النور المبين في شرح زيارة الأربعين

مؤلف: مهدي تاج الدين
متون الأدعية والزيارات
ISBN: 964-8956-16-2



بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، حبيب قلوب الصادقين أبي القاسم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

وبعد : فهذا الكتاب الذي بين يديك ـ أيها القارئ الكريم ـ هو شرح مختصر لزيارة سيد شباب أهل الجنة : الإمام الحسينعليه‌السلام الخاصّة بيوم الأربعين(١)

وهذه الزيارة ـ كسائر الزيارات ـ تحتوي على مضامين عالية ونقاط سامية يجدر بكل المؤمنين الموالين معرفتها والانتباه إليها لأن فيها دروساً وعِبَر نافعة لا يستغني عنها المؤمنون

وفي هذا المجال أرى من المناسب أن اُشير إلى عدّة نقاط :

الأُولى : أن زيارة الأربعين هي من خصائص الإمام الحسينعليه‌السلام حيث لم يرد استحباب زيارة أحد من الأنبياء والأوصياء والأولياء في يوم الأربعين بعد وفاته أو شهادته بينما ورد النّص في استحباب زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام في يوم الأربعين ـ كما سنشير إليه ـ وهذا من خصائصه ( صلوات الله عليه ) وما أكثر خصائص الإمام الحسينعليه‌السلام ؟!!

__________________

(١) المقصود من يوم الأربعين هو اليوم العشرون من شهر صفر حيث يصادف مرور أربعين يوماً على فاجعة عاشوراء الدامية ، يوم استشهاد ريحانة رسول الله : الإمام الحسينعليه‌السلام والكوكبة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه الأبرار على يد مرتزقة بني أُمية كما يُصادف أيضاً وصول سبايا أهل البيتعليهم‌السلام إلى كربلاء في أول زيارة لهم للإمام الحسينعليه‌السلام بعد فاجعة كربلاء


نعم . ما أكثر خصائصه ( صلوات الله عليه ) من قبل ولادته ويوم ولادته وخلال حياته الكريمة ويوم شهادته وبعدها ، وإلى يومنا هذا

الثانية : ان بعض علمائنا ( رضوان الله عليهم ) قد وفّقهم الله تعالى لشرح بعض زيارات الإمام الحسينعليه‌السلام كزيارة عاشوراء إلّا إنني لم أجد أحداً ـ حسب استقرائي الناقص ـ قد تعرّض لشرح زيارة الأربعين مع العلم أن فيها معانٍ سامية ومعارف قيّمة

وهذا ممّا شجّعني أكثر على القيام بشرح هذه الزيارة

وعلى كل حال فإنني اتقرّب إلى الله تعالى بهذا العمل المتواضع ، وأسأله سبحانه أن يتفضّل عليّ بالقبول وأن يكون لي صدقة جارية وذخيرة باقية للدار الآخرة إنه ذو الفضل العظيم

هذا وقد احببتُ أن اُهدي كتابي هذا إلى سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر ( عجَّل الله تعالى فَرَجه الشريف )

فإليك يا بقية الله في أرضه وحُجَّته على خلقه ،

يا خاتم الأوصياء ،

أيها المنتقم لدم جدك الحسينعليه‌السلام

إليك اُهدي هذه الصفحات المتعلقة بجدّك الإمام الحسينعليه‌السلام ، فتقبَّل مني هذه البضاعة المزجاة ، وتصدَّق علينا ان الله يجزي المتصدقين

عجَّل الله تعالى فَرَجك وسهَّل الله مَخْرَجَك وجعلنا من أنصارك وأعوانك والمجاهدين بين يديك آمين رب العالمين

مهدي تاج الدين

٣٠ / صفر / ١٤٢٦ هـ


معنى المعرفة في زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام

روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « من زار الحسينعليه‌السلام عارفاً بحقه فكأنّما زار الله في عرشه »(١) ، وفي حديث آخر « كتبه الله في أعلى علّيين »(٢)

كما ورد أيضاً في زيارة الإمام الرضاعليه‌السلام ـ وغيره من الأئمةعليهم‌السلام ـ أن من زاره عارفاً بحقه وجبت له الجنة

والسؤال الآن : ما معنى المعرفة هنا حيث تكون للزائر هذه الدرجة الرفيعة ؟

قبل الجواب لابد أن نعرف معنى المعرفة :

المعرفة من العرفان في مقابل العلم ، والفرق بين العلم بالمعنى الأعم والمعرفة هو أن المعرفة عبارة عن إدراك الجزئيّات ، والعلم عبارة عن إدراك الكليّات ، وقيل أن المعرفة تصور ، والعلم تصديق

ولذا يقال : كلُّ عالم عارف وليس كلُّ عارف عالم ، فالعلم يهتم بالكليّات ، والمعرفة تهتم بالجزئيّات ، فيُطلق على الله تعالى عالم ولا يطلق عليه عارف لأن المعرفة أخصّ من العلم ، فالعلم احاطة بالكليّات والجزئيّات ، والله تعالى محيط بالكليات والجزئيّات ، فيطلق عليه عالم ولا يطلق عليه عارف ، فالمعرفة كلي تشكيكي ذات مراتب طولية وعرضية أي مفهومه كلي ينطبق على مصاديق ذات
__________________

(١) مستدرك الوسائل ١٠ : ١١٥

(٢) ثواب الأعمال للصدوق : ١١٠


مراتب متعدّدة ، والكلي التشكيكي ما يتفاوت في التقدم والتأخر والضعف والأولوية ، ويقابله الكلي المتواطي كالانسان ، ولهذا قال مولى الموحّدينعليه‌السلام : « تكلّموا تُعرفوا ، فإنّ الإنسان مخبوء تحت طيّ لسانه »(١) ، وجاء أيضاً : « تكلّموا يرحمكم الله فبالكلام يُعرف قَدركم » فالمعرفة إذن هي أُسّ الكمال لكل قابل لها ، لأن المعرفة مختصّة بمن له إدراك دون سواه

والمعرفة على ثلاثة أنحاء : جلالية وجمالية وكمالية ، ونذكر مثالاً لتقريب المعنى : فإنك لو رأيت جبلاً عن بُعدٍ فإنك ستعرفه بحدوده ، وإنه ليس شجراً ولا حيواناً ولا إنساناً وإنما هو جبل ، فهذه المعرفة يقال لها معرفة جلالية ، ولكن لو اقتربت منه ورأيت جماله وصلابته وشموخه فهذه معرفة جمالية ، وعندما تصعد عليه وترى كنهه وواقعه فهذه معرفة كمالية ، وهكذا معرفتنا نحن للأئمة الأطهارعليهم‌السلام

وقد ورد في الزيارة الجامعة : « ما من وضيع ولا شريف ولا عالم ولا جاهل إلّا عرف جلالة قدركم » أي حتى عدوّهم يشهد بفضلهم لأنه يعرفهم معرفة جلالية ، وهناك من يعرف أمير المؤمنين والإمام الحسينعليه‌السلام بمعرفة جمالية ، فلذلك استحق سلمان أن يكون من أهل البيتعليهم‌السلام فقالوا في حقه « سلمان منّا أهل البيت » فتراه ملازماً لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، فكلّما دخل الأصحاب المسجد وجدوا سلمان بجوار مولاه يشرب من معينه الصافي ، فاتفقوا علی أن يسبقوا سلمان إلی أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فبكروا بالمجيء وفعلاً لم يجدوا في الطريق إلّا آثار أقدام الإمامعليه‌السلام ففرحوا بذلك ، ولكن عندما وصلوا المسجد وجدوا سلمان جالساً عند أمير المؤمنينعليه‌السلام فتفاجؤا فقالوا : يا سلمان من أين أتيت ؟ انزلت من السماء أم خرجت من الأرض ؟

__________________

(١) نهج البلاغة ، قصار الكلمات


فقال سلمان : إنما جئت من حيث جئتم

فقالوا : فأين آثار أقدامك ؟

فقال : إني لمّا رأيت أقدام أمير المؤمنينعليه‌السلام وضعت أقدامي عليها لأني أعلم انه لا يضع قدماً ولا يرفعها إلّا بحكمة وعلم

هكذا يعرف سلمان مولاه وهكذا يقتفي أثره ، فمعرفة سلمان بالإمام معرفة جمالية

وهناك معرفة أُخرى لأمير المؤمنين والإمام الحسينعليه‌السلام وهي المعرفة الكمالية ، وهذه منحصرة بالله تعالى ورسوله حيث صرّح بذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله : « يا عليّ ما عرفك إلّا الله وأنا »

والسبب واضح وهو أنه لا يعرف حقيقة الولي والحجة وباطن أمير المؤمنين إلّا من كان محيطاً بذلك تمام الاحاطة

فعلى هذا الكلام تكون معرفتنا نحن بالأئمةعليهم‌السلام عرفة جماليّة لا كماليّة ، فكلّما ازدادت معرفتنا بهم زاد حبُّنا لهم ، وإذا زدنا حباً زدنا أدباً ، ومن خلال الأدب والحب نزداد علماً ونوراً في ساحتهم وروضتهم ، لأن العلم ليس بكثرة التعلم وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء

وقال النبي عيسىعليه‌السلام : ليس العلم في السماء حتى ينزل إليكم ولا في الأرض فيخرج لكم وإنما هو في قلوبكم ، فتخلّقوا باخلاق الرّوحانيين يظهر لكم »

وهو نظير قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من اخلص لله أربعين يوماً تنفجر ينابيع الحكمة في قلبه »

فلابد للإنسان الذي يريد الترقّي في سُلَّم الكمال من المعرفة فإن الفضل بالمعرفة « افضلكم افضلكم معرفة » وهي التي تقود إلى العبادة الحقة الخالصة ، ومن هنا صار نوم العالم أفضل من قيام الجاهل لأن قيمة الإنسان بالمعرفة


ولهذا فالواجب على شيعة أهل البيتعليهم‌السلام أن يزدادوا معرفة بأهل البيتعليهم‌السلام ومعرفة كلامهم وأدعيتهم وزياراتهم ، لأن الزيادة في معرفتهمعليهم‌السلام تمنح الإنسان الأدب والخضوع والخشوع والمودّة والاطاعة ، ومن ثَمَّ ينال الإنسان القرب من الله ويفوز بسعادة الدارين

ومن هذا المنطلق تعتبر زيارة أربعين الإمام الحسينعليه‌السلام خطوةً في طريق معرفة ائمة أهل البيتعليهم‌السلام

فبهذه المعرفة يزداد الإنسان عملاً فقد جاء في الحديث الشريف : « المعرفة تدل الإنسان على العمل والعمل على المعرفة » وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : لا يقبل الله عملاً إلّا بمعرفة ولا معرفة إلّا بعمل فمن عرف دلته المعرفة على العمل »(١)

فعلى هذا القول يتضح لنا أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين معرفة الإنسان وبين عمله فالمعرفة الجلالية هي المعرفة التي يعرفها الوضيع والشريف والجاهل والعالم ، تجد الجميع عندما يدخل حرم الإمام الحسينعليه‌السلام يعظّمه ويحترمه حتى ولو كان إنساناً غير متأدب بالآداب الدينية ، فتراه يُقبِّل الضريح والباب حبّاً وتعظيماً ولكن هذه الزيارة السطحيّة غير كافية في أن تمنع هذا الانسان من المعصية ، لأنها بنيت على معرفة جلالية لا جمالية

ولذلك تجد ذلك الرجل المسيحي(٢) عندما يكتب عن أمير المؤمنين ـ وغيره الذين كتبوا عن الحسينعليه‌السلام ـ ويعرف أن علياًعليه‌السلام رجل عظيم شديد العدل ، ولشدّة عدله قُتل في المحراب ، لكنه لا يترك مسيحيّته ولم يتمسّك بنهج عليعليه‌السلام مع أنه
__________________

(١) الكافي ١ : ٩٤

(٢) جورج جرداق كتابه صوت العدالة الإنسانية


يعترف بعظمة الإمام علي وسموّه وجلاله ، لأن معرفته بالإمام معرفة جلالية ، فلا يوالي أمير المؤمنينعليه‌السلام في عقيدته ولا يقتدي في سلوكه وأفعاله ، فهذا دليل على أنّ معرفته لم تصل إلى رتبة المعرفة الجمالية التي لها الأثر الكبير في علاقة العارف بأهل البيتعليهم‌السلام

فهكذا معرفة البعض بالإمام الحسينعليه‌السلام فإنه يعرفه حق المعرفة بأن له الدور الكبير في إحياء الدين ، وأنه ابن رسول الله ، وضحى بكل ما لديه لاجل الدين وهداية البشرية .

ولكن مع ذلك لا يتورّع عن النظر إلى المرأة الأجنبية وهو في حرم الإمام الحسينعليه‌السلام ، فهذا دليل على أنه لا يرى للحرم حُرمةً ولا يراه شريفاً وإلّا كيف يجرء على المعصية ، فهذا ينطبق على كل عارف بالإمام الحسينعليه‌السلام معرفة جلالية ، فإنها غير كافية عن منعه عن ارتكاب المعصية

أمّا الشيعي الحقيقي العارف بحقّه معرفة جمالية فإنّه يقدّس الحرم والمدفون في الحرم غاية التقديس والتعظيم ، فتراه يدخل الحرم الشريف خاشعاً متأدّباً بآداب الزيارة والمكان

فبالمعرفة يكتسب المؤمن أدباً وخضوعاً وحباً ، لأن الإمام الحسينعليه‌السلام هو باب الله الذي منه يؤتى ووسيلته التي إليه ترجى ونوره في أرضه

نحن نعلم أن الذي يقف أمام نورٍ حِسِّي سيتكوَّن خلفه ظلّ وظلمة ، ويتصاغر هذا الظلّ وتندحر هذه الظلمة كلما اقترب من النور ، فما يعيشه الإنسان من الجهل الذي خُلِقَ من الظُلمة وجُعل له وهي الصفات الذميمة وكلّها ظلمانية كما خُلق العقل من النور وجعل الله له جنوداً نورانية ، كما في حديث العقل في كتاب الكافي


فالظلمات التي يعيشها الإنسان هي السبب في هذا البعد عن الحقّ والحقيقة ، فلابد من علاج ولا نرى علاجاً ناجعاً إلّا بالتوجّه إلى أهل بيت الطهر والطهارة إلى الإمام الحسينعليه‌السلام والأئمة الأطهار من أهل البيتعليهم‌السلام ومعرفتهم حق المعرفة والتزوّد منهم ، لأن القلب لو أُسود واظلَمَّ بشيء من قاذورات المعاصي فإنه يطهر بدخوله إلى حرم الإمام الحسينعليه‌السلام وزيارتهعليه‌السلام بخشوع ، ويخرج منها طاهراً ، لأن الحسينعليه‌السلام يطهر القلب والروح كما يطهر الماء البدن ، ولا قياس لأنهم هم أهل بيت الطهر والطهارة كما قال تعالى : ـ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ـ وجاء في الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إن من وقف قرب بائع العطر يصيبه شيء من ذلك العطر » وهكذا الذي يدخل إلى العطر المعنوي وينغمس فيه فسيكون مصدراً للعطر أينما حل

إذن : فلنعرف الحسينعليه‌السلام ولنزره بمعرفة حَقّه ، وأن لا نُعدم الثواب في زيارته ، فبزيارته تتغير جواهر القلوب وترتفع الحجب الظلمانية

وقد ورد في الدعاء عن الإمام الصادقعليه‌السلام :

«اَللّهُمَّ عَرِّفْني نَفْسَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْني نَفْسَكَ لَمْ اَعْرِفْ رَسُولَكَ ، اَللّهُمَّ عَرِّفْني رَسُولَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْني رَسُولَكَ لَمْ اَعْرِفْ حُجَّتَكَ ، اَللّهُمَّ عَرِّفْني حُجَّتَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْني حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ ديني ، اَللّهُمَّ لا تُمِتْني ميتَةً جاهِلِيَّةً »


الحكمة من زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام

إذا شئت النجاة فزر حسينا

لكي تلقى الإله قرير عين

فإن النار ليس تمس جسماً

عليه غبار زوّار الحسين

وقال بعض الأُدباء :

بزوار الحسين خلطت نفسي

لتحسب منهم يوم العداد

فإن عُدَّت فقد سعدتْ وإلّا

فقد فازت بتكثير السواد

لا يخفى على من له إلمام واطلاع بالأحاديث الشريفة المرويّة حول زيارة الإمام الحسين ( سلام الله عليه ) ان هذا الأمر قد نال اهتمام أهل البيتعليهم‌السلام إلى درجة كبيرة جداً بحيث أن زيارتهعليه‌السلام حازت الصَّدارة في زيارة مراقد المعصومين أجمعين ( عليهم الصلاة والسلام )

ولا غرابة في هذا الأمر ذلك لأن الإمام الحسينعليه‌السلام هو رمز التشيّع وهو سرُّ بقاء الإسلام إلى هذا اليوم ، وباسمه تقام أُلوف بل ملايين المجالس والمحافل والاجتماعات الدينية في شرق الأرض وغربها ، وباسمه تؤسّس المؤسّسات والمراكز الثقافية والخيريّة والتوجيهيّة وغيرها

والناس ـ على اختلاف مذاهبهم وأديانهم واتّجاهاتهم ـ يشعرون في أعماق نفوسهم وقلوبهم باندفاع قويّ نحو الإمام الحسينعليه‌السلام بالذات وشعائره المقدّسة ، فتراهم يبذلون أموالهم وأملاكهم في سبيل الإمام الحسينعليه‌السلام وبكل جود وسخاء


وتراهم يشدُّون الرحال ويقطعون أُلوف الأميال ويتحمّلون مشاقّ السفر وعناء الطريق قاصدين مدينة كربلاء المقدّسة ـ بالعراق ـ ليتشرّفوا بزيارة مرقد الإمام الحسينعليه‌السلام

لماذا ؟

ما هو الدافع الذي يدفعهم نحو ذلك ؟

وما هو هدفهم من ذلك ؟

الجواب : أولاً : رغبة منهم في الحصول على الثواب الجزيل الذي أعدّه الله تعالى لزائر قبر الإمام الحسينعليه‌السلام في الآخرة

ذلك الثواب الذي صرّحت به عشرات الأحاديث الصحيحة المعتبرة التي لا شكّ فيها ولا ريب

وبإمكانك ـ أيها القارئ الكريم ـ أن تقوم بمراجعة كتاب كامل الزيارات ـ للمحدّث الجليل الثقة : ابن قولويه ـ لتقف على جانب من تلك الأحاديث الشريفة المروية في هذا المجال

ثانياً : رغبة منهم في نيل البركات والآثار الدنيويّة التي يتفضّل الله تعالى على زائر قبر الإمام الحسينعليه‌السلام من سعة الرزق وطول العمر ودعاء الملائكة له ، وغيرها من البركات التي نطقت بها الأحاديث والروايات الصحيحة المعتبرة

ثالثاً : لأن زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام شأنها شأن العبادات الأُخرى التي يتقرّب الإنسان بها إلى الله تعالى ، فزيارته « خير موضوع فمن شاء استقلّ ومن شاء استكثر » كما قال الإمام الصادقعليه‌السلام

رابعاً : ان العقل يحكم برجحان زيارتهعليه‌السلام

توضيح ذلك : ان تقديس العظماء وتمجيد الأبطال بعد موتهم نزعة فطرية وسُنَّة عقلائية سائدة في كافّة أنحاء العالم وبين جميع الأُمم والشعوب العالمية ، والحضارات الإنسانية منذ أقدم العصور وإلى يومنا هذا


بل إن عصرنا هذا وجيلنا الحاضر هو أكثر تمسُّكاً وأشدّ محافظة على هذا التقليد من السابق ، فترى بعض الدول ـ التي ليس لها زعيم سابق معروف وبطل عالمي شهير تمجّد فيه البطولة والفداء في سبيل الاُمة ـ يعمدون إلى بناء نصب تذكاري يسمونه ( الجندي المجهول ) يرمزون به على التضحية الفذّة والفداء المثالي في سبيل الوطن ، ويمجّدون فيه البطولة والشهامة

وها نحن نسمع ونقرأ ونرى إنه ما من رئيس دولة زار أو يزور دولة أُخرى في الشرق أو في الغرب إلّا وكان في برامج زيارته موعد خاص لزيارة ضريح عظيم تلك الدولة أو مؤسِّسها أو محرِّرها ، أو زيارة النصب التذكاري فيها للجندي المجهول فيضع على ذلك الضريح أو ذلك النصب اكليلاً من الزهور ويؤدّي التحيّة المرسومة

ولذلك ترى الشعوب غير المسلمة تنحت الصور وتقيم التماثيل لرجالها المصلحين في الساحات العامة والمواقع الحساسة من مدنها لماذا يصنعون ذلك ؟ لا شك أنك تعرف أنهم يفعلون ذلك تكريماً لذكراهم وشكراً لتضحياتهم وتلقيناً لسيرتهم وعملهم إلى الشباب الحاضر والأجيال القادمة

غير أن الإسلام يحرم النحت وصنع التماثيل مطلقاً ولأي شخص كان ، فلذا ليس أمامنا نحن المسلمين لأجل تكريم زعمائنا المخلصين وشهدائنا الأحرار لأجل الاعراب عن شكرنا لهم ، ولأجل تلقين أجيالنا الطالعة سيرتهم ومبادءهم إلّا زيارة قبورهم والوقوف أمام مراقدهم خاشعين مستوحين منها ذكريات التضحية والفداء في سبيل المصلحة العامة

هذا منطق الشيعة وفلسفتهم لهذه الظاهرة وهو كما تراه منطق العقل في كل زمان ومكان

وعليه فإن زيارة قبور الأبطال ومراقد العظماء وأضرحة الشهداء سيرة عقلائية وسُنَّة إنسانية لا تخصّ قوماً أو أُمة أو طائفة ، فلماذا يلام الشيعة على زيارة


مرقد الإمام الحسينعليه‌السلام بكربلاء ، وهو سيد الشهداء الأحرار ، وقدوة القادة الأبطال ، والمثل الأعلى لرجال الاصلاح والفداء في العالم ، الذي أنقذ أُمته من خطر المحو والزوال ، ودفع بها نحو الأمام والسير على الطريق المستقيم بعد أن كلّفه ذلك جميع ما ملك في هذه الحياة ؟!

إن في زيارة قبر الإمام الحسينعليه‌السلام من المكاسب الروحية والفوائد الفكرية والأخلاقية ما ليس مثلها في زيارة أيّ مرقد وضريح آخر ، وسوف نشير إلى ذلك من خلال الروايات التي وردت عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام في خصوص فضل زيارة قبر الحسينعليه‌السلام

وفي الختام إليك نبذة من كتاب ( أبو الشهداء ) للعقاد حول هذا الموضوع قال في ص ١٢٩ :

وشاءت المصادفات أن يساق ركب الحسينعليه‌السلام إلى كربلاء بعد أن حيل بينه وبين كل وجهة أُخرى ، فاقترن تاريخها منذ ذلك اليوم بتاريخ الإسلام كلّه ، ومن حقه أن يقترن بتاريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحق بها التنويه والتخليد فهي ـ أي كربلاء ـ اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة والذكرى ويزوره غير المسلمين للنظر والمشاهدة ولكنها ـ أي كربلاء ـ لو أعطيت حقها من التنويه والتخليد لحق لها أن تصبح مزاراً لكل آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظاً من الفضيلة ، لأننا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسينعليه‌السلام فيها

فكل صفة من تلك الصفات العلوية التي بها الإنسان إنسان وبغيرها لا يحسب إلّا ضرباً من الحيوان السائم فهي مقرونة في الذاكرة بأيام الحسينعليه‌السلام في تلك البقعة الجرداء انتهى محل الشاهد من كلام العقاد


نعم أيها القارئ الكريم : لقد التزم أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم بالحفاظ على زيارة الحسينعليه‌السلام في ظروف صعبة وشاقة ، وقد كلّفتهم تضحيات غالية ففي عصر المتوكل العباسي مثلاً فرضت ضريبة مالية قدرها ألف دينار من ذهب على كلّ شخص يرد كربلاء لزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، ولمّا رأت السلطات العباسية أن هذه الضريبة الباهظة لم تمنع الناس من زيارة الحسينعليه‌السلام أضافوا إليها ضريبة دموية ، فكانوا يقطّعون الأيدي ويسملون الأعين وغير ذلك من الأذى

وكان أئمة أهل البيتعليهم‌السلام يعلمون ذلك كلّه ولم يمنعوا الناس من زيارة الحسينعليه‌السلام لما فيها من مكاسب روحية واجتماعية وسياسية للمؤمنين بل يحثّونهم على الاستمرار في زيارة قبر الإمام الحسينعليه‌السلام رغم كلّ الصعاب والعقبات ويقولون لهم : إن لزائر قبر الحسينعليه‌السلام بكل خطوة يخطوها حسنة عند الله سبحانه

مواسم زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام :

سُبق وأن ذكرنا أن عشرات الأحاديث الصحيحة المعتبرة تصرّح باستحباب زيارة مرقد الإمام الحسينعليه‌السلام

وهذه الأحاديث تنقسم إلى قسمين :

الأول : التي تذكر استحباب زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام بصورة مطلقة ، من دون ذكر وقت معيّن أو يوم معيّن فهي عامّة لأيام السّنة كلها

الثاني : التي تؤكّد على استحباب زيارتهعليه‌السلام في أيام شريفة وأوقات خاصّة لها مزيّة عند الله سبحانه

وفيما يلي نشير إلى بعض تلك المناسبات الخاصة ـ في استعراض خاطف ، ومن أراد التفصيل فليراجع الكتب المفصّلة في هذا المجال كالمجلّد الخاص بزيارتهعليه‌السلام في موسوعة بحار الأنوار للشيخ العلّامة المجلسي ( طاب ثراه ) وغيره ـ :


١ ـ كل ليلة جمعة

٢ ـ يوم عاشوراء

٣ ـ يوم الأربعين

٤ ـ الليلة الأُولى من شهر رجب واليوم الأول منه

٥ ـ النصف من شهر رجب

٦ ـ ليلة النصف من شهر شعبان

٧ ـ ليالي القدر من شهر رمضان المبارك

٨ ـ ليلة عيد الفطر ويوم العيد

٩ ـ ليلة عرفة ويوم عرفة

١٠ ـ يوم عيد الأضحى

١١ ـ وفي كل يوم

وغيرها من المواسم المستحبّة

ولذلك تجد الشيعة الإماميّة أتباع أهل البيتعليهم‌السلام يتوافدون من مختلف بلاد العالم إلى كربلاء المقدّسة ـ وخاصّة في هذه المناسبات المذكورة ـ وتمتلأ بهم مدينة كربلاء بشوارعها وفنادقها وأسواقها وطرقاتها .

وقد قدِّر عدد الزوّار في إحدى المناسبات الخاصّة ـ بعد سقوط نظام الطاغية صدام ـ بثمان ملايين وهو عدد كبير جداً

والجدير بالذكر أن قدوم هذا العدد الهائل من الزوّار إلى مدينة كربلاء لا يؤدّي إلى حدوث أزمة في المأكل والمشرب والموادّ الغذائية وغيرها أبداً بالرغم من عدم تعاون الحكومة على توفير وسائل الراحة للزوّار

وفي الحقيقة نحن لا نعرف تفسيراً لهذه الظاهرة سوى أنها من بركات الإمام الحسينعليه‌السلام الذي شاء الله تعالى الرفعة والسموّ والعظمة والتحدّي على مرور الأعوام والقرون


وظاهرة توافد الشيعة على كربلاء المقدّسة لزيارة مرقد الإمام الحسينعليه‌السلام ليست جديدة بل إنها بدأت من تاريخ استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام ـ ومنذ سنة إحدى وستين هجرية ـ وحتى الآن

وقد حافظ الشيعة على هذا الأمر العظيم وبذلوا مختلف امكانياتهم وجهودهم في سبيل ذلك ، وواجهوا مختلف التحدّيات المناوئة بكل صمود ومقاومة ، وقدّموا التضحيات الجسيمة من أموالهم وأنفسهم ، وخاصة في العهدين المشؤمين : الأموي والعباسي


آثار وفضل زيارة الإمام الحسينعليه‌السلام

أيا زائراً قبراً على العرش قد علا

تضمّن سبط المصطفى خيرة الملا

هل دمعك القاني وقل متمثلاً

أيقتل عطشاناً حسين بكربلا

وفي كل عضو من أنامله بحر

         



مَن زارهعليه‌السلام ماشياً :

عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : إنّ الرجل ليخرج إلى قبر الحسينعليه‌السلام فله إذا خرج من أهله بأوّل خطوة مغفرة ذنوبه ، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتّى يأتيه ، فإذا أتاه ناجاه الله تعالى فقال : عبدي سلني اعطك ، ادعني اجبك ، اطلب مني اعطك ، سلني حاجةً اقضها لك ، قال : وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : وحق على الله أن يعطي ما بذل(١)

وأيضاً عن عبد الله بن هلال ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : قلتُ له : جعلت فداك ما أدنى مالزائر قبر الحسينعليه‌السلام فقال لي :

يا عبد الله إنّ أدنى ما يكون له أن يحفظه في نفسه وأهله حتّى يردّه إلى أهله ، فإذا كان يوم القيامة كان الله الحافظ له(٢)

__________________

(١) كامل الزيارات لابن قولويه القمي : ٢٥٣ ، الحديث ٣٧٩ ، الباب التاسع والأربعون

(٢) بحار الأنوار ١٠١ : ٧٨


كرامة الله لزوّار الحسينعليه‌السلام :

عن عبد الله الطحان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سمعته وهو يقول : ما من أحد يوم القيامة إلّا وهو يتمنى أنّه من زوّار الحسين لما يرى مما يصنع بزوّار الحسينعليه‌السلام من كرامتهم على الله تعالى(١)

وعنهعليه‌السلام أيضاً قال : مَن سرّه أن يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوّار الحسين بن عليعليه‌السلام (٢)

أيام زائري الحسينعليه‌السلام لا تعد من أعمارهم :

عن الإمام الرضاعليه‌السلام عن أبيه قال : قال أبو عبد الله جعفر الصادقعليه‌السلام : إنّ أيام زائري الحسينعليه‌السلام لا تُحسب من أعمارهم ولا تُعد من أجالهم(٣)

إنّ زائر الحسينعليه‌السلام يكون في جوار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمةعليهما‌السلام :

عن أبي خالد ذي الشامة ، قال : حدثني أبو اسامة قال : سمعتُ أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : مَن أراد أن يكون في جوار نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله وجوار علي وفاطمة فلا يدع زيارة الحسين بن عليعليه‌السلام (٤)

إن زائر الحسينعليه‌السلام يدخل الجنّة قبل الناس :

عن عبد الله بن زرارة قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ لزوّار الحسين بن عليعليه‌السلام يوم القيامة فضلاً على الناس ، قلتُ : وما فضلهم ؟ قال : يدخلون الجنّة قبل الناس بأربعين عاماً وسائر الناس في الحساب والموقف(٥)

__________________

(١) الوسائل للحر العاملي ١٤ : ٤٢٤

(٢) بحار الأنوار ١٠١ : ٧٢

(٣) التهذيب للشيخ الطوسي ٦ : ٣٦

(٤) كامل الزيارات لابن قولويه القمي : ٢٦٠ ، الحديث ٣٩٢

(٥) بحار الأنوار ١٠١ : ٢٦


مَن زار الحسينعليه‌السلام كَمن زار الله في عرشه :

عن زيد الشحام ، قال : قلتُ لأبي عبد اللهعليه‌السلام : ما لمَن زار قبر الحسينعليه‌السلام قال : كان كمَن زار الله في عرشه(١)

مَن زار الحسينعليه‌السلام كُتب في أعلى عليّين :

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : مَن أتى الحسينعليه‌السلام عارفاً بحقه كتبه الله في أعلى عليّين(٢)

إنّ زيارة الحسينعليه‌السلام تزيد في العمر والرزق :

عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال : مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسينعليه‌السلام ، فإنّ إتيانه يُزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء ، وإتيانه مفترض على كلّ مؤمن يقرّ للحسين بالإمامة من الله(٣)

إنّ زيارة الحسينعليه‌السلام تحط الذنوب :

عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال :

مَن أراد أن يكون في كرامة الله يوم القيامة وفي شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فليكن للحسين زائراً ينال من الله الفضل والكرامة وحسن الثواب ، ولا يسأله عن ذنب عمله في حياة الدنيا ، ولو كانت ذنوبه عدد رمل عالج وجبال تهامة وزبد البحر ، إنّ الحسينعليه‌السلام قُتل مظلوماً مضطهداً نفسه عطشاناً هو وأهل بيته وأصحابه(٤)

إنّ زيارة الحسينعليه‌السلام تعدل عمرة وتعدل حجّة :

عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : سأل بعض أصحابنا أبا الحسن الرضاعليه‌السلام ، عَمن أتى قبر الحسينعليه‌السلام ، قال : تعدل عمرة(٥)

__________________

(١) المستدرك الوسائل ١٠ : ١١٥

(٢) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق : ١١٠

(٣) بحار الأنوار ١٠١ : ٣

(٤) بحار الأنوار ١٠١ : ٢٧

(٥) ثواب الأعمال للصدوق : ١١٢


روى محمد بن سنان قال : سمعتُ أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول : من أتى قبر الحسينعليه‌السلام كتب الله له حجة مبرورة(١)

إنّ زيارة الحسينعليه‌السلام تعدل عتق الرقاب :

عن أبي سعيد المدائني ، قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام فقلت :

جعلت فداك أتي قبر ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : نعم يا أبا سعيد ائتِ قبر ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اطيب الطيبين واطهر الأطهرين وأبر الأبرار ، فإذا زرته كتب الله لك عتق خمسة وعشرين رقبة(٢)

إنّ زوّار الحسينعليه‌السلام مشفّعون :

عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : إنّ الله تبارك وتعالى يتجلّى لزوار قبر الحسينعليه‌السلام قبل أهل عرفات ويقضي حوائجهم ويغفر ذنوبهم ويشفّعهم في مسائلهم ، ثم يثنّي بأهل عرفات فيفعل بهم ذلك(٣)

إنّ زيارة الحسينعليه‌السلام يُنفّس بها الكرب وتُقضى بها الحوائج :

عن الإمام الصادقعليه‌السلام : قال : إنّ إلى جانبكم لقبراً ما أتاه مكروب إلّا نفّس الله كربته وقضى حاجته(٤)

في جامع الأخبار : أن الله ( تعالى ) يخلق من عرق زوار الحسينعليه‌السلام من كل عرقة سبعين ألف ملك يسبحون الله ويهللونه

وروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنه قال : من زار الحسينعليه‌السلام أول يوم من رجب غفر الله له البتة

__________________

(١) كامل الزيارات لابن قولويه القمي : ٢٩٤ ، الحديث ٤٨٢

(٢) الوسائل للحر العاملي ١٤ : ٤٤٨

(٣) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي : ٤٩٧

(٤) بحار الأنوار ١٠١ : ٤٥


روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام قال : من زار قبر الحسينعليه‌السلام يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) ، وألف ألف عمرة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعتق ألف نسمة وحملان ألف فرس في سبيل الله ، وسماه الله عزّ وجل عبدي الصدّيق آمن بوعدي ، وقالت الملائكة فلان صديق زكّاه الله من فوق عرشه ، وسمى في الأرض وينادي منادي هذا من زوار الحسين ابن عليعليه‌السلام شوقاً إليه فلا يبقى أحد في القيامة إلّا تمنى يومئذ أنه كان من زوار الإمام الحسينعليه‌السلام (١)

إن الله تعالى يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسينعليه‌السلام عشية عرفة قبل أن ينظر إلى أهل الموقف ، وأن يوم عرفة له من الفضل ، وقد وردت أخبار كثيرة عن أهل البيتعليهم‌السلام منها ما رواه بشير الدهان عن الإمام الصادقعليه‌السلام وذلك حين سأله وقال له : سيدي ربما فاتني الوقوف بعرفات فأعرّف عند قبر الحسينعليه‌السلام فقال له الإمام أحسنت يا بشير أيما مؤمناً أتى قبر الحسينعليه‌السلام عارفاً بحقه في غير عيد يوم عرفة كتب له عشرون حجة وعشرون عمرة مبرورات متقبلات وعشرون غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل

روي عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنه قال : أربعة آلاف ملك شعث غبر يبكون الحسينعليه‌السلام إلى أن تقوم الساعة فلا يأتيه أحد إلّا استقبلوه ولا يرجع أحد إلّا شيّعوه ولا يمرض إلّا عادوه ولا يموت إلّا شيّعوه(٢)

وفي كامل الزيارات روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : كان الحسين بن عليعليهما‌السلام ذات يوم في حجر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يلاعبه ويضاحكه فقالت عائشة :
__________________

(١) من مجالس عاشوراء للشيخ كاظم الاحسائي النجفي : ٣١٨

(٢) نفس المصدر


يا رسول الله ما أشد إعجابك بهذا الصبي ؟! فقال لها : ويلك وكيف لا أحبه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤادي وقرة عيني ، أما إن أُمتي ستقتله فمن زاره بعد وفاته كتب الله له حجة من حججي ، فقالت : يا رسول الله حجة من حججك ، قال : نعم ، وأربعة ، قال : ولم تزل تزاده وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله يزيد ويضعف حتى بلغ تسعين حجة من حجج رسول الله بأعمارها

وأيضاً في الكامل عن يونس عن الرضاعليه‌السلام قال : من زار الحسينعليه‌السلام فقد حج واعتمر ، قلت : يطرح عنه حجة الإسلام قال : لا هي حجة الضعيف حتى يقوى ويحج إلى بيت الله الحرام ، أما علمت أن البيت يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك حتى إذا أدركهم الليل صعدوا ونزل غيرهم فطافوا بالبيت حتى الصباح ، وإن الحسينعليه‌السلام لأكرم إلى الله من البيت ، وإنه في وقت كل صلاة لينزل عليه سبعون ألف ملك شعث غبر لا يقع عليهم النوبة إلى يوم القيامة

وروي أن امرأة يقال لها أُم سعيد الأحمسية وهذه المرأة من أهل العراق وقد ذهبت إلى زيارة الشهداء في المدينة في زمان الإمام الصادقعليه‌السلام قالت : فجئت إلى الصادقعليه‌السلام فدخلت عليه فجاءت الجارية فقالت : قد جئتك بالدابة فقالعليه‌السلام : يا أُم سعيد أي شيء هذه الدابة أين تبغين تذهبين ، قلت : أزور قبور الشهداء ؛ فقالعليه‌السلام : ما أعجبكم يا أهل العراق تأتون الشهداء من سفر بعيد وتتركون سيد الشهداء ألا تأتونه ، قالت : فقلت له : مَن سيد الشهداء ؟ فقالعليه‌السلام : هو الإمام الحسينعليه‌السلام بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، تقول : فقلت له : إني امرأة ، فقال : لا بأس لمن مثلك أن تذهب إليه وتزوره ، فقلت : أي شيء لنا في زيارته ، قال : كعدل حجة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام


وصيامها وخير منها قالت : وبسط يده وضمها ثلاث مرات ، ثم قالعليه‌السلام : يا أُم سعيد تزورين قبر الحسين ، قالت : قلت : نعم ، قال : يا أُم سعيد زوريه فإنّ زيارته واجبة على الرجال والنساء(١)

وفي البحار عن حنان بن سدير عن أبيه قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا سدير تزور قبر الحسين في كل يوم ، قلت : لا ، فقال : ما أجفاكم فتزوره في كل شهر قلت : لا ، قال : أفتزوره في كل سنة ، قلت : قد يكون ذلك ، قال : يا سدير ما أفجاكم بالحسينعليه‌السلام ، أما علمت أن لله ألف ألف ملك شعث غبر يبكون فيزورون لا يفترون ، وعليك يا سدير أن تزور قبر الحسين في الجمعة خمس مرات وفي كل يوم مرة ، قلت : جعلت فداك بيننا وبينه فراسخ كثيرة ، قال لي : إصعد فوق سطحك ثم تلفت يمنة ويسرة ثم ترفع رأسك إلى السماء ثم تنحو نحو القبر وتقول : « السلام عليك يا أبا عبد الله ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته » يكتب لك بكل زيارة حجة وعمرة

روي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : لو يعلم الناس ما في زيارة الحسينعليه‌السلام من الفضل لماتوا شوقاً إليه وتقطعت أنفاسهم عليه حسرات

وقالعليه‌السلام : من أتاه متشوقاً كتب الله له ألف حجة متقبلة ، وألف عمرة مبرورة ، وأجر ألف شهيد من شهداء بدر ، وأجر ألف صائم وثواب ألف صدقة مقبولة ، وثواب ألف نسمة أُريد بها وجه الله ، ولم يزل محفوظاً سنة من كل آفة ، وإن مات في سنته حضرته الملائكة وهم ملائكة الرحمة ، يحضرون غسله وإكفانه والاستغفار له ، ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له ، ويفسح له في قبره ، ويؤمنه الله
__________________

(١) نفس المصدر : ٣٢٠


من ضغطة القبر ، ومن منكر ونكير أن يروعاه ، ويفتح له باب إلى الجنة ، ويعطى كتابه بيمينه ويعطى يوم القيامة نوراً ليضيء لنوره ما بين المشرق ، والمغرب وينادىٰ هذا من زوار قبر الحسين بن عليعليه‌السلام ، ثم يقول الإمامعليه‌السلام : إذا اغتسل الزائر من ماء الفرات تساقطت عنه ذنوبه كيوم ولدته أُمه(١)


__________________

(١) نفس المصدر : ٣١٨


في معنى الزيارة ووظائفها

قال في مجمع البحرين ، زاره يزوره زيارة : قصده إلى أن قال : والزيارة في العرف : قصد المزور اكراماً له وتعظيماً له واستيناساً به

وقيل : الزيارة هي الحضور عند المزور وقيل : هي التشرف بمحضر الإمامعليه‌السلام ولا ريب في أن المعنى الأول يعمّ الزيارة من قريب أو بعيد فإن القصد عام وإن كان يتبادر منه قصد الزيارة من قريب

وكيف كان فأكثر مصاديقها يلاحظ فيها المعنى العرفي ، فهي إذا لوحظت بالنسبة إلى العرف فمصاديقها ظاهرة عندهم ، وإذا لوحظت بالنسبة إلى الإمامعليه‌السلام حياً كان أو ميتاً فلها شرائط خاصّة زائدة على معناها اللغوي والعرفي سنشير إليها

ثم على معنى أن حقيقة الزيارة هو الحضور عند المزور فتحقق هذا المعنى من الزائر لهمعليهم‌السلام مشكل جداً إلّا إذا عمل بوظائف الزيارة وهي على قسمين :

الأول : الوظائف التي تجب مراعاتها ظاهراً

الثاني : التي تجب مراعاتها باطناً

أمّا الأول : ففيه أُمور :

الأمر الأول : قال الله تعالى :( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (١) ،
__________________

(١) سورة طه : ١٢


وقال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) (١)

دلّت هذه الآيات على لزوم إكرام الروضات المقدسة ، وخلع النعلين بعيداً عنها ولا سيما في الطف والغري لما روي أن الشجرة كانت في كربلاء وأن الغري قطعة من الطور ، فهما المحل الذي أمر موسىعليه‌السلام بتلك الآداب ، كما دلّت هذه الآيات على لزوم خفض الصوت عند قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعدم جهر الصوت لا بالزيارة ولا بغيرها إلّا بالنحو المتعارف الذي يكون مصداقاً للصوت

ولما روي ، كما عن المجلسيرحمه‌الله : إن حرمتهم بعد موتهم كحرمتهم في حياتهم

وكذا عند قبور الأئمةعليهم‌السلام لما ورد : أن حرمتهم كحرمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

فعلم أنه لابد من إزالة ما به هتك إحترامهم ، ولابدّ من خفض الصوت عندهم

الأمر الثاني : أن يكون متطهّراً من الحدث والخبث

قال الشهيدرحمه‌الله في الدروس : للزيارات آداب ، أحدها : الغسل قبل دخول المسجد ، والكون على طهارة ، فلو أحدث أعاد الغسل ، قاله المفيدرحمه‌الله ، وإتيانه بخضوع وخشوع في ثياب طاهرة نظيفة جدد

فعن أبي عبد اللهعليه‌السلام في قوله تعالى :( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) (٢) ، قالعليه‌السلام : الغسل عند لقاء كل إمام

__________________

(١) سورة الحجرات : ٢ و ٣

(٢) سورة الأعراف : ٣١


مضافاً إلى ما روي في البحار(١) عن قرب الأسناد عن أبي سعد ، عن الأزدي قال : خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد اللهعليه‌السلام فلحقنا أبو بصير خارجاً من زقاق من أزقة المدينة وهو جنب ، ونحن لا علم لنا حتى دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام فسلمنا عليه فرفع رأسه إلى أبي بصير فقال له : يا أبا بصير أما تعلم إنه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الأنبياء فرجع أبو بصير ودخلنا

وعن كتاب فرحة الغري(٢) عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : إذا أردت زيارة قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام فتوضأ واغتسل وامش على هيئتك وقل ، الخبر

والأخبار الدالة عليه كثيرة في مطاوي أحاديث الزيارات ، إلّا أنه وقع الكلام في وقت غسل الزيارة ، وأنه لابد من اتصاله بالزيارة ، أو يكفي غسل اليوم إلى الليل ، وغسل الليل إلى طلوع الفجر وإن نام وأحدث

ففي البحار عن التهذيب عن عمر بن يزيد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل ، ومن اغتسل ليلاً كفاه غسله إلى طلوع الفجر

قال المجلسيرحمه‌الله : الظاهر أن المراد بالوجوب هنا اللزوم والاستحباب المؤكّد

وفيه عن السرائر : جميل عن حسين الخراساني عن أحدهماعليهما‌السلام أنه سمعه يقول : غسل يومك يجزيك لليلتك ، وغسل ليلتك يجزيك ليومك

قالرحمه‌الله : هذا الخبر الذي أخرجه ابن إدريس من كتاب جميل ، الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ، تدل على ما هو أوسع من الخبر المتقدم ، وأنه إذا اغتسل في أول اليوم يجزيه إلى آخر الليل وبالعكس

__________________

(١) بحار الأنوار ١٠٠ : ١٢٦

(٢) بحار الأنوار ١٠٠ : ٢٧١


الأمر الثالث : الطواف بمراقد النبي والأئمة عليهم‌السلام :

قد اشتهر في أنه هل يجوز الطواف بمراقد النبي والأئمةعليهم‌السلام أم لا ؟ فقيل بالثاني استناداً إلى ما عن علل الشرائع كما في البحار(١) بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : لا تشرب وأنت قائم ولا تطف بقبر ، ولا تبل في ماء نقيع فإنه من فعل ذلك فأصابه شيء فلا يلومنّ إلّا نفسه ، ومن فعل شيئاً من ذلك لم يكن يفارقه إلّا ما شاء الله

قال صاحب الأنوار الساطعة فيه(٢) : ما لا يخفى من المنع توضيحه : قال في المجمع : والطواف الغائط ومنه الخبر : لا يصل أحدكم وهو يدافع الطواف ، ومنه الحديث : لا تبل في مستنقع ولا تطف بقبر

فعلم أن المراد من قوله : ولا تطف بقبر ، وهو النهي عن التغوط

ويؤيده ما قاله في النهاية : الطوف ، الحدث من الطعام ، ومنه الحديث نهى عن متحدثين على طوفهما أي عند الغائط

وهناك شواهد أُخر من الأحاديث على أن المراد منه هو التغوط ، ففي حديثين وردا عن راو واحد بسياق واحد في بيان موجبات تسرّع الشيطان إلى الإنسان وهي أُمور : منها التخلي عند قبر وذكر في الآخر ولا تطف بقبر مكانه فيعطى الظن القوي بأن المراد من قوله لا تطف بقبر هو النهي عن التخلي عند قبر ، وتوضيحه في محله على أنه يمكن النهي عنه بعنوان طواف البيت من حيث العدد المخصوص

مضافاً إلى إنه ورد في الزيارة الجامعة لأئمة المسلمينعليهم‌السلام إلّا أن نطوف حول مشاهدكم وفي بعض الروايات : قبّل جوانب القبر

__________________

(١) بحار الأنوار ١٠٠ : ١٢٦

(٢) في شرح زيارة الجامعة للشيخ جواد الكربلائي ١ : ٣٦٨


وفي الكافي بإسناده عن محمد بن أبي العلاء قال : سمعت يحيى بن أكثم قاضي سامراء بعد ما جهدت به وناظرته وحاورته ، وواصلته وسألته عن علوم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأيت محمد ابن علي الرضاعليه‌السلام يطوف به فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إليّ ، الخبر

في فهذا الخبر صريح بأنهعليه‌السلام كان يطوف بالقبر الشريف

نعم الأحوط أن لا يطوف إلّا للإتيان بالأدعية والأعمال المأثورة لما حول القبر

والحاصل : أن المشي حول القبر مطلقاً بقصد تقبيل جوانب القبر ، أو ذكر الأدعية الواردة ليس طوافاً كطواف البيت ، وإن أطلق عليه لفظ الطواف ، بل الظاهر أن المشي حول البيت بدون قصد المأمور به ليس الطواف الشرعي الذي هو من أعمال الحج والعمرة نعم هو طواف لغوي كالطواف حول القبور

فالظاهر أنه لا إشكال في الطواف بهذا المعنى حول قبور الأئمةعليهم‌السلام

هذا مع أنه يمكن تخصيص المنع بقبر غير المعصوم جمعاً وبين ما دلّ على عمل المعصوم الطواف به كما تقدم

الأمر الرابع : تقبيل القبور :

فالظاهر أنه مما لا خلاف فيه بين الإمامية في جوازه بل استحبابه

ويدل عليه ما في مطاوي أحاديث الزيارات من قولهعليه‌السلام : قبّل جوانب القبر وغيره ، وقد نقل الشهيدرحمه‌الله في الدروس بوجود نص على التقبيل

نعم ، هل يجوز تقبيل العتبة أم لا ؟ قولان ، أقواهما الأول ، قال الشهيد في الدروس : ولا كراهة في تقبيل الضرائح بل هو سنة عندنا ، ولو كان هناك تقيّة فتركه أولى

وأما تقبيل الأعتاب فلم نقف فيه على نص يعتد به ، ولكن عليه الإمامية ، ولو سجد الزائر ونوى بالسجدة الشكر لله تعالى على بلوغه تلك البقعة كان أولى


قال صاحب الأنوار الساطعة : لم نعلم كون الهوي لتقبيل العتبة من السجدة حتى يقصد بها سجدة الشكر ، وإلّا لكان مطلق الهوي لتقبيل زوجته النائمة سجدة ، وهو كما ترى بل المتراءى من العوام أن القصد من الهوي هو التعظيم لهعليه‌السلام بتقبيل العتبة ، على أن الكلام في هذا الهوي المطلق ، وإلّا فلا ريب في عدم جواز السجدة لغير الله تعالى حتى يقال في المقام بأولوية قصد سجدة الشكر فراراً عن السجدة لغيره تعالى بل هو واجب حينئذ فتأمل(١)

