مقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام من موروث أهل الخلاف الجزء 2
مؤلف: زهير ابن المرحوم الحاج علي الحكيمالإمام الحسين عليه السلام
مقتل أبي عبد الله الحسين (عليهالسلام )
من موروث أهل الخلاف
المجلد الثاني
المؤلّف : زهير بن علي الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الخامس
في أحداث الكوفة والشام والرجوع إلى المدينة
الأحداث التي جرت على حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) بعد المقتل إلى خروجهم من الكوفة
الرحيل إلى الكوفة , وحَمْل الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) مع عمّاته (عليهنّ السّلام) , وما قالته عقيلة الطالبيِّين (عليهاالسلام ) حين مرّوا بالقتلى، وبكاء الخيل على حوافرها، وقطع بقية الرؤوس وإرسالها...
روى الطبري والبلاذري - واللفظ للأوّل - قال : وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثمّ أمَر حميد بن بكير الأحمري، فأذّنَ في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحَمَل معه بنات الحسين (عليهالسلام ) وأخواته، ومَن كان معه من الصبيان، وعلي بن الحسين (عليهالسلام ) مريض(١) .
وروى الطبري والبلاذري - واللفظ للأوّل - قال :
قال أبو مخنف : فحدّثني أبو زهير العبسي، عن قرّة بن قيس التميمي، قال : نظرتُ إلى تلك النسوة لمـّا مررنَ بحسين (عليهالسلام ) وأهله وولده صِحْنَ، ولطمنَ وجوههنَّ.
قال : فاعترضتهنَّ على فرس، فما رأيتُ منظراً من نسوةٍ قط كان أحسن من منظرٍ رأيته منهنَّ ذلك اليوم، والله لهُنَّ أحسن من مها يبرين.
قال : فما نسيت من الأشياء لا أنسَ قول زينب ابنة فاطمة حين مرّت بأخيها الحسين (عليهالسلام ) صريعاً وهي تقول : يا محمّداه ! يا محمّداه ! صلّى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مُرمّلٌ بالدماء، مقطّع الأعضاء، يا محمّداه ! وبناتك
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٦، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١١.
سبايا، وذرّيتك مُقتّلة تسفي عليها الصبا.
قال : فأبْكَت والله كلَّ عدوٍّ وصديق.
قال : وقطف رؤوس الباقين، فسرَّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج، وعزرة بن قيس، فأقبلوا حتّى قَدِموا بها على عبيد الله بن زياد(١) .
وفي مقتل الخوارزمي قال : ثمّ أذّنَ عمر بن سعد بالناس في الرحيل إلى الكوفة، وحَمَل بنات الحسين وأخواته (عليهمالسلام )، وعلي بن الحسين (عليهالسلام )، وذراريهم، فلمـّا مرّوا بجثّة الحسين (عليهالسلام ) وجثث أصحابه صاحَت النساء، ولَطَمنَ وجهوهنَّ، وصاحت زينب : يا محمّداه ! صلّى عليك مليك السماء، هذا حسينٌ بالعراء، مُرمّلٌ بالدماء، معفّر بالتراب، مقطّع الأعضاء. يا محمّداه ! بناتك في العسكر سبايا، وذرّيتك قتلى تسفي عليهم الصبا، هذا ابنك محزوز الرأس من القفا، لا هو غائبٌ فيُرجى، ولا جريحٌ فيداوى.
وما زالت تقول هذا حتّى أبكت والله كلَّ صديقٍ وعدو، حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها، ثمّ قُطعت رؤوس الباقين ؛ فسرَّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج(٢) .
رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) يسطع نوره إلى السماء
روى الطبري قال : قال هشام : فحدّثني أبي، عن النوار بنت مالك، قالت : أقبل خولي برأس
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٦، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٤ - ٤٥.
الحسين (عليهالسلام )، فوضعه تحت إجانة في الدار، ثمّ دخل البيت فأوى إلى فراشه , فقلت له : ما الخبر ؟ ما عندك ؟
قال : جئتكِ بغنى الدهر ؛ هذا رأس الحسين معكِ في الدار.
قالت : فقلت : ويلك ! جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت برأس ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ! لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيتاً أبداً.
قالت : فقمتُ من فراشي فخرجت إلى الدار، فدعا الأسدية فأدخلها إليه، وجلستُ أنظر.
قالت : فوالله ما زلتُ أنظر إلى نورٍ يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيتُ طيراً بيضاً ترفرف حولها.
قالت : فلمـّا أصبحَ غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد(١) .
وقال ابن كثير : وأمَر برأسه أنْ يُحمل من يومه إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي، فلمـّا انتهى به إلى القصر وجَده مغلقاً، فرجع به إلى منزله، فوضعه تحت إجانة وقال لامرأته نوار بنت مالك : جئتك بعزِّ الدهر. فقالت : وما هو ؟ فقال : برأس الحسين.
فقالت : جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت أنت برأس ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ! والله لا يجمعني وإيّاك فراش أبداً، ثمّ نهضت عنه من الفراش، واستدعى بامرأةٍ له اُخرى من بني أسد فنامت عنده.
قالت المرأة الثانية الأسدية : والله ما زلتُ أرى النور ساطعاً من تلك الإجانة إلى السماء، وطيوراً بيضاً ترفرف حولها، فلمـّا أصبح غدا به إلى ابن زياد، فأحضره بين يديه.
ويقال : إنّه كان معه رؤوس بقية أصحابه، وهو المشهور، ومجموعهما اثنان وسبعون رأساً ؛ وذلك أنّه ما قُتل قتيل إلّا احتزّوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثمّ
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٥ -٣٣٦، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٢٠٦.
بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام(١) .
ما فعله شمر بزوجته لمـّا منعته من أخذ رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى العلّامة الحافي أو الخوافي الشافعي، قال : قال الواقدي : لمـّا حمل الشمر رأس الحسين (عليهالسلام ) جعله في مخلاة، وذهبَ به إلى منزله، فوضعه على التراب وجعل عليه إجانة، فخرجت امرأته فرأت نوراً ساطعاً عند الرأس إلى عنان السماء، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً تحتها، فجاءت إلى شمر فقالت : رأيتُ كذا وكذا، فأيُّ شيء تحت الإجانة ؟
قال : رأس خارجي قتلته، واُريد [ أن ] أذهب به إلى يزيد ليعطيني عليه مالاً كثيراً.
قالت : ومَن يكون ؟ قال : الحسين بن علي.
فصاحت وخرّت مغشية، فلمـّا أفاقت قالت : يا شرّ المجوس ! أما خفتَ من إله الأرض والسماء ؟! ثمّ خرجت من عنده باكية، ورفعت الرأس وقبّلته ووضعته في حِجرها، ودَعَت نساءً يساعدنها بالبكاء، وقالت : لعن الله قاتلك.
فلمـّا جَنَّ الليل غلب عليها النوم، فرأت كأنّ الحائط قد انشقّ بنصفين وغشي البيت نور، وجاءت سحابة فإذا فيها امرأتان، فأخذتا الرأس وبكتا، فسألت عنهما , فقيل : إنّهما خديجة وفاطمة (عليهماالسلام ). ثمّ رأت رجالاً وفي وسطهم إنسان وجهه كالقمر ليلة تمّه، فسألت عنه، فقيل : محمّد (صلىاللهعليهوآله )، وعن يمينه حمزة وجعفر وأصحابه، فبكوا وقبّلوا الرأس.
ثمّ جاءت خديجة وفاطمة (عليهماالسلام ) إلى امرأة الشمر وقالتا لها : تمنّي ما شئتِ، فإنّ لكِ عندنا منّةً ويداً بما فعلتِ، فإن أردتِ أن تكوني من رفقائنا في الجنّة فأصلحي أمركِ فإنّا منتظرون.
فانتبهت من النوم ورأس الحسين (عليهالسلام ) في حِجرها، فجاء الشمر لطلب الرأس فلَم تدفعه إليه، وقالت له : يا عدو الله , طلّقني فإنّك يهودي، والله لا أكون معك أبداً.
فطلّقها، فقالت : والله لا
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٦، وفي ط / ٢٠٤.
أدفع إليك هذا الرأس أو تقتلني، فضربها ضربةً كانت منيّتها فيها، وعجَّل الله بروحها إلى الجنّة(١) .
ما ذكره القندوزي في حَمْلهم حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) من كربلاء إلى الكوفة، وضرب عقيلة الطالبيِّين (عليهاالسلام ) رأسها حتّى خرج الدم...
وفي ينابيع المودة قال القندوزي : ثمّ إنّ عمر بن سعد جمع قَتلاه وصلّى بهم ودفنهم، وتَرك الحسين وأصحابه (رضياللهعنه م وأرضاهم )، فعمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفّنوا الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه ( رضي الله عنهم وأرضاهم).
ثمّ إنّ عمر بن سعد توجّه إلى الكوفة بالسبايا على الجمال، نحو أربعين جملاً بغير وطاء ولا غطاء، وفَخْذا علي بن الحسين (عليهالسلام ) يترشّحان دماً، وهو يقول :
يا أُمَّةَ السوءِ لا سقيا لربعِكُمُ |
يا أُمَّةً لم تراعِ جدَّنا فينا |
|
لو أننا ورسولَ اللهِ يجمعُنا |
يومُ القيامةِ ما كنتم تقولونا |
|
تسيِّرونا على الأقتابِ عاريةً |
كأننا لم نُشَيِّدْ فيكُمُ دينا |
|
تصفِّقون علينا كَفَّكُم فَرَحاً |
وأنتُمُ في فِجَاجِ الأرضِ تسبونا |
وكان أهل الكوفة يناولون الأطفال بعض التمر والخبز، وقالت اُمّ كلثوم : إنّ الصدقة علينا حرام، وصارت تأخذ من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به الأرض وتقول : يا أهل الكوفة , تقتُلنا رجالِكم، وتبكي علينا نساؤكم ! فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء.
____________________
(١) التبر المذاب للعلاّمة الحافي أو الخوافي الشافعي / ١٠١، نقلاً من إحقاق الحق ٢٧ / ٣٤٢ للسيد المرعشي (قدسسره ).
فلمـّا رأت زينب (عليهاالسلام ) رأس أخيها قد حُزَّ أتوا بالرؤوس مقدّماً عليها , نطحت جبهتها بمقدّم الأقتاب فخرج الدم منها، وجعلت تقول :
يا هلالاً لما استتمَّ كَمَالا |
غاله خَسْفُه فأبدى غروبا |
|
ما توهَّمْتُ يا شقيقَ فؤادي |
كان هذا مقدَّراً مكتوبا |
|
يا أخي فاطم الصغيرةُ كلِّم |
ها فقد كاد قَلْبُها أن يذوبا |
|
يا أخي ما ترى عليّاً لدى الأسـ |
ر مَعَ اليتمِ لا يطيقُ ركوبا |
|
كلَّما أوجعوه بالضربِ نادا |
ك بذلٍّ يفيضُ دمعاً سكوبا |
|
ما أذلَّ اليتيمَ حين ينادي |
بأبيه ولا يراه مجيبا(١) |
ما ذكره الإسفرايني في حَمل حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) من كربلاء إلى الكوفة , وحالهم
روى الإسفرايني قال : ( قال الراوي ) : قال بعضهم : لم أنسَ زينب (عليهاالسلام ) وهي واضعة يدها على رأسها، وهي تقول : وا محمّداه ! هذا الحسين مزمّلٌ بالدماء، صريعٌ بكربلاء , مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، وإلى الله المشتكى، وإلى محمّد المصطفى، وإلى علي المرتضى , وإلى حمزة سيد الشهداء.
قال : ثمّ بكت، وقالت : والله على كلِّ شيءٍ شهيد وحفيظ.
ثمّ إنّها أخذت بيد فاطمة الصغرى بنت الحسين (عليهالسلام ) - وهو كان يحبُّها حبّاً شديداً - فجعلت تمرِّغ خدّها وشعرها في منحر أبيها، وهي تنادي : وا أبتاه ! يعزُّ عليَّ والله أن اُناديك وتخيّبني(٢) .
وفي نور العين للإسفرايني قال :
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٨٦.
(٢) نور العين في مشهد الحسين - أبو إسحاق الإسفرايني /٥٥، وفي ط / ٤٧.
( قال الراوي ) : فأمر ابن سعد أن تؤخذ النساء عن جسد الحسين (عليهالسلام ) بالرغم عنهنّ، فحُملوا على أقتاب الجمال بغير غطاءٍ ولا وطاء، مكشوفات الوجوه بين الأعداء، وساقوهم كما تساق سبايا الروم في شرِّ المصائب والهموم، وتركوا القتلى مطروحين بأرض كربلاء، فتولّى دفنهم قومٌ من الجن، فصلّوا على تلك الجثث الطاهرة المزمّلة بالدماء، ودفنوهم على ما هُم عليه.
وارتحل العسكر إلى الكوفة ومعهم ثمانية عشر رأس علويٍّ، قطّعوهم وقت قطع رأس الحسين (عليهالسلام ) ؛ وهُم إخوته وأولاده وبنو عمِّه، وحملوهم(١) على أطراف الرماح، وشهروها على الأعلام. ورأس الحسين (عليهالسلام ) قد صعد له نورٌ من الأرض إلى السماء مثل العمود المستقيم بلا انحراف، وكان القوم يسيرون في الظلام على نوره، وصيَّروه على رأس عمر بن سعد إلى أن دخلوا الكوفة.
قال مسلم الجصّاص : كنت في ذلك اليوم دُعيت لأجصّص دار ابن زياد، فبينما أنا أشتغل وإذا بالأصوات وقد رُفعت في جوانب الكوفة، فسألت خادماً عن ذلك , فقال : ستأتي إلينا رأس خارجي.
فقلت : ما اسم صاحبها ؟ فقال لي : الحسين.
فلمـّا سمعتُ ذلك تركته حتّى خرج، ثمّ لبستُ عمامتي وثيابي بعد أن غسلت وجهي ويدي ورجلي، وخرجت من القصر، فوصلتْ الرأس وأنا على بكاءٍ عظيم، فرأيتُ أهل الكوفة لابسين الثياب الفاخرة وهُم يرتقبون رأس الحسين (عليهالسلام ) عند دخولها، وبعد قليل أقبلت الجمال عليها حريم الحسين (عليهالسلام ) والشهداء، وهُم بغير وطاءٍ ولا غطاءٍ، وزين العابدين (عليهالسلام ) راكب على بعير، وهو ضعيف، ورأيت أفخاذهم تشخب دماً.
ولمـّا رأى زين العابدين (عليهالسلام ) أهل الكوفة مرتقبين دخولهم مع رأس ابن بنت سيد المرسلين بكى بكاءً عظيماً، ثمّ أنشد
____________________
(١) وفي ط : (وشالوهم) بدل (حملوهم).
يا أُمَّةَ الشرِّ لا يدنو مَزَارُكُمُ |
يا أُمَّةً ما تراعي جدَّنا فينا |
|
غداً فإن رسولَ اللهِ يجمعُكمْ |
يوم القيامةِ عِدُّوا ما تقولونا |
|
يا أُمَّةَ الشرِّ ما هذا الترقُّبُ في |
تلك المصائبِ لا تبكون داعينا |
|
تصفِّقون على أيديكُمُ فرحاً |
وأنتُمُ في فجاجِ الأرض تسبونا |
|
أليس جدِّي رسول الله وَيْحَكُمُ |
أهدى البريةِ عن سُبْلِ المضلينا(١) |
وجعل يقول :
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين - أبو إسحاق الإسفرايني / ٥٥، وفي ط / ٤٨. قال العلّامة المجلسي (أعلى الله مقامه) في بحار الأنوار ٥٤ / ١١٤ :
أقول : رأيتُ في بعض الكتب المعتبرة، روى مرسلاً عن مسلم الجصّاص قال : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصّص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلتُ على خادم كان معنا , فقلت : ما لي أرى الكوفة تضجّ ؟
قال : الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد. فقلت : مَن هذا الخارجي ؟ فقال : الحسين بن علي (عليهالسلام ).
قال : فتركتُ الخادم حتّى خرج , ولطمت وجهي حتّى خشيت على عيني أن تذهب، وغسلت يدي من الجصِّ وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقّعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقّة تُحمل على أربعين جملاً , فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة (عليهاالسلام )، وإذا بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) على بعيرٍ بغير وطاء، وأوداجه تشخب دماً، وهو مع ذلك يبكي ويقول :
يا أُمَّةَ السوءِ لا سقياً لربعكِمُ |
يا أُمَّةً لم تراعِ جدَّنا فينا |
|
لو أننا ورسولَ اللهِ يجمعُنا |
يوم القيامةِ ما كنتم تقولونا |
|
تسيِّرونا على الأقتابِ عاريةً |
كأننا لم نشيِّدْ فيكُمُ دينا |
|
بني اُميّةَ ما هذا الوقوفُ على |
تلك المصائبِ لا تلبون داعينا |
|
تصفِّقون علينا كفَّكم فَرَحاً |
وأنتُمُ في فِجَاجِ الأرض تسبونا |
|
أليس جدِّي رَسُول اللهِ ويلَكُمُ |
أهدى البريةِ من سُبْلِ المضلينا |
|
يا وقعةَ الطفِّ قد أورثتِنِي حَزَناً |
واللهُ يهتكُ أستارَ المسيئينا |
قال : وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم اُمّ كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة , إنّ الصدقة علينا حرام. وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض.
قال : كلّ ذلك والناس يبكون على ما أصابهم... إلخ.
وروى الخوارزمي قال : وساق القوم حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كما تساق الاُسارى، حتّى إذا بلغوا بهم الكوفة خرج الناس ينظرون إليهم، وجعلوا يبكون ويتوجّعون، وعلي بن الحسين (عليهالسلام ) مريضٌ مغلولٌ مكبّلٌ بالحديد، قد نهكته العلّة، فقال : ( ألا إنّ هؤلاء يبكون ويتوجّعون من أجلنا، فمَن قتلنا إذاً ؟!)(١) .
ابن زياد جعل جُعْلاً لمـّن يأتي بالإمام علي بن الحسين (عليهالسلام )... ووجود اُمّه (عليهالسلام )
وروى البلاذري قال : وحدّثني بعض الطالبيِّين : أنّ ابن زياد جَعل في علي بن الحسين (عليهالسلام ) جُعْلاَ، فأُتي به مربوطًا(٢) .
روى ابن الجوزي قال : أنبأنا الحسين بن محمّد بن عبد الوهاب، قال : أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال : أخبرنا طاهر المخلص، قال : أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال : حدّثنا الزّبير بن بكار، قال : حدّثني عمِّي مصعب بن عبد الله، قال : كان علي بن الحسين الأصغر (عليهالسلام ) مع اُمِّه - وهو يومئذ ابن ثلاث وعشرين سنة - وكان مريضاً، فلمـّا قُتل الحسين (عليهالسلام ) قال عمرو بن سعد : لا تعرضوا لهذا المريض.
قال علي بن
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢/ ٤٥.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢.
الحسين (عليهالسلام ) : (( فغيّبني رجلٌ فأكرم منزلي واختصّني، وجعل يبكي كلمـّا دخل وخرج، حتّى كنتُ أقول : إنْ يكن عند أحدٍ خير فعند هذا.
إلى أن نادى منادي عبيد الله بن زياد : ألا مَن وجد علي بن الحسين فليأتِ [ به ]، فقد جعلنا فيه ثلاثمئة درهم. قال : فدخل عليَّ والله وهو يبكي، وجعل يربط يدي إلى عنقي ويقول : أخاف. وأخرجني إليهم مربوطاً حتّى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمئة درهماً وأنا أنظر !
واُدخلت على ابن زياد فقال : ما اسمك ؟ فقلت : علي بن الحسين. فقال : أولم يقتل الله عليّاً ؟ قلتُ : كان أخي يقال له : علي أكبر منِّي قتله الناس. قال : بل الله قتله. قلت :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ).
فأمر بقتله، فصاحت زينب بنت علي : يابن زياد، حسبك من دمائنا ! بالله إن قتلته إلا قتلتني معه، فتركه. فلمـّا صار إلى يزيد بن معاوية قام رجل (من) أهل الشام فقال : سباياهم لنا حلال. فقال : علي بن الحسين (عليهالسلام ) : (( كذبت , ما ذلك لك إلّا أن تخرج من ملَّتنا...))(١) .
أقول : والظاهر أنّها اُمُّ علي الأكبر (عليهالسلام ) ؛ وذلك لأنّ أُمّ الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهالسلام ) ماتت في نفاسها، وأيضاً لِما صرّح به الإسفرايني في مقتل علي الأكبر (عليهالسلام ) حيث قال : وحمله ( أي علي الأكبر (عليهالسلام ) ) عند القتلى، وصارت أُمّه سهرانة ولهانة(٢) .
خطبة عقيلة الطالبيِّين زينب بنت أمير المؤمنين (عليهاالسلام ) في الكوفة
روى الخوارزمي قال : وقال بشير بن حذلم الأسدي : نظرتُ إلى زينب بنت علي (عليهاالسلام ) يومئذ، ولم أرَ خفِرة قط أنطق منها، كأنّما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام )
____________________
(١) المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٢) نور العين في مشهد الإمام الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٤٤، وفي ط/ ٣٤
وتفرغ عنه، أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، فقالت : الحمد الله والصلاة على أبي محمّد رسول الله وعلى آله الطيبين الأخيار آل الله.
وبعد يا أهل الكوفة , يا أهل الختل والخذل والغدر، أتبكون ؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلُكم كمَثَل التي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً، أتتخذون أيمانكم دَخَلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلّا الصلف والطنف , والشنف والنطف , وملق الإماء وغمز الأعداء , كمرعى على دمنة، أو كقصة على ملحودة، ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون وتنتحبون ؟! أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ؛ فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء، وسيّد شباب أهل الجنة , وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ومدرة ألسنتكم ؟! ألا ساء ما تزرون وبُعداً لكم وسحقاً ! فلقد خاب السعي , وتبَّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضبٍ من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة.
ويلكم يا أهل الكوفة ! أتدرون أيّ كبد لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فريتم ؟ وأيّ دمٍ له سفكتم ؟ وأيّ كريمةٍ له أبرزتم ؟ وأيّ حريمٍ له أصبتم ؟ وأيّ حرمةٍ له انتهتكم ؟( لَقَدْ جِئْتُمْ شيئاً إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) (١) .
إنّ ما جئتم بها لصلعاء، عنقاء، سوآء، فقماء، خرقاء، شوهاء كطلاع الأرض، وملاء السماء. أفعجبتم أن قطرت السماء دماً ؟ ولعذاب الآخرة أشدُّ وأخزى وأنتم لا تنصرون.
____________________
(١) سورة مريم / ٨٩ - ٩٠.
فلا يستخفنَّكم المهل ؛ فإنه (عزَّ وجلَّ) لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، كلاّ إنّ ربّكم لبالمرصاد، فترقّبوا أوَّلَ النحل(١) وآخرَ صاد(٢) .
قال بشير : فوالله، لقد رأيت الناس يومئذ حيارى كأنّهم كانوا سكارى , يبكون ويحزنون , ويتفجّعون ويتأسّفون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم.
قال : ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفاً إلى جنبي، قد بكى حتّى أخضلت لحيته بدموعه، وهو يقول : صدقتِ بأبي وأُمِّي ! كهولكم خير الكهول، وشبَّانكم خير الشباب، ونساؤكم خير النسوان، ونسلكم خير نسل، لا يُخزى ولا يُبزى(٣) .
وفي بلاغات النساء نَسب هذه الخطبة إلى اُمّ كلثوم(٤) ، وكذا في التذكرة الحمدونيّة، وفي نور العين للإسفرايني.
روى ابن طيفور قال : عن سعيد بن محمّد الحميري أبو معاذ، عن عبد الله بن عبد الرحمن - رجلٌ من أهل الشام - عن شعبة، عن حذام الأسدي، وقال مرّة اُخرى : حذيم، قال : قدمتُ الكوفة سنة إحدى وستّين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين (عليهالسلام )، فرأيتُ نساء أهل الكوفة يومئذٍ يلتدمنَ مهتّكات الجيوب، ورأيتُ علي بن الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول بصوتٍ ضئيل، وقد نحل من المرض : (( يا أهل الكوفة , إنّكم تبكون علينا، فمَن قتلنا غيركم ؟! )).
ثمّ ذَكر الحديث وهو على لفظ هارون بن
____________________
(١) أي( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) سورة النحل / ١.
(٢) أي( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) سورة ص / ٨٨.
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٦ - ٤٧.
(٤) يدلّ هذا على أنّ السّيدة اُمّ كلثوم (عليهاالسلام ) اسمها زينب أيضاً، وهذه كنيتها.
مسلم، وأخبر هارون بن مسلم بن سعدان قال : أخبرنا يحيى بن حماد البصري، عن يحيى بن الحجّاج، عن جعفر بن محمّد , عن آبائه (عليهمالسلام ) قال : لمـّا أدخل بالنسوة من كربلاء إلى الكوفة كان علي بن الحسين (عليهالسلام ) ضئيلاً قد نهكته العلّة، ورأيتُ نساء أهل الكوفة مشقّقات الجيوب على الحسين بن علي (عليهالسلام )، فرفع علي بن الحسين بن علي (عليهمالسلام ) رأسه فقال : (( ألا إنّ هؤلاء يبكين , فمَن قتلنا ؟! )).
ورأيتُ اُمّ كلثوم (عليهاالسلام )، ولم أرَ خفرة والله أنطق منها , كأنّما تنطق وتفرغ على لسان أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فلمـّا سكنت الأنفاس وهدأت الأجراس، قالت : أبدأ بحمد الله والصلاة والسّلام على جدِّي.
أمّا بعد , يا أهل الكوفة يا أهل الختر والخذل , ألا فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنة إنّما مثلُكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً , تتخذون أيمانكم دَخَلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلّا الصلف والشنف، وملق الإماء وغمز الأعداء، وهل أنتم إلّا كمرعى على دمنة، وكفضة على ملحودة ؟! ألا ساء ما قدّمت أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون ؟! أي والله فابكوا وإنّكم والله أحرياء بالبكاء، فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً ؛ فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسلٍ بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، وسيّد شبّاب أهل الجنّة، ومنار محجّتكم، ومدرة حجّتكم، ومفرخ نازلتكم.
فتعساً ونكساً ! لقد خاب السعي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضبٍ من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة( لَقَدْ جِئْتُمْ شيئاً إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) (١) .
____________________
(١) سورة مريم / ٨٩ - ٩٠.
أتدرون أيّ كبدٍ لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فريتم ؟! وأيّ كريمةٍ له أبرزتم ؟! وأيّ دمٍ له سفكتم ؟! لقد جئتم بها شوهاء خرقاء، شرّها طلاع الأرض والسماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دماً , ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينظرون.
فلا يستخفنّكم المهل ؛ فإنّه لا تحفزه المبادرة، ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلاّ إنّ ربّك لنا ولهم لبالمرصاد. ثمّ ولَّت عنهم.
قال : فرأيتُ الناس حيارى، وقد ردّوا أيديهم إلى أفواههم، ورأيتُ شيخاً كبيراً من بني جعفر وقد أخضلّت لحيته من دموع عينيه، وهو يقول :
كهولُهمْ خيرُ الكهول ونسلهمْ |
إذا عدّ نسلٌ لا يبورُ ولا يخزى |
وحدّثنيه عبد الله بن عمرو قال : حدّثني إبراهيم بن عبد ربّه بن القاسم بن يحيى بن مقدم المقدمي، قال : أخبرني سعيد بن محمّد أبو معاذ الحميري، عن عبد الله بن عبد الرحمن - رجلٌ من أهل الشام - عن حذام الأسدي، قال : قدمتُ الكوفة سنة إحدى وستّين، وهي السنة التي قُتل فيها الحسين بن علي (عليهالسلام )، فرأيتُ نساء أهل الكوفة يومئذٍ يلتدمنَ مهتكات الجيوب، ورأيتُ علي بن الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول بصوتٍ ضئيل، وقد نحل من المرض : (( يا أهل الكوفة، إنّكم تبكون علينا، فمَن قتلنا غيركم ؟! )).
وسمعتُ اُمّ كلثوم بنت علي (عليهماالسلام )(١) , فَلَم أرَ خفرة والله أنطق منها، كأنّما تنزع عن لسان أمير المؤمنين علي (عليهالسلام )، وأشارت إلى الناس أن أمسكوا , فسكنت الأنفاس وهدأت، فقالت : الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة على جدّي سيّد المرسلين. أمّا بعد، يا أهل الكوفة... والحديث على لفظ ابن سعدان(٢) .
____________________
(١) وفي الأصل : وهي تقول : فلم أرَ خفرة... والظاهر ما أثبتناه، وهو موافق لرواية ابن حمدون.
(٢) بلاغات النساء / ٢٣، التذكرة الحمدونيّة / ٣٩٨٣، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
خطبتا العقيلة زينب (عليهاالسلام )، والإمام زين العابدين (عليهالسلام ) برواية الإسفرايني
روى الإسفرايني قال : (قال الراوي) : فصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين في المحافل الخبز، فصاحت اُمّ كلثوم : يا أهل الكوفة , حَجر في رأس مَن تصدّق علينا. ثمّ أخذت ما أعطوه للأطفال ورمته عليهم، فعند ذلك ضجَّت الناس بالبكاء والنحيب، وهُم ينظرون إليهم، فنظرتْ إليهم اُمّ كلثوم وقالت : غضّوا أبصاركم عنَّا.
فلمـّا سمعنَها النساء في الربوع بَكينَ عليهنَّ، فقالت : ويحكنَّ ! تقتُلنا رجالُكم وتبكي علينا عيونُكم ! الله يحكم بيننا وبينكم. فوالله ما حُبِسَتْ عنَّا نصرة الله في الدنيا إلّا لاكتساب نعيم الآخرة ؛ لارتفاع مقامنا في الآخرة، وأنتم سوف تَرِدون إلى جهنم. يا ويلكم ! أتدرون أيّ دمٍ سفكتم، وأيّ لحمٍ قطعتم ؟!
قال بشير الأسدي : نظرتُ إلى زينب بنت علي (عليهاالسلام ) فكأنّها هو، ورأيتها قد أومأت للناس أن اسكتوا، فهدأت الأنفاس، وسكتت الأصوات، ثمّ قالت : الحمد لله والصلاة والسّلام على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
أيُّها الناس، اعلموا أنّ مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دَخَلاً بينكم، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أنْ سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون.
قتلتم سبط خاتم النبوّة سيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خِيرَتكم , ومنار حجّتكم، ويا ويلكم ! أتدرون أيّ كريمةٍ له سبيتم ؟! وأيّ دمٍ له سفكتم ؟! ثم بَكَت.
فتقدّمت اُمّ كلثوم وقالت : ويلكم ! قتلتم حسيناً، وخذلتموه ونهبتم أمواله وورثتموها(١) ، وسبيتم نساءه وهتكتموهنَّ ! أيُّ داهيةٍ دهتكم ؟! وأيُّ مصيبةٍ أصابتكم ؟!
____________________
(١) وفي ط : (وورثتموه) بدل (وورثتموها).
وجعلت تقول :
قتلتم أخي ظلماً فويلَكُمُ غداً |
ستُصلون ناراً حرُّها يتوقَّدُ |
|
سفكتم دِمَا آلِ النبيِّ وسفكُها |
مُحَرِّمه ربُّ العباد وأحمدُ |
|
ألا أبشروا بالنارِ يا أهلَ كوفةٍ |
جَهَنَّمُ فيها جَمْعُكُم يتخلَّدُ |
|
وإني لأبكي في حياتي على أخي |
على خيرِهِ مِنْ بَعْدِه ليس يوجدُ |
(قال الراوي) : فضجَّت الناس بالبكاء، فتقدّم زين العابدين (عليهالسلام ) وأومأ للناس أن اسكتوا , فقال : ((الحمد لله والصلاة والسّلام على رسول الله، إنَّه(١) أيُّها الناس , مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني أنا أُعرّفه بنفسي ؛ أنا علي بن الحسين بن علي، أنا ابن المذبوح بشط الفرات، أنا ابن مَن تهتّكت حريمُه، وانتُهب مالُه، وسُلب مُلكُه(٢) ، فأيُّ عينٍ تنظرون بها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إذا قال لكم : قتلتم عترتي، وهتكتم حرمتي، فلستم من أمتي ؟! )).
فعند ذلك ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، وقال بعضهم لبعض : هلكتم.
ثمّ بكى علي زين العابدين (عليهالسلام ) وجعل يقول :
قتلتم عليّاً قبل ذلكُمُ الرضا |
لقد كان خيراً من حسينٍ وأكرما |
|
فلا تفرحوا يا أهلَ كوفةِ بالذي |
أصاب حُسيناً كان ذلك أعظما(٣) |
____________________
(١) وفي ط : بدون ( إنه ).
(٢) وفي ط : بدل ( ملكه ) ( نعيمه ).
(٣) نور العين في مشهد الحسين لأبي إسحاق الإسفرايني / ٥٦ - ٥٧، وفي ط / ٤٨ - ٤٩.
ابن سعد يرسل مَن يبشّر أهله بنصره، وما فعله ابن زياد برأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) , وما جرى بين ابن زياد وزيد بن أرقم
روى الطبري، والبلاذري، والدينوري، والطبراني، وابن عساكر، والمتقي الهندي , وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال : دعاني عمر بن سعد فسرّحني إلى أهله لأبشّرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلتُ حتّى أتيتُ أهله فأعلمتهم ذلك.
ثمّ أقبلتُ حتّى أدخل , فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجِد الوفد قد قَدِموا عليه، فأدخلهم وأذِنَ للناس، فدخلتُ فيمَن دخل، فإذا رأس الحسين (عليهالسلام ) موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة، فلمـّا رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب، قال له : اعلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيتُ شَفَتي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على هاتين الشفتين يُقبّلهما، ثمّ انفضخ الشيخ يبكي.
فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنّك شيخٌ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
قال : فنهض فخرج، فلمـّا خرج سمعت الناس يقولون : والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله.
قال : فقلت : ما قال ؟ قالوا : مرَّ بنا وهو يقول :
مَلَكَ عبدٌ عبيدا |
فاتخذهم تليدا |
أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة ؛ فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم , فرضيتم بالذلّ، فبُعداً لمـّن رضي بالذل(١) !
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٦، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢، الأخبار الطوال / ٢٦٠، المعجم الكبير للطبراني ٥ / ٢٠٦، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ذكرها في موضعين ١٤ / ٢٣٦ بإيجاز، وفي ٤١ / ٣٦٦ بتفصيل، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣١، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٢٨١، كنز العمال - المتقي الهندي ١٣ / ٣٧٣.
وروى ابن كثير قال : وقال أبو مخنف : عن سليمان بن راشد، عن حميد بن مسلم، قال : دعاني عمر بن سعد فسرّحني إلى أهله لأبشّرهم بما فتح الله عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قَدِموا عليه، فدخلتُ فيمَن دخل، فإذا رأس الحسين (عليهالسلام ) موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم : ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيتُ شفتي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على هاتين الثنيتين يُقبّلهما، ثمّ انفضخ الشيخ يبكي.
فقال له ابن زياد : أبكى الله عينك، فوالله لولا أنّك شيخٌ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
قال : فنهض فخرج، فلمـّا خرج قال الناس : والله , لقد قال زيد بن أرقم كلاماً لو سمعه ابن زياد لقتله.
قال : فقلت : ما قال ؟ قالوا : مرَّ بنا، وهو يقول :
مَلَكَ عبدٌ عبيدا |
فاتخذهم تليدا |
أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم , قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة ؛ فهو يقتل خياركم , ويستعبد شراركم، فبُعداً لمـّن رضي بالذل !
وقد روى من طريق أبي داود بإسناده عن زيد بن أرقم بنحوه(١) .
وروى هذه الحادثة مع أنس بن مالك كلٌّ من ابن كثير، والذهبي، وصاحب الآحاد والمثاني، وابن العديم، وصاحب كتاب أخبار قزوين، وصاحب كتاب النجوم الزاهرة، وصاحب تاريخ واسط، والطبري في ذخائر العقبى، والبخاري، والترمذي
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٩١.
وابن حبان، وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : قال الإمام أحمد(١) : حدّثنا حسين، ثنا جرير، عن محمّد، عن أنس قال : أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين (عليهالسلام )، فجعل في طست ينكت عليه، وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس : إنّه كان أشبههم برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وكان مخضوباً بالوشمة.
ورواه البخاري في المناقب عن محمّد بن الحسن بن إبراهيم هو ابن إشكاب، عن حسين بن محمّد، عن جرير بن حازم، عن محمّد بن سيرين، عن أنس، فذكره.
وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال : حسن صحيح، وفيه : فجعل ينكت بقضيب في أنفه ويقول : ما رأيتُ مثل هذا حسناً(٢) !
____________________
(١) فضائل الصحابة ٢ / ٧٨٤ رواه بطُرق مختلفة ؛ فمرّة في حديث رقم ١٣٩٤ بإسناده إلى حفصة بنت سيرين، عن أنس بن مالك، واُخرى في حديث رقم ١٣٩٥ بإسناده إلى محمّد، عن أنس بن مالك، ومرّة اُخرى في حديث رقم ١٣٩٧ بإسناده إلى علي بن زيد، عن أنس بن مالك.
بغية الطلب في تاريخ حلب ٦/ ٢٥٧٧، فأيضاً ذكره عن جرير، عن محمّد، عن أنس في / ٢٥٧٧ وعن هاشم، عن محمّد، عن أنس/ ٢٦٣٢، وعن حفصة بنت سيرين / ٢٦٣٢، وأيضاً رواه عن سعيد بن عبيده / ٢٦٣٨.
(٢) البداية والنهاية ٨ / ١٩١، الآحاد والمثاني١ / ٣٠٧، التدوين في أخبار قزوين ٢/ ٤٧٨، النجوم الزاهرة ١/ ١٥٥، سير أعلام النبلاء ٣ / ٢٨١ ذكر بإسناده إلى جرير بن حازم، عن محمّد، عن أنس بن مالك ٣/ ٢٨١ وأخرى بإسناده إلى حفصة بنت سيرين ٣ / ٢٨١ وتارة اُخرى بإسناده عن هشام، عن محمّد، عن أنس بن مالك ٣ / ٢٨٠ - ٢٨١.
تاريخ واسط ١ / ٢٢٠، مسند أحمد ٣ / ٢٦١ عن ابن سيرين، عن أنس، صحيح البخاري ٤ / ٢١٦ عن ابن سيرين، عن أنس، سنن الترمذي ٥ / ٣٢٥ عن حفصة بنت سيرين، عن أنس، مجمع الزوائد للهيثمي ٩ / ١٩٥ عن أنس، موارد الضمآن / ٥٥٤ عن حفصة بنت سيرين عن أنس.
تحفة الأحوذي ١٠ / ٣٠٧ عن البخاري، عن ابن سيرين، الآحاد والمثاني ١/ ٣٠٦ عن ابن سيرين، عن أنس، وأيضاً عن علي بن زيد، عن أنس / ٣٠٧، مسند أبي يعلى ٥/ ٢٢٨ عن ابن سيرين، صحيح ابن حبان ١٥ / ٤٢٩ عن بنت سيرين.
المعجم الكبير للطبراني ٣ / ١٢٥ رواه عن أنس، علي بن زيد وبنت سيرين، كنز العمال للمتقي الهندي ١٣ / ٦٥٤ عن ابن سيرين باختصار، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ١٢٦ رواه عن أنس تارة هاشم عن ابن سيرين، وأخرى جرير عن ابن سيرين , ورواه عن أنس بنت سيرين / ١٢٧ وعلي بن زيد / ٢٣٥ , ورواه عن قرّة بن خالد عن الحسن.
أسد الغابة ٢ / ٢٠ رواه عن ابن سيرين عن أنس، تهذيب الكمال ٦ / ٤٠٠ عن بنت سيرين عن أنس، ينابيع المودة ٣ /١٠، ذخائر العقبى / ١٢٨ ابن جرير الطبري.
أقول : ويأتي تفصيل هذه الروايات في الفصل المتعلّق برأس الإمام الحسين (عليهالسلام ).
إدخال حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) على ابن زياد (لعنه الله) , وموقف عقيلة الطالبيِّين (عليهاالسلام )
روى الطبري قال : فلمـّا دخل برأس حسين (عليهالسلام ) وصبيانه , وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة (عليهاالسلام ) أرذل ثيابها وتنكّرت , وحفَّ بها إماؤها، فلمـّا دخلت جلست، فقال عبيد الله بن زياد : مَن هذه الجالسة ؟ فَلَم تكلّمه، فقال ذلك ثلاثاً، كلُّ ذلك لا تكلّمه، فقال بعض إمائها : هذه زينب ابنة فاطمة (عليهاالسلام ).
قال : فقال لها عبيد الله : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.
فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد (صلىاللهعليهوآله )، وطهّرنا تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر.
قال : فكيف رأيتِ صُنع الله بأهل بيتكِ ؟
قالت : كُتب عليهم القَتلُ فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجّون إليه وتخاصمون عنده.
قال : فغضب ابن زياد واستشاط، قال : فقال له عمرو بن حريث : أصلح الله الأمير , إنّما
هي امرأة، وهل تؤاخَذ المرأة بشيء من منطقها ؟ إنّها لا تؤاخَذ بقولٍ، ولا تُلام على خطل.
فقال لها ابن زياد : قد أشفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتكِ.
قال : فبَكَت ثمّ قالت : لَعمري , لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت(١) أصلي، فإنْ يَشْفِكَ هذا فقد اشتفيت.
فقال لها عبيد الله : هذه شجاعة(٢) ، لقد - لعمري - كان أبوكِ شاعراً شجاعاً.
قالت : ما للمرأة والشجاعة ! إنّ لي عن الشجاعة لشغلاً، ولكن(٣) نفثي ما أقول(٤) .
وفي مقتل الخوارزمي قال :
قال : ثمّ جاؤوا بهم حتّى دخلوا على عبيد الله بن زياد، فنظرتْ إليه زينب بنت علي (عليهالسلام ) وجلست ناحية، فقال ابن زياد : مَن الجالسة ؟ فَلَم تكلّمه، فقال ثانياً، فَلَم تكلّمه، فقال رجلٌ من أصحابه : هذه زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهمالسلام ).
فقال ابن زياد : الحمد لله الذي فضحكم، وكذَّبَ اُحدوثتكم.
فقالت زينب (عليهاالسلام ) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلىاللهعليهوآله )، وطهّرنا بكتابه تطهيراً، وإنّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر.
قال ابن زياد : كيف رأيتِ صُنع الله بأخيكِ وأهل بيته ؟
فقالت زينب (عليهاالسلام ) : ما رأيتُ إلّا جميلاً، هؤلاء قومٌ كَتَب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم يابن زياد، فتحاجّون وتختصمون، فانظر لمـِن الفلج يومئذ، هبلتكَ أُمّك يابن مرجانة!
فغضب ابن زياد، وكأنّه همَّ بها، فقال له عمرو بن حريث المخزومي : إنّها
____________________
(١) وفي المطبوع : (واجثثت) , والظاهر ما أثبتناه.
(٢) والظاهر بالسين كما في أكثر المصادر.
(٣) وفي ط : "ولكنّي".
(٤) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٦.
امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.
فقال ابن زياد : يا زينب، لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتكِ.
فقالت زينب (عليهاالسلام ) : لعمري , لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاءك فقد اشتفيت.
فقال ابن زياد : هذه سجَّاعة، لا جرم، لعمري لقد كان أبوك شاعراً سجَّاعاً.
فقالت زينب : يابن زياد , وما للمرأة والسجَاعة ؟! وإنّ لي عن السجَاعة لشغلاً(١) .
المصائب التي جرت في مجلس الملعون ابن زياد، وما قاله الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) للملعون : إلى كم... عمّتي... وما جاء من المصائب...
قال البلاذري : وحدّثني بعض الطالبيِّين أنّ ابن زياد جعل في علي بن الحسين (عليهالسلام ) جُعْلاً، فأُتي به مربوطاً، فقال له : ألَمْ يقتل الله علي بن الحسين ؟!
فقال : (( كان أخي يقال له : علي بن الحسين , إنّما قتله الناس )).
قال : بل قتله الله.
فصاحت زينب بنت علي (عليهاالسلام ) : يا بن زياد , حسبك من دمائنا، فإن قتلته فاقتلني معه. فتركه(٢) .
وقال النوبري : ونظر عبيد الله إلى علي بن الحسين (عليهالسلام ) فقال له : ما اسمك ؟
قال : (( أنا علي بن الحسين )).
قال : أوَ لَمْ يقتل الله علي بن الحسين ؟!
فسكت، فقال له ابن زياد : ما لَكَ لا تتكلم ؟
قال : (( قد كان لي أخ يقال له : علي , فقتله الناس )).
قال : إنّ الله قتله.
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢/ ٤٧ - ٤٨.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢.
فسكت علي (عليهالسلام )، فقال : ما لَكَ لا تتكلم ؟ قال :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) .
قال : أنت والله منهم...(١) .
وفي ينابيع المودة قال : ثمّ إنّ ابن زياد جلس بقصر الإمارة، وأحضر الرأس الشريف بين يديه، وجعل ينظر إليه ويتبسّم، وكان بيده قضيب، فجعل يضرب به ثناياه، فقال له زيد بن أرقم : ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيت ثنايا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ترشف ثناياه. ثمّ بكى زيد.
فقال له ابن زياد : أتبكي ؟! أبكى الله عينيك. والله لولا أنّك شيخٌ كبير قد ذهب عقلك لأضربَنَّ عنقك. فقام زيد وانصرف.
ثم أُدخِلتْ عليه زينب بنت علي(عليهاالسلام ) وعليها أرذل ثيابها، فجلست ناحية، وقد حفَّ بها إماؤها، فقال ابن زياد لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم.
فقالت زينب (عليهاالسلام ) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (صلىاللهعليهوآله ) وطهّرنا من الرجس تطهيراً، إنّما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو أنت يا عدو الله وعدو رسوله.
فقال لها : كيف رأيتِ صُنع الله بأخيكِ الحسين وأهل بيته ؟
فقالت : إنّ الله كتب عليهم القتال فتبادروا أمر ربّهم، وبرزوا إلى مضاجعهم، فقاتلوا ثمّ قُتلوا في الله , وفي سبيل الله، وسيجمع الله بينك وبينهم، وتتحاجّون وتتخاصمون عند الله، وإنّ لكَ موقفاً فاستعد للمسألة جواباً إذا كان القاضي الله، والخصم جدِّي رسول
____________________
(١) نهاية الأرب في فنون الأدب / ١٢٥٨٠ للنويري، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية. وذكر ما جرى مع السيدة الطاهرة زينب (عليهاالسلام ). واكتفيت بهذا المقدار لذكره ما لا يليق فعله مع الإمام السجاد (عليهالسلام ) , كما ذكره غيره أيضاً.
الله (صلىاللهعليهوآله )، والسجن جهنم.
فقال علي بن الحسين (عليهالسلام ) لابن زياد : (( قطع الله يديك وأيبسَ رجليك يابن زياد، إلى كَمْ تكلِّم عمّتي، تتعرضها بين مَن يعرفها ومَن لا يعرفها )).
فغضب ابن زياد، وأمر بضرب عنقه، فمنعه القوم(١) .
وفي نور العين للإسفرايني قال : (قال الراوي) : ثمّ إنّهم دخلوا بالرؤوس على عبيد الله بن زياد، وأنزلوا رأس الحسين (عليهالسلام ) من فوق الرمح ووضعوها بين يديه، فجعل ينكت ثناياه ويتكلّم بكلام يُغضب الله، ثمّ أُدخلوا السبايا عليه وأوقفوهم بين يديه، فقال علي (عليهالسلام ) : (( سوف نقف وتقفون، ونُسأل وتُسألون، فأيُّ جوابٍ تردّون ؟ وبخصام جدِّنا لكم إلى النار تُقادون )). فسكت ابن زياد ولم يَرد له جواباً.
ثمّ قال : أيُّكم اُمّ كلثوم ؟
فقالت : ما تريد منِّي يا عدوَّ الله ؟
فقال : قبّحكم الله !
فقالت : يابن زياد , وإنّما يقبح الفاسق والكاذب، وأنت الكاذب والفاسق، فابشر بالنار.
فضحك من قولها وقال : إنْ صرتُ إلى النار في الآخرة، فقد بلغت مرادي وما اُؤمله.
فقالت : يا ويلك ! قد أرويت الأرض من دم أهل البيت (عليهمالسلام ).
فقال لها : أنتِ شجاعة مثل أبيك، ولولا أنّك امرأة لضربت عنقك.
فقالت : لولا أنّي شجاعة ما وقفت بين يديك ؛ ينظر إليَّ البرُّ والفاجرُ، وأنا مهتوكة الخباء، وأخواتي بين يديك من غير غطاء.
قال : وكانت زينب (عليهاالسلام ) حاسرة الوجه، تختبئ لئلّا يراها أحد، فنظرها ابن زياد، فسأل حاجبه عنها , فقال : هذه زينب أخت الخارجي.
فصاح بها : يا زينب ،
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٨٧ - ٨٨.
أرأيتِ صُنع الله في أخيكِ , وكيف قطع دابركم ؛ لأنّه كان يريد الخلافة ليُتمَّ بها آماله، فخيَّب الله منها رجاءه وآماله ؟
فقالت (عليهاالسلام ) : يا بن زياد، إذا كان أخي طلب الخلافة فهي ميراث أبيه وجدّه، وأمّا أنت يا بن زياد، فَرِد جواباً إذا كان القاضي الله، والحَكم جدّي، والشهود الملائكة، والسجن جهنم، وإنّما هؤلاء القوم كَتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وغداً يجمع الله بينك وبينهم فتحاجج وتخاصم.
فقال : قد شفى قلبي من الحسين وأهل بيته.
فقالت (عليهاالسلام ) : إذا كانت قرّة عينكَ بقتل الحسين (عليهالسلام ) فسوف نرى ممّن قرَّت عينه به قبلُ، وكان يقبّله ويضعه على عاتقه. ثمّ بكت.
فقال زين العابدين (عليهالسلام ) , وقد نظر إلى ابن زياد وقال له : (( إلى كَمْ تهتك عمّتي بين العرب ؟! )).
فقال : مَن هذا الغلام ؟
فقالوا : هذا علي بن الحسين.
فقال : أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟!
فقال (عليهالسلام ) له : (( كان لي أخ يسمّى علي بن الحسين قد قتله الناس )).
فقال : بل قتله الله.
فقال : (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) ).
فقال لحاجبه : خذ هذا الغلام اضرب عنقه.
فقام الحاجب ومسكه وجذبه إليه، فمسكته زينب (عليهاالسلام )، وقالت : يا بن زياد , نذرتَ على نفسك أنّك لا تبقي من نسلِ محمّد صغيراً ولا كبيراً، فسألتك بالله لا تقتله حتّى تقتلني.
ثمّ جذبته إليها وصرخت , فنظر إليها ابن زياد وقال : اتركوه لها.
فقال (عليهالسلام ) له : (( أنت بالقتل تهدّدني ؟! أما علمتَ أنّ القتل لنا عادة، وكرامة للشهادة ؟! ))(١) .
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام )- أبو إسحاق الإسفرايني / ٥٧ - ٥٨، وفي ط / ٤٩ -٥٠.
ما فعله اللعين ابن زياد برأس الإمام الحسين (صلوات الله عليه)
نكثه اللعين برأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) , بأكثر من رواية
رواية أنس بن مالك
روى ابن كثير، والذهبي، وصاحب الآحاد والمثاني، وصاحب كتاب فضائل الصحابة، وابن العديم، وصاحب كتاب أخبار قزوين، وصاحب كتاب النجوم الزاهرة، وصاحب تاريخ واسط، والطبري في ذخائر العقبى، والبخاري، والترمذي، وابن حبان، وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال:
قال الإمام أحمد : حدثنا حسين، ثنا جرير، عن محمّد، عن أنس، قال : أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين(عليهالسلام ) فجُعل في طست ينكت عليه، وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس : إنّه كان أشبههم برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وكان مخضوباً بالوشمة.
ورواه البخاري في المناقب، عن محمّد بن الحسن بن إبراهيم هو ابن إشكاب، عن حسين بن محمّد، عن جرير بن حازم، عن محمّد بن سيرين، عن أنس، فذكره.
وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال : حسن صحيح. وفيه : فجعل ينكت بقضيب في أنفه ويقول : ما رأيت مثل هذا حسناً(١) !
____________________
(١) البداية والنهاية ٨ /١٩١، الآحاد والمثاني ١ / ٣٠٧، فضائل الصحابة ٢ / ٧٨٤، ورواه بطرق مختلفة ؛ فمرّة في حديث رقم ١٣٩٤ بإسناده إلى حفصة بنت سيرين، عن أنس بن مالك، وأخرى في حديث رقم ١٣٩٥ بإسناده إلى محمّد، عن أنس بن مالك، ومرة اُخرى في حديث رقم ١٣٩٧ بإسناده إلى علي بن زيد، عن أنس بن مالك. بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٥٧٧ , ذكره أيضاً عن جرير، عن محمّد، عن أنس في / ٢٥٧٧، وعن هاشم، عن محمّد، عن أنس / ٢٦٣٢، وعن حفصة بنت سيرين / ٢٦٣٢، وأيضاً رواه عن سعيد بن عبيده / ٢٦٣٨، التدوين في أخبار قزوين ٢ / ٤٧٨، النجوم الزاهرة ١ / ١٥٥، سير أعلام النبلاء ٣ / ٢٨١ ذكر بإسناده إلى جرير بن حازم، عن محمّد، عن أنس بن مالك ٣/ ٢٨١ , وأخرى بإسناده إلى حفصة بنت سيرين ٣ / ٢٨١ وتارة اُخرى بإسناده عن هشام، عن محمّد، عن أنس بن مالك ٣ / ٢٨٠ - ٢٨١، تاريخ واسط ١ / ٢٢٠، مسند أحمد ٣ / ٢٦١ عن ابن سيرين، عن أنس، صحيح البخاري ٤ / ٢١٦ عن ابن سيرين، عن أنس. سنن الترمذي ٥/ ٣٢٥ عن حفصة بنت سيرين، عن أنس، مجمع الزوائد للهيثمي٩ / ١٩٥ عن أنس، موارد الضمآن / ٥٥٤ عن حفصة بنت سيرين، عن أنس، تحفة الأحوذي ١٠/ ٣٠٧ عن البخاري، عن ابن سيرين، الآحاد والمثاني ١ / ٣٠٦ عن ابن سيرين، عن أنس , وأيضاً عن علي بن زيد، عن أنس / ٣٠٧، مسند أبي يعلى ٥ / ٢٢٨ عن ابن سيرين، صحيح ابن حبان ١٥ / ٤٢٩ عن بنت سيرين. المعجم الكبير للطبراني ٣ / ١٢٥ رواه عن أنس، عن علي بن زيد وبنت سيرين، كنز العمال للمتقي الهندي ١٣ / ٦٥٤ عن ابن سيرين باختصار، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ١٢٦ رواه عن أنس تارة هاشم عن ابن سيرين، وأخرى جرير عن ابن سيرين، ورواه عن أنس بنت سيرين / ١٢٧ وعلي بن زيد / ٢٣٥، ورواه عن قرّة بن خالد عن الحسن، أسد الغابة ٢ / ٢٠ رواه عن ابن سيرين عن أنس، تهذيب الكمال٦ / ٤٠٠ عن بنت سيرين عن أنس، ينابيع المودة ٣ / ١٠، ذخائر العقبى / ١٢٨ للطبري.
رواية ابن أرقم
روى ابن كثير، وابن العديم، والذهبي، وابن عساكر، والدينوري، والمتقي الهندي، والطبراني - واللفظ للأوّل - قال : وقال أبو مخنف : عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال : دعاني عمر بن سعد فسرّحني إلى أهله لأبشّرهم بما فتح الله عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قَدِموا عليه، فدخلت فيمَن دخل، فإذا رأس الحسين (عليهالسلام ) موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه بقضيب
بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم : ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيتُ شفتي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على هاتين الثنيتين يقبّلهما، ثمّ انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينك، فوالله لولا أنّك شيخٌ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
قال : فنهض فخرج، فلمـّا خرج قال الناس : والله لقد قال زيد بن أرقم كلاماً لو سمعه ابن زياد لقتله.
قال : فقلت : ما قال ؟
قالوا : مرَّ بنا وهو يقول :
مَلَكَ عبدٌ عبيدا |
فاتخذهم تليدا |
أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم , ويستعبد شراركم، فبُعداً لمـّن رضي بالذل !
وقد روى من طريق أبي داود بإسناده عن زيد بن أرقم بنحوه(١) .
أقول : ويأتي تفصيل هذه الروايات في الفصل المتعلّق برأس الحسين (عليهالسلام ).
إلقاء رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) بين يدي ابن زياد
قال ابن عساكر : قال القاسم بن محمّد : وما رأيت منظراً قط أفظع من إلقاء رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يديه وهو ينكته(٢) .
____________________
(١) البداية والنهاية ٨ / ١٩١، الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٣١، سير أعلام النبلاء ٣ / ٢٨١، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ذكرها في موضعين ١٤ / ٢٣٦ بإيجاز، وفي ١٤ / ٣٦٦ بتفصيل , كنز العمال ١٣ / ٣٧٣، الأخبار الطوال / ٢٦٠، المعجم الكبير للطبراني ٥ / ٢٠٦، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤١ بإيجاز.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٣٦٦.
ابن زياد (لعنه الله) يضع رجله على فَم الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال سبط ابن الجوزي : وقال هشام بن محمّد : لمـّا وضع الرأس بين يدي ابن زياد قال له كاهنه : قُم فضع قَدَمَك على فَم عدوِّك.
فقام فوضع قَدَمه على فِيه، ثمّ قال لزيد بن أرقم : كيف ترى ؟
فقال : والله، لقد رأيتُ رسول الله (عليهالسلام ) واضعاً فاه حيث وضعتَ قدمك(١) .
تقوير ابن زياد (اللعين) لرأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال سبط ابن الجوزي : وذَكر عبد الله بن عمرو الورّاق في كتاب المقتل : أنّه لمـّا حضر الرأس بين يدي ابن زياد أمَر حجّاماً فقال : قَوّره. فَقَوّره(٢) وأخرج لغاديده ونخاعه، وما حوله من اللحم ؛ واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم(٣) .
قال اليافعي : وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور ؛ وهو أنّ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) أمر أن يُقوّر الرأس المشرّف المكرّم حتّى يُنصب في الرمح، فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجلٌ يقالُ له : طارق بن المبارك، بل هو ابن المشؤم المذموم، فقوّره ونَصَبه بباب المسجد الجامع، وخطب خطبةً لا يحلُّ ذكرها(٤) .
حيطان الإمارة تسيل دماً حين اُدخل رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى ابن عساكر، والمزّي، وابن العديم، ومحب الدين الطبري - واللفظ للأوّل - قال :
____________________
(١) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي/ ٢٣١ منشورات الشريف الرضي.
(٢) وفي الصحاح - الجوهري ٢ / ٧٩٩ : قوّره واقتوره واقتاره، كلّه بمعنى قطّعه مُدوّراً.
(٣) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٣٣ منشورات الشريف الرضي.
(٤) مرآة الزمان وعبرة اليقظان / ٢٧٣ لليافعي، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
قال : وأنا البغوي , حدّثني أحمد بن محمّد بن يحيى بن سعيد، نا زيد بن الحباب حدّثنا، وقال أبو غالب: حدّثني أبو يحيى مهدي بن ميمون، قال : سمعتُ مروان مولى هند بنت المهلب يقول، وقال أبو غالب، قال : حدّثني بوّاب عبيد الله بن زياد : أنّه لمـّا جيء برأس الحسين (عليهالسلام ) فوضِع بين يديه رأيتُ حيطان دار الإمارة تسايل دماً(١) .
مقتل ابن عفيف (رحمهالله ) , وما جرى بينه وبين ابن زياد حين سبّ الإمام الحسين وأبيه (عليهماالسلام )، وموقف جندب بن عبد الله الأزدي صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
روى الطبري، والبلاذري، وابن الأثير، وابن كثير، والخوارزمي، وابن الدمشقي، وأبو إسحاق الإسفرايني، ومحمد بن حبيب البغدادي، وابن الجوزي، والنويري - واللفظ للأوّل - قال :
قال حميد بن مسلم : لمـّا دخل عبيد الله القصر ودخل الناس نودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصعد المنبر ابن زياد، فقال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته.
فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتّى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثمّ الغامدي أحد بني والبة , وكان من شيعة علي كرم الله وجهه، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي (عليهالسلام )، فلمـّا كان يوم صفين ضُرِبَ على رأسه ضربة، واُخرى على حاجبه فذهبت عينه
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٢٩، والظاهر أنّه يرويه عن بوّاب عبيد الله بن زياد، عن مولى هند تارة، وأخرى عن أبي غالب مباشرة، وأمّا غير ابن عساكر فيسنده إلى مولى هند عن بوّاب عبيد الله بن زياد، تهذيب الكمال - المزي ٦ / ٤٣٤، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٣٦، ذخائر العقبى/ ١٤٥.
الاُخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلّي فيه إلى الليل، ثمّ ينصرف.
قال : فلمـّا سمع مقالة ابن زياد قال : يابن مرجانة، إنّ الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك , والذي ولاّك وأبوه. يابن مرجانة , أتقتلون أبناء النبيِّين وتتكلّمون بكلام الصدّيقين ؟!
فقال ابن زياد : عليَّ به.
قال : فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه.، قال : فنادى بشعار الأزد : يا مبرور !
قال : وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس، فقال : ويح غيرك ! أهلكتَ نفسك وأهلكت قومك.
قال : وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمئة مقاتل، قال : فوثب إليه فتية من الأزد فانتزعوه فأتوا به أهله، فأرسل إليه مَن أتاه به فقتله، وأمر بصلبه في السبخة، فصُلب هنالك(١) .
ورواه الخوارزمي بتفصيل، قال : ولمـّا كمل له ذلك نادى في الناس فجمعهم في المسجد الأعظم، ثمّ خرج ودخل المسجد وصعد المنبر , فحمد الله وأثنى عليه، فكان من بعض كلامه أن قال : الحمد لله الذي أظهر الحقَّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين وأشياعه، وقتل الكذاب ابن الكذاب.
فما زاد على هذا شيئاً حتّى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثمّ العامري أحد بني والبة , وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم، وكان قد ذهبت عينه اليسرى يوم الجمل، والأُخرى يوم صفين، وكان لا يكاد يفارق
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٣، والكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية ٨ / ١٩١ بإيجاز، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) لابن الدمشقي ٢ / ٢٩٢، وكتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) للإسفرايني / ٥٨ , وما ذكره قريب من الخوارزمي، وكتاب المحبر لمحمد بن حبيب البغدادي / ٤٨٠، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي / ٢٣٢ (منشورات الشريف الرضي) عن ابن أبي الدنيا : ذكر اعتراضه ولم يذكر مقتله، نهاية الأرب في فنون الأدب / ١٢٥٨٢ للنويري، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
المسجد الأعظم، يصلّي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف إلى منزله.
فلمـّا سمع مقالة ابن زياد وثب عليه وقال : يا بن مرجانة، إنّ الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك , ومَن استعملك وأبوه. يا عدوَّ الله ورسوله , أتقتلون أبناء النبيين وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسلمين ؟!
قال : فغضب عبد الله بن زياد وقال : مَن المتكلّم ؟
فقال : أنا المتكلّم يا عدوَّ الله , أتقتل الذرّية الطاهرة الذين قد أذهب الله عنهم الرجس في كتابه، وتزعم أنّك على دين الإسلام ؟! وا غوثاه ! أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من هذا الطاغية اللعين ابن اللعين على لسان رسول ربِّ العالمين ؟
قال : فازداد غضب ابن زياد حتّى انتفخت أوداجه.
فقال : عليَّ به، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه، فنادى بشعار الأزد : يا مبرور ! وكان عبد الرحمن بن مخنف الأزدي في المسجد، فقال : ويح نفسك أهلكتها، وأهلكت قومك !
وحاضر الكوفة يومئذ سبعمئة مقاتل من الأزد، فوثبت إليه فتية من الأزد فانتزعوه منهم، وانطلقوا به إلى منزله، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر , ودخلت عليه أشراف الناس، فقال : أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم ؟! قالوا : رأينا أصلح الله الأمير، إنّما فعل ذلك الأزد، فشدَّ يدك بساداتهم ؛ فهُم الذين استنقذوه من يدك.
فأرسل عبيد الله إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فأخذه وأخذ جماعة من أشراف الأزد فحبسهم، وقال : لا خرجتم من يدي أو تأتوني بعبد الله بن عفيف. ثمّ دعا بعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي، وجماعة من أصحابه، فقال لهم : اذهبوا إلى هذا الأعمى الذي أعمى الله قلبه كما أعمى عينه، فأتوني به.
فانطلقوا يريدون عبد الله بن عفيف، وبلغ الأزد ذلك، فاجتمعوا وانضمّت إليهم قبائل من اليمن ليمنعوا صاحبهم، فبلغ ذلك ابن زياد، فجمع قبائل مضر
وضمّهم إلى محمّد بن الأشعث، وأمره أن يقاتل القوم. فأقبلت قبائل مضر ودنت منهم اليمن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى أصحابه يؤنّبهم ويضعّفهم، فأرسل إليه عمرو بن الحجّاج يخبره باجتماع اليمن معهم، وبعث إليه شبث بن ربعي : أيُّها الأمير , إنّك بعثتنا إلى اُسود الآجام، فلا تعجل.
قال : واشتدّ اقتتال القوم حتّى قتلت جماعة من العرب، ووصل القوم إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه، فصاحت ابنته : يا أبتي , أتاك القوم من حيث تحذر. فقال : لا عليك يابنيّة، ناوليني سيفي. فناولته السيف فجعل يذبُّ عن نفسه، وهو يقول :
أنا ابنُ ذي الفضلِ عفيفِ الطاهرِ |
عفيفُ شيخي وأنا ابنُ عامرِ |
|
كم دارعٍ من جمعكم وحاسرِ |
وَبَطَلٍ جَدَّلْتُهُ مُعَاوِرِ |
وجعلت ابنته تقول : ليتني كنتُ رجلاً فأقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة.
وجعل القوم يدورون عليه من يمينه وشماله وورائه، وهو يذبُّ عن نفسه بسيفه، فليس أحد يقوم عليه، كلّما جاؤوه من ناحية قالت ابنته : جاؤوك يا أبتي من جهة كذا، حتّى تكاثروا عليه من كلِّ جهة وأحاطوا به، فقالت ابنته : وا ذلاّه ! يُحاط بأبي وليس له ناصرٌ يستعين به.
وجعل عبد الله يدافع، ويقول :
واللهِ لو يُكْشَفُ لي عن بصري |
ضاق عليكم موردي ومصدري |
وما زالوا به حتّى أخذوه، فقال جندب بن عبد الله الأزدي صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أخذوا والله عبد الله بن عفيف، فقبَّح الله العيش بعده.
فقام وجعل يقاتل من دونه، واُخذ أيضاً واُنطلق بهما، وابن عفيف يردّد : واللهِ لو يُكْشَفُ لي عن بصري... فلمـّا اُدخل على عبيد الله قال له : الحمد لله الذي أخزاك.
فقال ابن عفيف : يا عدوَّ الله , بماذا أخزاني ؟ واللهِ لو يُكْشَفُ لي عن بصري.
فقال له : ما تقول في عثمان ؟ فقال : يابن مرجانة، يابن سميّة، يا عبد بني علاج , ما أنت وعثمان , أحسن أم أساء , وأصلح أم أفسد , الله وليّ خلقه يقضي بينهم بالعدل والحق ؟ ولكن سَلْني عنك وعن أبيك، وعن يزيد وأبيه.
فقال ابن زياد : لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت.
فقال ابن عفيف : الحمد لله ربّ العالمين، وكنتُ أسأل الله أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك أُمّك مرجانة، وسألته أن يجعل الشهادة على يدي ألعن خلقه وأشرّهم وأبغضهم إليه، ولمـّا ذهب بصري أيست من الشهادة، أمّا الآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرّفني الاستجابة منه لي في قديم دعائي.
فقال عبيد الله : اضربوا عنقه. فضُربت وصُلب.
ثمّ دعا ابن زياد بجندب بن عبد الله فقال له : يا عدوَّ الله , ألستَ صاحب علي بن أبي طالب يوم صفين؟ قال : نعم، ولا زلتُ له وليّاً ولكم عدوّاً، لا أبرأ من ذلك إليك , ولا أعتذر في ذلك وأتنصل منه بين يديك. فقال ابن زياد له : أما إنّي سأتقرّب إلى الله بدمك.
فقال جندب : والله ما يُقرّبك دمي إلى الله ولكنه يباعدك منه. وبعد , فإنّي لم يبقَ من عمري إلّا أقلّه، ولا أكره أن يكرمني الله بهوانك.
فقال : اخرجوه عنِّي ؛ فإنّه شيخٌ قد خرف وذهب عقله. فأُخرج وخُلّي سبيله(١) .
ابن زياد يطلب الكتاب من ابن سعد
روى الطبري قال : قال هشام : عن عوانة قال : قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢/ ٥٩ - ٦٢.
الحسين (عليهالسلام ) : يا عمر , أين الكتاب الذي كتبتُ به إليك في قتل الحسين ؟
قال : مضيتُ لأمرك، وضاع الكتاب.
قال : لتجيئنَّ به.
قال : ضاع.
قال : والله لتجيئني به.
قال : تُرك والله يُقرأ على عجائز قريش اعتذاراً إليهن بالمدينة. أمَا والله لقد نصحتك في حسين نصيحةً لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص كنت قد أدّيت حقّه.
قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله : صدق والله، لوددتُ أنّه ليس من بني زياد رجل إلّا وفي أنفه خزامة(١) إلى يوم القيامة، وأنّ حسيناً لم يُقتل.
قال : فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله(٢) .
ما جرى بين عبيد الله وابن الحر بعد قتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري قال : قال أبو مخنف : حدّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي أنّ عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين (عليهالسلام ) تفقّد أشراف أهل الكوفة، فلم يرَ عبيد الله بن الحر، ثمّ جاءه بعد أيّام حتّى دخل عليه، فقال: أين كنت يا بن الحر ؟
قال : كنتُ مريضاً.
قال : مريض القلب أو مريض البدن ؟
قال : أمّا قلبي فلم يمرض، وأمّا بدني فقد مَنَّ الله عليَّ بالعافية.
فقال له ابن زياد : كذبت، ولكنّك كنتَ مع عدوِّنا.
قال : لو كنتُ مع عدوّك لَرُئي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى.
قال : وغفل عنه ابن زياد غفلة، فخرج ابن الحرِّ، فقعد على فرسه، فقال ابن زياد : أين ابن الحر ؟
قالوا : خرج الساعة.
قال : عليَّ به. فاُحضرت الشُرَط، فقالوا له : أجب الأمير. فدفع فرسه ثمّ قال : أبلغوه أنّي لا آتيه والله طائعاً أبداً.
____________________
(١) لسان العرب - ابن منظور ١٢/ ١٧٤ , الخزام : جمع خزامة , وهي حلقة من شعر تجعل في أحد جانبي منخري البعير.
(٢) تاريخ الطبري ٣/ ٣٤٢.
ثمّ خرج حتّى أتى منزل أحمر بن زياد الطائي، فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثمّ خرج حتّى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثمّ مضى حتّى نزل المدائن , وقال في ذلك :
يقول أميرٌ غادرٌ حقّ غادرِ |
ألا كنتَ قاتلتَ الشهيدَ ابنَ فاطمهْ |
|
فيا ندمي ألا أكونَ نصرتُهُ |
ألا كلُّ نفسٍ لا تُسَدَّدُ نادمهْ |
|
وإنّي لأني لم أكن من حُمَاتِهِ |
لذو حسرةٍ ما إن تُفَارق لازمهْ |
|
سقى اللهُ أرواحَ الذين تآزروا |
على نصرِهِ سقياً من الغيثِ دائمهْ |
|
وقفتُ على أجداثِهِمْ ومحالِهِمْ |
فكاد الحشا ينفضُّ والعينُ ساجمهْ |
|
لَعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى |
سراعاً إلى الهيجا حُماةً خَضَارِمهْ |
|
تآسوا على نصرِ ابنِ بنتِ نبيِّهِمْ |
بأسيافِهِمْ آسادَ غِيلٍ ضراغِمهْ |
|
فإن يُقتلوا في كلِّ نفسٍ بقيةٌ(١) |
على الأرضِ قد أضحت لذلك واجمهْ |
|
وما إن رأى الراؤون أفضلَ مِنْهُمُ |
لدى الموتِ ساداتٍ وزُهراً قماقِمهْ |
|
أتقتلُهم ظلماً وترجو وِدَادَنا |
فَدَعْ خطّةً ليست لنا بملائمهْ |
|
لَعمري لقد راغمتمونا بقتلِهِمْ |
فكم ناقمٍ منَّا عليكم وناقمهْ |
|
اُهُمُّ مراراً أن أسيرَ بجحفلٍ |
إلى فئةٍ زاغت عن الحقِّ ظالمهْ |
|
فكُفُّوا وإلا ذُدْتُكُم في كتائبٍ |
أَشَدَّ عليكم من زُحوفِ الديالمهْ(٢) |
ابن زياد يخبر والي المدينة بقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) , وما قاله عندما ضجّت دور بني هاشم بالبكاء
روى الطبري، والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال :
____________________
(١) وفي الأصل : (فكل نفسٍ تقيّة)، وما أثبتناه موافق لبعض المصادر، وهو الصحيح وزناً كما ذكر بعض الفضلاء.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٤.
قال هشام : حدّثني عوانة بن الحكم، قال : لمـّا قتل عبيدُ الله بن زياد الحسينَ بن علي (عليهالسلام )، وجيء برأسه إليه , دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلمي، فقال : انطلق حتّى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشّره بقتل الحسين. وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ.
قال : فذهب ليعتلّ له , فزجره، وكان عبيد الله لا يصطلي بناره، فقال : انطلق حتّى تأتي المدينة، ولا يسبقك الخبر. وأعطاه دنانير، وقال : لا تعتل، وإن قامت بكَ راحلتك فاشترِ راحلة.
قال عبد الملك : فقدمت المدينة، فلقيني رجلٌ من قريش فقال : ما الخبر ؟ فقلت : الخبر عند الأمير. فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ؛ قتل الحسين بن علي (عليهالسلام ).
فدخلتُ على عمرو بن سعيد، فقال : ما وراءك ؟ فقلتُ : ما سَرَّ الأمير ؛ قُتل الحسين بن علي. فقال : نادِ بقتله. فناديتُ بقتله، فلم أسمع والله واعية قط مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين (عليهالسلام )، فقال عمرو بن سعيد، وضحك :
عَجَّتْ نساءُ بني زيادٍ عَجَّةً |
كعجيجِ نِسْوتِنا غَدَاةَ الأرْنَبِ |
والأرنب : وقعة كانت بين بني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب من رهط عبد المدان، وهذا البيت لعمرو بن معد يكرب. ثمّ قال عمرو : هذه واعية بواعية عثمان بن عفان. ثمّ صعد المنبر فأعلم الناس قتله(١) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٢، مقتل الحسين للخوارزمي ٢/ ٨٤ باختلاف يسير.
جعلهم حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) في سجن الكوفة
روى الطبري قال : قال هشام : وأمَّا عوانة بن الحكم الكلبي فإنّه قال : لمـّا قتل الحسين (عليهالسلام ) وجيء بالأثقال والاُسارى حتّى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله، فبينا القوم محتبسون إذ وقع حَجر في السجن معه كتاب مربوط، وفي الكتاب : خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله.
قال : فلمـّا كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حَجر قد اُلقي في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب : أوصوا واعهدوا ؛ فإنّما ينتظر البريد يوم كذا وكذا. فجاء البريد ولم يُسمع التكبير، وجاء كتاب : بأن سرِّح الاُسارى إليَّ(١) .
مقتل ولَدَي مسلم بن عقيل (عليهمالسلام )
أقول : ما ذكره الخوارزمي مخالف لِما عند الشيعة من أنّ صاحِبَي هذه الواقعة هما ولدا مسلم بن عقيل (عليهالسلام )، لا ولدا جعفر الطيار (عليهالسلام ) كما ذكر.
قال الخوارزمي : أخبرنا الشيخ الإمام سعد الأئمة سعيد بن محمّد بن أبي بكر الفقيمي إذنًا، أخبرنا مجد الأئمة أبو الفضل محمّد بن عبد الله السرخسكي، أخبرنا أبو نصر محمّد بن يعقوب، أخبرنا أبو عبد الله طاهر بن محمّد الحدادي، أخبرنا أبو الفضل محمّد بن علي بن نعيم، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الحسين بن علي ،
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٠.
حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن يحيى الذهلي، قال : لمـّا قتل الحسين (عليهالسلام ) بكربلاء هرب غلامان من عسكر ابن زياد ؛ أحدهما يُقال له : إبراهيم، والآخَر يُقال له : محمّد، من ولد جعفر الطيار في الجنّة، فإذا هما بامرأة تستسقي، فنظرت إلى الغلامين وإلى حسنهما وجمالهما، فقالت لهما : مَن أنتما ؟ ومن أين جئتما ؟
فقالا : نحن من ولد جعفر الطيار في الجنّة، هربنا من عسكر عبيد الله بن زياد. فقالت المرأة : إنّ زوجي في عسكر عبيد الله بن زياد، ولولا أنّي أخشى أن يجيء الليلة لأضفتكما وأحسنت ضيافتكما. فقالا لها : انطلقي بنا فنرجو أن لا يأتي الليلة.
فانطلقت المرأة والغلامان حتّى انتهت بهما إلى منزلها فأدخلتهما، وأتتهما بطعام، فقالا : ما لنا في الطعام من حاجة , ائتنا بمصلّى نقضي نوافلنا. فأتتْهُما بمصلّى، فصلّيا وانطلقا إلى مضجعهما.
فقال الأصغر للأكبر : يابن أُمّي , التزمني وانتشق من رائحتي ؛ فإنّي أظنّ أنّ هذه الليلة آخر ليلة فلا نمسي بعدها. فاعتنق الغلامان وجعلا يبكيان، فبينا هما كذلك إذ أقبل زوج المرأة، فقرع الباب , فقالت المرأة : مَن هذا ؟
فقال : افتحي الباب. فقامت ففتحت الباب , فدخل زوجها ورمى سلاحه من يديه، وقلنسوته من رأسه، وجلس مغتمّاً حزيناً، فقالت له امرأته : ما لي أراك مغتمّاً حزيناً ؟
قال : فكيف لا أحزن، وإنّ غلامين قد هربا من عسكر عبيد الله وقد جعل لمـّن جاء بهما عشرة آلاف درهم، وقد بعثني خلفهما فلم أقدر عليهما ؟
فقالت امرأته : اتّق الله يا هذا , ولا تجعل خصمك محمّد (صلىاللهعليهوآله ).
فقال لها : اعزبي عنِّي، فوالله لا أعرف لهما من رسول الله منزلة، فائتني بطعامي. فأتته بالمائدة ووضعتها بين يديه، فأهوى يأكل منها، فبينما هو يأكل إذ
سمع هينمة(١) الغلامين في جوف الليل، فقال : ما هذه الهينمة ؟ قالت : لا أدري. قال : ائتني بالمصباح حتّى أنظر. فأتته به، فدخل البيت فإذا هو بالغلامين فعرفهما , فوكزهما برجله وقال : قوما , مَن أنتما , ومن أين جئتما ؟
قالا : نحن من ولد جعفر الطيار في الجنّة هربنا من عسكر ابن زياد. فقال لهما : من الموت هربتما , وفي الموت وقعتما. فقالا له : يا شيخ , اتّق الله وارحم شبابنا، واحفظ قرابتنا من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). فقال لهما : دعا هذا , فوالله لا أعرف لكما قرابةً من رسول الله. فأقامهما وشدَّ كتفيهما، ودعا بغلام له أسود فقال له : دونك هذين الغلامين، فانطلق بهما إلى شط الفرات واضرب أعناقهما، وأنت حُرٌّ لوجه الله.
فتناول الغلام السيف وانطلق بهما، فلمـّا كان في بعض الطريق قال له أحدهما : يا أسود , ما أشبه سوادك بسواد بلال خادم جدِّنا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). قال لهما : مَن أنتما من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟ قالا : نحن من ولد جعفر الطيار (عليهالسلام ) في الجنّة , ابن عمِّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فألقى الأسود السيف من يده وألقى نفسه في الفرات، وكان مولاه اقتفى أثره، وقال : يا مولاي , أردتَ أن تحرقني بالنار فيكون خصمي محمّد (صلىاللهعليهوآله ) يوم القيامة. فقال له : عصيتني يا غلام ؟ فقال الغلام : لَئنْ اُطيع الله وأعصيك أحبُّ إليَّ من أن اُطيعك وأعصي الله.
فلمـّا نظر إلى الغلام وحالته علم أنّه سيهرب، فدعا بابنٍ له فقال : دونك الغلامين فاضرب أعناقهما , ولكَ نصف الجائزة.
____________________
(١) لسان العرب - ابن منظور ١٢/ ٦٢٤ : والهينمة : الدندنة. ويقال للرجل الضعيف : هينمة. والهينم والهينمة والهينام والهينوم والهينمان، كلّه : الكلام الخفي، وقيل : الصوت الخفي. تاج العروس - الزبيدي ٩ / ٢٠٢ : هينمة الكلام : الذي لا يُفهم.
فتناول الشاب السيف وانطلق بهما , فقالا له : يا شاب , ماذا تقول لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) غداً ؟ بأيِّ ذنبٍ قتلتنا , وبأي جرم ؟ فقال : مَن أنتما ؟ قالا : نحن من ولد جعفر الطيار (عليهالسلام ) في الجنّة , ابن عمِّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فألقى الشاب نفسه في الماء وقال : يا أبه , أردت أن تحرقني بالنار ويكون محمّد (صلىاللهعليهوآله ) خصمي ؟ فاتّق الله يا أبه وخلِّ عن الغلامين. قال : يا بُني عصيتني ؟ فقال : يا أبه , لَئنْ أعصيك وأطيع الله أحبُّ إليَّ من أن اُطيعك وأعصي الله.
فلمـّا نظر الشيخ إلى ابنه أبى ذلك كما أباه العبد تناول السيف بيده، وقال : والله، لا يلي هذا سِواي. ثمّ انطلق بالغلامين، فلمـّا نظرا ذلك آيَسا من الحياة، فقالا له : يا شيخ , اتّق الله فينا، فإنْ كان تحملك على قتلنا الحاجة فاحملنا إلى السوق، ونُقرّ لكَ بالعبودية، فبعنا واستوف ثمننا. قال : لا تكثرا , فوالله لا أقتلكما للحاجة، ولكنّي أقتلكما بغضاً لأبيكما ولأهل بيت محمد.
ثمّ هزَّ السيف وضرب عنق الأكبر , ورمى بدنه بالفرات، فقال الأصغر : سألتك بالله أن تتركني أتمرّغ بدم أخي ساعة، ثمّ افعل ما بدا لك. قال : وما ينفعك ذلك ؟ قال : هذا أحبُّ. فتمرّغ بدم أخيه إبراهيم ساعة، ثمّ قال له : قُمْ. فلم يَقُم , فوضع السيف على قفاه وذبحه من القفا، ورمى ببدنه إلى الفرات.
وكان بدن الأوَّل طافياً على وجه الفرات، فلمـّا قذف الثاني أقبل بدن الأوَّل راجعاً يشقّ الماء شقّاً حتّى اعتنق بدن أخيه والتزمه ورَسَيا في الماء، وسمع الشيخ صوتاً من بينهما في الماء - منهما - يقول : يا ربّنا , تعلم وترى ما فعل بنا هذا الظالم، فاستوف حقّنا منه يوم القيامة.
ثمّ أغمد سيفه وحمل الرأسين، وركب فرسه حتّى أتى بهما عبيد الله بن زياد، فلمـّا نظر عبيد الله إلى الرأسين قبض على لحية الرجل وقال له : سألتك بالله , ما قال لك الغلامان ؟ قال : قالا لي : يا شيخ , اتّق الله وارحم شبابنا. فقال له : ويحك ! لِمَ لم ترحمهما ؟ فقال له : لو رحمتهما ما قتلتهما.
فقال عبيد الله : لمـّا كنتَ لم ترحمهما فإنّي لا أرحمكَ اليوم(١) . ثمّ دعا بغلام أسود له يسمّى نادراً، فقال : يا نادر , دونك هذا الشيخ، فانطلق به إلى الموضع الذي قتل الغلامين فيه فاضرب عنقه , ولكَ سَلبه، ولكَ عندي عشرة آلاف درهم التي أجزتها، وأنت حرٌّ.
فشدَّ نادر كتفيه وانطلق به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين، فقال الشيخ : يا نادر , لا بدَّ لك من قتلي ؟ قال : نعم. قال : أفلا تقبل منّي ضعف ما أعطيت ؟ قال : لا. ثمّ ضرب عنقه ورمى بجيفته إلى الماء، فلم يقبله , ورمى به إلى الشط، فأمر عبيد الله بحرقه فاُحرق(٢) .
وقال الخوارزمي تعقيباً على هذه الحادثة : فهذا وأمثاله من الآيات التي ظهرت بقتل الحسين (عليهالسلام )، ويجوز مثل هذا وقد أخبر به الرسول (صلىاللهعليهوآله )(٣) .
وفي تاريخ الطبري، عن سعد بن عبيدة قال : فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر (عليهالسلام )، أو ابن ابن جعفر (عليهالسلام )، فأتيا رجلاً من طَيء فلجآ إليه، فضرب أعناقهما وجاء [ برأسيهما ] حتّى وضعهما بين يدي ابن زياد، قال : فهَمّ بضرب عنقه، وأمر بداره فهدمت(٤) .
وقال البلاذري : فقد ذكر أنهما من أبناء عبد الله بن جعفر (عليهالسلام )، قال : ولجأ ابنان لعبد الله بن جعفر إلى رجل من طَيء، فضرب أعناقهما، وأتى ابن زياد [ برأسيهما ]، فهمَّ بضرب
____________________
(١) وفي ط : فإنّي لأرحمك. والصحيح ما أثبت.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢/ ٥٤ - ٥٨.
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي٢/ ٥٨.
(٤) تاريخ الطبري ٣ / ٣٠٠.
عنقه، وأمر بهدم داره فهُدمت(١) .
أقول : ومن طرق شيعة أهل البيت (عليهمالسلام ) جاء هذا المقتل لولدي مسلم بن عقيل (عليهمالسلام )، وأمّا ما تقدّم من رواية الخوارزمي فهما من أحفاد جعفر الطيار (عليهالسلام ) في الجنّة , لا من أولاده بالمباشرة ؛ وذلك لِما ذكره الطبري والبلاذري، ولأنّ غزوة مؤتة التي قُتل فيها جعفر الطيار (عليهالسلام ) في الجنّة قبل واقعة الحسين (عليهالسلام ) بما يقارب خمسين سنة.
قال الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه : حدّثنا أبي (رحمهالله )، قال : حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن إبراهيم بن رجاء الجحدري، عن علي بن جابر، قال : حدّثني عثمان بن داود الهاشمي، عن محمّد بن مسلم، عن حمران بن أعين، عن أبي محمّد شيخ لأهل الكوفة، قال : لمـّا قُتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) اُسر من معسكره غلامان صغيران، فأُتي بهما عبيد الله بن زياد، فدعا سجّاناً له فقال : خذ هذين الغلامين إليك، فمِن طيّب الطعام فلا تطعمهما، ومن البارد فلا تسقهما، وضيّق عليهما سجنهما.
وكان الغلامان يصومان النهار، فإذا جنّهما الليل أتيا بقرصين من شعير وكوز من الماء القراح، فلمـّا طال بالغلامين المكث حتّى صارا في السنة، قال أحدهما لصاحبه : يا أخي، قد طال بنا مكثنا، ويوشك أن تفنى أعمارنا وتبلى أبداننا، فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا، وتقرّب إليه بمحمد (صلىاللهعليهوآله ) ؛ لعلّه يوسّع علينا في طعامنا، ويزيد في شرابنا.
فلمـّا جنّهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير وكوز من الماء ,
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٢ / ٤٢٤.
القراح، فقال له الغلام الصغير : يا شيخ، أتعرف محمداً ؟ قال : فكيف لا أعرف محمد (صلىاللهعليهوآله ) وهو نبييِّ ! قال : أفتعرف جعفر بن أبي طالب (عليهالسلام ) ؟ قال : وكيف لا أعرف جعفراً وقد أنبتَ الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء ! قال : أفتعرف علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) ؟ قال : وكيف لا أعرف عليّاً وهو ابن عمّ نبيي , وأخو نبيي !
قال له : يا شيخ، فنحن من عترة نبيّك محمّد (صلىاللهعليهوآله )، ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، بيدك اُسارى، نسألك من طيّب الطعام فلا تطعمنا، ومن بارد الشراب فلا تسقينا، وقد ضيّقت علينا سجننا. فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبّلهما ويقول : نفسي لنفسكما الفداء، ووجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبي الله المصطفى، هذا باب السجن بين يديكما مفتوح فخذا أيَّ طريقٍ شئتما.
فلمـّا جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من الماء القراح , ووقفهما على الطريق، وقال لهما : سيرا - يا حبيبيّ - الليل واكمنا النهار حتّى يجعل الله عزَّ وجلَّ لكما من أمركما فرجاً ومخرجاً.
ففعل الغلامان ذلك، فلمـّا جنّهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب، فقالا لها : يا عجوز، إنّا غلامان صغيران غريبان حَدَثان , غير خبيرين بالطريق، وهذا الليل قد جنّنا , أضيفينا سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق.
فقالت لهما : فمَن أنتما يا حبيبيَّ , فقد شممت الروائح كلّها فما شممت رائحةً أطيب من رائحتكما ؟ فقالا لها : يا عجوز , نحن من عترة نبيِّك محمّد (صلىاللهعليهوآله )، هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل. قالت العجوز : يا حبيبيَّ , إنّ لي ختناً فاسقاً قد شهد الواقعة مع عبيد الله بن زياد، أتخوّف أن يصيبكما هاهنا فيقتلكما.
قالا : سواد ليلتنا هذه , فإذا أصبحنا لزمنا الطريق. فقالت : سآتيكما بطعام.
ثمّ أتتهما بطعام فأكلا وشربا، فلمـّا ولِجَا الفراش قال الصغير للكبير : يا أخي، إنّا نرجو أن نكون قد أمِنّا
ليلتنا هذه، فتعالَ حتّى أعانقك وتعانقني، وأشمّ رائحتك وتشمّ رائحتي قبل أن يُفرّق الموت بيننا. ففعل الغلامان ذلك، واعتنقا وناما.
فلمـّا كان في بعض الليل أقبل ختن العجوز الفاسق حتّى قرع الباب قرعاً خفيفاً، فقالت العجوز : مَن هذا؟ قال : أنا فلان. قالت : ما الذي أطرقك هذه الساعة وليس هذا لك بوقت ؟ قال : ويحكِ ! افتحي الباب قبل أن يطير عقلي وتنشقّ مرارتي في جوفي ؛ جهد البلاء قد نزل بي.
قالت : ويحكَ ! ما الذي نزل بك ؟ قال : هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد الله بن زياد، فنادى الأمير في معسكره : مَن جاء برأس واحدٍ منهما فله ألف درهم، ومَن جاء برأسيهما فله ألفا درهم، فقد أتعبت وتعبت ولم يصل في يدي شيء.
