أمّا رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بتحرُّفك عن دينك وعن عقلك؟ وإنَّ مَثَلك مَثل الظعينة يُقاد حيث يُسار به(٢) فنهضوا للدفع عنهم وعن بيضة الإسلام من قبل أن يقعوا بين الناب والمخلب، فوقع ما وقع وكان أمر الله قدراً مقدورا.
ولنا هاهنا مناقشةٌ اُخرى في حساب الخليفة فنقول له: ما بالك تكرِّ رأيّها الخليفة قولك عن الخلافة: انَّها رداء الله الذي كساني. أو انَّها قميصٌ سربلنيه الله. أو ما يماثل ذلك؟ تطفح به كتبك أو يطفو على خطبتك، ويلوكها فمك بين كلمك، كأنَّك قد حفظتها كلمة ناجعة لدينك ودنياك، واتّخذتها ورداً لك كأنّك تحاذر في تركها النسيان غير أنَّه عزب عنك محاسبة مَن تخاطبهم بها إيّاك، فما جواب قومك إن قالوا لك؟ متى سربلك الله بهذا القميص؟ وقد مات من سربلك، وانقلب عليك بعدُ قبل موته
____________________
١ - الحرباء: ضرب من الزحافات تتلون فى الشمس ألواناً مختلفة، يضرب بها المثل في المنقلب
٢ - راجع ما مر فى صفحة ١٧٤، ١٧٥ من هذا الجزء.
وعددته لذلك منافقاً، وأوصى أن لا تصلّي عليه أنت، وكان يقول لعليّ أمير المؤمنين خُذ سيفك وآخذ سيفي انَّه قد خالف ما أعطاني، وكان يحثُّ الناس عليك ويقول: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، وحلف أن لا يكلّمك أبداً، وقد دخلت عليه عائداً في مرضه فتحوَّل إلى الحائط ولم يكلّمك(١) وهاجرك إلى آخر نفس لفظه. وتبعه على خلافك الباقون من أهل الشورى.
وكلّنا نحسب أنَّ نصب الخليفة لا يجب على الله سبحانه إن كنّا مقتَفين أثر الشيخين وإنَّما هو مفوَّضٌ إلى الاُمَّة تختار عليها من شاءت، وإن حِدنا في ذلك من قول الله تعالى: وربُّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة(٢) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم(٣) وعن نصوص النبيِّ الأعظم وقد مرَّ شطرٌ منها في غضون أجزاء كتابنا هذا.
فهل ترى أيُّها الخليفة انّه كان يجب على الله سبحانه أن يمضي خيرة الاُمَّة؟ أكان في رأي الجليل إعوازٌ في تقييض الإمام بنفسه حتّى ينتظر في ذلك مشتبك آراء الاُمَّة أو مرتبك أهوائهم فيمضي ما ارتأوه؟ وبهذه المناسبة تنسب ذلك السربال إليه، لا أظنّك أيُّها الخليفة يسعك أن تقرِّر ما استفهمناه، غير أنَّ آخر دعواك بعد العجز عن الجواب: لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله.
وعلى كلٍّ لقد أوقفنا موقف الحيرة في أمر هذا السربال ومَن حاكه والنول الذي حِيك عليه، فقد وجدنا أوَّل الخلفاء تسربله بانتخاب غير دستوري بانتخاب جرَّ الويلات على الاُمَّة حتّى اليوم، بانتخاب سوَّد صحيفة التاريخ وشوَّه سمعة السلف، وقد تقمَّصه إبن أبي قحافة وهو يعلم أنَّ في الاُمَّة مَن محلّه من الخلافة محلّ القطب من الرَّحى، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير، كما قاله مولانا أمير المؤمنين ثمّ مضى الأوَّل لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده، فيا عجباً يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته(٤) فتقمَّصه الثاني بالنصِّ ممَّن قبله وهو يعلم أنَّ في الاُمَّة من هو
____________________
١ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء من حديث عبد الرحمن بن عوف ص ٨٦ - ٩١.
٢ - سورة القصص: ٦٧.
٣ - سورة الاحزاب: ٣٦.
٤ - راجع ما أسلفناه فى الجزء السابع ص ٨١ ط ٢.
أولى منه كما قال مولانا أمير المؤمنين(١) وسربلك إيّاه أيُّها الخليفة عبد الرحمن بن عوف وفي لسانه قوله لعليّ: بايع وإلّا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فخرج عليٌّ مغضباً فلحقه أصحاب الشورى قائلين: بايع وإلّا جاهدناك(٢) . فأيٌّ من هذه السرابيل منسوجٌ بيد الحقِّ حتّى يصحَّ عزوه إليه سبحانه؟ ولهذا البحث ذيولٌ ضافية حولها أبحاثٌ مترامية الأطراف، حول خلافة الخلفاء من بني اُميَّة وغيرهم يشبه بعضها بعضاً، ولعلّك في غنىً عن التبسّط في ذلك والإسترسال حول توثُّبهم على عرش الإمامة.
نعم: الخلافة التي يصحُّ فيها أن يقال: انّها سربالٌ من الله سبحانه، هي التي قيّض صاحبها المولى جلّت قدرته، وبلّغ عنه نبيّه الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هي التي أخبر به النبيُّ الأعظم به أوَّل يومه فقال: إنَّ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء(٣) فهي إمرةٌ إلهيَّة لا تتمُّ إلّا بالنصِّ وليس لصاحبها أن ينزعها، هي التي قرنت بولاية الله ورسوله في قوله تعالى: إنَّما وليّكم الله ورسوله والَّذين آمنوا(٤) وهي التي أكمل الله بها الّدين وأتمَّ بها النعمة(٥) وشتّان بينها وبين رجال الإنتخاب وإن كان دستوريّاً؟.
وأمَّا ما ارتآه المتجمهرون وعبثت به الميول والشهوات، فهي سلطةٌ عاديةٌ يفوز بها المتغلِّبون، وبيد الاُمَّة حلّها وعقدها، والغاية منها عندَ من يحذو حذو الخليفة في جملة من الصولات كلائة الثغور، واقتصاص القاتل، وقطع المتلصّص، إلى آخر ما مرَّ تفصيله في الجزء السابع صفحة ١٣١ - ١٥١ ط ٢ وليس في عهدة المتسلّق على عرشه تبليغ الأحكام، وترويض النفوس، وتهذيب الأخلاق، وتعليم الملكات الفاضلة، وتربية الملأ في عالم النشو والإرتقاء، فإنَّ تلكم الغايات في تلكم السلطات تحصل بمن هو خِلوٌ عن ذلك كلّه كما شوهد فيمن فاز بها عن غير نصٍّ إلهيّ.
____________________
١ - يأتى حديثه بلفظه.
٢ - الانساب للبلاذرى ٥: ٢٢.
٣ - مرّ حديثه فى الجزء السابع ص ١٣٤ ط ٢.
٤ - راجع ما مضى فى الجزء الثانى ص ٤٧، والجزء الثالث ص ١٥٥ - ١٦٧ ط ٢.
٥ - راجع الجزء الاول من كتابنا هذا ص ٢٣٠ - ٢٣٩ ط ٢.
يوم الدار والقتال فيها
أخرج ابن سعد في طبقاته ٥: ٢٥ ط ليدن من طريق أبي حفصة مولى مروان قال: خرج مروان بن الحكم يومئذٍ يرتجز ويقول: مَن يبارز؟ فبرز إليه عروة بن شييم بن البياع الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخرَّ لوجهه فقام إليه عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي بسكّين معه ليقطع راسه فقامت إليه امّه التي أرضعته وهي فاطمة الثقفيّة وهي جدَّة إبراهيم بن العربيِّ صاحب اليمامة فقالت: إن كنت تريد قتله؟ فقد قتله، فما تصنع بلحمه أن تبضِّعه؟ فاستحى عبيد بن رفاعة منها فتركه.
وروى عن عيَّاش بن عبَّاس قال: حدَّثني من حضر ابن البيّاع يومئذٍ يبارز مروان بن الحكم: فكأنِّي أنظر إلى قبائه قد أدخل طرفيه في منطقته وتحت القباء الدرع، فضرب مروان على فقاه ضربة فقطع علابي رقبته ووقع لوجهه فأرادوا أن يذففوا عليه فقيل: تبضعون اللحم؟ فترك.
وأخرج البلاذري من طريق خالد بن حرب قال: لجأ بنو اُميَّة يوم قتل عثمان إلى اُمَّ حبيبة(١) فجعلت آل العاص وآل أبي العاص وآل اُسيد في كندوج(٢) وجعلت سائرهم في مكان آخر، ونظر معاوية يوماً إلى عمرو بن سعيد يختال في مشيته فقال: بأبي واُمِّي اُمَّ حبيبة، ما كان أعلمها بهذا الحيِّ حين جعلتك في كندوج؟.
قال: ومشى الناس إلى عثمان وتسلّقوا عليه من دار بني حزم الأنصاري، فقاتل دونه ثلاثةٌ من قريش: عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود(٣) . عبد الله بن عوف ابن السبّاق(٤) .
وعبد الله(٥) بن عبد الرّحمن بن العوام، وكان عبد الله بن عبد الرَّحمن
____________________
١ - زوجة رسول الله صلى الله عليه و آله
٢ - كندوج: شبه المخزن فى البيت.
٣ - قال ابن الاثير فى اسد الغابة ٣: ٢٧٣، قتل يوم الجمل أو يوم الدار وقال ابن حجر فى الاصابة ٢: ٣٨١: قتل يوم الدار.
٤ - هو عبد الله بن أبى مرة « أبى ميسرة » العبدرى قتل مع عثمان كما فى الاستيعاب ٢: ٣، و الاصابة ٢: ٣٦٧.
٥ - ذكر أبو عمر فى الاستيعاب وابن الاثير فى اسد الغابة فى ترجمة عبد الرحمن، وابن حجر فى الاصابة ٢: ٤١٥: انه ممن قتل يوم الدار.
ابن العوام يقول: يا عباد الله! بيننا وبينكم كتاب الله. فشدَّ عليه عبد الرَّحمن بن عبد الله الجمحي وهو يقول:
لأضربنَّ اليوم بالقرضابِ |
بقيّة الكفّار والأحزابِ |
|
ضرب امرئ ليس بذي ارتيابِ |
أ أنت تدعونا إلى الكتابِ؟ |
نبذته في سائر الأحقابِ
فقتله، وشدَّ جماعةٌ من الناس على عبد الله بن وهب بن زمعة، وعبد الله بن عوف ابن السبّاق، فقتلوهما في جانب الدار.
جاء مالك الأشتر حتَّى انتهى إلى عثمان فلم يرَ عنده أحداً فرجع فقال له مسلم بن كريب القابضي من همدان: أيا أشتر! دعوتنا إلى قتل رجل فأجبناك حتّى إذا نظرت اليه نكصتَ عنه على عقبيك. فقال له الأشتر: لِلَّه أبوك أما تراه ليس له مانعٌ ولا عنه وازعٌ؟ فلمّا ذهب لينصرف قال ناتل مولى عثمان: واثكلاه هذا والله الأشتر الذي سعَّر البلاد كلّها على أمير المؤمنين، قتلني الله إن لم أقتله. فشدَّ في أثره فصاح به عمرو بن عبيد الحارثي من همدان: وراءك الرجل يا أشتر! فالتفت الأشتر إلى ناتل فضربه بالسيف فأطار يده اليسرى ونادى الأشتر: يا عمرو بن عبيد إليك الرجل فاتبع عمرو ناتلاً فقتله.
وقال مروان في يوم الدار:
وما قلت يوم الدار للقوم: حاجزوا |
رُويداً ولا اختاروا الحياة على القتلِ |
|
ولكنَّني قد قلت للقوم: قاتلوا |
بأسيافكم لا يوصلنَّ إلى الكهلِ |
وفي رواية أبي مخنف: تهيَّأ مروان وعدَّة معه للقتال فنهاهم عثمان فلم يقبلوا منه وحملوا على من دخل الدار فأخرجوهم. ورُمي عثمان بالحجارة من دار بني حزم بن زيد الأنصاري ونادوا: لسنا نرميك، ألله يرميك، فقال: لو رماني الله لم يخطأني، و شدَّ المغيرة بن الأخنس بالسيف وهو يقول:
قد علمت جاريةٌ عطبولُ |
لها وشاحٌ ولها جديلُ |
أنِّي لمن حاربت ذو تنكيل
فشدَّ عليه رفاعة بن رافع وهو يقول:
قد علمت خودٌ صحوبٌ للذيلْ |
ترخي قروناً مثل أذناب الخيلْ |
أنَّ لقرني في الوغى منِّي الويلْ
فضربه على رأسه بالسيف فقتله. ويقال: بل قتله رجلٌ من عرض الناس، وخرج مروان بن الحكم وهو يقول:
قد علمت ذات القرون الميل |
والكفّ والأنامل الطفولِ |
أنّي أروع أوَّل الرعيل
ثمَّ ضرب عن يمينه وشماله فحمل عليه الحجَّاج بن غزية وهو يقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطللْ |
واضحة الليتين قعساء الكفلْ |
أنِّي غداة الروع مقدامٌ بطلْ
فضربه على عنقه بالسيف فلم يقطع سيفه وخرَّ مروان لوجهه وجاءت فاطمة بنت شريك الأنصاريَّة من بلي - وهي امّ ابراهيم بن عربي الكناني الذي كان عبد الملك ابن مروان ولّاه اليمامة وهي التي كانت ربَّت مروان - فقامت على رأسه ثمَّ أمرت به فحمل، وادخل بيتاً فيه كُنه(١) وشدَّ عامر بن بكير الكناني وهو بدريٌّ على سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن اميَّة فضربه بالسيف على رأسه، وقامت نائلة بنت الفرافصة على رأسه ثمَّ احتملته فأدخلته بيتاً وأغلقت بابه(٢) .
وفي رواية الطبري من طريق أبي حفصة مولى مروان: لَمّا حُصر عثمان رضي الله عنه شمَّرت معه بنو اُميّة، ودخل معه مروان الدار فكنت معه في الدار، فأنا والله أنشبتُ القتال بين الناس رميت من فوق الدار رجلاً من أسلم فقتلته وهو نيار الأسلمي فنشب القتال، ثمَّ نزلت فاقتتل الناس على الباب، فأرسلوا إلى عثمان أن أمكنّا من قاتله قال: والله ما أعرف له قاتلاً فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران، فلمّا أصبحوا غدوا فأوَّل من طلع علينا كنانة بن عتاب في يده شعلة من نار على ظهر سطوحنا قد فتح له من دار آل حزم، ثمَّ دخلت الشعل على اثره تُنضح بالنفط فقاتلناهم ساعة على الخشب وقد اضطرم الخشب، فأسمع عثمان يقول لأصحابه: ما بعد الحريق شيءٌ قد احترق الخشب واحترقت الأبواب ومن كانت لي عليه طاعة فليمسك داره، ثمَّ قال لمروان:
____________________
١ - كنة بالضم: جناح يخرج من الحائط. والسقيفة تشرع فوق باب الدار: وقيل: هو مخدع أو رف يشرع فى البيت.
٢ - الانساب ٥: ٧٨ - ٨١.
اجلس فلا تخرج. فعصاه مروان فقال: والله لا تُقتل ولا يُخلص إليك وأنا أسمع الصوت ثمَّ خرج إلى الناس فقلت: ما لمولاي مُترَّك. فخرجت معه أذبُّ عنه ونحن قليل فأسمع مروان يقول:
قد علمت ذات القرون الميلِ |
والكفّ والأنامل الطفولِ |
|
أنِّي أروع أوَّل الرعيلِ |
بفارهٍ مثل قطا الشليلِ |
وقال أبو بكر بن الحارث: كأنِّي أنظر إلى عبد الرَّحمن بن عديس البلوي وهو مسندٌ ظهره إلى مسجد نبيِّ اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعثمان محصورٌ فخرج مروان فقال: مَن يبارز؟ فقال عبد الرّحمن بن عديس لفلان بن عروة(١) : قم إلى هذا الرجل. فقام إليه غلامٌ شابٌّ طوال فأخذ رفيف الدرع فغرزه في منطقته فأعوَر له عن ساقه فأهوى له مروان وضربه ابن عروة على عنقه، فكأنِّي أنظر إليه حين استدار وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه (إلى آخر ما مرَّ عن ابن سعد).
ومن طريق حسين بن عيسى عن أبيه قال: لَمّا مضتِ أيّام التشريق أطافوا بدار عثمان رضي الله عنه، وأبى إلاّ الإقامة على أمره، وأرسل إلىَ حَشَمه وخاصّته فجمعهم فقام رجلٌ من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقال له: نيار بن عياض وكان شيخاً كبيراً فنادى: يا عثمان! فأشرف عليه من أعلى داره فناشده الله وذكره الله لما اعتزلهم، فبينا هو يراجعه الكلام إذا رماه رجلٌ من أصحاب عثمان فقتله بسهم، وزعموا أنَّ الذي رماه كثير بن الصلت الكندي، فقالوا لعثمان عند ذلك: إدفع الينا قاتل نيار بن عياض فلنقتله به. فقال: لم أكن لأقتل رجلاً نصرني وأنتم تريدون قتلي، فلمّا رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فأحرقوه، وخرج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة، وخرج سعيد بن العاص في عصابة، وخرج المغيرة بن الأخنس الثقفي في عصابة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكان الذي حداهم على القتال انَّه بلغهم انَّ مدداً من أهل البصرة قد نزلوا صِراراً وهي من المدينة على ليلة، وأنَّ أهل الشام قد توجَّهوا مقبلين فقاتلوهم قتالاً شديداً على باب الدار فحمل المغيرة بن الأخنس الثقفي على القوم وهو يقول مرتجزاً:
____________________
١ - لعل الصحيح: عروة بن شييم البياع الليثى كما جاء فى رواية الطبرى فى تاريخه ٥، ١٣٣ ومرّ فى ص ١٩٨ من رواية ابن سعد فى طبقاته.
قد علمت جاريةٌ عُطبولُ |
لها وشاحٌ ولها حُجولُ |
أنّي بنصل السيف خَنشليلُ
فحمل عليه عبد الله بن بُديل بن ورقاء الخزاعي وهو يقول:
إن تكُ بالسيف كما تقولُ |
فاثبتِ لقِرنٍ ماجدٍ يصولُ |
بمشرفيٍّ حدُّهُ مصقولُ
فضربه عبد الله فقتله، وحمل رفاعة بن رافع الأنصاري ثمَّ الزُّرقي على مروان ابن الحكم فضربه فصرعه فنزع عنه وهو يرى انَّه قد قتله، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات وانهزم القوم حتى لجأوا إلى القصر فاعتصموا ببابه فاقتلوا عليه قتالاً شديداً فقتل في المعركة على الباب زياد بن نعيم الفهري(١) في ناس من أصحاب عثمان فلم يزل الناس يقتتلون حتَّى فتح عمرو بن حزم الأنصاري باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان ثمَّ نادى الناس، فأقبلوا عليهم من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتَّى انهزموا وخلّي لهم عن باب الدار فخرجوا هُرّاباً في طريق المدينة، وبقي عثمان في اُناس من اهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه(٢) .
وفرَّ خالد بن عقبة بن أبي معيط أخو الوليد يوم الدار، وإليه أشار عبد الرَّحمن ابن سيحان(٣) بقوله:
يلومونني إن جلت في الدار حاسراً |
وقد فرَّ منها خالدٌ وهو دارعُ(٤) |
|
فإن كان نادى دعوةً فسمعتها |
فشلّت يدي واستكَّ منِّي المسامعُ |
فقال خالد:
لعمري لقد أبصرتَهم فتركتهم |
بعينك إذ ممشاك في الدار واسعُ(٥) |
وقال أبو عمر: قتل المغيرة بن الأخنس يوم الدار مع عثمان رحمه الله وله يوم
____________________
١ - عدّه من قتلى يوم الدار ابو عمر في الاستيعاب وابن حجر فى الاصابة.
٢ - تاريخ الطبرى ٥: ١٢٢ - ١٢٥ الكامل لابن الاثير ٣: ٧٣، ٧٤.
٣ - كذا فى الانساب وفى الاستيعاب والاصابة: أزهر بن سحبان.
٤ - فى الانساب للبلاذرى:
يلوموننى فى الدار إن غبت عنهم |
وقد فرّ عنهم خالد وهو دارع |
٥ - الانساب ٥: ١١٧، الاستيعاب ١: ١٥٥، الاصابة ١: ١٠٣، ٤١٠.
الدار أخبارٌ كثيرة، ومنها: انّه قال لعثمان حين أحرقوا بابه: والله لا قال الناس عنّا إنّا خذلناك وخرج بسيفه وهو يقول:
لمـّا تهدَّمت الأبواب واحترقت |
يمَّمت منهنَّ باباً غير محترقِ |
|
حقّاً أقول لعبد الله آمره |
إن لم تقاتل لدى عثمان فانطلقِ |
|
والله لا أتركه ما دام بي رمقٌ |
حتّى يزايل بين الراس والعنقِ |
|
هو الإمام فلست اليوم خاذله |
إنَّ الفرار عليَّ اليوم كالسرقِ |
وحمل على النّاس فضربه رجلٌ على ساقه فقطعها ثمَّ قتله. فقال رجلٌ من بني زهرة لطلحة بن عبيد الله: قُتل المغيرة بن الأخنس فقال: قُتل سيِّد حلفاء قريش. راجع « الإستيعاب » ترجمة المغيرة.
وقال ابن كثير في تاريخه ٧: ١٨٨: ومن أعيان من قُتل من أصحاب عثمان زياد ابن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس بن شريق، ونيار بن عبد الله الأسلمي، في اُناس وقت المعركة.
قال الأميني: لقد حدتني إلى سرد هذه الأحاديث الدلالة بها منضمَّة إلى ما سبقها من الأخبار على أنّه لم يكن مع عثمان من يدافع عنه غير الأمويِّين ومواليهم وحثالة ممَّن كان ينسج على نولهم تجاه هياج المهاجرين والأنصار فقتل من اولئك من قُتل، وضمَّ إليه كندوج امّ حبيبة آخرين، وتفرَّق شذّاذٌ منهم هاربين في أزقَّة المدينة، فلم يبق إلّا الرجل نفسه وأهله حتّى انتهت إليه نوبة القتل من دون أيِّ مُدافع عنه، فتحفَّظ على هذا فإنَّه سوف ينفعك فيما يأتي من البحث عن سلسلة الموضوعات.
(لفت نظر) عَدُّ نيار بن عبد الله بن أصحاب عثمان كما فعله ابن كثير غلطٌ فاحشٌ دعاه إليه حبّه إكثار عدد المدافعين عن الخليفة المقتولين دونه، وقد عرفت انَّه كان شيخاً كبيراً حضر ذلك الموقف للنصيحة والموعظة الحسنة لعثمان فقتله مولى مروان بسهم، فشبَّ به القتال، وطولب عثمان بقاتله ليقتصَّ منه وامتنع عن دفعه فهاج بذلك غضب الأنصار عليه.
حديث مقتل عثمان
إنّا لله وإنّا إليه راجعون
أخرج الطبري في تاريخه وغيره من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أشرف عثمان على النّاس وهو محصورٌ وقد أحاطوا بالدار من كلِّ ناحية فقال: اُنشدكم بالله عزَّ وجلَّ هل تعلمون أنّكم دعوتم الله عند مُصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يخيّر لكم وأن يجمعكم على خيركم؟ فما ظنّكم بالله؟ أتقولونه لم يستجب لهم وهنتم على الله سبحانه؟ وأنتم يومئذ أهل حقِّه من خلقه، وجميع اموركم لم تتفرَّق. أم تقولون: هان على الله دينه فلم يُبال مَن ولّاه؟ والدين يومئذ يُعبد به الله ولم يتفرَّق أهله فتوكلوا، أو تخذلوا وتعاقبوا، أم تقولون: لم يكن أخذٌ عن مشورة؟ وإنَّما كابرتم مكابرة، فوكّل الله الاُمَّة إذا عصته، لم تشاوروا في الإمام، ولم يجتهدوا في موضع كراهته، أم تقولون: لم يدر الله ما عاقبة أمري؟ فكنت في بعض أمري مُحسناً ولأهل الدين رضىً فما أحدثت بعدُ في امري ما يسخط الله وتسخطون ممّا لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني وسربلني سربال كرامته، واُنشدكم بالله هل تعلمون لي من سابقة خير و سلف خير قدَّمه الله لي، وأشهدنيه من حقِّه وجهاد عدوِّه؟ حقٌّ على كلِّ من جاء من بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلاً لا تقتلوني فإنَّه لا يحلُّ إلّا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه أو كفر بعد إسلامه، أو قتل نفساً بغير نفس فيُقتل بها، فإنَّكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثمَّ لم يرفعه الله عنكم إلى يوم القيامة ولا تقتلوني فإنَّكم إن قتلتموني لم تصلّوا من بعدي جميعاً أبدا، ولم تقتسموا بعدي فيءً جميعاً أبداً، ولن يرفع الله عنكم الإختلاف أبدا.
قالوا له: أمَّا ما ذكرت مَن استخارة الله عزَّ وجلَّ الناس بعد عمر رضي الله عنه فيمن يولّون عليهم ثمَّ ولّوك بعد استخارة الله، فإنَّ كلَّ ما صنع الله الخيرة، ولكن الله سبحانه جعل أمركَ بليَّة إبتلى بها عباده.
وأمَّا ما ذكرتَ من قِدمك وسبقك مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فانَّك قد كنت ذا قِدَم
وسلف وكنت أهلاً للولاية ولكن بدَّلتَ بعد ذلك وأحدثت ما قد علمت.
وأمّا ما ذكرتَ ممّا يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء فإنّه لا ينبغي ترك إقامة الحقِّ عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً.
وأمّا قولك: إنّه لا يحلُّ إلّا قتل ثلاثة، فإنّا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سمَّيت: قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى ثمَّ قاتل على بغيه، و قتل من حال دون شيء من الحقِّ ومنعه ثمَّ قاتل دونه وكابر عليه، وقد بغيتَ، ومنعت للحقَّ وحُلتَ دونه وكابرت عليه، تأبى أن تقيد مَن نفسك مَن ظلمت عمداً، وتمسَّكت بالإمارة علينا، وقد جُرت في حكمك وقسمك، فإن زعمت أنَّك لم تُكابرنا عليه وانَّ الّذين قاموا دونك ومنعوك منَّا إنَّما يقاتلون بغير أمرك فإنَّما يقاتلون لتمسُّكك بالإمارة فلو أنَّك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك.
قال البلاذري وغيره: لمـّا بلغ أهل مصر ومن معهم ممِّن حاصر عثمان ما كتب به إلى ابن عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدَّةً عليه وجدًّا في حصاره وحرصاً على معاجلته بالقتل.
وكان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار، وأمرهم بمنع من يدخل عليه والخروج من عنده، وأن يُدخل اليه الماء، وأتت امّ حبيبة بنت أبي سفيان بادواة وقد اشتدَّ عليه الحصار فمنعوها من الدخول فقالت: إنَّه كان المتولّي لوصايانا وأمر أيتامنا وأنا اُريد مناظرته في ذلك، فأذنوا لها فأعطته الأدواة.
وقال جبير بن مطعم: حصر عثمان حت َّ ى كان لا يشرب إلّا من فقير في داره فدخلت على عليّ فقلت: أرضيت بهذا أن يُحصر ابن عمَّتك حتَّى والله ما يشرب إلّا من فقير في داره؟ فقال: سبحان الله أو قَد بلغوا به هذه الحال؟ قلت: نعم، فعمد إلى روايا ماء فأدخلها إليه فسقاه.
ولَمّا وقعت الواقعة، وقام القتال، وقُتل في المعركة زياد بن نعيم الفهري في ناس من أصحاب عثمان، فلم يزل الناس يقتتلون حتَّى فتح عمرو بن حزم الأنصاري باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفّان ثم نادى الناس فأقبلوا عليهم من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتَّى انهزموا وخلّي لهم عن باب الدار فخرجوا هرَّاباً في طرق المدينة و بقي عثمان في اُناس من أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه
أخرج ابن سعد والطبري من طريق عبد الر َّ حمن بن محمَّد قال: إنَّ محمَّد بن أبي بكر تسوَّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة بن بشر بن عتاب، وسودان ابن حمران، وعمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة وهو يقرأ في المصحف سورة البقرة فتقدَّمهم محمَّد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال: قد أخزاك الله يا نعثل! فقال عثمان: لست بنعثل، ولكن عبد الله وأمير المؤمنين. فقال محمّد: ما أغنى عنك معاوية وفلان و فلان.فقال عثمان: يا ابن أخي! دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه فقال محمّد: ما اُريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك.فقال عثمان: أستنصر الله عليك و أستعين به ثمَّ طعن جبينه بمشقص(١) في يده.
وفي لفظ البلاذري: تناول عثمان المصحف ووضعه في حجره وقال: عباد الله! لكم ما فيه، والعتبى ممّا تكرهون، أللهمَّ اشهد، فقال محمَّد بن أبي بكر: الآن وقد عصيت قبلُ وكنتَ من المفسدين، ثمَّ رفع جماعة قِداح كانت في يده فوجأ بها في خُشُشائه(٢) حتّى وقعت في أوداجه فحزَّت ولم تقطع، فقال: عباد الله! لا تقتلوني فتندموا و تختلفوا.
وفي لفظ ابن كثير: جاء محمَّد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلاً فأخذ بلحيته فعالَ بها حتَّى سمعت وقع أضراسه فقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر، و ما أغنت عنك كتبك.
وفي لفظ ابن عساكر: قال محمَّد بن أبي بكر: على أيِّ دين أنت يا نعثل؟ قال: على دين الإسلام، ولست بنعثل ولكنِّي أمير المؤمنين. قال: غيَّرتَ كتاب الله. فقال: كتاب الله بيني وبينكم. فتقدَّم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنّا لا يُقبل منّا يوم القيامة أن نقول: ربّنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيل، وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول: يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي.
قال ابن سعد والطبري: ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل اُذن عثمان فمضت حتَّى دخلت في حلقه ثمَّ علّاه السيف حتى قتله.
____________________
١ - المشقص: نصل السهم اذا كان طويلا غير عريض.
٢ - الخششاء: العظم الدقيق العارى من الشعر الناتئ خلف الاذن.
وفي رواية ابن أبي عون: ضرب كنانة بن بشر التجيبي جبينه ومقدَّم رأسه بعمود حديد فخرَّ لجنبه، قال الوليد بن عقبة او غيره:
علاه بالعمود أخو تجيب |
فأوهى الرأس منه والجبينا(١) |
وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خرَّ لجنبه فقتله، وأمَّا عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رَمَق فطعنه تسع طعنات، وقال: أمّا ثلاث منهنَّ فإنِّي طعنتهنَّ لِلَّه، وأما ستّ فإنِّي طعنت إيّاهنَّ لِما كان في صدري عليه.
وأقبل عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعاً من أضلاعه، وفي الإصابة: لمـّا قتل عثمان وثب عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعين من أضلاعه. وقال المسعودي: وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابئ البرجمي وخضخص بسيفه بطنه. وسيوافيك حديثٌ آخر عنه لدة هذا.
وفي لفظ الطبري وابن عبد ربِّه وابن كثير: ضربوه على رأسه ثلاث ضربات، و طعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدَّم العين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم وقد أثخنوه وبه حياة وهم يريدون قطع رأسه فألقت نائلة وابنة شبيبة بن ربيعة زوجتاه بنفسهما عليه، فقال ابن عديس: اتركوه. فتركوه ووطئتا وطئاً شديداً. وفي لفظ ابن كثير: في رواية: إنَّ الغافقي بن حرب تقدَّم اليه بعد محمَّد بن ابي بكر فضربه بحديدة في فِيه.
وذكر البلاذري من طريق الحسن عن وثاب وكان مع عثمان يوم الدار وأصابته طعنتان كأنَّهما كيَّتان قال: بعثني عثمان فدعوت الأشتر له فقال: يا أشتر! ما يريد الناس منِّي؟ قال: يخيَّرونك أن تخلع لهم أمرهم، أو تقصَّ من نفسك وإلّا فهم قاتلوك. قال: أمَّا الخلع فما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله، وأمَّا القصاص فوالله لقد علمت انَّ صاحبيَّ كانا يعاقبان، وما يقوم بدني للقصاص، وأمَّا قتلي فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبداً ولا تقاتلون عدوّاً جميعاً أبداً.
وقال وثاب: أصابتني جراحة فأنا أنزف مرَّة وأقوم مرَّة، فقال لي عثمان: هل
____________________
١ - من المستغرب جداً انّ أبا عمر ابن عبد البر ذكر هذا البيت فى « الاستيعاب » فى ترجمة مولانا أمير المؤمنين بعد ذكر قتله وقال: قال شاعرهم:
علاه بالعمود أخو تجوب |
فأوحى الراس منه والجبينا |
عندك وضوءٌ؟ قلت: نعم فتوضَّأ ثمَّ أخذ المصحف فتحرَّم به من الفسقة فبينا هو كذلك إذ جاء رُويجل كأنَّه ذئبٌ فاطَّلع ثمَّ رجع، فقلنا لقد ردَّهم أمرٌ ونهاهم، فدخل محمَّد بن أبي بكر حتَّى جثى على ركبتيه، وكان عثمان حسن اللحية، فجعل يهزّها حتّى سُمع نقيض أضراسه ثمَّ قال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر، فقال: يا ابن أخي! مهلاً فوالله ما كان أبوك ليجلس منِّي هذا المجلس، قال: فأشعره وتعاوَنوا عليه فقتلوه.
وأخرج من طريق ابن سيرين قال: جاء ابن بُديل إلى عثمان - وكان بينهما شحناء - ومعه السيف وهو يقول: لأقتلنَّه، فقالت له جارية عثمان: لأنت أهون على الله من ذلك، فدخل على عثمان فضربه ضربةً لا أدري ما أخذت منه.
راجع طبقات ابن سعد ط ليدن ٣: ٥١، انساب البلاذرى ٥: ٧٢، ٨٢، ٨٣،٩٢، ٩٧، ٩٨، الامامة والسياسة ١: ٣٩، تاريخ الطبرى ٥: ١٢٥، ١٣١، ١٣٢، العقد الفريد ٢: ٢٧٠، مروج الذهب ١، ٤٤٢، الاستيعاب ٢: ٤٧٧، ٤٧٨، تاريخ ابن عساكر ٤: ٣٧٢، الكامل لابن الاثير ٣: ٧٢، ٧٥، شرح ابن ابي الحديد ١: ١٦٦، ١٦٨، تاريخ ابن خلدون ٢: ٤٠١، تاريخ ابي الفدا ج ١: ١٧٠، تاريخ ابن كثير ٧، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٧، ١٨٨، حياة الحيوان للدميري ١: ٥٤، مجمع الزوائد ٧: ٢٣٢، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٣، السيرة الحلبية ٢، ٨٥، الاصابة ٢: ٢١٥، ازالة الخفاء ٢: ٢٣٩ - ٢٤٢.
تجهيز الخليفة ودفنه
أخرج الطبري من طريق أبي بشير العابدي قال: نُبذ عثمان رضي الله عنه ثلاثة أيّام لا يُدفن، ثمَّ أنَّ حكيم بن حزام القرشي ثمَّ أحد بني أسد بن عبد العزّى، وجُبير ابن مطعم كَلّما عليّاً في دفنه وطلبا إليه أن يأذن لأهله في ذلك، ففعل وأذن لهم عليٌّ، فلمّا سُمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناسٌ يسيرٌ من أهله وهم يريدون به حائطاً بالمدينة يُقال له: حُشُّ كوكب(١) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلمّا خرج به على النّاس رجموا سريره وهمّوا بطرحه، فبلغ ذلك عليّاً، فأرسل إليهم يعزم
____________________
١ - قال ابو عمر فى « الاستيعاب » وياقوت فى « المعجم » والمحب الطبرى فى « الرياض » : كوكب رجل من الانصار، والحش: البستان.
_١٣_
عليهم ليكفنَّ عنه، ففعلوا فانطُلق به حتّى دفن رضي الله عنه في حشِّ كوكب، فلمّا ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتّى أفضى به إلى البقيع، فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتّى اتَّصل ذلك بمقابر المسلمين.
ومن طريق أبي كرب - وكان عاملاً على بيت مال عثمان - قال: دُفن عثمان رضي الله عنه بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلّا مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة فناحت ابنته ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة وقالوا: نعثل نعثل، وكادت تُرجم، فقالوا: الحائط الحائط، فدفن في حائطٍ خارجاً.
ومن طريق عبد الله بن ساعدة قال: لبث عثمان بعد ما قاتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ثمَّ حمله أربعة: حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبو جهم ابن حذيفة. فلمّا وُضع ليصلّى عليه جاء نفرٌ من الصحابة يمنعونهم الصَّلاة عليه فيهم: أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي، وأبو حيَّة المازني في عدَّة ومنعوهم أن يُدفن بالبقيع فقال أبو جهم: ادفنوه فقد صلّى الله عليه وملائكته، فقالوا: لا والله لا يُدفن في مقابر المسلمين أبداً، فدفنوه في حشِّ كوكب، فلمّا ملكت بنو اُميّة أدخلوا ذلك الحشّ في البقيع، فهو اليوم مقبرة بني اُميّة.
ومن طريق عبد الله بن موسى المخزومي قال: لمـّا قتل عثمان رضي الله عنه أرادوا حزَّ رأسه فوقعت عليه نائلة وأمّ البنين فمنعهم وصِحن وضربن الوجوه وخرقن ثيابهنَّ، فقال ابن عديس: اتركوه، فاُخرج عثمان ولم يُغسَّل إلى البقيع، وأرادوا أن يصلّوا عليه في موضع الجنائز فأبت الأنصار، وأقبل عمير بن ضابئ وعثمان موضوعٌ على باب فنزا عليه فكسر ضلعاً من أضلاعه وقال: سجنتَ ضابئاً حتّى مات في السجن.
وأخرج ابن سعد والطبري من طريق مالك بن أبي عامر قال: كنت أحدَ حملة عثمان رضي الله عنه حين قُتل، حملناه على باب وانَّ رأسه لتقرع الباب لإسراعنا به، وإنَّ بنا من الخوف لأمراً عظيماً حتّى واريناه في قبره في حشِّ كوكب.
وأخرج البلاذري من رواية أبي مخنف: انَّ عثمان رضي الله عنه قُتل يوم الجمعة فتُرك في داره قتيلاً، فجاء جبير بن مُطعم، وعبد الرَّحمن بن أبي بكر، ومسور بن مخرمة الزهري، وأبو الجهم بن حذيفة العدوي ليصلّوا عليه ويجنوه، فجاء رجالٌ من الأنصار
فقالوا: لا ندعكم تُصلّون عليه، فقال أبو الجهم: ألا تدعونا نصلّي عليه؟ فقد صلّت عليه الملائكة، فقال الحجَّاج بن غزيَّة: إن كنت كاذباً فأدخلك الله مدخله، قال: نعم حشرني الله معه، قال ابن غزيَّة: إنَّ الله حاشرك معه ومع الشيطان، والله إنَّ ترك إلحاقك، به لخطأ وعجزٌ. فسكت أبو الجهم، ثمَّ إنَّ القوم اغفلوا أمر عثمان وشغلوا عنه، فعاد هؤلاء النفر فصلّوا عليه ودفنوه، وأمَّهم جبير بن مُطعم وحملت اُم البنين بنت عُيينة بن حصن امرأة عثمان لهم السراج، وحُمل على باب صغير من جريد قد خرجتْ عنه رجلاه وأخرج حديث منع الصَّلاة عليه أبو عمر في « الإستيعاب » من طريق هشام بن عروة عن أبيه.
وقال: إنَّه لقيهم قومٌ من الأنصار فقاتلوهم حتّى طرحوه، ثمَّ توطَّأ عمير بن ضابئ بن الحارث بن ارطاة التميمي ثمَّ البرجمي بطنه، وجعل يقول: ما رأيت كافراً ألين بطناً منه، وكان أشدَّ الناس على عثمان، فكان يقول يومئذٍ: أرني ضابئاً، أحي لِي ضابئاً ليرى ما عليه عثمان من الحال. وقال ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص ١٢٨: جاء عمير بن ضابئ حتّى رفسه برجله.
قال البلاذري: ودفن عثمان في حشِّ كوكب وهو نخلٌ لرجل قديم يقال له: كوكب، ثمَّ أقبل الناس حين دُفن إلى عليّ فبايعوه وأرادوا دفن عثمان بالبقيع فمنعهم من ذلك قومٌ فيهم أسلم بن بجرة الساعدي، ويقال: جبلة بن عمرو الساعدي، وقال ابن دأب: صلّى عليه مسور بن مخرمة.
وقال المدائني عن الوقاضي عن الزهري: امتنعوا من دفن عثمان فوقفت اُمّ حبيبة بباب المسجد ثمَّ قالت: لتخلنَّ بيننا وبين دفن هذا الرجل أو لأكشفنَّ ستر رسول الله فخلّوا بينهم وبين دفنه.
وأخرج من طريق أبي الزناد قال: خرجت نائلة امرأة عثمان ليلة دُفن ومعها سراجٌ وقد شقَّت جيبها وهي تصيح: واعثماناه، وأمير المؤمنيناه، فقال لها جبير بن مُطعم: اطفئي السراج فقد ترين مَن بالباب، فأطفأت السراج وانتهوا إلى البقيع، فصلّى عليه جُبير وخلفه حكيم بن حزام، وأبو جهم، ونيار بن مكرم، ونائلة واُم البنين امرأتاه ونزل في حفرته نيار وأبو جهم وجُبير، وكان حكيم والامرأتان يُدلُّونه على الرجال
حتّى قُبر وبني عليه وغَموا قبره وتفرَّقوا. وفي لفظ أبي عمر: فلمّا دفنوه غيَّبوا قبره، وذكره السمهودي في وفاء الوفاء ٢: ٩٩ من طريق ابن شبة عن الزهري.
وأخرج ابن الجوزي والمحب الطبري والهيثمي من طريق عبد الله بن فروخ قال: شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسَّل. وقال المحب: خرَّجه البخاري والبغوي في معجمه. وذكر ابن الأثير في « الكامل » وابن أبي الحديد في الشرح انَّه لم يغسَّل وكفن في ثيابه.
وأخرج أبو عمر في « الاستيعاب » من طريق مالك قال: لَمّا قُتل عثمان رضي الله عنه اُلقي على المزبلة ثلاثة أيّام فلمّا كان من الليل أتاه اثنا عشر رجلاً(١) فيهم حويطب ابن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن الزبير فاحتملوه فلمّا صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قومٌ من بني مازن: والله لئن دفنتموه ههنا لنخبرنَّ الناس غداً. فاحتملوه وكان على باب وانَّ رأسه على الباب ليقول: طق طق، حتّى صاروا به إلى حشّ كوكب فاحتفروا له وكانت عائشة بنت عثمان رضي الله عنهما معها مصباحٌ في جرَّة، فلمّا أخرجوه ليدفنوه صاحت فقال لها ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لأضربنَّ الذي في عيناك. فسكتت فدفن.
وذكره المحب الطبري في « الرياض » نقلاً عن القلعي، وذكر عن الخجندي انَّه أقام في حشِّ كوكب ثلاثاً مطروحاً لا يصلّى عليه.
وذكر الصفدي في تمام المتون ص ٧٩ عن مالك انَّ عثمان اُلقي على المزبلة ثلاثة أيّام.
وقال اليعقوبي: أقام ثلاثاً لم يُدفن وحضر دفنه حكيم، وجبير، وحويطب، و عمرو بن عثمان ابنه، ودُفن ليلاً في موضع يُعرف بحشِّ كوكب، وصلّى عليه هؤلاء الأربعة وقيل: لم يصلّ عليه، وقيل: أحد الأربعة صلّى عليه، فدفن بغير صلاة.
وقال ابن قتيبة: ذكروا أنَّ عبد الرّحمن بن الأزهر قال: لم أكن دخلت في شيء من أمر عثمان لا عليه ولا له، فانِّي مجالسٌ بفناء داري ليلاً بعد ما قتل عثمان بليلة إذ
____________________
١ - احاديث الباب مطلقة على ان الذين تولوا اجنانه كانوا اربعة. وقال المحب الطبرى وقد قيل: ان الذين تولوا تجهيزه كانوا خمسة او ستة. اربعة رجال وامراتان نائلة وام البنين.
جاءني المنذر بن الزبير فقال إنَّ أخي يدعوك فقمت إليه فقال لي: إنّا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك؟ قلت: والله ما دخلت في شيء من شأنه وما اُريد ذلك، فانصرفت عنه ثمَّ إتَّبعته، فإذا هو في نفر فيهم جبير بن مطعم، وأبو الجهم، والمسور، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير فاحتملوه على باب وانَّ رأسه ليقول: طق طق، فوضعوه في موضع الجنائز فقام إليهم رجالٌ من الأنصار فقالوا لهم: لا والله لا تُصلّون عليه، فقال أبو الجهم: ألا تدعون نصلّي عليه؟ فقد صلّى الله تعالى عليه وملائكته. فقال له رجلٌ منهم: إن كنت كاذبا فأدخلك الله مدخله، فقال له: حشرني الله معه فقال له: إنَّ الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعجز منّا. فقال القوم لأبي الجهم: اسكت عنهم وكف فسكت، فاحتملوه ثمَّ انطلقوا مسرعين كأنِّي اسمع وقع رأسه على اللوح حتّى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمرو الساعدي من الأنصار فقال: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله ولا نترككم تُصلّون عليه، فقال أبو الجهم: انطلقوا بنا إن لم نصلِّ عليه فقد صلّى الله عليه، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في حقّ حتّى إذا أتوا به جسر(١) كوكب حفروا له حفرة ثمَّ قاموا يُصلّون عليه وأمَّهم جبير بن مطعم، ثمَّ دلّوه في حفرته فلمّا رأته ابنته صاحت فقال ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لأضربنَّ الذي في عينيك فدفنوه، ولم يلحدوه بلبن وحثوا عليه التراب حثواً.
وقال ياقوت الحموي: لَمّا قتل عثمان ألقي في حشِّ كوكب ثمَّ دفن في جنبه.
وذكر ابن كثير بعض ما أسلفناه نقلاً عن البلاذري فقال: ثمَّ أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار وهما: صُبيح ونُجيح رضي الله عنهما فدفنا إلى جانبه بحشّ كوكب، وقيل: إنَّ الخوارج لم يمكّنوا من دفنهما، بل جرّوهما بأرجلهما حتّى ألقوهما بالبلاط(٢) فأكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيَّام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله.
وذكر الحلبي في السيرة عن ابن ماجشون عن مالك: انَّ عثمان بعد قتله اُلقي
____________________
١ - كذا فى النسخة، والصحيح: حش.
٢ - البلاط من الأرض: وجهها، او منتهى الصلب منها. وفى لفظ الحلبى كما يأتي: التلال ولعله الصحيح.
على المزبلة ثلاثة أيّام، وقيل، اُغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة أيّام، لا يستطيع أحدٌ أن يدفنه (إلى آخر ما مرَّ من حديث مالك) ولمـّا دفنوه عفوا قبره خوفاً عليه أن يُنبش، وأمّا غلاماه اللذان قتلا معه فجرُّوهما برجليها وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب.
وذكر ابن أبي الحديد وابن الأثير والدميري انَّه أقام ثلاثة أيّام لم يُدفن ولم يصلّ عليه، وقيل لم يغسَّل ولم يكفَّن، وقيل: صلّى عليه جبير بن مطعم ودُفن ليلاً.
وذكر السمهودي في وفاء الوفا عن عثمان بن محمَّد الأخنسي عن اُمّ حكيمة قالت: كنت مع الأربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان: جبير، حكيم، أبو جهم، نيار الأسلمي وحملوه على باب اسمع قرع رأسه على الباب كأنَّه دباة ويقول: دب دب. حتّى جاؤا به حشّ كوكب فدفن به ثمَّ هدم عليه الجدار وصُلّي عليه هناك.
طبقات ابن سعد ط ليدن ٣: ٥٥: انساب البلاذرى ٨٣ -، ٨٦، ٩٩، الامامة والسياسة ١: ٤٠، تاريخ الطبري ٥: ١٤٣، ١٤٤، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٥٣، الاستيعاب ٢: ٤٧٨، ٤٧٩ صفة الصفوة ١: ١١٧، الكامل لابن الأثير ٣: ٧٦، الرياض النضرة ٢: ١٣١، ١٣٢، معجم البلدان ٣: ٢٨١، شرح ابن ابي الحديد ١: ١٦٨، تاريخ ابن كثير ٧: ١٩٠، ١٩١، حياة الحيوان للدميري ١: ٥٤، وفاء الوفا للسمهودي ٢: ٩٩، السيرة الحلبية ٢: ٨٥، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٥.
وقال الشاعر المفلق أحمد شوقي بك في دول العرب ص ٤٩.
مَن لقتيل بالسفا(١) مكفّنِ |
مرَّت به ثلاثةٌ لم يُدفنِ |
|
تعرضه نوادباً أرامله |
ويشفق النعش ويأبى حامله |
|
قد حيل بين الأرض وابن آدما |
ونوزعت دار البقاء قادما |
قال الأميني: إنَّ هاهنا صحيفةٌ غامضة أقف تجاهها موقف السادر لا تطاوعني النفس على الركون إلى أيٍّ من شقيّ الإحتمال الذَين يخالجان في الصدر، وذلك انَّ ما ارتكب من الخليفة في التضييق عليه وقتله بتلكم الصور المشدَّدة، ثمَّ ما نيل منه بعد القتل من المنع عن تجهيزه وتغسيله ودفنه والصّلاة عليه والوقيعة فيه بالسباب المقذع وتحقيره برمي جنازته بالحجارة وكسر بعض اضلاعه، يستدعي إمّا فسق الصحابة أجمع
____________________
١ - السفا: الغبار.
فانَّهم كانوا بين مباشر لهاتيك الأحوال، وبين خاذلٍ للمودى به، وبين مؤلِّب عليه، إلى مثبِّط عنه، إلى راضٍ بما فعلوا، إلى محبِّذٍ لتلكم الأهوال، وكان يرنُّ في مسامعهم قوله تعالى: لا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلاّ بالحقِّ. وقوله تعالى: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنَّما قتل الناس جميعاً. وقوله تعالى:ومن يقتل مؤمناً متعمِّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً.
وما جاء في ذلك من السنَّة أكثر، وما يؤثر عن نبيِّ العظمةصلىاللهعليهوآلهوسلم من وجوب دفن موتى المؤمنين وتغسيلهم وتكفينهم والصَّلاة عليهم، وانَّ حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حيّاً، فالقوم إن كانوا متعمِّدين في مخالفة هذه النصوص؟ فهم فسّاقٌ إن لم نقل إنَّهم مرّاقٌ عن الدين بخروجهم على الإمام المفترض طاعته.
أو أنَّ هذه الأحوال تستدعي انحراف الخليفة عن الطريقة المثلى؟ وانَّ القوم اعتقدوا بخروجه عن مصاديق تلكم الأوامر والمناهي المؤكّدة التي تَطابق عليها الكتاب والسنَّة. وليس من السهل الهيِّن البخوع إلى أيّ من طرفي الترديد؟ أمّا الصحابة فكلّهم عدولٌ عند القومُ يركن إليهم ويُحتجُّ بأقوالهم وأفعالهم ويوثق بايمانهم، وقد كهربتهم صحبة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخرج دَرنَ نفوسهم، وكان في المعمعة منهم بقايا العشرة المبشَّرة كطلحة والزبير، ولطلحة خاصَّة فظاظات حول ذلك الجلاد، إلى اناس آخرين من ذوي المآثر نظراء عمّار بن ياسر، ومالك الأشتر، وعبد الله بن بُديل، وكان بين ظهرانيهم إمام المسلمين أمير المؤمنين عليّعليهالسلام وهو المرموق يومئذ للخلافة، وقد انثنت إليه الخناصر، والامَّة أطوع له من الظلِّ لذيه. أفتراه والحالة هذه سكت عن تلكم الفظايع وهو مطلٌّ عليها من كثَب وهو أعلم الناس بنواميس الشريعة، وأهداهم إلى طريقها المهيع، وهو يعلم أنَّ من المحظور ارتكابها؟ لا ها الله.
أو أنَّهعليهالسلام أخذ الحياد في ذلك المأزق الحرج وهو مستبيحٌ للحياد أو لما يعملون به؟ أنا لا أدري.
وليس من المستطاع القول بأنَّ معظم الصحابة ما كانوا عالمين بتلكم الوقايع، أو انَّهم ما كانوا يحسبون انَّ الأمر يبلغ ذلك المبلغ، أو أنَّهم كانوا غير راضين بهاتيك الاُحدوثة، فإنَّ الواقعة ما كانت مُباغَتة ولا غِيلة حتّى يعزب عن أحد علمها، فإنَّ
الحوار استدام أكثر من شهرين، وطيلة هذه المدَّة لم يكن للمتجمهرين طلبة من الخليفة إلاّ الإقلاع عن أحداثه، أو التنازل عن عرش الخلافة، وكانوا يهدّدونه بالقتل إن لم يخضع لإحدى الطلبتين، وكانت نعرات القوم في ذلك تتموَّج بها الفضاء، وعقيرة عثمان في التوبة تارة وعدم التنازل اُخرى وتخويفهم بمغبّات القتل ثالثة تتسرَّب في فجوات الجوِّ، فلو كان معظم الصحابة منحازين عن ذلك الرأي لكان في وسعهم تفريق الجمع بالقهر أو الموعظة، لكن بالرغم عمّا يزعم عليهم لم يؤثَر عن أحد منهم ما يثبت ذلك أو يُقرِّبه، وما أسلفناه من الأحاديث الجمَّة النامّة عن معتقدات الصحابة في الخليفة وفي التوثّب عليه تُفنِّد هذه المزعمة الفارغة، إن لم نقل انَّها تثبت ما يعلمه الكلّ من الإجماع على مقت الخليفة والتصافق على ما نقموا عليه والرضا بما نيل منه، حتّى أنَّ أحداً لم يُرو عنه انَّه ساءه نداء قاتله حين طاف بالمدينة ثلاثاً قائلاً: أنا قاتل نعثل(١) .
وأمّا ثاني الإحتمالين فمن المستعصب أن يبلغ سوء الظن بالخليفة هذا المدى، وإن كانت الصحابة جزموا بذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغايب، وقد أوقفناك على قول السيِّدة عائشة: اقتلوا نعثلاً قتله الله وقد كفر.
وقولها لمروان: وددت والله انَّه في غِرارة من غرائري هذه وانِّي طوَّقت حمله حتى اُلقيه في البحر.
وقولها لابن عبّاس: إيّاك أن تردَّ الناس عن هذا الطاغية.
وقول عبد الرّحمن بن عوف للامام أمير المؤمنينعليهالسلام : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انَّه قد خالف ما أعطاني.
وقوله: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه.
وقوله له: لِلَّه عليَّ أن لا اكلّمك أبداً.
وقول طلحة لمجمع بن جارية لَمّا قال له: أظنّكم والله قاتليه: (فإن قُتل فلا ملكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل).
وقد مرَّ انَّ طلحة كان أشدَّ الناس على عثمان في قتله يوم الدار، وقتل دون دمه وقول الزبير: اقتلوه فقد بدَّل دينكم.
____________________
١ - الاستيعاب ٢: ٤٧٨.
وقوله: إنَّ عثمان لجيفةٌ على الصراط غداً.
وقول عمّار يوم صفِّين: امضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله.
وقوله: ما تركت في نفسي حزَّة أهمّ إليَّ من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثمَّ أحرقناه بالنّار.
وقوله: أراد أن يغيِّر ديننا فقتلناه.
وقوله: والله إن كان إلّا ظالماً لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله.
وقوله: إنَّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان.
وقول حجر بن عدي وأصحابه: هو أوَّل من جار في الحكم وعمل بغير الحقِّ.
وقول عبد الرَّحمن العنزي: هو أوَّل من فتح أبواب الظلم، وارتج أبواب الحقّ.
وقول هاشم المرقال: إنَّما قتله أصحاب محمَّد وقرّاء الناس حين أحدث أحداثاً و خالف حكم الكتاب، وأصحاب محمَّد هم أصحاب الدِّين، وأولى بالنظر في امور المسلمين.
وقول عمرو بن العاص: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لاُحرِّض عليه حتّى إنِّي لأحرِّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.
وقوله له: ركبتَ بهذه الاُمَّة نهابير من الاُمور فركبوها منك، وملت بهم فمالوا بك، اعدل أو اعتزل.
وقوله: أنا عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع.
وقول سعد بن أبي وقاص: إنَّه قُتل بسيف سلّته عائشة، وصقَّله طلحة، وسمَّه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. إلخ.
وقول جهجاه الغفاري: قم يا نعثل! فانزل عن هذا المنبر، ندرِّعك عباءةً، ولنطرحك في الجامعة، ولنحملك على شارف من الإبل ثمَّ نطرحك في جبل الدخان.
وقول مالك الأشتر: إلى الخليفة المبتلى الخاطىء الحائد عن سنَّة نبيِّه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.
وقول عمرو بن زرارة: إنَّ عثمان قد ترك الحقَّ وهو يعرفه. الخ.
وقول الحجاج بن غزيَّة الأنصاري: والله لو لم يبق من عمره إلّا بين الظهر والعصر
لتقرَّبنا إلى الله بدمه.
وقول قيس بن سعد الأنصاري: أوَّل الناس كان فيه « قتل عثمان » قياماً عشيرتي ولهم اُسوة.
وقول جبلة بن عمرو الأنصاري: يا نعثل! والله لأقتلنَّك ولأحملنَّك على قلوص جرباء ولاُخرجنّك إلى حرَّة النار.
وقوله وقد سُئل الكفّ عن عثمان: والله لا ألقى الله غداً فأقول: إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيل.
وقول محمّد بن أبي بكر له: على أيِّ دين أنت يا نعثل؟ غيّرت كتاب الله. وقوله له: الآن وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين.
وقول الصحابة مجيبين لقوله: لا تقتلوني فانَّه لا يحلُّ إلّا قتل ثلاثة: إنَّا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سمّيت، قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى ثمّ قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحقِّ ومنعه ثمّ قاتل دون وكابر عليه، وقد بغيتَ، ومنعت الحقَّ، وحلت دونه وكابرت عليه. الخ.
وقول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث من أبيات مرَّت ج ٨: ٢٨٨.
وشبَّهته كسرى وقد كان مثله |
شبيهاً بكسرى هديه وضرائبه |
إلى كلمات آخرين محكمات واُخر متشابهات، يشبه بعضها بعضاً.
إنَّ في هذا المأزق الحرج لا بدَّ لنا من ركوب إحدى الصعبتين، والحَكم هي الفطرة السليمة مهما دار الأمر بين تخطئة إنسان واحد محتفّ بالأحداث، وبين تضليل آلاف مؤلَّفة فيهم الأئمّة والعلماء والحكماء والصالحون وقد ورد في فضلهم ما ورد كما نرتأيه نحن، أو أنَّ كلهم عدولٌ يُحتجُّ بأقوالهم وأفعالهم كما يحبسه أهل السنَّة، وإن كان في البين إجتهادٌ كما يحسبونه في أمثال المقام فهو في الطرفين، والتحكّم بإصابة إنسان واحد وخطأ تلك الاُمَّة الكبيرة في اجتهادها، تهوُّرٌ بحتٌ، وتمحّلٌ لا يُصار إليه، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إنَّ الله يحبُّ المقسطين.
سلسلة الموضوعات
في قصة الدار وتبرير الخليفة والنظر فيها
١ - قال الطبري في تاريخه ٥: ٩٨: فيما كتب به إليَّ السري عن شعيب عن سيف عن عطيَّة عن يزيد الفقعسي قال: كان عبد الله بن سبا يهودياً من أهل صنعاء اُمّه سوداء فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقَّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثمّ البصرة ثمّ الكوفة ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجبٌ ممّن يزعم انّ عيسى يرجع ويكذّب بأنّ محمداً يرجع وقد قال الله عزّ وجلّ: إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد. فمحمّد أحقُّ بالرجوع من عيسى: قال: فقُبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنَّه كان ألف نبيّ ولكلِّ نبيٍّ وصيٍّ وكان عليٌّ وصيَّ محمّد. ثمّ قال: محمّد خاتم الأنبياء وعليٌّ خاتم الأوصياء. ثمّ قال بعد ذلك: من أظلم ممّن لم يُجز وصيَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووثب على وصيِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتناول أمر الاُمّة ثمَّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حقّ وهذا وصيُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه وابدأوا بالطعن على اُمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر، فبثَّ دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السرِّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كلِّ مصر منهم إلى مصر آخر بما يضعون فيقرأ اُولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض ازاعةً، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويُسرّون غير ما يُبدون، فيقول أهل كلّ مصر: إنّا لفي عافية ممّا ابتلى به هؤلاء إلّا أهل المدينة فانَّهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا: إنّا لفي عافية ممّا فيه الناس، وجامعه محمّد وطلحة من هذا المكان قالوا: فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين! أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله ما جاءني إلّا السَّلامة. قالوا: فإنّا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم، قال: فأنتم
شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا عليَّ، قالوا: نُشير عليك أن تبعث رجالاً ممَّن تثق بهم إلى الأمصار حتّى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمّد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل اُسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمّار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله ابن عمر إلى الشام، وفرَّق رجالاً سواهم فرجعوا جميعاً قبل عمّار فقالوا: أيُّها النّاس ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامّهم، قالوا جميعاً: الأمر أمر المسلمين إلّا أنَّ اُمرائهم يُقسطون بينهم ويقومون عليهم، واستبطأ النّاس عمّاراً حتّى ظنُّوا أنَّه قد اغتيل فلم يفجأهم إلّا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يُخبرهم انَّ عمّاراً قد استماله قومٌ بمصر وقد انقطعوا إليه منهم: عبد الله بن السوداء، وخالد بن مُلجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر.
قال الأميني: لو كان إبن سبا بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، وشقِّ عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه اُمراء الاُمَّة وساستها في البلاد، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة، والتأديب بالضرب والإهانة، والزجّ إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى الإعدام المريح للاُمّة من شرّه وفساده، كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملأ الديني: إنَّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتَّلوا أو يصلّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
« المائدة: ٣٣ »
فهلّا إجتاح الخليفة جرثومة تلكم القلاقل بقتله؟ وهل كان تجهُّمه وغلظته قصراً على الأبرار من اُمّة محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ففعل بهم ما فعل ممّا أسلفنا بعضه في هذا الجزء والجزء الثامن.
هب انَّ ابن سبا هو الذي أمال الأمصار على مناوءة الخليفة فهل كان هو مختلقاً تلكم الأنباء من دون انطباقها على شيء من أعمال عثمان وولاته؟ فنهضت الاُمَّة وفيهم وجوه المهاجرين والأنصار على لا شيء؟ أو أنَّ ما كان يقوله قد انطبق على ما كانوا يأتون به من الجرائم والمآثم، فكانت نهضة الاُمَّة لاكتساحها نهضةً دينيَّة يخضع لها كلُّ مسلم،
وإن كان ابن اليهوديَّة خلط نفسه بالناهضين لأيِّ غاية راقته، وما أكثر الأخلاط في الحركات الصحيحة من غير أن يمسَّ كونهم مع الهايجين بشيء من كرامتهم.
ولو كان ما أنهاه إليهم ابن سبأ عزواً مختلقاً فهلّا - لمـّا قدمت وفود الأمصار المدينة - قال لهم المدنيّون: إنَّ الرجل بريء من هذه القذائف والهنات وهو بين ظهرانيهم يرون ما يفعل، ويسمعون ما يقول؟ لكنَّهم بدلاً عن ذلك أصفقوا مع القادمين، بل صاروا هم القدوة والاُسوة في تلك النهضة، وكانوا قبل مقدمهم ناقمين عليه.
ونحن والدكتور طه حسين نصافق عند رأيه هاهنا حيث قال في كتابه « الفتنة الكبرى ص ١٣٤: وأكبر الظنِّ أنَّ عبد الله بن سبأ هذا - إن كان كلّ ما يُروى عنه صحيحاً - إنَّما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة وعظم الخلاف فهو قد استغلَّ الفتنة ولم يثرها، وأكبر الظنّ كذلك أنَّ خصوم الشيعة أيّام الأمويِّين والعبّاسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا، ليشكّكوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية، وليشنِّعوا على عليّ وشيعته من ناحية اُخرى، فيردُّوا بعض امور الشيعة إلى يهوديّ أسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة؟ وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان؟
فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والإحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجلٌ أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديّاً وكانت اُمّه سوداء، وكان هو يهوديّاً ثمَّ أسلم لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثمَّ اُتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حتّى قتلوه، وفرَّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعاً وأحزاباً.
هذه كلّها اُمورٌ لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها امور التاريخ، وإنَّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكٌّ هو أنَّ ظروف الحياة الإسلاميَّة في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى إختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسيَّة المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنَّة النبيِّ وسيرة صاحبيه كانوا يرون اموراً تطرأ ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تُواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدَّة وضبط للنفس وضبط للرعيَّة، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش
من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الاُمور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح، وفيها الأثرة، وفيها الأمل البعيد، وفيها الهمّ الذي لا يعرف حدًّا يقف عنده، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها و على كلِّ شيء من حولها. وهذه الاُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه، فهذه أقطارٌ واسعةٌ من الأرض تفتح عليهم، وهذه أموالٌ لا تحصى تُجبى لهم من هذه الأقطار، فأيّ غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الأقطار المفتوحة والإنتفاع بهذه الأموال المجموعة؟ وهذه بلادٌ اُخرى لم تفتح وكلّ شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلّاب الدنيا، ومن الأجر والمثوبة إن كانوا من طلّاب الآخرة ثمَّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراء العريض؟ وأيّ غرابة في أن يندفع الطامعون الطامحون من شباب قريش هذه الأبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ وأيّ غرابة في أن يهم بمنافستهم في ذلك شباب الأنصار وشباب الأحياء الاُخرى من العرب؟ وفي أن يمتلئ قلوبهم موجدةً وحفيظة وغيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة، ويؤثر قريشاً بعظائم الاُمور، ويؤثر بني اميَّة بأعظم هذه العظائم من الاُمور خطراً وأجلّها شأناً.
والشيءُ الذي ليس فيه شكٌّ هو أنَّ عثمان قد ولّى الوليد وسعيداً على الكوفة بعد أن عزل سعداً، وولّى عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى. وجمع الشام كلّها لمعاوية وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حدّ ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في إدارتها قريشٌ وغيرها من أحياء العرب، وولّى عبد الله بن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص، وكلّ هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان، منهم أخوه لاُمِّه، ومنهم أخوه في الرضاعة، ومنهم خاله، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الأدنى إلى اُميّة بن عبد شمس.
كلُّ هذه حقائق لا سبيل إلى انكارها، وما نعلم أنَّ ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولّى وعزل من عزل، وقد أنكر النّاس في جميع العصور على الملوك والقياصرة
والولاة والاُمراء ايثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم، وليس المسلمون الذين كانوا رعيَّة لعثمان بدعاً من النّاس، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر النّاس ويعرفون في جميع العصور. إنتهى حرفيّاً.
