آلاء الرحمن في تفسير القرآن الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي
تفسير القرآن


آلآءُ الرَّحْمنْ

في

تفسير القرآن

ألجزء الثاني

أوّله سورة النساء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وله الحمد وهو المستعان وأفضل الصّلاة والسّلام على خيرته من خلقه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد المرسلين وآله الطاهرين المعصومين صلواته عليهم أجمعين.

وبعد فهذا هو الجزء الثاني من كتاب آلاء الرحمن في تفسير القرآن. وقد تحريت فيه الاختصار مهما أمكن. مقتصرا على المهم في البيان سائلا من الله التوفيق والتسديد والإعانة إنّه أرحم الراحمين وخير معين

(سورة النساء)

مائة وست وسبعون آية عند الكوفيين وعند المكّيين والمدنيّين مائة وخمس وسبعون ، والخلاف في الفواصل. وهي مدنيّة. ولما كانت هذه الصورة متضمنة لتأسيس الأحكام الاجتماعية الجارية على حقيقة العدل ورعاية الحقوق على خلاف ما كان معتاداً قد استحكمت به صراوة النفوس الوحشية بحيث جعله الجور وتشريعات الباطل سنَّة متّبعة وخيّله الهوى بمغالطاته عملا سائغا. فكان الناس منهم من لا يرى حرمةً لمال اليتيم الذي يرّبونه ومن لا يرى للطفل والمرأة حقّا في الميراث. ومنهم من لا يتحرّج من أكل مهر المرأة. وقد بقي من ذلك الداء الردي والعدوان الوخيم أثر في كثير من المسلمين إلى هذا العصر. وقد اقتضت الحكمة ترويض


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ

____________________________________

النفوس على ما يشرع في ذلك من الأحكام وعلى إجرائها على حقيقتها وحقوقها وعدلها. وأن تقام بالموعظة والتذكير والإشارة إلى جلال الله وقدرته العامة سيطرة روحية تقاوم الأهواء وتراقب النفوس وتحاسبها وتردعها في ظواهر أمورها وخفياتها. وما هذه السيطرة إلّا لملكة تقوى الله مالك أمر الإنسان في مبدئه ومعاده والمطّلع عليه في جميع أحواله. فإنَّ استقامة الإنسان في الظاهر والخفاء إنّما يكون لها وجود وثبات إذا كانت منبعثةً بتقوى الله. وأمّا السيطرة السياسية مهما كانت فإنها لا تردع الإنسان عن خفيّاته واختلاساته. وإنَّ الأخلاق مهما كانت لا تسير مع شريعة الحق إلّا إذا كانت بتأديب تقوى الله وترويضها

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) جمع إنسان وهو شامل لكل بشر على الأرض كما لا يخفى ولام التعريف هنا تفيد العموم لغة. ومن المعلوم في دين الإسلام أنَّ رسول الله (ص) رسولٌ إلى كافّة نوع الإنسان بلا استثناء. وفي سورة الأعراف ١٥٩( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) وأنَّ الشريعة عامة لجميع البشر لا تخصُّ قسما من الإنسان ولا يخرج من نعمتها وعدلها قسم منه ومن المعلوم من الدين والعقل أنَّ تقوى الله مطلوبة من جميع الناس لأجل سعادتهم في الدارين ونظام جماعتهم في الدنيا. فلا يختص بها قسم من الإنسان ولا يمنع الله نعمة الأمر بها عن قسم من نوع الإنسان البالغ العاقل. ومن النظر إلى هذه الوجوه يكون لفظ الناس هنا نصّا على العموم( اتَّقُوا ) قد مرّ بيان معنى التقوى في الصفحة الرابعة والستين من الجزء الاوّل وغيرها( رَبَّكُمُ ) خالقكم ومربيكم ومالك أموركم جميعا. وهل من المعقول أنْ لا يتقى( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) هو آدم أبو البشر وفي هذا بعد الامتنان والتذكير بالقدرة نوع استعطاف للناس بعضهم على بعض بما بينهم من الاتصال في النسب والاشتباك في الرحم. فإن الاتصال بالنسب مرعي عندهم فإنَّ الاسرائيلي يرعى للاسرائيلي إسرائيليته وكذا القحطاني للقحطاني وان كان الاتصال بينهما مضى منذ ألوف من السنين ونوع الإنسان مهما تباعدت أفراده وشكَّ في إتصالها في نحو خاص من صحيح النسب فإنّه لا يشكُّ في إتصالهم في الولادة من آدم. وقد سمَّى الله البشر في القرآن بني آدم في سبع مواضع لا يحتمل ذو الرشد من


المسلمين أن يراد منهم بعضهم. وقد تكرر في القرآن أنَّ أول هذا البشر الموجود والمسمى بالإنسان هو آدم. ففي سورة السجدة المكّية ٦( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) وكذا في سورة البقرة ٣٠( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ٣٣ والحجر المكّية ٢٨( خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) ٣١ وسورة ص ٧١( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) ٧٨ وما في هذه السور وآياتها من أمر الملائكة بالسجود لآدم واستكبار إبليس وقد ربط الله في القرآن خلق الإنسان بخلقة آدم من الطين. ففي سورة الانعام ٢( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) والصافات ١١( خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) والرحمن ١٣( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ) وعلى ما ذكرناه إتفاق المسلمين وحديثهم المتواتر في المعنى ولم يشذ منهم إلّا الجاحظ على ظاهر ما حكاه السيد الرضي في حقائق التأويل حيث قال ما ملخصه ومن غريب كلامه قوله: معنى من نفس واحدة على هيئة واحدة ومعنى وخلق منها زوجها جعل زوجها من جنسها ليسكن إليها ولا يستوحش منها إنتهى وليت شعري إذا كان معنى النفس الهيئة فعلى مَ يعود الضمير في قوله( زَوْجَها ) والضمائر في قول هذا القائل «زوجها. جنسها. يسكن إليها. لا يستوحش منها».؟ وفي تفسير المنار نقل عن أستاذه عدّة جمل -

الاولى : منها (ليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر) ويردها أنَّ ذلك معلوم مما تقدّم من الآيات وغيرها ومتواتر الحديث وإجماع المسلمين -

الثانية: «والقرينة على أنّه ليس المراد هنا بالنفس الواحدة آدم قوله( وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) بالتنكير وكان المناسب على هذا الوجه أن يقول: وبثَّ منها جميع الرجال والنساء» ويردها مع ما ذكرناه من أسباب العلم أنَّ المناسبة لا تنحصر بما اقترحه فإنَّ هذا المعنى أي بثّ جميع الناس من آدم قد تقدّم بقوله تعالى في خطاب الناس( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) وما أشرنا إليه من السور السبع ولم يتعلّق الغرض هنا بتأكيد ما تقدّم بما اقترحه بل الغرض بيان معنى تأسيسي وهو حال الخلق للناس في التدّرج من خلق النفس الواحدة إلى خلق زوجها إلى بثِّ الكثير من نسلهما الذي خلق الناس منه بالتناسل التدريجي -

الثالثة: في مراعاته لما يزعمه أهل الصين في نسبة البشر إلى أب آخر ويذهبون بتأريخه إلى زمن بعيد. وإنّ من الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما. وفي حذره من أنْ يثبت ما يقوله الباحثون من الافرنج من أنَّ لكل صنف من أصناف البشر أبا. أقول: ومن العجيب أن تنبذ المعلومات الإسلامية من


وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ

____________________________________

القرآن الكريم والحديث المتواتر والإجماع ظهريا لأجل زعم أهل الصين أو حذرا من الآراء الجديدة كتسلسل الأنواع والتولد الذاتي كما أحدثه داروين. وقال التلميذ ج ٤ ص ٣٢٧ أنَّ المتبادر من لفظ النفس أنَّها هي الماهية والحقيقة التي كان بها هذا الكائن الممتاز أي خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة. أقول: إنَّ النفس وان كانت كسائر الموجودات الخارجية ينتزع العقل منها بتحليله جنسا وماهية كلية لكن الآثار الخارجية كالخلق منها لا تتعلق إلّا بالفرد الخارجي وإذا قيد بالوحدة امتنع احتمال التعدد فيه فالذي يفهم من النفس الواحدة هنا ليس إلّا الفرد الخارجي الواحد بالشخص كما هو المفهوم من جميع استعمالات القرآن الكريم للنفس. ثم نسأل هذا القائل ما هو معنى قوله تعالى( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) وما هو زوج الماهية المخلوق منها وهو مقابل لها بالزوجية. وما معنى قوله تعالى( وَبَثَّ مِنْهُما ) . ولهما في المقام كلمات(١) طويلة يفضي التعرض لها إلى طول ممل. ولو لا ان العصر الحاضر مما تنمو به هذه البذور وأمثالها لما تعرضنا لما ذكرناه( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) وهي حوا( وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ ) كما تعرفون انه الإله القادر القاهر المجازي على الأعمال بحيث( تَسائَلُونَ بِهِ ) أي تتساءلون وحذف إحدى التائين في مثل هذا مطرد في العربية. وكرر الأمر بتقوى الله مبالغة في التأكيد. وفي الكلام احتجاج على الناس حتى الوثنيين بما معناه انكم في مهماتكم يسأل أحدكم الآخر بالله لما تعرفونه من عظمته ومقام إلهيته اذن فاتقوه( وَ ) اتقوا( الْأَرْحامَ ) أي اتقوا شر قطيعتها واثرها في ظلم ذوي الأرحام فانكم ترعون نوعا لاولي الأرحام حرمة الرحم وتحذرون نوعا من وبال قطيعتها ونكال الله في ذلك. وفي صحيحة الكافي عن جميل عن الصادق (ع) ان الله أمر بصلتها وعظمها ألا ترى أنّه جعلها معه إنتهى أي قرن الأمر

__________________

(١) منها التشبث لرأيهما ص ٣٢٥ بما رواه الشيعة من انه خلق قبل آدم خلق كثير ثم بادوا ثم بعد ذلك خلق آدم أبو هذا النسل خليفة لمن باد قبله كما أشرنا إليه في معنى الخليفة في الصفحة ال ٨٢ من الجزء الاول وقد أشرنا هناك أيضا إلى رواية الحاكم لذلك عن ابن عباس ورواية الطبري أيضا في تفسيره وهذه الروايات من الفريقين دالة على ان جميع البشر الموجودين في زمان الرسول هم متسلسلون من أب واحد ونفس واحدة شخصية وفي هذا أيضا رد لما زعماه


إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (٢)وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٣)وَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ

____________________________________

باتقائها بالأمر بتقواه. ونحوه عن العياشي عن عمر بن حنظلة عنه (ع)( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) لا يخفى عليه شيء ولا يفوته شيء بل يحاسبكم ويجازيكم في أمر الأرحام ٢( وَآتُوا الْيَتامى ) إذا بلغوا الرشد( أَمْوالَهُمْ ) ويلزم من ذلك وجوب حفظها لهم والنهي عن أكلهم لها( وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) أي لا تجعلوا الخبيث بدلا تأخذونه بالطيب مثل قوله تعالى في سورتي البقرة ١٠٦( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ ) والأحزاب ٥٢( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ) والتبدل كالاستبدال يتعدى إلى المأخوذ أو المنتحل بنفسه ويتعدى إلى المرغوب عنه بالباء. وفي تفسير البرهان عن نهج البيان للشيباني «قال ابن عباس لا تتبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم لأجل الجودة والزيادة فيه وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله» والظاهر ان الوصف بالخبث من أجل الحرمة وبالطيب من أجل الحل واستفادة الجودة والزيادة من دواعي التبدل الذي يكون به المأخوذ حراما خبيثا. وإلى ما ذكرناه يرجع ما جعله في التبيان أقوى الوجوه وتبعه في المجمع( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إلى أَمْوالِكُمْ ) ليس المراد هو النهي عن خصوص الأكل بمعناه الحقيقي بل الأكل هنا مجاز بمعنى الأخذ والغصب وضم الغاصب لها إلى أمواله وأشير إلى ذلك بقوله تعالى( إِلى أَمْوالِكُمْ ) ليفهم من الأكل ما يناسب كلمة «إلى» جريا على الغالب من كون المتسلطين على أموال اليتامى ذوي أموال وإن كانت عند بعضهم قليلة( إِنَّهُ ) أي غصب مال اليتامى المكنى عنه بالأكل المنهي عنه( كانَ حُوباً كَبِيراً ) فسروا الحوب بالإثم. وفي المصباح المنير باكتساب الإثم ٣( وَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تُقْسِطُوا ) قد قدمنا في الآية السادسة عشرة من سورة آل عمران ان القسط والاقساط إنّما هما مقاربان في المعنى للعدل لا مراد فان له على معنى واحد والظاهر بحسب التتبع لموارد الاستعمال ان الاقساط هو معاملة الطرف الواحد بالحق والإنصاف وان العدل هو الجري على الحق في المعاملة مع الاثنين أو الأكثر أو في الحكم بينهم أو هو ما يعم هذا المعنى ومعنى الاقساط( فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) وقد اضطربت الأوهام في هذه الآية


وتعسفت في الاعتراض والتفسير توهما لكون المراد من اليتامى في هذه الآية هو المراد منهم في الآية السابقة وهم الذكور والإناث الصغار الذين لم يخرجوا من الصغر إلى البلوغ بحسب حال الذكر والأنثى وتوهما لكون المراد من «تقسطوا» هو الاقساط في أموالهم كما هو مضمون الآية السابقة فشذت الافهام عن الوصول إلى حقيقة الربط بين قوله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) وبين قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) فلما ذا يغيب عن الافهام ان لفظ اليتيم واليتامى قد تقتضي المناسبات ومحاسن الكلام ان يستعمل فيمن انقضى عنه اليتم فيقال يتيم ويتامى لغرض يدعو إلى ذلك. انشد السيد الرضي في حقائق التأويل : -

إنَّ القبور تنكح الأيامى

النسوة الأرامل اليتامى

وحكي عن الأصمعي عن بعض العرب :

أحب اليتامى البيض من آل سامة

واكره منهن اليتامى الفواركا

إذن فما ظنك بحسن الاستعمال فيمن هنَّ قريبات العهد بزمان اليتم وقد بقيت عليهن آثاره. ولماذا لا يلتفت إلى أنَّ الحكم بحسب مناسبته كثيرا ما يكون هو المبين لموضوعه والمعين له. وكثيرا ما يدل طرف الكلام على تعيين المراد من طرفه الآخر كما تقول لمن يريد التزويج في وقته المرتضعات من أمهاتهن تزوج منهم. وقد يؤتى بالحكم في بليغ الكلام على وجه يعم موضوع الكلام وغيره كما إذا سألت الطبيب عن أكل التفاح فقال يجوز لك أنْ تأكل ما اشتهيت من فواكه الصيف إلى المقدار الفلاني. ولئن اخفت الغفلات وجه الدلالة فإنه يتضح بالنظر إلى قوله تعالى في هذه السورة ١٢٦( يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) الظاهر من الإطلاق كون الاستفتاء عن الأمر المختص بالنساء وهو التزوج بهن لا من حيث اصل التزوج فإنه لا يشك فيه أحد لكي يستفتي عنه بل عن التعدد( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ) بما شرعه في أمرهن( وَ ) يفتيكم أيضا بذلك كلما قرأ القرآن وحيه المنزل وهو( ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي ) شأن( يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي ) توليتم أمورهنَّ بعد موت آبائهنَّ وبلغن مبلغ النساء واستحققن أن تؤتوهنَّ ما كتب لهن من ميراثهن ونمائه مثلا وأنتم من حرصكم واثر العادة الجاهلية( لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ) مما ذكر( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ) أي ترغبون في أن تنكحوهنَّ فإنّه الظاهر في التقدير دون كلمة «عن» ويكون هذا الظاهر محكما بالنظر إلى أنّه ليس في القرآن فتوى في اللاتي يرغب عن نكاحهنَّ بل الفتوى في الكتاب إنّما تنطبق على اللاتي يرغب في


نكاحهنَّ وهي قوله تعالى( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) (١) فيكون محصل الكلام في الآية هو انه بعد أن جرى التعرض لأموال اليتامى جرى التعرض ليتامى النساء في المعاملة معهن في ذواتهن بالقسط بمعنى انكم إذا أحس أحدكم من نفسه انه لا يسمح لمن عنده من يتامى النساء ان يؤتيها ما كتب الله لها من الأموال لئلا تذهب به إلى من يتزوّجها وترغبون في ان تتزوجوّهن إمّا رغبة في أموالهنّ وبقائها في حوزتكم أو رغبة فيهنّ ولكنّكم تتحرّجون من التزوج بهنّ إمّا لتوهم الحرج في تعدد الزوجات أو في نكاح من ربيت يتيمة عندكم قياسا على الربائب كما أشار إليه القمّي في تفسيره فتخافون من أجل ذلك أن تمنعوهنَّ من الزواج فلا تقسطوا فيهن بل تظلمونهن بذلك فإن الله جلت آلاؤه يرشدكم إلى رفع هذا الخوف بان تتزوّجوهنّ وان كنتم ذوي زوجات فانه أحلَّ لكم ولغيركم في الشريعة ان تنكحوا ما طالب لكم بالحل من النساء اللاتي لم يذكر تحريمهن في الشريعة إلى اربع. و «ما» في ما طاب الاشارة إلى عنوان الجنس المتصف بالحل بجميع اصنافه من حيث الثيبوبة والبكارة والمال والجمال والفقر وعدم الجمال وكونها يتيمة مرباة أو غير ذلك ولو قيل «من طبن» لتوجه الذهن إلى اعيان المحللات وفاتت فائدة الإشارة المذكورة. واما الأمر في قوله تعالى( فَانْكِحُوا ) فانه بحسب وجه الكلام في الجملة الشرطية وعنوان الأسلوب والسياق ما هو إلّا للإرشاد إلى نحو من أنحاء التخلص مما يخافونه من عدم الاقساط مع إمكان التخلص أيضا بجهاد النفس وكفها عن الحرص في أموال اليتامى. فالآية الكريمة اذن جارية في خصوصياتها واشاراتها وقرائنها على النحو السامي من البراعة والمنهج الواضح في البلاغة. ولنا الفخر إذا اهتدينا بالتدبر في خصوصياتها وقرائنها ومزاياها إلى ما هي عليه من اتساق النظام ، وسداد الانتظام وبراعة الأسلوب( مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) أي اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا بحسب ما تريدون. والمعدودات بدل تفصيلي من «ما طاب» ومنعت هذه الكلمات من الصرف لكونها معدولة عما

__________________

(١) وفي كتابي التفسير من جامعي البخاري ومسلم من طريق الزهري عن قول عائشة في آخر الحديث «رغبة أحدكم عن يتيمته. من أجل رغبتكم عنهن» لكن الحديث مضطرب الأطراف ، متدافع الكلمات فإن في آخره أيضا «ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء» وفي اوله «يعجبه مالها وجمالها ويريد ان يتزوجها» وفي الحديث أيضا ان الذي يتلى في يتامى النساء هو قوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تُقْسِطُوا الآية. وزد على ذلك ما تجده من التدافع والاضطراب بين هذه الرواية في تفسير الآيتين وبين ما رواه هشام عن أبيه عروة عنها كما في جامع مسلم. فدع هذا الحديث لما به


فَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً

____________________________________

فسرناها به ولتضمنها الوصفية فإنك تصف المعدود وتقول جاءني رجال اربعة ونساء اربع( فَإِنْ خِفْتُمْ إلّا تَعْدِلُوا ) بين المتعددات في حقوقهن والتسوية بينهن فإن اكثر حقوقهن متساوية متكافئة ان زيدت إحداهن كان ذلك جورا على غيرها منهن( فَواحِدَةً ) بالنصب على المفعولية بكلمة «انكحوا» مقدرة يدل عليها «فانكحوا» المتقدمة ولا بد من ان تكونا بمعنى واحد في المادة والهيئة كما هو شأن المقدر وما يدل عليه. فكما كان الدال للإرشاد بكون المقدر أيضا للإرشاد إلى احدى الطرق المؤمنة من عدم العدل وان كان من الطرق أيضا ان يروض نفسه فيتبع العدل بحسب تكليفه في الحقوق الشرعية فإن هذا العدل مستطاع مقدور بالبداهة. وكيف يكون غير مستطاع مع قوله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ ) ومع الإرشاد السابق ولازمه من إباحة ما زاد على الواحدة إلى الأربع. وأما قوله تعالى ١٢٨( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) فإن المراد فيه هو العدل في المودة القلبية لأن أسبابها خارجة عن الاختيار فإن منها جمال هذه أو حسن أخلاقها ، وقبح تلك أو سوء أخلاقها. وفي الكافي بسنده ان ابن أبي العوجاء اعترض على هشام بن الحكم بزعمه تناقض الآيتين فسأل هشام الصادق (ع) فأجابه ان الاولى في النفقة والثانية في المودة. وقد اقتصرعليه‌السلام على ذكر النفقة من حقوق الزوجات اكتفاء بها في التفرقة بين الآيتين. وأظن أن هشاما لا يخفى عليه الجواب ولكنه سأل الإمام ليأخذ الحقيقة من معدنها أمناء الوحي أحد الثقلين اللذين لن يتفرقا. فإنه لو تكلم واحد من البشر بمثل الآيتين لوجب في الاستقامة والفهم ان يحمل كلامه على اختلاف متعلق العدل كما في الآيتين(١) والمفهوم من قوله تعالى( وَإِنْ خِفْتُمْ

__________________

(١) ولكن بعض المعاصرين قد اثرت بهم ضجة الغربيين في منع تعدد الزوجات فكتب بعض في كتابه تحرير المرأة المطبوع في مصر سنة ١٣١٦ ص ١٣٨ : والذي يطيل البحث في النصوص القرآنية يجد أنها تحتوي إباحة وحظرا في آن واحد. وذكر الآيتين. وكتب آخر ما معناه : إن تعدد الزوجات كان جائزا للصدر الاول إذ كانوا يستطيعون العدل ولم تكن آية وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا جارية في شأنهم واما أهل العصور المتأخرة فالعدل غير مستطاع لهم إنتهى وليته عرف ان المخاطبين بأنهم لن يستطيعوا ان يعدلوا بين النساء إنّما هم الصدر الأول فعليه ان يفهم العدل الذي لا يستطاع في أي شيء هو لكي يعرف كيف يتكلم

وفي الجزء الرابع من تفسير المنار ص ٣٤٩ - ٣٥١ بل إلى ٣٥٨ بل إلى ٣٧٠ كلام ليته لم يكتب في تفسير القرآن الكريم في التشريع الإلهي. نعم ذكر في أثناء هذا الكلام كلمات عن الكاتبات الغربيات كما في ص ٣٦٠ - ٣٦٢ ما يصلح ان يكون ردا عليه. ومن المعلوم ان جل ما ينقم في ذلك الكلام على تعدد الزوجات انما


أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ

____________________________________

أَلَّا تَعْدِلُوا ) هو انه إذا أوجس أحدكم من نفسه أو غيره امرا يخاف ان يغريه من حيث التعدد وهذا قليل الوقوع وليس المفهوم هو مجرد التجويز لأن يضعف في المستقبل التزامه بالشرع فيحيد عن العدل في حقوق الزوجات. فإن هذا التجويز المجرد لا يسمى خوفا مع انه حاصل لكل من لم يكن معصوما حتى في القسط والعمل بالشريعة مع الزوجة الواحدة فكيف يمنع الله معه التعدد ويأذن بالواحدة وكل من الواحدة والأكثر إماء الله والجور مبغوض في كل مقام. لكن أمر المستقبل مع سلامة النفس في الحال لا يوقف الأمور عن سيرها في الحال ما لم تكن في الحال نزعة أو حال تنذر بالورطة في المعصية ويتحقق معها عنوان الخوف فيحسن التحذر منها عند الخوف فإن رأى ما ينذر بذلك في التعدد حسن منها الحذر كما أرشده الله بقوله تعالى( فَواحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) قيل ما ملكت اشارة إلى عنوان الجنس المتصف بالمملوكية كما تقدم نظيره أي ما يملكه الناكح من النساء فإن اللاتي يتسرى بهن المالك ليس لهن شيء من حقوق الزوجية فلا يكون في أمرهن ما يخالف العدل بينهن من حيث المساواة المطلوبة في الزوجات. واما من كانت ملك الغير وتزوجها الحر على ما يأتي فإنها زوجة لها حقوق الزوجية. هذا وقد اتفق المسلمون على أن كل أنثى تكون من المحارم ويحرم نكاحها إذا كانت حرة هي كذلك إذا كانت امة. وذهب الإمامية والحنفية إلى انه لا يملك من هي من محارمه وقال الشافعي لا يملك الأمهات وإن علون والبنات وإن نزلن لا غير ويزيد مذهب مالك عليه بأنه لا يملك الأخوات للأبوين أو لأحدهما. وقال أهل الظاهر يملك الجميع وان حرم وطأهن والحجة للإمامية في مذهبهم إجماعهم وأحاديثهم واحتج الحنفية بما أخرجه أحمد والترمذي وابو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن سمرة عن النبي (ص) من ملك ذا رحم محرم فهو حر. وهاهنا مسائل «الاولى» يجوز للعبد أن يتزوج اربع إماء لإطلاق الآية وعليه اجماع الإمامية ونص ما نشير إليه من رواياتهم في المسئلة الثانية. وعن أبي حنيفة والشافعي لا يجوز له إلّا نكاح أمتين ولم يحك في الاحتجاج لهما إلّا القياس على أن عليه نصف حد الحر. وفي هذا الاحتجاج ما فيه «الثانية» ذهب الإمامية إلى انه لا يجوز له التزوج من الحرائر إلا

__________________

- ينشأ من سوء أخلاق النساء وحسدهن ونقصان عقولهن وضعف تدينهن ووهن التزامهن بالشريعة والحقوق. وهذا لا يرجع إلى عدل الزوج في حقوقهن وسقوطها بنشوزهن بسوء أخلاقهن ومخالفتهن للواجب عليهن.


ذلِكَ أَدْنى إلّا تَعُولُوا (٤)وَآتُوا النِّساءَ صدقاتهنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ

____________________________________

اثنتين. والحجة لهم إجماعهم ورواية زرارة عن الباقر (ع). ورواية الصيقل عن الصادق (ع) وصحيح ابن مسلم عن أحدهما (ع) ورواية زرارة أيضا عن أحدهما بل وغيرها من الروايات «الثالثة» لا يزيد على حرة وأمتين بإجماع الإمامية وهل له ان يتزوج الحرة والأمتين فيه رواية في الفقيه عن امير المؤمنين فإن كانت مجبورة بالشهرة فذاك : هذا ويشهد أيضا على أن قوله تعالى( فَواحِدَةً ) إنّما هو للإرشاد قوله تعالى( ذلِكَ ) أي نكاح الواحدة أو ملك اليمين حينما تريدون النكاح ابعد عن الأمور المقتضية لمخالفة العدل بين ذوات الحقوق إذ ليس في هذين الصورتين ذوات حقوق و( أَدْنى ) واقرب إلى( أَلَّا تَعُولُوا ) وتميلوا بمخالفة العدل قال أبو طالب في لاميته المعروفة المشهورة في مدح النبي (ص) والتصديق برسالته : -

بميزان عدل لا يخيس شعيرة

ووزان صدق وزنه غير عائل

وحكي عن بعض انه فسر تعولوا بقوله بكثرة عيالكم ورده المتضلعون من علم اللغة بأن الذي يجيء للمعنى الذي يقوله هو أعال يعيل بضم الياء لا عال يعول ورد أيضا بأن المشار إليه بقوله «ذلك» هو نكاح ما شاء الرجل من ملك يمينه ولو عشرا وذلك يوجب كثرة العيال فكيف يكون اقرب إلى قلة العيال من الزوجتين أو الثلاث أو الأربع. وايضا لو كان كما يقول وليس بمعنى عدم العدل لكان علة ثانية للاقتصار على الواحدة فيلزم أن يؤتى بالواو قبله ويقال «وذلك ادنى» عطفا على العلة التي سيقت لها الجملة الشرطية وهي الأمن من عدم العدل ٤( وَآتُوا النِّساءَ ) الخطاب هنا بالنظر إلى الحكمة يكون للأزواج بالنسبة إلى صداق زوجاتهم( صَدُقاتِهِنَ ) جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال اسم لصداق الزوجة ومهرها( نِحْلَةً ) النحلة العطيّة المقصود منها انتفاع من أعطيت له. وفي ذلك تأكيد لوجوب إيتاء النساء صدقاتهنَّ ببيان أنَّ الوجه في إعطاء الصداق هو انتفاع الزوجة به وليس هو مجرد وسيلة لاستخلاصها ممن يلي أمرها كثمن الشاة مثلا. وفي هذا البيان ردع عن العادة الجاهلية التي بقيت موروثة في كثير من الأوباش إلى هذا الزمان وهي أنَّ الزوج يدفع الصداق لمن يلي أمر الامرأة لمجرد أن يستخلصها منه مع علمه بأنه يأكله ظلما( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ) «من» للتبيين أو للتبعيض جريا على الغالب( نَفْساً ) تمييز للضمير في «طبن»( فَكُلُوهُ ) الأمر للإباحة حال كون المأكول


مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٥)وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً

____________________________________

( هَنِيئاً ) المراد كونه نعمة بلا نكد ولا تبعة( مَرِيئاً ) والمراد منه السائغ كالطعام السائغ في المري بسهولة وبلا غصّة ٥( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ ) جمع سفيه. والسَفَه هو الخفّة في العقل والطيش ووضع الأمور في غير موضعها ومنه التبذير في صرف المال وصرفه في المحرمات والملاهي وشرب الخمر بل لا يخفى أنَّ شرب الخمر بذاته من السَفَه كما اتفق عليه حديث الفريقين( أَمْوالَكُمُ ) وقد أكّد النهي جلّت حكمته وأشار إلى حكمته الرادعة للعقلاء بوصف الأموال بأنّها( الَّتِي جَعَلَ اللهُ ) أي جعلها الله والضمير هو المفعول الأول لكلمة «جعل»( قِياماً ) وهو المفعول الثاني. وفي التبيان والمصباح انّه مأخوذ من القِوام بكسر القاف. وفي المصباح قوام الأمر عماده الذي يقوم به وينتظم. وفي القاموس نظام الأمر وعماده أقول أو ما يعتمد عليه كقول لبيد في معلقته : -

أفتلك ام وحشية مسبوعة

خذلت وهادية الصوار قوامها

أي والبقرة التي تهدي القطيع من بقر الوحش هي قوامها. وفي النهاية في الحديث إلّا ان يكون له قوام من معيشته. ومحصل بيان الآية الكريمة أنّه كيف يحسن لذي الرشد أنْ يعمد إلى المال الذي جعله الله قواما وقياما لأمر المعيشة فيعرضه للتلف هدرا بايتائه للسفيه وفي الكشّاف تقومون بها وتنتعشون فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم : ولا يخفى ما فيه من تعسف( وَارْزُقُوهُمْ ) فيما يحتاجون إليه( فِيها ) بما هو أعم من كون الرزق لهم بالشراء بالبعض من نمائها أو من أعيانها أو ببعضها إن كانت مما يحتاجون إليه من المأكول. ولذا لم يجر التعبير بقوله تعالى «منها» لئلا يظهر منه إيتاء البعض منها فيعود إلى إيتاء الأموال للسفهاء( وَاكْسُوهُمْ ) أي فيها( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) تألفا لهم واستصلاحا ورفعا لحزازة حبس الأموال عن إيتائها لهم. وقد اختلف المأثور في تفسير الآية في السفهاء. ففي الدّر المنثور عن أبي هريرة هم الخدم وهم شياطين الإنس. وعن ابن مسعود النساء والصبيان. وعن ابن عباس من طريق العوفي النساء والأولاد وفي رواية اخرى السفيه من ولدك. وهذه الكلمات زيادة على إطلاقها ظاهرة بسوق ألفاظها وقرائن اسلوبها في ارادة المطلق من


الخدم والنساء والأولاد. وفي ذلك ما فيه مضافا إلى ان تخصيصها للسفيه بمن ذكرته كأنه اجتهاد لا رواية موقوفة على انها ساقطة بصحاح الروايات ففي تفسير القمّي في الصحيح عن الصادق (ع) عن رسول الله (ص) في حديث شارب الخمر لا تأتمنوه لأن الله يقول( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) واي سفيه أسفه من شارب الخمر. ونحوه رواية السكوني عن الصادق (ع) عن آبائه امير المؤمنين (ع) ورواية الكافي من قول الباقر (ع) للصادق (ع). وصحيحته من قول الصادق (ع) لولده إسماعيل ورواية العياشي عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي جعفر (ع) كل من يشرب المسكر فهو سفيه. وفي مستدرك الحاكم وصححه وعن البيهقي في الشعب عن أبي موسى عن رسول الله (ص) في حديث ورجلا آتى السفيه ماله وقد قال الله( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) الحديث. هذا وبعض هذه الروايات نص في كون السفيه في موردها من غير النساء والولد والخدم وبعض كالصريح في ارادة العموم. ولترجع إلى مفردات الآية وما يستنتج منها في مسائل - الأولى - ان الأمر في قوله تعالى( وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ ) هل هو للوجوب فيختص بواجب النفقة. أو هو للاباحة في كل من يباح رزقه من السفهاء وان لم يكن من الأقارب لأن الأمر وارد في مقام توهم المنع بالنهي عن ايتائهم الأموال. والثاني هو الأظهر - الثانية - ان النهي في الآية عام كعموم لفظ السفهاء فلا يختص بمن يحتاج إلى الرزق والكسوة. وذلك لأن تعقب ضمير الخاص للعام لا يجعله خاصا إلّا بدلالة القرائن المقامية. والقرائن في الآية والحديث إنّما هي على العموم ومنها ما أشرنا إليه من التعليل المستفاد من وصف الأموال بأنها جعلها الله قياما للتعيش فلا يصح ان يسلط عليها السفيه المتلف لها - الثالثة - ان النهي لا يختص بمال المنهي بل يعم ما كان بيده بحسب الولاية أو الوصاية أو الوكالة أو غير ذلك من أموال الناس. وذلك لأن المخاطبين هم الناس كما في أول السورة فتكون الأموال مضافة إلى الضمير العائد لهم ولنوعهم وكأنه قيل لكل مكلف لا تؤت أموال الناس الذين أنت منهم للسفهاء. ولا يلزم من ذلك حمل الاضافة الواحدة على الحقيقة والمجازية كما حكاه الرازي في تفسيره عن القاضي ولا حاجة إلى ما أجاب به الرازي من دعوى عموم المجاز في الاضافة وقد جاء ما ذكرناه من الإضافة إلى النوع في قوله تعالى في سورة النور ٣٢( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) فيكون منطوق الآية وعموم تعليلها محتويا لمقتضى الحكمة ومصلحة احترام المال وحفظه لمالكه مطلقا لأنه جعله الله قياما للمعيشة


(٦)وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ

____________________________________

٦ ( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) الذين لهم أموال محجوبة عن تصرفهم لصغرهم وامتحنوهم وجربوهم ، بممارسة أمرهم لاستكشاف رشدهم ولياقتهم لصون أموالهم على النهج العقلائي النوعي بما يحصل به الامتحان ويتوقف عليه ولو بأن يدفع إلى اليتيم شيء من المال مع الاذن بالتصرف فيه والمراقبة له في تصرفاته المأذون له فيها. ولا دلالة في الابتلاء بوجه من الوجوه على ان يخلي بين اليتيم وبين المال ليتصرف فيه بلا اذن ولا مراقبة في التصرفات بل ان تعليق الدفع على البلوغ وانس الرشد يدل على ما قلناه. وليكن هذا الابتلاء قبل البلوغ ليعطي الرشيد ماله أول بلوغه كما هو حقه فإن حصول الرشد لا يتوقف على البلوغ بل يمكن حصوله متدرجا من حين التمييز ويعرف بالامتحان والابتلاء( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) أي الحالة والصفة التي قدرها الله لنوع الإنسان في تطورات نشأته ونموه وهي ان تحدث فيه مادة التناسل وهو المني بحسب نوعه ودم الحيض في رحم الأنثى فيكون بذلك صالحا للزاوج مائلا إليه بحركة مادة التناسل إلى الرغبة النوعية فيه. ولحدوث تلك الحالة وتلك الصفة أمارات تدل عليها تكون العبرة بأولها حصولا. منها هيجان تلك المادة وخروج المني ماء الشهوة المعروف بأحد المحركات كالجماع ونحوه أو بتخيله في النوم وهو الاحتلام. ولأن الغالب تقدم الاحتلام على الجماع ونحوه جعل القرآن الكريم بلوغه هو العنوان في قوله تعالى في سورة النور ٥٧( الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ) ٥٨( وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) . وربما يتأخر المحرك لخروج المني فتكون العبرة في الأنثى بخروج دم الحيض منها وإذا تأخر ذلك كان حملها كاشفا عن بلوغها. وإذا تأخر ظهور هذه الإمارات أخذ بالسن وهو في الذكر إكمال خمسة عشر سنة هلالية على المشهور عندنا بل هو اجماع إذ لم يعهد البقاء على الخلاف إلّا من ابن الجنيد. ولو لم يكن اجماعا فهو شهرة تعضد ما توافقه من الحديث وتوهن ما تخالفه. وعلى المشهور معتبرة العبدي بالحسن ابن محبوب وروايات الكناسي عن الباقر (ع) وصحيحا ابن وهب عن الصادق (ع) ونحوهما وروايات الخصال في مرسلة ابن عامر عن الصادق. والروايات المعارضة ان لم تقبل التأويل بإمكان ان تظهر الإمارات المذكورة قبل الخمسة عشر سنة فهي مطرحة لمخالفتها المشهور واعراض القدماء عنها. وفي الأنثى إكمال تسع سنين بإجماعنا وما أشرنا إليه من رواية العبدي : ومن


فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً

____________________________________

علامات البلوغ نبات الشعر الخشن على العانة دون الزغب وعليه علماؤنا وهو المحكي عن مالك واحمد والشافعي في أحد قوليه وفي القول الآخر خصه بالكفار وعن أبي حنيفة انه لا يعتد بذلك. والحجة عليه ان رسول الله (ص) أمر بالاعتبار به في أمر بني قريضة كما هو مروي من طرق الجمهور في الصحيح عندهم كما في مسند أحمد وصحيح ابن حبان وجامع عبد الرزاق عن عطية القرضي. ومن طرقنا رواية أبي البختري عن الصادق (ع) عن الباقر (ع) كما تدل عليه روايتا العبدي والكناسي عن الباقر (ع) وذكرت فيهما اللحية للغلام ايضا. وهناك أمارات أخر كتغير الصوت وتورم الثديين وانفراج ارنبة الأنف ولكن التدرج في حدوثها قد يسبق البلوغ فلذا لم تعد من الإمارات المعول عليها( فَإِنْ آنَسْتُمْ ) في التبيان آنستم وجدتم يقال آنست من فلان خيرا. ولعله يشير بالمثال إلى وجه الاستعمال وهو ان أنس ليس معناه ابصر وعلم كما قال بعض اللغويين بل هو مأخوذ من الانس واستعمل في وجدان ما يؤنس به ضد ما يستوحش منه ولم يسمع في مستقيم الكلام استعماله فيما يحذر منه( مِنْهُمْ رُشْداً ) في حفظ المال وعدم تبذيره ولعل في التنكير اشارة إلى ذلك. ولا يعتبر في ذلك الرشد في التقوى بمعنى العدالة ولم يحك القول باعتبار العدالة إلّا عن الشيخ الطوسي والشافعي لكن قال في التبيان والأولى حمله أي الرشد على العقل وإصلاح المال وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أيضا أقول وفي الفقيه عن الصادق (ع) في الآية إيناس الرشد حفظ المال وعن العياشي عن يونس بن يعقوب عن الصادق (ع) في الآية أي شيء الرشد الذي يؤنس منه قال (ع) حفظ ماله وصحيحة العيص المروية في الكافي والفقيه والتهذيب عن الصادق (ع) في اليتيمة متى يدفع إليها مالها قال (ع) إذا علمت انها لا تفسد ولا تضيع. وفي صحيحة الكافي عن هشام عن الصادق (ع) وان احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها وضعيفا فليمسك عنه وليه ماله. ونحوه رواية الفقيه والتهذيب والظاهر ان السفه والضعف بمنزلة عطف التفسير لعدم الرشد. وموثقة التهذيب عن عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) في الغلام جاز امره إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا وفسر السفيه بالذي يشتري الدرهم بأضعافه والضعيف بالابله : وفي الدّر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية رشدا في حالهم


فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ

____________________________________

والإصلاح في أموالهم : ومن السفه وعدم الرشد تعاطي صرف المال في الملاهي والقمار وشرب الخمر وللزنا ونحو ذلك وقد سمعت من الحديث ان شارب الخمر سفيه( فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) وخلوا بينهم وبينها كسائر ذوي الأموال. ومدلول الآية ان الولي على أموالهم لا يدفعها إليهم حتى يأنس منهم رشدا مهما طعنوا في السن فمن الغريب حتى في القياس والاستحسان ما عن أبي حنيفة من انها تدفع إليهم بعد الخمس وعشرين سنة من عمرهم وان كانوا سفهاء - هذا ولما نهى الله تعالى في الآية الثانية عن بعض الأنحاء من أكل أموال اليتامى اقتضت الحكمة والرحمة ان ينهى عن سائر الأنحاء مما يغوي به الشيطان وتغري به دناءة النفس الأمارة من أكلها بالإسراف أو في سورة الحذر من ان يكبر اليتيم فيأخذ ما يجده من أمواله فيسرع المتولي عليها إلى صرفها واتلافها فقال جلت رحمته( وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً ) والإسراف معروف ومقتضى الظاهر ان «إسرافا» نائب عن المفعول المطلق( وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) البدار مصدر بادرته الشيء أي سابقته ومفعوله مصدر ان يكبروا ويكون بدارا مفعولا لأجله أي تأكلونها مسابقة منكم لكبرهم. ولا حاجة إلى تأويل الإسراف والبدار باسم الفاعل لجعلهما حالين كما في مجمع البيان والكشاف( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا ) بماله لا يضايقه العمل في أموال اليتامى وإصلاحها والنظر في شؤونها ولا يزاحمه في أمر معاشه وما يحتاج إليه( فَلْيَسْتَعْفِفْ ) أي يطلب صفة العفة ويتخلق بها أو فليصر عفيفا مثل استحجر الطين ومن العفة تركه بكرم الأخلاق والشهامة والرحمة وان لم يكن حراما كما ذكره اللغويون ويعرف من موارد الاستعمال وسيأتي ان الأمر فيه للاستحباب أو للإرشاد إلى الخلق الحميد( وَمَنْ كانَ فَقِيراً ) بحيث يكون عمله في أموال اليتامى ونظره في أمرها مخلا بنظام تعيشه وكسبه لما يحتاج إليه( فَلْيَأْكُلْ ) الأمر للاباحة( بِالْمَعْرُوفِ ) ولا يعهد هنا معروف يحال عليه ويجعل ميزانا إلّا اجرة المثل لعمله. وتحرير الكلام في الآية الكريمة هو انه بحسب النظر إلى القواعد الشرعية العامة أو الدليل الخاص وهل يجوز لمتولي مال اليتيم ان يأخذ الاجرة على عمله فيه ام لا. ولا يخفى انه عمل محترم وليس في أمر الولاية ما يهده حرمته. اما الوصية وقبولها فليس فيهما التباني على العمل مجانا


ولا ما يوجب الالتزام بهذا التباني لو كان. واما وجوب العمل فإنما هو توصلي لا يمنع من استحقاق الاجرة. ولو منع منها لمنعه من أن يستأجر غيره مع انه لا كلام ولا خلاف في جواز ذلك حتى الاستئجار على النظر في امور العاملين. ودعوى ان مباشرته مهدورة وان جاز له ان يستأجر محتاجة إلى بيان المبني والدليل والفارق. وأما النهي عن أكل أموال اليتامى فإنه ناظر إلى غصبها وهو القدر المتيقن من ذلك. ومن ذلك يعرف الكلام في سائر اقسام المتولين. وفي التبيان والظاهر في أخبارنا ان له اجرة المثل سواء كان قدر كفايته أو لم يكن ونحوه في مجمع البيان وقد افتى الشيخ بذلك في نهايته في آخر باب التصرف في أموال اليتامى من كتاب المكاسب وعليه الفتوى في وصايا الشرايع وللقواعد والإرشاد والتذكرة والإيضاح والدروس والجواهر وغيرها. وعلى ما ذكرناه من احترام عمل الولي واستحقاقه به اجرة المثل يبتني قول اللمعة والمسالك بها مع الحاجة والفقر وقول المبسوط وكنز العرفان وجامع المقاصد والروضة بأقل الأمرين منها ومن الكفاية. لأن ما ذكروه من التقييد مستند إلى ما فهموه من الآية الكريمة. وكذا ما ذكره الرازي من قول البعض من علمائهم ان له ان يأخذ من مال اليتيم ما يحتاج إليه وبقدر اجرة عمله وذكر الاحتجاج له بوجوه ستة سادسها القياس على الساعي في أخذ الصدقات. وما حكاه في الكشّاف وتفسير أبي السعود عن محمد بن كعب من قوله ينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بد منه. وعن الشعبي يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه وفي تفسير المنار «وعن عطا يضع يده مع أيديهم ويأكل معهم كقدر خدمته في عمله ومن هنا قال الفقهاء ان له اجرة مثله من مال اليتيم» وعلى نحو ما ذكرناه يجري ما في الدّر المنثور من انه أخرج البخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عائشة قالت أنزلت هذه الآية في والي اليتيم فليأكل بالمعروف بقدر قيامه عليه إنتهى والموجود فيما عندي من نسخة البخاري في التفسير يأكل منه مقام قيامه عليه بمعروف. والمآل واحد. وايضا أخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في الآية قال يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له : وفي التهذيب في الصحيح عن هشام ابن الحكم قال سألت أبا عبد الله يعني الصادق (ع) عمن تولى مال لليتيم ماله ان يأكل منه فقال ينظر إلى ما كان غيره يقوم به فليأكل بقدر ذلك. ولا يخفى ان مناسبات المقام وتشديد القرآن الكريم في المحافظة على أموال اليتامى وللنهي عن أكلها لا تسوغ للذهن ان يحتمل ان الله


فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٧)لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أو كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً

____________________________________

جعل أموال اليتامى طعمة لوليها الفقير يأكل منها بدون جهة استحقاق يعود نفعها لليتيم من عمل له اجرة. وهذه الجهة مشتركة بين الغني والفقير. وفي الدّر المنثور ذكر جماعة اخرجوا عن القاسم بن محمد قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إن في حجري أيتاما وإن لهم إبلا فما ذا يحل لي من ألبانها فقال إن تبع ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها وتسعى إليها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في حلب. وفي الكافي والتهذيب بسندهما عن حنان عن الصادق (ع) نحوه ومما ذكرناه في معنى العفة واحترام عمل الولي ووجه استحقاقه للأكل يعرف أن الأمر في قوله تعالى( فَلْيَسْتَعْفِفْ ) إنّما هو للندب لما في الاستعفاف من الخلق الكريم في الرحمة بالأيتام واعانة الضعفاء ، وصيانة النفس من تعديها ومغالطتها للغني بأن عمله من حيث جلالته بالثروة ثمين جدا. مع ان الاجرة يرعى فيها ذات العمل لا شؤون العامل. وعلى هذا النحو من الأحكام الأخلاقية والآداب الاجتماعية جاءت الأحاديث المختلفة لسانها بحسب النظر إلى مراتب الاستحباب والمروءة والحاجة كما في الدّر المنثور والباب المائة والبابين اللذين بعده من كتاب المكاسب من الوسائل( فَإِذا دَفَعْتُمْ ) ايها المتولون على أموال اليتامى( إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) عند بلوغهم ورشدهم( فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) من يكتفى بشهادته وتقوم به الحجة. وهذا الأمر للإرشاد والاستحباب لبعض الجهات عند الإمامية ولم اعرف عاجلا قائلا بالوجوب. وفي تفسير الرازي أجمعت الامة على الاشهاد هو الأولى والأحوط. وفي تفسير المنار عن استاذه أنه ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد أمر ارشاد وحكى عن الشافعية والمالكية وجوب الإشهاد( وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً ) محاسبا لكم فيما أوصاكم به في هذه الآيات ولليتامى إن جحدوكم. وقيل شاهدا. هذه شريعة الحق وزواجر العدل في امور اليتامى ومن شريعة العدل ، وقوانين الحق في المواريث قوله تعالى ٧( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أو كَثُرَ نَصِيباً ) وهو حال مؤكدة جيء بها توطئة للوصف بكون النصيب( مَفْرُوضاً ) في شريعة العدل لا يختص الرجال


بذلك ولا تنعزل عنه النساء مما قل منه أو كثر فلا يستكثر عليهن الكثير وهذا هو النكتة في ذكر النساء أي كما ان الرجال يكونون وراثا من القليل والكثير فكذلك النساء لأن المال الموروث مال الميت وانّما ينتقل إلى غيره بسبب الولدية للوالدين والأقربية للأقربين وهذا السبب كما يحصل للرجال يحصل بعينه للنساء أيضا فلما ذا نحرم النساء إرثها وإن كانت أقرب القربى والمراد بالمفروض هو الواجب المدلول عليه بالخصوص أو العموم لا خصوص فرض النصف والثلثين فإن اكثر النساء كالبنات والأخوات مع إخوتهن وغيرهن ليس لهن فرض خصوصي - ولا يخفى - انه كثيرا ما يكون للرجل جميع التركة بإجماع الامة كما إذا انفرد بالإرث لا نصيب وبعض منها. فيعرف من ذلك ان التعبير بالنصيب هنا وبالنصف والثلثين في الآيات الأخر إنّما هو ناظر إلى صورة وجود الشريك في الإرث فيقال ذلك توسعة لمجال الشركة ومقدمة لحساب القسمة وتوطئة للموازنة بنحو غير حاصر بل تكون تصفية الحساب وجمعه وإكمال الحصص وتحديدها وأخذ النتيجة العملية من قاعدة الأقربية المؤسس تشريعها فيما كرر هاهنا من قوله تعالى( وَالْأَقْرَبُونَ ) فإنه جلت حكمته أوضح أن المبني في الإرث وقاعدته الأساسية هي الأقربية في الرحم فإنه إذا كان الموروث للوارث هو الأقرب إليه فالوارث هو الأقرب اليه. وقد جرى التأكيد لهذه القاعدة بقوله تعالى في سورة الأنفال ٧٤( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ) لكن مقام العلقة النسبية والأقربية في الرحم محفوظ لا يتقدم عليها في آثار الارتباط شيء( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وقوله تعالى في سورة الأحزاب( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إلّا أَنْ تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيائِكُمْ ) منهم( مَعْرُوفاً ) في حبوتكم بالعطاء المنجز أو الوصية( كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ) ونظر الآيتين إلي الميراث اظهر من ان يجحد. ومن المعلوم أن جل الصحابة ومنهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود والزبير كانوا يورثون الأرحام بهاتين الآيتين وعلى ذلك فقهاء العراق بل والشافعي إذا لم ينتظم بيت المال. وهو اجماع أهل البيت والإمامية. وحديثهم في ذلك كثير جدا. وتناصرت فيه أحاديث أهل السنة من طرقهم مع صحتها عندهم في ان الآية نزلت في تقديم اولي الأرحام في الإرث على غيرهم كما أسنده الطبري في تفسيره وعبد بن حميد عن أبي بكر وأسنده الحاكم عن الزبير كما أسنده عن ابن عباس بسندين وذكر


(٨)وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ

____________________________________

ثانيهما أبو داود أيضا في جامعه. والآيات الثلاث متعاضدة الدلالة واضحة العناية بتأكيد عمومها وتثبيته بالتكرار وبيان وجهه الواضح وعلته المأنوسة في الأذهان وهو الأقربية في الرحم. وزاد تشديد التأكيد بتكرار البيان لكون أولية الأقرب في الرحم ثابتة في كتاب الله وما سطره في كتابه من شريعة الحق الثابتة وبأن الله الذي هو بكل شيء عليم والعالم بما يحدث من الأمور نص في كتابه على أولية الأقرب في الرحم من غيره ٨( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ) للميراث( أُولُوا الْقُرْبى ) الظاهر انهم أولو قربى الميت من غير الوراث الأقربين( وَالْيَتامى ) المحتاجين( وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ ) من غير تعيين للمقدار بل ما يؤدي هذا العنوان ولا يجحف بالمال( مِنْهُ ) أي من المال المدلول عليه بمقام الميراث والقسمة كما ذكرنا مثله في الشعر العربي في الصفحة ١٥٥ من الجزء الأول( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) من القول الطيب والظاهر اتفاق الإمامية وإجماعهم على أن مؤدى الآية غير واجب. واختلف الحديث من الفريقين في نسخها وعدمه كما في الدّر المنثور في الروايات عن ابن عباس وفي تفسير البرهان من رواياتنا. واما الاستحباب فإن لم يثبت بعنوانه الخاص فلا بأس في ثبوته بعنوان الإحسان نعم لا يجوز ذلك قبل القسمة فيما إذا كان في الوراث قاصر أو معتوه أو غائب ولا بعدها فيما يرجع إلى هؤلاء ٩( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ) لهم( ضِعافاً ) جمع ضعيف( خافُوا عَلَيْهِمْ ) وهذه الجملة جواب «لو» وقد ورد فيما يرجع إلى مضمون الآية وينطبق عليه أحاديث. منها : صحيحة عقاب الأعمال وعن العياشي عن الصادق (ع) قال ان في كتاب علي (ع) ان آكل مال اليتيم سيدركه ذلك في عقبه من بعده في الدنيا ويلحقه وبال ذلك في الآخرة اما في الدنيا فإن الله يقول وذكر الآية. وفي معناه موثقة سماعة المروية في الكافي والفقيه والتهذيب وعن العياشي عن الصادق (ع). وما في الفقيه من قوله قال الصادق (ع) أن آكل مال اليتيم يخلفه وبال ذلك في الدنيا وتلا الآية. وكذا ما أسنده عن الرضا (ع) وروايتا الصفار والعياشي عن الصادق : ومرجع ذلك إلى أن الله لا يوفق آكل مال اليتامى لأن يجعل على يتاماه وذريته الضعاف قيما أمينا ولا يدفع عن أموالهم من يريد أكلها ولا يدفع