فقالت العجوز : يا ختني، احذر أن يكون محمّد (صلىاللهعليهوآله ) خصمك في يوم القيامة. قال لها : ويحكِ ! إنّ الدنيا محرص عليها. فقالت : وما تصنع بالدنيا وليس معها آخرة ؟! قال : إنّي لأراكِ تُحامين عنهما كأنّ عندكِ من طلب الأمير شيئاً، فقومي فإنّ الأمير يدعوكِ.
قالت : وما يصنع الأمير بي وإنّما أنا عجوز في هذه البرّية ؟ قال : إنّما لي الطلب، افتحي لي الباب حتّى أريح وأستريح، فإذا أصبحت بكرت في أيِّ الطريق آخذ في طلبهما.
ففتحت له الباب، وأتته بطعام وشراب فأكل وشرب، فلمـّا كان في بعض الليل سمع غطيط(١) الغلامين في جوف البيت، فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج، ويخور كما يخور الثور، ويلمس بكفه جدار البيت حتّى وقعت يده على جنب الغلام الصغير، فقال له : مَن هذا ؟ قال : أمّا أنا فصاحب المنزل، فمَن أنتما ؟ فأقبل الصغير يحرّك الكبير ويقول : قُمْ يا حبيبي
____________________
(١) تاج العروس - الزبيدي ٥ / ١٩١ : ( و ) غط ( النائم ) يغطّ غطّاً وغطيطاً : ( صات ) ونخر.
فقد والله وقعنا فيما كنَّا نحاذره.
قال لهما : مَن أنتما ؟ قالا له : يا شيخ، إنْ نحن صَدَقناك فلنا الأمان ؟ قال : نعم. قالا : أمان الله وأمان رسوله (صلىاللهعليهوآله )، وذمّة الله وذمّة رسوله (صلىاللهعليهوآله ) ؟ قال : نعم. قالا : ومحمد بن عبد الله على ذلك من الشاهدين ؟ قال : نعم. قالا : والله على ما نقول وكيلٌ وشهيدٌ ؟ قال : نعم. قالا له : يا شيخ، فنحن من عترة نبيّك محمّد (صلىاللهعليهوآله ) , هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل.
فقال لهما : من الموت هربتما وإلى الموت وقعتما، الحمد لله الذي أظفرني بكما.
فقام إلى الغلامين فشدَّ أكتافهما، فبات الغلامان ليلتهما مكتّفين، فلمـّا انفجر عمود الصبح دعا غلاماً له أسود، يقال له : فليح، فقال : خذ هذين الغلامين فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات واضرب عنقيهما، وائتني برأسيهما لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد، وآخذ جائزة ألفي درهم.
فحمل الغلام السيف ومشى أمام الغلامين، فما مضى إلّا غير بعيد حتّى قال أحد الغلامين : يا أسود , ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ! قال : إنّ مولاي قد أمرني بقتلكما، فمَن أنتما ؟ قالا له : يا أسود , نحن من عترة نبيّك محمّد (صلىاللهعليهوآله ) ؛ هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل، أضافتنا عجوزكم هذه، ويريد مولاك قتلنا.
فانكبّ الأسود على أقدامهما يقبّلهما، ويقول : نفسي لنفسكما الفداء، ووجهي لوجهكما الوقاء، يا عترة نبي الله المصطفى، والله لا يكون محمّد (صلىاللهعليهوآله ) خصمي في القيامة.
ثمّ عدا فرمى بالسيف من يده ناحيةً، وطرح نفسه في الفرات، وعَبَر إلى الجانب الآخَر، فصاح به مولاه : يا غلام , عصيتني ! فقال : يا مولاي , إنّما أطعتك ما دمتَ لا تعصي الله، فإذا عصيت الله فأنا منك بريء في الدنيا والآخرة.
فدعا ابنه، فقال : يا بني، إنّما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك، والدنيا محرص عليها، فخذ هذين الغلامين إليك، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات، فاضرب عنقيهما وائتني برأسيهما ؛ لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم.
فأخذ الغلام السيف ومشى أمام الغلامين، فما مضى إلّا غير بعيد حتّى قال أحد الغلامين : يا شاب، ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنم ! فقال : يا حبيبيَّ، فمَن أنتما ؟ قالا : من عترة نبيّك محمّد (صلىاللهعليهوآله )، يريد والدك قتلنا.
فانكبّ الغلام على أقدامهما يقبّلهما وهو يقول لهما مقالة الأسود، ورمى بالسيف ناحية وطرح نفسه في الفرات وعبر، فصاح به أبوه : يا بني , عصيتني ! قال : لئنْ أطيع الله وأعصيك أحبُّ إليَّ من أن أعصي الله وأطيعك.
قال الشيخ : لا يلي قتلكما أحدٌ غيري. وأخذ السيف ومشى أمامهما، فلمـّا صار إلى شاطئ الفرات سلَّ السيف من جفنه، فلمـّا نظر الغلامان إلى السيف مسلولاً اغرورقت أعينهما وقالا له : يا شيخ، انطلق بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا، ولا ترد أن يكون محمّد (صلىاللهعليهوآله ) خصمك في القيامة غداً.
فقال : لا، ولكن أقتلكما وأذهب برأسيكما إلى عبيد الله بن زياد، وآخذ جائزة ألفي درهم.
قالا له : يا شيخ، أما تحفظ قرابتنا من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟
فقال : ما لكما من رسول الله قرابة.
قالا له : يا شيخ، فائت بنا إلى عبيد الله بن زياد حتّى يحكم فينا بأمره.
قال : ما إلى ذلك سبيل إلّا التقرّب إليه بدمكما.
قالا له : يا شيخ، أما ترحم صغر سننا ؟
قال : ما جعل الله لكما في قلبي من الرحمة شيئاً.
قالا : يا شيخ , إن كان ولا بدّ، فدعنا نصلّي ركعات.
قال : فصلِّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة. فصلّى الغلامان أربع ركعات، ثمّ رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا : يا حيُّ يا حليم , يا أحكم الحاكمين، احكم بيننا وبينه بالحق.
فقام إلى الأكبر فضرب عنقه، وأخذ برأسه ووضعه في المخلاة، وأقبل الغلام الصغير يتمرّغ في دم أخيه وهو يقول : حتّى ألقى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وأنا مختضب بدم أخي.
فقال : لا عليك سوف ألحقك بأخيك. ثمّ قام إلى الغلام الصغير فضرب عنقه، وأخذ رأسه ووضعه في المخلاة، ورمى ببدنيهما في الماء وهما يقطران دماً.
ومرّ حتّى أتى بهما عبيد الله بن زياد وهو قاعد على كرسي له، وبيده قضيب خيزران، فوضع الرأسين بين يديه، فلمـّا نظر إليهما قام ثمّ قعد , ثمّ قام ثمّ قعد ثلاثاً , ثمّ قال : الويل لك ! أين ظفرت بهما ؟
قال : أضافتهما عجوزٌ لنا.
قال : فما عرفت لهما حق الضيافة ؟
قال : لا.
قال : فأيُّ شيء قالا لك ؟
قال : قالا : يا شيخ، اذهب بنا إلى السوق فبعنا وانتفع بأثماننا فلا ترد أن يكون محمّد (صلىاللهعليهوآله ) خصمك في القيامة.
قال : فأيّ شيء قلت لهما ؟
قال : قلت : لا، ولكن أقتلكما وأنطلق برأسيكما إلى عبيد الله بن زياد، وآخذ جائزة ألفي درهم.
قال : فأيّ شيء قالا لك ؟
قال : قالا : ائت بنا إلى عبيد الله بن زياد حتّى يحكم فينا بأمره.
قال : فأيّ شيء قلت ؟
قال : قلت : ليس إلى ذلك سبيل إلّا التقرّب إليه بدمكما.
قال : أفلا جئتني بهما حيّين فكنت أضعف لك الجائزة، وأجعلها أربعة آلاف درهم ؟
قال : ما رأيتُ إلى ذلك سبيلاً إلّا التقرّب إليك بدمهما.
قال : فأيّ شيء قالا لك أيضاً ؟
قال : قالا لي : يا شيخ، احفظ قرابتنا من رسول الله.
قال : فأيّ شيء قلت لهما.
قال : قلت : ما لكما من رسول الله قرابة.
قال : ويلك ! فأيّ شيء قالا لك أيضاً ؟
قال : قالا : يا شيخ , ارحم صغر سنّنا.
قال : فما رحمتهما ؟
قال : قلت : ما جعل الله لكما من الرحمة في قلبي شيئاً.
قال : ويلك ! فأيّ شيء قالا لك أيضاً ؟
قال : قالا : دعنا نصلّي ركعات. فقلت : فصلِّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة. فصلّى الغلامان أربع ركعات. قال : فأيّ شيء قالا في آخر صلاتهما ؟
قال : رفعا طرفيهما إلى السماء وقالا : يا حيُّ يا حليم، يا أحكم الحاكمين، أحكم بيننا وبينه بالحق.
قال عبيد الله بن زياد : فإن أحكم الحاكمين قد حكم بينكم، مَن للفاسق ؟
قال : فانتدب له رجلٌ من أهل الشام فقال : أنا له.
قال : فانطلق به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين، فاضرب عنقه، ولا تترك أن يختلط دمه بدمهما , وعجّل برأسه. ففعل الرجل ذلك، وجاء برأسه فنصبه على قناة، فجعل الصبيان يرمونه بالنبل والحجارة وهم يقولون : هذا قاتل ذريّة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). وصلى الله على رسوله محمّد وآله الطاهرين وسلّم كثيراً(١) .
نصبُ رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) بالكوفة، ثمّ تسييره مع حرمه (عليهالسلام ) إلى الشام بعدما أطافوا بهم البلدان
روى الطبري، والبلاذري، والخوارزمي، وابن الجوزي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين (عليهالسلام ) بالكوفة، فجعل يُدَار به في الكوفة، ثمّ دعا زحر بن قيس فسرَّح معه برأس الحسين (عليهالسلام ) ,
____________________
(١) الأمالي الشيخ الصدوق / ١٤٣ - ١٤٧.
ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية.
وفي مقتل الخوارزمي قال : ثمّ دعا عبيد الله بن زياد زَحْر بن قيس الجعفي، فأعطاه رأس الحسين (عليهالسلام ) ورؤوس إخوته وأهل بيته وشيعته، ودعا بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) فحمله وحمل عمّاته وأخواته وجميع نسائهم معه إلى يزيد , فسار القوم بحرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من الكوفة إلى بلد الشام على محامل بغير وطاء , من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل كما تساق الترك والديلم(١) .
وكان مع زَحْر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتّى قَدِموا بها الشام على يزيد بن معاوية(٢) .
روى ابن العديم قال : أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل بن البانياسي، قال : أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن، قال : قرأتُ على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن الغساني، عن عبد العزيز بن أحمد، قال : أخبرنا عبد الوهاب الميداني، قال : أخبرنا أبو سليمان بن زبر، قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن جعفر، قال : أخبرنا محمّد بن جرير الطبري، قال : قال هشام بن محمّد : قال أبو مخنف :
ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين (عليهالسلام ) في الكوفة، فجعل يُدار به، ثمّ دعا زَحْر بن قيس فسرّح معه برأس الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زَحْر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتّى قَدِموا بها الشام على يزيد(٣) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٦٢.
(٢) تاريخ الطبري٣/ ٣٣٨، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٥، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٦٢ لم يذكر دورانهم بالرأس الشريف في الكوفة، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥/ ٣٤١.
(٣) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٨ / ٣٧٨٤.
الأحداث في طريقهم بحرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى الشام
المسير بحرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى الشام، والإمام علي بن الحسين (عليهالسلام ) مغلول بعنقه
روى الطبري قال : ثمّ إنّ عبيد الله أمر بنساء الحسين (عليهالسلام ) وصبيانه فجُهِّزنَ، وأمر بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) فَغُلَّ بغلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي (عائذة قريش)، ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى قَدِموا على يزيد، فلم يكن علي بن الحسين (عليهالسلام ) يُكلِّمُ أحداً منهما في الطريق كلمةً حتّى بلغوا، فلمـّا انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته، فقال : هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة.
قال : فأجابه يزيد بن معاوية : ما ولدتْ اُمّ محفز شرّ وألأم(١) .
ما ذكره القندوزي - باختصار - في طريقهم إلى الشام، وما رووه من خروج اليد من الحائط , وبكاء الجن، واللقاء مع مَن خرج من الجن لنصرة الإمام الحسين (عليهالسلام )
وفي ينابيع المودة قال : ثمّ ابن زياد دعا الشمر اللعين، وخولي، وشبث بن ربعي، وعمر بن سعد، وضمَّ إليهم ألف فارس، وأمرهم بأخذ السبايا والرؤوس إلى يزيد، وأمرهم أن
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٨.
يشهروهم في كلِّ بلدةٍ يدخلونها، فساروا على ساحل الفرات فنزلوا على أوَّل منزل كان خراباً، فوضعوا الرأس الشريف المبارك المكرم والسبايا مع الرأس الشريف، وإذ رأوا يداً خرجت من الحائط معها قلم يكتب بدمٍ عبيط شعراً :
أترجو أمةٌ قتلت حسيناً |
شفاعةَ جدِّه يومَ الحسابِ |
|
فلا واللهِ ليس لهم شفيعٌ |
وهم يومَ القيامةِ في العذابِ |
|
لقد قتلوا الحسينَ بحكمِ جورٍ |
وخالف أمرُهم حكمَ الكتابِ |
فهربوا ثمّ رجعوا، ثمّ رحلوا من ذلك المنزل، وإذا هاتف يقول :
ماذا تقولون إذ قال النبيُّ لكمْ |
ماذا فعلتم وأنتم آخِرُ الأُمَمِ |
|
بعترتي وبأهلي عند مفتقدي |
منهم اُسارى ومنهم ضُرِّجوا بِدَمِ |
|
ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكمْ |
أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي |
فلمـّا وصلوا إلى بلد ( تكريت ) نُشرت الأعلام وخرج الناس بالفرح والسرور، فقالت النصارى للجيش : إنّا براء مما تصنعون أيُّها الظالمون ؛ فإنّكم قتلتم ابن بنت نبيّكم , وجعلتم أهل بيته أسارى.
فلمـّا رحلوا من ( تكريت ) وأتوا على ( وادي النخلة )، فسمعوا بكاء الجن وهنَّ يلطمنَ خدودهنَّ ويقلنَ شعراً :
مَسَحَ النبيُّ جبينَهُ |
فله بريقٌ في الخُدُودِ |
|
أبواه من عُليا قريـ |
شٍ جدُّه خيرُ الجدودِ |
واُخرى تقول :
ألا يا عينُ جودي فوق خدي |
فَمَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي |
|
على رَهْطٍ تَقُودُهُمُ المنايا |
إلى متكبّرٍ في المـُلْكِ وغدِ |
فلمـّا وصلوا بلدة ( مرشاد ) خرج الناس إليهم وهم يصلّون على محمّد وآل محمّد (صلىاللهعليهوآله ) , ويلعنون أعداءهم.
ثم إنهم قبل أن جاؤوا بلدة (بعلبك) كتبوا إلى واليها أن تتلقانا الناس , وخرجوا على نحو ستة أميال فرحين مسرورين، فدعتْ اُمّ كلثوم عليهم وقالت : أباد الله كثرتكم , وسلَّط عليكم مَن لا يرحمكم. فعند ذلك بكى علي بن الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول :
هو الزمانُ فلا تُقضى عَجَائبُه |
عن الكرامِ وما تهدى مَصَائِبُهُ |
|
فليت شعري إلى كم ذا تحاربُنا |
صروفُهُ وإلى كم ذا نُجَاذِبُهُ |
|
يُسْرَى بنا فوقَ أقتابٍ بلا وطئٍ |
وسائقُ العيسِ يحمى عنه غاربُهُ |
|
كأننا من أسارى الروم بينهُمُ |
كأنّ ما قاله الرحمن كاذبُهُ |
|
كفرتُمُ برسولِ اللهِ وَيْلكُمُ |
فكنتُمُ مثلَ مَنْ ضَلَّتْ مَذَاهِبُهُ |
قال أبو مخنف : نصبوا الرمح الذي عليه الرأس الشريف المبارك المكرم إلى جانب صومعة الراهب , فسمعوا صوت هاتف ينشد ويقول :
والله ما جئتُكم حتّى بَصُرْتُ بِهِ |
بالطفِّ مُنْعَفِرَ الخَدَّيْنِ منحورا |
|
وحولَه فتيةٌ تُدْمَى نُحُورُهُمُ |
مِثْلُ المصابيحِ يغشون الدجى نورا |
|
كان الحسينُ سراجاً يستضاءُ به |
اللهُ يعلمُ أني لم أَقُلْ زورا |
|
مات الحسينُ غريبَ الدارِ(١) منفرداً |
ظامي الحُشَاشَة صادي القَلْبِ مقهورا |
فقالت اُمّ كلثوم : مَن أنت يرحمك الله ؟
قال : أنا مَلك الجن , أتيت أنا وقومي لنصرة الحسين ( رضي الله عنه وأرضاه) فوجدناه مقتولاً، فلمـّا سمع الجيش من الجن فتيقّنوا بكونهم من أهل النار(٢) .
____________________
(١) وفي ط : غريب الدهر / ٤٢٣.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٨٨ - ٩٠.
حال النساء والأطفال في طريقهم من الكوفة إلى الشام
روى ابن حبان قال : ثمّ أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) إلى الشام مع أسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على أقتاب مكشّفات الوجوه والشعور(١) .
قال اليافعي: ثمّ دعا بزياد بن حر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين (عليهالسلام )، ورؤوس إخوته وبنيه وأصحابه، ودعا بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) فحمله وحمل عمّاته وأخواته إلى يزيد على محامل بغير وطاء، والناس يخرجون إلى لقائهم في كلِّ بلدٍ ومنزل حتّى قَدِموا دمشق، ودخلوا من باب توما، واُقيموا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي.
ثمّ وضِع الرأس المكرم بين يدي يزيد، فأمر أن يجعل في طست من ذهب وجعل ينظر إليه، ويقول مفتخراً بما إليه من الخزي، نقل يؤوّل :
صبرنا وكان الصَّبرُ منَّا عزيمة |
وأسيافُنا يقطعْنَ كفّاً ومعصما |
|
نفلق هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أغرَّ وأظلما |
وأمَر بالرأس أن يصاب بالشام(٢) .
قال القندوزي : قال ابن الجوزي : (و) ليس العجب (إلّا) من ضرب يزيد ثنايا الحسين (عليهالسلام ) بالقضيب، وحَمل آل النبي (صلىاللهعليهوآله ) على أقتاب الجمال , (أي)
____________________
(١) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١٢.
(٢) مرآة الزمان وعبرة اليقظان لليافعي / ٢٧٣ نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
موثّقين بالحبال، والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس. وذَكر أشياءً من قبيح فعل يزيد(١) .
قال الدميري : قالوا : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد جهَّز علي بن الحسين (عليهالسلام ) ومَن كان مع الحسين (عليهالسلام ) من حرمه بعد أن عمدوا ما اعتمدوه من سبي الحريم، وقتل الذراري مما تقشعر من ذكره الأبدان وترتعد منه الفرائص، إلى البغيض يزيد بن معاوية - وهو يومئذٍ بدمشق - مع الشمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه، فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا ليقيلوا به فوجدوه مكتوباً على بعض جدرانه :
أترجو اُمةٌ قتلتْ حسيناً |
شفاعةَ جدِّه يومَ الحسابِ |
فسألوا الراهب عن السطر ومَن كتبه ؟ فقال : إنّه مكتوب هنا من قبل أن يُبعث نبيّكم بخمسمئة عام. وقيل : إنّ الجدار انشقّ فظهرت منه كفٌّ مكتوبٌ فيه بالدم هذا السطر(٢) .
قال الشبراوي : ومن عجائب الدهر الشنيعة وحوادثه الفظيعة أنْ يُحمل آل النبي (صلىاللهعليهوآله ) على أقتاب الجمال موثّقين بالحبال، والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس من العراق إلى أن دخلوا دمشق(٣) .
قال العلّامة الشريف الشهرزوري :
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٢٩.
(٢) حياة الحيوان - الدميري ١/ ٨٦ الإوز.
(٣) الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي / ٦٩.
ولمـّا دخل قصر الإمارة بالكوفة أمر بالرأس فوضِع على ترس عن يمينه والناس سماطان، ثمّ أنزل وجهّزه مع رؤوس أصحابه وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال , موثّقين في الحبال , والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس إلى يزيد لعنه الله.
ولمـّا نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس أوَّل منزل جعلوا يشربون على الرأس، فخرجت عليهم يدٌ من الحائط فكتبتْ سطراً بدم :
أترجو اُمةٌ قتلتْ حسيناً |
شفاعةَ جدِّه يومَ الحسابِ |
فهربوا وتركوا الرأس، ثمّ عادوا وأخذوه، ولمـّا قَدِموا به على يزيد أقام الحريم على درج الجامع حيث تقام الأسارى والسبي.
وممّا ظهر يوم قَتْله، إنّ السماء أمطرت دماً، وإنّ أوانيهم مُلئت دماً، وانكسفت الشمس ورؤيت النجوم، واشتدّ الظلام حتّى ظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت، وإنّ الكواكب ضربت بعضها بعضاً، وإنّه لم يُرفع حَجر إلّا رؤي تحته دم عبيط، وإنّ الورس انقلب دماً، وإنّ الدنيا أظلمت ثلاث أيّام(١) .
قال الشريف الخوافي : وذكر هشام في كتاب السيرة الذي أنبأ به القاضي الأسعد أبو البركات عبد القوي بن أبي المعالي في جمادى الأُولى سنة تسع وستمئة بالديار المصرية قراءةً عليه ونحن نسمع , قال : حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن رفاعة السعدي، حدّثنا أبو الحسن علي بن الخلعي، حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن جعفر بن محمّد بن زنجويه البغدادي، عن أبي سعيد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، عن أبي محمّد عبد الملك بن هشام النحوي البصري، قال : لمـّا أنفذ ابن زياد
____________________
(١) كتاب الإشاعة لأشراط الساعة / ٢٤ , العلّامة الشريف السيد محمّد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني الموسوي الشافعي الشهرزوري المدني , المتوفّى بها سنة ١١٠٣ (ط دار الكتب العلمية في بيروت) , نقلاً عن إحقاق الحق ٢٧ / ٢٣١.
أقول : ويأتي مفصّلاً ما يتعلّق بالتغيّرات الكونية لمقتله (عليهالسلام ).
رأس الحسين (عليهالسلام ) إلى يزيد بن معاوية مع الأسارى موثّقين في الحبال، مع نساء وصبيان وصبيات من بنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على أقتاب الجمال، مكشّفات الوجوه والرؤوس(١) .
وفي نور العين للإسفرايني قال : (قال الراوي) : ثمّ لمـّا أن طافوا بالرأس جُمع الكوفة، سلّموها إلى عمر المخزومي وأمروه أن يحشوها مسكاً وكافوراً، ففعل ذلك، فما أتمّ فعله حتّى بُليت يده ووقعت بها الأكلة وتهرّت.
ثمّ إنّ ابن زياد كتبَ كتاباً إلى يزيد يخبره بقتل الحسين وأهل بيته، وأرسله مع قاصدٍ من عنده، فلمـّا وصل إليه الكتاب ردَّ له الجواب من وقته يأمره بحمل رأس الحسين ورأس أهله، ومعهم الحريم والأطفال إلى دمشق، فعند ذلك استدعى ابن زياد بخولي بن يزيد، وشبث(٢) بن ربعي، وحجر بن الحصين، وضمَّ إليهم الرؤوس والحريم والأطفال، وأمرهم أن يسيروا إلى يزيد بدمشق، وأن يشهروا ما معهم في سائر البلدان.
فساروا بهم كما تسير سبايا الروم، وهُم على أقتاب الجمال بلا وطاء ولا غطاء، وهُم باكون ذليلون، والرؤوس على الرماح مرتفعات(٣) .
____________________
(١) كتاب التبر المذاب / ٨٩ المخطوط - العلّامة الشريف أحمد بن محمّد بن أحمد الحسيني الخوافي [ الحافي ] الشافعي , نقلاً عن إحقاق الحق ٢٧/ ٣٧٤.
(٢) وفي المطبوع : ( شبيب) بدل (شبث) , والظاهر ما أثبتناه.
(٣) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٠، وفي ط / ٥١ - ٥٢.
المكان الأوَّل الذي أنزلوا فيه ثقل النبوّة في طريقهم إلى الشام(١)
وفي نور العين قال : (قال الراوي) : ولم يزالوا سائرين إلى أن وصلوا إلى أوَّل منزلة نزلوا بها، فسمعوا اُمّ كلثوم تقول :
ماتت رجالي وأفنى الدهرُ ساداتي |
وزادني حَسَرَاتٍ بعد حَسْرَاتِ |
|
مال اللئامُ علينا بعد ما علموا |
أنَّا الشريفاتُ أبناءُ الشريفاتِ |
|
وحمَّلونا على الأقتاب عاريةً |
كأنَّنا بينهم من غيرِ قيماتِ |
|
صَعْبٌ عليكَ رسولَ اللهِ ما صنعوا |
بأهلِ بيتِك يا خيرَ البريَّاتِ |
|
كفاكُمُ برسولِ اللهِ خصمكُمُ |
وقد هداكم إلى سُبْلَ الهداياتِ(٢) |
المكان الثاني : جرايا
وفي نور العين قال : ثمّ إنّهم باتوا تلك الليلة وأصبحوا , فساروا وجدّوا في المسير إلى أن وصلوا ثاني منزلة يقال لها : جرايا، فنزلوا ووضعوا الرؤوس والسبايا بينهم، ثمّ جلسوا يشربون الخمر، فبينما هُم كذلك إذ سمعوا هاتفاً يقول :
أيُّها القاطعون رأسَ حسينٍ |
أبشروا بالعذابِ والتنكيلِ |
|
كلُّ مَنْ في السماءِ يبكي عليه |
من نبيٍّ مقرَّبٍ ورسولِ |
|
قد لُعِنْتم على لسان نبيٍّ(٣) |
في الكتابِ المبينِ والإنجيلِ |
____________________
(١) أقول : الظاهر أنّ أسماء بعض الأماكن التي ذكرها الإسفرايني فيها تصحيف أو أنها انطمست لكونها بعيدة عن الطرق التي يكثر السير فيها، والتي تؤدّي إلى المقاصد المشهورة.
(٢) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٠، وفي ط / ٥٢.
(٣) وفي الأصل : (على لسان محمّد) , والمناسب لضبط الوزن ما أثبتناه كما ذكر بعض المتخصّصين.
ففزعوا من ذلك فزعاً عظيماً وتركوا الخمر، وباتوا تلك الليلة، فلمـّا أصبحوا حملوا وساروا. فبينما هُم سائرون إذ سمعوا هاتفاً يقول :
ألا أيُّها الغادون إن أَمَامَكمْ |
مَقَامَ سؤالٍ والرسولُ سؤولُ |
|
وفيه رسولُ اللهِ فيكم مخاصمٌ |
وفاطمةُ الزهراءِ وهي بَتُولُ |
|
وإن عليًّا في الخصامِ مؤيّد |
له الحقُّ فيما يدَّعي ويقولُ |
|
فماذا تردُّون الجوابَ عليهِمُ |
وليس إلى رَدِّ الجوابِ سبيلُ |
|
ولا يُرتجى في ذلك اليومِ شافعٌ |
سوى خَصْمِكم والشرحُ فيه يطولُ |
|
ومن يَكُنِ المختارُ واللهُ خصمَه |
فإنّ له نارَ الجحيمِ تؤولُ |
|
فإنهُمُ سٌفْنُ النجاةِ لمـُغْرَقٍ |
ونُجْحٌ وهذا بالنجاحِ كفيلُ |
|
مَنَاقِبُهُمْ بينَ الورى مستنيرةٌ |
لها غُرَرٌ محجولةٌ وحجولُ |
|
مناقبُ وحي اللهِ أثبتها لهم |
بما قام منهم شاهدٌ ودليلُ |
فلمـّا سمعوا ذلك فزعوا فزعاً عظيماً(١) .
المكان الثالث : تكريت
وتابع الإسفرايني قال : ثمّ أقبلوا على تكريت، فكتبوا لحاكمها كتاباً : أن اخرج تلقَّانا ؛ فإنّ معنا رأس خارجي وأهله سبايا. فلمـّا وصله الكتاب وقرأه أمَر بنشر الأعلام فنُشرت، وخرج هو وعسكره لملاقاتهم، فقالت النصارى : ما هذه الرأس ؟
قالوا : رأس الحسين. فلمـّا سمعوا ذلك ضربوا النواقيس تعظيماً لله، وقالوا : اللهم العن أمّةً قتلت ابن
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٠، وفي ط / ٥٢.
بنت نبيّهم. ثمّ دخلوا وباتوا(١) (*) .
المكان الرابع : وادي النخلة
وتابع الإسفرايني : فلمـّا أصبح الله بالصباح ساروا إلى أن وصلوا وادياً، فنزلوا فيه، فسمعوا الجن وهُم يبكون ويلطمون على الحسين (عليهالسلام ) وهُم يقولون :
نساء الجن ساعدن النساء الهاشمياتِ |
بنات المصطفى تبكي شجياتِ |
|
بولولة ويندبن البدور الفاطمياتِ |
ويلبسن الثياب المقطّعاتِ(٢) |
|
ويلطمن الوجوه على عظيمات البليات |
ويندبن الحسين على رزيّات(٣) |
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦١، وفي ط / ٥٣. (*) وفي مقتل أبي مخنف / ١١٢ - ١١٣ , طبعة دار الأعلمي طهران، قال أبو محنف : وساروا بالسبايا والرؤوس إلى شرقي الجصاصة، [ولمـّا] عبروا تكريت كتبوا إلى عامله : أن تلقّانا ؛ فإنّ معنا رأس خارجي. فلمـّا قرأ الكتاب أمر بأعلام فنشرت، والبوقات فضربت، والمدينة فزيّنت، وجاء الناس من كلِّ جانب ومكان. ثمّ خرج الوالي فتلقّاهم وكان كلُّ مَن سألهم قالوا : هذا رأس خارجي خرج على يزيد (لعنه الله) فقتله ابن زياد (لعنه الله). فقال لهم رجلٌ نصراني : كنتُ بالكوفة وقد قدم هذا الرأس، وليس هو رأس خارجي , بل هو رأس الحسين (عليهالسلام ). فلمـّا سمعوا ذلك ضربوا النواقيس إعظاماً له، وقالوا : إنّا بَرِئنا من قومٍ قتلوا ابن بنت نبيّهم. فبلغهم ذلك فلم يدخلوها.
(٢) وفي ط : (المفظعات) بدل (المقطعات).
(٣) أقول : هكذا جاء في المطبوع بما يحتويه من النقص، وفي مقتل أبي مخنف / ١١٣ - ١١٤ , طبعة مركز انتشارات الأعلمي طهران، قال : ثمّ دخلوا (رحلوا) من تكريت وأخذوا على طريق البر، ثمّ على الأعمى، ثمّ دير عروة، ثمّ على صليتا، ثمّ على وادي النخلة فنزلوا فيها وباتوا. قال : وسمعوا نساء الجن يبكينَ على الحسين (عليهالسلام ) ويقُلنَ :
نساءُ الجنِّ أسعدن |
نساء الهاشمياتِ |
|
بنات المصطفى أحمد |
يبكين شجياتِ |
|
ويلبسن ثياب السود |
لبساً للمصيباتِ |
|
ويلطمن خدوداً كالْ |
دنانير نقيّاتِ |
|
ويندبن حسيناً عظـ |
مت تلك الرزيّاتِ |
|
ويبلين ويندبن |
مصاب الأحمديّاتِ |
وفي مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ٣ / ٢١٩، قال : ومن نوحهم :
نساءُ الجنِّ يبكين |
من الحزن شجياتِ |
|
ويسعدن بنوح للـ |
نساء الهاشميّاتِ |
|
ويندبن حسيناً عظـ |
مت تلك الرزيّاتِ |
|
ويلطمن خدوداً كال |
دنانير نقيّاتِ |
|
ويلبسن ثياب السود |
بعد القصبيّاتِ |
ثم سمعوا هاتفاً غيرهم يقول :
ذا حسينٌ قتلوه ويلَهم |
سوف يصلون به نارَ الخُلُود |
|
فأبوه ذا عليٌّ فاضلٌ |
وله لو فهموا خيرُ الجُدُود |
ثم باتوا وهم فزعون(١) .
المكان الخامس : الموصل وما جرى فيه
وتابع الإسفرايني : فلمـّا أصبحوا حملوا وساروا إلى أن أقبلوا على الموصل، فكتبوا لحاكمه : تلقّانا ؛ فإنّ معنا رأس خارجي. فلمـّا وصله الكتاب أمر بنشر الأعلام، وضرب
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦١ - ٦٢، وفي ط / ٥٣.
الطبول، فعند ذلك قال لهم رجلٌ منهم : يا قوم , والله ليس بخارجي، وإنّما هي رأس الحسين (عليهالسلام ). فلمـّا سمعوا ذلك غضبوا غضباً شديداً، وتحالفوا بأنّهم يقتلونهم ويخلّصون الرأس منهم، فبلغهم ذلك، فارتحلوا من طريق آخَر، ولم يزالوا سائرين حتّى أقبلوا على كفر نوبة(١) (*) .
المكان السادس : حلب
وتابع الإسفرايني قال : فارتحلوا من طريق آخَر، ولم يزالوا سائرين حتّى أقبلوا على كفر نوبة
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢، وفي ط/ ٥٣.
(*) وفي مقتل أبي مخنف / ١١٤- ١١٥ , طبعة انتشارات الأعلمي طهران، قال : ثمّ دخلوا من وادي النخلة وأخذوا على أرميناء , وساروا حتّى وصلوا إلى لبينا، وكانت عامرة بالناس , فخرجت الكهول والشباب ينظرون إلى رأس الحسين (عليهالسلام ) ويُصلّون على جدِّه وأبيه ويلعنون مَن قتله، وهُم يقولون : يا قتلة أولاد الأنبياء , اخرجوا من بلدنا.
فأخذوا على طريق الكحيل وأتوا جهينة، وأنفذوا إلى عامل الموصل : أن تلقّانا ؛ فإنّ معنا رأس الحسين. فلمـّا قرأ الكتاب أمر بأعلام فنشرت، والمدينة فزيّنت، وتداعت الناس من كلٍّ جانب ومكان، وخرج الوالي فتلقّاهم على ستة أميال , فقال بعض القوم : ما الخبر ؟ فقالوا : رأس خارجي خرج بأرض العراق، قتله عبيد الله بن زياد (لعنه الله)، وبعث برأسه إلى يزيد (لعنه الله).
فقال رجلٌ منهم : يا قوم , هذا رأس الحسين (عليهالسلام ). فلمـّا تحققوا ذلك اجتمعوا في أربعين ألف فارس من الأوس والخزرج , وتحالفوا أن يقتلوهم ويأخذوا منهم رأس الحسين (عليهالسلام ) ويدفنوه عندهم ؛ ليكون فخراً لهم إلى يوم القيامة.
فلمـّا سمعوا ذلك لم يدخلوها، وأخذوا على تل باعفر، ثمّ جبل سنجار فوصلوا إلى نصيبين، فنزلوا وشهروا الرأس والسبايا، فلمـّا رأت زينب (عليهاالسلام ) ذلك , أنشأت تقول :
أتشهّرونا في البرية عنوةً |
ووالدُنا أوحى إليه جليلُ |
|
كفرتم بربِّ العرش ثم نبيِّه |
كأن لم يجئكم في الزمان رسولُ |
|
لحاكم إله العرش يا شرَّ أمةٍ |
لكم في لظى يوم المعاد عويلُ |
وكتبوا إلى صاحب حلب : تلقّانا ؛ فإنّ معنا رأس خارجي. فلمـّا وصله الكتاب فرح فرحاً شديداً وأمر بنشر الأعلام، وأخذ قومه وخرجوا لمقابلتهم من نحو ثلاثة أميال، وأنزلهم عنده، وأقاموا ثلاثة أيام، وأكرمهم غاية الإكرام، ثمّ ارتحلوا(١) .
السقط المحسن ابن الإمام الحسين (عليهماالسلام )
قال الحموي في معجم البلدان : جوشن : جبل في غربي حلب، ومنه كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدنه، ويقال : إنّه بَطُلَ منذ عَبَر عليه سبي الحسين بن علي (عليهالسلام ) ونساؤه، وكانت زوجة الحسين (عليهالسلام ) حاملاً فأسقطت هناك، فطلبتْ من الصنّاع في ذلك الجبل خبزاً وماءً، فشتموها ومنعوها، فدَعَتْ عليهم، فمن الآن مَن عمل فيه لا يربح. وفي قِبَلي الجبل مشهد يُعرف بمشهد السقط ويسمّى مشهد الدكّة، والسقط يسمّى محسن بن الحسين(٢) .
وذكرها أيضاً ابن العديم، قال : باب في ذكر الجبال المذكورة بحلب وأعمالها، ونبدأ أوّلاً بالجبال التي تختصّ بها وِبقُراها، ثمّ نذكر ما هو في عملها سواها.
فأوَّلها جبل جوشن : وهو جبل من غربي مدينة حلب، وفي لحفه نهر قويق , ويسمّى قويق في ذلك الموضع العوجان، وهذا الجبل فيه معدن النحاس. وأخبرني والديرحمهالله قال : إنّما امتنعوا من عمل النحاس به ؛ لأنّهم عملوه فما حصل فيه فائدة. وقيل : إنّ سبب عدم الفائدة فيه قلّة الحطب بحلب.
وقرأتُ بخطّ بعض الحلبيين، وأظنّه بعض أعيان بني الموصول، قال : ويقال : إنّه بَطُلَ منذ عَبَر عليه سبي الحسين (عليهالسلام )
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢، وفي ط / ٥٣.
(٢) معجم البلدان - الحموي ٢/ ١٨٦.
ونساؤه وأولاده (عليهمالسلام ) , وأنّ زوجة الحسين (عليهالسلام ) كانت حاملاً وأنّها أسقطت هناك، وطلبتْ من الضيّاع في ذلك الجبل خبزاً أو ماءً، وأنّهم شتموها ومنعوها، فدَعَت عليهم، وإلى الآن مَن عمل فيه لم يربح سوى التعب. سمعتُ بعض شيوخ الشيعة بحلب يقول : كان دعاؤها عليهم : لا أربح الله لكم تجارة. فما ربحوا بعدها(١) .
المكان السابع : قنسرين(٢)
وفي نور العين قال : ثمّ ارتحلوا إلى قنسرين , فلمـّا وصلوها وبلغ أهلها خبرهم أغلقوا الأبواب في وجوههم، وقالوا : لا يمرّون في بلدنا. فارتحلوا إلى مدينة النعمان، فاستقبلوهم وذبحوا لهم الذبائح، ثمّ ارتحلوا(٣) (*) .
____________________
(١) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ١ / ٤١١.
(٢) وصولهم إلى عين الورد ثمّ قريب دعوات. وفي مقتل أبي مخنف / ١١٥ , انتشارات الأعلمي طهران، قال : وجعلوا يسيرون إلى عين الورد , وأتوا إلى قريب دعوات، وكتبوا إلى عاملها : أن تلقّانا ؛ فإنّ معنا رأس الحسين.
فلمـّا قرأ الكتاب أمر بضرب البوقات , وخرج يتلقّاهم , فشهروا الرأس ودخلوا من باب الأربعين، فنصبوا رأس الحسين (عليهالسلام ) في الرحبة - التي نُصب فيها رأس الحسين (عليهالسلام ) لا يجتاز فيها أحد وتقضى حاجته إلى يوم القيامة -.
قال : وباتوا ثملين من الخمور إلى الصباح، فلمـّا ارتحلوا من الغداة بكى علي بن الحسين (عليهالسلام ) وأنشأ يقول :
ليت شعري هل عاقلٌ في الدجيِّ |
بات من فجعةِ الزمانِ يناجي |
|
أنا نجلُ الإمامِ ما بالُ حقّي |
ضائعٌ بينَ عُصْبَةٍ أعلاجِ |
(٣) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢.
(*) (وصولهم إلى قنسرين) , وفي مقتل أبي مخنف / ١١٥ , انتشارات الأعلمي طهران، قال : وأتوا إلى قنسرين وكانت عامرة بأهلها، فلمـّا بلغهم ذلك أغلقوا الأبواب وجعلوا يلعنونهم ويرمونهم بالحجارة، ويقولون : يا فجرة ! يا قتلة أولاد الأنبياء ! والله لا دخلتم بلدنا ولو قُتلنا عن آخرنا. فرحلوا عنهم.
قال : فبكت اُمّ كلثوم وأنشأت تقول :
كم تنصبون لنا الأقتابَ عاريةً |
كأننا من بناتِ الرومِ في البلدِ |
|
أليس جدي رسولُ اللهِ ويلَكُمُ |
هو الذي دلَّكم قصداً إلى الرَّشَدِ |
|
يا أُمَّةَ السوءِ لا سقياً لربعِكُمُ |
إلّا العذابَ الذي أخنى على لبدِ |
المكان الثامن : كفر طاب
وفي نور العين للإسفرايني قال : ثمّ ارتحلوا إلى كفر طاب، فغلقوا في وجوههم الأبواب، فارتحلوا(١) .
المكان التاسع : شيراز
وفي نور العين للإسفرايني : فارتحلوا إلى شيراز , فتقلّد أهلها بالسيوف، وركبوا القنطرة، فلمـّا وصلوا إليهم قال لهم خولي : لا تفعلوا ذلك يا أهل شيراز. فلم يلتفتوا إليه , بل حملوا عليهم وقاتلوهم حتّى قتلوا منهم ستة وثمانين فارساً، وقتل منهم خمسة رجال , فعند ذلك قالت اُمّ كلثوم : ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا : شيراز. فقالت : أعذب الله ماءها، وأرخص أسعارها، ورفع أيدي الظالمين عنها.
(قال الراوي) : فلمـّا رأى خولي من أهل شيراز هذه الفعال أمر قومه بالرحيل إلى طريقٍ آخَر، فارتحلوا(٢) (*) .
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢، وفي ط / ٥٣.
(٢) المصدر نفسه / ٦٢، وفي ط / ٥٣.
(*) (وصولهم معرة النعمان ثمّ شيراز ثمّ كفر طاب ثمّ سيبور) , وفي مقتل أبي مخنف / ١١٦ , مركز انتشارات الأعلمي طهران، قال : وأتوا إلى معرة النعمان واستقبلوهم، وفتحوا لهم الأبواب، وقدّموا لهم الأكل الشرب، وبقوا بقية يومهم، ورحلوا منها ونزلوا شيراز (بفتح الراء) , وكان فيها شيخٌ كبير، فقال : يا قوم , هذا رأس الحسين (عليهالسلام ). فتحالفوا أن لا يجوزوا في بلدهم، فلمـّا عاينوا ذلك منهم لم يدخلوها، وساروا إلى كفر طاب , وكان حصناً صغيراً، فغلقوا عليهم بابه , فتقدّم إليهم خولي فقال : ألستم في طاعتنا ؟ فاسقونا الماء.
فقالوا : والله , لا نسقيكم قطرةً واحدةً وأنتم منعتم الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه الماء. فرحلوا منه وأتوا سيبور، فأنشأ علي بن الحسين (عليهالسلام ) يقول :
ساد العلوجُ فما ترضى بذا العَرَبُ |
وصار يَقْدُمُ رأسَ الأمَّةِ الذَّنَبُ |
|
يا للرجالِ وما يأتي الزمانُ به |
من العجيبِ الذي ما مثلُهُ عَجَبُ |
|
آلُ الرسولِ على الأقتابِ عارية |
وآلُ مروانَ تسري تحتَهم نُجُبُ |
قال : وكان فيها شيخٌ كبير , وقد شهد عثمان بن عفان , فجمع أهل سيبور المشايخ والشبّان منهم، فقال : يا قوم , هذا رأس الحسين (عليهالسلام ) قتله هؤلاء اللعناء. فقالوا : والله , ما يجوز في مدينتنا. فقال المشايخ : يا قوم , إنّ الله كَره الفتنة، وقد مرَّ هذا الرأس في جميع البلدان ولم يعارضه أحد , فدعوه يجوز في بلدكم.
فقال الشبّان : والله , لا كان ذلك أبداً. ثمّ عمدوا إلى القنطرة فقطعوها، فخرجوا عليهم شاكين السلاح، فقال لهم خولي : إليكم عنَّا. فحملوا عليهم وعلى أصحابه فقاتلوهم قتالاً شديداً، فقتل من أصحاب خولي ستمئة فارس، وقتل من الشبّان خمسة فوارس، فقالت اُمّ كلثوم (عليهاالسلام ) : ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا سيبور. فقالت : أعذب الله شرابهم، وأرخص أسعارهم، ورفع أيدي الظلمة عنهم.
قال أبو مخنف (ره) : فلوا أنّ الدنيا مملوءة ظلماً وجوراً لَما نالهم إلّا قسطاً وعدلاً.
المكان العاشر : حماة
تابع الإسفرايني قال : فارتحلوا إلى حماة، فغلق أهلها الأبواب في وجوههم، فقالت اُمّ كلثوم : ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا : حماة. فقالت : حماها الله من كلِّ ظالم. ثمّ ساروا(١) .
المكان الحادي عشر : حمص
تابع الإسفرايني قال :
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢، وفي ط / ٥٤. أقول : وفي مقتل أبي مخنف / ١١٧ ط مركز انتشارات الأعلمي طهران، قال : ثمّ ساروا حتّى وصلوا حماة، فغلقوا الأبواب في وجوههم، وركبوا الستور وقالوا : والله لا تدخلوا بلدنا ولو قُتلنا عن آخرنا. فلمـّا سمعوا ذلك ارتحلوا.
ثمّ ساروا إلى أن أقبلوا إلى حمص، فكتبوا لحاكمها : تلقّانا , فإنّ معنا رأس خارجي. فلمـّا وصله الكتاب أمر بنصب الأعلام، وخرج ولاقاهم وأكرمهم غاية الإكرام، ثمّ ارتحلوا(١) (*) .
المكان الثاني عشر : خندق الطعام
وتابع الإسفرايني : ثمّ ارتحلوا إلى خندق الطعام، فغلق أهلها الأبواب، فارتحلوا(٢) .
المكان الثالث عشر : جوسية
وتابع الإسفرايني : فارتحلوا إلى جوسية , (قال الراوي) : حدّثني مَن حضر ذلك اليوم بجوسية أنّ حاكمها جرَّد أربعة آلاف فارس، وأمرهم أن يقاتلوهم ويأخذوا الرؤوس والاُسارى منهم، فأحسُّوا بذلك، فارتحلوا إلى طريقٍ آخر(٣) .
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢، وفي ط / ٥٤.
(*) (وصولهم إلى حمص) , وفي مقتل أبي مخنف / ١١٧ ط مركز انتشارات الأعلمي طهران، قال : وساروا إلى حمص وكتبوا إلى صاحبها : أنّ معنا رأس الحسين (عليهالسلام ).
وكان أميرها خالد بن النشيط، فلمـّا قرأ الكتاب أمر بأعلام فنشرت , والمدينة فزيّنت، وتداعى الناس من كلّ جانب ومكان، وخرج فتلقّاهم على مسير ثلاثة أميال، وشهروا الرأس وساروا حتّى أتوا حمص , فدخلوا الباب , فازدحموا الناس بالباب فرموهم بالحجارة حتّى قُتل منهم ستة وعشرون فارساً , وأغلقوا الباب في وجوههم، فقالوا : يا قوم , أكفرٌ بعد إيمان، وضلالٌ بعد هدى ؟!
فخرجوا ووقفوا عند كنيسة قسيس - وهي دار لخالد بن النشيط - فتحالفوا أن يقتلوا خولي (لعنه الله) ويأخذوا منه الرأس ؛ ليكون فخراً لهم إلى يوم القيامة، فبلغهم ذلك فرحلوا عنهم خائفين.
(٢) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٢، وفي ط / ٥٤.
(٣) المصدر نفسه / ٦٣.
المكان الرابع عشر : بعلبك
تابع الإسفرايني : فارتحلوا إلى طريق آخر إلى أن وصلوا بعلبك، وكتبوا لحاكمها كتاباً : تلقّانا. فلمـّا وصله خرج بالطبول، وقد نشر الأعلام ولاقاهم، فقالت اُمّ كلثوم : ما يقال لهذه المدينة ؟ فقالوا : بعلبك. فقالت : لا أعذب الله ماءها، ولا أرخص أسعارها، ولا رفع أيدي الظالمين عنها. ثمّ ارتحلوا آخر النهار(١) (*) .
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٣، وفي ط / ٥٤.
(*) وفي مقتل أبي مخنف / ١١٨ ط مركز انتشارات الأعلمي طهران، قال : وأتوا بعلبك، وكتبوا إلى صاحبها : أنّ معنا رأس الحسين. فأمر بالجواري أن يضربنَ الدفوف، ونشرت الأعلام، وضربت البوقات، وأخذوا الخلوق والسكر والسويق، وباتوا ثملين , فقالت اُمّ كلثوم : ما يقال لهذه ؟ (وفي الأصل بهذه) فقالوا : بعلبك. فقالت : أباد الله خضراتهم، ولا أعذب الله شربهم، ولا رفع الله أيدي الظلمة عنهم.
قالوا : فلو أنّ الدنيا مملوءة عدلاً وقسطاً لَما نالهم إلّا ظلم وجور. وباتوا تلك الليلة، ورحلوا منها , وأدركهم المساء عند صومعة راهب، فأنشأ زين العابدين (عليهالسلام ) يقول :
هو الزمانُ فما تُفنى عَجَائِبُه |
عن الكِرَامِ ولا تهدأ مَصَائِبُهُ |
|
فليت شعري إلى كم ذا تجاذبُنا |
صروفُهُ وإلى كم ذا نجاذبُهُ |
|
يسيِّرونا على الأقتاب عاريةً |
وسائقُ العيس تحمى عنه غاربُهُ |
|
كأننا من سبايا الروم بينهُمُ |
أو كلُّ ما قاله المختارُ كاذبُهُ |
|
كفرتُمُ برسولِ اللهِ ويلَكُمُ |
يا أمةَ السوءِ قد ضاقت مذاهبُهُ |
قال : فلمـّا جنَّ الليل دفعوا الرأس إلى جانب الصومعة، فلمـّا عسعس الليل سمع الراهب دويّاً كدويِّ الرعد، وتسبيحاً وتقديساً، واستأنس من أنوار ساطعة، فأطلع الراهب رأسه من الصومعة فنظر إلى رأس الحسين (عليهالسلام ) وإذا هو يسطع نوراً إلى عنان السماء، ونظر إلى باب قد فُتح من السماء , والملائكة ينزلون كتائباً كتائباً، ويقولون : السلام عليك يا أبا عبد الله.
فجزع الراهب جزعاً شديداً، فلمـّا أصبحوا همّوا بالرحيل , فأشرف الراهب عليهم ونادى : مَن زعيم القوم ؟ فقالوا : خولي بن يزيد (لعنه الله).
فقال الراهب : وما الذي معكم ؟
قالوا : رأس خارجي خرج بأرض العراق قتله عبيد الله بن زياد (لعنه الله).
فقال : ما اسمه ؟
قالوا : الحسين بن علي بن أبي طالب، واُمّه فاطمة الزهراء، وجدِّه محمّد المصطفى (صلّوات الله عليه وعليهم أجمعين). =
قضية الراهب مع الرأس الشريف
روى ابن حبان، والقندوزي - واللفظ للأوّل - قال : ثمّ أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) إلى الشام مع اُسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على أقتاب ؛ مكشّفات الوجوه والشعور، فكانوا إذا نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من الصندوق وجعلوه في رمح، وحرسوه إلى وقت الرحيل، ثمّ اُعيد الرأس إلى الصندوق ورحلوا، فبينما هُم كذلك إذ نزلوا بعض المنازل وإذا فيه دير راهب، فأخرجوا.
فقال خولي : ما كنتُ بالذي أكشفه إلّا عند يزيد (لعنه الله)، وآخذ منه الجائزة.
فقال الراهب : وكَم جائزتك ؟
فقال : بدرة فيها عشرة آلاف درهم.
فقال الراهب : أنا أعطيك البدرة.
فقال : أحضرها. فأحضَرها الراهب، ودفعوا له الرأس وهو على القناة، فأخذه الراهب , وجعل يقبّله ويبكي ويقول : يعزُّ والله عليَّ يا أبا عبد الله أن لا اُواسيك بنفسي، ولكن يا أبا عبد الله , إذا لقيت جدَّك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فاشهد لي أنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وأشهد أنّ عليّاً ولي الله.
ودفع الرأس إليهم , فجعلوا يقتسمون الدراهم وإذا هي بأيديهم خزف مكتوب عليها( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) سورة الشعراء / ٢٢٧.
فقال خولي (لعنه الله) لأصحابه : اكتموا هذا الخبر , يا ويلكم عن الخزي بين الناس !
قال سهل : فهتف هاتف يقول :
أترجو أمةٌ قتلتَ حسيناً |
شفاعةَ جدِّه يومَ الحسابِ |
|
وقد غضبوا الإلهَ وخالفوه |
ولم يخشوه في المئاب(*) |
|
ألا لعن الإلهُ بني زيادٍ |
وأسكنهم جهنَّمَ في العذابِ |
قال : فلمـّا سمعوا ذلك دهشت عقولهم، وجدّوا في السير حتّى دخلوا دمشق، فرأيتُ الأسواق معطّلة، والناس كأنّهم سكارى... إلخ.
____________________
= فقال الراهب : تبّاً لكم ولِما جئتم في طاعته ! لقد صَدَقت الأخبار في قولها : إنّه إذا قُتل هذا الرجل تمطر السماء دماً، ولا يكون هذا إلّا بقتل نبيٍّ أو وصي نبي. ثمّ قال : اُريد أن تدفعوا إليّ هذا الرأس ساعة واحدة وأردّه عليكم.
(*) لا يخفى ما في المصراع الثاني من سقط واضح. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
الرأس على عادتهم، وجعلوه في الرمح، وأسندوا الرمح إلى الدير، فرأى الديراني بالليل نوراً ساطعاً من ديره إلى السماء، فأشرف على القوم وقال لهم : مَن أنتم ؟
قالوا : نحن أهل الشام.
قال : وهذا رأسُ مَن هو ؟
قالوا : رأس الحسين بن علي.
قال : بئس القوم أنتم ! والله لو كان لعيسى ولد لأدخلناه أحداقنا. ثمّ قال : يا قوم , عندي عشرة آلاف دينار ورثتها من أبي , وأبي من أبيه، فهل لكم أن تعطوني هذا الرأس ليكون عندي الليلة، وأعطيكم هذه العشرة آلاف دينار ؟
قالوا : بلى. فأحضر إليهم الدنانير، فجاؤوا بالنقاد ووزِنَت الدنانير ونقدت، ثمّ جُعلت في جراب وخُتم عليه، ثمّ اُدخل الصندوق , وشالوا إليه الرأس، فغسله الديراني ووضعه على فخذه وجعل يبكي الليل كلَّه عليه، فلمـّا أن أسفر عليه الصبح، قال : يا رأس , لا أملك إلّا نفسي، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ جدَّك رسول الله. فأسْلَم النصراني وصار مولى للحسين (عليهالسلام ).
ثمّ أحضر الرأس إليهم فأعادوه إلى الصندوق ورحلوا، فلمـّا قربوا من دمشق قالوا : نحبُّ أن نقسّم تلك الدنانير ؛ لأنّ يزيد إن رآها أخذها منَّا. ففتحوا الصندوق وأخرجوا الجراب بختمه وفتحوه، فإذا الدنانير كلُّها قد تحوّلت خزفاً، وإذا على جانب من الجانبين من السكّة مكتوب :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) (١) ، وعلى الجانب الآخر( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونِ ) (٢) .
قالوا : قد افتضحنا والله ! ثمّ رموها في (بردى) نهرٍ لهم، فمنهم مَن تاب من ذلك الفعل لِما رأى، ومنهم مَن بقي على إصراره، وكان رئيس مَن بقى على ذلك الإصرار سنان بن أنس النخعي.
ثمّ أركب الأسارى من أهل بيت رسول
____________________
(١) سورة إبراهيم / ٤٢.
(٢) سورة الشعراء / ٢٢٧.
الله (صلىاللهعليهوآله ) من النساء والصبيان أقتاباً يابسة , مكشّفات الشعور، وأدخلوا دمشق كذلك، فلمـّا وضع الرأس بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينقر ثنيته بقضيبٍ كان في يده، ويقول : ما أحسن ثناياه !
قد ذكرت كيفية هذه القصة، وباليتها في أيّام بني أميّة وبني العباس في كتاب الخلفاء، فأغنى عن إعادة مثلها في هذا الكتاب ؛ لاقتصارنا على ذكر الخلفاء الراشدين منهم في أوَّل هذا الكتاب(١) .
وما رواه الإسفرايني في هذا المقام قال : ثمّ ارتحلوا آخر النهار، فأدركهم المساء عند صومعة راهب في الطريق، فنزلوا عندها واسندوا الرؤوس عليها، فلمـّا جنَّ الليل سمع الراهب دويّاً كدويِّ النحل، فعلم أنّه تسبيح ملائكة، فأرخى رأسه من الصومعة، فرأى قناديل مدلاّت من السماء إلى الأرض، وسمع زين العابدين (عليهالسلام ) يبكي ويقول :
هذا الزمانُ فما تفنى عجائبُهُ |
عن الكرامِ ولا تهدأ مَصَائِبُهُ |
|
فليت شعري إلى كم ذا يحاربُنا |
بصرفِهِ وإلى كم ذا نُحَارِبُهُ |
|
يُسْرَى بنا فوقَ أقتابٍ بلا وطئٍ |
وسائقُ العيسِ يحمي منه غاربُهُ |
|
كأننا من أسارى القوم بينهُمُ |
كأنَّ ما قاله المختارُ كاذبُهُ |
|
كفرتُمُ برسولِ اللهِ ويحكُمُ |
يا أُمَّةَ السوءِ ما هذي مذاهبُهُ |
فلمـّا سمع الراهب ذلك خرج من صومعته وأقبل على القوم، وقال : مَن أميركم ؟ فأشاروا إلى خولي، فقال له : أنت الأمير ؟ فقال : نعم. قال : هذه رأس مَن ؟ فقال : رأس خارجي. فقال : ما اسمه ؟ قال : الحسين. فقال : ومَن اُمُّه ؟ فقال : فاطمة بنت محمّد. فلمـّا سمع ذلك خرَّ مغشيّاً عليه، فلمـّا أفاق، قال : صدقت الأخبار ؛ لأنّهم قالوا : في هذا الشهر يُقتل نبي أو وصي نبي. ثمّ قال : يا أمير , أعطني الرأس حتّى أنظرها وأردّها لك.
____________________
(١) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١٢-٣١٣، ينابيع المودة للقندوزي ٣ / ٢٩ بإيجاز.
فقال : ادفع الجائزة. فقال : وما الجائزة ؟ قال : عشرة آلاف درهم. فدفعها له، فأمر بإعطاء الرأس له، فلمـّا نظرها انكبّ على وجهه يقبّلها ويقول : لعن الله قاتلك، يعزُّ عليَّ أن لا أكون أوَّل شهيدٍ استشهد بين يديك، ولكن إذا لقيت جدَّك فاقرأه منّي السلام، وأخبره أنّي على قول : أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). ثمّ ضمّخها بالمسك والطيب وردّها لهم.
ثمّ إنّ خولي أراد أن يعطي قومه ممّا أخذه من الراهب، فوجدها حجارةً مكتوباً عليها( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) . فرماها وقال : يا قوم , اكتموا هذا الأمر ؛ لأنّه عارٌ علينا(٢) .
ملاقاتهم اليهودي في طريقهم إلى الشام , وكلام رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) معه حتّى أسْلَم هو مع أقربائه
روى الخوارزمي قال : وروي أنّ رأس الحسين (عليهالسلام ) لمـّا حُمِلَ إلى الشام وجنَّ عليهم الليل، نزلوا عند رجلٍ من اليهود، فلمـّا شربوا وسكروا قالوا له : عندنا رأس الحسين. فقال لهم : أروني إيّاه. فأروه إيّاه بصندوق يسطع منه النور إلى السماء، فعجب اليهودي واستودعه منهم، فأودعوه عنده، فقال اليهودي للرأس - وقد رآه بذلك الحال - : اشفع لي عند جدِّك.
فأنطقَ الله الرأس وقال : (( إنّما شفاعتي للمحمّديّين , ولستَ بمحمّدي )). فجمع اليهودي أقرباءه، ثمّ أخذ الرأس ووضعه في طست وصبَّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر,
____________________
(١) سورة الشعراء / ٢٢٧.
(٢) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٣ - ٦٤، وفي ط / ٥٤.
ثمّ قال لأولاده وأقربائه : هذا رأس ابن بنت محمّد (صلىاللهعليهوآله ). ثمّ قال : وا لهفاه ! لم أجِد جدَّك محمّد (صلىاللهعليهوآله ) فاُسْلمَ على يديه، ثمّ وا لهفاه ! لم أجدك حيّاً فاُسْلِم على يديك واُقاتل دونك، فلو أسلمتُ الآن أتشفع لي يوم القيامة ؟ فأنطق الله الرأس فقال بلسانٍ فصيح : (( إنْ أسلمتَ فأنا لك شفيع )). قالها ثلاث مرّات وسكت، فأسلمَ الرجل وأقرباؤه(١) .
قال الخوارزمي : أقول : لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب قنسرين ؛ لأنّه أسْلمَ بسبب رأس الحسين (عليهالسلام ) , وجاء ذكره في الأشعار , وأورده الجواهري(٢) الجرجاني في مراثي الحسين (عليهالسلام ) كما سيرد عليك في موضعه إن شاء الله(*) .
____________________
(١) مقتل الخوارزمي ٢ / ١١٥ - ١١٦ , في الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة قاتل الحسين (عليهالسلام ) رقم الرواية ٤٩.
(٢) وفي الأصل (الجواهري والجرجاني) أي بالواو، والصحيح بدونها ؛ لأنّ الجواهري هو الجرجاني , فهو علي بن أحمد الجواهري الجرجاني المتوفّى سنة ٣٨٠ هجري.
(*) قال الخوارزمي في مقتله ٢ / ١٥٥ : ولأبي الحسن الجوهري الجرجاني من قصيدة طويلة :
يا أهلَ عاشوراء يا لهفي على الدينِ |
خذوا حدادَكُمُ يا آلَ ياسينِ |
|
اليومَ شُقِّق جَيْبُ الدينِ وانْتُهِبَتْ |
بناتُ أحمدَ نَهْبَ الرومِ والصينِ |
|
اليومَ قام بأعلى الطفِّ نادبُهُمْ |
يقول مَن ليتيمٍ أو لمسكينِ |
|
اليومَ خُضِّبَ شَيْبُ المصطفى بدمٍ |
أمسى عبيرَ نحورِ الخُرْدِ والعِيْنِ |
|
اليومَ خَرَّتْ نجومُ الفخرِ من مضرٍ |
على مناخر تذليلٍ وتوهينِ |
|
اليومَ أُطفئ نورُ اللهِ متَّقِدا |
وُجرّرت لَهُمُ التقوى على الطينِ |
|
اليومَ هُتِّكَ أسبابُ الهدى مزقاً |
وبُرْقِعَتْ غرَّةُ الإسلامِ بالهونِ |
|
اليومَ زُعْزِعَ قُدْسٌ من جوانبه |
وطاح رَضْوى على أنفِ العرينينِ |
وقال الخوارزمي تعليقاً على هذا : ومثل هذا يجوز إذا أخبر به النبي (صلىاللهعليهوآله ) أنّه سيكون بعدي كذا وكذا، كما أخبر عن بقيلة بنت الشماء الأزدية صاحبة الحيرة، وكما أخبر سفينة مولاه أنّه يُكلّمه
____________________
اليومَ نال بنو حربٍ طوائلَها |
مما صَلَوه ببدرٍ ثم صفّينِ |
|
اليومَ جُدِّل سِبْطُ المصطفى شَرِقاً |
من نفسِهِ بنجيعٍ غيرِ مسنونِ |
|
زادوا عليه بحبسِ الماءِ غُلَتَّه |
تبّاً لرأيِ فريقٍ منه مغبونِ |
|
نالوا أَزِمَّةَ دنياهم ببغيِهِمُ |
فليتهم سمحوا منها بماعونِ |
|
حتّى [يصيح] بقنَّسْرِيْنَ راهِبُها |
يا عصبةَ الغيِّ يا حِزْبَ الشياطينِ |
|
أتهزؤون برأس بات منتصباً |
على القنا بجبينٍ منه ميمونِ |
|
آمنتُ وَيْحَكُمُ باللهِ مهتدياً |
مستبدلاً لِيَ دينَ الرأس من ديني |
|
قد جدَّلوه صريعاً فوقَ جَبْهَتِهِ |
وقسَّموه بأطرافِ السكاكينِ |
|
وأوقروا صَهَوَاتِ الخيلِ من إحَنٍ |
على أسَارَاهُمُ فِعْلَ الفراعينِ |
|
مصَّعدين على أقتابِ أَرْحُلِهِم |
محمولةً بين مضروبٍ ومطعونِ |
|
أطفالُ فاطمةَ الزهراءِ قد فُطِمُوا |
من الثديِّ بأنيابِ الثعابينِ |
|
يا أمةً وَلِيَ الشيطانُ رَايَتَها |
ومَكَّنَ الغيَّ منها كلَّ تمكينِ |
|
يا ابْنَيْ زيادٍ وهندٍ تَرْتَجُونَ غدا |
رَوْحَ الجِنَانِ بمقذوفٍ وملعونِ |
|
ما المرتضى وبنوه من معاويةٍ |
ولا الفواطمُ من هندٍ وميسونِ |
|
آلُ الرسولِ عباديدُ السيوفِ فَمِنْ |
سارٍ على وَجْهِهِ خوفاً ومسجونِ |
|
يا عينُ لا تَدَعِي شيئاً لغاديةٍ |
تَهْمِي ولا تَدَعِي دمعاً لمحزونِ |
|
سُحِّي على جَدَثٍ بالطفِّ فانتقضي |
بكلِّ لؤلؤِ دمعٍ فيك مكنونِ |
|
يا آلَ أحمدَ إن ( الجوهريَّ ) لكم |
سيفٌ يُقَطِّعُ عنكم كلَّ موصونِ |
الأسد، وكما أخبر عن تبليغ صوت عمر من المدينة إلى نهاوند حين افتتحوها، وفي حربها صاح عمر : يا سارية , الجبل الجبل(١) . في أخبارٍ له كثيرة(٢) .
____________________
(١) قال الشيخ الأميني (قدسسره ) في كتاب الغدير ٨ / ٨٤ : وأمّا حديث قول عمر : يا سارية , الجبل الجبل. فقال السيد محمّد بن درويش الحوت في أسنى المطالب / ٢٦٥ : هو من كلام عمر قاله على المنبر حين كشف له عن سارية وهو بنهاوند من أرض فارس، روى قصته الواحدي والبيهقي بسند ضعيف، وهُم في المناقب يتوسّعون. ا ه
كنّا نرى السيد ابن الحوت غير منصف في حكمه على الحديث بالضعف، وأنّه كان حقاً عليه الحكم بالوضع إلى أن أوقفنا السير على تصحيح ابن بدران (المتوفّى ١٣٤٦) إيّاه فيما علّق عليه في تاريخ ابن عساكر ٦ / ٤٦ بعد ذكر الحديث من طريق سيف بن عمر، فوجدنا ابن الحوت عندئذ أنّه جاء بإحدى بنات طبق في حكمه ذلك.
ما أجرأ ابن بدران على هذا التمويه والدجل ! أليست بين يديه أقوال أعلام قومه حول سيف بن عمر ؟ أمْ ليسوا اُولئك الحفّاظ رجال الجرح والتعديل في كلّ إسناد ؟
قال ابن حبان : كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال : قالوا : إنّه كان يضع الحديث , واتّهم بالزندقة. وقال الحاكم : اتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط. وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة , وعامّتها مُنكرة لم يتابع عليها. وقال ابن عدي : عامّتها منكر.
قال البرقاني عن الدار قطني : متروك. وقال ابن معين : ضعيف الحديث , فليس خيرٌ منه. وقال أبو حاتم : متروك الحديث , يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود : ليس بشيء. وقال النسائي : ضعيف. وقال السيوطي : وضّاع. وذكر حديثاً من طريق السري بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف، فقال : موضوع، فيه ضعفاء أشدّهم سيف. راجع ميزان الاعتدال ١ / ٤٣٨، تهذيب التهذيب ٤ / ٢٩٥، اللآلئ المصنوعة ١ / ١٥٧، ١٩٩، ٤٢٩.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ١١٦ , في الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة قاتل الحسين (عليهالسلام ) , رقم الرواية ٤٩.
الشام وما جرى فيها من الأحداث حتّى رجوعهم (عليهمالسلام ) إلى المدينة
لمـّا شارفوا الشام
وفي نور العين للإسفرايني : ثمّ كتب (أي خولي) إلى يزيد كتاباً يقول فيه : نهنِّئ أمير المؤمنين، ونعلمه أنّ معنا رأس عدوِّك الحسين وحريمه وأطفاله، ونحن قريب من دمشق، فاخرج لنا وتلقّانا. ثمّ طوى الكتاب وأرسله مع رسول من عنده، فلم يزل سائراً إلى أن دخل دمشق وسلَّم الكتاب ليزيد , فقرأه وفَهَم معناه، فأمر بتجهيز العسكر، فجهّزوا، ثمّ أمرهم أن يخرجوا لملاقاتهم، فخرجوا من باب جيرون وباب أومى وهُم عشرون ألف , ومعه الرايات منشورة، وألسنتهم بالتهليل والتكبير مشهورة، ولم يزالوا حتّى لاقوا القوم وأتوا بهم إلى دمشق(١) .
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٤، وفي ط / ٥٥.
اُمّ كلثوم (عليهاالسلام ) تطلب من اللعين شمر أن يمرَّ بهنّ في طريق قليل النظّار
وفي نور العين للإسفرايني قال : وكانت اُمّ كلثوم (عليهاالسلام ) قبل أن يدخلوا دمشق قالت للشمر : بالله عليك , إذا دخلتم بنا دمشق فادخلوا من مكان قليل النظّار. ففعل بضدّ سؤالها(١) .
ما جرى بين طفلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) وبين سهيل الشهروزي
وفي نور العين للإسفرايني قال : قال (الراوي) : قال سهيل الشهروزي : كنتُ حاضراً دخولهم، فنظرتُ إلى السبايا وإذا فيهم طفلة صغيرة على ناقة وهي تقول : وا أبتاه ! وا حسيناه ! وا عطشاه ! وهي كأنّها القمر المنير، فنظرتْ إليَّ وقالت : يا هذا , أمَا تستحي من الله وأنت تنظر إلى حريم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟
فقلت لها : والله , ما نظرتُ لكم نظرةً أستوجبُ بها هذا التوبيخ.
فقالت : مَن أنت ؟
فقلت : أنا سهيل الشهروزي.
فقالت : وإلى أين تريد ؟
فقلت : اُريد الحج إلى بيت الله , وزيارة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقالت : إذا وصلت إلى قبر جدِّنا فاقرأه منَّا السلام، وأخبره بخبرنا.
فقلت : حبّاً وكرامة، وهل لكِ حاجةً غير هذا ؟
فقالت : إنْ كان معك شيء من الفضة، فأعط منه حامل رأس أبي وأمره أن يتقدّم بالرأس أمامنا حتّى تشتغل الناس بالنظر إليها عنَّا(٢) .
ما جرى مع سهل بن سعد في الشام
روى الخوارزمي قال :
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٤، وفي ط/ ٥٥.
(٢) المصدر نفسه.
حدّثنا الشيخ الإمام عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي - إملاءً - , حدّثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمّد البلالي، حدّثنا الإمام السيد المرتضى نجم الدين نقيب النقباء أبو الحسن محمّد بن محمّد بن زيد الحسني الحسيني، أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عيسى، أخبرنا أبو جعفر محمّد بن منصور المرادي المقري، حدّثنا أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين، عن أبي خالد، عن زيد، عن أبيه (عليهالسلام ) أنّ سهل بن سعد قال : خرجتُ إلى بيت المقدس حتّى توسّطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار، قد علّقوا الستور والحجب الديباج، وهُم فرحون مستبشرون، وعندهم نساء يلعبنَ بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي : لعلَّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن.
فرأيتُ قوماً يتحدّثون، فقلت : يا هؤلاء , ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن ؟
قالوا : يا شيخ , نراك غريباً.
فقلت : أنا سهل بن سعد , قد رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وحملتُ حديثه.
فقالوا : يا سهل , ما أعجبك السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تخسف بأهلها !
قلت : ولِمَ ذاك ؟
فقالوا : هذا رأس الحسين (عليهالسلام ) عترة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يُهدى من أرض العراق إلى الشام , وسيأتي الآن.
قلت : وا عجباه ! يُهدى رأس الحسين (عليهالسلام ) والناس يفرحون ؟! فمن أيِّ بابٍ يدخل ؟ فأشاروا إلى باب يقال له : باب الساعات. فسرتُ نحو الباب، فبينما أنا هنالك إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضاً، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان، وعليه أشبه الناس وجهاً برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وإذا بنسوةٍ من ورائه على جمال بغير وطاء، فدنوتُ من إحداهنَّ، فقلت لها : يا جارية , مَن أنتِ ؟
فقالت : أنا سكينة بنت الحسين (عليهالسلام ).
فقلت لها : ألكِ حاجة إليَّ , فأنا سهل بن سعد ممّن رأى جدَّك وسمعتُ حديثه ؟ قالت : يا سهل , قل لصاحب الرأس أن يتقدّم
بالرأس أمامنا حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا ؛ فنحن حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
قال : فدنوتُ من صاحب الرأس وقلت له : هل لكَ أن تقضي حاجتي وتأخذ منِّي أربعمئة دينار ؟
قال : وما هي ؟
قلت : تُقدّم الرأس أمام الحرم. ففعل ذلك، ودفعت له ما وعدته، ثمّ وضع الرأس في حقَّة واُدخل على يزيد. فدخلتُ معهم، وكان يزيد جالساً على السرير، وعلى رأسه تاج مُكلّل بالدرّ والياقوت، وحوله كثير من مشايخ قريش، فدخل صاحب الرأس ودنا منه، وقال
أوقر ركابي فضةً أو ذهبا |
فقد قتلتُ السيّدَ المـُحجَّبا |
|
قتلتُ أزكى الناسِ أُمَّاً وأبا |
وخيرَهم إذ يُنْسَبُونَ النّسبا |
فقال له يزيد : إذا علمتَ أنّه خير الناس لِمَ قتلته ؟
قال رجوتُ الجائزة. فأمر بضرب عنقه، فحزَّ رأسه(١) . ثمّ وضع رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يديه على طبق من ذهب، فقال : كيف رأيتَ يا حسين(٢) ؟
ضربُ الرأس الشريف بحجر، ومعجزة السيدة أُمِّ كلثوم (عليهاالسلام )
وفي نور العين قال الإسفرايني : قال سهيل : ثمّ نظرتُ إلى روشن عليه خمس نسوة، وفيهم عجوز محدودبة الظهر، فلمـّا وصلت الرأس قبلها ضربتها بحجر، فنظرتها اُمّ كلثوم (عليهاالسلام ) فقالت : الّلهم أهلكها ومَن معها. فما استتمّ دعاؤها حتّى سقط الروشن بالجميع، فهلكوا وهلك
____________________
(١) أقول : وضرب عنق هذا وحزَّ رأسه لا لقتله الحسين (عليهالسلام ) , بل لِما قاله من مدحٍ فيه وفي أبويه (عليهمالسلام ) ؛ وذلك لأنّ يزيد بن معاوية ناصبي مبغض لا يطيق ذكر أهل البيت (عليهمالسلام ) بخير كما ذكر الذهبي بأنّه ناصبي، على ما يأتي في ترجمته من الفصل السادس.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٦٧.
تحتهم خلقٌ كثير، فقالت زينب (عليهاالسلام ) : الله أكبر من دعوةٍ ما أسرع إجابتها ! ثمّ دخلوا الباب الذي أدخلوهم منه(١) .
سقوط رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) في موضع , وبناء مسجد فيه , وإخراج حرمه (عليهالسلام ) إلى الناس من باب الساعات
وفي نور العين للإسفرايني قال : ثمّ دخلوا بالرأس من باب جيرون وداروا بها إلى باب فراديس، فسقطت الرأس فتلقّتها قرن حائط، فعمِّر هناك مسجد إلى يومنا هذا. ثمّ ازدحم الناس حتّى خرجوا من باب الساعات والنساء مكشوفات الوجوه، والرؤوس على الرماح، فقال أهل الشام : والله , ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء! ثمّ أتوا حتّى وقفوا بهم على باب القصر، وقد أحدقت النظّار إلى زين العابدين (عليهالسلام ) وهو موثّق بالرباط(٢) .
قال الشبراوي : ومن عجائب الدهر الشنيعة وحوادثه الفظيعة أن يُحمل آل النبي (صلىاللهعليهوآله ) على أقتاب الجمال , موثّقين بالحبال، والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس من العراق إلى أن دخلوا دمشق، فأُقيموا على درج الجامع حيث يقام الأسارى والسبي، والأمر كلُّه لله لا حول ولا قوة إلّا به(٣) .
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٤، وفي ط / ٥٥.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي / ٦٩.
ما جرى بين الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) وشيخ من أهل الشام
روى الخوارزمي قال : وروي أيضاً أنّ السبايا لمـّا وردوا مدينة دمشق أُدخلوا من باب يقال له : باب توما، ثمّ أُتي بهم حتّى اُقيموا على درج باب المسجد الجامع، حيث يقام السبي، وإذا شيخ أقبل حتّى دنا منهم، قال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وأراح العباد والبلاد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم.
فقال له علي بن الحسين (عليهالسلام ) : (( يا شيخ , هل قرأتَ القرآن ؟ )).
قال : نعم.
قال : هل قرأتَ هذه الآية :( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) ؟(١) .
قال : قرأتها.
قال : فنحن القربى يا شيخ. وهل قرأتَ هذه الآية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ؟(٢) .
قال : نعم.
قال : (( فنحن أهل البيت الذي خصصنا بآية الطهارة )).
فبقي الشيخ ساكتاً ساعة، نادماً على ما تكلَّم به، ثمَّ رفع رأسه إلى السماء فقال : الّلهم , إنّي أتوب إليك من بغض هؤلاء، وإنّي أبرأ إليك من عدوِّ محمّد وآل محمّد من الجنِّ والإنس(٣) (*) .
____________________
(١) سورة الشورى / ٢٣.
(٢) سورة الأحزاب / ٣٣.
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٦٨ - ٦٩.
(*) أقول : وقد وردت هذه الحادثة في مصادر الشيعة، روى الشيخ الطبرسي (رحمهالله ) في الاحتجاج ٢ / ٣٣ , في احتجاج الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) بالشام على بعض أهلها حين قدم به وبمَن معه على يزيد لعنه الله، قال : وعن ديلم بن عمر قال : كنت بالشام حتّى أُتي بسبايا آل محمّد (صلىاللهعليهوآله )، فاُقيموا على باب المسجد حيث تقام السبايا، وفيهم علي بن الحسين (عليهالسلام )، فأتاهم شيخ من أشياخ أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم، وقطع قرون الفتنة. =
ما فعله يزيد عندما وصل حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى الشام
قال ابن الدمشقي : وقال ابن القفطي في تاريخه : إنّ السبي لمـّا ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقّيه , فلقي الأطفال والنساء من ذرّيّة علي والحسن والحسين (عليهمالسلام )، والرؤوس على أسنّة الرماح، وقد أشرفوا على ثنية العقاب، فلمـّا رآهم أنشد :
لمـّا بدت تلك الحمولُ وأشرقتْ |
تلك الرؤوسُ على ربا جَيْرونِ |
|
نعب الغرابُ فقلت قل أو لا تقلْ |
فقد اقتضيتُ من الرسولِ ديوني |
يعني بذلك أنّه قتل الحسين (عليهالسلام ) بمَن قتلهُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم بدر ؛ مثل عتبة جدِّه ومَن مضى من أسلافه. وقائل مثل هذا (القول) برئ من الإسلام ولا
____________________
= فلم يألَ عن سبّهم وشتمهم، فلمـّا انقضى كلامه قال له علي بن الحسين (عليهالسلام ) : (( إنّي قد أنصَتُّ لكَ حتّى فرغتَ من منطقك، وأظهرتَ ما في نفسك من العداوة والبغضاء، فأنصت لي كما أنصتُّ لك )).
فقال له : هات. قال علي (عليهالسلام ) : (( أمَا قرأتَ كتاب الله عزَّ وجلَّ ؟ )). قال : نعم. فقال (عليهالسلام ) له : (( أمَا قرأتَ هذه الآية :( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ؟ ) ). قال : بلى. فقال (عليهالسلام ) : (( نحن اُولئك، فهل تَجِد لنا في سورة بني إسرائيل حقّاً خاصة دون المسلمين ؟ )). فقال : لا.
فقال : ( أمَا قرأتَ هذه الآية :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ). قال : نعم. قال علي (عليهالسلام ) : (( فنحن اُولئك الذين أمر الله نبيّه أن يؤتيهم حقّهم )). فقال الشامي : إنّكم لأنتم هُم ؟ فقال علي (عليهالسلام ) : ( نعم. فهل قرأتَ هذه الآية :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ). فقال له الشامي : بلى. فقال علي (عليهالسلام ) : (( فنحن ذو القربى، فهل تَجِد لنا في سورة الأحزاب حقّاً خاصة دون المسلمين ؟)). فقال : لا.
قال علي بن الحسين (عليهالسلام ) : ( أمَا قرأتَ هذه الآية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًاً ) ).
قال : فرفع الشامي يده إلى السماء ثمّ قال : الّلهم , إنّي أتوب إليك - ثلاث مرّات - الّلهم إنّي أتوب إليك من عداوة آل محمّد، وأبرأ إليك ممّن قتل أهل بيت محمّد (صلىاللهعليهوآله )، ولقد قرأتُ القرآن منذ دهر فما شعرتُ بها قبل اليوم.
يشكّ في كفره(١) .
حرمُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على باب الرجس اللعين يزيد بن معاوية، ثمّ إدخالهم (عليهمالسلام ) مجلسه مكشّفات الوجوه , مربوطات بالحبال , وكيفيّة إدخالهم مع الإمام (عليهالسلام ) بذلك الحال، وما قالته العقيلة (عليهاالسلام ) حتّى أبكت جميع الحاضرين , وخروج النور من رأسه الشريف
وفي نور العين للإسفرايني قال : (قال الراوي) : ثمّ إنّ خولي بعد أن أوقفهم على الباب دخل على يزيد وقال : يا مولاي , الرؤوس والسبايا واقفون على بابك.
فقال : أدخلهم لأنظر إليهم. فعند ذلك عمد خولي إلى رأس الحسين (عليهالسلام ) وغسلها وطيّبها ودخل بها عليه , وهو يقول :
أنا صاحبُ الرمحِ الطويلِ الذي به |
أصولُ على الأعداءِ في كلِّ مشهدِ |
|
طعنتُ به في آلِ بيتِ محمّدٍ |
لأُرضيَ مولانا يزيدَ المؤيّدِ |
ثمّ وضع الرأس بين يديه وارتد , فأخذ الرؤوس والسبايا مكشوفات الرؤوس وأوقفهنَّ بين يديه، وهم على تلك الحالة باكين، فقال : له زين العابدين (عليهالسلام ) : (( يا يزيد , لو رآنا جدُّنا في هذه الحالة وسألك فما تقول ؟ )).
فعند ذلك أمر بحلِّ الوثاق عنه، وبجلوس السبايا، ثمّ أمر بإحضار طشت من فضة فحضر، فوضع فيه رأس الحسين (عليهالسلام ) ووضعها بين يديه، فلمـّا رأته زينب (عليهاالسلام ) فعل ذلك بكت، ونادت بصوت حزين : يا حسين ! يا حبيب رسول الله ! يعزُّ علينا ذلك يا أبا عبد الله، ويعزُّ عليك لو رأيتنا في هذه الحالة.
قال : فأبكت كلَّ مَن كان في المجلس، ويزيد ساكت، ثمّ إنّه مدَّ يده وأخذ
____________________
(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٠.
منديلاً كانوضعه على الرأس، فلمـّا رفعه صعد منها نور إلى عنان السماء، فدهش الحاضرون، ثمّ دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول :
يا حُسْنَه يلمعُ في اليدينْ |
يلمعُ في طَشْتٍ من اللُّجَيْنْ |
|
كأنه حِقٌّ بِعُرْوَتَيْنْ |
كيف رأيتَ الطعنَ يا حسينْ |
|
قد كنتَ زيناً ثم صِرْتَ شينْ |
وقد قضيتُ منك كلَّ دينْ(١) |
ما قالته عقيلة الطالبيِّين (عليهاالسلام ) ليزيد لعنه الله
وفي ينابيع المودة قال : فلمـّا أتى الشمر اللعين وهو حامل رأس الحسين ( رضي الله عنه وأرضاه)، ويفتخر عند يزيد الملعون يقول :
املأ ركابي فضةًوذهبا |
قتلتُ خيرَ الخلقِ اُمّاً وأبا |
|
إنّي قتلتُ السيدَالمهذَّبا |
وخيرَهم جدّاً وأعلى نسبا |
|
طعنتُه بالرمحِ حتّى انقلبا |
ضربتُه بالسيفِ صار عجبا |
قال له يزيد : إذا علمت أنّه خير الناس اُمّاً وأباً فلم قتلته ؟ اخرج من بين يدي فلا جائزة لك. فخرج هارباً خائباً من الجائزة، وخاسراً في عاجل الدنيا وآجل الآخرة.
ثمّ أمر يزيد الملعون أن يحضروا عنده حرم الحسين وأهل بيته.
قالت زينب (عليهاالسلام ) : يا يزيد , أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين ؟! وما كفاك ذلك حتّى تستجلب بنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من العراق إلى الشام ؟! وما كفاك حتّى
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٥ - ٦٦.
تسوقنا إليك كما تساق الإماء على المطايا بغير وطاء ؟! وما قَتَل أخي الحسين (عليهالسلام ) أحدٌ غيرك يا يزيد، ولولا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله ؛ لأنّه كان أقلّ عدداً وأذلّ نفساً. أمَا خشيت من الله بقتله وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فيه وفي أخيه : (( الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين )) ؟ فإن قلت : لا، فقد كذبت، وإن قلت : نعم، فقد خصمت نفسك، واعترفت بسوء فعلك.
فقال : ذريّة يتبع بعضها بعضاً. وبقي يزيد خجلاً ساكتاً(١) .
ما فعله يزيد لمـّن ذمَّ ابن زياد
روى الطبري قال : قال أبو مخنف : حدّثني أبو جعفر العبسي، عن أبي عمارة العبسي قال : فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم :
لَهَامٌ بجنب الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابنِ زيادِ العبدِ ذي الحَسَبِ الوَغْلِ |
|
سميّةُ أمسى نسلُها عدَدَ الحصى |
وبنتُ رسولِ اللهِ أمست بلا نسلِ |
قال : فضرب يزيد بن معاوية في صدر يحيى بن الحكم، وقال : اسكت(٢) .
وقال ابن شاكر الكتبي : ابن أبي العاص الأموي عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص الأموي , أخو مروان، شاعر محسن شهد يوم الدار، وتوفّي في حدود السبعين للهجرة، وكان حاضراً عند يزيد بن معاوية وقد جيء إليه برأس الحسين (عليهالسلام ) ووضع بين يديه في طست، فبكى عبد الرحمن، وقال :
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٩١.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٨- ٣٣٩.
أبلغ أميرَ المؤمنين فلا تكنْ |
كموتر قوسٍ ثم ليس لها نبلُ |
|
لهامٌ بجنب الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابن زياد الوغد ذي الحسب الرذلِ(*) |
|
سميّةُ أمسى نسلُها عددَ الحصى |
وبنتُ رسولِ الله ليس لها نسلُ |
قال : فصاح يزيد، اسكت يابن الحمقاء، ما لَكَ ولهذا(١) ؟
ما فعله يزيد برأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) حتّى أنّه زاد في نكثه، وما جرى له حينما نعق الغراب , وتكذيبه - لعنه الله - لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بدعواه أنّ معاوية أفضل من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) , وأنّه أفضل من الإمام الحسين (عليهالسلام )
رمي الرأس الشريف بين يدي يزيد بن معاوية
قال ابن العديم : قالوا : ثمّ إنّ ابن زياد جهّز علي بن الحسين (عليهالسلام ) ومَن كان معه من الحرم , ووجّه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زجر بن قيس، ومحقن بن ثعلبة، وشمر بن ذي الجوشن، فساروا حتّى قَدِموا الشام، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق , واُدخل معهم رأس الحسين فرمي بين يديه(٢) .
يزيد بن معاوية ينكت الرأس الشريف
روى ابن عساكر قال : رجلٌ له صحبة كان عند يزيد بن معاوية حين أتي برأس الحسين بن
____________________
(*) لا يخفى ما في البيت من إقواء بيّن. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(١) فوات الوفيّات / ١٢٧٣ لابن شاكر الكتبي، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
(٢) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣١.
علي (عليهالسلام ) إن لم يكن أبا برزة الأسلمي أو زيد بن أرقم فهو(١) غيرهما(٢) , أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن مندة، أنا خيثمة بن سليمان، نا الفضل بن يوسف، نا سعيد بن عثمان الجزاز، نا عمرو بن شمر، عن محمّد بن سوقة، عن عبد الواحد القرشي، قال : لمـّا أتي يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) تناوله بقضيب، فكشف عن ثناياه، فوالله ما البرد بأبيض من ثناياه، ثمّ أنشأ يقول :
يفلقن هاماً من رجال أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
فقال له رجلٌ عنده : يا هذا , ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيتُ شفتي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في مكانه يقبّله. فرفعه متذمّراً عليه فغضب(٣) .
____________________
(١) وقد نقل الخوارزمي في مقتله ٢ / ٦٤ - كما يأتي - : أن هذا المـُعترِض هو سمرة بن جندب صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
(٢) وهذا يدفع قول ابن تيمية الذي أخذ على نفسه الدفاع عن ملعون فاسق مثل يزيد بن معاوية حتّى أخذ يُبرّئه من نكث رأس الحسين (عليهالسلام )، وقد استدلّ برواية ذُكرت عن أنس وأبي برزة الأسلمي، وهما في الكوفة، والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من اعتراض أنس على ابن زياد حينما نكت رأس الحسين (عليهالسلام ).
وأقول : وهذا الدليل باطل عاطل ؛ لأنّ أكثر ما يثبته هو أنّ أنس كان في الكوفة، أمّا أنّه لم يخرج ويذهب إلى الشام فهذا لا يدلُّ عليه ؛ خصوصاً مع كونهم طافوا بحرم الحسين (عليهالسلام ) , بنسائه (عليهالسلام ) البلدان , فالمدّة طويلة.
والشيء الآخر إنّا لو سلّمنا دلالتها فهي تدلّ على وجود أنس في الكوفة، وأمّا أبو برزة فهي لا تدلّ على وجوده في الكوفة لا من قريب ولا من بعيد، بل وحتّى لو سلّمنا أنّ أنس وأبا برزة في الكوفة فهذا أيضاً لا ينفي ما فعله يزيد بن معاوية ؛ لكون المـُعترِض عليه رجلٌ آخَر كما ذكره ابن عساكر وابن الأثير والخوارزمي، وبعد مراجعة كلام المؤرّخين والمحدّثين لا ينكر ما فعله يزيد برأس الحسين (عليهالسلام ) إلّا مكابر.