على أنَّ ما تضمّنته هذه الرواية من بعث عمّار إلى مصر وغيره إلى بقيَّة البلاد ممّا لا يكاد أن يُذعن به، أو أن يكون له مقيلٌ من الصحّة، ولم يُذكر في غير هذه الرواية الموضوعة المكذوبة على ألسنة رواتها المتراوحين بين زندقة وكذب وجهالة، فإنَّ ما يعطيه النظر في مجموع ما روي حول مشكلة عثمان انَّ عمّاراً ومحمّد بن مسلمة لم يفارقا المدينة طيلة أيّامها ومنذ مبادئها إلى غايتها المفضية إلى مقتل عثمان، وعمّار هو الذي كان في مقدَّم الثائرين عليه من أوَّل يومه الناقمين على أعماله، وقد أراد نفيه إلى الربذة منفى أبي ذر بعد وفاته فيه رضوان الله عليهما فمنعته المهاجرون والأنصار كما مرَّ حديثه، وكم وقع عليه في تضاعيف تلكم الأحوال تعذيبٌ وضربٌ وتعنيف، وكان عثمان يعلم بكراهة عمّار إيّاه منذ يومه الأوَّل، فمتى كان يستنصح عمّاراً حتّى يبعثه إلى البلاد فيحكي عمار له أخبارها، أو يستميله ابن سبأ وأصحابه؟ وهذا ممّا لا يعزب علمه عن أيِّ باحث كما تنبَّه له الدكتور طه حسين في « الفتنة الكبرى » ص ١٢٨ حيث قال: أكاد أقطع بأنَّ عمّاراً لم يُرسل إلى مصر ولم يشارك هذين الفتيّين(١) فيما كانا بسبيله من التحريض وإنَّما هي قصّة إخترعها العاذرون لعثمان فيما كان بينه وبين عمّار قبل ذلك أو بعده ممَّا سنراه بعد حين.ا ه.
٢ - قال الطبري ص ٩٩: كتب إليَّ السري عن شعيب عن سيف عن محمّد وطلحة وعطية قالوا: كتب عثمان إلى أهل الأمصار:
أمّا بعد: فانِّي آخذ العمّال بموافاتي في كلِّ موسم، وقد سلّطت الاُمّة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفع عليَّ شيء ولا على أحد من عمّالي إلّا أعطيته، وليس لي ولعيالي حقٌّ قبل الرعيّة إلّا متروكٌ لهم، وقد رفع إلى أهل المدينة أنَّ أقواما يُشتمون، وآخرون يُضربون، فيا مَن ضُرب سرًّا وشُتم سرًّا، من ادَّعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقّه حيث كان منِّي أو من عمّالي أو تصدَّقوا
____________________
١ - يعنى بهما: محمد بن ابي بكر ومحمد بن أبي حذيفة.
فإنَّ الله يجزي المتصدِّقين.
فلمّا قرئ في الأمصار أبكي الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إنَّ الاُمّة لتمخّض بشرّ، وبعث إلى عمّال الأمصار فقدموا عليه عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله ابن سعد، وادخل معهم في المشورة سعيداً وعمراً فقال: ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إنِّي والله لخائفٌ أن تكونوا مصدوقاً عليكم وما يُعصب هذا إلّا بي، فقالوا له: ألم تبعث؟ ألم نرجع إليك الخبر عن القوم ألم يرجعوا ولم يشافههم أحدٌ بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا برُّوا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا، ولا كنت لتأخذ به أحداً فيقيمك على شيء، وما هي إلّا إذاعة لا يحلُّ الأخذ بها ولا الإنتهاء إليها. قال: فأشيروا عليَّ. فقال سعيد بن العاص: هذا أمرٌ مصنوعٌ يصنع في السرِّ فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدَّث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم ثمَّ قتل هؤلاء الَّذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد الله بن سعد: خُذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم فانَّه خيرٌ من أن تَدعهم. قال معاوية: قد ولّيتني فولّيت قوماً لا يأتيك عنهم إلّا الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما. قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب. قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنّك قد لِنت لهم، وتراخيت عنهم، و زدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتدُّ في موضع الشدَّة وتلين في موضع اللين، إنّ الشدّة تنبغي لمن لا يألو الناس شرًّا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً اللين، وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كلّ ما أشرتم به عليَّ قد سمعت، ولكلّ أمر بابٌ يؤتى منه، إنَّ هذا الأمر الذي يُخاف على هذه الأمَّة كائن، وإنّ بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين والمؤاناة والمتابعة إلّا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحدٌ أن يبادي بعيب أحدها، فإن سدَّه شيءٌ فرفق فذاك والله ليفتحنَّ وليست لأحد عليَّ حجَّة حقّ، وقد علم الله أنِّي لم آل الناس وخيراً ولا نفسي، ووالله إنّ رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحرِّكها كفكفوا الناس وهِبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، وإذا تُعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها. فلمّا نفر عثمان أشخص معاوية و عبد الله بن سعد إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه، ولمـّا استقلّ عثمان رجز الحادي:
قد علمت ضوامرُ المطيِّ |
وضُمّراتُ عُوَّجِ القسيِّ |
|
إنّ الأمير بعده عليّ |
وفي الزبير خلفٌ رضيُّ |
وطلحة الحامي لها وليُّ
فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير بعده صاحب البغلة، وأشار إلى معاوية.
٣ -(وأخرج ص ١٠١ بالإسناد الشعيبي المذكور)
كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج: يا أمير المؤمنين! إنطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبل لك به، فإنّ أهل الشام على الأمر لم يزالوا فقال: أنا لا أبيع جوار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي. قال: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إيّاك. قال: أنا أقتر على جيران رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأرزاق بجند مساكنهم واُضيّق على أهل دار الهجرة والنصرة؟ قال: والله يا أمير المؤمنين! لتغتالنّ ولتغزينّ. قال: حسبي الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا ايسار! الجزور، وأين ايسار الجزور. الحديث بطوله.
٤ -(وأخرج ص ١٠٣ بالإسناد الشعيبي)
لمـّا كان في شوّال سنة ٣٥ خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة اُمراء المقلُّ يقول: ستمائة. والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرّحمن بن عديس البلوي. و كنانة بن بشر الليثي. وسودان بن حمران السكوني. وقتيرة بن فلان السكوني. وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكّي. ولم يجترؤا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، وإنَّما خرجوا كالحجّاج ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضرة الحارثي، وعبد الله بن الأصم، أحد بني عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعاً عمرو بن الأصم، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق وعلى الرفاق حكيم ابن جبلة العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي، وابن المحرش ابن عبد عمرو الحنفي، وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعاً حرقوص ابن زهير السعدي، سوى مَن تلاحق بهم من النَّاس، فأمّا أهل مصر فانَّهم كانوا يشتهون عليّاً، وأمَّا أهل البصرة فإنّهم كانوا يشتهون طلحة، وأمّا أهل الكوفة كانوا
_١٤_
يشتهون الزبير، فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتّى لا يشكّ كلّ فرقة إلّا انَّ الفلج معها، وأمرها سيتمُّ دون الاُخريين، فخرجوا حتّى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدَّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشب، وناسٌ من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص(١) وجاءهم ناسٌ من أهل مصر وتركوا عامّتهم بذي المروَّة، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا: لا تعجلوا ولا تُعجِّلونا حتّى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنَّه بلغنا انَّهم قد عسكروا لنا فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشدّ وانَّ أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلّوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً لنرجعنَّ إليكم بالخبر، قالوا: إذهبا. فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّاً وطلحة والزبير(٢) وقالا: إنَّما نأتمّ هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمّالنا، ما جئنا إلّا لذلك واستأذنا للناس بالدخول، فكلّهم أبى ونهى وقال: بيضٌ ما يفرخنَّ. فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوا عليّاً، ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفرٌ فأتوا الزبير وقال كلُّ فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا وإلّا كدناهم وفرَّقنا جماعتهم ثمَّ كررنا حتَّى نبغتهم. فأتى المصريّون عليّاً وهو في عسكر عند أحجار الزيت(٣) عليه حُلّةٍ أفوافٍ مُعتمّ بشقيقة حمراء يمانيَّة متقلّد السيف ليس عليه قميص، وقد سرَّح الحسن إلى عثمان فيمن إجتمع إليه، فالحسن جالسٌ عند عثمان وعليٌّ عند أحجار الزيت فسلّم عليه المصريّون وعرَّضوا له فصاح بهم وأطردهم وقال: لقد علم الصّالحون أنَّ جيش ذي المروة وذي خُشب ملعونون على لسان ومحمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فارجعوا لا صحبكم الله(٤) قالوا: نعم. فانصرفوا من عنده على ذلك. وأتى البصريّون طلحة وهو في جماعة اُخرى إلى جنب عليّ وقد أرسل إبنيه إلى عثمان فسلّم البصريّون عليه وعرَّضوا له فصاح بهم و أطردهم وقال: لقد علم المؤمنون انَّ جيش ذي المروة في ذي خُشب والأعوص ملعونون
____________________
١ - الاعوص: موضع على اميال من المدينة يسيرة.
٢ - لا تنس هاهنا ما اسلفنا لك فى هذا الجزء من حديث ام المؤمنين وعليّ أمير المؤمنين و طلحة والزبير.
٣ - احجار الزيت: موضع بالمدينة داخلها قريب من الزوراء.
٤ - راجع ما مضى من حديث علىّ امير المؤمنين تعرف جلية الحال.
على لسان محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) وأتى الكوفيُّون الزبير وهو في جماعة اُخرى وقد سرَّح إبنه عبد الله إلى عثمان فسلّموا عليه وعرضوا له فصاح بهم وأطردهم وقال: لقد علم المسلمون انَّ جيش ذي المروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) .
فخرج القوم وأروهم انَّهم يرجعون فانفشّوا عن ذي خُشب والأعوص حتّى انتهوا إلى عساكرهم وهي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة ثمَّ يكرُّوا راجعين فافترق أهل المدينة لخروجهم، فلمّا بلغ القوم عساكرهم كرُّوا بهم فبغتوهم، فلم يفجأ أهل المدينة إلّا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كفَّ يده فهو آمن. وصلّى عثمان بالناس أيّاماً ولزم بيوتهم ولهم يمنعوا أحداً من كلام، فأتاهم النّاس فكلّموهم وفيهم عليٌّ فقال: ما ردَّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا، وأتاهم طلحة فقال البصريّون مثل ذلك وأتاهم الزبير فقال الكوفيّون والبصريّون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعاً. كأنَّما كانوا على ميعاد فقال لهم عليٌّ: كيف علمتم يا أهل الكوفة! ويا أهل البصرة! بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثمّ طويتم نحونا، هذا والله أمرٌ اُبرم بالمدينة قالوا: فضعوه علي ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك يُصلّي بهم وهم يصلّون خلفه ويَغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدقّ من التراب، وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام وكانوا زُمراً بالمدينة يمنعون الناس من الإجتماع. إلخ.
قال الأميني: تُعطي هذه الرواية انَّ الذي ردَّ الكتائب المقبلة من مصر والبصرة والكوفة هو زعماء جيش أحجار الزيت: أمير المؤمنين عليّ وطلحة والزبير يوم صاحوا بهم وطردوهم ورووا رواية اللعن عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وفيهم البدريّون وغيرهم من أصحاب محمَّد العدول، فما تمكّنت الكتائب من دخول المدينة وقد أسلفنا إصفاق المؤرِّخين على أنَّهم دخلوها وحاصروا الدار مع المدنيِّين أربعين يوماً أو أكثر أو أقلَّ حتّى توسَّل عثمان بعليّ أمير المؤمنينعليهالسلام ، فكان هو الوسيط بينه وبين القوم، وجرى هنالك ما مرَّ تفصيله من توبة عثمان على صهوة المنبر، ومن كتاب عهده إلى البلاد على ذلك، فانكفأت
____________________
١ - راجع ما مرّ من حديث طلحة وصولته وجولته فى تلك الثورة تعلم صدق الخبر.
٢ - راجع ما اسلفنا من حديث الزبير حتّى يتبين لك الرشد من الغى.
عنه الجماهير الثائرة بعد ضمان عليّعليهالسلام ومحمّد بن مسلمة بما عهد عثمان على نفسه، لكنَّهم ارتجعوا إليه بعد ما وقفوا على نكوصه وكتابه المتضمِّن بقتل مَن شخص إليه من مصر فوقع الحصار الثاني المفضي إلى الإجهاز عليه، وأنت إذا عطفت النظرة إلى ما سبق من أخبار الحصارين وأعمال طلحة والزبير فيهما وقبلهما وبعدهما نظرة ممعنة لا تكاد أن تستصحَّ دفاعهما عنه في هذا الموقف، وكان طلحة أشدّ النّاس عليه، حتّى منع من ايصال الماء إليه، ومن دفنه في مقابر المسلمين، لكن رواة السوء المتسلسة في هذه الأحاديث راقهم إخفاء مناوئة القوم لعثمان فاختلقوا له هذه وأمثالها.
٥ -(وأخرج ص ١٢٦ بالإسناد الشعيبي)
آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة: إنَّ الله عزَّ وجلَّ إنَّما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها، انَّ الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلنَّكم عن الباقية، فآثروا ما بقي على ما يفنى، فإنَّ الدنيا منقطعة، وإنَّ المصير إلى الله، اتَّقوا الله جلَّ و عزَّ فإنَّ تقواه جُنّة من بأسه ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، وألزموا جماعتكم لا تصيروا أحزاباً، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.
قالوا: لمـّا قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته، وعزم له المسلمون على الصبر والإمتناع عليهم بسلطان الله قال: أخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عنِّي، وأرسل إلى طلحة والزبير وعليّ وعدَّة أن ادنوا فاجتمعوا فأشرف عليهم، فقال: يا أيُّها النّاس! اجلسوا فجلسوا جميعاً المحارب الطارئ، والمسالم المقيم فقال: يا أهل المدينة! إنَي استودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، إنِّي والله لا أدخل على أحد يومي هذا حتّى يقضي الله فيَّ قضاه، ولأدعنَّ هؤلاء وراء بابي غير معطيهم شيئاً يتَّخذونه عليكم دخَلاً في دين الله أو دنيا حتّى يكون الله عزَّ وجلَّ الصانع في ذلك ما أحبّ، وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم فرجعوا إلّا الحسن ومحمّد وابن الزبير وأشباهاً لهم فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وثاب إليهم ناسٌ كثيرٌ ولزم عثمان الدار
٦ -(وروى ص ١٢٦ بالإسناد الشعيبي)
قالوا: كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين فلمّا مضت من الأربعين ثماني عشرة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيّأ إليهم من الآفاق حبيب من الشام، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كلَّ شيء حتّى الماء، وقد كان يدخل عليٌّ بالشيء ممّا يريد، وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علّة، فعثروا في داره بالحجارة ليرموا فيقولوا: قوتلنا وذلك ليلاً فناداهم: ألا تتَّقون الله؟ ألا تعلمون أنَّ في الدار غيري؟ قالوا: لا والله ما رميناك قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله. قال: كذبتم إنَّ الله عزَّ وجلَّ لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطؤننا، وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه فسرح ابنا لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئا من الماء فافعلوا وإلى طلحة والزبير وإلى عائشة رضي الله عنها وأزواج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فكان أوَّلهم إنجاداً له عليٌّ واُمّ حبيبة، جاء عليٌّ في الغَلس فقال: يا أيُّها النّاس انَّ الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادَّة فإنَّ الروم وفارس لتأسر فتُطعم وتسقي، وما تعرَّض لكم هذا الرجل، فبم تَستحلّون حصره وقتله؟ قالوا: لا والله ولا نعمة عين، لا نتركه يأكل ولا يشرب، فرمى بعمامته في الدار بأنِّي قد نهضت فيما أنهضتني. فرجع وجاءت اُمُّ حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوةٍ فقيل: اُمّ المؤمنين اُمّ حبيبة، فضربوا وجه بغلتها فقالت: إنَّ وصايا بني اُميَّة إلى هذا الرجل فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل. قالوا: كاذبة وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت باُمِّ حبيبة فتلقّاها النّاس وقد مالت رحالتها فتعلّقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل فذهبوا بها إلى بيتها، وتجهَّزت عائشة خارجةً إلى الحجِّ هاربة، واستتبعت أخاها فأبى فقالت: أمَ والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلنَّ. وجاء حنظلة الكاتب حتَّى قام على محمَّد بن أبي بكر فقال: يا محمَّد! تستتبعك اُمّ المؤمنين فلا تتبعها وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحلّ فتتبعهم؟ فقال: ما أنت وذاك يا ابن التميميَّة؟ فقال: يا ابن الخثعميَّة! إنَّ هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف. وانصرف وهو يقول:
عجبٌ لِما يخوضُ النّاس فيه |
يرومون الخلافة أنْ تزولا |
|
ولو زالت لزال الخير عنهم |
ولاقوا بعدها ذلّاً ذليلا |
|
وكانوا كاليهود أو النصارى |
سواء كلّهم ضلّوا السبيلا |
ولحق بالكوفة وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظاً على أهل مصر، وجاءها مروان بن الحَكم فقال: يا اُمَّ المؤمنين!لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل. فقالت: أتريد أن يُصنع بي كما صُنع باُمِّ حبيبة، ثمَّ لا أجد من يمنعني، لا والله ولا اعير ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء، وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليٌّ واُمّ حبيبة فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الفضلات عليهم الرقباء، فأشرف عثمان على الناس فقال: يا عبد الله بن عبّاس! فدعى له فقال: إذهب فأنت على الموسم. وكان ممَّن لزم الباب فقال: والله يا أمير المؤمنين! لجهاد هؤلاء أحبُّ إليَّ من الحجِّ، فأقسم عليه لينطلقنَّ فانطلق ابن عبّاس على الموسم تلك السنة، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيَّته فانصرف بها، وفي الزبير اختلافٌ أأدرك مقتله أو خرج قبله؟ وقال عثمان: يا قوم! لا يجرمنَّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح. الآية. أللهمَّ حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فُعل بأشياعهم من قبلُ.
قال الأميني: هذه الرواية مفتعلةٌ من شيعة عثمان المصطفِّين في إسنادها تجاه ما ثبت عن عائشة وطلحة والزبير وغيرهم من جهودهم المتواصلة في التضييق على الرجل، وإسعار نار الحرب والإجهاز عليه بما أسلفناه في هذا الجزء لكن أكدى الظنّ، وأخفق الأمل انَّ هاتيك الروايات أخرجها الاثبات من حَملة التاريخ، وأصفق عليها المؤرِّخون وهذه تفرَّد بها هؤلاء الوضّاعون، ومَن ذا الذي يعير سمعاً لها بعد الإخبات إلى التاريخ الصحيح؟ وملأ أذنه هتاف عائشة: اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر. إلى كلمات اُخرى لها مرَّ مجملها في هذا الجزء ص ٢١٥ وفصَّلنا ها في ص ٧٧ - ٨٦.
وإنَّ تهالك طلحة دون التشديد عليه وقتله بكلِّ ما تسنَّى له ممّا لا يجهله مُلمٌّ بالحديث والتاريخ، وكان يوم الدار مقنَّعاً بثوب يرميها بالسهام، وهو الذي منع منه الماء، وهو الذي حمل الناس إلى سطح دار ابن حزام فتسوَّروا منها دار عثمان، وهو الذي منعه من أن يدفن في مقابر المسلمين، وهو الذي أقعد لمجهِّزيه في الطريق ناساً
يرمونهم بالحجارة، وهو الذي قتله مروان ثمَّ قال: لأبان بن عثمان: قد كفيتك بعض قتلة أبيك، وهو الذي قال فيه وفي صاحبه مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام : كان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف، وأرفق حدائهما العنيف.
ولو كان طلحة كما زعمه الوضّاعون فما معنى هتاف عثمان: أللهمَّ اكفني طلحة ابن عبيد الله فانَّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم. وقوله: ويلي على ابن الحضرميَّة - يعني طلحة - اعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يحرّض على نفسي، أللهمَّ لا تمتِّعه به ولقّه عواقب بغيه.
وإلى الآن يرنُّ في الأسماع قول الزبير يومئذٍ: اقتلوه فقد بدَّل دينكم. وقوله: ما أكره أن يُقتل عثمان ولو بُدئ بابني، إنَّ عثمان لجيفةٌ على صراط غداً. وقوله لعثمان: إنَّ في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جماعة يمنعون من ظلمك، ويأخذونك بالحقِّ. إلخ.
وإلى الآن في صفحات التاريخ قول سعد بن أبي وقاص: قتله سيف سلّته عائشة وشحَّذه طلحة، وسمَّه عليٌّ، قيل: فما حال الزبير؟ قال: أشار بيده وصمت بلسانه.
إلى كلمات آخرين مرَّت في هذا الجزء.
ولو كان ابن عبّاس كما اختلق عليه هؤلاء فلماذا لم يكترث بكتاب عثمان و استغاثته به لمـّا اُلقي على الحجيج وهو أميرهم وهو على منصَّة الخطابة، فمضى في خطبته من حيث انقطعت، ولم يتعرَّض لذلك بشيء، ولا اعتدَّ بخطابه حتّى جرى المقدور المحتَّم؟ ولِماذا كان يحاذر بطش معاوية به على مقتل عثمان لمـَّا أراد أمير المؤمنينعليهالسلام أن يرسله إلى الشام؟.
راجع مصادر هذه كلّها فيما مرَّ من صفحات هذا الجزء.
٧ -(وأخرج ص ١٢٨ بالإسناد الشعيبي)
قالوا: فلمَّا بويع النّاس السابقة فقدم بالسّلامة فأخبرهم من الموسم انَّهم يريدون جميعاً المصريِّين وأشياعهم، وانَّهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجِّهم، فلمّا أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار أعلقهم الشيطان وقالوا: لا يخرجنا ممّا وقعنا فيه إلّا قتل هذا الرجل، فيشتغل بذلك الناس عنّا، ولم يبق خصلة يرجون بها النجاة إلّا قتله، فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمَّد بن طلحة ومروان
ابن الحَكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم واجتلدوا فناداهم عثمان: الله الله أنتم في حلّ من نصرتي. فأبوا ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم فلمّا رأوه أدبر البصريُّون وركبهم هؤلاء ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين وأقسم على الصحابة ليدخلن، فأبوا أن ينصرفوا فدخلوا فأغلق الباب دون المصريِّين، وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حجَّ ثمَّ تعجَّل في نفر حجّوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يُقتل وشهد المناوشة ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل، وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألّا ندعهم حتّى نموت؟ فاتَّخذ عثمان تلك الأيّام القرآن نحباً يصلّي وعنده المصحف فإذا أعيا جلس فقرأ فيه، وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة، وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب، فلمَّا بقي المصريُّون لا يمنعهم أحدٌ من الباب ولا يقدرون على الدخول جاؤا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة، فتأجّج الباب والسقيفة حتّى إذا احترق الخشب خرَّت السقيفة على الباب، فثار على أهل الدار وعثمان يصلّي حتّى منعوهم الدخول، وكان أوَّل من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز:
قد علمت جاريةٌ عُطبولُ |
ذاتُ وشاح ولها جديلُ |
|
أنّي بنصل السيف خنشليلُ |
لأمنعنَّ منكمُ خليلي |
بصارم ليس بذي فلولِ
وخرج الحسن بن عليّ وهو يقول:
لا دينهم ديني ولا أنا منهمُ |
حتّى أسير إلى طَمارِ شَمام |
وخرج محمَّد بن طلحة وهو يقول:
أنا ابن مَن حامى عليه باُحد |
وردَّ أحزاباً على رغم مَعَدْ |
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول:
صبرنا غداة الدار والموت واقبٌ |
بأسيافنا دون ابن أروى نُضارب |
|
وكنَّا غداة الروع في الدار نصرةً |
نُشافههم بالضرب والموت ثاقبُ |
فكان آخر مَن خرج عبد الله بن الزبير أمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصَّية بما أراد وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالإنصراف إلى منازلهم فخرج عبد الله بن
الزبير آخرهم فما زال يدَّعي بها ويحدّث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه.
٨ -(وأخرج ص ١٢٩ بالإسناد الشعيبي)
قالوا: وأحرقوا الباب وعثمان في الصّلاة وقد افتتح « طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى » وكان سريع القراءة فما كرثه ما سمع وما يُخطئ وما يتتعتع حتّى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه، ثمَّ عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ: الذين قال لهم النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايماناً قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه:
قد علمت ذات القرون الميلِ |
والحلي والأنامل الطفولِ |
|
لتصدقنَّ بيعتي خليلي |
بصارمٍ ذي رونقٍ مصقولِ |
لا أستقيل إن أقلت قيلي
وأقبل أبو هريرة والناس مُحجمون عن الدار إلّا أولئك العصبة فدسروا فاستقبلوا فقام معهم وقال: أنا اُسوتكم. وقال: هذا يوم طاب امضرب - يعني انّه من القتال و طاب وهذه لغة حمير - ونادى: يا قوم! مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، وبادر مروان يومئذ ونادى: رجلٌ رجلٌ. فبرز له رجلٌ من بني ليث يُدعى النباع(١) فاختلفا ضربتين فضربه مروان أسفل رجليه وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه فانكبَّ مروان واستلقى فاجترَّ هذا أصحابه، واجترَّ الآخر أصحابه، فقال المصريّون: أما والله لا أن تكونوا حجَّة علينا في الاُمّة لقد قتلناكم بعد تحذير فقال المغيرة: مَن بارزٌ؟ فبرز له رجلٌ فاجتلدوا وهو يقول:
أضربهم باليابس * ضرب غلام بائس * من الحياة آيس
فأجابه صاحبه... وقال الناس: قُتل المغيرة بن الأخنس فقال الذي قتله: إنّا لِلَّه فقال له عبد الرَّحمن بن عديس: ما لك؟ قال: إنِّي أتيت فيما يرى النائم فقيل لي: بشِّر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار. فابتليتُ به، وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتّى ملؤها، ولا يشعر الذين بالباب، واقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غُلبوا على أميرهم وندبوا رجلاً لقتله، فانتدب له
____________________
١ - كذا والصحيح: البياع، وهو عروة بن شييم الليثى كما مرّ.
رجلٌ فدخل عليه البيت فقال: اخلعها وندعك. فقال: ويحك والله ما كشفتُ امرأةً في جاهليَّة ولا إسلام ولا تغنّيت ولا تمنّيت ولا وضعت يميني على عورتي مذ بايعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولست خالعاً قميصاً كسانيه الله عزّ وجلَّ وأنا على مكاني حتّى يُكرم الله أهل السعادة ويُهين أهل الشقاء. فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله، والله ما ينجينا من الناس إلّا قتله وما يحلّ لنا قتله، فادخلوا عليه رجلاً من بني ليث فقال: ممَّن الرجل؟ فقال: ليثيٌّ. فقال: لست بصاحبي قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فلن تضيع. فرجع وفارق القوم، فأدخلوا عليه رجلاً من قريش فقال: يا عثمان! إنِّي قاتلك. قال: كلّا يا فلان! لا تقتلني. قال: وكيف؟ قال: إنَّ رسول الله استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارف دماً حراماً، فاستغفر ورجع وفارق أصحابه، فأقبل عبد الله بن سلام حتّى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله، وقال: يا قوم! لا تسلّوا سيف الله عليكم فوالله إن سللتموه ولا تغمدوه، ويلكم إنَّ سلطانكم اليوم يقوم بالدِرَّة فإن قتلتموه لا يقيم إلّا بالسيف، ويلكم إنَّ مدينتكم محفوفة بملائكة الله والله لئن قتلتموه لتتركنَّها، فقالوا: يا ابن اليهوديَّة! وما أنت وهذا؟ فرجع عنهم. قالوا: وكان آخر من دخل عليه ممَّن رجع إلى القوم محمَّد بن أبي أبكر فقال له عثمان: ويلك أعلى الله تغضب؟ هل لي إليك جُرمٌ إلّا حقّه أخذته منك فنكل ورجع. قالوا: فلمّا خرج محمَّد بن أبي بكر وعرفوا إنكساره ثار قتيرة وسودان بن حمران السكونيّان والغافقي فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف فاستقرَّ بين يديه وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ليضربه فانكبَّت عليه نائلة إبنة الفرافصة واتّقت السيف بيدها فتعمَّدها ونفح أصابعها فأطنَّ أصابع يدها وولَّت فغمز أوراكها، وقال: إنَّها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمةٌ لعثمان مع القوم لينصروه، وقد كان عثمان أعتق من كفَّ منهم فلمّا رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت وأخرجوا مَن فيه ثمَّ أغلقوه على ثلاثة قتلى فلمّا خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتّى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجلٌ مُلاءة نائلة والرجل يُدعى كلثوم
ابن تجيب فتنحَّت نائلة فقال: ويح اُمّك من عجيزة ما أنمَّك، وبصر به غلامٌ لعثمان فقتله وقُتل وتنادى القوم أبصر رجل من صاحبه، وتنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلّا غرارتان(١) فقالوا: النجاء فإنَّ القوم إنَّما يحاولون الدنيا، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه، وماج النّاس فيه، فالتانئ يسترجع ويبكي، والطارئ يفرح، وندم القوم وكان الزبير قد خرج من المدينة فأقام على طريق مكّة لئلّا يشهد مقتله، فلمّا أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو قال: إنّا لِلَّه وإنّا إليه راجعون، رحم الله عثمان وانتصر له. وقيل: إنَّ القوم نادمون. فقال: دبَّروا دبَّروا، وحيل بينهم وبين ما يشتهون. الآية. وأتى الخبر طلحة فقال: رحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام وقيل له: إنَّ القوم نادمون. فقال: تبّاً لهم وقرأ: فلا يستطيعون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعون. وأتى عليٌّ فقيل: قُتل عثمان: فقال رحم الله عثمان وخلف علينا بخير. وقيل: ندم القوم. فقرأ: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر. الآية. وطُلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال: لا أشهد قتله. فلمّا جاءه قتله قال: فررنا إلى المدينة فدنينا وقرأ: الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، أللهمَّ أندمهم ثمَّ خذهم.
٩ -(وأخرج ص ١٣١ بالإسناد الشعيبي)
قال المغيرة بن شعبة لعليّ: إنَّ هذا الرجل مقتولٌ وإنّه إن قُتل وأنت بالمدينة إتَّخذوا فيك فاخرج فكن بمكان كذا وكذا، فانَّك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس. فأبى وحُصر عثمان إثنتي وعشرين يوماً ثمَّ أحرقوا الباب وفي الدار اُناسٌ كثيرٌ فيهم عبد الله بن الزبير ومروان فقالوا: إئذن لنا. فقال: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد إليَّ عهداً فأنا صابرٌ عليه، وإنَّ القوم لم يحرقوا باب الدار إلّا وهم يطلبون ما هو أعظم منه، فاُحرِّج على رجل يستقتل ويقاتل، وخرج الناس كلّهم ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده فقال: إنَّ أباك الآن لفي أمر عظيم، فأقسمت عليك لمـّا خرجت.
وأمر عثمان أبا كرب رجلاً من همدان وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال
____________________
١ - ذكره ابن كثير فى تاريخه ٧: ١٨٩ وحرّفه وبدّله بقوله: فأخذوا بيت المال وكان فيه شىء كثير جداً.
وليس فيه إلّا غرارتان من ورق، فلمّا أطفئت النار بعد ما ناوشهم ابن الزبير ومروان وتوعَّد محمَّد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان، فلمّا دخل على عثمان هربا، ودخل محمَّد ابن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته فقال: أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولها، فأرسلها ودخلوا عليه فمنهم من يجئه بنعل سيفه وآخر يلكزه وجاءه رجل بمشاقص معه فوجأه في ترقوته، فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله، وكان كبيراً وغُشي عليه ودخل آخرون، فلمّا رأوه مغشيّاً عليه جرُّوا برجله، فصاحت نائلة وبناته، وجاء التجيبي مخترطاً سيفه ليضعه في بطنه فوقته نائلة فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره، وقتل عثمان رضي الله عنه قبل غروب الشمس ونادى منادٍ: ما يحلّ دمه ويحرّج ماله؟ فانتهبوا كلَّ شيء، ثمَّ تبادروا بيت المال فألقى الرجلان المفاتيح ونجوا وقالوا: الهرَب الهرَب، هذا ما طلب القوم.
١٠ -(وأخرج ص ١٣٥ بالإسناد الشعيبي)
لمـّا حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجالٌ إلى الأمصار مجاهدين وليدنوا من العرب فمنهم من أتى البصرة، ومنهم من أتى الكوفة، ومنهم من أتى الشام. فهجموا جميعاً من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة، إلّا ما كان من أبناء الشام فرجعوا جميعاً إلى المدينة إلّا من كان بالشام فأخبروا عثمان بخبرهم فقام عثمان في الناس خطيباً فقال:
يا أهل المدينة! أنتم أصل الإسلام وإنّما يفسد الناس بفسادكم، ويصلحون بصلاحكم، والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدثٌ أحدثه إلّا سيَّرته، ألا فلا أعرفنَّ أحداً عرض دون اولئك بكلام ولا طلبٍ، فإنَّ مَن كان قبلكم كانت تُقطع أعضاؤهم دون أن يتكلّم احدٌ منهم بما عليه ولا له. وجعل عثمان لا يأخذ أحداً منهم على شرّ أو شهر سلاح عصاً فما فوقها إلّا سيَّره. فضجَّ آبائهم من ذلك حتّى بلغه انَّهم يقولون: ما أحدث التسيير ألا إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سيَّر الحكَم بن أبي العاص فقال: إنَّ الحكَم كان مكّياً فسيَّره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منها الي الطائف، ثم ردَّه إلى بلده فرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سيَّره بذنبه ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ردَّه بعفوه، وقد سيَّره الخليفة من بعده وعمر رضي الله عنه من بعد الخليفة، وأيم الله لآخذنَّ العفو من أخلاقكم، ولأبذلنَّه
لكم من خلقي، وقد دنت اُمورٌ ولا احبّ أن تحلّ بنا وبكم وأنا على وجَلَ وحذَر فاحذروا واعتبروا.
قال الأميني: هذه سلسلةُ بلاء وحلقة أكاذيب جاء بها أبو جعفر الطبري في تاريخه باسناد واحد أبطلناه وزيَّفناه وأوقفناك عليه وعلى ترجمة رجاله في الجزء الثامن ص ٨٤، ١٤٠، ١٤١، ٣٣٣، أضف إليها ما ذكره المحبّ الطبري ممّا أسلفنا صدره في هذا الجزء صفحة ١٧٩ من طريق سعيد بن المسيب ممّا اتّفق الرواة والحفّاظ والمؤرِّخون على نقله وجاء بعضٌ بزيادة مفتعلة وتبعه المحبُّ الطبري وإليك نصّها:
ثمَّ بلغ عليّاً انّهم يريدون قتل عثمان فقال: إنَّما أردنا منه مروان فأمّا قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما حتَّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث الزبير ابنه، وبعث طلحة إبنه، وبعث عدَّة من اصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان، فلمّا رأى الناس ذلك رموا باب عثمان بالسهام حتّى خضب الحسن بن عليّ بدمائه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وكذلك محمّد بن طلحة، وشجَّ قنبر مولى عليّ، ثمَّ إنَّ بعض من حصر عثمان خشي أن يغضب بنو هاشم لأجل الحسن والحسين فتنتشر الفتنة، فأخذ بيد رجلين فقال: لهما: إن جاء بنو هاشم فرأوا الدم علىّ وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون، ولكن اذهبوا بنا نتسوَّر عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحدٌ، فتسوَّروا من دار رجل من الأنصار حتّى دخلوا على عثمان، وما يعلم أحدٌ ممّن كان معه، لأنَّ كلّ من كان معه كان فوق البيت ولم يكن معه إلّا امرأته فقتلوه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته فلم يُسمع صراخها من الجلبة، فصعدت إلى الناس فقالت: إنَّ أمير المؤمنين قُتل. فدخل عليه الحسن والحسين ومَن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحاً فانكبوّا عليه يبكون، ودخل الناس فوجدوا عثمان مقتولاً فبلغ عليّاً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولاً فاسترجعوا وقال عليٌّ لابنيه: كيف قُتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمَّد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج عليٌّ وهو غضبان فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن؟! ضربت الحسن
والحسين؟ وكان يرى أنَّه أعان على قتل عثمان. فقال: عليك كذا وكذا رجل من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بدري لم تقم عليه بيِّنة ولا حجَّة. فقال طلحة: لو دفع مروان لم يُقتل. فقال عليٌّ: لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكومة. وخرج عليٌّ فأتى منزله وجاء الناس كلّهم إلى عليّ ليبايعوه، فقال لهم: ليس هذا اليكم إنّما هو إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو الخليفة، فلم يبق أحدٌ من أهل بدر إلّا قال: ما نرى أحقّ لها منك، فلمّا رأى عليٌّ ذلك جاء المسجد فصعد المنبر وكان أوَّل من صعد اليه وبايعه طلحة والزبير وسعد وأصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وطلب مروان فهرب وطلب نفراً من ولد مروان بني أبي معيط فهربوا(١) .
وفي لفظ المسعودي في مروج الذهب ١: ٤٤١: لَمّا بلغ عليّاً أنَّهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين ومواليه بالسِّلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمَّداً وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بمن ذكرنا فصدّوهم عن الدار، فرمي من وصفنا بالسهام واشتبك القوم وجرح الحسن وشجَّ قنبر وجرح محمَّد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصّب بنو هاشم و بنو اُمية فتركوا القوم في القتال على الباب ومضى نفرٌ منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوَّروا عليها وكان ممّن وصل اليه محمّد بن أبي بكر ورجلان آخران وعند عثمان زوجته، وأهله ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمَّد بن أبي بكر بلحيته فقال: يا محمَّد! والله لو رآك أبوك لساءه مكانك. فتراخت يده وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين.
فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني اُميَّة فوجدوه وقد فاضت نفسه رضي الله عنه فبكوا فبلغ ذلك عليّاً وطلحة والزبير وسعداً وغيرهم من المهاجرين والأنصار فاسترجع القوم ودخل عليُّ الدار وهو كالواله الحزين فقال لابنيه: كيف قُتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولطم الحسن وضرب الحسين وشتم محمَّد بن طلحة
____________________
١ - الرياض النضرة ٢: ١٢٥ تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٠٨، نقلا عن ابن عساكر، تاريخ الخميس ٢: ٢٦١، ٢٦٢، نقلا عن الرياض.
ولعن عبد الله بن الزبير فقال له طلحة: لا تضرب يا أبا الحسن! ولا تشتم ولا تلعن، ولو دفع مروان ما قُتل، وهرب مروان وغيره من بني اُميَّة وطلبوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال عليٌّ لزوجته نائلة بنت الفرافصة: مَن قتله؟ وأنتِ كنت معه. فقالت: دخل إليه رجلان وقصَّت خبر محمَّد بن ابي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: والله لقد دخلت وأنا أريد قتله فلمّا خاطبني بما قال خرجت ولا أعلم بتخلف الرجلين عنِّي، ولله ما كان لي في قتله سبب، ولقد قُتل وأنا لا أعلم بقتله.
وروى ابن الجوزي في التبصرة(١) من طريق ابن عمر قال: جاء عليٌّ إلى عثمان رضي الله عنهما يوم الدار وقد اغلق الباب ومعه الحسن بن علي وعليه سلاحه فقال للحسن: ادخل إلى أمير المؤمنين فاقرأه السَّلام وقل له: إنَّما جئت لنصرتك فمرني بأمرك. فدخل الحسن ثمَّ خرج فقال لأبيه: إنَّ أمير المؤمنين يقرئك السَّلام ويقول لك: لا حاجة لي بقتال وإهراق الدماء قال: فنزع عليٌّ عمامةً سوداء ورمي بها بين يدي الباب وجعل ينادي: ذلك ليعلم أنِّي لم أخنه بالغيب وانَّ الله لا يهدي كيد الخائنين.
وعن شداد بن أوس - نزيل الشام والمتوفَّى بها عهد معاوية - انِّه قال: لمـّا اشتدَّ الحصار بعثمان رضي الله عنه يوم الدار رأيت عليّاً خارجاً من منزله معتمّاً بعمامة رسول الله متقلّداً سيفه وأمامة إبنه الحسن والحسين وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم في نفر من المهاجرين والأنصار فحملوا على الناس وفرَّقوهم ثمَّ دخلوا على عثمان فقال عليٌّ: السّلام عليك يا أمير المؤمنين! إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإنِّي والله لا أرى القوم إلّا قاتلوك فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان: انشد الله رجلاً رأى لِلّه عزَّ وجلَّ عليه حقّاً وأقرَّ أنَّ لي عليه حقّاً أن يهريق في سببي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه فيَّ. فأعاد عليٌّ رضي الله عنه القول فأجاب عثمان بمثل ما أجاب، فرأيت عليّاً خارجاً من الباب وهو يقول: أللهمَّ إنّك تعلم أنّا قد بذلنا المجهود ثمَّ دخل المسجد وحضرت الصَّلاة فقالوا له: يا أبا الحسن! تقدَّم فصلِّ بالناس، فقال: لا اُصلّي بكم والإمام محصورٌ ولكن اُصلّي وحدي، فصلّى وحده وانصرف إلى منزله
____________________
١ - راجع تلخيصه قرة العيون المبصرة ١: ١٨٠.
فلحقه إبنه وقال: والله يا أبت! قد اقتحموا عليه الدار قال: إنّا لِلّه وإنّا إليه راجعون، هم والله قاتلوه، قالوا: أين هو يا أبا الحسن؟! قال: في الجنَّة والله زلفى، قالوا: وأين هم يا أبا الحسن؟! قال: في النّار والله. ثلاثاً.
الرياض النضرة ٢: ١٢٧، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٢.
ومن طريق محمَّد بن طلحة عن كناسة(١) مولي صفيَّة: شهدت مقتل عثمان فاخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش مضرَّجين بالدم محمولين كانوا يدرؤن عن عثمان وهم: الحسن بن علي و عبد الله بن الزبير ومحمَّد بن حاطب ومروان فقلت له: هل تدري محمِّد بن أبي بكر بشيء من دونه؟ قال: معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان: يا ابن أخي! لست بصاحبي وكلّمه بكلام فخرج(٢)
في الاسناد كنانة ذكره الأزدي في الضعفاء، وقال: لا يقوم إسناد حديثه وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال ايضاً: ليس إسناده بمعروف(٣)
وروى البخاري في تاريخه ٤ قسم ١ ص ٢٣٧ من طريق كنانة مولى صفيّة قال: كنت أقود بصفيَّة لتردَّ عن عثمان فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتّى قالت: ردُّوني ولا يفضحني هذا الكلب. وكنت فيمن حمل الحسن جريحاً، ورأيت قاتل عثمان من أهل مصر يقال له: جبلة.
وقال سعيد المقبري عن ابي هريرة: كنت محصوراً مع عثمان في الدار فرمي رجلٌ منّا، فقلت: يا أمير المؤمنين! الآن طاب الضراب قتلوا رجلاً منّا. قال: عزمت عليك يا أبا هريرة! إلّا رميت بسيفك، فانَّما تراد نفسي، وسأقي المؤمنين بنفسي اليوم، قال أبا هريرة: فرميت بسيفي فلا أدري أين هو حتّى الساعة(٤)
لم أقف علي رجال إسناد هذه الاُسطورة غير سعيد المقبري، وهو سعيد بن أبي سعيد أبو سعد المدني، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاوراً لها. قال يعقوب ابن شيبة والواقدي وابن حبان: إنّه تغيَّر وكبر واختلط قبل موته بأربع سنين. راجع
____________________
١ - كذا فى بعض النسخ والصحيح: كنانة.
٢ - الاستيعاب ٢، ٤٧٨، تهذيب التهذيب ٧: ١٤١، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٤.
٣ - تهذيب التهذيب ٨: ٤٥٠.
٤ - الاستيعاب ٢: ٤٧٨، تهذيب التهذيب ٧: ١٤٢، تاريخ الخميس ٢: ٢٦٣.
تهذيب التهذيب ٤: ٣٨، ومتن الرواية أقوى شاهد على اختلاط الرجل، فإنَّ أوَّل مَن رمى يوم الدار هو رجلٌ من أصحاب عثمان رمى نيار بن عياض الأسلمي وكان شيخاً كبيراً فقتله الرجل كما مرَّ في ص ٢٠١ ومضى في ص ٢٠٠: إنَّ أبا حفصة مولى مروان هو الذي أنشب القتال ورمى نيار الأسلمي، ولعلّك تعرف أبا هريرة ومبلغه من الصدق والأمانة على ودايع العلم والدين، وإن كنت في جهل من هذا فراجع كتاب أبي هريرة لسيِّدنا الحجَّة شرف الدين العاملي حيّاه الله وبيّاه، ولعلَّ تقاعد أبي هريرة عن نصرة الإمام أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في حروبه الدامية كان لأنَّه لم يك يدري اين سيفه.
وعن أشعب بن حنين مولى عثمان: إنَّه كان مع عثمان في الدار فلمّا حُصر جرَّ مماليكه السيوف فقال لهم عثمان: مَن أغمد سيفه فهو حرٌّ. فلمّا وقعت في اُذني كنت والله أوَّل مَن أغمد سيفه، فأعتقت.
قال الذهبي: هذا الخبر باطلٌ لأنَّه يقتضي أنَّ لأشعب صحبة وليس كذلك لسان الميزان ٤:، ١٢٦.
صورة مفصلة
عن أبي امامة الباهلي رضي الله عنه قال: كنّا مع عثمان رضي الله عنه وهو محصورٌ في الدار فقال: وبمَ يقتلونني؟ وقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفساً بغير حقّ فيقتل بها، فوالله ما أحببتُ لديني بدلاً منذ هداني الله تعالى، ولا زنيتُ في جاهليَّة ولا إسلام، ولا قتلتُ نفساً بغير حقّ، فبِمَ يقتلونني؟ فلمّا إشتدَّ عطشه أشرف على الناس فقال: أفيكم عليٌّ؟ فقالوا: لا. فقال: أفيكم سعد؟ فقالوا: لا. فسكت ثمَّ قال: ألا أحدٌ يبلّغ عليّاً فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليّاً فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماءً فما وصل إليه حتّى جرح بسببها عدَّة من بني هاشم وبني اُميَّة، فلمّا بلغ عليّاً أنَّ عثمان محاصرٌ يراد قتله قام خارجاً من منزله معتمّاً بعمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم متقلّداً سيفه وأمامه إبنه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من الصحابة والمهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ودخلوا على عثمان وهو محصورٌ فقال له عليٌّ كرَّم الله وجهه: السَّلام عليك يا أمير المؤمنين! إنَّك إمام العامَّة وقد نزل بك ما ترى، وانِّي أعرض عليك خصالاً ثلاثاً إختر إحداهنَّ:
_١٥_
إمَّا أن تخرج فتقاتلهم ونحن معك وأنت على الحقِّ وهم على الباطل، وإما أن تخرق باباً سوى الباب الذي هم عليه فتركب رواحلك وتلحق بمكّة فانّهم لن يستحلّوك وأنت بها، وإمَّا أن تلحق بالشام فانّهم اهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أمَّا أن أخرج إلى مكّة فإنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . يقول: يُلحد رجلٌ من قريش بمكّة يكون عليه نصف عذاب العالم. فلن أكون أنا. وأمّا أن ألحق بالشام فلن اُفارق دار هجرتي ومجاورة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال: فأذن لنا أن نقاتلهم ونكشفهم عنك، قال: فلا أكون أوَّل من يأذن في محاربة اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج عليٌّ وهو يسترجع وقال للحسن والحسين: إذهبا بسيفكما حتّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه، وبعث الزبير إبنه، وبعث طلحة إبنه، وبعث عدَّة من أصحاب محمّد أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان، فلمّا رأى ذلك محمّد بن أبي بكر وقد رمى الناس عثمان بالسهام حتّى خضب الحسن بالدماء على بابه وغيره، فخشي محمّد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن ويكشفوا الناس عن عثمان فأخذ بيد رجلين من أهل مصر فدخلوا من بيت كان بجواره، لأنَّ كلَّ من كان مع عثمان كانوا فوق البيوت ولم يكن في الدار عند عثمان إلّا امرأته، فنقّبوا الحائط فدخل عليه محمّد بن أبي بكر فوجده يتلو القرآن فأخذ بلحيته فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساءه فعلك. فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فقتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، قيل: جلس عمرو بن الحمق على صدره ضربه حتّى مات، ووطأ عمير بن ضابئ على بطنه فكسر له ضلعين من أضلاعه، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان حول الدار من الناس وصعدت امرأته فقالت: إنَّ أمير المؤمنين قد قُتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحاً وانتشر الدم على المصحف على قوله تعالى: « فسيكفيكهم الله وهو السَّميع العليم » ، وبلغ الخبر عليّاً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتّى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولاً فاسترجعوا، وقال عليُّ لابنيه: كيف قُتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن، وضرب على صدر الحسين، وشتم محمَّد بن طلحة وعبد الله بن الزبير، وخرج وهو غضبانٌ حتّى أتى منزله، وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له: نبايعك فمدَّ يدك فلا بدَّ لنا من أمير. فقال عليٌّ: والله انِّي
لأستحي أن اُبايع قوماً قتلوا عثمان، وإنِّي لأستحي من الله تعالى أن اُبايَع وعثمان لم يُدفن بعدُ، فافترقوا ثمَّ رجعوا فسألوه البيعة فقال: أللهمَّ انِّي مشفقٌ ممّا اقدم عليه فقال لهم: ليس ذلك إليكم إنَّما ذلك لأهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحدٌ من أهل بدر حتّى أتى عليّاً فقالوا: ما نرى أحداً أحقّ بها منك، مدّ يدك نبايعك. فبايعوه، فهرب مروان وولده، وجاء عليٌّ وسأل امرأة عثمان فقال لها: مَن قتل عثمان؟ قالت: لا أدري دخل عليه محمَّد بن أبي بكر ومعه رجلان لا أعرفهما، فدعا محمَّداً فسأله عمّا ذكرت امرأة عثمان فقال محمَّد: لم تكذب والله دخلت عليه وأنا اريد قتله فذكر لي أبي فقمت عنه وأنا تائبٌ إلى الله تعالى، والله ما قتلته ولا أمسكته. فقالت امرأته: صدق ولكنَّه أدخلهما عليه.
راجع أخبار الدول للقرماني هامش الكامل لابن الأثير ١: ٢١٠ - ٢١٣.
نظرة فى الموضوعات
هذه الموضوعات اختلقت تجاه التاريخ الصحيح المتسالم عليه المأخوذ من مئآت الآثار الثابتة المعتضد بعضها ببعض، فيضادّها ما أسلفناه في البحث عن آراء أعاظم الصحابة في عثمان وما جرى بينهم وبينه من سيِّء القول والفعل، وفيهم بقيَّة أصحاب الشورى وغير واحد من العشَّرة المبشَّرة وعدَّة من البدريِّين، وقد جاء فيه ما يربو على مائة وخمسين حديثاً راجع ص ٦٩ - ١٥٧ من هذا الجزء.
وتكذِّبها أحاديث جمَّة ممّا قدَّ منا ذكرها ص ١٥٧ - ١٦٣ من حديث المهاجرين والأنصار وانَّهم هم قتلة عثمان.
ومن حديث كتاب أهل المدينة إلى الصحابة في الثغور من أنَّ الرجل أفسد دين محمَّد فهلمّوا وأقيموا دين محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن حديث كتاب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويقسمون له بالله انَّهم لا يمسكون عنه أبداً حتّى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من الله.
ومن حديث كتاب المهاجرين إلى مصر أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فإنَّ كتاب الله قد بُدِّل، وسنَّة رسوله قد غُيِّرت. إلى آخر ما مرَّ في ص ١٦١، ١٦٢.
ومن حديث الحصار الأوَّل المذكور في صفحة ١٦٨ - ١٧٧.
ومن حديث كتاب المصريِّين إلى عثمان إنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبةٌ مصرَّحة، أو ضلالةٌ مجلحة مبلجة. إلى آخر مرَّ ص ١٧٠.
ومن حديث عهد الخليفة على نفسه أن يعمل بالكتاب والسنَّة سنة ٣٥ كما مرَّ ص ١٧٠ - ١٧٢.
ومن حديث توبته مرَّة بعد اُخرى كما فصَّلناه ص ١٧٢ - ١٧٨.
ومن حديث الحصار الثاني الذي أسلفناه ص ١٧٧ - ١٨٩.
ومن حديث كتاب عثمان إلى معاوية في أنَّ أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة. إلى آخر ما سبق في صفحة ١٩٠.
ومن حديث كتابه إلى الشام عامِّة: انِّي في قوم طال فيهم مقامي واستعجلوا القدر فيَّ. وخيَّروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل الدحيل، وبين أن أنزع لهم رداء الله. إلى آخر ما مرَّ ص ١٩٠.
ومن حديث كتابه إهل البصرة المذكور صفحة ١٩١.
ومن حديث كتابه إلى أهل الأمصار مستنجداً يدعوهم إلى الجهاد مع أهل المدينة واللحوق به لنصره كما مرَّ ص ١٩١.
ومن حديث كتابه إلى أهل مكّة ومن حضر الموسم ينشد الله رجلاً من المسلمين بلغه كتابه إلّا قدم عليه. إلخ.
ومن حديث يوم الدار والقتال فيه، وحديث مَن قُتل في ذلك المعترك ممّا مضى في ص ١٩٨ - ٢٠٤.
ومن حديث مقتل عثمان وتجهيزه ودفنه بحشّ كوكب بدير سلع مقابر اليهود المذكور ص ٢٠٤ - ٢١٧.
وممّا ثبت من أحوال هؤلاء الذين زعموا انَّهم بعثوا أبنائهم للدفاع عن عثمان، وانَّهم لم يفتأوا مناوئين له إلى أن قُتل وبعد مقتله إلى أن قُبر في أشنع الحالات، أمّا عليٌّ أمير المؤمنين فمن المتسالم عليه انَّه لم يحضر مقتل الرجل في المدينة فضلاً عن دخوله عليه قُبيل ذلك واستيذانه منه للذبِّ عنه وبعد مقتله وبكاءه عليه وصفعه ودفعه وسبِّه
ولعنه وحواره حول الواقعة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٢٣٠ ردًّا علي حديث: الظاهر انَّ هذا ضعيفٌ لأنَّ عليّاً لم يكن بالمدينة حين حُصر عثمان ولا شهد قتله.
وقد سأله عثمان أن يخرج إلى ماله بينبع ليقلَّ هتف الناس بإسمه للخلافة، و كان ذلك مرَّة بعد اُخرى وفي إحداهما قال لإبن عبّاس: قل له فليخرج إلى ماله بينبع فلا أغتمُّ به ولا يغتمُّ بي. فأتى ابن عبّاس عليّاً فأخبره فقالعليهالسلام : يا ابن عبّاس! ما يريد عثمان إلّا أن يجعلني جملاً ناضحاً بالغرب اُقبل واُدبر، بعث إليَّ أن أخرج، ثمَّ بعث إليَّ أن اقدم، ثمَّ هو الآن يبعث إليَّ أن أخرج.
وعليٌّعليهالسلام هو الذي مرَّ حديث رأيه في عثمان فراجع حتّى يأتيك اليقين بأنَّه صلوات الله عليه لم يكن كالواله الحزين، ولم يكن ذاهباً عقله يوم الدار، ولا يقذفه بهذه الفرية الشائنة إلّا من ذهبت به الخيلاء، وتخبطّه الشيطان من المسِّ، وخبل حبُّ آل اُميَّة قلبه واختبله، فلا يبالي بما يقول، ولا يكترث لما يتقوَّل.
وأمَّا طلحة فحدِّث عنه ولا حرج، كان أشدَّ الناس على عثمان نقمة، وله أيّام الحصارين وفي يومي الدار والتجهيز خطوات واسعة ومواقف هائلة خطرة ثائرة على الرجل كما مرَّ تفصيل ذلك كلّه، وإن كنت في ريب من ذلك فاسأل عنه مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام لتسمع منه قوله: والله ما استعجل متجردّاً للطلب بدم عثمان إلّا خوفاً من أن يطالب بدمه لأنَّه مظنَّته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط ممَّا أجلب فيه ليلبس الأمر ويقع الشكّ. وقوله: لحا الله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به ما فعل. إلى أقواله الاُخرى التي أوقفناك عليها.
وسَلْ عنه عثمان نفسه وقد مرَّت فيه كلماته المعربة عن جليّة الحال، وسَلْ عنه مروان لماذا قتله؟ وما معنى قوله حين قتله لأبان عثمان: قد كفيتك بعض قتلة أبيك؟ وسَلْ عنه سعداً ومحمَّد بن طلحة وغيرهما ممّن مرَّ حديثهم.
وأمّا الزبير فإن سألت عنه مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام فعلى الخبير سقطت قالعليهالسلام له: أتطلب منِّي دم عثمان وأنت قتلته؟ سلّط الله على أشدِّنا عليه اليوم ما يكره، وقال فيه وفي طلحة: انَّهم يطلبون حقّاً هُم تركوه، ودماً هُم سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإنَّ لهم نصيبهم منه، وإن كان ولَّوه دوني فما الطلبة إلّا قِبَلهم. إلى آخر ما
أسلفناه من كلماتهعليهالسلام .
وقد مرَّ قول ابن عبّاس: أمَّا طلحة والزبير فانَّهما أجلبا عليه وضيَّقا خناقه. و قول عمّار بن ياسر في خطبة له: انَّ طلحة والزبير كانا أوَّل مَن طعن وآخر من أمر. وقول سعيد بن العاص لمروان: هؤلاء قتلة عثمان معك إنَّ هذين الرجلين قتلا عثمان: طلحة والزبير، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلمّا غُلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم والحوبة بالحوبة.
وأمّا سعد بن أبي وقاص فهو القائل كما مر حديثه: وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه ولكن عثمان غيِّر وتغيّر، وأحسن وأساء، فإن كنّا أحسنّا فقد أحسنّا، وإن كنّا أسأنا فنستغفر الله.
وأعطف على هؤلاء بقيَّة الصحابة الذين حسب واضعوا هذه الروايات انَّهم بعثوا أبناءهم للدفاع عن عثمان، وقد أسلفنا اجماعهم عدا ثلاثة رجال منهم على مقته المفضي إلى قتله، وهل ترى من المعقول أن يمقته الآباء إلى هذا الحدّ الموصوف ثمَّ يبعثوا أبنائهم للمجالدة عنه؟ إنْ هذا إلّا اختلاق.
وهل من المعقول انَّ القوم كانوا يمحضون له الولاء، وحضروا للمناضلة عنه، فباغتهم الرجلان اللذين أجهزا عليه وفرّا ولم يعلم بهما أحدٌ إلى أن أخبرتهم بهما الفرافصة ولم تعرفهما هي أيضاً، وكانت إلى جنب القتيل تراهما وتبصر ما ما ارتكباه منه؟.
وهل عرف مختلق الرواية التهافت الشائن بين طرفي ما وضعه من تحرِّيه تقليل عدد المناوئين لعثمان المجهزين عليه حتّى كاد أن يخرج الصحابة الآباء منهم والأبناء عن ذلك الجمهور، وممَّا عزاه إلى مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام من قوله لمـّا انثال إليه القوم ليبايعوه: والله إنِّي لأستحي أن أبايَع قوماً قتلوا عثمان. الخ؟ وهو نصٌّ على أنَّ مبايعيه اولئك هم كانوا قتلوا عثمان وهُم هُم المهاجرون والأنصار الصحابة الأوَّلون الذين جاء عنهم يوم صفِّين لمـّا طلب معاوية من الإمامعليهالسلام قتلة عثمان وأمرعليهالسلام بتبرّزهم فنهض أكثر من عشرة آلاف قائلين: نحن قتَلته، يقدمهم عمّار بن ياسر، ومالك الأشتر، و محمَّد بن أبي بكر، وفيهم البدريُّون، فهل الكلمة المعزوَّة إلى الإمامعليهالسلام لمبايعيه عبارةٌ اُخرى عن الرجلين المجهولين اللذين فرّا ولم يعرف أحدٌ خبرهما؟ أو هما وأخلاطٌ من
الناس الذين كانت الصحابة تضادّهم في المرمى؟ وهل في المعقول أن يلهج بهذا إلّا معتوه؟
وهل نحت هذا الإنسان الوضّاع إن صدق في أحلامه عذراً مقبولاً لاُولئك الصحابة العدول الذابِّين عن عثمان بأنفسهم وأبنائهم الناقمين على مَن ناوئه في تأخيرهم دفنه ثلاثاً وقد اُلقي في المزبلة حتّى زُجَّ بجثمانه إلى حشِّ كوكب، دير سلع، مقبرة اليهود، ورُمي بالحجارة، وشُيّع بالمهانة، وكُسر ضلعٌ من أضلاعه، وأودع الجدث بأثيابه من غير غسل ولا كفن، ولم يشيّعه إلّا أربعة، ولم يمكنهم الصَّلاة عليه؟ فهل كلُّ هذا مشروعٌ في الإسلام، والصحابة العدول يرونه ويعتقدون بأنَّه خليفة المسلمين، وانَّ من قتله ظالمٌ، ولا ينبسون فيه ببنت شفة، ولا يجرون فيه أحكام الإسلام؟ أو انَّهم ارتكبوا ذلك الحوب الكبير وهم لا يتحوَّبون متعمدين؟ معاذ الله من أن يقال ذلك.
أو أنَّ هذا الإنسان زحزحته بوادره عن مجاري تلكم الأحكام، وحالت شوارده بينه وبين حرمات الله، وشَرشَرت منه جلباب الحرمة والكرامة ومزَّقته تمزيقاً، حتّى وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة؟
ومن الكذب الصريح في هذه الروايات عدُّ سعد بن أبي وقاص في الرعيل الأوَّل ممَّن بايع عليّاًعليهالسلام وهو من المتقاعدين عن بيعته إلى آخر نفس لفظه وهذا هو المعروف منه والمتسالم عليه عند رواة الحديث ورجال التاريخ، وقد نحتت يد الإفتعال في ذلك له عذراً أشنع من العمل، راجع مستدرك الحاكم ٣: ١١٦.
ومن المضحك جدّاً ما حكاه البلاذري في الأنساب ٥: ٩٣ عن ابن سيرين من قوله: لقد قُتل عثمان وإنَّ في الدار لسبعمائة منهم الحسن وابن الزبير فلو أذن لهم لأخرجوهم من أقطار المدينة.
وعن الحسن البصري(١) قال: أتت الأنصار عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين! ننصر الله مرَّتين نصرنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وننصرك. قال: لا حاجة لي في ذلك ارجعوا. قال الحسن: والله لو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه.
أيّ عذر معقول أو مشروع هذا؟ يُقتل خليفة المسلمين في عُقر داره بين ظهراني سبعمائة صحابيّ عادل وهم ينظرون إليه، ومحمَّد بن أبي بكر قابضٌ على لحيته عالَ بها
____________________
١ - راجع ازالة الخفاء ٢: ٢٤٢.
حتّى سُمع وقع أضراسه، وشحطه من البيت إلى باب داره، وعمرو بن الحمق يثب ويجلس علي صدره، وعمير بن ضابئ يكسر اضلاعه، وجبينه موجوءٌ بمشقص كنانة بن بشر، ورأسه مضروسٌ بعمود التجيبي، والغافقي يضرب فمه بحديد، ترد عليه طعنةٌ بعد اُخرى حتّى أثخنته الجراح وبه حياةٌ فأرادوا قطع رأسه فألقت زوجتاه بنفسهما عليه، كلُّ هذه بين يدي اولئك المئآت العدول أنصار الخليفة غير انَّهم ينتظرون حتّى اليوم إلى إذن القتيل وإلّا كانوا أخرجوهم من أقطار المدينة، ولو أرادوا أن يمنعوه بأرديتهم لمنعوه. أين هذه الاُضحوكة من الإسلام والكتاب والسنَّة والعقل والعاطفة والمنطق والإجماع والتاريخ الصحيح؟!.
نظرة في المؤلّفات
إنَّ ما سطرناه في عثمان إلى هذا الحدّ أساس ما علّوا عليه بنيان فضله، وتبرير ساحته عن لوت أفعاله وتروكه، وتعذيره في النهابير التي ركبها والدفاع عنه، وقد أوقفناك على الصحيح الثابت ممّا جاء فيه، وعلى المزيَّف الباطل ممّا وضع له، ومِن جنايات المؤرِّخين ضربهم الصفح عن الأوَّل، وركونهم إلى الفريق الثاني من الروايات فبنوا ما شادوه على شفا جُرف هارٍ، فلم يأت بغيرها أيّ عثماني في العقيدة، أمويّ في النزعة، ضع يدك على أيِّ كتاب لأحدهم في التاريخ والحديث مثل تاريخ الاُمم والملوك للطبري، والتمهيد للباقلاني، والكامل لابن الأثير، والرياض النضرة للمحب الطبري، وتاريخ أبي الفدا، وتاريخ ابن خلدون، والبداية والنهاية لابن كثير، والصواعق لابن حجر، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، وروضة المناظر لابن الشحنة الحنفي، وتاريخ أخبار الدول للقرماني، وتاريخ الخميس للديار بكري، ونزهة المجالس للصفوري، ونور الأبصار للشبلنجي، تجده مشحوناً بتلكم الموضوعات المسلسلة، أتوا بها مرسلين إيّاها إرسال المسلّم، وشوَّهوا بها صحيفة التاريخ بعد ما سوَّدوا صحائفهم، وموَّهوا بها على الحقائق الراهنة.
وجاء بعد هؤلاء المحدثون المتسرِّعون وهم يحسبون انَّهم يمحصون التاريخ والحديث تمحيصاً، ويحلّلون القضايا والحوادث تحليلاً صحيحاً متجرِّدين عن الأهواء والنزعات غير متحيِّزين إلى فئة، ولا جانحين إلى مذهب، لكنَّهم بالرغم من هاتيك الدعوي
وقعوا في ذلك وهم لا يشعرون، فحملوا إلينا كلّ تلكم الدسائس في صور مُبهرجة رجاء أن تنطلي عند الرجرجة الدهماء، لكن قلم التنقيب أماط الستار عن تمويههم، وعرَّف الملأ الباحث انَّهم إنَّما ردُّوا ما هنالك من بوائق ومخازي.
كما ردّها يوماً بسوءته عمرو
وأثبتوا فضائل بنيت على أساس منهدم، وربطوها بعرى متفكّكة، فهلمَّ معي نقرأ صحيفة من « الفتوحات الإسلاميَّة » تأليف مفتي مكّة السيِّد أحمد زيني دحلان ممّا ذكره في الجزء الثاني من سيرة الخلفاء الأربعة ص ٣٥٤ - ٥١٧ قال في ص ٤٩٢ تحت عنوان: ذكر ما كان لسيِّدنا عثمان من الإقتصاد في الدنيا وحسن السيرة: كان عثمان رضي الله عنه زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، عادلاً في بيت المال(١) لا يأخذ لنفسه منه شيئاً(٢) لأنَّه كان غنيَّاً، وغناه كان مشهوراً من حياة النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد وفاته، وكان كثير الإنفاق في نهاية الجود والسماحة والبذل في القريب والبعيد(٣) وأنزل الله فيه: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثمَّ لا يُتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون(٤) وقوله تعالى: أمّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً و قائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربِّه(٥) . وقوله تعالى: رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه(٦) .
وكان يخطب الناس وعليه إزارٌ غليظٌ عدنيٌّ ثمنه أربعة دراهم(٧) وكان يطعم الناس طعام الأمارة ويدخل بيته يأكل الخلَّ والزيت، قال الحسن البصري: دخلت المسجد فإذا أنا بعثمان متَّكئاً على ردائه فأتاه سقّا آن يختصمان إليه فقضى بينهما،
____________________
١ - فلماذا نقم عليه الصحابة اجمع؟ ولماذا قتلوا ذلك الزاهد الراغب العادل؟
٢ - راجع الجزء الثامن ص ٢٨٨، ٢٨٩ ط ٢.
٣ - الا من كان يمتّ بالبيت الهاشمي ويحمل ولاء العترة كأبي ذر وعمار وابن مسعود ونظرائهم.
٤ - مر فى الجزء الثامن ص ٥٧ ط ٢ بطلان هذا التقول على الله.