عنها عوارض التلف مع أن فيها الأعيان المأكولة من اليتامى السابقين أو عهدة ضمانها. فيتلفها الله بمقاديره وله ما في السماوات والأرض. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية ما حاصله أن الذي يخاف على أيتامه الضيعة وأن يسيء إليهم من يلي أمرهم فليحسن إذن إلى أيتام الناس إذا وليهم ولا يأكل أموالهم - ومن الأحاديث - ما في الدّر المنثور مما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ان الآية في الرجل يسمع المريض يوصي بوصية تضر بورثته فأمره الله ان يرشد المريض ويسدده بالنظر إلى ورثته وما أخرجه ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس ما حاصله ان من حضر مريضا فلا يأمره بإنفاق ماله في العتق والصدقة بل ينظر لأيتام المريض كما ينظر لأيتام نفسه. ونحوه ما أخرجه ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس - أقول - وان مفاد الآية الكريمة بالنظر إلى مفرداتها وجملتها وكرامة حجتها في تمثيلها المجيد لهو أعم مما ذكر. وملخص الكلام هو ان الغالب من نوع الإنسان من لا يزن الأمور الضارة بميزانها من القبح والمرجوحية ولا يرى وجوب تركها أو رجحانه إلّا إذا مسته بضررها أو تمثل له في مفكرته انه يبتلي بها وتمسه بضررها المزعج. فشاء الله بلطفه إصلاحه لشؤون عباده وتنبيههم وإرشادهم للخير وتحذيرهم من التعدي على أموال اليتامى. أو إهمال أمرهم. أو الإجحاف بهم. أو الحمل على الإجحاف بهم. أو السكوت عن ارشاد المجحف ونهيه. فاستلفت الله بحكمته الإنسان إلى انه ماذا يقول وما هو حاله وماذا يقدر من انتقام الله وغضبه إذا فرض في مفكرته انه ترك من بعده ذرية له ضعافا وأيتاما صغارا وهو يرى حالهم ومن يأكل أموالهم. أو يرى من يعين هذا الآكل على ظلمه. أو يرى من يقدر على منع الظالم ولا يمنعه. أو يرى من يقدر على ارشاد أيتامه وإصلاحهم فلا يفعل. أو يرى ضياع ذريته وتلف أموالهم حيث أهمل الوصية كما ينبغي أو حابى بالوصية من لا يثق به من اصدقائه أو أقربائه أو زوجته. أو يرى العاقبة حيث ان بعض الناس ورّطه في انفاق ماله في العتق والصدقة وترك أيتامه عالة يتكففون. أو يرى من سمع المنفق المعتق ولم يرشده إلى أن رسول الله نهى عن ذلك. اذن فالذين تستلفتهم الآية إلى تقدير ابتلائهم في أيتامهم بهذه الحوادث الكونية فيتألمون منها ويقدرون لها ما يقدرونه من الانتقام وسائر المحاذير. هؤلاء ليخشوا في أمثال هذه الأمور ومواردها وليخافوا من يجب ان يخشى وهو الله شديد الانتقام وليخشوا ما ينبغي ان يخشى من الانتقام


فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (١٠)إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أموال الْيَتامى ظُلْماً إنّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ

____________________________________

ومحاذير المخالفة للحرمة والوجوب والآداب الشرعية في الوجوه المذكورة.( فَلْيَتَّقُوا اللهَ ) فيما نهاهم عنه أو أوجبه عليهم( وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) جاريا على الصلاح وآداب الشريعة فيما يحتاج إلى القول في اقامة الوصي الثقة العارف على أيتامهم. وفي مقام الإرشاد إلى المشروع وما هو الصالح وفي مقام ما يجدي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع هذه الشؤون. وان هذا البيان على طوله ليقصر عما تضمنته الآية الكريمة في تعليمها العام مما يفرضه الإنسان في مفكرته مما لا يرضاه من شؤون أيتامه ومن إهمال متعلق الخشية وايكاله إلى ما تقتضيه وجوه ما تفرضه المفكرة كما أشرنا إلى بعضها والله الهادي. وانّما جرى التعبير بكلمة «لو تركوا» لأن المقام مقام فرض وتقدير في المفكرة ليكون التعليم عاما لان الكثير من المأمورين بالخشية بتقدير هذا الفرض والتنبه به من لا يكون لهم ذرية ضعاف يتركونهم. والظاهر من كرامة تعليم الآية وعموم إرشادها ان المراد بالضعاف ما يعم المعتوهين الكبار والنساء الضعيفات و «الذين» في الآية فاعل «فليخش» و «خافوا» جواب «لو» وجملة «لو» صلة للذين ١٠( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أموال الْيَتامى ظُلْماً ) لا بلحاظ اجرة عملهم وتقديرها أو باستقراض سائغ في مورده( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) أي إنّما يأكلون في بطونهم شيئا يجرهم إلى النار. فالمأكول باعتبار هذه الغاية المهولة واستحقار سائر الغايات من الأكل بالنسبة إليها كأنه نار محضة. وبهذا الاعتبار جاء الحصر بكلمة «إنما» كما في قول حطان بن المعلى

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

فإنه لأجل شدة العلقة بين الآباء والأولاد وقوة المحبة حصر شؤون الأولاد في وجودهم بأنهم أكباد الآباء لأن الأكباد من أعز الأعضاء كما يقال الولد قطعة من الكبد وكما قالت الخنساء في وصف البقرة الفاقدة لعجلها

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت

فإنما هي اقبال وادبار

وفي مرسلة الكافي عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) في الآية ان آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهبها من فيه يعرفه أهل الجمع بأنه آكل مال اليتيم


ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١١)يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ

____________________________________

ونحوه ما في الدّر المنثور مما أخرجه ابن أبي شيبه وابو يعلي والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي برزة عن رسول الله (ص). وفي تفسير القمّي عن الصادق (ع) قال قال رسول الله (ص) لما أسري بي إلى السماء رأيت قوما يقذف في أفواههم النار وتخرج من ادبارهم فقلت من هؤلاء يا جبرائيل فقال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما. ونحوه ما في الدّر المنثور مما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (ص)( وَسَيَصْلَوْنَ ) يوم القيامة في جهنم( سَعِيراً ) صلى النار لزمها وقاسى حرها وإحراقها. وسعر النار واسعرها أو قدها وشعلها. والسعير بمعنى المسعور ويقال في المؤنث أيضا ككف خضيب ١١( يُوصِيكُمُ اللهُ ) يعهد إليكم ومرجع ذلك إلى معنى يشرع ويفرض( فِي ) ارث( أَوْلادِكُمْ ) منكم والولد يشمل من تولد من الإنسان ولو بواسطة أو وسائط. وعلى ذلك جاءت رواية حذيفة عن النبي (ص) سيد ولد آدم يوم القيامة محمد (ص). ورواية بريدة ان رسول الله (ص) رأى الحسنين يمشيان ويعثران فنزل عن المنبر وأخذهما ووضعهما بين يديه وقال صدق الله ورسوله إنّما أموالكم وأولادكم فتنة رأيت هذين فلم اصبر كما أخرجه ابن أبي شيبة واحمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابو يعلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن والضياء في المختارة. ورواية الترمذي عن واثلة عن رسول الله (ص) واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة. ورواية أمّ سَلَمة عن رسول الله (ص) المهدي من عترتي من ولد فاطمة (ع) كما أخرجه أحمد ومسلم وابو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم. ورواية حذيفة عنه (ص) المهدي من ولدي أخرجه الروباني والطبراني وابو نعيم السيوطي وصححه وغيرهم. ورواية أنس نحن ولد عبد المطلب سادات أهل الجنة انا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين كما أخرجه ابن ماجه وابو نعيم والحاكم والطبراني والديلمي والثعلبي وغيرهم. نعم قد تقتضي قرائن الحال والمقال ومناسبة الحكم ان يفهم منه الولد بلا واسطة وقد يقتضي بيان الطبقة في الولدية ان يقال هذا ولد ولدي لا ولدي فإن النفي إنّما هو لرتبة من رتب الولدية لا لماهية الولدية وقد يراد النص على العموم فيقال اولادي وأولاد اولادي. وقد اجمع المسلمون في هذا المقام وأمثاله على مقتضى الوضع اللغوي في ثبوت الحكم لمطلق الولد


لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ

____________________________________

الولد وان نزل بل لعله اجماع على استعمال اللفظ في ذلك في القرآن على مقتضى وضعه كما صرح به جماعة من الإمامية ويكون الميزان في ارث الطبقات منهم ما تكرر في الآية السادسة من قوله تعالى( وَالْأَقْرَبُونَ ) وقوله تعالى في سورة الأنفال والأحزاب( أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) ( لِلذَّكَرِ ) من الأولاد في حال الاجتماع مع نوع الإناث في الطبقة( مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) من الميراث. وقد سئل عن الحكمة في تفضيل الذكر بالحظ من الميراث على الأنثى فأجاب أئمة الهدى من أهل البيت عن ذلك بأن الرجال يعولون ويعطون مهرا وعليهم جهاد ونفقات ومعقلة في الديات والمرأة تكون عالة وتأخذ مهرا كما ذكر رواياته في تفسير البرهان عن الصادق والرضاعليهما‌السلام . ولعل هذا هو النكتة في ذكر القرآن لزيادة حظ الذكر لا نقص حظا لانثى فإن الإشارة إلى جهة فضل الفاضل احسن في التعليل وأطيب إلى قلب المفصول من الإشارة إلى جهة نقصه( فَإِنْ كُنَ ) الوارثات من النساء بجهة الولدية والأقربية( نِساءً ) ليس معهن من الأولاد في طبقتهن ذكر واحد أو متعدد( فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ) الميت الموروث المدلول عليه بمجرى الكلام. وقد اجمع المسلمون عدا ما يحكى عن ابن عباس على ان حكم الاثنتين حكم الأكثر. وذكر الثلثان ليبقى المجال لهم من يتفق معهن في الميراث كالأبوين أو أحدهما أو الزوج أو الزوجة وليكون الثلثان ميزانا للرد مع الأب أو الام( وَإِنْ كانَتْ ) الوارثة من الأولاد بحسب الأقربية( واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) وذكر النصف ليبقى مجال لسهم من يتفق معها كالأبوين أو أحدهما أو الزوج أو الزوجة وليكون ميزانا للرد إذا كان معها الأبوان أو أحدهما( وَلِأَبَوَيْهِ ) أي ابوي الموروث. ولا يتعدى الحكم إلى الأجداد والجدات وان جاء في سورة الأعراف ٢٦( كَما أخرج أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) لأن المعنى الحقيقي للأب لا يعلم شموله للجد ولو فرض العلم لكانت التثنية قرينة على ان المراد هو ما لا يتعدى مصداقه الاثنين وهما الأبوان القريبان واما الأجداد والجدات فيكونون في الطبقة الاولى اربعة وكلما علت الطبقة تضاعفوا هذا مع الإجماع على عدم تعدي الحكم إلى الأجداد والجدات( لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ ) أي للموروث


وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ

____________________________________

( وَلَدٌ ) وان نزل فإن الأمة مجمعة على ان ولد الولد وان نزل يرث مع الأبوين ويرد كلا منهما إلى السدس وشد خلاف الصدوق في الفقيه والمقنعة في ذلك( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ) وان نزل( وَوَرِثَهُ أَبَواهُ ) ممن يرث بالقرابة لأن سوق الكلام في الإرث من هذه الجهة( فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) من أصل المال الموروث كما في سائر الفرائض المذكورة في القرآن( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ ) لأبويه أو لأبيه( فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) من أصل المال بإجماع المسلمين وعلى نهج سائر الفرائض والباقي للأب ما لم يزاحمه أحد الزوجين فيه. وقد اجمع المسلمون على كفاية الأخوين في الحجب للأم عن ثلثها عدا ما يروى عن ابن عباس من اشتراط الثلاثة. ومذهب الإمامية انه يكفي في هذا الحجب اربع أخوات أو أخ مع أختين وعلى ذلك حديثهم. واشترطوا ان لا يكون في العدد المعتبر في الحجب كافر ولا رق لإجماعهم على ذلك واطلاق أحاديثهم في ان الكافر والمملوك لا يحجبان. وان لا يكون فيهم قاتل للموروث لإجماعهم الذي لا يضر فيه ما يحكى من خلاف العماني والصدوق. وهؤلاء الاخوة لا يرثون وانّما يوفرون على الأب نصيبه وحكي عن ابن عباس توريثهم. ولا يخفى ان مذهب الامامية ان للأم مع الأب عند عدم الحاجبين المذكورين ثلث اصل المال من بعد الوصية والدين سواء ورث أحد الزوجين مع الأبوين أم لم يرث. وحجتهم على ذلك ظاهر القرآن في الثلث بظهور يقارب الصراحة بالنظر إلى نظائره من الفرائض وحياطة الظاهر بقوله تعالى في آخر الآية( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَيْنٍ ) وصحاح أحاديثهم المتعاضدة المتناصرة عن رسول الله وامير المؤمنين والباقر والصادق (ع) ووافقهم على ذلك ابن عباس. وهو احدى روايتي الجمهور عن علي (ع) في رواية سعيد بن منصور والبيهقي في سننهما من طريق يحيى الجزار وحكاه ابن رشد في البداية عن شريح وابن سيرين وداود وجماعة. وذهب الأكثر من الجمهور إلى ان لها مع الزوج أو الزوجة ثلث ما يبقى بعد فرض أحدهما. ولهم في ذلك تشبثات مضطربة مدفوعة حلا ونقضا - التشبث الأول - ما في تفاسير الكشّاف والرازي وأبي السعود وغيرهم من انهم حصروا فرض الآية بصورة انحصار الإرث بالأبوين فحسب من غير مشاركة أحد الزوجين لقوله تعالى( وَوَرِثَهُ أَبَواهُ ) . وهذا


مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَيْنٍ

____________________________________

التشبث مدفوع أولا بما قدمناه من ان النظر في الآية إلى الإرث بالقرابة ولبيان ان المورد لحجب الاخوة عن ثلثها وردها إلى السدس إنّما هو في صورة اجتماع الأبوين في الوارثية دون ما يكون الأب فيه ممنوعا عن الإرث بأحد الموانع وللإشارة إلى كون الوارث يسبب حجب الاخوة هو الأب دونهم. وثانيا : بالنقض عليهم باتفاقهم معنا على ان سدس الأم مع حجب الأخوة هو فريضة لها من أصل المال حتى مع وجود أحد الزوجين فمن أين جاؤوا بذلك وبالحجب إذا كانت الآية ناظرة إلى صورة عدم الزوجين - التشبث الثاني - قياس الأم مع الأب على البنت مع الولد والأخت مع الأخ في أن للذكر مثل حظ الأنثيين. ويدفعه أولا بطلان أصل القياس وثانيا ان العامل به لا يجعله حاكما على ظاهر القرآن الكريم ولا السنة على ان القياس منتقض بأن الله قد ساوى بين الأب والأم في الفريضة مع الولد على انه قياس مع الفارق فإن تفضيل الذكر على الأنثى إنّما هو في الأولاد والاخوة والأخوات للأب أو للأبوين وقد صرح القرآن بعدمه في الاخوة للأم - الثالث - ما يروونه عن ابن مسعود من قوله في المقام لا أفضل اما على أب. وليت شعري ماذا يقال إذا اجتمع زوج أو زوجة مع عشرة اخوة ذكور من الأبوين مع اخت واحدة من الأم عند عدم الولد إلى غير ذلك من الأمثلة فهل يقال لا أفضل الأخت من الأم على الأخ من الأبوين - الرابع - تخصيص عموم الثلث في الآية بعموم قوله تعالى( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) كما ذكره الرازي ويدفعه أولا ما ذكرناه من ان المورد لتفضيل الذكر على الأنثى إنّما هم الأولاد في قوله تعالى( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) والاخوة للأب أو للأبوين كما في آية الكلالة في آخر السورة وذلك في الإرث بالقرابة لا بالفرض فأين العموم للأب والأم. ولو سلمنا لكانت فريضة الثلث للام أخص كفريضة الاخوة من الام وحدها فكيف يقدم العام على الخاص وماذا الذي أخرج فريضة الام عن سائر الفرائض وجعلها بخصوصها هدفا لهذا العموم المزعوم. وهذه الفرائض والمواريث المذكورة تجري من أصل المال الموروث ولكنها( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها ) الميت الموروث( أَوْ دَيْنٍ ) عليه وقدم ذكر الوصية على الدين لأنها أكثر وقوعا من الدين ولبيان أهميتها بكونها حقا ثابتا في المال. فاحفظوا هذه الوصايا في الفرائض والمواريث ولا يثقل عليكم بحسب اهوائكم رجحان جانب أو نقصان جانب فإنكم بحسب طباعكم ومرتكزات نفوسكم إنّما ترجحون من


آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١٢)وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أو دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أو دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أو امْرَأَةٌ

____________________________________

هو أقرب إليكم نفعا من جهات نفعكم وتنفرون ممن لا ينالكم منه نفع. وكم من شخص تحرصون على توريثه وتوفير فرضه ولو انكشف لكم الأمر لحرصتم على منعه فمهلا مهلا لا تستخفنكم النظرة الحمقاه فتثقل عليكم قسمة الله للمواريث واحكامه فيها فها هم( آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) مما هو نفع يرغب فيه العقلاء فعليكم بوصية الله وفرضه وأحكامه في المواريث على حسب حكمته( فَرِيضَةً ) الظاهر كما في التبيان انها حال من المواريث الموصى بها والمفروضة عموما وخصوصا في ضمن الآيات المتقدمة فتكون مؤكدة لتشريع المواريث( مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) بالأمور ومنها ما هو الأصلح والأوفق بالحكمة في قسمة المواريث( حَكِيماً ) في كل شيء ومن ذلك أحكام المواريث ١٢( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ) وان نزل ذكرا كان أو أنثى( فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ) أي جنس الولد منكم أو من غيركم( فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أو دَيْنٍ وَلَهُنَ ) وان كن أربعا( الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ) مطلقا( فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ ) أي جنس الولد منهن أو من غيرهن( فَلَهُنَ ) وان كن أربعا( الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أو دَيْنٍ ) عليكم( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أو امْرَأَةٌ ) «كان» تامة ورجل فاعل وجملة يورث صفة له أي يورث من حيث القرابة. عن الفرا الكلالة ما خلا الوالد والولد سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت الأقرب فالأقرب من تكلله الشيء إذا استدار به فكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد فهو كلالة مورثة. وفي التبيان واصل الكلالة الاحاطة ومنه الإكليل لاحاطته بالرأس والكلالة لاحاطتها بأصل النسب الذي هو الولد والوالد. وفي الصحاح الكل أي بفتح الكاف من لا ولد له


ولا والد يقال منه كل يكل الرجل كلالة والعرب تقول لم يرثه كلالة عن عرض بل قرب واستحقاق وقال بعضهم يسمى الوارث والموروث كلالة وأنشد له قول زياد بن زيد العذري: -

ولم ارث المجد التليد كلالة

ولم يأن مني فترة لعقيب

وفي الكشّاف وتطلق على القرابة من غير جهة الوالد والولد والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة إنتهى وكلهم قالوا انها تطلق على من ليس بولد ولا والد وعلى هذا جاء الحديث ففي الكافي والتهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن عن الصادق (ع) الكلالة ما لم يكن والد ولا ولد. ونحوهما روايتهما عن حمزة بن حمران عنه (ع) ورواية معاني الأخبار في الصحيح من مراسيل ابن أبي عمير عنه (ع) : وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) في حديث والكلالة من لم يترك والدا ولا ولدا وفي الدّر المنثور أخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء قال سئل رسول الله (ص) عن الكلالة فقال (ص) ما خلا الولد والوالد وذكر أيضا من اخرجوا نحو ذلك عن ابن عباس وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت. وقال بعضهم يسمى الوارث والموروث كلالة أقول ولا يأباه ما تقدم بل هو مقتضى إطلاقه. وهب ان الكلالة في الأصل مصدر لكنها صارت اسما منقولا لمن ذكر في الحديث وذكره اللغويون فكلمة «كلالة» حال من الضمير النائب عن الفاعل أي يورث حال كونه ليس بوالد ولا ولد لوارثه. وفي جعلها خبرا لكان الناقصة تعقيد في الكلام وفي جعلها حالا من الوارث المشار إليه في الكلام تكلف زائد في التقدير. نعم لو أبقينا لفظ الكلالة على معناه المصدري جاز أن يكون مفعولا لأجله ووجها للإرث ويجوز في هذا المعنى أن تكون تمييزا رافعا لإبهام الإرث في وجهه وفي المصدرية واحتماليها في الاعراب ضعف. والآية على كل تقدير تدل على اختصاص حكمها بما لم يكن للموروث وارث بالقرابة القوية الأصيلة من والد أو ولد لأنها مقيدة لحكمها بصورة كون الإرث عن كلالة لا يوجد معها والد ولا ولد وهو اجماع وقال مالك في الموطأ في ميراث الأخوة من الأم المجتمع عليه عندنا ان الأخوة للأم لا يرثون مع الولد ولا مع ولد الأبناء ذكرانا وإناثا ولا يرثون مع الأب ولا مع الجد أبي الأب شيئا. وذكر ابن رشد في بدايته عن أهل السنة نحو اجماع مالك. وقال مالك أيضا ما ملخصه ان الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ان الكلالة في هذه الآية هي التي لا ترث فيها الأخوة للأم حتى لا يكون والد ولا ولد. وهذا كله لقوله تعالى( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ


وَلَهُ أَخٌ أو أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أو دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ

____________________________________

كَلالَةً أو امْرَأَةٌ ) أقول والتقييد وحصر الإرث في الآية بجهة الكلالة من الأقارب في الآية جلي مضافا إلى انها لو كانت مطلقة على خلاف ظاهرها للزم فيها تخصيص الأكثر بإخراج من ذكر الإجماع على انهم لا يرثون مع الاربعة المذكورين وتخصيص الأكثر قبيح في الاستعمال فمن الغريب إذن حكم الجمهور بإرث الأخوة من الأم معها بفرض هذه الآية( أَوِ امْرَأَةٌ ) عطف على رجل ولها مثل حكمه الآتي( وَلَهُ ) أي الرجل فإن عنوان الجملة مسوق له( أَخٌ أو أُخْتٌ ) وقد اجمع المسلمون على ان المراد ومورد النزول هو الاخوة من الأم وحدها كما يشير إليه الجمع بين هذه الآية والآية الأخرى في الكلالة في آخر السورة( فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا ) مع اجتماعهما أو انفرادهما واجتماع الأخوين أو الأختين( السُّدُسُ ) من التركة( فَإِنْ كانُوا ) أي الاخوة المدلول عليهم بقوله تعالى( أَخٌ أو أُخْتٌ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ ) أي من الاثنين( فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ) على السواء لا يفضل حظ الذكر على حظ الأنثى. وذلك( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها ) ذلك الرجل أو الامرأة المعطوفة عليه( أَوْ دَيْنٍ ) حال كون الرجل ومثله المرأة المعطوفة عليه( غَيْرَ مُضَارٍّ ) للورثة بوصيته بأن تكون اكثر من الثلث. وجرى التعرض للإضرار بالوصية هنا لأن المقام مظنة له لأن ارث الكلالة وخصوص كلالة الأم يكثر ان يكون ثقيلا على الموروث. والحكم عام( وَصِيَّةٍ ) مصدر مؤكد منصوب بيوصيكم مقدرة وصرح بأنها( مِنَ اللهِ ) تأكيدا لعظيم شأنها والتحذير من مخالفتها( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بمن يطيع ومن يعصي ويتعدى حدوده( حَلِيمٌ ) لا يعاجل بالعقوبة

وبمناسبة هذه الآيات الكريمة ينبغي هاهنا تفسير الآية المذكورة في آخر السورة وهي قوله تعالى( يَسْتَفْتُونَكَ ) يا رسول الله أي في الكلالة لدلالة ما يأتي( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ) في كتابه( فِي ) ميراث( الْكَلالَةِ ) وقد مر معناها وقد أجمع المسلمون على ان المراد منها غير ما تقدم ذكره من كلالة الأم وحدها( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) أي جنس الولد وقد مرّ انه أعم من الذكر والأنثى وإن نزل. وجملة ليس له ولد صفة( وَلَهُ أُخْتٌ ) الجملة تصلح لأن تكون صفة


معطوفة وحالية( فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ) ذكر النصف ليبقى مجال لفريضة جنسي الزوجة والاخوة من الأم وحدها وقد أجمع المسلمون على عدم توريث الأخت مع الأبوين إن لم يكن للميت ولد وكان ابن عباس يتضجر من حكم بعض بأن الأخت تأخذ مع البنت ما بقي بنحو التعصيب ويقول أأنتم اعلم أم الله وعن ابن طاوس ان ابن عباس قال قال الله تعالى( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ) فقلتم أنتم لها النصف وإن كان له ولد كما رواه الحاكم على شرط البخاري ومسلم ورواه عبد الرزاق في جامعه( وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) في صورة تكون هي الميتة وهو باق بعدها. واجمع المسلمون أيضا على عدم توريثه مع الأبوين. والمراد من قوله تعالى( يَرِثُها ) يرث منها وذلك لكثرة ما يتفق معه من وجود الزوج والأخوة من الأم فقد علق إرثه منها على عدم الولد وإن كان أنثى وإن نزلت كما سبق( فَإِنْ كانَتَا ) أي الأخوات( اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ) وذكر الثلثان ليبقى مجال لفريضة الزوجة والأخوة من الأم( وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وقد اجمع المسلمون أيضا على عدم توريثهم مع الأبوين ففي الآية إطلاقات متعددة أجمع المسلمون على عدم العمل بالكثير من مواردها مضافا إلى أن الآية لم تبين من احكام الكلالة حكم ما فوق الاثنتين من الأخوات ولا حكم الأخوين فما زاد من الذكور ولا حكم الاثنين من الأخت والأخ مع أن قوله تعالى( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ) حفظا لكم من( أَنْ تَضِلُّوا ) يدل على ان الله جلت حكمته ولطفه قد بين أمر الكلالة في كتابه المجيد بالبيان الحافظ من الضلال وذلك بنظم هذه الآية في القرآن مع آيات المواريث فينكشف بالنظر إلى الجميع وتدبره ان وجوه مطلقاتها مبينة وموضحة ببيان تلك المواضيع التي ذكرت أحكامها في الآيات الأخر ومبتنية على أساسياتها من كون الإرث للأقربين وان اولي الأرحام بعضهم أولى ببعض ومن ان الذي ليس له ولد إنّما يكون ارثه بسبب الرحم لأبويه وليس لغير الأبوين من الأرحام مقام في الإرث مع مقام الوالدية. وهذا هو السبب في الاقتصار بحسب حاجة البيان إلى اشتراط عدم وجود الولد في ارث الاخوة لأن الولد لم تذكر له فريضة ومقام إرث الغي فيه الاخوة. وقد تقدم الكلام في الآية العاشرة على مقام فريضة الأبوين مع الغاء الاخوة فيه. وغاية ما هنا انه روعيت عيلولة الأب بهم فوفر نصيبه مع الأم بهم - لا يقال ان تلك الآية لا تدل على الغاء الاخوة مع وجود الأبوين معا ولا على الغائهم مع الام وحدها - لأنا نقول ان


القاعدة المستفادة من سير المواريث والمعقولة من إرث الأقارب هو انه إذا كان لقريب مقام ارث مع قريب آخر لا يحجبه عن هذا المقام وجود وارث ثالث بل غاية ما في وارثيته انه يزاحمهم فلا يكون وجود الأب مانعا عن مشاركة الاخوة للام لو كان لهم معها مقام ميراث كما توضح ذلك آيات الأقربين وأولي الأرحام - لا يقال ان عموم تلك الآيات معارض بإطلاق هذه الآية في ارث الاخوة مع عدم الولد - لأنا نقول ان عموم تلك كالمعلل بجهة الاقربية وأولوية الرحم بل هو معلل في الحقيقة ومآل سوقه فيقوى قوة لا يعارضه فيها إلّا النص وأما الذي في هذه الآية فهو اطلاق موهون بخروج الكثير من افراده في صور وجود الأب منفردا ومع الام مع ان الأخذ بالإطلاق لا يتجه إلّا مع عدم البيان وتلك العمومات مع قوتها وجهة تعليلها كافية في البيان الذي يقف امام الإطلاق. إذن فموضوع الإطلاق مختص بالصورة التي لا يوجد فيها من هو أقرب من الاخوة ويكشف عن ذلك انهم لا يرثون مع الأب المنفرد وهو في هذه الصورة ليس بذي فرض وانّما قدم على الاخوة بكونه أقرب وأولى منهم فكذا الام لعين العلة. واما مسألة الإرث معها بالتعصيب فسيأتي ان شاء الله بطلانه - لا يقال ان الإجماعات المتقدم ذكرها كافية في بيان الآية فيؤخذ بمطلقاتها في غير موارد الإجماع - لأنا نقول لا مناص في تدبر القرآن من استيضاح دلالة بعضه ببعض والنظر في وجوه الدلالة. مضافا إلى ان قوله تعالى في نفس الآية «يبين الله لكم ان تضلوا» يدل على ان الآية حين وحيها كانت محفوفة ببيان الله في كتابه الكريم بالدلالة على تقيد موضوعاتها على ما ذكرناه لا موكولة إلى صدفة اجماع المسلمين بعد حين. وهذا جلي بفضل الله وله الحمد وان بعثنا بعض ما يقال في الشبهات إلى هذا التطويل تمحيضا للحقيقة التي عليها اجماع الإمامية وحديثهم والله الموفق.

بقي الكلام فيما يرجع إلى ما في الآيات من عمومات المواريث وإطلاقاتها وفي ذلك أمور «الاول» ان الكافر لا يرث المسلم ولا يحجب وارثه وعلى ذلك اجماع المسلمين وحديثهم «الثاني» ان المسلم يرث الكافر وعليه اجماع أهل البيت والإمامية وحديثهم. وهو المحكي عن معاذ بن جبل ومعاوية وعبد الله بن دغفل من الصحابة وسعيد بن المسيب ومسروق ويحيى بن يعمر من التابعين وأخرج أحمد في مسنده بطريق صحيح عندهم والحاكم وصححه على شرط البخاري ومسلم ولم يتعقب في ذلك ان معاذ بن جبل أتي بميراث يهودي وله وارث


مسلم فقال سمعت رسول الله (ص) يقول الإسلام يزيد ولا ينقص فورثه. واخرج أبو داود في سننه نحو ذلك. وهو حديث معلل معتضد بالمعقول من ان الإسلام لا ينقص حظ المسلم في الدنيا والآخرة وبما أخرجه الروباني والدارقطني والبيهقي في سننه والضياء عن عائذ بن عمرو وصحح عن النبي (ص) الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وان حجب المسلم عن ميراثه بالكافرين علو على الإسلام. وبمثل قول الباقر (ع) في المقام ان الله لم يزد بالإسلام إلّا عزا فنحن نرثهم ولا يرثوننا كما رواه المشايخ الثلاثة في كتبهم ونحوه عن الصادق (ع). وعن الصادق (ع) انه قال في مثل المقام ان الإسلام لم يزده إلّا عزا في حقه. وفي حديث آخر لم يزده في ميراثه إلّا شدة. ويؤخذ هذا المعنى أيضا من قوله تعالى في السورة ٤٠( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) فإن حجب الكافر للمؤمن عن ميراثه سبيل عليه. وقد ذكر ابن رشد في البداية وغيره احتجاج الجمهور بهذه الآية لعدم ارث الكافر من المسلم. وليت شعري لماذا غفلوا عن دلالتها على عدم حجب الكافر للمسلم فإنها في الدلالة على ذلك أوضح وأظهر. وعن البيهقي في سننه عن إبراهيم قال قال علي (ع) المشرك لا يحجب ولا يرث. وعن إبراهيم أيضا كان علي (ع) لا يحجب باليهودي ولا النصراني ولا المملوك ولا يورثهم - ولو اسلم الكافر قبل قسمة الميراث شارك فيه ان كان مساويا وانفرد فيه ان كان اولى وعليه اجماع الإمامية وحديثهم ووافقهم على ذلك جملة من الجمهور منهم الحسن وقتادة. وفي بداية ابن رشد روي من حديث عطا ان رجلا اسلم على ميراث على عهد رسول الله (ص) قبل ان يقسم فأعطاه رسول الله نصيبه. واحتج الجمهور على مدعاهم بما أخرجه أحمد وأصحاب الجوامع الستة عن اسامة والحاكم عن جابر عن رسول الله (ص) لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر. ويدفع هذا الاحتجاج أولا بكون الرواية مخالفة لنفي السبيل في الآية ولكون الإسلام يزيد ولا ينقص وانه يعلو ولا يعلى عليه. وثانيا بأن روايات الجوامع وإن وصفت بالصحة في اصطلاحهم لا تجدي شيئا في قبال الإجماع من أهل البيت واتباعهم الامامية وحديثهم. واحتجوا أيضا بما أخرجه أحمد وابو داود وابن ماجه عن ابن عمر عن النبي (ص) لا يتوارث أهل ملتين شيئا. ويدفعه إن مدلوله هو ان أهل الملتين لا يتبادلون الميراث بحيث يرث كل من أهل الملتين من أهل الملة الأخرى. ولا يدل على ان احدى الملتين كالإسلام لا يرث أهلها من الكافرين كما قال الباقر والصادق (ع) نرثهم ولا يرثوننا واحتجوا أيضا بما أخرجه أحمد واصحاب


الجوامع ما عدا الترمذي عن اسامة من قول النبي (ص) وهل ترك لنا عقيل من رباع. زاعمين ان المقصود ان عقيلا ورث أبا طالب دون علي وجعفر. ويرده انه لا دلالة بوجه من الوجوه على ان عقيلا أخذ ذلك بحق الإرث المختص به في شريعة الإسلام فضلا عن ان النبي (ص) لما سئل عن منزله بمكة عام الفتح قال وهل ترك لنا عقيل رباعا وهذا يدل على ان بيع عقيل لرباعهم حتى رباع النبي (ص) وخديجة بل وحمزة وعبيدة إنّما كان من جلافة الشرك وعدوانه وخلو الجوله - الأمر الثالث - ان العبد لا يرث مع الحر وان بعد الحر نعم إذا انعتق قبل القسمة شارك أو انفرد كما ذكرناه في الكافر وعلى ذلك اجماع الإمامية وحديثهم. ولا يحضرني عاجلا قول الجمهور فيما إذا انعتق قبل القسمة - الرابع - ان ولد الزنا لا يرث ممن تولد منه بالزنا أبا كان أو أما ولا ممن يتقرب إليه بهما وهؤلاء لا يرثون منه وعليه اجماع الإمامية وذلك لأن الشارع قد قطع فوائد العلقة النسبية من الزنا بقوله (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر. وفي جامع الترمذي مسندا عن عمرو بن العاص عن رسول الله (ص) أيما رجل عاهر بحرة أو امة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث. ولا وجه للتفريع بقوله (ص) فالولد ولد زنا إلّا التمهيد لبيان ان التولد من الزنا مانع من الإرث مطلقا. ويشهد له ما رواه الترمذي والحاكم عن واثلة قال قال رسول الله (ص) المرأة تحوز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عنه : حيث جعل لها ميراثه باعتبار ان ملاعنتها نفت جهة الزنا من جانبها كما عليه اجماع الإمامية وحديثهم. وحكى مالك في الموطأ عن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار قولهما بأن ولد الزنا كولد الملاعنة في التوارث مع امه ومن يمت بها ثم قال مالك وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا : أقول وهو غريب لا يلتئم مع ما ذكرناه من الأحاديث - الأمر الخامس - ان القاتل عمدا ظلما لا يرث من مقتوله وعليه اجماع الإمامية وحديثهم عن رسول الله (ص) وعن الباقر والصادق (ع) وذهب إلى ذلك أيضا جل الجمهور لما رواه الترمذي وابو داود عن ابن عمر والبيهقي عن ابن عباس عن رسول الله (ص) : فإن قتله بحق لم يمنع من ارثه وعليه اجماع الإمامية وروايتهم عن الباقر (ع) في قتال أهل البغي. والمشهور عند الإمامية رواية وفتوى انه يرث في قتل الخطأ لكن المشهور انه لا يرث من الدية ووافقهم في الأمرين مالك وأصحابه - الأمر السادس - ان آيات الأقربين واولي الأرحام وعمومها القوي المؤكد تقتضي ان يرد الفاضل من الفرائض على الأقرب من الأرحام ويكون الرد على نسبة سهامهم فإذا اجتمع


الأب والبنت رد ربع الفاضل على الأب وثلاثة أرباعه على البنت. وعلى هذا القياس وعليه أهل البيت وحديثهم واجماع الإمامية اتباعهم. وذهب الجمهور إلى التعصيب ورووه عن امير المؤمنين في بعض الموارد لكن روايتهم مع ضعفها وتعارضها مردودة بما صح في رواياتنا عن الأئمة من خلاف ذلك. والرواية عن ابن مسعود متعارضة ويكثر فيما يروى عنه من مسائل التعصيب العمل على خلافه. احتج الجمهور للتعصيب بوجوه منها المفهوم من تحديد الفرائض بالنصف والثلث ونحو ذلك وهو يقتضي بأن نصيب ذي الفرض ينحصر بمقدار فرضه فلا يرث اكثر من ذلك - ويدفعه أولا انه لا مفهوم مع احتمال فائدة غير فضلا عن تحققها ويكفي من الفائدة إبقاء مجال للفرائض الأخر التي تجمع مع الفريضة الخاصة ولان يكون عنوان الفريضة في الأرحام ميزانا للرد عليهم - وثانيا - اجماع المسلمين على عدم المفهوم كما إذا كان الوارث أبا مع بنت أو بنتين واكثر فإن الشيعة يزيدون على سدس الأب بالرد ، والجمهور يزيدون عليه بالتعصيب. أو كان الوارث زوج هو ابن عم فإن الشيعة يزيدون نصفه بالقرابة والجمهور يزيدونه بالتعصيب أو كان أخا من الأم وابن عم فإن الشيعة يزيدون سدسه بالقرابة والجمهور يزيدونه بالتعصيب ، أو كان الاخوة من الأم أكثر من اثنين وهم أبناء عم فإن الشيعة يزيدون ثلثهم بالقرابة والجمهور بالتعصيب وان فقهاء العراق من الجمهور ومنهم أبو حنيفة واحمد بل والشافعي إذا لم ينتظم بيت المال وافقونا على الرد على ذوي الفرائض من الأرحام إذا لم يكن معهم عاصب وحكاه الترمذي في جامعه عن اكثر أهل العلم وهو المروي عن الصحابة عدا زيد بن ثابت. فينتفي المفهوم بالمرة لأنه ليس بلفظ له عنوان مدلول عليه لكي يقبل التخصيص والتقييد في بعض مصاديقه. بل هو لازم يتبع كون الفريضة حاصرة بمضمونها فإن ثبت ولو في مورد واحد انها في استعمالها غير حاصرة سقط المفهوم بالمرة وقد ثبت انها غير حاصرة - وثالثا - قد ثبت بإجماع المسلمين واهل المحاورات على العمل بالدليل اللفظي وان كان عموما أو إطلاقا دون المفهوم. ومن ذلك ان الشيعة يعملون بآيات الأقربين واولي الأرحام في الرد مطلقا وكذا جمهور الصحابة وفقهاء العراق بل والشافعي كما ذكرنا في الرداذا لم يوجد عاصب. والجمهور بأجمعهم يعملون بعموم ما يرويه ابن طاوس في التعصيب فيزيدون على الفرض كما ذكرناه في مثالي الأب والزوج الذي هو ابن عم - ومن الوجوه - حديثهم في ان معاذ بن جبل قضى في اليمن بأن نصف التركة للبنت ونصفها الآخر للأخت.


ويدفعه أولا انه اجتهاد من معاذ في اليمن لا حجة فيه وثانيا انه مردود بمخالفته للقرآن الكريم لأن آية الكلالة المذكورة في آخر السورة قد اشترطت في ارث الأخت ان لا يكون لأخيها ولد والبنت ولد بالإجماع وقد سمعت تضجر ابن عباس من هذه الفتيا. وبمخالفة القرآن يعرف الكلام فيما يروى عن ابن مسعود في ابنة وابنة ابن واخت من ان رسول الله (ص) قضى بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس وما بقي للأخت كما أخرجه عبد الرزاق في جامعه والحاكم في مستدركه. وفي بداية ابن رشد ذهب داود الظاهري وطائفة إلى ان الأخت لا ترث مع البنت شيئا - ومنها - ان رسول الله (ص) قضى بأن لزوجة سعد بن الربيع الثمن ولبنتيه الثلثين والباقي لأخيه. ومما يرد به هذا الاحتجاج ان الرواية قد انفرد بها عن جابر عبد الله بن محمد بن عقيل وان جماعة من أهل العلم لا يقبلون روايته كما ذكره ابن رشد في بدايته. والذي تساهل في امره قال في حديثه لين وقد تغير في آخر عمره كما في التقريب مضافا إلى اضطراب الرواية ففي سنن ابن داود من رواية بشير بن المفضل عن عبد الله المذكور روايتها في بني ثابت بن قيس وانه قتل يوم أحد وقال أبو داود ان ثابتا قتل يوم اليمامة - ومنها - ما تفرد به عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن رسول الله (ص) الحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت فلأول رجل ذكر. هكذا رواية الجوامع. ويرد هذا الاحتجاج - أولا - وهن متنه فانه لا يليق التعبير برجل ذكر ولا يصدر إلّا في كلام عي لا يحسن كيف يتكلم فكيف تجوز على رسول الله (ص) مضافا إلى عدم عملهم على ظاهره فإنهم يورثون الأولى وان كان طفلا في يوم ولادته فإن قالوا أريد بهذا الحديث من لفظ الرجل ما يشمل الطفل المذكور فقد زادوا متنه بهذه الدعوى المجردة وهنا على وهن ورده إلى الكلام الساقط. وان قالوا ان من لم يبلغ مبلغ الرجال غير مراد من هذا الحديث ولكن مساواتهم للرجل هو حكم الله. قيل لهم أولا من اين علمتم هذه المساواة. وثانيا انكم رددتم الحديث إلى القصور والمعاياة الواهنة فإن المقام مقام بيان وتحديد. وقد خالفوا أيضا مضمونه في حكمهم بأن الإناث يعصبن مع إخوتهن وبذلك يزيدون الحديث في المعاياة والقصور في البيان - وثالثا - وهن سنده فقد روى الشيخ الطوسي في تهذيبه(١) عن أبي طالب الأنباري عن محمد بن أحمد الترمذي عن بشير بن

__________________

(١) سماعا واجازة من أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون وابن الحاشر سنة ثلاث وعشرين واربعمائة وكانت وفاة الأنباري سنة ست وخمسين وثلاثمائة


هارون عن الحميري عن سفيان عن أبي اسحق عن قارية بن مضرب قال جلست إلى ابن عباس وهو بمكة فقلت له حديث يرويه أهل العراق عنك وطاوس مولاك ان ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر. قال أمن أهل العراق أنت قلت نعم قال ابلغ من وراءك - ما قلت هذا ولا طاوس يرويه عليّ قال قارية فلقيت طاوسا فقال لا والله ما رويت هذا على ابن عباس وانّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم. قال سفيان أراه من قبل ابنه عبد الله بن طاوس فإنه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك وكان يحمل على هؤلاء حملا شديدا يعني بني هاشم - ورابعا - يكفي في سقوط هذا الحديث وقيام الحجّة على بطلان التعصيب ما رواه في التهذيب في المعتبر عن الصادق (ع) ان رجلا مات على عهد رسول الله (ص) وكان يبيع التمر فأخذ عمه التمر وكان له بنات فأتت امرأته النبي (ص) فأعلمته بذلك فأخذ النبي (ص) التمر من العم ودفعه إلى البنات. وفي الكافي والتهذيب في المعتبر عن الكاظم (ع) في رجل ترك امه وأخاه قال يا شيخ تريد على الكتاب قال نعم قال (ع) كان علي يعطي المال الأقرب فالأقرب قلت فالأخ لا يرث شيئا قال (ع) قد أخبرتك ان عليا (ع) كان يعطي المال الأقرب فالأقرب. يعني ان عليا كان يجري على مقتضى الكتاب في آيات الأقربين واولي الأرحام ولا يقيم لمسألة التعصيب وزنا. وفيهما في الصحيح عن الصادق المال للأقرب والعصبة في فيه التراب. وفي العيون بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في حديث ولا يرث مع الولد والوالدين إلّا الزوج والمرأة وذو السهم أحق ممن لا سهم له وليست العصبة من دين الله. وفي الفقيه في الصحيح عن الباقر (ع) لا والله ما ورث رسول الله العباس ولا علي ولا ورثه إلّا فاطمة ثم قال (ع)( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) . وفي الكافي والفقيه وبضائر الدرجات والتهذيب في الصحيح عن الباقر (ع) ورث علي علم رسول الله وورثت فاطمة تركته. وفي بصائر الدرجات في الصحيح عن الصادق مثله. إلى غير ذلك مما هو صحيح الرواية عن الأئمة العترة أهل البيت (ع) - ولو تنزلنا وفرضنا التعارض والتكافؤ بين هذه الروايات وبين روايات التعصيب لكان المرجع كتاب الله في آيات الأقربين واولي الأرحام ودعوى ان آيتي أولي الأرحام لا دخل لهما في الميراث ساقطة وذلك لعمومها وما دل من الحديث وعمل الصحابة واهل العلم واهل البيت في نزولهما في شأن الميراث وعملهم عليهما في ذلك كما تقدم. على انه يكفينا في الانتصار آية الأقربين المؤكدة بالتكرار.


-الأمر السابع - وعز عليّ ان أذكره. لكن اصحاب الجوامع والمسند وابن جرير وغيرهم من الجمهور تعرضوا له بما لا يخلو من النقد التاريخي وتعرض له الرازي والألوسي وصاحب المنار في تفاسيرهم بما لا يخلو من النقد العلمي والتاريخي وقد ذكروه بنحو يوجه اللوم على الزهراء (ع) وعلي (ع) وانهما لم يقتنعا بالرواية عن رسول الله (ص) بل أصرا بحنق وشدة على المطالبة به على خلاف المأمول بمقامهما العظيم في الكرامة والدين والمحافظة على الشريعة. ولو لا ذلك لكان ترك التعرض منا له أولى واهدأ للخواطر. ولكن لا بأس بالنقد التاريخي النزيه وتمحيص الروايات والأقوال في هذا المقام. وأمر الحقيقة موكول إلى الله وعلمه. وحاصله ان آيات( الْأَقْرَبِينَ ) و( أُولُوا الْأَرْحامِ ) و( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) تقتضي ان تركة رسول الله (ص) يرثها وارثه وهي ابنته وبضعته فاطمة (ع). ولكن ذكر التاريخ المؤلم في ذلك نزاعا احتدمت ناره مدة من السنين بين أهل البيت والعباس من جانب وبين المعاريف من مشايخ الصحابة من جانب آخر. وكثر من ذلك في المروي ما لا يهون وقوعه إذ يروى انه استمرت شكاية أهل البيت (ع) ومنازعتهم في ذلك إلى زمن عثمان ورأوا بعد ذلك ان السكوت أولى. وقد جاء في تأريخ ذلك من كتب الجمهور عن الصحابة أحاديث - الاول - في كتاب الجهاد من جامعي البخاري ومسلم من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة ان فاطمة (ع) بنت رسول الله (ص) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة(١) وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر قال رسول الله لا نورّث ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمد من هذا المال واني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله ولأعملن به بما عمل به رسول الله (ص) فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك. فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر : وروى نحوه مسلم أيضا في جامعه وابن جرير في تاريخه من طريق عبد الرزاق عن الزهري عن عروة عن عائشة. لكن ذكرا في أوله ان فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (ص) وهما يطلبان ارضه من فدك وسهمه من خيبر. ونحوه في كتاب الفرائض من جامع البخاري من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة إلى قولها فهجرته حتى ماتت : وروى مسلم أيضا من طريق صالح عن الزهري عن عائشة ان فاطمة سألت أبا بكر ان يقسم

__________________

(١) من أموال بني النضير حيث انجلوا عنها وبقيت فيئا لرسول الله (ص)


لها ميراثها مما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه فقال أبو بكر ان رسول الله (ص) قال : لا نورّث ما تركناه صدقة وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله فأبى أبو بكر - وفي الحديث واما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس - واما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقة رسول الله كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر - الحديث الثاني - روى مسلم في كتاب الجهاد من طريق مالك عن الزهري عن مالك بن أوس ما ملخصه ان عليا والعباس جاءا إلى عمر يختصمان فقال عمر لعبد الرحمن وعثمان والزبير وسعد أنشدكم الله أتعلمون ان رسول الله قال لا نورّث ما تركنا صدقة فقالوا نعم ثم ناشد عليا والعباس مثل ذلك فقالا نعم - إلى أن قال عمر فبقي هذا المال فكان رسول الله (ص) يأخذ منه نفقة سنة ثم يجعل ما بقي أسوة المال فلما توفي رسول الله (ص) قال أبو بكر أنا ولي رسول الله فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها فقال أبو بكر قال رسول الله ما نورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ثم توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله (ص) وولي أبي بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا. الحديث ورواه البخاري أيضا في كتاب الفرائض من طريق عقيل عن الزهري عن مالك بن أوس من دون قول عمر فرأيتماه - فرأيتماني كاذبا آثما إلى آخره. ورواه أبو داود في سننه بنحو رواية البخاري - الحديث الثالث - أخرج أبو داود في سننه عن أبي الطفيل قال جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها من النبي (ص) فقال أبو بكر سمعت رسول الله (ص) يقول ان الله إذا أطعم نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده. وروى نحوه أحمد في مسند أبي بكر عن أبي الطفيل. ونقله في كنز العمال عن ابن جرير والبيهقي.