وعلى أيّ حال تقبيل العتبة لا إشكال فيه ، ولو لم يقصد السجدة تمسكاً بمطلقات تقبيل العتبة

نعم قد يقال : إن المنصرف من العتبة هو الخشية الرافعة في أطراف الباب لا الملتصقة بالأرض ، وفيه ما لا يخفى من البعد ومنع الانصراف

وفي المجمع : والعتبة أُسكفّة الباب والجمع عتب ، وهو كما ترى مطلق يشمل الخشبة الملتصقة بالأرض

الأمر الخامس : في وقت الزيارة ومحلّها :

قال صاحب الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة : أما أصلها فيقتصر على الإتيان بها في المأثور في الزيارات أو الإتيان بها رجاءً

وأما وقتها : قال الشهيدرحمه‌الله في الدروس : ومن دخل المسجد والإمام يصلي بدأ بالصلاة قبل الزيارة ، وكذلك لو كان حضر وقتها وإلّا فالبدءة بالزيارة أولى ؛ لأنّها مقصده ، إلى أن قال : وينبغي مع كثرة الزائرين أن يخفف السابقون إلى الضريح الزيارة وينصرفوا ؛ ليحضر من بعدهم فيفوزوا من القرب إلى الضريح بما فاز أُولئك

__________________

(١) وجه التأمل أنه لعل المراد من قولهرحمه‌الله ولو سجد الزائر الخ انه يسجد لله تعالى عوض الهوى للتقبيل لا ان الهوى للتقبيل يكون سجدة مطلقاً فيكون الأولى قصد سجدة الشكر فتدبّر


وقال في مكان الزيارة : وثالثها من الآداب : الوقوف على الضريح ملاصقاً له أو غير ملاصق ، وتوهم أن البعد أدب وهم فقد نصّ على الاتكاء على الضريح وتقبيله

وأما محل صلاة الزيارة ، قال فيهرحمه‌الله : سادسها : صلاة ركعتين للزيارة عند الفراغ ، فإن كان زائراً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ففي الروضة ، وإن كان لأحد الأئمةعليهم‌السلام فعند رأسه ، ولو صلاهما بمسجد المكان جاز ، ورويت رخصة في صلاتهما إلى القبر ولو استدبر القبلة وصلّى جاز ، وإن كان غير مستحسن إلّا مع البعد

فعن الاحتجاج : كتب الحميري إلى الناحية المقدسة يسأل عن الرجل يزور قبور الأئمةعليهم‌السلام هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهمعليهم‌السلام أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ، أم يقوم عند رأسه أو رجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلي ويجعل القبر خلفه أم لا ؟

فأجاب ( صلوات الله عليه ) : أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة ، والذي عليه العمل أن يضع خدّه الأيمن على القبر ، وأما الصلاة فإنها خلفه ، ويجعل القبر أمامه ، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره ، لأن الإمامعليه‌السلام لا يتقدم عليه ولا يساوى

وفيه عن علل الشرائع بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت له : الصلاة بين القبور ؟ قال : صل بين خلالها ولا تتخذ شيئاً منها قبلة ، فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن ذلك ، وقال : لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً ، فإن الله عزّ وجل لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم قبلة

لا إشكال في جعل القبر أمامه في الصلاة ، وأما السجود عليه فلا ، وأما التقدم أو التساوي على القبر ففتاوى العلماء مختلفة والأغلب عدم الجواز ، كلّ ذلك بلا فرق بين الصلاة الواجبة أو المستحبة بأقسامها


وهناك أُمور أُخر لابد من ملاحظتها ، فعن الشهيدرحمه‌الله إنه ذكر أُموراً في الدروس تقدم بعضها :

منها : استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة هذا في زيارة الإمامعليه‌السلام وأما غيره فالأمر بالعكس كما ذكره المحدث القمي

ومنها : الزيارات المأثورة للنهي عن الزيارات والأدعية المخترعة

روى الكلينيرحمه‌الله عن عبد الرحيم القصير قال : دخلت على الصادقعليه‌السلام فقلت : جعلت فداك قد اخترعت دعاء من نفسي ، فقالعليه‌السلام : دعني اختراعك ، إذا عرضتك حاجة فلذ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وصل ركعتين واهدهما إليه ، الخبر

ومنها : الدعاء خصوصاً بعد الصلاة

ومنها : التصديق بشيء على السدنة والحفظة للمشهد الشريف

ومنها : تعجيل الخروج عند قضاء الوطر من الزيارة لتعظم الحرمة ، ويشتد الشوق كما علمت من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : زرني غبّاً تزود حبّاً

ومنها : إن الخارج يمشي القهقري حتى يتوارى كما روي

ومنها : تلاوة القرآن عند المزور وإهدائه له فإن ذلك تعظيم للمزور

ومنها : إذا دخل قدّم رجله اليمنى وإذا خرج فباليسرى كالمسجد

ومنها : أن يلبس ثياباً طاهرة نظيفة ويحسن أن تكون بيضاء

ومنها : أن يقصر خطاه إذا خرج إلى الروضة المقدسة لما له من ثواب حج وعمرة لكلّ خطوة كما روي وأن يسير وعليه السكينة والوقار بحال الخشوع والخضوع مطأطأ رأسه غير ملتفت إلى الجوانب ، ومع هذا يكون لشأنه مشتغلاً بالتكبير والتسبيح والتهليل والتمجيد والصلاة على محمد وآله ، وأن يزور الإمام قائماً على قدميه إلّا إذا استولى عليه الضعف ونحوه من الأعذار

ومنها : التطيب بالطيب فيما عدا زيارة الحسينعليه‌السلام فإن زيارته له أدب خاص


ففي كامل الزيارات بإسناده عن كرام بن عمرو قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام لكرام : إذا أردت أنت قبر الحسينعليه‌السلام فزره وأنت كئيب حزين شعث مغبّر فإن الحسينعليه‌السلام قتل وهو كئيب حزين شعث مغبّر جائع عطشان

وأمّا الثاني : أعني الوظائف التي تجب مراعاتها باطناً

قال الشهيدرحمه‌الله ، في الآداب : وثانيها : الوقوف على بابه والدعاء والاستيذان بالمأثور ، فإن وجد خشوعاً ورقّة دخل وإلّا فالأفضل له تحري زمان الرقّة ، لأن الغرض الأهم حضور القلب ليلقى الرحمة النازلة من الرب

وقال : وتاسعها : إحضار القلب في جميع أحواله مهما استطاع ، والتوبة من الذنب والاستغفار والإقلاع ( أي البناء على ترك العود إلى الذنب بنية صادقة جازمة )

فإن المستفاد من الأحاديث هو لزوم تحصيل حضور القلب في الزيارة ، خصوصاً عند الاستيذان وقبل الزيارة وهي بأُمور : منها التفكر في عظمة صاحب القبر ، وأنه يرى مقامه ويسمع كلامه ويرد سلامه ، والتدبر في لطفهم وحبهم لشيعتهم وزائريهم ، والتأمل في فساد حاله وجفائه لهمعليهم‌السلام بالتقصير عن أداء حقوقهم وحقوق شيعتهم ، والعمل بوظائفه بالنسبة إلى دينه وشرعه ، وأن يتمثل نفسه بحالات توجب له البكاء والرقة والحنين


السر في عدد الأربعين

لا يعرف أحد السرّ الدفين في عدد « الأربعين » وفلسفته الوجوديّة ، وامتيازه على الأعداد الأُخرى والأرقام الثانية ، حيث نواجه في الأحاديث المأثورة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته الكرام ، تركيزاً كثيراً في شتّى المجالات والمواضيع على هذا العدد : « الأربعين » بالذات ، ممّا يسترعي الانتباه والوقوف أمام هذه الظاهرة الفريدة بين الأعداد والأرقام كما أن القرآن الكريم عند سرده لقصص بعض الأنبياء العظام يومیء إلى دور هذا العدد في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

وإليك بعض التفصيل لما ألمحنا إليه من القرآن الكريم والسنة الشريفة وهو :

تحدّث القرآن الكريم عن قوم موسىعليه‌السلام وتقهقرهم على ما كانوا من الكفر والضلال عندما تأخر عنهم موسىعليه‌السلام أربعين ليلة قائلاً :( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ) (١)

كما وأن القرآن الكريم قد جاء على ذكر قوم موسىعليه‌السلام ، وما تلقّوا من العذاب في الدنيا بعد أن رفضوا الانصياع له عليه الصلاة والسلام ، متحدثاً :

( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (٢) بعد أن أمر موسىعليه‌السلام قومه بالدخول في الأرض المقدسة حسب
__________________

(١) البقرة : ٥١

(٢) المائدة : ٢٦


ما يحكي القرآن الكريم( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) ولكن قومه تعنتوا وتمرّدوا و( قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) فتاهوا أربعين سنة في البيداء

وفي مجال ثالث يربط القرآن الكريم بين بلوغ الأشدّ وكمال العقل لدى الإنسان من جهة وبين البلوغ للعام الأربعين من جهة أُخرى حيث يقول عزّ من قائل :( حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) (١) ففي هذه الموارد الثلاثة يؤكد القرآن الكريم على عدد « الأربعين »

وأما الأحاديث التي جاءت على ذكر عدد الأربعين في مجالات مختلفة فكثيرة :

منها : إستحباب شهادة أربعين مؤمناً بالخير والإيمان للمؤمن الذي رحل من الدنيا

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إنه قال : « إذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين فقالوا اللهم إنا لا نعلم منه إلّا خيراً وأنت أعلم به منّا قال الله تبارك وتعالى قد أجزت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون »(٢)

ومنها : إستحباب اجتماع أربعين شخصاً في الدعاء والمسألة من الله سبحانه

عن أبي خالد قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام « ما من رهط أربعين رجلاً اجتمعوا فدعوا الله عزّ وجل في أمر إلّا استجاب لهم »(٣)

__________________

(١) الأحقاف : ١٥

(٢) وسائل الشيعة ٢ : ٩٢٥ ، الباب ٩٠ من أبواب الدفن ، الحديث ١

(٣) وسائل الشيعة ٤ : ١١٤٣ ، الباب ٣٨ من أبواب الدعاء ، الحديث ١


ومنها : إستحباب دعاء الإنسان لأربعين شخصاً من المؤمنين قبل دعائه لنفسه

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « من قدّم في دعائه أربعين من المؤمنين ثم دعا لنفسه استجيب له »(١)

ومنها : تأكد إستحباب زيارة الحسينعليه‌السلام يوم الأربعين من مقتله وهو يوم العشرين من سفر

عن أبي محمد الحسن بن علي العسكريعليه‌السلام إنه قال : « علامات المؤمن خمس : صلاة الخمسين ، وزيارة الأربعين ، والتختم باليمين ، وتعفير الجبين ، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم »(٢)

ومنها : إستحباب رش القبر بالماء بعد الدفن وتكراره أربعين شهراً أو أربعين يوماً وفي كل يوم مرّة واحدة

عن محمد بن الوليد إن صاحب المقبرة سأله عن قبر يونس بن يعقوب وقال : « من صاحب هذا القبر فإنّ أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام أمرني أن أرش قبره أربعين شهراً أو أربعين يوماً في كل يوم مرة »(٣)

ومنها : إن آثار الإخلاص لله تتفجر لدى المؤمن إذا استمر عليه لمدة أربعين يوماً

عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً أو قال ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوماً إلّا زهده الله في الدنيا ، وبصره دائها ودوائها ، وأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه »(٤)

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ٤ ، الباب ٤٥ من أبواب الدعاء ، الحديث ٥

(٢) وسائل الشيعة ج ١٠ ، الباب ٥٦ من أبواب المزار وما يناسبه

(٣) وسائل الشيعة ٢ : ٨٦٠ ، الباب ٣٢ من أبواب الدفن ، الحديث ٦

(٤) بحار الأنوار ٧٠ : ٢٤٠ ، الحديث ٨


ومنها : احتباس الوحي عن النبي موسىعليه‌السلام أربعين صباحاً(١) وأن مدّة ملك داودعليه‌السلام كانت أربعين سنة(٢) وأن الوحي قد احتبس عن النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين يوماً(٣)

كما قيل إن الله سبحانه وتعالى قد جعل إنتقال الإنسان في أصل الخلقة من حال إلى حال في أربعين يوماً كالانتقال من النطفة إلى العلقة ، ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظام ومنها إلى اكتساء اللحم(٤)

وأورد المحقق الخبير الشيخ آقا بزرگ الطهراني في « الذريعة »(٥) إثنا عشر كتاباً لعلمائنا الكبار القدامى باسم « الأربعون » مثل « الأربعون مسألة » للشيخ جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي المتوفّى عام ( ٦٠٦ هـ ) الموافق عام ( ١١٨٥ م ) و « الأربعون مسألة » للشيخ شمس الدين محمد بن مكي الشهيد عام ( ٧٨٦ هـ ) الموافق سنة ( ١٣٦٦ م )

كما أن جمعاً من علمائنا العظام رضوان الله تعالى عليهم وضعوا كتباً اسموها بـ « الأربعينيات » لاستقصاء ما ورد ذكر الأربعين فيها مثل « الأربعونيّات » للشيخ حبيب الله بن شيخ الحكماء و « الأربعونيات » للعلامة النوري قدس الله نفسه

فنستظهر من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ، واهتمام العلماء بعدد الأربعين في تصانيفهم القيّمة ، أن لهذا العدد شأناً قد لا يتوفر في الأعداد والأرقام الأُخرى

__________________

(١) بحار الأنوار ١٣ : ٢٨ ، الحديث ٩

(٢) بحار الأنوار ١٤ : ١٥ ، الحديث ٢٣

(٣) بحار الأنوار ١٦ : ١٣٦

(٤) بحار الأنوار ٧٠ : ٢٤١

(٥) الذريعة ١ : ٤٣٤ ، دار الأضواء ـ بيروت


ومن جملة تلك الروايات المأثورة عن أهل البيتعليهم‌السلام واهتمامات علمائنا الأبرار ، الأحاديث المعروفة المشهورة بـ « حفظ أربعين حديثاً »

عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : « من حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً بعثه الله عزّ وجل يوم القيامة عالماً فقيهاً ولم يعذّبه »(١)

وعن أنس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من حفظ عني من أُمتي أربعين حديثاً في أمر دينه يريد به وجه الله عزّ وجل والدار الآخرة بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً »(٢)

وغير ذلك من الأخبار المنقولة عن المعصومينعليهم‌السلام التي تفوق حدّ الإحصاء قال المجلسيرحمه‌الله : « هذا المضمون مشهور مستفيض بين الخاصّة والعامّة بل قيل إنه متواتر »(٣)

وذكر الباحث المدقق الطهراني في « الذريعة »(٤) سبع وسبعين كتاباً باسم ( الأربعون حديثاً ) للعلماء والفقهاء والمحدثين ابتداءاً من القرن الرابع الهجري حسب إحصائه إلى القرن الرابع عشر الهجري ونجد بأن هذه الكتب مختلفة فيما بينها من ناحية الموضوع والمضمون ، رغم اتفاق جميع هذه الكتب في اسم واحد هو : « أربعون حديثاً » إذ أن قسماً منها في مناقب الفقراء خاصة وقسماً آخر في خصوص الإمامة ، وقسماً ثالثاً في فضائل أمير المؤمنين وقسماً رابعاً في الأحكام والأخلاق وخامساً في فضيلة العلم وسادساً في الطب وسابعاً في الأخلاق


__________________

(١) بحار الأنوار ٢ : ١٥٣ ، الحديث ١

(٢) بحار الأنوار ٢ : ١٥٤ ، الحديث ٥

(٣) بحار الأنوار ٢ : ١٥٦ ، الحديث ٥

(٤) الذريعة ١ : ٤٠٩


متن زيارة أربعين الإمام الحسينعليه‌السلام

رواها الشيخ في التهذيب(١) والمصباح عن صفوان الجمّال قال ، قال لي مولاي الصادقعليه‌السلام في زيارة الأربعين ، تزول عند ارتفاع النهار وتقول :

اَلسَّلامُ عَلىٰ وَلِيِّ اللهِ وَحَبيبهِ ، اَلسَّلامُ عَلىٰ خَليلِ اللهِ وَنَجيبِهِ ، اَلسَّلامُ عَلىٰ صَفِيِّ اللهِ وَابْنِ صَفِيِّهِ ، اَلسَّلامُ عَلىَ الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهيدِ ، اَلسَّلامُ علىٰ اَسيرِ الْكُرُباتِ ، وَقَتيلِ الْعَبَراتِ ، اَللّهُمَّ اِنّي اَشْهَدُ اَنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ ، وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ ، الْفآئِزُ بِكَرامَتِكَ ، اَكْرَمْتَهُ بِالشَّهادَةِ ، وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعادَةِ ، وَاَجْتَبَيْتَهُ بِطيبِ الْوِلادَةِ ، وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السّادَةِ وَقآئِداً مِنَ الْقادَةِ ، وَذآئِداً مِنْ الْذادَةِ ، وَاَعْطَيْتَهُ مَواريثَ الْأَنْبِيآءِ ، وَجَعَلْتَهُ حُجَّةً عَلىٰ خَلْقِكَ مِنَ الْأَوْصِيآءِ ، فَاَعْذَرَ فيِ الدُّعآءِ ، وَمَنَحَ النُّصْحَ ، وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فيكَ ، لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ ، وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا ، وَباعَ حَظَّهُ بِالْأَرْذَلِ الْأَدْنىٰ ، وَشَرىٰ آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوْكَسِ ،
__________________

(١) عن التهذيب قال : اخبرنا جماعة من أصحابنا عن أبي محمد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري ، قال : حدثنا محمد بن علي بن معمر ، قال : حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن مسعدة والحسن بن علي بن فضال عن سعدان بن مسلم عن صفوان بن مهران الجمال ، وعن وسائل الشيعة باب تأكّد استحباب زيارة الحسينعليه‌السلام في يوم الأربعين من مقتله وهو يوم العشرين من صفر قال روي عن أبي محمد الحسن العسكريعليه‌السلام أنه قال : علامات المؤمن خمس : صلاة إحدى والخمسين وزيارة الأربعين والتختم في اليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم


وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّىٰ في هَواهُ ، وَاَسْخَطَكَ وَاَسْخَطَ نَبِيَّكَ ، وَاَطاعَ مِنْ عِبادِكَ اَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ ، وَحَمَلَةَ الْأَوْزارِ الْمُسْتَوْجِبينَ النّارَ ، فَجاهَدَهُمْ فيكَ صابِراً مُحْتَسِباً ، حَتّىٰ سُفِكَ فی طٰاعَتِكَ دَمُهُ ، وَاسْتُبيحَ حَريمُهُ ، اَللّٰهُمَّ فَالْعَنْهُمْ لَعْناً وَبيلاً ، وَعَذِّبْهُمْ عَذٰاباً اَليماً ، اَلسَّلٰامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ ، اَلسَّلٰامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ سَيِّدِ الْأَوْصِيٰآءِ اَشْهَدُ اَنَّكَ اَمينُ اللهِ وَابْنُ اَمينِهِ ، عِشْتَ سَعيداً ، وَمَضَيْتَ حَميداً وَمُتَّ فَقيداً مَظْلُوماً شَهيداً ، وَاَشْهَدُ اَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ مٰا وَعَدَكَ ، وَمُهْلِكٌ مَنْ خَذَلَكَ وَمُعَذِّبٌ مَنْ قَتَلَكَ ، وَاَشْهَدُ اَنَّكَ وَفَيْتَ بِعَهْدِ اللهِ ، وَجٰاهَدْتَ فی سَبيلِهِ حَتّىٰ اَتيٰكَ الْيَقينُ ، فَلَعَنَ اللهُ مَنْ قَتَلَكَ ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ظَلَمَكَ ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً سَمِعَتْ بِذٰلِكَ فَرَضِيَتْ بِهِ ، اَللّٰهُمَّ اِنّی اُشْهِدُكَ اَنّی وَلِیٌّ لِمَنْ وٰالٰاهُ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عٰادٰاهُ ، بِاَبی اَنْتَ وَاُمّی يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ ، اَشْهَدُ اَنَّكَ كُنْتَ نُوراً فىِ الْأَصْلٰابِ الشّٰامِخَةِ وَالْأَرْحٰامِ الْمُطَهَّرَةِ ، لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجٰاهِلِيَّةُ بِاَنْجٰاسِهٰا ، وَلَمْ تُلْبِسْكَ الْمُدْلَهِمّٰاتُ مِنْ ثِيٰابِهٰا ، وَاَشْهَدُ اَنَّكَ مِنْ دَعٰآئِمِ ٱلدّينِ وَاَرْكٰانِ الْمُسْلِمينَ ، وَمَعْقِلِ الْمُؤْمِنينَ ، وَاَشْهَدُ اَنَّكَ الْأِمٰامُ الْبَرُّ التَّقِيُّ ، الرَّضِیُّ الزَّكِیُّ الْهٰادِی الْمَهْدِیُّ ، وَاَشْهَدُ اَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِكَ كَلِمَةُ التَّقْوىٰ ، وَاَعْلٰامُ الْهُدىٰ ، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقىٰ ، وَالْحُجَّةُ علىٰ اَهْلِ الدُّنْيٰا ، وَاَشْهَدُ اَنّی بِكُمْ مُؤْمِنٌ ، وَبِاِيٰابِكُمْ مُوقِنٌ ، بِشَرٰايِعِ دينی وَخَوٰاتيمِ عَمَلی ، وَقَلْبی لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ وَاَمْري لِأَمْرِكُمْ مُتَّبِعٌ ، وَنُصْرَتی لَكُمْ مُعَدَّةٌ ، حَتّىٰ يَاْذَنَ اللهُ لَكُمْ ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لامَعَ عَدُوِّكُمْ ، صَلَوٰاتُ اللهِ عَلَيْكُمْ ، وَعلىٰ اَرْوٰاحِكُمْ وَاَجْسٰادِكُمْ ، وَشٰاهِدِكُمْ وَغٰآئِبِكُمْ ، وَظٰاهِرِكُمْ وَبٰاطِنِكُمْ ، آمينَ رَبَّ الْعٰالَمينَ





اَلسَّلامُ عَلىٰ

مرّ الكلام في بيان ما يلزم لزائر الإمام الحسينعليه‌السلام وفضل زيارته وأما الكلام في شرح متن الزيارة فنقول قول الإمام الصادقعليه‌السلام :

اَلسَّلٰامُ : نوع من التحيّة وإنّها تحيّة الإسلام والمسلمين ، وكان قبل الإسلام يحيّون بقولهم : « أهلاً ومرحباً » وغيرهما ، وبعد الإسلام والشَّرع إختصَّ بقول : « سلام عليكم » والمقصود منها : تعظيم المحيّي للمحيّی للتأليف بين القلوب ويدلّ على أنّ المراد به التحيّة قوله تعالى :( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ) (١) وقوله تعالى :( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّـهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ) (٢) ، وقد ورد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ابدؤا بالسَّلام قبل الكلام ، فمن بدأ بالكلام قبل السَّلام فلا تجيبوه(٣) وعن الباقرعليه‌السلام : إنّ الله يحبّ إفشاء السَّلام(٤) ولذا نرى الشريعة المقدّسة أكّدت على إفشاء السَّلام وجعلت ردّ السّلام واجباً كفائيّاً وأمّا البادئ بها فله من الأجر كما ورد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : من قال السَّلام عليكم كتب له عشر حسنات ، ومن قال السَّلام عليكم ورحمة الله كُتب له عشرون حسنة ، ومن قال : السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة(٥)

وجاء في تفسير السَّلام : أنّه مأخوذ من سلم الآفات سلامة أي سلمت من المكاره والآفات وإليه يرجع ما قيل من انّه دعاء بالسلامة لصاحبه من آفات الدُّنيا وعذاب الآخرة وضعه الشارع موضع التحيّة والبشرى بالسلامة(٦)

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٤٤

(٢) سورة يونس : ١٠

(٣) أُصول الكافي للكليني ٢ : ٦٣٨

(٤) نفس المصدر

(٥) مجمع البيان ٣ : ١٠٨ ، ط بيروت

(٦) لسان العرب ٦ : ٣٤٣ ، ط بيروت


وقد ورد في تفسير وتأييد هذا المعنى ما روي عن داود بن كثير الرقي قال ، قلت : ما معنى السَّلام على الله وعلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال : إنّ الله لمّا خلق نبيّه ووصيّه وإبنيه وإبنته وجميع الأئمّة وخلق شيعتهم أخذ عليهم الميثاق ، وأن يصبروا ويصابروا وأن يتّقوا الله ، ووعدهم أن يسلم لهم الأرض المباركة والحرم الآمن ، وأن ينزل لهم البيت المعمور ويظهر لهم السقف المرفوع وينجّيهم من عدوّهم والأرض الّتي يبدّلها من دار السلم ويسلّم ما فيها لهم ولا شبهة فيها ولا خصومة فيها لعدوّهم وأن يكون لهم فيها ما يحبّون ، وأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الأئمة وشيعتهم الميثاق بذلك ، وإنّما عليه أن يذكره نفس الميثاق وتجديد له على الله لعلّه أن يعجله ويعجل المسلم لهم بجميع ما فيه(١)

انّه مأخوذ من السَّلام الّذي هو إسم من أسماء الله كما قال :( السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ ) (٢) ، وقال :( لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ) (٣) فمعنى السَّلام عليك يعني الله عليك ، أي حافظ لأسرارك وعلومك من أن تنالها أيدي الجهلة وعاصم لك من الرجس والسهو والخطاء ومن كلّ مكروه

أو مأخوذ من السلم وهو الصلح كما قال تعالى :( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ) (٤) وقال : إنّي سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم ، أي مسالم ومصالح لمن صالحتم ، وقيل غير ذلك

__________________

(١) جنّة الحوادث في شرح زيارة وارث : ٣٢ عن الكافي ١ : ٤٥١

(٢) سورة الحشر : ٢٣

(٣) سورة الأنعام : ١٢٧

(٤) سورة الأنفال : ٦١


وإذا قيل : أليس في صحة السَّلام حياة وحضور المسلَّم عليه وعدم موته وقربه للمسلِّم والإمامعليه‌السلام قد فارق الحياة فكيف التوفيق في ذلك في هذه الزيارة

الجواب : انّ ذلك متحقّق بالنّسبة إلى أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين فإنّهم أحياء عند ربّهم في بساط القرب ويرزقون بموائد العلم والمعرفة ، ويسقون من كأس المقرّبين يرون مقام شيعتهم ويسمعون كلامهم ، ويردّون سلامهم ، كما ورد في إحدى زيارات الإمام الرّضاعليه‌السلام : « اَشْهَدُ بالله أَنَّكَ تَشْهَدُ مَقٰامي ، وَتَسْمَعُ كَلٰامي ، وَتَرُدُّ سَلامِي ، وَأَنْتَ حَيٌّ عِنْدَ رَبِّكَ مَرْزوق »(١) ، ويدلّ عليه من العقل براهين ساطعة ومن النقل اخبار كثيرة لائحة يطول الكلام بذكرها ، نذكر منها ما ورد في خطبة أمير المؤمنينعليه‌السلام : « يا سلمان انّ ميتنا إذا مات لم يمت ، ومقتولنا إذا قتل لم يقتل ، وغائبنا إذا غاب لم يغب ، ولا نلد ولا نولد ولا في البطون ولا يقاس بنا أحد من النّاس »(٢)

وعن أبي الحسن قال : سأل عن قول الله عزّ وجل :( اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) قال : إنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله كلّ صباح وأبرارها وفجارها فاحذروا

وعن أبي جعفرعليه‌السلام : تعرض كلّ خميس على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ومن المعلوم والواضح لو لم يكونواعليهم‌السلام أحياء ما تعرض عليهم أعمال العباد ، وعرض الأعمال من شأن الأحياء لا الأموات

__________________

(١) ضياء الصّالحين : ٢٦٧

(٢) مشارق أنوار اليقين ، لرجب البرسي : ٢٥٧ ، ط بيروت


وعن الباقرعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه : حياتي خير لكم تحدّثون ونحدّث لكم ، ومماتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم ، فإن رأيتُ حسناً جميلاً حمدت الله على ذلك ، وإن رأيتُ غير ذلك إستغفرت الله لكم(١)

قال السيد حسين الهمداني في كتابه الشموس الطالعة من مشارق زيارة الجامعة :

إنّما سمّى تبارك وتعالى نفسه السلام مبالغة لهذه الصّفة فيه تعالى ؛ لأنّه ليس شيء في عالم من العوالم إلّا وهو بتسليم من الله تعالى إلى خلقه ، فسمّى نفسه سلاماً مبالغة ، فقولهعليه‌السلام : « السَّلام عليكم » إشارة إلى أنّ تسليمه الكلّي من دون تقييد بشيء مقصور عليكم أهل البيت ؛ لأنّ جدّكم محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الصّادر الأوّل الذي ليس شيء في عالم الوجود من الخير والبركة والنّعمة إلّا وهو ذرّات ما أُوتيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّه في عالم الوجود قاب قوسين أو أدنى ، فحيّاه الله تعالى بتسليم جميع ماله من العوالم ، بعد تأديبه إيّاه أحسن التأديب ، ثمّ فوّض الله أمر دينه ، كما هو مفاد غير واحد من الروايات المرويّة في « الكافي »(٢) وأخذ ميثاق نبوّته وولايته من تمام ذوي الأرواح بعد ميثاق ربوبيته ، فنسبتهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليه تعالى كضيف سلطان حيّاه بإيكال اُمور مملكته وسياسة رعيّته إليه ، مع الإشارة إليه في كلّ جزء من جزئيّات أُموره وتأييده فيها شيئاً ، حيناً بعد حين ، ساعة فساعة ، بل آناً بعد آن ، ورغب رعاياه على طاعته ، وحذّرهم عن معصيته ، تعظيماً وإجلالاً لذلك الضيف ثم ورّث ذلك أهل بيته ، فجعل الإيمان بهم إيماناً به والكفر بهم كفراً به وطاعتهم طاعته وعصيانهم عصيانه ومعرفتهم معرفته وجهلهم جهله

__________________

(١) بصائر الدرجات ٤ : ٤٤٤ ، ط المرعشي

(٢) أُصول الكافي ١ ـ ٢٦٥


هذا ان اُريد به السَّلام من الله تعالى وأمّا إذا أُريد به السَّلام من الزائر فمعناه : أنّه مسلّم نفسه وماله ومطلق ما يتعلّق به من بدأ وجوده إلى الأبد إلى الإمام بحيث لا يرغب بشيء ممّا يتعلّق بعالم وجوده عنهعليه‌السلام ووطّن نفسه بإفنائها في إرادته ووقّفها عليهعليه‌السلام

وهذا هو المراد بما ورد في الزيارات من قوله : « عَلَيْكُمْ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ » لأن المراد بالله هو اسم الله الذي أودعه الله تعالى في مبدأه بدء ايجاده وانشائه ، لا الله المسمى تبارك وتعالى ، فيكون ذلك إقراراً منه بالرقيّة لهم من اعلى مراتبه إلى ادناها ، لا دعاءً ومسألةً لهم من الله تعالى ، فمعنى السَّلام من العبد هو تسليم جميع ما له من تمام عوالم وجوده إلى الإمامعليه‌السلام وقصرها عليه ؛ لأنّه هو الذي يستأهل لاسترقاقه وولايته عليه دون غيره(١)

__________________

(١) ص : ٣٩


وَلِيِّ

الولي والمولى : لها معان متعدّدة(١) فالولاية لغة بكسر الواو بمعنى الامارة والتولية والسلطان ، وبالفتح بمعنى المحبة

وأمّا بحسب الاصطلاح فهي حقيقة كلية وصفة إلهية ومن شؤونه الذاتية التي تقتضي الظهور( وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) وحيث إنها كانت في خفاء عن الظهور فاحبت الذات المقدّسة ان تعرف فخلق أي الأشياء لكي تظهر تلك الصفات فتعرف بها

والولاية تسري حكمها في جميع الأشياء فهي رفيقة الوجود تدور معه حيثما دار فكما ان الوجود بحسب الظهور له درجات متشتتة ومراتب متفاوتة بالكمال والنقص والشدّة والضعف ويحمل عليها بالتشكيك ، فكذلك الولاية إذا أخذناها بمعنى القرب لها درجات متفاوتة ومراتب مختلفة بالكمال والنقص والشدّة والضعف تحمل عليها بالتشكيك

ثم ان الولاية الثابتة للعبد التي بمعنى القرب تتحقق بالقرب الإيماني والمعنوي بالنسبة إليه تعالى على أقسام :

منها تنقسم إلى المطلقة والمقيدة :

لأنها من حيث هي هي صفة إلهيّة مطلقة ثابتة للذات الربوبية المقدسة بمقتضى ذاته المقدسة ، كما علمت مما سبق ولكنها من حيث استنادها إلى الأنبياء والأولياء كل على حسب قربهم منه تعالى تكون مقيّدة ، ومعلوم ان المقيد متقوم بالمطلق ، والمطلق ظاهر في المقيّد ، فالولاية الثابتة للأنبياء والأولياء جزئيات الولاية المطلقة الإلهيّة فالأنبياء والأولياء ( أي الأئمةعليهم‌السلام ) لهم القرب إلى الأشياء

__________________

(١) وقد أنهاها بعضهم إلى سبعة وعشرين معنى فهو من الألفاظ المشتركة تعرف بحسب قرينة معينة حالية أو مقالية الغدير ١ : ٤١٩


بالولاية الإلهية حيث إن ولايتهم مظاهر الولاية الإلهية وجزئيات للولاية الإلهية فلها من الآثار من السلطنة والتولية ما للولاية الإلهية منها كما لا يخفى وإليه يشير ما في بصائر الدرجات من قولهعليه‌السلام : « ولايتنا ولاية الله تعالى وهذا نظير ما قيل من ان نبوة الأنبياء جزئيات النبوة المطلقة المحمّدية »

وتنقسم الولاية إلى الخاصة والعامة :

فالعامة : تعم المؤمنين باصنافهم وتشمل كل من آمن بالله تعالى وعمل صالحاً بمراتبهم

والخاصة : تختص بالسالكين عند فنائهم في الله تعالى وهي تحصل بالتوجه التام إلى حضرة الحق تعالى إذ بهذا التوجه يقوي الجهة الحقيّة والجنبة الإلهية وبهذا تشير الآيات والأحاديث الدلاة على لزوم الاخلاص في العبادة ولزوم التوجه إليه وان لا يغفل العبد من ربه وما ذكره علماء السير والسلوك من لزوم المراقبة والمواظبة وأمثالهما كلها ترجع إلى هذا التوجه التام وقد مثّلوا لكون التوجه إليه موجباً للفناء عن النفس والبقاء بالرب بالقطعة من الحديدة المجاورة للنار ، فإنها بسبب المجاورة والاستعداد لقبول الصفات الناريّة والقابلية المختفية فيها ، فإنها تتسخن قليلاً قليلاً إلى أن يصل منها ما يحصل من النار من الإحراق والاضاءة وغيرها ، وقبل ذلك كان ظلمة كدرة ولا يخفى أن هذا التمثيل من باب ضيق مجال التعبير وفقد العبارة الوافية ببيان المراد

ومنها تنقسم الولاية إلى ولاية تكوينية وتشريعية :

وتعني الاولى ولاية التصرف في التكوين ابداعاً وتبديلاً من حقية إلى اُخرى أو من صورة إلى غيرها ، بغير أسباب طبيعية متعارفة وهي من شأنه تعالى حيث لا مؤثر في الوجوه إلى الله


نعم قد يظهر على أيدي بعض أوليائه المقربين بعض التصرف في التكوين ويسمى بالاعجاز الخارق كالذي ظهر على أيدي الأنبياء دليلاً على نبوتهم وآية على صلتهم بعالم الغيب وهل يمكن ظهوره على يد غير الأنبياء من عباد الله الصالحين

الجواب : نعم ، مثل قضية آصف بن برخيا حجة قاطعة على امكان الوقوع( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (١)

وان هذا المقام أيضاً ثابتاً للأئمة المعصومينعليهم‌السلام خلفاء الرسول وقد تظافرة الروايات في ذلك ، قال الإمام الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى :( قُلْ كَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) هو علي بن أبيطالب(٢)

وروىٰ جابر عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام قال : « إنّ اسم الله الأعظم على ثلاث وسبعين حرفاً وإنما كان عند آصف منها حرف واحد ـ إلى أن قال ـ ونحن عندنا من الاسم اثنان وسبعون حرفاً وحرف استأثر الله به ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم »(٣)

ففي تفسير البرهان : السيد الرضي في الخصائص قال : روي أن أمير المؤمنينعليه‌السلام كان جالساً في المسجد ، إذ دخل عليه رجلان فاختصما إليه ، وكان أحدهما من الخوارج ، فيوجه الحكم على الخارجي ، فحكم عليه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال له الخارجي : والله ما حكمت بالسويّة ، ولا عدلت في القضية ، وما قضيتك عند الله بمرضية ، فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : اخسأ عدو الله فاستحال كلباً

__________________

(١) سورة النحل : ٤٠

(٢) بصائر الدرجات : ٢١٤

(٣) نفس المصدر : ٢٠٨


فقال من حضره : فو الله لقد رأينا ثيابه تطاير عنه في الهواء ، فجعل يبصّص لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، ودمعت عيناه في وجهه ، ورأينا أمير المؤمنينعليه‌السلام وقد رقّ له ، فلحظ السّماء ، وحرّك شفتيه بكلام لم نسمعه ، فو الله لقد رأيناه وقد عاد إلى حال الإنسانية ، وتراجعت ثيابه من الهواء حتى سقطت على كتفيه ، فرأيناه وقد خرج من المسجد ، وأن رجليه لتضطربان ، فبهتنا ننظر إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال له : ما لكم تنظرون وتعجبون ؟ قلنا : يا أمير المؤمنين كيف لا نتعجب وقد صنعت ما صنعت ؟

فقال : أما تعلمون أن آصف بن برخيا وصيّ سليمان بن داودعليه‌السلام قد صنع ما هو قريب من هذا الأمر ، فقصّ الله جلّ إسمه قصته حيث يقول :( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) الآية ، فأيّما أكرم على الله نبيكم أم سليمانعليه‌السلام ؟ فقالوا : بل نبينا أكرم يا أمير المؤمنين

قال : فوصي نبيكم أكرم من وصي سليمانعليه‌السلام ، وإنّما كان عند وصي سليمان من إسم الله الأعظم حرف واحد ، سأل الله جلّ إسمه فخسف له الأرض ، ما بينه وبين سرير بلقيس ، فتناوله في أقلّ من طرف العين ، وعندنا من إسم الله الأعظم إثنان وسبعون حرفاً ، وحرف عند الله تعالى إستأثر به دون خلقه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الأنصار في قتال معاوية وغيره واستنصارك الناس إلى حربه ثانية ؟

فقال : بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون إنما ادعو هؤلاء القوم إلى قتاله ليثبت الحجة وكمال المحنة ، ولولا اذن في اهلاكه لما تأخر ،


لكن الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء ، قالوا : فنهضنا من حوله ونحن نعظم ما أتى به علم السَّلام(١)

بل يبدو من تعابير وجمل الزيارة الجامعية الكبير ، ان للأئمة المعصومين مقاماً شامخاً ، ومنزلة رفيعة عند الله لا يماثلها أي منزلة اُخرى ، تقول : « بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّمٰآءَ اَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ اِلّٰا بِاِذْنِهِ وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ ، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ ، وَعِنْدَكُمْ مٰا نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ ، وَهَبَطَتْ بِهِ مَلاٰۤئِكَتُهُ ـ إلى أن تقول ـ وَاَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِكُمْ ، وَفٰازَ الْفٰآئِزُونَ بِوِلٰايَتِكُمْ »

فالجملتان الأخيرتان ، تشير الاُولى منهما إلى مقام ولايتهم التكوينية : « هم أواصر ثبات هذا الكون ومصادر ازدهار هذه الحياة »( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) (٢) والثانية تشير إلى ولايتهم التشريعية : « بموالاتكم علمنا الله معالم ديننا وأصلح ما كان فسد من دنيانا ، وبموالاتكم تمت الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة »

وفي الزيارة الأُولى من الزيارات السبع المطلقة لأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام التي رواها ابن قولويه باسناد صحيح عن الإمام الصادقعليه‌السلام ما هو أعظم : « وَبِكُمْ يُباعِدُ اللهُ الزَّمانَ الْكَلِبَ(٣) ، وَبِكُمْ فَتَحَ اللهُ ، وَبِكُمْ يَخْتِمُ اللهُ ، وَبِكُمْ يَمْحُو اللهُ ما يَشآءُ وَبِكُمْ يُثْبِتُ وَبِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقابِنا ، وَبِكُمْ يُدْرِكُ اللهُ تِرَةَ(٤) كُلِّ مُؤْمِنٍ يُطْلَبُ ، وَبِكُمْ تُنْبِتُ الْأَرْضُ اَشْجارَها ، وَبِكُمْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ أَثِمارَها ، وَبِكُمْ تُنْزِلُ السَّمآءُ
__________________

(١) تفسير البرهان ٣ : ٢٠٥

(٢) سورة الزمر : ٦٩

(٣) أي الشديد ـ على وزان خشن

(٤) على وزان عدة من الوتر بمعنى الانتقام


قَطْرَها وَرِزْقَها ، وَبِكُمْ يَكْشِفُ اللهُ الْكَرْبَ ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ اللهُ الْغَيْثَ ، وَبِكُمْ تُسَبِّحُ الْأَرْضُ الَّتي تَحْمِلُ اَبْدانَكُمْ ، وَتَسْتَقِرُّ جِبالُها عَنْ مَراسيها ، اِرادَةُ الرَّبِّ في مَقاديرِ اُمُورِهِ تَهْبِطُ اِلَيْكُمْ ، وَتَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُمْ »(١)

والجملة الأخيرة هي التي تستلفت النظر وهي جديرة بالعناية والتدقيق وهي إشارة إلى أنهمعليهم‌السلام وسائط فيضه تعالى على الاطلاق(٢)

أما الولاية التشريعية بمعنى أن لهم الآمرية والناهوية الشرعية فزمام أمر الشرع في الأمر والنهي والسياسة وتدبير اُمور المسلمين من بيان الحكم والقضاوة واجراء الحدود وسوقهم إلى الحرب وأمثال هذا من جهتهم وأما من جهة عباد الله فعبارة عن وجوب طاعتهم ، وامتثال أوامرهم ، ومتابعتهم في شؤون الحياة الدينية ، الإدارية والسياسية والاجتماعية

( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي ) (٣) ،( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٤) ،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (٥)

هذه هي الولاية التشريعية العامة الثابتة للإمام المعصوم بنص القرآن الحكيم والسنة القطعيّة(٦)

__________________

(١) كامل الزيارات : ٢٠٠ ، الباب ٧٩

(٢) وهو بحث مذيل يمس اساس المذهب عند الخواص

(٣) سورة آل عمران : ٣١

(٤) سورة الأحزاب : ٢١

(٥) سورة النساء : ٥٩

(٦) الأنوار الساطعة للشيخ جواد الكربلائي ، مع تصرف


الله

لقد مرّ شرح كلمة « الولي » وأما كلمة « الله » :

فهو عَلَمٌ للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال ( الجلالية والجمالية ) والأسماء الحسنىٰ

وفي الحديث : سأل عن معنى الله فقال : استولى على ما دق وجل فالله معنى يدل عليها بهذه الأسماء وكلها غيره

وهي أشمل أسماء رب العالمين من الراحمية والرازقية والمالكية و الخ

فكل اسم ورد لله تعالى في القرآن الكريم أو غيره من الأدعية والأخبار يشير إلى جانب معين من صفات الله ولكن الاسم الوحيد الجامع لكل الصفات والكمالات الإلهية هو ( الله ) تعالى

ولذلك اعتبرت بقية الأسماء صفات لكلمة ( الله ) مثل ( الغفور ) و ( الرحيم ) و ( العليم ) وغيرها

فكلمة ( الله ) تعالى هي وحدها الجامعة ، ومن هنا اتخذت هذه الكلمة صفات عديدة في آية كريمة واحدة ، حيث يقول تعالى :( هُوَ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ) (١) وإن أحد شواهد جامعية هذا الاسم ان الايمان والتوحيد لا يمكن اعلانه إلّا بعبارة « لا إله إلّا الله » دون غيرها مثل « لا إله إلّا القادر » فإنها لا تفي بالغرض ولهذا السبب يشار في الأديان الاُخرى إلى معبود المسلمين باسم ( الله ) فإنها خاصة بالمسلمين

__________________

(١) سورة الحشر : ٢٣


وفي الحديث : يا هشام الله مشتق من إله ، والإله يقتضي مالوهاً ( معبوداً ) كان إلٰهاً إذ لا مألوه ، أي لم تحصل العبادة بعد ولم يخرج وصف العبودية من القوة إلى الفعل فسمى نفسه بالإله قبل ان يعبده أحد من العباد

وقوله انه مشتق لا ينافي الأعلمية ( علماً ) فإن المراد الاشتقاق المعنوي أي معنى الله يقتضي مالوهاً(١) وإلّا فهو عَلَمٌ


__________________

(١) الانوار الساطعة ٣ : ١٢٧ ، شرح زيارة الجامعة للشيخ جواد الكربلائي


وَحَبيبَه

الحُبُّ : نقيض البُغض والحُبُّ : الوداد والمحبّة ، وقال تعالى :( فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) أي لا يغفر لهم وقوله تعالى :( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) قيل محبة الله للعباد إنعامه عليهم وأن يوفقهم لطاعته ويهديهم لدينه الذي ارتضاه ، وحب العباد لله أن يطيعوه ولا يعصوه

وقيل : محبة الله صفة من صفات فعله ، فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد ، وأما محبة العبد لله تعالى فحالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم له وايثار رضاه والاستئناس بذكره

وعن بعض المحققين : محبة الله للعبد كشف الحجاب عن قلبه وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه ، فإن ما يوصف به سبحانه إنما يؤخذ باعتبار الغايات لا المبادئ ، وعلامة حبه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقي إلى عالم النور والانس بالله والوحشة ممن سواه وصيرورة جميع هماً الهموم واحداً

وفي الحديث : « إذا أحببتُ عبدي كنت سمعه الذي يسمع به » سيأتي ذكره

قال في الكاشف : وعن الحسن زعم أقوام على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل ، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو كذاب وكتاب الله يكذّبه(١)

قول الإمام الصادقعليه‌السلام في هذه الزيارة « السلام على ولي الله وحبيبه » يدل على أن الإمام الحسينعليه‌السلام قد وصل من القرب الالهي بحيث صار مظهر حب الله تعالى وهذا الكمال التام حاصل للإمام الحسينعليه‌السلام وكذلك لجميع الأئمةعليهم‌السلام ، حيث انهم تامون في ذواتهم وصفاتهم ، وفي أعمالهم وفي أفعالهم
__________________

(١) مجمع البحرين ٢ : ٣٠


وهذا الكمال الحاصل لهم إنما هو لاجل كونهم متصفين بكمال المحبة لله تعالى وبالعكس فهم مظاهر محبته تعالى ، وكيف لا والمؤمن هو محل لمحبته تعالى ؟!

