الجزء العاشر
يحوي مناقب الخلفاء والنظرة فيها متناً وإسناداً،
ويتلوها بحثٌ حرّ عن المغالاة في فضائل معاوية، يوقف القارئ
على نفسيّات الرَّجل وملكاته، ويميط الستر عن صحائف من تاريخ حياته
السوداء، ويعرِّفه بعُجره وبُجره، ولسنا مجازفين في القول،
منحازين عن الحقِّ، متعصِّبين بمبدأ أو عقيدة
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
سُبحانَكَ نَحنُ نسبِّحُ بِحَمدِكَ وَ نُقدِّسُ لَكَ، وَ مَا لَنا لا نُؤمِن بِاللهِ وَ مَا جاءنَا مِنَ الحقِّ وَ نَطمعُ أنْ يُدخلنا رَبُّنا مَعَ القومِ الصّالِحينَ.
يَا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءكم بُرهانٌ مِنْ ربِّكم، هذا بيانٌ للنّاسِ وَ هُدىً وَ موعظةٌ للمتّقين، قَدْ جِئتكم بالحِكمةِ و لاُبيِّنَ لَكم بَعضَ الَّذِي تَختلفونَ فِيهِ، و إنَّا لنعلمُ أنَّ مِنكمْ مُكذِّبينَ، وَ ما تَفرَّقَ الَّذينَ اُوتُوا الكتابَ إِلَّا مِنْ بَعدِ مَا جاءتهم البيّنةُ، خُذوا ما آتَيناكم بِقُوَّة، وَ اتَّبعوا أحسنَ ما اُنزلَ إليكم مِنْ رَبِّكم، اتَّبعوا مَنْ لا يَسألكم أجراً وَ هُم مُهتدونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَليكَ نَبَأهُم بِالحَقِّ، وَ اعتصموا بِحَبل الله جَمِيعاً وَ لَا تَفَرَّقوا، وَ أطِيعُوا اللهَ وَ رَسوله وَ لَا تَنازعوا فَتفشلوا وَ تَذهَبَ رِيحُكُم، وَ لَا تَكُونُوا كالذينَ تَفَرَّقوا وَ اختلفوا مِنْ بَعدِ مَا جَاءَتهُم البيّنات، انّهم ألفوا آبائَهم ضالِّينَ فَهُم عَلَى آثارِهم يُهرعونَ، وَ لقدْ ضَلَّ قَبلهُم أكثَرُ الأوَّلين، و يُحاجُّون في اللهِ مِنْ بَعدِ ما استُجيب لَه حجتّهم داحضة، فَمَنْ حاجَّك فيهِ مِن بَعدِ ما جاءك مِن العِلمِ فَقُلْ: تَعَالوا نَدع أبناءنا وَ أبنَاءكُم وَ نِساءَنا و نساءَكم وَ أنفسَنا و أنفسَكم ثُمَّ نَبتَهِلْ فنَجعلْ لَعنةَ اللهِ عَلى الكاذبينَ.
(الأَميني)
يتبع الجزء التاسع
بقية البحث
عن مناقب الخلفاء الثلاثة
٤ - أخرج البخاري في كتاب المناقب من صحيحه ج ٥: ٢٤٣ باب فضل أبي بكر بعد النبيِّ من طريق عبد الله بن عمر قال: كنّا نخيِّر بين الناس في زمن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فنخيِّر أبا بكر، ثمَّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفّان رضي الله عنهم.
وذكر في باب مناقب عثمان ج ٥: ٢٦٢ عن ابن عمر أيضاً بلفظ: كنّا في زمن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمَّ نترك أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نفاضل بينهم. وبهذا اللّفظ حكاه الحافظ العراقي عن الصحيحين في طرح التثريب ١: ٨٢.
وأخرج في تاريخه ج ١ قسم ١: ١٤ بلفظ: كنّا في عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده نقول: خير أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان.
وأخرج أحمد في مسنده ٢: ١٤ عن ابن عمر قال: كنّا نعدُّ ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيُّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر وعمر وعثمان ثمَّ نسكت.
وأخرج ابن داود والطبراني عن ابن عمر: كنّا نقول ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيُّ: أفضل امَّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعده أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، فيسمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك فلا ينكره(١) .
وروى ابن سليمان في فضائل الصحابة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ابن عمر: كنّا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس. فيسمع
____________________
١ - فتح البارى ٧: ١٣، طرح التثريب ١: ٨٢ ذكر زيادة الطبرانى.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك فلا ينكره(١) .
وفي لفظ البزّار: كنّا نقول في عهد النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر وعمر وعثمان. يعني بالخلافة(٢) وفي لفظ الترمذي: كنّا نقول ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيٌّ(٣)
وفي لفظ البخاري في تاريخه اقسم ١: ٤٩: كنّا نقول في زمن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : من يلي هذا الأمر بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فيقال: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمّ نسكت.
قال الأميني: هذه الرِّواية عمدة ما تمسّك به القوم فيما وقع من الإنتخاب الدستوري في الإسلام، وقد اتّخذها المتكلّمون حجّة لدى البحث عن الإمامة، واتّبع أثرهم المحدِّثون، ولهم عند إخراجها تصويبٌ وتصعيد، وتبجّحٌ وابتهاج، وجاء كثيرون وقد أطنبوا وأسهبوا في القول لدى شرحها، وجعلوها كحجر أساسي علّوا عليها أمر الخلافة الراشدة، واحتجوا بها على صحّة البيعة التي عمَّ شومها الإسلام، وحُفت بهناة ووصمات وشتَّتت شمل المسلمين، وفتَّت في عضد الدين، وفصمت عراه، وجرَّت الويلات على اُمّة محمّد حتى اليوم، فلنا عندئذ أن نبسط القول، ونوقف القارئ على جليّة الحال، ليهلك من هلك عن بينّة ويحيي من حيَّ عن بيّنة، والله وليّ التوفيق.
كان عبد الله بن عمر على العهد النبويِّ الذي ادّعى انّه كان يُخيَّر فيه فيختار في ابّان شبيبته حتَّى انّه كان لم يبلغ الحلم في جملة من سنيه، ولذلك ردَّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن الجهاد يوم بدر واُحد واستصغره، وأجاز له يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة كما ثبت في الصحيح(٤) وهو على جميع الأقوال في ولادته وهجرته ووفاته لم يكن مجاوزاً العشرين يوم وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو في مثل هذا السنّ لا يُخيّر عادة في التفاضل بين مشيخة الصّحابة ووجوه الاُمّة، ولا يُتّخذ حكماً يُمضى رأيه في الخيرة، لأنّ الحكم الفاصل في مثل هذا يستدعي ممارثة طويلة، ووقوفاً على تجاريب متتابعة مقرونة بعقليّة ناضجة، وتمييز بين مقتضيات الفضيلة، وعرفان لنفسيّات الرجال
____________________
١ - فتح البارى ٧: ١٣.
٢ - تاريخ ابن كثير ٧: ٢٠٥.
٣ - صحيح الترمذى ١٣: ١٦١.
٤ - صحيح البخارى ٦: ٧٤، تاريخ الطبرى ٢: ٢٩٦، عيون الاثر ٢: ٦، ٧، فتح البارى ٧: ٢٣٢.
وقوّة في النفس لا يتمايل بها الهوى، وابن عمر كان يفقد كلَّ هذه لما ذكرناه من صغر سنَّه يوم ذاك المانع عن كلِّ ما ذكرناه، وروايته هذه أقوى شاهد على فقدانه تلكم الملكات الفاضلة، قال أبو غسان الدوري: كنت عند عليِّ بن الجعد فذكروا عنده حديث ابن عمر: كنّا نفاضل على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فنقول: خير هذه الاُمّة بعد النبيّ أبو بكر وعمر وعثمان فيبلغ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا ينكر. فقال عليّ بن الجعد: انظروا إلى هذا الصبيِّ هو لم يحسن أن يطّلق امرأته يقول: كنّا نفاضل(١) .
ومن عرف ابن عمر وقرأ صحيفة تاريخه السوداء عرفه بضئولة الرأي، واتّباع الهوى، وبفقدانه كلّ تلكم الخلل يوم بلغ أشدّه وكبر سنّه فضلاً عن عنفوان شبابه، وسيوافيك نزرٌ من آرائه السخيفة.
دع ابن عمر ومن لفَّ لفّه يختار ويتقوّل، وربّك يخلق ما يشاء و يختار،ما كان لهم الخيرة،( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (٢) .
ودع البخاري ومَن حذا حذوه يصحّح الباطل، ولا يعرف الحيَّ من الليِّ، واسمع لغواهم ولا تخف طغواهم، ولو اتَّبع الحقُّ أهواءهم لفسدت السَّماوات والأرض ومن فيهنّ، قد جئناك بآية من ربِّك، والسَّلام على من اتَّبع الهدى.
قال أبو عمر في الإستيعاب في ترجمة عليّعليهالسلام ج ٢: ٤٦٧: من قال بحديث ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ نسكت. يعني فلا نفاضل، وهو الذي أنكر ابن معين وتكلّم فيه بكلام غليظ لأنّ القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنّة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر انّ عليّاً أفضل الناس بعد عثمان رضي الله عنه، وهذا ممّا لم يختلفوا فيه وإنَّما اختلفوا في تفضيل عليّ وعثمان، واختلف السلف ايضاً في تفضيل عليّ وأبي بكر، وفي اجماع الجميع الذي وصفنا دليلٌ على أنَّ حديث ابن عمر وهمٌ وغلطٌ وانّه لا يصحّ معناه وإن كان إسناده صحيحاً. ه.
وقال ابن حجر بعد ذكر محصّل كلام أبي عمر هذا: وتعقّب ايضاً بانّه لا يلزم من
____________________
١ - تاريخ الخطيب ١١: ٣٦٣.
٢ - سورة القصص: ٦٨، الاحزاب: ٣٦.
سكوتهم اذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله على الدوام، وبانَّ الإجماع المذكور إنّما حدث بعد الزمن الذي قيّده ابن عمر فيخرج حديثه عن أن يكون غلطاً. ه.
عزب عن ابن حجر ومن تعقّب أبا عمر انَّ الإجماع الحادث المذكور لم يكن إلّا لتلكم السوابق التي كان يحوزها مولانا أمير المؤمنين يوم سكت ابن عمر عن اختياره ولم تكن لها جدّة: وإنّما هي هي التي أثنى عليها الكتاب والسنَّة، فيلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله بعد الثلاثة عدم تفضيله على الدوام، فإن كان مدار الإجماع على اختيارهعليهالسلام يوم اختاروه هو ملكاته ونفسيّاته وسبقه في الفضائل والفواضل المفصّلة في الكتاب والسنّة فهي لا تفارقهعليهالسلام وهو المختار بها على الكلِّ في أدوار حياته يوم فارق النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم الدنيا وهلمَّ جرّا، وإن كان المدار غير ذلك من الشيخوخة والكبر وأمثالهما فذلك شيىءٌ لا نعرفه، ولا نفضّلهعليهالسلام على غيره بهذه التافهات التي هي شرَك القوم اُقتنصت بها بسطاء امّة محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم بيعة أبي بكر حتّى اليوم.
وليت من تعقَّب ابن عبد البرِّ إن لم يكن يأخذ بكلِّ ما جاء في عليّ أمير المؤمنين من الكتاب والسنَّة الصحيحة الثابتة كان يأخذ بما جاء به قومه عن أنس فحسب ثمَّ يحكم فيما جاء به ابن عمر قال أنس: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله إفترض عليكم حبّ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ كما افترض الصَّلاة والزكاة والصوم والحجّ، فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصَّلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج(١) « الرياض النضرة ١: ٢٩ »
وشتّان بين رأي ابن عمر وبين قول أبيه في عليّعليهالسلام هذا مولاي ومولى كلّ مؤمن، من لم يكن مولاه فليس بمؤمن، راجع ما مضى ج ١: ٣٤١ ط ١، و ٣٨٢ ط ٢.
ولعلّ القوم ستراً على عوار إختيار ابن عمر، وتخلُّصاً عن نقد أبي عمر المذكور اختلقوا من طريق جعدبة(٢) بن يحيى عن العلاء بن البشير العبشمي عن ابن أبي اُويس عن مالك عن نافع عن ابن عمر انّه قال: كنّا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نفاضل فنقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ.
____________________
١ - أثبتنا في محله أن هذه المنقبة لا تصح في غير على عليهالسلام وهى فيمن سواه تخالف الكتاب والسنة والعقل والمنطق، ولا تساعدها سيرتهم مدى حياتهم الدنيا.
٢ - جعدبة متروك يروى عن العلاء مناكير، والعلاء ضعيف حديثه غير صحيح. راجع لسان الميزان ٢: ١٠٥ و ج ٤: ١٨٣.
واختلقوا من طريق محمّد أبي البلاط(١) عن زهد بن أبي عتاب عن ابن عمر ايضاً: قال: كنّا نقول في زمن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يلي الأمر بعده أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليّ ثمَّ نسكت.
ولعلّ الواقف على أجزاء كتابنا هذا وبالأخصِّ الجزء السادس وهلمَّ جرّا يعلم ويذعن بانَّ اختيار ابن عمر ومن رأى رأيه باطلٌ في غاية السخافة، ولو كان معظم الصحابة لم يعدل بأبي بكر أحداً في زمن نبيّهم فما الّذي زحزحهم عن رأيهم ذلك يوم السقيفة؟ وما الذي أرجأهم عن بيعته؟ ومن أين أتاهم ذلك الخلاف الفاحش الذي جرَّ الأسواء على الأمّة حتّى اليوم؟ وقد عرَّفناك في الجزء السابع ص ٧٦، ٩٣، ١٤١ ط ١(٢) انَّ عيون الصحابة من المهاجرين والأنصار لمـّا لم تكن تجد لأبي بكر يوم تقمّص الخلافة فضيلة يستحقُّ بها الخلافة، وتدعم بها الحجّة على الناس في بيعته تقاعست وتقاعدت عنها وما مُدّت اليها منهم يدٌ، ولم تكن لهم فيها قدمٌ، وما بايعه يومها الأوَّل إلّا رجلين أو أربعة أو خمسة، ثمَّ حدت الاُمّة إليها الدعوة المشفوعة بالإرهاب والترعيب، وما كان في أفواه الدعاة إليها إلّا الترهيب بالقتل والضرب والحرق، أو قولهم: إنَّ أبا بكر السبّاق المسنّ، صاحب رسول الله في الغار، وكانت هذه غاية جهدهم في عدِّ فضائل أبي بكر، قال ابن حجر في فتح الباري ١٣: ١٧٨: وهي - فضيلة كونه ثاني اثنين في الغار - أعظم فضائله التي استحقَّ بها أن يكون الخليفة من بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولذلك قال عمر بن الخطاب: إنَّ أبا بكر صاحب رسول الله، ثاني اثنين، فانّه أولى المسلمين باموركم. اهـ.
ألا مسائل ابن حجر عن أنَّ صحبة يومين في الغار التي تتصوَّر على أنحاء، وللقول فيها مجالٌ واسعٌ، صحبةً ما أمكنت الرجل من أن يصف صاحبه لمـّا جاءه اليهود وقالوا: صف لنا صاحبك. فقال: معشر اليهود لقد كنت معه في الغار كاصبعيَّ هاتين، ولقد صعدت معه جبل حراء وأنّ خنصري لفي خنصره، ولكن الحديث عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم شديدٌ، وهذا عليُّ ابن أبي طالب. فأتوا عليّاً فقالوا: يا أبا الحسن؟ صف لنا ابن عمِّك، فوصفه. الحديث(٣)
____________________
١ - لا يعرف لا يدر رجال الجرح والتعديل من هو. لسان الميزان ٥: ٩٦.
٢ - وفى ص ٧٥ - ٨٢، ٩٣، ١٤١ ط ٢.
٣ - الرياض النضرة ٢: ١٩٥.
كيف استحقَّ الرجل بمثل هذه الصحبة الخلافة وصار بذلك أولى الناس بامورهم؟ وامّا صحبة عليّعليهالسلام ايّاه منذ نعومة أظفاره إلى آخر نفس لفظهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى عاد منه كالظّل من ذيه، وعُدَّ نفسه في الكتاب العزيز، وقرنت ولايته بولاية الله وولاية نبيّه وجعلت مودّته أجر الرسالة، فلم تستوجب استحقاقه بها الخلافة والأولويَّة بامور الناس بعد قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كنت مولاه فعليٌّ مولاه؟ إنَّ هذا لشيءٌ عجاب.
وإنّي لست أدري انَّ هذه المفاضلة المتسالم عليها بين الصحابة في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لماذا نسيها اولئك العدول بموتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ولماذا لم يصفقوا على ذلك الإختيار الذي كان يسمعه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا ينكره؟ ووقع الخلاف والتشاح والتلاكم والتشاتم والنزاع حتّى كاد أن يقتل صنو النبيّ الأعظم في تلك المعمعة، ورأت بضعته الصدِّيقة ما رأت، ووقعت وصمات لا تنسى طيلة حياة الدنيا، واُرجئ دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاثاً، وكانت الصحابة بمعزل عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن إجنانه، وما حضر الشيخان دفنه(١) قال النووي في شرح صحيح مسلم(٢) كان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً لأنّهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتّب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخَّروا دفن النبيّ،صلىاللهعليهوآلهوسلم حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهمَّ الأمور كيلا يقع نزاعٌ في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصّلاة عليه أو غير ذلك.
ثمَّ لو كان الأمر كما زعم ابن عمر من الإختيار فتقديم أبي بكر يوم السقيفة الرجلين: عمر وأبا عبيدة على نفسه وقوله: بايعوا أحد الرجلين. أو قوله: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا ايّهما شئتم. لماذا؟ ولماذا قول أبي بكر لأبي عبيدة الجرّاح حفّار القبور: هلّم اُبايعك فإنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنّك أمين هذه الامَّة؟ تاريخ ابن عساكر ٧: ١٦٠.
ولماذا قول أبي بكر في خطبة له: أما والله ما أنا بخيركم ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً؟ أو قوله: ألا وإنمّا أنا بشرٌ ولست بخير من أحد منكم فراعوني؟ أو قوله: إنّي
____________________
١ - راجع ما اسلفناه فى الجزء السابع ص ٧٥ ط ١.
٢ - فى كتاب الجهاد، باب قول النبى: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، عند قول على عليه السلام لابي بكر: لكنك استبددت علينا بالامر وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله.
ولّيت عليكم ولست بخيركم؟ أو قوله: أقيلوني أقيلوني لست بخيركم(١) .
ولماذا ورم أنف كلِّ الصحابة يوم اختيار أبي بكر عمر بن الخطاب للأمر بعده، و أراد كلٌّ منهم أن يكون الأمر له دونه؟(٢)
ولِماذا جابه طلحة بن عبيد الله - أحد العشرة المبشّرة - أبا بكر يوم استخلف عمر فقال طلحة: ما تقول لربِّك وقد ولّيت عليها فظّاً غليظاً؟
ولِماذا ندم أبو بكر في اُخريات أيّامه عن خلافته قائلاً: وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً؟ راجع ج ٧: ١٧٠ ط ٢.
ولِماذا أتى عمر أبا عبيدة الجرّاح يوم وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أبسط يدك فلابايعك فانّك أمين هذه الامَّة على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟(٣)
وما الذي دعى عمر بن الخطاب إلى قوله لابن عبّاس: أما والله يا بني عبد المطلب؟ لقد كان عليٌّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر، راجع ج ١: ٣٤٦ ط ١، وص ٣٨٩ ط ٢.
ولِماذا قال عمر لمـّا طعن: إن ولّوها الأجلح سلك بهم الطريق الأجلح - يعني عليّاً - فقال له ابن عمر: ما منعك أن تقدّم عليّاً؟ قال: أكره أن أحملها حيّاً وميّتاً؟.(٤)
ولِماذا قال لأصحاب الشورى: لله درّهم إن ولّوها الاصيلع، كيف يحملهم على الحقِّ، قالوا: أتعلم ذلك منه ولا تستخلفه؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك فقد ترك من هو خيرٌ منّي.؟(٥)
ولِماذا تمنّى عمر يوم طعن سالم بن معقل أحد الموالي قائلاً: لو كان سالم حيّاً
____________________
١ - راجع الجزء السابع ص ١١٨ ط ١.
٢ - جاء فى صحيحة مرت فى ج ٥: ٣٥٨ ط ٢، و ج ٧ ص ١٦٨ ط ١.
٣ - أخرجه أحمد وابن سعد وابن جرير وابن الاثير وابن الجوزى وابن حجر والحلبى راجع كنز العمال ٣: ١٤٠، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ٤٨، الغدير ٥: ٣١٦ ط ١، و ٣٦٩ ط ٢.
٤ - الانساب ٥: ١٦، الاستيعاب فى ترجمة عمر ٤ ص ٤١٩، فتح البارى ٧ ص ٥٥، شرح ابن ابى الحديد ٣: ١٧٠.
٥ - الرياض ٢: ٢٤١.
ما جعلتها شورى؟(١) وفي لفظ الطبري: استخلفته. وفي لفظ للباقلاني: لرأيت أنّي قد أصبت الرأي، وما تداخلني فيه الشكوك.
ولِماذا كان يقول: لو ادركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة الجرّاح؟(٢) .
ولِماذا قال للقائلين له ( لو عهدت يا أمير المؤمنين ): لو أدركت أبا عبيدة الجرّاح ثمَّ ولَّيته ثمَّ قدمت على ربّي فقال لي: لِمَ إستخلفته على امّة محمّد؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول لكلِّ امّة أمين، وإنَّ أمين هذه الامّة أبو عبيدة الجرّاح، ولو أدركت خالداً ثمّ ولَّيته ثمَّ قدمت على ربّي فقال لي: مَن استخلفت على امّة محمَّد؟ لقلت: سمعت عبدك وخليلك يقول لخالد: سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين(٣) .
ولماذا قوله: لو أدركت أبا عبيدة لاستخلفته وما شاورت، فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله؟(٤) .
ومرّ في الجزء الخامس ص ٣١١ ط ١، و ٣٦٢ ط ٢ انَّ عائشة قالت لعبد الله بن عمر: يا بنيَّ ابلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع امّة محمّد بلا راع استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً، فانّي أخشى عليهم الفتنة، فأتى عبد الله فأعلمه فقال: ومَن تأمرني أن استخلف؟ لو ادركت أبا عبيدة الجرّاح باقياً لاستخلفته وولَّيته، فإذا قدمت على ربِّي فسألني وقال لي: مَن وليّت على امّة محمّد؟ قلت: أي ربّ سمعت عبدك ونبيّك يقول: لكلّ امَّة أمينٌ وأمين هذه الامّة ابو عبيدة بن الجرّاح. ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته فإذا قدمت على ربّي فسألني: من ولَّيت على امّة محمّد؟ قلت: أي ربّ سمعت عبدك ونبيَّك يقول: انَّ معاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيمة، ولو أدركت خالد بن الوليد لولَّيته، فإذا قدمت على ربِّي فسألني: مَن ولَّيت على امّة محمّد؟ قلت: أي ربّ سمعت عبدك ونبيّك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلّه على المشركين.
____________________
١ - التمهيد للباقلانى ص ٢٠٤، طرح التثريب ١: ٤٩، تاريخ الطبرى ٥: ٣٤.
٢ - طبقات ابن سعد ط ليدن ٣: ٢٤٨.
٣ - تاريخ ابن عساكر ٥: ١٠٢.
٤ - تاريخ ابن عساكر ٧: ١٦٠.
ولماذا ساوى عمر بين أصحاب الشورى، ولمـّا قيل له: استخلف. قال: ما أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنهم راضٍ، فسمّى عليّا وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرَّحمن؟! صحيح البخاري ٥: ٢٦٧.
وأين هذا من قول عبد الرَّحمن بن عوف لعليّ وعثمان: إنّى قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحداً يعدل بكما أحداً. وقوله: ايّها الناس انّي سألتكم سرّا وجهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إمّا عليّ وإمّا عثمان؟!(١) .
ولماذا بدء عبد الرَّحمن بن عوف بعليّعليهالسلام أوّلاً للبيعة وقدّمه على عثمان يوم الشورى غير أنّه اشترط عليه صلوات الله عليه القيام بسيرة الشيخين فلم يقبله وقبله عثمان فبايعه على ذلك؟(٢) وقد مرَّ الكلام حول هذا الشرط في الجزء التاسع ص ٨٨، ٩٠ ط ٢.
ولماذا قال أبو وائل لعبد الرّحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليّاً؟ أخرجه أحمد في مسنده ص ٧٥.
ولماذا قال معاوية: إنّما كان هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنّهم أهل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولّى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة.
يأتي تمام كلامه في هذا الجزء.
ولماذا قال العبّاس عمُّ النبيّ لعليّعليهالسلام يوم قبض النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ابسط يدك فلنبايعك؟(٣) .
ولماذا قال العبّاس لأبي بكر: فإن كنت برسول الله طلبت؟ فحقَّنا أخذت، و إن كنت بالمؤمنين طلبت؟ فنحن منهم، متقدّمون فيهم. وإن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين؟ فما وجب إذ كنّا كارهين؟ إلى آخر ما مرَّ في ج ٥: ٣٢٠ ط ١.
ولماذا تقاعد عمّار وشتم أبا سرح لمـّا قال: إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ٤٠، تاريخ ابن كثير: ١٦٤.
٢ - مسند احمد ١: ٧٥، تمهيد الباقلانى ص ٢٠٩، تاريخ الطبرى ٥: ٤٠، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٠٤، الصواعق ص ٦٣، فتح البارى ١٣. ١٦٨.
٣ - تاريخ ابن عساكر ٧: ٢٤٥.
عثمان؟ وخالف مقداد وجمعٌ آخر من عيون الصحابة عن بيعة عثمان وتمَّت بالإرهاب والترعيد وقال عمّار لعبد الرحمن: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً. فقال المقداد: صدق عمَّار إن بايعت عليّاً قلنا سمعنا وأطعنا(١) وقال عليٌّ لعبد الرَّحمن: حبوته حبو دهر ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما ولّيت عثمان إلّا ليردَّ الأمر إليك، والله كلُّ يوم هو في شأن؟! ( تاريخ الطبري ٥: ٣٧ ).
ولماذا قال سعد بن أبي وقاص لعبد الرَّحمن بن عوف: إن كنت تدعوني والأمر لك وقد فارقك عثمان على مبايعتك؟ كنت معك، وإن كنت إنّما تريد الأمر لعثمان؟ فعليُّ أحقُّ بالأمر وأحبّ إليَّ من عثمان، بايع لنفسك وأرحنا وأرفع رؤسنا؟!.
انساب البلاذري ٥: ٢٠، تاريخ الطبري ٥: ٣٦، الكامل لابن الأثير ٣: ٢٩، فتح الباري ١٣: ١٦٨.
ولماذا قال الزبير: لو مات عمر لبايعت طلحة فوالله ما كان بيعة أبي بكر إلّا فلتة فتمّت؟!(٢) .
ولماذا جابه الزبير يوم قال عمر: أكلّكم يطمع في الخلافة بعدي بقوله ما الذي يبعدنا منها؟ وليّتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة ( شرح ابن أبي الحديد ١: ٦٢ ) واين يقع قول عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام على صهوة المنبر: أما والله لقد تقمَّصها ابن ابي قحافة وانّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى؟! ( إلى آخر الخطبة الشقشقية )، الى كلمات اخرى له تضادّ هذه المفاضلة.
ولماذا كان أبو عبيدة أحبّ إلى رسول الله بعد الشيخين من أصحابه كما في صحيحة جاء بها ابن ماجة في سننه ١ ص ٥١، والترمذي في صحيحه ١٣: ١٢٦ عن ابن شقيق قال: قلت لعايشة رضي الله عنها: أيُّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان احبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالت: أبو بكر. قلت: ثمّ مَن؟ قالت: عمر. قلت: ثمّ مَن؟ قالت: أبو عبيدة ابن الجرّاح قلت: ثمّ مَن؟ فسكتت؟
____________________
١ - تاريخ ابن جرير الطبرى ٥ - ٣٧، الكامل لابن الاثير ٣: ٢٨.
٢ - أصل الحديث فى صحيح البخارى، راجع شرح بهجة المحافل ١: ٥٨.
وأخرجها أحمد في مسنده ٦: ٢١٨، وابن عساكر في تاريخه ٧: ١٦١.
وشتّان بين اختيار ابن عمر وبين ما جاء عن ابن ابي مليكة قال: قيل لعائشة: من كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مستخلفاً لو استخلف؟ قالت: أبو بكر. قيل لها: ثمّ من؟ قالت، عمر. فقيل لها: ثمّ من؟ قالت: أبو عبيدة. وانتهت إلى هذه؟!(١) .
وأين كان ابن عمر عن اناس كانوا يفضّلون بلال الحبشي على أبي بكر حتّى قال: كيف تفضّلوني عليه وإنّما أنا حسنة من حسناته؟(٢) .
وأنّى اختيار ابن عمر من قول كعب بن زهير:
صهر النبيّ وخير الناس كلّهم |
وكلّ من رامه بالفخر مفخورُ |
|
صلّى الصّلاة مع الاُمّي اوّلهم |
قبل العباد وربّ النّاس مكفورُ؟! |
ومن قول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب:
ما كنت أحسب أنَّ الأمر منتقل |
عن هاشم ثمَّ منها عن أبي حسنِ |
|
أليس أوّل مَن صلّى لقبلتهم |
وأعلم النّاس بالآيات والسننِ؟ |
|
وآخر النّاس عهداً بالنبيِّ ومن |
جبريل عونٌ له في الغسل والكفنِ؟ |
|
مَن فيه ما فيهمُ ما تمترون به |
وليس في القوم ما فيه من الحسنِ |
|
ماذا الذي ردّكم عنه؟ فنعلمه |
ها انَّ بيعتكم من أوّل الفتنِ |
ومن قول الفضل بن أبي لهب:
ألا إنَّ خير النّاس بعد محمّد |
مهيمنه التاليه في العرف والنكرِ |
|
وخيرته في خيبر ورسوله |
بنبذ عهود الشرك فوق أبي بكرِ |
|
وأوّل من صلّى وصنو نبيِّه |
وأوّل من أردى الغواة لدى بدرِ |
|
فذاك عليُّ الخير من ذا يفوقه؟ |
أبو حسن حلف القرابة والصهرِ |
ومن قول عبد الله بن ابي سفيان بن الحارث:
وكان وليُّ الأمر بعد محمّد |
عليٌّ وفي كلِّ المواطن صاحبه |
|
وصيُّ رسول الله حقّاً وجاره |
وأوَّل من صلّى ومن لان جانبه |
____________________
١ - صحيح مسلم ٧: ١١٠. تاريخ ابن عساكر ٧: ١٦١.
٢ - تاريخ ابن عساكر ٣: ٣١٤.
ومن قول النجاشي أحد بني الحرب بن كعب من ابيات له:
جعلتم عليّاً وأشياعه |
نظير ابن هند أما تستحونا؟ |
|
إلى أفضل الناس بعد الرسول |
وصنو الرّسول من العالمينا |
|
وصهر الرّسول ومن مثله |
إذا كان يوم يشيب القرونا؟ |
ومن قول جرير بن عبد الله البجلي من أبيات له:
فصلّى الإله على أحمد |
رسول المليك تمام النعم |
|
وصلّى على الطهر من بعده |
خليفتنا القائم المدّعم |
|
عليّاً عنيت وصيّ النبيّ |
يجالد عنه غواة الاُمم |
|
له الفضل والسبق والمكرما |
ت وبيت النبوّة لا يهتضم |
ومن قول زجر بن قيس إلى خاله جرير:
جرير بن عبد الله لا تردد الهدى |
وبايع عليّاً إنّني لك ناصحُ |
|
فإنَّ عليّاً خير من وطئ الحصى |
سوى أحمد والموت غادٍ ورائحُ |
وممّا قيل على لسان الأشعث بن قيس الكندي:
أتانا الرَّسول رسول الوصيّ |
عليّ المهذّب من هاشمِ |
|
رسول الوصيِّ وصيّ النبيّ |
وخير البريّة من قائمِ |
|
وزير النبيِّ وذو صهره |
وخير البريّة في العالمِ |
|
له الفضل والسبق بالصّالحات |
لهدي النبيِّ به يأتمي |
وأنت ترى من جرّاء ذلك الإختيار الباطل الذي جاء به ابن عمر أن تدهورت السياسة فصار الإنتخاب نصّاً، وانقلبت الدمقراطيّة - إن كانت - إلى دكتاتوريّة محضة رضيت الاُمّة أم غضبت، ثمّ عاد الأمر شورى ويا لَلَّه وللشورى وسيف عبد الرّحمن بن عوف هو العامل الوحيد يوم ذاك، إلى أن أصبح ملكاً عضوضاً، ووصلت النوبة إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، إلى رجال العبث والفساد، إلى أبناء الخمور والفجور، إلى أن تمكّن معاوية الخمر والربا من استخلاف يزيد العرّة والشرَه قائلاً: مَن أحقّ منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه وما أظنُّ قوماً ينتهين حتّى تصيبهم بوائق تجتثُّ
اصولهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر(١) .
لم يكن لأعيان الاُمّة، ووجوه الصحابة، وصلحاء الملّة، وخيرة الناس في أمر تلكم الأدوار القاتمة حلّ ولا عقد، بل كانوا مضطهدين مقهورين مبتزّين يرون حكم الله مبدّلا، وكتابه منبوذا، وفرائضه محرّفة عن جهات أشراعه، وسنن نبيِّه متروكة.
سبحانك اللّهم ما أجرأهم على الرَّحمن وانتهاك حرمة النبيِّ وكتابه باختيار يضادُّه نداء القرآن الكريم، كتاب فصّلت آياته قرآناً عربيّاً لقوم يعلمون؟ باختيار كذّبه ما جاء عن النبيِّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم من النصوص على اختيار الله عليّاً وانّه أحد الخيرتين، وانّه خير البشر بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانّه أحبّ الناس إلى الله وإليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانّه منه بمنزلته من ربّه، وانّه منه بمنزلة الرأس من جسده، وانّه منه بمنزلة هارون من موسى إلّا انّه لا نبيّ بعده، وانَّ لحمه لحمه ودمه دمه والحقّ معه، وانّ طاعته طاعته ومعصيته معصيته، وانّه سلمٌ لمن سالمه، وحربٌ لمن حاربه(٢) و انّه ممسوسٌ في ذات الله(٣) إلى نصوص كثيرة تضادّ اختيار ابن عمر ومن شاكله في تمنّي الحديث.
أليست هذه الأحاديث إلى أمثالها المعدودة بالمئات إنكاراً من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لقولهم - إن كان هناك قول -: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس؟
أليست آي المباهلة والتطهير والولاية وأضرابها إلى ثلاثمائة آية النازلة في عليّعليهالسلام (٤) تضادّ ذلك القول القارص؟
( هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) (٥) ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (٦) ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) (٧) ( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ) (٨) ( أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ
____________________
١ - الكامل لابن الاثير ٣: ٢١٧.
٢ - كل هذه الاحاديث مرت فى الاجزاء الماضية.
٣ - حلية الاولياء للحافظ أبى نعيم الاصبهانى ١: ٢٣٠.
٤ - تاريخ الخطيب ٦: ٢٢١، السيرة الحلبية ٢: ٢٣٠.
٥ - سورة الرعد: ١٦.
٦ - سورة الزمر: ٨.
٧ - سورة السجدة: ١٨.
٨ - سورة هود: ٢٤.
مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) (١) ( أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (٢) ( قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) (٣) ( لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (٤) ( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) (٥) ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (٦) ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (٧) .
____________________
١ - سورة محمد: ١٤.
٢ - سورة الملك: ٢٢.
٣ - سورة المائدة: ١٠٠.
٤ - سورة النساء: ٩٥.
٥ - سورة الحشر: ٢٠.
٦ - سورة غافر: ٥٨.
٧ - سورة محمد: ٢٤.
ما هذا الاختيار؟ وكيف يتمَ؟ ولِمَ وبِمَ؟
هل تدري ما الذي دعى ابن عمر إلى رمي القول على عواهنه؟ إلى رمي الصحابة بعزوه المختلق، ونسبة هذا الاختيار المبير إليهم وأنّهم تركوا المفاضلة بعد الثلاثة وانّهم قالوا: ثمّ نترك أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نفاضل بينهم. وقالوا: كنّا نقول: إذا ذهب أبو بكر وعمر وعثمان استوى الناس فيسمع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك فلا ينكره؟.
أم هل تدري بماذا تتصوّر المفاضلة والخيرة؟ وبِمَ تتمّ؟ وأنّى تصحّ؟ بعد ثبوت ما جاء في الصحاح والمسانيد مرفوعاً من أنَّ عليّاًعليهالسلام كان أعظمهم حلماً، وأحسنهم خلقاً، وأكثرهم علماً، وأعلمهم بالكتاب والسنَّة، وأقدمهم سلماً، وأوّلهم صلاة من رسول الله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأخشنهم في ذات الله، وأقسمهم بالسويَّة، وأعدلهم في الرعيَّة، وأبصرهم بالقضيّة، وأعظمهم عند الله مزيّة، وأفضلهم في القضاء، وأوّ لهم وارداً عليّ الحوض، وأعظمهم عناءً، وأحبّهم إلى الله ورسوله، وأخصّهم عنده منزلة، وأقربهم قرابة، وأولاهم بهم من أنفسهم كما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأقربهم عهداً بهصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) وجبريل ينادي لا فتى إلّا عليّ لا سيف إلّا ذو الفقار(٢) فهل يبقى هنالك موضوعٌ للمفاضلة بعد هذه كلّها حتّى يخيّر فيه الصبيُّ إبن عمر أو غَيره، فيختارون على عليّ غيره؟ غفرانك اللّهم وإليك المصير.
قال الجاحظ: لا يُعلم رجلٌ في الأرض متى ذُكر السبق في الإسلام والتقدّم فيه، ومتى ذُكرت النجدة والذبّ عن الإسلام، ومتى ذُكر الفقه في الدين، ومتى ذُكر الزهد في الأموال التي تتناصر النّاس عليها، ومتى ذُكر الإعطاء في الماعون، كان مذكوراً في هذه الخصال كلّها إلّا عليٌّ رضي الله عنه. ثمار القلوب للثعالبي ص ٦٧.
لستُ أدري كيف ترك المخيّرون أصحاب محمَّد بعد الثلاثة لا تفاضل بينهم؟ وبماذا استوى النّاس وفيهم العشرة المبشّرة؟ وفيهم مَن رآه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شبيه عيسى في امَّته هدياً وبرّاًو نسكاً وزهداً وصدقاً وجدّاً وخَلقاً وخُلقاً(٣) .
____________________
١ - مرّت هذه الاحاديث كلها بمصادرها فى طيات الاجزاء الماضية.
٢ - راجع الجزء الثانى ص ٥٤ - ٥٦ ط ١، و ٥٩ - ٦١ ط ٢.
٣ - هو سيدنا أبو ذر راجع الجزء الثامن.
وفيهم مَن كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يراه جلدة ما بين عينيه وأنفه، طيّباً مطيّباً، قد مُلئ ايماناً إلى مشاشه، يدور مع الحقِّ أينما دار(١) .
وفيهم مَن رآهصلىاللهعليهوآلهوسلم أثقل في الميزان من اُحد، ويراه رجال الصّحابة: أشبه الناس هدياً ودلّا وسمتاً بمحمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢)
وفيهم مَن قرّبهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأدناه وعلّمه علم ما كان وما يكون(٣)
وفيهم مَن جاء فيه عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: من أراد أن ينظر إلى رجل نوّر قلبه فلينظر إلى سلمان. وقوله: إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ من أصحابي أربعة أخبرني انَّه يحبّهم، وأمرني أن احبّهم: عليّ، أبو ذر، سلمان، المقداد، وصحّ فيه قوله: سلمان منّا أهل البيت. وقال عليّ أمير المؤمنين: سلمان رجلٌ منَّا أهل البيت، أدرك علم الأوَّلين والآخرين، ما لكم بلقمان الحكيم كان بحراً لا ينزف(٤)
وفيهم العبّاس عمُّ النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يجلّه إجلال الولد والده، خاصَّة خصّ الله العبّاس بها من بين الناس، وله قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أبا الفضل! لك من الله حتّى ترضى. وخطبصلىاللهعليهوآلهوسلم في قضيّة فقال: مَن أكرم الناس على الله؟ قالوا: أنت يا رسول الله قال: فإنَّ العبّاس منِّي وأنا منه. ( مستدرك الحاكم ٣: ٣٢٥ ).
وجاء في حديث استسقاء عمر بالعبّاس عام الرمادة(٥) انَّ عمر خطب الناس فقال: يا أيُّها الناس إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده يعظّمه ويفخّمه ويبرُّ قسمه، فاقتدوا أيُّها الناس برسول الله في عمِّه العبّاس، واتَّخذوه وسيلة إلى الله عزَّ وجلَّ فيما نزل بكم(٦)
وفيهم معاذ بن جبل وقد صحَّ فيه عند القوم قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّه اعلم الأوَّلين والآخرين بعد النبيّين والمرسلين، وإنَّ الله يباهي به الملائكة(٧) .
____________________
١ - هو سيدنا عمار بن ياسر راجع من الجزء التاسع صحيفة ٢٤ - ٢٨.
٢ - هو سيدنا ابن مسعود راجع من الجزء التاسع صحيفة ٧ - ١١.
٣ - هو سيدنا حذيفة اليمانى راجع ج ٥: ٥٣ ط ١، و ٦٠ ط ٢.
٤ - تاريخ ابن عساكر ٦: ١٩٨ - ٢٠٣.
٥ - راجع ما مر فى الجزء السابع: ٣٠٠، ٣٠١.
٦ - مستدرك الحاكم ٣: ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٩، ٣٣٤.
٧ - مستدرك الحاكم ٣: ٢٧١.
وفيهم اُبيّ بن كعب وقد صحَّح الحاكم فيه قول أبي مسهر: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سمّاه سيِّد الأنصار فلم يمت حتّى قالوا: سيِّد المسلمين.(١)
وفيهم اسامة بن زيد حِبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد جاء فيه عن ابن عمر نفسه في الصحيحين قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لّما طعن بعض الناس في إمارته وقد أمّره على جيش كان فيهم أبو بكر وعمر: فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اسامة أحبُّ إليَّ ما حاشا فاطمة ولا غيرها ( مسند احمد ٢: ٩٦، ١٠٦، ١١٠ ).
إلى اناس آخرين يعُدّون في الرعيل الأوَّل من رجالات الفضائل والفواضل من اُمة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فهل كان ابن عمر يعرف هؤلاء الرجال ومبلغهم من العظمة وما ورد فيهم عن النبيِّ الأقدس من جمل الثناء عليهم ثمَّ يساوي بينهم وبين مَن عداهم نظراء أبناء هند والنابغة والزرقاء؟.
فإن كان لا يدري فتلك مصيبة |
وإن كان يدري فالمصيبة أعظمُ |
وكيف يتمُّ هذا الأختيار وقد عزى القوم إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من نبيّ إلّا وقد اعطي سبعة نجباء رفقاء واُعطيت أنا أربعة عشر: سبعة من قريش: عليّ والحسن والحسين وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر. وسبعة من المهاجرين: عبد الله بن مسعود، وسلمان، وأبو ذر، وحذيفة، وعمّار، والمقداد، وبلال؟(٣)
نعم لا يرضى ابن عمر أن يكون عليٌّ أمير المؤمنين أفضل من أحد من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى بعد عثمان وليد بيت اميّة، قتيل الصحابة العدول ومخذولهم، ولا يروقه أن يحكم بالمفاضلة بينهعليهالسلام وبين ابن هند وإن كان عالياً من المسرفين، يسمع آيات الله تُتلى عليه ثمَّ يُصرُّ مستكبراً كأن لم يسمعها، كأنَّ في اُذنيه وقراً، ولا بينه وبين ابن النابغة
____________________
١ - مستدرك الحاكم ٣: ٣٠٢.
٢ - صحيح البخارى ٥: ٢٧٩، صحيح مسلم ٧: ١٣١، صحيح الترمذى ١٣: ٢١٨، مسند احمد ٢: ٢٠.
٣ - تاريخ ابن عساكر ٥: ٢١، وفى كنز العمال نقلا عن احمد وتمام وابن عساكر من طريق على عليه السلام
الأبتر ابن الأبتر، ولا بينه وبين مغيرة بن شعبة أزنى ثقيف، ولا بينه وبين أبناء اميّة أثمار الشجرة الملعونة في القرآن من وزغ طريد إلى لعين مثله إلى فاسق مستهتر إلى فاحش متفحّش، ولا بينه وبين سلسلة الخمّارين رجال الخمور والفجور في الجاهليَّة أو - الإسلام نظراء:
أبي بكر بن شغوب.
راجع الغدير ٧: ٩٩.
أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري.
مسند أحمد ٣: ١٨١، ٢٢٧، سنن البيهقى ٨: ٢٨٦، الغدير ٧: ٩٩.
أبي عبيدة ابن الجرّاح.
مسند أحمد ٣: ١٨١، سنن البيهقي ٨: ٢٨٦، شرح صحيح مسلم
للنووي ٨: ٢٣ هامش ارشاد السارى، مجمع الزوائد ٥: ٥٢.
أبي محجن الثقفي.
تفسير القرطبى ٣: ٥٧، الاصابة ٤: ١٧٥.
اُبيّ بن كعب.
مسند أحمد ٣: ١٨١، سنن البيهقى ٨. ٢٨٦.
أنس بن مالك.
غير واحد من الصحاح والمسانيد، راجع الغدير ٧: ٩٧، ١٠١.
حسّان بن ثابت.
تفسير القرطبي ٣: ٥٦ وهو القائل:
ونشر بها فتركنا ملوكا |
واسداً ما ينهنهنا اللقاء |
خالد بن عجير.
ألاصابة ١: ٤٥٩.
سعد بن أبي وقاص.
سنن البيهقى ٨: ٢٨٥، تفسير ابن كثير ٢: ٩٥، تفسير ابى حيان ٤: ١٢،
ارشاد السارى ٧: ١٠٤، تفسير الخازن ١: ٢٥٢، تفسير الالوسى ٢: ١١،
تفسير الشوكانى ٢: ٧١.
سليط بن النعمان.
الامتاع للمقريزى ص ١١٢.
سهيل بن بيضاء.
منسد أحمد ٣: ٢٢٧، سنن البيهقي ٨: ٢٩٠، الغدير ٧: ٩٩.
ضرار بن الأزور.
تاريخ ابن عساكر ٧: ٣١، ١٣٣.
ضرار بن الخطاب.
تاريخ ابن عساكر ٧: ١٣٣.
عبد الرَّحمن بن عمر.
المعارف لابن قتيبة ص ٨٠، الغدير ٦: ٢٩٦ - ٣٠٠ ط ١.
عبد الرَّحمن بن عوف.
احكام القرآن للجصاص ٢: ٢٤٥، مستدرك الحاكم ٤: ١٤٢: وكثير من
التفاسير، وفي الحديث تحريف أشار إليه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٠٧،
راجع الغدير ٦: ٢٣٦ ط ١، و ٢٥٢ ط ٢.
عبد الله بن أبي سرح أخي عثمان من الرضاعة.
كتاب صفين ص ١٨٠.
عتبان بن مالك.
تفسير الخازن ١: ١٥٢.
عمرو بن العاص.
الغدير ٢: ١٣٦ ط ٢.
قيس بن عاصم المنقري.
تفسير القرطبي ٣: ٥٦.
كنانة بن أبي الحقيق.
الامتاع للمقريزى ص ١١٢.
معاذ بن جبل.
شرح صحيح مسلم للنووى ٨: ٢٣٢ هامش ارشاد السارى، الغدير ٧: ٩٩.
نعيم بن مسعود الأشجعي.
الامتاع للمقريزى ص ١١٢.
نعيمان بن عمرو بن رفاعة الانصاري.
الاستيعاب ١: ٣٠٨، اسد الغابة ٥: ٣٦، تاريخ ابن كثير ٨: ٧٠.
وليد بن عقبة أخي عثمان لاُمّه.
الغدير ٨: ١٢٣ - ١٢٨ ط١.
بيعة ابن عمر
تارة وتقاعسه عنها اخرى
هذه عقليَّة ابن عمر النابية عن إدراك الحقايق، وهي التي أرجأته عن بيعة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وحدته إلى بيعة عثمان ولم يتسلّل عنه حتّى يوم مقتله بعد ما نقم عليه الصحابة أجمع خلا شذاذاً منهم، بل كان هو الذي أغرى عثمان بنفسه حتّى قتل كما جاء في أنساب البلاذري ٥: ٧٦ عن نافع قال: حدّثني عبد الله بن عمر قال قال عثمان وهو محصور: ما تقول فيما أشار به عليَّ المغيرة بن الأخنس؟ قال: قلت: وما هو؟ قال: قال: إنَّ هؤلاء القوم يريدون خلعك فإن فعلت وإلّا قتلوك فدع أمرهم إليهم. قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا. قال: فقلت: فلا أرى أن تسنّ هذه السنَّة في الإسلام فكلّما سخط قومٌ أميرهم خلعوه لا تخلع قميصاً قمَّصكه الله.
وفي إثر هذا جاء في الأثر: انّ عثمان لمـّا أشرف على الناس فسمع بعضهم يقول: لا نقتله ولكن نعزله قال: أمّا عزلي فلا وأمَّا قتلي فعسى.
وهذا من أتفه ما ارتآه ابن عمر فإنّ أمره عثمان أن لا يخلع نفسه خيفة أن يطَّرد ذلك جارٍ في صورة عدم الخلع المنتهي إلى القتل الذي هو أفظع من الخلع، وفي كلِّ منهما سقوط هَيبة السلطان وزوال اُبّهة الخلافة، غير أنّ البقاء مخلوعاً اخفُّ وطأة وأبعد عن مثار الفتن، ومن المشاهد الفتن الثائرة بعد قتل عثمان من قاتليه والحاضّين عليه والمتخاذلين عنه فمن قائلة: اقتلوا نعثلاً. قتل الله نعثلاً. تطلب ثاره. ومُألِّبَين عليه أخذا بضبعي الهودج يحثَّان على الهتاف بثارات عثمان، وموَّها عليها نبح كلاب الحوأب، ومتقاعدٍ عنه بالشام حتى إذا أودي به كتّب الكتائب وخرج إلى صفّين وأزلف إليه من كان يقول لمـّا بلغه انَّه محصور: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار. ولّما بلغه مقتله قال: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع(١) قال هذا ثمّ طفق يثب مع معاوية
____________________
١ - راجع ما مرّ فى الجزء الثانى ص ١٣٩، والجزء التاسع ص ١٣٧ - ١٤٠.
يطلب الثّار، وكان من ولائد وقعة صفّين مقتل الخوارج بنهروان، فمن جرّاء هذه المعامع كانتِ مجزرة كبرى لزرافات من الصحابة والتابعين ووجهاء الأمصار ورؤساء القبائل وصلحاء المسلمين، وهل كانت هذه المفاسد إلّا ولائد ذلك الرأي الفطير الذي أسدى به ابن عمر للخليفة المقتول، ولو كان سالم القوم كما أشار إليه المغيرة بن الأخنس فخلعوه بقي حِلس بيته ولا ثائر ولا مشاغب، وبقيت بيوت المسلمين عامرة ولم تكن تنتشر الفتن في البلاد، قال ابن حجر في فتح الباري ١٣: ١٠: انتشرت الفتن في البلاد فالقتال بالجمل وبصفّين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان بسبب التحكيم بصفّين، وكلُّ قتال وقع في ذلك العصر إنّما تولّد عن شيء من ذلك أو عن شيء تولّد عنه.ا ه. وقال في ص ٤٢: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّ عثمان: بلاءٌ يصيبنه. هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثمّ في صفّين وما بعد ذلك. ه.
ونحن لا نعرف لابن عمر حجّة فيما ارتكبه من البيعة والقعود إلّا ما نحته له ابن حجر في فتح الباري ٥: ١٩ بقوله: لم يذكر ابن عمر خلافة عليّ لأنّه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه كما هو مشهور في صحيح الأخبار، وكان رأي ابن عمر انّه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يبايع ايضاً لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية ثمَّ لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير.اهـ.
وقال في الفتح ايضاً ج ١٣: ١٦٥: كان عبد الله بن عمر في تلك المدَّة إمتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع أن يبايع لعليّ أو معاوية، ثمّ بايع لمعاوية لّما اصطلح مع الحسن بن علي، واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثمَّ امتنع من المبايعة لأحد حال الإختلاف إلى أن قتل ابن الزبير وانتظم الملك كلّه لعبد الملك فبايع له حينئذ.
هذه حجَّة داحضة موّه بها ابن حجر على الحقايق الراهنة لتغرير امّة جاهلة، و لعلّه اتَّخذها ممّا جاء في الحديث من انّه لّما تخلّف عبد الله بن عمر عن بيعة عليّعليهالسلام أمر باحضاره فاُحضر فقال له: بايع. قال: لا اُبايع حتّى تبايع جميع الناس. قال له عليٌّعليهالسلام فأعطني حَميلاً(١) أن لا تبرح. قال: ولا اعطيك حَميلاً. فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين!
____________________
١ - الحميل كفعيل: الكفيل.
إنّ هذا قد أمن سوطك وسيفك، فدعني أضرب عنقه. قال: لست اُريد ذلك منه على كره خلّوا سبيله. فلمّا انصرف قال أمير المؤمنينعليهالسلام : لقد كان صغيراً وهو سيّءُ الخُلق وهو في كبره أسوأ خُلقاً. وروي انَّه أتاه في اليوم الثاني فقال: انّي لك ناصح إنَّ بيعتك لم يرض بها الناس كلهم، فلو نظرت لدينك ورددت الأمر شورى بين المسلمين. فقال عليٌّعليهالسلام : ويحك وهل ما كان عن طلب منّي؟ ألم يبلغك صنيعهم بي؟ قم يا أحمق، ما أنت وهذا الكلام؟ فخرج ثمَّ أتى عليّاًعليهالسلام آت في اليوم الثالث فقال: إنّ ابن عمر قد خرج إلى مكّة يفسد الناس عليك فأمر بالبعثة في أثره فجاءت امّ كلثوم ابنته فسألته وضرعت إليه فيه وقالت: يا أمير المؤمنين! انَّما خرج إلى مكّة ليقيم بها، وانَّه ليس بصاحب سلطان، ولا هو من رجال هذا الشأن، وطلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لأنّه ابن بعلها فأجابها وكفّ البعثة إليه وقال: دعوه وما أراد.
جواهر الأخبار للصعدي المطبوع في ذيل كتاب البحر الزخّار ج ٥: ٧١.
هلّموا معي يا امّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم نسائل ابن عمر، هلاّ بايع هو أبا بكر ولم يجتمع عليه الناس، وانعقدت بيعته باثنين أو أربعة أو خمسة كما مرّ في ج ٧ ص ١٤١ ط ١؟ والإختلاف هنالك كان قائماً على ساق، وهو الذي فرّق صفوف الامّة حتّى اليوم، وكان ابن عمر ينظر إليه من كثب، ثمَّ لحقتها موافقة الناس بالإرهاب في بعض، وإطماع في آخرين، وأمر دبّر بليل بين لفيف من زبانية الخلافة، وتمَّت بعد وصمات مرَّ الايعاز إليها في الجزء السابع ص ٧٤ - ٨٧، تمّت وصدور امّة صالحة واغرة عليها وعلى من تقمّصها، وهو يعلم أنَّ محلّ عليّعليهالسلام منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل، ولا يرقى إليه الطير.
وأمّا أبوه فلم يثبت أمره إلّا بتعيين أبي بكر إيّاه، فيا عجباً يستقيلها في حياته إذا عقدها لآخر بعد وفاته، لشدَّ ما تشطَّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها والإعتذار منها(١) والناس متذمِّرٌ على المستخلف كلّهم ورمٌ أنفه من ذلك قائلين: ما تقول لربِّك وقد ولَّيت علينا فظّاً غليظاً؟ ثمَّ
____________________
١ - جمل لمولانا أمير المؤمنين من خطبته الشقشقية راجع ج ٧: ٨١ ط ٢.
ألحقت الناس به العوامل المذكورة.
وأمّا حديث الشورى، وما أدراك ما حديث الشورى؟ فسل عنه سيف عبد الرّحمن بن عوف الذي لم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، واذكر قوله لعلّي: بايع وإلّا ضربت عنقك أو قوله له: لا تجعلنَّ على نفسك سبيلا كما ذكره البخاري والطبري وغيرهما(١) وزاد ابن قتيبة: فانّه السيف لا غير. أو قول أصحاب الشورى لمـّا خرج عليٌّ مغضباً ولحقوه: بايع وإلّا جاهدناك(٢) أو قول أمير المؤمنين: متى اعترض الريب فيَّ مع الأوَّل منهم حتى صرت اُقرن إلى هذه النظائر، لكنّي أسففت إذا سفّوا، وطرت إذا طاروا، فصغا رجلٌ منهم لضغنه، ومال آخر لصهره مع هنٍ وهنٍ. الخ(٣)
لكن إبن عمر - على زعم ابن حجر - لا يرى كلَّ هذه خلافاً في خلافة القوم، ولا في معاوية من إنجاز الأمر بعد أمير المؤمنين عليعليهالسلام بين السيف والمطامع، وفي القلوب منه ما فيها إلى أن لفظ نفسه الأخير، هذا سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشّرة ومن رجال الشورى الستّ تخلّف عن بيعته، دخل على معاوية فقال له: السَّلام عليك أيّها - الملِك فقال له: فهلّا غير ذلك؟ أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال سعد: نعم إن كنّا أمّرناك وفي لفظ: نحن المؤمنون ولم نؤمّرك. فقال معاوية: لا يبلغني انَّ أحداً يقول: إنَّ سعداً ليس من قريش إلّا فعلت به وفعلت، إنَّ سعداً الوسط في قريش. ثابت النسب(٤) .
وهذا ابن عبّاس وهو يجابه معاوية ويدحض حجّته، قال عبيد الله بن عبد الله المديني: حجَّ معاوية فمرَّ بالمدينة فجلس في مجلس فيه سعد وفيه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبّاس فالتفت إلى عبد الله بن العبّاس فقال: يا أبا عبّاس إنَّك لم تعرف حقَّنا من باطل غيرنا، فكنت علينا ولم تكن معنا، وأنا ابن عمّ المقتول ظلماً يعني عثمان وكنت أحقّ بهذا الأمر من غيري. فقال ابن عباس: أللهمَّ إن كان هكذا فهذا - وأومأ إلى ابن عمر - أحقّ بها منك لأنّ أباه قتل قبل ابن عمّك. فقال معاوية: ولا سواء إنَّ أباه هذا قتله المشركون، وابن عمي
____________________
١ - صحيح البخارى باب كيف يبايع الامام ج ١٠: ٢٠٨، تاريخ الطبرى ٥: ٣٧، ٤٠، الامامة والسياسة ١: ٢٥، الكامل لابن الاثير ٣: ٣٠، الصواعق ص ٣٦، فتح البارى ١٣: ١٦٨، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٠٢.
٢ - أنساب البلاذرى ٥: ٢٢.
٣ - راجع الجزء السابع ص ٨١.
٤ - تاريخ ابن عساكر ٥: ٢٥١ و ج ٦: ١٠٦.
قتله المسلمون. فقال ابن عبّاس: هم والله أبعد لك وأدحض لحجَّتك. فتركه(١) .
وأنكرت عائشة على معاوية في دعواه الخلافة وبلغه ذلك فقال: عجباً لعائشة تزعم انِّي في غير ما أنا أهله وانَّ الذي أصبحت فيه ليس لي بحقّ، ما لها ولهذا يغفر الله لها إنَّما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس وقد استأثر الله به. فقال الحسن بن علي ( عليهما السلام ) أوَ عجب ذلك يا معاوية؟ قال: اي والله قال: أفلا اُخبرك بما هو أعجب من هذا؟ قال: ما هو؟ قال: جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك ( شرح ابن أبي الحديد ٤: ٥ ).
وهكذا كان أكابر الصحابة مناوئين له في المدينة الطيِّبة فأسمعوه النكير، وسمعوا إدّاً من القول. ورأوا إمراً من أمره، وشاهدوا منه أحداثاً وبدعاً في الدين الحنيف تخلد مع الأبد، وعاينوا منه جنايات على الاُمّة الاسلاميَّة وصلحائها وعظمائها من هتك و حبس وشتم وسبّ مقذع وضرب وتنكيل وعذاب وقتل قطّ لا تُغفر له - وحاش لله أن يغفرها له - دع عمر بن عبد الغزيز يرى في الطيف انّه مغفور له(٢) - وتذمّرت عليه صلحاء اُمَّة محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم لما جاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه من لعنه والتخذيل عنه، وأمره الصحابة بقتاله، وتوصيفه فئته بالقسط وانّها الفئة الباغية، وقوله السائر الدائر: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(٣) وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم الخلافة بالمدينة والملك بالشام(٤)
ليت شعري أين كان ابن عمر من هذه كلّها ومن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحاسم لمادَّة النزاع: ستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الاوَّل فالاوَّل(٥) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما(٦) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الامَّة وهي
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٦: ١٠٧.
٢ - سيوافيك تفصيله انشاء الله تعالى.
٣ - كنوز الدقائق للمناوى ص ١٠. اخرجه ابن عدى عن أبى سعيد والعقيلى عن طريق الحسن وسفيان بن محمد من طريق جابر وغيرهم. وسيوافيك الكلام فى اسناده انشاء الله تعالى.
٤ - تاريخ ابن كثير ٦: ٢٢١.
٥ - صحيح مسلم ٦: ١٧، سنن ابن ماجة ٢: ٢٠٤، سنن البيهقى ٨. ١٤٤ عن الشيخين، تيسير الوصول ٢: ٣٥ عن الشيخين ايضاً، مسند أحمد ٢: ٢٩٧، المحلى ٩: ٣٦٠.
٦ - صحيح مسلم ٦: ٢٣، مستدرك الحاكم ٢: ١٥٦، سنن البيهقى ٨. ١٤٤، الفصل لابن حزم ٤: ٨٨، المحلى ٩: ٣٦٠، تيسير الوصول ٢: ٣٥.
جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان. وفي لفظ: فاقتلوه(١) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرِّق جماعتكم فاقتلوه(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص: من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. قال عبد الرَّحمن بن عبد ربّ: فدنوت منه فقلت له: انشدك الله أنت سمعت هذا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأهوى إلى اُذنيه وقلّبه بيديه. وقال: سمعته اُذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمّك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله عزّ وجل يقول: يا أيُّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما. قال: فسكت ساعة ثمَّ قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله(٣) .
قال النووي في شرح مسلم هامش ارشاد الساري ٨: ٤٣: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. معناه: ادفعوا الثاني فانّه خارجٌ على الإمام، فإن لم يندفع إلّا بحرب وقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله ولا ضمان فيه لأنّه ظالمٌ متعدّ في قتاله.
قال: قوله: فقلت له: هذا ابن عمِّك معاوية. إلى آخره. المقصود بهذا الكلام انَّ هذا القائل لمـّا سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأوَّل وانَّ الثّاني يُقتل فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليّاً رضي الله عنه وكانت قد سبقت بيعة عليّ فرأى هذا انَّ نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب عليّ ومنازعته ومقاتلته إيّاه من أكل المال بالباطل، ومن قتل النّفس، لأنّه قتالٌ بغير حقٍّ فلا يستحقُّ أحدٌ مالاً في مقاتلته.
____________________
١ - صحيح مسلم ٦: ٢٢، مستدرك الحاكم ٢: ١٥٦، سنن البيهقى ٨. ١٦٨، ١٦٩.
٢ - صحيح مسلم ٦: ٢٣، سنن البيهقى ٨: ١٦٩، تيسير الوصول ٢: ٣٥، المحلى ٩: ٣٦٠.
٣ - صحيح مسلم ٦: ١٨، سنن البيهقى ٨: ١٦٩، سنن ابن ماجة ٢: ٤٦٧، المحلّى ٩: ٣٦٠.
وقال ص ٤٠ في شرح قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ستكون خلفاء فتكثر. الحديث: معنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأوَّل صحيحةٌ يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلةٌ يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأوّل أم جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل: تكون لمن عقدت في بلد الإمام. وقيل: يقرع بينهم. وهذان فاسدان، واتّفق العلماء على أنّه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتّسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه « الإرشاد »(١) : قال أصحابنا لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي انّه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمعٌ عليه، قال: فإن بعد ما بين الإمامين وتخلّلت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجالٌ، وهو خارجٌ عن القواطع. وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الاصول، وأراد به إمام الحرمين، وهو قولٌ فاسدٌ مخالفٌ لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم. اهـ
فكان من واجب ابن عمر نظراً إلى هذه النصوص أن يبايع عليّاً ولا يتقاعد عن بيعته وقد بايعه المهاجرون والأنصار والبدريّون وأصحاب الشجرة على بكرة أبيهم، قال ابن حجر في فتح الباري ٧: ٥٨٦: كانت بيعة عليّ بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجّة سنة ٣٥ فبايعه المهاجرون والأنصار وكلّ من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلّهم إلّا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعدُ ما كان. ه
وكان من واجب الرجل قتال معاوية الخارج على الإمام الطاهر إن كان هو عضادة الدين آخذاً بطقوسه، تابعاً سَننه اللاحب، مؤمناً بما جاء به نبيّه الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم بل الأمر كما قال عبد الله بن هاشم المرقال في كلمة له: فلو لم يكن ثواب ولا عقاب، ولا جنّة ولا نار، لكان القتال مع عليّ أفضل من القتال مع معاوية بن أكّالة الأكباد. كتاب صفّين ص ٤٠٥.
متى اختلف في بيعة عليّ أمير المؤمنين اثنان من رجال الحلّ والعقد من صلحاء الاُمّة؟ ومتى تمّت كلمة الاُمّة في بيعة خليفة منذ اسّس الإنتخاب الدستوري مثل
____________________
١ - راجع الارشاد ص ٥٢٥ طبع مكتبة الخانجي.
ما تمّت لعليّعليهالسلام ؟ ولم يكن متقاعسٌ عن بيعته سلام الله عليه إلّا شرذمة المعتزلة العثمانيّين وهم سبعة وثامنهم ابن عمر كما مرَّ في الجزء السابع ص ١٤٢، فما الذي جعل بيعة اُناس معدودين لم تبلغ عدّتهم عشرة اجماعاً واتفاقاً في بيعة أبي بكر، وأوجب على ابن عمر اتّباعهم، وحرَّم عليه التزحزح عنهم؟ وجعل إجماع الاُمّة مِن المهاجرين والأنصار ورجال الأنصار على بيعة عليّ أمير المؤمنين وتخلّف عدّة تعدُّ بالأنامل عنها خلافاً وتفرّقاً؟.
وليت ابن عمر إن كان لم يأخذ بحكم الكتاب والسنّة في الإستخلاف كان يأخذ برأي أبيه فيه وقد سمعه يقول: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثمّ في أهل اُحد ثمَّ في كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء(١) .
وقال في كلام له: لا تختلفوا فانّكم إن اختلفتم جاءكم معاوية من الشام وعبد الله ابن أبي ربيعة من اليمن فلا يريان لكم فضلاً لسابقتكم، وإنّ هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء(٢) .
ولعلّ هذا الرأي كان من المتسالم عليه عند السلف وبذلك احتج مولانا أمير المؤمنين على معاوية في كتاب له كتب إليه بقول: واعلم أنّك من الطلقاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الإمامة، ولا يدخلون في الشورى(٣) .
وكتب ابن عبّاس إلى معاوية: ما أنت وذكر الخلافة؟ وإنّما أنت طليق بن طليق والخلافة للمهاجرين الأوّلين، وليس الطلقاء منها في شيء(٤) وفي لفظ: إنّ الخلافة لا تصلح إلّا لمن كان في الشورى فما أنت والخلافة؟ وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر.
ومن كلام لابن عبّاس يخاطب أبا موسى الأشعري: ليس في معاوية خلّةٌ يستحقُّ بها الخلافة وأعلم يا أبا موسى؟ انّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه رأس الأحزاب،
____________________
١ - طبقات ابن سعد ط ليدن ٣: ٢٤٨، فتح البارى ١٣: ١٧٦، اسد الغابة ٤: ٣٨٧.
٢ - الاصابة ٢: ٣٠٥.
٣ - الامامة والسياسة ٧١ وفى ط ٨١، العقد الفريد ٢: ٢٣٣ وفى ط ٢٨٤، نهج البلاغة ٢: ٥، شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٤٨، و ج ٣: ٣٠٠.
٤ - الامامة والسياسة ١: ٨٥، وفى ط ٩٧، شرح ابن ابى الحديد ٢: ٢٨٩.
وانّه يدّعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة(١) .
ومن كتاب لمسور بن مخرمة،(٢) إلى معاوية: انّك أخطأت خطأ عظيماً، واخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة يا معاوية؟ وأنت طليق وأبوك من الأحزاب؟ فكفَّ عنّا فليس لك قبلنا وليٌّ ولا نصير(٣) .
وفي مناظرة لسعنة بن عريض الصحابي مع معاوية: منعت ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الخلافة، وما أنت وهي وأنت طليق بن طليق؟ يأتي تمام الحديث انشاء الله تعالى.
وعاتب عبد الرَّحمن بن غنم الأشعري الصحابي(٤) ابا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذا انصرفا من عند عليّ رضي الله عنه رسولين لمعاوية وكان ممّا قال لهما: عجباً منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليّاً إلى أن يجعلها شورى؟ وقد علمتما أنّه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق، وإنَّ من رضيه خيرٌ ممّن كرهه، ومن بايعه خيرٌ ممّن لم يبايعه، وأيّ مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة؟ وهو وأبوه من رؤوس الأحزاب. فندما على مسيرهما وتابا منه بين يديه(٥) .
ومن كلام لصعصعة بن صوحان يخاطب به معاوية: انَّما أنت طليق به طليق، أطلقكما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فانَّى تصحّ الخلافة لطليق؟!(٦) .
فأين يقع عندئذ معاوية الطليق ابن الطليق من الخلافة؟ وأيّ قيمة في سوق الإعتبار لرأي ابن عمر؟ وما الذي يبرّر بيعته إيَّاه إن لم يبرّرها عداء سيِّد العترة؟
____________________
١ - شرح ابن أبى الحديد ١: ١٩٥.
٢ - نسب هذا الكتاب فى كتاب صفين ص ٧٠ إلى عبد الله بن عمر وهو وهم، والابيات التى كتبها رجل من الانصار مع الكتاب تكذّب تلك النسبة. فراجع.
٣ - الامامة والسياسة ١: ٧٥، وفى ط ٨٥.
٤ - قال ابو عمر فى الاستيعاب: كان من افقه أهل الشام، وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام وكانت له جلالة وقدر.
٥ - الاستيعاب ترجمة عبد الرحمن ج ٢: ٤٠٢، اسد الغابة ٣: ٣١٨.
٦ - مروج الذهب ١: ٧٨، يأتي تمام الكلام في هذا الجزء انشاء الله تعالى.
أىّ إجماع على بيعة يزيد؟
ثمَّ أيّ إجماع صحيح من رجال الدين صحّح لابن عمر بيعة يزيد الممجوج عند الصحابة والتابعين، المنبوذ لدى صلحاء الاُمّة، المعروف بالخلاعة والمجون والخمور والفجور على حدِّ قول شاعر القضاة الاستاذ بولس سلامة في ملحمة الغدير ص ٢١٧:
رافع الصوت داعياً للفلاحِ |
اخفض الصوت في أذان الصباحِ |
|
وترفَّق بصاحب العرش مشغو |
لاً عن الله بالقيان الملاحِ |
|
ألف « الله أكبر » لا يساوي |
بين كفّي يزيد نهلة راحِ |
|
تتلظّى في الدنان بكراً فلم |
تدنس بلثم ولا بماء قراحِ |
والاُمّة مجمعة على شرطيّة العدالة في الإمامة، قال القرطبي في تفسيره ١: ٢٣١: الحادي عشر - من شروط الإمامة - أن يكون عدلاً لأنّه لا خلاف بين الاُمّة انَّه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم لقولهعليهالسلام : أئمّتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون. وفي التنزيل في وصف طالوت: إنَّ الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم. فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوَّة.
وقال في صفحة ٢٣٢: الإمام إذا نصب ثمّ فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنَّه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنَّه قد ثبت أنَّ الإمام إنّما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في اُمورهم إلى غير ذلك ممّا تقدّم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الامور والنهوض فيها، فلو جوَّزنا أن يكون فاسقاً أدّى إلى إبطال ما اُقيم لأجله، ألا ترى في الإبتداء إنّما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنّه يؤدِّي إلى إبطال ما اُقيم له وكذلك هذا مثله. ه.
أجل: المائة ألف المقبوضة من معاوية لتلك البيعة الغاشمة(١) جعلت الفرقة لابن عمر إجماعاً، والإختلاف إصفاقاً، كما فعلت مثله عند غير ابن عمر من سماسرة النهمة
____________________
١ - سنن البيهقى ٨:١٥٩، حلية الأولياء ١: ٢٩٦، تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٧، ج٩: ٥، فتح الباري ١٣: ٥٩.
والشرَه، فركضوا إلى البيعة ضابحين يقدمهم عبد الله فبايعه بعد أبيه وكتب إليه ببيعته، ونصب عينه الناهض الكريم، والفادي الأقدس، الحسين السبط سلام الله عليه المتحلّي بآصرة النبوَّة، وشرف الإمامة، وعلم الشريعة، وخلق الأنبياء، والفضائل المرموقة، سيّد شباب أهل الجنّة أجمعين، وقد حنّت إليه القلوب، وارتمت إليه الأفئدة فرحين بكسر رتاج الجور، ورافضين لمن بعده.
لكن الرجل لم يتأثَّر بكلّ هذه ولم يرها خلافاً، ونبذ وصيّة نبيّه الكريم وراء ظهره ولم يعبأ بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنَّ ابني هذا - يعني الحسين - يُقتل بأرض يقال لها: كربلا. فمن شهد ذلك منكم فلينصره(١) نعم: نصر ذلك المظلوم قرّة عين رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بتقرير بيعة يزيد. وحسبانها بيعة صحيحة، كان ينهى عن نكثها عند مرتجع الوفد المدني من الشّام وقد شاهدوا منه البوائق والموبقات معتقدين خروجه عن حدود الإسلام قائلين: إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الحُرّاب والفتيان، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه. فتابعهم الناس(٢) وقال ابن فليح: إنَّ أبا عمرو بن حفص وفد على يزيد فأكرمه وأحسن جائزته، فلمّا قدم المدينة قام إلى جنب المنبر وكان مرضيّاً صالحاً فقال: ألم احبّ؟ ألم اُكرم؟ والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصَّلاة سكراً. فأجمع الناس على خلعه بالمدينة(٣) .
وكان مسور بن مخرمة الصحابيّ ممّن وفد إلى يزيد، فلمّا قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر فكُتب إلى يزيد بذلك فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسوراً الحدّ فقال أبو حرَّة:
أيشربها صحباء كالمسك ريحها |
أبو خالد والحدَّ يضرب مسورُ(٤) |
قد جبههم ابن عمر بما جاء هو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما فصّلناه في الجزء السابع
____________________
١ - الاصابة ٢: ٦٨.
٢ - تاريخ الطبرى ٧: ٤، انساب البلاذرى ٥: ٣١، فتح البارى ١٣: ٥٩. يأتى الحديث على تفصيله فى هذا الجزء.
٣ - تاريخ ابن عساكر ٧: ٢٨٠.
٤ - انساب الاشراف للبلاذرى ٥: ٣١.
ص ١٤٥، جمع أهل بيته وحشمه ومواليه وقال: لا يخعلن أحدٌ منكم يزيد ولا يشرفن أحدٌ منكم في هذا الأمر فيكون صيلماً بيني وبينه. وفي لفظ البخاري: إنِّي لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلّا كانت الفيصل بيني وبينه.
وتمسَّك في تقرير تلك البيعة الملعونة بما عزاه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قول: إنَّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان. جهلاً منه بأساليب الكلام لما هو المعلوم من أنَّ مصداق هذا الكلّيّ هو الفرد المتأهّل للبيعة الدينيَّة بيع الله ورسوله، لا من هو بمنتأى عن الله سبحانه، وبمجنب عن رسوله، كيزيد الطاغية أو والده الباغي.
ومهما ننس من شيء فإنّا لا ننسى مبدء البيعة ليزيد على عهد ابن آكلة الأكباد بين صفيحة مسلولة ومنيحة مُفاضة، أقعدت هاتيك مَن نفى جدارة الخلافة عن يزيد، وأثارت هذه سماسرة الشهوات، فبايعوا بين صدور واغرة، وأفئدة لا ترى ما تأتي به من البيعة إلَّا هزوا.
وفي لهوات الفضاء وأطراف المفاوز كلُّ فارّ بدينه متعوِّذين من معرَّة هذه البيعة الغاشمة، وكان عبد الله نفسه ممَّن تأبّى عن البيعة(١) لأوَّل وهلة من قبل أن يتذوَّق طعم هاتيك الرضيخة، - مائة ألف - وكان يقول: إنَّ هذه الخلافة ليست بهرقليّة ولا قيصريّة ولا كسرويّة يتوارثها الأبناء على الآباء(٢) وبعد أن تذوَّقه كان لم يزل بين اثنتين: فضيحة العدول عن رأيه في يزيد، ومغبَّة التمرّد عليه، لا سيّما بعد أخذ المنحة، فلم يبرح مُصانعاً حتى بايعه بعد أبيه، ولمـّا جاءت بيعته قال: إن كان خيراً رضينا، وإن كان بلاءً صبرنا(٣) ونحت لذلك التريّث حجّة تافهة من أنّ المانع عن البيعة كان هو وجود أبيه.
وكان ليزيد أن يناقشه الحساب بأنَّ أباه لم يكن يأخذ البيعة له في عرض بيعته، وإنّما أخذها طوليّة لما بعده، لكنّه لم يناقشه لحصول الغاية.
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ١٤٣، تاريخ الطبرى ٦: ١٧٠، تاريخ ابن كثير ٨: ٧٩، لسان الميزان ٦: ٢٩٣
٢ - الامامة والسياسة ١: ١٤٣.
٣ - لسان الميزان ٦: ٢٩٤.
هذه صفة بيعة يزيد منذ أوّل الأمر ولمـّا هلك أبوه ازدلفت إليه روّاد المطامع نظراء ابن عمر في نهيق ورغاء يجدِّ دون ذلك الإرهاب والإطماع، فمن جرّاء تقريرهم بيعة ذلك المجرم المستهتر، وتعاونهم عَلى الإثم والعدوان، والله يقول: تعاونوا على البرِّ والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وشقّهم عصا المسلمين، وخلافهم الاُمّة الصالحة من الصحابة والتابعين لهم باحسان، جهّز يزيد جيش مسلم بن عقبة، وأباح له دماء مجاوري رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأموالهم، فاستباحها ثلاثة أيّام نهباً وقتلاً، وقتل من حملة القرآن يوم ذاك سبعمأة نفس، وحكى البلاذري: انّه قتل بالحرّة من وجوه قريش سبعمائة رجل وكسر، سوى من قُتل من الأنصار، وفيهم ممّن صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جماعة، وممّن قُتل صبراً من الصحابة عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وقتل معه ثمانية من بنيه، ومعقل بن سنان الأشجعي، و عبد الله بن زيد، والفضل بن العباس بن ربيعة، وإسماعيل بن خالد، ويحيى ابن نافع، وعبد الله بن عتبة، والمغيرة بن عبد الله، وعياض بن حُمير، ومحمّد بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن أبي عمرو، وعبيد الله وسليمان إبنا عاصم، ونجا الله أبا سعيد وجابراً وسهل بن سعد(١) وقد جاء في قتلى الحرَّة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انّهم خيار اُمّتي بعد أصحابي(٢) ثمَّ بايع من بقي على أنّهم عبيد ليزيد ومن امتنع قُتل(٣) ووقعت يوم ذاك جرائم وفجائع وطامّات حتّى قيل: انّه قُتل في تلكم الأيّام نحو من عشرة آلاف انسان سوى النساء والصبيان، وافتضَّ فيها نحو ألف بكر، وحبلت ألف امرأة في تلك الأيّام من غير زوج(٤) ولمـّا بلغ يزيد خبر تلك الوقعة المخزية قال:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الاسل(٥) |
فاتَّبع ابن عمر في بيعة يزيد إجماع اولئك الأوباش سفلة الأعراب وبقيَّة الأحزاب ولم يعبأ باجماع رجال الحلّ والعقد من أبناء المهاجرين والأنصار، وخيرة الخلف للسلف
____________________
١ - انساب البلاذرى ٥: ٤٢، الاستيعاب ١: ٢٥٨، تاريخ ابن كثير ٨: ٢٢١، الاصابة ٣: ٤٧٣، وفاء الوفاء ١: ٩٣.
٢ - الروض الانف ٥: ١٨٥.
٣ - لسان الميزان ٦: ٢٩٤.
٤ - تاريخ ابن كثير ٨: ٢٢١، الاتحاف ص ٢٢، وفاء الوفاء ١: ٨٨.
٥ - انساب الاشراف للبلاذرى ٥: ص ٤٢.
الصالح وفيهم مَن فيهم، فساهم يزيد وفئته الباغية في دم سبط الشهيد الطاهر ومَن قُتل يوم الحرَّة وفي جميع تلكم المآثم التي جنتها يد يزيد الأثيمة، والله يَعلم منقلبهم ومثواهم.
ألا تعجب من ابن عمر وهو يرى يزيد الكفر والإلحاد وأباه الغاشم الظلوم ومن يتلوهما في الفسوق صلحاء لا يوجد مثلهم؟ أخرج ابن عساكر من عدَّة طرق كما قاله الذهبي وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٤٠ عن ابن عمر إنَّه قال: أبو بكر الصدِّيق أصبتم إسمه، عمر الفاروق قِرنٌ من حديد أصبتم إسمه، ابن عفان ذو النورين قُتل مظلوماً يؤتى كفلين من الرَّحمة، ومعاوية وإبنه ملكا الأرض المقدّسة، والسفاح وسلام ومنصور وجابر والمهدي والأمين وأمير العصب كلّهم من بني كعب بن لوي، كلّهم صالحٌ لا يوجد مثله.
وفي لفظ: يكون على هذه الاُمّة اثنا عشر خليفة أبو بكر الصدّيق أصبتم اسمه، عمر الفاروقِ قرنٌ من حديد أصبتم اسمه، عثمان بن عفَّان ذو النورين قُتل مظلوماً اوتي كفلين من الرَّحمة، ملك الأرض المقدَّسة، معاوية وابنه، ثمّ يكون السفّاح ومنصور وجابر والأمين وسلام(١) وأمير العصب لا يرى مثله ولا يدرى مثله، كلّهم من بني كعب ابن لوي فيهم رجلٌ من قحطان، منهم مَن لا يكون ملكه إلَّا يومين، منهم من يقال له لتبايعنا أو لنقتلنَّك فإن لم يبايعهم قتلوه [كنز العمّال ٦: ٦٧] ومن جرّاء هذا الرأي الباطل قُتل الصحابيُّ بن الصحابيِّ محمّد بن أبي الجهم لمـّا شهد على يزيد بشرب الخمر كما في الإصابة ٣: ٤٧٣.
____________________
١ - سقط من هذا اللفظ « المهدى » وهو ثانى عشرهم.
أخبار ابن عمر ونوادره
هذه عقليّة ابن عمر في باب الخلافة، فما قيمة رأيه وقوله واختياره فيها وفي غيرها، وله أخبارٌ تنمُّ عن ضئولة رأيه وسخافة فكرته، وأخبارٌ تدلُّ على مناوئته أمير المؤمنينعليهالسلام وانحيازه عنه، وتحيّزه إلى الفئة الأمويّة الباغية، فلا حجّة فيما يرتأيه في أيّ من الفئتين. ومن نماذج الفريق الأوّل من أخباره قوله: ما اُعطي اُحدٌ بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الجماع ما اُعطيت أنا(١) وهو يُعطينا انّه رجلٌ شهويٌّ لا صلة له بغيرها ومن ضعف رأيه انِّه حسب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثله بل أربى منه في الجماع، جهلاً منه بأنَّ ملكات صاحب الرّسالة وقواه كلّها كانت متعادلة ثابتة على نقطة المركز قد تساوت إليها خطوط الدائرة، فإذا آن لهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يفخر فخر بجميعها على حدّ واحد لا كابن عمر شهوة قويّة مهلكة، وعقليّة ضعيفة يباهي بالجماع وقد ترك غيره، وهي التي كانت تحذِّر أباه من أن يأذن له بالجهاد حين استأذنه له فقال: أي بُنيَّ أنّي أخاف عليك الزنا(٢) فما قيمة رجل في مستوى الدين، وهو يُمنع عن مواقف الجهاد حذراً من معرَّة شهوته الغلبة، وسقطات شغبه وشبقه؟!.
نعم: كان لابن عمر أن يُشبّه نفسه بأبيه - ومن يشابه أبه فما ظلم - إذ له كلمةٌ قيّمةٌ في النكاح تُعرب عن قوَّة شهوته قال محمّد بن سيرين قال عمر بن الخطاب: ما بقي فيَّ شيءٌ من أمر الجاهليّة إلّا أنِّي لست اُبالي أيّ الناس نكحت وأيّهم أنكحت.
أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣: ٢٠٨، ورواه عبد الرزّاق كما في كنز العمّال ٨: ٢٩٧.
ومن جرّاء تلك النزعة الجاهليّة التي كانت قد بقيت فيه قحم في مآثم سجّلها له التاريخ، جاء عنه انّه أتى جارية له فقالت: إنِّي حائضٌ فوقع بها فوجدها حائضاً فأتى النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم فذكر له ذلك، فقال: يغفر الله لك يا أبا حفص! تصدّق بنصف دينار(٣)
____________________
١ - نوادر الاصول للحكيم الترمذى ص ٢١٢.
٢ - سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزى ص ١١٥، وفى طبع ص ١٣٨.
٣ - المحلى لابن حزم ٢: ١٨٨، سنن البيهقى ١: ٣١٦، كنز العمال ٨: ٣٠٥ نقلا عن ابن ماجة واللفظ له.
وسوّلت له نفسه ليلة الصيام قبل حليّة الرفث فيها وواقع أهله فغدا على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: اعتذر إلى الله وإليك، فإنَّ نفسي زيّنت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال: لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر! فنزلت:( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) . الآية(١) .
وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى عن عليّ بن زيد: إنَّ عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد الله بن أبي بكر فمات عنها واشترط عليها ألا تزوّج بعده فتبتّلت فجعلت لا تتزوّج وجعل الرجال يخطبونها وجعلت تأبى فقال عمر لولّيها: اذكرني لها فذكره لها فأبت على عمر أيضاً فقال عمر: زوّجنيها، فزوّجه إيّاها، فأتاها عمر فدخل عليها فعاركها حتّى غلبها على نفسها فنكحها فلمّا فرغ قال: اف اف اف افف بها، ثمَّ خرج من عندها وترك لا يأتيها، فأرسلت إليه مولاة لها أن تعال فإنِّي سأتهيّأ لك(٢) .
أيصحّ عن رجل هذا شأنه ما عزاه اليه الزمخشري في ربيع الأبرار ب ٦٨ من قوله: إنِّي لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله نسمة تسبّحه وتذكّره؟!
( ومنها ) : عن الهيثم عن إبن عمر أتاه رجل فقال: إنّي نذرت أن أقوم على حراء عرياناً يوماً إلى اللّيل. فقال: اوف بنذرك. ثمَّ أتى ابن عباس فقال له: أوَ لست تصلّي؟ قال له: أجل قال: أفعرياناً تصلّي؟ قال: لا. قال: أوَ ليس حنثت؟ إنمّا أراد الشيطان أن يسخر بك ويضحك منك هو وجنوده، إذهب فاعتكف يوماً وكفّر عن يمينك. فأقبل الرَّجل حتى وقف على ابن عمر فأخبره بقول ابن عبّاس فقال: ومن يقدر منّا على ما يستنبط ابن عبّاس؟(٣)
ها هنا يوقفنا السير على مبلغ الرجل من العلم بالأحكام، أيُّ فقيه هذا لا يعرف حكم النذر وانّه لا بدّ فيه من الرجحان في المنذور، وانَّ نذر التافهات وما ينكره العقل لا ينعقد قطّ؟ وهل مثل هذا يُعدّ من المعضلات حتى لا يقدر على عرفانه غير ابن عبّاس؟.
____________________
١ - تفسير الطبرى ٢: ٩٦، تفسير ابن كثير ١: ٢٢٠، تفسير القرطبى ٢: ٢٩٤، و تفاسير اخرى.
٢ - طبقات ابن سعد، كنز العمال ٧: ١٠٠، منتخب الكنز هامش مسند أحمد ٥: ٢٧٩.
٣ - كتاب الآثار ص ١٦٨ متنا وتعليقا.
ويكفي الرجل جهلاً انّه ما كان يحسن طلاق زوجته، وقد عجز واستحمق كما في صحيح مسلم ٤ ص ١٨١ ولم يك يعلم أنَّه لا يقع إلّا في طهر لم يواقعها فيه(١) وفي لفظ مسلم في صحيحه ٤: ١٨١: انّه طلّق امرأته ثلاثاً وهي حائض.
ولذلك لم يره أبوه أهلاً للخلافة بعد ما كبر وبلغ منتهى الكهولة لمـّا قال له رجل استخلف عبد الله بن عمر. قال عمر: قاتلك الله والله ما أردت الله بها أستخلف مَن لم يحسن أن يطلّق امرأته؟(٢) وكأنّ عمر كان يجد إبنه يوم وفاته على جهله ذاك حين طلّق إمرأته وهو شابٌّ عضٌّ أيّام حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإلَّا فكلٌّ من الخلفاء بالإنتخاب الدستوري لم يكن عالماً بالأحكام من أوَّل يومه إن غضضنا الطرف عن يوم تسنّمه عرش الخلافة وإلى أن أودع مقرَّه الأخير وعمر نفسه كان في المسئلة نفسها لِدة ولده لم يك يعلم حكم ذلك الطلاق حتّى سأل عمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: مره فليراجعها ثمَّ ليتركها حتّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ إن شاء أمسك بعدُ وإن شاء طلّق(٣) فالمانع عن الاستخلاف هو الجهل الحاضر وهذا من سوء حّظ إبن عمر يخصّ به ولا يعدوه.
وإنِّي لست أدري أيّ مرتبة رابية من الجهل كان يحوزها ابن عمر حتّى عرفه منه والده الذي يمتاز في المجتمع الدينيِّ بنوادر الأثر(٤) ؟ فمن رآه عمر جاهلاً لا يُقدّر مبلغه من الجهل.
وممّا يدلّنا على فقه الرجل، أو على مبلغه من إتّباع الهوى وإحياء البدع، أو على نبذه سنّة الله ورسوله وراء ظهره، إتمامه الصَّلاة في السفر أربعاً مع الإمام، وإعادته إيّاها في منزله قصراً كما في موطأ مالك ١: ١٢٦ تقريراً للبدعة التي أحدثها عثمان في شريعة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واتّبعه في اُحدوثته رجال الشرَه والترَه وحملة النزعات الأمويّة كابن عمر، وأبناء البيت الأمويِّ كما فصلناه في الجزء الثامن ص ١١٦. وأخرج أحمد في
____________________
١ - صحيح البخارى ٨: ٧٦، صحيح مسلم ٤: ١٧٩ - ١٨٣، مسند أحمد ٢: ٥١، ٦١، ٦٤، ٧٤، ٨٠، ١٢٨، ١٤٥.
٢ - تاريخ الطبرى ٥: ٣٤، كامل ابن الاثير ٣: ٢٧، الصواعق ص ٦٢، فتح البارى ٧: ٥٤ وصححه.
٣ - صحيح مسلم ٤: ١٧٩.
٤ - ذكرنا جملة منها فى الجزء السادس ص ٨٣ - ٣٢٥ ط ٢.
مسنده ٢: ١٦ عنه قوله: صلّيت مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر وعثمان صدراً من إمارته ثمَّ أتمَّ.
ومن نوادر فقهه ما أخرجه أبو داود في سننه ١: ٢٨٩ من طريق سالم: انَّ عبد الله بن عمر كان يصنع يعني يقطع الخفّين للمرأة المحرمة ثمَّ حدَّثته صفيّة بنت أبي عبيد: انَّ عائشة حدَّثتها: انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد كان رخّص للنساء في الخفّين فترك ذلك.
وأخرجه إمام الشافعيّة في كتابه « الاُم، انّ ابن عمر كان يفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفّين حتّى أخبرته صفيّة عن عائشة انّها تفتي النساء أن لا يقطعن، فانتهى عنه.
وأخرجه البيهقي في سننه ٥: ٥٢ باللفظين، وأخرجه أحمد في مسنده ٢: ٢٩ بلفظ أبي داود.
والاُمّة كما حكى الزركشي في الإجابة ص ١١٨ مجمعةٌ على أنّ المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجال دون النساء وانّه لا بأس بلباس المخيط والخفاف للنساء.
( ومنها ) : ما أخرجه الشيخان من أنَّ ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من خلافة معاوية حتّى بلغه في آخر خلافة معاوية أنَّ رافع بن خديج يُحدِّث فيها بنهي عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فدخل عليه فسأله فقال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعدُ و كان إذا سُئل عنها بعدُ قال: زعم رافع بن خديج انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عنها(١) .
وفي التعليق على صحيح مسلم(٢) : قوله « وصدراً من خلافة معاوية » قد أغرب في وصف معاوية بالخلافة بعد ما وصف الخلفاء الثلاثة بالإمارة، وأسقط رابعهم من البين مع أنّ الخلافة الكاملة خصيصتهم، وعبارة البخاري: إنّ ابن عمر رضي الله عنه كان يكري مزارعه على عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من إمارة معاوية وكان معاوية كما ذكره القسطلاني في باب صوم عاشوراء يقول: أنا أوّل الملوك. وقال المناوي في شرح حديث الجامع الصغير (الخلافة بالمدينة والملك بالشام ) وهذا من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلّم فقد كان كما أخبر، وقال في شرح حديثه ( الخلافة بعدي في امتي ثلاثون سنة ): قالوا: لم يكن في الثلاثين إلّا الخلفاء الأربعة وأيّام الحسن ( ثمَّ ملك بعد ذلك ) لأنّ اسم الخلافة
____________________
١ - صحيح البخارى ٤: ٤٧، صحيح مسلم ٥: ٢١، سنن النسائى ٧: ٤٦، ٤٧، مسند أحمد ٢: ٦، سنن ابن ماجة ٢: ٨٧، سنن ابى داود ٢: ٩١، سنن البيهقى ٦: ١٣٠ واللفظ لمسلم.
٢ - راجع صحيح مسلم ٥: ٢٢ من طبع محمد على صبيح وأولاده.
إنّما هو لمن صدَّق هذا الإسم بعمله للسنّة والمخالفون ملوك وإنَّما تسمّوا بالخلفاء.ا ه.
ولابن حجر حول الحديث كلمة أسلفناها في ص ٢٤ من هذا الجزء.
قال الأميني: ألا تعجب من ابن خليفة شبَّ ونمى وترعرع وشاخ في عاصمة الدين، في محيط وحي الله، في دار النبوَّة والرسالة، في مدرسة الإسلام الكبرى، بين ناشئة الصحابة وفي حجور مشيختهم، بين اُمَّة عالمة استقى العالم من نمير علمهم، واهتدى الخلائق بنور هداهم، وبقي هذا الإنسان في ظلمة الجهل إلى اُخريات أيّام معاوية، وعاش خمسين سنة بإجارة محرّمة، وشدّ بها عظمه ومخّه، ونبت بها لحمه وجلده، حتّى حداه إلى السنّة رافع بن خديج الذي لم يكن من مشيخة الصحابة وقد استصغره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم بدر؟ وكانت السنّة في المحاقلة والمخابرة تُروى في لسان الصحابة، وفي بعض الفاظه شدّةٌ ووعيد مثل قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث جابر: من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله (١) وجاءت هذه السنّة في الصحاح والمسانيد باسانيد تنتهي إلى جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت (٢) .
وليت ابن عمر بعد ما علم الحظر فيما أشبع به طيلة حياته نهمته - وطبع الحال انّه كان يعلّم بذلك ويرشد ويهدي أو يهلك ويغوي، وكان غيره يقتصّ أثره لأنّه ابن فقيه الصحابة وخليفتهم الذي أوعزنا إلى موارد من فقهه وعلمه في نوادر الأثر في الجزء السادس - كان يسأل عن فقهاء الاُمَّة أو عن خليفته معاوية عن حكم المال المأخوذ المأكول بالعقد الباطل.
أليس من الغلوِّ الفاحش أو الجناية الكبيرة على المجتمع الدينيّ أن يُعدّ هذا الإنسان من مراجع الاُمَّة وفقهائها وأعلامها ومستقى علمها وممَّن يحتجّ بقوله و فعله؟ وهل كان هو يعرف من الفقه موضع قدمه؟ أنا لا أدري.
( ومنها ) : ما أخرجه الدارقطني في سننه من طريق عروة عن عائشة أنَّه بلغها قول ابن عمر: في القُبلة الوضوء. فقالت: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقبِّل وهو صائمٌ ثمَّ
____________________
١ - سنن البيهقى ٦: ١٢٨.
٢ - راجع سنن النسائى ٣: ٥٢، سنن البيهقى ٦: ١٢٨ - ١٣٣.
لا يتوضّأ. [الإجابة للزركشي ص ١١٨].
( ومنها ) : قوله في المتعة، والبكاء على الميِّت، وطواف الوداع على الحائض، والتطيّب عند الإحرام. وستوافيك أخبارها.
ويُعرب عن مبلغ الرجل من فقه الإسلام ما ذكره ابن حجر في فتح الباري ٨: ٢٠٩ من قوله: ثبت عن مروان انَّه قال لمـّا طلب الخلافة فذكر واله ابن عمر فقال: ليس ابن عمر بأفقه منّي ولكنَّه أسنّ منّي وكانت له صحبة.
فما شأن امرء يكون مروان أفقه منه؟
ولعلّ نظراً إلى هذه وما يأتي من نوادر الرجل أو بوادره في الفقه ترى ابراهيم النخعي لمـّا ذُكر له ابن عمر وتطيّبه عند الإحرام قال: ما تصنع بقوله؟(١) وقال الشعبي: كان ابن عمر جيِّد الحديث ولم يكن جيِّد الفقه كما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨٩١ رقم التسلسل.
هذا رأي الشعبي وأمّا نحن فلا نفرّق بين فقه الرجل وحديثه وكلاهما شرع سواء غير جيّدان، بل حديثه أردى من فقهه، وردائة فقهه من ردائة حديثه، وكأنّ الشعبي لم يقف على شواهد سوء حفظه أو تحريفه الحديث فإليك نماذج منها:
١ - أخرج الطبراني من طريق موسى بن طلحة قال: بلغ عائشة انَّ ابن عمر يقول: انّ موت الفجأة سخطٌ على المؤمنين. فقالت: يغفر الله لابن عمر إنّما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : موت الفجاءة تخفيفٌ على المؤمنين وسخطٌ على الكافرين. الإجابة للزركشي ص ١١٩.
٢ - أخرج البخاري من طريق ابن عمر قال: وقف النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا؟ ثمَّ قال: إنَّهم الآن يسمعون ما أقول فذكر ذلك لعائشة فقالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم حقٌّ.
وفي لفظ أحمد في مسنده ٢: ٣١: وقف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على القليب يوم بدر فقال: يا فلان؟ يا فلان؟ هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقّاً؟ أما والله انَّهم الآن ليسمعون كلامي. قال يحيى: فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرّحمن انّه وهم، انّما قال رسول
____________________
١ - صحيح البخارى ٣: ٥٨، تيسير الوصول ١: ٢٦٧.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : والله انَّهم ليعلمون الآن انَّ الذي كنت أقول لهم حقّاً، وإنَّ الله تعالى يقول: إنَّك لا تُسمع الموتى وما أنت بمسمع مَن في القبور.
٣ - روى الحكيم الترمذي في نوادر الاصول من طريق ابن عمر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ. قال أبو عبد الله: فتأوَّل ناسٌ في هذا الحديث وقالوا: العرش سريره الذي حمل عليه، واحتجّوا بحديث رووه عن ابن عمر انَّه تأوَّله، كذا حدَّثنا الجارود قال: حدَّثنا جرير عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر قال: ذُكر يوماً عنده حديث سعد: انّ العرش يهتزُّ بحبِّ الله لقاء سعد قال ابن عمر: إنَّ العرش ليس يهتزُّ لموت أحد ولكنّه سريره الذي حمل عليه. قال: فهذا مبلغ ابن عمر رحمه الله من علم ما اُلقي اليه من ذلك، وفوق كلِّ ذي علم عليم. انتهى.
وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ٦٠٦ ولفظه: قال ابن عمر: اهتزَّ لحبِّ لقاء الله العرش. يعني السرير قال: ورفع أبويه على العرش. تفسَّخت أعواده.
وأنت تعرف سخافة هذا التأويل ممّا أخرجه البخاري والحاكم في المستدرك من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: اهتزّ عرش(١) الرّحمن لموت سعد بن معاذ. فقال رجلٌ لجابر: فإنَّ البراء يقول: اهتزّ السرير. فقال إنّه كان بين هذين الحيّين الأوس والخزرج ضغائن سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: اهتزّ عرش الرّحمن لموت سعد بن معاذ(٢) . وأخرجه مسلم بلفظ: اهتزّ عرش الرَّحمن(٣) .
وفي فتح الباري ٧: ٩٨: قد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو أكثر وثبت في الصحيحين فلا معنى لإنكاره.
٤ - في كتاب « الإنصاف » لشاه صاحب: روى ابن عمر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم من انَّ الميِّت يعذّب ببكاء أهله عليه فقضت عائشة عليه بانَّه لم يأخذ الحديث على وجهه، مرَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على يهوديّة يبكي عليها أهلها فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّهم يبكون عليها، وانِّها تعذَّب في قبرها.
وظنَّ - ابن عمر - العذاب معلولاً بالبكاء، وظنَّ الحكم عامّاً على كلِّ ميّت.
____________________
١ - فصل ابن حجر القول فى معنى الحديث فى فتح البارى ٧: ٩٧، ٩٨.
٢ - صحيح البخارى فى المناقب ج ٦: ٣، مستدرك الحاكم ٣: ٢٠٧.
٣ - صحيح مسلم ٧: ١٥٠.
وأخرج أحمد في المسند ٦: ٢٨١ عن عائشة انَّه بلغها انَّ ابن عمر يحدِّث عن أبيه انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: الميت يعذّب ببكاء أهله عليه. فقالت: يرحم الله عمر و ابن عمر فوالله ما هما بكاذبين ولا مكذبين ولا متزيّدين انّما قال ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في رجل من اليهود ومرَّ بأهله وهم يبكون عليه فقال: إنّهم ليبكون عليه وانّ الله عزّ وجل ليعذّبه في قبره. ولأحمد في مسنده لفظ آخر يأتي بعد بضع صحائف من هذا الجزء.
أسلفنا الحديث نقلاً عن عدّة صحاح ومسانيد في الجزء السادس ص ١٥١ ط ١ وفصّلنا هنالك القول حول المسئلة.
٥ - أخرج البخاري في كتاب الأذان من صحيحه ج ٢: ٦ عن عبد الله بن عمر انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّ بلالاً يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتّى ينادي ابن امّ مكتوم.
هذا الحديث ممّا استدركت به عائشة على ابن عمر وكانت تقول: غلط ابن عمر وصحيحه إنّ ابن مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن بلال، وبهذا جزم الوليد وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خبيب بن عبد الرَّحمن.
وفي لفظ البيهقي في سننه ١: ٣٨٢: قالت عائشة: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ ابن مكتوم رجلٌ أعمى فإذا أذَّن فكلوا واشربوا حتّى يؤذِّن بلال. قالت: وكان بلال يبصر الفجر، وكانت عائشة تقول غلط ابن عمر.
وقال ابن حجر: ادَّعى ابن عبد البرّ وجماعةٌ من الأئمّة بأنّه مقلوبٌ وانّ الصواب حديث الباب - يعني لفظ البخاري - وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه وهو قوله: إذا أذَّن عمرو فإنّه ضرير البصر فلا يغرنّكم، وإذا أذّن بلال فلا يطعمن أحدٌ. وأخرجه أحمد(١) وجاء عن عائشة أيضاً: انّها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول: إنّه غلط، أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردي عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول:
____________________
١ - فى المسند ٦: ١٨٦.
غلط ابن عمر. فتح الباري ٢: ٨١.
٦ - أخرج أحمد في مسنده ٢: ٢١ من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب قال قال عبد الله بن عمر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الشهر تسع وعشرون وصفق بيديه مرّتين ثمَّ صفق الثالثة وقبض إبهامه. فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرَّحمن انّه وهم، إنّما حجر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نساءه شهراً فنزل لتسع وعشرين فقالوا: يا رسول الله! إنّك نزلت لتسع وعشرين فقال: انّ الشهر يكون تسعاً وعشرين. وفي ص ٥٦: فقيل له فقال (صلىاللهعليهوآلهوسلم ): إنّ الشهر قد يكون تسعاً وعشرين. ورواه أبو منصور البغدادي ولفظه: اُخبرت عائشة رضي الله عنها بقول ابن عمر رضي الله عنه: إنّ الشهر تسع وعشرون فانكرت ذلك عليه وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرَّحمن ما هكذا قال رسول الله ولكن قال: إنّ الشهر قد يكون تسعاً وعشرين ( الإجابة للزركشي ص ١٢٠ ).
كان ابن عمر يعمل بوهمه هذا ويرى كلَّ شهر تسعاً وعشرين يوماً وكان يقول: قال رسول الله: الشهر تسع وعشرون، وكان إذا كان ليلة تسع وعشرين وكان في السّماء سحابٌ أو قتر أصبح صائماً(١)
٧ - أخرج الشيخان من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: مَن تبع جنازة فله قيراط من الأجر. فقال ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة فبعث إلى عائشة فسألها فصدَّقت أبا هريرة فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
وأخرج مسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص إنَّه كان قاعداً عند عبد الله ابن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر: ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنّه سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: مَن خرج مع جنازة من بيتها وصلّى عليها ثمّ تبعها حتى دُفن كان له قيراطان من أجر، كلُّ قيراط مثل اُحد، ومَن صلّى عليها ثمّ رجع كان له من الأجر مثل اُحد، فأرسل ابن عمر خبّاباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثمّ يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلّبها في يده حتّى رجع إليه الرّسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب
____________________
١ - مسند أحمد ٢: ١٣.
ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض وقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة(١) .
ولعلَّ الباحث لا يشكُّ إذا وقف على هذه الرِّوايات وأمثالها في أنَّ رواية ابن عمر لا تقلُّ عن فقاهته في الردائة، ومن هذا شأنه في الفقه والحديث لا يعبأ به وبرأيه ولا يوثق بحديثه.
رأى ابن عمر في القتال والصَّلاة
( ومنها ) : أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤: ١١٠ ط ليدن عن ابن عمر انّه كان يقول: لا اُقاتل في الفتنة واُصلّي وراء مَن غلب. وقال ابن حجر في فتح الباري ١٣: ٣٩: كان رأي ابن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر انّ إحدى الطائفتين محقّة والاُخرى مبطلة.
وقال ابن كثير في تاريخه ٩: ٥: كان في مدّة الفتنة لا يأتي أميراً إلّا صلّى خلفه، وأدّى إليه زكاة ماله.
يُترائا هاهنا من وراء ستر رقيق تترُّس ابن عمر باُغلوطته هذه عن سُبّة تقاعده عن حرب الجمل وصفّين مع مولانا أمير المؤمنين، ذاهلاً عن انّ هذه جناية اُخرى لا يُغسل بها دنس ذلك الحوب الكبير، متى كانت تلكم الحروب فتنة حتّى يتظاهر ابن عمر تجاهها بزهادة جامدة لاقتناص الدهماء؟ والأمر كما قال حذيفة اليماني ذلك الصحابي العظيم: لا تضرّك الفتنة ما عرفت دينك، إنّما الفتنة إذا اشتبه عليك الحقُّ والباطل(٢) أوَ كان ابن عمر بمنتأى عن عرفان دينه؟ أو كان على حدّ قوله تعالى: يعرفون نعمة الله ثمَّ ينكرونها؟ وهل كان ابن عمر لم يعرف من القرآن قوله تعالى:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (٣) وقد أفحمه رجلٌ عراقيّ بهذه الآية وحيّره فلم يحر ابن عمر جواباً غير أنّه تخلّص منه بقوله: مالك ولذلك؟ إنصرف عنّي. وسيوافيك تمام الحديث.
هلّا كان ابن عمر بان له الرشد من الغيّ، ولم يك يشخّص الحقَّ من الباطل؟
____________________
١ - صحيح البخارى ٢: ٢٣٩، صحيح مسلم ٣: ٥٢، ٥٣.
٢ - فتح البارى ١٣: ٤٠.
٣ - سورة الحجرات. آية ٩.
وهلّا كان يعرف الباغية من الفئتين؟ وهل كان يزعم بأنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر عن الفتن بعده وإنّها تغشى امّته كقطع الليل المظلم(١) وترك الامّة مغمورة في مدلهمّاتها، هالكة في غمراتها، ولم يعبّد لها طريق النجاة، وما رشّدها إلى مهيع الحقّ، ولم ينبس عمّا ينجيها ببنت شفة؟ حاشى نبيُّ الرَّحمة عن ذلك، وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يُبق عذراً لأيّ أحد من عرفان الباغية من الطائفتين في تلكم الحروب، ولم يك يخفى حكمها على أيّ دينيّ قال مولانا أمير المؤمنين: لقد أهمّني هذا الأمر وأسهرني، وضربت أنفه وعينيه فلم أجد إلّا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمّد صلّى الله عليه، إنّ الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يُعصى في الأرض وهم سكوتٌ مذعنون، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة الأغلال في جهنم(٢) .
أكان في اُذن ابن عمر وقرٌ عن سماع ذلك الهتاف القدسيِّ بمثل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعائشة: كأنّي بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليّاً وأنتِ له ظالمة.
وقوله لزوجاته: كأنِّي بأحداكنَّ قد نبحها كلاب الحوأب، وإيِّاك أن تكوني أنت يا حميراء.
وقوله لها: انظري أن لا تكوني أنت.
وقوله للزبير: انّك تقاتل عليّاً وأنت ظالمٌ له.
وقوله: سيكون بعدي قومٌ يقاتلون عليّاً على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيءٌ. [حقّاً جاهد ابن عمر في الخلاف على قول رسول الله هذا بلسانه وقلبه ما استطاع].
وقوله لعليّ: يا عليٌّ ستقاتل الفئة الباغية وأنت على الحقِّ، فمن لم ينصرك يومئذ فليس منِّي.
وقوله له: ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين.
وقوله له: أنت فارس العرب وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين.
وقوله لاُمّ سلمة لمـّا رأى عليّاً: هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي.
____________________
١ - صحيح الترمذى ٩: ٤٩، مستدرك الحاكم ٤: ٤٣٨، ٤٤٠، كنز العمال ٦: ٣١، ٣٧.
٢ - كتاب صفين ص ٥٤٢.
وعهده إلى عليّعليهالسلام أن يقاتل بعده القاسطين والناكثين والمارقين(١) .
وقوله لأصحابه: إنَّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل. وكان أعطى عليّاً نعله يخصفها(٢) .
وقوله لعمّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية. وقد قتلته فئة معاوية.
وقول أبي أيُّوب الأنصاري وأبي سعيد الخدري وعمَّار بن ياسر: أمرنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. قلنا يا رسول الله؟ أمرت بقتال هؤلاء مع مَن؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب.
إلى أحاديث أخرى ذكرناها في الجزء الثالث ص ١٦٥ - ١٧٠ هب انَّ ابن عمر لم يكن يسمع شيئاً من هذه الأحاديث الثابتة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أوَما كان يسمع ايضاً أوما كان يصدَّق اولئك الجمّ الغفير من البدريّين أعاظم الصحابة الأوّلين الذين حاربوا الناكثين والقاسطين وملأ فمهم عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إليهم، وأمره إيّاهم بقتال اولئك الطوائف الخارجة على الإمام الحقِّ الطاهر؟ فأيّ مين أعظم ممّا جاء به ابن عمر في كتاب له إلى معاوية من قوله: أحدث (عليٌّ ) أمراً لم يكن إلينا فيه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد: ففزعت إلى الوقوف. وقلت: إن كان هذا هدى ففضل تركته، وإن كان ضلالة، فشرّ منه نجوت(٣) .
وهل ابن عمر كان يخفى عليه هتاف الصادع الكريم: عليٌّ مع الحقّ والحقُّ مع عليّ، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة؟.
أو قوله: عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ معه وعلى لسانه، والحقُّ يدور حيثما دار عليّ.
أو قوله لعليٍّ: إنَّ الحقَّ معك والحقُّ على لسانك. وفي قلبك وبين عينيك، والايمان مخالطٌ لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي؟.
أو قوله مشيراً إلى عليّ: الحقُّ مع ذا، الحقُّ مع ذا، يزول معه حيثما زال؟ أو قوله: عليُّ مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتَّى يردا عليَّ الحوض؟
____________________
١ - راجع الجزء الثالث.
٢ - راجع ج ٧: ١٣٢.
٣ - الامامة والسياسة ١: ٧٦، شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٦٠.
_٣_
أو قوله لعليّ لحمك لحمي، ودمك دمي، والحقُّ معك؟.
أو قوله ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا عليَّ بن أبي طالب فانَّه أوَّل من يصافحني يوم القيامة، وهو الصدِّيق الأكبر، وهو فاروق هذه الامَّة، يفرق بين الحقِّ والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين؟(١) .
أو قوله لعليّ وحليلته وشبليه: أنا حربٌ لمن حاربتم وسلمٌ لمن سالمتم؟.
أو قوله لهم: أنا حربٌ لمن حاربكم وسلمٌ لمن سالمكم؟.
أو قوله وهم في خيمة: معشر المسلمين أنا سلمٌ لمن سالم أهل الخيمة، حربٌ لمن حاربهم، وليٌّ لمن والاهم، لا يحبُّهم إلّا سعيد الجدّ، طيِّب المولد، ولا يبغضهم إلّا شقيُّ الجدّ، رديُّ الولادة؟.
أو قوله وهو آخذ بضبع عليّ: هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصورٌ من نصره، مخذولٌ من خذله؟(٢)
أو قوله في حجَّة الوداع في ملأ من مائة ألف أو يزيدون: مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، أللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله واحبّ من أحبَّه، وأبغض من أبغضه، وأدر الحقَّ معه حيث دار؟(٣) .
إلى أخبار جمّة ملأت بين الخافقين، فهل ابن عمر كان بمنتأى عن هذه كلّها فحسب تلكم المواقف حرباً دنيويَّة أو فتنةً لا يعرف وجهها، قتالاً على الملك(٤) ؟ أو كان تُتلى عليه ثمَّ يُصرّ مستكبراً كأنَّ لم يسمعها كأنَّ في اُذنيه وقرا، وعلى كلّ تقدير لم يك رأيه إلّا اجتهاداً في مقابل النصِّ لا يصيخ إليه أيُّ دينيّ صميم.
ومن المأسوف عليه انّ الرجل ندم يوم لم ينفعه الندم عمّا فاته في تلكم الحروب من مناصرة عليّ أمير المؤمنين وكان يقول: ما أجدني آسى على شيىء من أمر الدنيا إلّا انّي لم اُقاتل الفئة الباغية. وفي لفظ: ما آسى على شيىء إلّا انِّي لم اُقاتل مع عليّ الفئة الباغية. وفي لفظ: ما أجدني آسى على شيىء فاتني من الدّنيا إلّا انِّي لم اُقاتل
____________________
١ - راجع الجزء الثالث ص ٢٢، ١٥٦ - ١٥٩ - ١٦٥، الاستيعاب ٢: ٦٥٧، الاصابة ٤: ١٧١.
٢ - راجع الجزء الاول ص ٣٠١ و ج ٨: ٩٠، أحكام القرآن للجصاص ١: ٥٦٠.
٣ - راجع ما مرّ فى الجزء الاول من حديث الغدير.
٤ - راجع مسند احمد ٢: ٧٠، ٩٤، سنن البيهقى ٨: ١٩٢.
مع عليّ الفئة الباغية. وفي لفظ: قال حين حضرته الوفاة: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئاً إلّا انِّي لم اُقاتل الفئة الباغية مع عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وفي لفظ ابن أبي الجهم: ما آسى على شيىء إلّا تركي قتال الفئة الباغية مع عليّ رضي الله الله عنه(١) .
وأخرج البيهقي في سننه ٨: ١٧٢ من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر قال: بينما هو جالسٌ مع عبد الله بن عمر إذ جاءه رجلٌ من أهل العراق فقال: يا أبا عبد الرّحمن! إنِّي و الله لقد حرصت أن اتّسمت بسمتك، واقتدي بك في أمر فرقة الناس، واعتزل الشرَّ ما استطعت وانّي أقرأ آية من كتاب الله محكمة قد أخذت بقلبي فأخبرني عنها أرأيت قول الله تعالى:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) . أخبرني عن هذه الآية. فقال عبد الله: ومالك ولذلك؟ انصرف عنِّي، فانطلق حتّى توارى عنّا سواده أقبل علينا عبد الله بن عمر فقال: ما وجدت في نفسي من شيء من أمر هذه الاُمّة ما وجدت في نفسي انِّي لم اُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عزَّ وجل.
هذه حجّة الله الجارية على لسان ابن عمر ونفثات ندمه، وهل أثَّرت تلكم الحجج في قلبه؟ وصدّق الخُبر الخَبر يوماً ما من أيّامه؟ أنا لا أدري.
هلم معى الى صلاة ابن عمر
وأمّا صلاته مع من غلب وتأمّر فمن شواهد جهله بشأن العبادات وتهاونه بالدين الحنيف، ولعبه بشعائر الله شعائر الإسلام المقدّس، قد استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، اعتذر الرجل بهذه الخزاية عن تركه الصّلاة وراء خير البشر أحد الخيرتين. أحبّ الناس إلى الله ورسوله، عليّ أمير المؤمنين المعصوم بلسان الله العزيز، وعن إقامته إيّاها وراء الحجّاج الفاتك المستهتر، وقد جاء من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: اختلفت أنا وذر المرهبيّ(٢) في الحجّاج فقال: مؤمنٌ. وقلت: كافرٌ. قال الحاكم: وبيان
____________________
١ - الطبقات الكبرى ط ليدن ٤: ١٣٦، ١٣٧، الاستيعاب ١: ٣٦٩، ٣٧٠، اسد الغابة ٣: ٢٢٩، الرياض النضرة ٢: ٢٤٢.
٢ - كان من عبّاد أهل الكوفة، أحد رجال الصحاح الستة.
صحَّته ما اطلق فيه مجاهد بن جبر رضي الله عنه فيما حدّثناه من طريق أبي سهل أحمد القطان عن الأعمش قال: والله لقد سمعت الحجّاج بن يوسف يقول: يا عجباً من عبد هذيل ( يعني عبد الله بن مسعود ) يزعم انّه يقرأ قرآناً من عند الله، والله ما هو إلّا رجزٌ من رجز الأعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه(١) وزاد ابن عساكر: ولأخلينّ منها المصحف ولو بضلع خنزير.
وذكر ابن عساكر في تاريخه: ٦٩ من خطبة له قوله: اتّقوا الله ما استطعتم فليس فيها مثوبة، واسمعوا واطيعوا لأمير المؤمنين عبد الملك فانّها المثوبة، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من ابواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلّت لي دمائهم و أموالهم.
على أنَّ ابن عمر هو الذي جاء بقوله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : في ثقيف كذّاب ومبير.
أو قوله: إنَّ في ثقيف كذّاباً ومبيراً(٢) وأطبق الناس سلفاً وخلفاً على أنَّ المبير هو الحجّاج قال الجاحظ: خطب الحجّاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمدينة فقال: تبّاً لهم إنّما يطوفون بأعواد ورمَّة بالية هلّا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟ ألا يعلمون أنَّ خليفة المرأ خير من رسوله(٣) ؟
وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه ٤: ٨١: اختلف رجلان فقال احدهما: إنَّ الحجّاج كافر، وقال الآخر: انّه مؤمن ضالّ. فسألا الشعبي فقال لهما: انّه مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم.
وقال: وسُئل عنه واصل بن عبد الأعلى فقال: تسألوني عن الشيخ الكافر.
وقال: قال القاسم بن مخيمرة: كان الحجّاج ينتفض من الإسلام.
وقال: قال عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله تعالى حرمة إلّا وقد انتهكها الحجّاج.
وقال: قال طاووس: عجبت لإخواننا من أهل العراق يسمّون الحجّاج مؤمناً.