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٨ / ٩٥.
قال مؤلّف الكتاب (ابن الجوزي) : ولمـّا جلس يزيد وضع الرأس بين يديه وجعل ينكث بالقضيب على فِيه ويقول :
يفّلقنَ هاماً من رجال أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما |
فقال أبو برزة , وكان حاضراً : ارفع قضيبك، فوالله لرأيت فاه رسول الله على فِيه يلثمه(١) .
روى ابن الجوزي قال : أنبأنا علي بن عبيد الله بن الزغواني، قال : أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، عن أبي المرزباني، قال : أخبرنا محمّد بن أحمد الكاتب، قال : أخبرنا عبد الله بن أبي سعد، قال : حدثنا محمّد بن أحمد، قال : حدثنا محمّد بن يحيى الأحمري، قال : حدثنا ليث، عن (مجاهد)(٢) قال : جيء برأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) فوضع بين يدي يزيد بن معاوية، فتمثَّل بهذين البيتين يقول :
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ |
|
فأهلّوا واستهلّوا فرحا |
ثم قالوا لي بغيب لا تشلْ |
قال مجاهد : نافق فيها، ثمّ والله ما بقي من عسكره أحدٌ إلّا تركه(٣) .
روى ابن الأثير قال : روى محمّد بن سوقة، عن عبد الواحد القرشي، قال : لمـّا أتى يزيد برأس الحسين بن علي ( رضي الله عنهما ) تناوله بقضيب فكشف عن ثناياه، فوالله ما البرد بأبيض منها، وأنشد :
____________________
(١) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٢.
(٢) كما في البداية والنهاية لابن كثير ٨ / ١٩٢.
(٣) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٣.
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
فقال له رجلٌ عنده : يا هذا , ارفع قضيبك، فوالله ربما رأيتُ شفتي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فكأنّه يقبّله. فرفع متذمّراً عليه مغضباً. أخرجه أبو نعيم(١) .
وروى الطبري قال : وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي , فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول :
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
فقال له أبو برزة : ارفع قضيبك، فوالله لربَّما رأيتُ فاه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على فيه يلثمه(٢) .
قال ابن كثير، وابن الجوزي - واللفظ للأوّل - : لمـّا وضع رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب - كان في يده - في ثغره، ثمّ قال : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام المري :
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
فقال له أبو برزة الأسلمي : أمَا والله لقد أخذ قضيبك هذا مأخذاً، لقد رأيتُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يرشفه. ثمّ قال : ألا إنّ هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعه محمّد، وتجيء وشفيعك ابن زياد. ثمّ قال : فولّى(٣) .
____________________
(١) أسد الغابة - ابن الأثير ٥ / ٣٨١، وفي ط / ٢٨٣.
(٢) تاريخ الطبري ٣/ ٢٩٨، تهذيب الكمال - المزي ٦ / ٤٢٨.
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري٣ / ٤١٧ قال : قالوا : وجعل يزيد ينكث بالقضيب ثغر الحسين، ووضع رأسه بين يديه، فقال أبو برزة الأسلمي : أتنكت ثغر الحسين ! لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ربما رأيتُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يرشفه. أمّا أنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد، ويجيء الحسين (عليهالسلام ) وشفيعه محمّد (صلىاللهعليهوآله ). ثمّ قام. ويقال : إنّ القائل رجلٌ من الأنصار.
وقد رواه ابن أبي الدنيا، عن أبي الوليد، عن خالد بن يزيد بن أسد، عن عمار الدهني، عن جعفر، قال : لمـّا وضع رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يدي يزيد، وعنده أبو برزة , وجعل ينكت بالقضيب، فقال له : ارفع قضيبك، فلقد رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يلثمه(١) .
ويأتي ما فعله يزيد بن معاوية برأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) في الفصل المتعلّق بالرأس الشريف.
روى الخوارزمي قال : ثمّ أُتي بالرأس حتّى وضِع بين يدي يزيد في طستٍ من ذهب، فنظر إليه وأنشد :
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
ثمّ أقبل على أهل المجلس وقال : إنّ هذا كان يفخر عليَّ ويقول : إنّ أبي خيرٌ من أبي يزيد(٢) ، واُمِّي خيرٌ من اُمِّ يزيد، وجدِّي خيرٌ من جدِّ يزيد، فهذا هو الذي قتله.
فأمّا قوله : بأنّ أباه خيرٌ من أبي، فلقد حاجّ أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه ؛ وأمّا قوله : بأنَّ اُمِّي خيرٌ من اُمِّ يزيد، فلعمري لقد صدق إنّ فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خيرٌ من اُمِّي ؛ وأمّا قوله : بأنّ جدَّه خيرٌ من جدِّي، فليس لأحد
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٩، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤١ بإيجاز.
(٢) وفي المطبوع : (أب يزيد) , والظاهر ما أثبتناه.
يؤمن بالله واليوم الأخر أن يقول : بأنّه خيرٌ من محمّد(*) ؛ وأمّا قوله : بأنّه خيرٌ منّي، فلعلّه لم يقرأ(*) :( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١)
ثمّ دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول : لقد كان أبو عبد الله حسن المضحك. فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي، أو غيره من الصحابة، وقال له : ويحك يا يزيد ! أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة (عليهالسلام ) ؟! لقد أخذ قضيبك هذا مأخذاً من ثغره ؛ أشهد لقد رأيتُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن (عليهالسلام ) ويقول : (( إنّهما سيِّدا شباب أهل الجنّة، وقَتَلَ اللهُ قاتلَهما ولعنَه، وأعدَّ له جهنّم
____________________
(*) أقول : صحيح إنّ الذي يؤمن بالله لا يقول مثل هذا، ولكن مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخر - مثل الملحد والمجوسي - فإنّه يقول هذا وغيره، ويزيد بن معاوية لا يؤمن بهذا ؛ لاشتهار كفره، ومن شواهده قوله : ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا.... وفعل ما فعل بالعترة الطاهرة.
وسيذكر الخوارزمي بعد هذا بسندٍ متصل تصريح يزيد بهذه الأبيات الدالّة على الأقل على كفره الباطني وهو النفاق، وإلّا لا يوجد مؤمنٌ بالله ورسوله يشكّ في كفر يزيد بن معاوية بعد معرفة حاله... كما سيأتي بعض ذلك في ترجمته من الفصل السادس.
(*) أقول : لعلّ بعض النواصب يتمسّك بهذه الآية ليزيد بن معاوية , فحقٌ له أن يتمسّك بها على براءة السارق والغاصب من الناس حقوقهم ؛ وذلك لأنّه مُلكٌ آتاه اللهُ إيّاه ! وما هذا إلّا من سخف العقول التي ابتعدت عن الحق و استولى عليها الشيطان ؛ إذ المُلك الذي يؤتيه اللهُ مَن يشاء هو ما كان بحقِّ، لا - والعياذ بالله - بطريق الباطل. راجع ما أذكره في ترجمته من كيفية بيعته التي أخذها له أبوه معاوية، وتصريح بعض علماء الخلاف بهذا في تصويب ثورة الحسين (عليهالسلام ) من الفصل السادس.
(١) سورة عمران / ٢٦، وفي المطبوع نقص في بعض كلمات هذه الآية.
وساءت مصيراً )). أمّا أنت يا يزيد، فتجيء يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك، ويجيء هذا ومحمد شفيعه.
فغضب يزيد وأمر بإخراجه من المجلس فأخرج سحباً، وجعل يزيد بعده يتمثّل بأبيات ابن الزبعري، وسنوردها من طريق مسند إن شاء الله.
وقيل : إنّ الذي ردَّ على يزيد ليس أبا برزة، بل هو سمرة بن جندب صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وقال ليزيد : قطع الله يديك يا يزيد، أتضرب ثنايا طالما رأيتُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقبّلهما، ويلثم هاتين الشفتين ؟
فقال له يزيد : لولا صحبتك لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لضربتُ والله عنقك.
فقال سمرة : ويلك ! تحفظ لي صحبتي من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ولا تحفظ لابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بُنوّته ؟ فضجَّ الناس بالبكاء وكادت أن تكون فتنة(١) .
قال الخوارزمي : أخبرنا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرني والدي، أخبرني أبو عبد الله الحافظ ،
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٦٣، وروى البلاذري في هذا المقام - أنساب الأشراف ٣ / ٤١٥ - قال : وقال الهيثم بن عدي بن عوانة : لمـّا وضع رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يدي يزيد تمثّل ببيت الحصين بن حمام المري :
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
وروى البلاذري أيضاً في أنساب الأشراف ٣ / ٤١٥، قال : حدّثني عمرو الناقد، وعمر بن شبه قالا : ثنا أبو أحمد الزبيري، عن عمِّه فضيل بن الزبيد، وعن أبي عمر البزاز، عن محمّد بن عمرو بن الحسن، قال : لمـّا وضع رأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) بين يدي يزيد قال متمثّلاً :
يفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما |
حدّثنا أبو نصر محمّد بن أحمد الفقيه - قَدِم علينا بنيسابور - حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، حدّثنا علي بن طاهر، حدّثنا عبد الله بن زاهر، حدّثنا أبي، عن ليث بن سليم، عن مجاهد : أنّ يزيد حين أتي برأس الحسين بن علي ورؤوس أهل بيته قال ابن محفز : يا أمير المؤمنين , جئناك برؤوس هؤلاء الكفرة واللئام !
فقال يزيد : ما ولِدَتْ اُمّ محفز أكفر وألأم وأذم. ثمّ كشف عن ثنايا رأس الحسين بقضيبه ونكثه به، وأنشد:
أبى قومُنا أَنْ ينصفونا فأنصفت |
قَوَاضِبُ في أيمانِنا تَقْطُرُ الدِّما |
|
صبرنا وكان الصبرُ منا عزيمةً |
وأسيافُنا يَقْطعَنْ كفّاً ومعصما |
|
نفلِّقُ هاماً من اُناسٍ أعزَّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(١) |
فقال له بعض جلسائه : ارفع قضيبك، فوالله ما أحصي ما رأيتُ شفتي محمّد (صلىاللهعليهوآله ) في مكان قضيبك يقبّله. فأنشد :
يا غرابَ البينِ ما شئتَ فَقُلْ |
إنما تندبُ أمراً قد فُعلْ |
|
كلُّ مُلْكٍ ونعيمٍ زائلٌ |
وبناتُ الدهر يلعبن بكلْ |
|
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزَعَ الخَزْرَجِ مَنْ وَقْعِ الأَسَلْ |
|
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً |
ثم قالوا يا يزيدُ لا تشلْ |
|
لستُ من خندفَ إن لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
|
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
|
قد أخذنا من عليٍّ ثأرَنا |
وقتلنا الفارس الليثَ البطلْ |
|
وقتلنا القرمَ من ساداتِهِم |
وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ |
قال مجاهد : فلا نعلم الرجل إلّا قد نافق في قوله هذا.
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٦٣ - ٦٥.
وقال أبو عبد الله الحافظ : وقد روينا في رواية اُخرى بدل (لست من خندف) (لست من عتبة).
وقال شيخ السنّة أحمد بن الحسين : آخِر كلام يزيد لا يشبه أوّله، ولم أكتبه من وجه يثبت مثله ؛ فإن كان قاله فقد ضمَّ إلى فعل الفجّار في قتل الحسين وأهل بيته أقوال الكفار، والله يعصمنا من الخطأ والزلل(١) .
وفي نور العين للإسفرايني قال : ثمّ دعا بقضيب خيزران وجعل ينكت به ثنايا الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول :
يا حُسْنَه يلمعُ في اليدينْ |
يلمعُ في طشتٍ من اللُّجينْ |
|
كأنه حُقّ بِعُرْوَتَيْنْ |
كيف رأيتَ الطَّعْنَ يا حسينْ |
|
قد كنتَ زيناً ثم صرت شينْ |
وقد قضيتُ منكَ كلَّ دينْ |
(قال الراوي) : فعند ذلك قام إليه أبو ذر الأسلمي وقال : ويحك يا يزيد ! تنكت بقضيبك ثنايا الحسين (عليهالسلام ) وقد كان جدّه (صلىاللهعليهوآله ) يرشف ثناياه وأخيه، ويقول (صلىاللهعليهوآله ) : (( أنتما سيِّدا شباب أهل الجنة , قاتل الله قاتلكما )) ! فغضب يزيد غضباً شديداً، وأمر بإخراجه سحباً، وزاد في تنكيت ثنايا الحسين، وإذا بغراب على شرائف القصر ينعق، فلمـّا سمعه يزيد ارتعدت فرائصه وتغيّرت أحواله(٢) .
ما جرى على الطبيب جالوت اليهودي حتّى أسْلَم
وفي نور العين للإسفرايني قال : فبينما هو كذلك إذ دخل عليه جالوت اليهودي - وقد كان حكيمه - فقال : ما
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٦٥ - ٦٦.
(٢) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٦، وفي ط / ٥٦.
هذه الرأس ؟
فقال له : رأس خارجي.
فقال : وما اسمه ؟
قال : الحسين.
فقال : لم قتلته ؟
قال : أراد أن يأخذ الخلافة.
فقال له : ويلك يا يزيد ! إنّما هو أحقُّ بالخلافة ؛ أمَا تعلم أن بيني وبين النبي داود (عليهالسلام ) أربعين جدّاً واليهود يعظّمونني ويتبرّكون بي، وأنتم بالأمس كان محمّد (صلىاللهعليهوآله ) فيكم نبيّاً كريماً واليوم قتلتم أولاده وسبيتم حريمه ؟!
ثمّ سحب سيفه وحمل على يزيد ليقتله، فحال بينهما الحاضرون , فدنا اليهودي من الرأس وقبَّلها وقال : لعن الله قاتلك، وخصمه جدّك ! يعزُّ عليَّ أن لا أكون أوَّل شهيد استشهد بين يديك، ولكن إذا لقيت جدّك فاقرأه منِّي السلام، وأخبره أنّي على قول : أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله.
فقال له يزيد : والله لولا أنّي محتاج إليك لأجل أمراضي لقتلتك شرَّ قتلة.
فقال : والله لا أداويك إلّا بما يزيد أمراضك. فأمر بضرب عنقه، فضربرحمهالله تعالى(١) .
رؤيا جارية من جوار يزيد , وما جرى حتّى قُتلت في محبّة أهل البيت (عليهمالسلام )
وفي نور العين للإسفرايني قال : قال الشهروزي : فبينما نحن واقفون عند يزيد وإذا بامرأة لم أرَ أحسن منها، وهي ترفل في أذيالها، ولم تزل مُقبلة حتّى دخلت على يزيد وقالت له : ما هذا الرأس ؟
قال : رأس الحسين.
فقالت له : والله يعزُّ على جدِّه وأبيه واُمِّهِ وأهله، والله لقد رأيت الساعة وأنا نائمة كأنّ أبواب السماء فُتحت، وهبط منها خمس ملوك بأيديهم كلاليب من النار، وهم يقولون : قد أمرنا الله الجبار بحرق هذه الدار.
فالتفت يزيد إليها وقال : ويلك ! أنتِ في ملكي ونعمتي وتقولين هذا الكلام ! والله ،
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٦، وفي ط / ٥٦ - ٥٧.
لأقتلنَّك شرَّ قتلة.
فقالت : وما الذي يُنْجيني من ذلك ؟
قال : تَرقين المنبر وتسبّين علياً وأولاده.
فقالت : أفعل ذلك. فأمر بجمع الناس فجعمت، وقال لها : قومي ارقي المنبر، وافعلي ما أمرتكِ به. فقامت على قَدَميها ورقَت المنبر، وقالت : يا معشر الإنس , اعلموا أنّ يزيد يأمرني أنْ أسبَّ علياً وأولاده، وهو الساقي على الحوض، ولواء الحمد بيده، وولداه سيِّدا شباب أهل الجنة , فاسمعوا ما أقول لكم : ألا لعنة الله ولعنة اللاعنين على يزيد، وعلى كلِّ ساعٍ في قتل الحسين، وصلّوات الله على علي وأولاده وشيعتهم منذ خلق الله الدنيا إلى يوم القيامة ؛ عليها أحيا، وعليها أموت، وعليها أبعث إن شاء الله.
فغضب يزيد من كلامها، وقال : مَن يكفيني شرّها ؟ فقال رجلٌ من النصارى : أنا أكفيك شرَّها. فقام وضربها بسيفه، فماتت رحمها الله(١) .
ما قاله الإمام الباقر (عليهالسلام ) ليزيد عندما أشار إليه أصحابه بقتل الإمام زين العابدين (عليهالسلام )
رواه المسعودي عند تعرّضه لذكر الإمام علي بن الحسين (عليهالسلام ) , قال : وكان يسمّى سيّد العابدين (عليهالسلام ) ؛ لأنّه روي أنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وحضر يوم الطف مع أبيه (عليهالسلام )، وكان عليلاً به البطن، وقد سقط عنه الجهاد، فلمـّا قرب استشهاد أبي عبد الله (عليهالسلام ) دعاه وأوصى إليه، وأمره أن يتسلَّم ما خلّفه عند اُمِّ سلمة رحمها الله مع مواريث الأنبياء والسلاح والكتاب.
فلمـّا استشهد حُمل علي بن الحسين (عليهالسلام ) مع الحرم وأدخل على اللعين يزيد، وكان لابنه أبي جعفر (عليهالسلام ) سنتان وشهور، فاُدخل معه، فلمـّا رآه يزيد قال له : كيف رأيتَ يا علي بن الحسين ؟
قال : (( رأيتُ ما قضاه الله عزَّ وجلَّ قبل أن يخلق
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٧، وفي ط / ٥٧.
السماوات والأرض )). فشاور يزيد جلساءه في أمره، فأشاروا بقتله وقالوا له : لا تتخذ من كلب سوء جرواً. فابتدر أبو جعفر (عليهالسلام ) الكلام فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال ليزيد ( لعنه الله ) : (( لقد أشار عليكَ هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه ؛ حيث شاورهم في موسى وهارون، فإنهم قالوا له : أَرْجِهِ وَأَخَاهُ. وقد أشار هؤلاء عليك بقتلنا، ولهذا سببٌ )).
قال يزيد : وما السبب ؟
فقال (عليهالسلام ) : (( إنّ اُولئك كانوا لرَشَدة، وهؤلاء لغير رَشَدة، ولا يقتل أولاد الأنبياء إلّا أولاد الأدعياء)). فأمسكَ يزيد مطرقاً(١) .
ما فعله يزيد مع الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) حتّى أمر بقتله , وما قاله للسيدة زينب (عليهاالسلام )
وفي نور العين للإسفرايني قال : ثمّ التفت يزيد إلى زين العابدين (عليهالسلام ) وقال له : يا علي , الحمد لله الذي قتل أباك وأخاك.
فقال : (( إنّما قتلتَ أبي أنت والناس )).
فقال : الحمد لله الذي قتلتُه وكفيتُه.
فقال علي (عليهالسلام ) : (( مَن قتل أبي لعنه الله )). فأمر بقتله، فقال : (( لا أخاف من القتل، بل لي اُسوة بمَن قُتل قبلي )). فعند ذلك تصايَح النساء بالبكاء والنحيب، وتقدّمت اُمّ كلثوم وقالت : يا ويلك يا يزيد ! إلى متى تقتل في أهل البيت , أتريد أن تُخلي الدنيا من نسل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟!
فضجّت الناس بالبكاء والنحيب، فأمر بعتقه.
____________________
(١) إثبات الوصية - المسعودي / ١٣٥، وفي ط / ١٤٥ في ترجمة الإمام علي بن الحسين (عليهالسلام ). أقول : وما يؤيّد ذلك هو ما صرّح به ابن الجوزي بأنّ عُمْر الإمام علي بن الحسين (عليهالسلام ) ٢٣ سنة. وقد ذكرته فيما تقدّم في أحداث الكوفة تحت عنوان : ابن زياد جعل جُعْلاً لمـّن يأتي بالإمام علي بن الحسين (عليهالسلام )...
ثمّ التفت إلى زينب وقال لها : يا قرّة عين علي وفاطمة الزهراء , جئتم لتأخذوا الخلافة منِّي يا زينب ؟ قد أمكنني الله منكم.
فقالت : يا يزيد , أتأخذنا بحقوق بدرٍ وحنين ؟ يا ويلك ! تهتكنا وتحجب نساءك في القصور، وأولاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مأسورون ! أما كفاك قتل الحسين (عليهالسلام ) ؟ أظننت أنّ ذلك على الله هيّن ؟ الّلهم خذ بحقِّنا، وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك على مَن سفك دمنا. فحسبك يا يزيد الله حاكماً، ومحمد خصيماً , وجبريل ظهيراً، [ وسيعلم مَن سوّل لك و ] أمكنك من رقاب المسلمين , بئس للظالمين بدلاً , وإلى الله المشتكى.
فلم يتكلّم بل قال : يا زينب , أخوك قد جحد حقِّي، ونازعني في ملكي.
فقالت : لا تفرح بقتل أخي ؛ لأنّه صفيٌّ من أصفياء الله، دعاه فأجابه فسعد. وأمّا أنت يا عدوَّ الله , فغداً تُسأل بين يدي الله فلم تجد جواباً(١) .
تعدّي يزيد (لعنه الله) على عقيلة الطالبيِّين (عليهاالسلام ) لمـّا أراد الشامي أن يسترقّ بنت الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري، والبلاذري، وابن الجوزي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي (عليهالسلام ) قالت : لمـّا اُجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رقَّ لنا، وأمر لنا بشيء وألطفنا.
قالت : ثمّ إنّ رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين , هَبْ لي هذه - يعنيني - وكنتُ جارية وضيئة. فأرعدتُ وفرِقتُ(٢) ، وظننتُ أنّ ذلك جائزٌ لهم، وأخذتُ بثياب أختي زينب.
قالت : وكانت اُختي زينب أكبر منِّي وأعقل، وكانت
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٧ - ٦٨، وفي ط / ٥٨ : والظاهر : ( فلن تجد جواباً ) أو ( فلا تجد جواباً ).
(٢) قال الجوهري في الصحاح ٤ / ١٥٤١ : والفرق بالتحريق : الخوف.
تعلم أنّ ذلك لا يكون.
فقالت : كذبتَ والله ولؤمت , ما ذلك لكَ وله. فغضب يزيد، فقال : كذبتِ، والله إنّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت. قالت : كلا، والله ما جعل الله ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا، وتدين بغير ديننا.
قالت : فغضب يزيد واستطار، ثمّ قال : إيّاي تستقبلين بهذا ؟! إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك.
فقالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدِّي اهتديتَ أنت وأبوك وجدّك.
قال : كذبتِ يا عدوّة الله.
قالت : أنتَ أمير مسلّط ؛ تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك.
قالت : فوالله لكأنّه استحيا فسكت. ثمّ عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين , هَبْ لي هذه الجارية. قال : اعزب ! وهَب الله لك حتفاً قاضياً(١) .
وفي مقتل الخوارزمي قال : اعزب عنِّي لعنك الله، ووهَبَ لك حتفاً قاضياً. ويلك ! لا تقل ذلك ؛ فهذه بنت علي وفاطمة، وهُم أهل بيتٍ لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا.
قيل : فتقدّم علي بن الحسين (عليهالسلام ) حتّى وقف بين يدي يزيد، وقال :
لا تطمعوا أن تهينونا ونُكرمكُمْ |
وأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا |
|
فالله يعلمُ أنا لا نُحبُّكمُ |
ولا نلومُكُم إن لم تُحبُّونا |
فقال يزيد : صدقت، ولكن أراد أبوك وجدُّك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما. ثمّ قال : يا علي , إنّ أباك قطع رحمي، وجهل حقِّي، ونازعني في سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت.
فقال علي بن الحسين (عليهالسلام ) :( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إلّا فِي كِتَابٍ ) (١) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٩، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٦ - ٤١٧ بإيجاز، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٣ - ٣٤٤، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٦٩ -٧١.
فقال يزيد لابنه خالد : اردد عليه يا بني. فلم يدرِ خالد ماذا يَرد، فقال يزيد :( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير ) (٢) .
فقال علي بن الحسين (عليهالسلام ) : (( يا بن معاوية وهند وصخر، لم تزل النبوّة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدّي علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في يوم بدر وأُحد والأحزاب في يده راية رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار )).
ثمّ جعل علي بن الحسين (عليهالسلام ) يقول :
ماذا تقولون إذ قال النبيُّ لكمْ |
ماذا فعلتم وأنتم آخرُ الأُمَمِ |
|
بعترتي وبأهلي بعد مُفتَقدي |
منهم أسارى ومنهم ضُرِّجوا بدمِ |
ثمّ قال علي بن الحسين (عليهالسلام ) : (( ويلك يا يزيد ! إنّك لو تدري ماذا صنعت , وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي , إذن لهربت إلى الجبال، وافترشت الرمال، ودعوت بالويل والثبور. أيكون رأس أبي الحسين بن علي (عليهالسلام ) مصلوباً على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فيكم ؟! فأبشر يا يزيد بالخزي والندامة إذا جُمع الناس غداً ليوم القيامة ))(٣) .
وفي مقاتل الطالبيِّين قال : ثمّ دعا يزيد ( لعنه الله ) بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) فقال : ما اسمك ؟ فقال : ((علي بن الحسين )).
قال : أوَ لم يقتل الله علي بن الحسين ؟
قال : (( قد كان لي أخٌ أكبر منِّي يسمّى علياً فقتلتموه )).
قال : بل الله قتله.
قال علي (عليهالسلام ) :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) .
____________________
(١) سورة الحديد / ٢٢.
(٢) سورة الشورى / ٣٠.
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٧٠ - ٧١.
قال له يزيد :( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (١) .
فقال علي (عليهالسلام ) :( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إلّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ) (٢) .
قال : فوثب رجلٌ من أهل الشام فقال : دعني أقتله. فألقت زينب نفسها عليه , فقام رجلٌ آخَر فقال : يا أمير المؤمنين , هَبْ لي هذه الجارية أتّخذها أمَة.
قال : فقالت له زينب (عليهاالسلام ) : لا ولا كرامة، ليس لك ذلك ولا له إلّا أن يخرج من دين الله. فصاح به يزيد : اجلس. فجلس. وأقبلت زينب (عليهاالسلام ) عليه وقالت : يا يزيد , حسبك من دمائنا(٣) .
ماذا جرى على الطالب بدعاء اُمّ كلثوم (عليهاالسلام )
وفي نور العين للإسفرايني قال : (قال الراوي) : ثمّ ارتدوا إلى القصر وجلسوا فيه، وإذا برجل وثب إلى يزيد وقال : اُريد من غنيمتك هذه الجارية - وأومأ إلى سكينة -. فالتفتت إلى عمّتها وقالت : يا عمّتي , يصير من أولاد الأنبياء جوارٍ وعبيد ؟
وإذا باُمِّ كلثوم قالت للرجل : اقصر من هذا الكلام قطع الله يديك ورجليك. فما استتمّت كلامها حتّى زعق الرجل زعقة عظيمة، وعضَّ على لسانه، وفقئت عيناه، وغلَّت يداه إلى عنقه.
____________________
(١) سورة الشورى / ٣٠.
(٢) سورة الحديد / ٢٢ - ٢٣.
(٣) مقاتل الطالبيِّين - أبو الفرج الأصفهاني / ٨٠.
فقالت : الحمد لله الذي استجاب دعوتي، وأزال غصّتي، وأراكَ حسرةً في نفسك، فهذا جزاء مَن تعرّض لأولاد الأنبياء(١) .
خطبة عقيلة الطالبيِّين السيدة زينب (عليهاالسلام ) في مجلس يزيد (لعنه الله)
روى الخوارزمي، وابن طيفور - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا الإمام مسعود بن أحمد - فيما كتب إليَّ من دهستان - أخبرنا شيخ الإسلام أبو سعد المحسن بن محمّد بن كرامة الجشمي، أخبرنا أبو حامد، أخبرنا أبو حفص عمر بن الجازي - بنيسابور- أخبرنا أبو محمّد الحسن بن محمّد بن المؤدب الساري، حدثنا أبو الحسين محمّد بن أحمد الحجري، أخبر أبو بكر محمّد بن دريد الأزدي، حدثنا المكي، عن الحرمازي، عن شيخ من بني تميم من أهل الكوفة، قال : لمـّا اُدخل رأس الحسين (عليهالسلام ) وحرمه على يزيد بن معاوية، وكان رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يديه في طست، جعل ينكت ثناياه بمخصرة في يده، ويقول :
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا...
وذكر الأبيات إلى قوله :
من بني أحمدَ ما كان فعلْ
فقامت زينب بنت علي - واُمُّها فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - فقالت : الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وصدق الله تعالى إذ يقول :( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون ) (٢) . أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، وأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى، أنّ بنا على الله هواناً، وبكَ كرامةً , وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده ؟ فشمختَ بأنفك، ونظرتَ في عِطفك
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٨، وفي ط / ٥٨.
(٢) سورة الروم / ١٠.
جدلان مسروراً، حين رأيتَ الدنيا لك مستوسقة، والاُمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا. فمهلاً مهلاً ! أنسيتَ قول الله تعالى :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (١) ؟
أمِنَ العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسَوْقك بنات رسول الله سبايا , قد هتكت ستورهنَّ، وأبديتَ وجوههنَّ، يُحدى بهم من بلد إلى بلد، ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمناقل، ويتصفّح وجوههنَّ القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهنَّ من رجالهنَّ ولي , ولا من حماتهنَّ حمي ؟!
وكيف تُرجى المراقبة ممّن لفظ فوه أكباد السعداء، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟ وكيف لا يستبطئ في بغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنئآن، والإحن والأضغان ؟ ثمّ يقول غير متأثّم ولا مستعظم :
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً |
ثم قالوا يا يزيدُ لا تشلْ |
( وفي بلاغات النساء :
يا غرابُ البينِ أسمعتَ فَقُلْ |
إنّما تذكرُ شيئاً قد فُعلْ |
|
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ |
|
حينَ حَكَّت بِقُباءٍ بَركَها |
وَاِستَحَرَّ القَتلُ في عَبدِ الأَشَلْ |
|
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً |
ثم قالوا يا يزيدُ لا تشلْ |
|
فجزيناهم ببدرٍ مثلها |
وأقمنا ميلَ بدر فاعتدلْ |
|
لستُ للشيخين إن لم أثئرِ |
من بني أحمد ما كان فعل )(٢) |
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٧٨.
(٢) ما بين القوسين من بلاغات النساء ١/ ٣٦.
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله (عليهالسلام ) تنكتها بمخصرتك ؟ كيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّية آل محمّد (عليهمالسلام )، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ؟ أتهتف بأشياخك زعمت تناديهم ؟! فلترِدَنَّ وشيكاً موردهم، ولتودَنَّ أنّك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت.
الّلهم خذ بحقِّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل غضبك بمَن سفك دماءنا، وقتل حماتنا , فوالله ما فريت إلّا جلدك، ولا جززت إلّا لحمك، ولترِدَنَّ على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيته، وانتهاك حرمته في لحمته وعترته، وليخاصمنَّك حيث يجمع الله تعالى شملهم، ويلمُّ شعثهم، ويأخذ لهم بحقِّهم :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون ) (١) .
فحسبك بالله حَكَماً، وبمحمدٍ خصماً، وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّل لك ومكنَّك من رقاب المسلمين، أن بئس للظالمين بدلاً، وأيُّكم شرُّ مكاناً وأضعف جنداً.
ولئن جَرَت عليَّ الدواهي مخاطبتك، فإنّي لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكبر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى. ألا فالعجب كلَّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فتلك الأيدي تنطف من دمائنا، وتلك الأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفوها الذئاب، وتؤملها الفواعل.
فلئن اتّخذتنا مغنىً لتجدنَّ وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك، وأنّ الله ليس بظلامٍ للعبيد ؛ فإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل، فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٦٩.
وَحْينا , ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، ولا تغيب منك شنارها. فهل رأيك إلّا فند , وأيّامك إلّا عدد، وشملك إلّا بدد , يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين.
فالحمد الله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والرحمة، ولآخِرنا بالشهادة والمغفرة، وأسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد وحسن المآب، ويختم بنا الشرافة إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونِعْم الوكيل , ونِعْم المولى ونِعْم النصير.
فقال يزيد :
يا صيحةً تُحْمَدُ في الصوائحِ |
ما أَهْوَنَ النوحَ على النوائحِ |
ثمّ استشار أهل الشام ماذا يصنع بهم , فقالوا له : لا تتّخذ من كلب سوء جرواً.
فقال النعمان بن بشير : انظر ما كان يصنعه بهم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فاصنعه. فأمر بردِّهم إلى المدينة(١) (*) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٧١ - ٧٤، بلاغات النساء لابن طيفور ١/ ٣٦.
(*) ورويت هذه في مصادر الشيعة , قال الشيخ الطبرسي في الاحتجاج ٢ / ٣٤، وفي ط / ١٢٢ : روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من الناس : أنّه لمـّا دخل علي بن الحسين (عليهالسلام ) وحرمه على يزيد (لعنه الله) , وجيء برأس الحسين (عليهالسلام ) ووضع بين يديه في طست، فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده، وهو يقول :
لعبتْ هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نَزَلْ |
|
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزَعَ الخزرجِ من وَقْعِ الأَسَلْ |
|
لأَهلُّوا واستهلُّوا فرحاً |
ولقالوا يا يزيدُ لا تشَلْ |
|
فجزيناه ببدرٍ مثلاً |
وأقمنا ميلَ بدرٍ فاعتدلْ |
|
لستُ من خندفَ إن لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
____________________
قالوا : فلمـّا رأتْ زينب ذلك أهوت إلى حبيبها فشقّته، ثمّ نادت بصوتٍ حزينٍ تقرع القلوب، يا حسيناه ! يا حبيب رسول الله ! يابن مكة ومنى ! يابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ! يابن محمّد المصطفى !
قال : فأبكتْ والله كلّ مَن كان، ويزيد ساكت، ثمّ قامت على قدميها وأشرفت على المجلس، وشرعت في الخطبة ؛ إظهاراً لكمالات محمدٍ (صلىاللهعليهوآله )، وإعلاناً بأنَّا نصبر لرضا الله، لا لخوف ولا دهشة ؛ فقامت إليه زينب بنت علي - واُمّها فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - وقالت : الحمد لله رب العالمين، والصلاة على جدّي سيّد المرسلين. صدق الله سبحانه كذلك يقول :( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون ) (سورة الروم/١٠).
أظننتَ يا يزيد حين أخذتَ علينا أقطار الأرض، وضيّقت علينا آفاق السماء، فأصبحنا لك في أسار الذل، نُساق إليك سوقاً في قطار، وأنت علينا ذو اقتدار , أنّ بنا من الله هواناً , وعليك منه كرامةً وامتناناً ؟ وأنّ ذلك لعظم خطرك، وجلالة قدرك ؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك , تضرب صدريك فرحاً , وتنقض مذرويك مرحاً , حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والاُمور لديك متّسقة , وحين صفا لك ملكنا، وخلص لك سلطاننا ؟ فمهلاً مهلاً ! لا تطش جهلاً، أنسيت قول الله عزّ وجلّ :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ؟ سورة آل عمران / ١٧٨.
أمِنَ العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسَوقِك بنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سبايا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههن، تحدوا بهنّ الأعداء من بلدٍ إلى بلد، وتستشرفهن المناقل , ويتبرّزن لأهل المناهل , ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع، والدني والرفيع , ليس معهنَّ من رجالهنَّ ولي، ولا من حماتهنَّ حمي ؛ عتوّاً منك على الله , وجحوداً لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ودفعاً لما جاء به من عند الله ؟!
ولا غرو منك ولا عجب من فعلك، وأنّى يُرتجى مراقبة الخير ممّن لفظ فوه أكباد الشهداء، ونبت لحمه بدماء السعداء، ونصب الحرب لسيّد الأنبياء، وجمع الأحزاب، وشهر الحراب، وهزَّ السيوف في وجه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، أشدّ العرب جحوداً، وأنكرهم له رسولاً، وأظهرهم له عدواناً، وأعتاهم على الربّ كفراً وطغياناً، ألا إنها نتيجة خلال الكفر، وضبّ يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر.
فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت مَن كان نظره إلينا شنفاً وإحناً وإظغاناً، يظهر كفره برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ويفصح ذلك بلسانه، وهو يقول فرحاً بقتل ولده وسبي ذرّيته، غير متحوّب ولا مستعظم، يهتف بأشياخه :
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً |
ولقالوا يا يزيد لا تشلْ |
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله (عليهالسلام ) ,
____________________
وكان مَقْبَل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ينكتها بمخصرته، قد التمع السرور بوجهه. لَعمري لقد نكأت القرحة , واستأصلت الشأفة بإراقتك دم سيّد شباب أهل الجنّة، وابن يعسوب العرب، وشمس آل عبد المطلب، وهتفتَ بأشياخك، وتقرّبت بدمه إلى الكفرة من أسلافك، ثمّ صرختَ بندائك , ولَعمري لقد ناديتهم لو شهدوك , ووشيكاً تشهدهم ولم يشهدوك، ولتودّ يمينك - كما زعمت - شُلّت بك عن مرفقها وجذّت، وأحببت اُمّك لم تحملك، وأباك لم يلدك حين تصير إلى سخط الله , ومخاصمك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
الّلهم خذ بحقّنا، وانتقم مِن ظالِمنا، واحلل غضبك على مَن سفك دماءنا , ونقض ذمارنا، وقتل حماتنا، وهتك عنّا سدولنا.
وفعلت فعلتك التي فعلت، وما فريت إلّا جلدك، وما جززت إلّا لحمك، وسترد على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بما تحملت من دم ذرّيته، وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته ؛ حيث يجمع به شملهم، ويلمّ به شعثهم، وينتقم من ظالمهم، ويأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم. فلا يستفزنّك الفرح بقتلهم( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) سورة آل عمران / ١٦٩ - ١٧٠.
وحسبك بالله وليّاً وحاكماً، وبرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خصيماً، وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من بوَّأك ومكنَّك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلاً، وأيُّكم شرّ مكاناً وأضلّ سبيلاً.
وما استصغاري قدرك، ولا استعظامي تقريعك , توهّماً لانتجاع الخطاب فيك بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى، وصدورهم عند ذكره حرّى، فتلك قلوبٌ قاسية، ونفوسٌ طاغية، وأجسام محشوة بسخط الله ولعنة الرسول، قد عشش فيه الشيطان وفرّخ، ومن هناك مثلك ما درج ونهض.
فالعجب كلَّ العجب لقتل الأتقياء وأسباط الأنبياء، وسليل الأوصياء، بأيدي الطلقاء الخبيثة، ونسل العهرة الفجرة، تنطف أكفّهم من دمائنا , وتنحلب أفواههم من لحومنا , تلك الجثث الزاكية على الجيوب الضاحية، تنتابها العواسل , وتعفرها اُمّهات الفواعل. فلئن اتّخذتنا مغنماً لتجد بنا وشيكاً مغرماً , حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك، وما الله بظلاّمٍ للعبيد. فإلى الله المشتكى والمعوّل، وإليه الملجأ والمؤمل.
ثمّ كد كيدك، واجهد جهدك , فوالله الذي شرّفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا يرحض عنك عارنا، وهل رأيك إلّا فند، وأيّامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعن الله الظالم العادي. =
قال الخوارزمي : قال الحاكم : الأبيات التي أنشأها يزيد بن معاوية هي لعبد الله بن الزبعري، أنشأها يوم أُحد لمـّا استشهد حمزة عمُّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) وجماعة من المسلمين، وهي قصيدة طويلة , فمنها :
يا غُرابَ البينِ ما شئتَ فَقُلْ |
إنما تندبُ أمراً قد فُعلْ |
|
إن للخير وللشرِّ مدىً |
وكلا ذلك وجهٌ وقُبلْ |
|
والعطيّاتُ خساسٌ بينهم |
وسواءٌ قبرُ مُثْرٍ وَمُقِلْ |
|
كلُّ عيشٍ ونعيمٍ زائلٌ |
وبناتُ الدهرِ يلعبن بكلْ |
|
أبلغا حَسَّانَ عنِّي آيةً |
فقريضُ الشعرِ يشفي ذا الغللْ |
____________________
= والحمد لله الذي حَكَم لأوليائه بالسعادة، وختم لأصفيائه بالشهادة ببلوغ الإرادة، نقلهم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يشقَ بهم غيرك، ولا ابتلى بهم سواك، ونسأله أن يكمل لهم الأجر، ويجزل لهم الثواب والذخر، ونسأله حسن الخلافة، وجميل الإنابة، إنّه رحيمٌ ودود.
فقال يزيد مجيباً لها :
يا صيحةً تُحْمَدُ من صوايحِ |
ما أَهْوَن الموت على النوائحِ |
ثمّ أمر بردّهم.
وقيل : إنّ فاطمة بنت الحسين (عليهالسلام ) كانت وضيئة الوجه، وكانت جالسة بين النساء، فقام إلى يزيد رجلٌ من أهل الشام أحمر فقال : يا أمير المؤمنين , هَبْ لي هذه الجارية , يعني فاطمة ابنة الحسين (عليهالسلام ).
فأخذت بثياب عمّتها زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) فقالت : أُوتم واُستخدم ؟! فقالت زينب للشامي : كذبت ولؤمت، والله ما ذاك لك ولا له.
فغضب يزيد ثمّ قال : إنّ ذلك لي , ولو شئت أن أفعل لفعلت.
قالت زينب : كلا، والله ما جعل الله ذلك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا، وتدين بغير ديننا.
فقال يزيد : إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك.
قالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت إن كنت مسلماً.
قال يزيد : كذبتِ يا عدوّة الله.
فقالت زينب : أنت أمير تشتم ظلماً، وتقهر بسلطانك.
فكأنّه استحيا فسكت , فعاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين , هَبْ لي هذه الجارية. فقال يزيد : اغرب وهَبَ الله لك حتفاً قاضياً.
كم ترى في الحزنِ من جمجمةٍ |
وأكفٍّ قد اُبينت ورجلْ |
|
وسرابيلُ حسانٍ سُلِبَتْ |
عن كماةٍ أهلكوا في المنتزلْ |
|
كم قتلنا من كريمٍ سيِّدٍ |
ماجدِ الجدَّيْنِ مقدامٍ بطلْ |
|
صادقِ النجدةِ قرمٍ بارعٍ |
غير ملتاثٍ لدى وَقْعِ الأَسَلْ |
|
فَسَلِ المهراسَ ما ساكِنُهَا |
بينَ أقحافٍ وهامٍ كالحجلْ |
|
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزَعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ |
|
حين حكَّتْ بقباءٍ بركها |
واستحرَّ القتل في عَبْدِ الأَشَلْ |
|
ثم خفُّوا عند ذاكم رُقَّصاً |
رقص الحفان يعلو في الجبلْ |
|
فقتلنا الضعفَ من أشرافِهم |
وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدلْ |
|
لا ألومُ النفسَ إلا أننا |
لو كَرَرْنا لفعلنا المـُفْتَعَلْ |
|
بسيوفِ الهندِ تعلو هامَهم |
عللاً نوردُها بَعْدَ نَهَلْ(١) |
حال الرباب زوجة الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال ابن حجر في ترجمة امرئ القيس : [....] ذكره ابن الكلبي قال : وقد أمّره عمر بن الخطاب على مَن أسلم بالشام من قضاعة، وخطب إليه علي (عليهالسلام ) ومعه ابناه حسن وحسين (عليهماالسلام ) , فزوّجهم بناته. وفي ابنته الرباب يقول الحسين بن علي (عليهالسلام ) , وكان له منها ابنته سكينة :
لعمرُك إننيَ لأُحبُّ داراً |
تكونُ بها سكينةُ والربابُ |
قلت : وروينا قصته في أمالي ثعلب قال : حدثنا بن شبيب، حدثنا الزّبير، حدثني علي بن صالح، عن أبي المثنى أمية، أخبرني عبد الله بن حسن، حدثني
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٧٤ , ويوجد في المصدر نفسه بعد هذه القصيدة قصيدة اُخرى لحسان بن ثابت.
خالي عبد الجبار بن منظور، حدثني عوف بن خارجة قال : إنّي والله لعند عمر في خلافته، إذ أقبل رجلٌ أمعر يتخطّى رقاب الناس حتّى قام بين يدي عمر، فحيّاه بتحية الخلافة، فقال : مَن أنت ؟ قال : امرؤ نصراني، وأنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي.
فلم يعرفه عمر، فقال له رجل : هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهليّة.
قال : فما تريد ؟
قال : أريد الإسلام. فعرضه عليه فقبله، ثمّ دعا له برمح فعقد له على مَن أسلم من قضاعة، فأدبر الشيخ واللواء يهتزّ على رأسه.
قال عوف : ما رأيت رجلاً لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله.
قال : ونهض علي وابناه (عليهمالسلام ) حتّى أدركه، فقال له : (( أنا علي بن أبي طالب , ابن عمّ النبي (صلىاللهعليهوآله )، وهذان ابناي من ابنته، وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا )).
قال : قد أنكحتك يا علي المحياة ابنة امرئ القيس، وأنكحتك يا حسن سلمى بنت امرئ القيس، وأنكحتك يا حسين الرباب بنت امرئ القيس.
قال : قال : وهي اُمّ سكينة، وفيها يقول الحسين (عليهالسلام ) :
لعمرُك إننيَ لأُحبُّ داراً |
تكونُ بها سكينةُ والربابُ |
وهي التي أقامت على قبر الحسين (عليهالسلام ) حولاً , ثمّ أنشدت :
إلى الحول ثم اسم السلامِ عليكما |
ومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر(١) |
قال سبط ابن الجوزي : وكان من السبايا الرباب بنت امرئ القيس زوجة الحسين (عليهالسلام ) , وهي اُمُّ سكينة بنت الحسين (عليهالسلام )، وكان الحسين (عليهالسلام ) يجبُّها حبّاً شديداً، وله فيها أشعار منها :
لعمرُك إننيَ لأُحبُّ داراً |
تحلُّ بها سكينةُ والربابُ |
|
أحبُّهما وأبذلُ فوق جهدي |
وليس لعاذلٍ عندي عتابُ |
____________________
(١) الإصابة - ابن حجر ١ / ٣٥٥.
ولستُ لهم وإن عتبوا مطيعاً |
حياتي أو يغيِّبني الترابُ |
|
( كأن الليل موصولٌ بليلِ |
إذا زارت سكينةُ والربابُ)(١) |
فخطبها يزيد والأشراف من قريش , فقالت : والله لا كان لي حمواً بعد ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). وعاشت بعد الحسين (عليهالسلام ) سنة ثمّ ماتت كمداً، ولم تستظل بعد الحسين (عليهالسلام ) بسقف(٢) .
رؤيا سكينة (عليهاالسلام ) جدَّها الرسول الأعظم (صلىاللهعليهوآله ) , وحوّاء وآدم (عليهماالسلام ) , و...
وفي نور العين قال الإسفرايني : ثمّ إنّ سكينة (عليهاالسلام ) تقدّمت إلى يزيد وقالت : اعلم أنّي رأيتُ البارحة في نومي قصراً من لؤلؤة بيضاء، وله أربعة أبواب، وعلى كلِّ باب خدم لا يحصون. فبينما أنا أنظر إليها، وإذا قد انفتح باب منها , وخرج منه خمسة رجال وخمسُ نسوة , يقدمهم غلامٌ لهم، فتقدّمت للغلام وقلت : لمـّن هذا القصر ؟
فقال : للحسين (عليهالسلام ).
فقلت : ومَن هؤلاء الذين معك ؟
فقال : ومَن أنتِ ؟
فقلت : أنا سكينة.
فقال : يا سكينة , هذا آدم (عليهالسلام )، وهذا نوح (عليهالسلام )، وهذا إبراهيم (عليهالسلام )، وهذا موسى (عليهالسلام )، وعيسى (عليهالسلام ). فبينما أنا أنظر إليهم، وإذا برجلٍ قد أقبل وهو متغيّر اللون , وله نورٌ ساطع، وهو مغتم يميل كالمرأة الثكلى، قابض على لحيته , باكياً حزيناً، فقلت للغلام : مَن هذا الرجل الذي هو ملتبس بالأحزان ؟
فقال : ألا تعرفيه ؟!
فقلت : لا.
فقال : هذا جدُّك.
فقلت : والله لأ شكونَّ له ما حلَّ بنا. ثمّ دنوتُ منه ولزمت صدره، وأنا شاهقة بالبكاء، فضمّني إلى صدره وبكى حتّى
____________________
(١) ما بين القوسين من كتاب عيون التواريخ / ٤٧ , من نسخة موجودة في إسلامبول , نقلاً من إحقاق الحق ١٩ / ٤٢٦.
(٢) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٣٨ , منشورات الشريف الرضي.
أُغمي عليه، ثمّ قال لي : (( لا تخافي يا بنتي )).
فقلت : يا جدِّي , قتلوا الحسين (عليهالسلام ) , وإخوتي , وأعمامي , وأولاد إخوتي , وبني عمِّي , ورجالنا، وسُبينا , وحُملنا إلى يزيد (لعنه الله) مهتّكات ينظر إلينا البار والفاجر. ثمّ بكيتُ بكاءً عظيماً.
فقال : (( اسكتي يا سكينة ؛ فقد أبكيتِ الملائكة )). ثمّ أخذ بيدي وأدخلني القصر مع الخمس نسوة التي رأيتهنَّ، وبينهنَّ امرأة عظيمة الخلقة , ناشرة شعرها، وعليها ثياب سود، ومعها قميص ملطّخ بدم، وهي تقوم ساعة وتقعد اُخرى، فقلت للغلام : مَن هؤلاء النسوة ؟
فقال : هذه حواء (عليهاالسلام )، وهذه مريم (عليهاالسلام )، وهذه آسية (عليهاالسلام )، وهذه جدّتك خديجة(عليهاالسلام ).
فقلت : والتي معها القميص ؟
فقال : هذه فاطمة (عليهاالسلام ). فدنوتُ منها وقلت لها : قد قُتل الحسين (عليهالسلام ) , وإخوتي , وأعمامي , وجميع عشيرتنا، وحُملنا أسارى إلى يزيد. فعند ذلك ضمَّتني إلى صدرها وبكت , وبكت معها النسوة، ثمّ قالت : (( يا اُمِّي حوّاء , واُمِّي خديجة، ويا أَخواتي(١) , انظرنَ إلى هؤلاء القوم وفعلهم بأولادي بعدي )).
وصرخت صرخة عظيمة حتّى ظننت أنّ القصر قد انطبق، ثمّ نادت : (( وا ولداه ! وا ثمرة فؤاداه ! )). ثمّ قالت لي : (( يا سكينة , صبراً جميلاً يا بنتي، لو رأيتِ ما صار إليه الحسين (عليهالسلام ) من النعيم والكرامات لاشتاقت عيناك إليه، ولو رأى يزيد ما أعدَّ الله له من العذاب الأليم والنار الحامية والسعير لذابت نفسه ونسى يومه ؛ إذا وضع في طباقها نهشته حياتها.
وهذا قميص الحسين (عليهالسلام ) معي
____________________
(١) وفي المطبوع : يا إخوتي، والظاهر ما أثبتناه.
لا يفارقني حتّى آتي به إليه ,( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (١) ) ). وعند تمام الآية انتبهت، فحار يزيد من كلامها وقال : أنتم أهل البيت , قد خصصتم بالحكمة ؛ كبيركم وصغيركم , وذكركم وأُنثاكم(٢) .
يزيد يأمر خطيبه بسبِّ أهل البيت (عليهمالسلام )، وخطبة الإمام زين العابدين (عليهالسلام )
وفي نور العين للإسفرايني قال : ودعا بخطيبه - وكان فصيح اللسان , قليل المعرفة بربِّه - وقال له : اجمع الناس بالجامع، واصعد المنبر وسُبَّ عليّاً وأولاده. ففعل ما أمره به، وازداد في سبِّ عليٍّ وأولاده (عليهمالسلام )، وأكْثَرَ في مدح يزيد، فلمـّا سمعه علي (عليهالسلام ) وإخوته , صاح به وقال : (( يا ويلك من خطيب ! لقد أسخطت الربَّ، وأرضيت العبد، فعليك لعنة الله )).
ثمّ تقدّم إلى يزيد وقال له : (( ائذن لي أن أرقى المنبر، وأتكلم بما يرضي الله وينفع الناس )). فأبى، فقال له الحاضرون : لِمَ لا تأذن له ؟
فقال : يا قوم , إنّي عارفٌ بهذا الغلام وإخوته. يا قوم , هؤلاء أهل البيت اختصّوا بالحكمة ؛ كبيرهم وصغيرهم، وهُم نسلُ أبي تراب، والحيّة لا تلد إلّا حيّة.
فقالوا : بالله عليك أن تأذن له.
فقال : يا علي , ارقَ وتكلَّم بما شئت. فصعد , ثمّ حمد الله وأثنى على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وقال : (( أيُّها الناس , اُحذّركم من الدنيا وما فيها ؛ فإنها دار زوال، وهى قد أفنت القرون الماضية، وهم كانوا أكثر منكم مالاً وأطول أعماراً، وقد أكل التراب لحومهم، وتغيَّرتْ أحوالهم، أفتطمعون بعدهم بالبقاء ؟ هيهات هيهات!
____________________
(١) سورة الشعراء / ٢٢٧.
(٢) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٨ - ٦٩، وفي ط / ٥٨- ٥٩.
لا بدَّ من اللحوق والملتقى، فتداركوا ما مضى من عمركم بما بقي، وافعلوا فيه ما سوف يعدُّ لكم من الأعمال الصالحة قبل الانقضاء وفروغ الأمل ؛ فعن قريب تُؤخذون من القصور إلى القبور، وبأفعالكم تحاسبون.
فكم والله من فاجر قد استكملت عليه الحسرات , وكم من عزيز قد وقع في مسالك المهلكات، حيث لا ينفع الندم ولا يغاث من ظلم ,( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) (١) .
أيُّها الناس , مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن المروة والصفا، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السماء، أنا ابن مَن دنا فتدلَّى فكان قاب قوسين أو أدنى.
أنا ابن صاحب الشفاعة الكبرى، أنا ابن صاحب الحوض واللواء، أنا ابن صاحب الدلائل والمعجزات، أنا ابن صاحب القرآن والكرامات، أنا ابن السيّد المحمود، أنا ابن مَن له الكرم والجود، أنا ابن المتوَّج بالإشراق، أنا ابن مَن ركب البراق، أنا ابن صفوة إسماعيل، أنا ابن صاحب التأويل، أنا ابن الصادر والوارد، أنا ابن الزاهد العابد، أنا ابن الوفي بالعهود، أنا ابن رسول الملك المعبود، أنا ابن سيّد البررة، أنا ابن المنزّل عليه سورة البقرة، أنا ابن مَن تفتح له أبواب الجنان، أنا ابن المخصوص بالرضوان، أنا ابن المقتول ظلماً، أنا ابن محزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتّى قضى، أنا ابن طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن مَن بكت عليه ملائكة السماء.
أيُّها الناس , إنّ الله ابتلانا ببلاءٍ حسنٍ ؛ حيث جعل فينا راية الهدى، وجعل في غيرنا راية
____________________
(١) سورة الكهف / ٤٩.
الردى، وفضَّلنا على جميع العالمين، وآتانا ما لم يؤتَ أحداً من العالمين. وخصَّنا بخمسة أشياء لم توجد في الخلق أجمعين : العلم والشجاعة والسخاء وحبَّ الله ورسوله، وأعطانا ما لم يعطِ أحداً من العالمين ))(١) .
وفي مقاتل الطالبيِّين قال : ثمّ أمره أن يصعد المنبر فيخطب فيعذر إلى الناس مما كان من أبيه , فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال : (( أيُّها الناس , مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا اُعرّفه بنفسي ؛ أنا علي بن الحسين، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير )).
وهي خطبة طويلة كرهت الإكثار بذكرها وذكر نظائرها. ثمّ أمره يزيد بالشخوص إلى المدينة مع النسوة من أهله وسائر بني عمّه فانصرف بهم(٢) .
خطبة الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) برواية الخوارزمي
وفي مقتل الخوارزمي قال : روي أنّ يزيد (لعنه الله) أمر بمنبر وخطيب ليذكر للناس مساوئ الحسين وأبيه علي (عليهماالسلام )، فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وأكثر الوقيعة في علي والحسين (عليهماالسلام )، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد (لعنهما الله)، فصاح به علي بن الحسين (صلّوات الله عليهما) : (( ويلك يا أيُّها الخاطب ! اشتريتَ مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوّأ مقعدك من النار )).
ثمّ قال (عليهالسلام ) : (( يا يزيد , ائذن لي حتّى أصعد هذه الأعواد، فأتكلَّم بكلمات
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٩ -٧٠، وفي ط / ٥٩ -٦٠.
(٢) مقاتل الطالبيِّين - أبو الفرج الأصفهاني / ٨١.
فيهنَّ لله رضاً , ولهؤلاء الجالسين أجرٌ وثواب )).
فأبى يزيد , فقال الناس : يا أمير المؤمنين , ائذن له فليصعد المنبر، فلعلّنا نسمع منه شيئاً. فقال لهم : إنْ صعد المنبر هذا لم ينزل إلّا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان. فقالوا له : وما قدر ما يحسن هذا ؟ فقال : إنّه من أهل بيتٍ قد زُقُّوا العلم زقّاً.
ولم يزالوا به حتّى أذن له بالصعود، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ خطب خطبةً أبكى منها العيون، وأوجل منها القلوب، فقال فيها : (( أيُّها الناس , أُعطينا ستّاً وفُضّلنا بسبع ؛ أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفُضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمّد (صلىاللهعليهوآله )، ومنَّا الصدّيق، ومنَّا الطيّار، ومنَّا أسد الله وأسد رسوله، ومنَّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنَّا سبطا هذه الأمّة وسيِّدا شباب أهل الجنّة، فمَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي :
أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن مَن حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير مَن انتعل واحتفى، أنا ابن خير مَن طاف وسعى، أنا ابن خير مَن حجّ ولبّى، أنا ابن مَن حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن مَن اُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , فسبحان مَن أسرى.
أنا ابن مَن بلغ به جبرائيل (عليهالسلام ) إلى سدرة المنتهى، أنا ابن مَن دنا فتدلَّى فكان من ربِّه قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السماء، أنا ابن مَن أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمدٍ المصطفى، أنا ابن عليٍّ المرتضى، أنا ابن مَن ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا : لا إله إلّا الله.
أنا ابن مَن ضرب بين يدي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وصلّى القبلتين، وقاتل ببدرٍ وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين.
أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب
المسلمين، ونور المجاهدين، وزين العابدين، وتاج البكّائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين ورسول ربِّ العالمين.
أنا ابن المؤيد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين المارقين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر مَن مشى من قريش أجمعين، وأوَّل مَن أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأقدم السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وبستان حكمة الله، وعيبة علم الله.
سمحٌ سخي، بهلول زكي , أبطحي رضي مرضي، مقدام همام، صابر صوّام، مهذّب قوّام، شجاع قمقام، قاطع الأصلاب، ومفرّق الأحزاب، أربطهم جناناً، وأطبقهم عناناً، وأجرأهم لساناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدّهم شكيمة. أسد باسل، وغيث هاطل، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنّة وقربت الأعنة طحن الرحى، ويذرهم ذرو الريح الهشيم.
ليثُ الحجاز، وصاحب الأعجاز، وكبش العراق، الإمام بالنِّص والاستحقاق، مكّيٌّ مدنيٌّ , أبطحي تهامي , خيفي عقبي , بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيّدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، مُظهر العجائب، مُفرّق الكتائب، والشهاب الثاقب، والنور العاقب , أسد الله الغالب، مطلوب كلِّ طالب، غالب كلِّ غالب، ذاك جدّي علي بن أبي طالب (عليهالسلام ).
أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيّدة النساء، أنا ابن الطهر البتول، أنا ابن بضعة الرسول (صلىاللهعليهوآله ) )).
قال : فلم يزل يقول : أنا أنا حتّى ضجَّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد (لعنه الله) أن تكون فتنة، فأمر المؤذّن أن يؤذّن، فقطع عليه الكلام وسكت، فلمـّا قال المؤذّن : الله أكبر، قال علي بن الحسين (عليهالسلام ) : (( كبَّرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس , لا شيء أكبرُ من الله )).
فلمـّا قال : أشهد أن لا إله إلّا الله، قال علي (عليهالسلام ) : (( شهد بها شعري وبشري , ولحمي ودمي، ومخي وعظمي )). فلمـّا قال : أشهد أنّ محمداً رسول الله , التفت علي (عليهالسلام ) من أعلى المنبر إلى يزيد وقال : (( يا يزيد , محمدٌ هذا جدِّي أمْ جدُّك ؟ فإن زعمت أنّه جدُّك فقد كذبت، وإن قلت : إنّه جدّي , فلم قتلت عترته ؟! )).
قال : وفرغ المؤذّن من الأذان والإقامة، فتقدّم يزيد وصلّى صلاة الظهر(١) .
آثار خطبة الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) في الشام
وفي نور العين للإسفرايني قال : (قال الراوي) : روي عن جعفر الصادق (عليهالسلام ) : (( أنّه عند ذلك ضجَّت الناس بالبكاء والنحيب، فقصد يزيد أن يقطع كلامه بالأذان , وأشار لمؤذّنه أن يؤذّن، فقال : الله أكبر، فقال علي (عليهالسلام ) : الله أكبر فوق كلِّ كبير. فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله، فقال علي (عليهالسلام ) : أشهد أن لا إله إلّا الله. فقال : أشهد أنّ محمداً رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقال علي (عليهالسلام ) : بالله عليك اسكت. فسكت، ثمّ قال : يا يزيد , أكان محمدٌ (صلىاللهعليهوآله ) جدّي أمْ جدّك ؟ فإن قلتَ جدّي، فأنت صادق، وإن قلتَ جدّك فأنت كاذب.
فقال : بل جدّك.
فقال : لمَ قتلت ذرّيته وسبيت حريمه ؟! فسكت، ثمّ ضجَّت الناس بالبكاء والنحيب، وقالوا : هذه مصيبة في الإسلام، فعند ذلك خشي يزيد على نفسه من القتل، وقال للناس : أتظنّون أنّي قتلت الحسين ؟ فلعن الله مَن قتله، إنّما قتله عبيد الله بن زياد عاملي على البصرة.
ثمّ أمر بإحضار مَن أتى برأس الحسين ومَن معها ؛ ليسألهم كيف كان قتله , فحضروا بين يديه، فقال لابن ربعي : ويلك ! أنا
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٧٦ - ٧٨.
أمرتُك بقتل الحسين ؟ فقال : لا، لعن الله قاتله. ولم يزالوا كذلك إلى أن وصل السؤال إلى الحصين بن نمير، فقال : مقالتهم، ثمّ قال : أتريد أن اُخبرك بمَن قتله ؟
فقال : نعم.
فقال : أعطني الأمان.
فقال : لك الأمان.
فقال : اعلم أيُّها الأمير، أنّ الذي عقد الرايات، ووضع الأموال، وجيَّش الجيوش، وأرسل الكتب، وأوعد وعداً هو الذي قتله.
فقال : مَن فعل ذلك ؟
فقال : أنت. فغضب منه ودخل منزله، ووضع الطشت الذي فيه رأس الحسين (عليهالسلام ) بين يديه، وجعل يبكي ويلطم على وجهه، ويقول : ما لي وللحسين ! ))(١) .
ما جرى بعد خطبة الإمام (عليهالسلام ) مع حبر من أحبار اليهود
روى الخوارزمي قال : وروي أنّه كان في مجلس يزيد هذا حبر من أحبار اليهود، فقال : يا أمير المؤمنين , مَن هذا الغلام ؟
قال : هو علي بن الحسين.
قال : فمَن الحسين ؟
قال : ابن علي بن أبي طالب.
قال : فمَن اُمُّه ؟
قال : اُمُّه فاطمة بنت محمّد.
فقال له الحبر : يا سبحان الله ! فهذا ابن بنت نبيّكم قتلتموه في هذه السرعة ! بئسما خلفتموه في ذرّيته ! فوالله لو ترك نبيُّنا موسى بن عمران فينا سبطاً لظننت أنّا كنَّا نعبده من دون ربّنا، وأنتم إنّما فارقتم نبيَّكم بالأمس فوثبتم على ابنه فقتلتموه ! سوأة لكم من اُمّة !
فأمر يزيد ( لعنه الله ) به , فوجئ في حلقه ثلاثاً، فقام الحبر وهو يقول : وإن شئتم فاقتلوني، وإن شئتم فذروني ؛ إنّي أجد في التوراة : مَن قتل ذرّية نبيٍّ فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه الله نار جهنم(٢) .
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٧٠ - ٧١، وفي ط / ٦٠.
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٧٩.
ما جرى بين المنهال والإمام زين العابدين (عليهالسلام )
وفي مقتل الخوارزمي قال : وخرج علي بن الحسين (عليهالسلام ) ذات يوم فجعل يمشي في سوق دمشق , فاستقبله المنهال بن عمرو الضبابي، فقال : كيف أمسيت يابن رسول الله ؟
فقال : (( أمسيتُ والله كبني إسرائيل في آل فرعون ؛ يذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم. يا منهال , أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداً (صلىاللهعليهوآله ) عربي، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنَّ محمداً منها، وأمسينا آل بيت محمد (صلىاللهعليهوآله ) ونحن مغصوبون مظلومون , مقهورون مقتلون , مشرّدون مطرودون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما أمسينا يا منهال )).
وقال الخوارزمي : وذكر السيد أبو طالب هذا الحديث وزاد فيه : (( وأصبح خير الاُمّة يُشتم على المنابر، وأصبح شرُّ الاُمّة يُمدح على المنابر، وأصبح مُبغضنا يُعطى الأموال، ومَن يحبُّنا منقوصاً حقّه ))(١) .
____________________
(١) أقول : وفي شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٤ لعبد الحميد المعتزلي ما يبيّن تفاصيل هذه الحقيقة، قال : وروى أبو الحسن على بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب ( الأحداث ) , قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئتْ الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.
فقامت الخطباء في كلِّ كورة وعلى كلِّ منبر يلعنون عليّاً، ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة ؛ لكثرة مَن بها من شيعة علي (عليهالسلام )، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ؛ لأنّه كان منهم أيّام علي (عليهالسلام ). فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقََ بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عمَّاله في جميع الآفاق إلّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم : أن انظروا من قِبَلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله
وقال أيضاً : وروي هذا الحديث عن الحارث بن الجارود التميمي , أنّه رأى
____________________
ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا لي بكلِّ ما يروي كلُّ رجلٌ منهم , واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ؛ لِما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء , والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي , فكثر ذلك في كلِّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كَتَب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حيناً.
ثمّ كتب إلى عمَّاله : أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلِّ مصر , وفي كلِّ وجه وناحية , فإذا جاءكم كتابي هذا فادعو الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين , ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقضٍ له في الصحابة ؛ فإنّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقُرئتْ كتبه على الناس، فرُويت أخبارٌ كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر , واُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه، وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم , وخدمهم وحشمهم , فلبثوا بذلك ما شاء الله.
ثمّ كتب إلى عمَّاله نسخةً واحدة إلى جميع البلدان : انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنّه يحبُّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان , واسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخةٍ اُخرى : مَن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به، واهدموا داره.
فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة , حتّى إنّ الرجلَ من شيعة علي (عليهالسلام ) ليأتيه مَن يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه.
فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء المرّاؤون , والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم , ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان , فقبلوها ورووها وهُم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لَما رووها ولا تديّنوا بها.
ويأتي عن ابن أبي الحديد , في أوّل بحث التسمية من الفصل الثالث عشر , ما رواه عن الإمام الباقر (عليهالسلام ) في هذا المضمون من شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٤/ ٥٨.
علي بن الحسين (عليهالسلام ) بالمدينة، فقال : كيف أصبحت ؟ وساق الحديث(١) .
ما جرى بين رسول ملك الروم وبين يزيد
روى الخوارزمي، والقندوزي، والإسفرايني، والهيتمي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا عين الأئمة بإسناده الذي مرَّ آنفاً , عن زيد بن علي، وعن محمّد بن الحنفيّة، عن علي بن الحسين زين العابدين (عليهالسلام ) أنّه قال : (( لمـّا أتي برأس الحسين (عليهالسلام ) إلى يزيد كان يتّخذ مجالس الشرب، ويأتي برأس الحسين (عليهالسلام ) فيضعه بين يديه، ويشرب عليه، فحضر ذات يوم أحد مجالسه رسولُ ملك الروم، وكان من أشراف الروم وأعاظمها، فقال : يا ملك العرب , رأس مَن هذا ؟
فقال له يزيد : ما لك ولهذا الرأس ؟
قال : إنّي إذا رجعت إلى مَلكنا يسألني عن كلِّ شيء رأيته، فأحببتُ أن أخبره بقصّة هذا الرأس وصاحبه ؛ ليشاركك في الفرح والسرور.
فقال يزيد : هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب.
فقال : ومن اُمّه ؟
قال : فاطمة الزهراء.
قال : بنتُ مَن ؟
قال : بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال الرسول : أُفٍّ لك ولدينك ! ما دين أخسّ من دينك ! اعلم أنِّي من أحفاد داود، وبيني وبينه آباء كثيرة، والنصارى يعظّمونني ويأخذون التراب من تحت قدمي تبركاً ؛ لأنّي من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وما بينه وبين رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلّا اُمٌّ واحدة ! فأيُّ دين هذا ؟!
ثمّ قال : يا يزيد , هل سمعت بحديث كنيسة الحافر ؟
فقال يزيد : قُل حتّى نسمع.
فقال : إنّ بين عمان والصين بحراً مسيرته سنة , ليس فيه عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء طولها ثمانون فرسخاً وعرضها كذلك، وما على وجه الأرض بلدة أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت والعنبر، وأشجارها العود، وهي في أيدي النصارى
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٧٩ - ٨٠.
لا ملك لأحدٍ فيها من الملوك، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة، أعظمها كنيسة الحافر، في محرابها حقَّةٌ من الذهب معلّقة فيها حافر يقولون : إنّه حافر حمار كان يركبه عيسى، وقد زيّنت حوالي الحقَّةِ بالذهب والجواهر , والديباج والإبريسم.
وفي كلِّ عام يقصدوها عالم من النصارى ؛ فيطوفون حول الحقَّةِ، ويزورونها ويقبّلونها ويرفقون حوائجهم إلى الله ببركتها، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار يركبه عيسى نبيّهم، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيِّكم ! لا بارك الله فيكم ولا في دينكم.
فقال يزيد لأصحابه : اقتلوا هذا النصراني , فإنّه يفضحنا إن رجع إلى بلاده، ويشنّع علينا. فلمـّا أحسَّ النصراني بالقتل قال : يا يزيد , أتريد قتلي ؟
قال : نعم.
قال : فاعلم أنّي رأيتُ البارحة نبيَّكم في منامي وهو يقول لي : يا نصراني , أنت من أهل الجنة. فعجبتُ من كلامه حتّى نالني هذا، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً (صلىاللهعليهوآله ) عبده ورسوله. ثمّ أخذ الرأس وضمَّه إليه، وجعل يبكي حتّى قُتل )).
وروى مجد الأئمة السرخسكي، عن أبي عبد الله الحداد : أنّ النصراني اخترط سيفاً وحمل على يزيد ليضربه، فحال الخدم بينهما، وقتلوه وهو يقول : الشهادة الشهادة(١) .
صلب رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
وقال مُحدّث الشام ابن عساكر : قال حمزة : وقد كان حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحسين (عليهالسلام ) مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام(٢) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٨٠ - ٨١.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٦٠.
وقال ابن كثير : قال : ثمّ نَصَبه بدمشق ثلاثة أيّام، ثمّ وضع في خزائن السلاح...(١) .
قال الشبراوي : قال أبو الفضل : وبعد أن وصل الرأس الشريف إلى دمشق، وضعت في طست بين يدي يزيد وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب , ثمّ أمر بصلبه، فصلب ثلاثة أيّام بدمشق، وشَكَر لابن زياد صنيعه، وبالغ في إكرامه ورفعته حتّى صار يدخل على نسائه، ثمّ ترك الرأس الشريف بعد صلبه في خزانة السلاح...(٢) .
أقول : يأتي تمام الحديث عن صلب الرأس الشريف في الفصل المتعلّق به.
دخول زوجة يزيد المجلس حاسرة لمـّا رأت رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) مصلوباً، وإقامة المأتم في بيت يزيد بن معاوية (لعنه الله)
روى الخوارزمي قال : وذكر أبو مخنف وغيره أنّ يزيد أمر أن يصلب الرأس الشريف على باب داره، وأمر أن يدخلوا أهل بيت الحسين (عليهالسلام ) داره، فلمـّا دخلت النسوة دار يزيد لم تبقَ امرأة من آل معاوية إلّا استقبلتهنَّ بالبكاء والصراخ , والنياحة والصياح على الحسين (عليهالسلام )، وألقين ما عليهنَّ من الحلي والحلل، وأقمنَ المأتم عليه ثلاثة أيّام.
وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد، وكانت قبل ذلك تحت الحسين بن علي (عليهالسلام )، فشقّت الستر وهي حاسرة، فوثبت على يزيد وقالت : أرأس ابن فاطمة مصلوبٌ على باب داري ؟! فغطّاها يزيد وقال : نعم، فاعولي عليه يا هند، وابكي على ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وصريخة قريش، عجَّل
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٢٢.
(٢) الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي / ٦٩ -٧٠.
عليه ابن زياد فقتله، قتله الله(١) .
وروى الطبري أيضاً قال : قالت(*) : ثمّ قال يزيد بن معاوية : يا نعمان بن بشير , جهِّزهم بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشام أميناً صالحاً، وابعث معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة. ثمّ أمر بالنسوة أن ينزلنَ في دار على حدة , معهنَّ ما يصلحهنَّ , وأخوهنَّ معهنَّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) في الدار التي هنَّ فيها.
قال : فخرجنَ حتّى دخلنَ دار يزيد، فلم تبقَ من آل معاوية امرأة إلّا استقبلتهنّ تبكي وتنوح على الحسين (عليهالسلام ) , فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً(٢) .
وفي نور العين , قال : بعد ما اضطرب الوضع على يزيد قال لهم : أيُّهما أحبُّ إليكم ؛ المقام عندي ولكم الجائزة، أمْ المسير إلى مكة والمدينة ؟
فقالوا : يا يزيد , نحن فارقنا الحسين (عليهالسلام ) وعبيد الله بن زياد لم يمكّننا من البكاء والنحيب عليه. فأمر بإخلاء دارٍ لهم، فقعدوا فيها، وعددوا البكاء والنوح ليلاً ونهاراً، ولم يبقَ في دمشق قرشية ولا هاشمية إلّا وشدّت الأوساط، وأقاموا على ذلك أسبوعاً(٣) .
ثمّ دعاهم وعرض عليهم المسير فأجابوا لذلك، فعند ذلك قدّمت لهم
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٨١ -٨٢.
(*) المقصود منها فاطمة بنت علي (عليهماالسلام ) , وهذا ما ذكره الطبري حيث نقل هذه الرواية بعد رواية طلب الشامي استخدام فاطمة بنت علي (عليهماالسلام )، وأمّا ما نقلناه عن الإسفرايني من أنّها سكينة بنت الحسين (عليهماالسلام ) , أقول : واحتمال كونها حادثة اُخرى غير بعيد.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٩، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٧٧.
(٣) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) للإسفرايني / ٧١ - ٧٢ وفي ط / ٦١.
المحامل على الجمال، واُحضرت لهم الرحال، وذلك بعد أن أعطاهم الثياب الفاخرة، ثمّ أحضر لهم مالاً جزيلاً وقال : يا زينب , خذي هذا المال عوضاً عن مصيبتكم.
فقالت : يا ويلك ! ما أقلّ حياءك وأصلب وجهك ! تقتل أخي وتقول : خذوا عوضه مالاً ! فلمـّا أبَتْ دعا بقائد من قوّاده وضمَّ إليه ألف فارس، وأمره أن يسير بهم إلى المدينة، أو إلى أيِّ مكان شاؤوا، وأن يقضي لهم جميع ما يلزم، ثمّ حشا الرأس بالمسك والكافور وسلّمها لهم , فأخذوها وساروا إلى كربلاء، ودفنوها مع الجسد الشريف(١) .
رؤيا هند زوجة يزيد بن معاوية
وفي نور العين للإسفرايني قال : قالت هند زوجة يزيد : لمـّا أخذت مضجعي تلك الليلة رأيتُ في منامي كأنّ أبواب السماء قد فُتحت، والملائكة بأجمعهم قد نزلوا، وهم يدخلون إلى الرأس ويقولون : السلام عليك يا أبا عبد الله، فبينما أنا كذلك إذ نظرتُ إلى سحابةٍ قد نزلت من السماء , وفيها رجالٌ كثيرة، وبينهما رجلٌ قمري اللون، فأقبل حتّى دنا من رأس الحسين (عليهالسلام ) وانكبَّ عليها وهو يقول : (( السلام عليك يا ولدي , قتلوك ! ومن شرب الماء منعوك ! أتراهم ما عرفوك ! أنا جدّك المصطفى، وهذا أبوك علي المرتضى، وهذا أخوك الحسن، وهذا عمُّك جعفر )).
وهكذا إلى آخرهم، فعند ذلك ارتعتُ، فانتبهت من نومي، وطلبتُ زوجي فوجدته في مكانٍ مظلم، وعلى وجهه بيديه يلطم، ويقول : ما لي وللحسين ! فقلت له : اسكت حتّى أخبرك بما رأيت. فسكت، ثمّ قصصتُ عليه الرؤيا، وهو منكس رأسه، فلمـّا استتممت خرج ودعا
____________________
(١) كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٧١ - ٧٢، وفي ط / ٦١.
بعلي وإخوته، وقال لهم : أيُّهما أحبُّ إليكم ؛ المقام عندي ولكم الجائزة، أمْ المسير إلى مكة والمدينة ؟ فقالوا : يا يزيد , نحن.... إلخ(١) .
ما جرى بين يزيد (لعنه الله) مع عمر ابن الإمام الحسن (عليهالسلام ) عندما طلب منه أن يصارع ابنه خالداً
روى البلاذري قال : ثمّ قُتل الحسين (عليهالسلام )، فحمل رأسه إلى يزيد، وحملنا، فأقعدني يزيد في حجره، وأقعد ابناً له في حجره، ثمّ قال لي : أتصارعه ؟
فقلت : أعطني سكيناً وأعطيه سكيناً، ودعني وإيّاه.
فقال : ما تدعون عداوتنا صغاراً وكباراً(٢) .
وفي الأخبار الطوال، قال الدينوري : فقال (يزيد) ذات يوم لعمر بن الحسين : هل تصارع ابني هذا ؟ يعني خالداً، وكان من أقرانه.
فقال عمر : بل أعطني سيفاً وأعطه سيفاً حتّى اُقاتله، فتنظر أينا أصبر. فضمّه يزيد إليه، وقال :
شنشنةٌ أعرفُها من أخزم |
هل تلد الحيّة إلّا حيّة(٣) |
وفي مقتل الخوارزمي قال : ودعا عمر بن الحسن بن علي، وهو غلام صغير، فقال لعمر بن الحسن : أتقاتل هذا الفتى ؟ يعني خالداً ابنه.
قال : لا، ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً، ثمّ اُقاتله. فقام له يزيد، وأخذه فضمَّه إليه، ثمّ قال :
____________________
(١) وتمامه نقلناه في العنوان السابق - كتاب نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) للإسفرايني / ٧١ - ٧٢، وفي ط / ٦١.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٠١.
(٣) الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٦١.
شنشنةٌ أعرفها من أخزم |
هل تلد الحيّة إلّا حيّة(١) |
وفي مقتل الخوارزمي أيضاً قال : ثمّ إنّ يزيد أنزلهم بداره الخاصة، فما كان يتغدّى ويتعشّى حتّى يحضر معه علي بن الحسين (عليهالسلام ) , ودعا يوماً خالداً ابنه ودعا عليّاً(٢) , وهما صبيّان , فقال لعلي : أتقاتل هذا ؟
قال : نعم، أعطني سكيناً وأعطه سكيناً، ثمّ نتقاتل. فأخذه وضمّه، وقال :
شنشنةٌ أعرفها من أخزمِ |
هل يلدُ الأرقم إلّا الأرقم(٣) |
من مواقف عبد الله بن جعفر (عليهالسلام ) بعد مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري، والخوارزمي - واللفظ للأول - قال : قال هشام : عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال : لمـّا بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (عليهالسلام ) مقتل ابنيه مع الحسين (عليهالسلام ) دخل عليه بعض مواليه , والناس يعزّونه.
قال : ولا أظنّ مولاه ذلك إلّا أبا اللسلاس , فقال : هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين (عليهالسلام ).
قال : فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثمّ قال : يابن اللخناء , أللحسين (عليهالسلام ) تقول هذا ؟ والله لو شهدته لأحببت إلّا اُفارقه حتّى اُقتل معه. والله إنّه لممَّا يسخي بنفسي عنهما، ويهوَّن عليَّ المصاب بهما أنّهما اُصيبا مع أخي وابن عمِّي , مواسين له , صابرين معه. ثمّ أقبل على جلسائه فقال : الحمد لله (عزَّ وجلَّ) على مصرع
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٨٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٧٧.
(٢) الظاهر إذا كانت حادثة ثانية أنّه صبي من أبناء الحسن أو الحسين (عليهماالسلام ) غير الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) كما هو ظاهر.
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢/ ٨٢.
الحسين (عليهالسلام ) , إلّا تكن آست حسيناً يدي فقد آساه ولدي(١) .
خروجهم من الشام , وذهابهم إلى كربلاء , وملاقاة جابر بن عبد الله الأنصاري , وما جرى في يوم العشرين من صفر
وفي ينابيع المودة قال : ثمّ أمرهم بالرجوع إلى المدينة المنورة، فسار القائد بهم، وقال الإمام والنساء للقائد : بحقِّ معبودك أن تدلّنا على طريق كربلاء. ففعل ذلك حتّى وصلوا كربلاء يوم عشرين من صفر، فوجدوا هناك جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، فأخذوا بإقامة المآتم إلى ثلاثة أيّام، ثمّ توجّهوا إلى المدينة(٢) .
وفي نور العين للإسفرايني قال : (قال الراوي) : هذا ما ورد في دفن الرأس، وأمّا علي (عليهالسلام ) وأخواته لمـّا خرج بهم القائد من دمشق ووصلوا إلى بعض الطريق، قالوا : بالله عليك يا دليلنا , مرَّ بنا على طريق كربلاء ؛ لكي نجدّد عهداً بيننا لهم.
فقال : سمعاً وطاعة. وسار بهم إلى أن دخلوا كربلاء , وكان ذلك يوم عشرين من شهر صفر , فوافاهم جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من أهل المدينة، وأقام البكاء والحزن حتّى ضجَّت الأرض(٣) .
أوّل زائر للإمام الحسين (عليهالسلام ) جابر بن عبد الله (رحمهالله )
قال الخوارزمي : أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو جعفر محمّد بن عمر بن أبي علي (كتابةً) , أخبرنا الإمام أبو الحسن زيد بن الحسن بن علي البيهقي، أخبرنا السيد الإمام
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣/ ٣٤٢، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٨٤.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٩٢.
(٣) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٧٢.
النقيب علي بن محمّد بن جعفر الحسني، حدثنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني، أخبرنا أبي، أخبرنا أبو أحمد إسحاق بن أحمد المقري بالكوفة , حدثنا عبد الله بن محمّد الأيادي، حدثنا عمر بن مدرك، حدثنا محمّد بن زياد المكي، أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عطية العوفي قال : خرجتُ مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائراً قبر الحسين بن علي (عليهالسلام )، فلمـّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثمّ اتّزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخطُ خطوة إلّا ذكر فيها الله تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال : ألمسنيه يا عطية.
فألمسته , فخرَّ على القبر مغشيّاً عليه , فرششتُ عليه شيئاً من الماء، فلمـّا أفاق قال : يا حسين ! يا حسين ! - ثلاثاً - , ثمّ قال : حبيبٌ لا يجيب حبيبه، وأنَّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك ! وفرّق بين رأسك وبدنك ! فأشهد أنّك ابن خاتم النبيين، وابن سيّد والوصيين، وحليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة سيّدة النساء.
وما لَكَ لا تكون هكذا وقد غذّتك كفُّ سيّد المرسلين، وربّيت في حجور المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت حيّاً، وطبتَ عيشاً , غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك , ولا شاكّة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه. فأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه يحيى بن زكريا.
قال عطية : ثمّ جالَ ببصره حول القبر، فقال : السلام عليكم أيّتها الأرواح الطيّبة التي بفناء الحسين (عليهالسلام ) أناخت برحله، أشهد أنّكم قد أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين. فوالذي بعث محمداً (صلىاللهعليهوآله ) بالحقِّ لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.
قال عطية : فقلتُ لجابر : وكيف ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب
بسيف، والقوم قد فُرِّقَ بين رؤوسهم وأبدانهم، وأُتِمَتْ الأولاد، واُرملت الأزواج ؟!
فقال لي(١) : يا عطية , سمعت جدَّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن أحبَّ قوماً حُشر معهم، ومَن أحبَّ عمل القوم أُشرك في عملهم )).
احدر بي نحو أبيات كوفان، فلمـّا صرنا في بعض الطريق قال لي : يا عطية , هل أُوصيك وما أظنني أنّني بعد هذه السفرة اُلاقيك ؟ أحِبَّ محبَّ آل محمّد ما أحبَّهم، وأبغض مبغض آل محمّد ما أبغضهم وإن كان صوّاماً قوّاماً(٢) .
أوَّل صارخة في المدينة اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة (عليهاالسلام ) عند تحوّل التراب دماً... وحتى ضجّت المدينة...
روى اليعقوبي قال : وكان أوَّل صارخة صرخت في المدينة اُمُّ سلمة زوج رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، كان دفع إليها قارورة فيها تربة , وقال لها : (( إنّ جبرائيل أعلمني أنّ اُمّتي تقتل الحسين (عليهالسلام )، وأعطاني هذه التربة وقال لي : إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أنّ
____________________
(١) وقد ذكرها في بحار الأنوار العلامة المجلسي ٥٦/ ١٣٠ بتفصيل، وأذكر منه المقطع الأخير تتميماً ِلما لم يذكر:... فقال لي : يا عطية , سمعت حبيبي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( مَن أحبَّ قوماً حُشر معهم، ومَن أحبَّ عمل القوم أُشرك في عملهم )). والذي بعث محمداً بالحقِّ نبيّاً , إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه.
خذوا بي نحو أبيات كوفان. فلمـّا صرنا في بعض الطريق قال لي : يا عطية , هل اُوصيك وما أظن أنّني بعد هذه السفرة ملاقيك ؟ أحِب مُحبّ آل محمّد ما أحبّهم، وأبغض مبغض آل محمّد ما أبغضهم وإن كان صوّاماً قوّاماً، وأرفق بمحبِّ آل محمّد ؛ فإنّه إن تَزَل [ لهم ] قَدَم بكثرة ذنوبهم، ثبتت لهم اُخرى بمحبّتهم، فإنّ محبَّهم يعود إلى الجنّة , ومبغضهم يعود إلى النار.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٠ - ١٩١.
الحسين (عليهالسلام ) قد قُتل )).
وكانت عندها، فلمـّا حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كلِّ ساعة، فلمـّا رأتها قد صارت دماً صاحت : وا حسيناه ! وابن رسول الله ! وتصارخت النساء من كلِّ ناحية، حتّى ارتفعت المدينة بالرجّة التي ما سمع بمثلها قط(١) .
خروج نساء بني هاشم لاستقبال حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) في المدينة
وفي مقتل الخوارزمي قال : وخرجت بنت عقيل في نساء من قومها وهي تقول :
ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم |
ماذا فعلتمْ وأنتم آخرُ الأممِ |
|
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي |
منهم اُسارى ومنهم ضرِّجوا بدمِ |
|
أكان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم |
ولم توفّوا بعهدي في ذوي رحمي |
|
ضيعتُمُ حقَّنا واللهُ أوجبهُ |
وقد رعى الفيلُ حقَّ البيت والحرم(٢) |
وروى الطبراني قال : حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الزّبير، عن عمِّه مصعب بن عبد الله قال : خرجت زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب على الناس بالبقيع تبكي قتلاها بالطف , وهي تقول :
ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكمْ |
ماذا فعلتم وكنتم آخرَ الاُممِ |
|
بأهلِ بيتي وأنصاري وذريتي |
منهم اُسارى وقتلى ضرِّجوا بدم |
|
ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لكمْ |
أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رَحِمي |
فقال أبو الأسود الدؤلي : نقول : ربّنا ظلمنا أنفسنا , الآية. ثمّ قال أبو الأسود الدؤلي :
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٤٥.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - للخوارزمي ٢/ ٨٤.
أقول وزادني جزعاً وغيظاً |
أزال اللهُ ملكَ بني زيادِ |
|
وأبعدهم كما غدروا وخانوا |
كما بعدُت ثمودُ وقومُ عادِ |
|
ولا رجعت ركابُهُمُ إليهم |
إذا قفّت إلى يوم التناد(١) |
وقال البلاذري : وقالت زينب بنت عقيل ترثي أهل الطف، وخرجت تنوح بالبقيع :
ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكمْ |
ماذا فعلتم وأنتم آخرُ الأممِ |
|
بأهل بيتي وأنصاري أما لكُمُ |
عهدٌ كريمٌ أما توفون بالذممِ |
|
ذرّيتي وبنو عمِّي بمضيعةٍ |
منهم اُسارى وقتلى ضرِّجوا بدمِ |
|
ما كان هذا جزائي إذ نصحتُكُمُ |
أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي(٢) |
نصب رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) في المدينة على خشبة، وصراخ وضجيج نساء بني هاشم , وشماتة مروان
قال البلاذري :
____________________
(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٨، وذكر نظم أبي الأسود الدؤلي (رحمهالله ) في تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٥٢ / ٢٠٨، وفي نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢٢٥، واللفظ لابن عساكر قال : قرأتُ على أبي القاسم زاهر بن طاهر، عن أبي بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ، قال : سمعت أبا سعيد الجرجاني - وهو إسماعيل بن أحمد بن أحمد - يقول : سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمّد بن إسحاق المكي ببغداد، يقول : حدثنا الزّبير بن بكار , أنشدني عمِّي لأبي الأسود الدؤلي :
أقول وزادني غضباً وغيظاً |
أزال اللهُ ملك بني زيادِ |
|
وأبعدهم كما غدروا وخانوا |
كما بعدت ثمودُ وقومُ عادِ |
|
ولا رجعت ركائبُهمْ إليهم |
إذا قفّت إلى يومِ التنادِ |
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - للخوارزمي ٢ / ٨٤.
وقال الكلبي : ولد الحسن (عليهالسلام ) في سنة ثلاث من الهجرة، والحسين (عليهالسلام ) في سنة أربع. قال : وبعث يزيد برأسه إلى المدينة فنصب على خشبة، ثمَّ رُدَّ إلى دمشق فدفن في حائط بها، ويقال : في دار الإمارة، ويقال : في المقبرة(١) .