٥ - اسلفنا فى هذا الجزء فى ترجمة عمّار القول الصحيح فى نزول الآية.
٦ - مرّ فى الجزء الثانى ص ٥١ ط ٢ نزولها فى على وحمزة وعبيدة بن الحرث. واخرج البخارى فى صحيحه فى التفسير ج ٧: ٩١ نزولها فى انس بن النضر وذكر ابن حجر نزولها فى جماعة ولم يذكر فيهم عثمان، راجع فتح البارى ٨: ٤٢٠.
٧ - راجع ما رويناه فى الجزء الثامن ص ٢٩١ ط ٢.
وعن عبد الله بن شدّاد قال: رأيت عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وعليه ثوبٌ قيمته أربعة دراهم. وسئل الحسن البصري ما كان رداء عثمان؟ قال: كان قطري. قالوا: كم ثمنه؟ قال: ثمانية دراهم. وكان رضي الله عنه شديد المتواضع، قال الحسن البصري: رأيت عثمان وهو أمير المؤمنين نائماً في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيء الرجل فيجلس إليه، ثمَّ يجيء الرجل فيجلس اليه، فيجلس هو كأنَّه أحدهم وروى خيثمة قال: رأيت عثمان نائماً في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين، وفي رواية اُخرى لخيثمة ايضاً: رأيت عثمان يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصاة في جنبه فيقول الناس: يا أمير المؤمنين! وكان يلي وضوءه في الليل بنفسه فقيل له: لو أمرت بعض الخدم لكفوك، قال: لا، ألليل لهم يستريحون فيه، وكان رضي الله عنه يعتق في كلِّ جمعة رقبة منذ أسلم إلّا أن لا يجد ذلك تلك الجمعة فيجمعها في الجمعة الاُخرى. قال العلّامة ابن حجر في الصواعق: إنَّ جملة ما أعتقه عثمان رضي الله عنه ألفان واربعمائة. ومن تواضعه: انَّه كان يردف غلامه خلفه أيّام خلافته ولا يعيب ذلك. وكان يصوم النهار ويقول الليل إلّا هجعة من أوَّله. وكان يختم القرآن كلَّ ليلة في صلاته. وكان كثيراً ما يختمه في ركعة، وكان إذا مرَّ على المقبرة يبكي حتى تبتلَّ لحيته، وكان من العشرة المبشّرين بالجنَّة. ومن اصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم توفّي وهو عنهم راضٍ، وكان من السابقين للإسلام، فانَّه أسلم بعد أبي بكر وعليّ وزيد بن حارثة، و شهد له النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالجنَّة والزهد في الدنيا، فقد صحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم انَّه قال: رحمك الله يا عثمان! ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك(١) وكثرت الفتوحات في زمن خلافته فقد فتح في زمنه أفريقيَّة وسواحل الأردن وسواحل الروم واصطخر وفارس وطبرستان وسجستان وغير ذلك، وكثرت أموال الصحابة في خلافته حتّى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف، وعن الحسن البصري قال: كانت الأرزاق في زمن عثمان وافرة وكان الخير كثيراً، وأصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك فاشترى طعاماً يصلح العسكر وأخرج أبو يعلى عن جابر عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: عثمان في الجنَّة وقال: لكلِّ نبيّ خليلٌ
____________________
١ - هل تؤيد هذه الصحيحة المزعومة وما قبلها سيرة الرجل؟ ما لهم بذلك من علم ان هم إلا يخرصون.
في الجنَّة وانَّ خليلي عثمان بن عفان. وفي رواية: لكلِّ نبيّ رفيقٌ في الجنَّة ورفيقي فيها عثمان بن عفان. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليدخلنَّ بشفاعة عثمان سبعون ألف كلّهم استحقّوا النار الجنَّة بغير حساب. وأخرج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه: أوَّل من هاجر إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : صحبهما الله إنَّ عثمان لأوَّل من هاجر إلى الله تعالى بأهله بعد لوفى، ولمـّا زوَّج النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بنته اُم كلثوم لعثمان قال لها: إنَّ بعلك لأشبه الناس بجدِّك ابراهيم وأبيك محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أشدَّ اُمَّتي حياءً عثمان بن عفان. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ الله أوحى إليَّ أن ازوَّج كريمتيَّ يعني رقيَّة واُم كلثوم من عثمان. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ عثمان حيي تستحي منه الملائكة، و قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّما يشبه عثمان بأبينا إبراهيم. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما زوَّجت عثمان باُمّ كلثوم إلّا بوحي من السّماء. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعثمان: يا عثمان! هذا جبريل يخبرني إنَّ الله زوَّجك امّ كلثوم بمثل صداق رقيَّة وعلى مثل صحبتها، وأخرج الترمذي عن عبد الرّحمن بن خباب قال: شهدت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يحثّ على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله! عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثمّ حضَّ على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله! عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول: ما على عثمان ما فعل بعد اليوم. وعن عبد الرّحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم بألف دينار حين جهَّز جيش العسرة فنثره في حجره فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقلّبها ويقول: ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم. وفي رواية عن حذيفة: انَّها عشرة آلاف دينار فجعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقلّبها ويقول: غفر الله لك يا عثمان! ما أسررت وما أعلنت وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ما يُبالي عثمان ما عمل بعدها، وأخرج الواحدي: إنَّ الله أنزل بسبب ذلك في حقِّ عثمان: الَّذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثمَّ لا يتبعون ما انفقوا منّاً ولا أذى لهم أجرهم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. وعن أبي سعيد الخدري قال: إرتقبتُ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة من أوَّل الليل إلى أن طلع الفجر يدعو لعثمان بن عفان يقول: أللهمَّ عثمان بن عفان رضيت عنه فارضَ عنه، فما زال رافعاً يديه حتّى طلع الفجر. وعن جابر بن عطيّة قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : غفر الله لك يا عثمان! ما قدَّمت وما أخَّرت وما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت وما هو كائن إلى يوم القيامة. الخ.
هذه بلايا تمنَّتها يد الغلو في الفضائل، مُنيت بها الاُمَّة، وطمست تحت أطباقها حقايق العلم والدين، وانطمست بها انوار الهداية، وستعرف انّها روايات مختلقة زيَّفتها نظّارة التنقيب ولا يصحّ منها شيءٌ، غير أنَّ المفتي دحلان على مطمار قومه أرسلها إرسال المسلّم، وموَّهها على أغرار الملأ الدينيِّ، ولا يجد عن سردها منتدحاً، ذلك مبلغهم من العلم إن هم إلّا يظنّون، ولا تقف ما ليس لك به علمٌ إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلّ اولئك كان عنه مسؤولا.
(الفتنة الكبرى)
واقرأ صحيفة من « الفتنة الكبرى » للدكتور طه حسين قال في بدء كتابه. هذا حديثٌ اُريد أن اُخلّصه للحقِّ ما وسعني إخلاصه للحقِّ وحده، وأن أتحرّى فيه الصواب ما استطعت إلى تحرّي الصواب سبيلا، وأن أحمل نفسي فيه على الإنصاف لا أحيد عنه ولا امالئ فيه حزباً من أحزاب المسلمين على حزب، ولا اُشايع فيه فريقاً من الذين اختصموا في قضيَّة عثمان دون فريق، فلست عثمانيَّ الهوى، ولست شيعة لعليّ، و لست أفكّر في هذه القضيَّة كما كان يفكّر فيها الذين حاصروا عثمان واحتملوا معه ثقلها وجنوا معه أو بعده نتائجها.
وأنا أعلم أنَّ الناس ما زالوا ينقسمون في أمر هذه القضيَّة إلى الآن كما كانوا ينقسمون فيها أيّام عثمان رحمه الله، فمنهم العثمانيُّ الذي لا يعدل بعثمان أحداً من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد الشيخين، ومنهم الشيعيُّ الذي لا يعدل بعليّ رحمه الله بعد النبيِّ أحداً لا يستثني الشيخين ولا يكاد يرجو لمكانهما وقارا، ومنهم من يتردَّد بين هذا وذاك يقتصد في عثمانيَّته شيئاً، أو يقتصد في تشيّعه لعليّ شيئاً، فيعرف لأصحاب النبيِّ مكانتهم ويعرف لأصحاب السابقة منهم سابقتهم، ثمَّ لا يفضِّل بعد ذلك أحداً منهم على الآخر يرى انَّهم جميعاً قد اجتهدوا ونصحوا لِلَّه ولرسوله وللمسلمين، فأخطأ منهم من أخطأ وأصاب منهم من أصاب، ولأولئك وهؤلاء أجرهم لأنَّهم لم يتعمدوا خطيئة ولم يقصدوا إلى إساءة، وكلّ هؤلاء إنَّما يرون آراءهم هذه يستمسكون بها ويذودون عنها و يتفانون في سبيلها، لأنَّهم يفكّرون في هذه القضيَّة تفكيراً دينيّاً، يصدرون فيه عن الايمان، ويبتغون به ما يبتغي المؤمن من المحافظة على دينه والإستمساك بيقينه وابتغاء
رضوان الله بكلِّ ما يعمل في ذلك أو يقول.
وأنا اُريد أن أنظر إلى هذه القضيَّة نظرةً خالصةً مجرَّدة لا تصدر عن عاطفة ولا هوى، ولا تتأثَّر بالإيمان ولا بالدين، وإنَّما هي نظرة المؤرِّخ الذي يجرّد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها الخ.
هكذا يحسب الدكتور ويبدي انَّه لا يروقه النزول على حكم العاطفة ولا التحيُّز إلى فئة أو جنوح إلى مذهب، وقد تجرّد فيما كتب عن كلِّ ذلك حتّى عن الإيمان والدين، وزعم انَّه قصّر نظرته في قضايا عثمان على البساطة ليتسنّى له الحكم الطبيعي، والقول في تلكم الحوادث على الحقائق المحضة، هكذا يحسب الدكتور، لكنّه سرعان ما انقلب على عقبيه كرًّا على ما فرَّ منه، فلم يسعه إلّا الرّكون إلى العواطف ومتابعة النزعات، فلم يرتد إلّا تلكم السفاسف التي اختلقتها سماسرة العثمانيِّين، ولم يسرح في مسيره إلّا مقيّداً بسلاسل أساطير الأوّلين التي سردها الطبري ومن شايعه أو سبقه بتلك الأسانيد الواهية والمتون المزيَّفة التي أوقفناك عليها في هذا الجزء وفيما سبقه من الأجزاء، فلم نجد مائزاً بين هذا الكتاب وبين غيره من الكتب التي حسب الدكتور انّ مؤلّفيها حدت بهم الميول والنزعات، فما هو إلّا فتنةٌ كبرى كما سمّاه هو بذلك.
ترى الدكتور يحايد حذراً من أن يحيد عن مهيع الحقِّ ويجور في الحكم، و زعم الحياد أسلم في اليوم الحاضر كما كان في الأمس الدابر، فذهب مذهب سعد بن أبي وقاص الحايد في القضيَّة واتّبع أثره، قال في ديباجة كتابه: عاش قومٌ من أصحاب النبيِّ حين حدثت هذه القضيَّة وحين اختصم المسلمون حولها أعنف خصومة عرفها تاريخهم فلم يشاركوا فيها ولم يحتملوا من أعبائها قليلاً ولا كثيراً، وإنَّما اعتزلوا المختصمين وفرّوا بدينهم إلى الله، وقال قائلهم سعد بن أبي وقاص رحمه الله: لا اُقاتل حتى تأتوني بسيف يعقل ويبصر وينطق فيقول: أصاب هذا وأخطأ ذاك.
فأنا اُريد أن أذهب مذهب سعد وأصحابه رحمهم الله، لا اُجادل عن اُولئك ولا عن هؤلاء، وإنّما اُحاول أن أتبيَّن لنفسي واُبيِّن للناس الظروف التي دفعت اُولئك وهؤلاء إلى الفتنة، وما استتبعت من الخصومة العنيفة التي فرَّقتهم وما زالت تفرِّقهم إلى الآن، وستظلُّ تفرِّقهم في أكبر الظنِّ إلى آخر الدهر، وسيرى الذين يقرأون
هذا الحديث انَّ الأمر كان أجلّ من عثمان وعليّ وممّن شايعهما وقام من دونهما، وأنَّ غير عثمان لو ولي خلافة المسلمين في تلك الظروف التي وليها لتعرَّض لمثل ما تعرَّض له من ضروب المحن والفتن، ومن اختصام الناس حوله واقتتالهم بعد ذلك فيه.اهـ.
هاهنا نجد الدكتور جارياً على ما عهد إلى نفسه تجرَّد عن العواطف، وجانب المبادئ الدينيّة، وحايد الدين الحنيف حقّاً، ونظر إلى القضيّة بالحريَّة المحضة، وحسبها فتنةً يحقُّ للعاقل أن يكون فيها كابن لبون لا ظهر له فيركب ولا ضرع فيحلب، ونِعمَ الرأي هذا لولا الإسلام المقدّس، لولا ما جاء به نبيّ العظمة، لولا ما نطق به كتاب الله العزيز، لولا ما تقتضيه فروض الإنسانيَّة والعواطف البشريّة القاضية بخلاف ما ذهب إليه الدكتور، وإنِّي لست أقضي العجب منه، ولست أدري كيف يُقدّس مذهب ابن أبي وقاص، أيسوغ للباحث المسلم أن يصفح في تلكم القضايا عن حكم الدين المقدَّس، ويشذَّ عمّا قرَّره نبيُّ الإسلام، ويسحق العواطف كلّها حتّى ما يستدعيه الطبع الإنساني والغريزة العادلة في كسح الفساد والتفاني دون صالح المجتمع العام؟ ألم يكن هنالك كتابٌ ناطقٌ أو سنَّةٌ محكمةٌ أو شريعةٌ حاكمةٌ أو عقلٌ سليمٌ يبعث الملأ الدينيّ إلى الدفاع عن كلِّ مسلم مُدَّت إليه يد الظلم والجور فضلاً عن خليفة الوقت الواجب طاعته؟
ما الذي أحوج المتمسّك بعرى الدين الحنيف إلى سيف يعقل ويبصر وينطق والله يقول: فإن تنازعتم في شيء فردُّوه إلى الله والرَّسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر؟ أوَ لم يكفهم إنّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم؟ وما أنزلنا عليك الكتاب إلّا لتبيِّن لهم الذي اختلفوا فيه.
ما الذي أذهل الدكتور عن قول الصحابيِّ العظيم حذيفة اليماني: لا تضرّك الفتنة ما عرفت دينك إنَّما الفتنة إذا اشتبه عليك الحقّ والباطل؟ وكيف يشتبه الحكم في القضيَّة على المسلم النابه وهي لا تخلو عن وجهين، فإنّ عثمان إن كان إماماً عادلاً قائماً بالقسط عاملاً بالكتاب والسنّة مرضيّاً عند الله؟ فالخروج عليه معلوم الحكم عند جميع فرق المسلمين لا يختلف فيه اثنان، ولا تشذُّ فئةٌ عن فئةٍ، وإن لم يكن كذلك وكان كما حسبه اُولئك العدول من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومرَّت آرائهم ومعتقداتهم فيه؟
فالحكم أيضاً بيِّنٌ مبرهنٌ بالكتاب العزيز كما استدلّ بذلك الثائرون عليه لمـّا قال لهم: لا تقتلوني فانّه لا يحلُّ إلّا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه. أو كفر بعد إسلامه، أو قتل نفساً بغير نفس فيقتل بها. فقالوا: إنّا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سمّيت: قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى، ثمَّ قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحقِّ ومنعه ثمَّ قاتل دونه وكابر عليه، وقد بغيتَ، ومنعت الحقّ، وحُلت دونه وكابرت عليه.الحديث « راجع ص ٢٠٥ »
فنحن لا نعرف وجهاً للحياد كما ذهب اليه ابن أبي وقاص في القضيَّة وفي المواقف الهائلة بعدها، فالحياد - وإن راق الدكتور - تقاعدٌ عن حكم الله، وتقاعسٌ عن الواجب الدينيِّ، وخروج عمّا قرّرته الحنيفيَّة البيضاء، نعم: الحياد حيلة اُولئك المتشاغبين المتقاعدين عن بيعة إمام المتقين أمير المؤمنين، المتقاعسين عن نصرته، المتحايدين عن حكم الكتاب والسنَّة في حروبه ومغازيه، عذرٌ تترَّس به سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن عمر وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري ومحمّد بن مسلمة السابقون الأوَّلون من رجال الحياد الزائف، والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
كتاب عثمان بن عفان
وأعطف على كتاب عثمان بن عفان للمدرِّس في كلّية اللغة العربيَّة بمصر الاستاذ صادق إبراهيم عرجون نظرةً ممعنةً حيث يقول في فاتحته: فهذا طرازٌ من البحث في سيرة ثالث الراشدين « عثمان » رضي الله عنه، صوَّرت به حياته صورة لا أعيذها من اجمال غير مجحف بحقّ، ولا أعضها تفصيل يظهر حجَّة أو يدفع شبهة.
وقد احتفلت فيه بتحقيق ما احتفَّ بهذه السيرة الأسيفة من عوامل اجتماعيَّة و سياسيَّة، دفعت المجتمع الإسلامي دفعاً عاصفاً إلى أخطر انقلاب عرفه التاريخ في الاسلام وسيرة عثمان رضي الله عنه حريَّةٌ بالبحث الممحص الهادئ، ليكشف منها ما سترته الأقاصيص العابثة من فضائل، وما شوَّهته الروايات الغالطة من محاسن، ويصحح ما غالطت بينها من حقائق، ويزيّف ما بهرجه المتقوِّلون من أكاذيب مزوّرة وحكايات باطلة.
وقد حاولتُ جهدي أن أتتبَّع الخطوط الأصيلة في حياة عثمان رضي الله عنه، فلائمت بينها حتّى ارتسمت منها هذه الصورة التي أرجو أن تكون لبنة بين لبنات متساندة في دراسة حياة رجالات الإسلام، وسير أبطاله الغرّ الميامين، تبصرة وذكرى للمؤمنين. والله وليُّ التوفيق.اهـ.
ثمَّ ألق نظرة اُخرى على مواضيع كتابه تجدها غير منطبقة على ما يقول في شيء منها، وإنّما هي نعرات طائفيَّة ممقوتة، وفضائل مفتعلة دسَّتها يد الغلو فيها، وسفاسف موضوعة حبَّذت الشهوات إختلاقها، كلّل أساطير السلف بزخرف القول، وزخرف أباطيل الأوَّلين بالبيان المزوَّر، لم نجد له فحصاً عن حال الأسانيد، وتهافت المتون، وفقه الحديث، وطَرَق مواضيع مهمَّة من فقه عثمان وأغاليطه وأحداثه وهو يروقه التفصِّي عنها فلم يتفصَّ إلّا بالتافهات لا سيَّما في المسائل الفقهيّة التي هو بمجنب عنها، فنحت لها اعذاراً باردة، أو انّها أعظم من تلكم المآثم، فلنمرَّ عليها كراماً.
وما ظنّك بكتاب يكون من مصادره كتاب فجر الإسلام، لأحمد أمين ذلك المتحذلق المختلق، وكتاب الخضري ذلك الأمويّ المباهت، ومحاضرات كرد علي العثماني الشاميّ المناوئ لأهل بيت الوحي، وأمثال هذه من كتب السلف والخلف ممّا لا يعرّج عليه؟ وفيه الخلط والخبط، وضوضاء الدجّالين، ولغط المستأجرين.
ومن أعجب ما رأيت قوله ص ٤١ من الكتاب تحت عنوان « الكذب على ذلك رسول الله » : وفي هذه المرحلة من تاريخ الإسلام بُدئت أكاذيب الفرق والأحزاب فيما يكيد به بعضها لبعض، حتّى أخذت تلك الأكاذيب صورة الحجاج بأحاديث يتقوَّلها زعماء الفرق ورؤساء الأحزاب على سيِّدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد كثر من هذه الأكاذيب ما زعموه كان في حقِّ الأئمَّة والخلفاء، وقالت كلّ شيعة فيمن شايعته وفي منافسيه عندها ما شاء لها الهوى، وتجاذب هذا النوع طرفي الإفراط والتفريط مدحاً وذمّاً، و اختلاقاً وتقوّلا، حتّى غشّى سير هؤلاء الأجلّاء بغشاء من الغموض حجب الحقايق عن كثير من الناظرين.
وليس بأقلّ خطراً من ذلك ما افترقوه في جنب القرآن الكريم من تأويلات محرّفة لآيات الله تعالى عن مواضعها، ومن هنا وهناك تألّفت سلسلة الموضوعات
والخرافات والأساطير التي ابتلي بها المسلمون، وانتشرت بينهم التلبيسات الملتوية والشبه الغامضة، فشوَّهت جمال الشريعة المطهَّرة، وحُشي بها كثيرٌ من كتب المؤلّفين المتقدّمين والمتأخرين، حتّى أصبحت وبالاً على الدين، وشرًّا على المسلمين، وحائلاً دون نهضتهم وتقدّمهم، وسلاحاً في أيدي خصوم الإسلام، وعائقاً عن الوصول إلى كثير من الحقايق التاريخيَّة والعلميّة والدينيَّة، ولولا توفيق الله تعالى رحمةً بهذه الامَّة، ورعايةً لهذا الدين الكريم، لطائفة من أئمّة المسلمين المصطفين الأخيار، إنتهضوا لنقد الأسانيد وتنقيح الروايات، وبهرجة الزائف منها، وحظر الرواية عن كلِّ صاحب بدعة في الإسلام، لَما بقيت للإسلام صورته النيِّرة التي جاء بها القرآن الحكيم، وأدّاها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أصحابه نقيّة صافية.اهـ.
هذه نفثات الاستاذ الصَّادق، وهذه حسراته وزفراته المتصاعدة وراء ضياع التاريخ الإسلامي، وراء طمس الحقايق تحت أطباق الظلمات، وراء تشويه الأساطير والمخاريق والأباطيل جمال الشريعة المطهّرة، ولعمر الحقِّ لقد أحسن وأجاد، والرايد لا يكذب، غير أنَّ المسكين هو من اُسراء تلكم السلاسل المتسلسة من الموضوعات والخرافات التي اُبتلي بها المسلمون، وعاقته الأغشية المدلهمَّة عن الوصول إلى الحقايق التاريخيَّة والعلميّة والدينيَّة، وثبَّطته التلبيسات الملتوية عن نيل الصحيح الناصع من التاريخ والحديث، فما أصاب من الحقِّ نيلاً، وما أسعفته فكرته هذه على الطامات ولا قدر شعرة، وما أوضحت له سبل النجاح، وما هدته إلى المهيع اللايح، فليته ثمَّ ليته كان يأخذ بأقوال اولئك الأئمَّة المصطفين الأخيار في نقد الأسانيد في الجرح والتعديل، وكان يعمل بها ويتّخذها دستوراً لنفسه، مقياساً فيما سطره من الأكاذيب والأفائك، وليته كان يرحم هذه الاُمَّة، ويرعى هذا الدين الكريم مثلما هم رحموا ورعوا، وما زرَّف في تأليفه، وما أعاد لأساطير الأوَّلين الخلقة جدَّتها بعد ألف وثلثمائة عاماً من عمرها.
وهل هو بعد ما وقف على هذا الجزء ووجد كتابه مؤلَّفاً من سلسلة بلايا وحلقة أباطيل زيَّفها اولئك الأئمّة الذين هو اصطفاهم واختارهم وأثنى عليهم يقرع سنَّ الندم ويتَّبع سَنن الحقِّ اللاحب؟ أو انَّه يلج فيما سوَّد به صحائف كتابه أو صحيفة تاريخه ويتمادى في غيِّه وليَه؟ وما التوفيق إلّا بالله.
_١٦_
كتاب انصاف عثمان
تأليف الاستاذ محمد احمد جاد المولى بك.
هذا الكتاب أخدع من السراب، صفرٌ من شواهد الإنصاف، شرجه الاستاذ من سلسلة أخبار مدسوسة وروايات مختلقة، وإن درس هو بزعمه تاريخ عثمان دراسة الحذر منها فقال في ديباجته ص ٤: درسنا تاريخ عثمان وعصره والثورة عليه دراسة الحذر من الأخبار المدسوسة، اليقظ لمواطن العبرة، المرجع كلّ حدث إلى بواعثه الأصليَّة وإن رانت عليها الشبهات.
ولم نكتفِ بما قال المؤرِّخون، بل مددنا بصرنا إلى أبعد مِن ذلك، فحللنا شخصيَّته، وبيَّنا ما لها من صلة بالثورة عليه، ودرسنا حال المسلمين وقد نعموا بالراحة والثراء وانساحوا في الأصقاع يخالطون الأعاجم ويصهرون إليهم ويتخلّقون بعاداتهم، وحال قريش وما أنتابها من تفرُّق وتنازع على الرياسة، وبيَّنا صلة ذلك بالتجنِّي على الخليفة، وجلونا الفتنة التي أرثها في الأمصار أعداء عثمان وأعداء الإسلام، ونخلنا ذلك كلّه وصفَّيناه، واستخلصنا منه الأسباب الصريحة للفتنة.
ولم نغفل أن نعرض لما اُخذ على عثمان، ولا أن ننتصف له حيث يستحقّ الإنصاف.
ومن حقّ عثمان أن تُخصَّص لدراسته ودراسة عصره عشرات الكتب، فإنَّه الخليفة المهضوم الحقّ، المظلوم في الحكم عليه، على ما له من سابقة وفضل وإصلاحات، وعصره عصر انتقال واضطراب وثورات سياسيَّة وإجتماعيَّة.
ونحن وإن بالغنا في الإحاطة وتوفّي الزلل عرضة للتقصير، ولكنّا اجتهدنا رأينا، فنرجوا أن نكون قد وُفِّقنا لإبراز صورةٍ واضحةٍ لهذه الحقبة من تاريخ المسلمين ففيها عِظاتٌ وعبر. والله المستعان.اهـ.
هذه لُفاظته، وهذا حسن طويَّته وحرصه على النجاح، غير انَّك تجده في جمعه وتأليفه كحاطب ليل رَزَم في حزمته كلَّ رطب ويابس، وجاء يخبط خبط عشواء من دون أيِّ فحص وتنقيب، لا يفقه ولا ينقِّه، لا يستصحب دراية في الحديث توقفه على الصحيح الثابت، وتعرّفه الزائف البهرج، ولا بصيرةً تميِّز له الحوَّ من اللوِّ، ولا علماً
ناجعاً يجعجعه ويهديه إلى الفوز والنجاح، ولا فقهاً ينجيه من غمرات تلكم المعارك الوبيلة، ولا تثبُّتاً يُرشده إلى ما يُنقذه من تلكم التلبيسات الملتوية، جوَّل في مضمار تلكم الطامات التي جاء بها الطبري وغيره وحسبها اصولاً مُسلّمة، وأسند في آرائه إلى فضائل مفتعلة نتاج أيدي الأمويِّين نسباً ونزعة، ومن المأسوف عليه جدًّا انَّه أكدى وإن اجتهد رأيه، ولم يظفر بأمله وإن بالغ في الإحاطة بزعمه، وأبرز لهذه الحقبة من تاريخ المسلمين صورة معقّدة معضلة تخلو عن كلِّ عِظة وعِبرة.
بسط القول في عبد الله بن سبأ وعَزا إليه كلّ تلكم المعامع الثورات، وحسبه مادَّة الفكرة الناقمة على الخليفة وأساسها الوحيد في البلاد، ورأى معظم الصحابة أتباع نعرات ذلك المبتدع الغاشم، وطوع تلبيس ذلك اليهوديِّ المهتوك، وقال في ص ٤٢: عند ذلك يجد ابن سبأ منفذاً إلى هذا الشيخ الزاهد (يعني أباذر) في عرض الدنيا فينشر آراءه في مجلسه ويغريه بالحكومة ويحرّضه على الأغنياء، وصار يقول له: يا أبا ذر! ألا تعجب لمعاوية يقول: المال مال الله، ألا كلّ شيء لله؟ كأنّه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو إسم المسلمين. ظلّ أبو ذر يدعو إلى الإشتراكيَّة المتطرِّفة بإرغام الأغنياء أن يساعدوا الفقراء ويتركوا أموالهم لهم، واتَّخذ برَّ الإسلام بالفقراء سبيلاً إلى ذهاب المال من أربابه، وما قصد الإسلام هذا بل كما قال الله تعالى: والَّذين في أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم زيادة على الزكاة الشرعيّة. الخ.
وقال في ص ٦١: أمّا عمّار فقد توجَّه إلى مصر وكان حاكمها مبغضاً من المصريّين لا يجدون حرجاً في رميه بكلِّ نقيصة، واستطاع أتباع ابن سبأ بحذقهم و مهارتهم في ذلك المكفهر أن يخدعوه بزخرف القول وزوره، وكان مع هذا في نفس عمّار شيء من عثمان لأنّه نفذ فيه حكم الله لمـَّا تقاذف هو والعبّاس بن عتبة بن أبي لهب، ولهذا لم يعد إلى الخليفة، ولم يطلعه على شيء ممّا رأى، ومال إلى اتباع ابن سبأ.اهـ.
هذه صفحةٌ من تلك الصورة الواضحة التي وُفِّق الاستاذ لابرازها، هذه هي الغاية المتوخّاة التي بزعمه فيها عِظات وعبر، هل يدري القارئ عن أيِّ أبي ذر و عمَّار يحدّث هذا الثرثار المجازف؟ حتى لا يبالي بما يقول ولا يكترث لما أسرف فيهما من القول، ولست أدري لِماذا اقتحم الرجل في هذه الأبحاث الغامضة الخطرة التي يتيه
فيها الناقد البصير؟ لِماذا اقتحم فيها مع ضؤولة رأيه وجهله بأحوال الرجال ومقادير أفذاذ الاُمّة، وعدم عرفانه نفسيّات خيرة البشر وصلحاء الصحابة ومبلغهم من الدين؟ لِماذا اقتحم فيها مع بُعده عن دراية الحديث، وعلم الدين، وفقه التاريخ؟
تراه تشزّر وتعبّأ للدفاع عمَّن شغفه حبّه بكلِّ ما تيسَّر له ولو بالوقيعة في عدول الصحابة أو في الصحابة العدول، وقد بيّنا في الجزء الثامن ص ٣٤٩ ط ٢ حديث الرجل في أبي ذر وانّه موضوعٌ عنعنه اُناس لا يعوّل عليهم عند مهرة الفنِّ، وفصّلنا القول في هذا الجزء في حديث عمّار وانّه قطُّ لم يتوجَّه إلى مصر، وانَّ ما ركن إليه الاُستاذ لا يصحُّ اسناده، ونحاشي عمّاراً عن أن يحمل ضغينة على أحد لإنفاذه حكم الله فيه، وهل الاستاذ طبّق المفصل في رأيه هذا وبين يديه الذكر الحكيم والآية النازلة في عمّار؟ وفي صفحات الكتب قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ملئ عمّار ايماناً إلى أخمص قدميه. وقوله: إنَّ عمّاراً مع الحقِّ والحقُّ معه، يدور عمّار مع الحقِّ أينما دار.
و قوله: ما خُيِّر عمّار بين أمرين إلّا اختار أرشدهما. إلى أحاديث اُخرى مرَّت في هذا الجزء ص ٢٠ - ٢٨ تضادُّ تلكم الخزعبلات.
وللاستاذ في تبرير الخليفة كلماتٌ ضخمة موجزةٌ في طيِّها دسائس مطمورة، وتمويهٌ على الحقائق التاريخيَّة، يتلقّاها الدهماء بالقبول ولا يرى عن الصفح عنها مندوحة قال في ص ٣٥: من المسلّم به أنَّ الوليد هذا عُيّن سنة ٢٥ هجريَّة وهي السنة الاُولى من حكم عثمان، وقد أجمع الناقدون والمؤرّخون على أنّه لم يقع منه خلال ستّ السنوات الاُولى ما يسوِّغ توجيه النقد إليه، إذ كانوا يرون رائده تحرّي المصلحة العامة، وإسناد المناصب إلى الجديرين بها لا فرق بين قريب وبعيد.اهـ.
دعوى الإجماع والإتِّفاق والإصفاق المكذوبة سيرةٌ مطَّردة عند القوم جيلاً بعد جيل سلفاً وخلفاً، وكتب الفقه والكلام والحديث والتاريخ مشحونةٌ بهذه السيرة الممقوتة ومن أمعن النظر في كتاب المحلّى لابن حزم، وكتابه الفصل في الملل والنحل، ومنهاج السنَّة لابن تيميَّة، والبداية والنهاية لابن كثير، يجد مئاةً من الإجماعات المدَّعاة المشمرجة، والاستاذ اقتفى إثر اولئك الاُمناء على ودائع العلم والدين وحذا حذوهم، كأنّه لم يكُ يحسب أن يأتي عليه يوم يناقشه قلم التنقيب الحساب، أو انّه غير مكترث
لأيِّ تبعة ومغبَّة.
أنَّى من المتسالم عليه تولية الوليد سنة ٢٥ وإن هو إلّا قول سيف بن عمر كما نصّ عليه الطبري في تاريخه ٧: ٤٧ وزيَّفه، وعزاه ابن الأثير في الكامل إلى البعض، وقد عرَّفناك سيفاً في الجزء الثامن ص ٨٤ ط ٢ وانَّه: ضعيفٌ متروكٌ، ساقطٌ، وضّاعٌ، اتّهم بالزندقة. فالمعتمد عند المؤرّخين انَّ تولية الوليد كانت سنة ٢٦.
ثمَّ أنَّى يصحّ كون السنة الـ ٢٥ هي السنة الاُولى من حكم عثمان، وإنَّما توفّي عمر في أواخر ذي الحجَّة سنة ٢٣ وبويع عثمان بعد ثلاثة أيّام من موت عمر، فالسنة الاُولى من حكم عثمان هي ٢٤.
وأين وأنَّى يسع لناقد أو مؤرِّخ فضلاً عن إجماع الناقدين والمؤرّخين أن يحسب صفو الجوِّ من بوائق عثمان وبوادره ونوادره خلال ستّ السنوات الاُولى، وهذه صفحات تاريخه في تلكم السنين مسودَّةٌ بهنات وهنات، بل التاريخ سجَّل له من أوَّل يوم تسنّم عرش الخلافة، وقام نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، صرعةً وعثرةً لا تُستقال، منها:
١ - أبطل القصاص لَمّا استخلف ولم يقد عبيد الله بن عمر وقد أتى عظيماً وقتل الهرمزان والجفينة وابنة أبي لؤلؤة، وأجمع رأي المهاجرين والأنصار على كلمة واحدة يشجِّعون عثمان على قتل ابن عمر أخذاً بالكتاب والسنَّة، غير أنَّ عمرو بن العاص فلته عن رأيه، فذهب دم اولئك الأبرياء هدراً. وكانت أوَّل قارورة كُسرت في الإسلام بيد عثمان يوم ولي الأمر.
٢ - لَمّا استخلف صعد المنبر وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يجلس أبو بكر وعمر فيه، جلس أبو بكر دونه بمرقاة، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة، فتكلّم الناس في ذلك فقال بعضهم: اليوم ولد الشرّ(١) .
٣ - ردّ الحَكمَ بن أبي العاص طريد النبيِّ الأقدس ولعينه إلى المدينة لمـَّا ولي الخلافة، وبقي فيها حتّى لَعق لسانه، وهذا الايواء ممّا نُقم به على عثمان كما مرَّ حديثه في ج ٨: ٢٤٢، ٢٥٤، ٢٥٨ ط ٢.
____________________
١ - تاريخ اليعقوبى ٢: ١٤٠، تاريخ ابن كثير ٧: ١٤٨.
٤ - ولّى الوليد بن عقبة سنة ٢٦، ٢٥ وعزل سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشَّرة، وكان هذا في طليعة ما نقموا على عثمان(١) ثمّ وقع ما وقع من الوليد مِن شرب الخمر وتقاعد الخليفة عن حدِّه. راجع الجزء الثامن ص ١٢٠ - ١٢٥ ط ٢.
٥ - هبته الوليد ما استقرض عبد الله بن مسعود من مال المسلمين لمـّا قدم الوليد الكوفة وكان ابن مسعود على بيت المال، حتّى نقم الخليفة على ابن مسعود وعزله و حبس عطاءه أربع سنين إلى أن مات سنة ٣٢ وجرى بينه وبين الخليفة ما مرَّ حديثه في هذا الجزء، وهذا ممّا أخذت الاُمَّة خليفتهم به.
٦ - زاد الأذان الثالث في اوليات خلافته كما في تاريخ ابن كثير، وقد فصَّلنا القول في اُحدوثته هذه في الجزء الثامن ص ١٢٥ - ١٢٩ ط ٢.
٧ - وسَّع المسجد الحرام سنة ٢٦ وابتاع من قومٍ منازلهم، وأبوا آخرون فهدم عليهم ودفع الأثمان في بيت المال فصاحوا بعثمان فأمر بهم للحبس وقال: ما جرّأكم عليَّ إلّا حلمي. راجع الجزء الثامن ص ١٢٩ ط ٢.
٨ - أعطى خُمس الغنائم في غزوة أفريقيَّة الثانية مروان بن الحكم وهو مِن عمدة مآثم الخليفة، وكان ذلك سنة ٢٧ من الهجرة الشريفة. راجع ج ٨ ص ٢٧٥ - ٢٦٠ ط ٢.
٩ - حجَّ سنة ٢٩ وأتمَّ الصَّلاة في مكان القصر في عامه هذا كما في تاريخ ابن كثير ٧: ١٥٤، وهذه الاُحدوثة مرَّت على تفصيلها في ج ٨ ص ٩٨ - ١١٩.
١٠ - أعطى خُمس أفريقيّة عبد الله بن سعد أبي سرح في غزوتها الاولى. راجع الجزء الثامن ص ٢٧٩ ط ٢.
إلى بوادر وعثرات اُخرى صدرت من الخليفة خلال ستّ السنوات الاُولى كلّ منها يسوّغ توجيه النقد إليه، وكان من أوَّل يومه مهما قرع سمعه نقدُ ناقد أو نصحُ ناصح لا يصيخ إليه، بل كان يؤاخذ من أغمز فيه، ويسومه سوء العذاب، وكان يُلقي العرى إلى بني اُميَّة في البلاد، ويفوّض إليهم مقاليد الاُمور، ويحسبه العلاج الوحيد في حلِّ تلكم المشاكل، وتقصير خُطي اولئك الناقدين الآمرين بالمعروف والناهين
____________________
١ - دول الاسلام ١: ٩، البداية والنهاية ٧: ١٥١.
عن المنكر، حتّى تمخَّضت عليه البلاد ووعرت القلوب، واتَّسع الخرق على الراقع.
وفي ظنِّي الغالب أنَّ تقدُّم ثقافة مصر اليوم هو الذي بعث أساتذتها إلى الإكثار في التأليف حول عثمان وتدعيم فضائله وفواضله، وشططوا في إطرائه وبالغوا في الذبِّ عنه بتلفيق الكلام وتزويره، وتسطير الحدَد من القول، وسرد المبوَّق البهرج، وذلك روماً لتقديس ساحتهم عمّا اقترفته أيدي سلفهم الثائر المتجمهر على الخليفة، إذ حسبوه وصمةً شوَّهت سمة الخلف منهم والسلف، وسوَّدت صحيفة تاريخ مصر والمصريِّين، فهل يتأتَّى أمل الخلف بهذه الكُتيبات المزخرفة؟ لعلّه يتأتَّى مثلما رام السلف تحقّق توبتهم بالحوبة، لا يعلمون الكتاب إلّا أمانيَّ وإن هُم إلّا يظنُّون.
نظرة فى كتب اخرى
وقِسْ على هذه الكتب كتاب تاريخ الخلفاء تأليف الاستاذ عبد الوهّاب النجّار المشحونة صفحاته بمرمَّعات الرواية وسقطات التاريخ. وكتاب عثمان للاستاذ عمر أبي نصر، ليس فيه إلّا أنَّه أعاد له سبق إليه الشيخ محمَّد الخضري من نفسيّاته الأمويّة جدَّتها، فما ينقمه الباحث من مواضيع جارٍ فيما بهرجه اللّاحق في كتابه.
وكتاب تاريخ الخلفاء الراشدين للأستاذ السيِّد علي فكري وهو الجزء الثالث من كتابه « أحسن القصص » وهذا أهدأ ما اُلّف في الموضوع، ينمُّ عن سلامة نفس المؤلِّف ونزاهة قلمه، وهو وإن ألَّفه من تلكم السلاسل الوبيلة من الموضوعات، غير أنّه لا يتطرَّق إلى إلأبحاث الخطرة، ولا يقتحم المعارك المدلهمّة، ممّا نُقم به على الخليفة من الطامّات والأحداث، وما قيل في براءته عن لوثها، وكأنّه ترجم لخليفة خضعت الرقاب لعظمته، وتسالمت الاُمّة عليه من جميع نواحيه، ولم يطرق سمعه ما هنالك من حوارٍ وأخذٍ وردٍّ، ونقدٍ ودفاعٍ، وكأنَّ ما سطره في فضل الخليفة، وكرم طباعه، وسلامة نفسه، اصولٌ موضوعة لا يتوجّه إليها غمزٌ ولا انتقاد، وستعرف حالها ومحلّها من الإعتبار، فلا تعجل بالقران من قبل أن يُقضي إليك وحيه.
ذكر السيِّد الاستاذ ما جاء في مناقب عثمان من الحديث المختلق من دون أيِّ بحث وتنقيب، من دون أيِّ نقض وإبرام، إلى أن تخلّص من البحث عنه بقوله في ص ١٦٣:
بعد أن فتح المسلمون تلك الأقاليم واطمأنُّوا وكثرت عندهم الخيرات والأموال، أخذوا ينقمون على الخليفة حيث رأى من الصالح للاُمّة عزل بعض الولاة فعزلهم، وولّى مَن فيه الكفاية من أقاربه وذوي رحمه، فظنَّ النّاس به ظنوناً هو بريءٌ منها، وفشت الفتنة واستفحل أمرها، حتى حضرت وفودٌ من الكوفة والبصرة ومصر في وقت واحد طالبين تولية غير عثمان، أو عزل من ولّاهم على الأمصار.
وأخيراً استقرَّ الحال على إجابتهم لما طلبوا من عزل بعض العمَّال، وعلى ذلك اختار أهل مصر أن يولَّى عليهم محمَّد بن أبي بكر الصدِّيق، فكتب عثمان لهم بذلك عهداً ورحلوا من المدينة مع واليهم الجديد، وبينما هم ذاهبون رأوا عبداً مِن عبيد الخليفة على راحلة من إبله يستحثّها فأوقفوه وفتّشوه، فوجدوا معه كتاباً مختوماً بختم الخليفة لعبد الله بن أبي سرح مضمونة: إذا قدم عليك ابن أبي بكر ومن معه فاحتلْ في قتلهم.
فأخذوا الكتاب ورجعوا إلى المدينة، وأطلعوا الخليفة عليه فأقسم لهم انَّه ما فعل ولا أمر ولا علم فقالوا: هذا أشدّ، يؤخذ خاتمك، وبعيرٌ من إبلك، وعبدٌ من عبيدك وأنت لا تعلم، ما أنت إلّا مغلوبٌ على أمرك فطلبوا منه الإعتزال، أو تسليم الكاتب فأبى، فأجمعوا على محاصرته، فحاصروه في داره ومنعوا عنه الزاد والماء أيّاماً عديدة: وهاجت الثوّار، وكثر القيل والقال، فطلب منه بعض الصحابة الإذن بالمدافعة عنه فلم يقبل، ولم يأذن لأحد حتّى انَّه قال لعبيده الذين هبوا للدفاع عنه: مَن أغمد منكم سيفه فهو حرٌّ. إستسلاماً للقضاء، فتسلّق بعض الأشرار الدار، ودخلوا عليه وقتلوه، والمصحف بين يديه يتلوه فيه سورة البقرة فنزلت قطرة من دمه على: فسيكفيكهم الله وكان يومئذ صائماً.اهـ.
ولعلَّ الاستاذ بعد الوقوف على هذا الجزء من كتابنا ينتبه لمواقع النظر في تأليفه فيميّز الحيَّ من الليّ، ويعرف الصحيح من المعلول، ويَتَّبع الحقَّ والحقُّ أحقّ أن يُتَّبع.
وفي مقدَّم هؤلاء الأساتذة استاذ تاريخ الاُمم الإسلاميَّة بالجامعة المصريَّة ووكيل مدرسة القضاء الشرعيِّ الشيخ محمَّد الخضري صاحب المحاضرات، وقد قدَّمنا في
الجزء الثالث ص ٢٤٩ - ٢٦٥ ط ٢ شيئاً ممّا يرجع إليه وإلى كتابه، وعرَّفناك موقفه من الدجل والجناية على التاريخ الصحيح، وبُعده عن أدب الدين، عن أدب العلم، عن أدب الإنسانيَّة، وانَّ كتابه علبة السفاسف، وعيبة السقطات، وصحائفه مشحونةٌ بالأكاذيب والأفائك والنسب المفتعلة، والآراء الساقطة، فإن كان الإسلام هذا تاريخه فعلى الإسلام السَّلام.
عهد النبيّ الاقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عثمان
١ - أخرج إمام الحنابلة أحمد في المسند ٦: ٨٦، ١٤٩ قال: حدَّثنا أبو المغيرة « الحمصي » حدَّثنا الوليد بن سليمان « الدمشقي » حدَّثني ربيعة بن يزيد « الدمشقي » عن عبد الله بن عامر « الدمشقي » عن النعمان بن بشير « قاضي دمشق » عن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا رأينا إقبال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على عثمان! أقبلت إحدانا على الاُخرى فكان من آخر كلمته أن ضرب منكبه وقال: يا عثمان! إنَّ الله عسى أن يلبسك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتّى تلقاني. ثلاثاً. فقلت لها: يا اُمَّ المؤمنين؟ فأين كان هذا عنكِ؟ قالت: نسيته والله، ما ذكرته.
قال: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرضَ بالذي أخبرته حتّى كتب إلى اُمِّ المؤمنين: أن اكتبي إليَّ به، فكتبت إليه به كتاباً،
رجال الإسناد كلّهم شاميّون عثمانيّون وفي مقدَّمهم النعمان بن بشير الخارج على إمام زمانه ومحاربه تحت راية الفئة الباغية، وجاء فيه عن قيس بن سعد الأنصاري الصحابيِّ العظيم: انَّه ضالُّ مضلُّ. ومتن الرواية كما يأتي بيانه يكذِّب نفسها.
٢ - أخرج أحمد في المسند ٦: ١١٤ من طريق محمّد بن كناسة الأسدي أبي يحيى عن إسحاق بن سعيد الأموي حفيد العاص عن أبيه سعيد ابن عمِّ عثمان الذي كان بدمشق قال: بلغني انَّ عائشة قالت: ما أسمعتُ رسول الله إلّا مرَّة فإنَّ عثمان جاءه في نحر الظهيرة فظننت انَّه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: إنَّ الله ملبسك قميصاً تريدك اُمَّتي على خلعه فلا تخلعه. فلمّا رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلّا خلعه علمت أنَّه عهد من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي عهد إليه.
عمد رجال الإسناد أمويّون أبناء بيت عثمان بني أبيه ينتهي إلى عائشة وقد أوقفناك على حديثها في هذا الجزء، وهو مع ذلك مرسلٌ لا يُعلم مَن بلّغه سعيد بن العاص ولعلّه أحد الكذّابين الوضّاعين.
٣ - أخرج الطبراني عن مطلب بن شعيب الأزدي عن عبد الله بن صالح عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف قال: كنّا عند شفى الأصبحي فقال: حدَّثنا عبد الله بن عمر قال: التفت رسول الله فقال: يا عثمان! إنَّ الله كساك قميصاً فأرادك النَّاس على خلعه فلا تخلعه، فوالله لئن خلعته لا ترى الجنَّة حتّى يلج الجمل في سمِّ الخياط.
ذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٠٨ فقال: وقد رواه أبو يعلى من طريق عبد الله ابن عمر عن اُخته حفصة اُمّ المؤمنين. وفي سياق متنه غرابة والله أعلم.
رجال الإسناد:
١ - عبد الله بن صالح أبو صالح المصري كاتب الليث، قال أحمد: كان أوَّل أمره متماسكاً ثمَّ فسد بآخره وليس هو بشيء. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكره يوماً فذمَّه وكرهه. وقال صالح بن محمّد: كان ابن معين يوثقه وعندي انّه كان يكذب في الحديث. وقال ابن المديني: ضربت على حديثه وما أروي عنه شيئاً. وقال أحمد بن صالح: متَّهمٌ ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: كذّابٌ. وقال أبو حاتم: الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخره عمره فأنكروها عليه أرى انَّ هذا ممّا افتعل خالد بن نجيح وكان أبو صالح يصحبه. إلخ. وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال ابن حبّان: منكر الحديث جدًّا يروي عن الاثبات ما ليس من حديث الثقات، وكان صدوقاً في نفسه وإنَّما وقعت المناكير في حديثه من قِبل جارٍ له كان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح ويكتب بخطّ يشبه خطَّ عبد الله ويرميه في داره بين كتبه فيتوهَّم عبد الله انَّه خطَّه فيحدِّث به. تهذيب التهذيب ٥: ٢٥٦ - ٢٦٠
٢ - سعيد بن أبي هلال المصري قال أحمد: ما أدري أيَّ شيء يخلط في الأحاديث وقال ابن حزم: ليس بالقوي. وقال ابن حجر: لعلّه اعتمد على قول الإمام أحمد فيه.
تهذيب التهذيب ٤: ٩٥.
٣ - ربيعة بن سيف الإسكندراني. قال ابن حبّان: يُخطئ كثيراً. وقال ابن يونس: في حديثه مناكير. وقال البخاري: روى أحاديث لا يُتابع عليها. وقال النسائي: ضعيفٌ. تهذيب التهذيب ٣: ٢٥٦.
٤ - أخرج أحمد من طريق سنان بن هارون عن كليب بن وائل عن ابن عمر قال. ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتنة فقال: يُقتل فيها هذا المقنَّع يومئذ مظلوماً فنظرت فإذا هو عثمان بن عفّان. تاريخ ابن كثير ٧: ٢٠٨.
سنان بن هارون كوفيٌّ، قال النسائي: ضعيفٌ. وقال الساجي: ضعيفٌ منكر الأحاديث. وقال ابن حبّان: منكر الحديث جدًّا يروي المناكير عن المشاهير(١) و كليب بن وائل ضعّفه أبو زرعة كما في تهذيب التهذيب ٨: ٤٤٧.
٥ - أخرج أحمد في المسند ٢: ٣٤٥ من طريق موسى بن عقبة قال: حدَّثني جدِّي أبو امِّي أبو حبيبة انّه دخل الدار وعثمان محصورُ فيها، وانَّه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: إنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يقول إنَّكم تلقون بعدي فتنةً وإختلافاً - أو قال: إختلافاً وفتنة - فقال له قائلٌ من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه. وهو يشير إلى عثمان بذلك. وذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٠٩ فقال: تفرَّد به أحمد وإسناده جيِّدٌ حسنٌ ولم يخرجوه من هذا الوجه.
نحن لا نعرف جودة هذا الإسناد وحسنه وفيه جدّ اُم موسى وهو نكرةٌ لا يُعرف ولا يوجد له قطّ ذكرٌ في المعاجم. وهل من المعقول عزو هذه الرواية إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو جدّ عليم بأنَّ أصحاب عثمان هم: مروان ومَن يشاكله في العيث والفساد حِشوة بني اُميَّة، حثالة اُمَّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ أفمن الجائز أن يوصي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اُمَّته با تِّباع اُولئك الخابلين خلاف وجوه صحابته وعدولهم المتجمهرين على عثمان؟ حاشا نبيّ العظمة عن هذه الأفائك.
٦ - أخرج الترمذي عن طريق سعيد الجريري(٢) عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٤: ٢٤٣.
٢ - زاد ابن كثير هاهنا فى الاسناد: عبد الله بن سفيان.
بن حوالة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كيف أنت وفتنة تكون في أقطار الأرض؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: إتَّبع هذا الرجل فانَّه يومئذ ومن اتَّبعه على الحقِّ قال: فاتّبعته فأخذت بمنكبه ففتلته فقلت: هذا يا رسول الله؟ فقال: نعم. فإذا هو عثمان بن عفّان.
وأخرجه أحمد في المسند ٤: ١٠٩ من طريق سعيد الجريري بالإسناد المذكور ولفظه: كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنَّها صياصي بقر؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: وكيف تفعل في اُخرى تخرج بعدها كان الاُولى فيها انتفاحة أرنب؟ قلت: لا أدري ما خار الله لي ورسوله، قال: إتَّبعوا هذا. قال: ورجلٌ مقفّى حينئذ قال: فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبيه فأقبلت بوجهه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: هذا؟ قال: نعم. قال: وإذا هو عثمان بن عفّان رضي الله عنه.
قال الأميني، ستوافيك ترجمة سعيد الجريري في حديث ٢٥ من مناقب عثمان وانَّ روايته لا تصحّ لاختلاله ثلاث سنين. وأمّا عبد الله بن شقيق المنتهى إليه أسانيد الرواية فهو من تابعي أهل البصرة قال ابن سعد في الطبقات: كان عثمانيّاً وكان ثقة.
وقال يحيي بن سعيد: كان سليمان التميمي سيِّء الرأي في عبد الله. وقال أحمد بن حنبل ثقة وكان يحمل على عليّ. وقال ابن معين: ثقة من خيار المسلمين، وقال ابن خراش: كان ثقة وكان عثمانيّاً يبغض عليّاً(١) .
ألا تعجب من توثيق الحفّاظ هذا الرجل المتحامل على عليّ أمير المؤمنين ومبغضه وعدّه من خيار المسلمين وبين أيدينا قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الصحيح الثابت: لا يحبُّ عليّاً منافقٌ ولا يبغضه مؤمنٌ، ولا يحبّه إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق، وقول عليّ أمير المؤمنين الوارد في الصحيح: والذي فلق الحبَّة وبرء النسمة انَّه لعهد النبيُّ الاُميّ إليَّ انَّه لا يحبّني إلّا مؤمنٌ ولا يبغضني إلّا منافق. وقوله: لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبّني ما أحبَّني. الحديث. وثبت عن غير واحد من الصحابة قولهم: ما كنّا نعرف المنافقين إلّا ببغض عليِّ بن أبي طالب(٢) .
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٥: ٢٥٤.
٢ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الثالث ص ١٨٢ - ١٨٧ ط ٢.
وجاء في الصحيح مرفوعاً: لو أنَّ رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلّى وصام ثمَّ لقي الله وهو مبغضٌ لأهل بيت محمَّد دخل النار(١) .
وفي حديث: لو أنَّ عبداً عَبدَ الله سبعة آلاف سنة ثمَّ أتى الله عزَّ وجلَّ ببغض عليّ جاحداً لحقِّه ناكثاً لولايته لأتعس الله خيره وجدع أنفه.
وفي حديث: لو أنَّ عبداً عَبدَ الله عزَّ وجلَّ مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل اُحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ومدَّ في عمره حتّى حجَّ ألف عام على قدميه ثمَّ قُتل بين الصفا والمروة مظلوماً ثمَّ لم يُوالك يا عليّ! لم يشمّ رائحة الجنَّة ولم يدخلها.
وفي حديث: لو أنَّ عبداً من عباد الله عزَّ وجلَّ عَبدَ الله ألف عام بين الركن والمقام ثمَّ لقي الله عزَّ وجلَّ مبغضاً لعليّ وعترتي أكبّه الله على منخره يوم القيامة في نار جهنّم.
وفي حديث: يا عليٌّ! لو انَّ اُمَّتي صاموا حتّى يكونوا كالحنايا وصلّوا حتّى يكونوا كالأوتار ثمَّ أبغضوك لأكبَّهم الله في النار(٢) .
وفي الصحيح على شرط الشيخين مرفوعاً: من أحبَّ عليّاً فقد أحبّني ومَن أبغض عليّاً فقد أبغضني(٣) .
وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١٣٥ مرفوعاً: يا عليُّ طوبى لمـَن أحبَّك وصدق فيك، وويل لمـَن أبغضك وكذب فيك.
وفي حديث مرفوعاً أرسل رسول الله الأنصار فأتوه فقال لهم: يا معشر الأنصار ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعده أبداً؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هذا عليّ فأحبّوه بحبِّي، وأكرموه بكرامتي، فانَّ جبريل أمرني بالذي قلت لكم من الله عزَّ وجلَّ(٤) .
وفي حديث مرفوعاً: إنَّ علياً راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور مَن أطاعني،
____________________
١ - راجع ما مرّ فى الجزء الثانى ٣٠١ ط ٢.
٢ - مرّت هذه الاحاديث بمصادرها فى الجزء الثانى ص ٣٠١، ٣٠٢ ط ٢.
٣ - المستدرك للحاكم ٣: ١٣٠.
٤ - حلية الاولياء لأبي نعيم ١: ٦٣.
وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أحبّه أحبّني، ومن أبغضه أبغضني(١) .
وفي مرفوع: ألا مَن أبغض هذا (يعني عليّاً) فقد أبغض الله ورسوله، ومَن أحبَّ هذا فقد أحبَّ الله ورسوله.
وفي حديث مرفوعاً: هذا جبريل يخبرني: انَّ السعيد حقَّ السعيد مَن أحبَّ عليّاً في حياته وبعد موته، وانَّ الشقيَّ كلَّ الشقيِّ من أبغض عليّاً في حياته وبعد موته. إلى أحاديث مرَّت في الجزء الثالث ص ٢٦ ط ٢.
وقبل هذه كلّها قوله تعالى: قُل لا أسئلكم عليه أجراً إلّا المودَّة في القربى و قوله: إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات سيجعل لهم الرّحمن ودّا. قوله: إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البريّة. راجع الجزء الثاني فيما ورد في هذه الآيات الكريمة.
ولا تنسَ دعاء النبيِّ الأعظم يوم الغدير في ذلك المحتشد الرحيب بقوله: أللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، أللهمَّ من أحبَّه من الناس فكن له حبيباً، ومن أبغضه فكن له مبغضاً.
وفي لفظ: أللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر من نصره، وأعن مَن أعانه، وأحبّ مَن أحبَّه.
وفي لفظ: أللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض مَن أبغضه، وانصر مَن نصره، واخذل من خذله.
وفي لفظ: أللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر مَن نصره، وأعزَّ مَن أعزَّه، وأعن مَن أعانه.
وهناك ألفاظ اُخرى مرَّت في الجزء الأوَّل من كتابنا هذا.
فعبد الله بن شقيق أخذاً بمجامع تلكم النصوص شهادة الله ورسوله، منافقٌ شقيٌّ عدوٌّ لله ولرسوله يبغضه المولى سبحانه، لا خير فيه ولا في حديثه، لا يُقبل ولا يُصدَّق في روايته، أتعس الله خيره وجدع أنفه، وأكبَّه على منخره يوم القيامة في نار جهنّم. دع الحفّاظ يقولون: ثقةٌ من خيار المسلمين.
____________________
١ - حلية الاولياء ١: ٦٧.
٧ - أخرج أحمد في المسند ٥: ٣٣، ٣٥ من طريق عبد الله بن شقيق البصري قال: حدَّثني هرم بن الحارث واسامة بن خزيم عن مرَّة البهزي قال: بينما نحن مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في طريق المدينة فقال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنَّها صياصي بقر؟ قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليكم هذا وأصحابه - أو: اتبعوا هذا وأصحابه - قال: فأسرعت حتّى عييت فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا. فإذا هو عثمان بن عفَّان. فقال: هذا وأصحابه.
عرفت عبد الله بن شقيق وانَّه منافقٌ لا يُؤخذ بحديثه ولا يُعوَّل عليه إن صدَّقنا النبيَّ الأقدس فيما جاء به.
٨ - أخرج أحمد في المسند ٦: ٧٥ من طريق فرج بن فضالة بإسناده عن عائشة قالت: كنت عند النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا عائشة! لو كان عندنا مَن يُحدِّثنا. قالت قلت: يا رسول الله؟ ألا أبعث إلى أبي بكر؟ فسكت. ثمَّ قال: لو كان عندنا من يُحدِّثنا. فقلت: ألا أبعث إلى عمر. فسكت. قالت: ثمَّ دعا وصيفاً بين يديه فسارَّه فذهب قالت: فإذا عثمان يستأذن فأذن له فدخل فناجاه النبيٌّصلىاللهعليهوآلهوسلم طويلاً ثمَّ قال: يا عثمان! إنَّ الله عزَّ وجلَّ مقمِّصك قميصاً فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تخلعه لهم ولا كرامة يقولها له مرَّتين أو ثلاثاً. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣ ص ١٠٠ من طريق فرج بن فضالة وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ عالي الاسناد ولم يخرجاه. وعقَّبه الذهبي في تلخيصه فقال: أنَّى له الصحَّة ومداره على فرج بن فضالة؟.
أقول: فرج بن فضالة متَّفقٌ على ضعفه وعدم الإحتجاج به وستوافيك ترجمته في الحديث الـ ١٧ من مناقب عثمان في هذا الجزء انشاء الله.
وأخرج أحمد في مسنده ٦: ٥٢ من طريق قيس بن أبي حازم عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ادعوا لي بعض أصحابي. قلت: أبو بكر؟ قال: لا. قلت: عمر. قال: لا. قلت: ابن عمِّك علي؟ قال: لا. قلت: عثمان! قال: نعم فلمّا جاء قال: تنحِّي. جعل يسارُّه ولون عثمان يتغيَّر فلمّا كان يوم الدار وحُصر فيها قلنا: يا أمير المؤمنين! ألا تقاتل؟ قال: لا انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد إليَّ عهداً وإنِّي صابر نفسي عليه.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية ١: ٥٨، والحاكم في المستدرك ٣: ٩٩، وأبو عمر في الإستيعاب ٢، ٤٧٧، وذكره ابن كثير في تاريخه ٦: ٢٠٥ نقلاً عن أحمد والأسانيد كلّها تنتهي إلى قيس بن أبي حازم قالوا: كان يحمل على عليّعليهالسلام ، وقال ابن حجر: والمشهور عنه انَّه كان يقدّم عثمان ولذلك تجنَّب كثيرٌ من قدماء الكوفيِّين الرواية عنه، وكبر قيس حتّى جاوز المائة بسنين كثيرة حتّى خرف وذهب عقله.
تهذيب التهذيب ٨: ٣٨٨
لنا أن نصافق الكوفيِّين على تجنّب الرواية عن قيس المتحامل على مولانا أمير المؤمنين إن اتَّبعنا الرسول الأمين في النصوص المذكورة قُبيل هذا ص ٢٦٧ - ٢٦٩ ولا يسوغ لأيِّ باحث أن يعوِّل على رواية منافق شقيّ خرف وذهب عقله، وقد مرَّ عن ابن أبي الحديد في صفحة ٧٣ من هذا الجزء قوله: وقد طعن مشايخنا المتكلّمون في قيس وقالوا: إنَّه فاسقٌ ولا تُقبل روايته. الخ.
٩ - أخرج ابن عدي عن أبي يعلى عن المقدمي محمَّد بن أبي بكر عن أبي معشر يوسف بن يزيد البراء البصري عن إبراهيم بن عمر بن أبان بن عثمان عن أبيه عثمان: إنَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم أسرَّ إليه انّه يُقتل ظلماً(١) .
زيَّفه ابن عدي كما في الميزان وعدَّه من أحاديث عمر بن أبان التي كلّها غير محفوظة وأبان بن عثمان لم يسمع من أبيه كما قاله أحمد بن حنبل فكيف بعمر بن أبان، وسنوقفك على ترجمة أبي معشر وإبراهيم بن عمر في المنقبة الثالثة من مناقب عثمان وانَّهما لا يعوَّل عليهما ولا يصحّ حديثهما.
١٠ - ذكر الذهبي في الميزان ١: ٣٠٠ من طريق أنس مرفوعاً: يا عثمان! إنَّك ستلي الخلافة من بعدي وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها، وصُم ذلك اليوم تفطر عندي.
قال الذهبي: في سنده خالد بن أبي الرحال الأنصاري عنده عجائب، قال ابن حبّان: لا يجوز الإحتجاج به. وفي لسان الميزان ٦: ٧٩٤ قال: أبو حاتم: ليس بالقويِّ.
____________________
١ - لسان الميزان ٤: ٢٨٢.
نظرة فى أحاديث العهد
هذه سلسلة روايات أصفق على وضعها دجّالون تتراوح أسانيدها بين أمويّ و شاميّ وبصريّ، وبين عثمانيّ متحامل على سيِّد العترة، وبين اُناس آخرين من ضعيف إلى كذّاب إلى متروك إلى ساقط. على أنَّ متونها أكثر عللاً من أسانيدها فإنَّ الخضوع لصحَّتها يستدعي الوقيعة في الصحابة كلّهم لأنَّ المنصوص عليه في غير واحد منها: انَّ الذين أجلبوا على عثمان وأرادوا خلعه اُناسٌ منافقون، وفي بعضها: فانَّ عثمان يومئذ وأصحابه على الحقِّ، وعليكم بالأمين وأصحابه.
وقد علمت أنَّ المتجمهرين عليه هُم الصحابة كلّهم المهاجرون منهم والأنصار ما خلا ثلاثة: زيد بن ثابت، حسّان بن ثابت، اسيد الساعدي. أو: هم وكعب بن مالك. واُناسٌ من زعانفة الأمويِّين، وأين هذا من الإعتقاد بعدالتهم جمعاء كما عند القوم؟ ومن الخضوع لجلالة كثيرين منهم الذين علمت منهم نواياهم الصالحة، وأعمالهم البارَّة، والنصوص النبويّة الصادرة فيهم، وثناء الله تعالى عليهم في كتابه الكريم كما عند الاُمّة أجمع؟.
ثمّ انّ عثمان وإن كان يتظاهر بامتثال الأمر الموجود في الروايات وغيرها بالصبر وعدم القتال غير أنّ عمله كان مبايناً لذلك لمكاتبته إلى الأوساط الاسلاميَّة يستجلب منها الجيوش لمقاتلة أهل المدينة، ويرى قتالهم قتال الأحزاب يوم بدر، و ينصُّ على أنّ القوم قد كفروا، فلو اتّصلت به كتائب الأمداد يومئذ لألقحها حرباً زبوناً وفتنةً عمياء، وإنَّما كان ينكص عن النضال لإعواز الناصر لإصفاق الصحابة عليه عدا اُولئك الثلاثة وما كانوا يغنون عنه شيئاً، ولا سيّما حسان بن ثابت الذي لم يكن يجسر أن يأخذ سلب القتيل الذي قتلته امرأةٌ(١) .
على أنَّه لم يتقاعد عن المقاتلة أيضاً بمن كان معه من حثالة بني اُميّة فقد بذلوا كلَّ ما حووه من بسالة وشجاعة، غير أنَّ القضاء الحاتم أخزاهم وحال بينهم وبين النجاح إلى أن لجأوا إلى اُمِّ حبيبة فجعلتهم في كندوج ثمّ خرجوا من المدينة هاربين.
ثمَّ هَبْ انَّ عائشة كانت نسيت ما روته حين ألَّبت الجماهير على عثمان وأمرت
____________________
١ - راجع الجزء الثانى من كتابنا هذا ص ٦٤ ط ٢.