وقال الاجهوري: وقد اختار الإمام محمّد بن عرفة والمحققون من اتباعه كفر
____________________
١ - مستدرك الحاكم ٣: ٥٥٦، تاريخ ابن عساكر ٤: ٦٩.
٢ - صحيح الترمذى ٩: ٦٤، و ج ١٣: ٢٩٤، مسند أحمد ٢: ٩١، ٩٢، تاريخ ابن عساكر ٤: ٥٠.
٣ - النصايح لابن عقيل ص ٨١ ط ٢.
الحجّاج. الإتحاف ص ٢٢.
دع هذه كلّها وخذ ما أخرجه الترمذي وابن عساكر من طريق هشام بن حسّان انّه قال: اُحصي ما قتل الحجّاج صبراً فوجد مائة ألف وعشرون ألفاً(١) ووجد في سجنه ثمانون ألفاً محبوسون، منهم ثلاثون ألف امرأة(٢) وكانت هذه المِجزرة الكبرى والسجن العام بين يدي ابن عمر ينظر إليهما من كثب، أدرك أيّام الحجّاج كلّها ومات وهو حيٌّ يذبح ويفتك.
أمثل هذا الجائر الغادر الآثم يتأهَّل للايتمام به دون سيِّد العرب مثال القداسة والكرامة؟.
وهل ابن عمر نسي يوم بايع الحجّاج ما اعتذر به من امتناعه عن بيعة ابن الزبير لمـّا قيل له: ما يمنعك أن تبايع امير المؤمنين - ابن الزبير - فقد بايع له أهل العروض وعامّة أهل الشام؟ فقال: والله لا اُبايعكم وأنتم واضعوا سيوفكم على عواتقكم تصيب أيديكم من دماء المسلمين(٣) .
هلّا كان ابن عمر ونصب عينيه ما كانت تصيبه أيدي الحجّاج وزبانيته من دماء المسلمين، دماء امَّة كبيرة من عباد الله الصالحين، دماء نفوس زكيَّة من شيعة آل الله؟ فكيف إئتمَّ به وبايعه؟ وبايِّ كتاب أم بأيَّة سنَّة ساغ له حنث يمينه يوم بايع ابن الزبير ومدَّ يده إلى بيعته وهي ترجف من الضعف بعد ما بايعه رؤوس الخوارج أعداء الإسلام، المارقين من الدين: نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود، ونجدة بن عامر؟(٤) .
ليتني أدري وقومي أفي شريعة الإسلام حكمٌ للغلبة يركن إليه المسلم في الصَّلاة التي هي عماد الدين وأفضل أعمال اُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ أو أنَّ الأيتمام في الجمعة والجماعة يدور مدار تحقّق البيعة وإجماع الاُمّة، وعدم النزاع بين الإمام وبين مَن خالفه من الخوارج عليه؟ أو أنَّ هاتيك الأعذار - أعذار إبن عمر - أحلام نائم وأمانيّ كاذبة لا طائل تحتها؟ انظر إلى ضئولة عقل ابن عمر يحسب انَّ الامَّة تتلقّى خزعبلاته
____________________
١ - صحيح الترمذى ٩: ٦٤، تاريخ ابن عساكر ٤: ٨٠، تيسير الوصول ٤: ٣٦.
٢ - تاريخ ابن عساكر ٤: ٨٠، المستطرف ١: ٦٦.
٣ - سنن البيهقى ٨: ١٩٢.
٤ - سنن البيهقى ٨: ١٩٣.
بالقبول، وتراه بها معذوراً في طامّاته، ذاهلاً عن أنَّ هذه المعاذير أكثر معرَّة من بوادره والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
كان الرجل يصلّي مع الحجّاج بمكّة كما قاله ابن سعد(١) وقال ابن حزم في المحلّى ٤: ٢١٣: كان ابن عمر يصلّي خلف الحجّاج ونجدة(٢) وكان أحدهما خارجيّاً، والثاني أفسق البريَّة. وذكره أبو البركات في بدائع الصنائع ١: ١٥٦.
أليس أحقّ الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنّة؟ أليس من السنّة الصحيحة الثابتة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القرائة سواءً فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواءً فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً؟!(٣)
أم لم يكن منها قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن سرَّكم أن تُقبل صلاتكم فليؤمّكم خياركم، فإنَّهم وفدكم فيما بينكم وبين ربّكم؟!(٤) .
أوَ لم يكن يسرّ ابن عمر أن تُقبل صلاته؟ أم كان يروقه من صلاة الحجّاج انّه وخطباؤه كانوا يلعنون علياً وابن الزبير؟(٥) أم كان يعلم أنَّ الصلاة وغيرها من القربات لا تنجع لأيّ مسلم إلّا بالولاية لسيّد العترة سلام الله عليه(٦) وابن عمر على نفسه بصيرة، ويراه فاقداً إيّاها، بعيداً عنها، فايتمامه عندئذ بالإمام العادل أو الجائر المستهتر سواسية؟.
إن كان الرجل يجد الغلبة ملاك الايتمام فهلّا إئتمَّ بمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وكان هو الغالب في وقعة الجمل ويوم النهروان؟ ولم يكن في صفّين مغلوباً وإنّما لعب ابن العاصي فيها بخديعته فالتبس الأمر على الأغرار، لكنّ أهل البصائر عرفوها فلم يتزحزحوا
____________________
١ - الطبقات الكبرى ٤: ١١٠.
٢ - نجدة بن عامر - عمير - اليمانى من رؤوس الخوارج زائغ عن الحق، خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية، وقدم مكة، وله مقالات معروفة، واتباع انقرضوا، قتل فى سنة سبعين. لسان الميزان ٦: ١٤٨.
٣ - صحيح مسلم ٢: ١٣٣، صحيح الترمذى ٦: ٣٤، سنن ابى داود ١: ٩٦.
٤ - نصب الراية ٢: ٢٦.
٥ - راجع المحلى لابن حزم ٥: ٦٤.
٦ - راجع الجزء الثانى ص ٣٠١.
عن معتقدهم طرفة عين، وقبل هذه الحروب انعقدت البيعة بخليفة الحقِّ من غير معارض ولا مزاحم حتّى يتبيّن فيه الغالب من المغلوب، فكان إمام العدلعليهالسلام هو المستولي على عرش الخلافة والمحتبي بصدر دستها، فلماذا تركهعليهالسلام ابن عمر ولم يأتمّ به وقّد تمّ أمره، بتمام شروط البيعة وملاك الايتمام على رأيه هو؟!
ومَن نجدة الخارجي؟ ومتى غلب على جميع الحواضر الإسلاميّة؟ وما قيمته وقيمة الايتمام به ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعرِّف الخوارج بالمروق من الدين بقوله: يخرج قومٌ من اُمّتي يقرأون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون انّه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة(١) .
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سيخرج قومٌ في آخر الزمان حُدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قوله البريّة، يقرأون القرآن، لا يجاوز ايمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة(٢) .
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سيكون في امّتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ثمَّ لا يرجعون حتى يرتدّ على فوقه، هم شرُّ الخلق، طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: التحليق(٣) .
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يخرج من قِبل المشرق قومٌ كان هديهم هكذا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ثمّ لا يرجعون إليه ووضع يده على صدره، سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم، فإذا
____________________
١ - صحيح الترمذى ٩: ٣٧، سنن البيهقى ٨: ١٧٠، وأخرجه مسلم وأبو داود كما فى تيسير الوصول ٤: ٣١.
٢ - أخرجه الخمسة إلا الترمذى كما فى تيسير الوصول ٤: ٣٢، والبيهقى فى السنن الكبرى ٨: ١٧٠.
٣ - سنن أبى داود ٢: ٢٨٤، مستدرك الحاكم ٢: ١٤٧، ١٤٨، سنن البيهقى ٨: ١٧١، وللشيخين عن أبى سعيد نحوه كما فى تيسير الوصول ٤: ٣٣.
رأيتموهم فاقتلوهم. مستدرك الحاكم ٢: ١٤٧.
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يوشك أن يأتي قوم مثل هذا يتلون كتاب الله وهم أعداؤه، يقرؤون كتاب الله محلقة رؤسهم، فإذا خرجوا فاضربوا رقابهم. المستدرك ٢: ١٤٥.
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنَّ أقواماً من امّتي أشدَّة، ذلقة ألسنتهم بالقرآن، لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنَّ المأجور من قتلهم. المستدرك ٢: ١٤٦.
وبقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الخوارج كلاب النار(١) من طريق صحَّحه السيوطي في الجامع الصغير.
فما قيمة صحابيّ لا ينتجع ممّا جاء عن النبيِّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم من الكثير الصحيح في الناكثين والقاسطين والمارقين؟ ولم ير قطّ قيمة لتلكم النصوص، ويضرب عنها صفحا ولم يتبصّر بها في دينه، ويتترّس تجاه ذلك الحكم البات النبويّ عن التقاعس عن تلك المشاهد بأنّها فتنة. أحَسِبَ النّاس أنْ يُتركُوا أنْ يَقُولوا آمنَّا وهُمْ لا يُفتَنون؟.
لقد ذاق ابن عمر وبال أمره بتركه واجبه من البيعة لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام والتبرُّك بيده الكريمة التي هي يد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو خليفته بلا منازع، وبتركه الايتمام به والدخول في حشده وهو نفس الرَّسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم والبقيَّة منه، بذلّ البيعة لمثل الحجّاج الفاجر فضرب الله عليه الذلّة والهوان هاهنا حتّى أنّ ذلك المتجبّر الكذّاب المبير لم ير فيه جدارة بأن يناوله يده فمدَّ إليه رجله فبايعها. وأخذه الله بصلاته خلفه وخلف نجدة المارق من الدِّين، وحسْبه بذينك هواناً في الدنيا ولعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى، وكان من أخذه سبحانه إيّاه أن سلّط عليه الحجّاج فقتله وصلّى عليه(٢) ويا لها من صلاة مقبولة ودعاء مستجاب من ظالم غاشم؟
معذرة اخرى لابن عمر
ولابن عمر معذرةٌ اخرى، أخرج أبو نعيم في الحلية ١: ٢٩٢ من طريق نافع عن ابن عمر انّه أتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرَّحمن؟ أنت ابن عمر وصاحب رسول
____________________
١ - مسند أحمد ٤: ٣٥٥، سنن ابن ماجة ١: ٧٤.
٢ - الاستيعاب ١: ٣٦٩، اسد الغابة ٣: ٢٣٠.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فما يمنعك من هذا الأمر؟ قال: يمنعني أن الله تعالى حرَّم عليَّ دم المسلم قال: فإنّ الله عزَّوجل يقول: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لِلَّه. قال: قد فعلنا وقد قاتلناهم حتّى كان الدين لِلَّه، فأنتم تريدون أن تُقاتلوا حتى يكون الدين لغير الله.
وأخرج في الحلية ١ ص ٢٩٤ من طريق القاسم بن عبد الرَّحمن: انَّهم قالوا لابن عمر في الفتنة الاولى: ألا تخرج فتقاتل؟ فقال: قد قاتلت والأنصاب بين الركن والباب حتّى نفاها الله عزّوجلّ من أرض العرب، فأنا أكره أن اُقاتل من يقول لا إله إلّا الله.
دع ابن عمر يحسب نفسه أفقه من كلّ الصحابة من المهاجرين الأوَّلين والأنصار الذين باشروا الحرب مع أمير المؤمنينعليهالسلام في تلكم المعامع، ولكن هل كان يجد نفسه أفقه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث أمر أصحابه بمناصرة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام فيها، وأمره صلوات الله عليه بمباشرة هاتيك الحروب الدامية ونهى عن التثبّط عنها. وهل كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم أنَّ المقاتلين من الفئتين من أهل لا إله إلّا الله فأمر بالمقاتلة مع عليّعليهالسلام ؟ أو عزب عنه علم ذلك فأمر باراقة دماء المسلمين؟ غفرانك اللّهم.
وهل علمصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّ نتيجة ذلك القتال أن يكون الدين لغير الله فحضَّ عليه؟ أو فاته ذلك لكن علمه ابن عمر فتجنَّبه؟ أعوذ بالله من شطط القول.
وما أشبه اعتذار ابن عمر اعتذار أبيه يوم أمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتل ذي الثديّة رأس الخوارج فما قتله واعتذر بأنّه وجده متخشّعاً واضعاً جبهته لِلَّه. راجع الجزء السابع ص ٢١٦.
ثمّ إنّ كون الدين لغير الله هل كان من ناحية مولانا أمير المؤمنين علي وكان هو وأصحابه يريدونه؟ أو من ناحية مناوئيه ومن بغى عليه من الفئة الباغية؟ والأوّل لا يتّفق مع ما جاء في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة في حقّ الإمام عليعليهالسلام وفي مواليه وتابعيه ومناوئيه، وفي خصوص الحروب الثلاث، كما هو مبثوث في مجلّدات كتابنا هذا، وإن ذهل أو تذاهل عنها إبن عمر.
وإن كان يريد الثاني فلماذا بايع معاوية بعد أن تقاعد عن بيعة أمير المؤمنينعليهالسلام ؟ هذه أسئلة ووجوه لا أدري هل يجد ابن عمر عنها جواباً في محكمة العدل الإلهي؟
لا أحسب، ولعلّه يتخلّص عنها بضئولة العقل المسقط للتكليف.
وأعجب من هذه كلها ما جاء به أبو نعيم في الحلية ١: ٣٠٩ من قول ابن عمر: إنَّما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادَّة يعرفونها فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابةٌ وظلمة، فأخذ بعضهم يميناً وشمالاً فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتّى جلّى الله ذلك عنّا فأبصرنا طريقنا الأوَّل فعرفنا وأخذنا فيه، إنّها هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما اُبالي أن لا يكون لي ما يقتل(١) بعضهم بعضاً بنعلي هاتين الجرداوين.
ليت شعري متى غشيت الاُمّة سحابةٌ وظلمةٌ فأقام الرَّجل حيث أدرك ذلك؟ أعلى العهد النبويِّ وهو أصفا أدوار الجوّ الدينيِّ؟ أم في دور الخلافة؟ وقد بايع الرجل شيخ تيم وأباه، وهما عنده خيرا خلق الله واحداً بعد واحد، فلا يرى فيه غشيان الظلمة أو قبول السحابة، واعطف على ذلك أيّام عثمان فقد بايعه ولم يتسلّل عنه حتّى يوم مقتله كما مرّ في ص ٢٣ من هذا الجزء، فلم تكن أيّام عثمان عنده أيّام ظلمة وسحابة وإن كان من ملقحي فتنتها بما ارتآه، فلم يبق إلّا عهد الخلافة العلويَّة وملك معاوية بن أبي سفيان. أمّا معاوية فقد بايعه الرَّجل طوعاً ورغبة وإن رآه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ملكاً عضوضاً ولعن صاحبه. وبايع يزيد بن معاوية بعد ما أخذ مائة ألف من معاوية، فلم يبق دور ظلمة عنده إلّا أيّام خلافة خير البشر سيّد الامَّة مولانا امير المؤمنين عليّعليهالسلام ، وفيها أخذ بعضهم يميناً وشمالاً فأخطأ الطريق، وكانت الأدوار مجلاة قبل ذلك و بعده أيّام إمارة معاوية ويزيد وعبد الملك والحجّاج، فقد أبصر الرجل طريقه المهيع الأوّل عند ذلك فعرفه وأخذ فيه وبايعهم.
وهل هنا من يُسائل الرجل عن الذين أخطأوا الطريق ببيعتهم وانحيازهم؟ هل هم الذين بايعوا أمير المؤمنينعليهالسلام ؟ وهم الصحابة العدول والبدريّون من المهاجرين والأنصار، والاُمّة الصالحة من التابعين من رجالات المدينة المشرَّفة وغيرها من الأمصار الإسلاميَّة. أو الذين أكبّوا على تلكم الأيدي العادية فبايعوها؟ من طغام الشام، سفلة الأعراب، وبقيّة الأحزاب، وأهل المطامع والشرَه. فيرى هل تحدوه القحّة والصلف إلى
____________________
١ - فى تعليق الحلية: المعنى ما يقتل بعضهم بعضا عليه والله أعلم.
أن يقول بالأوَّل؟ ونصب عينه قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن تولّوا عليّاً تجدوه هادياً مهديّا يسلك بكم الطريق المستقيم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن تؤمّروا عليّاً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهديّاً يسلك بكم الطريق المستقيم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن تستخلفوا عليّاً وما أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهديّاً يحملكم على المحجّة البيضاء. إلى أحاديث اُخرى أوعزنا إليها في الجزء الأوّل ص ١٢.
أو أنَّ النصفة تُلقى على روعه فينطق وهو لا يشعر بما يقول فيقول بالثاني فينقض ما ارتكبه من بيعة القوم جميعاً؟.
ثمَّ إنَّ من غريب المعتقد ما ارتئاه من أنّ فتيان قريش كانوا يقتتلون على السلطان ويبغون بذلك حطام الدنيا وهو يعلم أنّ لهذا الحسبان شطرين، فشطرٌ لعليّ أمير المؤمنين وأصحابه، وهو الذي كانت الدنيا عنده كعفطة عنز كما لهج به صلوات الله عليه وصدّق الخُبر الخَبر، وكانت نهضته تلك بأمر من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعهد منه إليه وإلى أصحابه كما تقدّم في هذا الجزء والجزء الثالث.
وشطرٌ لطلحة والزبير ولمعاوية، أمّا الأوّلان فيعرب عن مرماهما قول مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام في خطبة له: كلّ واحد منهما يرجو الأمر له ويعطفه عليه دون صاحبه لا يمتّان إلى الله بحبل، ولا يمدّان إليه بسبب، كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه، وعمّا قليل يكشف قناعه به، والله لئن أصابوا الذي يريدون لينزعنَّ هذا نفس هذا، و ليأتينّ هذا على هذا، قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون؟.
ولّما خرج طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة جاء مروان بن الحكم إلى طلحة و - الزبير وقال: على أيِّكما اُسلّم بالإمارة، واُنادي بالصَّلاة؟ فسكتا، فقال عبد الله بن الزبير: على أبي. وقال محمّد بن طلحة: على أبي. فأرسلت عائشة إلى مروان: أتريد أن ترمي الفتنة بيننا؟ أو قالت: بين أصحابنا، مروا ابن اختي فليصلِّ بالناس. يعني عبد الله بن الزبير. مرآة الجنان لليافعي ١: ٩٥.
وأمّا معاوية فهو الذي صدق فيه ظنّه بل تنجزَّ يقينه، وقد عرفه بذلك أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وتُعرّفه إيّاك بغايته الوحيدة ونفسيّته الذميمة كلماتهم، وابن عمر لا يصيخ
إليها وقد أصمَّه وأعماه حبُّ العبشميِّين، فاتَّبع هواه وأضلّه، وإليك نمازج من تلكم الكلم:
١ - قال هاشم المرقال مخاطباً أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام : سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله، فأحلّوا حرامه، وحرّموا حلاله، واستهوى بهم الشيطان، ووعدهم الأباطيل، ومنّاهم الأمانيُّ حتى أزاغهم عن الهوى، وقصد بهم قصد الرَّدى، وحبّب إليهم الدنيا، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة؟ إلخ.
كتاب صفين ص ١٢٥، شرح ابن ابي الحديد ١: ٢٨٢، جمهرة الخطب ١: ١٥١.
٢ - ومن كلام لهاشم المرقال ايضاً: يا أمير المؤمنين! فانّا بالقوم جِدّ خبير، هم لك ولأشياعك أعداء، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجادلوك، لا يُبقون جهداً مشاحَّة على الدنيا، وضِنّا بما في أيديهم منها، ليس لهم إربةٌ غيرها إلّا ما يخدعون به الجهّال من طلب دم ابن عفّان، كذبوا ليسوا لدمه ينفرون، ولكن الدنيا يطلبون. كتاب ابن مزاحم ص ١٠٣، شرح ابن ابي الحديد ١: ٢٧٨.
٣ - من خطبة ليزيد بن قيس الأرحبي: إنّ المسلم من سلم دينه ورأيه، وإنّ هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيّعناه، ولا على إحياء حقّ رأونا أمتناه، ولا يقاتلوننا إلّا على هذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرةً وملوكاً، ولو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهوراً وسرورا - إذن لوليكم مثل سعيد(١) والوليد(٢) وعبد الله بن عامر(٣) السفيه يحدّث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت، ويأخذ ماله الله ويقول: لا إثم عليّ فيه، كأنّما اُعطي تراثه من أبيه. كيف؟ إنّما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا ورماحنا، قاتلوا عباد الله! القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم فيهم لومة لائم، إنَّهم إنْ يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وهم مَن قد عرفتم وجرَّبتم، والله ما - أرادوا باجتماعهم عليكم إلّا شرّاً، واستغفر الله العظيم لي ولكم.
____________________
١ - سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية والى معاوية على المدينة.
٢ - الوليد بن عقبة السكير اخو عثمان لامّه.
٣ - عبد الله بن عامر ولّاه معاوية على البصرة ثلاث سنين.
كتاب صفّين ص ٢٧٩، تاريخ الطبري ٦: ١٠، شرح ابن ابي الحديد ١: ٤٨٥.
٤ - من مقال لعمّار بن ياسر بصفّين: إمضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنّما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالإحسان. فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين: لِمَ قتلتموه؟ فقلنا: لأحداثه. فقالوا: إنّه ما أحدث شيئاً وذلك لأنّه مكّنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال، والله ما أظنّهم يطلبون دمه انّهم ليعلمون انّه لظالم، ولكنّ القوم ذاقوا الدنيا فاستحبّوها واستمروها، وعلموا لو انّ صاحب الحقِّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون فيه منها، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوماً. ليكونوا بذلك جبابرة وملوكاً، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون، ولولا هي ما بايعهم من الناس رجلان.
كتاب صفّين ص ٣٦١، تاريخ الطبري ٦: ٢١، شرح ابن ابي الحديد ١: ٥٠٤، الكامل لابن الأثير ٣: ١٢٣، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٦٦ واللفظ لابن مزاحم.
٥ - من خطبة لعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي: يا أمير المؤمنين! إنّ القوم لو كانوا الله يريدون، ولِله يعملون، ما خالفونا، ولكن القوم إنّما يقاتلوننا فراراً من الاُسوة وحبّاً للأثرة، وضنّاً بسلطانهم، وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحن في نفوسهم، وعداوةً يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين! بهم قديمة، قتلت فيها آباءهم وإخوانهم.
كتاب صفّين ص ١١٤، شرح ابن ابي الحديد ١: ٢٨١، جمهرة الخطب ١: ١٤٨.
٦ - من كلام لشبث بن ربعي مخاطباً معاوية: إنّه والله لا يخفى علينا ما تغزو ما تطلب.
إلى آخر ما يأتي في هذا الجزء.
٧ - قال وردان غلام عمرو بن العاص له: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: عليٌّ معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض الآخرة. فقال عمرو:
يا قاتل الله ورداناً وفتنته |
أبدى لعمرك ما في النفس وردانُ |
لمـّا تعرّضت الدنيا عرضت لها |
بحرص نفسي وفي الأطباع ادهانُ |
|
نفس تعفّ واُخرى الحرص يقلبها |
والمرء يأكل تبناً وهو غرثانُ |
|
أمّا عليٌّ فدينٌ ليس يشركه |
دنياً وذاك له دنيا وسلطانُ |
|
فاخترت من طمعي دنياً على بصر |
وما معي بالذي أختار برهانُ |
إلى آخر أبيات مرّت في ج ٢: ١٢٨، ومرّ لعمرو بن العاص قوله:
معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل |
بذلك دنيا فانظرن كيف تصنعُ |
|
فإن تعطني مصراً فأربح بصفقة |
أخذت بها شيخاً يضرُّ وينفعُ |
|
وما الدين والدنيا سواء وإنَّني |
لآخذ ما تُعطي ورأسي مقنَّعُ |
إلى آخر ما أسلفناه في ج ٢: ٤٤.
٨ - من كتاب لمحمَّد بن مسلمة الأنصاري إلى معاوية: وأمّا أنت فلعمري ما طلبت إلّا الدنيا، ولا اتَّبعت إلّا الهوى. فإن تنصر عثمان ميتاً فقد خذلته حيّاً. كتاب صفّين ص ٨٦.
٩ - قال نصر: لمـّا اشترطت عكّ والأشعرون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة والعطاء فأعطاهم(١) ، لم يبق من أهل العراق أحدٌ في قلبه مرضٌ إلّا طمع في معاوية وشخص بصره إليه حتى فشا ذلك في الناس، وبلغ ذلك عليّاً فساءه، وجاء المنذر بن أبي حميصة الوادعي(٢) وكان فارس همدان وشاعرهم فقال: يا أمير المؤمنين؟ إنّ عكّاً والأشعريّون طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء فأعطاهم، فباعوا الدين بالدنيا، وإنّا رضينا بالآخرة من الدنيا، وبالعراق من الشام، وبك من معاوية، والله لآخرتنا خيرٌ من دنياهم، ولعراقنا خير من شامهم، ولَإمامنا أهدى من إمامهم، فاستفتحنا بالحرب، وثق منّا بالنصر، واحملنا على الموت. ثمَّ قال في ذلك:
إنَّ عكّاً سالوا الفرائض والأشـ |
ـ عر سألوا جوائزاً بَثَنيَّهْ(٣) |
____________________
١ - اشترطوا على معاوية أن يجعل لهم فريضة ألفى رجل فى الفين الفين، ومن هلك فابن عمه مكانه [كتاب صفين ٤٩٣].
٢ - الوادعى: نسبة إلى وادعة: بطن من همدان.
٣ - البثنية: منسوبة إلى قرية بالشام بين دمشق وأذرعات، واليها تنسب الحنطة البثنية، وهى أجود أنواع الحنطة.
تركوا الدين للعطاء وللفر |
ض فكانوا بذاك شرَّ البريّهْ |
|
وسألنا حسن الثواب من الله |
وصبراً على الجهاد ونيَّهْ |
|
فلكلّ ما ساله ونواه |
كلّنا يحسب الخلاف خطيَّهْ |
|
ولَأهل العراق أحسن في الحر |
ب إذا ما تدانت السمهريَّهْ |
|
ولَأهل العراق أحمل للثقـ |
ـل إذا عمَّت العباد بليّهْ |
|
ليس منّا من لم يكن لك في |
الله وليّاً يا ذا الوَلا والوصيَّهْ |
فقال عليٌّ: حسبك رحمك الله، وأثنى عليه خيراً وعلى قومه. وانتهى شعره إلى معاوية فقال معاوية: والله لأستميلنَّ بالأموال ثقات عليّ، ولأقسمنَّ فيهم المال حتى تغلب دنياي آخرته.
كتاب صفّين ص ٤٩٥، شرح ابن ابي الحديد ٢: ٢٩٣.
١٠ - من كتاب لمولانا أمير المؤمنين إلى معاوية: واعلم يا معاوية؟ أنّك قد ادّعيت أمراً لست من أهله لا في القِدَم ولا في الولاية، ولست تقول فيه بأمرٍ بيِّن تُعرف لك به أثرة، ولا لك عليه شاهد من كتاب الله، ولا عهد تدَّعيه من رسول الله، فكيف أنت صانع؟ إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها، وركنتَ إلى لذّتها، وخُلّي فيها بينك وبين عدوّ جاهد ملحّ، مع ما عرض في نفسك، من دنياً قد دعتك فأجبتها، وقادتك فاتّبعتها، وأمرتك فأطعتها، فاقعس عن هذا الأمر، وخُذ اُهبة الحساب، فإنّه يوشك أن يقفك واقفٌ على ما لا يُجنّك منه مِجنّ، ومتى كنتم يا معاوية! ساسة للرعيَّة؟ أو ولاةً لأمر هذه الاُمّة بغير قَدَمٍ حسن؟ ولا شرفٍ سابق على قومكم، فشمِّر لما قد نزل بك، ولا تمكّن الشيطان من بغيته فيك، مع أنّي أعرف انّ الله ورسوله صادقان، فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء، وإلّا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك، فإنَّك مُترفٌ قد أخذ منك الشيطان مأخَذه، فجرى مِنكَ مَجرى الدّم في العروق.
كتاب صفّين ص ١٢٢، نهج البلاغة ٢: ١٠، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٤١٠.
١١ - روي: انّ الحسن بن علي رضي الله عنهما قال لحبيب(١) بن مسلمة في
____________________
١ - نزيل الشام كان مع معاوية في حروبه.
بعض خرجاته بعد صفّين: يا حبيب! رُبّ مسير لك في غير طاعة الله. فقال له حبيب: أمّا إلى أبيك فلا. فقال له الحسن: بلى والله ولقد طاوعت معاوية على دنياه وسارعت في هواه، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، فليتك إذا أسأت الفعل أحسنت القول فتكون كما قال الله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً. ولكنَّك كما قال الله تعالى: بل ران على قلوبهم ما كانوا يسكبون(١) .
١٢ - قال القحذمي: لمـّا قدم معاوية المدينة، قال: أيُّها النَّاس؟ انَّ أبا بكر رضي الله عنه لم يرد الدنيا ولم ترده، وأمّا عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأمّا عثمان فنال منها ونالت منه، وأمّا أنا فمالت بي وملت بها، وأنا ابنها وهي اُمّي وأنا ابنها، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم. العقد الفريد ٢: ٣٠٠.
إلى كلمات اُخرى تعرب عن مدى غايات معاوية وتركاضه وراء حطام الدُّنيا وملكها العضوض.
ابن عمر يحيى أحداث أبيه
هاهنا يوقفنا السبر عن أخبار ابن عمر على مواقف اتّباعه أحداث والده واتِّخاذه آرائه الشاذَّة عن الكتاب والسنَّة ديناً بعد تبيّن الرشد من الغيِّ، ما بالهم إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها؟!.
( منها ) : ذكر الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٤: ٢٦٥ عن ابن عمر لمـّا سُئل عن المتعة، قال: حرامٌ. فقيل: إنّ ابن عبّاس لا يرى بها بأساً. فقال: والله لقد علم ابن عباس أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عنها يوم خيبر وما كنّا مسافحين.
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى ٧: ٢٠٦ عن عبد الله بن عمر أنّه سُئل عن متعة النساء فقال: حرامٌ، أما إنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أخذ فيها أحداً لرجمه بالحجارة.
إنّ الرجل متقوّلٌ على الله وعلى رسوله بحكمه الباتِّ بحرمة المتعة، والسائل إنّما سأله عن دين الله لا عمّا أحدثه أبوه، وهو في قوله هذا مكذِّبٌ لأبيه حيث يقول:
____________________
١ - الاستيعاب ١: ١٢٣.
متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا أنهى عنهما واُعاقب عليهما. ويقول: ثلاثٌ كنَّ على عهد رسول الله أنا محرِّمهنَّ ومعاقبٌ عليهنَّ: متعة الحجِّ. ومتعة النساء. وحيَّ على خير العمل. ولم يستثن من ذلك العهد شيئاً ونسب التحريم إلى نفسه، وقد عُدّ من اوليات عمر.
ومكذِّبٌ أيضاً ابن عبّاس وقاذفٌ إيّاه بأنّه كان يعلم حكم الله ويحكم بخلافه، ويحلف بالله في قوله الفاحش، وحاشى حبر الاُمّة عن هذه الطامّة الكبرى.
ومكذّبٌ فحول الصحابة نظراء جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعمران ابن حصين، القائلين بإباحة المتعة في السنّة الشريفة، وانّهم تمتّعوا على عهد أبي بكر وشطر من خلافة عمر، وانّ عمر هو الذي نهى عنها.
ومكذِّبٌ سيّد العترة امير المؤمنينعليهالسلام في عزوه النهي عن المتعة إلى عمر، وقوله: لولا نهيه عنها ما زنى إلّا شقيّ.
على أنَّ النهي عن المتعة بخيبر يكذِّبه به إطباق الحفّاظ وشرّاح البخاري على عدم وجود النّهي عنها يومئذ، وقد سبق القَول عن السهيلي وأبي عمرو الزرقاني في الجزء السّادس ص ٢٢٦ ط ٢ بأنّه وهمٌ وغلطٌ لا يعرفه أحدٌ من أهل السير ورواة الأثر.
مرَّ الكلام حول هذا البحث ضافياً في الجزء السادس ص ١٩٨ - ٢٤٠ ط ٢.
( ومنها ) : نهيه عن البكاء على الأموات إحتذاءً منه سيرة أبيه خلاف ما جاء في السنّة الشريفة من فعل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقوله وتقريره، وكان ذلك بعد قيام الحجَّة عليهما كما مرّ في الجزء السادس، وكان الرجل يقول: مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقبر فقال: إنّ هذا ليعذّب الآن ببكاء أهله عليه فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرّحمن انّه وهم، إنّ الله تعالى يقول: ولا تزر وازرةٌ وزر اُخرى. إنّما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ هذا ليعذّب الآن وأهله يبكون عليه(١)
فصَّلنا القول في المسئلة في الجزء السّادس ١٥٩ - ١٦٧ ط ٢ وفي هذا الجزء ص ٤٣، ٤٤.
( ومنها ) : استنكافه من الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذاً برأي أبيه، السابق
____________________
١ - مسند احمد ٢: ٣١، ٣٨.
ذكره في ج ٦ ص ٢٩٤ ط ٢، قال الشعبي: قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفاً فما سمعته يحدِّث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا حديثاً(١) .
( ومنها ) : قوله في طواف الوداع على الحائض التي أفاضت حذو رأي أبيه خلاف السنَّة النبويّة الشريفة، وكان على ذلك ردحاً من الزمن، ثمّ لمـّا لم يَر مَن وافقه في الرأي لم يجد بدّاً من البخوع للحقّ فأخبت إليه كما أسلفناه في ج ٦: ١١١ ط ٢.
( ومنها ) : حضُّه النّاس على ما أحدثه أبوه من المنع عن السؤال عمّا لم يقع(٢) وقوله: يا أيّها الناس لا تسألوا عمّا لم يكن فإنّي سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عمّا لم يكن(٣) .
ألا تعجب من سوء حظّ امّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تدعم الاُحدوثة فيها بالمسبّة، وتنهى عن المعروف بالفسوق؟.
( ومنها ) : قوله في المتطيّب عند الإحرام اقتداءً باُحدوثة أبيه خلاف السنّة الثابتة، أخرج البخاري ومسلم من طريق ابراهيم بن محمّد بن المنتشر عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يقول: لأن أصبح مطلّياً بقطران أحبّ اليّ من أن أصبح محرماً اُنضخ(٤) طيباً قال: فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله فقالت: طيّبت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فطاف على نسائه ثمّ أصبح محرماً.
وفي لفظ البخاري: ذكرته لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرَّحمن، كنت اُطيِّب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيطوف على نسائه ثمَّ يصبح محرماً ينضخ طيباً.
وفي لفظ النسائي: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: لإن أطلي بالقطران أحبُّ إليَّ من ذلك. فذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرَّحمن قد كنت اطيّب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيطوف في نسائه ثمَّ يصبح ينضخ طيباً(٥) .
____________________
١ - سنن الدارمى ١: ٨٤، سنن ابن ماجة ١: ١٥، مسند احمد ٢: ١٥٧، ولفظه: جالست ابن عمر سنتين ما سمعته روى شيئا عن رسول الله.
٢ - مرّ البحث عنه فى ج ٦: ٢٩٣ ط ٢.
٣ - كتاب العلم لابى عمر ٢: ١٤٣، مختصر كتاب العلم ص ١٩٠.
٤ - النضخ بالخاء المعجمة كاللطخ فيما يبقى له اثر يقال: نضخ ثوبه بالطيب. والنضح بالمهملة فيما كان رقيقا مثل الماء.
٥ - صحيح البخارى ١: ١٠٢، ١٠٣، صحيح مسلم ٤: ١٢، ١٣، سنن النسائى ٥: ١٤١.
( ومنها ) : ما أخرجه الشيخان(١) من طريق مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالسٌ إلى حجرة عائشة والناس يصلّون الضحى في - المسجد فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. فقال له عروة: يا أبا عبد الرَّحمن! كم اعتمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: أربع عمر إحداهنَّ في رجب، فكرهنا أن نكذِّبه ونردَّ عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة فقال عروة: ألا تسمعين يا امّ المؤمنين! إلى ما يقول أبو عبد الرّحمن؟ فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أربع عمر إحداهنَّ في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبد الرَّحمن، ما اعتمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطُّ.
الظاهر من الرواية انّ ابن عمر تعمَّد باختلاق عمرة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في رجب وإن كره مجاهد، وعروة أن يكذّباه، وانّما فعل ذلك روماً لتدعيم ما تأوّل به رأي أبيه الشاذّ في متعة الحجِّ ممّا رواه أحمد في مسنده ٢: ٩٥ من قوله: إنَّ عمر لم يقل لكم إنّ العمرة في أشهر الحجّ حرام ولكنَّه قال: إنّ أتمّ العمرة أن تفردوها من أشهر الحج.
فأراد ابن عمر بعزو عمرة رجب المختلقة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تأييداً لتأويله الذي يضادّ صريح قول أبيه: إنِّي اُحرِّمها واُعاقب عليها. وقد فصّلنا القول فيها في ج ٦.
ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما اعتمر في رجب قطُّ كما جاء في حديث أنس أيضاً: اعتمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أربع عمر كلّها في ذي العقدة(٢) وأخرج ابن ماجة في سننه ٢: ٢٣٣ من طريق ابن عبّاس قال: لم يعتمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمرة إلّا في ذي العقدة.
وكان ابن عمر يحسب أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اعتمر مرّتين فأنكرت عليه عائشة ايضاً، ولعلّه كان قبل إنكارها السابق عليه، أخرج أبو داود وأحمد(٣) من طريق مجاهد قال: سُئل ابن عمر: كم اعتمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال: مرّتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها بحجَّة الوداع.
____________________
١ - صحيح البخارى ٣: ١٤٤، صحيح مسلم ٤: ٦١، مسند احمد ٢: ٧٣، ١٢٩، ١٥٥، وفى تيسير الوصول ١ ص ٣٣٦: أخرجه الخمسة الا النسائى.
٢ - صحيح البخارى ٣: ١٤٥، صحيح مسلم ٤: ٦٠، سنن أبى داود ١: ٣١٢، الاجابة للزركشى ص ١١٥.
٣ - راجع سنن ابى داود ١: ٣١٢، مسند احمد ٢: ٧٠، ١٣٩، فتح البارى ٣، ٤٧٣.
ولعلّ الباحث يقرب من عرفان حقيقة ابن عمر إن أمعن النظر فيما أخرجه ابن عساكر من طريق إمام الحنابلة أحمد عن إبن ابزي: انّ عبد الله بن الزبير قال لعثمان يوم حصر: إنّ عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحوّل إلى مكّة فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا، إنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يلحد بمكّة كبشٌ من قريش اسمه عبد الله عليه نصف أوزار الناس، ولا أراك إلّا إيّاه أو عبد الله بن عمر ( تاريخ ابن عساكر ٧: ٤١٤ ).
وأخرج أحمد في مسنده ٢: ١٣٦: أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير إيّاك والإلحاد في حرم الله تبارك وتعالى فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: انّه سيلحد فيه رجلٌ من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلّين لرجحت. قال: فانظر لا تكونه.
الفريق الثاني.
أمّا الفريق الثاني من أخبار ابن عمر فحدّث عنه ولا حرج، تراه لا يدعه عداءه المحتدم ونفسيَّته الواجدة على أمير المؤمنين، أو حبّه المعمى والمصمّ للبيت العبشمي أن يجري علي لسانه اسم عليّ وذكر أيّام خلافته فضلاً عن أن يبايعه، مرّ حول حديث ذكرناه في هذا الجزء صفحة ٢٤ قول ابن حجر: لم يذكر ابن عمر خلافة عليّ لأنَّه لم يبايعه لوقوع الإختلاف عليه. إلى آخر كلامه.
وسبق في ص ٣٦ من طريق الحافظ ابن عساكر ذكر ابن عمر الخلافة الإسلاميّة و عدّه خلفائها الإثني عشر من قريش: أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد والسفاح و منصور وجابر والأمين وسلام والمهدي وأمير العصب وقوله فيهم: إنّ كلّهم صالحٌ لا يوجد مثله.
أيَّ نفسيَّة ذميمة أو عقليّة ساقطة دعت الرجل إلى هذه العصبيَّة عصبيّة الجاهليَّة الاولى، هب أنّ خلافة أمير المؤمنين كانت غير مشروعة - العياذ بالله - ولكن هل كانت من السقوط على حدّ هو أسوء حالاً من أيّام يزيد الطاغية الباغية وملكه العضوض الذي استساغ الرجل أن يلهج به دون عهد امير المؤمنين وخلافته؟ وهلّا تسوغ تسمية أيّام الفراعنة والجبابرة لدى سرد تاريخ قصّة أو قضيّة؟ وقد ثبت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند
القوم انّ الخلافة بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلثون عاماً، ثمّ ملك عضوض، ثمَّ كائن عتوّاً وجبريّة و فساداً في الاُمّة، يستحلّون الفروج والخمور(١)
وهل كان على لسان الرجل عقال عيَّ به عن سرد فضائل أمير المؤمنين وتبكّمت عليه ممّا ملأ بين الخافقين، وقد نزلت فيهعليهالسلام ثلاثمائة آية، وجاءت في الثناء عليه آلاف من الحديث لم تُروَ منها عن ابن عمر إلّا نزرٌ يعدّ بالأنامل، وذلك بصورة مصغّرة مشوّهة، يضمّ آرائه السخيفة إليها مثل ما أخرجه أحمد في مسنده ٢: ٢٦ عن ابن عمر قال: كنّا نقول في زمن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : رسول الله خير الناس. ثمّ أبو بكر، ثمّ عمر، ولقد اوتى ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم: زوّجه رسول الله ابنته وولدت له. وسدّت الأبواب الّا بابه في المسجد. وأعطاه الراية يوم خيبر.
وفي حديث: قيل لابن عمر: ما قولك في عليّ وعثمان رضي الله عنها؟ فقال ابن عمر: أمّا عثمان فقد عفى الله عنه فكرهتم أن تعفو، وأمّا عليّ فابن عمّ رسول الله وختنه(٢) .
وتراه يوازن أبا بكر وعمر وعثمان مع رسول الله ويزنهم بميزان قسطه الذي فيه ألف عين ثمّ يرفعه ولم تلحق الزنة عليّاً، أخرج أحمد في المسند ٢: ٧٦ من طريق ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: رأيتُ قبيل الفجر كأنّي اُعطيت المقاليد والموازين، فامّا المقاليد فهذه المفاتيح، وأمّا الموازين فهي التي تزنون بها فوضعتُ في كفّة ووضعت اُمّتي في كفّة، فوزنت بهم فرجحت، ثمّ جيء بأبي بكر فوزن بهم فوزن، ثمّ جيء بعمر فوزن، ثمّ جيء بعثمان فوزن بهم. ثمّ رفعت.
يؤيِّد ابن عمر بهذه الاُسطورة رأيه في المفاضلة بين الصحابة، وانّه لا تفاضل بينهم بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وإذا ذهبوا استوى الناس.
نعم: ثقيل على ابن عمر أن يذكر عليّاً بخير، ويبوح بشيء من فضائله الجمّة، وهو يأتي في غيره بما لا يقبله قطّ ذو مسكة، ولا يساعده فيه العقل والمنطق مثل قوله: كنت عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعنده أبو بكر الصدّيق عليه عباءة قد خلّها على صدره بخلال، فنزل
____________________
١ - راجع الخصايص الكبرى ٢: ١١٩، فيض القدير ٣: ٥٠٩.
٢ - أخرجه البخارى.
عليه جبريل فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها على صدره بخلال؟ إلى آخر ما مرّ في ج ٥ ص ٢٧٤ ط ١، و ٣٢١ ط ٢.
وقوله مرفوعاً: لو وزن ايمان أبي بكر بايمان أهل الأرض لرجح. لسان الميزان ٣: ٣١٠.
وقوله مرفوعاً: اُتيت في المنام بعسّ مملوء لبناً فشربت منه حتّى امتلأت فرأيته يجري في عروقي، فضلت فضلة فأخذها عمر بن الخطاب فشربها. إلى آخر ما أسلفناه في ج ٥: ٢٧٩ ط ١، و ٣٢٦ ط ٢.
وقوله مرفوعاً: اُحشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر، حتّى أقف بين الحرمين فيأتيني أهل مكّة والمدينة.
وقوله مرفوعاً: هبط جبريل فقال: إنَّ ربّ العرش يقول لك: لمـّا أخذت ميثاق النبيّين أخذت ميثاقك وجعلتك سيّدهم وجعلت وزيرك أبا بكر وعمر.
وقوله مرفوعاً: لمـّا اُسري بي إلى السّماء فصرت إلى السَّماء الرّابعة سقطت في حجري تفَّاحة فأخذتها بيدي فانفلقت فخرج منها حوراء تقهقه فقلت لها: تكلّمي لمن أنت؟ قالت: للمقتول شهيداً عثمان بن عفّان.
وقوله مرفوعاً: أما إنّ معاوية يبعث يوم القيامة عليه رداءٌ من نور الإيمان.
وقوله مرفوعاً: انّه اوحي إليّ أن اُشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري.
وقوله: لمـّا نزلت آية الكرسي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمعاوية: اكتبها فقال لي: ما لي بكتبها إن كتبتها؟ قال: لا يقرؤها أحدٌ إلّا كُتب لك أجرها.
وقوله مرفوعاً: الآن يطلع عليكم رجلٌ من أهل الجنّة. فطلع معاوية، فقال: أنت يا معاوية! منّي وأنا منك، لتزاحمني على باب الجنّة كهاتين. وأشار باصبعيه.
وقوله مرفوعاً: يطلع عليكم رجل من أهل الجنّة. فطلع معاوية، ثمّ قال من الغد مثل ذلك، فطلع معاوية، ثمّ قال من الغد مثل ذلك، فطلع معاوية.
وقوله: إنّ جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم سفرجلاً فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال: تلقاني بهنَّ في الجنّة.
إلى روايات اُخرى أسلفناها في الجزء الخامس في سلسلة الموضوعات، ونحن وإن ماشينا القوم هنالك وأخذنا بتلكم الطامّات اُناساً آخرين من رجال أسانيدها، غير انَّ ما صحّ عن ابن عمر من أخباره كحديث المفاضلة، وما علم من نزعاته الوبيلة، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه تقرّب إلى الذّهن انّه هو صائغ تلكم الصحاصح، ولا رجحان لغيره عليه في كفّة الإختلاق والتقوّل، كما أنّ له في نحت الأعذار لمن انحاز إليهم من الأمويِّين قَدماً وقِدماً، وقد مرّ شطرٌ من شواهد ذلك ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده ٢: ١٠١ من طريق عثمان بن عبد الله بن موهب قال: جاء رجلٌ من مصر يحجّ البيت قال فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: قريش.
قال: فمَن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر إنِّي سائلك عن شيء أو أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أنّ عثمان فرّ يوم اُحد؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنّه غاب عن بدر فلم يشهده؟ قال: نعم. قال: وتعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرضوان؟ قال: نعم. قال فكبّر المصريُّ، فقال ابن عمر: تعال اُبيّن لك ما سألتني عنه، أمّا فراره يوم اُحد فأشهد انّ الله قد عفى عنه وغفر له، وأمّا تغيّبه عن بدر فانّه كانت تحته ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وانّها مرضت فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لك أجر رجل شهد بدر أو سهمه. أمّا تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحدُ أعزّ ببطن مكّة من عثمان لبعثه، بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان، فضرب بها يده وقال: هذه لعثمان. قال: وقال ابن عمر: اذهب هذا الآن معك. وأخرجه البخاري في صحيحه ٦: ١٢٢. وفي مرسلة عن المهلب بن عبد الله انَّه دخل على سالم بن عبد الله بن عمر رجلٌ وكان ممّن يحمد عليّاً ويذمُّ عثمان فقال الرجل: يا أبا الفضل؟ ألا تخبرني هل شهد عثمان البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح؟ فقال سالم: لا. فكبّر الرجل وقام ونفض ردائه و خرج منطلقاً فلمّا أن خرج قال له جلساؤه: والله ما أراك تدري ما أمر الرجل، قال: أجل، وما أمره؟ قالوا: فإنّه ممّن يحمد عليّاً ويذمّ عثمان فقال: عليَّ بالرجل فأرسل إليه فأتاه فقال: يا عبد الله الصالح إنّك سألتني: هل شهد عثمان. البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح؟ فقلت: لا. فكبّرت وخرجت شامتاً فلعلّك ممّن يحمد عليّاً ويذمّ عثمان؟
فقال: أجل والله إنِّي لمنهم، قال: فاستمع منِّي ثمّ اردد عليَّ فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا بايع الناس تحت الشجرة كان بعث عثمان في سريَّة وكان في حاجة الله وحاجة رسوله و حاجة المؤمنين فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا إنّ يميني يدي وشمالي يد عثمان، فضرب شماله على يمينه وقال: هذه يد عثمان وانّي قد بايعت له، ثمّ كان من شأن عثمان في البيعة الثانية: انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث عثمان إلى عليّ فكان أمير اليمن فصنع به مثل ذلك.
إلى آخر الرواية وهي طويلة أخرجها المحبّ الطبري في الرياض النضرة ٢: ٩٤ وقد حذف إسنادها تحفّظاً عليها، وفي متنها شواهد تدّل على وضعها وانّها مكذوبةٌ مختلقة وهي تغنينا عن عرفان رجال السند.
وأخرج الحاكم في المستدرك ٣: ٩٨ من طريق حبيب بن أبي مليكة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: أشهد عثمان بيعة الرضوان؟ قال: لا. قال: فشهد بدراً؟ قال: لا. قال: فكان ممّن استزلَّه الشيطان قال: نعم. فقام الرجل، فقال له بعض القوم: إنّ هذا يزعم الآن إنّك وقعت في عثمان. قال: كذلك يقول؟ قال: ردّوا عليَّ الرجل، فقال: عقلتَ ما قلتُ لك؟ قال: نعم سألتك هل شهد عثمان بيعة الرضوان؟ قلت: لا. وسألتك هل شهد بدراً؟ فقلت: لا. وسألتك هل كان ممّن استزلّه الشيطان؟ فقلت: نعم. فقال: أمّا بيعة الرضوان فإنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قام فقال: إنَّ عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله.
فضرب له بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره، وأمّا الذين تولّوا يوم التقى الجمعان إنّما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفى الله عنهم إنَّ الله غفورٌ حليم.
ألا تعجب من هذه الأعذار المفتعلة الباردة وقد خفيت على الصحابة الحضور يوم بدر البالغ جمعهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً(١) وعلى الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفاً وأربعمائة أو أكثر(٢) لم يك يعلم بها إلّا رجلين أحدهما ابن عمر الذي كان
____________________
١ - صحيح البخارى ٦: ٧٤ فى المغازى، تاريخ الطبرى ٢: ٢٧٢، سيرة ابن هشام ٢: ٣٥٤.
٢ - صحيح البخارى ٧: ٢٢٣ فى تفسير سورة الفتح، تفسير القرطبى ١٦: ٢٧٦.
يوم بدر واُحد صبيّاً لم يبلغ الحلم وقد استصغره رسول الله في اليومين وكان له يوم بيعة الرضوان ستّ عشر سنة(١) وثانيهما نفس عثمان الغائب عن هاتيك المواقف، فالرواية مدبّرة بين اثنين بين صبيّ وغايب يوم حوصر عثمان وتبعهما في بعضها أنس فحسب، ومن الغريب جِدّاً انَّ عبد الرَّحمن بن عوف أخا عثمان(٢) وصاحبه الذي أقعده دست الخلافة، وكان حاضراً في بدر واُحد لم يكن قرع سمعه شيءٌ من تلكم الأعذار إلى يوم حوصر عثمان، ولو كانت بمقربة من الصحّة لكانت الألسن تتداولها، والأندية لا تخلو عن ذكرها، فجاء عبد الرّحمن ينتقد الرجل بعدم حضوره في الغزوتين وتركه سنّة عمر فبلغ ذلك عثمان فتخلّص عنه بما خلق له ابن عمر أو اختلق هو، أخرج أحمد في مسنده ١: ٦٨ من طريق شقيق قال: لقي عبد الرّحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه؟ فقال له عبد الرَّحمن: أبلغه: إنّي لم افرّ يوم عينين - قال عاصم: يقول: يوم اُحد - ولم أتخلّف يوم بدر، ولم أترك سنّة عمر رضي الله عنه قال: فانطلق فخبّر ذلك عثمان رضي الله عنه فقال: أمّا قوله: إنّي لم أفرّ يوم عينين فكيف بذنب؟ وقد عفا الله عنه، فقال: إنَّ الّذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم، وأمّا قوله: إنِّي تخلّفت يوم بدر، فانِّي كنت أمرض رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين ماتت و قد ضرب لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسهمي ومن ضرب له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسهمه فقد شهد. وأمّا قوله: إنِّي لِمَ أترك سنّة عمر رضي الله عنه، فإنِّي لا اُطيقها ولا هو، فأته و حدِّثه بذلك.
دع ابن عمر يصوّر لبعث عثمان إلى مكّة صورة مكبّرة من أنّه لم يبعثه إلّا لأنّه أعزّ مَن في بطن مكّة(٣) فإنَّ الواقف على القصّة جِدّ عليم بأنَّ تلك البعثة ما كانت لها صلة بالعزَّة والذلَّة فانّها كانت إلى أبي سفيان يريد بها التخفيف من وطئته في استهواء قريش واستهدائه على استثارتها على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان طبع الحال يستدعي
____________________
١ - راجع صفحة ٤ من هذا الجزء.
٢ - آخى رسول الله صلى الله عليه و آله بينهما يوم المؤاخاة الاولى:
٣ - كما مر فى ص ٧٠.
أن يبعث إليه رجلاً من حامّته يأمن من بطشه ويؤمّل تنازله له لما بينهما من واشجة الرَّحم والقرابة، ولذلك انتخب لها عثمان، إن لم يقل القائل: إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنَّما بعثه ليغيب عن بيعة الرضوان وفضلها حتّى لا يُقال غداً: إنَّ عدول الصحابة قد اجمعت على قتل رجل من أهل بيعة الرضوان.
هاهنا ننهي البحث عن حديث المفاضلة - الذي جاء به ابن عمر وصحّحه البخاري - وانّه باطلٌ لا يعتمد عليه، يخالف الكتاب والسنَّة والعقل والقياس والإجماع والمنطق ونرجع إلى بقيَّة ما جاء في المناقب:
٥ - عن أنس: إنّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أثبت حراء فما عليك إلّا نبيّ وصدّيق وشهيدان.
قال الأميني: أخرجه الخطيب في تاريخه ٥: ٣٦٥ من طريق محمّد بن يونس الكديمي ذلك الكذّاب الوضاع الذي وضع على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من الف حديث كما مرَّ في الجزء الخامس في سلسلة الكذّابين ص ٢٣٠، وفي هذا الجزء فيما يأتي. عن قريش بن أنس الأموي البصري. قال ابن حبان: اختلط فظهر في حديثه مناكير فلم يجز الإحتجاج بأفراده. وقال البخاري: إختلط ستَّ سنين(١) عن
سعيد بن أبي عروبة البصري قال ابن سعد: اختلط في آخر عمره. وقال ابن حبان بقي في اختلاطه خمس سنين، ولا يُحتجّ إلّا بما روى القدماء مثل يزيد بن زريع وابن المبارك. وقال الذهلي: عاش بعد ما خولط تسع سنين. وقال غيرهم: اختلط سنين لم يجز الإحتجاج بحديثه فيما انفرد(٢) .
هذا ما في إسناد هذه الاكذوبة من العلل غير أنَّ الخطيب مرَّ بها كريماً، لا تسمع منه حولها ركزا، ولم ينبس فيها ببنت شفة، عادته في فضائل من أعماه حبّه وأصمّه.
٦ - أخرج الدارقطني في سننه عن إسماعيل بن العبّاس الورّاق عن عباد بن الوليد أبي بدر عن الوليد بن الفضل عن عبد الجبّار بن الحجّاج الخراساني عن مكرم بن حكيم عن سيف بن منير عن أبي الدرداء قال: أربع سمعتهنَّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٨: ٣٧٥.
٢ - تهذيب التهذيب ٤: ٦٣ - ٦٦.
لا تكفّروا أحداً من أهل قبلتي بذنب وإن عملوا الكبائر، وصلّوا خلف كلِّ إمام، وجاهدوا أو قال: قاتلوا، ولا تقولوا في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ إلّا خيراً قولوا: تلك اُمّة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت(١) .
رجال الاسناد:
١ - الوليد بن الفضل المقبري. قال ابن حبان: يروي الموضوعات لا يجوز الإحتجاج به بحال، وقال الذهبي: هو الذي حديثه في جزء ابن عرفة عن اسماعيل بن عبيد الله: إنَّ عمر حسنةٌ من حسنات أبي بكر رضي الله عنه. وإسماعيل هالك، والخبر باطل، وفي سنن الدارقطني: حدَّثنا إسماعيل بن العبّاس الورّاق ثنا عباد بن الوليد أبو بدر ( وذكر الحديث بالإسناد المذكور ) فقال: قال الدارقطني: من بعد عبّاد ضعفاء ( يعني الوليد وعبد الجبّار ومكرم وسيف ).
وقال ابن حجر: لفظ الدارقطني بين عبّاد وأبي الدرداء ضعفاء، فدخل فيهم عبد الجبّار كما دخل في قول العقيلي: إسنادٌ مجهول، ووقع هنا سيف بن منير وفي الرواية الاُخرى: منير بن سيف، فلعلّه انقلب. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه مجهولٌ، وقال الحاكم وأبو نعيم وأبو سعيد النقاش: روى عن الكوفيين الموضوعات.
« ميزان الإعتدال ٣: ٢٧٣، لسان الميزان ٦: ٢٢٥ »
٢ - عبد الجبّار بن الحجّاج الخراساني، ذكره ابن حجر في لسان الميزان ٣: ٣٨٧ وذكر شطراً من الحديث بالإسناد وقال: هذا غير محفوظ، وليس في هذا المتن إسنادٌ ثبت، وضعّفه الدارقطني فإنّه ساق في السنن الحديث المذكور من الطريق المذكور لكنّه من رواية عباد بن الوليد الغبري(٢) ، عن الوليد بن الفضل وقال: من بعد عبّاد ضعيفٌ فدخل عبد الجبار فيهم كما دخل ابن منير.
[لسان الميزان ٣: ٣٨٨].
٣ - مكرم بن حكيم الخثعمي: قال الذهبي في الميزان: روى خبراً باطلاً ( يعني هذا الحديث) وقال: قال الأزدي: ليس حديثه بشيء.
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٣: ٢٧٣ و ج ٦: ٢٢٦.
٢ - بضم المعجمة وفتح الموحدة المخففة.
وقال ابن حجر: وزاد ( يعني الازدي ) انّه مجهولٌ، والحديث مذكورٌ في ترجمة الوليد بن الفضل، وقد ضعّفه الدارقطني أيضاً. [الميزان ٣: ١٩٨، لسان الميزان ٦: ٨٥].
٤ - سيف بن منير: قال الذهبي: يجهل وضعّفه الدارقطني لكونه أتى بأمر معضل عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: لا تكفروا أهل ملّتي وإن عملوا الكبائر. لكنّه من رواية مكرم بن حكيم أحد الضعفاء عنه.
وقال ابن حجر: وذكره الأزدي فقال: ضعيفٌ مجهولٌ يكتب حديثه، وإسناد حديثه ليس بالقايم. وقال صاحب الحافل: رواه عنه مكرم بن حكيم وليس بشيء، والحديث في سنن الدارقطني. ميزان الاعتدال ١: ٤٣٩: لسان الميزان ٣: ١٣٣.
٧ - عن أنس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من نبيّ إلّا وله نظيرٌ في امّتي فأبو بكر نظير إبراهيم، وعمر نظير موسى، وعثمان نظير هارون، وعليّ بن أبي طالب نظيري.
قال الأميني: أخرجه ابن الأعرابي عن محمّد بن زكريا الغلابي البصري عن أحمد ابن غسان الهجيمي عن أحمد بن عطاء أبي عمر. والهجيمي عن عبد الحكم عن أنس.
قال الذهبي في الميزان ١: ٥٦: أخاف أن يكون الغلّابي كذبه، وقال في ٣: ٥٨: هو ضعيفٌ. وقال ابن مندة: تكلّم فيه. وقال الدارقطني: يضع الحديث.
وذكر الحاكم في تاريخه حديثاً من طريق محمّد بن زكريا الغلابي فقال: رواته ثقات إلَّا محمّد بن زكريا وهو الغلابي فهو آفته.
وفي الإسناد أحمد بن عطاء، قال الدارقطني: متروكٌ. وقال الأزدي: كان داعية إلى القدَر متعبّداً مغفّلاً يحدّث بما لم يسمع، وقال زكريَّا الساجي قبله مثله، وقال ابن المديني: أتيته يوماً فجلست إليه فرأيت معه درجاً يحدّث به فلمّا تفرَّقوا عنه قلت له: هذا سمعته؟ قال: لا، ولكنه اشتريته وفيه أحاديث حسان اُحدِّث بها هؤلاء ليعملوا بها واُرغّبهم واُقرّبهم إلى الله، ليس فيه حكمٌ ولا تبديل سنّة، قلت له: أما تخاف الله تقرِّب العباد إلى الله بالكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟.
ميزان الاعتدال ١: ٥٦، ج ٣: ٥٨، لسان الميزان ١: ٢٢١، و ج ٥: ١٦٨.
٨ - ذكر المحبّ الطبري في الرياض النضرة ١: ٣٠ عن محمّد بن إدريس الشافعي قال: بسنده إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أنواراً على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلمّا خُلق اسكنّا ظهره، ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة إلى أن نقلني الله صلب عبد الله، ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة، ونقل عمر إلى صلب الخطّاب، ونقل عثمان إلى صلب عفّان، ونقل عليَّاً إلى صلب أبي طالب ثمَّ اختارهم لي أصحاباً فجعل أبا بكر صدّيقاً، وعمر فاروقاً، وعثمان ذا النورين، وعليّاً وصيّاً، فمن سبَّ أصحابي فقد سبَّني، ومن سبَّني فقد سبّ الله، ومن سبَّ الله أكبّه في النار على منخره، أخرجه الملّا في سيرته.
قال الأميني: نحن في إبطال هذا الحديث في غنى عن النظرة إلى إسناده المحذوف لكنّا مهما ذهلنا عن شيء فلا يفوتنا العلم بأنَّ الأصلاب الأمويّة غير طاهرة وإنّما هي الشجرة الملعونة في القرآن راجع الجزء الثّامن ص ٢٥٤، ٢٥٥ ط ١.
إنَّ الخيار من البريّة هاشمٌ |
وبنو اُميَّة أرذَل الأشرارِ |
|
وبنو اُميّة عدوهم مِن خروع |
ولها شم في المجد عود نضارِ |
|
أمّا الدعاة إلى الجنان فهاشم |
وبنو اُميِّة مِن دُعاةِ النّارِ |
|
وبهاشم زكت البلاد وأعشبت |
وبنو اُميّة كالسراب الجاري |
ذكرها الزمخشري في ربيع الأبرار باب ٦٦ لأبي عطاء أفلح السندي.
وتجد في غضون أجزاء كتابنا هذا نبذاً وافية عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وبقيّة الصّحابة ممّا فيه غنى وكفاية في سقوط الأمويِّين عن مستوى الإعتبار والنزاهة في الجاهليّة والإسلام، على ما يؤثر عنهم في العهدين من المخازي والمخاريق المؤكّدة لذلك كلّه، فنحن نحاشي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أن يصف تلكم الأصلاب بالطهارة في عداد الأصلاب الطاهرة التي تنقل فيها الرَّسول الأطهر ووصيّه المطهَّر أمير المؤمنين علي عليهما وآلهما السّلام.
وهي الشجرة الطيِّبة التي أصلها ثابت وفرعها في السَّماء تؤتي أكلها كلَّ حين.
على أنّا لم نجد في أبي قحافة والخطّاب وأسلافهما ما يمكن أن يعدَّ من المآثر البشريَّة فضلاً عن المآثر الدينيّة التي نقطع بعدم تحلّيهما بها فقد أسلفنا الكلام حول
اسلام أبي قحافة في الجزء السّابع ص ٣١٢ - ٣٢١ ط ١ وأمّا الخطّاب فمن المقطوع به أنّه لم يسلم وقد ثبت عن عمر قوله لعبّاس عمِّ النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم أسلم: يا عبّاس! فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليَّ من اسلام الخطاّب لو أسلم(١) .
وأما عفّان فسل عنه الكلبي والبلاذري فإنّ لهما في « المثالب » و « الانساب » جملٌ تُعرب عن مجمل حقيقة الرجل دون تفصيلها.
وإنَّا أسلفنا القول حول الألقاب في ج ٢: ٣١٢ - ٣١٤ و ج ٣: ١٨٧ ط ٢: وانَّ الصدِّيق والفاروق من الألقاب الثابتة الخاصَّة بمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وانّما تداولتهما النّاس للرّجلين وعند ذلك وضعوا مثل هذه المفتعلات.
ونحن لا نسترسل في بيان حكم سبّ الصّحابة لكنّا لو أخذنا بإطلاق هذه الرّواية وقلنا: أنَّ المخاطبين منهم كانوا مكلّفين بمفادها لأشكل الأمر في أكثر الصحابة الذين اطّرد بينهم السباب المقذع، والوقيعة الفاضحة، والعداء المحتدم حتّى انّه كان قد يؤل الأمر من جرّاء ذلك إلى المقاتلة، فهل هؤلاء كلّهم يكبّون في النار على مناخرهم؟ أنا لا أدري.
٩ - قال المحبُّ الطبري في الرياض النضرة ١: ٢٤: عن ابن يخامر السكسكي انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أللّهمَّ صلِّ على أبي بكر فانّه يحبّك ويحبُّ رسولك، أللّهم صلِّ على عمر فإنّه يحبّك ويحبّ رسولك، أللّهمَّ صلِّ على عثمان فانّه يحبّك ويحبُّ رسولك، أللّهمّ صلّ على أبي عبيدة بن الجراح فانّه يحبّك ويحبُّ رسولك، أللّهمَّ صلِّ على عمرو بن العاص فإنّه يحبّك ويحبُّ رسولك. أخرجه الخلعي.
قال الأميني: ليت المحبّ الطبري أوقفنا على إسناد هذا الحديث المبتور حتّى نعرف عدد مَن فيه من الوضّاعين، وليته بعد أن موّه الأمر في ذلك عرّفنا ابن يخامر السكسكي مَن هو أمن الصّحابة؟ أم من التابعين؟ أم ممّن بعدهم من طبقات الرجال؟ وهل سمع هو مَن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو أنّه موَّه ودلَّس؟ أو أنّه بشرٌ لم يُخلق بعدُ؟ وإن تعجب فعجبٌ انّه حذف بين الأسماء من يُقطع بأنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام الذي استفاض النقل الصحيح بذلك عن
____________________
١ - سيرة ابن هشام ٤: ٢١، عيون الاثر ٢: ١٦٩، الشفاء للقاضى ٢ ص ١٨.
النبيِّ الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم راجع ج ٣ ص ٢١ - ٢٣ ط ٢ وتقدَّم في الجزء السابع ١٩٩ ط ١ وفي صفحات هذا الجزء أحاديث جمَّة تدلُّ على أنّه أحبّ الناس إلى الله وإلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن المعلوم إذن انَّ هذه المرتبة من الحبِّ متبادلٌ بينه سلام الله عليه وبينهما ويدلّ على هذا التبادل بنحو الإطلاق قوله تعالى: إنْ كنتم تحبُّون الله فاتّبعوني يحببكم الله.
وكان في الصحابة أناسٌ آخرون يتهالكون في المحبَّة لله ولرسوله لا يفوقهم مَن ذُكر وإن كنّا نعتقد انّهم دون اولئك المنسيِّين بمنازل كثيرة كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار والعبّاس عمّ النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى كثيرين من نظرائهم. لكنَّ نوبة الحبّ وصلت إلى الأبتر ابن الشائن الأبتر، إلى ابن النابغة، إلى ابن الأمة السوداء المجنونة الحمقاء التي كانت تبول من قيام، ويعلوها اللّئام، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً، إلى ابن العاصي، إلى ابن الجزّار، إلى ابن دعيِّ ستَّة، إلى المدافع عن نفسه في معترك القتال بإسته، إلى من رأى فحل زوجته على فراشه فلم يغر ولم ينكر، إلى الوغد اللّئيم، إلى النكد الذميم، إلى الوضيع الزنيم(١) إلى مناوئي الحقِّ ونصير الباطل، إلى إلى...
نعم: وصلت نوبة الحبِّ إليه ولم تصل إلى من ذكرناهم من رجال الدين وأفذاذ الإسلام وأعاظم الاُمّة وصلحاء الصَّحابة.
إن دام هذا ولم يحدث به غيرٌ |
لم يُبك ميتٌ ولم يُفرح بمولود |
نعم: راق ذلك السكسكي أو مَن قبله من الوضّاعين ولم يرقهم غيره. وكم في صفحات تاريخ عمرو بن العاصي وقرناءه الأربعة شواهد دالَّة على ما عزاهم إليه مختلق الرّواية من حبِّ الله وحبّ رسوله، نكل الوقوف عليها إلى سعة باع الباحث.
١٠ - أخرج ابن عدي عن أحمد بن محمّد الضبيعي عن الحسين بن يوسف عن أبي هاشم أصرم بن حوشب عن قرّة بن خالد البصري عن الضحاك عن ابن عبّاس مرفوعاً: أنا الاوّل وأبو بكر الثاني، وعمر الثالث، والناس بعدنا على السبق الاوَّل فالاوَّل.
قال الأميني: قال السيوطي في اللئالي ١: ٣١١: موضوعٌ آفته أصرم.
____________________
١ - تجد تفصيل هذه الجمل الى أمثالها الكثيرة المعربة عن حقيقة ابن العاصى في الجزء الثانى ١٢٠ - ١٧٠ ط ٢.
وقال الذهبي: أصرم هالكٌ، قال يحيي: كذّابٌ خبيثٌ، وقال البخاري ومسلم والنسائي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: منكر الحديث، وقال السعدي: كتبت عنه بهمدان سنة اثنتين ومائتين وهو ضعيفٌ، وقال ابن حبّان: كان يضع الحديث على الثقات، وقال ابن المديني: كتبت عنه بهمدان وضربت على حديثه. وقال الفلاس: متروكٌ يرى الإرجاء.
وقال ابن حجر: أورد له العقيلي حديثاً عن زياد بن سعد وقال: لا يتابع عليه و لا يُعرف به، وليس له أصلٌ من جهة يثبت. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو متروك الحديث. وتكلّم فيه يحيي بن معين. وقال ابن المديني: لقيناه بهمدان ثمَّ حدَّث بعدنا بعجائب وضعَّفه جدّاً، وقال الحاكم والنقّاش: يروي الموضوعات. وقال الخليلي: روى عن نهشل عن الضحاك عن ابن عبّاس رضي الله عنهما مناكير، وروى الأئمّة عنه ثمَّ رأوا ضعفه فتركوه.
ميزان الإعتدال ١: ١٢٦، لسان الميزان ١: ٤٦١.
على أنَّ الضحّاك لم يسمع من ابن عبّاس كما في تاريخ ابن عساكر ٥: ١٤٢، و كان شعبة لا يحدِّث عن الضحاك وينكر أن يكون لقي ابن عبّاس، وقال: يحيي بن سعيد: الضحّاك عندنا ضعيفٌ. ( تاريخ ابن عساكر ٥: ١٦٠ )
١١ - أخرج ابن عساكر في تاريخه ٦: ٤٠٥ عن ابن عبّاس مرفوعاً: إنَّ أحبَّ أصهاري إليَّ، وأعظمهم عندي منزلة، وأقربهم من الله وسيلة، وأنجح أهل الجنَّة أبو بكر. والثاني عمر يعطيه الله قصراً من لؤلؤة ألف فرسخ في ألف فرسخ قصورها ودورها ومجانبها وجهاتها وسررها وأكوابها وطيرها من هذه اللؤلؤة الواحدة، وله الرضا بعد الرضا. والثالث عثمان بن عفان وله في الجنّة ما لا أقدر على وصفه، يعطيه الله ثواب عبادة الملائكة أوَّلهم وآخرهم. والرابع عليّ بن أبي طالب، بخٍ بخٍ مَن مثل عليّ؟ وزيري عند [ ](١) وأنيسي عند كربتي، وخليفتي في اُمّتي، وهو منّي على دعاي ومَن مثل أبي سفيان؟ لم يزل الدين به مؤيَّدا قبل أن يسلم وبعد ما أسلم، ومَن مثل أبي سفيان إذا أقبلت من عند ذي العرش اريد الحساب فإذا أنا بأبي سفيان معه كاسٌ
____________________
١ - بياض فى الاصل.
من ياقوتة حمراء يقول: اشرب يا خليلي، أعار بأبي سفيان، وله الرضا بعد الرضا رحمه الله.
قال الأميني: لقد أعرب عن بعض الحقيقة الحافظ ابن عساكر نفسه بقوله: هذا حديثٌ منكر.
أيّ منكر هذا يعدّ أبا سفيان ممّن لم يزل الدّين به مؤيَّداً قبل اسلامه وبعده؟ فكأنَّه غير رأس المشركين يوم اُحد، وغير مجهِّز جيش الأحزاب والمجلب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والرافع عقيرته وهو يرتجز بقوله: اَعلِ هُبل، اَعلِ هُبل. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله؟ ما نقول؟ قال: قولوا: ألله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان إنَّ لنا العزّى لا عزّى لكم، فقال رسول الله ألا تجيبونه؟ فقالوا: يا رسول الله! ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم(١)
وكأنَّه ليس من أئمّة الكفر الذين نزل فيهم قوله تعالى:( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) . سورة التوبة ١٢(٢)
وكأنَّه غير مَن اُريد بقوله عزّ وجلّ:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) . سورة الأنفال: ٣٦.
أخرج نزوله فيه ابن مردويه من طريق ابن عبّاس، وعبد بن حميد وابن جرير و ابو الشيخ من طريق مجاهد، وهؤلاء وغيرهم من طريق سعيد بن جبير، وابن جرير، وابن المنذر وابن ابي حاتم وابو الشيخ من طريق الحكم بن عتيبة(٣) .
وكأنّه غير المعنيِّ هو وأصحابه بقوله تعالى:( قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) . سورة الأنفال(٤) .
وكأنّه غير مَن مشى مع جمع من رجال قريش إلى أبي طالب قائلين له: إنّ ابن
____________________
١ - سيرة ابن هشام ٣: ٤٥، تاريخ ابن عساكر ٦: ٣٩٦، عيون الاثر ٢: ١٨، تفسير القرطبى ٤: ٢٣٤.
٢ - تفسير الطبرى ١٠: ٢٦٢، تاريخ ابن عساكر ٦: ٣٩٣، تفسير ابن جزى ٢: ٧١، تفسير السيوطى، تفسير الخازن ٢: ٢١٨، تفسير الالوسى ١٠: ٥٩.
٣ - تفسير الطبرى ٩: ١٥٩، تاريخ ابن عساكر ٦: ٣٩٣، الكشاف ٢: ١٣، تفسير الرازى ٤: ٣٧٩، تفسير ابن جزى ٢: ٦٥، تفسير ابن كثير ٤: ٣٧، تفسير الخازن ٢: ١٩٢، تفسير الشوكانى ٢: ٢٩٣، تفسير الالوسى ٩: ٢٠٤.
٤ - تفسير النسفى هامش تفسير الخازن ٢: ١٩٣، تفسير الالوسى ٩: ٢٠٦.
أخيك قد سبّت آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه إلخ.(١)
وكأنَّه ليس أحد المجتمعين بدار النّدوة الذين تفرَّقوا على رأي أبي جهل من أن يُؤخذ من كلِّ قبيلة شابٌّ فتى جليد نسيب وسط ثمَّ يُعطى كلٌّ منهم سيفاً صارماً فيعمدوا إلى رسول الله فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه(٢) .
وكأنَّه غير من أنفق على المشركين يوم اُحد أربعين أوقية وكلُّ اوقية اثنان و أربعون مثقالاً.
وكأنَّه غير مَن استأجر ألفين من الأحابيش من بني كنانة ليقاتل بهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سوى من استجاش من العرب(٣) .
وكأنّه غير مَن لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم اُحد في صلاة الصبح بعد الركعة الثانية. بقوله: ألّلهم العن أبا سفيان. وصفوان بن اميّة. والحارث بن هشام(٤) .
وكأنّه غير مَن لعنه رسول الله في سبعة مواطن لا يتأتّى لأيّ أحد ردّها أوّلها: يوم لقي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خارجاً من مكّة إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الدين فوقع به و سبّه وشتمه وكذَّبه وتوعّده وهمّ أن يبطش به فلعنه الله ورسوله وصرف عنه.
الثانية: يوم العير إذ عرض لها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي جائية من الشام فطردها أبو سفيان وساحل بها فلم يطف المسلمون بها ولعنه رسول الله ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لأجلها.
الثالثة: يوم اُحد حيث وقف تحت الجبل ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أعلاه وهو ينادي: أعلِ هُبل. مراراً، فلعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عشر مرّات ولعنه المسلمون.
الرابعة: يوم جاء بالأحزاب وغطفان واليهود فلعنه رسول الله وابتهل.
____________________
١ - سيرة ابن هشام ١: ٢٧٧، ج ٢: ٢٦.
٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٩٤، نصب الراية للزيلعى ٢: ١٢٩، وأخرجه البخارى فى المغازى ٢: ٥٨٢، وفى التفسير بلفظ فلانا وفلانا ً ولم يسم أحداً تحفظاً على كرامة أبى سفيان وشاكلته.
٣ - تفسير الطبرى ٩: ١٥٩، ١٦٠، الكشاف ٢: ١٣، تفسير الرازى ٤: ٣٩٧، تفسير الخازن ٢: ١٩٢، تفسير الالوسى ٩: ٢٠٤.
٤ - تفسير الطبرى ٤: ٥٨، وأخرجه الترمذى فى جامعه كما فى نيل الاوطار للشوكانى ٢: ٣٩٨.
الخامسة: يوم جاء ابو سفيان في قريش فصدّوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محلّه، ذلك يوم الحديبيَّة فلعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا سفيان و لعن القادة والأتباع وقال: ملعونون كلّهم، وليس فيهم من يؤمن، فقيل: يا رسول الله؟ أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة؟ فقال لا تصيب اللعنة احداً من الأتباع و أمّا القادة فلا يفلح منهم أحد.
السادسة يوم الجمل الأحمر.
السابعة يوم وقفوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في العقبة ليستنفروا ناقته وكانوا اثنى عشر رجلاً منهم أبو سفيان(١)
هذه المواطن السبعة عدَّها الإمام الحسن السبط سلام الله عليه.
وكأنّه غير مَن عدا على دور المهاجرين من بني جحش بن رئاب بعد ما هاجروا. وباعها من عمرو بن علقمة وقيل فيه:
أبلغ أبا سفيان عن |
أمر عواقبه ندامه |
|
دار ابن عمِّك بعتَها |
تقضي بها عنك الغرامه |
|
وحليفكم بالله ر |
بّ الناس مجتهد القسامه |
|
إذهب بها اذهب بها |
طوّقتها طوق الحمامه(٢) |
وكأنّه غير صاحب البائيّة يوم اُحد يقول فيها:
اُقاتلهم وادّعي يالَ غالبٍ |
وأدفعهُم عنّي بركن صليبِ |
|
فبكّي ولا ترعى مقالة عادلٍ |
ولا تسأمي من عبرة ونحيبِ |
|
أباك وإخواناً له قد تتابعوا |
وحُقّ لهم من عبرةٍ بنصيبِ |
|
وسلّي الذي قد كان في النفس إنَّني |
قتلتُ من النجار كلّ نجيبِ |
|
ومن هاشم قرماً كريماً ومُصعباً(٣) |
وكان لدى الهيجاء غير هيوبِ |
|
ولو أنّني لم أشف نفسيَ منهُم |
لكانت شجاً في القلب ذات ندوبِ |
____________________
١ - شرح ابن ابى الحديد ٢، ١٠٢، ١٠٣.
٢ - سيرة ابن هشام ٢، ١١٧.
٣ - عنى به سيدنا حمزة بن عبد المطلب.
فآبوا وقد أودى الجلابيب(١) منهُم |
بهم خدَبٌ من مُعبط وكئيبِ |
|
أصابهمُ من لم يكن لدمائهم |
كفاءً ولا في خُطّةٍ بضريبِ(٢) |
وكأنّه غير مَن كان يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزجّ الرمح قائلاً: ذُق عقق(٣) سيرة ابن هشام ٣: ٤٤.
وكأنّه غير مَن داس قبر حمزة برجله وقال: يا أبا عمارة انّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به. شرح ابن ابي الحديد ٤: ٥١.
وكأنّه غير مَن قال لمـّا رأى الناس يطؤن عقب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحسده: لو عاودت الجمع لهذا الرجل. فضرب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في صدره ثمَّ قال: إذاً يخزيك الله. الإصابة ٢: ١٧٩.
وكأنّه غير مَن قال لعثمان يوم تسنّم عرش الخلافة: صارت إليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة، واجعل أوتادها بني اميّة، فإنّما هو الملك، ولا أدري ما جنّة ولا نار. راجع ج ٨: ٢٨٥.
وكأنّه غير مَن دخل على عثمان بعد ما عمى وقال: هاهنا أحد؟ فقالوا: لا. فقال: اللهمَّ اجعل الأمر أمر جاهليّة، والملك ملك غاصبيّة، واجعل أوتاد الأرض لبني اُميّة [تاريخ ابن عساكر ٦: ٤٠٧].
وكأنَّه غير مَن عرَّفه أمير المؤمنينعليهالسلام في كتاب له إلى معاوية بقوله: منّا النبيُّ، ومنكم المكذِّب، قال ابن أبي الحديد في شرحه ٣: ٤٥٢: يعني أبا سفيان بن حرب كان عدوّ رسول الله، والمكذِّب له، والمجلب عليه.
وكأنّه غير مَن جاء فيه قول أمير المؤمنينعليهالسلام في كتاب له إلى محمّد بن أبي بكر: قد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية.
وكأنّه غير مَن ذكره أمير المؤمنين بقوله في كتاب له إلى إبنه معاوية: يا بن صخر يا ابن اللّعين. والإمام الطاهرعليهالسلام في لعنه الرجل إقتفى أثر النبيِّ الأعظم، وقد سمع
____________________
١ - الجلابيب جمع جلباب: الازار الخشن. كان الكفار من أهل مكة يسمون من أسلم مع النبي صلى الله عليه وآله والجلابيب.
٢ - الخطة: الخصلة الرفيعة الضريب: الشبيه. راجع سيرة ابن هشام ٣: ٢٢.
٣ - عقق، أى يا عقق، يريد يا عاق.
منهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يلعنه في مواطن شتّى.
وكأنّه غير مَن قال فيه عمر بن الخطاب: أبو سفيان عدوّ الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني يا رسول الله! أضرب عنقه. تاريخ ابن عساكر ٦: ٣٩٩.
وكأنَّه غير مَن قال فيه عمر أيضاً: إنَّ أبا سفيان لقديم الظلم. الإصابة ٢: ١٨٠
وكأنَّه غير مَن أسلفنا ترجمته في الجزء الثالث ص ٢٢١ - ٢٢٤ وفي الثّامن ص ٢٨٤ - ٢٨٦.
هذا مجمل حال الرجل في العهدين الجاهليّ والإسلاميّ، أفبمثله اُيّد الدين قبل إسلامه وبعد إسلامه؟ أو مثله يتولّى سقاية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم المحشر إذا أقبل من عند ذي العرش؟ وهل مستوى العرش معبّأ لمثل أبي سفيان هذا ونظرائه؟ إذا فعلى العرش ومَن بفنائه السَّلام.
ثمَّ اقرأ المجازفة في حساب عثمان الذي حاز في مزعمة ملفِّق هذه الرّواية ثواب عبادة الملائكة اوّلهم وآخرهم اولئك الملائكة المعصومين، وجنّة لا يقدر على وصفها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو مَن قرأت صحيفة حياته في الجزء التاسع وقبله، ووقفت على عقائد الصحابة العدول فيه وفي أحداثه، وإجماعهم على إهدار دمه، فلماذا ذلك الثواب ولِماذا تلكم الجنّة؟ ولِماذا هذه العظمة في أبناء الشجرة المنعوتة في القرآن؟ أعوذ بالله من السَرف في القول والغلوّ في الفضائل.
١٢ - أخرج ابن عساكر وابن مندة والخلعي والطبراني والعقيلي عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك عن أبيه عن جدّه قال: لمـّا رجع النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم مِن حجّة الوداع إلى المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: يا أيّها الناس! إنّ أبا بكر لم يسؤني قطّ فاعرفوا ذلك له، يا أيّها النّاس! انِّي راضِ عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرَّحمن بن عوف، والمهاجرين الأوّلين فاعرفوا ذلك لهم. أيّها النّاس إنَّ الله قد غفر لأهل بدر والحديبيّة. أيّها الناس؟ احفظوني في أصحابي وأصهاري وفي أختاني لا يطلبنَّكم الله بمظلمة أحد منهم فإنّها ممّا لا توهب أيّها النّاس! ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات أحدٌ من المسلمين
فقولوا فيه خيرا(١) .
قال الأميني: قال ابن عبد البرّ في الإستيعاب ٢: ٥٧٣: حديثه [يعني حديث سهل بن مالك] يدور على خالد بن عمرو القرشي الأموي وهو منكر الحديث، متروك الحديث، قال بعد ذكر الحديث: حديثٌ منكرٌ موضوعٌ، يقال فيه: انّه من الأنصار ولا يصحُّ، وفي إسناد حديثه مجهولون ضعفاء معروفون يدور على سهل بن يوسف بن مالك بن سهل عن أبيه عن جدّه وكلّهم لا يُعرف.
وقال ابن مندة: غريبٌ لا نعرفه إلّا من هذا الوجه. وقال العقيلي: إسناده مجهول لا يتابع عليه. والعجب من الحافظين وحكمهما بغرابة الحديث والجهل وقد أخرجاه من طريق خالد بن عمرو، ومرَّ في الجزء الثامن ص ٤٨، ٤٩ عن أئمَّة الجرح والتعديل انّه كان كذّاباً وضّاعاً يتفرَّد عن الثقات بالموضوعات لا يجوز الإحتجاج بخبره، أحاديثه موضوعةٌ باطلةٌ. وجزم الدارقطني في الأفراد بانَّ خالد بن عمرو تفرَّد بهذا الحديث.
وأخرجه سيف بن عمر، وقد أسلفنا في الجزء الثامن ص ٨٦ و ٣٥٥ أقوال الحفاظ فيه وانّه وضّاعٌ، متروكٌ، ساقطٌ، متَّهمٌ بالزندقة، عامّة أحاديثه منكرةٌ لم يتابع عليها.
وفي طرق الحديث مجاهيل منهم: محمّد بن يوسف المسمعي. قال الذهبي: لا يُدرى مَن هو. وقال العقيلي: لا يُتابع على حديثه. ومنهم: عليّ بن محمّد بن يوسف. قال الضياء: لم أجد له ولا لشيخه. ومنهم: حبّان بن أبي تراب(٢) أو: منان بن أبي ثواب(٣) أو: قنان ابن أبي أيّوب(٤) أو: قنار بن أبي أيوب(٥) من رجل الغيب لا يعرف اسمه واسم أبيه فضلاً عن عرفان شخصيَّتهما.
ومن الوهم الغريب للطبراني إخراجه الرواية من طريق عليّ بن محمّد بن يوسف المسمعي عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك، وتبعه في ذلك الضياء في المختارة، وقد أخرجها العقيلي من طريق محمّد بن يوسف المسمعي والد علي المذكور في إسناد الطبراني
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٦: ١٢٧، الاستيعاب ٢: ٥٧٢:
٢ - كذا فى لسان الميزان ٥: ٤٣٥.
٣ - كذا فى لسان الميزان ٣: ١٢٣.
٤ - كذا فى الاصابة ٢: ٩٠.
٥ - كذا فى لسان الميزان ٤: ٤٧٥.
عن حبان، رقبان، رقنار، رمنان، عن خالد بن عمرو الأموي عن سهل، فطبقة عليّ تستدعي سقط ثلاثة من رجال إسناد الطبراني.
راجع ميزان الاعتدال ١، ٣، الاصابة ٢، ٩٠، لسان الميزان ٣: ١٢٣، ج ٤: ٢٦١، ج ٥: ٤٣٥.
١٣ - عن عبادة بن الصامت قال: خلوت برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: أيّ أصحابك أحبُّ إليك حتى اُحبَّ من تحبُّ كما تحبّ؟ فقال: اكتم عليَّ يا عبادة! حياتي فقلت: نعم، فقال: أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عليُّ. ثمّ سكت، فقلت: ثمَّ مَن يا نبيَّ الله؟ فقال: مَن عسى أن يكون بعد هؤلاء إلّا الزبير وطلحة وسعد وأبو عبيدة ومعاذ وأبو طلحة وأبو أيّوب وأنت يا عبادة! واُبّي بن كعب وأبو الدرداء وأبو مسعود وابن عوف وابن عفّان، ثمَّ هؤلاء الرهط من الموالي سلمان وصهيب وبلال وسالم مولى أبي حذيفة، هؤلاء خاصّتي وكلُّ أصحابي عليَّ كريمٌ حبيب إليَّ وإن كان عبداً حبشيّاً. قال أبو عبد الله الصنابحي: قلت لعبادة: لم يذكر حمزة ولا جعفراً، فقال عبادة: إنّهما كانا اُصيبا يوم سألت عن هذا إنَّما كان هذا بآخرة أو كما قال. تاريخ ابن عساكر ٥: ٣٨، و ج ٧: ٢١٠.
قال الأميني: ألا تعجب من نبيِّ العظمة أن يتحاشى عن بيان ما يهمّ الاُمَّة عرفانه ويعهد إلى السائل بأن يكتمه عليه في حياته وهو في اُخرياتها؟ أليس هو القائل لعائشة فيما أخرجه الخجندي: إنَّ عليّاً أحبّ الرجل إليَّ وأكرمهم عليَّ.والقائل: أحبُّ النّاس إليَّ من الرجال عليّ. والقائل: عليُّ أحبّهم إليَّ وأحبّهم إلى الله؟
هلّا كانت الصحابة يعرفون أحبّ الناس إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد تلكم الآيات والنصوص النبويّة الواردة في مولانا عليّ أمير المؤمنين؟ أما صحَّ عن عائشة قولها: والله ما رأيت أحداً أحبّ إلى رسول الله من عليّ، ولا في الأرض امرأة كانت أحبّ إليه من امرأته.
وهلّا صحَّح الحفاظ قول بريدة واُبيّ بن كعب: أحبّ النّاس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الناس فاطمة ومن الرجال عليّ(١) .
ثمّ ما الذي أنسى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعاظم صحابته الذين نزل فيهم القرآن وأثنىصلىاللهعليهوآلهوسلم عليهم بما لا يزيد عليه كعمّه العبّاس وأبي ذر وعمّار والمقداد وابن مسعود إلى
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الثالث ص ٢١ - ٢٤ طبع ٢.
آخرين من أمثالهم؟ وما الذي بخس حظّهم من حبّ نبيِّهم الأقدس إيّاهم مع تلكم الفضائل والفواضل الجمَّة ولا يدانيهم فيها غيرهم حتّى جُلُّ المذكورين إن لم نقل كلّهم غير سيِّد العترة؟
أفي وسع الباحث أن يرى أبا عبيدة حفَّار القبور مثلاً أحبّ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أبي ذرّ الصدّيق شبيه عيسى في اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم هدياً وبرّاً ونسكاً وزهداً وصدقاً وجدّاً وخَلقاً وخُلقاً؟ من أبي ذر الذي كانصلىاللهعليهوآلهوسلم يدنيه دون أصحابه إذا حضر ويتفقَّده إذا غاب(١) .
أو من عمّار جلدة ما بين عيني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنفه. الطيّب المطيّب الذي ملئ إيماناً إلى مشاشه، الذي خلط الإيمان ما بين قرنه إلى قدمه، خلط الايمان بلحمه ودمه، الذي كان مع الحقِّ والحقُّ معه يدور مع الحقِّ أينما دار(٢) .
أعوذ بالله من التقوُّل والتحدّث بالزعمات بلا تعقّل.
١٤ - أخرج ابن عساكر في تاريخه ٦: ١٧٣ من طريق سعيد بن مسلمة بن اميَّة ابن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو دخل المسجد وهو آخذٌ بيد أبي بكر وعمر، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ثمَّ قال: هكذا نبعث يوم القيامة. ورواه الترمذي.
قال الأميني: حذف بدران مهذِّب تاريخ ابن عساكر إسناد هذه الرواية ستراً على ما فيه من العلل ذاهلاً عن أنَّ في ذكر سعيد بن مسلمة غنى وكفاية، وإسناده كما في « الميزان » عن سعيد عن إسماعيل بن اُميَّة عن نافع عن إبن عمر. قال البخارى في تاريخه: سعيد بن مسلمة عن إسماعيل بن اميّة فيه نظر، يروي عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه مناكير. وقال أيضاً: منكر الحديث. وقال مرَّة: ضعيفٌ. وقال يحيى ابن معين: ليس بشيىء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكره. وقال الدارقطني: هو ضعيف الحديث يعتبر به. وقال ابن حبان: فاحش الخطأ، منكر الحديث جدّاً(٣) .
____________________
١ - راجع الجزء الثامن ص ٣١٥ - ٣٢٦ ط ١، و ٣٠٨ - ٣١٩ ط ٢.
٢ - راجع الجزء التاسع ص ٢٠ - ٢٧ ط ١، ٢.
٣ - تاريخ ابن عساكر ٦: ١٧٤، ميزان الاعتدال ١: ٣٩١، تهذيب التهذيب ٤: ٨٣.
وأخرجه الدارقطني من طريق الحارث بن عبد الله المديني مولى بني سليم عن اسحاق بن محمّد الفروي الأموي مولى عثمان عن مالك عن نافع عن ابن عمر. فقال: لا يصحّ والحارث هذا ضعيفٌ. أقول: واسحاق الأموي وهّاه أبو داود جدّاً وقال: لو جاء بذلك الحديث عن مالك يحيي بن سعيد لم يحتمل له. وقال النسائي: متروك وقال أيضاً: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف وقد روى عنه البخاري ويوِّبخونه في هذا. وقال الدارقطني أيضاً: لا يترك. وقال الساجي: فيه لين. روى عن مالك أحاديث تفرَّد بها. وقال العقيلي: جاء عن مالك بأحاديث كثيرة لا يتابع عليها. وقال الحاكم: عيب على محمّد - يعني البخاري - اخراج حديثه وقد غمزوه(١) .
١٥ - أخرج ابن عساكر من طريق سليمان بن بلال بن أبي الدرداء عزيز(٢) بن زيد الأنصاري عن أبيه انّه رأى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبا بكر عن يمينه وعمر عن يساره فقال: هكذا نكون، ثمَّ هكذا نموت، ثمّ هكذا نبعث، ثمّ هكذا ندخل الجنّة. تاريخ ابن عساكر ٦: ٢٤٦.
قال الأميني: هذا الإسناد فيه وهمٌ واختلاطٌ من ناحية سليمان أوّلاً فإنّ بلال بن أبي الدرداء لم يذكر له ولد يروي عنه، ولا يوجد له قطُّ اسمٌ في المعاجم، والصحيح: سليمان عن بلال عن أبيه، وفي تلك الطبقة غير واحد كلّهم يسمّون سليمان بين كذّاب وضّاع، وبين ضعيف ساقط متروك، وبين مجهول منكر لا يُعرف.
وفي الإسناد وهمٌ من ناحية بلال ثانيا فانَّه لم يدرك النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يرو عنه قال أبو زرعة: في الطبقة التي تلي الصحابة بلال بن أبي الدرداء توفي سنة ٩٢ - ٩٣ وكان قاضياً على دمشق في ولاية يزيد وبعده حتّى عزله عبد الملك. ولعلّك تهتدي بذلك إلى مبلغه من الثقة والدين.
وبقيَّة رجال السند المحذوفة أسمائهم لا نعرف أحداً منهم حتى نعطي النظر حقَّه، وبمثلها من رواية لا يثبت حقُّ، ولا تعتبر فضيلةٌ.
١٦ - أخرج ابن عساكر في تاريخه ٤: ٢٢٤ من طريق الحسن بن محمّد بن الحسن
____________________
١ - ميزان الاعتدال ١: ٩٣، تهذيب التهذيب ١: ٢٤٨، لسان الميزان ٢: ١٥٤.
٢ - كذا فى النسخ والصحيح المتسالم عليه: عويمر. هو ابو الدرداء المعروف.
أبي علي الأبهري المالكي نزيل دمشق إلى شدّاد بن أوس مرفوعاً: أبو بكر أرأف امّتي وأرحمها. وعمر بن الخطاب خير امَّتي وأعدلها. وعثمان أحيا اُمَّتي وأكرمها وأصدقها. وأبو الدرداء أعبد امّتي وأتقاها. ومعاوية أحكم امَّتي وأجودها.
وفي لفظ العقيلي من طريق بشير بن زاذان عن عمر بن صبح عن ركن عن شدّاد بن أوس مرفوعاً: أبو بكر أوزن امَّتي، و ( عمر ) خير امَّتي، وعثمان أحيى أمَّتي، و معاوية أحكم امَّتي. ( لسان الميزان ٢: ٣٧ )
وفي لفظ السيوطي نقلاً عن العقيلي ايضاً: أبو بكر أوزن امَّتي وأرحمها. وعمر خير امّتي وأكملها، وعثمان أحيى امّتي وأعدلها، وعليٌّ أوفى امَّتي وأوسمها، وعبد الله بن مسعود أمين امّتي وأوصلها، وأبوذر أزهد امّتي وأرقّها، وأبو الدرداء أعدل امَّتي وأرحمها، ومعاوية أحلم امَّتي وأجودها. ( اللئالي ١: ٤٢٨ )
قال الاميني: قال الحافظ ابن عساكر: هذا الحديث ضعيفٌ. ونحن على يقين من انَّ الباحث بعد ما أوقفناه على ترجمة رجال الإسناد يحكم بالوضع لا بالضعف كما حكم به الحافظ وإليك الرجال:
١ - بشير بن زاذان. ضعَّفه الدارقطني وغيره، واتَّهمه ابن الجوزي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وذكره الساجي وابن الجارود والعقيلي في الضعفاء، وقال ابن عدي: أحاديثه ليس لها نورٌ، وهو ضعيفٌ غير ثقة، يحدِّث عن جماعة ضعفاء وهو بيّن الضعف.
وقال ابن حجر في ترجمته بعد ذكر الحديث: ولا يتابع بشير بن زاذان على هذا ولا يُعرف إلّا به ولمـّا ذكر له ابن الجوزي حديثاً في فضل الصّحابة قال: هو المتَّهم به عندي فإمّا أن يكون من فعله، أو من تدليسه من الضعفاء. وقال ابن حبّان: غلب الوهم على حديثه حتّى بطل الإحتجاج(١) .
٢ - عمر بن صبح أبو نعيم الخراساني، قال ابن راهويه: أخرجتْ خراسان ثلاثة لم يكن لهم في الدنيا نظيرٌ في البدعة والكذب: جهم بن صفوان. عمر بن صبح. مقاتل بن سليمان. وقال البخاري في التاريخ الأوسط: حدّثني يحيي اليشكري عن عليِّ بن جرير سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت خطبة النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال أبو حاتم وابن
____________________
١ - ميزان الاعتدال ١: ١٥٢، لسان الميزان ٢: ٣٧.
عدي: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: يضعّ الحديث على الثقات لا يحلّ كتب حديثه إلّا على وجه التعجّب. وقال الأزدي: كذّابٌ. وقال الدارقطني: متروكٌ. وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه غير محفوظ لا متناً ولا اسناداً. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال - العقيلي: ليس حديثه بالقائم وليس بالمعروف بالنقل. وقال أبو نعيم: روى عن قتادة و مقاتل الموضوعات. ميزان الاعتدال ٢: ٢٦٢، تهذيب التهذيب ٧: ٤٦٣.
٣ - ركن الشامي، وهّاه ابن المبارك، وقال يحيي: ليس بشيء. وقال النسائي والدارقطني: متروكٌ. وقال أبو أحمد الحاكم: يروي عن مكحول أحاديث موضوعة. وقال ابن الجارود: ليس بثقة. وعن ابن حماد: انّه متروك الحديث. وقال عبد الله بن المبارك. لإن أقطع الطريق أحبّ إليَّ من أن أروي عن عبد القدّوس الشامي، وعبد القدّوس خيرٌ من مائة مثل ركن. تاريخ ابن عساكر ٥: ٣٢٧، تاريخ الخطيب ٨: ٤٣٦، ميزان الإعتدال ١: ٣٤٠، لسان الميزان ٢: ٤٦٢.
هذا شأن إسناد الرواية ونكل النظرة إليها متناً إلى سعة باع الباحث ثقةً بوقوفه على ما فصّلناه في أجزاء كتابنا هذا ممّا تُعرف به جليّة الحال.
لفظ آخر باسناد آخر:
عن عليِّ بن عبد الله عن عليِّ بن أحمد عن خلف بن عمرو العكبري عن محمد بن إبراهيم عن يزيد الخلّال عن أحمد بن القاسم بن مهران عن محمّد بن بشير بن زاذان عن عكرمة عن ابن عبّاس قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبو بكر خير اُمّتي وأتقاها، وعمر اُعزّها وأعدلها، وعثمان أكرمها وأحياها، وعليُّ ألبُّها وأوسمها، وابن مسعود آمنها وأعدلها، وأبو ذر أزهدها وأصدقها، وأبو الدرداء أعبدها، ومعاوية أحلمها وأجودها.
قال السيوطي في اللئالي المصنوعة ١: ٤٢٨: في هذا الطريق ايضاً مجروحون، و قد خلط بشير بن زاذان في إسناده.
ونحن نقول: لو لم يكن في الإسناد من المجروحين إلّا يزيد الخلّال لكفاه علّة، قال يحيى بن معين: كذّابٌ، وقال أبو سعيد: قد أدركت يزيد هذا وهو ضعيفٌ قريب ممّا قال يحيى(١) . وقال أبو داود: ضعيفٌ، وقال الدارقطني: ضعيفٌ جِدّاً، وقال
____________________
١ - تاريخ الخطيب ١٤: ٣٤٨: ميزان الاعتدال ٣: ٣١٨.
ابن عدي: ليس بذاك المعروف(١) .
١٧ - عن أنس بن مالك قال: بعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رجلاّ من أصحابه يقال له سفينة بكتاب إلى معاذ إلى اليمن فلمّا صار في الطريق إذا بالسبع رابض في وسط الطريق فخاف أن يجوز فيقوم إليه فقال: أيُّها السبع إنِّي رسول رسول الله إلى معاذ، وهذا كتاب رسول الله. فقام السبع فهرول قدّامه غلوة ثمَّ همهم ثمَّ صرخ وتنحّي عن الطريق، فمضى بكتاب رسول الله إلى معاذ، ثمَّ رجع بالجواب فإذا هو بالسبع فخاف أن يجوز فقال: ايُّها السبع إنّي رسول رسول الله من عند معاذ، وهذا جواب كتاب رسول الله من معاذ. فقام السبع فصرخ ثمَّ همهم ثمَّ تنحّى عن الطريق، فلمّا قدم أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك فقال: أوَ تدرون ما قال اوَّل مرَّة؟ قال: كيف رسول الله وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ؟ وأمّا الثاني: فقال: إقرأ رسول الله وأبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً وسلمان وصهيباً وبلالاً منّي السّلام.
( تاريخ ابن عساكر ٣: ٣١٤ ).
قال الأميني: مثل هذه الرواية التي فيها أعلام النبوّة، وكرامة الخلفاء، وفضل جمع من الصحابة لا بدَّ من أن تلوكه الأشداق، وتتداوله الألسن، وتكثر روايته في المجامع والأندية، ولا تخصّ بحافظ الشام بين أئمة الحديث وحفّاظه، وقد تفرَّد به ابن عساكر، وقال ابن بدران في غير موضع: كلَ ما تفرّد به ابن عساكر فهو ضعيفٌ راجع تاريخه ج ٤: ٢٣٦، و ج ٥: ١٨٣، ١٨٤، وعلى الرواية نفسها من ملامح الإفتعال ما لا يخفي.
وما أعرف هذا السبع بالخلفاء حتى ذكرهم مرَّتين، وأهدى إليهم السَّلام على ترتيب خلافتهم، فكأنَّ علم الغيب اُلقي إلى السباع شطره فعرفوا خلفاء النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن يُستخلفوا، وعرفت من الصحابة اناساً ليسوا هم في الغارب والسنام، كما انّها جهلت بأناس هم في الذروة العالية من جلالة الصحبة وعظمتها، فحذفت عمّن سلّم عليهم أسمائهم وبلغ تزلّفها إلى الطبقة الواطئة من الموالي، أو هكذا تكون رشحات عالم الغيب؟ أم هكذا تخبط السِّباع خبط عشواء؟ أم هذه كلّها جناية الغلوّ في الفضائل؟.
____________________
١ - لسان الميزان ٦: ٢٩٣.
١٨ - أخرج ابن عساكر في تاريخه ٢: ٨٥ من طريق أحمد بن محمّد الأنصاري الجبيلي(١) عن ابن عمر قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: انّ من له عند الله حقٌ فليأت، قلنا: يا رسول الله؟ ومن له على الله حقُّ؟ قال: من أحبَّ أبابكر وعمر وعثمان، ومَن لم يُفضِّل عليهم أحداً.
قال الأميني: قال ابن عساكر: هذا الحديث غريبٌ جدّاً والعهدة فيه على أحمد ابن محمّد الجبيلي.
والأنصاري ترجمه الذهبي في ميزان الإعتدال ١: ٧٣ فقال: ليس بثقة نزل الجزيرة، وهّاه ابن حبّان وغير واحد. وقال ابن حجر في لسان الميزان ١: ٣٠٢: حديثٌ منكر.
ومتن الحديث كما ترى أقوى شاهد على بطلانه، وانَّما هو رأي ابن عمر فحسب يشذّ عن الكتاب والسّنة كما فصّلنا القول حوله في الحديث الرابع، فليضرب به عرض الحائط.
١٩ - أخرج ابن عساكر من طريق إبراهيم بن محمَّد بن أحمد القرميسيني عن أنس بن مالك مرفوعاً: من أحبَّ أن ينظر إلى إبراهيمعليهالسلام في خلّته فلينظر إلى أبي بكر في سماحته، ومن أحبَّ أن ينظر إلى نوح في شدَّته فلينظر إلى عمر بن الخطاب في شجاعته ومن أحبَّ أن ينظر إلى إدريس في رفعته فلينظر إلى عثمان في رحمته، ومن أحبَّ أن ينظر إلى يحيي بن زكريّا في جهادته فلينظر إلى عليَّ بن ابي طالب في طهارته. ( تاريخ الشام ٢: ٢٥١ )
قال ابن عساكر: هذا الحديث شاذُّ بالمرَّة، وفي إسناده جماعةٌ ممَّن أمرهم مجهولٌ لا يُعرف حالهم فلا يوثق بهم وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الضعف.ا ه.
قال الأميني: حذف ابن بدران مهذّب التاريخ سند الرواية وهو كما في لسان الميزان ٤: ٣١٧، القرميسيني عن عمر بن عليِّ بن سعيد عن يونس عن محمّد بن القاسم عن أبي يعلى عن محمّد بن بكار عن ابن أبي ثابت البناني عن أنس.
وقال: قال عقبة: هذا إسناد عمر، وفي إسناده غير واحد مجهول. وقال الذهبي في الميزان ٢: ٢٦٦: إسنادٌ مظلمٌ بخبر لم يصحّ.
____________________
١ - فى لسان الميزان الحنبلى.
٢٠ - عن عمر بن عبد المجيد الميانشي ثنا مسلمة ثنا أبو سعد محمّد بن سعيد الريحاني وعاش عشرين ومائة سنة قال: حدَّثنا: أبو سالم عبد الله بن سالم وعاش مائة وثلاثين سنة، حدّثني أبو الدنيا محمّد(١) بن الأشج حدَّثني عليّ بن أبي طالب رفعه: ما كان رُفع ألعرش إلّا بحبِّ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ. الحديث.
قال ابن السمعاني في حديث رواه بالطريق المذكور: هذا حديثٌ باطلٌ ورجاله مجاهيل. لسان الميزان ٣: ١٥٥.
وقال الذهبي: أبو الدنيا الأشج كذّاب طرقيُّ. وقال: حدّث بقلّة حياء بعد الثلاث مائة عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فافتضح بذلك وكذّبه النقَّادون، قال الخطيب: علماء النقل لا يثبتون قوله، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وللحفّاظ فيه وفي بطلان حديثه كلمات ضافيةٌ راجع لسان الميزان ٤: ١٣٤ - ١٤٠.
٢١ - أخرج العقيلي في الضعفاء من طريق المقري عن عمر بن عبيد البصري أبي حفص الخزّاز عن سهيل بن ذكوان المدني عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: أفضل هذه الامَّة بعد نبيِّها أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان.
قال الأميني: عمر بن عبيد ضعّفه أبو حاتم كان بيّاع الخمر كما ذكره ابن حبّان والذهبي(٢) وفيه سهيل قال الدوري عن ابن معين: سهيل والعلاء بن عبد الرَّحمن حديثهما قريبٌ من السَّواء وليس حديثهما بحجّة، وقال: لم يزل أصحاب الحديث يثقون حديثه وقال: ضعيفٌ، وسُئل مرَّة فقال: ليس بذاك، وقال غيره: إنّما أخذ عنه مالك قبل التغير. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وذكر العقيلي عن يحيى انّه قال: هو صويلح وفيه لينٌ.
ميزان الإعتدال ١: ٤٣٢، تهذيب التهذيب ٤: ٢٦٤.
٢٢ - ذكر القاضي أبو يوسف في الآثار ص ٢٠٧ عن أبي حنيفة: إنَّ رجلاً أتى عليّاً رضي الله عنه فقال: ما رأيت أحداً خيراً منك فقال له: هل رأيت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: لا. قال: فهل رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما؟ قال: لا. قال: لو أخبرتني: انَّك
____________________
١ - اسمه عثمان، ومحمد تصحيف.
٢ - راجع ميزان الاعتدال ٢: ٢٦٥، لسان الميزان ٤: ٣١٦.
رأيت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ضربت عنقك، ولو أخبرتني: انّك رأيت أبا بكر وعمر لأوجعنَّك عقوبة.
قال الأميني: إنَّك لو أمعنت النظر فيما ذكرناه في ترجمة أبي يوسف في ج ٨ ص ٣٠، ٣١ طبع ١، لأغناك عن مؤنة البرهنة على تفنيد هذه الرواية وما يجري مجراها.
على انَّها مضادَّةٌ لما ثبت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من أنَّ عليّاً خير البشر وما جاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم من تأويل قوله سبحانه: اولئك هم خير البريَّة. بعليّعليهالسلام وشيعته(١)
فالرواية مخالفةٌ للكتاب والسنَّة فأحر بِها أن تُضرب عرض الجدار. وانّها على طرف نقيض مع نظريَّة أمير المؤمنينعليهالسلام في نفسه عند مقايستها مع القوم، فهو الذي يقول: متى وقع الشكّ فيَّ مع الأوَّل حتى صرت اُقرن بهذه النظائر. ويقول: لقد تقمَّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم انَّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى. إلى كثير ممّا يشبه بعضه بعضاً من نظائر هذا القول. راجع غير واحد من أجزاء هذا الكتاب.
٢٣ - أخرج ابن عدي عن محمّد بن نوح، ثنا جعفر بن محمّد الناقد، ثنا عمّار بن هارون المستملي البصري، نا قزعة بن سويد البصري، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس رفعه: ما نفعني مالٌ ما نفعني مال أبي بكر. وفيه: وأبو بكر وعمر منِّي بمنزلة هارون من موسى.
وأخرجه من طريق ابن جرير الطبري عن بشير بن دحية عن قزعة بن سويد(٢) أقول: في الإسناد عمّار المستملي الدلال، قال أبو الضريس: سألت ابن المديني عنه فلم يرضه، وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه غير محفوظ. وقال ايضاً: يسرق الحديث. وقال العقيليّ: قال لي موسى بن هارون: عمّار أبو ياسر متروك الحديث. وقال الخطيب: سمع منه أبو حاتم ولم يرو عنه وقال: متروك الحديث وقال ابن حبّان: ربما أخطأ.
[ميزان الاعتدال ٢: ٢٤٥، تهذيب التهذيب ٧: ٤٠٧]
وفيه قزعة أبو محمَّد البصري، قال أحمد: مضطرب الحديث وقال أيضاً: شبه المتروك. وقال أبو حاتم: ليس بذاك القويِّ محلّه الصِّدق وليس بالمتين يكتب حديثه ولا يحتجُّ به،
____________________
١ - راجع ما مر فى ج ٢: ٥٧ ط ٢، و ج ٣: ٢٢ ط ٢.
٢ - ميزان الاعتدال ٢: ٢٤٥، لسان الميزان ٢: ٢٣.
وقال البخاري: ليس بذاك القويّ. وقال الآجري: سألت أبا داود عن قزعة فقال: ضعيفٌ كتبت إلى العبّاس العنبري أسأله عنه فكتب إليَّ أنَّه ضعيفٌ، وقال النسائي: ضعيفٌ وقال ابن حبّان: كان كثير الخطأ فاحش الوهم، فلمّا كثر ذلك في روايته سقط الإحتجاج بأخباره، وقال البزّار: لم يكن بالقويِّ. وقال العجلي: فيه ضعيفٌ(١)
وفي إسناد الطبري بشر بن دحية، ضعّفه الذهبي وقال بعد رواية هذا الحديث عنه: هذا كذبٌ ومَن بشر؟ وقال: قزعة ليس بشيء(٢) .
٢٤ - أخرج الحافظ العاصمي في زين الفتى شرح سورة هل أتى من طريق الحاكم أبي أحمد عن أبي ميمون أحمد بن محمّد بن ميمون بن كوثر بن حكيم الهمداني بحلب عن إسحاق بن إبراهيم بن الأخيل العبسي عن ميسر(٣) بن اسماعيل، عن الكوثر بن حكيم الهمداني عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: إنَّ أرأف امَّتي لها أبو بكر، وإنَّ أجلّها في أمر الله لعمر، وانَّ أشدّها حياءً عثمان، وإنَّ أقضاها لعليّ، وانَّ اقرأها لاُبيّ، وانَّ أفرضها زيد بن ثابت، وانّ أصدقها لهجة أبو ذر، وانّ أعلمها بالحلال والحرام لمعاذ بن جبل، وانَّ حبر هذه الاُمّة عبد الله بن عبّاس، ولكلِّ امّة أمين وأمين هذه الاُمَّة أبو عبيدة الجراح.
قال الأميني: في الإسناد مجاهيل يروي واحد عن آخر عن كوثر وهو كما قال أبو زرعة: ضعيفٌ. وقال يحيى بن معين: ليس بشيىء. وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه بواطيل ليس بشيىء. وقال الدارقطني وغيره مجهولٌ، وقال: ضعيفٌ منكر الحديث، وقال الجوزجاني: لا يحلّ كتابة حديثه عندي لأنّه متروك، وقال ابن عدي: عامَّة ما يرويه غير محفوظ، وقال ابن ابي حاتم؟ سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث، قلت: هو متروك؟ قال: لا، ولا أعلم له حديثاً مستقيماً وهو ليس بشيء، وقال الساجي: ضعيفٌ. وقال - البرقاني والدارقطني: متروك الحديث، وقال الحاكم وأبو نعيم: روى أحاديث مناكير
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٢: ٣٤٧.
٢ - ميزان الاعتدال ٢: ٢٤٥، لسان الميزان ٢: ٢٣.
٣ - كذا والصحيح بشر بن اسماعيل. ولا يهمنا عرفان الصحيح من السقيم فى المقام إذ بشر ايضاً كميسر مجهول منكر لا يعرف كما فى لسان الميزان.
وذكره العقيلي والدولابي وابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء، وقال أبو الفتح: ضعيفٌ(١) .
٢٥ - أخرج الحافظ العاصمي في زين الفتى عن سلسلة مجاهيل تنتهي إلى عليّ بن يزيد عن أبي سعد البقّال عن أبي محجن قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ أرأف الناس بهذه الاُمّة ابو بكر الصدِّيق، وأقواها بأمر الله عمر، وأشدَّها حياء عثمان، وأعلمها بفصل قضاء عليّ بن أبي طالب، وأعلمها بحساب الفرائض زيد بن ثابت، وأعلمها بناسخ من منسوخ معاذ بن جبل، وأقرأها اُبيّ بن كعب، ولكلّ اُمّة أمين وأمين هذه الاُمّة أبو عبيدة بن الجرّاح.
قال الأميني: من رجال الإسناد بعد المجاهيل عليّ بن يزيد وهو أبو الحسن الكوفي الأكفاني نظراً إلى طبقته، قال أبو حاتم: ليس بقويّ منكر الحديث عن الثقات، وقال ابن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات وعامّة ما يرويه لا يتابع عليه(٢) .
عن أبي سعد البقّال الكوفي سعيد بن المرزبان الأعور قال ابن معين: ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث، متروك الحديث، وقال أبو زرعة: ليّن الحديث مدلّس، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتجّ بحديثه، وقال النسائي: ضعيفٌ، وقال ايضاً، ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروكٌ. وقال الساجي: صدوقٌ فيه ضعفٌ، وقال العجلي: ضعيفٌ، وقال ابن حبّان: كثير الوهم فاحش الخطأ(٣) وقال ابن حجر في الإصابة ٤: ١٧٤: أبو سعيد ضعيفٌ ولم يدرك أبا محجن.عن
أبي محجن الثقفي وما أدراك ما الثقفي: كان يُدمن الخمر، منهمكاً في الشراب، حدَّه عمر في سبع مرّات ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه، وهو صاحب الشعر الدائر السائر:
إذا متُّ فادفنِّي إلى جنب كرمة |
تروّي عظامي بعد موتي عروقها |
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٢: ٣٥٩، لسان الميزان ٤: ٤٩١.
٢ - تهذيب التهذيب ٧: ٣٩٥.
٣ - تهذيب التهذيب ٤: ٧٩.
_٦_
ولا تدفننِّي بالفلاة فانَّني |
أخاف إذا ما متُّ أن لا أذوقها |
هذا أبو محجن فانظر ماذا ترى، وأنت بين أمرين إمّا أن تأخذ بكتاب الله وفيه قوله تعالى: إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا(١) وإمّا أن تجنح إلى ما جاء به القوم من خرافة: الصحابة كلّهم عدول. لا يستوي الحسنة ولا السيِّئة، لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنّة، لا يستوي الخبيث والطيّب، أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون.
٢٦ - أخرج الحافظ العاصمي في زين الفتى باسناده عن أبي علي الهروي عن المأمون عن أحمد بن سعد العبادي عن يزيد بن هارون عن عبد الأعلى بن مسافر عن الشعبي عن المصطلقي رجلٌ من بني المصطلق قال: بعثني قومي بنو المصطلق إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يسألون إلى مَن يدفعون صدقاتهم بعد وفاته فلقيني عليُّ بن ابي طالب فسألني فقلت: اُرسلني قومي بنو المصطلق إلى رسول الله فسألونه إلى مَن يدفعون صدقاتهم بعده فقال عليٌّ: إذا سألته فأخبرني ما قال لك فأتى رسول الله فأخبره أنّ قومه أرسلوه يسألونه إلى مَن يدفعون صدقاتهم بعدك؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إدفعوها إلى أبي بكر فرجع المصطلقي إلى عليّ فأخبره فقال له عليّ: ارجع إليه فسائله إن كان أبو بكر يموت إلى مَن يدفعونها؟ فأتاه فسأله فقال: ادفعوها إلى عمر. فرجع إلى عليّ فأخبره فقال له عليٌّ: ارجع فقل له: إن كان عمر يموت إلى مَن يدفعونها؟ فقال: ادفعوها إلى عثمان. فرجع إلى عليّ فأخبره فقال له عليٌّ: ارجع فسائله إلى مَن يدفعونها بعد عثمان، فقال له - الرجل: انِّي لأستحي أن أرجع بعد هذا.
قال الأميني: هلمَّ معي نقرأ صحيفة ممّا جاء في رجال إسناد هذه الرواية التي تُبنى عليها وعلى أمثالها الخلافة الإسلاميّة عند بعض رجالات القوم.
١ - أبو عليّ الهروي هو أحمد بن عبد الله الجويباري(٢) قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه. وقال ابن حبّان: دجّالٌ من الدجاجلة، روى عن الأئمَّة اُلوف حديث ما حدَّثوا بشيء عنها. وقال النسائي: كذّابٌ. وقال الذهبي: ممّن يُضرب المثل بكذبه، وقال البيهقي: إنِّي أعرفه
____________________
١ - الحجرات: ٤٩.