روى البلاذري قال : وحدثني عمر بن شبه، وحدثني أبو بكر عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه قال : رعف عمرو بن سعيد على منبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقال بيار الأسلمي , وكان زاجراً : إنه ليوم دم.
قال : فجيء برأس الحسين (عليهالسلام ) فنصب , فصرخ نساء أبي طالب، فقال مروان :
عجَّتْ نساءُ بني زبيدٍ عجَّةً |
كعجيجِ نِسْوَتِنَا غَدَاةَ الأرنبِ |
ثمَّ صِحْنَ أيضاً , فقال مروان :
ضربت دوسرُ فيهم ضربةً |
أثبتت أوتادَ مُلْكٍ فاستقر(٢) |
وقال البلاذري : ولمـّا بلغ أهل المدينة مقتل الحسين (عليهالسلام ) كثر النوائح والصوارخ عليه، واشتدّت الواعية في دور بني هاشم، فقال عمرو بن سعيد الأشدق : واعية بواعية عثمان. وقال مروان حين سمع ذلك :
عجَّتْ نساءُ بني زبيدٍ عجَّةً |
كعجيجِ نِسْوَتِنَا غَدَاةَ الأرنبِ(٣) |
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٢ / ٤١٨ - ٤١٩.
(٢) المصدر نفسه / ٤١٧ - ٤١٨. بدل (دوسر) ذو شرٍّ، وبدل (أوتاد) أن كان , والظاهر ما أثبتناه وفقاً لمصادر اُخرى.
(٣) المصدر نفسه / ٤١٧.
وصولهم المدينة , وما جرى فيها... وخطبة الإمام زين العابدين (عليهالسلام )، وحال محمّد بن الحنفيّة (عليهالسلام )
وفي ينابيع المودة قال القندوزي : قال بشير بن حذلم : لمـّا وصلنا قريباً من المدينة أمرني الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) أن أخبر أهل المدينة، فدخلت المدينة فقلت : أيُّها المسلمون , إنّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) قد قَدِم إليكم مع عمّاته وأخواته. فما بقيت مخدرة إلّا برزنَ من خدورهنَّ، مخمِّشة وجوههنَّ، لاطمات خدودهنَّ، يدعون بالويل والثبور.
قال : فلم أرَ باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم، فخرج الإمام (عليهالسلام ) من الخيمة وبيده منديل يمسح به دموعه، فجلس على كرسي، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : (( أيُّها الناس , إنّ الله له الحمد وله الشكر، قد ابتلانا بمصائب جليلة، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام، ورزية في الأنام ؛ قُتل أبي الحسين (عليهالسلام ) وعترته وأنصاره، وسُبيت نساؤه وذرّيته، وطيف برأسه في البلدان على عالي السنان، فهذه الرزية تعلو على كلِّ رزية ؛ فلقد بكت السبع الشداد لقتله، والسبع الطباق لفقده، وبكت البحار بأمواجها، والأرضون بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والطيور بأوكارها، والحيتان في لجج البحار، والوحوش في البراري والقفار، والملائكة المقرّبين، والسماوات والأرضين.
أيُّها الناس، أيُّ قلب لا ينصدع لقتله، ولا يحزن لأجله ؟ أيُّها الناس، أصبحنا مشرّدين مطرودين , مذودين شاسعين عن الأوطان , من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ولا فاحشة فعلناها، فوالله لو أنّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) أوصى إليهم في قتالنا لَما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون)).
ثمّ قام ومشى إلى المدينة ليدخلها، فلمـّا دخل زار جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ثمّ دخل منزله.
وأمّا اُمّ كلثوم فحين توجّهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول شعراً :
مدينةَ جدِّنا لا تقبلينا |
فبالحسراتِ والأحزانِ جينا |
|
خرجنا منكِ بالأهلينَ جمعاً |
رجعنا لا رجالَ ولا بنينا |
|
ألا أخبر رسولَ اللهِ عنَّا |
بأنَّا قد فُجِعْنا في أخينا |
|
وأنّ رجالَنا بالطفِّ صرعى |
بلا روسٍ وقد ذَبَحُوا البنينا |
|
ورهطُك يا رسولَ اللهِ أضحوا |
عرايا بالطفوفِ مسلِّبينا |
|
وقد ذبحوا الحسينَ ولم يُراعوا |
جنابَكَ يا رسولَ اللهِ فينا |
|
فلو نظرت عيونُك للأسارى |
على قُتْبِ الجمال محمَّلينا |
|
رسولَ اللهِ بعد الصونِ صارت |
عيونُ الناسِ ناظرةً إلينا |
|
وكنتَ تحوطُنا حتّى تولَّتْ |
عيونُك ثارت الأعدا علينا |
|
أفاطمُ لو نظرتِ إلى السبايا |
بناتك في البلادِ مشتَّتينا |
|
أفاطمُ لو نظرتِ إلى الحيارى |
ولو أبصرتِ زينَ العابدينا |
|
أفاطمُ لو رأيتينا سهارى |
ومن سَهَرِ الليالي قد عمينا |
|
أفاطمُ ما لقيتِ من عِدَاكِ |
ولا قيراطَ مما قد لقينا |
|
فلو دامت حياتُكِ لم تزالي |
إلى يومِ القيامة تندبينا |
|
وعرِّجْ بالبقيعِ وقفْ ونادِ |
أيابنِ حبيبِ ربِّ العالمينا |
|
وقُلْ يا عمُّ يا حَسَنُ المـُزَكَّى |
عيالُ أخيكَ أضحوا ضائعينا |
|
أيا عمَّاه إن أخاك أضحى |
بعيداً عنك بالرمضا رهينا |
|
بلا رأسٍ تنوحُ عليه جهراً |
طيورٌ والوحوش الموحشينا |
|
ولو عاينتَ يا مولاي ساقوا |
حريماً لا يَجِدْنَ لها معينا |
|
على متنِ النياقِ بلا وطاءٍ |
وشاهدت العيالَ مكشَّفِينا |
|
وكنّا في الخروجِ بجمعِ شملٍ |
رجعنا خاسرين مسلَّبينا |
|
وكنَّا في أمانِ اللهِ جهراً |
رجعنا بالقطيعةِ خائفينا |
ومولانا الحسينُ لنا أنيسٌ |
رجعنا والحسينُ به رهينا |
|
فنحن الضائعاتُ بلا كفيلٍ |
ونحن النائحاتُ على أخينا |
|
ونحن السائراتُ على المطايا |
نسار على جِمَالِ المبغضينا |
|
ونحن بناتُ يسٍ وطه |
ونحن الباكياتُ على أبينا |
|
ونحن الطاهراتُ بلا خفاءٍ |
ونحن المخلصون المـُصْطَفَونا |
|
ونحن الصابراتُ على البلايا |
ونحن الصادقون الناصحونا |
|
ألا يا جدَّنا قتلوا حسيناً |
ولم يَرْعَوا جنابَ اللهِ فينا |
|
ألا يا جدَّنا بَلَغَتْ عدانا |
مُناها واشتفى الأعداءُ فينا |
|
لقد هتكوا النساءَ وحمَّلونا |
على الأقتابِ قهراً أجمعينا |
|
وزينبُ أخرجوها من خِبَاها |
وفاطمُ والهٌ تُبدي الأنينا |
|
سكينةُ تشتكي من حرِّ وجدٍ |
تنادى الغوثَ ربَّ العالمينا |
|
وزينُ العابدين بقيدِ ذلٍّ |
وراموا قتلَه أهلُ الخيونا ! |
|
فبعدَهُمُ على الدنيا ترابٌ |
فكأسُ الموتِ فيها قد سقينا |
|
وهذي قصتي مَعْ شَرحِ حالي |
ألا يا سامعون ابكوا علينا(١) |
وفي نور العين للإسفرايني : ثمّ صاروا قاصدين المدينة، فلمـّا وصلوها بكت اُمّ كلثوم، وجعلت تقول :
مدينةَّ جدِّنا لا تقبلينا |
فبالحسراتِ والكسراتِ جينا |
|
خرجنا منك بالأهلينَ جمعاً |
رجعنا لا رجالَ ولا بنينا |
|
وكنَّا في الخروجِ على المطايا |
وجئنا خائبين ومُبْئِسِينا |
|
وكنَّا في أمانِ اللهِ جهراً |
رجعنا بالقطيعةِ خائبينا |
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٩٣ - ٩٥.
ومولانا الحسينُ لنا أنيسٌ |
رجعنا لا حسينَ ولا مُعينا |
|
فلا عيشٌ يدومُ لنا بعزٍّ |
وزينُ الخَلْقِ مدفونٌ حزينا |
|
فنحن الضائعاتُ بلا كفيلٍ |
غدونا النائحين النادبينا |
|
وكنَّا الباكياتِ على حسينٍ |
وكنَّا النادباتِ الساكبينا |
|
ونحن السائراتُ على المطايا |
نُسَاقُ على جمالِ المغضبينا |
|
ونحن بناتُ يسٍ وطه |
ونحن الباكياتُ على أبينا |
|
ونحن الصابراتُ على البلايا |
ونحن الباكياتُ ولا معينا |
|
وقد هتكوا مَحَارِمَنا وصِرْنا |
على الأقتابِ جهراً أجمعينا |
|
وزينبُ أخرجوها من خِباها |
وفاطمةٌ وما أَحَدٌ معينا |
|
سكينةُ تشتكي من حرِّ شجوٍ |
تنادي يا أخي جاروا علينا |
|
وزينُ العابدين بقيد ذلٍّ(١) |
وراموا قتلَه أضحى رزينا |
|
وقد طافوا البلادَ بنا جميعاً |
وبين الخلقِ جمعاً قد رمينا |
|
فهذي قصتي مَعْ شرحِ حالي |
ألا يا مسلمون ابكوا علينا |
(قال الراوي) : فما استتمّت كلامها إلّا وأهل المدينة قد خرجوا صائحين رجالاً ونساءً، وهم يتصايحون ويبكون إلى أن قابلوهم وسلّموا عليهم , وهم على بكاء ونحيب.
وقد كان محمّد بن الحنفيّة مريضاً من يوم خروجهم، وهو باكي العين، فلمـّا سمع كثرة البكاء والنحيب سأل عن ذلك، فأخبروه بقدوم أهله، فلمـّا سمع ذلك خرج هائماً يقوم تارة، ويقعد اُخرى إلى أن وصل إليهم، وهو صارخ قائل : وا أخاه ! وا حسيناه ! فأقاموا في وجهه الصراخ والبكاء والنحيب، فخرَّ مغشياً عليه، فلمـّا أفاق قام واحتضن ابن أخيه وقبَّله بين عينيه، وقال : يا أخي , يعزُّ عليَّ
____________________
(١) وفي الأصل : يقيّدوه. والظاهر ما أثبتناه وفقاً لرواية القندوزي.
قتلك وأنا لست معك، وكنت أُفديك بروحي(١) .
ما جرى عند قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
وفي نور العين للإسفرايني قال : ثمّ إنّهم أتوا بأجمعهم إلى قبر جدّهم , وجعلوا يترامَونَ عليه، وهم باكون وينادون : يا جدَّنا , قتلوا حسيناً بأرض كربلاء، لو ترى عينك ما حلَّ بنا , واستحلال دمنا , وسبينا وحملنا إلى يزيد على أقتاب الجمال , بغير وطاءٍ ولا غطاء !
ثمّ تقدّم زين العابدين (عليهالسلام ) وبكى , وجعل يقول :
إلى جدِّنا نشكو عداةً تحكَّموا |
ونالوا بنا واللهِ كلَّ مناءِ |
|
ويا جدَّنا أرْدَوا أبي متذلِّلاً |
قتيلاً وفي الأحشاءِ حرُّ ظماءِ |
|
وقد رفعوا رأساً له فوق ذابلٍ |
كما البدرِ يبدو في علوِّ سماءِ |
|
وعادوا علينا ينهبون خيامَنا |
وليس لنا في ذاك من نُصَرَاءِ |
|
وقد حملونا فوق ظَهْرِ جِمَالِهِم |
بغير وطاء جدَّنا وغطاءِ |
|
وطافوا بنا شرقَ البلادِ وغربَها |
جميعُهُمُ يهجوننا بهجاءِ |
|
وجاؤوا بنا ذلاً دمشقَ يزيدِهم |
وقد أوقفونا عنده بسواءِ |
|
وقال لقد نلتُ المـُنَى كلَّ مقصدٍ |
بقتلِ أخيكم قد بلغتُ هَنَائي |
|
وقد رام قتلي كي يقطِّعَ نسلَنا |
وذي عمتي صاحت بغيرِ عَزَاءِ |
|
وصاح بهم كلُّ الحضورِ جميعُهم |
فقال دعوه ذا من الطلقاءِ |
|
فخذ حقَّنا يا جدَّنا منه في غدٍ |
وفي يومِ حشرِ فَصْلِ قضاءِ(٢) |
|
غدا يستحلُّ الآنَ كلُّ مُحَرَّمٍ |
يبيحُ بأهلِ البيتِ سَفْكَ دِمَاءِ |
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) أبو إسحاق الإسفرايني / ٧٢، وفي ط / ٦٢.
(٢) لا يخفى ما في المصراع الثاني من خلل عروضي واضح. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
غدا يستبيحُ الآنَ آلَ محمدٍ |
ويسقي لأهلِ البيتِ كلّ رداءِ |
|
سيوفُهُمُ قد جُرِّدت في رقابِنا |
فيا ويلَهم من حرِّ نار لظاءِ |
|
فَقَابِلْهُمُ يا ربِّ عدلاً بِفِعْلِهِمْ |
أَيَا مَنْ تعالى فوقَ كلِّ سَمَاءِ |
ثمّ إنّه لمـّا فرغ من شِعره خرجوا جميعاً ومضوا إلى منازلهم في حزن، وأمّا القائد فإنّه ودّعهم هو ومَن معهم بعد أن أكرموه ودعو له بخير، وقد بكى لبكائهم(١) .
حال الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) في المدينة , وخطبته وبكاؤه
وفي نور العين للإسفرايني قال : وأمّا علي فإنّه لمـّا دخل هو وأهله إلى منازلهم سمع لسان حالها كأنّها تقول :
مررتُ على أبياتِ آلِ محمدٍ |
فَلَمْ أرها إلا خواليَ مظلمهْ |
|
فلا يُبْعِدُ اللهُ الديارَ وأهلَها |
وإن أصبحت خلواً وكانت متمّمهْ |
|
أرى قتلَ طفلٍ من سلالةٍ هاشمٍ |
تنوحُ له كلُّ الورى نوحَ مأتمهْ |
|
وكانوا غياثاً ثم بادوا جميعُهم |
وقد عَظُمَتْ تلك الرزايا بفاطمهْ |
|
ألم تر أن الشمسَ أضحت كسيفةً |
لِقَتْلِ حسينٍ فهي من ذاك معتمهْ |
(قال الراوي) : ثمّ إنّ علياً (عليهالسلام ) خرج ومعه خادم , ومع الخادم كرسي له، فوضعه على الباب، ثمّ جلس عليه وهو يبكي ويمسح دموعه بمنديل، ثمّ بعد قليل أتى عمُّه محمّد بن الحنفيّة وجلس بجانبه، ثمّ أقبل أهل المدينة وتضاجّوا بالبكاء والنحيب حتّى ضجَّت الأرض، فأومأ إليهم علي (عليهالسلام ) أن اسكتوا , فسكتوا , فقال : (( الحمد لله ربِّ العالمين , بارئ الخلق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع عن
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٧٣ - ٧٤ , وفي ط / ٦٣.
السماوات العُلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الاُمور وفظائع الدهور.
أيُّها الناس , إنّ الله قد ابتلانا بمصائب جليلة، ومصيبة في الإسلام عظيمة. أيُّها الناس , قُتل أبو عبد لله , وسبيت نساؤه، فأيُّ رجال يسرّون بقتله ؟! أمْ أيُّ عين تحبس دمعها ؟! فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسموات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في البحار، والملائكة المقرّبون.
والله , لو أنّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) حثَّهم على قتلنا كما حثَّهم بالوصية علينا لَمَا زادوا على ما فعلوا بنا، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فعند الله محتسبي فيما أصابنا إنّه عزيز ذو انتقام ))(١) .
كثرة بكاء الإمام زين العابدين (عليهالسلام )
وفي نور العين قال الإسفرايني : (ويروى) عنه أنّه كان دائماً كثير البكاء لتلك البلوى , عظيم البث والشكوى. (ويروى) عن جعفر الصادق (عليهالسلام ) : (( أنّ زين العابدين (عليهالسلام ) بكى على أبيه، وهو صائمٌ نهاره قائمٌ ليله، فإذا جاء وقت الإفطار جيء له بطعام وشراب، فيقول : قُتل أبي جائعاً، قُتل أبي عطشانَ. ولم يزالوا يردّدون عليه الطعام والشراب حتّى يمزجهما بدمعه، ثمّ يتعاطى منها قليلاً، ولم يزل كذلك حتّى لقى الله ))(٢) .
(وروي) عن مولىً له أنّه برز يوماً إلى الصحراء، فتبعته فوجدته سجد على حجارة خشنة، فوقفت وراءه، فسمعته يبكي وينوح، وهو يقول : (( لا إله إلّا الله حقّاً , لا إله إلّا الله إيماناً وصدقاً )). فحصرت ما قاله فبلغ ألفاً، ثمّ رفع رأسه، فرأيت وجهه ولحيته قد بَلّتْ بالدموع، فقلت : يا سيدي , أمَا آنَ لحزنك أن ينقضي،
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) أبو إسحاق الإسفرايني / ٧٤ - ٧٥.
(٢) المصدر نفسه / ٧٥، وفي ط / ٦٤.
ولبكائك أن يقلَّ ؟! فقال : (( ويلك ! إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهالسلام ) كان نبيّاً ابن نبي، وله اثنا عشر ابناً، فغيَّب الله واحداً منهم فشابت رأسه من الحزن، وتحدّب ظهره من الغمِّ، وذهب بصره من البكاء , وابنه في دار الدنيا، وأنا رأيتُ أبي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين، فكيف ينقضي حزني ؟ )).
ثمّ بكى بكاءً شديداً وجعل يقول :
إنّ الزمانَ الذي قد كان يُضْحِكُنا |
بقربِهمْ صار بالتفريق يُبكينا |
|
خلت لفقدِهِمُ أيامُنا فغدت |
سوداً وكانت بهم بيضاً ليالينا |
|
فهل تَرَى الدار بعدَ البُعْدِ آنسةً |
أم هل يعود كما قد كان نادينا |
|
يا ظاعنين بقلبي أينما ظعنوا |
وبالفؤاد معَ الأحشاء داعينا |
|
ترفَّقوا بفؤادي في هَوَادِجِكم |
فقدتُهُ يوم راحت من أراضينا |
|
فوالدي حَجَّت الركبانُ كعبتَه |
ومن إليه المطايا الكلّ ساعينا |
|
لقد جرى حبُّكم مجرى دمي فدمي |
من الفراق جرى سؤلاً لبارينا(١) |
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٧٥ - ٧٦.
الفصل السادس
في قَتَلة الإمام الحسين (عليهالسلام )
قَتَلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) أنصار أهل الخلاف
شبهة جائرة
ظهرت في الآونة الأخيرة دعوى عند بعض أهل الخلاف، وخصوصاً المتطرّفين منهم , بأنّ قَتَلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) هُم من شيعته (عليهالسلام ) ! وما أدري كيف يقاتل شيعةُ أهل البيت (عليهمالسلام ) أهلَ البيت (عليهمالسلام ) مع أنّ معنى الشيعة من المشايعة , أي المتابعة والنصرة، فإذا انتفت النصرة والمتابعة خرجوا عن كونهم شيعة مَن تركوا نصرته ومتابعته ؟!
لكن الكثير يحسب أنّ مَن بايع أمير المؤمنين (عليهالسلام ) هم الشيعة , وهو غلط فاضح ؛ إذ أغلب وجُلّ مَن بايعه (عليهالسلام ) على أنّه خليفة رابع بعد عثمان , لا أنّهم بايعوه على أنّه إمام بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالنصّ كالشيعة، فالشيعة في ذلك الزمان أقلّ من القليل. ولكي يتّسم البحث بالموضوعية علينا أن نعرف معنى لفظ الشيعة لكي يرتفع كثير من اللبس.
الشيعة في اللغة والاصطلاح
[إنّ] لفظ الشيعة له معنيان : عام وخاص ؛ فالأوّل العام : ومعناه المشايعة والمتابعة والموالاة، والشيعة هم الأتباع والأنصار. وقد جاء ذكره في القرآن الكريم بمعنى المناصرة والموالاة كما في قوله تعالى :( وَإِنَّ مِنْ
شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ) (١) . وقوله تعالى :( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين ) (٢) .
وقال ابن دريد ( المتوفّى سنة ٣٢١ ) : فلان من شيعة فلان، أي ممّن يرى رأيه. وشيّعت الرجل على الأمر تشييعاً إذا أعنته عليه , ومشايعة الرجل على الأمر مشايعة وشياعاً إذا مالأته عليه(٣) .
وقال ابن منظور : والشيعة : القوم الذين يجتمعون على الأمر , وكلُّ قوم اجتمعوا على أمر فهُم شيعة , وكلُّ قوم أمرُهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهُم شِيَع.
قال الأزهري : ومعنى الشيعة : الذين يتبع بعضهم بعضاً , وليس كلهم متّفقين، قال الله عزّ وجلّ :( الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً ) . كل فرقة تكفّر الفرقة المخالفة لها، يعني به اليهود والنصارى ؛ لأنّ النصارى بعضهم يكفّر بعضاً، وكذلك اليهود. والنصارى تكفّر اليهود واليهود تكفّرهم، وكانوا اُمروا بشيء واحد.
وفي حديث جابر لمـّا نزلت :( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) ، قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( هاتان أهون وأيسر، الشيع الفرق، أي يجعلكم فرقاً مختلفين )).
وأمّا قوله تعالى :( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ) ، فإنّ ابن الأعرابي قال : الهاء لمحمد (صلىاللهعليهوآله )، أي إبراهيم خبر نخبره ،
____________________
(١) سورة الصافات / ٨٣.
(٢) سورة القصص/ ١٥.
(٣) جمهرة اللغة - لابن دريد العضدي ٣ / ٦٣.
فاتبعه ودعا له. وكذلك قال الفراء : يقول هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً له، وقيل : معناه أي من شيعة نوح ومن أهل ملّته. قال الأزهري : وهذا القول أقرب ؛ لأنه معطوف على قصة نوح، وهو قول الزجاج.
والشيعة : أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شِيَع، وأشياع جمع الجمع. ويقال : شايعه كما يقال والاه من الولي. وحكي في تفسير قول الأعشى : يشوع عونا ويجتابها يشوع : يجمع، ومنه شيعة الرجل، فإن صحّ هذا التفسير فعين الشيعة واو، وهو مذكور في بابه.
وفي الحديث القدرية : شيعة الدجّال أي أولياؤه وأنصاره، وأصل الشيعة الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع , والمذكر والمؤنث بلفظٍ واحدٍ ومعنىً واحد(١) .
قال ابن الأثير : ( شيع ) ( ه ) فيه ( القدرية شيعة الدجّال ) أي أولياؤه وأنصاره. وأصل الشيعة الفرقة من الناس، وتقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظٍ واحدٍ ومعنىً واحد(٢) .
قال الزبيدي : ( وشيعة الرجل بالكسر : أتباعه وأنصاره ) , وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وقال الأزهري : معنى الشيعة : الذين يتبع بعضهم بعضاً، وليس كلهم متّفقين. وفى الحديث : القدرية : شيعة الدجّال أي أولياؤه. ( و ) أصل الشيعة : ( الفرقة ) من الناس ( على حدة ). وكل مَن عاون أنساناً وتحزّب له فهو له شيعة. قال الكميت (رحمهالله ) :
وما لي إلا آلَ أحمدَ شيعةٌ |
وما ليَ إلّا مشعبَ الحقِّ مشعبُ |
( ويقع على الواحد والاثنين والجمع , والمذكر والمؤنث ) بلفظٍ واحدٍ
____________________
(١) لسان العرب - ابن منظور ٨ / ١٨٨.
(٢) النهاية في غريب الحديث - ابن الأثير ٢ / ٥١٩.
ومعنىً واحد(١) .
ولا يخفى على الملتفت أنّ الشيعة بهذا المعنى هم مَن بايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) على أنّه الخليفة بعد عثمان بن عفان - كما يتبيِّن لك ذلك - , ولم يبايعوه على أنّه الخليفة بالنصّ من الله بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). وهؤلاء كثيرون جدّاً ؛ فها هم أهل الكوفة يصلّون خلف أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ومع ذلك لمـّا نهاهم عن صلاة التراويح بإمامٍ نادوا : ( وا عمراه ) ! والشيعة لا يختلف اثنان في أنّهم لا يرون قول وسنة عمر بن الخطاب فضلاً عن خلافته.
قال عبد الحميد المعتزلي : وقد روي أنّ أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لمـّا اجتمعوا إليه بالكوفة، فسألوه أن ينصّب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم، وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (عليهالسلام ) فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلمـّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا : وا عمراه !(٢) .
فكذا مَن بايع الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهماالسلام ) من أهل الكوفة وأهل المدينة وبقية الأمصار، وأمّا الشيعة بالمعنى الخاص فقليلون جدّاً.
والثاني الخاص : ومعناه كلّ مَن اعتقد بإمامة علي وأهل بيته (عليهمالسلام ) بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالنصّ من الله.
قال أبو الحسن الأشعري : وإنّما قيل لهم الشيعة ؛ لأنّهم شايعوا علي (عليهالسلام )، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(٣) .
____________________
(١) تاج العروس - الزبيدي ٥ / ٤٠٥.
(٢) نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي ١٢ / ٢٨٣.
(٣) مقالات الإسلاميِّين ١ / ٦٥ للأشعري.
وقال الشهرستاني : الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً (عليهالسلام ) على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصية(١) .
وقال النوبختي : إنّ أوّل فِرَق الشيعة هم فرقة علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) المسمّون شيعة علي (عليهالسلام ) في زمان النبي (صلىاللهعليهوآله ) , وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(٢) .
وقال ابن حزم الأندلسي : ومَن وافق الشيعة في أنّ عليّاً (عليهالسلام ) أفضل الناس بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وأحقّهم بالإمامة , وولده من بعده، فهو شيعي , وإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً(٣) .
قال ابن منظور : وقد غلب هذا الاسم (الشيعة) على مَن يتولّى علي وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين حتّى صار لهم اسماً خاصّاً , فإذا قيل : فلان من الشيعة عُرف أنّه منهم. وفي مذهب الشيعة كذا : أي عندهم. وأصل ذلك من المشايعة، وهي المتابعة والمطاوعة , قال الأزهري : والشيعة قومٌ يهوون هوى عترة النبي (صلىاللهعليهوآله ) ويوالونهم(٤) .
وقال ابن الأثير : وقد غلب هذا الاسم (الشيعة) على كلِّ مَن يزعم أنّه يتولّى عليّاًرضياللهعنه وأهل بيته (عليهمالسلام ) حتّى صار لهم اسماً خاصّاً، فإذا قيل : فلان من الشيعة عُرف أنّه منهم. وفي مذهب الشيعة كذا : أي عندهم.
وتُجمع الشيعة على شِيَع , وأصلها من المشايعة، وهي المتابعة والمطاوعة ( س ) , ومنه حديث
____________________
(١) الملل والنحل ١ / ١٣١ للشهرستاني.
(٢) فرق الشيعة / ١٥ للنوبختي.
(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢ / ١١٣ لابن حزم.
(٤) لسان العرب - ابن منظور ٨ / ١٨٩.
صفوان : ( إنّي لأرى موضع الشهادة لو تشايعني نفسي ) , أي تتابعني.
قال الزبيدي : وقد غلب هذا الاسم ( الشيعة) على كل مَن يتولّى علياً وأهل بيته رضي الله عنهم أجمعين حتّى صار اسماً لهم خاصّاً، فإذا قيل : فلان من الشيعة عُرف أنّه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا : أي عندهم. وأصل ذلك من المشايعة , وهي المطاوعة والمتابعة. وقيل : عين الشيعة واو , من شوع قومه إذا جمعهم، وقد تقدّمت الإشارة إليه قريباً. وقال الأزهري : الشيعة قومٌ يهوون هوى عترة النبي (صلىاللهعليهوآله ) ويوالونهم(١) .
وبعد وضوح أنّ لفظ الشيعة له معنيان ؛ لغويٌّ عام واصطلاحيٌّ خاص يتّضح أنّ مَن خرج على الإمام الحسين (عليهالسلام ) لا يصدق عليه أنّه من شيعته ومتّبعيه وناصريه على كلا هذين المعنيين(٢) ، بل يصدق عليه أنّه من شيعة مَن خرج لنصرته ومتابعته وهم بنو اُميّة، فجميع مَن خرج على الإمام الحسين (عليهالسلام ) من شيعتهم، ويدلّ على ذلك اُمور نأتي عليها تباعاً :
____________________
(١) تاج العروس - الزبيدي ٥ / ٤٠٥.
(٢) بل هؤلاء لا يكونون من شيعة جدِّه المصطفى (صلىاللهعليهوآله ) فضلاً عن كونهم شيعته (عليهالسلام ). قال الموفق الخوارزمي في مقتله ٢ / ١٧٩ راثياً الحسين (عليهالسلام ) ومستنكراً على قتلته :
[.....] ففاز بالشهادة، وسلك إلى آخر مسلك السعادة، فالسلام على الحسين (عليهالسلام ) المقتول يوم الاثنين :
لقد ذبحوا الحسينَ بنَ البتولِ |
وقالوا نحن أشياعُ الرسولِ |
|
بقطرةِ شربةٍ بَخِلُوا عليهِ |
وخاض كلابُهُمْ وَسْطَ السيولِ |
|
قُصَارى همِّهم ريحٌ شمالٌ |
وكاساتٌ من الراحِ الشَّمُولِ |
|
وإنّ موفَّقاً إن لم يُقَاتِلْ |
أمامَك يابنَ فاطمةَ البتولِ |
|
فسوف يصوغُ فيك مُحَبَّراتٍ |
تنقَّلُ في الحزونِ وفي السهولِ |
الأمر الأوّل : تسمية الإمام الحسين (عليهالسلام ) لهم بشيعة آل أبي سفيان.
قال الخوارزمي : [.....] فحالوا بينه وبين رحله , فصاح ( الإمام الحسينعليهالسلام ) بهم : (( ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرباً كما تزعمون ))(١) .
وتصريحه (عليهالسلام ) أيضاً بأنّ أهل الكوفة قتلوا مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) وشيعته، فقد روى الخوارزمي في خطاب الإمام الحسين (عليهالسلام ) لابن الحرِّ قال : فحمد الله الحسين (عليهالسلام ) وأثنى عليه، ثمّ قال : (( أمّا بعد يابن الحر , فإنّ أهل مصركم هذا كتبوا إليَّ وأخبروني أنّهم مجتمعون على أن ينصروني، وأن يقوموا من دوني، وأن يقاتلوا عدوّي، وسألوني القدوم عليهم، فقَدِمتُ ولست أرى الأمر على ما زعموا ؛ لأنهم أعانوا مَن قتل ابن عمّي مسلم بن عقيل وشيعته، وأجمعوا على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد مبايعين ليزيد بن معاوية... ))(٢) .
الأمر الثاني : تصريح جيش يزيد بن معاوية ببغضهم لأمير المؤمنين (عليهالسلام ).
قد عرفت ممّا تقدّم أنّ شيعة الرجل أتباعه ومحبّوه , بينما نلاحظ تصريحات قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) بأنّهم إنّما قاتلوا الإمام الحسين (عليهالسلام ) بغضاً منهم لأبيه، فهل يتصوّر عاقلٌ بأنّ شيعة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) هم مبغضوه (عليهالسلام ) ؟!
قال القندوزي الحنفي :
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٣٨ رواه عن تاريخ السلامي.
(٢) المصدر نفسه ١ / ٣٢٤ - ٣٢٦ , تقدّم هذا مفصّلاً في الفصل الرابع.
ثمّ دنا من القوم وقال : (( يا ويلكم ! أتقتلونني على سُنّةٍ بدّلتها , أمْ على شريعةٍ غيّرتها , أمْ على جرمٍ فعلته , أمْ على حقٍّ تركته ؟ )). فقالوا له : إنّا نقتلك بغضاً لأبيك(١) .
وفي نور العين قال الإسفرايني : ( قال الراوي ) : ثمّ إنّه خرج من الخيمة وركب جواده وحمل على القوم، فانهزموا من بين يديه كالجراد المنتشر، فرجع وقال : (( لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم )). ثمّ رجع إليهم ثانياً، وقال لهم : (( ويلكم ! على ماذا تقتلونني ؟ أعلى عهدٍ نكثته , أمْ على سنّةٍ غيّرتها , أمْ على شريعةٍ بدّلتها , أمْ على حقٍّ تركته ؟ )). فقالوا : نقتلك بغضاً منَّا لأبيك. فعند ذلك غضب الحسين (عليهالسلام ) غضباً شديداً(٢) .
ويؤكّد هذا ما رواه البلاذري من قول الإمام الحسين (عليهالسلام ) في ليلة عاشوراء لمـّا أذِنَ لأصحابه بالانصراف , بأنّ أغلب مَن كتب إليه (عليهالسلام ) لأجل الغدر والفتك به ؛ تقرّباً ليزيد بن معاوية (لعنهما الله).
قال البلاذري : وعرض الحسين (عليهالسلام ) على أهله ومَن معه أن يتفرّقوا ويجعلوا الليل جملاً، وقال (عليهالسلام ) : (( إنّما يطلبوني وقد وجدوني، وما كانت كُتُبُ مَن كتب إليَّ فيما أظنّ إلّا مكيدةً لي وتقرُّباً إلى ابن معاوية بي )). فقالوا : قبّح الله العيش بعدك(٣) .
الأمر الثالث : عقيدة جيش يزيد بن معاوية في الإمام الحسين (عليهالسلام ) من خلال أقوالهم.
لا يخفى أنّ النماذج التي صرّحت بعقيدتها في الإمام الحسين (عليهالسلام ) تكشف
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٨٠.
(٢) نور العين في مشهد الحسين للإسفرايني / ٤٨ , ذكر هذه الواقعة في غير يوم العاشر ؛ وذلك لأنّه ذهب إلى أنّ ابتداء المعركة في الأيام الأولى إلى اليوم العاشر.
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٩٣.
عن عقيدة ذلك الجيش , جيش يزيد بن معاوية (لعنه الله) بأكمله ؛ إذ الجميع قرّوا هؤلاء المتكلمين بما قالوه في الإمام الحسين (عليهالسلام )، ولم يُبدِ أحدٌ منهم اعتراضه مع كثرتهم ؛ فمن رادٍّ على الإمام الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه (عليهمالسلام ) بالتهديد بالفتك وبالسبِّ، ومن منكرٍ لقرابة الإمام الحسين (عليهالسلام ) برسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ومن قائلٍ : إنّه (عليهالسلام ) مَرَق من الدين لمخالفته إمامهم يزيد بن معاوية , ومن قائلٍ : إنّه (عليهالسلام ) لا تقبل صلاته، ومن قائلٍ له (عليهالسلام ) : استعجلت بالنار، ومن قائلٍ له (عليهالسلام ) ولأصحابه : إنهم خبيثون...، ومن قائلٍ له (عليهالسلام ) : الكذاب ابن الكذاب , ومن قائلٍ... ومن قائلٍ... إلخ.
فهل يوجد واحد من الشيعة مَن يقول بهذه الأقاويل ؟! قال تعالى :( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (١) . وقال تعالى :( أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين ) (٢) .
وفي هذا كثيرٌ من الدلائل نذكر بعضها :
الدلالة الأولى : ردّهم وتوعّدهم بالفتك بالإمام الحسين (عليهالسلام ) حينما أبدى لهم النصيحة وبيَّن لهم الحق.
وفي عقيدة الشيعة أنّه لا يؤمن بالله إلّا مَن اعتقد أنّ قول الإمام الحسين والأئمة المعصومين (عليهمالسلام ) هو قول رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , والراد عليهم رادٌ على الله. فهل توجد هذه العقيدة عند أحدٍ ممّن يدّعي الإسلام غير الشيعة المعتقدة بإمامتهم (عليهمالسلام ) بالنصّ من الله ؟!( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ
____________________
(١) سورة الأنبياء / ٢٤.
(٢) سورة النمل / ٦٤.
صَادِقِينَ ) (١) .
ففي ينابيع المودة وغيره - كما ذكرناه في المقتل - قال : ثمّ قال (الإمام الحسينعليهالسلام ) لأعدائه : (( يا أهل الكوفة , إنّ الدنيا قد تغيّرت وتكدّرت، وأدبر معروفها، وهي دار فناء وزوال، تتصرف بأهلها من حالٍ إلى حال , فالمغرور مَن اغترّ بها وركن إليها وطمع فيها.
معاشر الناس , أمَا قرأتم القرآن ؟ أمَا عرفتم شرائع الإسلام ؟ وثبتّم على ابن نبيّكم تقتلونه ظلماً وعدواناً ! معاشر الناس , هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس، وآل نبيّكم يموتون عطشاً ! )).
فقالوا : والله لا تذوق الماء بل تذوق الموت غصّة بعد غصّة، وجرعة بعد جرعة. فلمـّا سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه وقال لهم : (( إنّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون ))(٢) .
الدلالة الثانية : سبّهم لزهير بن القين (رحمهالله )، وثناؤهم على ابن زياد ودعاؤهم له.
ولا يخفى أنّ هذه هي عقيدة أهل الخلاف الموروثة والمعروفة من موالاتهم لأعداء أهل البيت (عليهمالسلام ) , وبراءتهم من أوليائهم (عليهمالسلام )(٣) , وهي مباينة تماماً لعقيدة الشيعة الاثني عشرية.
روى الطبري، والبلاذري، وابن الأثير، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال :
____________________
(١) سورة النمل / ٦٤.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٦٨.
(٣) ويأتي تفصيل هذا تحت عنوان المتطرّفون من أهل الخلاف لا يختلفون عن قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ).
قال أبو مخنف : فحدثني علي بن حنظلة بن أسعد الشامي، عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين (عليهالسلام ) حين قتل، يقال له : كثير بن عبد الله الشعبي، قال : لمـّا زحفنا قِبل الحسين خرج إلينا زهير بن قين على فرسٍ له ذنوب شاك في السلاح، فقال : يا أهل الكوفة , نذار لكم من عذاب الله نذار، إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوة وعلى دينٍ واحدٍ وملّةٍ واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منّا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا اُمّة وأنتم اُمّة.
إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرّيّة نبيّه محمدٍ (صلىاللهعليهوآله ) لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد ؛ فإنّكم لا تدركون منهما إلّا بسوء عمر سلطانهما كله , ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثّلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه.
قال : فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعو له، وقالوا : والله لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً(١) .
روى الطبري، والبلاذري، وابن الأثير، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : فاستقدم أمام أصحابه، ثمّ قال : أيُّها القوم , ألا تقبلون من حسين (عليهالسلام ) خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله ؟
قالوا : هذا
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٩، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٩٧ بإيجاز، الكامل في التاريخ ٣ / ٤٢٠ , ولم يذكر تشبيهه بمؤمن آل فرعون (عليهالسلام )، البداية والنهاية ٨ / ١٨٠ كذلك.
الأمير عمر بن سعد فكلِّمه. فكلَّمه بمثل ما كلَّمه به قبل، وبمثل ما كلَّمه به أصحابه.
قال عمر : قد حرصتُ لو وجدتُ إلى ذلك سبيلاً فعلت.
فقال : يا أهل الكوفة , لأمّكم الهبل والعبر ! إذ دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه ! وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه ! أمسكتم بنفسه , وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلِّ جانب فمنعتموه التوجّه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضرّاً !
وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش ! بئسما خلفتم محمداً (صلىاللهعليهوآله ) في ذرّيته، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمَّا أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل، فأقبل حتّى وقف أمام الحسين (عليهالسلام )(١) .
الدلالة الرابعة : ابن الأشعث ينكر قرابة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ولا من معترض من هذا الجيش، وهل هذه إلّا عقيدة بني اُميّة وأنصارهم، وهذا التاريخ خير شاهد على ذلك، وقد تقدّم في الفصل الأوّل ما يدلّ على ذلك.
وأمّا الشيعة فهم مَن دفعوا وصدَّوا هذه العقيدة الفاسدة , قال الخوارزمي : وقال (الإمام الحسينعليهالسلام ) : (( الّلهم , إنّا أهل بيت نبيّك وذرّيته وقرابته، فاقصم مَن ظلمنا وغصبنا حقَّنا إنّك سميع قريب )).
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٢٠ - ٣٢١، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٩٨، الكامل في التاريخ ٣ / ٤٢٠ - ٢٢١، البداية والنهاية ٨ / ١٨١ باختلاف يسير.
فسمعها محمّد بن الأشعث فقال : يا حسين , وأيُّ قرابة بينك وبين محمد ؟
فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( الّلهم إنّ محمّد بن الأشعث يقول : إنّه ليس بيني وبين رسولك قرابة. اللهم، فأرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً )). فما كان بأسرع من أن تنحّى محمّد بن الأشعث وخرج من العسكر , فنزل عن فرسه، وإذا بعقرب سوداء خرجت من بعض الحجرة فضربته ضربة تركته متلوثّاً في ثيابه ممّا به.
قال الحاكم الجشمي : إنّه مات ليومه. ولكن ذلك غير صحيح، فإنّه بقي إلى أيّام المختار فقتله، ولكنه بقي مما به في بيته(١) .
الدلالة الخامسة : ما قاله عمرو بن الحجاج الزبيدي(٢) - مما يبيِّن عقيدة الجيش في الإمام الحسين (عليهالسلام ) - إنّه مارق من الدين.
روى الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : حدثني الحسين بن عقبة المرادي، قال الزبيدي : إنّه سمع عمرو بن الحجاج حين دنا من أصحاب الحسين (عليهالسلام ) يقول : يا أهل الكوفة ,
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٢) وهو أحد مَن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) في كتاب يضمّه ويضم شبث بن ربعي وعزرة بن قيس وحجّار بن أبجر... إلخ.
أقول : من تتبّع هذه القضية مع الملاحظة يعلم أنّ في المقام مخطط اُموي مرسوم لإخراج الإمام الحسين (عليهالسلام ) من الحرمين والفتك به وبأهل البيت (عليهمالسلام ) ؛ انتقاماً للكفار الأجلاف من بني اُميّة مثل شيبة وعتبة والوليد، وإلّا كيف يكتب ابن الحجاج إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) ثمّ يصفه بالمروق من الدين ؟! وأيضاً الثلاثون شيطاناً الذين بعثوهم للفتك بالإمام الحسين (عليهالسلام ) وهو في حرم الله ! وأيضاً ما قال الإمام الحسين (عليهالسلام ) , فقد روى البلاذري قال : وقال ( الإمام الحسينعليهالسلام ) : (( إنّما يطلبوني وقد وجدوني، وما كُتُبُ من كَتَبَ إليَّ فيما أظن إلّا مكيدةً لي، وتقرُّباً إلى ابن معاوية بي )) ! أنساب الأشراف للبلاذري ٣ / ٣٩٣، وما فعلوه بالإمام الحسين (عليهالسلام ) في مقتله وبعده وبنسائه وغيرها من الدلائل !
الزموا طاعتكم وجماعتكم , ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين وخالف الإمام.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( يا عمرو بن الحجاج, أعليَّ تحرّض الناس ؟! أنحن مرقنا وأنتم ثبّتم عليه ؟ أمَا والله لتعلمنَّ لو قد قُبضت أرواحكم ومُتُّم على أعمالكم أيَّنا مرق من الدين، ومَن هو أولى بصلي النار ))(١) .
أقول : ولا يخفاك أنّ عمرو بن الحجاج أحد مَن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) هو وحجار بن أبجر وعزرة بن قيس الأحمسي وشبث وغيرهم في كتاب واحد، فهل هؤلاء الذين يعتقدون بجوب طاعة الملعون يزيد بن معاوية , بل ولا يشكّون في أنّ الإمام الحسين (عليهالسلام ) رجل مرق من الدين وحارب إمامهم يزيد حتّى منعوه من الماء... وبما فيهم هذا الجيش المشؤوم فإنّه قد أقرّ بما ذكره عمرو بن الحجاج الزبيدي، ولم ينكر عليه أحد , شيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؟!
الدلالة السادسة : قول الحصين بن تميم للإمام الحسين (عليهالسلام ) : إنّ صلاته (عليهالسلام ) لا تُقبل , ولا معترض عليه ! وهل هؤلاء من شيعته (عليهالسلام ) ؟ إذ الشيعة هم مَن اعتقد بإمامة الحسين (عليهالسلام ) بالنص، ويرون أنّ صلاة المصلّين لا تقبل إلّا بولايته (عليهالسلام ) بخلاف غيرهم.
روى الطبري، وابن كثير، وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : قال ( الحسينعليهالسلام ) : ((سَلْوهم أن يكفّوا عنَّا حتّى نصلّي )). فقال لهم الحصين بن
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٢٤ -٣٢٥، الكامل في التاريخ ٣ / ٤٢٤، البداية والنهاية ٨/ ١٨٢، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ١٨ - ١٩.
تميم : إنّها لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظاهر : لا تُقبل ! زعمت الصلاة من آل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لا تُقبل وتُقبل منك يا حمار [...](١) !
وفي ينابيع المودة قال : فقال (عليهالسلام ) : (( يا ويلكم ! ألا تقفون عن الحرب حتّى نصلّي )). فلم يجبه أحد إلّا الحصين بن نمير قال : يا حسين , إنّ صلاتك لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظاهر : إذا لم تُقبل صلاة ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بل تُقبل صلاتك يابن الخمّارة البوّالة على عقبيها(٢) .
الدلالة السابعة : قول اللعين علي بن قريظة للإمام الحسين (عليهالسلام ) : الكذاب ابن الكذاب، ولا معترض، وهل هؤلاء الأرذال شيعته (عليهالسلام ) ؟! إذ الذي لا يختلف فيه اثنان أنّ من صميم عقيدة الشيعة الاثني عشرية الاعتقاد بعصمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) وجميع أئمة أهل البيت (عليهمالسلام ) , من أوّل عمرهم الشريف إلى نهايته، وعقيدة غير الشيعة على خلاف ذلك تماماً.
روى الطبري، والبلاذري، وابن الاثير، والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : عن ثابت بن هبيرة : فقتل عمرو بن قرظة بن كعب، وكان مع الحسين (عليهالسلام )، وكان علي أخوه مع عمر بن سعد، فنادى علي بن قريظة : يا حسين , يا كذاب ابن الكذاب , أضَلَلت أخي وغررته حتّى قتلته.
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٢٦ - ٣٢٧، الكامل في التاريخ ٣ / ٤٢٥ - ٤٢٦، البداية والنهاية ٨ / ١٨٣ بإيجاز، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٢٢ بإيجاز.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٧٠ - ٧١.
قال : (( إنّ الله لم يضلّ أخاك، ولكنه هدى أخاك وأضلّك )). قال : قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك. فحمل عليه، فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه، فدووي بعدُ فبرأ(١) .
الدلالة الثامنة : ما قاله رجلٌ من جيش يزيد بن معاوية ولم ينكر عليه أحد منهم : أنتم الخبيثون. أفهل هذه إلّا عقيدة النواصب والمنافقين من بني اُميّة وأنصارهم ! وتقدّم ويأتي ما يدلّ على ذلك في ترجمة يزيد بن معاوية، وإلّا فشيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) هم بالخصوص من بين المسلمين مَن يعتقدون باختصاص آية التطهير بأهل البيت (عليهمالسلام )، الدافعة عنهم كل رجس، المتمثّلة بالمصطفى (صلىاللهعليهوآله ) , وأمير المؤمنين (عليهالسلام ) , وفاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) , والإمامين الحسن والحسين والأئمة المعصومين (عليهمالسلام ) من ذرّيّة الإمام الحسين (عليهالسلام ).
وفي مقتل الخوارزمي قال : وجاء شمر بن ذي الجوشن في نصف الليل يتجسّس ومعه جماعة من أصحابه حتّى قارب معسكر الحسين (عليهالسلام )، فسمعه يتلو قوله تعالى :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ) (٢) . فصاح رجلٌ من أصحاب شمر : نحن ورب الكعبة الطيّبون، وأنتم الخبيثون، وقد مُيّزنا منكم.
فقطع برير بن خضير الهمداني صلاته ،
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٢٣ - ٣٢٤، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٠٠، الكامل في التاريخ ٣ / ٤٢٣، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٢٦ , ولم يذكر ما جرى مع أخيه.
(٢) سورة آل عمران / ١٧٨ - ١٧٩.
ثمّ نادى : يا فاسق ! يا فاجر ! يا عدوَّ الله ! يابن البوّال على عقبيه ! أمثلك يكون من الطيّبين والحسين ابن رسول الله من الخبيثين ؟! والله ما أنت إلّا بهيمة، ولا تعقل ما تأتي وما تذر، فابشر يا عدوَّ الله بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم(١) .
الدلالة التاسعة : قول رجل من جيش يزيد بن معاوية للإمام الحسين (عليهالسلام ) : استعجلت بالنار. ولا يخفى ما في هذا من عدم تعقّل صدوره من الشيعة إلّا السخافة والحماقة.
وفي مقتل الخوارزمي : قال : [ ] وأقبل رجلٌ من عسكر عمر بن سعد يقال له : مالك بن جريرة على فرس له حتّى وقف على الحفيرة، وجعل ينادي بأعلى صوته : أبشر يا حسين، فقد تعجّلت النار في الدنيا قبل الآخرة.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( كذبت يا عدو الله , أنا قادم على ربٍّ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ، وذاك جدّي محمّد (صلىاللهعليهوآله ) )). ثمّ قال الحسين (عليهالسلام ) لأصحابه : (( مَن هذا ؟ )). فقيل له : هذا مالك بن جريرة. فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( الّلهم جره إلى النار، وأذقه حرّها قبل مصيره إلى نار الآخرة )). فلم يكن بأسرع من أن شبَّ به الفرس فألقاه على ظهره، فتعلّقت رجله في الركاب , فركض به الفرس حتّى ألقاه في النار فاحترق [...](٢) .
وروى القندوزي قال : فقال رجل ملعون : عجلت يا حسين بنار الدنيا قبل نار الآخرة ! فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( تعيّرني بالنار وأبي قاسمها، وربّي غفور رحيم )). ثمّ قال
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي١ / ٣٥٥.
(٢) المصدر نفسه / ٣٥٢ - ٣٥٣.
لأصحابه : (( أتعرفون هذا الرجل ؟ )). فقالوا : هو جبيرة الكلبي ( لعنه الله) [...](١) .
الدلالة العاشرة : بيان عقيدة نموذج من جيش يزيد، وبيان عقيدة نموذج من أصحاب الإمام الحسين (عليهالسلام ) , ومباهلة برير (رحمهالله ). ولا يختلف اثنان أنّ الشيعة لا يعتقدون بخلافة بني اُميّة عثمان فما دونه، بخلاف بني اُميّة وأنصارهم من النواصب فهم مَن يعتقد بخلافة عثمان فما دونه، وينكر إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ).
روى الطبري، والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : وحدثني يوسف بن يزيد، عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس - وكان قد شهد مقتل الحسين (عليهالسلام ) - قال : وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة - وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس - فقال : يا برير بن خضير , كيف ترى الله صنع بك ؟
قال : صنع الله - والله - بي خيراً، وصنع الله بك شرّاً.
قال : كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذّاباً. هل تذكر وأنا اُماشيك في بني لوذان وأنت تقول : إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضالّ مضلّ، وإنّ إمام الهدى والحق علي بن أبي طالب.
فقال له برير : أشهد أنّ هذا رأيي وقولي.
فقال له يزيد بن معقل : فإنّي أشهد أنّك من الضالين.
فقال له برير بن خضير : هل لك فلأُباهلك، ولندعو الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل , ثمّ اخرج فلأُبارزك ؟
قال : فخرجا، فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب وأن يقتل المحقُّ المبطلَ، ثمّ برز كلُّ واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٧٠.
ابن معقل برير بن خضير ضربة خفيفة لم تضرّه شيئاً، وضربه برير بن خضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ، فخرَّ كأنّما هوى من حالق، وإنّ سيف بن خضير لثابت في رأسه، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه [...](١) .
الأمر الرابع : عقيدة جيش يزيد بن معاوية في الإمام الحسين (عليهالسلام ) من خلال أفعالهم.
ولا يخفى أنّ معرفة أحوال هذا الجيش الغاشم الذي فعل ما لا يفعله المسلم بالكافر، فضلاً عن المسلم بالمسلم، كيف بابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وريحانته من هذه الدنيا وسيِّد شباب أهل الجنّة حتّى حرموه من الماء فقضى عطشان، وضربوه بالسيوف على رأسه وفي منحره وذبحوه من القفا، وسلبوه ثيابه بعد ذبحه، ورضّوا جسده بحوافر الخيل حتّى الصقوه بالأرض، وقطعوا رأسه ورؤوس أهل بيته وأصحابه واقتسموها افتخاراً بما فعلوا، وسلبوا ما على نسائه وبنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من اللباس حتّى لم يتركوا لهنّ ما يسترنَ به وجوههنّ وشعورهنّ، وساقوهنّ كما تساق الأسارى , وهنّ مكشّفات الوجوه والشعور من بلدٍ إلى بلد و... و... !
وهذا الجيش بأجمعه راضٍ بهذا كله ؛ إذ لم يبدِ أحد منهم اعتراض أو كراهة على أيِّ شيء من هذه الأفعال ! وهل بعد هذا يتصور من هؤلاء الإيمان بالله وبرسوله (صلىاللهعليهوآله ) ؟!
والدلائل على ذلك كثيرة نذكر بعضها :
الدلالة الأولى : منعهم الماء عن الإمام الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه (عليهمالسلام )، وهل مثل هذه الأفعال
____________________
(١) تاريخ الطبري٣ / ٣٢٣، مقتل الحسين للخوارزمي ٢/ ١٤ - ١٥ بإيجاز.
تصدر إلّا من بني اُميّة وأنصارهم كما فعلوا ذلك بأمير المؤمنين (عليهالسلام ) في صفين !
وقال البلاذري أيضاً : وناداه المهاجر بن أوس التميمي : يا حسين , ألا ترى إلى الماء يلوح كأنه بطون الحيات، والله لا تذوق أو تموت.
فقال (عليهالسلام ) : (( إنّي لأرجو أن يروينيه الله ويحلأكم عنه )).
ويقال : إنّ عمرو بن الحجاج قال : يا حسين , إنّ هذا الفرات تلغ فيه الكلاب، وتشرب منه الحمير والخنازير، والله لا تذوق منه جرعة حتّى تذوق الحميم في نار جهنم(١) .
وفي ينابيع المودة قال : ثمّ قال (الإمام الحسينعليهالسلام ) لأعدائه : (( يا أهل الكوفة , إنّ الدنيا قد تغيّرت وتكدّرت، وأدبر معروفها، وهي دار فناء وزوال، تتصرف بأهلها من حالٍ إلى حال , فالمغرور مَن اغترّ بها وركن إليها وطمع فيها.
معاشر الناس , أمَا قرأتم القرآن ؟ أمَا عرفتم شرائع الإسلام ؟ وثبّتم على ابن نبيّكم تقتلونه ظلماً وعدواناً !
معاشر الناس , هذا ماء الفرات تشرب منه الكلاب والخنازير والمجوس، وآل نبيّكم يموتون عطشاً ! )).
فقالوا : والله لا تذوق الماء , بل تذوق الموت غصة بعد غصة، وجرعة بعد جرعة. فلمـّا سمع منهم ذلك رجع إلى أصحابه وقال لهم : (( إنّ القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون))(٢) .
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٩٠.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٦٨.
الدلالة الثانية : ما فعلوه في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) مَن ضرب رأسه وضرب منحره حتّى ذبحوه من القفا، و... و...
فإنّ هذه الأفعال لا تصدر إلّا من بني اُميّة وأنصارهم، وهذا التاريخ يحدّث : أنّ مَن تعدّى بأنواع الفتك على أهل البيت (عليهمالسلام ) من أولاد علي وفاطمة (عليهماالسلام ) هم مَن يعتقد أهل الخلاف بإمامتهم ؛ كبني اُميّة وأنصارهم , وبني العباس وأنصارهم.
فانظر قليلاً إلى ما لاقاه أهل البيت (عليهمالسلام ) وشيعتهم على مرِّ التاريخ من القتل والذبح، بل إلى يومنا هذا والشيعة يقتلون ويذبحون ويعذّبون بأنواع العذاب - كما هو حاصل في أيّامنا هذه في العراق مثلاً بعد سقوط النظام الصدامي - على أيدي النواصب من أنصار بني اُميّة لا غفر الله لهم أبداً.
فما فعله جيش يزيد بن معاوية في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) لا يفعله حتّى كافر بمسلمٍ فضلاً عن مسلمٍ بمسلم، ونسبة مثل هذا إلى شيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من سخف العقول التي آلت على نفسها معاداة أهل البيت (عليهمالسلام ) وشيعتهم، فأرادت الفرار مما فعله أسيادهم وأئمتهم من بني اُميّة بنسبته إلى غيرهم، ولكن يأبى الله إلّا فضحهم بين ذوي العقول حتّى لا يبقى لهم ولأنصارهم حجة يوم الوعد الموعود.
قال الخوارزمي : ثمّ نادى شمر : ما تنتظرون بالرجل ؟ فقد أثخنته السهام. فأخذت به الرماح والسيوف ؛ فضربه رجلٌ يقال له : زرعة بن شريك التميمي ضربة منكرة، ورماه سنان بن أنس بسهم في نحره، وطعنه صالح بن وهب المري على خاصرته طعنة منكرة، فسقط الحسين (عليهالسلام ) عن فرسه إلى الأرض على خدِّه الأيمن، ثمّ استوى جالساً ونزع السهم من نحره، ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسين (عليهالسلام ) ليراه(١) .
روى الطبري، وابن الجوزي، والخوارزمي، والإصفهاني، والنوبري - واللفظ للأوّل - قال :
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٣٩ - ٤١.
قال أبو مخنف : حدثني الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم قال : ولقد مكث طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبُّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء.
قال : فنادى شمر في الناس : ويحكم ! ماذا تنظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم اُمّهاتكم !
قال : فحمل عليه من كلِّ جانب ؛ فضربت كفّه اليسرى ضربة ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضرب على عاتقه، ثمّ انصرفوا وهو ينوء ويكبو.
قال : وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوَقَع، ثمّ قال لخولي بن يزيد الأصبحي : احتز رأسه. فأراد أن يفعل فضعف فأرعد، فقال له سنان بن أنس : فتَّ الله عضديك وأبان يديك. فنزل إليه فذبحه واحتزّ رأسه، ثمّ دفع إلى خولي بن يزيد وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف(١) .
وقد تقدّم في الفصل الرابع ما يفطر القلوب في مصرعه (عليهالسلام ) بروايات كثيرة.
الدلالة الثالثة : سلبهم نساء الإمام الحسين (عليهالسلام ) وأطفاله.
وهل يتصور من مسلم يؤمن بالله ورسوله (صلىاللهعليهوآله ) أن يفكر في سلب بناته (صلىاللهعليهوآله ) فضلاً عن سبيهن ؟! وبهذا تعرف أنّ هؤلاء الأرذال موتورون من النبيِّ (صلىاللهعليهوآله ) بما فعله بأسيادهم الكفرة بسيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، فآمنوا ظاهراً وهم يبطنون الكفر والنفاق والبغض للنبيِّ محمّد (صلىاللهعليهوآله )، حتّى تاحت لهم الفرصة فأظهروا نفاقهم وحقدهم وبغضهم له (صلىاللهعليهوآله ) في أهل بيته (عليهمالسلام ) وشيعتهم، وهل مثل هؤلاء إلّا بنو اُميّة وأنصارهم ؟!
روى الخوارزمي قال :
____________________
(١) وقد تقدّمت سبع روايات في مصرعه (عليهالسلام ) بالتفصيل في آخر الفصل الرابع. تاريخ الطبري ٢ / ٣٣٤، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ /٣٤٠، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٣٩ - ٤١، مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهاني / ٧٩، نهاية الأرب في فنون الأدب / ١٢٥٧٠ للنويري , نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
وأقبل الأعداء حتّى أحدقوا بالخيمة، ومعهم شمر بن ذي الجوشن، فقال : ادخلوا فاسلبوا بزَّتهنَّ. فدخل القوم (لعنهم الله) فأخذوا كلَّ ما كان بالخيمة حتّى أفضوا إلى قرطٍ كان في اُذن اُمِّ كلثوم اُخت الحسين (عليهالسلام ) فأخذوه وخرموا أُذُنَها، حتّى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتّى تغلب عليه(١) .
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرته : وأخذ ملحفة فاطمة بنت الحسين (عليهالسلام ) واحد، وأخذ حُليها آخر، وعرّوا نساءه وبناته من ثيابهنّ(٢) .
وروى الطبري قال : قال أبو مخنف، عن جعفر بن محمّد بن علي، قال : ((... ومالَ الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها. قال : ومالَ الناس على نساء الحسين (عليهالسلام ) وثقله ومتاعه، فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه فيذهب به منها ))(٣) .
الدلالة الرابعة : سلبهم الإمام الحسين (عليهالسلام ) وهو كما ترى ! فهل يتصور هذا من شيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؟! ولكن قاتل الله النواصب وأنصارهم وأعوانهم إلى يوم الدين.
روى الطبري قال : قال أبو مخنف : عن جعفر بن محمّد بن علي قال : (( وجِدَ بالحسين (عليهالسلام ) حين قُتل ثلاث وثلاثون طعنة , وأربع وثلاثون ضربة. قال : وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين (عليهالسلام ) إلّا شدَّ عليه ؛ مخافة أن يغلب على رأسه، حتّى أخذ
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢/ ٤٣.
(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٢٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
(٣) تاريخ الطبري٣ / ٣٣٤.
رأس الحسين (عليهالسلام ) فدفعه إلى خولي. قال : وسُلب الحسين (عليهالسلام ) ما كان عليه ؛ فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته , وكانت من خزٍّ , وكان يُسمّى بعدُ : قيس قطيفة. وأخذ نعليه رجلٌ من بني أود يقال له : الأسود(١) ، وأخذ سيفه رجلٌ من بني نهشل بن دارم فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل.
قال : ومالَ الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها. قال : ومالَ الناس على نساء الحسين (عليهالسلام ) وثقله ومتاعه، فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه فيذهب به منها ))(٢) .
قال البلاذري : وسُلب الحسين (عليهالسلام ) ما كان عليه ؛ فأخذ قيس بن الأشعث بن قيس الكندي قطيفة له , وكانت من خزٍّ، وأخذ نعليه رجلٌ من بني أود يقال له : الأسود، وأخذ سيفه رجلٌ من بني نهشل بن دارم، ومالَ الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها، وأخذ الرحيل بن زهير الجعفي، وجرير بن مسعود الحضرمي، وأسيد بن مالك الحضرمي أكثر تلك الحلل والورس، وأخذ أبو الجنوب الجعفي جملاً كان يستقى عليه الماء، وسمّاه حسيناً(٣) !
روى الخوارزمي قال : وأخذ قيس بن الأشعث (لعنه الله) قطيفة الحسين (عليهالسلام ) كان يجلس عليها , فسمّي لذلك قيس قطيفة، وأخذ نعليه رجلٌ من الأزد يقال له : الأسود، ثمَّ مالَ الناس على الورس والخيل والإبل فانتهبوها(٤) .
____________________
(١) الأسود بن خالد، كما في كتاب اللهوف في قتلى الطفوف.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٤، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٢.
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٠٩.
(٤) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢/ ٤٣.
الدلالة الخامسة : رضّهم (لعنهم الله) جسد الإمام الحسين (عليهالسلام ) بحوافر الخيول حتّى ألصقوه بالأرض، وليس الباعث على هذا إلّا الانتقام وأخذ الثار. ولا يوجد ثار لأحد عند أهل البيت (عليهالسلام ) إلّا لبني اُميّة ؛ لِما فعله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) بكفّارهم مثل شيبة وعتبة والوليد وغيرهم من بني اُميّة، وليست هذه الأفعال وليدة الصدفة بل هي موروثة عن أسلافهم ؛ فهذه هند اُمّ معاوية بن أبي سفيان وما فعلته بسيّد الشهداء عمّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) حمزة بن عبد الطلب (عليهالسلام ) من التمثيل بعد استشهاده.
روى الطبري، والبلاذري، والمسعودي، والشبراوي - واللفظ للأوّل - قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى في أصحابه : مَن ينتدب للحسين ويوطئه فرسه ؟ فانتدب عشرة(١) , منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين فبَرَص بعد، وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره، فبلغني أنّ أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب وهو واقفٌ في قتال ففلق قلبه فمات(٢) .
وقال ابن الجوزي : ثمّ قال عمرو(٣) : مَن يوطئ فرسه الحسين ؟ فانتدب أقوام بخيولهم
____________________
(١) وفي كتاب اللهوف في قتلى الطفوف - السّيد ابن طاووس الحسني / ٨٠، قال أبو عمر الزاهد : فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زنى، وهؤلاء أخذهم المختار فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٥، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٣، مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٢٥٩، منشورات الشريف الرضي، الإتحاف في حب الأشراف للشبراوي / ٥٣، ط أمير قم.
(٣) وفيه تصحيف وهو عمر بن سعد، ويتّضح ذلك بمراجعة المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥/ ٣٤١.
حتّى رضّوا ظهره، وأمر بقتل علي بن الحسين (عليهالسلام )، فوقعت عليه زينب (عليهاالسلام ) وقالت : والله لا يُقتل حتّى أُقتل. فرقَّ لها وكفّ عنه(١) .
وفي البداية والنهاية قال ابن كثير : وقُتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً سوى الجرحى، فصلّى عليهم عمر بن سعد ودفنهم، ويقال : إنّ عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتّى ألصقوه بالأرض يوم المعركة(٢) .
وفي مقتل الخوارزمي قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى : مَن ينتدب للحسين فيوطئه فرسه ؟ فانتدب له عشرة نفر , منهم إسحاق الحضرمي، ومنهم الأخنس بن مرثد الحضرمي القائل في ذلك :
نحن رَضَضْنا الظهرَ بعد الصدرِ |
بكلِّ يَعْبُوبٍ شديدِ الأسرِ |
|
حتّى عصينا اللهَ ربَّ الأمرِ |
بصُنْعِنا مَعَ الحسينِ الطُّهرِ |
فداسوا حسيناً بخيولهم حتّى رضُّوا صدره وظهره، فسئل عن ذلك فقال : هذا أمر الأمير عبيد الله بن زياد(٣) .
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرته : وقال عمر بن سعد : مَن جاء برأس الحسين له ألف درهم. وقال عمر بن سعد أيضاً : مَن يوطئ الخيل صدره ؟ فأوطؤوا الخيل ظهره وصدره(٤) .
____________________
(١) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤١.
(٢) البداية والنهاية ٢ / ١٨٩، وفي ط / ٢٠٦، استشهاد الحسين (عليهالسلام ) / ١٠٥ للفاضل المعاصر الدكتور محمّد جميل غازي - خرّجه من كتاب الحافظ ( مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر ) إحقاق الحق ٣٣ / ٦٩٤.
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٤.
(٤) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٢٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
الدلالة السادسة : قطع رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) ورؤوس أصحابه (عليهمالسلام ) , واقتسامها وحملها إلى الكوفة للتفاخر والتقرّب لبني اُميّة.
وهل أحد يفخر بقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) ويطلب رضا آل أبي سفيان إلّا أعداء أهل البيت (عليهمالسلام ) من أنصار بني اُميّة، فتراهم يتهافتون على ما يقرّبهم إليهم كتهافت الفراش.
روى البلاذري قال : واحتُزّت رؤوس القتلى، فحُمل إلى ابن زياد اثنان وسبعون رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وعزرة بن قيس الأحمسي من بجيلة، فقَدِموا بالرؤوس على ابن زياد(١) .
روى الطبري، والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : وقطف رؤوس الباقين، فسرَّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجاج، وعزرة بن قيس، فأقبلوا حتّى قَدِموا بها على عبيد الله بن زياد(٢) .
روى الطبري، والبلاذري، وابن الجوزي - واللفظ للأوّل - قال : ( قال هشام : ) قال أبو مخنف : ولمـّا قُتل الحسين بن علي (عليهالسلام )، جيء برؤوس مَن قُتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٦، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ /٤٤ - ٤٥.
أرؤس، فذلك سبعون رأساً(١) .
وقال ابن كثير : فلمـّا أصبح ( خولي ) غدا به (أي برأس الحسينعليهالسلام ) إلى ابن زياد، فأحضره بين يديه، ويقال : إنّه كان معه رؤوس بقية أصحابه , وهو المشهور , ومجموعهما اثنان وسبعون رأساً ؛ وذلك أنّه ما قُتل قتيل إلّا احتزّوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد. ثمّ بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام(٢) .
الأمر الخامس : قلّة الشيعة في الكوفة آنذاك.
لا يخفى أنّ الكوفة في هذا الزمان شيعيّة محضة، وعُرفت بالتشيّع في أزمنة مختلفة في التاريخ، ومن هذه الشهرة نفذ أصحاب الشبهة واتّهموا الشيعة بقتل إمامهم الحسين بن علي (عليهالسلام ) ؛ وذلك لأنّ المترسّخ في الأذهان أنّ لفظة أهل الكوفة تساوي لفظة شيعة، وغايتهم من هذه التهمة أن يُخلّصوا يزيد وأتباعه ومحبّيه من وصمة العار التي تلاحقهم أبد الدهر، حتّى زاد بعضهم فنصّ على عدم مشاركة أهل الشام واليمن ومصر في قتال الإمام الحسين (عليهالسلام ) مع وجود ما يدلّ على خلافه كما نذكره(٣) .
ولكن ذلك لوحده لا يكفي دليلاً على ما يدّعون ؛ لِما فاتهم كما لا يخفى على ذي العقل واللب، ولكي تتضح الحقيقة جليّاً علينا أن نعرف مذهب أهل الكوفة في زمان شهادة الإمام الحسين (عليهالسلام )، فلهذا نقول :
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٢، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٢، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤١.
(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٦، وفي ط / ٢٠٤.
(٣) يأتي ذلك في عنوان : اشتراك أهل الأمصار في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ).
إنّ الشيعة بالمعنى الخاص فرقة قليلة جداً في ذلك الزمان، ومع قلّتهم كانت طائفة منهم تقطن الكوفة، فهم بالنسبة إلى أهل الكوفة عدد قليل جداً، ومَن راجع وتابع سكان الكوفة آنذاك وجد هذا المعنى ملموساً.
إنّ الكوفة بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) وانتقال الإمام الحسن (عليهالسلام ) إلى المدينة , وتسلّم معاوية للسلطة , كانت تحت إمرة بني اُميّة، وكان همُّ معاوية بن أبي سفيان حينما استتبّ له الأمر تفريق الشيعة وإبعادهم عن الكوفة منذ سنة واحد وأربعين كما يدل على ذلك كتاب معاوية إلى المغيرة بن شعبة عندما ولاّه الكوفة سنة ٤١ ه.
فقد رواه الطبري في تاريخه قال : قال هشام بن محمّد : عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقعب بن زهير، وفضيل بن خديج، والحسين بن عقبة المرادي، قال : كلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث , فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث حجر بن عدي الكندي (رحمهالله ) وأصحابه أنّ معاوية بن أبي سفيان لمـّا ولّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة ٤١ دعاه، فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : أمّا بعد , فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس :
لذي الحلم قبل اليومِ ما تُقرع العصا |
وما عُلّم الإنسانُ إلّا ليعلما |
وقد يجزى عنك الحكيم بغير التعلّم , وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني ويصلح به رعيّتي، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة : لا تتحم عن شتم علي وذمِّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم والاستماع منهم.
فقال المغيرة : قد جرّبت وجرّبت وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا
وضع , فستبلو فتحمد أو تذم. ثمّ قال : بل نحمد إن شاء الله(١) .
وجعل معاوية على الكوفة زياد ابن أبيه , فلم يترك من شيعة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) أحداً إلّا قتله أو عذَّبه أو شرَّده إلّا قليلاً ممّن لم يُعرف بالتشيّع ؛ فقد روى الطبري ما يبيِّن ذلك عند ذكره ما جرى بين هانئ بن عروة (رحمهالله ) وعبيد الله بن زياد قال : فقال عبيد الله : يا هانئ , أمَا تعلم أنّ أبي قَدم هذا البلد فلم يترك أحداً من هذه الشيعة إلّا قتله غير أبيك وغير حجر , وكان من حجر ما قد علمت...(٢) .
قال عبد الحميد المعتزلي : وروى أبو الحسن على بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب (الأحداث ) قال : [.....] فكان (زياد بن أبيه) يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف ؛ لأنّه كان منهم أيّام علي (عليهالسلام ) , فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطرفهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم...إلخ(٣) .
ويدلّ على ذلك أيضاً ما سنذكره لك فيما يأتي تحت عنوان حقائق تاريخيّة تبيّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )، من أنّ مَن خرج في ثورة التوّابين وثورة المختار ليسوا هم ممّن يسكن الكوفة فعلاً، بل هم ممن تجمّعوا من أماكن متفرّقة حتّى استعدّوا فخرجوا لقتال بني اُميّة وأنصارهم من أهل
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢١٨.
(٢) تقدّم هذا في الرواية الأولى مَن مقتل هاني بن عروة - تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٢.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ١١ / ٤٤.
الكوفة والشام، وهذا مما يدلّ أيضاً على قلّة الشيعة في الكوفة.
الأمر السادس : كثرة الاُمويّين وأتباعهم في الكوفة آنذاك.
ويتضح هذا الأمر بدلالات كثيرة :
الدلالة الأولى : عدد مَن شهد على حجر بن عدي وأصحابه شهادة الزور من أهل الكوفة الموالين لبني اُميّة(١) .
الدلالة الثانية : أنّ موت معاوية بن أبي سفيان قريب جداً من نهضة الحسين (عليهالسلام )، والكوفة كانت تحت إمرته وتدين بدينه، ففيها الكثير الكثير من الموالين لهم، إذ تفرّقهم عن الكوفة يحتاج إلى زمن طويل مصاحباً لانهيار الدولة الاُمويّة.
الدلالة الثالثة : تعامل يزيد بن معاوية مع الكوفة بأنها تحت إمرته وسيطرته، فقوله لابن زياد : كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة أنّ مسلم بن عقيل يجمع الجموع. مع أمره إيّاه بأن يذهب إلى الكوفة ويبحث عن مسلم بن عقيل ويقتله(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٢٤ - ٢٣١ , ذكر مقتل حجر وأصحابه (رضوان الله عليهم) مفصّلاً , وشهادة الزور التي أُقيمت عليهم في الكوفة.
(٢) ففي تاريخ الطبري ٣ / ٢٧٩، البداية والنهاية ٨ / ١٥٢ مع اختلاف يسير، الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٣١ ذكره بإيجاز، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ١ / ٢٨٧، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٢ , واللفظ للطبري قال : قال هشام : قال عوانة : فلمـّا اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلّا يومان، دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية، فقال : ما رأيك ؟ فإنّ حسيناً قد توجّه نحو الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيّئ - وأقرأه كتبهم - فما ترى ؟ مَن أستعمل على الكوفة ؟ وكان يزيد عاتباً على عبيد الله =
فهذا يدل على وجود الكثير من أنصار بني اُميّة في الكوفة ؛ إذ لا تكون إمرة وسيطرة على مكان إلّا بوجود القوة المعتدّ بها فيه.
الدلالة الرابعة : أنّه لا يعقل من مثل ابن زياد (لعنه الله) أن يأتي من البصرة إلى الكوفة بعدد قليل من الرجال في قبال الآلاف المؤلّفة من أهل الكوفة(١) الذين كتبوا إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) , إلّا علمه بأنّ أهل الكوفة بأجمعهم موالون لبني اُميّة حتّى من كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلّا مَن شذَّ.
الدلالة الخامسة : خطبة ابن زياد في جامع الكوفة بمجرد وصوله إليها ؛ إذ كيف تسنّى له أن ينزل الجامع وينادي في الناس بالجماعة قبل أن يفعل أيَّ شيء , ويحضر
____________________
ابن زياد , فقال سرجون : أرأيت معاوية لو نُشر لك أكنتَ آخذاً برأيه ؟ قال : نعم. فأخرج عهدَ عبيد الله على الكوفة فقال : هذا رأي معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب. فأخذ برأيه وضمّ المصرين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة.
ثمّ دعا مسلم بن عمرو الباهلي، وكان عنده، فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه : أمّا بعد , فإنّه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين، فَسِر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتيَّ أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه , أو تقتله أو تنفيه , والسّلام.
فأقبل مسلم بن عمرو حتّى قَدِم على عبيد الله بالبصرة، فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيّؤ والمسير إلى الكوفة من الغد.
(١) قال ابن كثير في البداية والنهاية ٨ / ١٥٣ :... ودخلها في سبعة عشر راكباً. وفي الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣ / ٣٨٨ , ذكر أنّ ابن زياد دخل الكوفة بمفرده.
عنده ذلك الجمع الغفير، ويهددهم بالقتل والحرمان وغيره(١) .
____________________
(١) ففي مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠ , قال : ولمـّا وصل عبيد الله بن زياد إلى باب قصر الإمارة قال مخاطباً النعمان بن بشير : افتح الباب ( لعنك الله ). فسمعها جماعة، فقالوا : ابن مرجانة والله. ففتحوا الباب وتفرّق الناس، ونودي بالصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فخرج ابن زياد وقام خطيباً، فقال : إنّ أمير المؤمنين ولّاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم، والشدّة على مريبكم، وأنا متبع أمره، ومنفذ فيكم عهده، وأنا لمحبكم ومطيعكم كالوالد البر، وسيفي وسوطي على مَن ترك أمري...
وفي الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٣٢ قال : فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين (عليهالسلام ) إلى ما ساءه، وأقبل حتّى دخل المسجد الأعظم، ونودي في الناس فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال : يا أهل الكوفة، إنّ أمير المؤمنين قد ولّاني مصركم، وقسّم فيئكم فيكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدّة على عاصيكم ومريبكم، وأنا منته في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد الشفيق، ولمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين أحدٌ منكم إلّا على نفسه. ثمّ نزل، فأتى القصر فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام.
وفي الكامل في التاريخ ٣ / ٣٨٨، وفي ط ٤ / ٢٤ لابن الأثير قال : وقيل : بل خطبهم من يومه، فقال : أمّا بعد , فإنّ أمير المؤمنين ولاّني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متّبع فيكم أمره , منفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على مَن ترك أمري وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه.
ثمّ نزل فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، وقال : اكتبوا لي الغرباء ومَن فيكم مَن طلبه أمير المؤمنين، ومَن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمَن كتبهم إليَّ فبريء، ومَن لم يكتب لنا أحداً فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف، ولا يبغ علينا منهم باغٍ.
فمَن لم يفعل فبرئت منه الذمّة، وحلال لنا دمه وماله، وأيّما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، واُلغيت تلك العرافة من العطاء , وسيّر إلى موضع بعمان الزارة. ثمّ نزل.
فما ذلك إلّا لوجود الآلاف المؤلّفة من أنصار بني اُميّة , المستعدّة لنصرتهم والدفاع عنهم.
الدلالة السادسة : إرسال عبيد الله بن زياد عمرَ بن سعد بجيش عدده أربعة آلاف مقاتل من أهل الكوفة لقتال الديلم الذين استولوا على دستبي، فهل جاء ابن زياد الكوفة إلّا لقتال مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) وقتال الإمام الحسين(عليهالسلام ) ؟ فإرسال جيش بهذا العدد في هذه الظروف يدلّ بوضوح على استتباب الأمر في الكوفة لبني اُميّة، وكثرة أنصارهم فيها(١) .
____________________
(١) ويأتي ذلك مفصّلاً في ترجمة ابن سعد تحت عنوان ابن سعد يتخيّر بين الجنّة النار... من تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٩ - ٥٠، تاريخ الطبري ٣ /٣١٠، الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٣، قال ابن عساكر : قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن بن الحسين، عن عبد العزيز بن أحمد، أنا عبد الوهاب الميداني، أنا أبو سليمان بن زبر، أنا عبد الله بن أحمد بن جعفر، أنا محمّد بن جرير الطبري، قال : قال هشام بن محمّد : قال أبو مخنف : حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان، قال : كان سبب خروج عمر بن سعد إلى الحسين (عليهالسلام ) أنّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبي، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب ابن زياد عهد على الري فأمره بالخروج، فخرج فعسكر بالناس بحمام أعين.
فلمـّا كان من أمر الحسين (عليهالسلام ) ما كان , وأقبل إلى الكوفة , دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال له : سر إلى الحسين , فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك.
فقال له عمر بن سعد : إن رأيت أن تعفيني فافعل.
فقال عبيد الله : نعم، على أن ترد علينا عهدنا.
قال : فلمـّا قال له ذلك، قال له عمر بن سعد : أمهلني اليوم أنظر.
قال : فانصرف عمر، فجعل يستشير نصحاءه، فلم يكن يستشير أحداً إلّا نهاه. قال : وجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة , وهو ابن أخته، فقال : أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين (عليهالسلام ) فتأثم بربّك، وتقطع رحمك ؛ فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها لو كان خيرٌ لك من أن تلقى الله بدم الحسين (عليهالسلام ).
فقال عمر بن سعد : فإني أفعل إن شاء الله.
الدلالة السابعة : خروج الآلاف المؤلّفة من أهل الكوفة لقتال الإمام الحسين (عليهالسلام ) يدلّ بوضوح - إلّا عند مَن أعمى الله قلبه - على أكثرية الاُمويّين وأنصارهم في الكوفة ؛ إذ لا يعقل من عبيد الله بن زياد أن يرسل شيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) وهو يعلم بأنّ فعله هذا يقلب الموازين رأساً على عقب على بني اُميّة، فجميع مَن خرج لقتاله (عليهالسلام ) هُم الأمويّون وأنصارهم.
الدلالة الثامنة : إنّ عدد مَن قتله المختار (رحمهالله ) - دون مَن هرب - كثير جداً، حتّى قيل : إنّه قتل سبعين ألفاً(١) من قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )، ولا يعقل بمقتضى ما تقدّم أن يكون اُولئك من الشيعة.
قال سبط ابن الجوزي : ثمّ خرج المختار وكان يقول : [...] ووالله لأقتلنّ بقتلة الحسين (عليهالسلام ) عدد مَن قتل على دم يحيى بن زكريا (عليهالسلام ) [...](٢) .
____________________
(١) قال الخوارزمي في مقتله ٢ /٢٨٠ : وكان المختار قد قتل بالكوفة خلقاً كثيراً من أهل الكوفة حتّى قيل : إنّه قتل سبعين ألفاً ممّن قتل أو قاتل الحسين (عليهالسلام ) , فتركه أصحابه لِما في نفوسهم من الذحل على أقربائهم، وتحوّلوا إلى مصعب، فلمـّا رأى المختار ذلك نزل عن فرسه، ونزل معه شيعة آل الرسول (صلىاللهعليهوآله ) الخلّص فبركوا على أفواه السكك، فلم يزالوا يقاتلون من المغرب إلى الصبح، ثمّ قال له بعض أصحابه : أمَا والله أخبرتنا أنا نقتل مصعباً.
فقال : بلى، أمَا قال الله عزّ وجلّ :( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) . سورة الرعد / ٣٩.
(٢) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٥٤ , وذكر قبل هذا المقطع بعض مثالب المختار بن عبيد لله الثقفي. أقول : ويكفي المختار كرامةً انتقامه لأهل البيت (عليهمالسلام )، ودعاء الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) له عندما وصل رأس ابن زياد وابن سعد إلى المدينة كما يأتي في ترجمتهما.
وكان الملاك عند المختار (رحمهالله ) في قتل هؤلاء هو صدق الخروج على الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؛ فقد روى الطبري قال : ونادى مناد المختار : إنّه مَن أغلق بابه فهو آمن إلّا رجلاً شرك في دم آل محمّد (عليهمالسلام )(١) .
الدلالة التاسعة : أنّ أهل الكوفة لمـّا هلك يزيد بن معاوية أرادوا أن يقيموا خليفة عليهم فاختاروا - وأنت تعلم بأنّ اختيار الخليفة لا يكون إلّا من الأكثر - الملعون قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام )، فهذا مما يبيَّن لنا مدى ابتعاد الشيعة عن الكوفة، وكثرة أعدائهم وسيطرتهم فيها.
إذ إنّ أهل الكوفة رفضوا بيعة عبيد الله بن زياد (لعنة الله عليه) وأرادوا أن يبايعوا الملعون عمر بن سعد قاتل الحسين (عليهالسلام ) , إلّا إنّ نساء همدان منعنَ من بيعته، ثمّ بايعوا ابن الزّبير المقاتل لأمير المؤمنين (عليهالسلام ) والمعروف حاله مع أهل البيت (عليهمالسلام )(٢) .
فقد روى المسعودي، والطبري - واللفظ للأوّل - قال : فخلع أهل الكوفة ولاية بني اُميّة وإمارة ابن زياد، وأرادوا أن ينصّبوا لهم أميراً إلى أن ينظروا في أمرهم، فقال جماعة : عمر بن سعد بن أبي وقاص يصلح لها، فلمـّا همُّوا بتأميره، أقبلت نساء من همدان وغيرهنّ من نساء كهلان وربيعة والنخع حتّى دخلنَ المسجد صارخات باكيات معولات يندبنَ الحسين (عليهالسلام ) ويقلنَ : أمَا رضي عمر بن سعد بقتل الحسين (عليهالسلام ) حتّى أراد أن يكون أميراً
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ /٤٥٩ , ويأتي تفصيل هذه النقطة في حقائق تاريخية تبيِّن موقف الشيعة من قتال الإمام الحسين (عليهالسلام ).
(٢) تقدّم ما جرى بينه وبين ابن عباس (رضوان الله عليه) في الفصل الثالث من هذا الكتاب.
علينا على الكوفة ! فبكى الناس(١) وأعرضوا عن عمر، وكان المبرزات في ذلك نساء همدان، وقد كان علي (عليهالسلام ) مائلاً إلى همدان مؤثراً لهم , وهو القائل :
فلو كنت بوَّاباًعلى باب جنّةٍ |
لقلتُ لهمدانَ ادخلي بسلامِ(٢) |
وبعد هذا لا يستبعد بل يثبت أنّ مَن خذل وخرج لقتال الإمام الحسين (عليهالسلام ) من الآلاف المؤلّفة من أهل الكوفة كلّهم من شيعة بني اُميّة , ومن غير الشيعة المعتقدة بإمامة أمير المؤمنين علي (عليهالسلام ) وأبنائه المعصومين (عليهمالسلام ) بالنصّ من الله عزَّ وجلَّ.
الأمر السابع : دهاء ابن زياد
إنّ عبيد الله بن زياد داهية من دواهي بني اُميّة , وهو يعمل جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) لينصره في كربلاء، وليس هو بالغبي حتّى يرسل إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) شيعته وهو يعلم بأنّ وصولهم له (عليهالسلام ) يقلب الموازين على بني اُميّة ؛ فأقام المراصد لمنعهم من الوصول إلى كربلاء.
الأمر الثامن : اعتقال ابن زياد للشيعة وقتلهم ومنعهم من الوصول إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) في كربلاء.
قد عمل ابن زياد جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى نصرة الإمام الحسين (عليهالسلام )، فبدأ باعتقال الشيعة ممّن أراد نصرة مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) وقتلهم، وإلّا لو كان يريد أن يرسل الشيعة مع جيشه لأرسل هؤلاء وغيرهم ممّن زجَّ في السجون، ولا يخفى أنّ جعله المراصد في الكوفة دليل واضح لعدم إمكان تصور
____________________
(١) فهل هؤلاء شيعة معتقدة بإمامة الإمام الحسين (عليهالسلام ) بالنص ؟ نعم، هؤلاء محبّون لأهل البيت (عليهمالسلام ) ما دام حبّهم لا يعارض مصالحهم ولا يسيء لهم ؟
(٢) مروج الذهب للمسعودي ٣ /٢٨٣ , أيّام معاوية بن يزيد - خبر ابن زياد. تاريخ الطبري ٣ /٣٧٥، وذكر بدل عمر بن سعد (عمر بن سعيد).
أنّ ابن زياد يرسل إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) شيعته ؛ فقد جعل المراصد لاعتقالهم، ومَن اشتبه أنّه منهم اختبر ومُحّص حتّى يعرف حاله، ويعمل فيه ما أراد من القتل أو التعذيب ؛ فقد روى الطبري قال : قال أبو مخنف : فحدثني أبو جناب الكلبي أنّ كُثيراً ألفى رجلاً من كلب يقال له : عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبره، فقال لابن زياد : إنّما أردتك.
قال : وكنت وعدتني ذلك من نفسك. فأمر به فحبس، وخرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي - وهو يريد ابن عقيل - عليه سلاحه، فأخذه، فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامي، فلمـّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة مَن أتاه أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد بن الأشعث : قد جلتُ على ابن عقيل من العرار فتأخّر عن موقفه(١) .
وذكر الطبري أيضاً مقتل من اعتقلهم عبيد الله بن زياد من الشيعة قال : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد لمـّا قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان فأتي به , فقال له : أخبرني بأمرك.
فقال : أصلحك الله , خرجت لأنظر ما يصنع الناس فأخذني كثير بن شهاب.
فقال له : فعليك وعليك من الأيمان المغلظة إن كان أخرجك إلّا ما زعمت. فأبى أن يحلف، فقال عبيد الله : انطلقوا بهذا إلى جبانة السبيع فاضربوا عنقه بها.
قال فانطلق به فضربت عنقه.
قال : وأخرج عمارة بن صلخب الأزدي، وكان ممّن
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٧.
يريد أن يأتي مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) بالنصرة لينصره , فأتي به أيضاً عبيد الله , فقال له : ممّن أنت ؟
قال : من الأزد.
قال : انطلقوا به إلى قومه. فضُربت عنقه فيهم(١) .
وأيضاً لقلّة الشيعة وتفرّقهم في البلدان وكونهم معروفين جعل عبيد الله بن زياد المراصد والمسالح في الطرق المؤدّية إلى كربلاء ؛ كي لا يصل أحد من الشيعة إلى نصرة الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؛ فقد روى البلاذري قال : ووضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلاّ يجوز أحد من العسكر مخافة لأن يلحق بالحسين (عليهالسلام ) مغيثاً له. ورتَّب المسالح حولها، وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قيس الجعفي، ورتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدحة، فكان خبر ما قبله يأتي في كلّ وقت(٢) .
وروى البلاذري أيضاً قال : قالوا : ولمـّا بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين (عليهالسلام ) إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم بن أسامة التميمي، ثمّ أخذ بني جشيش بن مالك بن حنظلة صاحب شرطه حتّى نزل القادسية، ونظم الخيل بينها وبين خفان، وبينها وبين القطقطانة إلى لعلع(٣) .
أفبعد هذا يعقل من داهية مثل ابن زياد أن يرسل الشيعة إلى إمامهم الحسين بن علي (عليهماالسلام ) ؟
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ /٢٩٢.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٨٨.
(٣) المصدر نفسه / ٣٧٧ - ٣٧٨.
الأمر التاسع : اشتراك أهل الأمصار في قتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
لقد نصّ بعض المؤرّخين على مشاركة غير أهل الكوفة من الأمصار الاُخرى في قتال الإمام الحسين (عليهالسلام )، ولا يتصوّر أنّهم من شيعته ؛ إذ لا يعقل أن يأتي الشيعي من بلاد بعيدة ليقاتل إمامه.