وهلم العجب في هذه المشكلة وما جرى في تاريخها من وجوه - الاول - لا يخفى ان فاطمة (ع) قد صح بين المسلمين بل تواتر انها سيدة نساء العالمين. كما أشرنا إليه في الجزء الاول ص ٢٨٢ وانها وعليا من العترة أهل البيت الذين هم ككتاب الله في انهما لا يضل من تمسك بهما ولن يفترقا ص ٤٣ - ٤٥ ومن الكلمات التي تاب الله بها على آدم ص ٨٧ ومن أمر الله رسوله أن يباهل بهم ويستعين بدعائهم ص ٢٩٠ ومن أهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا كما سيأتي بيانه إن شاء الله وان عليا امير المؤمنين ص ١١٢ وسيأتي إن شاء الله تأكيده ونفس رسول الله في وحي الله وحديث الرسول ص ٢٩٠ - ٢٩٤ وانه


يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول الله على تنزيله كما مر ذلك في هذه المعدودات من صفحات الجزء الأول وباب مدينة العلم. ومع الحق. وأقضى الأمة. وولي المسلمين. وغير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله ، إذن فكيف تصر فاطمة مدة حياتها ويصر امير المؤمنين إلى ايام عمر على المطالبة بإرث رسول الله. إلّا تقول كيف يصران على ذلك مع ان أبا بكر يروي حديثا في ذلك عن رسول الله (ص). وهل يكون ذلك إلّا لأنهما يعلمان ان احتجاج أبي بكر لا يجدي شيئا. هب انهما يعلمان ذلك ويريان ان احتجاجه غير جار على الأصول الشرعية من حيث انه هو المدعي في هذه الخصومة وهو الذي استولى على الأموال ولم يتركها على مجراها الشرعي في الخصومات بل كان عليه أن يقف مع الزهراء للمحاكمة عند من سمع من رسول الله ما يسقط دعوى الزهراء فتجري الأمور على ميزان الدعاوي والحقوق في الشريعة. لكن هذا كله لا يوجب أن تهجر فاطمة أبا بكر حتى توفيت. ولا أن يقول عمر لعلي انه رأى أبا بكر آثما كاذبا خائنا غادرا ورأى عمر كذلك. بل كان على علي وفاطمة ان يريا ان من الجائز ان يكون أبو بكر سمع من رسول الله ما رواه وإن لم تجر الخصومة على وجهها فلا تهجره فاطمة مدة حياتها ولا يختلج في اعتقاد علي ما ذكره عمر في شأن أبي بكر وشأنه. إذن فمقام علي وفاطمة والتزامهما بالشريعة يقضي بأنهما كانا بحسب ما يعلمانه من القرآن ورسول الله لا يجدان إلى تجويز الصحة في منع أبي بكر وروايته سبيلا. وقد روى في كتاب بلاغات النساء(١) من طريقين ان فاطمة احتجت على رد حديث لا نورث ما تركناه صدقة بآيتي( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) ودعاء زكريا لولد الوارث كما سنذكره إن شاء الله مع ان الاعتبار يساعد على ان أهل البيت أولى بسماع هذا الحديث من رسول الله على وجه يذعنون بأن رسول الله لا يرث ماله وارثه بنحو يلتئم مع آيتي وراثة سليمان ويحيى من أبويهما النبيين. بل هم أولى بأن يخبرهم رسول الله (ص) بذلك جريا على قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين. لئلا تقع منهم بعده

__________________

(١) صفحة ٢١ و ٢٢ من المطبوع بمصر سنة ١٣٢٦ ومؤلفه أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر المولود ببغداد سنة ٢٠٤ والمتوفى سنة ٢٨٠ ويوجد في صفحة ١٦ «قال أبو الفضل ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)» وهذا غلط من النساخ أو الطبع لأن الذي عاصره ويروي عنه هو زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي المذكور كما يشهد لذلك ما في صفحة ١٦٧ من الكتاب وفي تقريب ابن حجر انه مقبول من الحادية عشرة.


هذه الدعوى بغير الحق والتي تثير الخلاف بين خواص الأمة. بل الحديث يدل على ان نساء النبي (ص) لا علم لهن بذلك وأردن ان يبعثن عثمان رسولا إلى أبي بكر للمطالبة بإرثهن من النبي (ص) فمنعتهن عائشة برواية أبيها لا نورّث كما أخرجه البخاري في كتاب الفرائض ومسلم في كتاب الجهاد عن عائشة. بل أخرج البخاري في كتاب المغازي بعد حديث مالك ابن أوس عن عائشة أرسل ازواج النبي (ص) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن الحديث وهذا يدل على ان عثمان أيضا لا يدري بحديث لا نورث وإلا لذكره لهن ولم يقبل رسالتهن. وروى أبو داود في كتاب الخراج حديث نساء النبي أيضا وفيه من رواية عائشة عن قول النبي لا نورث ما تركناه صدقة وانّما هذا المال لآل محمد لنائبتهم ولضيفهم فإذا مت فهو إلى من ولي الأمر من بعدي - الوجه الثاني - ان الذي يروى من الجواب لفاطمة وعلي في منع الإرث إنّما هي كلمات متدافعة متنافرة. وكل منها لا يصلح جوابا ولنذكر في ذلك أمور - الأول - ان أبا بكر بحسب ما ذكرناه من المروي هو الخصم في هذه المنازعة ومدعي الصدقة والولاية عليها بالانحاء التي تقدمت في الأحاديث. وليس من شريعة القضاء ان يكون الخصم هو القاضي والحاكم لنفسه وولايته ومنفعته لرواية ينفرد بها مع التدافع والاضطراب المروي فيها. مع ان القرآن الكريم على خلافها - الثاني - ان انفراده بالرواية هو المعروف وجرى عليه علماء الأصول من أهل السنة حيث استدلوا بالعمل بتخصيص الكتاب المجيد بهذه الرواية مع انفراد أبي بكر بها. واخرج أحمد في مسند أبي بكر في حديث ان عمر قال لعلي والعباس حدثني أبو بكر وحلف انه لصادق انه سمع النبي يقول ان النبي لا يورث وانّما ميراثه في فقراء المسلمين والمساكين. ولو كان عمر وغيره يعلم بذلك من النبي (ص) لما احتاج أبو بكر إلى ان يحلف لعمر انه لصادق وقد روى عن عائشة انفراد أبي بكر بذلك. وعدته من فضائله. ففي صواعق ابن حجر وكنز العمال ومختصره في فضائل أبي بكر انه أخرج أبو القاسم البغوي وابو بكر في الغيلانيات وابن عساكر عن عائشة في حديث ان الناس اختلفوا في ميراث رسول الله فما وجدوا عند أحد من ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله (ص) يقول «انا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة «لا يقال» ان رواية مالك بن أوس المتقدمة ناطقة بأن عمر ناشد عليا والعباس بالله انهما هل يعلمان ان رسول الله قال لا نورث ما تركناه صدقة فقالا اللهم نعم «لأنا نقول» ان لم يعرف ما لأمير المؤمنين من المقام السامي في العصمة فإنه لا يجهل


أحد من المسلمين ما له من المقام الأرفع في التقوى والزهد والورع. اذن فكيف يتصور في حقه انه يعلم بأن رسول الله أخبر بأن أمواله لا تكون ارثا بل تكون للمسلمين وهو يريد ان يستلبها منهم غصبا بدعوى الإرث ومخالفة لحكم الله وبيان الرسول ويستمر مع ذلك على المطالبة سنين عديدة. ولو تنزلنا عن هذا لقلنا لا يخفى ان عليا والعباس لهما شرف ومروءة وسداد في الرأي والقول فكيف يطالبان بالإرث من رسول الله مدة سنين ويعتر فان مع ذلك بالعلم بقول الرسول لا نورث ما تركناه صدقة. وكيف يسجلان على أنفسهما بهذا الاعتراف انهما يستمران على الدعوى الباطلة ومحاولة غصب المسلمين حقهم وأكل مالهم بالباطل. وأي صاحب شعور حتى من السفلة يقدم على ذلك فيشوه سمعته ويدنس مستقبله وإن لم يكن له رادع من تقوى الله. دع هذا ولكن كيف يجعله عمر مع ذلك من رجال الشورى المرشحين للخلافة والائتمان على امور المسلمين. فما رواية الاعتراف من علي (ع) مع إصراره على المطالبة بالإرث إلّا فلتة ممن لا يعرف كيف يتكلم فيما يرويه «ولا يقال» ان عمر ناشد عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعدا بمثل ما ناشد عليا والعباس فقالوا اللهم نعم «لأنا نقول» ان الراوي لهذه المناشدة وجوابها هو الراوي لمناشدته عليا والعباس وجوابهما وقد عرفت قيمة الرواية. وثانيا ان الرواية تذكر ان عمر سألهم عن علمهم بذلك لا عن سماعهم له من رسول الله فأجابوا بالعلم اعتمادا على رواية أبي بكر وعمله «ولا يقال» ان عائشة قد روت حديث لا نورث لنساء النبي (ص) «لأنا نقول» انها استندت على علمهن من رواية أبيها كما يدل عليه ما تقدم في انفراد أبي بكر في روايتها فلم يسعهن إلّا السكوت في الموقف الحرج «ولا يقال» ان أبا هريرة روى عن رسول الله كما في جوامع مسلم والترمذي وأبي داود لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة. وفي حديث آخر لا نورث ما تركناه صدقة «لأنا نقول» لا يخفى ان الرواية الأولى واردة في النقود وانه (ص) لا يدخر مما يملكه منها ما يبقى بعده بل ينفقها بسماحة النبوة ورأفتها وأبوته للأمة في سبيل الله والمحاويج. ولا يزاحم ذلك إلّا بالواجب الوقتي من نفقة نسائه ومؤنة عامله فهو (ص) على هذا المنوال وقتا بعد وقت فلا يبقى في خزائنه ما يكون معرضا لأن يتركه بعده إلّا ما كان من بيت المال والصدقات ان وسع المال ان يتربص به حاجة المسلمين في المستقبل. فالحديث اجنبي عن مثل الأراضي والعقار. واما الرواية الثانية فتكون بقرينة اتحاد الراوي جارية هذا المجرى ولا دلالة لها على اكثر من ذلك


- الأمر الثالث - ان رواية عائشة في تفرد أبي بكر بالرواية. وتداول نقلها بين العلماء والمصنفين وذكرها في الكتب كلها تشهد بأن الأصل في الرواية «انا معاشر الأنبياء لا نورث» وعلى ذلك جرى سطرها في الكتب. وعليه قال الرازي في تفسيره مذهب اكثر المجتهدين ان الأنبياء لا يورثون ثم ذكر انهم احتجوا بقول النبي (ص) نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ويشهد لذلك ما في شمائل الترمذي من رواية أبي البختري ان عمر قال لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد نشدتكم الله أسمعتم رسول الله يقول كل مال نبي صدقة إلّا ما أطعمه اهله إلّا لا نورث ونحوه في كتاب الخراج من سنن أبي داود. وما رواه أحمد في مسند أبي بكر من قوله لفاطمة سمعت رسول الله يقول ان النبي لا يورث. إذن فالرواية مخالفة لكتاب الله في قوله تعالى في سورة النمل ١٦( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) وليس ارث العلم والنبوة لأن القرآن يدل على ان سليمان اوتي العلم والحكمة كداود في زمان داود كما في سورة الأنبياء ٧٧ و ٧٨ وفي قوله تعالى في سورة مريم في قول زكريا ودعائه ٤( إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ) أي الأقارب الوارثين( مِنْ وَرائِي ) أي بعد موتي أي خاف من أن يكونوا هم الوارثين لماله. ومقتضى مقام النبوة انه خاف ذلك لأمر شرعي( وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ) لم تلد لي ولدا يكون هو الوارث من بعدي دونهم( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) من رحمتك وقدرتك ولدا( وَلِيًّا يَرِثُنِي ) ويكون له ما ابقيه من المال الذي خفت ان يرثه الموالي من ورائي. ولا يخفى ان مقام زكريا في النبوة يمنع من ان يقال انه خاف ان يرثه مواليه وأقاربه العلم والنبوة. وذلك لأن النبوة وعلمها أمر بيد الله في مقامها الخاص يجعلها لمن هو أهل لها ويمنعها عمن ليس بأهل ولا يخفى ذلك عمن هو دون زكريا إذن فلا يصح في المعقول ان يقال ان زكريا النبي خاف من ان يجعل الله النبوة وعلمها فيمن ليس بأهل لذلك. ولا انه خاف من ان يجعل الله النبوة وعلمها بحسب حكمته فيمن هو أهل لها. فلا بد من ان يكون الذي خافه هو إرث المال الذي يرثه البر والفاجر بحسب الشريعة. ومثل ذلك قوله تعالى عن زكريا في سورة الأنبياء ٨٨( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً ) بلا ولد وارث كما يدل عليه قوله( وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ٨٩ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ) وان استجابة دعائه بالوارث تبطل ان يكون يحيى قتلوه في حياة أبيه زكريا حتى لو قلنا ان مراد زكريا ارث العلم والنبوة فان معنى ارث يحيى لهما من زكريا لا يستقيم في الكلام إلّا إذا وصلا ليحيى بعد موت زكريا. ودعوى الإجماع على قتل يحيى في حياة


أبيه مجازفة تشهد دلالة القرآن ببطلانها - الأمر الرابع - في تدافع الحجّة المروية في أحاديث المسألة فإن الحديث الأول يذكر الاحتجاج أولا برواية انا لا نورث ما تركناه صدقة. وهذا كالصريح في دعوى ان أموال النبي (ص) التي هي ملكه في حياته يتصرف بها كيف يشاء تكون بعد وفاته صدقة مضافا إلى ان الاعتبار لا يساعد على ان يكون النبي محجورا عليه في أمواله وما أفاء الله عليه واضافه إليه وجعله له في نص القرآن فلا يكون كسائر المالكين يهب ويبيع ويعطي من اعيان أمواله على ما تقتضيه الحالة والمصلحة بل تكون صدقة لا يقدر ان يتصرف فيها إلّا على شيء من نمائها لنسائه فلا يساوي في أمواله التي جعلها الله له واحدا من المسلمين - لكن قول الحديث «إنما يأكل آل محمد من هذا المال يتضمن ان رسول الله (ص) كان محجورا عليه في املاكه بالنحو الذي ذكرناه وبمجرد ان يعطيه الله شيئا تكون أعيانه صدقة محجورا عليها. فالعبارتان في الحديث متدافعتان متنافيتان. ودع ما في العبارة الثانية ومؤدى حجرها على الرسول (ص). وعلى ذلك جرى قول الحديث «لا أغير شيئا من صدقة رسول الله عن حالها التي كانت عليها» إذ لو كان المدعى ان رسول الله (ص) جعلها صدقة بجعله لكان أمرا ثالثا تجب اقامة البينة الكافية عليه ولا يكفي في ذلك كون الرسول يتناول من نماء أمواله نفقة نسائه ويصرف الباقي في سبيل الله فإنه رسول الله وابو الأمة والإسلام معدن الرحمة والجود. «لا يقال» ان معنى المروي هو ان رسول الله (ص) جعل هذه الأموال صدقة في حياته وجرى في سيرته - لأنه يقال - لو كانت صدقة بجعل الرسول قبل وفاته بمدة سنين كما يروى من سيرته لكان ذلك من الأمور المشهورة ولما خفي على خواص أصحابه وعلى نسائه واهل بيته. ولما احتاج أبو بكر في رد فاطمة إلى رواية لا نورث ولا احتاجت عائشة في رد نساء النبي (ص) إلى هذه الرواية ولا احتاج لمناشدة عثمان والزبير وطلحة وسعد عن علمهم بها. مع ان الرواية اجنبية عن موضوع النزاع على هذا التقدير بل الذي يلزم هو اقامة الحجّة على وقوع التصدق منذ سنين والاستشهاد عليه. وفي رواية مسلم والبخاري في باب فرض الخمس «واما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال هما صدقتا رسول الله كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر» والكلام في هذه الفقرة كالكلام في سابقتها. وان كل مالك تكون أمواله لحقوقه التي تعروه ونوائبه. وتزيد هذه الفقرة بدعوى ان أمر فدك وخيبر إلى من ولي الأمر. فإن المقام مقام مطالبة بالحقوق على الموازين الشرعية والحجج لا مقام استفتاء يكتفي فيه بالفتيا المجردة والدعوى


المحضة - ومما ذكرناه - يعرف التدافع في حديث مالك بن أوس في الجمع فيها بين الاحتجاج برواية لا نورث ما تركناه صدقة وبين الاحتجاج بأن رسول الله (ص) كان ينفق من مال بني النظير على اهله نفقة سنتهم ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله كما في روايات البخاري وفي رواية مسلم ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ولا يخفى ان للناس في أموالهم شؤونا وهل يجب شرعا أو عقلا أو عادة ان تجرى أموال الشخص بعد موته على ما كانت تجرى عليه في حياته وان رسول الله (ص) في تفانيه في ذات الله والإسلام ورحمته بالمسلمين لو ملك اضعاف ما ملك لاقتصر على واجب النفقة وأنفق الباقي في سبيل الله وأما بعد وفاته فيرجع الأمر إلى شأن وارثه وليس لأحد ان يتحكم بفعل الموروث في النماء ما لم يثبت انه تصدق بالعين في حياته. ومما يزيد في الاضطراب والتدافع في ما يروى من الحجّة ما ذكرناه مما رواه أحمد في مسند أبي بكر عن عمر عن أبي بكر انه سمع رسول الله يقول النبي لا يورث وانّما ميراثه في فقراء المسلمين والمساكين. ويزيد ذلك بما ذكرناه في الحديث الثالث من قول أبي بكر سمعت رسول الله (ص) ان الله إذا اطعم نبيه طعمة فهي للذي يقوم من بعده. ويزيد في الاضطراب ما ذكرناه من شمائل الترمذي - الوجه الثالث - قد سمعت مما تقدم من جامعي البخاري ومسلم وتاريخ الطبري ان فاطمة طالبت أبا بكر بإرثها مما أفاء الله على رسوله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فردها أبو بكر برواية لا نورث ما تركناه صدقة وفي رواية مالك بن أوس ان عمر قال في فدك وخمس خيبر انهما صدقة رسول الله وأمسكهما. إذن فكيف بلغ الحال إلى ما رواه أبو داود في كتاب الخراج من سننه في فدك انه لما مضى أبو بكر وعمر اقطعها «بالبناء للمجهول» مروان بن الحكم وبقيت في ولده حتى ردها عمر بن عبد العزيز. وقد صرح جماعة كثيرون بما يفهم من الحديث من ان الذي أقطعها مروان هو عثمان في أيامه كما في السيرة الحلبية والمرقاة وغيرها. وما اكثر وجوه الاشكال في هذه المسألة ورواياتها وذلك في ذمة تاريخها - هذا ومن المعلوم عند أهل البيت والإمامية وعليه حديثهم ان فدكا كانت نحلة من رسول الله لفاطمة وكانت تحت يدها وعمل عاملها في حياة رسول الله (ص) ولما طرد عاملها ادعت النحلة وقدمت لأبي بكر شهودها فلم ينفعها ذلك أصلا. ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج عن قاضي القضاة قوله انا لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدكا وأما انها كانت في يدها فغير مسلم ونقل أيضا عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري أحاديث جمة في ادعائها


(ع) نحلة فدك وذكر في المواقف وشرحها في المقصد الرابع من مقاصد الإمامة انها ادعت النحلة وشهد لها علي والحسنان وأضاف في المواقف ام كلثوم وقال في شرحها الصحيح انها ام ايمن : وقال ابن حجر في الشبهة السابعة من الباب الخامس من الفصل الأول في صواعقه ودعواها ان رسول الله (ص) نحلها فدكا لم تأت عليها بشاهد إلّا بعلي وام أيمن ونحوه في معجم البلدان وفتوح البلدان للبلاذري. وقال الشهرستاني في الملل والنحل الخلاف السادس في أمر فدك والتوارث عن النبي (ص) ودعوى فاطمة تملكا تارة ووراثة اخرى حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي (ص) نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. وفي كتاب امير المؤمنين علي إلى عامله عثمان بن حنيف «بلى كانت في أيدينا فدك فشحت عليها نفوس قوم وسخت بها نفوس قوم آخرين ونعم الحكم الله» وفي الدّر المنثور في تفسير قوله تعالى( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) من سورة بني إسرائيل أخرج البزاز وابو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت هذه الآية( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) دعا رسول الله فاطمة فأعطاها فدكا. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال لما نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) اقطع رسول الله فاطمة فدكا. ونقل السيوطي أيضا هذين الحديثين في لباب النقول وذكر ان الطبراني أخرج الحديث الأول عن أبي سعيد وفي كنز العمال ومختصره في صلة الرحم من كتاب الأخلاق عن تاريخ الحاكم عن أبي سعيد قال لما نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) قال النبي (ص) يا فاطمة لك فدك - هذا ولكن لما وردت دعوى الزهراء في نحلة فدك ولم تنفعها فيها شهادة علي والحسنين وأم أيمن ويا للعجب عدلت إلى المطالبة بها بوجه الإرث اقلا كسائر المتروكات هذا وان صاحب المنار ذكر عن الالوسي في تفسيره روح المعاني احتجاجه على الشيعة في ان الأنبياء لا يورثون بأمرين - أحدهما - ما

رواه في اصول الكافي بسنده عن أبي البختري وهب عن الصادق (ع) قوله : ان العلماء ورثة الأنبياء وذلك ان الأنبياء لا يورثوا دينارا ولا درهما وانّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم. الحديث. فاحتج بان «إنّما» تفيد الحصر «ويدفعه» أنَّ الحصر لم يكن إضافيا بالنسبة إلى الدينار والدرهم فهو حصر بالنسبة لحملة الحديث من سائر الناس وعامتهم لا وارث المال من الأقرباء ومن المعلوم أنَّ سائر الناس لا يرثون من الأنبياء إلّا الحديث في العلم ولا إرث للعلماء من الأنبياء إلّا ذلك - وثانيهما - بأن تركة النبي (ص) وقعت في أيدي جماعة من المعصومين عند الشيعة والمحفوظين عند أهل


السنّة كعلي والحسنين وعلي بن الحسين فلم يعطوا منها العباس ولا بنيه ولا أزواج النبي (ص) ولو كان الميراث جاريا في تلك التركة لشاركوهم قطعا «ويدفعه» أنَّ ما يشير إليه من نحو العمامة المقدّسة والسّلاح والرواية قد كان رسول الله (ص) أعطاه في مرضه لعليٍّ على أنّها من مختصات الإمامة ولذا صارت تنتقل من إمام إلى إمام وعلى ذلك يجري ما رواه أحمد في مسند أبي بكر عن ابن عباس بسند لو لم يكن صحيحا عندهم لكان حسنا مقبولا قال: لما قبض رسول الله (ص) واستخلف أبو بكر خاصم العباس عليا في أشياء تركها رسول الله (ص) فقال أبو بكر شيء تركه رسول الله فلم يحركه فلا أحركه. فلما استخلف عمر اختصما إليه فقال شيء لم يحركه أبو بكر فلا أحركه. فلما استخلف عثمان اختصما إليه فسكت ونكس رأسه فخشيت ان يأخذه فضربت بين كتفي العباس فقلت: يا أبت أقسمت عليك إلّا سلمته لعلي فسلمه اليه. ورواه في كنز العمال ومنتخبه في أول كتاب الخلافة عن البزاز أيضا. ولو تنزلنا عن ذلك وفرضنا كونها تركة موروثة لقلنا ان عدم اعطائهم للعباس لأنه لا يرث مع فاطمة عند أهل البيت لآيات الأقربين واولي الأرحام كما مر في مسألة التعصيب. وأما أزواج النبي (ص) فيجوز ان يكون قد طبن نفسا بذلك لفاطمة (ع) لسماحتها لهن ببقائهن في بيوتهن وتصرفهن بما فيها من ادارة البيت احتراما لمقامهن من رسول الله أو لغير ذلك من الوجوه. ويجوز أيضا أنْ تكون تلك الأشياء تستخلص في سائر الطبقات من بقية الوراث بطيب النفس أو بالمعاوضة فلا تشبث بذلك للالوسي وصاحب المنار.

- الأمر الثامن في العول: ومحل النزاع فيه بين النافين له والمثبتين هو ان يجتمع من الفرائض المذكورة في القرآن الكريم بحسب صورة إطلاقها ما يتزاحم ولا يمكن اجتماعه مع الإطلاق وبقائه على معناه. فالقائل بالعول يخرج اسماء الفرائض في مسائل عوله عن معانيها الحقيقية لكي يقسم المال على نسبة تلك المعاني بعضها من بعض. والنافون للعول يستدلون على تقييد بعض المطلقات في تلك المسائل فيرتفع التزاحم. وتحرير الكلام هو أنَّ الصور التي يفرض تزاحم الفرائض فيها في الظاهر هي على ما يخطر في ذهني في الحال اثنتان وعشرون صورة ثلاثة عشر منها متفق على إمكان تصويرها ووقوعها بين المسلمين وتسعة منها يختص تصويرها بأهل السنة لأنهم يورثون الاخوة والأخوات مع الأمّ فلنذكر هذه الصور وما تصير إليه فرائضها على تقدير العول ليتضح وجه الحجّة والكلام في المسألة ان شاء الله وان استلزم التطويل -


فالصور المتفّق عليها الأولى منها - زوج وبنت وأم وأب. يصير فيها على العول ربع الزوج ثلاثة من ثلاثة عشر ونصف البنت ستة من ثلاثة عشر وكل من سدسي الأب والأم اثنين من ثلاثة عشر - الثانية - زوج وبنتان فما فوق وأم وأب. يصير فيها ربع الزوج ثلاثة من خمسة عشر وهو الخمس وثلثا البنات ثمانية من خمسة عشر وكل من سدسي الأب والأم اثنين من خمسة عشر - الثالثة - زوج وبنتان فما فوق وواحد من الأبوين. يصير فيها ربع الزوج ثلاثة من ثلاثة عشر. وثلثا البنات ثمانية من ثلاثة عشر. وسدس أحد الأبوين اثنين من ثلاثة عشر - الرابعة - زوج وأخت من الأبوين أو الأب واثنان من كلالة الأم. يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من ثمانية وكذا نصف الأخت. وكل واحد من سدسي الكلالة واحد من ثمانية وهو الثمن - الخامسة - الصورة السابقة مع كون الكلالة من الأم فيها اكثر من اثنين يصير النصفان فيها كما في التي قبلها وثلث الكلالة ربعا - السادسة - الصورة السابقة وكلالة الأم واحد. يصير فيها كل من النصفين ثلاثة من سبعة وسدس الكلالة واحد من سبعة - السابعة - زوج واختان فما فوق من الأب أو الأبوين. يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من سبعة وثلثا الأخوات اربعة من سبعة - الثامنة - الصورة السابقة وواحد من كلالة الأم. يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من ثمانية وثلثا الأخوات أربعة من ثمانية وهو النصف وسدس الكلالة ثمنا - التاسعة - الصورة السابقة وكلالة الأم فيها اثنان. يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من تسعة وهو الثلث وثلثا الأخوات اربعة من تسعة وكل من سدسي الكلالة واحدا من تسعة - العاشرة - الصورة السابقة وكلالة الأم أكثر من اثنين وقسمتها كسابقتها ويكون ثلث الكلالة اثنين من تسعة - الحادية عشر - زوجة وبنتان فما فوق وأم وأب. يصير فيها ثلثا البنات ستة عشر من سبعة وعشرين(١) وثمن الزوجة ثلاثة من سبعة وعشرين وهي التسع - الثانية عشر - زوجة واختان فما فوق من الأب أو الأبوين مع اثنين من كلالة الأم. تصير فيها القسمة كسابقها - الثالثة عشر - هذه الصورة وكلالة الأم فيها اكثر من إثنين وتصير كسابقتها وثلث الكلالة ثمانية من سبعة وعشرين «وأما المختصّة» بمواريث أهل السنة فهي - الرابعة عشر - زوج وام وأخت من الأب والأبوين يصير فيها كل من نصفي الزوج والأخت ثلاثة من ثمانية وثلث الأم اثنين من ثمانية وهو الربع - الخامسة عشر - زوج وأم واختان فما فوق من الأب أو الأبوين يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من تسعة وهو الثلث وثلثا الأخوات


أربعة من تسعة وثلث الأم اثنين من تسعة - السادسة عشر - الصورة السابقة مع واحد من كلالة الأم. يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من عشرة وثلث الأمّ اثنين من عشرة وهو الخمس وثلثا الأخوات اربعة من عشرة وسدس الكلالة واحد من عشرة - السابعة عشر - الصورة السابقة مع ثان من كلالة الأم. يصير فيها نصف الزوج ثلاثة من أحد عشر وثلث الأمّ اثنين من أحد عشر وثلثا الأختين اربعة من أحد عشر وكل من سدسي الكلالة واحد من أحد عشر - الثامنة عشر - الصورة السابقة ويكون فيها كلالة الأمّ اكثر من اثنين. يصير فيها ثلث الكلالة اثنين من أحد عشر - التاسعة عشر - زوجة وام وأختان فما فوق من الأب أو الأبوين. يصير فيها ربع الزوجة ثلاثة من خمسة عشر وهو الخمس وثلث الأم اربعة من خمسة عشر وثلثا الأخوات ثمانية من خمسة عشر - العشرون - الصورة السابقة مع واحد من كلالة الأمّ. يصير ربع الزوج فيها ثلاثة من سبعة عشر وثلث الأمّ أربعة من سبعة عشر وثلثا الأخوات ثمانية من سبعة عشر وسدس الكلالة اثنين من سبعة عشر - الحادية والعشرون - الصورة السابقة مع ثان من كلالة الأمّ يصير فيها ربع الزوج ثلاثة من تسعة عشر وثلث الأم اربعة من تسعة عشر وثلثا الأخوات ثمانية من تسعة عشر وكل من سدسي الكلالة اثنين من تسعة عشر - الثانية والعشرون - الصورة السابقة ويكون فيها كلالة الأم أكثر من اثنين. يصير ثلثهم فيها أربعة من تسعة عشر.

إذن فعلى القول بالعول وما تقدم من الحساب في الصور المذكورة يصير معنى الثمن المذكور في القرآن للزوجة أو الزوجات واحدا من ثمانية كما في غير مسائل العول وواحدا من تسعة أي تسعا في الصور الحادية عشر والثانية عشر والثالثة عشر : ويكون ربع الزوجة واحدا من أربعة في غير العول وواحد من خمسة كما في الصورة التاسعة عشر وثلاثة من سبعة عشر كما في الصورة العشرين وثلاثة من تسعة عشر كما في الحادية والعشرين والثانية والعشرين. وربع الزوج ثلاثة من ثلاثة عشر كما في الصورة الأولى والثالثة وثلاثة من خمسة عشر كما في الثانية ويكون نصف الزوج واحدا من اثنين في غير العول وثلاثة من سبعة كما في الصورة السادسة والسابعة. وثلاثة من ثمانية كما في الرابعة والخامسة والثامنة والرابعة عشر. وثلاثة من تسعة أي ثلثا كما في التاسعة والعاشرة والخامسة عشر. وثلاثة من عشرة كما في السادسة عشر. وثلاثة من أحد عشر كما في السابعة عشر والثامنة عشر. وتزيد معاني النصف بالنظر إلى نصفي البنت والأخ


فيكون أيضا ستة من ثلاثة عشر كما في الصورة الأولى. وثلاثة من ثمانية كما في الرابعة والخامسة والرابعة عشر. وثلاثة من سبعة كما في السادسة فيكون للنصف سبعة معان : ويكون سدس الأب أو الأم أو الواحد من كلالة في غير العول واحدا من ستة. واثنين من ثلاثة عشر كما في الصورة الأولى والثالثة. واثنين من خمسة عشر كما في الثانية. وأربعة من سبعة وعشرين كما في الحادية عشر. وواحدا من سبعة كما في السادسة. وواحدا من ثمانية كما في الرابعة والثامنة. وواحدا من تسعة كما في التاسعة. واربعة من سبعة وعشرين كما في الثانية عشر. وواحدا من عشرة كما في السادسة عشر. وواحدا من أحد عشر كما في السابعة عشر. واثنين من سبعة عشر كما في الصورة العشرين. واثنين من تسعة عشر كما في الحادية والعشرين. فيكون للسدس اثنا عشر معنى : ويكون الثلث لكلالة الأم واحدا من ثلاثة في غير العول. واثنين من ثمانية كما في الخامسة. واثنين من تسعة كما في العاشرة. وثمانية من سبعة وعشرين كما في الثالثة عشر. واثنين من أحد عشر كما في الثامنة عشر. واربعة من تسعة عشر كما في الثانية والعشرين : ويكون الثلث للأم اثنين من ثمانية كما في الرابعة. واثنين من تسعة كما في الخامسة عشر. واثنين من عشرة كما في السادسة عشر. واثنين من أحد عشر كما في السابعة عشر والثامنة عشر. واربعة من خمسة عشر كما في التاسعة عشر. واربعة من سبعة عشر كما في الصورة العشرين : واربعة من تسعة عشر كما في الحادية والعشرين والثانية والعشرين. ويكون أيضا باعتبار ثلثي البنات والأخوات له معان أخر فإن الثلثين يكونان ثمانية من خمسة عشر في الصورة الثانية وثمانية من ثلاثة عشر في الثالثة. واربعة من سبعة في السابعة. واربعة من ثمانية في الثامنة. واربعة من تسعة في التاسعة والعاشرة والخامسة عشر. وستة عشر من سبعة وعشرين في الحادية عشر والثانية عشر والثالثة عشر. واربعة من عشرة في السادسة عشر والثامنة عشر. وثمانية من خمسة عشر في التاسعة عشر. وثمانية من سبعة عشر في الصورة العشرين. وثمانية من تسعة عشر في الحادية والعشرين والثانية والعشرين. فيكون للثلث باعتبار ثلث الأم وثلث كلالتها وثلثي البنات والأخوات أحد وعشرون معنى.

إذا تحرر هذا فنقول ان الله العليم الخبير والذي أحصى كل شيء علما وعددا لا شك في انه يمتنع على جلاله ان يكون قد جعل الفرائض وهو لا يعلم بما يؤدي إليه تزاحمها كما في فروض مسائل العول. إذن فلم يبق في المسألة إلّا وجهان - أحدهما - ان يكون استعمل


ألفاظ الفرائض في معانيها الحقيقة في غير مسائل العول وفي المعاني الكثيرة المتنافرة التي يؤول إليها تقسيم العول كما شرحناه - وثانيهما - ان يكون الشارع في الموارد يتراءى فيها تزاحم الفرائض بحسب الظاهر البدوي من إطلاقها قد قيد بعض مطلقاتها وأخرج بعض مصاديقها منها بحيث لا يحصل التزاحم وأوكل أمر هذه المصاديق إلى عمومات الإرث بالقرابة وآيات الأقربين واولي الأرحام - لكن - الوجه الاول باطل ممتنع في اللغة لأنه يستلزم استعمال اللفظ الواحد في الاستعمال الواحد في معناه الحقيقي ومعان أخر متنافية متشتتة لا جامع بينها كما شرحناه وليس فيما بين كل واحد منها وبين المعنى الحقيقي علاقة تصحح التجوز فانها كلها في مقام التقسيم واناطة الحكم بخصوصيات الكسور فتكون بذلك معاندة ومنافرة للمعنى الحقيقي ومتعاندة ومتنافرة فيما بينها. على انه لا يجوز الجمع في الاستعمال بين الحقيقة والمجاز حتى مع وجود العلاقة ووضوحها كما تحرر في الأصول. ومما يشهد لذلك ان الأوائل القائلين بالعول من الصحابة لم يدعوا أن تزاحم الفرائض صار قرينة على ان الله أراد من ألفاظها ما ذكرناه من تلك المعاني الكثيرة بل جعلوا العول من قبيل الصلح القهري عند اشتباه الحكم الشرعي لأنه لم يتضح لهم من قدم الله ومن أخره كما يعرف من رواية عبيد الله عن ابن عباس. كما يشهد لذلك ان ابن عباس اكتفى في ابطال العول بعلم الله وإحصائه لرمل عالج عددا ولم يخطر في خياله ان الله أراد من اسماء الفرائض تلك المعاني الكثيرة وعلى ذلك يجري تصويب الزهري لقوله واحتجاجه وما ذاك إلّا لأن ما ذكرناه من الامتناع خصوصا في هذا المقام مرتكز في الغريزة مستحكم في الفطرة. هذا ولو تنزلنا وجوزنا الجمع بين كل من المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في استعمال واحد لما كان هذا المقام من واديه ولا يدانيه لما ذكرناه من المعاندة في مقام التقسيم - فان قيل - يمكن ان يكون ألفاظ الفرائض مستعملة في الجامع بين تلك المعاني المتشتتة وهو عنوان الجزء المطلق من التركة وما يشبهه - قلنا - إذا كان المسمى والمعنى هو الجزء المطلق وكانت اسماء الفرائض كالمترادفة فما هي الفائدة فيها والمحصل منها. ولماذا يعطى في كل مورد من موارد العول وغيره جزء مخصوص ومقدار معين - فان قيل - انا نعطي تلك المقادير المخصوصة من باب تزاحم الحقوق المجعولة - قلنا - أولا لماذا تعطون في غير العول مقادير مخصوصة على مقتضى المعاني الحقيقية لألفاظ الفرائض كالنصف والثلث مثلا. وثانيا. إذا كانت اسماء الفرائض اسماء للجزء المطلق لم يكن هناك تزاحم حقوق بل يعطون


على التساوي. فلا مناص إذن عما ذكرناه قبلا من ثاني الوجهين وهو التقييد لإطلاق بعض الفرائض التي لا تخرج أسماؤها عن معانيها الحقيقية والرجوع في موردها إلى الإرث بالقرابة. فعلينا البحث في تعيين ما هو خارج عن الإطلاق ويرجع أمر مورده إلى آيات الأقربين واولي الأرحام. فإن أصبناه انحل اشكال التزاحم وإلا وجب التوقف والرجوع إلى الصلح ما بين الورثة في هذه الموارد المشكلة بظاهر التزاحم. بل لو تمحلنا وجوزنا استعمال القرآن الكريم لألفاظ الفرائض على الوجه الأول المخالف للمعنى الحقيقي والراجع إلى الألغاز والمعميات بل الطلاسم لكان الحمل على التقييد هنا هو المتعين لأنه لا تجوز فيه وهو شايع جدا في المحاورات والقرآن الكريم. ومعرفة الخارج عن الإطلاق قريبة من التناول ووجه التقييد واضح كما قاله ابن عباس كما ذكره في كنز العمال ومختصره عن أبي الشيخ في فرائضه والبيهقي في سننه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ورواه ابن حزم الاندلسي في كتابه المحلى عن إسماعيل القاضي كما رواه المشايخ في الكافي والفقيه والعلل والتهذيب بأسانيدهم عن الفضل بن شاذان عن محمد بن يحيى جميعا عن علي بن عبد الله المدائني(١) ورواه أيضا في التهذيب سماعا واجازة عن ابن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أبي بكر الحافظ أحمد بن هوده عن علي بن محمد الحصيني جميعا عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال خرجت انا وزفر بن أوس إلى ابن عباس فتحدثنا عنده حتى عرض ذكر فرائض المواريث فقال ابن عباس سبحان الله العظيم أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا. النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث. فقال له زفر يا أبا العباس من أول من أعال الفرائض فقال عمر بن الخطاب لما التقت عنده الفرائض ودافع بعضها بعضا قال ما ادري كيف اصنع. ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر وما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص. ثم قال ابن عباس وايم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة. فقال له زفر وأيهم قدم الله وأيهم أخر. فقال كل فريضة لم يهبطها الله إلّا إلى فريضة فهذا ما قدم وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلّا ما بقي فذلك الذي أخر. فأما التي قدم الله فالزوج له النصف فإذا دخل

__________________

(١) في التقريب ثقة ثبت امام اعلم أهل عصره بالحديث وعلله. إلى غير ذلك من تفخيم ابن عيينة والبخاري والنسائي له


عليه ما يزيله رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء. والزوجة لها الربع فإن زالت عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء. والأم لها الثلث فإن زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء. والذي أخر فريضة الأخوات والبنات النصف والثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلّا ما بقي. فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدء بمن قدم فأعطي حقه كاملا فإن بقي شيء كان لمن أخر. فقال زفر فما منعك يا ابن عباس من ان تشير عليه بهذا الرأي قال ابن عباس هبته. قال ابن شهاب والله لو لا انه تقدمه امام عدل أمره إلى الورع لما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم إنتهى ورواه الحاكم في الصحيح على شرط البخاري ومسلم بسنده عن علي بن عبد الله المدائني إلى آخر السند المتقدم من قول ابن عباس أول من أعال الفرائض عمر إلى قوله فإن بقي شيء كان له. وفي ذلك محل الغرض من احتجاج ابن عباس فيمن قدم الله ومن أخر وبيان الوجه الذي يعرف منه التقييد لبعض المطلقات. فانه لو دخل ولد ذكر مع البنت أو البنات أو أخ مع الأخت أو الأخوات زلن عن فرضهن ولم يكن لهن مع أخيهن إلّا ما بقي. بل لو كان في مقامهن ولد أو أولاد أو أخ أو اخوة لم يكن لهم إلّا ما بقي. فيكشف ذلك عن ان هذا هو الشأن المشروع في مقام هذه الوراثة. وعلى ذلك جرى ما رواه المشايخ الثلاثة في الكافي والفقيه والتهذيب في الصحيح عن الباقر (ع) قال كان علي (ع) يقول ان الذي احصى رمل عالج يعلم ان السهام لا تعول على ستة. لو يبصرون وجهها لم تجز ستة إنتهى يعني (ع) ان كل فريضة تعطى مثل مخرجها وهو ما بنسبتها من الستة فصاحبة الثمن تعطى ثلاثة أرباع الواحد من الستة. وصاحب الربع يعطى واحدا ونصفا من الستة(١) ومراده (ع) من وجهها هو ما ذكرناه من التقييد للإطلاق في فرائض البنت والبنات والاخت والأخوات في صور التزاحم : وروى الشيخ في التهذيب عن ابن عبدون عن أبي طالب الانباري عن الحسن بن محمد بن أيوب عن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر عن شعبة عن سماك عن ابى عبيدة السلماني قال كان علي (ع) على المنبر فقام إليه رجل فقال يا امير المؤمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبوين وزوجة فقال (ع) صار ثمنها تسعا قال سماك فقلت لعبيدة وكيف ذلك

__________________

(١) لكنا في صور التقسيم السابق حذرا من الكسور جعلنا المخرج لما فيه الثمن اربعة وعشرين ليكون الثمن ثلاثة بلا كسر. ولما فيه الربع اثني عشرة ليكون الربع ثلاثة بلا كسر


قال ان عمر بن الخطاب وقعت في إمارته هذه الفريضة فلم يدر ما يصنع فقال له اصحاب محمد (ص) أعط هؤلاء فريضتهم للأبوين السدسان وللزوجة الثمن وللبنتين ما يبقى فقال واين فريضتهما الثلثان فقال علي (ع) لهما ما يبقى فأبي ذلك عليه عمر وابن مسعود قال أبو عبيدة واخبرني جماعة من اصحاب علي (ع) بعد ذلك في مثلها انه اعطى الزوج الربع مع البنتين وللأبوين السدس والباقي رد على البنتين وذلك هو الحق وان أباه قومنا إنتهى ومن الواضح ان قوله (ع) صار ثمنها تسعا خارج مخرج الإنكار والتألم من قسمة العول وهو ان الذي سماه الله ثمنا كيف يكون تسعا وكيف يطلق لفظ الثمن في استعمال واحد على جزء من ثمانية وعلى جزء من تسعة : هذا واما الأحاديث الواردة في بطلان العول ودخول النقص على البنات والأخوات عن الأئمة من أهل البيت علي والباقر والصادق والرضاعليهم‌السلام فهي كثيرة تناهز التواتر أكثرها من الصحيح وعلى مقتضاها اجماع الإمامية ومذهب ابن عباس ومحمد بن الحنفية وحكاه المرتضى في الإنتصار عن عطا بن رياح وداود بن علي الاصفهاني. وفي المحلى لابن حزم قال به أبو سليمان وجميع أصحابه يعني داود إنتهى وذهب إليه الناصر جد المرتضى في الناصريات واختاره ابن حزم في المحلى.

احتجوا للقول بالعول بوجوه - الأول - انه لا بد من النقص عند تزاحم الفرائض. ودخوله على بعض دون بعض ترجيح من دون مرجح ومقتضى العدل هو إدخاله على الجميع - ويدفعه - ان المقام مقام جعل وتشريع واتباع الشرع في القسمة وقد أوضحنا انه يمتنع ان يكون في أدلة التشريع ولفظه ما يراد منه دخول النقص على الجميع. اذن فإدخال النقص على الجميع تحكم باطل على الشرع لأعدل. خصوصا إذا علمنا انه لا بد فيه من التقييد لبعض المطلقات. واما إدخال النقص على البعض فانما هو لترجيح الدليل وتعيينه كما قدمناه عن ابن عباس وما جاء عن أهل البيت (ع) وإجماع الإمامية - الثاني - القياس على الحكم بالتقسيط فيما اوصى الإنسان بوصية نافذة بنصف الألف لزيد ونصفها لعمرو وثلثها لبكر مثلا - ويدفعه - أولا بطلان القياس من أصله. وثانيا. انه قياس مع الفارق فانا إذا لم نجد في هذه الوصية قرينة على العدول أو التقييد كان قرينة ارادة الموصي بلفظي النصف والثلث مجازا بنحو اللغز هو الجزء الناتج من التقسيط على نسبة المعاني الحقيقية. وليس في هذا ما يستلزم الممتنع من الجمع


في الاستعمال الواحد بين المعنى الحقيقي والمعاني المتعددة المتنافية المتباينة وهذا إذا جاز من الناس لا نجوز مثله من القرآن الكريم فضلا عن ان محل الكلام في العول يستلزم امرا ممتنعا في اللغة وهو الجمع بين المعنى الحقيقي والمعاني المتباينة المتنافرة كما شرحناه ولو تمحلنا وجوزناه على الناس في هذل الاحاجي والالغاز لما جاز على مجد القرآن الكريم في البيان لتمييز السهام - من وجوه القياس - ان المال إذا قصر عن ديون الغرماء يوزع عليهم على نسبة ديونهم - ويدفعه - مع انه قياس ان الفارق جلي. فإن قصور المال لا ينافي ثبوت الدين في الذمة بمقاديره الحقيقية ولم يكن ثبوته مبتنيا على استعمال ممتنع في اللفظ الواحد. وان توزيع المال على الدين لم يكن في حال يئول إلى العلم الإجمالي فضلا عن التفصيلي بالتقييد وخروج البعض من افراد الدين عن الإطلاق الذي في دليل ثبوته واستحقاقه. فما هذا القياس إلّا من نحو قياس الضد على ضده في جهة المضادة - الثالث - رواية القول بالعول عن علي (ع) في رواية عبيدة السلماني بقوله (ع) صار ثمنها تسعا - ويدفعه - ما ذكرناه من ظهوره في نفسه في خروجه مخرج الإنكار فضلا عما ذكرناه من تتمة الرواية عن عبيدة وفضلا عن المعلوم المنقول عن أئمة أهل البيت وغيرهم من انه (ع) كان ينكر على القول بالعول - الرابع - النقض على الحل لمسئلة التزاحم بتقييد بعض المطلقات وتقديم من قدمه الله وتأخير من اخره وإدخال النقص على البنات أو الأخوات من الأب أو الأبوين وذلك بما إذا كان التزاحم في فرائض من قدمه الله كما إذا كان الوراث زوجا واما واثنين من كلالة الأم أو اكثر فإن المال لا ينقسم على نصف وثلث وسدسين. وكذا إذا كان مع هؤلاء اخت أو اختان من كلالة الأب أو الأبوين فإن المال يضيق وان أخرجنا هذه الكلالة من الميراث بالمرة - ويدفعه - ان هاتين الصورتين ممتنعتين في المواريث بحسب ما تقيمه الشيعة من الأدلة على ان الكلالة بقسميها لا ترث مع الأم كما مر بعضه. فلا نقض بما ذكروه ولا تشبث

(الأمر التاسع) ارث الزوج والزوجة في عقد المتعة فإنه خارج عن اطلاق ارث الزوجين على المشهور عند الإمامية وعليه حديثهم الدال على تقييد الإطلاق

(الأمر العاشر) خروج الرباع مطلقا والشجر والبناء عينا لا قيمة عن ارث الزوجة غير ذات الولد بإجماع الإمامية وحديثهم وفي ذات الولد خلاف

(الأمر الحادي عشر) - الحبوة - وهي لباس الميت وخاتمه ومصحفه وسيفه فان


(١٣)تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٤)وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٥)وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ

____________________________________

المشهور عند الامامية انها حبوة يختص بها الأكبر من أولاده الذكور الصلبيين أو المنفرد وعلى ذلك حديثهم. وقيل انها على الاستحباب لتشكيك القائلين به في استفادة الوجوب والاستحقاق من الأحاديث -

هذا وأما الكلام في مواريث الأجداد والجدات وأبناء الاخوان والأخوات. والأعمام والأخوال وأبنائهم من اولي الأرحام والأقربين وكذا ميراث الولاء فهو موكول إلى علم الفقه وكتبه ١٣( تِلْكَ ) أي ما ذكر من احكام المواريث( حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) في العمل بهذه الأحكام على حدودها وما جاء في السنة في بيانها تفسيرا أو تخصيصا أو تقييدا( يُدْخِلْهُ ) الله( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) حال كون المطيعين( خالِدِينَ ) وجرى الجمع على معنى «من» الموصولة( فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٤وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ) المذكورة( يُدْخِلْهُ ) الله( ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ ) فوق ذلك( عَذابٌ مُهِينٌ ) وجرى افراد الضمائر على لفظ الموصول ١٥( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ) أي يفعلنها فجاءت الكناية عن الفعل بالإتيان كما جاءت الكناية عن الفعل بالقرب في قوله تعالى الانعام ١٥١( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ) وفي سورة الاسراء ٣٢( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) والإتيان والقرب على معانيها الحقيقية والغرض منها الفعل ونحوه بالمعنى الكنائي فهي مثل قوله تعالى في سورتي الأعراف ٧٩ والنمل ٤٥( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) وفي سورة العنكبوت ٢٨( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) ٢٩( وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) وقد التفت الرازي في تفسيره إلى دلالة هذه الكنايات على ان فاعل الفاحشة هو الذي فعلها بإرادته وذهب إليها من عند نفسه وأتاها بقصده. واختارها بمجرد طبعه. أي غير مجبور على ذلك بوجه من الوجوه التي يلتجأ فيها إلى فرض الكسب. ولكنه قال لا يتم ذلك إلّا على قول المعتزلة. ويا ليته أصاب المرمى فقال وهذا مما يدل على قول المعتزلة في عدم الجبر. والفاحشة اسم للفعل القبيح والمراد منه في الآية بحسب المعهود ومناسبة المقام هو الزنا. وحكي


مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا

____________________________________

عن أبي مسلم الاصفهاني من الجمهور وحكاه الرازي أيضا عن مجاهد ان الفاحشة هنا هي مساحقة النساء وفي قوله تعالى( وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ) هو اللواط. وذكر الرازي وجوه رده والدفع عنه بلا تصريح منه بترجيحه ورجحه صاحب المنار وحكى الترجيح عن استاذه بما لا يخرج عما ذكره الرازي وأيده الاردبيلي في زبدة البيان بنحو ذلك. والكل تخرص سقيم لا يجدي. فقد روي من عدا البخاري من اصحاب الجوامع الست وذكر في الدّر المنثور من غيرهم اثنى عشر ممن أخرجه من كبار المحدّثين عن عبادة ابن الصامت في حديث ان رسول الله (ص) اوحي إليه ولما سوى عنه الوحي قال (ص) خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة. واخرج أحمد عن سلمة ابن المحيق عن رسول الله نحو ذلك. وروى في الكافي بسنده عن الباقر (ع) ما ملخصه ان كل سورة النور نزلت بعد سورة النساء قال الله تعالى :( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ) إلى قوله تعالى( سَبِيلاً ) فالسبيل الذي قال الله( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) . وفي تفسير البرهان عن العياشي عن جابر عن الباقر جعل السبيل الرجم أو الجلد. ورواه الجزائري في القلائد عن العياشي عن أبي بصير عن الصادق (ع) وفي مجمع البيان ان النسخ أي بآية النور وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله. وفي الوسائل في رسالة المحكم والمتشابه للمرتضى نقلا من تفسير النعماني باسناده عن إسماعيل بن جابر عن الصادق (ع) عن آبائه عن امير المؤمنينعليه‌السلام في حديث ذكر فيه احكام هذه الآية إلى ان قال فلما قوي الإسلام انزل الله( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) فنسخت هذه الآية الحبس والأذى الحديث. وأما القول بأن السبيل هو التزويج والاستغناء بالحلال فقد قال في التبيان انه باطل بالإجماع( مِنْ نِسائِكُمْ ) أي من نساء المؤمنين وإن كان الحكم عاما وذلك لأن المؤمنين حينئذ هم الذين يتلقون احكام الشريعة بالإجراء فحسن لذلك خطابهم بالحكم العام. ودعوى ان المراد نساء الأزواج يبطلها ما ذكرنا روايته من الفريقين من حكم غير المحصنة في الجلد( فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً ) من الرجال( مِنْكُمْ ) أي من المسلمين وذلك لأجل اجراء الحكم عليهن أي اطلبوا شهادتهم والظاهر انها على نمط الدعاوي في إقامتها عند الحاكم( فَإِنْ شَهِدُوا ) وثبت الأمر


فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٦)وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٧)إنّما التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ

____________________________________

( فَأَمْسِكُوهُنَ ) حبسا( فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ ) أي يأخذهن ويستوفيهن( الْمَوْتُ ) وقد تكلف في الكشّاف وتبعه الرازي إذ قدرا حتى يميتهن ملائكة الموت. وقد قدمنا الكلام في معنى التوفي في الجزء الأول ص ٣٣ - ٣٧( أَوْ يَجْعَلَ اللهُ ) ويشرع( لَهُنَّ سَبِيلاً ) من غير شريعة الحبس مما هو مؤدب ومقاوم لمادة فساد الزنا. وقد جرى الأمر في كلتا الشريعتين على حكمة التشريع من حيث المسايرة في أول الأمر مع الناس فيما يألفونه في مقام المحافظة على ناموس العفة وان كان غير واف بالمصلحة المطلوبة في هذا المقام حتى إذا استحكم أمر الدين وساد الخضوع للشريعة شرع الحكم الموافق للمصلحة العامة ونظام الاجتماع كما نطقت به رواية النعماني واشارت إليه الغاية في الآية الكريمة. هذا في مقام صون المرأة عن معاودة الزنا وأما ما يعود إلى مقام الردع والتأديب في أول التشريع فهو ما قاله جل شأنه ١٦( وَالَّذانِ ) أي الزاني والزانية( يَأْتِيانِها ) أي فاحشة الزنا( مِنْكُمْ ) باعتبار تلقي المسلمين لأحكام الشريعة حينئذ وان كان عاما أو لعلم الله بأن هذه الشريعة قبل نسخها لا يتيسر للمسلمين إجراؤها على غيرهم( فَآذُوهُما ) بما يعتاد بينكم نوعا من الإيذاء في مقام الردع عن الزنا من التوبيخ والضرب ونحو ذلك( فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا ) أعمالهما ليكون ذلك إمارة على التوبة الحقيقية( فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ) من حيث الإيذاء. ولا يتقيد الاعراض بتوبتهما معا. بل يعرض عن الإيذاء لمن عرفت توبته منهما بإصلاح عمله. كما تقتضيه حكمة التوبة( إِنَّ اللهَ كانَ ) من الأزل وإلى الأبد( تَوَّاباً ) على التائبين( رَحِيماً ) بعباده لا يريد إلّا صلاحهم. ولكن لا يغتر المغترون باسم التوبة الجارية على حكمة الرحمة والإصلاح والاستصلاح بل التوبة حقيقة هي التي تجري عليها رحمة الله وحكمته. فما كل من قال تبت تاب الله عليه كما كتب بلطفه وغناه على نفسه الرحمة بل ١٧( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ ) بمقتضى رحمته ولطفه وحكمته( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) منهم. وذكرت الجهالة للتوضيح والتوبيخ فان كل عمل للسوء إنّما يكون بجهالة وعمى ولو أبصر الإنسان وجه رشده وعرف ببصيرته ما فيه صلاحه لما عمل السوء ولما استولت عليه النفس الأمارة وغواية


ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٨)وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٩)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً

____________________________________

إبليس بفلتات الشهوة والغضب والتعصيب الذميم وسوء الأخلاق وحب العاجل والتغاضي عن وباله أعاذنا الله من ذلك وأعاننا على أنفسنا بلطفه وتوفيقه( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ ) عهد( قَرِيبٍ ) بالنسبة إلى ما كانوا يرونه بعيدا من حضور آجالهم وانقطاع آمالهم من زهرة الحياة الدنيا وحينما تموت شهواتهم وتسقط دواعي المعصية كما قال بعضهم لما سئل عن الزنا عند ضعفه بالهرم «تركني وما تركته» بل التوبة إنّما هي في الحال التي يراغمون بها نزعات النفس الأمارة وغواية إبليس وينيبون إلى الله إقلاعا عن المعصية وندما على ما فرطوا فيه ورغبة في الأعمال الصالحة في حالهم ومستقبلهم وطلبا لكمالهم واندماجهم في زمرة عباد الله الصالحين بنزوعهم إلى حقيقة التوبة وشوقهم إلى رضاء الله عنهم ، وعفوه عما سلف منهم مما عرفوا قبحه وندموا على ارتكابه. فما كل مظهر للتوبة تائب ولا كل تارك للقبيح نادم. بل كما قيل: -

إذا انبجست دموع من عيون

تبين من بكى ممن تباكى

أو ليس من حقيقة التوبة ان يخرج التائب جهد مقدوره مما لزمه في معاصيه السابقة من حقوق الناس وحقوق الله ويستشعر قلبه التوبة والندم( فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ) لأنهم تابوا على حقيقة التوبة( وَكانَ اللهُ ) منذ الأزل ، ولا يزال( عَلِيماً ) بمن تاب حق التوبة ومن تظاهر بصورتها المموّهة( حَكِيماً ) في دعوته إلى التوبة ووعده بأن يتوب على من أناب إليه وهو ارحم الراحمين ١٨( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ) التي قد أعدتها الحكمة في الإصلاح والرحمة( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) مصرين عليها بجرأتهم على الله ومتمادين في غيهم( حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) وانقطعت عنه دواعي الهوى والضلال( قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ ) بما عصوا( عَذاباً أَلِيماً ١٩ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله ورسوله ودانوا باتباع شريعة الله( لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ ) وتعدوهن ارثا لكم كما ترثون الأموال وتتسلطون عليهن بدعوى انتقال حق الزوجية إليكم بالوراثة( كَرْهاً ) بفتح الكاف اكراها لهن بدون


وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ

____________________________________

تزوج جديد برضاهن. «وكرها» نائب عن المفعول المطلق المستفاد من «ترثوا» بمعنى التسلط عليهم بزعم الإرث كرها. في تفسير القمّي من رواية أبي الجارود عن الباقر (ع) كان في قبائل العرب إذا مات حميم الرجل وله امرأة القى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها يرث نكاحها كما يرث ماله وأن الآية نزلت في هذا الشأن. وفي الدّر المنثور مما أخرجه البخاري وغيره من طريق عكرمة عن ابن عباس نحوه وزاد ان شاء بعضهم تزوجها وان شاؤوا زوجوها وان شاؤا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها إنتهى وهذه الزيادة لا تنطبق على الآية فان هذا المعنى لم يكن للزوج ولا يورث منه وان كان ذلك للأهل في بدع الجاهلية ومما أخرجه أبو داود من طريق عكرمة أيضا عن ابن عباس كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو تؤدي إليه صداقها إنتهى وفي اقتصار الرواية على العضل مخالفة لجميع الروايات وخروج مغزى الآية. ومما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس أيضا كان الرجل إذا مات وترك جارية القى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فان كانت جميلة تزوجها وان كانت ذميمة حبسها حتى تموت فيرثها وهي قوله ولا تعضلوهن الآية وقال يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضربها لتفتدي إنتهى وفي هذه الرواية من التدافع ما لا يخفى. فالروايات عن ابن عباس مع كونها متعارضة بعيدة المجرى على سياق الآية الكريمة خصوصا إذا ضممناها إلى سائر ما رواه في الدّر المنثور هنا( وَلا تَعْضُلُوهُنَ ) أي لا تعضلوا نسائكم لا الموروثات كرها وذلك لعدم المناسبة فيما يأتي من احكام الآية للموروثات وكذا قوله تعالى( لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ ) من الصداق فإن وارث النكاح بتشريع الجاهلية لم يؤتها شيئا. والقرآن الكريم في مقام نهيه وكرامة حكمته لا يسمي إيتاء اقربائهم للصداق إيتاء منهم فيثير منهم غبار المغالطات في بدعتهم. ولو تنزلنا فما ذا يقال في قوله تعالى( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) فهل يأمر الله بمعاشرة موروثة النكاح ببدعة الجاهلية. وعضل المرأة هنا حبس الزوج لها على نكاحه ، والتضييق عليها عند كراهته لها لتفتدي منه ببعض ما أتاها من الصداق ، ليطلقها. وقد بقي عند الأوباش بقية من هذه العادة الوخيمة فنهى الله تعالى عن هذا الظلم. نعم إذا كانت الكراهة منها لا من الزوج جاز


إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (٢٠)وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً

____________________________________

ان يقبل الزوج منها الفداء من دون عضل كما مر في الخلع في الجزء الاول ص ٢٠٦ ، واما هنا فقد استثنى من حرمة العضل وأخذ شيء منهن بقوله تعالى( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) بكسر الياء المثناة أي موضحة لفحشائها وفي تفسير البرهان عن الشيباني ان الفاحشة هي الزنا وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وفي مختصر التبيان والاولى حملها على كل معصية وفي مجمع البيان وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أقول ولم اعثر على شيء من الروايتين لكن صدق الفاحشة على الزنا هو المتيقن في المقام ومن المعاصي ما لا يسمى فاحشة والإطلاق إنّما يجري مع صدق اسمها وشمولها لمحض النشوز بعيد أو للمساحقة والتهتك في التبرج وقول الفحش قريب في المقام. والمرجع في موارد الشك هو عموم هذا النهي عن العضل وهذا الأخذ لان الشبهة في الخاص مفهومية( وَعاشِرُوهُنَ ) أي غير من استثني عضلها من الزوجات( بِالْمَعْرُوفِ ) وهو معروف( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ ) لبعض الأمور من خلقتهن وغير ذلك فحاسبوا أنفسكم في هذه الكراهة فربما تزول إذا جوزتم ان يكون في هذه المرأة خير يهون عنده ما كرهتموها لأجله بأن يجعل الله فيها الخير ويبارك في نسلها ويبارك لكم بسببها( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) يرغب فيه ويرغب في ذلك الشيء لأجل رجائه فيه. فأمسكوا من جماح نفوسكم في الكراهة وروضوها على الأخلاق الفاضلة وحسن المعاشرة مع المؤمنات وتفكروا في عواقب الأمور فكم شوهد من مبغوضات النساء من صار منهن النسل الطيب النافع ومن كانت هي المواسية والنافعة عند الشدائد والمرض والشيخوخة نفعا لا يوازيه شيء من احسان الرجل في الرفاهية وكم وكم ينعكس الأمر في المحبوبات - وهناك أيضا مورد يدعو الإنسان لأن يحمل زوجته بأنواع الوسائل على ان ترد عليه شيئا مما أعطاها من المهر. وذلك إذا أراد ان يطلقها ليستبدل بها زوجة أخرى فقال جل شأنه في الزجر عن ذلك والتوبيخ عليه ٢٠( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ) مبالغة في كثرة ما يعطى على خلاف العادة لأجل التأكيد في الزجر لئلا يقال بقي عندها الشيء


فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢١)وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢٢) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ

____________________________________

الكثير مما أعطيتها من مالي صداقا. وقد مر تفسير القنطار في الجزء الأول ص ٢٦٢( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ ) انكار على أخذهم لذلك الشيء من المهر أو بدله( بُهْتاناً ) الذي رأيته في التفاسير هو تفسير البهتان بالكذب الذي يواجه به على سبيل المكابرة. وتكلفوا في تفسير الآية حتى ان الرازي قال وروي ان الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى امرأته بالفاحشة بهتانا حتى يلجئها إلى الافتداء منه فجعل من ذلك تفسير الآية وتبعه على ذلك أبو السعود وصاحب المنار في تفسيره لكني لم أجد أثرا لما اعتمدوا عليه من الحكاية. وأيسر المتكلفين تكلفا من قال أي ظلما كالظلم بالبهتان أو بطلانا كبطلان البهتان وقال بعضهم مباهتين وآثمين ولكنهم غفلوا مع التكلف عن ان وصف الإثم بالمبين يأبى ما ذكروه من قولهم آثمين لكن في التبيان ومجمع البيان والكشاف ولسان العرب وعن أبي إسحاق وفي النهاية والمصباح ان البهتان مأخوذ من البهت وهو التحير وأن أصله ذلك وقال بعض من ذكرناهم ان الألف والنون زائدتان وعليه تكون تسمية الكذب بالمواجهة والمكابرة بهتانا لأجل تحييره اذن فالأولى في التفسير ان يكون المعنى أتأخذونه تحييرا للمرأة لأنها لا تسمح في هذا المقام إلّا لحيرتها في أمرها مع هذا الزوج( وَإِثْماً مُبِيناً ) وموضحا لكونه آثما فيكون من نحو قتله ظلما وعدوانا مبينا لعدوانيته. وبذلك تعرف الخطأ ممن فسر بقوله مباهتين وآثمين ٢١( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ) وهو مهر بإزاء الزوجية والدخول( وَ ) الحال( قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ) يقال افضى إليه بسره وفي القاموس افضى إلى الأرض بيده إذا مسها في سجوده. والمحصل من موارد الاستعمال ان الإفضاء هو الاتصال بركون ونحو ملابسته وهو كناية عن الحالات التي تكون بين الزوجين من حيث ارتباط الزوجية وتمتعها ورفع الحشمة. والآية جارية على الغالب من الدخول فلا تنافي ثبوت المهر كله بمجرد الخلوة لو ثبت من السنة ذلك. وهذه الآية لا دخل لها بآية الخلع التي مرت في سورة البقرة لأن الكراهة في الخلع من المرأة ومورد هذه الآية ارادة الزوج للاستبدال وتحييره للمرأة فدعوى نسخ أحدهما للأخرى من الوهم( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) بعقد الزواج على السنة واحكام الشريعة في استحقاق المهر والمعاشرة بالمعروف وغير ذلك ٢٢( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) وان علوا من ناحية الأب


مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ

____________________________________

او الأم لصدق اسم الأب ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف ٢٦( كَما أخرج أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) وفي سورتي الصافات ١٦ والواقعة ٤٧( أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ) وشواهده في الشعر والنثر كثيرة. وانّما خص في المواريث بالأب الأدنى لمقام التثنية مع الأم في قوله تعالى( وَلِأَبَوَيْهِ ) ولو أريد ما يشمل الجد لقيل «ولآبائه» إذ يمكن ان يجتمع له بهذا المعنى آباء وأمهات متعددون في طبقة واحدة كجديه وجدتيه من ناحيتي أبيه وأمه ويزيد عددهم في الطبقة الأخرى وعلى ذلك يبتني الإجماع في المواريث على الاختصاص بالأب الأدنى. والنكاح على المشهور المعروف وهو علقة الزواج ويقال أيضا على سببها وهو العقد المبيح للوطء دخل العاقد أو لم يدخل وعلى ذلك اتفاق المسلمين في المسألة كما ورد عليه من الحديث صحيحة الكافي عن الباقر (ع) في شأن الكندية والعامرية اللتين تزوجهما رسول الله وطلقهما قبل الدخول. وفي الدّر المنثور مما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية يقول كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل فهي عليك حرام. ويكون التحريم لموطوءة الأب بملك اليمين مستفادا مما يدل عليه من السنة والإجماع. والظاهر ان «ما» موصولة كناية عن القسم أو النوع ان لا تنكحوا مصاديق هذا القسم( مِنَ النِّساءِ ) مثل قوله تعالى( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) .( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) .( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إلّا ما قَدْ سَلَفَ ) وقد ذكر لهذا الاستثناء وجوه أوجهها وأظهرها انه لما كان النهي لا يتناول إلّا العلقة المتجددة في المستقبل فيقضي بفسادها وفساد سببها ولا يتناول العلقة الموجودة بسببها الكائن قبل النهي أراد الله ان يبين ان هذه العلقة في الفساد والمبغوضية كالعلقة المنهي عنها في المستقبل فلا ينبغي ان يكون لها وجود إلّا ما قد سلف من موضوعه من النساء في الجاهلية أو علقة النكاح ومضى بموت أو طلاق. وذلك بان تكون «الا» صفة للموصول أو لعلقة النكاح المدلول عليها بالنهي أو استثنائية محصل مفادها هو انه لا اعتبار لهذه العلقة في النسب وآثار الزوجية إلّا فيما مضى وسلف بالاعتبار الجاهلي لأن لكل قوم نكاحا يجعلونه فيما عندهم قسيما للزنا ويرتب الشارع آثاره على تناسله لكن هذا النكاح( إِنَّهُ كانَ ) من حينه وفيما سلف عند الله( فاحِشَةً وَمَقْتاً ) مبالغة في كونه ممقوتا مثل قوله تعالى في سورة البقرة ٢١٤( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) ( وَساءَ )


سَبِيلاً (٢٣)حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ

____________________________________

فيما مضى( سَبِيلاً ) أي سبيل الذين اتخذوه به نكاحا في تشريعهم. وربما كان هذا الذي ذكرناه هو المراد للسيد الرضي فيما اختاره في حقائق التأويل(١) ٢٣( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ) من المعلوم من سياق القرآن الكريم ان التحريم إنّما هو من حيث النكاح والتمتع بالنساء من وطء ونحوه مضافا إلى ان تعلق التحريم بكل موضوع ينظر إلى الأثر المطلوب منه وهو في النساء ما ذكرناه وهذا ظاهر. والأم كل أنثى ولدتك ولو بوسائط وعلى ذلك اجماع المسلمين وقد ذكرنا وجه اختصاص الأب والأم في المواريث بالقريبين( وَبَناتُكُمْ ) وان نزلن لشمول البنت لذلك. وقد كثر في الحديث في شأن النساء (بنات آدم وبنات حواء) والإجماع على ذلك ايضا. ولو علم ان البنت المولودة من الزنا هي بنت الرجل الخاص حرمت عليه لصدق البنت وعموم الآية. وينسب إلى الشافعي وأصحابه انها لا تحرم تشبثا بقول النبي (ص) «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وان ولد الزنا لا يرث كما ذكره ابن الروزبهان الشافعي في رده لنهج الحق للعلامة الحلي. ولكنه تشبث في غير محله لأنه ان كان بقوله (ص) الولد للفراش فهو ظاهر المنع لان هذه الجملة مسوقة لمورد الشك جعل الحكم للفراش الذي هو امارة على التولد من صاحب الفراش ومحل الكلام فيما هو معلوم الولادة من الزاني فلا يدخل في حكم هذه الامارة كما لا يدخل فيه ما يمتنع بحسب العادة ان يكون للفراش وان كان بقوله (ص) وللعاهر الحجر يعنى ان العاهر لا يلحق به ولد العهر قلنا ان غاية ما يفهم منه إنّما هو النفي لما يعود للمنتسبين من فوائد النسب الشرعية لا نفي الحقيقة المعلومة ولا جميع الآثار فان الام عاهر ويحرم عليها ولدها من الزنا بإجماع المسلمين. وفي التذكرة في تحريم البنت المذكورة قال عند علمائنا اجمع كما يحكى نقل الإجماع عن الإيضاح وغيره( وَأَخَواتُكُمْ ) من الأبوين أو من أحدهما( وَعَمَّاتُكُمْ ) وان علون بان كن عمات الأب أو الأم أو أحد الأجداد أو احدى الجدات. والعمة كل

__________________

(١) روي في الدّر المنثور وغيره ان الآية نزلت في كبشة زوجة أبي قيس بن الاسلت لما مات زوجها وأراد ابنه قيس وفي رواية محصن أن يتزوجها بإرث الجاهلية فنزلت هذه الاية. وعن عكرمة انه ذكر جماعة خلفوا آبائهم على نسائهم. وذكر في حقائق التأويل ان منهم عمرو بن امية خلف أباه امية على زوجته آمنة بنت ابان من هوازن فأولدها أبا معيط جد الوليد بن عقبه. وذكرهم الواحدي أيضا في اسباب النزول. وذكروا ان الذي يولد من هذا النكاح يسمى مقتيا


وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ

____________________________________

اخت لرجل تنتسب إليه بالولادة منه( وَخالاتُكُمْ ) وان علون. والخالة كل أخت لأنثى تنتسب إليها بالولادة منها( وَبَناتُ الْأَخِ ) وان نزلن سواء كان أخا من الأبوين أو من أحدهما( وَبَناتُ الْأُخْتِ ) كذلك( وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ) أي من تسمونهن بالأمهات من حيث انهن أرضعنكم كما كان متداولا عند العرب. فالآية اناطت التحريم بعنوان الأم والتسمية بذلك من جهة الرضاعة فقوله تعالى( اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ) صفة تابعة مبينة لجهة التسمية بالأم. وفائدتها في الكلام موقوفة على صدق عنوان الام ويدور الإطلاق وشمول الحكم مدار التسمية وتحقق عنوان الأم اذن فلا وقع للتشبث للإطلاق وعموم التسمية بكفاية الرضعة والرضعتين وعلى هذا جرى رد الفخر الرازي في تفسيره لأبي بكر الرازي في تشبثه بإطلاق الرضاع في «أرضعنكم» للتحريم بمسمى الرضاع : ففي جامع أبي داود بسنده عن ابن مسعود عن النبي «ص» لا رضاع إلّا ما شد العظم وأنبت اللحم وفي سند آخر أنشز العظم أي أعلاه بالنمو واستفاضت رواية ذلك من طرق الشيعة وأكثرها عن الباقر «ع» والصادق والكاظم «ع» كما أحصاه في الوسائل في أوائل أبواب الرضاع. ومن هذا الباب ما رواه أحمد والبخاري ومسلم وابو داود والنسائي عن عائشة ان رسول الله رأى عندها رجلا فغضب فقالت له انه اخي من الرضاعة فقال (ص) انظرن من إخوانكن فانما الرضاعة من المجاعة. وفي رواية مسلم انظرن من اخوتكن من الرضاعة فانما الرضاعة من المجاعة. إنتهى وهو ظاهر في انه ينبغي ان ينظرن من تحقق له بكثرة الرضاع عنوان الاخوة بحسب متعارف الناس لا بمجرد الرضاع الذي يكون من مجاعة الطفل واسعاف المرضعة باشباعه اتفاقا. ونحوه ما رواه الترمذي وصححه عن أمّ سَلَمة عنه «ص» لا يحرم من الرضاع إلّا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام. وكذا ما رواه ابن حبان عن ابن الزبير عنه «ص» واخرج أحمد ومسلم والاربعة عن عائشة. والنسائي وابن ماجه عن الزبير عنه «ص» لا تحرم المصة ولا المصتان. واخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن ام الفضل عنه «ص» لا تحرم ألاملاجة ولا الأملاجتان وفي كنز العمال ومختصره عن الطبراني بسنده عن المغيرة عنه «ص» لا تحرم الفيقة. وعن ابن أبي شيبة وجامع عبد الرزاق عن المغيرة عنه (ص) قال لا تحرم الفيقة قيل وما الفيقة قال المرأة تلد فيحصر لبنها فترضعه طفل جارتها المرة والمرتين - نعم قد تخفى أول مرتبة يتحقق بها صدق اسم الام والاخت


وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ

____________________________________

مثلا بانبات اللحم وشدة العظم فجعل لذلك في الشريعة امارة تحدده والمعروف عند الإمامية انه رضاع يوم وليلة من امرأة واحدة أو خمسة عشر تامة لا يفصل بينها برضاع من امرأة اخرى ويشترط ان يكون هذا الرضاع في الحولين كما تقدم من رواية الترمذي عن أمّ سَلَمة عنه (ص) وعن ابن عدي والدارقطني والبيهقي بأسانيدهم عن ابن عباس عنه (ص) لا يحرم من الرضاع إلّا ما كان في الحولين وعن ابن عساكر عن علي (ع) عنه (ص) لا رضاع بعد فطام ورواه في الكافي والفقيه والأمالي في الصحيح عن الصادق (ع) عن رسول الله (ص) وذكر في الوسائل في الباب الخامس من الرضاع بقية الأحاديث في ذلك. والظاهر انه لم يعرف الخلاف في ذلك إلّا من عائشة. واشترط الإمامية ان يكون اللبن لفحل واحد وعليه إجماعهم وحديثهم( وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ) والاعتماد على إطلاقه يتوقف أيضا على تحقق عنوان الاخوة عند العرف والرجوع إلى الإمارات المجعولة بالشروط المذكورة. ومما تحصل به الاخوة ما إذا ارتضع كل من الرضيعين بالمقدار المؤثر في التحريم من امرأة وكلتا المرأتين لرجل واحد كما عليه اجماع الإمامية وحديثهم وعليه رواية ابن عباس كما في كنز العمال ومختصره عن جامع عبد الرزاق سئل عن الرجل تزوج امرأتين فأرضعت الواحدة جارية والاخرى غلاما هل يتزوج الغلام الجارية قال لا تحل له اللقاح واحد. ويشترط عند الامامية ان يكون اللبن عن ولادة من نكاح صحيح وعليه إجماعهم وحديثهم وعليه ينزل اطلاق الآية ولعلها منصرفة عن غيره هذا وقد تكفلت السنة الشريفة بتكملة بيان القرآن أو التصريح بما لوح إليه في الآية بالإشارة بعنواني الام والأخوات في زمرة العناوين المحرمة في النسب كما في قوله (ص) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. كما رواه الفقيه في الصحيح عن الباقر عن رسول الله (ص) وفي التهذيب في الصحيح عن الصادق عنه (ص). وأخرجه الترمذي عن علي عنه (ص). واخرج نحوه أحمد واصحاب الجوامع الست عن عائشة عنه (ص). واحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس عنه (ص) - فكل عنوان يحصل بسبب الرضاع وهو محرم في النسب يكون محرما سواء كان بسيطا كعنواني الأم والاخت أو مركبا بالإضافة كعنوان بنات الأخ ونحوه من العناوين المذكورة في المحرمات في الآية. ولا فرق بين ان يكون كلا عنواني


وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ

____________________________________

المضاف والمضاف إليه من الرضاعة كالبنت الرضاعية للأخ الرضاعي أو كان أحد العنوانين كما رواه الفريقان في امتناع النبي (ص) من تزوج ابنة حمزة النسبية لأن حمزة كان أخاه من الرضاعة. وبسط الكلام في هذا المقام موكول إلى كتب الفقه( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) سواء دخل بها ام لم يدخل لإطلاق النساء. وعلى ذلك اجماع الإمامية ولا يضر فيه ما يحكى من خلاف ابن أبي عقيل. وقد استفاض من موثقة غياث بن إبراهيم ومعتبرة اسحق ابن عمار عن الصادق عن الباقرعليهما‌السلام ورواية العياشي عن أبي حمزة عن الباقر وصحيحة منصور بن حازم ان عليا امير المؤمنين (ع) منع التزوج بأم الزوجة وان لم يدخل بها ورد على بن مسعود في فتياه في الجوار واحتج عليه بالإطلاق بقولهعليه‌السلام «إن هذه مستثناة» يعني مسألة الربائب «وهذه مرسلة» يعني مسألة أمهات النساء وقال (ع) في معتبرة اسحق «وهذه مبهمة فحرموا وأبهموا ما أبهم الله» ونحوه في رواية أبي حمزة. وبذلك يسقط ما رواه في كنز العمال ومختصره عن علي (ع) مما يوهم ظاهره خلاف ذلك وكذا ما ذكر ابن رشد في بدايته انه مروي عن علي وابن عباس من طرق ضعيفة. هذا والذي قال بمساواة ام الزوجة للربيبة يذكر عنه في تشبثه وجهان - الاول - ان قوله تعالى( مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) إلى آخره راجع إلى قوله تعالى( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) وقوله تعالى( وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) انتهى. وهذا الوجه باطل لأن رجوعه إلى أمهات نسائكم يقتضي أن تكون «من» فيه للتبين. ورجوعه إلى الربائب يقتضي ان تكون فيه للابتداء ولا يصح ان يستعمل اللفظ الواحد في كل واحد من المعنيين المختلفين كما اعترف به في الكشّاف وتبعه عليه الفخر الرازي في تفسيره. واما التصحيح لذلك بجعل «من» للاتصال كما في قوله تعالى( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) . وقولهم لست منك ولست مني. وما انا من دد ولا دد مني. فإنما هو خيال فاسد ينتج بعمومه امرا فاسدا. لأنه لا بد من أن يراد من الاتصال المزعوم معناه العام الذي يشمل بعمومه اتصال الأم واتصال الربيبة فيصدق التحريم حينئذ على أم الزوجة التي لم يدخل بها إذا كانت متصلة بأي زوجة مدخول بها وان كانت أختها المطلقة أو بنت عمها مثلا وهم لا يرضون بذلك ويصدق التحريم أيضا على الربيبة التي لم يدخل بأمها إذا كانت متصلة


وَرَبائِبُكُمُ

____________________________________

باي زوجة مدخول بها وان كانت أختها المطلقة أو بنت عمها مثلا وهو مخالف لإجماع المسلمين. اذن فإيراد هذا القيد العام الذي لا يراد عمومه لا يكون في مقام التحديد والتقييد إلّا من المعاياة والقصور في التعبير وحاشا شأن القرآن الكريم من ذلك فلا مناص في مستقيم الكلام عن كونه قيدا للربائب - الوجه الثاني - ان يكون قوله تعالى( اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) صفة واحدة لموصوفين وهما «نسائكم» من قوله تعالى( أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) و «نسائكم» من قوله تعالى( مِنْ نِسائِكُمْ ) - ويرده ما في مجمع البيان عن الزجاج من ان الجرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا لا يجوّز النحويون مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات على ان تكون لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء. أقول ونحوه ما عن سيبويه من اعتباره اتحاد وجه الجر في الموصوفين. ويعرف هذا كله مما نبه عليه الشيخ الرضي في شرح الكافية في بحث الصفة من ان سيبويه والخليل وجمهور النحويين يشترطون في جمع الموصوفين بصفة واحدة كونهما يشتركان في اسم واحد خاص كالفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر والمضاف إليه فلا تقول مثلا هذا رجل وفي الدار آخر كريمان لأن الاول مبتدأ والثاني خبر ولم ينقل الخلاف إلّا عن الأخفش والجرمي. بل زاد الزجاج والمبرد وكثير من المتأخرين على الجمهور فاعتبروا كون العاملين بالموصوفين بمعنى واحد نحو جلس أخوك وقعد أبوك الكريمان. فلا يكفي مجرد كون الموصوفين يشتركان في تسميتهما بالفاعل. اذن فلا يجوز بحكم جمهور النحويين والذوق المستقيم ومجد القرآن الكريم في أسلوبه ان تكون «اللائي» في الآية صفة لنسائكم في كلا قوليه تعالى( أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) . و( مِنْ نِسائِكُمْ ) . فإن الأولى مضاف إليه والثانية مجرورة بكلمة «من» فلم يشتركا في اسم واحد ولم يتحد وجه الجر. ودع عنك ما زاده المبرد والزجاج والكثير من المتأخرين. ولعل الكشّاف لم ينعرض لهذا الوجه لوضوح ما ذكرناه في علم النحو (تكملة) الظاهر اجماع المسلمين على ان الموطوءة بالملك يحرم وطء أمها وبنتها على الواطئ حتى بالملك نعم لا يمنع ذلك من مجرد تملكها. وعلى ذلك من طريق الإمامية أحاديث كثيرة أحصاها في الوسائل في الحادي والعشرين من أبواب ما يحرم بالمصاهرة( وَرَبائِبُكُمُ ) جمع ربيبة من التربية وهي بنت الزوجة من غير الزوج وسميت بذلك لأنها في الغالب معرض


اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ

____________________________________

لتربية الزوج لها في كفالته. كما يروى في الحديث لا صدقة في الإبل القتوبة أي المعدة لشد القتب عليها وهي الإبل العوامل. وأبغني ناقة حلبانة ركبانة أي معدة للحلب والركوب صالحة فيهما ومعرضا لهما(١) ( اللَّاتِي ) صفة للربائب( فِي حُجُورِكُمْ ) الظاهر ان الجار والمجرور صلة للموصول أي متعلقان بكون عام. والحجور جمع حجر بفتح الحاء وكسرها وهو في الأصل حضن الإنسان. وقولهم أي في تربيته أو كنفه أو حمايته تفسير بالمعنى المجازي أو المكني عنه( مِنْ نِسائِكُمُ ) سواء كن منهن ابتداء أو بواسطة الولادة منهن. وما إدخال المزني بها في قوله تعالى( مِنْ نِسائِكُمُ ) إلّا من الخبط( اللَّاتِي ) صفة للنساء اللاتي منهن الربائب كما قدمناه( دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) الجملة صلة للموصول. والدخول بهن يتحقق بالوطء بعد العقد. وفي مختصر التبيان وقيل. الجماع وكذا ما يجري مجراه من المسيس والتجريد وهو مذهبنا والظاهر ارادة ما كان بشهوة كما صرح به في المبسوط وقال وهو الصحيح وعليه اكثر أهل العلم. وعن الخلاف استدل عليه بإجماع الامامية وبالاخبار وما روي من طريق الجمهور من قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من كشف قناع امرأة حرم عليه أمها وبنتها. وربما يقال ان ذلك هو المعنى المكني عنه بالدخول بهن فإن الغالب على من يريد التلذذ بزوجته ان يدخل بها مخدعا أو بيتا كما يقال بنى بها وبنى عليها. نعم الوطء هو القدر المتيقن من المعنى المكني عنه ويشهد للعموم ويدل عليه صحيحة الكافي والتهذيبين عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) في رجل تزوج امرأة فنظر إلى رأسها والى بعض جسدها أيتزوج ابنتها قال (ع) لا إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له ان يتزوج ابنتها وصحيحة التهذيبين عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) كما رواها في الكافي والتهذيبين في معتبرة أبي الربيع عن الصادق (ع) ولا تعارضهما صحيحة العيص عن الصادق (ع) لأن السؤال فيها عن رجل باشر امرأة وقبل ولم يفض إليها ثم تزوج ابنتها فقال (ع) إذا لم يكن افضى إلى الأم فلا باس إنتهى وذلك لجواز ورودها سؤالا وجوابا في الاجنبية

__________________

(١) وشاة حلوب أي معدة لأن تحلب ومعرض للحلب. كما يقال ركوب لما هو معرض للركب من الحيوانات ومطية للدابة التي هي معرض للجد في السير أو لأن يركب مطاها أي ظهرها. وهذا ونحوه استعمال شائع عند العرب.


فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ

____________________________________

والمباشرة والتقبيل المحرّمين لا الزوجة كما أوردها العلامة في التذكرة في هذا المعنى - وهناك فروع أخر مأخذها من السنة فهي موكولة إلى كتب الفقه - ولا يخفى ان القسم الغالب من بنات الزوجات من يكون اختلاطهن مع ازواج الأمهات كاختلاط البنات مع آبائهن مع ان محرميتهن لم يتقرر احترامها في النفوس كمحرمية البنات فالحكمة التي اقتضت تشريع محرّميتهن اقتضت أيضا ان يقرن ذلك بما ينبه النفوس على جهة المحرمية ويثبتها على احترامها والاشمئزاز من طموح النظر إليهن ببوادر الشهوة والميل إلى النكاح فلأجل ذلك ذكرت الصفة الغالبة التي تمثل بنت الزوجة بمثال البنت وهي التربية في الحجر كتربية البنات وان كانت الحكمة في تثبيت ذلك تقتضي طرد الحكم في مطلق المدخول بأمها لتثبيت علقة المحرمية على حكمتها من أول الدخول وعلقة الاختلاط. ولذا بعد ذكر المنفر ومثبت علقة المحرمية جعل القرآن هذا الحكم دائرا مدار الدخول ويكفي في ذلك قوله تعالى( اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) فضلا عما قد يستفاد من قيد الحيثية كتقييد التربية في الحجر من حيث انها بنت الزوجة فيظهر الغرض من قوله تعالى( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) ولا اثم في التزوج بهن ولا ضيق بالنهي عن نكاحهنَّ وتنحصر الفائدة بالتحقيق والتأكيد لدوران التحريم وعدمه مدار الدخول بالأم وعدمه : ولم يعرف تقييد التحريم بالتربية في الحجر إلّا من داود الظاهري واتباعه. وروي من طريق عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن مالك بن أوس بن الحدثان ان عليا (ع) أباح له ان يتزوج بابنة امرأته التي دخل بها وولدت له ثم ماتت لأن البنت لم يربها في حجره وهذه الرواية خطأ فإن المعروف من مذهب أهل البيت عدم اعتبار التربية في الحجر وقد روي مسندا من طريقي اسحق بن عمار كما في التهذيبين وتفسير العياشي عن الصادق عن الباقر (ع) ان عليا كان يقول ان الربائب عليكم حرام من الأم اللاتي دخلتم بهن هن في الحجور وغير الحجور سواء. وفي التهذيبين أيضا عن غياث بن إبراهيم عن الصادق عن الباقر نحوه. وفي الفقيه قال علي (ع) وذكر نحوه وسندكما في آخر الكتاب من الحسن كالصحيح. وهل ما روي عن مالك عن علي (ع) إلّا كما ذكرنا قبلا من ان عليا (ع) أجاز التزويج بأم الزوجة إذا لم يدخل ببنتها وقد ذكرنا استفاضة الرواية من أهل البيت عنه (ع) ان ام الزوجة مطلقا


وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ

____________________________________

حرام وفي النفس شيء كفانا ان نبوح به ما صرح به مسلم في أوائل جامعه في باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والكذابين فأسند عن ابى مليكة عن ابن عباس قال دعا بقضاء علي (ع) فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول والله ما قضى بهذا علي. وأسند عن طاوس ان ابن عباس أتي بكتاب فيه قضاء علي (ع) فمحاه إلّا قدر وأشار سفيان بن عيينة بذراعه. وأسند أيضا عن المغيرة قوله لم يكن يصدق على علي في الحديث عنه إلّا من اصحاب عبد الله بن مسعود( وَ ) حرمت عليكم أيضا( حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ ) وان نزلوا وفي التبيان ومجمع البيان وما رأيته من كتب اللغة ان الحليلة هي الزوجة. والزوج حليل وهو المتبادر من موارد الاستعمال من الحديث والشعر والنثر. نعم اتفق المسلمون ان مملوكة الابن إذا وطأها حرمت على أبيه وان علا واما إذا جردها أو مسها أو قبلها فالمشهور عند الامامية انها تحرم على أبيه وان علا ولعله اجماع قبل ابن إدريس وعليه صحيحتا ابن سنان عن الصادق (ع) وابن بزيع عن الرضا (ع) ومرسلة يونس عن الصادق (ع) وهو المحكي عن ابن عمر ومسروق والقاسم والحسن ومكحول والنخعي والشعبي وأبي ثور والاوزاعي ومالك وأبي حنيفة واحد قولي الشافعي واحدى الروايتين عن أحمد ، واما مجرد ملك الابن فلا يحرمها. نعم يظهر من الفخر الرازي في تفسيره من ذكر الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي ان الشافعي يحرمها. وقد تحذلق الرازي لادخالها في مسمى الحليلة وجعل النفي لتسميتها بالحليلة من باب ما لا يقبل من الشهادة على النفي لا من باب الشهادة على ان المسمى غيرها وأنى يجديه ذلك مع ان المتبادر من الحليلة هو خصوص عنوان الزوجة بنحو يعرف بقانون اللغة ان غير الزوجة خارج عن المعنى الحقيقي للحليلة وعلى ذلك جرت شهادة اللغويين( الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) لا ما يسميه العرب ابنا باعتبار التبني على وجه شائع كأنه يدخل في المعنى الحقيقي للابن. وقد كان في الإسلام عناية في ابطال هذه التسمية الباطلة التي يترتب عليها مفاسد كثيرة. منها : ان هذا الدعي الذي قد لا تعرف نجابة عنصره وسلامة ذاته يتركونه يعامل نساءهم وبناتهم وأخواتهم معاملة ولدهم الحقيقي في ترتيب آثار المحرمية النسبية من الخلطة والخلوة وعدم الحجاب مع انه ليس فيه من الرحمية ما يردعه عن الاقدام على فعل الفحشاء والسوء معهن ولا يخشى من ان يرجع عارهن عليه ولا يخفى ان


وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً

____________________________________

هذا التقييد الذي يخرج به المتبني لا يمنع من ثبوت التحريم لحليلة الابن الرضاعي على أبيه من الرضاعة كما يقتضيه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فإن مواده ان تحرم حليلة الابن الرضاعي كما يحرم بنص القرآن حليلة الابن النسبي وعليه فتوى الامامية والفقهاء الاربعة واكثر أهل العلم(١) ( وَ ) حرم عليكم( أَنْ تَجْمَعُوا ) فيما يراد من النساء من الزوجية وما هو مثلها من التمتع بالوطء في المملوكة( بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) فإن الآية مسوقة لذلك كما في قوله تعالى( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ) إلى آخرها( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) وزال موضوعه فإنه مسامح فيه ومغفور وان كان من تشريعات الجاهلية( إِنَّ اللهَ كانَ ) ولا يزال( غَفُوراً ) للذنوب( رَحِيماً ) بعباده ومن رحمته ان أمضى ما سلف من نكاح كل قوم وان كان تشريعا جاهليا فلم يجعل النسب الحاصل منه نسب زنا(٢) وعلى تحريم الجمع بين المملوكتين فيما ذكرنا لا مجرد الملك اجماع

__________________

(١) لكن في تفسير صاحب المنار عن ابن القيم تقرير الحجّة للمخالفين في تحريمهما بما ملخصه ان تحريم حلائل الأبناء إنّما هو بالصهر لا بالنسب والنبي (ص) «اي في قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب لا على شقيقه وهو الصهر - فأقول ان المحرم ليس هو الرضاع ولا النسب ولا الصهر ولا بعض منها وانّما المحرم هو ما كان من الإنسان للعناوين المذكورة في الكتاب المجيد الناشئة من النسب ولو باعتبار الواحد من طرفي اضافتها كالبنوة في عنوان حليلة الابن والابوة في عنوان أبي الحليل فإن كلا من هاتين الابوة والبنوة من ناحية النسب منشأ لتحريم الحليلة على أبي زوجها أو تحريمه عليها فكذا حليلة الابن وابو زوجها من ناحية الرضاع. ويا ليته قال في تقرير الحجّة كما يجب في الفهم المستقيم «ان النبي (ص) قد قصر تحريم العناوين الناشئة من جهة الرضا (ع) على نظيرها من العناوين الناشئة من جهة النسب» ليعرف ان الحجّة في الحديث الشريف تكون لمن

(٢) ومقتضى الغفران في الآية انه لم يقصد فيها من قوله تعالى «ما قد سلف» ما تذكره التوراة الرائجة من جمع يعقوب بين الأختين (ليئة وأختها راحيل) ابنتي (لابان) كما في الفصل التاسع والعشرين إلى الخامس والثلاثين من سفر التكوين. لأنه ان كان لذلك اصل فإن يعقوب لا يجمعهما ويبقيهما مجتمعتين في حباله اكثر من عشر سنين إلى ان ماتت راحيل ما لم يكن ذلك على شريعته حق في ذلك الزمان لا تشريعا يكون ذنبا يتعقبه الغفران


الامامية وحديثهم وعليه أيضا مالك والاوزاعي وابو حنيفة والشافعي واحمد في احدى الروايتين وفي تذكرة العلامة حكى الخلاف عن داود الظاهري ونسبه ابن رشد في بدايته إلى طائفة. روى مالك في الموطأ وفي الدّر المنثور أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق ابن شهاب «الزهري» عن قبيصة بن ذويب ان رجلا سأل عثمان عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية وما كنت لأصنع ذلك فخرج من عنده ولقي رجلا من اصحاب رسول الله (ص) أراه علي بن أبي طالب فسأله عن ذلك فقال لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. واخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن علي (ع) انه سأل عن رجل له أمتان اختان فوطأ أحدهما ثم أراد ان يطأ الأخرى قال (ع) لا حتى يخرجها من ملكه واخرج ابن جرير وابن عبد البرفي الاستذكار عن إياس بن عامر قال سألت علي ابن أبي طالب وذكر في جوابه تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الاخرى. وقد جاء مثل ذلك عن الصادق (ع) في أحاديث كثيرة من الصحاح والموثقات كما في الوسائل في الباب التاسع والعشرين فيما يحرم بالمصاهرة ونحوها. نعم في الدّر المنثور أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي صالح عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية ولا أمر ولا نهى ولا أحل ولا أحرم ولا افعله انا ولا أهل بيتي. وروى نحوه في الاستبصار عن البزوفري بسنده عن الصادق عن الباقر عن علي (ع). ولا يخفى ان التحليل إنّما هو باقتضاء الإطلاق الأحوالي في قوله تعالى في الآية الآتية( ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) وقوله تعالى( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) والتحريم بالإطلاق الأفرادي في لفظ الأختين فبين الآيتين عموم وخصوص من وجه ولا بد من تخصيص أحد الطرفين بالآخر الذي هو أقوى واظهر دلالة ولا شك في ان الإطلاق الأفرادي اللفظي أقوى واظهر دلالة من الإطلاق الأحوالي الذي يستفاد من السوق فيجب ان يخصص الأحوالي بالأفرادي ولكن عليا (ع) ربما أجاب بما أجاب به عثمان (رض) حفظا للوئام وخروجا عن حزازات الخلاف التي حدثت في تلك السنين وعند الفرصة يجاهر بما يعلمه من التحريم كما اتفقت عليه الأحاديث الأول بل والرابع في قوله لا افعله انا ولا أهل بيتي ويشهد لذلك ما في الاستبصار في صحيح معمر من قول الباقر (ع) قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده وقوله أيضا في عدم التصريح من علي بالحرمة


(٢٤)وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ

____________________________________

خشي ان لا يطاع ولو ان امير المؤمنين ثبتت قدماه اقام كتاب الله كله والحق كله. وفي المسألة فروع موكولة إلى كتب الفقه ٢٤( وَ ) حرمت عليكم( الْمُحْصَناتُ مِنَ ) سائر( النِّساءِ ) وهن ذوات الأزواج مطلقا( إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) في الكافي في صحيح محمد بن مسلم سألت أبا جعفر «الباقر» (ع) عن قوله تعالى والمحصنات من النساء إلّا ما ملكت ايمانكم قال (ع) هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له اعتزل امرأتك ولا تقربها ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها الرواية. وفي الدّر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس إلّا ما ملكت ايمانكم قال ينزع الرجل وليدته امرأة عبده. واخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ما هو بمعناه. وروى مسلم في جامعه واحمد وذكر في الدّر المنثور سبعة عشر من اصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري أن السبب في نزول الآية هو أن الصحابة تحرجوا من الاستمتاع بسبايا «أوطاس» أي لأنه ذوات ازواج. والاستثناء إنّما هو من هذه الجهة فلا ينافي اشتراط الإسلام ووضع الحمل واستبراء غير الحامل بحيضة كما صرح بها في هذا الحديث وبالحيض في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. فإن حل النساء المذكور في قوله تعالى( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) إنّما هو الحل المعلق على العقد وسائر الشروط كحل بهيمة الانعام المعلق على التذكية بما يعتبر فيها من الشروط لا الحل الفعلي بدون شرط. فيجوز إذن أن يكون من مصاديق الآية ما إذا اشترى المزوجة حيث ان المشتري عند الإمامية مخير فورا بين إمضاء الزواج فيبقي على ما هو عليه وبين فسخه وحكى في مجمع البيان هذا الوجه عن أبيّ وجابر وانس وابن المسيب والحسن وعن ابن عباس وفي تفسير صاحب المنار عن ابن مسعود. وفي الدّر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن ابن مسعود في الآية كل ذات زوج عليك حرام إلّا ما اشتريت بمالك واخرج ابن جرير أيضا عنه ما هو بهذا المعنى كما أخرج عن ابن عباس نحوه وكذا كل متجدد بعد إحصان المملوكة كالملك بالإرث والوصية والهبة ونحوها. ولا تمانع بين هذه الوجوه الثلاثة في صدق الحل المعلق وكل وجه تعتبر فيه شروطه( كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) بنصب كتاب على انه مصدر اجري على ما هو قريب من معنى فعله تأكيدا للتحريم ببيان ان التحريم المتقدم هو كتابة الله وتسجيله الثابت


وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ

____________________________________

عليكم ( وَأُحِلَ ) بضم الهمزة وكسر الحاء( لَكُمْ ) من النساء حلا شأنيا معلق الفعلية على حصول اسباب الحل الفعلي وشروط( ما وَراءَ ) أي ما عدى( ذلِكُمْ ) من المحرمات المذكورة صريحا أو اشارة واشعارا بالعموم الذي تضمنه قوله (ص) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» واما الروايات المتفرقة في جوامع البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود عن أبي هريرة بما حاصل مجموعها انه لا تنكح العمة على بنت الأخ ولا الخالة على بنت الاخت ولا العكس فهي غير صالحة لتخصيص عموم الكتاب في حل ما وراء المحرمات المذكورة لمعارضتها بأحاديث الإمامية الصحاح بأسانيدهم عن محمد بن مسلم عن الباقرعليه‌السلام لا تزوج ابنة الأخ ولا ابنة الاخت على العمة ولا على الخالة إلّا بإذنهما وتزوج العمة والخالة على ابنة الأخ وابنة الاخت بغير إذنهما. وفي العلل بإسناد عن الباقر (ع) نهى رسول الله (ص) عن تزويج المرأة على عمتها أو خالتها إجلالا للعمة والخالة فإذا أذنت في ذلك فلا بأس. ولا يخفى انه ليس في اشتراط الأذن من العمة أو الخالة تخصيص لعموم الحل لما وراء ذلكم لأن الحل فيها شأني معلق الفعلية على شروطها فالشروط لا تنافي الشأني المعلق ولا تخصصه ولا تقيده وعلى هذا تخرج رواية المختلف وغيره عن علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (ع) في رجل يتزوج المرأة على عمتها أو خالتها قال (ع) لا بأس لأن اللهعزوجل قال( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (١) أَنْ تَبْتَغُوا ) قيل ان المصدر بدل من( ما وَراءَ ذلِكُمْ ) وقيل انه مجرور باللام المطرد حذفها من «ان» المصدرية واللام للتعليل وهو الأصح أي لتبتغوا النساء وما يطلب منهن من حيث هن نساء( بِأَمْوالِكُمْ ) مهرا وشراء حال كونكم بالنسبة لما ابتغيتم( مُحْصِنِينَ ) لأنفسكم أو للمرأة عن الزنا بالحلال( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) أي مقاربين للنساء زنا وسفاحا( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ ) الفاء للتفريع على حل ما

__________________

(١) واما ما ادعاه ابن رشد في بدايته من تواتر النهي عن ذلك عن النبي (ص) فلا اصل له إذ لم تعرف هذه الرواية عن غير أبي هريرة. واما رواية البخاري لها عن الشعبي عن جابر فقد قال في آخرها قال داود بن عون عن الشعبي عن أبي هريرة وأما دعوى الإجماع على ذلك فهي ممنوعة بمخالفة أهل البيت والإمامية في ذلك


بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً

____________________________________

وراء المحرمات وابتغاء النساء وما يطلب منهن محصنين و «ما» كناية عن القسم لا عن ذات النساء والا لقيل و «من» ولكن القسم بمفهومه معنى عام يقال في مقام التقسيم على من يعقل وما لا يعقل مثل بعض كما تقدم في قوله تعالى( ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) ونحوها فلا يصح التعبير عنه بلفظ «من» فالتفريع ومعنى «ما» يدلان على التنبيه في مقام التشريع على حكم قسم خاص من المنكوحات حال قصد الإحصان. «استمعتم» طلبتم المتعة واحصانها وتوصلتم إلى التمتع وهو الانتفاع الموقت المحدود المبني على الانقطاع كما يدل عليه ألفاظ المتاع والتمتيع وما يشتق من ذلك في القرآن بحسب موارده ويوضحه قوله تعالى في سورة الرعد ٢٥( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ ) . ومعنى الآية طلبتم هذا التمتع من هذا القسم بالتزويج( بِهِ ) الضمير راجع إلى القسم باعتبار مصاديقه( مِنْهُنَ ) أي من النساء( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) أي مهورهن حال كونها( فَرِيضَةً ) فرضتموها في العقد وهذا مما يوضح ان المراد منه غير العقد الدائم الذي يصح فيه التزويج بدون فرض مهر في العقد فإن دخل بها استحقت عليه مهر المثل وان طلقها قبل الدخول استحقت عليه المتعة على قدر الموسع والمقتر كما في الآية الخامسة والثلاثين بعد المائتين من سورة البقرة.