فعن أُصول الكافي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث إلى أن قالعليه‌السلام :

وذلك قول الله عزّ وجل :( إِنَّ اللَّـهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ) فالحبّ طينة المؤمنين التي القى الله عليها محبته والنوى طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير ، وإنما سمي النوى من أجل أنه ناىٰ عن كل خير وتباعد منه

وفيه عن تفسير العياشي عن المفضل ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قوله :( إِنَّ اللَّـهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ) قال : « الحبّ المؤمن وذلك قوله :( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ) والنوى الكافرين الذي ناى عن الحق فلم يقبله »

فالاستشهاد منهعليه‌السلام بهذه الآية لبيان المصداق من أن المؤمن مَن القيت عليه المحبة منه تعالى ، فهمعليهم‌السلام محل لمحبته تعالى وهم تامون في تلك المحبة ، كما ورد في زيارة الجامعة « وَالتَّامينَ في مَحبَّةِ الله » أي لا يكون منهم ما ليس في المحبة ، بل أفعالهم وذواتهم وصفاتهم متصفة بالمحبة ومن آثارها وليس للمحبة شيء من الواقع إلّا وهو فيهمعليهم‌السلام كما لا يخفى

ثم إنهمعليهم‌السلام ـ كما هو ثابت في محله ـ علة الإيجاد ، علة فاعلية ، ومادية ، وصورية ، وغائية

بيانه : أنه تعالى إنما خلق الخلق ، لكي يعرف كما دلّ عليه الحديث القدسي المشهور من قوله تعالى : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف » ، فالمعرفة هي العلة للخلق وكما دلّ عليه قوله تعالى :( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (١) وعن الإمام الحسينعليه‌السلام كما تقدم : « أيها الناس إنّ الله
__________________

(١) سورة الذاريات : ٥٦


ما خلق الخلق إلّا ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة غيره ، قيل : يابن رسول الله ما معرفة الله ؟ قال : معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته » ، الحديث

فعلم منه : أن الغاية للخلق هو المعرفة التي تترتب عليها العبادة ، التي ينبغي أن يعبد الله تعالى بها ، فالغاية هو المعرفة والعبادة عن معرفة ، وهذه المعرفة بصريح قولهعليه‌السلام ليست إلّا معرفة الإمامعليه‌السلام وذلك كما تقدم ليس إلّا لأجل أنهمعليهم‌السلام محال المعارف الإلهية ، بل هم نفسها كما علمت ، فيعلم من المجموع أنهمعليهم‌السلام متعلق الحب الإلهي ومظاهره ، لما هم عين معارفه حيث إنهمعليهم‌السلام عين أسمائه الحسنى التي عرف الله تعالى بها ، فهمعليهم‌السلام المحبوبون له تعالى ومظاهر الحب له تعالى ومعنى أنهم مظاهر حبّه أن المحبة التي هي العلة الذاتية للخلق ، فإن المعرفة وإن كانت هي العلة إلّا أنها بما هي محبوبة له تعالى تكون علّة وإلّا فلا ، كما لا يخفى

وكيف كان إن المحبة بحقيقتها هي العلة للخلق ولا ريب في أن وجود أي موجود يقوم بالعلة الفاعلية والمادية والصورية والغائية كما حقق في محلّه ، فمعنى كون المحبة علة للخلق بأقسامها أن العلة الفاعلية ليست إلّا مظهراً للمحبة وهكذا البقية

وحينئذٍ نقول : فهمعليهم‌السلام بما هم حقيقة المحبة له تعالى ، ومظهرها العلة الفاعلية للخلق ، بمعنى أن كل موجود وجدت بالمشية والمشية ظرفها قلوبهمعليهم‌السلام وهي شأن من شؤون المحبة ، فالمحبة الإلهية اقتضت المشية القائمة بنفوسهمعليهم‌السلام

فالمشية وإن كانت علة فاعلية بمظاهرها إلّا أنها بالدقة تكون شأناً للمحبة ، فالمحبة هي العلة الفاعلية في الحقيقة ، وهي ليست إلّا قلوبهم المطهّرة فهمعليهم‌السلام العلة الفاعلية للخلق ، غاية الأمر بإذن الله تعالى حيث إنهمعليهم‌السلام بجميع شؤونهم


لا يفعلون إلّا ما يشاء الله ، وما أمرهم الله تعالى في الأفعال الجزئي والكلي كما لا يخفى ، وأيضاً همعليهم‌السلام العلة المادية ، أما بالنسبة إلى أرواح الشيعة فقد علمت أنها خلقت من فاضل طينتهم النورانية المتقدم شرحها ، وأما بالنسبة إلى أبدانهم وكذلك بالنسبة إلى ساير المخلوقين بل وساير الموجودين في الكون ، فلأجل أن جميع الموجودات خلقت من أنوار وجودهم حيث إنهم الأسماء الحسنى له تعالى

ثم ان الحب عبارة عن الميل إلى الشيء الملذّ ، وكلما كان الملذّ أقوى في اللذاذة كان الميل أقوى إلى أن يصل حدّ الافراط فيسمى عشقاً ، ولذا قيل ان الافراط في كل شيء مذموم إلّا في الحب وهذا الميل إنما يحصل بعد المعرفة بذلك الشيء الملذ الجميل ، وهذه المعرفة إما بالحواس الظاهرة أو بالعقل ، وكلما كان الدرك والمعرفة أقوى كان الحب أقوى والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهري لأن القلب أشد إدراكاً من العين كما لا يخفى ولذا كانت المعاني الجميلة المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة فلا محالة تكون لذة القلوب بما تدركه من الأُمور الشريفة الجميلة الإلهية التي تجل عن ان تدركها الحواس أتم وأبلغ ولذا نرى أن الطباع السليمة والعقول الصحيحة أكثر ميلاً إلى مدركات العقل

وإذا علمت هذا فاعلم أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم فمن شاهد جمال وجهه وجلال عظمته وادركها بعقله وشاهدهما ببصيرته القلبية لا تكاد تؤثر عليه لذة أُخرى إلّا من حرّم هذه اللذة ولذلك ورد في الأحاديث والآيات الحث على معرفة الله تعالى وحبّه


أما الآيات فقوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ ) وقال تعالى :( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ) إلى قوله :( أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ) (١) ، وهكذا غيرها

وأما الأحاديث : فكثيرة جدّاً نذكر بعضها فمنها : ما عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما » ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله في دعائه : « اللهم ارزقني حبّك وحبّ من يحبّك ، وحبّ ما يقربني إلى حبّك ، واجعل حبّك أحبّ إليّ من الماء البارد »

وفي الخبر المشهور : أن إبراهيمعليه‌السلام قال لملك الموت إذ جاء لقبض روحه : « هل رأيت خليلاً يمييت خليله ؟ فأوحى الله إليه : هل رأيت محباً يكره لقاء حبيبه ؟ فقال : يا ملك الموت الآن فاقبض »

وفي مناجاة موسى : « يابن عمران كذب من زعم أنه يحبني ، فإذا جنّه الليل نام عني ، أليس كلّ محبّ يحب خلوة حبيبه ؟ أنا ذا يابن عمران مطّلع على أحبائي ، إذا جنّهم الليل حولت أبصارهم إليّ من قلوبهم ، ومثلت عقوبتي بين أعينهم ، يخاطبونني عن المشاهدة ، ويكلمونني عن الحضور ، يابن عمران هب لي من قلبك الخشوع ، ومن بدنك الخضوع ، ومن عينك الدموع في ظلم الليل فإنك تجدني قريباً »

وروي : أن عيسىعليه‌السلام مرّ بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم ، وتغيّرت ألوانهم ، فقال لهم : « ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟

فقالوا : الخوف من النار

__________________

(١) سورة التوبة : ٢٤


فقال : حقّ على الله أن يؤمن الخائف ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة أُخرى ، فإذا هم أشدّ نحولاً وتغيّراً فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟

قالوا : الشوق إلى الجنة

قال : حقّ على الله أن يعطيكم ما ترجون ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة أُخرى ، فإذا هم أشدّ نحولاً وتغيّراً ، كأن على وجوههم المرايا من النور فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟

قالوا : حبّ الله عزّ وجل

فقال : أنتم المقربون أنتم المقربون »

وعن علل الشرايع ، عن نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إن شعيباًعليه‌السلام بكى من حبّ الله عزّ وجل حتى عمي ، فردّ الله عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي ، فردّ الله عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي ، فردّ الله عليه بصره ، فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه : يا شعيب إلى متى يكون هذا أبداً منك ؟ إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجرتك ، وإن يكن شوقاً إلى الجنة فقد أبحتك ، فقال : إلهي وسيدي أنت تعلم أني ما بكيت خوفاً من نارك ، ولا شوقاً إلى جنتك ، ولكن عقد حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك ، فأوحى الله جلّ جلاله : أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمرانعليه‌السلام »

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام في دعاء كميل : « فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك ، فكيف أصبر على فراقك »

وعن الحسينعليه‌السلام في دعاء عرفة : « أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك ، وقال : يا من أذاق أحباءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملقين »


وفي المناجاة الانجيلية المنسوبة إلى السجادعليه‌السلام : « وعزّتك لقد أحببتك محبة استقرت في قلبي حلاوتها وآنست ببشارتها ، ومحال في عدل أقضيتك أن يسدّ أسباب رحمتك عن معتقدي محبتك »

وفي المناجاة الثانية عشرة للسجادعليه‌السلام : « إلهي فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم ، وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم » ، الدعاء


اَلسَّلامُ عَلىٰ خَليلِ اللهِ وَنَجيبِهِ

قد مر شرح كلمة السَّلام سابقاً وأما معنى الخليل فهو من الخُلّة بالضم وهي المودّة المتناهية في الاخلاص والصداقة كما في المنجد مادة ( خل ) والدليل على كون الإمام الحسينعليه‌السلام خليل الله قوله تعالى :( وَاتَّخَذَ اللَّـهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) (١) ولا يخفى أن إبراهيم الخليلعليه‌السلام ما ألبسه الله تاج الخلّة إلّا لكونه من شيعة أمير المؤمنين كما قال :( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (٢) وكفاه ذلك فخراً وشرفاً ، وروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله :( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) أي إن إبراهيمعليه‌السلام من شيعة عليعليه‌السلام ، ويؤيّد هذا ما رواه السيد شرف الدين الاسترآبادي من علماء القرن العاشر في كتابه تأويل الآيات الظاهرة ص ٤٨٤ عن أبي بصير قال : سأل جابر بن يزيد الجعفي من الإمام الصادقعليه‌السلام عن تفسير هذه الآية فقال : إن الله سبحانه لما خلق إبراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نوراً إلى جنب العرش فقال : إلهي ما هذا النور ؟ فقيل له : هذا نور محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله صفوتي من خلقي ، ورأى نوراً إلى جنبيه ، فقال : إلهي وما هذا النور ؟ فقيل له : هذا نور علي بن أبي طالب ناصر ديني ، ورأى إلى جنبهم ثلاثة أنوار فقال : إلهي وما هذه الأنوار ؟ فقيل له : هذا نور فاطمة فطمت محبيها من النار ، ونور ولديها الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فقال : إلهي وأرى تسعة أنوار قد احدقوا بهم ، قيل : يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولد عليّ وفاطمة فقال إبراهيم : بحق هؤلاء الخمسة إلّا عرفتني مَن التسعة ؟ قيل : يا إبراهيم أولهم علي بن الحسين وابنه محمد وابنه جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي وابنه الحسن والحجة القائم ( عجَّل ) ابنه ، فقال إبراهيم :
__________________

(١) سورة النساء : ١٢٥ ـ

(٢) سورة الصافات : ٨٣


إلهي وسيدي أرى أنواراً قد احدقوا بهم لا يحصى عددهم إلّا أنت قيل : يا إبراهيم هؤلاء شيعتهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال إبراهيم : وبما تعرف شيعته ؟ قال : بصلاة إحدى وخمسين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، والقنوت قبل الركوع والتختم في اليمين ، فعند ذلك قال إبراهيم : اللهم اجعلني من شيعة أمير المؤمنين ، قال : فاخبر الله تعالى في كتابه فقال :( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ )

ثم إن الخُلّة مقام فوق مقام الرسالة فليس كُلّ رسول يصل إلى مستوى أن يكون خليلاً لله تعالى وإبراهيم خرج من كل الامتحانات بنجاح ولم يصدر منه حتى ما يسمى بترك الأولى على ما يبدوا من قوله تعالى :( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) وفي الأخبار ان الله اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً ونبيّاً قبل أن يتخذه رسولاً ورسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وخليلاً قبل أن يتخذه إماماً فلما جمع له هذه الأشياء ، قال( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) وهذا يدل على أن الخُلّة أرفع من مقام الرسالة وقد اتصف بها أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام في هذه الزيارة حيث يقول الإمام الصادقعليه‌السلام : اَلسَّلٰامُ عَلىٰ خَليلِ اللهِ وَنَجيبِهِ

وأما قولهعليه‌السلام وَنَجيبِهِ :

قال في مجمع البحرين : النجيب الفاضل من كل حيوان وقد نُجب ينجب نجابة إذا كان فاضلاً نقياً في نوعه والجمع : النجباء إلى أن قال : وانتجبه اختاره واصطفاه والمنتجب : المختار

أقول : ففي المقام يراد منه أن الإمام الحسينعليه‌السلام وصل إلى درجة من القرب الإلهي بحيث كشف الله تعالى عنه جميع الحجب بينه تعالى وبين الحسينعليه‌السلام


كما حصل لجدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث وصلصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قاب قوسين أو أدنى دنواً واقتراب من الله تعالى

وقد ورد في زيارة الجامعة « وَانْتَجَبَكُمْ بِنورِه » أي اجتباكم وأوجدكم من نوره أو اجتباكم متلبسين بنوره كما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : إن الله خلقنا من نور عظمته ثم صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فأسكن ذلك النور فيه ، فكنا نحن خلقاً وبشراً نورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقهم منه نصيباً ، وخلق أرواح شيعتنا من أبداننا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة ، ولم يجعل الله لأحد في مثل ذلك الذي خلقهم منه نصيباً إلّا الأنبياء والمرسلين فلذلك صرنا نحن وهم الناس وسائر الناس همجا في النار وإلى النار(١)

__________________

(١) بحار الأنوار : ج ٢٥ باب بدء خلقهم وطينتهم وأرواحهمعليهم‌السلام ، وبصائر الدرجات : ج ١ ، الباب ١٠ مع اختلاف يسير


اَلسَّلامُ عَلىٰ صَفِيِّ اللهِ وَابْنِ صَفِيِّهِ

الصفوة : هو خلوص الشيء من الشوائب يقال : صفاء الماء إذا خلص من الكدر وان من ألقاب النبي آدم أنه صفوة الله لكونه أول الأصفياء بحسب الظاهر وإلّا فجميع الأنبياء أصفياء الله ، حيث خلقهم من طينة صافية كرّمهم على سائر الخلق واصطفاهم من خلقه ، وفي بعض الأخبار أن آدم صار صفي الله ، لأنه تعالى جعل هيكله الشريف مظهراً لأنوار محمد وآله ، ولذا أمر ملائكته بالسجود له تعظيماً واكراماً لهذه الأنوار

وتأتي بمعنى الاصطفاء فإن الله تعالى اصطفى الحسينعليه‌السلام وآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله واجتباهم واختارهم على العالمين فإن طينتهم كذلك من طينة لم يجعل الله لأحد من الخلق فيهن نصيباً فهم في جميع المراتب صفوة الله وصفوة المرسلين وصفوة جميع الخلق

ثم إن الاصطفاء الإلهي لآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على أربعة مراحل :

أ ـ اصطفاء في مرحلة الروح : فأرواحهمعليهم‌السلام نورانية أو متلبسة بنور الله عزّ وجل كما في زيارة الجامعة « واجتباكم بنوره »

ب ـ اصطفاء في مرحلة الأبدان : فأبدانهم فيها خصوصيات لا توجد في غيرها فمثلاً لا يغسل المعصوم إلّا معصوم وفي الزيارة : « اَشْهَدُ اَنَّكَ طُهْرٌ طاهِرٌ ، مِنْ طُهْرٍ طاهِرٍ ، طَهُرْتَ وَطَهُرَتْ بِكَ الْبِلادُ » وكان المسلمون الأوائل يتبركون ويستشفون ببصاق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

ج ـ إصطفاء في مرحلة الافعال : فافعالهم وسلوكهم عبارة عن تحرك الصفات الحسنة فإن أعمالهم وأفعالهم على وفق إرادته تعالى لا إرادتهم ، بل ليس لهم إرادة إلّا إرادته تعالى وإرادتهم إرادته تعالى وكما ورد في زيارة الجامعة


« العَاملونَ بإرادَته »(١)

ويكيفك في بيان اصطفاء نور الحسينعليه‌السلام وأنوار محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما رواه في « رياض الجنان » عن جابر بن عبد الله قال : قلت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أول شيء خلقه الله ما هو ؟ فقال : « نور نبيك يا جابر خلقه الله ، ثم خلق منه كل خير ، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله تعالى ، ثم جعله أقساماً : فخلق العرش من قسم ، والكرسي من قسم ، وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم ، وأقام القسم الرابع في مقام الحبّ ما شاء الله ، ثم جعله أقساماً ، فخلق القلم من قسم ، واللوح من قسم ، والجنة من قسم ، وأقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله ، ثم جعله أجزاء : فخلق الملائكة من جزء والشمس من جزء والقمر من جزء والكواكب من جزء ، وأقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله ثم جعله أجزاء : فجعل العقل من جزء والعلم والحلم والعصمة والتوفيق من جزء ، وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله ، ثم نظر إليه بعين الهيبة ، فرشح ذلك النور وقطر منه مائة ألف قطرة وأربعة وعشرين ألف قطرة ، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول ، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين »(٢)

ونظير هذا الحديث كثير كما في البحار ، فإذا تأملنا في هذا الحديث الشريف يتضح لنا صفاء نور الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيت النبوة بالنسبة إلى سائر الأنوار لأن نورهم واحد ، وإلى ذلك أشار الإمام الصادقعليه‌السلام في هذه الزيارة : « اَلسَّلامُ عَلىٰ صَفِيِّ اللهِ وَابْنِ صَفِيِّهِ »

__________________

(١) الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة للعلامة سيد عبد الله شبررحمه‌الله

(٢) بحار الأنوار : ج ٥٤ ، ط دار احياء التراث


اَلسَّلامُ عَلىَ الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهيدِ

من هو الإمام الحسينعليه‌السلام ؟

الحسينعليه‌السلام هو أشرف إنسان في الدنيا من حيث النسب فهو الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين

أبوه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبيطالبعليه‌السلام ، أخوه الإمام الحسن الزكيعليه‌السلام سيد شباب أهل الجنة ، وابنه الإمام علي السجاد زين العابدينعليه‌السلام ومن ذريته ثمانية أئمة معصومينعليهم‌السلام

أما أُمه فهي فاطمة الزهراءعليها‌السلام بنت محمد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله سيدة نساء العالمين ، وجده لأبيه هو شيخ البطحاء وكافل رسول الله وناصر الإسلام أبو طالبعليه‌السلام

وأما جده لأُمه فهو خاتم الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا نسب الإمام الحسينعليه‌السلام فأي إنسان في العالم جمع نسباً شريفاً كهذا النسب الشريف أضف إلى هذا النسب الشريف مقامه الراقي عند الله تعالى ومنزلته العليا في الإسلام فهوعليه‌السلام :

أولاً : ثالث أئمة أهل البيت الاثني عشر الذين عناهم الله تعالى بقوله :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (١) ، وثالث أُولي الأمر الذين أمرنا الله تعالى باطاعتهم فقال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) وفي إمامته وإمامة أخيه الحسن نص نبوي متواتر وهو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا »

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٧٣


ثانياً : فهوعليه‌السلام أحد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً كما هو صريح اية التطهير أي أنهعليه‌السلام خامس المعصومين الأربعة عشرعليهم‌السلام ، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين صلوات الله عليهم أجمعين

ثالثاً : هوعليه‌السلام أحد العترة الذين قرنهم رسول الله بكتاب الله العزيز وأحد الثقلين اللذين خلفهما في هذه الاُمة حيث قال إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي

رابعاً : انهعليه‌السلام أحد الأربعة الذين باهل بهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نصارى نجران وهو أحد المعنيين بقوله تعالى وأبنائنا وأبنائكم .

وهكذا إلى غير ذلك مما لا يسع المقام إحصائه من فضائله ومناقبهعليه‌السلام

يقول الاُستاذ عباس العقاد في كتابه « أبو الشهداء » ما نصه :

وقد عاش الحسين سبعاً وخمسين سنة وله من الأعداء من يصدقون ويكذبون فلم يعبه أحد منهم بمعابة ولم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله ويقول أيضاً في مقام آخر :

فكان الحسينعليه‌السلام ملء العين والقلب في خَلق وخُلق وفي أدب وسيرة وكانت فيه مشابه من جده وأبيه

أولاد الحسينعليه‌السلام :

فالذكور منهم أربعة وهم علي الأكبرعليه‌السلام الشهيد وعلي السجاد الإمام زين العابدينعليه‌السلام وعلي الأصغر وهو طفل رضيع ، وعبد الله وهو طفل رضيع أيضاً وهؤلاء الأربعة لأُمهات شتى لا لأُم واحدة فعلي الأكبرعليه‌السلام أُمه ليلى بنت مرة بن مسعود الثقفي وعلي السجاد الإمام اُمه شاه زنان بنت الملك يزدجرد بن أردشين


ابن كسرى ملك الفرس وعبد الله اُمه الرباب بنت امرء القيس الكلبي وقد قتلوا جميعاً يوم عاشوراء ما عدا الإمام زين العابدينعليه‌السلام الذي نجا بسبب مرضه ودفاع عمته زينبعليها‌السلام

وأما الاناث منهم فأربعة أيضاً وهن سكينة ، وفاطمة الكبرى ، وفاطمة الصغرى ، ورقية وكلهن كانوا مع الحسينعليه‌السلام في كربلاء ما عدا فاطمة الكبرى فإن الإمام الحسينعليه‌السلام تركها في المدينة لمرضها

اخوة الإمام الحسينعليه‌السلام :

إن اخوة الإمام الحسينعليه‌السلام كثيرون غير أن الذين كانوا معه في كربلاء هم ستة فقط وهم العباس بن عليعليه‌السلام وأشقاؤه الثلاثة : جعفر وعبد الله وعثمان ، أُمهم فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية المكناة بأُم البنينعليها‌السلام ، ثم محمد بن علي قيل اسمه عبد اللهعليه‌السلام وكان يكنّى بأبي بكر ، وأُمه ليلى بنت مسعود بن خالد التميمي ثم عمر بن عليعليه‌السلام وأُمه غير مشخصة في التاريخ وقيل أنه كان أيضاً مع الحسين أخ له يسمى محمد الأصغر وأُمه أُم ولد

فهؤلاء ستة أو سبعة من اخوة الإمام الحسينعليه‌السلام استشهدوا بين يديه يوم عاشوراء وكان أفضلهم وأجلّهم أبوالفضل العباسعليه‌السلام وهو أكبر الهاشميين سناً يوم كربلاء ما عدا الحسينعليه‌السلام حيث كان عمره أربعاً وثلاثين سنة ، لذا اختاره الإمام الحسينعليه‌السلام حاملاً لرايته العظمى ، وعبر عنه بكبش الكتيبة ، وكانعليه‌السلام وسيماً جسيماً طويل القامة ، وجهه كفلقة قمر ومن هنا كان يلقب بقمر الهاشميين وهو آخر من قتل قبل الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء ، وكان لقتله صدمة عنيفة في نفس الإمام الحسينعليه‌السلام عبر عنها بقوله حين وقف على مصرعه : « الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي » وبان الانكسار في وجههعليه‌السلام وبكى عليهعليه‌السلام


قولهعليه‌السلام في الزيارة المظلوم الشهيد :

للإمام الحسينعليه‌السلام ألقاب كثير منها : الرشيد ، والطيب ، والوفيّ ، والسيد ، والزكي ، والمبارك ، والتابع لمرضاة الله ، والدليل على ذات الله ، والسبط(١) وبعد شهادته اشتهر بالمظلوم والشهيد وغيرها

من هو المظلوم ومَن هو الظالم :

لابد أن نعلم أن الظلم لغة : هو وضع الشيء في غير موضعه ، فالشرك ظلم عظيم ، لجعله موضع التوحيد عند المشركين

وعرفاً هو : بخس الحق ، والاعتداء على الغير قولاً أو عملاً كالسباب والاغتياب ، ومصادرة المال ، واجترام الضرب أو القتل ، ونحو ذلك من صور الظلامات المادية والمعنوية والظلم من السجايا الراسخة في أغلب النفوس ، وقد عانت منه البشرية في تاريخها المديد ألوان المآسي والأهوال ، مما جهّم الحياة ، ووسمها بطابع كئيب رهيب

وللظلم أنواع :

أ ـ ظلم الانسان نفسه : وذلك بتركها طاعة الله عزّ وجل وتوجهها إلى معصية الله تعالى وعدم تقويمها بالخلق الحسن والسلوك المرضي

ب ـ ظلم الانسان عائلته وذوي قرباه : وذلك باهمال تربية عائلته تربية اسلامية وجفاء اقرابه وخذلانهم في الشدائد والأزمات

ج ـ ظلم الحكام والمتسلطين : وذلك باستبدادهم وخنقهم حرية الشعوب وامتهان كرامتها ، وابتزاز أموالها ، ولذلك كان ظلم الحكام أسوأ أنواع الظلم وأشدها نكراً

__________________

(١) المجالس السنية ١ : ١٠ لمحسن الأمين


قال الإمام الصادقعليه‌السلام : « إن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء ، في مملكة جبار من الجبابرة : إن إئت هذا الجبار فقل له : إني لم استعملك على سفك الدماء ، واتخاذ الأموال ، وإنما استعملتك لتكفّ عني اصوات المظلومين ، فإني لن أدع ظلامتهم وإن كانوا كفاراً »(١)

ولذلك كانت نصرة المظلوم ، وحمايته من الجائرين من أفضل الطاعات وأعظم القربات إلى الله تعالى والآثار الوضعية في حياة الإنسان الماديّة والروحيّة

أقول : إنه لم يحدث ظلم من يوم خلق الله الدنيا وإلى أن تقوم القيامة ظلم وجرم ببشاعة حادثة كربلاء وظلم آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الطف ولذلك ورد في الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا يوم كيومك يا أبا عبد الله » ، حيث اجتمعت طائفة من اُمة جدّه يريدون ان يتقربوا إلى الله تعالى بسفك دمه ، وتيتم اولاده واسرهم ، وكلّ يريد شفاعة جده رسول الله لا أنالهم الله شفاعته ، ولذلك لم يبقى في السماوات ملك لم ينزل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعزيه في ولده الحسينعليه‌السلام ويخبره بثواب الله إياه ، ويحمل إليه تربته مصروعاً عليها ، مذبوحاً شهيداً ، فلو تأمل المتأمل وذو البصيرة لما رأى مصيبة أعظم من مصيبة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولم يجد اُمة قتلت ابن بنت نبيها وأصحابه وأهل بيته في يوم واحد بأفجع صورة ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها ولله در مهيار حيث قال :

يعظّمون له أعواد منبره

وتحت ارجلهم أولاده وضعوا

__________________

(١) الوافي ٣ : ١٦٢ عن الكافي


وقولهعليه‌السلام في الزيارة الشهيد :

الشهادة : هي الموت في سبيل الله تعالى والشهيد : القتيل في سبيل الله

قال تعالى :( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ) (١)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أشرف الموت قتلُ الشهادة »

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فوق كل ذي برٍّ بر حتى يقتل الرجل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر ، وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام : ما من قطرة أحب إلى الله عزّ وجل من قطرتين قطرة دم في سبيل الله ، وقطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها العبد إلّا الله عزّ وجل

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : والذي نفسي بيده لوددت إني اُقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم اقتل ثم أحيا ثم اُقتل

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « انكم أن لا تقتلوا تموتوا ، والذي نفس عليٍّ بيده لألف ضربة بالسيف على الراس ( في سبيل الله ) أيسرُ من موت على فراش »

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « الشهادة تكفّر كل شيء إلّا الدَّين »

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ما من أحد يدخل الجنة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا ، وإن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد ، فإنّه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة وفضل الشهادة »

ولذلك الإمام الحسينعليه‌السلام في مسيره إلى كربلاء قال : إني لا أرى الموت إلّا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما

__________________

(١) سورة البقرة : ١٥٤


ثم إن النية لها أثر في الشهادة حتى ولو لم يستشهد يرزق ثواب الشهادة

فعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «كم ممّن أصابه السلاح ليس بشهيد ولا حميد ، وكم ممن قد مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق شهيد »(١)

والخلاصة أقول : إن الإمام الحسينعليه‌السلام هو أبرز مصداق لهذه الأحاديث الشريفة فهو سيد الشهداء قاطبة من الأولين والآخرين ، حيث لم يعطي نفسه لله تعالى فحسب بل اعطى جميع ما يملك وأهل بيته وأولاده واخوته وأصحابه واطفاله في سبيل الله تعالى

قال الشاعر :

اعطى الذي ملكت يداه إلهه

حتى الجنين فداه كل جنين

فالإمام الحسينعليه‌السلام هو سيد شهداء الأولين والآخرين وقد أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بشهادته وبكى عليه مراراً قبل استشهاده بل وبكى حتى في يوم ولادة الإمام الحسينعليه‌السلام ، نذكر بعض ما أخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن شهادتهعليه‌السلام ، فعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت أُم سلمة ، فقال لها : لا يدخل عليَّ أحد ، فجاء الحسينعليه‌السلام وهو طفل فمنعته فوثب حتى دخل الدّار على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدخلت أُم سلمة على أثره ، فإذا الحسينعليه‌السلام على صدره ، وإذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يبكي وبيده شيء يقبله ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أُمّ سلمة إن هذا جبرائيل يخبرني أن هذا مقتول وهذه التربة التي يقتل عليها ، فضعيه عندك فإذا صارت دماً فقد قتل حبيبي ، فقالت أُم سلمة : يا رسول الله سل الله أن يدفع ذلك عنه ، قال : قد فعلت فأوحى الله تعالى إليّ أنّ له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين ،
__________________

(١) ميزان الحكمة : ج ٥ ، باب الشهادة


وأن له شيعة يشفعون فيشفعون ، وأن المهدي (عج) من ولده فطوبى لمن كان من الحسينعليه‌السلام وشيعته ، هم والله الفائزون يوم القيامة(١)

ومنها : ما روي عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا دخل الحسينعليه‌السلام اجتذبه إليه ثمّ يقول لأمير المؤمنينعليه‌السلام أمسكه فيمسكه فيقبله ويبكي فيقول : يا أبة لم تبكي ؟ فقال : يا بُني أقبل مواضع السيوف منك وأبكي ، قال : يا أبة وأنا اُقتل ؟ قال : أي والله وأبوك وأخوك ، قال : يا أبة فمصارعنا شتّى ؟ قال : نعم يا بُني ، قال : فمن يزورنا من أُمتك ؟ قال : لا يزورني ولا يزور أباك وأخاك وأنت إلّا الصدّيقون من اُمتي

ومن أخباره بشهادته عن عبد الله بن عباس أنه لما اشتدّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرضه الذي مات فيه ، وقد ضم الحسينعليه‌السلام إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ، ويقول : مالي وليزيد لا بارك الله فيه اللهمّ العن يزيد ثمّ غشي عليه طويلاً وأفاق وجعل يقبل الحسينعليه‌السلام وعيناه تذرفان ويقول : أما أن لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجل(٢) !

__________________

(١) معالي السبطين : ١٧٤

(٢) نفس المصدر : ١٧٤


اَلسَّلامُ علىٰ اَسيرِ الْكُرُباتِ

الأسير : من قبض عليه وأُخذ ومنها اسرى الحرب(١)

الكروب : جمع الكَرب : الحزن والمشقة والكرابة والكريبة : الداهية الشديدة المكروب : المهموم(٢)

ثم ان الكرب في الأصل بمعنى حفر الأرض وقلبها وكذلك تعني العقد المحكمة الشَد ، في حبل الدلو ، ثم اطلقت بعد ذلك على الغم والهم والحزن الشديد الذي يقلب قلب الإنسان ويثقل عليه كالعقد

قال تعالى :( قُلِ اللَّـهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ) (٣)

وقال تعالى :( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) (٤)

أي استجاب الله تعالى دعاء نوحعليه‌السلام بأن ينجّيه من أذى قومه وشرِّهم(٥)

أيها القارئ الكريم : بعد أن علمت معنى الأسير ، ـ وهو من قُبض عليه وأخذ برقبته ، ومنها أسير الحرب وعلمت معنى الكرب وهو الحزن والمشقة والداهية العظيمة الشدية والمهموم ، تعلم معنى قولهعليه‌السلام : « اَلسَّلامُ علىٰ اَسيرِ الْكُرُباتِ » ، فإن الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيتهعليهم‌السلام قد تعرّضوا للبلاء والمحن الشديدة وصاروا أسير الكربات أي الدواهي الشديدة في دار الدنيا

ولذا قيل ان مصيبة الحسينعليه‌السلام أعظم المصائب ولا يوم كيومه ـ كما ورد ذلك عن الإمام علي أمير المؤمنين والإمام الحسن المجتبى والإمام
__________________

(١) و (٢) المنجد ، مادة أَسَرَ وكَرَبَ

(٣) سورة الأنعام : ٦٤

(٤) سورة الأنبياء : ٧٦

(٥) الأمثل ٤ : ٣٢١


زين العابدينعليهم‌السلام ـ ولعظم المصيبة كان الله تعالى هو المتكفل بأخذ ثار الحسينعليه‌السلام من جميع الخلائق كما ورد في زيارته : أشهد أنك ثار الله في أرضه حتى يستثير لك من جميع خلقه

والجدير بالذكر أن الأنبياء والأوصياء والمصلحين ـ طوال التاريخ ـ كانوا يتعرّضوان للشدائد والمحن والكُربات ويقعون في أسر الظالمين والطغاة والفراعنه والجبابرة ، ولكنهم كانوا يواجهون تلك الأَزمات والكربات بروح قويّة ومعنويات عالية ملؤها الصُّمود والصّبر والتحدّي وكان النصر حليفهم في النهاية ، والعاقبة للمتّقين

فأين الفراعنة اليوم ؟

أين قبورهم ؟

أين تراثهم ؟

أين آثارهم ؟

ولكن تعال وانظر إلى الصرح المشيّد لسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسينعليه‌السلام الشهيد ( صلوات الله عليه )

تعال وانظر إلى ملايين الناس الذين يتوافدون من مختلف انحاء العالم لزيارة مرقده الشريف والوقوف أمام ضريحه المقدس

تعالى وانظر إلى تراث الإمام الحسينعليه‌السلام ورسالته الخالدة وكلماته المنيرة الحكيمة فعندها تعرف معنى العظمة الإلهية التي منحها لهذا الإمام العظيم


وَقَتيلِ الْعَبَراتِ

القتيل : المبالغة في القتل وقد حدث ذلك لهعليه‌السلام حيث لم يسمع في التاريخ ان أحداً قتل وارتكبت معه جريمة كما ارتكبت في حق أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأهل بيته إلى درجة بكاه كل ما في الوجود ، بل وحتى الله تعالى يذكر مصيبته لأنبياء من فوق عرشه منها ما خاطب كليمه موسى بن عمرانعليه‌السلام قائلاً : « يا موسى لو تراهم صغيرهم يميته العطش وكبيرهم قلبه منكمش »

العبرة : الدمعة والحزن بلا بكاء وعَبَر عَبراً : حزن وسالت عبرته ودموعه وفي الحديث عن الإمام الحسينعليه‌السلام : أنا قتيل العبرة وصريع الدمعة(١)

فكأن العبرة والدمعة أعُدت لهعليه‌السلام ، ولذا قال الإمام الصادقعليه‌السلام : كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسينعليه‌السلام (٢)

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « قال الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام : أنا قتيل العبرة قُتلتُ مكروباً وحقيق على الله ان لا يأتيني مكروب قطّ إلّا ردّه الله وأقلبه إلى أهله مسرواً »(٣)

وفي الحديث نظر أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الحسين فقال : يا عبرة كل مؤمن ، فقال : أنا يا أبتاه قال نعم يا بنيّ(٤)

وفي الحديث أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلّا استعبر(٥)

قال المرحوم الحاج شيخ جعفر الرشتي في الخصائص : ١٤١ : اعلم ان الرقة والجزع والبكاء على مصائب أهل البيتعليهم‌السلام مختلف ومنقسم على أقسام :

__________________

(١) المنجد مادة عَبر

(٢) معالي السبطين للشيخ محمد مهدي المازندراني

(٣) كامل الزيارات : ١٠٩ وعقاب الأعمال : ١٩

(٤) و (٥) كامل الزيارات : ١٠٨


الأول : منها بكاء القلب وهي عباة عن الهم والغم على ما جرى عليهم من الأعداء وهو أول المراتب وثمرته له وثوابه من الله أن يعطي بكل نفس ثواب تسبيح لله كما قال الصادقعليه‌السلام : نفس المهموم لظلمنا تسبيح ، وهمه لنا عبادة ، وكتمان سرنا جهاد في سبيل الله

والقسم الثاني : منها وجع القلب وهو يحصل من تراكم الهموم والغموم ، فإذا كثر همه وغمه لمصائب أهل البيت يتألم من ذلك حتى يوجع قلبه ، فإذا عرض عليه ذلك كان له من الأجر ما قال الصادقعليه‌السلام لمسمع : وأن الموجع قلبه لنا ليفرح قلبه يوم يرانا عند موته الحديث(١)

__________________

(١) معالي السبطين : ١٤٢ عن بحار الأنوار ٤٤ : ٢٨٩ والحديث هو عن مسمع قال : قال لي أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام : يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسينعليه‌السلام ، قلت : لا أنا رجل مشهور من أهل البصرة وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وأعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصاب وغيرهم ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيميلون عليّ ، قالعليه‌السلام لي : أفما تذكر ما صنع به ، قلت : بلى ، قال : فتجزع ، قلت : أي والله وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي ، قالعليه‌السلام : رحم الله دمعتك أما أنك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمنا أما أنك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة ما تقرّ به عينك قبل الموت فملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الأُم الشفيقة على ولدها ، قال ثم استعبر واستعبرت معه فقال : الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة وخصنا أهل البيت بالكرامة لنا يا مسمع : ان الأرض والسماء لتبكيان منذ قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام رحمة لنا وما بكى لنا من الملائكة أكثر ومارقأت دموع الملائكة منذ قتلنا وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلّا رحمة الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه فإذا سالت دموعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفئت حرها حتى لا يوجد لها حر وأن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال


والقسم الثالث : دوران الادمع في الحدقة بلا خروج منها وهذه مرتبة فوق مرتبة وجع القلب وله من الأجر أيضاً فوق ذلك ، كما قال جعفر بن محمدعليه‌السلام : لمسمع يا مسمع وما بكى أحد رحمة لنا .

والقسم الرابع : من البكاء خروج الدمع من العين ولو بقدر جناح بعوضة وهذا هو الذي قاله الصادقعليه‌السلام من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح البعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ، وفي خبر آخر قالعليه‌السلام : من ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله ( عزّ وجل ) ولم يرض له دون الجنة

والقسم الخامس : خروج الدمعة مع التقاطر ولها خواص ومنافع منها قال الصادق لمسمع فلوا أن قطرة من دموعه .

والسادس : سيلان الدمعة على الوجه والصدر واللحية وهذا هو بكاء الأئمةعليهم‌السلام ولها من الأجر فوق أن تحصى ، منها ما قال الرضاعليه‌السلام لريان بن شبيب : إن بكيت على الحسين حتى تسيل

__________________

تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض وأن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ولم يشق بعدها أبداً وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزنجبيل أحلى من العسل وألين من الزبد وأصفى من الدمع وأزكى من العنبر يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان يجري على رضراض الدر والياقوت فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء يوجد ريحه من مسيرة ألف عام قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجواهر يفوح في وجه الشارب منه كل فاتحة حتى يقول الشارب منه ليتني تركت هاهنا لا أبغي بهذا بدلاً ولا عنه حولاً أما أنك يا مسمع ممن تروي منه وما من عين بكت لنا إلّا نعمت بالنظر إلى الكوثر ؟ قال : وان الشارب منه ليعطى من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبنا وإن على الكوثر أمير المؤمنينعليه‌السلام وفي يده عصى من عوسج يحطم بها أعدائنا


منها ما قال زين العابدينعليه‌السلام أيما مؤمن دمعت عيناه دمعاً حتى تسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في الدنيا ، بوأه الله مبوأ صدق في الجنة ، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة ما أُوذي فينا ، صرف الله عن وجهه الأذى وأمنه يوم القيامة من سخط النار ، أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليعليه‌السلام دمعة حتى تسيل على خده ، بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً

وبقيت مرتبة أُخرى وهي أعلى من تلك المراتب وأفضلها وهنيئاً لمن عمل بها وهي البكاء مع تقاطر الدمعة وسيلانها على الخد واللحية مع الصراخ والنحيب والشهقة ، وكفى له من الأجر والثواب دعاء الإمام الصادقعليه‌السلام له بقوله : اللهم ارحم تلك الصرخة التي كانت لأجلنا ، وهذا بكاء الزهراءعليها‌السلام في كل يوم كما ورد في الخبر : أنها تنظر إلى قميص ولدها الحسينعليه‌السلام وتشهق شهقة حتى يسكتها أبوها ولم يزل هذا القميص مع الزهراء ولا ينفك عنها إلى أن ترد المحشر ، وهي آخذة بذلك القميص المتلطخ بالدم وقد تعلقت بقسائم العرش ، وتقول : رب احكم بيني وبين قاتل ولدي الحسينعليه‌السلام

نظم :

كأني ببنت المصطفى قد تعلقت

يداها بساق العرش والدمع اذرت

وفي حجرها ثوب الحسين مضرجاً

وعنها جميع العالمين بحسرة

تقول يا عدل اقض بيني وبين من

تعدى على ابني بين قهر وقسوة

أجالوا عليه بالصوارم والقنا

وكم جال فيهم من سنان وشفرة


وقال الآخر :

لابد أن ترد القيامة فاطم

وقميصها بدم الحسين ملطخ

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه

والصور في يوم القيامة ينفخ

في البحار(١) قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يمثل لفاطمة في يوم القيامة رأس الحسينعليه‌السلام متشحطاً بدمه فتصيح وا ولداه وا ثمرة فؤاداه ، فتصعق الملائكة لصيحة فاطمة وينادي أهل القيامة : قتل الله قاتل ولدك يا فاطمة ، فيقول الله تعالى ذلك أفعل به وبشيعته وأحبائه وأتباعه .

في الخصال عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : إن الله اطلع على الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أُولئك منا وإلينا ، وقال الصادقعليه‌السلام : رحم الله شيعتنا إنهم أُوذوا فينا ولم نؤذ فيهم ، شيعتنا منا قد خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة يصيبهم مصابنا ويبكيهم مصابنا ويحزنهم حزننا ويسرهم سرورنا ، ونحن أيضاً نتألم لألمهم ونطلع على أحوالهم ، فهم معنا لا يفارقونا ولا نفارقهم ، لأن مرجع العبد إلى سيده ومعوله على مولاه فهم يهجرون من عادانا ويمدحون من والانا ويباعدون من آذانا ، اللهم أحي شيعتنا في دولتنا وأبقهم في ملكنا وملكتنا ، اللهم إن شيعتنا منا ومضافون إلينا فمن ذكر مصابنا وبكى لأجلنا استحى الله أن يعذبه ، وقال الصادقعليه‌السلام رحم الله شيعتنا لقد شاركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة على مصاب الحسينعليه‌السلام

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٣ : ٢٢٢


قال المرحوم شيخنا التستري : اعلم أن مجرد الحضور والجلوس في هذه المجالس التي انعقدت لأجل التذكر والتذكار لمناقب أهل البيت والبكاء والتباكي على مصائبهم له أجر عظيم وفوائد جليلة في الدنيا والآخرة

منها : ما قال الرضاعليه‌السلام : من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون ، ومن جلس مجلساً يحى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب

منها : إنها محبوبة لله ولرسوله ولأوصيائه كما يظهر من كلام الصادقعليه‌السلام لفضيل يا فضيل تجلسون وتحدثون ( وتتحدثون خ ل ) قال : نعم جعلت فداك ، قال : إن تلك المجالس لأحبها فأحيوا أمرنا ، يا فضيل فرحم الله من أحيى أمرنا ، يا فضيل من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح بعضوة ( الذباب خ ل ) غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر ، فإذا كانت هذه المجالس محبوبة للصادقعليه‌السلام فيقيناً محبوبة لباقي الأئمة ومحبوبة عند الرسول عند الله

منها : إنها منظورة للحسينعليه‌السلام لأنه في يمين العرش وأنه ليرى من يبكيه ، ويسأل آباءه أن يستغفروا له ويقول : لو يعلم الباكي على ما أعد الله له لكان فرحه أكثر من جزعه

منها : إنه مادام جالساً في المجلس جليس مع الملائكة لأن المجلس محل شهود الملائكة ومحل هبوطهم فيه ، ويوافقون الباكي في البكاء والنحيب ، ويدعون الله له ويطلبون منه الرحمة له ولآبائه ، كما قال الصادقعليه‌السلام لجعفر بن عفّان حين دخل عليه فقربه وأدناه ثم قال : يا جعفر ، قال : لبيك جعلني الله فداك ، قال : بلغني أنك تقول الشعر في الحسينعليه‌السلام وتجيد قال : نعم جعلني الله فداك ،


قال : قل فأنشدتهعليه‌السلام فبكى ومن حوله حتى صارت على وجهه ولحيته ثم قال : يا جعفر والله لقد شهدت ملائكة الله المقربون هاهنا يسمعون قولك في الحسينعليه‌السلام ولقد بكوا كما بكينا وأكثر ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنة بأسرها وغفر الله لك فقال : يا جعفر ألا أزيدك ؟ قال : نعم يا سيدي ، قالعليه‌السلام : ما من أحد قال في الحسينعليه‌السلام شعراً فبكى وأبكى به إلّا أوجب الله له الجنة وغفر له ، وللصادقعليه‌السلام مجلس لإقامة عزاء الحسينعليه‌السلام والبكاء عليه وذلك كلما دخل عليه أحد من الراثين على الحسينعليه‌السلام فيأمره بالرثاء فيرثي ، قال : أبو هارون المكفوف : دخلت على أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام فقال لي أنشدني في الحسينعليه‌السلام فأنشدته :

أمرر على جدث الحسين

فقل لأعظمه الزكية

قال فلما بكى أمسكت أنا قال : مر ، فمررت :

يا أعظماً لا زلت من

وطفاء ساكبة روية

وإذا مررت بقبره فأطل به

وقف المطية

فابك المطهر للمطهر

والمطهرة التقية

كبكاء معولة أتت يوماً

لواحدها المنية

ثم قال ، زدني ، فأنشدته :

يا مريم قومي واندبي مولاك

وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال فبكى وتهايج النساء فلما أن سكتن قال : يا أبا هارون من أنشد في الحسينعليه‌السلام فأبكى عشرة فله الجنة ، ثم جعل ينتقص واحداً واحداً حتى بلغ الواحد فقال : من أنشد في الحسين وأبكى واحداً فله الجنة ، ثم قال : من ذكره فبكى فله الجنة


وفي الخبر ما ذكر الحسين بن عليعليه‌السلام عند إمامنا الصادقعليه‌السلام في يوم قط فرئي أبو عبد اللهعليه‌السلام متبسماً في ذلك اليوم إلى الليل ، وكان يقولعليه‌السلام : الحسين عبرة كل مؤمن ومؤمنة كما أن علياًعليه‌السلام كلما رأى الحسينعليه‌السلام يبكي ويقول : يا عبرة كل مؤمن ومؤمنة ، وقال الحسين أنا يا أبتاه يقول نعم يا بني وما قال الحسينعليه‌السلام هو أحرق لقلوب الشيعة قال : أنا قتيل العبرة ما ذكرت عند مؤمن ولا مؤمنة إلّا بكيا واغتما لمصابي(١)

__________________

(١) معالي السبطين : ١٤٧


اَللّهُمَّ اِنّي اَشْهَدُ اَنَّهُ وَلِيُّكَ وَابْنُ وَلِيِّكَ ، وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ

اَللّهُمَّ : اصلها يا الله حذف ياء المنادى وابدلت مكانها الميم في آخرها فصارت اللهم ، فهي في الأصل منادى ، وقد مرّ الكلام في كلمه الله جل جلاله فراجع

اني اشهد :

ان الشهادة قد يراد منها الاقرار في الظاهر بأن الإمام الحسينعليه‌السلام ولي الله تعالى وابن وليه وهذا ثابت بالأدلة النقلية والعقلية ودلت عليه الآثار والمعجزات ومن أحسنها دلالة القرآن الذي هو معجز مستقل في إثباته وشاهد حاضر في مرأى المسلمين وقد سبق البحث في مقام ولايتهم(١)

وقد يراد بالشهادة هي الشهادة المشهودة لأصحاب الكشف والشهود خاصة من أهل اللبّ والعلم والمعرفة

والحاصل : ان من عرف الله ، وعرف صفاته وافعاله وآثار افعاله وأوليائه بالأدلة العقلية والنقلية ، ظهر له بالضرورة ان الإمام الحسينعليه‌السلام انه ولي الله وابن وليه ، خصوصاً إذا كان ممن عرف أسرار هذا الدين والمذهب الحق الجعفري بظاهره وباطنه من المعارف التي عجزت عن مثلها الالبّاء وعقلاء العالم ، وأيضاً عرف واحاط علماً بسيرة الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل البيت سلام الله عليهم أجمعين وأخلاقهم وآدابهم حصل له القطع بان هذه السيرة قد صدرت عن حكمة رباينة لا يمكن مثلها من الخلق ، وإن بلغ في الكمال ما بلغ ، فنرى أن أقوالهم يصدق بعضها بعضاً وكذا أفعالهم تصدق أقوالهم من دون معارضه كما لا يخفى على البصير الناقد الساير في سيرهم وأفعالهمعليهم‌السلام فإن هذا النظام لا يكون إلّا عن مصلحة إلهية ووحي إلهي

__________________

(١) راجع بحث الولاية


وبعبارة اُخرى : إن الشهادة بولايتهم وإمامتهم لابد من أن تكون بعد الشهادتين ، أما عقيدة فهي واجبة وأما الاقرار اللساني فهو مستحب

وكيف كان فالتصريح بالنبوة يستلزم التصريح بولايتهم وامامتهم فالإمام الحسينعليه‌السلام هو ركن من أركان الولاية الربانية فلذلك لابد التصريح في زيارته إلى هذه الولاية الحقة والاقرار بها قلباً ولساناً له وللأئمة المعصومينعليهم‌السلام

ووجوب الاطاعة لهم في جميع الاُمور والاقرار بفضلهم لأن مقامهم مقام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في وجوب الطاعة ولانهم كالنبي في كونهم حملوا حمولة الرب وهذا هو السر في كونهم كالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في تلك الشؤون

قال أبو جعفرعليه‌السلام : ولا يستكمل عبد الإيمان حتى يعرف انه يجري لآخرهم ما يجري لأولهم في الحجة والطاعة والحلال والحرام سواء ولمحمد وأمير المؤمنين فصلهما(١)

وعن اكمال الدين باسناده عن الثمالي عن أبي جعفر عن أبيه عن جده الحسينعليه‌السلام قال : دخلت أنا وأخي على جدي رسول الله فاجلسني على فخذه وأجلس اخي الحسن على فخذه الآخر ثم قبّلنا وقال : « بابي انتما من إمامين سبطين اختاركما الله مني ومن أبيكما ومن اُمكما واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم وكلهم في الفضل والمنزلة سواء عند الله تعالى »(٢)

وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ :

وقد مر شرح الصفي في عبارة السَّلام على صفي الله وابن صفيه ، فراجع

__________________

(١) بحار الأنوار ٢٥ : ٣٥٣

(٢) بحار الأنوار ٢٥ : ٣٥٦


الْفآئِزُ بِكَرامَتِكَ ، اَكْرَمْتَهُ بِالشَّهادَةِ

الفائز : من الفوز : الظفر ، أي نال ما أراد من النعيم المقيم

والكريم : من كل شيء هو جيّده في صنفه أو نوعه أو جنسه والكَرم قيل : هو سخاء النفس بما تحب ، وهو ليس صفة خاصّة بل هو صفة لكل حسن مرضىٍّ فاضل في جنسه ، كما يقال كتاب كريم ، مقام كريم ، زوج كريم ، رسول كريم ، وإنه لقرآن كريم

وعليه فإن الإمام الحسينعليه‌السلام فاز بكرامة الله تعالى وهي الشهادة غاية الفوز ، بحيث لم يدانه أحد فإن الله تعالى أكرمه وجميع الأئمةعليهم‌السلام بما لم يكرم به أحد من خلقه ، حتى الأنبياء ما عدا جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذلك لحقيقة ما همّ عليه من القرب والمعرفة والعبادة ، ومن كونهم مظاهر جماله وجلاله وغير ذلك ، فلا محالة فازوا بما لم يفز به أحد من الخلق ، وظفروا بما طلبوا من الكرامة لديه ، ووصلوا إلى المقام الأعلى والمكان الرفيع وكما ورد في الزيارة « أتاكم الله ما لم يأت أحد من العالمين » فهم( عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (١)

ثم إن التكريمات التي كرّم الله بها ـ بحسب الظاهر لمطلق الإنسان ـ إلّا أنها في الحقيقة لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله الطاهرين المنتجبين بمحل من الامكان بحيث لا يحوم حول حماها انسان ، بل كل ما سواهم من سائر الخلق والموجودات والملائكة والأنبياء والبشر ، فالكرامة والتكرمه التي تكون لسائر الخلق تكون بالتبعية والمعلولية لها كل واحد منها بنسبته ، وإلّا المصداق لتلك التكرمات بالنحو الأتم الأكمل هو لمحمد وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام

وفي الحديث أنزلوهم أحسن منازل القرآن

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٢٦ ـ ٢٧


وقيل المراد بالكرامة هو : الكريم من الأعمال ، يعني أن ما أُمر به الإمام الحسينعليه‌السلام من الأعمال وبالأخص الشهادة في سبيل الله فإنها كرامة من الله تعالى وهي أجودها ، لأن المأمور بالأعمال إنما يؤمر بقدر قابليته وارتفاع مرتبته ، أو عدم ارتفاعها

ولما كانت مبادئ الإمام الحسينعليه‌السلام ومبادئ أهل البيتعليهم‌السلام أكرم المبادئ فلابد من أن يكون ما أُمروا به شيئاً يليق بذلك المبدأ إلى منتهى غاياته