ومن تلك النصوص التي وقفت عليها ما رواه أحمد بن عبيد الله الطبري قال : وما نقل من أنّ عمر بن سعد بن أبي وقاص قتله (أي الحسينعليهالسلام ) فتاه، فلا يصح، وسبب نسبته إليه أنّه كان أمير الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد لقتاله، ووعده إن ظفر أن يوليه الري، وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من أهل مصر وأهل اليمن(١) .
ويؤيّده ما ذكره المؤرّخون ونصّوا عليه من خروج سليمان صرد الخزاعي (رحمهالله ) لقتال أهل الشام، وهو دليل واضح على مشاركة أهل الشام في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )، وإلّا فمثل سليمان بن صرد الخزاعي وأصحابه على جلالتهم وإيمانهم حتّى نصّ على صحبة بعضهم لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لا يقاتلون الأبرياء الذين لم يشاركوا في قتال الإمام الحسين (عليهالسلام ).
فقد روى سبط ابن الجوزي في تذكرته، والطبري(٢) - واللفظ للأوّل - قال : فذكر هشام بن محمّد قال : لمـّا قُتل الحسين (عليهالسلام ) تحرّكت الشيعة، وبكوا ورأوا أنّه لا ينجيهم ولا يغسل عنهم العار والإثم إلّا قتل مَن قتل الحسين (عليهالسلام ) , أو يُقتلوا فيه عن آخرهم , وفزعوا إلى خمسة من أهل الكوفة، وهم : سليمان بن صرد الخزاعي - وكانت له صحبة مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) -
____________________
(١) ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٦.
(٢) وسأذكر ما ذكره الطبري في المقام مفصّلاً، وإنّما اكتفيت بما في تذكرة الخواصّ لإيجازه.
والمسيب بن نجبة الفزازي - وكان من أصحاب علي (عليهالسلام ) وخيارهم - وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن والي التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، وكان اجتماعهم في منزل سليمان بن صرد، فاتّفقوا وتعاهدوا وتقاعدوا على المسير إلى أهل الشام والطلب بدم الحسين (عليهالسلام )، وأن يكون اجتماعهم بالنخيلة سنة خمس وستين.
وقال سبط ابن الجوزي : قلت : وما لقتالهم لأهل الشام معنى ؛ لأنّه لم يحضر أحد من أهل الشام قتال الحسين (عليهالسلام )، وإنّما قتله أهل الكوفة، فإن كان طلبهم ليزيد فقد مات، وكان ينبغي أن يقتلوا قتلته (عليهالسلام ) بالكوفة ؛ يطلبوا ابن زياد(١) .
أقول : بل قتال هؤلاء الثقات وخروجهم على أهل الشام له معنى - لو تنبَّه سبط ابن الجوزي - يكشفه أنّ في قتالهم أهل الشام دلالة واضحة على مشاركتهم في دم الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؛ وذلك لأنّ مثل سليمان بن صرد (رحمهالله ) وأصحابه في جلالتهم وعلو قدرهم أبعد عن قتال الأبرياء، وهم أعرف من ابن الجوزي وغيره بمَن شارك في دم الإمام الحسين (عليهالسلام ).
وهذا المعنى جاء أيضاً في روايات أهل البيت (عليهمالسلام ) , فقد روى الشيخ الكليني (رحمهالله ) بإسناده : عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن أبان، عن عبد الملك قال : سألت أبا عبد الله (عليهالسلام ) عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم , فقال : (( تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه ( رضي الله عنهم ) بكربلاء، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين (صلوات الله عليه) وأصحابه ( رضي الله عنهم ) , وأيقنوا أن لا يأتي الحسين (عليهالسلام ) ناصر، ولا يمدّه أهل العراق. بأبي المستضعف الغريب ! )).
____________________
(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٥٣ - ٢٥٤.
ثمّ قال : (( وأمّا يوم عاشوراء فيومٌ اُصيب فيه الحسين (عليهالسلام ) صريعاً بين أصحابه، وأصحابه صرعى حوله [ عراة ] , أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟! كلّا وربِّ البيت الحرام ما هو يوم صوم , وما هو إلّا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام , غضب الله عليهم وعلى ذرّيّاتهم.
وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمَن صامه أو تبرّك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه، ومَن ادّخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده , وشاركه الشيطان في جميع ذلك ))(١) .
الأمر العاشر : أحوال ودواعي مَن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام )
لا يخفى أنّ البيعة من المسلمين لا تدلّ على المشايعة بالمعنى الخاص لأهل البيت (عليهمالسلام ) ؛ فأكثر المسلمين ممّن بايعوا أمير المؤمنين (عليهالسلام ) والإمام الحسن (عليهالسلام ) بايعوهما على أنّهما خليفتان كبقية الخلفاء، بل كانوا يعتقدون بأنّ مَن مضى من الخلفاء أفضل منهما.
وهؤلاء كلهم ليسوا بشيعة بالمعنى الخاص , بل الشيعة بالمعنى الخاص - كما تقدّم عليك - هم خصوص مَن اعتقدوا بإمامة أمير المؤمنين (عليهالسلام ) وأبنائه (عليهمالسلام ) بالنصّ من الله بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، مثل الشيعة الاثني عشرية، وممّن مضى من أسلافهم كسلمان المحمدي والمقداد ورشيد الهجري ومالك الأشتر و.....و.... وغيرهم ممّن تمسّكوا بأقوال الرسول (صلىاللهعليهوآله ) في غدير خمٍّ وغيرها.
____________________
(١) الكافي - الكليني ٤ / ١٤٧.
فمَن بايع الإمام الحسين (عليهالسلام ) هم عامة الناس حتّى من أهل الحجاز(١) ؛ فأكثر مَن بايع الإمام الحسين (عليهالسلام ) وكتب إليه من الكوفة هم أيضاً من عامة الناس الذين يعتقدون فيه بأنه ابن النبي (صلىاللهعليهوآله ) , وأنّه أهل العدل والصلاح كما يعتقدون ذلك بأبيه أمير المؤمنين وأخيه الإمام الحسن (عليهماالسلام )، ولا يعتقدون بأنه الإمام بعد أخيه بالنص، فكثير ممّن بايعه وكتب إليه هم على هذه الشاكلة من سواد الناس(٢) ، ولكن الدواعي تختلف، فمنهم الشيعة والداعي لهم إقرارهم بإمامته (عليهالسلام ) بالنصّ من الله , والطاعة له كطاعة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، واعتقاد عصمته، و... و... إلخ , وهؤلاء قليلون جداً.
ومنهم مَن بايعه (عليهالسلام ) للغدر والتنكيل به , والتقرّب بقتله وإراقة دمه إلى يزيد بن معاوية، وهذا ما صرّح به الإمام الحسين (عليهالسلام ) في ليلة العاشر من المحرم , فقد روى البلاذري قال : (وقالعليهالسلام ) : (( إنّما يطلبوني وقد وجدوني، وما كُتُبُ مَن كَتَبَ إليَّ فيما أظنّ إلّا مكيدةً لي، وتقرُّباً إلى ابن معاوية بي ))(٣) .
ومنهم مَن أدرك بأن يزيد بن معاوية فاجر لا يتورع عن المحارم - كما سيأتي ذلك في ترجمته - لا يصلح لشيء من اُمور المسلمين أصلاً، فكتب إليه (عليهالسلام ) للعيش تحت ظل العدل وإن لم يعتقد بإمامته بالنص ؛ وذلك لِما عُرف عنه أنه من أهل بيت النبوة، وهم أهل التقوى والعدل والجود والكرم، فلهم مكان في
____________________
(١) راجع ما جرى بين ابن الزّبير وبين ابن عباس، وأيضاً ما ذكره الإمام الحسين (عليهالسلام ) عمَّا يكنّه ابن الزّبير في أحداث مكة المكرمة بأن الناس في مكة لا يعدلون به أحد، وأيضاً مَن خرج من الناس مع الإمام الحسين (عليهالسلام ) من مكة حتّى إذا ما سمعوا بمقتل مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) تفرّقوا عنه.
(٢) وممّا يدل على ذلك بوضوح كتاب شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وعمرو بن الحجاج وغيرهم من الخوارج. كما تقدّم في المقتل، وسنذكره في تراجم قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ).
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٩٣.
قلوب مَن لهم شيء من العقل والتمييز. وهؤلاء يوجد منهم الكثير في زماننا وفي سائر الأزمنة السالفة ؛ إذ إنّ الكثير يدّعي محبّة أهل البيت (عليهمالسلام ) حتّى يظهروا ذلك بإنشاء قصائد المدح وغيرها، ولكنهم لا يتبعونهم ولا يأخذون دينهم منهم بل من غيرهم، ولا يتبرّؤوا من أعدائهم(١) .
طبعاً حبُّهم هذا ما دام لا يعارض شيء من
____________________
(١) والاعتقاد بأنّ الإمام الحسين (عليهالسلام ) أهل العدل والتقوى مع عدم الاعتقاد بإمامته لا يقتضي عدم الفتك به (عليهالسلام ) للمصالح وغيرها من الأغراض الدنيوية، وهذا [مَثلُهُ] مثل السارق من الصلحاء ؛ فإنه مع اعتقاده بصلاحهم يسرقهم لمصلحة نفسه وإن كان يحبّهم ويُثني عليهم.
وهذا بخلاف مَن يعتقد بإمامته (عليهالسلام )، وأنه لا يكون مؤمن إلّا بالإيمان به، ويعتقد بوجوب طاعته كطاعة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ونصرته كنصرته (صلىاللهعليهوآله )، وأنّ الله لا يقبل عمل عاملٍ إلّا بالتسليم والولاية له، والبراءة من عدوّه، فإنه لا يتعدّى عليه فضلاً عن الفتك به , بل يتطلب رضاه.
وهذا ما صرّح به المؤرّخون من أنّ قلوب الكوفيّين - الذين يُقِرٌّون بفضله، ولكن لا يعتقدون بإمامته - مع الحسين (عليهالسلام )، ولكن سيوفهم عليه، فهؤلاء من الكوفيِّين لا يختلفون عن السارق من الصالحين.
روى ذلك الطبري في تاريخه ٣ / ٢٩٦، وابن كثير في البداية والنهاية ٨ / ١٦٦ - ١٦٧، والبلاذري في أنساب الأشراف ٣ / ٣٧٦ , وقد ذكره بأكثر من خبر فيما جرى بين الإمام الحسين (عليهالسلام ) والفرزدق - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري، قالا : أقبلنا حتّى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر , فواقَفَ حسيناً (عليهالسلام )، فقال له : أعطاك الله سؤلك، وأمّلك فيما تحب.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( بيَّنْ لنا نبأ الناس خلفك )).
فقال له الفرزدق : من الخبير سألت ؛ قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( صدقت , لله الأمر والله يفعل ما يشاء، وكل يومٍ ربّنا في شأن ؛ إن نزل القضاء بما نحب، فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتدِ مَن كان الحقُّ نيّته، والتقوى سريرته )). ثمّ حرَّك الحسين (عليهالسلام ) راحلته، فقال : (( السلام عليك )). ثمّ افترقا.
فقد روى ابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب ٢ / ٢٦١٤، قال : =
مصالحهم، ولا يمسّهم به سوء.
ومنهم مَن كتب إليه (عليهالسلام ) لعدم تعقّله بيعة أحد من الناس ليزيد بن معاوية لِمَا فيه من الرذائل(١) .
ومنهم مَن كتب إليه (عليهالسلام ) تمشيّاً مع الوضع العام.
ومنهم مَن كتب إليه (عليهالسلام ) لأجل المصالح والأغراض الدنيويّة، فما إن علموا بانتفاء ما رغَّبهم في البيعة فوراً تخلّوا عنه (عليهالسلام ) ! فانظر - كشاهد - إلى أهل البلدان التي مرَّ (عليهالسلام ) بها ومَن التحق به من مكّة، فإنهم ما أن سمعوا بعدم تمام بيعته (عليهالسلام ) في الكوفة - حينما وصل خبر مقتل مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) - تخلُّوا عنه، ولم يبقَ إلّا مَن خرج معه من المدينة، وفي الكوفة كثير من هؤلاء أيضاً.
فمَن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) ليسوا هم الشيعة بالمعنى الخاص فقط , بل الكثرة الكاثرة من غيرهم.
____________________
أنبأنا أبو علي الحسن بن هبة الله بن الحسن بن علي الدوامي، قال : أخبرنا القاضي محمّد بن عمر بن يوسف الأرموي، قال : أخبرنا الشريف أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون، قال : أخبرنا الشريف أبو الفضل محمّد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، قال : حدثنا أبو بكر محمّد بن القاسم الأنباري، قال : حدثنا محمّد بن يونس، قال : حدثنا أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، قال : حدثني لبطة بن الفرزدق، عن أبيه، قال : حججتُ , فلمـّا كنت بذات عرق لَقِيَني الحسين بن علي (عليهالسلام ) يريد الكوفة، فقصدته فسلّمت عليه، فقال لي : (( ما خلّفت لنا وراءك بالبصرة )). فقلت : قلوب القوم معك، وسيوفهم مع بني اُميّة. فقال : (( ما أشكّ في أنّك صادق، الناس عبيد الدنيا، والدين لغو على ألسنتهم يحوطونه ما درّت به معائشهم، فإذا استنبطوا قلّ الديّانون )).
وروى ذلك أيضاً الخوارزمي في مقتله ١/ ٣٢١، وقد تقدّم تفصيل هذا في طريق الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى العراق.
(١) ويأتي ذكر شيء منها في ترجمته من هذا الفصل.
الأمر الحادي عشر : موقف مَن كتب من الشيعة إلى الإمام الحسين (عليهالسلام )
إنّ الشيعة الذين كتبوا للإمام الحسين (عليهالسلام ) بعد مجيء عبيد الله بن زياد، بدأ فيهم القتل والسجن والتهديد وأنواع الضغوط اللإنسانية، وإلّا فأين رموز الشيعة ووجهائها كالمختار(١) وسليمان بن صرد وبقية وُجهاء الشيعة(٢) ؟
فهؤلاء كلُّهم كانوا في سجون ابن زياد(٣) ، وأيضاً هلاّ فكّرت يوماً في ثورة المختار والآلاف من أنصاره التي كانت بصدد إبادة قتلة الحسين (عليهالسلام )، وعلى هذا أيضاً سليمان بن صرد صاحب ثورة التوّابين , فإنّه لا يعقل أن يثور قتلة الحسين (عليهالسلام ) على قتلته (عليهالسلام ) !
فإن قيل : إذاً ما هو موقف الشيعة الباقية التي لم تُزَجّ في السجون ؟
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٩٤، قال : وذكر هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عن عيسى بن يزيد : أنّ المختار بن أبى عبيد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم ؛ خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث، وقال : إنّما خرجت لأمنع عمراً.
وأنّ ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعى قاتلوا مسلماً وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً، وأنّ شبثاً جعل يقول : انتظروا بهم الليل يتفرقوا. فقال له القعقاع : إنّك قد سددت على الناس وجه مصيرهم، فافرج لهم ينسربوا.
وأنّ عبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جُعلاً، فأتى بهما فحُبسا. (وفي هذه السنة) كان خروج الحسين (عليهالسلام ) من مكة متوجّهاً إلى الكوفة.
(٢) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣ / ٣٩٤ :... حضّ سليمان على الجهاد، وسار في اُلوف لحرب عبيد الله بن زياد...
(٣) ويأتي في مقتل ميثم التمار (رحمهالله ) برواية ابن حجر العسقلاني في ترجمة عبيد الله بن زياد ما يبيّن حبس المختار , وأيضاً ما فعل بميثم (رحمهالله ) في الكوفة قبل وصول الحسين (عليهالسلام ) إلى العراق بعشرة أيّام.
فالجواب واضح بأنّ المانع لهم - مضافاً لقلّتهم في الكوفة - هو الإرهاب(١) الذي فعله بنو اُميّة وأنصارهم في الشيعة من التفنّن بالقتل والذبح والتمثيل وغيره فيهم وهو غير قليل، وفيمَن أراد نصرة الحسين (عليهالسلام ) بالخصوص.
وهذا ظاهر في ما فعله عبيد الله بن زياد من تفنّنه في قتل أنصار أهل البيت (عليهمالسلام ) ؛ حيث إنّه ذبح هاني بن عروة ومسلم بن عقيل (عليهماالسلام ) وغيرهما , وصلبهما في السوق أمام الناس، وسحب أجسادهما في الطرقات ؛ وما ذلك إلّا لإيجاد الإرهاب والخوف في نفوس الكوفيين من الشيعة. فما كان تقاعس بعض الشيعة إلّا للإرهاب، وبما فعله من جعل المراصد والعيون لملاحظة الشيعة ليمنعوهم من الوصول إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) ونصرته(٢) ؛ ولهذا كان خروجهم بعد ذلك على قتلته (عليهالسلام ) بعنوان التوبة من عدم نصرتهم للإمام الحسين (عليهالسلام )، لا للاعتذار على قتالهم إيّاه.
فقد روى سبط ابن الجوزي في تذكرته والطبري في تاريخه(٣) - واللفظ للأوّل - قال : فذكر علماء السير قالوا : لمـّا قتل الحسين (عليهالسلام ) سقط في أيدي القوم الذين قعدوا عن نصرته، وقاموا مكفّرين نادمين، فلمـّا مات يزيد بن معاوية منتصف ربيع الأوَّل سنة أربع وستين تحرّكت الشيعة بالكوفة، وكانوا يخافون منه. وقيل : تحرّكت في هذه السنة قبل موت يزيد وهو الأصح.
وقال : فذكر هشام بن محمّد قال : لمـّا قتل الحسين (عليهالسلام ) تحرّكت الشيعة، وبكوا ورأوا أنه لا ينجيهم ولا
____________________
(١) انظر إلى ما قاله عبيد الله بن الحر حينما طلب منه الحسين (عليهالسلام ) النصرة واعتذر له بقوله : يابن رسول الله , لو كان بالكوفة لك شيعة وأنصار يقاتلون معك لكنتُ أنا من أشدّهم على عدوّك، ولكن يابن رسول الله , رأيت شيعتك بالكوفة قد لزموا منازلهم خوفاً من سيوف بني اُميّة. مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٢٦.
(٢) تقدّم ذلك تحت عنوان منع الشيعة من الوصول إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) في كربلاء.
(٣) وسأذكر ما ذكره الطبري في المقام مفصّلاً، وإنّما اكتفيت بما في تذكرة الخواصّ لإيجازه.
يغسل عنهم العار والإثم إلّا قَتْل مَن قَتَل الحسين (عليهالسلام ) , أو يُقتلوا فيه عن آخرهم.
وفزعوا إلى خمسة من أهل الكوفة، وهم : سليمان بن صرد الخزاعي - وكانت له صحبة مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - والمسيب بن نجبة الفزازي - وكان من أصحاب علي (عليهالسلام ) وخيارهم - وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن والي التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، وكان اجتماعهم في منزل سليمان بن صرد، فاتّفقوا وتعاهدوا وتقاعدوا على المسير إلى أهل الشام والطلب بدم الحسين (عليهالسلام )، وأن يكون اجتماعهم بالنخيلة سنة خمس وستين.
وقال سبط ابن الجوزي : قلت : وما لقتالهم لأهل الشام معنى(*) ؛ لأنه لم يحضر أحد من أهل الشام قتال الحسين (عليهالسلام )، وإنّما قتله أهل الكوفة، فإن كان طلبهم ليزيد فقد مات، وكان ينبغي أن يقتلوا قتلته (عليهالسلام ) بالكوفة ؛ يطلبوا ابن زياد.
ثمّ إنّهم كاتبوا الشيعة فأجابهم أهل الأمصار، وقيل : إنّهم تحرّكوا عقب قتل الحسين (عليهالسلام ) أوَّل سنة إحدى وستين، ولم يزالوا في جمع الأموال والاستعداد حتّى مات يزيد(١) .
الأمر الثاني عشر : نسبة علماء الخلاف قتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى يزيد بن معاوية وأتباعه.
قد صرّح علماء أهل الخلاف بأنّ قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) هم يزيد بن معاوية وأتباعه، وسيتبيِّن لك ذلك في تراجمهم الآتية، وقد عقدتُ عنواناً خاصّاً فيمَن نصَّ على أنّ يزيد بن معاوية - في ترجمته - قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام ).
____________________
(*) تقدّم الرد على ابن الجوزي تحت عنوان : اشتراك أهل الأمصار في قتل الإمام الحسين (عليهالسلام ).
(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
ومن هؤلاء الذهبي قال : وكان (يزيد بن معاوية) ناصبيّاً، فظّاً غليظاً جلفاً , يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين (عليهالسلام )، واختتمها بواقعة الحَرّة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره. وخرج عليه غير واحد بعد الحسين (عليهالسلام ) كأهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق(١) .
أقول : فإلصاق تهمة قتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) بالشيعة ليس اعتباطاً، بل هو أمر متعمّد ومقصود لتبرئة بني اُميّة، وإبعاد الناس عن أهل الحق (عليهمالسلام ) وشيعتهم، وإلّا لماذا التخصيص بأهل الكوفة وإخراج غيرهم مع أنّه لو ثبت أنّهم خصوص أهل الكوفة لا يثبت اختصاص ذلك بالشيعة، ولكن لكون الشيعة عرفوا أنّهم أكثر تواجداً في الكوفة، وأنّ عدوَّهم الشاهر الظاهر هم أهل الشام، فنسبوا القتل لخصوص أهل الكوفة.
حقائق تاريخية تبيّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
فلكي تتبيّن كثير من الحقائق نذكر بدءاً تحرّك الثائرين ضد قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) ليتّضح ما أراد أهل الخلاف إلصاقه بشيعة أهل البيت (عليهمالسلام )، ويتّضح لك تفرّق أماكن الشيعة وقلّتهم في الكوفة - زيادة على ما تقدم - ويتّضح عدم مشاركتهم في قتل الإمام الحسين (عليهالسلام ). وما تقدّم عن سبط ابن الجوزي شبه اختصار لهذا.
قال الطبري(٢) :
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٧.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٩٠.
قال أبو جعفر : وفي هذه السنة تحرّكت الشيعة بالكوفة، واتَّعَدُوا الاجتماع بالنخيلة في سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي (عليهالسلام ) , وتكاتبوا في ذلك.
ذكر الخبر عن مبدأ أمرهم في ذلك.
قال هشام بن محمّد : حدثنا أبو مخنف قال : حدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي، قال : لمـّا قُتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاؤم والتندم , ورأت أنها قد أخطأت خطأً كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة، وتركهم إجابته ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلّا بقتل مَن قتله، أو القتل فيه.
ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة , إلى سليمان بن صرد الخزاعي - وكانت له صحبة مع النبي (صلىاللهعليهوآله ) - وإلى المسيب بن نجبة الفزاري - وكان من أصحاب علي (عليهالسلام ) وخيارهم - وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي.
ثمّ إنّ هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد - وكانوا من خيار أصحاب علي (عليهالسلام ) - ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم.
قال : فلمـّا اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام فتكلّم , فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيِّه (عليهالسلام ) ثمّ قال : أمّا بعد، فإنّا قد ابتلينا بطول العمر والتعرّض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربّنا إلّا يجعلنا ممّن يقول له غداً :( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ ) (١) . فإنّ أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قال : (( العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستّون سنة )).
____________________
(١) سورة فاطر / ٣٧.
وليس فينا رجلٌ إلّا وقد بلغه، وقد كنَّا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا حتّى بلا الله أخيارنا، فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبيِّنا، وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه، وقَدِمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً , وعلانيةً وسرّاً، فبخلنا عنه بأنفسنا حتّى قُتل إلى جانبنا ؛ لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا.
فما عذرنا إلى ربّنا وعند لقاء نبيِّنا وقد قُتل فينا ولده وحبيبه وذرّيته ونسله ؟! لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تُقتلوا في طلب ذلك ؛ فعسى ربّنا أن يرضى عنَّا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن.
أيُّها القوم , ولُّوا عليكم رجلاً منكم فإنّه لا بدَّ لكم من أمير تفزعون إليه , وراية تحفون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال : فبدر القوم رفاعة بن شداد بعد المسيب الكلام , فحمد الله وأثنى عليه , وصلّى على النبي (صلىاللهعليهوآله )، ثمّ قال : أمّا بعد , فإنّ الله قد هداك لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور، بدأت بحمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيّه، ودعوت إلى جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك مستجاب لك مقبول قولك.
قلتَ : ولُّوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه وتحفون برايته. وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنتَ ذلك الرجل تكن عندنا مرضياً، وفينا متنصحاً، وفي جماعتنا محبّاً، وإن رأيت رأي أصحابنا ذلك، ولَّينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وذا السابقة والقِدَم سليمان بن صرد , المحمود في بأسه ودينه , والموثوق بحزمه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قال : ثمّ تكلَّم عبد الله بن وال، وعبد الله بن سعد , فحمدا ربّهما وأثنيا عليه، وتكلّما بنحو من كلام رفاعة بن شداد، فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، وذكرا
سليمان بن صرد بسابقته ورضاهما بتوليته.
فقال المسيب بن نجبة : أصبتم ووفقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولُّوا أمركم سليمان بن صرد.
قال أبو مخنف : فحدثت سليمان بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال : حدثني حميد بن مسلم قال : والله إنّي لشاهد بهذا اليوم يوم ولَّوا سليمان بن صرد، وإنّا يومئذ لأكثر من مئة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره.
قال : فتكلم سليمان بن صرد، فشدّد وما زال يردّد ذلك القول في كلِّ جمعة حتّى حفظته، بدأ فقال : اُثني على الله خيراً وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسوله.
أمّا بعد، فإنّي والله لخائف إلّا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزيّة، وشمل فيه الجور اُولي الفضل من هذه الشيعة لِما هو خير ؛ إنّا كنَّا نمدُّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيِّنا (صلىاللهعليهوآله ) ونُمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلمـّا قَدِموا ونينا وعجزنا وأدهنا , وتربّصنا وانتظرنا ما يكون حتّى قُتل فينا ولد نبيِّنا , وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه ؛ إذ جعل يستصرخ فلا يُصرخ , ويسأل النصف فلا يُعطاه.
اتخذه الفاسقون عرضاً للنبل، ودرية للرماح حتّى أقصدوه وعَدوا عليه فسلبوه. إلّا انهضوا فقد سخط ربّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتّى يرضى الله، والله ما أظنّه راضياً دون أن تناجزوا مَن قتله أو تبيروا.
ألا لا تهابوا الموت ؛ فوالله ما هابه امرؤ قط إلّا ذل، كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم :( إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إلى
بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ) (١) . فما فعل القوم ؟ جثوا على الركب والله، ومدَّوا الأعناق , ورضوا بالقضاء حتّى حين علموا أنّه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دُعي القوم إليه ؟
اشحذوا السيوف، وركّبوا الأسنة،( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ) (٢) حتّى تُدعوا حين تُدعَون تستنفرون.
قال : فقام خالد بن سعد بن نفيل، فقال : أمَا أنا، فوالله لو أعلم أنّ قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي ربّي لقتلتها، ولكن هذا أُمر به قومٌ كانوا قبلنا ونهينا عنه، فأشهد الله ومَن حضر من المسلمين أنّ كلَّ ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي اُقاتل به عدوِّي صدقة على المسلمين أقويهم به على قتال القاسطين.
وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني، فقال : وأنا أشهدكم على مثل ذلك.
فقال سليمان بن صرد : حسبكم , مَن أراد من هذا شيئاً فليأتِ بماله عبد الله بن وال التيمي , تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كلُّ ما تريدون إخراجه من أموالكم جهّزنا به ذوي الخلّة والمسكنة من أشياعكم.
قال أبو مخنف لوط بن يحيى : عن سليمان بن أبي راشد، قال : حدثنا حميد بن مسلم الأزدي : أنّ سليمان بن صرد قال لخالد بن سعد بن نفيل - حين قال له : والله لو علمت أنّ قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي عنِّي ربي لقتلتها، ولكن هذا أُمر به قومٌ غيرنا كانوا من قبلنا ونُهينا عنه - قال : أخوكم هذا غداً فريس أوَّل الأسنّة.
قال : فلمـّا تصدّق بماله على المسلمين، قال له : أبشر بجزيل ثواب الله
____________________
(١) سورة البقرة / ٥٤.
(٢) سورة الأنفال / ٦٠.
للذين لأنفسهم يمهدون.
قال أبو مخنف : حدثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال : أخذت كتاباً كان سليمان بن صرد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن، فقرأته زمان ولي سليمان، قال : فلمـّا قرأته أعجبني، فتعلّمته فما نسيته، كتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين , سلام عليكم.
أمّا بعد، فإنّ الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفاً، وأقبل منها ما كان منكراً، وأصبحت قد تشنّأت إلى ذوي الألباب، وأزمع بالترحال منها عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند الله لا تفنى. إنّ أولياء من إخوانكم وشيعة آل نبيِّكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيِّهم الذي دُعي فأجاب، ودعا فلم يُجب، وأراد الرجعة فحُبس، وسأل الأمان فمُنع، وترك الناس فلم يتركوه، وعَدوا عليه فقتلوه، ثمّ سلبوه وجرّدوه ظلماً وعدواناً، وغِرَّةً بالله وجهلاً، وبعين الله ما يعلمون، وإلى الله ما يرجعون( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
فلمـّا نظروا إخوانكم وتدبّروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزكي الطيّب وإسلامه، وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيراً ليس لهم منه مخرج ولا توبة دون قتل قاتليه، أو قتلهم حتّى تفنى على ذلك أرواحهم ؛ فقد جدَّ إخوانكم فجِدّوا وأعدّوا واستعدّوا، وقد ضربنا لإخواننا أجلاً يوافوننا إليه , وموطناً يلقوننا فيه ؛ فأمّا الأجل فغرّة شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين ؛ وأمّا الموطن الذي يلقوننا فيه فالنخيلة.
أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخواناً، وإلّا وقد رأينا أن ندعوكم إلى هذا
____________________
(١) سورة الشعراء / ٢٢٧.
الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون ويظهرون لنا أنّهم يتوبون، وإنّكم جدراء بطلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربّكم من الذنب لو كان في ذلك حزُّ الرقاب، وقتل الأولاد , واستيفاء الأموال، وهلاك العشائر ما ضرَّ أهل عذراء الذين قتلوا إلّا يكونوا اليوم أحياء عند ربّهم يرزقون شهداء، قد لقوا الله صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين - يعني حجراً وأصحابه -.
وما ضرّ إخوانكم المقتّلين صبراً، المصلّبين ظلماً، والممثّل بهم , المعتدى عليهم، إلّا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم , قد خيَّر لهم، فلقوا ربّهم ووفّاهم الله إن شاء الله آجرهم ؛ فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضراء وحين البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب ؛ فوالله إنّكم لأحرياء إلّا يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شيء من البلاء إرادة ثوابه إلّا صبرتم التماس الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاء الله طالب بشيء من الأشياء - ولو أنّه القتل - إلّا طلبتم رضا الله به.
إنّ التقوى أفضل الزاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنى ؛ فلتعزف عنها أنفسكم، ولتكن رغبتكم في دار عافيتكم، وجهاد عدوِّ الله وعدوِّكم وعدوِّ أهل بيت نبيّكم (صلىاللهعليهوآله )، حتّى تقدِموا على الله تائبين راغبين , أحيانا الله وإيّاكم حياةً طيّبة، وأجارنا وإيّاكم من النار، وجعل منايانا قتلاً في سبيله على يدي أبغض خلقه إليه، وأشدّهم عداوةّ له، إنّه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء , والسلام عليكم.
قال : وكتب ابن صرد الكتاب وبعث به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان مع عبد الله بن مالك الطائي، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى مَن كان بالمدائن من الشيعة، وكان بها أقوام من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطنوها , وهم يقدمون الكوفة في كلِّ حين عطاء ورزق، فيأخذون حقوقهم وينصرفون إلى أوطانهم.
فقرأ عليهم سعد كتاب سليمان بن صرد، ثمّ إنّه حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال : أمّا بعد، فإنّكم قد كنتم مجتمعين مزمعين على نصر الحسين (عليهالسلام ) وقتال عدوّه، فلم
يفاجئكم أوَّل مَن قتله، والله مثيبكم على حسن النيّة، وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدّونكم ويدعونكم إلى الحقِّ، وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضل الأجر والحظ، فماذا ترون ؟ وماذا تقولون ؟
فقال القوم بأجمعهم : نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم. فقام عبد الله بن الحنظل الطائي ثمّ الحزمري , فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال : أمّا بعد، فإنّا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رأوا، فسرِّحني إليهم في الخيل. فقال له : رويداً لا تعجل , استعدّوا للعدو، وأعدّوا له الحرب، ثمّ نسير وتسيرون.
وكتب سعد بن حذيفة بن اليمان إلى سليمان بن صرد مع عبد الله بن مالك الطائي : بسم الله الرحمن الرحيم , إلى سليمان بن صرد من سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين , سلام عليكم : أمّا بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا الذي دعوتنا إليه من الأمر الذي عليه رأي الملأ من إخوانك، فقد هديت لحظك، ويسرت لرشدك، ونحن جادّون مجدّون معدّون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي، فإذا جاء الصريخ أقبلنا، ولم نعرج إن شاء الله , والسلام.
فلمـّا قرأ كتابه سليمان بن صرد قرأه على أصحابه، فسرُّوا بذلك.
قالوا : وكتب إلى المثنى بن مخربة العبدي نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان، وبعث به مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد، فكتب إليه المثنى : أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك واستجابوا لك، فنحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت، وفي الموطن الذي ذكرت، والسلام عليك.
وكتب في أسفل كتابه :
تبصَّر كأني قد أتيتُكَ مُعْلِماً |
على أتلعِ الهادي أَجَشَّ هزيمِ |
|
طويلِ القِرَا نَهْدِ الشَّوَاةِ مقلّصٍ |
ملحٍّ على فأسِ اللجامِ أَزُومِ |
|
بكلِّ فتىً لا يملأُ الروعُ نَحْرَهُ |
مُحِسٍّ لعضِّ الحَرْبِ غيرِ سؤومِ |
|
أخي ثقةٍ ينوي الإلهَ بسعيِهِ |
ضروبٍ بنَصْلِ السيفِ غيرِ أثيمِ(١) |
وروى الطبري قال : قال أبو مخنف لوط بن يحيى : عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال : كان أوَّل ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستين , وهي السنة التي قُتل فيها الحسين (عليهالسلام )، فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال , ودعاء الناس في السر من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين (عليهالسلام )، فكان يجيبهم القوم بعد القوم , والنفر بعد النفر، فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتّى مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وستين.
وكان بين قتل الحسين (عليهالسلام ) وهلاك يزيد بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيّام، وهلك يزيد وأمير العراق عبيد الله بن زياد وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا : قد مات هذا الطاغية والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثَبْنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثمّ أظهرنا الطلب بدم الحسين (عليهالسلام ) وتتبّعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم , المدفوعين عن حقِّهم. فقالوا في ذلك فأكثروا.
فقال لهم سليمان بن صرد : رويداً لا تعجلوا , إنّي قد نظرت فيما تذكرون فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفرسان العرب , وهم المطالبون
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٩٠ - ٣٩٤.
بدمه، ومتى علموا ما تريدون، وعلموا أنّهم المطلوبون كانوا أشدَّ عليكم. ونظرت فيمَن تبعني منكم فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا أنفسهم، ولم ينكوا في عدوِّهم، وكانوا لهم جزراً، ولكن بثّوا دُعاتكم في المصر فادعوا إلى أمركم هذا ؛ شيعتكم وغير شيعتكم، فإنّي أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابةً منهم قبل هلاكه.
ففعلوا , وخرجت طائفةٌ منهم دعاةً يدعون الناس، فاستجاب لهم ناسٌ كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف مَن كان استجاب لهم قبل ذلك.
قال هشام : قال أبو مخنف : وحدثنا الحصين بن يزيد، عن رجلٍ من مزينة، قال : ما رأيت من هذه الأمّة أحداً كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطق ولا عظة، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله، ثمّ يقول :
أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمداً على خلقه بنبوّته، وخصَّه بالفضل كلِّه، وأعزّكم باتّباعه، وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وأمَّنَ به سُبُلكم المخوفة :( وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١) . فهل خلق ربّكم في الأوّلين والآخِرين أعظم حقّاً على هذه الأمّة من نبيَّها ؟ وهل ذرّية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقّاً على هذه الأمّة من ذرّية رسولها ؟ لا والله ما كان ولا يكون.
لله أنتم ! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت نبيّكم ؟ أمَا رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم إيّاه بالدم، وتجرارهموه على الأرض، لم يرقبوا فيه ربّهم، ولا قرابته من الرسول، اتخذوه للنبل غرضاً، وغادروه للضباع جزراً ؟
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٠٣.
فللِّه عينا مَن رأى مثله ! ولله حسين بن علي (عليهالسلام ) ماذا غادروا به ! ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم، ابن أوَّل المسلمين إسلاماً , وابن بنت رسول ربِّ العالمين.
قلَّتْ حماتُه , وكثرت عداته حوله، فقتله عدوُّه , وخذله وليُّه، فويلٌ للقاتل , وملامة للخاذل ! إنّ الله لم يجعل لقاتله حجّة، ولا لخاذله معذرة إلّا أن يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين وينابذ القاسطين ؛ فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة، ويقيل العثرة.
إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، والطلب بدماء أهل بيته وإلى جهاد المحلين والمارقين، فإنْ قُتلنا فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنا (صلىاللهعليهوآله ).
قال : وكان يعيد هذا الكلام علينا في كلِّ يوم حتّى حفظه عامّتنا.
قال : ووثب الناس على عمرو بن حريث عند هلاك يزيد بن معاوية فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن اُمية بن خلف الجمحي، وهو دحروجة الجعل الذي قال له ابن همام السلولي :
اشْدُدْ يديك بزيدٍ إن ظفرتَ به |
واشفِ الأراملَ من دحروجةِ الجعلِ |
وكان كأنّه إيهام قصرا , وزيد مولاه وخازنه , فكان يصلّي بالناس، وبايع لابن الزّبير. ولم يزل أصحاب سليمان بن صرد يدعون شيعتهم وغيرهم من أهل مصرهم حتّى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتّباعهم بعد هلاك يزيد بن معاوية أسرع منهم قبل ذلك(١) .
وقال الذهبي وابن حجر وغيرهما - واللفظ للأوّل - قال في ترجمة سليمان بن صرد : سليمان بن صرد , الأمير أبو مطرف الخزاعي الكوفي الصحابي , له رواية يسيرة , وعن أُبي، وجبير بن مطعم. وعنه يحيى بن يعمر، وعدي بن
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٩٤ - ٣٩٥.
ثابت، وأبو إسحاق، وآخرون.
قال ابن عبد البر : كان ممّن كاتب الحسين (عليهالسلام ) ليبايعه، فلمـّا عجز عن نصره ندم وحارب. قلت : كان ديّناً عابداً، خرج في جيش تابوا إلى الله من خذلانهم الحسين (عليهالسلام ) الشهيد، وساروا للطلب بدمه، وسمّوا جيش التوّابين. وكان هو الذي بارز يوم صفين حوشباً ذا ظليم فقتله.
حضَّ سليمان على الجهاد، وسار في اُلوف لحرب عبيد الله بن زياد، وقال : إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة.
والتقى الجمعان، وكان عبيد الله في جيش عظيم، فالتحم القتال ثلاثة أيّام، وقُتل خلقٌ من الفريقين , واستحرّ القتل بالتوّابين شيعة الحسين (عليهالسلام )، وقُتل اُمراؤهم الأربعة : سليمان، والمسيب، وعبد الله بن سعد، وعبد الله بن والي، وذلك بعين الوردة التي تُدعى رأس العين سنة خمس وستين، وتحيّز بمَن بقي منهم رفاعة بن شداد إلى الكوفة(١) .
فاتّضح من مصادر القوم أنّ الشيعة قلّة مستضعفة لم تتمكّن من نصرة الحسين (عليهالسلام )، فخرجوا على قلّتهم بعد ذلك تائبين، حتّى أنّهم لم يخرجوا لوحدهم بل خرج معهم مَن لم يحضر قتل الحسين (عليهالسلام ) من غير الشيعة أيضاً.
وهذا المختار (رحمهالله ) خرج بالشيعة للانتقام من قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) والأخذ بثأره، فهل بعد هذا يتصوّر من الذي يأخذ بثأر الإمام الحسين (عليهالسلام ) أنّه ممّن قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؟!
قال سبط ابن الجوزي : ثمّ خرج المختار وكان يقول :... ووالله لأقتلنّ بقتلة الحسين (عليهالسلام ) عدد مَن قُتل على دم يحيى بن زكريا...(٢) .
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣٩٤، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٤ / ١٧٥.
(٢) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٥٤ , وذكر قبل هذا المقطع بعض مثالب المختار بن عبيد لله الثقفي.
أقول : ويكفي المختار كرامةً انتقامه لأهل البيت (عليهمالسلام )، ودعاء الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) له عندما وصل رأس ابن زياد وابن سعد إلى المدينة كما يأتي في ترجمتهما.
وكان الملاك في قتله هؤلاء هو صدق الخروج على الحسين (عليهالسلام ) , فقد روى الطبري قال : واستخرج من دور الوادعيين خمسمئة أسير فاُتي بهم المختار مكتّفين، فأخذ رجلٌ من بني نهد، وهو من رؤساء أصحاب المختار يقال له : عبد الله بن شريك , لا يخلو بعربي إلّا خلّى سبيله، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولى لبني نهد , فقال له المختار : اعرضوهم عليَّ وانظروا كلَّ مَن شهد منهم قتل الحسين (عليهالسلام ) فأعلموني به. فأخذوا لا يُمرُّ عليه برجل قد شهد قتل الحسين (عليهالسلام ) إلّا قيل له : هذا ممّن شهد قتله. فيقدّمه فيضرب عنقه... إلخ(١) .
روى الطبري أيضاً قال : ونادى منادِ المختار : إنّه مَن أغلق بابه فهو آمن إلّا رجلاً شرك في دم آل محمّد (عليهمالسلام )(٢) .
روى ابن خلدون قال : وأسر من الوادعيين خمسمئة أسير , فقتل المختار كلَّ مَن شهد قتل الحسين (عليهالسلام ) منهم , فكانوا نصفهم، وأطلق الباقين. ونادى المختار : الأمان إلّا مَن شهد في دماء أهل البيت(٣) .
أقول : أوَ لَيس هؤلاء الاُلوف المؤلّفة الذين تجمّعوا بعد تفرّقهم في البلدان فيهم من شيعة أهل البيت (عليهمالسلام ) وهم يقاتلون قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؟ أفبعد هذا يعقل أنّ شيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) شركت في دمه ؟! إذ لا يعقل أنّ قتلة الإمام
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٥٨.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٤٥٩.
(٣) تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٥.
الحسين (عليهالسلام ) يقاتلون قتلته ؟! وكيف ذلك وعدد مَن قتله المختار(رحمهالله ) من قتلة الحسين (عليهالسلام ) سبعون ألف(١) كما قيل ؟
وأيضاً - كما تقدّم - فإنّ عبيد الله داهية من دواهي بني اُميّة , وهو يعمل جاهداً حتّى لا يصل أحد من الشيعة إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) لينصره في كربلاء، وليس هو بالغبي حتّى يرسل إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) شيعته وهو يعلم بأنّ وصولهم له (عليهالسلام ) يقلب الموازين على بني اُميّة، فما فعله ابن زياد هو قتل الشيعة وإبعادهم وعدم تمكينهم من أن يصلوا إلى نصرة إمامهم الحسين (عليهالسلام )(٢) .
قول الإمام الحسين (عليهالسلام ) : (( هذه كُتب شيعتي ))، أو (( كَتبتْ إلينا شيعتُنا ))، أو (( خذلتنا شيعتُنا بالعراق ))
بما تقدّم في أوّل هذا الفصل من أنّ للفظ الشيعة معنيين : عام وخاص , يتّضح أنّ قول الإمام الحسين (عليهالسلام ) على تقدير ثبوته : (( هذه كُتب شيعتي ))، أو (( كَتبتْ إلينا شيعتُنا ))، أو (( خذلتنا شيعتُنا بالعراق ))، وغيرها من هذه التعابير محمول على المعنى العام وهم الأتباع والأنصار، وهم كثير، بل هم أغلب مَن يبايع في ذاك الزمان أمير المؤمنين (عليهالسلام )، ومن بعده الإمام الحسن (عليهالسلام )، وبعده الإمام
____________________
(١) قال الخوارزمي في مقتله ٢/ ٢٨٠ : وكان المختار قد قتل بالكوفة خلقاً كثيراً من أهل الكوفة حتّى قيل : إنّه قتل سبعين ألفاً ممّن قتل أو قاتل الحسين (عليهالسلام ). فتركه أصحابه لِما في نفوسهم من الذحل على أقربائهم، وتحوّلوا إلى مصعب، فلمـّا رأى المختار ذلك نزل عن فرسه، ونزل معه شيعة آل الرسول (صلىاللهعليهوآله ) الخلّص فبركوا على أفواه السكك، فلم يزالوا يقاتلون من المغرب إلى الصبح، ثمّ قال له بعض أصحابه : أمَا والله أخبرتنا أنّا نقتل مصعباً. فقال : بلى، أمَا قال الله عزّ وجلّ :( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ؟ سورة الرعد /٣٩.
(٢) تقدّم بيان ذلك مفصّلاً في الأمر السادس.
الحسين (عليهالسلام )(١) .
فلا يتصور عاقل ذو مسكة وبصيرة أنّ شيعة الإمام الحسين (عليهالسلام ) قاتلت الإمام الحسين (عليهالسلام ) , كما لا يتصور أنّ المنافقين المندسّين في المسلمين مسلمون، وأنّ المرتدّين الذين قاتلوا المسلمين مسلمون...(٢) .
____________________
(١) انظر إلى أهل الكوفة مثلاً أيّام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) دون بقية البقاع الإسلاميّة , فإنهم يعتبرون من المشايعين والمتّبعين له (عليهالسلام )، ولكنهم لا يعتقدون بإمامته بالنص , بل يعتقدونه خليفةً للمسلمين من غير نصٍّ كبقية الخلفاء، كما هي عقيدة أكثر المسلمين في زمانه (عليهالسلام ) , إلّا ثلّة قليلة جداً ممّن اعتقد بهذا الاعتقاد ؛ مثل سلمان المحمدي والمقداد ومالك الأشتر وغيرهم ممّن اتّبعوا أقوال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كما عليه الشيعة الاثني عشرية غابراً وحاضراَ.
فها هم أهل الكوفة مع الإمام أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لمـّا أراد أن ينهاهم عن صلاة التراويح جماعةً , وفي وقت خاص، تركوه ونادوا : وا عمراه ! مع أنّ الشيعة بالمعنى الخاص لا يؤمنون بأقوال عمر فضلاً عن خلافته حتّى ينادون بهذا.
قال عبد الحميد المعتزلي في نهج البلاغة ١٢ / ٢٨٣ : وقد روي أنّ أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لمـّا اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرّفهم أنّ ذلك خلاف السنّة، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدّموا بعضهم، فبعث إليهم ابنه الحسن (عليهالسلام ) فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة، فلمـّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا : وا عمراه !
(٢) وهذه الحقيقة مبذولة فلا تحتاج إلى كلفة، وواضحة فلا تحتاج إلى بيان , فانظر إلى ما ذكره نافع بن هلال (رحمهالله ) عندما حزن الإمام الحسين (عليهالسلام ) على مقتل قيس بن مسهر الصيداوي (رحمهالله )، وما فعل به في الكوفة - في مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ١/ ٣٣٦، قال : وقال للحسين (عليهالسلام ) رجلٌ من شيعته يقال له : هلال بن نافع الجملي : يابن رسول الله , أنت تعلم أنّ جدَّك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لم يقدر أن يشرب الناس محبّته، ولا أن يرجعوا إلى ما كان أحب، فكان منهم منافقون يعِدونَه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمرِّ من الحنظل حتّى قبضه الله تبارك وتعالى إليه.
وأنّ أباك علياً (عليهالسلام ) قد كان في مثل ذلك، فقومٌ قد أجمعوا على نصرته، وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، وقومٌ قعدوا عنه وخذلوه حتّى مضى إلى رحمة الله ورضوانه , وروحه وريحانه، وأنت اليوم يابن رسول الله على =
وهذا التاريخ خيرُ شاهد على أنّه لا يوجد في قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) ولو فرد واحد من الشيعة المعتقدين بإمامته (عليهالسلام ) بالنص، وإلّا لتهافتت على تحبيره الأقلام.
ولو سلّمنا جدلاً وتنزّلاً بأنّ مَن خرج على الإمام الحسين (عليهالسلام ) هم من الشيعة بالمعنى الثاني، وعليه فما يمنع أنّهم كانوا ممّن يوصف ويُعرف بالتشيّع ثمّ انقلبوا كما انقلب الزّبير بن العوام(١) , وزياد بن أبيه(٢) على أمير المؤمنين علي بن أبي
____________________
مثل تلك الحالة، فمَن نكث عهده وخلع بيعته، فلن يضرّ إلّا نفسه، والله تبارك وتعالى مغنٍ عنه. فسِر بنا يابن رسول الله راشداً معافىً , مشرقاً إن شئت أو مغرباً ؛ فوالله الذي لا إله إلّا هو ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا ؛ نوالي مَن والاك، ونعادي مَن عاداك.
(١) وسوف نذكر تخلّفه عن بيعة أبي بكر مع أمير المؤمنين (عليهالسلام )، ونذكر أيضاً خروجه عليه (عليهالسلام ) في معركة الجمل في بحث التسمية من الفصل الثالث عشر.
(٢) وزياد بن أبيه لا يختلف اثنان في أنّه من أخبث المعادين والمعاندين لأهل البيت (عليهمالسلام ) وشيعتهم، مع أنّه كان يُعرف بأنه شيعي، وهذا واضح لا غبار عليه، والكتب التاريخية مليئة بهذا، وسيأتي شيء منه في ترجمة ابنه عبيد الله بن زياد.
ففي شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٤ قال عبد الحميد المعتزلي : وروى أبو الحسن على بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب ( الأحداث ) قال : كَتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة : أن برئتْ الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كلِّ كورة وعلى كلِّ منبر يلعنون عليّاً، ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة ؛ لكثرة مَن بها من شيعة علي (عليهالسلام ).
فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف ؛ لأنّه كان منهم أيّام علي (عليهالسلام ) , فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطرفهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم... إلخ.
تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٣٠ : =
طالب (عليهالسلام ) ؟ وهل بعد انقلابهم وجحدهم إيَّاه (عليهالسلام ) يقال لهم : شيعة علي (عليهالسلام ) ؟!
فكلُّ مَن خرج لقتال أهل البيت (عليهمالسلام ) فهو من أعدائهم لا من شيعتهم حتّى لو لم يصنع شيئاً غير تكثير سواد الأعداء(١) .
____________________
= [...] وكانت بينه ( زياد بن أبيه ) وبين حجر بن عدي مودّة، فوجّه إليه فأحضره، ثمّ قال له : يا حجر , أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعلي ؟ قال : نعم. قال : فإنّ الله قد حوّل ذلك بغضة وعداوة. أورأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية ؟ قال : نعم. قال : فإنّ الله قد حوّل ذلك محبّةً وموالاة. فلا أعلمنك ما ذكرت علياً بخير، ولا أمير المؤمنين معاوية بشر.[....]
وفي لسان الميزان ٢ / ٤٩٣، قال ابن حجر : وكان زياد قوي المعرفة , جيد السياسة، وافر العقل، وكان من شيعة علي (عليهالسلام ) , وولاّه إمرة القدس، فلمـّا استلحقه معاوية صار أشدّ الناس على آل علي (عليهالسلام ) وشيعته، وهو الذي سعى في قتل حجر بن عدي...
وفي سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٩٦ قال الذهبي : قال أبو الشعثاء : كان زياد أفتك من الحجاج لمـّن يخالف هواه.
وقال ابن شوذب : بلغ ابن عمر أنّ زياداً كتب إلى معاوية : إنّي قد ضبطت العراق بيميني، وشمالي فارغة، وسأله أن يوليه الحجاز، فقال ابن عمر : الّلهم إنّك إن تجعل في القتل كفّارة، فموتاً لابن سمية لا قتلاً. فخرج في إصبعه طاعون فمات.
قال الحسن البصري : بلغ الحسن بن علي أنّ زياداً يتتبّع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم، فدعا عليه. وقيل : إنّه جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من أبي الحسن (عليهالسلام )، فأصابه حينئذ طاعون في سنة ثلاث وخمسين.
وفي مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٦، قال الهيثمي : وعن الحسن قال : كان زياد يتّبع شيعة علي فيقتلهم، فبلغ ذلك الحسن بن علي (عليهالسلام ) , فقال : (( الّلهم تفرّد بموته فإنّ القتل كفارة )). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وهذه مرويّات بأسانيد كما في المعجم الكبير للطبراني، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر.
(١) وهذا ملموس بالوجدان إلّا على مَن أراد أن يخلط الحق بالباطل , ويسلو بنفسه عن الحساب وعدم التوبة بما يوحي له الشيطان. وأذكر ما قاله أبو الودك في أحوال مَن كثّر السواد وإن لم =
وإليك موقف من المواقف العقلائية يبيِّن هذه الحقيقة ؛ فقد روى الطبري بعد كلام دار بين زهير بن القين رضوان الله عليه، وبين عزرة بن قيس، قال : فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت. فقال له زهير : يا عزرة , إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتق الله يا عزرة فإنّي لك من الناصحين. أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية.
قال : يا زهير , ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كنت عثمانياً.
____________________
= يقتل أحداً , مع ما يأتي في شمول عقاب قتلة الحسين (عليهالسلام ) إلى مَن كثَّر سواد جيش يزيد بن معاوية لعنه الله.
روى الطبري في تاريخه ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦، قال : قال أبو مخنف : حدثني نمير بن وعلة أنّ أيوب بن مشرح الخيواني كان يقول : أنا والله عقرت بالحرِّ بن يزيد فرسه , حشأته سهماً، فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحرّ كأنه ليث، والسيف في يده، وهو يقول :
إن تعقروا بي فأنا ابنُ الحُرِّ |
أشجعُ من ذي لبدٍ هِزَبْرِ |
قال : فما رأيت أحداً قط يفري فريه.
قال : فقال له أشياخ من الحي : أنت قتلته ؟
قال : لا والله ما أنا قتلته، ولكن قتله غيري، وما أحب أنّي قتلته.
فقال له أبو الوداك : ولِمَ ؟
قال : إنّه كان - زعموا - من الصالحين، فوالله لئن كان ذلك إثماً لأنْ ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحب إليَّ من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم.
فقال له أبو الوداك : ما أراك إلّا ستلقى الله بإثم قتلهم أجمعين ؛ أرأيت لو أنّك رميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر، ووقفت موقفاً، وكررت عليهم، وحرّضت أصحابك، وكثّرت أصحابك، وحُمل عليك فكرهت أن تفر، وفعل آخر من أصحابك كفعلك، وآخر وآخر، كان هذا وأصحابه يقتلون، أنتم شركاء كلكم في دمائهم.
فقال له : يا أبا الوداك , إنّك لتقنطنا من رحمة الله ! إن كنت ولي حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك إن غفرت لنا.
قال : هو ما أقول لك. انتهى.
قال : أفلست تستدل بموقفي هذا أنّي منهم ؟ أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط(١) , ولا أرسلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه ؛ فلمـّا رأيته ذكرت به رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوِّه وحزبكم، فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه ؛ حفظاً لِما ضيّعتم من حقِّ الله وحقِّ رسوله (عليهالسلام )(٢) .
وأمّا خذلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) فهم مَن كتب إليه ووعده النصر , من غير الشيعة المعتقدين بإمامته بالنص (عليهالسلام ) , ثمّ لم يخرجوا لنصرته مع تمكّنهم - ويشير لهذا ما صرّح به المؤرّخون بأنّ التوّابين الذين خرجوا بعد قتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) من الشيعة ومن غير الشيعة (كما تقدّم تحت عنوان حقائق تاريخية) تبيَّن موقف الشيعة من مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) - فهؤلاء كبقية مَن بايع أمير المؤمنين علي (عليهالسلام ) على أنّه الخلفية الرابع بعد عثمان بن عفان لا أنّه الخليفة بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بالنص.
فخذلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) بمنزلة بعض الخوارج الذين بايعوا الإمام علي (عليهالسلام ) وقاتلوا معه القاسطين والناكثين ثمّ خرجوا عليه فكانوا من
____________________
(١) وأمّا مَن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) مثل حبيب بن مظاهر وغيره من الشيعة الموالين، فهؤلاء لم يسمع لهم ذكر مع مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) ؛ وذلك للأحداث التي حتّمت تعجيل الخروج، ولكبر الكوفة واتّساعها وانتشار الشيعة مع قلّتهم في أقطارها، وقصر المدّة الزمنية التي خرج فيها مسلم بن عقيل (عليهالسلام )، فلم يمكنهم الحضور لبعدهم ولضيق الوقت، فمَن حضر هم خصوص مَن سمع نداء : (يا منصور أمت) , وهم القريبون فقط.
ولا يبعد أيضاً فرض الإقامة الجبرية على بعض هؤلاء والسجن على الآخر ؛ وذلك لأنّ مثل هؤلاء كانوا معروفين بالتشيّع لأهل البيت (عليهمالسلام )، والمدّة التي كان ابن زياد - لعنه الله - يبحث فيها عن مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) كافية لذلك.
ويأتيك في مقتل ميثم برواية ابن حجر العسقلاني من ترجمة عبيد الله بن زياد ما يبيّن شيئاً من ذلك ؛ كحبس المختار، وقتل ميثم قبل وصول الحسين (عليهالسلام ) إلى العراق بعشرة أيّام.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ١١٤.
المارقين , ثمّ تابوا، ثمّ عدوا على ابنه الإمام الحسين (عليهالسلام ) فقتلوه. ومن هؤلاء شبث بن ربعي كما يأتي ذكر ذلك في ترجمته على ما هو في مصادر القوم، فهؤلاء - عدا مَن خرج عليه بعد - شيعته (عليهالسلام ) بالمعنى العام، وهم خلاف الشيعة المعتقدين بإمامته بالنص.
أمّا الشيعة المعتقدون بإمامته بالنص فهم مع قلّتهم في الكوفة، فقد ضيَّق عليهم - كما تقدّم عليك - لكي لا يصلوا إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) في كربلاء ؛ فزُجَّ في السجون مَن زجّ كسليمان بن صرد الخزاعي والمختار وغيرهما من الشيعة، وقُتل مَن قُتل، وأُبعد مَن أُبعد، وجعلت المناظر والمسالح(١) لكي لا يصل أحد منهم إليه (عليهالسلام ).
وأمّا مسألة التوبة التي خرجوا بعنوانها على قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) فهي لضمّ غيرهم ممّن خذل الإمام الحسين (عليهالسلام )، وهم الكثرة الكاثرة من التوّابين، وإلّا إذا كان سليمان بن صرد الخزاعي والمختار وغيرهما في السجون , وبعضهم اُبعدوا , وبعض آخر مُنعوا من أن يصلوا إلى إمامهم الحسين (عليهالسلام ) حتّى اُقيمت المراصد والمسالح، فلماذا يتوب هؤلاء غير المتمكّنين من نصرته (عليهالسلام )؟!
إلّا أن تُحمل التوبة على الجانب القصوري لا التقصيري كما هو متعارف، وهي لا تدلّ على الخذلان كما هو ظاهر ؛ إذ المتعارف بين الناس إذا طلب منهم شخصٌ عزيز شيئاً وهم لا يستطيعون فعله يقدّمون الاعتذار , ويطلبون المسامحة مع أنّهم غير متمكّنين.
____________________
(١) تقدّم كل ذلك في الأمر السادس تحت عنوان : منع الشيعة من الوصول إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) في كربلاء.
المتطرّفون من أهل الخلاف لا يختلفون عن قَتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )
قتلة سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الإمام الحسين بن علي (عليهالسلام ) لا يختلفون عن غيرهم من أهل الخلاف القائلين بإمامة آل أبي سفيان ؛ فأهل الخلاف المتطرّفون شيعة وأنصار لهم، وقتلة الحسين (عليهالسلام ) شيعة وأنصار لهم , فما الفرق ؟! ولهذا لا تجد من هذه الفرقة من يخطّئ يزيد بن معاوية فضلاً عن أبيه ؛ فيسددون أعمالهم ويعتذرون لهم، وما ذلك إلّا لاعتقادهم بإمامتهم.
وأمّا الشيعة الإمامية فلا يختلف اثنان بأنّهم أعداء آل أبي سفيان وأعداء أنصارهم إلى يوم القيامة، وأنّهم أنصار أهل البيت (عليهمالسلام ) حقّاً. فلينظر المسلم مَن إمامه يوم القيامة، أهُم أهل البيت (عليهمالسلام ) أمْ أعداؤهم ؟ وقد قال الله تعالى :( يَوْمَ نَدْعُو كلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (١) .
وقد تتبّعنا قتلة الحسين (عليهالسلام ) فما وقع نظرنا على أحدٍ منهم إلّا وجدناه من أنصار بني اُميّة(٢) ، ونظرنا إلى موقف أهل الخلاف منه فلم نجدهم إلّا وقد وثَّقوه وأثنوا عليه واتّبعوه وقبلوا روايته، وعطفنا النظر أيضاً إلى موقف الشيعة - الاثني عشرية - من هؤلاء الأرذال، فلم نجدهم إلّا نبذوهم وتركوهم ولعنوهم، ورأوا البراءة منهم واجبة، ومودّتهم محرمة ومخرجة من المذهب و... و... إلخ.
____________________
(١) سورة الإسراء / ٧١.
(٢) وفي تاريخ الطبري ٣ / ٣١٤، قال : فبعث عمر بن سعد إلى الحسين (عليهالسلام ) عزرة بن قيس الأحمسي، فقال : ائته فسله ما الذي جاء به، وماذا يريد ؟ وكان عزرة ممّن كتب إلى الحسين (عليهالسلام ) , فاستحيا منه أن يأتيه، قال : فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلهم أبى وكرهه.
وللشيعة شَهَد الذهبي , قال في كلامه عن ابن زياد : قلت : الشيعي لا يطيب عيشه حتّى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله(١) ، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله(٢) . انتهى.
وما أدري كيف يتبرّأ منهم وجميع مَن خرج على الإمام الحسين (عليهالسلام ) مطيعون لله في نظر هؤلاء في ما فعلوه من ذبح وقتل وسلب وهتك أهل بيت النبوة (عليهمالسلام ) ؛ نصرةً ليزيد بن معاوية، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما ما يدل على طاعة هؤلاء الأرجاس - واللفظ للأوّل - قال : حدثنا مسدد، عن عبد الوارث، عن الجعد، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، عن النبي (صلىاللهعليهوآله )، قال : (( مَن كره من أميره شيئاً فليصبر ؛ فإنّه مَن خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهليّة )).
حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان، حدثني أبو رجاء العطاردي، قال : سمعت ابن عباس (رضياللهعنه )، عن النبي (صلىاللهعليهوآله )، قال : ((مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه ؛ فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلّا مات ميتة جاهليّة ))(٣) .
فعلى هذا أنّ قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) لم يفارقوا هذه الجماعة المتمثّلة في يزيد بن معاوية، فهُم مطيعون وصابرون، وإلّا لو خرجوا كما خرج الإمام الحسين (عليهالسلام ) لماتوا ميتة جاهليّة ؛ فهذا شمر بن ذي الجوشن من المصلّين
____________________
(١) نعم، يبغضونهم نظرياً إن صحّ، وإلّا فهُم عمليّاً يوالونهم كما يتّضح في تراجمهم.
(٢) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٥٤٩.
(٣) صحيح البخاري - البخاري ٨ / ٨٧، وفي ط / ٢٥٨٨، صحيح مسلم - مسلم النيسابوري ٦ / ٢١.
والداعين الله، وممّن امتثل ما رواه البخاري ومسلم.
روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنبأ أبو عمرو الإصبهاني، أنبأ أبو محمّد المديني، ثنا أبو الحسن الكتاني، أنبأ أبو بكر القرشي، حدثني هارون أبو بشر الكوفي، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال : كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي يصلّي معنا الفجر , ثمّ يقعد حتّى يصبح، ثمّ يصلّي، ثمّ يقول : الّلهم إنّك شريف تحب الشرف، وإنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي.
قلت : كيف يغفر الله لك وقد أعنتَ على قتل ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟!
قال : قلت : ويحك ! كيف تصنع إن أُمراؤنا هؤلاء أمرونا بأمرٍ فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنَّا شرّاً من هؤلاء الحمر السقاة(١) .
روى أيضاً : أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي، أنبأ الحسن بن علي، أنبأ أبو عمر بن حيوية، أنبأ أحمد بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، أنبأ منذر بن إسماعيل، حدثني الهيثم بن الخطاب الهدي أنّه سمع أبا إسحاق السبيعي يقول : كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي يقول : لا يكاد أو لا يحضر الصلاة فيجيء بعد الصلاة فيصلّي، ثمّ يقول : الّلهم اغفر لي ؛ فإنّي كريمٌ لم تلدني اللئام.
قال : فقلت له : إنّك لسيِّئ الرأي [ والفكر , تسارع ] إلى قتل ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) [ وتدعو بهذا الدعاء ! ](٢) .
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣/ ١٨٩.
(٢) أثبتنا ما بين المعقوفات من مصادر اُخرى بعد أن كانت ساقطة من الأصل ؛ وذلك ليستقيم المعنى والسياق. (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)
فقال : دعنا منك يا أبا إسحاق، فلو كنَّا كما تقول وأصحابك كنَّا شرّاً من(*) الحمراء السقات(١) .
____________________
(*) قال اليافعي في كتاب مرآة الزمان وعبرة اليقظان /٢٨١ نسخة برنامج الموسوعة الشعرية : سنة أربع وستين في أوّلها هلك مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، عجّل الله قصمه. والعجب أنّه شهد الوقعة وهو مريض في محفة كأنّه مجاهد في سبيل الله، وكذلك عجّل الله تعالى يزيد بن معاوية فمات بعد نيف وسبعين يوماً منها، وله ثمان وثلاثون سنة، بايع له أبوه الناس في حياته.
أقول : وكأنّ اليافعي متعجّب بأنّ ما فعله مسلم بن عقبة جهاد في سبيل الله، بل هو كذلك على ما صرّح به المؤرّخون، وهذه عقيدة مَن زيَّن لهم الشيطان أعمالهم فجعلهم يتقرّبون إلى الله بما هو مبغوض له سبحانه وتعالى ؛ فخُذ على سبيل المثال عبد الرحمن بن ملجم (لعنه الله) فإنّه يتقرّب إلى الله بدم حجة الله علي بن أبي طلب (عليهالسلام )، وأيضاً الشمر كما هو واضح من قوله بأنّه لو لم يخرج ويقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) لمات ميتةً جاهليّة , بل لكان شرّاً من البهائم , فهؤلاء هذا ديدنهم في التقرّب إلى الله بدماء أوليائه الأبرار الأخيار.
فانظر إلى ما ذكره مسلم بن عقبة , فقد روى ابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة، تحقيق الشيري ١/ ٢٣١، قال : وكان معاوية قد أوصى يزيد فقال له : إن رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة مسلم بن عقبة. فدعا به، فقال : سِر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش، وإن شئت أعفيتك ؛ فإنّي أراك مدنفاً منهوكاً.
فقال : نشدتك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله إلي أو تبعث غيري ؛ فإنّي رأيت في النوم شجرة غرقد تصيح أغصانها : يا ثارات عثمان ! فأقبلت إليها، وجعلت الشجرة تقول : إليَّ يا مسلم بن عقبة. فأتيت فأخذتها , فعبّرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان. ووالله ما صنعوا الذي صنعوا إلّا أنّ الله أراد بهم الهلاك. فقال يزيد : فسِر على بركة الله فأنت صاحبهم.
وهذا هو يقول : لئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرّة إنّي إذاً لشقي. كما في وفيات الأعيان وأنباء أهل الزمان / ٤٨٧٢، لابن خلكان، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
فهذا حالهم، والنواصب في كل زمان على منوالهم، فهؤلاء هم أعداء الله ورسوله (صلىاللهعليهوآله ) وأهل بيته (عليهمالسلام ) ؛ إذ تراهم يتقرّبون إلى الله بدماء أوليائه كما تقرّب ابن ملجم (عليه لعنة الله) بقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) , فها هو يرفع السيف وهو ينادي : الحكم لله لا لك يا علي. وضربه على قرنه بالسيف، فقال علي (عليهالسلام ) : (( فزتُ وربِّ الكعبة )). الإمامة والسياسة ١ / ١٨٠.
وكذا الملعون شمر بن ذي الجوشن , فإنّ ما فعله بدم الإمام الحسين (عليهالسلام ) تقرّباً أيضاً، وكذا معاوية يرى أنّ موت الإمام الحسن (عليهالسلام ) من تجدّد النِعم عليه، حتّى تراه يخرّ ساجداً هو وذويه لمـّا سمعوا بموته، كما في الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ١ / ١٥٠، وتحقيق الشيري / ١٩٦، وفي ربيع الإبرار ونصوص الأخبار /٢٦٩٠، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية، وفي محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء / ٤٠١٠، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
وكذلك ما فعله مسلم بن عقبة بأهل مدينة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من سفك دمائهم وإباحة أموالهم وهتك أعراضها تقرّباً إلى الله تعالى.
وما زالت هذه الطبيعة مخزونة فيهم مورثة من أسلافهم ؛ إذ تجد الكثير مَن يُحلّل ويُحبّب إباحة دماء الأبرياء من أبناء علي وفاطمة (عليهمالسلام ) وشيعتهم الاثني عشرية، ويجعل دم الشيعي بألف حسنة , ودم الكافر الملحد واليهودي بعشر حسنات كما هو مكتوب في هذا الزمان على جدران بعض منازل النواصب في العراق، فيتقرّبون بذبح الشيعة وهتكهم , وينادون عند ذبحهم : لا حكم إلّا لله، والله غالب على أمره. ويردّدون كلمة ( الله أكبر) ؛ وذلك لا لشيء سوى أنّهم شيعة أهل البيت (عليهمالسلام ) كما هو حاصل في أيّامنا هذه في العراق وأفغانستان والهند وغيرها على أيدي النواصب لا غفر الله لهم أبداً , وجعل كيدهم في نحورهم.
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣/ ١٨٨.
وهذه الروايات تدلّ على أنّ قتلته (عليهالسلام ) مثل باقي أهل الخلاف ممّن يعتقدون بإمامة يزيد بن معاوية، والذين يعترفون بسلطانه، فهو ممّن يجب اتّباعه في قتل الحسين (عليهالسلام ) سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وريحانته، ومَن حربه حربه، وسلمه سلمه، وبغضه بغضه، وحبّه حبّه ! فحال هؤلاء حال الذين وجدوا في ذلك الزمان وقاتلوا الإمام الحسين (عليهالسلام ) ونصروا يزيد بن معاوية ؛ دفاعاً وذبّاً عنه لكي لا يموتوا ميتةً جاهليّة !
وما أقول : ألا الحمد لله على نعمة العقل والولاية لمحمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين , والبراءة من أعدائهم عليهم لعائن الله إلى قيام يوم الدين.
ونذكر تراجم(١) قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )، وأقوال أهل الخلاف فيهم , وأقوال الشيعة الاثني عشرية ؛ لكي نرى مدى ارتباط أهل الخلاف بقتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) , وبمَن خالف وعادى أهل البيت (عليهمالسلام )، و مدى براءة الشيعة منهم. فإليك ما وقفتُ عليه منهم :
____________________
(١) قد تعرّض لهذا البحث باختصار العلّامة الشيخ مهدي المصلّي القطيفي (حفظه الله) في كتابه ( الرد على كتاب لله ثمّ للتاريخ ).
ترجمة عمر بن حريث المخزومي القرشي
هو من قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )، وممّن خرج على مسلم بن عقيل (عليهالسلام )، وممّن أقام شهادة(١) زوراً على حجر بن عدي وأصحابه - رضوان الله عليهم - حتّى قتلهم معاوية ظلماً وعدواناً بعد ما طلب منهم النيل والبراءة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه). وهو ممّن والى بني اُميّة، وهو عند أهل الخلاف من الصحابة الثقات الذين يروى حديثهم في الصحاح كصحيح البخاري وصحيح مسلم(٢) وغيرهما.
قال ابن كثير والطبري - واللفظ للأوّل - قال : وبعث ابن زياد عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن، ومحمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارساً، فلم يشعر مسلم
____________________
(١) راجع تاريخ الطبري ٤ / ١٩٩ - ٢٠١. وفيه : أمَرَ زياد الناس بأن يشهدوا بمثل شهادة أبي بردة بأنّ حجراً (رضوان الله عليه) سبّ الخليفة وجمع الجماعات وكفر بالله... وفيه أيضاً شهادة شريح بن هانيء في حق حجر بأنّه من العبّاد الأخيار، ومع ذلك ردّ شهادته معاوية.
أقول : أعجب بعد هذا وغيره ممّن يتفوّه بأنّ كل أهل الكوفة موالون لأهل البيت (عليهمالسلام ) مع هذه الجماعات المنتمية لبني اُميّة !
(٢) روى عنه في صحيح البخاري ٥/ ١٩٧ و٧ / ١٧ وغيرها، وروى عنه في صحيح مسلم ٢ / ٣٩، و٢ / ٤٦ و٤ / ١١٢ وغيرها , وفي هذا كفاية.
إلّا وقد اُحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه، فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرّات، واُصيبت شفته العليا والسفلى، ثمّ جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب، فضاق بهم ذرعاً، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم(١) .
قال ابن الأثير : عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، يكنى أبا سعيد، رأى النبي (صلىاللهعليهوآله )، وهو أخو سعيد بن حريث، ويجتمع هو وخالد بن الوليد وأبو جهل بن هشام في عبد الله.
سكن الكوفة وابتنى بها داراً - وهو أوَّل قرشي اتخذ بالكوفة داراً - وروى عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) , وكان عمره لمـّا توفّي النبي (صلىاللهعليهوآله ) اثنتي عشرة سنة، وقيل : حملت به اُمّه عام بدر. ومسح النبي (صلىاللهعليهوآله ) رأسه ودعا له بالبركة في صفقته وبيعه , فكسب مالاً عظيماً، وكان من أغنى أهل الكوفة , وولي لبني اُميّة بالكوفة، وكانوا يميلون إليه ويثقون به، وكان هواه معهم(٢) .
أقوال أهل الخلاف فيه
قال فيه الذهبي، وابن حجر - واللفظ للأوّل - : عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أخو سعيد بن حريث. كان عمرو من بقايا أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الذين كانوا نزلوا الكوفة , مولده قبيل الهجرة , له صحبة ورواية , وروى أيضاً عن أبي بكر الصديق، وابن مسعود. حدّث عنه ابنه جعفر ،
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٦٧، تاريخ الطبري ٤ / ٢٦٠.
(٢) اُسد الغابة - ابن الأثير ٤ / ٩٧، وفي ط ٣ / ٧٠٩.
والحسن العرني، والمغيرة بن سبيع، والوليد بن سريع، وعبد الملك بن عمير، وإسماعيل بن أبي خالد، وآخرون. وآخر مَن رآه رؤية خلف بن خليفة. توفّي سنة خمس وثمانين. ثمّ قال الواقدي : ثمّ ولي الكوفة لزياد بن أبيه، ولابنه عبيد الله بن زياد(١) .
وقال فيه ابن حبان : عمرو بن حريث بن عمرو المخزومي القرشي , أبو سعيد , كان مولده يوم بدر , مات سنة خمس وثمانين(٢) .
وقال فيه البخاري : عمرو بن حريث , أبو سعيد المخزومي القرشي (رضياللهعنه )، سكن الكوفة(٣) .
وقال العجلي في معرفة الثقات : عمرو بن حريث المخزومي , كوفي من أصحاب النبي (صلىاللهعليهوآله )(٤) .
عمرو بن حريث عند الشيعة ملعون ناصبي
قال فيه السيد علي البروجردي (قدسسره ) : عمرو بن حريث، من أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام ) , عدوّ الله تعالى , ملعون(٥) .
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٤١٨ - ٤١٩، وذكره أيضاً في كتابه (الكاشف في مَن له رواية في كتب الستة ٢/ ٧٤)، تحرير تقريب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٣ /٨٩ , ط مؤسسة الرسالة.
(٢) مشاهير علماء الأمصار - ابن حبان / ٧٩، كتاب الثقات - ابن حبان ٥ /١٧٩.
(٣) التاريخ الكبير - البخاري ٦ / ٣٠٥.
(٤) معرفة الثقات - العجلي ٢/ ١٧٤.
(٥) طرائف المقال - السيد علي البروجردي ٢ / ١٠١.
وقال فيه السّيد الموحد الأبطحي أعلى الله مقامه : فإنّ عمرو هو الذي ذكره الشيخ في الصحابة، وأيضاً في أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام ) قائلاً : عمرو بن حريث عدوّ الله، ملعون. قلت : وجناياته وظلمه على آل محمّد معروفة(١) .
وقال فيه السّيد الخوئي (قدسسره ) : عمرو بن حريث : من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، رجال الشيخ، وعدَّه في أصحاب علي (عليهالسلام ) أيضاً , قائلاً : عمرو بن حريث، عدوّ الله، ملعون. ويأتي في ترجمة ميثم التمار خروج كلمة كبيرة من فيه، قاتله الله(٢) .
أقول : انظر إلى تلك الكلمة الدالّة على نصبه وعداوته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) في مقتل ميثم (رحمهالله ).
مقتل ميثم التمّار (رضوان الله عليه)(٣)
قال السّيد الخوئي (قدسسره ) وغيره : وروي عن أبي الحسن الرضا (عليهالسلام )، عن أبيه، عن آبائه (صلوات الله عليهم)، قال : (( أتى ميثم التمّار دار أمير المؤمنين (عليهالسلام )، فقيل له : إنّه نائم. فنادى بأعلى صوته : انتبه أيُّها النائم ؛ فوالله لتخضبنّ لحيتك من رأسك. فانتَبَه أمير المؤمنين (عليهالسلام ) فقال : أدخلوا ميثماً.
فقال له : أيُّها النائم، والله لتخضبنَّ لحيتك من رأسك.
فقال : صدقت , وأنت والله لتقطعنَّ يداك ورجلاك ولسانك , وليقطعن من النخلة التي بالكناسة فتُشق أربع قطع ؛ فتُصلب أنت على ربعها، وحجر بن عدي على ربعها ،
____________________
(١) تهذيب المقال - السّيد محمّد علي الأبطحي ٥ / ١٦٨.
(٢) معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ١٤ / ٩٢.
(٣) ويأتي ذكر مقتله (رحمهالله ) من مصادر أهل الخلاف في ترجمة عبيد الله بن زياد.
ومحمد بن أكثم على ربعها، وخالد بن مسعود على ربعها.
قال ميثم : فشككتُ في نفسي وقلت : إنّ عليّاً ليخبرنا بالغيب ! فقلت له : أو كائن ذلك يا أمير المؤمنين ؟!
فقال : أي وربّ الكعبة , كذا عَهده إليَّ النبيُّ (صلىاللهعليهوآله ).
قال : فقلت : ومَن يفعل ذلك بي يا أمير المؤمنين ؟
فقال : ليأخذنك العتل الزنيم ابن الأمَة الفاجرة عبيد الله بن زياد.
قال : وكان يخرج إلى الجبانة وأنا معه، فيمرّ بالنخلة فيقول لي : يا ميثم , إنّ لكَ ولها شأناً من الشأن.
قال : فلمـّا ولي عبيد الله بن زياد الكوفة ودخلها تعلّق علمه بالنخلة التي بالكناسة، فتخرّق , فتطير من ذلك فأمَر بقطعها، فاشتراها رجلٌ من النجّارين فشقّها أربع قطع.
قال ميثم : فقلت لصالح ابني : فخذ مسماراً من حديد فانقش عليه اسمي واسم أبي، ودقّه في بعض تلك الأجذاع.
قال : فلمـّا مضى بعد ذلك أيّام أتى قومٌ من أهل السوق فقالوا : يا ميثم , انهض معنا إلى الأمير نشكو إليه عامل السوق ونسأله أن يعزله عنَّا ويولّي علينا غيره.
وقال : وكنت خطيب القوم , فنصت لي وأعجبه منطقي، فقال له عمرو بن حريث : أصلح الله الأمير , تعرف هذا المتكلّم ؟
قال : ومَن هو ؟
قال : هذا ميثم التمّار الكذّاب، مولى الكذّاب علي بن أبي طالب.
قال : فاستوى جالساً فقال لي : ما يقول ؟
فقلت : كذب أصلح الله الأمير، بل أنا الصادق مولى الصادق علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حقّاً.
فقال لي : لتبرأنّ من عليٍّ ولتذكرنَّ مساويه , وتتولّى عثمان وتذكر محاسنه، أو لأقطعنَّ يديك ورجليك ولأصلبنَّك.
فبكيت، فقال لي : بكيت من القول دون الفعل ؟ فقلت : والله ما بكيتُ من القول ولا من الفعل، ولكنّي بكيتُ من شكٍّ كان دخلني يوم خبّرني سيدي ومولاي.
فقال لي : وما قال لك (مولاك) ؟
قال : فقلت : أتيت الباب فقيل لي : إنّه نائم , فناديت : انتبِه أيُّها النائم ؛ فوالله لتخضبنَّ لحيتك من رأسك. فقال : صدقت، وأنت والله لتقطعنَّ يداك
ورجلاك ولسانك ولتصلبنّ.
فقلتُ : ومَن يفعل ذلك بي يا أمير المؤمنين ؟ فقال : يأخذك العتل الزنيم ابن الأمَة الفاجرة، عبيد الله بن زياد.
قال : فامتلأ غيظاً , ثمّ قال لي : والله لأقطعنَّ يديك ورجليك , ولأدعنَّ لسانك حتّى أكذبك وأكذب مولاك. فأمر به فقُطعت يداه ورجلاه، ثمّ اُخرج واُمر به أن يُصلب، فنادى بأعلى صوته : أيُّها الناس، مَن أراد أن يسمع الحديث المكنون عن عليِّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) ؟
قال : فاجتمع الناس وأقبل يحدّثهم بالعجائب.
قال : وخرج عمرو بن حريث وهو يريد منزله، فقال : ما هذه الجماعة ؟ فقالوا : ميثم التمّار يحدّث الناس عن عليِّ بن أبي طالب.
قال : فانصرف مسرعاً فقال : أصلح الله الأمير، بادر وابعث إلى هذا مَن يقطع لسانه ؛ فإنّي لستُ آمَن أن تتغيّر قلوب أهل الكوفة فيخرجوا عليك.
قال : فالتفت إلى حرسي فوق رأسه، فقال : اذهب فاقطع لسانه.
قال : فأتاه الحرسي فقال له : يا ميثم.
قال : ما تشاء ؟
قال : أخرج لسانك فقد أمرني الأمير بقطعه.
قال ميثم : ألا زعم ابن الأمَة الفاجرة أنّه يكذبني ويكذب مولاي ! هاك لساني.
قال : فقطع لسانه فتشحّط ساعة في دمه ثمّ مات، وأمر به فصُلب.
قال صالح : فمضيت بعد ذلك بأيّام فإذا هو صلب على الربع الذي كنت دققت فيه المسمار ))(١) .
____________________
(١) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي ٢٠ / ١٠٧، الاختصاص - الشيخ المفيد / ٧٥، اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ١ / ٢٩٧، بحار الأنوار - العلّامة المجلسي ٢٤ / ١٣٢، مسند الإمام الرضا (عليهالسلام ) - الشيخ عزيز الله عطاردي ٢ / ٤٥١، مواقف الشيعة - الأحمدي الميانجي ٣ / ١٥٥، روضة الواعظين - الفتال النيسابوري / ٢٨٨.
أقول : وقد قال أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في عمرو بن حريث إنّه من المنحرفين والمنافقين , وقاتلي ابنه الحسين (عليهالسلام ). وسأذكر الرواية مفصّلة في ترجمة شبث بن ربعي(١) .
____________________
(١) تفسير أبي حمزة الثمالي / ٢٣٣، مدينة المعاجز للبحراني ٣ / ١٦٩، الجرائح والخرائج للقطب الراوندي ١ / ٢٢٥ , ولكنه خصَّ قتلة الحسين (عليهالسلام ) بابن الأشعث وابن حريث، وكذا في بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي ٣٣ / ٣٨٤ , كلمات الإمام الحسين (عليهالسلام ) للشيخ الشريفي / ١٤٣.
ترجمة عزرة بن قيس الأحمسي
هو من رؤساء قتلة الحسين (عليهالسلام )، وممّن كتب إليه (عليهالسلام )، وممّن أصرَّ على ما هو عليه حين نصحه زهير بن القين (رضوان الله عليه) , و...
فقد روى الطبري قال : قال أبو مخنف : حدّثني فضيل بن خديج الكندي، عن محمّد بن بشر، عن عمرو الحضرمي، قال : لمـّا خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي، فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلّا الحر بن يزيد ؛ فإنّه عدل إلى الحسين (عليهالسلام ) وقُتل معه.
وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية , وهو الضباب بن كلاب , وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي، وأعطى الراية ذويداً مولاه(١) .
روى ابن كثير قال : وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلّون ويستغفرون , ويدعون
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٧.
ويتضرّعون، وخيول حرس عدوّهم تدور من ورائهم عليها عزرة بن قيس الأحمسي، والحسين يقرأ :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ) (١) . فسمعها رجلٌ من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد , فقال : نحن وربِّ الكعبة الطيّبون ميَّزنا الله منكم(٢) .
وروى الطبري قال : فبعث عمر بن سعد إلى الحسين (عليهالسلام ) عزرة بن قيس الأحسمي، فقال : ائته فسَله ما الذي جاء به ؟ وماذا يريد ؟ وكان عزرة ممّن كتبَ إلى الحسين (عليهالسلام ) , فاستحيا منه أن يأتيه، قال : فعرَض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلّهم أبى وكرهه(٣) .
وروى الطبري قال : فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين : كلِّم القوم إن شئتَ، وإن شئتَ كلّمتُهم.
فقال له زهير : أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلّمهم.
فقال له حبيب بن مظاهر : أمَا والله، لبئس القوم عند الله غداً قوم يقْدِمون عليه قد قتلوا ذرّية نبيّه (عليهالسلام ) وعترته وأهل بيته، وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيراً !
فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت.
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٩٢.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٠.
فقال له زهير : يا عزرة , إنّ الله قد زكّاها وهداها، فاتّق الله يا عزرة فإنّي لك من الناصحين. أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية.
قال : يا زهير , ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت , إنّما كنت عثمانياً.
قال : أفلست تستدل بموقفي هذا أنّي منهم ! أمَا والله ما كتبت إليه كتاباً قط، ولا أرسلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلمـّا رأيته ذكرت به رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومكانه منه، وعرفت ما يقدِم عليه من عدوّه وحزبكم , فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه ؛ حفظاً لمـّا ضيّعتم من حقِّ الله وحقِّ رسوله (عليهالسلام )(١) .
روى الطبري قال : وقاتلهم أصحاب الحسين (عليهالسلام ) قتالاً شديداً، وأخذت خيلهم تحمل، وإنّما هُم اثنان وثلاثون فارساً، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلّا كشفته، فلمـّا رأى ذلك عزرة بن قيس - وهو على خيل أهل الكوفة - أنّ خيله تنكشف من كلِّ جانب بعث إلى عمر بن سعد، عبد الرحمن بن حصن، فقال : أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العدّة اليسيرة ؟! ابعث إليهم الرجال والرماة(٢) .
أقوال أهل الخلاف فيه
قال ابن سعد : عزرة بن قيس البجلي , من أحمس من بني دهن من أنفسهم، روى عن خالد
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٤.
(٢) المصدر نفسه / ٣٢٥.
ابن الوليد، وكان معه في مغازيه بالشام، وروى أبو وائل عن عزرة بن قيس(١) .
قال ابن حجر : وذكره بن سعد في الطبقة الأولى، العين بعدها السين(٢) .
وذكره ابن حبان في ثقاته قال : عزرة بن قيس البجلي , يروي عن خالد بن الوليد، روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة(٣) .
قال الذهبي : عزرة بن قيس , من قدماء التابعين بالكوفة , روى عنه أبو وائل وحده(٤) .
قال محمّد بن علي بن حمزة : عزرة بن قيس البجلي , [ روى ] عن خالد بن الوليد، وكان معه في مغازيه بالشام، وعنه أبو وائل شقيق بن سلمة. ذكره ابن حبان في الثقات(٥) .
____________________
(١) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٦ / ٢١٢.
(٢) الإصابة - ابن حجر ٥/ ٩٧.
(٣) الثقات - ابن حبان ٥ / ٢٧٩.
(٤) ميزان الاعتدال - الذهبي ٣ / ٦٦.
(٥) مَن له رواية في مسند أحمد - محمّد بن علي بن حمزة / ٢٩٤.
ترجمة الزّبير بن الأروح
وهو من الموالين ومن الناصحين لبني اُميّة، وهو ممّن أخذ رأسي مسلم وهانئ إلى يزيد.
روى ابن عساكر وغيره من المؤرّخين - واللفظ للأوّل - قال : قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن الغساني، عن عبد العزيز بن أحمد، أنا هارون الميداني، أنا أبو سليمان بن زبر، أنا عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، أنا محمّد بن جرير الطبري، قال : حدث عن هشام بن محمّد الكلبي، قال :
قال أبو مخنف : عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، قال : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد لمـّا قتل مسلماً وهانئاً بعث [برأسيهما] مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من أمر مسلم وهانئ، فكتب الكاتب كتاباً أطال فيه، وكان أوَّل مَن أطال في الكتب، فلمـّا نظر فيه عبيد الله بن زياد تكرّهه، وقال : ما هذا التطويل وهذه الفضول ؟! اكتب :
أمّا بعد , فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه , وكفاه مؤنة عدوّه. أخبر أمير المؤمنين - أكرمه الله - أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وأنّي جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال , وكدتهما حتّى استخرجتهما , وأمكن الله منهما , فقدمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك [برأسيهما] مع هانئ بن أبي حية الهمداني والزبير بن الأروح التميمي , وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة , فليسألهما أمير
المؤمنين عمَّا أحبّ من أمر ؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وورعاً , والسّلام.
وكتب إليه يزيد بن معاوية : أمّا بعد , فإنّك لن تعدو أن كنت كما اُحبّ ؛ عملت عمل الخادم، وصِلتَ صولة الشجاع الرابط الجأش، وقد أغنيت وكفيت(*) , وصدقت ظنِّي بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوصِ بهما خيراً.
وأنّه قد بلغني أنّ الحسين قد توجّه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح واحترس , واحبس على الظنّة، وخذ على التهمة , غير أن لا تقتل إلّا مَن قاتلك، واكتب إليَّ في ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة الله(١) .
أقوال أهل الخلاف فيه
مع هذا فقد أثنى عليه علماء أهل الخلاف ؛ حيث جعلوه من التابعين، قال ابن عساكر : الزّبير بن الأروح التميمي , عراقي من التابعين(٢) .