وفي هذه المسألة خلاف لا ارغب بذكر كل ما فيه لو لا تعرض المسألة بتفسير الآية وتحقيق حكمها وتعرض المفسرين لها وما قيل فيها. فللكلام في هذه الآية ومسألة المتعة مقامات - الاول - قد اتفق جميع المسلمين ورواياتهم على تسمية هذا القسم المبحوث عنه بالمتعة جريا على ما هو مدلول الآية ومقتضى ألفاظها في تشريعها مضافا إلى استفاضة الرواية عن الصحابة بل والتابعين في نزول الآية في متعة النساء التي هي محل الكلام فقد أخرج ابن جرير والحاكم وصححه وفي الدّر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن الانباري عن أبي نظرة عن ابن عباس ان الآية فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى ثم قال والله لأنزلها الله كذلك ونحوه فيما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي عن ابن عباس. واخرج ابن جرير وفي الدّر المنثور وعبد بن حميد عن قتادة عن قراءة أبي نحوه. واخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير في قراءة أبي نحوه. واخرج عبد الرزاق عن عطا عن ابن عباس انه يقرأها


كذلك وقال أيضا في حرف أبيّ إلى أجل مسمّى وعن تفسير الثعلبي بسنده عن حبيب بن ثابت عن ابن عباس نحوه واخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. وابن جرير عن السدي ان المعنى في الآية هو نكاح المتعة وكذا فيما أخرجه عن علي من طريقين وعن ابن عباس من ثلاثة طرق وعن ابن مسعود من انها نسخت. وفي الكافي في الصحيح عن أبي بصير سألت أبا جعفر عن المتعة قال نزلت في القرآن( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) ونحوه أيضا في الصحيح عن الصادق (ع). وعن قرب الاسناد عن الصادق (ع) نحوه. وفي الكافي أيضا في مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق (ع) إنّما أنزلت فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى فآتوهن أجورهن فريضة وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) عن جابر كان ابن عباس يقرؤها وذكر إلى أجل مسمّى مثل ذلك: وفي الفقيه عن الرضا (ع) في حديث وقرأ ابن عباس وذكر مثل ذلك أيضا : هذا وان ما روي عن ابن عباس وأبيّ والصادق من زيادة إلى أجل مسمّى ينبغي تنزيله على ما علموه من شأن النزول وان المراد من نزول الآية هذه المتعة التي هي إلى أجل مسمّى. فإن جماعة من الصحابة كانوا يرسمون في مصاحفهم ما يعلمونه انه التأويل المراد في النزول ويقولون هكذا انزل أي بالوحي بغير القرآن على رسول الله ويدرجونه مع القرآن في قراءتهم دفعا للشكوك أو الجحود كما روى في الدّر المنثور وغيره ان ابن مردويه في تفسيره أخرج(١) عن ابن مسعود قال كنا نقرأ على عهد رسول الله (ص) يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ان عليا مولى المؤمنين فأدرج ابن مسعود في الآية ما كان يعلمه حين النزول من تأويلها المقصود بالنزول كما أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت في غدير خم في علي بن أبي طالب ورواه الواحدي في اسباب النزول بسنده المتصل من غير هؤلاء عن أبي سعيد الخدري(٢) . ومما يشهد لما ذكرناه ان الباقر والصادق ذكر الآية واحتجابها للمتعة على

__________________

(١) والظاهر ان من مآخذه لهذا الحديث كتاب أبي بكر بن عياش عن عاصم عن ذر عن عبد الله بن مسعود. وفي التقريب كتاب أبي بكر صحيح : ورجال الحديث من الثقات عندهم ومنه رجال الجوامع الستة وستأتي إن شاء الله تتمة الكلام في تفسير الآية عند ذكرها في سورة المائدة

(٢) وقد مر بيان شيء من هذا النحو في الجزء الأول ص ٢٧ س ٣ - ٦ ويعرف أيضا من ص ٢٨ و ٢٩


ما هو المرسوم في المصاحف ونسبها الرضاعليه‌السلام والباقر (ع) في رواية العياشي عن جابر إلى قراءة ابن عباس - المقام الثاني - اتفق جميع المسلمين وجميع رواياتهم في المتعة على انها نكاح شرع في دين الإسلام واستفاضت الرواية في عمل المسلمين على ذلك كما ستسمع من بعضها الذي نتعرض له - الثالث - استفاضت الرواية في دوام مشروعيتها والعمل عليها من زمان الرسول الأكرم (ص) إلى ايام أبي بكر في إمارته إلى شطر من ايام عمر. فقد أخرج مسلم في نكاح المتعة عن جابر الانصاري كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر «اي نكاح المتعة» في شأن عمرو بن حريث. واخرج أيضا عن أبي نظرة قال كنت عند جابر فأتاه آت فقال إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين «يعني متعة الحج ومتعة النساء» فقال جابر فعلناهما مع رسول الله ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما. ورواه في كنز العمال ومختصره مما أخرجه عبد الرزاق عن جابر واخرج أحمد في مسند عمر عن أبي نظرة قال قلت لجابر بن عبد الله ان ابن الزبير ينهى عن المتعة وان ابن عباس يأمر بها قال فقال لي على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر فلما ولي عمر خطب الناس فقال ان القرآن هو القرآن وان رسول الله «ص» هو الرسول وانهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج والاخرى متعة النساء. أقول والحديث باعتبار سنده من الصحيح عندهم : واخرج مسلم في باب متعة النساء عن جابر سأله القوم عن أشياء ومنها المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر : وأخرجه أحمد في الجزء الثالث من مسنده ص ٣٨٠ برجال مسلم وفيه حتى إذا كان في آخر خلافة عمر : واخرج أحمد في الجزء الثالث من مسنده ص ٣٢٥ في الصحيح عندهم عن جابر قال متعتان كانتا على عهد النبي (ص) فنهانا عنهما عمر فانتهينا. وفي صفحتي ٣٥٦ و ٣٦٣ في الصحيح أيضا عندهم عن جابر تمتعنا متعتين على عهد رسول الله (ص) الحج والنساء فنهانا عمر عنهما فانتهينا. وفي الثالثة فلما كان عمر نهانا عنهما فانتهينا واخرج البخاري في تفسير سورة المائدة وفي أوائل أبواب النكاح. ومسلم في نكاح المتعة. وفي الدّر المنثور أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة أيضا عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله (ص) ليس معنا نساء فقلنا إلّا نستخصي «وفي بعض النسخ إلّا نستمني» فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا


إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) إنتهى وهذا كالصريح بل ابلغ من التصريح بأن تحريم المتعة ليس من الله ورسوله بل هو تشريع بتحريم الطيبات مما أحله الله ورسوله للمؤمنين : واخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال استمتع عمرو بن حريث وابن فلان وكلاهما ولد له من المتعة زمان أبي بكر وعمر. واخرج ابن جرير في الصحيح عندهم عن شعبة عن الحكم بن عيينة انه سئل عن آية المتعة منسوخة هي قال لا وقال قال علي لو لا ان عمر نهى عن المتعة ما زنى إلّا شقي : وذكره في الدّر المنثور مما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابو داود في ناسخه. وفي الكافي بسند معتبر عن عبد الله بن سليمان عن الباقرعليه‌السلام كان علي يقول لو لا ما سبقني به ابن الخطاب ما زنى إلّا شقي. وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) مثله. وروى المفيد في رسالة المتعة بأسانيد كثيرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال سألت الصادق (ع) هل نسخ آية المتعة شيء قال لا ولو لا ما نهى عنه عمر ما زنى إلّا شقي : وباسناده عن علي (ع) لو لا ما سبقني به عمر بن الخطاب ما زنى مؤمن : وذكر في كنز العمال ومختصره عن عبد الرزاق وابن جرير «اي في تهذيب الآثار» وأبي داود في ناسخه عن علي (ع) لو لا ما سبقني من رأى عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة ثم ما زنى إلّا شقي : وفي كنز العمال ومختصره مما أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطا عن ابن عباس قال يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلّا رحمة رحم الله بها امة محمد ولو لا نهيه «اي عمر» ما احتاج إلى الزنا إلّا شقي أو شفي كما ذكره ابن الأثير في نهايته في مادة شفي : وقال المفيد في رسالته قال ابن بابويه ان علياعليه‌السلام نكح في الكوفة امرأة من بني نهشل متعة : واخرج مسلم عن عروة ابن الزبير ان عبد الله ابن الزبير قام بمكة فقال إن أناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى ابصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل «يعني ابن عباس» فناداه وقال انك لجلف جاف فعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد امام المتقين يريد رسول الله (ص) فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك باحجارك إنتهى : وفي الكافي في الصحيح عن زرارة قال جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى الباقرعليه‌السلام فقال له ما تقول في متعة النساء فقال أحلها الله في كتابه وسنة نبيه إلى يوم القيامة فقال يا أبا جعفر مثلك من يقول هذا وقد حرمها عمر ونهى عنها فقال (ع) وان كان فعل فقال واني أعيذك بالله ان تحل شيئا حرمه عمر فقال الباقر (ع) فأنت على قول صاحبك وانا على قول رسول الله فهلم إلّا عنك. الحديث : وفي كنز العمال ومختصره


عن ابن جرير «اي في تهذيب الآثار» عن ام عبد الله بن خيثمة ما ملخصه ان رجلا من الصحابة الذين في الشام جاء إلى المدينة فتمتع بامرأة واشهد على ذلك عدولا فأخبر عمر بذلك فقال للرجل ما حملك على الذي فعلته فقال فعلته مع رسول الله ثم لم ينهنا حتى قبضه الله ثم مع أبي بكر فلم ينهنا حتى قبضه الله ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهيا فقال عمر اما والذي نفسي بيده لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك(١) الحديث : واخرج مسلم في المتعة بالحج عن جابر قال تمتعنا مع رسول الله (ص) فلما قام عمر قال ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء؟! وان القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم وابنوا نكاح هذه النساء فلن اوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلّا رجمته بالحجارة(٢) : واخرج مالك في الموطأ عن عروة ابن الزبير ان خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت ان ربيعة بن امية استمتع بامرأة فحملت منه فخرج عمر فزعا يجر رداءه فقال هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت : وذكر في كنز العمال ومختصره ان الحديث أخرجه الشافعي والبيهقي : أقول وهو من الصحيح عندهم وأنت ترى انه والحديثين اللذين قبله كالصريحة في انه ليس هناك نهي من رسول الله (ص) يكون حجه على المستمتع في استحقاقه الرجم وان الحجّة عليه منحصرة بأن يتقدم عمر بالنهي. فهذه الأحاديث كالصريحة في ان النهي من رأي عمر لا من رسول الله (ص) أو أبي بكر. ولا تقدر ان تقول ان معنى الأحاديث انه لا عبرة بنهي رسول الله (ص) ولا حجة فيه على استحقاق الرجم وانّما الحجّة هو نهي عمر. إذن فمعنى الروايتين هو ما قدمناه : وفي الدّر المنثور وكنز العمال ومختصره أخرج ابن أبي شيبة عن نافع ان ابن عمر سئل عن المتعة فقال حرام فقيل له ان ابن عباس يفتي بها قال فهلا تزمزم(٣) بها في زمان عمر : وفي الدّر المنثور قال أخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال نهى عمر عن متعتين متعة النساء

__________________

(١) وفي هذه الرواية اعجوبة : صحابي تخطب له الصحابية امرأة بالمتعة ويشهد على نكاحها عدولا من الصحابة ويقول فعلته مع رسول الله فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله إليه وكذا مع أبي بكر فكيف يستحق الرجم وان تقدم له عمر بألف نهي ولو تنازل امره بهذا النهي إلى الشبهة فالحدود تدرء بالشبهات بنص رسول الله المجمع على حكمه

(٢) وانظر إلى هذا الحديث والذي بعده وما فيهما من اعجوبة الرجم. ويا ضيعة دماء المسلمين وشرفهم من هذه الأحاديث

(٣) في النهاية الزمزمة الصوت الخفي أو البعيد وله دوي


ومتعة الحج : وفي كنز العمال ومختصره مما أخرجه أبو صالح كاتب الليث(١) والطحاوي عن عمر انه قال متعتان كانتا على عهد رسول الله انهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج : ومما أخرجه ابن جرير وابن عساكر عن أبي قلابة ان عمر قال متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وانا انهى عنهما وأضرب فيهما وقد تقدم في المقام الثاني في رواية جابر ان عمر قال في خطبة انهما كانتا على عهد رسول الله : ورواية هذا الكلام عن عمر مشهورة. فعن مختصر المحلى لابن حزم الاندلسي ما لفظه كما روينا عن أبي قلابة قال قال عمر بن الخطاب متعتان كانتا على عهد رسول الله وانا انهى عنهما واضرب عليهما متعة النساء ومتعة الحج وسيأتي ان الفخر الرازي في تفسيره ذكر احتجاج أهل السنة على تحريم المتعة بهذا الحديث : واما تأويله بأن عمر يستند في التحريم إلى رسول الله فسيأتي بطلانه ان شاء الله عند ما نتعرض لما أشرنا إليه من الاحتجاج الذي يذكره الرازي - المقام الرابع - في دعوى نسخها وهي باطلة بما ذكرناه في المقام الثالث وذلك لوجهين (أحدهما) دلالة هذا المقام بالنص واليقين على انها كانت مشروعة في ايام رسول الله وآخر عهده بالدنيا وهذا كاف في كونها سنة متبعة حتى لو سبق نسخها قبل ذلك مرة أو اكثر لو ثبت ذلك وما يجدي نسخها السابق في خيبر أو عام الفتح إذا كانت مشروعة بعد ذلك إلى آخر عهد رسول الله (ص). فليورد المورد ما شاء من رواياتهم للنسخ الشرعي في ايام رسول الله فإنما العبرة بما كان في آخر عهده بالدنيا وانقطاع الوحي نعم فيما رواه مسلم واحمد عن سبرة من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز الأموي عن الربيع عن أبيه سبرة ان النبي (ص) حرمها إلى يوم القيامة روى ذلك مسلم مجردا عن قصة وتأريخ ولكن أحمد رواها في قصة تمتع سبرة في حجة الوداع وسيأتي ان رواية سبرة هذه كالحرباء تبرز من كل راو بشكل يضاد الآخر فهي كلا شيء وعلى كل حال هي معارضة بكل ما ذكر في المقام الثالث وخصوص رواية الحكم والرواية عن الصادق في ان آية المتعة لم تنسخ بل ورواية زرارة عن الباقر (ع) في قوله أحلها الله في كتابه إلى يوم القيامة ولك العبرة في الولع برواية تحريمها بما في كنز العمال مما أخرجه الدارقطني في الافراد وابن عساكر مما تفرد به أحمد بن محمد بن عمر بن يونس عن علي (ع) انه سمع النبي (ص) نهى عن متعة النساء ويقول هي حرام إلى يوم القيامة مع ان أحمد المذكور قال ابن صاعد فيه كذاب (ثانيهما) ان رواياتهم في النسخ مبتلاة بالموهنات

__________________

(١) هو عبد الله بن صالح الجهني المصري تخ د ت ق صدق ثبت في كتابه من العاشرة مات سنة ٢٢ أي بعد المائتين


اما رواية سبرة بن معبد للنهي عن المتعة بعد حكاية تمتعه فإنها مضطربة في رواية مسلم لها في جامعه واحمد في مسند سبرة ما شاء الاضطراب متدافعة ما شاء التدافع الممقوت. ففي الأولى من روايات مسلم ان الذي كان مع سبرة في القصة هو صاحب له. وفي الثانية من قومه وابن عمه. وفي الثالثة من بني سليم. وفي الثلاثة ان برد سبرة اردا من برد الآخر وفي الأولى ان سبرة أشب من الآخر ولذا اختارته المرأة وتمتع بها. وفي الثانية لأن لسبرة على الآخر فضل جمال والآخر قريب من الدمامة وان القصة في فتح مكة. رواها أولا عن فضيل عن بشر عن عمارة بن غزية عن الربيع بن سبرة. ورواها ثانيا عن أحمد بن سعيد عن أبي النعمان عن وهيب عن عمارة عن الربيع عن أبيه سبرة قال خرجنا مع رسول الله (ص) في فتح مكّة فذكر مثل حديث بشر وزاد «قالت وهل يصلح ذاك» وفيه قال «ان بردح هذا خلق مح» ورواها أحمد في مسند سبرة عن عفان عن وهيب إلى آخر السند ولكن فيها ان برد سبرة هو الجديد وسبرة هو القريب من الدمامة وان الذي اختارته المرأة وتمتع بها على رداءة برده هو ابن عمه على الضد من رواية مسلم. وروى مسلم الرابعة عن يحيى عن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده وان القصة كانت في فتح مكة. ورواها أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن عبد العزيز بن عمر عن الربيع بن سبرة عن أبيه وان واقعتها كانت في حجة الوداع ورواها بعد ذلك عن وكيع إلى آخر السند. وفيها فلما قضينا عمرتنا : وقد تركنا عدة من الاضطراب بالألفاظ ومن نظر إلى الروايات في جامع مسلم ومسند أحمد علم يقينا انها رواية لقصة واحدة. هذا وان مذهب ابن عباس في حل المتعة ومثابرته مع ابن الزبير على ذلك معلوم معروف من صحيح الحديث ومستفيضه ومأثور التأريخ. ومع ذلك رووا عنه في نسخها الشرعي روايات هي بنفسها تظهر كذبها وجهل جاعلها ففي جامع الترمذي عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال إنّما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى انه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيأه حتى إذا نزلت الآية( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) قال ابن عباس فكل فرج سواها فهو حرام ورواها في الدّر المنثور مما أخرجه الطبراني والبيهقي في سننه وزاد فيها حتى نزلت هذه الآية( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ) إلى آخر الآية فنسخ الأولى وحرمت المتعة وتصديقها من القرآن( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) الحديث : وهلم العجب أي كلمة من آية حرمت عليكم أمهاتكم نسخت آية المتعة


فحرمت المتعة. وايضا ان المستمتع بها هي زوجة كما صرحت رواية الترمذي وهذه الرواية والتي بعدها في قوله (فيتزوج المرأة) فكيف يكون قوله تعالى( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) تصديقا لآية( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ) في تحريم المتعة. نعم إذا كانت آية( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ ) .( وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ) ناسخة فلا بأس ان تكون من نواسخ آية المتعة آيات.( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ ) .( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) . وهلم جرا وقد أجاد صاحب المنار في تفسيره إذ ذكر غير ما ذكرناه من موهنات الرواية وقال : - وعبارة هذه الرواية تنم عليها وتشهد انها لفقت في عهد حضار المسلمين بعد الصحابة : وفي الدّر المنثور أيضا مما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثل رواية الترمذي إلى قوله وتصلح له متيعته فقال وكان يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى نسختها( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) وكان الإحصان بيد الرجل يمسك متى شاء ويطلق متى شاء إنتهى وليت شعري ان الكلمة القرآنية التي شرعت المتعة وجرى عليها عمل المسلمين في قدومهم إلى البلدان كيف تنسخها الكلمة التي قبلها بلا فاصل ومعها في الآية الواحدة. وإذا كانت بمعناها ولم تنسخها حينئذ لم تنسخها إذا وردت بعد ذلك في سورة المائدة مضافا إلى أن المتعة إحصان لا زنا وسفاح لأنها(١) (تكملة) أسند الحاكم في تفسير سورة النساء من مستدركه عن أبي مليكة سئلت عائشة عن متعة النساء فقالت بيني وبينكم كتاب الله وقرأت( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) . فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا وفي الدّر المنثور فيما رواه عمار مولى الشريد عن ابن عباس ان المتعة ليست بسفاح وقد ذكرنا في الجزء الاول ص ١٩٧ في قوله تعالى في سورة المائدة( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) ان التدبر للقرآن يقتضي وروده في نكاح الكتابيات بالمتعة : واماما في الدّر المنثور مما أخرجه أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطا عن ابن عباس في آية المتعة نسختها( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ) إنتهى فقل لراويها ان تشريع الطلاق لم يحصر إباحة الوطء وشرعيته بما كان موردا للطلاق وإلا فما تقول في

__________________

(١) كذا رأينا في الأصل


التسري والوطء بملك اليمين فإن مورد الطلاق هو العقد المبني على الدوام لأن الطلاق هو الحل لعقدة الزواج الدائم وقطع لدوامه وإن قلت ان النسخ بالعدة قلنا ان المستمتع بها عليها عدة ولكنها تنقص عن عدة الدائم بحسب الدليل كما نقصت عدة الأمة كما عليه جميع الإمامية وجمهور أهل السنة ما عدا داود وأصحابه الظاهريين. وقد روى في الدّر المنثور من طريق عمار مولى الشريد عن ابن عباس ان المستمتع بها تعتدّ بحيضة وفي كنز العمال مما أخرجه عبد الرزاق عن جابر في المتعة وكنا نعتد من المستمتع بها منهن بحيضة وروى أيضا عن السدي انها تستبرئ رحمها : ومن الطريف ما في الدّر المنثور مما أخرجه ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في ضمن قصة فيها شعر قوله ما أحللتها «يعني المتعة» إلّا للمضطر ولا أحللت منها إلّا ما أحلَّ الله من الميتة والدم ولحم الخنزير إنتهى وهل يكون ابن عباس يقول ان الآية نزلت في المتعة ثم يقيد إطلاقها ويخصها من تلقاء نفسه بالمضطر كأكل الميتة وفي تفسير الرازي وتبعه أبو السعود وروى (انه يعني ابن عباس) قال عند موته اللهم اني أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف إنتهى وهل رؤي في المنام مخبرا عن قبول توبته أو تشديد السؤال عليه من أجل المتعة وفي الدّر المنثور مما أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال المتعة نسخها الطلاق والصدقة والعدة والميراث إنتهى ودع عنك سقوط الرواية بما ذكرناه في المقام الثالث وخصوص ما روي فيه عن ابن مسعود ولكنك مما ذكرناه في هذه الروايات المنسوبة إلى ابن عباس تعرف الخطأ أيضا في نسبة النسخ بالطلاق والعدة إلى ابن مسعود. واما الصدقة فإن كان المراد منها الصداق فإن المتعة فيها صداق ولئن سمي اجرا فإن القرآن قد سمى الصداق في العقد الدائم اجرا كما في هذه السورة ٢٤ والممتحنة ٩ والأحزاب ٤٩ فمن اين يجيء النسخ. وإن أراد الراوي غير الصداق فعليه حسابه - وأما الميراث فإن آية ميراث الزوجين تقتضي بنفسها ان يتوارث المستمتع والمستمتع بها لأنهما زوجان. نعم دل الدليل على عدم توارثهما فخصص به الكتاب ولعل ذلك لضعف علقتهما بكونها موقتة وقد اتفق جمهور أهل السنة على جواز نكاح الكتابية بالعقد الدائم واتفقوا على عدم التوارث بينها وبين زوجها المسلم تخصيصا منهم لعموم الإرث بما رووه من قول النبي (ص) لا يتوارث أهل الملتين ونحوه واجمع المسلمون على أن القاتل من أحد الزوجين للآخر لا يرث منه. ومن هذا يعرف الحال أيضا فيما أخرجه البيهقي عن علي (ع) نهى رسول الله عن المتعة وانّما كانت لمن لم يجد فلما نزل النكاح والطلاق والعدة


والميراث بين الزوج والزوجة نسخت إنتهى وتزيد هذه الرواية بالوهن أن آية المتعة ليست مقيدة بمن لم يجد كما في نكاح الإماء. وان التزويج كان نزول آياته بمكة قبل الهجرة ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون المكّية( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلّا عَلى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) وهم يروون عن علي (ع) أن المتعة حرمت يوم خيبر فكيف يتقدم الناسخ على المنسوخ بعده سنين وأيضا أن الرواية نفسها تدل على أن المتعة نكاح مشروع إذن فالمستمتع بها زوجة فكيف يكون الزواج ناسخا لها - وقد كفانا هذا المقام عن التعرض لما تشبث به المتألبون لتحريم المتعة بعدم ارث المستمتع بها وبعدم كونها زوجة

(تتمة ) لهذا المقام. قال ابن رشد في بدايته وأما نكاح المتعة فقد تواترت الاخبار عن رسول الله بتحريمه إلّا انها اختلفت في الوقت الذي حرمت فيه ففي بعض الروايات أنه يوم خيبر وفي بعضها يوم الفتح وفي بعضها عام أو طاس «وهو عام الفتح» وفي بعضها في غزوة تبوك وفي بعضها في حجة الوداع وفي بعضها في عمرة القضاء إنتهى وقد ذكرنا في الوجه الأول من المقام الرابع أن الروايات التي يروونها في تحريم المتعة لا تجديهم في مدعاهم ولو كانت ألفا لأنهم يروون نسخ تحريمها بعد ذلك كما أخرجه مسلم واحمد عن سلمة بن الأكوع رخص لنا رسول الله في المتعة عام أوطاس ثلاثا ثم نهى عنها فلم يبق عندهم في النهي بعد ذلك إلّا هذه الرواية ورواية سبرة التي ذكرنا اضطرابها المزري بها. ولم تذكر رواية تحريمها إلى يوم القيامة إلّا رواية سبرة هذه وما هي قيمتها بعد ذلك الاضطراب فضلا عن سقوطها بما ذكرناه في المقام الثالث من تظاهر الأحاديث وتعاضدها والاستفاضة عن عدة من الصحابة والتابعين على شرعيتها بعد ما فارق رسول الله (ص) الدنيا وانقطع الوحي. حتى لو فرضنا انهم رووا انها أبيحت قبل وفاته (ص) بشهر مثلا. وقال ابن رشد أيضا واشتهر عن ابن عباس تحليلها وتبعه على القول بها أصحابه من أهل مكّة واهل اليمن (أقول) وقد تحقق من الأحاديث المتقدمة عن ابن عباس وابن مسعود وعلي امير المؤمنين بالرواية عنه من طرق الفريقين انها باقية على الحل بعد رسول الله (ص) وكما صح ذلك من طرقهم عن الحكم بن عيينة من التابعين ومن طرق الإمامية عن الباقر والصادق (ع) وحكاه(١) العلامة القول بحلها عن ابن جريح وسعيد بن جبير ومجاهد وعطا وغيرهم من التابعين وتقدم في الروايات العمل بذلك في زمان عمر من عمر وبن حريث وابن فلان وربيعة

__________________

(١) حكى (ظ)


ابن امية والشامي الصحابي بل ومن شهد على نكاحه من الصحابة وام عبد الله بن خيثمة فهل لأحد بعد ذلك ان يدعي الإجماع على تحريمها - المقام الخامس - في الأمور التي يتشبثون بها لتحريم المتعة. منها دعوى الإجماع وقد عرفت وهنها. ومنها ما أخرجه الحاكم في تفسير سورة النساء من مستدركه عن أبي ملكية سئلت عائشة عن متعة النساء فقالت بيني وبينكم كتاب الله وقرأت والذين هم لفروجهم حافظون إلّا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا إنتهى بدعوى ان مراد عائشة ان المستمتع بها ليست زوجة وقد حصر الله الحل بالزوجة والمملوكة (أقول) وهذا التشبث مردود لو لا بالمنع مما نسبتموه لعائشة ولعلها تريد ان المستمتع بها زوجة لما جاء من شرعية المتعة. وثانيا لو أرادت ما ذكرتم لكان اجتهادا يرده ان آيتي( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) جاءتا في سورتي المؤمنون والمعارج المكيتين باتفاق المفسرين فيكون ما ثبت من تحليل المتعة ناسخا لحصرهما لو سلمنا ان المستمتع بها ليست بزوجة. وثالثا ان الزوجة هي المنكوحة بعقد مشروع والمستمتع بها زوجة بحكم تشريع المتعة. ومنها ما ذكره ابن الروزبهان في معارضته لنهج الحق من دعوى الإجماع على ان المستمتع بها ليست بزوجة لأنها لا ترث ويرده ان دعوى الإجماع هنا لا قيمة لها في سوق العلم وشرف المعرفة وإن النظر إلى عدم الإرث غفلة عن الزوجة الكتابية والمسلمة القاتلة لزوجها. وهل بين الزوجية والإرث اتحاد في المفهوم أو ملازمة عقلية وهل الوارثية إلّا حكم شرعي يثبت للزوجة بدليله ويرتفع بدليله كما في الكتابية والقاتلة. ومنها دعوى نسخ المتعة بآيات الطلاق والعدة والميراث. وقد تقدم رد ذلك. ومنها قوله تعالى( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) . وقد تقدم رد التشبث بذلك وان التزوج بالمتعة إحصان شرعه الله وكيف للنفس والزوجة عن الطموح إلى الزنا وإن قصرت مدته. واما ما ذكره صاحب المنار في تفسيره من ان الشيعة لا يقولون برجم الزاني المتمتع إذ لا يعدونه محصنا فكأنه اخذه من تساهل السماع دون النظر في كلمات الشيعة في مصنفاتهم وعناوين دروسهم ليرى ويسمع منهم ان النكاح الدائم جعلوه شرطا بمقتضى أحاديثهم في الإحصان الذي يجب معه الرجم لا في مطلق الإحصان المراد في الآية الشريفة كما اشترط أبو حنيفة الإسلام وحرية الزاني والزانية وزاد مالك ان يكون في حالة لا يكون الوطء فيها محرما كأيام الحيض والصيام. فهل يقول انهم جعلوه هذه الشروط شروطا في إحصان الآية وان من فقد هذه الصفات والشروط يكون في ذلك الحال


مع زوجته من المسافحين لا من المحصنين(١) - ومنها - ما جعله الرازي في تفسيره الحجّة الثانية لمن يقول بتحريم المتعة وتبعه على الاحتجاج صاحب المنار في تفسيره وهو ما روي عن عمر انه قال في خطبته متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) انا انهى عنهما وأعاقب عليهما وملخص وجه الاحتجاج هو ان عمر ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فلا بد من ان يكون سكوتهم لعلمهم بالتحريم من رسول الله (ص) وإلا لكان مداهنة منهم وهو يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة وهو باطل ولا يجوز ان يكونوا غير عالمين بكون المتعة مباحة ومحظورة لأن المتعة مما يحتاج إليه فيمتنع ان يكون أمرها مخفيا عليهم بل يجب ان يشتهر العلم به - قلنا - أولا لا يلزم من علمهم بحلها ان يكون سكوتهم مداهنة يلزم منها تكفيرهم وتكفير عمر - معاذ الله - بل يجوز ان يكونوا جوزوا عليه الاجتهاد خطأ وقد رأوا منه الجد الشديد في منعهما والإصرار القاطع على اجتهاده فسكتوا حفظا لاجتماع الكلمة وحذرا من عواقب الخلاف في الجامعة الإسلامية فلا يلزم من ذلك تكفير لأحد ويجوز ان يكون هناك وجه آخر وآخر لا يلزم منهما التكفير - وثانيا - لماذا غفل الرازي ومن احتج بحجته أو تغافلوا من ان تحريم عمر للمتعة في هذه الرواية وفي روايات جابر وسعيد بن المسيب كما تقدم قد كان مقرونا بتحريم متعة الحج أيضا فلما ذا سكتوا حينئذ عن تحريمها. هل يستطيع الرازي أو غيره ان يقول انهم سكتوا لعلمهم بتحريمها من رسول الله. اذن فلما ذا اتفق المسلمون

__________________

(١) وقال صاحب المنار في تفسيره في المتعة أيضا (وان كان هناك نوع ما من إحصان فإنه لا يكون فيه شيء من إحصان المرأة التي تؤجر كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل : كرة حذفت بصوالجة ، يتلقفها رجل رجل) وأقول كما يمكن ان يتفق وقوع هذا في نكاح المتعة فإنه يمكن ان يتفق وقوعه في النكاح الدائم أيضا كالمرأة التي تتزوج ثم تطلق بعد سنة وبعد عدتها ييسر الله لها خاطبا فيستحب لها أو يجب عند خوف الفتنة ان تتزوجه ثم يطلقها أو يموت وبعد العدة ييسر الله لها ثالثا فتتزوجه على كتاب الله وسنة رسوله ثم يطلقها أو يموت فييسر الله لها رابعا وهكذا إلى ما شاء الله كرة حذفت بصوالجة ، يتلقفها رجل رجل. على ما سوغته الشريعة من الزواج بحدود العدة فهل يمكن ان يقال إن هذا لا يكون فيه شيء من إحصان المرأة. ولو كان هذا الحال قبيحا فاسدا عند الله لا يصح ان يشرع ما يؤدي إليه للزم ان يقيد شرع النكاح والطلاق والعدة ووطء الإماء والتسري بهن وبيعهن بما لا يؤدي إليه ولا يقع فيه ذلك فيقيد به نكاح المتعة أيضا ولئن جاز ان ينقطع الإحصان بالطلاق بعد يوم أو اكثر فما هو المانع من انقطاعه بأجل المتعة الذي قد يبلغ خمسين سنة أو اكثر


وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ

____________________________________

على مشروعيتها من ذلك العصر إلى الآن ولم يؤثر فيهم ما يروى من تشديد عمر وعثمان وابن الزبير. نعم لم يكن في متعة الحج ما يروى من التهديد بالرجم فلذا أمكن الناس ان يحافظوا على سنتها تدريجا بالملاينة. أخرج أحمد في الجزء الأول ص ٣٩ ومسلم والنسائي في حج التمتع من طريق طارق بن شهاب عن أبي موسى في حديث انه كان يفتي بالمتعة على ما علمه من رسول الله (ص) وعمل به حتى في ايام أبي بكر وعمر إذ قال له قائل في مكّة انك لا تدري ما أحدث امير المؤمنين في النسك فقال يا ايها الناس من كنا افتيناه بفتيا فليتئد فإن امير المؤمنين قادم عليكم فيه فائتموا(١) فلما قدم قال له يا امير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في النسك وفي رواية أحمد في الجزء الرابع ص ٣٩٣ فقلت يا امير المؤمنين هل أحدثت في المناسك قال نعم. (أقول) ولم يكن جواب عمر لابي موسى إلّا بيان اجتهاده ورأيه كما ذكرناه في الجزء الاول ص ١٧٢ و ١٧٣ واخرج الترمذي ان شاميا سأل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فقال هي حلال فقال الشامي ان أباك قد نهى عنها فقال عبد الله أرأيت ان كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله (ص) أفرأي أبي يتبع ام أمر رسول الله الحديث. واخرج البخاري في كتاب التفسير في باب من تمتع بالعمرة إلى الحج عن عمران بن حصين قال أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (ص) ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء : وهذه الرواية سواء كانت حقيقتها في متعة الحج أو متعة النساء تكون ردا لهذه الحجّة من المحتجين حلا ونقضا : وأخرجها مسلم أيضا وفيها «يعني متعة الحج» - ومنها - ما ذكره ابن الروزبهان في معارضته لنهج الحق وهو ان النكاح يحتاج إلى ولي وشهود فتبطل المتعة فنقول انا نشترط فيها كل شرط ثبت في الكتاب أو السنة انه شرط في المتعة بل قد نلتزم بالاحتياط عند الشك في الشرط فما ذا عنده بعد ذلك( وَلا جُناحَ ) ولا اثم أو ولا منع( عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) من إسقاط الأجر كلا أو بعضا برضاء المرأة أو التراضي على

__________________

(١) وهذه الرواية مما تشير إلى وجه من جواب المحتجين إذ تقول أن أبا موسى يعلم بحكم التمتع من رسول الله وكان يفتي به ايام أبي بكر وعمر ويقول القائل أحدث امير المؤمنين في النسك وهو يقول لعمر ما هذا الذي أحدثت ومع ذلك يأمر الناس بان يتندوا فإذا قدم عمر ائتموا به


إِنَّ اللَّهَ كانَ عَليمًا

____________________________________

ذلك بعد ان تفرضوه فلا تتوهموا المنع والجناح عليكم في ذلك من اشتراط هذا النكاح بإيتاء الأجر وكونه فريضة في العقد. فالآية في عقد المتعة التي لا بد فيها من فرض الأجر مثلها في قوله تعالى في الآية الثالثة( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) ويجوز ان يكون المعنى ما تراضيتم به من الشروط السائغة بعد الفريضة في العقد وعليه تجري موثقتا ابن بكير بحمل قوله (ع) بعد النكاح على انها في العقد بعد قوله أنكحت إلى كذا بكذا. واما التراضي على زيادة الأجل بمهر آخر فالمشهور عند الإمامية والموافق للقاعدة ومقطوعة أبي بصير ورواية ابان عن الصادق (ع) المرويتين في الكافي وروايتي العياشي عن أبي بصير عن الباقر (ع) وعن أبي بصير عن الصادق (ع) انه لا يجوز إلّا بعقد جديد بعد ان ينقضي الأجل أو يهبها المدة الباقية ثم يعقد عليها جديدا على ما تراضيا عليه وفي مجمع البيان ان هذا قول الإمامية وتظاهرت به الروايات عن أئمتهم. ونسبه أيضا إلى السدي كما رواه عنه في الدر المنثور. نعم إن الحكم المذكور هو مذهب الإمامية وتظاهرت الروايات على الحكم لكن حمل الآية على هذا يحتاج إلى تكلف في تأويل قوله تعالى( مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) . واما رواية بصائر الدرجات في تمديد الأجل في أثناء المدة فموهونة بجهالة حال المدائني ومخالفتها لقاعدة النكاح المشهور فضلا عن معارضتها بما يستوجب التقديم عليها( إِنَّ اللهَ كانَ ) منذ الأزل ولا يزال( عَلِيماً ) بما يحتاج العباد إليه من اللطف بالشريعة وتيسير أمورهم في مختلفات أحوالهم بما يقوم بحاجتهم في العصمة عن الزنا ومكافحة النفس الأمارة ويساعد على تكثير النسل. فكم من مسافر يطول سفره ولا يسمح له بالتزويج بالعقد الدائم. وكم من حاضر لا يتيسر له ذلك على ما يريد أو يناسبه. وكم من ايم مؤمنة لا يقدم الناس على تزوجها بالعقد الدائم فشرع الله المتعة بحدودها الصالحة لكي تقوم بهذا الحوائج الماسة وهذا الإصلاح الكبير. ومن ذلك يعلم جل اسمه انه يأتي زمان يمنع فيه من استرقاق الجواري الذي قد يقوم بشطر مهم مما أشرنا إليه من حاجة الرجال. ولو لا ما تفاحش من كثرة الزنا السري والعلني وفحشاء اللواط لسمعت ضجة الناس من العسر والحرج وشدة الضيق عليهم من حصر الأمر بالزواج الدائم ولو بقيت شرعية المتعة بحدودها الصالحة على رسلها بلا نكير تحريم ولا ملام غالب يوجب


سوء سمعتها لما كان للزنا واللواط هذا الدويّ المدهش والشيوع الفاحش الذي يستنزف الأموال الكثيرة ويهتك الشرف ويذيع الفساد ويشيع الأمراض الردية الموبقة المعروفة ، ويقلل التناسل ويدنس الأخلاق ويكثر فيه المنبوذون المعرضون للهلاك. ومن وباء هذه المفاسد صار التعقيم عملا لكثير من النساء وصار الكثير من الرجال تنقضي أيام شبابهم ولا يولد لهم. ولو وجد نوع مشروعا على رسل مشروعيته يغنيهم عن خسة الزنا في حاجتهم إلى النساء لما استرسل أكثرهم في رذيلة الزنا ومفاسده واتباع الهوى وبوائقه حتى استدرجهم ذلك فاجترءوا على الزنا بالمحصنات الموجب لاختلاط الأنساب ، وسورة العشرة ، ومفاسد أولاد الزنا. ولكان الأمر كما قال امير المؤمنين (ع) وابن عباس «لما زنى إلّا شقي» أو إلّا شقي أي قليل. ولما حدثت هذه المفاسد المعضلة العظيمة الإخلال بالنظام الشرعي والعمراني : وقد دون في كتب الفقه للإمامية من احكام المتعة وآدابها حسبما تلقوه من مصدر الوحي وأمنائه ما يوقف المتعة في صف العقد الدائم في راحة الإنسانية وحفظ الشرف والعفة والنزاهة وكرامة النسل وحفظه من الاختلاط بميزان العدة والنواميس الشرعية وقد جمع من أحاديثها في الوسائل عن أئمة أهل البيت في آدابها وأحكامها ما دونه في كتاب النكاح في سبعة وأربعين بابا. فالزوجان المتمتعان إذا كانا ملتزمين بالشريعة وأجريا المتعة على احكامها الشرعية وآدابها لم يعرض في أمرهما ولا أمر نسلها ادنى خلل من حيث النظام العمراني ولا الاجتماعي ولم يضع نسلهما من جهتيهما ولم يعروه اختلاط ولم يقصر في جميع أموره حتى النفقة والتربية عن نسل العقد الدائم بوجه من الوجوه سواء كان التمتع في وطن الزوجين أو في دار الغربة لهما أو لأحدهما مهما كانت نائية. وأما غير المتشرعين فنجعلهما في صف غير المتشرعين في لوازم العقد الدائم واحكامه. كالرجل يتزوج ثم يهاجر إلى البلاد النائية كما نعرفه في كثير من المهاجرين إلى أمريكا واقاصي افريقا حيث تركوا أطفالهم وأزواجهم ضياعا بلا كفيل حتى صاروا في حالة يرثى لها ويا ليتهم طلقوا نساءهم ليتزوجن ويكفين أنفسهن أمر المعيشة ويصرن في حماية الأزواج - أو كمن يتزوج في بلاد غربته فيولد له حتى إذا وجد فرصة الرجوع إلى بلاده أو التنقل في سياحة تركهم نسيا منسيا لا يعرفون لهم أبا ولا كفيلا. أو كالذي يطأ أمته أو يتسراها ثم يبيعها في بلاد الغربة وهي حامل منه فيكون ولده منها ابن الغربة وربيبها ومكفولها أو منسوبا لغير أبيه أو أسيرا للرق. وإذا كانت هذه الأمور من غير المتشرعين لا تخد


حَكيمًا (٢٥)وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ

____________________________________

في شرعية العقد الدائم ولا جواز الوطء للمملوكات فبالحري ان لا تخدش في شرعية المتعة كما يزعمه بعض الناس من بعث عاطفتهم الطائفية في تهويلهم باخلال المتعة بالنظام الشرعي والعمراني على ما يفرضون وقوعه في متعة غير المتشرعين. ومن طبع هذه العاطفة ان لا تسمح لهؤلاء المهولين بأن يلتفتوا إلى ما ذكرنا وقوعه من غير المتشرعين من المتزوجين بالعقد الدائم والواطئين لإمائهم. أو يلتفتوا إلى ما ذكر من شرعية المتعة في الكتاب والسنة فيما تقدم من المقام الاول والثاني والثالث بل والرابع والخامس لكي يلتفتوا إلى ان تهويلاتهم تكون منهم كتلة اعتراضات على الله ورسوله وكتابه في تشريع المتعة. وكان الله عليما( حَكِيماً ) في شريعته ٢٥( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ) الطول من حيث اللفظ مصدر كما نص عليه أهل اللغة وأما من حيث ما يرجع إلى المعنى ففي التبيان ومجمع البيان الطول الغنى. وفي الكشّاف المعنى زيادة في المال وسعة يبلغ به نكاح الحرة. وفي كنز العرفان من لم يكن له زيادة في المال وفي القاموس الفضل والقدرة والغنى والسعة. وفي الدّر المنثور مما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس من لم يكن له سعة ان ينكح الحرائر. ولم أجد من خرج عن هذه المعاني. والمعنى الذي يتردد بينها غير داخل في قدرة الإنسان واستطاعته بل هو أمر بيد الله. اذن فلا يصح ان تكون كلمة «طولا» مفعولا به لكلمة «يستطيع» كما يلوح من بعض المفسرين وصرح به الفخر الرازي أولا في تفسيره ولكنه تفطن لعدم الجواز وقال انه على المفعولية يكون معنى الآية فمن لم يقدر منكم على القدرة انتهى. فالأظهر ان «طولا» مفعول لأجله لبيان جهة الاستطاعة المذكورة. وليس في الآية ما يشير إلى نظر الطول إلى خصوص المهر بل هو متعلق بالتزويج وما يحتاج إليه في امره من المؤنة ومنها نفقة الحرائر. والمرجع في استطاعة الطول إلى العرف بحسب حال الشخص ونظام تعيشه( أَنْ يَنْكِحَ ) المصدر مفعول لكلمة «يستطع» والأظهر ان النكاح هو التزويج دواما ومتعة ولكل إنسان رغبة في أحدهما بحسب حاله من سفر أو حضر أو غير ذلك. فمن لم يستطع طولا ان يجري أحدهما مع الحرائر انتقل به إلى الإماء على ما تقتضيه الآية بإطلاقها وعليه مضمرة محمد بن صدقة البصري المروية عن تفسير العياشي وهذا هو وجه المناسبة بين الآية وما قبلها فإنها تعرضت للصورة النازلة من نكاحي الدوام والمتعة


الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ

____________________________________

تتميما لأحكام النكاح وآدابه( الْمُحْصَناتِ ) بفتح الصاد. والمراد منهن الحرائر العفائف المحصنات بالصون بالنسبة إلى حالة الإماء نوعا في الابتذال( الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما ) أي فلينكح مما( مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) ايها المسلمون المخاطبون فلا يدخل الشخص المعبر عنه بالغيبة بالنسبة لبيان الحكم في نكاحه. وجواب الشرط للإباحة بالمعنى الذي يعم رجحان الترك والصبر عليه( مِنْ فَتَياتِكُمُ ) يقال للأمة فتاة وان كانت مسنة( الْمُؤْمِناتِ ) فعسى ان تمنعهن ملكات الإيمان الحميدة واتباعهن للشريعة المقدسة عما يخشى من الأمة في تبذلها نوعا من بوادر منافيات العفة وسوء المعاملة فإن الإيمان الصحيح الثابت رادع نوعا عن السوء. ولكن لا سبيل لكم إلى العلم بما لأفرادكم من الإيمان الثابت وملكاته الحميدة وما دون ذلك من مراتب الإيمان المختلفة ، والأخلاق المتفاوتة في البعد عن عادات الجاهلية ورذائلها والقرب منها( وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ ) وما لكل منكم من مراتبه وأخلاقه وملكاته. وانكم لتعلمون انكم بشر( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) في الاختيار في الأعمال. فمنكم من يقبل على الله فيجيب داعيه إلى الإيمان والطاعة والصلاح فيوفقه لمراتب الكمال السامية. ومنكم من يتبع الهوى بسوء اختياره وينقاد للشهوات وغواية الشيطان. ومنكم من يكون بين ذلك على احدى المراتب المتفاوتة فعليكم بظاهر الحال وما يقتضي لكم الوثوق باستقامة الأمة من مظاهر إيمانها : وفي مختصر التبيان أي كلكم من ولد آدم وقيل كلكم على الإيمان ويمكن ان تكون الأمة أفضل من الحرة واكثر ثوابا عند الله وفي ذلك تسلية لمن يعقد على الأمة إذا جوز ان تكون اكثر ثوابا عند الله إنتهى وعلى هذا النهج جرى في مجمع البيان والكشاف وتفاسير الرازي وأبي السعود وصاحب المنار ولكن الظاهر لنا من مجموع الآية وشروطها وقوله تعالى في آخرها( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) هو ما ذكرناه. وعليه يكون المحصل من مجموع الاية وإذا خشيتم العنت ولم تصبروا كما هو الاشارة الأخيرة في الاية( فَانْكِحُوهُنَ ) فيه التفات إلى خطاب المحتاج إلى نكاح الأمة بعد ذكره بالغيبة. والأمر هنا للاباحة التي تعم المرجوح. والنكاح التزوج( بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ ) أي مالكهن وفي ذلك اشارة إلى كفاية الاذن من مالك الأمة في تزويجها أي لا يكون بغير اذنه( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) كما يستحق


بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ

____________________________________

بشريعة الزواج فانه أجرها ومقابل بعضها وان رجع إلى المالك( بِالْمَعْرُوفِ ) من عادة الزواج الشرعي ومهره حال كونهن بهذا الزواج( مُحْصَناتٍ ) قد أقدمن على الزواج للإحصان على الشريعة وسنة الرسول (ص)( غَيْرَ مُسافِحاتٍ ) وقاصدات للزنا واتباع الشهوات( وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ ) الخدن الخليل والصاحب والمراد هنا الاختصاص بخلته وصحبته للزنا. وقيل ان المراد تزوجوهن حال كونهن عفائف غير زانيات في العلن والسر. والأول أظهر( فَإِذا أُحْصِنَ ) بضم الهمزة وكسر الصاد كما هو القراءة المتداولة المعهودة بين المسلمين وعليها اكثر السبعة حتى عاصم في غير رواية أبي بكر عنه. فلا يناسبها تفسير الإحصان بالإسلام لأن الإسلام من فعلهن الصادر منهن لا واقع من غيرهن عليهن. بل المراد الإحصان لهن بالتزويج كما في صحيح الكافي والتهذيب وعن محمد بن مسلم عن أحدهما يعني الباقر أو الصادقعليهما‌السلام وصحيح التهذيب عن يونس عن الصادق (ع). وفي الدّر المنثور مما أخرجه ابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة وما أخرجه أيضا ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس واما ما في الدّر المنثور مما أخرجه ابن أبي حاتم عن علي (ع) عن رسول الله (ص) قال احصانها إسلامها. وقال انه حديث منكر. وما أخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود من قوله احصانها إسلامها فيكفي في سقوطه معارضته بما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس عن رسول الله (ص) في حديث قوله (ص) حتى تحصن بزوج. فإذا أحصنت بزوج : هذا فضلا عن ان مؤدى الحديثين عن الرسول (ص) وابن مسعود لا يناسب القراءة المتبعة كما ذكرناه وايضا إذا نظرنا إلى قوله تعالى( فَإِذا أُحْصِنَ ) إلى آخر جواب الشرط قد وقع تفريعا في ضمن ما لنكاح الإماء المؤمنات من الأحكام وجدنا انه لا يحسن ان يكون الموضوع لحكمه غير الإماء المتزوجات( فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ) توجب الحد الشرعي( فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ) والذي ينصف من حد الزنا وله عدد مخصوص هو المائة جلدة. واما الرجم فهو مقدمة مخصوصة لازهاق النفس بلا تقدير ينصف بل حده الموت فليس له نصف موزون بميزان يعول عليه. ولعل قوله تعالى( مِنَ الْعَذابِ ) يراد به نصف ما هو عذاب مع بقاء الحياة الذي قال فيه تعالى( وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ


ذَٰلِكَ

____________________________________

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وليس لشرط الإحصان بالتزويج مفهوم ولا دليل خطاب. لقيام القرينة على ذلك من أحاديث المسلمين. فمن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق والبخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ان النبي (ص) سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال (ص) اجلدوها. واخرج أحمد في مسند علي (ع) والترمذي عن عبد الرحمن السلمي قال خطب علي (ع) فقال ايها الناس أقيموا الحدود على ارقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن وان أمة لرسول الله (ص) زنت فأمرني ان اجلدها. وأخرج أحمد أيضا عن أبي جميلة عن علي (ع) نحوه مع تقديم وتأخير وفيه أقيموا الحدود على ما ملكت ايمانكم. وفي الدّر المنثور أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أنس بن مالك انه كان يضرب امائه الحد إذا زنين تزوجن أو لم يتزوجن إنتهى وعلى هذا عمل علماء الأمصار من أهل السنة ولا يعرف فيه خلاف بين الإمامية بل الظاهر إجماعهم عليه. وعليه صحيح الفقيه والكافي والتهذيب عن بريد عن الصادق (ع) وصحيح الكافي عن محمد بن مسلم عن أحدهماعليهما‌السلام وصحيح التهذيب عن أبي بصير عن الصادق (ع). بل لا مفهوم ولا دليل خطاب في الآية حتى لو قلنا بأن المراد من إحصانهن اسلامهن. لما رواه مالك والبخاري ومسلم وابو داود عن ابن عمر في قصته أمر رسول الله (ص) برجم اليهودي واليهودية. ورواه أبو داود أيضا عن جابر والبراء بن عازب وأبي هريرة. ورواه الترمذي بدون القصة. فيجب الحد على غير المسلم أيضا وهو مذهب الشافعي. ولا خلاف فيه بين الإمامية. وهو مفاد العموم في لفظ العبيد في الصحيح المروي في الكافي والتهذيب عن الباقر (ع) قضى امير المؤمنين في العبيد إذا زنى أحدهم ان يجلد خمسين جلدة وان كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا. وعلى ذلك أيضا رواية قرب الاسناد عن الكاظم (ع) فالفائدة في الجملة الشرطية هو بيان وجه من وجوه الإرشاد إلى ان الصبر عن تزوج الإماء خير. وذلك انهن في حال الإحصان بالتزويج قد اقتضت الحكمة والرحمة ان لا يشرع في حدهن إلّا جلد خمسين سوطا مع ان دواعي الزنا مع ابتذالهن في الرق والخدمة اقرب إليهن بالنسبة إلى الحرائر المصونات نوعا وحد الحرائر الجلد والرجم فرادع الإماء في حال الإحصان أضعف من رادع الحرائر ودواعيهن إلى الخنا نوعا اقرب من دواعي الحرائر( ذلِكَ ) أي نكاح المؤمنات بحسب الظاهر من إماء المسلمين لمن لم يجد طولا ان ينكح الحرائر من المؤمنات انما


لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ

____________________________________

هو ( لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ) في التبيان العنت معناه هنا الزنا وقيل الضرر الشديد في الدين أو الدنيا مأخوذا من قوله تعالى( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) والأول أقوى. وجعله في مجمع البيان الأصح وفي الكشّاف فسره بالإثم مع قوله بأنه مستعار للمشقة والضرر. وقد ذكرنا في الجزء الأول ص ١٩٦ في قوله تعالى( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) وفي ص ٣٣٤ في قوله تعالى( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) ان معنى العنت دائر بين الشدة والمشقة ونحو ذلك ولا دليل على ان المراد هنا الزنا أو الإثم فالصحيح تفسيره بمن خشي الشدة والمشقة بسبب العزوبة أو من جهة من الجهات. إذا لم يصح ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس من ان العنت الزنا. ولا ما أخرجه الطستي عنه من انه الإثم( وَأَنْ تَصْبِرُوا ) بفتح الهمزة أي وصبركم عن نكاح الإماء حتى مع عدم الطول وخوف العنت( خَيْرٌ لَكُمْ ) لأن في نكاحهنَّ نوعا حزازات وعواقب يرغب عنها كما ذكرنا بعضها في الأثناء وتزيد على ذلك بأن أمر الأمة في غير ما يعارض تمتع الزوج إنّما هو بيد المولى. وان نكاحها معرض للفسخ فيذهب ما بذله من المهر هدرا وذلك إذا بيعت أو انتقل ملكها إلى آخر أو اعتقت وهذه حزازات كبيرة. نعم ليس منها عند الامامية صيرورة الولد رقا فإن الولد عندهم بحسب اصل الشرع يتبع الحر من أبويه في الحرية كما عليه المعول من حديثهم وإجماعهم الذي لا يقدح فيه خلاف الإسكافي - هذا وقوله تعالى( خَيْرٌ لَكُمْ ) مع ما ذكرنا في قوله جل اسمه( الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) يرشد إلى ان المقام مقام ارشاد إلى اجتناب نكاح الإماء لما فيه من الحزازات والمحاذير نوعا لا مقام تحريم كما هو الأشهر بين الامامية ويشهد له ما في الكافي والتهذيب من قول الصادق (ع) «لا ينبغي» كما رواه أبو بصير وأرسله ابن بكير عن بعض أصحابنا. واما صحيح زرارة عن الباقر (ع) سألته عن الرجل يتزوج الأمة فقال (ع) لا إلّا ان يضطر إلى ذلك. فلا دلالة فيه على التحريم بل هو على الكراهة وما يرجع إلى الإرشاد ادل فان الظاهر من الاضطرار كونه امرا فوق عدم الطول وخوف العنت فعدم الاضطرار يجتمع معهما فلا يمكن ان يكون النفي الشامل له للتحريم على خلاف تجويز الآية بل للكراهة والإرشاد الذي يرتفع بالاضطرار ولا يكون مصداقا لقوله تعالى( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) . ومن ذلك يعرف الكلام في موثقة أبي بصير عن الصادق (ع) في الحر يتزوج الأمة قال (ع) لا بأس إذا اضطر إليها. ونحوها رواية التهذيب عن محمد بن


وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٦)يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ

____________________________________

مسلم عن الباقر (ع). ودعوى ان السؤال في الروايات عن الحل المقابل للتحريم مجازفة فان غاية ما في السؤال هو كونه عن الشأن الشرعي في تزويج الأمة مضافا إلى ما ذكرناه من خلل الحمل على التحريم في غير الاضطرار كحال خوف العنت( وَاللهُ غَفُورٌ ) لمن يخالف هذا الإرشاد والكراهة( رَحِيمٌ ) بعباده في إرشادهم إلى ما يصلحهم وغفرانه لمخالفة ارشاد مولاهم وآلههم ٢٦( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ ) قال في الكشّاف اللام زائدة والأصل ان يبين. قال ذلك ليجعل المصدر مفعولا فتكون اللام لغوا. وما أهون دعوى الزيادة عليه. ولم يقل شيئا في نظائرها من القرآن الكريم مثل قوله تعالى في سورة المائدة( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ ) .( يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) . والتوبة( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) . والأحزاب( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ ) . والقيامة( يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ ) : ومثله قول كثير على ما في مجمع البيان : -

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

تمثل لي ليلى بكل سبيل

ونحوه أيضا ما سنذكره من البيتين. وقد ذكرنا بعض ما في دعاويهم للزيادة في الجزء الأول ص ٣٨ حتى ٤١ و ٣٦١ و ٣٦٢ ، وفي مختصر التبيان مرسلا ومجمع البيان عن الزجاج عن سيبويه ان اللام دخلت هنا على تقدير المصدر أي ارادة الله للبيان لكم نحو قوله تعالى إن كنتم للرؤيا تعبرون إنتهى ومرجع التمثيل إلى انهما لام التقوية وهو غريب من مثل سيبويه إذ يأول القوي بالضعيف ليحتاج إلى لام التقوية ومع ذلك يبقى المبتدأ بلا خبر وهل يكون مثل هذا التكلف في القرآن الكريم لكن في المغني قال الخليل وسيبويه ومن تابعهما ان الفعل مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء واللام وما بعدها خبر أي ارادة الله للتبيين على ان تكون اللام للتعليل. أقول ومع التكليف الذي لا يناسب كرامة القرآن يبقى الكلام ناظرا إلى متعلق الارادة ومفعولها فما هي فائدة الفرار إلى التأويل. وقيل ان اللام بمعنى «ان» المصدرية ليكون المصدر مفعولا ليريد. ونقل في مختصر التبيان ومجمع البيان وشرح الكافية للشيخ الرضي وتفسير الرازي انها بمعنى «ان» مثلها في التي تقع بعد «امر» كقوله تعالى( وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) ويرد ما ذكروه أولا ان مجيء اللام بعد ان المصدرية لم تقم عليه حجة - وثانيا - انها لو كانت كما يقولون لما وقعت بعدها «كي» و «ان» المصدريتان كما أنشده الزجاج : -

أردت لكيما يعلم الناس انها

سراويل قيس والوقوف شهود


لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً

____________________________________

وقول الآخر : -

أرادت لكيما لا ترى لي عثرة

ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل

وقوله تعالى في سورة الزمر ١١( وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) فالصحيح هو ان اللام للتعليل ومفعول «يريد» في الموارد التي ذكرناها من القرآن الكريم محذوف. يقدر في كل مقام بحسب ما يناسبه ويقتضيه وقد ذكرنا في الجزء الأول ص ٨١ و ٨٢ ان مثل هذا الحذف باب من أبواب البلاغة. ومما يناسب الآية ان يكون التقدير فيها. يريد الله ان يفصل لكم شرايع النكاح أو الشرايع المذكورة في السورة أو ما قبلها لكي يبين( لَكُمْ ) ما هو الصالح في نظامكم وأخلاقكم وسعادتكم( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) التي شرعها الله وسنها لهم لصلاحهم فاتخذوها بإيمانهم وطاعتهم لله سننا متبعة مما اقتضت المصلحة ان يسن لكم أيضا في شريعة الإسلام( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) مما سلف من عملكم بعادات الجاهلية الفاسدة وتشريعاتها الوحشية الخسيسة( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) بسبب وسيلتكم إلى رحمته من طاعتكم واتباعه لما بيّنه لكم من شريعته فإن ذلك توبة منكم عما سلف(١) ( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بما يصلحكم ويصلح نظامكم( حَكِيمٌ ) في شريعته وبيانها ٢٧( وَاللهُ ) بلطفه ورحمته( يُرِيدُ ) ويحب( أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) بأن تصلحوا اعمالكم وتتبعوا شريعة الحق وصلاحها ويكون ذلك توبة منكم عما سلف فتكونوا أهلا لأن يتوب الله عليكم. والارادة هنا نظيرة للارادة التكليفية لا التكوينية( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ) المردية المورطة في قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق وموبقات المعاصي كما تعرفونه( أَنْ ) تسترسلوا مثلهم في اتباع الشهوات وخسة الغواية وتكونوا مثلهم في جماحهم رغبة منهم في الغي وتكثير أمثالهم وتقليل النكير عليهم وعنادا للحق و( تَمِيلُوا ) عن الرشد إلى مثل غيهم وضلالهم( مَيْلاً عَظِيماً ) كميلهم. ولا تحسبوا أن شريعة الحق والإصلاح ذات عبء ثقيل وقيود باهظة. بل جمعت

__________________

(١) وللرازي في أواخر كلامه في الآية اشكال وجواب خلط فيهما بين المعنى في توبة العبد إلى الله وفي توبة الله عليه. واستقصاء الكلام في النقد لكلمات الاشكال والجواب يفضي إلى تطويل فلندع كلامه لما به ويكفينا استلفات الناقدين لما فيه


(٢٨)يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٩)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ

____________________________________

بين فضيلة الإصلاح والتهذيب وحسن النظم والنظام الحميد على الحكمة وبين فضيلة الرأفة، والتيسير في احكامها بل وكون العمل عليها واتباعها سببا لتخفيف الأوزار السابقة ٢٨( يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) بفقر إمكانه واقتضاء الحكمة في تعريضه للسعادة لأن يخلقه الله مختارا في اعماله ذا شهوة يتنعم بها في لذة المباح الصالح في المجتمع. وقد أعانه الله بلطفه بالعقل والرسل والأئمة وشرايع الحق ودعاة الصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة. والأنسب بكرامة القرآن وسمو مقاصده وشرف بيانه ان تكون هذه الآية واللتان قبلها جاريات على ما يليق بها من العموم ٢٩( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) لا يخفى ان احكام الآية عامة في إصلاحها لا تختص بالمؤمنين ولكن جرى الخطاب لهم باعتبار انهم هم المنصتون حينئذ لخطاب الوحي والمنقادون لأوامر الله ونواهيه ، والمذعنون بأنه يخاطبهم بشريعة الحق والحكمة( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) والأكل كناية عما يعم الاستيلاء على الأموال بالحيازة. والمراد كما هو الظاهر لا يأكل بعضكم أموال بعض فيما تتعاملون فيه بينكم على غير جهة العطية والرضا وطيب النفس بما تعرفون من فطرتكم وشريعة الحق انه باطل وعلى غير الحق. وقد ذكرنا في الجزء الأول ص ١٦٤ ما ورد في بعض المصاديق من أكل المال بالباطل. وروى في التهذيب عن الصادق (ع) في هذه الآية ما حاصله إن من أكل المال بالباطل أن يكون على الإنسان دين وعنده مال ينفقه في حاجته بل عليه ان يفي به دينه وان احتاج إلى الصدقة( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ) بنصب تجارة قال في مختصر التبيان حتى تكون الأموال تجارة أو أموال تجارة فحذف المضاف ونصب المضاف إليه في مقامه ويجوز ان يكون التقدير إلّا ان تكون التجارة تجارة. وتبعه على ذلك في مجمع البيان واستشهد بقول الشاعر «إذا كان يوما ذا كواكب اسفعا» والاستثناء على التقديرين منقطع لأنه ليس من أكل المال بالباطل. أقول الأموال ليست بتجارة بل هي ما يتاجر به. وفي قوله (او أموال تجارة) إلى آخره زيادة حذف وتقدير. ويجوز ان يكون المعنى إلّا ان تكون المعاملة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراض ومنها الإجارات والجعالات. وبما ان التجارة المشروعة هي ما كانت( عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) تكون الصفة


وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٣٠)وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً

____________________________________

توضيحية فيكون معنى تقديرهم إلّا ان تكون التجارة تجارة عن تراض بمعنى إلّا ان تكون التجارة تجارة مشروعة لا من نحو تجارات الجاهلية التي أبطلها الشرع( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) عن العياشي عن أسباط بن سالم سأل الصادقعليه‌السلام رجل عن ذلك فقال عنى بذلك الرجل من المسلمين يشد على المشركين وحده يجيء في منازلهم فيقتل فنهاهم الله عن ذلك. وعنه أيضا عن الصادق (ع) نحوه. وفي التبيان قيل لا تخاطروا بأنفسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه وهو المروي عن أبي عبد الله يعني الصادق (ع). وعن العياشي بسنده عن زيد عن امير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص) في حديث سأله فيه عمن كان في برد يخاف على نفسه إذا افرغ الماء على جسده فقرأصلى‌الله‌عليه‌وآله ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) . وفي الدّر المنثور مما أخرجه أحمد وابو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص في حديث انه اجنب في غزاة في ليلة شديدة البرد فخاف الهلاك من الاغتسال بالماء فتيمم فسأله رسول الله (ص) عن ذلك فذكر الحال واحتج بقوله تعالى( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) فضحك رسول الله (ص) ولم يقل شيئا. ونحوه ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس في قصة ابن العاص : وفي الفقيه قال الصادق (ع) من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها قال الله تعالى( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) . أقول ويمكن الجمع بين روايات العياشي وروايتي الدّر المنثور والطبراني وبين رواية الفقيه بأن المنهي عنه في الآية هي المقدمات والأفعال التي ينشأ عنها زهوق النفس. ولا مانع أيضا من شمول الآية لقتل المسلم مسلما آخر بغير حق فإن المنهي عنه هو قتل النفوس المضافة إلى جماعة المؤمنين الشاملة لنفس القاتل ونفوس غيره من المؤمنين ولا حاجة فيما ذكرناه إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في الاضافة ولا في المضاف إليه( إِنَّ اللهَ كانَ ) منذ الأزل ولا يزال( بِكُمْ رَحِيماً ) يأمركم ويشرع لكم ما يصلحكم وينهاكم عما يضركم فرديا واجتماعيا ٣٠( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) أي أكل الأموال بالباطل وقتل النفس( عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ) في الآخرة( ناراً وَكانَ ذلِكَ ) ولا يزال( عَلَى اللهِ يَسِيراً ) والتفت من ضمير المتكلم إلى لفظ الجلالة للتنبيه على الحجة


إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ

____________________________________

على كون ذلك يسيرا. وكيف لا يكون يسيرا على الله الإله الخالق القادر على احياء العظام وهي رميم وهو الذي انشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ٣١( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) أي تتركونها جانبا معرضين عنها( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ ) ما عداها من( سَيِّئاتِكُمْ ) التي تعملونها. وقد ذكر التكفير في القرآن الكريم في نحو ثلاثة عشر موردا معدى بكلمة «عن» ومن ذكر الكفارة في سورة المائدة ٤٤ و ٨٨ و ٩٢ يتضح ان التكفير هو الرحمة بحط الوزر عن الوازر ببركة طاعة اخرى. وفي هذه الآية اشارة إلى أن تكفير السيئات هو ببركة الطاعة باجتناب الكبائر. والآية تدل على ان المنهي في الدين والشريعة فيه ما هو كبير بالنسبة إلى بعض آخر وربما يعرف ذلك بحسب شدة قبحه وشناعته ومضاره ومفاسده. وربما تكشف النصوص عن كبره ويكون بعض الافراد من غيره صغيرا بالنسبة إليه وان كان أيضا بفساده الذي اقتضى نهي الله عنه بلطفه كبيرا في الفساد والمضرة في ذاته وشؤونه هذا كله بحسب ذات الفعل. وقد يقارن فعل الصغير جرأة وتمردا على الله ومحادّة له تلحق الفعل بالكبائر في السوء فيكون بهذه الجهة داخلا بمقتضى الحكمة في الكبائر المذكورة. ومن رحمة الله بعباده ولطفه وحكمته في الرادع عن الصغائر والإصرار عليها وعد عباده وبشرهم بأن من تجنب الكبائر يكفر عنه ما عداها من السيئات. وهذا لا ينافي كون المعصية والمخالفة لعزائم الله في أوامره ونواهيه هي أمر كبير في نفسه شديد قبحه. وما أقبح مخالفة العبد الضعيف الفقير الجاهل بمصالحه ومفاسده ، والمحاط بغواية الأهواء والشهوات والنفس الأمارة. والشيطان الغوي العدو ، وما اشنع معصيته لعزائم إلهه وولي هدايته وإرشاده ، ومولاه الغني العظيم غامره باللطف والرحمة والنعم والإحسان. ومن نعمه العظيمة ولطفه جلت آلاؤه امره الوجوبي ونهيه التحريمي لأجل صلاح العباد وتكميلهم وإصلاحهم ونظم جامعتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. روى في اصول الكافي في باب الكبائر عن الصّادق (ع) في رواية الحلبي وصحيحي ابن مسلم وأبي بصير ان الكبائر ما أوجب الله عليها النار أي أوجبها بوعيده واستحقاق الفاعل لها. ونحو صحيحة ابن محبوب عن الكاظم (ع). وفي الدّر المنثور مما أخرجه ابن أبي حاتم وما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس نحوه. وذكر أيضا جماعة اخرجوا بطرق عن ابن عباس انه سئل عن الكبائر أسبع هي قال هي إلى السبعين اقرب. وذكر جماعة اخرجوا من طريق سعيد


وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعض

____________________________________

ابن جبير عن ابن عباس انه سئل عن الكبائر أسبع هي قال هي إلى سبعمائة اقرب منها إلى سبع غير انه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. ومن حكمة الله جلت حكمته في تكميل عباده وتهذيبهم وإصلاحهم ، ونظم جامعتهم ولطفه في منعهم عن سائر المعاصي وتدنيسها لهم ومن رحمته في ذلك ان أبهم الكبائر هنا لأن ذكرها يجترئ به الإنسان بسفاهته ومغالطة هواه على ارتكاب غيرها اتكالا على التكفير المذكور غفلة منه عن المأثور الذي يدل عليه العقل وهو انه لا صغيرة مع الإصرار. بل تكون من الكبائر. وقد أشار إلى ذلك الشيخ في التبيان. ومن حكمة هذا الإبهام والإجمال ان يكون داعيا ومشجعا للعبد على اجتناب المعاصي لأجل إحرازه لاجتناب الكبائر توسلا إلى تكفير ما عداها. وهذا نحو من الطاف الله بعباده في وعده وتعليمه - هذا وقد ذكر في الكافي والدّر المنثور كثيرا من أحاديث الكبائر. وفي جملة منها عدها سبعا وكثيرا ما تختلف الروايات في المعدود وابدال كبيرة بأخرى في الذكر. وفي جملة منها عدها تسعا. وفي بعضها اكبر الكبائر وعد منها ثمانيا وفي بعضها عد منها ثلاثا. وأنهاها في الدّر المنثور عن ابن عباس إلى ثمان عشرة ذاكرا للوعيد على آحادها من الكتاب والسنة. وفي صحيح الكافي عن عبد العظيم عن الجواد عن الرضا عن الصادقعليهم‌السلام عدّ منها تسع عشرة ذاكرا للوعيد عليها من الكتاب والسنة. ومن هذا كله يعرف ان ما ذكر من آحادها وعنوان بعضها إنّما ذكره كان باعتبار اقتضاء المقام أو بيان اكبر الكبائر. ولا يخفى ان الذي توعد الله عليه في الكتاب اكثر مما ذكر في الأحاديث. وهب انه احيط بما توعد الله عليه في القرآن الكريم لكنه لا يحاط بما ذكر الوعيد عليه بالنار والعذاب في كلام الرسول الأكرم فإن الكثير من كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله في مثل ذلك لم يصل إلينا لما جناه تداول الأيام واختلاف الأحوال( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً ) بضم الميم وهو المحل الذي يدخل فيه( كَرِيماً ) وأعظم بكرامته تمجيد الله له بالكرامة ٣٢( وَلا تَتَمَنَّوْا ) عين( ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ) من نعيم الحياة الدنيا فإن تمني ذلك من الحسد الذميم الباعث على الشرور. عن تفسير العياشي عن عبد الرحمن عن الصادق (ع) في الآية لا يتمنى الرجل امرأة الرجل ولكن يسأل الله مثلها أقول ولا يخفى ان ذكر امرأة الرجل من باب المثال الذي يتعين فيه ان المنهي عنه هو التمني لعين ما فضل الله به الغير من النعم. وفي الدّر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم


لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً

____________________________________

من طريق على عن ابن عباس في الآية لا يتمنى الرجل فيقول ليت لي مال فلان واهله : وفي نهي الآية وسوقها توبيخ كبير على غفلة الإنسان عما يتمتع به من النعم العظيمة وعن الله المنعم بها عليه وعن عظيم ملك الله وقدرته ، وجوده ، وحكمته ، فتطمح نفسه الخسيسة إلى خصوص ما عند غيره مما اقتضت حكمة الله ورحمته أن ينعم بها عليه فيتمناه لنفسه مع ان الله قادر على إعطائه مثله وخيرا منه. أفلا يجب على العبد أن يرغب إلى ربه وخالقه مالك الملك القادر المنعم الوهاب. وماذا ينال من التمني إلّا حسراته وخسة الحسد وآلامه( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ) من عطاء الله ونعمته وفضله( مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) وحصل لهم بالملك والجدة والاختصاص ولو بالإرث مثلا. وفي النهاية في الحديث أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وولده من كسبه. أو ان المراد اشارة إلى الغالب من ان الناس يسعون ويسترزقون الله فينعم الله عليهم بكسبهم. و «من» الجارة في «مما» في كلتا الجملتين وعلى كلا الوجهين هي بيانية لبيان النصيب فإن نصيبهم من عطاء الله هو كل ما اكتسبوه لا بعضه. فما بال الذين يركنون إلى أوهام الأماني وهي التي تجر إلى الشر واختلال النظام. يا ايها الذين آمنوا إلّا تعلمون ان الله هو خالقكم ورازقكم ارحم الراحمين واسع الرحمة ، والخزائن والفضل بيده الأمور فارغبوا إليه( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ ) ولا يزال( بِكُلِّ شَيْءٍ ) حتى تمنيكم الفاسد وحكمة اعطائكم وتفضيل بعضكم على بعض ومصالحكم ودعائكم ورغبتكم فيما عنده وتوكلكم عليه وتسليمكم لحكمته ومشيئته( عَلِيماً ) - ولا زال القرآن الكريم من أول السورة يستقصي ببيانه الشافي مهمات نظام العدل وتهذيب الأخلاق وحقائق الإصلاح الفردي والاجتماعي من الأمر بالتقوى وهي روح الإصلاح وقوامه إلى التذكير بالاخوة البشرية والخلق من نفس واحدة إلى رعاية الأرحام إلى رعاية اليتامى وأحكامهم وحفظ الوصاة بحفظ أموالهم وحسن معاملتهم والولاية عليهم إلى حقوق المواريث والوصايا واحكام النساء والعدل في معاملتهن إلى احكام النكاح وما فيها من الإرشاد إلى الأصلح. إلى رعاية العدل والحقوق إلى النهي عن سوء التمني لشخص ما أنعم الله به على الغير مع ما يقتضيه اللطف في كل مقام من الترغيب والترهيب والتوبيخ


(٣٣)وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ

____________________________________

والإنذار بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن هذا الاستقصاء الكريم إشارته جل اسمه إلى رعاية الأطراف من الأقارب في الميراث كالأجداد والأعمام والأخوال وان علوا وأولادهم وأولاد الاخوة والأخوات وان نزلوا فقال جل اسمه ٣٣( وَلِكُلٍ ) من صنفي الرجال والنساء( جَعَلْنا ) بحسب الخلقة وسنة الموت والبقاء وشريعة المواريث على العدل والحكمة( مَوالِيَ ) يرثونهم لأنهم الأولى بهم بحسب القرابة وبميراثهم بقاعدة الأقربين وان اولي الأرحام بعضهم اولى ببعض. أو بسبب الولاء ان لم يكن هناك أولو الأرحام( مِمَّا ) أي من الصنف الذي( تَرَكَ ) أباهم من الأقرباء( الْوالِدانِ ) إذا ماتوا قبل ولدهم وتركوا ممن يمت بهم وارثا للميت كالأجداد من ناحية الأب أو الأم. والأعمام أولادهم من ناحية الأب والأخوال أولادهم من ناحية الأم( وَ ) مما تركه( الْأَقْرَبُونَ ) كأولاد الاخوة والأخوات ونحو ذلك.

في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن الصادق (ع) في الآية عنى بذلك اولي الأرحام في المواريث فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجره اليه. إنتهى وفي الآية غير ما ذكرنا من التفسير والإعراب ولكن الظاهر منها هو ما ذكرناه( وَ ) من( الَّذِينَ عَقَدَتْ ) مولويتهم لكم( أَيْمانُكُمْ ) جمع يمين بمعنى القسم أو كما قيل بمعنى اليد اليمنى التي تعطى عادة عند العهد والاول اظهر. واخرج البخاري وابو داود وابن جرير والحاكم وفي الدّر المنثور عن غيرهم أيضا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجر الانصاري دون ذي رحمه للأخوة التي آخى رسول الله (ص) بينهم فلما نزلت هذه الآية ولكل جعلنا موالي نسختها ثم قال والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرفادة والوصية يوصى له وقد ذهب الميراث أقول وما ذكر في الرواية من النسخ ووجهه لا يكاد ان يستقيم فإنه ما كل إنسان جعل له موالي مما ترك الوالدان والأقربون لكي ينحصر الإرث بهم فينسخ بذلك ارث غيرهم ويكون الإرث بالاخوة من المنسوخ واما جعل الموالي للصنفين من الرجال والنساء فلا يدل على نسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار بسبب الاخوة لو كان لذلك حقيقة مضافا إلى ان الظاهر من النصيب هو الميراث لا ما ذكر في الرواية. واخرج أبو داود وابن جرير وعن ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر فنسخ ذلك في الأنفال فقال( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ


أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .وفي الدّر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنخاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس وذكر نحوه. ويعارض الروايات عن ابن عباس ما أخرجه أبو داود وعن ابن أبي حاتم عن ام سعد بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر أبي بكر ان قوله تعالى( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) نزلت في أبي بكر وأبيه عبد الرحمن حين ابى الإسلام فحلف أبو بكر ان لا يورثه فلما اسلم امره رسول الله (ص) ان يعطيه سهمه والحديث صحيح في اصطلاحهم. ومع ذلك فالروايتان المذكورتان عن ابن عباس في معنى الذين عقدت ايمانكم وفي الناسخ متعارضة في نفسها. على ان الميراث بالمؤاخاة لو كان له اصل لم يتوقف نسخه على هذه الآية لأنه منسوخ بأولى آيات المواريث وأساس قانون وهو قوله تعالى( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) . وان نظم هذه الآية وسوقها ليشهدان بأن حكم الذين عقدت الأيمان ولاءهم متأخر في الرتبة عن حكم اولي الأرحام والأقربين كما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه محتجين بالآية وبقوله تعالى فيها( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) . وفي اصول الكافي وعن العياشي في الصحيح عن ابن محبوب عن الرضا انه سأله عن الآية فقال (ع) إنّما عنى بذلك الأئمة (ع) بهم عقد اللهعزوجل ايمانكم إنتهى ولا يخفى ان اليمين تعقد عقدة مؤداها وعليه الآية ويعقدها الحالف وعليه قوله تعالى في سورة المائدة ٨٨( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) ويعقدها المستحلف آخذ الميثاق والآمر بالحلف وإعطاء العهد وعليه جاءت الرواية نظرا إلى ان يمين الولاء وميثاقه قد أخذها الله على العباد وامر بإعطاء عهدها والرواية ناظرة إلى المصداق العام لجميع المسلمين وغير نافية للمصداق الاتفاقي وهو الإرث بولاء النصرة وضمان الجريرة ومنه ولاء السائبة من المعتقين. ومعنى الرواية جار على مبدأ الأئمة من العترة أهل البيت في كونهم كرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اولى بالمؤمنين من أنفسهم على نهج حديث الغدير المتواتر وانهم داخلون في الميثاق المذكور في قوله تعالى في سورة آل عمران( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) إلى قوله تعالى( وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) كما تقدم في الجزء الأول ص ٣٠٣ حتى ٣٠٦ فإن قيل ان نزول هذه الآية كان قبل واقعة الغدير وما هو على نهجها ولفظ عقدتم فيها للماضي فلا يدخل فيها عهد الغدير وميثاقه - قيل - لا يلزم ان يكون المضي في القرآن الكريم باعتبار زمان النزول بل يأتي باعتبار أمر آخر مثل قوله تعالى في الآية الآتية( وَبِما أَنْفَقُوا ) وفي سورة المزّمل ٢٠( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ ) إذ ليس المراد ما تيسر قبل نزول السورة فإن سورة المزّمل


فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى

____________________________________

من أوائل ما نزل من القرآن حال كون الجل من المخاطبين لم يكونوا حينئذ من المسلمين ولم يعرفوا شيئا من القرآن بل المراد ما تيسر عند واجب القراءة. وقوله تعالى في سورة المائدة( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) : وعلى هذا المبدأ يكون الأئمة كرسول الله ورّاث من لا وارث له من أرحامه ومولى العتاقة. أخرج أحمد في مسنده وابو داود في جامعه والحاكم في مستدركه بأسانيد متعددة عن المقدام عن النبي (ص) انا وارث من لا وارث له ارثه واعقل عنه : أو افك عانية وأرث ماله كما في جامع أبي داود. وفي رواية انا ولي من لاولي له افك عنه وأرث ماله. وفي رواية أنا مولى من لا مولى له أرث ماله وأفك عنه. أو افك عانية كما في المستدرك وعلى ما ذكرناه اجماع أهل البيت والإمامية وحديثهم. واما ما جاء في الحديث من ان رسول الله (ص) أمر فيمن لا وارث له بإعطاء ماله لأهل بلده. أو لواحد من قبيلته أو لرجل من قبيلته كما في روايات أبي داود في جامعه فهو تنازل منه (ص) عن حقه كما روى الترمذي عن عائشة انه (ص) أمر بميراث مولاه لأهل القرية(١) كما روى في الوسائل عن الكافي والتهذيب عن علي (ع) في ميراث من لا وارث له انه كان يعطيه أو يأمر بإعطائه لأهل بلده. وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة عن الباقر والصادق والكاظم (ع) ان ميراث من لا وارث له من الأنفال المختصة بالرسول (ص) والإمام (ع) كما احصى روايته في الوسائل وعليه اجماع الإمامية ولئن روي عن بعض الأئمة (ع) انه لبيت المال فهو تنازل منهم عن حقهم لمصلحة الوقت( فَآتُوهُمْ ) تفريع على جعل الموالي المتقدم ذكرهم( نَصِيبَهُمْ ) من تركته إذ قد يكون معهم زوج أو زوجة أو وصية أو دين( إِنَّ اللهَ كانَ ) ولا يزال( عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ) لا يغيب عنه شيء فلا تخونوهم في نصيبهم الذي كتب الله واحذزوا من الله الشهيد ثم استثنى التعليم والإرشاد جلت الطافه في النظام العائلي وامر الأزواج في التأديب والإصلاح فقال جلت الطافه ٣٤( الرِّجالُ قَوَّامُونَ ) القوام كثير القيام. وقام على الشيء أي في تدبيره وإصلاح شؤونه ومنه القيم على اليتيم والمراد من المبالغة هنا دوام قيام الرجل على المرأة في شؤون إرشادها. وتأديبها وتثقيفها ما دامت معاشرة له. فهم قوامون بحسب ناموس الخلقة والفطرة والشريعة( عَلَى

__________________

(١) وفي كنز العمال ومختصرة في رواية الديلمي عن ابن عباس ان مولى لرسول الله (ص) توفى فقال (ص) انظروا همشهريا له فأعطوه ميراثه يعني من هو من أهل بلده


النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ

____________________________________

النِّساءِ ) بالاستحقاق والفضيلة لا تحكما بل بما اقتضته الحكمة في الخلق وحسن النظام وذلك( بِما فَضَّلَ اللهُ ) آلههم وخالقهم على الحكمة به( بَعْضَهُمْ ) أي بعض الرجال والنساء وهم الرجال بحسب النوع والغالب( عَلى بَعْضٍ ) أي النساء بحسب النوع والغالب من قوة المدارك وكمال الخلقة والأخلاق كما لا يخفى ذلك كله حتى ان المشرحين متفقون بحسب ما وجدوه بالتتبع على ان دماغ الرجل وقلبه اكبر من دماغ المرأة وقلبها في جميع الأدوار للقلب والدماغ وقد اقتضت حكمة الاجتماع والاشتباك في العشرة المدنية والتناسل والتربية ان يخلق الله هذين الصنفين من الإنسان على هذا الناموس لكي ينضوي الصنفين في كنف الآخر فتستحكم الروابط ويستوسق الارتباط. مع ان صفات كل من الصنفين هي النعمة بحسب ذلك الصنف فيما يراد منه في حياته الفردية والاجتماعية. وهي النعمة على مجموع النوع في بقائه وانتظام امره. فرب فضل لفاضل يعود بالنعمة على المفضول. ورب مفضولية هي نعمة على المفضول. فشرع للرجال أن يكونوا قوامين على من يرتبط معهم في العشرة من النساء بسبب فضل الرجال( وَبِما أَنْفَقُوا ) في شأنهن وعليهن( مِنْ أَمْوالِهِمْ ) وليس المراد ما مضى من الإنفاق قبل زمان النزول فإن الآية عامة لكل زمان بل المراد الاستلفات إلى ما يتمثل في الوجود من الإنفاق قبل ترتيب الآثار الثابتة للقيمومة من الإرشاد والتعليم والتأديب فإن الإحالة على واجب المستقبل أمر لا يمثل للأذهان فضيلة الإنفاق( فَالصَّالِحاتُ ) من النساء صلاحهن على الاستقامة فيما يراد منهن فهن( قانِتاتٌ ) أي مطيعات وفي تفسير القمّي عن رواية أبي الجارود قانتات أي مطيعات. واطلاق الصفة فضلا عن معنى القنوت يفيد الدوام وملكة الطاعة. وإن كان القنوت مختصا بطاعة الله فإن وصفهن بذلك يتكفل بكونهن مطيعات لأزواجهن على ما أمر الله به( حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ) الغيب كالغياب والغيبة مصدر غاب خلاف الشهود أي حافظات لغيبة الناس من ان يقع فيها ما لا يرضى الناس ان يقع فيها ولا ينبغي وقوعه فيها مما فيه توهين وغدر لحقوقهن اغتناما لفرصة غيابهم. والظاهر في تمجيدهن بالصفة كونها عن ملكة تعم غيب الناس وأزواجهن فإن ذلك هو المناسب لوصف الصالحات واثبت في حفظهن لغيب أزواجهن


بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ

____________________________________

في انفسهن وأموالهم ومالهم وغير ذلك من الحقوق. وفي الآية تنبيه على ان الغيب له حرمة ينبغي ان يحفظ فيها عن وقوع المنافي فيه( بِما حَفِظَ اللهُ ) أي بالنحو الذي حفظه الله في شريعته بأوامره ونواهيه وزواجره وما شرعه من الحقوق كما هو مفصل في القرآن الكريم وفي أبوابه من السنة من آداب الشريعة بل حتى الحقوق العرفية التي يريد الأزواج رعايتهم وحفظ شرفهم في حفظها دون ما جوزه الشارع مما يلزم من أداء الشهادة ولوازم نصح المستشير وأمثال ذلك فإنه ليس مما حفظ الله الغيب فيه. وقد ذكر في الآية تفاسير أخر وهذا هو الظاهر والأنسب( وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ ) اصل الارتفاع وكنى به هنا عن ارتفاع الزوجة بطغيانها عن طاعة زوجها وحقوقه وتباعدها بتمردها عن ذلك. ويكون ذلك بعد التدرج منها بالخروج عن الطاعة وحفظ حقوق الزوج وواجباته فتكون أوائل التدرج في ذلك منها باعمالها وأخلاقها منذرة ببلوغها مقام النشوز الوخيم ، والطغيان في الخروج عن الموافقة والاستقامة. وهذه الأوائل هي مقام الخوف الذي شرع الله فيه التدرج بالاستصلاح واذن فيه بقوله تعالى( فَعِظُوهُنَ ) بما يرجى تأثيره من أنحاء المواعظ من نحو الترغيب بثواب المطيعات لأزواجهن والإنذار بسوء عواقب المعصية ووبال النشوز وعقابه بما جاء في الكتاب والسنة بل حتى من التجارب عواقب النواشز وحسن حال المطيعات( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ ) في التبيان وقيل هو هجر المضاجعة وهو قول أبي جعفر (ع) وقال «يعني أبي جعفر الباقر «ع») يحول ظهره إليها : ونسبه في المبسوط إلى رواية أصحابنا أقول وهو الظاهر من الآية فإن المضاجع فيها ظرف للهجران لظهور كلمة «في» في الظرفية وان تحويل ظهره إليها مع ما يلزمه من عدم تكليمه لها هو الذي تتجلى منه ظواهر الهجران المؤلم للمرأة دون ترك الكلام معها مع إقباله عليها بمقاديم بدنه إذ يحتمل ان يكون ترك الكلام لفكر أو كسل أو نعاس ونحو ذلك. واما ذكره في الدّر المنثور عما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس «لا تضاجعها في فراشك» فإنه غير الهجران في المضاجع ولا يكون المضجع على هذا ظرفا للهجران نعم يمكن التكلف لتأويله بأن كلمة «في» للسببية داخلة على محذوف يئول إليه تأويل الكلام ولكن فيه من التكلف ومخالفة الظاهر ما لا يخفى. ولا يصح في الآية ما قيل من حملها على المعنيين المذكورين وذلك لما ذكرنا مرارا من ان اللفظ لا يجوز ان يجمع فيه بين المعنيين أو المعاني المتعددة. وفي


وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٥)وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما

____________________________________

الدّر المنثور ذكر عمن أخرج عن ابن عباس في معنى الهجران في المضاجع روايات متعددة متعارضة( وَاضْرِبُوهُنَ ) في التبيان وأما الضرب فإنه غير مبرح بلا خلاف إنتهى والمبرح هو ما يوجب المشقة والشدة والظاهر اتفاق المسلمين على هذا القيد وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص عن رسول الله (ص) في خطبته في حجة الوداع. وأخرجه ابن جرير عن حجاج عن رسول الله (ص). ورواه في الدّر المنثور عما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أقول ويلزم ذلك ان لا يكون الضرب مدميا ولا كاسرا بل ولا في المواضع التي هي معرض للخطر وسوء الأثر. وفي التبيان قال أبو جعفر يعني الباقر (ع) بالسواك واخرج ابن جرير عن عطا عن ابن عباس بالسواك ونحوه ولعل المراد بعود مثل عود السواك. وكيف كان فلا تصلح الروايتان من حيث سندهما لتقييد الضرب في الآية نعم يكفي في تقييدها الإجماع على ان لا يكون مبرحا. والمعلوم من الآية كون الضرب للتوصل إلى إصلاح المرأة وانابتها إلى الطاعة فيلزم الاقتصار على اقل ما يرجى به حصول الغرض كما وكيفا ويتدرج فيه ما لم يحصل اليأس من تأثيره. وكذا الكلام بالنسبة إلى التدرج في الوعظ إلى الهجران إلى الضرب والجمع بين بعضها وبينها. والآية الكريمة زعيمة ببيان هذه التفاصيل ببيان ان ذلك لأجل التوصل إلى التأديب والاستصلاح والطاعة بقوله تعالى( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ) فيما تجب فيه طاعة الزوجات( فَلا تَبْغُوا ) ولا تتطلبوا( عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) بتشبثات التهم وسوء الظن وتكليف القلوب فوق ما تقتضيه الأحوال فإنكم مأمورون بمعاشرتهن بالمعروف وبعض الظن اثم وامر القلوب بيد الله( إِنَّ اللهَ كانَ ) ولا يزال( عَلِيًّا ) في عدله واحكامه وحكمته( كَبِيراً ) في جلاله لا يكلف فوق الطاقة ولا يهمل ارشاد عباده في نظام اجتماعهم وتعليمهم. وسيأتي إن شاء الله في أواخر السورة ما يعود إلى خوف المرأة من نشوز الزوج واعراضه وحكمة إصلاحه ٣٥( وَإِنْ خِفْتُمْ ) يا ايها الذين تعنيهم شؤون الزوجين بسبب الروابط والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس عند ظهور المنافرة بين الزوجين وخشيتهم من عاقبة ذلك( شِقاقَ بَيْنِهِما ) باستمرار الخلاف بحيث ينشق ائتلافهما إلى شقين متباينين في


فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً

____________________________________

العداوة والبغضاء( فَابْعَثُوا ) الخطاب في الآية بصيغة الجمع وليس في عصر الخطاب من له ولاية الحكم الشرعي إلّا واحد وهو رسول الله (ص) فمقتضى ظاهرها ان بعث الحكمين عند خوف الشقاق لا يختص بمن له الولاية العامة. وعن تفسير العياشي وفي الدّر المنثور عن عبيدة السلماني أن امير المؤمنين علي «ع» أمر الفئامين الذين جاءا مع الرجل والمرأة أن يبعثوا حكما من اهله وحكما من أهلها ولم يكن «ع» هو المتصدي للبعث. نعم من يكون له الولاية بسيطرته منفذا لأحكام التحكيم كما في سائر الأحكام الشرعية. لكن في التبيان أن المأمور ببعث الحكمين هو السلطان الذي يترافعان اليه. وجعله أصح الأقوال. وفي المسالك انه قول الأكثر. وفي مجمع البيان وهو الظاهر في الاخبار عن الصادقين «ع» وفي كنز العرفان وهو المروي عن الباقر والصادق «ع» وهو الأصح لأن أول الكلام في «خفتم» يدل عليه أقول اما الرواية عن الباقر والصادق «ع» فلم اعثر على اثر لها بل لعل المستفاد مما سنشير إليه من الروايات خلافه. واما الخطاب في «خفتم» فيدل على خلاف ما ذكره كما ذكرناه( حَكَماً ) الحكم هو من ينصب للتحكيم( مِنْ أَهْلِهِ ) أي من أهل الزوج( وَحَكَماً ) آخر( مِنْ أَهْلِها ) وذكر الأهل لأنهم اقرب إلى الاطلاع على الخفايا ومناهج الإصلاح. والظاهر عدم الانحصار بهم خصوصا مع عدمهم أو عدم صلاحيتهم لذلك ولا بد من كون الحكم بحسب حكمة الآية صالحا للكفاية في المقام بحسب ذاته واهتدائه لما يراد فيه مكلفا عاقلا مسلما إذا كان الزوجان مسلمين أو كان أحدهما مسلما. وفي اعتبار العدالة شك نعم يعتبر الاطمئنان بامانتهما في المقام واما الذكورة والحرية فالإطلاق ينفي اشتراطهما في المقام. وقد استفاض الحديث في ان حكمهما بالفراق موقوف على اذن الزوجين أو اشتراط الحكمين عليهما واتفاق الحكمين كما في موثقة سماعة عن الصادق «ع» وموثقة ابن مسلم عن أحدهما «ع» وصحيحة الحلبي وروايتي أبي بصير عن الصادق «ع» والبطائني عن الكاظم «ع» وعلى ذلك ما أشرنا إليه من رواية عبيدة السلماني عن امير المؤمنين (ع). وان اشتراط الاذن من المرأة واجتماع الحكمين في الفراق جار على الغالب في المقام من كونه بالخلع والمباراة ومن هنا يؤخذ انه لا يمضي إسقاط الحكمين لحقوق أحد الزوجين أو كليهما إلّا باذنه أو إذنهما. نعم يحكمان بما يقتضيه نشوز أحدهما أو كليهما من الأحكام الشرعية فينفذ الحاكم ذلك بسيطرته ان لم يتيسر لهما إصلاح الزوجين( إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً ) الظاهر من السياق كون


يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٦)وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً

____________________________________

الضمير عائدا إلى الحكمين فإن أرادا إصلاح شأن الزوجين وكان ذلك من نيتهما لا ميل كل واحد لجانب( يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما ) ويجمع رأيهما على الصواب( إِنَّ اللهَ كانَ ) ولا يزال( عَلِيماً ) بحقائق الأمور وحكمتها( خَبِيراً ) بالسرائر والنيات. ثم شاء الله ان يواصل لطفه على الإنسان بهدايته إلى اسباب السعادة وصالح الأعمال ومكارم الأخلاق وحسن السلوك في الحياة الدنيا والقيام بحقوق النوع. وصدّر ذلك بأفضل الأوامر وأساس النجاة وروح الصلاح وجامع الهدى فقال جلت آلاؤه ٣٦( وَاعْبُدُوا اللهَ ) إلهكم يا أيها الناس( وَلا تُشْرِكُوا بِهِ ) في العبادة( شَيْئاً ) وهذا النهي بمنزلة التفسير للأمر المعطوف عليه فإن عبادة الله لا تستقيم لها حقيقة مع الإشراك به في العبادة وقد تقدم بعض البيان لمعنى العبادة في الجزء الأول ص ٥٧ حتى ٥٩ وحاصل الأمر هنا استشعروا مظاهر الخضوع لله إلهكم بالخضوع الذي يوفى به حق امتياز الله إله العالمين بالإلهية. ويقرب ان ينظر في معنى العبادة إلى طاعة الله إله العالمين في أوامره ونواهيه باعتبار الخضوع لمقام إلهيته بالطاعة والإذعان لان الطاعة هي باب السعادة في الدارين وينظر بالشرك هنا إلى ما يعم مخالفة الله بالاتباع للهوى والانقياد للشيطان فإن ذلك وإن لم يوجب منه محض المعاصي في الأعمال كفرا وخروجا عن الدين لكنه خلل في حق الخضوع لله ومقام إلهيته على حد قوله في سورة يس( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) ( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) أي أحسنوا إحسانا نائب عن فعله في الدلالة على الأمر والتأكيد في الإغراء بالإحسان يقال احسن إليه وأحسن به كما يقال أساء إليه وأساء به كما في قول كثير : -

اسيئي بنا أو احسني لا ملومة

لدينا ولا مقلية ان تقلت

وقد تكرر قوله تعالى في الوصية بالوالدين( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) كما في سورة البقرة ٨١ والأنعام ١٥٠ والاسراء ٢٢. وإن قول القائل احسن به وبالوالدين إحسانا يدل على دوام الإحسان وعدم الإساءة. وذلك لأن معناه جعل فعله به حسنا وإحسانا ومعنى الآية وأحسنوا بالوالدين فعلكم معهم. وهذا الوجه ظاهر من شعر كثير وان كان في استعمال


وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ

____________________________________

القرآن الكريم اظهر. بخلاف احسن إليه فإن معناه أو صل إليه إحسانا وهو يجتمع مع انقطاع الإحسان. وهذا هو السر في دوام تعبير القرآن الكريم في الوصية بالوالدين بهذه العبارة المذكورة في الآية( وَبِذِي الْقُرْبى ) والرحم( وَالْيَتامى ) فإنهم مورد الرحمة والرأفة والإحسان( وَالْمَساكِينِ ) وهم الفقراء مع ضعف يرثى فيه لحالهم. ولا يخفى ما في الإحسان بهؤلاء المذكورين من الأهمية في كرم الأخلاق والرحمة والاسعاف والقيام بالواجب( وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ ) بضم الجيم والنون. وفي الدّر المنثور ذكر جماعة اخرجوا من طرق عن ابن عباس في قوله تعالى( وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ) يعني الذي بينك وبينه قرابة.( وَالْجارِ الْجُنُبِ ) يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة. وعن تفسير العياشي عن ابن عباس نحوه. فيكون التكرار لذي القربى باعتبار امتيازه بحق الجوار ايضا. قال في الكشّاف وانشدوا لبلعان أو بلعاء بن قيس : -

لا يجتوينا(١) مجاور ابدا

ذو رحم أو مجاور جنب

وفي المصباح عن بعض اللغويين أن الجنب بمعنى الأجنبي وهو ظاهر القاموس. ومقتضى القاموس والمصباح أن القربى كالقرابة مختصة بالقرب في الرحم لا في المكان لكن في الكشّاف اختار تفسير الآية بالذي قرب جواره والذي جواره بعيد. وفي مختصر التبيان نوع اضطراب وأظنه من الاختصار أو الناسخ واقتصر في مجمع البيان على نقل الأقوال( وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ) بفتح الجيم وسكون النون في القاموس هو شق الإنسان وغيره. وفي الدّر المنثور ذكر من أخرج عن ابن عباس انه الصاحب في السفر. ومن أخرج عن علي (ع) انه امرأة الرجل ومن أخرج عن ابن مسعود وابن عباس مثله أقول ولا مانع من شموله للأمرين ويشهد لذلك روايتهما معا عن ابن عباس وكذا من يصاحبه في الحضر بجنبه ماشيا أو جالسا. وفي التبيان نسب الأمرين إلى القيل وقال وقيل هو المنقطع إليك رجاء رفدك وقيل انه جميع هؤلاء وهو أعم فائدة وتبعه على ذلك في مجمع البيان وزاد فيه الخادم الذي يخدمك كما اختار العموم أقول إن إدخال المنقطع رجاء الرفد إذا لم يكن له صحبة إلى الجنب في الخارج يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في الاستعمال( وَابْنِ السَّبِيلِ ) وهو المنقطع به في سفره عن مدد قومه

__________________

(١) من اجتوى البلاد إذا كرهها واستوخمها أو لم يوافقه ماؤها وهواؤها


وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٧)الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٨)وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ

____________________________________

ووطنه وموارد نفعه ورفع احتياجه وفي تفسير القمّي أبناء الطريق الذين يستعينون بك في طريقهم وفي التبيان المسافر وقيل هو الضيف وقال أصحابنا يدخل فيه الفريقان قلت كما يعرف ذلك من مباحث الزكاة( وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) يعني العبيد والإماء كما في التبيان. وان وجوه الرجحان للإحسان بالذين ذكروا لهي راجحة في سنن الأخلاق الفاضلة والنفوس المهذبة ولا يدخل فيها ما هو معصية لله أو يستلزم إساءة إلى شخص آخر. وقد كبر شأن الإحسان بهؤلاء المذكورين إذ قرن وصيته به بالوصية بعبادته وعدم الإشراك به. ولعمر الحق ان هذه الأمور الموصى بها لمما تنادي به الفطرة وتهتف به الحجّة ويشهد بها الوجدان وتحث عليه الفضيلة ، وتبعث عليه الأخلاق الفاضلة والعاطفة الصالحة ولا يحيد عنها إلّا من أعجبته نفسه الساقطة بخيلائها الممقوت واستكباره التعيس ، فيكون مختالا بغروره استكبارا ، فخورا من عجبه بنفسه بما ليس فيه قد اغفله ذلك عن انه عبد مخلوق مربوب لإله واحد قهار ، واغفله أيضا عما يراد منه مما فيه سعادته وارتفاعه من حضيض النقص( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً ) باستكباره وعجبه بنفسه وما زينه له جهله المركب ،( فَخُوراً ) بالموهومات وهو غريق في ضعة الجهل والنقصان وويل لمن كان الله لا يحبه وكفى بذلك مقتا وشقاء ٣٧( الَّذِينَ ) من لؤمهم وشقائهم الذي جره إليهم ضلال استكبارهم وعجبهم بأنفسهم( يَبْخَلُونَ ) بما آتاهم الله من فضله في موارد السماحة ومكاسب الفضيلة بطاعة الله ومحاسن الإنفاق من مال الله( وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) من مال أو علم ومنه العلم بنبوة رسول الله وصفاته( وَأَعْتَدْنا ) بما أحضرنا مصداقا للوعيد بما يستحق من العذاب( لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ٣٨وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ) إذ سنح لهم ان ينفقوا شيئا أنفقوه لا طاعة لله ولا لحسن الإنفاق في مورده بل( رِئاءَ النَّاسِ ) ولأجل ذلك وقد ذكر معنى الرئاء في الجزء الأول ص ٢٣٤( وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) يوم المعاد وقد اسلسوا قيادهم


وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٩)وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ

____________________________________

للشيطان باتباعه حتى طمع فيهم فلا ينفك في الغواية وصار بسوء اختيارهم قرينا لهم لدوام اغوائه لهم أعاذنا الله منه( وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ ) هذا القرين المشوم المهلك بقبائح غوايته وخسة اقترانه( قَرِيناً ) فهل ترى الشيطان يقف في غوايته للإنسان على حد. إلّا تراه يرديه في أقبح الكفر والنفاق وقبايح الأعمال أفلا ترى انقياد بعض الناس لغوايته إلى اخس الأحوال وأقبحها واشنعها. وكلمة «الذين» في الآية السابقة بدل من «من» في قوله تعالى من كان مختالا. ودعوى انها مرفوعة أو منصوبة على الذم تحتاج إلى شاهد من تغير صورة الإعراب ولا شاهد. ودعوى انها مبتدأ وخبره محذوف كما في الكشّاف وتفسير الرازي تحتاج إلى قرينة وداع لما قدّراه فضلا عن كونه تكلفا بعيدا عن كرامة القرآن. ودعوى ان الخبر قوله تعالى( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ ) الآية كما ذكره في التبيان ومجمع البيان تحتاج إلى رابط مع أن الآية التي جعلوها خبرا تخرج عن تمجدها؟؟؟ العام إلى محل لا تصلح له واين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر من قوله تعالى( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ) الآية ٣٩( وَما ذا عَلَيْهِمْ ) من الوبال أو الخسران أو النقص أو سوء العاقبة أو غير ذلك من المحاذير( لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أليس الايمان بالله دين الفطرة ونور المعلومة وسناء الحجّة القيمة. وان الإيمان باليوم الآخر لمن اسمى المعارف الموصولة إلى الحقائق وحق الايمان بذلك زعيم بنوع من تهذيب الإنسان وتكميله وحسن اجتماعه مع نوعه بما يشعر به من الرغبة والرهبة. ذلك اليوم الذي بشر وانذر به الأنبياء الذين قامت الحجج على نبوتهم وعصمتهم والكتاب الكريم الذي حفته الأدلة على انه منزل من الله بل انه بنفسه من وجوه متعددة هو الحجّة على ذلك( وَ ) ماذا عليهم لو( أَنْفَقُوا ) كما أمرهم الله وحكمت العقول مع ذلك بحسنه ومنه الإنفاق في الموارد المذكورة( مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ) أفلا يعتبرون بأن الإنسان يولد طفلا لا يملك لنفسه شيئا فيتقلب في جميع أدوار حياته في نعم الله ورزقه وقد يصير ذا مال وثروة طائلة فهل من قدرته إنزال اللبن لرضاعه ونمو الزرع والغرس ونتائجهما وسلامة ذلك من الآفات. أم من قدرته انتاج الحيوان الذي ينتفع به أم بيده أرباح المكاسب أفلا يعتبر بأنه كم من كادح في كسبه لم يربح إلّا الخسران والإملاق وكم من ذي ثروة عاد


وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٤٠)إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً

____________________________________

بالرغم عليه فقيرا. أفلا يشعرون بان ما في أيديهم هو رزق الله من خزائن رحمته التي لا تنقص فلما لا ينفقون كما أمرهم الله ويطلبون منه الثواب المضاعف والخلف( وَكانَ اللهُ ) ولا يزال( بِهِمْ ) في أمر ايمانهم وإنفاقهم ونياتهم وجميع شؤونهم( عَلِيماً ) يجزيهم جزاءهم ٤٠( إِنَّ اللهَ ) الغني القدوس المتعال( لا يَظْلِمُ ) الظلم معروف ويتعدى إلى مفعولين يقال ظلمه حقه وماله( مِثْقالَ ) أي ثقل ووزن( ذَرَّةٍ ) ذكروا أن الذرة هي أصغر النمل وفي مجمع البيان والكشاف وقيل هي جزء من اجزاء الهباء في الكوة من اثر الشمس. وهذا أقصى ما يعرفه بالحسّ نوع الناس من الصغر لضرب المثل( وَإِنْ تَكُ ) أي تكن ويطرد في مثل هذا حذف النون( حَسَنَةً ) بالنصب لأنها خبر. والحكم المذكور وفائدة الكلام إنّما هي باعتبار الخبر وعنوانه فلذا اعتبر الاسم المقدر مؤنثا لأن الحكم إنّما هو لما يتحد مع الخبر كما في قوله تعالى( «فَإِنْ كُنَّ نِساءً ) .( وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً ) .( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ) .( فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ» ) أي وإن تكن التي بمقدار الذرة حسنة. وفي مجمع البيان وان تك زنة الذرة حسنة. ويدفعه ان الزنة والمقدار ليس هي الحسنة بل هي المقدر وزنه بزنة الذرة. وكذا قول الكشّاف وان يك مثقال ذرة حسنة وانّما انّث ضمير المثقال لأنه مضاف إلى مؤنث إنتهى ويدفعه مضافا إلى ما ذكرناه ان تأنيث المضاف باعتبار المضاف إليه شاذ لا يناسب كرامة القرآن على ان الاعتبار لا يساعد على تأثير المضاف إليه المحذوف هذا الأثر. وفي التبيان «وان تك فعلته حسنة» وهو جيد يرجع إلى ما ذكرناه والعجب من مجمع البيان إذ لم يذكر هذا الوجه الوجيه مع انه لا يغادر شيئا من التبيان لا يذكره( يُضاعِفْها ) بما يشاء من المضاعفة. والمضاعفة هي ان يزاد على الشيء مثله في المقدار أو أمثاله. ومضاعفة الحسنة هي ان يعتبرها الله برحمته للواسعة في مقام الجزاء بمقدار ضعفها أو أضعافها أي يضاعف جزاءها. وفي سورة البقرة ٢٤٤ أضعافا كثيرة( وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ ) من فضله العظيم ورحمته الواسعة على الحسنة بمقدار الذرة( أَجْراً عَظِيماً ) بحسب ما يشاء من المضاعفة ويجعل الكل بعنوان الأجر تكريما للمطيع ، وإكمالا لابتهاجه. فويل للذين لم يعبدوا الله وأشركوا به. ولم يتبعوا سبيل الرشاد في امتثال أوامره ونواهيه بعد ما قامت عليهم الحجج في الدنيا وانقطعت المعاذير.