_١٧_
بقتله وسمَّته نعثلاً كافراً فهل بقيّة الرواة وهم: عبد الله بن عمر وأبو هريرة ومرَّة البهزي وعبد الله بن حوالة وأبو سهلة وأنس أصفقوا معها على النسيان؟ أو أنّهم ما كانوا يروونها يومئذ ثمَّ اقتضت الظروف أن يرووها؟ أو انّها اختلقت بعدهم على ألسنتهم؟
ولو كان لهذه الكلمات المعزوَّة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - من قوله: عليكم بالأمين وأصحابه، وقوله: اتَّبعوا هذا وأصحابه، وقوله: إتَّبع هذا الرجل فانّه يومئذ ومن اتّبعه على الحقّ - مقيلاً من الصحّة لا ستدعى أن يفيضها على الصحابة كلّهم لأنّ قضيّتها انّ تلك الفتنة الموعود بها من الفتن المضلة، وإنّ عثمان عندئذ في جانب الحقِّ، وما كان رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بالذي يشحّ على اُمّته بالإرشاد إلى ما فيه هدايتهم و صلاحهم الديني، وهو مقيّضٌ لذلك ومبعوثٌ لأجله، فلماذا لم يروها غير هؤلاء؟ و لا عرفها غيرهم ولو بوساطتهم؟ وكان القائها عليهم مسارةً لا يطّلع عليها أحدٌ؟ ولماذا ترك هؤلاء الإحتجاج بها يوم الدار؟ وفي القوم وهم الأكثرون مَن إن يسمع بها لا يتباطأ عن الخضوع للأمر النبويِّ المطاع، أفلم يدبّروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوَّلين؟ إن هذا إلّا اختلاق.
نظرة فى مناقب عثمان
الواردة في الصحاح والمسانيد
إلى هنا سبرنا صحيفة من حياة عثمان ولا أدري أهي بيضاء أم غيرها؟! لكن الباحث الممعن فيها يوقفه التنقيب على نفسيّاته ومقداره، والغاية من هذا الإسهاب أن نجعل نتيجة هذا الخوض والبحث مقياساً في أمره نردُّ إليه كلّ ما يؤثر في حقِّه فإن ساوى المقياس أثبتناه، وإن طاله أو قصر عنه عرفنا انّه من الغلوّ في الفضائل.
وما سردنا إلى هنا من دعارةٍ في الخلق، وعُرامة في الطباع، وعرارة في الشكيمة وشرَّة في الغرائز، وفظاظة في الأعمال، وتعسُّف في الحكم، واتّباع للشهوات، وميل عن الحقِّ، ودناءة في النفس، وسقطة في الرأي، وسَرف في القول، إلى الكثير المتوفر من أمثال هذه ممّا لا تحمد فعليّته ولا عقباه، لا يدع الباحث أن يخضع لشيء ممّا قيل أو تقوّل فيه من الفضل قويت أسانيده أو وهنت.
كما أنّ آراء الصحابة الأوّلين التي زففناها إلى مناظرك في هذا الجزء من صفحة ٦٩ - ١٦٨ لا تدع مجالاً للبحث عن صحّة تلكم المفتعلات فضلاً عن إثباتها، وانّك تجد في مرسليها أو مسنديها لفائف من زبانية الميول والأهواء من بصريّ أو شاميّ أنهوا أسانيدهم في الغالب إلى موالي عثمان أو إلى رجال بيته الساقط، وذلك ممّا يُعطي انَّها من صنايع معاوية للخليفة المقتول الذي اتَّخذ أمره سُلّماً إلى ما كان يبتغيه من المرتقى، وكان معاوية يهب القناطير المقنطرة لوضع الاحاديث في فضائل أبناء بيته الشجرة المنعوتة في القرآن، من بني اُميَّة عامّة، ومن آل أبي العاص خاصّة، أضف إلى ذلك ما يكتنف أغلب تلك المتون من الموهنات التي لا يقاومها أيّ تمحُّل في تصحيحها، وإليك نبذةٌ من تلكم الموضوعات:
١ - أخرج مسلم وأحمد من طريق عُقيل الأمويّ عن الليث العثماني عن يحيى ابن سعيد الأمويّ عن سعيد بن العاص ابن عمِّ عثمان عن عائشة وعثمان قالا: إنَّ أبا بكر استأذن على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو مضطجعٌ على فراشه لابس مرط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثمَّ انصرف، ثمَّ استأذنت عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثمَّ انصرف، قال عثمان: ثمَّ استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابكِ. فقضيت إليه حاجتي. ثمَّ انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله؟ ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ عثمان رجلٌ حيي(١) وإنِّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليَّ في حاجته(٢) .
٢ - أخرج مسلم غيره من طريق عائشة قالت: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه وساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدَّث ثمَّ استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدَّث، ثمَّ استأذن عثمان فجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسوَّى ثيابه، فلمّا خرج قالت عائشة رضي الله عنها: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثمَّ دخل عمر فلم تهتش له ولم تُباله، ثمَّ دخل عثمان فجلس وسوَّيت ثيابك؟
____________________
١ - حيى كغنى: ذو حياء. وفى شرح مسلم: أى كثير الحياء.
٢ - صحيح مسلم ٧: ١١٧، مسند أحمد ١: ٧١ و ج ٦: ١٥٥، ١٦٧.
فقال: ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة(١) .
وأخرج البخاري في مناقب عثمان حديثاً وقال في ذيله: زاد عاصم إنَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان قاعداً في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه أو ركبته فلمّا دخل عثمان غطّاها. قال ابن حجر في فتح الباري ٧: ٤٣: قال ابن التين: أنكر الداودي هذه الرواية وقال: هذه الرواية ليست من هذا الحديث بل دخل لرواتها حديثٌ في حديث، وإنَّما ذلك الحديث: إنَّ أبا بكر أتى النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو في بيته قد انكشف فخذه فجلس أبو بكر ثمَّ دخل عمر ثمَّ دخل عثمان فغطّاها. الحديث.
قال الأميني: الحياء هو انقباض النفس عمّا لا يلائم خطَّة الشرف من الناحية الدينيَّة أو الإنسانيَّة، وأصله فطريٌّ للإنسان، وكماله اكتسابيٌّ يتأتّى بالايمان، فهو يتدرَّج في الرقيّ بتدرُّج الايمان والمعرفة، فتنتهي إلى ملكة راسخة تأبى لصاحبهما التورّط في المخازي كلّها، فيكون بها الإنسان محدوداً في أفعاله وتروكه وشهواته وميوله وتنبسط تلكم الحدود على الأعضاء والجوارح وعلى النفس والعقل، فلا يسع أيّاً منها الخروج عن حدِّه، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الإستحياء من الله حقّ الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى(٢) فكلّ عمل خارج عن حدود الدين والإنسانيّة منافٌ للحياء، وهو الرادع الوحيد عن الفحشاء والمنكر، وعن كلِّ ما يلوّث ذيل الانسانيّة والعفّة والايمان من صغيرة أو كبيرة، ومن لم يستح فله أن يفعل ما يشاء، وجاء في النبويِّ على المحدّث به وآله السّلام: إذا لم تستح فاصنع - فافعل - ما شئت(٣) .
وعلى هذا فكلٌّ من الفحش والبذاء والكذب والخيانة والغدر والمكر ونقض العهد التخلّع والمجون وما يجري مجراها أضدادٌ للحياء، وقد وقع التقابل بينها وبينه في لسان المشرّع الأعظم منها قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحياء من الايمان والايمان في الجنَّة،
____________________
١ - مسند احمد ٦: ٦٢، صحيح مسلم ٧: ١١٦، مصابيح السنة ٢: ٢٧٣، الرياض النضرة ٢: ٨٨، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٠٢.
٢ - اخرجه الترمذى فى الجامع الصحيح، والمنذرى فى الترغيب والترهيب ٣: ١٦٦.
٣ - اخرجه البخارى فى كتاب الأدب من صحيحه.
والبذاء من الجفاء والجفاء في النار(١) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحياء والعيّ من الايمان وهما يقربان من الجنّة ويباعدان مِن النّار، والفحش والبذاء من الشيطان وهما يقربان من النَّار ويباعدان من الجنّة. أخرجه الطبراني كما في الترغيب والترهيب ٣: ١٦٥.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عائشة! لو كان الحياء رجلاً كان رجلاً صالحاً، ولو كان الفحش رجلاً كان رجل سوء. رواه الطبراني وأبو الشيخ كما في الترغيب والترهيب ٣: ١٦٦.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما كان الفحش في شيء إلّا شانه، وما كان الحياء في شيء إلّا زانه أخرجه ابن ماجة في سننه ٢: ٥٤٦، والترمذي في الصحيح.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ الله عزَّ وجلَّ إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلّا مقيتاً ممقتاً، فإذا لم تلقه إلّا مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلّا خائناً مخوناً، فإذا لم تلقه إلّا خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرّحمة لم تلقه إلّا رجيماً مُلعّناً، فإذا لم تلقه إلّا رجيماً مُلعّناً نزعت منه ربقة الإسلام.
أخرجه ابن ماجة كما في الترغيب والترهيب ٢: ١٦٧.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحياء لا يأتي إلّا بخير(٢) وقال المناوي في شرحه في فيض القدير ٣: ٤٢٧: لأنَّ مَن استحيا من الناس أن يروه يأتي بقبيح دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربِّه أشدّ فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب خطيئة، قال ابن عربي: الحياء أن لا يفعل الإنسان ما يخجله إذا عرف منه انّه عرف منه انّه فعله، والمؤمن يعلم بأنَّ الله يرى كلَّ ما يفعله، فيلزمه الحياء منه لعلمه بذلك، وبأنّه لا بدَّ أن يقرّره يوم القيامة على ما عمله فيخجل فيؤدّيه إلى ترك ما يخجل منه، وذلك هو الحياء فمن ثمّ لا يأتي إلّا بخير.
وقال: حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حقّ الغير، وقال بعض الحكماء: من كسا(٣) الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.
____________________
١ - قال المنذرى فى الترغيب والترهيب ٣: ١٦٥: اخرجه احمد ورجاله رجال الصحيح، والترمذى، وابن حبان فى صحيحه، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.
٢ - أخرجه البخارى ومسلم وابن ماجة والمنذرى.
٣ - لعل الصحيح: من كساه الحياء ثوبه.
إذن هلمَّ معي لنسبر حياة الخليفة - عثمان - علّنا نجد فيها ما يصحّ للبرهنة على ثبوت هذه الملكة له إن لم يُكفأنا الأياس منها بخفّي حنين، فارجع البصر كرَّتين فيما سردناه من أفعال الخليفة وتروكه ومحاوراته وأقواله، ثمّ انظر هل تجد في شيء منها ما يُدعم هذه الدعوى له فضلاً عن أن يكون أحيأ الناس، أو أشدّ الاُمّة حياءً، أو تستحيي منه الملائكة؟
أيصلح شاهداً لذلك قوله لمولانا أمير المؤمنين عليّعليهالسلام : والله ما أنت عندي أفضل من مروان؟ هلّا كان يعلم أنَّ الله عدَّ عليّاً في كتابه نفس النبيِّ الأقدس وقد طهّره بنصِّ الذكر الحكيم، ومروان طريد ابن طريد، وزغ ابن وزغ، لعين ابن لعين؟ راجع الجزء الثامن ص ٢٦٠ ط ٢.
أو اتّهامه ذلك الإمام الطاهر سيِّد العترة بكتاب كتبه هو في قتل محمَّد بن أبي بكر وأصحابه وتعذيبهم وتنكيلهم، فينكر ما كتب ويقول لهعليهالسلام : اتّهمك واتّهم كاتبي مروان؟
أو قوله للإمامعليهالسلام : لئن بقيت لا أعدم طاغياً يتّخذك سُلّماً وعضداً ويعدّك كهفاً وملجأ؟ أو قوله لهعليهالسلام لمـّا كلّمه في أمر عمّار ونفيه إيّاه: أنت أحقُّ بالنفي منه؟
أو قوله لأصحابه مروان ومن كان على شاكلته يستشيرهم في أمر أبي ذر: أشيروا عليَّ في هذا الشيخ الكذّاب إمّا أن أضربه أو أحبسه أو أقتله؟ وملأ مسامع الصحابة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أظلّت الخضراء، وما أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. إلى كلمات اُخرى لهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الثناء عليه، راجع الجزء الثامن ص ٣١٢ ط ٢.
أو قوله لعمّار لمـّا سمع منه - رحم الله أبا ذر من كلِّ أنفسنا -: يا عاضّ أير أبيه أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه، وعمّار كما عرفته في هذا الجزء ص ٢٠ إلى ٢٨ جلدة ما بين عيني رسول الله وأنفه، وهو الطيِّب المطيّب، ملئ ايماناً من قرنه إلى قدمه، اختلط الايمان بلحمه ودمه، يدور مع الحقِّ حيث دار، وقد جاء الثناء عليه في الذكر الحكيم.
إذا كان حقّاً ما يدَّعيه عثمان لنفسه(١) من أنَّه لم يمسّ فرجه بيمينه منذ بايع
____________________
١ - يأتى حديثه بتمامه.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تشريفاً ليد النبيّ الكريمة؟ فليت شعري لماذا طفق يلوك بلسانه اسم أير ياسر أبي عمّار؟ وطالما لهج بأحاديث النبوَّة به، ورتّل كتاب الله ترتيلاً، أما كان عليه أن يكفَّ لسانه عن البذاءة كرامةً للكتاب والسنَّة، كما ادّعى كلاءة نفسه عن مسِّ فرجه كرامةً ليد النبوَّة؟ إن لم يُداحمنا هنالك من يُنكر دعواه في اليد قياساً على ما شوهد منه في اللسان مرَّة بعد اُخرى.
أيصلح شاهداً لذلك قوله على صهوة المنبر بين ملأ المسلمين في ابن مسعود لمـّا قدم المدينة: ألا إنَّه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح؟ وابن مسعود أحد الذين أطراهم الكتاب العزيز، وكان أشبه الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هدياً ودلّاً وسمتاً. راجع ما مرَّ في هذا الجزء ص ٦ - ١١.
أو قوله لعبد الرّحمن بن عوف: إنَّك منافق(١) ؟ وهو أحد العشرة المبشّرة فيما يحسبون.
أو قوله لصعصعة بن صوحان: البجباج النفّاج؟ وهو ذلك السيِّد الخطيب الفصيح الديّن كما مرَّ في ص ٤٢ من هذا الجزء.
أو شتمه المغيرة بن الوليد المخزومي لمـّا دافع عن عمّار حينما ضربه عثمان حتَّى غُشي عليه؟
أو قوله في كتابه إلى معاوية: إنَّ أهل المدينة قد كفروا؟ أو قوله في كتاب آخر له: فهم كالأحزاب أيام الأحزاب أو من غزانا باُحد؟ وهو يريد الأنصار الذين آووا ونصروا، والمهاجرين الذين صدَّقوا واتّبعوا، وهم الذين يحسب أتباع الخليفة أنَّ كلّهم عدول، ولم يكن بينهم متخلّف عن النقمة عليه إلّا ثلاثة أو أربعة حفظ التاريخ ترجمة حياتهم الموصومة.
أو قوله في كتابه إلى الأشتر وأصحابه: إنِّي قد سيَّرتكم إلى حمص، فإنَّكم لستم تألون الإسلام وأهله شرًّا.
أو قوله المائن على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمرٌ فلمّا تيقّنوا انّه باطلٌ ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم؟ يقول ذلك
____________________
١ - السيرة الحلبية ٢: ٨٧، الصواعق ص ٦٨.
بعد ما عهد على نفسه أن يعمل بالكتاب والسنَّة، وكتب بهذا كتاباً وشهد عليه اُمّة من الصحابة بعد ما اعترف بهناته بين الملأ وأظهر الندامة منها وتاب عنها ولذلك كلّه رجع المصريُّون وغيرهم من الثائرين عليه إلى بلادهم، وكان يحنث عهده وينقض توبته بتلبيس أبالسته مروان ونظرائه، فهل يفعل مثل هذا من تردَّى بأبراد الحياء؟
أو مقارفته ليلة وفاة اُمّ كلثوم النبيِّ الأقدس؟ وكان ذلك ممقوتاً جدّاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى انَّه ألمح إليه بقوله: هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ فمنعه بذلك عن دفن حبيبته، وألصق به هوان الأبد.
أو تربّعه على صهوة منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا استخلف؟ وكان أبو بكر يجلس دون مقامهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمرقاة ثمّ عمر دونه بمرقاة، وكان من حقِّ عثمان الذي كان أشدّ حياءً من صاحبيه أن لا يطأ ذلك المرتقى، وأن يتّبع ولا أقل سيرة الشيخين في الحياء والأدب، لكنَّه.....
أو مخالفته الكتاب والسنَّة؟ كما كتب المهاجرون الأوَّلون وبقيَّة الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين: أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها فإنَّ كتاب الله قد بُدّل، وسنَّة رسوله قد غُيّرت(١) . وكتبوا إلى الصحابة في الثغور: إنَّ دين محمّد قد أفسده من خلفكم وترك، فهلمُّوا فأقيموا دين محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ورفعت عائشة نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي تقول: تركت سنَّة رسول الله صاحب هذا النعل. وتقول: ما أسرع ما تركتم سنَّة نبيِّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعدُ. وتقول: عثمان قد ابلى سنّة رسول الله. وتقول: اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً انَّه قد كفر. إلى كلمات اُخرى لها ولغيرها في مخالفة الرجل الكتاب والسنَّة.
أو إعرابه عن تلكم الآراء الشاذّة عن الكتاب والسنَّة في الصَّلاة والصِّلاة و الصدقات والأخماس والزكوات والحجّ والنكاح والحدود والديات بلهجة شديدة بمثل قوله: هذا رأيٌ رأيته. وقوله: لنأخذنَّ حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت اُنوف أقوام هذا مال الله اُعطيه من شئت وأمنعه من شئت فأرغم الله أنف من رغم. فقال له عليٌّ إذن تُمنع من ذلك ويحال بينك وبينه.
وقال عمّار: اُشهد الله إنَّ أنفي أوَّل راغم من
____________________
١ - راجع ما مرّ ص ١٦٢ من هذا الجزء.
ذلك. أو قال: أنا والله أوَّل من رغم أنفه من ذلك. راجع صفحة ١٥ من هذا الجزء.
أو حثُّه الناس على الأخذ بتلكم الآراء المنتئية عن ناموس الإسلام المقدَّس حتى قال له أمير المؤمنين لمـّا قال له عثمان: لا تراني أنهى الناس عن شيء وتفعله أنت؟ لم أكن لأدع سنَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقول أحد من الناس؟ أو قال له: لم أكن لأدع قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقولك. وكاد أمير المؤمنين يُقتل من جرَّاء تلك الاُحدوثة، مرَّ حديثه في ج ٦: ٢١٩ و ج ٨: ١٣٠ ط ٢.
وقد فتح بذلك باب الجرأة على الله والتقوُّل عليه بمصراعيه فجاء بعده معاوية ومروان وأبناء أبيه الآخرون يلعبون بدين الله لعبة الصبيان بالدُوّامة(١) .
أو ايواءه عبيد الله بن عمر لمـّا قتل نفوساً أبرياء ولم يقتصّ منه ونقم عليه بذلك جلُّ الصحابة - لو لم نقل كلّهم - ممّن يُأبه به وبرأيه؟!
أو تعطيله الحدَّ على الوليد بن عقبة لرحمه وقرابته منه وقد شرب الخمر وقاء في محراب المسجد الأعظم بالكوفة، حتّى وقع التحاور والتحارش بين المسلمين، واحتدم الحوار والمكالمة وتضاربوا بالنعال؟ مرَّ في الجزء الثامن ص ١٢٠ - ١٢٥.
أو تسليطه بني اُميَّة رجال العيث والفساد أبناء الشجرة الملعونة في القرآن على رقاب الناس ونواميس الإسلام المقدَّسة وتوطيده لهم الملك العضوض؟ وتأسيسه بهم حكومة أمويَّة غاشمة في الحواضر الإسلاميَّة؟ كما فصَّلنا القول فيه في الجزء الثامن ص ٢٨٨ - ٢٩٢ ط ٢.
أو ردُّه إلى المدينة وايواءه عمَّه وأبناؤه وكان قد طردهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تنزيهاً لتلك الأرض المقدَّسة من اولئك الأدناس الأرجاس؟.
أو تفويضه الصالح العام إلى مروان المهتوك؟ وتطوّره في سياسة العباد بتقلّباته؟ كأنَّ بيده مقاليد اُمور الاُمَّة حتّى قال له مولانا أمير المؤمنين: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بتحويلك عن دينك وعقلك مثل جمل الظعينة يُقاد حيث يُسار به؟ وقال: ما رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بافساد دينك وخديعتك عن عقلك، وإنِّي
____________________
١ - لعبة من خشب يلف الصبى عليها خيطا ثمّ ينقضه بسرعة فتدوم أى تدور على الارض. و فى اللغة الدارجة: مرصع. وشاخة.
لأراه سيوردك ثمَّ لا يُصدرك.
أو كتابه إلى وُلاته في قتل صلحاء الاُمَّة وحبسهم وتنكيلهم وتعذيبهم؟.
أو تسييره عباد الله الصالحين من الصحابة الأوَّلين والتابعين لهم بإحسان من معتقل إلى معتقل، ونفيهم عن عقر دورهم من المدينة والبصرة والكوفة، وايذائهم بكلِّ ما يمكنه من ضرب ووقيعة وتنكيل؟
مشرَّدين نفوا عن عقر دارهم |
كأنّهم قد جنوا ما ليس يغتفرُ |
حتّى هلك في تسييره سيِّد غفار أبو ذر الصدِّيق المصدَّق بعد ما تسلّخ لحوم أفخاذه من الجهد في تسييره.
هذه نبذٌ يسيرة قرأناها في صحيفة حياء الخليفة ليعطي الباحثُ الممعن فيها للنصفة حقّها، فيصدق السائل في جوابه، فهل يجد في شيء منها دلالة على تلفُّع الرجل بشيء من أبراد الحياء؟ أو يجدها أدلَّة واضحة على فقده لهاتيك الملكة الفاضلة؟ ويجده متردِّياً بضدِّ هذه الغريزة في كلِّ تلكم الأحوال؟ وعلى هذه فقس ما سواها.
على أنَّ أبا بكر كان أولى بالإستحياء منه إن صحَّ ما مرَّ في الجزء السابع ص ٢٤٨ من رواية إستحياء الله منه، وتكذيبه نبيَّه إستحياءً من أبي بكر(١) ؟ فكيف لم يهتشصلىاللهعليهوآلهوسلم له ولم يُبال به ويهتش لعثمان.
لنا كرَّةٌ ثانية لرواية الحياء من ناحية اُخرى فانَّ مختلق هذه الأفيكة أعشاه الحبُّ المعمي والمصمّ حيث أراد إثبات فضيلة رابية للخليفة ذاهلاً أو متذاهلاً عن أنَّ لازم ذلك سلب تلك الفضيلة عن نبيِّ الاسلامصلىاللهعليهوآلهوسلم - والعياذ بالله - حيث نسب إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم الكشف عن أفخاده بمنتدى من صحابته غير مكترث لحضورهم حتّى إذا جاء الذي تستحي منه الملائكة فاستحى منه وسترها، ونحن نقول أوَّلاً: إنَّ هذا الفعل ممّا لا يرتكبه عظماء الناس ورجالات الاُمم وإنَّما تجيء بمثله الطبقات الواطئة من أذناب الأعراب، فنبيُّ العظمة الذي يهزأ بالطود في وقاره، ويُزري بالبحر في معارفه، وكان كما وصفه أبو سعيد الخدري، أشدُّ حياءً من العذراء في خدرها(٢) وكان إذا كره شيئاً
____________________
١ - من المخازى المفتعلة كما مرّ تفصيله.
٢ - أخرجه الشيخان البخارى فى صحيحه باب صفة النبى ج ٥: ٢٠٣ ومسلم فى صحيحه ٧: ٧٨
عرفناه في وجهه. وقد أدَّبه الله تعالى فلم يدع فيه من شائنة وهذّبه حتّى استعظم خلقه الكريم بقوله تعالى: « إنّك لعلى خُلق عظيم »، لا يستسيغ ذو لبٍّ مؤمن به وبفضله أن يعزو إليه مثل هذا التخلّع الشائن.
على أنَّ الشريعة التي صدع بها جعلت الأفخاذ عورة وأمرت بسترها، أخرج أحمد إمام الحنابلة في مسنده ٥: ٢٩٠ بالإسناد عن محمّد بن جحش ختن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرَّ على معمّر بفناء المسجد محتبياً كاشفاً عن طرف فخذه فقال له النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : خمِّر فخذك يا معمَّر! فإنَّ الفخذ عورة.
وفي لفظ باسناد آخر من طريق ابن جحش قال: مرَّ النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا معه على معمَّر وفخذاه مكشوفان فقال: يا معمَّر! غطّ فخذيك فإنَّ الفخذ عورة.
وأخرجه البخاري بهذا الطريق وطريقي ابن عبّاس وجرهد في صحيحه باب ما يذكر في الفخذ ١: ١٣٨ ثمَّ ذكر من طريقي أنس انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم حسر عن فخذه فقال: حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط وأخرجه من طريق ابن جحش في تاريخه ١ « قسم » ١: ١٢: وأخرجه البيهقي في سننه ٢: ٢٢٨، والحاكم في المستدرك ٤: ١٨٠.
قال ابن حجر في الإصابة ٣: ٤٤٨ أخرجه أحمد والحاكم وصحَّحه، وأخرجه ابن قانع من وجه آخر عن الأعرج عن معمَّر أنَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرَّ به وهو كاشفٌ عن فخذه. الحديث.
وقال العسقلاني في فتح الباري ١: ٣٨٠: رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير فقد روى عنه جماعةٌ لكن لم أجد فيه تصريحاً بتعديل، وقد أخرج ابن قانع هذا الحديث من طريقه أيضاً. ووقع لي حديث محمَّد بن جحش مسلسلاً بالمحمَّدين من إبتدائه إلى إنتهائه وقد أمليته في الأربعين المتباينة.
وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٢: ٥٢ عن أحمد والطبراني في الكبير فقال: رجال أحمد ثقاتٌ.
٢ - عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً: لا تُبرز فخذك - فخذيك - ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميِّت أخرجه البيهقي في سننه ٢: ٢٢٨ والحاكم في المستدرك ٤. ١٨٠
والبزّار كما في نيل الأوطار ٢: ٤٨.
٣ - عن جرهْد الأسلمي قال: مرَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليَّ بردة وقد انكشفت فخذي وقال: غطّ فخذك فإنَّ الفخذ عورة.
أخرجه البخاري في صحيحه كما سمعت تعليقاً، ورواه مالك في الموطَّأ وأبو داود وأحمد والترمذي وقال: حسن. وذكره القسطلاني في إرشاد الساري عن مالك والترمذي فقال: وصحَّحه ابن حبّان، وذكر الشوكاني في نيل الأوطار ٢: ٥٠ تصحيح ابن حبّان إيّاه، وأخرجه البيهقي في سننه ٢: ٢٢٨ من طريقين، والحاكم في المستدرك ٤: ١٨٠.
٤ - عن ابن عبّاس: مرَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على رجل وفخذه خارجة. فقال: غطّ فخذيك، فإنَّ فخذ الرجل من عورته.
أخرجه البخاري تعليقاً كما مرَّ، ورواه الترمذي وأحمد في مسنده ١: ٢٧٥، والبيهقي في سننه ٢: ٢٢٨ فقال: قال الشيخ: وهذه(١) أسانيد صحيحة يُحتجُّ بها، و أخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ١٨١.
٥ - أخرج الدارقطني في سننه من طريق عبد الله بن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرو صبيانكم بالصَّلاة في سبع سنين واضربوهم عليها في عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع، وإذا زوَّج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرَّة وفوق الركبة، فإنَّ ما تحت السرَّة إلى الركبة من العورة.
وأخرجه أحمد في مسنده ٢: ١٨٧ ولفظه: فلا ينظرنَّ إلى شيء من عورته فانَّما أسفل من سرَّته إلى ركبتيه من عورته. وذكره الزيلعي في نصب الراية ١: ٢٩٦ نقلاً عن الدارقطني وأبي داود وأحمد والعقيلي فقال: وله طريق آخر عند ابن عدي في الكامل. وأخرجه البيهقي في سننه ٢: ٢٢٩ من أربعة طرق، وذكره القسطلاني في إرشاد الساري ١: ٣٨٩.
٦ - أخرج الدارقطني في سننه ص ٨٥، والبيهقي في سننه ٢: ٢٢٩ من طريق أبي ايُّوب مرفوعاً: ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرَّة من العورة.
____________________
١ - يعنى اسانيد حديث ابن جحش وجرهد وابن عباس.
وذكره الزيلعي في نصب الراية ١: ٢٩٧.
هذه الأحاديث أخذها الأعلام أئمَّة الفقه والفتيا وذهبوا إلى أنَّ الفخذ عورة وهو رأي أكثر العلماء كما قال النووي(١) والجمهور كما قاله القسطلاني والشوكاني(٢) قال ابن رشد في بداية المجتهد ١: ١١١: ذهب مالك والشافعي إلى أنَّ حدَّ العورة مِن الرجل ما بين السرَّة إلى الركبة وكذلك قال أبو حنيفة. وقال قومٌ: العورة هما السوءتان فقط من الرجل، وسبب الخلاف في ذلك أثران متعارضان كلاهما ثابتٌ، أحدهما حديث جرهد: أنَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: الفخذ عورةٌ. والثاني: حديث أنس أنَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم حسر عن فخذه وهو جالسٌ مع أصحابه. ثمَّ ذكر قول البخاري المذكور.
وقال القسطلاني في إرشاد الساري ١: ٣٨٩: قال الجمهور من التابعين وأبو حنيفة ومالك في أصحّ أقواله، والشافعي وأحمد في أصحِّ روايتيه، وأبو يوسف ومحمَّد: الفخذ عورةٌ. وذهب ابن أبي ذئب وداود وأحمد في إحدى روايتيه والاصطخري من الشافعية وابن حزم إلى أنَّه ليس بعورة.
وفي الفقه على المذاهب الأربعة ١: ١٤٢: أمّا عورة الرجل خارج الصَّلاة فهي ما بين سرَّته وركبته فيحلُّ النظر إلى ما عدا ذلك من بدنه مطلقاً عند أمن الفتنة. وفيه: قال المالكيَّة والشافعيَّة: إنَّ عورة الرجل خارج الصَّلاة تختلف باختلاف الناظر إليه فبالنسبة للمحارم والرجال هي ما بين سرَّته وركبته وبالنسبة للأجنبيَّة منه هي جميع بدنه إلّا أنَّ المالكيّة إستثنوا الوجه والأطراف وهي الرأس واليدان والرجلان فيجوز للأجنبيَّة النظر إليها عند أمن التلذّذ، وإلّا منع خلافاً للشافعيَّة فانَّهم قالوا: يحرم النظر إلى ذلك مطلقاً.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٢: ٤٩ بعد ذكر حديث عليّ أمير المؤمنين المذكور مرفوعاً والحديث يدلّ على أنَّ الفخذ عورة وقد ذهب إلى ذاك العترة والشافعي وأبو خنيفة، قال النووي، ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الفخذ عورةٌ وعن أحمد ومالك في رواية: العورة القبل والدبر فقط « إلى أن قال: » والحقّ انَّ الفخذ مِن
____________________
١ - فتح البارى ١: ٣٨٢: نيل الاوطار ٢: ٤٩.
٢ - ارشاد السارى ١: ٣٨٩، نيل الاوطار ٢: ٥٠.
العورة، وحديث عليّ هذا وإن كان غير منتهض على الاستقلال ففي الباب من الأحاديث ما يصلح للإحتجاج به على المطلوب. وقال بعد ذكر حديث جرهد: الحديث من أدلَّة القائلين بأنَّ الفخذ عورةٌ وهم الجمهور.اهـ.
هب انَّ النهي عن كشف الأفخاذ تنزيهيٌّ إلّا أنَّه لا شكَّ في أنَّ سترها أدبٌ من آداب الشريعة، ومن لوازم الوقار ومقارنات الاُبَّهة: ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أولى برعاية هذا الأدب الذي صدع به هو، قال ابن رشد في تمهيدات المدوَّنة الكبرى ١: ١١٠: والذي أقول به إنَّ ما روي عن النبيِّ عليه الصّلاة والسَّلام في الفخذ ليس باختلاف تعارض ومعناه انَّه ليس بعورة يجب سترها فرضاً كالقبل والدبر وانَّه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها، فلا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات ولا عند ذوي الأقدار والهيئات، فعلى هذا تستعمل الآثار كلّها واستعمالها كلّها أولى من اطِّراح بعضها.اهـ.
فعلى كِلا التقديرين نحاشي نبيَّ العظمة والجلال أن يكشف عن فخذيه في الملأ غير مكترث للحضور - وهو أشدُّ حياءً من العذراء - ولا يأبه بهم حتّى أن يأتي رضيع ثدي الحياء، وربيب بين القداسة وليد آل اُميّة، أشدُّ الاُمّة حياءً، وقد قتلته أفعاله النائية عن تلك الملكة الفاضلة.
ولا يهولنّك وجود الرواية في الصحيحين فانّهما كما قلنا عنهما علبتا السفاسف وعيبتا السقطات وفيهما من المخازي والمخاريق ما شوَّه سمعة التأليف، وفتَّ في عضد علم الحديث، ولعلّنا سوف نُدعم ما ادّعيناه بالبرهنة الصادقة إنشاء الله تعالى: وليتهما اقتصرا من الخزاية على رواية كشف الفخذ فحسب ولم يُخرجا تعرِّيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الناس، أخرج البخاري في صحيحه باب بنيان الكعبة ج ٦: ١٣، ومسلم في صحيحه ج ١: ١٨٤ من طريق جابر بن عبد الله قال: لمـّا بُنيت الكعبة ذهب النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعبّاس ينقلان حجارة، فقال العبّاس للنبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إجعل إزارك على عاتقك يقيك مِن الحجارة. ففعل، فخرَّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السّماء ثمَّ قام فقال: إزاري إزاري فشدَّ عليه إزاره.
وفي لفظ لمسلم: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه
إزاره، فقال له العبّاس عمّه: يا ابن أخي! لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة قال: فحلّه فجعله على منكبيه فسقط مغشيّاً عليه قال: فما رؤي بعد ذلك اليوم عرياناً.
وفي قصّة لابن هشام في السيرة ١: ١٩٧ قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما ذكر لي، يُحدِّث عمّا كان يحفظه به في صغره وأمر جاهليّته انّه قال: لقد رأيتُني في غلمان قريش تنقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلّنا قد تعرَّى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فانِّي لاُقبل معهم كذلك واُدبر، إذ لكمني لاكمٌ ما أراه لكمةً وجيعة ثمَّ قال: شدَّ عليك إزارك قال: فأخذته وشددته عليَّ، ثمَّ جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليَّ من بين أصحابي.
هلمُّوا معي أيُّها المسلمون جميعاً نسائل هذين الرجلين - صاحبي الصحيحين - أهذا جزاء نبيِّ العظمة على جهوده؟ وحقّ شكره على إصلاحه؟ أهذا من إكباره وتعظيمه؟ أصحيحٌ أنَّ محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يمشي بين ملأ العمّال عارياً قد نضا عنه ثيابه وألقى عنه إزاره، غير ساتر عن الحضور عورته؟ وكان عمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ خمساً وثلاثين سنة كما قال ابن إسحاق(١) .
هب أنَّ رواة السوء أخرجوه لغاية مستهدفة لكن ما المبرِّر للرجلين أن يستصحّاه ويُثبتاه في صحيحهما كأثر ثابت؟ أيحسبان أنَّ هذا العمل الفاضح من مصاديق ما أثبتاه لهصلىاللهعليهوآلهوسلم - وهو الصحيح الثابت - من انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان أشدُّ حياءً من العذراء؟(٢) وهل تجد في العذراء مَن يستبيح هذه الخلاعة؟ لاها الله، لاها الله.
أوَ يحسبان صاحب هذا المجون غير نبيِّ الإسلام الذي نهى جرهداً. ومعمّراً عن كشف فخذيهما لأنَّهما عورة؟ أو ينهيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن كشف الفخذ يوماً ويكشف هو عمّا فوقها يوماً آخر؟ أوَ من الهيِّن أن نعتقد أنَّ الفخذ عورةٌ لكن ما يعلوها من السوءة ليس بعورة؟.
____________________
١ - راجع سيرة ابن هشام ١: ٢٠٩، الروض الانف ١: ١٢٧، عيون الاثر ١: ٥١، وما فى فتح البارى ٧: ٥ نقلا عن ابن اسحاق ان عمره كان خمساً وعشرين سنة فغير صحيح والذي صحّ عنه خمس وثلثون.
٢ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء صفحة ٢٨١.
هلمَّ معي نعطف النظرة بين ما أثبته الصحيحان على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين ما جاء به أحمد في مسنده ١: ٧٤ عن الحسن البصري انَّه ذكر عثمان وشدَّة حياءه فقال: إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء يمنعه الحياء أن يقيم صلبه(١) انظر إلى حياء نبيِّ العصمة والقداسة، وحياء وليد الشجرة المنعوتة في القرآن، وشتّان بينهما؟.
أوَ ليس هذا النبيُّ الأعظم هو الذي سأله معاوية بن حيدة فقال له: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إحفظ عورتك إلّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يراها أحدٌ فلا يرينها. قال: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال فالله تبارك وتعالى أحقّ أن يُستحيا منه(٢) .
لقد أغرقصلىاللهعليهوآلهوسلم نزعاً في سِتر العورة حتّى انَّه لم يرض بكشفها والمرأ خال حياءً من الله تعالى، واستدَّل به مَن قال: إنَّ التعرِّي في الخلاء غير جائز مطلقاً(٣)
لكن مَن عذيري من صاحبي الصحيحين حيث يحسبان انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كشفها بملأ مِن الأشهاد؟ والله من فوقهم رقيب. وعلى فرضه - وهو فرض محال - فأين الحياء المربي على حياء العذراء؟ وأين الحياء من الله؟ غفرانك أللهمَّ هذا بهتانٌ عظيم.
هل يحسب الشيخان أنَّ ذلك الحياء فاجأهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد هذه الوقايع أو الفظايع، وما كان غريزة فيه منذ صيغ في بوتقة القداسة؟ إن كانا يزعمان ذلك؟ فبئس ما زعما، وإنَّ الحقَّ الثابت انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان نبيّاً وآدم بين الروح والجسد(٤) وقد اكتنفته الغرائز الكريمة كلّها منذ ذلك العهد المتقادم، شرع سواء في ذلك وهو في عالم الأنوار: أو: في عالم الأجنَّة، وفي أدوار كونه رضيعاً وطفلاً ويافعاً وغلاماً وكهلاً وشيخاً،صلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
١ - وذكره ابن الجوزى في صفة الصفوة ١: ١١٧، والمحب الطبرى فى الرياض ٢: ٨٨.
٢ - قال ابن تيمية فى المنتقى: رواه الخمسة الا النسائى. نيل الاوطار ٢: ٤٧.
٣ - راجع نيل الاوطار ٢: ٤٧.
٤ - لهذا الحديث عدّة الفاظ من طريق ميسرة وأبى هريرة وابن سارية وابن عبّاس وابى الجدعاء، واخرجه ابن سعد، واحمد بن حنبل، والبخارى فى التاريخ، والبغوى، وابن السكن، والطبرانى، وابو نعيم فى الحلية والدلائل، وصحّحه الحاكم، والترمذى حسنه وصححه، وابن حبان فى صحيحه، وابن عساكر، وابن قانع، والدارمى فى السنن، راجع كشف الخفا للعجلونى ٢: ١٢٩، والجامع الكبير كما فى ترتيبه ج ٦.
يومُ ولد ويوم مات ويوم يُبعث حيّاً.
أوَ ليس مسلم هو الذي يروي من طريق المسور بن مخرمة انَّه قال: أقبلت بحجر ثقيل أحمله وعليَّ إزارٌ خفيفٌ فانحلَّ إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أمنعه حتّى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إرجع إلى إزارك فخذه ولا تمشوا عراة(١) .
أفمن المستطاع أن يقال: انّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى مسوراً عن المشي عارياً ويزجره عن حمل الحجر كذلك ويرتكب هو ما نهى عنه؟ إنَّ هذا لشيء عجاب.
وأعجب منه انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى انَّ المشرك إذا شاهد الناظر المحترم لم يكشف عن عورته فكيف هو بنفسه، جاء في السير في قصَّة الغار، أنَّ رجلاً كشف عن فرجه وجلس يبول فقال أبو بكر: قد رآنا يا رسول الله! قال: لو رآنا لم يكشف عن فرجه. فتح الباري ٧: ٩.
وأعجب من الكلِّ انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى لعورة الصغير حرمة كما جاء في صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ٢٥٧ من طريق محمَّد بن عياض قال: رُفعت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صغري وعليَّ خرقة وقد كشفت عورتي فقال: غطُّوا حرمة عورته فإنَّ حرمة عورة الصغير كحرمة عورة الكبير، ولا ينظر الله إلى كاشف عورة.
وأنَّى يصحُّ حديث الشيخين إن صحَّ ما مرَّ عن ابن هشام ص ٢٨٦ من قصَّة لعبهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع الغلمان في صغره وقد حلَّ إزاره وجعله على رقبته، إذ لكمه لاكمٌ فأورعه، وهتف بقوله: شدَّ عليك إزارك؟ أبعد تلكم اللكمة وذلك الهتاف عادصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ما نُهي عنه لمـَّا كبر وبلغ مبلغ الرجال؟
وكيف يتَّفق حديث الشيخين مع ما أخرجه البزّار من طريق ابن عبّاس قال: كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يغتسل وراء الحجرات وما رأى أحدٌ عورته قطّ. وقال: إسناده حسنٌ(٢) .
وأبلغ من ذلك ما رواه القاضي عياض في الشفا ١: ٩١ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت فرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قطُّ.
____________________
١ - صحيح مسلم ١: ١٠٥: وفى ط مشكول ١: ١٧٤.
٢ - راجع فتح البارى ٦: ٤٥٠، شرح المواهب للزرقانى ٤: ٢٨٤.
_١٨_
كوني أنتِ يا أمَّ المؤمنين حكماً عدلاً بيننا وبينُ رواة السفاسف، واحكمي قسطاً فيمن يعزو إلى بعلك المقدَّس ممـّا يُربي بنفسه عنه كلّ سافل ساقط، ويقولون: إنَّ رجلاً لم ير عَورته قطُّ أحدٌ حتّى حليلته، وأنتِ من اطلع النّاس على خلواته وسرّيّاته كان يحمل الحجر بين العمَّال عارياً وقد حلَّ إزاره وجعله على منكبيه.
أيُّهما صحيحٌ عنكِ يا اُمَّ المؤمنين ممَّا اسندوه إليكِ؟ أحديثكِ هذا؟ أم ما حدَّثت به - إن كنتِ حدَّثتِ به - من حديث عثمان مشفوعاً بما ثبت عن بعلكِصلىاللهعليهوآلهوسلم من أنَّ الفخذ عورةٌ؟.
وكأنِّي بأمّ المؤمنين تقول: حسبك أيُّها السائل لقد مُنيت بالكذابة كما مُني بها بَعليصلىاللهعليهوآلهوسلم قبلي، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلّا كذبا.
وسيعلم المبطلون غبَّ ما فرطوا في جنب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غلوًّا في فضائل اُناس آخرين، ونعم الحَكم الله غداً والخصيم محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ليت شعري هل كانت عائشة تعتقد باستقرار ملكة الحياء في عثمان في كلِّ تلك المدَّة التي روت عن اولياتها حديث الفخذين، وطفقت في اُخرياتها تثير الناس على عثمان وتقول فيه تلكم الكلم القارصة الفظَّة التي أسلفناها في الجزء صفحة ٧٧ - ٨٦ ولم تفتأ حتّى أوردته حياض المنيَّة، وهل كانت ترى استمرار حياء الملائكة منه طيلة ما بين الحدَّين؟! أو أنَّها ترتأي انفصام عراه بتقطُّع حلقات ما أثبتت له من ملكة الحياء؟ ولذلك قلبت عليه ظهر المجن، فإن كان الأوَّل فما المبرِّر للهجاته الأخيرة؟ وإن كان غيره؟ فالحديث باطلٌ أيضاً لأنَّ تبجيل عالم الملكوت لا يكون إلّا على حقيقة مستوعبة لمدَّة حياة الإنسان كلّها، والتظاهر بالفضل المنصرم لا حقيقة له تكبرها الملائكة وتستحي من جهتها، هذا إن لم تُعد اُمُّ المؤمنين علينا جوابها الأوَّل مرَّة اُخرى من أنَّها مُنيت بالكذابة كما انَّه جوابها المطَّرد في كلِّ ما يُروى عنها من فضل عثمان وإنَّ كلّها من ولائد عهد معاوية المحشوِّ بالأكاذيب والمفتريات طمعاً في رضائخه.
٣ - أخرج الطبراني من حديث أبي معشر البراء البصري عن إبراهيم بن عمر بن أبان بن عثمان عن أبيه عمر بن أبان عن أبيه أبان بن عثمان بن عفان قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: بينما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالسٌ وعائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثمَّ استأذن
عمر فدخل، ثمَّ استأذن سعد بن مالك فدخل، ثمَّ استأذن عثمان بن عفّان فدخل و رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتحدَّث كاشفاً عن ركبته فردَّ ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان و قال لامرأته: استأخري فتحدَّثوا ساعة ثمَّ خرجوا فقالت عائشة: يا نبيَّ الله دخل أبي وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتك ولم تؤخّرني عنك؟ فقال النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ والذي نفسي بيده انَّ الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريبٌ منِّي لم يتحدّث، ولم يرفع رأسه حتَّى يخرج.
ذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٠٣ فقال: هذا حديثٌ غريبٌ وفي سنده ضعفٌ. وأوعز الذهبي إليه في الميزان ٢: ٢٥٠ فقال: قال البخاري: في حديث عمر بن أبان نظر.
قال الأميني: هذه الرواية لدة ما أسلفناه من مسلم وأحمد مشفوعاً بتفنيده و إبطاله ونزيدك هاهنا: انَّ البراء أبا معشر البصري ضعَّفه ابن معين، وقال أبو داود: ليس بذاك(١) وفيها إبراهيم بن عمر بصريُّ أمويُّ حفيد الممدوح قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن أبي حاتم: ترك أبو زرعة حديثه فلم يقرأه علينا. وقال ابن حبّان: لا يحتجّ بخبره إذا انفرد(٢) وقال ابن عدي: حدَّثنا أبو يعلى عن المقدمي عن أبي معشر عن إبراهيم بن عمر بن أبان بأحاديث كلّها غير محفوظة منها: انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم أسرّ إلى عثمان انَّه يقتل ظلماً(٣) .
٤ - أخرج الطبراني من طريق أبي مروان محمّد بن عثمان الأموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفان عن مالك عن أبي الزناد (مولى بنت عثمان) عن الأعرج عن أبي هريرة انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: عثمان حييٌ تستحي منه الملائكة(٤)
قال الأميني: في الإسناد أبو مروان محمّد قال صالح الأسدي: يروي عن أبيه المناكير، وقال ابن حبّان: يخطئ ويخالف(٥) .
____________________
١ - تهذيب التهذيب ١١: ٤٣٠.
٢ - ميزان الاعتدال ١: ٢٤، لسان الميزان ١: ٨٦.
٣ - لسان الميزان ٤: ٢٨٢.
٤ - تاريخ ابن كثير ٧: ٢٠٣.
٥ - تهذيب التهذيب ٩: ٣٣٦.
وفيه عثمان بن خالد قال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بثقة. و قال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم. وقال أبو أحمد: منكر الحديث: وقال ابن عدي: أحاديثه كلّها غير محفوظة. وقال الساجي: عنده مناكير غير معروفة. وقال الحاكم وأبو نعيم: حدّث عن مالك وغيره بأحاديث موضوعة(١) وقال ابن حبّان: يروي المقلوبات عن الثقات لا يجوز الإحتجاج به(٢) ، وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة ١: ٥٣ في حديث يأتي: إسناده ضعيفُ فيه عثمان بن خالد وهو ضعيفٌ باتِّفاقهم.
وقد فصّلنا القول قُبيل هذا في حياء الرّجل بما لا مزيد عليه وبذلك تعلم أنّ الحديث باطلٌ وإن صحّ إسناده فكيف به وإسناده أوهن من متنه.
٥ - أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء ١: ٥٦ من طريق هشيم أبي نصر التّمار عن الكوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أشدُّ اُمَّتي حياءً عثمان بن عفان.
قال الأميني: تغمرني الحيرة في حياء اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ومبلغها منه بعد أن كان عثمان أشدّها حياءً وبين يديك أفعاله وتروكه، فعلى الاُمَّة العفا إن صدقت الأحلام.
نعم: هذا لا يكون، ونبيُّ العظمة لا يسرف في القول، ولا يجازف في الإظراء، والإسناد باطلٌ لا يعوَّل عليه لمكان كوثر بن حكيم قال أبو زرعة: ضعيفٌ. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه بواطيل ليس بشيء. وقال الدارقطني وغيره: مجهولٌ. وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه فقال: ليس هو من عيالنا، وكان أحمد إذ لم يروعن رجل قال: ليس هو من عيالنا متروك الحديث وقال: ضعيفٌ منكر الحديث. وقال الجوزجاني: لا يحلُّ كتابة حديثه عندي لأنّه متروكٌ. وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه غير محفوظة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث. قلت: هو متروكٌ؟ قال: لا، ولا أعلم له حديثاً مستقيماً وهو ليس بشيء. وقال ابن أبي شيبة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح والساجي: ضعيفٌ. وقال البرقاني والدار قطني: متروك الحديث. وذكره العقيلي والدولابي وابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء. ميزان الاعتدال ٢: ٣٥٩،
____________________
١ - روايته هذه عن مالك من تلكم الموضوعات.
٢ - تهذيب التهذيب ٧: ١١٤.
لسان الميزان ٤: ٤٩١.
٦ - أخرج أبو نعيم في الحلية ١: ٥٦ من طريق زكريّا بن يحيى المقري(١) عن ابن عمر قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عثمان أحيا اُمَّتي وأكرمها.
قال الأميني: ما خطر اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم إن كان أحياها وأكرمها قتيل الصحابة العدول إثر هناته وموبقاته، وليد الشجرة الملعونة في القرآن، وليد أبي العاص وقد صحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ولده قوله: إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتَّخذوا مال الله دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا. وقد كان بلاغهم ثلاثين يوم عثمان وهو أحدهم ورأسهم، وأسلفنا في ذلك قول أبي ذر الناظر إليه وإليهم من كَثب. فهل يثمر الشوك العنب؟ لاها الله.
أيحسب الباحث انَّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أسرَّ بهذه المنقبة الرابية إلى ابن عمر فحسب من بين الصحابة؟ أم أعلن بها في ملأ من أصحابه وكان في الآذان وقر؟ أم سمعوها ونسوها من يومهم الأوّل؟ أم حفظوها ونبذوها وراء ظهورهم يوم تركوا جثمان أحيا الاُمّة وأكرمها منبوذاً ثلاثة أيّام في مزبلة من غير دفن؟ ثمّ دفنها عدَّة اُناس ليلاً وما أمكنهم تغسيله وتكفينه وتجهيزه والصَّلاة عليه، دُفن في مقبرة اليهود بعد ما رُجم سريره وكُسر ضلعٌ من أضلاعه، وعُفي قبره خوفاً عليه من النبش.
على أنَّ الإسناد لا يصحُّ لمكان زكريّا بن يحيى وهو ضعيفٌ وشيخه يخطئ في الإسناد والمتن وقد أخطأ في أحاديث كثيرة، وغرائب حديثه وما ينفرد به كثيرٌ. راجع تاريخ الخطيب البغدادي وميزان الإعتدال ولسانه.
٧ - أخرج ابن عساكر في ترجمة عثمان من طريق أبي هريرة مرفوعاً: الحياء من الايمان وأحيى اُمَّتي عثمان.
ضعَّفه السيوطي في الجامع الصغير وأقرَّه المناوي راجع فيض القدير ٣: ٤٢٩.
(لفت نظر) يُعطينا سبر التاريخ والحديث خُبراً بأنَّ السيرة المطَّردة لرجال الوضع والإختلاق في شنشنة التقوُّل والإفتعال في الفضائل هي العناية الخاصَّة بالملكات التي كان يفقدها الممدوح رأساً. والمبالغة والإكثار في كلّ غريزة ثبت خلافها ممّا عُلم من تاريخ حياة الرجل ومن سيرته الثابتة المشهورة، فنجدهم يبالغون
____________________
١ - في النسخة: المنقرى.
في شجاعة أبي بكر بما لا مزيد عليه حتّى حسبوه أشجع الصحابة، وقد شهد مشاهد النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّها وما سلَّ فيها سيفاً، ولا نزل في معترك قتال، ولا تقدَّم لبراز أيّ مجالد، وما رُئي قطّ مناضلاً، وما شوهد يوماً في ميادين الحراب منازلاً، فأكثروا القول فيها وجاؤا بأحاديث خرافة في شجاعته رجاء أن يثبت له منها شيءٌ تجاه تلك الدراية الثابتة بالمحسوس المشاهد(١) .
ويبالغون في زهده وتقواه وجعلوا كبده مشويّاً من خوف الله والدخان يتصاعد مِن فمه إلى السّماء مهما تنفَّس، ولم يثبت له ميزٌ في العبادة ولم يُروَ عنه الإكثار مِن الصَّوم والصّلاة ومن كلِّ ما يقرِّبه إلى الله زلفى(٢) .
ويبالغون في علم عمر وجعلوه أعلم الصحابة في يومه على الإطلاق وأفقههم في دين الله، وحابوه تسعة أعشار العلم، راجحاً علمه علم أهل الأرض، علم أحياء العرب في كفَّة الميزان، وجاؤا فيه بكثير لدة هذه الخرافات(٣) والرجل قد ألهاه الصَّفق بالأسواق عن علم الكتاب والسنَّة، وكلُّ النّاس أفقه منه حتّى ربّات الحجال أخذاً بقوله وهو الصّادق المصدَّق فيه(٤)
ويبالغون في إنكاره الباطل وبغضه الغناء ونكيره الشديد عليه، وقد ثبت مِن شكيمته انَّه كان يتعاطاه ويجوِّزه(٥) .
ولمـّا وجدوا أنَّ التاريخ الصحيح وما ثبت من سيرة عثمان ينفي عنه ملكة الحياء ويُمثِّله للمجتمع بما يضادُّها، نسجوا له النسج المبرم، وأتوا بالمخازي ووضعت يد الإفتعال فيها ما سمعت من الأفائك، حتّى جعلوه أشدَّ اُمّة محمَّد حياء وأحياها و أكرمها، حيياً تستحي منه الملائكة. فحياء عثمان كشجاعة أبي بكر وعلم عمر سالبةٌ بانتفاء موضوعاتها، وهي فيهم تُضاهي أمانة معاوية وعلمه الواردين فيما يُعزى إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: كاد أن يبعث معاوية نبيّاً من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربِّي. وقوله:
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء السابع ص ٢٠٠ - ٢١٥ ط ٢.
٢ - راجع ما أسلفناه فى الجزء السابع ص ٢١٩ - ٢٢٢ ط ٢.
٣ - راجع ما مرّ فى الجزء السادس ص ٨٢، ٣٣١، والجزء الثامن ص ٦٢، ٦٣ ط ٢.
٤ - راجع ما أسلفناه فى الجزء السادس من « نوادر الاثر فى علم عمر »
٥ - راجع ما مرّ فى الجزء الثامن ص ٦٤ - ٨١، ٨٦، ٩٤ - ٩٦ ط ٢.
الاُمناء سبعةٌ: اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمَّد ومعاوية(١) .
ويُعرب عن أمانة معاوية ومبلغه من هذه الملكة الفاضلة ما رواه أبو بكر الهذلي قال: إنَّ أبا الأسود الدؤلي كان يُحدِّث معاوية يوماً فتحرَّك فضرط فقال لمعاوية: استرها عليَّ. فقال: نعم. فلمّا خرج حدَّث بها معاوية عمرو بن العاص ومروان بن الحَكم، فلمّا غدا عليه أبو الأسود قال عمرو: ما فعلت ضرطتك يا أبا الأسود بالأمس؟ قال: ذهبت كما تذهب الريح مقبلة ومدبرة من شيخ ألان الدهر أعصابه ولحمه عن إمساكها، وكلّ أجوف ضروطٌ. ثمَّ أقبل على معاوية فقال: إنَّ امرء ضعفت أمانته و مروأته عن كتمان ضرطة لَحقيقٌ بأن لا يؤمَن على امور المسلمين.
الأغاني ١١: ١١٣، حياة الحيوان للدميري ١: ٣٥١. محاضرات الرَّاغب ٢: ١٢٥.
٨ - أخرج الحاكم في المستدرك ٣: ١٠٢ من طريق الدارمي عن سعيد بن عبد الله الجرجسي عن محمَّد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عمرو بن أبان بن عثمان (الممدوح) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اُري الليلة رجلٌ صالحٌ أنَّ أبا بكر نيط برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر. فلمّا قمنا من عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قلنا: أمّا الرجل الصالح فرسول الله، وأمّا ما ذكر من نوط بعضهم ببعض فهم وُلاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال الحاكم: قال الدارمي: سمعت يحيى بن معين يقول: محمَّد بن حرب يسند هذا الحديث والناس يحدّثون به عن الزهري مرسلاً إنَّما هو عمرو بن أبان ولم يكن لأبان ابن عثمان ابنٌ يقال له عمرو.
قال الأميني: ألا تعجب من رؤياً رئاها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحدَّث بها في ملأ الصحابة ولم يسمعها منهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا جابر بن عبد الله وهو لم يرتِّب عليها أيّ أثر عمليّ، ولم يروها عنه إلّا حفيد عثمان عمرو بن أبان الذي لم يكن له وجودٌ، أو اختلف في انّه كان أو لم يكن؟ نعم: ينبغي حقّاً أن يكون مستدرك الصحيحين أمثال هذه التافهات.
٩ - أخرج ابن ماجة في سننه ١: ٥٣ عن أبي مروان محمّد بن عثمان الأموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن
____________________
١ - راجع الجزء الخامس من الغدير ص ٣٠٨ ط ٢.
أبيه (مولى عائشة بنت عثمان) عن الأعرج عن أبي هريرة إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: لكلِّ نبيّ رفيق في الجنّة ورفيقي فيها عثمان بن عفان.
رجال الإسناد:
١ - أبو مروان مرَّ الايعاز إليه ص ٢٩٠.
٢ - عثمان بن خالد، أسلفنا في هذا الجزء ص ٢٩١ كلمات الحفّاظ فيه وانّه ليس بثقة، وأحاديثه كلّها غير محفوظة، وحدَّث باحاديث موضوعة لا يجوز الإحتجاج به. ورواه الترمذي من طريق طلحة بن عبيد الله وقال: غريبٌ ليس إسناده بالقويِّ وهو منقطعٌ.
٣ - عبد الرّحمن بن أبي الزناد، قال يحيى بن معين: ليس ممّن يحتجُّ به أصحاب الحديث ليس بشيء. وقال ابن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيفٌ. وقال الدوري عن ابن معين: لا يحتجُّ بحديثه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. وعن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفاً. وقال النسائي: لا يُحتجُّ بحديثه. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وكان يضعف لروايته عن أبيه.
(تهذيب التهذيب ٦: ١٧١)
وبعد ذلك كلّه فانِّي أستغرب هذه الرفاقة وإنَّ الرجل بماذا اختصَّ بها وحصل عليها من دون الصحابة المقدَّمين ذوي الفضائل والمآثر، وفي مقدَّمهم صنوهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه وهو نفسه في الذكر الحكيم، وأخوه المخصوص به في حديث المواخاة المعربة عن المجانسة بينهما في النفسيّات، وهو الذابُّ الوحيد عنه في حروبه ومغازيه، ومثله الأعلى في العصمة والقداسة بصريح آية التطهير، وباب مدينة علمه في الحديث المتواتر.
فبماذا اختصَّ عثمان بهذه الرفاقة دون عليّ أمير المؤمنين؟ ألمشاكلته مع صاحب الرسالة العظمى في النسب أو الحسب في العلم والتقوى والملكات الفاضلة؟ أو لاتِّباعه ما جاء بهصلىاللهعليهوآلهوسلم من كتاب أو سنَّة؟ وأنت متى استشففت ما تلوناه في هذا الكتاب من موارد الخليفة ومصادره، وأخذه وردّه، وأفعاله وتروكه، تعلم مبوَّأه من كلِّ هاتيك الفضائل وتجد من المستحيل ما أثبتته له هذه الرواية الواهية باسنادها الساقط، تعالى نبيُّ العظمة عن ذلك علوّاً كبيرا.
ولست أدري لماذا ردَّ الله دعاء نبيِّه الأعظم في أبي بكر الوارد فيما أخرجه ابن عدي من طريق الزبير بن العوام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أللهمَّ إنّك جعلت أبا بكر رفيقي في الغار فاجعله رفيقي في الجنَّة(١) .
نعم: هذا كحديث ابن ماجة هما سواسية في البطلان، في إسناده محمَّد بن الوليد القلانسي البغدادي. كذّابٌ يضع الحديث كما مرَّ في سلسلة الكذّابين ج ٥: ٢٦٥ ط ٢، ومصعب بن سعيد يحدِّث عن الثقات بالمناكير ويصحّف، وكان مدلّساً لا يدري ما يقول وستوافيك ترجمته، وعيسى بن يونس مجهولٌ لا يعرف.
١٠ - أخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٩٧ من طريق عبيد الله بن عمرو القواريرى البصري عن القاسم بن الحكَم بن أوس الأنصاري عن أبي عبادة الزرقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: شهدت عثمان يوم حُصر في موضع الجنائز فقال: انشدك الله يا طلحة! أتذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مكان كذا وكذا وليس معه من أصحابه غيري وغيرك فقال لك: يا طلحة! انّه ليس من نبيّ إلّا وله رفيقٌ من اُمّته معه في الجنّة وإنَّ عثمان رفيقي ومعي في الجنَّة؟ فقال طلحة: أللهمَّ نعم. قال: ثمَّ انصرف طلحة.
وفي لفظ أحمد في مسنده ١: ٧٤ بالإسناد نفسه عن أسلم قال: شهدت عثمان رضي الله عنه حُوصر في موضع الجنائز ولو اُلقي حجرٌ لم يقع إلّا على رأس رجل فرأيت عثمان رضي الله عنه أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريلعليهالسلام فقال: أيُّها الناس أفيكم طلحة؟ فسكتوا.
ثمَّ قال: أيُّها النّاس أفيكم طلحة؟ فسكتوا. ثمَّ قال: يا أيُّها النّاس أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان رضي الله عنه: ألا أراك ههنا ما كنت أرى انَّك تكون في جماعة تسمع ندائي آخر ثلاث مرَّات ثمِّ لا تجيبني انشدك الله يا طلحة! تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في موضع كذا كذا ليس معه أحدٌ من أصحابه غيري وغيرك؟ قال: نعم. فقال لك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا طلحة! انَّه ليس مِن نبيّ إلّا ومعه مِن أصحابه رفيقٌ مِن اُمَّته معه في الجنّة، وإنَّ عثمان ابن عفّان رضي الله عنه هذا يعنيني رفيقي معي في الجنَّة؟ قال: طلحة: أللهمَّ نعم. ثمَّ انصرف.
____________________
١ - لسان الميزان ٥: ٤١٨.
صحَّحه الحاكم وعقَّبه الذهبي فقال: قلت قاسم هذا قال البخاري: لا يصحُّ حديثه. وقال أبو حاتم: مجهولٌ. وذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ٨: ٣١٢ وحكى عن البخاري وأبي حاتم ما ذكره الذهبي.
وفي الإسناد عبيد الله القواريري روى عنه البخاري خمسة أحاديث فحسب، و مسلم أربعين حديثاً(١) وقد سمع منه أحمد بن يحيى مائة ألف حديث(٢) فما حُكم ذلك الحوش الحائش ممَّا جاء به القواريري بعد ما لم يأخذ البخاري ومسلم منه إلّا عدَّة أحاديث وضربا عن كلِّ ذلك صفحاً؟ ومن المستبعد جدًّا عدم وقوفهما عليها.
وفيه: أبو عبادة الزرقي عيسى بن عبد الرَّحمن الأنصاري قال أبو زرعة: ليس بالقويِّ. وقال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف الحديث شبيهٌ بالمتروك لا أعلمه روى عن الزهري حديثاً صحيحاً. وقال البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: يروي المناكير عن المشاهير فاستحقَّ الترك. وقال العقيلي: مضطرب الحديث. وقال الأزدي: منكر الحديث مجهولٌ. وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه. وقال ابن حبّان أيضاً: لا ينبغي أن يحتجَّ بما انفرد به(٣) .
قال الأميني: ولا يكاد يصحُّ انصراف طلحة مع إصراره الثابت في التشديد على عثمان إلى آخر نفس لفظه الرجل، ولم يقنعه الإجهاز عليه حتّى انَّه منعه عن الدفن في مقابر المسلمين، وجعل ناساً هناك أكمنهم كميناً ورموا حملة جنازته بالحجارة و صاحوا: نعثل نعثل. وقال طلحة: يُدفن بدير « سلع » يعني مقابر اليهود، ولذلك قال مروان لمـّا قتل طلحة لأبان بن عثمان: قد كفيتك بعض قتلة أبيك، ومروان كان شاهداً عليه من كثَب(٤) .
ومن العجيب أنَّ هذه المناشدة كانت في ذلك المحتشد الرحيب بمسمع مِن اولئك الجمِّ الغفير وكان لو اُلقي الحجر لم يقع إلّا على رأس رجل لكنَّها لم تكفئ أحداً منهم، فهل كانوا معترفين بها معرضين عنها؟ فأين العدالة المزعومة فيهم؟ أو أنَّهم
____________________
١ - ذكره ابن حجر فى تهذيب التهذيب ٧: ٤١.
٢ - تهذيب التهذيب ٧: ٤١.
٣ - تهذيب التهذيب ٨: ٢١٨، لسان الميزان ٤: ٤٠٠.
٤ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء ص ٩١ - ١٠١.
عرفوا بطلانها وما صدَّقوا الرجلين في دعواهما فتركوها في مِدحرة الإعراض؟ أو لم تكن هنالك مناشدةٌ قطُّ؟ وهو أقرب الوجوه إلى الحقِّ.
ولو فرضنا انَّها أكفأت طلحة كما يحسبه مختلق هذه الرواية فانَّه لم يكن إلّا اكفاءً وقتيّاً ثمَّ راجع طلحة رشده فعرف انّها حجَّة داحضة فاستمرَّ على ما ثار له، وثبت عنه من الثبات على عمله وتضييقه.
هذه غاية ما يمكن أن يقال متى تجشَّمنا لوضع هذه المزعمة في بقعة الإمكان، ومن المستصحب ذلك أو المتعذّر، وقد أسلفنا انَّ الرفاقة المزعومة ليس من السَّهل تصديقها لعدم المجانسة بين الرفيقين قطّ ولو كان من جهة.
والرفاقة كالاُخوَّة والصحبة - المنبعثة ثلاثتها عن التجانس في الخُلل والمزايا - تخصُّ بعليّ أمير المؤمنينعليهالسلام كما جاء مرفوعاً: يا عليُّ أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنَّة(١) وهذا التخصّص تعاضده البرهنة الثابتة، ويؤيَّد بالإعتبار.
١١ - أخرج أبو يعلى وأبو نعيم وابن عساكر في تاريخه ٧: ٦٥، والحاكم في المستدرك ٣: ٩٧ من طريق شيبان بن فروخ عن طلحة بن زيد الدمشقي عن عبيدة(٢) ابن حسان عن عطاء الكيخاراني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بينما نحن في بيت ابن حشفة في نفر من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لينهض كلّ رجل منكم إلى كفؤه فنهض النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عثمان فاعتنقه وقال: أنت وليِّي في الدنيا والآخرة.
صحّحه الحاكم وعقَّبه الذهبي في تلخيصه وقال: قلت: بل ضعيفٌ فيه طلحة ابن زيد وهو واهٍ عن عبيدة بن حسان شويخ مقلٌّ عن عطاء. وقال السيوطي في اللئالي ١: ٣١٧: موضوعٌ، طلحة لا يحتجُّ به، وعبيدة يروي الموضوعات عن الثقات.اهـ.