٢ - الجويبار من اعمال الهراة ويعرف بستوق.
حقَّ المعرفة بوضع الأحاديث على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث وسمعت الحاكم يقول: هو كذّابٌ خبيث ووضع كثيراً في فضائل الأعمال لا تحلُّ رواية حديثه من وجه، وقال الخليلي: كذّابٌ يروي عن الأئمّة أحاديث موضوعة، وكان يضع لابن كرام أحاديث مصنوعة، وكان ابن كرام يسمعها وكان مغفّلاً. وقال أبو سعيد النقاش: لا نعرف أحداً أكثر وضعاً منه. إلى كلمات اُخرى لِدة هذه.
ميزان الاعتدال ١: ٥٠، لسان الميزان ١: ١٩٣، اللئالي المصنوعة ١: ٢١، الغدير ٥: ٢١٤ ط ٢.
٢ - المأمون بن أحمد السلمي الهروي يروي عنه الجويباري، قال ابن حبّان: دجّالٌ. وقال ابن حبّان ايضاً: سألته متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومأتين، قلت: فإنَّ هشاماً الذي تروي عنه مات سنة خمس وأربعين ومائتين، فقال: هذا هشام بن عمّار آخر. وممّا وضع على الثقات ( فذكر حديثاً ) ثمَّ قال: وانّما ذكرته ليعرف كذبه لأنَّ الأحداث كتبوا عنه بخراسان. وقال أبو نعيم: خبيثٌ وضّاعٌ يأتي عن الثقات مثل هشام ودحيم بالموضوعات، ومثله يستحقُّ من الله تعالى ومن الرسول ومن المسلمين اللعنة. و قال الحاكم في المدخل بعد ذكر حديث عنه: ومثل هذه الأحاديث يشهد من رزقه الله أدنى معرفة بانَّها موضوعةٌ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو كما قال. وقال الذهبي: أتى بطامّات وفضائح. ميزان الإعتدال ٣: ٤، لسان الميزان ٥: ٧.
٣ - أحمد بن سعد العبادي، لا أعرفه ولم أجد له ذكراً في الكتب والمعاجم.
٤ - عبد الأعلى بن مسافر ( الصحيح: ابن أبي المساور ) الزهري أبو مسعود الجرّار الكوفي نزيل المدائن. قال ابن معين: ليس بشيء. زاد ابراهيم: كذابٌّ، وعن ابن معين ايضاً ليست بثقة. وعن عليِّ بن المديني: ضعيفٌ ليس بشيء. وقال ابن عمّار الموصلي: ضعيفٌ ليس بحجّة. وقال أبو زرعة: ضعيفٌ جدّاً، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يشبه - المتروك، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة ولا مأمون. وقال ابن نمير: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيفٌ: وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويِّ عندهم. وقال الساجي: منكر الحديث. وقال أبو نعيم الإصبهاني: ضعيفٌ جِدّاً ليس بشيء.
تهذيب التهذيب ٦: ٤٨.
٢٧ - أخرج البخاري في تاريخه الكبير ٤ ق ٢: ٤٤٢ عن إسحاق بن ابراهيم عن عمرو بن الحارث الزبيدي عن ابن سالم عن الزبيدي قال حميد بن عبد الله عن عبد - الرَّحمن بن أبي عوف، عن ابن عبد ربّه عن عاصم بن حميد قال: كان أبو ذر يقول: إلتمست النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم في بعض حوائط المدينة فإذا هو قاعدٌ تحت نخلة فسلّم عليَّ النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ما جاء بك؟ فقال: جئت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأمره أن يجلس وقال: ليأتينا رجلٌ صالح فسلّم أبو بكر، ثمَّ قال: ليأتينا رجلٌ صالحٌ فجاء عمر فسلّم، وقال: ليأتينا رجلٌ صالح فأقبل عثمان بن عفان، ثمَّ جاء عليٌّ فسلّم فردَّ عليه مثله، ومع النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم حصيات فسبَّحن في يده فناولهنَّ أبا بكر فسبَّحن في يده، ثمَّ عمر فسبَّحن في يده، ثمَّ عثمان فسبَّحن في يده.
رجال الإسناد:
١ - إسحق بن إبراهيم الحمصي المعروف بابن زبريق، قال النسائي: ليس بثقة وقال محمّد بن عون: ما أشكّ أنَّ إسحاق بن زبريق يكذب(١) .
٢ - عمرو بن الحارث الحمصي، قال الذهبي: لا تُعرف عدالته(٢) .
٣ - عبد الله بن سالم الشامي الحمصي. كان يذمُّه أبو داود لقوله: أعان عليُّ على قتل أبي بكر وعمر(٣) فالرجل ناصبيٌّ لا يُصغى إلى قيله وأحسب انّه آفة الرواية وهي كما ترى يطفح النصب من جوانبها.
٤ - حميد بن عبد الله أو حميد بن عبد الرحمن، مجهولٌ لا يعرف.
٥ - ابن عبد ربّه، إن كان هو محمّد المروزي فهو ضعيفٌ كما في لسان الميزان ٥: ٢٤٤، وإن كان غيره فهو مجهولٌ، ونفس البخاري الذي ذكره لا يعرف منه إلّا أنَّه [ابن عبد ربّه] ولا يسمِّيه ولا يذكر له غير روايته هذه.
٦ - عاصم بن حميد الحمصي الشامي، قال البزار: لم يكن له من الحديث ما نعتبر
____________________
١ - تهذيب التهذيب ١: ٢١٦.
٢ - تهذيب التهذيب ٨: ١٤.
٣ - تهذيب التهذيب ٥: ٢٢٨.
به حديثه، وقال ابن القطّان: لا نعرف انَّه ثقةٌ(١)
٧ - أبو ذر الغفاري، أنا لا أدري انَّ أبا ذر هذا هل هو الذي يقول فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر؟ أو الذي يقول فيه عثمان: انَّه شيخٌ كذّابٌ، ورآه أهلاً لأن يهلك في المنفى؟ ولست أدري من الحَكم هيهنا هل الذي يخضع لقول النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ أو الذي يبرِّر موقف عثمان ويبرءه عن كلِّ شِيَة، وعلى كلّ ففي مَن قَبَله من رواة السوء كفاية في تفنيد الحديث.
ولعلّ الباحث بعد قرائة ما سردناه من حديث أبي ذر ومواقفه ونقمته على عثمان وما جرى بينهما لا يذعن قطُّ بهذه الأفيكة ولا يصدِّق أن يكون أبو ذر الصّادق المصدَّق هو صاحب هذه الرواية المختلقة.
وهذا الإسناد الملفّق من رجال حمص(٢) يذكّرني قول ياقوت الحموي في معجم البلدان ٣: ٣٤١ قال: ومن عجيب ما تأمّلته من أمر حمص فساد هوائها وتربتها اللذين يفسدان العقل حتّى يضرب بحماقتهم المثل، انَّ أشدَّ النّاس على عليّ رضي الله عنه بصفين مع معاوية كان أهل حمص، وأكثرهم تحريضاً عليه وجِدّاً في حربه، فلمّا انقضت تلك الحروب ومضى ذلك الزمان صاروا من غلاة الشيعة، حتى أنَّ في أهلها كثيراً ممّن رأى مذهب النُصيريّة، وأصلهم الإماميَّة الذين يسبّون السلف، فقد التزموا الضّلال أوّلاً وأخيراً، فليس لهم زمانٌ كانوا فيه على الصواب.
لفظ آخر باسناد آخر:
أخرج البيهقي عن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن عبدان عن أحمد بن عبيد الصفّار عن محمّد بن يونس الكديمي عن قريش بن أنس عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن رجل يقال له: سويد بن يزيد السلمي [أو: الوليد بن سويد] قال: سمعت أبا ذر يقول: لا أذكر عثمان إلَّا بخير بعد شيء رأيته، كنت رجلا أتّبع خلوات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فرأيته يوماً جالساً وحده فاغتنمت خلوته فجئت حتّى جلست إليه فجاء أبو بكر فسلّم عليه ثمَّ جلس عن يمين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ جاء عمر فسلّم وجلس عن يمين أبي بكر،
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٥: ٤٠.
٢ - بالكسر ثم السكون والصاد المهملة بلد كبير بين الشام وحلب فى نصف الطريق يذكر ويؤنث.
ثمَّ جاء عثمان فسلّم ثمَّ جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سبع حصيات، أو قال تسع حصيات فأخذهنَّ في كفّه فسبَّحن حتّى سمعت لهنَّ حنيناً كحنين النخل، ثمَّ وضعهنَّ فخرسن، ثمَّ أخذهنَّ فوضعهنّ في كفِّ أبي بكر فسبّحن حتّى سمعت لهنَّ حنيناً كحنين النخل، ثمَّ وضعهنّ فخرسن، ثمَّ تناولهنّ فوضعن في يد عمر فسبّحن حتّى سمعت لهنِّ حنيناً كحنين النخل، ثمَّ وضعهنِّ فخرسن، ثمَّ تناولهنَّ فوضعهن في يد عثمان فسبّحن حتّى سمعت لهنَّ حنيناً كحنين النخل، ثمَّ وضعهنّ فخرسن، فقال النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذه خلافة النبوّة(١) .
قال الأميني: هذا الإسناد مضافاً إلى ما في رجاله من المجهول والضعيف ومن تغيّر عقله(٢) وأسنده إليه مَن سمع عنه بعد اختلاطه كما في تهذيب التهذيب ٨: ٣٧٥.
فيه: محمّد بن يونس الكديمي وقد عرَّفناك ترجمته في الجزء التاسع ٣١١ ط ١، وانّه كذّابٌ وضّاعٌ من بيت عُرف بالكذب. كان يكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى العلماء ولعلّه وضع على الثقات أكثر من ألف حديث.
اقرأ واعجب من خلافة تدعم بمثل هذه الخزاية، ثمَّ اعجب من حفّاظ أخرجوها في تآليفهم محتجِّين بها ساكتين عنها وهم يعلمون ما فيها من العلل، وإنَّ ربّك ليعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون.
لفت نظر:
من عجيب ما نراه في هذه الرواية وأمثالها من الموضوعات في مناقب الثلاثة أو الأربعة تنظيم هذا الصفّ المنضَّد كالبنيان المرصوص الذي لا اختلاف فيه. فلا يأتي قطُّ أوّلا إلّا أبو بكر، وثانياً إلّا عمر، وثالثاً إلّا عثمان، ورابعاً إن كان لهم رابع إلّا عليعليهالسلام سبحان الله فكأنّهم متبانون على هذا الترتيب، فلا يتقدَّم أحدٌ أحداً، ولا يتأخَّر أحدٌ عن أحد، ففي حديث التسبيح: جاء أبو بكر فسلّم، ثمَّ جاء عمر فسلّم، ثمّ جاء عثمان فسلّم، ثمَّ جاء عليٌّ فسلّم.
____________________
١ - تاريخ ابن كثير ٦: ١٣٢، الخصايص الكبرى ٢: ٧٤.
٢ - هو قريش بن أنس المترجم فى تهذيب التهذيب لابن حجر.
وفي حديث البستان عن أنس: جاء أبو بكر، ثمّ جاء عمر، ثمّ جاء عثمان(١) .
وفي حديث بئر أريس عن أبي موسى: جاء أبو بكر، ثمّ جاء عمر، ثمّ جاء عثمان(٢)
وفي حديث استيذانهم على النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو مضطجع على فراشه عن عائشة: استأذن أبو بكر، ثمَّ جاء عمر فاستأذن، ثمّ جاء عثمان فاستأذن. راجع ص ٢٧٤ من الجزء التاسع وفي حديث الفخذ والركبة: استأذن أبو بكر، ثمّ جاء عمر فاستأذن، ثمّ جاء عثمان فاستأذن. كما مرّ في الجزء التاسع ص ٢٧٤، ٢٧٥ ط ٢.
وفي حديث جابر بالاسواف: يطلع عليكم رجل من أهل الجنَّة فطلع أبو بكر، ثمّ طلع عمر، ثمَّ طلع عثمان. مجمع الزوائد ٩: ٥٧.
وفي حديث حائط من حوائط المدينة عن بلال جاء أبو بكر يستأذن، ثمَّ جاء عمر، ثمّ جاء عثمان. فتح الباري ٧: ٣٠.
وفي حديث التبشير بالجنَّة عن عبد الله بن عمر: جاء أبو بكر فاستأذن، ثمّ جاء عمر فاستأذن، ثمَّ جاء عثمان فاستأذن(٣) .
وفي حديث خطبة الزهراء فاطمة سلام الله عليها: جاء أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عليّ. ذخائر العقبى ص ٢٧.
وفي حديث بناء مسجد المدينة عن عايشة: جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثمّ جاء عمر بحجر فوضعه، ثمَّ جاء عثمان بحجر فوضعه(٤) .
فهل هذا حكم القَدر يأتي بهم متتابعين؟ أو قضيَّة التباني طيلة حياة النبيِّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يقبلون إلّا بهذا الترتيب؟ أو هو من حكم الطبيعة فلا يختلف ولا يتخلّف؟ أو أنّه من ولائد الإتِّفاق لكنّه لم يتفاوت في أيٍّ من الموارد؟ أو أنّه من مشتهيات الوضّاعين الذين يتحرّون ترتيب الفضيلة هكذا؟ ولعلَّ القول بالأخير هو المتعين فحسب.
٢٨ - عن زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسجده. وفي لفظ: خرج علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونحن في مسجد المدينة، فجعل يقول: أين فلان؟ أين
____________________
١ - راجع الجزء الخامس ص ٢٨٥.
٢ - راجع الصحيحين وغيرهما وحسبك تاريخ ابن كثير ٦: ٢٠٤.
٣ - تاريخ ابن كثير ٧: ٢٠٢.
٤ - راجع الجزء الخامس ص ٢٨٧.
فلان؟ فلم يزل يبعث إليهم ويتفقّدهم حتَّى اجتمعوا عنده فلمّا توافوا عنده حمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: إنِّي محدِّثكم حديثاً فاحفظوه وعوه وحدِّثوا به مَن بعدكم، إنَّ الله عزَّوجلَّ اصطفى من خلقه خلقاً ثمَّ تلا: والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس خلقاً يدخلهم الجنَّة، وانِّي أصطفي منكم من أحبّ أن أصطفيه ومواخ بينكم كما آخى الله عزّ وجلَّ بين ملائكته، فقم يا أبا بكر! فقام فجثا بين يديه فقال: إنَّ لك عندي يداً الله يجزيك بها، فلو كنت متَّخذاً خليلاً لاتَّخذتك خليلاً، فأنت منِّي بمنزلة قميصي من جسدي، وحرَّك قميصه بيده. ثمَّ قال: ادن يا عمر! فدنا منه فقال: لقد كنت شديد الشغب علينا يا أبا حفص! فدعوت الله أن يعزَّ الإسلام بك أو بأبي جهل، ففعل الله ذلك بك وكنت أحبّهما إلى الله، فأنت معي في الجنَّة ثالث ثلاثة من هذه الاُمّة، ثمَّ آخى بينه وبين أبي بكر.
ثمَّ دعا عثمان فقال: ادن يا أبا عمرو! فلم يزل يدنو منه حتّى ألصق ركبتيه بركبتيه فنظر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى السّماء فقال: سبحان الله العظيم. ثلاث مرّات. ثمّ نظر إلى عثمان وكانت أزراره محلولة فزرَّها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيده ثمّ قال: اجمع عطفي رداءك على نحرك، إنَّ لك شأناً في أهل السّماء، أنت ممّن يرد عليَّ حوضي ( وفي لفظ: يرد عليَّ يوم القيامة ) وأوداجك تشخب دماً، فأقول لك: مَن فعل بك هذا؟ فتقول: فلانٌ وفلان، وذلك كلام جبرئيل إذا هتف من السَّماء فقال: ألا انَّ عثمان أميرٌ على كلّ مخذول. ثمَّ دعا عبد الرَّحمن بن عوف فقال: ادن يا أمين الله! أنت أمين الله، وتسمّى في السَّماء: الأمين، يسلّطك الله على مالك بالحقّ، أما إنَّ لك عندي دعوة وعدتكها وقد أخَّرتها فقال: خِر لي يا رسول الله، قال: حملتني يا عبد الرَّحمن! أمانة ثمَّ قال: إنَّ لك شأناً يا عبد الرحمن! أما انّه أكثر الله مالك وجعل يقول بيده: هكذا وهكذا، ثمَّ آخى بينه وبين عثمان.
ثمَّ دعا طلحة والزبير فقال: ادنوا منِّي فدنوا منه فقال لهما: أنتما حواريّ كحواري عيسى بن مريم ثمَّ آخى بينهما.
ثمَّ دعا عمّار بن ياسر وسعداً فقال: يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية، ثمَّ آخى بينهما، ثمَّ دعا عويمر بن زيد أبا الدرداء وسلمان الفارسي وقال: يا سلمان! أنت منّا اهل البيت
وقد آتاك الله العلم الأوَّل والآخر والكتاب الأوَّل والكتاب الآخر، ثمَّ قال: ألا ارشدك يا أبا الدرداء؟ قال: بلى بأبي أنت واُمِّي يا رسول الله! قال: إن تفتقدهم تفقدوك وإن تركتهم لا يتركوك، وإن تهرب منهم يدركوك، فاقرضهم عرضك ليوم فقرك، واعلم أنّ الجزاء أمامك. ثمَّ آخى بينهما.
ثمَّ نظر في وجوه أصحابه فقال: أبشروا وقرّوا عيناً، أنتم أوّل من يرد عليّ الحوض وأنتم في أعلى الغرف، ثمَّ نظر إلى عبد الله بن عمر وقال: ألحمد لله يهدي من الضلالة من يحبُّ، ويلبس الضلالة على مَن أحبَّ، فقال عليٌّ: يا رسول الله! لقد ذهبتْ روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليَّ فلك العتبي والكرامة، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : والّذي بعثني بالحقِّ ما أخَّرتك إلّا لنفسي وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير انَّه لا نبيَّ بعدي، وأنت أخي ووارثي، قال: يا رسول الله! وما أرث منك؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي. قال: ما ورثته الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنَّة مع فاطمة ابنتي ( وأنت أخي ورفيقي )(١) ثمَّ تلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إخوانٌ على سرر متقابلين. الأخلّاء في الله ينظر بعضهم إلى بعض.
قال الأميني: قال أبو عمر في الاستيعاب ١: ١٩١ في ترجمة زيد بن أبي أوفى: روى حديث المواخاة بتمامه إلّا أنَّ في إسناده ضعفاً.
وقال ابن حجر في الإصابة ١: ٥٦٠: روى حديثه ابن ابي حاتم والحسن بن سفيان والبخاري في التاريخ الصغير من طريق ابن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسجد المدينة فجعل يقول: أين فلان؟ أين فلان؟ فلم يزل يتفقّدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده. فذكر الحديث في إخاء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولحديثه طرقٌ عن عبد الله بن شرحبيل، وقال ابن السكن: روي حديثه من ثلاث طرق ليس فيها ما يصحّ، وقال البخاري: لا يعرف سماعُ بعضهم من بعض، ولا يتابع عليه، رواه بعضهم عن ابن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفي ولا يصحّ.
وقفنا من طرق الرواية الثلاث المعزوَّة إليها على طريقين أحدهما طريق أبي اسحاق
____________________
١ - هذه الزيادة فى بعض الالفاظ.
ابراهيم بن محمّد بن سفيان المجهول عن.
محمّد بن يحيى بن اسماعيل السهمي التمّار، قال الدارقطني: ليس بالمرضيّ. عن نصر بن علي الثقة ان كان هو الجهضمي كما هو الظاهر. عن عبد المؤمن بن عباد، ضعَّفه أبو حاتم، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، وذكره السّاجي وابن الجارود في الضعفاء(١) . عن
يزيد بن سفيان، قال الذهبي: ضعّفه ابن معين. وقال النسائي: متروكٌ. وقال شعبة: لو يُعطى درهماً لوضع حديثاً. له نسخةٌ منكرةٌ تكلّم فيه ابن حبّان. وقال ابن حبّان: نسخةٌ مقلوبةٌ لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد لكثرة خطائه ومخالفة الثقات في الروايات، وقال العقيلي في الضعفاء: لا يعرف بالنقل ولا يُتابع على حديثه(٢) عن
عبد الله بن شرحبيل عن
رجل من قريش. ألله يعلم مَن الرجل، وهل وُلد هو أو لم يُخلق بعدُ، عن زيد بن أبي أوفى.
رجال الطريق الثاني:
عبد الرَّحيم بن واقد الواقدي الخراساني الراوي عن شعيب الأعرابي، قال الخطيب في تاريخه ١١: ٨٥: في حديثه مناكير لأنها عن الضعفاء والمجاهيل. عن
شعيب بن يوسن الأعرابي من اولئك الضعفاء أو المجاهيل الذين أو عز إليهم - الخطيب في عبد الرَّحيم الواقدي: عن
موسى بن صهيب. قال ابن حجر في اللسان: لا يكاد يُعرف، عن
يحيي بن زكريّا، قال ابن عدي: كان يضع الحديث ويسرق، وذكر ابن الجوزي حديثاً باطلاً وقال: هذا حديثٌ موضوعٌ بلا شكّ والمتّهم به يحيى، قال يحيى بن معين: هو دجّالُ هذه الاُمّة(٣) عن
عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش، هذا الإنسان الذي تنتهي إليه أسانيد
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٢: ١٥٦، لسان الميزان ٤: ٧٦.
٢ - ميزان الاعتدال ٣: ٣١٢، لسان الميزان ٦: ٢٨٨.
٣ - لسان الميزان ٦: ٢٥٣.
الرواية ولعلّه هو آفتها لم يُعرف مَن هو، إن كان قد خُلق.
هذه طرق الرواية وتلك نصوص البخاري وابن السكن وأبي عمر وابن حجر على بطلانها وانّها ليس فيها ما يصحّ، على أنَّ المؤاخاة بين المهاجرين وقعت بمكّة قبل الهجرة والتي حدثت بالمدينة بعد الهجرة بخمسة أشهر، هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فأبو بكر فيها أخو خارجة بن زيد الأنصاري، وعمر أخو عتبان بن مالك، وعثمان أخو أوس بن ثابت، والزبير أخو سلمة بن سلامة، وطلحة أخو كعب بن مالك، وعبد الرّحمن بن عوف أخو سعد بن الربيع(١) .
فقول مختلق الرِّواية: دخلت على رسول الله مسجده. أو قوله: خرج علينا رسول الله ونحن في مسجد المدينة. أقوى شاهد على اختلاقها.
وإن تعجب فعجبٌ إخراج غير واحد من الحفّاظ هذه الرواية بين مَن أرسلها إرسال المسلّم محذوف الإسناد كالمحبّ الطبري في الرياض النضرة ١ ص ١٣، وبين مَن أسندها بهذه الطرق الوعرة من دون أيِّ غمز فيها كابن عساكر في تاريخه والعاصمي في زين الفتى، وأعجب من ذلك تدعيم الحجّة على الخصم بها، والركون إليها في تشييد الأحداث والمبادي الساقطة قال العاصمي: في هذا الحديث من العلم: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أثنى على أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وآخا بينهم، وأشار إلى ما يصيب عثمان من القوم، ولم يجعله في ذلك مليما ولا سمّاه ذميماً، فلا ينبغي لمسلم أن يبسط لسانه فيهم بما كان من بعضهم إلى بعض لأنّهعليهالسلام لم يواخ بينهم في الدنيا إلّا وهم يكونون اخوة في الآخرة، وفيه من العلم ايضاً: انَّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم سمّى المرتضى أخاً ووارثاً ثم بيّن إرثه وجعلها كتاب الله وسنّة الرسول، ولم يجعل فدك وخيبر إرثاً منه، تبيّن من ذلك بطلان قول الرافضة والله المستعان.ا ه.
ومن العجب جِدّاً حسبان العاصمي انفتاح بابين من العلم له من هذه الرواية الباطلة، وأيّ علم هذا مصدره شكوكٌ وأوهام وأكاذيب؟ أنا لست أدري كيف راق العاصمي الإحتجاج بمثلها من رواية تافهة فضلاً عن أن يستخرج منها كنز علمه الدفين ويرجع إليها في الحكم كأنّه يستند إلى ركن وثيق ويغفل أو يغافل عن أنّه مرتكن
____________________
١ - راجع ما اسلفناه من المصادر فى الجزء التاسع صفحة ٣١٦ طبع ١.
إلى شفا جرف هار، على أنا فنَّدنا في أجزاء كتابنا هذا أكثر ما فيها من الفضائل.
ثمَّ إنَّ هذه المقولات التي تضمّنتها الرواية على فرض صدورها كانت بمشهد ومسمع من الصحابة، أو سمعها على الأقل كثيرون منهم، ومن اولئك السامعين الذين وعوها طلحة والزبير وعمّار، فلماذا لم يرجع إليها أحدٌ منهم يوم تشديد الوطئة على عثمان، وفي الحصارين، وحول واقعة الدار؟ فهل اتّخذوها ظهريّاً يومئذ مستخفّين بها؟ حاشاهم وهم الصحابة العدول كما يزعمون، أو أنّهم نسووها كما نسيت مثلها امُّهم عائشة من حديث الحوأب(١) فلم يذكروها حتّى وضعت الفتنة أوزارها، وهذا كما ترى ولعلّه لا يفوه به ذو مسكة.
وأمّا العلم الثاني الذي استخرج كنزه العاصمي من حصر ارث أمير المؤمنين علي من رسول الله بالكتاب والسنّة، وفنَّد حديث فدك وخيبر، وشنّع على الشيعة بذلك فأتفه ممّا قبله فإنَّ الشيعة لا تدَّعي لأمير المؤمنينعليهالسلام الإرث المالي ولا ادَّعاه هو صلوات الله عليه لنفسه يوم كان يطالبهم بفدك، وإنّما كان يبغيها لأنَّها حقٌّ لابنة عمّه الصدِّيقة الطاهرة سواء كانت نحلة لها من أبيها كما هو الصحيح أو إرثاً على اصول المواريث التي جاء بها الكتاب والسنَّة على تفصيل عسى أن نتفرّغ له، في غير هذا الموضع من الكتاب، فمؤاخذة الشيعة بتلك المزعمة المختلقة تقوّلٌ عليهم، وما أكثر ما افتعلت عليهم الأكاذيب، فإنّ ما تدّعيه الشيعة من إرث الإمامعليهالسلام عن مخلّفه ومشرِّفهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يشذّ عمّا اجمعت عليه أهل السنَّة، وهو من براهين الخلافة لهعليهالسلام قال الحاكم: لا خلاف بين أهل العلم انَّ ابن عمّ لا يرث من العمِّ فقد ظهر بهذا الإجماع انّ عليّاً ورث العلم من النبيّ دونهم(٢) فهذه الوراثة الخاصَّة لعليّعليهالسلام من بين الامّة عبارةٌ اُخرى عن الخلافة عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي من أجلها كان ترث الأوصياء الأنبياء.
٢٩ - في الصحيحين(٣) من حديث محمّد بن مسكين البصري عن يحيي بن حسان البصري عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر عن سعيد بن المسيّب عن أبي موسى
____________________
١ - راجع الجزء الثالث ص ١٨٨ - ١٩١ طبع ٢.
٢ - راجع الجزء الثالث ص ١٠٠ طبع ٢.
٣ - صحيح البخارى ٥: ٢٥٠، ٢٥١ كتاب المناقب، صحيح مسلم ٧: ١١٨، ١١٩ كتاب المناقب.
عند الأشعري قال: توضَّأت في بيتي ثمّ خرجت فقلت: لأكوننَّ اليوم مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا: خرج وتوجَّه هيهنا، فخرجت في اثره حتى جئت بئر أريس فمكث بابها حتى علمت أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قضى حاجته وجلس، فجئته فسلّمت عليه فإذا هو قد جلس على قُفّ(١) بئر أريس(٢) فتوسَّطه ثمّ دلّى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه فرجعت إلى الباب وقلت: لأكوننَّ بوّاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم أنشب أن دقّ الباب فقلت: مَن هذا؟ قال: أبو بكر: قلت: على رسلك، وذهبت إلى النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشِّره بالجنَّة، قال: فخرجت مسرعاً حتّى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبشّرك بالجنَّة، قال: فدخل حتى جلس إلى جنب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في القفِّ على يمينه ودلَّى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: ثمّ رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضّأ وقد كان قال لي: أنا على إثرك، فقلت: إن يُرد الله بفلان خيراً يأت به، قال: فسمعت تحريك الباب، فقلت: مَن هذا؟ قال: عمر. قلت: على رسلك، قال: وجئت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسلّمت عليه وأخبرته، فقال: ائذن له وبشِّره بالجنّة، قال: فجئت وأذنت له وقلت له: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يبشّرك بالجنَّة، قال: فدخل حتَّى جلس مع رسول الله على يساره، وكشف عن ساقيه ودلّى رجليه في البئر كما صنع النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبو بكر قال: ثمّ رجعت فقلت: إن يُرد الله بفلان خيراً يأت به، يُريد أخاه، فإذا تحريك الباب، فقلت: مَن هذا، قال: عثمان بن عفان، قلت: على رسلك، وذهبت إلى رسول الله فقلت: هذا عثمان يستأذن، فقال: ائذن له وبشِّره بالجنَّة على بلوى تصيبه، قال: فجئت فقلت: رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأذن لك ويبشّرك بالجنّة على بلوى أو بلاء يصيبك، فدخل وهو يقول: الله المستعان فلم يجد في القفِّ مجلساً فجلس وجاههم من شقّ البئر، وكشف عن ساقيه ودلّاهما في البئر كما صنع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قال سعيد بن المسيب: فأوَّلتها قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان.
قال الأميني: نحن لا نناقش في إسناد هذه الرواية للاضطراب الواقع فيه، فانّها
____________________
١ - قُفّ البئر: الدكة التى تجعل حولها.
٢ - بستان فى قباء قرب المدينة المشرفة.
تروى عن أبي موسى الأشعري كما سمعت، وعن زيد بن أرقم وهو صاحب القصَّة فيما أخرجه البيهقي في الدلائل، وعن بلال وهو البوّاب في القضيّة فيما أخرجه أبو داود، وعن نافع بن عبد الحرث وهو البوّاب، كما في إسناد أحمد في المسند ٣: ٤٠٨. ولا نضعّفه لمكان البصريِّين الذين لهم قَدم وقدم في اختلاق الحديث ووضع الطامّات على الرسول الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا نؤاخذ من رجاله سليمان بن بلال بقول ابن أبي شيبة: إنّه ليس ممّن يعتمد على حديثه(١) ولا نزيّفها لمكان ابن أبي نمر لقول النسائي وابن الجارود: إنَّه ليس بالقويِّ، وقول ابن حبّان: ربّما أخطأ، وقول ابن الجارود أيضاً: كان يحيى بن سعيد لا يحدَّث عنه. وقول الساجي: كان يرى القدَر(٢) ولا نغمز فيها بمكان سعيد بن المسيّب الذي مرّ الأيعاز إلى ترجمته في الجزء الثامن ص ٩، ولا نتكلّم في منتهى السلسة أبي موسى الأشعري الصّحابي، إذ الصحابة كلّهم عدول عند القوم، وإن لا يسعنا الإخبات إلى مثل هذا الرأي البهرج المحدث والصفح عن قول الإمام الطاهر أمير المؤمنينعليهالسلام الوارد في أبي موسى الأشعري وصاحبه عمرو بن العاص: ألا إنّ هذين الرجلين اللّذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، وأماتا ما أحيى القرآن، واتّبع كلّ واحد منهما هواه بغير هدى من الله فحكما بغير حجّة بيّنة، ولا سنّة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين(٣) فأيّ جرح أعظم من هذا؟ وأيّ عدل يتصوّر في الرَّجل عندئذ؟
ولا نقول ايضاً بانَّ عناية القوم بتخصيص الخلفاء الثلاث من بين الصحابة بالبشارة بالجنّة، وإكثارهم وضع الرواية واختلاق القصص فيها تنبأنا عن أسرار مستسرَّة ونحن لا نميط الستار عنها، ولا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم.
وإنّما نقول: إنّ هذه البشارة الصادرة من الصّادع الكريم إن سُلّمت، وكان المبشِّر مصدَّقاً عند سامعيها، فلماذا كان عمر يسأل حذيفة اليماني - صاحب السرِّ المكنون
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٤: ١٧٦.
٢ - تهذيب التهذيب ٤: ٣٣٨.
٣ - راجع الجزء الثانى ص ١٣١ ط ٢.
في تمييز المنافقين - عن نفسه وينشده الله أمن القوم هو؟ وهل ذُكر في المنافقين؟ وهل عدَّه رسول الله منهم(١) والسائل جِدُّ عليم بأنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فهل يمكننا الجمع بين هذا السؤال المتسالم عليه وبين تلك البشارة؟ لاها الله.
وهل يتأتَّى الجمع بين تلك البشارة وبين ما صحَّ عن عثمان من حديث(٢) اعتذاره عن خروجه إلى مكّة أيّام حوصر بقوله: إنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يُلحد بمكّة رجلٌ من قريش عليه نصف عذاب هذه الامّة من الإنس والجنّ فلن أكون ذلك الرَّجل؟ فهل هذا مقال مَن وثق بايمانه بالله وبرسوله وإطمأنَّ به وعمل صالحاً ثمَّ اهتدى فضلاً عمّن بُشِّر بالجنّة بلسان النبيِّ الصّادق الأمين؟.
٣٠ - أخرج البيهقي في الدلائل من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن إبراهيم ابن محمّد بن حاطب عن عبد الرَّحمن بن بجيد(٣) عن زيد بن أرقم قال: بعثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر فتجده في داره جالساً محتبياً فقل: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ عليك السلام ويقول: ابشر بالجنّة، ثمَّ انطلق حتى تأتي الثنيَّة فتلقى عمر راكباً على حمار تلوح صلعته فقل: إنّ رسول الله يقرأ عليك السَّلام ويقول: ابشر بالجنَّة، ثمّ انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع فقل: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرأ عليك السَّلام ويقول: أبشر بالجنّة بعد بلاء شديد، فذكر الحديث في ذهابه إليهم فوجد كلًّا منهم كما ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكلًّا منهم يقول: أين رسول الله؟ فيقول: في مكان كذا وكذا، فيذهب إليه، وإنّ عثمان لمـّا رجع قال: يا رسول الله وأيّ بلاء يصيبني؟ والذي بعثك بالحقِّ ما تغيّبت [وفي لفظ: ما تغنّيت] ولا تمنّيت ولا مسست ذكَري بيميني منذ بايعتك، فأيّ بلاء تصيبني؟ فقال: هو ذاك.
قال الأميني: إنّ الباحث في غنى عن عرفان رجال اسناد الرواية بعد وقوفه على ما أسلفناه في هذا الجزء ص ٧٤ في ترجمة عبد الأعلى بن أبي المساور من أنَّه كذّاب
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٤: ٩٧، التمهيد للباقلاني ص ١٩٦، بهجة النفوس لابن أبى جمرة ٤: ٤٨، احياء العلوم ١: ١٢٩، كنز العمال ٧: ٢٤.
٢ - راجع ص ١٥٣ من الجزء التاسع ط ١.
٣ - بالباء والجيم الموحدتين والدال المهملة كما فى التقريب.
خبيثٌ دجّالٌ وضّاعٌ روى عن الاُئمَّة آلاف أحاديث ما حدّثوا بشيىء منها، ولا يعرف أحدٌ أكثر وضعاً منه، وهو ممّن يُضرب المثل بكذبه.
فمثل هذا الإسناد يوصف في مصطلح الفنِّ بالوضع لا بالضعف كما وصفه البيهقي بذلك راجع فتح الباري ٧: ٢٩.
٣١ - أخرج ابن عساكر في تاريخه ٤: ٣١٢ من طريق أبي عمرو الزاهد عن علي بن محمّد الصائغ عن أبيه انّه قال: رأيت الحسين وقد وفد على معاوية زائراً فأتاه في يوم جمعة وهو قائمٌ على المنبر خطيباً فقال له رجلٌ من القوم: يا أمير المؤمنين! ائذن للحسين يصعد المنبر، فقال له: معاوية: ويلك دعني أفتخر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله! أليس أنا ابن بطحاء مكّة؟ فقال: اي والذي بعث جدّي بالحقِّ بشيراً، ثمَّ قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله! أليس أنا خال المؤمنين؟ فقال اي والذي بعث جدّي نبيّاً، ثمَّ قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله! أليس أنا كاتب الوحي؟ فقال: اي والذي بعث جدِّي نذيراً، ثمَّ نزل معاوية وصعد الحسين بن علي فحمد الله بمحامد لم يحمده الأوّلون والآخرون بمثلها، ثمّ قال: حدّثني أبي عن جدّي عن جبرئيل عن الله تعالى انّ تحت قائمة كرسيّ العرش ورقة آس خضراء مكتوبٌ عليها: لا إله إلّا الله محمّدٌ رسول الله، يا شيعة آل محمّد لا يأتي أحدكم يوم القيامة يقول: لا إله إلّا الله ادخله الله الجنّة، فقال له معاوية: سألتك بالله يا أبا عبد الله! من شيعة آل محمّد؟ فقال: الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يشتمون عثمان، ولا يشتمون أبي، ولا يشتمونك يا معاوية.
قال الأميني: قال ابن عساكر: هذا حديثٌ منكر، ولا أرى إسناده متّصلا إلى الحسين. ونحن نقول: إنّه كذبٌ صراح وإسناده متفكّك العرى واهي الحلقات، أمَّا أبو عمرو الزاهد فهو الكذّاب صاحب الطامّات والبلايا الذي ألّف جزؤاً في مناقب معاوية من الموضوعات كما أسلفناه في الجزء الخامس ص ٢٢٦ توفّي سنة ٣٤٥.
وأمّا شيخه علي الصائغ فهو ضعيفٌ جدّاً وصفه بهذا الخطيب في تاريخه ٣: ٢٢٢، وضعَّفه الدارقطني كما في لسان الميزان ٢: ٤٨٩.
وأمّا والده فهو مجهولٌ لا يُذكر بشيىء وهو في طبقة مَن يروي عن مالك المتوفّى سنة ١٧٩.
فأين وأنّى رأى سيّدنا الحسينعليهالسلام المستشهد سنة ٦١؟ وكيف أدرك معاوية الذي هلك سنة ٦٠؟ وهل كانت الرؤية والإدراك طيف خيال أو يقظة؟
ثمّ لو صدَّقنا الأحلام فإنَّ مقتضى هذه الاُسطورة أن لا يكون معاوية من شيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين يدخلهم الله الجنّة لأنَّه كان يقنت بلعن عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام وولديه الإمامين سيّدي شباب أهل الجنّة، إلى جماعة من الصلحاء الأبرار، وحسبه ذلك مخزاةً، وهذا الأمر فيه وفي الطغام من بني أبيه المقتصِّين أثره وأتباعه المتَّبعين له على ذلك شرع سواسيه.
ومن مقتضياتها أيضاً خروج مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام عن اولئك الزمرة المرحومة لأنَّه كان يقنت باللّعن على معاوية وحثالة مِن زبانيته. كبرتْ كلمة تَخرجِ مِن أفواههم.
ولازم هذا التلفيق إخراج من نال من عثمان فضلاً عمَّن أجهز عليه وقتله عن شيعة آل محمد وهم أعيان الصحابة ووجوه المهاجرين والأنصار العدول كلّهم عند القوم فضلاً عن التشيع فحسب، وهل يجسر على هذا التحامل أحدٌ؟ ففي قصارى القول انَّ أصدق كلمة حول هذه المهزأة انّه حديث زور لا مقيل له من الصحّة ولا يسوغ الإعتماد عليه.
٣٢ - روى الخطيب عن أحمد بن محمّد بن أبي بكر الاشناني عن محمّد بن يعقوب الأصم عن السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر عن وائل بن داود عن يزيد(١) البهي عن الزبير مرفوعاً: أللّهم إنّك باركت لاُمّتي في صحابتي فلا تسلبهم البركة، وبارك لأصحابي في أبي بكر فلا تسلبه البركة، وأجمعهم عليه، ولا تنشر أمره، أللّهم وأعزّ عمر بن الخطاب، وصبّر عثمان بن عفّان، ووفّق عليّاً، واغفر لطلحة، وثبّت الزبير، وسلّم سعداً، ووقِّر عبد الرَّحمن، وألحق بي السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان.
قال الأميني: عقّبه الخطيب بقوله: موضوعٌ فيه ضعفاء أشدُّهم سيف وأوقفناك على ترجمة السري وشعيب وسيف من رجال الإسناد في الجزء الثامن ص ٨٦، ١٤٣، ١٤٤، ٣٣٥ ويكفي كلُّ واحد منهم في اعتلال السند فضلاً عن أن يجتمعوا.
____________________
١ - كذا والصحيح: عبد الله. هو مولى مصعب بن الزبير.
٣٣ - أخرج الخطيب قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار أنبأنا أبو طالب العشاري حدَّثنا أبو الحسن محمّد بن عبد العزيز البردعي حدّثنا أبو الحبيش طاهر بن الحسين الفقيه حدّثنا صدقة بن هبيرة بن علي الموصلي حدَّثنا عمر بن الليث حدَّثنا محمّد بن جعفر حدَّثنا عليّ بن محمّد الطنافسي حدَّثنا موسى بن خلف حدَّثنا حمّاد بن أبي سليمان عن إبراهيم بن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ هبط جبرئيل، فقال السَّلام عليك يا محمّد! انَّ الله قد أتحفك بهذه السَّفرجلة فسبَّحت السفرجلة في كفّه باصناف اللغات فقلنا: تسبّح هذه السَّفرجلة في كفّك؟ فقال: والَّذي بعثني بالحقِّ لقد خلق الله تعالى في جنّة عدن ألف ألف قصر، في كلّ قصر ألف ألف مقصورة، في كلِّ مقصورة ألف ألف سرير، على كلِّ سرير حوراء، تجري من تحت كلِّ سرير أربعة أنهار، على كلّ نهر ألف ألف شجرة، في كلً شجرة ألف ألف غصن، في كلِّ غصن ألف ألف سفرجلة، تحت كلِّ سفرجلة ألف ألف ورقة، تحت كلِّ ورقة ألف ألف ملك، لكلِّ ملك ألف ألف جناح، تحت كلِّ جناح ألف ألف رأس، في كلِّ رأس ألف ألف وجه، في كلِّ وجه ألف ألف فم، في كلِّ فم ألف ألف لسان، تسبّح الله بألف ألف لغة، لا يشبه بعضها بعضاً، ثواب ذلك التسبيح لمحبِّي أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ.
قال السيوطي في اللئالي ١: ٣٨٨: موضوعٌ، صدقة يحدِّث عن المجاهيل، ومحمّد بن جعفر ترك أحمد التحديث عنه، وموسى متروكٌ.
ونحن نقول: لعلّ رواية هذه السفسطة وأمثالها هي التي جعل المؤتمن الساجي سيِّئ الرأي في شيخ الخطيب المبارك بن عبد الجبّار فرماه بالكذب وصرَّح بذلك كما في لسان الميزان ٥: ١٠ وهي التي تعرِّفك بقيّة رجال الإسناد، والعاقل قطُّ لا يثق بمن تكون هذه روايته، وإليك البيان.
١ - أبو طالب العشاري محمّد بن علي بن الفتح، ذكر الذهبي له في الميزان أحاديث حكم بوضعها فقال: قبّح الله مَن وضعه، والعتب إنّما هو على محدِّثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل. وقال بعد ذكر توثيق الخطيب إيّاه: ليس بحجَّة. راجع ميزان الاعتدال ٢: ١٠٧.
٢ - أبو الحسن البردعي. قال الخطيب في تاريخه ٢: ٢٥٣: كتبت عنه وكان فيه
نظر، مع انَّه لم يخرج عنه من الحديث كبير شيء.
٣ - ابو الحبيش الفقيه. مجهولٌ لا يعرف.
٤ - صدقة، مجهولٌ لا يُذكر بخير، ولا يُعرف بجميل.
٥ - عمر بن الليث مجهولٌ منكرٌ.
٦ - محمّد بن جعفر هو المدائني، قال أحمد: سمعت منه ولكن لم أرو عنه قطُّ ولا اُحدِّث عنه بشيء أبدا، وذكره العقيلي في الضعفاء وحكى قول أحمد، وقال ابن قانع: ضعيفٌ، وقال ابن عبد البرِّ: ليس هو بالقويِّ عندهم، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه و لا يحتجُّ به(١) .
٧ - موسى بن خلف العمّي البصري. قال الآجري: ليس بذاك القويّ، وعن ابن معين ضعيفٌ. وقال ابن حبّان: أكثر من مناكير. وقال الدارقطني: ليس بالقويّ يعتبر به(٢) .
٨ - إبراهيم بن أبي سعيد الخدري، لم يُذكر لأبي سعيد إبنٌ بهذا الاسم وأحسب انّ الصحيح [ابراهيم النخعي عن أبي سعيد الخدري] والله العالم.
٣٤ - أخرج النّحاس في كتاب معاني القرآن قال: حدَّثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن سهل قال: حدّثنا محمّد بن حميد قال: حدَّثنا يحيى بن الضُريس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: إنَّ اعرابيّاً قام إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجّة الوداع والنبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم واقفٌ بعرفات على ناقته العضباء فقال: إنِّي رجلٌ مسلمٌ فأخبرني عن هذه الآية:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ) . الآية(٣) فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، فاعلِم قومك إنَّ هذه الآية نزلت فيهم. ذكره القرطبي في تفسيره ١٠: ٣٩٨: وقد روينا جميع
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٩: ٩٩.
٢ - تهذيب التهذيب ١٠: ٣٤٢.
٣ - سورة الكهف: ٣٠، ٣١.
ذلك بالإجازة، والحمد لِلَّه.
قال الأميني: ألا تعجب من رجل التفسير العظيم يروي بالإجازة مثل هذا الكذب الصراح بالاسناد لواهي، ويحمد ربّه على تحريفه لكلم عن مواضعه وتقوُّله على ربِّه وعلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟؟! أعوذ بالله من الرواية بلادراية.
في الإسناد: أحمد بن علي بن سهل المروزي ترجمه الخطيب البغدادي في تاريخه ٤: ٣٠٣.
ولم يذكر كلمة في الثناء عليه كأنَّه لا يعرف منه إلّا اسمه، وذكره الذهبي في - الميزان وذكر له حديثاً فقال: أورده ابن حزم وقال: أحمد مجهولٌ(١) .
وفيه محمَّد بن حميد أبو عبد الله الرازي التميمي، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير وقال البخاري: في حديثه نظرٌ، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الجوزجاني: رديُّ المذهب غير ثقة.
وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون ألفاً لا اُحدّث عنه بحرف. وقال صالح الأسدي: كان كلّما بلغه عن سفيان يحيله على مهران، وما بلغه عن منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس، ثمَّ قال: كلُّ شيىء كان يحدّثنا ابن حميد كنّا نتَّهمه فيه. وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد، وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلّب بعضه على بعض. وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني، ومحمّد بن حميد كان يحفظ حديثه كلّه. وقال محمّد بن عيسى الدامغاني: لما مات هارون بن المغيرة سألت محمّد بن حميد أن يخرج إليَّ جميع ما سمع فأخرج إليَّ جزازات فاحصيت جميع ما فيه: ثلاثمائة ونيفاً وستّين حديثاً.
قال جعفر: وأخرج ابن حميد عن هارون بعدُ بضعة عشر ألف حديث. وقال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمّد بن حميد فأومى بإصبعه إلى فمه فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم. فقلت له: كان قد شاخ لعلّه كان يعمل عليه و يدلّس عليه، فقال: لا يا بنيّ كان يتعمّد، وقال ابو نعيم بن عدي: سمعت أبا حاتم الرازي في منزله وعنده ابن خراش وجماعةٌ من مشايخ أهل الري وحفّاظهم فذكروا ابن حميد فأجمعوا على انّه ضعيفٌ في الحديث جدّاً، وانّه يحدّث بما لم يسمعه، وإنّه يأخذ أحاديث اهل البصرة والكوفة فيحدّث بها عن الرازيِّين. وقال أبو العبّاس ابن سعيد:
____________________
١ - لسان الميزان ١: ٢٢٢.
سمعت داود بن يحيى يقول: سمعت ابن خراش يقول: ثنا ابن حميد وكان والله يكذب.
وقال سعيد بن عمرو البرذعي: قلت لأبي حاتم: أصحّ ما صحّ عندك في محمّد بن حميد الرازي أيّ شيىء هو؟ فقال لي: كان بلغني عن شيخ من الخلقانيِّين: انّ عنده كتاباً عن أبي زهير فأتيته فنظرت فيه فإذا الكتاب ليس هو من حديث أبي زهير وهي من حديث عليِّ بن مجاهد فأبى أن يرجع عنه فقمت وقلت لصاحبي: هذا كذّابٌ لا يحسن أن يكذب. قال: ثمَّ أتيت محمّد بن حميد بعد ذاك فأخرج إليَّ ذلك الجزء بعينه فقلت لمحمَّد بن حميد: ممَّن سمعت هذا؟ قال: من عليّ بن مجاهد، فقرأه وقال فيه: ثنا علي ابن مجاهد فتحيّرت فأتيت الشابَّ الذي كان معي فأخذت بيده فصرنا إلى ذلك الشيخ فسألناه عن الكتاب الّذي أخرجه إلينا فقال: قد استعاره منِّي محمّد بن حميد. وقال أبو حاتم: فبهذا استدللت على انّه كان يومي إلى أنّه أمر مكشوف.
وقال ابن خزيمة: لا يروى عنه، وقال النسائي: ليس بشيىء قال الكتاني: فقلت له: البتة؟ قال: نعم. قلت: ما أخرجت له شيئاً؟ قال: لا. وقال في موضع آخر: كذّاب وكذا قال ابن وارة، وقال ابن حبّان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات(١) .
فمجمل القول في الرَّجل انّه كذّابٌ مكثرٌ والذي أثنى عليه فقد خفي عليه أمره أو كان ذلك قبل ظهور ما ظهر منه من سوء حاله، قال أبو العباس بن سعيد: سمعت داود بن يحيى يقول: حدّثنا عنه أبو حاتم قديماً ثمّ تركه بآخره. وقال أبو حاتم الرازي سألني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر فقال أيّ شيىء ينقمون منه؟ فقلت: يكون في كتابه شيىء فيقول: ليس هذا هكذا فيأخذ القلم فيغيّره، فقال: بئس هذه الخصلة. إلخ. وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو حدَّث الاستاذ عن محمّد بن حميد فإنّ أحمد قد أحسن الثناء عليه، فقال: إنّه لم يعرفه ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلا.
٣٥ - أخرج ابن عساكر من طريق عليّ بن محمّد بن شجاع الربعي عن عبد الوهّاب الميداني الدمشقي عن محمّد بن عبد الله بن ياسر عن محمّد بن بكار عن محمّد بن الوليد عن داود بن سليمان الشيباني عن حازم بن جبلة بن أبي نصرة عن أبيه عن جدّه عن أبي سعيد
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٩: ١٢٧ - ١٣١.
الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبي بكر وعمر: والله إنِّي لأحبّكما بحبّ الله إيّاكما، وإنّ الملائكة لتحبّكما بحبِّ الله لكما، أحبّ الله من أحبّكما وصل الله مَن وصلكما، قطع الله من قطعكما، وأبغض الله مَن أبغضكما في دنياكما وآخرتكما(١) .
رجال الاسناد:
١ - عبد الوهّاب الميداني. قال الذهبي نقلاً عن الكتاني: كان فيه تساهلٌ، واتّهم في لقي أبي علي بن هارون الأنصاري، ميزان الاعتدال ٢: ١٦٠.
٢ - محمّد بن عبد الله. في الميزان ٣: ٨٥: نكرةٌ وحديثه [يعني هذا الحديث] منكرٌ بمرَّة.
٣ - محمّد بن بكار. نكرةٌ لا يُعرف، قال ابن حزم: انّه مجهولٌ. وقال الذهبي: صحيحٌ انّه مجهول. راجع ميزان الإعتدال ٣: ٣١.
٤ - محمّد بن الوليد. احسبه ابن أبان القلانسي. كذّابٌ كان يضع الحديث ومن أباطيله ما مرّ في هذا الجزء في فضيلة أبي بكر.
٥ - داود بن سليمان. قال الذهبي: قال الأزدي ضعيفٌ جدّاً. الميزان ١: ٣١٨.
٦ - خازم بن جبلة هو ووالده وجدّه مجاهيل لا يعرفون.
٣٦ - أخرج الأزدي عن محمّد بن عمر الأنصاري عن كثير النواء عن زكريا مولى طلحة عن حسن بن المعتمر قال: سُئل عليٌّ عن أبي بكر وعمر فقال: إنّهما من الوفد السابقين إلى الله مع محمّد، ولقد سألهما موسى من ربّه فأعطاهما محمّداً(٢) .
قال الأميني: قال الذهبي في الميزان ٣: ١١٣: خبرٌ منكرٌ: ضعّفه الأزدي، أقول: في الاسناد كثير النواء قال ابو حاتم: ضعيف الحديث، بابه سعد(٣) بن طريف، و قال الجوزجاني: زائغٌ. وقال النسائي: ضعيفٌ. وقال في موضع آخر: فيه نظر. وقال
____________________
١ - لسان الميزان ٢: ٤١٨، ج ٥: ٢٢٩.
٢ - لسان الميزان ٥: ٣٢١.
٣ - سعد بن طريف مفرط فى التشيع ضعيف الحديث جداً، قال ابن حبان: كان يضع الحديث راجع تهذيب التهذيب ٣: ٤٧٣.
ابن عدي: كان غالياً في التشيّع مفرطاً فيه. وعن محمّد بن بشر العبدي: لم يمت كثير النواء حتّى رجع عن التشيع(١) .
وزكريا مولى طلحة وشيخه مجهولان لا يعرفان، هذا ما في الإسناد من العلل و ليس في رجاله ثقة ولا واحد، ومتن الرواية أقوى شاهد على بطلانها.
٣٧ - أخرج أحمد في المسند ١: ١٩٣ باسناده عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف انّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، و عليٌّ في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرَّحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن أبي وقاص في الجنّة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة ابن الجراح في الجنّة.
وبهذا الإسناد أخرجه الترمذي في صحيحه ١٣: ١٨٢، ١٨٣ وعن عبد الرّحمن بن حميد عن أبيه عن رسول الله نحوه. والبغوي في المصابيح ٢: ٢٧٧.
وأخرج ابو داود في سننه ٢: ٢٦٤ من طريق عبد الله بن ظالم المازني قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو قال: لمـّا قدم فلان الكوفة أقام فلان خطيباً فأخذ بيدي سعيد بن زيد فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم؟ فأشهد على التسعة انّهم في الجنّة ( فعدّهم ) قلت: ومَن العاشر؟ فتلكأ هنيئة ثمّ قال: أنا.
وأخرج من طريق عبد الرَّحمن الاخينس انّه كان في المسجد فذكر رجلٌ عليّاًعليهالسلام فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّي سمعته وهو يقول: عشرة في الجنّة: النبيّ في الجنّة، وأبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير بن العوام في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنّة، وعبد الرَّحمن بن عوف في الجنّة، ولو شئت لسمّيت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ فسكت قال: فقالوا: مَن هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد، وبهذا الإسناد أخرجه الترمذي في جامعه ١٣: ١٨٣، ١٨٦، وابن الديبع في تيسير الوصول ٣: ٢٦٠، وذكره بالطريقين المحبُّ الطبري في الرياض النضرة ١: ٢٠.
قال الأميني: نحن لا نرى في هذه الرواية أهميّة كبرى تدعم للعشرة المبشّرة منقبة
____________________
١ - ميزان الاعتدال ٢: ٣٥٢، لسان الميزان ٥: ٣٢١، تهذيب التهذيب ٨: ٤١١.
رابية تخصُّ بهم دون المؤمنين بعد ما جاء من البشائر الصادقة في الكتاب العزيز لكلّ من آمن بالله وعملاً صالحاً وانّه في الجنَّة.
وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصّالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
البقرة ٢٥
إنّ الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة. التوبة ١١١
إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات واخبتوا إلى ربّهم فاؤلئك أصحاب الجنّة.
هود ٢٣
إنّ الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جنات تجري من تحتها الأنهار.
الحّج ١٤
إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم جنّات المأوى. السجدة ١٩
ومن يعمل من الصّالحات من ذكر أو انثى وهو مؤمنٌ فاؤلئك يدخلون الجنّة.
النساء ١٢٤
ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاؤلئك يدخلون الجنّة.
غافر ٤٠
ومَن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار. الفتح ١٧
ومَن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار.
الطلاق ١١
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار. التوبة ٧٢
وما أكثر من يدخل الجنّة من امّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد صحّ عن الصّادع الكريم: انّ عليّاً وشيعته هم في الجنّة، وبشّرصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك عليّاًعليهالسلام (١) وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: آتاني جبريل فقال: بشّر امّتك انّه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنّة، قلت: يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر(٢) .
____________________
١ - الغدير ٣: ٧٨، ٧٩ ط ٢.
٢ - أخرجه أحمد والترمذى والنسائي وابن حبان عن أبى ذر.
وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ابشروا وبشّروا من وراءكم: انّه من شهد أن لا إله إلّا الله صادقاً بها دخل الجنّة(١) .
وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : والذي نفسي بيده لتدخلنّ الجنّة كلّكم إلّا من أبى أو شرد على الله شراد البعير. قيل: يا رسول الله! ومن أبى أن يدخل الجنّة؟ فقال: من أطاعني دخل الجنّة ومن عصاني دخل النار(٢)
وصحّ عن جابر انَّه سمع النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنّي لأرجو أن يكون من تبعني من امّتي ربع أهل الجنّة قال: فكبّرناً ثم قال: أرجو أن يكونوا ثلث الناس. قال: فكبّرنا ثمّ قال: أرجو أن يكونوا الشطر(٣) .
وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ ربّي وعدني أن يدخل الجنّة من امّتي سبعين ألفاً بغير حساب ثمَّ يشفع كلّ الف لسبعين ألفاً(٤) إلى صحاح كثيرة لدة هذه.
فهؤلاء العشرة المبشَّرة إن كانوا مؤمنين حقّاً آخذين بحجزة الكتاب والسنّة فهم من آحاد أهل الجنّة لا محالة كبقيّة من أسلم وجهه لِلّه وهو محسن.
وهنالك اُناس من الصحابة غير هؤلاء العشرة خصّوا بالبشارة بالجنّة وبشّروا بلسان النبيّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم منهم عمار بن ياسر وقد جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن جبرئيلعليهالسلام قوله: بشّره بالجنّة حرمت النار على عمّار. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : دم عمّار ولحمه حرام على النار تأكله أو تمسّه.
وصحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: ابشروا آل ياسر موعدكم الجنّة. وصحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ الجنّة مشتاق إلى أربعة: علي بن أبي طالب، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد.
وفي رواية: اشتاقت الجنّة إلى ثلاثة الى علي وعمّار وبلال. ( الغدير٩)
وجاء في زيد بن صوحان عدّة أحاديث في انّه من أهل الجنّة. ( الغدير ٩: ٤١ )
وصحّ من طريق مسلم في عبد الله بن سلام انّه من أهل الجنّة. ( صحيح مسلم ٧: ١٦٠ ).
____________________
١ - أخرجه احمد والطبرانى من طريق أبى موسى الاشعرى.
٢ - أخرجه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح كما فى مجمع الزوايد ١٠: ٧٠.
٣ - أخرجه أحمد والبزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح وكذلك احد اسنادى احمد ( مجمع الزوايد ١٠: ٤٠٣).
٤ - راجع مجمع الزوايد ١٠: ٤٠٥ - ٤١١.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ: كأنَّ بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وانَّ عليه لأباريق مثل عدد نجوم السّماء وانّي وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنّة اخواناً على سُرر متقابلين، أنت معي وشيعتك في الجنّة. ( مجمع الزوائد ٩: ١٧٣ ).
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلّي: أنا أوّل اربعة يدخلون الجنّة: أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن ايماننا وعن شمائلنا. ( مجمع الزوائد ٩: ١٧٤ ).
وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة. متّفقٌ على صحّته.
وجاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحسن والحسين جدّهما في الجنّة، وابوهما في الجنّة، و امّهما في الجنّة، وعمُّهما في الجنّة، وعمَّتهما في الجنّة، وخالاتهما في الجنّة، وهما في الجنّة، ومن احبّهما في الجنّة، أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط.
وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انّ جعفر بن أبي طالب في الجنّة له جناحان يطير بهما حيث شاء. مجمع الزوائد ٩ ص ٢٧٢.
وصحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عمرو بن ثابت الاصيرم: انّه لمن أهل الجنّة. المجمع ٩: ٣٦٣.
وروي عنه من قوله لعبد الله بن مسعود: ابشر بالجنّة. أخرجه الطبراني في - الأوسط والكبير.
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا سابق العرب إلى الجنّة، وصهيب سابق الروم إلى الجنَّة، وبلال سابق الحبشة إلى الجنّة، وسلمان سابق الفرس إلى الجنّة. أخرجه الطبراني وحسّنه الهيثمي.
وبشّرصلىاللهعليهوآلهوسلم عمرو بن الجموح انَّه يمشي برجليه صحيحة في الجنّة وكانت رجله عرجاء. أخرجه أحمد ورجاله ثقات.
وبشّرصلىاللهعليهوآلهوسلم ثابت بن قيس بانّه يعيش حميداً، ويقتل شهيداً، ويدخله الله الجنّة. المجمع ٩ ص ٣٢٢.
فما هذا المكاء والتصدية، والتصعيد والتصويب حول رواية العشرة المبشرة وجعلها عنوان كلّ كرامة لاولئك الرجال واختصاصها بالعناية والحاقها بأسماء العشرة عند ذكرهم، وقصر البشارة بالجنّة على ذلك الرحط فحسب، والصفح عمّا ثبت في غيرهم من -
الذين آمنوا وكانوا يتَّقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم؟! فلماذا حصر التبشير بالعشرة؟ وعدّ القول به من الاعتقاد اللازم كما ذكره أحمد امام الحنابلة في كتاب له إلى مسدد بن مسرهد قال: وأن نشهد للعشرة انّهم في الجنّة ابو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرّحمن وابو عبيدة فمن شهد له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالجنّة شهدنا له بالجنّة، ولا تتأتَّى أن تقول: فلان في الجنّة وفلان في النار إلّا العشرة الذين شهد لهم النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالجنّة [جلاء العينين ١١٨] لماذا هذه كلّها؟ لعلّك تدري لِماذا، ونحن لا يفوتنا عرفان ذلك.
ولنا حقُّ النظر في الرِّواية من ناحيتي الاسناد والمتن.
أمّا الاسناد فانّه كما ترى ينتهي إلى عبد الرَّحمن بن عوف وسعيد بن زيد ولا يرويها غيرهما، وطريق عبد الرحمن ينحصر بعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبد الرَّحمن بن عوف تارة وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اخرى، وهذا اسناد باطل لا يتمّ نظراً إلى وفاة حميد بن عبد الرحمن فإنَّه لم يكن صحابيّا وإنّما هو تابعيٌّ لم يدرك عبد الرَّحمن بن عوف لأنّه توفيّ سنة ١٠٥(١) عن ٧٣ عاماً فهو وليد سنة ٣٢ عام وفاة عبد الرَّحمن بن عوف أو بعده بسنة، ولذلك يرى ابن حجر رواية حميد عن عمر وعثمان منقطعة قطعاً(٢) وعثمان قد توفّي بعد عبد الرَّحمن بن عوف. فالإسناد هذا لا يصحّ.
فيبقى طريق الرواية قصراً على سعيد بن زيد الذي عدّ نفسه من العشرة المبشّرة، وقد رواها في الكوفة إيّام معاوية كما مرّ النصّ على ذلك في صدر الحديث، ولم تُسمع هي منه إلى ذلك الدور المفعم بالهنابث ولا رويت عنه قبل ذلك، فهلّا مسائلٌ هذا الصحابيّ عن سرّ إرجاء روايته هذه إلى عصر معاوية وعدم ذكره إيّاها في تلكم السنين المتطاولة عهد الخلفاء الراشدين وكانوا هم وبقيّة الصحابة في أشدّ الحاجة إلى مثل هذه الرواية لتدعيم الحجّة وحقن الدّماء وحفظ الحرمات في تلكم الأيّام الخالية المظلمة بالشقاق والخلاف، فكأنّها اوحيت إلى سعيد بن زيد فحسب يوم تسنّم معاوية عَرش الملك العضوض.
____________________
١ - كما اختاره احمد، والفلاس، والحربى، وابن أبى عاصم، وابن خياط، وابن سفيان، وابن معين.
٢ - تهذيب التهذيب ٣: ٤٦.
وفي ظنِّي الأكبر انّ سعيد بن زيد لمـّا كان لا يتحمّل من مناوئي عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام الوقيعة فيه والتحامل عليه، ويجابه بذلك مَن كان ولّاه معاوية على الكوفة، وكان قد تقاعس عن بيعة يزيد عندما استخلفه أبوه، وأجاب مروان في ذلك بكلمة قارصة(١) أخذته الخيفة على نفسه من بوادر معاوية فاتّخذ باختلاقه هذه الرواية ترساً يقيه عن الإتّهام بحبّ عليعليهالسلام ، وكان المتّهم بتلك النزعة يوم ذاك يعاقب بألوان العذاب ويسجن وينكل به ويقتّل تقتيلا، فأرضي خليفة الوقت باتحاف الجنّة لمخالفي عليعليهالسلام والمتقاعسين عن بيعته والخارجين عليه، وجعل رؤسائهم في صفّ واحد لا يشاركهم غيرهم كأنّ الجنَّة خلقت لهم فحسب، ولم يذكر معهم أحداً من موالي عليّ وشيعته وفيهم مَن فيهم من سادات أهل الجنّة كسلمان وأبي ذر وعمّار والمقداد، فنال بذلك رضى الخليفة وكان يُعطى لكلّ باطل مزيّف قناطير مقنطرة من الذهب والفضّة. ولولا الصارم المسلول في البين وكان هو الحاكم الفصل يوم ذاك لما كان يخفى على أيّ سعيد وشقي انّ متن الرواية يأبى عن قبولها، وانّ عليّاً قطّ لا يجتمع في الجنّة مع مَن خالفه وناوئه وآذاه والضدّان لا يجتمعان، وسيرة عليعليهالسلام غير سيرة اولئك الرحط، وقد تنازل عن الخلافة يوم الشورى حذراً عن اتّباع سيرة الشيخين لمـّا اشترط عليه في البيعة وأنكره بملأ فمه، وبعدهما وقع ما وقع بينه وبين عثمان، وما ساءه قتله ولم يشهد بأنّه قتل مظلوماً، وصحّت عنه خطبته الشقشقيّة، ونادى في الملأ: ألا أنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردودٌ في بيت المال(٢) وبعده حاربه الناكثان وقاتلاه وقتلا دون مناوئته، فكيف تجمعهم وعليّاً الجنّة؟ أنا لا أدري. أيطمع كلُّ امرئ منهم أن يدخل جنّة نعيم؟ كلّا.
نظرة فى المتن
ولنا في متن الرواية نظرات وتأمّلات يزحزحنا عن الإخبات إلى صحّتها.
هل عبد الرّحمن بن عوف المعزوّ إليه الرواية وهو أحد العشرة المبشّرة كان يعتقد بها ويصدّقها ومع ذلك سلّ سيفه على عليّ يوم الشورى قائلاً: بايع وإلّا تقتل. وقال
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٦: ١٢٨.
٢ - راجع الجزء الثامن والتاسع من الغدير فيهما تفصيل ما أوعزنا إليه ههنا.
لعليّعليهالسلام بعد ما تمخَّضت البلاد على عثمان: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انّه قد خالف ما أعطاني. وآلى على نفسه أن لا يكلّم عثمان في حياته أبداً. واستعاذ بالله من بيعته. وأوصى أن لا يصلّي عليه عثمان. ومات وهو مهاجرٌ إيّاه. وكان عثمان يقذفه بالنفاق ويعدّه منافقاً(١) فهل تلائم هذه كلّها مع صحّة تلك الرواية وإذعان الرجلين بها؟.
وهل أبو بكر وعمر المبشّران بالجنّة هما اللذان ماتت الصدّيقة بضعة المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي وجدى عليهما؟ وهل هما اللّذان قالت لهما: إنِّي اشهد الله وملائكته انّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيَّ لأشكونَّكما إليه. وهَل هما اللّذان تقول اُمُّ السبطين فيهما شاكية نادبة باكية بأعلى صوتها: يا أبتَ! يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. وهَل هما اللّذان نهبا تراث العترة وحقَّ فيهما قول أمير المؤمنينعليهالسلام : صبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا. وهَل أبو بكر هو الذي أوصت فاطمة سلام الله عليها أن لا يصلّي عليها، وأن لا يحضر جنازتها، فلم يحضرها هو وصاحبه. وهَل هو الذي قالت له كريمة النبيّ الأقدس الطاهرة المطهَّرة لأدعونّ عليك في كلِّ صلاة اُصلّيها. وهل هو الذي كشف عن بيت فاطمة وآذى رسول الله فيها(٢) والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم. وهَل وهَل إلى أن ينقطع النفس
وهَل كان عمر يصدِّق هذه الرواية وكان عنده إلمامٌ بها وهو يناشد مع ذلك حذيفة اليماني العالم بأسماء المنافقين ويسأله عن أنّه هَل هو منهم؟ وهَل سمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في زمرتهم؟(٣)
وهلّا كان على يقين من هذه البشارة يوم نهى عن التكنّي بأبي عيسى أيّام خلافته وقال له المغيرة: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كنّاه بها فقال: إنّ النبيَّ غفر له وإنّا لا ندري ما يُفعل بنا وغيَّر كنيته وكنّاه أبا عبد الله(٤) فكيف كان لم يدر ما يُفعل به بعد تلكم البشارة إن صدقت؟
____________________
١ - راجع الجزء التاسع ص ٨٧ ط ١، و ٩٠ ط ٢.
٢ - مر تفصيل هذه كلها فى الجزء السابع.
٣ - الغدير ٦: ٢٤١ ط ٢.
٤ - راجع الغدير ٦: ٣٠٨ ط ٢.
وهلاّ كان هو الذي قاد عليّاً كالجمل المخشوش إلى بيعة أبي بكر وهو يقول: بايع وإلّا تُقتل؟ وهلاً كان هو الذي أنكر اُخوّة عليّ مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم ذاك، وهي ثابتة له بالسنّة الصحيحة المتسالم عليها؟ كما أنّه أنكر من السنّة شيئاً كثيراً نبى عن الحصر.
وهلّا كان هو الذي أوصى بقتل مَن خالف البيعة يوم الشورى؟ وهو جدُّ عليم بأنّ المخالف الوحيد لذلك الإنتخاب المزيّف هو عليُّ أمير المؤمنين « دع هذا » أو أحدٌ غيره من العشرة المبشَّرة؟ ومَن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاءه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً.
وهَل كان عثمان يخبت إلى صحّة هذه الرّواية ويذعن بها وهو يقول بعدُ لمغيرة ابن شعبة لمـّا كلّفه أن يغادر المدينة إلى مكّة حينما حوصر به: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يلحد بمكّة رجل من قريش عليه نصف عذاب هذه الاٌمَّة فلن أكون ذلك الرَّجل؟(١) وكيف كان لم ير عليّاً أفضل من مروان؟ ومروان ملعونٌ بلسان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليُّعليهالسلام هو المبشَّر بالجنّة. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنّة أصحاب الجنّة هم الفائزون.
وهَل طلحة والزبير هما اللّذان قتلا عثمان وألَّبا عليه وكانا كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام أهون سيرهما فيه الوجيف، وأرفق حدائهما العنيف، فأجلبا عليه وضيّقا خناقه، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، وكانا أوّل مَن طعن وآخر مَن أمر حتّى أراقا دمه(٢) وهل هما اللّذان عرّفهما الإمام مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام بقوله: كلُّ منهما يرجو الأمر له ويعطف عليه دون صاحبه، لا يمتّان إلى الله بحبل، ولا يمدّان إليه بسبب، كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه، وعمّا قليل يكشف قناعه به؟. إلى آخر ما مرّ في هذا الجزء ص ٥٨.
وهَل هما اللّذان خرجا على إمام الوقت المفروضة عليهما طاعته، ونكثا بيعته، وأسعرا عليه نار البغي، وقاتلاه وقُتلا وهما أبيَن مصداق لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن
____________________
١ - راجع الغدير ٩: ١٥٢، ١٥٣ ط ٢.
٢ - راجع الغدير ٩: ١٠٣ - ١١٠ ط ٢.
مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة؟.
وهَل هما اللّذان قادا جيوش النكث على قتال سيّد العترة، وأخرجا حبيسة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من عقر دارها، وترؤسا الناكثين الذين حثّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً والعدول من صحابته على قتالهم، وحضّهم على منابذتهم؟ أفمن آذن نبيّ العظمة بحربه وقتاله ورآه من واجب الإسلام يعدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعدُ من أهل الجنّة؟ إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتَّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ.
وهَل الزبير هذا هو الذي صحّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله له: تحارب عليّاً و أنت ظالم؟ فهل المحارب عليّاً وهو ظالمٌ إيّاه مثواه الجنَّة؟ ورسول الله يقول: أنا حربٌ لمن حاربه، وسلمٌ لمن سالمه كما جاء في الصحيح الثابت. فما جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلّا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدِّ العذاب، وما الله بغافل عمّا تعملون.
وهَل الزبير هو الذي قال فيه عمر: مَن يعذرني من أصحاب محمّد لولا أنّي أمسك لفم هذا الشغب لأهلك اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
وقال له عمر يوم طعن: أمّا أنت يا زبير! فوعق لقس مؤمن الرّضا، كافر الغضب، يوماً إنسان، ويوماً شيطان، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير، أفَرأيت إن أفضت إليك فليت شعري مَن يكون للناس يوم تكون شيطاناً؟ ومَن يكون يوم تغضب؟ أما وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الاُمّة وأنت على هذه الصفة(٢) .
وقال له أيضاً: أمّا أنت يا زبير فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة، وما زلت جلفاً جافياً(٣) .
____________________
١ - راجع الغدير ٩: ٣٦٦.
٢ - شرح ابن أبى الحديد ١: ٦٢.
٣ - شرح ابن أبى الحديد ٣: ١٧٠.
وهَل طلحة هذا هو الذي قتل عثمان، وحال بينه وبين الماء، ومنعه عن أن يُدفن في جبانة المسلمين، وقتله مروان أخذاً بثار عثمان، وهما بعدُ من العشرة المبشّرة؟ غفرانك اللّهمّ وإليك المصير.
وهَل طلحة هذا هو الذي أقام عليُّ أمير المؤمنينعليهالسلام عليه الحجّة يوم الجمل باستنشاده إيّاه حديث الولاية [من كنت مولاه فعليُّ مولاه] فاعتذر بما اعتذر من نسيانه الحديث، لكنّه لم يرتدع بعدُ عن غيِّه بمناصرة أمير المؤمنين مع بيعته إيّاه، ولا فوّض الحقّ إلى أهله حتّى أتى عليه سهم مروان فجرّعته منيّته وهو الخارج على إمام وقته! أفهل ترى الإمام والخارج عليه كلاًّ منهما في الجنّة؟
وهل طلحة هذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى:( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ) ؟ (الأحزاب ٥٣) نزلت الآية الشريفة لمـّا قال طلحة: أيحجبنا محمّد عن بنات عمّنا، ويتزوّج نساءنا من بعدنا؟ فإن حدث به حدَث لنزوّجن نساءه من بعده. وقال: إن مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لتزوّجت عائشة وهي بنت عمّي فبلغ ذلك رسول الله فتأذّى به فنزلت.
أقبل عليه عمر يوم طعن وقال له: أقول أم أسكت؟ قال: قل فإنّك لا تقول من الخير شيئاً. قال: أما إنّي أعرفك منذ اُصيبت إصبعك يوم اُحد والبا بالذي حدث لك، ولقد ماتَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم نزلتْ آية الحجاب.
قال أبو عثمان الجاحظ: إنّ طلحة لمـّا انزلت آية الحجاب قال بمحضر ممّن نقل عنه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما الذي يغنيه حجابهنّ اليوم فسيموت غداً فننكحهنّ. قال أبو عثمان: لو قال لعمر قائلٌ: أنت قلت: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مات وهو راض عن الستّة فكيف تقول الآن لطلحة: إنّه ماتعليهالسلام ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه، ولكن مَن الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا؟(١)
راجع تفسير القرطبي ١٤: ٢٢٨، فيض القدير ٤. ٢٩٠، تفسير ابن كثير ٣: ٥٠٦، تفسير البغوي ٥: ٢٢٥، تفسير الخازن ٥: ٢٢٥، تفسير الالوسى ٢٢: ٧٤.
____________________
١ - شرح ابن أبى الحديد ١: ٦٢، ج ٣: ١٧٠.
وهَل سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشَّرة كان مذعناً بالرواية وصدقها وهو القائل لمـّا سُئل عن عثمان ومَن قتله ومَن تولّىِ كبره: إنِّي اُخبرك أنّه قُتل بسيف سلّته عائشة وصقَّله طلحة وسمّه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه؟ فهل هذه كلّها تجتمع مع التصديق بتلك الرواية؟ سبحان الذي جمع في جنّته الظالم والمظلوم، والقاتل والمقتول، والخليفة والخارجين عليه، إن هي إلّا اختلاق.
وهل تصدّق في سعد هذه الرواية وهو المتخلّف عن بيعة إمام وقته والمتقاعس عن نصرته بعد ما تمّت بيعته وأجمعت عليها الاُمّة وأصفقت عليها البدريّون والمهاجرون والأنصار، وحقّت كلمة العذاب على من نزعها من ربقته؟ أفهل نزل في سعد كتاب من الله أخرجه عن محكمات الإسلام وبشَّر له بالجنّة؟.
وهل يترآى لك من ثنايا التاريخ وراء صحائف أعمال أبي عبيدة الجرّاح (حفار القبور بالمدينة) ما يأهِّله لهذه البشارة؟ ويدعم له ما يستحقّ به للذكر من الفضيلة غير ما قام به يوم السقيفة من دحضه ولاية الله الكبرى، وتركاضه وراء الإنتخاب الدستوري واقتحامه في تلكم البوائق التي عمّ شومها الإسلام، وهدَّت قوائم الوئام والسَّلام، وجرّت الويلات على اُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى اليوم، وهتكت حرمة المصطفى في ظلم ابنته بضعة لحمه وفلذة كبده، واضطهاد خليفته، واهتضام أخيه علم الهدى؟ فكأنّها كانت كلّها قربات فأوجبت لابن الجراح الجنّة. أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصّالحات سواء محياهم ومماتهم؟ ساء مايحكمون.
نبأ يصكّ المسامع
وجاء بعد لأي مَن عمر الدهر مَن لم ير في الرواية فضيلة رابية تخصّ العشرة نظراً إلى أنّ البشارة بالجنّة كما سمعت تعمّ المؤمنين جمعاء ولا تنحصر بقوم منهم دون آخرين، ووجد فيها مع ذلك نقصاً من ناحية خلوّها عن ذكر عائشة امّ المؤمنين فصبّها في قالب يروقه وصوّر لها صورة مكبّرة تخصُّ باُولئك العشرة ولا يشاركهم فيها أحد، وأسند إلى أبي ذر الغفاري انّه قال: دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منزل عائشة فقال: يا عائشة!
_٨_
ألا اُبشِّرك؟ قالت: بلى يا رسول الله! قال: أبوك في الجنّة ورفيقه إبراهيم. وعمر في الجنّة ورفيقه نوح. وعثمان في الجنّة ورفيقه أنا. وعليُّ في الجنّة ورفيقه يحيى بن زكريّا. وطلحة في الجنّة ورفيقه داود. والزبير في الجنّة ورفيقه إسماعيل وسعد بن أبي وقاص في الجنّة ورفيقه سليمان بن داود. وسعيد بن زيد في الجنّة ورفيقه موسى بن عمران. وعبد الرّحمن بن عوف في الجنّة ورفيقه عيسى بن مريم. وأبو عبيدة بن الجراح في الجنّة ورفيقه إدريسعليهالسلام . ثمّ قال: يا عائشة أنا سيّد المرسلين وأبوك أفضل الصدِّيقين وأنت اُمّ المؤمنين(١) .
ليت لهذه الرواية إسناداً معنعناً حتّى نعرف واضعها ومختلقها على النبيّ الأقدس، وليت مفتعلها يدري بأنّ الرفاقة بين اثنين تستدعي مشكالتهما في الخصال، وتقتضيها الوحدة الجامعة من النفسيّات والملكات، فهل يسع لأيِّ إنسان أن يقارن بين اولئك الأنبياء المعصومين وبين تسعة رحط كانوا في المدينة في شيىء ممّا يوجب الرفاقة؟ وهل لبشر أن يفهم سرَّ هذا التقسيم في كلِّ نبيّ معصوم مع رفيقه الذي لا عصمة له؟ ولعمر الحقِّ انّ هذا الإنتخاب والإختيار في الرفاقة يضاهي الإنتخاب في أصل الخلافة الذي كان لا عن جدارة وتأمّل. ما عشت أراك الدهر عجباً.
لِماذا لم يكن عبد الله بن مسعود الذي صحّ عند القوم في الثناء عليه: انّه كان أشبه الناس هدياً ودلّاً وسمتاً بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (٢) رفيق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويرافقه عثمان؟
ولِماذا لم يرافق عيسى بن مريم أبو ذر الثابت فيه: انّه أشبه الناس بعيسى بن مريم هدياً وبرًّا وزهداً ونسكاً وصدقاً وجدّاً وخَلقاً وخُلقاً(٣) ويرافقه عبد الرَّحمن بن عوف؟
ولِماذا رافق رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عثمان بن عفان ولا مشاكلة بينهما خَلقاً وخُلقاً وأصلا ومحتّداً وسيرةً وسريرة، ولم يتّخذصلىاللهعليهوآلهوسلم جعفر بن أبي طالب رفيقاً له وقد جاء عنه قوله له: يا حبيبي! أشبه الناس بخلقي وخلقي، وخلقت من الطينة التي خلقت منها،
____________________
١ - الرياض النضرة ١: ٢٠ وقال: أخرجه الملا فى سيرته.
٢ - راجع « الغدير » ٩: ٩ ط ١.
٣ - الغدير ٨: ٣٢٩، ٣٢١ ط ١.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أمّا أنت يا جعفر؟ فأشبه خَلقك خَلقي، وأشبه خُلقك خُلقي، وأنت منّي وشجرتي؟(١)
ولماذا اختار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لرفاقته عثمان ولم يرافق أبا بكر وقد صحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند القوم: لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر. وجاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم - في مكذوبة - انّه كان يدعو ويقول: اللّهمّ انّك جعلت أبا بكر رفيقي في الغار فاجعله رفيقي في الجنّة؟(٢)
ولِماذا لم يكن عثمان رفيق إبراهيم، وقد جاء في مناقبه - المكذوبة - انّه شبيه إبراهيم كما مرّ في ج ٩ ص ٣٤٨.
ولِماذا لم يكن عمر رفيق موسى، وعثمان رفيق هارون، وعليّ بن أبي طالب رفيق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذاً بما مرّ من مكذوبة أنس مرفوعاً: ما من نبيّ إلّا وله نظير في اُمّتي، فأبو بكر نظير إبراهيم، وعمر نظير موسى، وعثمان نظير هارون، وعليّ بن أبي طالب نظيري؟(٣)
نعم: عزب عن مفتعل الرواية ما جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: يا عليّ أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنّة، وهذه الرفاقة والصحبة والاخوّة تقتضيها البرهنة الصادقة وتعاضدها المجانسة بين نبيِّ العظمة وصنوه الطاهر في كلِّ خُلّة ومأثرة، وهي التي جمعتهما في آية التطهير، وجعلتهما نفساً واحدة في الذكر الحكيم، وقارنت بين ولايتيهما في محكم القرآن، وكلّ تلكم الموضوعات نعرات الإحن ونفثات الأضغان اختلقت تجاه هذه المرفوعة في فضل مولانا سيّد العترة أمير المؤمنينعليهالسلام .
وهلمّ معي نسائل أبا ذر المنتهي إليه إسناد الرّواية وعائشة المخاطبة بها هل كانا على ثقة وتصديق بها، وانّها صدرت من مصدر الوحي الإلهي الذي لا ينطق عن الهوى أم لا؟ ولئن سألتهما فعلي الخبيرين سقطت، وأبو ذر هو الذي ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق منه، وإذا أنت قرأت حديث ما جرى بين عثمان وأبي ذر لوجدت سيّد غِفار في جانب جُنب عن هذه الرواية، ولمـّا يحكم عقلك بأن يكون هو راويها
____________________
١ - مجمع الزوايد ٩: ٢٧٢، ٢٧٥.
٢ - الغدير ٩: ٢٩٤ ط ١.
٣ - راجع ما مر فى هذا الجزء ص ٧٥.
ونداء أبي ذرّ في الملأ الديني وقد تنغّر على عثمان بعدُ يرنّ في اُذن الدنيا، وقوارص لمزه وهمزه إيّاه بعدُ تلوكه الأشداق في أندية الرِّجال، وكلمه المأثورة الخالدة في صفحات التاريخ تضادّ ما عزي إليه من الرّواية، وكلّ خطابه وعتابه إيّاه يُعرب عن أنّ أبا ذر قطّ لم يُؤمن بما اختلق عليه ولم يك يسمعه من الصّادع الكريم، وكان يحدّث الناس غير مكترث لبوادر عثمان ما كان سمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: إذا كملت بنو اُميَّة ثلاثين رجلاً اتّخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا. كان يحدّث عثمان بذلك وعثمان يكذِّبه(١) ومن كذَّبه فقد كذَّب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولم يكن أبو ذر شاذّاً عن الصّحابة في رأيه السيِّئ ونقمته على عثمان، بل نبأ المتجمهرين عليه من المهاجرين والأنصار والناقمين عليه من الحواضر الإسلاميَّة، و المجتمعين على وئده المحتجّين عليه بالكتاب العزيز يعطينا خُبراً بأنّ الرواية لا تصحّ عندهم، ولا يصدّقها رجلُ صِدق منهم.
وهل نسيتها اُمّ المؤمنين المخاطبة بها، أو تغاضت عنها يوم كانت تنادي في ملأ من الصحابة: اقتلوا نعثلاً قتله الله؟ ويوم قالت لمروان: وددت والله انّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رِجل كلّ واحد منكما رحاً وانّكما في البحر. ويوم قالت: وددتُ والله انّه في غِرارةٍ من غرائري هذه وانّي طوّقت حمله حتى ألقيه في البحر ويوم قالت لابن عباس: إنّ الله قد آتاك عقلاً وفهماً وبياناً فإيّاك أن تردّ الناس عن هذه الطاغية. ويوم أخرجت ثوب رسول الله وهي تقول: هذا ثوب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يبل وعثمان قد أبلى سنّته. ويوم قالت لمـّا بلغها نعيه: أبعده الله ذلك بما قدّمت يداه وما الله بظلّام للعبيد. ويوم قالت: بُعداً لنعثل وسحقاً(٢)
أيخبرك ضميرك الحرّ بأنّ صاحبة تلكم المواقف الهائلة كانت تصدّق تلك الرواية وتؤمن بها وترى نعثلاً رفيق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الجنّة؟ فاستعذ بالله من أن تكون من الجاهلين.
٣٨ - قال محمّد بن آدم: رأيت بمكّة اُسقفا(٣) يطوف بالكعبة فقلت له: ما الذي
____________________
١ - راجع الغدير ج ٩: ٧٨ - ٨٦.
٢ - نصف المصدر السابق
٣ - الاسقف والاسقفّ: فوق القسيس ودون المطران والكلمة يونانية ج أساقفة وأساقف.
نزعك عن دين آبائك؟ قال: تبادلت خيراً منه. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: ركبت البحر فلمّا توسّطناه انكسرت المركب فلم تزل الأمواج تدفعني حتى رمتني في جزيرة من جزائر البحر فيها أشجار كثيرة ولها ثمرٌ أحلى من الشهد وألين من الزبد، وفيها نهرٌ عذبٌ، فحمدت الله على ذلك وقلت: آكل من هذا الثمر وأشرب من هذا النهر حتى يقضي الله بأمره، فلمّا ذهب النهار خفت على نفسي من الوحش فطلعت على شجرة ونمت على غصن من أغصانها، فلمَّا كان في جوف الليل وإذا بدابَّة على وجه الأرض تسبِّح الله وتقول: لا إله إلّا الله العزيز الجبَّار، محمّد رسول الله النبيّ المختار، ابو بكر الصدِّيق صاحبه في الغار، عمر الفاروق فاتح الأمصار، عثمان القتيل في الدار، عليٌّ سيف الله على الكفار، فعلى مبغضهم لعنة الله العزيز الجبّار، ومأواه النار، وبئس القرار. ولم تزل تكرّر هذه الكلمات إلى الفجر فلمّا طلع الفجر قالت: لا إله إلّا الله الصادق الوعد والوعيد، محمّد رسول الله الهادي الرشيد، أبو بكر ذو الرأي السديد. عمر بن الخطاب سورٌ من حديد، عثمان الفضيل الشهيد، عليُّ بن أبي طالب ذو البأس الشديد، فعلى مبغضهم لعنة الربِّ المجيد. ثمّ اقبلت إلى البرّ فإذا رأسها رأس نعامة، ووجها وجه إنسان وقوائمها قوائم بعير، وذنبها ذنب سمكة، فخشيت على نفسي الهلكة فهربت فنطقت بلسان فصيح فقالت: يا هذا قف وإلّا تهلك. فوقفت فقالت: ما دينك؟ فقلت: دين النصرانيّة.
فقالت: ويلك ارجع إلى ابن الحنفيّة فقد حللت بفناء قوم من مسلمي الجنّ لا ينجو منهم إلّا من كان مسلماً، فقلت: وكيف الإسلام؟ قالت: تشهد أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمّداً رسول الله، فقلتها، فقالت: اتمّ اسلامك بالترحّم على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم. فقلت: ومَن أتاكم بذلك؟ قالت: قومٌ منَّا حضروا عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سمعوه يقول: إذا كان يوم القيامة تأتي الجنّة فتنادي بلسان طلق فصيح: إلهي قد وعدتني أن تشيّد أركاني. فيقول الجليل جلّ جلاله: قد شيّدت أي رفعت اركانك بأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وزيّنتك بالحسن والحسين. ثمّ قالت الدّابة: أتريد أن تقعد هاهنا أم الرجوع إلى أهلك؟ فقلت: الرجوع إلى أهلي. فقالت: اصبر حتّى تمرُّ بك مركب فبينما نحن كذلك وإذا بمركب أقبلت تجري فأومأت إليها فرفعوا إليَّ زورقاً فركبت فيه ثمّ جئت إليهم فوجدت المركب فيها اثنا عشر رجلاً كلّهم نصارى
فقالوا: ما الذي جاء بك إلى ها هنا؟ فقصصت عليهم قصَّتي فعجبوا عن آخرهم وأسلموا جميعاً. مصباح الظلام للسيِّد محمّد الجراداني ٢: ٣٠.
قال الأميني: ابن آدم راوي هذه الاغلوطة لا يعرفه الحفّاظ رجال الجرح والتعديل في أولاد آدم، وإنّما عرَّفوه بالجهالة، ولا أحسب انّ آدم أبا البشر أيضاً يعرف ابنه هذا، ولا تدري الاُمّهات أيّ ابن بيّ هو، والاُسقف صاحب القصّة وابن آدم هما صنوان في الجهالة لا يعرفهما آدميُّ.
ونحن إن صدَّقنا متن الرّواية، وذهبنا إلى ما ذهب إليه مسلم الجنِّ وأخبر به ولعنّا مبغضي الخلفاء الأربعة، ورأينا مأواهم النّار، فإلى من وجّهنا القوارص عندئذ؟ وأين تقع من سبابنا امّة كبيرة من الصحابة العدول أو عدول الصحابة الذين كان بينهم وبين ايّ من هؤلاء الأربعة عداء محتدم وبغضاء لاهبة؟ أنا هنا في مشكلة لا تنحلّ لي.
وعجبي من رعونة اولئك الرحط من النّصاري الذين قبلوا من الاُسقف دعواه المجرّدة وأذعنوا بها وصدَّقوه فيما جاء به عن وادي الجنّ، وما كانوا مصدّقين نبأ الرسول الأمين عن إله السّماوات المحفوفة دعوته بألف من الدلائل والبيّنات، والمتلوَّة بأنباء الكهنة والأساقفة والهتافات الكثيرة التي سجّلها التاريخ، كأنَّهم سحرهم سجع دابة الجنّ الموزون في ورد ليله وسحره ووجدوه آية الحقِّ وشاهد الدعوى.
٣٩ - قال القرطبي في تفسيره ٢٠: ١٨٠: قال اُبيّ بن كعب: قرأت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والعصر ثمَّ قلت: ما تفسيرها يا نبيّ الله؟ قال: « والعصر » قسمٌ من الله أقسم ربّكم بآخر النهار « إنّ الإنسان لفي خُسر » أبو جهل « إلّا الذين آمنوا » أبو بكر « وعملوا الصالحات » عمر « و تواصوا بالحقِّ » عثمان « و تواصوا بالصبر » عليّ رضي الله عنهم أجمعين. وهكذا خطب ابن عبّاس على المنبر موقوفاً عليه.
وذكره المحبّ الطبري في رياضه النضرة ١: ٣٤، والشربيني في تفسيره ٤: ٥٦١.
قال الأميني: أيسوغ التقوُّل على الله وعلى رسوله وتحريف الكلم عن مواضعه بمثل هذه المهزأة المرسلة؟ وهل ينبغي لمؤلِّف في التفسير أو الحديث أن يسوِّد بها صحيفته أو صحيفة تأليفه؟ وهل لنا في مثل المقام أن نطالبه بالسند ونناقش فيه بالإرسال؟ وهلّا ما في متن الرواية ما يغنينا عن البحث عن رجال الإسناد إن كان له اسناد؟ وهل
يوجد في صحائف أعمال اولئك الرجال وسيرتهم الثابتة، وفيما حفظه التاريخ الصحيح لهم ما يصدّق هذا التلفيق؟ نعم: نحن على يقين من أنَّ الباحث يجد في غضون أجزاء كتابنا هذا شواهد كثيرة تتأتَّى له بها حصحصة الحقّ. وهل يصدِّق ذو مسكة أن يخطب بمثل هذه الأفيكة ابن عبَّاس حبر الاُمّة؟ ويدنِّس بها ساحة قدس صاحب الرّسالة الخاتمة؟.
على أنَّ المأثور عن ابن عبّاس من طريق ابن مردويه في قوله تعالى:( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) انّه قال: ذكر عليّاً وسلمان(١) ويؤيِّده قوله الوارد في قوله تعالى:( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) . قال: نزلت في عليّ يوم بدر، فالذين اجترحوا السيِّئات: عتبة وشيبة والوليد، والذين آمنوا وعملوا الصّالحات عليعليهالسلام (٢) . ومرَّ في الجزء الثاني ص ٥٢ ط ١ من طريق ابن عباس قوله: لمـّا نزلت:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . قالصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ: هو أنت وشيعتك.
فرواية اُبيّ بن كعب اُختلقت تجاه هذه الأخبار التي تساعدها العقل والمنطق والإعتبار.
ولصراحة الكذب في فصول هذه السفسطة لم يذكرها أحدٌ من المفسِّرين غير القرطبي والشربيني وهي بين أيديهم، ولعلّ ابن حجر يوعز إلى بطلانها في فتح الباري ٨: ٣٩٢ بقوله: تنبيهٌ، لم أر في تفسير هذه السورة حديثاً مرفوعاً صحيحاً.
على أنَّ الظاهر من سياق السورة أنّ الجُمل التالية للذين آمنوا أوصافٌ لهم لا انّها إعرابٌ عن اُناس آخرين غير مَن هو المراد من الجملة الاُولى.
٤٠ - أخرج الواحدي في أسباب النزول ص ٢٠٧ عن عبد الرَّحمن بن حمدان العدل قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدَّثني محمّد بن سليمان بن خالد الفحَّام قال: حدَّثنا عليّ بن هاشم عن كثير النواء قال: قلت لأبي جعفر: إنَّ فلاناً حدَّثني عن عليِّ بن الحسين رضي الله عنهما: انَّ هذه الآية نزلت
____________________
١ - الدر المنثور ٦: ٣٩٢ ومرّ فى ج ٢: ٥٣.
٢ - تذكرة السبط ص ١١، ومرّ فى ج ٢: ٥١.
في أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم: ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخواناً على سرر متقابلين: قال: والله انّها لفيهم نزلت، وفيهم(١) نزلت الآية، قلت: وأيّ غلّ هو؟ قال غلّ الجاهليَّة، إنَّ بني تيم وبني عدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهليَّة فلمّا أسلم هؤلاء القوم وأجابوا أخذت أبا بكر الخاصرة فجعل عليٌّ رضي الله عنه يسخن يده فيضمخ(٢) بها خاصرة أبي بكر فنزلت هذه الآية.
قال الأميني: لا تُدعم أيُّ مأثرة بمثل هذا الإسناد المركّب من مجهول كعبد الرَّحمن العدل ومحمّد الفّحام، وممّن خرف في آخر عمره(٣) حتى كان لا يعرف شيئاً ممّا يُقرأ عليه كما قاله أبو الحسن بن الفرات(٤) وحكى الخطيب البغدادي في تاريخه ٤: ٤ عن أبي عبد الله أحمد بن أحمد القصري قال: قدمت أنا وأخي من القصر إلى بغداد وأبو بكر [أحمد بن جعفر] بن مالك القطيعي حيٌّ وكان مقصودنا درس الفقه والفرايض، فأردنا السماع من ابن مالك فقال لنا ابن اللبان الفرضي: لا تذهبوا اليه فانَّه قد ضعف واختلّ، ومنعت ابني السماع منه، قال: فلم نذهب إليه. وذكره ابن حجر في اللسان ١: ١٤٥، وقال في ج ٢: ٢٣٧: انّه شيخٌ ليس بمتقن.
ومن شيعيّ غالٍ(٥) وصفه بذلك الجوزجاني وابن حبّان، ولعلّ الدارقطني ضعَّفه لذلك، وذكره ابن حبّان في الضعفاء وإن ذكره في الثقات ايضاً.
وبعد هؤلاء كثير النواء الذي عرّفناكه قُبيل هذا صحيفة ١١٧، وانَّه ضعيفٌ زائغٌ منكر الحديث، بابه باب سعد بن طريف الذي كان يضع الحديث وكان شيعيّاً مفرطاً ضعيفاً جدّاً عند القوم.
وفي تأويل قوله تعالى:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ) . الآية أحاديث تافهة عندهم أعجب من رواية الواحدي منها:
قال الصفوري في نزهة المجالس ٢: ٢١٧، قال ابن عبّاس رضي الله عنهما في قوله
____________________
١ - كذا فى اسباب النزول. وفى الدر المنثور: وفيمن تنزل إلا فيهم؟.
٢ - فى الدر المنثور: فيكوى.
٣ - هو أحمد بن جعفر بن مالك أبو بكر القطيعى.
٤ - ميزان الاعتدال ١: ٤١.
٥ - هو على بن هاشم.
تعالى: ونزعنا ما في صدورهم من غلّ: أي من حقد وعداوة، إذا كان يوم القيامة تنصب كراسي من ياقوت أحمر فيجلس أبو بكر على كرسيّ، وعمر على كرسيّ، وعثمان على كرسيّ، ثمَّ يأمر الله الكراسي فتطير بهم إلى تحت العرش، فتسبل عليهم خيمة من ياقوتة بيضاء، ثمَّ يؤتى بأربع كاسات فأبو بكر يسقي عمر، وعمر يسقي عثمان، وعثمان يسقي عليّاً، وعليٌّ يسقي أبا بكر، ثمَّ يأمر الله جهنَّم أن تتمخَّض بأمواجها فتقذف الروافض على ساحلها فيكشف الله عن أبصارهم فينظرون إلى منازل أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيقولون: هؤلاء الذين أسعدهم الله، وفي رواية: فيقولون: هؤلاء الذين سعد الناس بمتابعتهم وشقينا نحن بمخالفتهم، ثمّ يردّون إلى جهنَّم بحسرة وندامة.
( ومنها )
من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ قال: نزلت في عشرة: أبو بكر. وعمر: وعثمان. وعليّ. وطلحة. والزبير. وسعد. و سعيد. وعبد الرَّحمن بن عوف. وعبد الله بن مسعود.
ومن طريق النعمان بن بشير عن عليّ: ونزعنا ما في صدورهم من غلّ. قال: ذاك عثمان وطلحة والزبير وأنا.
هكذا يحرِّفون الكلم عن مواضعه، وهل من مسائل رواة هذه السفاسف عن الغلّ الذي نزع من صدور اولئك المذكورين متى نزع؟ وإلى أين ذهب؟ وهذا الحديث والتاريخ يعلماننا انَّ الغلّ المنتزع منهم بعد اسلامهم لم يزل مستقرّاً بينهم منذ يوم وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما وقع هناك من حوار وشجار، إلى الحوادث الواقعة حول واقعة الدار، إلى المحتشد الدامي يوم الجمل، أو ليست هذه كلها منبعثة عن غلّ محتدم، ووغر في الصدور، وسخيمة في القلوب، وبِغضة مستثيرة؟ أوَ ليس منها أن يستبيح الإنسان دم صاحبه و هتك حُرماته والوقيعة في عرضه؟ فهل مع هذه كلّها صحيحٌ انّه نُزع ما في صدورهم من غلّ؟
والآيات المحرَّفة من هذا القبيل كثيرةٌ جدّاً لو تجمع يأتي منها كتاب ضخم غير أنّا لا يروقنا البحث عنها فانّه إطالةٌ من غير جدوى فهي بأنفسها وما فيها من تهافت و تفاهة كافية في إبطالها، وما عساني أن أقول في مثل ما رووه في قوله تعالى:( وَحَمَلْنَاهُ
عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) : إنَّ نوحاًعليهالسلام لمـّا عمل السفينة جاءه جبريلعليهالسلام بأربعة مسامر مكتوب على كلِّ مسمار عين: عين عبد الله وهو أبو بكر. وعين عمر، وعين عثمان، وعين علي، رضي الله عنهم فجرت السفينة ببركتهم(١)
وللقوم في تحريف الكتاب معارك دامية منها وقعة سنة ٣١٧ ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي، وبين طائفة اخرى من العامّة أيضاً، اختلفوا في تفسير قوله تعالى:( عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) . فقالت الحنابلة يجلسه معه على الإتحاد. وقال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى. فاقتتلوا بذلك وقتل بينهم قتلى « تاريخ ابن كثير ١١: ١٦٢ »
فخذ ما ذكرناه مقياساً لمئات خرافة من أمثاله تقوّلها على الله ألسنة الغلاة في الفضائل، واتّخذوا آيات الله هزوا، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ، وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
منتهى المقال
هذه نماذج من أفائك الوضّاعين في الفضائل حسبتها الأغرار حقائق فسوَّدوا بها صحائف من التفسير والحديث والتاريخ، وموَّهوا بها على الحقايق الراهنة وفككوا بها عرى الإسلام، وشتّتوا شمل الاُمّة وفرّقوا صفوفها، وكذّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلّ أمر مستقرّ، أردنا بسردها أن نعطيك مقياساً لما حاولوه من المغالاة نكتفي بها عن غيرها، وهناك مئات من أمثالها ضربنا الصَّفح عنها تنزّهاً عن نبش المخاريق ونشر المخازي، والباحث يجد شواهد صادقة على دعوانا في غضون ( الرياض النضرة ) عُلبة السفاسف والخرافات، و « الصواعق المحرقة » عيبة الأفائك والأكاذيب، و « السيرة الحلبيّة » المشحونة بالموضوعات، و « نزهة المجالس » موسوعة الترَّهات والصحاصح، و « مصباح الظلام » ديوان كلّ حديث مفترى ورواية مفتعلة، إلى تآليف جمّة من القديم والحديث، فويلٌ لهم ممّا كسبت أيديهم وويلُ لهم ممّا يكتبون، فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون، و ليُسألنَّ يوم القيامة عمّا كانوا يفترون، والله يعلم أنّهم لكاذبون.
____________________
١ - نزهة المجالس ٢: ٢١٤ نقلا عن شوارد الملح.
المغالاة فى فضائل معاوية
ابن أبي سفيان
كنّا نرتأي أنّ معاوية في غني عن إفاضة القول في مخاريقه لما عرفته الاُمّة من نفسيّته الموبوئة، وأعماله الوبيلة، وجرائمه الموبقة الجمّة، ورذائله الكثيرة، ونسبه الموصوم، وأصله اللئيم، ومحتده الدنيّ، وانّ من يضع فيه المدائح تندى جبهته عن سردها لمثله، غير أنّا وجدنا الأمل قد أكدى، والظنَّ قد أخفق، وانّ القحَّة والصلف لم يدعا لاُولئك الوضّاعين حدّاً يقفون عليه، فحاولنا أن نذكر يسيراً من معرفاته لايقاف الباحث على حقيقة الحال فيما عزوه إليه من الثناء، غير مكترثين لهلجة ابن كثير والهتاف الذي سمعه بعض السلف على جبل بالشام [ولعلّ الهاتف هو الشيطان] من أبغض معاوية سحبته الزبانية إلى جهنّم الحامية يرمى به في الحامية الهاوية.
ولا مبالين بطيف خيال ركن إليه ابن كثير أيضاً قال: قال بعضهم: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ ومعاوية إذ جاء رجلٌ فقال عمر: يا رسول الله! هذا يتنقَّصنا فكأنّه انتهره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله! إنِّي لا اتنقَّص هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال: ويلك أوَ ليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثاً، ثمّ أخذ رسول الله حربة فناولها معاوية فقال: جابهه في لبَّته. فضربه بها وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرّجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي.
ولا معتدين برأي سعيد بن المسيّب: من مات محبّاً لأبي بكر وعمر وعثمان و وعلي وشهد للعشرة بالجنَّة وترحّم على معاوية كان حقّاً على الله أن لا يناقشه الحساب(١)
ولا بأضغاث أحلام جاءت عن عمر بن عبد العزيز وفيها قول معاوية: غفر لي وربّ الكعبة. مرّ حديثها في الجزء التاسع ص ٣٤٧.
ولا معبأين بقول أحمد: ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية.
فلا نقيم أيَّ وزن لأمثال هذه السفاسف من آراء مجرّدة، أو ركون إلى خيال،
____________________
١ - تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٩، ١٤٠.
أو احتجاج بهاتف مجهول، أو جَنوح إلى طيف حالم تجاه ما يؤثر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الرّجل، وما جاء فيه من الكلم القيّمة للسلف الصالح الناظرين إلى أعماله من كثب العارفين بعُجره وبُجره، الواقفين على اعلانه واسراره، الناقدين لمخازيه، المتبصِّرين في أمره، الخبيرين بنواياه في جاهليته وإسلامه، وإليك نبذة منها:
١ - عن عليّ بن الأقمر عن عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله من فجّ فنظر إلى أبي سفيان وهو راكب، ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق، فلمّا نظر إليهم رسول الله قال: أللّهمَّ العن القائد والسائق والراكب. قلنا: أنت سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: نعم، وإلّا فصمَّتا اُذناي كما عميتا عيناي(١) .
وفي تاريخ الطبري ١١: ٣٥٧: قد رأىصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا سفيان مقبلاً على حمار ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه يسوق به قال: لعن الله القائد والراكب والسائق.
وإلى هذا الحديث أشار الإمام السبط فيما يخاطب به معاوية بقوله: انشدك الله يا معاوية! أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أللهمَّ العن الراكب والقائد والسائق؟(٢) .
وإليه أشار محمّد بن أبي بكر في كتاب كتبه إلى معاوية بقوله: وأنت اللّعين ابن اللّعين. وسيوافيك الكتاب إنشاء الله تعالى.
٢ - عن البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أللّهم العن التابع والمتبوع، أللّهمَّ عليك بالاُقيعس، فقال ابن البراء لأبيه: من الاُقيعس؟ قال: معاوية(٣) .
ومعاوية فظاظةٌ من لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيثما لعن آكل الربا والخمر وشاربها وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه. والرجل أعرف شخصيَّة بهذه المخازي كما سيوافيك حديثه.
٣ - أخرج أحمد في المسند ٤: ٤٢١، وأبو يعلى، ونصر بن مزاحم في كتاب صفّين
____________________
١ - كتاب صفين ط مصر ص ٢٤٧.
٢ - سيوافيك تمام كلام ابى محمد السبط عليه السلام فى هذا البحث.
٣ - كتاب صفين ط مصر ص ٢٤٤.
ص ٢٤٦ ط مصر من طريق أبي برزة الأسلمي، والطبراني في الكبير من طريق ابن عباس: كنّا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سفر فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الآخر. وهو يقول:
لا يزال حواري تلوح عظامه |
زوى الحرب عنه أن يجنّ فيقبرا |
وفي لفظ ابن عباس:
ولا يزال جوادي تلوح عظامه |
..................... |
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم انظروا مَن هما. قال: فقالوا: معاوية وعمرو بن العاصي، فرفع رسول الله يديه فقال: أللّهمَّ اركسهما ركسا، ودعَّهما إلى النّار دعّا. وفي لفظ ابن عباس: أللّهمَّ اركسهما في الفتنة ركسا.
وجاء الايعاز إلى الحديث في لسان العرب ج ٧: ٤٠٤، و ج ٩: ٤٣٩.
قال الأميني: لمـَّا لم يجد القوم غمزاً في إسناد هذا الحديث، وكان ذلك غزبزاً على مَن يتولّى معاوية فحذف أحمد الإسمين وجعل مكانهما ( فلان وفلان ) واختلق آخرون تجاهه ما أخرجه ابن قانع في معجمه عن محمّد بن عبدوس كامل، عن عبد الله بن عمر، عن سعيد أبي العباس التيمي، عن سيف بن عمر عن أبي عمر مولى إبراهيم بن طلحة عن زيد بن أسلم عن صالح شقران قال: بينما نحن ليلة في سفر إذ سمع النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم صوتاً فذهبت انظر فإذا معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن التابوت يقول:
لا يزال جوادي تلوح عظامه |
ذوى الحرب عنه أن يموت فيقبرا |
فأتيت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبرته فقال. أللّهمَّ اركسهما ودعّهما إلى نار جهنم دعّا فمات عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم من السفر.
قال السيوطي في اللئالي المصنوعة ١: ٤٢٧: وهذه الرواية أزالت الإشكال وبيَّنت أنَّ الوهم وقع في الحديث الأوّل في لفظة واحدة وهي قوله: ابن العاصي، وإنّما هو ابن رفاعة أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين، والله أعلم.
ألا مَن يُسائل هذا الضليع من فنِّ الحديث المتعهد لتنقيبه عن الإشكال في الحديث الأوّل من أين أتاه؟ وما الذي ثقل عليه من لفظه حتى ذهب إلى الوهم فيه؟ أفي مفاده شذوذٌ عن نواميس الشريعة، أو فيه ما يخالف الكتاب والسنّة؟ أو حطٌّ عن مقام رجل
ينزَّه ذيله عن كلّ ما يُدنّس المسلم الصحيح ويشينه ويزري به؟ أو مسٌ بكرامة مَن قدَّس الإسلام ساحته عن كلّ طعن ومسبَّة؟ هذا ابن هند، وهو ابن النابغة، وهما هما.
وهل نسي هاهنا ما عنده من الجرح في رجال هذا الإسناد الوعر لروايته التي أزالت عنه الإشكال الموهوم، وبيّنت الوهم المزعوم الواقع في الحديث، وسكت عمّا فيه من الغمز؟ مرسلاً إيّاه ارسال المسلّم كأنّه جاء بالصحيح الثابت، وفيه مع رجال مجاهيل سيف بن عمر الذي قال السيوطي نفسه في اللئالي ١: ١٩٩ في غير هذا الحديث: انّه وضّاع. وقال في ص ٤٢٩ في حديث آخر: فيه ضعفاء أشدّهم سيف. وقد فصّلنا القول في ترجمة الرجل في ٨: ٨٦، و ٣٣٥: انّه ضعيفٌ متروكٌ ساقطٌ كذّابٌ وصَّاعٌ متهّمٌ بالزندقة. أفبالموضوع المكذوب يزول الإشكال ويبيّن الوهم؟ أللّهمَّ غفرانك.
٤ - انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: يطلع من هذا الفجِّ رجلٌ من اُمّتي يحشر على غير ملّتي. فطلع معاوية(١) .
وفي لفظ ابن مزاحم: يطلع عليكم من هذا الفجِّ رجلٌ يموت حين يموت على غير سنّتي. كتاب صفين ص ٢٤٧.
أخرجه الحافظ البلاذري في الجزء الأوّل من تاريخه الكبير قال: حدّثني عبد الله بن صالح، حدّثني يحيى بن آدم عن شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت جالساً عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يطلع عليكم من هذا الفجِّ رجلٌ يموت يوم يموت على غير ملّتي. قال: وتركت أبي يلبس ثيابه فخشيت أن يطلع فطلع معاوية.
وقال: وحدّثني إسحاق قال: حدّثنا عبد الرزّاق بن همام، أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت جالساً. الخ.
الاسناد
قال العلاّمة السيِّد محمّد المكي بن عزوز المغربي: الحديث الأوّل رجاله كلّهم من رجال الصحيح حتّى ليث فمن رجال مسلم وهو ابن أبي سليم وإن تكلّم فيه لاختلاط
____________________
١ - تاريخ الطبرى ١١: ٣٥٧.
وقع له في آخر أمره، فقد وثقه ابن معين وغيره كما أفاده الشوكاني، على أنَّ التوّهم يرتفع بالسند الثّاني الذي هو حدَّثني إسحاق. الخ. لأنّ الرواي فيه عن طاووس عبد الله ابنه لا ليث، والسند متينٌ ولِلّه الحمد(١) .
٥ - وفي الحديث المرفوع المشهور انّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنَّ معاوية في تابوت من نار في أسفَل درك منها ينادي: يا حنّان يا منّان الآن وقَد عَصيتُ قبلُ وكنتَ مِن المفسدينِ(٢) .
٦ - عن أبي ذر الغفاري قال لمعاوية: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول وقد مررتَ به: أللهمَّ العنه ولا تشبعه إلَّا بالتراب(٣) .
٧ - عن أبي ذر الغفاري قال لمعاوية: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إست معاوية في النار. فضحك معاوية وأمر بحبسه. راجع تمام الحديث في الجزء الثامن ص ٣١٢ ط ١.
٨ - مرفوعاً: إذا ولي الاُمّة الاعين ( كذا ) الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع فليأخذ الاُمّة حذرها منه. قال أبو ذر: اخبرني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه معاوية.
وفي لفظ: لا يذهب أمر هذه الاُمّة إلّا على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم. راجع ٣١٢ من الجزء الثامن ط ١.
٩ - أخرج نصر بن مزاحم في كتاب صفّين، وابن عدي، والعقيلي، والخطيب، والمناوي من طريق أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود مرفوعاً: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.
وفي لفظ: يخطب على منبري فاقتلوه.
وفي لفظ: يخطب على منبري فاضربوا عنقه.
وفي لفظ أبي سعيد: فلم نفعل ولم نفلح.
وقال الحسن: فما فعلوا ولا أفلحوا(٤) .
____________________
١ - العتب الجميل ص ٨٦.
٢ - تاريخ الطبرى ١١: ٣٥٧، كتاب صفين ص ٢٤٣ واللفظ للاول.
٣ - راجع ما اسلفناه فى الجزء الثامن ص ٣١٢ ط ١.
٤ - كتاب صفين ٢٤٣، ٢٤٨ ط مصر، تاريخ الطبرى ١١: ٣٥٧، تاريخ الخطيب ١٢، ١٨١، شرح ابن ابى الحديد ١: ٣٤٨، كنوز الدقائق للمناوى ص ١٠، اللئالى المصنوعة ١: ٤٢٤ ٤٢٥، تهذيب التهذيب ٢: ٤٢٨.
قال الأميني ذكره السيوطي في اللّئالي المصنوعة ١: ٤٢٤، ٤٢٥ بعَّدة طرق لابن عدي والعقيلي وزيّفها، غير أنَّ البلاذري أخرجه بغير تلكم الطرق في تاريخه الكبير قال: حدّثنا يوسف بن موسى وأبو موسى إسحاق الفروي قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد والأعمش عن الحسن قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.
فتركوا أمره فلم يفلحوا ولم ينجحوا.
رجال الاسناد:
١ - يوسف بن موسى أبو يعقوب الكوفي. من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحاحهم، وثَّقه غير واحد.
٢ - جرير بن عبد الحميد أبو عبد الله الرازي، من رجال الصحاح الستِّ، مجمعٌ على ثقته.
٣ - إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي الكوفي، أحد رجال الصحاح الستّ متفقٌ على ثقته.
٤ - الأعمش سليمان بن مهران أبو محمّد الكوفي، أحد رجال الصحاح الستِّ ليس في المحدّثين أصدق منه.
٥ - الحسن البصري، أحد رجال الصِّحاح مجمعٌ على ثقته.
فلم يبق في الحديث غمزٌ إلّا من ناحية إرساله وهو لا يعدُّ علّة في مثل المقام إذ لا يهمّ القوم عرفان الصحابة الراوي للحديث لعدالة الصحابة كلّهم عندهم. فالحديث صحيح لا مغمز فيه وإرساله يجبر باسناد متّصل قال البلاذري:
حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثنا حجّاج بن محمّد، حدَّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري انَّ رجلاً من الأنصار أراد قتل معاوية فقلنا له: لا تسل السيف في عهد عمر حتى نكتب إليه قال: إنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه. قالوا: ونحن سمعناه ولكن لا نفعل حتى نكتب إلى عمر فكتبوا إليه فلم يأتهم جوابٌ حتى مات.
رجال الاسناد:
١ - إسحاق بن أبي إسرائيل أبو يعقوب المروزي، من رجال البخاري في الأدب
المفرد وأبي داود والنسائي، وثَّقه ابن معين، والدارقطني، والبغوي، وأحمد بن حنبل.
٢ - حجّاج بن محمّد المصيصي أبو محمّد الأعور، أحد رجال الصحيحين وبقيّة الصحاح.
٣ - حمّاد بن سلمة أبو سلمة البصري، من رجال مسلم في صحيحه، والبخاري في التعاليق وبقيّة أصحاب السنن، أجمع أئمّة أهل النقل على ثقته وأمانته.
٤ - عليُّ بن زيد بن جدعان أبو الحسن البصري، من رواة مسلم في صحيحه، والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن، شيعيُّ ثقةٌ صدوق.
٥ - أبو نضرة المنذر بن مالك العبدي البصري، من رجال صحيح مسلم، والتعاليق للبخاري، وبقيّة السنن، وثّقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن سعد، وأحمد ابن حنبل.
٦ - أبو سعيد الخدري الصحابيّ الشهير.
وبهذا الطريق ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧: ٣٢٤ فقال: وأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده عن إسحاق عن عبد الرزّاق عن ابن عيينة، عن عليّ بن زيد، والمحفوظ عن عبد الرزّاق عن جعفر بن سليمان عن عليّ، ولكن لفظ ابن عيينة: فارجموه. أورده ابن عدي عن الحسن بن سفيان.
وطريق الحسن بن سفيان هذا أيضاً صحيحٌ رجاله كلهم ثقات، وبهذا الإسناد أخرجه ابن عدي كما في ميزان الإعتدال ٢ ص ١٢٨ قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا ابن راهويه. قال: حدَّثنا عبد الرزّاق عن ابن عيينة، عن عليّ بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعاً: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.
قال: وحدّثنا، محمّد بن سعيد بن معاوية بنصيبين حدَّثنا سليمان بن أيّوب الصريفيني حدّثنا ابن عيينة.
وثناه محمّد بن العباس الدمشقي عن عمّار بن رجاء عن ابن المديني عن سفيان ( ابن عيينة ).
وثناه محمّد بن إبراهيم الاصبهاني، حدَّثنا أحمد بن الفرات، حدَّثنا عبد الرزّاق، عن جعفر بن سليمان عن ابن جدعان نحوه.
_٩_
اسناد آخر:
وأخرجه ابن حبّان من طريق عباد بن يعقوب، عن شريك، عن عاصم، عن زر عن عبد الله مرفوعاً: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. تهذيب التهذيب ٥: ١١٠.
رجال الاسناد:
١ - عباد بن يعقوب الأسدي أبو سعيد الكوفي، من رجال البخاري والترمذي و ابن ماجة، وثّقه ابن خزيمة، وأبو حاتم، وقال الدارقطني: شيعيٌّ صدوق.