(٤١)فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤٢)يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً

____________________________________

وما أعظم حسرتهم وأسوأ حالهم يوم الحساب ٤١( فَكَيْفَ ) حالهم( إِذا جِئْنا ) يوم القيامة( مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ) أرسل إليهم رسول أو قام فيهم نبي أو امام هدى( بِشَهِيدٍ ) يشهد عليهم في ذلك المحشر العظيم بأنه قد بلغهم وبشر وانذرهم وأقام لهم الحجج وقطع المعاذير وأظهر دين الحق ونصر دلالة العقل عليه وحفظ لهم احكام الشريعة. ولا حاجة في ذلك اليوم إلى الشهيد ولكن يؤتى به عليهم زيادة في خزيهم ببيان ما كانوا عليه من البغي والعناد للحق لحسرة ندامتهم جزاء بما كانوا يكسبون( وَجِئْنا بِكَ ) يا رسول الله( عَلى هؤُلاءِ ) الذين كانوا موجودين حين النزول( شَهِيداً ) تعلن ما جئتهم به في دار الدنيا من الحجج على دعوتك الصالحة وما قمت به احسن قيام في التبليغ والإنذار والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وما قاسيته منهم من عناد الضلال وشدة الأذى وتألبهم عليك مجاهرة ونفاقا. وفي رواية الكافي وسعيد بن عبد الله ما يعطي ان المراد من «هؤلاء» في الآية هم الشهداء على الأمم ورسول الله شهيد عليهم. لكن في الروايات ضعف. وفي تفسيرها للآية إشكال وفيما ذكر في تفسير البرهان من روايات العياشي نوع معارضة لها ٤٢( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ ) فيما جاءهم به من الله ومن الدين والشريعة( لَوْ (١) تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ) أي تكونون ترابا وجزءا منها فتسوى بهم وتكون سواء لا يمتازون عنها بوجه( وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً ) يقال كتمت زيدا الحديث والخبر. وقد اختلفت كلمات المفسرين كما ذكره في التبيان ومجمع البيان فمنها ما يؤدي إلى أن الجملة وعدم كتمانهم للحديث داخلة فيما يودونه يومئذ ومعطوف على جملة لو تسوى. وهو مؤدى ما في الدّر المنثور في ذكر ما أخرج عن ابن عباس في السؤال عن هذه الآية. ومنها أن الجملة معطوفة على جملة «يود» وعليه ما صححه الحاكم في المستدرك عن حذيفة ثم عقبة بن عامر الجهني وأبي مسعود الأنصاري بسماعهم من فم رسول الله (ص) ومنها لا يكتمون الله في جوارحهم كما في الدّر المنثور عن ابن عباس بل وما صححه الحاكم

__________________

(١) قد ذكرنا الكلام في «لو» بعد «يود» في الجزء الأول ص ١٠٩ و ١١٠


(٤٣)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ

____________________________________

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : وعن العياشي عن مسعدة بن صدقة عن الصادق عن أبيه عن جده قال قال امير المؤمنين في خطته يصف هول القيامة ختم الله على الأفواه فلا تكلم وتكلمت الأيدي وشهدت الأرجل ونطقت الجلود بما عملوا فلا يكتمون الله حديثا. فالراجح كما هو الصواب كون الجملة معطوفة على جملة «يود» أو مستأنفة ٤٣( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) أخرج الترمذي في تفسير جامعه عن عطا عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي امير المؤمنين (ع) قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله وذكر الآية. وأخرج أبو داود في كتاب الأشربة بسنده عن سفيان عن عطا عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي (ع) أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فأمّهم علي في المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلّط فيها فنزلت الآية. وأخرج الحاكم في تفسير المستدرك بسنده عن سفيان عن عطا عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي (ع) دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر فحضرت صلاة المغرب فتقدم رجل فقرأ قل يا أيها الكافرون فالتبس عليه فنزلت الآية. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفيه فائدة كبيرة وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى امير المؤمنين علي دون غيره وقد برأه الله منها فإنه روى هذا الحديث. وفي الدّر المنثور أخرج عبد بن حميد وابو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه عن علي قال صنع لنا عبد الرحمن طعاما إلى آخر المتن الذي رواه الترمذي. وقد سمعت روايتي أبي داود والحاكم ولم أطلع على رواية الباقين ممن ذكرهم السيوطي لكي أعرف خطأه في النقل عنهم كما أخطأ في النقل عن أبي داود والحاكم(١) وأخرج ابن جرير وفي الدّر المنثور عن ابن المنذر عن علي (ع) أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ قل يا أيها الكافرون

__________________

(١) وصاحب المنار تبع السيوطي في هذا الخطأ أو فقال في تفسيره (روى أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه صنع لنا عبد الرحمن إلى آخر ما ذكره الترمذي. ولم أجد أثرا لهذه الرواية في مجتبى النسائي


فخلط فيها. وفيه أيضا أخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال نزلت في أبي بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد صنع لهم علي طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا ثم صلى علي بهم المغرب فقرأ قل يا أيها الكافرون حتى خاتمتها فقال ليس لي دين وليس لكم دين فنزلت الآية. وأخرج أحمد والترمذي وابو داود والنسائي وفي كنز العمال ومختصره ذكروا أيضا جماعة ممن أخرجوه أيضا عن عمر لما نزل تحريم الخمر قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا فنزلت الآية التي في البقرة فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في النساء يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الآية وفي الدّر المنثور في آية المائدة أخرج ابن المنذر عن محمد ابن كعب القرضي وذكر حديثا فيه ثم أنزلت التي في النساء بينا رسول الله «ص» يصلي إذ غنى سكران خلفه فانزل الله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الآية. وإنك لتعرف سقوط الرواية وانها من جنايات الأهواء إذا نظرت إلى الروايات الست المتقدمة واختلافها واضطرابها(١) وإلى نسبة السيوطي وصاحب المنار متن الترمذي إلى رواية أبي داود والنسائي والحاكم وتزيد بصيرة إذا عرفت ما في تهذيب التهذيب عن الواقدي من أن أبا عبد الرحمن السلمي عبد الله ابن حبيب شهد مع علي صفين ثم صار عثمانيا أي معاديا لعلي ومواليا لمعاوية وجرى اصطلاحهم على ان مثل هذا في عداوة علي وموالاة معاوية يسمى عثمانيا. ومما يدل على معاداته لعلي ما أخرجه أحمد في مسند علي برجال الصحة عندهم عن سعد بن عبيدة قال تنازع أبو عبد الرحمن السلمى وحبان بن عطية فقال أبو عبد الرحمن قد علمت ما الذي جرّأ صاحبك «يعني علياعليه‌السلام » قال حبان فما هولا أبا لك قال وذكر عن علي «ع» حديث طلبه للمرأة التي كتب معها حاطب بن بلتعة إلى قريش يخبرهم بان رسول الله يريد ان يغزوهم فأراد عمران يضرب عنق

__________________

(١) ففي حديث الترمذي أن صاحب الدعوة والطعام والشراب هو عبد الرحمن بن عرف وإمام الجماعة هو علي (ع) والتخليط هو نعبد ما تعبدون. وفي حديث أبي داود أن صاحب الدعوة رجل من الأنصار وعبد الرحمن مدعو وإمام الجماعة علي. وفي حديث أن صاحب الدعوة رجل من الأنصار ولم يذكر اسما. وفي حديث ابن جرير لم يذكر دعوة وذكر أن إمام الجماعة هو عبد الرحمن ولم يذكر تخليطه. وفي رواية عكرمة أن صاحب الدعوة هو علي (ع) وهو إمام الجماعة وأن التخليط لم يكن في قراءة السورة بل بعدها وهو ليس لي دين وليس لكم دين. ومقتضى حديث عمران هذه الاية نزلت بعد تحريم الخمر وفي روايتي أبي داود والحاكم أن الخمر عند نزوله لم تكن محرمة. فانظر وتعجب!


حاطب فقال له رسول الله (ص) لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة الحديث فإنه لا يفد على هذه الجرأة على امير المؤمنين (ع) إلّا من كان معاديا له يقول في شأنه المقدس انه يجترئ على الكبائر اغترارا بكونه بدريا

ثم نقول في امالي الصدوق بسند معتبر عن الصادق (ع) قال قال رسول الله (ص) أول ما نهاني عنه ربي جل جلاله عبادة الأوثان وشرب الخمر الحديث وفي الدّر المنثور أخرج البيهقي في الشعب عن علي (ع) سمعت رسول الله (ص) يقول لم يزل جبرائيل ينهاني عن عبادة الأوثان وشرب الخمر الحديث وأخرج البيهقي عن أمّ سَلَمة ان رسول الله (ص) قال كان من أول ما نهاني عنه ربي وعهد إلي بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال. وفي كنز العمال ومختصره عن الطبراني عن أبي الدرداء وعن معاذ عن النبي (ص) نحوه وعن أبي نعيم في الدلائل عن علي (ع) قيل للنبي هل عبدت وثنا قط قال (ص) لا ، قالوا هل شربت خمرا قط قال لا ، وفي الكافي والتهذيب وعيون الصدوق وعلله عن علي بن إبراهيم عن الريان وفي التفسير عن ياسر الخادم عن الرضا (ع) ما بعث الله نبيا قط إلّا بتحريم الخمر. وفي الكافي والتهذيب في الصحيح عن زرارة عن الصادق (ع) ما بعث الله نبيا قط إلّا وفي علم الله انه إذا أكمل دينه كان فيه ترحيم الخمر ولم تزل الخمر حراما وانّما ينقلون من خصلة إلى خصلة ولو حمل ذلك عليهم جملة لقطع بهم دون الدين. ونحوه ما في الكافي والتهذيب عن إبراهيم اليماني عن الصادق (ع). وما في الكافي عن زرارة عن الباقر (ع) والمعنى أن الخمر لم تزل حراما عند الله وفي كل دين ولكن قد يستفحل الضلال وحكم الجاهلية في الأمم إلى أن يروها حلالا فإذا بعث الله نبيا آخر قد لا يفاجئهم في أول نبوته وتبليغه بتحريمها لأن الحكمة تقتضي أن يتدرج معهم في بيان المحرمات ببيان خصلة خصلة ولو حملهم دفعة على ترك جميع المحرمات لما انقادوا إلى الدين ولقطع بهم دونه. ويشهد تدرج القرآن الكريم ببيان أن فيها إثما كبيرا وإثمها اكبر مما يزعمه الناس كما مضى في سورة البقرة وانها رجس من عمل الشيطان ليوقع بها العداوة والبغضاء بينهم. كما في سورة المائدة. وما كان كما ذكرناه لا بد من ان يكون النبي عالما بتحريمه من أول الأمر ولا بد في كماله وعصمته وأهليته للنبوة ودعوتها من أن لا يكون مدة عمره الشريف قد لوث قدسه بشربها قبل النبوة وبعدها. اذن فمن تربى بتربية رسول الله (ص) ونهج من صغر سنه نهجه وتأدب من طفوليته بآدابه وآمن برسالته من أولها وكان أطوع له (ص)


من ظله كيف يقال في شأنه انه كان يشرب الخمر امّ الخبائث والموقعة في الفواحش والسالبة للعقل وشرف الإنسانية والملحقة للإنسان بمجنون الوحوش.

وايضا ان الإنسان إذا سكر وعربد ظهر عليه في هذيانه ما كان مطويا في نفسه من عادياته ومألوفاته ومرتكزات مخيلته ، ومكتومات خواطره في الحب والبغضاء. وأن مثل امير المؤمنين (ع) إذا عربد ظهر مرتكزات ذهنه وآثار عاداته ومألوفاته وما نشأ عليه من أوائل شعوره من بغض الأوثان وتسفيه عبادة الجاهلية والشرك فيقول وينادي لا اعبد رجس الأوثان. سفها لكم ايها المشركون لا اعبد الحجر والخشب المنحوت وكيف اجعل من ذلك آلهة مع الله وكيف أكون من المشركين وينشد ما قاله أبوه أبو طالب

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا

ولكن قصاص الرواة قد نسبوا لقدس رسول الله في مناكير رواياتهم ما هو اشنع من ذلك رووا أنه (ص) - وحاشا قدسه - قرأ في مكّة بمحضر قريش سورة النجم ولما تلا( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) قال على الأثر تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ونسبوا لقدس جميع الأنبياء والرسل إذا قرءوا القى الشيطان في قراءتهم مثل خرافة الغرانيق وفسروا بذلك قوله تعالى في سورة الحج المدنية وما من نبي ولا رسول إلّا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته. وتتابعت على ذلك جملة من التفاسير كما أشرنا إليه في الجزء الأول من كتاب الهدى ص ١٢٣ - ١٢٨ ولينظر على الأقل إلى ما ذكره في الدّر المنثور في الآية المذكورة من سورة الحج. ولم تترك بعض الروايات قدس رسول الله (ص) بدون ان تلوثه بالخمر ففي الدّر المنثور عن تميم الداري انه كان يهدى لرسول الله (ص) كل عام راوية من خمر فلما كان عام حرمة الخمر جاء برواية فلما رآها رسول الله (ص) ضحك الحديث(١)

__________________

(١) وزيد على ذلك بالنسبة لأمير المؤمنين (ع) فقد ذكر السيد الرضي في حقائق التأويل عن كتاب أبي الحسن الكرخي في كتاب الاشربة من مختصره حيث قرأه على القاضي عبد الله بن محمد الاكفاني وأجاز له روايته عن مصنفه بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى «صاحب امير المؤمنين وخاصته من أهل الكوفة» قال شربت عند علي بن أبي طالب نبيذا فخرجت من عنده عند المغرب فأرسل معي قنبر مولاه يهديني إلى بيتي إنتهى فذكرت الرواية الظالمة الضالة بذلك ان امير المؤمنين (ع) بعد تحريم الخمر وفي ايام خلافته يسقي بعض خواصه في بيته نبيذا يسكره بحيث


ومقتضى روايات الدّر المنثور عن ابن عباس ان آية( وَأَنْتُمْ سُكارى ) نسختها آية( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) وفي رواية آية الوضوء وفي اخرى انها قبل أن تحرم الخمر وأن المراد سكر الخمر. ولكن ذكر ان عبد بن حميد أخرج عن ابن عباس أنه قال النعاس ويشبه أن يكون من ذلك ما أخرجه البخاري عن أنس عن رسول الله (ص) إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول وفي الكافي في الموثق عن الصادق (ع) سئل عن الآية فقال سكر النوم. وفي الصحيح عن الباقر (ع) يعني سكر النوم وروى العياشي عن الباقر (ع) نحوه. والسكر ضد الصحو وهو حالة تعتري الإنسان تعبث بشعوره وتخرجه عن استقامته الطبيعية. ومن ذلك ان يذهل عما يقول أو يفعل كلا أو بعضا فيفعل أو يقول ما لا يعلمه ولا يريده. وللسكر مراتب مختلفة ومنه الحالة التي تعتري الإنسان بهذه الصفة من شدة النعاس وهي المرادة من سكر النوم أي السكر الذي يكون من مقدمات النوم أو بقاياه في الاستيلاء على الحواس والشعور ومنه قول الطرماح

مخافة ان يرين النوم فيهم

بسكر سنانة كل الريون

وانشد الرضي في حقائق التأويل شاهدا على ذلك

وركب سروا حتى كأن رقابهم

من السكر في الظلماء خيطان خروع

نعم قد كثر استعماله في سكر الخمر لكن هذه الكثرة لا تمنع ارادة المعنى العام في الآية خصوصا مع اقتضاء الغاية لإرادته فإن قوله تعالى( حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) يدل على أن المراد حفظ صورة الصلاة والالتفات إليها. وصونها عن الذهول عنها والتخليط في افعالها وأقوالها. فإن إحرازهم لكونهم يعلمون ما يقولون فيها يلزمه الصحو العادي. ولو قيل ان السكر حقيقة في سكر الخمر مجاز في سكر النوم لكانت الغاية على ما قررنا قرينة على إرادة معنى يعم ما زعموه من الحقيقة والمجاز. وانّما خص بالذكر سكر النوم في روايات ابن عباس والباقر والصادق (ع) نظرا إلى حال السائلين واكثر المسلمين في ان محل ابتلائهم الذي يقتضي بيان الحكم لهم هو سكر النوم لا لحصر مدلول الآية به. واما قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا ) فالخطاب فيه للمؤمنين الموجودين في حال الخطاب نهيا لهم عن ان يقربوا الصلاة على تلك الحالة في المستقبل فإن خطاب المعدومين ودخولهم فيه قبيح كما هو المذهب الصحيح نعم يعم الحكم غير الموجودين

__________________

يحتاج من سكره إلى من يهديه إلى بيته مع انه كثير التردد إلى امير المؤمنين ليس غريبا يضل الطريق فأرسل معه قنبر مولاه ليهديه ونعم الحكم الله والموعد القيامة


من المؤمنين للإجماع على الاشتراك في احكام الإسلام. ودعوى ان الخطاب للمؤمنين السكارى في حال الخطاب مجازفة باردة ومن اين علم بوجود السكارى حال الخطاب. فلا وقع لوقوع البعض في الحيص والبيص في صحة خطاب السكران وتكليفه. ولا يدل هذا النهي بإحدى الدلالات على ان شرب الخمر والمسكر حلال لكي يقال ان الآية باعتبار دلالتها على حل شرب الخمر والمسكر قد نسختها آية إنّما الخمر والميسر كما ذكر في الدّر المنثور من أخرجه عن ابن عباس ومنهم أبو داود والنسائي. ومن الغريب ما ذكر من انه أخرج عن ابن عباس أنَّ آية السكارى نسختها آية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) الآية ومن المعلوم ان كون الإنسان يعلم ما يقول يلزمه صحوه من السكر ولكن ذكر العلم بما يقولون لكي يشعر بوجه النهي والجهة التي تصان عنها الصلاة وللاشارة إلى رذيلة السكر والخروج به عن حالة العقلاء وشرف الشعور والإنسانيه. والآية بنهيها وحكمة غايتها تدل على فساد الصلاة في حالة السكر. وقوله تعالى( لا تَقْرَبُوا ) هو على معنى القرب تأكيدا لاحترام الصلاة واجتنابها حال السكر حتى باجتناب القرب منها. ومن أنحاء القرب منها دخول المسجد. وحكى عن بعضهم ان المراد لا تقربوا موضع الصلاة وهو المسجد فحذف المضاف وهو «موضع» وذكر له بعض وجها آخر وهو أنَّ المسجد سمّي في الآية بالصلاة باعتبار كثرة وقوعها فيه أو سمي بذلك تعريبا لتسمية اليهود موضع عبادتهم «صلاتا» أقول ومع ان هذا كله خلاف الظاهر في نفسه يلزم منه أن تكون الأحكام الآتية في الآية أحكاما للمسجد واللازم باطل لأن المساجد خصوصا في زمان الخطاب ليست معرضا لأن تكون في الاسفار حيث لا يوجد الماء كما في البراري فيتيمم لدخولها كما في قوله تعالى( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) و( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) . ولأن الإجماع قائم على انه ليس من أحكام المساجد ان الذي يجيء من الغائط منهي عن دخولها حتى يتيمم ان لم يجد ماء بل ما الحكمان إلّا من احكام الصلاة على حقيقتها : وجملة( وَأَنْتُمْ سُكارى ) حالية والواو فيها لبيان الحال. ولا يخفى ان التتبع في صحيح الكلام والتدبر له يقضي بأن الجملة الاسمية يؤتى بها في ضمن النهي حالا في مقام يكون مضمونها ظاهر المنافاة للفعل المنهي عنه فيؤتى بها استلفاتا إلى تلك المنافاة واحتجاجا لحكمة النهي. فكأنه قيل ان الصلاة المطلوب بها الطاعة في الإتيان بها بحدودها والإقبال بها في الخضوع لله وعبادته والتدبر في قراءتها وأذكارها والتوسل بدعائها كيف يؤتى بها في حال السكر مع ما يعرف من منافاة ما هو المطلوب لطيش السكر


وَلَا جُنُبًا إلّا عَابِرِي سَبِيلٍ

____________________________________

وذهوله وغفلاته. ومثل ذلك قوله تعالى في سورة البقرة ٢٢( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) كما أشرنا إلى وجه المنافاة في الجزء الأول ص ٧٦ وقوله تعالى ١٨٥( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) فإن المطلوب من الاعتكاف هو الانقطاع إلى الله في المسجد للعبادة والتخلي عن التلذذ فأين هو من التلذذ بمباشرة النساء وقوله تعالى في سورة المائدة ٩٩( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) فإن الإحرام هو حبس النفس على الطاعة وترويضها بالاجتناب عن كثير من المباحات فأين هو من تطلب الصيد وقتله. وأما الجنابة فليست ظاهرة المنافاة للصلاة وانّما كشف الشارع عن ذلك إجمالا بفرض الطهارة تعبدا فلذا جاء الحال الثاني مفردا(١) وقوله تعالى( وَلا جُنُباً ) الواو فيه عاطفة و «جنبا» منصوب على الحالية معطوف على الجملة و «لا» نافية تدل على دخول الحال الثاني في حيز النهي وتفيد أن المنهي عنه كل واحد من الحالين لا مجموعهما. والجنب بضم الجيم والنون من اصابتهم جنابة وهي معروفة تنشأ من خروج المني أو الوطء مع غيبوبة الحشفة أو قدرها ويستوي في هذه الصيغة المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) قيل معناه إلّا حال كونكم مسافرين ونسبه في التبيان إلى علي (ع) وغيره وفي مجمع البيان نسبه إلى علي وابن عباس. ولم أجد في أحاديث الإمامية رواية ذلك عن علي (ع) نعم في الدّر المنثور ذكر من أخرج عنه (ع) في قوله تعالى ولا جنبا إلّا عابري سبيل قال نزلت هذه الآية في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي وفي لفظ لا يقرب الصلاة إلّا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء إنتهى وهذه الرواية على ما بها لا تدل على ما نسب إليه (ع) لأن قوله( وَلا جُنُباً

__________________

(١) وصاحب المنار في تفسيره حاول ان يبين وجه التفرقة بين الحالين في مجيء الأول جملة اسمية دون الثاني فقال إن التعبير بجملة وأنتم سكارى يتضمن النهي عن السكر إلى ان قال وأما نهيهم عن الصلاة جنبا فلا يدل على النهي عن الجنابة. وقد اكثر التبجح بهذا في أوائل كلامه. وليت شعري من اين جاء بتضمنه النهي عن السكر من حيث الدلالة اللفظية في الجملة الاسمية. وما ذا يقول في الآيات الثلاث التي ذكرناها فهل يقول ان التعبير عن الحال فيها بالجملة الاسمية يتضمن النهي عن العلم بوحدانية الله وانه لا ند له. وعن الاعتكاف في المساجد وعن الإحرام للحج والعمرة


إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) من كلام الراوي والظاهر أيضا أنَّ قوله نزلت هذه الآية في المسافر إنّما هو بالنظر إلى قوله تعالى( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) . وأما النسبة إلى ابن عباس فمنشأها بحسب الظاهر ما ذكر روايته عنه في الدّر المنثور بنحو روايته عن علي (ع). والكلام فيها كما تقدم. وقد ذكر في الدّر المنثور من أخرج عن ابن عباس في قوله تعالى( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) قال لا تدخلوا المسجد إلّا عابري سبيل تمر به مرا ولا تجلس. وعن البيهقي عن أنس نحوه. وعن ابن جرير وعبد الرزاق والبيهقي عن ابن مسعود نحوه. وعن ابن جرير عن ابن مسعود أيضا هو الممر في المسجد وفي علل الصدوق في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن الباقر (ع) قالا قلنا له الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا قال الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين إن الله تبارك وتعالى يقول( وَلا جُنُباً إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) . وعن العياشي عن زرارة عن الباقر نحوه. وفي تفسير القمّي سئل الصادق (ع) عن الحائض والجنب وذكر نحوه. هذا كله مع ان تفسير عابري سبيل بالمسافرين يوجب التكرار المخل في الآية بقوله تعالى( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) وينحط بذلك أسلوب الآية عن كرامة القرآن الكريم. ومدلول هذه الروايات عليه اجماع الإمامية. ولا يضر فيه كلام سلار في مراسمه وكذا الصدوق في المقنع لموافقته في الفقيه والهداية للأصحاب بل وفي المقنع لما ذكره في الأخذ من المسجد والوضع فيه. ومذهب الشافعي مثل مذهب الأصحاب. ونسب إليه بناءه على جواز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمعنى المجازي بأن تكون الصلاة في الآية قد استعملت في معناها الحقيقي وفي موضعها وهو المسجد. ولا أظنه بناه على ذلك إذ يلزم منه منع من جاء من الغائط عن الدخول في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم وهو لا يقول بذلك فإن التفرقة في الأحكام بين المعنيين لو صح استعمال اللفظ فيهما معا إنّما هي مجازفة. ولكن الوجه في دلالة الآية على ما ذكرناه هو ان نهي الجنب عن قربه للصلاة يختلج منه في الذهن نهيه عن دخوله للمسجد لأجل حرمته وشدة ارتباطه بالصلاة خصوصا في عصر النزول فكأنه من مناحي قرب الصلاة المنهي عنه فجاء قوله تعالى( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) بمنزلة الاستثناء المفرغ في دلالته على مضمونه بالمطابقة وعلى المستثنى منه بدلالة الالتزام واقتضاء الأسلوب. فكأنه قيل ولا ندخل المسجد ونحن جنب فقيل نعم إلّا عابري سبيل. ولمثل هذا الأسلوب البارع وهذه الدلالة بالإشارة الجميلة نظائر في بليغ الكلام منها ما ذكرناه في الجزء الأول ص ١٥٥ من قوله تعالى( فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ) . وما استشهد


به الفرّا من قولهم : -

أعمى إذا ما جارتي برزت

حتى يواري جارتي الخدر

ويصم عما كان بينهما

سمعي وما بي غيره وقر

و «منها» ما جاء في هذه الآية وفي آية الوضوء في سورة المائدة من قوله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) فإنه بدلالة المقام والأسلوب وقوله( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) قد اكتفى عن قوله تعالى (فاضربوا بأيديكم على الصعيد أو مسوه وامسحوا أيديكم بوجوهكم وأيديكم منه) وادخل فاء التفريع على المسح مع أن حقه أن يعطف بالواو لو لا الاكتفاء بحسب براعة البلاغة بالدلالة الظاهرة لأهل اللسان والذوق العربي على ما ذكرناه و «منها» ما جاء في القرآن الكريم من العطف على المحذوف الذي يدل عليه العطف ومناسبة المعطوف وما يمثله المقام للذهن كما ستسمع بعض أمثلته في آية الوضوء من سورة المائدة إن شاء الله تعالى وفي المقام مسائل ثلاث - الأولى - لا يجوز مرور الجنب وكذا الحائض في المسجد الحرام ومسجد رسول الله في المدينة المنورة. والظاهر انه لا خلاف فيه بين الإمامية وحكى غير واحد عليه إجماعهم. وعليه صحيح جميل وروايته عن الصادق (ع) في الجنب ومرفوعة محمد بن يحيى عن أبي حمزة عن الباقر (ع) في المحتلم فيهما انه لا يمر إلّا متيمما وكذا الحائض ولا بأس أن يمرا في سائر المساجد. وما أخرجه أبو داود عن عائشة عن النبي (ص) ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب إنتهى فلم يستثن المرور بل لعل الحديث ونهيه ناظران إلى المرور كما يدل عليه ما يأتي في المسألة الأخرى - الثانية - لا يدخل في هذا النهي والتحريم رسول الله (ص) أو أهل بيته. أخرج الترمذي في فضائل علي عن أبي سعيد قال قال رسول الله (ص) لعلي يا علي لا يحل لأحد ان يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. وفي اللآلئ المصنوعة ذكر ممن أخرجه البيهقي في سننه والبزار عن سعد عن رسول الله (ص). وأوله ضرار بن صرد وكذا في اللمعات والمفاتيح بأنه لا يحل لأحد أن يستطرقه ويمر فيه جنبا غيري وغيرك وأخرج أحمد وعن النسائي في الكبرى عن ابن عباس في حديث قول رسول الله (ص) سدوا الأبواب إلّا باب علي وكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره. وعن القول المسدد لابن حجر أخرج الطبراني في الكبير بسنده عن جابر بن سمرة في حديث سد الأبواب


فسدها غير باب علي وربما مر وهو جنب. وأيضا عن القاضي إسماعيل المالكي في كتاب احكام القرآن عن المطلب مرفوعا أن النبي (ص) لم يكن يأذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يدخل فيه وهو جنب إلّا علي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد. وذكر السيوطي في اللآلئ والحمويني في فرائد السمطين عن أبي نعيم بسنده عن بريدة الأسلمي في حديث سد الأبواب إلّا باب علي تركه النبي (ص) مفتوحا فكان يدخل ويخرج منه وهو جنب. وأخرج موفق بن أحمد بإسناده عن أبي ذر في حديث الشورى قال لهم علي (ع) في مناشدته أتعلمون أن أحدكم كان يدخل المسجد جنبا غيري. عن ابن أبي شيبة في مسنده والبيهقي في سننه عن أمّ سَلَمة قالت: خرج رسول الله (ص) إلى صرحة المسجد ونادى إلّا ان هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض إلّا النبي وأزواجه وعليا وفاطمة. وذكره البيهقي من وجه آخر وضعّفه وليس في محله وفيه إلّا محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين. ويدل على المسألتين في مسجد النبي (ص) كلما جاء في سد النبي للأبواب الشارعة إلى مسجده إلّا باب علي. وقد تعنت ابن الجوزي فذكر الرواية لذلك بأسانيد متعددة عن ستة من الصحابة ورماها بالضعف وعمدة ما عنده زعمه انها من وضع الرافضة قابلوا به حديث أبي بكر في الصحيح. وقد كفانا الله مؤنة الرد لتعنته بما ذكر في اللآلئ المصنوعة وحكاه فيها عن ابن حجر في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد : وقد وجدت روايته عن اكثر من عشرين صحابيا والكثير من أسانيدها من الحسان وفيها ما صححه الحاكم على أصولهم فالحديث لا شك في انه مشهور ان لم يكن من المتواتر أو يقرب منه وهو مقام مشهوريته أو تواتره لا يدخل في فن بعض المحدّثين الذين همهم من الحديث سنده الآحادي الشخصي وإن كان مضطرب المتن واهيه أو كان له معارض حتى مما يروونه بل يدخل في فن طلاب الحقيقة من العلماء والفقهاء الذين ينظرون إلى نتيجة العلم وأخذ المحصل مما جاء في الحديث ومستفيضه ومشهوره ومتواتره - المسألة الثالثة - المحصل من حديث سدّ الأبواب وما في الدّر المنثور من رواية جابر وزيد بن حبيب أن تحريم المرور للجنب في مسجد النبي (ص) من باب النسخ لا التخصيص. وفي الجزء الأوّل ص ١٢٦ في قوله تعالى( طَهِّرا بَيْتِيَ ) ذكرنا روايات الحلبيين عن الصادق (ع) ومقتضاهما أن نهي الحائض والجنب عن مطلق الدخول في المسجد الحرام ثابت من عهد إبراهيم وليس بناسخ


حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أو عَلَىٰ سَفَرٍ أو جَاءَ أحد مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ

____________________________________

( حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) الغسل الرافع لحدث الجنابة المانع من الصلاة ومن الكون مطلقا في المسجدين غير المرور والاجتياز في سائر المساجد. والآية واضحة الدلالة على كفاية غسل الجنابة في الدخول في الصلاة ودخول المساجد إذ جعل الاغتسال وحده غاية للنهي - ثم شرع الله التيمم في الحدث الأكبر والأصغر لإباحة الصلاة بدلا عن الطهارة لها بالماء فقال جل اسمه( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) وجوابه( فَتَيَمَّمُوا ) وذكر المرض يشعر بأن المراد منه ما يضره التطهر بالماء وفي بداية ابن رشد نسب جواز تيمم المريض وإن وجد الماء إلى الجمهور ولم يذكر الخلاف إلّا عن عطا. وفي معتبر المحقق ويجوز التيمم لو منعه من استعمال الماء مرض وهو قول أهل العلم إلّا طاووس ومالكا. وفي تذكرة العلامة في المريض الذي يخاف التلف أو سقوط عضو أو بطلان منفعة عضو انه يجب عليه التيمم بإجماع العلماء. ومراده علماء المسلمين من الفريقين إنتهى وفي الفقيه قيل لرسول الله (ص) ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات فقال (ص) قتلوه إلّا سألوا إلّا ييمموه ان شفاء العي السؤال. ورواه في الكافي مسندا عن الصادق (ع). وروي أيضا عن الصادق (ع) عن رسول الله (ص) عن مجروح اجنب فأمر بالغسل فاغتسل فمات فقال رسول الله (ص) قتلوه إنّما كان دواء العي السؤال. واخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعا إذا كان بالرجل جراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف ان اغتسل أن يموت فليتيمم. وان ظهور الآية بكون المبيح للتيمم في المرض خوف الضرر ليمنع ان يقيد في هذا الحال بقوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) بل يدل على أن مقام خوف الضرر سبب مستقل للانتقال إلى التيمم. نعم لا ينتقل مع عدم خوف الضرر إلّا إذا لم يجد الماء( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) أي على حال سفر كما تقول أتيته على شوق إليه أو على رغبة أو كره. والمراد من السفر معناه اللغوي وان كان دون المسافة الشرعية لقصر الصلاة بل وان كان سفر معصية( أَوْ جاءَ أحد مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) الغائط الموضع المنخفض والمطمئن من الأرض وأهل البادية والقرى الصغيرة يقصدونه عند قضاء الحاجة في التخلي للتستر. وهو كناية متعارفة في قضاء الحاجة بما يخرج من السبيلين من العذرة والبول. ومن بابه قول أهل البادية في هذه الازمنة «خرجت إلى الوهدة أتيت من الوهدة» ومن بابه ما يقال في الاستعمال الفارسي «كنار آب» والمراد جاء من الغائط بعد قضاء حاجته من الخروج اليه. ولأجل المبالغة في حشمة


أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا

____________________________________

الخطاب ونزاهته كما هو المعهود من كرامة القرآن في أسلوبه لم يقل على نهج سائر الجمل «أو جئتم من الغائط» بل قال «احد منكم» على صورة التنكير والإبهام حفظا للحشمة( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) والمراد منه الجماع كقوله تعالى( بَاشِرُوهُنَ ) .( وَلا تَقْرَبُوهُنَ ) .( تَمَسُّوهُنَ ) .( يَتَمَاسَّا ) . وقول مريم( يَمْسَسْنِي ) مع ان الملامسة اقرب في الكناية إلى الجماع من المس لأنها مفاعلة من اللمس الذي هو مس بقصد الإحساس فالملامسة تمثل الحالة الجماعية بين الرجل والمرأة في قصدهما التلذذ بالإحساس في مباشرتهما. وفي الدّر المنثور ذكر من أخرج عن علي (ع) اللمس هو الجماع. وعن ابن عباس في قوله تعالى( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) قال هو الجماع. وفي التهذيبين في الموثق عن الباقر (ع) قوله وما يعني بهذا( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) إلّا المواقعة في الفرج. وفي تفسير البرهان عن الشيخ الطوسي ولم أجده عاجلا في الصحيح عن الصادق (ع) قال لمس النساء الإيقاع بهن. وروى نحوه العياشي عن منصور والحلبي وقيس بن رمانة عن الصادق (ع). وقد صح واستفاض عن الباقر والصادق ان لمس المرأة بغير الجماع لا ينقض الوضوء وعلى ما ذكرنا اجماع الإمامية واليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وذكرت ملامسة النساء وجماعهن بعد ذكر الجنب من باب النص على الخاص بعد العموم لئلا يتوهم أن الجنابة الاختيارية بمقاربة النساء لا تدخل في رخصة التيمم فيلزم الإنسان ان يمتنع في مظان عدم وجدان الماء اذن فليس هذا من باب التكرار كما توهمه بعض( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) تصلون إلى التطهر به بالغسل أو الوضوء فليس من ذلك وجوده في البئر مثلا مع عدم الوصلة اليه. هذا ما يقتضيه سوق الكلام لا حمل عدم الوجدان على ما يشمل عدم التمكن من استعماله لمرض ونحوه فإنه تقييد لا دليل عليه أو تجوز بعيد جدا( فَتَيَمَّمُوا ) أي اقصدوا والتيمم في اللغة القصد. قال امرؤ القيس : -

تيممت العين التي دون ضارج(١)

يفيء عليها الظل عرمضها(٢) طامي(٣)

وقال الأعشى : -

تيممت قيسا وكم دونه

من الأرض من مهمه(٤) ذي شزن(٥)

ومن هذه الآية وأختها في سورة المائدة واستعمال المتشرعة لفظ التيمم في مقام الطهارة

__________________

(١) اسم موضع

(٢) العرمض هنا الطحلب

(٣) طمى طال وارتفع

(٤) الأرض المقفرة

(٥) الشزن غلظ الأرض


صعَيِدا

____________________________________

الترابية صار التيمم عند المتشرعة اسما لها( صَعِيداً ) في التبيان الصعيد وجه الأرض غير نبات ولا شجر قال الزجّاج: لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في أنّ الصعيد وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن إنتهى وتبعه في النقل عن الزجّاج في مجمع البيان وقال: وبهذا يوافق مذهب أصحابنا في أنّ التيمم يجوز بالحجر سواء كان عليه تراب أو لم يكن وقال في التذكرة في ذلك عند علمائنا. أقول: وبحسب التتبع في التذكرة في مثل هذه العبارة يشك في نقله بها لإجماعنا. ونقل المنع عن التيمم بالحجر عن المرتضى في شرح الناصريات ولكن كلامه على الجواز أدل. وعن الغنية والظاهر ان كلامه وإجماعه ناظران إلى مثل الكحل والزرنيخ. وفي الروضة ان المنع من التيمم بالحجر مطلقا حتى مع فقد التراب لا قائل به إنتهى نعم ذهب جماعة منا إلى جواز التيمم بالحجر عند فقد التراب ولعل هذا القيد منهم للاحتياط وإلا فلا دليل عليه إن لم يكن الحجر مصداقا للصعيد والاستناد إلى الإجماع له موهون بأن اكثر القائلين بجواز التيمم به أو جلهم يقولون بذلك لكونه مصداقا للصعيد فلا يلتئم من المجموع اجماع كاشف. وأما قوله (ص) في بعض الروايات جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا فلم يصح ولو صح لما قيد اطلاق الصعيد في الآية والأرض في الروايات لأن شرط التقييد التنافي وجعل التراب طهورا لا ينافي جعل الصعيد ومطلق الأرض طهورا. وفي معتبر المحقق الصعيد هو وجه الأرض بالنقل عن فضلاء اللغة ذكر ذلك الخليل وثعلب عن ابن الأعرابي ويدل عليه قوله تعالى فتصبح صعيدا زلقا أي أرضا ملساء مزلقة إنتهى وأما الزرنيخ والكحل فهما كالملح وسائر المعادن ليسا من مصاديق الصعيد والأرض وان تولدا منها و «أو» في الآية لبيان الأقسام التي شرع التيمم في كل واحد منها فإن الواو توهم اشتراط الاجتماع لهذه الأمور مع عدم وجدان الماء في صحة التيمم. وقد قدمنا أن قوله تعالى( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) واضح الدلالة في نفسه فضلا عن دلالة الحديث على أن المنشأ فيه للانتقال إلى التيمم هو خوف الضرر من الماء فيكون ذلك قرينة على أن عنوان المرضى في الآية غير مقيد في أسلوب لفظها بعدم وجدان الماء وإن كان من لا يخشى الضرر من استعماله يشترط في جواز تيممه عدم وجدان الماء بفحوى الآية ودلالتها على ان التيمم بدل عذري يدور مدار ما جعل عذرا. وأما باقي الخصال فهي بما جمعها مقيدة بعدم وجدان الماء بمقتضى


دلالة الآية بحسب الوضع اللغوي لأن الصحيح في المسألة الأصولية والمتبادر هو رجوع هذا القيد وأمثاله إلى الجميع عملا باطلاقه الوضعي ما لم تقم قرينة في بعضها على عدم تعلقه به في أسلوب اللفظ كما في المرضى(١) ويعضد الإطلاق المذكور في الآية ويشهد له اجماع المسلمين وحديثهم

__________________

(١) وزعم صاحب المنار في تفسيره واستاده على ما حكاه عنه أن التقييد في الآية بعدم وجدان الماء يختص بمن جاء من الغائط وملامس النساء دون المريض ودون المسافر. وغاية ما ذكره عن اسناده مستندا لزعمه هو ان هذا هو ما يفهمه القارئ من الآية نفسها وأطال الكلام في التعريض بالمفسرين ومن يفسر الآية بغير ما زعمه. وغاية ما عند التلميذ هو انه ان قيل في المسألة أن القيد المتعقب لأمور تصلح لأن تقيد به إنّما يرجع للأخيرة لم يرجع التقييد بعدم الوجدان إلى المسافر. وان قيل برجوعه إلى الجميع فهو مشروط بعدم المانع والمانع من رجوعه إلى المسافر موجود وهو انه لا يظهر لاشتراط فقد الماء لتيمم المسافر دون المقيم. ثم عقب هذا في الصفحة الثانية باستحسان التوسعة على المسافر بالتيمم وان وجد الماء قياسا على قصر الصلاة والإفطار في السفر. وقال بذلك في آية الوضوء والتيمم في سورة المائدة وانه يجوز للمسافر ان يتيمم بدل الوضوء وان وجد الماء. فنقول ان المسافر في هذه الآية يشمل من اجنب باحتلام أو بملامسة النساء وان من لامس النساء الذي يعترف باشتراط تيممه بفقدان الماء يشمل الحاضر والمسافر فإن جعلنا كلا من المسافر وملامس النساء مخالفا للآخر في التقييد والإطلاق والحكم تعارضا في ملامس النساء في السفر فهل في الآية دليل على تقديم أحد العامين من وجه على آخر اذن فما هو. أو هي مجملة معماة المراد وان كانت في مقام البيان والتعليم. ومع ذلك يخرج من مضمونها المحتلم في الحضر. وتزيد آية المائدة بأن المسافر على زعمه يعم من جاء من الغائط ومن كان محدثا بالنوم وان الجائي من الغائط يعم المسافر والحاضر فيتعارضان بحسب الإطلاق والتقييد في المسافر الجائي من الغائط فيسأل أيضا بمثل السؤال المتقدم. وهذا يوجب الإعضال والاشكال الشديدين في الآية التي هي للبيان والتعليم. ويلزم من ذلك أيضا بقاء المحتلم في الحضر وكذا المحدث بالنوم لا حكم لهما في الآية في التيمم مع انهما قسمان لا يستهان بهما في هذا المقام لكنا نقول أن العنوان لمن كان على سفر في الآيتين لم يذكر لامتياز المسافر عن الحاضر في حكم الآيتين بل لأجل ان قوله تعالى في الآية قبل ذلك وَلا جُنُباً إلّا عابِرِي سَبِيلٍ يشير بمورده عند النزول إلى الحضر لان المساجد لم تكن حينئذ في طرق -


كما جمع بعضه في الوسائل في أبواب التيمم. ومنه ما في الكافي والتهذيب في الصحيح عن زرارة عن أحدهما «يعني الباقر والصادق (ع)» قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا

__________________

- المسافرين بل لأجل ان هو الغالب من احوال المكلفين فربما يتوهم من ذلك اختصاص حكم التيمم بالحاضرين فذكر من كان على سفر لأجل النص على عموم الحكم للحاضر والمسافر. وكذا الكلام في آية المائدة بالنظر إلى ان الحالة الغالبة هي الحضر. وان السفر مظنة لفقدان الماء اكثر من الحضر فيظهر فيه مقام الامتنان والفائدة بتشريع التيمم ولئلا يتوهم المنع من اختيار السفر عند العلم والظن بفقدان الماء ولو لبعض الفرائض. وعنوان ملامسة النساء هو لبيان عموم الامتنان بالتيمم حتى مع كون الجنابة اختيارية تسوق إليها الشهوة وهذا هو الذي يفهمه السلف والخلف ممن انعقد منهم الإجماع على خلاف ما يقوله مفسر المنار واستاذه وخلاف مما ذكرناه مما يلزم تفسير المنار. اذن فلا اشكال ولا إعضال في الآيتين ولا تعارض ولا إبهام في مقام البيان ولا إهمال لما أشرنا إليه من اقسام المسألة.

واما بناء صاحب المنار للمسألة على رجوع القيد إلى الجملة الأخيرة فهو مع فساد المبنى فاسد البناء لأنه ملتزم برجوع بفقدان إلى ما قبل الأخيرة وهو قوله تعالى ( أَوْ جاءَ أحد مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) وان خصه بزعمه في الحضر فما ذا الذي دل على رجوع القيد هنا إلى ما قبل الأخيرة فإن قال الإجماع من علماء الإسلام قلنا ان هؤلاء مجمعون أيضا على رجوع القيد إلى المسافر فكيف تحتج في مقام بإجماعهم وفي مقام تسميهم ادعياء العلم وتقول في شأنهم «المقلد لا يحاج لأنه لا علم له» وان قال الحديث قلنا له أنت وصفتهم بالمفتونين بالروايات فلما ذا صرت مثلهم ام تحل لنفسك ما تحرمه على غيرك. تلك اذن قسمة ضيزى. واما بناؤه على وجود المانع من رجع القيد «وهو عدم وجدان الماء» إلى من كان على سفر. فقد احتج فيه على ان المانع هنا هو انه لا يظهر وجه لاشتراط فقد الماء للمسافر دون المقيم : ويرد عليه ان عنوان المسافر في الآية إنّما جاء كما ذكرناه للنص على عموم حكم التيمم له ولبيان الامتنان ولرفع توهم الخطر بالسفر مع العلم بفقدان الماء فيه أو الظن به فمن اين يجئ ما تحكم به من المانع ولو كان العنوان في الآية يلزم منه اشتراط فقدان الماء دون العنوان المخالف له لعاد عليه الكلام فيمن جاء من الغائط فإنه لا يظهر وجه لاشتراط فقدان الماء به دون المحدث بالنوم وكذا ملامس النساء دون المحتلم. وهل يسعه إلّا ان هذه العناوين ذكرت لنكت اقتضت النص عليها لا لاشتراط فقدان الماء بها دون المحدث بالنوم والجنب بالاحتلام في الحضر. اذن فلما ذا يغفل عن ذلك فيمن كان على سفر. واما استحسانه للتوسعة على المسافر على قصر الصلاة والإفطار فقد شذ فيهما فإن القائل بالقياس والاستحسان لا يقول بهما مع مصادمة -


طَيِّباً

____________________________________

خاف ان يفوته الوقت فليتيمم ويصلي. وفي التهذيب في المعتبر المعمول عليه عن السكوني عن الصادق عن أبيه عن علي امير المؤمنين (ع) قال يطلب الماء في السفر ان كانت حزونة فغلوة وان كانت سهولة فغلوتين الحديث. وذكره في كنز العمال ومختصره مما أخرجه أبو خلف العسكري عن علي (ع) وفيهما مما أخرجه ابن سعد وعبد ابن حميد وابن جرير والقاضي إسماعيل في الأحكام والطحاوي والدارقطني والبيهقي عن الاسلع ابن شريك ما ملخصه ان رسول الله (ص) قال له قم يا اسلع فارحلن قال اصابتني جنابة فنزلت آية التيمم وعلمه إياه رسول الله (ص) ثم ساروا حتى مروا بماء فقال (ص) له يا اسلع امسّ هذا جلدك. وأخرج أحمد والترمذي وعن ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر عن رسول الله (ص) الصعيد الطيب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته وفي رواية الترمذي طهور المسلم. واخرج أحمد عن أبي ذر فيما وقع في نفسه من تيممه أياما حينما اجنب وقد كان غرب عن الماء ان رسول الله (ص) قال له ان الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمس بشرتك. واخرج نحوه الحاكم في مستدركه وذكر في كنز العمال ومختصره إخراجه عن عبد الرزاق وابن أبي منصور.( طَيِّباً ) جاء في القرآن الكريم بلد طيب. والبلد الطيب. وكلمة طيبة. والكلم الطيب. وريح طيبة. ومساكن طيبة. وحياة طيبة. ووصف المال الحلال بالطيب والحرام بالخبيث كما في قوله تعالى في الآية الثانية من السورة( وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) . وفي النهاية في الحديث في شأن عمار قوله (ص) مرحبا بالطيب. ونهى ان يستطيب الرجل بيمينه أي يستنجي أقول والمستفاد من تتبع موارد الاستعمال ان الطيب هو الخالص المنزه عما يستخبث أو يكره بحسب حاله أو ما يراد منه ويرغب به فيه. ولم أجد عاجلا مما يؤثر عن الرسول الأكرم والصحابة الكرام والأئمة الهداة شيئا يتعلق بتفسير الطيب في الآية. والظاهر ان استعمال الطيب فيما ذكرناه من الموارد إنّما هو من استعمال المشترك المعنوي في معناه الواحد الذي له اصناف من المصاديق فتستفاد إرادة المصداق في صنفه من مناسبات مقام الاستعمال على ما استظهرناه في معنى الطيب.