وذكره المحبُّ الطبري في رياضه النضرة ٢: ١٠١، وابن كثير في تاريخه ٧: ٢١٢ ساكتين عمّا في إسناده من الغمز شأنهما في فضائل مَن يحبّانه ويواليانه، ولا يخفى
____________________
١ - تاريخ الخطيب ١٢: ٢٦٨.
٢ - فى النسخة هاهنا وفيما يأتى: عبيد. والصحيح ما ذكرناه.
عليهما قول أحمد: طلحة بن زيد ليس بذاك قد حدَّث بأحاديث مناكير. وقوله: ليس بشيء كان يضع الحديث لا يعجبني حديثه. وقول البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقول النسائي أيضاً: ليس بثقة متروك. وقول صالح بن محمّد: لا يكتب حديثه. وقول ابن حبّان: منكر الحديث لا يحلّ الإحتجاج بخبره. وقول الدارقطني والبرقاني: ضعيفٌ. وقول أبي نعيم: حدّث بالمناكير لا شيء. وقول الآجري عن أبي داود: يضع الحديث. ونسبة ابن المدايني إيّاه إلى وضع الحديث. وقول الساجي: منكر الحديث(١) .
كما لا يخفى على الرجلين رأي الحفّاظ في عبيدة بن حسان قال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الثقات. وقال الدارقطني: ضعيفٌ. لسان الميزان ٤: ١٢٥.
والغرابة في هذه المماثلة والولاية المنبعثة عنها في الدنيا والآخرة، وهي ليست بأقلَّ من الرفاقة التي أسلفنا القول فيها قُبيل هذا، وإنّ من المؤسف جدًّا المقارنة بين رسول العظمة وبين من لم يقم الصحابة الأوّلون - العدول كلّهم فيما يرتأون - له وزناً، ولا رأوا لحياته قيمة، ولا حسبوا لتسنُّمه عرش الخلافة مؤهّلاً، فلم يزل ممقوتاً عندهم حتّى كبت به بطنته، وأجهز عليه عمله، كما قاله مولانا أمير المؤمنين(٢) ولم يفتأ الصحابة مصرّين على مقته حتى أوردوه حياض المنيّة، ولم تبرح أعماله مؤكّدة لعقائد الملأ الديني في همزه ولمزه حتى وقع من الأمر ما وقع.
ولا يسع قطُّ لعارف عرفان وجه المكافأة بين نبيِّ العظمة وبين عثمان، فإنَّها إن كانت من ناحية النسب؟ فأنَّى هي؟ هذا من شجرة طيّبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، وذلك من شجرة ملعونة في القرآن.
وإن كانت من حيث الحسب؟ ففرّق بينهما فيه بُعد المشرقين ولا حرج، هذا حسيبٌ. وذلك مُقشَّب الحسب؟ وإن كانت من جهة الملكات الفاضلة والنفسيّات الكريمة فالمشاكلة منتفيةٌ وهما طرفا نقيض، هذا ناصح الجيب، واري الزند(٣) لعلى
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٧: ٦٥، تهذيب التهذيب ٤: ١٦، اللئالى المصنوعة ١: ٨١، ٣١٧.
٢ - راجع ما اسلفناه فى الجزء السابع ٨٢ ط ٢.
٣ - رجل ناصح الجيب اى صادق امين، نقى القلب لا غش فيه. ويقال: وارى الزند. فى المبالغة فى الكرم والخصال المحمودة.
خلق عظيم، والآخر يحمل منها بين جنبيه ما عرَّفناك حديثه.
ونحن إن أخذنا ما جاء به القوم من قضايا الملكات فالبون بينهما شاسعٌ أيضاً، فالنبيُّ الأقدس مثلاً عندهم كما مرَّ كان يكشف في الملأ عن ركبتيه وعن فخذيه و عمَّا هو بينهما وبين سرّته ولم يكن يبالي. وعثمان إن كان ليكون في البيت والباب عليه مغلقٌ، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه، كما مرَّ في حديث الحسن ص ٢٨٧.
وإن فرضت المشاكلة من جانب الأخذ بالدين والعمل بما فيه من أفعال أو تروك؟ قالتباين بينهما ظاهرُ وأيَّ تباين، ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون، ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً؟(١) هذا رسول التوحيد أسلم وجهه لله وهو محسن، يعبد ربَّه مخلصاً له الدين تحت راية لا إله إلّا الله، وقُرط اُذنه قوله تعالى: قل الله ثمَّ ذرهم، وورد لسانه: وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت. وأمّا عثمان فهو أسير هوى مروان ومعاوية وسعيد ومن شاكلهم من أبناء بيته، يسير مع ميولهم وشهواتهم، حتى قال مولانا أمير المؤمنين: ما رضيت من مروان ولا رضي منك إلّا بتحويلك عن دينك وعقلك، وانَّ مَثلك مثَل جمل الظعينة سار حيث يُسار به(٢) قدم ربَّه وقد خلط عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً، كسب سيِّئة وأحاطت به خطيئته.
ايه ايه يا نبيَّ العظمة أنزلك الدهر ثمَّ أنزلك حتّى جعلك كُفو عثمان بعد ما اختارك ربّك واصطفاك من بريَّته وجعلك لسان صدق نبيّا، هذا جزاءك من اُمّتك جزاء سنمَّار، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.
(لفت نظر)
وضعت يد الأمانة الخائنة على ودائع الإسلام المقدَّس هذه الرواية تجاه ما صحَّ عن النبيِّ الأقدس في صنوه الطاهر أمير المؤمنين في حديث طويل عن ابن عبّاس من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّعليهالسلام : أنت ولييّ في الدنيا والآخرة.
أخرجه أحمد في مسنده ١: ٣٣١ باسناد صحيح رجاله كلّهم ثقات كما مرَّ الايعاز
____________________
١ - سورة الزمر: ٢٨.
٢ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء ص ١٧٤.
إليه في الجزء الأوَّل ص ٥٠، وفي الجزء الثالث ص ١٩٥ ط ٢، رجاله:
١ - يحيى بن حمّاد أبو بكر البصري، أحد رجال الصحيحين، وثَّقه ابن سعد و أبو حاتم وابن حبّان والعجلي.
٢ - أبو عوانة الوضّاح اليشكري، من رجال الصحيحين. وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتم وأحمد وابن حبّان وابن سعد والعجلي وابن شاهين. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على انَّه ثقةٌ ثبتٌ حُجَّة.
٣ - أبو بلج يحيى بن سليم الواسطي. وثَّقه ابن معين وابن سعد والنسائي و الدارقطني وابن حبّان وأبو الفتح الازدي.
٤ - عمرو بن ميمون أبو عبد الله الكوفي، أدرك الجاهليّة ولم يلق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وثَّقه العجلي وابن معين والنسائي وغيرهم. عن ابن عبّاس.
وأخرجه جمعٌ من الحفّاظ وذكره غير واحد من المؤلِّفين ومنهم.
١ - الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي المتوفّى ٣٠٣ في الخصائص ص ٧.
٢ - الحافظ أبو القاسم الطبراني المتوفّى ٣٦٠ كما في الفرايد والمجمع وغيرهما.
٣ - الحافظ أبو يعلى النيسابوري المتوفّى ٣٧٤ كما في البداية والنهاية.
٤ - الحافظ أبو عبد الله الحاكم المتوفّى ٤٠٥ في المستدرك ٣: ١٣٢ وصحَّحه.
٥ - الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفّى ٤٥٨ كما في المناقب للخوارزمي.
٦ - أخطب خوارزم أبو المؤيد المتوفّى ٥٦٨ في المناقب ص ٧٥.
٧ - الحافظ أبو القاسم ابن عساكر المتوفّى ٥٧١ في الأربعين الطوال والموافقات.
٨ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي المتوفّى ٦٥٨ في كفاية الطالب ص ١١٥.
٩ - الحافظ المحب الطبري المتوفّى ٦٩٤ في الرياض النضرة ٢: ٢٠٣، ذخائر العقبى ص ٨٧.
١٠ - شيخ الاسلام الحموئي المتوفّى ٧٢٢ في فرائد السمطين.
١١ - الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفّى ٧٧٤ في البداية والنهاية ٧: ٣٣٧.
١٢ - الحافظ أبو الحسن الهيثمي المتوفّى ٨٠٧ في مجمع الزوائد ٩: ١٠٨ وصحَّحه من طريق أحمد.
١٣ - الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفَّى ٨٥٢ في الإصابة ٢: ٥٠٩.
١٤ - أبو حامد محمود الصالحاني كما في (توضيح الدلائل) لشهاب الدين أحمد.
١٥ - السيِّد شهاب الدين أحمد في (توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل).
١٦ - الشيخ أحمد بن الفضل باكثير المتوفّى ١٠٤٢ في وسيلة المآل.
١٧ - ميرزا محَّمد البدخشاني المتوفّى ١١٢٣ في نزل الأبرار ص ١٦ ومفتاح النجا.
١٨ - شاه وليّ الله الهندي المتوفَّى ١١٢٦ في إزالة الخفا ٢: ٢٦١.
١٩ - الأمير محمَّد بن اسماعيل اليمني الصنعاني في الروضة النديَّة.
٢٠ - المولوي وليّ الله الهندي المتوفّى ١٢٧٠ في مرآة المؤمنين. وغيرهم هذا ما صحَّ عن النبيِّ الأعظم من قوله: أنت وليِّي في الدنيا والآخرة. فبدَّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم.
١٢ - أخرج البزَّار من طريق خارجة بن مصعب عن عبد الله بن عبيد الحميري البصري عن أبيه قال: كنت عند عثمان حين حُصر فقال: هاهنا طلحة؟ فقال طلحة: نعم.
فقال: انشدتك الله أما علمت أنّا كنّا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ليأخذ كلُّ رجل منكم بيد جليسه فأخذت بيد فلان، وأخذ فلان بيد فلان، حتّى أخذ كلُّ رجل بيد صاحبه وأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيدي وقال: هذا جليسي في الدنيا ووليِّي في الآخرة؟ قال: أللهمَّ نعم.
وذكره ابن حجر في فتح الباري ٥. ٣١٥ عن ابن منده من طريق عبيد الحميري المذكور ساكتاً عمَّا في إسناده من العلّة، كأنَّه ليس هو الذي حكى تلكم الآراء الواردة في جرح خارجة بن مصعب عن الحفّاظ وأئمّة الجرح والتعديل قال في تهذيب التهذيب ٣: ٧٨ قال الأثرم عن أحمد: لا يكتب حديثه. وقال عبد الله بن أحمد: نهاني أبي أن أكتب عنه شيئاً من الحديث. وقال الدوري ومعاوية وعبّاس عن ابن نمير: ليس بثقة، ليس بشيء، كذّابٌ، ضعيفٌ. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال يحيى بن يحيى: يدلّس وقال النسائي: متروك الأحاديث، ليس بثقة، ضعيفٌ. وقال ابن سعد: إتَّقى النّاس حديثه فتركوه. وقال ابن خراش وأبو أحمد: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيفٌ. وقال يعقوب: ضعيف الحديث عند جميع أصحابنا. وقال ابن المديني: هو عندنا ضعيفٌ.
وقال أبو داود: ضعيفٌ ليس بشيء. وقال ابن حبّان: وقع في حديثه الموضوعات عن الأثبات لا يجوز الإحتجاج بخبره. وذكره ابن الجارود والعقيلي وابن السكن وأبو زرعة وأبو العرب وغيرهم في الضعفاء.
وقال السيوطي في اللئالي ١: ٣١٧: قال ابن حبّان: خارجة يدلِّس عن الكذَّابين ووقع في حديثه الموضوعات.
ولعلّنا أوقفناك على مقياس صحيح في أمثال هذه الرواية في ذيل الروايتين اللتين تُشبهانها قُبيل هذا، فإنّك إذن لا تجد مقيلاً لها من الصحّة والإعتبار نظراً إلى متنها قبل أن تقف على ضعف إسنادها، فدعها ومُرَّ بها كريماً، وذر الوضَّاعين في غلوائهم يرمون القول على عواهنه.
ولو كان طلحة سمع هذه المزعمة منهصلىاللهعليهوآلهوسلم واعتراف بها يوم الحصار في ملأ الصحابة لَما كان يأخذ بخناق الرجل ويشدِّد عليه، وما كان يثير عليه نقع الفتن حتّى يورده مورد المنيَّة، ولم يك يمنع عنه ايصال الماء إليه، ولم يرض بانهاء أمره إلى القتل الذريع، ولم يُرضه دفنه في مقابر اليهود.
لو كان طلحة يعرف شيئاً من هذه الرواية لَما استسهل ركوب ذلك المركب الصعب الجموح وهو صحابيٌّ عادلٌ أحد العشرة المبشَّرة كما يحسبون.
١٣ - أخرج ابن ماجة في سننه ١: ٥٣ عن أبي مروان محمّد بن عثمان الأموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفّان عن عبد الرَّحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة: انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم لقي عثمان عند باب المسجد فقال: يا عثمان! هذا جبريل أخبرني إنَّ الله قد زوَّجك اُم كلثوم بمثل صداق رقيّة على مثل صحبتها. ورواه ابن عساكر كما في تاريخ ابن كثير ٧: ٢١١.
قال الأميني: أسلفنا فيما مرَّ صفحة ٢٩٠ انَّ محمَّد بن عثمان يخطىء ويخالف و يروي عن أبيه مناكير، وإنَّ أباه ليس بثقة وأحاديثه غير محفوظة، وانَّه حدَّث بأحاديث موضوعة لا يجوز الإحتجاج به، ومرَّ في صفحة ٢٩٥ انَّ عبد الرَّحمن بن أبي الزناد: ليس ممَّن يحتجُّ به أصحاب الحديث وانَّه ضعيف مضطرب الحديث لا يُحتجُّ بحديثه، وعليك بمراجعة ما فصَّلناه في الجزء الثامن ص ٢٣١ - ٢٣٤ ط ٢.
١٤ - أخرج ابن عدي قال: حدَّثنا محمَّد بن داود بن دينار حدَّثنا أحمد بن محمَّد ابن حباب البصري حدَّثنا عمرو بن فائد البصري عن موسى بن سيار البصري عن الحسن البصري عن أنس مرفوعاً: إنَّ لِلّه تعالى سيفاً مغموداً في غمده ما دام عثمان بن عفّان حيّاً، فإذا قُتل جُرّد ذلك السَّيف فلم يُغمد إلى يوم القيامة. ورواه ابن عساكر بالإسناد.
قال السيوطي في اللئالي ١: ٣١٦: موضوعٌ آفته عمرو بن فائد وشيخه كذّابٌ أيضاً.
قال الأميني: ألا تعجب من السيوطي؟ يحكم هاهنا على الرواية بالوضع ويكذِّب راويه ويذكرها في تاريخ الخلفاء ص ١١٠ في عدِّ فضائل عثمان ويقتصر على قوله: تفرَّد به عمرو بن فائد وله مناكير. نعم هكذا يموِّهون على الحقايق ويغرون الناس بالجهل، كان على الرجل أن يلغيها عن سياق عدِّ الفضائل - التي من طبعها أن يُحتجَّ بها - بعد ما رآها موضوعة رواها كذّابٌ عن كذّابٌ، غير أنّه لو اقتصر على ما يحتجُّ به في باب الفضائل، وألغى ما لا يصحُّ منها سنداً أو متناً، لما يجد هو وغيره فضيلة قطُّ لعثمان، وهذا ممّا لا يروقه هو ولا يحبّذه قومه.
وللدار قطني، وابن المديني، والعقيلي، وابن عدي، والنسائي، والذهبي، كلمات في جرح عمرو بن فائد وبطلان حديثه. راجع لسان الميزان ٤: ٣٧٢.
وليحيى القطّان، وأبي حاتم، وابن عدي، وابن معين، والذهبي، أقوال في تفنيد موسى ابن سيار البصري وتكذيبه وبطلان حديثه. راجع ميزان الإعتدال ٣: ٢١١، ولسان الميزان ٦: ١٢٠.
وفي الإسناد محمَّد بن داود الفارسي، قال الذهبي في الميزان ٣: ٥٤: من شيوخ ابن عدي ذكره فقال: كان يكذب. وذكرا بن حجر في اللسان ٥: ١٦١ حديثاً في فضل عليّ أمير المؤمنين فقال: هو من وضع محمّد بن داود بن دينار.
هذا شأن هذه المكذوبة غير أنَّ اُناساً من الغالين في الفضائل كالسيوطي و القرماني(١) وأحمد زيني دحلان(٢) إتَّخذوها حجَّة عند ذكرهم فضائل عثمان مرسِلين
____________________
١ - فى اخبار الدول هامش الكامل لابن اثير ١: ٢١٤.
٢ - فى الفتوحات الاسلاميّة ٢: ٤٩٨.
_١٩_
إيّاها إرسال المسلّم شأنهم في الموضوعات المفتعلة في الثناء على رجالاتهم.
١٥ - وأخرج الحاكم في المستدرك ٣: ١٠٣ من طريق أحمد بن كامل القاضي عن أحمد بن محمَّد بن عبد الحميد الجعفي عن الفضل بن جبير الورّاق عن خالد بن عبد الله الطحّان المزني عن عطاء بن السائب عن سعد بن جبير عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: كنت قاعداً عند النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ أقبل عثمان بن عفّان رضي الله عنه فلمّا دنا منه قال: يا عثمان! تُقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على « فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم » وتبعث يوم القيامة أميراً على كلِّ مخذول يغبطك أهل الشرق والغرب، وتشفع في عدد ربيعة ومضَر.
قال الأميني: سكت الحاكم عن صحَّة الحديث وأنصف الذهبي فقال في تلخيصه: كذبٌ بحت، وفي الإسناد أحمد بن محمَّد بن عبد الحميد الجعفي وهو المتَّهم به.اهـ.
وشيخ الجعفي أيضاً لا يتابع على حديثه كما قاله العقيلي وحكاه عنه الذهبي في الميزان وابن حجر في لسانه ٤: ٤٣٨.
إنَّ ممَّا يُقضى منه العجب أنَّ أحداً من الصحابة العدول لم يسمع هذا الحديث عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كأنَّ المجلس الذي ألقىصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه هذه الكلمة كان خلواً عنهم جميعاً ومن العجيب أيضاً انَّه لم يروه أحدٌ منهم لصاحبه - إن كان سمعه أحدٌ - حتّى تتداوله الألسن فعسى أن يكون رادعاً عن التجمهر على عثمان والإتِّفاق على نبذه والجرأة على قتله، نعم: لم يسمعه أحدٌ منهصلىاللهعليهوآلهوسلم عداً ابن عبّاس الذي كان صبيّاً في عهد النبوَّة لم يبلغ الحلم وقد توفّيصلىاللهعليهوآلهوسلم وابن عبّاس ابن ثلاثة عشر سنة كما قاله الواقدي و الزبير وصحَّحه أبو عمر في « الإستيعاب » أو عشر سنين كما روي عن ابن عبّاس نفسه من وجوه(١) أو أكثر منها، وربما يُشكُّ في أنَّه هل كان يحسن التحمّل عندئذ أو لا؟ ولعلّه هو أيضاً كان شاكّاً في تحمّله هذا الحديث حيث جاءته استغاثة عثمان(٢) وهو يخطب الحاجَّ يوم عرفة فتلاها نافع بن طريف فلمّا أتمَّها مضى ابن عبّاس في خطبته غير مكترث لإستغاثة الخليفة وهو بين الناب والمخلب، على حين انّه كان منصوباً من قِبله لإمارة
____________________
١ - راجع مسند احمد ١: ٢٥٣، الاستيعاب ١: ٣٧٢.
٢ - راجع ما مضى فى هذا الجزء صفحة ١٣٤، ١٩٢.
الحاجِّ، فلم يعرض لشيء من شأنه ولا للزوم الدفاع عنه، وما ذلك إلّا لإصفاقه مع المجهزين عليه في الرأي وإلّا لكان من واجبه الحثّ على الذبِّ عنه، وبيان وجوب إغاثته، وملأ سمعه هذا الحديث الذي عُزي إليه وملأ فيه روايته - وحاشاه عن راويته - وكأنَّ الحضرة النبويّة نصب عينيه يتلقّى فيه الرواية، وهو الذي يقتضيه عدله وتقواه.
وهناك شاهدٌ آخر لعدم إخباته إلى مضمون هذه الرواية وهو انَّه لَمّا بعثه عثمان أميراً على الحاجِّ لقيته عائشة في بعض المنازل فقالت له: يا ابن عبّاس! إنَّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردَّ الناس عن هذا الطاغية(١) تعني عثمان، فلم يُبد ابن عبّاس لها تجاه تلك الشدَّة تجهُّماً ولا قولاً ليِّناً كمن يوافقها على النزعة، كما ردَّ عليها في حثّها على عدم التخذيل عن طلحة وجنوحها إلى تولِّيه الأمر، فلو كان ابن عبَّاس يعرف في شأن عثمان شيئاً من هذه الرواية لرواه لها واتَّخذه مستنداً في الدفاع عنه، فجامع القول إنَّ الحبر لم يسمع ممّا تُقوُّل عليه شيئاً، وإنّما هو من مواليد العهد الأمويِّ بعد عهد ابن عبّاس.
وليس من المستسهل الكشف عن إمارة المخذولين يوم القيامة، كما أنَّ مِن المستصعب جدًّا عرفان أعيانهم وأشخاصهم، أفيهم اُولئك الصفوة الأبرار من الصحابة والتابعين أمثال أبي ذر وعمّار وابن مسعود ومالك الأشتر وزيد وصعصعة ابني صوحان وكعب بن عبدة وعامر بن قيس وآخرين من صلحاء المدينة والكوفة والبصرة الَّذين خذلهم عثمان وأبناء بيته؟.
ولعلَّ في المخذولين الحَكم ومروان وآلهما وعبد الله بن أبي سرح وأبا سفيان وولده وأضرابهم الذين خذلهم الإسلام وآواهم عثمان وعزَّرهم وسلّطهم على صلحاء الاُمّة من الصحابة الأوَّلين والتابعين لهم بإحسان.
ونحن على يقين من أنَّ الشفاعة المزعومة التي لا تصدّقها سيرة عثمان ولا تساعدها البرهنة ويضادُّها نداء الكتاب الكريم إن حقَّقت تُدنّس ساحة الجنَّة المقدَّسة بإدخال عثمان أرجاس آل اُميّة فيها كما يعرب عنه قوله الثابت المذكور في الجزء الثامن ص ٢٩١ ط ٢: لو أنَّ بيدي مفاتيح الجنَّة لأعطيتها بني اُمية حتّى يدخلوا من عند آخرهم.
____________________
١ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء صفحة ٧٨.
١٦ - أخرج الحاكم المستدرك ٣: ١٠٣ عن عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم العدل(١) عن يحيى بن أبي طالب عن بشار بن موسى الخفاف البصري عن الحاطبي عبد الرَّحمن(٢) بن محمّد عن أبيه عن جدَّه قال: لمـَّا كان يوم الجمل خرجتُ أنظر في القتلى قال: فقام عليُّ والحسن بن علي وعمَّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر وزيد بن صوحان يدورون في القتلى قال: فأبصر الحسن بن علي قتيلاً مكبوباً على وجهه فقلّبه على قفاه ثمَّ صرخ ثمَّ قال: إنَّا لِلّه وإنّا إليه راجعون فرخ قُريش والله. فقال أبوه: مَن هو يا بُنيَّ قال: محمَّد بن طلحة بن عبيد الله. فقال: إنَّا لِلّه وإنّا إليه راجعون، أما والله لقد كان شابّاً صالحاً ثمَّ قعد كئيباً حزيناً فقال له الحسن: يا أبت! قد كنت أنهاك عن هذا المسير فغلبك على رأيك فلان وفلان. قال: قد كان ذاك يا بُنيَّ! ولَوَددت انِّي متُّ قبل هذا بعشرين سنة. قال محمَّد بن حاطب: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّا قادمون المدينة والناس سائلونا عن عثمان فماذا نقول فيه؟ قال: فتكلّم عمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر فقاما وقالا فقال لهما عليٌّ: يا عمّار ويا محمّد! تقولان: إنَّ عثمان استأثر وأساء الأثرة وعاقبتم والله فأسأتم العقوبة، وستقدمون على حَكم عدل يحكم بينكم ثمَّ قال: يا محمّد بن حاطب! إذا قدمت المدينة وسُئلت عن عثمان فقل: كان والله من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثمَّ اتّقوا وآمنوا ثمَّ اتَّقوا وأحسنوا والله يحبُّ المحسنين وعلى الله فليتوكّل المؤمنون.
قال الأميني: سكت الحاكم عمّا في إسناد هذه الاُكذوبة من العلل ولم يصحِّحه ولم ينبس فيه بكلمة غمز ولا تصحيح، واكتفى الذهبي فيه بقوله: بشّار بن موسى واهٍ: ونحن نقول:
عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم. قال الدارقطني فيه لين، وذكره بذلك الخطيب البغدادي في تاريخه ٩: ٤١٤.
ويحيى بن أبي طالب قال فيه موسى بن هارون: أشهد انّه يكذب عنِّي. وقال مسلمة بن قاسم: تكلّم فيه الناس. « لسان الميزان ٦: ٢٦٢ »
____________________
١ - كذا فى النسخ والصحيح: المعدل.
٢ - كذا فى النسخ والصحيح: عبد الرّحمن بن عثمان بن محمد.
وبشّار بن موسى البصري، قال ابن معين: ليس بثقة. وقال: انَّه من الدجّالين. وقال أبو حفص: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث وقد رأيته وكتبت عنه وتركت حديثه. وقال أبو داود: ضعيفٌ. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ضعيفٌ. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويِّ عندهم. وذُكر عند الفضل بن سهل فأساء القول فيه(١) .
وعبد الرَّحمن الحاطبي ضعَّفه أبو حاتم الرازي كما في ميزان الإعتدال للذهبي. ووالده عثمان لم أقف على ثناء عليه في معاجم التراجم.
فأيّ عبرة بما يرويه أو يرتأيه أمثال هؤلاء الدجّالين؟ على أنَّ مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام كان على بصيرة من مسيره إلى حروبه كلّها ومنقلبه عنها وفي جميع ما ارتكبه فيها أو تركه، وكلّ ذلك كان بأمر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعهد منه إليهعليهالسلام ، وقد عُدَّ ذلك من فضائله، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يحثُّ أصحابه على مناصرته يومئذ كما مرَّ تفصيله في الجزء الثالث ص ١٨٨ - ١٩٥ ط ٢ وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: سيكون بعدي قومٌ يقاتلون عليّاً على الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك بشئ(٢) . وكان أبو أيُّوب الأنصاري وغيره من الصحابة يقول: عهد إلينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن نقاتل مع عليّ الناكثين(٣) .
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحذِّر اُمَّ المؤمنين عايشة عن ذلك التبرُّج تبرُّج الجاهليَّة الاُولى ويقول لها: يا حميراء! كأنِّي بكِ تنبحكِ كلاب الحوأب تقاتلين عليّاً وأنتِ له ظالمة(٤) وقد صحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما مرَّ في ج ٣ ص ١٩١ ط ٢ قوله للزبير: إنَّك تقاتل عليّاً وأنت ظالمٌ له.
فكان مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه مندفعاً إلى ما ناء به من أعباء تلكم الحروب بالأمر النبويِّ، ولم يكن قطُّ قد غلب على رأيه فلان وفلان، ولم يكن الإمام المجتبى المعصوم عن كلِّ زلَّة وهفوة بالذي ينهى أباه عمّا أمر به جدُّه الذي لا ينطق
____________________
١ - تاريخ الخطيب ٧: ١١٩، تهذيب التهذيب ١: ١٤٤.
٢ - راجع الجزء الثالث ص ١٩٠ ط ٢.
٣ - راجع الجزء الثالث ص ١٩٢، ٩٥ ١ ط ٢.
٤ - راجع الجزء الثالث ص ١٨٩ ط ٢.
عن الهوى إن هو إلّا وحيٌ يوحى، ولا أمير المؤمنينعليهالسلام بالذي يندم على ما نهض به من قمِّ جذور الفساد وقلع جذومه، ولو سوَّغنا عليه الندم في هذه لسوَّغنا عليه فيما قتله في مغازي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من أشياع الكفر وزبانية الشرك والإلحاد، فإذ كان سلام الله عليه في المقامين جميعاً منبعثاً بباعث إلهيّ ومصلحة دينيّة من استئصال شأفة العيث وقطع جراثيم الإلحاد، فلا يطرق ساحته المقدَّسة الندم في أيّ من الحالين.
وأيُّ صلاح في محمَّد بن طلحة؟ وقد شهر سيفه يُحارب إمام المسلمين وقد أمر بنصرته والجهاد معه، فحاله حال أبيه في الزيغ والنكوص عن السنن اللاحب. هذه حقيقة الأمر لكن مهملجة الخلاف الوضّاعين شاءوا أن يختلقوا ما يبرِّر أعمال الواثبين مع الهودج فقالوا، ولكن أين؟ وأنَّى؟...
وكيف يصحُّ عن مولانا أمير المؤمنين ما اختلقوا عليه من قوله لمحمَّد بن حاطب؟ وقد صدر عنه من فعل وقول قبل هذا الموقف وبعده ما يُعرب عن رأيه في عثمان، ولا يصدِّق الخُبر الخَبر، راجع ما مرَّ في هذا الجزء ص ٦٩ - ٧٧، وفي الجزء الثامن ص ٢٨٧، ٢٩٨، ٣٠٠، ٣٠١ ط ٢، وفي الجزء السابع ص ٨١ ط ٢.
وهل تساعد سيرة الرجل أن يراه أمير المؤمنين من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثمَّ اتَّقوا وآمنوا ثمَّ اتَّقوا وأحسنوا. الآية. وهي التي أركبته النهابير، وسقته كأس المنيَّة، وكانت تخالف الكتاب والسنَّة، والصحابة الأوَّلون وفي مقدَّمهم سيِّدنا الإمامعليهالسلام كانوا مطبقين عن النكير والنقمة عليها، ولأجلها تمخّضت البلاد عليه، وهي التي أقعدت الصحابة عن نصرته والذبِّ عنه، وهي التي زحزحت الاُمَّة الصالحة عن تجهيزه وتكفينه والصّلاة عليه، وهي التي دفنته في مقابر اليهود بعد ما بقي جثمانه في مزبلة أيّاماً وليالي تمرُّ به عواصف الذلِّ والهوان والملأ الديني ينظر إليه من كثَب، والناس قد بايع أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام وبيده مقاليد الاُمور يُسمع قوله ويُطاع، وهو الذي يتحمّس لأمر ما، يراه النَّاس هيِّناً وهو عنده عظيم، فيعاتب أصحابه ويقول في خطبته له: لقد بلغني أنَّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاُخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورعاثها(١) ما تمتنع منه إلّا بالإسترجاع والإسترحام ثمَّ انصرفوا
____________________
١ - القلب: السوار. الرعاث جمع رعثة بالفتح: القرط.
وافرين، ما نال رجلاً منهم كَلهمٌ، ولا اُريق لهم دمٌ، فلو أنَّ إمرءً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً(١) هذا أمير المؤمنين وهذا مبلغ غيرته على الإسلام وأهله ولكن:
وابن عفّان حوله لم يجهّز |
ه ولا كفَّ عنه كفُّ أذاها |
|
لست أدري أكان ذلك مقتاً |
من عليّ؟ أم عفَّة ونزاها؟ |
فاحكم بين النّاس بالحقِّ ولا تتَّبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله. ولئن اتَّبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من وليّ ولا واق.
١٧ - أخرج ابن أبي الدنيا من طريق فرج بن فضالة الدمشقي عن مروان بن أبي اُميّة عن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان لاُسلّم عليه وهو محصورٌ فدخلت عليه فقال: مرحباً بأخي، مرحباً بأخي، رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الليلة في هذه الخوخة - قال: و خوخة في البيت - فقال: يا عثمان! حصروك؟ قلت: نعم. قال: عطشوك؟ قلت: نعم، فأدلى دلواً فيه ماء فشربت حتّى رويت حتّى انِّي لأجد برده بين ثديي وبين كتفي وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده، فقتل ذلك اليوم(٢) .
قال الأميني: هذه السفسطة من آفات فرج بن فضالة الدمشقي قال أحمد: يحدّث عن الثقات أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال ابن المديني: ضعيفٌ لا اُحدّث عنه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيفٌ وقال أبو حاتم: لا يحتجُّ به. وقال أبو أحمد: حديثه ليس بالقائم. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث. وذكر البرقاني حديثاً للدار قطني من طريق فرج بن فضالة فقال: الدارقطني: هذا باطلٌ. فقال البرقاني: من جهة الفرج؟ قال: نعم. وقال عبد الرّحمن ابن مهدي: حدّث بأحاديث منكرة مقلوبة. وقال الساجي: ضعيف الحديث. وقال الخطيب: لا يغترُّ أحدٌ بالحكاية المرويّة في توثيقه عن ابن مهدي فانَّها من رواية سليمان بن أحمد وهو الواسطي وهو كذّابٌ، وقد قال البخاري: تركه ابن مهدي. و
____________________
١ - نهج البلاغة ١: ٦٩.
٢ - الانساب للبلاذرى ٥: ٨٢، تاريخ ابن كثير ٧: ١٨٢، الرياض النضرة ٢: ١٢٧.
قال ابن حبّان: فرج بن فضالة يقلّب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحلُّ الإحتجاج به. وقال الحاكم: هو ممَّن لا يُحتجُّ به(١) .
هذا فرج بن فضالة وأمّا شيخه مروان فلست أدري أيّ هيّ بن بيّ هو(٢) لم أقف في المعاجم على ترجمته ولم أجد له ذكراً لا في مشايخ ابن فضالة ولا فيمن يروي عن ابن سلام، ولعلّه لم يولد بعدُوكم في سلسلة أسانيد الفضائل أمثاله من اُناس لا تعرفهم اُمّ الدنيا، وما صوَّرهم قلم التصوير، وإنَّما اختلق أسمائهم الغلوُّ في الفضائل.
ولست أدري هل أسرَّ عثمان بهذه المكرمة إلى ابن سلام فحسب؟ أو أخبر بها هو أو ابن سلام جمهور الصحابة فوجدوها رؤياً لا تنهض للحجَّة، أو بلغتهم حينما مسَّ الحزام الطبيين، وبلغ السيل الزبى، واتَّسع الخرق على الراقع، حينما فاتت الخليفة نهزة الحجاج، وتمَّت عليه الحجَّة وأصبح محجوجاً، والاُمّة مجتمعةٌ على مقته، و قطع اُصول حياته وهي لا تجتمع على خطأ.
وفي الرواية موقع نظر أيضاً من ناحية صوم عثمان عند مَن أرّخ قتله بثاني أيام التشريق - كما في رواية أبي عثمان النهدي في أنساب البلاذري ٥: ٨٦، وقد رواه الواقدي أيضاً، واختاره المبرَّد في « الكامل » ٢: ٢٤١، وذكره أبو عمر في « الاستيعاب » ٢: ٤٧٧، وابن الجوزي في صفة الصفوة ١: ١١٧، وابن حجر الهيثمي في الصواعق ص ٦٦، والعسقلاني في تهذيب التهذيب ٧: ١٤١، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٠٩ والديار بكري في تاريخ الخميس ٢: ٢٥٨، ٢٦٤، ومن مؤلّفي اليوم الاستاذ علي فكري في أحسن القصص ٣: ١٦٤ - وذلك انَّ الصوم في أيام التشريق محظورٌ عند القوم، و هو قول أبي حنيفة والشافعي وعند مالك لغير المتمتِّع(٣) وقال ابن العماد الحنبلي في الشذرات ١: ٤١: قوله: قال لي النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : وتفطر عندنا. معناه أوَّل شيء تستعمله على الريق يكون عندنا لا انّه فطر صائم إذ لم يكن يومئذ صائماً، فإنّ يوم قتله كان ثاني أيّام التشريق ولا يجوز صومه.اهـ.
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٨: ٢٦٠ - ٢٦٢.
٢ - يقال: هىّ بن بىّ. أو: هيّان بن بيّان. أى مجهول لا يعرف هو ولا ابوه.
٣ - المحلى لابن حزم ٧: ٢٨، نيل الاوطار ٤: ٣٥٣.
وهذا التأويل يخالف ما أثنى به المؤرِّخون على عثمان من انَّه كان يوم قتله صائماً، وهو من المتسالم عليه عند القوم سلفاً وخلفاً حتى اليوم كما ذكره الاستاذ علي فكري في أحسن القصص ٣: ١٦٤. ويضادُّ أيضاً صريح ما أخرجه ابن كثير في تاريخه ٧: ١٨٢ من طريق ابن عمر عن عثمان قال: رأيت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم في المنام فقال: يا عثمان! افطر عندنا. فأصبح صائماً وقتل من يومه.
وكذلك لا يلتئم هو وما أخرجه الهيثم بن كليب بالإسناد عن نائلة بنت الفرافصة « إمرأة عثمان » قالت: لمـّا حصر عثمان ظلّ اليوم الذي كان فيه قتله صائماً، فلمَّا كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، وقالوا: دونك ذلك الركي - وركيٌّ في الدار الذي يلقى فيه النتن - قالت: فلم يفطر فرأيت جاراً على أحاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألت الماء العذب. فأعطوني كوزاً من ماء فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إنِّي أصبحت صائماً، قالت فقلت: ومن أين ولم أرَ أحداً أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إنِّي رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اطلع عليّ من هذا السقف ومعه دلوٌ من ماء فقال: اشرب يا عثمان! فشربت حتى رويت ثمَّ قال: ازدد فشربت حتَّى نهلت، ثمّ قال: أما إنّ القوم سينكرون عليك فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا. قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه(١) .
نعم: إنّ الحديثين لا يعوّل عليهما أيضاً لما في إسنادهما من داعية إلى الارجاء يبغض أهل بيت نبيّه، ومن مجهول منكر لا يُعرف، ومن متحامل على أمير المؤمنين من الفئة الباغية، فالحديثان كرواية ابن أبي الدنيا باطلان، وما ذهب إليه القوم من أنّ الرّجل كان يوم قتله صائماً منقبةٌ مفتعلةٌ لا تصحُّ لاستنادهم فيها إلى تلكم الأباطيل التي اختلقتها يد الغلوِّ في الفضائل.
١٨ - أخرج الحاكم وابن عساكر وغيرهما من طريق محمَّد بن يونس الكديمي أبي العباس البصري، عن هارون بن إسماعيل الخزّاز أبي الحسن البصري، عن قرَّة ابن خالد السدوسي البصري، قال: سمع الحسن البصري عن قيس بن عباد البصري قال: شهدت عليّاً رضي الله عنه يوم الجمل يقول كذا: أللهمَّ إنِّي أبرأ إليك من دم عثمان،
____________________
١ - تاريخ ابن كثير البداية والنهاية ٧: ١٨٣.
ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي وأرادوني على البيعة فقلت: والله إنِّي لأستحيي من الله أن اُبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا أستحيي ممَّن تستحيي منه الملائكة. وإنِّي لأستحيي من الله أن اُبايع وعثمان قتيلٌ على الأرض لم يُدفن بعدُ، فانصرفوا فلمّا دفن رجع النّاس إليَّ فسألوني البيعة فقلت: أللهمَّ إنِّي مشفقٌ لما اُقدم عليه ثمَّ جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين! فكأنَّما صدع قلبي، فقلت: أللهمَّ خذ منِّي لعثمان حتّى ترضى. وفي لفظ ابن كثير: فلمَّا قالوا: أمير المؤمنين. كان صدع قلبي وأمسكت(١) .
قال الأميني: ألا تعجب من الحاكم يذكر مثل هذه الاُضحوكة ويعدُّها ممَّا استدرك به على الصَّحيحين ويمرُّ بما فيها من اللغو كريماً، ولعلَّ الذَّهبي عرف بطلانها غير انَّه لمـّا وجدها في منقبة عثمان سكت عنها نهائيّاً ولم يلخّصها ولم ينبس فيها ببنت شفة، ويدَّخر ما في علبة علمه أو في كنانة جهله إلى تزييف حديث « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » وأمثاله من الصحيح الوارد في فضائل مولانا أمير المؤمنين فيجابهها بكلِّ جلبة ولغط، ولا تقصر عن أشواطهما خُطى ابن كثير في تاريخه فيستند إليها مستدلاً على ما يرومه من دحض الحقِّ وترصيف الباطل، ونحن أسلفنا في الجزء الخامس ص ٢٦٦ ط ٢ في سلسلة الكذّابين والوضّاعين نزراً من أقوال الحفّاظ في جرح محمَّد بن يونس الكديمي وانَّه كان يضع الحديث على النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد وضع أكثر من ألف حديث وهاهنا نبسط القول فيها:
قال الآجري: سمعت أبا داود ابن الأشعث يتكلّم في محمَّد بن سنان وفي محمَّد بن يونس يطلق فيهما الكذب. وقال ابن التمّار: ما أظهر أبو داود السجستاني تكذيب أحد إلّا في رجلين: الكديمي وغلام خليل. وقال أبو سهل القطَّان: كان موسى بن هارون ينهي النَّاس عن السماع من الكديمي ويقول: قد تقرَّب إليَّ بأنِّي كتبت عن أبيك في مجلس محمّد بن القاسم الأسدي وما حدَّث أبي قطُّ عن محمّد بن القاسم الأسدي. و عن موسى بن هارون انّه كان يقول وهو متعلقٌ بأستار الكعبة -: أللهمَّ إنِّي اُشهدك انَّ الكديمي كذّابٌ يضع الحديث. وقال الشاذ كوني: الكديمي وأخو الكديمي وابن
____________________
١ - مستدرك الحاكم ٣: ١٠٣، تاريخ ابن كثير ٧: ١٩٣.
الكديمي بيت الكذب. وقال أبو بكر الهاشمي: كنّا يوماً عند القاسم المطرَّز وكان يقرأ علينا مسند أبي هريرة فمرَّ في كتابه حديث عن الكديمي فامتنع عن قراءته فقام إليه محمَّد بن عبد الجبّار - وكان قد أكثر عن الكديمي - فقال: أيُّها الشيخ اُحبُّ أن تقرأه فأبى وقال: أنا اُحاسبه بين يدي الله يوم القيامة وأقول: إنَّ هذا كان يكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى العلماء.
وقال الدارقطني: الكديمي يُتَّهم بوضع الحديث وقال: ما أحسن القول فيه إلّا من لم يخبر حاله. وقال ابن حبّان: كان يضع الحديث لعلّه قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث.
وقال ابن عدي: قد اُتّهم بالوضع وادّعى الرواية عمَّن لم يرهم، ترك عامّة مشايخنا الرواية عنه، ومن حدَّث عنه نسبه إلى جدّه لئلّا يُعرف(١) وقال ابن عدي أيضاً: روى الكديمي عن أبي هريرة عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر حديثاً باطلاً، وكان مع وضعه الحديث وادّعائه ما لم يسمع علّق لنفسه شيوخاً. وكان ابن صاعد وعبد الله بن محمّد لا يمتنعان من الرواية عن كلّ ضعيف كتبا عنه إلّا عن الكديمي فانَّهما كانا لا يرويان عنه لكثرة مناكيره، ولو ذكرت كلّما أنكر عليه وادّعائه ووضعه لطال ذلك. وقال الحاكم أبو أحمد: الكديمي ذاهب الحديث تركه ابن صاعد وابن عقدة وسمع منه خزيمة ولم يحدّث عنه، وقد حفظ فيه سوء القول عن غير واحد من أئمَّة الحديث(٢) .
وذكر السيوطي في اللئالي المصنوعة عدَّة أحاديث في شتّى الأبحاث من طريق الكديمي فحكى فيها عن الحفّاظ الحكم بوضعها وقولهم: إنَّ آفتها الكديمي وانَّه كذّابٌ وضّاعٌ. وكأنّه نسي كلّ ما ذكر هنالك فأورد هذه الاُكذوبة في تاريخ الخلفاء ص ١١٠ محذوفة الإسناد وقال: أخرجه الحاكم وصحَّحه. ألم تكن تلك الأقوال الجارحة في الكديمي نصب عينه عند عدِّ فضائل عثمان؟ أم أنَّ فضائل الرجل لها حساب آخر يسوِّغ الغلوُّ فيها كلَّ كذب واختلاق؟ على أنَّ الحاكم سكت عن هذه الاُكذوبة ولم يصحّحها فنسبة التصحيح إليه لمحض إخراجه إيّاها في مستدرك الصحيحين وإلّا فلا صراحة فيه بالتصحيح.
____________________
١ - كما ان الحاكم يعرّفه بالقرشى ولم يذكر نسبته الى الكديم لئلا يعرف.
٢ - راجع تهذيب التهذيب ٩: ٥٣٩، والمصادر التى مرت في ج ٥: ٢٦٦ ط ٢.
وبعد هذه كلّها فانَّ المعلوم من نظريَّة مولانا أمير المؤمنين في عثمان كآراء بقيّة الصحابة فيه يفنّد نسبة هذه الأقاويل المختلقة إليه، أليس من المضحك ما ينسب إليه صلوات الله عليه من قول: ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان.. الخ؟ ليتهعليهالسلام بدل هذه الكلمة كان يخطو خطوة في التحفّظ على حرمة الرّجل وكرامته، ويأمر ولده وذويه بتجهيزه وتكفينه والصّلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، وليته كان يقيم له مأتماً ويأبِّنه ويذكره بالخير بعد ما تسنَّم منصَّة الخلافة، أو كان يحضر عند تربته ويقوم على قبره ويقرأ له الفاتحة ويأتي بسنّة الله التي جاءت في زيارة قبور المسلمين، وأيّ مسلم لم تكن له معاظم واجبة المراعاة(١) .
وليته كان يسكت عنه يوم قام به وقعد(٢) وقال على رؤس الأشهاد: قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الرَّبيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته.
وقال في اليوم الثاني من بيعته في خطبة له: ألا إنَّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردودٌ في بيت المال، فإنَّ الحقَّ القديم لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوّج به النساء، وفرّق في البلدان، لرددته إلى حاله.. الخ.
وليته كان لم يجابهه بقوله: ما رضيتَ من مروان ولا رضي منك إلّا بتحرّفك عن دينك وعقلك، وإنّ مثَلكَ مَثَل الظعينة سار حيث يُسار به.
وليته كان لم يكتب إلى المصريِّين بقوله: إلى القوم الذين غضبوا لِلّه حين عُصي في أرضه وذُهب بحقِّه، فضرب الجور سرادقه على البرِّ والفاجر، والمقيم الظاعن، فلا معروف يُستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه.
وليته كان لم يقل: ما أحببت قتله ولا كرهته، ولا أمرت به ولا نهيت عنه. أو كان لم يقل: ما أمرت ولا نهيت، ولا سرَّني ولا ساءني.
وليته كان لم يخطب بقوله: من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خيرٌ منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خيرٌ منِّي.
____________________
١ - بقال له: معاظم واجبة المراعاة. أى حقوقا مستعظمة.
٢ - يقال: قام به وقعد: اى نشر عنه أخبار السوء.
وليته كان لم ينفر أصحابه إلى قتال طالبي دم عثمان بقوله على صهوة المنبر: يا أبناء المهاجرين انفروا إلى مَن يقاتل على دم حمّال الخطايا. الخ.
وليته لمـَّا قال له حبيب وشرحبيل: أتشهد أنَّ عثمان قُتل مظلوماً. كان لم يجب بقوله: لا أقول بذلك(١) وليته وليته..
والعجب كلّ العجب من قول عليّ صلوات الله عليه « فلمّا قالوا: أمير المؤمنين صدع قلبي » لماذا صدع قلبه صلوات الله عليه ولم تكن لهذه التسمية جِدَّة؟ وإنَّما سمَّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك وحكاه عن الله تعالى وعن جبرئيلعليهالسلام وما صدع قلبه يوم ذاك، فعليٌّ من أوَّل يومه هو أمير المؤمنين بنصٍّ من الصادع الأمين، وما أنزل الله آية فيها يا أيُّها الذين آمنوا إلّا وعليٌّ رأسها وأميرها(٢) .
١٩ - أخرج ابن سعد في الطبقات ٣: ٤٧ ط ليدن عن محمَّد بن عمر عن عمرو بن عبد الله بن عنبسة بن عمرو بن عثمان عن محمّد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن ابن لبيبة قال: إنّ عثمان بن عفَّان لمـّا حُصر أشرف عليهم من كوَّة في الطمار فقال: أفيكم طلحة؟ قالوا: نعم. قال: اُنشدك الله هل تعلم أنَّه لمـّا آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين نفسه؟ فقال طلحة: أللّهمَّ نعم. فقيل لطلحة في ذلك فقال: نشدني وأمر رأيته ألا أشهد به؟
رجال الإسناد:
١ - محمَّد بن عمر. هو الواقدي، راجع ترجمته في ميزان الإعتدال ٣: ١١٠.
٢ - عمرو بن عبد الله الأموي حفيد عثمان، لم أجد له ذكراً في المعاجم، ولعلَّ فيه تدليس.
٣ - محمَّد بن عبد الله الأموي حفيد عثمان، قال البخاري: عنده عجائب، وقال ابن الجارود: لا يكاد يُتابع على حديثه. وقال النسائي مرّة: ثقةٌ. واُخرى: ليس بالقويِّ. راجع تهذيب التهذيب ٩: ٢٦٨.
٤ - ابن لبيبة ويقال: ابن أبي لبيبة محمّد بن عبد الرَّحمن. قال ابن معين: ليس
____________________
١ - راجع ما مرّ فى ج ٧: ٨١، و ج ٨: ٢٨٧، و ج ٩: ٦٩، ٧٠، ٧٢، ٧٤، ١٧٢، ١٧٤.
٢ - راجع ما اسلفناه فى الجزء الثامن ص ٨٧، ٨٩ ط ٢.
حديثه بشيء. وقال الدارقطني: ضعيفٌ. وقال آخر ليس: بالقويِّ(١) على أنَّ ابن لبيبة لم يشهد حصر عثمان ولم يرو عن صحابيّ فحديثه عن عثمان وعليّ وسعد مرسلٌ، يروي عن سعيد بن المسيّب وعبد الله بن عمرو بن عثمان وطبقتهما، فالرواية مرسلةٌ، وابن سعدِ جدُّ عليم بأنَّ مثل هذه المفتعلة لا يخفى بطلانه على أيِّ أحدٍ سواءٌ أرسله أو أسنده.
وهلّا يعلم مفتعل هذه الاُضحوكة انَّ أئمَّة الحديث وحفّاظه ورجال التاريخ أصفقت على أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يتَّخذ لنفسه أخاً يوم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إلّا ابن عمِّه علي بن أبي طالب؟ وهذا الذي يقتضيه الإعتبار بعد ما نصَّ الكتاب العزيز على أنَّ عليّاً سلام الله عليه نفس النبيِّ الأقدس. وإنّهما من أهل بيت أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا، وإنَّ ولاية عليّ مقرونةٌ بولاية الله ورسوله(٢) .
وبعد ما ثبت انَّه سلام الله عليه صنو النبيِّ الأعظم في الفضائل، وشاكلته في النفسيّات، ورديفه في الملكات الفاضلة، ونظيره من اُمَّته كما جاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم سلم(٣) وهو منهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزله رأسه من بدنه نصّاً منهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٤) وهو منهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنزلته من ربِّه كما ورد عن أبي بكر مرفوعاً(٥) وهما من شجرة واحدة وساير الناس من شجر شتّى كما روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم (٦) وهو الذي ثبت فيه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت منِّي وأنا منك(٧) وهو الذي أنزلهصلىاللهعليهوآلهوسلم من نفسه بمنزلة هارون من موسى ولم يستثن له ممّا اختصَّه الله به إلّا النبوِّة(٨) .
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٣: ٨٩، تهذيب التهذيب ٩: ٣٠١.
٢ - راجع ما مرّ في ج ٢: ٤٧، و ج ٣: ١٥٦ ١٦٧ ط ٢.
٣ - الرياض النضرة ٢: ١٦٤.
٤ - تاريخ الخطيب البغدادى ٧: ١٢، الرياض النضرة ٢: ١٦٢، مصباح الظلام للدمياطى ٢: ٥٦.
٥ - الرياض النضرة ٢: ١٦٣.
٦ - سيوافيك حديثه انشاء الله تعالى بألفاظه ومصادره.
٧ - صحيح البخارى كتاب المناقب ٥: ٢١٩، مسند أحمد ٥: ٢٠٤، ٣٥٦، صحيح الترمذى فى المناقب ٢، ٢١٣، خصائص النسائى ص ٢٠، ٢٤، ٣٦، تاريخ الخطيب ٤: ١٤٠، و راجع ما مضى فى الجزء السادس ٣٣٨ - ٣٥٠ ط ٢.
٨ - حديث المنزلة أخرجه أئمة الحديث بطرق صحيحة فى الصحاح والمسانيد.
لقد أدَّينا البحث عن حديث المؤاخاة حقَّه في الجزء الثالث ص ١١٢ - ١٢٥ وذكرنا هنالك خمسين حديثاً ممّا وقفنا عليه من أحاديث الإخاء الثابت بين النبيِّ الأعظم و أخيه أمير المؤمنين، وقد صحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: أنت أخي في الدنيا والآخرة. من طريق عمر وأنس وابن أبي أو في وابن عبّاس ومحدوج بن زيد الذهلي وجابر بن عبد الله و عامر بن ربيعة وأبي ذر وغيرهم.
إنّما فدحت هذه المأثرة أهل الأهواء كبقيَّة مآثر الإمام صلوات الله عليه فوضعوا تجاها اُكذوبةً في أبي بكر وانّه هو أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) واُخرى في عثمان و إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم آخى بينه وبين نفسه. وثالثة في عليّعليهالسلام انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم آخى بينه وبين عثمان(٢) ورواة السوء يعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم آخى بين أبي بكر و بين عمر في المؤاخاة الاولى بمكّة(٣) وبينه وبين خارجة بن زيد الأنصاري في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بالمدينة(٤) وآخر بين عثمان وبين عبد الرّحمن بن عوف في المؤاخاة بمكّة(٥) وبينه وبين أوس بن ثابت يوم المؤاخاة بالمدينة.(٦)
فعثمان قطُّ لا يُنشد بالمكذوب، وطلحة لا يدّعي رؤية ما لم يره، ولا يشهد بخلاف ما شاهده وعاينه، إن كانا من عدول الصَّحابة صدقاً، ومن المبشَّرين بالجنَّة حقّاً، وأنت تعرف حكم هذه الدعاوي من الصحيح الثابت عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام انَّه كان يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها أحدٌ غيري إلّا كذّاب. قال ابن كثير في تاريخه ٧: ٣٣٥: وقد جاء من غير وجه. وقال ابن حجر: رويناه من وجوه(٧) و
____________________
١ - راجع ج ٣ من كتابنا هذا ص ١١١، والاصابة ١: ٣٥ وضعفه.
٢ - الرياض النضرة ١: ١٧.
٣ - راجع تاريخ ابن عساكر ٦: ٩٠، اسد الغابة ٢: ٢٢١، عيون الاثر ١: ١٩٩، الرياض النضرة ١: ١٥، ١٧، فتح البارى ٧: ٢١٧.
٤ - راجع سيرة ابن هشام ٢: ١٢٤، تاريخ ابن كثير ٣: ٢٢٦، عيون الاثر ١: ٢٠١، الرياض النضرة ١: ١٦، فتح البارى ٧: ٢١٦، ٢١٨.
٥ - راجع تاريخ ابن عساكر ٦: ٩٠، عيون الاثر ١: ١٩٩، الرياض النضرة ١: ١٥، ١٧، فتح البارى ٧: ٢١٨.
٦ - راجع سيرة ابن هشام ٢: ١٢٥، تاريخ ابن كثير ٣: ٢٢٧، عيون الاثر ١: ٢٠١، الرياض النضرة ١: ٦١.
٧ - تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٧، وراجع ج ٣ من كتابنا هذا ص ١٢١.
كان قول أمير المؤمنين هذا أخذاً بما قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: أنت أخي وأنا أخوك فإن ناكرك أحد - وفي لفظ فإن حاجَّك - أحدٌ فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدَّعيها بعدك إلّا كذّاب(١) .
وأوَّل من فتح باب التجرّي بمصراعيه على هذه الفضيلة الرابية هو عمر بن الخطاب يوم قادوا صاحب الفضيلة إلى البيعة كما يُقاد الجمل المخشوش، وقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذن والله الذي لا إله إلّا هو نضرب عنقك. قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله. قال عمر: أمّا عبد الله فنعم وأمّا أخو رسوله فلا(٢) .
أنا لست أخدش العواطف بالإعراب عن حكم إنكار عمر الاُخوَّة الثابتة بتلكم النصوص الصريحة الأكيدة وقد سمعها هو من الصَّادع الكريم في ذلك اليوم المشهود غير أنِّي جدُّ عليم بأنَّ حجاج مولانا أمير المؤمنين كان أخذاً بما مرَّ قُبَيل هذا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: فإن ناكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله. وهل قرع هذا سمع عمر أيضاً وجابهه مع ذلك بالشدَّة في النكير عليه؟ أنا لا أدري، فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تُعرض عنهم فلن يضرُّوك شيئاً، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنَّ الله يحب المقسطين « المائدة ٤٢ »
٢٠ - أخرج ابن عدي من طريق مصعب بن سعيد المصيصي عن عيسى بن يونس عن وائل بن داود عن البهيّ عن الزبير رضي الله عنه مرفوعاً: لا يُقتل قرشيُّ بعد اليوم صبراً إلّا قاتل عثمان فإن لم يفعلوا فابشروا بذبح مثل ذبح الشاة.
قال الأميني: ذكره الذهبي في الميزان ٣: ١٧٣ مع حديثين من طريق مصعب ابن سعيد فقال: ما هذه إلّا مناكير وبلايا.
وقال ابن عدي: يحدِّث مصعب عن الثقات بالمناكير ويصحّف وهو حرّاني(٣) نزل المعصيصة(٤) وله غير ما ذكر والضعف على رواياته بيِّن. وقال ابن حبّان: كان
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الثالث ص ١١٥ ط ٢.
٢ - راجع ما مضى فى الجزء السابع ص ٧٨.
٣ - حران: قرية من قرى حلب.
٤ - مدينة على شاطىء جيحان من تغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم.
مدلّساً. وقال صالح بن جزرة: شيخٌ ضريرٌ لا يدري ما يقول(١) .
وفي الإسناد عيسى بن يونس قال الدار قطني: مجهولٌ. والبهيّ هو عبد الله أبو محمَّد مولى مصعب بن الزبير ولا يصحُّ روايته عن الزبير بل يروي عن عبد الله بن الزبير، وقال أبو حاتم في العلل: لا يحتجُّ بالبهيّ وهو مضطرب الحديث.
٢١ - أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء ١: ٥٧ من طريق حامد بن آدم المروزي عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عثمان بن غياث البصري عن أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري قال: كنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حائط من تلك الحوائط إذ جاء رجلٌ فاستفتح الباب فقال: افتح له وبشِّره بالجنَّة على بلوى تصيبه. فإذا هو عثمان فأخبرته فقال: الله المستعان.
قال الأميني: هلّا يعرف أبو نعيم مفتعل هذه الاُكذوبة حامد بن آدم؟ أو يعرفه بعُجَره وبُجَره غير أنَّ الغلوَّ في الفضائل يسوِّغ له ولقومه رواية كلِّ كذب مختلق في فضائل المستخلَفين بالإنتخاب الدستوري الذي لم تره عين الدُّنيا صحيحاً قطُّ.
أنَّى يخفى على مثل أبي نعيم انَّ حامد بن آدم كذَّبه الجوزجاني وابن عدي، وعدَّه أحمد بن علي السليماني فيمن اشتهر بوضع الحديث. وقال أبو داود السبخي: قلت لابن معين: عندنا شيخٌ يقال له: حامد بن آدم. الخ. فقال: هذا كذّابٌ لعنه الله(٢) .
على أنَّ عثمان لو كان مبشَّراً بالجنَّة ومصدِّقاً بوعد النبيِّ الأقدس لَما كان في نفسه خيفة من أن يكون هو ذلك الملحد بمكّة الذي أخبرصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنَّ عليه عذاب نصف أهل الأرض كما مرَّ في صحيحة أحمد. وأعجب من هذا مهزأة جاء بها الخطيب ألا وهي:
٢٢ - أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه ٨: ١٥٧ من طريق الحسين بن حميد ابن موسى العكّي قال: حدَّثنا حمّاد بن المبارك البغدادي قال: حدَّثنا إسماعيل بن اُميَّة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: ما صعد النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم المنبر قطُّ إلّا قال: عثمان في الجنّة. قال: قال الدارقطني: كذا قال حمَّاد بن المبارك عن عبد الله بن ميمون عن إسماعيل بن اُميّة عن ابن جريج، وهذا الحديث إنّما يُعرف من رواية إسماعيل بن
____________________
١ - لسان الميزان ٦: ٤٣.
٢ - ميزان الاعتدال ١: ٢٠٨، لسان الميزان ٢: ١٦٣.
_٢٠_
يحيى بن عبيد الله التيمي عن ابن جريج والله أعلم. وقال الذهبي في الميزان ١: ٢٨١: خبرٌ غير صحيح. راجع لسان الميزان ٢: ٣٥٣.
قال الأميني: لا تعجب من الخطيب يذكر مثل هذه السفسطة بهذا الإسناد الوعر ولم ينبس ببنت شفة، ولم يُعرب عن حال رجاله عادته في فضائل كلِّ من أعماه حبُّه وأصمّه، وأنت تجد نقضه وإبرامه، وجرحه وتعديله، وتصويبه وتصعيده في مناقب آل الله صلوات الله عليهم.
أيخفى على مثل الخطيب قول مسلمة بن قاسم في الحسين العكّي: إنّه مجهول؟ أم لا يهمُّه وجود حمّاد بن المبارك في الإسناد؟ وهو المجهول الذي لا يُعرف(١) أم عزب عنه قول البخاري في عبد الله بن ميمون: إنَّه ذاهب الحديث؟ وقول أبي زرعة: إنّه واهي الحديث؟ وقول أبي حاتم والترمذي: إنَّه منكر الحديث؟ وقول ابن عدي: إنّ عامّة ما يرويه لا يُتابع عليه؟ وقول النسائي: انّه ضعيفٌ؟ وقول أبي حاتم أيضاً: يروي عن الاثبات الملزقات، لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد؟ وقول الحاكم: إنّه يروي أحاديث موضوعة؟ وقول أبي نعيم: انّه روى المناكير؟(٢)
أم لا يروق الخطيب الجرح في اسماعيل بن اميّة العبشمي الأموي وهو ابن عمِّ عثمان وقد جاء بالرّواية مختلقة في ابن عمِّه الخليفة؟ أم لا ينبِّهه ما حكاه عن الدارقطني إلى أنَّ إسماعيل لا يروي عن ابن جريج؟ وإنَّما الراوي إسماعيل بن يحيى التيمي. أم أراد حفظ سمعة الصدِّيق أبي بكر في حفيده اسماعيل بن يحيى التيمي(٣) والستر على قول صالح بن جزرة فيه: إنّه كان يضع الحديث. وقول الأزدي: انَّه ركنٌ من أركان الكذب لا تحلَّ الرواية عنه. وقول أبي علي النيسابوري والدار قطني والحاكم إنَّه كذّابٌ. وقول الحاكم: روى أحاديث موضوعة. وقول الدارقطني: إنّه كان يكذب على مالك والثوري وغيرهما. وقول ابن حبّان: انّه كان يروي الموضوعات عن الثقات لا تحلُّ الرواية عنه بحال؟(٤)
____________________
١ - ميزان الاعتدال ١: ٢٨١، لسان الميزان ٢: ٣٥٣.
٢ - تهذيب التهذيب ٦: ٤٩.
٣ - اسماعيل بن يحيى بن عبيد الله بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبى بكر بن أبى قحافة.
٤ - ميزان الاعتدال ١: ١١٧، لسان الميزان ١: ٤٤٢.
نعم: هذه كلّها بين يدي الخطيب غير أنّ الغلوّ في الفضائل أبكمه فبكم(١) وذكر الذهبي هذه الرواية في « ميزان الاعتدال » في ترجمة حمّاد بن المبارك، وقال: خبرٌ غير صحيح.
ولو كان لهذا الخيال مقيلٌ من الصحّة لاستدعى أن يكون ما اختلق فيه من كون عثمان في الجنَّة أهمّ ما صدع به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من المعارف والأحكام والحِكَم فإنّا لم نجد ولا وجد واجدٌ شيئاً منها يهتمّصلىاللهعليهوآلهوسلم له هذا الإهتمام ويصدع به على كلّ منبر صعده، نعم كان يكرِّر بعض ما يصدع به في عدَّة مقامات للكشف عن أهميّته غير انَّها ممّا تعدّه الأنامل، حتَّى أنَّ الصَّلاة التي هي عماد الدين لم يكرِّرها هذا التكرار المملّ.
وليت شعري هل كون عثمان في الجنّة من اُصول الدِّين واُسس الإسلام التي لا تتمُّ الشريعة إلّا بها فطفقصلىاللهعليهوآلهوسلم يبالغ في تبليغه هذه المبالغة في كلِّ حين؟ فهل هو حكمٌ شرعيّ؟ أو حكمةٌ بالغة؟ أو ملكةٌ فاضلة؟ أو ناموس إلهيّ يستحق هذا التأكيد والإصرار؟
ثمَّ لو كان عثمان من المؤمنين لكفاه تبشير الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الجمَّة لهم بالجنّة، فما الحاجة إلى هذا التهالك في تخصيصه بالذكر تهالكاً لم يشاهد له نظيرٌ في شيء ممّا بلّغهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ربِّه؟
على أنَّه لو كانصلىاللهعليهوآلهوسلم مرتكباً ذلك لوجب أن يسمعه منه جميع الصحابة حتّى من حظي بالإصاخة إلى قيله ولو مرَّة واحدة طليلة حياته، ووجب أن يتواتر الحديث منهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يختصُّ بعزوه المختلق جابر، ولم يك يسنده عنه اُناسٌ دجّالون، وإنَّ من أهمِّ تلكم المنابر منبر يوم الغدير وقد حضره مائة ألف أو يزيدون، فهل سمع أحدٌ من أحدهم من الأعالي والساقة يحدّث انَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هتف عليه بأنّ عثمان في الجنّة؟ و هذه خُطب النبيِّ الأعظم هل تجد في شئ منها عمّا تقولوه حسيساً أو تسمع منه ركزاً؟ وهل هؤلاء الصحابة البالغون مئات الالوف الذين سمعوا هذا المقال ووعوه تركوه
____________________
١ - بكم بكامة: سكت تعمدا.
وراء ظهورهم يوم الدار؟ يوم قالوا له: والله أحلَّ الله دمك(١) يوم كتبوا إليه يدعونه إلى التوبة وحاجّوه وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يمسكون عنه أبداً حتّى يقتلوه(٢) يوم سلّم عليهم فما سمع أحداً مِنَ النّاس يردُّ عليه، وكان فيهم مِن عُمد الصحابة مَن فيهم(٣) يوم رفعت اُمُّهم عقيرتها وهي تقول: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر، إلى أيَّام قصصنا عليك حوادثها، أو انَّهم كلّهم نسوه فنالوا من الرجل ما نالوا؟ وهل حصل لهم مُذكّرٌ من عند أنفسهم فلم يوافقوه على السماع؟ أو لم يعيروا له اُذناً مُصغية؟ هذا وهم عدول، وانَّ ممَّن سمع بطبع الحال هاتيك الكلمة نفس عثمان فلماذا كان يخاف من القفول إلى مكّة حذار أن يكون هو الذي سمع فيه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما مرَّ من أنَّه يُلحد بمكّة رجلٌ عليه عذاب نصف أهل الأرض؟
٢٣ - ذكر ابن كثير في تاريخه عند عدِّ مناقب عثمان عن إسماعيل بن عبد الملك عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رافعاً يديه حتّى يبدو ضبعيه إلّا لعثمان بن عفّان إذا دعا له.