فهذه الفقرة ناظرة إلى عمل وفعل الإمام الحسينعليه‌السلام وبالأخص منزلة الشهادة التي نالها في سبيل احياء دين الله تعالى بحيث أكرمه الله تعالى بها وجعل سفينته اسرع سفن الهداية(١)

بالشهادة : وقد مر البحث سابقاً عنها في مقام الشهيد في فقرة ( المظلوم الشهيد ) من الزيارة فراجع

__________________

(١) الشموس الطالعة في مشارق زيارة الجامعة للسيّد حسين الهمداني مع تصرف


وَحَبَوْتَهُ بِالسَّعادَةِ

الحبوة : يقال حبوت الرجل حِباءً : اعطيته الشيء بغير عوض ، وفي الحديث أن أول حبائك الجنة أي عطاؤك

وفي الحديث صلاة الحبوة وهي صلاة جعفر بن أبي طالب المعروفة بصلاة جعفر الطيارة المشهورة بين الفريقين ، سُميت بذلك لأنها حباء من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنحة منه وعطية من الله تفضل بها على جعفر الطياررضي‌الله‌عنه (١)

وعن لسان العرب الحباء : العطاء بلا مَنٍّ ولا جزاء

السعادة : خلاف الشقاء

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : السعادة سبب خير تمسّك به السعيد فيجرّه إلى النجاة والشقاوة سبب خذلان تمسّك به الشقي فجرّه إلى الهلكة وكل بعلم الله تعالى(٢)

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : السعادة ما أفضت إلى الفوز ، وقال السعيد من اخلص الطاعة

وعنهعليه‌السلام : من أجهد نفسه في اصلاحها سعد ، ومن أهمل نفسه في لذاتها شقي وبُعد ، وعنهعليه‌السلام ثلاث من حافظ عليها سعد : إذا ظهرت عليك نعمة فاحمد الله وإذا ابطأ عنك الرزق فاستغفر الله ، وإذا اصابئك شدّة فاكثر من قول : لا حول ولا قوة إلّا بالله

وعنهعليه‌السلام : اسعد الناس من عرف فضلنا وتقرب إلى الله بنا وأخلص حُبنا وعمل بما الله ندبنا ، وانتهى عما عنه نهينا فذاك منا وهو في دار المُقامة معنا(٣)

__________________

(١) مجمع البحرين ١ : ٢٩٤

(٢) بحار الأنوار ١٠ : ١٨٤

(٣) ميزان الحكمة ٤ : حرف السين


أقول : فكيف كان فإن الله تعالى أعطى الإمام الحسينعليه‌السلام السعادة في الدنيا حيث رفع اسمه ونصبت له المأتم في كل مكان وإلى قيام القيامة ، رغم الجهد الذي صدر من اعدائه في طمس ذكره ، ولكن الله تعالى رفع ذكره هذا في هذه النشأة ، وناهيك ما أعدّ له تعالى في النشأة الآخرة ويكفيك في ذلك أن حساب الخلائق قبل يوم القيامة بيدهعليه‌السلام كما في الخبر

بل أكثر من ذلك فإن السعادة التي حباها الله تعالى إياه لم تختص به بل تشمل كل من والاه ووالا أهل البيتعليهم‌السلام وعاد أعدائه وأعداء أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنه بولائهم للحسينعليه‌السلام تكفّر عنهم عظائم الذنوب لأن المحب والموالي لهم يُوفّق للصواب في اعتقاداته ، وعلومه ، وأفعاله ، وأقواله ، وأعماله ، وهذا بخلاف غيرهم كما نرى ذلك منهم

وثانياً : يبصره الله عيوب نفسه ، فيشتغل باصلاحها وينصرف عن عيوب غيره لما يرى من عيوبه ماقتاً لنفسه ، ويرى نفسه مقصراً في طاعة ربه ، وهذه أحوال العباد والمؤمنين العارفين وقد رزقها الله تعالى لمحب الحسين وأهل البيتعليهم‌السلام

وثالثاً : أن الله تعالى يرزقه الحياة الطيبة المشار إليها بقوله :( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) (١) المفسرة بالقنوع والقناعة

ففي « الفقيه » عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في حديث : « ولقد سمعت حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : لو أن المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب أهل الأرض ، لكان الموت كفارة لتلك الذنوب ، ثم قال : من قال لا إله إلّا الله باخلاص فهو بريء من الشرك ، ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ثم تلا هذه الآية
__________________

(١) سورة النحل : ٩٧


( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (١) من شيعتك ومحبيك يا علي ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام فقلت يا رسول الله هذا لشيعتي ؟ قال : أي وربي إنه لشيعتك »(٢)

وقد ورد في الحديث أن الموالي للحسينعليه‌السلام ولأهل البيت هو يختار الموت باختياره ورضاه ليكون محباً للقاء الله تعالى والأحاديث في ذلك كثيرة منها(٣)

عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن عقبة بن خالد قال : دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام أنا ومعلّى بن خنيس قال : « يا عقبة لا يقبل الله عن العباد يوم القيامة إلّا هذا الّذي أنتم عليه وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقرّ به عينه إلّا أن تبلغ نفسه هذه ، وأومأ بيده إلى الوريد ، قال : ثمّ اتّكأ وغمز إلى المعلّى أن سله فقلت : يابن رسول الله إذا بلغت نفسه هذه فأيّ شيء يرى ؟ فردد عليه بضع عشرة مرّة « أي شيء يرى » فقال في كلها : يرى ، لا يزيد عليها ، ثمّ جلس في آخرها فقال : يا عقبة ، قلت : لبيك وسعديك

فقال : أبيت إلّا أن تعلم ؟ فقلت : نعم يابن رسول الله إنّما ديني مع دمي ، فإذا ذهب دمي كان ذلك ، وكيف بك يابن رسول الله كلّ ساعة وبكيت ، فرقّ لي فقال : يراهما والله ، قلت : بأبي أنت وأُمي من هما ؟ فقال : ذاك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليعليه‌السلام ، يا عقبة لن تموت نفس مؤمنة أبداً حتّى تراهما ، قلت : فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدّنيا ؟ قال : لا ، بل يمضي أمامه ، فقلت له : يقولان شيئاً جعلت
__________________

(١) سورة النساء : ٤٨

(٢) الفقية ٤ : ٢٩٤

(٣) محاسن البرقي : ١٧٥ ، رقم ١٠٨


فداك ؟ فقال : نعم ، يدخلان جميعاً على المؤمن ، فيجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند رأسه وعليعليه‌السلام عند رجليه فيكبّ عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقول : يا وليّ الله أبشر أنا رسول الله ، إني خير لك ممّا تترك من الدُّنيا

ثمّ ينهض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيقدم عليه علي ( صلوات الله عليه ) حتى يكبّ عليه فيقول : يا وليّ الله أبشر أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبّني أما لأنفعنّك ، ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : أما إن هذا في كتب الله عزّ وجل ، قلت : أين هذا جعلت فداك من كتاب الله ؟ قال : في سورة يونس ، قول الله تبارك وتعالى هاهنا :( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١) »

ونظير هذه الأحاديث كثيرة جدّاً ، فيظهر منها أنّه تعالى قد خصّ شيعة الإمام الحسينعليه‌السلام والإمام علي وعباده الصّالحين بالسّعادة الدنيوية والأُخروية ، بما ذكروا بأنّه تعالى لا يقبض روحه إلّا برضاه ، لتكون باختياره محبّاً للقاء الله تعالى ، لأنّ من كره لقاء الله ، كره الله لقاءه وإنّما يفعل الله تعالى به ذلك ( أي يقبض روحه ) برضاه مع حبّه للقاء الله تعالى ، لما ثبت في محلّه : أن الروح في حال النزع إن كانت مع حبّها له تعالى كانت في نعيم مقيم وسرور وبهجة إلى أن يدخل الجنّة ، وإن كانت مع كراهتها له تعالى كانت في عذاب وشدة وضيق ، كما علمته من بيان موت عدوّ الله تعالى

ولعمري إن هذه السعادة هي السعادة المنجية ، التي لا يعدلها شيء ، حيث يحضر عنده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام الحسينعليه‌السلام والأئمةعليهم‌السلام وأمير المؤمنينعليه‌السلام
__________________

(١) سورة يونس : ٦٣ ـ ٦٤


ويبشرونه بما سمعت ، وهذه السعادة إنما هي لمن والاهم وآمن بسرّهم وعلانيتهم وأحبّهم ، وأقرّ بفضلهم ومقامهم الذي رتبهم الله فيه ، وجحد أعداءهم وما يدعون لهم من المقام ، وأبغضهم كما لا يخفى ، فالمقرون بولايتهم التشريعية والتكوينية التي مرّ بيانهما لهم هي السّعادة الأبديّة(١)

فالحمد لله ربنا على هدايته لولاية ولاة أمره ونعوذ به من موالاة أعدائهم ، ونسأله البراءة منهم آمن ثم آمين برحمتك يا أرحم الراحمين

__________________

(١) الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٤ : ٢١١


وَاَجْتَبَيْتَهُ بِطيبِ الْوِلادَةِ

اجتبيته : لا ريب ان الاجتباء هو الاختيار والاصطفاء كما في اللغة ، وهذا الاجتباء له مصاديق من حيث الشدّة والضعف في الاختيار

وفي هذه الزيارة نسب الاجتباء إلى طيب ولادة الإمام الحسينعليه‌السلام مبالغة في تعظيم الاجتباء لهعليه‌السلام ، وكونهعليه‌السلام من صفوة الموجودات يكون مصطفيً على أحسن وجه وأكمل وأتم وجه ممكن يكون مجتباً ؛ لأن الاجتباء عنوان الفعل في الخارج أي يكون مصداقه ما هو موجود خارجاً ، ولذا جعل الاجتباء بالولادة التي هي السبب للفعل والعمل بخلاف سائر بعض الجمل في الزيارة فإنها عللت بالصفات المعنوية الثابتة قبل الفعل

وقد ورد في زيارة الجامعة « واجتباكم بقدرته » بمعنى أنهم لما كانوا مظهر قدرته كما دلت عليه الأخبار فلا أحد في القدرة وآثارها مثلهم ، فيكون الباء في « بقدرته » بمعنى اللام الغائية ، أي اجتباكم لغاية اظهار قدرته تعالى النافذة التي ليست فوقها قدرة في الوجود(١)

بطيب الولادة :

من النعم الكبرى التي أنعم الله بها على بعض العباد ، هي نعمة طيب الولادة بل هي اوّل النعم على المؤمنين وبها احراز النعيم والسعادة في الدنيا والآخرة

ولذا ورد في الأخبار مَن حارب الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء والأُلوف الذين حضروا واقعة الطف كانوا ما بين ولد زنا أو حيضة ، وأما مَن حضر وكثر السواد ولم يقاتل فهو ممن حمل به في الحيض(٢)

__________________

(١) الانوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة للشيخ جواد الكربلائي مع تصرف

(٢) علل الشرائع ١ : ١٤١ ، باب علة محبة أهل البيت


وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : كان قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا ، وكان قاتل الحسينعليه‌السلام ولد زنا ولم تبكي السماء إلّا عليهما(١)

وأيضاً ورد في الروايات انه لا يبغض أهل البيتعليهم‌السلام إلّا ولد زنا أو حيض

عن اُم سلمة قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لعليعليه‌السلام لا يبغضكم إلّا ثلاثة : ولد زنا ومنافق ومَن حملت به اُمه وهي حائض(٢)

فكيف كان فإن طيب الولادة لها الأثر الكبير في سعادة الإنسان فقد ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام : مَن وجد بَرد حُبنا في كبده فليحمد الله على أول النعم

قال الراوي قلت : جعلت فداك ما أوّل النعم ، قال : طيب الولادة(٣)

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : احمدوا الله على ما اختصكم به من بادئ النعم أعني طيب الولادة(٤)

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أبا ذر من احبنا أهل البيت فليحمد الله على أول النعم ، قال : يا رسول الله وما أول النعم ، قال : طيب الولادة ، إنه لا يحبنا أهل البيت إلّا من طاب مولده

ولادة الإمام الحسينعليه‌السلام :

لقد ظهرت في ولادة الإمام الحسينعليه‌السلام كرامات ومعجزات نشير إليها تبركاً وتيمناً بما منح الله تعالى الحسينعليه‌السلام لطيب ولادته ، ولكن قبل ذلك لابد أن نعلم
__________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ : ٣٠٢

(٢) بحار الأنوار ٧٨ : ١٠٤

(٣) وسائل الشيعة ٩ : ٥٤٧

(٤) بحار الأنوار ٢٧ : ١٤٨


أن الإمام الحسينعليه‌السلام ولد في الثالث من شهر شعبان المبارك السَّنة الرابعة للهجرة ـ وولد لستّة أشهر ولم يولد مولود لستة أشهر وعاش إلّا الحسين ويحيى بن زكريا وقيل عيسى بن مريم ـ في المدينة المنورة وسماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حسيناً كما سمّى أخاه من قبل حسناً ، ولم يسمَّ بهذين الإسمين أحد من العرب قبلهما ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يحبّهما حبّاً شديداً ويقول : هما ريحانتاي من الدنيا ، اللّهمّ إنّي أحبّهما وأحبّ من يحبّهما

ولمّا ولد الحسينعليه‌السلام قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لصفيّة بنت عبد المطلب : يا عمّة هلمي إلى إبني ، فقالت : يا رسول الله أنا لم ننظّفه بعد ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عمّة أنت تنظّفينه ، إن الله تعالى قد نظّفه وطهّره ، فَدَفَعته وهو في خرقة بيضاء فأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، ووضع لسانه في فيه والحسين يمصّه يغذيه اللّبن والعسل ، ثمّ دفعه إليّ وهو يبكي ويقول : لعن الله قوماً هم قاتلوك يا بني ، قالها ثلاثاً ، فقلت : من يقتله ؟ قال : تقتله الفئة الباغية من بني أُميّة

ولمّا ولدعليه‌السلام أوحى الله إلى مالك خازن النيران : أخمد النّيران على أهلها كرامة لمولود ولد لمحمّد في دار الدُنيا ، وأوحى الله إلى الحور العين أن تتزيّن كرامة للحسينعليه‌السلام ، ثمّ أوحى الله إلى جبرئيل أن يهبط إلى النبي في ألف قبيل وكلّ قبيل ألف ألف ملك على خيول مسرجة ملجّمة من الدر والياقوت أن يهنّئوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمولد ( وبها قضيّة فطرس عتيق الحسينعليه‌السلام )(١)

لشهر شعبان فضل ليس نحصيه

إذ كان مولد سبط المصطفى فيه

سبط النبي ونجل الطّهر حيدرة

من فاق جاهاً ونال السؤل راجيه

صلّى عليه إله العرش ما سجعت

ورق ومال غصن في تثنيه

__________________

(١) نور الأبصار : ١٦٥


وقد قام بنفسه بتربيتهما حتّى تركهما نموذجين مثاليّين ومثلين كاملين للمسلم القرآني الذي يريده الإسلام ، فكانا بذلك القدوة العليا لكلّ إنسان في الدنيا وفي كلّ صفات الإنسانيّة وشرائطها ، ومن ثَمَّ منحهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مقام السيادة على كافّة شباب أهل الجنّة كما هو نصّ الحديث الشريف المتواتر : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، ومعلوم أن السّيادة في عرف الإسلام تعني الأفضليّة والأكمليّة والتفوق في العلم والعمل الصّالح

ولا شك أنّ المراد بشباب الجنّة هو كل أهل الجنّة قاطبة ما عدا جدّهما المصطفى وأبيهما علي المرتضى اللّذين خرجا من تحت هذا العموم بأدلّة خاصة أُخرى

فهما سيّدا أهل الجنّة جميعاً لأنّ كل من في الجنّة شباب ليس فيهم شيخ ولا كهل ولا عجوز حسب ما ورد في النصوص

وبناءاً على ما سبق يكون الحسينعليه‌السلام قد عاش مع جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ستّ سنوات وعاش بعده إحدى وخمسين سنة ، فكان عمره الشريف يوم شهادته نحواً من سبع وخمسين سنة ، وقيل : ثمانية وخمسين سنة بناء على أن ولادته كانت سنة ثلاث من الهجرة ، قضاها في عبادة الله وطاعة رسوله وخدمة الناس وختمها بأعظم تضحية عرفها التاريخ حتى الآن ، من حيث القدسيّة والشرف

كانعليه‌السلام أكثر الناس علماً وأفضلهم عملاً ، وأسخاهم كفاً وأحسنهم خلقاً ، وأوسعهم حلماً ، وأكرمهم نفساً ، وأرقهم قلباً ، وأشدّهم بأساً وشجاعة

هذه كلها حقائق ثابتة بالإجماع ، ومتواترة بين المؤرخين وأهل السّير يعترف له بها حتّى الأعداء


في المنتخب ، قال : لما أراد الله أن يهب لفاطمة الزهراء الحسينعليه‌السلام فلما وقعت في طلقها أوحى الله ( عزّ وجل ) إلى لعيا وهي حوراء من الجنة ، وأهل الجنان إذا أرادوا أن ينظروا إلى شيء حسن نظروا إلى لعيا ولها سبعون ألف وصيفة وسبعون ألف قصر وسبعون ألف مقصورة وسبعون ألف غرفة مكللة بأنواع الجواهر والمرجان ، وقصر لعيا أعلى من تلك القصور ومن كل قصر في الجنة إذا أشرفت على الجنة نظرت جميع ما فيها وأضاءت الجنة من ضوء خديها وجبينها

فأوحى الله إليها أن اهبطي إلى دار الدنيا إلى بنت حبيبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فأنسي لها فهبطت لعيا على فاطمةعليها‌السلام وقالت لها : مرحباً بك يا بنت محمد ، كيف حالك ؟

قالت لها : بخير وَلَحِقَ فاطمة الحياء من لعيا لم تدر ما تفرش لها فبينما هي متفكرة إذ هبطت حوراء من الجنة ومعها درنوك من درانيك الجنة ، فبسطته في منزل فاطمة فجلست عليه عيا

ثم إن فاطمة ولدت الحسينعليه‌السلام في وقت الفجر فقبلته لعيا وقطعت سرته ونشفته بمنديل الجنة وقبلت بين عينيه وتفلت في فيه ، وقالت له : بارك الله فيك من مولود وبارك في والديك ، وهنأت الملائكة جبرائيل وهنأ جبرائيل محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله سبعة أيام بلياليها

فلما كان في اليوم السابع قال جبرائيل : يا محمد ، إتينا بابنك هذا حتى نراه ، قال : فدخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على فاطمة فأخذ الحسينعليه‌السلام وهو ملفوف بقطعة صوف فأتى به إلى جبرائيل فحله وقبّل بين عينيه وتفل في فيه ، وقال : بارك الله فيك من مولود وبارك الله في والديك يا صريع كربلاء ، ونظر إلى الحسينعليه‌السلام وبكى وبكى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبكت الملائكة ، وقال له جبرائيل : اقرأ فاطمة ابنتك السلام


وقل لها تسميه الحسين فقد سماه الله جل اسمه ، وإنما سمي الحسين لأنه لم يكن في زمانه أحسن منه وجهاً فقال رسول الله : يا جبرائيل تهنيني وتبكي ؟ قال : نعم يا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله آجرك الله في مولودك هذا فإنه يقتل فقال : يا حبيبي جبرائيل ومن يقتله ؟ قال : شر أُمة من أُمتك يرجون شفاعتك لا أنالهم الله ذلك

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : خابت أُمة قتلت ابن بنت نبيها ، قال جبرائيل : خابت ثم خابت من رحمة الله ثم خاضت في عذاب الله ، ودخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على فاطمة فأقرأها من الله السلام وقال لها بنية سميه الحسين فقد سمّاه الله الحسين فقال : من مولاي السلام وإليه يعود السلام والسلام على جبرائيل وهنأها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبكى

فقالت : يا أباه تهنئني وتبكي ؟ قال : نعم يا بنية آجرك الله في مولودك هذا فإنه يقتل ، فشهقت شهقة وأخذت في البكاء وساعدتها لعيا ووصائفها ، وقالت : يا أبتاه من يقتل ولدي وقرة عيني وثمرة فؤادي ؟

قال : شر أُمة من أُمتي يرجون شفاعتي لا أنالهم الله ذلك ، قالت فاطمةعليها‌السلام : خابت أُمة قتلت ابن بنت نبيها ، قالت لعيا : خابت ثم خابت من رحمة الله وخاضت في عذابه ، يا أبتاه اقرأ جبرائيل عني السلام وقل له في أي موضع يقتل ؟

قال : في موضع يقال له كربلاء فإذا نادى الحسينعليه‌السلام لم يجبه أحد منهم فعلى القاعد من نصرته لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلّا أنه لن يقتل حتى يخرج من صلبه تسعة من الأئمة ، ثم سماهم بأسمائهم إلى آخرهم وهو الذي يخرج في آخر الزمان مع عيسى بن مريم ، فهؤلاء مصابيح الرحمن وعروة الإسلام محبهم يدخل الجنة ومبغضهم يدخل النار


قال : وعرج جبرائيل وعرجت الملائكة وعرجت لعيا فلقيهم الملك صلصائيل في السماء الرابعة وله سبعون ألف جناح قد نشرها من المشرق إلى المغرب وهو شاخص نحو العرش لأنه ذكر في نفسه فقال : ترى الله يعلم ما في قرار هذا البحر وما يسير في ظلمة الليل وضوء النهار ، فعلم الله تعالى ما في نفسه فأوحى الله إليه أن أقم مكانك لا تركع ولا تسجد عقوبة لك لما فكرت ، فقال صلصائيل : يا حبيبي جبرائيل أقامت القيامة على أهل الأرض ؟ قال : لا ولكن هبطنا إلى الأرض فهنينا محمداً بولده الحسين

قال : يا حبيبي جبرائيل فاهبط إلى الأرض فقل له : يا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله اشفع إلى ربك في الرضا عني فإنك صاحب الشفاعة ، قال : فقام النبي ودعا بالحسينعليه‌السلام فرفعه بكلتا يديه إلى السماء وقال : « اللهم بحق مولودي هذا عليك إلّا رضيت على الملك ، فإذا النداء من قبل العرش : يا محمد فعلت وقدرك كبير عظيم »

قال ابن عباس : والذي بعث محمداً بالحق نبياً أن صلصائيل يفتخر على الملائكة أنه عتيق الحسينعليه‌السلام (١)

__________________

(١) نور الأبصار : ٦٦


وَجَعَلْتَهُ سَيِّداً مِنَ السّادَةِ

السيّد : الذي يفوق في الخير(١) وفي مجمع البحرين السيّد : المالك ويطلق على الرب والفاضل والكريم والحليم والمتحمل إذى قومه والمقدم والزوج

وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : السيّد من تحمل المؤونة وجاد بالمعونة(٢)

وقال البعض : ان حقيقة السيادة هو المجد والشرف ، وساير المعاني من لوازمها والمجد عبارة عن العلو الذي لا يدرك كنهه ، والفرق بينه وبين الشرف انه بحسب الذات والشرف بحسب الملكات والصفات

ولذا جمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مجد ذاته وشرف صفاته وملكاته في لفظ السيادة وقال : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر »

وعن الأصبغ بن نباتة قال ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول أنا سيد ولد آدم وأنت يا علي والأئمة من بعدك سادة اُمتي ، من أحبنا فقد أحب الله ومن أبغضنا فقد أبغض الله ومن والانا فقد وال الله ومن عادانا فقد عاد الله ومن اطاعنا فقد أطاع الله ومن عصانا فقد عصى الله(٣)

والحاصل : ان الإمام الحسينعليه‌السلام وكذلك جميع الأئمةعليهم‌السلام ذواتهم المقدسة في مقام القرب من الله تعالى والتلقي منه تعالى حق التجليات الإلهية بحيث لا يكون لأحد غيرهم ، كما ورد في زيارة الجامعة « أتاكم الله ما لم يؤت أحداً من العالمين » فهم السادة بحقيقة السيادة فهم السادة بمعنى الرئيس والكبير ، ولا ريب في أنهمعليهم‌السلام لمكان ولايتهم الكلية وسيادتهم ظهرت آثارهم منهمعليهم‌السلام في الخلق
__________________

(١) كتاب العين ٧ : ٢٨٤

(٢) ميزان الحكمة : ج ٤ ، حرف السين

(٣) أمالي الصدوق : ٤٧٦ ، المجلس الثاني والسبعون


وذلك من التمكن في قلوبهم ، وكذلك المعجزات التي صدرت عنهمعليهم‌السلام حيث دلت على عظمتهم وسيادتهم

نذكر هذه الرواية للإمام الحسينعليه‌السلام والتي تدل على سيادته وتصرفه في الكون وإن كل شيء مأمور بطاعتهعليه‌السلام :

فعن حمران بن أعين قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يحدث عن أبيه وعن آبائهعليهم‌السلام : « إنّ اجلا من شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام كان مريضاً شديد الحمى فعاده الحسين بن عليعليه‌السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل ، فقال : قد رضيت بما أُوتيتم به حقاً حقاً والحمى لتهرب منكم

فقال له الإمام الحسينعليه‌السلام : والله ما خلق الله شيئاً إلّا وقد أمره بالطاعة لنا ، يا كبّاسة قال : فإذا نحن نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول : لبيك ، قال : أليس أمرك أمير المؤمنين إلّا تقربي إلّا عدواً أو مذنباً ، لكي يكون كفارة لذنوبه فما بال هذا ؟ وكان الرجل المريض عبد الله بن شداد الهادي الليثي »(١)

__________________

(١) الأنوار الساطعة ٢ : ٢٦٠


وَقآئِداً مِنَ الْقادَةِ

القائد : هو من الجند رئيسهم

وقولهعليه‌السلام : « وَقٰآئِداً مِنَ الْقٰادَةِ » أي ان الإمام الحسينعليه‌السلام قائد للأُمة إلى معرفة الله تعالى وطاعته في الدنيا بالهداية ـ حيث أن سفينته أسرع سفن النجاة ـ وإلى درجات لاجنان في الآخرة بالشفاعة الكبرى والوسيلة العظمى ، بل أكثر من ذلك فإن الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل البيت عموماًعليهم‌السلام ـ حيث أنهم نور واحد ـ هم قادة وهداة للأنبياء والأوصياء وأُممهم أيضاً

فإن الله تعالى جعل الإمام الحسينعليه‌السلام قائداً حيث يقود شيعته إلى طريق النجاة وأعلى الدرجات بل وحتى وغير شيعته من أعدائه لأنه هو أحد مصاديق الآية( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا )

وقد اشتهر منهمعليهم‌السلام بطرق عديدة : « بعبادتنا عُبد الله ، ولولا نحن ما عُبد الله تعالى » يدل على ان الإمام الحسينعليه‌السلام والأئمة الأطهار كانوا قادتهم بأنوارهم إلى المعارف ، فمن أجاب أهل البيتعليهم‌السلام فيما أمروهعليه‌السلام وأجابهم في قبول ولايتهم قادوه إلى المعرفة به تعالى وإلى الدرجات العُلىٰ

فمن استجاب وعمل بما أمروه ، ويقابل هذا أنهم رادّون لمن لم يجبهم وأنكر ولم يقبل ، فإنهمعليهم‌السلام حينئذ يسوقونه بسبب انكاره وعدم قبوله إلى الخذلان ، ولعدم الاستجابة ، والطبع والرين القلبي دعّوه إلى جهنم دعّا

ففي الحقيقة هم المعلمون للخلق في عالم من عوالم الوجود فهم الداعون والهادون النجدين طريق الخير وطريق الشر ، فلا يهتدي أحد إلّا بهداهم ولا يظل ضال بخروجه عن الهدى إلّا بترك ولايتهم

وهذا بالنسبة إلى جميع الخلق في جميع العوالم في عالم الذر والأرواح وفي الدنيا وفي الآخرة ، وإلى هذا أشارت بعض الأحاديث نشير إليها ليتضح الحال


في أمالي الطوسي(١) بإسناده عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : « إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : أين خليفة الله في أرضه ؟ فيقوم داود النبيعليه‌السلام فيأتي النداء من عند الله عزّ وجل : لسنا إياك أردنا وإن كنت لله تعالى خليفة

ثم ينادي ثانية : أين خليفة الله في أرضه ؟ فيقوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام فيأتي النداء من قبل الله عزّ وجل : يا معشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجته على عباده

فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم ، يستضيء بنوره ، وليتبعه إلى الدرجات العلى من الجنات ، فيقوم الناس الذين قد تعلقوا بحبله في الدنيا فيتبعونه إلى الجنة

ثم يأتي النداء من عند الله جل جلاله : ألا مَن ائتمَّ بإمام في دار الدنيا فليتبعه إلى حيث يذهب به

فحينئذ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) (٢) »

وفي أُصول الكافي باسناده عن عبد الله بن سنان قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : « يوم ندعوا كل اُناس بامامهم » قال : إمامهم الذي بين أظهرهم وهو قائم أهل زمانه

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٣٩

(٢) سورة البقرة : ١٦٦ ـ ١٦٧


فظهر من هذه الأحاديث انهم قادة الأُمم المقتدى بهم إلى درجات العُلى ، وإلى المعارف في الدنيا والآخرة ، ولا نجاة لأحد إلّا باتباعهم والاقتداء بهم

وعن حماد بن عيسى قال : سأل رجل أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال : « الملائكة أكثر أو بنو آدم ؟ فقال : والذي نفسي بيده لملائكة الله في السماوات أكثر من عدد التراب وما في السماء موضع قدم إلّا وفيه ملك يقدس له ويسبح ، ولا في الأرض شجر ولا مثل غرزة عود إلّا وفيها ملك موكل كل يوم بعملها ، الله اعلم بها ، وما منهم أحد إلّا ويتقرب إلى الله في كل يوم بولايتنا أهل البيت ويستغفر لمحبينا ويلعن أعداءنا ، ويسأل الله أن يرسل عليهم من العذاب ارسالاً »

وهناك أحاديث تشير إلى أنه تعالى ما بعث الله نبياً إلّا بولاية عليعليه‌السلام وانه تعالى أخذ ولايتهعليه‌السلام على الكل في الميثاق وعالم الذر كما لا يخفى

هذه جملة من الروايات التي تحصّل منها ، أن معنى كون الإمام الحسينعليه‌السلام « قائداً من القادة » وكذلك أهل البيتعليهم‌السلام انهم قادة بمعنى أنه لا يهدي هاد إلّا بهديهم وهذا يعمّ الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين والملائكة المقربين لا يهدي أحد منهم إلّا بهداهمعليهم‌السلام


وَذآئِداً مِنْ الْذادَةِ

الذود : في اللغة بمعنى الطرد ، يقال : لا تذودوه عنا ، أي لا تطردوه ، ويقال : رجل ذائد أي حامي الحقيقة دفاعاً

فقول الإمام الصادقعليه‌السلام في الإمام الحسينعليه‌السلام أنه « ذائداً من الذادة » أي أنه يذود ويطرد عن أولياءه وشيعته ما لا يحب الله تعالى من العقائد الباطلة وخطرات المفاسد والأعمال القبيحة وهذه الصفة اتصف بها أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام وجميع الأئمة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين ، فهم يطردون عن مواليهم وشيعتهم الأعمال القبيحة والأقوال الردية بل حتى المآكل والمشارب والملابس المحرمة المضرّين بالبدن أو العقل ، أو الداعين إلى الشهوات المحرمة ، والحاصل يذودونهم عن كل ما يكرهه الله تعالى

وإذا قيل كيف إنهمعليهم‌السلام يذودون أعداءهم أي إنهم يذودون ويطردون الأعداء من كل ما يحب الله تعالى وعن كلّ خير الذي أحد مصاديقه حوض الكوثر ، وعن الاعتقادات الحقة والأعمال الصالحة سوف نذكر ذلك

وكيف كان فهمعليه‌السلام الذادة لاوليائهم عن كلّ شرّ في الدنيا والآخرة ، كما أنهم يذودون أعداءهم عن كلّ خير فيهما

وأما كيفية ذودهم الأولياء والشيعة عمّا لا يحب الله تعالى ، فهو إما بالدعاء لهم أو بالطلب منه تعالى لقبول دعاءهم كما في الحديث : إنهمعليهم‌السلام قالوا لشيعتهم : إنّا من ورائكم بالدعاء ، الذي لا يحجب عن بارئ السماء ، وإمّا بالتعليم والإرشاد والهداية بل والأخذ باليد ، وإمّا يبذلون فاضل حسناتهمعليهم‌السلام لهم كما ورد أن المعصومين الخمسةعليهم‌السلام جعلوا ثواب نصف أعمالهم في ديوان شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام فيما رواه في معالم الزلفى(١) ، عن كتاب تحفة الاخوان وغيره
__________________

(١) ص ٢٩٢


قال : دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام فرحاً مسروراً مستبشراً فسلّم عليه فردعليه‌السلام ، فقال عليعليه‌السلام : يا رسول الله ما رأيتك أقبلت مثل هذا اليوم

فقال : حبيبي وقرة عيني أتيتك ابشّرك ، إعلم أن في هذه الساعة نزل عليّ جبرئيل الأمين وقال : الحق جلّ جلاله يقرئك السلام ويقول لك : بشّر علياً أن شيعته الطايع منهم والعاصي من أهل الجنة ، فلما سمع مقالته خرّ لله ساجداً ، فلمّا رفع رأسه رفع يديه إلى السماء ، ثم قال : اشهدوا عليَّ أني قد وهبت لشيعتي نصف حسناتي

فقالت فاطمة الزهراءعليها‌السلام : يا رب اشهد عليّ فإني وهبت لشيعة علي بن أبي طالبعليه‌السلام نصف حسناتي

فقال الحسنعليه‌السلام : يا رب اشهد عليّ أني قد وهبت لشيعة علي بن أبي طالبعليه‌السلام نصف حسناتي

فقال الحسينعليه‌السلام : يا رب اشهد عليّ أني قد وهبت لشيعة علي ابن أبي طالبعليه‌السلام نصف حسناتي

فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أنتم بأكرم منّي اشهد عليّ يا رب أني قد وهبت لشيعة علي ابن أبي طالبعليه‌السلام نصف حسناتي

فهبط الأمين جبرائيلعليه‌السلام وقال : يا محمد إن الله تعالى يقول : ما أنتم بأكرم مني إني قد غفرت لشيعة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ومحبيه ذنوبهم جميعاً ، ولو كانت مثل زيد البحر ورمل البر وورق الشجر

وإما بتحمل الذنوب ثم المغفرة منه تعالى كما ورد في قوله تعالى :( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ )


ففي تفسير نور الثقلين بإسناده عن عمر بن يزيد بياع السابري قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام ، قول الله في كتابه :( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) قال : ما كان له ذنب ولا همّ بذنب ، ولكن الله حمّله ذنوب شيعته ثم غفرها له ، الحديث

وفيه في حديث آخر عن المجمع ، عن الصادقعليه‌السلام قال : سأله رجل عن هذه الآية ، فقال : والله ما كان له ذنب ، ولكن الله سبحانه ضمن أن يغفر ذنوب شيعة عليعليه‌السلام ما تقدم من ذنبهم وما تأخر

وفي الكافي عن موسى بن جعفرعليه‌السلام ما حاصله : أن الله تعالى غضب على الشيعة فتحملعليه‌السلام تلك المصائب ؛ ليدفع الله تعالى غضبه عنهم ، فراجع ، الحديث

وإمّا باستيهابهمعليهم‌السلام ذنوب شيعتهم منه تعالى إما في الدنيا وإما في الآخرة كما لا يخفى على من راجع أحاديث الشفاعة فإنها أكثر من أن تحصى

وإما بتسبيب الأسباب الموصلة إلى السعادة الأبدية لهم ، كما يظهر ذلك من معاملاتهمعليهم‌السلام مع شيعتهم

وإمّا بتحبيب الإيمان في قلوبهم ببيان آثار ألطافه تعالى للمؤمنين ، كما هو ظاهر كثير من أحاديثهم

وإمّا يكون طينتهم من فاضل طينتهمعليهم‌السلام ، كما في كثير من أحاديث الطينة ، فإن هذا أحسن وجه ؛ لأن يذودوا عن شيعتهم المفاسد

فإن المستفاد من هذه الأحاديث أن الشيعة متصلة بهمعليهم‌السلام روحاً ، كما هو صريح بعضها من قولهعليه‌السلام : شيعتنا جزء منا وفي بعضها : أنه لا فرق بيننا وبينهم بعد تزكيتهم ، راجع تلك الأحاديث فهمعليهم‌السلام يحنون إلى شيعتهم كما أن شيعتهم يحنون إليهم ، فما ظنّك حينئذ بهمعليهم‌السلام بالنسبة إلى شيعتهم ؟


وإمّا بتنويرهم قلوب شيعتهم كما في الكافي بإسناده عن أبي خالد الكابلي قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن قول الله تعالى :( فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ) فقال : يا أبا خالد النور والله الأئمةعليهم‌السلام يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار ، وهم الذين ينورون قلوب المؤمنين ، ويحجب الله نورهم عمّن يشاء فيظلم قلوبهم ويغشاهم ، الحديث

فعلم أنهم الذادة عن شيعتهم كل ما يكرهه الله ، كل ذلك مما منحهم تعالى تفضلاً لهم ولشيعتهم كما يومئ إليه أيضاً قوله تعالى :( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) فوجودهعليه‌السلام سبب لرفع العذاب عن أُمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل ربما يسري هذا الأمر إلى شيعتهم فيدفع الله تعالى بواسطة أحد من الشيعة العذاب عن غيره من سائر الشيعة بل وعن غيرهم من أهل البلد

ففي الكافي بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : إن الله ليدفع بالمؤمن الواحد عن القرية الفناء

وفيه بإسناده عن يونس بن ظبيان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إن الله تعالى يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمّن لا يصلي من شيعتنا ، فلو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا ، وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمّن لا يحج ، ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا ، وإن الله ليدفع بمن يزكی من شيعتنا عمّن لا يزكی ، ولو اجتمعوا علی ترك الزكاة لهلكوا ، وهو قول الله تعالى :( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (١) فو الله ما نزلت إلّا فيكم ولا عني بها غيركم ، الحديث

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٥١


فإذا كان الله تعالى يدفع ببعض الشيعة عن الآخر منهم بأعماله الصالحة ، فما ظنك بهمعليهم‌السلام وما لهم من العبادات والأعمال المقبولة كلّها ، فالله تعالى بهم وبأعمالهم الصالحة يدفع المكاره عن الناس خصوصاً عن الشيعة في الدنيا والآخرة

هذا كله بالنسبة إلى شيعتهم ، وأمّا كيفية ذودهم الأعداء عما يحبه الله تعالى فذلك لعلة وبأُمور :

أمّا العلة : فهي أن المنافق والكافر إذا مال بطبع ماهيته وسوء اختياره إلى العقيدة الباطلة والعمل الباطل ، فلا محالة تصادم هذه الطبيعة الثانية ميل وجوده الأولي الذاتي الذي فطر على التوحيد إلى العمل الصالح ، فكان حينئذ يحبّ الشر للفطرة المغيّرة لسوء اختياره عن أصلها ، وهو حسب الفطرة الثانية المغيّرة يميل إلى الشرّ ، وإن كان بحسب الفطرة الايجادية ، التي هي فطرة الله قبل أن يغيّر يميل إلى الخير ، ولكن لا يمكنه العمل به لمانع أوجده في نفسه وهو الفطرة الثانية المغيّرة

وإلى هذه الحالة اُشير في قوله تعالى :( كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا ) أي ( والله العالم ) كلما أرادوا أن يخرجوا بفطرتهم الايجادية التوحيدية منها أُعيدوا فيها لوجود الفطرة الثانية المغيّرة ، وهذه هي المانعة عنهم لأن يخرجوا منها

وكيف كان فالعلة لذودهمعليهم‌السلام الأعداء عن كلّ الخير ، هو تركهم الإيمان وقبول الولاية فلسوء اختيارهم يذادون عن كل خير

ففي الكافي(١) باسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد دعا قريشاً إلى ولايتنا فنفروا وأنكروا إلى أن قال : قلت قوله تعالى :
__________________

(١) الكافي ٥ : ١٢٥


( مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ) (١) ، قال : كلّهم كانوا في الضلالة لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام ولا بولايتنا فكانوا ضالين مضلّين فيمدّ لهم في ضلالتهم وطغيانهم حتّى يموتوا فيصيّرهم الله شرّ مكاناً وأضعف جنداً ، الحديث

فعلم منه أنّ إمداده تعالى لهم في ضلالتهم إنّما هو لإنكارهم ولاية الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام

وأمّا الأُمور التي بها يذودون أعداءهم عن الخير ، فهي إمّا بالخذلان ، فإنّه لمّا مال المنافق بمحبّته إلى الشرّ خذلوه عن الورع والهداية جزاء لسوء اختياره فخُلِّي وطبعه ، فحسن الشرّ لديه وزان بنظره بسبب الخذلان العارض له ، فحبّه للشرّ وترجيحه على الخير لأمرين :

سوء اختياره وتركه للولاية والايمان

خذلانهمعليهم‌السلام إيّاهم ، فهم في ظرف الخذلان يميلون إلى الشرّ بميلهم الذاتي لسوء اختيارهم النفساني ، وفي هذا الظرف يتأكّد عزمهم على الشرور

فباعتبار سوء اختيارهم يصحّ استناد الشرّ والكفر إليهم ـ أي إلى الأعداء ـ وباعتبار خذلان الله تعالى والأئمةعليهم‌السلام لهم يصحّ أن يقال : إن الله تعالى أضلّهم أي خذلهم ، وأمدّ لهم في طغيانهم لسوء اختيارهم

وكيف كان فبهذا الخذلان ذادوهم عن الخير ، الذي هو الحوض والجنّة والسعادات الدنيوية والأُخروية ، أعاذنا الله تبارك وتعالى من الخذلان بمحمّد وآله الطيّبين الطاهرينعليهم‌السلام

__________________

(١) سورة مريم : ٧٥


وَاَعْطَيْتَهُ مَواريثَ الْأَنْبِيآءِ

الوارث : هي صفة من صفات الله عزّ وجل حيث هو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم ، والله عزّ وجل يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، أي يبقى بعد فناء الكل ويفنى مَن سواه ، فيرجع ما كان ملك العباد إليه وحده لا شريك له(١)

والوارث فيما سواه تعالى : هو الذي يبقى بعد موت آخر مع استحقاقه لتركته بقيامه مقامه ونزوله منزلته فكأنه هو

والمواريث : جمع ميراث من الارث وياؤه مقلوبة من الواو من الورث ، وهو على الأول على ما قيل : استحقاق انسان بنسب أو سبب شيئاً بالأصالة ، وعلى الثاني : ما يستحقه بحذف الشيء(٢)

فإن الله تعالى أعطى الإمام الحسينعليه‌السلام مواريث الأنبياء والأوصياء كما أشارت الزيارة إلى ذلك فهي من الكرامات التي منحها الله تعالى لأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام حيث تدل على مقامه ومنزلته عند الله تعالى أي أن جميع خواص الأنبياء وآثارهم ومتروكاتهم المختصة بهم لأحد عناوين النسب من الاخوة والابوة مثلاً ، أو المختصة للابلاغ والتعريف واقامة الدين وغيرها مما اعدوه لطاعة الله نحو عصا موسى وعمامة هارون والتابوت والسكينة وخاتم سليمان وغيرها مما يأتي ذكره ، فجميعها للإمام الحسينعليه‌السلام بالوراثة حيث هو القائم مقامهم والنازل منزلتهم

__________________

(١) لسان العرب ٣ : ١٩٩

(٢) مجمع البحرين ٢ : ٢٦٨


وكذلك وراثتهعليه‌السلام لهم في العلم ، أي ورث جميع ما عندهم من العلوم مما أدركوه من الوحي بواسطة الملك أو الالهام أو الفهم ، وما فيه من القوة التي بها كانوا يخاطبون الحيوانات ويعرفون بها نطق الجمادات والنباتات وهفيف الرياح وجريان المياه .

والخلاصة : أن جميع ما فرّقه الله تعالى في جميع أنبيائه وأوليائه وخلقه مما هو مزية إلهية وكمال معنوي قد جمعها وأعطاها للإمام الحسينعليه‌السلام ويدل على ذلك ما ورد في زيارتهعليه‌السلام في النصف من رجب : « اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ عِلْمِ الْأَنْبِياءِ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ صَفْوَةِ اللهِ ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ اللهِ » ، وقد اشترك بهذه الوراثة جميع الأئمةعليهم‌السلام كما تشير إلى ذلك كثير من الروايات التي وردت عنهمعليهم‌السلام في هذا المقام ، نشير إلى بعض منها

ففي البحار عن بصائر الدرجات عن عبد الله بن عامر عن ابن أبي نجران قال :

كتب أبو الحسن الرضاعليه‌السلام رسالة وأقرأنيها قال : قال علي بن الحسينعليه‌السلام : « إن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أمين الله في أرضه ، فلما قبض محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله كنا أهل البيت ورثته ، فنحن أُمناء الله في أرضه ، عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام ، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق

وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق ، يردون موردنا ويدخلون مدخلنا ، نحن النجباء ، وأفراطنا إفراط الأنبياء ، ونحن أبناء الأوصياء ونحن المخصوصون في كتاب الله ، ونحن أولى الناس بالله ، ونحن أولى الناس بكتاب الله ، ونحن أولى الناس بدين الله ، ونحن الذين شرع لنا دينه ،


فقال في كتابه(١) ( شَرَعَ لَكُم ( يا آل محمد )مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا ( فقد وصّانا بما وصّى به نوحاً )وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ( يا محمد )وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ( وإسماعيل )وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ( وإسحاق ويعقوب فقد علّمنا وبلغنا ما علمنا واستودعنا علمهم )

( نحن ورثة الأنبياء ونحن ورثة أُولي العزم من الرسل )أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ( يا آل محمد )وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ( وكونوا على جماعة )كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ( من أشرك بولاية عليعليه‌السلام )مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ( من ولاية علي )اللَّـهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ ( يا محمد )وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) ( من يجيبك إلى ولاية عليعليه‌السلام ) »

وعن الكافي باسناده عن ابان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : لما حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنينعليه‌السلام فقال للعباس : « يا عم محمد تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته ؟ فردّ عليه فقال : يا رسول الله شيخ كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح(٢) ؟! قال : فأطرق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هنيئة ثم قال : يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ فقال : بأبي أنت وأُمي شيخ كثير العيال قليل المال وأنت تباري الريح !!