٢ - شريك النخعي الكوفي، من رجال مسلم في صحيحه، والبخاري في التعاليق وأصحاب السنن الأربع، وثَّقه ابن معين، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وابن سعيد، وأبو داود، والحربي.
٣ - عاصم بن بهدلة الأسدي الكوفي أبو بكر المقري، من رجال الصحاح الستّ متّفقٌ على ثقته.
٤ - زر بن حبيش الكوفي، مخضرمٌ أدرك الجاهليّة، من رجال الصحاح الستّ.
٥ - عبد الله بن مسعود الصحابي العظيم.
فالإسناد صحيحٌ رجاله كلّهم ثقات. فللحديث طرقٌ أربعة صحيحة لا غمز فيها غير أنَّ ابن كثير حبَّبته أمانته أن لا يذكر من طرق الحديث إلّا الضعيف كما أنَّ السيوطي راقه أن لا ينضّد في سلك لئالئه الّا المزيّف ساكتاً عن الأسانيد الصحيحة حفظاً لكرامة ابن هند.
وهذا الحديث معتضدٌ بحديث صحيح ثابت متسالم عليه ألا وهو قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء أحدٌ ينازعه فاضربوا عنق الآخر(١)
وللقوم تجاه حديث « إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه » تصويبٌ وتصعيدٌ و جلبةٌ ولغطٌ، رواه اُناس بالموحَّدة مع زيادة، أخرجه الخطيب عن الحسن بن محمّد الخّلال
____________________
١ - مر تفصيل هذين الصحيحين فى هذا الجزء ص ٢٧، ٢٨.
عن يوسف بن أبي حفص الزاهد عن محمّد بن اسحاق الفقيه، عن أبي نضر الغازي عن الحسن بن كثير عن بكر بن أيمن القيسي عن عامر بن يحيي الصريمي، عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه، فإنّه أمين مأمونٌ.
قال الخطيب: لم أكتب هذا الحديث إلّا من هذا الوجه، ورجال إسناده ما بين محمّد بن إسحاق وأبي الزبير كلّهم مجهولون(١) . ونصَّ الذهبي في الميزان وابن حجر في لسانه في ترجمة الحسن بن كثير وبكر بن أيمن وعامر بن يحيى على أنّهم مجاهيل، والأقوال في أبي الزبير محمّد بن مسلم المكّي متضاربةٌ من ناحية الجرح والتوثيق، و صرّح بجهالة الإسناد ابن كثير في تاريخه ٨: ١٣٣.
وزيادة « فإنّه أمين مأمونٌ » أقوى شاهد على بطلان الرواية واختلاقها، وقد فصّلنا القول في أمانة الرَّجل ج ٥ ص ٢٦٤ و ج ٩: ٢٩٢.
وجاء آخر وهو جاهلٌ بتحريف مَن روى « فاقتلوه » بالموحَّدة. أو انّه لم يرقه ذلك التحريف فوضع رواية في أنّ معاوية غير معاوية بن أبي سفيان. أخرج الحافظ ابن عساكر عن محمّد بن ناصر الحافظ عن عبد القادر بن محمّد عن ابن إسحاق البرمكي، عن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: قال لي أبو بكر بن أبي داود لمـّا روى حديث إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه: هذا معاوية بن تابوت رأس المنافقين وكان حلف أن يبول ويتغوّط على منبره وليس هو معاوية بن أبي سفيان.
قال السيوطي في اللّئالي ١: ٤٢٥ بعد ذكر الرواية: قال المؤلّف: وهذا يحتاج إلى نقل، ومَن نقل هذا؟ قلت: قال ابن عساكر: هذا تأويلٌ بعيدٌ والله أعلم.
قال الأميني: هل عندك خبرٌ بتاريخ معاوية بن تابوت؟ وانّه أيّ ابن بيّ هو؟ ومتى ولدته اُمّ الدنيا؟ وأنّى وُلد؟ وأين وُلد؟ ومن رآه؟ ومَن سمع منه؟ ومَن الذي أوحى خبره إلى أبي بكر بن أبي داود؟ وهل هو أبرّ يمينه أو حنثها؟ وهل رآه
____________________
١ - كذا نجده فى المطبوع من تاريخ بغداد وحكاه عنه حرفيا ابن حجر فى لسان الميزان ٢ ص ٢٤٧، وفى اللئالى ١: ٤٢٦ نقلا عن التاريخ بلفظ: قال الخطيب: محمد بن اسحاق كثير الخطاء والمناكير، ومن فوقه الى ابى الزبير كلهم مجهولون به.
أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم على منبره وقتلوه؟ أو لم يُر حتّى اليوم، ولن يُرى قطُّ إلى آخر الأبد؟.
ونظير هذا التأويل قد جاء في حديث فاطمة بنت قيس قالت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ معاوية وأبا جهم خطباني فقال النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : معاوية صعلوك لا مال له. حكى الرافعي انّه ليس هو معاوية بن أبي سفيان الذي ولي الخلافة بل هو آخر. الإصابة ٣: ٤٩٨ نعم: هكذا أوّله الرافعي حبّاً لابن هند غير أنَّ النووي قال: وهذا غلطٌ صريح فقد وقع في صحيح مسلم في هذا الحديث: معاوية بن أبي سفيان.
قال الأميني: عرّفه مسلم بابن أبي سفيان في صحيحه ٤: ١٩٥، وأبو داود في السنن ١: ٣٥٩، والنسائي في سننه ٦: ٢٠٨، والطيالسي في مسنده ص ٢٢٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٧: ٤٧١.
فالتأويل بغير معاوية بن أبي سفيان غلطٌ صريحٌ كما قاله النووي.
ولابني كثير وحجر في تزييف حديث « فاقتلوه » خُطّةٌ اُخرى، قال ابن كثير في تاريخه ٨: ١٣٣، هذا الحديث كذبٌ بلا شكّ، ولو كان صحيحاً لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم.
وقال ابن حجر في تطهير الجنان(١) يلزم على فرض صحّته نقيصة سائر الصحابة إن بلغهم ذلك الحديث، أو نقيصة مَن بلغه منهم وكتمه، لأنَّ مثل هذا يجب تبليغه للامّة حتى يعملوا به، على أنّه لو كتمه لم يبلغ التابعين حتى نقلوه لمن بعدهم، وهكذا فلم يبق إلّا القسم الأوّل وهو أن يبلغهم فلا يعملون به، وهو لا يتصوّر شرعاً إذا لو جاز عليهم ذلك جاز عليهم كتم بعض القرآن أو رفض العمل به، وكلُّ ذلك محالٌ شرعاً، لا سيّما مع قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تركتكم على الواضحة البيضاء. الحديث.اهـ.
ما أحسن ظنُّ هؤلاء القوم بالصحابة؟ وما أجمله لو كان يساعده المنطق؟ لو لم يخالفه التاريخ الصحيح، أو الثّابت المسلّم من سيرة الصحابة، أو ما جاء عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم من أقواله التي تلقّتها الاُمّة بالقبول، ورواها أئمّة الحديث في الصحاح والمسانيد ممّا أسلفنا شطراً منه في الجزء الثالث ٢٦١، ٢٦٢ ط ١.
____________________
١ - هامش الصواعق المحرقة ص ٦٠.
وهل عمل الصحابة أو عيونهم بأمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قتل ذي الثديَّة بعد ما عرَّفه إيّاهم بشخصه، وأنبأهم بهواجسه المكفَّرة، واعترف الرجل بها؟ أو خالفوه وضيّعوا أمره ونبذوه وراء ظهورهم وهو بين ظهرانيّهم؟ راجع ما مرَّ في الجزء السَّابع ص ٢١٦ - ٢١٨ ط ١.
وهل عملوا بما صحّ وثبت عندهم من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما؟ أو قوله: من أراد أن يفرّق أمر هذه الاُمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان؟ أو قوله: فإن جاء آخر ينازعه - الإمام - فاضربوا عنق الاخر؟ إلى صحاح اخرى مرَّت جملة منها في هذا الجزء ص ٢٠.
١٠ جاء من طريق زيد بن أرقم وعبادة بن الصامت مرفوعاً: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرِّقوا بينهما فانّهما لن يجتمعا على خير(١) .
١١ - ورد مرفوعاً: يطلع عليكم من هذا الفجّ رجلٌ يموت حين يموت وهو على غير سنّتي.
فطلع معاوية. كتاب صفين لنصر بن مزاحم.
١٢ - من كتاب لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام إلى معاوية: أتاني كتابك كتاب امرئ ليس له بصرٌ يهديه، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضَّلال فاتَّبعه - إلى أن قال: - وأمّا شرفي في الإسلام وقرابتي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وموضعي من قريش فلعمري لو استطعتَ دفعه لدفعتَه.
وفي لفظ: فقد أتتني منك موعظةٌ موصلة، ورسالةٌ محبَّرة، نمّقّتها بضلالك، وأمضيتها بسوء رأيك، وكتاب امرئ ليس له بصرٌ يهديه، ولا قائدٌ يرشده، قد دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتّبعه، فهجر لاغطاً، وضلَّ خابطاً.
العقد الفريد ٢. ٢٣٣، الكامل للمبرد ١: ١٥٧، وفي ط ٢٢٥، كتاب صفين ص ٦٤ الامامة والسياسة ١: ٧٧، نهج البلاغة ٢: ٥، شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٥٢، ج ٣: ٣٠٢.
١٣ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرَّجل: فاقلع عمّا أنت عليه من الغيِّ والضَّلال على كبر سنِّك وفناء عمرك، فإنَّ حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يُصلح من جانب إلّا فسد من آخر، وقد أرديت جيلاً من الناس كثيراً، خدعتهم بغيِّك، وألقيتهم في موج
____________________
١ - راجع الجزء الثانى ص ١٢٧ ط ١.
بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات، فجاروا عن وجهتهم، ونكصوا على أعقابهم، وتولّوا على أدبارهم، وعوَّلوا على أحسابهم، إلّا مَن فاء من أهل البصائر، فانّهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك، إذ حملتهم على الصعب، وعدلت بهم عن القصد.
نهج البلاغة ٢: ٤١، شرح ابن أبي الحديد ٤: ٥٠.
١٤ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرجل: فإنّ ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشَبَه ممّا أتى به أهلك وقومك الّذين حملهم الكفر وتمنّى الأباطيل على حسد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى صرعوا مصارعهم حيث علمت، لم يمنعوا حريماً، ولم يدفعوا عظيماً، وأنا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم، والفالّ لحدِّهم، والقاتل لرؤسهم ورؤس الضلالة، والمتبع إن شاء الله خلفهم بسلفهم، فبئس الخلف خلف اتّبع سلفاً محلّه ومحطّه النار.
شرح ابن أبي الحديد ٤: ٥٠.
١٥ - من كتاب له سلام الله عليه إلى الرَّجل: أمّا بعد: فطالما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشّيطان الرَّجيم الحقّ أساطير الأوّلين، ونبذتموه وراء ظهوركم، وحاولتم إطفاء نور الله بأيديكم وأفواهكم، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون، ولعمري ليتمَّنَّ النور على كرهك، ولينفذنَّ العلم بصغارك، ولتجازينَّ بعملك، فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك، فكأنّك بباطلك وقد انقضى، وبعملك وقد هوى، ثمَّ تصير إلى لظى، لم يظلمك الله شيئاً، وما ربّك بظلّام للعبيد.
شرح ابن أبي الحديد ٤: ٥١، و ج ٣: ٤١١.
١٦ - من كتاب له صلوات الله عليه إلى الرجل: أمّا بعد: فإنّ مساويك مع علم الله تعالى فيك حالت بينك وبين أن يصلح لك أمرك، وأن يرعوي قلبك، يا بن صخر يا ابن اللّعين [وفي لفظ: يا بن الصخر اللّعين] زعمت أن يزن الجبال حلمك، ويفصل بين أهل الشكّ علمك، وأنت الجلف المنافق، الأغلف القلب، القليل العقل، الجبان الرَّذل.
شرح ابن أبي الحديد ٣: ٤١١، و ج ٤: ٥١.
١٧ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرَّجل: قد وصلني كتابك، فوجدتك ترمي غير غرضك
وتنشد غير ضالَّتك، وتخبط في عماية، وتتيه في ضلالة، وتعتصم بغير حجّة، وتلوذ بأضعف شبهة.
فسبحان الله ما أشدَّ لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتّبعة، مع تضييع الحقائق، واطّراح الوثائق التي هي لِلَّه تعالى طلبة، وعلى عباده حجّة.
نهج البلاغة ٢: ٤٤، شرح ابن أبي الحديد ٤: ٥٧.
١٨ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرّجل لمـّا دعاه إلى التحكيم: ثمَّ إنّك قد دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمت أنّك لستَ مِن أهل القرآن ولا حكمه تريد، والله المستعان.
كتاب صفين ص ٥٥٦، نهج البلاغة ٢: ٥٦، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٨٨.
١٩ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرجل: أمّا بعد: فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الاُمور، فلقد سلكت مدارج أسلافك بادِّعائك الأباطيل، واقتحامك غرور اللين والأكاذيب، من انتحالك ما قد علا عنك، وابتزازك لما قد احتزن دونك، فراراً من الحقِّ، وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك، ممّا قد وعاه سمعك، ومُلئ به صدرك، فماذا بعد الحقّ إلّا الضلال المبين.
نهج البلاغة ٢: ١٢٥.
٢٠ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرجل: متى كنتم يا معاوية! ساسةً للرعيّة؟ أو ولاة لأمر هذه الاُمّة بغير قدم حَسَن؟ ولا شرفٍ سابق(١) على قومكم، فشمِّر لما قد نزل بك، ولا تمكّن الشيطان من بغيته فيك، مع أنّي أعرف أنَّ الله ورسوله صادقان، فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء، وإلّا تفعل اعلمك ما أغفلك من نفسك، فإنّك مترفٌ قد أخذ منك الشيطان مأخذه، فجرى منك مجرى الدم في العروق.
كتاب صفّين ص ١٢٢، نهج البلاغة ٢: ١١، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٤١٢.
٢١ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرَّجل: فاتّق الله فيما لديك، وانظر في حقّه عليك، وراجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته، فإنَّ للطاعة أعلاماً واضحة، وسبلاً نيّرة، ومحجّة نهجةً، وغايةً مطلوبةً يردها الأكياس، ويخالفها الأنكاس، من نكّب عنها جار
____________________
١ - فى نهج البلاغة: باسق.
عن الحقّ، وخَبط في التيه، وغيَّر الله نعمته، وأحلّ به نِقمته، فنفسك نفسك، فقد بيَّن الله لك سبيلك، وحيث تناهت بك اُمورك فقد أجريت إلى غاية خسرٍ ومحلّة كفر وإنَّ نفسك قد أولجتك شرًّا، وأقحمتك غيّاً، وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك.
نهج البلاغة ٢: ٣٦، ٣٧.
٢٢ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرجل جواباً: أمّا بعد: فإنّا كنّا نحن وأنتم على ما ذكرتَ من الالفة والجماعة، ففرّق بيننا وبينكم أمس انّا آمنّا وكفرتم، واليوم إنّا استقمنا وفُتنتم، وما أسلم مسلمكم إلَّا كرها، وبعد أن كان أنف الإسلام كلّه لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حِرباً.
ومنه: وعندي السيف الذي أعضضته بجدِّك وخالك وأخيك في مقام واحد، و انّك والله ما علمتُ لأغلف القلب، المقارب(١) العقل، والأولى أن يقال لك: إنّك رقيت سلّماً أطلعك مطلع سوء عليك لآلك، لأنّك نشدت غير ضالّتك، ورعيت غير سائمتك، وطلبت أمراً لست من أهله ولا في معدنه، فما أبعد قولك من فعلك، وقريبٌ ما أشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمنّى الباطل على الجحود بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فصرعوا مصارعهم حيث علمت، لم يدفعوا عظيماً، ولم يمنعوا حريماً بوقع سيوف ما خلا منها الوغى، ولم تُماشها الهويني(٢) .
نهج البلاغة ٢: ١٢٤.
٢٣ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرّجل جواباً: وأمّا قولك: إنّا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل، فلعمري انّا بنو أب واحد، ولكن ليس اُميّة كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب. ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحقُّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلفٌ يتَّبع سلفاً هوى في نار جهنّم(٣)
____________________
١ - مقارب العقل: ناقصه ضعيفه.
٢ - أى لم ترافقها المساهلة.
٣ - راجع ج ٣: ٢٢٤.
قال ابن أبي الحديد في شرح ذيل هذا الكلام ج ٣: ٤٢٣: هل يُعاب المسلم بأنَّ سلفه كان كفّاراً؟ قلت: نعم إذا تبع آثار سلفه، واحتذى حذوهم، وأمير المؤمنينعليهالسلام ما عاب معاوية بأنَّ سلفه كفّارٌ فقط، بل بكونه متَّبعاً لهم.
٢٤ - من كتاب لهعليهالسلام إلى الرّجل: ما أنت والفاضل والمفضول؟ والسائس و المسوس؟ وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأوَّلين، وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حنّ قِدحٌ ليس منها، وطفق يحكم فيها مَن عليه الحكم لها، ألا تربعُ أيُّها الإنسان على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك؟ وتتأخّر حيث أخّرك القَدَر، فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك لذهّابٌ في التيه، روّاغٌ عن القصد.
نهج البلاغة ٢: ٣٠، صبح الأعشى ١: ٢٢٩، نهاية الأرب ٧: ٢٣٣.
٢٥ - من كتاب لهعليهالسلام إلى مخنف بن سليم: إنّا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله، واستأثروا بالفئ، وعطَّلوا الحدود، وأماتوا الحقَّ، وأظهروا في الأرض الفساد، واتَّخذوا الفاسقين وليحة من دون المؤمنين، فاذا وليُّ الله أعظمَ أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه، وإذا ظالمٌ ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه، فقد أصرّوا على الظلم، وأجمعوا على الخلاف، وقديماً صدّوا عن الحقِّ، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين.
شرح ابن أبي الحديد ١: ٢٨٢.
٢٦ - من كتاب لهعليهالسلام إلى عمرو بن العاصي: لا تجارين(١) معاوية في باطله، فإنَّ معاوية غمص(٢) الناس، وسفه الحقّ.
كتاب صفين ص ١٢٤، نهج البلاغة ٢: ٥٦، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٨٩، و ج ٤: ١١٤.
٢٧ - من كتاب لهعليهالسلام إلى عمرو بن العاصي: أمِّا بعد: فانّك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك
____________________
١ - فى شرح النهج: لا نشرك.
٢ - غمص الناس: احتقرهم ولم يرهم شيئاً.
لقلبه تبعاً كما قيل: وافق شنٌّ طبقه، فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك. راجع الجزء الثاني من كتابنا هذه ص ١١٨ وفيه قوله: فإن يمكن الله منك ومن ابن آكلة الأكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على رسول الله، وان تعجزا وتبقيا بعدي فالله حسبكما، وكفى بانتقامه انتقاماً، وبعقابه عقاباً.
٢٨ - من كتاب له صلوات الله عليه إلى محمّد بن أبي بكر وأهل مصر: إيّاكم ودعوة الكذّاب ابن هند، وتأمّلوا واعلموا أنّه لا سواء إمام الهدى، وإمام الرَّدى، ووصيُّ النبيِّ وعدوُّ النبيِّ، جعلنا الله وإيّاكم ممَّن يحبُّ ويرضى.
شرح ابن أبي ألحديد ٢: ٢٦، جمهرة الرسائل ١: ٥٤١.
٢٩ - من كتاب لهعليهالسلام إلى محمّد بن أبي بكر وقد بعث إليهعليهالسلام ما كتبه معاوية وعمرو إليه وسيوافيك نصّه: قد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابّين في عمل المعصية، والمتوافقين المرتشيين في الحكومة، المنكرين(١) في الدنيا، قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، فلا يضرّنك إرعادهما وإبراقهما.
تاريخ الطبري ٦، ٥٨، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٢.
٣٠ - من كتاب لهعليهالسلام إلى أهل العراق: فأيقظوا رحمكم الله نائمكم، وأجمعوا على حقِّكم، وتجرّدوا لحرب عدوّكم، قد أبدت الرغدة عن الصريح، وبانَ الصبح لذي عينين، إنَّما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأولي الجفاء، ومَن أسلم كرهاً وكان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنف الاسلام كلّه حربا، أعداء الله والسنّة والقرآن، وأهل الأحزاب والبدع والأحداث، ومَن كانت بوائقه تُتّقى، وكان على الإسلام مخوّفاً، أكلة الرشا وعَبدة الدنيا، لقد اُنهي إليَّ أنّ ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى أعطاه، وشرط عليه أن يُعطيه إتاوةً هي أعظم ممّا في يديه من سلطانه، ألا صفرت يد هذا البايع دينه بالدنيا، وتربت يد هذا المشتري نصرة غادر فاسق بأموال المسلمين، وانّ منهم لمن قد شرب فيكم الخمر وجلد حدّاً في الإسلام(٢) يُعرف بالفساد في الدين والفعل السيِّء، وإنّ فيهم
____________________
١ - المنكرين بصيغة المفعول، وفى شرح ابن أبى الحديد: والمتكبرين على أهل الدين.
٢ - يعنى الوليد بن عقبة.
من لم يُسلم حتى رُضخ له على الإسلام رضيخة(١) فهؤلاء قادة القوم، ومَن تركتُ ذكر مساوئه من قادتهم مثل مَن ذكرت منهم بل هو شرٌّ وأضرّ، وهؤلاء الذين ذكرت لو ولّوا عليكم لأظهروا فيكم الكبر والفخر والفجور والتسلّط بجبرته، والتطاول بالغضب، والفساد في الأرض، ولأتّبعوا الهوى، وما حكموا بالرشاد [إلى قوله:] أفلا تسخطون وتهتمّون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم والأشرار والأراذل منكم فاسمعوا قولي وأطيعوا أمري، فوالله لئن أطعتموني لا تغوون، وإن عصيتموني لا ترشدون خذوا للحرب أهبتها، وأعدّوا لها عدَّتها، فقد شبّت نارها، وعلا سنانها، وتجرّد لكم فيها الفاسقون كي يعذّبوا عباد الله، ويطفئوا نور الله، ألا أنّه ليس اولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولى في الجدّ في غيّهم وضلالتهم من أهل البرِّ والزهادة والاءخبات في حقِّهم وطاعة ربّهم، والله لو لقيتهم فرداً وهم ملء الأرض ما باليت ولا استوحشت، وإنِّي من ضلالتهم التي هم فيها، والهدى الذي نحن عليه، لعلى ثقة وبيّنة ويقين وبصيرة، وإنِّي إلى لقاء ربّي لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، ولكنّ أسفاً يعتريني وحزناً يخامرني أن يلي أمر هذه الاُمّة سفاؤها وفجّارها فيتَّخذوا مال اللهُ دولا، و عباد الله خولا، والصالحين حَربا، والقاسطين حزبا.
الإمامة والسياسة ١: ١١٣، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٧.
٣١ - من كتاب لهعليهالسلام إلى زياد بن أبيه: إنَّ معاوية كالشيطان الرجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاحذره ثمَّ احذره ثمَّ احذره، والسَّلام.
شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦٨.
٣٢ - من خطبة لهعليهالسلام حين أمر أصحابه بالمسير إلى حرب معاوية قال: سيروا إلى أعداء الله، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى بقيّة الأحزاب قتلة المهاجرين والأنصار.
كتاب صفين ص ١٠٥، جمهرة الخطب ١: ١٤٢.
٣٣ - من خطبة لهعليهالسلام في الدعوة إلى جهاد الرجل: نحن سائرون إنشاء الله إلى من سَفه نفسه، وتناول ما ليس له وما لا يدركه، معاوية وجنده الفئة الباغية الطاغية،
____________________
١ - يعنى معاوية. راجع جمهرة الرسائل ١: ٥٥١.
يقودهم إبليس ويبرق لهم ببارق تسويفه، ويدلّيهم بغروره.
كتاب صفين ص ١٢٦.
٣٤ - من خطبة له سلام الله عليه يوم صفين: ثمّ أتاني الناس وأنا معتزل أمرهم فقالوا لي: بايع. فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع فإنّ الاُمّة لا ترضى إلّا بك، وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس. فبايعتهم، فلم يَرعني إلّا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية إيّاي الذي لم يجعل الله له سابقةً في. الدِّين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليقٌ ابن طليق، وحزبٌ من الأحزاب لم يزل لِلَّه ولرسوله وللمسلمين عدوّاً هو وأبوه حتّى دخلا في الإسلام كارهين مكرَهين، فعجبنا لكم(١) ولإجلابكم معه، وانقيادكم له، وتدَعون أهل بيت نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم أحداً من الناس، إنِّي أدعوكم إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنّة نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين.
كتاب صفّين ص ٢٢٧، تاريخ الطبري ٦ ص ٤، جمهرة الخطب ١: ١٦١.
٣٥ - من خطبة لهعليهالسلام يوم صفّين: إنهدوا إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام، وسيمى الصالحين، فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر، المجلود حدّاً في الإسلام، وهم أولى مَن يقومون فينقّصونني ويجذبونني وقبل اليوم ما قاتلوني، وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، ألحمد لِلَّه قديماً عاداني الفاسقون، فعبّدهم(٢) الله، ألم يفتحوا؟(٣) إنَّ هذا لهو الخطب الجليل، إنَّ فُسّاقاً كانوا غير مرضيِّين، وعلى الإسلام وأهله متخوَّفين، خدعوا شطر هذه الاُمّة، واشربوا قلوبهم حبَّ الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عزَّ وجلَّ، أللهمَّ فافضض خدمتهم(٤) وشتّت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم، فانّه لا يذلّ مَن واليتَ، ولا يعزّ من عاديت.
____________________
١ - عند ابن أبى الحديد: فيا عجباً لكم. الطبرى: فلا غرو الا خلافكم معه.
٢ - أى ذللهم. المعبد: المذلل.
٣ - الفتح: القهر والغلبة والتذليل.
٤ - أى: فرّق بينهم.
تاريخ الطبري ٦: ٢٤، كتاب صفين ص ٤٤٥.
٣٦ - من خطبة لهعليهالسلام بصفّين: وقد عهد إليَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهداً، فلست أحيد عنه، وقد حضرتم عدوَّكم، وعلمتم أنَّ رئيسهم منافق ابن منافق يدعوهم إلى النار، وابن عمّ نبيّكم معكم وبين أظهركم يدعوكم إلى الجنّة وإلى طاعة ربّكم، والعمل بسنَّة نبيِّكم، ولا سواء مَن صلّى قبل كلِّ ذكر، لا يسبقني الصّلاة مع رسول الله أحد وأنا من أهل بدر، ومعاوية طليقٌ ابن طليق، والله إنّا على الحقِّ وانّهم على الباطل، فلا يجتمعن على باطلهم، وتتفرّقوا عن حقِّكم حتّى يغلب باطلهم حقّكم، قاتلوهم يعذِّبهم الله بأيديكم، فإن لم تفعلوا يعذِّبهم بأيدي غيركم.
كتاب صفّين ص ٣٥٥، شرح ابن أبي الحديد ١: ٥٠٣، جمهرة الخطب ١: ١٧٨.
٣٧ - من خطبة لهعليهالسلام : أمّا بعد: فإنّ الله قد أحسن بلاءكم، وأعزّ نصركم فتوجّهوا من فوركم هذا إلى معاوية وأشياعه القاسطين، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون.
الإمامة والسياسة ١: ١١٠، تاريخ الطبري ٦: ٥١، مروج الذهب ٢: ٣٨، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٧٩، جمهرة الخطب ١: ٢٣١.
٣٨ - من خطبة لهعليهالسلام يستنفر الناس لقتال معاوية: يا أيّها الناس استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى الله عزَّ وجلَّ ودرك الوسيلة عنده، قومٌ حيارى عن الحقِّ لا يبصرونه، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به، جفاةٌ عن الكتاب، نُكّبٌ عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكّعون في غمرة الضَّلال، فأعدّوا لهم ما استطعتم من قوَّة ومن رباط الخيل، وتوكّلوا على الله وكفى بالله وكيلا.
كتاب صفّين، تاريخ الطبري ٦: ٥١، الإمامة والسياسة ١: ١١٠، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٧٩.
٣٩ - من خطبة لهعليهالسلام لمـّا رفع أهل الشام المصاحف على الرماح: عباد الله إنِّي أحقّ مَن أجاب إلى كتاب الله ولكنَّ معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرَّ رجال، انّها كلمة حقّ يراد بها الباطل،
انّهم والله ما رفعوها انّهم يعرفونها ويعملون بها، ولكنّها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعةً واحدةً، فقد بلغ الحقّ مقطعه، ولم يبق إلّا أن يقطع دابر الذين ظلموا.
كتاب صفّين ص ٥٦٠، تاريخ الطبري ٦: ٢٧، الكامل لابن الأثير ٣: ١٣٦،
٤٠ - قيل لعليّ ( سلام الله عليه ) يوم صالح: أتقرّ انّهم مؤمنون مسلمون؟ فقال عليٌّ: ما اُقرّ لمعاوية ولا لأصحابه انّهم مؤمنون ولا مسلمون، ولكن يكتب معاوية ما شاء بما شاء لنفسه ولأصحابه، ويسمّي نفسه بما شاء وأصحابه.
كتاب صفّين ص ٥٨٤، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٩١.
٤١ - كان عليٌّعليهالسلام إذا صلّى الغداة يقنت فيقول: أللّهمَّ العن معاوية، وعمراً، وأبا الأعور السّلمي، وحبيباً، وعبد الرَّحمن بن خالد، والضحّاك بن قيس، والوليد. وكانت عائشة تدعو في دبر الصّلاة على معاوية.
مرَّ الحديث بتفصيله في ج ٢: ١٢٠، ١٢١ ط ١.
٤٢ - كتب معاوية كتاباً إلى أبي أيّوب الأنصاري صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبر بذلك عليّاًعليهالسلام فقال: يا أمير المؤمنين! إنَّ معاوية كهف المنافقين كتب إليَّ بكتاب.
شرح ابن أبي الحديد ٢: ٢٨٠.
٤٣ - من كتاب لقيس بن سعد بن عبادة أمير الخزرج إلى معاوية مرَّ في ج ٢: ٨٩ ط ١، أمّا بعد: فإنّما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك. ومنه: ونحن أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه.
وفي لفظ: أمّا بعد: فإنَّما أنت وثنيّ ابن وثنيّ، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه فرقاً.
وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حرباً لِلَّه ولرسوله، وحزباً من أحزاب المشركين، وعدوّاً لِلَّه ولنبيّه وللمؤمنين من عباده. الخ.
٤٤ - من كلام لقيس لمـّا بويع معاوية: يا معشر النَّاس؟ لقد اعتضتم الشرّ من الخير، واستبدلتم الذلّ من العزِّ، والكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين
وسيّد المسلمين، وابن عمِّ رسول ربّ العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، ويسير فيكم بالعسف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم؟ أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون؟. راجع ج ٢: ٩٣ ط ١.
٤٥ - من كتاب آخر لقيس إلى الرَّجل: تأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلّهم سبيلاً، وأبعدهم من رسول الله وسيلة، ولديك قومٌ ضالّون مضلّون، طاغوت من طواغيت ابليس. راجع ج ٢: ٨٨ ط ١
٤٦ - كتب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية: بسم الله الرَّحمن الرّحيم. من محمّد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر. سلامٌ على اهل طاعة الله ممّن هو مسلمٌ لأهل ولاية الله.
أمّا بعد: فإنَّ الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقاً بلا عنت ولا ضعف في قوَّته؟ ولا حاجة به إلى خلقهم، ولكنّه خلقهم عبيداً، وجعل منهم شقيّاً وسعيداً، و غويّاً ورشيداً، ثمّ اختارهم على علمه، فاصطفى وانتخب منهم محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم فاختصّه برسالته، واختاره لوحيه، وائتمنه على أمره وبعثه رسولاً مصدِّقاً لما بين يديه من الكتب ودليلاً على الشرائع، فدعا إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أوّل من أجاب وأناب، وصدّق ووافق، وأسلم وسلّم أخوه وابن عمِّه عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام ، فصدّقه بالغيب المكتوم، وآثره على كلّ حميم، فوقاه كلَّ هول، وواساه بنفسه في كلّ خوف، فحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الأزل(١) ومقامات الروع، حتى برز سابقاً لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تساميه وأنت أنت، وهو هو، المبرّز السابق في كلّ خير، أوّل الناس إسلاماً، وأصدق الناس نيّة، وأطيب الناس ذرّيّة، وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عمّ، وأنت اللعين ابن اللعين ثمّ لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله، وتجهدان على إطفاء نور الله، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتحالفان فيه القبائل، على ذلك مات أبوك، و على ذلك خلفته، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقيّة الأحزاب ورؤس النفاق والشقاق لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والشاهد لعليّ مع فضله المبين، وسبقه القديم، أنصاره
____________________
١ - الازل: الضيق والشدة.
الذين ذُكروا بفضلهم في القرآن، فأثنى الله عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه عصائب وكتائب حوله، يُجالدون بأسيافهم ويُهريقون دماءهم دونه، يرون الفضل في اتّباعه، والشقاء في خلافه، فكيف - يا لكَ الويل - تعدل نفسك بعليّ؟ وهو وارث رسول الله ووصيّه وأبو ولده، وأوّل الناس اتّباعا، وآخرهم به عهدا، يخبره بسرّه، و يُشركه في أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه؟ فتمتّع ما استطعت بباطلك، وليمدد لك ابن العاصي في غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف يستبين لمن تكون العاقبة العليا، وأعلم انّك إنّما تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده، وأيست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور. وبالله وأهل رسوله عنك الغناء، والسَّلام على مَن اتّبع الهدى.
مروج الذهب ٢: ٥٩، كتاب صفين ص ١٣٢، شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٨٣ جمهرة الرسائل ١: ٥٤٢.
٤٧ - من كتاب آخر لمحمّد بن أبي بكر إلى معاوية: أنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم، وأن يهلككم الله في الوقعة، وأن ينزل بكم الذلّ، وأن تولّوا الدبر، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا، فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، وكم من مؤمن قد قتلتم ومثلتم به، وإلى الله مصيركم ومصيرهم وإلى الله مردُّ الاُمور، وهو أرحم الراحمين.
تاريخ الطبري ٦: ٥٨، شرح ابن ابي الحديد ٢: ٣٢.
٤٨ - قال معن بن يزيد بن الأخنس السَّلمي الصحابي ممّن شهد بدراً لمعاوية: ما ولدت قرشيّة من قرشيّ شرّاً منك. الأصابة ٣: ٤٥٠.
٤٩ - من كتاب الإمام السبط أبي محمّد الحسنعليهالسلام إلى معاوية: فاليوم فليتعجّب المتعجِّب من توثّبك يا معاوية! على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكتابه، والله حسيبك فستردّ وتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقينَّ عن قليل ربّك ثمَّ ليجزينّك بما قدَّمت يداك، وما الله بظلّام للعبيد.
مقاتل الطالبيين ص ٢٢، شرح ابن ابي الحديد ٤: ١٢، جمهرة الرسائل ٢: ٩
٥٠ - لّما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب وقال: مَن ابن علي؟ ومَن عليّ؟ فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّ الله عزَّ وجلَّ لم يبعث بعثاً إلّا جعل له عدوَّاً من المجرمين، فأنا ابن علي وأنت ابن صخر، وامّك هند وامّي فاطمة، وجدّتك قتيلة وجدّتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسباً، وأخملنا ذكراً، وأعظمنا كفراً، وأشدّنا نفاقاً، فصاح أهل المسجد: آمين آمين. فقطع معاوية خطبته ودخل منزله(١) .
وفي لفظ:
خطب معاوية بالكوفة حين دخلها، والحسن والحسين رضي الله عنهما جالسان تحت المنبر، فذكر عليّاًعليهالسلام فنال منه ثمَّ نال من الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه، فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثمّ قام فقال:
أيّها الذاكر عليّاً! أنا الحسن وأبي عليٌّ، وأنت معاوية، وأبوك صخر، واُمِّي فاطمة، وامّك هند، وجدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجدّك عتبة بن ربيعة، وجدّتي خديجة، وجدّتك قُتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرّنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين(٢) .
٥١ - أرسل معاوية إلى الحسن ( السبط الزكي ) يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج فقال الحسن: سبحان الله تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الاُمّة واُلفتهم، أفتراني اُقاتل معك؟. شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦،
٥٢ - كتب الإمام السبط أبو عبد اللهعليهالسلام إلى معاوية: أمّا بعدُ: فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي امور لم تكن تظنّن بها رغبةً بي عنها، وإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يُسدّد إليها إلّا الله تعالى، وأمّا ما ذكر انّه رُقِّي إليك عنّي، فإنّما رقّاه المـَلاّقون المشّاءون بالنميمة، المفرّقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباً ولا خلافاً، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حِزبك القاسطين المحلّين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم.
ألستَ قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، و
____________________
١ - المستطرف ١: ١٥٧، الاتحاف ص ١٠.
٢ - شرح ابن ابى الحديد ٤: ١٦.
_١٠_
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكّدة(١) جرأةً على الله واستخفافاً بعهده.
أوَ لستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة؟ فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصمُ نزلت من سقف الجبال.
أوَ لستَ المدّعي زياداً في الإسلام، فزعمت انّه ابن ابي سفيان، وقد قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انّ الولد للفراش وللعاهر الحَجَر، ثمَّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم و يقطّع أيديهم وارجلهم من خلاف، ويصلبهم على جُذوع النخل؟.
سبحان الله يا معاوية! لكأنّك لستَ من هذه الاُمّة، وليسوا منك، أوَ لستَ قاتل الحضرمي(٢) الذي كتب إليك فيه زياد انّه على دين عليّ كرم الله وجهه، ودين عليّ هو دين ابن عمّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم، وقلتَ فيما قلتَ: لا تردنَّ هذه الاُمّة في فتنة. وإنّي لا أعلم لها فتنةً أعظم من أإمارتك عليها، وقلتَ فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّد.
وإنّي والله ما أعرف فضل من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربةٌ إلى ربِّي، وإن لم أفعله فاستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحبُّ ويرضى، وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك(٣) فكدني يا معاوية ما بدا لك، فلعمري لقديماً يُكاد الصالحون، وإنِّي لأرجو أن لا تضرّ إلّا نفسك ولا تمحق إلّا عملك، فكدني ما بدا لك، واتّق الله يا معاوية! واعلم أنَّ لِلّه كتاباً لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، واعلم أنَّ الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتُهمة، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلّا قد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعيّة. والسَّلام.
الإمامة والسياسة ١: ١٣١ وفي ط ١٤٨، جمهرة الرسائل ٢: ٦٧.
٥٣ - خطب الإمام السبط الحسين الشهيد سلام الله عليه لمـَّا قدم معاوية المدينة
____________________
١ - سيأتي بيان العهود المعزوة اليها فى هذا الجزء انشاء الله.
٢ - سيوافيك تفصيل قتل الحضرمى فى هذا الجزء.
٣ - هذه الجملة لا توجد فى كلام معاوية.
حاجّاً وأخذ البيعة ليزيد وخطب ومدح يزيد الطاغية ووصفه بالعلم بالسنّة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجح بالصمِّ الصِّلاب. فقام الحسين فحمد الله وصلى على الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ قال:
أمّا بعد: يا معاوية! فلن يؤدِّي القائل - وإن أطنب - في صفة الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من جميع جزءاً، قد فهمت ما ألبست به الخلف بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من ايجاز الصَّفة، والتنكّب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضَّلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعتَ حتّى بخلت، وجرتَ حتى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من أتمَّ حقّه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظّه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لاُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً أو تنعَتُ غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المتهارشة عند التحارش، والحمام السبّق لأترابهنَّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق أكثر ممّا أنت لاقيه، فوالله ما برحتَ تقدّم باطلاً في جور، وحَنَقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك و بين الموت إلّا غمضة، فتقدَّم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تُراثاً، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرَّسول عليه الصَّلاة والسّلام ولادة، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فأذعن للحجّة بذلك، وردّه الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم: كان ويكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية! من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا اولي الأبصار. الخطبة.
الامامة والسياسة ١: ١٥٣، جمهرة الخطب ٢: ٢٤٢.
٥٤ - من كلام لابن عباس ألقاه في البصرة: أيُّها النّاس! استعدّوا للمسير إلى أمامكم، وانفروا في سبيل الله خفافاً وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فإنّكم تقاتلون المحلّين القاسطين الذين لا يقرءون القرآن ولا يعرفون حكم الكتاب، ولا يدينون
دين الحقّ، مع أمير المؤمنين. فقام إليه عمرو بن مرجوم العبدي فقال: وفَّق الله أمير المؤمنين وجمع له أمر المسلمين، ولعن المحلّين القاسطين الذين لا يقرءون القرآن، نحن والله عليهم حنقون، ولهم في الله مفارقون.
كتاب صفين ص ١٣٠، ١٣١.
٥٥ - من كلام لعمّار بن ياسر يوم صفين: يا أهل الاسلام؟ أتريدون أن تنظروا إلى مَن عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين، فلمّا أراد الله أن يُظهر دينه وينصر رسوله أتى النبيَّ صلّى الله عليه فأسلم، وهو والله فيما يرى راهبٌ غير راغب، وقبض الله رسول صلّى الله عليه وإنّا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودّة المجرم؟ ألا و انّه معاوية، فالعنوه لعنه الله، وقاتلوه فانّه ممَّن يطفىء نور الله، ويظاهر أعداء الله.
راجع تاريخ الطبري ٦: ٧، كتاب صفين ص ٢٤٠، الكامل لابن الأثير ٣: ١٣٦.
٥٦ - من مقال لعبد الله بن بديل يوم صفين: انَّ معاوية ادّعى ما ليس له ونازع الأمر أهله ومن ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحقَّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزيّن لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حبَّ الفتنة، ولبَّس عليهم الأمر، و زادهم رجساً إلى رجسهم، وأنتم والله على نور من ربِّكم وبرهان مبين، قاتلوا الطغام الجفاة ولا تخشوهم، وكيف تخشونهم وفي أيديكم كتابٌ من ربِّكم ظاهرٌ مبرورٌ؟ أتخشونهم فالله أحقُّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يُعذِّبهم الله بأيديكم ويُخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الأمر أهله وقد قاتلتهم مع النبيّ صلّى الله عليه، والله ما هم في هذه بأزكى ولا أنقى ولا أبرّ، قوموا إلى عدوّ الله وعدوّكم رحمكم الله.
تاريخ الطبري ٦: ٩، كتاب صفين ص ٢٦٣، الاستيعاب في ترجمة عبد الله ١: ٣٤٠، شرح ابن ابي الحديد ١: ٤٨٣، جمهرة الخطب ١: ١٧٦.
٥٧ - من خطبة لسعيد بن قيس: فوالله الذي بالعباد بصيرٌ أن لو كان قائدنا حبشيّاً مجدَّعاً إلّا أنَّ معنا من البدريِّين سبعين رجلاً، وإنَّما رئيسنا ابن عمِّ نبيّنا، بدريُّ صِدق(١) ، صلّى صغيراً، وجاهد مع نبيّكم كبيراً، ومعاوية طليقٌ من وثاق الإسار و
____________________
١ - أشار الى ان كونه بدرياً ليس ككون عثمان بدرياً بالتمحّل والتصنّع كما مرّ حديثه فى هذا الجزء.
ابن طليق، ألا انّه أغوى جفاةً فأوردهم النار، وأورثهم العار، والله محلٌّ بهم الذلً و - الصغار، ألا إنّكم ستلقون عدوّكم غداً، فعليكم بتقوى الله والجدّ والحزم والصِّدق والصبر فإنَّ الله مع الصابرين، ألا إنَّكم تفوزون بقتلهم ويشقون بقتلكم، والله لا يقتل رجلٌ منكم رجلاً منهم إلّا أدخل الله القاتل جنّات عدن، وأدخل المقتول ناراً تلظّى لا يفتَّر عنهم وهم فيه مبلسون.
كتاب صفِّين ص ٢٦٦، شرح ابن ابي الحديد ١: ٤٨٣، جمهرة الخطب ١: ١٧٩.
٥٨ - من خطبة لمالك بن الحارث الأشتر يوم صفّين: واعلموا أنَّكم على الحقِّ وانَّ القوم على الباطل، يقاتلون مع معاوية، وأنتم مع البدريِّين قريبٌ من مائة بدريّ، ومن سوى ذلك من أصحاب محمّد صلّى الله عليه، أكثر ما معكم راياتٌ قد كانت مع رسول الله صلّى الله عليه ومع معاوية راياتٌ قد كانت مع المشركين على رسول الله صلّى الله عليه، فما يشكُّ في قتال هؤلاء إلّا ميِّت القلب، فإنَّما أنتم على إحدى الحسنيين: إمّا الفتح، وإمّا الشهادة.
كتاب صفّين ص ٢٦٨، شرح ابن ابي الحديد ١: ٤٨٤، جمهرة الخطب ١: ١٨٣
٥٩ - من مقال لهاشم بن عتبة المرقال: سر بنا يا أمير المؤمنين؟ إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله، فأحلّوا حرامه، وحرَّموا حلاله، واستهوى بهم الشيطان، ووعدهم الأباطيل، ومنّاهم الأمانيّ حتى أزاعهم عن الهدى، وقصد بهم قصد الرَّدى، وحبَّب إليهم الدنيا، ومنه: وهم يا أمير - المؤمنين؟ يعلمون منك مثل الذي نعلم، ولكن كُتب عليهم الشقاء، ومالت بهم الأهواء، وكانوا ظالمين. جمهرة الخطب ١: ١٥١.
٦٠ - من خطبة لابن عبّاس بصفين: إنَّ ابن آكلة الأكباد قد وجد من طغام أهل الشام أعواناً على عليِّ بن أبي طالب ابن عمِّ رسول الله وصهره، وأوَّل ذَكر صلّى معه، بدريٌّ قد شهد مع رسول الله صلّى الله عليه كلّ مشاهده التي فيها الفضل، ومعاوية وأبو سفيان مشركان يعبدان الأصنام، واعلموا: والله الَّذي ملك الملك وحده فبان به وكان أهله، لقد قاتل عليُّ بن أبي طالب مع رسول الله صلّى الله عليه، وعليٌّ يقول: صدق الله ورسوله، ومعاوية وأبو سفيان يقولان: كذب الله ورسوله. فما معاوية في هذه بأبرّ ولا أتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في تلكم، فعليكم بتقوى الله والجدّ والحزم والصبر، وإنَّكم لعلى الحقِّ وإنَّ القوم
لعلى الباطل.
كتاب صفّين ص ٣٦٠، شرح ابن ابي الحديد ١: ٥٠٤.
وسيوافيك حديث لعن ابن عبّاس معاوية يوم عرفة في المجتمع العامِّ.
٦١ - من أبيات لعلقمة بن عمرو يوم صفّين:
ما لابن صخر حرمةٌ تُرتجى |
لها ثواب الله بل مندمهْ |
|
لاقيت ما لاقى غداة الوغى |
من أدرك الأبطال يا بن الأمهْ |
|
ضيّعت حقَّ الله في نصرةٍ |
للظالم المعروف بالمظلمهْ |
|
إنّ أبا سفيان من قبله |
( إلى آخر الأبيات ) |
٦٢ - من شعر مجزأة بن ثور السدوسي الصحابي العظيم ارتجز به يوم صفَّين:
أضربهم ولا أرى معاويه |
الأبرج العين(١) العظيم الحاويه |
|
هوت به في النار امٌّ هاويه |
جاوره فيها كلابٌ عاويه |
أغوى طغاماً لاهدته هاديه
يروى هذا الرجز لعليّعليهالسلام في مروج الذهب ٢: ٢٥ وفيه: وقيل: انَّ هذا الشعر لبديل بن ورقاء، وكذلك عزاه إليه سلام الله عليه في لسان العرب ١٨: ٢٢٩، وذكر - الطبري البيت الأوّل في تاريخه ٦: ٢٣ ونسبه إلى أمير المؤمنين، وذكر ابن مزاحم ثلاثة أشطر في كتاب صفّين ص ٤٦٠ وعزاها إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، وذكر الأشطر برمَّتها في ص ٤٥٤ ونسبها إلى مالك الأشتر، ورواها لمجزأة بن ثور في ص ٣٤٤ وذكرها ابن أبي الحديد في شرحه ١: ٥٠٠ لمحرز بن ثور نقلاً عن نصر بن مزاحم، وتعزى إلى الأخنس كما في الإشتقاق ص ١٤٨.
٦٣ - قال أبو عمر في الاستيعاب ١: ٢٥١: لمـّا قُتل عثمان وبايع الناس عليّاً دخل عليه المغيرة بن شعبة فقال له: يا أمير المؤمنين؟ إنَّ لك عندي نصيحةٌ، قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث معاوية بعهده على الشام حتى يلزمه طاعتك فاذا استقرَّت لك الخلافة فادرها كيف شئت برأيك. قال عليٌّ: أمّا طلحة والزبير فأرى رأيي فيهما، وأمّا معاوية فلا والله لا أراني مستعملاً له ولا مستعيناً به ما دام على حاله، ولكنّي أدعوه إلى الدخول
فيما دخل فيه المسلمون، فإن أبى حاكمته إلى الله، وانصرف عنه المغيرة مغضباً له لما لم يقبل عنه نصيحته، فلمّا كان الغداة أتاه فقال: يا أمير المؤمنين! نظرت فيما قلتُ لك بالأمس وما جاوبتني به فرأيت انّك وفّقت للخير وطلب الحقّ، ثمّ خرج عنه فلقيه الحسن رضي الله عنه وهو خارجٌ فقال لأبيه: ما قال لك هذا الأعور؟ قال: أتاني أمس هكذا وأتاني اليوم هكذا، قال: نصح لك والله أمس، وخدعك اليوم، فقال له عليٌّ: إن أقررتُ معاوية على ما في يده كنت متّخذ المضلّين عضدا.
راجع ما أسلفناه في الجزء السادس ص ١٤٢ ط ٢.
٦٤ - قال أبو عمر في الاستيعاب(١) عند ترجمة حبيب بن مسلمة ١: ١٢٣: وروينا انّ الحسن ابن علي قال لحبيب بن مسلمة في بعض خرجاته بعد صفّين: يا حبيب! ربّ مسير لك في غير طاعة الله. فقال له حبيب: أمّا إلى أبيك فلا. فقال له الحسن: بل والله لقد طاوعت معاوية على دنياه وسارعت في هواه، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، فليتك إذ أسأت الفعل أحسنت القول فتكون كما قال الله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً، ولكنّك كما قال الله تعالى: كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
٦٥ - عن أبي سهيل التميمي قال: حجّ معاوية فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون يقال لها: دارميّة الحجونيّة. وكانت سوداء كثيرة اللحم فاُخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها فقال: ما جاء بك يا ابنة حام؟ فقالت: لست لحام إن عبتني، أنا امرأةٌ من بني كنانة، قال: صدقت أتدري لما بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلّا الله، قال: بعث إليك لأسألك علام أحببت عليّاً وأبغضتني؟ وواليته وعاديتني؟ قالت: أوَ تعفيني؟ قال: لا أعفيك. قالت: أما إذا أبيت فانِّي أحببت عليّاً على عدله في الرعيّة، و قسمه بالسويَّة، وأبغضتك على قتال مَن هو أولى منك بالأمر، وطلبتك ما ليس لك بحقّ، وواليت عليّاً على ما عقد له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الولاء، وحبّه المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى. قال: فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك، وربت عجزتك؟ قالت: يا هذا بهند والله كان يضرب
____________________
١ - البرج: سعة العين.
المثل في ذلك لأ بي. قال معاوية: يا هذه اربعي فإنّا لم نقل إلّا خيرا، انّه اذا انتفخ بطن المرأة تمَّ خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروي رضيعها، وإذا عظمت عجزتها رزن مجلسها فرجعت وسكنت، قال لها: يا هذه هل رأيت عليّاً؟ قالت: اي والله، قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك، قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم والله، فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطست قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أوَ تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم. قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها، قال: تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذوا بألبانها الصغار، واستحيي بها الكبار، واكتسب بها المكارم، واصلح بها بين العشائر، قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحلّ عندك محلَّ عليَّ بن أبي طالب؟ قالت: سبحان الله أو دونه فأنشأ معاوية يقول:
إذا لم أعد بالحلم منّي عليكمُ |
فمن ذا الذي بعدي يؤمّل للحلم؟ |
|
خذيها هنيئاً واذكري فعل ماجد |
جزاك على حرب العداوة بالسِّلمِ |
ثمَّ قال: أما والله لو كان عليُّ حيّاً ما أعطاك منها شيئاً، قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين. العقد الفريد ١: ١٦٢، بلاغات النساء لابن أبي طاهر ص ٧٢.
٦٦ - دخلت أروى بنت الحرث بن عبد المطلب على معاوية وهي عجوزٌ كبيرة فلمّا رآها معاوية قال: مرحباً بكِ وأهلاً يا خالة! فكيف كنت بعدنا؟ فقالت: يا ابن أخي لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمِّك الصحبة، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقّك، من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام بعد أن كفرتم برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأنفس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، وردّ الحقّ إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا، ونبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم هو المنصور، فوليتم علينا من بعده، وتحتجّون بقرابتكم من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونحن أقرب إليه منكم و أولى بهذا الأمر، فكنّا فيكم بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنّة وغايتكم النار. الحديث. العقد الفريد ١: ١٦٤، بلاغات النساء ص ٢٧.
٦٧ - من حديث طويل أسلفنا شطراً منه في ترجمة عمرو بن العاص ج ٢ ص ١٣٣ - ١٣٦ فتكلم الحسن بن عليعليهالسلام فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ قال: أمّا بعد: يا معاوية! فما هؤلاء شتموني ولكنّك شتمتني فحشاً ألفته، وسوء رأي
عُرفت به، وخلقاً سيِّئاً ثبتَّ عليه، وبغياً علينا عداوةً منك لمحمّد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية! واسمعوا فلأقولنَّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم.
انشدكم الله أيّها الرّهط أتعلمون أنّ الذي شتمتموه منذ اليوم صلّى القبلتين كليهما وأنت بهما كافر، تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزّى غواية؟ وأنشدكم الله هل تعلمون أنّه بايع البيعتين كليهما: بيعة الفتح وبيعة الرضوان؟ وأنت يا معاوية! باحداهما كافر، و بالاُخرى ناكث. وأنشدكم الله هل تعملون أنّه أوّل الناس ايماناً؟ وانّك يا معاوية! وأباك من المؤلّفة قلوبهم تسرُّون الكفر وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال. وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنَّه كان صاحب راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم بدر؟ وأنّ راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثمَّ لقيكم يوم اُحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كلِّ ذلك يفتح الله له، ويفلج حجّته، وينصر دعوته، ويصدّق حديثه، ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك المواطن كلّها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط، وأنشدك الله يا معاوية! أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أللهمّ العن الراكب و القائد والسائق، أتنسى يا معاوية! الشعر الذي كتبته إلى أبيك لمـّا همَّ أن يسلم تنهاه عن ذلك.
يا صخر لا تسلمنْ يوماً فتفضحنا |
بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا |
|
خالي وعمِّي وعمّ الاُمّ ثالثهم |
وحنظل الخير قد أهدى لنا الارقا |
|
لا تركننّ إلى أمر يكلّفنا |
والرّاقصات به في مكّة الخرقا |
|
فالموت أهون من قول العداة لقد |
عاد ابن حرب عن العزّى إذا فرقا |
والله لما أخفيت من أمرك أكبر ممّا أبديت. وأنشدكم الله أيُّها الرهط! أتعلمون أنَّ عليّاً حرّم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأنزل فيه: يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلَّ الله لكم. وإنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا فبعث عليّاً بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها ثمَّ قال: يا معاوية! أظنّك لا تعلم أنّي أعلم ما دعا به عليك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمـّا أراد أن يكتب كتاباً إلى بني جذيمة فبعث إليك ونهمك إلى أن تموت، وأنتم أيّها الرَّهط نشدتكم الله ألا تعملون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعن
أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها، أوَّلها [فعدَّ المواطن التي ذكرناها ص ٨١، ٨٢ من هذا الجزء]
راجع تذكرة السبط ص ١١٥، شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٠٢، جمهرة الخطب ١: ٤٢٨.
وفي لفظ سبط ابن الجوزي: وأنت يا معاوية! نظر النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم إليك يوم الأحزاب فرأى أباك على جمل يحرّض الناس على قتاله وأخوك يقود الجمل وأنت تسوقه فقال: لعن الله الراكب والقائد والسائق، وما قابله أبوك في موطن إلّا ولعنه وكنت معه، ولّاك عمر الشام فخنته، ثمَّ وّلاك عثمان فتربّصت عليه، وأنت الذي كنت تنهى أباك عن الإسلام حتّى قلت مخاطباً له:
يا صخر لا تسلمنْ طوعاً فتفضحنا |
بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا |
|
لا تركننَّ إلى أمر تقلّدنا |
والراقصات بنعمان به الحرقا |
وكنت يوم بدر واُحد والخندق والمشاهد كلّها تقاتل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد علمت الفراش الذي وُلدت عليه. الحديث.
قال السبط في التذكرة ص ١١٦، قال الأصمعي والكلبي في المثالب: معنى قول الحسن لمعاوية: قد علمت الفراش الذي وُلدت فيه. انَّ معاوية كان يقال انّه من أربعة من قريش: عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي. مسافر بن أبي عمرو. أبي سفيان. العبّاس بن عبد المطلب. وهؤلاء كانوا ندماء أبي سفيان وكان منهم من يتّهم بهند.
فأمّا عمارة بن الوليد كان من أجمل رجالات قريش.
وأمّا مسافر بن أبي عمرو فقال الكلبي: عامّة الناس على أنَّ معاوية منه لأنّه كان أشدّ الناس حبّاً لهند، فلمّا حملت هند بمعاوية خاف مسافر أن يظهر أنّه منه، فهرب إلى ملك الحيرة فأقام عنده، ثمَّ إنَّ أبا سفيان قدم الحيرة فلقيه مسافر وهو مريضٌ من عشقه لهند وقد سقى بطنه فسأله عن أهل مكة فأخبره، وقيل: إنَّ أبا سفيان تزوَّج هنداً بعد انفصال مسافر عن مكّة، فقال له أبو سفيان: إنّي تزوَّجت هنداً بعدك فازداد مرضه وجعل يذوب فوصف الكيّ فاحضروا المكّاوي والحجّام، فبينا الحجّام يكويه إذ حبق الحجّام فقال مسافر: قد يحبق العير والمكواة في النار. فسارت مثلاً، ثمَّ مات مسافر من عشقه لهند.
وقال الكلبي: كانت هند من المغيلمات وكانت تميل إلى السودان من الرّجال فكانت إذا ولدت ولداً أسود قتلته قال: وجرى بين يزيد بن معاوية وبين اسحاق بن طابة بين يدي معاوية وهو خليفة فقال يزيد لإسحاق: إنَّ خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنّة. أشار يزيد إلى أنَّ اُم إسحاق كانت تتَّهم ببعض بني حرب، فقال له إسحاق إنَّ خيراً لك أن يدخل بنو العبّاس كلّهم الجنّة. فلم يفهم يزيد قوله وفهم معاوية، فلمّا قام إسحاق قال معاوية ليزيد: كيف تُشاتم الرّجال قبل أن تعلم ما يقال فيك؟ قال: قصدتُ شين إسحاق. قال: وهو كذلك أيضاً. قال: وكيف؟ قال: أما علمت أنَّ بعض قريش في الجاهليّة يزعمون انّي للعبّاس. فسقط في يدي يزيد. وقال الشعبي: وقد أشار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى هند يوم فتح مكّة بشيىء من هذا فإنّها لمـّا جاءت تبايعه وكان قد أهدر دمها فقالت: على ما اُبايعك؟ فقال: على أن لا تزنين. فقالت: وهل تزني الحرَّة؟ فعرفها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فنظر إلى عمر فتبسّم.
وقال الزمخشري في ربيع الأبرار(١) ج ٣ باب القرابات والأنساب وذكر حقوق الآباء والاُمّهات وصلة الرحم والعقوق:
وكان معاوية يعزى إلى أربعة إلى أبي عمرو بن مسافر. وإلى عمارة بن الوليد. وإلى العبّاس بن عبد المطلب. وإلى الصباح مغنّى اسود كان لعمارة. قالوا: وكان أبو سفيان ذميماً، قصيراً، وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شابّاً وسيماً فدعته هند إلى نفسها - وقالوا: إنَّ عتبة بن أبي عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضاً - وإنّما كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك، وفي ذلك قال حسّان:
لمن الصبيُّ بجانب البطحاء |
في الترب ملقى غير ذي مهد |
|
نجلت به بيضاء آنسة |
من عبد شمسٍ صلبة الخدِّ؟ |
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ١: ١١١: كانت هند تذكر في مكّة بفجور وعهر وقال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار: كان معاوية. وذكر إلى آخر الكلمة المذكورة فقال: والذين نزَّهوا هنداً عن هذا القذف، فذكر حديث الفاكهة الذي ذكره أبو عبيد معمِّر بن المثنّى.
____________________
١ - وقفت منه على عدة نسخ منها نسخة فى مكتبة الاوقاف العامة ببغداد رقم ٣٨٨.
وفي كتاب لزياد بن أبيه مجيباً معاوية عن تعييره إيّاه بامّه سُميَّة: وأمّا تعييرك لي بسميَّة فإن كنتُ ابن سُميَّة فأنت ابن جماعة. شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦٨.
٦٨ - أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه من طريق عبد الملك بن عمير قال: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة. قال: وما عسيت أن تكون هل أنت إلَّا نحلة؟ قال: لا تقل فقد شبّهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق، والله ما معاوية إلّا كلبة تعاوي الكلاب، وما اُميّة إلّا تصغير أمة.
وأخرج عن الفضل بن سويد قال: وفد جارية بن قدامة على معاوية، فقال له معاوية: أنت الساعي مع عليِّ بن أبي طالب، والموقد النار في شعلك تجوس قرى عربيَّة تسفك دماءهم. قال جارية: يا معاوية! دع عنك عليّاً فما أبغضنا عليّاً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ صحبناه.
قال ويحك يا جارية! ما كان أهونك على أهلك إذ سمّوك جارية؟ قال: أنت يا معاوية! كنت أهون على أهلك إذ سمّوك معاوية. إلخ وذكره بطوله وما قبله السيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٣٣.
وفي لفظ ابن عبد ربّه: قال معاوية لجارية: ما كان أهونك على أهلك إذ سمّوك جارية؟ قال: ما كان أهونك على أهلك إذ سمّوك معاوية وهي الاُنثى من الكلاب؟ قال: لا اُمّ لك. قال: اُمِّي ولدتني للسيوف التي لقيناك بها في أيدينا، قال: انّك لتهدّدني؟ - قال: أما والله إنَّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا إنّك لم تفتتحنا قسراً، ولم تملكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهداً وميثاقاً، وأعطيناك سمعاً وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن فزعت إلى غير ذلك فانّا تركنا وراءنا رجالاً شداداً وألسنة حداداً. قال له معاوية: لا كثّر الله في الناس أمثالك. قال جارية: قل معروفاً وراعنا فإنَّ شرّ الدعاء المحتطب.
العقد الفريد ٢: ١٤٣ في مجاوبة الاُمراء والردّ عليهم، وذكره الأبشيهي قريباً من هذا اللفظ في المستطرف ١: ٧٣ وما ذكرناه بين الخطّين من لفظه.
٦٩ - دخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميماً فقال له معاوية: إنّك لدميم والجميل خيرٌ من الدميم، وانّك لشريك وما لِلَّه من شريك، وإنَّ أباك لأعور والصحيح خيرٌ من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنّك معاوية وما معاوية إلّا كلبةٌ عوت فاستعوت الكلاب، وانّك لابن صخر والسهل خيرٌ من الصخر، وإنّك
لابن حرب والسّلم خيرٌ من الحرب، وانّك لابن اُميّة وما اُميّة إلّا أمة صغرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثمَّ خرج وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن حرب |
وسيفي صارمٌ ومعي لساني |
|
وحولي من ذوي يزن ليوثٌ |
ضراغمة تهشُّ إلى الطعانِ |
|
يعيِّر بالدمامة من سفاه |
وربّات الجمال من الغواني |
المستطرف ١: ٧٢
قال الأميني: إنّ معاوية لمـّا كان تتوجّه إليه تلكم القوارص من ناحية اسمه، ولعلّه كان لا ينسى معناه عند توجيه الخطاب إليه بذلك، ولم يك له بدٌّ منه إذ سمّته به هند وما كان يسعه أن يخطّأها، فبذل ألف ألف درهم لعبد الله بن جعفر الطيّار أن يسمّي أحد أولاده ( معاوية )(١) زعماً منه بتخفيف الوطئة إن كان له سميٌّ في البيت الهاشمي. لكن خفي على المغفَّل انَّ فناء آل هاشم لا يقصر عن فناء أصحاب الكهف فإنَّ كلبهم ما دنّس ساحتهم، فانّي تدنِّس الأسماء تلك الأفنية المقدَّسة التي منها بيوتٌ أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه.
٧٠ - ومن خطبة لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام : والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكّنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كلّ غدرةِ فجرة، ولكلّ فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يُعرف به يوم القيامة.
ولابن أبي الحديد في شرحه ٢: ٥٧٢ - ٥٨٩ كلمةٌ ضافيةٌ في شرح هذه الخطبة فيها فوائد جمّة من جهات شتّى، ومنها كلمة الجاحظ أبي عثمان حول معاوية، وقول أبي جعفر النقيب: إنَّ معاوية من أهل النار لا لمخافته عليّاً ولا بمحاربته إيّاه، ولكن عقيدته لم تكن صحيحة ولا ايمانه حقّاً، وكان من رؤوس المنافقين هو وأبوه، ولم يسلم قلبه قطّ، وإنَّما أسلم لسانه، وكان يذكر من حديث معاوية ومن فلتات قوله وما حفظ عنه من كلام يقتضي فساد العقيدة شيئاً كثيراً... إلخ.
٧١ – لمـّا قتل العبّاس بن ربيعة يوم صفّين عرار بن أدهم من أصحاب معاوية تأسَّف معاوية على عرار وقال: متى ينطف فحلٌ بمثله؟ أيُطلّ دمه؟ لاها الله ذا. ألا
____________________
١ - تاج العروس ١٠: ٢٦٠.
لِلَّه رجل يشري نفسه يطلب بدم عرار؟ فانتدب له رجلان من لخم. فقال: إذهبا فأيّكما قتل العبّاس برازاً فله كذا. فأتياه ودعواه إلى البراز فقال: إنّ لي سيّداً اُريد أن اُؤامره فأتى عليّاً فأخبره الخبر فقال عليٌّ: والله لودَّ معاوية انّه ما بقي من هاشم نافخ ضرمة إلّا طعن في نيطه(١) إطفاءً لنور الله ويأبى الله إلاً أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون. الحديث عيون الأخبار لابن قتيبة ١: ١٨٠.
٧٢ – لمـّا سلّم الحسن الأمر إلى معاوية قال الخوارج: قد جاء الآن ما لا شكَّ فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتّى حلّوا بالنخيلة عند الكوفة وكان الحسن بن علي قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة فلحقه رسوله بالقادسيّة أو قريباً منها فلم يرجع وكتب إلى معاوية: لو آثرت أن اُقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك فانّي تركتك لصلاح الاُمّة وحقن دمائها.
ألكامل لابن الأثير ٣: ١٧٧.
٧٣ - قال الأسود بن يزيد: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الخلافة؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البرّ والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفّار.
تاريخ ابن كثير ٨ ص ١٣١ قال: أخرجه أبو داود الطيالسي وابن عساكر(٢) .
تشبيه امّ المؤمنين معاوية بفرعون وغيره من الكّفار في ملكه يُعرب عن جلّية حال ذلك الملك العضوض ومالك أزمَّته، وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود.
٧٤ - أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخه ٦: ٤٢٥ من طريق الشعبي قال: خطب الناس معاوية فقال: لو انّ أبا سفيان ولد الناس كلّهم كانوا أكياساً. فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال له: قد ولد الناس كلّهم من هو خيرٌ من أبي سفيان: آدمعليهالسلام فمنهم الأحمق والكيِّس، فقال معاوية: إنّ أرضنا قريبةٌ من المحشر. فقال له: إنّ المحشر لا يبعد على
____________________
١ - النيط: الوسط بين الأمرين.
٢ - ترى ابن كثير حكى هذا الحديث عن أبى داود الطياسى وابن عساكر، وقد حرفته يد الطبع عن مسند الأول وتاريخ الثانى لما فيه من طعن ام المؤمنين على معاوية.
مؤمن ولا يقرب من كافر. فقال معاوية: إنّ أرضنا ارض مقدّسة. فقال له صعصعة: إنّ الأرض لا يقدّسها شيء ولا ينجّسها، إنّما تقدّسها الأعمال. فقال معاوية: عباد الله اتّخذوا الله وليّاً واتّخذوا خلفاءه جنّة تحترزوا بها. فقال صعصعة: كيف وكيف؟ وقد عطَّلت السنّة، وأخفرت الذمّة، فصارت عشواء مطلخمّة، في دهياء مدلهمّة، قد استوعبتها الأحداث، وتمكّنت منها الأنكاث. فقال له معاوية: يا صعصعة! لإن تقعى على ظلعك خير لك من استبراء رأيك، وإبداء ضعفك، تعرض بالحسن بن علي عليَّ، ولقد هممت أن أبعث إليه. فقال له صعصعة: اي والله وجدتهم أكرمهم جدودا، وأحياكم حدوداً، و أوفاكم عهوداً، ولو بعثت إليه فلوجدته في الرأي أريبا، وفي الأمر صليبا، وفي الكرم نجيبا، يلذعك بحرارة لسانه، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره. فقال له معاوية: والله لأجفينك عن الوساد، ولأشردنَّ بك في البلاد، فقال له صعصعة: والله إنّ في الأرض لسعة، وإنّ في فراقك لدعة، فقال معاوية: والله لأحبسنك عطاءك. قال: إن كان ذلك بيدك فافعل، إنّ العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفد خزائنه، ولا يبيد عطاءه، ولا يحيف في قضيّته. فقال له معاوية: لقد استقتلت. فقال له صعصعة: مهلاً، لم أقل جهلاً، ولم أستحلّ قتلاً، لا تقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ، ومن قتل مظلوماً كان الله لقاتله مقيما، يرهقه اليما، ويجرعه حميما، ويصليه جحيما.
٧٥ - لَمّا ولي معاوية بن يزيد بن معاوية صعد المنبر فقال: إنّ هذه الخلافة حبل الله وانَّ جدِّي معاوية نازعٌ الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منه، عليّ بن ابي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيّته فصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثمَّ قلّد أبي الأمر، وكان غير أهل له، ونازع ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه ثمَّ بكى.
الصواعق لابن حجر ص ١٣٤.
٧٦ - قال الحارث بن مسمار البهراني: حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد الله بن الكواء اليشكري ورجالاً من أصحاب علي مع رجال من قريش فدخل عليهم معاوية يوماً فقال: نشدتكم بالله إلّا ما قلتم حقّاً وصدقاً أيّ الخلفاء رأيتموني؟ فقال ابن الكواء: لولا انّك عزمت علينا ما قلنا لانّك جبّارٌ عنيدٌ لا تراقب الله في قتل الأخيار و لكنّا نقول: إنّك ما علمنا واسع الدنيا، ضيّق الآخرة، قريب الثرى، بعيد المرعى،
تجعل الظلمات نوراً، والنور ظلمات. فقال معاوية: إنّ الله أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابِّين عن بيضته، التاركين لمحارمه، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم الله والمحلّين ما حرّم الله والمحرِّمين ما أحلَّ الله. فقال عبد الله بن الكواء، يا ابن أبي سفيان انّ لكلّ كلام جواباً ونحن نخاف جبروتك، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذبّينا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها في الله لومة لائم، وإلّا فإنّا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فرجه. قال: والله لا يطلق لك لسان.
ثم تكلّم صعصعة فقال: تكلّمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت ولم تقصّر عمّا أردت و ليس الأمر على ما ذكرت، أنّى يكون الخليفة مَن ملك الناس قهراً، ودانهم كبراً، و استولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً؟ أما والله مالك في يوم البدر مضربٌ ولا مرمى، و ما كنت فيه إلّا كما قال القائل ( لا حلى ولا سيرى ) ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممّن أجلب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّما أنت طليقٌ ابن طليق، أطلقكما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأنّى تصلح الخلافة لطليق؟ فقال معاوية لولا انّي أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول:
قابلت جهلهمُ حلماً ومغفرةً |
والعفو عن قدرة ضربٌ من الكرم |
لقتلتكم. « مروج الذهب ٢: ٧٨ »
٧٧ - عن أبي مزروع الكلبي قال: دخل صعصعة بن صوحان على معاوية فقال له يا ابن صوحان أنت ذو معرفة بالعرب وبحالها - إلى أن قال -: فاخبرني عن أهل الحجاز.
قال: أسرع الناس إلى فتنة، وأضعفهم عنها، وأقلّهم عناء فيها، غير انّ لهم ثباتاً في الدين وتمسّكاً بعروة اليقين، يتَّبعون الأئمّة الأبرار، ويخلعون الفسقة الفجّار. فقال معاوية: مَن البررة والفسقة؟ فقال: يا ابن أبي سفيان! ترك الخداع مَن كشف القناع، عليٌّ وأصحابه من الائمَّة الأبرار، وأنت وأصحابك من اولئك.
إلى أن قال معاوية: أخبرني عن أهل الشام. قال: أطوع الناس لمخلوق، وأعصاهم للخالق، عصاة الجبّار، وحلفة الأشرار، فعليهم الدمار، ولهم سوء الدار. فقال معاوية: والله يا ابن صوحان! انّك لحاملٌ مديتك منذ أزمان إلّا انّ حلم ابن أبي سفيان يردُّ عنك فقال صعصعة: بل أمر الله وقدرته، انَّ امر الله كان قدراً مقدوراً(١) .
____________________
١ - مروج الذهب ٢: ٧٨، ٧٩.
٧٨ - عن ابراهيم بن عقيل البصري قال: قال معاوية يوماً وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب عليّ وعنده وجوه الناس: الارض لِلَّه، وأنا خليفة الله، فما آخذ من مال الله فهو لي وما تركت منه كان جائزاً لي فقال صعصعة:
تمنّيك نفسك ما لا يكو |
ن جهلاً مُعاويَ لا تأثمِ |
فقال معاوية: يا صعصعة! تعلّمت الكلام. قال، العلم بالتعلّم، ومن لا يعلم يجهل قال معاوية: ما أحوجك إلى أن اذيقك وبال أمرك. قال، ليس ذلك بيدك ذلك بيد الذي لا يؤخّر نفساً إذا جاء أجلها، قال، ومن يحول بيني وبينك؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه. قال معاوية: اتّسع بطنك للكلام كما اتَّسع بطن البعير للشعير. قال: اتَّسع بطن من لا يشبع ودعا عليه من لا يجمع(١) .
٧٩ - سئل صعصعة بن صوحان عن معاوية قال: صانع الدنيا فاقتلدها، وضيّع الآخرة فنبذها، وكان صاحب من أطعمه وأخافه. تاريخ ابن عساكر ٦: ٤٢٤.
٨٠ - أخرج أبو الفرج الاصبهاني في الاغاني ٣: ١٨ قال: أخبرني احمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني أحمد بن معاوية عن الهيثم بن عدي قال: حجّ معاوية حجّتين في خلافته وكانت له ثلاثون بغلة يحجُّ عليها نساؤه وجواريه قال: فحجّ في إحداهما فرأى شخصاً يصلّي في المسجد الحرام عليه ثوبان أبيضان فقال: مَن هذا؟ قالوا: شعبة بن غريض(٢) وكان من اليهود فأرسل إليه يدعوه فأتاه رسوله فقال: أجب أمير المؤمنين. قال: أوَ ليس قد مات أمير المؤمنين قبلُ؟ قال: فأجب معاوية فأتاه فلم يسلّم عليه بالخلافة فقال له معاوية: ما فعلت ارضك التي بتيماء؟(٣) قال: يكسى منها العاري ويردّ فضلها على الجار قال: أفتبيعها؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: بستين ألف دينار ولولا خلّة أصابت الحيّ لم أبعها. قال: لقد أغليت. قال: أما لو كانت لبعض أصحابك لأخذتها بستمائة ألف دينار ثمَّ لم تبل. قال: أجل: وإذ بخلت بأرضك فأنشدني شعر أبيك يرثي نفسه فقال: قال أبي:
____________________
١ - مروج الذهب ٢: ٧٩، جمهرة الخطب ١: ٢٥٧.
٢ - كذا فى الاغانى والصحيح كما ضبطه ابن حجر فى الاصابة: سعنه. بالمهلة والنون. و يقال بالمثناة التحتانية وعريض بالمهملة ايضاً.
٣ - تيما: محل بين الحجاز والشام.
يا ليت شعري حين أندب هالكاً |
ماذا تؤبّنني به أنواحي؟ |
|
أيقلن لا تعبد فربّ كريهة |
فرّجتها ببشارة وسماحِ |
|
ولقد ضربت بفضل مالي حقّه |
عند الشتاء وهبَّة الأرواحِ |
|
ولقد أخذت الحقَّ غير مخاصم |
ولقد رددت الحقَّ غير ملاحِ |
|
وإذا دُعيت لصعبة سهَّلتها |
اُدعى بأفلح مرّة ونجاحِ |
فقال: أنا كنت بِهذا الشعر أولى من أبيك قال: كذبت ولؤمت. قال أمّا كذبت فنعم، وأمّا لؤمت فِلمَ؟ قال: لأنَّك كنت ميت الحقِّ في الجاهليَّة وميته في الإسلام، أمّا في الجاهليَّة فقاتلت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والوحي جعل الله كيدك المردود، وأمّا في الإسلام فمنعت ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الخلافة، وما أنت وهي وأنت طليق ابن طليق؟ فقال معاوية: قد خرف الشيخ فأقيموه فاُخذ بيده فاُقيم.
وذكره ملخّصا ابن حجر في الإصابة ٢: ٤٣ من طريق آخر عن عبد الله بن الزبير وزاد: فقال: ما خرفت ولكن انشدك الله يا معاوية! أما تذكر لمـّا كنّا جلوساً عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجاء عليٌّ فاستقبله النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: قاتل الله من يقاتلك، وعادى من يعاديك.
فقطع عليه معاوية حديثه وأخذ معه في حديث آخر.
معاوية فى ميزان القضاء
لعمر الحق إنّ واحدة من هذه الشَّهادات كافيةٌ في تحطيم قدر الرجل والاسفاف بمستواه إلى الحضيض الأسفل، فكيف بجميعها؟ فانّها صدرت من سادات الصّحابة وأعيانهم العدول جميعهم عند القوم فضلاً عن هؤلاء الذين لا يُشكّ في ورعهم وقداسة ساحتهم عن السقطة في القول والعمل، ولا سيّما وفيهم الإمام المعصوم الخليفة حقّاً المطهّر بلسان الذكر الحكيم عن أيّ رجاسة، الذي يدور الحقُّ معه حيثما دار، وهو مع القرآن والقرآن معه لن يفترقا حتى يردا الحوض(١) وقبل الجميع ما رويناه عن النبيِّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقِّ هذا الإنسان.
فالرجل أخذاً بمجامع تلكم الشّهادات الصادقة للسلف الصالح محكومٌ عليه نصّ أقوالهم من دون أيّ تحريف وتحوير منّا بأنّه امرئ ليس له بصرٌ يهديه ولا قائدٌ يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتّبعه، وما أتى به من ضلاله ليس ببعيد الشبه ممّا أتى به أهله المشركون الكفرة، مصيره إلى اللّظى، مبوّأه النار، اللعين ابن اللعين، الفاجر ابن الفاجر، المنافق ابن المنافق، الطليق ابن الطليق، الوثن ابن الوثن، الجلف المنافق، الأغلف القلب، القليل العقل، الجبان الرذل، يخبط في عماية، ويتيه في ضلالة، شديد اللزوم للأهواء المبتدعة، والحيرة المتّبعة، لم يكن من أهل القرآن ولا مريداً حكمه يجري إلى غاية خُسر، ومحلّة كفر، قد أولجته نفسه شرّاً، وأقحمته غيّاً، وأوردته المهالك وأوعرت عليه المسالك، غمص الناس، وسَفه الحقّ، فاسقٌ مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، ابن آكلة الأكباد، الكذّاب العسوف، إمام الرَّدى، وعدوّ النبيِّ، لم يزل عدوًّا لله والسنّة والقرآن والمسلمين، رجل البدع والأحداث كانت بوائقه تُتّقى، وكان على الإسلام مخوّفاً، الغادر الفاسق، مثله كمثل الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، لم يجعل الله له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، القاسط النابذ كتاب الله وراء ظهره، كان شرّ الاطفال
____________________
١ - راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا.
وشرّ رجال، كهف المنافقين، دخل في الاسلام كرها، وخرج منه طوعاً، لم يقدم ايمانه ولم يحدث نفاقه، كان حرباً لِلَّه ولرسوله، حزباً من أحزاب المشركين، عدوَّا لِلَّه ولنبيِّه وللمؤمنين، أقوَل الناس للزور، وأضلّهم سبيلاً، وأبعدهم من رسول الله وسيلة، الغاوي اللّعين، ليس له فضلٌ في الدين معروف، ولا أثرٌ في الإسلام محمود، عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين، فلمّا أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتاه فأسلم وهو والله راهبٌ غير راغب، قُبض رسول الله والرجل يُعرف بعداوة المسلم ومودّة المجرم، يُطفي نور الله، ويُظاهر أعداء الله، أغوى جفاةً فأوردهم النار وأورثهم العار، لم يكن في إسلامه بأبرّ وأتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في أيّام شركه وعبادته الأصنام.
هذا معاوية عند رجال الدّين الصحيح الأبرار الصادقين، وهذه صحيفة من تاريخه السوداء، وتؤكّد هذه الكلم القيّمة ما يؤثر عن الرَّجل من بوائق وموبقات هي بمفردها حججٌ دامغةٌ على سقوطه عن مبوّأ الصالحين، فإنّها لا تتأتّى إلّا عن تهاون بأمر الله ونهيه، وإغضاء عن نواميس الدين وشرايع الإسلام، وتزحزح عن سنّة الله، وتعدٍّ وشذوذٍ عن حدوده، ومَن يعتدّ حدود الله فاُولئك هُم الظالمون، وإليك نزرٌ منها:
- ١ -
معاوية والخمر
١ - أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده ٥: ٣٤٧ من طريق عبد الله بن بريدة قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ثمّ اُتينا بالطعام فأكلنا، ثمَّ اُتينا بالشراب فشرب معاوية ثمّ ناول أبي ثمّ قال: ما شربته منذ حرّمه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ قال معاوية: كنت أجمل شباب قريش، وأجودهم ثغراً، وما شيىء كنت أجد له لذّة كما كنت أجده وأنا شابٌ غير اللبن أو إنسان حسن الحديث يحدّثني.
٢ - أخرج ابن عساكر في تاريخه ٧: ٢١١ من طريق عمير بن رفاعة قال: مرّ على عبادة(١) بن الصامت وهو في الشام قطارة تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل
____________________
١ - كان بدريا عقبياً أحد نقباء الانصار بايع رسول الله على أن لا يخاف فى الله لومة لائم. سنن البيهقى ٥: ٢٧٧.
لا، بل: خمرٌ تُباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلّا بقرها وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلانٌ إلى أبي هريرة يقول له: أما تمسك عنّا أخاك عبادة؟ أمّا بالغدوات فيغدوا إلى السوق فيفسد على أهل الذمّة متاجرهم، وأمّا بالعشيِّ فيقعد في المسجد ليس له عملٌ إلّا شتم أعراضنا أو عيبنا، فأمسك عنّا أخاك، فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال له: يا عبادة! مالك ولمعاوية؟ ذره وما حمل، فإنّ الله يقول: تلك اُمَّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. قال: يا أبا هريرة؟ لم تكن معنا إذ بايعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه ممّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنّة، فهذه بيعة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي بايعناه عليها فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما بايع عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وفي الله له بما بايع عليه نبيّه. فلم يكلّمه أبو هريرة بشيىء.
٣ - وأخرج في التاريخ ٧ ص ٢١٣ من طريق عمرو بن قيس قال: إنّ عبادة أتى حجرة معاوية وهو بأنطرطوس(١) فألزم ظهره الحجرة وأقبل على الناس بوجهه وهو يقول: بايعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن لا اُبالي في الله لومة لائم، ألا إنَّ المقداد بن الأسود قد غلَّ بالأمس حماراً، وأقبلت أوسقٌ من مال، فأشارت الناس إليها فقال: أيّها الناس إنّها تحمل الخمر، والله ما يحلُّ لصاحب هذه الحجرة أن يعطيكم منها شيئاً، ولا يحلُّ لكم أن تسألوه، وإن كانت مقبلةً - يعني سهماً - في جنب أحدكم، فأتى رجلٌ المقداد وفي يده قرصافة، فجعل يتلّ الحمار بها وهو يقول: معاوية! هذا حمارك شأنك به، حتى أورده الحجرة.
٤ - وفد عبد الله(٢) بن الحارث بن اميّة بن عبد شمس على معاوية فقرَّ به حتّى مسَّت ركبتاه رأسه ثمَّ قال له معاوية: ما بقي منك؟ قال: ذهب والله خيري وشرّي،
____________________
١ - بلدة من سواحل بحر الشام، هى آخر أعمال دمشق من البلاد الساحلية وأول أعمال حمص. معجم.
٢ - أدرك الاسلام وهو شيخ كبير ثم عاش بعد ذلك إلى خلافة معاوية. الاصابة ٢: ٢٩١.
فقال له معاوية: ذهب والله خيرٌ قليلٌ، وبقي شرٌّ كثير، فما لنا عندك؟ قال: إن أحسنت لم أحمدك، وإن أسأت لُمتك، قال: والله ما أنصفتني، قال: ومتى أنصفك؟ فوالله لقد شججت أخاك حنظلة فما أعطيتك عقلاً ولا قوداً وأنا الذي أقول:
أصخر بن حرب لا نعدّك سيّداً |
فسد غيرنا إذ كنت لست بسيّدِ |
وأنت الذي تقول:
شربت الخمر حتى صرت كلاًّ |
على الأدنى وما لي من صديقِ |
|
وحتى ما أوسّد من وساد |
إذا أنسوا سوى الترب السحيقِ |
ثمَّ وثب على معاوية يخبطه بيده ومعاوية ينحاز ويضحك.
رواها ابن عساكر في تاريخه ٧: ٣٤٦، وقال ابن حجر في الاصابة ٢: ٢٩١: روى الكوكبي من طريق عبسة بن عمر وقال: وفد عبد الله بن الحارث على معاوية فقال له معاوية: ما بقي منك؟ قال: ذهب والله خيري وشرّي، فذكر قصَّة. [يعني هذه].
٥ - أخرج ابن عساكر في تاريخه، وابن سفيان في مسنده، وابن قانع وابن مندة من طريق محمّد بن كعب القرظي قال: غزا عبد الرَّحمن بن سهل الأنصاري في زمن عثمان، ومعاوية أميرٌ على الشام فمرّت به روايا خمر - لمعاوية - فقام إليها برمحه فبقر كلَّ راوية منها فناوشه الغلمان حتّى بلغ شأنه معاوية فقال: دعوه فانّه شيخُ قد ذهب عقله. فقال: كلّا والله ما ذهب عقلي ولكن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمراً، و أحلف بالله لئن بقيت حتّى أرى في معاوية ما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبقرنّ بطنه أو لأموتنَّ دونه.
وذكره ابن حجر في الاصابة ٢: ٤٠١، ولخّصه في تهذيب التهذيب ٦: ١٩٢، وأخرجه ملخّصاً أبو عمر في الاستيعاب ٢: ٤٠١، وذكره ابن الأثير في اسد الغابة ٣: ٢٩٩ باللفظ المذكور إلى ( وأسقيتنا ) فقال: أخرجه الثلاثة ( يعني ابن مندة وأبو نعيم وأبو عمر ).
قال الأميني: لعلَّ في الناس مَن يحسب أنّ سلسلة الاستهتار بمعاقرة الخمور كانت مبدوَّة بيزيد بن معاوية، وإن لم يحكم الضمير الحرّ بانتاج أبوين صالحين في دار طنّبت بالصَّلاح والدين تخلو عن الخمور والفجور ولداً مستهتراً مثل يزيد الطاغية المتخصّص
في فنون العيث والفساد، لكن هذه الأنباء تُعلمنا انَّ هاتيك الخزاية كانت موروثة له من أبيه الماجن المشيع للفحشاء في الذين آمنوا بحمل الخمور إلى حاضرته على القطار تارة، وعلى حماره اُخرى، بملأ من الأشهاد، ونصب أعين المسلمين، وتوزيعها في الملأ الدينيِّ، وهو يحاول مع ذلك أن لا ينقده أحدٌ، ولا ينقم عليه ناقمٌ، وكم لهذه المحاولة من نظائر ينبو عنها العدد ولا تقف على حدّ، فهو وما ولد سواسية في الخمر والفحشاء، والمجون وهذه هي التي أسقطته عند صلحاء الامّة، وحطّته عن أعينهم، فلا يرون له حرمةً ولا كرامة، ولا يقيمون له وزناً، حتى انَّه لّما استخلف قام على المنبر فخطب الناس فذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثمَّ قال: وليت فأخذت حتى خالط لحمي ودمي، فهو خير منّي، و أنا خير ممَّن بعدي. يا أيّها الناس! إنّما أنا لكم جنّة، فقام عبادة بن صامت فقال: أرأيت إن احترقت الجنّة؟ قال: إذن تخلص إليك النار، قال: من ذلك أفرّ، فأمر به فاُخذ، فأضرط بمعاوية، ثمَّ قال: علمت كيف كانت البيعتان حين دُعينا إليهما؟ دُعينا على أن نبايع على أن لا نزني ولا نسرق ولا نخاف في الله لومة لائم، فقلتَ: أمّا هذه فاعفني يا رسول الله، ومضيتُ أنا عليها، وبايعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولأنت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخاف في الله عزّ وجلّ(١) .
وذكر معاوية الفرار من الطاعون في خطبته فقال له عبادة: امّك هند أعلم منك(٢) وسيوافيك قوله له: لا اُساكنك بأرض، وقوله: لنحدّثنَّ بما سمعنا من رسول الله وإن رغم معاوية، ما اُبالي أن لا اصحبه في جنده ليلة سوداء، وقال أبو الدرداء له: لا اُساكنك بأرض أنت بها.
ومن جرّاء هذه المكافحة والكشف عن عورات الرجل كتب معاوية إلى عثمان بالمدينة: انَّ عبادة قد أفسد عليَّ الشام وأهله، فإمَّا أن تكفْه إليك، وإمّا أن اُخلي بينه وبين الشام. فكتب إليه عثمان: أن أرحل عبادة حتّى ترجعه إلى داره من المدينة فبعث بعبادة حتّى قدم المدينة، فدخل على عثمان في الدار وليس فيها إلّا رجلٌ مِن السابقين أو من التابعين الّذين قد أدركوا القوم متوافرين فلم يفج عثمان به إلّا وهو
____________________
١ - تاريخ الشام لابن عساكر ٧: ٢١٣.
٢ - أخرجه ابن عساكر والطبرانى كما فى تاريخ الشام ٧: ٢١٠.
قاعدٌ في جانب الدار فالتفت إليه وقال: مالنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة بين ظهراني الناس فقال: إنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا القاسم يقول: إنّه سيلي اموركم بعدي رجالٌ يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلّوا بربّكم، فوالذي نفس عبادة بيده إنّ فلاناً - يعني معاوية - لمن اُولئك. فما راجعه عثمان بحرف(١) .
وحذا معاوية في هذه الموبقة حذو أبيه أبي سفيان فانّه كان يشرب الخمر وهو من أظهر آثامه وبوائقه، وقد جاء في حديث أبي مريم السلولي الخمّار بالطائف انّه نزل عنده وشرب وثمل وزنا بسمَّية امّ زياد بن أبيه، والحديث يأتي في استلحاق معاوية زياداً.
فبيت معاوية حانوت الخَمر، ودكّة الفجور، ودار الفحشاء والمنكر من أوّل يومه، والخمر شعار أهله، وما أغنتهم النذر إذ جاءت، وهم بمجنب عن قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - لا بل هم أهله - لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها(٢) .
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : شارب الخمر كعابد وثن. وفي لفظ: مدمن خمر كعابد وثن(٣) .
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ثلاثةُ حرّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنّة: مدمن الخمر، والعاق، والديّوث الذي يقرُّ في أهله الخبث(٤) .
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ثلاثةٌ لا يدخلون الجنّة أبداً: الديّوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر(٥) .
____________________
١ - مسند أحمد ٥: ٣٢٥، تاريخ ابن عساكر ٧: ٢١٢.
٢ - سنن أبي داود ٢: ١٦١، سنن ابن ماجة ٢: ١٧٤، جامع الترمذى ١: ١٦٧، مستدرك الحاكم ٤: ١٤٤، ١٤٥. وأخرجه أحمد فى المسند ٢: ٧١، وإبن أبي شيبة، وإبن راهويه والبزار، وابن حبان، راجع نصب الراية للزيلعى ٢: ٢٦٤.
٣ - أخرجه ابن ماجة وابن حبان والبزار وغيرهم، راجع الترغيب والترهيب ٣: ١٠٢، نصب الراية ٢: ٢٩٨.
٤ - أخرجه أحمد والنسائى والبزار والحاكم وصححه. راجع الترغيب والترهيب ٣: ١٠٤.
٥ - أخرجه الطبرانى، وابن المنذر فى الترغيب والترهيب ٣: ١٠٤ وقال: رواته لا أعلم فيهم مجروحاً.
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه.
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن شرب الخمر سقاه الله من حميم جهنّم.
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ عند الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار. أو: عصارة أهل النار.
وعن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن شرب حسوة من خمر لم يقبل الله منه ثلاثة أيّام صرفاً ولا عدلاً، ومن شرب كأساً لم يقبل الله صلاته أربعين صباحاً، ومدمن الخمر حقّاً على الله أن يسقيه من نهر الخبال قيل: يا رسول الله! وما نهر الخبال؟ قال صديد أهل النار(١) إلى أحاديث كثيرة في الترهيب من هذا الرجس الذي كان يشربه معاوية ووالده وولده.
_ ٢ _
معاوية يأكل الربا
١ - أخرج مالك والنسائي وغيرهما من طريق عطاء بن يسار: انَّ معاوية رضي الله عنه باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن مثل هذا إلّا مثلاً بمثل. فقال معاوية: ما أرى بهذا بأساً.
فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه: مَن يعذرني من معاوية؟ أنا اُخبره عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يخبرني عن رأيه، لا اساكنك بأرض أنت بها، ثمَّ قدم أبو الدرداء رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر له ذلك فكتب عمر إلى معاوية: أن لا تبع ذلك إلّا مثلاً بمثل، وزناً بوزن.
راجع موطأ مالك ٢: ٥٩، اختلاف الحديث للشافعي هامش كتابه الامّ ٧: ٢٣، سنن النسائي ٧: ٢٧٩، سنن البيهقي ٥: ٢٨٠.
٢ - وأخرج مسلم وغيره من طريق أبي الأشعث قال: غزونا غزاةً وعلى الناس معاوية فغنمنا غنايم كثيرة فكان فيما غنمنا آنيةٌ من فضَّة فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عن بيع الذهب بالذَهب والفضّة بالفضّة، والبرُّ بالبُرّ، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلّا سواءً بسواء عيناً بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فردَّ
____________________
١ - راجع الترغيب والترهيب ٣: ١٠١ - ١١٠.
الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً فقال: ألا ما بال رجالٍ يتحدَّثون عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟ فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصّة ثمَّ قال: لنحدِّثنَّ بما سمعنا من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما اُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلةً سوداء.
راجع صحيح مسلم ٥: ٤٣، سنن البيهقي ٥: ٢٧٧، تفسير القرطبى ٣: ٣٤٩.
٣ - وأخرج البيهقي وغيره من طريق حكيم بن جابر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: الذهب الكفّة بالكفّة، والفضّة الكفَّة بالكفة حتّى خصّ انَّ الملح بالملح فقال معاوية: إنَّ هذا لا يقول شيئاً. فقال عبادة رضي الله عنه: أشهد أنّي سمعت رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول ذلك.
وزاد النسائي: قال عبادة: إنّي والله ما اُبالي أن لا أكون بأرض يكون بها معاوية، وفي لفظ ابن عساكر: إنّي والله ما اُبالي أن أكون بأرضكم هذه.
راجع مسند أحمد ٥: ٣١٩، سنن النسائي ٧: ٢٧٧، سنن البيهقي ٥: ٢٧٨، تاريخ ابن عساكر ٧: ٢٠٦.
٤ - وأخرج ابن عساكر في تاريخه ٧: ٢١٢: من طريق الحسن قال: كان عبادة بن الصامت بالشام فرأى آنية من فضّة، يباع الإناء بمثلي ما فيه، أو نحو ذلك فمشى إليهم عبادة فقال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبادة ابن الصامت، ألا وانّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان ولم يصم رمضان بعده يقول: الذهب بالذهب، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، وزناً بوزن، يداً بيد، فما زاد فهو ربا، والحنطة بالحنطة، قفيز بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو ربا، والتمر بالتمر قفيز بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو ربا. قال: فتفرَّق الناس عنه. فاُتي معاوية فاُخبر بذلك فأرسل إلى عبادة فأتاه فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وسمعت منه لقد صحبناه وسمعنا منه فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه، فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره؟ فأخبره به، فقال له معاوية: اُسكت عن هذا الحديث ولا تذكره فقال له: بلى، وإن رغم أنف معاوية، ثمّ قام فقال له معاوية: ما نجد شيئاً أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من الصفح عنهم.
٥ - عن قبيصة بن ذؤيب: انَّ عبادة أنكر على معاوية شيئاً فقال: لا اُساكنك بأرض، فرحل إلى المدينة فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره فقال له عمر: ارحل إلى مكانك فقبّح الله أرضاً لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك.
تاريخ ابن عساكر كما في كنز العمّال ٧: ٧٨، والإستيعاب ٢: ٤١٢، اُسد الغابة ٣: ١٠٦.
قال الأميني! إنَّ من ضروريّات الدين الحنيف الثابتة كتاباً وسنّة وإجماعاً حرمة الرِّبا، وانّه من أكبر الكبائر قال الله تعالى: الذين يإكلون الرِّبا لا يقومون إلّا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان من المسِّ ذلك بأنّهم قالوا:( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) (١) .
وقال عزّوجلّ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ هِ ) (٢) .
وتواترت السّنة الشريفة في المسألة وبلغت حدّاً لا يسع لأيِّ مسلم ولو كان قرويّاً أن يدّعي الجهل به فضلاً عمّن يدّعي إمرة المؤمنين. ومنها:
١ - جاء من غير طريق إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعن آكل الرّبا وموكّله وشاهديه وكاتبه(٣) .
٢ - صحّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم إجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلّا بالحقِّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا. الحديث(٤) .
٣ - أخرج البزّار من طريق أبي هريرة مرفوعاً: الكبائر سبعٌ: أوَّلهن الشرك بالله. وقتل النفس بغير حقّها، وأكل الرّبا.
____________________
١ - سورة البقرة ٢٧٥.
٢ - سورة البقرة: ٢٧٩.
٣ - صحيح مسلم ٥: ٥٠، سنن أبى داود ٢: ٨٣، جامع الترمذى، المحلى ٨: ٤٦٨، سنن ابن ماجة ٢: ٤٠، سنن البيهقى ٥: ٢٧٥، ٢٨٥، الترغيب والترهيب ٢: ٢٤٧، تيسير الوصول ١: ٦٨.
٤ - صحيح مسلم ١: ٢٧١، وفى ط ٥: ٥٠، المحلى لابن حزم ٨: ٤٦٨، الترغيب و الترهيب ٢: ٢٤٧.
٤ - أخرج البخاري وأبو داود عن أبي جحيفة: لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الواشمة والمستوشمة، وآكل الرِّبا وموكله.
٥ - أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعاً: أربعٌ، حقُّ على الله أن لا يدخلهم الجنَّة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الرّبا، وآكل مال اليتيم بغير حقّ، والعاقُّ لوالديه.
٦ - أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح من طريق ابن مسعود مرفوعاً: الربا ثلاث وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرَّجل اُمّه.
٧ - أخرج البزّار بإسناد صحيح مرفوعاً: الرّبا بضعٌ وسبعون باباً والشرك مثل ذلك.
٨ - أخرج البيهقي بإسناد لا بأس به من طريق أبي هريرة مرفوعاً: الرّبا سبعون باباً أدناها كالذي يقع على اُمّه.
٩ - أخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن سلام مرفوعاً: الدرهم يصيبه الرَّجل من الرّبا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام.
وعن عبد الله موقوفاً: الرِّبا اثنان وسبعون حوباً، أصغرها حوباً كمن أتى اُمّه في الإسلام.ودرهمٌ من الرِّبا أشدّ من بضع وثلاثين زنية. قال: ويأذن الله بالقيام للبرّ والفاجر يوم القيامة إلّا آكل الرِّبا فانّه لا يقوم إلّا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان من المسِّ.
١٠ - أخرج أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح من طريق عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة مرفوعاً: درهم ربا يأكله الرّجل وهو يعلم، أشدُّ من ستّة وثلاثين زنية.
١١ - أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق أنس بن مالك قال: خطبنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فذكر أمر الرِّبا وعظَّم شأنه وقال: إنَّ الدرهم يصيبه الرّجل من الرِّبا أعظم عند الله في الخطيئة من ستّ وثلاثين زنية يزنيها الرّجل.
١٢ - أخرج الطبراني في الصغير والأوسط من طريق إبن عبّاس مرفوعاً: من أكل درهماً من ربا فهو مثل ثلاثة وثلاثين زنية.
وفي لفظ البيهقي: انَّ الرّبا نيف وسبعون باباً أهونهنّ باباً مثل من أتى امّه في الإسلام، ودرهمٌ من ربا أشدّ من خمس وثلاثين زنية.
١٣ - أخرج الطبراني في الأوسط من طريق البراء بن عازب مرفوعاً: الرِّبا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل اُمّه.
١٤ - أخرج ابن ماجة والبيهقي وابن أبي الدنيا من طريق أبي هريرة مرفوعاً: الرّبا سبعون حوباً أيسرها أن ينكح الرّجل اُمّه.
١٥ - أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عبّاس مرفوعاً: إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله.
وفي لفظ أبي يعلى بإسناد جيّد من طريق ابن مسعود: ما ظهر في قوم الزِّنا و الرّبا إلّا أحلّوا بأنفسهم عذاب الله.
١٦ - أخرج أحمد من طريق عمرو بن العاصي مرفوعاً: ما من قوم يظهر فيهم الرّبا إلّا اُخذوا بالسنة(١) .
١٧ - أخرج أحمد وابن ماجة مختحراً والإصبهاني من طريق أبي هريرة مرفوعاً: رأيت ليلة اُسري بي لمـّا انتهينا السّماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنا بزعد وبروق وصواعق فأتيت على قوم بطونهم كالحيّات تُرى من خارج بطونهم قلت: يا جبريل: مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الرّبا.
وأخرج الإصبهاني من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ قريب من هذا.
١٨ - أخرج الطبراني بإسناد رواته رواة الصحيح عن ابن مسعود مرفوعاً: بين يدي السّاعة يظهر الرِّبا والزنا والخمر.
١٩ - أخرج الطبراني والاصبهاني من طريق عوف بن مالك مرفوعاً: إيّاك والذنوب التي لا تغفر، [إلى أن قال:] وآكل الرّبا، فمن أكل الرِّبا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبِّط ثمَّ قرأ: الذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلَّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسِّ.
٢٠ - روى عبد الله بن أحمد في زوائده من طريق عبادة بن الصامت مرفوعاً: والذي
____________________
١ - السنة: العام المقحط،
نفسي بيدي ليبيّتن اُناسٌ من امّتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردةً وخنازير باستحلالهم المحارم واتِّخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الرِّبا.
هذه جملةٌ من أحاديث الباب جمعها وغيرها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ٢٤٧ - ٢٥١.
٢١ - صحّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من خطبة له في حجَّة الوداع قوله: ألا و إنَّ كلَّ شيء من أمر الجاهليَّة موضوعٌ تحت قدمي هاتين، وربا الجاهليَّة موضوعٌ، و أوّل ربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطلب وانّه موضوعٌ كلّه(١) .
٢٢ - وروى أئمّة الحديث واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: الذهب بالذهب، والفضَّة بالفضَّة، والبرّ والبرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى، والآخذ والمطعي فيه سواء.
راجع صحيح مسلم ٥: ٤٤، سنن النسائي ٧: ٢٧٧، ٢٧٨، سنن البيهقي ٥: ٢٧٨.
٢٣ - ومن طريق أبي سعيد مرفوعاً: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلاً بمثل، ولا تشفّوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا الورق بالورق إلّا مثلاً بمثل. الحديث.
راجع صحيح مسلم ٥: ٤٢، صحيح البخاري ٣: ٢٨٨، كتاب الامّ للشافعي ٣: ٢٥، سنن النسائي ٧: ٢٧٨، سنن البيهقي ٥: ٢٧٦، ٢٧٨، بداية المجتهد ٢: ١٩٤.
٢٤ - من طريق ابن عمر: الذهب بالذهب لا فضل بينها، بهذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم. كتاب الامّ للشافعي، سنن البيهقي ٥: ٢٧٩.
٢٥ - من طريق أبي هريرة مرفوعاً: الذهب بالذهب وزنا بوزنِ مثلاً بمثل، والفضّة بالفضّة وزناً بوزن مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.
صحيح مسلم ٥: ٤٥، سنن النسائي ٧: ٢٧٨، سنن ابن ماجة ٢: ٣٤.
٢٦ - من طريق عبادة بن الصامت مرفوعاً: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضّة بالفضّة تبرها وعينها، والبرُّ بالبرّ مدى بمدى، والشعير بالشعير مدى بمدى، والتمر بالتمر مدى بمدى، والملح بالملح مدى بمدى، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.
سنن أبي داود ٢: ٨٥، وبلفظ قريب من هذا عن عبادة في كتاب الامّ للشافعي ٣: ١٢.
____________________
١ - صحيح مسلم ٤: ٤١، سنن البيهقى ٥: ٢٧٤، سنن أبى داود ٢: ٨٣.
وعلى هذه السَّنة الثابتة جرت الفتاوى قال القرطبي في تفسيره ٥: ٣٤٩: أجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السّنة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلّا في البرّ والشعير، فإنّ مالكاً جعلهما صنفاً واحداً.
وقال ابن رشد في بداية المجتهد ٢: ١٩٤: أجمع العلماء على انّ بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة لا يجوز إلّا مثلاً بمثل.
وفي الفقه على المذاهب الأربعة ٢: ٢٤٥: لا خلاف بين أئمَّة المسلمين في تحريم ربا النسيئة، فهو كبيرةٌ من الكبائر بلا نزاع، وقد ثبت ذلك بكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله وإجماع المسلمين.الخ
وفي ص ٢٤٧: أمّا ربا الفضل وهو أن يبيع أحد الجنسين بمثله بدون تأخير في القبض فهو حرامٌ في المذاهب الأربعة.
هذا ما عند الله وعند رسوله وعند المسلمين أجمع لكن معاوية بلغت به الرفعة مكاناً يقول فيه: قال الله ورسوله وقلت، هما يحرّمان الربا بأشدّ التحريم، ويستحلّه معاوية، وينهى عن رواية سنَّة جاءت فيه، ويُشدِّد النكير عليها وعلى مَن رواها حتى يغادر الصحابيُّ الصالح من جرّائه عقر داره، فماذا للقائل أن يقول فيمن يحادّ الله ورسوله، ويستحلّ ما حرّماه، ويتعدّ حدودهما؟ أو يقول فيمن يسمع آيات الله تُتلى عليه ثمَّ يصرُّ مستكبراً كأن لم يسمعها.
ولأن صحّ للجاحظ إكفار معاوية لمحض مخالفته للسنَّة الثابتة باستلحاق زياد كما سيوافيك شرحه فهو بما ذكرناه هنا وفي غير واحد من موارده ومصادره أكفر كافر.
ولنا حقُّ النظر إلى ناحية اُخرى من هذه القصّة وهي بيع آنية الفضَّة من دون كسرها المحرَّم في شريعة الإسلام تحريماً باتّاً لا خلاف فيه راجع المحلّى لابن حزم ٨: ٥١٤، نعم: هذا حكم الإسلام ومعاوية لا يبالي به فيبيع ما يشاء كيف يشاء، وسيرى وبال أمره يوم يقوم الناس لرّب العالمين، يوم لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً والأمر يومئذِ لله.
_ ٣ _
معاوية يتمّ فى السفر
أخرج الطبراني وأحمد بإسناد صحيح من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لمـّا
قدم علينا معاوية حاجّاً، قدمنا معه مكّة قال: فصلّى بنا الظهر ركعتين ثمَّ انصرف إلى دار الندوة، قال: وكان عثمان حين أتّم الصّلاة فإذا قدم مكّة صلّى بها الظهر والعصر والعشاء الآخر أربعاً أربعاً، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصَّر الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ وأقام بمنى أتمّ الصّلاة حتّى يخرج من مكّة، فلمَّا صلّى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان ابن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب أحدٌ ابن عمّك بأقبح ما عبته به، فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنّه أتمَّ الصَّلاة بمكة، قال: فقال لهما: ويحكما و هل كان غير ما صنعت؟ قد صلّيتهما مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قالا: فإنَّ ابن عمّك قد أتمّها وإنَّ خلافك إيّاه له عيبٌ، قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلّاها بنا أربعاً(١) .
قال الأميني: انظر إلى مبلغ هؤلاء الرجال أبناء بيت اميّة من الدين، ولعبهم بطقوس الإسلام، وجرأتهم على الله وتغيير سنّته، وأحداثهم في الصَّلاة وهي أفضل ما بُنيت عليه البيضاء الحنيفية، وانظر إلى ابن هند حلف الخمر والرِّبا كيف يترك ما جاء به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجد هو عمله عليه، ووافقه هو مع أبي بكر وعمر، ثمَّ يعدل عنه لمحض انَّ ابن عمّه غيَّر حكم الشريعة فيه، وانَّ مروان بن الحكم طريد رسول الله وابن طريده، الوزغ ابن الوزغ، اللعين ابن اللعين على لسان النبيِّ العظيم، وصاحبه عمرو بن عثمان ما راقهما إتِّباعه السنّة، فاستهان مخالفتها دون أن يعيب ابن عمّه بعمله، فأحيى اُحدوثة ذي قرباه، وأمات سنّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، غير مكترث لما سمعته أذن الدنيا عن ابن عمر: الصَّلاة في السَّفر ركعتان من خالف السنّة فقد كفر(٢) فزهٍ به من خليفة للمسلمين وألف زهٍ.
_ ٤ _
احدوثة الاذان فى العيدين
أخرج الشافعي في كتاب الاُم ١: ٢٠٨ من طريق الزهري قال: لم يوذّن للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ولأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان في العيدين حتّى أحدث ذلك معاوية بالشام فأحدثه الحجّاج بالمدينة حين أمَّر عليها.
____________________
١ - مرّ تفصيل الكلام حول ما أحدثه عثمان فى صلاة المسافر خلاف سنة رسول الله صلىاللهعليهوآله فى الجزء الثامن ص ١٠٠ - ١١٩، وأسلفنا الحديث فى ج ٨: ٢٦٩.
٢ - راجع ج ٨: ١١٥.
وفي المحلّى لابن حزم ٥: ٨٢: أحدث بنو اميّة تأخير الخروج إلى العيد وتقديم الخطبة قبل الصَّلاة والأذان والإقامة.
وفي البحر الزخّار ٢: ٥٨: لا أذان ولا إقامة لها [لصلاة العيدين] لما مرَّ ولا خلاف انّه محدَث يب(١) أحدثه معاوية. ( ابن سيرين ) بل مروان وتبعه الحجّاج ( ابو قلابة ) بل ابن الزبير، والمحدث بدعة لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فهو ردٌّ وشرّها محدثاتها. وينادى لها: الصَّلاة جامعة.
وفي فتح الباري لابن حجر ٢: ٣٦٢: اُختلف في أوّل من أحدث الأذان فيها، فروى ابن ابي شيبة باسناد صحيح عن سعيد بن المسيب انَّه معاوية، وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري مثله، وروى ابن المنذر عن حصين بن عبد الرَّحمن قال: أوَّل من أحدثه زياد بالبصرة. وقال الداودي: اوَّل من أحدثه مروان، وكلّ هذه لا ينافي انَّ معاوية أحدثه كما تقدَّم في البداءة بالخطبة.
وقال فيما أشار إليه في البداءة بالخطبة: لا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان لأنَّ كلاًّ من مروان وزياد كان عاملاً لمعاوية فيحمل على انّه ابتدأ ذلك وتبعه عمّاله(٢) .
وقال القسطلاني في ارشاد الساري ٢: ٢٠٢، أوّل من أحدث الأذان فيها معاوية.
رواه ابن أبي شيبة باسناد صحيح، زاد الشافعي في روايته: فأخذ به الحجّاج حين أمَّر على المدينة أو زياد بالبصرة رواه ابن المنذر، أو مروان قاله الداودي، أو هشام قاله ابن حبيب، أو عبد الله بن الزبير رواه ابن المنذر أيضا. ويوجد في شرح الموطأ للزرقاني ١: ٣٢٣ نحوه.
وفي أوائل السيوطي ص ٩. أوّل من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي سيرين(٣) وأخرج أيضاً عن ابن المسيب قال: أوّل مَن أحدث الأذان في العيدين معاوية، وأخرج عن حصين قال: أوّل من أذّن في العَيد زياد.
____________________
١ - اشارة إلى سعيد بن المسيب.
٢ - راجع ما اسلفناه فى الجزء الثامن ص ١٦٠، ١٦٤، ١٦٥، ط ٢.
٣ - كذا فى النسخ والصحيح: ابن سيرين.
_١٢_
وفي نيل الأوطار للشوكاني ٣: ٣٦٤: قال ابن قدّامة في المغني: روي عن ابن الزبير: انّه اذّن وأقام، وقيل: إنّ أوّل من أذّن في العيدين زياد. وروى ابن أبي شيبة في « المصنّف » بإسناد صحيح عن ابن المسيب قال: أوّل مَن أحدث الأذان في العيد معاوية.
قال الأميني: إنَّ من المتسالم عليه عند أئمَّة المذاهب عدم مشروعيّة الأذان والإقامة إلّا للمكتوبة فحسب، قال الشافعي في كتابه « الامّ » ١: ٢٠٨: لا أذان إلّا للمكتوبة فإنّا لم نعلمه اذّن لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا للمكتوبة وأحبّ أن يأمر الإمام المؤذّن أن يقول في الأعياد وما جمع النّاس له من الصّلاة: الصَّلاة جامعة. أو: آن الصَّلاة. وإن قال: هلمّ إلى الصَّلاة، لم نكرهه وإن قال: حيَّ على الصّلاة. فلا بأس، وإن كنت اُحبّ أن يتوقّى ذلك لأنّه من كلام الأذان. إلخ.
ومن مالك في الموطأ ١: ١٤٦: انّه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اليوم، قال مالك: وتلك السنّة التي لا اختلاف فيها عندنا.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٣: ٣٦٤: أحاديث الباب تدلّ على عدم شرعيَّة الأذان والإقامة في صَلاة العيدين، قال العراقي: وعليه عمل العلماء كافّة. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافاً ممّن يعتدُّ بخلافه.
وقد تضافرت الأخبار الدالّة على هدي الرسول الأعظم في صلاة العيدين وانّهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّاها بغير أذان ولا اقامة وإليك جملة منها:
١ - عن جابر بن عبد الله: شهدت مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم العيد فبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثمَّ قام متوكّأ على بلال فأمر بتقوى الله، وحثّ على الطاعة ووعظ الناس وذكّرهم، ثمّ مضى حتى أتى النساء فوعظهنّ وذكَّرهنَّ.
صحيح البخاري مختصراً ٢: ١١١، صحيح مسلم ٣: ١٨، سنن النسائي ٣: ١٨٦، سنن الدارمى مختصرا ومفصلا ١: ٣٧٥، ٣٧٧، وأخرجه بلفظ قريب من هذا من طريق ابن عباس في ص ٣٧٦، ٣٧٨، زاد المعاد لابن القيم ١: ١٧٣.
٢ - عن جابر بن سمرة: صلّيتُ مع النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم العيد غير مرّة ولا مرّتين بغير أذان ولا إقامة.
صحيح مسلم ٣: ٢٩، سنن أبى داود ١: ١٧٩، جامع الترمذى ٣: ٤، مسند أحمد ٥: ٩٢، ٩٤، ٩٥، ٩٨، ١٠٧ بألفاظ شتّى، سنن البيهقى ٣: ٢٨٤، فتح البارى ٢: ٣٦٢.
٣ - عن ابن عبّاس وجابر قالا: لم يكن يؤذّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.
صحيح البخاري ٢: ١١١، صحيح مسلم ٣: ١٩، جامع الترمذى ٣: ٤، المحلى لابن حزم ٥: ٨٥، سنن النسائى ٣: ١٨٢، سنن البيهقي ٣: ٢٨٤.
٤ - عن ابن عباس: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى العيد بلا أذان ولا إقامة، وأبا بكر وعمر أو عثمان. شكَّ يحيى.
سنن أبي داود ١: ١٧٩، سنن ابن ماجة ١: ٣٨٦، قال الزرقاني في شرح الموطأ ١: ٣٢٣: إسناده صحيح.
٥ - عن عبد الرَّحمن بن عابس قال: سأل رجل ابن عبّاس: أشهدت العيد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: نعم ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم العلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلّى ثمّ خطب ولم يذكر أذاناً ولا إقامة.
سنن أبي داود ١: ١٧٩.
٦ - عن عطاء أخبرني جابر: أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيىء لا نداء يومئذ ولا إقامة.
صحيح مسلم ٣: ١٩.
٧ - عن عبد الله بن عمر: خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في يوم عيد فصلّي بغير أذان ولا إقامة.
سنن النسائي حكاه عنه ابن حجر في فتح الباري ٢: ٣٦٢، والزرقاني في شرح الموطأ ١: ٣٢٣.
٨ - عن سعد بن أبي وقّاص: انّ النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى بغير أذان ولا إقامة.
أخرَجَهُ البزَّار في مسنده كما في فَتحِ البَاري ٢: ٣٦٢، ونيل الأوطار ٣: ٣٦٣.
٩ - عن البراء بن عازب: انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى في يوم الأضحى بغير أذان ولا إقامة.
أخرجه الطبراني في الأوسط كما في الفتح ٢: ٣٦٢: ونيل الأوطار ٣: ٣٦٣.
١٠ - عن أبي رافع: انَّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يخرج إلى العيد ماشياً بغَير أذان ولا إقامة.
أخرجه الطبراني في الكبير كما في نيل الأوطار ٣: ٣٦٤.
١١ - عن عطاء: انّ ابن عبّاس أرسل إلى ابن الزبير أوّل ما بويع له انّه لم يكن يؤذّن للصّلاة يوم الفطر فلا تؤذّن لها، قال: فلم يؤذِّن لها ابن الزبير يومه. صحيح مسلم ٣: ١٩، صحيح البخاري ٢: ١١١.
هذه شريعة الله التي شرعها في صلاة العيدين، واستمرَّ عليها العمل في دور النبوّة، ولم تزل متَّبعة على عهد الشيخين وهلمَّ جرّاً حتّى أحدث رجل النفاق بدعته الشنعاء وأدخل في الدين ما ليس منه، فكان مصيره ومصير بدعته ومَن عمل بها إلى النار، وكان على الاُمّة منه يوم أسود عند حشرها، كما كان منه عليها يوم أحمر في دنياها، فأيّ خليفة هذا يجرُّ على قومه الويلات في النشأتين جمعاء؟ وهذه وما شابهها من بدع الرجل تنمّ عن تهاونه بالشريعة وعدم التزامه بسننها وفروضها، وإنّما كان يعمل بما يرتأيه وتحبّذ له ميوله غير مكترث لمخالفته الدين، متى وجد فيه حريجة من شهواته، ومدخلاً من أهوائه، فحسب أنَّ في تقديم الأذان دعوة إلى الإجتماع وملتمحاً للابِّهة، وعزب عنه أن دين الله لا يقاس بهذه المقاييس وإنّما هو منبعثٌ عن مصالح لا يعلم حقائقها إلَّا الله، ولو كانت لتلك المزعمة مقيلٌ من الحقِّ لجاء بها نبيُّ العظمةصلىاللهعليهوآلهوسلم : فدع معاوية يتورَّط في سيئاته، ويُهملج في تركاضه إلى الضَّلال، والله يعلم منقلبه ومثواه.