قال الأميني: حذف ابن كثير وغيره ممَّن ذكر هذه المهزأة إسنادها وأرسلوها إرسال المسلّم ذاهلين عن أنَّ في ذكر إسماعيل بن عبد الملك كفاية من عرفان بقيّة رجاله قال ابن عمّار وأبو داود: ضعيفٌ. وقال ابن الجارود وابن معين والنسائي وأبو حاتم: ليس بالقوي. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: اُضرب على حديثه. وقال الفلاس وأبو موسى: كان عبد الرَّحمن ويحيى لا يحدّثان عنه. وقال ابن حبّان: كان يقلّب ما يروي(٤)
وأنا لا أدري أنَّ عائشة متى روت هذه الرواية، قبل تكفيرها الرجل وتأليب الناس عليه، ثمَّ نسيتها؟ وسرعان ما تنسى اُمُّ المؤمنين ما حفظته كما نسيت أقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لها في مناوئة أمير المؤمنين عليعليهالسلام وعن كلاب الحوأب ونباحها، أم أنَّها روتها حين كانت تثير العواطف على عثمان وترهج عليه نقع الحروب حتّى أوردته موارد
____________________
١ - تاريخ الخميس ٢: ٢٦٠.
٢ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء ص ١٦٢.
٣ - راجع ما اسلفنا فى حديث طلحة بن عبيد الله ص ٩٦.
٤ - تهذيب التهذيب ١: ٣١٦.
الهلكة فاعجب إذن بالمناقضة بين روايتها وعملها دواليك وهي صحابيَّة عادلةٌ اُمُّ الصحابة العدول كما يزعمون.
أم أنّها أسندتها بعد تلكم المعامع؟ بعد أن سوَّل لها الناكثان النهضة للطلب بثاراته. فخرجا يجرّان حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما تُجرُّ الأمة عند شرائها متوجهين بها إلى البصرة، فحبسا نساءهما في بيوتهما، وأبرزا حبيس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن خدرها(١) فثارت لتتدارك ذلك الحوب بما هو أكبر منه، فخالفت القرآن الكريم فيما خصَّ زوجات النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: « وقرن في بيوتكن ولا تبرَّجن تبرُّج الجاهليَّة الاُولى » فكان من استقرارها في بيتها أن ركبت الجمل وقادت العساكر، وباشرت الحرب بنفسها، وعاشرت الرجال الأجانب، ونبذت الكتاب وراء ظهرها، ولم ترع لبعلها حرمة ولا كرامة.
وخالفت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في نواهيه المتعاقبة عن خصوص موقف الجمل كما مرَّت في الجزء الثالث ص ١٨٨ - ١٩١ ط ٢، وعن مطلق مناوءة أمير المؤمنينعليهالسلام ومحاربته فيما روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم مستفيضاً كما أسلفنا نزراً منه في ج ١: ٣٣٦، ٣٣٧ و ج ٢: ٣٠٠ - ٣٠٣، و ج ٣: ٢٦، ١٨٢ - ١٨٨ و ج ٤: ٣٢٢ - ٣٢٥ ط ٢.
نعم خالفت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وصاياه المؤكّدة بوصيِّه الطاهر حتّى جاء في حديث معمَّر: عائشة كانت لا تطيب نفساً لعليّ بخير. وفي حديث آخر: لكنَّها لا تقدر على أن تذكره بخير(٢) .
والحديث صحيحٌ رجاله كلّهم ثقات أخرجه أحمد في مسنده ٦: ٢٢٨ من طريق معمَّر عن الزهري عن عبيد الله بن عتبة انَّ عائشة أخبرته قالت: أوَّل ما اشتكى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بيت ميمونة فاستأذن أزواجه أن يمرِّض في بيتها فاُذن له قالت: فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ على رجل آخر، وهو يخطُّ برجليه في الأرض. قال عبيد الله فحدَّثت به ابن عبّاس فقال: أتدرون مَن الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة؟ هو عليٌّ، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً.
وأخرجه البخاري في صحيحه في باب حدِّ المريض أن يشهد الجماعة، غير أنَّه
____________________
١ - راجع ما مضى فى هذا الجزء ص ١٠٦.
٢ - فتح البارى ٢: ١٢٣.
حذف منه قول ابن عبّاس: « ولكنَّ عائشة لا تطيب له نفساً » وهذا شأن البخاري في كلِّ ما لا يروقه.
نعم عائشة لا تقدر أن تسمَي عليّاً وتذكره بخير، غير أنّها كانت تصيخ إلى مَن نال مِن عليّعليهالسلام وتأنس بالوقيعة فيه ولا تنهى عنها كما في صحيحة رجالها كلّهم ثقات أخرجها أحمد في مسنده ٦: ١١٣ من طريق عطاء بن يسار قال: جاء رجلٌ فوقع في عليّ وفي عمّار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة فقالت: أمّا علي فلست قائلةً لك فيه شيئاً، وأمّا عمّار فانِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لا يخيَّر بين أمرين إلّا اختار أرشدهما.
لِمَ يا اُمَّاه لستِ قائلة شيئاً في عليّ؟ أما سمعت اُذناكِ من بعلكِ حديثاً واحداً في فضله مثل ما سمعت في عمّار؟ أما تجدين في كتاب الله ممّا نزل في عليّ ما يعادل حديثكِ في عمّار؟ وفضل عليّعليهالسلام على عمّار كما قال حذيفة اليماني: فوالله لعليٌّ أفضل من عمّار أبعد ما بين التراب والسحاب، وإنَّ عمَّاراً من الأخيار(١) .
لِم يا اُمّاه لا تكرهين أن يُقذع عندكِ عليٌّعليهالسلام ، وأنت التي كنت كارهة أن يُسبَّ عندكِ حسّان بن ثابت؟ وقد أخبر بذلك عروة قال: كانت عائشة تكره أن يُسبُّ عندها حسّان وتقول: إنَّه الذي قال:
فإنّ أبي ووالده وعرضي |
لعرض محمَّد منكم وقاءُ(١) |
أما كانت عندكِ لمواقف عليّ المشكورة في مغازي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولمبيته على فراشه ليلة هجرته من مكّة وقد باهى الله به ملائكته، قيمة وكرامة مقدار بيت شعر لحسّان؟ وحسّان أنتِ أدرى به منِّي. اي يا اُمّاه؟ شنشنةٌ أعرفها من أخزم.
ومن رشحات ما كانت تحمله اُمُّ المؤمنين بين جنبيها من الضغينة على أوَّل المسلمين وأولاهم لهم بهم من أنفسهم قولها يوم سمعت بيعة الناس له: لوددت أنَّ السّماء إنطبقت على الأرض إن تمّ هذا.
وخالفت العقيدة الراسخة من حرمة قتال خليفة الوقت، وليتني علمت ماذا يكون
____________________
١ - اخرجه ابن عساكر كما فى كنز العمال ٧: ٧٣.
٢ - راجع مسند أحمد ٦: ١٩٧
جواب اُمّ المؤمنين لو اُحفيت السؤال عن خطيئتها أيّهما أعظم؟ إجهازها على عثمان أم محاربتها الإمام أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام ؟ غير أنَّها اليوم وقد كشف عنها الغطاء تجيب بأنَّ الخطيئة كانت واحدة مرتكزة على سنام الجمل وتحت أستار الهودج، وهل كانت روايتها هذه لتبرير عملها الأخير؟ وقد جعلتها معذرة لها في ثورتها أو أنّها اختلقت عليها فأخرجتها رواة السفاسف أو حملة الأضغان على البيت النبويِّ الطاهر، أو سماسرة البيت الأمويِّ الذين حاولوا نشر الفضيلة لهم ولو بالأفائك؟
وكانت اُمّ المؤمنين عالمة جدًّا بأنّ قتل عثمان كان هيِّناً عند الله ورسوله في جنب خروجها من عقر دارها كما قال لها جارية بن قدامة السعدي الصحابي: يا اُمّ المؤمنين؟ والله لقتل عثمان بن عفّان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عُرضة للسِّلاح، إنَّه قد كان لكِ من الله سترٌ وحرمة، فهتكت سترك، وأبحتِ حرمتك، إنَّه من رأى قتالك فإنَّه يرى قتلكِ، إن كنتِ أتيتينا طائعة؟ فارجعي إلى منزلكِ، وإن كنتِ أتيتينا مستكرهة؟ فاستعيني بالناس(١)
ثمّ هل كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يدعو لعثمان بالثبات على الحّق من إتّباع الكتاب والسنَّة؟ فلماذا لم يُستجب ذلك الدعاء فخالفهما؟ وظهر ذلك منه حتّى عرفته عامّة الصحابة فأنكروه عليه حتّى قتلوه.
أو أنَّه كان يدعو له بالتوفيق للتوبة؟ فلماذا لم يوفّق؟ فكلّما تاب رجع، وكلّما عهد حنث، حتّى عرف ذلك الثائرون عليه فلم يجدوا بُدًّا من إعدامه.
أو أنَّه كان يدعو له بالمغفرة وإن لم تكن توبته نصوحاً؟ فذلك إغراءٌ بالجهل، وترخيصٌ في المعصية، وهو محالٌ على النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أو أنَّه كان يدعو له بدفع عادية الناس عنه على ما هو عليه من طاعة أو معصية؟ فهبني قلت: إنَّه جائزٌ لكنَّ الدعاء لم يُستجب، وما غناء بقاء رجل هو هكذا سالماً؟ وهو لا يُقتصُّ أثره في صلاح، ولا يُقتفى في طاعة، ولا يُتَّبع في خير، وإنَّما تورث سلامته تجرِّياً على المعاصي وولعاً بالميول والشهوات.
أو أنَّه كان يدعو له باليسار والثروة ليرغد عيشه ويُرغد عيش من لفَّ لفَّه و
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١٧٦، الكامل لابن الاثير ٣: ٩٠.
احتفَّ به ولو كان بالأثرة لنفسه وذويه على المسلمين عامة متعدِّياً حدود الله المأثورة في الأموال والصدقات؟ فهل الدعاء لمثل هذا جائزٌ في الشريعة؟ وهل يستسيغ العقل السليم الدعاء للحصول على المآثم؟
أو أنّه كان يدعو له بنيل الخلافة؟ وهذا إنْ صحّ فقد استجيب غير أنَّ النبيَّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم كان بواسع علم النبوَّة بصيراً بما يؤل إليه أمر الرّجل وينوء به ممّا لا تحمده شريعةٌ أو عقيدة، ولا يستتبع خلافته إلّا وهناً في الدِّين، وذهاباً لاُبَّهة الإمامة وقلقاً في مستوى الإسلام وعاصمة النبوَّة، وتعكيراً لصفو الاُلفة بين أفراد المسلمين، وفتّاً في عضدهم، وهواناً على صلحاء الاُمَّة في الحواضر الإسلاميَّة، وتعطيلاً للأحكام، وتعدِّياً للحدود، ومن يتعدَّ حدود الله فاولئك هم الظالمون، وكلُّ هذه ممّا عرفته منه الصحابة فتألّبوا عليه، فما كان حاجة النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم في خليفة هو هكذا؟.
هذه محتملات الدعاء المزعوم، ولنا ها هنا مسائلةٌ اُخرى عن السبب الموجب لهذا الدعاء أوَّلاً وعن ظرفه ثانياً، أهل كان الموجب له أعماله السابقة على الدعاء؟ أو ما ارتكبه في اُخريات أيّامه؟ فجرَّ على نفسه ومن اكتنفه الويلات من جرّائه، أمّا الأخيرة فقد عرفت انَّها لا تنهض موجباً لذلك، وأمّا سوابقه فسل عنه يوم بدر وتخلُّفه عنه وكان يُعيَّر بذلك طيلة حياته، ووقع فيه عبد الرّحمن بن عوف لذلك في اُخريات خلافته بملأ من الناس فأنهى إليه ذلك الوليد بن عقبة السكير الفاسق بلسان الوحي المبين(١) هنالك نحت له عذراً من تمريض رقيَّة بنت النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) لكن الصحابة ما كانوا يعرفون ذلك العذر المفتعل حتّى أولى الناس به أخوه بالمؤاخاة بمكة عبد الرّحمن بن عوف، ولو كان ما يقوله صحيحاً لعرفوه وهو بين ظهرانيهم غير منتأى عنهم.
وسل عنه يوم اُحد وفراره من الزحف وقد نزل فيه وفيمن فرَّ قوله تعالى « في سورة آل عمران آية: ١٥٥ » : إنَّ الَّذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنَّما استزلَّهم الشيطان ببعض ما كسبوا. الآية(٣) .
____________________
١ - مرّ تفصيل ذلك فى ج ٨: ٢٧٤ - ٢٧٦ ط ٢.
٢ - راجع مسند احمد ١: ٦٨، ٧٥، الرياض النضرة ٢: ٩٧، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٠٦.
٣ - راجع مسند احمد، ١، ٦٨، تفسير القرطبى ٤. ٢٤٥، تفسير ابن كثير ١: ٤١٩، الرياض النضرة ٢: ٩٧، تفسير الخازن ١: ٣٠٧.
وسل عنه ليلة وفاة اُم كلثوم واقترافه الذنب فيها، وهتك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حرمته في صبيحتها بملأ من الصحابة بحرمانه من دفنها وهي زوجته وهو أحقُّ الناس بدفنها، راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص ٢٣١ ط ٢.
وسل عنه ايواءه عبد الله بن أبي سرح وقد ارتدَّ عن الإسلام ولحق بالمشركين فأهدر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دمه يوم الفتح وأمر بقتله ولو وُجد تحت أستار الكعبة، لكنَّه فرَّ إلى أخيه من الرضاعة « عثمان » فآواه وغيَّبه، وكان من واجبه قتله أينما وجده، لكنه بدلاً عن ذلك أتى به إلى رسول الله فاستأمنه له فصمت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم طويلاً رجاء أن يقتله أحدٌ من الحضور لأنّه ما كان يروقهصلىاللهعليهوآلهوسلم إسعافه ولا يرى لحياة ابن أبي سرح قيمة. راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص ٢٨٠ ط ٢.
وسل عنه ايواءه ابن عمِّه المشرك معاوية بن المغيرة بن أبي العاص يوم حمراء الأسد لَمّا ظفر به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في خروجه منها فأمر بضرب عنقه صبراً فلجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأمنه على أنَّه إن وُجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث و توارى فبعثصلىاللهعليهوآلهوسلم عمَّار بن ياسر وزيد بن حارثة وقال: إنّكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه(١) .
وما أشبه فعلته هذه بايوائه الحكم وابنه مروان في خلافته وهما طريدا رسول الله ولعيناه؟(٢) فأمره سواسية في المبدأ والمنتهى.
هذا كلُّ ما علمناه من سوابق الرجل ولواحقه، وشئٌ منها لا يصلح أن يكون باعثاً للحبِّ والدعاء كما أنَّ شيئاً منها لا يترك للدعاء المزعوم ظرفاً يُستساغ له الدعاء فيه، فزبدة المخض أنَّه من مختلق الدور الأمويِّ الذي لم يأل العبشميّون فيه جهداً في وضع الفضائل أو الرذائل.
نعم ذكروا لهصلىاللهعليهوآلهوسلم دعوات عديدة لعثمان عند تجهيزه جيش العسرة، ولعلَّ المتهالك في حبِّ عثمان ينحته موجباً لتلكم الدعوات، والباحث جِدُّ خبير بأنّه لا
____________________
١ - سيرة ابن هشام ٣:، تاريخ ابن كثير ٤: ٥١، عيون الاثر لابن سيد الناس ٢: ٣٧، ٣٨، شرح الاشخر على بهجة المحافل ١: ٢١٣.
٢ - راجع ترجمة الحكم وابنه مروان فى الجزء الثامن من كتابنا هذا.
يعدو شيئاً منها وهنٌ في الإسناد لضعف في رجاله أو إرسال فيه، على اضطراب الروايات في كيفيَّة التجهيز وكميّة ما أنفقته يده فيه، اضطراباً لا يعدوه الحكم بالبطلان في جميعها: قال ابن هشام في السيرة ٤: ١٧٢: أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقةً عظيمة لم ينفق أحدٌ مثلها. حدَّثني من أثق به أنَّ عثمان بن عفّان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار. إلى آخر ما يأتي من حديثه.
وأخذ الطبري الجملة الاُولى من قول ابن هشام وترك حديثه.
وعند الكلبي مرسلاً كما في أسباب النزول للواحدي ٦١ جهَّز بألف بعير بأقتابها وأحلاسها.
وعند قتادة مرسلاً: حمل على ألف بعير وسبعين فرساً.
وعند البلاذري باسناد ضعيف مرسل: جهّزهم بسبعين ألفاً.
وعند الطبراني باسناد ضعيف: مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية من الذهب.
وعند أبي يعلى بسند ضعيف: جاء بسبعمائة أوقية ذهب.
وعند ابن عدي بسند واهٍ ضعيف جدّاً: جاء بعشرة آلاف دينار.
وعند أبي نعيم باسنادين باطلين: جاء بألف دينار.
وعند أحمد وأبي نعيم باسناد معلول: ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.
وعند ابن عساكر مرسلاً: جهَّز ثُلث ذلك الجيش مؤنتهم.
وعند ابن الأثير ما ذكره الطبري وزاد عليه: قيل كانت ثلثمائة بعير وألف دينار.
وعند عماد الدين العامري دعوى مجرَّدة: أنفق ألف دينار، وحمل على تسعمائة وخمسين بعيراً وخمسين فرساً.
وعند الحلبي صاحب السيرة قولاً بلا دليل: جهّز عشرة آلاف دينار غير الابل و الخيل وهي تسعمائة بعير ومائة فرس والزاد وما يتعلّق بذلك حتّى ما تربط به الأسقية.
وعند بعض كما في السيرة الحلبيَّة: أعطى ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها و خمسين فرساً.
وفي رواية عند الحلبي: جاء بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله فصُبَّت بين يديه.
فقال: لعلَّ هذه العشرة آلاف غير الذي جهَّز بها العشرة آلاف إنسان.
فترى كلّ واحد يكل ويزن ما أنفقه الرجل في جيش العسرة بكيلة مروءته و ميزان كرامته، وما تستدعيه سعة صدره، ورحب ذات يده.
على أنَّ هناك اُناساً آخرين شاركوا مَن جهَّز الجيش وأربوا، فلا أدري ما الموجب لاختصاص عثمان بتلكم الأدعية دونهم؟ فمن اُولئك المجهِّزين العباس بن عبد المطلب فإنّه حمل مالاً يقال إنَّه تسعون ألفاً(١) وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : العبّاس عمُّ نبيّكم أجود قريش كفّاً وأحناه عليها. وفي حديث: أوصلها لها « مستدرك الحاكم ٣: ٣٢٨ » وأوَّل من حمل ماله كلّه هو أبو بكر على زعم القوم فإنَّه جاء بماله كلّه فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هل أبقيت شيئاً؟ قال: الله ورسوله(٢) .
وهبْ أنَّ ما حمله أبو بكر كان نزراً يسيراً لكنّه أنفق بكلِّ ماله إن صدق الحديث وكمال الجود بذل الموجود. فما الذي أرجأه من الحظوة بالدعاء له ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يراه أمنَّ الناس عليه بماله؟ وقد جاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما رواه أحمد في مسنده ١: ٢٧٠ قوله: ليس أحد أمنُّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة.
على أنَّ طبع الحال يستدعي أن يكون هناك منفقون آخرون لأنَّ عدد الجيش كان ثلاثين ألفاً وعشرة آلاف فرس وإثنا عشر ألف بعير عند كثير من المؤرِّخين، وعند أبي زرعة كانوا سبعين ألفاً، وفي رواية أربعين ألفاً(٣) وما ذكروه من النفقات لعثمان وغيره لا تفي بتجهيز هذا الجيش اللجب، فلماذا حرم اولئك كلّهم من الدعاء وحظي به عثمان فحسب؟ أنا اُنبئك لماذا، وجد عثمان بعد ما خُذل وقتل أنصاراً ينحتون له الفضائل، وتصرَّمت أيّام أولئك من غير نصير مُفتعِل.
وإليك جملةٌ ممّا روي في الباب وافية للنهوض بإثبات بطلان ما يُهتف به مِن المبالغة في أمر التجهيز المذكور، منها:
٢٤ - أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء ١: ٥٩ من طريق حبيب بن أبي حبيب أبي
____________________
١ - امتاع المقريزى ص ٤٤٦.
٢ - تاريخ ابن عساكر ١: ١١٠، شرح المواهب للزرقانى ٣: ٦٤، السيرة الحلبية ٣: ١٤٥.
٣ - طبقات ابن سعد رقم التسلسل ٦٨٣، تاريخ ابن عساكر ١: ١١١، امتاع المقريزى ص ٦٥٠، فتح البارى ٨: ٩٣، المواهب اللدنية ١: ١٧٣، ارشاد السارى ٦: ٤٣٨، شرح بهجة المحافل ٢: ٣٠.
محمّد البصري - كاتب مالك - عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: لمـّا جهَّز النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم جيش العسرة جاء عثمان بألف دينار فصبَّها في حجر النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أللهمَّ لا تنس لعثمان، ما على عثمان ما عمل بعد هذا.
قال الأميني: أتخفى على مثل الحافظ أبي نعيم أقوال أئمَّة الفنِّ من قومه في حبيب كاتب مالك؟ قال عبد الله بن أحمد - إمام الحنابلة - عن أبيه انَّه قال: حبيب ليس بثقة قدم علينا رجلٌ أحسبه قال من خراسان كتب عنه كتاباً. إلى أن قال: قال أبي: كان يكذب، ولم يكن أبي يوثقه ولا يرضاه وأثنى عليه شرًّا وسوءً.
وقال أبو داود: كان من أكذب الناس كان يضع الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة. وقال النسائي والأزدي، متروك الحديث. وقال ابن حبّان: كان يُدخل على الشيوخ الثقات ما ليس من حديثهم. و قال: أحاديثه كلّها موضوعةٌ وذكر له عدَّة أحاديث عن هشام بن سعد وغيره وقال: كلّها موضوعةٌ، وعامّة حديثه موضوعُ المتن، مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّنٌ في الكذب. وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال سهل بن عسكر: كتبنا عنه عشرين حديثاً وعرضناها على ابن المديني فقال: هذا كلّه كذبٌ، وقال النسائي: متروك أحاديثه كلّها موضوعةٌ عن مالك وغيره(١) .
وأخرجه أحمد من طريق ضمرة بن ربيعة الدمشقي الرملي، قال الساجي: صدوقٌ يهم عنده مناكير، وجاء ضمرة عن الثوري عن ابن دينار عن ابن عمر بحديث فأنكره أحمد وردَّه ردًّا شديداً، وقال: لو قال رجلٌ إنَّ هذا كذب لَما كان مخطئاً.
وأخرجه الترمذي وقال: لا يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث راجع تهذيب التهذيب ٤: ٤٦١. (ومنها):
٢٥ - أخرج أحمد في مسنده ١: ٧٤ من طريق محمَّد بن أبي بكر المقدمي البصري عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري البصري عن هلال بن حقِّ البصري عن سعيد
____________________
١ - راجع ميزان الاعتدال ١: ٢١٠، تذكرة الموضوعات للمقدسى ص ٩٠، مجمع الزوائد للهيثمى ٩: ٧٤، تهذيب التهذيب ٢: ١٨١، اللئالى المصنوعة ١: ٨، ٢٣٠، خلاصة الكمال ص ٦٠، أسنى المطالب ص ٢١٦.
الجريري(١) البصري عن ثمامة القشيري قال: شهدت الدار يوم اُصيب عثمان رضي الله عنه فطلع عليهم إطلاعة فقال: ادعوا لي صاحبيكم اللّذين(٢) ألَّباكم عليَّ فدُعيا له فقال: نشدتكما الله أتعلمان أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لَمّا قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله؟ فيكون فيها كالمسلمين وله خيرٌ منها في الجنَّة.
فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين؟ وأنتم تمنعوني أن اُصلّي فيه ركعتين. ثمَّ قال: أنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لَمّا قدم المدينة لم يكن فيها بئرٌ يستعذب منه إلّا رومة فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلى المسلمين؟ وله خيرٌ منها في الجنَّة. فاشتريتها من خالص مالي؟ فأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثمَّ قال هل تعلمون أنِّي صاحب جيش العسرة؟ قالوا: أللهمَّ نعم.
وذكره البلاذري في الأنساب ٥: ٥، ٦ من طريق يحيى بن أبي الحجاج البصري عن سعيد الجريري وزاد: فانشدكما الله هل تعلمان أنِّي جهَّزت جيش العسرة من مالي؟ قالا: أللهمَّ نعم.
قال: انشدكما الله هل تعلمان أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان بثبير، أو قال: بحرّاء. فتحرَّك الجبل حتّى تساقطت حجارته إلى الحضيض فركضه برجله فقال: اسكن فما عليك إلّا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ؟ قالا: أللهمَّ نعم.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ١٦٨ من طريق يحيى بن أبي الحجّاج عن الجريري عن ثمامة.
(رجال الإسناد)
١ - محمَّد بن عبد الله الأنصاري: قال العقيلي: منكر الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: روى يحيى بن خذام عنه عن مالك بن دينار أحاديث منكرة والله أعلم الحمل فيه عليه أو على يحيى. وقال ابن حبّان: منكر الحديث جدًّا يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لا يجوز الإحتجاج به وقال: ابن طاهر: كذّابٌ. وقال الحاكم النيسابوري: يروي أحاديث موضوعة. وقال أبو الفضل الهروي: ضعيفٌ. وقال الأزدي: منكر الحديث جدّاً روى عن مالك بن دينار أحاديث معاضيل: تهذيب التهذيب ٩: ٢٥٦.
____________________
١ - الجريرى بضم الجيم وفتح الراء نسبة الى جرير بن عباد.
٢ - يعنى طلحة والزبير، ووقعت التسمية فى غير واحد من أحاديث المناشدة وكلها أكاذيب.
لا يحسب الباحث أنَّ محمد بن عبد الله الأنصاري هذا هو عبد الله البصري محمَّد ابن عبد الله بن المثنّى فإنّه يروي عن سعيد الجريري بلا واسطة كما في تهذيب التهذيب ٤: ٦ و ج ٩: ٢٧٤ والذي يروي عنه بالواسطة هو هذا الأنصاري المترجم له.
٢ - سعيد أبو مسعود الجريري وهو وإن كان ثقة في نفسه لكنَّه لا تصحُّ روايته لاختلاطه ثلاث سنين من عمره، قال أبو حاتم: تغيَّر حفظه قبل موته فمن كتب عنه قديماً فهو صالحٌ. وقال يزيد بن هارون ربِّما ابتلانا الجريري وكان قد أنكر. وقال ابن معين عن ابن عدي: لا نكذب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط. وقال ابن حبَّان: اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين. وقال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم. قال: لا ترو عنه، يعني لأنَّه سمع منه بعد اختلاطه. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله إلّا انَّه اختلط آخر عمره « تهذيب التهذيب ٤: ٦ »
٣ - يحيى بن أبي الحجّاج البصري في طريق البلاذري. قال النسائي وابن معين: ابن أبي الحجّاج ليس بشيء. وقال أبوحاتم: ليس بالقويِّ.
ونحن لو غاضينا العثمانيِّين على صحَّة هذه الرِّواية وأمثالها فانّها تعود وبالاً على عثمان أكثر منها منقبة فإنَّ في صريحها أنّ الرجلين وهما من العشرة المبشَّرة ومن الستَّة أصحاب الشورى وفي الجبهة والسنام من الصحابة العدول « عند القوم » إعترفا له بما استنشدهما لكنَّهما لم يأبها بما حاوله عثمان من مفاد الرِّواية فاستمرّا على التأليب عليه والضغط والتشديد، فهل هو مجابهة منهما لما ثبت عن الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ « ويردُّه عدلهما وكونهما من العشرة » أو أنَّهما علما أنَّ الشيء حدث بعده شيءٌ أزاح موضوعه؟ وإنَّما كان قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرحلة الاقتضاء من آثار تلكم الأعمال الطبيعيَّة إذا استمرّ صاحبها على ما هو عليه في هاتيك الأحوال، ولم يحدث موانع فانَّهما كانا يرتئيان حدوث موانع هنالك سالبة لأثر الاقتضاء. وبهذا الاعتقاد مضيا مصرّين على ما ارتكباه من أمر الخليفة، وهما يريانه حائداً عن الصِّراط السويِّ.
ولعلَّ عثمان نفسه ما كان جازماً ببقاء تلكم الآثار التي كان نوَّه بها النبيُّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم نظراً منه لما أحدث بعد ذلك من الحوادث، ولذلك كان يحاذر أن يكون هو الرجل الذي أخبر عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أنّه يُلحد بمكّة رجل عليه
نصف عذاب أهل الأرض كما مرّ حديثه الصحيح في ص ١٥٢ من هذا الجزء.
ويشبه طلحة والزبير بل وعثمان نفسه بقيَّة الصحابة المجهزين عليه فيما بيّناه من الاعتقاد في حقِّ الرجل. فراجع ما قدَّمناه من أقوالهم وأعمالهم المذكورة في الجزء الثامن وفي هذا الجزء ص ٦٩ - ١٦٣، ولا تنس قولهم له في مناشدته المذكورة في ص ٢٠٤: وأمَّا ما ذكرت من قِدمك وسبقك مع رسول الله فإنَّك قد كنت ذا قدم وسلف وكنت أهلاً للولاية، ولكن: بدَّلت بعد ذلك وأحدثت ما قد علمت.
وقولهم له: وأمّا قولك: إنَّه لا يحلُّ إلّا قتل ثلاثة فإنّا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سمّيت: قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى ثمّ قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحقِّ ومنعه ثمّ قاتل دونه وكابر عليه، وقد بغيتَ، ومنعتً الحقَّ، وحُلت دونه، وكابرت عليه. الخ.
ونظير هذه الأقوال الكثير المعرب عن آراء الصحابة فيه وفي أحداثه، وكلّها تكذّب القول بأن يكون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسمِّي الرّجل شهيداً. نعوذ بالله من الإختلاق بلا تدبُّر (ومنها):
٢٦ - أخرج سيف بن عمر في الفتوح من طريق صعصعة بن معاوية التيمي قال: أرسل عثمان وهو محصورٌ إلى عليّ وطلحة والزبير وغيرهم. فقال: احضروا غداً فأشرف عليهم وقال: اُنشدكم الله ولا اُنشد إلَّا أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ألستم تعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من حفر رومة فله الجنَّة. فحفرتها؟ ألستم تعلمون انَّه قال: من جهَّز جيش العسرة فله الجنَّة. فجهزته؟ قال: فصدَّقوه بما قال.
ذكره ابن حجر في فتح الباري ٥: ٣١٤ وقال: وللنسائي من طريق الأحنف بن قيس إنّ الذين صدقوه بذلك هم: عليُّ بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص.
ترى ابن حجر هاهنا ساكتاً عن الغمز في هذه الرواية وهو الذي جمع أقوال الحفّاظ في سيف بن عمر من انَّه ضعيفٌ، متروكٌ، ساقطٌ، وضّاعٌ، عامَّة حديثه منكر، يروي الموضوعات عن الاثبات، كان يضع الحديث، واتّهم بالزندقة « راجع ج ٨: ص ٨٤، ٣٣٣ من كتابنا هذا » وكأنَّه أراد مِن عدِّ من صدَّق عثمان في دعواه إثبات فضيلة له ذاهلاً عن أنَّ كثرة
المصدّقين في المقامين على تقدير صحّة الخبر - وأنّى هي؟ - تزيد عاراً وشناراً على الرّجل، وتعود وبالاً عليه أكثر منها منقبةً كما مرَّ بيانه، وإنِّي لا أشكُّ في أنَّ الباحث بعد هذا البيان الضافي لا يُقيم لهذه المناشدة وزناً وإن خرّجه البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا باب إذا وقف أرضاً أو بئراً ج ٤ ص ٢٣٦(١) وما أكثر بين دفَّتي هذا الصحيح من سقيم يجب أن يُضرب به عرض الحائط كما هو الظاهر لدى من يراجع كتاب « أبو هريرة » لسيِّدنا الآية شرف الدين وغيره من تآليفه، وسنوقفك على جليَّة الحال في الأجزاء الآتية إن شاء الله تعالى. (ومنها):
٢٧ - أخرج أسد بن موسى في فضائل الصحابة عن قتادة البصري قال؟ حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرساً في العسرة.
ذكره ابن حجر في فتح الباري ٥: ٣١٥ وقال: مرسلٌ. ولم يسمّ ابن حجر رجال الإسناد بين أسد بن موسى وبين قتادة وكذلك من قتادة إلى منتهى السند، فالرواية مرسلةٌ من الطرفين، ولعلَّ في مرحلتي السند اُناسٌ من الوضّاعين المفضوحين ستر عليهم أسد بني مروان بذيل أمانته، وراقه الإبقاء على كرامة الحديث بإسقاطهم، وأسد ابن موسى هو حفيد الوليد بن عبد الملك بن مروان الأمويّ قال النسائي مع توثيقه: لو لم يصنّف كان خيراً له. وقال ابن يونس: حدَّث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره. وقال ابن حزم: منكر الحديث ضعيفٌ. وقال عبد الحقِّ: لا يُحتجُّ به عندهم(٢) .
(ومنها)
٢٨ - أخرج أبو يعلى من وجه آخر فيه قال: فجاء عثمان بسبعمائة اُوقية ذهب. ذكره ابن حجر في الفتح ٥: ٣١٥ وقال: ضعيفٌ. وليته كان يذكره بإسناده حتّى كنّا نوقف الباحث على ترجمة رجاله الكذّابين.(ومنها):
٢٩ - أخرج ابن عدي من طريق عمّار بن هارون(٣) ابي ياسر المستملي عن إسحاق ابن ابراهيم المستملي عن أبي وائل عن حذيفة أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث إلى عثمان
____________________
١ - اخرجه من طريق ابى اسحاق السبيعى الشيعى المدلس وقد مرت ترجمته فى ج ٧: ٢٧٦ وانه ضعيف جداً لا يحتج بحديثه، عن ابى عبد الرحمن العثمانى.
٢ - ميزان الاعتدال ١: ٩٧، تهذيب التهذيب ١: ٢٦٠.
٣ - فى تاريخ ابن كثير: عمّار بن ياسر المستملى. والصحيح ما ذكرناه.
يستعينه في غزاة غزاها فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فوضعها بين يديه فجعل يقلّبها بين يديه ويدعو له: غفر الله لك يا عثمان! ما أسررتَ وما أعلنتَ وما أخفيتَ وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها.
ذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢١٢ ساكتاً عمّا في إسناده من العلل عاداته في فضائل من غمره حبُّه، وأورده ابن حجر في فتح الباري ٥: ٣١٥ فقال: سندٌ ضعيف جدّاً. وقال في ج ٧ ص ٤٣: سنده واهٍ. وذكره القسطلاني في المواهب اللدنيَّة ١: ١٧٢ ساكتاً عن علله وعقَّبه الزرقاني بقول إبن حجر راجع شرح المواهب ٣: ٦٥، و ستوافيك ترجمة بعض رجال الإسناد الضعفاء في هذا الجزء.
وذكر ابن كثير في تاريخه ٧: ٢١٢ وقال: روى الحسن بن عرفة عن محمّد بن القاسم الأسدي الشامي عن الأوزاعي الشامي عن حسان بن عطيَّة الدمشقي عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرسلا انَّه قال لعثمان: غفر الله لك ما قدَّمت وَما أخرت وما أسررتَ وما أعلنت وما كان منك وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.
قال الأميني: لو لم يكن في إسناد هذه الاُكذوبة المرسلة إلّا محمَّد بن القاسم الذي كان عثمانيّاً كما قاله العجلي لكفاه وهناً، أيخفى على ابن كثير المحتجِّ بها قول النسائي في محمّد بن القاسم: انَّه ليس بثقة كذَّبه أحمد؟ أم قول الترمذي: تكلّم فيه أحمد وضعَّفه؟ أم قول أبي حاتم: ليس بقويّ لا يُعجبني حديثه؟ أم قول أبي داود: انّه غير ثقة ولا مأمون أحاديثه موضوعة؟ أم قول ابن عدي: عامَّة ما يرويه لا يُتابع عليه؟ أم قول البراء: حدَّث بأحاديث لم يُتابع عليها؟ أم قول الدارقطني: كذّابٌ؟ أم قول ابن القاسم: أحاديثه موضوعةٌ ليس بشيء؟ أم قول البخاري عن أحمد: رمينا حديثه؟ أم قوله في موضع آخر: كذَّبه أحمد؟ أم قول ابن حبّان: يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم لا يجوز الإحتجاج به؟ أم قول العقيلي: يُعرف ويُنكر، تركه أحمد و قال: أحاديثه أحاديث سوء؟ أم قول أبي أحمد الحاكم: ليس بالقويِّ عندهم؟ أم قول البغوي: ضعيف الحديث؟ أم قول الأزدي: متروكٌ(١) .
وهذا كافٍ في وهن السند وبطلانه، وإن غضضنا الطرف عن بقيَّة ما فيه من
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٣: ١٢٢، تهذيب التهذيب ٩: ٤٠٧.
_٢١_
الشاميِّين أعداء الحقِّ وأضداد العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وما فيه من الإرسال الموهن للرواية، ودع عنك ما في متنه ممّا يضادُّ الاُصول المسلّمة من الترخيص في المعصية ممّا هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فهو يوجب التجرّي على المعاصي فيما يستقبل الرجل من الأيّام، وأيّ إنسان غير معصوم يقال له: انَّ كلّ ما سوف ترتكبه من المآتم مغفورٌ لك. فلا تحدوه شهواته إلى توهين اقترافها، واستسهال ركوبها؟ والشهوة غريزة في الإنسان تقوده إلى مهاوي الهلكة كلّ حين، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
نعم حقّاً يقال: إنَّ سيرة عثمان تُصدِّق هذه الرواية فانَّها لا تشبه إلّا سيرة مَن رُخّص بالمآثم، واُذن لاقتحام الطامات والموبقات، وبُشِّر بغفران هناته وعثراته، فكان غير مكترث لمغبَّة فعاله، ولا مبالٍ بمعرَّة مقاله.
وهب إنَّ الحسنات يذهبن السيِّئات من غير حقوق النّاس والكبائر المخرجة عن الدين التي سلفت من الإنسان، ولكن أيّ عمل بارّ في الشريعة « ولا أقول من أعمال عثمان فحسب »
يُبيح للمكلّف السيِّئات فيما يأتي من عمره إلى يوم القيامة ويبشَره بالمغفرة فيها جمعاء؟ وليس في ميزان الأعمال ما هو أرجح من الايمان ومع ذلك فهو غير ممتاز عمّا سواه بمغفرة ما يأتي به صاحبه في المستقبل، وإنَّما يجبُّ ما قبله، والذين آمنوا وعملوا الصَّالحات وآمنوا بما نُزّل على محمَّد وهو الحقُّ من ربِّهم كفَّر عنهم سيِّئاتهم وأصلح بالهم(١) ، وإلّا لبطلت المواعيد والعقوبات المتوجَّه خطابها إلى المؤمنين أجمع.
وإنّا لم نجد في أعمال عثمان عملاً بارّاً يستدعي هذه المغالاة الخارجة عن اصول الإسلام، غير ما أنفقه على جيش العسرة إن صحَّ من ذلك شيءٌ، وما خسره على بئر رومة، وقد علمت أنَّ جيش العسرة أنفق عليه غيره ما هو أكثر ممَّا أنفقه هو، وما أكثر مَن حفر الآبار وكرى الأنهار وسبَّل مياهها للمسلمين، فلو كان عمل عثمان هذا يستدعي المغفرة إلى يوم القيامة لوجب أن يُغفر لاُولئك الأقوام والاُمم ذنوبهم إلى ما بعد القيامة بفئام، لكن الحظوظ ساعدت عثمان ولم تساعدهم. فتبصَّر واعجب.
وهل علمت الصحابة بهذا الغفران ثمَّ نقموا عليه ما كان ينجم منه من هنات بعد
____________________
١ - سورة محمد: آية ٢.
هنات فلم يغفروها له مخالفين لِلَّه ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهم عدول؟ أو انَّهم سمعوا هذه الأفيكة ثمَّ أودعوها في محفظة الأباطيل؟ غير أنَّ ظنِّي بها أنَّ ميلادها بعد واقعة الدار وانَّها كانت في أصلاب الوضّاعين عند الحصارين، وفي حشّ كوكب، وفي مقبرة اليهود، ولم تلدها بعد اُمهّا العاقر، حتّى فسح المجال لاستيلادها على أيدي قوابل عهد معاوية فما بعد.
٣٠ - أخرج أحمد في مسنده ١: ٧٠ عن بهز أبي الأسود البصري عن أبي عوانة الوضّاح البصري عن حصين عن عمرو بن جاوان البصري عن الأحنف بن قيس البصري قال: انطلقنا حُجّاجاً فمررنا بالمدينة فبينما نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال: النّاس من فزع في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي فإذا النَّاس مجتمعون على نفر في المسجد قال: فتخلّلتهم حتّى قمت عليهم فإذا عليّ بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي فقال: أهاهنا عليٌّ؟ قالوا: نعم. قال أهناهنا طلحة؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا سعد؟ قالوا: نعم. قال: اُنشدكم بالله الذي لا إله إلّا هو أتعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: مَن يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: إنِّي قد ابتعته. فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك؟ قالوا: نعم. قال: اُنشدكم بالله الذي لا إله إلّا هو أتعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من يبتاع بئر رومة. فابتعتها بكذا وكذا فأتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: إنِّي قد ابتعتها يعني بئر رومة فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك؟ قالوا: نعم. قال: اُنشدكم بالله الذي لا إله إلّا هو أتعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: مَن يجهِّز هؤلاء غفر الله له فجهَّزتهم حتّى ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً؟ قالوا: أللهمَّ نعم. قال اللهمَّ اشهد. أللهمَّ اشهد. أللهم اشهد. ثمَّ انصرف. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ١٦٧ بالإسناد المذكور.
قال الأميني: زعم البصريُّون جند المرأة انَّهم يسعهم تدارك تجمهر صلحاء البصرة على عثمان بتسطير أمثال هذه الأفائك المفتعلة، وحسبوا انَّهم يبرّرون ساحة الرجل من تلكم الهنات الموبقة التي سجَّلها له التاريخ، ذاهلين عن أنَّ صحَّة هذه الأساطير تزيد عليه وبالاً، فبعد ما سمع أعاظم الصحابة حجاجه هذه، وقرعت سمعهم تلكم
المناشدات وما أصاخوا إليها، وما زحزحوا عمّا كانوا عليه من خذلانه إلى التأليب عليه إلى الوقيعة فيه بكلِّ ما يوهنه ويُزريه إلى قتله إلى كسر أضالعه إلى رمي جنازته إلى دفنه في مقابر اليهود، وبعد ما أصرَّت الاُمّة على مقته مجمعة على النقمة عليه وهي لا تجتمع على الخطأ كما يحسبون، لم يبق للرجل أيّ قيمة في سوق الإعتبار وإن اختلقت يد الإفتعال له ألف اُسطورة.
وتحصَّل ممّا قدّمناه انَّ الاُجور المذكورة على تقدير الصحَّة كانت مرتَّبة على الأعمال ولم تكن حقوقاً ثابتة للرّجال فهي تدور مع الأعمال إن لم يبطلها ما هو أقوى منها كما هو الحال في المقتضيات المقارنة بالموانع، وكان معتقد القوم فيما استنشدهم عثمان انَّها مقرونة بها، فلذلك لم يقيموا لكلِّ ما استنشدهم فيه وزناً إن كانت للمزاعم حقيقة.
(ومنها):
٣١ - أخرج البيهقي في السنن الكبرى ٦: ١٦٧ من طريق أبي اسحاق السبيعي عن أبي عبد الرَّحمن السلمي قال: لمـّا حُصر عثمان بن عفّان رضي الله عنه واُحيط بداره أشرف على الناس فقال: اُنشدكم بالله هل تعلمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان على جبل حراء فقال: أسكن حراء فما عليك إلَّا نبيٌّ او صدّيقٌ أو شهيد؟ قالوا: أللهمَّ نعم. قال: اُنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في غزوة العسرة: من ينفق نفقة متقبّلة. والناس يومئذ معسرون مجهودون فجهزت ذلك الجيش من مالي؟ قالوا: أللهمَّ نعم. ثمَّ قال: اُنشدكم بالله هل تعلمون أنَّ رومة لم يكن يشرب منها أحد إلّا بثمن فابتعتها بمالي فجعلها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: أللهمّ نعم. في أشياء عدّدها.
في الإسناد أبو اسحاق السبيعي وقد مرَّ في الجزء السابع ص ٢٧٦: انّه مدلّسٌ أفسد حديث أهل الكوفة، ضعيفٌ جدًّا لا يحتجُّ بحديثه. وأمّا أبو عبد الرَّحمن فهو عثمانيّ لا يعوَّل عليه ولا يركن إلى حديثه.
٣٢ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ١٠ عن المدائني عن عباد بن راشد البصري عن الحسن البصري قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من يجهّز هذا الجيش بشفاعة
مُتقبَّلة؟ فقال عثمان: يا رسول الله بشفاعة متقبّلة؟ قال: نعم على الله ورسوله. قال: أنا اُجهزهم بسبعين ألفاً.
قال الأميني: هذا الجيش جهّزه الحسن البصري بعد سنين من وفاة النبيِّ الأقدس وقد ولد الرجل بسنتين بقيتا من خلافة عمر، ولعلّه نظر إلى ذلك الموقف واسترق السمع من وراء ستر رقيق في صلب أبيه، أو أوعز بارسال الرواية إلى بطلانها، وغير بعيد أن يكون عباد بن راشد هو الذي تقوّل بها على الحسن وهو بريءٌ منها. قال الدوري عن ابن معين: حديث عبّاد ليس بالقويِّ ولكن يكتب (يعني للاعتبار) وقال الدورقي عن ابن معين: ضعيفٌ: وقال البخاري والأزدي: تركه يحيى القطّان وقال أبو داود: ضعيفٌ. وقال النسائي: ليس بالقويِّ. وقال ابن المديني: لا أعرف حاله. وقال ابن البرقي: ليس بالقويِّ. وقال ابن حبّان كان ممَّن يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب انّه كان المعتمّد فبطل الإحتجاج به، روى عن الحسن حديثاً طويلاً أكثره موضوعٌ(١) .(ومنها)
٣٣ - أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء ١. ٥٨ من طريق إبراهيم بن سعدان عن بكر بن بكار البصري عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان بن عفّان من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الجنّة مرّتين بيع الخلق: حين حفر بئر رومة، وحين جهّز جيش العسرة.
(رجال الإسناد)
١ - بكر بن بكار أبو عمرو البصري قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث سيِّئ الحفظ له تخليط. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقويِّ. وقال أيضاً: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقويِّ. وذكره العقيلي وابن الجارود والساجي في الضعفاء(٢) .
٢ - عيسى بن المسيَب. قال يحيى والنسائي والدار قطني: ضعيفٌ - وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ليس بالقويِّ. وتكلّم فيه ابن حبّان وغيره. وقال أبو داود: ضعيفٌ. وقال
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٥: ٩٢.
٢ - ميزان الاعتدال ١: ١٦٠. تهذيب التهذيب ١: ٤٨، لسان الميزان ٢: ٤٨.
يحيى بن معين أيضاً: ليس بشيء. وقال ابن حبَّان: يقلّب الأخبار ولا يفهم ويخطئ حتى خرج عن حدِّ الإحتجاج به. (لسان الميزان ٤: ٤٠٥).
والباحث جدُّ عليم بأنَّ الصحابة لم تكن على يقين من هذا البيع المزعوم وإلّا لما تجمهروا على مقت الرجل وخذلانه، ولم يكن عثمان نفسه على ثقة بذلك أيضاً و إلّا لما كان حذيراً من أن يكون هو الملحد بمكّة الذي عليه نصف عذاب أهل الأرض كما مرّ حديثه في هذا الجزء ص ١٥٣.(ومنها)
٣٤ - أخرج أحمد في المسند ٤: ٧٥، وأبو نعيم في الحلية ١: ٥٨ من طريقين أحدهما عن عبد الله بن جعفر عن يونس بن حبيب عن أبي داود. والآخر: عن فاروق ابن الخطابي عن أبي مسلم الكجي عن حجّاج بن نصر(١) « أبي محمد البصري » قالا ثنا سكن بن المغيرة الأموي « البصري مولى آل عثمان » عن الوليد بن أبي هشام البصري عن فرقد بن أبي طلحة عن عبد الرّحمن بن أبي خباب(٢) السلمي البصري قال: خطب النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم فحثَّ على جيش العسرة فقال عثمان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثمَّ حثَّ فقال عثمان: عليَّ مائة اُخرى بأحلاسها وأقتابها قال: ثمَّ حثَّ فقال عثمان: عليَّ مائة اُخرى بأحلاسها وأقتابها. فرأيت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول بيده يحرّكها ما على عثمان ما عمل بعد هذا.
قال الأميني: هلّا مخبرٌ يخبرني عن هذا الصحابيِّ البصريِّ الذي لا يُعرف إلّا بحديثه هذا؟ ولا يعلم من تاريخ حياته شيءٌ غير اختلاقه هذه الرواية، ولا يروي عن النبيِّ الأعظم إلّا هذه الخطبة المزعومة كما صرَّح به ابن عبد البرّ في « الإستيعاب » و ابن حجر في « الإصابة » ، ولم يسمعها صحابيٌّ قطّ غيره منهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمَّ يخبرني ذلك المخبر عمَّن انتهى إليه الإسناد أنَّ فرقد بن طلحة، مَن هو؟ ومتى ولد؟ وأين وأنّى كان؟ وما المعروف من ترجمته؟ فكأنِّي به وهو يجيبني بما قاله علي بن المديني: لا أعرفه(٣) .
____________________
١ - كذا فى النسخ والصحيح: نصير بضم النون مصغراً.
٢ - كذا فى النسخ والصحيح: عبد الرحمن بن خباب.
٣ - تهذيب التهذيب ٧: ٢٦٤.
وهل تخفى على إمام أو حافظ في الحديث آراء رجال الجرح والتعديل في حجّاج ابن نصير؟ وقد ورد فيه قول ابن معين: ضعيفٌ. وقول علي بن المديني: ذهب حديثه كان الناس لا يحدّثون عنه، وقول النسائي: ضعيفٌ. وقوله ايضاً: ليس بثقة ولا يُكتب حديثه. وقول ابن حبان: يُخطئ ويهم. وقول العجلي: كان معروفاً بالحديث ولكنّه أفسده أهل الحديث بالتلقين كان يلقن واُدخل في حديثه ما ليس منه فترك. وقول ابن سعد كان ضعيفاً. وقول الدارقطني والأزدي: ضعيفٌ: وقول أبي أحمد الحاكم: ليس بالقويِّ عندهم. وقول الآجري عن أبي داود: تركوا حديثه. وقول ابن قانع: ضعيفٌ ليّن الحديث(١)
وإنِّي أحسب أن الآفة من سكن بن المغيرة وأنَّه أدَّى حقوق آل عثمان - وهو مولاهم - باختلاق هذه المنقبة لعثمان، ولا ينافي ذلك كونه صالحاً إمام جمعة وجماعة، وكم وكم صلحاء وضّاعين، ومن أئمّة كذّابين؟ راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا سلسلة الكذابِّين والوضاعين.(ومنها):
٣٥ - أخرج أبو نعيم في الحلية ١: ٥٩ من طريق عمر بن هارون البلخي عن عبد الله بن شوذب البصري ثمَّ المقدسي عن عبد الله بن القاسم عن كثير بن أبي كثير البصري مولى سمرة(٢) عن عبد الله بن سمرة عامل معاوية بن أبي سفيان على البصرة قال: كنت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جيش العسرة فجاء عثمان بألف دينار فنثرها بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ ولّى قال: فسمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقلّب الدنانير وهو يقول: ما يضرّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم.
وفي لفظ أحمد في المسند ٥: ٦٣: ما ضرّ ابن عفّان ما عمل بعد اليوم. يردِّدها مراراً. وذكره ابن الجوزي في التبصرة كما في تلخيصها قرَّة العيون المبصرة ١: ١٧٩ قال الأميني: ألا تعجب من حفّاظ يروون عن كذّاب خبيث مرسلين روايته إرسال المسلّم يمرُّون بها كراماً؟ أيّ قيمة في سوق الإعتبار لرواية جاء بها عمر بن هارون؟ وقد جاء فيه قول ابن سعيد: كتب الناس عنه كتاباً كبيراً وتركوا حديثه وقول
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٢: ٢٠٩.
٢ - وفي مسند احمد: مولى عبد الرحمن بن سمرة عن عبد الرحمن بن سمرة.
البخاري: تكلّم فيه يحيى بن معين وقال: عمر بن هارون كذّابٌ قدم مكّة وقد مات جعفر بن محمَّد فحدَّث عنه. وقول ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: تكلّم فيه ابن المبارك فذهب حديثه، قلت لأبي: إنَّ الأشجَّ حدَّثنا عنه فقال: هو ضعيف الحديث نخسه ابن المبارك نخسة. وقول قتيبة: قلت لجرير: إنَّ عمر بن هارون حدّثنا عن القاسم بن مبرور قال: نزل جبريل على النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: إنَّ كاتبك هذا أمين (يعني معاوية) فقال جرير اذهب إليه فقل له: كذبت. رواها العقيلي. وعن أحمد انَّه قال: لا أروي عنه شيئاً وقد أكثرت عنه. وقول ابن مهدي: لم يكن له عندي قيمة حدَّثني بأحاديث فلمّا قدم مرَّة اُخرى حدَّث بها عن ابن عبّاس عن اولئك فتركت حديثه. وقول أبي زكريا: عمر بن هارون: كذّابٌ خبيثٌ ليس حديثه بشيء، قد كتبت عنه وبتُّ على بابه وذهبنا معه إلى النهروان، ثمَّ تبيَّن لنا أمره فحرَّقت حديثه ما عندي عنه كلمة. وقول ابن محرز عن ابن معين: ليس هو بثقة وبنحوه قال الغلابي عنه. وقال عنه مرَّة: ضعيفٌ. وقول أبي داود عنه: غير ثقة. وقول ابن أبي خيثمة وغيره عن ابن معين: ليس بشيء: وقول جعفر الطيالسي عن ابن معين: يكذب. وقول عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه فضعَّفه جدّاً. وقول ابراهيم بن موسى: الناس تركوا حديثه. وقول الجوزجاني: لم يقنع الناس بحديثه. وقول النسائي وصالح بن محمَّد وأبي علي الحافظ: متروك الحديث. وقول الساجي فيه ضعفٌ وقول الدار قطني: ضعيفٌ. وقول أبي نعيم: حدَّث بالمناكير لا شيء(١) و قول العجلي: ضعيفٌ. وقول ابن حبّان: يروي عن الثقات المعضلات ويدَّعي شيوخاً لم يرهم(٢) .
وفي الإسناد: كثير بن أبي كثير ذكر العقيلي في الضعفاء، وقال ابن حزم وعبد الحقِّ: انَّه مجهولٌ، ولو كان لتوثيق العجلي الرجل وزنٌ لما جهله الحافظان ولم يضعِّفه العقيلي، وأيّ قيمة لثقة العجلي وهو يوثِّق عمر بن سعد قاتل الإمام السبط الشهيد و نظرائه من المهتوكين المفضوحين؟
____________________
١ - ليت أبى نعيم كان على ذكر من رأيه هذا فى الرجل حين اخرج من طريقه هذه المنقبة المزيّفة.
٢ - تهذيب التهذيب ٧: ٥٠٢ - ٥٠٥
وفي طريق أحمد مضافاً إلى كثير ضمرة بن ربيعة وقد مرَّ فيه قول الساجي: صدوقٌ يهم، عنده مناكير. وروى ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر حديثاً أنكره أحمد وردَّه ردّاً شديد. وقال: لو قال رجلٌ: إنَّ هذا كذبٌ لَما كان مخطئاً وأخرجه الترمذي وقال: لا يُتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث.
فهذه مكانة الرَّجل من الرواية وإن كان ثقةً مأموناً، وأكبر الظنّ أنَّ الآفة في هذه الرواية من ابن سمرة وانَّه اختلقها تقرُّباً إلى اعطيات معاوية وهباته التي كانت تصل من دون وزن وكيل إلى وضّاعي الأحاديث ورجال الإختلاق الذين لا خلاق لهم.
(ومنها):
٣٦ - عن مسعر عن عطيَّة عن أبي سعيد قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أوَّل الليل إلى أن طلع الفجر رافعاً يديه لعثمان يقول: أللهمَّ عثمان رضيت عنه فارض عنه.
ذكره ابن الجوزي في كتابه (التبصرة) كما في تلخيصه(١) ١: ١٧٩ مرسلاً إيَّاه إرسال المسلّم، وهو أوَّل حديث ذكره في فضائل عثمان، وذكره الواحدي في أسباب النزول مرسلاً ص ٦١ فزاد: فأنزل الله تعالى فيه: الَّذين ينفقون أموالهم في سبيل الله(٢) وذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢١٢ ولم يذكر من رجال إسناده إلّا الثلاثة المذكورة ولعلَّ هو ومَن رواه مرسلاً وجدوا في سلسلة السند اناساً ساقطين لا يعبأ بهم ولا يحتجُّ بحديثهم، وما راقهم إبطال هذه المنقبة بابداء علله بذكر اولئك الرجال.
ومن العجب العجاب هذا الدؤب منهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أوَّل الليل إلى منتهى الفجر على الدعاء لعثمان الذي فوَّت عليه مرغباته وفرائضه، فإنَّ صلاة الليل والوتر كانت فريضة عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم دون الاُمَّة(٣) ولا أدري هل نزل عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحيٌ جديدٌ يأمره باستبدال نوافله وفرائضه في تلك الليلة بدعاء عثمان؟ أو ماذا كان فيها؟ نعم: الذي يظهر من السيوطي في الخصائص الكبرى ٢: ١٦٤ - ١٧٠، إنَّ ذلك الوحي لم ينزل، وإنَّ الدعاء لعثمان لم يكن فضلاً عن استيعابه الليل كلّه فإنَّه ذكر فيها كلَّ من دعى له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
١ - الموسوم بقرّة العيون المبصرة تأليف الشيخ ابى بكر ابن الشيخ محمد الملا الحنفى.
٢ - سورة البقرة: ٢٦٢.
٣ - راجع الخصائص الكبرى ٢: ٢٢٩.
وسمَّاهم حتّى يهوديّاً سمَّت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يعدَّ منهم عثمان.
ولو كان إنفاق عثمان في جيش العسرة موجباً للدعاء المستوعب ليلهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما يظهر من رواية الواحدي، فانفاق أبي بكر الذي أنفق كلَّ ما كان يملكه ذات يده - كما يحسبه القوم - وكان يراه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمنَّ الناس عليه بماله(١) يستوجب دعاءً مستغرقاً ليله ونهاره، فأين؟ وأنَّي؟ ولو كان كلُّ إنفاق في مهمَّة يستدعي دعاء الليل فكان عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقضي حياته ليلاً ونهاراً بالدعاء للمنفقين، وما أكثرهم؟ ولو كانصلىاللهعليهوآلهوسلم رافعاً يديه لعثمان فعليهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يديم رفعهما في الدعاء لأبي بكر ولرجال الأنصار المكثرين من الإنفاق في السّلم الحرب ولغيرهم من أهل اليسار الذين بذلوا كنوزاً عامرة من الدرهم والدينار في مهامّ الاسلام المقدَّس والدعوة اليه والذبّ عنه.
وأمَّا زيادة الواحدي من نزول الآية الكريمة في عثمان فقد فصَّلنا القول فيه و انَّه لا يصحُّ في الجزء الثامن ص ٥٧.(بقيَّة مناقب عثمان)
٣٧ - قال ابن كثير في تاريخه ٧: ٢١٢: قال ليث بن أبي سليم (ابن زنيم القرشي مولاهم): أوَّل من خبص الخبيص عثمان خلط بين العسل والنقى ثمَّ بعث به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى منزل اُمّ سلمة فلم يصادفه فلمّا جاء وضعوه بين يديه فقال: من بعث هذا؟ قالوا: عثمان. قالت: فَرفَع يديه إلى السَّماء فقال: أللهمَّ إنَّ عثمان نترضّاك فارض عنه.
وذكره السيوطي في مسامرة الأوائل ص ٨٧ نقلاً عن البيهقي وابن عساكر من طريق ليث.
قال الأميني: خبص ابن زنيم هذا الخبيص لعثمان بعد لاي من وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد مات الرجل بعد المائة والأربعين من الهجرة، ولم يدرك النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم نعرف الذي أخذ الرواية منه ممَّن شهد قصعة الخبيص وحضر مشهد الدعاء كما لا يُعرف أحدٌ من بقيَّة رجال الإسناد، فالرواية مرسلةٌ من الطرفين.
وأمّا ابن زنيم فقد جاء فيه عن عبد الله بن أحمد قال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأياً منه في ليث وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحدٌ أن يراجعه فيهم. وقال ابن أبي شيبة وأبو حاتم والجوزجاني: كان ضعيف الحديث. وضعَّفه ابن سعد وابن معين
____________________
١ - راجع ما مضى فى ج ٧: ٣٠٧ و ج ٨: ٣٣، ٥٨ ط ٢.
وابن عيينة. وقال أحمد وأبو حاتم أيضاً وأبو زرعة: مضطرب الحديث لا تقوم به الحجّة عند أهل العلم بالحديث. وقال يحيى: عامَّة شيوخه لا يُعرفون. وقال ابن حبَّان: اختلط في آخر عمره فكان يقلّب الأسانيد ويرفع المراسل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان وابن مهدي ابن معين وأحمد. وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقويِّ عندهم. وقال أبو عبد الله الحاكم: مُجمعٌ على سوء حفظه(١) .
ألا تعجب من حافظ كابن كثير يذكر رواية هذا شأنها وهذه عللها وذلك متنها المعلول ويرسلها إرسال المسلّم في مقام الحجاج ويعدُّها من فضائل عثمان، ويأتي إلى حديث المؤاخاة الصحيح الثبت المتواتر الوارد من طرق مسندة معنعنة في الصحاح ويتخلّص منه بقوله(٢) : أسانيدها كلّها ضعيفةٌ لا يقوم بشيء منها حجَّة. والله أعلم(٣) ويروي في تاريخه ٧: ٣٥٧ نزول آية الولاية في عليّعليهالسلام فقال: هذا لا يصحُّ بوجه من الوجوه لضعف أسانيده، ولم ينزل في عليّ شيء من القرآن بخصوصيَّته(٤) حيّا الله الأمانة، وقاتل الله الحبَّ المعمي والمصمّ.
ولو كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يرفع يديه لكلِّ هديَّة ولو كانت لقمة خبيص؟ للزمه أن لا ينزلهما في أغلب أوقاته لكثرة الهدايا إليه وكثرة مُهديها، ولم تكن لعثمان ولخبيصه خاصَّةٌ توجب أداء حقِّها دون المؤمنين عامّة وهداياهم.
٣٨ - أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه ٦: ٣٢١ من طريق عبد الله بن الحسن بن أحمد عن يزيد بن مروان الخلّال عن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ لكلِّ نبيّ خليلاً مِن اُمّته وإنَّ خليلي عثمان بن عفّان.
قال الأميني: حسبك من عرفان رجال الإسناد كذّابان: الخلّال والملطي، أمّا الخلّال فقال يحيى بن معين: الخلّال كذّابٌ. وقال الدارمي: وقد أدركته وهو
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٨: ٤٦٨.
٢ - راجع تاريخ ابن كثير البداية والنهاية ٧: ٣٣٥.
٣ - مرّ حديث المؤاخاة بطرقها المفصلة فى ج ٣: ١١٢ - ١٢٥ ط ٢ ومر الايعاز اليه فى هذا الجزء صفحة ٣١٧.
٤ - أسلفنا فى ج ٣: ١٥٦، ١٦٧ ط ٢ تفصيل القول فى نزول الآية فى على عليه السلام ، وصحة روايته، واطباق الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين والمفسرين على ذلك.
ضعيفٌ قريبٌ ممّا قال يحيى: وقال أبو داود. ضعيفٌ. وقال الدارقطني: ضعيفٌ جدًّا(١) .
هذا مجمل القول في الخلّال وأمّا الملطي فقال أحمد: إسحاق من أكذب الناس وقال ابن معين: كذّابٌ عدوّ الله رجلُ سوء خبيث. وقال ابن أبي شيبة عنه: كان ببغداد قومٌ يضعون الحديث منهم إسحاق بن نجيح. وقال إبن أبي مريم: إنَّه من المعروفين بالكذب ووضع الحديث. وقال عمرو بن علي: كذّابٌ كان يضع الحديث وقال الجوزجاني: غير ثقة ولا من أوعية الأمانة. وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعات وضعها هو وعامّة ما أتى عن ابن جريح بكلِّ منكر ووضعه عليه، وهو بين الأمر في الضعفاء وهو ممّن يضع الحديث. وقال النسائي: كذّابٌ. وقال ابن حبّان: دجّالٌ من الدجاجلة يضع الحديث صراحاً. وقال البرقاني: نُسب إلى الكذب. وقال الجوزقاني كذّابٌ وضّاعٌ لا يجوز قبول خبره ولا الإحتجاج بحديثه ويجب بيان أمره. وقال أبو سعيد: مشهورٌ بوضع الحديث. وقال ابن طاهر. دجّال كذّاب. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على أنَّه كان يضع الحديث(٢) .
ومن العجب سكوت الخطيب عن هذه الرواية وعمّا في إسنادها من العلل وقد ذكر هو كثيراً من آراء الحفّاظ المذكورة في ترجمة إسحاق ولعلّه اكتفى بذكرها عن تفنيد الرِّواية صريحاً، وكان مفتعلها لم يقف على المفتعلة الاُخرى المرفوعة: لكلِّ نبيّ خليلٌ وخليلي سعد بن معاذ(٣) ويضادُّ كلاهما ما جاء به البخاري في صحيحه ٥: ٢٤٣ من القول المعزوِّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو كنت متَّخذاً خليلاً لاتَّخذت أبا بكر. وقد قدَّمنا الكلام حول ذلك في الأجزاء الماضية وانَّه موضوعٌ مختلق أيضاً.
٣٩ - روى ابن أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك قالت إنتبه عمر « ابن عبد العزيز » ذات ليلة وهو يقول: لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة. فقلت: أخبرني بها فقال: حتّى نصبح. فلمّا صلّى بالمسلمين دخل فسألته فقال: رأيت كأنِّي دُفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنَّها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنَّه الفضَّة فخرج منه خارجٌ
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٣: ٣١٨، لسان الميزان ٦، ٢٩٣.
٢ - تاريخ الخطيب ٦: ٣٢١ - ٣٢٤، تهذيب التهذيب ١: ٢٥٢.
٣ - كنز العمال ٦: ١٨٣، منتخب الكنز هامش مسند احمد ٥: ٢٣١.