____________________
(*) وردت المفردة في المصدر الأساس (وكتبت) , والتغيير من بعض المصادر الاُخرى. (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٨١ / ٣٠٦، تاريخ الطبري ٣ / ٢٩٣، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٠٩.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٨١ / ٣٠٦، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٠٩.
ترجمة شبث بن ربعي
هو شبث - وقيل : شيث - ابن ربعي , من الخوارج، وممّن كذّب الحسين (عليهالسلام ) سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وممّن قاتله، ومن أنصار بني اُميّة، وممّن شهد على حجر بن عدي مع أصحابه (رضوان الله عليهم) حتّى قتلهم معاوية(١) .
ومع هذا وغيره اتّبعه أهل الخلاف ومدحوه.
ذكره ابن سعد في قتلة الحسين (ع)(٢) , وذكر أيضاً أنّه قائد ميمنة جيش ابن سعد في قتال الحسين (عليهالسلام ).
وقال العجلي فيه : شبث بن ربعي من تميم، هو كان أوَّل مَن أعان على قتل عثمان رضي الله عن عثمان، وهو أوَّل من حرر الحرورية، وأعان على قتل الحسين بن علي (عليهالسلام )(٣) .
وروى الطبري، والدينوري، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية , وهو الضباب بن كلاب، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي اليربوعي ،
____________________
(١) راجع تاريخ الطبري ٤ / ١٩٩ - ٢٠١، وقد أشرت لها في أوَّل هذا الفصل.
(٢) ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من طبقات ابن سعد / ٩٦.
(٣) معرفة الثقات - العجلي ١ / ٤٤٨.
وأعطى الراية دريد مولاه(١) .
وممّن أراد أن يحزّ الرأس الشريف
قال القندوزي : قال أبو مخنف : وبقي الحسين (رضياللهعنه ) ثلاث ساعات من النهار ملطّخاً بدمه , رامقاً بطرفه إلى السماء , وينادي : (( يا إلهي , صبراً على قضائك، ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين )). فتبادر إليه أربعون فارساً يريدون حزّ رأسه الشريف , المكرّم المبارك , المقدس المنوّر، ويقول عمر بن سعد : ويلكم ! عجّلوا بقتله. فدنا منه شبث بن ربعي , فرمقه الحسين (رضياللهعنه ) بعينه، فرمى السيف من يده وولّى هارباً، ويقول : معاذ الله أن ألقى الله بدمك يا حسين...(٢) .
وتكذيبه مَن قال فيه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( حسين منّي وأنا من حسين ))
روى الطبري، وابن كثير، وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وكتب شبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمد بن عمير التميمي : أمّا بعد، فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جندٍ لكَ مُجنّد , والسلام عليك(٣) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٧، الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٦، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٩٣ ذكره باسم شبيث بن ربعي.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٨٢.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٢٧٨، البداية والنهاية ٨ / ١٥١ - ١٥٢، والكامل في التاريخ ٣/ ٣٨٥ , ذكره مجملاً بقوله : ثمّ كتب إليه شبث بن ربعي و... و... بذلك.
روى الطبري، وابن الأثير , وابن كثير، والقندوزي - واللفظ للأوّل - قال : ثمّ قال لهم الحسين (عليهالسلام ) : (( فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول أفتشكّون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة. أخبروني : أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلته ؟ أو مالٍ لكم استهلكته ؟ أو بقصاصٍ من جراحة ؟ )).
قال : فأخذوا لا يكلّمونه , قال : فنادى : (( يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث , ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وطمت الجمام، وإنّما تقدِم على جندٍ لك مجنّد فأَقْبِلْ ؟ )).
قالوا له : لم نفعل.
فقال : (( سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم ))(١) .
وممّن قاتل المختار
وقال فيه ابن حجر : وذكر ابن مسكويه وغيره أنّه كان أدرك الجاهليّة. وذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال : لمـّا اخرج المختار الكرسي الذي زعم أنّه مثل السكينة في بني إسرائيل قال شبث : يا معشر مضر , لا تكفروا ضحوة. قال : فأخرجوه. قال إسحاق : إنّي لأرجو بها له.
قال : وكان له بلاء حسن في قتال المختار.
وذكر ابن سعد عن الأعمش قال :
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٩، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٩٤، وقريب منه في ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٦٥.
شهدت جنازة شبث , فذكر قصة(١) .
أقوال أهل الخلاف فيه
ومع هذا فقد قَبِل رواياته جمعٌ من فطاحل علماء أهل الخلاف ووثّقوه.
ذكره ابن حبان في الثقات قال : شبث بن ربعي من بني يربوع بن حنظلة التميمي , يروي عن علي، وحذيفة. روى عنه محمّد بن كعب القرظي يخطِئ، وحديثه مستقيم(٢) .
وقال فيه الرازي : شبث بن ربعي , روى عن علي، وحذيفة. روى عنه محمّد بن كعب، وسليمان التيمي , سمعت أبي يقول ذلك، وسألته عنه فقال : حديثه مستقيم لا أعلم به بأساً. والذي روى أنس عنه يقال : ليس هو هذا(٣) .
وقال فيه المزي : روى له أبو داود والنسائي في (اليوم والليلة) حديثاً واحداً، وقد وقع لنا بعلو عنه(٤) .
وقال فيه الذهبي : شبث بن ربعي التميمي اليربوعي، أحد الأشراف والفرسان، كان ممّن خرج على علي، وأنكر عليه التحكيم، ثمّ تاب وأناب. وحدّث عن علي، وحذيفة. وعنه
____________________
(١) تهذيب التهذيب - ابن حجر ٤/ ٢٦٧. أقول : فالقول بأنّه كان من أنصار المختار لا يقبله ذو عقل ؛ إذ خروج المختار ما كان إلّا بشعار الانتقام من قتلة الحسين (عليهالسلام )، وشبث هذا من رؤساء قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )، وإلّا - بالوجدان - لانقلب الأمر على المختار.
(٢) الثقات - ابن حبان ٤ / ٣٧١.
(٣) الجرح والتعديل - الرازي ٤ / ٣٨٨.
(٤) تهذيب الكمال - المزي ١٢/ ٣٥٢.
محمّد بن كعب القرظي، وسليمان التيمي. له حديث واحد في سنن أبي داود.
قال الأعمش : شهدت جنازة شبث، فأقاموا العبيد على حدة والجواري على حدة، والجمال على حدة، وذكر الأصناف.
قال : ورأيتهم ينوحون عليه ويلتدمون. قلت : كان سيّد تميم هو والأحنف(١) .
وقال عنه أيضاً : شبث بن ربعي التميمي [ روى] عن علي، وحذيفة. وعنه محمّد بن كعب، وسليمان التيمي. خرج ثمّ تاب، وكان شريفاً له من كلِّ المال(٢) .
وقد ردّ الذهبي على مَن ضعّفه بأنّه ممّن تاب وأناب، قال : شبث بن ربعي [ روى] عن علي - مرفوعاً - في التسبيح والتكبير. ذكره البخاري في الضعفاء , وقال : روى عنه محمّد بن كعب لا يصح، ولا نعلمه سمع من شبث.
وقال الأزدي : هو أوَّل مَن حرّر الحرورية فيه نظر. قلت : لكنه فارق الخوارج وتاب وأناب. قال سليمان التيمي، عن أنسرضياللهعنه : قال شبث : أنا أوَّل مَن حرّر الحرورية(٣) .
شبث بن ربعي عند شيعة أهل البيت (عليهمالسلام ) من عيون بني اُميّة ومواليهم
قال الشيخ الصدوق (رحمهالله ) : دسَّ معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وإلى حجر بن
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ١٥٠، وروى ما فعله أهل الخلاف عند موته , ابن سعد في الطبقات الكبرى ٦ / ٢١٦.
(٢) الكاشف في مَن له رواية في كتب الستة - الذهبي ١ / ٤٧٧.
(٣) ميزان الاعتدال - الذهبي ٢ / ٢٦١، وفي ط دار الكتب العلمية ج٣.
الحجر , وشبث بن ربعي، دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه : إنّك إن قتلت الحسن بن علي فلك مئتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي.
فبلغ الحسن (عليهالسلام ) ذلك فاستلأم ولبس درعاً وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلّا كذلك، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه ؛ لِما عليه من اللامة، فلمـّا صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجرٍ مسموم فعمل فيه الخنجر , فأمر (عليهالسلام ) أن يعدل به إلى بطن جريحي , وعليها عمِّ المختار بن أبي عبيد مسعود بن قيلة، فقال المختار لعمِّه : تعالى حتّى نأخذ الحسن ونسلّمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق(١) .
فبدر بذلك الشيعة من قول المختار لعمِّه , فهمّوا بقتل المختار، فتلطّف عمُّه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار ففعلوا، فقال الحسن (عليهالسلام ) : (( ويلكم ! والله إنّ معاوية لا يفي لأحدٍ منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ أنّي وإن وضعت يدي في يده فاُسالمه لم يتركني أدين لدين جدّي (صلىاللهعليهوآله ) , وإنّي أقدر أن أعبد الله وحدي، ولكني كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لِما كسبته أيديكم !( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ))(٢) . فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم فيه(٣) .
____________________
(١) وهذا واضح الوضع ؛ لكون المختار معروف بالتشيع، وقد تعرّض لأنواع الذمِّ والافتراء ؛ وكل ذلك لأنّه لم يظفر بأحدٍ من المنتمين للشجرة الخبيثة شجرة بني اُميّة إلّا قتله.
(٢) سورة الشعراء / ٢٢٧.
(٣) علل الشرائع - الشيخ الصدوق ١ / ٢٢٠، بحار الأنوار - العلّامة المجلسي ٤٤ / ٣٣، مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي ٥ / ٣٣٥ عن علل الشرائع.
شبث من الخوارج
قال الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه : شبث بن ربعي، رجع إلى الخوارج(١) .
وقال السيد الخوئي (رحمهالله ) : شبث (شيث) بن ربعي : من أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، رجع إلى الخوارج، رجال الشيخ. وجدّد مسجده بالكوفة فرحاً بقتل الحسين (عليهالسلام ) ! روى ذلك سالم، عن أبي جعفر (عليهالسلام ). الكافي / الجزء ٣، كتاب الصلاة ٤، باب مساجد الكوفة ١٠١، الحديث ٢، والتهذيب / الجزء ٣، باب فضل المساجد والصلاة فيها، الحديث ٦٨٧.
وقد نهى أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بالكوفة عن الصلاة في خمسة مساجد , ومنها مسجد شبث بن ربعي. الكافي / الجزء ٣، كتاب الصلاة ٤، باب مساجد الكوفة ١٠١، الحديث ٣(٢) .
ومن تلك الروايات ما رواه الشيخ الطوسي (رحمهالله ) : محمّد بن يحيى، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن سليمان بن هشام، عن سالم، عن أبي جعفر (عليهالسلام ) قال : (( جُدِّدت أربعةُ مساجد بالكوفة فرحاً لقتل الحسين (عليهالسلام ) : مسجد الأشعث، ومسجد جرير، ومسجد سماك، ومسجد شبث بن ربعي لعنهم الله ))(٣) .
وقال الحر العاملي (رحمهالله ) في الوسائل : ورواه الصدوق في (الخصال) عن أبيه، عن سعد، عن محمّد بن الحسين ،
____________________
(١) رجال الطوسي / ٦٨، وفي ط / ٤٥.
(٢) معجم رجال الحديث - السيد الخوئي ١٠ / ١٤.
(٣) تهذيب الأحكام - الشيخ الطوسي ٣ / ٢٥٠.
عن صفوان بن يحيى مثله , وزاد : قال : وكان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إذا نظر إلى مسجدهم قال : (( هذه بقعة تيم )). ومعناه أنهم قعدوا عنه لا يصلّون معه ؛ عداوةً له وبغضاً لعنهم الله(١) .
وقال السيد الموحد الأبطحي (رحمهالله ) : تعمير مسجد جرير فرحاً بقتل الحسين (عليهالسلام )، ولمـّا قُتل الحسين بن على بن أبي طالب (عليهماالسلام )، وفرحت به آل زياد وآل مروان، وأتباع عثمان من بني اُميّة، جددت مساجد ملعونة بالكوفة قد انهدمت ؛ فرحاً وشكراً لقتل ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، منها مسجد جرير البجلي(٢) .
إخبار أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بانحراف ونفاق شبث وعمر , والأشعث وجرير، وعن قتلهم الإمام الحسين (عليهالسلام )
[الديلمي]، روي مرفوعاً إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر (عليهالسلام ) قال : (( لمـّا أراد أمير المؤمنين أن يسير إلى الخوارج بالنهروان، واستفزَّ أهل الكوفة، وأمرهم أن يعسكروا بالميدان، فتخلّف عنهم شبث بن ربعي، والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله البجلي، وعمرو بن حريث، فقالوا : يا أمير المؤمنين , أتأذن لنا أن نقضي حوائجنا ونصنع ما نريد، ثمّ نلحق بك ؟
فقال لهم : فعلتموها ! سوءة لكم من مشايخ ! والله، ما لكم تتخلّفون عنها حاجة , ولكنكم تتخذون سفرة، وتخرجون إلى النزهة، فتأمرون وتجلسون , وتنظرون في منظر تتنحون عن الجادة، وتبسط سفرتكم بين أيديكم، فتأكلون من طعامكم، ويمرُّ ضبٌّ، فتأمرون غلمانكم فيصطادونه لكم ويأتونكم به , فتخلعوني وتبايعون الضبَّ، وتجعلونه إمامكم دوني.
واعلموا أنّي سمعت أخي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : إذا كان يوم
____________________
(١) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٥ / ٢٥٠.
(٢) تهذيب المقال - السيد محمّد علي الأبطحي ٣ / ٧٦.
القيامة نادى مناد : ليخلوا كلُّ قوم بمَن كانوا يأتمّون به في الحياة الدنيا. فم-ن أقبح وجوهاً منكم وأنتم تحيلون أخا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وابن عمِّه وصهره، وتنقضون ميثاقه الذي أخذه الله ورسوله عليكم، وتحشرون يوم القيامة وإمامكم الضبُّ، وهو قول الله عزَّ وجلَّ :( يَوْمَ نَدْعُو كلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (١) ؟!
فقالوا : والله يا أمير المؤمنين , ما نريد إلّا أن نقضي حوائجنا ونلحق بك. فولَّى عنهم وهو يقول : عليكم الدمار والبوار، والله ما يكون إلّا ما قلت لكم , وما قلتُ إلّا حقّاً.
ومضى أمير المؤمنين (عليهالسلام ) حتّى إذا صار بالمدائن خرجوا إلى الخورنق، وهيّأوا طعاماً في سفرة وبسطوها في الموضع وجلسوا يأكلون، ويشربون الخمر، فمرَّ بهم ضبٌّ، فأمروا غلمانهم فاصطادوه وأتوهم به، فخلعوا أمير المؤمنين وبايعوه , وبسط لهم الضبُّ يده، فقالوا : أنت والله إمامنا , ما بيعتنا لك ولعلي بن أبي طالب إلّا واحدة، وإنّك لأحبُّ إلينا منه. فكان كما قال أمير المؤمنين (عليهالسلام )، وكان القوم كما قال الله تعالى :( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) (٢) .
ثمّ لحقوا به، فقال لهم لمـّا وردوا عليه : فعلتم يا أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء أمير المؤمنين ما أخبرتكم به !
فقالوا : لا يا أمير المؤمنين ما فعلناه.
فقال : والله ليبعثنّكم الله مع إمامكم.
قالوا : قد أفلحنا يا أمير المؤمنين إذا بعثنا الله معك.
فقال : كيف تكونوا معي وقد خلعتموني وبايعتم الضبَّ. والله لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة والضبُّ يسوقكم إلى النار.
فحلفوا له بالله إنّا ما فعلنا، ولا خلعناك , ولا بايعنا الضبّ , فلمـّا رأوه يكذّبهم ولا يقبل منهم أقرّوا له، وقالوا : اغفر لنا ذنوبنا.
قال : والله لا غفرتُ لكم ذنوبكم وقد اخترتم مسخاً مسخه الله، وجعله آية
____________________
(١) سورة الإسراء / ٧١.
(٢) سورة الكهف /٥٠.
للعالمين، وكذّبتم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقد حدّثني بحديثكم عن جبرائيل، عن الله سبحانه، فبُعداً لكم وسحقاً !
ثمّ قال : لئن كان مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) منافقون، فإنّ معي منافقين , وأنتم هم. أمَا والله يا شبث بن ربعي، وأنت يا عمرو بن حريث، ومحمد ابنك أنت يا أشعث بن قيس، لتقتلنَّ ابني الحسين (عليهالسلام ) , هكذا حدّثني حبيبي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فالويل لمـّن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خصمه وفاطمة بنت محمّد !
فلمـّا قُتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) كان شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، ومحمد بن الأشعث فيمَن سار إليه من الكوفة، وقاتلوه بكربلاء حتّى قتلوه، وكان هذا من دلائله ))(١) .
____________________
(١) تفسير أبي حمزة الثمالي / ٢٣٣، مدينة المعاجز للبحراني ٣ / ١٦٩، الجرائح والخرائج للقطب الراوندي ١ / ٢٢٥ , ولكنه ذكر مَن خاطبهم (عليهالسلام ) بقتل الحسين (عليهالسلام ) هما خصوص ابن الأشعث وابن حريث، وكذا في بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي ٣٣ / ٣٨٤، كلمات الحسين (عليهالسلام ) للشيخ الشريفي / ١٤٣.
ترجمة محمّد بن الأشعث
هو ممّن غدر بهانئ بن عروة رضوان الله عليه، وخرج إلى قتال مسلم بن عقيل وآمنه، ومَن سلب مسلم (عليهالسلام ) سيفه ودرعه. وفي رواية أنّه ضرب مسلم على شفته بالسيف، وخرج بألف فارس لقتال سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الحسين بن علي (عليهالسلام ).
غدره بهانئ بن عروة
روى الطبري، وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال بعد ما ذكر ذهاب ابن الأشعث وابن خارجة، وطلبه من هانئ الحضور عند ابن زياد، وما جرى بين هانئ رضوان الله عليه واللعين ابن زياد... : وطلب منه تسليم مسلم بن عقيل فرفض , فقال ابن زياد :... أدنوه منِّي. فأدْنَوه منه، فقال : والله لتأتيني به أو لأضربنَّ عنقك. قال : إذاً تكثر البارقة حول دارك. فقال : وا لهفا عليك ! أبالبارقة تخوّفني ؟!
وهو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه، فقال ابن زياد : أدنوه منِّي. فاُدنى , فاستعرض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخدّه حتّى كسر أنفه , وسيل الدماء على ثيابه، ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته، حتّى كُسر القضيب، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الرجال ،
وجاذبه(١) الرجل ومنع، فقال عبيد الله : أحروري سائر اليوم ! أحللت بنفسك، قد حلّ لنا قتلك ؛ خذوه فألقوه في بيتٍ من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، واجعلوا عليه حرساً. ففعل ذلك به , فقام إليه أسماء بن خارجة، فقال : أرسلُ غدر سائر اليوم ؟! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه، وسيّلت دمه على لحيته، وزعمت أنّك تقتله ؟
فقال له عبيد الله : وإنك لها هنا ! فأمر به فلهز وتعتع به، ثمّ ترك فحبس. وأمّا محمّد بن الأشعث فقال : قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أمْ علينا، إنّما الأمير مؤدّب(٢) .
يخذّل الناس عن نصرة مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) ونصرة الإمام الحسين (صلوات الله عليه)
قال البلاذري : وقد أغلق عبيد الله بن زياد أبوابه وليس معه فيه إلّا عشرون من الوجوه , وثلاثون من الشرط، فوجَّه محمّد بن الأشعث بن قيس، وكثير بن شهاب الحارثي، وعدة من الوجوه ليخذّلوا الناس عن مسلم بن عقيل والحسين بن علي (عليهماالسلام )، ويتوعّدونهم بيزيد بن معاوية، وخيول أهل الشام، وبمنع الاُعطية، وأخذ البريء بالسقيم , والشاهد بالغائب...(٣) .
خروجه لقتال مسلم بن عقيل (عليهالسلام )
قال ابن كثير، والبلاذري - واللفظ للأوّل - قال :
____________________
(١) وفي الكامل : جبذه، وفي الطبري : جابذه، والظاهر ما أثبتناه
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٥، الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣ / ١٩٣ , ولكنه لم يذكر كلمة مؤدّب.
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري / ٨٠.
وبعث ابن زياد عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن، ومحمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارساً، فلم يشعر مسلم إلّا وقد اُحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه، فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرّات، واُصيبت شفته العليا والسفلى، ثمّ جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب، فضاق بهم ذرعاً، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم(١) .
أمانه لمسلم بن عقيل (عليهالسلام )
فقد ذكر ابن حجر العسقلاني في كلام مسلم (عليهالسلام ) لطوعة : فهل عندك مأوى ؟ قالت : نعم، ادخل. فدخل، وكان لها ولد من موالي محمّد بن الأشعث، فانطلق إلى محمّد بن الأشعث فأخبره، فلم يفجأ مسلماً إلّا والدار قد اُحيط بها، فلمـّا رأى ذلك خرج بسيفه يدفعهم عن نفسه، فأعطاه محمّد بن الأشعث الأمان، فأمكن من يده، فأتى به عبيد الله فأمر به، فاُصعد إلى القصر ثمّ قتله، وقتل هانئ بن عروة، وصلبهما، فقال شاعرهم في ذلك أبياتاً منها :
فإن كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظري |
إلى هانئٍ في السوقِ وابن عقيلِ(١) |
ما فعله بمسلم (عليهالسلام )
قال القندوزي : فأرسل ابن زياد محمّد بن الأشعث الكندي وضمَّ إليه ألف فارس وخمسمئة راجل إلى قتال مسلم، فقاتلهم قتالاً شديداً حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً ،
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٦٧، أنساب الأشراف - البلاذري / ٨١ , وذكر أنّ مَن ضرب مسلماً (عليهالسلام ) على شفتيه هو بكير بن حمران.
(٢) الإصابة - ابن حجر ٢ / ٧١.
فأرسل ابن الأشعث إلى ابن زياد يستمدّه بالخيل والرجال , فكتب إليه : إنّ رجلاً واحداً يقتل منكم خلقاً كثيراً، فكيف لو أرسلتك إلى مَن هو أشدّ منه قوةً وبأساً ؟! يعني الحسين (عليهالسلام ). فكتب في الجواب : إنّما أرسلتني إلى سيف من أسياف آل محمّد.
فأمدّه بالعسكر الكثير، ثمّ حمل مسلم عليهم أيضاً فقتل منهم خلقاً كثيراً، وصار جلده كالقنفذ من كثرة السهام، فقال ابن الأشعث : لك الأمان يا مسلم. فقال لهم : لا أمان لكم يا أعداء الله وأعداء رسوله.
ثمّ إنّهم حفروا له حفيرة في وسط الطريق، وأخفوا رأسها بالدغل والتراب فوقع مسلم في تلك الحفيرة، وأحاطوا به ؛ فضربه ابن الأشعث على وجهه بالسيف فشقّه، فأوثقوه وآتوه إلى ابن زياد , فقيل له : سلِّم على الأمير.
فقال مسلم : والله ما لي أمير غير الحسين (عليهالسلام ) , ثمّ أنشد :
اصبر لكلِّ مصيبةٍ وتجلَّدِ |
واعلم بأنّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ |
|
وإذا ذكرتَ مصيبةً تُشجى لها |
فاذكر مصيبةَ آلِ بيتِ محمّدِ |
|
واصبر كما صبر الكرامُ فإنها |
نوبٌ تنوبُ اليومَ تُكْشَفُ في غَدِ |
فقال ابن زياد : يا مسلم , سواء عليك سلمت أو لم تسلم إنّك مقتول لا محالة(١) .
وقال الإسفرايني :... فأقام منهم جماعة قدّامه في القتال، والآخرون حفروا بئراً في الطريق كما أمرهم ذلك الرجل، وانهزموا قدّامه فتبعهم، وهو لا يعلم أنّهم مكروا به , فسقط في البئر، فأحاطوا به من كلِّ جانب وأمسكوه، وأتوا به إلى ابن الأشعث، فضربه
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٥٧.
بالسيف في محاسن وجهه، فلعبت أضراسه، فأخذوه أسيراً، وصاروا يسحبونه على وجهه حتّى أتوا به قصر الإمارة(١) .
سلب ابن الأشعث لمسلم (عليهالسلام )
وفي مروج الذهب للمسعودي قال : تقدّم إليه محمّد بن الأشعث، فقال له : فإنّك لا تكذب ولا تغر. وأعطاه الأمان، فأمكنهم من نفسه، وحملوه على بغلة، وأتوا به ابن زياد، وقد سلبه ابن الأشعث حين أعطاه الأمان سيفه وسلاحه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء في كلمة يهجو فيها ابن الأشعث :
وتركتَ عمَّكَ أن تقاتلَ دونَه |
فشلاً ولولا أنت كان منيعا |
|
وقتلتَ وافدَ آلِ بيتِ محمدٍ |
وسلبتَ أسيافاً له ودروعا(٢) |
روى الطبري قال : وقال عبيدة الكندي ثمّ البدي وهو يعيِّر محمّد بن الأشعث بخذلانه حجراً :
أسلمت عمَّك لم تُقَاتِلْ دونَه |
فَرَقاً ولولا أنت كان منيعا |
|
وقتلتَ وافدَ آلِ بيتِ محمدٍ |
وسلبتَ أسيافاً له ودروعا |
|
لو كُنْتَ من أَسْدٍ عَرَفْت كرامتي |
ورأيتَ لي بيتَ الحُبابِ شفيعا(٣) |
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٢٩، وفي ط / ٢٥.
(٢) مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٥٩ , مطبعة الصدر - الناشر دار الهجرة.
(٣) تاريخ الطبري٣ / ٢٣٥.
قوله وقول شمر (عليهما لعنة الله) للإمام الحسين (عليهالسلام ) : أبشر بالنار
روى البلاذري قال : وحدثنا عمرو بن شبه، ثنا أبو أحمد الزبيري، حدثني عمِّي الفضيل بن الزّبير، عن أبي عمر البزار، عن محمّد بن عمرو بن الحسن بن علي قال : كنَّا مع الحسين (عليهالسلام ) بنهري كربلاء، فجاءنا رجلٌ فقال : أين حسين ؟ قال (عليهالسلام ) : (( ها أنذا )). قال : أبشر بالنار تردها الساعة. قال (عليهالسلام ) : (( بل أبشر بربٍّ رحيم، وشفيع مطاع، فمَن أنت ؟ )). قال : محمّد بن الأشعث.
ثمّ جاء رجلٌ آخر فقال : أين حسين ؟ قال (عليهالسلام ) : (( ها أنذا )). قال : أبشر بالنار تردها الساعة. قال (عليهالسلام ) : (( بل بربٍّ رحيم، وشفيع مطاع، فمَن أنت ؟ )). قال : شمر بن ذي الجوشن. فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( الله أكبر، قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : إنّي رأيت كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي ))(١) .
ممّن سلب الإمام الحسين (عليهالسلام ) بعد موته
قال الإسفرايني : ثمّ نادى مناد من السماء : قد قُتل الإمام ابن الإمام , أبو الأئمة - وله من العمر ثمانية وخمسون سنة، وكان ذلك اليوم يوم الإثنين العاشر من المحرم - ثمّ بعد أن انكشف ما بهم تقسّموا سلبه ؛ فأخذ عمامته عمر بن يزيد، وأخذ رداءه يزيد بن سهل، وأخذ درعه وخاتمه سنان بن أنس النخعي، وأخذ ثوبه ونعله محمّد بن الأشعث الكندي، وأخذ سيفه مالك بن بشير، وأخذ سراويله يحيى بن كعب(٢) .
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٠١.
(٢) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٥٠، وفي ط / ٤٣.
إنكاره قرابة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي : وقال الحسين (عليهالسلام ) : (( اللّهم إنّا أهل بيت نبيّك , وذرّيته وقرابته، فاقصم مَن ظلمنا وغصبنا حقَّنا، إنّك سميع قريب )).
فسمعها محمّد بن الأشعث فقال : يا حسين , وأيُّ قرابة بينك وبين محمد ؟ فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( اللّهم إنّ محمّد بن الأشعث يقول : إنّه ليس بيني وبين رسولك قرابة، اللّهم فأرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً )). فما كان بأسرع من أن تنحّى محمّد بن الأشعث، وخرج من العسكر فنزل عن فرسه، وإذا بعقرب سوداء خرجت من بعض الحجرة فضربته ضربة تركته متلوّثاً في ثيابه ممّا به.
قال الحاكم الجشمي : إنّه مات ليومه. ولكن ذلك غير صحيح، فإنه بقي إلى أيّام المختار فقتله، ولكنه بقي ممّا به في بيته(١) .
أقوال أهل الخلاف فيه
وهذا حال محمّد بن الأشعث , ومع ذلك قَبِله أهل الخلاف ورووا عنه في صحاحهم وسننهم، ووثّقوه، ولعلّ ذلك لكون أبي بكر خاله.
فقد ذكره ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار : محمّد بن الأشعث بن قيس الكندي أبو القاسم، واُمّه أخت أبي بكر الصدّيق , قُتل سنة سبع وستين(٢) .
وقال الذهبي : قلت : وكان ابنه محمّد بن الأشعث بعده من كبار الأمراء وأشرافهم، وهو
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٢) مشاهير علماء الأمصار - ابن حبان / ١٦٦.
والد الأمير عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث الذي خرج معه الناس، وعمل مع الحجّاج تلك الحروب المشهورة التي لم يسمع بمثلها، بحيث يُقال : إنّه عمل معه أحداً وثمانين مصافاً، معظمها على الحجّاج. ثمّ في الآخر خذل ابن الأشعث وانهزم، ثمّ ظفروا به وهلك(١) .
وقال أيضاً عنه : محمّد بن الأشعث بن قيس الكندي , ابن أخت الصدّيق , سمع ابن مسعود وطائفة، وعنه مجاهد وجماعة، قُتل [ سنة] ٦٧(٢) .
وقال عنه الألباني في كلام وقع ابن الأشعث في سنده... (٢ / ٣١٣) : إسناده جيد، رجاله ثقات رجال مسلم غير محمّد بن الأشعث , وقد وثّقه ابن حبان، وروى عنه جماعة وهو تابعي كبير(٣) .
وقال صاحب الموسوعة : محمّد بن الأشعث من الطبقة الثانية، ووهم مَن ذكره في الصحابة، أخرج له أبو داود والنسائي(٤) .
أقول : وإليك بعض مَن روى عنه من علماء الخلاف : المستدرك - الحاكم النيسابوري ٢/ ٤٥، قال في روايته : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الألباني في إرواء الغليل :... , والبيهقي ٥ / ٣٣٢ , وقال : هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جُمع بينها صار الحديث بذلك قوياً. وقال شيخه الحاكم : صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي , ومسند
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٢ / ٤٢.
(٢) الكاشف في معرفة مَن له رواية في كتب الستة - الذهبي ٢ / ١٥٨.
(٣) تناقضات الألباني الواضحات - حسن بن علي السقاف ٢ / ١٦٩.
(٤) موسوعة رجال الكتب التسعة ٣ / ٣٢٧.
أحمد - الإمام أحمد بن حنبل ٦ / ١٣٤ , ١٦٢ , ٢١٣، السنن الكبرى - البيهقي ٢/ ٥٦، فتح الباري - ابن حجر ١١ / ١٦٨، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٤ / ٣٤٥، المصنف - ابن أبي شيبة الكوفي ٢ / ٤٧٦، السنن الكبرى - النسائي ٢ / ٢٠٤ و ٥ / ٣٥٣، صحيح ابن حبان - ابن حبان ٨ / ٣١٥، موارد الظمآن - الهيثمي / ٢٢٧، تفسير ابن كثير - ابن كثير ١ / ١٩٦، التاريخ الكبير - البخاري ١ / ٢٢ و٣ / ٥٠٨ و ٤ / ٢٨٤، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٥ / ١٢٤ , ١٢٨ - ١٢٩ وغيرها من المصادر.
أقول : وأكثر ما قيل في ذمّه عند فرد أو فردين من أهل الخلاف : إنّه مجهول.
محمّد بن الأشعث في أقوال الشيعة
قال السيد الخوئي (قدسسره ) : محمّد بن أشعث بن قيس الكندي , تقدّم في أبيه أشعث الملعون الخارجي(*) أنّه ابن أخت أبي بكر اُمّ فروة، وهو قد ورث الخبث من أبيه، وخرج لأخذ مسلم بن عقيل من قِبَل ابن زياد، وأعطاه الأمان، لكن ابن زياد (لعنه الله) لم يمضِ أمانه.
ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد - باب ذكر الإمام بعد الحسن بن علي (عليهالسلام )، فصل في مختصر الأخبار التي جاءت بسبب دعوته , في حالات مسلم بن عقيل، وقد خرج إلى حرب الحسين (عليهالسلام )، وقال ابن شهر آشوب في المناقب - الجزء ٤، باب في إمامة أبي عبد الله الحسين (عليهالسلام )، فصل في آياته بعد
____________________
(*) راجع ما ورد عن الإمام الباقر (عليهالسلام ) في ترجمة شبث بن ربعي من أخبار أمير المؤمنين (عليهالسلام ) عنه ومَن معه.
وفاته، وروي أنّ الحسين (عليهالسلام ) دعا : (( اللّهم إنّا أهل بيت نبيّك , وذرّيته وقرابته، فاقصم مَن ظلمنا وغصبنا حقّنا، إنّك سميع قريب )). فقال محمّد بن الأشعث : وأيُّ قرابة بينك وبين محمد ؟ فقرأ الحسين (عليهالسلام ) :( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) . ثمّ قال (عليهالسلام ) : (( اللّهم أرني فيه في هذا اليوم ذلاً عاجلاً )). فبرز ابن الأشعث إلى الحاجة، فلسعته عقرب على ذكره , فسقط وهو يستغيث ويتقلّب على حدثه(٢) .
وقال البحراني : عبد الله [بن] الحصين التميمي في ألف فارس يتبعه شبث بن ربعي في ألف فارس، ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي أيضاً في ألف فارس، وكتب لعمر بن سعد. ثمّ أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له : محمّد بن أشعث بن قيس الكندي، فقال : يا حسين بن فاطمة , أيّة حرمة لك من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ليست لغيرك ؟ فتلا الحسين (عليهالسلام ) هذه الآية :( إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً... ) الآية، ثمّ قال : (( والله إنّ محمداً لَمِن آل إبراهيم، وإنّ العترة الهادية لَمِن آل محمّد. مَن الرجل ؟ )). فقيل : محمّد بن أشعث بن قيس الكندي، فرفع الحسين (عليهالسلام ) رأسه إلى السماء، فقال : (( اللّهم أرِ محمّد بن الأشعث ذلاً في هذا اليوم لا تعزّه بعد هذا اليوم أبداً )). فعرض له
____________________
(١) سورة آل عمران / ٣٣- ٣٤.
(٢) معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ١٦ / ١٢٠، وروى هذه الرواية العلّامة المجلسي (أعلى الله مقامه) في بحار الأنوار ٥٤/ ٣٠٢. صحيفة الحسين (عليهالسلام ) - جمع الشيخ جواد القيّومي / ١٢٦، قد تقدّمت رواية الخوارزمي في دعاء الإمام الحسين (عليهالسلام ) على ابن الأشعث.
عارض، فخرج من العسكر يتبرّز، فسلّط الله عليه عقرباً فلدغته، فمات بادي العورة(١) .
السيد علي البروجردي : الجعدي، لعلّه من أقرباء جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي، وهي سمّت الحسن (عليهالسلام )، وأخوها محمّد بن الأشعث شَرك في دم الحسين (عليهالسلام )، وأبوهما شَرك في دم أمير المؤمنين (عليهالسلام )(٢) .
هلاك محمّد بن الأشعث (عليه اللعنة)
وفي الطبري، وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وكان محمّد بن الأشعث بن قيس في قرية الأشعث إلى جنب القادسية، فبعث المختار إليه حوشباً سادن الكرسي في مئة، فقال : انطلق إليه، فإنّك تجده لاهياً متصيّداً , أو قائماً متلبّداً , أو خائفاً متلدّداً , أو كامناً متغمّداً ؛ فإن قدرت عليه فأتني برأسه.
فخرج حتّى أتى قصره فأحاط به، وخرج منه محمّد بن الأشعث فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يرون أنّه فيه، ثمّ دخلوا فعلموا أنّه قد فاتهم، فانصرفوا إلى المختار , فبعث إلى داره فهدمها وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الكندي، وكان زياد بن سميّة قد هدمها(٣) .
____________________
(١) العوالم الإمام الحسين (عليهالسلام ) - الشيخ عبد الله البحراني / ١٦٦.
(٢) طرائف المقال - السيد علي البروجردي ٢ / ١٦٨، وقال ابن الأثير في اُسد الغابة ١ / ٩٨ : وكان الحسن بن علي تزوّج ابنته (أي جعدة بنت الأشعث) , فقيل : هي التي سقت الحسن (عليهالسلام ) السمّ فمات منه.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٧، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٩.
وقال الخوارزمي في حرب المختار مع مصعب :... ثمّ حملوا على أصحاب المختار فكشفوهم، فصاح المختار : أين أصحاب الصبر واليقين ؟ فثاب إليه زهاء خمسمئة رجل ما فيهم رجل إلّا وهو يُعدُّ برجال، فجعلوا يقاتلون قتالاً لم تسمع الناس بمثله، فالتفت رجل من أصحاب المختار يقال له : عبد الله بن عمرو الهمداني، فقال : ويحكم ! أروني الموضع الذي فيه محمّد بن الأشعث ؛ فإنه والله ممّن قاتل الحسين (عليهالسلام )، وشرك في دمه، وقال له : أيُّ قرابة بينك وبين رسول الله ؟
فقالوا له : هو في الكتيبة الحمراء على فرس له أدهم. فقال : بلى والله قد رأيته، فذروني وإيّاه. ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : اللّهم إنّي على ما كنت عليه بصفّين، اللّهم وإنّي أبرأ ممّن قتل آل بيت محمّد (صلىاللهعليهوآله ) أو قاتلهم، أو شرك في دمائهم. وحمل حتّى خالط أصحاب مصعب، فجعل يضرب ويقتل فيهم وهو مع ذلك يلاحظ الموضع الذي فيه محمّد بن الأشعث حتّى إذا أمكنته الفرصة عليه، فضربه ضربة على رأسه فجدله قتيلاً، فأحاط أصحاب مصعب بعبد الله بن عمرو هذا فقتلوه(١) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٢٧٩ - الفصل الخامس عشر في بيان انتقام المختار من قاتلي الحسين (عليهالسلام ).
ترجمة كثير بن شهاب
هو من أنصار بني اُميّة، ومن النواصب المتجاهرين بسبِّ ولعن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) على المنابر، وممّن خذَّل الناس عن نصرة الحسين (عليهالسلام )، وممّن كذّبه وقاتله.
سبّه أمير المؤمنين (عليهالسلام )
قال ابن الأثير : ولمـّا ولي المغيرة الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري , وكان يكثر سبّ عليٍّ على منبر الري , وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة فأقرّه عليها، وغزا الديلم ومعه عبد الله بن الحجّاج التغلبي، وقتل ديلمياً وأخذ سلبه، فأخذه منه كثير فناشده الله في ردّه عليه فلم يفعل، فاختفى له وضربه على وجهه بالسيف أو بعصا هشَّم وجهه , فقال :
من مبلغٌ أبناءَ خندفَ أنني |
أدركتُ طائلتي من ابنِ شهابِ |
|
أدركتُه ليلاً بعقوةِ دارِهِ |
فضربتُه قدماً على الأنيابِ |
|
هلّا خشيتَ وأنت عادٍ ظالمٌ |
بقصورِ أبهرِ اُسرتي وعقابي(١) |
____________________
(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣ / ٢٧٨.
ولاؤه لبني اُميّة , وتثبيطه الناس عن نصرة الإمام الحسين (عليهالسلام )
وروى البلاذري قال : وحدثني العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن عوانة قال : كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذي الغصة الحارثي عثمانياً يقع في علي بن أبي طالب، ويثبط الناس عن الحسين، ومات قبيل خروج المختار بن أبي عبيد أو في أوَّل أيّامه، وله يقول المختار بن أبي عبيد في سجعه : أما وربِّ السحاب، شديد العقاب، سريع الحساب، منزّل الكتاب، لأنبشنَّ قبر كثير بن شهاب، المفتري الكذّاب.
وكان معاوية ولاّه الري ودستبي حيناً من قِبَله ومن قِبَل زياد والمغيرة بن شعبة عامليه، ثمّ غضب عليه فحبسه بدمشق، وضربه حتّى شخص شريح بن هانئ المرادي إليه في أمره فخلصه.
وكان يزيد بن معاوية قد حمد مشايعته وأتباعه لهواه، فكتب إلى عبيد الله بن زياد في توليته ماسبذان ومهر جانقذف وحلوان والماهين، وأقطعه ضياعاً بالجبل، فبنى قصره المعروف بقصر كثير، وهو من عمل الدينور. وكان زهرة بن الحارث بن منصور بن قيس بن كثير بن شهاب اتّخذ بماسبذان ضياعاً(١) .
قال الطبري :... ودعا عبيد الله كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي، فأمره أن يخرج فيمَن أطاعه من مذحج فيسير بالكوفة ويخذّل الناس عن ابن عقيل، ويخوّفهم الحرب، ويحذّرهم عقوبة السلطان، وأمَر محمّد بن الأشعث أن يخرج فيمَن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمـّن جاءه من الناس، وقال مثل
____________________
(١) فتوح البلدان - البلاذري ٢ / ٣٧٨.
ذلك للقعقاع بن شور الذهلي، وشبث بن ربعي التميمي، وحجّار بن أبجر العجلي، وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم لقلّة عدد مَن معه من الناس. وخرج كثير بن شهاب يخذّل الناس عن ابن عقيل(١) .
اعتقاله أنصار مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) , وتخذيله الناس عنه
روى الطبري : (قال أبو مخنف) : فحدثني ابن جناب الكلبي أنّ كثيراً ألفى رجلاً من كلب يُقال له : عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد فأخبره خبره، فقال لابن زياد : إنّما أردتك. قال : وكنت وعدتني ذلك من نفسك. فأمر به فحُبس(٢) .
وخرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي وهو يريد ابن عقيل , عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامي، فلمـّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة مَن أتاه أخذ يتنحّى ويتأخّر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد بن الأشعث : قد جُلْتُ على ابن عقيل من العرار فتأخّر عن موقفه.
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٧.
(٢) قال الطبري في تاريخه ٣ / ٢٨٤:... ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد لمـّا قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان، فأتى به , فقال له : أخبرني بأمرك. فقال : أصلحك الله ! خرجت لأنظر ما يصنع الناس فأخذني كثير بن شهاب. فقال له : فعليك وعليك من الأيمان المغلظة إن كان أخرجك إلّا ما زعمت ؟ فأبى أن يحلف، فقال عبيد الله : انطلقوا بهذا إلى جبانة السبع فاضربوا عنقه بها.
قال : فانطلق به فضُربت عنُقه.
فأقبل حتّى دخل على ابن زياد من قِبَل دار الروميِّين، فلمـّا اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب، ومحمد، والقعقاع فيمَن أطاعهم من قومهم، فقال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد - : أصلح الله الأمير ! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم. فأبى عبيد الله، وعقد لشبث بن ربعي لواء فأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبّرون ويثوبون حتّى المساء , وأمرُهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثمّ قال : أشرفوا على الناس ؛ فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم وصول الجنود من الشام إليهم(١) .
كلام الإمام الحسين (عليهالسلام ) له في كربلاء
قال القندوزي : (قالعليهالسلام ) :.... (( أليس قال جدِّي (صلىاللهعليهوآله ) : إنّ هذين ولداي سيِّدا شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين ؟ أليس قال : إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ؟ فإن صدقتموني فيما أقول فنعمَّا هو , وإلّا فاسألوا جابر بن عبد الله، وسعداً , وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك فإنّهم سمعوا ذلك من جدِّي (صلىاللهعليهوآله ) )).
ثمّ نادى : (( يا شبث بن ربعي , ويا كثير بن شهاب، ألم تكتبوا إليَّ أن أقدم لك ما لنا وعليك ما علينا ؟ )). فقالوا : ما نعرف ما تقول، فانزل على حكم الأمير وبيعة يزيد.
فقال : (( والله لا اُعطي بيدي إعطاء الذليل , ولا أقرّ إقرار العبيد، وإنّي أعوذ بالله أن أنزل تحت حكم كلِّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب ))(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٧.
(٢) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣/ ٦٥.
موقف أهل الخلاف وأقوالهم فيه
قال عنه العجلي : كثير بن شهاب , كوفي تابعي ثقة(١) .
ذكره ابن حبان في الثقات(٢) ، وقال فيه أبو حاتم الرازي : كثير بن شهاب الحارثي , روى عن عمررضياللهعنه ، روى عنه قرظة بن أرطاة، وصبيح المزني , سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن قال : سمعت أبا زرعة يقول : فتح قزوين كثير بن شهاب بعد فتح الري(٣) .
وقال فيه ابن سعد : كثير بن شهاب بن الحصين ذي الغصة - سمّي بذلك لغصّة كانت في حلقه - ابن يزيد بن شداد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب من مذحج، وكان أبوه شهاب بن الحصين قتل قاتل أبيه الحصين يوم الرزم، وكان كثير بن شهاب سيّد مذحج بالكوفة، وكان بخيلاً , وقد روى عن عمر بن الخطاب، وولي الري لمعاوية بن أبي سفيان.
ومن ولده محمّد بن زهرة بن الحارث بن منصور بن قيس بن كثير بن شهاب الذي ينزل ماسبذان، وقد ولي ماسبذان، وكان له قدر ببغداد أيّام هارون.
قال : أخبرنا عبد الله بن نمير، عن الحجّاج، عن أبي إسحاق، عن قرظة بن أرطأة العبدي، عن كثير بن شهاب قال : سألنا عمر عن الجبن، فقال : سمّوا عليه وكلوا. وكان قليل الحديث(٤) .
وقد لخَّص ابن حجر العسقلاني ما ورد في كثير بن شهاب فقال : كثير بن شهاب بن الحصين بن يزيد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله
____________________
(١) معرفة الثقات - العجلي ٢ / ٢٢٤.
(٢) الثقات - ابن حبان ٥ / ٣٣٠.
(٣) الجرح والتعديل - الرازي ٧ / ١٥٣.
(٤) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٦ / ١٤٩.
ابن ربيعة بن الحارث بن كعب أبو عبد الرحمن المازني نزيل الكوفة، ويقال : إنّه الذي قتل الجالينوس يوم القادسية.
قال ابن عساكر : يقال إنّ له صحبة. وقال ابن سعد : قتل جدّه الحصين في الردّة، فقتل ابنه شهاب قاتل أبيه، وساد كثير بن شهاب مذحج، وروى عن عمر. قال ابن عبد البر : في صحبته نظر. وقال ابن الكلبي : كان كثير بن شهاب موصوفاً بالبخل الشديد، وقد رأس حتّى كان سيّد مذحج بالكوفة، وولى لمعاوية الري وغيرها. وقال المرزباني في ترجمة عبد الله بن الحجاج بن محصن : كان شاعراً فاتكاً ممّن شرب فضربه كثير بن شهاب - وهو على الري - في الخمر، فجاء ليلاً فضربه على وجهه ضربةً أثّرت فيه، وذلك بالكوفة، وهرب فطلبه عبد الملك بن مروان، فقال في ذلك شعراً، وآمنه عبد الملك بعد ذلك.
وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة. وقال البخاري : سمع عمر. لم يزد , وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : تابعي. وقال أبو زرعة : كان ممّن فتح قزوين. وأخرج ابن عساكر من طريق جرير، عن حمزة الزيات قال : كتب عمر إلى كثير بن شهاب : مر من قبلك فليأكلوا الخبز الفطير بالجبن، فإنّه أبقى في البطن.
قلت : وممّا يقوّي أنّ له صحبة ما تقدّم أنّهم ما كانوا يُؤمِّرون إلّا الصحابة، وكتاب عمررضياللهعنه إليه بهذا يدلّ على أنّه كان أميراً، وروينا في الجعديات للبغوي عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن أبي إسحاق : سمعت قرظة بن أرطاة يحدّث عن كثير بن شهاب , سألت عمر عن الجبن، فقال : إنّ الجبن يصنع من اللبن واللبأ، فكلوا واذكروا اسم الله، ولا يغرنّكم أعداؤه(١) .
أقول : وروى عنه ابن حبان في الثقات ٥ / ٣٣٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠ / ٦، وعبد الرزاق الصنعاني في المصنف ٤ / ٥٣٩، وعلي
____________________
(١) الإصابة - ابن حجر ٥ / ٤٢٧ - ٤٢٨.
ابن الجعد بن عبيد في مسند ه / ٧٩، والمتّقي الهندي في كنز العمال ١٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧، وابن كثير في تفسيره ٢ / ٨، والبخاري في تاريخه الكبير ٧ / ٤٣، ومُحدّث الشام ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٣٢/ ٣٤١ وغيرها.
كثير بن شهاب في أقوال الشيعة
أقول : ما تقدّم من مصادر أهل الخلاف من سبِّه لأمير المؤمنين، وتخذيله الناس عن نصرة مسلم بن عقيل، وعن نصرة الحسين (عليهالسلام ) وغيرها كافٍ في القطع بنصبه ( لعنه الله )(١) , وهو ملعون في زيارة الحسين (عليهالسلام ).
____________________
(١) أقول : رويت له رواية واحدة في كتب الشيعة مثل كامل الزيارات / ١٨٦، ومعالم العلوم للإمام الحسين (عليهالسلام ) / ٤٥٨ , والرواية هي ما أخبر به أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بمقتل الحسين (عليهالسلام ) , وعنهما، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي محمّد بن خالد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن الحسن بن الحكم النخعي، عن كثير بن شهاب الحارثي، قال : بينما نحن جلوس عند أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في الرحبة إذ طلع الحسين (عليهالسلام ) عليه، فضحك علي (عليهالسلام ) ضحكاً حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال : (( إنّ الله ذكر قوماً وقال :( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِين ) . والذي فلق الحبة وبرأ النسمة , ليُقتلنّ هذا ولتبكينّ عليه السماء والأرض )).
وقد ذكرها القندوزي في ينابيع المودة ٣ / ١٠١ , وفيها فضيلة لأمير المؤمنين (عليهالسلام ) لإخباره بالغيب، وهو حقٌّ شهد به الأعداء فهو حجّة عليه.
ترجمة نوفل بن مساحق من بني عامر بن لؤي
من أنصار بني اُميّة، ومن قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )، وممّن خرج بخمسة آلاف رجل لقتال المختار...... وممّن شارك في واقعة الحرّة.
ذكره ابن سعد في قتلة الحسين (عليهالسلام )(١) .
قتاله المختار بن عبيد الله الثقفي
روى الطبري، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : (قال أبو مخنف) : فحدثني يحيى بن هانئ قال : قال عمرو بن الحجّاج الزبيدي لابن مطيع : أيُّها الرجل , لا يسقط في خلدك ولا تلق بيدك، اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوّك فاغزهم ؛ فإنّ الناس كثير عددهم وركلهم معك إلّا هذه الطاغية التي خرجت على الناس، والله مخزيها ومهلكها، وأنا أوَّل منتدب ؛ فاندب معي طائفة ومع غيري طائفة.
قال : فخرج ابن مطيع فقام في الناس , فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال : أيُّها الناس , إنّ من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم ؛ قليل عددها , خبيث دينها , ضالة مضلّة , اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم، وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلّا والله ليشاركنكم في فيئكم مَن لا حقَّ له فيه. والله , لقد بلغني أنّ فيهم خمسمئة رجل من محرّريكم عليهم أمير
____________________
(١) ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من طبقات ابن سعد / ٩٥.
منهم، وإنّما ذهاب عزِّكم وسلطانكم وتغيّر دينكم حين يكثرون. ثمّ نزل.
قال : ومنعهم يزيد بن الحارث أن يدخلوا الكوفة، قال : ومضى المختار من السبخة حتّى ظهر على الجبانة، ثمّ ارتفع إلى البيوت - بيوت مزيّنة وأحمس وبارق - فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتهم شاذّة منفردة من بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء , فسقى أصحابه وأبى المختار أن يشرب.
قال : فظنّ أصحابه أنّه صائم، وقال أحمر بن هديج من همدان لابن كامل : أترى الأمير صائماً ؟ فقال له : نعم، هو صائم. فقال له : فلو أنّه كان في هذا اليوم مفطراً كان أقوى له. فقال له : إنّه معصوم، وهو أعلم بما يصنع. فقال له : صدقت , أستغفر الله.
وقال المختار : نِعْمَ مكان المقاتل هذا. فقال له إبراهيم بن الأشتر : قد هزمهم الله وفلَّهم وأدخل الرعب قلوبهم , وتنزل ها هنا. سِر بنا , فوالله ما دون القصر أحد يمنع، ولا يمتنع كبير امتناع. فقال المختار : ليقم ها هنا كلُّ شيخ ضعيف وذي علّة، وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتّى تسيروا إلى عدوّنا. ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، وقدَّم إبراهيم بن الأشتر أمامه، وعبَّى أصحابه على الحال التي كانوا عليها في السبخة.
قال : وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل، فخرج عليهم من سكة الثوريين، فبعث المختار إلى إبراهيم : أن اطوه ولا تقم عليه. فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيد بن أنس فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، وذهب المختار في أثر إبراهيم، فمضوا جميعاً حتّى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلّى خالد بن عبد الله وقف وأمر إبراهيم أن يمضي على وجهه حتّى يدخل الكوفة من قِبَل الكناسة، فمضى , فخرج إليه من سكة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح المختار إليه سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه، وبعث إلى إبراهيم : أن اطوه وامض على وجهك. فمضى حتّى انتهى إلى
سكة شبث، وإذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة في نحو من ألفين - أو قال : خمسة آلاف (وهو الصحيح) - وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن، فنادى في الناس : أن الحقوا بابن مساحق. قال : واستخلف شبث بن ربعي على القصر، وخرج ابن مطيع حتّى وقف بالكناسة...(١) .
قتله معقل بن سنان
قال ابن حبان : معقل بن سنان بن مظهر بن عركي بن فتيان الأشجعي , كنيته أبو محمّد، ويقال : أبو عبد الرحمن، ويقال : أبو يزيد. شهد فتح مكة مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وقد قيل : أبو سنان سكن الكوفة، وقُتل يوم الحرّة صبراً , تولّى قتله يومئذ نوفل بن مساحق في سنة ثلاث وستين يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة، وكثيراً ما كان يستنقص يزيد بن معاوية ؛ فلذلك قُتل(٢) .
وقال الحاكم النيسابوري :... وكان معقل بن سنان يومئذ صاحب المهاجرين، فأتى به مسرف مأسوراً , فقال له : يا معقل بن سنان , أعطشت ؟ قال : نعم، أصلح الله الأمير. قال : خوضوا له مشربة بلور. قال : فخاضوها له، فقال : أشربت ورويت ؟ قال : نعم. قال : أما والله، لا تشتهي بعدها بما يفرح ! يا نوفل بن مساحق , قم فاضرب عنقه. فقام إليه فقتله صبراً.
وكانت الحرّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، فقال شاعر الأنصار :
ألا تلكُمُ الأنصارُ تنعى سُرَاتَها |
وأشجعُ تنعى معقلَ بنَ سنانِ(٣) |
____________________
(١) تاريخ الطبري٣ / ٤٤٥ - ٤٤٦.
(٢) الثقات - ابن حبان ٣ / ٣٩٣.
(٣) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ٥٢٢.
موقف أهل الخلاف وأقوالهم فيه
قال الذهبي فيه : نوفل بن مساحق القرشي، عن عمر وسعيد بن زيد، وعنه ابنه عبد الملك وصالح بن كيسان. ثقة ولي قضاء المدينة(١) .
وقال ابن عساكر : نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي , أبو سعيد , ويقال : أبو مساحق القرشي العامري. كان من أشراف قريش من أهل المدينة(٢) .
وقال السمعاني :... ونوفل من المشهورين , وكان على عمل الصدقات. روى عبد الجبار عن أبي الزناد وأهل المدينة. روى عنه أبو زرعة الرازي الإمام وغيره. ذكره أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات(٣) .
أقول : وذكره ابن حبان أيضاً في كتاب مشاهير علماء الأمصار(٤) , وهو مَن قتل معقل بن سنان ؛ لانتقاصه يزيد بن معاوية(٥) .
وأيضاً صحّح روايته الحاكم في مستدركه(٦) .
وقال المزي :... وذكر محمّد بن إسحاق أنّ نوفل بن مساحق هو الذي قتل معقل بن
____________________
(١) الكاشف في معرفة مَن له رواية في كتب الستة - الذهبي ٢ / ٣٢٨.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٢ / ٢٩٣.
(٣) الأنساب - السمعاني ٥ / ٢٨٣.
(٤) مشاهير علماء الأمصار - ابن حبان / ٦٣ و/ ١٣٨.
(٥) يأتي مقتله في ترجمة يزيد بن معاوية تحت عنوان (ما قاله معقل بن سنان في يزيد).
(٦) المستدرك - الحاكم النيسابوري ١ / ٣٨٥.
سنان، ومحمد بن أبي جهم بن حذيفة العدوي يومئذ جميعاً صبراً , وقال فيه بعض الشعراء :
ألا تلكُمُ الأنصارُ تبكي سُرَاتَها |
وأشجعُ تبكي معقلَ بنَ سنانِ(١) |
قال فيه ابن حجر في تقريب التهذيب : نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة القرشي العامري المدني القاضي , ثقة من الثالثة، مات بعد السبعين(٢) .
وقال أيضاً في تهذيب التهذيب : (أبي داود) نوفل بن مساحق بن عبد الله الأكبر بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري , أبو سعد، ويقال : أبو مساحق المدني القاضي. روى عن أبيه، وعمر، وسعيد بن زيد، وعثمان بن حنيف، واُمِّ سلمة. وعنه ابنه عبد الملك، وسالم أبو النضر، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، وصالح بن كيسان، ومنذر بن الجهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال : ولي القضاء بالمدينة. وقال النسائي : ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال : إنّه مات في إمرة عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وفيه نظر ؛ لأنّ الزّبير بن بكار حكى أنّ الوليد بن عبد الملك قَدِم المدينة - وهو خليفة - فأجلس نوفلاً معه على السرير.
قال : وحدثني عمِّي مصعب قال : كان نوفل من أشراف قريش، وكانت له ناحية من الوليد، وكان الوليد يطيّر الحمام، فأدخل نوفلاً عليه، وقال له : خصصتك بهذا المدخل. فقال : بل خسستني , إنّما هذه عورة. فغضب عليه وسيّره
____________________
(١) تهذيب الكمال - المزي ٢٨ / ٢٧٤.
(٢) تقريب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٢٥٥.
إلى المدينة، وكان يلي المساعي، ولا يرفع إلى الأمراء منها شيئاً يقسمها ويطعمها.
قلت : وقد ذكر البخاري، وأبو حاتم الرازي أنّ نوفلاً هذا مات في أوَّل ولاية عبد الملك، وهذا موافق لِما قال ابن حبان ؛ لأنّ ابن الزّبير قتل في أواخر سنة ثلاث وسبعين، واجتمع الناس إذ ذاك على عبد الملك، ولعلّ الذي اتّفق لنوفل مع الوليد كان في حياة عبد الملك، ويكون قول الزّبير في خلافته وهماً.
وزعم الواقدي أنّ نوفلاً هذا كان على شرطة مسلم بن عقبة المري في وقعة الحرّة , وأنّه قتل معقل بن سنان الأشجعي صبراً بأمر مسلم , والله تعالى أعلم(١) .
ووثّقه الهيثمي قال : وعن سعيد بن زيد، عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أنّه قال : (( من أربى الربا الاستطالةُ في عرض المسلم بغير حقٍّ، وإنّ هذه الرحم شجنة من الرحمن عزَّ وجلَّ، فمَن قطعها حرّم الله عليه الجنة )). رواه أحمد، والبزار. ورجال أحمد رجال الصحيح غير نوفل بن مساحق , وهو ثقة(٢) .
وقال أيضاً : عن نوفل بن مساحق قال : بينما عثمان بن حنيف يكلّم عمر بن الخطابرضياللهعنه - وكان عاملاً - فأغضبه، فأخذ عمر بن الخطاب قبضة من البطحاء فرجمه بها، فأصاب حجر منها جبينه فشجّه، فسال الدم على لحيته، فكأنّه ندم فقال : امسح الدم عن لحيتك. فقال : لا يهولنّك هذا يا أمير المؤمنين , فوالله لما انتهكتُ ممّن ولّيتني أمره أشدّ مما انتهكتَ منِّي.
قال : فكأنّه أعجب عمر ذلك منه، وزاده خيراً. رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(٣) .
____________________
(١) تهذيب التهذيب - ابن حجر ١٠ / ٤٣٧.
(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٨ / ١٥٠.
(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ٣٧١.
ترجمة حجار بن أبجر
وهو ممّن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) يطلب منه المجيء، وبعد ذلك خرج عليه وكذّبه.
ذكره ابن سعد في قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )(١) .
روى الطبري، وابن كثير، وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وكتب شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمير التميمي : أمّا بعد، فقد أخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدِم على جندٍ لك مجنّد، والسلام عليك(٢) .
روى الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، والقندوزي - واللفظ للأوّل - قال : ثمّ قال لهم الحسين (عليهالسلام ) : ((فإن كنتم في شكّ من هذا القول , أفتشكّون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيّكم , فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة ؟ أخبروني : أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلته ؟ أو مالٍ لكم استهلكته ؟ أو بقصاصٍ من جراحة ؟ )).
قال : فأخذوا لا يكلّمونه، قال :
____________________
(١) ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من طبقات ابن سعد / ٩٦.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٧٨، البداية والنهاية ٨ / ١٥١ - ١٥٢، والكامل ٣ / ٣٨٥ , ذكره مجملاً بقوله : ثمّ كتب إليه شبث بن ربعي و... و... بذلك.
فنادى : (( يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث , ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، وأخضرّ الجناب، وطمت الجمام، وإنّما تقدِم على جندٍ لك مجنّد , فأَقْبِلْ ؟ )). قالوا له : لم نفعل. فقال : ((سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم ))(١) .
أقوال أهل الخلاف فيه
قال مُحدّث الشام ابن عساكر :... أخبرنا أبو البركات الأنماطي، وأبو العز الكيلي قالا : أنبأنا أبو طاهر الباقلاني زاد الأنماطي، وأبو الفضل العدل , قال : أنبأنا أبو الحسن الإصبهاني، أنبأنا أبو الحسين الأهوازي، أنبأنا أبو حفص الأهوازي، أنبأنا خليفة بن خياط قال : في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة حجار بن أبجر بن جابر بن بجير بن عايذ بن شريط بن عمير بن مالك بن ربيعة بن زاهم... إلخ(٢) .
ما قاله ابن سعد : حجار بن أبجر بن جابر بن بجير بن عائذ بن شريط بن عمرو بن مالك بن ربيعة من عجل , وكان شريفاً , روى عن علي(٣) .
ما قاله البخاري :
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٩، الكامل في التاريخ ٣ / ٤١٩، البداية والنهاية ٨ / ١٨٠، وفي ط / ١٩٤ , وذكر بأنّ ثلاثين شخصاً انضمّوا إليه من جيش ابن سعد , قال : وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيّز إلى جيش الحسين (عليهالسلام ) من اُولئك طائفة قريب من ثلاثين فارساً فيما قيل , منهم : الحر بن يزيد أمير مقدّمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسين (عليهالسلام ) مما كان منهم... إلخ. ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٦٤ بإيجاز.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٢ / ٢٠٦.
(٣) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٦ / ٢٣١، وفي ط / ٢٥٠.
حجار بن أبجر البكري، سمع علي (عليهالسلام ) ومعاوية، روى عنه سماك.
قال وكيع : العجلي يعد في الكوفيِّين(١) .
ما قاله الرازي : مَن روى عنه العلم ممّن اسمه حجار ؛ حجار بن أبجر البكري , كوفي، روى عن علي (عليهالسلام ) ومعاوية، روى عنه سماك بن حرب , سمعت أبي يقول ذلك(٢) .
ما قاله ابن ماكولا : أبو أسيد حجار بن أبجر العجلي، كنّاه المدائني، يروى عن علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، روى عنه سماك بن حرب(٣) .
وذكره أيضاً بعد تعداده أبناء بجير، فقال : منهم حجار بن أبجر بن بجير بن عائذ، كان شريفاً(٤) .
أقول : فهذا حاله بلا خلاف، وهو عند أهل الخلاف شريف، وممّن روى العلم، ومن الطبقة الأولى، ومن التابعين !
____________________
(١) التاريخ الكبير - البخاري ٣ / ١٣٠.
(٢) الجرح والتعديل - الرازي ٣ / ٣١٢.
(٣) إكمال الكمال - ابن ماكولا ١ / ٧١.
(٤) إكمال الكمال - ابن ماكولا ٦ / ١٣.
ترجمة القعقاع بن شور
وهو من أنصار بني اُميّة، وممّن قاتل مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) وأعان عليه.
أعماله
قال عنه ابن أبي الحديد المعتزلي : ومنهم القعقاع بن شور، استعمله علي (عليهالسلام ) على عسكر فنقم منه اُموراً ؛ منها أنّه تزوّج امرأةً فأصدقها مئة ألف درهم، فهرب إلى معاوية(١) .
وقال الطبري : قال أبو مخنف : فحدثني أبو جناب الكلبي أنّ كثيراً ألفى رجلاً من كلب يقال له : عبد الأعلى بن يزيد قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبره، فقال لابن زياد : إنّما أردتك.
قال : وكنت وعدتني ذلك من نفسك. فأمر به فحبس، وخرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدي وهو يريد ابن عقيل عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمّد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامي، فلمـّا رأى محمّد بن الأشعث كثرة مَن أتاه أخذ يتنحّى ويتأخّر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمّد الأشعث : قد حلت على ابن عقيل من العرار فتأخّر عن موقفه.
____________________
(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٤ / ٨٧.
فأقبل حتّى دخل على ابن زياد من قِبَل دار الروميِّين، فلمـّا اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب، ومحمد، والقعقاع فيمَن أطاعهم من قومهم، فقال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد - : أصلح الله الأمير ! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم. فأبى عبيد الله، وعقد لشبث بن ربعي لواء فأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبّرون ويثوبون حتّى المساء , وأمرُهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثمّ قال : أشرفوا على الناس ؛ فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم وصول الجنود من الشام إليهم(١) .
وقال أيضاً : وذكر هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عن عيسى بن يزيد أنّ المختار بن أبي عبيد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم ؛ خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث، وقال : إنّما خرجت لأمنع عمراً.
وأنّ ابن الأشعث، والقعقاع بن شور، وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً، وأنّ شبثاً جعل يقول : انتظروا بهم الليل يتفرّقوا. فقال له القعقاع : إنّك قد سددت على الناس وجه مصيرهم، فأفرج لهم ينسربوا.
وأنّ عبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث , وجعل فيهما جعلاً، فاُتي بهما فحُبسا. (وفي هذه السنة) كان خروج الحسين (عليهالسلام ) من مكة متوجّهاً إلى الكوفة(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٧.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٩٣ - ٢٩٤.
ما قال أهل الخلاف في القعقاع
وقال خير الدين الزركلي : قعقاع بن شور الذهلي، من بني بكر ابن وائل , تابعي من الأجواد , كان في عصر معاوية بن أبي سفيان , يُضرب به المثل في حسن المجاورة , قيل : كان يجعل لمـّن جالسه نصيباً من ماله , ويعينه على عدوّه , ويشفع له في حوائجه , ثمّ يغدو إليه بعد المجالسة شاكراً. وفيه يقول الشاعر :
وكنتُ جليسَ قعقاعِ بنِ شورٍ |
ولا يشقى بقعقاعٍ جليسُ(١) |
وقال ابن ماكولا : والقعقاع بن شور السدوسي، تابعي , وعبد الملك بن نافع ابن أخي القعقاع بن شور. روى عن ابن عمر حديثاً في تحليل الشراب، روى عنه إسماعيل بن أبي خالد والعوام بن حوشب(٢) .
وذكر مُحدّث الشام ابن عساكر : القعقاع بن شور السدوسي الذهلي , وفد على معاوية. أخبرنا أبو بكر محمّد بن شجاع، أنبأنا أبو صادق محمّد بن أحمد بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمّد بن زنجوية، أنبأنا أبو أحمد العسكري، أخبرني أبو محمّد بن مروان، حدثنا عسل بن ذكوان، حدثنا عيسى بن إسماعيل، عن القحذمي قال : دخل القعقاع بن شور إلى معاوية - والمجلس غاص - فقام رجل عن مجلسه وأجلسه فيه، وأمر معاوية للقعقاع بمئة ألف، فقال للذي قام عن مجلسه : ضمَّها إليك. ففعل، فلمـّا خرجا قال للقعقاع : ما لك ؟! اقبضه.
فقال القعقاع : هو لك بقيامك عن مجلسك.
فقال الرجل :
____________________
(١) الأعلام - خير الدين الزركلي ٥ / ٢٠١.
(٢) إكمال الكمال - ابن ماكولا ٤ / ٣٩٢ , والمقصود بالدوسي هو الباهلي ؛ بقرينة ذكر عبد الملك ابن أخيه , فأكثر مَن ذكر القعقاع ذكر عبد الملك ابن أخي القعقاع.
وكنتُ جليسَ قعقاعِ بنِ شورٍ |
ولا يشقى بقعقاعٍ جليسُ |
|
ضَحُوكُ السنِّ إن نطقوا بخيرٍ |
وعند الشرِّ مِطْرَاقٌ عَبُوسُ(١) |
وقال ابن أبي حاتم الرازي : قعقاع بن شور , روى عن... نا عبد الرحمن قال : سألت أبي عنه، وقلت : إنّ البخاري(*) أدخل اسمه فيمَن يسمّى القعقاع. فقال : لا يعلم للقعقاع ابن شور رواية(٢) ، والذي يحدّث يقال له : عبد الملك ابن أخي القعقاع بن شور(٣) .
وابن حجر العسقلاني يرد على مَن ضعّفه حديثه فقط، ويثني عليه : (قعقاع) ابن شور , قال أبو حاتم : ضعيف الحديث. انتهى.
والمعروف بالتحديث عبد الملك ابن أخي القعقاع بن شور(٤) , والقعقاع من كبار الاُمراء في دولة بني اُميّة، وفيه يقول الشاعر:
وكنتُ جليس قعقاعَ بنَ شورٍ |
ولا يشقى لقعقاعٍ جليسُ(٥) |
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٩ / ٣٥٠.
(*) ذكره البخاري في تاريخه ٧ / ١٨٨ بدون تعليق عليه.
(٢) وفي المطبوع : (أبي شور) , والصحيح ما أثبتناه.
(٣) الجرح والتعديل - الرازي ٧ / ١٣٧.
(٤) يعني إذا لم تكن له رواية فكيف يضعّف ؟!
(٥) لسان الميزان - ابن حجر ٤ / ٤٧٤، وفي ط ٥ / ٥٢٨.
ترجمة الحصين بن نمير
هو من أتباع بني اُميّة، وهو مَن رمى سبط رسول الله الإمام الحسين (عليهالسلام ) في حلقه، وممّن شارك في قتله (عليهالسلام )، وممّن استباحوا المدينة حتّى قتلوا المسلمين فيها , وافتضّوا الأبكار، وممّن حرق الكعبة ورموها بالمنجنيق، وهو قاتل سليمان بن صرد الخزاعي(١) .
من الموالين لبني اُميّة
ذكر مُحدّث الشام ابن عساكر : حصين بن نمير بن نائل بن لبيد بن جعثنة بن الحارث بن سلمة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث , أبو عبد الرحمن الكندي ثمّ السكوني , من أهل حمص، روى عن بلال(٢) .
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣٩٤ , قال : سليمان بن صرد , الأمير أبو مطرف الخزاعي الكوفي الصحابي، له رواية يسيرة، وعن أُبي، وجبير بن مطعم. وعنه يحيى بن يعمر، وعدي بن ثابت، وأبو إسحاق، وآخرون.
قال ابن عبد البر : كان ممّن كاتب الحسين (عليهالسلام ) ليبايعه، فلمـّا عجز عن نصره ندم وحارب. قلت : كان ديّناً عابداً... إلخ. أي إلى آخر ما ذكرته في مقدّمة هذا الفصل.
(٢) وذكر الذهبي في ميزان الاعتدال ١ / ٥٥٤ رقم الترجمة ٢٠٩٩ : أنّ حصين بن نمير أمير يزيد هو الراوي عن بلال. أقول : وما ذكره ابن حجر ليس بصحيح، ولا يستفاد من كلام البخاري ؛ إذ البخاري ضعّف حرقه للكعبة فقط ولم ينفِ أنّه لم يكن أميراً ليزيد، ولم يقل أنّه مغايراً لمـّن روى عن بلال. وسيتبيَّن حال ذلك كله.
روى عنه ابنه يزيد بن حصين، وكان بدمشق حين عزم معاوية على الخروج إلى صفين، وخرج معه، وولي الصائفة ليزيد بن معاوية، وكان أميراً على جند حمص، وكان في الجيش الذي وجَّهه يزيد إلى أهل المدينة من دمشق لقتال أهل الحرّة، واستخلفه - المعروف مسلم بن عقبة بمسرف - على الجيش، وقاتل ابن الزّبير، وكان بالجابية حين عقدت لمروان بن الحكم الخلافة(١) .
خروجه لقتال الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال الدينوري : فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك , فغضب، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة، ثمّ وجّه الحصين بن نمير، وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وشمر بن ذي الجوشن، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره.
فأمّا شمر فنفّذ لِما وجّهه له، وأمّا شبث فاعتلّ بمرض، فقال له ابن زياد : أتتمارض ؟ إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدوِّنا. فلمـّا سمع شبث ذلك خرج، ووجّه أيضاً الحارث بن يزيد بن رويم(٢) .
ضربه الإمام الحسين (عليهالسلام ) بالسهم في فيه
قال الدينوري :... وبقي الحسين (عليهالسلام ) مليّاً جالساً، ولو شاؤوا أن يقتلوه قتلوه، غير أنّ كلَّ قبيلة كانت تتّكل على غيرها، وتكره الإقدام على قتله. وعطش الحسين (عليهالسلام ) ،
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٣٨٢.
(٢) الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٤.
فدعا بقدح من ماء، فلمـّا وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير بسهم فدخل فمه، وحال بينه وبين شرب الماء، فوضع القدح من يده(١) .
وهو ممّن حمل الرؤوس
قال الدينوري : وبعث عمر بن سعد برأس الحسين (عليهالسلام ) من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي , وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين (عليهالسلام ) يومين، ثمّ أذّن في الناس بالرحيل، وحُملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأساً ؛ جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأساً، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد بخمس رؤوس مع عيهمة بن زهير، وجاءت ثقيف باثني عشر رأساً مع الوليد بن عمرو(٢) .
ممّن أرسله يزيد إلى غزو وإباحة مدينة رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
قال المسعودي : وامتنع ابن الزّبير من بيعة يزيد، وكان يسمّيه السكّير الخمّير , وأخرج عامله عن مكة , وكتب إلى أهل المدينة ينتقصه ويذكر فسوقه، ويدعوهم إلى معاضدته على حربه وإخراج عامله عنهم. وأخرج أهل المدينة عامله , ومروان بن الحكم وولده وغيرهم من بني اُميّة وسيّرهم إلى الشام , فبعث إليهم يزيد مسلم بن عقبة
____________________
(١) الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٨.
(٢) الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٩.
المري في أربعة آلاف، ومعه زفر بن الحارث الكلابي، وحبيش بن دلجة القيني، والحصين بن نمير الكندي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وغيرهم من رؤساء الأجناد، وخرج يزيد مشيّعاً لهم وموصياً , فقال لمسلم بن عقبة فيما وصّاه به : إن حدث بك حدث فالأمر إلى الحصين بن نمير، وإذا قَدِمت إلى المدينة فمَن عاقك عن دخولها أو نَصَب لك حرباً فالسيف السيف، ولا تبقي عليهم، وانتهبها عليهم ثلاثاً، وأجهز على جريحهم، واقتل مُدبرهم , وإن لم يعرضوا لك فامضِ إلى مكة فقاتل ابن الزّبير , فأرجو أن يظفرك الله به. وأنشأ يزيد يقول - والرايات تمر، وقد علا على نشر من الأرض، وأحاطت به الخيول - :
أبلغ أبا بكر إذ الأمرُ انبرى |
وانحطَّتِ الراياتُ من وادي القرى |
|
أَجْمَعَ سكران من القومِ ترى |
أم جمعَ يقظان نفى عنه الكرى |
وكان ابن الزّبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب، وسار مسلم إلى المدينة، وقد احتفر أهلها خندق رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الذي كان قد حفره يوم الأحزاب، وشكوا المدينة بالحيطان، وقال شاعرهم مخاطباً ليزيد :
إنَّ بالخندقِ المكلَّلِ بالمجـ |
د لَضَرْباً يبدى عن النشواتِ |
|
لستَ منَّا وليس خالُكَ منَّا |
يا مُضِيعَ الصلاةِ للشهواتِ |
|
فإذا ما قَتَلْتَنا فتنصَّرْ |
واشربِ الخمرَ واتْرُكِ الجُمُعَاتِ |
فالتقوا بالحرّة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٦٣ , وكان على قريش وحلفائهم ومواليهم عبد الله بن مطيع العدوي ابن عمّ عمر بن الخطاب، وعلى الأنصار وسائر الناس عبد الله بن حنظلة الغسيل بن أبي عامر الأنصاري ثمّ الأوسي، فاقتتلوا قتالاً شديداً ؛ فقُتل عبد الله بن حنظلة في عدة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم ومواليهم وحلفائهم، وغيرهم من ذلك من قريش والأنصار نحو من سبعمئة رجل، ومن سائر الناس من الرجال والنساء والصبيان نحو من عشرة
آلاف فيما ذكر محمّد بن عمر الواقدي صاحب المغازي والسير، وقيل دون ذلك وأكثر...(١) .
ما فعلوه بالمدينة من هتك الحرم النبوي وفضّ الأبكار...
قال اليعقوبي :... فلمـّا انتهى الخبر إلى يزيد بن معاوية وجّه إلى مسلم بن عقبة فأقدمه من فلسطين، وهو مريض، فأدخله منزله، ثمّ قصّ عليه القصة، فقال : يا أمير المؤمنين , وجّهني إليهم، فوالله لأدعنَّ أسفلها أعلاها , يعني مدينة الرسول.
فوجّهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرّة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً، وخندقوا على المدينة، فرام ناحية من نواحي الخندق فتعذر ذلك عليه، فخدع مروان بعضهم فدخل ومعه مئة فارس، فأتبعه الخيل حتّى دخلت المدينة، فلم يبقَ بها كثير أحد إلّا قُتل، وأباح حرم رسول الله حتّى ولدت الأبكار لا يُعرف مَن أَوْلَدَهُنَّ. ثمّ أخذ الناس على أن يبايعوا على أنّهم عبيد يزيد بن معاوية، فكان الرجل من قريش يؤتى به فيُقال : بايع [على أنك] عبد قن ليزيد. فيقول : لا. فيُضرب عنقه(٢) .
حرقه بيت الله ورميه بالمنجنيق
وروى هذه أكثر المحدّثين، وإليك ما ذكره ابن حجر قال : ولابن سعد في الطبقات من طريق أبي الحارث بن زمعة قال : ارتحل الحصين بن نمير - يعني الأمير - الذي كان يقاتل ابن الزّبير من قِبَل يزيد بن
____________________
(١) التنبيه والأشراف - المسعودي / ٢٦٣.
(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٠، وفي ط / ١٦٥.
معاوية لمـّا أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين.
قال : فأمر ابن الزّبير بالخصاص التي كانت حول الكعبة فهدمت، فإذا الكعبة تنفض - أي تتحرك - متوهّنة ترتجّ من أعلاها إلى أسفلها , فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق.
وللفاكهي من طريق عثمان بن ساج , بلغني أنّه لمـّا قَدِم جيش الحصين بن نمير أحرق بعض أهل الشام على باب بني جمح , وفي المسجد يومئذ خيام , فمشى الحريق حتّى أخذ في البيت , فظنّ الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت حتّى أنّ الطير ليقع عليه فتتناثر حجارته(١) .
وفي رواية اُخرى قال : ثمّ إنّ أهل المدينة خلعوا يزيد في سنة ثلاث وستين، فجهّز إليهم مسلم بن عقبة المري في جيش حافل فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم خلق كثير من الصحابة وأبنائهم , وسبق أكابر التابعين وفضلاءهم، واستباحها ثلاثة أيّام نهباً وقتلاً، ثمّ بايع مَن بقى على أنهم عبيد ليزيد، ومَن امتنع قُتل.
ثمّ توجّه إلى مكة لحرب ابن الزّبير , فمات في الطريق، وعهد إلى الحصين بن نمير فسار بالجيش إلى مكة فحاصر ابن الزّبير، ونصبوا المنجنيق على الكعبة فوهت أركانها ثمّ احترقت(٢) .
ما جرى على أصحاب المنجنيق
قال الهيثمي : وعن عكرمة قال : مرَّ ابن الزّبير وابن عباس في المسجد، وأهل الشام يرمونها من فوق أبي قبيس - الجبل - بالمنجنيق بالحجارة، فأرسل الله عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم، وأحرقت تحته أربعة وأربعين رجلاً.
قال أناس من بني اُميّة :
____________________
(١) فتح الباري - ابن حجر ٣ / ٣٥٤، وفي ط ٤ / ٢٣٨.
(٢) لسان الميزان - ابن حجر ٦ / ٢٩٤، وفي ط ٧ / ٤٧٦.
لا يهولنَّكم، فإنّها أرض صواعق. فأرسل الله عليهم اُخرى فأحرقت منجنيقهم , وأحرقت تحته أربعين رجلاً.
قال : فبينا هم كذلك أتاهم موت يزيد بن معاوية، فتفرّق أهل الشام.
قلت : فذكر الحديث بنحو ما يأتي في كتاب الفتن إن شاء الله، رواه الطبراني في الكبير , وفيه هلال بن جناب , وهو ثقة , وفيه كلام(١) .
عبد الرزاق الصنعاني : عبد الرزاق عن معمر قال : بلغني أنّ الحصين بن نمير حين نَصَب المنجنيق على الكعبة طلعت سحابة بيضاء نحو أبي قبيس , فرعدت ثمّ صعقت، فاحترقت المنجنيق واحترق تحته سبعون رجلاً(٢) .
أقوال أهل الخلاف فيه
ذكره ابن حبان في الثقات قال : حصين بن نمير، يروي عن بلال، روى عنه ابنه يزيد بن حصين(٣) .
____________________
(١) الثقات - ابن حبان ٤ / ١٥٧.
(٢) المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ٥ / ١٣٨.
(٣) لسان الميزان - ابن حجر ٦ / ٢٩٤، وفي ط ٧ / ٤٧٦.
ترجمة مالك بن بشير أو مالك بن النسير
وهو من النواصب المعادين للإمام الحسين (عليهالسلام )، ومَن أقرّ بإمامة يزيد بن معاوية، ومَن أرسل ابن زياد، وممّن ضرب رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) وسلب درعه.
قال الطبري : فلمـّا أصبح نزل فصلّى الغداة، ثمّ عجّل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم، فيأتيه الحر بن يزيد فيردّهم فيردّه، فجعل إذا ردّهم إلى الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه، فارتفعوا , فلم يزالوا يتسايرون حتّى انتهوا إلى نينوى , المكان الذي نزل به الحسين (عليهالسلام ).
قال : فإذا راكب على نجيب له , وعليه السلاح , متنكّب قوساً , مقبل من الكوفة , فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلمـّا انتهى إليهم سلّم على الحرِّ بن يزيد وأصحابه ولم يسلَّم على الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه، فدفع إلى الحرِّ كتاباً من عبيد الله بن زياد , فإذا فيه : أمّا بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلّا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرتُ رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري , والسلام.
قال : فلمـّا قرأ الكتاب قال لهم الحرُّ : هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أن اُجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقني حتّى أنفذ رأيه وأمره. فنظر إلى رسولِ عبيد الله يزيدُ بنُ زياد بن المهاصر، أبو الشعثاء الكندي ثمّ البهدلي , فعنَّ له، فقال : أمالك بن النسير البديّ ؟ قال : نعم. وكان أحد كندة، فقال له يزيد بن زياد : ثكلتك اُمّك ! ماذا
جئت فيه ؟ قال : وما جئت فيه ! أطعت إمامي ووفيت ببيعتي. فقال له أبو الشعثاء : عصيت ربَّك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار ! قال الله عزّ وجلّ :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) (١) , فهو إمامك(٢) .
ونصّ المؤرّخين على عدم سلامه على الإمام الحسين (عليهالسلام ) يدلّ على بغضه ونصبه.
ضربه رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) , ودعاؤه عليه , وسلبه له
قال الطبري : وإنّ رجلاً من كندة يقال له : مالك بن النسير من بني بداء أتاه، فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له، فقطع البرنس وأصاب السيف رأسه فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين )).
قال : فألقى ذلك البرنس، ثمّ دعا بقلنسوة فلبسها واعتمّ، وقد أعيا وبلد، وجاء الكندي حتّى أخذ البرنس - وكان من خزٍّ - , فلمـّا قَدِم به بعد ذلك على امرأته اُمّ عبد الله ابنة الحرِّ , أخت حسين بن الحر البدي، أقبل يغسل البرنس من الدم، فقالت له امرأته : أسلب ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) تدخل بيتي ؟! أخرجه عنِّي. فذكر أصحابه أنّه لم يزل فقيراً بشرٍّ حتّى مات(٣) .
وروى الدينوري قال :
____________________
(١) سورة القصص / ٤١.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٠٩.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣١ - ٣٣٢.
وبقي الحسين (عليهالسلام ) وحده، فحمل عليه مالك بن بشر الكندي فضربه بالسيف على رأسه، وعليه برنس خزٍّ فقطعه، وأفضى السيف إلى رأسه فجرحه , فألقى الحسين (عليهالسلام ) البرنس ودعا بقلنسوة فلبسها، ثمّ اعتمّ بعمامة وجلس، فدعا بصبي له صغير فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد - وهو في حجر الحسين (عليهالسلام ) - بمشقص فقتله(١) .
وقال الخوارزمي : ثمّ ضعف - أي الحسين (عليهالسلام ) - عن القتال، فوقف مكانه، فكلمـّا أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه وكره أن يلقى الله بدمه، حتّى جاءه رجلٌ من كندة يقال له : مالك بن نسر فضربه بالسيف على رأسه، وكان عليه برنس، فقطع البرنس وامتلأ دماً، فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( لا أكلت بيمينك ولا شربت بها، وحشرك الله مع الظالمين )).
ثمّ ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتمّ عليها، وقد أعيا وتبلّد، وجاء الكندي فأخذ البرنس - وكان من خزٍّ - فلمـّا قَدِم به بعد ذلك على امرأته اُمّ عبد الله لتغسله من الدم قالت له امرأته : أتسلب ابن بنت رسول الله برنسه وتدخل بيتي ؟! اخرج عنِّي حشا الله قبرك ناراً.
وذكر أصحابه : أنّه يبست يداه ولم يزل فقيراً بأسوأ حال إلى أن مات(٢) .
قال الإسفرايني : وقد ضعفت قوّته - أي الحسين (عليهالسلام ) - , ونشف فمَه ولسانه من العطش، وقد أصابه من القوم جراح كثيرة، وصارت النبال في درعه كالشوك في جلد القنفذ، فوقف يستريح لضعفه عن القتال , فأتاه سهم له ثلاث شعب فوقع في قلبه، فقال :
____________________
(١) الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٨.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٣٩ - ٤٠. أقول : وبمقارنة ما ذكره الدينوري والطبري يظهر أنّ مالك بن بشير وابن النسير وابن نسر واحد.
(( بسم الله الرحمن الرحيم، وبالله وعلى ملّة رسول الله )). ثمّ نزع السهم فخرج من موضعه مزراب من الدم، فغضب لذلك، وصار كلَّما أتاه رجل من كندة صرفه عن نفسه بنفسه، وقد أشتدّ عليه حاله وأمره، فلمـّا ضعف وقلّت همّته، أتاه رجل من كندة يقال له : مالك بن بشير، وضربه على رأسه فامتلأ السيف دماً ؛ فتبادرت إليه الفرسان من كلِّ جانب ومكان , وطعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته فسقط إلى الأرض على فخذه الأيمن، ثمّ ضربه زرعة بن شريك على كتفه الأيسر فصرعه، فضربه اُخرى على عاتقه فأكبّه على وجهه، فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثمّ طعنه الأُخرى في صدره، فجلس قاعداً , فرماه بسهم في نحره , ثمّ نزعه وجعل يتلقّى الدم بيديه جميعاً وخضّب به رأسه ولحيته(١) وهو يقول : (( هكذا أُلاقي الله وأنا مظلوم مخضّب بدمي , مغصوب منّي حقّي )).
فقال عمر بن سعد لرجل : انزل له واذبحه. فبادر إليه ابن زيد الأصبحي ليحزَّ رأسه فارتعد ورجع، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي ؛ فأخذ بلحيته وجعل يضربه بالسيف في حلقه ويقول : والله لآخذنَّ رأسك وقد أعلم أنّك ابن بنت رسول الله. ففتح عينيه فيه، فولَّى هارباً، فلقيه الشمر بن ذي الجوشن فقال : لِمَ لا تقتله؟!...(٢) .
أقول : وهو من أهل الخلاف الموالين لبني اُميّة كما هو ظاهر ممّا فعله لرضاهم، وإقراره بإمامة يزيد بن معاوية.
____________________
(١) أقول : في المطبوع هكذا : ( فجلس قاعداً فرماه بسهم في نحره ثمّ نزعه، وجعلوا يتلقّون الدم بأيديهم جميعاً وخضّبوا به رأسه ولحيته) , والظاهر ما أثبتناه.
(٢) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٤٩، وفي ط / ٤٢ - ٤٣.
ترجمة عمر بن سعد بن أبي وقاص
وهو مَن أخبره أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بقتله الإمام الحسين (عليهالسلام )، وقول الناس فيه : إنّه قاتل الحسين (عليهالسلام )، وهو مَن خرج بجيشه لقتاله (عليهالسلام )، ومَن أمر جنوده بمنع الإمام (عليهالسلام ) عن الماء بأمر عبيد الله (عليهم لعائن الله)، وأوّل مَن بدأ بقتاله (عليهالسلام )، وهو مَن أمر بذبح الإمام الحسين (عليهالسلام )، ومَن أمر جنوده برضّ صدره (عليهالسلام ) وظهره بحوافر الخيل... ومَن ساق حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى الكوفة و... و.... إلخ.
قساوة ابن سعد ودعاء أبيه عليه
روى مُحدّث الشام ابن عساكر، والمزي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو محمّد بن طاووس، أنا طراد بن محمّد النقيب، أنا أبو الحسين بن بشران، نا أبو علي صفوان، نا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني أبي، عن أبي المنذر الكوفي قال : كان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد اتخذ جعبة وجعل فيها سياطاً نحواً من خمسين سوطاً، فكتب على السوط عشرة وعشرين وثلاثين إلى خمسمئة على هذا العمل.