_ ٥ _
يصلى معاوية الجمعة يوم الاربعاء
إنّ رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفّين فتعلّق به رجلٌ من دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت منِّي بصفّين. فارتفع أمرهما إلى معاوية وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيّنة يشهدون انّها ناقته فقضى معاوية على الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه فقال الكوفي: أصلحك الله انّه جملٌ وليس بناقة فقال معاوية: هذا حكمٌ قد مضى، ودسّ إلى الكوفيِّ بعد تفرّقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعيره
فدفع إليه ضعفه وبرّه وأحسن إليه وقال له: أبلغ عليّاً أنّي اُقابله بمائة الف ما فيهم من يفرِّق بين الناقة والجمل. ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنّه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفّين الجمعة في يوم الأربعاء وأعاروه رؤسهم عند القتال وحملوه بها وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: انَّ عليّاً هو الذي قتل عمّار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثمّ ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن عليّ سنّة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير(١) .
قال الأميني: اشتملت هذه الصحيفة السوداء على أشياء تجد البحث عن بعضها في طيّات كتابنا هذا كاتّخاذ لعن عليّ أمير المؤمنين سنّة يدؤب عليها، وكتأويل عمرو ابن العاص قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمّار: تقتلك الفئة الباغية، بأنَّ عليّاًعليهالسلام هو الذي قتل عمّاراً لإلقائه بين سيوف القوم ورماحهم، وكبيان ما يُعرب عن حال أصحاب معاوية ومبلغهم من العقل والدين، وهذه كلمة معاوية ومعتقده فيهم، وهو على بصيرة منهم، وقد كان يستفيد من اولئك الهمج بضؤلة عقليّتهم، وخور نفسيّاتهم، وبعدهم عن معالم الدين ونواميس الشريعة المقدَّسة، فيجمعهم، على قتال إمام الحقِّ تارة وللشهادة بأنّهعليهالسلام هو الذي قتل عثمان طوراً إلى موارد كثيرة من شهادات الزور التي كان يُغريهم بها كقصَّة حجر بن عدي وأمثالها.
والذي يهمّنا هاهنا أوَّلا حكمه الباطل على ناقة لم تكن توجد هنالك، وإنّما الموجود جمل قد شاهده وعلم به وانّه خارجٌ عن موضوع الشهادة، لكنّه نفّذ الحكم الباطل المبتني على خمسين شهادة، زورٌ كلّها، ويقول بملء فمه: هذا حكمٌ قد مضى. والحقيقة غير عازبة عنه ويتبجّح انّه يقابل إمام الهدىعليهالسلام بمائة ألف من اولئك الحمر المستنفرة لكنّه لم يقابل إمام الحقِّ بهم فحسب، وإنّما كان يقابل النبيّ الأعظم ودينه الأقدس وكتابه العزيز بتلكم الرعرعة الدهماء.
ويهمّنا ثانياً تغييره وقت صلاة الجمعة عند مسيره إلى صفّين - في تلك السفرة المحظورة التي اُنشأت على الضدِّ من رضى الله ورسوله - إلى يوم الأربعاء، وإلى الغاية لم يظهر لي سرُّ هذا التغيير، هل نسي يوم الجمعة فحسب يوم الأربعاء انَّه يوم الجمعة؟ ومن العجب انّه لم يذكره أحدٌ من ذلك الجيش اللجب، ولا ذكّره منهم
____________________
١ - مروج الذهب ٢: ٧٢.
أحد. أو أنّه كان يبهضه ما جاء عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في فضل يوم الجمعة وفضل ساعاته والأعمال الواردة فيه، وقد اتّخذه هوصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمون من بعده عيداً تمتاز به هذه الاُمّة عن بقيَّة الاُمم؟ وما كان ابن هند يستسهل أن يجري في الدنيا سنّة للنبيّ متَّبعة لم يولها إخلالاً وعبثاً، فبدر إلى ذلك التبديل عتوّاً منه، وما أكثر عبثه بالدين وحيفه بالمسلمين؟
ولعلّه اختار يوم الأربعاء لما ورد فيه من أنّه أثقل الأيّام، يوم نحس مستمر(١) فأراد أن يرفع النحوسة بصلاة الجمعة، ولم يعبأ باستلزام ذلك تغيير سنّة الله التي لا تبديل لها، والجمعة سيّد الأيّام خير يوم طلعت عليه الشمس(٢) .
وبهذا وأمثاله يُستهان بما يؤثر عن الرَّجل من تقديم وقت الجمعة إلى الضحى(٣) ووقتها المضروب لها في شريعة الإسلام الزوال لا غيره، وهي بدل الظهر، ووقتها وقتها وهذه سنَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الثابتة المتَّبعة، فعن سلمة بن الاكوع قال: كنّا نجمع مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا زالت الشمس ثمّ نرجع نتّبع الفيء(٤)
وعن سلمة أيضاً قال: كنّا نصلّي مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الجمعة وليس للحيطان فيئاً يستظلّ به(٥)
وعن جابر بن عبد الله لمـّا سُئل متى كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلّي الجمعة؟ قال: كان يصلّي ثمّ نذهب إلى جمالنا لنريحها حين تزول الشمس(٦)
وعن أنس بن مالك قال: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصلّي الجمعة حين يميل الشمس(٧) .
وعن الزبير بن العوام قال: كنّا نصلّي مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الجمعة ثمَّ نبتدر الفيء فما يكون إلّا موضع القدم أو القدمين. وفي رواية أبي معاوية: ثمَّ نرجع فلا نجد
____________________
١ - راجع ثمار القلوب ص ٥٢١، ٥٢٢.
٢ - أخرجه الحاكم والترمذى والنسائى وأبو داود.
٣ - راجع فتح البارى ٢: ٣٠٩، نيل الاوطار ٣: ٣١٩، ٣٢٠.
٤ - صحيح مسلم ٣: ٩، سنن البيهقى ٣: ١٩٠، نصب الراية ٢: ١٩٥.
٥ - صحيح مسلم ٣: ٩، سنن البيهقى ٣: ١٩١.
٦ - مسند أحمد، سنن النسائى، صحيح مسلم ٣: ٨، ٩، سنن البيهقى ٣: ١٩٠، المحلى ٥: ٤٤.
٧ - صحيح البخارى، مسند أحمد، سنن أبى داود، سنن النسائى، سنن البيهقى ٣: ١٩٠ نصب الراية ٢: ١٩٥.
في الأرض من الظلِّ إلّا موضع أقدامنا(١)
وقال البخاري في صحيحه: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك روي عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حُريث رضي الله عنهم.
وقال البيهقي في سننه الكبرى ٣: ١٩١: ويذكر هذا القول عن عمر وعليّ ومعاذ ابن جبل والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث أعني في وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
وقال ابن حزم في المحلّى ٥: ٤٢: الجمعة هي ظهر يوم الجمعة، ولا يجوز أن تصلّى إلّا بعد الزّوال، وآخر وقتها آخر وقت الظهر في سائر الأيّام.
وقال ابن رشد في البداية ١ ص ١٥٢: أمّا الوقت فإنَّ الجمهور على أنَّ وقتها وقت الظهر بعينه أعني وقت الزَّوال، وأنَّها لا تجوز قبل الزَّوال، وذهب قومٌ إلى أنّه يجوز أن تصلّى قبل الزَّوال وهو قول أحمد بن حنبل.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم(٢) بعد سرد بعض أحاديث الباب: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلّا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلّا أحمد بن حنبل وإسحاق فجوّزاها قبل الزَّوال، قال القاضي: ورُوي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصحّ منها شيىءٌ إلّا ما عليه الجمهور.
وقال القسطلاني: هو مذهب عامَّة العلماء وذهب أحمد إلى صحّة وقوعبا قبل الزّوال متمسّكا بما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أنّهم كانوا يصلّون الجمعة قبل الزَّوال من طريق لا تثبت(٣)
طرق ما تمسّك به أحمد تنتهي إلى عبد الله بن سيدان السَّلمي زيّفها الحفّاظ لمكان ابن سيدان قال الزيلعي في نصب الراية ٢: ١٩٦: فهو حديثٌ ضعيفٌ. وقال النووي. في الخلاصة: اتّفقوا على ضعف ابن سيدان. وقال ابن حجر في فتح الباري ٢: ٣٠٩: انّه تابعيٌّ كبيرٌ إلّا أنّه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول. وقال البخاري:
____________________
١ - سنن البيهقى ٣: ١٩١.
٢ - هامش ارشاد السارى ٤: ١٦٢.
٣ - ارشاد السارى ٢: ١٦٤
لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه. ثمّ ذكر من عمل أبي بكر وعمر وعلي على خلاف حديث ابن سيدان بأسانيد صحيحة.
فالسنّة الثابتة في توقيت الجمعة هي السنّة المتّبعة في صلاة الظهر، وإقامة معاوية الجمعة في الضحى خروجٌ عن سنَّة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهديه، وشذوذٌ عن سيرة السلف كشذوذه في بقيَّة أفعاله وتروكه.
_ ٦ _
احدوثة الجمع بين الاختين
أخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمّد: انَّ حيّاً سألوا معاوية عن الاُختين ممّا ملكت اليمين يكونان عند الرَّجل يطؤهما؟ قال: ليس بذلك بأسٌ، فسمع بذلك النعمان ابن بشير، فقال: أفتيت بكذا وكذا؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان عند الرَّجل اخته مملوكته يجوز له أن يطأها.
قال: أما والله لربما وددتني أدرك، فقل لهم: اجتنبوا ذلك، فانّه لا ينبغي لهم؟ فقال: إنّما الرحم من العتاقة وغيرها(١)
قال الأميني: هذا الباب المرتج فتحه عثمان كما أسلفنا تفصيله في الجزء الثامن ص ٢٢٠ - ٢٢٩ وقد عُدَّ ذلك من أحداثه، ولم يوافقه عليه أحدٌ من السَّلف والخلف ممّن يُعبأ به وبرأيه، حتّى جاء معاوية معلِّياً على ذلك البنيان المتضعضع، معلّياً بما شذّ عن الدين الحنيف، أخذاً باُحدوثة ابن عمِّه، صفحاً عن كتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد أتينا هنالك في بطلانه بما لم يبق معه في القوس منزع.
_ ٧ _
احدوثة معاوية فى الديات
أخرج الضحّاك في الديات ص ٥٠ من طريق محمّد بن اسحاق قال: سألت الزهري قلت: حدّثني عن دية الذمّي كم كانت على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قد اختلف علينا فيها. فقال: ما بقي أحدٌ بين المشرق والمغرب أعلم بذلك منّي، كانت على عهد رسول الله ألف دينار وأبي بكر وعمر وعثمان حتّى كان معاوية أعطى أهل القتيل خمسمائة دينار، و وضع في بيت المال خمسمائة دينار.
____________________
١ - الدر المنثور ٢: ١٣٧
وفي لفظ البيهقي في سننه ٨: ١٠٢: كانت دية اليهود والنصارى في زمن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل دية المسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلمّا كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف في بيت المال، قال: ثمَّ قضى عمر بن عبد العزيز في النصف وألقى ما كان جعل معاوية.
وفي الجوهر النقيِّ: ذكر أبو داود في مراسيله بسند صحيح عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن قال: كان عقل الذمّي مثل عقل المسلم في زمن رسول الله وزمن أبي بكر وزمن عمر وزمن عثمان حتّى كان صدراً من خلافة معاوية، فقال معاوية: إن كان أهله اُصيبوا به فقد اُصيب به بيت مال المسلمين، فاجعلوا لبيت مال المسلمين النصف ولأهله النصف خمسمائة دينار، ثمّ قتل رجلٌ من أهل الذمّة. فقال معاوية: لو انّا نظرنا إلى هذا الذي يدخل بيت المال فجعلناه وضيعاً عن المسلمين وعوناً لهم، قال لمن هناك: وضع عقلهم إلى خمسمائة.
وقال ابن كثير في تاريخه ٨: ١٣٩: قال الزهري: مضت السنّة انّ دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أوّل من قصّرها إلى النصف وأخذ النصف.
قال الأميني: تقدّم في الجزء الثامن ص ١٧٦: انّ دية الذميّ في دور النبوّة لم يكن ألفاً كما حسبه الزهري، ولم يذهب إليه أحدٌ من أئمّة المذاهب إلّا أبا حنيفة وإنَّ أوّل مَن جَعلها ألفاً هو عثمان، وعلى أيِّ حالٍ فما ارتكبه معاوية فيه بدعٌ ثلاثٌ.
١ - أخذ الدية ألفاً.
٢ - تنصيفه بين ورثة المقتول وبيت المال.
٣ - وضعه حصّة بيت المال أخيراً إن كانت الألف سنَّة ولبيت المال فيها حقّ.
فمرحىّ بخليفة يجهل حكماً واحداً من الشريعة من شتّى نواحيه، أو: يعلمه لكنَّه يتلاعب به كيفما حبّذته له ميوله، وهو لا يقيم للحكم الإلهي وزناً، ولا يرى لِلَّه حدوداً لا يتجاوزها، ويقول: لو أنّا نظرنا.. إلخ. ولا يبالي بما تقوَّل على الله ولا يكترث لمغبّة ما أحدثه في الدين وفي الذكر الحكيم قوله تعالى:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) سورة الحاقة ٤٤، ٤٥، ٤٦.
_ ٨ _
ترك التكبير المسنون فى الصلوات
أخرج الطبراني ( وفي نيل الأوطار: الطبري ) عن أبي هريرة: إنَّ أوَّل من ترك التكبير معاوية، وروى أبو عبيد: انَّ أوَّل من تركه زياد.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن المسيب انّه قال: أوَّل من نقّص التكبير معاوية.(١)
قال ابن حجر في فتح الباري ٢: ٢١٥: هذا لا ينافي الذي قبله، لانّ زياداً تركه بترك معاوية. وكان معاوية تركه بترك عثمان(٢) ، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء.
وفي الوسائل الى مسامرة الأوائل ص ١٥: أوَّل من نقّص التكبير معاوية كان إذا قال: سمع الله لمن حمده. انحطّ إلى السجود فلم يكبّر، وأسنده العسكري عن الشعبي، وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: اوّل من نقّص التكبير زياد.
وفي نيل الأوطار للشوكاني ٢: ٢٦٦: هذه الروايات غير متنافية، لانَّ زياداً تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان وقد حمل ذلك جماعة من اهل العلم على الإخفاء، وحكى الطحاوي: انَّ بني اميّة كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأوّل سنّة تركوها.
وأخرج الشافعي في كتابه « الامّ » ١: ٩٣ من طريق أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقرائة فقرأ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم لامّ القرآن ولم يقراً بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القرائة، ولم يكبّر حين يهوي حتى قضى تلك - الصَّلاة، فلمّا سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كلّ مكان: يا معاوية؟ أسرقت الصَّلاة أم نسيت؟ فلمّا صلّى بعد ذلك قرأ بسم الله الرَّحمن الرَّحيم للسورة التي بعد امّ القرآن وكبّر حين يهوي ساجداً.
وأخرج في كتاب « الامّ » ١: ٩٤. من طريق عبيد بن رفاعة: أنَّ معاوية قدم المدينة
____________________
١ - فتح البارى ٢: ٢١٥، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٣٤، نيل الاوطار ٢: ٢٦٦، شرح الموطأ للزرقانى ١: ١٤٥.
٢ - أخرج حديثه أحمد فى مسنده من طريق عمران كما يأتي في المتن بعيد هذا.
فصلّى بهم فلم يقرأ ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم ولم يكبّر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلّم والأنصار: أن يا معاوية! سرقت صلاتك؟ أين بسم الله الرَّحمن الرَّحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فصلّى بهم صلاة اُخرى، فقال: ذلك فيما الذي عابوا عليه.
وأخرجه من طريق انس صاحب « الانتصار » كما في البحر الزخّار ١: ٢٤٩.
قال الأميني: تنمّ هذه الأحاديث عن أنّ البسملة لم تزل جزئاً من السورة منذ نزول القرآن الكريم، وعلى ذلك تمرّنت الاُمّة، وانطوت الضمائر، وتطامنت العقائد، و لذلك قال المهاجرون والأنصار لمـّا تركها معاوية: انَّه سرق ولم يتسنّ لمعاوية أن يعتذر لهم بعدم الجزئيَّة حتى إلتجأ إلى إعادة الصَّلاة مكلّلة سورتها بالبسملة، أوانَّه إلتزم بها في بقيَّة صلواته، ولو كان هناك يومئذ قولٌ بتجرّد السورة عنها لاحتجَّ به معاوية لكنّه قول حادث ابتدعوه لتبرير عمل معاوية ونظرائه من الأمويّين الذين اتّبعوه بعد تبيّن الرشد من الغيّ.
وأمّا التكبير عند كلِّ هويّ وانتصاب فهي سنَّة ثابتة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عرفها الصحابة كافَّة فانكروا على معاوية تركها، وعليها كان عمل الخلفاء الأربعة، واستقرَّ عليها إجماع العلماء وهي مندوبةٌ عندهم عدا ما يؤثر عن أحمد في إحدى الروايتين عنه من وجوبها وكذلك عن بعض أهل الظاهر، واليك جملة ممّا ورد في المسئلة:
١ - عن مطرف بن عبد الله قال: صلّيت خلف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر، فلمّا قضى الصَّلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكّرني هذا صلاة محمّد، أو قال: لقد صلّى بنا صلاة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفي لفظ لأحمد: قال عمران: ما صلّيت منذ حين. أو قال: منذ كذا كذا أشبه بصلاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من هذه الصَّلاة. صلاة عليّ.
وفي لفظ آخر له: عن مطرف عن عمران قال: صلّيت خلف عليّ صلاةً ذكّرني صلاةً صلّيتها مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والخليفتين قال: فانطلقت فصلّيت معه فإذا هو يكبّر كلّما سجد وكلّما رفع رأسه من الركوع فقلت: يا أبا نجيد مَن أوّل من تركه؟ قال عثمان بن عفّان رضي الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه.
صحيح البخاري ٢: ٥٧، ٧٠، صحيح مسلم ٢: ٨، سنن أبي داود ١: ١٣٣، سنن النسائي ٢: ٢٠٤، مسند أحمد ٤: ٤٢٨، ٤٢٩، ٤٣٢، ٤٤٠، ٤٤٤، البحر الزخّار ١: ٢٥٤.
٢ - عن أبي هريرة انّه كان يصلّي بهم فيكبّر كلّما خفض ورفع فإذا انصرف قال: إنّي لأشبهكم صلاة برسول الله. وفي لفظ للبخاري: فلم تزل تلك صلاته حتّى لقي الله.
راجع صحيح البخاري ٢: ٥٧، ٥٨، صحيح مسلم ٢: ٧ بعدّة طرق وألفاظ، سنن النسائي ٢: ١٨١، ٢٣٥، سنن أبي داود ١: ١٣٣، سنن الدارمي ١: ٢٨٥، المدوّنة الكبرى ١: ٧٣، نصب الراية ١: ٣٧٢، البحر الزخّار ١: ٢٥٥.
٣ - عن عكرمة قال: رأيت رجلاً عند المقام يكبّر في كلّ خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت ابن عبّاس رضي الله عنه قال: أوَ ليس تلك صلاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا اُمَّ لك.
وفي لفظ: عن عكرمة صلّيت خلف شيخ بمكّة فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لإبن عبّاس: إنّه أحمق فقال: ثكلتك اُمّك سنّة أبي القاسمصلىاللهعليهوآلهوسلم .
صحيح البخاري ٢: ٥٧، ٥٨، مسند أحمد ١: ٢١٨، البحر الزخّار ١: ٢٥٥.
قال الأميني: يظهر من هذه الرواية انّ تغيير الأمويّين هذه السنّة الشّريفة وفي مقدّمهم معاوية كان مطّرداً بين الناس حتى كادوا أن ينسوا السنّة فحسبوا مَن ناء بها أحمقاً، أو تعجّبوا منه كأنّه أدخل في الشريعة ما ليس منها، كلّ ذلكِ من جرّاء ما اقترفته يدا معاوية وحزبه الأثيمتان، وجنحت إليه ميولهم وشهواتهم، فبُعداً لأولئك القصيِّين عمّا جاء به محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
٤ - عن عليّ وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وغيرهم: انّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يكبّر عند كلِّ خفض ورفع.
صحيح البخاري ٢: ٧٠، سنن الدارمي ١: ٢٨٥، سنن النسائي ٢: ٢٠٥، ٢٣٠، ٢٣٣، المدوَّنة الكبرى ١: ٧٣، نصب الراية ١: ٣٧٢، بدايع الصنايع ١: ٢٠٧، منتقى الأخبار لابن تيميَّة، البحر الزخّار ١: ٢٥٤.
٥ - أخرج أحمد وعبد الرزّاق والعقيلي من طريق عبد الرحمن بن غنم قال: إنّ أبا
مالك الأشعري [الصحابيّ الشهير بكنيته] قال لقومه: قوموا حتى اصلّي بكم صلاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فصففنا خلفه وكبّر. إلى آخر الحديث المذكور بطوله في ج ٨: ١٨١ وفيه انّه كبّر في كلّ خفض ورفع.
٦ - عن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يكبّر كلّما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى قبضه الله.
المدوّنة الكبرى ١: ٧٣، نصب الراية ١: ٣٧٢.
٧ - في المدوّنة الكبرى ١: ٧٢: انَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّاله يأمرهم أن يكبّروا كلّما خفضوا ورفعوا في الركوع والسجود إلّا في القيام من التَشهّد بَعد الركعتين لا يكبّر حتى يستوي قائماً مثل قول مالك.
هذه سنّة الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في تكبير الصَّلوات عند كلِّ هويّ وانتصاب، وبها أخذ الخلفاء، وإليها ذهبت أئمّة المذاهب، وعليها استقرَّ الإجماع، غير أنّ معاوية يقابلها بخلافها ويغيرها برأيه ويتّخذ الأمويّون اُحدوثته سنّة متَّبعة تجاه ما جاء به نبيُّ الإسلام.
قال ابن حجر في فتح الباري ٢: ٢١٥ استقرَّ الأمر على مشروعيّة التكبير في الخفض والرفع لكلّ مصلٍّ، فالجمهور على ندبيّة ما عدا تكبيرة الإحرام، وعن أحمد وبعض اهل العلم بالظاهر يجب كلّه.
وقال في ص ٢١٦: أشار الطحاوي إلى أنّ الاجماع استقرّ على أنَّ مَن تركه فصلاته تامّة، وفيه نظر لما تقدّم عن أحمد، والخلاف في بطلان الصَّلاة بتركه ثابتٌ في مذهب مالك إلّا أن يريد إجماعاً سابقاً.
وقال النووي في شرح مسلم: اعلم أنّ تكبيرة الإحرام واجبةٌ وما عداها سنّة لو تركه صحّت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنّة، هذا مذهب العلماء كافّة إلّا أحمد بن حنبل رضي الله عنهم في إحدى الروايتين عنه انّ جميع التكبيرات واجبة.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٢: ٢٦٥: حكى مشروعيَّة التكبير في كلّ خفض ورفع عن الخلفاء الأربعة وغيرهم ومن بعدهم من التّابعين قال: وعليه عامّة الفقهاء والعلماء، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود،
وابن عمر، وجابر، وقيس بن عباد، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز، وعامّة أهل العلم، وقال البغوي في شرح السنّة: اتَّفقت الاُمّة على هذه التكبيرات.
وعن ابن عبد البرّ في شرح الموطأ للزرقاني ١: ١٤٥: وقد اختلف في تاركه فقال ابن القاسم: إن أسقط ثلاث تكبيرات سجد لسهوه وإلّا بطلت، وواحدة أو اثنتين سجد أيضاً، فإن لم يسجد فلا شيىء عَليه، وقال عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ: إن سها سجد فإن لم يَسجد فلا شيىء عَليه، وعَمداً أساء وصلاته صحيحة، وعلى هذا فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين واهل الحديث والمالكيّين إلّا مَن ذهب منهم مذهب ابن القاسم.
_ ٩ _
ترك التلبية خلافاً لعلىعليهالسلام
أخرج النسائي في سننه ٥: ٢٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٥: ١١٣ من طريق سعيد بن جبير قال: كان ابن عبّاس بعرفة فقال: يا سعيد! مالي لا أسمع الناس يلبّون؟ فقلت: يخافون معاوية. فخرج ابن عبّاس من فسطاطه فقال: لبِّيك أللهمّ لبيك، وإن رغم ألف معاوية، اللّهمّ العنهم فقد تركوا السنّة من بغض عليّ.
وقال السندي في تعليق سنن النسائي: ( من بغض عليّ ) أي لأجل بغضه، أي وهو كان يتقيَّد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضاً له.
وفي كنز العمّال: عن ابن عبّاس قال: لعن الله فلاناً انّه كان ينهى عن التلبية في هذا اليوم يعني يوم عرفة، لأنَّ عليّاً كان يلبّي فيه. ابن جرير.
وفي لفظ أحمد في المسند ١: ٢١٧ عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عبّاس بعرفة وهو يأكل رمّاناً فقال: أفطر رسول الله بعرفة وبعثت إليه امّ الفضل بلبن فشربه. وقال: لعن الله فلاناً عمدوا إلى أعظم أيّام الحجّ فمحوا زينته، وإنّما زينة الحجِّ التلبية. وحكاه في كنز العمّال عن ابن جرير الطبري.
وفي تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٠ من طريق صحيح عن سفيان عن حبيب عن سعيد عن ابن عبّاس انّه ذكر معاوية وانّه لبّى عشيّة عرفة فقال فيه قولاً شديداً، ثمّ بلغه انّ
عليّاً لبّى عشيَّة عرفة فتركه.
وقال ابن حزم في المحلّى ٧: ١٣٦: كان معاوية ينهى عن ذلك.
قال الأميني: إنّ السنَّة المسلّمة عند القوم استمرار التلبية إلى رمي جمرة العقبة أوّ لها أو آخرها على خلاف فيه. وإليك ما يؤثر منها عندهم:
١ - عن الفضل: أفضت مع النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم من عرفات فلم يزل يلبّي حتّى رمى جمرة العقبة، ويكبّر مع كلّ حصاة، ثمَّ قطع التلبية مع آخر حصاة. وفي لفظ: لم يزل يلبّي حتّى بلغ الجمرة.
صحيح البخاري ٣: ١٠٩، صحيح مسلم ٤: ٧١، صحيح الترمذي ٤: ١٥٠، قال: وفي الباب عن عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، سنن النسائي ٥: ٢٦٨، ٢٧٥، ٢٧٦، سنن ابن ماجة ٢: ٢٤٤، سنن ابي داود ١: ٢٨٧، سنن الدارمي ٢: ٦٢، سنن البيهقي ٥: ١١٢، ١١٩، كتاب الامّ ٢: ١٧٤ وقال: وروى ابن مسعود عن النبيِّ مثله. ه. مسند أحمد ١: ٢٢٦، وأخرجه ابن خزيمة وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ مفسِّراً لما أبهم في الروايات الاُخرى(١) وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وغيرهم.
٢ - عن جابر بن عبد الله واسامة وابن عبّاس: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لزم التلبية و لم يقطعها حتّى رمى جمرة العقبة.
راجع صحيح البخاري ٣: ١١٤، سنن ابن ماجة ٢: ٢٤٤، المحلّى ٧: ١٣٦، بدايع الصنايع ٢: ١٥٦.
٣ - عن عبد الرَّحمن بن يزيد: انَّ عبد الله بن مسعود لبّى حين أفاض من جمع فقيل له: عن أيّ هذا؟ « وفي لفظ مسلم: فقيل: أعرابيّ هذا » فقال: أنسي الناس أم ضلّوا؟ سمعت الذي اُنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: لبّيك أللهمّ لبّيك.
راجع صحيح مسلم ١: ٣٦٣ وفي ط ٤: ٧١، ٧٢، سنن البيهقي ٥: ١٢٢، المحلّى ٧: ١٣٥ وصحّحه، ورواه الطحاوي باسناد صحيح كما في فتح الباري ٣: ٤٢٠، بدايع الصنايع ٢: ١٥٤.
____________________
١ - نيل الاوطار ٥: ٥٥.
٤ - عن كُريب مولى ابن عبّاس: إنَّ ميمونة امّ المؤمنين لبّتْ حين رَمَت الجمرة.
كتاب الاُمّ ٢: ١٧٤، سنن البيهقي ٥: ١١٣، المحلّى ٧: ١٣٦
٥ - عن ابن عبّاس: تلبِّي حتى تأتي حرمك إذا رميت الجمرة.
سنن البيهقي ٥: ١١٣.
٦ - عن ابن عبّاس أيضاً: سمعت عمر يلبِّي غداة المزدلفة.
المحلّى لابن حزم ٧: ١٣٦.
٧ - عن ابن عبّاس أيضاً: سمعت عمر بن الخطاب يهلّ وهو يرمي جمرة العقبة فقلت له: فيما الاهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا بعدُ؟
كتاب الاُمّ مختصراً ٢: ١٧٤، سنن البيهقي ٥: ١١٣، المحلّى، ٧: ١٣٦.
٨ - عن ابن عبّاس أيضاً: حججت مع عمر إحدى عشرة حجّة وكان يلبّي حتى يرمي الجمرة.
أخرجه سعيد بن منصور كما في فتح الباري ٣: ٤١٩.
٩ - عن ابن عبّاس أيضاً: التلبية شعار الحجِّ فإن كنت حاجّاً فلبِّ حتى بدء حلّك، وبدء حلّك أن ترمي جمرة العقبة.
أخرجه ابن المنذر باسناد صحيح كما في فتح الباري ٣: ٤١٩.
١٠ - عن ابن مسعود: لا يمسك الحاجّ عن التلبية حتّى يرمي جمرة العقبة.
المحلّى لابن حزم ٧: ١٣٦.
١١ - عن الأسود بن يزيد: انّه سمع عمر بن الخطاب يلبّي بعرفة.
سنن البيهقي ٥: ١١٣، المحلّى ٧: ١٣٦.
١٢ - أخرج ابن أبي شيبة من طريق عكرمة يقول: أهلّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى رمى الجمرة، وأبو بكر وعمر. المحلّى ٧: ١٣٦.
١٣ - عن أنس بن مالك في الجواب عن التلبية يوم عرفة: سرت هذا المسير مع النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه فمنّا المكبّر، ومنا المهلّ، ولا يعيب أحدنا على صاحبه. صحيح مسلم ٤: ٧٣.
١٤ - عن عائشة، كانت تلبّي بعد عرفة. المحلّي ٧: ٣٦.
١٥ - عن عبد الرَّحمن الأسود: ان أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة فقال له: ما يمنعك أن تهلّ؟ فقد رأيت عمر في مكانك هذا يهلّ فأهلّ ابن الزبير.
المحلّى لابن حزم ٧: ١٣٦.
١٦ - عن مولانا أمير المؤمنين انّه لبّى حتى رمى جمرة العقبة. المحلّى ٧: ١٣٦.
١٧ - عن مولانا عليّ أيضاً انّه لبّى في الحجّ حتّى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.
أخرجه مالك في الموطأ ١: ٢٤٧ وقال: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وذكره صاحب البحر الزخّار ٢: ٣٤٢.
١٨ - عن عكرمة: كنت مع الحسين بن علي « عليهما السّلام » فلبّى حتّى رمى جمرة العقبة.
هذه هي السنّة المتسالم عليها عند القوم، وبها أخذت أئمّة الفقه والفتوى قال ابن حزم في المحلّى ٧: ١٣٥: لا يقطع التلبية إلّا مع آخر حصاة من جمرة العقبة، فإنَّ مالكا قال: يقطع التلبية إذا نهض إلى عرفة، ثمَّ زيَّف أدلّة مالك، وأنت سمعت قول مالك قُبيل هذا وانّه يخالف ما عزاه إليه ابن حزم.
وقال في ص ١٣٦: لا يقطعها حتى يرمي الجمرة وهو قول أبي حنيفة والشافعي و أحمد وإسحاق وأبي سليمان.
وقال ملك العلماء في البدايع ٢: ١٥٤: لا يقطع التلبية وهذا قول عامَّة العلماء، وقال مالك: إذا وقف بعرفة يقطع التلبية والصحيح قول العامّة.
وقال ابن حجر في فتح الباري ٣: ٤١٩: وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم.
وفي نيل الأوطار ٥: ٥٥: انَّ التلبية تستمرّ إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور.
هذا ما تسالمت عليه الاُمّة سلفاً وخلفاً، لكن معاوية جاء متهاوناً بالسنّة لمحض أن عليّاًعليهالسلام كان ملتزماً بها، فحدته بغضاءه إلى مضادّته ولو لزمت مضادّة السنّة،
_١٣_
ومحو زينة الحجّ، هذه نظريّة خليفة المسلمين فيما حسبوه، وهذا مبلغه من الدين ومبوّأه من الأخذ بسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلهفي على المسلمين من متغلّب عليهم بإسم الخلافة.
وإنّي لست أدري أكان من السائغ الجائز لعن ابن عبّاس وهو محرمٌ في ذلك الموقف العظيم، في مثل يوم عرفة اليوم المشهود معاوية باغض عليّ أمير المؤمنين ومناوئه تارك سنّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ هلّا كان حبر الاُمّة يعلم أنَّ الصحابة كلّهم عدول؟ أو انّ الصحابيّ كائناً من كان لا يجوز سبّه؟ أو انّ معاوية مجتهدٌ وللمخطأ من المجتهدين أجرٌ واحد؟ أنا لا أدري، غير أنَّ ابن عبّاس لا يقول بالتافه ولا يخبت إلى الخرافة.
وما أظلم معاوية الجاهل بأحكام الله؟ فانّه يخالف هاهنا عليّاًعليهالسلام وهو بكلّه حاجة وافتقار إلى علم الإمام الناجع، قال سعيد بن المسيّب: إنَّ رجلاً من أهل الشام وجد رجلاً مع امرأته فقتله وقتلها فأشكل على معاوية الحكم فيه فكتب إلى أبي موسى ليسأل له عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال له عليٌّ رضي الله عنه: هذا شيىءُ ما وقع بأرضي عزمت عليك لتخبرنِّي.
فقال له أبو موسى: إنَّ معاوية كتب إليّ به أن أسألك فيه. فقال عليٌّ رضي الله عنه: أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمّته(١) .
أخرجه مالك في الموطأ ٢: ١١٧، سنن البيهقي ٨: ٢٣١، تيسير الوصول ٤: ٧٣
لفت نظر
هذه النزعة الأمويّة الممقوتة بقيت موروثة عند من تولّى معاوية جيلاً بعد جيل فترى القوم يرفعون اليد عن السنّة الثابتة خلافاً لشيعة أمير المؤمنينعليهالسلام ، أو احياء لما سنّته يد الهوى تجاه الدين الحنيف. كما كان معاوية يفعل ذلك احياءً لما أحدثه خليفة بيته الساقط تارة، كما مرَّ في الإتمام في السَّفر ومواضع اُخرى، وخلافاً للامام آونةً كما في التلبية وغيرها.
قال الشيخ محمّد بن عبد الرّحمن الدمشقي في كتاب « رحمة الامَّة في اختلاف الأئمَّة » المطبوع بهامش الميزان للشعراني ١: ٨٨: السنّة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى لأنَّ التسطيح
____________________
١ - الرمة: الحبل الذى يقاد به الجانى.
صار شعاراً للشيعة.
وقال الغزالي والماوردي: إنَّ تسطيح القبور هو المشروع لكن لمـّا جعلته الرافضة شعاراً لهم عدلنا عنه إلى التسنيم.
وقال مصنِّف « الهداية » من الحنفيّة: إنَّ المشروع التختّم في اليمين ولكن لمـّا اتَّخذته الرافضة جعلناه في اليسار. ه.
وأوَّل من اتّخذ التختّم باليسار خلاف السنّة هو معاوية كما في ربيع الأبرار للزمخشري.
وقال الحافظ العراقي في بيان كيفيّة اسدال طرف العمامة: فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الأيسر كما هو المعتاد أو الأيمن لشرفه؟ لم أر ما يدلّ على تعيين الأيمن إلّا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير ثبوته فلعلّه كان يرخيها من الجانب الأيمن ثمّ يردُّها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم، إلّا أنّه صار شعاراً للإمامية فينبغي تجنّبه لترك التشبّه بهم. شرح المواهب للزرقاني ٥: ١٣.
وقال الزمخشري في تفسيره ٢: ٤٣٩: القياس جواز الصَّلاة على كلِّ مؤمن لقوله تعالى:( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ) . وقوله تعالى:( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) . وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى. ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو: انّها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلّى الله على النبيِّ وآله فلا كلام فيها، وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصَّلاة كما يفرد هو فمكروهٌ لأنَّ ذلك شعار لذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولأنّه يؤدّي إلى الإتِّهام بالرفض، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يقفن مواقف التّهم.
وقال ابن تيميّة في منهاجه ٢: ١٤٣ عند بيان التشبّه بالروافض: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبّات إذا صارت شعاراً لهم، فانّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السنّي من الرافضي، و مصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحبّ.
ثمّ جعل هذا كالتشبّه بالكفّار في وجوب التجنّب عن شعارهم، وسيوافيك التفصيل في بيان هذه كلّها ونظراؤها عند الكلام عن الفتاوى الشاذَّة عن الكتاب والسنّة إن
شاء الله تعالى.
وقال الشيخ اسماعيل البروسوي في تفسيره [روح البيان] ٤: ١٤٢: قال في عقد الدرر واللئالي:(١) المستحبّ في ذلك اليوم - يعني يوم عاشوراء - فعل الخيرات من الصَّدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضاً. يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبّه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصلٌ صحيحٌ، فإنَّ ترك السنّة سنّةٌ إذا كان شعاراً لأهل البدعة كالتختّم باليمين فانّه في الأصل سنّة لكنّه لمـّا كان شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنّة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا كما في شرح القهستاني.
ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرّم مقتل الحسين رضي الله عنه، فقد تشبّه بالروافض، خصوصاً إذا كان بألفاظ مخلّة بالتعظيم لأجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر مقتل الحسين ينبغي أن يذكر أوَّلاً مقتل سائر الصحابة لئلّا يشابه الروافض.
وقال حجّة الإسلام الغزالي: يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين و حكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فانّه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة، ولعلّ ذلك لخطأ في الإجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى.اهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري ١١: ١٤٢: تنبيهٌ: اختلف في السَّلام على غير الأنبياء بعد الإتفاق على مشروعيّته في تحيّة الحيّ، فقيل: يشرع مطلقاً. وقيل: بل تبعاً ولا يفرد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة. ونقله النووي عن الشيخ أبي محمّد الجويني.
_ ١٠ _
احدوثة تقديم الخطبة على الصلاة
قال الزرقاني في شرح الموطأ ١: ٣٢٤ في بيان كون الصَّلاة قبل الخطبة في العيدين:
____________________
١ - فى فضل الشهور والايام والليالى للشيخ شهاب الدين احمد بن ابى بكر الحموى الشهير بالرسّام.
ففي الصحيحين عن ابن عبّاس شهدت العيد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر فكلّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة، واختلف في أوَّل من غيَّر ذلك، ففي مسلم عن طارق بن شهاب: أوَّل مَن بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصَّلاة مروان، وفي رواية ابن المنذر بسند صحيح عن الحسن البصري: أوَّل من خطب قبل الصَّلاة عثمان صلّى بالناس ثمّ خطبهم أي على العادة فرأى ناساً لم يدركوا الصَّلاة ففعل ذلك أي صار يخطب قبل الصّلاة، وهذه العلة غير التي اعتلّ بها مروان لأنَّ عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصّلاة، وأمّا مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنّهم في زمنه كانوا يتعمّدون ترك سماعهم لما فيها مِن سبّ مَن لا يستحقّ السبّ والافراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنَّما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل انّ عثمان، فعل ذلك أحياناً بخلاف مروان فواظب عليه فلذا نسب إليه، وعن عمر مثل فعل عثمان، قال عياض ومن تبعه: لا يصحّ عنه. وفيه نظر لأنّ عبد الرزّاق وابن أبي شيبة روياه جميعاً عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن يوسف بن عبد الله بن سلام، وهذا إسنادٌ صحيح، لكن يعارضه حديثا ابن عبّاس وابن عمر، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادراً و إلّا فما في الصحيحين أصحّ.
وأخرج الشافعي عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عبّاس وزاد حتّى قدم معاوية فقدَّم الخطبة، وهذا يشير إلى أنَّ مروان إنَّما فعل ذلك تبعاً لمعاوية، لأنّه كان أمين المدينة من جهته، وروى عبد الرزّاق عن ابن جريج عن الزهري: أوَّل مَن أحدث الخطبة قبل الصَّلاة في العيد معاوية، وروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أوَّل مَن فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان لأنَّ كلًّا من مروان وزياد كان عاملاً لمعاوية فيحمل على أنّه إبتدأ ذلك وتبعه عمّاله.اهـ.
وقال السكتواري في محاضرة الأوائل ص ١٤٤: أوّل من بدأ بالخطبة قبل الصّلاة معاوية، وجرى ذلك في الاُمراء المروانيَّة كمروان وزياد وهو فعله بالعراق، و معاوية بالمدينة شرَّفها الله تعالى.
قال الأميني: مرَّ في الجزء الثامن ص ١٦٤ - ١٧١ بيان السنَّة الثابتة في خطبة العيدين، وانَّها بعد الصّلاة كما مضى عليه الرَّسول الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم واتّبعه الشيخان و
عثمان ردحاً من أيّامه ثمّ حداه عيُّه عن تلفيق الخطبة بصورة مرضيّة، فكانت الناس تتفرّق عن استماعها، إلى تقديمها على الصّلاة ليمنعهم انتظارهم لها عن الانجفال، ثمّ اقتصَّ أثره عمّاله والمتغلّبون على الاُمّة من بعدُ من بني أبيه وإن افترقت العلّة فيهم عنها فيه، فإنَّهم لمـّا طغوا في البلاد طفقوا يسبّون أمير المؤمنين عليّاًعليهالسلام في خطبهم، فكان الحضور لا يستبيحون ذلك فيتفرَّقون، فبدا لهم تقديمها لإسماع الناس.
وأوَّل من أحدث اُحدوثة السبِّ هو معاوية، فالشنعة عليه في المقام أعظم ممّن بدَّل السنّة قبله، فانّه وإن تابع البادي على البدعة غير انّه قرنها باُخرى شوهاء شنعاء، فأمعن النظرة في تطبيق هذه البدعة بصورتها الأخيرة على ما صحَّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله: من سبَّ عليّاً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبَّ الله(١) وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تسبّوا عليّاً فإنّه ممسوسٌ بذات الله(٢) ثمَّ ارجع البصر كرّتين إلى أنّه هل يُباح لأيّ مسلم أن يجتهد بجواز سبّ مولانا أمير المؤمنين تجاه نصّ الكتاب العزيز في تطهيره وولايته ومودَّته وكونه نفس النبيِّ الأقدسصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تجاه هذا النصِّ الجليِّ الخاص لهعليهالسلام والنصوص العامّة الواردة في سباب المؤمن مثل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سباب المسلم فسوق؟!(٣) وهل يشكّ مسلمٌ انَّ أمير المؤمنين أوَّل المسلمين وأولاهم بهم من أنفسهم وهو أميرهم وسيّدهم؟!
_ ١١ _
حدّ من حدود الله متروك
ذكر الماوردي وآخرون: إنَّ معاوية أتى بلصوص فقطعهم حتى بقي واحدُ من بينهم فقال:
يميني أمير المؤمنين اُعيذها |
بعفوك أن تلقى نكالاً يبينها |
|
يدي كانت الحسناء لو تمَّ سترها |
ولا تعدم الحسناء عيناً يشينها |
|
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة |
إذا ما شمالي فارقتها يمينها |
فقال معاوية: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك. فقالت امّ السارق: يا أمير
____________________
١ - أخرجه الحفاظ باسناد رجاله كلهم ثقات صححه الحاكم والذهبى.
٢ - حلية الاولياء ١: ٦٨.
٣ - أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة والنسائى والحاكم والدارقطنى وغيرهم فى الصحاح والمسانيد.
المؤمنين إجعلها في ذنوبك الّتي تتوب منها. فخلّى سبيلها، فكان أوّل حدّ ترك في الإسلام(١) .
قال الأميني: أفهل عرف معاوية من هذا اللّصّ خصوصيّة إستثنته من حكم الكتاب النهائيِّ العامّ « السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما » ؟! أم أنّ الرأفة بامّه تركت حدّاً من حدود الله لم يُقم؟! وفي الذكر الحكيم:( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (٢) ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٣) ( وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ) (٤) أم أنّه كان لمعاوية مؤمِّنٌ مِن العقاب غداً وإن تعمّد اليوم بإلغاء حدّ من حدود الله؟ وهل نيّة التوبة عن المعصية تبيح إجتراح تلك السيّئة؟ إنّ هذا لشيىءٌ عجابٌ، ومَن ذا الذي طمَّنه بأنّه سيوفّق للتوبة عنها ولا يحول بينه وبينها ذنوبٌ تسلبه التوفيق، أو عظائم تسلبه الإيمان، أو استخفافٌ بالشريعة ينتهي به إلى نار الخلود؟ ويظهر منه أنّ التعمّد باقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطرداً عند معاوية، وهذا ممّا يخلّ بأنظمة الشريعة، ونواميس الدين، وطقوس الإسلام، فانّ النفوس الشريرة إنمّا تترك أكثر المعاصي خوفاً مِن العقوبة الفعليّة، فإن زُحزحت عنها بأمثال هذه التافهات لم يبق محظورٌ - يُفسد النفوس، ويقلق السّلام، ويعكّر صفو الاسلام - إلّا وقد عمل به، و هذا نقصٌ لغاية التشريع، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على الله ورسوله.
وهب أنَّ التوبة مكفّرةٌ للعصيان في الجملة، ولكن مَن ذا الذي أنبأه إنّها من تلك التوبة المقبولة؟( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (٥) .
____________________
١ - الاحكام السلطانية ص ٢١٩، تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٦، محاضرة السكتوارى ص ١٦٤
٢ - سورة الطلاق: ١.
٣ - سورة البقرة: ٢٢٩.
٤ - سورة النساء: ١٤.
٥ - سورة النساء: ١٧، ١٨.
_ ١٢ _
معاوية ولبسه ما لا يجوز
أخرج أبو داود من طريق خالد قال: وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو بن الأسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان فقال معاوية للمقدام: أعلمت انّ الحسن بن علي توفّي؟ فرجع المقدام فقال له رجلٌ(١) أتراها مصيبة؟ فقال: ولِمَ لا أراها مصيبة؟ وقد وضعه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجره فقال: هذا منّي وحسينٌ من علي.
فقال الأسدي: جمرةٌ اطفأها الله عزَّ وجلّ قال فقال المقدام: أمّا أنا فلا أبرح اليوم حتى اغيظك واسمعك ما تكره ثمّ قال: يا معاوية! إن أنا صدقت فصدّقني. وإن أنا كذبت فكذِّبني، قال: أفعل. قال فانشدك بالله هل تعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم. قال: فانشدك بالله هل سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينهى عن لبس الذَّهب؟ قال نعم. قال: فانشدك بالله هل تعلم انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن لبس جلود السّباع والركوب عليها؟ قال: نعم. قال فوالله لقد رأيت هذا كلّه في بيتك يا معاوية! فقال معاوية: قد علمت أنّي لن أنجو منك يا مقدام!(٢)
قال الأميني: هل يُرجى خيرٌ ممّن اعترف بكلِّ ما قيل له من المحظورات المتسالم عليها التي ارتكبها؟ فهلّا اقلع عنها لمـّا ذكر بحكمها الذي نسيه أو لم يعبأ به؟ لكنَّ الرّجل طاغوتٌ يعمل عمل الفراعنة ولم يكترث لمغبّته، ولم يبالي بمخالفة السنّة الثابتة، فزَهٍ به من خَليفة تولّى أمر الاُمّة بغير مرضاتها، وتغلّب على إمرتها مِن دون أيّ حنكة.
قد جاء في كتاب لأمير المؤمنينعليهالسلام إلى عمرو بن العاص قوله: فإنّك قد جعلت دينك تبعاً لدينا امرئ ظاهرٍ غيّه، مهتوك ستره. إلخ.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ٤: ٦٠: فأمّا قولهعليهالسلام في معاوية « ظاهر غيُّه » فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه وكلّ باغٍ غاوٍ. وأمّا « مهتوكٌ ستره » فانّه كان كثير الهزل والخلاعة صاحب جلساء وسمار، ومعاوية لم يتوقّر ولم يلزم قانون الرياسة
____________________
١ - فى مسند أحمد ٤ ص ١٣٠: فقال له معاوية: أتراها مصيبة. انظر الى امانة أبى داود.
٢ - سنن أبى داود ٢: ١٨٦.
إلّا منذ خرج على أمير المؤمنين، واحتاج إلى الناموس والسكينة وإلّا فقد كان في أيّام عثمان شديد الهتك موسوماً بكلِّ قبيح، وكان في أيّام عمر يستر نفسه قليلاً خوفاً منه إلّا انّه كان يلبس الحرير والديباج، ويشرب في آنية الذهب والفضة ويركب البغلات ذوات السروج المحلاّة بهما جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شابّاً، وعنده نزق الصبا، وأثر الشبيبة، وسكر السلطان والإمرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة انّه كان يشرب الخمر في أيّام عثمان في الشام، وأمّا بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الأمر له فقد اختلف فيه، فقيل: انّه شرب الخمر في ستر. وقيل: انّه لم يشرب. ولا خلاف في أنّه سمع الغناء وطرب عليه وطرب عليه وأعطى ووصل إليه أيضاً. إقرأ وتبصّر.
_ ١٣ _
مأسأة الاستلحاق
سنة أربع وأربعين
كان من ضروريّات الاسلام إلى هذه السنة ٤٤، إلى هذا اليوم الأشنع الذي تقدّم فيه ابن آكلة الأكباد ببدعته الخرقاء على ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بملأ فمه المبارك، و اتَّخذته الاُمّة أصلاً مسلّماً في باب الأنساب: الولد للفراش وللعاهر الحجَر.
جاء هذا الحديث من طريق ابي هريرة في الصحاح الست: صحيح البخارى ٢: ١٩٩ في - الفرائض، صحيح مسلم ١: ٤٧١ في الرضاع، صحيح الترمذي ١: ١٥٠، و ج ٢: ٣٤، سنن النسائي ٢: ١١٠، سنن أبي داود ١: ٣١٠، سنن البيهقى ٧: ٤٠٢، ٤١٢.
ومن طريق عائشة أخرجه الحفاظ المذكورون إلا الترمذي كما في نصب الراية للزيلعي ٣: ٢٣٦. ومن طريق عمر وعثمان في سنن البيهقي ٧: ٤١٢، ومن طريق عبد الله بن عمرو، أخرجه أبو داود في اللعان ١: ٣١٠، وأخرجه أحمد في مسنده من غير طريق ج ١: ١٠٤، ج ٢: ٤٠٩، ج ٥: ٣٢٦ وغيرها.
وصحّ عند الاُمّة قول نبيّهاصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ادّعى أباً في الإسلام غير أبيه فالجنّة عليه حرام(١) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم من خطبة له بمنى: لعن الله من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه،
____________________
١ - مسند احمد ٥: ٣٨، ٤٦، سنن البيهقى ٧: ٤٠٣.
الولد للفراش وللعاهر الحجَر. وفي لفظ:
الولد للفراش وللعاهر الحجَر، ألا ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ(١) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس من رجل ادّعى بغير أبيه وهو يعلم إلّا كفر، ومن ادّعى ما ليس له فليس منّا(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ادَّعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنَّة وإنَّ ريحها ليوجد من قدر سبعين عاماً. أو: مسيرة سبعين عاماً(٣) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم انّه غير أبيه فالجنّة عليه حرام(٤) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة(٥) .
لكن سياسة معاوية المتجهِّمة تجاه الهتافات النبويّة أصمته عن سماعها وجعلت للعاهر كلّ النصيب، فوهبت زياداً كلّه لأبي سفيان العاهر، بعد ما بلغ أشدّه لمـّا وجد فيه من اُهبة الوقيعة في أضداده وهم أولياء عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام .
وُلد زياد على فراش عُبيد مولى ثقيف، وربّي في شرّ حجر، ونشأ في أخبث نشء، فكان يقال له قبل الاستلحاق: زياد بن عبيد الثقفي، وبعده زياد بن أبي سفيان، ومعاوية نفسه كتب إليه في أيّام الحسن السبط سلام الله عليه: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عُبيد، أمّا بعد: فإنّك عبدٌ قد كفرت النعمة، واستدعيت النقمة، ولقد كان الشكر اُولى بك من الكفر، وإنَّ الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرّع من أصلها، انّك لا اُمَّ لك، بل لا أب لك، يقول فيه: أمس عبدٌ واليوم أميرٌ، خطّةٌ
____________________
١ - رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى راجع مسند أحمد ٤: ١٨٦، ١٨٧، مسند ابى داود الطياسى ص ١٦٩، الترغيب والترهيب ٣: ٢١.
٢ - أخرجه البخارى ومسلم وعنهما البيهقى فى السنن ٧: ٤٠٣، وابن المنذر فى الترغيب والترهيب ٣: ٢١.
٣ - سنن ابن ماجة ٢: ١٣١، تاريخ بغداد ٢: ٣٤٧، الترغيب والترهيب ٣: ٢١.
٤ - رواه البخارى ومسلم وأبو داود وابن ماجة كما فى سنن البيهقى ٧: ٤٠٣، والترغيب والترهيب ٣: ٢١.
٥ - الترغيب والترهيب ٣: ٢٢ عن أبى داود.
ما ارتقاها مثلك يا بن سميّة، وإذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة وأسرع الإجابة فإنّك إن تفعل فدمك حقنت، ونفسك تداركت، وإلّا اختطفتك بأضعف ريش ونلتك بأهون سعي، واُقسم قسماً مبروراً أن لا أوتى بك إلّا في زمارة تمشي حافياً من أرض فارس إلى الشام حتى اُقيمك في السوق وأبيعك عبداً، واردُّك إلى حيث كنت فيه و خرجت منه. والسّلام(١) .
ثمّ لمـّا انقضت الدولة الأمويّة صار يُقال له: زياد بن أبيه، وزياد بن امّه، وزياد بن سميّة، اُمّه « سميّة » كانت لدهقان من دهاقين الفرس بزندرود بكسكر، فمرض الدهقان فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي فعالجه فبرأ فوهبه سميّة وزوّجها الحارث غلاماً له روميّاً يقال له: عبيد. فولدت زياداً على فراشه، فلمّا بلغ أشدّه اشترى أباه عُبيداً بألف درهم فأعتقه، كانت امّه من البغايا المشهورة بالطائف ذات راية.
أخرج أبو عمرو ابن عساكر قالا: بعث عمر بن الخطاب زياداً في اصلاح فساد وقع باليمن فرجع من وجهه وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العاصي: أما والله لو كان هذا الغلام قرشيّاً لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان: والله إنّي لأعرف الذي وضعه في رحم امّه، فقال له عليُّ بن أبي طالب: ومَن هو يا أبا سفيان؟ قال: أنا. قال: مهلاً يا أبا سفيان.
وفي لفظ ابن عساكر: فقال له عمرو: اسكت يا أبا سفيان! فانّك لتعلم أنِّ عمر إن سمع هذا القول منك كان سريعاً إليك بالشرِّ فقال أبو سفيان:
أما والله لولا خوف شخص |
يراني عليّ من الأعادي |
|
لأظهر أمره صخر بن حرب |
ولم يكن المقالة عن زياد |
|
وقد طالت مجاملتي ثقيفاً |
وتركي فيهمُ ثمر الفؤادِ |
فذلك الذي حمل معاوية على ما صنع بزياد(٢) .
وفي العقد الفريد ٣: ٣: أمر عمر زياداً أن يخطب فأحسن في خطبته وجوَّد وعند أصل المنبر أبو سفيان بن حرب وعليّ بن أبي طالب فقال أبو سفيان لعليّ: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى؟ قال: نعم. قال: أما انّه ابن عمّك. قال: وكيف ذلك؟ قال:
____________________
١ - شرح ابن الحديد ٤: ٦٨.
٢ - الاستيعاب ١: ١٩٥، تاريخ ابن عساكر ٥: ٤١٠.
أنا قذفته في رحم امّه سميّة. قال: فما يمنعك أن تدّعيه؟ قال: أخشى هذا القاعد على المنبر - يعني عمر - أن يفسد عليَّ أهابي. فبهذا الخبر استلحق معاوية زياداً وشهد له الشهود بذلك. وهذا خلاف حكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله: الولد للفراش وللعاهر الحجَر.
قال الأميني: لو كان معاوية استلحق زياداً بهذا الخبر لكان استلحاقه عمرو بن العاص أولى. إذ ادَّعاه أبو سفيان يوم ولادته قائلاً: أما انّي لا أشكّ انّي وضعته في رحم اُمّه.
واختصم معه العاص، غير أنّ النابغة أبت إلّا العاص لما زعمت من الشحّ في أبي سفيان وفي ذلك قال حسّان بن ثابت:
أبوك أبو سفيان لا شكّ قد بدت |
لنا فيك منه بيّنات الدلايلِ |
|
ففاخر به إمّا فخرت ولا تكن |
تفاخر بالعاص الهجين بن وائلِ |
إلى آخر ما مرَّ في الجزء الثَّاني ص ١٢٣ ط ٢.
نعم: لكلّ بغيّ كان يتّصل بسميّة امّ زياد، والنابغة امّ عمرو، وهند امّ معاوية، وحمامة اُمّ أبي سفيان، والزرقاء امّ مروان، وأضرابهنّ من مشهورات البغاء ويأتيهنّ أن يختصم في ولايدهنّ.
كتب معاوية إلى زياد يوم كان عامل عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام : أمّا بعد فإنّ العشَّ الذي ربِّيت به معلومٌ عندنا فلا تدع أن تأوي إليه كما تأوي الطيور إلى أوكارها، ولولا شيىءٌ والله أعلم به لقلت كما قال العبد الصالح: فلنأتينّهم بجنود لا قبَل لهم بها، ولنخرجنَّهم منها أذلّة وهم صاغرون. وكتب في آخر كتابه:
لِلّه درّ زياد أيّما رجل |
لو كان يعلم ما يأتي وما يذرُ |
|
تنسى أباك وقد حقّت مقالته |
إذ تخطب الناس والوالي لنا عمرُ |
|
فافخر بوالدك الأدنى ووالدنا |
إنَّ ابن حرب له في قومه خطرُ |
|
إنّ انتهازك قوماً لا تناسبهم |
عدّ الأنامل عار ليس يغتفرُ |
|
فانزل بعيداً فإنّ الله باعدهم |
عن كلِّ فضل به يعلو الورى مضرُ |
|
فالرأي مطرف والعقل تجربة |
فيها لصاحبها الايراد والصدرُ |
فلمّا ورد الكتاب على زياد قام في الناس فقال: العجب كلّ العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يخوّفني بقصده إيّاي وبيني وبينه ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في
المهاجرين والأنصار، أما والله لو أذن في لقاءه أعرف الناس بضرب السيف. واتّصل الخبر بعليّ رضي الله عنه، فكتب إلى زياد:
أمّا بعد: فقد ولّيتك الذي ولّيتك وأنا لا أزال له أهلاً، وانّه قد كانت من أبي سفيان فلتة من أمانيِّ الباطل، وكذب النفس، لا يوجب له ميراثاً، ولا يحلّ له نسبا - وفي لفظ: لا تستحقُّ بها نسباً ولا ميراثاً - وإنَّ معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فأحذر ثمّ احذر، والسّلام.
فلمّا بلغ أبا بكرة أخا زياد لامِّه سميّة: انّ معاوية استلحقه وانّه رضي ذلك آلى يميناً أن لا يكلّمه أبداً وقال: هذا زنا امّه وانتفى من أبيه، ولا والله ما علمت سميّة رأت أبا سفيان قطّ، ويله ما يصنع باُمِّ حبيبة زوج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ( بنت أبي سفيان ) أيريد أن يراها؟ فإن حجبته؟ فضحته، وإن رآها؟ فيالها مصيبة؟ يهتك مِن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حرمة عظيمة. وحجَّ زياد في زمن معاوية ودخل المدينة فأراد الدخول على اُمِّ حبيبة ثمَّ ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك. وقيل: إنّ امّ حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها.
قال أبو عمر: لما ادَّعى معاوية زياداً دخل عليه بنو اميّة وفيهم عبد الرّحمن بن الحكم فقال: يا معاوية! لو لم تجد إلّا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلّة وذلّة. فأقبل معاوية على مروان وقال: أخرج عنّا هذا الخليع. فقال مروان: والله انّه لخليع ما يطاق. فقال معاوية: والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنّه يطاق، ألم يبلغني شعره فيَّ وفي زياد ثمَّ قال لمروان: اسمعينه. فقال:
ألا ابلغ معاوية بن صخر |
لقد ضاقت بما تأتي اليدانِ |
|
أتغضب أن يُقال: أبوك عفٌّ؟ |
وترضى أن يقال: أبوك زانِ؟! |
|
فأشهد انّ رحمك من زياد |
كرحم الفيل من وُلد الاتانِ |
|
وأشهد انّها حملت زياداً |
وصخرٌ من سميّة غير دانِ |
هذه الأبيات تُروى لزياد(١) بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر ومَن رواها له جعل أوَّلها:
____________________
١ - هو يزيد بن ربيعة الشاعر الشهير توجد ترجمته فى الاغانى ١٧: ٥١ - ٧٣.
ألا ابلغ معاوية بن صخر |
مغلغلة من الرَّجل اليمانِ |
وذكر الأبيات كما ذكرناها سواء. وروى عمر بن شبة وغيره: أنّ ابن مفرغ لمـَّا وصل إلى معاوية أو إلى ابنه يزيد بعد أن شفعت فيه اليمانية وغضبت لما صنع به عباد وأخوه عبيد الله، وبعد أن لقي من عباد بن زياد وأخيه عبيد الله ما لقي ممّا يطول ذكره وقد نقله أهل الأخبار ورواة الأشعار بكر وقال: يا أمير المؤمنين! ركب منّي ما لم يركب من مسلم قطّ على غير حدث في الإسلام ولا خلع يد من طاعة. فقال له معاوية: ألست القائل:
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
مغلغة من الرّجل اليمانِ |
|
أتغضب أن يقال: أبوك عفّ؟ |
وترضى أن يقال: أبوك زانِ؟! |
فقال ابن المفرغ: لا والذي عظم حقّك ورفع قدرك، يا أمير المؤمنين! ما قلتها قطُّ ولقد بلغني أنَّ عبد الرّحمن بن الحكم قالها ونسب إليَّ. فقال أفلست القائل:
شهدت بأنّ امّك لم تباشر |
أبا سفيان واضعة القناعِ |
|
ولكن كان أمراً فيه لبسٌ |
على وجه شديد وارتياعِ؟(١) |
أوَ لست القائل:
إنَّ زياداً ونافعاً وأبا بكـ |
ـ رة عندي من أعجب العجبِ |
|
هم رجالٌ ثلاثةٌ خلقوا |
في رحم اُنثى وكلّهم لأبِ(٢) |
|
ذا قرشيٌّ كما يقول وذا |
مولى وهذا بزعمه عربي |
في أشعار قلتها في زياد وبنيه تهجوهم، أغرب فلا عفا الله عنك، قد عفوت عن جرمك، ولو صحبت زياداً لم يكن شيىءٌ ممّا كان، اذهب فاسكن أيّ أرض أحببت. فاختار الموصل.
قال أبو عمر: ليزيد بن مفرغ في هجو زياد وبنيه من أجل ما لقي من عبّاد بن زياد بخراسان أشعار كثيرة، وقصّته مع عبّاد بن زياد وأخيه عبيد الله بن زياد مشهورةٌ ومن قوله يهجوهم:
____________________
١ - هذه القصيدة كما قال أبو الفرج: طويلة. ذكر منها في الاغاني ١٧: ٦٦ تسعة عشر بيتاً.
٢ - ويروى: انثى مخالف النسب.
أعبّاد ما للّوم عنك محولُ |
ولا لك امٌّ في قريش ولا أبُ |
|
وقل لعبيد الله: ما لك والدٌ |
بحقّ ولا يدري امرؤ كيف تنسبُ(١) |
قال عبيد الله بن زياد: ما هُجيت بشيىء أشدّ عليَّ من قول ابن مفرغ:
فكّر ففي ذاك إن فكّرت معتبرُ |
هل نلت مكرمة إلّا بتأمير؟! |
|
عاشت سميّة ما عاشت وما علمت |
إنَّ ابنها من قريش في الجماهيرِ |
وقال غيره:
زياد لست أدري من أبوه |
ولكنّ الحمار أبو زيادِ |
ورُوينا: انّ معاوية بن أبي سفيان قال حين أنشده مروان شعر أخيه عبد الرّحمن: والله لا أرضى عنه حتّى يأتي زياداً فيترضّاه ويعتذر إليه. وأتاه عبد الرّحمن يستأذن عليه معتذراً فلم يأذن له، فأقبلت قريش على عبد الرَّحمن بن الحكم فلم يدعوه حتّى أتى زياد فلمّا دخل فسلّم عليه فتشاوس(٢) له زياد بعينه وكان يكسر عينه فقال له زياد: أنت القائل ما قلت؟ فقال عبد الرَّحمن: وما الذي قلت؟ فقال: قلت ما لا يُقال. فقال: عبد الرَّحمن: أصلح الله الأمير انّه لا ذنب لمن اعتب، وإنّما الصفح عمّن أذنب، فاسمع منّي ما أقول قال: هات فأنشأ يقول:
إليك أبا المغيرة تبت ممّا |
جرى بالشام من جور اللسانِ |
|
وأغضبت الخليفة فيك حتّى |
دعاه فرط غيظٍ أن لحاني |
|
وقلت لمن لحاني في اعتذاري |
إليك الحقّ شأنك غير شأنِ |
|
عرفت الحقّ بعد خطأ رأيي |
وما ألبسته غير البيانِ |
|
زياد من أبي سفيان غصنٌ |
تهادى ناضرٌ بين الجنانِ |
|
أراك أخاً وعمّاً وابن عمّ |
فما أدري بعينٍ ما تراني |
|
وأنت زيادةٌ في آل حرب |
أحبّ إليَّ من وسطي بناني |
|
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
فقد ظفرت بما تأتي اليدانِ |
فقال له زياد: أراك أحمق مترفاً شاعراً صنع اللسان، يسوغ لك ريقك ساخطاً و
____________________
١ - ذكر أبو الفرج فى الامانى ١٧: ٥٩ من بائية ابن المفرغ هذه اثنى عشر بيتاً.
٢ - من شاس: نظر بمؤخر عينه تكبراً أو تغيظا.
مسخوطاً، ولكنّا قد سمعنا شعرك وقبلنا عذرك، فهات حاجتك. قال: كتاب إلى أمير المؤمنين بالرضى عنِّي. قال: نعم. فكتب كتاباً أخذه ومضى حتى دخل على معاوية، ففضّ الكتاب ورضَي عنه وردّه إلى حاله وقال: قبّح الله زياداً ألم ينتبه له إذ قال:
وأنت زيادة في آل حرب |
....................... |
قال أبو عبيدة: كان زياد يزعم انَّ امّه سميّة بنت الأعور من بني عبد شمس ابن زيد مناة بن تميم فقال ابن مفرّغ يردّ ذلك عليه:
فاُقسم ما زياد من قريش |
ولا كانت سميّة من تميم |
|
ولكن نسل عبد من بغيّ |
عريق الأصل في النسب اللئيم(١) |
وأخرج الطبري في تاريخه ٦: ١٢٣ بإسناده عن أبي إسحاق: إنَّ زياداً لمـّا قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلّا لكم. قالوا: اُدعنا إلى ما شئت. قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: أمّا بشهادة الزور فلا، فأتى البصرة فشهد له رجلٌ.
قال ابن عساكر وابن الأثير: كان أبو سفيان صار إلى الطائف فنزل على خمّار يقال له أبو مريم السلولي وكانت لأبي مريم بعد صحبة فقال أبو سفيان لأبي مريم بعد أن شرب عنده: قد اشتدّت به العزوبة، فالتمس لي بغيّاً. فقال: هل لك في جارية الحارث ابن كلدة سُميّة امرأة عُبيد؟ فقال: هاتها على طول ثديها وريح إبطيها. فجاء بها إليه فوقع بها، فولدت زياداً فادّعاه معاوية.
وروى ابن عساكر عن ابن سيرين عن أبي بكرة قال: قال: زياد لأبي بكرة: ألم ترَ انَّ أمير المؤمنين أرادني على كذا وكذا، وولدت على فراش عُبيد واشبهته، وقد علمت أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: من ادّعى لغير أبيه فليتبوّأ مقعده من النار. ثمّ جاء العام المقبل وقد ادّعاه.
وقال محمّد بن اسحاق: كنّا جلوساً عند أبي سفيان فخرج زياد فقال: ويل امّه لو كان له صلب قوم ينتمي إليهم(٢)
ولمـّا بويع معاوية قدم زياد على معاوية فصالحه على ألفي ألف، ثمّ أقبل فلقيه
____________________
١ - الاغانى ١٧: ٥١ - ٦٧، الاستيعاب ١: ١٩٥ - ١٩٨، تاريخ ابن عساكر ٥: ٤٠٦ - ٤٢٣، مروج الذهب ٢: ٥٦، ٥٧. تاريخ ابن كثير ٨: ٩٥، ٩٦، الاتحاف ص ٢٢.
٢ - العقد الفريد ٣: ٢، تاريخ ابن عساكر ٥: ٤٠٩، كامل ابن الاثير ٣: ١٩١.
مصقلة بن هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إنّ زياداً قد أكل فارس برًّا وبحراً، وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلّا حقّاً.
فإذا قال لك: وما يقال؟ فقل: يُقال: انّه ابن أبي سفيان. ففعل مصقلة ذلك، ورأى معاوية أن يستميل زياداً واستصفى مودّته باستلحاقه، فاتّفقا على ذلك واحضر الناس و حضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي فقال له معاوية: بِمَ تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أنَّ أبا سفيان حضر عندي وطلب منِّي بغيّاً فقلت له: ليس عندي إلّا سُميّة. فقال: ائتني بها على قذرها ووضرها. فأتيته بها فخلا معها ثمّ خرجت من عنده وانَّ اسكتيها ليقطران منيّاً. فقال له زياد: مهلاً أبا مريم إنّما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتماً. فاستلحقه معاوية(١)
وفي العقد الفريد ٣: ٣: يقال: إنَّ أبا سفيان خرج يوماً وهو ثملٌ إلى تلك الرّايات فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بغيّ؟ فقالت ما عندي إلّا سُمَّية قال: هاتها على نتن إبطيها. فوقع بها فولدت له زياداً على فراش عُبيد.
فوجد زياد نفسه بعد حسبه الواطئ ونسبه الوضيع، بعد أن كان لا يُعزى إلى أب معلوم عمراً طويلاً يقرب من خمسين عاماً(٢) فيقال له: زياد بن أبيه. أخا ملك الوقت وابن من يُزعم انّه من شرفاء بيئته، وقد تسنّى له الحصول على مكانة رابية فأعرق نُزعاً في جلب مرضاة معاوية المحابي له بتلك المرتبة الّتي بمثلها حابت هند ابنها المردَّد بين خمسة رجال أو ستّة من بغايا الجاهليّة، لكن آكلة الأكباد ألحقت معاوية بأبي سفيان لدلالة السحنة والشبَه، فطفق زياد يلغ في دماء الشيعة ولمعاوية من ورائه تصديةٌ ومكاء، وإنَّ غلواء الرَّجل المحابي أعمته عن استقباح نسبة الزنا لأبيه يوم استحسن أن يكون له أخ مثل زياد شديد في بأسه، يأتمر أوامره، وينتهي إلى ما يودّه من بوائق وموبقات، و لم يكترث لحكم الشريعة بحرمة مثل ذلك الإلحاق واستعظامها إيّاه، ولا يصيخُ إلى قول النبيِّ الصادقصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال يونس بن أبي عبيد الثقفي لمعاوية: يا معاوية! قضى
____________________
١ - تاريخ اليعقوبي ٢: ١٩٤، مروج الذهب ٢: ٥٦، تاريخ ابن عساكر ٥: ٤٠٩، كامل ابن الاثير ٣: ١٩٢، شرح ابن أبي الحديد ٤: ٧٠، الاتحاف للشبراوى ص ٢٢.
٢ - قيل: ولد عام الفتح سنة ثمان. وقيل: عام الهجرة. وقيل: قبل الهجرة. وقيل: يوم بدر.
_١٤_
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الولد للفراش وللعاهر الحجَر. فعكست ذلك وخالفت سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أعد. فأعاد يونس مقاله هذا، فقال معاوية: يا يونس! والله لتنتهينَّ أو لأطيرنّ بك طيراً بطيأ وقوعها(١) .
انظر إلى ايمان الرجل بنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإخباته إلى حديثه بعد استعادته، وعنايته بقبوله ورعايته حرمته، والحكَم في هذه الشنيعة كلّ ذي مسكة من علماء الاُمَّة وذوي حنكتها ومؤلّفيها وكتّابها.
قال سعيد بن المسيب: أوَّل(٢) قضيّة ردَّت من قضاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علانية قضاء فلان، يعني: معاوية في زياد.
وقال ابن يحيي: أوَّل حكم ردّ من أحكام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحكم في زياد.
وقال ابن بعجة: أوَّل داء دخل على العرب قتل الحسن « سبط النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم » و ادّعاء زياد(٣) .
وقال الحسن: اربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنَّ إلّا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلافه ابنه بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. وادّعائه زياداً وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجَر. وقتله حُجراً، ويلاً له من حُجر وأصحاب حُجر قالها. مرّتين(٤) .
وقال الإمام السبط الحسن الزكيّعليهالسلام لزياد في حضور من معاوية، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم: وما أنت يا زياد! وقريشاً؟ لا أعرف لك فيها أديماً صحيحاً ولا فرعاً نابتاً، ولا قديماً ثابتاً، ولا منبتاً كريماً، بل كانت امّك بغيّاً تداولها رجال
____________________
١ - الاتحاف للشبراوى ص ٢٢.
٢ - ليست بأول قارورة كسرت فى الاسلام وانّما ردّ من يوم السقيفة وهلمّ جرا إلى يوم الاستلحاق من قضايا رسول الله ما يربو على العدّ.
٣ - تاريخ ابن عساكر ٥: ٤١٢، تاريخ الخلفاء، للسيوطى ص ١٣١، أوائل السيوطى ص ٥١.
٤ - تاريخ ابن عساكر ٢: ٣٨١، تاريخ الطبرى ٦: ١٥٧، الكامل لابن الاثير ٤: ٢٠٩، تاريخ ابن كثير ٨: ١٣٠، محاضرات الراغب ٢: ٢١٤، النجوم الزاهرة ١ ص ١٤١.
قريش، وفجّار العرب، فلمّا ولدت لم تعرف لك العرب والداً فادّعاك هذا - يعني معاوية - بعد ممات أبيه، ما لك افتخار، تكفيك سُميّة ويكفينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي عليُّ بن أبي طالب سيّد المؤمنين الذي لم يرد على عقبيه، وعمِّي حمزة سيّد الشهداء، وجعفر الطيّار، وأنا وأخي سيّدا شباب أهل الجنّة(١) .
وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملؤ جوهراً لم ير مثله فسرّ معاوية بذلك سروراً شديدا، فلمّا رأى زياد ذلك صعد المنبر فقال: أنا والله يا أمير المؤمنين! أقمت لك معر العراق، وجبيت لك مالها، وألفظت إليك بحرها، فقام يزيد ابن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد! فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عُبيد إلى حرب بن اُميّة. فقال معاوية: اجلس فداك أبي وامّي(٢) .
وقال السكتواري في محاضرة الأوائل ص ١٣٦ اوّل قضيّة ردَّت من قضايا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علانية دعوة معاوية زياداً، وكان أبو سفيان تبرَّأ منه وادَّعى انَّه ليس مِن أولاده وقضى بقطع نسبه، فلمّا تأمّر معاوية قرّبه واستأمر ففعل ما فعل زياد بن أبيه يعني ابن زنيّة من الطغيان والاساءة في حقّ أهل بيت النبوّة. وقال في ص ١٦٤: كان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى معاوية يقول: هذا ابن أبي سفيان كسرى العرب(٣) لأنّه كان أوّل من ردّ قضية من قضايا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين هجر، وزياد بن أبيه أوّل من أساء إساءةً تفرَّد بشينها بين الاُمم في حقً أهل البيت رضي الله عنهم.
وقال في ص ٢٤٦: كان قد تبرّأ من زياد أبو سفيان ومنع حقّه من ميراث الاسلام بحضرة الصّحابة رضي الله عنهم، فلا زال طريداً حتّى دعاه معاوية وقرّبه وأمَّره وردّ القضيّة، وهي أول قضيّة من قضايا الإسلام ردّت، ولذا صارت بليّة شنيعة، ومحنة فاحشة بين الاُمَّة، وأبغض الوسائل تعدِّيه على أفضل الملّة وأحبّ العترة اهـ.
____________________
١ - المحاسن والمساوى للبيهقى ١: ٥٨.
٢ - المجتنى لابن دريد ص ٣٧.
٣ - قول عمر هذا فى معاوية ذكره جمعٌ، راجع الاستيعاب ١: ٢٥٣، أسد الغابة ٤: ٣٨٦، الاصابة ٣: ٤٣٤.
ولا أحسب أنَّ أحداً من رجالات الدين يشذّ عمَّا قاله الجاحظ في رسالته النابتة في بني اميّة ص ٢٩٣: فعندها استوى معاوية على الملك واستبدَّ على بقيّة الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سمّوه « عام الجماعة » وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبريّة وغلبة، والعام الذي تحوّلت فيه الإمامة ملكاً كسرويّاً، والخلافة منصباً قيصريّاً، ولم يعدّ ذلك أجمع الضلال والفسق، ثمَّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتّبنا، حتى ردَّ قضيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ردًّا مكشوفاً، وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع اجماع الاُمّة على أنّ سميّة لم تكن لأبي سفيان فراشاً، وانّه إنّما كان بها عاهراً فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفّار.اهـ.
ولو تحرَّينا موبقات معاوية المكفّرة له وجدنا هذه في أصاغرها، فجلّ أعماله - إن لم يكن كلّه - على الضدّ من الكتاب والسنّة الثابتة، فهي غير محصورة في مخالفته لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجَر.
_ ١٤ _
بيعة يزيد
أحد موبقات معاوية الاربع(١)
إنَّ من موبقات معاوية وبوائقه - وهو بكلّه بوائق - أخذه البيعة لابنه « يزيد » على كُرهٍ من أهل الحلّ والعقد، ومراغمة لبقايا المهاجرين والأنصار، و إنكار من أعيان الصحابة الباقين، تحت بوارق الإرهاب، ومعها طلاة المطامع لأهل الشرَه والشهوات.
كان في خَلد معاوية يوم استقرّت له الملوكيّة وتمَّ له الملك العضوض أن يتّخذ ابنه وليّ عهده ويأخذ له البيعة، ويؤسّس حكومة أمويَّة مستقرّة في أبناء بيته، فلم يزل يروض الناس لبيعة سبع سنين يُعطي الأقارب ويُداني الأباعد(٢) وكان يبتلعه
____________________
١ - راجع كلمة الحسن البصرى المذكورة قبيل هذا صفحة ٢٢٥.
٢ - العقد الفريد ٢: ٣٠٢.
طوراً، ويجترُّ به حيناً بعد حين، يمُهِّد بذلك السبيل، ويسهِّل حزونته، ولمـَّا مات زياد سنة ٥٣ وكان يكره تلك البيعة أظهر معاوية عهداً مفتعلاً - على زياد - فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده، وأراد بذلك أن يسهِّل بيعة يزيد كما قاله المدائني(١) وقال أبو عمر في الاستيعاب ١: ١٤٢: كان معاوية قد أشار بالبيعة ليزيد في حياة الحسن وعرض بها ولكنّه لم يكشفها ولا عزم عليها إلّا بعد موت الحسن.
قال ابن كثير في تاريخه ٨: ٧٩: وفي سنة ستّ خمسين دعا معاوية النّاس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون وليَّ عهده من بعده، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة(٢) بن شعبة، فروى ابن جرير من طريق الشعبي: أنّ المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه، وعزم على توليتها سعيد بن العاص، فلمّا بلغ ذلك المغيرة كأنّه ندم، فجاء إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون وليَّ العهد فسأل ذلك من أبيه فقال: مَن أمرك بهذا؟ قال: المغيرة. فأعجب ذلك معاوية من المغيرة، وردّه إلى عمل الكوفة، وأمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك وهو عُبيد بن كعب النميري - وكان صاحباً أكيداً لزياد - فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أوَّلا فكلّمه عن زياد وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك، فإنّ تركه خيرٌ له من السعي فيه، فانزجر يزيد عمّا يريد من ذلك، واجتمع بأبيه واتّفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلمّا مات زياد شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه، وعقد البيعة لولده يزيد، وكتب إلى الآفاق بذلك.
صورة أخرى
في بدء بدئها
كان ابتداء بيعة يزيد وأوَله من المغيرة بن شعبة فإنَّ معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة
____________________
١ - العقد الفريد ٢: ٣٠٢، تاريخ الطبرى ٦: ١٧٠.
٢ - توفى المغيرة سنة خمسين وقدم على معاوية فى سنة خمس وأربعين واستعفاه من الامرة وهى سنة بدوّ فكر بيعة يزيد فى خلد معاوية بايعاز من المغيرة.
ويستعمل عوضه سعيد بن العاص فبلغه ذلك فقال: الرأي أن أشخص إلى معاوية فاستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية، فسار إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبداً، ومضى حتّى دخل على يزيد وقال له: إنّه قد ذهب أعيان أصحاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنّما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأياً وأعلمهم بالسنّة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟ قال: أوَ ترى ذلك يتمّ؟ قال: نعم. فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة فأحضر المغيرة وقال له: ما يقول يزيد؟ فقال: يا أمير المؤمنين! قد رأيت ما كان من سفك الدماء والإختلاف بعد عثمان(١) وفي يزيد منك خلفٌ فاعقد له، فإن حدث بك حادثٌ كان كهفاً للناس وخلفاً منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة. قال: ومَن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحدٌ يخالفك. قال: فارجع إلى عملك وتحدَّث مع مَن تثق إليه في ذلك، وترى ونرى. فودَّعه ورجع إلى أصحابه فقالوا: مَه. قال: لقد وضعت رِجل معاوية في غرز بعيد الغاية على اُمّة محمّد، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبدا. وتمثّل:
بمثلي شاهدي نجوى وغالى |
بي الأعداء والخصم الغضابا |
وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم انّه شيعة لبني اميّة أمر يزيد فأجابوا إلى بيعته فأوفد منهم عشرة ويقال: أكثر من عشرة. وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة وقدموا على معاوية فزيَّنوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها. فقال معاوية: لا تعجلوا باظهار هذا وكونوا على رأيكم، ثمَّ قال لموسى: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بثلاثين ألفاً. قال: لقد هان عليهم دينهم، وقيل: أرسل أربعين رجلاً وجعل عليهم ابنه عروة، فلمّا دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: إنَّما أشخصهم إليه النظر لاُمّة محمَّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقالوا: يا أمير المؤمنين! كبرت سنّك وخفنا انتشار الحبل فانصب لنا علماً، وحدّ لنا حدّاً ننتهي إليه.
____________________
١ - ألا مسائل المغيرة عن أن هذا الشقاق والخلاف وسفك الدماء المحرّمة في عدم الاستخلاف هل كان يعلمها رسول الله صلى الله عليه و آله ؟ فلماذا ترك امّته سدى ولم يستخلف كما زعمه هو والسياسيون من رجال الانتخاب الدستورى؟.
فقال: أشيروا عليَّ. فقالوا: نشير بيزيد بن أمير المؤمنين. فقال: أوَقد رضيتموه؟ قالوا: نعم. قال: وذلك رأيكم؟ قالوا: نعم، ورأي مَن وراءنا. فقال معاوية لعروة سرّاً عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بأربعمأة دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً، وقال لهم: ما ننظر ما قدمتهم له ويقضي الله ما أراد، والأناة خيرٌ من العجلة فرجعوا، وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد فأرسل إلى زياد يستشيره فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال له: إنّ لكلّ مستشير ثقة، ولكلّ سرّ مستودع، وإنَّ الناس قد أبدع بهم خصلتان: إذاعة السرّ، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضوع السرّ إلّا أحد رجلين: رجلُ آخرة يرجو ثوابها، ورجل دنيا له شرف في نفسه، وعقل يصون حسبه، و قد خبرتهما منك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف: إنَّ أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا، وانّه يتخوّف نفرة الناس، ويرجو طاعتهم، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد، فألق أمير المؤمنين وأدِّ إليه فعلات يزيد وقل له: رويدك بالأمر فأحرى لك أن يتمَّ لك، لا تعجل فإنَّ دركاً في تأخير خيرٌ من فوت في عجلة. فقال له عُبيد: أفلا غير هذا؟ قال. وما هو؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تبغض إليه ابنه، واُلقي أنا يزيد فأخبره انَّ أمير المؤمنين كتب إليك، يستشيرك في البيعة له، وانّك تتخوَّف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه، و إنَّك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجَّة على الناس، ويتمّ ما تريد فتكون قد نصحت أمير المؤمنين وسلمت ممّا تخاف من أمر الاُمَّة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، أشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغشّ، وتقول بما ترى، ويقتضي الله بغيب ما يعلم، فقدم على يزيد فذكر ذلك له فكفَّ عن كثير ممّا كان يصنع، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتوءدة وأن لا يعجل، فقبل منه، فلمّا مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها فلمّا ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر: هذا أراد، إنَّ ديني إذن لرخيصٌ وامتنع(١) .
____________________
١ - تاريخ الطبري ٦: ١٦٩، ١٧٠، كامل ابن الأثير ٣: ٢١٤، ٢١٥.
بيعة يزيد فى الشام
وقتل الحسن السبط دونها
لمـّا اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق باحضار منه وكان فيهم الأحنف بن قيس دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له: إذا جلستُ على المنبر وفرغتُ من بعض موعظتي وكلامي فاستأذني للقيام فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى واذكر « يزيد » وقل فيه الذي يحقُّ له عليك من حسن الثناء عليه، ثمّ ادعني إلى توليته من بعدي فإنِّي قد رأيت وأجمعت على توليته، فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء، ثمَّ دعا عبد الرَّحمن بن عثمان الثقفي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السّلمي، وعبد الله بن عصام الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدّقوا قوله ويدعوه إلى يزيد.
ثمَّ خطب معاوية فتكلّم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد فقال معاوية: أين الأحنف؟ فأجابه، قال: ألا تتكلّم؟ فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أصلح الله أمير المؤمنين، انَّ الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف، و يزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين! فاعرف من تسند إليه الأمر من يدك، ثمّ اعص أمر من يأمرك، لا يغررك مَن يشير عليك ولا ينظر لك وأنت انظر للجماعة واعلم باستقامة الطاعة، إنَّ أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيّاً.
فغضب الضحّاك فقام الثانية فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أصلح الله امير المؤمنين انَّ أهل النفاق من أهل العراق، مروءتهم في أنفسهم الشقاق، وألفتهم في دينهم الفراق، يرون الحقَّ على أهوائهم كأنَّما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلاً وبطراً، لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة، اتَّخذوا إبليس لهم ربّا، واتَّخذهم إبليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسرّوه، ومَن يفارقوه لا يضرّوه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين! في نحورهم، وكلامهم في صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات ولا تورث الخلافة عن كلالة، ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطِّنوا أنفسكم يا أهل العراق! على المناصحة لإمامكم وكاتب نبيّكم وصهره، يسلم لكم العاجل، ويربحوا من الآجل.
ثمَّ قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا أمير المؤمنين! إنّا قد فررنا(١) عنك قريشاً فوجدناك أكرمها زنداً، وأشدَّها عقداً، وأوفاها عهداً، قد علمت انّك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصا، ولكنّك أعطيت الحسن بن عليّ من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك، فإن تف فأنت أهل الوفاء، وإن تعذر تعلم والله انَّ وراء الحسن خيولاً جياداً، وأذرعاً شداداً، وسيوفاً حداداً، إن تدنُ له شِبراً من غدر، تجد وراءه باعاً من نصر، وإنَّك تعلم أنَّ أهل العراق ما أحبّوك منذُ أبغضوك، ولا أبغضوا عليّاً وحسناً منذُ أحبّوهما، وما نزل عليهم في ذلك خَبَرٌ من - السّماء، وإنَّ السيوف التي شهروها عليك مع عليّ يوم صفّين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لَبين جوانحهم، وأيم الله إنّ الحسن لأحبّ إلى أهل العراق من عليّ.
ثمَّ قام عبد الرَّحمن بن عثمان الثقفي فأثنى على يزيد وحثَّ معاوية إلى بيعته فقام معاوية فقال:
أيُّها الناس: إنَّ لإبليس من الناس إخواناً وخُلاّناً، بهم يَستعدّ وإيّاهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعاً أوجفوا، وإن استُغني عنهم أرجفوا، ثمّ يُلقحون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق، عيّابون مرتابون، أن لَووَا عروة أمر حنفوا، وإن دُعوا إلى غيّ أسرفوا، وليسوا اولئك بمنتهين، ولا بمقلعين، ولا متَّعظين حتّى تصيبهم صواعق خزي وبيل، وتحلُّ بهم قوارع أمر جليل، تجتثّ اصولهم كاجتثاث اصول الفقع(٢) فأولى لاولئك ثمَّ أولى، فإنّا قد قدَّمنا وأنذرنا إن أغنى التقدّم شيئاً أو نفع النُذُر.(٣)
فدعا معاوية الضحّاك فولّاه الكوفة، ودعا عبد الرَّحمن فولّاه الجزيرة.
ثمَّ قام الأحنف بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين! أنت أعلمنا بيزيدُ في ليله ونهاره وسرّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لِلَّه رضاً ولهذه الاُمّة فلا تشاور الناس فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك، فلا تزوِّده الدنيا وأنت صائرٌ إلى الآخرة،
____________________
١ - فر عن الامر: بحث عنه.
٢ - الفقع بالفتح والكسر: البيضاء الرخوة من الكمأة.
٣ - النذر: الانذار. قال تعالى: فكيف كان عذابى ونذر.
فإنّه ليس لك من الآخرة إلّا ما طاب، واعلم أنَّه لا حجَّة لك عند الله إن قدّمت يزيد على الحسن والحسين، وأنت تعلم مَن هما، وإلى ما هما، وإنّما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربَّنا وإليك المصير(١) .
قال الأميني: لمـّا حسَّ معاوية بدء إعرابه عمّا رامه من البيعة ليزيد انّ الفئة الصالحة من الاُمَّة قطّ لا تخبت إلى تلك البيعة الوبيلة ما دامت للحسن السبط الزكيِّ سلام الله عليه باقيةٌ من الحياة، على انَّه أعطى الإمام مواثيق مؤكّدة ليكون له الأمر من بعده، وليس له أن يعهد إلى أيّ أحد، فرأى توطيد السبل لجروه في قتل ذلك الإمام الطاهر، وجعل ما عهد له تحت قدميه، قال أبو الفرج: أراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيىٌء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدسَّ إليهما سمّاً فماتا منه(٢) .
وسيوافيك تفصيل القول في أنّ معاوية هو الذي قتل الحسن السبط سلام الله عليه.
عبد الرحمن بن خالد(٣)
في بيعة « يزيد »
خطب معاوية أهل الشام وقال لهم: يا أهل الشام انّه كبرت سنّي وقرب أجلي وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاماً لكم، وإنّما أنا رجلٌ منكم فرؤا رأيكم.
فاصفقوا واجتمعوا وقالوا: رضينا عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، فشقّ ذلك على معاوية وأسرّها في نفسه، ثمّ انّ عبد الرَّحمن مرض فأمر معاوية طبيباً عنده يهوديّاً يقال له: إبن أثال. وكان عنده مكيناً، أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات، ثمَّ دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفياً هو وغلام له فرصدا ذلك اليهوديّ فخرج ليلاّ من عند معاوية فهجم عليه ومعه قومٌ هربوا عنه فقتله المهاجر. وفي الأغاني: انَّه قتله خالد بن المهاجر فاُخذ واُتي به معاوية فقال له: لا جزاك الله من زائر
____________________
١ - الامامة والسياسة ١، ١٣٨ - ١٤٢.
٢ - مقاتل الطالبين ص ٢٩.
٣ - أدرك النبى صلى الله عليه وآله قال أبو عمر فى الاستيعاب: كان من فرسان قريش وشجعانهم كان له فضل وهدى حسن وكرم إلّا انّه كان منحرفا عن على عليهالسلام وقال ابن حجر فى الاصابة: كان عظيم القدر عند أهل الشام.
خيراً قتلت طبيبي. قال: قتلت المأمور وبقي الآمر(١) .
قال أبو عمر بعد ذكر القصّة: وقصّته هذه مشهورةٌ عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها، ذكرها عمر بن شبه في أخبار المدينة وذكرها غيره.
قال الأميني: وقعت هذه القصّة سنة ٤٦ وهي السنة الثانية من هاجسة بيعة يزيد....
سعيد بن عثمان
سنة خمس وخمسين
سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان فقال: إنَّ بها عبيد الله بن زياد(٢) فقال: أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتّى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يُجارى إليه ولا يُسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه، وقدّمت عليّ هذا - يعني يزيد بن معاوية - وبايعت له ووالله لأنا خيرٌ منه أباً واُمّاً ونفساً. فقال معاوية: أمّا بلاء أبيك فقد يحقّ عليَّ الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك انّي طلبت بدمه حتى تكشّفت الاُمور: ولست بلائم لنفسي في التشمير، وأمّا فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خيرٌ منِّي وأقرب برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأمّا فضل اُمّك على اُمّه فما ينكر امرأة من قريش خيرٌ من امرأة من كلب، وأمّا فضلك عليه فوالله ما اُحبّ أنّ الغوطة دَحَست ليزيد رجالاً مثلك فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين! إبن عمّك وأنت أحقُّ مَن نظر في أمره وقد عتب عليك لي فأعتبه(٣) .
وفي لفظ ابن قتيبة: فلمّا قدم معاوية الشام أتاه سعيد بن عثمان بن عفان، وكان شيطان قريش ولسانها قال: يا أمير المؤمنين! على مَ تبايع ليزيد وتتركني؟ فوالله لتعلم أنّ أبي خير من أبيه، واُمّي خيرٌ من اُمّه، وأنا خيرٌ منه، وإنَّك إنّما نلت ما أنت فيه بأبي. فضحك معاوية وقال: يا ابن أخي أمّا قولك: إنّ أباك خيرٌ من أبيه. فيوم من
____________________
١ - الاستيعاب ترجمة عبد الرحمن:، الاغانى ١٥: ١٣: تاريخ الطبرى ٦: ١٢٨ واللفظ لابي عمر.
٢ - سار الى خراسان فى اخريات سنة ٥٣ وأقام بها سنتين كما رواه الطبري فى تاريخه ٦: ١٦٦، ١٦٧.
٣ - تاريخ الطبرى ٦: ١٧١، تاريخ ابن كثير ٨: ٧٩، ٨٠.
عثمان خيرٌ من معاوية. وأمّا قولك: إنَّ اُمّك خيرٌ من اُمِّه ففضل قرشيّة على كلبيّة فضلٌ بيّن. وأمّا أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنّما هو الملك يؤتيه الله من يشاء، قتل أبوك رحمه الله فتواكلته بنو العاصي وقامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منّةً عليك، و أمّا تكون خيراً من يزيد فوالله ما اُحبّ انّ داري مملوءة رجالاً مثلك بيزيد، ولكن دعني من هذا القول وسلني اُعطك. فقال سعيد بن عثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين! لا يعدم يزيد مزكّيا ما دمت له، وما كنت لأرضى ببعض حقّي دون بعض، فإذا أبيت فاعطني ممّا أعطاك الله. فقال معاوية: لك خراسان؟ قال سعيد: وما خراسان؟ قال: إنّها لك طعمة وصلة رحم. فخرج راضياً وهو يقول:
ذكرت أمير المؤمنين وفضله |
فقلت: جزاه الله خيراً بما وصلْ |
|
وقد سبقت منّي إليه بوادرٌ |
من القول فيه آية العقل والزللْ |
|
فعاد أمير المؤمنين بفضله |
وقد كان فيه قبل عودته ميلْ |
|
وقال: خراسان لك اليوم طعمة |
فجوزي أمير المؤمنين بما فعلْ |
|
فلو كان عثمان الغداة مكانه |
لما نالني من ملكه فوق ما بذلْ |
فلمّا انتهى قوله إلى معاوية أمر يزيد أن يزوّده وأمر إليه بخلعة وشيّعه فرسخاً(١) .
قال ابن عساكر في تاريخه ٦: ١٥٥: كان أهل المدينة يحبّون سعيداً ويكرهون يزيد، فقدم على معاوية فقال له: يا ابن أخي ما شيىءٌ يقوله أهل المدينة؟ قال: ما يقولون؟ قال: قولهم:
والله لا ينالها يزيدُ |
حتّى يعضّ هامه الحديدُ |
إنّ الأمير بعده سعيدُ
قال: ما تنكر من ذلك يا معاوية؟! والله إنَّ أبي لخيرٌ من أبي يزيد، ولاُمّي خيرٌ من اُمّه، ولأنا خيرٌ منه، ولقد استعملناك فما عزلناك بعدُ، ووصلناك فما قطعناك، ثمَّ صار في يديك ما قد ترى فحلاتنا عنه أجمع. فقال له: أمّا قولك. الحديث.
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ١٥٧.
وقال: حكى الحسن بن رشيق قصّة سعيد مع معاوية بأطول ممّا مرّ - ثمَّ ذكر حكاية ابن رشيق - وفيها: فوّلاه معاوية خراسان وأجازه بمائة ألف درهم.
كتب معاوية فى بيعة يزيد
كتب معاوية إلى مروان بن الحكم: إنيِّ قد كبرت سنّي، ودقَّ عظمي، وخشيت الإختلاف على الاُمّة بعدي، وقد رأيت أن أتخيّر لهم من يقوم بعدي، وكرهت أن أقطع أمراً دون مشورة من عندك، فأعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يردّون عليك.
فقام مروان في الناس فأخبرهم به فقال الناس: أصاب ووفّق، وقد أجبنا أن يتخيّر لنا فلا يألو. فكتب مروان إلى معاوية بذلك فأعاد إليه الجواب يذكر « يزيد » فقام مروان فيهم وقال: إنَّ أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل وقد استخلف ابنه يزيد بعده فقام عبد الرّحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان! وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لامّة محمّد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقليّة كلّما مات هرقل قام هرقل. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه:( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا ) . الآية، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب وقالت: يا مروان! يا مروان! فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه فقالت: أنت القائل لعبد الرّحمن انّه نزل فيه القرآن كذبت والله ما هو به و لكنّه فلان بن فلان، ولكنّك أنت فضضٌ من لعنة نبيّ الله(١)
وقام الحسين بن علي فأنكر ذلك، وفعل مثله ابن عمر، وابن الزبير، فكتب مروان بذلك إلى معاوية، وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار فكان فيمن أتاه محمّد بن عمرو بن حزم من المدينة، و الاحنف بن قيس في وفد أهل البصرة، فقال محمّد بن عمرو لمعاوية: إنَّ كلّ راع مسؤل عن رعيَّته فانظر من تولي أمر امّة محمّد فأخذ معاوية بهر(٢) حتى جعل يتنفّس في يوم شاتٍ ثمّ وصله وصرّفه. وأمر الأحنف أن يدخل على يزيد فدخل عليه فلمّا خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شباباً ونشاطاً وجلداً ومزاحاً، ثمّ إنّ
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الثامن ص ٢٥٢، ٢٥٣ ط ١.
٢ - البهر: انقطاع النفس من الاعياء.
معاوية قال للضحّاك بن قيس الفهري: لمـّا اجتمع الوفود عنده انّي متكلمٌ فإذا سكتُّ فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثّني عليها. فلمّا جلس معاوية للناس تكلّم فعظّم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقّها وما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر ثمّ ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة وعرض ببيعته فعارضه الضحاك، فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: يا أمير المؤمنين! انّه لا بدّ للناس من والٍ بعدك وقد بلونا الجماعة والاُلفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبل، وخيرًا في العاقبة، والأيّام عوج رواجع والله كلّ يوم هو في شأن، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت، وهو من أفضلنا علماً وحلماً وأبعدنا رأياً، فولّه عهدك، واجعله لنا علماً بعدك، ومفزعاً نلجأ إليه، ونسكن في ظلّه، وتكلّم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك، ثمّ قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية، فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد، ومَن أبى فهذا وأشار إلى سيفه، فقال معاوية: اجلس فأنت سيّد الخطباء. وتكلّم من حضر من الوفود
فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا، وأنت أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسرِّه وعلانيته ومدخله و مخرجه، فإن كنت تعلمه لِلَّه تعالى وللامّة رضا فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائرٌ إلى الآخرة، وإنّما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا. وقام رجلٌ من أهل الشام فقال: ما ندري ما تقول هذه المعديَّة العراقيّة، وإنّما عندنا سمعٌ وطاعةٌ وضربٌ وازدلاف. فتفرّق الناس يحكون قول الأحنف، وكان معاوية يعطي المقارب، ويُداري المباعد ويلطف به، حتّى استوثق له أكثر الناس وبايعه(١) .
صورة اخرى
قالوا: ثمَّ لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله إلّا يسيراً أن بايع ليزيد بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد، ويأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة يبايعوا ليزيد.
____________________
١ - العقد الفريد ٢: ٣٠٢ - ٣٠٤، الكامل لابن الاثير ٣: ٢١٤ - ٢١٦.
فلمّا قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريشٌ فكتب لمعاوية: انَّ قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك فأرني رأيك. فلمّا بلغ معاوية كتاب مروان عرف ذلك من قبله فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله، ويخبره أنّه قد ولّى المدينة سعيد بن العاص، فلمّا بلغ مروان كتاب معاوية أقبل مغاضباً في أهل بيته وناس كثير من قومه حتّى نزل بأخواله بني كنانة فشكا إليهم وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية وفي عزله و استخلافه يزيد ابنه عن غير مشاورة مبادرة له، فقالوا: نحن نبلك في يدك، وسيفك في قرابك، فمن رميته بنا أصبناه، ومن ضربته قطعناه، الرأي رأيك، ونحن طوع يمينك. ثمَّ أقبل مروان في وفد منهم كثير ممّن كان معه من قومه وأهل بيته حتى نزل دمشق فخرج حتى أتى سدَّة معاوية وقد أذن للناس، فلمّا نظر الحاجب إلى كثرة مَن معه من قومه وأهل بيته منعه من الدخول، فوثبوا إليه فضربوا وجهه حتَّى خلى عن الباب، ثمَّ دخل مروان ودخلوا معه حتى إذا كان معاوية بحيث تناله يده، قال بعد التسليم عليه بالخلافة: إنّ الله عظيمٌ خطره، لا يقدر قادرٌ قدره، خلق من خلقه عباداً جعلهم لدعائم دينه أوتاداً، هم رقباؤه على البلاد، وخلفاؤه على العباد، أسفر بهم الظلم وألّف بهم الدين، وشدَّد بهم اليقين، ومنح بهم الظفر، ووضع بهم من استكبر، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زماننا، وكنّا نكون لهم على الطاعة اخواناً، وعلى من خالف عنّا أعواناً، يُشدّ بنا العضد، ويُقام منّا الأوَد، ونُستشار في القضيّة، ونستأمر في أمر الرعيّة، وقد أصبحنا اليوم في امور مستخيرة، ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمَّة الضَّلال، وتجلس بأسوأ الرجال، يؤكل جزورها ونمق أحلابها، فما لنا لا نستأمر في رضاعها ونحن فطامها وأولاد فطامها؟ وأيم الله لولا عهودٌ مؤكّدة ومواثيق معقّدة لأقمت أوَد وليّها، فأقم الأمر يا بن أبي سفيان واهدأ من تأميرك الصبيان، واعلم أنَّ لك في قومك نظراً وإنَّ لهم على مناوأتك وزرا.
فغضب معاوية من كلامه غضباً شديداً ثمّ كظم غيظه بحلمه وأخذ بيد مروان ثمّ قال: إنّ الله قد جعل لكلِّ شيىء أصلاً، وجعل لكلِّ خير أهلاً، ثمّ جعلك في الكرم منِّي محتدا والعزيز مني والداً، اخترت من قروم قادة، ثمّ استللت سيّد سادة، فأنت
ابن ينابيع الكرام(١) ، فمرحباً بك وأهلاً من ابن عمّ، ذكرت خلفاء مفقودين شهداء صدّيقين، كانوا كما نعتَّ، وكنت لهم كما ذكرت، وقد أصبحنا في امور مستخيرة ذات وجوه مستديرة، وبك والله يا بن العمّ نرجو استقامة أوَدها، وذلولة صعوبتها، وسفور ظلمتها، حتّى يتطأطأ جسيمها، ويركب بك عظيمها، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده وفي كلِّ شيىء عضده، وإليك بعد عهده، فقد ولّيتك قومك، وأعظمنا في الخراج سهمك، وأنا مجيزٌ وفدك، ومحسنٌ رفدك، وعلى أمير المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك.
فكان أوّل ما رزق ألف دينار في كلِّ هلال، وفرض له في أهل بيته مائة مائة.
كتاب معاوية الى سعيد
إنّ معاوية كتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة ويكتب إليه بمن سارع ممّن لم يسارع، فلمَّا أتى سعيد بن العاص الكتاب دعا الناس إلى البيعة ليزيد وأظهر الغلظة، وأخذهم بالعزم والشدَّة، وسطا بكلِّ مَن أبطأ عن ذلك، فأبطأ الناس عنها إلّا اليسير لا سيّما بني هاشم فإنّه لم يجبه منهم أحدٌ، وكان ابن الزبير من أشدِّ الناس انكاراً لذلك، وردّاً له، فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية:
أمّا بعد: فإنّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين وأن أكتب إليك بمن سارع ممّن أبطأ، وإنِّي اخبرك انّ الناس عن ذلك بطاء لا سيّما أهل البيت من بني هاشم، فإنّه لم يجبني منهم أحدٌ، وبلغني عنهم ما أكره، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلَّا بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، والسّلام،
فكتب معاوية إلى عبد الله بن العباس، وإلى عبد الله بن الزبير، وإلى عبد الله بن جعفر، والحسين بن عليّ رضي الله عنهم كتباً وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها وكتب إلى سعيد بن العاص:
____________________
١ - قايس بين هذه الاطرائات الفارغة المكذوبة وبين قوله صلى الله عليه وآله لذلك الطريد بن الطريد الوزغ بن الوزغ، اللعين بن اللعين. ونحن لو اعطينا لمعاوية حق المقام لقلنا: مكره أخوك لا بطل.
أمّا بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة ولا سيّما بني هاشم وما ذكر ابن الزبير، وقد كتبت إلى رؤسائهم كتباً فسلّمها إليهم وتنجز جواباتها وابعث بها حتّى أرى في ذلك رأيي، ولتشدّ عزيمتك، ولتصلب شكيمتك، و تحسن نيّتك، وعليك بالرِّفق، وإيّاك والخرق، فإنَّ الرّفق رشدٌ، والخرق نكدٌ، وانظر حسيناً خاصّة فلا يناله منك مكروهٌ، فإنَّ له قرابة وحقّاً عظيماً لا ينكره مسلمٌ ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك أن تشاوره أن لا تقوى عليه. فأمّا من يرد مع السباع إذا وردت، ويكنس إذا كنست فذلك عبد الله بن الزبير، فاحذره أشدّ الحذر، ولا قوَّة إلّا بالله، وأنا قادمٌ عليك إن شاء الله. والسَّلام(١) .
قال الأميني: يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم. نعم: والحقُّ انَّ للحسين و لأبيه وأخيه قرابة وحقّاً عظيماً لا ينكره مسلمٌ ولا مسلمةٌ إلّا معاوية وأذنابه الذين قلّبوا عليهم ظهر المجنّ بعد هذا الاعتراف الذي جحدوا به واستيقنته أنفسهم، بعد أن حليت الأيّام لهم درّتها، فضيّعوا تلك القرابة، وأنكروا ذلك الحقَّ العظيم، وقطعوا رحماً ماسّة إن كان بين الطلقاء وسادات الامّة رحمٌ.
هيهات لا قرَّبت قربى ولا رحم |
يوماً إذا أقصت الأخلاق والشيمُ |
|
كانت مودَّة سلمان له رحماً |
ولم يكن بين نوح وابنه رحمُ(٢) |
كتاب معاوية الى الحسينعليهالسلام :
أمّا بعد: فقد انتهت إليّ منك امورٌ لم أكن أظنّك بها رغبة عنها، وانّ أحقّ الناس بالوفاء لمن أعطي بيعته من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، واتّق الله، ولا تردنَّ هذه الاُمّة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وامّة محمّد، ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون.
فكتب إليه الحسين رضي الله عنه:
أمّا بعد: فقد جاءني كتابك تذكر فيه انّه انتهت إليك عنّي امورٌ لم تكن
____________________
١ - الامامة والسياسة لابن قتيبة ١: ١٤٤ - ١٤٦.
٢ - من قصيدة للامير أبى فراس الشهيرة.
_١٥_
تظنّني بها رغبة بي عنها. وإنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدِّد إليها إلّا الله تعالى، وأمّا ما ذكرت انّه رقى إليك عنّي فإنّما رقاه الملّاقون المشّاؤون بالنميمة المفرِّقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حرباً ولا خلافاً، وإنِّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلّين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. إلى آخر الكتاب(١) .
كتاب معاوية إلى عبد الله بن جعفر:
كتب إلى عبد الله: أما بعد: فقد عرفت أثرتي إيّاك على مَن سواك، وحُسن رأيي فيك وفي أهل بيتك، وقد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تُشكر، وإن تأب تُجبر، والسَّلام.
فكتب إليه عبد الله بن جعفر:
أمّا بعد: فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرتَ فيه من أثرتك إيّاي على مَن سواي، فإن تفعل فبحظّك أصبتَ، وإن تأبَ فبنفسك قصَّرتَ، وأمّا ما ذكرت من جبرك إيّاي على البيعة ليزيد فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد أجبرناك وأباك على الإسلام حتى أدخلناكما كارهَين غير طائعين؟ والسَّلام. الإمامة والسياسة ١: ١٤٧، ١٤٨.
وكتب معاوية إلى عبد الله بن الزبير:
رأيت كرام الناس إن كفّ عنهمُ |
بحلم رأوا فضلاً لمن قد تحلّما |
|
ولا سيّما إن كان عفواً بقدرة |
فذلك أحرى أن يجلّ ويعظما |
|
ولست بذي لؤم فتعذر بالذي |
أتيته من أخلاق مَن كان ألوما |
|
ولكنَّ غشّاً لست تعرف غيره |
وقد غشَّ قبل اليوم إبليس آدما |
|
فما غشَّ إلّا نفسه في فعا له |
فأصبح ملعوناً وقد كان مكرما |
|
وانِّي لأخشى أن أنا لك بالذي |
أردت فيجزي الله مَن كان أظلما |
فكتب عبد الله بن الزبير إلى معاوية:
ألا سمع الله الذي أنا عبده |
فأخزى إله الناس من كان أظلما |
|
وأجرى على الله العظيم بحلمه |
وأسرعهم في الموبقات تقحّما |
____________________
١ - مرّ بتمامه فى هذا الجزء صفحة ١٦٠.
أغرَّك أن قالوا: حليم بعزَّة |
وليس بذي حلم ولكن تحلّما |
|
ولو رمت ما أن قد عزمت وجدتني |
هزبر عرين يترك القرنِ أكتما |
|
وأقسم لولا بيعة لك لم أكن |
لأنقضها لم تنج منِّي مسلما |
الامامة والسياسة ١: ١٤٧، ١٤٨.
بيعة يزيد
في المدينة المشرّفة
حجّ معاوية في سنة ٥٠، واعتمر في رجب سنة ٥٦ وكان في كلا السّفرين يسعى وراء بيعة يزيد، وله في ذلك خطوات واسعة ومواقف ومفاوضات مع بقيّة الصّحابة ووجوه الاُمّة، غير أنّ المؤرِّخين خلطوا أخبار الرِّحلتين بعضها ببعض وما فصّلوها تفصيلاً.
الرحلة الاولى
قال ابن قتيبة: قالوا: إستخار الله معاوية وأعرض عن ذكر البيعة حتّى قدم المدينة سنة خمسين فتلقّاه الناس فلمّا استقرّ في منزله أرسل إلى عبد الله بن عبّاس، وعبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتّى يخرج هؤلاء النفر فلمّا جلسوا تكلّم معاوية فقال: ألحمد لِلّه الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيراً كما أنعم علينا كثيراً، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وانّ محمّداً عبده ورسوله. أمّا بعد: فإنِّي قد كبر سنيّ ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن اُدعى فاُجيب، وقد رأيت أن استخلف عليكم بعدي يزيد ورأيته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش وخيارها وأبناء خيارها، ولم يمنعني أن اُحضر حسناً وحسيناً إلّا أنّهما أولاد أبيهما، على حسن رأيي فيهما وشديد محبّتي لهما، فردّوا على أمير المؤمنين خيراً يرحمكم الله.
فتكلّم عبد الله بن العبّاس فقال:
ألحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه، و أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وانّ محمّداً عبده ورسوله، وصلّى الله على محمّد وآل محمّد.
أمّا بعد: فإنّك قد تكلّمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإنَّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست
أسماؤه اختار محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم لرسالته، واختاره لوحيه، وشرّفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرّف به، وأولاهم بالأمر أخصّهم به، وإنَّما على الاُمّة التسليم لنبيِّها إذ إختاره الله لها فإنّه إنّما اختار محمّداً بعلمه، وهو العليم الخبير، واستغفر الله لي ولكم.
فقام عبد الله بن جعفر فقال:
ألحمد لِلَّه أهل الحمد ومُنتهاه، نحمده على إلها منا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقِّه، وأشهد أن لا إله إلّا الله واحداً صمداً لم يتّخذ صاحبةً ولا ولدا، وانَّ محمّداً عبده ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم . أمّا بعدُ: فإنَّ هذه الخلافة إن اُخذ فيها بالقرآن؟ فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وإن اُخذ فيها بسنَّة رسول الله؟ فأولوا رسول الله، وإن اُخذ بسنّة الشيخين أبي بكر وعمر فأيُّ الناس أفضل وأكمل وأحقُّ بهذا الأمر من آل الرَّسول؟ و أيم الله لو ولوه بعد نبيّهم لوضعوا الامر موضعه، لحقِّه وصدقه، ولاُطيع الله، وعُصي الشيطان، وما اختلف في الأمّة سيفان، فاتَّق الله يا معاوية! فانَّك قد صرت راعياً ونحن الرعيَّة، فانظر لرعيّتك، فانَّك مسئولٌ عنها غداً، وأمّا ما ذكرت من ابني عمّي. وتركك أن تحضرهما، فوالله ما أصبت الحقَّ، ولا يجوز لك ذلك إلّا بهما، وإنَّك لتعلم أنَّهما معدن العلم والكرم، فقُلْ أو دع، وأستغفر الله لي ولكم.
فتكلّم عبد الله بن الزبير فقال:
ألحمد لله الذي عرّفنا دينه، وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلّا الله. وأنَّ محمّداً عبده ورسوله. أمّا بعد: فإنَّ هذه الخلافة لقريش خاصَّة، تتناولها بمآثرها السنيَّة، وأفعالها المرضيَّة، مع شرف الآباء، وكرم الأبناء، فاتّقِ الله يا معاوية! وأنصف من نفسك، فانَّ هذا عبد الله بن عبّاس ابن عمِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، ابن عمِّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعليٌّ خلّف حسناً وحسيناً، وأنت تعلم مَن هما، وما هما، فاتَّق الله يا معاوية! وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك.
فتكلّم عبد الله بن عمر فقال:
ألحمد لِلَّه الذي أكرمنا بدينه وشرّفنا بنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أمّا بعد: فإنَّ هذه الخلافة ليست بهرقليَّة، ولا قيصريَّة، ولا كسرويَّة، يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كان كذلك
كنتُ القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع الستَّة من أصحاب الشورى، إلّا أنَّ الخلافة ليست شرطاً مشروطاً، وإنَّما هي في قريش خاصَّة، لمن كان لها أهلاً، ممَّن ارتضاه المسلمون لأنفسهم، مَن كان أتقى وأرضى، فإن كنتَ تريد الفتيان من قريش، فلعمري إنَّ يزيد من فتيانها، واعلم أنَّه لا يُغني عنك من الله شيئاً.
فتكلم معاوية فقال:
قد قلتُ وقلتم، وإنَّه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء، فإبني أحبُّ إليَّ من أبنائهم، مع أنَّ ابني إن قاولتموه وجد مقالاً، وإنَّما كان هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنَّهم أهل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولَّى الناسُ أبا بكر وعمر، من غير معدن الملك والخلافة، غير أنّهما سارا بسيرة جميلة، ثمَّ رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها، فأمّا ابنا عمّي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله.
ثمَّ أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، ولم يقطع عنهم شيئاً من صلاتهم وأعطياتهم، ثمَّ انصرف راجعاً إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين.
الإمامة والسياسة ١: ١٤٢ - ١٤٤، جمهرة الخطب ٢: ٢٣٣ - ٢٣٦.
قال الأميني: لم يذكر في هذا اللفظ ما تكلّم به عبد الرَّحمن، ذكره ابن حجر في الإصابة ٢: ٤٠٨ قال: خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلّمه الحسين ابن علي، وابن الزبير، وعبد الرَّحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرَّحمن: أهرقليّة؟ كلّما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبداً.
صورة اخرى
من محاورة الرحلة الاُولى
قدم معاوية المدينة حاجّاً(١) فلمّا أن دنى من المدينة خرج إليه الناس يتلقّونه ما بين راكبٍ وماشٍ، وخرج النساء والصبيان، فلقيه الناس على حال طاقتهم وما تسارعوا به في القوت والقرب، فلان لمن كافحه، وفاوض العامَّة بمحادثته، وتألَّفهم جهده مقاربة
____________________
١ - من المتسالم عليه انّ معاوية حجّ فى سنة خمسين.
ومصانعة ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به أهل المدينة: ما زلت أطوي الحزن من وعثاء السفر بالحبِّ لمطالعتكم حتى انطوى البعيد، ولان الخشن، وحقّ لجار رسول الله أن يُتاق إليه. فردَّ عليه القوم: بنفسك ودارك ومهاجرك أما انَّ لك منهم كأشفاق الحميم البرّ والحفيِّ. حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي وعبد الله بن عبّاس فقال معاوية: مرحباً بابن بنت رسول الله، وابن صنو أبيه. ثمّ انحرف إلى الناس فقال: هذان شيخا بني عبد مناف. وأقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحَّب وقرَّب وجعل يواجه هذا مرَّة، ويضاحك هذا اُخرى. حتى ورد المدينة، فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلّمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل، فانصرفا عنه، فمال الحسين إلى منزله، ومضى عبد الله بن عبّاس إلى المسجد، فدخله، وأقبل معاوية ومعه خلقٌ كثيرٌ من أهل الشام حتى أتى عائشة امّ المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده لم يدخل عليها معه أحدٌ وعندها مولاها ذكوان فقالت عائشة: يا معاوية! أكنت تأمن أن اقعد لك رجلاً فأقتلك كما قتلت أخي محمّد بن أبي بكر؟ فقال معاوية: ما كنت لتفعلين ذلك. قالت: لِمَ؟ قال: لأنِّي في بيت أمن، بيت رسول الله. ثمَّ أنَّ عائشة حمدت الله وأثنت عليه وذكرت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكرت أبا بكر وعمر، وحضّته على الإقتداء بهما والاتّباع لأثرهما، ثمَّ صمتت، قال: فلم يخطب معاوية وخاف أن يبلغ ما بلغت فارتجل الحديث ارتجالاً ثمَّ قال:
أنت والله يا امّ المؤمنين! العالمة بالله وبرسوله دللتنا على الحقِّ، وحضضتنا على حظِّ أنفسنا، وأنت أهلٌ لأن يُطاع أمرك، ويُسمع قولك، وإنَّ أمر يزيد قضاءٌ من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم؟ وقد أكّد النّاس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم، أفترى أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم؟!