فنادى: أين محمَّد بن عبد الله؟ أين رسول الله؟ إذ أقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى دخل ذلك القصر، ثمَّ خرج آخر فنادى: أين أبو بكر الصدِّيق؟ فأقبل فدخل، ثمَّ خرج آخر فنادى: أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل فدخل، ثمَّ خرج آخر فنادى: أين عثمان بن عفّان؟ فأقبل فدخل، ثمَّ خرج آخر فنادى: أين عليُّ بن أبي طالب؟ فأقبل فدخل، ثمَّ خرج آخر فنادى: أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبي(١) عمر بن الخطاب وهو عن يسار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر عن يمينه وبينه وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلٌ فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثمَّ سمعت هاتفاً يهتف بيني وبينه نورٌ لا أراه، وهو يقول: يا عمر بن عبد العزيز! تمسَّك بما أنت عليه وأثبت على ما أنت عليه، ثمَّ كأنَّه اُذن لي في الخروج فخرجتُ فالتفتُ فإذا عثمان ابن عفّان وهو خارجٌ من القصر وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني ربِّي.
وإذا عليٌّ في أثره وهو يقول: الحمد لله الذي غفر لي ربِّي. وذكره ابن كثير في تاريخه ٩: ٢٠٦.
قال الأميني: أنا لا أزال ارحِّب بقوم يُحاولون إثبات الحقايق بالأطياف، و يجابهون ما ثبت في الخارج بالخيال، فتصوَّر لهم ريشة الأوهام عثمان منزَّهاً عن كلِّ وصمة عرفتها فيه الصحابة العدول من اُمَّة محمَّد الناظرين إليه من كثب والمشاهدين أعماله الناقمين عليه بها، وقد أهدروا دمه من جرّائها، وهم الذين يُقتدى بهم وبأقوالهم وأفعالهم عند القوم ويُحتذى مثالهم، وبأمثال هذه السفاسف يُجرِّؤن البسطاء على التورُّط في المآثم بالنظر إلى هذا الإنسان المغمور فيها في نظّارة مكبَّرة تُريه منزَّهاً عن دنس كلِّ حوب، منصوراً من الله بعد أن خذلته الصحابة جمعاء.
ولهم هناك نظَّارةٌ اُخرى تصغِّر المنظور إليه من إمام المسلمين وسيِّد الخلفاء خير البَشر بَعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنينعليهالسلام إلى حَدّ اثبتوا له ذنبا مغفوراً له.
ألا من مسائل إيّاهم عن أنَّه متى صدر هذا الذنب عن إمام المسلمين؟ أحين عدَّه النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه كما في الذكر الحكيم؟ أم حين طهَّره الجليل بقوله تعالى: « إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا » أم حين قرن ولايته بولايته
____________________
١ - عمر بن الخطاب جدّ عمر عبد العزيز من امّه ام عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب
وولاية نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله سبحانه: « إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الَّذين يقيمون الصَّلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(١) ؟ أم حين أكمل بولايته الدين وأتمَّ نعمته على المسلمين بقوله عزَّ من قائل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دنيا(٢) » ؟.
أم حين جعلهصلىاللهعليهوآلهوسلم اولى بالنّاس مِن أنفسهم كما هو أولى بهم مِن أنفسهم فرشَّحه لِلخلافة الكُبرى في حديث الغدير المتواتر المقطوع بصدوره؟ أمْ حين جعله عدل القرآن في حديث الثقلين الثابت المتواتر؟ أمْ حين أنزله مِن نفسه بمنزلة هارون من موسى، وفصَّل بينه وبين نفسه بالنبوَّة فحسب فقال: إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي؟(٣) أم أم إلى ألف أم.
على أنَّه سلام الله عليه كان حِلس بيته والناس متجمهرون على عثمان لا يشاركهم في شيء من أمره، ولعلَّ في الفئة المهملجة من يَعدُّ ما كان ينوء به الامامعليهالسلام من نهي عثمان عمّا نقم عليه به من هنات وعثرات وأمره إيّاه بالمعروف والعمل بالكتاب والسنَّة فلا يجد منه اُذناً مصيخة حتَّى قال: ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغُلبت على أمرك(٤) - ذنباً مغفوراً له، ويعدُّه تقويةً لجانب الثائرين على الرجل، وما هو من ذلك بشيء، وإنَّما أرادعليهالسلام كشف المثلات عنه باقلاعه عمَّا كان يرتكبه من الموبقات ولكن على حدّ قول الشاعر:
أمرتكُم أمري بمنعرج اللوا |
فلم تستبين النصح إلّا ضحى الغدٍ |
أو على حدِّ قوله:
وكم سقتُ في آثاركم من نصيحة |
وقد يستفيد الظنَّة المتنصّح |
فزهٍ زهٍ بهذه المعرفة وحيا الله العلم الناجع الذي يرى صاحبه الواجب ذنباً و المذنب منصوراً.
وأحسب انَّ الذي إفتعل هذه الاُكذوبة الخياليَّة رجلٌ من بسطاء الأكراد
____________________
١ - راجع ما اسلفناه فى الجزء الثالث ص ١٥٦ - ١٦٧ ط ٢.
٢ - راجع ما اسلفناه فى الجزء الاول ص ٢٣١ - ٢٣٩ ط ٢.
٣ - راجع ما مرّ فى الجزء الثالث ص ١٩٩ - ٢٠٢ ط ٢.
٤ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء ص ١٧٢ - ١٧٥.
أو الأعجام البعداء عن العربيَّة وإلّا فالعربيُّ الصميم لا يقول: الحمد لِلَّه الذي نصرني ربِّي، والحمد لِلَّه الذي غفر لي ربِّي.
ولعمر بن عبد العزيز منام أشنع من هذه المهزأة يحوي فصل الخصومات الواقعة بين الإمام أمير المؤمنين ومعاوية بن هند، أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا ايضاً بالاسناد عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده فسلّمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذا اُتي بعليّ ومعاوية، فاُدخلا بيتاً واُجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج عليٌّ وهو يقول: قُضي لي وربِّ الكعبة ثمَّ ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غُفر لي وربِّ الكعبة(١) .
ويظهر من الجمع بين المنامين أنَّ موقف أمير المؤمنين عليّ من عثمان كان كموقف معاوية من عليّ صلوات الله عليه، موقف الخروج على إمام الوقت، موقف البغي والجور، لا ضير إنّا إلى ربّنا منقلبون، والله هو الحَكم العدل يوم لا ينفع طيفٌ ولا خيال.
٤٠ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٣ من طريق سعيد بن خالد عن صالح بن كيسان « أمويُّ النزعة مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز » عن سعيد بن المسيب قال: نظر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عثمان فقال: هذا التقيُّ المؤمن الشهيد شبيه ابراهيم.
قال الأميني: كأنَّ سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي أو سعيد ابن خالد الخزاعي المدني المجمع على ضعفه لم يجد في صحابة النبيِّ الأقدس من يتحمَّل عبء هذا السرف من القول والغلوِّ في الفضيلة فتركه مرسلاً مقطوعة العرى بين سعيد بن المسيب المولود بعد سنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
لعلَّ الباحث بعد قراءة ما سردناه من سيرة الممدوح وآراء الصحابة فيه وإصفاق الاُمَّة على النقمة عليه بافعاله وتروكه الشاذَّة عن التقوى لا يخفى عليه انَّ تشبيه الرجل بابراهيم النبيِّعليهالسلام جنايةُ على المعصومين وسفهٌ من القول وتَرَهُ، نعوذ بالله من التقوُّل بلا تعقُّل.
ولو كان التشبيه بمن كان من الأنبياء مقتولاً لأمكن أن يتصوَّر له وجه شبيه ولو مع ألف فارق. غير أنَّ نوبة الظلم عند وضع هذا الحديث كانت قد انتهت إلى خليل الله سلام الله عليه.
____________________
١ - تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٠.
وإنِّي أحسب أنَّ مُصحصح هذه المهزأة قرع سمعه حديث التشبيه الوارد في مولانا أمير المؤمنين المذكور في الجزء الثالث ص ٣٥٥ - ٣٦٠ ط ٢ وراقه من ذلك تشبيهه بخليل الرّحمن فحابى الرجل بذلك وقد أعماه الحبُّ عن عدم وجود وجه شبه ولو من جهة واحدة مع التمحُّل بين نبيّ معصوم خُصَّ بفضيلة الخلّة من المولى سبحانه وبين مَن قُتل دون هناته وسقطاته.
أنا لا أدري انَّ هتاف النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الذي سمعه سعيد بن المسيب المولود بعده هل سمعته عائشة ومع ذلك كانت تهتف بقولها: اقتلوا نعثلاً قتله الله فإنَّه قد كفر.
وبقولها لابن عبّاس: يا ابن عبّاس! إن الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فايّاك أن تردَّ الناس عن هذا الطاغية. وبقولها: وددت والله إنَّه في غرارة من غرائري هذه وإنِّي طوّقت حمله حتَّى القيه في البحر، وبقولها لمروان: وددت والله إنَّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رِجل كلّ واحد منكما رحاً وإنّكما في البحر. وبقولها للداخلين إليها: هذا ثوب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبل عثمان قد أبلى سنَّته. وبقولها لمـَّا بلغها نعيه: أبعده الله ذلك بما قدَّمت يداه وما هو بظلّام للعبيد. وبقولها: أبعده الله قتله ذنبه. وأقاده الله بعمله. يا معشر قريش! لا يسومنَّكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه(١) .
وهل سمع حديث التشبيه في عثمان اولئك الصَّحابة الذين سمعتَ أقوالهم و أفعالهم حول الرجل؟ أو أنَّ الحديث كان باطلاً فلم يسمعه أحدٌ منهم؟ الحَكَم في ذلك أنت أيُّها القارئ الكريم.
وأخرج رُواة السوء من طريق عائشة في التشبيه ما هو أعظم من هذا وأهتك لناموس الإسلام ونبيّه الأقدس وإليك نصّه:
عن المسيّب بن واضح السلمي الحمصي، عن خالد بن عمرو بن أبي الأخيل السلفي الحمصي، عن عمرو بن الأزهر العتكي البصري قاضي جرجان، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لمـّا تزوَّج النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم اُمّ كلثوم قال لاُمّ أيمن خذي بنتي وزفّيها إلى عثمان واخفقي بالدف. ففعلت فجاءها النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ثالثة فقال: كيف وجدتِ بعلكِ؟ قالت: خير رجل. قال: أما انَّه أشبه النّاس بجدِّكِ
____________________
١ - راجع ما مضى فى هذا الجزء من حديث عائشة ص ٧٧ - ٨٦.
إبرإهيم وأبيكِ محمّد(١) .
ذكره الذهبي في ميزان الإعتدال في ترجمة عمرو بن الأزهر فقال: هذا موضوعٌ. ونحن نقول:
رجال الإسناد:
١ - المسيِّب بن واضح، قال أبو حاتم: صدوقٌ يخطئ كثيراً فإذا قيل له لم يقبل وقال الدارقطني: ضعيفُ. وقال الساجي: تكلّموا فيه في أحاديث كثيرة. وقال عبدان هو وعبد الوهّاب بن الضحّاك كلاهما سواء(٢) وعبد الوهّاب كما مرَّ في الجزء الخامس ص ٢٤٢ ط ٢: كذّابٌ يضع الحديث متروكٌ كثير الخطأ والوهم وكان معروفاً بالكذب في الرواية.
٢ - خالد بن عمرو، كذَّبه الفريابي، ووهّاه ابن عدي وغيره، وقال الدارقطني: ضعيفٌ. وقال ابن عدي: له أحاديث مناكير. وذكر الذهبي حديثاً من طريقه فقال: باطلٌ ومن بلايا الأخيل حديثٌ كذب في مشيخة ابن شاذان(٣) .
٣ - عمرو بن الأزهر العتكي، قال أبو سعيد الحدّاد: كان يكذب مجاوبة، وعن ابن معين انَّه ليس بثقة ضعيفٌ، وقال البخاري: يُرمى بالكذب. وقال النسائي وغيره متروكٌ، وقال أحمد: كان يضع الحديث. وقال عبّاس الدوري عن يحيى: كان كذّاباً ضعيفاً. وقال الدولابي: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: غير ثقة. ميزان الإعتدال ٢: ٢٨١، لسان الميزان ٤: ٣٥٣.
وأعطف إلى هذه المكذوبة ما أخرجه ابن عدي من طريق زيد بن الحريش عن عمرو بن صالح قاضي رامهرمز عن العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: إنّا نشبّه عثمان بأبينا إبراهيم.
قال الذهبي: منكرٌ جدّاً، وقال ابن عدي في ذكر عمرو بن صالح بعد هذا الحديث وله غير هذا ممّا لا يُتابع عليه.
٤١ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٧ عن الحسين بن علي بن الأسود عن
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٢: ٢٨١، لسان الميزان ٤: ٣٥٣.
٢ - ميزان الاعتدال ٣: ١٧١ لسان الميزان ٦: ٤١.
٣ - ميزان الاعتدال ١: ٢٩٩، تهذيب التهذيب ٣: ١١٠.
_٢٢_
عبد الرَّحمن قال: قمت في الحِجر فقلت: لا يغلبني عليه أحدٌ الليلة فجاء رجلٌ من خلفي فغمزني فأبيت أن التفت، ثمَّ غمزني فأبيت أن ألتفت، ثمَّ غمزني الثالثة فالتفتُّ فإذا عثمان فتأخَّرت عن الحِجر فقرأ القرآن في ركعة ثمَّ انصرف.
وأخرجه أبو نعيم بالإسناد في حلية الأولياء ١: ٥٦، ٥٧ ولفظه: قال عبد الرَّحمن: لأغلبنَّ الليلة على المقام، فلمّا صلّيت العتمة تخلّصت إلى المقام حتّى قمت فيه قال: فبينا أنا قائمٌ إذا رجلٌ وضع يده بين كتفي فإذا هو عثمان بن عفّان. قال: فبدأ بامّ القرآن فقرأ حتَّى ختم القرآن فركع وسجد، ثمَّ أخذ نعليه فلا أدري أصلّى قبل ذلك شيئاً أم لا؟.
قال الأميني: سل عن راوي هذه الفضيلة الحافظ ابن عدي انَّه قال: الحسين بن علي كان يسرق الحديث، وأحاديثه لا يُتابع عليها. وسل عنه الأزدي فانَّه قال: إنَّه ضعيفٌ جدّاً يتكلّمون في حديثه. وسل عنه أحمد إمام الحنابلة فإنَّك تسمع منه ما سمعه أبو بكر المروزي لمـّا سأله عنه من قوله: لا أعرفه(١) .
ثمَّ هلمَّ معي نسائل عبد الرَّحمن التيمي هلّا كان من واجبه أن يُخبر ابن عمِّه طلحة بن عبيد الله التيمي بهذه السيرة الصالحة يوم ضيَّق على صاحبها الخناق، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، يوم هتك حرمته، وأباح دمه، وأورده المنيّة، ومنع جنازته عن أن تُدفن في مقابر المسلمين؟.
ولنا أن نسائل الممدوح « عثمان » ألم يكن في الحِجر مكاناً يسعه إلّا موقف عبد الرَّحمن؟ وهل كان له أن يُغمز الرجل مرَّة بعد اُخرى وهو في محراب الطاعة؟ أو أن يزيحه عن مكانه والوقف لمن سبق؟ وقد جاء في السَّنة الشريفة من طريق جابر مرفوعاً: لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ثمَّ ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول: افسحوا « صحيح مسلم ٧: ١٠ »
ومن طريق ابن عمر مرفوعاً: لا يقيم الرجلُ الرَّجلَ مِن مقعده ثمَّ يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسَّعوا. وزاد في حديث ابن جريج قلت: في يوم الجمعة؟ قال: في الجمعة وغيرها. صحيح مسلم ٧: ١٠، مسند أحمد ٢: ٢٢، صحيح البخار ي ٢: ٩٤.
____________________
١ - راجع تهذيب التهذيب ٢: ٢٤٣.
وفي لفظ لمسلم: لا يقيمنَّ أحدكم الرجل من مجلسه ثمَّ يجلس فيه. وفي لفظ له أيضاً: لا يقيمنَّ أحدكم أخاه ثمَّ يجلس في مجلسه.
قال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري ٨: ٤٧٩: هذا النهي للتحريم فمن سبق إلى موضع مباح في المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره لصلاة أو غير ها فهو أحقّ به، ويحرم على غيره إقامته منه لهذا الحديث
وقال القسطلاني في إرشاد الساري ٢: ١٦٩: ظاهر النهي التحريم فلا يُصرف عنه إلّا بدليل، فلا يجوز أن يقيم أحداً من مكانه ويجلس فيه، لأنَّ من سبق الى مباح فهو أحقُّ به، ولأحمد(١) حديث انَّ الذي يتخطّى رقاب النّاس أو يفرّق بين إثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه(٢) في النار، والتفرقة صادقة بأن يزحزح رجلين عن مكانهما ويجلس بينهما.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٣: ٣٠٦. من سبق إلى موضع مباح سواءٌ كان مسجداً أو غيره في يوم الجمعة أو غيرها لصلاة أو لغيرها من الطاعات فهو أحقّ به، و يحرم على غيره إقامته منه والقعود فيه.
فإقامة عثمان عبد الرَّحمن من مكانه الذي كان هو أحقّ به وغمزه إيّاه مرَّة بعد اُخرى محظورٌ محرَّمٌ شاذٌّ عن السنَّة الثابتة.
ثمَّ هل تسع الليلة لقراءة القرآن ختمة واحدة؟ ولعلّها تسع بالتمحُّل من كون الليلة من ليالي الشتاء الطويلة، ومن قدوم عثمان الحِجر بعد فريضة العشاء بلا فصل، وانّه كان طلق اللسان خفيفه، وإن كنّا لا نعلم شيئاً من ذلك.
أليس عثمان هذا هو الذي صعد المنبر وأرتج عليه وقام مليّاً لا يتكلّم فقال: إنَّ أبا بكر وعمر كانا يعدَّان لهذا المقام مقالاً وإنِّي لم اُزوّر له خطبة ولا أعددت له كلاماً وسنعود فنقول؟(٣) أيّ خطيب يعوزه الكلام ويفتقر إلى تزوير مقال وفي ذاكرته كلام الله المجيد؟ وفيه بلغةٌ وكفايةٌ عن كلِّ تلفيق وترميق وترميغ.
____________________
١ - اخرجه أحمد فى مسنده ٣: ٤١٧.
٢ - القصب بضم القاف: الظهر. المعى. ج: أقصاب.
٣ - راجع الجزء الثامن ص ١٦٣، ١٦٤ ط ٢.
وهلّا كان على الرجل أن يعمل بالقرآن الذي كان يختمه في صلاته؟ ألم يك في قرآنه قوله تعالى: « الَّذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً؟ »(١) أو لم يكن أبو ذر وعمّار وابن مسعود والاُمَّة الصالحة أمثالهم من المؤمنين؟ وقد آذاهم بالنفي والضرب والتنكيل وبكلِّ ما كان يمكنه.
أما كان فيه قوله تعالى: « الَّذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليم » ؟ وقد آذى الرَّسول في كريمته اُمّ كلثوم باقترافه ليلة وفاتها. وبايواء مَن طرده ولعنه. وبازراء صحابته الأكرمين وفي مقدَّمهم ابن عمِّه الطاهر. وبتبديل سنَّته والحياد عن محجّته.
أما كان فيه قوله تعالى: « أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسول واُولي الأمر منكم » ؟ وقد خالف الله ورسوله ولم يطعهما ونبذ الكتاب والسنّة وراء ظهره في غير موضع من الأموال والصدقات والزكاة والصِّلاة والصَّلاة والقطايع والأوقاف والحجِّ والنكاح والحدود والديات(٢) .
أما كان فيه ذكرٌ لحدود الله؟ أو لم يكن فيه قوله سبحانه: « ومن يتعدَّ حدود الله فاولئك هم الظالمون » ؟ وقد تعدَّى الحدود، ونسي العهود، ونقض التوبة، وحنث الإلّ، وجاء بما لا يُحمد عقباه، وأتى بنهابير أوردته القتل الذريع، وجرّت عليه الويلات كما جرَّتها على الاُمّة حتى اليوم.
أما كانت في قرآنه آية المباهلة أو آية التطهير؟ والله يعدُّ في الاُولى عليّاً نفس النبيِّ الأعظم، ويطهّره من الرجس بالثانية كما طهَّر نبيّه. وكان عثمان يرى مروان لعين رسول الله وطريده أفضل منهعليهالسلام (٣) .
وليت الرجل ترك تلك التلاوة المتعبة والتزم بالعمل بالقرآن الكريم وأقام حدوده واقتصر من التلاوة على ما تيسَّر.
٤٢ - أخرج البلاذري في « الأنساب » ٥: ٧ عن خلف البزّار عن عبد الوهاب ابن عطاء(٤) الخفاف البصري عن سعيد بن أبي عروبة أبي النضر البصري عن ابن
____________________
١ - سورة الاحزاب: آية ٥٨.
٢ - فصلنا القول فى ذلك كله فى الجزء الثامن.
٣ - مضى حديثه فى الجزء الثامن ص ٢٩٧ ط ٢.
٤ - فى النسخة: عبد الوهاب عن عطاء والصحيح ما ذكرناه.
أخي(١) مطرف بن عبد الله بن الشخيّر عن مطرف البصري قال: لقيت عليّاً يوم الجمل فاسرع إليَّ بدابته فقلت: أنا أحقُّ أن أسرع إليك فقال: أحسب عثمان منعك من إتياننا فأقبلت أعتذر إليه فقال: لئن أحببته لقد كان أبرَّنا وأوصلنا.
(رجال الإسناد)
١ - خلف البزّار، الثقة الأمين السكّير. راجع من الجزء الخامس ص ٢٩٥ ط ٢.
٢ - عبد الوهاب بن عطاء: قال المروزي: قلت لأحمد: عبد الوهاب ثقةٌ؟ فقال: ما تقول: إنَّما الثقة يحيى القطّان. وقال الساجي: صدوقٌ ليس بالقويِّ عندهم وقال البخاري: ليس بالقويِّ عندهم وهو يحتمل. وقال النسائي: ليس بالقويِّ. وقال أبو حاتم: ليس عندهم بقويِّ في الحديث. وقال ابن أبي شيبة: ليس بكذّاب ولكن ليس هو ممَّن يُتَّكل عليه. وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث. وقال البزّار: ليس بالقويِّ وقد احتمل أهل العلم حديثه(٢) تهذيب التهذيب ٦: ٤٥١.
٣ - سعيد بن أبي عروبة. قال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة. وقال دحيم: اختلط. وقال الأزدي: إختلط اختلاطاً قبيحاً. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ثمَّ اختلط في آخر عمره. وقال ابن حبّان: بقي في اختلاطه خمس سنين ولا يحتجُّ إلّا بما روى عنه القدماء مثل يزيد بن زريع وابن المبارك، وقال عبد الوهاب (الراوي عنه): خولط سعيد سنة ٤٧ وعاش بعد ما خولط تسع سنين. وقال النسائي: من سمع منه بعد الإختلاط فليس بشيء. وقال ابن عدي: من سمع منه قبل الإختلاط فإنَّ ذلك صحيحٌ حجّةٌ ومن سمع منه بعد الإختلاط لا يُعتمد عليه.
وقال أبو بكر البزّار: ابتدأ به الاختلاط سنة ١٣٣(٣) .
فعلى الأخذ بقول أبي بكر البزّار في ابتداء اختلاطه وقول ابن حبّان من أنّه مات سنة ١٥٥ تربو أعوام اختلاطه على اثنتين وعشرين سنة. هذا أكثر ما قيل في مدَّة اختلاطه وأقلّه خمس سنين وبينهما أقوال اُخر.
____________________
١ - هو عبد الله بن هانى بن عبد الله بن الشخير البصرى.
٢ - احتمال الحديث انما هو للاعتبار كما جاء مصرحاً به فى كثير من الضعفاء.
٣ - تهذيب التهذيب ٤: ٦٣ - ٦٦.
هذه علل الرِّواية إسناداً، وأما هي من ناحية المتن فسل عنها مولانا أمير المؤمنين ورأيه المدعوم في عثمان وقد أسلفناه في هذا الجزء ص ٦٩ - ٧٧: أتراه صلوات الله عليه يرى الرجل أبرَّهم وأوصلهم ثمَّ يرفع عقيرته على صهوة الخطابة بمثل قوله فيه: قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته(١) .
وقوله فيه: إنّ بني اُميَّة ليفوِّقونني تراث محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم تفويقاً(٢) .
وقوله في اقطاعه واعطياته: ألا إنَّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكلَّ مال أعطاه من مال الله فهو مردودٌ في بيت المال، فإنَّ الحقَّ القديم لا يبطله شيءٌ، ولو وجدته قد تزوَّج به النساء، وفرَّق في البلدان لرددته إلى حاله. راجع ج ٨: ٢٨٧ ط ٢.
أنَّى كانتِ صلات عثمان مشروعةً مرضيَّةً عند أمير المؤمنين حتى يثني بها عليه ويراه أبرَّهم وأوصلهم، وقد أوقفناك في الجزء الثامن على شطر مهمّ من هباته ومدرّها فاقرأ وتبصَّر.
٤٣ - اخرج ابن عساكر عن يزيد بن أبي حبيب كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١١٠، انَّه قال: بلغني انَّ عامَّة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامَّتهم جنّوا. و في لفظ القرماني في أخبار الدول هامش الكامل لإبن الأثير ١: ٢١٣: إنَّ عامَّة مَن أشار إلى قتل عثمان جنُّوا.
قال الأميني: أليست هذه المهزأة من فنون الجنون؟ انظر إلى عقل من جاء بها أوَّلاً: (يزيد بن أبي حبيب) ثمَّ أرجع البصر كرَّتين إلى عقل اولئك الحفّاظ الذين عدَّوا مثل هذا الترَه التافه من فضائل عثمان وكراماته، وإنِّي أحسب انَّ في قول ابن سعد في ترجمة يزيد بن أبي حبيب: « انَّه كان حليماً عاقلاً » دفعاً لِما يدخل هاجسة القاري من روايته هذه، لكنَّه لا يثبت له العقل بعد ما حفظها له التاريخ، كيف يصدِّق ذو مسكة هذه السفسطة والركب السائرون إلى عثمان تُعدُّ بالآلاف من رجال الحواضر الإسلاميَّة وهم معروفون مشهورون ولم يُعرف أحدٌ منهم بما قذفهم ابن
____________________
١ - راجع الجزء السابع ص ٨١.
٢ - راجع الجزء الثامن ص ٢٨٧ ط ٢.
حبيب؟ وما الذي أخفى ما عرف منهم الرجل على كلِّ الصحابة والتابعين في الأوساط ولم يعلم به إلّا هو فحسب؟
على أنّا نعرف جماهير من القوم لا نشكّ ولا يشكّ عاقلٌ في ثبوت كمال العقل لهم إلى أن ماتوا أو قتلوا كسيِّدنا عمّار بن باسر ومالك الأشتر، وكعب بن عبدة، وزيد بن صوحان، وصعصعة بن صوحان، وعمرو بن بُديل الورقاء، ومحمَّد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق، إلى نظرائهم الكثيرين وجلّهم من رجال الصحاح والمسانيد أخرج أئمَّة الحديث من طرقهم أحاديث جمّة وصحَّحوها، ولم يتوقّف أحدٌ منهم في شيء منها للجهل بصدورها قبل جنونهم أو بعده.
ولو أخذنا بلفظ القرماني فلا يشذُّ من الجنون جلّ الصحابة من المهاجرين والأنصار إن لم نقل كلّهم لإطباقهم على قتل الرجل وفي مقدّمهم طلحة والزبير وعمرو بن العاص والسيِّدة عائشة امّ المؤمنين.
ولعمر الحقِّ انَّ المعتوه من شوَّه صحيفة التاريخ بهذه الخزايات غلوّاً منه في فضائل اُناس من الشجرة المنعوتة في القرآن. والله هو الحكَم العدل.
٤٤ - أخرج الواحدي في أسباب النزول ص ٢١٠ قال: أخبرنا محمَّد بن ابراهيم بن محمَّد بن يحيى قال: أخبرنا أبو بكر الأنباري قال: حدَّثنا جعفر بن محمَّد بن شاكر قال: حدَّثنا عفان. قال: حدَّثنا وهيب. قال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن ابراهيم عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: نزلت: ضرب الله مثلاً عبداُ مملوكاُ لا يقدر علي شيء(١) في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرّاً وجهراً ومولاه ابو الخوراء الذي كان ينهاه فنزلت. وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء(٢) فالأبكم منهما الكَلُّ على مولاه هذا السيِّد أسد بن أبي العيص. ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو عثمان بن عفّان رضي الله عنه. وبهذا الإسناد أخرجه البلاذري في الأنساب ٥: ٣.
وذكر ابن سعد في طبقاته ٣: ٤١ مرسلاً عن عكرمة عن ابن عبّاس نزول: هل
____________________
١ - سورة النحل: ٧٥ وتمام الاية: ومن رزقنه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستون الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون.
٢ - وهو كلّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. تمام الاية. سورة النحل: ٧٦.
يستوي هو ومن يأمر بالعدل. الآية. في عثمان. وكذلك المحبُّ الطبري في الرياض النضرة ٢: ١٠٣.
قال الأميني: لعلَّ الباحث لا يطالبنا البحث عن إسناد هذه الاُكذوبة التي حرَّفوا بها الكلم عن مواضعها ويراها شاهد صدق علي قول سعيد بن المسيّب لبرد مولاه: يا برد! إيّاك وأن تكذب عليَّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس(١) .
ولك أن ترجع البصر كرَّتين، وتمعن النظر دواليك في صحيفة تاريخ عثمان، في أيِّ يوميه تجد منه ما يعاضد هذه الاُسطورة؟ ومتى كان يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟ أمّا أيَّامه مع النبيِّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم فحسبك منها ما ذكرناه في الجزء الثامن ص ٢٣١، ٢٨٠، وفي هذا الجزء ص ٣٢٧ وأمَّا أيَّام خلافته فحدِّث عنها ولا حرج و قد سجَّل التاريخ له فيها هنات لا تغفر وعثرات لا تُقال. وقد وصف مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام تلكم الأيّام في كتابه إلى اهل مصر بقوله: إلى القوم الذين غضبوا لِلّه حين عُصي في أرضه، وذُهب بحقِّه، فذهب الجور سرادقه على البرِّ والفاجر، والمقيم والظاعن، فلا معروف يُستراح إليه، ولا منكر يُتناهى عنه. راجع ص ٧٤ من هذا الجزء.
ووصفها أبو أيّوب الأنصاري بقوله: عباد الله أليس إنَّما عهدكم بالجور والعدوان أمس؟ وقد شمل العباد، وشاع في الإسلام، فذو حقّ محرومٌ مشتومٌ عرضه، و مضروبٌ ظهره، وملطومٌ وجهه، وموطوءٌ بطنه، ومُلقى بالعراء. إلى آخر ما مرَّ في هذا الجزء ص ١٢٥.
أكان من العدل وعلى الصِّراط المستقيم ايواءه طريد رسول الله ولعينه؟ أم خضمه مع ابناء بيته مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع؟ أم أياديه عند أهل العيث والفساد و اعطياته من مال المسلمين أبناء بيته الساقط من فاسق مستهتر إلى لعين طريد إلى شابّ مُترف إلى اُغيلمة سفهاء، وتسليطهم على ناموس الإسلام ورقاب المسلمين بتولِّيهم الأمر في البلاد وبين يديه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم من تولّى من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أنَّ فيهم مَن هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسُنَّة رسوله فقد خان الله
____________________
١ - معارف ابن قتيبة ص ١٩٤.
ورسوله وجميع المؤمنين؟(١) وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صحيحة الحاكم من طريق ابن عباس: من استعمل رجلاً من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لِلَّه منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين. وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صحيحة اُخرى من طريق أبي بكر: من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحداً محاماةً فعليه لعنة الله: لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتّى يدخله جهنم.
« إزالة الخفا ١: ١٦ »
أكان من العدل وعلى الصِّراط المستقيم إزرائه صلحاء الاُمّة وعظماء الصحابة و ايذائهم بغير ما اكتسبوا وقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا، وهم بين مُسيَّرها لك في تسييره، ومعذَّب في قعر السجون وظُلم المطامير، ومشتوم مُهان يُنادى عليه بذلِّ الإستخفاف، ومضروب قد دُقَّت بالضرب أضلاعه، وآخر اُعذر متنه وفُتق بطنه، ومحروم عن مال الله لأمره بالمعروف وانكاره المنكر؟ أم سبّه الصحابة - العدول - وتكفيره إيّاهم بكتابه وخطابه؟ أم مجابهته صنو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونفسه بتلكم القوارص؟ أم عدّه مروان الوزغ الطريد اللعين أفضل من سيِّد العترة؟ أم رأيه فيه سلام الله عليه بأنَّه أولى الناس بالنفي من جوار النبيِّ الأقدس؟ أم إبعاده إيّاه، عن المدينة مرَّة بعد اُخرى؟ أم نقضه العهود و المواثيق المؤكّدة؟ أم نبذه كتاب الله وراء ظهره، وشذوذه عن السنَّة الشريفة في صلاته وصِلاته وحجِّه وزكاته وإدخال آرائه الشاذَّة في جميع ذلك؟ أم أم إلى ما شاء الله.
هلّا عرفت الصحابة عدل هذا الإنسان وكونه على الصِّراط المستقيم يوم حسبوه جائراً في الحكم، حائداً عن العدل، متنكّباً عن الصِّراط، باغياً ساعياً في الأرض فساداً ولم يبرحوا ناقمين مؤلِّبين عليه إلباً واحداً حتّى تمخَّضت عليه البلاد، وأسعرت وراءه نارا، ولم تنطفئ إلّا باختلاسه وإخماد أنفاسه؟ أو أنَّهم عرفوا ذلك غير انَّ الضغائن حدتهم إلى ما ارتكبوا منه؟ فأين إذن عدالة الصحابة؟.
وإن كان الرجل آمراً بالعدل وهو على صراط مستقيم فعهده على نفسه سنة ٣٥ بأن يعمل بالكتاب والسنَّة لماذا؟ وتوبته مرَّة بعد اُخرى على صهوات المنابر عمّاذا؟ والتزامه بالإقلاع عمّا هو عليه وتغيير خطَّته لِماذا؟ وما تلكم الأقوال من الصحابة الواقفين عليه وعلى أعماله من كثَب؟ مثل قول عليّ أمير المؤمنين له: ما رضيت مِن
____________________
١ - مجمع الزوائد ٥: ٢١١.
مروان ولا رضي منك إلّا بتحرّفك عن دينك وعقلك مثل جمل الظعينة يُقاد حيث يُسار به. وقوله: أذهبت شرفك وغُلبت على أمرك. وقول عمّار: امضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله.
وقول عمرو بن العاص لعثمان: ركبت بهذه الاُمَّة نهابير من الامور فركبوها منك ومِلت بهم فمالوا بك، اعدل أو اعتزل.
وقول سعد بن أبي وقاص: لكن عثمان غيَّر وتغيَّر، وأحسن وأساء.
وقول مالك الأشتر: الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سُنَّة نبيِّه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.
وقول صعصعة بن صوحان له: ملت فمالت اُمَّتك، اعتدل يا أمير المؤمنين! تعتدل اُمَّتك.
وقول هاشم المرقال: إنَّما قتله أصحاب محمّد وقرَّاء الناس حين أحدث أحداثاً وخالف حكم الكتاب.
وقول عبد الرَّحمن العنزي: هو أوَّل من فتح أبواب الظلم، وارتج أبواب الحقِّ.
وقول أصحاب حجر بن عدي: هو أوَّل من جار في الحكم، وعمل بغير الحقِّ.
وقول الصحابة له: بلونا منك من الجور في الحكم، والأثرة في القسم، والعقوبة للأمر بالتبسط من الناس.
وقول نائلة بنت الفرافصة زوجته له: إتّق الله وحده لا شريك له، واتَّبع سنّة صاحبيك من قبلك.
إلى كلمات كثيرة لاُمّة كبيرة من الصحابة مرَّت في هذا الجزء، فنزول الآية الكريمة في عثمان لا تساعده تلكم الأقوال، وتضادّه سيرته المعروفة، هكذا يحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظّاً ممّا ذُكّروا به.
٤٥ - أخرج ابن عساكر كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١١٠ عن ابن عبّاس انَّه قال: لو لم يطلب النّاس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السَّماء. وذكره القرماني في أخبار الدول هامش الكامل ١: ٢١٤.
قال الأميني: للباحث أن يُسائل راوي هذه المزعمة المرسلة المعزوَّة إلى حبر
الاُمّة عن أنَّ الطلب بدم عثمان هل كان أمراً مشروعاً يرتضيه الله ورسوله؟ أو كان غير ذلك؟ فإن كان الأوَّل؟ فلماذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعهد إلى عليّ أمير المؤمنين أن يقاتل الناكثين والقاسطين الطالبين بدم عثمان؟ ويحثُّ عيون أصحابه على مناصرتهعليهالسلام متى واثبه القوم؟ ويحذّر مناوئيه في المقامين وينهاهم عن قتالهعليهالسلام ، ويصفهم بالظلم إن فعلوا؟ راجع الجزء الثالث ص ١٨٨ - ١٩٥ ط ٢.
ولماذا كان مولانا أمير المؤمنين يناضلهم، فضلاً عن إشتراكه معهم في الطلب؟ ولا يسلّم إليهم قتلة عثمان وآواهم؟ وهو الذي يدور الحقٌّ معه حيثما دار، وهو مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتّى يردا على النبيِّ الحوض(١) .
وكيف كانت الصحابة العدول يقاتلون معهعليهالسلام الثائرين بدم عثمان؟ وفي يوم الجمل تحت رايته عيون الصحابة ووجهاء الاُمَّة، وفي صفِّين شهد معه الإمامان السبطان الحسنان وممَّن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة مائتان وخمسون كما في مستدرك الحاكم ٣: ١٠٤ ويقال: ثمانمائة نفس فقتل منهم ثلاثمائة وستون نفساً(٢) وكان معه ثمانون بدريّاً على رواية ابن ديزيل والحاكم(٣) وجاء في خطبة سعيد بن قيس: سبعون بدريّاً(٤) وفي كلام لمالك الأشتر: قريب من مائة بدريّ(٥) ومن اُولئك الصحابة وفي مقدّمهم البدريُّون:
١ - اُسيد بن ثعلبة الأنصاري. بدريٌّ.
٢ - ثابت بن عبيد الأنصاري. بدريُّ قتل بصفِّين.
٣ - ثعلبة بن قيظي بن صخر الأنصاري. بدريٌّ.
٤ - جبر بن أنس بن أبي زريق. بدريٌّ.
٥ - جبلة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي. بدريٌّ.
٦ - الحارث بن حاطب بن عمرو الأنصاري الأوسي. بدريٌّ.
____________________
١ - راجع ما ذكرناه فى الجزء الثالث ص ١٧٦ - ١٨٠ ط ٢.
٢ - الاستيعاب فى ترجمة عمار، الاصابة ٢: ٣٨٩.
٣ - مستدرك الحاكم ٣ ص ١٠٤، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٥٤.
٤ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٦٦، شرح ابن أبى الحديد ١: ٤٨٣.
٥ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٦٨، شرح ابن أبى الحديد ١: ٤٨٤.
٧ - الحارث بن النعمان بن اُميَّة الأنصاري الأوسي. بدريٌّ.
٨ - حصين بن الحارث بن المطلب القرشي. بدريٌّ.
٩ - خالد بن زيد بن كليب أبو أيُّوب الأنصاري. بدريٌّ.
١٠ - خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الأنصاري الأوسي. بدريٌّ قُتل بصفّين.
١١ - خليفة - ويقال: عليفة - بن عدي بن عمرو البياضي. بدريٌّ.
١٢ - خويلد بن عمرو الأنصاري السلمي. بدريٌّ.
١٣ - ربعي بن عمرو الأنصاري. بدريٌّ.
١٤ - رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي. بدريٌّ.
١٥ - زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي البلوي. بدريٌّ.
١٦ - جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري السلمي. بدريٌّ.
١٧ - خباب بن الأرت أبو عبد الله التميمي. بدريٌّ.
١٨ - سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي. بدريٌّ.
١٩ - سماك بن - أوس بن - خرشة الأنصاري الخزرجي. بدريٌّ.
٢٠ - صالح الأنصاري. بدريٌّ.
٢١ - عبد الله بن عتيك الأنصاري. بدريٌّ.
٢٢ - عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود الأنصاري. بدريٌّ.
٢٣ - عمّار بن ياسر المطيَّب الطيِّب الشهيد بصفِّين. بدريٌّ.
٢٤ - عمرو بن أنس الأنصاري الخزرجي. بدريٌّ.
٢٥ - عمرو بن الحمق الخزاعي الكعبي. بدريٌّ.
٢٦ - قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي. بدريٌّ.
٢٧ - كعب بن عامر السعدي. بدريٌّ.
٢٨ - مسعود بن أوس بن أصرم الأنصاري. بدريٌّ.
٢٩ - أبو الهيثم مالك بن التيهان البلوي المستشهد بصفِّين. بدريٌّ.
٣٠ - أبو حبة عمرو بن غزيَّة. بدريٌّ.
٣١ - أبو عمرة بشر بن عمرو بن محصن الأنصاري المستشهد بصفِّين. بدريٌّ.
٣٢ - أبو فضالة الأنصاري استشهد بصفِّين. بدريٌّ.
٣٣ - أبو محمّد الأنصاري. بدريٌّ.
٣٤ - أ بو بردة هاني بن نيار - ويقال: نمر - بدريٌّ.
٣٥ - أبو اليسر كعب بن عمرو بن عباد الأنصاري السلمي. بدريٌّ.
٣٦ - أسود بن عيسى بن أسماء التميمي.
٣٧ - أشعث بن قيس الكندي كان أميراً على الميمنة يوم صفِّين.
٣٨ - أنس بن مدرك أبو سفيان الخثعمي.
٣٩ - الأحنف بن قيس أبو بحر التميمي السعدي.
٤٠ - أعين بن ضبيعة الحنظلي. أحد الاُمراء بصفِّين.
٤١ - بريد الأسلمي. قتل بصفِّين وفيه يقول أمير المؤمنين:
جزى الله خيراً عصبةً أسلميَّةً |
حسان الوجوه صرّعوا حول هاشمِ |
|
بريدٌ وعبد الله منهم ومنقذ |
وعروة ابنا مالك في الأكارمِ |
٤٢ - البراء بن عازب الأنصارى الخزرجي.
٤٣ - بشر - بشير - بن أبي زيد الأنصاري.
٤٤ - بشير بن أبي مسعود الأنصاري.
٤٥ - ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري.
٤٦ - جارية بن زيد المستشهد بصفِّين.
٤٧ - جارية بن قدامة بن مالك التميمي السعدي.
٤٨ - جبلة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري.
٤٩ - جبير بن الحباب بن المنذر الأنصاري.
٥٠ - جندب بن زهير الأزدي الغامدي كان من اُمراء الجيش بصفِّين.
٥١ - جندب بن كعب العبدي أبو عبد الله الأزدي الغامدي.
٥٢ - الحارث بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي.
٥٣ - حازم بن أبي حازم الأحمسي المستشهد بصفِّين.
٥٤ - الحبشي بن جنادة نصر السلولي.
٥٥ - الحجّاج بن عمرو بن عزيّة الأنصاري.
٥٦ - حجر بن عدي الكندي المعروف بحجر الخير، كان من الاُمراء يوم صفِّين.
٥٧ - حجر بن يزيد بن مسلمة الكندي.
٥٨ - حنظلة بن النعمان الأنصاري.
٥٩ - حيّان بن أبجر الكناني.
٦٠ - خالد بن أبي خالد الأنصاري.
٦١ - خالد بن أبي دجانة الأنصاري.
٦٢ - خالد بن المعمر بن سليمان السدوسي كان من اُمراء عليّ يوم صفِّين.
٦٣ - خالد بن الوليد الأنصاري، كان ممَّن اُبلى بصفِّين.
٦٤ - خرشة بن مالك بن جرير الأودي.
٦٥ - رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الخزرجي الحارثي.
٦٦ - ربيعة بن قيس العدواني.
٦٧ - ربيعة بن مالك بن وهيل النخعي.
٦٨ - زبيد بن عبد الخولاني شهد صفِّين مع معاوية وكانت معه الراية فلمّا قُتل عمّار تحوَّل إلى عسكر عليّعليهالسلام أخذاً بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عمّار تقتله الفئة الباغية.
٦٩ - زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الكعبي الخزرجي.
٧٠ - زيد بن جارية الأنصاري.
٧١ - زيد بن حيلة - بالمهملة والياء ويقال: بالمعجمة والموحَّدة -.
٧٢ - زياد بن حنظلة التميمي.
٧٣ - سعد بن الحارث بن الصمة الأنصاري استشهد يوم صفِّين.
٧٤ - سعد بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي.
٧٥ - سعد بن مسعود الثقفي عمّ المختار بن أبي عبيد.
٧٦ - سليمان بن صرد بن أبي الجون أبو المطرف الخزاعي، كان أميراً على رجَّالة الميمنة يوم صفِّين.
٧٧ - سهيل بن عمرو الأنصاري، قتل بصفِّين مع عليّعليهالسلام .
٧٨ - شبث بن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدوس.
٧٩ - شبيب بن عبد الله بن شكل المذحجي.
٨٠ - شريح بن هاني بن يزيد بن نهيك أبو المقدام الحارثي.
٨١ - شيبان بن محرث.
٨٢ - صدى بن عجلان بن الحارث أبو أمامة الباهلي.
٨٣ - صعصعة بن صوحان العبدي.
٨٤ - صفر بن عمرو بن محصن. وقُتل بصفِّين.
٨٥ - صيفي بن ربعي بن أوس.
٨٦ - عائذ بن سعيد بن زيد بن جندب المحاربي الجسري. المستشهد بصفَين.
٨٧ - عائذ بن عمرو الأنصاري.
٨٨ - عامر بن واثلة بن عبد الله أبو الطفيل الليثي.
٨٩ - عبد الله الأسلمي ممَّن استشهد بصفّين وأثنى عليه مولانا أمير المؤمنين كما مرَّ ص ٣٦٤.
٩٠ - عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. قُتل بصفّين.
٩١ - عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم. كان على الميسرة يوم صفّين.
٩٢ - عبد الله بن خراش أبو يعلى الأنصاري.
٩٣ - عبد الله بن خليفة البولاني الطائي.
٩٤ - عبد الله بن ذباب بن الحارث المذحجي.
٩٥ - عبد الله بن الطفيل بن ثور بن معاوية البكائي.
٩٦ - عبد الله بن كعب المرادي، قُتل يوم صفّين وكان مِن أعيان أصحاب أمير المؤمنين.
٩٧ - عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري الأوسي.
٩٨ - عبد الرَّحمن بن بديل بن ورقاء الخزاعي، من شهداء يوم صفّين.
٩٩ - عبد الرَّحمن بن حسل الجمحي. قتل بصفِّين.
١٠٠ - عبيد بن خالد السلمي.
١٠١ - عبيد الله بن سهيل الأنصاري.
١٠٢ - عبيد بن عازب أخو البراء بن عازب.
١٠٣ - عبيد بن عمرو السلماني أبو عمرو صاحب ابن مسعود.
١٠٤ - عبد خير بن يزيد بن محمَّد الهمداني. من كبار أصحاب الإمامعليهالسلام .
١٠٥ - عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي.
١٠٦ - عروة بن زيد الخيل الطائي.
١٠٧ - عروة بن مالك الأسلمي قتل بصفِّين وأثنى عليه الإمامعليهالسلام كما مرَّ ص ٣٦٤.
١٠٨ - عقبة بن عامر السلمي.
١٠٩ - العلاء بن عمرو الأنصاري.
١١٠ - عليم بن سلمة الفهمي.
١١١ - عمرو بن بلال كان من المهاجرين.
١١٢ - عُمير بن حارثة الليثي.
١١٣ - عُمير بن قرة السلمي.
١١٤ - عمّار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران.
١١٥ - عوف بن عبد الله بن الأحمر الأزدي.
١١٦ - الفاكه بن سعد بن جبير الأنصاري الأوسي الخطمي. قُتل بصفّين.
١١٧ - قيس بن أبي قيس الأنصاري.
١١٨ - قيس بن المكشوح أبو شدّاد المرادي. من شهداء صفّين.
١١٩ - قرظة بن كعب بن ثعلبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي.
١٢٠ - كرامة بن ثابت الأنصاري.
١٢١ - كعب بن عمر أبو زعنة.
١٢٢ - كميل بن زياد النخعي، يقال: أدرك من الحياة النبويّة ثماني عشرة سنة وكان شريفاً مطاعاً ثقة. الإصابة ٣: ٣١٨.
١٢٣ - مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعى الأشتر.
١٢٤ - مالك بن عامر بن هاني بن خفاف الأشعري.
١٢٥ - محمَّد بن بديل بن ورقاء الخزاعي، من شهداء صفِّين.
١٢٦ - محمَّد بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي يقال: قُتل بصفِّين.
١٢٧ - مخنف بن سليم بن الحرث بن عوف بن ثعلبة الأزدي الغامدي، كان على راية الأزد بصفِّين.
١٢٨ - معقل بن قيس الرياحي التميمي اليربوعي.
١٢٩ - المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي.
١٣٠ - منقذ بن مالك الاسلمي أخو عروة بن مالك ممَّن استشهد بصفِّين كما مرَّ في شعر مولانا أمير المؤمنين ص ٣٦٤.
١٣١ - المهاجر بن خالد بن المخزومي. استشهد بصفِّين.
١٣٢ - نضلة بن عبيد الأسلمي أبو بريزة.
١٣٣ - النعمان بن عجلان بن النعمان الأنصاري الزرقي.
١٣٤ - هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال. كان صاحب الراية واستشهد بصفِّين
١٣٥ - هبيرة بن النعمان بن قيس بن مالك بن معاوية الجعفي. كان من اُمراء عليّعليهالسلام .
١٣٦ - وداعة بن أبي زيد الأنصاري.
١٣٧ - يزيد بن الحويرث الأنصاري.
١٣٨ - يزيد بن طعمة بن جارية بن لوذان الأنصاري الخطمي.
١٣٩ - يعلى بن اُميَّة بن أبي عبيدة بن همام بن الحرث التميمي الحنظلي. يقال: انَّه قُتل بصفِّين.
١٤٠ - يعلى بن عمير بن يعمر بن حارثة بن العبيد النهدي.
١٤١ - أبو شمر بن أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الحميري ثمَّ الأبرهي قتل مع عليّعليهالسلام بصفِّين.
١٤٢ - أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرّحمن.
١٤٣ - أبو جحيفة السوائي.
١٤٤ - أبو عثمان الأنصاري.
١٤٥ - أبو الورد بن قيس بن فهر الأنصاري.
_٢٣_
والإمام أمير المؤمنين قد أتمَّ الحجَّة يوم الجمل على طلحة بما أسلفناه في الجزء الاوَّل ص ١٨٦، ١٨٧ ط ٢، وعلى الزبير بما مرَّ في ج ٣ ص ١٩١ ط ٢ وما قاتلهما إلّا بعد إقامة الحجَّة عليهما، ودحض أعذارهما المفتعلة، فما وجدهما مخبتين إلى الحقّ مصيخين إلى ما اعترفا به من قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان موقفهما موقف المستهزء اللاعب بالدين الحنيف، جاء رجلٌ إلى طلحة والزبير وهما في المسجد بالبصرة فقال: نشدتكما بالله في مسيركما أعهد إليكما فيه رسول الله شيئاً؟ فقام طلحة ولم يجبه، فناشد الزبير فقال: لا، ولكن بلغنا انَّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها(١) .
ولَمّا بايع أهل البصرة الزبير وطلحة قال الزبير: ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ فإمّا بيّته وإمّا صبّحته لعليّ أقتله قبل أن يصل الينا؟ فلم يجبه أحد. فقال: إنَّ هذه لهي الفتنة التي كنّا نحدِّث عنها. فقال له مولاه: أتسميِّها فتنةً وتقاتل فيها؟ قال: ويحك إنّا نُبصر ولا نَبصر، ما كان أمر قطّ إلّا علمت موضع قدمي فيه غير هذا الأمر فإنِّي لا أدري أمقبلٌ أنا فيه أم مدبرٌ(٢) .
وقد تحقّق يوم ذاك ما كان يحذر منه عمر بن الخطاب وصدَّق الخُبر الخَبر، قال عبد الله بن عمر: جاء الزبير إلى عمر فقال لعمر: إئذن لي أخرج فاُقاتل في سبيل الله. قال: حسبك قد قاتلت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فانطلق الزبير وهو يتذمر فقال عمر: مَن يعذرني من أصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ لولا أنِّي أمسك بفم هذا الشغب لأهلك اُمَّة محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
أللهمَّ ما كان ذنب حكيم بن جبلة وسبعين أبرياء آخرين من عبد القيس قتلهم طلحة والزبير قبل وقوع الواقعة بعد ما نادى مناديهما بالبصرة: ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممّن غزا المدينة فليأت بهم فجئ بهم كما يُجاء بالكلاب فقتلوا. قال: حكيم بن جبلة لقد أصبحتم وإنَّ دماءكم لنا لحلالٌ بمن قتلتم من إخواننا، أما تخافون الله عزَّ وجلَّ؟ بما تستحلون سفك الدماء؟ قال ابن الزبير: بدم عثمان بن عفّان رضي الله عنه، قال: فالّذين قتلتموهم قتلوا عثمان؟ أما تخافون مقت الله؟ فقال له عبد الله بن الزبير:
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١٨٣.
٢ - تاريخ الطبرى ٥: ١٨٣.
٣ - تاريخ بغداد ٧: ٤٥٣.
لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نخلّي سبيل عثمان بن حنيف حتّى يخلع عليّاً فقُتل حكيم بن جبلة وسبعون رجلاً من عبد القيس(١) .
فعلى الرجلين وامِّهما دم ستة آلاف أو يزيدون قتلى تلك الحرب الدامية، ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها. ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنَّما قتل الناس جميعاً. ولنعم ما قال فتى بني سعد يوم ذاك:
صُنتم حلائلكم وقُدتم اُمّكم |
هذا لعمرك قلّة الإنصافٍ |
|
اُمرتْ بجرِّ ذيولها في بيتها |
فهوت تشقُّ البيد بالايجافٍ |
|
غرضاً يقاتل دونها أبناؤها |
بالنبل والخطيِّ والأسيافِ |
|
هُتكت بطلحة والزبير ستورها |
هذا المخبِّر عنهمُ والكافي(٢) |
ولم يكن حول الجمل إلّا حُثالة من ذنابا الناس أهل الشرَه والترَه - من ضبَّة والأزد - الّذين كانوا يلتقطون بعر الجمل ويفتُّونها ويشمُّونها ويقولون: بعر جمل اُمِّنا ريحه ريح المسك. يأتي حديثه في مستقبل الأجزاء إنشاء الله. كما لم يكن في جيش معاوية إلّا ساقة الناس ورعائهم الَّذين وصفهم مولانا أمير المؤمنين بقوله يوم ذاك: انفروا إلى بقيّة الأحزاب، انفروا بنا إلى ما قال الله ورسوله إنّا نقول: صدق الله ورسوله. و يقولون: كذب الله ورسوله(٣) :
وقال سيِّدنا قيس بن سعد في كلام له: هل ترى مع معاوية إلّا طليقاً أعرابيّاً أو يمانيّاً مستدرجا؟(٤) .
وفي كلام لسيِّدنا عمّار بن ياسر: إنَّ مراكزنا على مراكز رايات رسول الله يوم بدر ويوم اُحد ويوم حنين، وإنَّ هؤلاء مراكز رايات المشركين من الأحزاب(٥) وفي مقال لسيِّدنا مالك الأشتر: أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله، و مع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما يشكُّ في قتال
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ١٨٠، ١٨٢، ١٨٣.
٢ - تاريخ الطبري ٥: ١٧٦:
٣ - أخرجه البزار باسنادين كما فى مجمع الزوايد للحافظ الهيثمي ٧: ٢٣٩.
٤ - استدرجه: خدعه وأدناه.
٥ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٣٦٣، شرح ابن ابى الحديد ١: ٥٠٦.
هؤلاء إلّا ميت القلب(١) .
ولم تكن الغايات في حرب معاوية تخفى على أيِّ أحد حتّى على النساء في خدورهنَّ فهي كما قالت اُمّ الخير بنت الحريش: إنّها إحنٌ بدريَّةٌ، وأحقادٌ جاهليَّةٌ، و ضغائن اُحديَّة، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس، قاتلوا أئمَّة الكفر إنَّهم لا ايمان لهم لعلّهم ينتهون(٢) .
وكيف يكون هذا الطلب مشروعاً والذين وتروا عثمان هم الصحابة العدول كلّهم حتّى أنَّ طلحة كان أشدَّ الناس عليه، وحسب مروان انَّه أخذ منه ثاره برمية منه جرَّعته المنيَّة. وقد تثبَّط معاوية عن نصرته حتّى قتلوه؟.
وإن كانت النهضة بثارات عثمان غير مشروعة يمقتها الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم - كما هو المتسالم عليه عند وجوه السلف - فكيف يُدرأ بها العذاب عمّن قام بها؟
ولو صدقت الأحلام لوجب أن يكون أصحاب الجمل مكلوئين عن كلِّ سوء لكن عوضاً عن ذلك وافاهم العذاب من شتَّى النواحي وقُتِّلوا تقتيلا، وقطع الله أيدي الذين أخذوا بزمام الجمل حتّى وردوا الهلكة صاغرين.
وأمَّا معاوية فسل عنه ليلة الهرير ويومه فقد قُتل فيهما سبعون ألف قتيل ٤٥ ألفاً من أهل الشام و ٢٥ ألفاً من أهل العراق(٣) وهل استمرَّ على الطلب بالثار لمـَّا تمهَّد له عرش الملك؟ أو أنَّه اقتنع بالحصول على سُلطة غاشمة وملك عضوض؟.
نعم: حصر هو تعقيبه بالأبرياء شيعة أمير المؤمنينعليهالسلام فقتلهم أينما ثقفهم تحت كلِّ حجر وشجر، وأمّا ثار عثمان فلم ينبس عنه بعدُ ببنت شفة فضلاً عن أن يثأر له ولم يُرم بالحجارة، فدونك تاريخ معاوية، فاقرأ واحكم.
٤٦ - أخرج الخطيب في تاريخه ١٢: ٣٦٤ من طريق أحمد بن محمَّد بن المغلس الحماني عن أبي سهل الفضل بن أبي طالب عن عبد الكريم بن روح البزاز عن أبيه روح
____________________
١ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٦٨، شرح ابن أبى الحديد ١: ٤٨٤.
٢ - بلاغات النساء ص ٣٦، العقد الفريد ١: ١٣٢، نهاية الأرب ٧: ٢٤١، صبح الأعشى ١: ٢٤٨.
٣ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٥٤٣، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٧٤، ٣١٢، فتح البارى ١٣: ٧٣.
ابن عنبسة بن سعيد بن أبي عياش الأموي مولاهم البصري عن أبيه عنبسة(١) عن جدَّته « لأبيه » اُمّ عياش وكانت أمة لرقيَّة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ما زوَّجت عثمان اُم كلثوم إلّا بوحي من السَّماء.
قال الأميني: لا تعجب من اخراج الخطيب هذا الحديث المرمَّع وسكوته عن علله فانَّه أسير صبابته إلى هوى آل اُميَّة، وقد أعمته عن آراء رجال الجرح والتعديل في أحمد بن محمَّد، وأنسته ما ذكره هو في ترجمة الرجل، قال ابن عدي: ما رأيت في الكذّابين أقلّ حياءً منه. وقال ابن قانع: ليس بثقة. وقال ابن أبي الفوارس، كان يضع الحديث وقال ابن حبّان: راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه، فأخذت جزءا لأنتخب فيه فرأيته حدَّث عن يحيى.. إلخ. وعن هنّاد. إلخ فعلمت أنَّه يضع الحديث. وقال الدارقطني: كان يضع الحديث. وقال الحاكم: روى عن القعنبي ومسدّد وابن أبي اويس وبشر بن الوليد أحاديث وضعها. وقد وضع ايضاً المتون مع كذبه في لقى هؤلاء. وقال الخطيب نفسه: حدَّث عن أبي نعيم وغيره بأحاديث أكثرها باطلة هو وضعها. وحكى عن بشر بن الحارث ويحيى بن معين وعليّ بن معين وعليّ ابن المديني أخباراً جمعها بعد أن وضعها في مناقب أبي حنيفة. وقال الدار قطني ايضاً: مناقب أبي حنيفة موضوعة كلّها وضعها أحمد بن المغلس الحماني قرأته غير مرَّة. إلى كلمات آخرين(٢) .
وفي الإسناد: عبد الكريم بن روح أبو سعيد البصري، قال أبو حاتم: مجهولٌ. وقال عمرو بن رافع: دخلت عليه ولم أسمع منه ويقال: إنَّه متروك الحديث. وقال ابن حبّان: يخطئ ويخالف. وضعّفه ابن أبي عاصم والدار قطني(٣) أضف اليه في الجهالة أباه وجدَّه وجدَّته، راجع ميزان الإعتدال للذهبي والخلاصة لابن الجزري.
و أخرجه ابن عدي من طريق عمير بن عمران الحنفي وعدَّه من بواطيله واقرَّه الذهبي وابن حجر، وقال ابن عدي: والضعف على روايته بيِّن، وقال العقيلي: في حديثه وهمٌ غلط. « لسان الميزان ٤: ٣٨٠ »
____________________
١ - فى النسخة: عن ابيه عن عنبسة. والصحيح ما ذكرناه.
٢ - راجع المصادر المذكورة فى الجزء الخامس ص ٢١٦ ط ٢.
٣ - تهذيب التهذيب ٦: ٣٧٢.
نعم: أنا لا أشكُّ في أنَّ كلَّ ما فعله النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم أو لهج به إنَّما هو عن وحي منزل من السَّماء فإنَّه لا ينطق على الهوى إن هو إلّا وحيٌ يوحى، غير أنّ المصلحة في الايحاء تختلف باختلاف الموارد، فليس كلُّ صِلة منهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو برّ تدلُّ على فضيلة في المبرور فانَّها قد تكون لإتمام الحجَّة عليه، كما أنَّها في المقام لإيقاف الملأ الدينيِّ على أنَّ العداء المحتدم في صدور العبشميِّين على بني هاشم لاُ يزيحه أيُّ عطف وصِلة فإنَّه لا برَّ أوصل من المصاهرة ولا سيما ببضعة النبوَّة، لكن: هل قدَّر ذلك زوج امِّ كلثوم؟ أو انِّه اقترف ليلة وفاتها(١) ولم يكترث للإنقطاع عن شرف النبوَّة، حتى أهانه رسول العظمة بملأ من الأشهاد، وحرَّم عليه الدخول في قبرها وهو في الظاهر أولى الناس بها بعد أبيها؟
ولعلَّ كل صهر أو مواصلة وقع بين بني هاشم والأمويِّين كان من هذا الباب، حاول الهاشميّون وفي مقدِّمهم مشرّفهمصلىاللهعليهوآلهوسلم تخفيض نائرة الإِحن وتصفية القلوب من الضغائن، لكن هل حصَّلوا على الغاية المتوخّاة؟ أو انكفؤا على حدِّ قول القائل:
لقد نفختُ في جُذىً مشبوبةٍ |
وقد ضربتُ في حديد باردِ؟ |
ولولا هذه المصاهرة وأمثالها لطالت الألسنة على الهاشميِّين لسبق، المهاجرة والقطيعة بين الفريقين، وحملوا كلَّ ما وقع بينهما على تلكم السوابق، لكن الفئة الصالحة رُوّاد إصلاح درأوا عن أنفسهم هاتيك الشُبه بضرائب هذه المواصلات، وعرَّفوا الناس إنَّ العقارب لُسَّبٌ من ذاتها، فلا يُجدي معها أيُّ لين وزلفة.
ولعلّك هاهنا تجد الميزة بين الصهرين مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وصاحب سيِّدتنا امّ كلثوم، وتعليم سيرة الإمام مع الصدِّيقة الطاهرة حتَّى قضت نحبها وهي عنه راضية، كما أنَّه فارقها وهو عنها راضٍ، وغادر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الدنيا وسلم وهو راضٍ عنهما.
وانظر إلى آخر يوميهما هذا يقترف ليلة وفاة امّ كلثوم ما لا يرضي الله ورسوله ولا يهمّه فراقها ولا يشغله الهمُّ بالمصيبة وانقطاع صهره من النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن المقارفة، وذلك يندب الصدِّيقة الطاهرة ويطيل بكاءه عليها وهو يقول: السَّلام عليك يا رسول الله! عنِّي وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك، قلَّ يا رسول الله! عن
____________________
١ - مرّ حديثه في الجزء الثامن ص ٢٣١ - ٢٣٤ ط ٢
صفيَّتك صبري، ورقَّ عنها تجلّدي، إلّا أنَّ لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنّا لِلّه وإنّا إليه راجعون، فقد استرجعت الوديعة، واُخذت الرهينة، أمّا حزني فسرمد، وأمَّا ليلي فمسهَّد، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك إبنتك بتضافر اُمَّتك على هضمها فأحفها السؤال، واستخبرها الحال هذا، ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، والسَّلام عليكما، سلام مودِّع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملامة وإن اُقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين. ثمّ تمثَّل عند قبرها فقال:
لكلِّ اجتماع من خليلين فرقةٌ |
وكلُّ الذي دون الممات قليلُ |
|
وإنَّ افتقادي واحداً بعد واحد(١) |
دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ(٢) |
٤٧ - أخرج الأزدي عن عبد الواحد بن عثمان بن دينار الموصلي عن المعافي بن عمران الثوري عن ابن نجيح عن مجاهد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعثمان: أنت من أصهاري وأنصاري، وعهد عهده إليَّ ربّي إنَّك معي في الجنّة.
قال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الواحد ٢: ١٥٨: خبرٌ باطلٌ ذَكره الأزدي.
٤٨ - أخرج الطبراني قال: حدَّثنا بكر بن سهل قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن سليمان الخراساني عن عبد الله بن يحيى الإسكندراني ثنا ابن المبارك عن معمَّر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: لَمّا طعن عمر وأمر بالشورى دخلت عليه حفصة ابنته فقالت: يا أبت! إنَّ النّاس يقولون: إنَّ هؤلاء القوم الذين جعلتهم في الشورى ليسوا برضي. فقال: أسندوني. فأسندوه فقال: عسى أن تقولوا في عثمان سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يموت عثمان يصلّي عليه ملائكة السَّماء. قلت: لعثمان خاصّة أو للنّاس عامَّة؟ قال: بل لعثمان خاصّة. الحديث بطوله لكلِّ واحد من الستَّة أصحاب الشورى منقبة(٣) .
قال الذهبي في الميزان: حديثٌ موضوعٌ. وقال ابن حجر في اللسان: الوضع عليه ظاهرٌ.
____________________
١ - وفى لفظ: وإن افتقادى فاطمّا بعد أحمد.
٢ - راجع اعلام النساء ٣: ١٢٢٢.
٣ - لسان الميزان ٥، ٢٢٦.
قال الأميني: بكر بن سهل الدمياطي ضعَّفه النسائي، كما ذكره الذهبي، و في لسان الميزان: ومن وضعه قوله: بكرت يوم الجمعة فقرأت إلى العصر ثمان ختمات. ثمَّ قال: فاسمَع إلى هذا وتعجَّب. وقال مسلمة بن قاسم: تكلّم النّاس فيه ووضَّعوه من أجل الحديث الذي حدَّث به عن سعيد بن كثير(١) وفي الإسناد محمّد بن عبد الله مجهولٌ لا يُعرف.
٤٩ - أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه ١١: ١٦٩ من طريق عيسى بن محمَّد بن منصور الاسكافي عن شعيب بن حرب المدائني عن محمّد الهمداني قال حدَّثنا شيخٌ في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - عن النعمان بن بشير قال: كنّا عند عليِّ بن أبي طالب فذكروا عثمان فقال علىٌّ: إنَّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى اولئك عنها مبعدون. هم عثمان وأصحاب عثمان، وأنا من أصحاب عثمان.