قال : أما إني سأعطيها من يأخذها بحقّها ثم قال : يا علي يا أخا محمد أتنجز عداة محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ فقال : نعم ، بأبي أنت وأُمي ، ذلك علي ولي ، قال : فنظرت إليه حتى نزع خاتمه من إصبعه فقال : تختم بها في حياتي

__________________

(١) سورة الشورى : ١٣

(٢) تباري الريح أي تسابقه كنّى به عن علوّ همته وتكرارهصلى‌الله‌عليه‌وآله القول عليه لاتمام الحجة


قال : فنظرت إلى الخاتم حين وضعته في إصبعي ، فتمنيت من جميع ما ترك الخاتم ثم صاح يا بلال عليّ بالمغفر والدرع والراية والقميص وذي الفقار والسحاب والبرد والأبرقة والقصيب

قال : فوالله ما رأيتها قبل ساعتي تلك يعني الأبرقة ، فجيء بشقة كادت تخطف الأبصار فإذا هي من أبرق الجنة

فقال : يا علي إن جبرئيل آتاني بها وقال : يا محمد اجعلها في حلقة الدرع ، واستزفر بها مكان المنطقة ، ثم دعا بزوجي نعال عربيين جميعاً ، إحداهما مخصوف والآخر غير مخصوف ، والقميصين القميص الذي أسرى به فيه ليلة المعراج والقميص الذي خرج به يوم أُحد ، والقلانس الثلاث قلنسوة السفر وقلنسوة العيدين وقلنسوة كانت يلبسها ويقعد مع أصحابه

ثم قال : يا بلال عليّ بالبغلتين الشهباء والدلدل ، والناقتين الغضباء والقصواء ، والفرسين الجناح كانت تتوقف بباب المسجد لحوائج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يبعث الرجل في حاجته فيركبه فيركضه في حاجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحيزوم وهو الذي كان يقول : أقدم يا حيزوم ، والحمار عفير ، فقال : أقبضها في حياتي

فذكر أمير المؤمنينعليه‌السلام : أن أول شيء من الدواب توفي عفير ، ساعة قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقطع خطامه ، ثم مرّ يركض حتى أتى بئر بني حطمة بقبا فرمى بنفسه فيها فكانت قبره »

قال الفيضرحمه‌الله في الوافي في تقديم ذكر أخذ التراث على قضاء الدين ، وإنجاز العدات في مخاطبة العباس وبالعكس في مخاطبة أمير المؤمنينعليه‌السلام لطف لا يخفى


قوله : فنظرت الضمير لعليعليه‌السلام بنحو الالتفات في الحكاية ، والسحاب اسم عمامتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الاستزفار شدّ الوسط بالمنطقة ، الشهباء والدلدل اسمان للبغلتين ، الغضباء بالعين المهملة والضاد المعجمة الناقة المشقوقة الأُذن ، والقصواء بالقاف والصاد المهملة المقطوع طرف أُذنها وليس ناقتاهصلى‌الله‌عليه‌وآله كذلك ، ولكنهما لقبا بذلك ، وعفير كزبير اسم لحمارهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والخطام بالحاء المعجمة والطاء المهملة الرفام ، وحيزوم اسم فرس جبرئيل ، فخاطبصلى‌الله‌عليه‌وآله فرسه بما كان خاطب جبرئيل فرسه بذلك يوم بدر(١)

وفي البحار(٢) عن السرائر باسناده عن حمران بن أعين ، قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : عندكم التوراة والانجيل والزبور وما في الصحف الأُولى صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : نعم ، قلت : إن هذا لهو العلم الأكبر !! قال : « يا حمران لو لم يكن غير ما كان ، ولكن ما يحدث بالليل والنهار علمه عندنا أعظم »

وفيه ، عنه(٣) باسناده عن سليمان بن خالد قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « إن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً إملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخطّ علي بيده ، ما من حلال ولا حرام إلّا وهو فيها حتى إرش الخدش »

__________________

(١) الانوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٢ : ٢١٨

(٢) بحار الأنوار ٢٦ : ٢٠

(٣) بحار الأنوار ٢٦ : ٢٢


وَجَعَلْتَهُ حُجَّةً عَلىٰ خَلْقِكَ

الحجة : هي البرهان وقيل : الحجة الكلام المستقيم على الاطلاق ، ويراد بها الدليل والبرهان ، ثم إن البرهان قد يكون باللفظ ، وقد يكون بالعمل ، والبرهان العملي ابلغ في إثبات الدعوى لأنه لا يحتمل الخطاء

ومن المعلوم أن أول الدلائل في مقام الحجة هو الوجدان ، وهذا بخلاف البرهان اللفظي فإنه لا يتجاوز إلّا الادعاء على المدعى ، ومن المعلوم أيضاً أن الأذواق والافهام مختلفة لجودة الدرك وعدمها في الأشخاص ، فحينئذ لازمة طرّو الاشتباه في الدلالة اللفظية ، ولذا يحتاج في قطعية الدلالة اللفظية إلى احتفافه بالقرائن اللفظية الأُخرى والحالية ونحوها وهذا بخلاف البرهان العملي

وقد علم مما سبق أن الامام الحسينعليه‌السلام كما في هذه الزيارة والأئمة الأطهارعليهم‌السلام براهين وحجج تامة لله تعالى في السرّ والعلانية على خلقه في عالم الوجود مطلقاً من عالم الدنيا والآخرة والاُولى وهي عالم الأرواح والذر ، كما ورد في زيارة الجامعة « وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأُولى » فمعنى الأولى أي في عالم الذر وسوف نشير إلى بعض الروايات الواردة في هذا المقام

وأما قولهعليه‌السلام « عَلىٰ خَلْقِكَ » :

فإن معنى الخلق : هو جميع ما سوى الله تعالى من المجردات والماديات والعقول والنفوس والحيوانات والنباتات الخ ، فجميع اصناف الخلق معنون بعنوان انه مخلق لله تعالى فهو خالق كل شيء ، وعليه فالخليقة كالجنس يشمل جميع أنواع الموجودات ، وإن شئت فقل ان الخلق مساوق للايجاد والوجود

قال بعض الأعلام : قد يظن ان الخالق والباري والمصوّر الفاظ مترادفة بمعنى الخلق والاختراع كما قال تعالى :( هُوَ اللَّـهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ )


ولكن الأمر ليس كذلك فإن الله تعالى خالق من حيث هو مقدر وبارئ من حيث هو مخترع وموجد ومصور من حيث إنه رتب صور المخترعات على أحسن ترتيب

وبعبارة اُخرى ، فإن كل ما يخرج من العدم إلى الوجود مفتقر إلى تقدير اوّلاً وإيجاده على وفق التقدير ثانياً وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً

وقد يقال : ان الخالق هو الموجد للكون والبار ی ء هو الموجد للعين والمصور هو الموجد للتقدير

وعلى أي حال فإن الله تعالى جعل الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل البيتعليهم‌السلام حججاً على خلقه والسر في ذلك لأنه تعالى خلقهم كاملين في العلم والمعارف ، وحمّلهم علمه وأعطاهم حكمته وأتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين ، وقد دلت على ذلك جملة من الروايات منها :

عن بصائر الدرجات عن الإمام الحسن بن علي المجتبىعليه‌السلام قال : « إن لله مدينتين أحداهما بالمشرق والاُخرى بالمغرب عليهما سوران من حديد ، وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب ، وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه وأنا أعرف جميع اللغات ، وما فيها وما بينهما حجة غيري والحسين أخي » ، وعن ابن أبي يعفور قال ، قال لي الإمام الصادقعليه‌السلام : يابن يعفور ، إن الله تعالى واحد متوحد بالوحدانية متفرد بأمره فخلق خلقاً ففردهم لذلك الأمر فنحن هم ، يابن أبي يعفور فنحن حجج الله على عباده وشهداؤه على خلقه واُمناؤه وخزانه على علمه والداعون إلى سبيله والقائمون بذلك فمن اطاعنا فقد اطاع الله

ففي الكافي عن الإمام الكاظم والرضاعليهما‌السلام قالا : « إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلّا بإمام حتى يعرف »


وعن الصادقعليه‌السلام قال : « ما زالت الأرض إلّا ولله فيها الحجّة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله »

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : « إن الله طهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه ، وحجته في أرضه ، وجعلنا مع القرآن ، وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا »

فظهر ممّا ذكر أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام كما أشارت إلى ذلك الزّيارة وكذلك الأئمةعليهم‌السلام لأنّهم نور واحد ، وأنّهم حجج الله تعالى على جميع العوالم ، أي انّهم الحجج على جميع من في الوجود مما دون العرش إلى ما تحت الثرى ثم إنهم حجج الله تعالى على الكل بجميع أقسام الحجية من القول المتضمّن للبرهان العقلي ، والعمل الدال على صدق المدعى ، فهمعليهم‌السلام حجج الله تعالى قولاً وفعلاً وصفة ، وأثبتوا كونهم حجة الله تعالى بالأُمور القطعية الدالة عليها وأهمها كون قولهم مطابقاً للعقل والبرهان والمعجزات الصادرة عنهم دالة على صدق دعواهم ، والكتب مشحونة بمعجزاتهم بنحو تبهر منه العقول كما لا يخفى على المتتبع للآثار ، والله الموفق إلى طاعته والعمل له


مِنَ الْأَوْصِيآءِ

الوصي : ففي المجمع : الوصية من وصي يصي إذا وصل الشيء بغيره ، لأن الموصي يوصي تصرفه بعد الموت بما قبله وعن القاموس : اوصاه ووصّاه توصية عهد إليه

أقول : ان الله عزّ وجل أعطى الإمام للحسينعليه‌السلام منزلة ومقام بحيث جعله حجّة على جميع الخلق من الأوصياء وأوصله الله إلى نفسه تعالى وعهد إليه في ماله من التصرف الثابت لله تعالى من الولاية التشريعية والتكوينية وعهد إلى الإمام الحسينعليه‌السلام بذلك الاتصال والاستنابة

ثم ان ثبوت الوصاية للإمام الحسينعليه‌السلام بل لجميع الأئمةعليهم‌السلام أمر ثابت بالتواتر من طرق العامة والخاصّة بل هو ثابت بالآيات القرآنية الدالة على ثبوت الوصاية والولاية لأمير المؤمنين وللأئمةعليهم‌السلام كآية التبليغ وآية إنما وليكم الله واطيعوا الله واطيعو الرسول واُول ی الأمر منكم وغيرها فإنها تعطي مقام الخلافة والوصاية لهم كما لا يخفى

ثم ان الوصية تطلق على معنيين :

أحدهما : على الوصي الذي ينوب عن المنوب عنه فيما هو شأنه وعمله ومنصبه

وثانيهما : على الوصية بالنسبة إلى مواريث لأنبياء من الكتب وساير ما به ثبوت نبوتهم بنقل هذه إلى من بعدهم وإن كان الموصي إليه نبياً أو وصياً

وعن الصادقعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّا سيّد النبيين ووصي سيد الوصيين وأوصيائي سادة الأوصياء ، إن آدم سأل الله عزّ وجل أن يجعل له وصيّاً صالحاً ، فأوحى الله عزّ وجل إليه : « إني اكرمت الأنبياء بالنبوة ثم اخترت خلقي وجعلت خيارهم الأوصياء »(١) الخ

__________________

(١) اكمال الدين ١ : ٢١١ / ١


وفي صحيح البخاري بطريقين أولهما إلى جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله يقول يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ثم قال كلمة لم أسمعها قال أبي قال : كلهم من قريش(١) ورووا عن ابن عباس قال : سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين حضرته الوفاة وقلت إذا كان ما نعوذ بالله فإلى مَن ؟ فأشار بيده إلى علي وقال هذا مع الحق والحق معه ثم يكون من بعده إحدى عشر إماماً(٢) ورووا عن عائشة أنها سُألت كم خليفة لرسول الله فقالت : أخبرني انه يكون من بعده إثن ی عشر خليفة(٣) ومن المعلوم أنه لا يمكن حمل هذه الأخبار على خلفاء الجور لزيادة عددهم من قريش على ذلك أضعافاً مضاعفة مع أن جملة منها صريحة في اتصال الاثنى عشر بآخر الزمان وفي بعضها آخرهم المهدي ورووا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : أوصيائي من بعدي عدد أوصياء موسى أو حواري عيسى وكانوا إثنى عشر(٤) وعن ابن مسعود عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال : ان أوصيائي من بعدي عدد نقباء بني إسرائيل وكانوا إثنا ی عشر وروى(٥) علامة زمخشرهم عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال : فاطمة ثمرة فؤادي وبعلها نور بصري والأئمة من ولدها أُمناء وحي وحبل ممدود بينه وبين خلقه من اعتصم بهم نجى ومن تخلف عنهم هوى(٦) ومن مستطرفات الآثار
__________________

(١) البخاري : ٧٢٩ ، الباب ١١٤٨ ، الحديث ٢٠٣٤ ، ط بيروت

(٢) راجع إحقاق الحق : ج ١٣

(٣) مسند أحمد ١ : ٣٩٨

(٤) الحاكم ٤ : ٥٠١

(٥) سنن أبي داود ٤ : ١٠٦ وقريب منه في كنز العمال ١٢ : ٣٣ ، الحديث ٣٣٨٥٩

(٦) ويدل عليه ما في المناقب للزمخشري منقولاً عن احقاق الحق : ج ١٣ في نبذة مما ورد في فضائل أئمة أهل البيت


ما يحكى عن بعض الاُمراء انه لما عثر على هذه الأخبار من طرقهم سئل علمائهم عنها مورداً عليهم انه ان عنى مطلق قريش فعدد سلاطينهم فوق ذلك أضعافاً مضاعفة وان أراد غير ذلك فبينوه فاستمهلوه عشرة أيام فامهلهم فلما حل الوعد تقاضاهم الجواب فحاروا وافتقد منهم رجلاً مبرزاً فطلب الأمان فاعطاه الأمان فقال هذه الأخبار لا تنطبق إلّا على مذهب الشيعة الاثنى عشرية ولكنها أخبار آحاد لا توجب العمل فرضى بقوله وأنعم عليه فانطقه الله بالحق( فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (١) ولعمري أنها أخبار متواترة قد إتفق عليها الفريقان وحفظها في كتبهم وصحاحهم مع إقتضاء الحال إخفائها وإعدامها أدل دليل وأصدق شاهد على صدقها وصحتها وليتهم أتوا بخبر واحد يدل على حقيقة خلافة أئمتهم وأن شهد الوجدان وقام البرهان على خلافه مع انهم رووا بأسانيد عديدة عنه أنه قال : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » وفيه أبين دلالة على بقاء الأئمة إلى انقضاء التكليف وأن الإمامة من أُصول الدين وهو لا ينطبق إلّا على مذهبنا ، وروي أن هذا الحديث صار سبباً لتشيع بعض المخالفين

__________________

(١) سورة الملك : ١١


فَاَعْذَرَ في الدُّعآءِ

أعذر في الأمر : أي بالغ وأعذر فلان أي أبلى عذراً فلا يُلام ، وفي المثل أعذر من أنذر يقال ذلك لمن يُحذّر أمراً يُخاف وقد ورد في الدعاء عند دخول شهر رمضان : « يا من أعذر وأنذر ثم عدت بعد الاعذار والانذار في معصيته »

وقوله تعالى : « عذراً أو نذراً » أي حجة وتخويفاً

وفي حديث عليعليه‌السلام وهو ينظر إلى ابن ملجم : عذيرك من خليلك من مرادي ، أي هات من يعذرك فيه(١)

وعليه فالإمام الحسينعليه‌السلام بالغ في هداية الخلق ودعاهم إلى الله تعالى بحيث أعذر في الدعاء وأتم الحجة عليهم ، ثم أن قول الإمام الصادقعليه‌السلام في الزيارة : « فاعذر في الدعاء » ، لما كان الأئمةعليهم‌السلام خزّان علمه وحملة كتابه وعلمه ومستودع سرّه واُمناء أمره ونهيه فبلَّغوا عن أمر الله تعالى ما أمرهم بتبليغه حتى اعلنوا دعوته ، واوضحوه بتمام الوضوح بحيث لا يبقى لاحد جهل أو شك في الحقائق الإلهية التي منها كونهمعليهم‌السلام حجج الله على الخلق بأمر الله تعالى فيجب على الخلق متابعتهم والتسليم لهمعليهم‌السلام وحاصل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله « فاعذر في الدعاء » ان الحسينعليه‌السلام بين وأوضح إنه حجة الله على خلقه ، وأتم الحجة عليهم وبين أن أعداءه هم أعداء الله تعالى وأعداء رسوله وهدفهم ابادة الدين والاسلام كما أشار إلى ذلك في كثير من خطبه وعلى أي حال فالإمام الحسينعليه‌السلام بيّن عذرهعليه‌السلام بخطبة في يوم عاشوراء وكذلك في قيامه بالحرب مع أعدائه التابعين ليزيد لعنهم الله وأوضح إنه حجة الله تعالى فلهعليه‌السلام العذر والحجة في قيامهعليه‌السلام
__________________

(١) مجمع البحرين


الحرب معهم ولا عذر ولا حجة لهم بما قاموا على قتله ، فلذا قال الإمام الحسينعليه‌السلام بعد اتمام الحجة عليهم ـ فبم تستحلون دمي ـ فقالوا لعنهم الله نقتلك بغضاً منّا لأبيك ويدل على أنهمعليهم‌السلام حجج الله على خلقه وانهم المعلنون والمبيّنون للدعوات الإلهية بحيث لا يبقى لأحد من مخالفيهم العذر والحجّة لما اعتقدوا وعملوا من ظلم أهل البيتعليهم‌السلام

عن الكافي في صحيح محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلّا ما خرج منّا أهل البيت وإذا تشعبت بهم الأُمور كان الخطاء منهم والصواب من عليعليه‌السلام


وَمَنَحَ النُّصْحَ

المنح : العطاء يقال منحته منحاً : أي أعطيته

النّصح : الخلوص ، وفي الحديث : إن الدين النّصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين عامتهم ، قال ابن الأثير : النّصيحة كله يعبّر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له

والنّصيحة لكتاب الله : هو التصديق به والعمل بما فيه

ونصيحة الرّسول : التّصديق بنبوّته ورسالته والإنقياد لما أمر به ونهى عنه(١)

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : الدين النّصيحة ، قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنّصيحة لخلقه

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ما أخلص المودّة من لم ينصح ، وعنهعليه‌السلام : المؤمن غريزته النّصح

وعنهعليه‌السلام : لا خير في قوم ليسوا بناصحين ولا يحبّون النّاصحين(٢)

فإنّ الإمام الحسينعليه‌السلام منح النصح للناس وللمؤمنين سواء في السّر أو العلانية كما ورد في زيارة الجامعة « ونصحتم له في السرّ والعلانية »

والمراد بالسرّ يعني فيما بين الله وبين نفسهعليه‌السلام في معاملته مع الله تعالى ، وفي العلانية : يعني معاملته مع الناس باعترافهم بالعبوديّة له تعالى ، وتعليمهم سبيل عبوديّته

__________________

(١) لسان العرب ، مادة ( نصح )

(٢) ميزان الحكمة ، حرف النون


وقالعليه‌السلام في يوم الطف مخاطباً جيش عمر بن سعد : ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون

فالإمام الحسينعليه‌السلام أرشدهم ونصحهم إلى عبوديّة الله تعالى وشرائع دينه والحث على نفي الأنداد والشرك في مواقف وخطب كثيرة ، راجياً هدايتهم وتحريضهم على طاعة الله عزّ وجل وطاعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى اللّحظات الأخيرة من حياتهعليه‌السلام كان ناصحاً للأُمة بخطبه المباركة ، ففي الخبر لمّا نظم الحسينعليه‌السلام جيشه الباسل ركب راحلته وعليه آثار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من سيفه ونعله وعمامته وجواده وتقدّم ازاء القوم ، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّها السّيل ، ونظر إلى ابن سعد واقفاً بإزاء القوم ومعه صناديد العرب ، وصاح بأعلى صوته :

يا أيها الناس ، إسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ ، وحتّى أعذر إليكم فإن أعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد ، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثم إقضوا إليّ ولا تنظرون ، إنّ وليّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين

ثمّ حمد الله وأثنى عليه وذكر بما هو أهله وصلّى على نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يسمع متكلّم قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه ثمّ قال :

أمّا بعد ، فانسبوني وانظروا من أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ، ألست أنا إبن بنت نبيكم وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق برسول الله وبما جاء به من عنده ، أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ، أو ليس جعفر الطيّار عمّي ، أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنة ، فإن صدقتموني بما أقول وهو الحقّ


والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أما من هذا حاجز لكم عن سفك دمي

ثم قالعليه‌السلام : أين عمر بن سعد ، فجاء إليه ، فقال يا عمر : أنت تقتلني وتزعم انّه يوليك الدّعي بن الدّعي بلاد الري وجرجان ؟ والله لا تتهنّأ بذلك أبداً عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ، فأنت لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم ، فغضب اللعين وقال : ما تنتظرون إحملوا عليه ، إنما هي أكلة واحدة ، ثم أخذ سهماً ورمى مخيّم الحسينعليه‌السلام وقال : إشهدوا عند الأمير فإني أوّل من رمى الحسين(١)

قال الراوي : فما بقى من أصحاب الحسينعليه‌السلام أحد إلّا أصابه سهم أو سهمين من تلك السّهام فقال الحسين لإصحابه : قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابدّ منه ، فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم(٢)

__________________

(١) ثمرات الأعواد : ٢٦٦

(٢) نفس المهموم : ٢٥٠


وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فيكَ

البذل : ضد المنع وبذل بذلاً : سمح وأعطاه وجاد به ، وفي الحديث : شيعتنا المتباذلون في ولايتنا ، وقول أمير المؤمنينعليه‌السلام عليكم بالتّواصل والتباذل وبذل : اباحة عن طيب نفس

المهجة : دم القلب ولا بقاء للنّفس بعد ما تراق مهجتها

وفي المجمع : دم القلب والروح ، ومنه يقال : خرجت مهجته ، أي : روحه

وفي الحديث : لو يعلم النّاس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج ، وخوض اللّجج(١) ، إنّ أرقى درجة يصل الإنسان بها إلى الله تعالى ويكون فانياً في الله تعالى هو أن يقدم ويبذل جميع ما عنده من وجوده وحياته ومهجته في سبيل الله تعالى عن شوق وطيب نفس

كما حصل ذلك لأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام

أعطى الّذي ملكت يداه إلهه

حتّى الجنين فداه كلّ جنين

حيث مع كثرة المصائب التي مرّت عليه من قتل أولاده واخوته وأهل بيته وأعز أصحابه ولكن كان رابط الجأش مسلّم أمره لله تعالى ، كما قال بعض الروات : ما رأيت مكثوراً قط ، قد قتل منه ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً ، ولا أجرأ مقدماً من الحسينعليه‌السلام ، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله

قال الشاعر(٢) :

فتلقّى الجمع فرداً ولكن

كلّ عضو في الروع منه جموع

زوج السيف بالنفوس ولكن

مهرها الموت والخضاب النجيع

__________________

(١) مجمع البحرين ، مادة ( مهج )

(٢) السيد حيدر الحلّي


بل أكثر من هذا أنّ النّصر رفرف على رأسه مع بقاء منزلته من الشهادة ، ولكن رجح لقاء ربّه ، كما ورد في أسرار الشهادة(١) : لمّا رأى الحسينعليه‌السلام وحدته وقتل أنصاره ، ودّع عياله وأطفاله ، وخرج إلى الميدان ، وبقي واقفاً متحيراً ، ينظر مرّة إلى إخوته وأولاده وبني أخيه وبني عمّه ، صرعى مقتولين مجدّلين ومرّة ينظر إلى غربته ووحدته وإنفراده ، ومرّة ينظر إلى النّساء وغربتهنّ ووحدتهنّ وعطشهنّ ، وما يرجعن إليه من الأسر والذّل ، ومرّة ينظر إلى شماتة الأعداء وتصميمهم لقتله ، فنادى بصوت عال حزين :

أما من ناصر ينصرنا ، أما من مغيث يغيثنا ، هل من موحّد يخاف الله فينا ، أما من ذاب يذب عن حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا نادى هذا النّدا تزلزلت أركان العرش وقوائمه ، وبكت السماوات وضجّت الملائكة ، واضطربت الأرض فقالوا بأجمعهم : يا ربّنا هذا حبيبك وقرّة عين حبيبك ، فأذن لنا بالنّصرة ، وهو في هذه الحالة إذا وقعت صحيفة قد نزلت من السّماء في يده الشريفة ، فلمّا فتحها ونظر فيها إذا هي العهد المأخوذ عليه بالشهادة قبل خلق الخلق في هذه الدنيا ، فلمّا نظرعليه‌السلام إلى ظهر تلك الصّحيفة ، فإذا هو مكتوب فيه بخطّ واضح جلي ، « يا حسين نحن ما حتمنا عليك الموت ، وما الزمنا عليك الشهادة ، فلك الخيار ولا ينقص حظك عندنا ، فإن شئت أن نصرف عنك هذه البلية ، فاعلم إنا قد جعلنا السماوات والأرضيين والملائكة والجن كلهم في حكمك فأمر فيهم بما تريد من إهلاك هؤلاء الكفرة الفجرة لعنهم الله » ، فإذا بالملائكة قد ملؤوا ما بين السّماوات والأرض بأيديهم حراب من النّار ، ينتظرون لحكم الحسينعليه‌السلام
__________________

(١) أسرار الشهادة للدربندي ٣ : ١١


وأمره فيما يأمرهم به من إعدام هؤلاء الفسقة ، فلمّا عرفعليه‌السلام مضمون الكتاب ، وما في تلك الصّحيفة رفعها إلى السّماء ورمى بها إليها وقال : إلهي وسيّدي وددت أن أُقتل وأحيى سبعين ألف مرّة في طاعتك ومحبتك سيما إذا كان في قتلي نصرة دينك وإحياء أمرك وحفظ ناموس شرعك ، ثمّ إنّي قد سئمت الحياة بعد قتل الأحبّة ، وقتل هؤلاء الفتية من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يأذن للملائكة بشيء وباشر الحرب بنفسه الشريفة ، وزلف نحو القوم وكما قال في اللحظات الأخيرة من حياته :

تركت الخلق طرّاً في هواكا

وأيتمت العيال لكي أراكا

ولو قطّعتني في الحبّ إرباً

لما حنّ الفؤاد إلى سواكا

فالإمام الحسينعليه‌السلام فدا نفسه وتحمّل المشاق والأذى في سبيل مرضاة الله تعالى

بذلاً : أي بدون بدل وعوض وبدون طلب جزاء منه تعالى ، وكما ورد في زيارة الجامعة : « وبذلتم أنفسكم في مرضاته ، وصبرتم على ما أصابكم في جنبه »

فإنهم لم يبذلوا أنفسهم في سبيل الله من جهة الشهادة فقط ، بل بذلوا أنفسهم حتى في الاجتهاد في العبادة والمداومة عليها وبإظهار الطاعات وإعلاء كلمة الله وتشيد الدّين مع تحمّل المشاق والأذى لله تعالى لكونه أهلاً لذلك ، كما في الحديث : « وأمّا نحن فنعبده حبّاً له » ، وكما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : « ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك »


وكيف كان فقد بذلوا أنفسهم في مرضاة الله تعالى حتّى أضرّوا بأنفسهم في المأكل والمشرب والمطعم والملبس ، كما ورد في أحوال ولده علي بن الحسينعليه‌السلام وسائر الأئمة من مجاهداتهم مع أنفسهم ومن عباداتهم وبكائهم وخشوعهم وزهدهم وورعهم والقيام بالجهاد في سبيل الله والجهاد مع النفس وضدّ الكفّار حيث ما اقتضى التكليف الإلهي

فإنّهم بلغوا في هذه المجاهدات بحيث ضربت بهم وبعبادتهم ومجاهدتهمعليهم‌السلام الأمثال ، بين المؤالف والمخالف بحيث يعجز العقل من دركها ، ومن الجوع من الصّيام ، حتى ربّما بقوا ثلاثة أيام صائمين لم يفطروا إلّا بالماء ، وربما كانوا يربطون حجر المجاعة على بطونهم ، وتحمّلوا من مخالفيهم في هذا المقام من معاداة الباغين الكافرين والمنافقين حتّى جرى عليهم القتل والشهادة والسجن وسائر أنواع الظّلم


لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ

ان الإمام الحسينعليه‌السلام ثار من أجل الحق ومن أجل انقاذ البشرية من الجهل والعبودية للطغاة والظلمة ، وترك خطاً ساخناً للاُمة أن تعيش حرّة ، فقد ثار تلك الثورة الجبارة ضد الجبابرة والطغاة ولم تكن له أي حاجة في السلطنة أو الرئاسة وإنما الدنيا وما فيها من السلطنة عنده كعفطة عنز إلّا لاحقاق حق كما قالها أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام وإنما أراد بنهضته انقاذ البشرية واحياء الشرع الإسلامي المقدس من مخالب بني اُمية ، لأن يزيد قد ارتكب جميع المحرمات ولم يكن أحد من المسلمين ان ينكر عليه أفعاله

فيا ذلة الاسلام من بعد عزّه

إذا كان والي المسلمين يزيد

قال المسعودي في مروج الذهب المجلد الثاني : كان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود ومداومة على الشرب فقد مارس الرذيلة بكل أشكالها حتى بنو اُمية فقد كانوا معلنين الفسق والفجور في جميع البلاد الإسلامية ولذا ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٠٨ : لا يزال أمر اُمتي قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني اُمية يقال له يزيد

ولذلك قام الإمام الحسينعليه‌السلام لانقاذ العباد من يزيد وأمثاله ، وخطب تلك الخطبة البليغة حيث قالعليه‌السلام : « ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً فإني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الضالين إلّا برماً ، أيها الناس أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من رأى سلطان جائراً مستحلاً لحرام الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله ان يدخله مدخله إلّا وإن هؤلاء لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء واحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله هذا هو صوت الحسينعليه‌السلام هذا هو صوت الحق من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يعنّا أكبّه الله على منخريه في النار »


وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ

الحير : من حار يحار حيرة أي تحيّر في أمره ولم يكن له مخرج فمضى وعاد إلى حاله والحَيَر : الكثير من كل الشيء(١)

الضلالة : ضد الهدى والرشاد ، والضلال : الضياع ، منه قوله تعالى :( ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : ادنى ما يكون به العبد ضالاً أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى ، وشاهده على عباده الذي امر الله عزّ وجل بطاعته وفرض ولايته

فالإمام الحسينعليه‌السلام بشهادته أراد أن يبين للأُمة والأجيال القادمة أن الطاعة لولي الأمر التي فرض الله تعالى ولايته على الأُمة لابد أن يكون منصوصاً من قبل الله تعالى ، وأن يكون هو الحجة على العباد لا كل من أخذ دسه الحكم ولو بالقمع والحديد أمثال يزيد وأشباهه والذي عبّر عنه الإمام الحسينعليه‌السلام : ويزيد فاسق فاجر شارب الخمر قاتل النفس المحترمة ، فإن طاعته طاعة ضلال كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ادنى ما يكون به العبد ضالاً ان لا يعرف حجة الله تعالى

فالإمام الحسينعليه‌السلام بيّن للأُمة من هم أئمة الجور والضلالة ومن أئمة الحق والهداية الذي فرض الله تعالى متابعتهم ، ورفض بل محاربة أئمة الجور والضلال الذين كفروا بالله وبرسوله وضلوا ضلاً بعيداً ، قال تعالى :( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) (٢)

__________________

(١) مجمع البحرين ولسان العرب ، مادة ( حير )

(٢) سورة الأنعام : ١١٦


وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام : إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان : رجل وكّله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدي من كاقبله مضلٌّ لمن اقتدى به في حياته بعد وفاته ، حمّال خطايا غيره رهين بخطيئته(١)

__________________

(١) ميزان الحكمة ، ج ٥ ، حرف الضاد


وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا

توازر : الوزر : الحمل الثقيل من الإثم ، واتّزر الرّجل : ركب الوزر وحمل الإثم الثّقيل ، وقوله تعالى :( حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) أي حتّى يضع أهل الحرب السّلاح ، وسمّي السلاح وزراً لأنه يحمل

والموازرة على العمل : المعاونة عليه ، يقال : وازرته ، أي أعنته وقويته ، ومنه سمي الوزير

غرّته : غرّته الدّنيا : خدعته بزينتها

والغرور : ما إغترّ به من متاع الدنيا ، والغرور بالضمّ : الأباطيل ، وبالفتح الشيطان والدّنيا ، ومنه قوله تعالى :( مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) أي : أي شيء غرّك بخالقك وخدعك وسوّل لك الباطل حتّى عصيته وخالفته ، قال ابن السّكيت : والغرور ما رأيت له ظاهراً تحبّه وفيه باطن مكروه ومجهول(١)

الدُّنيا : نقيض الآخرة ، وهي إسم لهذه الحياة لبعد الآخرة عنها ، قال أمير المؤمنينعليه‌السلام إنّما سميت الدُّنيا دنيا لأنها أدنى من كلّ شيء ، وسميت الآخرة آخرة لأنّ فيها الجزاء والثّواب(٢)

سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لمَ سمّيت الدنيا دنيا ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لأنّ الدُنيا دنيّة خلقت من دون الآخرة ، ولو خلقت مع الآخرة لم يفن أهلها كما لا يفنى أهل الآخرة ، قال السّائل : فاخبرني لم سمّيت الآخرة آخرة ؟ قال(٣) : لأنها متأخّرة جيء بعد الدنيا ، لا توصف سنينها ولا تحصى أيّامها ، ولا يموت سكّانها(٢)

__________________

(١) مجمع البحرين ، مادة ( غرر )

(٢) و (٣) ميزان الحكمة ، حرف النون


إنّ من أهمّ الأسباب في إنزلاق الإنسان وانحرافه في هذا الدنيا هو ضعف النفس في قبال شهوات الدنيا ، وكما قال تعالى :( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) (١) ، وقال تعالى :( فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ) (٢)

ولذلك وردت جمهرة من الروايات عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام تحذّر الإنسان من أن يغتر بالدّنيا

ورد في حديث المعراج : أهل الدنيا من كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه ، قليل الرّضا لا يعتذر إلى من أساء إليه ، ولا يقبل معذرة من إعتذر إليه ، كسلان عند الطّاعة ، شجاع عند المعصية ، أمله بعيد ، وأجله قريب ، لا يحاسب نفسه ، قليل المنفعة ، كثير الكلام ، قليل الخوف ، كثير الفرح عند الطّعام ، وإن أهل الدنيا لا يشكرون عند الرّخاء ، ولا يصبرون عند البلاء ، كثير النّاس عندهم قليل ، يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون ، ويدّعون بما ليس لهم ويتكلّمون بما يتمنّون ، ويذكرون مساوي الناس ويخفون حسناتهم ، قال : يا رب ، هل يكون سوى هذا العيب في أهل الدنيا ؟ قال : يا أحمد إن عيب أهل الدنيا كثير ، فيهم الجهل والحمق ، لا يتواضعون لمن يتعلّمون منه وهم عند أنفسهم عقلاء وعند العارفين حمقاء(٣)

وقالعليه‌السلام : أحذّركم هذه الدنيا الخدّاعة الغدّارة التي قد تزيّنت بحليّها وفتنت بغرورها ، فأصبحت كالعروس المجلوّة والعيون إليها ناظرة

وقالعليه‌السلام : إحذروا الدنيا فإنّها عدوّة أولياء الله ، وعدوّة أعدائه ، أمّا أولياؤه فغمتهم ، وأمّا أعداؤه فغرّتهم

__________________

(١) سورة الأعلى : ١٦

(٢) سورة لقمان : ٣٣

(٣) ميزان الحكمة ، حرف الدال


وعنهعليه‌السلام في صفة الدنيا : تغرّ وتضرّ وتمرّ إن أقبلت غرّت وان أدبرت فرّت

قال تعالى :( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) (١) فإنّ الآية تأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يدع أُولئك الذين يستهينون بأمر دينهم ويتّخذون ممّا يلهون ويلعبون به مذهباً لهم ويغترّون بالدنيا وبمتاعها المادّي ، فإنّ الله تعالى يأمره أن يذرهم ويبتعد عنهم لأنّهم عبيد الدنيا والمادة واغترّوا بها ، وكما قال الإمام الحسينعليه‌السلام : « إنّ الناس عبيد الدنيا والدّين لعقاً على أسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم ، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الدّيانون »(٢)

وقالعليه‌السلام : وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن فيه مكتوب : أَنا الله لا إله إلّا أنا ومحمّد نبيّ عجبت لمن اختبر الدنيا كيف يطمئن(٣)

وعن كنز العمال عن إبن عباس : في حديث قال عمر : فقلت : ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على اُمتك ، فقد وسّع على فارس والرّوم وهم لا يعبدون الله ، فاستوىصلى‌الله‌عليه‌وآله جالساً ، ثمّ قال : أفي شكّ أنت يابن الخطاب ؟ أُولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا

__________________

(١) سورة الأنعام : ٧٠

(٢) تحف العقول : ٢٤٥

(٣) عيون أخبار الرضا ٢ / ٤٤ / ١٥٨


وَباعَ حَظَّهُ بِالْأَرْذَلِ الْأَدْنىٰ

الحظ : النّصيب من الفضل والخير ، قال تعالى :( إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) أي : نصيب واف ، وفي الحديث : من أراد بالعلم الدنيا فهو حظّه ، أي نصيبه وليس له حظ في الآخرة

والأرذل : الأخس والأحقر والناقص ، قال تعالى :( أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) ، فعن عليّعليه‌السلام : هو خمس وسبعون سنة ، وفي بعض الأخبار ، المائة من العمر ، والرذيلة ضدّ الفضيلة

الأدنى : نفس الأرذل ، أي : الأخس وأقل قيمة ، ويقال : وأدنى ، إذا عاش عيشاً ضيقاً بعد سعة ، وقال تعالى :( أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ ) أي الّذي هو أخس

فبقتلهم سيّد شباب الجنّة الحسين بن عليعليه‌السلام حجّة الله على الخلق ، فقد باعوا آخرتهم الّتي هي دار الخلود ، والبقاء مقابل دنيا زائلة فانية والتي عبر عنها الإمام الصادقعليه‌السلام في الزيارة « بِالْأَرْذَلِ الْأَدْنىٰ » فإنهم لم يخسروا الآخرة فحسب بل خسروا حتى الدنيا بقتلهم أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام وأهل بيته( أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ )

فأمّا الخسران في الدنيا فإنهم لم يصلوا إلى أهدافهم الدنيوية من قتلهم سيد الشهداءعليه‌السلام ، فذاك عمر بن سعد عليه اللعنة الذي كان هدفه من قتل الإمامعليه‌السلام أن يصل إلى ملك الرّي وجرجان كما قال في أبيات له لمّا أمره إبن زياد أن يخرج لقتال الحسينعليه‌السلام قال :

فوالله ما أدري وإنّي لحائر

أُفكّر في أمري على خطرين

أأترك ملك الرّي والرّي منيتي

أم أصبح مأثوماً بقتل حسين


حسين بن عمّي والحوادث جمّة

لعمري ولي في الرّي قرّة عين

وإنّ إله العرش يغفر زلّتي

ولو كنت فيها أظلم الثّقلين

ألا إنّما الدنيا لخير معجّل

وما عاقل باع الوجود بدين

يقولون إنّ الله خالق جنّة

ونار وتعذيب وغلّ يدين

فإن صدقوا فيما يقولون

إنّني أتوب إلى الرّحمن من سَنتين

وإن كذبوا فُزنا بدنيا عظمة

وملك عقيم دائم الحجلين

وإذا بنداء من السّماء قد أجابه بحيث يسمع الصّوت ولا يُرى :

ألا أيها النّغل الذي خاب سعيه

وراح من الدنيا ببخسة عين

ستصلي جحيماً ليس يطفى لهيبها

وسعيك من دون الرّجال بشين

إذا كنت قاتلت الحسين ابن فاطم

وأنت تراه أفضل الثقلين

فلا تحسبنّ الرّي يا أخسر الورى

تفوز به من بعد قتل الحسين(١)

مع ما أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام نصحه وبيّن له أنّه لا يصل إلى مراده وهدفه بل وبيّن له مصرعه على فراشه ، وإنّه لا يتهنّأ بدنيا ولا آخرة ، كما مرّ الإشارة إليه في فقرة « ومنح النّصح » من الزيارة ، راجع الصفحة

هذا نموذج واحد ممّن قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وخسارته في الدّنيا قبل الآخرة ، فإنّ جميع من حضر قتال الإمام الحسينعليه‌السلام لم يتهنّأ في الدُّنيا ولا في الآخرة ، راجع ما صنع المختار ابن أبي عبيدة الثقفي بهم ، وراجع جزاء قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام ، هذا في الدنيا ، وأمّا في الآخرة والبرزخ فهم في جهنّم وبئس المصير

__________________

(١) ناسخ التواريخ ، في حياة الإمام الحسينعليه‌السلام ، ٢ : ١٧٩


ففي الحديث عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال : « يبعث الله يوم القيامة قوماً بين أيديهم نور كالقباطي ثمّ يقال له : كن هباءً منثوراً ، ثم قال : اما والله إنّهم كانوا يصومون ويصلّون ولكنّما كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه ، وإذا ذكر لهم شيء من فضل أمير المؤمنينعليه‌السلام أنكروه »(١)

وعن ثواب الأعمال(٢) باسناده عن جعفر بن محمد عن آبائهعليهم‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ الجنّة تشتاق لأحباء عليعليه‌السلام يشتد ضوؤها لأحبّاء علي وهم في الدنيا قبل أن يدخلوها ، وإنّ النّار لتغيظ ويشتدّ زفيرها على أعداء عليعليه‌السلام وهم في الدنيا قبل أن يدخلوها »

__________________

(١) الأنوار الساطة ٤ : ٢١٢

(٢) ثواب الأعمال : ٢٤٧


وَشَرىٰ آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوْكَسِ

شَرَىٰ : أي باع ومنه قوله تعالى :( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ ) أي باعوه

وقال تعالى :( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ ) أي يبيعها وتأتي بمعنى بدّل ، كما قال تعالى :( اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ ) (١) أي بدلوا

الآخرة : خلاف الدنيا ، دار البقاء ، منها قوله تعالى :( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) أي قيام الساعة

وفي الحديث عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : من حرص على الآخرة ملك ومَن حرص على الدنيا هلك

بالثمن : ما تستحق به الشيء ، وثمن كل شيء قيمته

الأوكس : النقص واتضاع الثمن في البيع ويقال وُكس فلان ( على ما لم يسمى فاعله ) في تجارته أي خسر ، وفي الحديث بيع الربا وشراؤه وكس أي نقص

فالإمام الصادقعليه‌السلام يريد أن يقول في هذه الزيارة ان الذين حضروا كربلاء وتوازروا على قتل الإمام الحسينعليه‌السلام بما غرتهم هذه الدنيا وباعوا حظهم ونصيبهم من الخير مقابل دنيا زائلة وبثمن اوكس قليل ، وباعوا آخرتهم وسعادتهم بلا مقابل ، كل ذلك لانهم عبيد الدنيا وعبيد شهواتهم واهوائهم كما قال الإمام الحسينعليه‌السلام في حقهم : « الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم » ، نعم باعوا آخرتهم بثمن قليل ، قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : من ابتاع آخرته بدنياه ربحهما ، ومن باع آخرته بدنياه خسرهما ، وقال : مَن عمّر دنياه خرّب ماله من عمّر آخرته بلغ آماله

__________________

(١) مجمع البحرين ، مادة ( شري )


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الحيوان وهو يسعى لدار الغرور ، فكل الذين حضروا في يوم الطف لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام قد خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، ألا لعنة الله على قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام وعلى القوم الظالمين وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين


وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّىٰ في هَواهُ

غطرس : الاعجاب بالنفس والتطاول على الاقران وقيل هو الظلم والتكبر

تردى : الهلاك ، يقال : سقط على رأسه في قولهم : تردىٰ من رأس الجبل إذا سقط ، ويقال : تردى إذا مات فسقط في قبره ، وقيل : تردى سقط في جهنم ، قال تعالى :( وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ ) ، إذا مات وقيل إذا تردى في النار وقوله تعالى :( وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ) وهي التي تقع من جبل أو تطيح في بئر أو تسقط من موضع مشرف فتموت ومنه الآية :( وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ )

الهوى : هوى النفس ارادتها وما تحبه وتميل إليه ومنه قوله تعالى :( وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ )

ان من اخطر الأمراض الخلقيّة وأشدها فتكاً بالانسان ، وادعاها إلى مقت الناس له وازدرائهم به ونفرتهم منه ، هو التغطرس والاعجاب بالنفس والتطاول على الاقران والتكبر بالقول أو بالفعل ، وهذه الصفة تجسدت في الذين حاربوا الإمام الحسينعليه‌السلام ، والذين حضروا كربلاء لقتال الإمام الحسينعليه‌السلام ، فكانت نتيجة هذه الأمراض الخلقية وانعكاساتها وطغيانها ان يقتلوا ولي الله وحجته على أرضه من دون أن يتحرك لهم ساكن ، بل أكثر من ذلك أن يأخذوا بنات الوحي أسرى من بلد إلى بلد يتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف ليس معهن من حماتهنّ حمى ولا من رجالهن ولي ، ولذلك نجد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام أكّدوا على مذمة هذه الأمراض النفسية والاخلاقية واتباع هوى النفس في كثير من الروايات منها :

عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : « إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الأمل ، إما اتباع الهوى فإنه يصدّ عن الحق وإمّا طول الأمل فينسي الآخرة »(١)

__________________

(١) اُصول الكافي ٢ : ٢٥٢ ، باب اتباع الهوى


وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : « احذروا اهوائكم كما تحذرون اعدائكم فليس شيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد السنتهم »(١)

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يقول الله عزّ وجل : « وعزّتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلّا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم أُوته منها إلّا ما قدّرت له ، وعزّتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوّي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلّا استحفظته ملائكتي وكفّلت السماوات والأرضين رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر واتته الدنيا وهي راغمه »(٢)

__________________

(١) و (٢) نفس المصدر


وَاَسْخَطَكَ وَاَسْخَطَ نَبِيَّكَ

اسخط : اغضب خلاف الرضا ، وإذا أسند إلى الله تعالى يراد منه ما يوجب السخط من العقوبة

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : سمي به لأنه انبأ من الله تعالى أي أخبر فالنبي : هو الإنسان المخبر عن الله تعالى بغير واسطة بشر أعم من أن يكون له شريعة كمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أو ليس له شريعة كيحيىعليه‌السلام ثمّ الفرق بينه وبين الرسول ، أن الرسول هو المخبر عن الله بغير واسطة أحد من البشر وله شريعة مبتدئة كآدمعليه‌السلام أو ناسخة كمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ ان النبي هو الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعان الملك والرسول هو الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين ، وأن الرسول قد يكون من الملائكة بخلاف النبي ، وعددهم مئة وعشرون ألفاً والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر(١)

وعن الصادقعليه‌السلام : « الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات : فنبي منبأ في نفسه ولا يعدوا غيرها ، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاين في اليقظة ولم يبعث إلى أحد ، وعليه إمام مثل ما كان إبراهيمعليه‌السلام على لوط ، ونبي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاني الملك ، وقد أرسل إلى طائفه قلوا أو كثروا كيونسعليه‌السلام ، قال الله تعالى ليونسعليه‌السلام :( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) قال يزيدون ثلاثين ألفاً وعليه إمام ، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أُولي العزم »

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « إن الله اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً ، وان الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً ، وإن الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً ، وإن الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً ، فلما جمع له الأشياء قال :
__________________

(١) مجمع البحرين ، مادة ( نبأ )


( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) فمن عظمها في عين إبراهيم :( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِي ) قال لا يكون السفيه إمام التقي

وفي حديث آخر من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً »

وعلى أي حال فالذي حضروا كربلاء قد اسخطوا الله تعالى واسخطوا نبيه ، ومن يسخط الله فجزاءه جهنم وساءت مصيرا ، ومن يسخط النبي بقتل فلذة كبده الحسينعليه‌السلام لا ينالون شفاعته يوم القيامة ، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا أنالهم الله شفاعتي »

ففي تفسير البرهان في ذيل قوله تعالى :( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ) باسناده عن أبي عبد الله عن أبيه عن جدهعليه‌السلام قال : « للنار سبع أبواب باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون ، وباب يدخل منه المشركون والكفار ممن لم يؤمن بالله طرفة عين ، وباب يدخل منه بنو اُمية هو لهم خاصة لا يزاحمهم فيه أحد وهو باب لظى وهو باب سقر وهو باب الهاوية تهوي بهم سبعين خريفاً فكلما فارت بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفاً فلا يزالون هكذا أبداً مخلدين ، وباب يدخل منه مبغضونا ومحاربونا وخاذلونا وإنه لأعظم الأبواب وأشدها حرّا »


وَاَطاعَ مِنْ عِبادِكَ

أطاع : في التهذيب : وقد طاع له يطوع إذا انقاد له ، بغير ألف ، فإذا مضى لامره فقد اطاعه ، فإذا وافقه فقد طاوعه ، ولكن قال ابن السكيت لا فرق بين أطاع وطاع أي انقاد له ، فالطاعة الانقياد وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام : خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم لأنه لا تضرّه معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه وقالعليه‌السلام : الطاعة تطفي غضب الرب ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنه لا يدرك ما عند الله إلّا بطاعته ، قال عليعليه‌السلام : أفضل الطاعات العزوف عن اللذات ، وفي حديث آخر : هجر اللذات ، وقالعليه‌السلام : أطع من فوقك يطيعك من دونك ، وقالعليه‌السلام : من احتاج إليك كانت طاعته لك بقدر حاجته إليك

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من ارضى سلطاناً بما يسخط الله خرج عن دين الله عزّ وجل ، وقال عليعليه‌السلام : لا دين لمن دان بطاعة المخلوق ومعصية الخالق

عبادك : العبادة لغة هي غاية الخضوع والتذلل ، ولذلك لا تحسن إلّا لله تعالى الذي هو مولى أعظم النعم فهو حقيق بغاية الشكر ، قوله تعالى :( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) أي نخصك بالعبادة وهي ضرب من الشكر وغاية فيه ، وهي أقصى غاية الخضوع

والعبادة بحسب الاصطلاح : هي المواظبة على فعل المأمور به والفاعل عابد ثم استعمل العابد فيمن اتخذ الهاً غير الله ، فقيل عابد الوثني وعابد الشمس والتعبد التنسك(١)

قال المحقق الطوسي في الأخلاق الناصرية : قال الحكماء عبادة الله ثلاثة أنواع :

الأول : ما يجب على الأبدان كالصلاة والصيام والسعي في المواقف الشريفة لمناجاته

__________________

(١) ميزان الحكمة : ج ٦ ، باب الطاعة


الثاني : ما يجب على النفوس كالاعتقادات الصحيحة من العلم بتوحيد الله وما يستحقه من الثناء والتمجيد والفكر فيما افاضه الله تعالى على العالم من وجوده وحكمته ثم الاتساع في هذه المعارف

الثالث : ما يجب عند مشاركات الناس في المدن ، وهي في المعاملات والمزارعات والمناكح وتأدية الامانات ونصح البعض للبعض بضروب المعاونات وجهاد الأعداء والذب عن الحريم وحماية الحوزة

وحقيقة العبودية كما في حديثٍ عنوان لثلاث أشياء : ان لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكاً ، لأن العبيد لا يكون لهم ملك بل يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله ، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيراً ، وجملة اشتغاله فيما أمره الله تعالى ونهاه عنه ، فإذا لم يرى العبد فيما خوله الله ملكاً هان على الانفاق ، وإذا فوض العبد تدبير نفسه إلى مدبرها هانت عليه مصائب الدنيا ، وإذا اشتغل العبد فيما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منها إلى المراء أو المباهات مع الناس ، فإذا كرم الله العبد بهذه الثلاثة هانت عليه الدنيا والمسيس والخلق ، ولا يطلب الدنيا تفاخراً وتكاثراً ولا يطلب عند الناس عزاً وعلوّاً ولا يدع أيامه باطلة(١)

__________________

(١) مجمع البحرين مادة ( عبد )


اَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ

أهل : أهل الرجل : آله وهم أشياعه وأتباعه وأهل ملّته ، وأهل الإسلام من يدين به

الشّقاق : العداوة بين فريقين والخلاف بين اثنين ، سمي ذلك شقاقاً لأن كل فريق من فرقتي العدو قصد شقاً أي ناحية غير شقّ صاحبه

النفاق : الخلاف والكفر والمنافق : هو الذي يخفي الكفر ويظهر غيره ، مأخوذة من النفق وهو السرب في الأرض أي يستتر بالاسلام كما يستتر في السرب(١)

وفي الحديث المنافق الذي يظهر الإيمان ويتصنع بالإسلام

وقد اهتم القرآن بأمر المنافقين اهتماماً بالغاً ويكرّ عليهم كرّة عنيفة بذكر مساوي أخلاقهم

فالذين حضروا كربلاء وحاربوا الإمام الحسينعليه‌السلام قد حملوا هذه الصفات الرذيلة من الشقاق والنفاق والتي ورثوها من آبائهم وأجدادهم ضد أهل البيتعليهم‌السلام ، وكما قالوا للإمام الحسينعليه‌السلام نقاتلك بغضاً منّا لأبيك وما صنع بأشياخنا يوم بدر وحنين ، وهذا الكلام يدل على عدم إيمانهم بالله وبالرسول وبالآخرة لأنهم قدموا لأخذ ثارات بدر وحنين أي ثارات أهل الكفر والشرك

وقد أشار إلى هذا النفاق والكفر ـ بما جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ يزيد بن معاوية حيث قال ابياته المعروفة في قصره :

ليت أشياخي ببدر شهد

جزع الخزرج من وقع الأسل

لا هلوا واستهلوا فرحا

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

__________________

(١) لسان العرب ، مادة ( شقق )


إلى أن قال البيت الذي أعلى بها عن كفره :

لعبت هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحي نزل

ولذلك اهتم القرآن من الابتعاد عن هذه الصفات الرذيلة وبالأخص صفة النفاق

كلمة حول النفاق والمنافقين :

اهتم القرآن بأمر المنافقين اهتماماً بالغاً ، ويكرّ عليهم كرّة عنيفة بذكر مساوي أخلاقهم وأكاذيبهم وخدائعهم ودسائسهم والفتن التي أقاموها على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى المسلمين ، وقد تكرّر ذكرهم في السور القرآنية كسورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والعنكبوت والأحزاب والفتح والحديد والحشر والمنافقون والتحريم

وقد أوعدهم الله في كلامه أشدّ الوعيد ؛ ففي الدنيا بالطبع على قلوبهم ، وجعل الغشاوة على سمعهم وعلى أبصارهم ، وإذهاب نورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، وفي الآخرة بجعلهم في الدرك الأسفل من النار

وليس ذلك إلّا لشدّة المصائب التي أصابت الإسلام والمسلمين من كيدهم ومكرهم أنواع دسائسهم ، فلم ينل المشركون واليهود والنصارى من دين الله ما نالوه ، وناهيك فيهم قوله تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يشير إليهم :( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ) (١)

وقد ظهر آثار دسائسهم ومكائدهم أوائل ما هاجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة ، فورد ذكرهم في سورة البقرة وقد نزلت ـ على ما قيل ـ على رأس ستّة أشهر من الهجرة ، ثمّ في السور الأُخرى النازلة بعد بالإشارة إلى أُمور من دسائسهم
__________________