فلمّا سمعت ذلك عائشة علمت أنّه سيمضي على أمره فقالت: أمّا ما ذكرت من عهود ومواثيق فاتّق الله في هؤلاء الرهط، ولا تعجل فيهم، فعلّهم لا يصنعون إلّا ما أحببت.
ثمَّ قام معاوية فلمّا قام قالت عائشة: يا معاوية! قتلت حُجراً وأصحابه العابدين المجتهدين. فقال معاوية: دعي هذا، كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك؟ قالت: صالح. قال: فدعينا وإيّاهم حتى نلقى ربّنا.
ثمَّ خرج ومعه ذكوان فاتَّكأ على يد ذكوان وهو يمشي ويقول: تالله إن رأيت كاليوم قطّ خطيباً أبلغ من عائشة بعد رسول الله، ثمَّ مضى حتى أتى منزله، فأرسل إلى الحسين بن علي فخلا به فقال له: يا بن أخي قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا بن أخي! فما أربك إلى الخلاف، قال الحسين: أرسل إليهم فإن بايعوك كنتُ رجلاً منهم، وألا تكن عجلت عليَّ بأمر. قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحداً، فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلاً بالطريق فقال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئاً.
ثمَّ أرسل معاوية إلى ابن الزبير فخلا به فقال له: قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا بن أخي فما أربك إلى الخلاف، قال: فارسل إليهم فإن بايعوك كنت رجلاً منهم، وأن لا تكن عجلت عليَّ بأمر. قال: وتفعل؟ قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحداً.
فأرسل بعده إلى ابن عمر فأتاه وخلا به فكلّمه بكلام هو ألين من صاحبيه، وقال: إنّي كرهت أن أدع امّة محمّد بعدي كالضان لا راعى لها(١) وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم فما أربك إلى الخلاف، قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء، وتدرك به حاجتك؟! فقال معاوية: وددت ذلك. فقال ابن عمر: تبرز سريرك ثمّ أجيء فابايعك على أنّي أدخل فيما اجتمعت عليه الاُمة، فوالله لو أنّ الاُمّة اجتمعت على عبد حبشيّ لدخلت فيما تدخل فيه الاُمَّة. قال: وتفعل؟ قال: نعم ثمَّ خرج.
وأرسل إلى عبد الرَّحمن بن أبي بكر فخلا به قال: بأيِّ يد أو رجل تقدم على معصيتي؟ فقال عبد الرّحمن: أرجو أن يكون ذلك خيراً لي. فقال معاوية: والله لقد هممت أن أقتلك. فقال: لو فعلت لأتبعك الله في الدنيا، ولأدخلك في الآخرة النار. ثمّ خرج.
بقي معاوية يومه ذلك يُعطي الخواصَّ. ويُدني بذمّة الناس، فلمّا كان صبيحة اليوم
____________________
١ - أتصدّق انّ محمداً صلى الله عليه وآله ترك امّته كالضان لا راعى لها ولم يرض بذلك معاوية؟! حاشا نبىّ الرحمة عن أن يدع الامّة كما يحسبون، غير أنهم نبذوا وصيته وراء ظهورهم، وجروا الويلات على الامة حتى اليوم.
الثاني أمر بفراش فوضع له وسوّيت مقاعد الخاصّة حوله وتلقاءه من أهله، ثمّ خرج وعليه حلّةٌ يمانيَّةٌ وعمامةٌ دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلّف وتعطّر فقعد على سريره وأجلس كتّابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من النّاس وإن قرب، ثمّ أرسل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن عبّاس فسبق ابن عبّاس فلمّا دخل وسلّم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليّاً ثمَّ قال: يا بن عبّاس لقد وفَّر الله حظّكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرَّسولعليهالسلام . فقال ابن عبّاس: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، وحظّنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكلِّ أوفر. فجعل معاوية يحدِّثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر الأعمار على اختلاف الغرائز والطبائع، حتَّى أقبل الحسين بن علي فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت عن يمينه فدخل الحسين وسلّم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثمَّ سكت، ثمَّ ابتدأ معاوية فقال:
أمّا بعد: فالحمد لِلَّه وليِّ النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لا إله إلّا الله المتعالي عمّا يقول الملحدون علوّاً كبيرا، وانَّ محمّداً عبده المختصّ المبعوث إلى الجنِّ والإنس كافَّة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فأدّى عن الله وصدع بأمره، وصبر عن الأذى في جنبه، حتى أوضح دين الله، وأعزَّ أولياءه، و قمع المشركين، وظهر أمر الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له، واختار منها الترك لما سخر له زهادةً واختياراً لِلَّه، وأنفة واقتداراً على الصبر، بغياً لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكّوك، وبين ذلك خوض طول ما عالجناه مشاهدةً ومكافحةً ومعاينةً وسماعاً، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم الله ما اُحاول به من أمر الرعيَّة من سدّ الخلل، ولمِّ الصَّدع بولاية يزيد، بما أيقظ العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما، مع علمه بالسنَّة وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصمّ الصلاب، وقد علمتما انّ الرَّسول المحفوظ بعصمة الرِّسالة قدَّم على الصدّيق والفاروق ودونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين
يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنَّة مذكورة، فقادهم الرجل بإمرة، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال ولم يقل معه، وفي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أسوةٌ حسنة، فمهلاً بني عبد المطلب فأنا وأنتم شعبا نفع وجدّ، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلّا بفضل قولكما، فردّا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما، واستغفر الله لي ولكما.
كلمة الامام السبط:
فتيسَّر ابن عبّاس للكلام ونصب يده للمخاطبة فأشار إليه الحسين وقال: على رسلك، فأنا المراد: ونصيبي في التُّهمة أوفر. فأمسك ابن عبّاس فقام الحسين فحمد الله و صلّى على الرَّسول ثمّ قال:
أمّا بعد: يا معاوية! فلن يؤدّي القائل وإن أطنب في صفة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من جميع جزءاً، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من ايجاز الصفة والتنكّب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح الصبح فحمة الدجى، وظهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضَّلت حتّى أفرطت، وأستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتّى بخلت، وجرت حتّى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من أتمِّ حقِّه بنصيب حتّى أخذ الشيطان حظَّه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ، وقد دلَّ يزيد من نفسه على مواقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبَّق لأترابهنّ، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدّر باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتّى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلّا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا، و لقد لعمر الله أورثنا الرسولعليهالسلام ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرَّسول فأذعن للحجّة بذلك، وردَّه الايمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم: كان ويكون، حتّى أتاك الأمر يا معاوية! من طريق كان قصدها
لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار، وذكرت قيادة الرَّجل القوم بعهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتأميره له، وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرَّسول، وبيعته له، وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوَا عليه أفعاله فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف يحتجّ بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصّواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابع وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته، و تتخطّاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، و تشقى بها في آخرتك، إنَّ هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم.
فنظر معاوية إلى ابن عبّاس فقال: ما هذا يا بن عبّاس؟ ولما عندك أدهى وأمّر. فقال ابن عبّاس: لعمر الله إنّها لذريّة الرَّسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطهّر، فاله عمّا تريد، فانَّ لك في الناس مقنعاً حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.
فقال معاوية: أعود الحلم التحلّم، وخيره التحلّم عن الأهل، انصرفا في حفظ الله. ثمَّ أرسل معاوية إلى عبد الرَّحمن بن أبي بكر، وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير فجلسوا، فحمد الله وأثني عليه معاوية ثمَّ قال:
يا عبد الله بن عمر! قد كنت تحدِّثنا انّك لا تحبّ أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة، وإنَّ لك الدنيا وما فيها، وإنّي أحذِّرك أن تشقّ عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملأهم، وأن تسفك دماءهم، وإنَّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم، وقد وكّد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم. ثمَّ سكت.
فتكلّم عبد الله بن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:
أمّا بعد: يا معاوية! قد كان قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا ً ، ولكن اختاروا لهذه الاُمّة حيث علموهم، وإن تحذّرني أن أشقّ عصا المسلمين، واُفزِّق ملأهم، واسفك دماءهم، ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه اُمّة محمّد.
فقال معاوية: يرحمك الله، ليس عندك خلافٌ، ثمَّ قال معاوية لعبد الرَّحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر فقال له عبد الرَّحمن:
إنّك والله لوددنا أن نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد، والذي نفسي بيده لتجعلنّها شورى أو لاُعيدها جذعة، ثمَّ قام ليخرج فتعلّق معاوية بطرف ردائه ثمَّ قال: على رسلك، أللهمّ اكفنيه بما شئت، لا تظهرنَّ لأهل الشام. فإنّي أخشى عليك منهم. ثمَّ قال لابن الزبير نحو ما قاله لابن عمر، ثمَّ قال له. أنت ثعلب روّاغ كلّما خرجت من جُحر انجحرت في آخر، أنت ألّبت هذين الرجلين، وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه. فقال ابن الزبير: أتريد أن تبايع ليزيد؟ أرأيت إن بايعناه أيّكما نطيع؟ أنطيعك؟! أم نطعيه؟! إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها، وبايع ليزيد، فنحن نبايعه. فكثر كلامه وكلام ابن الزبير حتّى قال له معاوية في بعض كلامه: والله ما أراك إلّا قاتلاً نفسك، ولكأنّي بك قد تخبّطت في الحبالة. ثمّ أمرهم بالإنصراف واحتجب عن النّاس ثلاثة أيّام لا يخرج ثمَّ خرج فأمر المنادي أن ينادي في النّاس: أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع الناس في المسجد وقعّد هؤلاء(١) حول المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ ذكر يزيد فضله وقراءته القرآن ثمَّ قال: يا أهل المدينة! لقد هممت بيعة يزيد وما تركت قرية ولا مدرة إلّا بعثت إليها بيعته فبايع الناس جميعاً وسلّموا وأخَّرت المدينة بيعته وقلت بيضته وأصله ومن لا أخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كان أجدر أن يصله، والله لو علمت مكان أحد هو خيرٌ للمسلمين من يزيد لبايعت له.
فقام الحسين فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أباً واُمّاً ونفساً فقال معاوية كأنّك تريد نفسك؟ فقال الحسين: نعم أصلحك الله. فقال معاوية: إذا اخبرك، أمّا قولك خيرٌ منه امّاً فلعمري امّك خيرٌ من امّه، ولو لم يكن إلّا انّها امرأة من قريش لكان لنساء قريش أفضلهنَّ، فكيف وهي ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمَّ فاطمة في دينها و سابقتها، فاُمّك لعمر الله خيرٌ من امّه. وأمّا أبوك فقد حاكم أباه إلي الله فقضى لأبيه على أبيك. فقال الحسين: حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل. فقال معاوية: و أمّا ما ذكرت من انّك خيرٌ من يزيد نفساً فيزيد والله خيرٌ لاُمّة محمّد منك. فقال الحسين:
____________________
١ - يعنى المتخلفين عن بيعة يزيد.
هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خيرٌ منّي؟ فقال معاوية: مهلاً عن شتم ابن عمّك فانّك لو ذُكرت عنده بسوء لم يشتمك.
ثمَّ التفت معاوية إلى النّاس وقال: أيّها الناس قد علمتم أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قُبض ولم يستخلف أحداً، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، فلمّا حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستَّة نفر اختارهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله، وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كلُّ ذلك يصنعون نظراً للمسلمين، فلذلك رأيت أن اُبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الإختلاف ونظراً لهم بعين الإنصاف(١) .
رحلة معاوية الثانية
وبيعة يزيد فيها
قال ابن الأثير: فلمّا بايعه أهل العراق والشام سار معاوية إلى الحجاز في ألف فارس فلمّا دناه من المدينة لقيه الحسين بن عليّ أوَّل الناس فلمّا نظر إليه قال: لا مرحباً ولا أهلاً، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه، قال: مهلاً فإنَّي والله لست بأهل لهذه المقالة. قال: بلى ولشرّ منها، ولقيه ابن الزبير فقال: لا مرحباً ولا أهلاً، خبّ ضب تلعة، يدخل رأسه، ويضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه، ويدّق ظهره، نحيّاه عنّي. فضرب وجه راحلته. ثمَّ لقيه عبد الرّحمن بن أبي بكر فقال له معاوية: لا أهلاً ولا مرحباً شيخٌ قد خرف وذهب عقله، ثمّ أمر فضرب وجه راحلته، ثمَّ فعل بابن عمر نحو ذلك فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتّى دخل المدينة فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما يحبّون فخرجوا إلى مكّة فأقاموا بها، وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه وقال: مَن أحقُّ منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه؟! وما أظنّ قوماً بمنتهين حتى تصيبهم بوائق تجتثُّ اصولهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر. ثم أنشد متمثّلاً:
قد كنت حذَّرتك آل المصطلقْ |
وقلت: يا عمرو أطعني وانطلقْ |
|
إنَّك إن كلَّفتني ما لم أطقْ |
ساءك ما سرّك منّي من خلقْ |
دونك ما استسقيته فاحس وذقْ
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ١٤٩ - ١٥٥، تاريخ الطبرى ٦: ١٧٠ واللفظ لابن قتيبة.
ثمّ دخل على عائشة وقد بلغها انَّه ذكر الحسين وأصحابه فقال: لأقتلنَّهم إن لم يبايعوا. فشكاهم إليها فوعظته وقالت له: بلغني إنّك تتهدّدهم بالقتل؟ فقال: يا امَّ المؤمنين! هم أعزّ من ذلك، ولكنّي بايعت ليزيد وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض بيعة قد تمّت؟ قالت: فارفق بهم فإنَّهم يصيرون إلى ما تحبّ إن شاء الله. قال: أفعل. وكان في قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلاً يقتلك وقد فعلت بأخي ما فعلت - تعني أخاها محمّداً - فقال لها: كلّا يا امَّ المؤمنين! إنَّي في بيت أمن. قالت: أجل. ومكث بالمدينة ما شاء الله.
ثمّ خرج إلى مكّة فلقيه الناس فقال أولئك النفر: نتلقّاه فلعلّه قد ندم على ما كان منه. فلقوه ببطن مرّ فكان أوَّل من لقيه الحسين فقال له معاوية: مرحباً وأهلاً يا ابن رسول الله! وسيِّد شباب المسلمين. فأمر له بدابّة فركب وسايره، ثمَّ فعل بالباقين مثل ذلك وأقبل يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتّى دخل مكّة فكانوا أوَّل داخل وآخر خارج، ولا يمضي يوم إلّا ولهم صلة ولا يذكر لهم شيئاً حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره فقال بعض أولئك النفر لبعض: لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبّكم وما صنعه إلّا لما يُريد فأعدّوا له جواباً. فاتّفقوا على أن يكون المخاطب له ابن الزبير فأحضرهم معاوية وقال: قد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وحملي ما كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمّكم و أردت أن تقدّموه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسّمونه لا يعارضكم في شيء من ذلك. فسكتوا، فقال: ألا تجيبون؟ مرَّتين، ثمَّ أقبل على ابن الزبير فقال: هات لعمري انَّك خطيبهم، فقال: نعم نخيّرك بين ثلاث خصال قال: أعرضهنّ. قال: تصنع كما صنع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو كما صنع أبو بكر، أو كما صنع عمر، قال معاوية: ما صنعوا؟ قال: قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يستخلف أحداً فارتضى الناس أبا بكر قال: ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الإختلاف. قالوا: صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر فانَّه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر جعل الأمر شورى في ستَّة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه. قال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: لا. ثمَّ قال: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله. قال: فإنِّي قد أحببت أن أتقدّم إليكم انَّه قد أعذر من أنذر، انّي كنت أخطب منكم فيقوم إليَّ القائم منكم فيكذِّبني على رؤوس الناس فأحمل ذلك وأصفح، وإنّي قائمٌ بمقالة فاُقسم بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي
هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجلٌ إلّا على نفسه. ثمّ دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كلِّ رجل من هؤلاء رجلين ومع كلِّ واحد سيفٌ، فإن ذهب رجلٌ منهم يردُّ عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما. ثمَّ خرج وخرجوا معه حتّى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: إنَّ هؤلاء الرَّهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتزُّ أمر دونهم ولا يفضى إلّا عن مشورتهم وانّهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله. فبايع الناس وكانوا يتربّصون بيعة هؤلاء النفر، ثمَّ ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم انَّكم لا تبايعون فلِمَ رضيتم وأعطيتم وبايعتم؟ قالوا: والله ما فعلنا. فقالوا: ما منعكم أن تردّوا على الرَّجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل. وبايعه أهل المدينة ثمَّ انصرف إلى الشام وجفا بني هاشم فأتاه ابن عبّاس فقال له: ما بالك جفوتنا؟ قال: إنّ صاحبكم - يعني الحسينعليهالسلام - لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه. فقال: يا معاوية! انّي لخليقٌ أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به ثمَّ أنطق بما تعلم حتى أدع الناس كلّهم خوارج عليك. قال: يا أبا العبّاس تعطون وترضون وترادون(١) .
وجاء في لفظ ابن قتيبة: إنَّ معاوية نزل عن المنبر وانصرف ذاهباً إلى منزله وأمر من حرسه وشرطته قوماً أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة وهم: الحسين بن علي! وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الرَّحمن بن أبي بكر وأوصاهم معاوية قال: إنّي خارجٌ العشيّة إلى أهل الشام فاُخبرهم: أنّ هؤلاء النّفر قد بايعوا وسلّموا، فإن تكلّم أحدٌ منهم بكلام يصدِّقني أو يكذّبني فيه فلا ينقضي كلامه حتّى يطير رأسه. فحذَّر القوم ذلك، فلّما كان العشيُّ خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وهو يضاحكهم ويحدِّثهم وقد ألبسهم الحلل، فألبس ابن عمر حلّة حمراء، وألبس الحسين حلّة صفراء، وألبس عبد الله بن عبّاس حلّة خضراء، وألبس ابن الزبير حلّة يمانيّة، ثمّ خرج بينهم وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم - أي القوم - وانَّهم بايعوا، فقال: يا أهل الشام! إنَّ هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين مطيعين، وقد
____________________
١ - العقد الفريد ٢: ٣٠٢ - ٣٠٤، الكامل لابن الاثير ٣: ٢١ - ٢١٨، ذيل الامالى ص ١٧٧، جمهرة الرسائل ٢: ٦٩ واللفظ لابن الاثير.
بايعوا وسلّموا ذلك، والقوم سكوتٌ لم يتكلّموا شيئاً حذر القتل، فوثب اُناسٌ من أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن كان رابك منهم ريبٌ فحل بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم. فقال معاوية: سبحان الله ما أحلّ دماء قريش عندكم يا أهل الشام؟ لا أسمع لهم ذكراً بسوء فانّهم بايعوا وسلّموا، وارتضوني فرضيت عنهم رضي الله عنهم، ثمَّ ارتحل معاوية راجعاً إلى مكّة وقد أعطى الناس أعطياتهم، وأجزل العطاء، وأخرج إلى كلِّ قبيلة جوائزها وأعطياتها، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء، فخرج عبد الله ابن عبّاس في أثره حتّى لحقه بالروحاء فجلس ببابه فجعل معاوية يقول: مَن بالباب؟
فيقال: عبد الله بن عبّاس فلم يأذن لأحد، فلمّا استيقظ قال: مَن بالباب؟ فقيل: عبد الله بن عبّاس فدعا بدابَّته فأدخلت إليه ثمّ خرج راكباً فوثب إليه عبد الله بن عبّاس فأخذ بلجام البغلة ثمَّ قال: أين تذهب؟ قال: إلى مكّة. قال: فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا؟ فأوما إليه معاوية فقال: والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاء حتّى يبايع صاحبكم. قال ابن عبّاس: فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد، وأبى عبد الله بن عمر فأخرجت جائزة بني عدي، فما لنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا. فقال معاوية: لستم كغيركم، لا والله لا اُعطيكم درهماً حتّى يبايع صاحبكم، فقال ابن عبّاس: أما والله لئن لم تفعل لألحقنّ بساحل من سواحل الشام ثمّ لأقولنّ ما تعلم، والله لأتركنّهم عليك خوارج. فقال معاوية: لا بل اعطيكم جوائزكم، فبعث بها من الروحاء ومضى راجعاً إلى الشام. الإمامة والسياسة ١: ١٥٦.
قال الأميني: إنَّ المستشف لحقيقة الحال من أمر هذه البيعة الغاشمة جِدّ عليم أنّها تمّت برواعد الإرهاب، وبوارق التطميع، وعوامل البهت والإفتراء، فيرى معاوية يتوعّد هذا، ويقتل ذاك، ويولّي آخر على المدن والأمصار ويجعلها طعمة له، ويدرُّ من رضائخه على النفوس الواطئة ذوات الملكات الرذيلة، وفي القوم مَن لا يؤثّر فيه شيىءٌ من ذلك كلّه، غير انّه لا رأي لمن لا يُطاع، لكنّ إمام الهدى، وسبط النبوَّة، ورمز الشهادة والإباء لم يفتأ بعد ذلك كلّه مُصحراً بالحقيقة، ومصارحاً بالحقِّ، وداحضاً للباطل مع كلِّ تلكم الحنادس المدلهمّة، أصغت إليه اُذنٌ أم لا، وصغى إلى قيله أحدٌ أو أعرض، فقام بواجب الموقف رافعاً عقيرته بما تستدعيه الحالة، ويوجبه النظر في صالح المسلمين
ولم يثنه اختلاق معاوية عليه وعلى مَن وافقه في شيىء من الأمر، ولا ما أعدَّه لهم من - التوعيد والإرجاف بهم، ولم تك تأخذه في الله لومة لائم، حتّى لفظ معاوية نفسه الأخير رمزاً للخزاية وشية العار، ولقي الحسينعليهالسلام ربّه وقد أدّى ما عليه، رمزاً للخلود ومزيد الحبور في رضوان الله الأكبر، نعم: لقي الحسينعليهالسلام ربّه وهو ضحيّة تلك البيعة، - بيعة يزيد - كما لقي أخوه الحسن ربّه مسموماً من جرّاء تلكم البيعة الملعونة التي جرَّت الويلات على امّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم واستتبعت هدم الكعبة، والإغارة على دار الهجرة يوم الحرّة وأبرزت بنات المهاجرين والأنصار للنكال والسوءة، وأعظمها رزايا مشهد الطفّ التي استأصلت شأفة أهل بيت الرَّحمة صلوات الله عليهم، وتركت بيوت الرسالة تنعق فيها النواعب، وتندب النوادب، وقرَّحت الجفون، وأسكبت المدامع، إنّا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
نعم: تمّت تلك البيعة المشومة مع فقدان أيِّ جدارة وحنكة في يزيد، تأهّله لتسنّم عرش الخلافة على ما تردّى به من ملابس الخزي وشية العار من معاقرة الخمور، ومباشرة الفجور، ومنادمة القيان ذوات المعازف، ومحارشة الكلاب، إلى ما لا يتناهى من مظاهر الخزاية، وقد عرفته الناس بذلك كلّه منذ أولياته وعرَّفه به اُناسٌ آخرون، وحسبك شهادة وفدٌ بعثه أهل المدينة إلى يزيد وفيهم: عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، وعبد الله بن أبي عمرو المخزومي، والمنذر بن الزبير، وآخرون كثيرون من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأعظمهم جوائزهم، وشاهدوا أفعاله، ثمّ انصرفوا من عنده وقدموا المدينة كلهم إلّا المنذر، فلمّا قدم الوفد المدينة قاموا فيهم، فأظهروا شتم يزيد وعتبه وقالوا: إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب - الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويُسامر الحُرّاب، وهم اللصوص والفتيان، وإنّا نشهدكم انّا قد خلعناه فتابعهم الناس.(١)
وقال عبد الله بن حنظلة ذلك الصحابيّ العظيم المنعوت بالراهب قتيل يوم الحرّة يومئذ: يا قوم! اتَّقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٧: ٤، الكامل لابن الاثير ٤: ٤٥، تاريخ ابن كثير ٨: ٢١٦، فتح البارى ١٣: ٥٩.
بالحجارة من السَّماء، إنَّ رجلاً ينكح الامّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصّلاة، والله لو لم يكن معي أحدٌ من الناس لأبليت لِلّه فيه بلاء حسناً(١) .
ولمـّا قدم المدينة أتاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ قال: أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلّا بنيَّ هؤلاء لجاهدته بهم(٢) .
وقال المنذر بن الزبير لمـّا قدم المدينة: إنَّ يزيد قد أجازني بمائة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أن اُخبركم خبره، والله انّه ليشرب الخمر، والله انّه ليسكر حتّى يدع الصّلاة(٣) .
وقال عتبة بن مسعود لابن عبّاس: أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر بالفواحش؟ قال: مَه فأين ما قلت لكم؟ وكم بعده من آت ممّن يشرب الخمر أو هو شرٌّ من شاربها أنتم إلى بيعته سراع، أما والله! إنِّي لأنهاكم وأنا أعلم أنّكم فاعلون حتى يصلب مصلوب قريش بمكّة - يعني عبد الله بن الزبير -(٤) .
نعم: لم يك على مخازي يزيد من أوَّل يومه حجابٌ مسدول يُخفيها على الأباعد والأقارب، غير انَّ أقرب الناس إليه وهو أبوه معاوية غضَّ الطرف عنها جمعاء، وحسب انّها تخفى على الملأ الدينيِّ بالتمويه، وطفق يذكر له فضلاً وعلماً بالسياسة، فجابهه لسان الحقِّ وإنسان الفضيلة حسين العظمة بكلماته المذكورة في صفحة ٢٤٨ و ٢٥٠ ومعاوية هو نفسه يندّد بابنه في كتاب كتبه إليه ومنه قوله: اعلم يا يزيد! أنَّ اوَّل ما سلبكه السُكر معرفة مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة، وآلائه المتواترة، وهي الجَرحة العظمى، والفجعة الكبرى: ترك الصَّلوات المفروضات في أوقاتها، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها، ثمَّ استحسان العيوب، وركوب الذنوب، وإظهار العورة، وإباحة السرِّ، فلا تأمن نفسك على سرِّك، ولا تعتقد على فعلك، الكتاب(٥) .
فنظراً إلى ما عرفته الاُمَّة من يزيد من مخازيه وملكاته الرذيلة عدَّ الحسن البصري استخلاف معاوية إيّاه من موبقاته الأربع كما مرّ حديثه في صفحة ٢٢٥.
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٧: ٣٧٢.
٢ - تاريخ ابن عساكر ٧: ٣٧٢، الكامل لابن الاثير ٤: ٤٥، الاصابة ٢: ٢٩٩.
٣ - كامل ابن الاثير ٤: ٤٥، تاريخ ابن كثير ٨: ٢١٦.
٤ - الامامة والسياسة ١: ١٦٧.
٥ - صبح الاعشى ٦: ٣٨٧.
_ ١٥ _
جنايات معاوية
في صفحات تاريخه السوداء
إنَّما نجتزئ منها على شيىء يسير يكون كانموذج ممّا له من السيِّئات التي ينبو عنها العدد ويتقاعس عنها الحساب، ويستدعي التبسّط فيها مجلدات ضخمة فمنها: دؤبه على لعن مولانا عليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وكان يقنت به صلواته كما مرّ حديثه في الجزء الثاني ص ١٣٢ ط ٢ واتّخذه سنَّةً جاريةً في خطب الجمعة والأعياد، وبدَّل سنّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في خطبة العيدين المتأخِّرة عن صلاتهما وقدَّمها عليها لإسماع الناس لعن الامام الطاهر كما مرّ تفصيله في الجزء الثامن ص ١٦٤ - ١٧١ وأوعزنا إليه في هذا الجزء ص ٢١٢ وكان يأمر عمّاله بتلك الاُحدوثة الموبقة، ويحثُّ الناس عليها، ويوبِّخ المتوقّفين عنها، ولا يصيخ إلى قول أيِّ ناصح وازع.
١ - أخرج مسلم والترمذي عن طريق عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: أمر معاوية سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلن أسبَّه، لَأن تكون لي واحدةُ منهنَّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم - فذكر حديث المنزلة: والراية. والمباهلة - وأخرجه الحاكم وزاد: فلا والله ما ذكره معاوية بحرف حتّى خرج من المدينة.(١)
وفي لفظ الطبري من طريق ابن أبي نجيح قال: لمـّا حجَّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد فلمّا فرغ إنصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ووقع معاوية في عليّ وشرع في سبِّه فزحف سعد ثمَّ قال: أجلستني معك على سريرك ثمَّ شرعت في سبّ عليّ والله لَأن يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعليّ أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس - إلى آخر الحديث وفيه من قول سعد: وأيم الله لا دخلت لك داراً ما بقيت. ونهض.
قال المسعودي بعد رواية حديث الطبري: ووجدت في وجه آخر من الروايات و ذلك في كتاب عليِّ بن محمّد بن سليمان النوفلي في الأخبار عن ابن عائشة وغيره: انَّ سعداً
____________________
١ - راجع صحيح مسلم ٧: ١٢٠، صحيح الترمذى ١٣: ١٧١، مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩.
لمـّا قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية وقال له: اقعد حتّى تسمع جواب ما قلت، ما كنت عندي قطّ ألأم منك الآن، فهلّا نصرته؟ ولِمَ قعدت عن بيعته؟ فانِّي لو سمعت من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعليّ ما عشت، فقال سعد: والله انّي لأحقّ بموضعك منك. فقال معاوية: يأبى عليك بنو عذرة. وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة(١) .
وفي رواية ذكرها ابن كثير في تاريخه ٨: ٧٧: دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل عليّاً؟ فقال: إنِّي مرَّت بي ريحٌ مظلمةٌ فقلت: اخ اخ، فأنختُ راحلتي حتّى انجلت عنّي، ثمّ عرفت الطريق فسرت. فقال معاوية: ليس في كتاب الله اخ اخ، ولكن قال الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاُخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية، فقال سعد: ما كنت لاُقاتل رجلاً قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنَّه لا نبيّ بعدي. فقال معاوية: من سمع هذا معك؟ فقال: فلان وفلان وامّ سلمة.
فقال معاوية: أما انّي لو سمعته منهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما قاتلت عليّاً.
قال: وفي رواية من وجه آخر: انّ هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجَّة حجَّها معاوية وانّهما قاما إلى امّ سلمة فسألاه فحدَّثتهما بما حدَّث به سعد فقال معاوية: لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادماً لعليّ حتّى يموت أو أموت.
قال الأميني: لقد أفك معاوية في ادّعائه عدم إحاطة علمه بتلكم الأحاديث المطّردة الشايعة فانّها لم تكن من الأسرار التي لا يطّلع عليها إلّا البطانة والخاصَّة، وإنّما هتف بهنَّصلىاللهعليهوآلهوسلم على رؤس الأشهاد، أمّا حديث الراية فكان في واقعة خيبر وله موقعيّته الكبرى لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. الحديث.
فاستطالت أعناق كلّ فريق |
ليروا أيّ ماجد يعطاها؟ |
فلم تزل النفوس مشرئبَّة متتلّعة إلى من عناهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى جيىء بأمير المؤمنينعليهالسلام ومُنح الفتح من ساحة النبوَّة العظمى، فانطبق القول، وصدقت الاُكرومة، وعلم الغزاة
____________________
١ - مروج الذهب ١: ٦١، وحكى شطراً منه سبط ابن الجوزى فى تذكرته ص ١٢.
كلّهم انّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان يريد غيره.
هب أنَّ معاوية يوم واقعة خيبر كان عداده في المشركين، وموقفه مع مَن يُحادّ الله ورسوله، لكن هلّا بلغه ذلك بعد ما حداه الفَرَق إلى الاستسلام؟ والحديث مطّردٌ بين الغزاة وسائر المسلمين، وهم بين مشاهد له وعالم به.
وأمّا حديث المنزلة فقد نطق به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في موارد عديدة منها غزاة تبوك على ما مرَّ تفصيله في الجزء الثالث ص ١٩٨ ط ٢ وقد حضرها وجوه الصحابة وأعيانهم، وكلّهم علموا بهاتيك الفضيلة الرابية، فالإعتذار عن معاوية بأنّه لم يحضرها لإشراكه يومئذ مدفوعٌ بما قلناه في واقعة خيبر.
ومن جملة موارده يوم غدير خمّ الذي حضره معاوية وسمعه هو ومائة ألف أو يزيدون، لكنّه لم يعه بدليل أنّه ما آمن به فحارب عليّاًعليهالسلام بعده وعاداه وأمر بلعنه محادَّة منه لِلّه ولرسوله، وعقيرة رسول الله المرفوعة بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عليّ: أللهمَّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. بعدُ ترنُّ في اُذن الدنيا.
ومن موارده يوم المؤاخاة كما أخرجه أحمد باسناده عن محدوج بن زيد الباهلي قال: آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المهاجرين والأنصار فبكى عليّعليهالسلام فقال رسول الله: ما يبكيك فقال: لم تواخ بيني وبين أحد. فقال: إنَّما ادَّخرتك لنفسي ثمَّ قال: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى(١) .
ومنها يوم كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في دار امّ سلمة إذ أقبل عليٌّعليهالسلام يريد الدخول على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا امّ سلمة هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم هذا عليّ سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا انّه لا نبيَّ بعدي - راجع الجزء - الثالث ص ١١٦.
على أنّ حديث المنزلة قد جاء من طريق معاوية نفسه رواه في حياة عليّعليهالسلام فيما أخرجه أحمد في مناقبه من طريق أبي حازم كما في الرياض النضرة ٢: ١٩٥.
وأمّا نبأ المباهلة فصحيحٌ أنّ معاوية لم يُدركه لأنّ الكفر كان يمنعه عند ذلك عن سماعه، غير أن القرآن الكريم قد أعرب عن ذلك النبأ العظيم إن لم يكن إبن حرب في
____________________
١ - راجع ما اسلفناه فى الجزء الثالث ص ١١٥.
معزل عن الكتاب والسنّة، على أن قصّتها من القضايا العالميّة وليس من المستطاع لأيِّ أحد أن يدَّعي الجهل بها.
وهنا نماشي ابن صخر على عدم اطّلاعه على تلكم الفضائل إلى حدِّ إخبار سعد إيّاه، لكنّه بماذا يعتذر وهو يقرأ قوله تعالى:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) ؟ الآية؟!. وبماذا يعتذر بعد ما رواه قبل يوم صفّين من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمّار: تقتلك الفئة الباغية؟ وبماذا يعتذر بعد علمه بتلكم الأحاديث بأخبار صحابيّ معدود عند القوم في العشرة المبشّرة وبعد إقامة الشهود عليه؟! ومن هنا تعلم أنَّه أفك مرّة اُخرى بقوله أما انّي لو سمعتُ من رسول الله ما سمعتَ في عليّ لكنتُ له خادماً ما عشتُ. لأنّه عاش ولم يرتدع عن غيِّه وحارب أمير المؤمنينعليهالسلام حيّاً وميّتاً، ودؤب على لعنه والأمر به حتّى أجهز عليه عمله وكبت وبه بطنته.
نعم: انّه استمرّ على بغيه وقابل سعداً في حديثه بالضرطة، وهل هي هزؤ منه بمصدر تلكم الأبناء القدسيّة؟ أو بخضوع سعد لها؟ أو لمحض أنّ سعداً لم يوافقه على ظلمه؟ أنا لا أدري غير أنَّ كفر معاوية الدفين لا يأبى شيئاً من ذلك، وهلّا منعه الخجل عن مثل هذا المجون وهو ملك؟ وبطبع الحال انّ مجلسه يحوي الأعاظم والأعيان.
من أين تخجل أوجهُ أمويَّةٌ |
سكبت بلذّات الفجور حيائها؟ |
٢ – لمـّا مات الحسن بن عليّ « عليهما السلام » حجّ معاوية فدخل المدينة و أراد أن يلعن عليّاً على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقيل له: إنّ هيهنا سعد بن أبي وقّاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر له ذلك فقال: إن فعلت لأخرجنّ من المسجد ثمّ لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد، فلمّا مات لعنه على المنبر وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا فكتبت امّ سلمة زوج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى معاوية: انّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنّكم تلعنون عليَّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أنّ الله أحبّه ورسوله. فلم يلتفت إلى كلامها. العقد الفريد ٢: ٣٠١.
٣ - قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إنّ عليّاً قد قطعك وأنا وصلتك ولا يرضيني منك إلّا أن تلعنه على المنبر قال: أفعل. فصعد المنبر ثمّ قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه
وصلّى على نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّها الناس إنَّ معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن عليَّ بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ثمّ نزل فقال له معاوية: إنَّك لم تبيِّن مَن لعنت منهما بيِّنه. فقال: والله لا زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً، والكلام إلى نيّة المتكلّم. العقد الفريد ٢: ١٤٤. المستطرف ١: ٥٤.
٤ - بعث معاوية إلى عبيد الله بن عمر لمـّا قدم عليه بالشام فأتي فقال له معاوية: يا بن أخي! إنَّ لك إسم أبيك، فانظر بملء عينيك، وتكلّم بكلِّ فيك، فأنت المأمون المصدّق، فاصعد المنبر واشتم عليّاً، واشهد عليه انّه قتل عثمان. فقال: يا أمير المؤمنين! أمّا شتمه فإنّه عليّ بن أبي طالب، وامّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه، وأمّا بأسه فهو الشجاع المطرق. وأمّا أيّامه فما قد عرفت، ولكنّي ملزمه دم عثمان. فقال عمرو بن العاص: إذاً والله قد نكأت القرحة(١) .
٥ - روى ابن الأثير في اُسد الغابة ١: ١٣٤ عن شهر بن حوشب انّه قال: أقام فلان(٢) خطباء يشتمون عليّاً رضي الله عنه وأرضاه ويقعون فيه حتّى كان آخرهم رجلٌ من الأنصار أو غيرهم يقال له: أنيس. فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّكم قد أكثرتم اليوم في سبِّ هذا الرجل وشتمه وإنّي اُقسم بالله انّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: انّي لأشفع يوم القيامة لأكثر ممّا على الأرض من مدرٍ وشجر. واُقسم بالله ما أحد أوصل لرحمه منه، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته؟! وذكره ابن حجر في - الإصابة ١: ٧٧.
٦ - بينما معاوية جالسٌ في بعص مجالسه وعنده وجوه الناس فيهم: الأحنف بن قيس إذ دخل رجلٌ من أهل الشام فقام خطيباً وكان آخر كلامه أن لعن عليّاً، فقال الأحنف يا أمير المؤمنين! إنَّ هذا القائل لو يعلم أنَّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم فاتَّق الله يا أمير المؤمنين! ودع عنك عليّاً فلقد لقي ربّه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله المبرور سيفه، الطاهر ثوبه، ألعظيمة مصيبته. فقال له معاوية: يا أحنف! لقد أغضيت العين على القذى، وقلت ما ترى، وأيم الله لتصعدنَّ المنبر فتلعننّه طوعاً أو كرهاً. فقال له الأحنف:
____________________
١ - كتاب صفين لابن مزاحم ١: ٩٢، شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٥٦.
٢ - يعنى معاوية.
يا أمير المؤمنين! إن تعفني فهو خيرٌ لك، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا يجري شفتاي به أبداً. فقال: قم فاصعد المنبر. قال الأحنف: أما والله لأنصفنّك في القول والفعل. قال: وما أنت قائلٌ إن أنصفتني؟! قال: أصعد المنبر فأحمد الله وأثني عليه واُصلّي على نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمَّ أقول: أيّها الناس انّ أمير المؤمنين معاوية أمر أن ألعن عليّاً، وإنَّ عليّاً ومعاوية اختلفا واقتتلا فادَّعى كلُّ واحد منهما انّه بُغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمِّنوا رحمكم الله. ثمَّ أقول: أللّهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، أللهمَّ العنهم لعناً كثيراً، أمِّنوا رحمكم الله. يا معاوية! لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفاً ولو كان فيه ذهاب روحي. فقال معاوية: إذاً نعفيك يا أبا بحر. العقد الفريد ٢: ١٤٤، المستطرف ١: ٥٤.
٧ - في كتاب « المختصر في أخبار البشر » للعلّامة اسماعيل بن عليِّ بن محمود: كتب الحسن إلى معاوية واشترط عليه شروطاً وقال: إن أجبت إليها فأنا سامعٌ مطيعٌ فأجاب معاوية إليها، وكان الذي طلبه الحسن أن يُعطيه ما في بيت مال الكوفة، وخراج دار ابجرد من فارس، وأن لا يشتم عليّاً، فلم يجب إلى الكفِّ عن شتم عليّ، فطلب الحسن أن لا يُشتم عليٌّ وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثمَّ لم يفِ به.
راجع ايضاً تاريخ الطبري ٦: ٩٢، كامل إبن الأثير ٣: ١٧٥، تاريخ ابن كثير ٨: ١٤، تذكرة السبط ص ١١٣، إتحاف الشبراوي ص ١٠.
٨ - جاء قيس بن عبّاد الشيبانيّ إلى زياد فقال له: إنّ امرأ منّا من بني همام يُقال له: صيفي بن فسيل من رؤوس أصحاب حُجر، وهو أشدّ الناس عليك، فبعث إليه زياد فاُتي فقال له زياد: يا عدوّ الله ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب. قال، ما أعرَفَك به؟ قال: ما أعرفه. قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟ قال: بلى. قال: فذاك أبو تراب. قال: كلّا ذاك أبو الحسن والحسينعليهالسلام .
وفيه: قال زياد: لتلعننّه او لأضربنّ عنقك. قال: إذاً تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيتَ إلّا أن تضربها رضيتُ بالله وشقيتَ أنت. قال: ادفعوا في رقبته. ثمَّ قال. أوقروه حديداً وألقوه في السجن. ثمَّ قتل(١) مع حُجر وأصحابه سنة ٥١. وسيوافيك الحديث بتمامه
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٦: ١٤٩، الاغانى ١٦: ٧، كامل ابن الاثير ٣: ٢٠٤، تاريخ ابن عساكر ٦: ٤٥٩.
انشاء الله تعالى.
٩ - خطب بُسر بن أرطاة على منبر البصرة فشتم عليّاًعليهالسلام ثمَّ قال: نشدت الله رجلاً علم أنّي صادقُ إلّا صدَّقني أو كاذبٌ إلّا كذَّبني. فقال أبو بكرة: أللهمّ إنّا لا نعلمك إلّا كاذباً. قال: فأمر به فخنق. تاريخ الطبري ٦: ٩٦.
١٠ - استعمل معاوية كثير بن شهاب على الري وكان يكثر سبَّ عليّ على منبر الري وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة فأقرَّ عليها. كامل ابن الأثير ٣: ١٧٩.
١١ - كان المغيرة بن شعبة لمـّا ولي الكوفة كان يقوم على المنبر ويخطب وينال من عليّعليهالسلام ويلعنه ويلعن شيعته، وقد صحَّ انَّ المغيرة لعنه على منبر الكوفة مرّات لا تحصى، وكان يقول: انَّ عليّاً لم ينكحه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ابنته حبّاً ولكنّه أراد أن يكافئ بذلك إحسان أبي طالب إليه.
وصحّ عند الحاكم والذهبي انّ المغيرة سبَّ عليّاً فقام إليه زيد بن أرقم فقال: يا مغيرة! ألم تعلم أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن سبّ الأموات؟ فلِمَ تسبّ عليّاً وقد مات؟(١)
راجع مسند أحمد ١: ١٨٨، الأغاني ١٦: ٢، المستدرك ١: ٣٨٥، شرح ابن ابي الحديد ١: ٣٦٠.
قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة فقام صعصعة بن صوحان فتكلّم فقال المغيرة: أخرجوه فاُقيموه على المصطبة فليلعن عليّاً. فقال: لعن الله من لعن الله ولعن عليَّ بن أبي طالب. فاخبروه بذلك فقال: اُقسم بالله لتقيِّدنَّه. فخرج فقال: إنَّ هذا يأبى إلّا عليّ بن أبي طالب فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه. ألأذكياء لابن الجوزي ص ٩٨.
١٢ - أخرج ابن سعد عن عمير بن اسحاق قال: كان مروان أميراً علينا - يعني بالمدينة - فكان يسبُّ عليّاً كلّ جمعة على المنبر وحسن بن علي - يسمع فلا يردُّ شيئاً ثمَّ أرسل إليه رجلاً يقول له: بعليّ وبعليّ وبعليّ وبك وبك وبك، وما وجدت مثلك إلّا مثل البغلة يقال لها: مَن أبوك؟ فتقول: اُمِّي الفرس. فقال له الحسن: إرجع إليه فقل له: إنِّي والله لا أمحو عنك شيئاً ممّا قلت بأنّ أسبّك، ولكن موعدي وموعدك الله
____________________
١ - حديث السبّ عن نهى الاموات أخرجه البخارى فى صحيحه ٢: ٢٦٤.
فإن كنتَ صادقاً جزاك الله بصدقك، وإن كنتَ كاذباً فالله أشدُّ نقمة. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٢٧، راجع الجزء الثامن ترجمة مروان.
وكان الوزغ إبن الوزغ يقول لمـّا قيل له: ما لكم تسبُّون عليّاً على المنابر؟: إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلّا بذلك. الصواعق المحرقة ص ٣٣.
١٣ - إستناب معاوية على المدينة عمرو بن سعيد بن العاص بن اُميّة الأمويّ المعروف بالأشدق الذي جاء فيه في مسند أحمد ٢: ٥٢٢ من طريق أبي هريرة مرفوعاً ليرعفنَّ على منبري جبّارٌ من جبابرة بني اُميّة يسيل رعافه. قال: فحدّثني مَن رأى عمرو بن سعيد رعف على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى سال رعافه(١) .
كان هذا الجبّار ممّن يسبّ عليّاًعليهالسلام على صهوة المنابر، قال القسطلاني في ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري ٤: ٣٦٨، والأنصاري في تحفة الباري شرح البخاري المطبوع في ذيل إرشاد الساري في الصفحة المذكورة: سمّي عمرو بالأشدق لأنّه صعد المنبر فبالغ في شتم عليّ رضي الله عنه فأصابته لقوةُ - أي داء في وجهه -.
وعمرو بن سعيد هو الذي كان بالمدينة يوم قتل الإمام السبطعليهالسلام قال عوانة بن الحكم: لما قُتل الحسين بن علي دعا عبيد الله بن زياد عبد الملك بن أبي الحرث السلمي وبعثه إلى المدينة ليبشّر عمرو بن سعيد فدخل السلمي على عمرو فقال: ما وراءك؟ فقال: ما سرَّ الأمير قتل الحسين بن عليّ. فقال: ناد بقتله. فناديت بقتله فلم أسمع والله واعية قطُّ مثل واعية نساء بني هاشم في دورهنَّ على الحسين فقال عمرو وضحك:
عجّت نساء بني زياد عجّة |
كعجيج نسوتنا غداة الإرنب(٢) |
ثمّ قال عمرو: هذه واعيةٌ بواعية عثمان بن عفّان. ثمّ صعد المنبر فأعلم الناس قتله(٣) وفي مثالب أبي عبيدة: ثمَّ أومأ إلى القبر الشريف وقال: يا محمّد! يوم بيوم بدر. فأنكر عليه قومٌ من الأنصار.
____________________
١ - وذكره ابن كثير فى تاريخه ٨: ٣١١.
٢ - وقعة الارنب كانت لبنى زبيد على بنى زياد من بنى الحارث بن كعب من رهط عبد المدان والبيت المذكور لعمرو بن معد يكرب.
٣ - تاريخ الطبرى ٦: ٢٦٨، كامل ابن الاثير ٤: ٣٩.
كان أبو رافع عبداً لأبي احيحة سعيد بن العاص بن اُمية فأعتق كلٌّ من بنيه نصيبه منه إلا خالد بن سعيد، فانّه وهب نصيبه للنبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فاعتقه فكان يقول: أنا مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا ولي عمرو بن سعيد بن العاص المدينة ايّام معاوية أرسل إلى البهيِّ(١) بن أبي رافع فقال له: مولى مَن أنت؟ فقال: مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فضربه مائة سوط، ثمّ تركه ثمّ دعاه فقال: مولى مَن أنت؟ فقال: مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضربه مائة سوط، حتّى ضربه خمسمائة سوط. فلمّا خاف أن يموت قال له: أنا مولاكم. كامل المبرَّد ٢: ٧٥، الإصابة ٤: ٦٨.
١٤ - أخرج الحاكم من طريق طاووس قال: كان حُجر بن قيس المدري من المختصِّين بخدمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له عليٌّ يوماً يا حُجر! إنّك تقام بعدي فتؤمر بلعني فالعنّي ولا تبرأ منِّي(٢) . قال طاوس: فرأيت حُجر المدري وقد أقامه أحمد بن ابراهيم خليفة بني اميّة في الجامع ووكّل به ليلعن عليّاً أو يُقتل فقال حُجر: أما انّ الأمير أحمد بن ابراهيم أمرني أن ألعن عليّاً فالعنوه لعنه الله. فقال طاوس: فلقد أعمى الله قلوبهم حتّى لم يقف أحدٌ منهم على ما قال المستدرك ٢: ٣٥٨.
قال الأميني: لم يزل معاوية وعمّاله دائبين على ذلك حتّى تمرَّن عليه الصغير و هرم الشيخ الكبير، ولعلّ في اوليات الأمر كان يوجد هناك من يمتنع عن القيام بتلك - السبَّة المخزية، وكان يسع لبعض النفوس الشريفة أن يتخلّف عنها غير أنَّ شدّة معاوية الحليم في إجراء اُحدوثته، وسطوة عمّاله الخصماء الألدّاء على أهل بيت الوحي، وتهالكهم دون تدعيم تلك الإمرة الغاشمة، وتنفيذ تلك البدعة الملعونة، حكمت في البلاء حتّى عمّت البلوى، وخضعت إليها الرقاب، وغلّلتها أيدي الجور تحت نير الذلِّ والهوان، فكانت العادة مستمرّة منذ شهادة أمير المؤمنينعليهالسلام إلى نهي عمر بن عبد العزيز طيلة أربعين سنة على صهوات المنابر وفي الحواضر الإسلاميّة كلّها من الشام إلى الري إلى الكوفة إلى - البصرة إلى عاصمة الاسلام المدينة المشرَّفة إلى حرم أمن الله مكّة المعظّمة إلى شرق العالم
____________________
١ - فى الكامل: عبيد الله بن أبى رافع.
٢ - صح عن امير المؤمنين قوله: انكم ستعرضون على سبى فسبونى، فان عرضت عليكم البراءة منى فلا تبرؤا منى، فانّي على الاسلام. مستدرك الحاكم ٢: ٣٥٨.
الإسلامي وغربه، وعند مجتمعات المسلمين جمعاء، وقد مرّ في الجزء الثاني قول ياقوت في معجم البلدان: لُعن عليُّ بن ابي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يُلعن على منبر سبحستان إلّا مرّة، وامتنعوا على بني اُميّة حتى زادوا في عهدهم: وأن لا يُلعن على منبرهم أحدُ، وأيّ شرف أعظم من إمتناعهم من لعن أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على منبرهم وهو يُلعن على منابر الحرمين: مكّة والمدينة.اهـ.
وقد صارت سنّة جارية ودُعمت في أيّام الاُمويِّين سبعون ألف منبر يُلعن فيها أمير المؤمنينعليهالسلام (١) واتّخذوا ذلك كعقيدة راسخة، أو فريضة ثابتة، أو سنّة متّبعة يُرغب فيها بكلّ شوق وتوق حتّى انّ عمر بن عبد العزيز لمـّا منع عنها لحكمة عمليّة أو لسياسة وقتيّة حسبوه كأنّه جاء بطامّة كبرى أو اقترف إثماً عظيما.
والذي يظهر من كلام المسعودي في مروجه ٢: ١٦٧، واليعقوبي في تاريخه ٣: ٤٨، وابن الأثير في كامله ٧: ١٧، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص ١٦١ وغيرهم انّ عمر بن عبد العزيز إنّما نهى عن لعنهعليهالسلام في الخطبة على المنبر فحسب وكتب بذلك إلى عمّاله وجعل مكانه( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ) . الآية. وقيل: بل جعل مكان ذلك:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) . الآية. وقيل: بل جعلهما جميعاً فاستعمل الناس في الخطبة.
وأمّا نهيه عن مطلق الوقيعة في أمير المؤمنين والنيل منهعليهالسلام ، وأخذه كلّ متحامل عليه بالسبِّ والشتم، وإجراء العقوبة على مرتكبي تلكم الجريرة فلسنا عالمين بشيىء من ذلك، غير أنّا نجد في صفحات التاريخ انّ عمر بن عبد العزيز كان يجلد مَن سبّ عثمان ومعاوية كما ذكره ابن تيميّة في كتابه « الصارم المسلول » ص ٢٧٢ ولم نقف على جلده أحداً لسبّه أمير المؤمنينعليهالسلام .
دع عنك موقف أمير المؤمنينعليهالسلام من خلافة الله الكبرى، وسوابقه في تثبيت الإسلام والذبّ عنه، وبثّه العدل والإنصاف، وتدعيمه فرايض الدين وسننه، ودعوته إلى الله وحده وإلى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلى دينه الحنيف، وتهالكه في ذلك كلّه حتّى لقي ربّه مكدوداً في ذات الله.
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الثانى ص ١٠٢، ١٠٣ ط ٢.
دع عنك فضائله وفواضله والآي النازلة فيه والنصوص النبويّة المأثورة في مناقبه لكنّه هل هو بدعٌ من آحاد المسلمين الذين يحرم لعنهم وسبابهم وعليه تعاضدت الأحاديث واطّردت الفتاوى.
وحسبك قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سباب المسلم فسوق.
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، والبيهقي، والطبري، والدارقطني، والخطيب، وغيرهم من طريق ابن مسعود، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، وعبد الله بن مغفل، وعمرو بن النعمان. راجع الترغيب والترهيب ٣: ١٩٤، وفيض القدير ٤: ٨٤، ٥٠٥، ٥٠٦.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم سباب المسلم كالمشرف على الهلكة.
أخرجه البزّار من طريق عبد الله بن عمرو بإسناد جيِّد كما قاله الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ٣: ١٩٤.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يكون المؤمن لعّاناً.
أخرجه الترمذي وقال: حديثٌ حسن. وسمعت نهيهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن سبِّ الأموات ص ٢٦٣.
على أنَّ الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام مع غضِّ الطرف عن طهارة مولده وقداسة محتده وشرف اُرومته وفضائله النفسيّة والكسبيّة وملكاته الكريمة هو من العشرة الذين بُشّروا بالجنّة - عند القوم - ولا أقلَّ من أنّه أحد الصحابة الذين يعتقد القوم فيهم العدالة جميعاً(١) ، ويحتجّون بأقوالهم وأفعالهم، ولا يستسيغون الوقيعة فيهم، ويشدّدون النكير على الشيعة لحسبانهم أنّهم يقعون في بعض الصحابة ورتَّبوا على ذلك أحكاماً، قال يحيى بن معين: كلُّ من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دجّالٌ لا يُكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(٢)
____________________
١ - قال النووى فى شرح مسلم هامش الارشاد ٨: ٢٢: انّ الصحابة رضى الله عنهم كلهم هم صفوة الناس، وسادات الامّة، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وانما جاء التخليط ممن بعدهم، وفيمن بعدهم كانت النخالة.
٢ - تهذيب التهذيب ١: ٥٠٩.
وعن أحمد إمام الحنابلة: خير الاُمّة بعد النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعليّ بعد عثمان، ووقف قومٌ، وهم خلفاء راشدون مهديُّون ثمّ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلّده في الحبس حتى يموت أو يراجع.
وعنه أيضاً: ما لهم ولمعاوية نسأل الله العافية. وقال: إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسوء فاتّهمه على الإسلام.
وعن عاصم الأحول قال: اُتيت برجل قد سبّ عثمان قال: فضربته عشرة أسواط قال: ثمّ عاد لما قال، فضربته عشرة اُخرى. قال: فلم يزل يسبّه حتى ضربته سبعين سوطاً.
وقال القاضي أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء في سبِّ الصحابة إن كان مستحلاًّ لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلاًّ فسق ولم يكفر، سواءٌ كفَّرهم أو طعن في دينهم مع اسلامهم وقد قطع طائفةٌ من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سبّ الصحابة وكفر الرافضة.
وقال أبو بكر بن عبد العزيز في المقنع: فأمّا الرافضي فإن كان يسبّ فقد كفر فلا يُزوَّج(١) .
وقال الشيخ علاء الدين أبو الحسن الطرابلسي الحنفي في [معين الحكام فيما يتردّد بين الخصمين من الأحكام] ص ١٨٧: من شتم أحداً من أصحاب النبيّعليهالسلام أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليّاً أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر. قُتل وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالاً شديداً.
وعدّ الذهبي في كتاب « الكبائر » ص ٢٣٣ منها: سبّ أحد من الصحابة وقال في ص ٢٣٥: فمن طعن فيهم أو سبّهم فقد خرج من الدين، ومرق من ملّة المسلمين لأنّ الطعن لا يكون إلّا عن إعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله في كتابه من ثنائه عليهم وما لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبّهم
____________________
١ - الصارم المسلول ص ٢٧٢، ٥٧٤، ٥٧٥.
ولأنَّهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول والطعن في الوسائط طعنٌ في الأصل والإزدراء بالناقل إزدراءٌ بالمنقول: هذا ظاهرٌ لمن تدبّره وسلم من النفاق ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار من ذلك كقول النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ الله اختارني واختار لي أصحاباً فجعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً فمن سبّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً.
ولهم في سبِّ الشيخين وعثمان تصويبٌ وتصعيدٌ، قال محمّد بن يوسف الفريابي: سُئل « القاضي أبو يعلى » عمن شتم أبا بكر؟ قال: كافرٌ. قيل: فيصلّى عليه؟ قال: لا.
وسأله كيف يُصنع به وهو يقول: لا إله إلّا الله؟ قال: لا تمسّوه بأيديكم إدفعوه بالخشب حتّى تواروه في حفرته. الصّارم المسلول ص ٥٧٥.
وقال الجرداني في « مصباح الظلام » ٢: ٢٣: قال أكثر العلماء: من سبَّ أبا بكر وعمر كان كافراً.
وقال ابن تيميّة في « الصارم المسلول » ص ٥٨١: قال إبراهيم النخعي: كان يُقال شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: شتم أبي بكر و عمر من الكبائر التي قال الله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه.
وقُتل عيسى بن جعفر بن محمّد لشتمه أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة بأمر المتوكّل على الله. قاله ابن كثير في تاريخه ١٠: ٣٢٤.
وفي « الصارم المسلول » ص ٥٧٦: قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذا زندقة.
هب انّ هذه الفتاوى المجرّدة من مسلّمات الفقه، وليس للباحث أن يُناقش أصحابها الحساب، ويطالبهم مدارك تلكم الأحكام من الكتاب والسنّة أو الاُصول و القواعد أو القياس والإستحسان، ولا سيّما مدارك جملة من خصوصيّاتها العجيبة الشاذَّة عن شرعة الإسلام، لكنّها هل هي مخصوصةٌ بغير رجالات أهل البيت فهي منحسرةٌ عنهم؟! ولعلّ فيهم من يجاثيك على ذلك فيقول: نعم هي منحسرةٌ عن عليّعليهالسلام وابنيه السبطين سيّدا شباب أهل الجنّة، لأنَّ ابن هند كان يقع فيهم ويلعنهم ويُلجئ الناس إلى ذلك بأنواع من الترغيب والترهيب، فليس من الممكن تسريبها إليه لأنّه كاتب
الوحي، وإن كان لم يكتب غير عدّة كتب إلى رؤساء القبائل في أيّام إسلامه القليلة من اُخريّات العهد النبويّ، وهو خال المؤمنين لمكان امّ حبيبة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لكنّه لم يسمّوا بذلك غيره من اخوة أزواج النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم كمحمَّد بن أبي بكر، وليس له مبرّرٌ إلّا انَّ محمّداً كان في الجيش العلوي ومعاوية حاربه صلوات الله عليه، فهي ضغائن قديمة انفجر بركانها أخيراً عند منتشر الأحقاد ومحتدم الإحن، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون.
وهل سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المزعومة في قوله: لا تسبُّوا أصحابي. وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم من سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. كانت مختصّة بغير المخاطبين بها في صدر الإسلام من الصحابة؟! أو انّها عامّةٌ مطَّردةٌ؟! كما يقتضيه كونها من الشريعة الإسلاميّة المستمرّة إلى أن تقوم الساعة، وقد حسبوها كذلك لأنّها متّخذةٌ من السنّة المخاطب بها، وقد جاء في بعض طرق الرواية الاولى عند مسلم: انّه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرَّحمن بن عوف شيىءٌ فسبّه خالد فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تسبّوا أصحابي، وفي رواية أنس: قال اُناسٌ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّا نسبُّ. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(١)
فليس من المعقول أن يكونوا مستثنين من حكم خوطبوا به لولا أنَّ الميول و الشهوات قد استثنتهم.
أو كان أمير المؤمنينعليهالسلام مستثنى من بين الصّحابة عن شمول تلكم الأحكام؟ فلا تجري على من نال منهعليهالسلام أو وقع فيه.
أضف إلى هذه كلّها: انَّ مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام كان أحد الخلفاء الرّاشدين عندهم، وبالإجماع المتسالم عليه بين فرق الإسلام كلّها، وللقوم فيمن يقع فيهم أحكامٌ شديدةٌ، ومنهم مَن قال كما سمعته قُبيل هذا بكفر من سبَّ الشيخين وزندقة من سبَّ عثمان، وقد جاء في الصحيح الثابت قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي(٢)
____________________
١ - كتاب ألكبائر للذهبى ص ٢٣٥.
٢ - مرّ معناه الصحيح فى الجزء السادس ص ٣٣٠ ط ٢.
فهلمَّ معي نسائلهم عن المبرِّر لعمل معاوية والأمويّين منتسباً ونزعةً وتابعيهم المجترحين لهذه السيّئة المخزية وعن المغضين عنهم الذين أخرجوا إمام العدل صنو محمّد صلّى الله عليهما وآلهما عن حكم الخلفاء وعن حكم الصحابة بل وعن حكم آحاد المسلمين فاستباحوا النيل منه على رؤوس الأشهاد وفي كلِّ منتدى ومجمع من دون أيِّ وازعٍ يزعهم، فإلى أيِّ هوّة أسفّوا بالإمام الطاهرعليهالسلام ؟ حتّى استلبوه الأحكام المرتّبة على المواضيع الثلاثة: الخلافة. الصحبة. الإسلام. ولم يقيموا له أيّ وزن، وما راعوا فيه أيّ حقّ، وما تحفّظوا له بأيّة كرامة، وهو نفس الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وزوج إبنته، وأبو سبطيه، وأوّل مَن أسلم له، وقام الإسلام بسيفه، وتمّت برهنة الحقِّ ببيانه، واكتسحت المعرّات عن الدّين بلسانه وسنانه، وهو مع الحقّ والحقّ معه، وهو مع القرآن والقران معه ولن يفترقا حتّى يردا على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الحوض، وما غيَّر وما بدّل حتى لفظ نفسه الأخير، وهم يمنعون عن لعن الأدعياء، وحملة الأوزار المستوجبين النار، ويذبّون عن الوقيعة في أهل العرّة والخمور والفجور من طريد إلى لعين إلى متهاون بالشريعة إلى عائث بالأحكام إلى مبدِّل للسنّة إلى مخالف للكتاب ومحالف للهوى إلى إلى إلى. إنّا لِلّه وإنّا إليه راجعون.
نعم: لعمر الحقِّ كان الأمر كما قال عامر بن عبد الله بن الزبير لمـّا سمع ابنه ينال من عليّعليهالسلام : يا بنيَّ إيّاك وذكر عليّ رضي الله عنه فإنّ بني اميّة تنقّصته ستّين عاماً فما زاده الله بذلك إلّا رفعة. المحاسن والمساوي للبيهقي ١: ٤٠.
يُريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله
إلَّا أن يُتمّ نوره
_ ١٦ _
قتال ابن هند علياً امير المومنينعليهالسلام
نحن مهما غضضنا الطرف عن شيىء في الباب فلا يسعنا أن نتغاضا عن أنّ مولانا أمير المؤمنين هو ذلك المسلم الأوحديّ الذي يحرم ايذاؤه وقتاله، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً، ومن المتسالم عليه عند امّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: سباب المسلم - المؤمن - فسوق، وقتاله كفر. وقد اقترف معاوية الاثمين معاً فسبّ وقاتل سيّد المسلمين جميعاً، وآذى أوَّل من أسلم من الاُمّة المرحومة، و آذى فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليم، ومن آذى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد آذى الله، إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة.
على أنّه سلام الله عليه كان خليفة الوقت يومئذ كيفما قلنا أو تمحَّلنا في أمر الخلافة وكان تصدّيه لها بالنصّ، وإجماع أهل الحلّ والعقد، وبيعة المهاجرين والأنصار، ورضى الصحابة جمعاء، خلا نفر يسير شذّوا عن الطريقة المثلى لا يفتّون في عضد جماعة، ولا يؤثّرون على إنعقاد طاعة، بعثت بعضهم الضغائن، وحدت آخر المطامع، واندفع ثالث إلى نوايا خاصّة رغب فيها لشخصيّاته، وكيفما كانت الحالة فأمير المؤمنينعليهالسلام وقتئذ الخليفة حقّاً، وإنّ مَن ناواه وخرج عليه يجب قتله، وإنّما خلع ربقة الإسلام من عنقه وأهل سلطان الله، ويلقى الله ولا حجّة له، وقد جاء في النصِّ الجليِّ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الاُمّة وهم جميعٌ فاضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان.
وفي لفظ: فمن رأيتموه يمشي إلى اُمَّة محمّد فيفرّق جماعتهم فاقتلوه.
وفي لفظ الحاكم: فاقتلوه كائناً من كان من النّاس. راجع صفحة ٢٧، ٢٨ من هذا الجزء.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن أتاكم وأمركم جمعٌ على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه. راجع ص ٢٨ من هذا الجزء.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهليَّة، ومَن
_١٧_
قاتل تحت راية عميَّة يغضب للعصبيّة، أو يدعو إلى عصبيّة، او ينصر عصبيّة، فقتل فقتلة جاهليّة، ومن خرج على امّتي يضرب برّها وفاحرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس منِّي ولست منه(١) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ مَن خلع يداً من طاعة لقى الله يوم القيامة ولا حجّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة(٢) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه إلّا أن يراجع، ومَن دعا دعوة جاهليّة فإنّه من جثا جهنّم، قال رجلٌ: يا رسول الله! وإن صام وصلّى؟ قال: نعم وإن صام وصلّى، فادعوا بدعوة الله الذي سمّاكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله(٣) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم مَن فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه(٤) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس أحدٌ يفارق الجماعة قيد شبر فيموت إلّا مات ميتة جاهليّة(٥)
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة(٦) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم مَن أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله(٧) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم من طريق معاوية نفسه: مَن فارق الجماعة شبراً دخل النار(٨)
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن فارق الجماعة، واستذلّ الإمارة لقى الله ولا حجّة له عند الله(٩) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأنَّ رأسه زبيبة(١٠) .
____________________
١ - صحيح مسلم ٦: ٢١، سنن البيهقى ٨: ١٥٦، مسند أحمد ٢: ٢٩٦، تيسير الوصول ٢: ٣٩.
٢ - صحيح مسلم ٦: ٢٢، سنن البيهقي ٨: ١٥٦.
٣ - سنن البيهقى ٨: ١٤٧، مستدرك الحاكم ١: ١١٧ صدر الحديث.
٤ - سنن البيهقى ٨: ١٥٧، مستدرك الحاكم ١: ١١٧.
٥ - صحيح البخارى باب السمع والطاعة للامام، سنن البيهقى ٨: ١٥٧.
٦ - تيسير الوصول ٢: ٣٩ نقلا عن الشيخين.
٧ - صحيح الترمذى ٩: ٦٩، تيسير الوصول ٢: ٣٩.
٨ - مستدرك الحاكم ١: ١١٨.
٩ - مستدرك الحاكم ١: ١١٩.
١٠ - صحيح البخارى باب السمع والطاعة، صحيح مسلم ٦: ١٥ واللفظ للبخارى.
أوَ هَل ترى معاوية في خروجه على أمير المؤمنينعليهالسلام ألف الجماعة ولازم الطاعة أو أنّه باغٍ أهان سلطان الله واستذلَّ الامارة الحقّة، وخرج عن الطاعة، وفارق الجماعة وخلع ربقة الإسلام من رأسه؟ النصوص النبويّة، تأبى إلّا أن يكون الرّجل على رأس البغاة كما كان على رأس الأحزاب يوم كان وثنيّاً، وما أشبه آخره بأوّله، ولذلك أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنين بقتاله، وانّ من يقتل عمّاراً هي الفئة الباغية، ولم يختلف اثنان في أنّ أصحاب معاوية هم الذين قتلوه، غير أنّ معاوية نفسه لم يتأثَّر بتلك الشية ولم تثنه عن بغيه تلكم القتلة وأمثالها من الصلحاء الأبرار الذين ولغ في دمائهم.
أضف إلى ذلك انَّ معاوية هو الخليفة الأخير ببيعة طغام الشام وطغاتهم إن كانت لبيعتهم الشاذَّة قيمة في الشريعة، وقد حتّم الاسلام قتل خليفة مثله بقول نبيّه الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ستكون خلفاء فتكثر قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأوّل فالاوّل، واعطوهم حقّهم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء أحدٌ ينازعه فاضربوا عنق الآخر.
وهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة(١) هي التي تصحّح الحديث الوارد في معاوية نفسه وإن ضعف اسناده عند القوم من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه(٢) وهو المعاضد بما ذكره المناوي في كنوز الدقائق ص ١٤٥ من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قاتل عليّاً على الخلافة فاقتلوه كائناً من كان.
وبعد أن ترائت الفئتان أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام وطغمة معاوية حكم فيهم كتاب الله تعالى بقوله:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ) (٣) وبها استدلَّ أئمَّة الفقه كالشافعيّ على قتال أهل البَغي(٤) وأصحاب معاوية هم الفئة الباغية بنصٍّ من
____________________
١ - راجع صفحة ٢٧، ٢٨، ٢٧٢ من هذا الجزء.
٢ - راجع صفحة ١٤٢ من هذا الجزء.
٣ - سورة الحجرات: ٩.
٤ - سنن البيهقي ٨: ١٧١.
الرَّسول الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
وقال محمّد بن الحسن الشيباني الحنفي المتوفّى ١٨٧: لو لم يقاتل معاوية عليّاً ظالماً له متعديّاً باغياً كنّا لا نهتدي لقتال أهل البغي ( الجواهر المضيئة ٢: ٢٦ ).
قال القرطبي في تفسيره ١٦ ص ١٣٧: في هذه الآية دليلٌ على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين.
وقال: قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأوّلين، وعليها عوّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملّة، وإيّاها عني النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: تقتل عمّاراً الفئة الباغية. وقولهعليهالسلام في الخوارج: يخرجون على خير فرقة أو على حين فرقة. والرواية الاُولى أصحّ لقولهعليهالسلام : تقتلهم أولى الطائفتين إلى الحقّ، وكان الّذي قتلهم عليّ بن أبي طالب ومَن كان مَعه. فتقرّر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدِّين أنَّ عليّاً رضي الله عنه كان إماماً، وأنَّ كلّ من خرج عليه باغٍ وانَّ قتاله واجبٌ حتَّى يفيء إلى الحقِّ وينقاد إلى الصلح.اهـ
وقال الزيلعي في نصب الراية ٤ ص ٦٩: وأمّا إنَّ الحق كان بيد عليّ في نوبته فالدليل عليه قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمّار: تقتلك الفئة الباغية. ولا خلاف انّه كان مع عليّ وقتله أصحاب معاوية، قال إمام الحرمين في كتاب الارشاد: وعليّ رضي الله عنه كان إماماً حقّاً في ولايته، ومقاتلوه بغاةٌ، وحسن الظن بهم يقتضي أن يظنَّ بهم قصد الخير وإن أخطأوه، وأجمعوا على أنّ عليّاً كان مصيباً في قتال أهل الجمل، وهم طلحة، والزبير، وعائشة، ومَن معهم، وأهل صفّين وهم معاوية وعسكره وقد أظهرت عائشة الندم. اهـ(٢) .
وحقّاً قالت عائشة: ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الاُمّة من هذه الآية:( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) (٣) وامّ المؤمنين هي أوّل من رغبت عن هذه الآية وضيّعت حكمها، وخالفها وخرجت من عقر دارها، وتركت خدرها وتبرّجت تبرّج الجاهليَّة الاُولى، وحاربت إمام زمانها، ولعلّها ندمت وبكت حتّى بلّت خمارها، ولمـّا...
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء الثالث.
٢ - هكذا حكاه الزيلعي عن الارشاد وأنت تجده محرّفاً عند الطبع، راجع الارشاد ص ٤٣٣.
٣ - السنن الكبرى للبيهقى ٧: ١٧٢، مستدرك الحاكم ٢: ١٥٦.
ومن هنا وهناك كان مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام يوجب قتال أهل الشام ويقول: لم أجد بدّاً من قتالهم أو الكفر بما اُنزل على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وفي لفظ: ما هو إلّا الكفر بما نزل على محمّد، أو قتال القوم(١) .
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأمر وجوه أصحابه كأمير المؤمنين، وأبي أيّوب الأنصاري وعمّار بن ياسر، بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين، وقد مرّت أحاديثه في الجزء الثالث ص ١٦٧ - ١٧٠ وكان من المتَّفق عليه عند السّلف: انَّ القاسطين هُم أصحاب معاوية.
فبأيِّ حجّة ولو كانت داحضة كان معاوية الذي يجب قتله وقتاله يستسيغ محاربة عليّ أمير المؤمنين؟ وبين يديه كتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إن كان ممّن يقتصّ أثرهما وفي الذكر الحكيم قوله سبحانه:( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (٢) ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (٣) ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (٤) ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٥) .
فلم يكن القتال أوّل فاصل لنزاع الاُمّة قبل الرّجوع إلى محكمات الكتاب، وما فيه فصل الخطاب من السنَّة المباركة، ولذلك كان مولانا أمير المؤمنين يُتمُّ عليهم الحجّة بكتابه وخطابه منذ بدء الأمر برفع الخصومة إلى الكتاب الكريم وهو عِدله، وكان يخاطب وفد معاوية ويقول: ألا إنّي ادعوكم إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنَّة نبيّه (تاريخ الطبري ٦: ٤) ومن كتاب لهعليهالسلام إلى معاوية ومَن قِبله من قريش قوله: ألا وإنّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيِّه، وحقن دماء هذه الاُمّة.
شرح نهج البلاغة ١: ١٩.
____________________
١ - نهج البلاغة ١: ٩٤، كتاب صفين ص ٥٤٢، مستدرك الحاكم ٣: ١١٥، الشفا للقاضى عياض، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٨٣، البحر الزخّار ٥: ٤١٥.
٢ - سورة النساء: ٥٩.
٣ - سورة المائدة: ٤٤.
٤ - سورة المائدة: ٤٧.
٥ - سورة المائدة: ٤٥.
فلم يعبئوا به إلّا بعد ما اضطرّوا إلى التترّس به، وقد أخبر بذلك الإمام قبل وقوع الواقعة فيما كتب إلى معاوية: وكأنّي بك غداً وأنت تضجّ من الحرب ضجيج الجِمال من الأثقال، وستدعوني أنت وأصحابي إلى كتاب تعظَّمونه بألسنتكم، وتجحدونه بقلوبكم. شرح ابن أبي الحديد ٣: ٤١١، ج ٤: ٥٠.
وفي كتاب آخر لهعليهالسلام إليه وكأنِّي بجماعتك تدعوني - جزعاً من الضرب المتتابع والقضاء الواقع، ومصارع بعد مصارع - إلى كتاب الله، وهي كافرةٌ جاحدة، أو مبايعة حائدة (نهج البلاغة ٢: ١٢) فقد صدَّق الخُبر الخبر واتَّخذوه جُنّة مكراً وخداعاً يوم رفعت المصاحف وكانوا كما قال مولانا أمير المؤمنين يومئذ: عباد الله انّي أحقّ من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرَّ أطفال وشرّ رجال، إنّها كلمة حقّ يُراد بها الباطل، إنَّهم والله ما رفعوها إنّهم يعرفونها ويعملون بها، ولكنّها الخديعة والوهن والمكيدة(١) ولم يأل الرسول الكريمصلىاللهعليهوآلهوسلم جهداً في تحذير المسلمين عن التورّط في هذه الفتنة العمياء بخصوصها، ويعرِّفهم مكانة أمير المؤمنين، ويكرِّههم مسّه بشيء مِنَ الأذى من قتال أو سبّ أو لعن أو بغض أو تقاعد عن نصرته، ويحثّهم على ولائه و اتّباعه واقتصاص أثره والكون معه بعد ما قرن الله ولايته بولايته وولاية الرّسول وطاعته بطاعتهما فقال:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) وقوله تعالى:(٣) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (٤) .
لكن معاوية لم يقنعه الكتاب والسنّة فباء بتلكم الآثام كلّها، وجانب هاتيك الأحكام الواجبة جمعاء، فكان من القاسطين وهو يَرأسهم،( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) (٥)
____________________
١ - راجع ما أسلفناه من كلمات الامام عليه السلام ففيها المقنع لطالب الحق.
٢ - راجع ما فصلناه فى الجزء الثانى ص ٥٢ ط ٢، وص ٥٨، و ج ٣ ص ١٤١ - ١٤٧.
٣ - سورة النساء: ٥٩.
٤ - صحيح البخارى باب التفسير، كتاب الاحكام، صحيح مسلم ٦: ١٣.
٥ - سورة الجنّ: ١٥.
نعم: لم يقنع معاوية قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليُّ منِّي بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنّه لا نبيَّ بعدي.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، أللهمَّ وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر من نصره، واخذل مَن خذله.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروني. بم تَخلّفوني فيهما.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن يريد أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنَّة الخلد الّتي وعدني ربّي فليتولّ علي بن أبي طالب، فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ ربَّ العالمين عهد إليَّ عهداً في عليِّ بن أبي طالب فقال: إنَّه راية الهدى، ومنار الايمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عنوان صحيفة المؤمن حبُّ عليِّ بن أبي طالب.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لمـّا نظر إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين: أنا حربٌ لمن حاربكم، وسلمُ لمن سالمكم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليٌّ منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم له: أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث: عليُّ أمير المؤمنين، إمام المتقين، وقائد الغرّ المحجَّلين إلى جنّات ربِّ العالمين، أفلح من صدَّقه، وخاب من كذَّبه، ولو أنَّ عبداً عبد الله بين - الركن والمقام ألف عام وألف عام، حتّى يكون كالشنِّ البالي ولقى الله مبغضاً لآل محمّد أكبّه الله على منخره في نار جهنّم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم له: لا يحبّك إلّا مؤمنٌ، ولا يبغضك إلّا منافقٌ.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم آخذاً بيد الحسن والحسين: من أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما و امّهما كان معي في درجتي يوم القيامة.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليٌّ منِّي بمنزلة رأسي من بدني.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلّا أدخله الله النار.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم له: يا علي طوبى لمن أحبَّك وصدق فيك، وويلٌ لمن أبغضك و كذب فيك.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحبَّني فليحبَّ عليّاً، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزَّوجلَّ، ومن أبغض الله أدخله النار.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تسبّوا عليّاً فأنّه ممسوسٌ بذاك الله.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصورٌ من نصره، مخذولٌ من خذله.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن آذى عليّاً فقد آذاني.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحبَّ عليّاً فقد أحبّني، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اوحي إليَّ في عليّ ثلاث: انّه سيّد المسلمين، وإمام المتَّقين، و قائد الغرّ المحجَّلين.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من سبَّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبَّ الله عزَّ وجل، ومن سبَّ الله كبّه الله على منخريه في النار.
وقوله:صلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أنَّ عبداً عبد الله سبعة آلاف سنة ثمَّ أتى الله عزَّوجلَّ ببغض عليِّ بن ابي طالب جاهداً لحقّه، ناكثاً لولايته، لأتعس الله خيره، وجدع أنفه.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عليّعليهالسلام : سجيّته سجيّتي، ودمه دمي، وهو عيبة علمي، لو ان عبداً من عباد الله عزّوجل عبد الله ألف عام بين الركن والمقام ثمَّ لقي الله عزَّوجلَّ مبغضاً لعليِّ بن أبي طالب وعترتي أكبّه الله على منخره يوم القيامة في نار جهنَّم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ: يا عليّ لو أنّ امّتي صاموا حتّى يكونوا كالحنايا، وصلّوا حتى يكونوا كالأوتار، ثمّ أبغضوك لأكبّهم الله في النار.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يجوز أحدٌ الصِّراط إلّا من كتب عليٌّ الجواز.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يجوز احدٌ الصِّراط إلّا ومعه براةٌ بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنّة، فيدخل محبِّيه الجنّة، ومبغضيه النار.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : معرفة آل محمّد براءةٌ من النار، وحبُّ آل محمّد جوازٌ على الصِّراط،
والولاية لآل محمّد أمانٌ من العذاب.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا ايُّها الناس، اُوصيكم بحبِّ ذي قرنيها أخي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب، فانّه لا يحبُّه إلّا مؤمن، ولا يبغضه إلّا منافق.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سيكون بعدي قومٌ يقاتلون عليّاً، على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيىءٌ.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ: أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيّين، و يأتي أعداؤك غضاباً مقمحين. قال: ومَن عدوّي؟ وقال: من تبرّأ منك ولعنك.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ألزموا مودَّتنا أهل البيت، فانّه من لقي الله عزَّ وجلَّ وهو يودّنا دخل الجنَّة بشفاعتنا، والذي بيده لا ينفع عبداً عمله إلّا بمعرفة حقّنا.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو أنَّ رجلاً صفن بين الرُّكن والمقام فصلّى وصام ثمّ لقي الله وهو مبغضٌ لأهل بيت محمّد دخل النار.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ الله جعل أجري عليكم المودَّة في أهل بيتي وإنّي سائلكم غداً عنهم.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وقفوهم إنّهم مسئولون عن ولاية عليّ
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن تمسّك بنا اتّخذ إلى ربّه سبيلا.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وقد خيّم خيمة وفيها عليُّ وفاطمة والحسن والحسين: معشر المسلمين أنا سلمٌ من سالم أهل الخيمة، حربٌ لمن حاربهم، وليٌّ لمن والاهم، لا يحبّهم إلّا سعيد الجدّ، طيب المولد، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدّ رديء المولد.
٤٠ - وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا جمع الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنّم ما جازها أحدٌ حتّى كانت معه براءة بولاية عليّ بن أبي طالب.
هذا مولانا أمير المؤمنين وهذا غيضٌ من فيض ممّا جاء في ولائه وعدائه، فأيّ صحابيّ عادل عاصر نبيَّ الرحمة ووعى منه هاتيك الكلمات الدريّة وشاهد مولاناعليهالسلام
وعرف انطباقها عليه بتمام معنى الكلمة، ثمّ ينحاز عنه ويتّخذ سبيلاً غير سبيله فيبغي به الغوائل، ويتربَّص به الدوائر، ويقع فيه بملء فمه وحشو فؤاده، ويرميه بقذائف الحقد والشنئان؟! لعلّك لا تجد مسلماً هو هكذا غير من ألهته العصبيّة عن الهدى، و تدهورت به إلى هوَّة الشهوات السحيقة، ولعلّك لا تجد ذلك الرَّجل البائس إلّا ابن أبي سفيان المجابه للكتاب والسنّة بعد الإنكار بقلبه بالهزء والسخريّة بلسانه، فِعل مردة الوقت وطواغيت الاُمّة، فتراه عند ما روى له سعد بن أبي وقّاص أحد العشرة المبشّرة أحاديث ممّا سمعه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عليّعليهالسلام ونهض ليقوم ضرط له معاوية استهزاءً كما مرَّ حديثه في هذا الجزء ص ٢٥٨.
وحينما ذكر له أبو ذر الغفاري ذلك الصادق المصدّق قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إست معاوية في النار. جابهه بالضحك وأمر بحبسه.
ولمـّا بقر عبد الرَّحمن بن سهل الأنصاري روايا خمر لمعاوية وبلغه شأنه قال: دعوه فانّه شيخٌ قد ذهب عقله(١) . يستهزأ إنكاره على تلك الكبيرة الموبقة، وليت شعري بِمَ هذا الهزأ والسخريّة؟ أبالصحابيِّ العادل؟ أم بمن استند إليه في حكمه بتحريم الخمر؟ أم بالشريعة التي جاءت به؟ إنَّ ابن آكلة الأكباد بمقربة من كلِّ ذلك، أو انّه لا يدين الله بذلك الحكم البات؟
ولمـّا سمع من عمرو بن العاص ما حدّثه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله لعمّار تقتلك الفئة الباغية. قال لعمرو: إنّك شيخٌ أخرق، ولا تزال تحدِّث بالحديث، وأنت ترحض في بولك، أنحن قتلناه؟ إنَّما قتله عليٌّ وأصحابه، جاؤا به حتّى ألقوه بين رماحنا. وقال: أفسدت عَليَّ أهل الشام، أكلّ ما سمعت من رسول الله تقوله؟(٢)
أهذا هزءٌ؟ أم أنَّ معاوية بلغ من السفاهة مبلغاً يحسب معه أنَّ أمير المؤمنين هو قاتل عمّار، إذن فما قوله في سيِّد الشهداء حمزة وجعفر الطيّار؟(٣) أكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قاتِلهما يوم ألقاهما بين رماح المشركين وسيوفهم؟ لا تستبعد مكابرة الطاغية
____________________
١ - راجع ما مر فى هذا الجزء ص ١٨١.
٢ - اسلفنا تفصيله فى الجزء الاول ص ٣٢٩ ط ٢.
٣ - بهذا اجاب الامام امير المؤمنين عليه السلام عن كلام الرجل كما في تاريخ الخميس ٢: ٢٧٧.
بقوله: إنَّ رسول الله قتلهما. أو انَّ الرَّجل وجد حمراً مستنفرة فألجمها وألجم مراشدها بتلكم التمويهات؟ وكلّ هذه معقولةُ غير مستعصية على استقراء أعمال معاوية وأفعاله.
ثمَّ ماذا يعني بقوله: أفسدت عليّ... أيريد كبحاً أمام جري السنّة الشريفة؟ أو يروم إسدال غطاء على مجاليها؟ أو الإعراض عن مدلولها لأنَّه لا يلائم خطّته؟ ولا يستبعد شيىءٌ من ذلك ممّن طبع الله على قلبه وهو ألدّ الخصام.
ولمـّا حدَّثه عبادة بن الصامت حديث حرمة الرّبا(١) وقد نطق بها القرآن الكريم فقال: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره. فقال عبادة: بلى وإن رغم أنف معاوية. ولمـّا سمع من عبادة حديثه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنَّ هذا لا يقول شيئاً. فلم يك يرى قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شيئاً يعبأ به ويُصاخ إليه، ويُعدَّل عليه.
ولمـّا قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري(٢) فقال له معاوية: يا أبا قتادة! تلقاني الناس كلّهم غيركم يا معشر الأنصار! ما منعكم؟ قال: لم يكن معنا دواب. فقال معاوية: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. قال: نعم يا أبا قتادة! قال أبو قتادة: إنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لنا: إنّا سنرى بعده اثرة. قال معاوية: فما أمركم به عند ذلك؟ قال: أمرنا بالصبر. قال: فاصبروا حتّى تلقوه. قال عبد الرَّحمن بن حسّان حين بلغه قول معاوية:
ألا أبلغ معاوية بن صخر |
أمير المؤمنين عنّي كلامي |
|
فإنّا صابرون ومنظروكم |
إلى يوم التغابن والخصام(٣) |
وحقُّ القول: إنّ المخذول لا يخضع لهتاف النبوَّة، ولا انّهم سوف يلقون صاحبها، ويرفعون إليه ظلامتهم، فيحكم لهم على من استأثر عليهم، وحسبه ذلك إلحاداً وبغياً.
____________________
١ - مرّ حديثه فى هذا الجزء ص ١٨٥.
٢ - فى رواية ابن عساكر: عبادة بن صامت الانصارى.
٣ - الاستيعاب ١: ٢٥٥، تاريخ ابن عساكر ٧: ٢١٣، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص ١٣٤.
وفي رواية انَّ أبا أيّوب أتى معاوية فشكا إليه انَّ عليه ديناً فلم ير منه ما يحبُّ فرأى أمراً كرهه فقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: انّكم سترون بعدي أثرة. قال: فأيّ شيء قال لكم؟ قال: أمرنا بالصبر. قال: فاصبروا. قال: فوالله لا أسألك شيئاً أبداً(١) .
وفي لفظ: دخل أبو أيّوب على معاوية فقال: صدق رسول الله انّكم سترون بعدي اثرة فعليكم بالصبر. فبلغت معاوية فقال: صدق رسول الله أنا أوَّل من صدَّقه. فقال أبو أيّوب: أجرأة على الله وعلى رسوله؟ لا اكلّمه أبداً ولا يأويني وإيّاه سقف بيت. تاريخ ابن عساكر ٥: ٤٢.
وفي لفظ الحاكم: انَّ أبا أيّوب أتى معاوية فذكر حاجة له فجفاه ولم يرفع به ورأساً فقال أبو أيّوب: أما انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أخبرنا انّه سيصيبنا بعده أثرة قال: فبمَ أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتّى نرد عليه الحوض. قال: فاصبروا إذاً. فغضب أبو أيّوب وحلف أن لا يكلّمه أبداً. الخصايص الكبرى ٢: ١٥.
وحضر أبو بكرة مجلس معاوية فقال له: حدِّثنا يا أبا بكرة: فقال: إنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: الخلافة ثلاثون ثمَّ يكون الملك. قال عبد الرَّحمن بن أبي بكرة: وكنت مع أبي فأمر معاوية فوجئ في أقفائنا حتّى اُخرجنا(٢) .
ولعلّك تعرف خبيئة ضمير معاوية بما حدَّثه ابن بكار في ( الموفقيات ) عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال: سمعت المدائني يقول: قال مطرف بن المغيرة: وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدَّث عنده ثمّ ينصرف إليّ فيذكر معاوية. ويذكر عقله ويعجب ممّا يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتمّاً فانتطرته ساعة وظننت انّه لشيىء حدث فينا أو في عملنا فقلت له: مالي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ قال: يا نبيّ إنّي جئت من عند أخبث الناس. قلت له: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: انّك قد بلغت منّا يا أمير المؤمنين! فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فانّك قد كبرت ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم
____________________
١ - تاريخ ابن عساكر ٥: ٤١.
٢ - أخرجه ابن سعد كما فى النصايح الكافية ١٥٩ ط ١.
اليوم شيىءٌ تخافه. فقال لي: هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلّا أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلّا أن يقول قائل: عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل وعمل به فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وانَّ أخا هاشم يصرخ به في كلِّ يوم خمس مرّات: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله. فأيّ عمل يبقى مع هذا لا امّ لك، والله إلّا دفنا دفناً؟(١) .
فهل تجد إذن عند معاوية إذعاناً بما جاء من الكتاب في عليّعليهالسلام ؟ أو تراه مخبتاً إلى شيىء من الكثير الطيّب الوارد عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الثناء على الإمام الطاهر؟ حينما عاداه وأبغضه ونقّصه وسبّه وهتك حرماته وآذاه وقذفه بالطامّات وحاربه وقاتله و تخلّف عن بيعته وخرج عليه.
أوَ ترى أن يسوغ لمسلم صدَّق نبيّه ولو في بعض تلكم الآثار والمآثر أن يبوح بما كتبه ابن هند إلى الإمامعليهالسلام من الكلم القارصة بمثل قوله في كتاب له إليهعليهالسلام :
ثمَّ تركك دار الهجرة التي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عنها: إنّ المدينة لتنفي خبثها، كما ينفي الكير خَبث الحديد. فلعمري لقد صحَّ وعده، وصدق قوله، ولقد نفت خبثها وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها فأقمتَ بين المصرين، وبعدت عن بركة الحرمين، ورضيت بالكوفة بدلاً من المدينة، وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضاً عن مجاورة خاتم النبوّة.
ومن قبل ذلك ما عيّبت خليفتي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيّام حياتهما فقعدت عنهما، و ألّبتَ عليهما، وامتنعتَ من بيعتهما، ورُمتَ أمراً لم يرك الله تعالى له أهلاً، ورقيتَ سلّماً وعرا، وحاولت مقاماً دحضاً(٢) وادّعيت ما لم تجد عليه ناصراً، ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلّا فساداً واضطراباً، ولا أعقبت ولايتكها إلّا انتشاراً وارتداداً، لأنّك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه، المستطيل على الناس بلسانه ويده.
____________________
١ - مروج الذهب ٢: ٣٤١.
٢ - مكان دحض بالفتح ويحرك: زلق.
وها أنا سائرٌ اليك في جمع من المهاجرين والأنصار، تحفُّهم سيوفٌ شاميَّة، و رماحٌ قحطانيّة، حتّى يحاكموك إلى الله، فانظر لنفسك وللمسلمين وادفع إليّ قتلة عثمان فانّهم خاصّتك وخلصاؤك المحدقون بك، فإن أبيت إلّا سلوك سبيل اللجاج والإصرار على الغيِّ والضلال، فاعلم أنَّ هذه الآية إنّما نزلت فيك وفي أهل العراق معك:( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) .
وقوله في كتاب له: وإن كنت موائلاً فازدد غيّاً إلى غيِّك، فطالما خفَّ عقلك، ومنَّيت نفسك ما ليس لك، والتويت على مَن هو خيرٌ منك، ثمّ كانت العاقبة لغيرك، و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك.
وقوله في كتاب له أيضاً: فدعني من أساطيرك، واكفف عنّي من أحاديثك، و أقصر عن تقوّلك على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وافترائك من الكذب ما لم يُقل، وغرور مَن معك والخداع لهم، فقد استغويتهم ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك، ويعلموا أنّ ما جئت به باطلٌ مضمحلُّ.
وقوله من كتاب آخر له: فما أعظم الرين على قلبك، والغطاء على بصرك، ألشَره من شيمتك، والحسد من خليقتك.
وقوله في كتاب له إليهعليهالسلام : فدع الحسد، فإنّك طالما لم تنتفع به، ولا تفسد سابقة جهادك بشرّة نخوتك، فإنَّ الأعمال بخواتيمها، ولا تُمحّص سابقتك بقتال من لا حقَّ لك في حقّه، فإنّك إن تفعل لا تضرّ بذلك إلّا نفسك، ولا تمحق إلّا عملك، ولا تبطل إلّا حجّتك، ولعمري انَّ ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقاً لما اجترأت عليه من سفك الدماء، وخلاف اهل الحقّ، فاقرأ السورة التي يذكر فيها الفلق، وتعوَّذ من نفسك، فإنّك الحاسد إذا حسد.
وقوله من كتاب له إليهعليهالسلام : فلمّا استوثق الإسلام وضرب بجرانه، عدوت عليه، فبغيته الغوائل، ونصبت له المكايد، وضربت له بطن الأمر وظهره، ودسستَ عليه وأغريت به، وقعدت - حين استنصرك - عن نصره، وسألك أن تدركه قبل أن يمزّق فما أدركته، وما يوم المسلمين منك بواحد، لقد حسدتَ أبا بكر والتويتَ عليه، و
رُمتَ افساد أمره، وقعدت في بيتك، واستغويت عصابة من الناس حتّى تأخَّروا عن بيعته، ثمّ كرهت خلافة عمر وحسدته، واستطالت مدّته وسُررت بقتله، وأظهرت الشماتة بمصابه، حتى انَّك حاولت قتل ولده لأنّه قتل قاتل أبيه، ثمّ لم تكن أشدّ منك حسداً لابن عمّك عثمان. إلخ.
وقوله في كتاب له إليهعليهالسلام : أمّا بعد: فإنّا كنّا نحن وإيّاكم يداً جامعة، والفة أليفة، حتّى طمعت يا بن أبي طالب! فتغيّرت وأصبحت تعدّ نفسك قويّاً على من عاداك بطغام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق، وحمقى الفسطاط، وغوغاء السواد، وأيم الله لينجلينّ عنك حمقاها، ولينقشعنّ عنك غوغاؤها انقشاع السِّحاب عن السَّماء.
قتلت عثمان بن عفّان، ورقيت سلّماً أطلعك الله عليه مطلع سوء، عليك لا لك وقتلت الزبير وطلحة، وشرّدت امّك عائشة، ونزلت بين المصرين فمنّيت وتمنّيت، وخيّل لك انّ الدنيا فد سخّرت لك بخيلها ورجلها، وإنّما تعرف اُمنيّتك، لو قد زرتك في المهاجرين من الشام بقيَّة الاسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثمَّ يقضي الله علمه فيك، والسَّلام على أولياء الله(١) .
فأيُّ أحد من غوغاء الناس ومن جهلة الاُمّة يحسب في صاحب هذه الكلمات المخزية نزعة دينيّة؟ أو حياءاً وانقباضاً في النفس ولو قيد شعرة؟ أو بخوعاً إلى كتاب الله وهو يطهّر أهل البيت وعليُّ سيد العترة، ويراه نفس النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقرن ولايته بولاية الله وولاية رسوله وطاعته بطاعتهما؟!
نعم: هكذا فليكن رضيع ثدي هند، وربيب حجر حمامة، والناشىء تحت راية البغاء، ووليد بيت اميّة، وثمرة تلك الشجرة الملعونة في القرآن، هكذا يسرف معاوية في القول، ويجازف مفرطاً فيه، وما يلفظ من قول إلّا ولديه رقيبٌ عتيد، وهو سرف الفؤاد لا يعبأ بما تلقتّه الاُمّة بالقبول من قول نبيِّها في عليّعليهالسلام : أنت الصدِّيق الأكبر، انت الفاروق الذي تفرق بين الحقِّ والباطل، وأنت يعسوب الدين.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليٌّ مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض.
____________________
١ - توجد هذه الكتب على تفصيلها فى شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد ٣: ٤١، ٤١٢، ٤٤٨، و ج ٤: ٥٠، ٥١، ٢٠١، وهى مبثوثة فى جمهرة الرسائل ١ ص ٣٩٨ - ٤٨٣.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليِّ ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة.
إلى مئات أو اُلوف ممّا جاء في عليّعليهالسلام بلسان سيّد العالمين نبيّ الاُمَّةصلىاللهعليهوآلهوسلم .
بلغ الطاغية من عداء سيِّد العترة حدّاً لا يستطيع أن يسمع اسمهعليهالسلام وكان ينهى عن التسمية به، يُروى انّ علي بن أبي طالبعليهالسلام افتقد عبد الله بن العباس فقال: ما بال أبي العباس لم يحضر؟ فقالوا: ولد له مولود فلمّا صلّى عليٌّ قال: امضوا بنا إليه فأتاه فهنّاه فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سمّيته؟ قال: أوَ يجوز لي أن اسمّيه حتى تسمّيه. فأمر به فأخرج إليه فأخذه وحنّكه ودعا له ثمّ ردّه اليه وقال: خذه اليك أبا الأملاك قد سمّيته عليّا وكنّيته أبا الحسن. فلمّا قام معاوية قال لابن عبّاس: ليس لكم اسمه وكنيته قد كنّيته أبا محمّد. فجرت عليه(١) فكان بنو اميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه(٢) فكان الناس يبدّلون اسماء أولادهم، قاله زين الدين العراقي.
_ ١٧ _
هنات وهنابث
في ميزان ابن هند
١ – لمـّا قُتل نعيم بن صهيب بن العلية فأتى ابن عمّه وسمّيه نعيم بن الحارث بن العليّة معاوية، وكان معه، فقال: إنَّ هذا القتيل ابن عمِّي فهبه لي أدفنه. فقال: لا ندفنهم فليسوا أهلاً لذلك، فوالله ما قدرنا على دفن عثمان معهم إلَّا سرًّا قال: والله لتأذننَّ لي في دفنه أولألحقنَّ بهم ولأدعنّك. فقال له معاوية: ويحك ترى أشياخ العرب لا تواريهم وأنت تسألني دفن ابن عمّك. ثمَّ قال له: ادفنه إن شئت أو دع. فأتاه فدفنه(٣) .
٢ – لمـّا قُتل عبد الله بن بديل أقبل إليه معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه، فأمّا عبد الله فألقى عمامته على وجهه وترحَّم عليه وكان صديقه، فقال معاوية:
____________________
١ - كامل المبرد ٢: ١٥٧.
٢ - تهذيب التهذيب ٧: ٣١٩.
٣ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٩٣ ط مصر، تاريخ الطبرى ٦: ١٤، شرح ابن ابى الحديد ١: ٤٨٩.
اكشف عن وجهه فقال: لا والله لا يمثّل به وفيَّ روح. فقال معاوية: اكشف عن وجهه فانّا لا نمثّل به فقد وهبته لك(١) . وذكر النسَّابة أبو جعفر البغدادي في [المحبَّر] ص ٤٧٩ ممّا كتبه معاوية إلى زياد بن سلمة: من كان على دين عليّ ورأيه فاقتله وامثل به يأتي الحديث بتمامه.
٣ - قد كان معاوية ( يوم صفّين ) نذر في سبي نساء ربيعة وقتل المقاتلة فقال في ذلك خالد بن المعمَّر:
تمنّى ابن حرب نذرةً في نسائنا |
ودون الذي ينوي سيوفٌ قواضبُ |
|
ونمنح ملكاً أنت حاولت خلعه |
بني هاشم قول امرئ غير كاذبِ(٢) |
٤ - ذكر الباوردي انَّ عمير بن قرَّة الليثي الصحابي ممّن شهد صفّين من الصحابة، وكان شديداً على معاوية وأهل الشّام حتى حلف معاوية لئن ظفر به ليذيبنّ الرصاص في اُذنيه(٣) .
هذه هنات موبقة ومحظورات مسلّمة من بوائق ابن هند الكثيرة قد ارتكبها أو صمّم أن يقترفها في صفّين، فهل من الدِّين الحنيف منعه عن دفن من قتل تحت راية الحقّ مع أمير المؤمنينعليهالسلام مع وجوب الاسراع في دفن كلّ مؤمن؟ فهل كان اولئك الصلحاء من الصحابة الأوَّلين والتابعين لهم باحسان عند معاوية خارجين عن الدين؟ أو أنّه كان يتّبع فيهم هواه المردي، ويشفي بذلك غيظه منهم على نصرتهم الحقّ؟ وكم عند معاوية من مخازي أمثال هذه تقع عن الدين المبين بمعزل؟!.
أفهل تسوغ مثلة المسلم المخالف هواه هوى ابن آكلة الأكباد؟ والمثلة محرَّمةُ حتّى بالحيوان حتّى بالكلب العقور(٤) فكيف بصلحاء المؤمنين؟ وقد لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من مثل بالحيوان(٥) .
____________________
١ - كتاب صفين ص ٢٧٧ ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد ١: ٤٨٦.
٢ - كتاب صفين ص ٢٣١ ط مصر.
٣ - الاصابة لابن حجر ٣: ٣٥.
٤ - أخرجه الطبرانى من طريق على امير المؤمنين وذكره الزيلعى فى نصب الراية ٣: ١٢٠، والسرخسى فى شرح السير الكبير ١: ٧٨.
٥ - أخرجه البخارى فى صحيحه باب ما يكره من المثلة من طريق ابن عمر.
_١٨_
وقد جاء حديث النهي عن المثلة من طريق عليّ أمير المؤمنين، وأنس وابن عمر، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، وسمرة بن جندب، وزيد بن خالد، وعمران بن حصين، ومغيرة بن شعبة، والحكم بن عمير، وعائذ بن قرط، وأبي أيّوب الأنصاري، ويحيى ابن أبي كثير، وأسماء بنت أبي بكر.
وأحاديثهم مبثوثة في صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والسنن الكبرى للبيهقي، ومسند أحمد، ومعجم الطبراني. راجع نصب الراية للزيلعي ٣: ١١٨ - ١٢١.
فما المسوِّغ عندئذ لابن هند مثلة من كان على دين عليّ ورأيه، ودينه هو دين محمّد الذي جاء بالإسلام المقدّس؟
وهل ينعقد نذر المعصية بسبي نساء ربيعة المسلمات إن تغلّب عليهم لولاء بعولتهنَّ عليّاً أمير المؤمنين؟ وهو محرَّمٌ في شرع الإسلام، ولا ينعقد النذر إلّا في طاعة ولا أقلّ من الرجحان في متعلّق النذر كما مرّ بيانه في الجزء الثامن ص ٧٩ ط ١، فبأيّ كتاب أم بايّة سنّة يسوغ هذا النذر لصاحبه إن كان من أهلهما، ويسع له أن يقول: لِلّه عليَّ كذا؟.
وهل يجوز في شرع الإسلام اليمين باذابة الرصاص في اُذن مسلم صحابيّ عادل لا يتّبع أهواء معاوية، ولا يخبت إلى ضلالاته؟ وهل كان يحلف الرجل بإله محمّد وعليّ صلوات الله عليهما وآلهما وهما وربّهما برآء عن مثل هذا الحلف وصاحبه؟ أو كان يقصد إله آبائه دعائم الشرك وعبدة ( هبل ) حملة الأوزار المستوجبين النّار؟ وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
_ ١٨ _
قذائف موبقة
في صحائف ابن آكلة الأكباد
هاهنا في أيِّ كفَّة تجد معاوية وأعماله الشاذَّة عن الإسلام؟ فهل تراه أثقل ميزانه بالصّالحات؟ أو أنَّه خفّفها بكلّ موبقة مهلكة؟ وأنّه كان يطفّفها ويخفّف المكيال كيفما وزن وكال، وليت ابن هند أدلى بما عنده من الشبَه في هذه القضيَّة - قتاله عليّاًعليهالسلام - لنمعن النظر فيها إمعان استشفاف لما ورائها لكنَّه فات المخذول أن يدلي بشيء من ذلك
لا تعارضه البرهنة، ولا يفنّده المنطق غير أمرين أراد بهما تلويثاً لساحة قدس الإمام وإن كان هو كشف عن عورته ساعد عرف الناس كذبه في الأمرين جميعاً.
الأوّل: نسبة الإلحاد إليه سلام الله عليه وانّه لا يصلّي، هذا وقد وضح الإسلام بسيفه، وقامت الصَّلاة بأيده، يموِّه بذلك على الرعرعة الدهماء من الشاميِّين.
قال الجاحظ: إنَّ معاوية كان يقول في آخر خطبته: أللهمَّ إنَّ أبا تراب ألحد في دينك، وصدَّ عن سبيلك، فالعنه لعناً وبيلا، وعذِّبه عذاباً أليما. وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يُشاد بها على المنابر إلى أيّام عمر بن عبد العزيز(١) .
وأخرج ابن مزاحم انّ يوم صفّين برز شابٌ من عسكر معاوية يقول:
أنا ابن أرباب الملوك غسّانْ |
والدائن اليوم بدين عثمانْ |
|
أنبأنا أقوامنا بما كانْ |
إنَّ عليّاً قتل ابن عفّانْ |
ثمَّ شدّ فلا ينثني يضرب بسيفه، ثمّ جعل يلعن عليّاً ويشتمه ويسهب في ذمَه، فقال له هاشم المرقال: إنَّ هذا الكلام بعده الخصام، وإنَّ هذا القتال بعده الحساب، فاتَق الله فانَّك راجع إلى ربِّك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به، قال: فإنّي اُقاتلكم لأنّ صاحبكم لا يصلّي كما ذُكر لي، وإنّكم لا تصلّون، واُقاتلكم انّ صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان؟ إنّما قتله أصحاب محمّد وقرّاء الناس، حين أحدث أحداثاً وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمّد هم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في أمور المسلمين. وما أظنُّ انَّ أمر هذه الاُمَّة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قطّ. قال الفتى: أجَلْ أجَلْ، والله لا أكذب فانَّ الكذب يضرّ ولا ينفع، ويشين ولا يزين. فقال له هاشم: إنَّ هذا الأمر لا علم لك به، فخلّه وأهل العلم به. قال: أظنّك والله قد نصحتني. وقال له هاشم: وأمّا قولك: إنَّ صاحبنا لا يصلّي فهو أوَّل من صلّى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله، وأمّا مَن ترى معه فكلّهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجّدا، فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون. قال الفتى: يا عبد الله إنّي لأظنّك امرءاً صالحاً، وأظنّني مخطئاً آثماً، أخبرني هل تجد لي من توبة؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك، فإنّه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات
____________________
١ - راجع ما أسلفنا فى الجزء الثانى ص ١٠٢ ط ٢.
ويحبُّ التوّابين ويحبُّ المتطهّرين. قال: فذهب الفتى بين الناس راجعاً. فقال له رجلٌ من أهل الشام: خدعك العراقيّ. قال: لا، ولكن نصحني العراقيّ(١) .
كان المخذول يشوِّه سمعة الإمام الطيِّبة بتلكم القذائف الشائنة طيلة حياته، ولمـّا استشهد سلام الله عليه لم يرفع اليد عن غيّه وبغيه، فجاء يُري الاُمّة الغوغاء انَّ ما كان من عدائه المحتدم للإمامعليهالسلام إنَّما كان عن أساس دينيّ لِلّه فيه، فكتب إلى عمّاله: سلامٌ عليكم، فإنِّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد: فالحمد لِلّه الذي كفاكم مؤنة عدوِّكم، وقتلة خليفتكم، إنّ الله بلطفه وحُسن صنعه أتاح لعليِّ بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرِّقين مختلفين، وقد جائنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليَّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم، وحسن عدَّتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، و أهلك الله أهل البغي والعدوان(٢) ولمـّا دخل إبن عبّاس على معاوية بعد مقتل أمير المؤمنينعليهالسلام قال: ألحمد لِلّه الذي أمات عليّاً(٣) .
ما أغلف قلب هذا الرجل الذي يحسب انَّ عبد الرَّحمن بن الملجم من عباد الله وقد قيّضه المولى سبحانه للنيل من إمام الهدى، ويعدُّ ذلك من لطفه وحسن صنعه، وابن ملجم هو ذلك الشقيُّ المهتوك الخارجيُّ الجاني على الاُمَّة جمعاء بقتل سيِّدها نفس - الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وآتيها بخسارة الأبد، وهو أشقى الآخرين في لسان النبيِّ الكريم، أو أشقى الاُمَّة في حديثه الآخر، وأشدّ الناس عذاباً يوم القيامة، وعاد قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه « أشقى » كلقب يُعرف به أشقى مراد حيث انَّه اطّرد ذكره به في موارد كثيرة من الحديث والتاريخ(٤) .
وليت شعري أيّ إله يحمده معاوية في موت عليّ أمير المؤمنين؟ الإله جعل مودَّة علىّ أجر الرسالة في محكم الذِّكر الحكيم؟
____________________
١ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٤٠٢، تاريخ الطبرى ٦: ٢٤، كامل ابن الاثير ٣: ١٣٥، شرح ابن ابى الحديد ٢: ٢٧٨.
٢ - مقاتل الطالبيين ص ٢٤، شرح ابن ابى الحديد ٤: ١٣، جمهرة رسائل العرب ٢: ١٣.
٣ - تاريخ البداية والنهاية لابن كثير ٨.
٤ - راجع الجزء الاول من كتابنا ص ٣٢٤، ٣٢٥ ط ٢.
ألإله اتّخذ عليّاً نفساً لنبيِّه في قصَّة المباهلة؟
ألإله أمر رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بتبليغ ولاية عليعليهالسلام وإنّه إن لم يفعل فما بلّغ رسالته؟
ألإله يرى بولاية عليعليهالسلام إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضاه سبحانه؟
ألإله اُوحى لنبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عليّ ثلاث: انّه سيّد المسلمين، وإمام المتَّقين، و قائد الغرّ المحجلّين؟
ألإله عهد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في عليّ انّه راية الهدى، ومنار الايمان، وإمام اوليائي، ونور من أطاعني؟
ألإله كان عليّ أحبّ خلقه إليه بعد نبيّه كما جاء في حديث الطير؟
ألإله كان يحبُّ عليّاً وعليُّ يحبّه في حديث خيبر؟
ألإله اختار عليّاً وصيّاً لنبيّه بعد ما اختاره نبيّاً فهو أحد الخيرتين من البشر كما جاء في النصّ النبويّ؟
ألإله دعاه صاحب الرِّسالة الخاتمة حينما قال في مائة ألف أو يزيدون: من كنت مولاه فعليُّ مولاه، أللّهمَّ والِ مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خَذلَه؟.
أيسوغ مثل هذا الحمد والثناء لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وصدَّق نبيَّ الإسلام وما جاء به؟ أم هل يتصوّر توجيهه إلى ربِّ محمّد وعليّ؟ وقد تمّت بهما كلمة الله صدقاً وعدلاً، وقامت بهما دعائم الدِّين الحَنيف، وبسعيهما أدركت الاُمَّة المرحومة سعادة الأبد.
نعم: له مَسرحٌ إن وجّه إلى « هبل » إله آباء معاوية وإلهه إلى اُخريات أيّام النبوّة إن لم نقل إلى آخر نفَس لفظه معاوية، وقد كان مرتكزاً في أعماق قلبه، ومزيج نفسه طيلة ما لهج بأمثال هذه الأقاويل المخزية.
ثمَّ أيّ مسلم يبلغ أمله عند قتل إمام الحقّ، ووئد خطّة الهدى؟ إلَّا من ارتطم في الضَّلالة، وسبح في الإلحاد سبحاً طويلاً.
وأمّا قوله: وأهلك الله أهل البغي والعدوان. فانظر واقرأ قول العزيز الحكيم: كبرت كلمة تخرج من أفواههم. يلهج بهذه الكلمة كأنّه بمجلب عن البغي والعدوان - وهو
ولفيفه هم الفئة الباغية بنصّ النبيّ الأعظم - وهو يندّد بمن يحسب انّه تردّى بهما. نعم: حنّ قِدحٌ ليس منها. هل الباغي هو مَن خرج على إمام زمانه يناضله وينازله؟ أو انَّ إمام الوقت - المعصوم بنصّ الكتاب - هو الباغي؟ « والعياذ بالله » وإن كان القوم أعداؤه وهو عدوّ لهم فهم أعداء الله وأعداء رسوله بغير واحد من النّصوص النبويّة، وقد شملتهم دعوة صاحب الرسالة المتواترة « وعاد مَن عاداه، واخذل مَن خذله »
نظرة
فيما تشبث به معاوية في قتال عليعليهالسلام
الثاني من الأمرين اللذين تشبّث بهما ابن آكلة الأكباد في تثبيط الملأ عن نصرة الإمامعليهالسلام وتأليبهم إلى قتاله: إنّ عنده ثار عثمان وعليه ترته، وللحاكم في هذه القضية أن ينظر أوَّلاً إلى أنَّ معاوية نفسه لم يشهد وقعة عثمان حتى يبصر المباشر لقتله، وإنّما تثبّط عن نصرته بل كان يحبِّذ قتله طمعاً في أن ينال الملك(١) بعده بحججه التافهة.
وثانياً إلى أنَّ أمير المؤمنين سلام الله عليه كان غائباً عن المدينة المنوّرة عند وقوع الواقعة(٢) فكيف تصحّ مباشرته لقتل أو قتال؟! أو كان ساكناً في عقر داره بالمدينة لا له ولا عليه.
وثالثاً إلى شهادات الزور المتولّدة من دسائس ابن حرب ترمي أبرأ الناس من ذلك الدم المراق، بإيعاز من ابن النابغة ذلك العامل الوحيد في قتل عثمان، وقد سمعت عقيرته أذن الدنيا: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع(٣) .
قال الجرجاني: لمـّا بات عمرو عند معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة له، وكتب له بها كتاباً وقال: ما ترى؟ قال: امض الرأي الاُوَّل. فبعث مالك بن هبيرة الكندي في طلب محمّد بن أبي حذيفة فأدركه فقتله، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه. ثمَّ قال: ما ترى في عليّ؟ قال: أرى فيه خيراً، أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق، ومن عند خير الناس في أنفس الناس، ودعواك أهل الشام إلى ردِّ هذه البيعة خطرٌ شديد، ورأس
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء التاسع ص ١٥٠ - ١٥٣ ط ١.
٢ - مرّ حديثه فى الجزء التاسع ص ٢٤٣.
٣ - انظر ما فصلناه فى الجزء التاسع ص ١٣٦ - ١٣٨ ط ٢.
أهل الشام شُرحبيل بن السمط الكندي، وهو عدوُّ لجرير المرسل إليك، فأرسل إليه ووطِّن له ثقاتك فليُفشوا في الناس: انَّ عليّاً قتل عثمان، وليكونوا أهل الرضا عند شُرحبيل، فإنّها كلمةٌ جامعة لك أهل الشام على ما تحبُّ، وإن تعلّقت بقلب شُرحبيل لم تخرج منه بشيىء أبدا.
فكتب إلى شرحبيل: إنَّ جرير بن عبد الله قدم علينا من عند عليِّ بن أبي طالب بأمر فظيع، فأقدم. ودعا معاوية يزيد بن أسد، وبُسر بن أرطاة، وعمرو بن سفيان، و مخارق بن الحارث، وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد الطائي، وهؤلاء رؤوس قحطان واليمن، وكانوا ثقات معاوية وخاصَّته، وبني عمّ شرحبيل بن السمط، فأمرهم أن يلقوه ويُخبروه: انَّ عليّاً قتل عثمان، فلمّا قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل اليمن فاختلفوا عليه فقال إليه عبد الرّحمن بن غنم الأزدي وهو صاحب معاذ بن جبل و ختنه، وكان أفقه أهل الشام فقال: يا شرحبيل! إنَّ الله لم يزل يزيدك خيراً مذ هاجرت إلى اليوم وانَّه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من الناس، ولا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم، إنّه قد اُلقي إلينا قتل عثمان، وإنّ عليّاً قتل عثمان(١) فإن يك قتله فقد بايعه المهاجرون والأنصار، وهم الحكّام على الناس، وإن لم يكن قتله فعلام تصدِّق معاوية عليه؟ لا تهتك نفسك وقومك، فإن كرهت أن يذهب بحظّها جرير فسر إلى عليّ فبايعه على شامك وقومك، فأبي شُرحبيل إلّا أن يسير إلى معاوية، فبعث إليه عياض الثمالي وكان ناسكاً.
يا شُرحُ يا ابن السَّمط إنّك بالغٌ |
بودِّ عليّ ما تريد من الأمر |
|
ويا شُرحُ إنَّ الشام شأمك ما بها |
سواك فدع قول المضلّل من فهرِ |
|
فإنَّ ابن حرب ناصبٌ لك خدعةً |
تكون علينا مثل راغية البكرِ(٢) |
|
فإن نال ما يرجو بنا كان ملكنا |
هنيئاً له، والحرب قاصمة الظهرِ |
|
فلا تبغين حرب العراق فإنّها |
تحرّم أطهار النساء من الذُّعرِ |
|
وإنَّ عليّاً خير من وطئ الحصى |
من الهاشميّين المداريك للوترِ |
____________________
١ - فى شرح ابن ابى الحديد: انه قد القى إلى معاوية ان عليّاً قتل عثمان، ولهذا يريدك.
٢ - الراغية: الرغاء، البكر: ولد الناقة. مثل يضرب فى التشاؤم. انظر ثمار القلوب ٢٨٢.
له في رقاب الناس عهدٌ وذمَّةٌ |
كعهد أبي حفص وعهد أبي بكرِ |
|
فبايع ولا ترجع على العقب كافراً |
اُعيذك بالله العزيز من الكفرِ |
|
ولا تسمعن قول الطغام فإنّما |
يريدوك أن يُلقوك في لجّة البحرِ |
|
وماذا عليهم أن تطاعن دونهم |
عليّاً بأطراف المثقّفة السُّمرِ؟ |
|
فإن غَلبوا كانوا علينا ائمّة |
وكنّا بحمد الله من ولد الظهرِ(١) |
|
وإن غُلبوا لم يصلَ بالحرب غيرنا |
وكان عليُّ حربنا آخر الدَّهرِ |
|
يهون على عُليا لويِّ بن غالب |
دماء بني قحطان في ملكهم تجري |
|
فدع عنك عثمان بن عفّان إنّنا |
لك الخير، لا ندري وإنّك لا تدري |
|
على أيِّ حال كان مصرع جنبه |
فلا تسمعن قول الاُعيور أو عمرو |
قال: لمـّا قدم شُرحبيل على معاوية تلقّاه الناس فأعظموه، ودخل على معاوية فتكلّم معاوية فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا شُرحبيل! إنَّ جرير بن عبد الله يدعونا إلى بيعة عليّ، وعليٌّ خير الناس(٢) لولا انّه قتل عثمان بن عفّان، وقد حبست نفسي عليك، وإنّما أنا رجل من أهل الشام، أرضى ما رضوا، وأكره ما كرهوا. فقال شُرحبيل: أخرج فانظر. فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطَّؤون له، فكلّهم يخبره بأنّ عليّاً قتل عثمان بن عفّان. فخرج مغضباً إلى معاوية فقال: يا معاوية أبَى الناس إلّا أنَّ عليّاً قتل عثمان، ووالله لئن بايعت له لنخرجنّك من الشام أو لنقتلنّك. قال معاوية: ما كنت لاُخالف عليكم وما أنا إلّا رجلُ من أهل الشام. قال: فُردّ هذا الرجل إلى صاحبه إذاً. قال: فعرف معاوية انّ شُرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق، وأنَّ الشام كلّه مع شرحبيل! فخرج شُرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال: ابعث إلى جرير فليأتنا فبعث إليه حصين: أن زرنا، فإنَّ عندنا شرحبيل بن السمط، فاجتمعا عنده، فتكلّم شرحبيل فقال: يا جرير! أتيتنا بأمر ملفّف(٣) لتُلقينا في لهوات الأسد، وأردت أن تخلط الشام بالعراق، وأطرأت
____________________
١ - يقال: فلان من ولد الظهر، بالفتح. أى ليس منا. وقيل معناه: انه لا يلتفت إليه.