وكان لسعد بن أبي وقاص غلام ربيب مثل ولده، فأمره عمر بشيء فعصاه , فضرب بيده إلى الجعبة فوقع بيده سوطاً مئة، فجلده مئة جلدة، فأقبل الغلام إلى سعد دمه يسيل على عينيه، فقال : ما لك ؟ فأخبره , فقال : اللّهم اقتل عمر، وأسل دمه على عينيه.
قال : فمات الغلام، وقتل المختار
عمر بن سعد(١) .
إخبار أمير المؤمنين (عليهالسلام ) بقتله الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى مُحدّث الشام ابن عساكر، والمزي، والمتقي الهندي - واللفظ للأوّل - قال : أنبأنا أبو محمّد بن طاووس، أنا أبو الغنائم بن أبي عثمان، أنا أبو الحسن بن رزقوية، أنا أبو بكر محمّد بن عمر بن الجعابي، نا الفضل بن الحباب، نا أبو بكر، نا جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن بعض أصحابه قال : قال علي (عليهالسلام ) لعمر بن سعد : (( كيف أنت إذا قمتَ مقاماً تُخيَّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار ؟! ))(٢) .
علم الناس بقتله الإمام الحسين (عليهالسلام ) قبل واقعة الطفِّ
روى مُحدّث الشام ابن عساكر، والمزي، وابن حجر - واللفظ للأوَّل - : أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا أبو القاسم بن حبابة، أنا أبو القاسم البغوي، نا محمّد بن عبد الملك بن زنجوية، حدثني الحميدي، نا سفيان، عن سالم إن شاء الله كذا قال : قال عمر بن سعد للحسين (عليهالسلام ) : إنّ قوماً من السفهاء يزعمون أنّي أقتلك ! فقال حسين (عليهالسلام ) : (( ليسوا بسفهاء، ولكنهم حلماء )). ثمّ قال : (( والله، إنّه ليقرّ بعيني أنّك لا تأكل برَّ العراق بعدي إلّا قليلاً ))(٣) .
وقال مُحدّث الشام ابن عساكر، والمزي - واللفظ للأول - :
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٨، تهذيب الكمال - المزي ٢١ / ٣٥٨.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٩، تهذيب الكمال - المزي ١٢ / ٣٥٩، كنز العمال - المتقي الهندي ٣١ / ٦٧٤، تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٥٧ نقلاً عن إحقاق الحق ٢٧ / ٢٩٧.
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٨، تهذيب الكمال - المزي ٢١ / ٣٥٩، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٧ / ٣٩٦.
قرأنا على أبي عبيد الله بن البنا، عن أبي المعالي محمّد بن عبد السلام، أنا علي بن محمّد بن خزفة، أنا محمّد بن الحسين بن محمّد، نا أبو بكر بن أبي خيثمة، نا عبد السلام بن صالح، نا ابن عيينة، عن عبد الله بن شريك قال : أدركت أصحاب الأردية المعلمة، وأصحاب البرانس من أصحاب السواري , إذا مرَّ بهم عمر بن سعد قالوا : هذا قاتل الحسين (عليهالسلام ). وذلك قبل أن يقتله(١) .
ابن سعد يتخيّر بين الجنّة والنار... وخروجه على الإمام الحسين (عليهالسلام ) حبّاً للدنيا , وتحريضه الناس على الخروج , وعدم استماعه لمـّن أبدى له النصيحة
روى مُحدّث الشام ابن عساكر، والطبري، وابن حجر - واللفظ للأوّل - قال : أخ-برنا أبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا، أنا أحمد بن محمّد بن الآبنوسي، أنا أحمد بن عبيد بن الفضل - إجازة ح - قالا : وأنا أبو تمام علي بن محمّد - إجازة - أنا أحمد بن عبيد - قراءة - نا محمّد بن الحسين الزعفراني، نا ابن أبي خيثمة، نا أبي، نا وهب بن جرير، عن أبيه قال : وبلغ مسيره - يعني الحسين (عليهالسلام ) - عبيد الله بن زياد وهو بالبصرة , فخرج على بغلة هو واثنا عشر رجلاً حتّى قَدِموا الكوفة، فحسب أهل الكوفة أنّه الحسين بن علي (عليهالسلام ) , وهو متلثّم، فجعلوا يقولون : مرحباً بابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
وأقبل الحسين (عليهالسلام ) حتّى نزل نهري كربلاء، وبلغه خبر الكوفة، فبعث ابن زياد عمر بن سعد على جيش وأمره أن يقتله، وبعث شمر بن جوشن الكلابي فقال : اذهب معه ؛ فإن قتله وإلّا فاقتله(٢) ، وأنت على الناس. قال : فخرجوا حتّى لقوه، فقاتل هو ومَن معه حتّى قتلوا.
قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٨، تهذيب الكمال ٢١ / ٣٥٩.
(٢) إلى هنا رواه أيضاً ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧ / ٣٩٦.
الحسن بن الحسين، عن عبد العزيز بن أحمد، أنا عبد الوهاب الميداني، أنا أبو سليمان بن زبر، أنا عبد الله بن أحمد بن جعفر، أنا محمّد بن جرير الطبري، قال : قال هشام بن محمّد : قال أبو مخنف : حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان، قال : كان سبب خروج عمر بن سعد إلى الحسين (عليهالسلام ) أنّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبي، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب ابن زياد عهد على الري , فأمره بالخروج فخرج , فعسكر بالناس بحمام أعين، فلمـّا كان من أمر الحسين (عليهالسلام ) ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد فقال له : سر إلى الحسين , فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك.
فقال له عمر بن سعد : إن رأيت أن تعفيني فافعل.
فقال عبيد الله : نعم، على أن ترد علينا عهدنا.
قال : فلمـّا قال له ذلك، قال له عمر بن سعد : أمهلني اليوم أنظر.
قال : فانصرف عمر , فجعل يستشير نصحاءه فلم يكن يستشير أحداً إلّا نهاه.
قال : وجاءه حمزة بن المغيرة بن شعبة , وهو ابن اُخته، فقال : أنشدك الله - يا خال - أن تسير إلى الحسين (عليهالسلام ) فتأثم بربّك، وتقطع رحمك ؛ فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها لو كان خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين (عليهالسلام ).
فقال عمر بن سعد : فإنّي أفعل إن شاء الله.
قال هشام : حدثني عوانة بن الحكم، عن عمار بن عبد الله سنان الجهني، عن أبيه قال : دخلت على عمر بن سعد وقد اُمر بالمسير إلى الحسين (عليهالسلام ) , فقال لي : إنّ الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين فأبيت ذلك عليه.
قال : فقلت له : أصاب الله بك , أرشدك الله , أجل فلا تفعل ولا تسر إليه.
قال : فخرجت من عنده، فأتاني آتٍ فقال : هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين (عليهالسلام ) , قال : فأتيته فإذا هو جالس، فلمـّا رآني أعرض بوجهه، فعرفت أنّه قد عزم على المسير إليه، فخرجت من عنده.
قال :
فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد، فقال : أصلحك الله ! إنّك ولّيتني هذا العمل وكتبت لي العهد، وسمع به الناس، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل، وتبعث إلى الحسين (عليهالسلام ) في هذا الجيش من أشراف أهل الكوفة مَن لست بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه. فسمّى له ناساً، فقال له ابن زياد : لا تُعلِّمني بأشراف أهل الكوفة، فلستُ أستأمرك فيما أريد أن أبعث ؛ إن سرت بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا.
قال : فلمـّا رآه قد لجَّ قال : فإنّي سائر.
قال : وأقبل في أربعة آلاف حتّى نزل بالحسين (عليهالسلام )(١) , (من الغد من يوم نزل الحسين نينوى)(٢) .
وذكر الإسفرايني : قال الراوي :... وأمّا ما كان من أمر ابن زياد، فإنّه أتاه رجلٌ من عسكر الحر من غير علمه، وقال : اعلم أيُّها الأمير , أنّ الحسين (عليهالسلام ) نزل في أرض كربلاء، وضايقناه، ولولانا لرجع إلى المدينة.
فعند ذلك أطلق منادياً في الكوفة : يا معشر الناس , مَن يأتِ برأس الحسين (عليهالسلام ) فله ملك الرِّي عشر سنين. وأرسل في البصرة منادياً ينادي بمثل ذلك، فقام إليه عمر بن سعد وقال : أنا آتيك برأسه. فقال له : امض وامنعه من شرب الماء، وائتني برأسه. فقال : سمعاً وطاعة.
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٩ - ٥٠، تاريخ الطبري ٣ / ٣١٠، معجم البلدان - الحموي ٣ / ١١٨، قال : وكان عبيد الله بن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الري إن خرج على الجيش الذي توجّه لقتال الحسين بن علي (رضياللهعنه ) , فأقبل يميل بين الخروج وولاية الري والقعود، وقال :
أأتركُ مُلْكَ الريِّ والريُّ رغبةٌ |
أم ارجِعُ مذموماً بقتلِ حسينِ |
|
وفى قتلِهِ النارُ التي ليس دونها |
حجابٌ وملك الريِّ قُرَّةُ عينِ |
فغلبه حب الدنيا والرياسة حتّى خرج , فكان من قتل الحسين (رضياللهعنه ) ما كان.
(٢) ما بين القوسين من تاريخ الطبري ٣ / ٣١٠.
فعند ذلك عقد له راية وأمره على ستة آلاف فارس، ثمّ أمره بالمسير، فخرج من عنده وأتى إلى داره , فدخلت عليه أولاد المهاجرين والأنصار الذين كانوا في الكوفة، وقالوا له : يا ويلك يابن سعد ! لا تخرج إلى حرب الحسين (عليهالسلام ).
فقال : لست أفعل. ثمّ جعل يتفكّر في ملك الريِّ وحرب الحسين (عليهالسلام )، فاختارت نفسه ملك الريِّ على حرب الحسين، ثمّ جعل يقول :
فوالله ما أدري وإنّي لواقفٌ |
اُفكِّرُ في أمري على خطرينِ |
|
أأتركُ مُلْكَ الريِّ والريُّ مُنْيَتِي |
أم ارجِعُ مأثوماً بقتلِ حسينِ |
|
فإن صدقوا فيما يقولون إنني |
أتوبُ إلى الرحمنِ توبةَ مينِ |
|
وإن كذبوا فُزْنَا بدنيا دنيةٍ |
وملكٍ عقيمٍ دائمِ الحَجَلَيْنِ |
|
ألا إنما الدنيا لَخَيْرٌ معجَّلٌ |
وما عاقلٌ باعَ الوجودَ بديْنِ |
|
فإن كنتُ أَقْتُلْهُ فقد فاز موعدي |
يقيناً وأعلو عالم الجيشينِ |
|
ولكنَّ ربَّ العرش يغفرُ زلتي(١) |
ولو كنتُ فيها أظلمَ الثقلينِ(٢) |
أمره لعنه الله بمنع الماء عن الإمام الحسين (عليهالسلام ) حتّى ذُبح عطشان
روى الطبري، وأبو حنيفة الدينوري، وابن قتيبة الدينوري - واللفظ للأوّل - قال : (قال أبو مخنف) : حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي قال : جاء من عبيد الله بن زياد كتابٌ إلى عمر بن سعد : أمّا بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
قال : فبعث عمر بن سعد عمرَو بن
____________________
(١) وفي ط : (يغفر ذلتي).
(٢) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٣٣، وفي ط / ٢٨ - ٢٩.
الحجاج على خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه (عليهمالسلام ) وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين (عليهالسلام ) بثلاث.
قال : ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي، وعداده في بجيلة، فقال : يا حسين , ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً. فقال حسين (عليهالسلام ) : ((اللّهم اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً )).
قال حميد بن مسلم : والله لعدتُه بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلّا هو لقد رأيته يشرب حتّى بغر، ثمّ يقئ، ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر فما يروى , فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصته , يعنى نفسه.
قال : ولمـّا اشتدّ على الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه العطش دعا (عليهالسلام ) العباس بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاؤوا حتّى دنوا من الماء ليلاً , واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي : مَن الرجل ؟ فجيء , فقال : ما جاء بك ؟
قال : جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال : فاشرب هنيئاً. قال : لا والله، لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان، ومَن ترى من أصحابه. فطلعوا عليه، فقال : لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء.
فلمـّا دنا منه أصحابه قال لرجاله : املؤوا قربكم. فشدَّ الرجالة فملؤوا قربهم، وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي، ونافع بن هلال فكفوهم، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم، فقالوا : امضوا. ووقفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه واطَّردوا قليلاً، ثمّ إنّ رجلاً من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجّاج طعنه نافع بن هلال، فظنّ أنّها ليست بشيء، ثمّ إنّها انتقضت بعد
ذلك فمات منها، وجاء أصحاب حسين (عليهالسلام ) بالقرب فأدخلوها عليه(١) .
اللعين يأمر بذبح الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال سبط ابن الجوزي في تذكرته : وقال عمر بن سعد : مَن جاء برأس الحسين فله ألف درهم(٢) .
وذكره القندوزي قال : قال أبو مخنف : وبقي الحسين (رضياللهعنه ) ثلاث ساعات من النهار ملطّخاً بدمه، رامقاً بطرفه إلى السماء , وينادي : (( يا إلهي , صبراً على قضائك، ولا معبود سواك يا غياث المستغيثين )).
فتبادر إليه أربعون فارساً يريدون حزَّ رأسه الشريف , المكرّم المبارك , المقدّس المنوّر، ويقول عمر بن سعد : ويلكم ! عجّلوا بقتله. فدنا منه شبث بن ربعي، فرمقه الحسين (رضياللهعنه ) بعينه , فرمى السيف من يده وولّى هارباً، ويقول : معاذ الله أن ألقى الله بدمك يا حسين. فأقبل إلى شبث سنانُ بن أنس النخعي، وكان كوسج اللحية , قصيراً أبرصاً , أشبه الخلق بالشمر اللعين، فقال له : لم ما قتلته ثكلتك أُمُّك ؟!
قال شبث : يا سنان , إنّه قد فتح عينيه في وجهي فشبهتهما بعيني رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). ثم دنا منه سنان ففتح عينيه في وجهه فارتعدت يده وسقط السيف منها وولّى هارباً، فأقبل إلى سنان الشمرُ اللعين وقال له : ثكلتك اُمّك ! ما لك رجعت عن قتله ؟
فقال : يا شمر , إنّه فتح عينيه في وجهي فذكرت هيبة أبيه علي بن أبي طالب، ففزعت فلم أقدر على قتله. فقال له الشمر الملعون : إنّك جبان في الحرب، فوالله ما كان أحد غيري أحق منِّي بقتل الحسين.
ثم إنّه ركب على
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١١، الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٥٥ باختلاف لا يضرّ بالمعنى، الإمامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري كذلك.
(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٢٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
صدره الشريف، ووضع السيف في نحره، وهمّ أن يذبحه، ففتح عينيه في وجهه , فقال لهالحسين (رضي الله عنه وأرضاه) : (( يا ويلك ! مَن أنت فقد ارتقيت مرتقىً عظيماً ؟ )). فقال له الشمر : الذي ركبك هو الشمر بن ذي الجوشن الضبابي.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( أتعرفني يا شمر ؟ )). قال : نعم، أنت الحسين بن علي، وجدّك رسول الله، واُمّك فاطمة الزهراء، وأخوك الحسن. فقال : (( ويلك ! فإذا علمت ذلك فلم تقتلني ؟ )). قال : أريد بذلك الجائزة من يزيد. فقال له : ((يا ويلك ! أيُّما أحبُّ إليك، الجائزة من يزيد أمْ شفاعة جدِّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟ )). فقال الشمر الملعون : دانق من جائزة يزيد أحبّ إلى الشمر من شفاعة جدِّك.
فقال له الحسين ( رضي الله عنه وبلغه الله إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه) : (( سألتك بالله أن تكشف لي بطنك )). فكشف بطنه فإذا بطنه أبرص كبطن الكلاب، وشعره كشعر الخنازير , فقال الحسين (رضياللهعنه ) : ((الله أكبر ! لقد صدق جدِّي (صلىاللهعليهوآله ) في قوله لأبي : يا علي , إنّ ولدك الحسين (عليهالسلام ) يُقتل بأرض يقال لها كربلاء، يقتله رجلٌ أبرص أشبه بالكلاب والخنازير )). فقال الشمر اللعين : تشبّهني بالكلاب والخنازير، فوالله لأذبحنَّك من قفاك.
ثمّ إنّ الملعون قطع الرأس الشريف المبارك، وكلمـّا قطع منه عضواً يقول : (( يا جدّاه ! يا محمّداه ! يا أبا القاسماه ! ويا أبتاه ! يا علياه ! يا اُمّاه ! يا فاطماه ! اُقتل مظلوماً، واُذبح عطشانَ، وأموت غريباً ! )). فلمـّا اجتزّه وعلاه على القناة كبَّرَ وكبَّرَ العسكر ثلاث تكبيرات، وتزلزلت الأرض واظلمّت الدنيا، وأمطرت السماء دماً عبيطاً، وينادى في السماء : قُتل والله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، قُتل والله الإمام ابن الإمام، قُتل الأسد الباسل وكهف الأرامل.
وكان يوم قتله يوم الجمعة عاشر المحرم الحرام سنة إحدى وستين(١) .
____________________
(١) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣/ ٨٢ - ٨٤.
ابن سعد ( لعنه الله ) ينتدب عشرة فرسان لرضّ جسد الإمام الحسين (عليهالسلام ) بحوافر خيولهم
روى الطبري، والشبراوي - واللفظ للأوّل - قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى في أصحابه : مَن ينتدب للحسين ويوطئه فرسه ؟ فانتدب عشرة , منهم : إسحاق بن حيوة الحضرمي - وهو الذي سلب قميص الحسين (عليهالسلام ) فبرص بعد - وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين (عليهالسلام ) بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره، فبلغني أنّ أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب، وهو واقف في قتال، ففلق قلبه فمات(١) .
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى : مَن ينتدب للحسين فيوطئه فرسه ؟ فانتدب له عشرة نفر، منهم : إسحاق الحضرمي، والأخنس بن مرثد الحضرمي القائل في ذلك :
نحن رضضنا الظهرَ بعدَ الصدرِ |
بكلِّ يعبوبٍ شديدِ الأسرِ |
|
حتّى عصينا اللهَ ربَّ الأمرِ |
بصنعِنا مع الحسينِ الطُّهرِ |
فداسوا حسيناً بخيولهم حتّى رضّوا صدره وظهره، فسئُل عن ذلك , فقال : هذا أمر الأمير عبيد الله بن زياد(٢) .
وقال سبط ابن الجوزي : وقال عمر بن سعد أيضاً : مَن يوطئ الخيل صدره ؟ فأوطؤوا الخيل ظهره وصدره، ووجدوا في ظهره آثاراً سوداً، فسألوا عنها فقيل : كان ينقل الطعام على ظهره في الليل إلى مساكن المدينة.
وأخذ ملحفة فاطمة بنت الحسين واحد ،
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٥، الإتحاف في حب الأشراف للشبراوي / ٥٣ , ط أمير قم.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٤.
وأخذ حليها آخر، وعرّوا نساءه وبناته من ثيابهن(١) .
وفي البداية والنهاية قال ابن كثير : ويقال : إنّ عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتّى ألصقوه بالأرض يوم المعركة(٢) .
ابن سعد يبشّر أهله بما فتح... بقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : (قال أبو مخنف) : حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال : دعاني عمر بن سعد فسرّحني إلى أهله لاُبشّرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلت حتّى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك(٣) .
هو مَن حمل الهاشميّات إلى ابن زياد... وإلى الشام أيضاً
وذكر الشبراوي : وأخذ عمر بن سعد بنات السّيد الحسين (عليهالسلام ) وأخواته، ومَن كان معه من الأطفال، وعلي بن الحسين (عليهالسلام ) مريض، فأدخلهم على ابن زياد، وطيف برأس الحسين (عليهالسلام ) في الكوفة على خشبة، ثمّ أرسل بها إلى يزيد بن معاوية، وأرسل معه الصبيان والنساء مشدودين على أقتاب الجمال موثقين بالحبال، والنساء مكشّفات الوجوه والرؤوس.
ويقال : إنّ الذي حضر بالرأس إلى الشام عمر
____________________
(١) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٢٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
(٢) البداية والنهاية ٢ / ١٨٩، استشهاد الحسين (عليهالسلام ) / ١٠٥ للدكتور محمّد جميل غازي، خرّجه من كتاب الحافظ (ط مطبعة المدني - المؤسسة السعودية بمصر) نقلاً عن إحقاق الحق ٣٣ / ٦٩٤.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٦، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٧.
ابن سعد بن أبي وقاص، وفي عنق علي بن الحسين (عليهالسلام ) ويديه الغل... إلخ(١) .
هلاك عمر بن سعد وابنه
روى الطبري، وابن الأثير، وابن خلدون، وابن عساكر - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : وحدثني موسى بن عامر أبو الأشعر : أنّ المختار قال ذات يوم وهو يحدّث جلساءه : لأقتلنَّ غداً رجلاً عظيم القدمين , غائر العينين , مشرف الحاجبين , يسرّ مقتله المؤمنين والملائكة المقرّبين.
قال : وكان الهيثم بن الأسود النخعي عند المختار حين سمع هذه المقالة، فوقع في نفسه أنّ الذي يريد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فلمـّا رجع إلى منزله دعا ابنه العريان فقال : القِ ابن سعد الليلة، فخبّر بكذا وكذا، وقُلْ له : خذ حذرك فإنه لا يريد غيرك.
قال : فأتاه , فاستخلاه ثمّ حدّثه الحديث، فقال له عمر بن سعد : جزى الله أباك والإخاء خيراً، كيف يريد هذا بي بعد الذي أعطاني من العهود والمواثيق ؟! وكان المختار أوَّل ما ظهر أحسن شيء سيرةً وتألّفاً للناس، وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار ؛ لقرابته بعلي (عليهالسلام )، فكلَّم عمر بن سعد عبدَ الله بن جعدة، وقال له : إنّي لا آمن هذا الرجل - يعني المختار - فخذ لي منه أماناً. ففعل.
قال : فأنا رأيت أمانه وقرأته , وهو : بسم الله الرحمن الرحيم , هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد بن أبي وقاص , إنّك آمنٌ بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تُؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت وأطعت , ولزمت رحلك وأهلك مصرك، فمَن لقي عمر بن سعد من شرطة الله، وشيعة آل محمّد , ومن غيرهم من الناس ،
____________________
(١) الإتحاف بحب الأشراف - للشبراوي / ٥٥ - ٥٦.
فلا يعرض له إلّا بخير , شهد السائب بن مالك، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن شداد، وعبد الله بن كامل. وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليَفينَ لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان إلّا أن يحدث حدثاً، وأشهد الله على نفسه وكفى بالله شهيداً.
قال : فكان أبو جعفر محمّد بن علي (عليهالسلام ) يقول : (( أما أمان المختار لعمر بن سعد , إلّا أن يحدث حدثاً، فإنّه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث )).
قال : فلمـّا جاءه العريان بهذا خرج من تحت ليلته حتّى أتى حمّامه، ثمّ قال في نفسه : أنزل داري. فرجع فعبر الروحاء، ثمّ أتى داره غدوة، وقد أتى حمّامه فأخبر مولى له بما كان من أمانه وبما اُريد به، فقال له مولاه : وأيُّ حدث أعظم مما صنعت ؟ إنّك تركت رحلك وأهلك وأقبلت إلى ها هنا، ارجع إلى رحلك لا تجعلنَّ للرجل عليك سبيلاً. فرجع إلى منزله، وأتى المختار بانطلاقه، فقال : كلاّ، إنّ في عنقه سلسلة ستردّه، لو جهد أن ينطلق ما استطاع.
قال : وأصبح المختار، فبعث إليه أبا عمرة وأمره أن يأتيه به , فجاءه حتّى دخل عليه، فقال : أجب الأمير. فقام عمر فعثر في جبة له , [وضربه] أبو عمرة بسيفه فقتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتّى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار لابنه حفص بن عمر بن سعد , وهو جالس عنده : أتعرف هذا الرأس ؟ فاسترجع، وقال : نعم، ولا خير في العيش بعده.
قال له المختار : صدقت , فإنّك لا تعيش بعده. فأمر به فقُتل , وإذا رأسه مع رأس أبيه، ثمّ إنّ المختار قال : هذا بحسين، وهذا بعلي بن حسين , ولا سواء. والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله. فقالت حميدة بنت عمر بن سعد تبكي أباها :
لو كان غيرُ أخي قسيٍّ غَرَّهُ |
أو غيرُ ذي ِ يمنٍ وغيرُ الأعجمِ |
|
سخى بنفسيَ ذاك شيئاً فاعلموا |
عنه وما البطريقُ مثلُ الأَلأَمِ |
|
أعطى ابنَ سعدٍ في الصحيفةِ وابنَه |
عهداً يلينُ له جناحُ الأرقمِ |
فلمـّا قتل المختار عمر بن سعد وابنه، بعث برأسيهما مع مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي، وظبيان بن عمارة التميمي حتّى قَدِما بهما على محمّد بن الحنفيّة، وكتب إلى ابن الحنفيّة في ذلك بكتاب(١) .
قال عبد الله بن شريك : أدركت أصحاب الأردية المعلمة، وأصحاب البرانس السود من أصحاب السواري , إذا مرَّ بهم عمر بن سعد قالوا : هذا قاتل الحسين. وذلك قبل أن يقتله.
وقال ابن سيرين : قال عليٌّ (عليهالسلام ) لعمر بن سعد : (( كيف وأنت إذا قمت مقاماً تُخيَّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار ؟ ))(٢) .
وروى الدينوري في هلاكه ما يلي : وبلغ المختار أنّ شبث بن ربعي، وعمرو بن الحجّاج، ومحمد بن الأشعث مع عمر بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في اُناس معهم من أشراف أهل الكوفة، فأرسل في طلبهم رجلاً من خاصّته يسمّى (أبا القلوص الشبامي) في جريدة خيل، فلحقهم بناحية المذار , فواقعوه وقاتلوه ساعة ثمّ انهزموا، ووقع في يده عمر بن سعد ونجا الباقون.
فاُتي به المختار، فقال : الحمد لله الذي أمكن منك , والله لأشفينَّ قلوب آل محمّد (صلىاللهعليهوآله ) بسفك دمك. يا كيسان , اضرب عنقه. فضرب عنقه، وأخذ رأسه فبعث به إلى المدينة، إلى محمّد بن الحنفيّة.
وقال أعشى همدان، وكان من أهل الكوفة :
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٤ - ٤٦٥، الكامل في التاريخ - لابن الأثير ٤ / ٤٧، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٦، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٥٨.
(٢) ما بين القوسين من الكامل لابن الأثير ٤ / ٤٧، وفي ط / ٢٤٢.
ولم أنسَ هَمْدَاناً غداةَ تجوسُنا |
بأسيافِها لا أُسْقِيَتْ صَوْبَ هَاضِبِ |
|
فَقُتِّلَ من أشرافِنا في مَحَالِهِمْ |
عصائبُ منهم أردفت بعصائبِ |
|
فكم من كميٍّ قد أبارت سيوفُهم |
إلى اللهِ أشكو رزءَ تلك المصائبِ |
|
يقتِّلُنا المختارُ في كلِّ غائطٍ |
فيا لك دهرُ مرصدٌ بالعجائبِ(١) |
وروى الخوارزمي هلاكه بتفصيل , قال : وذكر السّيد أبو طالب، والإمام محمّد بن إسحاق، والإمام أحمد بن أعثم الكوفي، والإمام عبد الكريم، وكل واحد منهم ذكر زيادة على صاحبه , فدخل حديث بعضهم على بعض، قالوا : إنّ المختار كان قد أمن عمر بن سعد بشفاعة عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي ؛ لأنه كان أكرم خلق الله على المختار ؛ لصهره وقرابته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهالسلام ).
قال محمّد بن إسحاق : كان عمر ختن المختار على ابنته , وقال الباقون : كان ختنه على اُخته، فكتب محمّد بن الحنفيّة للمختار : إنّك ذكرت أنّك قتلت قتلتنا، وطلبت بثأرنا، وقمت بأمرنا , كيف ذاك وقاتل الحسين (عليهالسلام ) عندك يغدو ويروح , وهو عمر بن سعد ؟
فقال المختار حين قرأ الكتاب : صدق والله. ثمّ إنّ المختار تحدّث فقال : لأقطعنَّ والله غداً رجلاً عظيم القدمين , غائر العينين , مشرف الحاجبين، من قتلة الحسين (عليهالسلام ) , يُسرُّ بقتله المؤمنون والملائكة المقرّبون. وكان الهيثم بن الأسود عنده، فلمـّا سمع هذا الكلام علم أنّه أراد عمر بن سعد، فخرج وبعث بابنه إليه، وقال له : قل له : خذ حذرك، فإن المختار اليوم قال كذا وكذا , وهو والله لا يريد غيرك.
____________________
(١) الأخبار الطوال - الدينوري / ٣٠٠.
فقال له عمر : جزى الله أباك خيراً، كيف يريدني بهذا وقد أعطاني من العهود ما أعطاني ؟! فلم يبرح من منزله، فدخل حفص بن عمر بن سعد على المختار فأجلسه إلى جنبه، ودعا أبا عمرة فأسرَّ إليه : أنْ سِر إلى عمر بن سعد وقل له : أجب الأمير، فإن أتى معك فجئ به، وإن قال : يا جارية , هاتي ردائي، ويا غلام , هات طيلساني، فاعلم أنه يدعو لك بالسيف، فاقتله وأتني برأسه.
فلم يشعر عمر بن سعد إلّا وأبو عمرة رئيس شرطة المختار قد وافاه في أعوانه، فبقي متحيّراً، ثمّ قال : ما شأنكم ؟ فقالوا : أجب الأمير. قال : إنّ الأمير قد علم بمكاني وقد أعطاني بالأمان، وهذا أمانه عندي قد أخذه منه لي ابن جعدة، وقد كتبه الأمير لي , فاُتي به , وفيه : بسم الله الرحمن الرحيم , هذا أمان المختار بن أبي عبيدة الثقفي لعمر بن سعد بن أبي وقاص , إنك آمن بأمان الله على نفسك وأهلك ومالك وولدك وأهل بيتك , لا تؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك , إلّا أن تحدث حدثاً جديداً , فمَن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمّد، فلا يعرض له إلّا بسبيل خير.
وشهد السائب بن مالك الأشتر، وأحمد بن مشيط البجلي، وعبد الله بن كامل الهمداني، وعبد الله بن شداد اليحصبي، ويزيد بن أنس الأسدي، وفلان وفلان وفلان كلُّهم شهدوا بالعهد والميثاق والأمان لعمر بن سعد وولده إلّا أن يحدث حدثاً جديداً، وكفى بالله شهيداً.
فقال له أبو عمرة : صدقت والله يا أبا حفص , قد كنَّا حضوراً عند الأمير يوم كتب لك بالأمان , غير أنه يقول : إلّا أن يحدث حدثاً، ولعمري لقد دخلت المخرج مراراً وأحدثت أحداثاً كثيرة، وليس مثل المختار مَن يغدر، ولكن عنى هذه الأحداث، وليس ينبغي أن يعفو عنك بعد قتلك ابن رسول الله، فأجبه لعلّه يدعوك لغير هذا.
قال : فإنّي أفعل. يا غلام , هات طيلساني واعجل. فقال له أبو عمرة : يا عدوَّ الله , ألمثلي يُقال هذا ؟! واستلّ سيفه فضربه ضربة على رأسه فسقط على قفاه، فقال لأعوانه : خذوا رأس عدو الله. فأخذوا رأسه , فجاء به حتّى وضعه بين يدي المختار، وابنه حفص واقف بين يدي المختار - وهو ابن اُخته في رواية الجماعة , أو سبطه في رواية محمّد بن إسحاق - فقال المختار : أتعرف هذا الرأس يا حفص ؟ فقال : نعم، هذا رأس أبي، ولا خير في العيش بعده.
قال : وفي رواية عبد الكريم بن حمدان أنّ أبا عمرة لمـّا قتل عمر أسّر ابنه حفصاً، وجاء به إلى المختار مع الرأس، فقال : الحقوا حفصاً بأبيه. فقال : أيُّها الأمير , ما شهدت كربلاء(١) . قال : لا، ولكنك تفتخر بأنّ أباك قتل الحسين (عليهالسلام ) , فوالله لا تعيش بعده. فضرب عنقه صبراً، ثمّ وضع الرأسين بين يديه وقال : هذا
____________________
(١) أقول : وقد روى الخوارزمي أنّ حفصاً ممّن شهد كربلاء، وهو مناسب لِما رواه أوّلاً عن غير عبد الكريم، وفي رواية عبد الكريم أنّه لم يشهد كربلاء , وإنّما قتله المختار (رحمهالله ) لافتخاره بأنّ أباه قاتل الحسين (عليهالسلام ) , فعلى هذه الرواية يحتمل أنّ مَن قتله المختار ابن آخر لابن سعد لم يشهد كربلاء، وكان ممّن يفتخر بأنّ أباه قاتل الحسين (عليهالسلام ) , أو كان حفص يكذب ومع هذا يفتخر بذلك.
وما رواه الخوارزمي - في مقتله ١ / ٣٤٧ - من حضوره كربلاء أنه قال : وأرسل الحسين (عليهالسلام ) ) إلى ابن سعد : إنّي اُريد أن اُكلّمك، فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك. فخرج إليه عمر بن سعد في عشرين فارساً، والحسين (عليهالسلام ) في مثل ذلك، ولمـّا التقيا أمر الحسين (عليهالسلام ) أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه أخوه العباس وابنه علي الأكبر، وأمر ابن سعد أصحابه فتنحّوا عنه , وبقي معه ابنه حفص وغلام له يقال له : لاحق.
فقال الحسين (عليهالسلام ) لابن سعد : (( ويحك ! أمَا تتقي الله الذي إليه معادك ؟ أتقاتلني وأنا ابن مَن علمت ؟ يا هذا , ذر هؤلاء القوم وكن معي ؛ فإنه أقرب لك من الله )). فقال له عمر : أخاف أن تُهدم داري. فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( أنا أبنيها لك )). فقال عمر : أخاف أن تُؤخذ ضيعتي. فقال (عليهالسلام ) : (( أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز )). فقال : لي عيال أخاف عليهم. فقال (عليهالسلام ) : (( أنا أضمن سلامتهم )).
بالحسين (عليهالسلام ) , وهذا بعلي (عليهالسلام ) , ولا سواء وربِّ الكعبة. ثمّ صلب جسديهما منكّسين، وصبّ عليهما النفط فاُحرقا، ووجّه بالرأسين إلى المدينة ومعهما ثلاثون ألف دينار، وكتب إلى محمّد بن الحنفيّة : بسم الله الرحمن الرحيم، للمهدي محمّد بن علي من المختار بن أبي عبيد الثقفي، سلام عليك.
أمّا بعد , فإنّ الله تبارك وتعالى جعلني نعمة لأوليائكم، ونقمة على قاتليكم وأعدائكم ؛ فهُم من فضل الله العزيز الحكيم بين قتيل وأسير , وشريد وطريد، فنحمد الله على ذلك - أيُّها المهدي - حمداً يستوجب منه المزيد في العاجلة، والمغفرة والرحمة في الآجلة.
وقد وجّهت إليك برأسي عمر بن سعد وحفص بن عمر، وقد قتلت ممّن شرك في دم الحسين (عليهالسلام ) وأهل بيته مَن قدرت عليه، ولن يعجز الله مَن بقي منهم. ولست ألتذّ بالمنام، ولا يسوغ لي الطعام، ولا يطيب لي الشراب، ولا يبقى أحد منهم ممّن شرك في دماء أهل البيت، وأنا أرجو أن يقتل الله عبيد الله بن زياد وأصحابه الملعونين على يدي، وقد وجّهت إليك بثلاثين ألف دينار لتفرّقها على مَن أحببت من أهل بيتك، واكتب إليَّ برأيك فيما أحببت حتّى أتبعه، والسّلام.
ثمّ دفع الكتاب والرأسين والمال إلى مسافر بن سعيد الهمداني، وابن عمار التميمي، وضمّ إليهما عشرين رجلاً، ووجّه بهما إلى محمّد بن الحنفيّة وهو يومئذ بمكة، فبينما هو جالس في نفر من شيعته يتحدّث ويقول : ألا ترون إلى المختار يزعم أنّه من شيعتنا، وأنّه يطلب بدم الحسين (عليهالسلام ) وقتلة الحسين عن يمينه وشماله على الكراسي يحدّثونه ؟ وقد بلغني عن عمر بن سعد وابنه يروحان ويغدوان عليه.
فما أتمَّ كلامه إلّا وكتاب المختار مع الرأسين والمال قد وافاه ووضع بين يديه، فقرأ الكتاب، وحوَّل وجهه إلى القبلة وخرَّ ساجداً، ثمّ رفع رأسه وبسط كفّيه , وقال : اللّهم لا تنس هذا للمختار، وأجزه عن أهل بيت
نبيّك (صلىاللهعليهوآله ) أفضل الجزاء.
ثمّ أخذ بعض المال وفرّقه في مكّة، وأرسل الباقي إلى المدينة ؛ ففرّق في أهل البيت وغيرهم من المهاجرين والأنصار. ولمـّا أحرق المختار الجسدين وبعث بالرأسين , أمر بإحراق دارَي عمر بن سعد وابنه حفص , فاُحرقا جميعاً(١) .
وقال البخاري في تاريخه : حدثنا موسى، ثنا سليمان بن مسلم أبو المعلى العجلي، قال : سمعت أبي أنّ الحسين (عليهالسلام ) لمـّا نزل كربلاء، فأوّل مَن طعن في سرادقه عمر بن سعد، فرأيت عمر بن سعد وابنيه قد ضربت أعناقهم ؛ عُلقوا على الخشب ثمّ اُلهبت فيهم النار(٢) .
وقال أيضاً : وقال غيره : بعث المختار بن أبي عبيد إلى عمر بن سعد مولى أبي عمرة فقتله، وقتل حفص بن عمر بن سعد، فقال : عمر بحسين (عليهالسلام ) , وحفص بعلي بن حسين (عليهالسلام ). ثمّ أحرق مصعب بن الزّبير المختار، وأحرق إبراهيم بن الأشتر عبيد الله بن زياد وحصين بن نمير السكوني(٣) .
ما فعله الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) حينما سمع بهلاك عمر بن سعد
روى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا سعيد بن قماذين، عن عثمان بن أبي سليمان، قال : لمـّا بعث المختار برأس عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى
____________________
(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٢ / ٢٥٢ - ٢٥٥ , الفصل الخامس عشر في بيان انتقام المختار من قاتلي الحسين (عليهالسلام )، وكتاب المختار ذكر الطبري أيضاً ٣ / ٤٦٧.
(٢) التاريخ الصغير - البخاري ١ / ١٥٠، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٥٤.
(٣) التاريخ الصغير - البخاري ١ / ١٤٩.
المدينة , اُلقي بين يدي علي بن الحسين (عليهالسلام ) , فخرَّ ساجداً(١) .
مواقف وأقوال أهل الخلاف فيه
أقول : فهذا اللعين ابن سعد وأعماله , ومع هذا فأهل الخلاف لم يقدحوا فيه ولم يتركوه، بل بعضهم وثّقه واعتبره صدوقاً، واعتذروا له أنّه قائد الجيش الذي ذبح الحسين (عليهالسلام )، وسبى نساءه , وسحق أطفاله , وقتل أولاده وإخوته وأصحابه، وليس ابن سعد الذي قتل بل الذي قاد ! ولكن هؤلاء في يوم القيامة حسابهم عسير ؛ إذ لا جواب لهم ولا عذر إذا قابلوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بنصرتهم لأعداء الله ورسوله (صلىاللهعليهوآله ) وأهل بيته (عليهمالسلام ).
فإليك ما قاله أهل الخلاف في اللعين الخبيث عمر بن سعد :
قال فيه العحلي : عمر بن سعد بن أبي وقاص , مدني ثقة، كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو الذي قتل الحسين. قلت : كان أمير الجيش ولم يباشر قتله(٢) .
وقال فيه ابن حجر : عمر بن سعد بن أبي وقاص المدني نزيل الكوفة , صدوق، ولكن مقته الناس لكونه كان أميراً على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي (عليهالسلام ). من الثانية , قتله المختار سنة خمس وستين أو بعدها. ووهم مَن ذكره في الصحابة، فقد جزم ابن معين بأنه ولد يوم مات عمر بن الخطاب(٣) .
____________________
(١) العلل - أحمد بن حنبل ١ / ١٣٣.
(٢) معرفة الثقات - العجلي ٢ / ١٦٦.
(٣) تقريب التهذيب - ابن حجر ١ / ٧١٧، وفي ط ٣ / ٧٣.
روى مُحدّث الشام ابن عساكر : أخبرنا أبو البركات الأنماطي، وأبو عبد الله البلخي، قالا : أنا أبو الحسين بن الطيوري، وثابت بن بندار , قالا : أنا الحسين بن جعفر - زاد ابن الطيوري - وابن عمّه محمّد بن الحسن , قالا : أنا الوليد بن بكر، أنا علي بن أحمد بن زكريا، أنا صالح بن أحمد، حدثني أبي قال : عمر بن سعد بن أبي وقاص , كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو الذي قتل الحسين. وقال في موضع آخر : عمر بن سعد بن مالك , تابعي ثقة، وهو الذي قتل الحسين(١) .
وقال مُحدّث الشام ابن عساكر : أخبرنا أبي البركات الأنماطي، أنا أحمد بن الحسن، أنا يوسف بن رباح، أنا أبو بكر المهندس، أنا أبو بشر الدولابي، نا معاوية بن صالح، قال : سمعت يحيى بن معين يقول في تسمية تابعي أهل المدينة ومحدّثيهم(٢) : عمر بن سعد بن أبي وقاص، ثمّ ذكره في أهل الكوفة , وقال : قتله المختار(٣) .
وقال مُحدّث الشام ابن عساكر : وأخبرنا أبو عبد الله البلخي، أنا ثابت بن بندار قال : أنا الوليد، أنا علي بن أحمد، أنا صالح بن أحمد، حدّثني أبي قال : عمر بن سعد بن أبي وقاص , كوفي تابعي , وهو الذي قتل الحسين(٤) .
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤١.
(٢) ورأي ابن معين في ابن سعد أنّه لا يروي عنه ؛ لأنّه قاتل سبط النبي محمّد (صلىاللهعليهوآله ) ؛ ولهذا دافع الذهبي وغيره ردّاً على ابن معين، فقول الذهبي : غير متهم ؛ لِما ذكره. وقال أحمد بن زهير : سألت ابن معين : أعمر بن سعد ثقة ؟ فقال : كيف يكون مَن قتل الحسين (عليهالسلام ) ثقة ؟! قال خليفة : قتله المختار سنة خمس وستين. ميزان الاعتدال ٣ / ١٩٧.
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤١.
(٤) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٤٠.
وقال فيه الذهبي : عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري , هو في نفسه غير متهم(١) ، لكنه باشر قتال الحسين , وفعل الأفاعيل. روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، فقام إليه رجل فقال : أما تخاف الله تروي عن عمر بن سعد ؟ فبكى وقال : لا أعود. وقال العجلي : روى عنه الناس، تابعي ثقة. وقال أحمد بن زهير : سألت ابن معين : أعمر بن سعد ثقة ؟ فقال : كيف يكون مَن قتل الحسين ثقة ؟! قال خليفة : قتله المختار سنة خمس وستين(٢) .
وذكره الذهبي في كتابه (مَن له رواية في كتب الستة) : عمر بن سعد بن أبي وقاص , عن أبيه، وعنه ابنه إبراهيم وقتادة والزهري، ولم يلحقاه. حطّ عليه ابن معين لقتاله الحسين، وقد قتله المختار سنة (٦٦)(٣) .
روايات المساند عنه
مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل ١ / ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٦ و ١٧٧ و ١٨٢، سنن الترمذي - الترمذي ٤ / ٨٥، المستدرك - الحاكم النيسابوري ٢ / ٥٢٢ , قال : حديث صحيح على شرط الشيخين , ولم يخرجاه. تحفة الأحوذي المباركفوري ٧ / ٢٠٨، مسند أبي داود الطيالسي - سليمان بن داود الطيالسي / ٢٩، المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ١١ / ٥٨ و ١٦٨ و ١٩٧، مسند سعد بن أبي وقاص - أحمد بن إبراهيم الدورقي / ١٢٨ و ١٣٢ و ١٣٣، منتخب مسند عبد بن حميد - عبد بن حميد بن نصر الكسي / ٧٧ و ٧٨ و ٨١، السنن الكبرى - النسائي ٦ / ٢٦٣ ،
____________________
(١) وهذا معناه أنّه ممّن يتبع وتقبل رواياته.
(٢) ميزان الاعتدال - الذهبي ٣ / ١٩٨، وفي ط ٥ / ٢٣٨.
(٣) مَن له رواية في كتب الستة - الذهبي ٢ / ٦١.
كتاب الدعاء - الطبراني / ٥٢٦ و ٥٦٦، المعجم الأوسط - الطبراني ٦ / ١٧٩، المعجم الكبير - الطبراني ١ / ١٤٥، تفسير ابن كثير - ابن كثير ٣ / ٥٤٣... وغيرها.
بعض مَن استنكر توثيقه والرواية عنه
قال المزي، وابن حجر، وابن عساكر - واللفظ للأوّل - قال : وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : سألت يحيى بن معين عن عمر بن سعد : أثقة هو ؟ فقال : كيف يكون مَن قتل الحسين ثقة ؟! وقال الحاكم أبو أحمد : سمعت أبا الحسين الغازي يقول : سمعت أبا حفص عمرو بن علي يقول : سمعت يحيى بن سعيد يقول : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال : حدثنا العيزار بن حريث عن عمر بن سعد، فقال له رجل من بني ضبيعة يقال له موسى : يا أبا سعيد , هذا قاتل الحسين ! فسكت، فقال : عن قاتل الحسين (عليهالسلام ) تحدثنا ؟ فسكت.
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : حدثنا أبو حفص هو الفلاس، قال : سمعت يحيى بن سعيد القطان، وحدثنا عن شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد , فقام إليه رجل، فقال : أما تخاف الله تروي عن عمر بن سعد ؟! فبكى، وقال : لا أعود أُحدِّثُ عنه أبداً(١) .
عمر بن سعد عند شيعة أهل البيت (عليهالسلام )
أقول : وابن سعد ملعون في روايات أهل البيت (عليهمالسلام ) , بل يستحب لعنه، وإليك ما ورد في زيارة الإمام الحسين (عليهالسلام ) :
____________________
(١) تهذيب الكمال - المزي ١٢ / ٣٥٧، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٧ / ٣٩٦، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤٥ / ٣٩، ميزان الاعتدال - الذهبي ٣ / ١٩٧ , عن أحمد بن زهير.
قال الشيخ الطوسي(رحمهالله ) : روى محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليهالسلام ) قال : (( مَن زار الحسين بن علي (عليهالسلام ) في يوم عاشوراء من المحرم حتّى يظل عنده باكياً , لقي الله عزَّ وجلَّ يوم يلقاه بثواب ألفي حجة , وألفي عمرة , وألفي غزوة ؛ ثواب كلّ غزوة وحجة وعمرة كثواب مَن حجّ واعتمر وغزا مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ومع الأئمة الراشدين... )).
إلى أن يقول : (( ثمّ تقول : السلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك , عليك منِّي سلام الله ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتك، السلام على الحسين , وعلى علي بن الحسين , وعلى أصحاب الحسين. تقول ذلك مئة مرة.
ثمّ تقول : اللّهم خصّ أنت أوَّل ظالم باللعن منِّي وأبدأ به أوّلاً، ثمّ الثاني , ثمّ الثالث , ثمّ الرابع، اللّهم العن يزيد بن معاوية خامساً، والعن عبيد الله بن زياد , وابن مرجانة , وعمر بن سعد , وشمراً، وآل أبي سفيان , وآل زياد , وآل مروان إلى يوم القيامة ))(١) .
ولا يذكر في كتب الشيعة إلّا ويلعن، عليه لعائن الله والأنبياء والأوصياء والملائكة والناس والجن أجمعين.
دعاء الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) للمختار قاتل عمر بن سعد
وقال الشيخ الطوسي (رحمهالله ) : حدثني محمّد بن مسعود قال : حدثني أبو الحسن علي بن أبي علي الخزاعي قال : حدثني خالد بن يزيد العمري المكي، قال الحسن بن زيد بن علي بن الحسين , قال : حدثني عمرو بن علي بن الحسين : أنّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) لمـّا
____________________
(١) مصباح المتهجّد - الشيخ الطوسي / ٧٧٢، المزار - الشهيد الأوَّل / ١٧٨، بحار الأنوار - العلّامة المجلسي ٨٩ / ٢٩٣ , وغيرها من كتب الشيعة.
أتي برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد، قال : فخرَّ ساجداً، وقال : (( الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً ))(١) .
دعاء محمّد بن الحنفيّة (رضوان الله عليه) لقاتله
وقال السّيد الخوئي :... ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور في قلوب أهل البيت (سلام الله عليهم) بقتله قتلة الحسين (عليهالسلام )، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيت (عليهمالسلام ) يستحقّ بها الجزاء من قِبَلهم. فهل يُحتمل أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وأهل البيت (عليهمالسلام ) يغضّون النظر عن ذلك وهُم معدن الكرم والإحسان؟!
وهذا محمّد بن الحنفيّة , بينما هو جالس في نفر من الشيعة، وهو يعتب على المختار في تأخير قتله عمر بن سعد , فما تمَّ كلامه إلّا والرأسان عنده , فخرَّ ساجداً، وبسط كفيه وقال : اللّهم لا تنس هذا اليوم للمختار ؛ أجزه عن أهل بيت نبيّك محمّد (صلىاللهعليهوآله ) خير الجزاء، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب. البحار - باب أحوال المختار من المجلد ٤٥، الطبعة الحديثة، المرتبة الرابعة مما حكاها عن رسالة شرح الثار لابن نما(٢) .
____________________
(١) اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ١ / ٣٤١، ذكر في معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ١٩ / ١٠٣.
(٢) معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ١٩ / ١٠٨.
ترجمة عمرو بن الحجّاج بن سلمة بن عبد يغوث الزبيدي
هو ممّن شهد على حجر بن عدي، وغدر بهانئ بن عروة، وخرج على الإمام الحسين (عليهالسلام ) , وكان رئيساً على خمسمئة فارس ليمنع الإمام (عليهالسلام ) ومَن معه عن الماء , وممّن حرَّض على قتال الإمام (عليهالسلام ).
شهادته على حجر بن عدي حتّى قتله معاوية
وتفصيل ذلك في تاريخ الطبري(١) .
ممّن كتب إلى الإمام الحسين (عليهالسلام ) ثمّ غدر به
روى الطبري، وابن كثير، وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وكتب شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، ومحمد بن عمير التميمي : أمّا بعد , فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جندٍ لك مجنّد , والسّلام عليك(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٢٤ - ٢٣١ , ذكر مقتل حجر وأصحابه (رضوان الله عليهم) مفصّلاً، وشهادة الزور التي أُقيمت عليهم في الكوفة.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٧٨، البداية والنهاية ٨ / ١٥١ - ١٥٢، الكامل في التاريخ ٣ / ٣٨٥ ذكره مجملاً بقوله : ثمّ كتب إليه شبث بن ربعي و... و... بذلك.
الغدر بهانئ بن عروة (رضوان الله عليه)
روى الطبري قال : وقال غير أبي جعفر : الذي جاء بهانئ بن عروة إلى عبيد الله بن زياد عمرو بن الحجّاج الزبيدي , ذكر مَن قال ذلك(١) .
وروى الطبري أيضاً قال : فقال ابن زياد لجلسائه : ما لي لا أرى هانئاً ؟ فقالوا : هو شاكٍ. فقال : لو علمت بمرضه لعدته.
(قال أبو مخنف) : فحدثني المجالد بن سعيد قال : دعا عبيد الله محمّد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة.
(قال أبو مخنف) : حدثني الحسن بن عقبة المرادي أنه بعث معهما عمرو بن الحجّاج الزبيدي(٢) .
أقول : أمّا مجيئه مع مذحج - وهو رئيسهم - فهو مجرد تمويه على مذحج , وإلّا بمجرد إخبارهم بأنّ هانئاً سالم قال : الحمد لله. وذهب. وهو من خواص ابن زياد وجلسائه ؛ ولهذا كان هو على الميمنة في حرب الحسين (عليهالسلام ).
وروى الطبري قال :... حدثنا عمرو بن علي، قال : حدثنا أبو قتيبة، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث , قال : حدثنا عمارة بن عقبة بن أبي معيط , فجلس في مجلس ابن زياد فحدّث , قال : طردت اليوم حمراً , فأصبت منها حماراً فعقرته، فقال له عمرو بن الحجّاج الزبيدي : إنّ حماراً تعقره أنت لحمار حائن(٣) . فقال : ألا أخبرك بأحين من هذا كلِّه ؟ رجل جيء بأبيه كافراً إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فأمر به أن يُضرب عنقه، فقال : يا محمّد , فمَن للصبية ؟ قال : (( النار )) ,
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٧٥.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٤، وذكره أيضاً الخوارزمي في مقتله ١ / ٢٩٤ , الفصل العاشر.
(٣) تاج العروس ٩ / ١٨٨ , قال : الحائن : الأحمق.
فأنت من الصبية , وأنت في النار. قال : فضحك ابن زياد(١) .
تعدّيه على الإمام الحسين (عليهالسلام ) , وإقراره بإمامة يزيد بن معاوية , وتحريضه على قتال الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري قال : (قال أبو مخنف) : حدثني الحسين بن عقبة المرادي، قال الزبيدي : إنّه سمع عمرو بن الحجّاج حين دنا من أصحاب الحسين (عليهالسلام ) يقول : يا أهل الكوفة , الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين وخالف الإمام.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( يا عمرو بن الحجّاج , أعليَّ تحرّض الناس ؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتّم عليه ؟ أمَا والله لتعلمنَّ لو قد قُبضت أرواحكم، ومُتم على أعمالكم أيّنا مرق من الدين، ومَن هو أولى بصلي النار ))(٢) .
أقول : وبهذا , وبقول الطبري أيضاً :... وبلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانئاً قد قتل , فأقبل في مذحج حتّى أحاط بالقصر ومعه جمعٌ عظيم، ثمّ نادى : أنا عمرو بن الحجّاج , هذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة , ولم تفارق جماعة...(٣) ، يُعرف أنّ عمرو بن الحجّاج من أهل الخلاف , ومن الموالين لبني اُميّة. وكيف لا يكون من موالي بني اُميّة وهو من رؤساء قتلة الحسين (عليهالسلام ) ؟!
قال الدينوري :... وهرب عمرو بن الحجّاج (أي من المختار) - وكان من رؤساء قتلة
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٢٤.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٦.
الحسين - يريد البصرة، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف(١) .
ولهذا مدحه ابن حجر فقال : عمرو بن الحجّاج الزبيدي , ذكره وثيمة في كتاب الردّة وقال : كان مسلماً في عهد النبي (صلىاللهعليهوآله ) , وله مقام محمود حين أرادت زبيد الردّة ؛ إذ دعاهم عمرو بن معد يكرب إليها , فنهاهم عمرو بن الحجّاج وحثّهم على التمسّك بالإسلام، وقد مضى ذلك في ترجمة عمرو بن العجيل الزبيدي , واستدركه ابن الدبّاغ وابن فتحون(٢) .
هلاكه
قال الدينوري : وهرب عمرو بن الحجّاج - وكان من رؤساء قتلة الحسين (عليهالسلام ) - يريد البصرة، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف , فقال له أهل الماء : ارحل عنَّا ؛ فإنّا لأنا من المختار(٣) . فارتحل عنهم، فتلاوموا وقالوا : قد أسأنا. فركبت جماعة منهم في طلبه ليردّوه، فلمـّا رآهم من بعيد ظنّ أنّهم من أصحاب المختار، فسلك الرمل في مكان يدعى (البيضة) , وذلك في حمارة القيظ، وهي فيما بين بلاد كلب وبلاد طي، فقال فيها، فقتله ومَن معه العطش(٤) .
وقال ابن خلدون : ونادى المختار : الأمان إلّا مَن شهد في دماء أهل البيت. وفرَّ عمرو بن الحجّاج
____________________
(١) الأخبار الطوال - الدينوري / ٣٠٣.
(٢) الإصابة - ابن حجر ٥ / ١١١.
(٣) هكذا في الأصل : والظاهر : إنّا نخاف من المختار.
(٤) الأخبار الطوال - الدينوري / ٣٠٣.
الزبيدي - وكان أشدّ مَن حضر قتل الحسين (عليهالسلام ) - فلم يوقف له على خبر، وقيل : أدركه أصحاب المختار فأخذوا رأسه(١) .
____________________
(١) تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٥.
ترجمة أسماء بن خارجة
هو ممّن سعى في قتل أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، ومَن جاء بهانئ بن عروة (رضوان الله عليه) إلى ابن زياد حتّى هشم بالسيف وجهه، وممّن خرج لقتال الإمام الحسين (عليهالسلام ).
ما عرضه على الحجّاج لقتل كميل بن زياد (رحمهالله )(*)
____________________
(*) أقول : وكميل بن زياد من أعاظم التابعين، وهو من أصحاب أمير المؤمنين (عليهالسلام )، قال فيه المزي في تهذيب الكمال ٤٢ / ٢١٩، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٥٠ / ٢٥١ - واللفظ للأوّل - قال : وقال محمّد بن عبد الله بن عمار : كميل بن زياد رافضي، وهو ثقة من أصحاب علي. وقال في موضع آخر : كميل بن زياد من رؤساء الشيعة، وكان بلاء من البلاء.
وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ٥ / ٣٤١ , وذكر المزي أيضاً , وقال أبو الحسن المدائني : وفيهم - يعني أهل الكوفة - من العبّاد : أويس القرني، وعمرو بن عتبة بن فرقد، ويزيد بن معاوية النخعي، وربيع بن خثيم، وهمام بن الحارث، ومعضد الشيباني، وجندب بن عبد الله، وكميل بن زياد النخعي.
وقال فيه ابن حجر في الإصابة ٥ / ٤٨٥ : كميل بن زياد بن نهيك، ويقال : ابن عبد الله النخعي التابعي الشهير , له إدراك. قال ابن أبي خيثمة، وخليفة بن خياط : مات سنة اثنتين وثمانين من الهجرة. زاد ابن أبي خيثمة : وهو ابن سبعين سنة (بتقديم السين)(أ) , فيكون قد أدرك من الحياة النبويّة ثماني عشرة سنة.
وقال الرازي في الجرح والتعديل ٧ / ١٧٤ : كميل بن زياد النخعي , روى عن عمر , وعثمان , وعلي، وأبي هريرة، وابن مسعود. روى عنه أبو إسحاق الهمداني، وعبد الرحمن بن عابس، وعبد الله بن يزيد الصهباني، والأعمش، وعباس بن ذريح، غير أنّه يقول كميل بن عبد الرحمن : سمعت أبي يقول ذلك، حدثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين , قال : كميل بن زياد ثقة.
وقال العجلي في معرفة الثقات ٢ / ٢٢٩ : كميل بن زياد كوفي تابعي ثقة.
(أ) هكذا وردت المفردة هنا وفي المصدر المستقاة منه أيضاً , ولعلها (بتقديم السنين) , أو هناك تصحيف وقع سهواً من الناسخ ؛ وإلّا فلا معنى لها هنا. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
قال الطبري : عن شعيب، عن سيف قال : حدثنا رجلٌ من بني أسد قال : كان من حديثه أنّه كان قد غزا عثمان -رضياللهعنه - فيمَن غزاه، فلمـّا قَدِم الحجّاج ونادى بما نادى به , عرض رجل عليه ما عرض نفسه , فقَبِل منه، فلمـّا ولي قال أسماء بن خارجة : لقد كان شأن عمير مما يهمّني.
قال : ومَن عمير ؟ قال : هذا الشيخ. قال : ذكّرتني الطعن وكنت ناسياً.
أليس فيمَن خرج إلى عثمان ؟ قال : بلى. قال : فهل بالكوفة أحد غيره ؟ قال : نعم، كميل. قال : عليَّ بعمير ؛ فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب، فأخذ النخع به، فقال له الأسود بن الهيثم : ما تريد من شيخ قد كفاكه الكِبَر ؟ فقال : أمَا والله، لتحبسنَّ عنِّي لسانك أو لأحسنَّ رأسك بالسيف. قال : افعل.
فلمـّا رأى كميل ما لقى قومه من الخوف، وهُم ألفا مقاتل , قال : الموت خير من الخوف إذا اُخيف ألفان من سببي وحُرموا. فخرج حتّى أتى الحجّاج، فقال له الحجّاج : أنت الذي أردت , ثمّ لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترضَ حتّى أقعدته للقصاص إذ دفعك عن نفسه ؟ فقال : على أي ذلك تقتلني ؟ تقتلني على عفوه أو على عافيتي ؟ قال : يا أدهم بن المحرز، اقتله. قال : والأجر بيني وبينك. قال : نعم. قال أدهم : بل الأجر لك وما كان من إثمٍ فعليَّ(١) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٢ / ٦٨٣، كتاب الفتنة وواقعة الجمل - سيف بن عمر الضبي الأسدي ١ / ٨٣.
وشهادته على حجر بن عدي (رضوان الله عليه) حتّى قتله معاوية
تفصيل ذلك في تاريخ الطبري(١) .
موقفه مع هانئ بن عروة
أقول : ومعرفته بنوايا عبيد الله بن زياد من سخطه على هانئ، ومع ذلك آمنه ولم يفعل له شيئاً عندما لم يفِ له، قال الطبري :... فرجع (ابن زياد) فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث , فقال : ائتياني بهانئ. فقالا له : إنّه لا يأتي إلّا بالأمان. قال : وما له وللأمان ؟ وهل أحدث حدثاً ؟ انطلقا فإن لم يأتِ إلّا بأمان فآمناه.
فأتياه فدعواه، فقال : إنّه إن أخذني قتلني، فلم يزالا به حتّى جاءا به وعبيد الله يخطب يوم الجمعة، فجلس في المسجد وقد رجل هانئ غديرتيه، فلمـّا صلّى عبيد الله قال : يا هانئ، فتبعه ودخل فسلّم، فقال عبيد الله : يا هانئ , أمَا تعلم أنّ أبي قَدِم هذا البلد فلم يترك أحداً من هذه الشيعة إلّا قتله غير أبيك وغير حجر، وكان من حجر ما قد علمت ؟ ثمّ لم يزل يحسن صحبتك، ثمّ كتب إلى أمير الكوفة أنّ حاجتي قبلك هانئ ؟
قال : نعم. قال : فكان جزائي أن خبّأت في بيتك رجلاً ليقتلني ؟ قال : ما فعلت. فأخرج التميمي الذي كان عيناً عليهم، فلمـّا رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر، فقال : أيُّها الأمير , قد كان الذي بلغك، ولن أضيع يدك عنِّي، فأنت آمن وأهلك , فسر حيث شئت.
فكبا عبيد الله عندها , ومهران قائم على رأسه في يده معكزة , فقال : وا ذلاّه ! هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك ! فقال : خذه. فطرح المعكزة، وأخذ بضفيرتي هانئ ثمّ أقنع بوجهه، ثمّ أخذ عبيد الله المعكزة فضرب بها وجه هانئ، وندر الزج فارتز في الجدار، ثمّ ضرب وجهه حتّى كسر
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٢٢٤ - ٢٣١ , ذكر مقتل حجر وأصحابه (رضوان الله عليهم) مفصّلاً، وشهادة الزور التي اُقيمت عليهم في الكوفة.
أنفه وجبينه(١) .
وذكر الطبري : قيل : إنّ أسماء لا يعلم بغدر ابن زياد فاعترض عليه.
ولكن لا يخفى أنّ القيل قولٌ ضعيف، وأيضاً ما يُظهر من عدم عذره ما فعله وما قاله فيه الشاعر المعاصر لزمنه(٢) ، نقل الذهبي وغيره :
فإن كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظريِ |
إلى هانئٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ |
|
أصابما أمرُ الأميرِ فأصبحا |
أحاديثَ مَنْ يسعى بكلِّ سبيلِ |
|
أيركبُ أسماءُ الهماليجَ آمناً |
وقد طلبته مذحجٌ بقتيلِ |
يعني : أسماء بن خارجة(٣) .
وجوده مع عمر بن سعد في كربلاء
قال ابن حجر :... قلت : قرأت بخط الذهبي , مات (أي الحسن بن الحسن بن علي) سنة (٩٧) , والذي في صحيح البخاري في الجنائز قال : لمـّا مات الحسن بن الحسن بن علي (عليهالسلام ) ضربت امرأته القبة على قبره , الحديث , وقد وصله المحاملي في أماليه من طريق جرير عن مغيرة، وقال الجعابي : وحضر مع عمّه كربلاء ؛ فحماه أسماء بن خارجة الفزاري لأنه ابن عمِّ اُمّه، وذكره ابن حبان في الثقات(٤) .
____________________
(١) تاريخ الطبري٣ / ٢٨٢.
(٢) الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٤٢ نسبها إلى عبد الرحمن بن الزّبير الأسدي، وفي تاريخ الطبري ٤ / ٢٨٥ نسبها إلى عبد الله بن الزّبير الأسدي , وقال : ويقال قاله الفرزدق. وفي مقاتل الطالبيِّين - أبو الفرج الاصفهاني / ٧٢ نسبها إلى عبد الله بن الزّبير الأسدي.
(٣) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣٠٨ , أقول : وتقدّم تفصيل مصادرها في الرواية الثانية من مقتل هانئ بن عروة (رضوان الله تعالى عنه).
(٤) تهذيب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٢٣٠.
من قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) الذين طلبهم المختار
قال الدينوري :... وهرب أسماء بن خارجة الفزاري - وكان شيخ أهل الكوفة وسيّدهم - من المختار خوفاً على نفسه، فنزل على ماء لبني أسد يسمّى ذروة , في نفر من مواليه وأهل بيته فأقام به(١) .
وقال البلاذري تحت عنوان مقتل مَن شرك في دم الحسين (عليهالسلام ) : وكان أسماء بن خارجة مستخفياً، فقال المختار ذات يوم وعنده أصحابه : أمَا وربّ الأرض والسماء، والضياء والظلماء، لينزلنّ من السماء نار دهماء أو حمراء أو سحماء، فلتحرقنّ دار أسماء.
فأتى الخبر أسماء فقال : سجع أبو إسحاق بنا، ليس على هذا مقام. فخرج هارباً حتّى أتى البادية، فلم يزل بها ينزل مرّة في بني عبس، ومرّة في غيرهم حتّى قُتل المختار، وهدم المختار له ثلاثة آدر(٢) .
أقول : وهذا هو أسماء بن خارجة , وهذه أحواله، ومع ذلك مدحه أهل الخلاف وذكروا فضائله... وإليك ما قالوه :
مواقف وأقوال أهل الخلاف فيه
قال فيه ابن حبان في كتاب مشاهير علماء الأمصار : أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري , من سادات أهل المدينة، وجلّة التابعين، مات سنة خمس وستين(٣) .
____________________
(١) الأخبار الطوال - الدينوري / ٣٠٣.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٥ / ٢٤١.
(٣) مشاهير علماء الأمصار - ابن حبان / ١٢٣.
وذكره أيضاً في كتابه الثقات(١) .
وقال فيه ابن حجر : أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري , أبو حسان الكوفي. قال أبو حسان الزيادي : مات سنة ستين وله ثمانون سنة. قلت : فعلى هذا يكون مولده قبل المبعث. وقال ابن حبان : مات سنة خمس وستين. ووافق على مقدار سنّه. وقال ابن عبد البر في الكنى , في ترجمة أبي العريان : لا يبعد أن يكون صحابياً ؛ لرواية كبار التابعين عنه. انتهى.
وقد ذكروا أباه وعمّه الحر في الصحابة، وهو على شرط ابن عبد البر، وروى الطبري من طريق أبي الأحوص، قال : فاخر أسماء بن خارجة رجلاً، فقال : أنا ابن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وقال ابن المبارك في الزهد، عن المسعودي، عن مالك بن أسماء بن خارجة، عن أبيه، قال : سمعت ابن مسعود يقول : ذو اللسانين في الدنيا له لسانان من نار يوم القيامة. وقال المرزباني : كان شريفاً جواداً كريماً لبيباً , وله أخبار كثيرة، ووفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه. وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو حذيفة عبد الله بن مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء الفزاري، عن أبيه، قال : قال أسماء بن خارجة : ما شتمت أحداً قط(٢) .
قال الذهبي فيه : أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الأمير , أبو حسان - وقيل : أبو هند - الفزاري الكوفي , من كبار الأشراف , وهو ابن أخي عيينة بن حصن أحد المؤلّفة قلوبهم. روى أسماء عن علي (عليهالسلام )، وابن مسعود. وعنه ولده مالك، وعلي بن ربيعة.
وفيه يقول القطامي :
____________________
(١) الثقات - ابن حبان ٤ / ٥٩.
(٢) الإصابة - ابن حجر العسقلاني ١ /٣٣٩.
إذا مات ابنُ خارجة بنِ حصنٍ |
فلا مطرت على الأرضِ السماءُ |
|
ولا رجع البريدُ بغُنْمِ جيشٍ |
ولا حَمَلَتْ على الطُّهْرِ النساءُ |
قال خليفة بن خياط : مات أسماء سنة ست وستين. قلت : ومن أولاده شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن الحارث بن أسماء بن خارجة. وبنو فزارة من مضر. ولخارجة أيضاً صحبة يسيرة، ولا رواية له ولا لعيينة(١) .
وقال الزركلي فيه : ابن خارجة (٠٠٠ - ٦٦ ه- = ٠٠٠ - ٦٨٦ م) أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري , تابعي من رجال الطبقة الأولى , من أهل الكوفة (بالعراق). كان سيّد قومه، جواداً مقدماً عند الخلفاء(٢) .
وقال عنه البخاري : أسماء بن خارجة، في الكوفيين، سمع منه ابنه مالك. حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع أبا الأحوص، قال : قال أسماء بن خارجة : أنا ابن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله : ذاك يوسف بن يعقوب(٣) .
وذكره الرازي أيضاً بغير قدحٍ فقال : أسماء بن خارجة , روى عن عبد الله بن مسعود، روى عنه ابنه مالك، سمعت أبي يقول ذلك(٤) .
وقال ابن كثير فيه :
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - للذهبي ٣ / ٥٣٥ - ٥٣٧.
(٢) الأعلام - خير الدين الزركلي ١ / ٣٠٥.
(٣) التاريخ الكبير - البخاري ٢ / ٥٥.
(٤) الجرح والتعديل - الرازي ٢ / ٣٢٥.
أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي , وكان جواداً ممدوحاً....(١) .
أسماء بن خارجة عند الشيعة
قال فيه السيد الموحد الأبطحي أعلى الله مقامه : وأمّا أسماء بن خارجة، فله مواقف سيّئة، فذكره الطبري في تاريخه في وقائع سنة ٣٥، ودخول الحجّاج الكوفة، وذكره في وقائع سنة ٥١ فيمَن استشهدهم زياد بن أبيه ( لعنه الله ) على قتل حجر بن عدي وأصحابه، وعدّهم من الشهود على هؤلاء الأبرار قائلاً : وأسماء بن خارجة الفزاري، كان يعتذر من أمره، وشمر بن ذي الجوشن , و...
وذكره أيضاً فيه فيمَن كان مع ابن مرجانة في أمر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، وإن ذكره أيضاً باعتراضه على ابن مرجانة فيما فعل بهانئ بن عروة، فأمر بضربه وحبسه، وفي شعر الفرزدق الشاعر ذمّه، ذكره الطبري ببعضه , وتمامه في الموضعين :
أيركبُ أسماءُ الهماليجِ آمناً |
وقد طلبته مذحجٌ بذحولِ |
بل ذكره فيه فيمَن يشاوره ابن مطيع الوالي من آل زياد على الكوفة في أمر المختار، وأيضاً في وقائع سنة ٦٨(٢) .
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٩ / ٥٣.
(٢) تهذيب المقال - السيد محمّد علي الأبطحي ٤ / ٤٢٤. أقول : هذا قول مَن وقفت عليه من علماء الشيعة فقط , وما ذكره في أحداث سنة ٦٨ هو ما ذكره الطبري في ما جرى في اعتراضهم بخروج إبراهيم بن الأشتر على الخوارج... إلخ.
ترجمة عبيد الله بن زياد ابن أبيه
هو لئيم النسب , صاحب الدواهي والموبقات، ملعون ناصبي، متجاهر بسبّ أهل بيت الرسالة (عليهمالسلام )، وقاتل الصالحين كميثم التمار وغيره، ورسل الإمام الحسين (عليهالسلام ) إلى البصرة والكوفة وغيرهم... و... إلخ.
ما قيل في ابن زياد
روى البلاذري , (قال) : المدائني عن حريز بن حازم، عن الحسن، عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم قالا(*) : ما رأينا أحداً شرّاً من ابن زياد.
قال البلاذري : قال الأعمش : كان (أي عبيد الله بن زياد) مملوءاً شرّاً , ونغلاً(١) .
أقول : قال في الصحاح : ومنه قولهم : فلان نغل، إذا كان فاسد النسب(٢) .
صفات ابن زياد في الأكل
قال البلاذري : قال المدائني : وكان عبيد الله بن زياد أكولاً، يأكل في اليوم خمس أكلات ,
____________________
(*) هكذا وردت العبارة موسومة بضمير التثنية , وليس في سياقها ما يوجب ذلك , على أنّنا راجعنا نسخة أنساب الأشراف التي بين أيدينا فلم نعثر على مثل هكذا قول ؛ اللهمَّ إلّا أنْ يكون أخونا المؤلِّف قد اعتمد على نسخة اُخرى غير التي اعتمدناها , أو أنّ هناك خطأً أو سقطاً وقع أثناء النسخ أو الاقتباس. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٥ / ٤٠٩.
(٢) الصحاح - الجوهري ٥ / ١٨٣٢.
آخرها جبنة بعسل توضع بين يديه بعد فراغه من الطعام، وكان يأكل جدياً أو عناقاً(١) ، ويُتخيَّر له في كلِّ يوم فيأتي عليه. مرَّ بالطفِّ، فقال له رجل من بني أسد : أتتغدّى أصلح الله الأمير ؟ فأكل عنده عشر بطّات وزبيلاً من عنب، ثمّ عاد وأكل عشر بطّات أُخر وزبيلاً من عنب وجدياً(٢) .
نسبه الوضيع بمرجانة , وخبر سمية مع أبي سفيان
وقد ذكر ابن قتيبة جواب الإمام الحسين (عليهالسلام ) لابن زياد عندما أراده أن ينزل على حكمه، قال : فأرسل إليه يقول : لا، إلّا أن تنزل على حُكمي. فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( أنزل على حكم ابن زانية ! لا والله لا أفعل ؛ الموت دون ذلك وأحلى ))(٣) .
قال مُحدّث الشام ابن عساكر : أخبرنا أبو العز أحمد بن عبد الله بن كادش، أنا أبو يعلى محمّد بن الحسين، أنا إسماعيل بن سعيد بن إسماعيل، أنا الحسين بن الفهم الكوكبي، نا عبد الله بن مالك، نا سليمان بن أبي شيخ، نا محمّد بن الحكم، عن عوانة، قال : كانت سمية لدهقان زيد ورد بكسكر - وكانت مدينة , وهي اليوم قرية - , فاشتكى الدهقان وخاف أن يكون بطنه قد استسقى، فدعا له الحارث بن كلدة الثقفي - وقد كان قَدِم على كسرى - فعالج الحارثُ الدهقان فبرأ , فوهب له سمية اُمَّ زياد، فولدت عند الحارث أبا بكرة , وهو مسروح، فلم يقرّ به ولم ينفعه، وإنّما سمّي أبا بكرة ؛ لأنّه نزل في بكرة مع مجلي العبيد من الطائف حين أمن النبي (صلىاللهعليهوآله )
____________________
(١) الصحاح - الجوهري ٤ / ١٥٣٤ , والعناق : الاُنثى من ولد المعز، والجمع أعنق وعنوق.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٥ / ٤١٢.
(٣) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري - تحقيق الشيري ٢ / ١١.
عبيد ثقيف، ثمّ ولدت سمية نافعاً فلم يقرّ بنافع، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال الحارث لنافع : إنّ أخاك مسروحاً عبد , وأنت ابني. فأقرَّ به يومئذ، وزوّجها الحارث غلاماً له رومياً يقال له : عبيد، فولدت زياداً على فراشه.
وكان أبو سفيان صار إلى الطائف، فنزل على خمّار يقال له : أبو مريم السلولي، وكانت لأبي مريم بعد صحبة، فقال أبو سفيان لأبي مريم بعد أن شرب عنده : قد اشتدّت به العزوبة , فالتمس لي بغياً. قال : هل لك في جارية الحارث بن كلدة سمية امرأة عبيد ؟ قال : هاتها على طول ثدييها وذفر إبطيها. فجاء بها إليه , فوقع بها فولدت زياداً، فادّعاه معاوية، فقال يزيد بن مفرغ لزياد :
تذكّر هَل بِيَثرِبَ زيد وَرد |
قُرى آبائِكَ النَبَطِ القحاحِ |
قال عبد الله : قال سليمان : وحدثنا محمّد بن الحكم، عن عوانة قال : لمـّا توفي علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) وزياد عامله على فارس، وبويع لمعاوية , تحصّن زياد في قلعة فسمّيت به , فهي تدعى قلعة زياد إلى الساعة. فأرسل زياد مَن صالح معاوية على ألفي ألف درهم، وأقبل زياد من القلعة، فقال له زياد : متى عهدك أمير المؤمنين ؟(١) فقال : عام أوَّل. قال : كم أعطاك ؟ قال : عشرين ألفاً. قال : فهل لك أن أعطيك مثلها وتبلغه كلاماً ؟ قال : نعم.
قال : قل له إذ أتيته : أتاك زياد وقد أكل بر العراق وبحره فخدعك، فصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلّا حقّاً، فإذا قال لك : ما يقال ؟ فقل : يقال : إنّه ابنُ أبي سفيان. قال : أبى قائلها إلّا إثماً. قال : فادّعاه، فما أعطى زياد مصقلة إلّا عشرة آلاف درهم إلّا بعد أن ادّعاه(٢) .
____________________
(١) هكذا وردت العبارة , وأكبر الظنّ أنّ هناك كلاماً ما قد سقط من الأصل. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٩ / ١٧٣.
ما جرى بين عبيد الله بن زياد وبين مَن هجاه بسميّة
قال مُحدّث الشام ابن عساكر : أخبرنا أبو بكر محمّد بن محمّد بن علي، أنا أبو بكر محمّد بن علي بن محمّد، أنبأ أحمد بن عبد الله بن الخضر، أنا أحمد بن أبي طالب، حدثني أبي علي بن محمّد، حدثني أبو عمرو محمّد بن مروان بن عمر السعيدي، قال : قال أبو الحسن المدائني : وكان يزيد بن مفرغ الحميري مع عباد بن زياد، فاستخفاه وهجاه، وفارقه مقبلاً إلى البصرة، وعبيد الله يومئذ وافد على معاوية، فكتب عباد إلى عبيد الله ببعض ما هجاه به ووجّه به يزيد، فكان فيما كتب به قصيدته التي يقول فيها :
إذا أودى معاويةُ بنُ حربٍ |
فبشِّر شَعْبَ قَعْبِك بانصداعِ |
|
شَهْدْتُ بأنّ أمَّك لم تُبَاشِرْ |
أبا سفيانَ واضعةَ القنَاعِ |
|
ولكنْ كان أمراً فيه لبسٌ |
على وجلٍ شديدٍ وارتياعِ |
فلمـّا قرأ عبيد الله الشعر دخل على معاوية، فأنشده إيّاها واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فأبى عليه أن يقتله، وقال : أدّبه ولا تبلغ به القتل. وقَدِم ابن مفرغ البصرة فاستجار بالأحنف بن قيس، فقال : إنّي لا أجير على ابن سمية، فإن شئت كفيتك شعر بني تميم. فقال : ذلك ما لا اُبالي إلّا أكفاه.
فأتى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد يودّعه، ثمّ أتى عمر بن عبيد الله بن معمر، ثمّ أتى المنذر بن الجارود فأجاره وأدخله داره. وكانت بحرية ابنة المنذر عند عبيد الله بن زياد، فلمـّا قَدِم عبيد الله البصرة اُخبر بمكان ابن مفرغ، وأتى المنذر بن الجارود عبيد الله مسلّماً، فأرسل عبيد الله الشرطة إلى دار المنذر وأخذوا ابن مفرغ، فلم يشعر المنذر - وهو عند عبيد الله - إلّا وابن مفرغ قد اُقيم على رأسه، فقام إلى عبيد الله فقال : أيُّها الأمير , إنّي قد أجرته. فقال : الله يا منذر ! ليمدحنَّك وأباك ويهجوني وأبي ثمّ تجيره عليَّ ! وأمر به فسقي دواءً، ثمّ حُمل على حمار على أكاف ،
فجعل يُطاف به وهو يسلح في ثيابه، فيُمرُّ به في الأسواق , فقال للمنذر بن الجارود :
تركتُ قريشاً أَنْ أُجَاوِرَ فيهِمُ |
وجاورتُ عبدَ القيس أهل المشقّرِ |
|
اُناسٌ أجارونا فكان جوارُهُمْ |
أعاصيرَ من فَسْوِ العراقِ المبذّرِ |
|
فأصبح جاري من جذيمةَ نائماً |
ولا يمنعُ الجيرانُ غير المنقّرِ |
وقال أيضاً :
أصبحتُ لا منّي قيس فتنصرني |
بَكْرُ العراقِ وَلَمْ تَغْضَبْ لنا مُضَرُ |
|
ولم تكلمْ قريشٌ في حليفهمُ |
إذ غاب ناصرُه بالشامِ واحتضروا |
وقال لعبيد الله بن زياد :
يَغْسِلُ الماءُ ما صَنَعْت وشعريِ |
راسخٌ منك في العِظَامِ البوالي |
ثمّ حمله عبيد الله إلى عباد حتّى قَدِم على معاوية، ويقال : إنّ حمير غدت على معاوية في خمسمئة فارس دارع، فسألوه أن يهبه لهم , فقال في طريقه :
عَدَسْ ما لعبّادٍ عليكِ إمارةٌ |
نجوتِ وهذا تحملين طليقُ |
|
لعمري لقد نجَّاك من هوَّةِ الردى |
إمامٌ وحبلٌ للإمامِ وثيقُ |
|
سأشكرُ ما أُولِيْتُ من حُسْنِ نعمِهِ |
ومثلي بشُكْرِ المنعمينَ حقيقُ |
فلمـّا دخل على معاوية بكى، وقال : ركب منّي ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جرم. قال : أولستَ القائل :
ألا أبلغْ معاويةَ بنَ حربٍ |
مغلغلةً من الرجلِ اليماني |
|
أتغضبُ أن يقال أبوك عفٌّ |
وترضى أن يقال أبوكِ زاني |
|
فأشهدُ أنّ رَحْمَكَ من زيادٍ |
كَرَحْمِ الفيلِ من ولدِ الأَتَانِ |
|
وأشهدُ أنها ولدت زياداً |
وصخرٌ من سميةَ غيرُ دانِ ؟ |
قال : لا، والذي عظّم حقَّ أمير المؤمنين ما قلت هذا.
قال : أفلم تقل :
وأشهدُ أن أمَّك لم تباشر |
أبا سفيانَ واضعةَ القِنَاعِ |
في أشعار كثيرة هجوت بها بني زياد ؟ اذهب فقد عفوت عنك وعن جرمك، فانظر أي أرض شئت فانزل. فنزل الموصل، ثمّ ارتاح إلى البصرة فقَدمها , فنزل على عبيد الله فآمنه، ولم يزل عبيد الله والياً على البصرة حتّى مات معاوية بدمشق سنة ستين وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقد قيل : ابن خمس وسبعين، وقد قيل : إنّ الذي أطلقه يزيد بن معاوية(١) .
قال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات / ١٢٧٣ : وقد نُسبت هذه الأبيات إلى عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، قال ابن شاكر الكتبي : وقال (عبد الرحمن بن الحكم ) لمـّا ادّعى معاوية زياداً :
ألا أبلغْ معاويةَ بنَ حربٍ |
مغلغلةً من الرجلِ الهجاني |
|
أتغضبُ أن يقال أبوك عفٌّ |
وترضى أن يقال أبوكِ زاني |
|
فأشهدُ أن رَحْمَكَ من زيادٍ |
كَرَحْمِ الفيلِ من ولدِ الأَتَانِ |
|
وأشهدُ أنها ولدت زياداً |
وصخرٌ من سميةَ غيرُ دانِ؟ |
فبلغ ذلك معاوية , فحلف لا يرضى عنه حتّى يرضى عنه زياد، فخرج عبد الرحمن إلى زياد، فلمـّا دخل عليه قال : إيه يا عبد الرحمن، أنت القائل : ألا أبلغ معاوية بن حربٍ...الأبيات ؟ قال : أيُّها الأمير، ما قلت هذا , ولكني قلت :
ألا من أبلغ عنِّي زياداً |
مغلغلةً من الرجل الهجاني |
|
من ابن القرم قرم بني قصيٍّ |
أبي العاص ابن آمنة الحصانِ |
|
حلفت بربِّ مكّة والمصلّى |
وبالتوراةِ أحلفُ والقرانِ |
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٥ / ١٧٩. وذكر هذا الهجاء الأصفهاني في كتاب الأغاني بأبيات كثيرة من هذه القصيدة.
لأنت زيادةٌ في آل حرب |
أحب إليَّ من وسطى بناني |
|
سررتُ بقربه وفرحت لمـّا |
أتاني اللهُ منه بالبيانِ |
|
وقلتُ اني أخو ثقةٍ وعمٍّ |
بعون الله في هذا الزمانِ |
|
كذاك أراك والأهواء شتّى |
فما أدري بغيبٍ ما تراني |
فرضي عنه زياد , وكتب إلى معاوية برضاه عنه. فلمـّا وصل إلى معاوية قال : أنشدني ما قلته لزياد، فأنشده , فتبسّم وقال : قبّح الله زياداً ! فما أجهله لِما قلت ! [ والله لما قلت له أخيراً حيث تقول ](*) : لأنت زيادةٌ في آل حربٍ , شرّ من القول الأوّل، ولكنك خدعته فجازت خديعتك عليه(١) .
تبنّي معاوية لزياد
قال مُحدّث الشام ابن عساكر : ذكر أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني، عن عوانة وعبد الملك بن عبيد الله الثقفي، عن أشياخ بن ثقيف والهذلي ويعقوب بن داود، عن أبيه وغيرهم، يزيد بعضهم على بعض , أنّ المغيرة بن شعبة قال لزياد وهو بفارس وجّهه إليه معاوية : أبا المغيرة , خذ لنفسك من هذا الرجل. قال : أشِر عليَّ ؛ فإن المستشار مؤتمن. قال : أرى أن تنقل أصلك إلى أصله، وتصل حبلك بحبله، وتُعير الناس منك اُذناً صمّاء.
قال : قلتُ : ما لا يكون يابن شعبة مغرس لي غير منبته ؛ لا عرق يسقيه، ولا مدرة له تغذوه، وقد قال زهير :
وهل يُنْبِتُ الخطيَّ إلا وشيجُه |
وتُغْرَسُ إلا في مَنَابِتِهَا النَّخْلُ |
____________________
(*) أثبتنا ما بين المعقوفتين من كتاب الأغاني ؛ وذلك لأنّها لم تُذكر في الأصل , بل وردت العبارة هكذا ( قبّح الله زياداً فما أجهله لما قلت الله لأنت زيادة في آل حرب... البيت , شرّ من القول الأوّل ) , وهي واضحة الإرباك والسقط. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(١) فوات الوفيات / ١٢٧٣ لابن شاكر الكتبي، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
ثمّ قَدِم زياد على معاوية فجرى بينهما الصلح، وضمن لمعاوية أربعة آلاف ألف، فحملها إليه، وأبرأه معاوية من كلِّ مالٍ أصابه، وشخص زياد إلى الكوفة، فكتب إليه معاوية يعرض له بالدعوة فأبى، ثمّ قَدِم عليه فأراده معاوية على الدعوة، وقال زياد : كيف وقد بلغني أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فحرام عليه أن يراح رائحة الجنّة )) , وقد ولدت على فراش عبيد ؟!
فقال معاوية : والله إنّك لابن أبي سفيان. فنفر من ذلك زياد، فكفّ عنه معاوية، ثمّ عاوده فكلّمه فيه، فقال : يا أمير المؤمنين , إنّ هذا لا يصحّ إلّا بشهادة قائمة ظاهرة، وأمرٌ واضح يثبت به النسب. فقال معاوية : إنّ مَن يقوم بهذا ويعلمه ويشهد به غير واحد. فقال : مَن يقول ذلك ؟ قال : جويرية بنت أبي سفيان، فادخل عليها، فقال : أخبرتني أنّها سمعت أبا سفيان يقول : زياد ابني. فدخل عليها زياد، فقالت : يا أخي , والله أنت ابن أبي سفيان، أشهد على أبي لسمعته غير مرّة يقول : إنّ زياداً ابني. فرجع إلى معاوية، فقال : أتزوّج بنيَّ بناتك ؟ قال : نعم.
فادّعاه سنة أربع وأربعين، ولزياد يومئذ أولاد من ماوية بنت صخر العقيليّة أربعة : عبد الرحمن، ومحمد، والمغيرة الأصفر، وأبو سفيان، ومن اُمّ محمّد بنت عثمان بن أبي العاص الثقفي، واُمّها خالدة بنت أبي لهب بن عبد الملك ؛ عنبسة، واُمّ معاوية، واُمّ عبد الله، وله من اُميمة بنت مسعود بن بديل بن ورقاء الخزاعي، اُمّ حبيب، وكان له منها المغيرة الأكبر، فجمع معاوية أشراف الناس ووجوههم وخطبهم وقال : أنشد الله رجلاً كان عنده علم من زياد إلّا قام بها.
فقام المنذر بن الزّبير بن العوام فشهد أنّه سمع علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) يقول : أشهد أنّ أبا سفيان أشهدني أنّ زياداً ابنه، وأقام أبو مريم مالك بن ربيعة السلولي، وكان ممّن شهد فتح الأبلة، فشهد أنّ أبا سفيان أقرّ أنّ زياداً ابنه، وشهد المستورد بن قدامة الباهلي، وابن أبي بصير الثقفي، وزيد بن نفيل الأزدي، ورجلٌ من بني
عمرو بن شيبان، وشعبة بن القلعم المازني، وزياد بن أسامة الحرمازي أنّ زياداً بن أبي سفيان، وقام رجلٌ من بني المصطلق فقال : أشهد أنّ أبا سفيان كان بيني وبين علي بن أبي طالب، وزياد يتكلّم عند عمر بعذر أبي موسى، فقال أبو سفيان : والله إنّه لاَبني من نطفة أقررتها في رحم اُمّه سميّة.
فلمـّا شهد الشهود حمد الله معاوية، ثمّ قال : إنّه مَن يرد الله رفع خسيسته وإثبات وطيدته يسبّب له الاُمور، وتجري له المقادير على ما أحبّ الناس أو كرهوا حتّى يبلغ المنصب المشهور، وإنّ زياداً عبدٌ من عبيد الله , امتنّ الله عليه وعلينا معه باُلفة رحمة، فوشجت العروق في منابتها، ومتّ برحم غير منقطعة، فالحمد لله الذي وصل ما قطع الناس، ولطف ما أجفوا، وحفظ ما ضيّعوا.