(١) سورة المنافقون : ٤


وفنون من مكائدهم ، كانسلالهم من الجند الإسلاميّ يوم اُحد وهم ثلثهم تقريباً ، وعقدهم الحلف مع اليهود ، واستنهاضهم على المسلمين ، وبنائهم مسجد الضّرار ، وإشاعتهم حديث الإفك ، وإثارتهم الفتنة في قصّة السّقاية وقصّة العقبة ، إلى غير ذلك ممّا تشير إليه الآيات ؛ حتّى بلغ أمرهم في الإفساد وتقليب الاُمور على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حيث هدّدهم الله بمثل قوله :( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ) (١)

وقد استفاضت الأخبار وتكاثرت في أنّ عبد الله بن اُبيّ بن سلول وأصحابه من المنافقين ، وهم الذين كانوا يقلّبون الاُمور على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ويتربّصون به الدوائر ، وكانوا معروفين عند المؤمنين يقربون من ثلث القوم ، وهم الذين خذلوا المؤمنين يوم اُحد فانمازوا منهم ورجعوا إلى المدينة قائلين : لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم ! وهم عبد الله بن اُبيّ وأصحابه وهم الذين انقلبوا على أعقابهم بعد شهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وغصبوا حق أمير المؤمنينعليه‌السلام من الخلافة وقتلوا الزهراءعليها‌السلام وتألبوا على الإمام الحسنعليه‌السلام وأخيراً اجتمعوا على فلذة كبد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيد شباب الجنة وارتكبوا تلك الجريمة النكراء التي ليس لها مثيل في العالم الإسلامي ، ثم استمروا بقتل ذرية رسول الله وأئمة الهدى واحداً تلو الآخر إلى أن غيب الله الإمام الحجةعليه‌السلام حتى يظهر ويأخذ بثارهم إنشاء الله تعالى

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٦٠ ـ ٦١


وَحَمَلَةَ الْأَوْزارِ

الوزر : الحمل الثقيل ويطلق على الذنب لثقله والجمع أوزار

فبقتلهم سيد شباب الجنة حملوا الذنب الثقيل في الدنيا والآخرة ، فإما في الآخرة فقد استوجبوا النار كما في الزيارة « وَحَمَلَةَ الْأَوْزارِ الْمُسْتَوْجِبينَ النّارَ » وأما في الدنيا فكما ورد في كتاب كامل الزيارات : ان كل من شارك في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ابتلي باحد الأمراض الثلاثة : الجنون والجذام والبرص

وتقول الرواية أيضاً بأن هذه الأمراض قد انتقلت إلى ذراريهم من بعدهم رغم أنهم لا علاقة لهم بجريرة آبائهم ، إلّا أن هذا هو الذي حصل بالفعل وكان ذلك من عواقب قتل الإمام الحسينعليه‌السلام فكما السكّير تمتد آثار عمله إلى نسله فكذلك الحال مع الظالم وهذه مسألة تكوينية

وقد ورد أيضاً في كامل الزيارات : أن قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام قد قُتلوا جميعاً ولم يمت أي منهم ميتة طبيعية في هذا السياق يقول الإمام محمد الباقرعليه‌السلام : والله لقد قُتل قتلة الحسينعليه‌السلام ولم يطلب بدمه بعد والله لم يرضى بعد ، لأن للإمام الحسينعليه‌السلام مكانة في أعالي الذرى والانتقام الذي حل بهم ـ وهو القتل ـ ليس كافياً ألبته

وقد ورد عن الإمام الصادقعليه‌السلام مخاطباً جده الإمام الحسينعليه‌السلام : أشهد أنك ثار الله في أرضه حتى يستثير لك من جميع خلقه ، فإن الله تعالى استغاث واستنهض بجميع الخلائق والكائنات للقيام بثأر الحسينعليه‌السلام ثم ضمّن جميع بقاع الأرض وجميع بني البشر ضمنهم دم الحسين أي جعل دم الحسين ضماناً في ذمتهم


فالمستغيث لثأر الحسين هو الله تعالى بنفسه ، فالله تعالى بذاته يطلب العون للأخذ بثأر الحسين ، والمستغاث فيها جميع الخلق أي جميع المخلوقات ابتداءاً من اللوح والقلم والعرش والكرسي والسماوات والأرضين والاجرام وكل ما يرى وما لا يرى ، وتستمر الاستغاثة إلى آخر مخلوق وحتى آخر لحظة من حياة العالم أشهد أنك ثار الله حتى يستثير لك من جميع خلقه


الْمُسْتَوْجِبينَ النّارَ

استوجب : استحق : اوجب الرجل إذا عمل عملاً يستحق الجنة أو النار والموجبة : الكبير من الذنوب ومنه الحديث : ولا تكتب عليه السيئات إلّا أن يأتي بموجبه

النار : السّمَةُ

فإن كل من خرج لحرب الإمام الحسينعليه‌السلام استوجب النار بل استوجب نار الدنيا قبل نار الآخرة ، والأكثر من ذلك هو أن كل من حضر كربلاء حتى ولم يقاتل عاقبه الله تعالى في الدنيا قبل يوم الآخرة

قال الزهري : ما بقي منهم أحد إلّا وعوقب في الدنيا إما بالقتل أو العمى أو سواد الوجه ، أو زوال الملك في مدّة يسيرة(١)

فقد روى الصدوق في عقاب الأعمال بإسناده إلى يعقوب بن سليمان قال : سهرت أنا ونفر ذات ليلة ، فتذاكرنا قتل الحسينعليه‌السلام فقال رجل من القوم : ما تلبّس أحد بقتله إلّا أصابه بلاء في أهله وماله ونفسه

فقال شيخ من القوم ـ فهو والله ممَن شهد قتله وأعان عليه فما أصابه إلى الآن أمر يكرهه فمقته القوم ـ أنا ممن حضر كربلاء وما أصابني شيء ، قال : فتغير السراج ، وكان دهنه نفطاً فقام إليه ليصلحه فأخذت النار باصبعه فنفخها ، فأخذت بلحيته ، فخرج يبادر إلى الماء فالقى نفسه في النهر وجعلت النار ترفرف على رأسه فإذا أخرجه احرقته حتى مات لعنه الله(٢)

__________________

(١) كشف الغمة

(٢) عقاب الأعمال


وقال ابن شهر آشوب ان المختار حرق بالنار كل من سلب الحسين وغيرهم ، فالذي سلب عمامة الحسينعليه‌السلام جابر بن يزيد الأزدي ، وقميصه اسحاق بن حويه ، وثوبه جعونه بن حويه ، وقطيفته من خزّ قيس بن الأشعث الكندي والقوس والحلل الرحيل بن خيثمة الجعفي ، وغيره ونعليه الأسود الأوسي ، وسيفه رجل من بني نهشل من بني دارم ، فاحرقهم المختار بنار الدنيا قبل نار الآخرة(١)

وروى كان الإمام الحسينعليه‌السلام جالساً في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمع رجلاً يحدث أصحابه ويرفع صوته ليسمع الحسينعليه‌السلام وهو يقول : إنا شاركنا آل أبي طالب في النبوّة حتى نلنا منها مثل ما نالوا منها من السبب والنسب ، ونلنا من الخلافة ما لم ينالوا فبم يفتخرون علينا ؟ وكرّر هذا القول ثلاثاً

فأقبل عليه الحسينعليه‌السلام فقال له : « إني كففت عن جوابك في قولك الأول حلماً وفي الثاني عفواً ، وإما في الثالث فإني مجيبك ، إني سمعت أبي يقول : إن الوحي الذي أنزله الله على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا قامت القيامة الكبرى حشر الله بني اُمية في صور الذّر يطاهم الناس حتى يفرغ من الحساب ، ثم يوتى بهم فيحاسبوا ويصار بهم إلى النار » فلم يطق الأموي جواباً وانصرف وهو يتميّز من الغيظ(٢)

__________________

(١) كما تدين تدان : ٦٠ عن مناقب آل أبي طالب

(٢) حياة الحسين ٢ : ٢٣٥


فَجاهَدَهُمْ فيكَ

جاهد العدوّ : قاتله في سبيل الله ، قال في المجمع : قوله تعالى :( وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ ) أي في عبادة الله ، قيل : الجهاد بمعنى رتبة الإحسان ، ومعنى رتبة الإحسان هو انك تعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك ، ولذلك قال : حق جهاده ، أي جهاداً حقاً كما ينبغي بجذب النفس ، وخلوصها عن شوائب الرياء والسمعة مع الخشوع والخضوع ، والجهاد مع النفس الأمارة واللوامة في نصرة النفس العاقلة المطمئنة وهو الجهاد الأكبر ، ولذلك ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه رجع من بعض غزواته فقال : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر »

فالإمام الحسينعليه‌السلام جاهد في الله تعالى وبذل النفس والمال لاعلاء كلمة التوحيد وإحياء دين جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا الجهاد مع النفس لاصلاحها فإنهمعليهم‌السلام منزهون عن دناسة النفس ، فأنفسهم طاهرة مطهرة كما أخبر الله تعالى بذلك في آية التطهير ، وإن أبيت إلّا أن يراد من الجهاد الأعم منه ومن الجهاد مع النفس فحينئذ معنى جهادهم مع أنفسهم هو عدم اقدامهم على المكاره أو المعاصي مع تمكنهم منها

ضرورة أن عصمتمعليه‌السلام وان اوجبت عدم صدور المعاصي عنهم إلّا أنه لا بنحو الجبر بل بنحو الاختيار ، فعصمتهم لم تنف امكان اقدامهم على المعاصي ، قال عليعليه‌السلام : « لولا التقى لكنت ادهى العرب » أي إني يمكنني الدهاء إلّا أن التقوى المعبر بها هنا بالعصمة تمنعني عنه كما لا يخفى

فجهادهم مع النفس عبارة عن عدم اقدامهم على المعاصي بعد ما كانت لهم المكنة عليها كما لا يخفى ، إلّا أن جهادهم معها لا لأجل تطهيرها عن الرذائل قال الإمام الحسنعليه‌السلام لمعاوية ما حاصله : « إن الله تعالى قد طهرني من الرذائل كما قد برّاك من الفضائل »


وكيف كان فالإمام الحسينعليه‌السلام جاهد في سبيل الله تعالى وفي سبيل طاعته ومحبته وتوحيده حق جهاد ، بل جاهد في الله بتمام انحاء الجهاد سواء بالسيف وبذل المال والزهد في حطام الدنيا والعبادات الشاقة من القيام في الليل والصيام في النهار الخ ومع ذلك كله كان جهاده جهاد صابر محتسب


صابِراً مُحْتَسِباً

الصبر : حبس النفس عن الجزع عند المكروه ، وهو يمنع الباطل عن الاضطراب واللسان عن الشكاية والأعضاء عن الحركات غير المعتادة(١)

قال المجلسي : إن الصبر على البلاء وعلى فعل الطاعة وعلى ترك المعصية وعلى سوء اخلاق الخلق بالفتح

وفي الحديث الصبر صبران : صبر على ما تكره وصبر على ما تحب ، وقد ورد في القرآن ثمانون آية في الصبر

نشير إلى بعض الروايات التي وردت عن الإمام الحسينعليه‌السلام التي تحرض المؤمنين على الصبر وأجر الصبر عند المصيبة

عن فاطمة بنت الحسين عن الإمام الحسينعليه‌السلام قالت ، قالعليه‌السلام : « من أصابته مصيبة ، فقال إذا ذكرها « إنا لله وإنا إليه راجعون » جدّد الله له من أجرها مثل ما كان له يوم أصابته »(٢)

قالعليه‌السلام : « اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحق واصبر عما تحب فيما يدعوك إليه الهوى »(٣)

ومن كتاب له إلى عبد الله بن عباس حين سيّره عبد الله بن الزبير إلى اليمن(٤) : « أما بعد ، بلغني أن ابن الزبير سيّرك إلى الطائف فرفع الله لك بذلك ذكراً وحطّ به عنك وزراً ، وإنما يُبتلى الصالحون ، ولو لم توجر إلّا فيما تحب لَقلَّ الأجر ، عزّم الله لنا ولك بالصّبر عند البلوى والشكر عند النُّعمى ولا اشمت بنا ولا بك عدوّاً حاسداً أبداً والسلام »(٤)

__________________

(١) مرآة العقول ٨ : ١٢٠

(٢) موسوعة كلمات الإمام الحسين : ٧٧٠

(٣) و (٤) نفس المصدر


الحسيب : الذي يفعل الأفعال الحسنة بماله وغير ماله ، وقيل لمن ينوي بعمله وجه الله ، في الحديث : مَن مات له ولد فاحتسبه أي احتسب الأجر بصبره على مصيبته به ، معناه : اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها ، واحتسب بكذا اجراً عند الله تعالى

وسوف نذكر كيفية جهادهعليه‌السلام في الله صابراً محتسباً في قول الإمام الصادقعليه‌السلام من هذه الزيارة في فقرة « وَجاهَدْتَ في سَبيلِهِ »


حَتّىٰ سُفِكَ في طاعَتِكَ دَمُهُ

سَفَكَ الدم : صبَّه وأهرقه ، ومنه قوله تعالى :( لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ) أي تصبون ، والسفك الاراقة والاجراء لكل مائع وفي الدعاء « وأمطرت بقدومك السوافك » أي التي تصب صبا وتهرق اهراقاً ، ورجل سفاك للدماء وسفاك للكلام : القادر على الكلام وبليغ

الطاعة : اسم لما يكون مصدره الاطاعة وهو الانقياد

فالإمام الحسينعليه‌السلام سُفِكَ دمه لاجل طاعة العباد لله تعالى وعبادته وحده ، كما مر في الفقرة الماضية « لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ » فالإمام الصادقعليه‌السلام استخدم كلمة « عبادك » وهي لاتخص الشيعة وحدهم بل جميع العباد

ان الإمام الحسينعليه‌السلام بسفك دمه واستشهاده قد فتح مدرسة للجميع مدرسة الفكر والضمير للجميع ، ليقارعوا الظلم ويتحمّلوا الشدائد والمصاعب حتى يذوقوا طعم السعادة

فالإمامعليه‌السلام أراد أن ينجي العباد من الجهالة والضلالة والتيه ، فمن أراد أن يتقرب إليه أكثر فعليه أن يبذل ما عنده وما يملك في خدمة هذه القضية حتى يركب في سفينة أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام سفينة الهداية والسعادة ، كما هو مكتوب في ساق العرش : « الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة »

فالإمام الحسينعليه‌السلام سُفِكَ دمه من أجل ثلاثة أهداف : أُصول الدين والأحكام الشرعية والأخلاق الإسلامية ، فمن أراد أن يثبت ولائه لسيد الشهداءعليه‌السلام عليه أن يسعى لتحقيق هذه الأهداف الثلاثة التي استشهد من أجلها الإمامعليه‌السلام ، وأن يضعها على رأس أُولوياته لتقرّ عين الإمام الحسينعليه‌السلام والإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه


وَاسْتُبيحَ حَريمُهُ

استباحه : أي انتهبه واستأصله واستباحوهم : استأصلوهم ، ومنه حديث الدعاء للمسلمين : لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم فيستبيح بيضتهم ويستبيح ذراريهم أي : يسبيهم وينهبهم(١)

الحرمه : ما لا يحل لك انتهاكه ، وجميع ما كلف الله به بهذه الصفة فمن خالف فقد انتهك الحرمة ، وحرم الرجل نساؤه وما يحمي المحارم : ما لا يحل استحلاله

فإن بني اُمية قد استباحوا كل شيء من الحسينعليه‌السلام بعد قتله حتى قال السيد بن طاووس : وتسابق القوم ـ بعد مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ـ على نهب بيوت آل الرسول وقرة عين الزهراء البتول حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها ، وخرجن بنات آل الرسول وحريمه يتساعدن على البكاء ويندبن لفراق الحماة والأحبة ، ولله در القائل :

ولم ير حتى عينها ظل شخصها

إلى أن بدت في الغاضرية حسرا

قال حميد بن مسلم : رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في عسكر عمر بن سعد ، فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسينعليه‌السلام وفسطاطهن ، وهم يسلبونهن اخذت سيفاً واقبلت نحو الفسطاط وقالت : يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول الله ، لا حكم إلّا لله ، يا لثارات رسول الله ، فأخذها زوجها وردّها إلى رحله(٢)

وحائرات أطار القوم أعينها

رعباً غداة عليها خدرها هجموا

__________________

(١) مجمع البحرين

(٢) معالي السبطين : ٥٠٢


اَللّهُمَّ فَالْعَنْهُمْ لَعْناً وَبيلاً

اللهم : أصلها يا الله فحذف « يا » المنادى وعوضت عنها الميم المشدّد ، لأنهما لا يجتمعان وذلك لأن النحوي لم يجدوا ياء مع هذه الميم في كلمة واحدة ، ووجدوا اسم الله مستعملاً بياء إذا لم يذكروا الميم في آخر الكلمة فعلموا أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة الياء في أولها ، والضمة التي هي في الهاء هي ضمة الاسم المنادىٰ المفرد ، وفتح الميم المشدّد لسكونها وسكون الميم قبلها والقاعدة تقول : إذا اجتمع الساكنان حرّك بالفتح وقال الفراء معنى اللهم : يا الله اُمَّ بخير

اللعن : الطرد من الرحمة ، وقوله تعالى :( لَّعَنَهُمُ اللَّـهُ بِكُفْرِهِمْ ) أي أبعدهم وطردهم من الرحمة

وبيلا : قال تعالى :( فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ) أي شديداً في العقوبة

ان العقل السليم يحكم ويدرك بأن كل من نصب العداء والحرب والقتل لمحمد وآلهعليهم‌السلام يستحق اللعنة والعداء والبراءة منهم ، وإذا العقل لم يحكم بهذا الحكم فهو مشكوك به مختل أو ناقص ، وأما ما ورد من النقل فهو كثير منها ما عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام لميثم التمار في حديث مفصل قال ميثم : وجبت لعنة الله على قتلة الحسينعليه‌السلام كما وجبت على اليهود والنصارى والمجوس(١)

وأما ما ذكر بعض علماء العامة عن عدم جواز اللعن على قتلة الإمام الحسين وبالأخص يزيد بن معاوية فما هو إلّا عناد بحت وتسويل شيطاني لايصغى إليه بل إن كثير من علمائهم المنصفون لم يتوقفوا في كفر يزيد وزندقته ولعنه واجمعوا على لعنه ، منهم سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد النسفية : ص ١٨١ ، قال : « ونحن لانتوقف في شأنه بل في إيمانه فلعنة الله عليه وعلى أنصاره وعلى أعوانه »

__________________

(١) علل الشرائع ١ : ٢٦٧


وقال صاحب كتاب شفاء الصدور : قد ردّ على الذين لم يجيزوا لعن يزيد كأبي حامد الغزالي صاحب كتاب إحياء علوم الدين فانشاء يقول :

قل لمن لا يجيز لعن يزيد

أنت ان فاتنا يزيد يزيد

زادك الله لعنة وعذابا

وله الله ضعف ذاك يزيد

وأما ورد عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في لعن قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام : ما ورد في البحار عن جعفر بن محمد الفزاري معنعناً عن الإمام الصادقعليه‌السلام قالعليه‌السلام : كان الحسينعليه‌السلام مع اُمه تحمله فأخذه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال لعن الله قاتلك ولعن الله سالبك ، وأهلك الله المتوازرين عليك ، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك ، قالت فاطمة الزهراءعليها‌السلام : يا أبت أي شيء تقول ، قال : يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم ، والغدر والبغي ، وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل ، وكأني انظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم ، قالت : يا أبه وأين هذا الموضع الذي تصف ؟ قال : موضع يقال له كربلاء وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الاُمّة ، يخرج عليهم شرار اُمتي لو أن أحدهم شفع له من في السماوات والأرض ما شفّعوا فيه ، وهم المخلدون في النار ، قالت : يا أبه فيقتل قال نعم يا بنتاه وما قُتل أحد كان قبله ، ويبكيه السماوات والأرضون والملائكة والوحش والنباتات والبحار ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس ، ويأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقّنا منهم الحديث(١)

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٤ : ٢٦٤


وعن كامل الزيارات عن داود الرّقي قال : كنت عند أبي عبد اللهعليه‌السلام إذا استسقى الماء فلما شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه بدموعه ثم قال لي : يا داود لعن الله قاتل الحسين فما من عبد شرب الماء فذكر الحسينعليه‌السلام وقاتله إلّا كتب الله له مائة ألف حسنة ، وحط عنه مئة ألف سيئة ، ورفع له مائة ألف درجة ، وكأنما اعتق مائة ألف نسمة ، وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد(١)

__________________

(١) بحار الأنوار ٦٣ : ٤٦٤


وَعَذِّبْهُمْ عَذاباً اَليماً

العذاب : النّكال والعقوبة وعذبته تعذيباً عاقبته ، وأصله في كلام العرب الضرب ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة واستعير للأُمور الشاقة فقيل السفر قطعه من العذاب

أليم : ومنه قوله تعالى :( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي مؤلم موجع ، إذ لا ألم فوق ألم عذاب لا رجاء معه للخلاص إذ الرجاء يهون العذاب ، والعذاب الأليم : الذي يبلغ ايجاعه غاية البلوغ فالأليم هنا معنى مؤلم ، والتألم ، التوجع

فقد ورد في زيارة عاشوراء « اللهم فضاعف عليهم اللعن منك والعذاب الأليم » ، فإن الإمام الصادقعليه‌السلام دعا عليهم بمضاعفة اللعن والعذاب ليكون عذابهم مثل عذاب جميع أهل النار ، كما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : « ان قاتل الحسين بن عليعليه‌السلام في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل الدنيا ، وقد شدّ يداه ورجلاه بسلاسل من نار منكس في النار ، حتى يقع في قعر جهنم ، وله ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربهم من شدّه نتنه وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم مع جميع من شايع على قتله ، كلّما نضجت جلودهم بدل الله عليهم الجلود حتى يذوقوا العذاب الأليم ، لا يفتر عنهم ساعة ويسقون من حميم جهنم فالويل لهم من عذاب النار »(١)

وفي رواية عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « ان في النار منزلة لم يكن يستحقها أحد من الناس إلّا بقتل الحسين بن علي ويحيى بن زكريا »(٢)

__________________

(١) بحار الأنوار ٤٥ : ٣١٤

(٢) بحار الأنوار ٤٤ : ٣٠١


اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَابْنَ رَسُولِ اللهِ

ان كون الإمام الحسينعليه‌السلام ابن رسول الله فهو من المسلمات عند الإمامية الاثني عشر ، وقد دل على ذلك جملة من الآيات والأخبار الواردة عن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فمن الآيات التي يستدل بها على بنوّة الحسن والحسينعليهما‌السلام هي آية المباهلة في قوله تعالى :( أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) وأيضاً استدل بها من العامة كالسيوطي في تفسيره الدر المنثور والطبري في تفسيره والقرطبي في تفسير الجامع لأحكام القرآن وكذلك من الآيات التي استدل بها آية ٨٤ من سورة الأنعام سوف نشير إليها في الحديث

وأما ما ورد عن الأخبار على بنوتهما فعن جابر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إن كل بني اُم ينتمون إلى أبيهم إلّا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم(١)

واحتجاج يحيى بن يعمر العامري وفي رواية سعيد بن جبير على الحجاج بن يوسف الثقفي وذلك ما رواه العلامة المجلسي(٢) قال : ذات يوم دخل الشعبي على الحجاج ـ وكان يوم عيد ـ فقال : بما يتقربون الناس بمثل هذا اليوم ؟ فقال الشعبي : بالاضحية ، فقال : الحجاج : ما تقول لو نتقرب برجل يقول : ان الحسن والحسين ولدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول الشعبي : اطرقتُ وإذا برجل كبير مقيد بالحديد والأغلال وضعوه بين يديه ، فقال الحجاج للشيخ يحيى بن يعمر العامري من علماء الشيعة ـ وفي رواية كان سعيد بن جبير ـ : تقول : ان الحسن والحسين كانا ولدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لتأتيني بحجة من القرآن وإلّا لضربت عنقك ، يقول الشعبي : نظرت إلى الشيخ وإذا هو يحيى بن يعمر فحزنت له وقلت : كيف يجد حجة على ذلك من القرآن ؟

__________________

(١) السيوطي في احياء الميت : ٢٩ وغيره

(٢) بحار الأنوار ٤٣ : ٢٢٩ والفخر الرازي في تفسيره ٢ : ١٩٤


فقال الشيخ :( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ) (١)

فقال الشيخ : كيف يليق هنا عيسىعليه‌السلام إنه من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب فقال : إنه ابن ابنته مريمعليه‌السلام فقال الشيخ : إذا كان عيسى بن إبراهيم عن طريق مريم فالحسن والحسين أُولى أن ينسبا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنهم أقرب من عيسى إلى إبراهيم ، فطرق الحجاج ثم أمر له بعشرة آلاف دينار فدفعه إليه

وفي رواية اُخرى عن أبي الجارود عن أبي جعفرعليه‌السلام قال ، قال لي أبو جعفرعليه‌السلام : يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسينعليهما‌السلام ، قلت ينكرون علينا انهما ابناء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : فأي شيء احتججتم عليهم ، قلت : احتججنا عليهم بقول الله عزّ وجل في عيسى بن مريم :( وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ ) فجعل عيسى بن مريم من ذرية نوحعليه‌السلام ، فقال فأي شيء قالوا لكم ؟ قلت : قالوا قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصُّلب قال : فأي شيء احججتم عليهم ، قلت احججنا عليهم بقول الله تعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) ، قال : فأي شيء قالوا ، قلت : قالوا قد يكون في كلام العرب أبناء رجل وآخر يقول ابناؤنا ، قال فقال أبو جعفرعليه‌السلام : يا أبا جارود لاعطينكها من كتاب الله إنهما من صلب
__________________

(١) سورة الأنعام : ٨٤ ـ ٨٥


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يردها إلّا كافر ، قلت وأين ذلك جعلت فداك ، قال من حيث قال الله تعالى :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ) الآية ، إلى أن انتهى إلى قوله تعالى :( وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ) فسلهم يا أبا جارود هل كان يحل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نكاح حليلتيهما فإن قالوا نعم : كذبوا وفجروا وإن قالوا لا ، فهما ابناه لصلبه(١)

__________________

(١) الكافي ٨ : ٣١٧


اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَابْنَ سَيِّدِ الْأَوْصِيآءِ

الأوصياء : جمع وصي والوصية من وصى يصي إذا وصل الشيء بغيره ، لأن الموصي يوصل تصرفه بعد الموت بما قبله فكون الأئمةعليهم‌السلام أوصياء نبي الله أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصلهم إلى نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ماله التصرف الثابت من الله تعالى من الولاية الشرعية والتكوينية ومعلوم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كسائر الأنبياء إنما كان معظم وصيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى من بعده من الأئمة هو أمر الولاية المعهودة والتمسك بها وأما وصيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله أُمته فترجع إلى التمسك بولاية الأئمةعليهم‌السلام ومتابعتهم

وعلى أي حال فإن الإمام الحسينعليه‌السلام هو أحد أوصياء الله ورسوله ـ وقد مرّ البحث عنه في فقرة « وجعلته حجة على خلفاؤك من الأوصياء » ـ فراجع

وابن سيد الأوصياء وهو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبيطالبعليه‌السلام ، فإن الوصاية لهمعليهم‌السلام أمر ثابت بالتواتر من طرق العامة والخاصة بل هو ثابت بالآيات القرآنية الدالة على ثبوت الولاية والوصاية لأمير المؤمنين والأئمة من بعده ، كآية التبليغ وآية الاطاعة ونحوهما فإنها تعطي مقام الخلافة والوصاية لهمعليهم‌السلام

وأما ما ورد من الأخبار عن من لا يحضره الفقيه عن ابن عباس قال سمعت النبي يقول لعلي : يا علي أنت وصيي اوصيت إليك بأمر ربي وأنت خليفتي استخلفتك بأمر ربي

وعن الإمام الكاظمعليه‌السلام عن أبيه قال : قال علي بن أبيطالبعليه‌السلام : إنه كان في وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أوّلها :

« بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد محمد بن عبد الله وأوصى به وأسنده بأمر الله إلى وصيّه علي بن أبي طالب أمير المؤمنينعليه‌السلام »


وكان في آخر الوصيّة :

« شهد جبرئيل وميكائل واسرافيل على ما أوصى به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وقَبَضَه وصيّه ، وضمانه على ما فيها على ما ضَمِن يوشع بن نون لموسى بن عمرانعليه‌السلام وعلى ما ضمن وادّى وصي عيسى بن مريم ، وعلى ما ضمن الأوصياء قبلهم على أن محمد أفضل النبيين ، وعلياً أفضل الوصيين ، وأوصى محمد وسلّم إلى علي واقرّ علي وقبض الوصيّة على ما اوصى به الأنبياء وسلم محمد الأمر إلى علي بن أبي طالب وهذا أمر الله وطاعته وولّاه الأمر على أن لا نبوّة لعلي ولا لغيره بعد محمد وكفى بالله شهيدا »(١)

__________________

(١) بحار الأنوار ٢٢ : ٤٨١ عن كتاب الطرف : ٢١


اَشْهَدُ اَنَّكَ اَمينُ اللهِ وَابْنُ اَمينِهِ

الأمين : المؤتمن على الشيء ومنه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أمين الله على رسالته ، ورجل أمين أي له دين(١)

ان الله تعالى جعل الإمام الحسينعليه‌السلام أميناً على دينه أي إنه تعالى ائتمنه على دينه في حفظه من التغيير والتبديل والتحريف عن مواضعه ، كما أراد يزيد ومعاوية لعنهم الله وأعوانهم تغيره وتحريفه ، فالإمام الحسينعليه‌السلام بسفك دمه وبذل مهجته ، احيىٰ دين جده رسول الله وحفظه عن التغيير ، ولذلك أدى الأمانة بأحسن صورها إلى من بعده من الاُمناء والأوصياء

إذن معنى كون الإمام الحسينعليه‌السلام وأمير المؤمنين والأئمةعليهم‌السلام اُمناء على الخلق : أي مطهرون عما ينافي الأمانة من الخيانة ومبرّاون عنها لأن الله عصمهم من الزلل كما في زيارة الجامعة « عصمكم الله من الزلل » وفي حديث عن الإمام الباقرعليه‌السلام : « اختصهم لدينه وآتاهم ما لم يؤت احداً من العالمين وجعلهم عماداً لدينه ومستودعاً لمكنون سرّه واُمناء على وحيه »(٢)

فإن الله تعالى علم منهم الوفاء بما اشترط عليهم فهمعليهم‌السلام مؤتمنون على أنفسهم فحبسوها على طاعته وحفظوها عن معصيته ، ثم إن الله تعالى جعل قلوبهم محل مشيّة الله تعالى وارادته ، وإنما جعلها محلاً لهما لما ائتمنهم عليها ، وعلم تعالى انهم لا يشاءون ولا يريدون إلّا ما شاء الله وأراد ، قال تعالى في حقهم( عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ )

__________________

(١) مجمع البحرين ، مادة ( أمن )

(٢) كشف اليقين


فهم أول مصداق لأداء الأمانة حتى بالنسبة إلى الفاجر ، فهم اُمناء الله أي مؤتمنوه في ايصال الفيض إلى الفجار أيضاً بلا صدور شائبة خلاف أبداً

ففي الحديث : ان علي بن الحسينعليه‌السلام قال : « لو أن قاتل أبي جعل عندي السيف الذي قتل به أبي آمانة لأديته له إذا طلبه »

فهم ينظرون إلى الخلق بنظر الله إليهم حيث شملتهم الرحمة الواسعة منه تعالى فهمعليهم‌السلام بهذه الجهة والنظرة يتعاملون مع الخلق وهم اُمناؤه تعالى في ذلك ، ولذلك أمير المؤمنين يرفق بقاتله كما في الحديث : « ثم التفت إلى ولده الحسنعليه‌السلام وقال له : ارفق يا ولدي باسيرك وارحمه واحسن إليه واشفق عليه ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في اُم راسه ، وقلبه يرجف خوفاً ورعباً وفزعاً ، فقال الحسنعليه‌السلام : يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وافجعنا فيك قال : نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب الينا إلّا كرماً وعفواً ، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته ، بحقي عليك فاطعمه يا بُني مما تأكله »

فالخلاصة ان الله تعالى لم يعرض ولايتهم على الخلق إلّا بعد ما ائتمنهم على جميع ما استوى به من رحمانيته على عرشه فهمعليهم‌السلام مؤتمنون عليها وأمرهم الله تعالى أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها فادوا الأمانة إلى انحاء الخلق بانحاء الأداء ، فادّوا إلى كل ذي حق حقه


عِشْتَ سَعيداً وَمَضَيْتَ حَميداً

السعادة : ضد الشقاوة معناه الرخاء واليسر في شؤونه في الدارين الدنيا والآخرة ، وبعبارة اُخرى : هي الحياة الطيبة فيهما

ولذلك الإمام الحسينعليه‌السلام عاش سعيداً لأنه ادىٰ ما فرض الله تعالى عليه من الطاعة لله تعالى وهدى الاُمة المرحومة إلى الصراط المستقيم ، والأكثر من ذلك ان الذي سار على نهج الحسينعليه‌السلام وسار اثر مسيرته أيضاً يعيش سعيداً في الدنيا والآخرة ولذلك ورد في زيارة الجامعة « سعد من والاكم ، وهلك من عاداكم وفاز من تمسك بكم ، وأمن من لجأ إليكم »

فالإمام الحسينعليه‌السلام عاش سعيداً واسعد من تولاه لأن السعادة في الدنيا هو أن يكون الإنسان على السمحة السهلة ، وإذا مرّ بقليل من البلايا من النقص في الأموال والأنفس والأمراض ، فمن كان على نهج الحسين وأهل البيت تكون كفارّة لذنوبه واعلاء لدرجته ومقامه في الآخرة

ففي الحديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام : إنه ليكون للعبد منزله عند الله تعالى فما ينالها إلّا باحدى خصلتين : إما بذهاب ماله أو بيلية في جسده(١)

وعنهعليه‌السلام عن عبد الله بن أبي يعفور قال : شكوت إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام مما القى من الأوجاع وكان مسقاماً : فقال لي : « يا عبد الله لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنى أنه قرضى بالمقارين »(٢)

والخلاصة فإن الانسان المؤمن الذي يوالي أهل البيتعليهم‌السلام يعيش سعيداً لأنه على الصراط القويم ، وإما ما يمر عليه من البلايا فما هي إلّا ليصلح بها حاله ويدفع بها ما هو أعظم منها من عذاب الآخرة أو الدنيا مع ما فيها من الأجر
__________________

(١) و (٢) الشافي عن الكافي


العظيم ، حيث إنها تكون من أعظم نعم الله تعالى عليه ، فيجب شكرها لأنه بها المنزلة والمقام عند الله تعالى

ومضيت حميدا : الحميد من صفات الله تعالى بمعنى المحمود على كل حال وقد وردت هذه العبارة في زيارة سلمان الفارسي : اشهد انك عشت حميداً ومضيت سعيداً لم تنكث عهداً ولا حللت من الشرع عقدا(١)

واحمد الرجل قال في كتاب العين أي فعل فعلاً يُحمد عليه فالإمام الحسينعليه‌السلام بشهادته فعل فعلاً حُمد عليه ومضى عليه حميداً في الدنيا والآخرة

__________________

(١) بحار الأنوار ٩٩ : ٢٨٩


وَمُتَّ فَقيداً مَظْلُوماً شَهيداً

الموت : ضد الحياة وهو خلق من خلق الله تعالى ، والموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة فمنها ما هو بازاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات ، كقوله تعالى :( يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) ، ومنها زوال القوة الحسيّة ، كقوله تعالى :( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا ) ، ومنها زوال القوّة العاقلة ، وهي الجهالة ، كقوله تعالى :( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) ومنها الحزن والخوف المكدّر للحياة ، كقوله تعالى :( يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ) ومنها المنام كقوله تعالى :( وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) وقد قيل المنام هو الموت الخفيف ، والموت النوم الثقيل ، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة : كالفقر والذل والسؤال والهرم والمعصية ، وغير ذلك ومنه الحديث : اول من مات ابليس لانه اول من عصى(١)

وقيل للإمام الصادقعليه‌السلام صف لنا الموت ؟ فقال : هو للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه ، فينقطع التعب والألم كله عنه ، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب وأشد(٢)

والموت والحياة خلقان من الله تعالى فإذا جاء الموت فدخل الإنسان لم يدخل في شيء إلّا وخرجت منه الحياة

الفقد : فقدان الشيء يقال امرءة فاقدة أي مات ولدها أو حميمها والفقيد هو الذي يُكترث لفقده(٣)

__________________

(١) لسان العرب ، مادة ( موت )

(٢) مجمع البحرين

(٣) كتاب العين ، مادة ( فقد )


مظلوماً : الظّلم وضع الشيء في غير موضعه ، وقد مر بحثه في فقرة « المظلوم الشهيد » ، فراجع

الشهيد : من قتل مجاهداً في سبيل الله ثم اتسع فاطلق على غيره وقال الأنباري : سمي الشهيد شهيداً لأن الله وملائكته شهود له بالجنة ، وهو أيضاً من أسماء الله تعالى الأمين في شهادته الذي لا يغيب عن علمه شيء ، والشهيد : الحاضر ، وقد مرّ البحث عنه مفصلاً في فقرة « المظلوم الشهيد » فراجع


وَاَشْهَدُ اَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ ما وَعَدَكَ

أشهد : أي أقرُّ بلساني مذعنا بصميم جناني بأن الله تعالى منجز ما وعدك

منجز : يقال : نجز الوعد وأنجزته أي : عجلت ووفيت به وقضيته

الوعد : قال الجوهري يستعمل في الخير والشر ، وفي الخير الوعد والعدة ، وفي الشرّ الإيعاد والوعيد

وفي الحديث : يا من إذا وعد وفى وإذا توعد عفا

روي عن الصادقعليه‌السلام في قوله :( وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) ، وقالعليه‌السلام : قَتْلُ علي بن أبي طالبعليه‌السلام وطَعنُ الحسنعليه‌السلام ( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ) ، وقال : قتل الحسينعليه‌السلام ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا ) إذا جاء نصر دم الحسينعليه‌السلام ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ) قوم يبعثهم الله قبل خروج القائمعليه‌السلام ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ) خروج الحسينعليه‌السلام في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهّب لكلّ بيضة وجهان المؤدّون إلى الناس ، إن هذا الحسين قد خرج حتّى لا يشك المؤمنون فيه ، وإنه ليس بدجال ولا شيطان والحجة القائم بين أظهرهم ، فإذا استقرّت المعرفة في قلوب المؤمنين انّه الحسينعليه‌السلام جاء الحجّة الموتَ فيكون ـ الإمام الحسينعليه‌السلام ـ الذي يغسله ويكفنه ويحنطه ويلحده في حفرته الحسين بن علي ولا يلي الوصي إلّا الوصي(١)

وفي هذه الزيارة إشارة إلى كمال الإمام الحسينعليه‌السلام ووصوله إلى مقام مرضاة ربّه عزّ وجل وذلك بإنجاز ما وعده الله تعالى بالنّصر في الدنيا والآخرة ، امّا في الدنيا فقد نصره بالحجج والبينات والبراهين التي ظهرت على يدهعليه‌السلام ،
__________________

(١) الكافي ٨ : ٢٠٦


وبرفع ذكره وزيارته ومحبّته ، وجعل الشفاء في تربته ، واستجابة الدّعاء تحت قبّته ، والإمامة من ذريته وغير ذلك

وامّا بالآخرة فهو الإنتقام له من الأعداء وحلول عقابه تعالى بمن خالفهم من الخصماء بل هوعليه‌السلام يلي حساب الناس ، فقد روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام : إنّ الذي يلي حساب النّاس قبل يوم القيامة الحسين بن علي ، فأمّا يوم القيامة فإنّه هو بعث إلى الجنّة وبعث إلى النار(١)

فيكون الإمامعليه‌السلام حميد العاقبة بحلول دار الثواب ، وقال البعض : إنّ النصر لهعليه‌السلام في الدنيا عند قيام القائم والكرّه التي وعد بها المؤمنين كما ذكرنا ذلك في الحديث الذي مرّ عن الإمام الصادقعليه‌السلام

__________________

(١) معجم أحاديث الإمام المهدي ٤ : ٩٠ للكوراني


وَمُهْلِكٌ مَنْ خَذَلَكَ وَمُعَذِّبٌ مَنْ قَتَلَكَ

ان الله تعالى مهلك من خذل الإمام الحسينعليه‌السلام لأن الإمامعليه‌السلام هو حجة الله على الخلق فمن خذله فقد خذل الله ورسوله والدين والحق ، ومن نصره فقد نصر الله والحق ، وقد ورد في زيارة الجامعة : « من اتبعكم فالجنة مأواه ومن خالفكم فالنار مثواه » فكون متابعتهم سبباً لدخول الجنة ومخالفتهم سبباً لدخول النار مما قد اجمعت عليه الأخبار من الطرفين نشير إلى بعضها :

فعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : من سره ان يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدنيها ربي ويتمسك بقضيب غَرَسه ربي بيده ، فليتول علي بن أبي طالب واوصيائه من بعده فإنهم لا يدخلونكم في باب ظلال ولا يخرجونكم من باب هدى ، فلا تعلموهم فإنهم اعلم منكم ، وإني سألت ربي ان لا يفرق بينهم وبين الكتاب حتى يردا عليّ الحوض الحديث(١)

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام في ثواب الأعمال : ص ٢٥٠ : كل ناصب وان تعبّد واجتهد يصير إلى هذه الآية( عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً ) (٢)

وفي كتاب طوالع الأنوار عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « إذا كان يوم القيامة أمر الله ملكين يقعدان على الصراط فلا يجوز أحد إلّا ببراءة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ومن لم يكن له برائة علي أمير المؤمنينعليه‌السلام كبّه على منخريه في النار ، وذلك قوله تعالى :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ) فقلت : فداك أبي واُمي يا رسول الله ما معنى براءة أمير المؤمنين قال : مكتوب لا إله إلّا الله محمداً رسول الله ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصي رسول الله »

__________________

(١) الشافي عن الكافي

(٢) سورة الغاشية : ٣ ـ ٤


وفيه أيضاً عن ابن عباس قال : قال رسول الله إلى أن قال عن الله تعالى : « وإني آليت بعزتي أن لا أدخل النار أحداً تولّاه ( يعني علياًعليه‌السلام ) وسلم له للأوصياء من بعده ولا ادخل الجنة من ترك ولايته والتسليم له وللأوصياء من بعده ، وحق القول منّي لأملأن جهنم واطباقها من اعدائه ولاملأن الجنة من اوليائه ومن شيعته »(١)

__________________

(١) الانوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٤ : ٢١٩


وَاَشْهَدُ اَنَّكَ وَفَيْتَ بِعَهْدِ اللهِ

الوفاء : ضد الغدر ، وفی بعهده إذا لم يغدر ، والوفي الذي يعطي الحق ويأخذ الحق ، قال تعالى :( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ ) أي بلّغ قال ، الزجاج : وفّىٰ إبراهيم ما اُمر به وما اُمتحن به من ذبح ولده وكل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى وتم(١)

العهد : الأمان : والوصية والأمر يقال عهد إليه إذا أوصاه ومنه قوله تعالى :( وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ) أي أوصيناه وأمرناه ومثله قوله تعالى :( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ ) أي أوصيناه بان لا يقرب الشجرة فنسي العهد ولم يتذكر الوصية ، وقوله :( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال الزمخشري وقريء الظالمون أي من كان ظالماً من ذريتك ( إبراهيمعليه‌السلام ) لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالامامة ، وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم

وقالوا في هذا دليل على ان الفاسق لا يصلح للإمامة ، وكيف صلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة ، وقوله تعالى :( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ) وقيل يدخل فيه النذور وكلما التزمه المكلف من الاعمال مع الله تعالى وغيره ، وتأتي بمعنى النبوة كقوله تعالى :( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ) وهو النبوة أي ادع متوسلاً إليه بعهده وفي الدعاء : انا على عهدك ووعدك ما استطعت

أي انا متمسك بما عهدته إليّ من الأمر والنهي موقن بما وعدتني من الوعد والثواب والعقاب ما استطعت ، وأنا مقيم على ما عاهدتك عليه من الإيمان بك والاقرار بوحدانيتك ، وانا منجز وعدك في المثوبة بالأجر عليه ، وهو اعتراف بالعجز عن القيام بكنه ما وجب وحرم(٢)

__________________

(١) لسان العرب ، مادة ( وفى )

(٢) مجمع البحرين ، مادة ( عهد )


أقول : وكيف كان فإن الإمام الحسينعليه‌السلام قد وفى بعهد الله تعالى وتمسك به لأنهعليه‌السلام موقن بما وعده الله تعالى من الأجر والثواب الجزيل بل اكّد ذلك على نفسه الشريفة بالمشي على طبق ما عاهد الله تعالى عليه إلى درجة لم تُحدّث نفسه الشريفة على احتمال مخالفة العهد والميثاق والعياذ بالله فيما بينه وبين ربّهم ، هذا سواء فسرنا وفائه بالعهد الذي أخذه تعالى على روحه الشريفة في عالم الذر بقوله « ألست بربكم » أو العهد الذي أخذه منه في تبليغ واعلاء حكم التوحيد وتبليغ الرسالة سواء عن طريق شهادتهعليه‌السلام أو غيرها

وقد ورد في تفسير نور الثقلين ٢ : ٩٢ عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام أنه قال : لما أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : « من ربكم » ؟ فأول من نطق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين والأئمةعليهم‌السلام فقالوا أنت ربنا فحمّلهم العلم والدين ، ثم قال للملائكة : هؤلاء حملة ديني وعلمي وأُمنائي في خلقي وهم المسؤولون ثم قال لبني آدم : اقرّوا لله بالربوبية ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة ، فقالوا : ربنا اقررنا فقال الله للملائكة : اشهدوا ، فقال الملائكة : شهدنا ، قال عليعليه‌السلام : إن لا تقولوا غداً( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) يا داود ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق

وعن أبي جعفر(١) وساق الحديث إلى أن قال : ثم أمر الله تعالى ناراً فأحجّت فقال لاصحاب الشمال ، ادخلوها فهابوها ، وقال لأصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها ، فكانت عليهم برداً وسلاماً ، فقال أصحاب الشمال : يا رب اقلنا فقال : قد اقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها ، فثمّ ثبتت الطاعة والولاية والمعصية

__________________

(١) الكافي ٢ : ٨


والخلاصة : فإن الإمام الحسينعليه‌السلام وفى بعهد الله تعالى من تبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد بما يناسب مقام قربه إلى الله تعالى وهو ما أُشير إليه في الحديث الذي مرّ من قول الإمام الصادقعليه‌السلام : فحملهم العلم والدين وهي كناية عن المعارف الإلهيّة والاشتمال بها وجداناً ، فالإمام الحسينعليه‌السلام اكّد الوفاء بالعهد بالثبات عليها عقيدة وصفة وعملاً في جميع أحواله وتحمل الأذى والشهادة بما لا مزيد عليه ، وكما ورد في دعاء الندبة « فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء »


وَجاهَدْتَ في سَبيلِهِ

الجهاد : لقد مرّ معنى كلمة الجهاد في فقرة « فَجٰاهَدَهُمْ فيكَ صٰابِراً مُحْتَسِباً » ولكن نشير هنا إلى بحث مهم وهو الجهاد على ثلاث أنواع : الجهاد الأكبر ، والجهاد الأصغر ، والجهاد في طاعة الله تعالى بمعنى الاجتهاد في طاعته

فامّا الجهاد الأكبر هو الجهاد مع النفس ، قال الإمام الحسينعليه‌السلام : الجهاد على أربعة أوجه : فجهادان فرض وجهاد سنة لا يقام إلّا مع فرض ، وجهاد سنة ، فاما أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسه(١) وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : المجاهد من جاهد نفسه في الله تعالى(٢) وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : حاربوا هذه القلوب فإنها سريع العثار وعنهعليه‌السلام : لا فضيلة كالجهاد ولا جهاد كمجاهدة الهوى

وفي حديث المعراج في صفة أهل الخير وأهل الآخرة : يموت الناس مرة ويموت أحدهم في كل يوم سبعين مرّة من مجاهدة أنفسهم ومخالفة هواهم ، والشيطان الذي يجري في عروقهم ، وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : جاهدوا أنفسكم بقلة الطعام والشراب تظلّكم الملائكة ويفرّ عنكم الشيطان

وأما الجهاد الأصغر قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : ان الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله تعالى لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة(٣)

وعنهعليه‌السلام : جاهدوا في سبيل الله بايديكم فإن لم تقدروا فجاهدوا بالسنتكم فإن لم تقدروا فجاهدوا بقلوبكم ، وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنما المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه

__________________

(١) تحف العقول : ٢٤٣

(٢) ميزان الحكمة ٢ : ٥٩٥

(٣) نهج البلاغة ، خطبة الجهاد


وأما الاجتهاد في طاعة الله قال تعالى :( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّـهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ )

قال الإمام الصادقعليه‌السلام : اعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته ، فإن الله لا يدرك شيء من الخير عنده إلّا بطاعته واجتناب محارمه ، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا معشر المسلمين ، شمّروا فإن الأمر جدّه ، وتأهبّوا فإن الرحيل قريب ، وتزودوا فإن السفر بعيد ، وخففوا أثقالكم فإنّ وراءكم عقبةً كؤوداً لا يقطعها إلّا المخفّون وقال الإمام الرضاعليه‌السلام : سبعة أشياء بغير سبعة أشياء من الاستهزاء : من استغفر بلسانه ولم يندم بقلبه فقد استهزأ بنفسه ، ومن سأل الله التوفيق ولم يجتهد فقد استهزأ بنفسه ، ومن استحزم ولم يحذر فقد استهزأ بنفسه ، ومن سأل الله الجنة ولم يصبر على الشدائد فقد استهزأ بنفسه ، ومن تعوّذ بالله من النار ولم يترك شهوات الدنيا فقد استهزأ بنفسه ، ومن ذكر الله ولم يستبق إلى لقائه فقد استهزأ بنفسه

السبيل : الطريق ، وما وضح منه ، وسبيل الله ، طريق الهدى الذي دعا إليه وقوله تعالى :( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ) أي في الجهاد ، وكل ما أمر الله به من الخير فهو من سبيل الله أي من الطرق إلى الله ، واستعمل السبيل في الجهاد أكثر لانه السبيل الذي يقاتل فيه ، وكل سبيل اريد به الله عزّ وجل وهو برٌّ فهو داخل في سبيل الله(١)

قال ابن الأثير : وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى باداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه

__________________

(١) لسان العرب ، مادة ( سبل )