٢ - هل تجتمع كلمة الرجل هذه مع سبابه المقذع عليا وقوارصه التى أوعزنا اليها؟ هذا هو النفاق وهكذا يكون المنافق ذا لسانين ووجهين.
٣ - فى شرح ابن ابى الحديد: ملفق.
عليّاً وهو قاتل عثمان، والله سائلك عمّا قلتَ يوم القيامة. فأقبل عليه جرير فقال: يا شرحبيل أمّا قولك: إنّي جئت بأمر ملفّف. فكيف يكون أمراً ملفّفاً وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار، وقوتل على ردّه طلحة والزبير؟! وأمّا قولك: إنّي ألقيتك في لَهوات الأسد. ففي لهواتها ألقيت نفسك، وأمّا خلط العراق بالشام فخلطهما على حقٍّ خيرُ من فرقتهما على باطل. وأمّا قولك: إنَّ عليّاً قتل عثمان. فوالله ما في يديك من ذلك إلّا القذف بالغيب من مكانٍ بعيد، ولكنّك ملت إلى الدنيا، وشيءُ كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقّاص.
فبلغ معاوية قول الرّجلين، فبعث إلى جرير فزجره ولم يدر ما أجابه أهل الشام وكتب جرير إلى شرحبيل:
شُرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى |
فمالك في الدنيا من الدين من بَدلْ |
|
وقل لابن حرب: مالك اليوم حرمة |
تروم بها ما رمتَ فاقطع له الأملْ |
|
شُرحبيل إنَّ الحقّ قد جدَّ جِدّه |
وانّك مأمونُ الأديم من النّغَلْ |
|
فأرودْ ولا تفرط بشيىء نخافه |
عليك ولا تعجل فلا خير في العجَلْ |
|
ولا تك كالمجري إلى شرِّ غاية |
فقد خُرق السِّربال واستنوَق الجملْ |
|
وقال ابن هند في عليٍّ عضيهة |
وَلله في صدر ابن أبي طالب أجلْ |
|
وما لعليٍّ في ابن عفّان سقطةٌ |
بأمر ولا جلبٍ عليه ولا قتلْ(١) |
|
وما كان إلّا لازماً قعر بيته |
إلى أن أتى عثمان في بيته الأجلْ |
|
فمن قال قولاً غير هذا فحسبه |
من الزور والبهتان قول الذي احتملْ |
|
وصيُّ رسول الله من دون أهله |
وفارسه الأولى به يُضرب المثلْ(٢) |
فلمّا قرأ شُرحبيل الكتاب ذعر وفكّر، وقال: هذه نصيحةٌ لي في ديني ودنياي. ولا والله لا اُعجّل في هذا الأمر بشيىء وفي نفسي منه حاجة، فاستتر له القوم ولفّف له معاوية الرِّجال يدخلون إليه ويخرجون، ويُعظّمون عنده عثمان ويرمون به عليّاً، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلقة، حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه، وبلغ
____________________
١ - فى شرح ابن ابى الحديد: بقول ولا ما لا عليه ولا قتل. الممالاة: المساعدة.
٢ - فى شرح ابن ابى الحديد: ومن باسمه فى فضله يضرب المثل.
ذلك قومه فبعث إبن اُخت له من بارق - وكان يرى رأي عليِّ بن أبي طالب فبايعه بعدُ، وكان ممّن لحق من أهل الشام وكان ناسكاً - فقال:
لعمر أبي الأشقى ابن هند لقد رمى |
شُرحبيل بالسَّهم الذي هو قاتله |
|
ولفّف قوماً يسحبون ذيولهم |
جميعاً وأولى الناس بالذنب فاعله |
|
فألفى يمانيّاً ضعيفاً نخاعه |
إلى كلِّ ما يهوون تُحدى رواحله |
|
فطأطأ لها لمـّا رموه بثقلها |
ولا يُرزق التَّقوى من الله خاذله |
|
ليأكل دنيا لابن هند بدينه |
ألا وابن هند قبل ذلك آكله |
|
وقالوا عليُّ في ابن عفّان خدعةً |
ودبَّت إليه بالشنان غوائله |
|
ولا والذي أرسى ثبيراً مكانه |
لقد كُفَّ عنه كفّه ووسائله |
|
وما كان إلّا من صحاب محمّدٍ |
وكلّهمُ تغلي عليه مراجله |
فلمّا بلغ شرحبيل هذا القول قال: هذا بعيث الشيطان، الآن امتحن الله قلبي، والله لأسيرنَّ صاحب هذا الشعر أو ليفوتنّني. فهرب الفتى إلى الكوفة. وكاد أهل الشام أن يرتابوا.
وبعث معاوية إلى شُرحبيل بن السَّمط فقال: إنّه كان من إجابتك الحقَّ، وما وقع فيه أجرك على الله، وقبله عنك صلحاء الناس ما علمت، وإنَّ هذا الأمر الذي قد عرفته لا يتمُّ إلّا برضا العامَّة، فسر في مدائن الشام، وناد فيهم: بأنَّ عليّاً قتل عثمان، وأنّه يجب المسلمين أن يطلبوا بدمه، فسار فبدأ بأهل حمص فقام خطيباً، فقال: يا أيُّها الناس! إنَّ عليّاً قتل عثمان بن عفّان، وقد غضب له قومٌ فقتلهم، وهزم الجميع وغلب على الأرض، فلم يبق إلّا الشام، وهو واضعٌ سيفه على عاتقه، ثمَّ خائضٌ به غمار الموت حتّى يأتيكم أو يحدث الله أمراً، ولا نجد أحداً أقوى على قتاله من معاوية، فجدّوا وانهضوا، فأجابه الناس إلّا نسّاك أهل حمص، فانّهم قاموا إليه فقالوا: بيوتنا قبورنا ومساجدنا، وأنت أعلم بما ترى، وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها، لا يأتي على قوم إلّا قبلوا ما أتاهم به، فبعث إليه النجاشي بن الحارث وكان صديقاً له:
شُرحبيل ما للدِّين فارقت أمرنا |
ولكن لبغض المالكيّ جريرِ |
|
وشحناء دبّت بين سعد وبينه |
فأصبحتَ كالحادي بغير بعيرِ |
وما أنت إذ كانت بجيلة عاتبت |
قريشاً فيا للهَ بُعد نصيرِ |
|
أتفصل أمراً غبتَ عنه بشبهةٍ |
وقد حار فيها عقل كلّ بصيرِ |
|
بقول رجالٍ لم يكونوا أئمّة |
ولا للّتي لقَّوكها بحضورِ |
|
وما قول قوم غائبين تقاذفوا |
من الغيب ما دلّاهمُ بغرورِ |
|
وتترك انَّ الناس أعطوا عهودهم |
عليّاً على اُنسٍ به وسرورِ |
|
إذا قيل: هاتوا واحداً يُقتدى به |
نظيراً له لم يفصحوا بنظيرِ |
|
لعلّك أن تشقى الغداة بحربه |
شُرحبيل ما ما جئته بصغيرِ(١) |
راجع كتاب صفّين لنصر بن مزاحم ٤٩ - ٥٧، الإستيعاب ترجمة شُرحبيل ١: ٥٨٩ اُسد الغابة ٢: ٣٩٢، الكامل لابن الأثير ٣: ١١٩، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٣٩، ٢٤٩، ٢٥٠.
فبهذه الصّورة البشيعة من الشَّهادات المزوَّرة والكتب المختلقة تمّت بيعة معاوية لقتال عليّ أمير المؤمنين.
ورابعاً: إلى أنّ عثمان قتله رجالٌ مجتهدون من المهاجرين والأنصار، ووجوه أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم العدول، بعد إقامة الحجّة عليه، وإثبات شذوذه عن الكتاب والسنَّة وإهدار دمه بحكم الكتاب(٢) فليس على القوم قودٌ ولا قصاصٌ، ولم يك مولانا أمير المؤمنين إلّا رجلاً من المهاجرين أورد كما أوردوا، وأصدر كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى.
وقد كتب بهذا أمير المؤمنينعليهالسلام إلى معاوية(٣) وجاء الحجاج به في كلمات غير واحد من الصحابة مثل قول الصحابيّ العظيم هاشم المر قال المذكور ج ٩: ١٢٣ و في هذا الجزء ص ٢٩٠، وقول عمّار بن ياسر الممدوح بالكتاب والسنَّة الذي أسلفناه في ج ٩: ١١٢، وقول أبي الطفيل الشيخ الصحابيِّ الكبير الآنف في ج ٩: ١٤٠: وقول عبد الرّحمن بن عثمان السابق في ج ٩: ١٥٩، فما ذنب عليّعليهالسلام إن آواهم ونصرهم
____________________
١ - فى شرح ابن أبى الحديد: فليس الذى قد جئته بصغير.
٢ - راجع ما مر فى الجزء التاسع ١٦٩ - ٢٠٩.
٣ - راجع ما أسلفناه فى ج ٩ ص ١٥٨ - ١٦٤.
وأيّدهم ودفع عنهم عادية الباغين.
وخامساً: إلى أنَّ الذين كانوا في جيش أمير المؤمنينعليهالسلام أو الذين تحكّمت بينه وبينهم آصرة المودَّة لم يكونوا كلّهم قتلة عثمان، ولا باشروا شيئاً من أمره، و لم يكن لأكثرهم في الأمرِ وردٌ ولا صدَر، وإنَّما كان فيهم من اولئك الصحابة العدول اناسٌ معلومون آووا إلى إمام الحقِّ، فبأيِّ حجّة شرعيّة كان ابن صخر يستبيح قتل الجميع واستقرأهم في البلاد بعد مقتل مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وقبله، فقتّلهم تقتيلاً؟!.
وسادساً: إلى أنَّ معاوية لم يكن وليّ دم عثمان وإنَّما أولياؤه ولده، وإن كان لهم حقّ القصاص فعجزوا عن طلبه فعليهم رفع الأمر إلى خليفة الوقت وهو مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام لينظر في أمرهم، ويحكم بحكم الله الباتِّ وهو أقضى الاُمّة بنصِّ الرَّسول الأمين.
نعم: كانت لمعاوية تراةٌ عند أمير المؤمنينعليهالسلام بأخيه حنظلة بن أبي سفيان، وجدِّه لاُمّه عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة بن ربيعة، وأبناء عمّه العاص بن سعيد بن العاص بن اُميّة، وعقبة بن أبي مُعيط بن أبي عمر وبن اميّة. لكنّه لم ينبس عنهم ببنت شفة لأنّها ما كانت تنطلي عند المسلمين فإنّهم وثنيّون مشركون حاربوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فذاقوا وبال أمرهم، وإنَّما تترَّس بدم عثمان بضرب من السيرة الجاهليّة من صحَّة قيام أيّ فردٍ من أفراد العشيرة بدم أيّ مقتول منها وإن بعدت بينهم الرَّحم والقرابة، وهذه السيرة الغير المشروعة كان يرنُّ صداها في مسامع أهل الشام البعداء عن مبادئ الدِّين وطقوسه، ومن ثمَّ استهواهم معاوية، واستحوذ عليهم بذلك التدجيل، ولم تكن تلك الحرب الزبون إلّا انّها إحنٌ بدريّة، وأحقادٌ جاهليّة، وضغائن اُحديّة، وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس، ولم تك تخفى هذه الغاية على أيِّ أحد حتّى المخدَّرات في الحجال(١) .
وسابعاً: إلى أنَّ اوَّل واجب على معاوية أن يتنازل إلى ما لزمه من البيعة الحقَّة فيدخل في جماعة المسلمين، ولا يشقّ عصاهم بالتقاعس عنها، ثمَّ يرفع الخصومة إلى صاحب البيعة، فيرى فيه رأيه كما جاء في كتاب لأمير المؤمنين إلى معاوية من قوله:
____________________
١ - انظر ما مرّ من كلمة امّ الخير فى الجزء التاسع ص ٣٧١ ط ٢.
وأمّا قولك: ادفع إليَّ قتلة عثمان. فما أنت وذاك؟ وها هنا بنو عثمان وهم أولى بذلك منك(١) فإن زعمتَ أنّك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع(٢) إلى البيعة التي لزمتك [لأنّها بيعةٌ شاملةٌ لا يستثنى فيها الخيار، ولا يستأنف فيها النظر] وحاكم القوم إليَّ(٣) .
وفي كتاب آخر لهعليهالسلام كتبه إليه:
وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثمَّ حاكمت القوم إليَّ حملتك وإيّاهم على كتاب الله، وأمّا تلك التي تريدها فهي خدعة الصبيِّ عن اللّبَن.
ولعمري يا معاوية! لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنَّني أبرأ النّاسِ من دم عثمان، ولتعلمنَّ أنّي كنتُ في عزلة عنه، إلّا أن تتجنّى(٤) فتُجنَّ ما بدا لك(٥) .
وثامناً إلى أنّ طلحة والزبير قد نهضا قبل معاوية بتلك الغاية التي هو راميها، وأخرجا حبيسة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من خدرها، وحاربهما الإمامعليهالسلام بعد ما أتمَّ عليهما الحجّة، وكتب إليهما: وقد زعمتما أن قتلتُ عثمان، فبيني وبينكما مَن تخلّف عنّي وعنكما من أهل المدينة(٦) ثمَّ يُلزم كلُّ امرئ بقدر ما احتمل، وزعمتما أنّي آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان فليدخلوا في طاعتي، ثمَّ يُخاصموا إليَّ قتلة أبيهم، وما أنتما وعثمان؟ إن كان قُتل ظالماً أو مظلوماً، وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين: نكث بيعتكما. وإخراجكما امّكما(٧) .
____________________
١ - فى رواية المبرد: وبعد: فما أنت وعثمان؟ إنّما أنت رجل من بنى اميّة، وبنو عثمان اولى بمطالبة دمه.
٢ - فى رواية المبرد: فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلىّ.
٣ - الامامة والسياسة ١: ٨٨، الكامل للمبرد ١: ٢٢٥، العقد الفريد ٢: ٢٨٤، ٢٨٥، شرح ابن أبى الحديد ١: ٢٥٢.
٤ - تجنى عليه: إدّعى عليه ذنباً لم يفعله. فتجنّ: أى تستره وتخفيه.
٥ - الامامة والسياسة ١: ٨١، العقد الفريد ٢: ٢٨٤، نهج البلاغة ٢: ٧، ١٢٤، شرح ابن أبى الحديد ١: ٢٤٨، ج ٣: ٣٠٠.
٦ - نظراء سعد بن أبى وقاص، عبد الله بن عمر، محمد بن مسلمة.
٧ - نهج البلاغة ٢: ١١٢، الامامة والسياسة ١: ٦٢.
وكتبعليهالسلام إلى معاوية: إنَّ طلحة والزبير بايعاني، ثمَّ نقضا بيعتهما، وكان نقضهما كردّتهما، فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما، حتّى جاء الحقُّ وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون(١) .
فهلَّا كانت بحسْب معاوية تلكم الحجج؟! وقد طنَّ في اُذن الدنيا قول أمير المؤمنينعليهالسلام : ما هو إلّا الكفر، أو قتال القوم. فهلّا عرف الرّجل وبال أمر أصحاب الجمل، ومغبّة تلك النخوة والغرور، والتركاض وراء الأهواء والشهوات، بعد قتل آلاف مؤلَّفة من الصالح والطالح، من أهل الحقِّ والباطل؟ فإشهاره السيف لإزهاق النفوس بريئة كانت أو متَّهمة من رجال أو نساء أو أغلمة، وقتل اُمم وزرافات تُعدُّ بالآلاف بانسان واحد قتله المجتهدون العدول من امّة محمّد بعد إقامة الحجّة عليه، إنَّما هو ممّا حظرته الشريعة، ولم يُعرف له مساغٌ من الدّين، وكان ابن هند في الأمر كما كتب إليه الإمامعليهالسلام : لستَ تقول فيه بأمر بيّن يُعرف له أثر، ولا عليك منه شاهد، ولستَ متعلّقاً بآية من كتاب الله، ولا عهد من رسول الله(٢) .
وتاسعاً: إلى أنَّ ما حكم به خليفة الوقت يجب اتِّباعه ولا يجوز نقضه فقد كتب عليٌّعليهالسلام إلى معاوية في كتاب له: وأمّا ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإنّي نظرت في هذا الأمر، وضربت أنفه وعينه فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، ولعمري لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك لتعرفنّهم عمّا قليل يطلبونك، لا يكلّفونك أن تطلبهم في برّ ولا بحر(٣) .
فهلاّ كان ذلك نصّاً من الإمامعليهالسلام على انّه لا مساغ له لأن يدفع قتلة عثمان لأيِّ انسان ثائر، وانّ طلب ذلك منه غيّ وشقاق، فهل كان معاوية يحسب أنَّ أمير المؤمنينعليهالسلام يتنازل عن رأيه إذا ما ارتضاه هو؟ أو يعدل عن الحقّ ويتَّبع هواه؟ حاشا ثمّ حاشا، أوَ لم يكن من واجب معاوية البخوع لحكم الإمام المطهّر بنصِّ القرآن والإخبات
____________________
١ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ٣٤ ط مصر، العقد الفريد ٢: ٢٨٤، الامامة والسياسة ١: ٨١، شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٤٨، ج ٣: ٣٠٠.
٢ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ١٢٢، شرح ابن أبي الحديد ٣: ٤١٢.
٣ - كتاب صفين ص ٩٦، ١٠٢، العقد الفريد ٢: ٢٨٦، شرح ابن أبى الحديد ٣: ٤٠٩.
إلى رأيه الذي لا يفارق القرآن؟ كيف لا؟ وقد صحَّ عن القوم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم روايات تمسّكوا بها في اتّباع نظراء معاوية ويزيد من أئمّة الضَّلال واُمراء الجور والعدوان مثل ما عُزي إليهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضُرب ظهرك، واُخذ مالك، فاسمع وأطع(١) .
وسأل سلمة بن يزيد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا نبيّ الله! أرأيت إن قامت علينا اُمراء يسألونا حقّهم، ويمنعونا حقَّنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثمّ سأله فأعرض عنه ثمّ سأله فجذبه الأشعث بن قيس فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اسمعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حُمِّلتم(٢) . هذا رأي القوم في اُمراء الشرّ والفساد فما ظنّك بالامام العادل المستجمع لشرايط الخلافة الذي ملأت الدنيا النصوص في وجوب اقتصاص أثره، و الموافقة لآرائه وكلّ ما يرتأيه من حقٍّ واضح؟!.
وعاشراً: إلى أنَّ قاتل عثمان المباشر لقتله اختلف فيه كما مرّ تفصيله في الجزء التاسع ويأتي أيضاً بين جبلة بن الأيهم المصري. وكبيرة السكوني. وكنانة بن بشر التجيبي. وسودان بن حمران. ورومان اليماني. ويسار بن غلياض. وعند ابن عساكر يقال له: حمال(٣) فقتل منهم مَن قُتل في الوقت، ولم يكن أحدٌ من الباقين في جيش الإمامعليهالسلام ولا ممّن آواهم هو، فلم يكن لأحد عند غيرهم ثار، وأمّا الذين آواهم الإمامعليهالسلام فهم المسبّبون لقتله من المهاجرين والأنصار، أو المؤلِّبون عليه من الصِّحابة العدول، ولم يشذّ عنهم إلّا اُناس يعدّون بالأنامل.
وبعد هذه كلّها هلّا كانت لتبرأة مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام نفسه من دم عثمان وقد كتبها إلى طلحة والزبير ومعاوية، ولتبرأة الأعيان من الصحابة إيّاه منذ مقتل عثمان إلى أن استحرّ القتال في واقعة صفّين، وقد كتبوها إلى طلحة والزبير ومعاوية
____________________
١ - صحيح مسلم ٦: ٢٠، سنن البيهقى ٨: ١٥٧.
٢ - صحيح مسلم ٦: ١٩، سنن البيهقى ٨: ١٥٨.
٣ - الصواعق ص ٦٦.
ومن لفَّ لفّهم، قيمة توازن عند معاوية شهادات الزّور التي لفَّقها هو من اُناس لا خلاق لهم، وثبّتتها حيله ودسائسه، وأجراها ترغيبه وترهيبه؟ وقد علم هو أنَّ أمير المؤمنين مَن هو، وصلحاء الصحابة الذين وافقوه على التبرأة والتبرير مَن هم، ومَن اولئك الطغمة الثائرين لخلافه، والمجلبين عليه، جير: كان يعلم كلّ ذلك لكنّه الملك و السلطان وهما يبرّران لصاحب النهمة والشرَه كلّ بائقة وموبقة.
_ ١٩ _
دفاع ابن حجر عن معاوية
باعذار مفتعلة
أنت إذا قضيت الوطر عن معاوية ومعاذيره التافهة في هذه المعمعة، فهلمَّ معي إلى ناصره الأخير - ابن حجر - الذي فاتته النصرة بالضرب والطعن، فطفق يسوِّد صحيفة من صحائفه الشوهاء بأعذار مفتعلة في صواعقه، يتصوَّل بها كمن يُدلي بحجج قاطعة، وإبن حجر وإن لم يكن أوّل مَن نحت تلكم الأعذار، وقد سبقه إليها اُناسٌ آخرون من أبناء حزم وتيميّة وكثير، غير أنّ ما جاء به إبن حجر يجمع شتات ما تترّس به القوم دفاعاً عن ابن هند، وزاد هو في طنبوره نغمات، قال في الصواعق ص ١٢٩: ومن اعتقاد أهل السنَّة والجماعة: أنّ ما جرى بين معاوية وعليّ رضي الله عنهما من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعليّ في الخلافة، للاجماع على حقيّتها لعليّ كما مرّ(١) فلم تهج الفتنة بسببها وإنّما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من عليّ تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمّه، فامتنع عليٌّ ظنّاً منه أنّ تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر عليّ يؤدّي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام سيّما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها، فرأى عليٌّ رضي الله عنه أنّ تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة، ويتحقّق التمكّن من الاُمور فيها على وجهها، ويتمّ له انتظام شملها واتِّفاق كلمة المسلمين، ثمّ بعد ذلك يلتقطهم واحداً فواحداً ويسلّمهم إليهم، ويدلّ لذلك انّ بعض قتلته عزم على الخروج على عليّ ومقاتلته لمـّا نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان، وايضاً فالذين تمالؤا على قتل عثمان
____________________
١ - ذكره في الصواعق ص ٧١.
كانوا جميعاً كثيرة كما علم ممّا قدَمته في قصّة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم، جمع من أهل مصر قيل: سبعمائة، وقيل: ألف، وقيل خمسمائة، وجمع من الكوفة، وجمع من البصرة وغيرهم قدموا كلّهم المدينة وجرى منهم ما جرى، بل ورد انّهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف فهذا هو للحامل لعليّ رضي الله عنه عن الكفّ عن تسليمهم لتعذّره كما عرفت.
ويُحتمل انّ عليّاً رضي الله عنه رأى انّ قتلة عثمان بغاة حملهم على قتله تأويلٌ فاسدٌ استحلّوا به دمه رضي الله عنه لإنكارهم عليه اموراً كجعله مروان ابن عمّه كاتباً له وردّه إلى المدينة بعد أن طرده النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منها، وتقديمه أقاربه في ولاية الأعمال، وقضيَّة محمّد بن أبي بكر، ظنّوا انّها مبيحةٌ لِما فعلوه جهلاً منهم وخطأ والباغي إدا انقاد إلى الإمام العدل لا يؤاخذ بما أتلفه في حال الحرب عن تأويل دماً كان أو مالاً كما هو المرجّح من قول الشافعي رضي الله عنه، وبه قال جماعة آخرون من العلماء، وهذا الإحتمال وإن أمكن لكن ما قبله أولى بالإعتماد منه.إلخ
قال الأميني: هب أنّ عثمان قُتل مظلوماً بيد الجور والتعدّي.
وأنّه لم يك يقترف قطّ ما يهدر دمه.
وأنّ قتله لم يقع بعد إقامة الحجّة عليه والأخذ بكتاب الله في أمره.
وأنّه لم يُقتل في معمعة بين آلاف مكردسة من المدنيّين والمصريّين والكوفيِّين والبصريِّين.
ولم تكن البلاد تمخَّضعت عليه، وما نقم عليه عباد الله الصالحون.
وأنّ قاتله لم يُجهل من يوم أودى به، وكان مشهوداً يُشار إليه، ولم يكن قتيل عمّيّة(١) لا يُدرى من قتله حتى تكون ديته من بيت مال المسلمين.
ولم يُقتل الذين باشروا قتله وكان قد بقي منهم باقية يقتصُّ منها.
وأنّ المهاجرين والأنصار ما اجتمعوا على قتله، ولم تكن لاولئك المجتهدين العدول يدٌ في تلك الواقعة، ولم يشارك في دمه عيون الصّحابة.
وأنّ أهل المدينة ليسوا كاتبين إلى من بالآفاق من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم انّكم
____________________
١ - بكسر العين والميم المشدّدة مع تشديد الياء.
_١٩_
إنَّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزَّ وجلَّ تطلبون دين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنَّ دين محمّد قد أفسده من خلفكم وترك، فهلمّوا فأقيموا دين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأنّ المهاجرين لم يكتبوا إلى مَن بمصر من الصَحابة والتابعين: أن تعالوا إلينا و تداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فانّ كتاب الله قد بُدِّل، وسنّة رسول الله قد غُيّرت، وأحكام الخليفتين قد بُدّلت. إلى آخر ما مرّ ج ٩.
وأنّ طلحة والزبير وامّ المؤمنين عائشة وعمرو بن العاص لم يكونوا أشدّ الناس عليه، ولم يكن لهم تركاضٌ وراء تلك الثورة.
وما قرع سمع الدنيا نداء عثمان: ويلي على ابن الحضرميَّة - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذا بُهاراً ذهباً وهو يروم دمي، يحرِّض على نفسي.
وأنَّ طلحة لم يقل: إن قُتل - عثمان - فلا ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ، وانَّه لم يمنع الناس عن ايصال الماء إليه.
وأنَّ مروان لم يقتل طلحة دون دم عثمان، ولم يُؤثر عنه قوله يومئذ: لا أطلب بثأري بعد اليوم.
وأنَّ الزبير ما باح بقوله: اقتلوه فإنّه غيَّر دينكم، وإن عثمان لجيفة على - الصِّراط غدا.
وأنَّ عائشة ما رفعت عقيرتها بقولها: اقتلوا نعثلاً قتله الله فقد كفر. وإنّها لم تقل لمروان: وددت والله إنّك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رِجل كلِّ واحد منكما رَحاً وإنّكما في البحر. ولم تقل لابن عبّاس: إيّاك أن تردّ الناس عن هذا الطاغية.
وأنَّ عمرو بن العاص لم يقل: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع، إن كنت لاُحرِّض عليه حتّى انّي لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.
وأنَّ سعد بن أبي وقاص لم يبح بقوله: أمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه.
وأنَّ عثمان لم يبق جثمانه مُلقىً ثلاثا في مزبلة لا يُهمُّ أمره أحداً من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الصّحابة العدول.
وأنَّ طلحة لم يك يمنع عن تجهيزه ودفنه في مقابر المسلمين، وانّه لم يُقبر في حشِّ كوكب جبّانه اليهود بعد ذلِّ الاستخفاف.
وأنّ ما أسلفناه في الجزء التاسع من حديث امّة كبيرة من الصحابة وفيهم العمد والدعائم كلّ ذلك لم يصحّ.
وأنّ إمام الوقت ليس له العفو عن قصاص كما عفى عثمان عن عُبيد الله بن عمر حين قتل هرمزان وجُفينة بنت أبي لؤلؤة بلا أيِّ جريرة.
وأنّ معاوية لم يك يتثبّط عن نصرته، ولم يتربّص عليه دائرة السوء، ولم يشهد عليه عيون الصّحابة بأنّ الدم المهراق عنده، وانّه أولى رجل بأن يُقتصّ منه ويؤخذ بدم عثمان.
وأنّ عثمان لم يكن له خلفٌ يتولّى دمه غير معاوية.
وأنّ عليّاًعليهالسلام هو الذي قتل عثمان، أو آوى قاتليه.
وأنّ معاوية لم يك غائباً عن ذلك الموقف، وكان ينظر إليه من كثب، فعلم بمن قتله، وبمن انحاز عن قتله.
وأنّ ما ادّعاه معاوية لم يكن إفكاً وبهتاً وزوراً من القول متّخذاً عن شهادة مزوّرة واختلاق.
وأنّ هذه الخصومة لها شأنٌ خاصٌّ لا ترفع كبقيّة الخصومات إلى إمام الوقت.
وأنّ قتال معاوية إنّما كان لطلب قتلة عثمان فحسب لا لطلب الخلافة، وانّه لم يك يروم الخلافة في قتاله بعد ما كان يعلم نفسه انّه طليقٌ وابن طليق، ليس ببدريّ و لا له سابقة، وانّه لا يستجمع شرايط الخلافة، وانّه لم تؤهِّله لها الخيرة والإجماع والإنتخاب.
هب أنّ الوقايع هكذا وقعت - يا بن حجر -؟! واغضض عن كلّ ما هنالك من حقائق ثابتة على الضدِّ ممّا سُطر(١) فهلاّ كانت مناوئة معاوية مع خليفة وقته الإمام المنصوص والمجمع عليه خروجاً عليه؟! وهلّا كان الحزب السفياني بذلك بُغاتاً أهانوا سلطان الله، و استذلّوا الإمارة الحقّة، وخلعوا ربقة الاسلام من أعناقهم؟! فاستوجبوا إهانة الله، يجب قتالهم ودرأهم عن حوزة الايمان، وكانوا مصاديق للأحاديث المذكورة في أوّل هذا البحث ص ٢٧٢، ٢٧٣.
____________________
١ - راجع الجزء التاسع حتى تقف على حقيقة الامر.
إنّ معاوية لم يكن خليفة ولا انعقدت له بيعة، وإنَّما كان والياً عمّن تقدّم من - الذين تصرّمت أيّام خلافتهم، فلزمته بيعة أمير المؤمنين وهو بالشام كما كتب اليه بذلك الإمامعليهالسلام ، وكان تصدِّيه للشؤون العامّة والياً على أهل ناحيته محتاجاً إلى أمر جديد أو تقرير لولايته الاولى من خليفة الوقت، وكلُّ ذلك لم يكن، إن لم نقل: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام عزله عمّا تولّاه، وانّه سلام الله عليه أوفد عليه مَن يبلّغه عنه لزوم الطاعة واللحوق بالجماعة، كما انّهعليهالسلام كتب إليه بذلك.
(( حديث الوفود ))
وفد علىعليهالسلام الاول
أوفد الإمامعليهالسلام في أوّل ذي الحجّة سنة ٣٦ بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي على معاوية وقال: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة والجماعة. فأتوه ودخلوا عليه فتكلّم بشير بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معاوية: إنَّ الدنيا عنك زائلةٌ، وإنّك راجعٌ إلى الآخرة، وإنّ الله عزّ وجلّ محاسبك بعملك، وجازيك بما قدّمت يداك، وإنّي انشدك الله عزّ وجلّ أن تفرِّق جماعة هذه الامّة، وأن تسفك دماءها بينها.
فقطع عليه الكلام وقال: هلّا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال بشير: إنّ صاحبي ليس مثلك، إنّ صاحبي أحقُّ البريّة كلّها بهذا الأمر في الفضل، والدين، والسابقة في الإسلام والقرابة من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال: فيقول ماذا؟ قال: يأمرك بتقوى الله عزّ وجلّ، و إجابة ابن عمِّك إلى ما يدعوك إليه من الحقِّ، فإنّه أسلم لك في دنياك، وخيرٌ لك في عاقبة أمرك.
قال معاوية: ونُطل دم عثمان رضي الله عنه؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا. فتكلّم شبث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه وقال:
يا معاوية! إنِّي قد فهمت ما رددت على إبن محصن، إنّه والله ما يخفى علينا ما تغزو وما تطلب، إنّك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلّا قولك: ( قُتل إمامكم مظلوماً فنحن نطلب بدمه ) فاستجاب له سفهاءٌ طغامٌ،
وقد علمنا أنّك قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ورُبّ متمنّي أمر وطالبه، ألله عزّ وجلّ يحول دونه بقدرته، وربّما اوتي المتمنّي اُمنيّته وفوق اُمنيّته، ووالله مالك في واحدة منهما خير، لئن أخطأت ما ترجو، إنّك لشرّ العرب حالاً في ذلك، ولئن أصبت ما تمنّى لا تصيبه حتّى تستحقّ من ربّك صليّ النار، فاتّق الله يا معاوية! ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله.
فتكلّم معاوية وكان من كلامه: فقد كذبت ولُوِّ مت أيّها الأعرابيُّ الجلف الجافي في كلِّ ما ذكرت ووصفت، انصرفوا من عندي، فإنّه ليس بيني وبينكم إلّا السيف، وغضب وخرج القوم وأتوا عليّاً وأخبروه بالذي كان من قوله(١) .
وفد علىعليهالسلام الثانى
ولمـّا دخلت سنة ٣٧ توادعا على ترك الحرب في المحرّم إلى انقضائه طمعاً في الصّلح واختلف فيما بينهما الرّسل في ذلك من دون جدوى، فبعث عليعليهالسلام عديّ بن حاتم، ويزيد بن قيس، وشبث بن ربعي، وزياد بن حنظلة إلى معاوية، فلمّا دخلوا عليه تكلّم عديّ بن حاتم فحمد الله ثمَّ قال:
أمّا بعد: فإنّا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عزَّ وجلَّ به كلمتنا واُمّتنا، و يحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويُصلح به ذات البين، إنَّ ابن عمّك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثراً، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عزَّ وجلَّ بالذي رأوا، فلم يبق أحدٌ غيرك وغير مَن معك، فانتهِ يا معاوية! لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل.
فقال معاوية:
كأنَّك إنَّما جئت متهدِّداً، لم تأت مصلحاً، هيهات يا عديُّ، كلّا والله، إنِّي لابن حرب ما يقعقع لي بالشَّنان(٢) أما والله إنّك لمن المجلبين على ابن عفان رضي الله عنه، وإنّك لمن قتلته، وإنِّي لأرجو أن تكون ممّن يقتل الله عزَّ وجلَّ به، هيهات يا عديُّ بن
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ٢٤٢، الكامل لابن الاثير ٣: ١٢٢، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٥٦.
٢ - القعقعة: تحريك الشيىء اليابس الصلب مع صوت. والشنان جمع شَنّ بالفتح: القربة البالية. واذا قعقع بالشنان للابل نفرت، وهو مثل يضرب لمن لا يروعه ما لا حقيقة له.
حاتم! قد حلبتُ بالساعد الأشدّ.
فقال له شبث بن ربعي وزياد بن حنظلة: أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك، فأقبلتَ تضرب الأمثال، دع ما لا ينتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمّنا وإيّاك نفعه.
وتكلّم يزيد بن قيس فقال:
إنّا لم نأتك إلّا لنبلّغك ما بُعثنا به إليك، ولنؤدِّي عنك ما سمعنا منك، ونحن - على ذلك - لن ندعَ أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننّا أنَّ لنا عليك به حجّة، وانَّك راجعٌ به إلى الاُلفة والجماعة، إنَّ صاحبنا مَن قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنّه يخفى عليك، إنَّ أهل الدِّين والفضل لم يعدلوا بعليّ، ولن يميِّلوا بينك وبينه فاتّق الله يا معاوية! ولا تخالف عليّاً، فإنّا والله ما رأينا رجلاً قطّ أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا. ولا أجمع لخصال الخير كلّها منه.
فتكلّم معاوية وقال:
أمّا بعد: فإنّكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فامّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأمّا الطاعة لصاحبكم فانّا لا نراها، إنَّ صاحبكم قتل خليفتنا، وفرَّق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا، وصاحبكم يزعم انَّه لم يقتله، فنحن لا نردُّ ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنَّهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ثمَّ نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.
فقال له شبث: أيسرُّك يا معاوية! أنّك اُمكنت من عمّار تقتله؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك؟ والله لو اُمكنت من ابن سُميَّة ما قتلته بعثمان رضي الله عنه، و لكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان. فقال شبث:
وإله الأرض وإله السَّماء ما عدلت معتدلاً، لا والذي لا إله إلّا هو، لا تصل إلى عمّار حتّى تندر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها.
فقال له معاوية: إنَّه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق، وتفرَّق القوم عن معاوية فلمّا انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن حنظلة التميمي فخلا به. فحمد الله وأثنى عليه وقال: أمّا بعد يا أخا ربيعة، فإنَّ عليّاً قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإنّي أسألك النصر باُسرتك وعشيرتك، ثمَّ لك عهد الله جلّ و عزَّ وميثاقه أن اُوليّك إذا
ظهرت ايّ المصرين أحببت. قال زياد: فلمّا قضى معاوية كلامه حمدت الله عزَّ وجلَّ وأثنيت عليه ثمَّ قلت:
أمّا بعد: فإنِّي على بيّنة من ربّي، وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظهيراً للمجرمين. ثمَّ قمت(١)
وروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد باسناده أنَّ قرَّاء أهل العراق، وقرَّاء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريباً من ثلاثين ألفاً، وأنَّ جماعة من قرّاء العراق منهم عبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعامر بن عبد قيس، وعبد الله بن عتبة بن مسعود وغيرهم جاؤوا معاوية فقالوا له: ما تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان. قالوا: فمن تطلب به؟ قال: عليّاً. قالوا: أهو قتله؟ قال: نعم وآوى قتلته. فانصرفوا إلى عليّ فذكروا له ما قال فقال: كذب! لم أقتله وأنتم تعلمون أنّي لم أقتله، فرجعوا إلى معاوية فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالاً، فرجعوا إلى عليّ فقال: والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت. فرجعوا فقال معاوية: فإن كان صادقاً فليقدنا من قتلة عثمان، فانَّهم في عسكره وجنده. فرجعوا، فقال عليٌّ: تأوَّل القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لأجلها، وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم سبيل. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن كان الأمر على ما يقول فما له أنفذ الأمر دوننا من غير مشورة منّا ولا ممّن ها هنا؟ فرجعوا إلى عليّ فقال عليُّ: إنَّما الناس مع المهاجرين والأنصار، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم، ورضوا وبايعوني، ولست أستحلُّ ان أدع مثل معاوية يحكم على الاُمَّة ويشقّ عصاها، فرجعوا إلى معاوية فقال: ما بال مَن ها هنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فرجعوا، فقال عليٌّ: إنَّما هذا للبدريّين دون غيرهم، وليس على وجه الأرض بدريٌّ إلّا وهو معي، وقد بايعني وقد رضي، فلا يغرنَّكم من دينكم وأنفسكم(٢)
ها هنا تجد الباغي متجهّماً تجاه تلك الدعوة الحقّة كأنَّه هو بمفرده، أو هو و طغام الشام والأجلاف الذين حوله بيدهم عقدة أمر الاُمّة، تنحلُّ وتُعقد بمشيئتهم
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٦: ٣، الكامل لابن الاثير ٣: ١٢٤، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٥٨.
٢ - تاريخ ابن كثير ٧: ٢٥٨.
والمهاجرون والأنصار والبدريّون من الصحابة قطّ لا قيمة لهم ولا لبيعتهم وجماعتهم عنده في سوق الإعتبار، يقول: إنّ الجماعة معه، وإنَّ الطاعة لا يراها هو، على حين أنَّهما حصلتا له صلوات الله عليه رضي به ابن هند أو أبى، وانَّ الجماعة التي كانت لعليّعليهالسلام وبيعتهم إيّاه كانت من سروات المجد وأهل الحلِّ والعقد من المهاجرين والأنصار ووجوه الأمصار والبلاد، ولم يتحقّق اجماعٌ في الإسلام مثله، وأمّا التي كانت لمعاوية في حسبانه فمن رعرعة الشام، وروّاد الفتن، وسماسرة الأهواء، ولم يكن معه كما قال سيّدنا قيس بن سعد بن عبادة: إلّا طليقاً أعرابيّاً، أو يمانيّاً مستدرجاً، وكان معه مائة ألف ما فيهم من يفرِّق بين الناقة والجمل كما مرَّ حديثه في ص ١٩٥، فأيّ عبرة بموقف هؤلاء؟ وأيّ قيمة لبيعتهم بعد شذوذهم عن الحقِّ ونبذهم إيّاه وراء ظهورهم؟.
مَن يكن ابن آكلة الأكباد وزبانيته حتى يكون لهم رأيٌ في الخلافة؟ ويطلبوا من أمير المؤمنين اعتزال الأمر، وردّه شورى بين المسلمين بعد أنَّ العمد والدعائم من المسلمين رضوا بتلكم البيعة وعقدوها للإمام الحقِّ على زهد منهعليهالسلام فيها، لكنّهم تكاثروا عليه كعرف الفرس حتى لقد وُطئ الحسنان، وشقّ عطفاه، فكان تدخُّل الطليق ابن الطليق في أمر الاُمّة الذي أصفق عليه رجال الرأي والنظر تبرّعاً منه من غير طلب ولا جدارة، بل كان خروجاً على الإمام الذي كانت معه جماعة المسلمين، وانعقدت عليه طاعتهم، فتبّاً لمن شقَّ عصاهم، وفتَّ في عضدهم.
وابن هند إن لم يكن ينازع للخلافة كما حسبه ابن حجر فما كانت تلك المحاباة وتغرير وجوه الناس ورجالات الثورات بولايات البلاد؟ فترى يجعل مصر طعمة لعمرو ابن العاص، وله خطواته الواسعة وراء قتل عثمان، ويعهد على زياد التميمي أن يوليّه أيّ المصرين أحبّ إذا ظهر، غير انَّ التميمي كان على بيّنة من ربّه فيما أنعم الله عليه لم يك ظهيراً للمجرمين، وكذلك قيس بن سعد الأنصاري كتب إليه معاوية يعده بسلطان العراقين إذا ظهر ما بقي، ولم أحبّ قيس سلطان الحجاز ما دام له سلطان(١) وقيس شيخ الأنصار، وهم المتسربلون بالحديد يوم الجمل قائلين: نحن قتلة عثمان.
ولنا حقّ النظر في قوله لشبث بن ربعي: وما يمنعني من ذلك والله لو اُمكنت من
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٥: ٢٢٨.
ابن سُميّة ما قتلته بعثمان.. إلخ. مَن الذي أخبر معاوية عن عمّار وعن قتله عثمان ومولاه ناتل؟ وكان معاوية يومئذ بالشام، ولينظر في البيّنة التي حكم بها على عمّار ولعلّها قامت بشهادة مزوَّرة زوَّرها نفس معاوية جرياً على عادته في أمثال هذه المواقف.
وإن صدق في دعواه وكان الأمر كما قرَّره هو فلا قود عندئذ إذ عمّار من المجتهدين العدول لا يقتل إنساناً إلّا مَن هدر الإسلام دمه، يُتّبع أثره، ولا يُنقض حكمه، كيف لا؟ وقد ورد الثناء عليه في خمس آيات فصَّلناها في ج ٩ ص ٢١ - ٢٤، وجاء عن النبيّ الأعظم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ عمارا مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، وخلط الايمان بلحمه ودمه.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عمّار خلط الله الايمان ما بين قرنه إلى قدمه، وخلط الايمان بلحمه ودمه، يزول مع الحقِّ حيث زال، وليس ينبغي للنار أن تأكل منه شيئاً.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مُلئ إيماناً إلى مشاشه. وفي لفظ: حُشي ما بين اخمص قدميه إلى شحمة اُذنيه إيماناً.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ عماراً مع الحقِّ والحقُّ معه، يدور عمّار مع الحقِّ أينما دار، وقاتل عمّار في النار.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا اختلف الناس كان ابن سُميّة مع الحقِّ.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : دم عمّار ولحمه حرامٌ على النار أن تطعمه.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما لهم ولعمّار؟ يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار، إنَّ عمّاراً جلدة ما بين عينيّ وأنفي، فإذا بلغ ذلك من الرَّجل فلم يُستبق فاجتنبوه.
نعم: صدق معاوية في قوله: ما يمنعني من ذلك؟ وأيّ وازع للانسان عن قتل عمّار إذا ما صدَّق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أقواله هذه وقوله: ما لقريش وعمّار يدعوهم إلى الجنّة، ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار.
وقوله: من عادى عمّاراً عاداه الله، ومن أبغض عمّاراً أبغضه الله، ومن يسفه عمّاراً يسفهه الله، ومن يسبُّ عماراً يسبّه الله، ومن يحقِّر عماراً حقّره الله، ومن يلعن عمّاراً لعنه الله، ومن ينتقص عمّاراً ينتقصه الله(١)
____________________
١ - راجع تفصيل هذه الاحاديث فى الجزء التاسع ص ٢٤ - ٢٨.
وفد معاوية الى الامامعليهالسلام
وبعث معاوية إلى عليّ حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه وتكلّم حبيب فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال:
أمّا بعد: فإنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفة مهديّاً، يعمل بكتاب الله عزَّوجلَّ، ويُنيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه رضي الله عنه، فادفع إلينا قتلة عثمان - إن زعمت أنّك لم تقتله - نقتلهم به، ثمَّ اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يُولِّي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.
فقال له عليُّ بن أبي طالب: وما أنت لا اُمَّ لك والعزل، وهذا الأمر؟ اسكت فإنَّك لست هناك ولا بأهل له. فقال وقال له: والله لترينِّي بحيث تكره. فقال عليُّ. و ما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيتَ عليَّ، أحُقرةً وسوءاً؟ اذهب فصوِّب وصعِّد ما بدا لك.
وقال شرحبيل: إنّي إن كلّمتك فلعمري ما كلامي إلّا مثل كلام صاحبي قبلُ، فهل عندك جوابٌ غير الذي أجبته به؟ فقال عليُّ: نعم، لك ولصاحبك جوابٌ غير الذي أجبته به. فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال:
أمّا بعد: فإنّ الله جلَّ ثناؤه بعث محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحقّ، فأنقذ به من الضَّلالة، و انتاش به من الهلكة، وجمع من الفرقة، ثمَّ قبضه الله إليه، وقد أدّى ما عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه، واستخلف أبو بكر عمر رضي الله عنه، فأحسنا السيرة، وعدلا في الاُمَّة، وقد وجدنا عليهما أن توليّاً علينا، ونحن آل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثمَّ أتاني الناس وأنا معتزلٌ أمورهم، فقالوا لي: بايع. فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإنَّ الاُمَّة لا ترضى إلّا بك، وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلّا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عزَّوجلَّ له سابقةً في الدين، ولا سلف صدقٍ في الاسلام، طليق ابن طليق، حزبٌ من هذه الأحزاب، لم يزل
لله عزَّوجلَّ ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وللمسلمين عدوّاً، هو وأبوه، حتّى دخلا في الاسلام كارهين فلا غرو إلّا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيّكمصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً، ألا أنِّي أدعوكم إلى كتاب الله عزَّوجلَّ، وسنَّة نبيِّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا، و استغفر الله لي ولكم ولكلّ مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة.
فقالا: إشهد أنَّ عثمان رضي الله عنه قُتل مظلوماً. فقال لهما: لا أقول: إنّه قُتل مظلوماً، ولا أنّه قُتل ظالماً. قالا: فمن لم يزعم انَّ عثمان قُتل مظلوماً فنحن منه برآء. ثمَّ قاما فانصرفا، فقال عليُّ: إنّك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصمّ الدعاء إذا ولّوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم، إن تسمع إلّا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون(١) .
أنباءٌ في طيّات الكتب
تُعرب عن مرمى معاوية
هلمَّ معي ننظر في شطر من كتب ابن حرب المعربة عن مرماه الذي كان تركاضه وراءه، هل فيها ايعازٌ أو تلويح أو تصريح بغايته المتوخّاة في نزاعه الإمام الطاهرعليهالسلام ، وانّه كان يروم الخلافة ويحوم حولها وينازع الأمر أهله؟ رغم إنكار ابن حجر إيّاه إنكاراً باتّاً نصرةً له.
إنَّ النعمان بن بشير لَمّا قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان تذكر فيه دخول القوم عليه، وما صنع محمّد بن أبي بكر عن نتف لحيته، في كتاب رققت فيه وأبلغت حتّى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدّع قلبه. وبقميص عثمان مخضبا بالدم ممزّقاً، وعقدت شعر لحيته في زر القميص، قال: فصعد المنبر معاوية بالشام وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ما صنعوا بعثمان فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثمَّ دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام فقالوا: هو ابن عمّك وأنت وليّه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه أميراً عليهم، وكتب، وبعث الرسل إلى كور الشام، وكتب
____________________
١ - تاريخ الطبرى ٦: ٤، الكامل لابن الاثير ٣: ١٢٥، تاريخ ابن كثير ٧: ٢٥٨.
إلى شُرحبيل بن السمط الكندي وهو بحمص يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام، فلمّا قرأ شُرحبيل كتاب معاوية دعا اُناساً من أشرف أهل حمص فقال لهم: ليس من قتل عثمان بأعظم جرماً ممّن يبايع لمعاوية أميراً، وهذه سقطة، ولكنّا نبايع له بالخلافة، ولا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة، فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص ثمَّ كتب إلى معاوية: أمّا بعد: فإنّك أخطأت خطأ عظيماً حين كتبت إليَّ أن أبايع لك بالإمرة، وانَّك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة، وقد بايعت ومَن قبلي لك بالخلافة.
فلمّا قرأ معاوية كتابه سرّه ذلك ودعا الناس وصعد المنبر وأخبرهم بما قال شُرحبيل ودعاهم إلى بيعته بالخلافة، فأجابوه ولم يختلف منهم أحدٌ، فلمّا بايع القوم له بالخلافة واستقام له الأمر كتب إلى عليّ(١) .
وفي حديث عثمان بن عبيد الله الجرجاني قال:
بويع معاوية على الخلافة، فبايعه الناس على كتاب الله وسنّة نبيَّه، فأقبل مالك ابن هبيرة الكندي - وهو يومئذ رجلٌ من أهل الشام - فقام خطيباً وكان غائباً من البيعة فقال: يا أمير المؤمنين! اخدجتَ هذا الملك، وأفسدت الناس، وجعلت للسفهاء مجالاً، وقد علمت العرب أنّا حيُّ فِعال، ولسنا بحيِّ مقال، وإنّا نأتي بعظيم فعالنا على قليل مقالنا، فابسط يدك اُبايعك على ما أحببنا وكرهنا.
فقال الزبرقان بن عبد الله السكوني:
معاوي أخدجتَ الخلافة بالتي |
شرطت فقد بوّا لك الملك مالكُ |
|
ببيعة فصلٍ ليس فيها غميزةٌ |
ألا كلُّ ملك ضمّه الشَّرط هالكُ |
|
وكان كبيت العنكبوت مذبذباً |
فأصبح محجوباً عليه الأرائكُ |
|
وأصبح لا يرجوه راجٍ لعلّة |
ولا تنتحي فيه الرِّجال الصعالكُ |
|
وما خير ملك يا معاوية! مُخدج |
تجرِّع فيه الغيظ والوجه حالكُ |
|
إذا شاء ردَّته السكونُ وحميرٌ |
وهمدان والحيّ الخفاف السكاسكُ(٢) |
جرت بين الإمامعليهالسلام وبين معاوية مكاتبات نحن نأخذ من تلكم الكتب ما يخصّ
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ٦٩، ٧٠.
٢ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٩٠.
بالموضوع، كتبعليهالسلام إليه في أوَّل ما بويع له بالخلافة:
أمّا بعد: فقد علمتَ إعذاري فيكم، وإعراضي عنكم، حتى كان ما لا بدَّ منه، ولا دفع له، والحديث طويل، والكلام كثير، وقد أدبر ما أدبر، وأقبل ما أقبل، فبايع مَن قِبلك، وأقبل إليَّ في وفدٍ من أصحابك، والسَّلام.
وفي لفظ:
أمّا بعد: فإنَّ الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لي، وأوفد إليَّ أشراف أهل الشامِ قبلك.
وفي لفظ ابن قتيبة: أمّا بعد: فقد وليّتك ما قِبلك من الأمر والمال، فبايع مَن قِبلك، ثمَّ أقدم إليَّ في ألف رجل من أهل الشام.
فكتب معاوية: أمّا بعد: فإنَّه:
ليس بيني وبين قيس عتابٌ |
غير طعن الكُلى وضرب الرِّقاب |
ومن كتاب لهعليهالسلام إلى معاوية: وقد بلغك ما كان من قتل عثمان رحمه الله، وبيعة الناس عامّة إيّاي، ومصارع الناكثين لي، فادخل فيما دخل الناس فيه، وإلّا فأنا الذي عرفت، وحولي مَن تعلمه. والسَّلام.
وممّا كتبعليهالسلام إليه مع جرير البجلي: فانَّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشّام لأنّ َ ه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يردَّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسّموه إماماً، كان ذلك لِلّه رضاً، وإن خرج عن أمرهم خارجٌ بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج عنه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولّاه الله ما تولّى، وأصلاه جهنَّم وساءت مصيرا.
فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإنَّ أحبَّ الاُمور إليَّ قبولك العافية، إلَّا أن تتعرَّض للبلاء، فإن تعرَّضت له قاتلتك، واستعنت بالله عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثمَّ حاكمت القوم إليَّ، حملتك وإيّاهم على كتاب الله، وأمّا تلك التي تريدها فهي خُدعة الصبيّ عن اللّبن.
وأعلم أنّك من الطلقاء الذين لا تحلُّ لهم الخلافة، ولا تُعقد معهم الإمامة، ولا يدخلون في الشورى، وقد بعثت إليك وإلى مَن قبلك جرير بن عبد الله البجلي، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايعه، ولا قوَّة إلّا بالله.
قَدِم جرير على معاوية بكتاب عليّ، فلمّا أبطأ عليه معاوية برأيه استحثّه بالبيعة، فقال له معاوية: يا جرير! إنّ البيعة ليست بخُلسة، وإنّه أمرٌ له ما بعده، فأبلعني ريقي، ودعا أهل ثقته فاستشارهم، فقال له أخوه عُتبة: إستعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، فإنّه مَن قد عرفت، فكتب معاوية إلى عمرو، وهو بفلسطين:
أمّا بعد: فقد كان من أمر عليّ وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في نفر من أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة عليّ، وقد حبستُ نفسي عليك، فاقدم على بركة الله، اُذاكرك اُموراً لا تعدم صلاح مغبَّتها إن شاء الله.
فقال معاوية لجرير: إنّي قد رأيت رأياً، قال جرير: هات. قال: اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام ومصر جباية، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعةً، واُسلّم إليه هذا الأمر، وأكتب إليه بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت. فكتب إلى عليّ يسأله ذلك، فلمّا أتى عليّاً كتاب معاوية عرف انّها خدعة منه، وكتب إلى جرير بن عبد الله:
أمّا بعد: فإنَّ معاوية إنّما أراد بما طلب ألّا يكون لي في عنقه بيعةٌ، وأن يختار من أمره ما أحبّ، وأراد أن يرثِّيك ويبطِّئك حتّى يذوق أهل الشام، وقد كان المغيرة بن شعبة أشار عليَّ وأنا بالمدينة أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه(١) ولم يكن الله ليراني أن أتَّخذ المضلّين عضدا، فإن بايعك الرَّجل وإلّا فأقبل، والسَّلام(٢) .
ولمـّا فشا كتاب معاوية في العرب كتب إليه أخو عثمان لأمِّه الوليد بن عقبة:
معاويَ إنَّ الشام شامك فاعتصمْ |
بشامك، لا تُدخِل عليك الأفاعيا |
|
وحامِ عليها بالصَّوارم والقنا |
ولا تكُ موهون الذراعين وانيا |
|
وإنَّ عليّاً ناظرٌ ما تُجيبه |
فأهدِ له حرباً تُشيب النَّواصيا |
____________________
١ - راجع ما أسلفناه فى الجزء السادس ١٤٢ ط ٢.
٢ - كتاب صفين ٣٨، ٥٨، ٥٩، الامامة والسياسة ١: ٨٢، وفى ط ٧٢، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٣٦، ٢٤٩ - ٢٥١.
وإلّا فسلمٌ إنَّ في السِّلم راحةً |
لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا |
|
وإنَّ كتاباً يا بن حرب كتبته |
على طمع يُزجي إليك الدَّواهيا |
|
سألتَ عليّاً فيه ما لن تناله |
وإن نلته لم تبق إلّا لياليا |
|
وسوف ترى منه التي ليس بعدها |
بقاءٌ فلا تكثر عليك الأمانيا |
|
أمثل عليٍّ تعتريه بخدعةٍ |
وقد كان ما جرَّيتَ من قبلُ كافيا؟ |
وكتب إلى معاوية أيضاً:
معاويَ إنَّ الملك قد جُبَّ غاربه |
وأنت بما في كفِّك اليوم صاحبه |
|
أتاك كتابٌ من عليٍّ بخطَّةٍ |
هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه |
|
فلا ترجُ عند الواترين مودَّة |
ولا تأمن اليوم الذي أنت راهبه |
|
وحاربه إن حاربتَ حرَّ بن حرَّة |
وإلّا فسلمٌ لا تدبُّ عقاربه |
|
فإنَّ عليّاً غير ساحب ذيله |
على خدعةٍ ما سوَّغ الماء شاربه |
|
فلا تدعنَّ الملك والأمر مقبلٌ |
وتطلب ما أعَيت عليه مذاهبه |
|
فإن كنتَ تنوي أن تجيب كتابه |
فقبِّح مُمليه وقبّح كاتبه |
|
وإن كنتَ تنوي أن تردَّ كتابه |
وأنت بأمرٍ لا محالة راكبه |
|
فألق إلى الحيِّ اليمانين كلمة |
عدوُّ وما لاهم عليه أقاربه |
|
أفانين: منهم قاتلٌ ومحرِّضٌ |
بلا ترة كانت وآخر سالبه |
|
وكنتُ أميراً قبلُ بالشام فيكمُ |
فحسبي وإيّاكم من الحقِّ واجبه |
|
تجيبوا [ومن أرسىُ ثبيراً مكانه] |
تَدافعَ بحرٍ لا تُردُّ غواربه |
|
فأقلل وأكثر، ما لها اليوم صاحبٌ |
سواك فصرِّح لستَ ممَّن تواربه(١) |
فأقام جرير عند معاوية ثلاثة أشهر. وقيل: أربعة. وهو يماطله بالبيعة، فكتب عليُّ إلى جرير:
سلامٌ عليك، أمّا بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الجزم، وخيّره بين حربٍ مجلية، أو سلمٍ مخزية، فإن اختار الحرب فأنبذ إليهم على سواء إنَّ الله لا يحبُّ الخائنين، وإن اختار السِّلم فخذ بيعته وأقبل إليَّ، والسَّلام.
____________________
١ - المواربة: المخارعة والمداهاة.
فكتب معاوية إلى عليّ جواباً عن كتابه مع جرير:
أمّا بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريءٌ من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، ولكنَّك أغريت بدم عثمان المهاجرين. وخذَّلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف، وقد أبي أهل الشّام إلّا قتالك، حتّى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، وإنّما كان الحجازيّون هم الحُكاّم على الناس والحقُّ فيهم، فلمّا فارقوه كان الحكّام على الناس أهل الشام، ولعمري ما حجّتك عليَّ كحجّتك على طلحة والزبير، لأنّهما بايعاك ولم اُبايعك، وما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة، لأنَّ أهل البصرة أطاعوك، ولم يطعك أهل الشام.
فكتب إليه الإمامعليهالسلام :
زعمتَ أنّك إنّما أفسد عليك بيعتي خُفري(١) بعثمان ولعمري ما كنت إلّا رجلاً من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرتُ فلزمتني خطيئة الأمر، ولا قتلتُ فأخاف على نفسي قصاص القاتل.
وأمّا قولك: إنَّ أهل الشام هُم حكّام أهل الحجاز، فهات رجلاً من قريش الشَّام يُقبل في الشورى، أو تحلُّ له الخلافة، فإنْ سمّيت كذَّبَكَ المهاجرون و الأنصار، ونحن نأتيك به من قريش الحجاز. فارجع إلى البيعة التي لزمتك، وحاكم القوم إليَّ.
وأمّا تمييزك بين أهل الشام والبصرة، وبينك وبين طلحة والزبير، فلعمري فما الأمر هناك إلّا واحد، لأنّها بيعةٌ عامّة، لا يتأتّى فيها النظر، ولا يُستأنف فيها الخيار.
ومن كتاب كتبه معاوية إلى عليّعليهالسلام في أواخر حرب صفين:
فإن كنت - أبا حسن -! إنّما تحارب على الإمرة والخلافة فلعمري لو صحّت خلافتك لكنت قريباً من أن تُعذر في حرب المسلمين، ولكنّها ما صحّت لك، أنّى بصحّتها وأهل الشام لم يدخلوا فيها ولم يرتضوها؟ وخف الله وسطواته، واتّق بأسه
____________________
١ - الخفر: نقض العهد. الغدر.
ونكاله، واغمد سيفك عن الناس، فقد والله أكلتهم الحرب، فلم يبق منهم إلّا كالثمد(١) في قرارة الغدير. والله المستعان.
فكتب عليٌّعليهالسلام إليه كتاباً منه:
وأمّا تحذيرك إيّاي أن يحبط عملي وسابقتي في الإسلام، فلعمري لو كنتُ الباغي عليك لكان لك أن تحذِّرني ذلك، ولكنِّي وجدت الله تعالى يقول: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فنظرنا إلى الفئتين، أمّا الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها، لأنَّ بيعتي لزمتك وأنت بالشام، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة، وأنت أمير لعُمر على الشّام، وكما لزمت يزيدَ أخاك بيعة عمر وهو أميرٌ لأبي بكر على الشّام.
وأمّا شقُّ عصا هذه الاُمَّة، فأنا أحقّ أن أنهاك عنه، فأمّا تخويفك لي من قتل أهل البغي فإنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمرني بقتالهم وقتلهم وقال لأصحابه: إنّ فيكم مَن يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله. وأشار إليَّ، وأنا أولى مَن اتّبع أمره، وأمّا قولك: انَّ بيعتي لم تصحّ، لأنَّ أهل الشام لم يدخلوا فيها، فكيف؟ وإنّما هي بيعةٌ واحدةٌ تلزم الحاضر والغائب، لا يُثنّى فيها النظر، ولا يُستأنف فيها الخيار، ألخارج منها طاعنٌ، والمـُروّي(٢) فيها مُداهن، فاربع على ظلعك، وانزع سربال غيِّك، واترك ما لا جدوى له عليك، فليس لك عندي إلّا السيف، حتي تفيء إلى أمر الله صاغراً، وتدخل في البيعة راغماً، والسّلام.
ومن كتاب لمعاوية إلى عليّعليهالسلام :
فدع اللجاج والعَبث جانباً، وادفع إلينا قتلة عثمان، وأعد الأمر شورى بين المسلمين، ليتّفقوا على مَن هو لِلَّه رضا، فلا بيعة لك في أعناقنا، ولا طاعة لك علينا، ولا عُتبى لك عندنا، وليس لك ولأصحابك إلّا السيف.
فأجابه الإمامعليهالسلام بكتاب منه قوله:
وزعمت أنَّ أفضل النّاس في الإسلام فلانٌ وفلانٌ، فذكرت أمراً إن تمّ اعتزلك
____________________
١ - الثمد: الماء القليل يتجمع فى الشتاء وينضب فى الصيف.
٢ - روّى فى الامر: نظر وفكر، أى الذي يفكر ويروّى فيها ويبطىء عن الطاعة مداهن اى: منافق.
_٢٠_
كلّه، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول؟ والسائس والمسوس؟ وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأوّلين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حنَّ قِدحٌ ليس منها، وطفق يحكم فيها مَن عليه الحكم لها، ألا تربَعْ أيّها الإنسان! على ظلعك؟ وتعرف قصور ذرعك، وتتأخّر حيث أخَّرك القدَر؟ فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر.
ومنه قولهعليهالسلام :
وذكرتَ انّه ليس لي ولأ صحابي عندك إلّا السيف، فلقد أضحكتَ بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوَّفين؟!؟! فلبِّث قليلاً يلحق الهيجا حَمَل(١) فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مُرقلٌ نحوك في جحفلٍ من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديدٍ زحامهم، ساطعٍ قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحبُّ اللّقاء إليهم لقاء ربِّهم، وقد صحبتهم ذرِّيَّة بدريّة، وسيوف هاشميَّة، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.
ولمـّا نزل عليّعليهالسلام الرقَّة قالت له طائفة من أصحابه: يا امير المؤمنين! اكتب إلى معاوية ومَن قِبله من قومك، فإنّ الحجَّة لا تزداد عليهم بذلك إلّا عِظَما. فَكتب إليهم:
من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية ومَن قِبله من قريش:
سلامٌ عليكم، فإنِّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، أمّا بعدُ: فإنّ لِلّه عباداً آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا في الدين، وبيَّن الله فضلهم في القرآن الحكيم، وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرَّسول تكذِّبون بالكتاب، مجمعون على حرب المسلمين، مَن ثقفتم منهم حبستموه أو عذَّبتموه أو قتلتموه، حتّى أراد الله تعالى إعزاز دينه، وإظهار أمره، فدخلت العرب في الدِّين أفواجاً، وأسلمت له هذه الاُمّة طوعاً وكرها، فكنتم فيمن دخل في هذا الدِّين إمّا رغبةً أو رهبةً، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وفاز المهاجرون الأوّلون بفضلهم، ولا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في
____________________
١ - حمل، هو حمل بن سعدانه الصحابى شهد صفين مع معاوية.
الدّين، ولا فضائلهم في الإسلام، أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله وأولى به فيحوب ويظلم، ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره، ويعدو طوره، ويُشقي نفسه بالتماس ما ليس بأهله، فإنّ أولى الناس بأمر هذه الاُمَّة قديماً وحديثاً أقربها من الرَّسول، وأعلمها بالكتاب، وأفقهها في الدِّين، أوّ لهم إسلاما، وأفضلهم جهاداً، وأشدّهم بما تحمله الأئمَّة من أمر الاُمّة اضطلاعاً، فاتّقوا الله الّذي إليه ترجعون، ولا تلبسوا الحقَّ بالباطل وتكتموا الحقَّ وأنتم تعلمون، وأعلموا أنَّ خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون، وإنَّ شرارهم الجهّال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم، فإنَّ للعالم بعلمه فضلاً، وانّ الجاهل لا يزداد بمنازعته العالم إلّا جهلاً، ألا وإنِّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنَّة نبيّه، وحقن دماء هذه الاُمّة، فإن قبلتم أصبتم رشدكم، واهتديتم لحظّكم، وإن أبيتم إلّا الفرقة وشقَّ عصا هذه الاُمَّة، لم يزدادوا من الله إلّا بُعدا، ولا يزداد الربّ عليكم إلّا سُخطا، والسّلام.
راجع الامامة والسياسة ١: ٢٠، ٧١، ٧٢، ٧٧، ٧٨، كتاب صفين ٣٤، ٣٨، ٥٨، ٥٩، ٦٢ - ٦٥ ط مصر، كامل المبرد ١: ١٥٥، ١٥٧، العقد الفريد ٢: ٢٣٣. وفي ط ٢٨٤، نهج البلاغة ٢: ٧، ٨، ٣٠، ٣٥، ٩٨، شرح ابن ابى الحديد ١: ٧٧، ١٣٦، ٢٤٨، ٢٥٢ و ج ٣: ٣٠٠، ٣٠٢، صبح الاعشى ١: ٢٢٩، نهاية الارب ٧: ٢٣٣. ومرّ بعض هذه الكتب بتمامه في هذا الجزء.
قال الأميني: ألم تعلم أيّها القارئ الكريم عقيب ما استشففت هذه الكتب المتردّدة بين إمام الحقّ ورجل السوء « معاوية » أنّه حين يسرُّ حسواً في ارتغاء محتجّاً بقتل عثمان تارة، وبايواء قاتليه تارةً اُخرى، وبطلبه حقن الدماء كمن لا يبتغيه هو، انّه كان لا يبتغي إلّا الخلافة؟ وانّه يعدو إليها ضابحاً، ويُضحّي دونها كلّ غالٍ ورخيص، ويهب دونها الولايات، ويمنح تجاهها المنائح، ويهب الرضائخ، ويستهوي بها النفوس الخائرة، ومهملجي نهمة الحاكميّة، ويستهين بيعة المهاجرين والأنصار، وهم إلبٌ واحد لبيعة إمام الهدى صلوات الله عليه، ويحسبهم قد فارقوا الحق وخبطوا في العمى، ويرجح كفة الشام على كفة عاصمة الاسلام، وأهلوه هم الصّحابة العدول مِن المهاجرين والأنصار، على أنّه ليس للطليق ابن الطليق أن يتدخّل في شأن هم أثبتوا دعائمه،
وشيّدوا معالمه، ومَن الذي منحه النظر في أمر هذا شأنه؟ ومتى كان له ولطغام الشام أن يجابهوا إمرة الحقّ التي نهض بها أهل الحلّ والعقد؟ ولم يباشر الحرب هنالك إلّا بعد أن أتمَّ الإمامعليهالسلام عليه الحجّة، وألحب له الطريق، وأوقفه على حكم الله الباتِّ وأمره النهائيِّ، غير أنّ معاوية في اُذنه وقرٌ عن سماع كلم الحقِّ والبخوع لها، والملك عقيمٌ.
تصريحٌ لا تلويح
يُعرب عن مرمى ابن هند
مرّ في سالف القول ص ٣١٧ انّ معاوية قال لجرير: يجعل عليُّ له الشام ومصر جباية، ويكون الأمر له بعده، حتى يكتب إليه بالخلافة، وكتب بذلك إليهعليهالسلام ، وكتب إليهعليهالسلام يسأله إقراره على الشام فكتب إليه عليُّعليهالسلام :
أمّا بعد: فإنّ الدنيا حُلوةٌ خضرة، ذات زينة وبهجة، لم يَصْبُ إليها أحدٌ إلّا شغلته بزينتها عمّا هو أنفع له منها، وبالآخرة اُمرنا، وعليها حُثثنا، فدع يا معاوية! ما يفنى، واعمل لما يبقى، واحذر الموت الذي إليه مصيرك، والحساب الذي إليه عاقبتك، واعلم أنَّ الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً حال بينه وبين ما يكره، ووفّقه لطاعته، وإذا أراد بعبدٍ سوءاً أغراه بالدنيا وأنساه الآخرة، وبسط له أمله، وعاقه عمّا فيه صلاحه، وقد وصلني كتابك فوجدت ترمي غير غرضك، وتنشد غير ضالّتك، وتخبط في عماية، وتتيه في ضلالة، وتعتصم بغير حجّة، وتلوذ بأضعف شُبهة.
فأمّا سؤالك المتاركة والإقرار لك على الشام، فلو كنتُ فاعلاً ذلك اليوم لفعلته أمس، وأمّا قولك: إنّ عمر ولّاكه فقد عزل من كان ولّاه صاحبه(١) وعزل عثمان مَن كان عمر ولّاه(٢) ولم يُنصب للنّاس إمامٌ إلَّا ليرى من صلاح الاُمّة ما قد كان ظهر لمن قبله أو اُخفي عنه عيبُه، والأمر يحدث بعده الأمر، ولكلّ والٍ رأيٌ واجتهاد.(٣)
وكتب الرجل إليهعليهالسلام ثانية - قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة - يسأله إقراره على
____________________
١ - يريد خالد بن الوليد كان ولّاه أبو بكر فعزله عمر.
٢ - عزل عثمان عمال عمر كلهم غير معاوية.
٣ - نهج البلاغة ٢: ٤٤، شرح ابن ابى الحديد ٤: ٥٧.
الشام وذلك أنَّ عليّاًعليهالسلام قال: لاُناجزنّهم مصبحاً. وتناقل الناس كلمته، ففزع أهل الشام لذلك، فقال معاوية: قد رأيت أن اُعاود عليّاً وأسأله إقراري على الشام، فقد كنت كتبت إليه ذلك فلم يجب إليه(١) ولأكتبنّ ثانية، فألقى في نفسه الشكّ والرقَّة، فكتب اليه.
أمّا بعد: فإنّك لو علمتَ وعلمنا أنّ الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغتْ، لم يَجْنها بعضنا على بعض، ولئن كنّا قد غُلبنا على عقولنا، لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى، ونُصلح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك بيعةٌ وطاعةٌ فأبيت ذلك عليّ، فأعطاني الله ما منعتَ، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فانِّي لا أرجو من البقاء إلّا ما ترجو، ولا أخاف من الفناء إلّا ما تخاف، وقد والله رقَّت الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضلٌ إلّا فضلٌ لا يُستذلُّ به عزيز، ولا يسترقُّ به حرٌّ، والسّلام.
فأجابه عليُّعليهالسلام :
أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنَّك لو علمتَ وعلمنا أنَّ الحرب تبلغ بنا وبك لم يجنها بعضنا على بعض، فإنّي لو قُتلت في ذات الله وحَييت، ثمّ قُتلت ثمَّ حييت سبعين مرَّة لم أرجع عن الشدَّة في ذات الله، والجهاد لأعداء الله، وأمّا قولك: إنّه قد بقي من عقولنا ما نندم على ما مضى فإنّي ما تنقّصت عقلي، ولا ندمت على فعلي، وامّا طلبك إليَّ الشام فإنّي لم أكن لاُعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأمّا قولك: إنَّ الحرب قد أكلت إلّا حُشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحقُّ فإلى الجنَّة، ومن أكله الباطل فالى النار. الكتاب(٢) .
وكتب معاوية إلى ابن عبّاس:
أمّا بعد: فإنَّكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساءة إلى أنصار ابن عفّان حتّى أنّكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما بدمه، واستعظامهما ما نيل منه،
____________________
١ - كذب الرجل وقد اجابه الامام ( ع ) بما سمعت غير انه كتمه على اصحابه خوفاً من أن يهتدى به بعض الى الحق ويفارق الباطل.
٢ - الامامة والسياسة ١: ٨٨ وفى ط ٩٥، كتاب صفين ص ٥٣٨، مروج الذهب ٢. ٦٠، ٦١، نهج البلاغة ٢: ١٢، شرح ابن ابى الحديد ٣: ٤٢٤.
فإن كان ذلك منافسةً لبني اميّة في السُّلطان، فقد وليها عديُّ وتيم(١) فلَم تنافسوهم وأظهرتم لهم الطاعة.
وقد وقع من الأمر ما قد ترى، وأدالت هذه الحرب بعضنا على بعض حتى استوينا فيها، فما يُطعمكم فينا يُطعمنا فيكم، وما يؤيسنا منكم يؤيسكم منّا، ولقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون ما وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحدَّ من حدِّكم أمس، ولا غداً بأحدَّ من حدِّكم اليوم، وقد قنعنا بما في أيدينا من ملك الشام، فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق، وأبقوا على قريش، فانّما بقي من رجالها ستَّة: رجلان بالشام، ورجلان بالعراق. ورجلان بالحجاز، فأمّا اللذان بالشام فأنا وعمرو. وأمّا اللذان بالعراق فأنت وعليُّ. وأمّا اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر(٢) فإثنان من الستّة ناصبان لك، واثنان واقفان فيك، وأنت رأس هذا الجمع، ولو بايع لك الناس بعد عثمان كنّا إليك أسرع منّا إلى عليٍّ.
فكتب إبن عبّاس إليه:
أمّا بعد: فقد جاءني كتابك وقرأته، فأمّا ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان وكراهتنا لسلطان بني اُميّة، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره حتى صرتَ إلى ما صرتَ إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمّك وأخو عثمان الوليد بن عقبة، وأمّا طلحة والزبير فإنَّهما أجلبا عليه، وضيّقا خِناقه، ثمَّ خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك، فقاتلناهما على النكث وقاتلناك على البغي، وأمّا قولك: إنّه لم يبق من قريش إلّا ستَّة فما أكثر رجالها، وأحسن بقيّتها، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، ولم يخذلنا إلّا من خذلك، وأمّا إغراؤك إيّانا بعديّ وتيم، فإنَّ أبا بكر وعمر خيرٌ من عثمان كما أنَّ عثمان خيرٌ منك، وقد بقي لك منّا ما ينسيك ما قبله وتخاف ما بعده، وأمّا قولك: إنَّه لو بايعني الناس استقمت، فقد بايع الناس عليّاً وهو خيرٌ منّي فلم تستقم له: وما أنت وذكر الخلافة يا معاوية؟ وإنَّما أنت طليق وابن طليق، والخلافة للمهاجرين الأوَّلين، وليس الطلقاء منها في شيىء، والسَّلام(٣) وفي لفظ ابن قتيبة: فما
____________________
١ - يعنى أبا بكر وعمر.
٢ - يعنى سعد بن ابى وقاص، وعبد الله بن عمر.
٣ - الامامة والسياسة ١: ٨٥، وفى ط ٩٦، شرح ابن ابى الحديد ٢: ٢٨٩.
أنت والخلافة؟ وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر.
وخطب معاوية بَعد دخوله الكوفة وصلح الإمام السبط سلام الله عليه فقال: يا أهل الكوفة! أتراني قاتلتكم على الصّلاة والزَّكاة والحجّ؟ وقد علمت أنّكم تصلّون وتزُكّون وتحجّون. ولكنَّني قاتلتكم لأتأمَّر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إنّ كلّ مال أو دم اُصيب في هذه الفتنة فمطلولٌ، وكلّ شرط شرطته فتحت قدميَّ هاتين. شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦، تاريخ ابن كثير ٨: ١٣١ واللّفظ للأوّل.
قال معروف بن خربوذ المكّي: بينا عبد الله بن عبّاس جالسٌ في المسجد ونحن بين يديه إذ أقبل معاوية فجلس اليه فأعرض عنه ابن عبّاس فقال له معاوية: مالي أراك معرضاً؟ ألستَ تعلم أنِّي أحقُّ بهذا الأمر من ابن عمّك؟ قال: لِمَ؟ لأنه كان مسلما وكنت كافراً؟ قال: لا، ولكنّي ابن عمِّ عثمان. قال: فابن عمّي خيرٌ من ابن عمّك.
قال: إنّ عثمان قُتل مظلوماً. قال: وعندهما ابن عمر فقال ابن عبّاس: فانّ هذا والله أحقّ بالأمر منك. فقال معاوية: إنّ عمر قتله كافرٌ وعثمان قتله مسلمٌ. فقال ابن عبّاس: ذاك والله أدحض لحجّتك. مستدرك الحاكم ٣: ٤٦٧.
قال الأميني: إنّ هذه الكلم لتعطي القارئ دروساً ضافية من تحرّي معاوية للخلافة لا غيرها من أوّل يومه، ولم يكن في وسع ابن آكلة الاكباد دفع شيىء ممّا كتب اليه من ذلك، وانّه كان يريد على فرض قصوره النيل لكلّ الامنيّة القناعة ببعضها، فيصفو له ملك الشام ومصر، وللامامعليهالسلام ما تحت يده من الحواضر الإسلاميّة وزرافات الأجناد، عسى أن يتّخذ ذلك وسيلة للتوصّل إلى بقيّة الأمل في مستقبل أيّامه، وكانت هذه القسمة ابتداعاً في أمر الخلافة الإسلاميَّة، وتفريقاً بين صفوفها، لم تأل إلى سابقة في الدين، ولا أمضاها أهله في دور من الأدوار، وانّما هي فصمةٌ في الجماعة، وتفريقٌ للطاعة، وتفكيكٌ لعرى الاسلام، وتضعيفٌ لقواه، وبيعةٌ عامَّة تلزم القاصي والداني لا يسُتثنى منها جيلٌ دون جيل، ولا يجوز إنحياز اُمّة عنها دون امّة، وإنّما هو الخليفة الأخير الذي أوجبت الشريعة قتله كما مرَّ حديثه الصحيح الثابت،
وانّه هو معاوية نفسه، فما كان يسع الإمامعليهالسلام والحالة هذه إلّا قتال هذا الطاغية أو يفيء إلى أمر الله.
فكرة معاوية لها قِدم
إنَّ رأي معاوية في خلافة الإمامعليهالسلام لم يكن وليد يومه ولا بنت ليلته، وإنَّما كان مناوئاً منذ فرَّق بينهما الإسلام، وقُتل في يوم واحد أخوه وجدُّه وخاله بسيف عليّعليهالسلام ، فلم يزل يلهج ويهملج في تفخيذ الناس عنه صلوات الله عليه من يوم قتل عثمان، بعث رجلاً من بني عمُيس وكتب معه كتاباً إلى الزبير بن العوام، وفيه:
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان.
سلامٌ عليك. أمّا بعد: فإنّي قد بايعت لك أهل الشام، فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الحَلب(١) فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، فإنّه لا شيىء بعد هذين المصرين، و قد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك، فأظهر الطلب بدم عثمان، واُدعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجدّ والتشمير، أظفركما الله، وخذل مُناوئكما.
فسُرَّ الزبير بهذا الكتاب، وأعلم به طلحة، ولم يشكّا في النصح لهما من قِبل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خلاف عليّعليهالسلام . شرح ابن ابي الحديد ١: ٧٧.
قال الأميني: انظر إلى دين الرجل وورعه يستسيغ أن يخاطب الزبير بامرة المؤمنين لمحض حسبانه انّه بايع له أجلاف أهل الشام، ولا يقول بها لأمير المؤمنين حقّاً عليعليهالسلام وقد تمّت له بيعة المسلمين جمعاء وفي مقدّمهم الزبير نفسه وطلحة بن عبيد الله الذي حاباه معاوية ولاية العهد بعد صاحبه، فغرّهما على نكث البيعة فذاقا وبال أمرهما، وكان عاقبتهما خسراً.
وأنت ترى أنّ الطلب بدم عثمان قنطرة النزاع في الملك، ووسيلة النيل إلى الأمانيِّ من الخلافة الباطلة، أوحاه معاوية إلى الرَّجلين، وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.
____________________
١ - استوسق: اجتمع. الحلب: اللبن المحلوب.
ويدعوا الرجل لمناوئي عليٍّعليهالسلام بالظفر وعليهعليهالسلام بالخذلان، والصَّادع الكريم يقول في الصحيح المتّفق عليه: أللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
وكتب إلى الزبير ايضاً:
أمّا بعد: فانّك الزبير بن العوام، إبن أبي خديجة(١) ، وابن عمَّة(٢) رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحواريّه، وسِلفه(٣) وصهر أبي بكر، وفارس المسلمين، وأنت الباذل في الله مهجته بمكّة عند صيحة الشيطان، بعثك المنبعث: فخرجت كالثعبان المنسلخ بالسيف المنصلت، تخبط خبط الجمل الرَّديع، كلّ ذلك قوَّة ايمان وصِدق يقين، وسبقت لك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم البشارة بالجنّة، وجعلك عمر أحد المستخلَفين على الاُمّة.
واعلم يا أبا عبد الله: أنّ الرعيَّة أصبحت كالغنم المتفرِّقة لغيبة الراعي، فسارع - رحمك الله - إلى حقن الدماء: ولمِّ الشَّعث، وجمع الكلمة، وصلاح ذات البين، قبل تفاقم الأمر، وانتشار الاُمّة، فقد أصبح الناس على شفا جُرُفٍ هارٍ، عمّا قليل ينهار إن لم يُر أب، فشمّر لتأليف الاُمَّة، وابتغ إلى ربّك سبيلا، فقد أحكمت الأمر من قِبلي لك ولصاحبك على أنَّ الأمر للمقدَّم، ثمَّ لصاحبه من بعده، جعلك الله من أئمة الهدى، وبُغاة الخير والتقوى، والسَّلام.
ألا مسائلٌ ابن هند عن قوله: إنَّ الرعيَّة أصبحت كالغنم المتفرِّقة.. إلخ. لماذا أصبحت؟ ومتى أصبحت؟ وكيف أصبحت؟ وراعيها الذي يرقبها ويرقب كلّ صالح لها ويشمّر على درأ كلِّ معرَّة عنها هو صنو رسول الله ونفسه الإمام المنصوص عليه، وقد اجمعت الاُمّة على بيعته لولا انَّ معاوية يكدِّر الصفو، ويقلق السّلام، ويفرِّق الكلمة بدسائسه وتسويلاته، فمَثله كما قال مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام كمثل الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، لم يجعل الله له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام،
____________________
١ - خويلد أبو خديجة زوج الرسول ( ص ) جد الزبير بن العوام بن خويلد.
٢ - ام الزبير هى صفية بنت عبد المطلب عمّة رسول الله.
٣ - السلف: زوج أخت امرأته. تزوّج الزبير أسماء بنت ابى بكر، وتزوج رسول الله اختها عايشة.
وكتب إلى طلحة:
أمّا بعد: فإنّك أقلُّ قريش في قريش وَتراً، مع صباحة وجهك، وسماحة كفّك، وفصاحة لسانك، فأنت بإزاء مَن تقدَّمك في السابقة، وخامس المبشّرين بالجنّة، و لك يوم اُحد وشرفه وفضله، فسارع - رحمك الله - إلى ما تُقلّدك الرعيَّة من أمرها، ممّا لا يسعك التخلّف عنه، ولا يرضى الله منك إلّا بالقيام به، فقد أحكمتُ لك الأمر قِبَلي، والزبير فغير متقدِّم عليك بفضل، وأيُّكما قدَّم صاحبه فالمقدَّم الإمام، والأمر من بعده للمقدَّم له، سلك الله بك قصد المهتدين، ووهب لك رُشد الموفَّقين، والسّلام.
قال الأميني: لمسائل هاهنا أن يحفي لمعاوية السؤال عن أنَّ ما تبجّح به للزبير و طلحة من الفضائل التي استحقّا بها الخلافة هل كان عليُّعليهالسلام خلواً منها؟ يذكر لهما البشارة بالجنّة، وانَّ زبيراً أحد اولئك المبشّرين، وأنَّ طلحة خامسهم، فهلاً كان عليٌّعليهالسلام عاشرهم؟ فلماذا سلخها عنه، وحثّهما بالمبادرة إليها حتى لا يسبقهما إليها إبن أبي طالب؟!؟! وإن كان تلكم البشارة - المزعومة - بمجرِّدها كافية في إثبات الجدارة للخلافة؟ فلماذا أخرج عنها سعد بن أبي وقّاص؟ وهو أحد القوم المبشّرين وكان يومئذ حيّاً يُرزق، و لعلَّ طمعه فيهما كان آكد، فحلب حلباً له شطره.
والأعجب قوله لطلحة: فأنت بإزاء من تقدَّمك في السابقة. فهلاّ كان أمير المؤمنين أوّل السابقين وأولاهم بالمئاثر كلّها؟ وهلاّ ثبت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: السبّاق ثلاثة: السابق إلى موسى يوشع. وصاحب ياسين إلى عيسى. والسابق إلى محمّد عليّ بن أبي طالب؟(١) .
وهلاّ صحّ عند اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم انّ عليّاً أوّل من آمن بالله، وصدَّق نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصلّى معه، وجاهد في سبيله؟
وإن كان لطلحة يوم اُحد وشرفه وفضله فلعليّعليهالسلام مغازي الرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّها من بدر و اُحد وخيبر والأحزاب وحُنين ويوم حمراء الأسد(٢) هب أنَّ معاوية كان في اذنه وقرٌ من شركه لم يسمع نداء جبريل ورضوان يوم ناديا:
____________________
١ - راجع الجزء الثانى: ٣٠٦ ط ثانى.
٢ - راجع ما مر فى الجزء السابع ص ٢٠٢ - ٢٠٦.
لا فتى إلّا عليّ |
لا سيف إلّا ذو الفقار(١) |
فهل كان في بصره عمىّ كبصيرته لا يبصر نضال عليّ ونزاله في تلكم المعارك الدامية؟ نعم: معاوية لا يرى مواقف عليّعليهالسلام فضلاً وشرفاً لأنَّه هو الذي أثكل امَّهات بيته، و ضرب أقذلة أخيه وجدِّه وخاله وأبناء بيته الساقط بسيفه البتّار، وإلى هذا يومي قوله لطلحة: فإنَّك أقلّ قريش في قريش وترا.
ومن كتاب له إلى مروان:
فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد، لا يُصطاد إلّا غيلةً، ولا يتشازر إلّا عن حلية، وكالثعلب لا يفلت إلا روغاناً، واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكفّ، وامتهن(٢) نفسك امتهان مَن ييأس القوم من نصره وانتصاره، وابحث عن امورهم بحث الدجاجة عن حَبِّ الدخن عند فقاسها(٣) وأنغل(٤) الحجاز، فإنّي مُنغل الشام، والسّلام.
قال الأميني: هذه شنشنة معاوية منذ بلغه أمر الامامعليهالسلام وانعقاد البيعة له، فوجد نفسه عند الاُمّة في معزل عن المشورة أو اعتضاد في رأي، وأنَّ البيعة لاحقَته لا محالة، فلم يجد منتدحاً عن إقلاق الأمر على صاحب البيعة الحقَّة، وأن يستدني منه أمانيَّه الخلاّبة بتعكير الصفو لهعليهالسلام فطفق يفسد ما اطمأنّ إليه من الأمصار، ويوعز في كتبه إلى إفساد الرأي، وتفريق الكلمة، وهو ضالّته المنشودة.
وإن تعجب فعجبٌ أخذه البيعة لطلحة والزبير واحداً بعد آخر وقد ثبت في أعناقهما بيعة الإمامعليهالسلام ، وكانت هذه البيعة ابّان ثبوت بيعتهما كما ينمُّ عنه نصُّ كتبه إليهما، ثمَّ ومَن هو معاوية حتى يرشّح أحداً للخلافة بعد انعقاد الإجماع لخليفة الحقِّ؟ ولم يكن هو من أهل الترشيح حتّى لو لم تنعقد البيعة المذكورة.
على أنَّ الغبيَّ لم يهتد إلى أنّ أخذ البيعة لهما مستلزمٌ لنكثهما عن البيعة الاولى وما غناء إمام ناكث عن مناجح الاُمّة ومصالحها، مع انَّهما على تقدير صحَّة البيعة يكون
____________________
١ - انظر الجزء الثانى ص ٥٥.
٢ - امتهنه: احتقره وابتذله.
٣ - فقس الطائر بيضه. كسرها وأخرج ما فيها.
٤ - نغل الاديم كفرح: فسد فى الدباغ. أنغله: أفسده.
كلٌّ منهما ثاني الخليفتين الذي يجب قتله بالنصوص الصحيحة الثابتة(١) فهل هناك خليفةٌ على المسلمين يجب إعدامه؟.
مناظراتٌ وكلمٌ
١ - قال أبو عمر في الاستيعاب(٢) كان عبد الرَّحمن بن غنم - الصحابي - من أفقه أهل الشام وهو الذي فقَّه عامَّة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر، وهو الذي عاتب أبا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذا انصرفا من عند عليّ رضي الله عنه رسولين لمعاوية، وكان ممّا قال لهما: عجباً منكما، كيف جاز عليكما ما جئتما به، تدعوان عليّاً إلى أن يجعلها شورى، وقد علمتما انّه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق، وإنَّ من رضيه خيرٌ ممَّن كرهه، ومن بايعه خيرٌ ممّن لم يبايعه؟ وأيّ مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة؟ وهو أبوه من رؤوس الأحزاب. فندما على مسيرهما وتابا منه بين يديه رحمة الله عليهم.
٢ - خرج رجلٌ من أهل الشام - يوم صفين - ينادي بين الصفَّين: يا أبا الحسن! يا علي إ أبرز إليَّ. فخرج إليه عليٌّ حتى إذا اختلف أعناق دابَّتهما بين الصفَّين فقال: يا عليُّ إنَّ لك قِدماً في الإسلام وهجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء، وتأخير هذه الحروب حتّى ترى من رأيك؟ فقال له عليُّ: وما ذاك؟ قال: ترجع إلى عراقك، فنخلّي بينك وبين العراق، ونرجع إلى شامنا فتخلّي بيننا وبين شامنا. فقال له عليٌّ: لقد عرفت إنّما عرضت هذا نصيحة وشفقَّة، ولقد أهمَّني هذا الأمر وأسهرني، وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلّا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يُعصى في الأرض وهم سكوتٌ مذعنون، لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون عليَّ من معالجة الأغلال في جهنَّم(٣) .
٣ - قال عتبة بن أبي سفيان لجعدة بن هبيرة: يا جعدة! إنّا والله ما نزعم انَّ معاوية أحقّ بالخلافة من عليّ لولا أمره في عثمان، ولكنَّ معاوية أحقّ بالشام، لرضا أهلها به.
____________________
١ - ترجمة عبد الرحمن بن غنم الاشعرى ج ٢: ٤٠٢، اسد الغابة ٣: ٣١٨.
٢ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ٥٤٢، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٨٣.
٣ - راجع ما مرّ فى هذا الجزء.
فاعفوا لنا عنها، فوالله ما بالشام رجلٌ به طرقٌ إلّا وهو أجدّ من معاوية في القتال، ولا بالعراق مَن له مثل جدِّ عليّ في الحرب، ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم، وما أقبح بعليّ أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس حتّى إذا أصاب سلطاناً أفنى العرب.
فقال جُعدة: أمّا فضل عليّ على معاوية فهذا ما لا يختلف فيه إثنان، وأمّا رضاكم اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس فلم نقبل، وأمّا قولك: انّه ليس بالشّام من رجل إلّا وهو أجدّ من معاوية، وليس بالعراق لرجل مثل جدِّ عليّ، فهكذا ينبغي أن يكون، مضى بعليّ يقينه، وقصّر بمعاوية شكّه، وقصدُ أهل الحقِّ خيرٌ من جهد أهل الباطل. ألحديث. كتاب صفّين ص ٥٢٩ ط مصر، شرح ابن أبي الحديد ٢: ٣٠١.
٤ - من خطبة لعبد الله بن بديل الخزاعي يوم صفين: إنَّ معاوية ادَّعى ما ليس له، ونازع الأمر أهله، ومن ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحقَّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزيَّن لهم الضَّلالة، وزرع في قلوبهم حبّ الفتنة، ولبّس عليهم الأمر، وزادهم رجساً إلى رجسهم.
تاريخ الطبري ٦: ٩، كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٦٣، كامل ابن الأثير ٣: ١٢٨، شرح ابن أبي الحديد ١: ٤٨٣.
٥ - من كلمة لعبد الله أيضاً يخاطب بها أمير المؤمنينعليهالسلام :
يا أمير المؤمنين! إنَّ القوم لو كانوا الله يريدون، أو لِلّه يعملون، ما خالفونا، ولكنَّ القوم إنّما يُقاتلون فراراً من الاسوة، وحبّاً للأثرة، وضنّاً بسلطانهم، وكرهاً لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحنِ في أنفسهم، وعداوةٍ يجدونها في صدورهم، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين! بهم قديمة، قتلت فيها آباءهم وإخوانهم.
ثمّ التفت إلى الناس فقال: كيف يبايع معاوية عليّاً وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجدّه عتبة في موقف واحد؟ والله ما أظنَ أن يفعلوا.
٦ - من خطبة ليزيد بن قيس الأرحبي بصفين: إنَّ هؤلاء القوم ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيّعناه، ولا على إحياء حقّ رأونا أمتناه، ولا يقاتلوننا إلّا لهذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة وملوكا. إلى آخر ما مرّ في ص ٥٩.
٧ - من كتاب لسعد بن أبي وقاص إلى معاوية:
أما بعد: فإنَّ أهل الشورى ليس منهم أحدٌ أحقَّ بها من صاحبه، غير أنّ عليّاً كان من السابقة، ولم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في محاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان أحقّنا كلّنا بالخلافة، ولكن مقادير الله تعالى التي صرفتها عنه حيث شاء لعلمه وقدرَه، وقد علمنا انّه أحقّ بها منّا، ولكن لم يكن بدٌّ من الكلام في ذلك والتشاجر، فدع ذا وأمّا أمرك يا معاوية! فإنّه أمر كرهنا أوّله وآخره، وأمّا طلحة، والزبير فلو لزما بيعتهما لكان خيراً لهما، والله تعالى يغفر لعائشة امّ المؤمنين « الامامة والسياسة ١: ٨٦ »
٨ - من كتاب لمحمّد بن مسلمة إلى معاوية:
ولعمري يا معاوية! ما طلبت إلّا الدنيا، ولا اتّبعت إلّا الهوى، ولئن كنت نصرت عثمان ميّتاً، لقد خذلته حيّاً، ونحن ومن قِبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصَّواب. إلإمامة والسياسة ١: ٨٧.
إلى كتابات وخطابات لجمع من صلحاء السّلف يجدها الباحث مبثوثة في فصول هذا الجزء من كتابنا.
قال الأميني: هذه كلمات تامَّات ممّن كانوا يرون معاوية ويشهدون أعماله، وقد عرفوا نفسيّاته ومغازيه منذ عرفوه وثنيّاً ومستسلماً حتى وقفوا عليه من كثَب، وقد تعالى به الوقت بل تسافل حتى طفق يطمع مثله في الخلافة الاسلاميّة، وبينهما ذاك البون الشاسع، وخلال الفضل التي تخلّى عنها، والملكات الرذيلة الذي حاز شية عارها والبرهنة الناصعة التي أكفأته عنها بخفّي حُنين، وهؤلاء وإن اختلفت كلماتهم لكنّها ترمي إلى مغزى واحد من عدم كفائة الطاغية لما يرومه من إمرة المسلمين، أو ما يتحرّاه من حكومة الشام خلافة مختذلة عن الخلافة الإسلاميّة الكبرى المنعقدة لأهلها يومئذ أو انّه لا يتحرّى إلّا إمرة مغتصبة وما لها من مفعول أثرةً وثراءً، أو انّه منبعث عن ضغائن وإحن ممَّا أصاب أهله وذويه من الإمامعليهالسلام فقتِّلو تقتيلا تحت راية الأوثان وظهر أمر الله وهم كارهون.
ولم يكن لمعاوية وأصحابه مرمى غير الإسفاف إلى هذه الهوّات السحيقة ممّا خفي على هؤلاء الحضور، واستكشفه من بعدهم المهملجون وراء الحزب السفياني، الحاملون ولاء ذلك البيت الساقط، وأنت ترى انّه لا يُقام في سوق الدين لشيىء منها أيّ قيمة، ولا
تكون لها أيّ عبرة، فدحضاً لدعوة الباطل، وسحقاً لشرَه الاستعباد.
وكان ابن هند الجاهل بنفسه - والانسان على نفسه بصيرة - برى نفسه أحقّ بالخلافة من عمر كما جاء في ما أخرجه البخاري في صحيحه(١) عن عبد الله بن عمر قال: دخلت على حفصة ونسوانها تنطف قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شيىءٌ. فقالت: إلحق فإنّهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب. فلمّا تفرّق الناس خطب معاوية(٢) قال: مَن يُريد أن يتكلّم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحقّ به منه ومن أبيه. قال خبيب بن مسلمة فهلّا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحقّ بهذا الأمر منك مَن قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرِّق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عنّي غير ذلك فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال خبيب: حُفظتَ وعُصمتَ؟
أين كان ابن عمر عن هذه العَقليّة التي حُفظ بها وعُصم يوم تقاعس عن بَيعة أمير المؤمنين الامام الحقّ بعد اجماع الاُمّة المسلمة عليها، ولم يخش أن يقول كلمة تفرِّق بين الجمع وتسفك الدم؟ ففرّق الجمع، وشقَّ عصا المسلمين، وسُفكت دماءٌ زكية، والله من ورائهم حسيب.
ولم تكن الخلافة فحسب هي قصوى الغاية المتوخّاة لمعاوية بل ينبأنا التاريخ عن انّه لم يكُ يتحاشا عن أن يعرفه الناس بالرِّسالة ويقبلونه نبيّاً بعد نبيِّ العظمة، روى ابن جرير الطبري بالاسناد: انّ عمرو بن العاص اُوفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو: انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا سلّموا عليه بالخلافة فانّه أعظم لكم في عينه، وصغّروه ما استطعتم، فلمّا قدموا عليه قال معاوية لحجّابه: انّي كأنِّي أعرف ابن النابغة وقد صغّر امري عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم اشدّ تعتعة تقدرون عليها، فلا يبلغني رجلٌ منهم الّا وقد همته نفسه بالتلف، فكان أوّل من دخل عليه رجلٌ من أهل مصر يقال له: ابن الخياط. فدخل وقد تعتع فقال: السَّلام عليك يا رسول الله!
____________________
١ - فى كتاب المغازى، باب غزوة الخندق ج ٦: ١٤١.
٢ - قال ابن الجوزى: كان هذا فى زمن معاوية لما أراد أن يجعل ابنه يزيد ولىّ عهده. راجع فتح البارى ٧: ٣٢٣.
فتتابع القوم على ذلك، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة فسلّمتم عليه بالنبوّة(١) .
ولعلّ هذه الواقعة هي بذرة تلك النزعة الفاسدة التي كانت عند جمع ممّن تولّى معاوية بعد وفاته. قال شمس الدين النياء المقدسي(٢) في كتاب « احسن التقاسيم في معرفة الأقالم » ص ٣٩٩: وفي أهل اصفهان بلهٌ وغلوُّ في معاوية ووُصف لي رجلٌ بالزهد والتعبّد فقصدته وتركت القافلة خلفي وبتّ عنده تلك الليلة وجعلت اُسائله إلى أن قلت: ما قولك في ( الصّاحب )(٣) فجعل يلعنه ثمّ قال: إنّه أتانا بمذهب لا نعرفه. قلت وما هو؟ قال: يقول: معاوية لم يكن مرسلاً: قلت: وما تقول انت؟ قال: أقول كما قال الله عزّ وجلّ: لا نفرّق بين أحد من رسله، أبو بكر كان مرسلاً، وعمر كان مرسلاً، حتى ذكر الأربعة ثمَّ قال: ومعاوية كان مرسلاً. قلت: لا تفعل، أمّا الأربعة فكانوا خلفاء ومعاوية كان ملكاً، وقال النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : الخلافة بعدي إلى ثلاثين سنة ثمَّ تكون ملكاً. فجعل يشنّع عليَّ وأصبح يقول للناس: هذا رجلٌ رافضيٌّ فلو لم تدرك القافلة لبطشوا بي، ولهم في هذا الباب حكايات كثيرة.
هب انَّ القوم أخذت منهم الرهبة مأخذه فلم يلتفتوا إلى ما يقولون لكن هذا الذي يدّعي الخلافة عن رسول الله بملكه العضوض هلاّ كان عليه أن يردعهم عن ذلك التسليم المحظور؟ أو يسكِّن روعتهم فيرجعوا إلى حقِّ المقام لولا انّ معاوية لم يكن له في مبوَّأه ذلك ضالة إلّا الحصول أعلى الملوكيّة الغاشمة باسم الخلافة المغتصبة؟ لأنّه لا يبلغ امنيَّته إلّا بها فلا يبالي أسُلّم عليه بالربوبيّة أو الرّسالة أو إمرة المؤمنين وقد حاول ارغام ابن النابغة فيما توسّمه منه في مُقتبله ذلك، فبلغ ما أراد فحالت نشوة الغلبة بينه وبين أن يجعل لأمره الإمر أو إمرته الخرقاء صورة محفوظة.
يأنس ابن هند بذلك الخطاب الباطل، ولم يشنّع على من يسلّم عليه بالرّسالة، غير انّه لم يرقه أن يذكر نبيّ الاسلام بالرّسالة، ويزريه بذكر اسمه وهو يعلم أنّ
____________________
١ - راجع تاريخ الطبرى ٦: ١٨٤، تاريخ ابن كثير ٨: ١٤٠.
٢ - أبو عبد الله محمد بن أحمد الشامى المولود سنة ٣٣٦، والمتوفى نحو ٣٨٠.
٣ - هو الوزير الشيعي الوحيد الصاحب بن عباد المترجم له فى الجزء الرابع ص ٤٢ ط ٢.
العظمة لا تُفارقه، والرّسالة تلازمه، ذكر الحفّاظ من محاورة جرت بين معاوية وبين أمد بن أبد الحضرمي(١) انّ معاوية قال: أرأيت هاشماَ؟ قال: نعم والله طوالاً حسن الوجه يقال: انَّ بين عينيه بركة. قال: فهل رأيت اميّة؟ قال نعم رأيته رجلاً قصيراً أعمى يقال: إنّ في وجهه شرّاً أو شؤما. قال: أفرأيت محمّداً؟ قال: ومَن محمّدٌ؟ قال: رسول الله. قال: أفلا فخمت كما فخمه الله فقلت رسول الله؟(٢)
التحكيم لماذا؟
إنَّ آخر بذرة بذرها ابن النابغة لخلافة معاوية المرومة منذ بدء الأمر، وإن تستّر بها آونة على الأغبياء، وتترَّس بطلب دم عثمان دون نيل الاُمنيَّة بين القوم آونة اُخرى حين سوَّلت له نفسه أن يستحوذ على إمرة المسلمين بالدسائس، فأوَّل تلكم البذرة أو القنطرة الاولى الطلب بدم عثمان، وفي آخر الحيل الدعوة إلى تحكيم كتاب الله واستقضائه في الواقعة بعد ما نبذوه وراء ظهورهم، وكان مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام يدعوهم - منذ أوّل ظهور الخلاف بينه وبين ابن هند، ومنذ نشوب الحرب الطاحنة -(٣) إلى التحكيم الصحيح الذي لا يعد ومحكمات القرآن ونصوصه، لولا أنَّ ابن النابغة وصاحبه يُسّيران على الاُمّة غدراً ومكرا، وعلى إمام الحقِّ خيانة وظلما، غير ما يتظاهران به من تحكيم الكتاب فوقع هنالك ما وقع من لوائح الفتنة، ومظاهر العدوان، بين دهاء ابن العاصي وحماريّة الأشعري، بين قول أبي موسى لابن العاصي: لا وفّقك الله غدرت وفجرت،(٤) انّما مثَلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وبين قول ابن العاصي لأبي موسى: وإنّك مثلك مثل الحمار يحمل أسفاراً(٥) فوئد الحقّ، واودي بالحقيقة، بين شيطان
____________________
١ - احد المعمرين قد اتى عليه من السن يوم استقدمه معاوية ستون وثلثمائة سنة ترجمه ابن عساكر فى تاريخ الشام، ومترجمو الصحابة، فى معاجمهم.
٢ - تاريخ ابن عساكر ٣: ١٠٣، اسد الغابة ١: ١١٥.
٣ - راجع ما أسلفناه فى هذا الجزء صفحة ٢٧٦.
٤ - وفى لفظ ابن قتيبة: مالك؟ عليك لعنة الله، ما انت الا كمثل الكلب. وفى لفظ ابن عبد ربه: لعنك الله، فان مثلك كمثل الكلب.
٥ - الامامة والسياسة ١: ١١٥، كتاب صفين ص ٦٢٨ ط مصر، العقد الفريد ٢: ٢٩١، تاريخ الطبرى ٦: ٤٠، مروج الذهب ٢: ٢٢، كامل الاثير ٣: ١٤٤، شرح ابن ابي الحديد ١: ١٩٨.
_٢١_
وغبيّ، فكان من المتسالم عليه بين الفريقين! إنَّ الخلافة هي المتوخّاة لكلّ منهما، ولذلك انعقد التحكيم، وبه كان يلهج خطباء العراق وامرائهم عند النصح للأشعري، وزبانية الشَّام المنحازة عن ضوء الحقِّ، وبلج الإصلاح. فمن قول ابن عبّاس للأشعري:
انّه قد ضُمَّ إليك داهية العرب: وليس في معاوية خَلّة يستحقُّ بها الخلافة، فإن تقذف بحقِّك على باطله تُدرك حاجتك منه، وإن يطمع باطلُه في حقّك يُدرك حاجته منك، واعلم يا أبا موسى! أنَّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه رأس الأحزاب، وأنّه يدَّعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة، فإن زعم لك أنّ عمر وعثمان إستعملاه فلقد صدق، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي، ويوجره(١) ما يكره ثمّ استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملا ممّن لم يدَّع الخلافة، واعلم: أنَّ لعمرو مع كلّ شيىء يسرّك خبأً يسوءك، ومهما نسيت فلا تنس أنَّ عليّاً بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنّها بيعة هدى، وانّه لم يقاتل إلّا العاصين والناكثين. [شرح ابن ابي الحديد ١: ١٩٥]
ومن قول الأحنف بن قيس له: ادع القوم إلى طاعة عليّ. فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشّام من قريش العراق من أحبّوا، ويختار من قريش الشّام من أحبّوا(٢) .
ومن قول شريح بن هانئ للأشعري: إنّه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية، ولا بأس على أهل الشام إن ملكهم عليُّ، فانظر في ذلك نظر من يعرف هذا الأمر حقّاً، وقد كانت منك تثبيطة أيّام الكوفة والجمل، فإن تشفعها بمثلها يكن الظنُّ بك يقيناً، والرجاء منك يأساً، ثمّ قال:
أبا موسى رُميتَ بشرِّ خصم |
فلا تُضع العراق فدتك نفسي |
|
واعط الحقَّ شامهم وخذه |
فإنّ اليوم في مَهَل كأمسِ |
|
وإنَّ غداً يجيء بما عليه |
كذاك الدهر من سعدٍ ونحسِ |
____________________
١ - وجره الدواء أو جره ايّاه: جعله فى فيه. أوجره الرمح، طعنه. ووجره: أسمعه ما يكره.
٢ - الامامة والسياسة ١: ٩٩، وفى ط ١١٢، نهاية الارب ٧: ٢٣٩، شرح ابن ابى الحديد ١: ١٩٦.
ولا يخدعك عمروٌ إنَّ عمراً |
عدوُّ الله مطلع كلِّ شمسِ |
|
له خُدعٌ يحار العقل منها |
مموِّهة مزخرفة بلبسِ |
|
فلا تجعل معاوية بن حرب |
كشيخٍ في الحوادث غير نكسِ |
|
هداه الله للإسلام فردا |
سوى عِرس النبيِّ، وأيّ عرسِ؟(١) |
ومن قول معاوية لعمرو بن العاص: إن خوَّفك العراق فخوِّفه بالشام، وإن خوَّفك مصر فخوِّفه باليمن، وإن خوّفك عليّاً فخوّفه بمعاوية.
ومن جواب عمرو بن العاص لمعاوية: أرأيت إن ذكر عليّاً وجاءنا بالاسلام والهجرة واجتماع الناس عليه، ما أقول؟ فقال معاوية: قال ما تريد وترى. [الإمامة والسياسة ١: ٩٩، وفي ط ١١٣].
قال الأميني: هذه صفة الحال، ومُصاص الحقيقة، ومن نوايا أهل العراق وأهل الشّام من طلب كلّ منهما الخلافة، وإثباتها لصاحبه، ودونه تحقّق الخلع والتثبيت، وعليه وقع التحكيم حقّاً أو باطلاً، ولم يكن السّامع يجد هنالك قطّ من دم عثمان ركزا، ولا عن ثاراته ذكرا، وإنّما تطامنت النفوس على تحرّي الخلافة فحسب، و لقصر النزاع على الخلافة مُحيت إمرة المؤمنين عند ذكر اسم مولانا الإمامعليهالسلام عن صحيفة الصلح.
فلقد تمخّضت لك صورة الواقع من اُمنيّة معاوية الباطلة في كلّ من هذه العناوين الستّة المذكورة المدرجة تحت:
١ - حديث الوفود.
٢ - أنباء في طيّات الكتب.
٣ - تصريحٌ لا تلويح.
٤ - فِكرة معاوية لها قِدم.
٥ - مناظرات وكلم.
٦ - ألتحكيم لماذا.
____________________
١ - الامامة والسياسة ١: ٩٩، وفى ط ١١٣، كتاب صفين ٦١٤، ٦١٥ ط مصر، شرح ابن أبى الحديد ١: ١٩٥.
فأين يقع منها كلمة ابن حجر وحكمه الباتُّ بقصر النزاع بين الامامعليهالسلام وبين ابن هند على طلب ثارات عثمان لا الخلافة؟ لتبرير عمل الرّجل الوبيل الذي قتل به ما يناهز السبعين ألفاً ضحيّةً لشهواته ومطامعه، وهو يحسب انّه لا يوافيه مناقشٌ في الحساب، أو ناظرٌ إلى صفحات التاريخ نظر تنقيب وإمعان، وكأنّه لا يخجل إن جاثاه منقّبٌ، أو واقفه مجادلٌ، كما أنّه لا يتحاشى عن موقف الحساب يوم القيامة، وانّ الله سبحانه لبالمرصاد.
ونختم البحث بكلمة الباقلاني، قال في « التمهيد » ص ٢٣١: إنّ عقد الإمامة لرجل على أن يقتل الجماعة بالواحد لا محالة خطأ لا يجوز، لأنّه متعبّد في ذلك باجتهاده والعمل على رأيه، وقد يؤدّي الامام اجتهاده إلى أن لا يقتل الجماعة بالواحد، وذلك رأي كثير من الفقهاء، وقد يكون ممّن يرى ذلك، ثمّ يرجع عنه إلى اجتهاد ثان، فعقد الأمر له على ألّا يقيم الحدّ إلّا على مذهب من مذاهب المسلمين مخصوصٍ فاسدٌ باطلٌ ممّن عقده ورضي به.
وعلى أنّه إذا ثبت أنّ عليّاً ممّن يرى قتل الجماعة بالواحد، لم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان إلّا بأن تقوم البيِّنة على القتلة بأعيانهم، وبأن يحضر أولياء الدم مجلسه يطالبوا بدم أبيهم ووليّهم، ولا يكونوا في حكم مَن يعتقد انّهم بغاةٌ عليه، وممّن لا يجب استخراج حقّ لهم، دون أن يدخلوا في الطاعة، ويرجعوا عن البغي وبأن يؤدّي الإمام اجتهاده إلى أنّ قتل قتلة عثمان لا يؤدّي إلى هرجٍ عظيم، وفساد شديد، قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه، وإنّ تأخير إقامة الحدّ إلى وقت إمكانه، وتقصِّي الحقِّ فيه، أولى وأصلح للاُمّة، وألمُّ لشعثهم، وأنفى للفساد والتهمة عنهم.
هذه امورٌ كلّها تلزم الإمام في إقامة الحدود، واستخراج الحقوق، وليس لاحد أن يعقد الإمامة لرجل من المسلمين بشريطة تعجيل إقامة حدّ من حدود الله، والعمل فيه برأي الرعيّة، ولا للمعقود له أن يدخل في الإمامة بهذا الشرط، فوجب اطّراح هذه الرواية(١) لو صحّت، ولو كانا قد بايعا على هذه الشريطة فقبل هو ذلك لكان هذا
____________________
١ - يعنى ما روى عن طلحة والزبير من قولهم: بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان.
خطأ منهم، غير انّه لم يكن بقادح في صحّة امامته، لأنّ العقد له قد تقدّم هذا العقد الثاني، وهذه الشريطة لا معتبر بها، لأنّ الغلط في هذا من الإمام الثابتة امامته ليس بفسق يوجب خلعه وسقوط فرض طاعته عند أحد. ألكلام.
حججٌ داحضةٌ
إسترسل ابن حجر في تدعيم ما منّته به هواجسه إقتصاصاً منه أثر سلفه في تبرير أعمال معاوية القاسية، والإعتذار عنه بما ركبه من الموبقات، وتصحيح خلافته باسهاب في القول وتطويل من غير طائل في الصواعق ص ١٢٩ - ١٣١ بما تنتهي خلاصة ما لفّقه إلى أمرين: أحدهما القول باجتهاده في جملة ما ناء به وباء بإثمه من حروب دامية و نزاع مع خليفة الوقت، إلى ما يستتبعانه من مخاريق ومرديات من إزهاق نفوس بريئة تعدُّ بالآلاف المؤلّفة(١) وفيهم ثلاثمائة ونيف من أهل بيعة الشجرة، وجماعة من البدريِّين(٢) ولفيف من المهاجرين والأنصار، وعدد لا يستهان به من الصحابة العدول أو التّابعين لهم باحسان، وهو يحسب انّ شيئاً من هذه التلفيقات يبرّر ما حظرته الشريعة في نصوصها الجليّة من الكتاب والسنّة، وانّ الاجتهاد المزعوم نسق حول معاوية سياجاً دون أن يلحقه أيُّ حوب كبير، وأسدل عليه ستاراً عمّا اقترفه من ذنوب وآثام تجاه النصوص النبويّة، ولم يعلم انّه لا قيمة لاجتهاد هذا شأنه يتجهَّم أمام النصّ، ويتهجَّم على أحكام الدين الباتَّة وطقوسه النهائيّة، بلغ الرّجل أنَّ الاجتهاد جائزٌ على الضدِّ من اجتهاد المجتهدين وما تعقّل انّه غير جائز على خلاف الله ورسوله.
وقصارى القول انّه ليس عند ابن حجر ومن سبقه إلى قوله أو لحقه به(٣) ضابطٌ للاجتهاد يتمُّ طرده وعكسه، وإنّما يُمطّط مع الشهوات والأهواء، فيُعذَر به خالد بن
____________________
١ - قال ابن مزاحم: اصيب بصفين من اهل الشام خمسة وأربعون ألفا، واصيب بها من أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً. كتاب صفين ص ٦٤٣، وذكره ابن كثير في تاريخه ٧: ٢٧٤ وقال: قاله غير واحد، وزاد أبو الحسن بن البراء: وكان فى أهل العراق خمسة وعشرون بدريّا. وعلى ما ذكر من عدد القتلى ذكره ابن الشحنة فى روضة المناظر هامش الكامل ٣: ١٩١، وصاحب تاريخ الخميس فى ج ٢: ٢٧٧.
٢ - راجع ما مرّ فى الجزء التاسع ص ٣٥٩ ط ١.
٣ - نظراء الشيخ على القارى، والخفاجى فى شرحى الشفا ٣: ١٦٦.
الوليد في فجائع بني حنيفة ومالك بن نويرة شيخها الصالح وزعيمها المبرور، وفضائحه من قتل الأبرياء والدخول على حليلة الموئود غيلةً وخدعة(١)
ويُعذَّر به إبن ملجم(٢) المرادي أشقى الآخرين بنصِّ الرّسول الأمينصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما انتهكه من حرمة الاسلام، وقتل خليفة الحقِّ وإمام الهدى في محراب طاعة الله الذي اكتنفته الفضائل والفواضل من شتّى نواحيه، واحتفَّت به النفسيّات الكريمة جمعاء، وقد قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قاله من كثير طيّب عداه الحصر، وكبى عنه الإستقصاء، و هو قبل هذه كلّها نفس النبيِّ الطاهرة في الذكر الحكيم.
قال محمّد بن جرير الطبري في التهذيب: أهل السير لا تدافع عنهم انّ عليّاً أمر بقتل قاتله قصاصاً ونهى أن يمثل به، ولا خلاف بين أحد من الامَّة انَّ ابن ملجم قتل عليّاً متأوِّلاً مجتهداً مقدِّراً على انّه على صواب وفي ذلك يقول عمروا بن حطّان:
يا ضربةً من تقيّ ما أراد بها |
إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
|
انّي اُفكّر فيه ثمّ أحسبه |
أوفى البريّة عند الله ميزانا |
سنن البيهقي ٨: ٥٨، ٥٩.
ويبرَّر به عمل أبي الغادية(٣) الفزاري قاتل عمّار الممدوح على لسان الله ولسان رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن الصحيح الثابت قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم له: تقتلك الفئة الباغية. وقد مرّ في ج ٩ ص ٢١ ويبرّأ به ساحة عمرو بن العاصي(٤) عن وصمة مكيدة التحكيم وقد خان فيها اُمَّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وكسر شوكتها وقد قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيه وفي صاحبه - الشيخ المخرف:
ألا إنَّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتَّبع كلّ واحد منهما هواه، بغير هدى من الله، فحكما بغير حجّة بيّنة، ولا سنّة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله
____________________
١ - راجع الجزء السابع ص ١٥٦ - ١٦٨ ط ١.
٢ - راجع الجزء الاول ص ٣٢٣ ط ٢.
٣ - راجع الجزء الخامس ص ٣٢٨ ط ٢.
٤ - راجع تاريخ ابن كثير ٧: ٢٨٣.
منهما ورسوله وصالح المؤمنين.