__________________

- الإجماع والدليل لهما. ولم اقصد بكلامي هذا محاجة صاحب المنار

بل ذكرته خدمة للعلم والحقيقة. اللهم وفقنا لتدبر القرآن واتباع سبيل المؤمنين


فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ

____________________________________

وانسب ما يكون في هذا المقام هو استفادة الطهارة والحل. اما الطهارة فيشهد لها ما صح واستفاض بين المسلمين من قوله (ص) خلقت لي الأرض مسجدا وطهورا. لا لما يقال من أنَّ طهورا مبالغة في الطاهر ومعنى المبالغة ان يكون مطهرا. فإنه ممنوع لأن المبالغة في الصفة القاصرة كالطاهر لا تقلبها إلى المتعدية كالمطهر. نعم لفظ الحديث يشير إلى معنى المطهر باعتبار ان الطهور اسم لما يتطهر به كالوقود والسحور والسعوط ونحوها بفتح أولها فتستفاد الطهارة من ذلك. لأن مما لا يذعن به الذهن ولا يستقيم في الفهم ان يكون ما يتطهر به غير طاهر وان كان تطهيره معنويا. ولا بد من جريان الحديث على ما يقتضيه الذهن والفهم من طهارة المطهر كما هو اللازم في حكمة الخطاب. فتكون الطهارة من وجوه الطيب في الآية. والظاهر اجماع الإمامية على اعتبار الطهارة في الصعيد. والظاهر اجماع المسلمين على اشتراط إباحته وعدم جواز التيمم بالمغصوب. ويعضده الإجماع على ان التيمم بجميع أفعاله عبادة ومنها الضرب على الصعيد أو وضع اليد عليه وان كان على الحجر للتيمم. وهذا الضرب أو وضع اليد على غير المباح تصرف غصب والغصب منهي عنه ولا يكون عبادة. وهذا أيضا يبين وجها من وجوه الطيب في الآية وهو الإباحة( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) ولا ينبغي الشك في ان يكون اللازم في دلالة الآية ان يكون هناك شيء يمس به الصعيد فيمسح بالوجه واليدين. وبالنظر إلى المتعارف في الأعمال ودلالة المقام ان ذلك هما اليدان. وفي الجوامع الستة وعن ابن أبي شيبة عن عمار في حديث تيممه ان رسول الله (ص) قال له إنّما يكفيك ان تقول هكذا ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه. واستفاضت رواية ذلك من طرق الإمامية عن الباقر والصادق (ع) لكن في صحيحة الفقيه عن زرارة عن الباقر (ع) عن تيمم رسول الله فوضعهما على الصعيد ثم مسح بهما جبينيه. وفي آخر السرائر من كتاب ابن بكير عن زرارة عن الباقر (ع) ثم مسح بجبينيه ثم مسح كفيه كل واحدة على ظهر الأخرى. واخرج الحاكم وعن الطبراني عن ابن عمر عن رسول الله (ص) قال التيمم ضربتان الحديث. واخرج الحاكم عنه أيضا تيممنا مع رسول الله (ص) فضربنا ضربة بأيدينا على الصعيد - ثم ضربنا ضربة أخرى الحديث. واستفاض عن الأئمة (ع) ذكر الضرب على الأرض أو الوضع عليها في


افعال التيمم بل في الروايات جعل ذلك هو العنوان للتيمم كما احصى بعضه في الوسائل في الحادي عشر والثاني عشر من أبواب التيمم. ولأجل التفنن ببراعة التعبير وحسن الاكتفاء اكتفى القرآن الكريم بدلالة الأسلوب والمقام بذكر تيمم الصعيد الطيب وذكر الممسوح به ومجرى العادة في مزاولة الأعمال باليد واستغنى ذكر الضرب على الصعيد أو مسه بباطن الكفين ومسحهما ببعض الوجه وبالبعض الآخر من اليدين واقتصر على قوله تعالى( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) . ومن المعلوم ان المعاني تختلف باختلاف التعبير وجهات التعلق فقول القائل امسح وجهك بيدك يقضي بمسح جميع الوجه تحصيلا لمسمى الاسم(١) بما يحصل به المسح من بعض اليد. وذلك لمكان الباء التي هي للآلة كما يقال امسح وجهك بالمنديل. وفي قول القائل امسح يدك بوجهك يقضي باستيعاب ما ينبغي مسحه من اليد وهو ما يلاقي الصعيد بالضرب وبأن مسحها ببعض الوجه لمكان الباء التي هي للآلة. فإن قلت: إنَّ المقصود هو مسح بعض الوجه لا كون الوجه آلة لمسح اليدين. قلنا. لو سلمنا ذلك لم يناف دلالة اللفظ وقوانين اللغة وصوغ التركيب ان يكنى بذلك عن التبعيض في الوجه. ويبين به ان الممسوح من اليدين هو ما مس الصعيد والممسوح به منهما هو ما لم يمسسه فكشف الله جل اسمه عن المراد المحتاج إلى العبارة الطويلة بالإتيان بباء الآلة. وهذا هو المحصل من صحيحة زرارة لما سأل الباقر (ع) عن الحجّة على كون المسح في الوضوء لبعض الرأس فقال (ع) ما حاصله ان الله تعالى قال( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) فعرفنا ان الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال( وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرافِقِ ) فوصلهما «اي بالعطف والنسق والتسمية» بالوجه فعرفنا انه ينبغي لهما أن يغسلا ثم فصل بين الكلامين «اي بأسلوب التعبير» فقال( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فعرفنا أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء. أي لكون الباء بحسب السوق هي التي تدخل على الآلة كما حفظ (ع) صورة ذلك بقوله (ع) ان المسح ببعض الرأس. ثم طرد الكلام (ع) إلى التيمم وأشار إلى مكان الباء ووصل اليدين في الأسلوب والنسق بالعطف بمدخول الباء وهي الوجوه. هذا وقال الجمهور من أهل السنة بمسح الرأس كله. وهذا مناف لما ذكرناه من وجه الدلالة الذي هو ابلغ من التصريح. وأما ما ورد في حديثهم مما يوهم الإطلاق في الوجه فإنه يجب

__________________

(١) ما لم تقم قرينة على الاكتفاء بمسح بعضه كما إذا كان ما تطلب إزالته بالمسح المطلوب كالعرق أو الوسخ متعلقا ببعض الوجه


إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٤)أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا ِالْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ

____________________________________

تقييده بدلالة الآية وحكى في التذكرة عن أبي حنيفة انه يجوز ان يترك من ظاهر الوجه دون الربع وفي رواية عنه لو مسح اكثر الوجه اجزأه. فكأنه أخذ في ذلك بالمتيقن من مفاد الآية وحكى ابن رشد في بدايته ان مشهور المذهب وبه قال فقهاء الأمصار منهم ان مسح اليدين هو إلى المرافق كالوضوء. وهذا مخالف لدلالة الآية على البعض وعلى ان الممسوح ما مس الصعيد والممسوح به ما لم يمسسه. مضافا إلى انه لو اريدت الأيدي بأجمعها إلى المرافق لعبر بعبارة الوضوء ولكن لكل عبارة في القرآن مدلول ولكل مراد عبارة. ومخالف أيضا للمتفق على صحته عندهم وعند الإمامية وهو ما ذكرنا من حديث عمار هو أن رسول الله (ص) في تعليمه التيمم مسح كفيه وأما حديث المرافق فقد ضعفه أحمد وماذا له من الأثر في نفسه فضلا عن مصادمته بالآية والحديث الصحيح. وحكى ابن رشد انهم عضدوا حديثهم الضعيف بالقياس على الوضوء أقول ويا له من قياس مخالف للآية والحديث المتفّق على صحته فضلا عما صح من طرق الامامية في مسح الجبهة وظاهر الكفين وللكلام في التيمم تتمة تأتي ان شاء الله في آية المائدة( إِنَّ اللهَ كانَ ) منذ الأزل ولا يزال برحمته وغناه( عَفُوًّا غَفُوراً ) فهو الرحيم الموسع الميسر على عباده ٤٤( أَلَمْ تَرَ ) يا رسول الله. قد يقال ذلك كما في الآية في مقام الإنكار على ما يذكر من الفعل والتسفيه لفاعله( إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) يريد المعاصرين لرسول الله (ص). وأشار جلّ اسمه إلى ان هؤلاء لم يصل إليهم من الكتاب الإلهي المنزل على أسلافهم إلّا بعضا ونصيبا من انقاضه التي بقيت بعد تلف الباقي وتحريفه فإنه قد بقيت منه بعض الكلمات في التوحيد والنبوة ونبوة موسى وعيسى وان عيسى رسول الله وعبده وبعض احكام القصاص في التوراة. والبشرى برسول الله وقرآنه وانه كلام الله يجعله في فم رسوله. واما الباقي وهو الجل فقد عبث به التلف والتحريف ما شاءت الأهواء والشرك كما أشرنا إلى بعض ذلك في كتاب «الهدى» و «الرحلة المدرسية» وفي المقدمة من هذا التفسير( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ) وفي مقدمتها الشرك ويطلبونها على عمد وغي ويبذلون بإزاء خسيسها المهلك أعلى الأمور وأغلاها من التوحيد وصلاحه والهدى واسباب السعادة والكمال وحسن الاجتماع بالعدل والإصلاح


(٤٥)وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً (٤٦)مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا

____________________________________

الحقيقي( وَ ) فوق ذلك( يُرِيدُونَ ) من غيهم وانهماكهم بالضلال( أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ) المستقيم الذي هداكم الله بلطفه إليه وأوضح منهجه وأنار اعلامه فحظيتم بالتوفيق لحقيقة الإيمان ودين الهدى وشريعة الحق فلا يغووكم بضلالهم وان أظهروا لكم بنفاقهم مخادعات النصيحة والمودة والولاء والنصرة فإنهم عدو لكم ٤٥( وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ ) إله الناس وخالقهم القاهر القادر( وَلِيًّا ) للمؤمنين( وَكَفى بِاللهِ ) كرر ذلك للتأكيد وملأ القلب بكفايته وكرر اسم الجلالة اشارة إلى عظمة الإلهية وقدرة الله في كفايته ونصره جل اسمه( نَصِيراً ٤٦ مِنَ الَّذِينَ ) من لتبين «الذين أوتوا» ولا يضر الفصل بالآية المتوسطة والاعتراض بجملها كما يعترض كثيرا بالدعاء ونحوه مع اتساق الكلام وتناسب أطرافه. وقيل ان «من الذين» خبر مقدم والمبتدأ محذوف وجملة «يحرفون» صفة والتقدير قوم يحرفون. وفي مجمع البيان كما قال ذو الرمة : «فظلوا ومنهم دمعه سابق له» أي من دمعه سابق له. وانشد سيبويه

فما الدهر إلّا تارتان فمنهما

أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

أي فتارة منهما. لكن في هذا الحذف تكلفا لا يناسب كرامة القرآن( هادُوا ) وهم اليهود لأنهم انتسبوا إلى مملكة يهودا بعد ان اضمحلت سائر الأسباط من بني إسرائيل وباد ملكهم الوثني وجامعتهم بسبي الآشوريين وقتلهم لهم( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ ) من تمردهم في الضلال( سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ) بفتح الميم الثانية وهو دعاء على من يخاطبونه كقوله اسمع لا سمعت( وَراعِنا ) قد مر تفسير هذه الكلمة فيما يريدونه منها في الجزء الأول ص ١١٣ و ١١٤ وأظنهم يقولون «وعصينا. وغير مسمع. وراعنا» بنحو من لحن التحريف ومناحي الالغاز واللهجة ؛( لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا ) اختيارا للهدى على الضلال( سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ ) منا ما نقول في مقام الإيمان والاهتداء( وَانْظُرْنا ) باللطف والعناية بهمزة الوصل وضم الظاء المعجمة وهو المعنى الذي كانوا يغالطون فيه في قولهم راعنا


لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلاً (٤٧)يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ

____________________________________

من المراعاة والملاحظة وهي من النظر الذي فيه عناية ولطف. وكذا قوله تعالى في سورة البقرة( لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا ) أي بدلوا كلمة «راعنا» بما هو بمعناها وهو قولكم انظرنا لئلا يتخذها اليهود وسيلة لسب رسول الله (ص) كما تقدم. وقال بعض «أنظرنا» بمعنى انتظرنا وأمهلنا ولكنه شذوذ عن مجرى الكلام ووجهه ان ساعدت اللغة( لَكانَ ) ذلك( خَيْراً لَهُمْ ) إذ يلقون بسعادتهم قياد السمع والطاعة إلى رسول الله هادي البشر ومبلغهم عن الله ما فيه الصلاح والسعادة والوصول إلى الحقيقة وحقيقة الإيمان ومعارف الحق وشريعته( وَأَقْوَمَ ) واعدل( وَلكِنْ ) لا يزالون متمردين على الحق معرضين عنه بعصبيتهم وأهوائهم وعنادهم قد حرموا أنفسهم بتمردهم لطف التوفيق ورحمة الهداية والإيصال فطردهم الله لذلك عن رحمته التي عاندوها واعرضوا عنها و( لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ) أي بسبب كفرهم عن عناد ومحادة لله ورسوله بعد ما تجلت لهم الآيات وقامت عليهم الحجّة( فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلاً ) منهم من لم يتوغل في التمرد على الحق ولم يتهود في عناده للحجة ولا في المحادة لله ورسوله ٤٦( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) نسب إيتاء جنس الكتاب الإلهي إليهم باعتبار إيتائه لأسلافهم حينما كان الكتاب في أول أمره مصونا عن النقصان المخل والتبديل والتحريف والضياع والزيادة. وأما المعاصرون لرسول الله فالذي أوتوه إنّما هو نصيب من الكتاب كما تقدم في الآية السابقة( آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ) على رسول الله محمد (ص) من القرآن الكريم الذي سبقت لكم البشرى به في التوراة وقد حفظ الله بعنايته هذه البشرى إلى يومكم هذا( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) في توراتكم من البشرى به وبرسوله بكونه المصداق الذي تنطبق عليه وعلى رسول الله تلك البشرى الكريمة السامية أو مصدقا لما معكم من اسم التوحيد ورسالة الأنبياء وبعض الحقائق التي لم يشوهها التحريف فاغتنموا سعادتكم بهذا الإيمان( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ ) بكسر الميم وماضيه طمس بفتحها يستعمل قاصرا كما في كثير من الشعر والكلام ومتعديا كما في الآية وقوله تعالى في سورة القمر. فطمسنا أعينهم. ويعدى بعلى كما في قوله تعالى في سورة يس( لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ ) . وفي سورة يونس أطمس على أموالهم. في التبيان والطمس هو الدثر وهو عفو الأثر والطامس والداثر والدارس


(٤٨)إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ

____________________________________

بمعنى واحد وتبعه على ذلك في مجمع البيان. قلت والظاهر ان الألفاظ الثلاثة متقاربة المعنى لا مترادفة وفسره في القاموس والمصباح بالمحو والدروس وفي التبيان أي نمحو آثارها حتى تصير كالقفا ونجعل عيونها في قفاها فتمشي القهقرى. ونسبه في مجمع البيان إلى ابن عباس وعطية العوفي وفي الدّر المنثور أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس وفي التبيان أيضا قيل نطمسها عن الهدى فنردها على ادبارها في ضلالها ذمّا لها بأنها لا تفلح ابدا. وفي مجمع البيان رواه أبو الجارود عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) وقيل المراد جلاء الكثير منهم من الحجاز وردهم إلى اريحات وأذرعات وبلاد أسلافهم من الشام كما وقع ذلك ببني النضير ومن لم يصالح في حرب خيبر إذ محيت آثار وجوههم من الرؤية والوجود في الحجاز بجلائهم وردهم على ادبارهم إلى بلاد الشام وفي التبيان وهو أضعف الوجوه وفي مجمع البيان لأنه ترك للظاهر (أقول) وترك الظاهر فيه اقل من القول الثاني إذ ليس فيه إلّا التجوز في الطمس بالاستعارة التي يقرب وجه الشبه فيها بخلاف الثاني وترجيح الثاني بالرواية عن الباقر (ع) جيد لو سلمت الرواية عن ضعف الإرسال وغيره وعن المعارضة بالرواية الأخرى الراجحة عليها عن الباقر (ع) أيضا لدلالتها على ان ألفاظ الآية مستعملة في معانيها الحقيقية ففي تفسير البرهان عن النعماني وعن اختصاص المفيد عن عمر ابن أبي المقدام عن جابر الجعفي عن الباقر (ع) في حديث الخسف في البيداء بجيش السفياني ولا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر تحول وجوههم إلى أقفيتهم وفيهم نزلت هذه الآية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ) إلى قوله تعالى( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) الرواية. ولعل قوله (ع) وفيهم نزلت إنّما هو باعتبار انطباق مضمونها عليهم وقال في الكشّاف وقيل أن الطمس منتظر ولا بد من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة وقال الرازي في الرابع من أجوبته وعندنا انه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل يوم القيامة(١) ٤٧( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) شيئا غيره في الإلهية وما لله تعالى شأنه من مقام الإلهية وشؤونها. فمن الشرك الشائع في العصور الماضية والحاضرة ما يزعمونه في بعض البشر من انه منبثق ومتولد من الله وانه ابن الله المتولد من عذراء من النساء ويجعلون الله الواحد ذا أقانيم ثلاثة الأب والابن

__________________

(١) لم يتمقدس‌سره تفسير بقية هذه الآية ومكانها بياض في المسودة


وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ

____________________________________

والروح القدس. ويجعلون لكل من الثلاثة آثارا خاصة فالابن كالأب إله له خواص الإلهية لذاته ومن القائلين بهذا فرق البراهمة والبوذيين والنصارى ويحكى عن البابليين والآشوريين وغيرهم ومن الشرك ما يحكى عن الوثنيين انهم جعلوا لكل نوع من المخلوقات إلها وربا يدبر امره فجعلوا للماء إلها وللنار إلها وللهواء إلها وغير ذلك.( أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) . ومن ذلك التأليه لبعض القوى والسيارات بحيث جعلوا المجسمات الاصنامية تمثالا ورمزا لعبادتها وهذا هو الأصل لعبادة المجسمات الاصنامية وان خفي على بعض المتوحشين من الوثنيين. وكم جنى اتباع الفلسفة اليونانية بشطحات المتفلسفين والمتصوفين بمزاعم العرفان وجر على الحقائق ويلات عبثت بتوحيد بعض الناس لله في الإلهية وشؤونها وردتهم على اعقابهم من حيث لا يشعرون. أو ليس من نحو ذلك خرافات المظاهر وان الله سبحانه وتعالى لا يدرك من نحو ذاته بكل اعتبار إلى غير ذلك من الكلمات وهلم الخطب في مسألة العقول العشرة والعقل الفعال فإنها لم تبق لله الواجب بالذات شيئا مما تمجد به في القرآن الكريم من خلقه لكل مخلوق وعلمه وارادته ومشيئته وحكمته واعماله بل جعلته لغيره من مخلوقاته. وراجع ما ذكره نصير الدين في التجريد من الخلل في مباني زعمهم وما ذكرهقدس‌سره في فصول العقائد فى بطلان قولهم واستلزامه للمحال وقد كنا ذكرنا ما ذكرهقدس‌سره في آخر الجزء الثاني من الرحلة المدرسية في الطبعة الأولى ولما اطعنا بعد ذلك على ما افاده في فصول العقائد ذكرناه وشرحناه وأوضحناه في الطبعة الثانية

وجرى التعبير بقوله تعالى( أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) لدلالة المضارع على الدوام أي لا يغفر للإنسان اشراكه الذي يدوم عليه إلى الموت فإن مما اجمع عليه المسلمون بل عليه ضرورة دينهم ان من اسلم بعد شركه غفر له شركه السابق ولك الشاهد الكريم الحميد من شأن الكبار من الصحابة الكرام واتل قوله تعالى في آخر سورة الفتح( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) إلى قوله تعالى( مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) وقال جل اسمه في سورة طه واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى. وغير ذلك من الآيات( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) ممن يراه بحكمته ورحمته أهلا للغفران جزاء لما سعد به من اختياره للأعمال الصالحات العظيمة التي


وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٩)أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ

____________________________________

تؤهله بكثرتها وكبير شأنها وعظيم اثرها في الصلاح أن يغفر الله برحمته وحكمته له بعض سيئاته وان لم يبادرها بالتوبة( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ ) في إلهيته وشؤونها( فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ) الافتراء اختلاق الكذب أي الكذب المختلق أي كذب اختلاقا ولأن الافتراء إثم وذنب جرى ذكر المصدر الذي هو الافتراء بصفته اللازمة وهو الإثم وذلك لزيادة البيان لقبحه ووباله و «عظيما» صفة للمصدر وهو الافتراء والإثم. وذلك لأن كل من أشرنا إليه من اقسام المشركين يعترفون بالإلهية وانه هو الإله الواجب الوجود وان كل ما يجعلونه من الشركاء هم مخلوقون لله ويشاهدون فيهم لوازم الحدوث ونقص الإمكان واحتياجه ومع ذلك يختلقون له صفة الإلهية بسفسطات مستحيلة ومقدمات فاسدة وتأويلات لا تروج إلّا في سوق الأهواء والأغراض الفاسدة وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في الجزء الأول ص ٣٥٦ وفي الصدر نفثات ٤٩( أَلَمْ تَرَ ) يا رسول الله أي ألم يصل إلى علمك ولذا عديت بكلمة «الى» كما تقدم وهذه كلمة تقال كثيرا في مقام الإنكار على الغير والتنبيه على رداءة فعله( إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) أي يزعمون أنَّ أنفسهم زكية بارة أي يزكونها بالزعم والدعوى. في مختصر التبيان هم اليهود والنصارى في قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ونسب غير ذلك إلى القيل. وفي مجمع البيان قيل نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا نحن أبناء الله واحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلّا من كان هودا أو نصارى وهو المروي عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) أقول ولم أجد للرواية أثرا وعليها فالتفسير بذلك لعله من باب الانطباق وبعض المصاديق. وفي الدّر المنثور ذكر من أخرج عن ابن عباس ما لا ينطبق على تزكية النفس( بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ) وفي هذا الإضراب اشارة واضحة الدلالة والبيان باكتفاء بارع وأسلوب جميل وحاصل ذلك انهم كيف يزكون أنفسهم ويدعون ذلك لهم ولقومهم مع ان ما يعلم ويشاهد ويعرفونه فيما بينهم من ظواهر الأحوال والأخلاق والأهواء والأعمال تعارضهم في ذلك وكيف لهم بإثبات دعواهم في أمورهم الخفية واعتقاداتهم السرية والزكي النفس إنّما هو من زكت اعماله وأخلاقه واعتقاداته في السر والعلانية فأين أنتم من التزكية وادعائها لو أردتم


وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٥٠)انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥١)أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ

____________________________________

الصدق بل الله العالم بالحقائق والخفيات هو الذي يزكي من يشاء ان يخبر بتزكيته من عباده الصالحين كما اخبر في قرآنه المجيد بتزكية أنبيائه ورسله وبعض أوليائه ووصفهم بالصلاح والإحسان( وَلا يُظْلَمُونَ ) أي هؤلاء الذين يزكون أنفسهم( فَتِيلاً ) أي مقدار فتيل وهو مفعول ثاني ليظلمون كما تقول ظلمني زيد مقدار فلس والفتيل في تفسير القمّي القشر الذي على النواة وفي التبيان الذي في شق النواة وكذا في المصباح وكذا في النهاية وفيها وقيل ما يفتل بين إصبعيك من الوسخ وفسره بهما وفي القاموس وذكر في الدّر المنثور من أخرجه عن ابن عباس انه الذي في شق النواة وانه استشهد له بقول النابغة الذبياني

يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو

ثم لا يرزأ الأعادي فتيلا

وقول الآخر

أعاذل بعض لومك لا تلحّي

فإن اللوم لا يغني فتيلا

وفي الدّر المنثور عن ابن عباس أيضا من طرق ان الفتيل ما خرج من بين الإصبعين أي من الوسخ عند ما تدلك ما بينهما. والغرض من ذكر الفتيل هو قلته وحقارته والمراد ان الله لا يظلم هؤلاء بهذا المقدار لو أحسنوا ولكن اين هذا من التزكية ٥٠( انْظُرْ ) يا رسول الله( كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) في شركهم وما ينسبونه إلى قدس الله جل وعلا وما شرعوه بأهوائهم وما يزعمونه من انهم أبناء الله واحباؤه إلى غير ذلك( وَكَفى بِهِ ) أي بالكذب على الله( إِثْماً مُبِيناً ) وموضحا لجرأتهم على الله ومحادته واقدامهم على المعاصي والفعل القبيح ٥١( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) باعتبار ما بقي من انقاض الكتب الإلهية التي ضيعها أسلافهم وبدلوها وحرفوها( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) اما الجبت ففي مختلف روايات في الدّر المنثور انه الساحر أو الأصنام أو الشيطان أو حي بني أخطب واقتصر في مختصر التبيان على نقل الأقوال بنحو ما ذكر وعلى هذا الترديد جرى في القاموس وفي مجمع البيان فسر الجبت والطاغوت بالصنمين اللذين كانا لقريش وفي الكشّاف الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله. هذا واما الطاغوت فقد أشرنا في الجزء الأول ص ٢٢٨ و ٢٢٩ إلى معناه في


وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥٢)أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٣)أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً

____________________________________

موارد استعماله. ولا يخفى من القرآن الكريم ان معنى الجبت شبيه بمعنى الطاغوت في رجوعه إلى الضلال وقد يسمى به الضال المضل وقد روي ان جماعة من اليهود مضوا إلى مكّة ليتألبوا مع مشركيها على حرب رسول الله فسجدوا لأصنامهم وقالوا ما حاصله أن مشركي مكّة اهدى سبيلا من رسول الله والمؤمنين معه والآية الشريفة تدل على نحو هذا المعنى من دون تعيين للأشخاص فالتعيين على عهدة الرواية( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ ) اشارة إلى قومهم الكافرين( أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي رسول الله وأصحابه( سَبِيلاً ٥٢ أُولئِكَ ) أي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب المذكورين في الآية هم( الَّذِينَ ) لأجل تمردهم ومحادتهم لله ورسوله وطغيانهم( لَعَنَهُمُ اللهُ ) وطردهم عن رحمته وتوفيقه وعذبهم بدل القتل والجلاء وسلب الأموال مهما تألبوا واستنصروا واعدوا العدة والعديد( وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ ) أي يلعنه الله( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) ومن ذا ينصر على الله من لعنه ٥٣( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) النقير كما في التبيان والكشاف والقاموس والمصباح وغيرها هو النقطة التي في ظهر النواة و «أم» هنا هي المنقطعة وهي التي لا تقع في اللفظ معادلة لهمزة استفهام قبلها وان تضمنت في الأكثر استفهاما إنكاريا مع ترق واضراب عن جملة قبلها تتضمن ابطال ما يشارك ما بعدها في الإنكار به عليهم كقوله تعالى( الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) و «اذن» هنا ملغاة عن العمل نحو قوله في سورة الاسراء ٧٥( وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلاً ) وقال بعض النحويين ان ذلك على سبيل الجواز فيما إذا وقعت اذن بعد الواو والفاء والظاهر اتفاقهم على ان نصبها المضارع مشروط بتصديرها كما في المغني وغيره وعبر ابن الحاجب عن هذا الشرط بأن لا يعتمد ما بعدها على ما قبلها وذكر الرضي من امثلة ذلك ان يكون ما بعدها جزاء للشرط الذي قبلها. أقول مراده الشرط الموجود في الكلام وينبغي ان يكون ما كان محذوفا كما في الآية ودل عليه اجزاء الكلام من نحو فاء الجزاء أو واو العطف على جزاء مقدر مع شرطه يدل عليهما سوق الكلام كما في آية الاسراء. هذا وان اذن في الأكثر تكون


(٥٤)أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ

____________________________________

جوابا وجزاء كما قال الشيخ الرضي وهو المعني بقول سيبويه اذن جزاء وحكاه في المغني عن سيبويه بدون تقييد بالأكثر وقال الشيخ الرضي كما اطلق النحاة ولكن قيده بذلك الفراء محتجا بقولهم أحبك فتقول اذن أظنك صادقا واختاره الشيخ الرضي وحجته قوله تعالى حكاية عن قول موسى لفرعون( فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) - هذا وقد سبق في الآيتين حال اليهود مع المشركين وضلالهم وتألبهم واماني غيهم ولعن الله لهم وذلك يتضمن الإنكار عليهم في حالهم النبي ومحادتهم لرسول الله والمؤمنين وفي أمانيهم الخاسئة في الانتصار عليهم فترقى القرآن عما سبق في توبيخهم وانتقل بالإضراب إلى الإنكار عليهم وتوبيخهم بوجه آخر وهو ان غرورهم وغلواءهم في الغي والمحادة هل لأن لهم نصيبا ذاتيا وحقا طبيعيا في ملك الله من حيث الدنيا والزعامة الدينية فيحتكرون ذلك عمن يشاءون فسفها لهم من اين يكون هذا الحق ويكفي في بطلان ادعائهم لذلك ما يعرف من حالهم الخسيس في الشبح وسنة الله في عباده وهو انهم ان كان لهم هذا النصيب والحق فاذن لا يؤتون الناس من هذا الملك مقدار نقير في الزنة والقيمة ولكن غيرهم من الناس قد نالوا اكثر منهم من مال الدنيا ورياساتها وزعاماتها الروحانية وما ذاك إلّا لأن أمر الملك بيد الله يؤتيه من يشاء.

فيكون حاصل الآية الكريمة هو الاضراب بالترقي في توبيخ اليهود على ما ذكر قبلها من تألبهم مع الطواغيت من المشركين على عداوة رسول الله والمؤمنين وتزلفهم للمشركين بتفضيلهم على المؤمنين والإنكار عليهم فيما تضمنه ضلالهم المذكور من أوهامهم تمنيهم أن ينتصروا بالمشركين على رسول الله والمؤمنين ٥٤( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) أي رسول الله باعتبار ما أوتي من الرسالة والوحي وسيطرتها وواجب الطاعة وكذا أمناء الله ورسوله على وحيه ودينه باعتبار مقامهم الرفيع في ذلك وواجب الطاعة وبهذا الاعتبار ما جاء في الصحيح المستفيض عن الباقر والصادق (ع) في الآية نحن المحسودون كما احصى بعضه في تفسير البرهان وقال ابن حجر في صواعقه أخرج ابن المغازلي عن الباقر (ع) نحن الناس أي المحسودون وفي الدّر المنثور أخرج ابن المنذر والطبراني من طريق عطا عن ابن عباس في الآية قال نحن الناس دون الناس( عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) كما أشرنا إليه فإن اليهود يحاولون بطغيانهم في الضلال وتوغلهم


فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبراهيم الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٥)فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٦)إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

____________________________________

في دناءة الحسد أن يخصوا كل نبوة وكل زعامة دينية بقومهم لأنهم كما يزعمون أنهم شعب الله وابنه البكر وأبناؤه وأحباؤه كل ذلك إعجابا بكونهم من بني إسرائيل لأجل مكان يعقوب عند الله. إذن فأين هم عن إبراهيم خليل الله رجل التوحيد وبطله وداعيته وشيخ النبوة ودعوتها وها هم العرب أولاد إسماعيل آل إبراهيم وكفى بذلك كرامة في الحسب الكريم. إذن فلترغم آنافهم( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبراهيم الْكِتابَ ) أي القرآن باعتبار انزاله على رسول الله سيد ولد إبراهيم وباعتبار استيداعه أمناء الوحي وكونهم عدل الكتاب في هدي الأمة واحد الثقلين الذين لا يضل من تمسك بهما وهما كتاب الله وعترة الرسول أهل بيته اللذين لن يفترقا حتى يردا على رسول الله الحوض كما تقدم ذكر الحديث في ذلك وتواتره في الجزء الأول ص ٤٣( وَالْحِكْمَةَ ) حكمة الرسالة وحكمة الإمامة( وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) وهو سلطان الرسالة وسيطرة الدين والشريعة والطاعة المفروضة على العباد ويتبع ذلك زعامة الإمامة التي هي عهد الله لإبراهيم في ذريته وفي الصحيح المستفيض عن الباقر والصادق (ع) كما في الكافي وبصائر الدرجات وتفسير العياشي وأحصى بعضه في تفسير البرهان ان الملك العظيم هي الطاعة المفروضة وهو تفسير بالأثر الظاهر الجامع مما ذكرناه وفي الكافي وبصائر الدرجات عن الباقر (ع) رواية في تفسير الآية واللتين قبلها ما يفضي بخلاف ما قلناه ويمكن تنزيل الرواية على ما ذكرناه والله العالم ٥٥( فَمِنْهُمْ ) أي من آل إبراهيم وقيل من اليهود والأول أقرب وأنسب( مَنْ آمَنَ بِهِ ) أي بالملك العظيم بدخولهم في الإسلام( وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ) تستعمل صد قاصرة بمعنى أعرض أي صرف نظره ووجهه عن الشيء المرئي له فيكون المعنى انهم أعرضوا عن الإيمان بهذا الملك العظيم بعد ما قامت به الحجّة الواضحة وكان لهم كالمرأي بالعيان فويل للذين لعنهم الله ويحسدون الناس على ماءاتاهم والذين يصدون عن سلطان الإسلام وملكه العظيم( وَكَفى بِجَهَنَّمَ ) في عذابهم( عِيراً ) بمعنى مسعور يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال سعر النار وأسعرها إذا أوقدها بل الذي يفهم من موارد الاستعمال هو إيقادها بشدة وشدة اتقادها ٥٦( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا


بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦)وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

____________________________________

بِآياتِنا ) فكفروا بالرسول الأكرم والكتاب الكريم( سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ) يوم القيامة( ناراً ) مسعرة يصلونها( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ) بسعيرها( بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) في الصورة بأن تعود بقدرة الله تلك الجلود الناضجة كالتي لم تنضج ليبقى فيها حسها فيدوم بذلك عذابهم فعن أمالي الشيخ مسندا وفي كتاب الاحتجاج عن الصادق (ع) انه سئل عن ذلك فقال هي هي وهي غيرها وضرب لهم المثل باللبنة إذا كسرتها حتى صارت ترابا ثم صببت عليها الماء وجبلتها لبنة على هيأتها فهي هي في المادة وانّما حدث التغيير والمغايرة في الصورة. أقول وهذا هو المنطبق على حكمة المعاد الجسماني(١) وان الله يحيي العظام وهي رميم ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأسراء( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيداً أو خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) (٢) وهو الوجه للرازي وجزم به أبو السعود( لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) الدائم( إِنَّ اللهَ كانَ ) ولا يزال( عَزِيزاً ) في حكمه( حَكِيماً ) في أعماله ٥٧( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

__________________

(١) وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في الجزء الثالث من المدرسة السيارة ص ١٢١ حتى ١٢٣ في الطبعة الأولى والثانية

(٢) ولكن صاحب المنار نسب هذا المروي للمتكلمين وقال انه سفسطة ظاهرة. وليته ابان الوجه في كونها سفسطة ظاهرة وقد اختار هو ان يكون ذلك من مقتضى العادة في الدنيا في ان الجلد إذا لفحته النار وفسد نبت تحته جلد آخر يخلفه كما جرى ديدنه في تفسيره من إبائه لخوارق العادة بقدرة وتنزيل ما جاء من ذلك في القرآن على السنة الكونية والنظام الطبيعي كما أشرنا إلى بعضه في بعض تعليقاتنا في هذا التفسير على كلامه ولكنه لماذا لا يلتفت ان أمر القيامة وبقاء الأجسام في تلك النار العظيمة المهولة دهورا وأحقابا إنّما هو خرق لما هو العادة والسنة الكونية في الحياة الدنيا واما ما يراه من نبات الجلد في الدنيا تحت الجلد المحترق فإنما هو من تقدير الله للنمو بالتغذي إذا لم يمنع ما قدر الله منعه كدوام النار عليه ومن اين يكون لأهل جهنم والسعير ذلك النمو المقدر في الدنيا والحال انهم في جهنم «ليس لهم طعام إلّا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع» بل جعل الجوع زيادة في العقاب لا لأجل التغذي والنمو فأين قياسه وكيف يقيس


الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً

____________________________________

الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) قد مر في متفرقات الجزء الأول تفسير ذلك في جمله ومفرداته( لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) في الفقيه عن الصادق (ع) اللاتي لا يحصن ولا يحدثن والظاهر انه (ع) ذكر اكبر القذارات الملازمة لنوع النساء ومقتضى إطلاق التطهير لهن انهن مبرات من كل نجاسة وخبث وقذارة في الخلقة والأخلاق

إلى هنا وقف براعه الشريف ولم يمهله الأجل «قده» لإتمام هذا السفر الجليل وقد أحب تعجيلا للخير ذكر الآية السادسة من سورة المائدة لمناسبة ذكر آية التيمم المار ذكرها قريبا في سورة النساء فقال طاب ثراه

وحيث ان الآية السادسة من سورة المائدة لها مشاركة مع آية التيمم في كثير من الأحكام آثرنا أن نتعرض لتفسيرها في هذا المقام قياما بحق المناسبة وما نحاوله من الاختصار وتعجيلا للخير ومن الله التوفيق والتسديد.

فلا يخفى انه يعرف من الآية ان الجنب لا يقرب الصلاة حتى يغتسل وان ذلك الاغتسال هو طهارة الجنب لاستباحة الصلاة كما يؤكده قوله تعالى في آية المائدة( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) كما يعرف من الآية ان المجيء من الغائط له قسم من الطهارة المائية مقابل لطهارة الجنب وعند فقد الماء يتيمم وقد أشرنا ان المجيء من الغائط كناية عما يعرض للذاهب إلى الغائط من خروج البول أو العذرة أو الريح ذات الصوت أو غيرها ولا يبعد ان ذلك معلوم عند المسلمين من السنة الشريفة من أول تشريع الصلاة وجاءت الآية مؤكدة لتشريعه على وجه الإشارة لحفظ تلك المشروعية وحجتها بما وعد الله به من حفظ القرآن الكريم نعم لا يفهم من الآية وجوب الطهارة للقيام من النوم فقال جل اسمه في سورة المائدة تأكيدا لحفظ شرعية الوضوء وصورته الواجبة في سورة المائدة التي دل الحديث المتفّق عليه بين المسلمين انها آخر ما نزل من القرآن وان أحكامها محكمة لم يعترها نسخ وتغيير( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ) متوصلين بقيامكم إلى الصلاة في التهيؤ لها. وليس المراد منه القيام الذي هو من أفعال الصلاة فإنه قيام للصلاة كالسجود للصلاة لا قيام إلى الصلاة وللرازي في المقام في المسألة الأولى كلام غير


منتظم. وروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن بكير(١) قلت لابي عبد الله يعني الصادق (ع) قوله تعالى( إِذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ) ما يعني بذلك قال (ع) إذا قمتم من النوم قلت ينقض النوم الوضوء قال نعم الحديث. وفي قلائد الدرر للجزائري وتفسير البرهان وفي تفسير العياشي عن بكير بن أعين عن أبي جعفر يعني الباقر (ع) في قول الله جل وعلا( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ) قال قلت ما عنى بها قال من النوم وروى مالك في الموطأ عن زيد بن اسلم(٢) ان تفسير هذه الآية إذا قمتم من المضاجع يعني النوم وفي الدّر المنثور أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن اسلم والنحاس وذكر مثله. واخرج ابن جرير عن السدي مثله( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) اطلاق الغسل يقضي بجريانه على العادة في الغسل بالماء ويوضحه قوله تعالى( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ) ماء وعلى النحو الذي لا يؤتى به لازالة وسخ تحتاج إلى ذلك وكثرة إفاضته للماء لأجل كثرته واستيلائه على الوجه بل يكفي فيه ما يحصل به غسل النقي عن الوسخ والحاجب للماء عن البشرة والعادة في مثله تقتضي انه باليد الواحدة وهي اليمنى وهي المعدة للأعمال مضافا إلى انها المطلوبة في الشرع للأعمال المحترمة ولا يكون الغسل للوجه بكلتا اليدين في العادة إلّا في مقام الحاجة إلى افاضة الكثير لأمر هو فوق مسمى الغسل كإزالة الخضاب مثلا أو التراب الكثير أو الطين ونجو ذلك مضافا إلى ان العادة في الوضوء هو استعمال اليد اليسرى بإفراغ الماء من الإناء في اليمنى إذا فلا حاجة ولا مداخلة لليسرى في الغسل. كما أنَّ المعتاد عليه في غسل الوجه ان يكون من أعلاه إلى أسفله فالإطلاق بحسب دليل الحكمة في الطبيعة المهملة إنّما يجري في الافراد العادية التي تتسابق بصدق الطبيعة إلى الذهن فيقال حينئذ لو أراد المتكلم افرادا خاصة من هذه لحصرها بالتقييد وأما الافراد الخارجة عن الغالب والمعتاد فلا تسبق إلى الذهن مع الغالب والمعتاد فلا يسري دليل الحكمة بالإطلاق إليها بل يقال حينئذ لو أرادها المتكلم لنص على ارادتها

__________________

(١) الظاهر الاتفاق على انه ثقة وان كان فطحيا وعن الكشي انه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه وأقروا له بالفقه

(٢) زيد ابن اسلم تابعي من الخامسة ثقة والنحاس ثقة فاضل من صغار العاشرة. والسدي إسماعيل بن عبد الرحمن صدوق بهم ورمي بالتشيع من الرابعة وإسماعيل بن محمد الفزاري نسيب السدي الأول أو ابن بنته أو أخته صدوق يخطى ورمي بالرفض من العاشرة. ومحمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل السدي كوفي متهم بالكذب من الثامنة (قب)


بما يمثلها للذهن بالاستقلال أو مع الافراد الغالبة المعتادة. هذا وان تعلق الغسل باسم الوجه يقضي بأن يغسل جميع ما يسمى وجها كما تقدم في صحيحة زرارة عن الباقر (ع) والمرجع في بيان مسمّى العرف العام ومن لم يغسله كلّه لم يتحقق منه غسل الوجه فلا يتحقق منه امتثال الأمر به ومن المعلوم الوجه من جانب الطول هو من قصاص شعر الناصية في مستوى الخلقة دون الأنزع والأغم إلى آخر الذقن وفي صحيح الكافي والفقيه والتهذيب عن زرارة قلت لابي جعفر الباقر (ع) أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي ان يوضأ الذي قال اللهعزوجل فقال (ع) الوجه الذي قال اللهعزوجل وأمر اللهعزوجل بغسله الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه ولا ينقص منه الذي ان زاد عليه لم يؤجر(١) وان نقص منه اثم ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه فقال له الصدغ(٢) من الوجه فقال لا (انتهى) والمراد من الوجه ما يواجه بالرؤية وان كان شعر اللحية والشارب( وَأَيْدِيَكُمْ ) وهي اسم للعضو المعروف وتشملها إلى الكتف ولا يدخل في مسماها الشعر فلا يكفي غسله عن غسل البشرة( إِلَى الْمَرافِقِ ) المرفق هو مجمع عظمي الذراع والعضد وجرت الآية على المعتاد والمتعارف من أنَّ الذي يغسل من اليد ما كان من ناحية الأصابع والكف والذراع فإنه المعرض لما يحتاج إلى الغسل دون ما كان من ناحية الكتف إلى المرفق فلا اطلاق في الآية ولا إجمال ولا إبهام كما أنّ العادة في غسل الذراع خصوصا من الغبار والأوساخ بل وللتبريد ان يغسل من الأعلى متدرجا إلى الأنامل فيجري الإطلاق عليه كما تقدم في تعيين المغسول في اليد إلى المرافق مع ان النكس في تمام غسل اليد مما يحتاج إلى صعوبة كما نرى ان العمل عليه لا يقع غالبا إلّا مبعضا وربما يجري على هذا ما في الدّر المنثور مما أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وما أخرجه أحمد ومسلم عن عمرو بن عتبة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديثه وإذا غسل وجهه كما امره الله إلّا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم غسل يديه إلى المرفقين إلّا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء (الحديث) وهو يوضح ان منتهى مجرى الغسل ومجرى الماء هي أطراف اللحية والأنامل أقول وحاصل المقام ان كلمة الى

__________________

(١) هذا في صورة عدم التشريع واما مع التشريع يأثم

(٢) الصدغ بضم الصاد وهو منبت الشعر ما بين مؤخر العين واصل الاذن في الانثي والذكر


ليس لتحديد الغسل وبيان انتهائه إلى المرفق بعد ابتدائه من أول اليد بل إنّما هي لتحديد المغسول كما تقول إغسل ثوبك إلى جيبه واخضب كفّك إلى مفصل الزند واصقل السيف إلى ضبته ونحو ذلك وعلى هذا اجماع الإمامية وحديثهم نعم يحكى عن بعضهم جواز النكس تشبثا بإطلاق الغسل كما في الامثلة المذكورة ولكن ما ذكرنا من العادة والغالب في غسل هذا المقدار من اليد يمنع الإطلاق عن النظر إلى غير الغالب المعتاد مضافا إلى صحيحة بكير وأخيه زرارة المروية في الكافي والتهذيبين في حكاية الباقر (ع) لوضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفيها فغسل يده اليمنى من الموفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفق ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكف لا يرد الماء إلى المرفق كما صنع في اليمنى ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء وفي رواية الكافي فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق والمراد إلى ناحية الكف ونحوهما في الصراحة رواية الكافي في الحسن كالصحيح عن زرارة عن الباقر (ع) وجاء لفظ المرافق باعتبار صورة الخطاب بالجمع( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) كما يقال اغسلوا أيديكم إلى مرافقكم وان كان لكل مكلّف مرفقان ويصح ان يقال إلى المرفقين باعتبار النظر إلى ان خطاب الجماعة بالتكليف ينحل في الحقيقة إلى خطابات متعددة بتعدد المخاطبين المكلفين فيذكر المرفقان باعتبار كل مكلف ولم يسمع في فصيح الكلام وصحيحه حل جمع الايدي إلى افرادها فيقال وأيديكم إلى المرفق باعتبار اليد الواحدة إلّا أن يقال فاغسلوا وجوهكم وأيديكم كل يد إلى المرفق وامسحوا أرجلكم كل واحدة إلى العقب والسر في ذلك ان غير الجموع الخطابية لا علاقة لها يحلها إلى المفردات إلّا ان يشار إلى المفرد بقولك كل واحدة أو كل يد أو كل رجل ثم تحكم على المفرد بحكمه فلا تقول ولم تسمع قسمت الدراهم إلى نصفين مثلا وإن تريد قسمة كل درهم إلى نصفين بل لا بد لك أن تقول قسمت الدراهم كل درهم إلى نصفين لأنّ الحكم يجره سوق الكلام إلى الجمع( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) قد بينا سابقا من مكان الباء التي هي للآلة أنَّ المسح بالرأس يكون ببعضه كما كان المسح في التيمم بالوجه ببعضه وقد سبقت الحجّة من الباقر (ع) على أنَّ المسح يكون ببعض الرأس.


فهرس الجزء الثاني في كتاب آلاء الرحمن

أوّله سورة النساء ٢

(سورة النساء) ٢

آدم ابو البشر وأصله ٣

آدم اصل البشر وما يزعمه أهل الصين ٤

صاحب المنار واستاذه - اوالارحام ٥

فانكحوا ما طاب ٦

تعدد الزوجات ٩

علامات البلوغ ١٤

رشد اليتيم ١٥

مال اليتيم ١٧

في الميراث ٢٣

ارث البنات والأبوين ٢٤

كلالة الأم ٢٧

الكافر لا يرث المسلم والمسلم يرث الكافر ٣١

العبد لا يرث. ولد الزنا لا يرث ٣٣

في التعصب ٣٤

في العول ٤٦

ارث الزوجة - الحبوة ٥٤

في التوبة المطلوبة ٥٨

عوائد بعض العرب إذا مات حميم الرجل وله امرأة ٥٩

في مصاديق الفاحشة ٦٠

معنى البهتان ٦١


ما ينسب إلى الشافعي في ولد الزنا ٦٣

ارضاع المحرم ٦٤

في الفرق بين ام الزوجة والربيبة ٦٦

حرمة ام الموطوءة بالملك ٦٧

في حرمة الربائب ٦٨

في حرمة حليلة الابن ومملوكته ٧٠

في حرمة حليلة الابن الرضاعي وكلام صاحب المنار في تحريم الجمع بين الاختين ٧١

في حرمة الجمع حتى في الملك ٧٢

متعة النساء ٧٤

متعة النساء وتسمية هذا النكاح بالمتعة ٧٦

متعة النساء ودوام مشروعيتها إلى ما بعد زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ٧٧

في متعة النساء ودعوى نسخها ٨٠

في متعة النساء وكلام صاحب المنار ٨٥

في متعة النساء وما يتشبث به لتحريمها ٨٦

تزويج الأمة ٩١

المراد من الإحصان ٩٢

معنى العنت ٩٤

معنى اللام في (ليبين) واشتباه الرازي ٩٥


لاتأكلوا: ومعنى الأكل ٩٧

في مصاديق قتل النفس ٩٨

معنى الكبائر والسبب لاخفائها ٩٩

في ان الأئمة كرسول الله (صلى الله عليه وآله) وارث من لا وارث له ١٠٤

في بيان من له سيطرة البعث ١٠٨

بيان الإحسان ١٠٩

بيان تكرار القربى ١١٠

لاتقربوا الصلاة وانتم سكارى والروايات الواردة في سبب نزولها ١١٥

اضطراب الروايات في سبب نزول لاتقربوا ١١٦

سبق تحريم الخمر وانه محرم في كل شريعة ١١٧

قصاص الرواة ينسبون لقدس رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشنع شيء ١١٨

المراد من (سكارى) هو سكر النوم ١١٩


المراد من (لا تقربوا) ١٢٠

في جواز اجتياز الجنب المسجد ١٢٤

معنى الصعيد ١٢٧

في بيان التيمم وكلام صاحب المنار ١٢٨

مزاعم صاحب المنار ودعوى القيد ١٢٩

معنى الطيب ١٣٠

كيفية التيمم ١٣١

في بيان الممسوح والممسوح به ١٣٢

معنى الطمس ١٣٥

ان الله لا يغفر ان يشرك به اي الرشك الدائم ١٣٦

في معنى التزكية ١٣٨

في معنى الفتيل لغة وموارد استعماله ١٣٩

ام يحسدون الناس ١٤١

في ان الناس هم النبي (صلى الله عليه وآله) واهل بيته ١٤١

في تفسير آية الوضوء ١٤٤


انا لله وانا اليه راجعون

قد انقطع (بالرغم منا و من المسلمين) سلك هذا السفر العظيم والكتاب الكريم قبل اختتامه اقصمت عروته الوثقى قبل انتهائه وفجع الاسلام و المسلمون بمفاجأة الأجل لعميدهم وعماده اعني الناظم لهذه الدرر المنثورة والجامع لشتات هذه اللئالئ المنشورة (هو) الذي عقمت النساء في هذه الأعصار ان يلدن له من مثيل وهيهات ان يرينا الدهر لمثله من نظير (هو) الذي لاغاية لأمد جهاده ولا منتهى لدى اصلاحه (هو) الذي تمثل مناضلا عن الدين ومدافعا عن شريعة سيد المرسلين.

(هو) الذي كان المزبر سادس أنامله والقرطاس أليف نهاره وسمير ليله (هو) الذي كان في حر النجف القائظ وبرده القارس جليس غرفته لا هم له الا الأخذ بناصر الدين والنظر في صالح المسلمين بتأليف او بيان الا (وهو) الامام المجاهد بطل العلم و العمل حجة الاسلام والمسلمين برهان الملة والدين آية الله البلاغي (الشيخ محمد جواد) بن الشيخ حسن النجفي طيب الله ثراه واحسن مثواه ولم يزل (قده) مكبا على التصنيف والتأليف بكل جد وسعي حتى تضاءلت قواه وضعفت باصرته على شيخوخة من عمره لكن في جدة من شباب عزيمته حتى انه (قده) أنهى اواخر هذا التفسير بالقائه على التلاميذ والكتبة المحتفين به على ما هو عليه من شدة المرض وغاية الضعف مطروحاً في فراش الموت فجزاه الله تعالى عن الاسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين وكان له (قده) من العمر ما بقرب من السبعين وكانت ولادته في النجف الاشرف من العراق في نف و ١٢٨٠ هـ وبها كان نشؤه وارتقاؤه ومبادئ تحصيله وأتم دروسه العالية لدى اعلام عصره الفطاحل آيات الله على الانام الحاج آقا رضا الهمداني. والشيخ محمد طه نجف. والمولى محمد كاظم الخراساني قدس الله تعالى اسرارهم ثم كانت هجرته الى سامراء على عهد الامام المقدم آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي طاب ثراه وطوى هنالك عشرا من الأعوام وبها ألف بعض كتبه (كالهدى) وغيره ثم غادرها لما احتلها الحشد البريطاني وهاجر من كان بها الى الكاظمية ومنهم المترجم (قده) ومكث فيها عامين له فيهما مساعية المشكورة مع العلماء الاعلام حول القضية العراقية وطلب الاستقلال وتسجيله وفيها ألف رسالته في تنحيس المتنجس ثم بارحها معرجا على النجف الأشرف ثانيا واقام بها الى ان صار أحد أعلامها الهداة والحجج والآيات ثم أتاه الأجل المحتوم وقضى نحبه سعيدا ليلة ٢٢ من شهر شعبان سنة ١٣٥٢ هـ وكان لوفاته (قده) أثر كبير في نفوس عظماء الدين كافة وأقيمت له الفواتح في جميع البلاد العراقية وتشادق الادباء في رثائه وتأبينه وطار نبأ فجيعته شرقا و غربا فنسأل الله تعالى أن يعلي في الخلد مقامه ويرفع اعلامه وكان تمام طبع الاوراق الأخيرة على بد الاحقر الراجي حسن الحسيني اللواساني النجفي عفي عنه في الثامن من شهر رجب الاصب سنة ١٣٥٥ هـ.


آلاء الرحمن في تفسير القرآن الجزء ٢

آلاء الرحمن في تفسير القرآن

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي
الناشر: مكتبة الوجداني - قم
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 152