حَتّىٰ اَتاكَ الْيَقينُ

اليقين : هو إزاحة الشك وتحقيق الأمر(١) ، وعن المجمع : هو نقيض الشك ، والعلم نقيض الجهل ، تقول علمته يقيناً وقوله تعالى :( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) أي حتى يأتيك الموت

وأما المراد منها في هذه الزيارة هو الموت « حتى أتاك اليقين » ، أي الموت اُقيم السبب مقام المسبب فإنّ بالموت يزول الشك ويحصل العلم بما اخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أحوال النشأة الأُخرى ، وهذا بالنسبة إلى عامّة الناس وأما الخصيصون من العباد فهم على يقين وعلم في جميع أحوالهم كأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام فكأنهم يعاينون الجنة والنار والصراط والميزان وسائر ما اخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن هنا قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام : « لو كشف لي الغطاء لما ازددت يقينا »

وحمل الصوفية هذه الآية على ظاهرها فزعموا أن لا تكليف على أولياء الله لانهم بلغوا معارج اليقين ، وفساد ما ذهبوا إليه ظاهر مسبّبين

وقال تعالى :( إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) (٢) جاء في التفسير : الحق هو العلم من حيث ان الخارج الواقع يطابقه ، واليقين هو العلم الذي لا شك فيه ولا ريب فإضافة الحق إلى اليقين نحو من الاضافة البيانية حبي بها للتأكيد(٣)

قال المجلسيرحمه‌الله : ولليقين ثلاث مراتب : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين ، قال تعالى :( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ) ،( إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) والفرق بينهما إنما ينكشف بمثال ،
__________________

(١) كتاب العين ، مادة ( يقين )

(٢) سورة الواقعة : ٩٥

(٣) تفسير الميزان ١٩ : ١٤٠


فعلم اليقين بالنار مثلاً ، هو مشاهدة المرئيات بتوسط نورها ، وعين اليقين بها هو معاينة جرمها ، وحق اليقين بها الاحتراق فيها وانمحاء الهوية بها والصيرورة ناراً صرفاً ، وليس وراء هذا غاية ولا هو قابل للزيادة ، لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا

قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : إلّا أن الناس لم يؤتوا في الدنيا شيئاً خيراً من اليقين والعافية فاسألوهما الله ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : كفى باليقين غنى ، وقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : اليقين رأس الدين ، وقال الصادقعليه‌السلام : ان العمل الدائم القليل على يقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين(١)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اما علامة الموقن فستّة : ايقن بالله حقاً فآمن به ، وايقن بان الموت حق محذره ، وايقن بان البعث حق فخاف الفضيحة ، وايقن بان الجنة حق فاشتاق اليها ، وايقن بان النار حق فظهر سعيه للنجاة منها وايقن بان الحساب حق فحاسب نفسه

وروي في الكافي عن اسحاق بن عمال قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفراً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله : كيف اصبحت يا فلان ؟ قال : اصبحت يا رسول موقناً ، فعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله وقال : ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال : ان يقيني يا رسول الله هو الذي احزنني واسهر ليلي واظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتى كأني انظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك ،
__________________

(١) ميزان الحكمة ( اليقين )


وأنا فيهم وكأني انظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون وعلى الأرائك متكئون ، وكأني انظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون ، وكأني الآن اسمع زفير النار يدور في مسامعي ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لاصحابه هذا عبد نور الله قلبه بالإيمان ثم قال له الزم ما انت عليه فقال الشاب : ادع الله لي يا رسول الله ان اُرزق الشهادة معك ، فدعا له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يلبث ان خرج في بعض غزوات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر(١)

__________________

(١) اُصول الكافي ٢ : ٥٣


فَلَعَنَ اللهُ مَنْ قَتَلَكَ ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ظَلَمَكَ

لعن : لقد مر شرح معنى اللعن في فقرة « فَالْعَنْهُمْ لَعْناً وَبيلاً » من هذه الزيارة فراجع

ولكن نقول ان هذا الكلام تفريع على جميع ما تقدم من مقام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام من قول الإمامعليه‌السلام في الزيارة من أنه ولي الله وابن وليه وصفيه وابن صفيه الفائز بالكرامة الخ الزيارة

وجاهد في سبيل الله تعالى لاجل نصرة الدين والحق فمضى حميداً مظلوماً شهيداً ففي ذلك إشارة إلى أن الإنسان الذي يجمع هذه الصفات الحسنة من الكمالات الداخلية والخارجية ، جدير أن يعظم وأن يطاع لا أن يقتل ويهان وتسبى حريمه ، فإن القاتل والظالم له مستحق للّعن من الله تعالى وهو الطرد من رحمته والابعاد عنها ، لانهم ذئاب كما عبر عنهم الإمام الحسينعليه‌السلام في خطبته « كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات » فاجراهم مجرى السباع الضارية التي لا تفرق من آذاها بين العالم والجاهل والصالح والطالح والمؤمن والكافر ، بل هم أظل وأقسى منها حيث ان السباع لا تجتریء على الأنبياء وذريّاتهم لما حرّم الله تعالى لحومهم عليها ، وأكبر شاهد على ذلك قصة المرأة التي ادعت أنها زينب بنت فاطمةعليها‌السلام ، واحضر المتوكل الإمام الهاديعليه‌السلام وأمرها الإمام أن تدخل في بركة السباع ، وقالعليه‌السلام : ان لحوم ولد فاطمةعليها‌السلام محرمة على السباع فانزلها ، فأبت وقالت يريد قتلي ، ونزل هوعليه‌السلام بأمر المتوكل فرمت بنفسها بين يديه تتبرك به(١)

__________________

(١) راجع مدينة المعاجز للبحراني وأمثالها بالعشرات


فعلى أي حال فإن قتلة الإمام الحسينعليه‌السلام قد هتكوا حرمة نبيهم بقتله وسبي ذراريه ، واساؤوا الصنع فيهم بما لم يسبق له مثيل في التاريخ مع ما اكد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقهم من الوصيّة بحبهم وودهم حتى جعل ذلك اجراً على خدماته لهم كما قال تعالى :( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (١) وفي الحديث عن ابن عباس قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت مودتهم ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : علي وفاطمة وولداها(٢)

فليت شعري ماذا كانوا يصنعون لو أمرهم ببغض العترة ونصب العداوة لهم ولنعم ما قيل :

قد أبدلوا الودّ في القربى ببغضهم

كأنما ودّهم في الذكر بغضاء

ثم ان جواز اللعن عندنا مما لا شك فيه بل وجوب لعن قتلة الحسينعليه‌السلام والعترة الطاهرة ، وقد دل عليه الكتاب والسنة المتواترة والاجماع من الامامية ودل عليه العقل السليم ، والعجب ممن أنكر هذا الحكم مع وضوحه وهم شرذمة من المخالفين فزعموا أن المسلم لا يجوز لعنه مطلقاً وان يزيد واضرابه من ظالمي آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا مسلمين

فقد حكى ابن الجوزي عن جده عن القاضي ابي يعلى باسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي : ان قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد ؟ فقال : يا بني وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله ؟

فقلت : فلمَ لا نلعنه ؟ فقال : وما رأيتني لعنتُ شيئاً ، يا بني لم لا تلعن من لعنه الله في كتابه ؟ فقلت : وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ فقال :

__________________

(١) سورة الشورى : ٢٣

(٢) السيوطي في الدر المنثور ٦ : ٧


قوله تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ) (١)

وحكى أيضاً عن أبي يعلى ان الممتنع من جواز لعن يزيد إما أن يكون غير عالم بذلك أو منافق يريد أن يوهم بذلك وربما استفز الجهال يقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « المؤمن لا يكون لعّانا » وهذا محمول على من لا يستحق اللعن ، واما قاتل حبيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسبطه فإن لعنه من الواجبات

قال ابن خلدون في مقدّمته : ص ٢٥٤ عند ذكر ولاية العهد « الاجماع على فسق يزيد ومعه لا يكون صالحاً للامامة ، ومن أجله كان الحسينعليه‌السلام ليرى من المتعيّن الخروج عليه وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسينعليه‌السلام لا لعدم تصويب فعله ( يزيد ) بل لانهم يرون عدم جواز اراقة الدماء فلا يجوز نصره يزيد بقتال الحسين بل قتله من فعلات يزيد المؤاكدة لفسقه والحسين فيها شهيد »

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : « كان يزيد بن معاوية ناصبياً فضاً غليظاً جلفاً يتناول المسكر ويفعل المنكر ، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين وختمها بوقعة الحرّة ، فمفته الناس ولم يبارك في عمره »

روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام انه جاء رجل وقال : يابن رسول الله اني عاجز ببدني عن نصرتكم ولست املك إلّا البرائة من أعدائكم واللعن عليهم ، فكيف حالي ؟ فقالعليه‌السلام : حدثني أبي عن أبيه عن جده عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من ضعف عن نصرتنا أهل البيت ، ولعن في خلواته أعدائنا بلغ الله صوته
__________________

(١) سورة محمد : ٢٢ ـ ٢٣


جميع الأملاك من الثرى إلى العرش ، فكلما لعن هذا الرجل اعدائنا لعناً ساعدوه فلعنوا من يلعنه ، ثم ثنوه فقالوا اللهم صلي على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ، ولو قدر على أكثر منه لفعل ، فإذا بالنداء من قبل الله قد اجبت دعائكم وسمعت ندائكم وصليت على روحه في الأرواح وجعلته عندي من المصطفين الأخيار(١)

__________________

(١) تفسير الإمام العسكري : ٤٧ ، وبحار الأنوار ٢٧ : ٢٢٣


وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً سَمِعَتْ بِذلِكَ فَرَضِيَتْ بِهِ

اللعن : الطرد من الرحمة وقوله تعالى :( لَّعَنَهُمُ اللَّـهُ بِكُفْرِهِمْ ) أي أبعدهم وطردهم من الرحمة

الاُمة : الجماعة ، وقيل كل جماعة يجمعهم امر ، إما دين واحد أو دعوة واحدة أو طريقة واحدة أو زمان واحد أو مكان واحد ، ومنه الحديث : يبعث عبد المطلب اُمة واحدة عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء(١)

وإنما استحق الراضي اللعن مع عدم صدور الظلم منه لان رضاه كاشف عن سوء سريرته وشقاوة باطنه بالنسبة إلى أهل البيت فيكون عدوّاً لهم بحيث لو قدر على الظلم لكان ظالماً لهم فلا يكون مسلماً كيف !!

وشرط الإسلام محبة الأئمة الاعلام كما دل كثير من الاخبار وشهد به سليم الذوق والعقل ، وهذا السرّ في قتل الإمام المهدي (عج) من ذراري الأعداء ما لا تحصى لكونهم راضين بما فعل آباؤهم ، ففي الحديث عن عبد الله بن صالح الهروي قال : قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : يابن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصادقعليه‌السلام انه قال : إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسينعليه‌السلام بفعال آبائها فقالعليه‌السلام : هو كذلك فقلت : فقول الله عزّ وجل :( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) ما معناه ؟ فقال : صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسينعليه‌السلام يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها ومَن رضي شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلاً قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل ، وإنما يقتلهم القائم عجّل الله فرجه إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم قال : فقلت له : بأي شيء يبدأ القائم فيهم إذا قام قال : يبدأ ببني شيبة ويقطع أيديهم لأنهم سرّاق بيت الله عزّ وجل(٢)

__________________

(١) المجمع ، مادة ( اُمة )

(٢) علل الشرائع ١ : ٢٦٨


وهذا صريح في ان الراضي بفعل الظالم ظالم مثله ، فكم من داخل مع قوم وهو خارج منهم كالمؤمن من آل فرعون ، وكم من خارج من قوم وهو معهم لرضاه بفعلهم كابن عمر واحزابه ، وحكايته مع يزيد معروفة ككلامه بعد أن راى العهد الذي كتبه ابوه إلى أبيه كما في البحار(١) ، وكذلك روى البلاذري قال : لما قتل الحسينعليه‌السلام : كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية ، إما بعد : فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة وحدث في الإسلام حدث عظيم ولا يوم كيوم قتل الحسينعليه‌السلام

فكتب إليه يزيد : إما بعد يا احمق ، فإنا جئنا إلى بيوت مجددة وفرش ممهدة ووسادة منضّدة ، فقاتلنا عنها فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا ، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا واستأثر بالحق عل ی أهله ، وفي بعض الأخبار من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعل

__________________

(١) بحار الأنوار ٣٠ : ٢٨٨ وعوالم للسيدة النساء : ٥٩٩


اَللّهُمَّ اِنّي اُشْهِدُكَ اَنّي وَلِيٌّ لِمَنْ والاهُ ، وَعَدُوٌّ لِمَنْ عاداهُ

اشْهِد : يعني إني اشهد الله تعالى على انني خاشع وخاضع لمن والاه وقيل أي محب وصديق وناصر ومتابع بالقلب واللسان

وبالجملة : إني مظهر محبتي وولايتي لمن تولاه الحسينعليه‌السلام ، وعدوّ لمن عاداه بالقلب واللسان واليد انكرهم واتبرء منه

والسر في ذلك لأن الله تعالى هو الآمر بموالاتهم ومحبتهم والاعتصام بهم وبمن والاه الحسينعليه‌السلام وعدوّ لمن عاداه فالموالي لهم موال له تعالى

فعن البحار عن أمالي الصدوق قال أمير المؤمنينعليه‌السلام سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « انا سيد ولد آدم وأنت يا علي والأئمة من بعدك سادات أُمتي من أحبنا فقد أحب الله ومن ابغضنا فقد ابغض الله ومن والانا فقد وال الله ومن عادانا فقد عاد الله ومن اطاعتنا فقد اطاع الله ومن عصانا فقد عصى الله »

وفيه عن ابي جعفرعليه‌السلام في تفسير( وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) ان جعل فيهم ائمة من اطاعهم اطاع الله ومن عصاهم عصى الله فهذا ملك عظيم

وفي الحديث عن الكافي : « اما لو ان رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله ، وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي لله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان »

وقد ورد في زيارة الجامعة : « مَنْ والاكُمْ فَقَدْ والَى اللهَ ، وَمَنْ عاداكُمْ فَقَدْ عادَ اللهَ وَمَنْ اَحَبَّكُمْ فَقَدْ اَحَبَّ اللهَ ، وَمَنْ اَبْغَضَكُمْ فَقَدْ اَبْغَضَ اللهَ »


بِاَبي اَنْتَ وَاُمّي يَابْنَ رَسُولِ اللهِ

بابي : أصله مفعول ثان لافدي المقدّر ، انت : مفعول اول ، والمعنى افديكم بأبي وأُمي والباء فيها تسمى باء التفدية

وهذه العبارة تستعمل لبذل الحبيب والعزيز وقاية للأحبّ والأعز ، بحيث يفنى العزيز والحبيب عن رعاية نفسه والمحافظة عليها في قبال الاحبة والأعزة

وهذا كله إذا وجدتَ من ظهر بصفة حسنة جليلة كصفات محمد وآله الطاهرينعليهم‌السلام ، بحيث قد هان عند ظهورها لك كل جليل وعزيز عندك ، فحينئذ تقول : بأبي أنت واُمي وهم أحب الأشياء عندي وأعزّها عليّ ، وهي أبي واُمي وأهلي أي أفديهم وقاية لكم من كل مكروه ومحذور

وكيف كان فهذه الجمل تستعملها العرب عند الخطاب لمن يحترمون مقامه ويعظمون اكرامه ، ثم الوجه في ابراز هذه الجمل ان الزائر لما أراد خطاب الإمام الحسينعليه‌السلام بان يشهدعليه‌السلام على ما انطوى عليه قلب الزائر من الاعتقاد بولايتهم ، وان الامامعليه‌السلام هو المحبوب له بحيث ليس محبوب أشد حبّاً منهم ، وأراد أن يشهد الإمامعليه‌السلام عليه بما يذكره الزائر من الاقرار بالجمل السابقة للزيارة من جهة المعاهدة والميثاق المؤكد مع الإمامعليه‌السلام بما اعتقد من علوّ مقامهم إلّا أنه حيث كان في نفسه بعض الصفات الرذيلة فكأنه استحيى ان يطلب من الإمامعليه‌السلام النظر إلى قلبه ، فيرى مع هذه العقائد الحقة تلك الصفات الرذيلة ، هذا مع أنه يعلم ( الزائر ) ان الامام مطلع على ما في القلوب من العقائد الحقة فهو ( الزائر ) لأجل هذه الأُمور قال : « بأبي أنت واُمي » ليقبلعليه‌السلام منه هذه الشهادة ولا يرده عن بابه بل يجعله مشمولاً لالطافه الخاصة رزقنا الله ذلك بمحمد وآله الطاهرين(١)

__________________

(١) الانوار الساطعة مع تصرف


اَشْهَدُ اَنَّكَ كُنْتَ نُوراً في الْأَصْلابِ الشّامِخَةِ وَالْأَرْحامِ الْمُطَهَّرَةِ

النور : هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره ، وحقيقة انوار أهل البيت غير معلومة لنا لكونها فوق ادراكاتنا فلا يعرفهم غيرهم ، كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي ما عرفني إلّا الله وأنت وما عرفك إلّا الله وأنا(١) ، فلا ندرك مقامهم هذا سوى الاجمال كما لا ندرك في مقام الحق سوى ذلك وبيانه ان العالي محيط بالسافل دون العكس

ورد في البحار(٢) عن قبيصة بن يزيد الجعفي قال : دخلت على الصادقعليه‌السلام وعنده ابي ظبيان والقاسم الصيمري فسلمت وجلست وقلت : يابن رسول الله أين كنتم قبل أن يخلق الله سماء مبنية وأرضاً مدحية أو ظلمة أو نوراً ؟ قال : « كنا أشباح نور حول العرش نسبح الله قبل أن يخلق آدمعليه‌السلام بخمسة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدمعليه‌السلام فرغنا في صلبه فلم يزل ينقلنا من صلب طاهر إلى رحم مطهّر حتى بعث الله محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله »

فقوله أين كنتم يستفاد منه إنهم كانوا مخلوقين قبل خلق السماء والأرض وغيرهما وكان هذا أمراً مسلماً عند الشيعة آنذاك وإنما سؤاله عنهعليه‌السلام من حيث إنهم أين كانوا فقولهعليه‌السلام : « كنا أشباح نور حول العرش » يشير إلى الخلق الأول وقوله : « فلما خلق آدم فرغنا في صلبه » يشير إلى الخلق الثاني

فالإمام الصادقعليه‌السلام في هذه الزيارة الأربعينية يشير إلى مقام نورانيته الذي يجب على كل مؤمن الاقرار به كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام لسلمان : « يا سلمان لا يكمل المؤمن إيمانه حتى يعرفني بالنوارنيّة فإذا عرفني بذلك فهو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، وشرح صورة للإسلام وصار عارفاً بدينه ،
__________________

(١) مشارق انوار اليقين : ٢٠١

(٢) بحار الأنوار ١٥ : ٧


ومن قصّر عن ذلك فهو شاكّ مرتاب ، يا سلمان ويا جندب : إن معرفتي بالنورانية معرفة الله ومعرفة الله معرفتي وهو الدين الخالص » إلى أن قال : « كنت ومحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله نوراً نسبح قبل المسبحات ونشرق قبل المخلوقات ، فقسّم الله ذلك النور نصفين : نبي مصطفى وعلياً مرتضى ، فقال الله لذلك النصف ، كن محمداً وللآخر كن علياً ، ولذلك قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا من علي وعلي مني »(١)

فلا ريب في كونهم أنوار مخلوقة من نور الله تعالى وكما ورد في زيارة الجامعة « خلقكم الله أنواراً ، فجعلكم بعرشه محدقين »

والأخبار في هذا المجال فوق حد الاحصاء وبكونها متواترة ، ففي البحار ورد : « يا محمد إني خلقتك وخلقت علياًعليه‌السلام وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من سنخ نور من نوري ، وفرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومن جحدها كان عندي من الكافرين »(٢)

في الأصلاب : أي مودعاً مستقراً في أصلاب الآباء الموحّدين الشرفاء النجباء وأرحام الاُمهات الموحّدات المطهّرات عن الخنا والسفاح العفيفات عن الزنا والفساد

الشامخة : أي العالية يقال : شمخ بأنفه إذا ارتفع وتكبّر ، وفي الفقرة اشاره إلى ما برهن عليه في محلّه من ان الأئمةعليهم‌السلام لا يكون آباؤهم واُمهاتم مشركين من آدمعليه‌السلام ، ولا يخالط نسبهم فساد وعهر وذمّ ، وكيف وهم ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته
__________________

(١) من خطبة الإمام عليعليه‌السلام المعروفة بالنورانية

(٢) بحار الأنوار ٢٧ : ١٩٩


ولا شك في طهارة عنصر النبي وطيب مولده من لدن آدم إلى أبيه ، لأن آباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانوا موحدين ففي البحار(١) : « اعتقادنا في آباء النبي أنهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله وإن أبا طالب كان مسلماً وآمنة بنت وهب كانت مسلمة واتفقت الامامية على أن والدي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وكل أجداده إلى آدمعليه‌السلام كانوا مسلمين بل كانوا من الصدّقين » وقال فخر الدين الرازي : ان قوله تعالى :( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) وجب أن لا يكون أحد من أجدادهصلى‌الله‌عليه‌وآله مشركاً وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما افترق الناس فرقتين إلّا جعلني الله من خيرهما ، فاخرجت من بين أبَوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم اخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي واُمي فأنا خيركم نسباً وخيركم أباً

والأرحام المطهرة : فعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « خلقني الله وأهل بيتي من نور واحد قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام ثم نقلنا إلى صلب آدم ثم نقلنا من صلبه في الأصلاب الطاهرين إلى ارحام الطاهرات »

__________________

(١) بحار الأنوار ٥ : ١١٧


لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجاهِلِيَّةُ بِاَنْجاسِها وَلَمْ تُلْبِسْكَ الْمُدْلَهِمّاتُ مِنْ ثِيابِها

الانجاس : جمع النَجَس بفتحتين وهو القذر ، والمراد انه لم تتلوّث أذيال عصمتهعليه‌السلام بأرجاس الكفر وأنجاس المعاصي

والجاهلية : على ما في المجمع ، الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالآباء والأنساب والكبرة ، والتجبر وغير ذلك ، ومنه الحديث إذا رأيتم الشيخ يُحدّث يوم الجمعة بأحاديث الجاهلية فارموا رأسه بالحصى ، وقولهم : الجاهلية الجهلاء هو توكيد للأول يشتق له من اسمه ما يؤكّده به ، وأنجاس الجاهلية عبارة عن تلك الأحوال المخالفة للشرع المذمومة عند الشارع فالاضافة بيانيّة

وإلى ذلك أشار تعالى في منزلتهمعليهم‌السلام ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )

لم تلبسك من المدلهمّات من ثيابها : أي ثياب الجاهلية وهي عبارة عن الاخلاق والحالات الناشئة من الكفر والضلالة فهي في مقابل لباس التقوى المشار إليه بقوله تعالى :( وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ )

والمدلهمات : الظلمات يقال ادلهم الليل : أظلم وليلة مدلهمة أي مظلمة

والمراد ان الله تعالى ألبس الحسينعليه‌السلام حلل العلم والمعرفة والسخاوة وسائر الأخلاق الحميدة والصفات الربانية ، وان الجاهلية لم تلبسه لباس الجهل والضلالة ، فإن الجهالات والضلالات بعضها فوق بعض ، والحسينعليه‌السلام هو نور على نور ونور فوق كل نور وهو نور الأنوار والهادي للأخيار وحجة الجبار وكهف الابرار


قال الإمام الرضاعليه‌السلام : الإمام كالشمس الطالعة للعالم وهي في الاُفق بحيث لا تناله الأيدي والابصار ، والإمام البدر المنير والسراج الظاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبلد القفار ولجج البحار ، الإمام الماء العذب على الضماء والدال على الهدى والمنجي من الردى إلى أن قال : الإمام المطهّر من الذنوب المبرء من العيوب مخصوص بالعلم مرسوم بالحلم(١) ، وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون(٢)

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ١ : ١٩٠

(٢) عيون أخبار الرضا ١ : ٦٥


وَاَشْهَدُ اَنَّكَ مِنْ دَعآئِمِ الدّينِ وَاَرْكانِ الْمُسْلِمينَ

الدعائم : جمع الدعامة بكسر الدال ، وهي عماد البيت الذي يقوم عليه(١) ، ودعامة القوم سيدهم وكل ما يستند عليه الحائط إذا مال يمنع السقوط ، وكثيراً ما يستعار لكلّ ما لا يتم شيء إلّا به ، وكلّ ما يتوقّف عليه شيء بعلاقة المشابهة ، فإنّ البيت لا يستحكم بناءه إلّا بالدعامة والأساس ، ومنه قولهعليه‌السلام : « لكلّ شيء دعامة ، ودعامة الإسلام الشيعة »(٢) ، وقولهعليه‌السلام : « دعامة الإنسان العقل »(٣) لتوقّف تحقّق الإنسانية على العقل

والمراد بالدين : هو الإسلام لقوله تعالى :( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) (٤) ، وقوله :( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) (٥) و ( مِن ) تبعيضية أي من جملة الأئمة الذين هم دعائم الدين هو الحسينعليه‌السلام

والأركان : جمع ركن ، وهو لغة جانب البيت ، وكثيراً يستعمل في معنى الاسطوانة والدعامة فيستعار أيضاً فيما أشرنا إليه

وفي الكلام إشارة إلى أنّ الدين لا يكمل إلّا بولاية الإمام ، والإيمان لا يتحقّق إلّا بمحبّة ذرّية سيّد الأنام ، وقد تواتر بذلك الأخبار من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعترته المعصومين الكرام ، ففي بعضها عن الرضاعليه‌السلام : « أنّ الإمامة زمام الدّين ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين ، أنّ الإمامة اُسّ الإسلام النامي
__________________

(١) راجع المنجد في اللغة : ٢١٦ ، مادة ( دعا )

(٢) الكافي ٨ : ٢١٢

(٣) الكافي ١ : ٢٥

(٤) سورة آل عمران : ١٩

(٥) سورة آل عمران : ٨٥


وضرعه السامي ، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام »(١)

وفي بعضها يا محمد : « لو أنّ عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير كالشن البالي ثمّ أتاني جاحداً لولايتهم لم أدخله جنّتي ولا أظلّه تحت عرشي »(٢)

وفي بعضها : عن أبي حمزة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قلت : أصلحك الله أي شيء إذا عملته استكملت حقيقة الإيمان ؟

قال : « توالي أولياء الله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسينعليهم‌السلام ثمّ انتهى الأمر إلينا ثمّ ابني جعفر وأومأ إلى جعفر وهو جالس فمن والى هؤلاء فقد والى أولياء الله ، وكان مع الصادقين كما أمره الله »(٣)

وفي بعضها : « هل الدّين إلّا الحبّ »(٤)

وفي بعضها عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في كلامه لعليّ : « لو أنّ عبداً عبد الله ألف عام ما قبل الله ذلك منه إلّا بولايتك وولاية الأئمة من ولدك ، وأنّ ولايتك لا يقبلها الله إلّا بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمة من ولدك »

وفي الزيارة الجامعة : « سعد من والاكم ، وهلك من عاداكم ، وخاب من جحدكم ، وضلّ من فارقكم ، وفاز من تمسّك بكم ، وأمن من لجأ إليكم ، وسلم من صدّقكم ، وهدي من اعتصم بكم ، من اتّبعكم فالجنة مأواه ، ومن خالفكم فالنار مثواه »

__________________

(١) هذا مقطع من الرواية التي أخرجها الصدوققدس‌سره في العيون ١ : ١٩٥ في وصف الإمامعليه‌السلام فراجع

(٢) بحار الأنوار ٨ : ٣٥٧ ، الباب ٢٧

(٣) بحار الأنوار ٢٧ : ٥٧

(٤) الكافي ٨ : ٧٩


وَمَعْقِلِ الْمُؤْمِنينَ

المعقل : الملجأ والحصن ، وفلان معقل قومه : أي يلجئون إليه إذا أضربهم أمر ، والعقيلة : المرءة المخدرة المحبوسة في بيتها

عن بصائر الدرجات عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : إن رسول الله أنال في الناس وأنال وأنال ، وإنّا أهل البيت معاقل العلم وأبواب الحكم وضياء الأمر

ومعنى الحديث إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنال أي أعطى ، وأفاد في النّاس العلوم الكثيرة ، لكن عند أهل البيت معيار ذلك ، والفصل بين ما هو حق أو مفترى وعندهم تفسير ما قاله الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا ينتفع بما في أيدي الناس إلّا بالرّجوع إليهمعليهم‌السلام ، والمعاقل جمع معقل وهو : الحصن والملجأ أي : نحن حصون العلم وبنا يلجأ النّاس فيه وبنا يوصل إليه وبنا يضيء الأمر للنّاس

وعن الإمام الرضاعليه‌السلام : « لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا عزّاً أعز من التقوى ولا معقل أحسن من الورع »(١)

فالإمام الحسينعليه‌السلام هو حصن ومعقل وملجأ لجميع المؤمنين الذين يريدون الهداية والنّجاة في الدنيا والآخرة ، فهو سفينة النّجاة من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ، فعلينا أن نركب سفينة الحسينعليه‌السلام كي نحرز السّعادة في الدنيا والآخرة كما أحرزها أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام وأن نسير أثر مسيرته وعلى نهجه وخطاه

المؤمنين : المؤمن : هو من آمن بالله ورسوله وكتبه واليوم الآخر ، وجاء بجميع الواجبات وانتهى عن جميع المحرّمات

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا أُنبئكم لم سُمّي المؤمن مؤمناً ؟ لإيمانه النّاس على أنفسهم وأموالهم ، وفي الحديث : إنّ أدنى ما يكون العبد به مؤمناً ، قالعليه‌السلام :
__________________

(١) بحار الأنوار ٦٦ : ٤١١


يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله ويقرّ بالطّاعة ويعرف إمام زمانه فإذا فعل ذلك فهو مؤمن

قال الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في تعريف المؤمن : بشره في وجهه ، وحزنه في قلبه ، أوسع بشيء صدراً وأذلّ شيء نفساً ، يكره الرفعة ويشنأ السّمعة ، طويل غمّه بعيد همّه ، كثر صمته ، مشغول وقته ، شكور صبور ، مغمور بفكرته ، ظنين بخلّته ، سهل الخليقة ، ليّن العريكة ، نفسه أصلد من الصّلد ، وهو أذلّ من العبد(١)

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام : « إنّ الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة ، وكان المقداد في الثامنة ، وأبوذر في التاسعة وسلمان الفارسي في العاشرة »(٢)

وقال الصّادقعليه‌السلام : « لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتّى تكون فيه خصال ثلاث : الفقه في الدّين ، وحسن التّقدير على المعيشة والصّبر على الرّزايا »

وعن الإمام عليعليه‌السلام : « المؤمن دائم الذّكر ، كثير الفكر على النّعماء شاكر ، وفي البلاء صابر »

وعن الإمام زين العابدينعليه‌السلام : « علامات المؤمن خمس : الورع في الخلوة ، والصدقةُ في القلّة ، والصَّبر عند المصيبة والحلم عند الغضب والصّدق عند الخوف »

وعن النَّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « المؤمن الّذي نفسه منه في عناءٍ والنّاس في راحة »

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألَف ولا يؤلف ، وخير النّاس أنفعهم للنّاس »(٣)

__________________

(١) بحار الأنوار ٦٩ : ٤١١

(٢) أُصول الكافي ١ : ٣٧

(٣) كل الأحاديث من كتاب ميزان الحكمة ، باب الإيمان


وَاَشْهَدُ اَنَّكَ الْأِمامُ الْبَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الْهادِي الْمَهْدِيُّ

اشهد : اقسم واحلف

فهذه شهادة له بالإمامة التي هي عهد الله الذي لا يناله الظالمين ، كما قال :( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) ، فهي الرياسة العامة من الله على عباده ، والخلافة والنيابة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على اُمته

قال الرضاعليه‌السلام : « إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليلعليه‌السلام بعد النبوّة ، والخلّة مرتبة ثالثة ، وفضيلة شرّفه بها ، وأشاد بها ذكره فقال :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، فقال الخليل سروراً بها :( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (٢) فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة ، وصارت في الصفوة ، ثمّ أكرمه الله عزّ وجلّ بأن جعلها في ذريّته أهل الصفوة والطهارة ، فقال عزّ وجل :( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (٣) فلم تزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال الله عزّ وجل :( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّـهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (٤) فكانت له خاصّة فقلّدهاصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً بأمر الله عزّ وجل على رسم ما فرضها الله عزّ وجل :( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّـهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ) (٥) فهي في ولد عليّعليه‌السلام خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله
__________________

(١) و (٢) سورة البقرة : ١٢٤

(٣) سورة الأنبياء : ٧٢ ـ ٧٣

(٤) سورة آل عمران : ٦٨

(٥) سورة الروم : ٥٦


فمن أين يختار هؤلاء الجهّال ؟ إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء ، وإرث الأوصياء ، إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجل وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسينعليهم‌السلام »(١)

البِّرُ : ووصف الإمام بالبرّ بالفتح وهو البار العطوف المحسن ، لأنّه كما يطق على القدوة للناس المنصوب من قبل الله المفترض الطاعة على العباد ، كذلك قد يطلق على الداعي إلى الباطل الذي يقتدي به الجاهل ، كما في قول الصادقعليه‌السلام لمّا سئل عن الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ فقال : كانا إمامين قاسطين كانا على الحقّ وماتا عليه فرحمة الله عليهما يوم القيامة ، فلمّا خلى المجلس قال له بعض أصحابنا : كيف قلت يابن رسول الله ؟ فقال : نعم ، أمّا قولي كانا إمامين فهو مأخوذ من قوله تعالى :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) ، وأمّا قولي عادلين فهو مأخوذ من قوله تعالى :( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) وأمّا قولي : كانا على الحقّ فالحقّ عليّعليهما‌السلام ، وقولي ماتا عليه فالمراد به أنّهما لم يتوبا عن تظاهرهما عليه بل ماتا على ظلمهما إيّاه ، وأمّا قولي : فرحمة الله عليهما يوم القيامة ، فالمراد به أنّ رسول الله ينتصف له منهما خذاً من قوله تعالى :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )

وربما يطلق على الأعمّ كما قال تعالى :( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (٢)

التقي : التقي والمتّقي هو الذي يخاف الله ويخشاه بالغيب ، ويجتنب المعاصي ويتوقى المحرمات من التقوى ، والاتقاء هو الامتناع من الردى باجتناب
__________________

(١) راجع عيون أخبار الرضا ١ : ١٩٦ ، الباب ٢٠ ، ط الشريف الرضي ـ قم

(٢) سورة الإسراء : ٧١


ما يدعو إليه الهوى ، ويقال : وقاه يقيه إذا حفظه وعصمه وهو أيضاً لقب للإمام محمد الجوادعليه‌السلام لأنه اتقى الله فوقاه شر المأمون لما دخل عليه بالليل وهو سكران فضربه بسيفه حتى ظن أنه قتله فوقاه الله شره(١)

والرضي : هو المرضي الذي ارتضاه الله من خلقه لإرشاد عباده ، أو الذي رضى الله في سماءه ، والرسول في أرضه ، أو بمعنى الراضي وهو الذي لا يسخط بما قدر عليه وبمعنى المطيع

والزكي : الطاهر من الأخلاق الذميمية ، والصفات الرذيلة من قولهم زكى عمله إذا طهُر ، ومنه قوله :( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ) (٢) أي طاهرة لم تجن ما يوجب قتلها ، وهذا اللقب إذا أُطلق فالمراد به هو الحسن بن عليعليهم‌السلام

والهادي : هو الدليل على الحقّ ، والمرشد إلى سبيل الرشد ، قال الله :( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٣) عن أبي بُرزة الأسلمي : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) ووضع يده على صدر نفسه ، ثمّ وضعها على صدر عليّ ويقول :( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )

وروى القمي في تفسيره ١ : ٢٦٠ ، ط بيروت عن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : المنذر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والهادي أمير المؤمنينعليه‌السلام وبعده الأئمةعليهم‌السلام وهو قوله :( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) أي في كلّ زمان إمام هاد مبين

وهذا اللقب ( الهادي ) عند الإطلاق ينصرف إلى عليّ بن محمد الجوادعليه‌السلام

__________________

(١) مجمع البحرين

(٢) سورة الكهف : ٧٤

(٣) سورة الرعد : ٧


والمهدي : هو الذي هداه الله إلى معارج القرب ، وأرشده إلى بساط الجذب ، وعرّفه المعارف اللاهوتية ، وعلّمه الأسرار الجبروتية ولا يكون الشخص هادياً حتّى يكون مهدياً مهتدياً ، ففي الكلام تقديم وتأخير كما في قوله : واجعله هادياً مهدياً ، فتأمّل وهذا اللقب إذا أُطلق فالمراد به القائم من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله المبشّر بمجيئه في آخر الزمان ـ اللهم عجّل فرجه ـ ولا ريب أنّ كلّ إمام من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله هاد يهدي العباد إلى طريق الرشاد

وعن أبي بصير عنهعليه‌السلام قال : قلت له :( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (١) فقال : رسول الله المنذر ، وعليّعليه‌السلام الهادي يا أبا محمد فهل منّا هاد اليوم ؟ قلت : بلى جعلت فداك ما زال فيكم هاد من بعد هاد حتّى رفعت إليك

فقالعليه‌السلام : رحمك الله يا أبا محمّد لو كانت إذا نزلت آية على رجل مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب ، ولكنّه حيّ جرى فيمن بقى كما جرى فيمن مضى(٢)

__________________

(١) سورة الرعد : ٧

(٢) الكافي ١ : ١٩٢


وَاَشْهَدُ اَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِكَ كَلِمَةُ التَّقْوىٰ ، وَاَعْلامُ الْهُدىٰ ، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقىٰ ، وَالْحُجَّةُ علىٰ اَهْلِ الدُّنْيا

الأئمة من ولدك : إشارة إلى ما ورد في جملة من الأخبار من ان الله عزّ وجل عوّض الحسينعليه‌السلام من شهادته أنّ جعل الأئمّة من ولده ، والشفاء في تربته ، وإجابة الدّعاء تحت قبّته(١)

قال الباقرعليه‌السلام : « نحن اثنا عشر إماماً منهم الحسن والحسين ، ثمّ الأئمة من ولد الحسينعليه‌السلام »(٢)

وعن سلمان الفارسي : « دخلتُ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا الحسين على فخذيه وهو يقبّل عينه ، ويلثم فاه ، ويقول : أنت سيّد ابن سيّد ، أنت إمام ابن إمام ، أنت حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم »(٣)

عن المفضّل بن عمر(٤) قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : يابن رسول الله أخبرني عن قول الله :( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال : يعني بذلك الإمامة ، وجعلها الله في عقب الحسين إلى يوم القيامة ، فقلت : يابن رسول الله أخبرني كيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن وهما ولدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنة ؟ فقال : يا مفضل إنّ موسى وهارون نبيّان مرسلان اخوان فجعل الله النبوّة في صلب هارون دون صلب موسى ولم يكن لأحد أن يقول :
__________________

(١) عدة الداعي لابن فهد الحلي : ٥٧ القسم الثاني

(٢) الكافي ١ : ٥٣٣ باب ما جاء في الأئمة الاثني عشر والنص عليهم

(٣) مقتل الحسين للخوارزمي ١ : ١٤٦

(٤) معاني الأخبار للشيخ الصدوق : ١٣١ ، الحديث ١ ، طبعة بيروت الأعلمي ، ١٤١٠ هـ ، وكتاب تأويل الآيات : ٥٤١


لمَ فعل الله ذلك ، وكذلك الإمامة وهي خلافة الله عزّ وجل وليس لأحد أن يقول : لمَ جعلها في صلب الحسين دون صلب الحسن ، لأنّ الله عزّ وجل حكيم في أفعاله :( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) (١)

كلمةُ التقوى : والمراد بكلمة التقوى يحتمل وجوهاً :

منها : إنّها الإيمان فكونهم كلمة التقوى ، لكون ولايتهم مشروطة في تحقّقه ، كما في زيارة الجامعة : « وبموالاتكم تمّت الكلمة وعظمت النعمة »

ومنها : إنّه كلمة لا إله إلّا الله محمد رسول الله ، ولا شكّ أنّ ترتّب الآثار على هذه الكلمة موقوف على الإقرار بإمامتهم ، والإذعان بولايتهم فهذا جار مجرى قول أمير المؤمنينعليه‌السلام من خطبة له : « أنا صلاة المؤمنين ، وصيامهم ، وزكاتهم ، وحجّهم »(٢) ، يعني أنّ هذه الأعمال لا تقبل ولا تصحّ إلّا بولايتي ، وحديث الرضاعليه‌السلام في نيسابور معروف وفي آخره « لا إله الله حصني ومن دخله أمن من عذابي فقالوا : حسبنا يابن رسول الله ، فلمّا رجعوا قال لهم : لكن بشروطها وأنا من شروطها »(٣)

ومنها : إنه العهد الذي عهده الله في عليّعليه‌السلام وذريّته ، وفي الحديث في معنى كلمة التقوى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إنّ عليّاًعليه‌السلام راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين ، من أحبّه أحبّني ، ومن أطاعه أطاعني »(٤)

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٢٣

(٢) مشارق أنوار اليقين

(٣) راجع التوحيد للشيخ الصدوق باب ثواب الموحّدين : ٢٥ ، الحديث ٢٣

(٤) أخرجها الصدوق في معاني الأخبار : ١٢٦ ، الحديث ١ ، ط بيروت الأعلمي


ومنها : أنّها الدعوة إلى الإسلام كما قال :( وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا ) (١) فهم كلمة التقوى لكونهم الدّعاة إلى شرائع الإسلام وجوامع الأحكام

ومنها : أنّها الحجّة كما في قوله تعالى :( وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) (٢) أي بحججه ، فإنّهم حجج الله على الخلق وللمتّقين من عباده ، قال عليّعليه‌السلام : « إنّ الله واحد تفرّد في وحدانيته ، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نوراً ثم خلق من ذلك النور محمّداً وخلقني وذريتي ، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحاً فأسكن الله في ذلك النور وأسكنه في أبداننا فنحن روح الله وكلمته ، فبنا احتجّ على خلقه فما زلنا في ظلّة خضراء »(٣)

ومنها : إنّها الخلق البديع ما يقال لعيسىعليه‌السلام أنه كلمة الله ، لأنّه وجد بأمره من دون أب فشابه البدعيات ، فهمعليهم‌السلام لما عليهم من الصفات الإلهية ، وفيهم من العجائب الربّانية مشابهون للبدعيات ، فهم كلمات الله التامات خلقهم الله لإرشاد المتّقين إلى طرق التقوى والصلاح وهدايتهم إلى سبيل الفلاح والنجاح ، وكيف كان فلعلّ الوجه في توحيد الكلمة أنّهمعليهم‌السلام نور واحد ، ونفس واحدة كما يرشد إليه حديث النورانيّة وغيره

والأعلام : جمع العلم(٤) ، وهو لغة الجبل الذي يُعلم به الطريق وقريب منه المنار ، وهو المرتفع الذي يوقد في أعلاه النار لهداية الضلال ، والأئمةعليهم‌السلام أعلام للهدى ، لأنّه يهتدى بهم كما قال : « لولانا ما عُرف الله ، ولولانا ما عُبد الله »(٥) وفي الجامعة : « وأعلاماً لعباده ، ومناراً في بلاده ، وأدلّاء على صراطه »(٦)

__________________

(١) سورة التوبة : ٤٠

(٢) سورة الشورى : ٢٤

(٣) راجع بحار الأنوار ٢٦ : ٢٩١ ، الحديث ٥١ ، باب تفضيلهمعليهم‌السلام على الأنبياء

(٤) المصباح المنير : ٤٢٧

(٥) راجع الكافي : ج ١ ، كتاب الحجة ، باب : إنّ الأئمة ولاة أمر الله وقال الصادقعليه‌السلام : وبعبادتنا عُبد الله

(٦) راجع شرح هذه الفقرة في الأنوار اللامعة : ١١٥


وروي في قوله :( وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (١) أنّه قال : « نحن العلامات ، والنجم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(٢)

وقال الصادقعليه‌السلام : « نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله وعيبة وحي الله وأهل دين الله وعلينا نزل كتاب الله ، وبنا عُبد الله ، ولولانا ما عرف الله ، ونحن ورثة نبيّ الله وعترته »(٣)

وقال الباقرعليه‌السلام : « نحن جنب الله ونحن صفوته ، ونحن خيرته ، ونحن أركان الإيمان ، ونحن دعائم الإسلام ونحن من رحمة الله على خلقه ، ونحن الذين بنا يفتخ ، وبنا يختم ، ونحن أئمة الهدى ، ونحن مصابيح الدجى ، ونحن منار الهدى ، ونحن السابقون ، ونحن الآخرون ، ونحن العلم المرفوع للخلق ، من تمسّك بنا لحق ، ومن تخلّف عنّا غرق ، ونحن قادة الغرّ المحجلين ، ونحن خيرة الله ، ونحن الطريق ، وصراط الله المستقيم إلى الله ، ونحن من نعمه على خلقه ، ونحن المنهاج ، ونحن معدن النبوّة ، ونحن موضع الرسالة ، ونحن الذين تختلف الملائكة ، ونحن السراج لمن استضاء بنا ، ونحن السبيل لمن اهتدىٰ بنا ، ونحن الهداة إلى الجنة »(٤) « ونحن عزّ الإسلام ، ونحن الجسور والقناطر من مضى عليها سبق ، ومن تخلّف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ونحن الذين بنا تنزل الرحمة ، وبنا تسقون الغيث ،
__________________

(١) سورة النحل : ١٦

(٢) الكافي : ج ١ ، كتاب الحجّة ، باب : إنّ الأئمة هم العلامات التي ذكرها الله في كتابه ، الحديث ١ عن الرضاعليه‌السلام وأيضاً روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام في المصدر نفسه ، الحديث ٢ قال : ( إنّ النبي النجم ، والعلامات الأئمةعليهم‌السلام )

(٣) راجع بصائر الدرجات ٢ : ٦١ ، الباب الثالث ، الحديث ٣

(٤) المصدر نفسه ، الحديث ١٠


ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقّنا وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا »

والحاصل : إنّهم أدلّة الهدى ، والهادون بأمر الله المرشدون إلى مرضاة الله

والعروة لغة : عروة الكوز(١) معروفة ، والوثقى تأنيث الأوثق ، والعروة الوثيقة : هي العروة المستحكمة التي يستمسك بها ، شبّهواعليهم‌السلام بها ، لأنّ المتمسّك بطريقتهم لا يضلُّ ، ولا ينفصم عن رحمة الله ، وربما تفسّر العروة الوثقى بالإيمان كما قال تعالى :( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ) (٢)

وفي بعض الأخبار أنّها التسليم لأهل البيتعليهم‌السلام ، وفي بعضها أنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله

وروي عن عبد الله بن عباس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « من أحب أن يتمسّك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليتمسّك بولاية أخي ووصيي عليّ بن أبي طالب ، فإنّه لا يهلك من أحبّه وتولّاه ولا ينجو من أبغضه وعاداه »(٣)

وعن الزمخشري في قوله :( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ) وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوّره السامع كأنّه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقّن به(٤)

__________________

(١) المصباح المنير : ٤٠٦ ، دار الهجرة

(٢) سورة البقرة : ٢٥٦

(٣) الشيخ الصدوققدس‌سره في معاني الأخبار : ٣٦٨ ، الحديث ١ ، طبعة بيروت

(٤) راجع الكشّاف للزمخشري ١ : ٣٠٤ عند تفسيره لآية الكرسي


والحجّة : في اللغة البرهان وقد مرّ شرحها سابقاً ، وكثيراً ما يستعمل فيمن يجب العمل بقوله ، والاقتداء بفعله ، وكونهمعليهم‌السلام حجج الله على خلقه ممّا لا ريب فيه لوجوب العمل بأوامرهم ونواهيهم

وعن المجلسي الأولقدس‌سره في شرحه على زيارة الجامعة في قوله : « وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والاُولى أي يحتجّ الله بهم ويتمّ حجّته ( على أهل الدنيا والآخرة ) بالمعجزات الباهرات والدلائل الظاهرات ، والعلامات الواضحات ، والأخلاق النفسانية ، والفضائل الملكوتية ، والعلوم الربانيّة ، والأسرار الإلهية ، ويحتجّ على أهل الآخرة في عالم البرزخ عند السؤال أو في القيامة أو الأعمّ منهما »

والأخبار بكونهمعليهم‌السلام حجج الله متواترة وقد تقدّم بعضها ، وفي بعضها عن أبي خالد عن الصادقعليه‌السلام قال : قلت له : « يابن رسول الله ما منزلتكم من ربّكم ؟ قال : حجّته على خلقه ، وبابه الذي يؤتى منه وأُمناؤه على سرّه وتراجمة وحيه »(١) وروى الصفّار في المصدر نفسه ، الحديث ١١ عن بريد العجلي قال : سألتُ أبا جعفرعليه‌السلام عن قول الله تبارك وتعالى :( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) قال : نحن اُمة الوسط ، ونحن شهداء الله على خلقه ، وحجّته في أرضه

__________________

(١) راجع بصائر الدرجات ٢ : ٦٢ ، الحديث ٩


وَاَشْهَدُ اَنّي بِكُمْ مُؤْمِنٌ ، وَبِاِيابِكُمْ مُوقِنٌ

اشهد : أي احلف والقسم ، وتأتي بمعنى أعلم ، كما تقول : اشهد ان لا إله إلّا الله وقوله تعالى :( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ) أي بيّن واعلم ، وقد ورد في زيارة وارث : « واشهدوا الله وملائكته وأنبياء ورسله إني بكم مؤمن » أي : أجعلهم شهوداً على إيماني بكم فإنّهم أشهاد عدول لا ترد شهادتهم ، ولا تخفى عليهم السرائر ، ولا تغيب عنهم مطويات القلوب والضمائر ، وقد وصف الله تعالى نفسه بكونه شهيداً وشاهداً في مواضع من كتابه ، وكذا الملائكة والأنبياء بقوله :( وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ ) (١) ، وروي في قوله :( لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (٢) إنّ الاُمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ويطلب الأنبياء بالبيّنة على أنّهم قد بلّغوا فيؤتى باُمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فيشهدون لهم(٣)

وروي عن عليّعليه‌السلام أنّه قال : « إيّانا عنى فرسول الله شاهد علينا ، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه »(٤)

قوله : « بِكُمْ مُؤْمِنٌ » أي بحقيقة نورانيّتكم ، ومراتب علومكم وأسراركم الخاصّة بكم ، والإيمان التصديق والإذعان

وفي الجامعة : « أشهد الله وأُشهدكم أنّي مؤمن بكم وبما آمنتم به ، كافر بعدوّكم وبما كفرتم به »