ويُحبَّذ به ما ارتكبه يزيد الطاغية(١) من البوائق والطامّات من استئصال شأفة النبوّة وقتل ذراريها، وسبي عقائلها، التى لم تُبق للباحث عن صحيفة حياته السوداء إلّا أن يلعنه ويتبرّأ منه.
ويقدَّس به أذيال المتقاعدين(٢) عن بيعة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام على حين اجتماع شروط البيعة الواجبة له، فماتوا ميتة جاهليَّة ولم يعرفوا إمام زمانهم.
وينزَّه به السابقون الذين أوعزنا إلى سقطاتهم في الدين والشريعة في الجزء ٦، ٧، ٨، ٩ بأعذار عنهم لا تقلّ في الشناعة عن جرائرهم. إلى أمثال هذه ممّا لا يُحصى.
نعم: هناك موارد جمَّة ينبو عنها الإجتهاد، فلا يُصاخُ إلى مفعوله، لوقوف الميول والشهوات سدّاً دون ذلك، فلا يُدرء به التهمة عن المؤلِّبين على عثمان وهم عدول الصحابة ووجوه المهاجرين والأنصار، وأعيان المجتهدين، الذين أخذوا الكتاب والسنَّة من نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهم عند ابن حزم المبرِّر لفتكة أشقى مراد باجتهاده المشوم: فسّاق ملعونون محاربون سافكون دماً حراماً عمداً(٣) وعند ابن تيميَّة: قومٌ خوارج مفسدون في الأرض، لم يقتله إلّا طائفةٌ قليلةٌ باغيةٌ ظالمةٌ، وأمّا السّاعون في قتله فكلّهم مخطئون بل ظالمون باغون معتدون(٤) وعند ابن كثير: أجلافٌ أخلاطٌ من الناس، لا شكّ انّهم من جملة المفسدين في الأرض، بغاةٌ خارجون على الإمام، جهلةٌ متعنّتون خونةٌ ظلمةٌ مفترون(٥) وعند ابن حجر: بغاةٌ كاذبون ملعونون معترضون لا فهم لهم بل ولا عقل(٦) .
ولو كان للاجتهاد منتوجٌ مقرّر فلِمَ لم يُتَّبع في إرجاء أمير المؤمنينعليهالسلام أمر المتَّهمين بقتل عثمان إلى ما يراه من المصلحة فينتصب للقضاء فيه على ما يقتضيه الكتاب والسنّة
____________________
١ - راجع تاريخ ابن كثير ٨: ٢٢٣، ج ١٣: ١٠ فيه قول أبى الخير القزوينى: انه امام مجتهد.
٢ - راجع مستدرك الحاكم ج ٣: ١١٥ - ١١٨.
٣ - الفصل لابن حزم ٤: ١٦١.
٤ - منهاج السنة ٣: ١٨٩، ٢٠٦.
٥ - تاريخ ابن كثير ٧: ١٧٦، ١٨٦، ١٨٧.
٦ - الصواعق المحرقة ص ٦٧، ٦٨، ١٢٩.
فشنَّت عليه الغارات يوم الجمل وفي واقعة صفّين وكان من ذيولها وقعة الحروريِّين، فلم يُتَّبع اجتهاد خليفة الوقت الذي هو باب مدينة علم النبيّ، وأقضى الامَّة بنصّ من الصّادق المصدَّق، لكنّما اتّبع اجتهاد عثمان في العفو عن عبيد الله بن عمر في قتله لهرمزان و بنت أبي لؤلؤة وإهدار ذلك الدم المحرّم من غير أيّ حجّة قاطعة أو برهنة صحيحة، فلو كان للخليفة مثل ذلك العفو فلِمَ لم يجرِ حكمه في الآوين إلى مولانا أمير المؤمنين من - المتجمهرين على عثمان؟ ولم يكن يومئذ من المقطوع به ما سوف يقضي به الإمام من حكمه الباتّ، أيُعطي دية المقتول من بيت المال لأنَّه أودي به بين جمهرة المسلمين لا يُعرف قاتله كما فعله في أربد الفزاري(١) أو أنَّه يراهم من المجتهدين « وكانوا كذلك » الّذين تأوَّلوا أصابوا أو أخطأوا، أو أنَّه كان يرى من صالح الخلافة واستقرار عروشها أن يرجىء أمرهم إلى ما وراء ما انتابه من المثلات، وما هنالك من إرجاف وتعكير يُقلقان السَّلام والوئام، حتّى يتمكّن من الحصول على تدعيم عرش إمرته الحقَّة المشروعة، فعلى أيّ من هذه الأقضية الصحيحة كان ينوء الإمامعليهالسلام به فلا حرج عليه ولا تثريب، لكن سيف البغي الذي شهروه في وجهه أبى للقوم إلّا أن يتَّبع الحقّ أهوائهم، وماذا نقموا عليه صلوات الله عليه من تلكم المحتملات! حتّى يسوغ لهم إلقاح الحرب الزبون التي من جرّائها تطايرت الرؤس، وتساقطت الايدي، واُرهقت نفوسٌ بريئة، واُريقت دماءٌ محترمة، فبأيّ اجتهاد بادروا إلى الفرقة، وتحمّلوا أوزارها، ولم تتجلّ لهم حقيقة الأمر ولباب الحقِّ، لكنّهم ابتغوا الفتنة، وقلّبوا له الامور، ألا في الفتنة سقطوا.
ومن أعجب ما يُترائى من مفعول الإجتهاد في القرون الخالية: انّه يبيح سبَّ عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام وسبَّ كلِّ صحابيّ احتذى مثاله، ويجوِّز لأيِّ أحد كيف شاء وأراد لعنهم، والوقيعة فيهم، والنيل منهم، في خطب الصَّلوات، والجمعات، والجماعات، و على صهوات المنابر، والقنوت بها، والإعلان بذلك في الأندية والمجتمعات، والخلأ والملأ، ولا يلحق لفاعلها ذمٌّ ولا تبعةٌ، بل له أجرٌ واحد لاجتهاده خطأ، وإن كان هو من حثالة الناس، وسفلة الأعراب، وبقايا الأحزاب، البعداء عن العلوم والمعارف.
وأمّا عليٌّ وشيعته فلا حقَّ لهم في بيان ظلامتهم عند مناوئيهم، والوقيعة في خصمائهم،
____________________
١ - راجع كتاب صفين ص ١٠٦، شرح ابن ابى الحديد ١: ٢٧٩.
ومبلغ إسفافهم إلى هوَّة الضلالة على حدِّ قوله تعالى:( لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ) (١) وليس لأحدهم في الإجتهاد في ذلك كلِّه نصيبٌ، ولو كان ضليعاً في العلوم كلّها، فإن أحدٌ منهم نال من إنسان من اولئك الظالمين فمن الحقِّ ضربه وتأديبه، أو تعذيبه وإقصاءه، أو التنكيل به وقتله، ولا يأبه باجتهاده المؤدِّي إلى ذلك صواباً أو خطأ، وعلى هذا عمل القوم منذ أوّل يوم اُسس أساس الظلم والجور، وهلّم جرّأ حتى اليوم الحاضر راجع معاجم السيرة والتاريخ فانَّها نعم الحكم الفصل، وبين يديك كلمة ابن حجر في الصواعق ص ١٣٢ قال في لعن معاوية: وأمّا ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبِّه ولعنه فله فيه اُسوةٌ، أي اسوةٌ بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة، فلا يُلتفت لذلك، ولا يُعوَّل عليه، فانَّه لم يصدر إلّا من قوم حمقى جهلاء أغبياء طغاة لا يبالي الله بهم في أيِّ وادٍ هلكوا، فلعنهم الله وخذ لهم، أقبح اللعنة والخذلان، وأقام على رؤسهم من سيوف اهل السنَّة، وفي حججهم المؤيَّدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص اولئك الأئمَّة الأعيان. انتهى.
أتعلم مَن لعن ابن حجر؟ وإلى مَن تتوجّه هذه القوارص؟ انظر إلى حديث لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معاوية، وأحاديث لعن عليّ أمير المؤمنين، وقنوته بذلك في صلواته، و لعن ابن عبّاس وعمّار ومحمّد بن أبي بكر، ودعاء امّ المؤمنين عائشة عليه في دبر الصلاة، و آخرين من الصحابة، إقرأوا حكم.
الاجتهاد ماذا هو؟
وممّا يجب أن يبحث عنه في المقام هو أن يفهم معنى الاجتهاد الذي توسَّعوا فيه حتّى سُفكت الدماء من أجله واُبيحت، وغصبت الفروج وانتهكت المحارم، وغُيّرت الأحكام من جرّائه، وكاد أن يكون توسّعهم فيه أن يردَّ الشريعة بدءاً إلى عقب، ويفصم عروة الدين، ويقطع حبله.
ثمَّ لننظر هل فيه من الاستعداد والمـُنَّة لتبديل السنن المتّبعة التي لا تبديل لها؟ وهل هو من مِنَح الله سبحانه على رعاء الناس ودهمائهم، فيتقحّمونه كيف شاء لهم الهوى؟
____________________
١ - سورة النساء: ١٤٨.
أو أنَّ له اصولاً متّبعة لا يعدوها المجتهد من كتاب وسنّة، أو تأوّل صحيح إن ماشينا القوم في إمضاء الاجتهاد تجاه النصِّ، أو انّه اتّسعت الفَسحة فيه واُطلق الصراح حتّى نزى إليه كلُّ إرنب، وثعلب، وتحرّاه كلُّ بوّال على عقبيه أو أعرابيٌّ جلفٌ جاف؟ أنا لا أكاد أن اُسوِّغ للعلماء القول بتصحيح مثل هذا الاجتهاد. وإنّما المتسالم عليه بينهم ما يلي:
قال الآمدي في [الإحكام في اصول الأحكام] ٤: ٢١٨: أمّا الاجتهاد، فهو في اللغة عبارةٌ عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الامور مستلزم للكلفة والمشقّة، ولهذا يُقال: إجتهد فلانٌ في حمل حجر البزّارة، ولا يُقال: إجتهد في حمل خردلة.
وأمّا في اصطلاح الاصوليّين فمخصوصٌ باستفراغ الوسع في طلب الظنِّ بشيىء من الأحكام الشرعيّة على وجهٍ يُحسّ من النفس العجز عن المزيد فيه.
وأمّا المجتهد فكلُّ من اتّصف بصفة الاجتهاد، وله شرطان: الشرط الأوَّل: أن يعلم وجود الربِّ تعالى: وما يجب له من الصفات، ويستحقّه من الكمالات، وانّه واجب الوجود لذاته، حيٌّ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، متكلّم، حتى يتصوّر منه التكليف؟ وأن يكون مصدِّقاً بالرسول، وما جاء به من الشرع المنقول بما ظهر على يده من المعجزات، والآيات الباهرات، ليكون فيما يسنده اليه من الأحكام محقّقاً، ولا يشترط أن يكون عارفاً بدقائق علم الكلام، متبحّراً فيه كالمشاهير من المتكلِّمين، بل أن يكون مستند علمه في ذلك بالدليل المفصّل، بحيث يكون قادراً على تقريره وتحريره ودفع الشبَه عنه، كالجاري من عادة الفحول من أهل الاصول، بل أن يكون عالماً بأدلّة هذه الامور من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.
الشرط الثاني: أن يكون عالماً عارفاً بمدارك الأحكام الشرعيّة وأقسامها، وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط المعتبرة فيها، على ما بيّناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفيّة استثمار الأحكام منها قادراً على تحريرها وتقريرها، والإنفصال عن الإعتراضات الواردة عليها، وإنّما يتمُّ ذلك بأن يكون عارفاً بالرُّواة وطرق الجرح والتعديل، والصحيح والسقيم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفاً بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ في النّصوص الأحكاميّة، عالماً باللغة والنحو، ولا يشترط أن يكون في اللّغة كالأصمعي، وفي النحو
كسيبويهوالخليل ، بل أن يكون قد حصل من ذلك على ما يُعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات، بحيث يميز بين دلالات الألفاظ من المطابقة، والتضمين، والإلتزام، والمفرد والمركب، والكليّ منها والجزئيّ، والحقيقة والمجاز، والتواطئ والإشتراك، والترادف والتباين، والنصّ والظاهر، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيَّد، والمنطوق والمفهوم، والإقتضاء والإشارة، والتنبيه والايماء، ونحو ذلك ممّا فصَّلناه. ويتوقّف عليه استثمار الحكم من دليله.
وذلك كلّه أيضاً إنّما يُشترط في حقّ المجتهد المطلق المتصدّي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه، وأمّا الإجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفاً بما يتعلّق بتلك المسألة، وما لا بدَّ منه فيها، ولا يضرُّه في ذلك جهله بما لا تعلّق له بها، ممّا يتعلّق بباقي المسائل الفقهيّة، كما انّ المجتهد المطلق قد يكون مجتهداً في المسائل المتكثّرة، بالغاً رتبة الإجتهاد فيها، وإن كان جاهلاً ببعض المسائل الخارجة عنها، فإنّه ليس من شرط المفتي أن يكون عالماً بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإنّ ذلك ممّا لا يدخل تحت وسع البشر، ولهذا نُقل عن مالك انّه سُئل عن أربعين مسألة، فقال في ستّ وثلاثين منها، لا أدري.
وأمّا ما فيه الإجتهاد: فما كان من الأحكام الشرعيّة دليله ظنّياً. فقولنا « من الأحكام الشرعيّة » تمييز له عمّا كان من القضايا العقليّة واللّغويّة وغيرها. وقولنا « دليله ظنيّاً » تمييز له عمّا كان دليله منها قطعيّاً، كالعبادات الخمس ونحوها، فإنّها ليست محلًّا للاجتهاد فيها، لأنّ المخطىء فيها يُعدُّ آثماً، والمسائل الاجتهاديّة ما لا يُعدُّ المخطىء فيها باجتهاده آثماً. اهـ.
وقال الشاطبي في الموافقات ٤: ٨٩ ما ملخّصه: الاجتهاد على ضربين: الأوّل: الاجتهاد المتعلّق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الاُمّة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعيِّ لكن يبقى النظر في تعيين محلّه.
فلا بدَّ من هذه الإجتهاد في كلِّ زمان، إذ لا يمكن حصول التكليف إلّا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفاً بالمحال، وهو غَير ممكن شرعاً، كما انّه غير ممكن عقلاً.
وأمّا الضرب الثاني: وهو الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع فثلاثة أنواع: أحدها المسمّى بتنقيح المناط، وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكوراً مع غيره في النصِّ فينقَّح بالاجتهاد حتى يميّز ما هو معتبرٌ ممّا هو ملغى.
الثّاني المسمّى بتخريج المناط، وهو راجعٌ إلى أنَّ النصَّ الدالّ على الحكم لم يتعرّض للمناط، فكأنّه اُخرج بالبحث، وهو الإجتهاد القياسي.
الثالث: وهو نوعٌ من تحقيق المناط المتقدّم الذكر لأنّه ضربان: أحدهما ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص، كتعيّن نوع المثل في جزاء الصيد، ونوع الرقبة في العتق في الكفّارات وما أشبه ذلك. والضرب الثاني: ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقّق مناط حكمه، فكأنَّ المناط على قسمين: تحقيق عامّ، وهو ما ذكر. وتحقيق خاصّ من ذلك العامّ.
إنّما تحصل درجة الإجتهاد لمن اتُّصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشَّريعة على كمالها. والثاني: التمكّن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.
أمّا الأوّل فقد مرَّ في كتاب المقاصد أنّ الشريعة مبنيَّةٌ على اعتبار المصالح، وأنَّ المصالح إنّما اعتبرت من حيث وضعها الشّارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلّف إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات، واستقرَّ بالإستقراء التامّ انّ المصالح على ثلاث مراتب، فإذا بلغ الانسان مبلغاً فهم عن الشارع فيه قصده في كلِّ مسألة من مسائل الشريعة، وفي كلِّ باب من أبوابها، فقد حصل له وصفٌ هو السبب في تنزّله منزلة الخليفة للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله.
وأمّا الثاني: فهو كالخادم للأوّل، فانّ التمكّن من ذلك إنّما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أوّلاً، ومن هنا كان خادماً للأوَّل، وفي استنباط الأحكام ثانياً، لكن لا تظهر ثمرة الفهم إلّا في الاستنباط. فلذلك جعل شرطاً ثانياً، وإنَّما كان الأوّل هو السبب في بلوغ هذه المرتبة لأنّه المقصود والثاني وسيلة.
هذا هو الإجتهاد عند الاُصوليِّين وأمّا الفقهاء فهو عندهم مرتبةٌ راقيةٌ من الفقه يقتدر بها الفقيه على ردَّ الفرع إلى الأصل، واستنباطه منه، والتمكّن من دفع ما يعترض المقام من نقدٍ وردّ، وإبرامٍ ونقض، وشُبهٍ وأوهام.
قال الآمدي في الإحكام ١: ٧: ألفقه في عرف المتشرّعين مخصوصٌ بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعيّة الفروعيَّة بالنظر والاستدلال.
وقال ابن نجيم في البحر الرائق ١: ٣: الفقه اصطلاحاً على ما ذكره النسفي في شرح المنار تبعاً للاصوليِّين: العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة المكتسبة من أدلَّتها التفصيليَّة بالإستدلال.
وفي الحاوي القدسي: اعلم أنَّ معنى الفقه في اللغة الوقوف والإطلاع، وفي الشريعة الوقوف الخاصّ وهو الوقوف على معاني النصوص واشاراتها، ودلالاتها، ومضمراتها، و مقتضياتها، والفقيه اسمٌ للواقف عليها.
وقال: الفقه قوَّة تصحيح المنقول، وترجيح المعقول، فالحاصل: انَّ الفقه في الاصول علم الأحكام من دلائلها، فليس الفقيه إلّا المجتهد عندهم.
وأمّا إستمداده فمن الاصول الأربعة: الكتاب، والسنّة، والاجماع، والقياس المستنبط من هذه الثلاثة، وأمّا شريعة مَن قبلنا فتابعة للكتاب، وأمّا أقوال الصحابة فتابعةٌ للسنَّة، وامّا تعامل الناس فتابعٌ للاجماع، وأمّا التحرّي واستصحاب الحال فتابعان للقياس، وأمّا غايته فالفوز بسعادة الدارين.
وقال ابن عابدين في حاشية البحر ١: ٣: في تحرير الدلالات السمعيَّة لعليِّ بن محمد بن أحمد بن مسعود نقلاً عن التنقيح: الفقه لغة هو الفهم والعلم، وفي الإصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة بالاستدلال.
وقال ابن قاسم الغزّي في الشرح ١: ١٨: الفقه هو لغةً الفهم، واصطلاحاً العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة المكتسب من أدلَّتها التفصيليّة.
وقال ابن رشد في مقدّمة المدوَّنة الكبرى ص ٨: فصلٌ في الطريق إلى معرفة أحكام الشرائع، وأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة أوجه: أحدها كتاب الله عزّ وجلَّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد. والثاني: سنّة نبيّهعليهالسلام الذي قرن الله طاعته بطاعته، وأمرنا باتّباع سنّته فقال عزَّ وجلَّ: وأطيعوا الله والرّسول. وقال: من يطع الرّسول فقد أطاع الله. وقال: وما آتاكم الرَّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. وقال: واذكرن ما يُتلى في بيوتكنَّ. من آيات الله والحكمة. والحكمة
السنّة. وقال: لقد كان لكم في رسول الله اُسوةٌ حسنةٌ. والثالث: الاجماع الذي دلَّ تعالى على صحّته بقوله: ومن يشاقق الرَّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين فولّه ما تولّى ونصله جهنَّم وساءت مصيراً. لأنّه عزَّ وجلَّ توعّد باتِّباع غير سبيل المؤمنين، فكان ذلك أمراً واجباً باتِّباع سبيلهم، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تجتمع اُمّتي على ضلالة. والرّابع الاستنباط وهو القياس على هذه الاُصول والثلاثة التي هي الكتاب والسنَّة والاجماع، لأنَّ الله تعالى جعل المستنبط من ذلك علماً، وأوجب الحكم به فرضاً، فقال عزَّ وجلَّ: ولو ردّوه إلى الرَّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقال عزَّ وجلَّ: إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ لتحكم بين الناس بما أراك الله. أي بما أراك فيه من الاستنباط والقياس، لأنَّ الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو ممّا أنزل الله عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: وأن احكم بينهم بما أنزل الله.
نظرة فى اجتهاد معاوية
هاهنا حقَّ علينا أن نميط الستر عن اجتهاد معاوية، ونناقش القائلين به في أعماله، أفهل كانت على شيىء من النواميس الأربعة: الكتاب. السنّة. الاجماع. القياس؟ أو هَل علم معاوية علم الكتاب؟ وعند مَن درسه؟ ومتى زاوله؟ وقد كان عهده به منذ عامين(١) قبل وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهل كان يميِّز بين محكماته ومتشابهاته؟ أو يفرِّق بين مجمله ومبيّنه؟ أو يمكنه الحكم في عمومه وخصوصه؟ أو أحاط خبراً بمطلقه ومقيّده؟ أو عرف شيئاً من ناسخه ومنسوخه، إلى غير هذه من أضراب الآي الكريمة، ومزايا المصحف الشريف الداخل علمها في استنباط الأحكام منه؟!.
إنَّ ظروف معاوية على عهد استسلامه لا يسع شيئاً من ذلك، على حين انّها تستدعي فراغاً كثيراً لا يتصرَّم بالسنين الطوال فكيف بهذه الاُويقات اليسيرة التي تُلهيه في أكثرها الهواجس والأفكار المتضاربة من نواميس دينه القديم « الوثنيّة » وقد أتى عليها ما انتحله من الدين الجديد « الاسلام » فأذهب عنه هاتيك، ولم يجىء بعدُ هذا على وجهه بحيث يرتكز في مخيّلته، ويتبوَّأ في دماغه.
____________________
١ - هو وأبوه وأخوه من مسلمة سنة الفتح كما فى الاستيعاب، وكان ذلك فى اخريات السنة الثامن الهجرة، ووفاة النبي صلى الله عليه و آله في اوليات سنة ١١.
وكان قد سبقه جماعة إلى الاسلام وكتابه، وهم بين حِكمَ النبيِّ ومحكماته وإفاضاته وتعاليمه، وهم لا يُبارحون مُنتديات النبوَّة وهتافها بالتنزيل والتأويل الصحيح الثابت، قضوا على ذلك أعواماً متعاقبة ومُدداً كثيرة فلم يتسنَّ لهم الحصول على أكثر تلكم المبادي وانكفؤا عنها صفر الأكفّ، خاوين الوطاب، انظر إلى ذلك الذي حفظ سورة البقرة في اثنى عشرة سنة، حتّى إذا تمكّن من الحفظ بعد ذلك الأجل المذكور نحر جزوراً شكراً على ما اُتيح له من تلك النعمة بعد جهود جبّارة، والله يعلم ما عاناه طيلة تلكم المدَّة من عناء ومشقَّة، وهذا الرجل ثان الاُمّة عند القوم في العلم والفضيلة، وكان من علمه بالكتاب انّه لم يعِ تنصيصه على موت النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلمّا سمع قوله تعالى:( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) . ألقى السيف من يده، وسكنت فورته، وأيقن بوفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كمن لم يقرأ الآية الكريمة إلى حينه، وإن تقس موارد علمه بالكتاب ونصوصه قضيتَ منها العجب، وأعيتك الفكرة في مبلغ فهمه، وماذا الذي كان يُلهيه عن الخُبرة باصول الاسلام وكتابه؟ ولئن راجعت فيما يؤل إلى هذا الموقف (الجزء السادس) من هذا الكتاب رأيت العجب العجاب.
وليس من البعيد عنه أوّل رجل في الإسلام عند القوم الذي بلغ من القصور والجهل بالمبادي والخواتيم والأشكال والنتايج حدّاً لا يقصر عنه غمار الناس والعاديِّين منهم الذين أشرقت عليهم أنوار النبوَّة منذ بذوغها، ولعلّك تجد في الجزء السابع من هذا الكتاب ما يلمسك باليد يسيراً من هذه الحقايق.
وأنت إذن في غنىً عن استحفاء أخبار كثير من اولئك الأوَّلين الذين لا تعزب عنك أنبائهم في الفقه والحديث والكتاب والسنّة، فكيف بمثل معاوية الملتحق بالمسلمين في اُخريات أيّامهم؟ وكانت تربيته في بيت حافل بالوثنيّة، متهالك في الظلم والعدوان، متفانٍ في عادات الجاهليّة، ترفُّ عليه رايات العهارة وأعلام البغاء، وإذا قرع سمع أحدهم دعاءٌ إلى وحي أو هتافٌ بتنزيل جعل إصبعه في اُذنه، وراعته من ذلك خاطرةٌ جديدة لم يكن يتهجّس بها منذ آباءه الأوَّلين.
نعم: المعروفون بعلم الكتاب على عهد الصّحابة اناسٌ معلومون، وكانوا مراجع الامّة في مشكلات القرآن ومغازيه وتنزيله وتأويله كعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن - العبّاس، واُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت.
وأمّا مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام فهو عِدل القرآن والعالم بأسراره وغوامضه، كما أنَّ عنده العلم الصحيح بكلِّ مشكلة، والحكم الباتّ عند كلّ قضيّة، والجواب الناجع عند كلِّ عويصة، وقد صحَّ عند الامّة جمعاء قوله الصادق المصدَّق صلوات الله عليه: سلوني قبل أن لا تسألوني، لا تسألوني عن آية في كتاب الله ولا سنّة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا أنبأتكم بذلك. راجع الجزء السادس ص ١٩٣ ط ٢.
السنّة.
وماذا تحسب أن يكون نصيب معاوية من علم الحديث الذي هو سنَّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قوله وفعله وتقريره؟ لقد عرَّفنا موقفه منها قوله هو فيما أخرجه أحمد في مسنده ٤: ٩٩ من طريق عبد الله بن عامر قال: سمعت معاوية يحدِّث وهو يقول: إيّاكم وأحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا حديثاً كان على عهد عمر. لماذا هذا التحذير عن الأحاديث بعد أيّام عمر؟ ألأنّ الإفتعال والوضع كثرا بعده؟ أم لأنَّ الصحابة العدول الموثوق بهم على عهد عمر وما قبله منذ تصرّم العهد النبوي سُلبت عنهم الثقة بعد خلافة عمر؟ فكأنّهم ارتدّوا - العياذ بالله - بعده كذّابين وضّاعين، ولازمه الطعن في أكثر الأحاديث وعدم الاعتداد بمدارك الأحكام، لأنَّ شيئاً كثيراً منها انتشر بعد ذلك الأجل، وما كانت الدواعي والحاجة تستدعيان روايتها قبل ذلك، على أنَّ الجهل بتاريخ إخراجها، هل هو في أيّام عمر أو بعدها؟ يوجب سقوطها عن الإعتبار لعدم الثقة برواتها وروايتها؟ ولم تكن الرواة تُسجّل تاريخ ما يروونه حتّى يُعلم أنَّ أيّاً منها محُاطٌ بسياج الثقة، وأيّاً منها منبوذٌ وراء سورها.
وما خصوصيّة عهد عمر في قبول الرِّواية ورفضها؟ ألأنّ الحقايق تمحَّضت فيه؟ ومن ذا الذي محّضها، ام لأنّ التمحيص أفرد فيه الصحيح من السقيم؟ ومن ذا الذي فعل ذلك؟ أم أنَّ يد الأمانة قبضت على السنّة عندئذ، وعضّتها بالنواجذ حرصاً عليها، فلم يبق إلّا لبابها المحض؟ فمتى وقعت تلكم البدع والتافهات؟ ومتى بدِّلت السنن؟ ومتى غيّرت الأحكام؟ راجع الجزء السّادس وهلّم جرّاً.
ولعلَّ قول معاوية هذا في سنّة الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كافٍ في قلّة اعتداده بها، أو أنّه كان ينظر إليها نظر مستخفّ بها، وكان يستهين بقائلها مرَّة، ويضرط لها إذا سمعها مرَّة
اُخرى، وينال من رواتها بقوارص طوراً، وينهى راويها عن الرواية بلسان بذيّ بكلّ شدَّة وحدَّة، إلى أشياء من مظاهر الهزء والسخريّة(١) فما ظنّك بمن هذا شأنه مع - السنّة الشريفة؟ فهل تُذعن له انّه يعبأ بها ويحتجُّ بها في موارد الحاجة، ويأخذها مدركاً عند عمله؟ أو ينبذها وراء ظهره؟ كما فعل ذلك في موارده ومصادره كلّها.
وإنَّ حداثة عهد معاوية بالاسلام وأخذه بالرِّوايات بعد كلِّ ما قدَّمناه، وما كان يُلهيه عن الإصاغة إليها طيلة أيّامه من كتابة وامارة وملوكيّة، وانَّ حياته في دور الإسلام كلّها كانت مستوعبة بظروب السياسة وإدارة شئون الملك والنزاع والمخاصمة دونه، فمتى كان يتفرَّغ لأخذ الرِّوايات وتعلّم السنن؟ ثمَّ من ذا الذي أخذ عنه السنّة؟ والصحابة جلّهم في منتأىً عن مبائته « الشام » ولم يكن معه إلّا طليقاً أعرابيّاً، أو يمانيّاً مستدرجاً، وهو يسيىء ظنّه بجملة الصحابة المدنيِّين حملة الأحكام ونقلة الأحاديث النبويّة ويقول بملأ فمه: إنّما كان الحجازيّون هم الحكاّم على الناس والحقُّ فيهم، فلمّا فارقوه كان الحكاّم على الناس أهل الشام(٢) وعلى أثر ظنّه السيِّئ وقوله الآثم كان يمنع هو وأمراءه عن الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما يظهر ممّا أخرجه الحاكم في المستدرك ٤: ٤٨٦ من قول عبد الله بن عمرو بن العاص لمـّا قاله نوف: أنت احقُّ بالحديث منّي أنت صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنَّ هؤلاء قد منعونا عن الحديث يعني الاُمراء. وجاء في حديث: انَّ معاوية أرسل إلى عبد الله بن عمر فقال: لئن بلغني إنّك تحدِّث لأضربنَّ عنقك(٣) .
وعلى ذلك الظنّ أهدر دماء بقيّة السلف الصالح، وبعث بسر بن أرطاة إلى المدينة الطيِّبة فشنَّ الغارة على أهلها، فقتل نفوساً بريئة، وأراق دماء زكيَّة، واقتصَّ أثره من بعده جروه يزيد في واقعة الحرَّة، ومن يشابه أبه فما ظلم.
نظرة فى أحاديث معاوية
إنَّ لنا حقّ النظر في شتّى مناحي رواياته، لقد أخرج عنه أحمد في مسنده في الجزء الرابع ص ٩١ - ١٠٢ مائة وستّة أحاديث وفيها من المكرَّر.
____________________
١ - راجع تفصيل كل هذه فيما اسلفناه فى هذا الجزء ص ٢٨١ - ٢٨٤.
٢ - راجع صفحة ٣١٩ من هذا الجزء.
٣ - كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٤٨.
_٢٢_
١ - حديث إذا أراد الله بعبده خيراً يفقّهه في الدِّين. كرَّره ست عشر مرَّة في ص ٩٢، ٩٢، ٩٣، ٩٣، ٩٣، ٩٣، ٩٣، ٩٥، ٩٦، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ٩٨، ٩٩، ١٠١، ١٠١.
٢ - حديث تقصير شعر النبيّ بمشقص مكرَّرٌ عشر مرَّات في ص ٩٢، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٧، ٩٧، ٩٧، ٩٨، ١٠٢، ١٠٢.
٣ - حديث حكاية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأذان كرَّره سبع مرّات في ص ٩١، ٩٢، ٩٣، ٩٨، ٩٨، ١٠٠، ١٠٠.
٤ - حديث عقوبة شرب الخمر مكرَّرٌ خمس مرَّات في ص ٩٣، ٩٥، ٩٦، ٩٧ ١٠١.
٥ - حديث وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر جاء في ص ٩٦، ٩٧، ٩٧، ١٠٠.
٦ - حديث كبَّة الشعر يوجد في ص ٩١، ٩٤، ٩٥، ١٠١.
٧ - حديث مناشدته عن أحاديث جاء في ص ٩٢، ٩٥، ٩٦، ٩٩.
٨ - حديث صوم عاشوراء في ص ٩٥، ٩٦، ٩٧.
٩ - حديث حبّ الأنصار يوجد في ص ٩٦، ١٠٠، ١٠٠.
١٠ - حديث من أحبّ أن يمثَّل له قياماً في ص ٩١، ٩٣، ١٠٠.
١١ - حديث النهي عن لبس الذهب والحرير يوجد في ص ٩٦، ١٠٠، ١٠١.
١٢ - حديث منقبة المؤذّنين في ص ٩٥، ٩٨.
١٣ - حديث إنّما أنا خازن ص ٩٩، ١٠٠.
١٤ - حديث العمرى جائزة ص ٩٧، ٩٩.
١٥ - حديث سجدة السَّهو لكلّ منسيّ ص ١٠٠، ١٠٠.
١٦ - حديث التبعيّة في الرُّكوع والسجود ص ٩٢، ٩٨.
١٧ - حديث النهي عن ركوب الخزِّ والنمار ص ٩٣، ٩٣.
فالباقي من أحاديثه من غير تكرير سبعة وأربعون حديثاً، وهل تسدّ هي فراغ الإستنباط في أحكام الدين لأيِّ مجتهد؟ مع أنَّ فيها ما ليس من الأحكام مثل رواية انَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبا بكر وعمر توفّي كلُّ منهم وهو ابن ثلاث وستين، وقوله: رأيت
النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم يمصُّ لسان الحسن. إلى أمثال ذلك.
ولقد آن لنا أن ننظر نظرةً اُخرى في غير واحد من متون أحاديثه فمنها:
١ - انَّ معاوية دخل على عائشة فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلاً يقتلك؟ فقال: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبيَّصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول. يعني: الايمان قيد الفتك. كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك؟ قالت: صالح قال: فدعينا وإيّاهم حتّى نلقى ربَّنا عزَّ وجلَّ. مسند أحمد ٤: ٩٢.
قال الأميني: إنّه ينمُّ عن انَّ امَّ المؤمنين كانت تستبيح دم الرَّجل بما ارتكبه من - الجرائم والمآثم، وسفك دماء زكيّة، ونفوس مُزهقة بريئة، حتّى انّها كانت ترى من المعقول السائغ أن تُقعد له رجلاً فيقتله، فأقنعها بأنَّه في بيت أمان، وداخل في ذمَّتها، وأنَّ ما بينه وبينها صالح، وأرجئ الموافاة للجزاء إلى يوم التلاقي بينه وبين الناس.
ويُستشفّ من هذه انّه لم يكن عند معاوية درأ لِما كانت امّ المؤمنين تنقمه عليه، وإلّا لكان للرجل أن يتشبَّث به في تبرير أعماله وتبرأة نفسه دون التافهات.
وإن تعجب فعجبٌ إقتناع امّ المؤمنين من معاوية بأنَّ بينه وبينها صالح، وإن لم يكن صالحاً بينه وبين الله، ولا صالحاً بينه وبينها لأنَّه قاتلُ أخيها « محمّد بن أبي بكر » وكان على عنق معاوية ذلك الدم الطاهر، وإن غضّت الطرف عنه اُختها لأنَّ بينه وبينها صالح، كما انّها غضت الطرف عن دم حُجر وأصحابه وهو من موبقات إبن آكلة الأكباد وطالما نقمت عليه ذلك وكانت توبّخه، لكن برّره ذلك الصالح بينهما بلا عقل ولا قود، وأمّا دم عثمان فما غضَّت عنه امّ المؤمنين مهما لم يكن بينهما وبين عليّعليهالسلام صالح، وهل يحتجّ معاوية يوم القيامة في موقف العدل الإلهيِّ متى خاصمه محمّد وحُجر وأصحابه و آلاف من الصلحاء الأبرار ممّن سفك دمائهم بأنَّ بينه وبين عائشة صالح؟ وهل يفيده هذا الحجاج؟ أنا لا أدري.
أما كان لعائشة أن تفحم الرَّجل بأنّ الايمان لو كان قيد الفتك « وهو قيد الفتك » فلماذا لم يقيّده؟ وقد فتك بآلاف من وجوه المؤمنين، وأعيان الاُمّة المسلمة، ولم يأمن من فتكه أهل حرم أمن الله « مكّة » ولا مجاورو بيت أمانه « المدينة » ولعلَّ امّ المؤمنين كانت تنظر إلى إيمان الرّجل من وراء ستر رقيق ولم تجده ايماناً مستقرّاً - إن لم نقل
انّها وجدته مستودعا - يقيّد صاحبه، ويسلم المسلمون بذلك من يده ولسانه، وقد صحَّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم(١) .
٢ - عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لمـّا قدم علينا معاوية حاجّاً، قدمنا معه مكّة فصلّى بنا الظهر ركعتين، ثمَّ انصرف إلى دار الندوة، وكان عثمان حين أتمَّ الصَّلاة إذا قدم مكّة صلّى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً أربعا، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصَّر الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ وأقام بمنى أتمَّ الصَّلاة حتى يخرج من مكّة، فلمّا صلّى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب أحدٌ ابن عمِّك بأقبح ما عبته به، فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنّه أتمَّ الصلاة بمكّة؟ فقال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت؟ قد صلّيتهما مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قالا: فإنَّ إبن عمّك قد كان أتمّها، وإنّ خلافك إيّاه له عيب، قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلّاها بنا أربعاً. مسند أحمد ٤: ٩٤.
قال الأميني: أنا لا أدري انَّ الشائنة ها هنا تعود إلى فقه معاوية؟ أم إلى دينه؟ حيث يتعمَّد الإتمام حيثما قصَّر فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واتّخذته الامَّة سنَّة متَّبعة وفيهم أبو بكر وعمر، وقد صحَّ عن عبد الله مرفوعاً: الصّلاة في السفر ركعتان من خالف السنّة فقد كفر. لكن الرَّجل خالف الجميع، وجابه حكم الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم نزولاً منه إلى رغبة مروان الطريد بن الطريد، وعمرو بن عثمان؟ صوناً لسمعة ابن عمّه عثمان مبتدع هذه الاُحدوثة فإن كان هذا فقه الرجل في الحديث؟ فمرحاً بالفقاهة، أو أنَّ ذلك مبلغه من الدين؟ فبعداً له في موقف الديانة.
راجع الجزء الثامن ص ١٠٠ - ١٢٢، ٢٦٩ ط ١.
٣ - عن الهنائي قال: كنت في ملأ من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عند معاوية، فقال معاوية: انشدكم الله أتعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن لبس الحرير؟ قالوا: أللهمَّ نعم.
إلى أن قال:
____________________
١ - أخرجهما البخارى ومسلم وأحمد والترمذى والنسائى وابن حبان والطبرانى وابن داود. راجع فيض القدير ١: ٢٧٠.
قال: انشدكم الله تعالى أتعلمون أنَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن الجمع بين حجّ و عمرة؟ قالوا: أمّا هذا فلا؟ قال: أما انَّها معهنَّ.
وفي لفظ:
قال: وتعلمون أنّه نهى عن المتعة - يعني متعة الحجِّ - قالوا: ألّلهم لا.
راجع المسند ٤ ص ٩٢، ٩٥، ٩٩.
قال الأميني: هذا معطوفٌ على ما قبله، فإنَّ حرص الرَّجل على إحياء البدع تجاه السنَّة النبويّة الثابتة، أوقفه هاهنا موقف المكابر المعاند، فقد أسلفنا في الجزء السادس ص ١٨٤ - ١٩١، ٢٠٠ - ٢٠٦: إنَّ متعة الحجِّ نزل بها القرآن الكريم ولم ينسخ حتى قضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نحبه، وكان عليها العمل أيّام أبي بكر وصدراً من أيّام عمر حتى منع عنها. وعليه فاقتصاص معاوية أثر ذلك المحرِّم « بالكسر » يجلب الطعن إمّا في فقهه هو وجهله بالسنَّة، أو في دينه، والجمع أولى، والثَّاني أقرب إليه.
٤ - من طريق حمران يحدَّث عن معاوية قال: إنّكم لتصلّون صلاة لقد صحبنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فما رأيناه يصلّيها، ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر. ج ٤: ٩٩، ١٠٠.
قال الأميني: عرفت - في الجزء السادس ص ١٧٠ - ١٧٣ - انَّ الصَّلاة بعد العصر كانت مطّردة على العهد النبويِّ يُصلّيها هوصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يكن يدعهما سرّاّ ولا علانية، وما تركهما حتّى لقي الله تعالى، وصلّاهما أصحابه إلى أن منع عنها عمر، واحتجّت الصحابة عليه بأنّها سنَّة ثابتة، ولا تبديل لسنَّة الله، غير أنَّ الرجل لم يصخ إلى قولهم، وطفق يمضي وراء اُحدوثته، وجاء معاوية وقد زاد في الطنبور نغمة، وعزى إلى رسول الله النّهي عنهما، وهل هذا مقتضى جهله بالسنّة؟ أو مبلغه من الفقه والدين؟ فاسمع القول، واقض بالحقِّ لك أو عليك.
٥ - من عدَّة طرق عن معاوية مرفوعاً: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه.
أخرجه في ج ٤: ٩٣، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ١٠١.
قال الأميني: إنِّي واقف هاهنا موقف التحيُّر، ولا أدري هل كان معاوية عاملاً بمفاد هذا الحديث يوماً من أيّامه اُبّان خلافته وإمارته وقبلهما؟ أو كان يناقضه كمناقضته بكثير من الأحكام؟ ولإن كان خاضعاً لما فيه من الحكم الباتِّ لَما حُملت إليه روايا الخمر قطاراً، وَلما حملها إليه حماره الذي كان يصاحبه، ولا ادَّخرها في حجرته، ولا اتّخذ متجراً لبيعها، ولا شربها هو، ولا يعربد بشعره فيما وهو سكران، ولا قدَّمها إلى وفوده، ولا استخلف جروه السكّير بمرئى منه ومسمع، ولا أضاع حدَّ الله على مَن يشربها وينتشي بها، وحديث معاوية هذا مع جودة سنده واخراج مثل أحمد والترمذي وأبي داود إيّاه لم يأخذ به وبمفاده أحدٌ من أئمّة الفقه وضربوا عنه صفحاً لتفرّد معاوية بروايته وهو لا يؤتمن على حديثه. هذا موقفه مع السنّة التي اتّخذها هو عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على قلّتها، فما ظنّك بالكثير الذي لم يبلغه منها.
٦ - عن أبي إدريس قال: سمعت معاوية وكان قليل الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول: كلُّ ذنب عسى الله أن يغفره إلّا الرَّجل يموت كافراً أو الرَّجل يقتل مؤمناً متعمّداً. المسند ٤: ٩٩.
وقد جاء كما يأتي في الجزء الحادي عشر من كتاب له كتبه إلى عليّ أمير المؤمنينعليهالسلام : وإنِّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: لو تمالأ أهل صنعاء وعدن على قتل رجل و احد من المسلمين لأكبّهم الله على مناخرهم في النار.
قال الأميني: هل هذان الحديثان اللّذان رواهما معاوية حجّة له أو عليه؟ والحقيقة جليّةٌ لا يخفيها ستار، فإنّك جدُّ عليم بالذي باء بإثم تلكم الدماء المهراقة منذ يوم صفّين، وبعده ريثما تُتاح له الفرص مع مهبِّ الريح، وتحت كلّ حجر ومدر، وعلى الروابي والثنيّات، وعدد الرَّمل والحصى، عند كلّ هاتيك دمٌ مسفوكٌ، ونفسٌ مزهقة، وأوصالٌ مفصولةٌ، وحرماتٌ مهتوكةٌ وهل شيىءٌ من تلكم البوائق يُباح بآية من الكتاب؟ أو يبرَّر بسنّة صحيحة؟ أو يحبذ بشيىء من معاقد إجماع المسلمين؟ وهل هناك قياسٌ ينتهي إلى شيىء من هذه المبادئ الاجتهاديّة؟ وهل معاوية يُحسن شيئاً منها أو يُتقنها؟: وأين وأنّى له الرأي والاجتهاد؟ أو هو مجرمٌ جاهلٌ، وباغ
ظلومٌ، وثان الخليفتين اللذين بويعا في عهد، فيجب قتال هذا، وقتل ذاك، بالنصوص النبويّة، فلا يرقب فيه إلٌّ ولا ذمّة، فلا ذمّة لمهدور الدَّم، ولا حرمة لمن يجب إعدامه في الشريعة، أين هو والخلافة؟ حتّى يستبيح الدِّماء الزاكية دون شهواته ومطامعه، وهل تدري أيَّ دماء سفكها؟ وأيَّ حرمات إنتهكها؟ نعم: إقترف بها إراقة دماء المهاجرين والأنصار من الصحابة العدول والتابعين لهم بإحسان، وباء بإثم دماء البدريِّين ومئات من أهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وفيهم مثل عمّار الذي قتلته الفئة الباغية - فئة معاوية -، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وثابت بن عبيد الأنصاري، وأبي الهيثم مالك بن التيهان، وأبي عمرة بشر الأنصاري، وأبي فضالة الأنصاري كلُّ هؤلاء من البدريِّين، وفيهم حُجر بن عدي راهب أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وثَمّ البطل المجاهد مالك بن الحارث الأشتر النخعي، والعابد الصّالح محمّد بن أبي بكر.
وقبل هذه كلّها استبشاره بدم الإمام المقدَّس الخليفة عليه وعلى الاُمّة جمعاء مولانا أمير المؤمنين، وسروره بذلك، وعدُّه ذلك من لطيف صنع الله.
وما ظنّك بمجرم يكون عنده دم الإمام السبط الزكيّ أبي محمّد الحسنعليهالسلام بدسِّ السمِّ إليه؟! وقد استبشر لمـّا باء بإثمه، وناء بجرمه، فسيؤاخذ بما رواه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه كلّها.
٧ - من طريق أبي صالح عن معاوية مرفوعاً: من مات بغير إمام مات ميتة جاهليَّة. المسند للامام أحمد ٤: ٩٦.
قال الأميني: هاهنا نسائل أنصار معاوية وأودَّاءه عن أنَّ أيَّ موتة مات هو بها، وعن أيِّ إمام مات وعلى عنقه بيعته؟ ومَن الذي اخترم الرَّجل وقد طوَّقته ولايته؟ وهل كان هناك إمامٌ يجب طاعته وبيعته بالنصِّ والاجماع غير مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام يوم بارزه وكاشفه؟ وألقح دون مناوئته الحرب الزبون، ونازعه في أمر الخلافة، وخلع ربقة الإسلام من عنقه، أو يوم استبشر بقتل الإمامعليهالسلام وهي الطامّة الكبرى؟ و المصاب بها خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم . أو يوم افتجعت به الصدِّيقة الكبرى فاطمة بشظيّة قلبها الإمام السبط المجتبى بسمّ من معاوية مدسوس إليه؟ فهل بايعه يومئذ وهو خليفة
الوقت بالجدارة والنصِّ وإجماع لا يستهان به من بقايا رجال الحلِّ والعقد؟ أو انّه ناوئه في الأمر وغدر به وكاده؟ لمـّا ظهر من أجناده الخوَر والفشل، وقلّبوا على إمام الحقِّ ظهر المجنّ، وحدت بهم المطامع والميول إلى أن يسلّموه لمعاوية إن قامت الحرب على أشدِّها، فالتجأ الإمام إلى الصُّلح صوناً لدماء شيعته، وإبقاءً على حياة ذوية.
فهل كان معاوية طيلة هذه المدد في ذُكر من روايته هذه؟ وهل علم أنّه طوى تلكم السنين وليس في عنقه بيعةٌ لإمام؟ وانّه لا يحلّ لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة؟(١) وانّه إن مات والحالة هذه مات ميتة جاهليَّة؟ أو انّه كان يرى من فقهه استثناءه من هذه الكليّة التي لم يستثن منا الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أحداً؟ أو انَّ جهله بالأحكام وبنفسه كان يُطمعه في أن يكون هو الخليفة المبايع له، والمطاع بأمر الله ورسوله؟ وهيهات له ذلك، وهو طليق ابن طليق، ولم يؤهِّله لها علمٌ ولا حنكة، ولا نصُّ ولا اجماع، إلّا شَرهٌ مُنهِّم، وطمعٌ زائغ، وحلومٌ مُطاشة، أو أنَّ الرَّجل كان لم يكترث لأن يموت ميتة جاهليّة على ولاية سواع وهبل؟
لفت نظر:
إنَّ حديث معاوية: من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة. أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٥: ٢١٨، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص ٢٥٩ من طريق عبد الله ابن عمر وزاد: ومن نزع يداً من طاعة جاء يوم القيامة لا حجّة له.
وهذا الحديث معتضدٌ بألفاظ اُخرى من طرق شتّى منها:
قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة.
أخرجه مسلم في صحيحه ٦: ٢٢، والبيهقي في سننه ٨: ١٥٦، وابن كثير في تفسيره ١: ٥١٧، والحافظ الهيثمي في المجمع ٥: ٢١٨، واستدلّ بهذا اللفظ شاه وليّ الله في إزالة الخفاء ١ ص ٣ على وجوب نصب الخليفة على المسلمين إلى يوم القيامة وجوباً كفائيّاً.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن مات وليس عليه طاعة مات ميتة جاهليّة.
أخرجه أحمد في مسنده ٣: ٤٤٦، والهيثمي في المجمع ٥: ٢٢٣.
____________________
١ - المحلى لابن حزم ٩: ٣٥٩.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة.
ذكره التفتازاني في شرح المقاصد ٢: ٢٧٥ وجعله لِدة قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) في المفاد. وبهذا اللفظ ذكره التفتازاني ايضاً في شرح عقائد النسفي المطبوع سنة ١٣٠٢ غير انّ يد الطبع الأمينة على ودايع العلم والدين حرَّفت من الكتاب في طبع سنة ١٣١٣ سبع صحائف يوجد فيها هذا الحديث. وحكاه الشيخ علي القاري صاحب المرقاة في خاتمة الجواهر المضيّة ٢: ٥٠٩، وقال في ص ٤٥٧: وقولهعليهالسلام في صحيح مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة. معناه: من لم يعرف من يجب عليه الإقتداء والإهتداء به في أوانه.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة.
أخرجه مسلم في صحيحه ٦: ٢١، والبيهقي في سننه ٨: ١٥٦، وذكر في تيسير الوصول ٣: ٣٩ نقلاً عن الصحيحين للشيخين من طريق أبي هريرة.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهليّة.
أخرجه مسلم في صحيحه ٦: ٢١.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مات ولا إمام له مات ميتة جاهليَّة.
ذكره أبو جعفر الاسكافي في خلاصة نقض كتاب العثمانيّة للجاحظ ص ٢٩، و ذكره الهيثمي في المجمع ٥: ٢٢٤، ٢٢٥ بلفظ: من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهليّة.
وبلفظ: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهليّة.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من مات وليس لامام جماعة عليه طاعة مات ميتة جاهليّة.
أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ٥: ٢١٩.
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أتاه من أميره ما يكرهه فليصبر، فانَّ من خالف المسلمين قيد شبر ثمَّ مات مات ميتة الجاهليّة. شرح السير الكبير ١: ١١٣.
هذه حقيقةٌ راهنة أثبتتها الصحاح والمسانيد فلا ندحة عن البخوع لمفادها، ولا يتمّ اسلام مسلم إلّا بالنزول لمؤدّاها، ولم يختلف في ذلك إثنان، ولا انّ أحداً خالجه في ذلك شكّ، وهذا التعبير ينمُّ عن سوء عاقبة من يموت بلا إمام وانّه في منتئىً عن أيِّ
نجاح وفلاح، فإنَّ ميتة الجاهليّة إنّما هي شرّ ميتة، ميتة كفر وإلحاد، لكنّ هنا دقيقة لا بدّ من البحث عنها وهي أنَّ الصديقة الطاهرة المطهّرة بنصِّ الكتاب الكريم التي يغضب الله ورسوله لغضبها ويرضيان لرضاها، ويؤذيهما ما يؤذيها قضت نحبها و ليس في عنقها بيعة لمن زعموا انّه خليفة الوقت، ومثلها بعلها طيلة ستّة أشهر أيّام حياة حليلتها كما جاء في الصحيحين وفيهما: كان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليٌّ وجوه الناس(١) قال القرطبي في المفهم. كان الناس يحترمون عليّاً في حياتها كرامة لها لأنّها بضعة من رسول الله وهو مباشرٌ لها، فلمّا ماتت وهو لم يبايع أبا بكر انصرف الناس عن ذلك الإحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس ولا يفرّق جماعتهم.اهـ.
فالحقيقة هاهنا مردَّدة بين أنَّ الصديقة سلام الله عليها عزبت عنها ضروريَّةٌ من ضروريّات دين أبيها وهي أولاها وأعظمها وقد حفظته الاُمّة جمعاء حضريّها وبدويّها وماتت - العياذ بالله - على غير سنّة أبيها، وبين أن لا يكون للحديث مقيلٌ من الصحّة وقد رواه الحفظة الاثبات من الفريقين وتلقّته الاُمّة بالقبول، وبين انّها سلام الله عليها لم تك تعترف للمتقمّص بالخلافة، ولا توافقه على ما يدّعيه، ولم تكن تراه أهلاً لذلك، وكذلك الحال في مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام .
فهل يسع لمسلم أن يختار الشقَّ الأوَّل ويرتأي لبضعة النبوَّة ولزوجها نفس النبيِّ الأمين ووصيّه على التعيين ما يأباه العقل والمنطق ويبرأ منه الله ورسوله؟ لا، ليس لأحد أن يقول ذلك.
وأمّا الشقّ الثاني، فلا أظنّ جاهلاً يسفّ إلى مثله بعد استكمال شرايط الصحَّة والقبول وإصفاق أئمّة الحديث ومهرة الكلام على الخضوع لمفاده، وإطباق الاُمم الإسلاميَّة على مؤدّاه.
فلم يبق إلّا الشقُّ الثالث، فخلافةٌ لم تعترف لها الصدِّيقة الطاهرة وماتت وهي واجدةٌ عليها وعلى صاحبها، ويجوِّز مولانا أمير المؤمنين التأخّر عنها ولو آناًماً، ولم
____________________
١ - صحيح البخارى كتاب المغازى ج ٦: ١٩٧، صحيح مسلم كتاب الجهاد ج ٥: ١٥٤.
يأمر حليلتها بالمبادرة إلى البيعة، ولا بايع هو، وهو يعلم أنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة، فخلافةٌ هذا شأنها حقيقةٌ بالإعراض عنها والنكوص عن البخوع لصاحبها.
٨ - من طريق أبي اُميّة عمرو بن يحيى بن سعيد عن جدِّه: إنَّ معاوية أخَذ الأداوة بعد أبي هريرة يتبع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بها واشتكى أبو هريرة فبينا هو يوضّئ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رفع رأسه مرَّة أو مرَّتين فقال: يا معاوية! إن وليت أمراً فاتّق الله عزَّ وجلَّ وأعدل. قال: فما زلت أظنُّ إنّي مبتلى بعمل لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى ابتليت. المسند ٤: ١٠١.
قال الأميني: إنَّ من المأسوف عليه انَّ الرجل نسي هذه الوصيّة النبويّة في عهديه جميعاً من الإمارة والملك العضوض، أو أنّه كان يذكرها غير أنّه لم يكترث لها فلم يدع شيئاً من مظاهر العدل والتقوى إلّا وتركه، ولا أمراً من موجبات الإثم والعدوان إلّا وارتكبه، وإنَّ البحث لفي غنىً عن سرد تلك المآثم والجرائم، وقد كرَّرنا بعضها في أجزاء هذا الكتاب، وفي حيطة سعة الباحث الوقوف عليها كلّها.
فليته كان يذكر تلك الوصيّة الخالدة يوم تثبّط عن نصرة عثمان حتّى اودي به، ويوم كاشف إمام الوقت أمير المؤمنينعليهالسلام بالحروب الطاحنة، وجابه ولاية الله الكبرى بكلّ ما كان يسعه عناده ومكائده، وناوء الصّحابة العدول بالقتل والتشريد، وأضطهد صلحاء الاُمّة بكلِّ ما في حوله وطوله من إخافة وإرجاف وقتل ذريع وأخذٍ بالظنون والتّهم، أوَ كان من العدل والتقوى شيىءٌ من هذه؟ أو كان منهما بيع الخمر وشرابها وأكل الرّبا، واستلحاق زياد بأبي سفيان، واستخلاف يزيد؟ ولعلّك أعرف بيزيد من غيرك كما أنَّ مستخلفه كان أعرف به من كلِّ أحد.
ولعلَّ من أظهر مصاديق عدله وتقواه دؤبه على سبِّ الإمام الطاهر، ولعنه على صهوات المنابر، وقنوته بذلك في صلواته - الّتي كانت تلعنه - وحمله النّاس على ذلك بالحواضر الاسلاميَّة وأوساطها طول حياته حتّى كانت بدعة مخزية مستمرَّة في العهد الأمويِّ كلّها بعد أن اخترمته المنيَّة.
وليتني كنت أدري انّه ماذا كان يفعله ممّا يخالف العَدل والتّقوى لولا وصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيّاه؟ أوانّه « والعياذ بالله » لو كانت الوصيّة بخلاف ما سمعه منهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فهل كان يُتاح له أكثر وأشنع ممّا فعل؟.
٩ - من غير طريق عن معاوية قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إذا أراد الله بعبد خيراً فقّهه في الدِّين، وفي لفظ: من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين. وفي بعض الألفاظ: وكان معاوية قلّما خطب إلّا ذكر هذا الحديث في خطبته(١)
قال الأميني: كان من قضيّة هذا السِّماع ووعيه، والإكثار من روايته حتى انّه جاء مكرَّراً في مسند أحمد ستّ عشر مرَّة، وما كان يخطب معاوية إلّا وذكره، التأثّر بمفاده، والتهالك في التفقّه في الدِّين، والحرص على ما كان يسمعه أو يبلغه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مبادئ الفقه وغاياته، فما هذا الذي قهقره عن ضبط ما هنالك منِ حكَم وأحكام؟ وأبعده عن مستقى السنّة ذلك البون الشّاسع الذي تركه أجهل خلق الله بأحكامه، عدا ما خالفه وباينه، من أحاديث كانت حجّة عليه، بعيداً عن مغازيه وأعماله، وعدا طفائف لا يعود العالم بها فقيهاً في دينه، متبصِّراً في أمره، كلُّ ذلك ينمّ عن أنَّ الرَّجل لم يُرد الله به خيراً ولا فقّهه في دينه، وليس ذلك من ابن هند ببعيد.
١٠ - من طريق محمّد بن جبير بن مطعم يُحدِّث: انَّه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش، أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدِّث انّه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية فقام فأثنى على الله عزَّ وجلَّ بما هو أهله، ثمَّ قال: أمّا بعد: فإنّه بلغني انَّ رجالاً منكم يحدِّثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اولئك جهّالكم، فإيّاكم والأمانيّ التي تضلّ أهلها، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: إنَّ هذا الأمر في قريش لا ينازعهم أحدٌ إلّا أكبّه الله على وجهه ما أقاموا الدين.
قال الأميني: لقد غلط معاوية في فهم الحديث على تقدير صحّته، فإنَّ الّذي ذكر عبد الله بن عمرو انَّ ذلك الكائن ملك، ولم ينصّ على أنّه خليفة، وكم في الدهر بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ملوكٌ من غير قريش؟ ومن الجائز أن يكون ذلك الملك الموعود به من أصحاب الملك العضوض، فما ردّه به معاوية من انَّ الذين يجب أن يكونوا من قريش
____________________
١ - المحلى لابن حزم ٩: ٣٥٩.
هُم الأئمّة الذين لا ينازعون في أمرهم ما أقاموا الدين، فمعاوية ومن اهتدى مثاله ممّن لم يقيموا الدين بل ناوئوه وباينوه خارجون عنهم، وهاهنا تسقط مطامع معاوية وأمانيّه التي أضلّته من انطباق الرواية عليه وعلى نظرائه وإن لم يكونوا قحطانيّين، فأولى به من تحذّره عن تخلّف نسبة قحطان عنه أخذه الحذر عن موانع الخلافة التي لا تبارحه أوَ كانت الخلافة في الطلقاء؟ أو كانت في غير البدريّين؟ أو كان يشترط فيها فقدان العدل والتقوى في الخليفة؟ أو كان لآكلة الأكباد ورايتها نصيبٌ من خلافة الله؟
وإن تعجب فعجبٌ انَّ الرجل يعدُّ عبد الله بن عمرو من الجهّال، وهو الّذي جاء فيه عن أبي هريرة: انّه أكثر النَّاس حَديثاً من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان يكتب الحديث، وفي لفظ أبي عمر: أحفظ حديثاً. وقال: كان فاضلاً حافظاً عالماً، قرأ الكتاب واستأذن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أن يكتب حديثه فأذن له، وهو الذي أثنى عليه ابن حجر بغزارة العلم والاجتهاد في العبادة(١) .
نعم: يقع معاوية في الرَّجل كمن ملأ إهابه علماً، وشحن الطروس والسطور فقهاً وحديثاً، ذهولاً منه عن أنَّ الاُمّة المنقّبة حفظت عليه حديث عبادة بن الصَّامت من قوله له: إنَّ اُمّك هند أعلم منك(٢) .
هذا معاوية ومبلغه من العلم بالسنَّة.
الاجماع
قد عرفت آنفاً انَّ من مدارك الإجتهاد في الأحكام الشرعيَّة ومبادئها: الإجماع ولعلَّ أقسط تعاريفه ما قاله الآمدي في الإحكام ١: ٢٨٠: انّه اتّفاق جملة من أهل الحلِّ والعقد من اُمّة محمّد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقايع.
فهلمّ ولننظر إلى معاوية وأقواله وتقوّلاته وأعماله وجرائمه وفقهه، واجتهاده هل يقع شيىءٌ منها في معقد من معاقد الإجماع؟ وأين اُولئك الفقهاء، وأهل الحلّ والعقد في الفقه والدِّين الذين اصفقوا مع معاوية على ما عنده من بدع وتافهات؟ ومَن كان منهم يومئذ ليطلوا سقطات معاوية الشاذَّة بالإجماع؟ وهل كان مبائة الفقهاء يومئذ في
____________________
١ - الاستيعاب ١، ٣٠٧، اسد الغابة ٣: ٢٣٣، الاصابة ٢: ٣٥٢، تهذيب التهذيب ٥: ٣٣٧.
٢ - تاريخ ابن عساكر ٧: ٢١٠.
غير المدينة المنوّرة من الصحابة الأوَّلين والتابعين لهم بإحسان؟ وفي بلاد غيرها إنتشروا منها إليها، وكلّهم كانوا في منتأىّ عن إبن هند وآراءه، ولم يزل هو يناوئهم ويضادُّهم في القول والعمل ويتحرّى الوقيعة فيهم.
نعم: كان يصافقه على مخاريقه حثالةٌ من طغام الشّام الذين حدتهم النهمة والشرَه وهملج بهم المطامع والشّهوات، فما قيمة اجتهاد يكون هذا أحد مبادئه؟!
ألقياس
ألمعتبر من القياس عند أئمّة السنّة والجماعة أن يكون المناط منصوصاً عليه في الكتاب والسنَّة، أو مخرَّجاً عنهما بالبحث والاستنباط إمّا بنوعه أو بشخصه(١) ولم نجد في إختيارات معاوية شيئاً من تلكم المناطات في المقيس عليه منصوصة أو مستنبطة يصحّ القياس في المقيس ويجوز التعويل عليها، نعم: كانت عنده أقيسةٌ جاهليّةٌ أراد تطبيق أحكام الإسلام بها.
أيّ اجتهاد هذا؟!
لعلّك إلى هنا عرفت معنى الإجتهاد الصحيح وحقيقته ومبانيه عند أئمّة الإسلام من رجالات الفقه واُصوله، وألمسك باليد بُعد معاوية عن كلِّ ذلك بعد المشرقين، فهلمَّ معي نقرأ صحيفة مكرَّرة من أفعال هذا المجتهد الطاغية وتروكه التي اجتهد فيها ويرى أبناء حزم وتيميّة وكثير وحجر ومن لفَّ لفّهم أنَّ الرَّجل لم يلحقه ذمٌّ وتبعةٌ من تلكم الهفوات، بل يحسبونه مأجوراً فيها لكونه مجتهداً مخطأً.
ألا تقول أيّ اجتهاد جوّز على هذا المجتهد أو أوجب عليه وعلى كلِّ مسلم بأمره - رضي بذلك أم أبى - سبَّ مثل مولانا أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه والقنوت بلعنه في الصّلوات، والدعاء عليه وعلى الإمامين السبطين(٢) والصلحاء الأخيار معه؟!
هل اجتهد هذه الاُحدوثة من آية التطهير والمباهلة أو من المئات النازلة في عليعليهالسلام ؟ أو من الآلاف من السنّة الشريفة المأثورة عن صاحب الرّسالةصلىاللهعليهوآلهوسلم من فضائله ومناقبه؟ أو من الإجماع المعقود على بيعته واتّخاذه خليفةً مفترضةً طاعته؟ ولئن تنازلنا عن
____________________
١ - راجع الكلمات التى اسلفناها فى هذا الجزء تحت عنوان: الاجتهاد ماذا هو.
٢ - راجع الجزء الثانى ص ١٠١. ١٠٢، ١٣٢، ١٣٣ ط ٢.
الخلافة له، فهل هناك إجماعٌ على نفي اسلامه ونفي كونه من أعيان الصحابة العدول، حتّى يستسيغ هذا المجتهد - رضيع ثَدْي هند المتفيِّئ تحت رايتها - الوقيعة فيه والنيل منه؟.
وهل هناك قياسٌ يخرَّج ملاكه من مبادئ الإجتهاد الثلاثة التي قامت بسيف عليّعليهالسلام واعتنقتها الاُمّة ببأسه، وعرفتها ببيانه، يسوِّغ للرَّجل ما تقحّم فيه؟ نعم: كانت تراثٌ وإحنٌ بين القبيلتين - أبناء هاشم وبني اُميّة - منذ العهد الجاهليِّ، وكان من عادات ذلك العهد وتقاليده نيل كلّ من الفئتين المتخاصمتين من الاُخرى كيفما وقع، وأينما أصاب، وريثما انتهز الفرصة مَن تمكّن من الإنتقام، سواءٌ حمل المنكوب شيئاً من الظلامة أو لا، فيقتل غير القاتل، ويعذَّب غير المجرم، ويُؤاخذ غير الجاني، شنشنةٌ جاهليّةٌ ثبت عليها الجاهلون، واستمرّوا دائبين عليها حتى بعد انتحالهم الإسلام، وإلى مثل هذا القياس كان يطمح معاوية « المجتهد في أعماله واجتهاده »
أيّ اجتهاد يسوِّغ له دؤبه على لعن الإمام المفدَّى على صهوات المنابر، وفي ادبار الصَّلوات، حتّى غيَّر سنَّة الله بتقديم خطبة صلاة العيدين عليها لإسماع الناس سبابه، وكان يوبّخ الساكتين عن لعنه بملأ فمه وصراحة لهجته؟ فبأيِّ كتاب أم بايّة سنّة أو اجماع أو قياس كان يستنبط هذا المجتهد الآثم إصراره على تلكم البدع المخزية؟
أيّ اجتهاد يُحتِّم عليه إستقراء كلِّ من والى عليّاً أمير المؤمنين في الحواضر والأمصار وتقتيلهم، وتشريدهم، والتنكيل بهم، وتعذيبهم بأشدِّ العذاب، ولم يرقب فيهم ذمَّة الاسلام ولا إلَّيه، ولم يُراع فيهم حرمة الصحبة وصونها؟ أو يَساعده على ذلك شيىءٌ من الآي الكريمة؟ أو أثارةٌ من السنَّة الشريفة؟ أو إجماعٌ من أهل الدين؟ وأين هم؟! [وهم كلُّهم مناوئوا معاوية ومنفصلون عن آرائه] أو أنَّ هناك قياسٌ خُرِّج ملاكه من تلكم الحجج الثلاث؟
أيُّ اجتهاد يُبيح له قذف عليّعليهالسلام بالإلحاد والغيِّ والبغي والضّلال والعدوان و الخبث والحسد إلى طامّات اُخرى؟ أوَ تحسب انّك تجد حجّة على شيىء من ذلك من مطاوي الكتاب الكريم؟ أو من تضاعيف السنّة النبويّة؟ أو من معاقد إجماع الاُمّة؟ والاُمّة على بكرة أبيها تعلم أنَّ شيئاً من هاتيك المفتريات والنسب المائنة لم تُكتسح
عنها إلّا ببيان الإمام وبنانه، وسيفه ولسانه، ولو قام للدين مثالٌ شاخصٌ لما عداه أن يقوم بصورة عليّعليهالسلام ومثاله.
أيّ إجتهاد يحبِّذ له المسرَّة والاستبشار بقتل أمير المؤمنين وولده الحسن الزكيِّ إمامي الهدى صلوات الله عليهما، والتظاهر بالجذل والحبور على مصيبة الدين الفادحة بهما ويُري لصاحبه قتل عليّعليهالسلام من لطف الله وحسن صنعه، وزعم قاتله أشقى مراد من عباد الله؟ وأنت جِدّ عليم بانّ فقه الكتاب الكريم في منتىءً عن هذه الشقوة، كما انَّ السنّة الكريمة في مبتعد عن مثلها من قساوة، ودع عنك معقد إجماع الامّة النائي عن هذه الفظاظة، و ملاكات الشريعة منصوصةً ومستنبطةً البائنة لتلك الصَّلافة. نعم: قياس الجاهليّة الاولى يضرب على وتره ويغنّى في وتيرته.
أيُّ إجتهاد يُرخِّص هتك حرمات مكّة والمدينة، وشنَّ الغارة على أهلها لمحض ولائهم عليّاًعليهالسلام ويُشرِّع نذر قتل نساء ربيعة لحبِّ رجالهم أمير المؤمنين وتشيّعهم لهعليهالسلام ؟!.
أيُّ إجتهاد يُحلّل مُثلة مَن قُتل تحت راية عليّعليهالسلام يوم صفّين، وقد كان قتال الفئة الباغية بعهد من رسول الله وأمره؟! كما فصَّلنا القول فيه في الجزء الثالث.
أيُّ اجتهاد يمنع إمام الحقّ وآلافاً من المسلمين عن الماء المباح، ويُعطي لمعاوية حقَّ القول: بانَّ هذا والله أوَّل الظفر، لا سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه، أبدا حتى يُقتلوا بأجمعهم عليه؟!(١)
أيُّ اجتهاد يجوِّز بيع الخمر وشربها، وأكل الربا، وإشاعة الفحشاء، وقد حرَّمها كتاب الله وسنّة نبيّه، ويتلوهما الإجماع والقياس.؟!
أيّ اجتهاد يحثُّ الناس بإعطاء الإمارة والولايات وبذل القناطير المقنطرة لمن لا خلاق لهم على عداء أهل بيت النبيِّ الأقدس وبغضهم والنيل منهم ومن شيعتهم؟!
أيّ اجتهاد يُراق به دم مَن سكت عن لعن عليّ ولم يتبرّأ منه ولو كان من جلّة الصحابة ومن صلحاء امّة محمّد كحجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق؟
أيّ اجتهاد يؤدِّي إلى خلاف ما ثبت من السنّة الشريفة، ويصحّح إدخال ما
____________________
١ - كتاب صفين ص ١٨٢، شرح نهج البلاغة ١: ٣٢٨.
ليس منها في الأذان والصَّلاة والزّكاة والنكاح والحجِّ والديات على التفصيل الذي مرّ في هذا الجزء.
أيّ اجتهاد يُغيّر دين الله وسنّته لمحض مخالفته عليّاًعليهالسلام كما مرّ ص ٢٠٥.
أيّ اجتهاد يُنقض به حدُّ من حدود الله لاستمالة مثل زياد بن امّه وجلب مرضاته باستلحاقه بأبي سفيان، والولد للفراش وللعاهر الحجَر؟!
أيّ اجتهاد يُحابي خلافة الله ليزيد السكّير المستهتر، ويستحلُّ به دماء مَن تخلّف عن تلك البيعة الغاشمة؟!
أيّ اجتهاد يشترط البراءة من أمير المؤمنين عليّعليهالسلام في عقد البيعة للطليق ابن الطليق؟!
أيّ اجتهاد تُدعم به الشهادات المزوّرة والفرية والإفك والكذب وقول الزور و النسب المختلقة والمكر والخديعة لنيل الأمانيِّ الوبيلة المخزية؟!
أيّ اجتهاد يجوّز ايذاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أهل بيته وعترته، وايذاء أولياء الله وعباده الصالحين من الصحابة الأوَّلين والتابعين لهم بإحسان وفي مقدّمهم سيّدهم وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: الذين يؤذون رسول الله لهم عذابٌ أليم.( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) . وجاء عن الصادع الكريم: من آذى مسلماً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عزّ وجلَّ(١) وقوله عن جبريل عن الله تعالى: من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة. ومن عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب.
وقوله: من آذى لي وليّاً فقد استحلَّ محاربتي. وقوله: من أهان لي وليّاً فقد استحلَّ محاربتي.
وقوله: من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالعداوة. وقوله: من عادى لي وليّاً فقد ناصبني بالمحاربة(٢) .
أيّ اجتهاد يُري صاحبه نقض الإلّ وحنث العهد، من السهل الهيّن في جميع موارده ومصادره؟!
أيّ اجتهاد يُجابه به سنَّة رسول الله وما يؤثر عنه بالهزء والإزدراء والضرطة؟
____________________
١ - راجع الحاوى للفتاوى ٢: ٤٧.
٢ - راجع الحاوى للفتاوى ١: ٣٦١ - ٣٢٤.
كما فصّل في ص ٢٨١ - ٢٨٣.
أيّ اجتهاد يُفسد البلاد، ويُضلّ العباد، ويشقُّ عصا المسلمين، بالشذوذ عن الجماعة، وخلع ربقة الإسلام عن البيعة الحقّة، ومحاربة إمام الوقت بعد إجماع الامَّة من أهل الحلّ والعقد من المهاجرين والأنصار على بيعته؟!.
إلى غير هذه من اجتهادات باطلة، وآراء سخيفة تافهة، ليس لها في مستوى الصَّواب مقيلٌ، ولا لها في سوق الدين اعتبارٌ يعذّر صاحبه، وكلّها مبائنة للكتاب، مضادَّةٌ مع السنَّة الثابتة الصحيحة، ونقضٌ للاجماع الصحيح المتسالم عليه، والقياس الذي نُصَّ في المقيس عليه على ملاك الحكم في أيٍّ من الكتاب والسنَّة، أو انَّه مستنبط بالاجتهاد والتظنّي فيهما.
وهل وقف الباحث في جملة ما سبره من الأحكام والعلل على اجتهاد يكون هذا نصيبه من تحرِّي الحقِّ؟! أللّهمَّ انَّها ميولٌ وأهواء ومطامع وشهوات تُزجي بصاحبها إلى هوّات المهالك، وهل هذا يُضاهي شيئاً من اجتهاد المجتهدين؟!
على أنَّ جملةً من المذكورات ممّا لا مساغ للإجتهاد فيه، ولا يتطرَّق اليه الرأي والإستنباط، لأنَّ الحكم فيها ملحقٌ بالضروريّات من الدين، وممّا لا يسع فيه الخلاف، فمن حاول شيئاً من ذلك فقد حاول دفاعاً للضروريِّ من الدين، واستباح محظوراً ثابتاً من الشريعة، كمن يستبيح قتل النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم باجتهاده، أو يروم تحليل حرام من الشريعة دون تحليله شقّ المرائر، واستمراء جُرع الحتف المبير.
من هو هذا المجتهد؟
أهو إبن آكلة الأكباد - نكّس الله رايتها - الهاتك لحرمات الله، المعتدي على حدوده، المجرم الجاني؟.
يحسب أبناء حزم وتيميَّة وكثير ومن لفَّ لفّهم انَّه مجتهدٌ مأجورٌ، ويقول إبن حجر: إنّه خليفة حقّ، وإمام صدق.
هكذا يقول هؤلاء ونحن لا نقول باجتهادهم بل نقول بما قاله المقبلي(١) في كتابه « العَلم الشَّامخ في ايثار الحقِّ على الآباء المشايخ » ص ٣٦٥: ما كان عليٌّ رضي الله عنه
____________________
١ - الشيخ صالح بن مهدي المتوفى ١١٠٨.
وأرضاه إلّا إمام هدى، ولكنّه ابتلى وابتلي به، ومضي لسبيله حميداً، وهلك به من هلك، هذا يغلو في حبّه أو دعوى حبّه لغرض له، أعظمهم ضلالاً من رفعه على الأنبياء أو زاد على ذلك، وأدناهم مَن لم يرض له بما رضى لنفسه لتقديم إخوانه وأخدانه عليه في الإمارة، رضي الله عنهم أجمعين.
وآخر يحطّ من قدره الرَّفيع، أبعدهم ضلالاً الخوارج الذين يلعنونه على المنابر، ويرضّون على ابن ملجم شقيّ هذه الاُمَّة، وكذلك المروانيّة، وقد قطع الله دابرهم، وأقربهم ضَلالاً الّذين خطّأوه في حرب النّاكثين، والله سبحانه يقول: فقاتلوا التي تبغي حتّى تفئ إلى أمر الله. فإن لم تصدق هذه في أمير المؤمنين ففي مَن تصدق؟
مع أنَّهم بغوا بغياً محقّقاً بعد إستقرار الأمر له، ولا عذر لهم، ولا شبهة إلّا الطلب بدم عثمان، وقد أجاب رضي الله عنه بما هو جواب الشريعة فقال: يحضر وارث عثمان ويدّعي ما شاء، واحكم بينهم بكتاب الله تعالى وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم . أو كما قال فإن تصحُّ هذه الرِّواية، وإلّا فهي معلومةٌ من حاله بل من حال من هو أدنى النّاس مِن المتمسِّكين بالشريعة، وأمّا أنّه يقطع قطيعاً من غوغاء المسلمين الذين اجتمعوا على عثمان خمسمائة واكثر، بل قيل: إنّهم يبلغون نحو عشرة آلاف كما حكاه ابن حجر في الصواعق، فيقتلهم عن بكرة أبيهم، والقاتل واحد، أربعة، عشرة، قيل: هما إثنان فقط. وذكره في الصّواعق أيضاً، فهذا ما يعتذر به عاقلٌ، ولكن كانت الدعوى باطلة والعلّة باطلة، خلا أنّ طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم ومن يلحق بهم مِن تلك الدرجة التي يقدر قدرها من الصحابة، لا يشكّ عاقلٌ في شبهة غلطوا فيها، ولو بالتأويل لصلاح مقاصدهم.
وأمّا معاوية والخوارج فمقاصدهم بيّنةٌ، فإن لم يقاتلهم عليٌّ فمن يُقاتل؟ أمّا الخوارج فلا يرتاب في ضلالهم إلّا ضالُّ، وأمّا معاوية فطالب ملك، اقتحم فيه كلَّ داهية، وختمها بالبيعة ليزيد، فالذي يزعم أنّه اجتهد فأخطأ، لا نقول: اجتهد وأخطأ.
لكنّه إمّا جاهلٌ لحقيقة الحال مقلّد، وإمّا ضالٌّ اتَّبع هواه، أللّهمّ إنّا نشهد بذلك.
ورأيت لبعض متأخِّري الطبريّين في مكّة رسالة ذكر فيها كلاماً عزاه لابن عساكر وهو: أنَّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر أنَّ معاوية سيلي أمر الاُمّة، وانّه لن يغلب، وانّ عليّاً
كرّم الله وجهه قال يوم صفّين: لو ذكرت هذا الحديث أو بلغني لَما حاربته.
ولا يبعد نحو هذا ممّن سل سيفه على عليّ والحسن والحسين وذرّيتهما، والراضي كالفاعل كما صرّحت به السنَّة النبويّة، إنّما استغربنا وقوع هذا الظهور حكاية الاجماع من جماعة المتسمِّين بالسنَّة بأنّ معاوية هو الباغي، وانَّ الحقَّ مع عليّ، وما أدري ما رأي هذا الزاعم في خاتمة أمر عليّ بعد ما ذكر، وكذلك الحسن السبط رضي الله عنهما، وترى هؤلاء الذين ينقمون على عليّ قتاله البغاة يحسنون لمن سنَّ لعنه على المنابر في جميع جوامع المسلمين منذ وقته إلى وقت عمر بن عبد العزيز اللّاحق بالأربعة الرّاشدين رضي الله عنه وعنهم، مع أنَّ سبّ عليٍّ فوق المنابر وجعله سنّة تصغر عنده العظائم. وفي جامع المسانيد في مسند اُمِّ سلمة رضي الله عنها: أيُسَبُّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيكم؟ قلت: معاذ الله. قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: مَن سَبَّ عليّاً فقد سبَّني. ألكلام.
ولعلّك إن نظرت إلى ما سردناه من سيرة هذا المجتهد الجاهل الضالِّ تأخذ لك مقياساً لمبلغ علمه، وقسطه المتضاءل من الإجتهاد في أحكام الله، وانّه منكفىءٌ عنه، فارغ الوطاب، صفر الأكفِّ عن أيِّ علم ناجع، أو عمل نافع، بعيداً عن فهم الكتاب، والتفقّه في السنّة، والإلمام بأدلَّة الإجتهاد.
نعم: لم يكن معاوية هو نسيج وحده في الجهل بمبادئ الاجتهاد وغاياته، وإنّما له أضرابٌ ونظراء سبقوه أم لحقوه في الرأي الشائن، والاجتهاد المائن، ممّن صحّح القوم بدعهم المحدثة، وآرائهم الشاذَّة عن الكتاب والسنّة بالاجتهاد، تترّسوا في طامّاتهم بأنّهم مجتهدون(١)
ولعلّك تعرف مكانة هذا المجتهد « خليفة الحقِّ وإمام الصدق » من لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إيّاه وأباه وأخاه. ومن قنوت أمير المؤمنين في صلاته بلعنه، ومن دعاء اُمّ المؤمنين عائشة عليه دبر صلاتها.
ومن إيعاز الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، وولده السبط الزكيّ أبي محمّد سلام الله عليه، والعبد الصّالح محمّد بن أبي بكر، إلى لعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المخزي، ومن لعن
____________________
١ - يوجد جمع من اولئك المجتهدين فى غضون اجزاء كتابنا هذا.
ابن عبّاس وعمّار إيّاه.
ومن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد سمع غناءً واُخبر بأنّه لمعاوية وعمرو بن العاصي: أللّهمّ اركسهم في الفتنة ركسا، أللهم دعّهم إلى النار دعّا.
ومن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد رآه مع ابن العاصي جالسين: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرِّقوا بينهما فانهما لا يجتمعان على خير.
ومن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. المعاضد بالصحيح الثابت من قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما. وفي صحيح: فإن جاء أحدٌ ينازعه فاضربوا الآخر.
ومن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يطلع عليكم من هذا الفجِّ رجلٌ يموت وهو على غير سنّتي فطلع معاوية(١)
ومن قول أمير المؤمنين له: طالما دعوت أنت وأولياءك أولياء الشيطان الرجيم الحقّ أساطير الأوّلين ونبذتموه وراء ظهوركم. وحاولتم إطفاء نور الله بأيديكم و أفواهكم والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون.
ومن قولهعليهالسلام : إنَّك دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمتُ أنَّك لست من أهل القرآن، ولا حكمه تريد.
ومن قولهعليهالسلام : إنَّه الجلف المنافق، ألأغلف القلب، ألمقارب العقل.
ومن قولهعليهالسلام : انَّه فاسقٌ مهتوكٌ ستره.
ومن قولهعليهالسلام : انَّه الكذّاب إمام الرَّدى، وعدوّ النبيِّ، وانَّه الفاجر ابن الفاجر، وانّه منافق ابن منافق يدعو الناس إلى النّار. إلى كلمات اُخرى مفصّلة في هذا الجزء.
ومن قول أبي أيّوب الأنصاري: إنَّ معاوية كهف المنافقين.
ومن قول قيس بن سعد الأنصاري: إنّه وثن إبن وثن، دخل في الإسلام كرهاً وخرج منه طوعاً، لم يقدم إيمانه، ولم يحدث نفاقه.
ومن قول معن السّلمي الصحابيّ البدريّ له: ما ولدت قرشيّةُ من قرشيّ شرّاً منك.
____________________
١ - كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ٢٤٧.
ومن أقوال الإمام الحسن السبط وأخيه الحسين صلوات الله عليهما، وعمّار بن ياسر، وعبد الله بن بديل، وسعيد بن قيس، وعبد الله بن العبّاس، وهاشم بن عتبة المرقال، وجارية بن قدامة، ومحمّد بن أبي بكر، ومالك بن الحارث الأشتر(١) .
هذا مجتهدنا الطليق عند اُولئك الأطايب، وعند الوجوه والأعيان من الصحابة الأوَّلين العارفين به على سرِّه وعلانيته، المطّلعين على أدوار حياته طفلاً ويافعاً وكهلاً وهمّاً، وأنت بالخيار في الأخذ بأيٍّ من النظريَّتين: ما سبق لِلّه ولرسوله وخلفائه و أصحابه المجتهدين العدول، أو ما يقول هؤلاء الأبناء ومن شاكلهم من المتعسّفين الناحتين للرَّجل أعذاراً هي أفظع من جرائمه.
الأمر الثانى
ثاني الأمرين اللذين ينتهي إليهما دفاع إبن حجر عن معاوية قوله في الصواعق ص ١٣٠: فالحقُّ ثبوت الخلافة لمعاوية من حينئذ وانّه بعد ذلك خليفة حقّ وإمام صدق، كيف؟ وقد أخرج الترمذي وحسَّنه عن عبد الرَّحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه قال: لمعاوية أللهمَّ اجعله هادياً مهديّاً.
وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: أللهمَّ علّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمر قال قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة مذ قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا معاوية! إذا ملكت فأحسن.
فتأمّل دعاء النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث الأوَّل بأنّ الله يجعله هادياً مهديّاً، و الحديث حسنٌ كما علمت فهو ممّا يحتجّ به على فضل معاوية، وانّه لا ذمَّ يلحقه بتلك الحروب لما علمت انّها مبنيّةٌ على اجتهاد، وإنّه لم يكن له إلّا أجرٌ واحد، لأنَّ المجتهد إذا أخطأ لا ملام عليه، ولا ذمّ يلحقه بسبب ذلك لأنّه معذورٌ، ولذا كتب له أجرٌ.
وممّا يدلّ لفضله الدعاء له في الحديث الثاني بأن يعلّم ذلك، ويوقى العذاب، ولا شكّ انَّ دعاءهصلىاللهعليهوآلهوسلم مستجابٌ، فعلمنا منه أنّه لا عقاب على معاوية فيما فعل من
____________________
١ - مر تفصيل هذه كلها فى هذا الجزء
تلك الحروب بل له الأجر كما تقرِّر، وقد سمّى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فئته المسلمين وساواهم بفئة الحسن في وصف الإسلام فدلَّ على بقاء حرمة الإسلام للفريقين، وانّهم لم يخرجوا بتلك الحروب عن الإسلام، وانّهم فيه على حدّ سواء، فلا فسق ولا نقص يلحق أحدهما لما قرَّرناه من أنَّ كلّا منهما متأوِّل تأويلاً غير قطعيِّ البطلان، وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية لكنّه بغيٌ لا فسق به، لأنّه إنّما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه.
وتأمّل انّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر معاوية بأنّه يملك وأمره بالإحسان، تجد في الحديث إشارة إلى صحّة خلافته، وانَّها حقّ بعد تمامها له بنزول الحسن له عنها، فإنَّ أمره بالإحسان المترتّب على الملك يدلّ على حقيّة ملكه وخلافته وصحّة تصرّفه ونفوذ أفعاله من حيث صحّة الخلافة لا من حيث التغلّب، لأنَّ المتغلّب فاسقٌ معاتبٌ لا يستحقّ أن يبشّر، ولا أن يؤمر بالإحسان فيما تغلّب عليه، بل انّما يستحقّ الزجر والمقت و الاعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله، فلو كان معاوية متغلّباً لأشار لهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ذلك، أو صرّح له به، فلمّا لم يُشر فضلاً على أن يصرّح إلّا بما يدلّ على حقيقة ما هو عليه علمنا أنّه بعد نزول الحسن له خليفة حقِّ وإمام صدق. ه
( هذا نهاية جهد ابن حجر في الدفاع عن معاوية )
قال الأميني: إنَّ الكلام يقع على هذه الرّوايات من شتّى النواحي ألا وهي:
١ - ألنظر إلى شخصيّة معاوية، وتصفّح كتاب نفسه المشحون بالمخازي، ثمَّ نعطف النظر في أنّه هل تلكم الصحائف السوداء تلائم أن يكون صاحبها مصبّاً لأقلّ منقبة له يُعزى إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضلاً عن هذه النسب المزعومة؟ أو: لا؟ ولقد أوقفناك على حياته المشفوعة بالمخاريق ممّا لا يكاد أن يجامع شيئاً من المديح والإطراء أو أن تُعزى إليه حسنة، ولا أحسب انّك تجد من أيّام حياته يوماً خالياً عن الموبقات من سفك دماء زاكية، وإخافة مؤمنين أبرياء، وتشريد صلحاء لم يدنّسهم إثم، ولا ألمـّت بساحتهم جريرة، ومعاداة للحقِّ الواضح، ورفض لطاعة إمام الوقت والبغي عليه وقتاله إلى جرائم جمّة يستكبرها الدين والشريعة، ويستنكرها الكتاب والسنّة، ولا يتسرّب إلى شيىء منها الإجتهاد كما مرَّ بيانه.
٢ - من ناحية عدم ملائمة هذه الفضائل المنحوتة لما رُوي وصحَّ عن رسول الله
صلىاللهعليهوآلهوسلم وما يُؤثر عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وعن جمع من الصحابة العدول، فإنّه ممّا لا يتّفق معها في شيىء، وقد أسلفنا من ذلك ما يناهز الثمانين حديثاً في هذا الجزء ص ١٣٩ - ١٧٧
فإنّك متى نظرت إليها، واستشففت حقايقها دلّتك على أنَّ رجل السّوء - معاوية - جماع المآثم والجرائم، وانّه هو ذلك الممقوت عند صاحب الشريعةصلىاللهعليهوآلهوسلم ومَن احتذى مثاله من خلفائه الرّاشدين، وأصحابه السابقين الأوَّلين المجتهدين حقّاً المصيبين في اجتهادهم.
٣ - أنّا وجدنا نبيَّ الرَّحمةصلىاللهعليهوآلهوسلم ونظرنا في المأثور الثابت الصحيح عنه في طاغية الشام والأمر بقتاله، والحثّ على مناوئته، وتعريف من لاث به بأنّهم الفئة الباغية، وانّهم هم القاسطون، وعهده إلى خليفته أمير المؤمنينعليهالسلام على أن يناضله، ويكتسح معرّته، ويكبح جماحه، وقد علمصلىاللهعليهوآلهوسلم انّه سيكون الخليفة المبايع له، الواجب قتله، وانّه سيكون في عنقه دماء الصلحاء الأبرار التي لا يبيحها أيُّ اجتهاد نظراء حُجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وأصحابهما، وكثير من البدريّين، وجمع كثير من أهل بيعة الرضوان، رضوان الله عليهم.
فهل من المعقول انّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يرى لمعاوية والحالة هذه قسطاً من الفضيلة؟ أو حسنة تضاهي حسنات المحسنين؟ ويوقع الاُمّة في التهافت بين كلماته المعزوَّة إليه هذه، وبين ما صارح به وصحَّ عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ممّا أو عزنا إليه. وزبدة المخض انّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم ينبس عن هاتيك المفتعلات ببنت شفة، ولكن القوم نحتوها ليطلوا على الضعفاء ما عندهم مِن طلاءٍ مُبهرج.
٤ - ما قاله الحفّاظ من أئمّة الحديث وحملة السنّة من انَّه لم يصحّ لمعاوية منقبة، وسيوافيك بُعيد هذا نصّ عباراتهم عند البحث عن فضائل معاوية المختلقة.
٥ - النظر في اسناد ومتن ما جاء به إبن حجر، وعلّا عليه اُسس تمويهه على الحقايق، وبه طفق يرتأي معاوية خليفة حقّ، وإمام صدق.
الرواية الاولى
أمّا ما أخرجه الترمذي وحسّنه عن عبد الرَّحمن بن أبي عميرة مرفوعاً، أللّهمَّ
اجعله هادياً مهديّاً واهد به(١) . فإنَّ كون إبن أبي عميرة صحابيّاً في محلِّ التشكيك فإنّه لا يصحّ كما أنَّ حديثه هذا لا يثبت، قال أبو عمر في الاستيعاب ٢: ٣٩٥ بعد ذكره بلفظ: أللّهمَّ اجعله هادياً مهديّا واهده واهد به: عبد الرَّحمن حديثه مضطربٌ لا يثبت في الصحابة وهو شاميٌّ، ومنهم مَن يوقف حديثه هذا ولا يرفعه، ولا يصحّ مرفوعاً عندهم. وقال: لا يثبت أحاديثه، ولا يصحّ صحبته.
ورجال الإسناد كلّهم شاميّون وهم: أبو سهر الدمشقي. ٢ - سعيد بن عبد العزيز الدمشقي. ٣ - ربيعة بن يزيد الدمشقي ٤ - إبن أبي عميرة الدمشقي. وتفرَّد به ابن أبي عميرة ولم يروه غيره ولذلك حكم فيه الترمذي بالغرابة بعد ما حسّنه، وإبن حجر حرّف كلمة الترمذي حرصاً على إثبات الباطل، فما ثقتك برواية تفرَّد بها شاميّ عن شاميّ إلى شاميّ ثالث إلى رابع مثلهم ايضاً، ولا يوجد عند غيرهم من حملة السنَّة علمٌ بها، ولم يك يومئذ يتحرّج الشاميّون من الإفتعال لما ينتهي فضله إلى معاوية ولو كانت مزعمة باطلة، على حين انّ أمامهم القناطير المقنطرة لذلك العمل الشائن، ومن ورائهم النزعات الأمويّة السائقة لهم إلى الاختلاق، لتحصيل مرضاة صاحبهم. فهناك مُرتكم الأباطيل والرِّوايات المائنة.
على انَّ هذا المزعوم حسنه كان بمرأى ومشهد من البخاريِّ الذي يتحاشى في صحيحه عن أن يقول: باب مناقب معاوية. وإنّما عبّر عنه بباب ذكر معاوية. وكذلك من شيخه إسحاق بن راهويه الذي ينصّ على عدم صحّة شيىء من فضائل معاوية. ومن الحفّاظ: النسائي، والحاكم النيسابوري، والحنظلي، والفيروز آبادي، وابن تيميّة، والعجلوني وغيرهم، وقد أطبقوا جميعاً على أنّه لم يصحّ لمعاوية حديث فضيلة، ومساغ كلماتهم يُعطي نفي ما يصحّ الإعتماد عليه لا الصحيح المصطلح في باب الأحاديث، فلا ينافي شمول قولهم على حسنة الترمذي المزعومة مع غرابتها، فإنَّهم يقذفون الحديث بأقلّ ممّا ذكرناه في هذا المقام، ولو كان لهذه الحسنة وزن يقام « كحسنات معاوية » لأ عزوا إليها عند نفيهم العامّ.
وإنّ مفاد الحديث لممّا يُربك القارئ ويغنيه عن التكلّف في النظر إلى إسناده
____________________
١ - هذا لفظ الحديث فى جامع الترمذى ١٣: ٢٢٩.
فإنّ دعاء النبيِّصلىاللهعليهوآلهوسلم مستجابٌ لا محالة يقوله ابن حجر، ونحن في نتيجة البحث والإستقراء التامِّ لأعمال معاوية لم نجده هادياً ولا مهديّاً في شيىء منها، ولعلّ ابن حجر يُصافقنا على هذه الدعوى، وليس عنده غير انّ الرجل مجتهدٌ مخطىءٌ في كلِّ ما أقدم وأهجم، فله أجرٌ واحدٌ في مزعمته، ولا يلحقه ذمُّ وتبعةٌ لاجتهاده، وقد أعلمناك أنّ عامّة أخطاءه وجرائمه ممّا لا يتطرَّق إليه الإجتهاد، على ما أسلفنا لك انّه ليس من الممكن أن يكون معاوية مجتهداً لفقدانه العلم بمبادئ الاستنباط من كتاب وسنّة، وبُعده عن الإجماع والقياس الصحيح.
أو هَل ترى انَّ الدعاء المستجاب كهذا يُقصد به هذا النوع من الإجتهاد المستوعب للأخطاء في أقوال الرَّجل وأفعاله؟ حتّى انّه لا يُرى مصيباً في واحد منها، وهل يحتاج تأتّي مثل هذا الاجتهاد إلى دعاء صاحب الرِّسالة؟ فمرحباً بمثله من اجتهادٍ معذِّر، وهداية لا تبارح الضَّلال.
ثمّ مَن الذي هداه معاوية طيلة أيّامه، وأنقذه من مخالب الهلكة؟! أيَعدُّ منهم ابن حجر بُسر بن أرطاة الذي أغار بأمره على الحرمين، وارتكب فيهما ما ارتكبه من الجرائم القاسية؟!
أم ضحّاك بن قيس الّذي أمره بالغارة على كلِّ مَن في طاعة عليّعليهالسلام مِن الأعراب، وجاء بفجايع لم يعهدها التاريخ؟!
أم زياد بن أبيه أو اُمِّه الذي استحوذ على العراق، فأهلك الحرث والنّسل، وذبح الأتقياء، ودمَّر على الأولياء، وركب نهابير لا تُحصى؟!
أم عمرو بن العاص الذي أطعمه مصر فباعه على ذلك دينه بدنياه، وفعل من الجنايات ما فعل؟!
أم مروان بن الحكم الطريد اللّعين وابنهما الذي كان لعنه عليّاً أمير المؤمنين على منبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عدَّة أعوام إحدى طامّاته؟!
أم عمرو بن سعيد الأشدق الجبّار الطاغي الذي كان يبالغ في شتم عليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبغضه إيّاه؟!
أم مغيرة بن شعبة أزنى ثقيف الذي كان ينال من عليّعليهالسلام ويلعنه على منبر
الكوفة؟!
أم كثير بن شهاب الذي استعمله على الري، وكان يكثر سبّ عليّعليهالسلام أمير المؤمنين والوقيعة فيه؟!
أم سفيان بن عوف الّذي أمره أن يأتي هيت والأنبار والمدائن، فقتل خلقاً، و نهب أموالاً، ثمّ رجع إليه؟!
أم عبد الله الفزازي الذي كان أشدَّ الناس على عليّعليهالسلام ، ووجَّهه إلى أهل البوادي فجاء بطامّات كبرى؟!
أم سمرة بن جندب الذي كان يحرِّف كتاب الله لإرضائه، وقتل خلقاً دون رغباته لا يُحصى؟!
أم طغام الشّام وطغاتها الذين كانوا يقتصّون أثر كلِّ ناعق، وانحاز بهم هو عن أيّ نعيق فأوردهم المهالك؟!
أهذه كلّها من ولائد ذلك الدعاء المستجاب؟ أللهمّ، لا. ولو كان مكان هذا الدعاء من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم - العياذ بالله - قوله: أللهمّ اجعله ضالّاً مضلّا. لما عداه أن يكون كما كان عليه من البدع والضلالات.
ولو كان لهذا الدعاء المزعوم نصيبٌ من الصِّدق لما كان يعزب علمه عن مثل مولانا أمير المؤمنين، وولديه الإمامين وعيون الصحابة الذين كانوا لا يبارحون الحقَّ كأبي أيّوب الأنصاري، وعمّار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ولما عهد إليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على حربه وقتاله، ولما عرّف فئته بالبغي والقسط.
ولو كان السَّلف الصالح يرى شيئاً زهيداً من هداية الرجل واهتدائه أثر ذلك الدعاء المستجاب لما كانوا يعرِّفونه في صريح كتاباتهم وخطاباتهم بالنفاق والضَّلال والإضلال.
وللسيّد العلّامة ابن عقيل كلمةٌ حول هذه المنقبة المزيّفة ونعمّا هي قال في النصايح الكافية ص ١٦٧: وها هنا دلالةٌ على عدم استجابة الله هذه الدعوة لمعاوية لو فرضنا صحّة الحديث من حديث صحيح أخرجه مسلم عن سعد قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سألت ربّي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت ربّي أن لا يهلك اَمّتي بالسنّة فأعطانيها وسألته أن لا يهلك اُمّتي بالغرق فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.
تعرف بهذا الحديث وغيره شدَّة حرصهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أن يكون السِّلم دائماً بين اُمّته، فدعا الله تارةً أن لا يكون بأس اُمّته بينهم كما في حديث مسلم، وتارةً أن يجعل معاوية هادياً مهديّاً لأنّه بلا ريب يعلم انّ معاوية أكبر من يبغي ويجعل بأس الاُمّة بينهما، فمآل الدعوتين واحدٌ وعدم الإجابة في حديث مسلم تستلزم عدمها في حديث الترمذي، والمناسبة بل التلازم بينهما واضحٌ بيّن، وفي معنى حديث مسلم هذا جاءت أحاديث كثيرة ومرجعها واحد.
الرواية الثانية
أللهم علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب.
في إسنادها الحارث بن زياد، وهو ضعيفٌ مجهولٌ كما قاله ابن أبي حاتم، عن أبيه، وابن عبد البرِّ، والذهبي، كما في ميزان الإعتدال ١: ٢٠١، وتهذيب التهذيب ٢: ١٤٢، ولسان الميزان ٢: ١٤٩. وهو شاميُّ غير مكترث لرواية الموضوعات في طاغية الشام.
وانّ متنه لفي غنىً عن أيِّ تفنيد فإنَّ المراد به إمّا علم الكتاب كلّه أو بعضه، و نحن لم نجد عنده شيئاً من علم الكتاب فضلاً عن كلّه، فإنَّ أعماله وتروكه مضادّةٌ كلّها لمحكمات الذكر الحكيم، من إيذاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بإيذاء أهل بيته وصلحاء اُمَّته، ولا سيّما صنوه وخليفته المفروض طاعته الذي هو نفسه، ومطهّر عن أيِّ رجاسة في نصوص من الكتاب العزيز.
ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا إثماً لمحض ولائهم مَن قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله.
ومن القتل الذريع للصَّلحاء الأبرار، لعدم نزولهم على رغباته الباطلة، وميوله وأهواءه.
ومن الكذب الصراح، وكلّ فرية وبهت وإفك وقول زور، طفح الكتاب بتحريمها النهائيِّ.
ودع عنك بيع الخمر وشربها، وأكل الرّبا، وتبديل سنّة الله التي لا تبديل لها متى ما خالفت خطّته السيّئة، وتعدِّيه حدود الله، ومن يتعدّ حدود الله فاُولئك هم
الظالمون، إلى طامّات صافقت على خطرها الكتاب ضرورة الدين.
فالإعتقاد بجهله بكلِّ هذه الموارد وما شاكلها خيرٌ له من علمه بها ومروقه عنها وخروجه عن حكم الكتاب، ونبذه إيّاه وراء ظهره، كما ذهب إليه مولانا أمير المؤمنين و اُمَّةٌ صالحةٌ من الصحابة، فالدعاء المزعوم له قد عدته الإجابة في كلِّ وردٍ له وصَدَر.
وأما بعض الكتاب فما عسى أن يجديه نفعاً إن كان يؤمن ببعض ويكفر ببعض؟ ولو كان يعرف من الكتاب قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاُخرى فقاتلوا التي تبغي.
وقوله تعالى: « ألذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض اُولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار » وقوله تعالى: إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتَّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ. وقوله تعالى: الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً. أو كان يعرف شيئاً من أمثال هذه من كتاب الله لكان يعرف حدَّه ولم يتعدَّ طوره.
وممّا لا نشكّ فيه انَّ ابن حجر الذي يقول: لا شكَّ انَّ دعاءهصلىاللهعليهوآلهوسلم مستجابٌ لا يأوِّل الرِّواية بأنّه اُريد بها علم الكتاب لا العمل به، وإن أبى الزاعم إلّا ذلك؟ فيا هبلته الهبول.
وإنّا لا نعلم معنى « الحساب » وعلمه الذي جاء في هذه الرِّواية معطوفاً على الكتاب، فإمّا أن يُراد به تطبيق أفعاله وتروكه على نواميس الشريعة المقرَّرة، أو علمه بكلّ ما يُحاسب عليه الله عباده، فيخرج من العهدة من غير تبعة، أو أنَّه يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسب بكلّ قول وعمل، أو أنّه يقسم بالسَّوية فيعطي كلَّ ذي حقّ حقَّه، ولا يحيف في مال الله، ولا يميل في أعطيات الناس بمحاباة أحد وقطع آخر من غير تخطٍّ عن سنن الحقّ، أو أنّه يعرف فروض المواريث الحسابيّة، أو أنّه يعلم بقواعد الحساب العددَّية من الجمع والضرب والتقسيم والتفريق والجبر والمقابلة والخطأين إلى أمثالها من اصول علم الحساب.
أمّا ما قبل الآخرين فإنَّ الرَّجل كان يأثم بغير حساب، ويقتل بغير حساب، ويكذب بغير حساب، ويحيف بغير حساب، ويجهل من معالم الدين بغير حساب، وإنَّ أخطاءه في الاجتهاد « المزعوم » بغير حساب، ويُعطي ويمنع من غير حجَّة بغير حساب، فياله من دعاء لم يقرن بالإجابة في مورد من الموارد؟.
وأمّا قواعد علم الحساب ويلحق بها فروض المواريث، فماذا الذي نجم منها بين معلومات معاوية وفتاواه؟ غير جهل شائن مستوعب لكلِّ ما ناء به من كلّ فرض وندب، ولم تُعهد له دراسةٌ لهذه العلوم والقواعد حتّى تتحقَّق بها إجابة الدعوة بتوفيق إلهيّ.
وأمّا جملة « وقه العذاب » فإن صحّت الرواية فإنّها تشبه أن تكون ترخيصاً في المعصية لرجل مثل معاوية يلغ في المآثم، ويتورّط بالموبقات، ويرتطم في المهالك، فليس فيما سبرناه وأحصيناه من أفعاله وتروكه إلّا جنايات للعامَّة، وميول وشهوات في الخاصَّة، وحيف وميل في الحقوق، وبسط وقبض، وإقصاء وتقريب من غير حقّ، فلا يكاد يخلو ما ناء به من مآثم أوعد الله تعالى فاعله بالنار، أو محظور في الشريعة يمقت صاحبها، أو عمل بغيض يمجُّه الحقّ، ويزوَّر عنه الصِّواب، أو بدع محدثة في منتأى عن رضا الربِّ وتشريع الرَّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فإن كان يوقى مثل هذا الإنسان عن العذاب المجرِّىء له على الهلكات؟ فأين مصبّ التوعيدات المعدّة لمن عصى الله ورسوله؟ إنَّ الله لا يخلف الميعاد، أم حسب الذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصّالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون.
فالخضوع لمثل هذه الرواية على طرف النقيض من مسلّمات الشريعة بتحريم ما كان يستبيحه معاوية، ولذلك كان يراه مولانا أمير المؤمنين ووجوه الصحابة الأوَّلين من أهل النار(١) مع أنّ هذا الموضوع المفتعل كان بطبع الحال بمرأى منهم ومسمع، إلّا أن يكون تاريخ ايلاده بعد صدور تلكم الكلم القيِّمة.
ولو كان مثل معاوية يُدرء عنه العذاب، ويُدعى له بالسَّلامة منه، وحاله ما علمتَ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم بها منك ومن كلِّ أحد، وعنده من حقوق الناس
____________________
١ - راجع الكلمات التى اسلفناها فى هذا الجزء.
ما لا يحصى ممّا لا تدركه شفاعة أيِّ معصوم من دم مسفوك، ومن مال منهوب، ومن عرض مهتوك، ومن حرمة مُضاعة، فما حال مَن ساواه في الخلاعة، أو من هو دونه في النفاق والضَّلال؟ وأيّ قيمة تبقى سالمة لتوعيدات الشريعة عندئذ؟ لاها الله، هذه اُمنيَّة حالم قطّ لا تتحقَّق، إلّا أن تكون تلك المحاباة تشريفاً لابن أبي سفيان بخرق النواميس الإلهيّة، والخروج عن حكم الكتاب والسنَّة، تكريماً لراية هند ومكانة حمامة، إذن فعلى الإسلام السَّلام.
أفمن الحقِّ لمن له أقلُّ إلمامةٍ بالعلم والحديث أن يركن إلى أمثال هذه التافهاف، ولا يقتنع بذلك حتّى يحتجّ بها لامامة الرجل عن حقّ، وصدق خلافته؟ كما فعله ابن حجر في الصواعق، وفي هامشه تطهير الجنان ص ٣٢، وكأنَّه غضَّ الطرف عن كلِّ ما جاء في حقِّ الرَّجل من حديث وسيرة وتاريخ، وأغضى عن كلّ ما انتهى إليه من الاصول المسلّمة في الإسلام، وحرمات الدين.
نعم: الحبُّ يعمي ويصمّ.
الرواية الثالثة:
إذا ملكت فأحسن
فهي وما في معناها من رواية: إن وليت فاتّق الله واعدل(١) ورواية: أما انّك ستلي أمر امّتي بعدي فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم، واعف عن مسيئهم. تنتهي طرقها جميعاً إلى نفس معاوية، ولم يشترك في روايتها أحدٌ غيره من الصحابة، فالاستناد إليه في إثبات أيِّ فضيلة له من قبيل استشهاد الثعلب بذنبه، على أنَّ الرجل غير مقبول الرواية ولا مرضيّها فانّه فاسقٌ فاجرٌ منافقٌ كذابٌ مهتوكٌ ستره بشهادة ممّن عاشره وباشره، وسبر غوره ودرس كتاب نفسه، وفيهم مثل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآخرون من الصِّحابة العدول، وقد تقدّم نصُّ كلماتهم في هذا الجزء ص ١٤٨ - ١٧٧ وتكفي في الجرح واحدة من تلكم الشهادات المحفوظة أهلها بالتورُّع عن كلِّ سقطة في القول أو العمل، فكيف بها جمعاء؟
وتؤيَّد هاتيك الشهادات بما اقترفه الرجل من الذنوب، وكسبته يده الأثيمة من جرائر وجرائم، ولفّقها في سبيل شهواته من شهادات مزوّرة، وكُتب افتعلها على اناس من الصحابة، ونسب مكذوبة كان يريد بها تشويه سمعة الإمام صلوات الله عليه - وأنّى له
____________________
١ - مرّ الكلام حول هذه الرواية فى ص ٣٦٢ من هذا الجزء.
بذلك؟ - إلى آخر ما أوقفناك على تفاصيله.
وإن أخذناه بما حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب ١: ٥٠٩ عن يحيى بن معين من قوله: كلُّ من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دجّالٌ لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إلى كلمات اُخرى مرَّت ص ٢٦٧ من هذا الجزء، فمعاوية في الرعيل الاوَّل من الدجّالين الذين لا يُكتب عنهم، وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، إذ هو الذي فعل ذلك المحظور بمثل مولانا أمير المؤمنين وشبليه الإمامين، وحبر الامّة عبد الله بن العبّاس، وقيس بن سعد وهؤلاء كلّهم أعيان - الصحابة ووجهائهم، لا يعدوهم أيّ فضل سبق لأحدهم، ولا ينتأون عن أيِّ مكرمة لحقت بواحد منهم، وكان معاوية قد استباح شتمهم، والوقيعة فيهم وفي كلِّ صحابيّ إحتذى مثالهم في ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولم يقنعه ذلك حتّى قنت بلعنهم في صلواته، ورفع عقيرته به على صهوات المنابر، وأمر بذلك حتّى عمّت البليّة البلاد والعباد، واتّخذوها بدعةً مخزية إلى أن لفظ نفسه الأخير، واحتقبها من بعده خزاية موبقة ما دامت لآل حرب دولة، واكتسحت معرَّتهم من أديم الأرض.
أفمثل هذا السبّاب الفاحش المتفحّش تجوز الرواية عنه، ويخضع لما يرويه في دين أو دنيا؟!
على أنَّ في اسناد رواية « إن ملكتَ فأحسن » عبد الملك بن عمر، وقد جاء عن أحمد: انّه مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته ما أرى له خمسمائة حديث وقد غلط في كثير منها. وقال ابن منصور: ضعّفه أحمد جدّاً. وعن ابن معين: مخلط. وقال العجلي: تغيّر حفظه قبل موته. وقال ابن حبّان: مدلِّس(١)
وفيه: اسماعيل بن ابراهيم المهاجر، ضعّفه ابن معين والنسائي وابن الجارود، وقال أبو داود: ضعيفٌ ضعيفٌ أنا لا اكتب حديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال ابن حبّان: كان فاحش الخطاء. وقال السّاجي: فيه نظر(٢)
فلمكان الرجلين نصَّ الحافظ البيهقي على ضعفها، وأقرَّه الخفاجي في شرح الشفا ٣: ١٦١، وعليّ القاري في شرحه هامش شرح الخفاجي ٣: ١٦١.
____________________
١ - تهذيب التهذيب ٦: ٤١٢.
٢ - تهذيب التهذيب ١: ٢٧٩.
وأمّا مؤدّى هذه الروايات الثلاث فكبقيّة أخبار الملاحم، لا يستنتج منها مدح لصاحبها أو قدح، إلّا إذا قايسناها بأعمال معاوية المبائنة لها في الخارج، المضادَّة لما جاء فيها من العهد والوصيّة، فلم يكن ممّن ملك فأحسن، ولا ممّن ولي فاتّقى وعدل، ولا ممّن قبل من محسن، وعفى عن مسيء، فماذا عسى أن يُجديه مثل هذه البشائر - وليست هي ببشائر بل إقامة حجّة عليه وهو غير متّصف بما اُمر به فيها؟ وكلُّ ما ناء به في منتئً. عن الاحسان والعدل والتقوى، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلم أنّه لا يعمل بشيىء من ذلك لكنّه أراد إتمام الحجّة عليه على كونها تامّة عليه بعمومات الشريعة وإطلاقاتها، فأين هي من - التبشير بأنَّ ما يليه من الملك العضوض ملوكيّة صالحة، فضلاً عن الخلافة عن الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ وقد جاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذلك الملك قوله: إنّ فيه هنات وهنات وهنات(١) وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا معاوية! إنّك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم(٢) إلى كلمات اخرى فيه وفي ملكه.
ولو كان ابن حجر ممّن يعرف لحن الكلام ومعاريض المحاورات، ولم يكن في اُذنه وقرُ، وفي بصره عمىً؟ لعلم أنَّ الروايات المذكورة بأن تكون ذموماً لمعاوية أولى من أن تكون مدائح له لما قلناه، وإلّا لما أمرصلىاللهعليهوآلهوسلم بقتله إذا رُأي على منبره، ولما أعلم الناس بأنّه وطغمته هم الفئة الباغية المتولِّية قتل عمّار، ولمـَا رآه وحزبه من القاسطين الذين يجب قتالهم، ولمـَا أمر خليفته حقّاً الامام أمير المؤمنينعليهالسلام بقتاله، ولمـَا حثَّ صحابته العدول بمناضلته ومكاشفته، ولمـَا ولمـَا...
ولو كانت هذه الرِّوايات صادقةً، وكانت بشائر، وقد عرفتها صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كذلك، فلما ذا كان ذلك اللوم والتأنيب له من وجوه الصحابة؟ لَمّا منّته هواجسه بتسنّم عرش الخلافة، والإقعاء على صدر دستها، وليس ذلك إلّا من ناحية إدِّعائه ما ليس له، وطمعه فيما لم يكن له بحقّ، ونزاعه في أمر ليس للطلقاء فيه نصيب.
هذه عمدة ما جاء به ابن حجر في الدفاع عن معاوية، وأمّا بقيَّة كلامه المشوَّه
بالسباب المقذع فنمرُّ بها كراما، إقرأ و احكم.
____________________
١ - الخصائص الكبرى ٢: ١١٦.
٢ - سنن أبى داود ٢: ٢٩٩.
_٢٤_
ها هنا قصرّنا عن القول
وأمسكناه عن الافاضة بانتهاء الجزء العاشر
وأرجأنا بقيّة البحث عن موبقات معاوية إلى الجزء الحادى
عشر، وسيوافيك فى المستقبل العاجل
ان شاء الله تعالى
والحمد لله أوّلا وآخراً وله الشكر
الفهرس
بقية البحث ٣
ما هذا الاختيار؟ وكيف يتمَ؟ ولِمَ وبِمَ؟ ١٧
بيعة ابن عمر ٢٣
أىّ إجماع على بيعة يزيد؟ ٣٢
أخبار ابن عمر ونوادره ٣٧
( ومنها ) ٣٨
( ومنها ) ٤٠
( ومنها ) ٤١
( ومنها ) ٤٢
رأى ابن عمر في القتال والصَّلاة ( ومنها ) ٤٦
هلم معى الى صلاة ابن عمر ٥٠
معذرة اخرى لابن عمر ٥٥
ابن عمر يحيى أحداث أبيه ( منها ) ٦٣
( ومنها ) ( ومنها ) ٦٤
( ومنها ) ( ومنها ) ( ومنها ) ٦٥
( ومنها ) ٦٦
رجال الاسناد: ٧٤
لفظ آخر باسناد آخر: ١٠٠
لفت نظر: ١٠١
رجال الاسناد: ١١٧
نظرة فى المتن ١٢٣
نبأ يصكّ المسامع ١٢٨
( ومنها ) ١٣٦
منتهى المقال ١٣٧
المغالاة فى فضائل معاوية ابن أبي سفيان ١٣٨
الاسناد ١٤١
رجال الاسناد: رجال الاسناد: ١٤٣
اسناد آخر: رجال الاسناد: ١٤٥
معاوية فى ميزان القضاء ١٧٨
_ ١ _ معاوية والخمر ١٧٩
_ ٢ _ معاوية يأكل الربا ١٨٤
_ ٣ _ معاوية يتمّ فى السفر ١٩٠
_ ٤ _ احدوثة الاذان فى العيدين ١٩١
_ ٥ _ يصلى معاوية الجمعة يوم الاربعاء ١٩٥
_ ٦ _ احدوثة الجمع بين الاختين _ ٧ _ احدوثة معاوية فى الديات ١٩٩
_ ٨ _ ترك التكبير المسنون فى الصلوات ٢٠١
_ ٩ _ ترك التلبية خلافاً لعلى عليهالسلام ٢٠٥
لفت نظر ٢٠٩
_ ١٠ _ احدوثة تقديم الخطبة على الصلاة ٢١١
_ ١١ _ حدّ من حدود الله متروك ٢١٣
_ ١٢ _ معاوية ولبسه ما لا يجوز ٢١٥
_ ١٣ _ مأسأة الاستلحاق سنة أربع وأربعين ٢١٦
_ ١٤ _ بيعة يزيد أحد موبقات معاوية الاربع(١) ٢٢٧
صورة أخرى ٢٢٨
بيعة يزيد فى الشام ٢٣١
عبد الرحمن بن خالد(٣) ٢٣٣
سعيد بن عثمان ٢٣٤
كتب معاوية فى بيعة يزيد ٢٣٦
صورة اخرى ٢٣٧
كتاب معاوية الى سعيد ٢٣٩
كتاب معاوية الى الحسين عليهالسلام : ٢٤٠
بيعة يزيد الرحلة الاولى ٢٤٢
صورة اخرى ٢٤٤
رحلة معاوية الثانية ٢٥١
_ ١٥ _ جنايات معاوية ٢٥٧
_ ١٦ _ قتال ابن هند علياً امير المومنين عليهالسلام ٢٧٢
_ ١٧ _ هنات وهنابث ٢٨٧
_ ١٨ _ قذائف موبقة ٢٨٩
نظرة فيما تشبث به معاوية في قتال علي عليهالسلام ٢٩٣
_ ١٩ _ دفاع ابن حجر عن معاوية ٣٠٣
(( حديث الوفود )) وفد على عليهالسلام الاول ٣٠٧
وفد على عليهالسلام الثانى ٣٠٨
وفد معاوية الى الامام عليهالسلام ٣١٣
أنباءٌ في طيّات الكتب ٣١٤
تصريحٌ لا تلويح ٣٢٣
فكرة معاوية لها قِدم ٣٢٧
مناظراتٌ وكلمٌ ٣٣١
التحكيم لماذا؟ ٣٣٦
حججٌ داحضةٌ ٣٤٠
الاجتهاد ماذا هو؟ ٣٤٤
نظرة فى اجتهاد معاوية ٣٤٩
نظرة فى أحاديث معاوية ٣٥٢
لفت نظر: ٣٥٩
الاجماع ٣٦٤
ألقياس ٣٦٥
من هو هذا المجتهد؟ ٣٦٩
الأمر الثانى ٣٧٣
( هذا نهاية جهد ابن حجر في الدفاع عن معاوية ) ٣٧٤
الرواية الاولى ٣٧٥
الرواية الثانية ٣٧٩
الرواية الثالثة: ٣٨٢
الفهرس ٣٨٦