قال الأميني: لنا أن نسائل الخطيب عن عيسى بن محمّد بن منصور الاسكافي مَن هو؟ وما محلّه من الإعراب؟ وهو الذي ترجمه هو ولا يعرف منه إلّا إسمه، ونسائله عن محمّد الهمداني وعن شيخه الذي لم يسمّه هو ولا غيره كأنَّه لم يكن ولم يولد، وعن النعمان بن بشير، مَن هو؟ وما خطره؟ وما قيمة روايته؟ وهو الخارج على إمامه يوم صفّين ومحاربه في صفِّ الطغام الطغاة، وهو الذي عرَّفه قيس بن سعد الأنصاري يوم ذاك بقوله له: وأنت والله الغاشّ الضالّ المضلّ، وهو القائل لقيس: لو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليّاً لكانت واحدة بواحدة، لكنّكم خذلتم حقّاً ونصرتم باطلاً.
وهلّا عليٌّ هذا هو الذي سأله عثمان أيّام حوصر أن يخرج إلى ينبع حتى لا يغتمَّ به ولا يغتمّ به عليٌّ؟ وهلّا هو ذلك القائل: والله الذي لا إله إلّا هو ما قتلته، ولا مالأت على قتله ولا ساءني؟ والقائل: ما أحببت قتله ولا كرهته، ولا أمرت به ولا نهيت عنه، ولا سرَّني ولا ساءني؟.
والقائل لِأصحابه يوم صفِّين: انفروا إلى مَن يقاتل على دم حمّال الخطايا، فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة انّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص أوزارهم شيئاً؟.
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٣، ٨٤، لسان الميزان ٢، ٥٢، و ج ٥: ٢٢٦
وهلّا هو الكاتب إلى أهل مصر بقوله: إلى القوم الذين غضبوا لِلَّه حين عُصي في أرضه، وذهب بحقّه، فضرب الجور سرادقه على البرِّ والفاجر. الخ؟.
وهلّا هو ذلك الذي لم يشهد لعثمان انّه قُتل مظلوماً؟ كما مرَّ حديثه(١) .
وهلّا هو ذلك الخطيب القائل في خطبته الشقشقيّة: إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه؟ إلى آخر ما مرَّ ج ٧: ٨١.
وما شأن أصحاب عثمان وفيهم مثل عليّ - أخذاً بهذه الرواية - لا يوجد له منهم ناصرٌ؟ ولا يُسمع من أحدهم فأمره ركزٌ؟ ولا ينبس أيٌّ منهم في الدفاع عنه ببنت شفة؟ والرجل قُتل بين ظهرانيهم جهراً، واُلقيت جثَّته في المزبلة ثلاثة أيّام تجري عليه العواصف، ثَّم دُفن بأثوابه في مقابر اليهود، ينادى عليه بذلِّ الإستخفاف، وقد أخذت الحجارة مجهِّزيه، وطمُّوا جثمانه خائفين مترقِّبين، فمن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً ليضل النّاس بغير علم، والله يعلم انّهم لَكاذبون.
٥٠ - إنَّ عثمان بن عفّان رأى درع عليّ رضي الله عنه يُباع بأربع مائة درهم ليلة عرسه على فاطمة رضي الله عنها فقال عثمان: هذا درع عليّ فارس الإسلام لا يُباع أبداً فدفع لغلام عليّ أربعمائة درهم وأقسم أن لا يخبره بذلك وردَّ الدرع معه، فلمّا أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس في كلِّ كيس أربعمائة درهم مكتوبٌ على كلِّ درهم: هذا درهم ضرب الرَّحمن لعثمان بن عفّان. فأخبر جبريل النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك فقال: هنيئاً لك يا عثمان!.
قال الأميني: ذكر الحلبي في سيرته ٢: ٢٢٨ عن فتاوى جلال الدين السيوطي انَّه سُئل عن صحّة هذه الرواية فأجاب بأنّها لم تصحّ. فقال اي وهي تصدِّق بأنَّ ذلك لم يرد فهو من الكذب الموضوع. ه. ومرَّ في الجزء الخامس في سلسلة الموضوعات ص ٣٢٢ ط ٢ قول ابن درويش الحوت: إنّه كذب شنيعٌ.
(ختام المناقب) قال الجرداني في مصباح الظلام ٢: ٢٩: فائدةٌ: مَن كتب هذه الأسماء وغسل بها وجهه فانّه لا يعمى: ومَن كتبها وشربها على الريق لا ينسى، ومَن كتبها وشربها لا يعجز عن النساء، وهم عثمان بن عفّان. معاذ بن جبل. عبد
____________________
١ - تجد هذه الأحاديث فى خذا الجزء ٦٩ - ٧٧.
الرَّحمن بن عوف. زيد بن ثابت. اُبيّ بن كعب. طلحة بن عبد الرَّحمن. تميم الداري رضي الله عنهم.
قال الأميني: فليمتحن مَن لا يخاف عن العمى والنسيان والعنن. أضف إلى هذه الأساطير أو المخازي ما مرَّ في الجزء الخامس من المناقب الموضوعة لعثمان خاصّة ص ٣١٣، ٣٢٤، ٣٢٩ ط ٢.
منتهى القول
إلى هنا نُنهي القول عن فضائل عثمان التي اختلقتها وثَّابة الشرَه ومُهملجة المطامع والشهوات في العصور الأمويّة طمعاً في رضائخ اولئك المقعين على أنقاض عرش الخلافة وأكثر هؤلاء شاميُّون أو بصريُّون الذين جُبلوا بحبّ العبشميِّين، ومناوءة سروات المجد من العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، فليس وضع تلكم الروايات عنهم ببعيد، ولعلَّ هناك من ضرائب ما ذكرناه أشياء لكن سبيلها سبيل هذه الطامَّات في الأسانيد والمتون ومنشأ الكلِّ هو المغالاة في الفضائل من غير تفهّم ولا رويّة.
ولعلَّ القوم في عذر ممّا هم عليه من عدم الأخذ بآراء الحفّاظ وأئمّة الفنِّ الواردة في باب الجرح والتعديل، وعدم إجرائها في رجال تلكم المسانيد سلسلة البلايا والطامات التي اتَّخذوها حجَّة في الفضائل، وعلّوا عليها الدعوة إلى اُناس والتخذيل عن آخرين، ولا مندوحة لاُولئك من رواية مرمّعات الحديث، الأخذ بالموضوع المختلق، لأنَّهم إن جنحوا في باب الفضائل إلى الصحيح الثابت في التاريخ والحديث فحسب، واقتصروا على ما صحَّ منها، وصفحوا عن الباطل المزيَّف، وتركوا كلَّ تلكم التلفيقات المخزية، لتبقى تلكم الصحائف السوادء بيضاء خالية فارغة عن كلِّ مأثرة و فضيلة وهذا عزيزٌ عليهم جدًّا لا يحبِّذه الحبُّ الدفين، ولا تسوِّغه العصبيّة، وإذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم فقد جاءوا ظلماً وزوراً، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ، ويحسون انَّهم على شيء ألا إنّهم هم الكاذبون، اُنظر كيف نبيِّن لهم الآيات أنّى يؤفكون.
المغالاة فى فضائل الخلفاء الثلاثة
أبي بكر. عمر. عثمان
لقد أوقفناك على شيىء من الغلوِّ الفاحش في كلِّ فرد من هؤلاء، وعرَّفناك انَّ كلَّ ما لفَّقه القوم ورمّقه من الفضائل إنَّما هي من مرمّعات الحديث لا يساعدها المعروف من نفسيّاتهم وملكاتهم ولا يتَّفق معها ما سجَّل لهم التاريخ من أفعال وتروك، وهلمَّ الآن إلى لون آخر ممّا تمنَّته يد الإفتعال يشملهم كلّهم، ولا نكترث من ذلك إلّا لما جاء بصورة الرواية دون الأقوال والكلمات، فإنَّ رمي القول على عواهنه ممَّا لا نهاية له، وما حدت إليه الأهواء والشهوات لا تقف على حدّ، فنمرُّ بما جاء به أمثال أبناء حزم وتيميَّة والجوزي والجوزيَّة وكثير وحجر ومن لفَّ لفَّهم من السلف والخلف كراماً، فأنَّى يسع لنا التبسّط تجاه مزعمة نظراء التفتازاني وأمثاله قال في شرح المقاصد ٢: ٢٧٩: احتجَّ أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالإجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم مع الإجماع على انَّهم لم تجب عصمتهم وإن كانوا معصومين بمعنى انَّهم منذ آمنوا كان لهم ملكة اجتناب المعاصي مع التمكّن منها.
وقال أبو الثناء شمس الدين محمود الإصبهاني المتكلّم الشهير في « مطالع الأنظار » ٤٧٠: ولا يشترط فيه العصمة خلافاً للإسماعيليَّة والإثنا عشريَّة. لنا: إمامة أبي بكر والاُمّة اجتمعت على كونه غير واجب العصمة لا أقول إنّه غير معصوم. ه. وأقرَّ عصمة عثمان الحافظ نور محمّد الأفغاني في كتابه « تاريخ مزار شريف » ص ٤.
ونحن وضعنا أمامك صحائف من كتب أعمال هؤلاء المعصومين التي قضوا أكثرها على العادات الجاهليَّة، وأوقفناك على أنَّ ما طابق منها عهد الإسلام ممّا لا يمكن أن يكون صاحبه عادلاً فضلاً عن أن يُعدَّ معصوماً، وهاهنا لا نحاول أكثر من لفت نظر القارئ إلى تلكم الصحائف من غير توسُّع نكرّره، ففيما سبق في الجزء السادس والسابع والثامن من الطامّات والجنايات والأحداث والشنايع والفظايع وممّا لا تقرّره طقوس الإسلام ويشذُّ عن سنَن الكتاب والسنَّة غنى وكفاية.
وأمّا ما استنتجه التفتازاني من الإجماعين فمن أفحش أغلاطه. أمّا أوَّلاً فلمنع
الإجماع في كلّ من الثلاثة فإنَّ خلافة أبي بكر إنَّما تمَّت بعد وصمات سودَّت صحيفة تاريخه، وأبقت على الاُمَّة عاراً إلى منصرم الدنيا، لا تُنسى قطُّ بمرّ الجديدين وكرِّ الملوين، إنَّما تمَّت ببيعة رجل أو رجلين أو خمسة، ومن هنا حسبوا انَّ الخلافة تنعقد برجل أو رجلين أو خمسة(١) مع تقاعد جمع كثير عنها من عمد الصحابة وأعيانهم كما فصّلناه في الجزء السابع ص ٩٣ ثمَّ لم يجمعهم مع القوم إلّا الترعيد والترعيب ومحاشد الرجال وبروق الصوارم وكان من حشدهم اللهام رجالٌ من الجنّ رموا سعد بن عبادة أمير الخزرج.
وأمّا خلافة عمر فكانت بالنصِّ من أبي بكر مع إنكار الصحابة عليه ونقدهم إيّاه بذلك. وكم اُناس كانوا يشاركون طلحة في قوله لأبي بكر: ما تقول لربّك وقد وليت علينا فظّاً غليظاً(٢) .
وأمّا عثمان فنصبته الشورى على هنات بين رجال الشورى عقد له عبد الرَّحمن بن عوف ولم يشترطوا كما قال الإيجي(٣) إجماع مَن في المدينة فضلاً عن إجماع الاُمّة نعم: عقد عبد الرَّحمن البيعة لصاحبه وسيفه مسلولٌ على رأس الإمام عليِّ بن أبي طالب قائلاَ له: بايع وإلّا ضربت عنقك. ولحقه أصحاب الشورى قائلين بايع وإلّا جاهدناك. أنساب البلاذري ٥: ٢٢.
والتمحُّل بحصول الإجماع بعد ذلك تدريجاً لا يُجديهم نفعاً، فإنَّ الخلافة قد ثبتت عندهم بالبيعة الاُولى فجاء متمِّموا الإجماع بعد ذلك على أساس موطَّد.
وأمّا ثانياً فإنَّ من الممكن على فرض التنازل مع التفتازاني أن يكون اجماعهم على خلافة الثلاثة لكونهم معصومين كما ينصُّ به هو، وأمّا الإجماع المنقول عنهم بعدم وجوب العصمة فممّا لا طريق إلى تحصيله من آراء الصحابة، فمتى سبر التفتازاني نظريّات السّلف وهم معدودون بمئات الاُلوف فعلم من نفسيّاتهم انّهم لا يرون وجوب العصمة في خلفائهم وهم رهائل أطباق الثرى؟ ومن ذا الذي كان يسعه أن يعلمها فينهيها إلى التفتازاني وهلمَّ جرّا إلى دور الصحابة؟ ومتى كانوا يتعاطون المسائل الكلاميّة ويتفاوضون
____________________
١ - راجع ما مرّ فى الجزء السابع ص ١٤١ - ١٤٣ ط ٢.
٢ - مرت كلمته في ج ٧: ١٥٢. وراجع الرياض النضرة ١: ١٨١ كنز العمال ٦: ٣٢٤.
٣ - مرّت كلمته فى الجزء السابع ص ١٤١ ط ٢.
عليها فيحفي هذا خبر ذاك ثمَّ ينقله إلى ثالث إلى أن يتسلسل النقل فيشيع؟ والسابر لصحائف دور الخلافة الاُولى منذ يوم السقيفة إلى يوم الشورى لا يجد لأمر العصمة في منتديات القوم ذكراً ولا يسمع منه ركزا، وإنّما أتَّخذوا أمر الخلافة كملوكيَّة يتسنَّى لهم بها الحصول على أمن البلاد وحفظ الثغور وقطع السارق والإقتصاص من القاتل وما إلى هذه من لداتها كما فصَّلنا القول فيه تفصيلا ج ٧ ص ١٣٦ وعلى ذلك جرى العلماء والمتكلّمون فليس لهم في الشروط النفسانيّة من العلم والتقوى والقداسة أخذٌ ولا ردٌّ إلّا كلمات سلبيَّة حول إشتراطها، ومتى كانت الخلافة عند السلف إمرة دينيَّة حتى يبحثوا عن حدودها؟ ولم تكن إلّا سياسة وقتيَّة مدبَّرة بليل.
وأمّا ثالثاً: فإنّا لا نحتجُّ بالإجماع إلّا بعد ثبوت حجيّته، فإذا ثبتت فانَّها لا تختصّ بمورد دون آخر فيجب أن يكون حجَّة في الخلافتين معاً من أبي بكر وعثمان ذلك على نصبه، وهذا على استباحة قتله، والنقض بخروج ثلاثة أو أربعة من ساقة الأمويِّين أو ممَّن يمتُّ بهم ويحمل بين جنبيه نزعتهم في الإجماع على عثمان مقابلٌ بخروج اُمَّة صالحة عن الإجماع الأوَّل من أعيان الصحابة وفي طليعتهم سيِّد العترة وإمام الاُمَّة أمير المؤمنين عليّعليهالسلام والامامان الحسنان والصدِّيقة الطاهرة أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا، إلى غيرهم من بني هاشم والعمد والدعائم من المهاجرين والأنصار، ووفاقهم الأخير مشفوعاً بالترهيب لا يُعدُّ وفاقاً ولا يكون متمِّماً للاجماع، فانَّهم كانوا مستمرِّين على آرائهم وإن ألجأتهم الظروف وحِذار وقوع الفرقة إن شهروا سيفاً وباشروا نضالاً إلى المغاضاة عن حقِّهم الواضح والمماشاة مع القوم كيفما حلّوا وربطوا، فهذا مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام يقول بعد منصرم أيّام الثلاثة في رحبة الكوفة: أما والله لقد تقمَّصها ابن أبي قحافة، وانَّه ليعلم أنَّ محلّي منها محلُّ القطب من الرحى، ينحدر عنِّي السيل، ولا يرقى إلىَّ الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمنٌ حتّى يلقى ربَّه، فرأيت أنَّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى: أرى تراثي نهبا، حتَّى مضى الأوَّل لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده. ثمّ تمثَّل
بقول الأعشى:
شتّان ما يومي على كورها |
ويوم حيّان أخي جابر |
فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدَّ ما تشطّر اضرعيها، فصيَّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسُّها، ويكثر العثار فيها والإعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم: وإن أسلس لها تقحّم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلوُّن واعتراض، فصبرت على طول المدَّة، وشدَّة المحنة حتَّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنِّي أحدهم، فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب فيَّ مع الأوَّل منهم حتَّى صرت اُقرن إلى هذه النظائر، لكنّي أسففت إذا سفُّوا وطرت إذا طاروا، فصغا رجلٌ منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هنٍ وهنٍ إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته(١) .
تُعرب هذه الخطبة الشريفة عن رأيهعليهالسلام في الخلافة، وكلُّ جملة منها تشهد على عدم العصمة المزعومة، أو تمثِّل اولئك المعصومين للملأ بعُجزهم وبُجرهم، أضف اليها قولهعليهالسلام من كتاب له إلى معاوية، ذكرت إبطائي عن الخلفاء، وحسدي إيّاهم، والبغي عليهم، فأمَّا البغي فمعاذ الله أن يكون، وأمّا الكراهة لهم فوالله ما اعتذر للناس من ذلك، وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه فقد عمل عثمان بما قد علمت و عمل به الناس ما قد بلغك(٢) .
وقولهعليهالسلام من خطبة لْه لَمّا أراد المسير إلى البصرة: إنَّ الله لَمّا قبض نبيَّهصلىاللهعليهوآلهوسلم استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حقّ نحن أحقُّ به من الناس كافَّة، فرأيت أنَّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالإسلام، والدين يُمخض مخض الوطب. يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقلّ خلق، فولي الأمر قومٌ لم يألوا في أمرهم اجتهاداً، ثمَّ انتقلوا إلى دار الجزاء و الله وليُّ تمحيص سيِّآتهم والعفو عن هفواتهم(٣) .
____________________
١ - راجع الجزء السابع ص ٨١ - ٨٥.
٢ - العقد الفريد ٢: ٢٨٦.
٣ - شرح ابن ابى الحديد ١: ١٠٢.
وقولهعليهالسلام إنّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم قُبض وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي، فبايع النّاس أبا بكر فبايعت كما بايعوا، ثمَّ أنَّ أبا بكر هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي فبايع النَّاس عمر بن الخطاب فبايعتُ كما بايعوا، ثمَّ انَّ عمر هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي فجعلني من ستَّة أسهم فبايع النّاس عثمان(١) .
وقولهعليهالسلام يوم قال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: اذهب فادع لي عليّاً. فذهب إلى عليّ فقال: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله. فقال عليُّ: لسريع ما كذبتم على رسول الله. فرجع فأبلغ الرِّسالة ثمَّ قال أبو بكر: عُد إليه فقل له: أمير المؤمنين يدعوك لتبايع. فجاءه قنفذ فأدّى ما اُمر به فرفع عليٌّ صوته فقال: سبحان الله لقد ادَّعى ما ليس له. الحديث. الإمامة والسياسة ١: ١٣.
إلى كلمات اُخرى توقف الباحث على جليَّة الحال.
فأين العصمة المزعومة؟ ثمَّ أين الإجماع المدَّعى عليها؟ وأنَّى كان الإجماع على الخلافة؟ ومتى تحقَّق؟ وإن تمَّ الإجماع فيجب أن يحتجَّ به في الخلافتين وصاحبيهما وإن ابطلناه ففيهما معاً.
ونحن لو اندفعنا إلى تفنيد أمثال هذه السفاسف المنبعثة عن الغلوِّ في الفضائل لضاق بنا المجال عن السير في مواضيع الكتاب على أنّها غير مُبتنية على اُسس رصينة تستحقُّ أخذاً بها أو ردّاً عليها، وإنّما ذكرنا هذه الاُسطورة فحسب لأن نعطيك شيئأ من نماذج تلكم الأقاويل المسطَّرة بلا أيِّ تعقّل وتدبُّر، فدونك شيئاً ممّا عزوه إلى الرِّوايات من فضايل الثلاثة.
١ - أخرج الإمام الفقيه المحدِّث الثقة(٢) أبو الحسين محمَّد بن أحمد الملطي الشافعي المتوفى ٣٧٧ في كتابه « التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع » ص ٢٣ قال: قال محمّد بن عكاشة رحمه الله أخبرني معاوية بن حمّاد الكرماني عن الزهري قال: مَن اغتسل ليلة الجمعة وصلّى ركعتين يقرأ فيهما (قل هو الله أحد) ألف مرّة رأى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في منامه. قال محمّد بن عكاشة: فدمت عليه كلّ ليلة جمعة اُصلّي الركعتين أقرأ
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥، ١٧١.
٢ - كذا وصفوه وأنت تعرف صدق وصفه من حديثه.
فيهما (قل هو الله أحد) ألف مرّة طمعاً أن أرى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في منامي فأعرض عليه هذه الاُصول فأتت عليَّ ليلة باردة فاغتسلت وصلّيت ركعتين ثمَّ أخذت مضجعي فأصابني حلمٌ، فقمت ثانية فاغتسلت وصلّيت ركعتين، وفرغت منهما قريباً من الفجر فاستندت إلى الحائط ووجهي إلى القبلة إذ دخل عليَّ النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجهه كالقمر ليلة البدر وعنقه كابريق فضّة فيه قضبان الذهب على النعت والصفة، وعليه بردتان من هذه اليمانيَّة قد إتّزر بواحدة وارتدى باُخرى، فجاء واستوفز على رجله اليمنى وأقام اليسرى فأردت أن أقول: حيّاك الله فبادرني وقال: حيّاك الله وكنت اُحبّ أن أرى رباعيّته المكسورة فتبسّم فنظرت إلى رباعيّته فقلت: يا رسول الله! إنّ الفقهاء والعلماء قد اختلفوا عليّ وعندي اصولٌ من السنّة أعرضها عليك فقال: نعم فقلت:
الرضا بقضاء الله: والتسليم لأمر الله والصبر على حكم الله: والأخذ بما أمر الله، والنهي عمّا نهى الله عنه، والإخلاص بالعمل لله، والايمان بالقدر خيره وشرَّه مِن الله، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والمسح على الخفين، والجهاد مع أهل القبلة، والصَّلاة على من مات من أهل القبلة سُنَّة، والايمان يزيد وينقص، قولٌ وعملٌ، والقرآن كلام الله، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان فيه من جور وعدل ولا يُخرج على الآمر بالسيف وإن جاروا، ولا ينزل أحدٌ من أهل التوحيد جنَّه ولا نار، ولا يكفَّر أحدٌ من أهل التوحيد بذنب وإن عملوا الكبائر، والكفّ عن أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم - فلمَّا أتيت: والكفّ عن أصحاب محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بكى حتّى علا صوته - و أفضل النَّاس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليّ.
قال محمّد بن عكاشة: فقلت في نفسي في عليّ: ابن عمِّه وختنه. فتبسَّمعليهالسلام كأنَّه قد علم ما في نفسي. قال محمَّد: فدمت ثلاث ليال متواليات أعرض عليه هذه الاُصول كلّ ذلك أقف عند عثمان وعليّ فيقول ليعليهالسلام : ثمَّ عثمان ثمَّ علي. ثمَّ عثمان ثمَّ علي: ثلاث مرّات. قال: وكنت أعرض عليه هذه الاُصول وعيناه تهملان بالدموع قال: فوجدت حلاوة في قلبي وفمي فمكثت ثمانية أيّام لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتّى ضعفت عن صلاة الفريضة فلمّا أكلت ذهبت تلك الحلاوة واللذَّة والله شاهدٌ عليَّ وكفى بالله شهيدا.
وقال أمير المؤمنين المتوكّل رحمه الله لأحمد بن حنبل رضي الله عنه: يا أحمد!
إنِّي اُريد أن أجعلك بيني وبين الله حجَّة فأظهرني على السنّة والجماعة وما كتبته عن اصحابك عمّا كتبوه عن التابعين ممّا كتبوه عن أصحاب رسول الله. فحدَّثه بهذا الحديث.
قال الأميني: نحن نجد الباحث في غنىّ عن البحث عن هذه الاُسطورة وما فيها من مضحكات الثكلى، ونجلُّ أحمد عن أن يتَّخذها حجةً بينه وبين الله فيلقِّنها خليفة وقته، ونُربي به عن تصديق مثل محمّد بن عكاشة الذي جاء فيه قول ابن عساكر بعد روايته هذه الرؤيا: قال سعيد بن عمرو البردعي: قلت لأبي زرعة: محمَّد بن عكاشة الكرماني. فحرَّك رأسه فقال: رأيته وكتبت عنه وكان كذّاباً. قلت: كتبت عنه الرؤيا التي كان يحكيها؟ قال: نعم كتبت عنه فزعم انَّه عرض على شبابة: الايمان قولٌ وعملٌ ويزيد وينقص فيه اي به، وأنَّه عرض على أبي نعيم: عليٌّ ثمَّ عثمان فقال به وهو كذوبٌ ولا يحسن انَّه يكتب ايضاً، يعني إنَّ شبابة لا يقول بذلك وكذا أبو نعيم قلت: اين رأيته؟ قال، قدم هنا مع محمَّد بن رافع وكان رفيقه كنت أرى له سمتاً ولقيني محمَّد ابن رافع فكره أن يقول فيه شيئاً وقال لي: لا يخفى عليك أمره إذا فاتحته فقلت: إن رأيت أن تفيدني شيئاً قال: نعم. ثمَّ كاد يصعق واضطرب بطنه فهالني ذلك ثمَّ أقبل عليَّ فقال: إنَّ أوَّل ما أملى عليَّ أن كذب على الله وعلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى عليّ وعلى ابن عبّاس. الخ(١) .
وذكره الحاكم في الضعفاء فقال: منهم جماعةٌ وضعوا كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال مثل أبي عصمة ومحمَّد بن عكاشة الكرماني ثمَّ نقل عن سهل بن السري الحافظ انّه كان يقول: وضع أحمد الجويباري ومحمّد بن تميم ومحمّد بن عكاشة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من عشرة آلاف حديث. راجع ما أسلفناه في سلسلة الكذّابين ج ٥: ٢٦١ ط ٢، ولسان الميزان ٥. ٢٨٦ - ٢٨٩.
فرجلٌ هذا حاله وتلك صفته وذلك حديثه ليس بالمستطاع تصديقه علي دعاويه المجرَّدة في المبادئ والمعتقدات، العجب كلُّ العجب من الفقيه الثقة الذي يعتمد على مثلها من خزاية، قاتل الله الحبَّ المعمي والمصمّ هو الذي حدى القوم إلى تفتين بسطاء الاُمّة بمثل هذه الخزعبلات والله يعلم أنّهم لكاذبون.
____________________
١ - لسان الميزان ٥: ٢٨٧.
_٢٤_
٢ - أخرج البلاذري في الأنساب ٥: ٥ عن خلف البزّار عن أبي شهاب الحنّاط(١) عن خالد الحذّاء البصري عن أبي قلابة البصري عن أنس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أرحمكم أبو بكر، وأشدُّكم في الدين عمر، وأقرؤكم اُبيّ، وأصدقكم حياءً عثمان، وأعلمكم بالحلال والحرام مُعاذ بن جبل، وأفرضكم زيد بن ثابت، وإنَّ لكلِّ اُمّة أميناً وأمين هذه الاُمّة أبو عبيدة الجراح.
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ١: ٣٢٥ محذوف الإسناد بلفظ: أرحم اُمّتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً، عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرأهم اُبيّ بن كعب. إلخ.
ورواه في ج ٦: ١٩٩ من طريق أبي سعيد الخدري وعقبه: قال العقيلي: أسانيد هذه الأحاديث غير محفوظة والمتون معروفةٌ.
قال الأميني: ألا تعجب من اُسطورة جاء بها خلف البزّار الثقة الأمين العابد الفاضل السكّير. قال أبو جعفر النفيلي: كان من أصحاب السنّة لولا بليّةٌ كانت فيه: شرب النبيذ.
وذُكر خلف عند أحمد - إمام الحنابلة - فقيل: يا أبا عبد الله! انّه يشرب. فقال: قد انتهى إلينا علم هذا عنه، ولكن هو والله عندنا الثقة الأمين شرب أو لم يشرب(٢) والرواية نفسها شاهد صدق على ما انتهى إلى إمام الحنابلة علمه من خلف البزّار والَّذين أخذوها منه ورووها عنه إنّما أقحمتم فيها سكرة الهوى لا نشوة السّلافة.
ولتقديس ذيل هذا الثقة الأمين عن رجاسة النبيذ جاء الخطيب البغدادي بما رواه عن محمّد بن أحمد بن رزق عن محمّد بن الحسن بن زياد النقّاش قال: سمعت ادريس ابن عبد الكريم الحدّاد يقول: خلف بن هشام يشرب من الشراب على التأويل فكان ابن اخته يوماً يقرأ عليه سورة الأنفال حتى بلغ - ليميز الله الخبيث من الطيِّب - فقال يا خال! إذا ميّز الله الخبيث أين يكون الشراب؟ قال: فنكس رأسه طويلاً ثم قال: مع الخبيث. قال: فترضى أن تكون مع أصحاب الخبيث؟ قال: يا بنيَّ امض إلى المنزل
____________________
١ - عبد ربّه بن نافع السكنانى، ثقة ليس بالقوى يهم فى حديثه ويخطىء.
٢ - إقرأ واحكم.
فأصبت كلَّ شيىء فيه، وتركه، فأعقبه الله الصوم، فكان يصوم الدهر إلى أن مات.
حبّذا هذا التنزيه لو صدقت الأحلام، وهو وإن كان معقولاً أحسن من رأي الإمام أحمد من أنّه الثقة الأمين شرب أو لم يشرب. فإنَّه رأيٌ تافهٌ لا تساعده البرهنة ولا يوافقه الشرع والعقل والمنطق، والله يقول: يا أيُّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيَّنوا(١) غير أنَّ من المأسوف عليه جدّاً بطلان إسناده لمكان محمِّد بن الحسن النقّاش فإنَّه كذَّبه طلحة بن محمَّد، ووهّاه الدارقطني، ودلَّسه أبو بكر، وقال البرقاني: كلُّ حديثه منكر، وذكر عنده تفسير وفقال: ليس فيه حديثٌ صحيح. وكلّ هذه ذكره الخطيب نفسه فبماذا يُنزَّه الرجل؟ وأنَّى يتأتّى له أمله؟
وإنِّي أشكر مَن انتهى اليه وضع هذه الاُكذوبة على انّه لم يذكر مع القوم مولانا أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام الذي هو أربى من كلّهم في جميع الصفات المذكورة فانّه يُرفع عن أن يُذكر في عداده أيُّ أحد، كما أنّ فضائله أربى من أن تُذكر معها فضيلة.
وهاهنا لا نناقش متن الرواية في الأوصاف التي حابت القوم بها، فلعلَّ فيها ما هو مدعومٌ بالبرهنة، فيشهد على كون أبي بكر أرحم الأمَّة إحراقه الفجاءة، وغضُّه الطرف عن وقيعة خالد بن الوليد في بني حنيفة وخزايته مع مالك بن نويرة وزوجته(٢) وعدم اكتراثه لأمر الصدِّيقة فاطمة في دعواها، وكانت له مندوحة عن مجابهتها باسترضاء المسلمين واستنزال كلّ منهم عن حصّته من فدك إن غاضينا القوم على الفتوى الباطلة والرواية المكذوبة في انقطاع إرث النبوَّة خلافاً لآيات المواريث المطلقة وإرث الأنبياء خاصَّة، على أنَّ فاطمة سلام الله عليها وابن عمّها ما كانا يجهلان بما تفرَّد بنقله أبو بكر وصافقته على قوله سماسرته من الساسة لأمر دبّر بليل، وأمير المؤمنينعليهالسلام أقضى الاُمَّة وباب مدينة علم النبي، والصدِّيقة فاطمة بضعته وما كان يشحُّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليها من إفاضة العلم ولا سيّما علم الأحكام وعلى الأخصِّ ما يتعلّق بها، وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم أنَّها سوف تقيم الدعوى على صحابته المتغلّبين على فدك وأنَّها ستمنع عنها ويحتدم بينها و
____________________
١ - سورة الحجرات: ٦.
٢ - راجع الجزء السابع ص ١٥٦، ١٥٧، ١٥٨، ١٦٨ ط ٢.
بينهم الشجار، ويستتبع ذلك انشقاقاً بين الاُمّة إلى يوم القيامة، فمن مزدلفة إلى بضعة النبوَّة، ومن جانحة إلى مَن منعها عن حقِّها، فكان من الواجب أن يسبقصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ابنته بتفصيل حكم هذا شأنه قبل أبي بكر.
ألم تكن لأبي بكر مندوحة تصحِّح إقطاع فاطمة فدكاً وردَّها إليها حتّى لا يفتح باب السوءة على الاُمَّة كما ردَّها عمر إلى ورثة النبيِّ الأقدس، وأقطعهما عثمان مروان وأقطعها معاوية مروان وعمر وبن عثمان ويزيد بن معاوية على الأثلاث، إلى ما رأى فيها الخلفاء بعدهم من التصرُّف كتصرُّف الملاّك في أملاكهم(١)
سَلْ عن صفة أبي بكر هذه فاطمة وهي صدّيقة يوم خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها: يا أبتَ! يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة(٢) .
وسَلها عنها يوم لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لُمَّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرّم مشيتها مشية رسول الله حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنَّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء، وارتجَّ المجلس(٣)
وسَلها عنها يوم قالت لأبي بكر: والله لأدعونَّ عليك بعد كلِّ صلاة اُصلّيها.
وسلها عنها يوم ماتت وهي واجدة على أبي بكر، وهي التي طهَّرها الجليل بآية التطهير، وصحَّ عن أبيها قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فاطمة بضعةٌ منّي فمن أغضبها أغضبني، يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما أغضبها(٤)
وقوله: فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبيَّ فمن آذاها فقد آذاني(٥)
وقوله: إنَّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها(٦) .
____________________
١ - راجع ج ٧ ص ١٩٥ ط ٢.
٢ - راجع ج ٧ ص ٧٧.
٣ - راجع ج ٧ ص ١٩٢ ط ٢.
٤ - راجع ج ٧ ص ٢٣١ - ٢٣٥ ط ٢.
٥ - راجع ج ٧ ص ٢٠.
٦ - راجع ج ٧ ص ٢٣٥ ط ٢.
وسَلْ عنها أمير المؤمنين وهو الصدِّيق الأكبر يوم قادوه، كما يُقاد الجمل المخشوش إلى بيعة عمّت شومها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنَّفت سلمانها، وطردت مقدادها، ونفت جندبها، وفتقت بطن عمّارها، وحرَّفت القرآن، وبدَّلت الأحكام، و غيَّرت المقام، وأباحت الخمس للطلقاء، وسلّطت أولاد اللعناء على الفروج والدماء، و خلطت الحلال بالحرام، واستخفَّت بالايمان والإسلام، وهدمت الكعبة، و أغارت على دار الهجرة يوم الحرَّة وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار للنكال والسوءة، وألبستهنَّ ثوب العار والفضيحة، ورخَّصت لأهل الشبهة في قتل أهل بيت الصفوة وإبادة نسله، واستيصال شأفته، وسبي حرمه وقتل أنصاره: وكسر منبره، وإخفاء دينه، و قطع ذكره. إنّا لِلَّه وإنّا إليه راجعون.
وسل عنها أمير المؤمنين يوم لاذ بقبر أخيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يبكي ويقول: يا ابن اُمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني(١) .
إلى غير هذه من دلائل كون أبي بكر أرحم الأمَّة.
وأمّا كون عمر أشدَّهم في الدين فمن جليّة الواضحات إنَّ الشدَّة في الدين ليست هي الفظاظة والغلظة فحسب وإنّما هي التهالك في التمسُّك بعروتي الكتاب والسنَّة و العمل بهما والأخذ والقيام بما جاء فيهما من الحدود، وما أكثر ما خالفهما الرجل ونبذهما وراء ظهره واتَّخذ برأيه الشاذِّ عنهما؟ ودع عنك ما جهله منهما. وما قيمة شدَّة بلا علم؟ وما مقدار شدَّة مع التنكبّ عن أساسيّات الدين؟ مع الخروج عن طقوس الإسلام، مع التمسُّك بالأهواء والشهوات؟ راجع نوادر الأثر في علم عمر من الجزء السادس ص ٨٣ - ٣٣٣ ط ٢ فإنّك تجد هنالك شواهد قويَّة على إثبات هذه الصَّفة فاقرأها وتبصّر.
وأمّا كون عثمان أصدقهم حياءً فيكفي دلالة عليه الجزء الثامن والتاسع من هذا الكتاب وكلُّ صحيفة منهما آية من آيات صفته تلك، مضافاً إلى ما سردناه في هذا الجزء ص ٢٧٤ - ٢٨٩ من البحث الخاصّ في حيائه.
وأمّا الثلاثة الباقون فلا نطيل البحث عن إثبات ما ذكر لهم، ففيه تضييعٌ للوقت وشغلٌ عمّا هواهمُّ من ذلك، ومن سَبَر كتابنا هذا عرف أعلم الاُمّة وأفرضها وأمينها
____________________
١ - راجع الجزء السابع ص ٧٨.
وعلم أنَّه غيرهم، فلا يدلِّس ساحة الاُمَّة بأمثال المذكورين، ولا يُخاف عليه ممّا كان يَخاف النبيُّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم على أمَّته كما جاء عنه: أخاف على اُمَّتي من بعدي ضلالة الأهواء، واتّباع الشهوات، والغفلة بعد المعرفة. « اُسد الغابة ١: ١٠٨ »
٣ - في كتاب المناقب من صحيح البخاري ٥: ٢٤٩ عن محمَّد بن الحنفيّة قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثمَّ مَن؟ قال: ثمَّ عمر. وخشيت أن يقول: ثمَّ عثمان قلت: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلّا رجل من المسلمين.
وفي لفظ الخطيب في تاريخه ١٣: ٤٣٢: قال قلت: يا أبت! مَن خير الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: يا بُنيَّ أوَ ما تعلم؟ قال: قلت: لا. قال: أبو بكر. قال: قلت: ثمَّ من؟ قال: يا بُنيَّ؟ أوَ ما تعلم؟ قال: قلت: لا. قال ثمَّ عمر. قال: ثمَّ بدرته فقلت: يا أبت! ثمَّ أنت الثالث. قال: فقال لي: يا بُنيَّ أبوك رجل من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم.
قال الأميني: ليست هذه أوَّل سقطة من سقطات البخاري، ومن عرف معتقد أمير المؤمنين عليعليهالسلام في الذين تقدّموه وما استمرَّ عليه دؤبه من التصريح بذلك المعتقد تارة والتلويح إليه اُخرى لا يشكُّ في أنَّ ما عُزي إليه بهتانٌ عظيمٌ.
وليس ابن الحنفيّة ذلك الذي لا يعرف أباه ولا نظريّته في القوم بعد اللتيا والتي حتى يسأله عن اولئك الرجال ثمَّ يخاف عن أن يقول في المرَّة الثالثة عثمان وهو يعرفه بعُجره وبُجَره لا محالة، ويعلم أنّه هو أحد الثلاثين من بني أبي العاص الذين صحَّ فيهم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا(١)
لِماذا كتم أمير المؤمنينعليهالسلام من ابن الحنفيّة رأيه هذا يوم مقتل عثمان لمـّا أراد الإمامعليهالسلام أن يأتي الرجل وينصره فأخذ ابن الحنفيّة بضبعيه أو بكفيّه أو بحقويه يمنعه من ذلك(٢)
حاشا ابن الحنفيّة من الجهل بما جاء في أبيه الطاهر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من
____________________
١ - راجع ما مرّ فى الجزء الثامن ص ٢٥٠، ٢٥١، ٣٠٥ ط ٢
٢ - الانساب ٥: ٩٤.
قوله: إنّه خير البريّة، وإنّه خير البشر، وإنّه خير من أتركه بعدي، وإنّه خير الناس، وإنّه خير الرجال، وإنّه أحد الخيرتين(١) ومحمَّد بن الحنفيّة هو الذي كان ينشد شاعره كثير عزة بين يديه قوله:
أنت ابن خير الناس من بعد النبي |
يا بن عليّ سرْ ومَن مثل علي؟(٢) |
وأنّى تصحّ نسبة هذه المزعمة إلى عليّعليهالسلام وقد جاء عنه من عدَّة طرق إنّه قال: حدَّثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا مسنده إلى صدري فقال: أي علي؟ ألم تسمع قوله الله تعالى « إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات هم خير البريّة » ؟ أنت وشيعتك. وورد عن جابر: إنَّ أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم كانوا إذا أقبل عليٌّ قالوا: قد جاء خير البريّة. راجع ما أسلفناه في ج ٢: ٥٢. أخرجه مضافاً إلى ما ذكرناه هنالك من المصادر ابن أبي حاتم في تفسيره، قال السيوطي في لئاليه ١: ١٢: التزم ابن أبي حاتم أن يخرج في تفسيره أصحَّ ما ورد ولم يخرج حديثاً موضوعاً البتّة. ه.
ولو كان يرى أمير المؤمنين أنَّ أبا بكر خير الناس فلماذا تقاعد عن بيعته إلى أن توفّيت سيِّدة النساء فاطمة؟ وكان له وجه عند الناس أيّام حياتها كما أخرجه البخاري نفسه، وصافقه على ذلك بنو هاشم ومَن وافقهم من غيرهم من وجوه الاُمّة وأعيان الصحابة، أوَ لم يكن فيهم من يعرف منزلة الصدّيق هذه؟ وما بال عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان يحمل الصدِّيقة الطاهرة على دابّة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة على خير البشر؟(٣) ولِماذا لم يكن في مقال الدعاة إلى أبي بكر ايضاً يوم السقيفة و بعده ما يومي إلى أنَّه خير البشر؟ بل كان رطب ألسنتهم: انَّه السبّاق المسنّ وثاني اثنين إذ هما في الغار(٤) مشفوعاً كلُّ ذلك بالإرهاب والترعيد. أفلم يدَّبروا القول، أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين؟.
هب أنَّ الصحابة يوم ذاك ما كانوا يعرفون منزلة الرجل، فهلّا نبّههم عليه أمير المؤمنين وأمرهم باتّباع خير الناس وفيهم من كان أطوع له من الظلّ لديه، فقمَّ بذلك
____________________
١ - راجع ما مضى فى الجزء الثانى ص ٥٧، و ج ٣: ٢٢، ٢٤ ط ٢.
٢ - طبقات ابن سعد ٥: ٧٩.
٣ - الامامة والسياسة ١: ١٢.
٤ - راجع الجزء السابع ص ٩١ ط ٢.
جذوم الفتنة، واستأصل جذورها، وكسح الخلاف من بين المسلمين، فلم يتركها فتنة عمياء تحتدم عليها الإحن، وتتعاقب المحن؟ حاشا مولانا أمير المؤمنين من كلِّ هذه، لكنّه لم يعرف ما عُزي إليه من حديث خير النّاس ولا اعترف بمفاده طرفة عين، بل كان صلوات الله عليه يرفع عقيرته بما يضادُّ هذه المزعمة في صهوات المنابر بين الملأ الدينيِّ، وقد مرَّ شطرٌ من تلكم الكلم في هذا الجزء.
نحن هاهنا لسنا في مقام إثبات أنَّ عليّاً خير البشر بعد صنوه الطاهر صلّى الله عليهما وآلهما. كلّا ثمَّ كلّا.
ولسنا في صراط بيان المفاضلة بينه سلام الله عليه وبين خلفاء الإنتخاب الدستوري، حاشا ثمَّ حاشا.
وإنّما يروقنا جدًّا أن نمركز لهذا الإنسان الكامل في الملأ الدينيِّ مكانة فرد من آحاد المسلمين، ونجعلها كلمة سواء بيننا وبين القوم، ونتصافق على هذا فحسب. أللهمَّ غفرانك وإليك المصير.
يا حبّذا بعد ما صدَّق القوم ما عُزي إليه صلوات الله عليه من قول: ما أنا إلّا رجلٌ من المسلمين أو قوله لا بنه: يا بُنيَّ أبوك رجلٌ من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم. كانوا يعدُّونه رجلاً منهم وأجروا عليه أحكام من آمن بالله وأسلم، وكان له ما لهم وعليه ما عليهم. بل ليتهم كانوا اتّبعوا رأي عثمان فيه ويرون مروان بن الحكم اللعين ابن اللعين بلسان النبيِّ الأقدس أفضل منه. وليتهم ساووا بينه وبين سفلة الأعراب، والطبقة الواطئة الساقطة من الصحابة، لكن: أنّى؟ ثمَّ أنّى؟.
قل لي بريّك أيُّ مسلم شريف أو وضيعُ لعن غيره في ثمانية عشر ألف منبر، ولم ينبس ابن اُنثى ببنت شفة في الدفاع عنه؟.
قل لي بربّك أيُّ مسلم سائد أو سوقة غير سيِّد العترة سُنَّ سبُّه في الجمعة و الجماعة في الحواضر الإسلاميّة جمعاء، وتختم بلعنه أندية الوعظ والخطابة، ومَن نهى عن ذلك يُنفى عن عقر داره؟ قال الجنيد بن عبد الرَّحمن بن عمرو: أتيت مِن حوران إلى دمشق لآخذ عطائي فصلّيت الجمعة ثمَّ خرجت من باب الدرج فإذا عليه شيخٌ يقال له: أبو شيبة القاصّ، يقصُّ على الناس فرغَّب فرغبنا، وخوَّف فبكينا، فلمّا
انقضى حديثه قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فلعنوا أبا ترابعليهالسلام ، فالتفتُّ إلى مَن على يميني فقلت له: فمن أبو تراب؟ فقال: عليُّ بن أبي طالب ابن عمِّ رسول الله وزوج ابنته، وأوَّل الناس إسلاماً، وأبو الحسن والحسين. إلى آخر ما في تاريخ ابن عساكر ٣: ٤٠٧. وفيه أنَّ الجنيد استنكر الأمر ولطم وجه الرجل فشكى إلى هشام ابن عبد الملك فنفى الجنيد إلى السند فلم يزل بها إلى أن مات.
قل لي بربِّك أيّ عزيز تحت ظلّ النبوّة غير عزيزنا المفدّى، أضهده نير المذلّة، وأصبح ضُهدةً لكلِّ أحد، جرّعته يد الإحن كاسات المحن، حتّى سئُم من حياته، وصبر وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، يرى تراثه نهبا؟.
قل لي بربِّك أيّ صحابيّ غير عليّعليهالسلام لا يستقيم الأمر لاُمَّة محمَّد إلّا بسبّه؟ يقال لمروان: مالكم تسبُّونه على المنابر؟ فيقول بملء فمه. إنَّه لا يستقيم لنا الأمر إلّا بذلك(١) .
قل لي بربِّك أيّ موحِّدٍ إسلاميّ في الملأ الدينيِّ يُتبرَّأ منه في بيعة خليفة المسلمين بيع الله ورسوله سوى عليّعليهالسلام ؟ وقد اشترط معاوية البراءة منهعليهالسلام في بيعته(٢) .
قل لي بربِّك أيّ إنسان ثقل اسمه على الناس غير عليّ صلوات الله عليه؟ هذه عائشة لم تسمّه ولا تقدر على أن تذكره بخير، ولا تطيب له نفساً(٣) وكان معاوية أو عبد الملك بن مروان أو هما معاً يأمران إبن عبّاس أن يغيّر اسم ولده عليّ وكنيته(٤) وكان عليُّ بن الجهم السلمي يلعن أباه لانَّه سمّاه عليّاً(٥) .
قل لي بربّك أيّ رجل أسلم وجهه لله وهو محسنٌ غير أوَّل المسلمين يُرى
____________________
١ - الصواعق لابن حجر ص ٣٣.
٢ - البيان والتبيين للجاحظ ٢. ٨٥.
٣ - مرّ الحديث باسناد صحيح فى هذا الجزء صفحة ٣٢٥.
٤ - تاريخ الطبرى ٨: ٢٣٠، حلية الاولياء ٣: ٢٠٧، الكامل للمبرد ٢: ١٥٧، العقد الفريد ٣: ٢٨٦، الكامل لابن الاثير ٥: ٧٨، تاريخ ابن خلكان ١: ٣٥٠، تهذيب التهذيب ٧: ٣٥٨، شذرات الذهب ١: ١٤٨.
٥ - لسان الميزان ٤: ٢١٠.
لاعنوه وشاتموه ومعاندوه وقاتلوه وخاذلوه متأوِّلين مجتهدين لا يستحقّون مقتاً ولا أخذاً ولا هواناً ولا عقاباً؟
قل لي بربّك أيّ ابن اُنثى من أبناء الإسلام عدا وليد الكعبة ابن فاطمة استحقَّ شيعته ومحبُّوه وأهله وذووه في المجتمع السبَّ واللعن والقتل والسبي والإزراء و الضرب والنكال والسوءة والحبس في ظلم المطامير وقعر السجون، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت؟
الهضيمة كلّ الهضيمة دفاع ابن حجر عن مثل حَكَم بن أبي العاص طريد النبيِّ ولعينه وعن الوقيعة فيه بما تحقَّق منه وعلم من الفاحشة، وذبّه عنه لمكان كونه صحابيّاً(١) .
الهضيمة كلّ الهضيمة ذبُّ ابن حزم عن عبد الرَّحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين وعدم تجويزه لعنه وتبريره عمله بأنَّه مجتهدٌ مخطئٌ(٢) .
الهضيمة كلّ الهضيمة نصرة القاضي حسين الشافعي عمران بن حطَّان مادح ابن ملجم قاتل الإمام الطاهر بقوله:
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها |
إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
|
إنّي لأذكره حيناً فأحسبه |
أوفى البرَّية عند الله ميزانا |
يحكم بعدم جواز لعنه زعماً بكونه صحابيّاً(٣) ذاهلاً عن أنَّ ابن حطّان لم يكن صحابيّاً وإنَّما هو من رؤس الخوارج الملعونين بلسان النبيِّ الأقدس، وُلد الرجل بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمدَّة.
الهضيمة كلّ الهضيمة تبرير ساحة معاوية الربا والخمور مِن دنس طامّاته و موبقاته وجناياته الكبيرة على الإسلام والمسلمين وقتله آلافاً من صلحاء اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بكلمة واحدة موجزة، بأنَّه كان مجتهداً متأوّلاً مخطئاً(٤) .
الهضيمة كل الهضيمة الإعتذار عمّا اقترفه يزيد الخمور والفجور: وتنزيه ساحته
____________________
١ - راجع ما مضى فى الجزء الثامن ص ٢٥١ ط ٢.
٢ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الاول ص ٣٢٣ ط ٢.
٣ - الاصابة ٣: ١٧٩.
٤ - الفصل لابن حزم ٤: ٨٩، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٧٩.
من أرجاسه المكفّرة والنهي عن لعنه وذكره بالسؤ بأنَّه مسلم لم يثبت كفره وانَّه إمامٌ مجتهد(١) .
إلى مناصرات ومدافعات عن أمثال هؤلاء بشروى تلكم الكلم الفارغة، وأمَّا سيّدنا المفدَّى حبيب الله وحبيب رسوله فلسنا مغالياً إن قلنا: إنَّ الأمّة كانت مصرَّة على مقته، مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده إلّا القليل ممّن وفا لرعاية الحقِّ فيه، فليت القوم أخذوا من بُخاريّهم وخطيبهم هذه الكلمة المعزوَّة إلى أمير المؤمينن « ما أنا إلّا رجلٌ من المسلمين » - وإن كانت مختلقة - وأجروا عليه حكمها.لكن. لكن...
ثمَّ كيف تُعزى إليه سلام الله عليه هذه المفاضلة وقد جاء عن النبيِّ الأقدس قوله لفاطمة الصدّيقة: زوَّجتك خير اُمّتي، أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأوَّلهم سلماً؟ مرَّ في ج ٣: ٩٥ ط ٢.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليٌّ خير من أتركه بعدي.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : خير رجالكم عليُّ بن ابي طالب، وخير نسائكم فاطمة بنت محمّد.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليٌّ خير البشر فمن أبى فقد كفر.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من لم يقل عليٌّ خير الناس فقد كفر.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لفاطمة سلام عليها: إنَّ الله إطّلع على أهل الأرض فاختار منه أباكِ فبعثه نبيّاً، ثمَّ اطلّع الثانية فاختار بعلك.
وقوله لها: إنَّ الله اختار من أهل الأرض رجلَين أحدهما أبوك والآخر زوجك(٢) وليت شعري كيف تصحُّ عنه هذه المفاضلة وقد اتَّخذه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم له نفساً كما جاء في الذكر الحكيم، وطهّره الجليل بآية التطهير، وقرن بين ولايته وولاية رسوله وبين ولاية عليّ في نصِّ الكتاب الكريم، وأنزلهصلىاللهعليهوآلهوسلم من نفسه منزلة هارون من موسى، ولم يستثن لنفسه إلّا النبوَّة، واتَّخذهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخاً لنفسه يوم المؤاخاة المـُبتنية على أساس المشاكلة في الملكات والنفسيّات، فكيف تتمُّ هذه كلّها وفي
____________________
١ - تاريخ ابن كثير ٨: ٢٢٣ ج ١٣: ٩.
٢ - راجع ما مرّ فى ج ٣: ٢٠ - ٢٣ ط ٢.
الاُمّة مَن هو أولى منه؟
ولست أدري كيف كان عليٌّ أمير المؤمنين أحبَّ الخلق إلى الله وإلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي الاُمّة من هو خيرٌ منه، وقد صحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله في حديث الطير المشويِّ الآتي ذكره إنشاء الله. اللهمَّ ائتني بأحبّ خلقك إليك ليأكل معي. فأتاه عليٌّعليهالسلام
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعائشة: إنَّ عليّاً أحبَّ الرجال إليَّ وأكرمهم عليَّ فاعرفي له حقّه واكرمي مثواه.
وقوله: أحبّ الناس إلىَّ من الرجال عليّ.
وقوله: عليٌّ أحبّهم إليّ وأحبُّهم إلى الله.
ولا تنس ها هنا قول عايشة: والله ما رأيت أحداً أحبّ إلى رسول الله من عليّ. ولا قول بريدة واُبيّ: أحبٌّ الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من النساء فاطمة ومن الرجال عليٌّ(١) .
ثمَّ ما بال الصدّيقة فاطمة تموت وهي واجدةٌ على أبي بكر وعمر وهما خيرا البشر؟ ما بالها وندائها بعدُ في آذان الاُمَّة المرحومة وهي باكيةٌ لاذت بقبر أبيها و تقول: يا أبت يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟.
ما بالها وقولها للخيِّرين: إنِّي اُشهد الله وملائكته إنَّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيَّ لأشكونّكما إليه؟ وحديث أنينها بعدُ دائرٌ سائرٌ بين حملة التاريخ.
ما بالها وهي توصي بأن تدفن ليلاً ولا يُصلّي عليها أبو بكر، ولا يحضر الخيّران تجهيزها وتشييعها؟ وهذا النبأ العظيم بعد يُدور في أندية الرجال(٢) .
نعم: السرُّ في ذلك كلّه أنَّ الصدِّيقة كابن عمِّها أمير المؤمنين لا تعرف شيئاً من قول الزور، ولعلَّ الواقف على الجزء السادس والسابع من هذا الكتاب يُطلُّ على كون الرجلين خير البشر بأقرب من هذا.
ونحن على يقين من أنَّ الباحث النابه الحرّ بعد الوقوف على ما في غضون الأجزاء
____________________
١ - راجع ما مر في ج ٣: ٢١ - ٢٣ ط ٢.
٢ - راجع ما مرّ فى ج ٧: ٢٢٧.
الخمسة الأخيرة من العشرة الاُولى من أجزاء كتابنا هذا لا يبقي له قطُّ ريب في أنَّ رواة هذه الأساطير المختلقة والقائلين بمغزاها والمخبتين اليها صمّاً وعمياناً هم الغلاة في الفضائل حقّاً، فقد جاءوا ظلماً وزوراً وإنَّ فريقاً منهم ليكتمون الحقَّ وهم يعلمون.. فبدَّل الذين ظلموا قولاَ غير الذي قيل لهم، فمن أظلم ممَّن كذب على الله وكذَّب بالصِّدق إذ جاءه فصفح عنهم وقل سلامٌ فسوف يعلمون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
انتهى الجزء التاسع
من كتاب « الغدير » ويتلوه العاشر إن شاء الله
يُبدأ فيه ببقيّة مناقب الخلفاء الثلاثة
لفت نظر
كلّ فصل وكلمة وجملة توجد في المتن أو التعليق مرموزة بـ م في
هذا الجزء وبَقيَّة أجزاء الكتاب فهي مِن مُلحقات الطبعة الثانية
وزياداتها، تبدأ ب م وتنتهي بقُويس تتلوها.
كتب أتتنا من عفك
أتانا كتابٌ من الشاعر الشريف السيِّد نعمة السيِّد حسُّون البعّاج المحترم، صدَّره بجمل الثناء الضافية على كتابنا « الغدير » وشفَّعها بقوله:
فأيُّ غدير جاء والبحر دونه؟ |
غديرك بحرٌ لا يُساجله البحرُ |
|
فإن قلتَ إنَّ البحر باهى بدرّه |
ففيه عقودٌ لا يُماثلها الدرُّ |
ثمَّ ختمه بأبيات راجياً أن تنشر في هذا الجزء ألا وهي:
كتاب « الغدير » جليلٌ خطير |
وفيه لعمري بلوغ الأربْ |
|
ذكاءٌ وسرنا على ضوئها |
لقصد إليه الورى تقتربْ |
|
أعبد الحسين! ويا حاوياً |
جماع الكمال وعقد الأدبْ |
|
فكيف اُحبّر فيك الثنا |
وأنت تُجدِّد مجد العربْ |
|
أعبد الحسين! بمجد الحسين |
حباك المهيمن أسمى الرتبْ |
|
« فيا أيُّها السيِّد الفاضل الشر |
ـ يف الفعال المنيف الحسبْ » |
|
هلال الكمال باُفق العراق |
توارى زماناً وعنّا احتجبْ |
|
ومذ جاءنا بالغدير البشير |
بدى مشرقاً بعد ما قد غربْ |
|
فقأت عيوناً غداة به |
أعدت لقوم ليالي الطربْ |
|
فهذا « الغدير » لنا منهلٌ |
لصادي الفواد شرابٌ عذبْ |
|
وهذا « الغدير » وربِّ الغدير |
يفوق النضار وما من عجبْ |
|
فأين الجواهر منه تكون؟ |
وأين اللجين وأين الذهبْ؟ |
|
فسفر هدىً فاق أضرابه |
هو الرأس حقّاً وهنَّ الذنبْ |
|
وجدنا « الغدير » لنا شافياً |
يزيل العناء وينفي النصبْ |
|
وفيه الكفاية عن غيره |
ولا فقر بعدُ إلى مَن كتبْ |
|
فإن كنت تنوي به قربة |
هنيئاً فهذي أجلُّ القُربْ |
|
وإن كنت تنوي به غاية |
فقد نلت فيه لذاك الطلبْ |
وله كتاب آخر إلينا ختمه بقوله:
دع المجدب الظامي يموت بدائه |
ويجرع من كأس الندامة صابا |
|
أيصدر عن روض « الغدير » ومائه |
ويتبع وهماً نائياً وسرابا؟ |
|
ويحسب أن يروي غليل فؤاده |
ولمـّا يجد غير « الغدير » شرابا؟ |
|
فدعه يُلاقي حتفه هو صادياً |
ودعه يرى ما يرتضيه يبابا |
(كتابٌ آخر)
تلقَّيناه مِن الشّاعر العَلويِّ النبيل السيِّد يحيى السيِّد داود الشَرع صدَّره بقوله:
الحقُّ أبلج وضّاحُ لطالبه |
كالشمس باديةٌ في الاُفق للنظرِ |
|
والفضل يرجع في العصر الحديث لمن |
بسفره قد أتى عن محكم السورِ |
|
ذاك (الأمينيُّ) قد لاحت معاجزه |
فكان نور هدىً في عالم البشرِ |
وقفّاها بفصول الإطراء وختمه بارجوزة تربو على أربعين بيتاً يذكر فيها كتاب « الغدير » وبعض مصادره، أرجأنا نشرها إلى آونة اُخرى.
(كتابٌ ثالث)
أخذناه من الشاعر المبدع يحيى صالح الحلّي افتتح كتابه بقوله:
أنرت بسفرك هذا الجليل |
طريق الهداية للمجحفٍ |
|
وأوضحت اُكذوبة الجاحدين |
فلاح لنا منه سرٌّ خفي |
ثمَّ سبك عقود القريظ، وسرد كلماً منثورة في إطراء « الغدير » وتخلّص منها بأبيات على بحر رجز. فله وللشريفين الشكر المتواصل منّا غير مجذوذ.
م(كتابٌ رابع)
أتانا من الخطيب الشاعر الشيخ كاظم آل حسن الجنابي بعفك وإليك نصُّه نظماً ونثرا:
سماحة العلّامة الأكبر، شيخنا المعظّم الشيخ عبد الحسين الأميني المحترم
بعد تقبيل أناملكم والسَّلام عليكم والدعاء لكم بالخير اُقدّم إليكم أبياتاً نظمتها
بدافع دينيّ لا اُريد أن اُقرِّظ بها كتاب (الغدير) الأغرّ الذي عجز عن تقريظه وإطرائه أعلام الفقه والفضيلة، وفطاحل العلماء ولم يحط بوصفه عباقرة الكلام وصيارفة الأدب، وكيف يطيق شاعرٌ مفلق أو ذو يراع ملهم أن يحدَّ نعته ويحيط بكنهه، وهو نسيج وحده نسجته يد القدرة، وصاغته كفّ العناية، وصفحته عين اللطف؟ فجاء بحمد الله فريداً في بابه، بليغاً في خطابه، أصاب قلب الغرض، وكشف وجه الحقيقة وأماط عنها دياجير الظلم، وغياهب الإجحاف، فليس باستطاعتي والحالة هذه تقريظ مثل هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خلفه، ومَن أنا وما قدر إمكاني يا سيِّدي! حتّى أتصدّى لمدح (الغدير) الذي نبت عن وصفه قرائح الشعراء وأقلام الكتّاب؟
ولكنّي إنَّما أردت بأبياتي هذه إن راقت سيّدنا (الأميني) أن يتفضّل بنشرها لتكون لي ذكرى خالدة بخلود غديرنا الصافي.
سألوني عن « الغدير » اُناسٌ |
أين كان « الغدير » قبل الأميني؟ |
|
قلت: كان الغدير في سجن غيّ |
صفَّدته قيود إفك ومينِ |
|
وغدا في السجون من يوم خمّ |
يوم قال الإله: أكملت ديني |
|
قد أتاه « الأمينيُّ » لمـّا دعاه |
مستعيناً فياله مِن معينِ |
|
فجزاه الإله خير جزاء |
أوضح الحقّ في كتاب مبينِ |
|
وإذا بالغدير بين يدينا |
فيه تبيان كلِّ شيء دفينِ |
|
فيه ما تشتهي النفوس وفيه |
ما تلذّ العيون رأي العيونِ |
|
فرحة الصّادقين فيه وفيه |
ترحة الكاذبين حقّ اليقينِ |
|
يا كتاب « الغدير » أبهجت منّا |
مذ تلوناك كلَّ قلب حزينِ |
|
سوف تبقي بغرَّة الدهر نوراً |
خالداً في الوجود طول السنينِ |
|
وسلام على مؤلّف سفر |
فاق فضلاً رجال كلِّ القرون |
[الشيخ كاظم آل حسن الجنابى]
الفهرس
يتبع الجزء الثامن ٣
الخليفة يخرج ابن مسعود من المسجد عنفاً ٣
هذا ابن مسعود ١١
مواقف الخليفة مع عمّار ١٥
صورة مفّصلة ١٦
الثناء الجميل على عمّار ٢٤
هذا عمّار ٢٨
تسيير الخليفة صلحاء الكوفة إلى الشام ٣٠
تسيير الخليفة كعب بن عَبدة وضربه ٤٧
تسيير الخليفة عامر بن عبد قيس التميمي البصري الزاهد الناسك إلى الشام ٥٢
تسيير الخليفة عبد الرحمن بن حنبل الجمحي ٥٨
تسيير الخليفة عليّاً أمير المؤمنين ٦٠
آية نازلةٌ في الخليفة ٦٣
الخليفة لا يعرف المخلص من النَّار ٦٥
ترك الخليفة التكبير في كلِّ خفض ورفع ٦٦
نتاج البحث ٦٧
١- حديث أمير المؤمنين ٦٩
١حديث عائشة ٧٧
٣ - حديث عبد الرحمن بن عوف ٨٦
٤ - حديث طلحة بن عبيد الله ٩١
٥ - حديث الزبير بن العوام ١٠١
٦ - حديث طلحة والزبير ١٠٣
٧ - حديث عبد الله بن مسعود ١١٠
٨ - حديث عمار بن ياسر ١١٠
٩ - حديث المقداد ١١٤
حديث حجر بن عدي ١١٧
حديث عبد الرحمن ١٢٠
حديث هاشم المرقال ١٢١
حديث جهجاه بن سعيد ١٢٢
حديث أبي أيوب الانصارى ١٢٥
حديث قيس بن سعد ١٢٦
حديث فروة بن عمرو ١٢٨
حديث محمد بن عمرو ١٢٩
حديث جابر بن عبد الله ١٢٩
حديث جبلة بن عمرو ١٣٠
حديث محمد بن مسلمة ١٣٢
حديث ابن عباس ١٣٣
حديث عمرو بن العاصي ١٣٥
حديث عامر بن واثلة ١٣٩
حديث سعد بن ابى وقاص ١٤٠
حديث مالك الاشتر ١٤١
حديث عبد الله بن عكيم ١٤٣
حديث محمد بن أبي حذيفة ١٤٣
حديث عمرو بن زرارة النخعي أدرك عصر النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ١٤٦
حديث صعصعة بن صوحان سيِّد قومه عبد القيس ١٤٧
حديث حكيم بن جبلة ١٤٨
حديث هشام ١٤٩
حديث معاوية ابن أبي سفيان الأموي ١٤٩
حديث عثمان نفسه ١٥٢
قريض يؤكد ما سبق ١٥٤
حديث المهاجرين والانصار ١٥٧
كتاب أهل المدينة ١٦١
كتاب المهاجرين الى مصر ١٦٢
كتاب اهل المدينة الى عثمان ١٦٢
الاجماع والخليفه ١٦٣
قصّة الحصار الأولّ ١٦٨
كتاب المصريّين الى عثمان ١٧٠
عهد الخليفة على نفسه ١٧٠
صورة أخرى من توبة الخليفة ١٧٢
صورة اخرى من التوبة ١٧٤
عهد آخر بعد حنث الاول ١٧٥
سياسة ضئيلة ١٧٧
قصّة الحصار الثانى ١٧٧
صورةٌ اُخرى ١٧٩
لفظ الواقدي ١٨١
الخليفة توّاب عوّاد ١٨٣
نظرة فى أحاديث الحصارين ١٨٥
كتب عثمان ايام الحصار ١٨٩
كتابه الى أهل الشام ١٩٠
كتابه الى اهل البصرة ١٩١
كتابه الى اهل الامصار ١٩١
كتابه الى اهل مكة ١٩٢
نظرة فى الكتب المذكورة ١٩٣
يوم الدار والقتال فيها ١٩٨
حديث مقتل عثمان ٢٠٤
تجهيز الخليفة ودفنه ٢٠٨
سلسلة الموضوعات ٢١٨
(الفتنة الكبرى) ٢٥١
كتاب عثمان بن عفان ٢٥٤
كتاب انصاف عثمان ٢٥٧
عهد النبيّ الاقدس صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى عثمان ٢٦٤
نظرة فى مناقب عثمان ٢٧٣
منتهى القول ٣٧٧
المغالاة فى فضائل الخلفاء الثلاثة ٣٧٨
كتب أتتنا من عفك ٣٩٧
الفهرس ٤٠٠