__________________

(١) سورة هود : ١٨

(٢) سورة البقرة : ١٤٣

(٣) راجع مجمع البيان للطبرسيقدس‌سره ١ : ٢٨٨ ، ط بيروت ـ مؤسسة التاريخ العربي

(٤) شواهد التنزيل للحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري ١ : ٩٢ ، ط بيروت ـ الأعلمي ، ومجمع البيان ١ : ٢٨٨


قوله : « وَبِاِيابِكُمْ مُوقِنٌ » يحتمل أن يتعلّق بمؤمن أي مؤمن بكم وبإيابكم إلى الدُّنيا في زمن الرجعة روى عن الإمام الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى :( وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ) قال : ليؤمنن برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولينصرن عليّاً أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال : نعم والله من لدن آدم وهلّم جرّا فلم يبعث الله نبيّاً ولا رسولاً إلّا رُدَّ جميعهم إلى الدُّنيا حتّى يقاتلوا بين يدي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (١)

وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : « ما بعث الله نبيّاً من لدن آدم فهلم جرا إلّا ويرجع إلى الدُّنيا وينصر أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو قوله :( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،( وَلَتَنصُرُنَّهُ ) يعني أمير المؤمنينعليه‌السلام »(٢)

ويؤيّده ما في زيارة العباسعليه‌السلام : « إني بكم وبإيابكم من المؤمنين »(٣)

ويحتمل أن يتعلّق بقوله موقن أي مؤمن بكم وموقن بإيابكم ، وهذا أظهر ، وفي الكلام تصريح بثبوت رجعتهمعليهم‌السلام إلى الدنيا لمّا وعدهم الله من الدولة والنصرة ، كيف وقد روي : « إنّ عمر الدُّنيا مئة ألف عام لهمعليهم‌السلام منها ثمانون ألفاً يتمحض لهم الدولة والسلطة »(٤)

وهذه أي الرجعة من ضروريّات مذهبنا معاشر الإمامية(٥) وقد دلّت عليها
__________________

(١) السيّد هاشم البحرانيقدس‌سره في تفسير البرهان ٣ : ٢١١ ، الحديث ١٥

(٢) روى القمي في تفسيره ١ : ١١٤

(٣) راجع زيارة أبي الفضل العباسعليه‌السلام المطلقة في كتب الزيارات

(٤) أخرجه حسن بن سليمان الحلّي في مختصر بصائر الدرجات بتفاوت يسير : ٢١٢ ، ط النجف ، ١٩٥٠ م

(٥) انفردت الإمامية بالاعتقاد في الرجعة ، واعتمدتها كضرورة من ضروريّات المذهب ، ونظرية مسلّمة يجب الإقرار بها واعتقادها ، وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ، وفي كلّ وقت كالإقرار في


آيات كثيرة وأخبار متواترة تزيد على مئتين بل عن بعضهم وقف على ستمائة وعشرين حديثاً

وفي الجامعة : « معترف بكم ، مؤمن بإيابكم ، مصدّق برجعتكم ، منتظر لأمركم ، مرتقب لدولتكم »

وفي الدعوات والزيارات المأثورة عن المعصومين ما لا يحصى ممّا يدلّ على هذا المدعى صريحاً

وفي بعض الأخبار عن الصادقعليه‌السلام : « أيام الله ثلاثة : يوم يقوم القائم ، ويوم الكرّة ، ويوم القيامة »(١)

وفي بعضها عنهعليه‌السلام : « إن أول من يكرّ في الرجعة الحسين بن عليعليه‌السلام فيمكث في الأرض أربعين سنة حتّى يسقط حاجباه على عينيه »(٢)

وفي بعضها : عن جميل عنهعليه‌السلام قال : قلت له : قول الله( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (٣) قال : ذلك والله في الرجعة ، أما علمت أنّ أنبياء الله كثيرة لم ينصروا في الدُّنيا وقتلوا ، وأئمة قتلوا ولم ينصروا ، فذلك في الرجعة قلت :( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) (٤)

__________________

كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد

وفي نفس الوقت أنكروا ذلك أعلام العامّة منهم الفخر الرازي في تفسيره ٢٤ : ٢١٧ ـ ٢١٨ ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ٧ : ٥٩ والزمخشري ، وابن خلدون وابن الأثير

(١) أخرجه الصدوق في الخصال : ١٠٨ ، الحديث ٧٥ ، وفي معاني الأخبار : ٣٦٥ ، الحديث ١

(٢) أخرجه الحلّي في مختصر البصائر : ١٨

(٣) سورة غافر : ٥١

(٤) سورة ق : ٤١ ـ ٤٢


قال : هي الرجعة(١)

وفي بعضها عنهعليه‌السلام أيضاً قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام في قول الله :( رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) (٢) قال : هو إذا خرجت أنا وشيعتي وخرج عثمان بن عفان وشيعته ونقتل بني اُميّة فعندها يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين(٣)

وفي بعضها عنهعليه‌السلام قال : « إنّ إبليس قال :( أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٤) فأبى الله ذلك عليه فقال :( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (٥) فإذا كان يوم المعلوم ظهر إبليس في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم ، وهي آخر كرّة يكرّها أمير المؤمنينعليه‌السلام قلت : وأنّها لكرّات ؟ قال : نعم لكرّات وكرّات ما من إمام في قرن إلّا ويكرُّ معه البرّ والفاجر في دهره حتّى يديل الله المؤمن على الكافر فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرّ أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) في أصحابه ، وجاء إبليس في أصحابه ، ويكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال لها : الروحاء ، قريب من كوفتكم ، فيقتتلون قتالاً لم يقتتل مثله منذ خلق الله ـ عزّ وجل ـ العالمين ، فكأنّي أنظر إلى أصحاب عليّ أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ قد رجعوا إلى خلفهم القهقري مئة قدم ، وكأنّي أنظر إليهم وقد وقعت بعض أرجلهم في الفرات

__________________

(١) مختصر بصائر الدرجات : ١٨ ، وبحار الأنوار ٥٣ : ٦٥ ، الحديث ٥٧ ، والرجعة للاسترآبادي : ٤١ ، الحديث ١٠ ، والبرهان ٤ : ١٠٠ ، الحديث ٢

(٢) سورة الحجر : ٢

(٣) مختصر بصائر الدرجات : ١٧ ، والرجعة : ٣٨ ، الحديث ٦

(٤) سورة الأعراف : ١٤

(٥) سورة الحجر : ٣٧ ـ ٣٨


فعند ذلك يهبط الجبّار ـ عزّ وجل ـ في ظلل من الغمام ، والملائكة ، وقضي الأمر ، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمامه بيده حربة من نور ، فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقري ناكصاً على عقبيه ، فيقول له أصحابه : أين تريد وقد ظفرت ؟ فيقول : ( إني أرى ما لا ترون ) ( إني أخاف الله رب العالمين ) ، فليحقه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيطعنه طعنة بين كتفيه ، فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه فعند ذلك يعبد الله ـ عزّ وجل ـ ولا يشرك به شيئاً ، ويملك أمير المؤمنينعليه‌السلام أربعاً وأربعين ألف سنة حتى يلد للرجل من شيعة عليعليه‌السلام ألف ولد من صلبه ذكراً ، وعند ذلك تظهر الجنّتان المدهامّتان عند مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله »(١)

وفي بعضها عن الصادقعليه‌السلام : « ليس أحد من المؤمنين قتل إلّا سيرجع حتّى يموت ، ولا أحد من المؤمنين يموت إلّا سيرجع حتّى يقتل »(٢)

وفي بعضها عن أبي إبراهيمعليه‌السلام قال : « لترجعنّ نفوس ذهبت ، وليقتصّن يوم يقوم ، ومن عذّب يقتصّ بعذابه ، ومن أُغيظ ( يقتصّ )(٣) بغيظه(٤) ويرد لهم أعداءهم حتّى يأخذوا بثأرهم ، ثمّ يعمرون بعدهم ثلاثين شهراً ، ثمّ يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم ، وشفوا أنفسهم ويصير عدوّهم إلى أشدّ النار عذاباً ، ثمّ يوقفون بين يدي الجبّار فيؤخذ لهم بحقوقهم »(٥)

__________________

(١) مختصر بصائر الدرجات : ٢٦ ، وبحار الأنوار ٥٣ : ٤٢ ، الحديث ١٢

(٢) مختصر بصائر الدرجات : ٢٥ ، والبحار ٥٣ : ٤٠ ، الحديث ٥ ، والرجعة : ٥٥ ، الحديث ٢٩ ، والبرهان ٣ : ٢١١ ، الحديث ١٥

(٣) في المصدر ( أغاظ ) بدل ( يقتصّ )

(٤) في المصدر هكذا ( ومن قُتل أُقتص بقتله ) والظاهر سقط هذا الذي أثبتناه

(٥) مختصر البصائر : ٢٨ ، وعنه البحار ٥٣ : ٤٤ ، الحديث ١٦ ، والرجعة : ٥٩ ، الحديث ٣٧


وفي بعضها عن الصادقعليه‌السلام في قول الله تعالى :( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) (١) قال : مرّة بالكرّة ، وأُخرى يوم القيامة(٢)

وفي بعضها عن الباقرعليه‌السلام : « والله ليملكنّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمئة سنين وتزداد تسعاً ، قلت : متى يكون ذلك ؟ قال : بعد القائمعليه‌السلام ، قلت : وكم يقوم القائمعليه‌السلام في عالمه ؟ قال : تسع عشرة سنة ، ثمّ يخرج المنتصر إلى الدُنيا وهو الحسينعليه‌السلام فيطلب بدمه ودماء أصحابه فيقتل ويسبى حتّى يخرج السفّاح وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام »(٣)

وفي بعضها عن الصادقعليه‌السلام : « أوّل من تنشقّ الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن عليعليه‌السلام وإنّ الرجعة ليست بعامّة ، وهي خاصّة لا يرجع إلّا مَن مُحض الإيمان محضاً ، أو محض الشرك محضا »(٤)

وفي بعضها : « إنّ الصادقعليه‌السلام سئل عن اليوم الذي ذكر الله مقداره في القرآن( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (٥) وهي كرّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكون ملكه في كرّته خمسين ألف سنة ، ويملك عليّ(٦) في كرته أربعة وأربعين سنة »(٧)

__________________

(١) سورة التكاثر ٣ ـ ٤

(٢) مختصر البصائر : ٢٠٤ ، والبحار ٥٣ : ١٠٧ ، الحديث ١٣٥ ، والإيقاظ من الهجعة : ٢٨٢ ، الحديث ٩٩ ، ورواه الاسترآبادي في تأويل الآيات : ٨١٥

(٣) أخرجه العياشي في تفسيره ٢ : ٣٢٦ ، الحديث ٢٤ ، والنعماني في الغيبة : ٣٣١ ، الحديث ٣ ، ومختصر البصائر : ٢١٣ ـ ٢١٤ ، والبحار ٥٢ : ٢٩٨ ، الحديث ٦١

(٤) راجع مختصر البصائر : ٢٤ ، البحار ٥٣ : ٣٩ ، الحديث ١ ، والرجعة : ٥٣ ، الحديث ٢٦

(٥) سورة المعارج : ٤

(٦) في المصدر ( أمير المؤمنين ) بدل ( علي )

(٧) الرجعة : ٣٣ ، الحديث ٢ ، والبرهان ٤ : ٣٨٣ ، الحديث ٦


وأنت خبير بأنّ الناظر فيما ذكرناه من الأخبار وغيره ممّا لا يسعه هذا المضمار لا يرتاب في حقيّة الرجعة وثبوتها في الجملة ، وفي بعض الأخبار نسبة إنكارها إلى القدرية ، وقد أجاد من قال : إنّه إذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أيّ شيء يمكن دعوى التواتر ، مع ما روته كافّة الشيعة خلفاً عن سلف ، وظنّي أنّ من يشكّ في أمثالها فهو شاكّ في أئمّة الدّين(١) ، ولا يمكنه إظهار ذلك من بين المؤمنين فيحتال في تخريب الملّة القويمة بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين من استبعاد المتفلسفين ، وتشكيكات الملحدين :( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (٢)

والحاصل : إنّ هذا أمر ممكن يمكن تعلّق القدرة الإلهية به ، وقد أخبر به الصادقون المعصومون قطعاً فيجب الاعتقاد به(٣) ، ولو من باب التسليم المأمور به بقوله تعالى :( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (٤)

وبجملة من الأخبار المعتبرة فلا تستمع إلى الملاحدة الذين يلقون الشبهات إلى الضعفاء باستبعاد هذا الأمر وإنكاره ، وما هذا إلّا كاستبعاد المعاد ونحوه من الضروريات ، وظاهر الأخبار بل صريح كثير منها أنّهمعليهم‌السلام يرجعون إلى الدُّنيا بأشخاصهم وأجسادهم التي كانوا عليها ، فلا تلتفت إلى الجهلة الذين يؤولون
__________________

(١) روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه ٣ : ٤٥٨ ، الحديث ٤٥٨٣ ، عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « ليس منّا من لم يقل بمتعتنا ، ويؤمن برجعتنا »

(٢) سورة التوبة : ٣٢

(٣) راجع الاعتقادات لشيخنا الصدوق باب (١٨) الاعتقاد في الرجعة : ٣٩ ، ط قم

(٤) سورة النساء : ٥٩


هذه الأخبار إلى خلاف ظاهرها من غير برهان قاطع ، متابعة لهوى أنفسهم وسوء آرائهم فيقولون : إنّ المراد رجعة حقائقهم وصفاتهم ، في هياكل متجدّدة وأجساد غير ما كانوا عليه في الأزمنة السابقة

نعم ، اختلف الأخبار ظاهراً في كيفيّة الرجعة ، وترتيب من يرجع من الأئمةعليهم‌السلام ولا حاجة بنا مهمّة إلى الجمع بينهما بعد تسليم أصل الرجعة ، وليعلم أنّ الرجعة لا تصدق على ظهور القائمعليه‌السلام فإنهعليه‌السلام : حيّ موجود الآن لا شك في حياته يظهر بعد ذلك متى شاء الله فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً(١)

فإذا مضى من أوّل ظهوره تسع وخمسون سنة خرج الحسينعليه‌السلام وهو صامت إلى أن تمضي إحدى عشرة سنة فتقتله امرأة من بني تميم لها لحية كلحية الرجل تسمّى ( سعيدة ) وهي شقيّة ، فيتولّى الحسينعليه‌السلام تجهيزه فيقوم بالأمر بعده(٢) ، فالرجعة من زمن خروج الحسينعليه‌السلام إلى أن يرفع مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وسائر الأئمةعليهم‌السلام إلى السماء ، وذلك بعد كمال دينهم وسلطنتهم كما وعدهم الله

__________________

(١) روضة الواعظين ٢ : ٢٦١ ، ط شريف الرضي

(٢) حلية الأبرار ٢ : ٦٤٣


بِشَرايِعِ ديني وَخَواتيمِ عَمَلي ، وَقَلْبي لِقَلْبِكُمْ سِلْمٌ وَاَمْري لِأَمْرِكُمْ مُتَّبِعٌ

وقولهعليه‌السلام : ( بشرايع ديني ) : أي متلبّساً وموقناً بشرائع ديني أي طرائقه وسُبله ، وفيه إشارة إلى مجرّد الإيمان بهم لا يكفي بل لابدّ في ذلك من الائتمار بأوامرهم ، والانتهاء بنواهيهم ، وإطاعتهم فيما شرعوه من الأحكام ، والحدود ، والانقياد لهم فيما يأمرون به ، وينهون عنه فمن لم يكن كذلك فهمعليهم‌السلام منه براء كما يدلّ عليه أخبار كثيرة

قال الصادقعليه‌السلام : « إنّما أصحابي من اشتدّ ورعه ، وعمل لخالقه ورجا ثوابه فهؤلاء أصحابي »(١)

وقالعليه‌السلام : « ليس منّا ولا كرامة من كان في مصر فيه مئة ألف أو يزيدون ، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه »(٢)

وقال الباقرعليه‌السلام : « أيكفي من انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت فوالله ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه ، إلى أن قال : فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحبُّ العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته ، يا جابر والله ما يتقرّب إلى الله إلّا بالطاعة أمعنا براءة من النار ولا على الله لأحد من حجّة ، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ ، وما تنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع ، فلا تستمع إلى قوم سوّل الشيطان لهم
__________________

(١) أُصول الكافي ٢ : ٦٢ ، باب الورع ، الحديث ٦

(٢) روى الشيخ الكليني في الكافي ٢ : ٦٤ ـ باب الورع ـ عن أبي الحسن الأولعليه‌السلام قال : « كثيراً ما كنت أسمع أبي يقول : ليس من شيعتنا من لا تتحدث المخدّرات بورعه في خدورهن وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم من خلق الله أورع منه »


أعمالهم فزعموا أنّ الدّين هو مجرّد دعوى حبّ آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فارتكبوا الكبائر ونبذوا أحكام الله وراء ظهورهم وهم لا يشعرون »(١)

والخواتيم : جمع الخاتمة ، وخاتمة العمل آخره وعاقبته ممّا يختم به من خير أو شرّ أو ما يترتّب عليه من ثواب وعقاب ، فإنّ ذلك نتائج الأعمال

قالعليه‌السلام : « من خُتم له بقيام ليلة ثمّ مات فله الجنّة »(٢)

ويحتمل أن يراد بالعمل هنا خصوص الزيارة ، أو خصوص الولاية فخاتمته يكون خيراً وثواباً كما أنّه يراد بالعمل هنا خصوص الولاية فخاتمته يكون خيراً وثواباً كما أنّه يراد به في قوله : « اللهم إنّي استودعك خاتمة عملي »(٣)

خصوص الإيمان والتوحيد المشار إليه بقوله : « من كان آخر كلامه لا إله إلّا الله وجبت له الجنّة »(٤) فإنّه لا معنى لاستيداع الله الشرّ من الأعمال

وكيف كان لو علّقنا الجار والمجرور بموقن فلا إشكال إذ المعنى أنّي على يقين بشرائع ديني وبنتائج عملي ، لأن الله ورسوله ، والأئمة أخبروني بذلك ، ولم أشك في صدقهم ، وأمّا على غير ذلك فلابدّ من تقدير إذ المعنى متلبّساً بشرائع ديني وبالإذعان بخواتيم عملي

قوله : ( وقلبي لقلبكم سلم ) : سلم : أي صلح لا حرب قال الطريحي : والسلم : المسالم يقال : أنا سلم لمن سالمني وحرب لمن حاربني(٥)

__________________

(١) أخرجه الكليني في الكافي ٢ : ٦٠ ، الحديث ٣ ، باب الطاعة والتقوى

(٢) الفقيه ١ : ٤٧ ، ووسائل الشيعة ٨ : ١٥٤

(٣) الكافي ٤ : ٢٨٣ ، والفقيه ٢ : ٢٧١

(٤) راجع الكافي ٢ : ٣٧٥ ، باب من قال لا إله إلّا الله

(٥) مجمع البحرين ٢ : ٣٨


وفي حديث وصف الأئمة : « يطهر الله قلب عبد حتّى يسلّم لنا ويكون سلماً لنا أي يرضى بحكمنا ولا يكون حرباً علينا »(١)

( وقلبي لكم مسلّم ورأيي لكم متّبع )(٢) والمعنيان متقاربان إذ المراد أنّه لا اعتراض لقلبي على أفعالكم ولا عداوة فيه لكم ، لأنّي أعلم أنّكم أولياء الله وعباده المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وفيه إشارة إلى ما أشرنا إليه من وجوب التسليم لهمعليهم‌السلام كما قال تعالى :( وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (٣) وإلى أنّ التسليم لا يكون إلّا بالقلب فلا يجدي مجرّد الدعوى باللسان

كيف وقد روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال : « بينا أمير المؤمنينعليه‌السلام في مسجد الكوفة إذ أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إني أحبّك ، قال : ما تفعل ؟ قال : والله إني لأحبّك ، قال : ما تفعل قال : بلى والذي لا إله إلّا هو قال : والله الذي لا إله إلّا هو ما تحبّني فقال : يا أمير المؤمنين إني أحلف بالله إنّي أحبّك وأنت تحلف بالله ما أحبّك والله كأنّك تخبرني إنّك أعلم بما في نفسي ، فغضب أمير المؤمنين فرفع يده إلى السماء وقال : كيف يكون ذلك وهو ربنا خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ثمّ عرض علينا المحبّ من المبغض فوالله ما رأيتك فيمن أحبّنا فأين كنت »(٤)

__________________

(١) الكافي ١ : ٦٩٤ باب أن الأئمة نور الله عزّ وجل

(٢) هذا مقطع من الزيارة الجامعة

(٣) سورة الأحزاب : ٥٦

(٤) أخرجه الصفّار في بصائر الدرجات ٢ : ٨٧ ، الحديث ٤ ، باب ١٥


والمراد بالقلب هو اللمعة النورانية الملكوتية التي بها يدرك حقائق الأشياء ، ويعرف لطائف الأسرار لا نفس الجسم الصنوبري المودع فيه هذه القوّة الملكوتية كالبصر المودع فيه القوّة الباصرة ، وإن شئت قلت : إنّه العقل الذي يعبد به الرحمان ويكتسب به الجنان ولذا قال : ( لقلبكم ) ، فإنّ قلوبهمعليهم‌السلام أوعية العلوم الإلهية وخزائن المعارف الربّانية فقلب الشيعة يسلّم كلّ ما يصدر من قلوبهمعليهم‌السلام لإذعانه بأنّه من الله واعتقاده بأنّه من منبع الحقّ ، فلا ينكره ولا يعترض عليه بلم ولا كيف ، وقلوب الشيعة مخلوقة من قلوبهم كما أنّ أجسادهم مخلوقة من فاضل طينتهم

وفي بعض الأخبار : « إنّا خلقنا من نور الله وخلق شيعتنا من دون ذلك النور فإذا كان يوم القيامة ألحقت السفلى بالعليا ، وفيه يا مفضّل أتدري لمَ سمّيت الشيعة شيعة ؟ يا مفضّل شيعتنا منّا ، ونحن من شيعتنا ، أما ترى هذه الشمس أين تبدو ؟ قلت : من مشرق ، قال : وإلى أين تعود ؟ قلت : إلى مغرب ، قالعليه‌السلام : هكذا شيعتنا ، منّا بدؤوا وإلينا يعودون »(١) ، وإنّما أفرد القلب مع إضافته إليهمعليهم‌السلام للإشارة إلى اتّحادهم في الحقيقة النورية القدسية

قوله ( وأمري لأمركم ) : يريد أنّه تابع لهم في جميع أحواله وأموره ، فإنّ المفرد المضاف مفيد للعموم على ما صرّح به جماعة ، فالمراد أنّه شيعة لهم يفتخر بمتابعته لهم في الأوامر والنواهي ، ويحذو حذوهم ويطابق فعله فعلهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة كما هو شرط صدق هذا الاسم على ما يقتضيه كثير من الأخبار

_________________

(١) بحار الأنوار ٢٥ : ٢١


وَنُصْرَتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ

النصرة : حسن المعونة ، والنصر : عون المظلوم ، والاعانة والناصر هو الذاب ( أي المدافع )(١)

يظهر من كثير الأحاديث والأدعية والزيارات : ان نصرة الدين تكون على يد بعض المؤمنين من الشيعة ففي الدعاء : « واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري » وفي الزيارة للشهداء : « السلام عليكم يا أنصار دين الله »

وانه لولاهم لا ندرس الدين وقد امر الأئمةعليهم‌السلام بمتابعتهم أي متابعة المؤمنين من الشيعة الكاملين الموصوفين بأوصاف خاصة من الايمان والتقوى وكما في الحديث عن الإمام الرضاعليه‌السلام : « ولكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله وقواه مبذولة في رضا الله يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العزّ في الباطل ، ويعلم ان قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّيه إلى دوام النعيم في ذر لا تبيد ولا تنفذ وإن كثير ما يلحقه من سرّائها أن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول ، فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم به فتوسّلوا فإنه لا ترد له دعوة ولا تخيب له طلبته »(٢)

فيعلم من هذا الحديث وأمثاله ان الشيعة هم الذين نصروا دين الله تعالى بتسديد أئمتهم وتعليمهم آباءهم وامدادهم لهم بأحاديثهم

_________________

(١) مجمع البحرين

(٢) بحار الأنوار ٢ : ٨٤


وفي كمال الدين وتمام النعمة(١) عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : ان الله تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلّا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان ، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإذا نقصوا شيئاً أكمله لهم ، ولولا ذلك لالتبست على المؤمنين اُمورهم ، فكذلك فقهاء الشيعة فإنهم أيضاً هم الأنصار للدين بالتعليم والاشاعة والارشاد كما لا يخفى وكيف لا وقد اخذوا علمهم من الأئمةعليهم‌السلام لا غيرهم حيث علموا أن الحق عندهم لا عند غيرهم ؟

وكيف كان فالنصرة لأهل البيتعليهم‌السلام من الشيعة حيث اخذوا منهم دينهم كانوا مأمورين بنصرة الدين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة الأئمةعليهم‌السلام بتبليغ الأحكام وارشاد الناس والجهّال كل واحد منهم بحسب ما عنده من العلم والايمان يكون معداً نفسه لنصرة أهل البيتعليهم‌السلام

بقي شيء وهو : إنه لا ريب في ان النصرة للدين من الأئمةعليهم‌السلام تكون بالأصالة وبالجعل الإلهي الذي منحهم به ، وأما بالنسبة إلى غيرهم فهو نصرة بالتبع حيث إنهم تابعون في العلم والأحكام والمعارف لأئمتهمعليهم‌السلام ، ففي الحقيقة ان النصرة العلمية بل والعملية تكون منهمعليهم‌السلام وما صدر من شيعتهم تكون بلحاظ متابعتهم للأئمةعليهم‌السلام ، وذلك لأن قبول العمل وقبول النصرة لهم من أي أحد كان إنما يصح إذا كان مقرّاً بفضلهمعليهم‌السلام ولولايتهم وتابع لامرهم في الدين فلا محالة تكون النصرة تبعية كذا قيل

_________________

(١) ١ : ٢٠٣


حَتّىٰ يَاْذَنَ اللهُ لَكُمْ ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ

حتّى ياذن الله لكم : أي يأذن بظهور دينه وغلبته على جميع الأديان كما قال تعالى :( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ففي المجمع البيان عن الباقرعليه‌السلام في هذه الآية : ان ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد فلا يبقى أحد إلّا أقرّ بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه أيضاً قال المقداد بن الأسود : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلّا أدخله الله الإسلام ، إمّا بعزّ عزيز أو بذل ذليل فيجعلهم الله من أهله فيعزّوا به وإمّا يذلهم فيدينون له »

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام إنه قال : « فو الذي نفسي بيده حتى لا تبقى قرية إلّا وينادي بشهادة ان لا إله إلّا الله محمد رسول الله بكرة وعشيا »(١)

فمعكم معكم : الفاء للتفريع على الجمل السابقة يعني بعد إيماني بكم قلباً ولساناً وسراً ، وبايابكم موقن وانتظاري لفرجكم وقلبي لقلبكم سلم واعدادي واستعدادي لنصرتكم فمعكم في حال حياتي باتباع أوامركم ونواهيكم ومعكم في الرجعة لنصرتكم والانتقام من أعدائكم

لا مع عدوكم : لان أعداءهم غير معتقدين بهذه الاُمور من فقرات الزيارة ومن الرجعة فلا محالة يستلزم الكون معهم أن لا يكون مع عدوهم على أن المعيّة معهم ملازم لمحبتهم وهو يلازم أن لا يكون مع عدوّهم ، فمع عداوتي لهم لا يمكن أن أكون معهم

ثم انه ليس المراد من المعيّة الزمانية أو المكانية ، بل المراد منها المعنوية ، وهي الحاصل من الاقرار بتلك الجمل والفقرات السابقة والاعتقاد بها مضافاً إلى أن المعية معهم هو المأمور بها من الله تعالى ففي البحار(٢) عن جابر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن أبي جعفرعليه‌السلام في قوله : « كونوا مع الصادقين » قال : « مع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله »

_________________

(١) بحار الأنوار ٥١ : ٦٠

(٢) بحار الأنوار ٣٤ : ٣١


صَلَواتُ اللهِ عَلَيْكُمْ ، وَعلىٰ اَرْواحِكُمْ وَاَجْسادِكُمْ ، وَشاهِدِكُمْ وَغآئِبِكُمْ ، وَظاهِرِكُمْ وَباطِنِكُمْ ، آمينَ رَبَّ الْعٰالَمينَ

أشار إلى أنّهمعليهم‌السلام في جميع أحوالهم وأطوارهم ومراتبهم ومقاماتهم وشؤونهم وكيفيّاتهم وظهوراتهم وتجليّاتهم وتنقّلاتهم مستحقّون للصلوات والتحيّات من خالقهم وبرائهم فإنّهم في جميع هذه الحالات لا يزالون عارجين معارج القرب ، سالكين مسالك الجذب ، متقرّبين إلى بساط الديموميّة ، بوسائل العبودية الكاملة كما قالعليه‌السلام : في دعائه يوم عرفه : « وأنا أشهدُ يا إلهي بحقيقيّة إيماني وعقد عزمات يقيني ، وخالص صريح توحيدي ، وباطن مكنون ضميري وعلائق مجاري نور بصري »(١)

فأشار بقوله : ( عليكم ) إلى مقام حقيقتهم المقدّسة ومرتبة نورانيّتهم العالية التي لم تلد ولم تولد ، ولم يعرفها غير الله أحد ، لكونها أوّل ما خلق الله في عالم الإبداع كما قال : ( نحن صنائع الله )(٢) ، وهذا هو المقام المشار عليه بقوله : « لولاك لما خلقت الأفلاك »

وإلى هذا المقام أشار أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله : « أنا ذات الذوات »(٣) وبقوله : « أنا المعنى الذي لا يقع عليه اسم ولا شبه »(٤)

_________________

(١) راجع مفاتيح الجنان للقمي : ٢٤٥ ، دعاء الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عرفة

(٢) أخرجه البرسي في مشارق أنوار اليقين : ٧٧ ، فصل ٤٢ ، ط الشريف الرضي ـ قم ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « أول ما خلق الله تعالى نوري ، ثمّ فتق منه نور عليّ ، فلم نزل نتردّد في النور حتى وصلنا إلى حجاب العظمة في ثمانين ألف سنة ، ثمّ خلق الخلائق من نورنا فنحن صنايع الله والخلق من بعد صنايع لنا »

(٣) راجع مشارق أنوار اليقين للبرسي : ٦٤ ، فصل ٢٨

(٤) أخرجه البرسي في المشارق : ٣١٨ ، فصل ١٥٠ وهي خطبة طويلة يعرف الإمامعليه‌السلام نفسه


قوله : ( وعلى أرواحكم ) يمكن أن يراد بها نفوسهم القدسية ، وأن يراد بها عقولهم الشريفة وهم وإن اتّحدوا في هذا المقام أيضاً ولكن الجمع باعتبار تعدّد الهياكل البشرية واختلاف المظاهر الجسمانية ، وذلك لا يوجب التعدّد في أصل الروح كالصورة المرئية في مرايا متعدّدة

وما الوجه إلّا واحد غير أنّه

إذا أنت عدّدت المرايا تعدّدا

ويحتمل أن يراد بالأرواح الأرواح الخمسة المشار إليها في جملة من الأخبار(١) ، مثل ما رواه جابر عن الباقرعليه‌السلام قال : « إنّ الله خلق الأنبياء والأئمة على خمسة أرواح : روح القوّة ، وروح الإيمان ، وروح الحياة ، وروح الشهوة ، وروح القدس ، فروح القدس(٢) لا يلهو ولا يتغيّر ولا يلعب ، وبروح القدس علموا يا جابر ما دون العرش إلى ما تحت الثرى »(٣)

وسئل الصادقعليه‌السلام عن قول الله :( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ) (٤) فقال : « ذلك فينا منذ أهبطه الله إلى الأرض وما يخرج إلى السماء »

وفي جملة من الأخبار أنّ الروح خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يوفّقه ويسدّده وهو مع الأئمة من بعده وهو من الملكوت

_________________

(١) راجع بصائر الدرجات للصفار ٩ : ٤٤٥ ، حيث ذكر روايات كثيرة تدلّ على هذا المطلب وبعضها قد تقدّم

(٢) في المصدر ( وروح القدس من الله وسائر هذه الأرواح يصيبها الحدثان )

(٣) بصائر الدرجات ٩ : ٤٥٤ ، الحديث ١٢

(٤) سورة الشور ی : ٥٢


وفي بعضها : أنّه لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد وهو مع الأئمة

وفي بعضها : إنّه خلق من خلقه له بصر وقوّة وتأييد يجعله الله في قلوب الرسل والمؤمنين(١)

وفي بعضها : « مثل المؤمن وبدنه كجوهرة في صندوق إذا خرجت الجوهرة منه طرح الصندوق ولم تتعب به ، قال : إنّ الأرواح لا تمازج البدن ولا تداخله إنّما هو كالكلل للبدن محيط به »(٢)

وفي بعضها : عن أبي بصير عن الباقرعليه‌السلام قال : سألته عن قول الله :( يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (٣) فقال : جبرئيل الذي نزل على الأنبياء ، والروح تكون معهم ومع الأوصياء لا تفارقهم تفقّههم(٤) وتسدّدهم من عند الله وأنّه لا إله إلّا الله محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبهما عُبد الله واستعبد الخلق

وعلى أجسادكم : جسم الإنسان وجسده وجثمانه هو مجموع أعضائه المؤلّفة من العناصر ، وربما يفرّق بين الجسم والجسد باختصاص الأوّل بما فيه روح أو تعميمه لذي الروح وغيره ، واختصاص الثاني بما خلا عن الروح ، ويحتمل أن يراد بأجسامهم أشباحهم النورانيّة ، لأنّ من مراتبهم ومنازلهم مقام الأشباح ، كما يدلّ عليه جملة من الأخبار ، ففي بعضها :

_________________

(١) أخرجها الصفّار في بصائر الدرجات ٩ : ٤٥٨ ، الحديث ١٤ ، الباب السادس عشر

(٢) أخرجه الصفار في البصائر ٩ : ٤٦٣ ، الحديث ١٣ ، عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام

(٣) سورة النحل : ٢

(٤) في بعض النسخ « توفّقهم » بدل « تفقّههم »


« إنّ آدم رأى على العرش أشباحاً يلمع نورها »(١) ، روى الصفّار في بصائر الدرجات ٢ : ٨٠ ، الحديث ١ الباب الثاني عشر ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : « إنّ الله خلق الخلق فخلق من أحبّ ممّا أحبّ وكان أحبّ أن يخلقه من طينة الجنّة وخلق من أبغض ممّا أبغض أن يخلقه من طينة النار ثمّ بعثهم في الظلال قال : قلت : أي شيء الظلال ؟ قال : ألم تر إذا ظلّل في الشمس شيء وليس بشيء ثمّ بعث فيهم النبيّين يدعونهم إلى الإقرار بالله وهو قوله : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله ، ثمّ دعاهم إلى الإقرار بالنبيّين فأقرّ بعضهم وأنكر بعضهم ثمّ دعاهم إلى ولايتنا فأقرّ والله بها من أحبب وأنكرها من أبغض وهو قوله :( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ) ثمّ قال أبو جعفرعليه‌السلام : كان التكذيب ثمّة »

ويحتمل أن يراد بالأجسام الأجساد الأصلية اللطيفة التي لا تتغيّر بمضيّ الدهور ، وورود آلافات ، وبالأجساد الأجساد العنصرية الزمانية التي تنقص وتزيد ، ويحتمل أن يراد بأحدهما الأجساد المثالية البرزخية وبالآخر هذا الهيكل المحسوس في هذا العالم ، وربما يفرّق بين الجسد والبدن ، بأنّ الأوّل لا يقال إلّا على الحيوان العاقل بخلاف الثاني ، وقد يقال البدن هو الجسد ما سوى الرأس

قوله : ( وعلى شاهدكم ) فيه أيضاً إقرار بشاهدهم وغائبهم كما في الزيارة الجامعة : ( مؤمن بسرّكم وعلانيّتكم وشاهدكم وغائبكم ، أوّلكم وآخركم ) ، قال السيد عبد الله شبرقدس‌سره في شرحه على هذه الفقرة في الأنوار اللامعة : ١٦٤ : « ( وشاهدكم ) من الأئمة الأحد عشر ، ( وغائبكم ) المهدي ، ( وأوّلكم ) عليّ بن أبي طالب ، ( وآخركم ) القائم لا كما تقول العامّة بإمامة أوّلكم دون الأخير أو الواقفة الذين وقفوا دون آخركم »

__________________

(١) بحار الأنوار ٢٦ : ٣٢٧


والمراد بشاهدهم يحتمل أن يكون الأئمة الأحد عشر الذين ظهروا على الناس في أزمنتهم وعرفوهم ولو في الجملة ، فالمراد بالغائب هو الإمام الثاني عشر ( عجل الله فرجه ) وقد اختلف الناس في وجوده وعدمه على أقوال متشتّتة ومذهب الإمامية إنّه حيٌّ موجود غاب عن أنظارنا لمصالح كثيرة

ويحتمل أن يكون المراد بالشاهد هو الإمام الحيّ في كلّ زمان فينعكس الفرض في هذا الزمان فإنّ القائم مشاهد ، وهم الغيب ، لأنّهم مضوا وقضوا نحبهم فالقائمعليه‌السلام قطب هذا الزمان ، ونقطة دائرة الإمكان ، وهو المدبّر في أمر الخلق المتصرّف في العالم بإذن الله تعالى ، وقد يقال : إنّ المراد حال حضورهم مع الخالق حال غيبتهم عمّا سوى الله ، ويسمّى بحال الفناء والمراقبة ، فإنّ لهم مع الله حالات كما في الحديث المعروف

قوله : ( وعلى ظاهركم ) أي وعلى سرّكم وعلانيتكم ، فالمراد بظاهرهم أعمالهم الظاهرة ، وببطانهم عقائدهم ونيّاتهم الباطنية على ما يظهر من بعضهم في تفسير قوله : « مؤمن بسرّكم وعلانيتكم » ، والظاهر أنّ المراد بالظاهر مقام بشريتهم المشار إليه بقوله :( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ) (١) ، وبالباطن هو مقام قربهم إلى الحقّ واختصاصهم بمزايا الإمامة التي لا يدركها إلّا الخصيصون والعارفون ، ويحتمل أن يزاد بظاهرهم في زمن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الهياكل الشريفة ، وبباطنهم كونهم في الأعصار السالفة مع الأنبياء السالفين كما يدلّ عليه حكاية أمير المؤمنينعليه‌السلام مع الجنّي الذي كان في زمن نوح ، ذكر السيّد هاشم البحراني في حلية الأبرار ١ : ٢٢٣ ، الباب الثاني ، ط الأعلمي ـ بيروت : «إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله
__________________

(١) سورة فصّلت : ٦


كان جالساً وعنده جنّي يسأله عن قضايا مشكلة فأقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام فتصاغر الجنّي حتى صار كالعصفور ثمّ قال : أجرني يا رسول الله ، فقال : ممّن ؟ قال : من هذا الشاب المقبل فقال : وما ذاك ؟ فقال الجنّي : أتيتُ سفينة نوح لأغرقها يوم الطوفان فلمّا تناولتها ضربني هذا فقطع يدي ، ثمّ أخرج يده مقطوعة فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : هو ذاك »

والجنّي الذي كان في زمن سليمان وفي المصدر نفسه : « إنّ جنياً كان جالساً عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام فاستغاث الجنّي وقال : أجرني يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من هذا الشاب المقبل قال : وما فعل بك ؟ قال : تمرّدتُ على سليمان فأرسل إليّ نفراً من الجنّ وطلت عليهم فجاءني هذا الفارس فأسرني وجرحني وهذا مكان الضربة إلى الآن لم يندمل »

وما ورد من أنّهعليه‌السلام كان مع الأنبياء باطناً ومع محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ظاهراً وباطناً ويرشد إليه أيضاً قوله : « أنا حملت نوحاً في السفينة ، أنا صاحب يونس في بطن الحوت ، أنا الذي جاوزت موسى البحر ، وأهلكت القرون الأُولى ، أعطيتُ علم الأنبياء والأوصياء وفصل الخطاب ، وبي تمّت نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله »

وقولهعليه‌السلام : « أنا الذي جحد ولايتي ألف أُمة فمسخوا ، أنا المذكور في سالف الزمان والخارج في آخر الزمان »(١)

ويدلّ عليه أيضاً حكايته مع اُمّه فاطمة بنت أسد ومع سلمان الفارسي حيث نجّاهما من الأسد روى السيّد هاشم البحراني في مدينة المعاجز ١ : ٢٦٠ ، الحديث ٢٣٤ عن البرسي قال : « رويت حكاية سلمان وأنّه لمّا خرج عليه الأسد
__________________

(١) أخرجه البرسي في مشارق الأنوار : ٣٢٠ ، فصل ١٥٠ ، ط الشريف الرضي


قال : يا فارس الحجاز أدركني فظهر إليه فارس وخلّصه منه وقال للأسد : أنت دابته من الآن فعاد يحمل له الحطب إلى باب المدينة امتثالاً لأمر عليعليه‌السلام »

وظهوره على فرعون لمّا همّ بقتل موسى بصورة شاب لابس لباس الذهب ، روى السيّد هاشم البحراني في حلية الأبرار ١ : ٢٢٤ : « إنّ فرعون لعنه الله لمّا ألحق هارون بأخيه موسىعليه‌السلام دخلا عليه يوماً وأوجسا خيفة منه فإذا فارس يقدمهما ، ولباسه من ذهب وبيده سيف من ذهب وكان فرعون يحبّ الذهب فقال لفرعون : أجب هذين الرجلين وإلّا قتلتك فانزعج فرعون لذلك وقال : عد عليّ غداً

فلمّا خرجا دعا البوّابين وعاقبهم وقال : كيف دخل عليّ هذا الفارس بغير إذن فحلفوا بعزّة فرعون أنّه ما دخل إلّا هذان الرجلان وكان الفارس عليّعليه‌السلام هذا الذي أيّد الله تعالى به النبيّين سرّاً وأيّد به محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله جهراً إلّا أنه كلمة الله الكبرى التي أظهرها لأوليائه فيما شاء من الصور فينصرهم بها وبتلك الكلمة يدعون فيجيبهم الله وينجيهم وإليه الإشارة بقوله :( وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا ) ، قال ابن عباس : كانت الآية الكبرى لهما هذا الفارس » ، وغير ذلك من الغرائب المعروفة ، وقال : « أنا والهداة من أهل بيتي سرّ الله المكنون ، وأولياؤه المقرّبون كلّنا واحد ، وأمرنا واحد ، وسرّنا واحد فلا تفرّقوا بيننا فتهلكوا ، فإنّا نظهر في كلّ زمان بما شاء الله فالويل كلّ الويل لمن أنكر ما قلت ، ولا ينكره إلّا أهل الغباوة ومن خُتم على قلبه وسمعه وجعل على قلبه غشاوة »(١)

__________________

(١) أخرجه البرسي في مشارق أنوار اليقين : ٣٠٦ ، وتقدّمت هذه الخطبة


ويحتمل أن يراد بظاهرهم علومهم الظاهرة من علوم الشريعة المتعلّقة بالحلال والحرام والحدود والأحكام ، وبباطنهم الأسرار المكنونة التي لا يطّلع على بعضها سوى أهل سرّهم كسلمان وكميل وغيرهما ، وفي هذا المقام قال : « لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لكفّره أو لقتله »(١)

وقالعليه‌السلام :

( إنّي لأكتم من علمي جواهره

كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتننا )(٢)

إلى آخر الأبيات

وقالعليه‌السلام : « إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلّا ملك مقرب ، أو نبيّ مرسل ، أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان »(٣)

وأمثال هذه الكلمات منهم كثيرة لا تحصى ، ويحتمل أن يراد بظاهرهم الإمامة والخلافة ، وبباطنهم حقيقتهم النورانية المجرّدة التي لا ينال إلى إدراكها أيدي العقول كما قال : « ظاهري إمامة وباطني غيب لا يدرك »(٤) ، وقال :
__________________

(١) ذكره السيّد المرحوم عبد الله شبّر في مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار ١ : ٣٤٨ ، الحديث الثالث والخمسون نقلاً عن الكافي ، واحتمل فيه ستّة احتمالات منها وهو الخامس : « أن يكون المعنى لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان من العلم لقتله ، لأنّ أبا ذر يعلم أنّ في قلب سلمان علماً ويعلم أنّه لا يجوز له إظهاره تقيّة فمع ذلك إذا أظهر سلمان ما في قلبه لأبي ذر ولم يتّق منه لقتله لعدم جواز إظهاره لذلك العلم ولا يخفى بعده »

(٢) هذه الأبيات منسوبة للإمام زين العابدينعليه‌السلام

(٣) أخرجه الصفّار في بصائر الدرجات ١ : ٢٦ ، باب ١٢ ، الحديث ٢

(٤) راجع بحار الأنوار ٢٥ : ١٧١ ، الحديث ٣٨ ، الباب الرابع


« نحن في الحقيقة نور الله الذي لا يزول ولا يتغيّر »(١) ، ويحتمل أن يراد بظاهرهم الناطق منهم وبباطنهم الصامت ، فإنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام كانا صامتين في زمن عليّعليه‌السلام ، كما أنّ الحسين كان صامتاً في زمن الحسنعليه‌السلام ، وهكذا سائر الأئمة وهذا لا ينافي إمامة الصامت كما لا يخفى ، وإليه الإشارة بقوله : « إمامان قاما أو قعدا »(٢) وسأل يعقوب السرّاج أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال : « متى يمضي الإمام حتّى يؤدّي علمه إلى من يقوم مقامه من بعده ؟ قال : لا يمضي الإمام حتّى يفضي علمه إلى من انتجبه الله ، ولكن يكون صامتاً معه فإذا مضى ولي العلم نطق به من بعده »(٣) وفسّر في الأخبار ( البئر المعطّلة والقصر المشيد ) في قوله :( وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ) (٤) بالإمام الصامت والناطق

ويحتمل أن يراد بظاهرهم شاهدهم وبباطنهم غائبهم فيكون العطف للتفسير والتأكيد فيجري فيهما ما تقدّم فيهما

ولذا قال في الخطبة النورانية : « إنّ غائبنا إذا غاب لم يغب » ومن هنا ينكشف سرّ حديث « الضيافة ، وغزوة الأحزاب والبصرة » ، وعن ابن شهر آشوب : « ان القوم لما انهزموا يوم الأحزاب انقسموا سبعين فرقة في كل فرقة ترى وراءها معها علي بن أبي طالب »(٥) وعن الإمام الصادقعليه‌السلام قال : جاء الناس إلى الحسن بن علي
__________________

(١) مشارق أنوار اليقين : ٣٠٦ ، ط الشريف الرضي ـ قم

(٢) بحار الأنوار ١٦ : ٣٠٦

(٣) بحار الأنوار ٢٦ : ٩٥

(٤) سورة الحج : ٤٥

(٥) مدينة المعاجز ٢ : ١٢


فقالوا : أرنا عجائب أبيك التي كان يريناها ؟ فقال : أتؤمنون بذلك ؟ قالوا : نعم نؤمن بذلك قال : أليس تعرفون أبي ؟ قالوا جميعاً : بلى نعرفه ، فرفع لهم جانب الستره فإذا أمير المؤمنينعليه‌السلام قاعد فقال : تعرفونه ؟ قالوا بأجمعهم : هذا أمير المؤمنينعليه‌السلام ونشهد أنّك وليّ الله حقاً ، والإمام من بعده ، ولقد أريتنا أمير المؤمنين بعد موته ، كما أرى أبوك أبا بكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جدّك في مسجد قبا بعد موته »(١)

( وقد أرى أمير المؤمنين أبا بكر رسول الله بعد وفاته في مسجد قبا ) ، كما روى الصفّار ذلك عن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لقي أبا بكر فاحتجّ عليه ثمّ قال له : أما ترضى برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيني وبينك ؟ قال : فكيف لي به ؟ فأخذ بيده وأتى مسجد قبا فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه فقضى على أبي بكر فرجع أبو بكر مذعوراً فلقي عمر فأخبره فقال : مالكَ أما علمتَ سحر بني هاشم »(٢)

وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال : « يموت من مات منّا وليس بميّت ويبقى من بقى منّا حجّة عليكم »(٣)

ويصدقه قول الله :( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (٤)

__________________

(١) بصائر الدرجات ٦ : ٢٧٥

(٢) نفس المصدر

(٣) نفس المصدر

(٤) سورة آل عمران : ١٦٩


والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله الطاهرينعليهم‌السلام

ونستغفر الله تعالى من الزيادة والنقصان ، والسهو والغلط والنسيان ، إنه غفور منان والله عالم بعواقب الأُمور ومصالح العباد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تم بعون الله
٣٠ / صفر / ١٤٢٦ هـ
قم المقدسة


الفهرست

معنى المعرفة في زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام ٥

الحكمة من زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام ١١

مواسم زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام :١٥

آثار وفضل زيارة الإمام الحسين عليه‌السلام ١٨

مَن زاره عليه‌السلام ماشياً :١٨

كرامة الله لزوّار الحسين عليه‌السلام :١٩

أيام زائري الحسين عليه‌السلام لا تعد من أعمارهم :١٩

إنّ زائر الحسين عليه‌السلام يكون في جوار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمة عليهما‌السلام :١٩

إن زائر الحسين عليه‌السلام يدخل الجنّة قبل الناس :١٩

مَن زار الحسين عليه‌السلام كَمن زار الله في عرشه :٢٠

مَن زار الحسين عليه‌السلام كُتب في أعلى عليّين :٢٠

إنّ زيارة الحسين عليه‌السلام تزيد في العمر والرزق :٢٠

إنّ زيارة الحسين عليه‌السلام تحط الذنوب :٢٠

إنّ زيارة الحسين عليه‌السلام تعدل عمرة وتعدل حجّة :٢٠

إنّ زيارة الحسين عليه‌السلام تعدل عتق الرقاب :٢١

إنّ زوّار الحسين عليه‌السلام مشفّعون :٢١

إنّ زيارة الحسين عليه‌السلام يُنفّس بها الكرب وتُقضى بها الحوائج :٢١

في معنى الزيارة ووظائفها٢٦

السر في عدد الأربعين ٣٥


متن زيارة أربعين الإمام الحسين عليه‌السلام ٤٠

من هو الإمام الحسين عليه‌السلام ؟٧٠

أولاد الحسين عليه‌السلام :٧١

اخوة الإمام الحسين عليه‌السلام :٧٢

قوله عليه‌السلام في الزيارة المظلوم الشهيد :٧٣

من هو المظلوم ومَن هو الظالم :٧٣

بطيب الولادة :٩٧

ولادة الإمام الحسين عليه‌السلام :٩٨

كلمة حول النفاق والمنافقين :١٥٣

الفهرست ٢٤٥


النور المبين في شرح زيارة الأربعين

النور المبين في شرح زيارة الأربعين

مؤلف: مهدي تاج الدين
الناشر: دار الأنصار
تصنيف: متون الأدعية والزيارات
ISBN: 964-8956-16-2
الصفحات: 246