ثمّ تكلّم زياد , فحمد الله وقال : هذا أمر لم أشهد أوّله، ولم أدع آخره، وقد قال أمير المؤمنين ما قد سمعتم، وشهدت الشهود بما قد حضرتم، فأنا امرؤ رفع الله منّي ما وضع الناس، وحفظ منّي ما ضيّعوا، فإن يكُ ما قالوا حقّاً فالحمد لله على بلائه عندنا ونعمه علينا، وإن يكُ ما قالوا باطلاً فقد جعلت الرجال فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ(١) .
قال عبد القادر البغدادي :
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٩/ ١٣٠. وفي التذكرة الحمدونيّة / ٤٥٢٧ لابن حمدون , نسخة برنامج الموسوعة الشعرية، خزانة الأدب ولب لباب العرب / ٤٥٤٩ لعبد القادر البغدادي , نسخة برنامج الموسوعة الشعرية، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار / ٥٧٢ للزمخشري , نسخة برنامج الموسوعة الشعرية , واللفظ لابن حمدون قال : قال العتبي : وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموالٍ عظام , وسفطٍ مملوءٍ جوهراً لم يُر مثله، فسر معاوية به سروراً شديداً، فلمـّا رأى زياد ذلك صعد المنبر وقال : أنا والله يا أمير المؤمنين أقمت صعر العراق، وجبيت لك مالَها، وألفظت إليك بحرها.
فقام إليه يزيد بن معاوية فقال : إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى ولاء قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن اُميّة.
فقال معاوية : اجلس فداك أبي واُمّي !
ثمّ لمـّا ولي علي بن أبي طالب (رضياللهعنه ) الخلافة استعمل زياداً على فارس، فقام بولايتها أحسن قيام، ولمـّا سلّم الحسن (عليهالسلام ) الأمر إلى معاوية امتنع زيادٌ بفارس ولم يدخل في طاعة معاوية، وأهمّ معاوية أمره وخاف أن يدعو إلى أحدٍ من بني هاشم ويعيد الحرب، وكان معاوية قد ولّى المغيرة بن شعبة الكوفة ؛ فقَدِم المغيرة على معاوية في سنة اثنتين وأربعين، فشكا إليه معاوية امتناع زياد بفارس , فقال المغيرة : أتأذن لي في المسير إليه ؟ فأذن له , وكتب معاوية لزيادٍ أماناً , فتوجّه المغيرة إليه ؛ لِما بينهما من المودّة، وما زال عليه حتّى أحضره إلى معاوية وبايعه.
وكان المغيرة يكرم زياداً ويعظمه من حين كان منه في شهادة الزنا ما كان، فلمـّا كانت هذه السنة، سنة أربع وأربعين، استلحق معاوية زياداً وأحضر الناس، وحضر مَن يشهد لزيادٍ بالنسب، وكان ممّن حضر ذلك اليوم أبو مريم الخمّار الذي أحضر سميّة إلى أبي سفيان بالطائف، فشهد بنسب زيادٍ من أبي سفيان وقال : إنّي رأيت إسكتي(١) سميّة يقطران من مني أبي سفيان. فقال زياد : رويدك، طُلبت شاهداً ولم تُطلب شتّاماً. فاستلحقه معاوية.
وهذه أوّل واقعة خولفت فيها الشريعة علانية ؛ لصريح قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) :(( الولد للفراش وللعاهر الحجر)). وأعظَمَ الناس ذلك وأنكروه خصوصاً بني اُميّة ؛ لكون زياد بن عبيد الرومي صار من بني اُميّة بن عبد شمس.
وقال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان في ذلك :
ألا أبلغْ معاويةَ بنَ صخرٍ |
لقد ضاقت بما تأتي اليدانِ |
____________________
(١) لسان العرب - ابن منظور ١٠ / ٣٩٠، قال : أسك : الإسكتان (بكسر الهمزة) : جانبا الفرج , وهما قدّتاه، وطرفاه الشفران. وقال شمر : الإسك : جانب الاست. ابن سيده : الإسكتان والأسكتان : شفرا الرحم.
أتغضبُ أن يقال أبوك عفٌّ |
وترضى أن يقال أبوكَ زاني |
|
فأشهدُ أنّ رَحْمَكَ من زيادٍ |
كَرَحْمِ الفيلِ من ولدِ الأَتَانِ |
ثمّ ولّى معاوية زياداً البصرة، وأضاف إليه خراسان وسجستان، ثمّ جمع له الهند والبحرين وعمان.
ثمّ دخلت سنة خمس وأربعين , فيها قَدِم زيادٌ إلى البصرة , وسدد أمر السلطنة , وأكّد الملك لمعاوية، وجرّد السيف، وأخذ بالظنّة , وعاقب على الشبهة، فخافه الناس خوفاً شديداً. وكان معاوية وعمّاله يدعون لعثمان في الخطبة يوم الجمعة ويسبّون عليّاً(١) .
أبوه زياد بن سميّة من أكبر النواصب
تقدّم في هامش أوّل هذا الفصل شيء ممّا يبيِّن عداوة هذا الخبيث الناصبي , والكتب التاريخية مليئة بهذا. قال عبد الحميد المعتزلي : وروى أبو الحسن على بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب (الأحداث) , قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.
فقامت الخطباء في كلِّ كورة وعلى كلِّ منبر يلعنون عليّاً، ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة ؛ لكثرة مَن بها من شيعة علي (عليهالسلام )، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ؛ لأنه كان منهم أيّام علي (عليهالسلام ) , فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل ،
____________________
(١) خزانة الأدب ولب لباب العرب / ٤٥٤٩ لعبد القادر البغدادي، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطرفهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم... إلخ(١) .
قال ابن حجر : وكان زياد قوي المعرفة , جيد السياسة، وافر العقل، وكان من شيعة علي (عليهالسلام ) , وولاّه إمرة القدس، فلمـّا استلحقه معاوية صار أشدّ الناس على آل علي (عليهالسلام ) وشيعته، وهو الذي سعى في قتل حجر بن عدي ومَن معه , كلامُ كلّ مَن وقفت على كلامه من أهل العلم مصرّح بأنّ زياداً تحامل عليه، وكانت وفاته سنة ثلاث وخمسين من الهجرة وهو على إمرة العراق لمعاوية، وأخباره في التاريخ شهيرة(٢) .
قال الهيثمي : وعن الحسن قال : كان زياد يتبع شيعة علي فيقتلهم , فبلغ ذلك الحسن بن علي (عليهالسلام ) , فقال : (( اللّهم تفرّد بموته ؛ فإنّ القتل كفارة )). رواه الطبراني , ورجاله رجال الصحيح(٣) .
وانظر على سبيل المثال ما جرى بين الإمام الحسن (عليهالسلام ) وبين الدعي زياد بن أبيه. قال مُحدّث الشام ابن عساكر : أخبرنا أبو العز أحمد بن عبيد الله إذناً ومناولة، وقرأ عليَّ إسناده، أنبأ أبو علي محمّد بن الحسين، أنا المعافى بن زكريا، نا أحمد بن الحسن الكلبي، نا محمّد
____________________
(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١١ / ٤٤.
(٢) لسان الميزان - ابن حجر ٢ / ٤٩٣.
(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٦ / ٢٦٦.
ابن زكريا، أنا عبد الله ابن الضحاك، نا هشام بن محمّد، عن أبيه، قال : كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس شيعة لعلي بن أبي طالب (عليهالسلام ) , فلمـّا قَدِم زياد الكوفة والياً عليها أخافه , وطلبه زياد فأتى الحسن بن علي (عليهالسلام )، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم، وأخذ ماله، وهدم داره ؛ فكتب الحسن (عليهالسلام ) إلى زياد : (( من الحسن بن علي إلى زياد، أمّا بعد , فإنّك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ؛ فهدمت داره، وأخذت مالَه وعياله فحبستهم، فإذا أتاك كتابي هذا، فابنِ له داره، واردد عليه عياله ومالَه ؛ فإنّي قد أجرته فشفعني فيه )).
فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أمّا بعد , فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة , وأنا سلطان وأنت سوقة ؛ كتبت إليَّ في فاسق لا يؤويه إلّا مثله ! وشرٌّ من ذلك توليه أباك وإيّاك، وقد علمت أنّك قد آويته إقامة منك على سوء الرأي، ورضا منك بذلك.
وأيم الله , لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك غير رفيق بك، ولا مرع عليك ؛ فإنّ أحبَّ لحم إليَّ آكله لَلحم الذي أنت منه، فأسلمه بجريرته إلى مَن هو أولى به منك، فإن عفوتُ عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلّا بحبّه إيّاك.
فلمـّا قرأ الحسن (عليهالسلام ) الكتاب تبسّم، وكتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه، وإجابة زياد إيّاه، ولفَّ كتابه في كتابه، وبعث به إلى معاوية.
وكتب الحسن (عليهالسلام ) إلى زياد : (( من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سميّة : الولد للفراش وللعاهر الحجر)). فلمـّا وصل كتاب الحسن إلى معاوية، وقرأ معاوية الكتاب , ضاقت به الشام، وكتب إلى زياد : أمّا بعد، فإنّ الحسن بن علي (عليهالسلام ) بعث بكتابك إلى جواب كتابه إليك في ابن سرح، فأكثرت التعجب منك، وعلمت أنّ لك رأيين ؛ أحدهما من أبي سفيان، والآخر من سميّة ؛ فأمّا الذي من أبي سفيان فحلم وحزم ؛ وأمّا رأيك من سميّة فما يكون رأي
مثلها، ومن ذلك كتابك إلى الحسن (عليهالسلام ) تشتم أباه، وتعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسن (عليهالسلام ) , ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه، وإنّ الحسن (عليهالسلام ) بدأ بنفسه ارتفاعاً عليك، وإنّ ذلك لم يضعك ؛ وأمّا تركك تشفيعه فيما شفع فيه إليك، فحظّ دفعته عن نفسك إلى مَن هو أولى به منك، فإذا قَدِم عليك كتابي، فخلِّ ما في يدك لسعيد بن سرح، وابنِ له داره، ولا تعرض له، واردد عليه مالَه ؛ فقد كتبت إلى الحسن (عليهالسلام ) أن يخبر صاحبه إن شاء أقام عنده , وإن شاء رجع إلى بلده , ليس لك عليه سلطان بيدٍ ولا لسان.
وأمّا كتابك إلى الحسن باسمه، ولا تنسبه إلى أبيه، فإنّ الحسن (عليهالسلام ) - ويلك ! - مَن لا يرمى به الرجوان، أفإلى اُمِّه وكلته لا اُمَّ لك ؟! هي فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وتلك أفخر له إن كنت تعقل. وكتب في أسفل الكتاب :
تَدَارَكَ ما ضيَّعْتَ من بعدِ خبرةٍ |
وأنت أريبٌ بالاُمورِ خبيرُ |
|
أَمَا حَسَنٌ فابنِ الذي كان قَبْلَه |
إذا سار سارَ الموتُ حيثُ يسيرُ |
|
وهل يلدُ الرئبالُ إلّا نظيرَه |
فذا حَسَنٌ شِبْهٌ له ونظيرُ |
|
ولكنّه لو يُوْزَنُ الحِلْمُ والحِجَا |
برأيٍ لقالوا فاعلمنَّ ثبيرُ |
قال الغلابي : قرأت هذا الخبر على ابن عائشة، فقال : كتب إليه معاوية حين وصل كتاب الحسن (عليهالسلام ) في أوَّل الكتاب الشعر والكلام بعده.
قال المعافى : والرئبال : ولد الأسد , وقول معاوية : مَن لا يُرمى به الرجوان : يعني تثنية الرجاء , وهو الجانب والناحية , وجمعه أرجاء، قال الله عزّ وجلّ :( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ) (١) . والعرب تقول : فلان لا يُرمى به الرجوان، أي لا يُستهان به، ويستضعف منزله فيطرح ويرمى به كما قال الشاعر :
____________________
(١) سورة الحاقة / ١٧.
فلا يُرمى بيَ الرَّجوانِ أني |
أقلُّ القومِ مَنْ يغني مكاني |
وأمّا قوله : تدارك ما ضيّعت، فإنه حرّك الكاف في الأمر ؛ لأنه أراد النون الخفيفة كما قال الشاعر :
اِضرِبَ عنك الهموم طارقها |
ضَرْبَكَ بالسيفِ قونسَ الفَرَسِ |
أراد : اِضربن , فحذف النون(١) .
قال اليعقوبي في تاريخه : وكان حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة علي بن أبي طالب (عليهالسلام )، إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية، وهُم يلعنون علياً على المنبر، يقومون فيردّون اللعن عليهم، ويتكلّمون في ذلك.
فلمـّا قَدِم زياد الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمد الله فيها، ولم يصلِّ على محمّد، وأرعد فيها وأبرق، وتوعّد وتهدّد، وأنكر كلام مَن تكلّم، وحذّرهم ورهّبهم، وقال : قد سمّيت الكلبة على المنبر الصلعاء، فإذا أوعدتكم أو وعدتكم فلم أفِ لكم بوعدي ووعيد، فلا طاعة لي عليكم.
وكانت بينه وبين حجر بن عدي مودّة، فوجّه إليه فأحضره، ثمّ قال له : يا حجر , أرأيت ما كنت عليه من المحبّة والموالاة لعلي ؟ قال : نعم. قال : فإنّ الله قد حوّل ذلك بغضة وعداوة. أورأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية ؟ قال : نعم. قال : فإنّ الله قد حوّل ذلك محبّةً وموالاة، فلا أعلمنّك ما ذكرت علياً بخير ولا أمير المؤمنين معاوية بشر.
ثمّ بلغه أنّهم يجتمعون فيتكلّمون ويدبّرون عليه وعلى معاوية، ويذكرون مساويهما، ويحرّضون الناس، فوجّه صاحب شرطه إليهم، فأخذ جماعة منهم
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٩/ ١٩٨.
فقتلوا، وهرب عمرو بن الحمق الخزاعي إلى الموصل وعدّة معه، وأخذ زياد حجر بن عدي الكندي وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه فأشخصهم إلى معاوية، فكتب فيهم أنّهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة.
وأنفذ شهادات قوم أوّلهم بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فلمـّا صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال، أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثمّ وجّه إليهم مَن يضرب أعناقهم، فكلّمه قومٌ في ستة منهم فوقف عنهم، فقتل سبعة : حجر بن عدي الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب التميمي، وكدام بن حيان العنزي، ولمـّا أراد قتلهم قال حجر بن عدي : دعوني حتّى اُصلّي.
فصلّى ركعتين خفيفتين , ثمّ أقبل عليهم فقال : لولا أن تظنّوا بي خلاف ما بي لأحببتُ أن تكونا أطول ممّا هما، وإنّي لأوّل مَن رمى بسهم في هذا الموضع، وأوّل مَن هلك فيه. فقيل له : أجزعت ؟ فقال : ولم لا أجزع وأنا أرى سيفاً مشهوراً، وكفناً منشوراً، وقبراً محفوراً ؟! ثمّ ضربت عنقه وأعناق القوم، وكفّنوا ودفنوا، وكان ذلك في سنة ٥٢(١) .
ما قاله أمير المؤمنين (عليهالسلام ) في مرجانة... وإخباره بقتل ميثم التمّار (رحمهالله )
فقال أمير المؤمنين (عليهالسلام ) : (( ليأخذنّك العتل الزنيم ابن الأمَة الفاجرة عبيد الله بن زياد ))... ( من المصادر الشيعيّة )(٢) .
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٣٠.
(٢) تقدّم ذكر مقتل ميثم (رحمهالله ) في ترجمة عمرو بن حريث , اختصاص الشيخ المفيد / ٧٥، اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ١ / ٢٩٧، معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ٢٠ / ١٠٧، بحار الأنوار - العلّامة المجلسي ٢٤ / ١٣٢، مسند الإمام الرضا (عليهمالسلام ) - الشيخ عزيز الله عطاردي ٢ / ٤٥١، مواقف الشيعة - الأحمدي الميانجي ٣ / ١٥٥، روضة الواعظين - الفتال النيسابوري / ٢٨٨. ويأتي مقتل ميثم (رحمهالله ) من مصادر القوم بعد هذا العنوان مباشرة.
أقول : وهذا أيضاً رواه أهل الخلاف أيضاً عن ابن عباس (رضوان الله عليه) في جوابه ليزيد بن معاوية (عليهما لعائن الله)، قال الطبراني : ومهما أنسى من الأشياء فلست أنسى تسليطك عليهم الدعي ابن الدعي للعاهرة الفاجرة , البعيد رحماً , اللئيم أباً وأمّاً، والذي اكتسب أبوك في ادّعائه لنفسه العار والمأثم , والمذلّة والخزي في الدنيا والآخرة ؛ لأنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )) , وإنّ أباك زعم أنّ الولد لغير الفراش، ولا يضرّ العاهر , ويُلحق به ولده كما يلحق ولد البغي المرشد. ولقد أمات أبوك السنّة جهلاً، وأحيا الأحداث المضلّة عمداً(١) .
وقد أشار إلى هذا ما ذكره ابن الجوزي قال :... وذكر المدائني أنّه قُتل مع الحسين (عليهالسلام ) عبد الرحمن بن عقيل , وعون بن عقيل، فعلى هذا هُم أحد وعشرون. وفيهم يقول سراقة الباهلي :
عينُ اِبكي بعبرةٍ وعويلِ |
واندبي إنْ نَدَبْتِ آلَ الرسولِ |
|
سبعةٌ مِنْهُمُ لصُلْبِ عليٍّ |
قد اُبيدوا وسبعةٌ لعقيلِ |
|
لَعَنَ اللهُ حيثُ حلَّ زياداً |
وابنَهُ والعَجُوزَ ذاتَ البُعُولِ |
يعني سميّة , وكانت من البغايا، وقصّتها مشهورة، وقيل : مرجانة(٢) .
سفكه دم الصحابي [الجليل] ميثم التمّار (رضوان الله عليه)
بنو اُمية لا يثنيهم عن قتل الأبرياء شيء ؛ لكفرهم وعدم إيمانهم , وهذا فيهم
____________________
(١) المعجم الكبير - الطبراني ١٠/ ٢٤٢.
(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٢٩ - ٢٣٠ , منشورات الشريف الرضي.
معروف , وفي أبنائهم موروث ؛ فهُم مَن يقتل للتهمة , ويأخذ البريء بلا جرم كما هو واضح من سيرتهم ؛ فقد روى البلاذري في ابن زياد شيء من هذا المعنى , قال : قال المدائني : وكان ابن زياد إذا غضب على رجل ألقاه من فوق قصر الكوفة، وطمار كلِّ مرتفع(١) .
قال ابن حجر العسقلاني، والزركلي - واللفظ للأوّل - قال : ميثم التمّار الأسدي , نزل الكوفة وله بها ذرّية , ذكره المؤيد بن النعمان الرافضي في مناقب علي (رضي الله تعالى عنه) , وقال : كان ميثم التمّار عبداً لامرأة من بني أسد , فاشتراه علي (عليهالسلام ) منها وأعتقه , وقال له : (( ما اسمك ؟ )). قال : سالم. قال : (( أخبرني رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنّ اسمك الذي سمّاك به أبواك في العجم ميثم )). قال : صدق الله ورسوله (صلىاللهعليهوآله ) وأمير المؤمنين (عليهالسلام ) , والله إنّه لاسمي. قال : (( فارجع إلى اسمك الذي سمَّاك به رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ودع سالماً )).
فرجع ميثم واكتنى بأبي سالم، فقال علي (عليهالسلام ) ذات يوم : (( إنّك تؤخذ بعدي فتُصلب , وتُطعن بحربة، فإذا جاء اليوم الثالث ابتدر منخراك وفوك دماً فتخضب لحيتك , وتصلب على باب عمرو بن حريث عاشر عشرة، وأنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة، وامضِ حتّى اُريك النخلة التي تُصلب على جذعها )). فأراه إيّاها.
وكان ميثم يأتيها فيصلّي عندها ويقول : بوركت من نخلة ؛ لكِ خُلقتُ، ولي غذّيت. فلم يزل يتعاهدها حتّى قُطعت، ثمّ كان يلقى عمرو بن حريث فيقول له : إنّي مجاورك فأحسن جواري. فيقول له عمرو : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم ؟ وهو لا يعلم ما يريد.
ثمّ حجّ في السنة التي قُتل فيها , فدخل [على] اُمِّ سلمة اُمِّ المؤمنين فقالت له : مَن أنت ؟ قال : أنا ميثم. فقالت : والله , لربما
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٥ /٤١٠.
سمعت من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يذكرك ويوصي بك عليّاً. فسألها عن الحسين (عليهالسلام ) , فقالت : هو في حائط له. فقال : أخبريه أنّي قد أحببت السّلام عليه فلم أجده , ونحن ملتقون عند ربِّ العرش إن شاء الله تعالى. فدعت اُمّ سلمة بطيب فطيّبت به لحيته، فقالت له : أمَا إنّها ستخضب بدم.
فقَدِم الكوفة، [ فاُخذ واُدخل على عبيد الله بن زياد , وقيل له : ](١) هذا كان آثر الناس عند علي.
قال : ويحكم ! هذا الأعجمي ؟! فقيل له : نعم. فقال له : أين ربّك ؟ قال : بالمرصاد للظلمة , وأنت منهم. قال : إنّك على أعجميّتك لتبلغ الذي تريد. أخبرني ما الذي أخبرك صاحبك أنّي فاعل بك ؟
قال : أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة , وأنا أقصرهم خشبة , وأقربهم من المطهرة. قال : لنخالفنّه. قال : كيف تخالفه ؟ والله ما أخبرني إلّا عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) , عن جبرائيل , عن الله، ولقد عرفت الموضع الذي اُصلب فيه، وإنّي أوَّل خلق الله اُلجم في الإسلام.
فحبسه وحبس معه المختار بن عبيد، فقال ميثم للمختار : إنّك ستفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (عليهالسلام ) ؛ فتقتل هذا الذي يريد أن يقتلك. فلمـّا أراد عبيد الله أن يقتل المختار، وصل بريد من يزيد يأمره بتخلية سبيله , فخلاّه، وأمر بميثم أن يصلب، فلمـّا رفع على الخشبة عند باب عمرو بن حريث، قال عمرو : قد كان والله يقول لي : إنّي مجاورك. فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم، فقيل لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد. قال : ألجموه. فكان أوَّل مَن اُلجم في الإسلام، فلمـّا كان اليوم الثالث من صلبه طُعن بالحربة، فكبَّر , ثمّ انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دماً، وكان ذلك قبل مقدم الحسين (عليهالسلام ) العراق
____________________
(١) وردت العبارة في المصدر الأساس بهذا النحو : ( فأخذه عبيد الله بن زياد فاُدخل عليه , فقال له : ) وهي لا تستقيم مع ما بعدها , وما أثبتناه بين المعقوفتين هو من كتاب الإرشاد للشيخ المفيد ١ / ٣٢٤. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
بعشرة أيّام(١) .
قتله عبد الله بن يقطر أو بقطر (رضوان الله عليه)
روى الطبري : (قال أبو مخنف) : حدّثني أبو علي الأنصاري، عن بكر بن مصعب المزني قال : كان الحسين (عليهالسلام ) لا يمرُّ بأهل ماء إلّا اتبعوه , حتّى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة مقتل عبد الله بن بقطر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق، وهو لا يدري أنّه قد اُصيب، فتلقّاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية، فسرّح به إلى عبيد الله بن زياد، فقال : اصعد فوق القصر فالعن الكذّاب ابن الكذّاب، ثمّ انزل حتّى أرى فيك رأيي.
قال : فصعد , فلمـّا أشرف على الناس قال : أيُّها الناس , إنّي رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ابن سميّة الدعي.
فأمر به عبيد الله فاُلقي من فوق القصر إلى الأرض فكسرت عظامه، وبقى به رمق , فأتاه رجلٌ يقال له : عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلمـّا عيب ذلك عليه قال : إنّما أردت أن أريحه(٢) .
قتله قيس بن مسهر الصيداوي (رحمهالله )
تقدّم في المقتل.
____________________
(١) الإصابة - ابن حجر ٦ / ٢٤٩، الأعلام - خير الدين الزركلي ٧ / ٣٣٦ موجزاً. أقول : تقدّم مقتل ميثم التمّار (رضوان الله عليه) في ترجمة اللعين عمرو بن حريث.
(٢) تاريخ الطبري ٣ /٣٠٣، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ١ /٢٩٣ الفصل العاشر. وذكر مقتله بإيجاز : الثقات لابن حبان ٢ / ٣١٠، سير أعلام النبلاء ٣ / ٢٩٩.
قتله رسول الإمام الحسين (عليهالسلام ) لأهل البصرة
تقدّم في مقتل مسلم بن عقيل (عليهالسلام ).
قتله هانئ بن عروة (رضوان الله عليه)
تقدّم مقتل هانئ (رضوان الله عليه) مفصّلاً، فقد ذكرناه قبل مقتل مسلم (صلوات الله عليه).
قتله مسلم بن عقيل (صلوات الله عليه)
تقدّم مقتل مسلم (عليهالسلام )، وقد قتل اُناساً كثيرين مع مسلم وهانئ. قال ابن كثير : ثمّ إنّ ابن زياد قتل معهما اُناساً آخرين، ثمّ بعث برأسيهما(١) إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب له كتاباً صورة ما وقع من أمرهما(٢) .
قتله مسعود بن مالك
قال المزّي :... وقال أبو بكر بن داود : أبو رزين الأسدي , يقال : اسمه عبيد، ضُربت عنقه بالبصرة على منارة مسجد الجامع، ورمي برأسه. روى عن علي (عليهالسلام )، ويقال : إنّه مولى علي (عليهالسلام ). وأبو رزين آخر أسدي، روى عن سعيد بن جبير , اسمه مسعود بن مالك. وذكر عبد العزيز بن صهيب عن أبي صفية أنّ أبا رزين قتله عبيد الله بن زياد(٣) .
قال ابن حجر العسقلاني :
____________________
(١) وفي المطبوع : برؤوسهما، والظاهر ما أثبتناه.
(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٧٠.
(٣) تهذيب الكمال - المزي ٢٧ / ٤٧٩.
أبو رزين مسعود بن مالك الأسدي مولاهم، وقيل : مولى علي (عليهالسلام ). اسمه عبيد , نزل الكوفة، وروى عن ابن اُمّ مكتوم، وعلي بن أبي طالب (عليهالسلام )، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن السائب، والأعمش، ومنصور، وموسى بن أبي عائشة، ومغيرة بن مقسم، وآخرون.
قال أبو حاتم : يقال : إنّه شهد صفين مع علي (عليهالسلام ). وذكره البخاري في الطهارة من صحيحه تعليقاً من فعله، وأسند له في الأدب المفرد، وأخرج له مسلم والأربعة من روايته عن الصحابة، وذكره ابن شاهين في الصحابة، وتعقّبه أبو موسى، وقال : لا صحبة له ولا إدراك.
ثمّ ساق من طريق عاصم بن أبي وائل قال : ألا يُعجب من أبي رزين قد هرم، وإنّما كان غلاماً على عهد عمر وأنا رجل ! وقال غيره : كان أكبر من أبي وائل، وكان عالماً فهماً. كذا وقع بخط المزي في التهذيب، وتعقّبه مغلطاً بأنّ قوله : فهماً (بالفاء) غلط، وإنّما هو بالباء المكسورة.
كذا ذكره البخاري في التاريخ عن يحيى القطان، عن أبي بكر قال : كان أبو رزين أكبر من أبي. قال يحيى : وكان عالماً بهما. ووثقه أبو زرعة والعجلي وغيرهما. قلت : وله رواية عن معاذ بن جبل , وهي مرسلة. وأنكر أبو الحسن بن القطان أن يكون أدرك ابن اُمِّ مكتوم، وقال شعبة فيما حكاه ابن أبي حاتم عنه في المراسيل : لم يسمع من ابن مسعود، قيل : قتله عبيد الله بن زياد بعد سنة ستّين، وقيل : عاش إلى الجماجم بعد سنة ثمانين، وأرّخه ابن قانع سنة خمس وتسعين(١) .
وذكر أيضاً : مسعود بن مالك أبو رزين الأسدي الكوفي , ثقة فاضل من الثانية , مات سنة
____________________
(١) الإصابة - ابن حجر ٧ / ١٢٦.
خمس وثمانين , وهو غير أبي رزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن زياد بالبصرة، ووهم مَن خلطهما...(١) .
قتله عبد الله بن عفيف (رحمهالله )
تقدّم ذلك في أحداث الكوفة.
ما فعله لقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
تقدّم ذلك في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ).
أمره برضِّ جسد الإمام الحسين (عليهالسلام ) , والتمثيل بالأجساد الشريفة
روى الطبري، وابن الأثير، والدينوري، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : حدّثني أبو جناب الكلبي، قال : ثمّ كتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، أمّا بعد , فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً. انظر ؛ فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إليَّ سلماً، وإن أبَو فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم ؛ فإنهم لذلك مستحقّون. فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ؛ فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم، وليس دهري(٢) في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً، ولكن عليَّ قول لو قد قتلته فعلت هذا به. إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن
____________________
(١) تقريب التهذيب - ابن حجر ٢ / ١٧٦.
(٢) وفي بعض المصادر الشيعيّة : ولست أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً... والظاهر أنّ المراد (ليس دهري) أي ليس علمي في هذا أن يضرّ، أي لا أعلم أنّ هذا يضرّ بعد الموت.
ذي الجوشن وبين العسكر ؛ فإنّا قد أمرناه بأمرنا , والسّلام(١) .
أقول : تقدّم ما فعلوه بجسد الإمام الحسين (عليهالسلام ) في آخر مقتله (عليهالسلام ).
إدخال حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) عليه , وما جرى مع فخر المخدرّات (عليهاالسلام )
تقدّم ذلك مفصّلاً في أحداث الكوفة.
ابن زياد (لعنه الله) يضع رجله على فم الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال ابن الجوزي : وقال هشام بن محمّد : لمـّا وضع الرأس بين يدي ابن زياد قال له كاهنه : قُم فضع قدمك على فم عدوِّك. فقام فوضع قدمه على فيه، ثمّ قال لزيد بن أرقم : كيف ترى ؟ فقال : والله , لقد رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) واضعاً فاه حيث وضعت قدمك(٢) .
تقويره اللعين رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال سبط ابن الجوزي : وذكر عبد الله بن عمرو الورّاق في كتاب المقتل : أنّه لمـّا حضر الرأس بين [ يدَي ] ابن زياد أمَر حجّاماً، فقال : قوره واخرج لغاديده ونخاعه، وما حوله من اللحم. واللغاديد : ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم(٣) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٣، الكامل في التاريخ ٤ / ٤١٤، الأخبار الطوال / ٢٥٥ , وأيضاً لم ينقل أمر ابن زياد بالوطئ، البداية والنهاية ٨ / ١٧٥ , ولم ينقل أمر ابن زياد بوطئ الخيل صدره وظهره (صلوات الله عليه).
(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٣١ , منشورات الشريف الرضي.
(٣) المصدر نفسه / ٢٣٣.
قال اليافعي : وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور ؛ وهو أنّ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) أمر أن يُقوّر الرأس المشرف المكرم حتّى يُنصب في الرمح، فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجلٌ يقال له : طارق بن المبارك، بل هو ابن المشؤوم المذموم، فقوّره ونصبه بباب المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحلُّ ذكرها(١) .
نكثه اللعين رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
أقول : تقدّم ذلك بروايات كثيرة في أحداث الكوفة، وتأتي فيما يتعلّق برأس سيّد الشهداء الحسين بن علي (عليهالسلام ).
حبسه اللعين حرم الإمام الحسين (عليهالسلام ) في سجون الكوفة
روى الطبري قال : قال هشام : وأمّا عوانة بن الحكم الكلبي فإنّه قال : لمـّا قتل الحسين (عليهالسلام )، وجيء بالأثقال والأسارى حتّى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله، فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن معه كتاب مربوط، وفي الكتاب : خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله.
قال : فلمـّا كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد اُلقي في السجن ومعه كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب : أوصوا واعهدوا ؛ فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا. فجاء البريد ولم يُسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرّح
____________________
(١) مرآة الزمان وعبرة اليقظان / ٢٧٣ لليافعي , نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.
الاُسارى إليَّ(١) .
نصب رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) بالكوفة، ثمّ تسييره مع حرمه (عليهالسلام ) إلى الشام
روى الطبري، والخوارزمي - واللفظ للأوّل : قال أبو مخنف : ثمّ إنّ عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين (عليهالسلام ) بالكوفة، فجعل يدار به في الكوفة، ثمّ دعا زحر بن قيس فسرّح معه برأس الحسين (عليهالسلام ) ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية.
( وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : ثمّ دعا عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي وأعطاه رأس الحسين (عليهالسلام ) , ورؤوس إخوته وأهل بيته وشيعته، ودعا بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) فحمله وحمل عمّاته وأخواته وجميع نسائهم معه إلى يزيد، فسار القوم بحرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من الكوفة إلى بلد الشام على محامل بغير وطاء , من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل كما تُساق الترك والديلم )(٢) . وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتّى قَدِموا بها الشام على يزيد بن معاوية(٣) .
أمره بغلّ عنق الإمام علي بن الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري قال : ثمّ إنّ عبيد الله أمر بنساء الحسين (عليهالسلام ) وصبيانه فجهزنّ، وأمر بعلي بن الحسين (عليهالسلام ) فغُلّ بغلٍّ إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي ,
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٠.
(٢) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٦٢.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٨.
عائذة قريش، ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتّى قَدِموا على يزيد، فلم يكن علي بن الحسين (عليهالسلام ) يكلِّم أحداً منهما في الطريق كلمة حتّى بلغوا، فلمـّا انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته فقال : هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة. قال : فأجابه يزيد بن معاوية : ما ولدت اُمّ محفز شرٌّ وألأَم(١) .
وقال ابن حبان : ثمّ أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) إلى الشام مع اُسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , على أقتاب مكشّفات الوجوه والشعور , فكانوا إذا نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من الصندوق وجعلوه في رمح وحرسوه إلى وقت الرحيل، ثمّ اُعيد الرأس إلى الصندوق ورحلوا...(٢) .
قتله تسعة آلاف مسلم في ثورة التوّابين
قال ابن حبان : سليمان بن صرد الخزاعي أبو مطرف , أتاهم النبي (صلىاللهعليهوآله ) فأقام عندهم ثلاثاً، وقُتل مع المختار بن أبي عبيد بعين الوردة في رمضان سنة سبع وستّين، وكان مع الحسين بن علي (رضي الله تعالى عنهما)، فلمـّا قُتل الحسين انفرد من عسكره تسعة آلاف نفس , فيهم سليمان بن صرد، وقالوا : نحن التوّابون. قتلهم كلهم عبيد الله بن زياد، وكان فيهم المختار بن أبي عبيد(٣) .
____________________
(١) تاريخ الطبري٣ / ٣٣٨.
(٢) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١١ - ٣١٣، أقول : تقدّم هذا مفصّلاً في أحداث الكوفة فراجع.
(٣) الثقات - ابن حبان ٣ / ١٥٩. لكن المختار (رحمهالله ) لم يُقتل، ويتّضح ذلك في هلاك ابن زياد.
وقال أيضاً في ترجمة رفاعة : رفاعة بن شداد الفتياني , وفتيان : بطن من بجيلة من اليمن , أبو عاصم، كان ممّن انقلب من عين الوردة حين قتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهمالسلام ) في تسعة آلاف من أصحاب الحسين (عليهالسلام )، فلحقهم عبيد الله بن زياد في أهل الشام فقتلهم عن آخرهم(١) .
____________________
(١) مشاهير علماء الأمصار - ابن حبان / ١٧٢.
عقاب عبيد الله بن زياد وهلاكه
اشتعال النار في وجه ابن زياد
روى الطبراني، وابن عساكر، وابن كثير، والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : حدثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، نا أبو غسان، ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك بن كردوس، عن حاجب عبيد الله بن زياد، قال : ثمّ دخلتُ القصر خلف عبيد الله بن زياد حين قتل الحسين (عليهالسلام )، فاضطرم في وجهه ناراً، فقال : هكذا بكمِّه على وجهه، فقال : هل رأيت ؟ قلت : نعم. فأمرني أن أكتم ذلك(١) .
حيّة تدخل في رأس ابن زياد
روى الترمذي، والطبراني، وابن كثير، وابن عساكر، وابن الأثير، والذهبي، والقندوزي - واللفظ للأوّل - قال : حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير قال : لمـّا جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه نضدت في المسجد في الرحبة , فانتهيت إليهم وهم يقولون : قد جاءت ! قد جاءت ! فإذا حيّة قد جاءت
____________________
(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٧ / ٤٥٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٣١٤، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٩٩.
تخلل الرؤوس حتّى دخلت في منخرَي عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهة ثمّ خرجت فذهبت حتّى تغيّبت، ثمّ قالوا : قد جاءت ! قد جاءت ! ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثاً. هذا حديث حسن صحيح(١) .
وروى ابن عساكر، والخطيب البغدادي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو الحسن بن قبيس، نا أبو منصور بن زريق، أنا أبو بكر الخطيب، أنا أبو العلاء محمّد بن الحسن بن محمّد الوراق، نا أبو عيسى بكّار بن أحمد المقرئ (إملاءً) , نا أبو عبد الله أحمد بن القاسم بن نصر بن دوست، نا سويد بن سعيد، نا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، قال : لمـّا قُتل عبيد الله بن زياد اُتي برأسه ورؤوس أصحابه فاُلقيت في الرحبة، فقام الناس إليها , فبينا هم كذلك إذ جاءت حيّة عظيمة، فتفرّق الناس من فزعها، فجاءت تخلل الرؤوس حتّى دخلت في منخرَي عبيد الله بن زياد، ثمّ خرجت من فيه، ثمّ دخلت في فيه وخرجت من أنفه , ففعلت ذلك به مراراً ثمّ ذهبت، ثمّ عادت ففعلت به مثل ذلك مراراً، فجعل الناس يقولون : قد جاءت ! قد جاءت ! قد ذهبت ! قد ذهبت ! فلا يُدرى من أين جاءت ولا أين ذهبت(٢) .
وروى ابن عساكر أيضاً : أخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنا أبو عمرو بن مندة، أنا أبو محمّد بن يوه، أنا أبو الحسن اللنباني، أنا ابن أبي الدنيا، أنا هاشم بن الوليد، أنا أبو بكر بن عياش ،
____________________
(١) سنن الترمذي ٥ / ٥٦٠، المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٢، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٣١٥، أحداث الإسلام سنة ٦١ - ٨٠ / ١٧٩، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٥٤٩، اُسد الغابة ٢ / ٢٢ , وقال : قال الترمذي : هذا حديث صحيح أخرجه الثلاثة. ينابيع المودة - القندوزي ٣ / ١٨.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٧ / ٤٦١، تاريخ بغداد ٥ / ١١٣ : ولكن بدل (في فيه) (من فيه).
أنا يزيد يعني أبي زياد، عن أبي الطفيل قال : عزلنا سبعة أرؤس، وغطينا رأس حصين بن نمير ورأس عبيد الله بن زياد، فجئت فكشفتها، فإذا حيّة في رأس عبيد الله بن زياد تردد فيه تأكله(١) .
ما قالته مرجانة لابنها الملعون عبيد الله
روى ابن عساكر، وابن حجر، وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : ونا محمّد بن سعد، أنا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا شريك، عن مغيرة، قال : قالت مرجانة لابنها عبيد الله : يا خبيث , قتلت ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ! لا ترى الجنّة أبداً(٢) .
هلاك عبيد الله بن زياد
قال صاحب كتاب قرة العين الشيعي الإمامي : (قال الراوي) : هذا ما كان من أمر سليمان وأصحابه , وما حلَّ بهم من ابن زياد , وأمّا ما كان من أمر صاحب الأمر ومن إرادته فوق كلِّ إرادة، فإنه قد أعان المختار وأرسله من مدينة يثرب إلى الكوفة ومعه خاتم , فمضى به إلى إبراهيم بن الأشتر وقال له : يرحمك الله , إنّي قد أتيتك برسالة من محمّد بن الحنفيّة وهو يأمرك أن تأمر أهل الكوفة على بيعته ؛ لأنه متوعّك من قروح أصابته بسبب عينٍ نظرته ؛ فلذلك مُنع عن الخروج مع أخيه الحسين (عليهالسلام ) في يوم كربلاء، وفي هذا الوقت. فلمـّا سمع إبراهيم كلام المختار قال له : اعلم يا أخي أننا نسمع ونطيع ،
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٧ / ٤٦٢، سير أعلام النبلاء ٣ / ٥٤٨.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٧ / ٤٥١، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٣٠٨، البداية والنهاية - ابن كثير ٨/ ٣١٤.
ولو لم نعلم أنّ هذا الكلام حقٌّ فقد وجب علينا أن يجمع بعضنا بعضاً ونتشاور في أخذ ثار الحسين (عليهالسلام )، وننظر ماذا يردّون علينا من الجواب.
قال : فلمـّا كان من الغد، وصلّى إبراهيم بالناس صلاة الفجر , أقبل عليهم وقال : يا أهل الكوفة , هذا المختار قد ورد من المدينة ومعه خاتم محمّد بن الحنفيّة، ويأمركم أن تبايعوه وتأخذوا بثأر الحسين (عليهالسلام )، فماذا تقولون ؟
فقالوا : لن نبايع حتّى ترسل خمسين رجلاً من شيوخنا إلى المدينة ليسألوا محمداً عن هذا الخبر ؛ إن كان حقّاً بايعناه وقاتلنا ولو قُتلنا عن آخرنا، وإن كان باطلاً فنحن بضد ذلك. ثمّ اختاروا منهم خمسين شيخاً ووجّهوهم إلى المدينة، فلمـّا وردوها أتوا إلى دار محمّد واستأذنوا في الدخول فأذن لهم، فدخلوا وسلّموا عليه وقالوا : يابن أمير المؤمنين , قد أتيناك من الكوفة قاصدين ؛ وذلك إنّ المختار ورد علينا ومعه خاتم، وأخبرنا أنّه خاتمك، وأنّك تخاطبنا لبيعتك وأخذ ثأر أخيك.
فقال : يا قوم , أنا ما وجّهت إليكم خاتماً ولا غيره، ولكن كان الواجب عليكم أن تنصروه وتجاهدوا بين يديه، ولكن خذوا هذا خاتمي فسلّموه له، وقد ولّيته عليكم فأطيعوه. فأخذوا منه الخاتم ورجعوا إلى الكوفة، ولم يزالوا إلى أن نزلوا القادسية، فبلغ المختار نزولهم فيها، فدعا بعبده وقال له : امضِ إلى دروب الكوفة وتجسس الأخبار ممّن أتى من القادسية , هل مَن كانوا في المدينة جاؤوا بولايتي ؟ فإذا كانوا جاؤوا بها فأنت حرٌّ، وإن كانوا غير ذلك فلا ترجع.
فتوجّه العبد فرحاً إلى القادسية , فوجد القوم قد وردوا ومعهم خاتم ابن الحنفيّة، وقد جمعوا أهل القادسية وبايعوهم له وأخبروهم بإمارة المختار عليهم، ثمّ أمروهم بالمسير إليه والجهاد بين يديه. فلمـّا سمع العبد ذلك انثنى راجعاً إلى سيّده وحدّثه بذلك، ففرح فرحاً شديداً، ثمّ قدم المشايخ وأخبروا إبراهيم وسائر أهل بلدهم، فبايعوا وأطاعوا المختار جميعهم، فعند ذلك عقد رايةً ودفعها إلى إبراهيم، وضمَّ إليه أربعة عشر ألف فارس وأمرهم بالمسير إلى أعمال الشام لقتال عدو الله ابن زياد.
فرحل إبراهيم ومَن معه عن طريق الغادريات، فجعل يجدّ في المسير تسعة أيام , وفي اليوم العاشر نزل بالأنبار وعبر الجيش، فخرج إليهم أهل الأنبار واستقبلوهم، وقالوا : لمـّن هذا الجيش ؟ فقيل لهم : جيش الحسين (عليهالسلام )، فأخرجوا إليهم العلوفة والزاد، فما قبلوا منهم شيئاً إلّا بثمنه.
ثمّ ساروا ونزلوا بالنخل الأسود والحصى المجتمع - وهو كثيب على عين الطريق - فأقام بهم هناك إبراهيم يومين، ثمّ رحل بهم ونزل بالجلحاء فأقام بها يوماً وليلة، ثمّ رحل بهم ونزل إلى صدر الروضة وأقام بها ثلاثة أيّام , ثمّ رحل بهم ومرَّ على الدار الكبرى، ثمّ نزل إلى أرض البالست، ولها ثلاثة حصون، ثمّ رحل بهم ونزل بالعواضة، ولها حصنان، ثمّ رحل بهم ونزل بدير الجماجم، ثمّ رحل بهم ونزل بدير الجالية، ثمّ رحل بهم ونزل بالمنصورية والزهرة، ثمّ رحل بهم ونزل بالدير اللطيف ودير القس، ثمّ رحل بهم ونزل بتكريب , وكانت منيعة حصينة، فغلقوا الأبواب حين نظروا الجيش، فقالوا : لمـّن هذا ؟
فقالوا : لأخذ ثأر الحسين (عليهالسلام ). فعند ذلك أعلنوا بالبكاء والنحيب، وفتحوا الأبواب وهم ينادون : وا حسيناه ! يعزُّ علينا يا أبا عبد الله ! ثمّ أتوهم بالزاد والعلوفة، فقالوا لهم : لا نأخذ شيئاً إلّا بثمنه. فعند ذلك اجتمعوا عند إبراهيم وقالوا له : نحن لنا في هذا الأمر حظّ ونصيب، وإننا قد أخرجنا من أموالنا خمسين ألف دينار ونسألك أن تقبلها منَّا وتستعين بها على أمرك. فلم يقبل ذلك.
ثمّ رحل ونزل ببادية يقال لها : الباليط، ثمّ رحل بهم، ومرَّ بالموصل فسلّ أهلها في وجوههم السيوف , فساروا ولم يلتفتوا إليها حتّى نزلوا بعينين، وكان بها رجل من وجوه بني شيبان يقال له : حنظلة بن مغاور الثعلبي، وكان له عشرة أولاد، فكتب إليه إبراهيم كتاباً يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم , من خادم الحسين (عليهالسلام ) إلى حنظلة، أمّا بعد، فإنّك تعلم ما جرى للحسين (عليهالسلام ) ومَن معه، ونحن أصحابه طالبون لثأره، فنسألك بحقِّه (عليهالسلام ) , وحقِّ جدّه (صلىاللهعليهوآله ) أن تبيح لنا العبور من هذا الباب، والخروج من الآخر من غير إقامة.
فبالأمر المحتم عند
دخول رسول إبراهيم إلى حنظلة ورد رسول ابن زياد، فاستلم الكتابين وقرأهما، فوجد كتاب ابن زياد مكتوباً فيه: من عند ابن زياد إلى حنظلة، أمَّا بعد , فحين وصول الكتاب تجمع العلوفة والزاد لمئة ألف فارس طوعاً لأمير المؤمنين، ولا تتوان فيما أمرتك به , ونفسك مرتهنة على ذلك. فغضب ومزّقه ورماه، ثمّ قال لأصحابه : اضربوا عنق رسول ابن زياد.
وأمّا كتاب إبراهيم ففرح به، وأحضر رسوله وخلع عليه وطوّقه بطوق من الذهب، و أركبه سابقاً من الخيل، وقال له : انطلق إلى سيّدك، وأعلمه بأنّي مقيم له بالعلوفة والزاد، وأنّ بلدي له موطئ. فعاد الرسول راجعاً إلى إبراهيم وأعلمه بذلك , ففرح، وتكامل عسكره خمسة عشر ألف فارس، فقدم إليهم من عند حنظلة القباب والخيام والسرادق، ثمّ نُصبت لهم، وقد شقَّ أهل البلد جيوبهم، وجزّوا شعورهم ؛ حزناً على ابن بنت نبيّهم.
ثمّ حمل حنظلة إليهم الهدايا السنية والعلوفة والزاد , فلم يقبلوا منه شيئاً ولا من أصحاب بلده إلّا بثمنه , فشكروهم على ذلك ودعو لهم بالنصرة، فأقاموا بها يومين، ثمّ رحل إبراهيم وقومه، ومعه حنظلة وأولاده وعبيده وأصحابه وخاصّته في ألف فارس، وجعلوا يسيرون حتّى نزلوا عن قلعة ماردين، وكان حنظلة أقام فيها نائباً من قِبَله، فنظر أهل القلعة إلى الجيش وأخبروا واليهم، فبعث غلاماً يستخبر لمـّن هذا الجيش , فنزل الغلام وأسرع إلى الجيش، فرأى حنظلة وبجانبه الأمير إبراهيم، فتقدّم الغلام وقبَّل الأرض بين يديهما، فقال حنظلة : يا غلام , ادع والدك.
فرجع إلى والده، وقال له : يا أبت , هذا الأمير حنظلة ومعه عرب من عرب الكوفة، وهو يدعوك. فنزل صاحب القلعة إلى الأمير حنظلة، فسلّم عليه وعلى الأمير إبراهيم , فردّعليهالسلام ، وقال له : هل أنت لعدو الله على علم ؟ أو ما علمت له من خبر ؟ فقال الأمير : لو كنتَ قدمت إليَّ قبل هذا الوقت لسلّمت إليك ابن زياد أخذاً باليد. فقال : وكيف ذلك ؟ فقال : اعلم أنّه قد جاءني قبل اليوم ومعه حريمه وأولاده , وأربعون بغلاً عليها مال، فأودعها في القلعة، وها هو على
عشرين ميلاً في قرية يقال لها : المدينة. فقال له إبراهيم : بشّرك الله بالخير ! فأين حريمه وأولاده ؟ قال : عندي. قال : أحضرهم. قال : سمعاً وطاعةً لله ولك يا أمير المؤمنين.
ثمّ مضى إلى القلعة فجاء منها بأربعة من أولاد ابن زياد , الأكبر منهم سنّه عشرون سنة، ومئة وثلاثين جارية، وأربعين حملاً من المال ذهباً وورقاً، وصناديق مملوءة خزّاً , وقباطي مصريّة وديباجاً، فأقبل إبراهيم على أصحابه وقال : أيُّها الناس , هذه بنات ابن زياد وأولاده، وأنتم تعلمون أنّه قتل علي بن الحسين (عليهالسلام ) وله من العمر خمس عشرة سنة، وقتل عوف بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وقتل محمّد بن علي الأصغر وله أربع عشرة سنة، وقتل عثمان وله عشرون سنة، ونهب حريم رسول الله (عليه الصلاة والسّلام) وساقهم على الأقتاب بغير وطاء. فوالله ما أبقيت على وجه الأرض من ذرّية ابن زياد أحداً. ثمّ سلّ سيفه وكذلك أصحابه، ووثبوا إلى أولاد ابن زياد وحريمه وجواريه وقطّعوهم قطعاً(١) ، وهم ينادون : يا لثارات الحسين (عليهالسلام ) ! حتّى قطعوهم عن آخرهم.
ثمّ أقبل صاحب القلعة على إبراهيم وقال له : اعلم أيُّها الأمير , أنّ كلَّ أحد بلا تمامٍ مذموم، وأنا اُريد أن أغزو بنفسي في طلب ثأر الحسين (عليهالسلام ) وأقتل ابن زياد ولو اُقتل أو اُوقعه لك بلا قتل.
قال : وكيف ذلك يا أخي ؟
قال :
____________________
(١) أقول : لا يخفى عليك أنّ آل زياد وغيرهم من قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) رضوا , بل كانوا يفتخرون بما فعله آباؤهم في كربلاء ؛ ولهذا ذكر الخوارزمي سبب قتل المختار لحفص بن عمر بن سعد , قال : وفي رواية عبد الكريم بن حمدان أنّ أبا عمرة لمـّا قتل عمر أسّر ابنه حفصاً وجاء به إلى المختار مع الرأس، فقال : الحقوا حفصاً بأبيه.
فقال : أيُّها الأمير , ما شهدتُ كربلاء. قال : لا، ولكنك تفتخر بأنّ أباك قتل الحسين (عليهالسلام ) , فوالله لا تعيش بعده. فضرب عنقه صبراً، ثمّ وضع الرأسين بين يديه وقال : هذا بالحسين (عليهالسلام ) , وهذا بعلي (عليهالسلام ) , ولا سواء وربِّ الكعبة. ثمّ صلب جسديهما منكّسين، وصبّ عليهما النفط فاُحرقا، ووجّه بالرأسين إلى المدينة. مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٢٥٤.
أسير أنا وأنت وأولادي حتّى نقرب من عسكره، فإذا كان بيننا وبينه فرسخ نصبت خيمة وقعدت أنا وأنت فيها، وأرسل بعض أولادي إليه، فيقول له : إنّ أبي يقول لك : اعلم أنّ الأمير حنظلة اتّبع رأي إبراهيم، وقد بلغني أنّه حلف ليضربنّ بالسيف هو وأولاده وسائر دولته طلباً لثأر الحسين، وأنت تعلم أنّ القلعة له، والآن يطلبني بأولادك وحريمك ومالَك الذي عنده، واُريد أن تخرج من قومك وتأتي لتخلو معي، ونتشاور فيما يجوز فعله، ولا يأتي أحد معك ؛ لأنّي لا آمن أن يكون للقوم خير بأنّ أولادك وحريمك ومالَك عندي، وبيني وبينك محبّة , فإنه يجئ ولا يتأخّر ؛ لأنّه يثق بي على نفسه كما يثق بي على حريمه وأولاده، فإذا جاء أدخلته الخيمة وأوثقته بين يديك، ثمّ تملك أنت قوائم سيفك وتضرب عنقه , وتعود إلى عسكرك وتأخذهم وتحمل على عسكره ؛ فإنّه لا يجتمع لهم شمل إلى يوم القيامة.
قال إبراهيم : يا أخي , أنا اُجيبك إلى ذلك وأسير معك , ولكني قد رأيت رأياً. قال : وما هو ؟ قال : اعلم أنّ معه سُفناً من النحاس على ظهور الإبل يقصد بها القوم، والصواب أنّ أسير معك كما تقول، وأكثر أصحابي على البعد يميناً وشمالاً، واجعل على اليمين خمسة آلاف، [وعلى] الشمال مثلهم، [فإذا] استوى الأمر وفعلت به ما ذكرت، فهو الغرض، وإن لم أتمكن جئت معك إلى أن أقف على المعبر ؛ فإنّ السفن التي معه لا يقدر أن يعبر فيها إلّا فارس واحد، فإذا هو عبر أكون بجانبك ؛ فإنه يظنّ أنّي من بعض أولادك، فإذا قاربني ضربت عنقه، وصحت : يا لثارات الحسين (عليهالسلام )، فإذا رآني أولادك وسمعوا الصيحة صاحوا من كلِّ جانب ومكان، وأحطنا بعسكره وقتلناهم وأخذنا سلبهم.
قال : افعل ما شئت أيُّها الأمير ؛ فإنّي لك ولأمرك سامع. ولكن قُل لأصحابك يكونوا قريباً منك بحيث يسمعون صوتك إذا صحت.
قال : فجمع إبراهيم أصحابه وأوصاهم أن يمكثوا بالقرب من المعبر ،
ويكون لهم طلائع يعرفون بها بعضهم، ففعلوا ذلك.
قال : وسار بهم إبراهيم مع صاحب القلعة وأولاده إلى ابن زياد , يقول له : أقبل إليَّ وحدك ؛ فإنّ جيش إبراهيم قد نزل قريباً منَّا ومعه حنظلة وأولاده وسائر دولته. فمضى الغلام إلى عسكر ابن زياد، وقصد خيمته ودخل عليه , وقبَّل الأرض بين يديه، وعرّفه ما قال أبوه، فلمـّا سمع ذلك انقلبت عيناه في اُمّ رأسه، وخاف على أولاده وماله وحريمه، فأمر بفرسٍ فقُدّمت إليه، وتقلّد بسيفه وركبها، وهو فزع ممّا سمعه، وسار مع الغلام قاصداً إلى الخيمة، وبين يديه عبده ومعه شمعة، فلم يزل سائراً حتّى ورد الخيمة، فلمـّا رآه صاحب القلعة قام له هو وأولاده، وجعلوا يقبِّلون يديه إلّا إبراهيم، فجعل يحدُّ النظر إليه، ثمّ نزل عن فرسه ودخل الخيمة , وجلس وجلسوا , ثمّ قال لصاحب القلعة : ما هذا الخبر ؟! فقال : هو حقٌّ أيُّها الأمير.
قال إبراهيم : وجعل يحدّثه ويشاغله ويشير إليَّ بضرب عنقه، فجعلت اُفكّر في ضيق الخيمة وطول باعي، وعدم تمكُّني من الضرب وهو يطيل النظر إليَّ وسيفه بين يديه، ولست آمن أن يصيح ويمانع عن نفسه، ثمّ طال ذلك عليه، وأنا مطرق إلى الأرض متفكّر في أمري، فقال ابن زياد لصاحب القلعة : إذا كان إبراهيم قد أقبل هو وحنظلة، فمالي إلّا أن أسير إليه قبل أن يفعل ما بدا له.
قال : افعل ما تريد، وها أنا أمامك. فنهض وركب فرسه ورجع إلى عسكره , فأقبل صاحب القلعة عليَّ وقال : ما شبّهت ليلتك إلّا بليلة مسلم بن عقيل (عليهالسلام ) !
(قال الراوي) : فقال له إبراهيم : يا أخي , لا تعجل عليَّ. فقال : وكيف لا أعجل عليك ؟! أنرجو فرصة أجود من هذه ؟ فقال إبراهيم : اسكت فإني أعلم ما لا تعلم، فإنّي تذكّرت في قتله، وهو جالس , وسيفه بين يديه، وعبده على باب الخيمة , وعسكره قريب منه، فلو صاح وصاح عبده لأتتنا قومه، فرأيت قتله في غير هذا
الموضع أولى وأصلح , وأرجو أن لا يُقتل إلّا بما أضمرت له. ثمّ ارتحلنا وملكنا المعبر , والجسر منصوب بالأخشاب وقد تملّكت سيفي.
(قال الراوي) : هذا ما كان من أمر هؤلاء، وأمّا ما كان من أمر ابن زياد، فإنه أمر عسكره بالرحيل فرحلوا , ولم يزالوا حتّى وصلوا المعبر، وصاروا يعبرون الأوّل فالأوّل، وهم يتراكضون على تلك السفن النحاس حتّى عبر منهم خمسون ألف فارس، ثمّ أقبل ابن زياد على بغلة كأنها البرج، وهو في عمارية من الديباج الحرير، وفيها طراحة من ديباج أحمر، وقد حُشيت بريش النعام، وعليه قبّة من الديباج، ومنطقة من الذهب الأحمر مرصّعة بالدر والجوهر , تلوح حمرة للذهب مع بياض الجوهر كجمرة النيران، وبين يديه ثلاثون شمعة كقامة الرجل، وعن يمينه شمعتان من العنبر، وعن شماله مثل ذلك، وعليه قلنسوة من ذهب وجوهر ولؤلؤ، وكان يحسن في الزيّ واللباس.
قال إبراهيم : فلمـّا أقبلت البغلة، والخدم بين يديه يكفّون الناس عن طريقه، وأنا واقف في جملة الجيش على المعبر مبتسماً، وقد ضيّقته , فقالوا لي : ابعد عن طريق الأمير. فقلت : يا قوم , إنّ لي عند الأمير حاجة، وما أقدر على مخاطبته إلّا هنا. فتركوني وجازوا، فلمـّا أقبل ابن زياد في العمارية ناديتُ مستغيثاً بالله وبالأمير، فأخرج رأسه لينظر مَن المستغيث به، فضربته على اُمّ رأسه، فأحدرته إلى الأرض، وصحت : يا لثارات الحسين (عليهالسلام ) !
فركب الناس السفن من كلِّ جانب ومكان، وقد نزل في قوم ابن زياد الضراب والطعان إلى أن ولّى الليل وأقبل النهار، وقد قُتل من أصحاب ابن زياد ثمانية عشر ألف فارس.
وقال صاحب القلعة : قيل : إنّ إبراهيم عند وقوع ابن زياد كتّفه وسلَّمه إلى رجل من أصحابه، وهم محيطون به من كلِّ جانب ومكان، وكلٌّ منهم يلعنه ويبصق في وجهه ويضربه، وينادي : يا لثارات الحسين (عليهالسلام ) !
ثمّ إنّ إبراهيم نزل
هو وأصحابه، ودعا بابن زياد فأوقفوه بين يديه، ثمّ أمر بتقييده وتغليله وإضرام النار حوله، ففعل ذلك حالاً وسريعاً ؛ امتثالاً لأمر الأمير، وقد أحدق إليه أصحابه لينظروا ما يصنع به، فتقدّم إبراهيم وسلَّ خنجراً حجازيّاً لو نزل على بعير لقدّه(١) ، وجعل يشرّح من لحمه ويشويه ويطعمه له، وعيناه تنظر إليه، فإذا امتنع من الأكل نخسه الخنجر، وهكذا حتّى أكل لحمه بنفسه، وإبراهيم ينادي : يا لثارات الحسين !
ثمّ لمـّا قارب الموت ذبحه من اُذن إلى اُذن، واحتزّ رأسه وأخذها، ثمّ أمر أن يداس بأقدام الخيل ثمّ يُحرق، ففعل به ذلك , فبعد ذلك أحضر الأسارى، وكان يسأل بالرجل عمَّا صنع في يوم قتل الحسين (عليهالسلام ) , فيخبره بما فعل ؛ فمنهم مَن يقطع أطرافه، ومنهم مَن يفعل به كابن زياد، حتّى لم يبقَ إلّا سبعون رجلاً من خواص اللعين، مثل شبت، وسنان بن أنس، وعمر بن الحجّاج، والشمر، وأمثالهم لعنهم الله، وهم الذين تولّوا قتل الحسين (عليه رضوان الله)، وسبوا حريمه، ونهبوا مالَه، فأوقفهم بين يديه وقال : عليَّ بخلع الديباج.
فقالوا : دعنا من هذا الكلام، واصنع ما أنت صانع.
فقال : صدّقوني.
فقالوا : نصدقك ؛ فأوَّل مَن تقدّم للحسين خولي , وعوقب ومات، ثمّ من بعده سنان، وهو الذي تقدّم للحسين (عليهالسلام )، فقال إبراهيم : يا ويلك يا سنان ! ما صنعت يوم قتل الحسين (عليهالسلام ) ؟ قال : تقدّمت إليه وهو ملقىً على ظهره، فضربت يدي إلى تكته، فجذبها ثلاث مرات، وفي الرابعة حللتها، فرأيت يده قابضة عليها، فقطعتها وأخذت التكّة.
فبكى إبراهيم وقال : أمَا تستحي من الله ومن جدّه رسول الله ؟! ثمّ أضجعه على قفاه، ونهص قائماً وأوقع الخنجر في عينيه، فشقّ البياض والسواد والدم يخرج على فخذيه، وأمر أن تسلّ أظافره فسُلَّتْ، وتكسر يداه فكسرتا، ثمّ قطعهما واُلقي في النار
واحترق، ولم يزل يسألهم واحداً بعد واحد , ويصنع به أشنع ممّا ذكر حتّى قتلهم عن آخرهم , وأخذ رؤوسهم وحشاها في الغرائر، وهم عشرة آلاف، وقد أظهر منهم رأس ابن زياد ورؤوس السبعين، ووجّهوههم إلى المختار، وكان يومئذ بالكوفة، وضمَّ إليه الخيل والسلاح والغنائم، وهي ألف بعير من الذهب والفضة.
ولم يزل الرسول يجدّ في المسير ومعه كتاب الأمير إبراهيم إلى المختار بشرح الحال، وإبراهيم سائر بأصحابه على أثر رسوله، فما كان إلّا قليل حتّى وصلت الرؤوس والغنائم والكتاب إلى الكوفة , واشتهر ما فيه، ففرح الناس فرحاً شديداً، ثمّ أورد الرسول رأس ابن زياد إلى المختار، فوضعها بين يديه , فبصق عليها وقال : لعن الله صاحبك. ثمّ أمر بخبطها في الأرض ففعل ذلك(١) .
روى الطبري وغيره في هلاكه ما يلي , قال : ثمّ دخلت سنة سبع وستين , ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث. فمّما كان فيها من ذلك مقتل عبيد الله بن زياد ومَن كان معه من أهل الشام.
ذكر الخبر عن صفة مقتله : ذكر هشام بن محمّد، عن أبي مخنف قال : حدّثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال : مضينا مع إبراهيم بن الأشتر ونحن نريد عبيد الله بن زياد ومَن معه من أهل الشام، فخرجنا مسرعين لا ننثني ؛ نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق.
قال : فسبقناه إلى تخوم أرض العراق سبقاً بعيداً، ووغلنا في أرض الموصل، فتعجّلنا إليه وأسرعنا السير، فنلقاه بخازر إلى جنب قرية يقال لها : (باربيث) , بينها
____________________
(١) من كتاب قرّة العين في أخذ ثأر الحسين (عليهالسلام ) من موروث الشيعة , ما ألّفه محمّد بن عبد الله (رحمهالله ) , مطبوع بعد مقتل الإسفرايني نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ١٠٠ - ١٠٤ , وفي ط اُخرى من نور العين / ٨٥ - ٩١ , وطُبع أيضاً بعد كتاب مثير الأحزان لابن نما (رحمهالله ).
وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدّمته الطفيل بن لقيط - من وهبيل(١) من النخع - رجلاً من قومه , وكان شجاعاً بئيساً , فلمـّا أن دنا من ابن زياد ضمَّ حميد بن حريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لا يسير إلّا على تعبية، وضمَّ أصحابه كلَّهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعاً لا يفرّقهم , إلّا أنّه يبعث الطفيل بن لقيط في الطلائع حتّى نزل تلك القرية.
قال : وجاء عبيد الله بن زياد حتّى نزل قريباً منهم على شاطئ خازر، وأرسل عمير بن الحباب السلمي إلى ابن الأشتر أنّي معك، وأنا اُريد الليلة لقاءك. فأرسل إليه ابن الأشتر : أن أَلْقِنِي إذا شئت. وكانت قيس كلُّها بالجزيرة، فهم أهل خلاف لمروان وآل مروان، وجند مروان يومئذ كلب، وصاحبهم ابن بحدل، فأتاه عمير ليلاً فبايعه، وأخبره أنه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالناس.
وقال ابن الأشتر : ما رأيك ؟ أخندق عليَّ وأتلوم يومين أو ثلاثة ؟ قال عمير بن الحباب : لا تفعل , إنّا لله، هل يريد القوم إلّا هذه ؟ إن طاولوك وماطلوك فهو خير لهم ؛ هم كثير أضعافكم، وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم فإنهم قد مُلئوا منكم رعباً , فَأْتِهِم ؛ فإنهم إن شاموا أصحابك، وقاتلوهم يوماً بعد يوم، ومرة بعد مرة , أنسوا بهم واجترؤوا عليهم.
قال إبراهيم : الآن علمت أنك لي مناصح. صدقت، الرأي ما رأيت، أما أنّ صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرني.
قال عمير : فلا تعدون رأيه ؛ فإنّ الشيخ قد ضرسته الحروب، وقاسى منها ما لم نقاسِ. أصبح فناهض الرجل.
ثمّ إنّ عميراً انصرف، وأذكى ابن الأشتر حرسه تلك الليلة الليل كله، ولم يدخل عينه غمض، حتّى إذا كان في السحر الأوَّل عبَّى
____________________
(١) وهبيل : حي من النخع. ذكره ابن جرير الطبري في جامع البيان ١٣ / ٢٠١.
أصحابه، وكتّب كتائبه، وأمر اُمراءه , فبعث سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي على ميمنته، وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته , وهو أخو أبي الأحوص، وبعث عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم بن الأشتر لأُمِّه - على الخيل، وكانت خيله قليلة فضمَّها إليه , وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجالته الطفيل بن لقيط , وكانت رايته مع مزاحم بن مالك.
قال : فلمـّا انفجر الفجر صلّى بهم الغداة بغلس، ثمّ خرج بهم فصفَّهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أمير الميمنة بالميمنة، وأمير الميسرة بالميسرة، وأمير الرجّالة بالرجالة، وضمّ الخيل إليه , وعليها أخوه لأُمِّه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وسطاً من الناس، ونزل إبراهيم يمشي , وقال للناس : ازحفوا. فزحف الناس معه على رسلهم رويداً رويداً حتّى أشرف على تلٍ عظيمٍ مشرفٍ على القوم، فجلس عليه، وإذا اُولئك لم يتحرك منهم أحد بعدُ، فسرَّح عبد الله بن زهير السلولي وهو على فرس له يتأكّل تأكّلاً، فقال : قرّب على فرسك حتّى تأتيني بخبر هؤلاء.
فانطلق، فلم يلبث إلّا يسيراً حتّى جاء , فقال : قد خرج القوم على دهش وفشل، لَقيني رجل منهم فما كان له هجيري إلّا يا شيعة أبي تراب , يا شيعة المختار الكذّاب. فقلت : ما بيننا وبينكم أَجَلُّ من الشتم. فقال لي : يا عدو الله , إلامَ تدعوننا ؟ أنتم تقاتلون مع غير إمام. فقلت له : بل يا لثارات الحسين ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ادفعوا إلينا عبيد الله بن زياد ؛ فإنه قتل ابن رسول الله، وسيّد شباب أهل الجنة حتّى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين (عليهالسلام ) ؛ فإنّا لا نراه لحسين (عليهالسلام ) نِدّاً فنرضى أن يكون منه قوداً. وإذا دفعتموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الذين قتلهم جعلنا بيننا وبينكم كتاب الله، أو أي صالح من المسلمين شئتم حَكَماً.
فقال لي : قد جرّبناكم مرة اُخرى في مثل هذا - يعني الحكمين - فغدرتم.
فقلت له : وما هو ؟
فقال : قد جعلنا بيننا وبينكم حكمين فلم
ترضوا بحكمهما.
فقلت له : ما جئت بحجة، إنّما كان صلحنا على أنّهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما ورضينا به وبايعناه، فلم يجتمعا على واحد , وتفرّقا، فكلاهما لم يوفّقه الله لخير، ولم يسدده.
فقال : مَن أنت ؟ فأخبرته، فقلت له : مَن أنت ؟ فقال : عدس لبغلته يزجرها.
فقلت له : ما أنصفتني، هذا أوَّل غدرك.
قال : ودعا ابن الأشتر بفرسٍ له فركبه، ثمّ مَرَّ بأصحاب الرايات كلها، فكلّما مرَّ على راية وقف عليها، ثمّ قال : يا أنصار الدين، وشيعة الحق، وشرطة الله، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي , ابن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه، وهم ينظرون إليه، ومنعه أن يأتي ابن عمّه فيصالحه(*) ! ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتّى قتله، وقتل أهل بيته.
فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فوالله إنّي لأرجو أن لا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلّا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم ؛ فقد علم الله أنكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيّكم (صلىاللهعليهوآله ).
فسار فيما بين الميمنة والميسرة، وسار في الناس كلهم ؛ فرغّبهم في الجهاد، وحرّضهم على القتال، ثمّ رجع حتّى نزل تحت رايته، وزحف القوم إليه.
وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمي، وشرحبيل بن ذي الكلاع على الخيل، وهو يمشي في الرجال، فلمـّا تدانى الصفّان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة أهل الكوفة، وعليها علي بن مالك الجشمي , فثبت له هو بنفسه
____________________
(*) قد تقدّم في المقتل ما يكذبه حينما قالوا : طلب الحسين (عليهالسلام ) واحدة من ثلاث.
فقُتل، ثمّ أخذ رايته قرة بن علي فقاتل أيضاً في رجال من أهل الحفاظ فقتلوا , وانهزمت الميسرة، فأخذ راية علي بن مالك الجشمي عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي , ابن أخي حبشي بن جنادة صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال : إليَّ يا شرطة الله. فأقبل إليه جلّهم، فقال : هذا أميركم يقاتل , سيروا بنا إليه.
فأقبل حتّى أتاه، وإذا هو كاشف عن رأسه ينادي : يا شرطة الله إليَّ , أنا ابن الأشتر، إنّ خير فراركم كراركم , ليس مسيئاً مَن أعتب. فثاب إليه أصحابه، وأرسل إلى صاحب الميمنة : احمل على ميسرتهم. وهو يرجو حينئذ أن ينهزم لهم عمير بن الحباب كما زعم، فحمل عليهم صاحب الميمنة - وهو سفيان بن يزيد بن المغفل - فثبت له عمير بن الحباب وقاتله قتالاً شديداً، فلمـّا رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه : اُمّوا هذا السواد الأعظم ؛ فوالله لو قد فضضناه لانجفل مَن ترون منهم يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها فطارت.
(قال أبو مخنف) : فحدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري، عن ورقاء بن عازب قال : مشينا إليهم , حتّى إذا دنونا منهم أطْعَنّا بالرماح قليلاً، ثمّ صرنا إلى السيوف والعمد فاضطربنا بها مليّاً من النهار، فوالله ما شبهت ما سمعت بيننا وبينهم من وقع الحديد على الحديد إلّا مياجن قصارى دار الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال : فكان ذلك كذلك، ثمّ إنّ الله هزمهم ومنحنا أكتافهم.
(قال أبو مخنف) : وحدثني الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق أنّ إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم. فيقول له : إنّه - جعلت فداك ! - ليس لي متقدّم. فيقول : بلى ؛ فإنّ أصحابك يقاتلون , وإنّ هؤلاء لا يهربون إن شاء الله. فإذا تقدّم صاحب رايته برايته شدَّ إبراهيم بسيفه، فلا يضرب به رجلاً إلّا صرعه، وكرّد إبراهيم الرجال من بين يديه كأنهم الحملان، وإذا حمل برايته
شدَّ أصحابه شدّة رجل واحد.
(قال أبو مخنف) : حدّثني المشرقي أنّه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدة لا تليق شيئاً مرّت به، وأنّه لمـّا هزم أصحابه حمل عيينة بن أسماء - أخته هند بنت أسماء وكانت امرأة عبيد الله بن زياد - فذهب بها، وأخذ يرتجز ويقول :
إِنْ تَصْرُمي حِبَالَنَا فَرُبَّما |
أرديتِ في الهيجا الكَمِيَّ المـُعْلَمَا |
(قال أبو مخنف) : وحدثني فضيل بن خديج أنّ إبراهيم لمـّا شدًّ على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد، وقتلى كثيرة بين الفريقين، وأنّ عمير بن الحباب لمـّا رأى أصحاب إبراهيم قد هزموا أصحاب عبيد الله بعث إليه : أجيئك الآن , فقال : لا تأتيني حتّى تسكن فورة شرطة الله ؛ فإنّي أخاف عليك عاديتهم.
وقال ابن الأشتر : قتلت رجلاً وجدت منه رائحة المسك , شرقت يداه وغربت رجلاه , تحت راية منفردة على شاطئ نهر خازر، فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلاً، ضربه فقدّه بنصفين، فذهبت رجلاه في المشرق ويداه في المغرب، وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني، وهو يحسبه عبيد الله بن زياد، فاعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، ونادى التغلبي : اقتلوني وابن الزانية. فقتل ابن نمير.
حدّثني عبد الله بن أحمد قال : حدّثني أبي قال : حدّثني سليمان قال : حدّثني عبد الله بن المبارك قال : حدّثني الحسن بن كثير قال : كان شريك بن جدير التغلبي مع علي (عليهالسلام ) , اُصيبت عينه معه، فلمـّا انقضت حرب علي (عليهالسلام ) لحق ببيت المقدس، فكان به , فلمـّا جاءه قتل الحسين (عليهالسلام ) قال : اُعاهد الله إن قدرت على كذا وكذا - يطلب بدم الحسين (عليهالسلام ) - لأقتلنَّ ابن مرجانة أو لأموتنَّ دونه.
فلمـّا بلغه أنّ المختار خرج يطلب بدم الحسين (عليهالسلام ) أقبل إليه , قال : فكان وجّهه مع إبراهيم بن الأشتر، وجعل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه : إنّي عاهدت
الله على كذا وكذا، فبايعه ثلاثمئة على الموت , فلمـّا التقوا حمل، فجعل يهتكها صفّاً صفّاً مع أصحابه حتّى وصلوا إليه , وثار الرهج فلا يسمع إلّا وَقْع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد : التغلبي وعبيد الله بن زياد.
قال : وهو الذي يقول :
كلُّ عيشٍ قد أراه قَذِراً |
غيرَ رَكْزِ الرُّمْحِ في ظِلِّ الفَرَسْ |
(قال هشام) : قال أبو مخنف : حدّثني فضيل بن خديج , قال : قتل شرحبيل بن ذي الكلاع، فادّعى قتله ثلاثة : سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وورقاء بن عازب الأسدي، وعبيد الله بن زهير السلمي.
قال : ولمـّا هزم أصحاب عبيد الله تبعهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر، فكان مَن غرق أكثر ممّن قُتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كلِّ شيء، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه : يأتيكم الفتح أحد اليومين إن شاء الله من قِبَل إبراهيم بن الأشتر , وأصحابه قد هزموا أصحاب عبيد الله بن مرجانة.
قال : فخرج المختار من الكوفة واستخلف عليها السائب بن مالك الأشعري، وخرج بالناس ونزل ساباط.
(قال أبو مخنف) : حدّثني المشرقي، عن الشعبي قال : كنت أنا وأبي ممّن خرج معه، قال : فلمـّا جزنا ساباط قال للناس : أبشروا ؛ فإنّ شرطة الله قد حسوهم بالسيوف يوماً إلى الليل بنصيبين أو قريباً من نصيبين , ودوين منازلهم، إلّا أنّ جلّهم محصور بنصيبين.
قال : ودخلنا المدائن واجتمعنا إليه , فصعد المنبر، فوالله إنّه ليخطبنا ويأمرنا بالجدّ وحسن الرأي والاجتهاد والثبات على الطاعة، والطلب بدماء أهل البيت (عليهمالسلام ) , إذ جاءته البشرى تترى يتبع بعضها بعضاً بقتل عبيد الله بن زياد، وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره، وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار : يا شرطة الله , ألَم
اُبشّركم بهذا قبل أن يكون ؟ قالوا : بلى والله لقد قلت ذلك.
قال : فيقول لي رجل من بعض جيراننا من الهمدانيِّين : أتؤمن الآن يا شعبي ؟ قال : قلت : بأيِّ شيء اُؤمن ؟ أؤمن بأنّ المختار يعلم الغيب ؟! لا اُؤمن بذلك أبداً.
قال : أوَلَم يقل لنا إنّهم قد هزموا ؟ فقلت له : إنّما زعم لنا أنّهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنّما هو بخازر من أرض الموصل. فقال : والله لا تؤمن يا شعبي حتّى ترى العذاب الأليم. فقلتُ له : مَن هذا الهمداني الذي يقول لك هذا ؟
فقال رجل : لَعمري كان شجاعاً , قُتل مع المختار بعد ذلك يوم حروراء، يقال له : سلمان بن حمير , من الثوريين من همدان.
قال : وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عمّاله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهل الكوفة الذين كان المختار قاتلهم فهزمهم، فلحقوا بمصعب بن الزّبير بالبصرة، وكان فيمَن قَدِم على مصعب شبث بن ربعي، فقال سراقة بن مرداس البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر وأصحابه في قتل عبيد الله بن زياد :
أتاكم غلامٌ من عَرَانِينِ مذحجٍ |
جَريءٌ على الأعداءِ غَيْرُ نَكُولِ |
|
فيابنَ زيادٍ بُؤ بأعظمِ مالكٍ |
وذُقْ حدَّ ماضي الشفرتين صقيلِ |
|
ضربناك بالعَضْبِ الحُسَامِ بحدّةٍ |
إذا ما أبانا قاتلاً بقتيلِ |
|
جزى اللهُ خيراً شرطةَ اللهِ إنهم |
شفوا من عُبيدِ اللهِ أمسِ غليلي(١) |
وذكر أيضاً الخوارزمي في مقتله :... وأسّر إبراهيم بن الأشتر عبيد الله بن زياد وجاء به إلى المختار، فلمـّا أوقف ابن زياد بين يدي المختار خرَّ ساجداً شكراً لله تعالى، ثمّ جلس فضرب
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٨٩ - ٤٨٣ ! [ هكذا ورد المصدر في أصل الكتاب , ولا نعلم هل هو بالعكس , أم هو من ٤٧٩ - ٤٨٣ , أو من ٤٨٩ - ٤٩٣، علماً أنّ الطبعة التي اعتمدها المؤلّف غير الطبعة التي بين أيدينا. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين) ]
بسيفه جبين ابن زياد , كما رماه ابن زياد بعمود من حديد فشجّ جبينه، ثمّ قطع يديه ورجليه، ثمّ رأسه، ثمّ صلبه، ثمّ أحرقه بالنار(١) .
ابن زياد عند أهل الخلاف
وابن زياد معروف من بني اُميّة بالتبنّي، فهو من أهل الخلاف، وأمّا الشيعة فتتبرّأ منه وتلعنه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وللشيعة شهد الذهبي فقال : عبيد الله بن زياد بن أبيه , أمير العراق , أبو حفص، والي البصرة سنة خمس وخمسين وله اثنتان وعشرون سنة، والي خراسان، فكان أوَّل عربي قطع جيحون وافتتح بيكند وغيرها. وكان جميل الصورة، قبيح السريرة. وقيل : كانت اُمّه مرجانة من بنات ملوك الفرس.
قال أبو وائل : دخلت عليه بالبصرة وبين يديه ثلاثة آلاف ألف درهم جاءته من خراج إصبهان , وهي كالتل... إلى أن يقول : وقد كانت مرجانة تقول لابنها عبيد الله : قتلت ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ! لا ترى الجنة، أو نحو هذا.
قال أبو اليقظان : قُتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء سنة سبع وستين. قال يزيد بن أبي زياد : عن أبي الطفيل قال : عزلنا سبعة أرؤس، وغطّينا منها رأس حصين بن نمير وعبيد الله بن زياد، فجئت فكشفتها فإذا حيّة في رأس عبيد الله تأكل.
وصحّ من حديث عمارة بن عمير، قال : جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، فأتيناهم وهم يقولون : قد جاءت ! قد جاءت ! فإذا حية تخلل الرؤوس حتّى دخلت في منخر عبيد الله، فمكثت هنيّة ثمّ خرجت
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٢٧٦.
وغابت، ثمّ قالوا : قد جاءت ! قد جاءت ! ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثاً. قلت : الشيعي لا يطيب عيشه حتّى يلعن هذا ودونه، ونحن نبغضهم في الله، ونبرأ منهم ولا نلعنهم، وأمرهم إلى الله(١) .
أقول : ومع براءته منه لا يترك مدحه كما تقدّم ( عبيد الله بن زياد بن أبيه , أمير العراق , أبو حفص، والي البصرة سنة خمس وخمسين وله اثنتان وعشرون سنة، ووالي خراسان، فكان أوَّل عربي قطع جيحون وافتتح بيكند وغيرها ).
وقال في مدحه الزركلي : ابن زياد (٢٨ - ٦٧ ه- = ٦٤٨ - ٦٨٦ م) عبيد الله بن زياد بن أبيه , والٍ فاتح , من الشجعان، جبار، خطيب. ولد بالبصرة، وكان مع والده لمـّا مات بالعراق، فقصد الشام فولاّه عمُّه معاوية خراسان (سنة ٥٣ ه) فتوجّه إليها , ثمّ قطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، ففتح راميثن ونصف بيكند.
قال أحد مَن كانوا معه : ما رأيت أشدّ بأساً من عبيد الله ؛ لقينا زحفاً من الترك، فرأيته يقاتل فيحمل عليهم فيطعن فيهم ويغيب عنّا ثمّ يرفع رايته تقطر دماً.
وأقام بخراسان سنتين , ونقله معاوية إلى البصرة أميراً عليها (سنة ٥٥ ه) , فقاتل الخوارج واشتدّ عليهم(٢) .
وذكره محمّد في كتاب مَن له رواية في كتاب أحمد : عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان , أبو أحمد , ويقال لأبيه : زياد بن أبيه , عن أبي برزة وعنه أبو سبرة له(٣) .
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٥٤٩.
(٢) الأعلام - خير الدين الزركلي ٤ / ١٩٣.
(٣) مَن له رواية في مسند أحمد - محمّد بن علي بن حمزة / ٢٨٠.
ابن زياد (عليه لعنة الله) عند الشيعة
لعنه في زيارة الإمام الحسين (عليهالسلام )
وتقول : (( السّلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك , عليك منّي سلام الله ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتك، السّلام على الحسين , وعلى علي بن الحسين , وعلى أصحاب الحسين. تقول ذلك مئة مرة.
ثمّ تقول : اللّهم خصّ أنت أوَّل ظالم باللعن منّي وابدأ به أوّلاً , ثمّ الثاني , ثمّ الثالث , ثمّ الرابع، اللّهمَّ العن يزيد بن معاوية خامساً، والعن عبيد الله بن زياد وابن مرجانة , وعمر بن سعد , وشمراً , وآل أبي سفيان , وآل زياد , وآل مروان إلى يوم القيامة... ))(١) .
ولا يذكر في كتب الشيعة إلّا ويُلعن عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين.
دعاء الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) لقاتل ابن زياد المختار (رحمهالله )
وقال الشيخ الطوسي (قدسسره ) : حدّثني محمّد بن مسعود قال : حدّثني أبو الحسن علي بن أبي علي الخزاعي، قال : حدّثني خالد بن يزيد العمري المكي، قال الحسن بن زيد بن علي
____________________
(١) مصباح المتهجّد - الشيخ الطوسي / ٧٧٢، المزار - الشهيد الأوَّل / ١٧٨، بحار الأنوار - العلّامة المجلسي ٨٩ / ٢٩٣ , وغيرها من كتب الشيعة.
ابن الحسين، قال : حدّثني عمرو بن علي بن الحسين أنّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) لمـّا اُتي برأس عبيد الله بن زياد، ورأس عمر بن سعد، قال : فخرَّ ساجداً، وقال : (( الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً ))(١) .
دعاء محمّد بن الحنفيّة (رضوان الله عليه) للمختار قاتل ابن زياد
وقال السّيد الخوئي :... ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور في قلوب أهل البيت (سلام الله عليهم) بقتله قَتَلة الحسين (عليهالسلام )، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيت (عليهمالسلام ) يستحقّ بها الجزاء من قِبَلهم، أفهل يُحتمل أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وأهل البيت (عليهمالسلام ) يغضّون النظر عن ذلك وهم معدن الكرم والإحسان ؟
وهذا محمّد بن الحنفيّة بين ما هو جالس في نفر من الشيعة، وهو يعتب على المختار في تأخير قتله عمر بن سعد , فما تمَّ كلامه إلّا والرأسان عنده , فخرَّ ساجداً وبسط كفّيه وقال : اللّهم لا تنسَ هذا اليوم للمختار , أجزه عن أهل بيت نبيّك محمّد خير الجزاء، فوالله ما على المختار بعد هذا من عتب. البحار - باب أحوال المختار من المجلد ٤٥ من الطبعة الحديثة، المرتبة الرابعة ممّا حكاها عن رسالة شرح الثار لابن نما(٢) .
____________________
(١) اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي ١/ ٣٤١، ذكر في معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ١٩ / ١٠٣.
(٢) معجم رجال الحديث - السّيد الخوئي ١٩ / ١٠٨.
ترجمة اللعين شمر بن ذي الجوشن
وهو ناصبي بغيض، تولّى ذبح سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الإمام الحسين بن علي (عليهالسلام )، وفعل ما فعل و....... وإليك بعض ذلك.
هجوم شمر العين على خيام الإمام الحسين (عليهالسلام ) ليحرقها...
قال ابن الدمشقي : وحمل الشمر حتّى طعن في فسطاط الحسين (عليهالسلام ) , وقال : عليَّ بالنار حتّى أحرق هذا البيت على أهله. فصاح النساء (وولولن) وخرجنَ من الفسطاط، فصاح به الحسين (عليهالسلام ) : (( حرقك الله بالنار، ويلك ! أتدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ؟! ))(١) .
شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) مَن تولّى ذبح سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
قال ابن حبان :... والذي تولَّى في ذلك اليوم حزَّ رأس الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) شمر بن ذي الجوشن(٢) .
____________________
(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢٨٧.
(٢) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١١.
وقال خليفة بن الخياط : ولي قتل الحسين (عليهالسلام ) شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك(١) .
روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو غالب الماوردي، أنبأ محمّد بن علي، أنبأ أحمد بن إسحاق، ثنا أحمد بن عمران، ثنا موسى بن زكريا، ثنا الخليفة العصفري قال : الذي ولي قتل الحسين (عليهالسلام ) شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك(٢) .
حديث رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في شمر (عليه اللعنة) أنّه قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى ابن عساكر، وابن كثير، والخوارزمي، والمتقي الهندي، والسيوطي - واللفظ للأوّل - قال : أنبأنا أبو محمّد هبة الله بن أحمد بن طاووس، أنبأ أبو الغنائم بن أبي عثمان، أنبأ محمّد بن أحمد بن محمّد بن رزقويه، أنبأ أبو بكر محمّد بن عمر بن محمّد بن الجعابي، حدّثني أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، ثنا عمر بن شبة، ثنا أبو أحمد حدّثني عمِّي فضيل بن الزّبير، عن عبد الرحيم بن ميمون، عن محمّد بن عمرو بن حسن، قال : كنَّا مع الحسين (رضياللهعنه ) بنهري كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال : (( صدق الله ورسوله ؛ قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : كأنّي أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي )). فكان شمر أبرص(٣) .
____________________
(١) تاريخ خليفة بن خياط ١ / ٥٢٣.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٨٩.
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٢ / ١٩٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٥، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٤١، كنز العمال - المتقي الهندي ٣١ / ٦٧٢، الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٥، ط دار الكتاب العربي.
ما فعله اللعين شمر بن ذي الجوشن في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) بالتفصيل
قال الخوارزمي :... ثمّ جعل يقاتل حتّى أصابته اثنان وسبعون جراحة، فوقف يستريح وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف إذا أتاه حجر فوقع على جبهته، فسالت الدماء من جبهته، فأخذ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع في قلبه، فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( بسم الله وبالله , وعلى ملّة رسول الله )). ورفع رأسه إلى السماء، وقال : (( إلهي , إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبيٍّ غيره )).
ثمّ أخذ السهم وأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح، فلمـّا امتلأت دماً رمى بها إلى السماء، فما رجع من ذلك قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتّى رمى الحسين (عليهالسلام ) بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده على الجرح ثانياً، فلمـّا امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال : (( هكذا والله أكون حتّى ألقى جدِّي محمّد (صلىاللهعليهوآله ) وأنا مخضوب بدمي، وأقول : يا رسول الله , قتلني فلان وفلان ))(١) .
ثمّ ضعف عن القتال، فوقف مكانه، فكلَّما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه، وكره أن يلقى الله بدمه، حتّى جاءه رجل من كندة يقال له : مالك بن نسر , فضربه بالسيف على رأسه، وكان عليه برنس، فقطع البرنس وامتلأ دماً.
فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( لا أكلت بيمينك، ولا شربت بها، وحشرك الله مع الظالمين )). ثمّ ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتمّ عليها، وقد اُعيي وتبلّد، وجاء الكندي فأخذ البرنس , وكان من خزٍّ , فلمـّا قَدِم به بعد ذلك على امرأته اُمّ عبد الله
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - للخوارزمي ٢ / ٣٩.
لتغسله من الدم، قالت له امرأته : أتسلب ابن بنت رسول الله برنسه وتدخل بيتي ؟! اخرج عنِّي حشا الله قبرك ناراً.
وذكر أصحابه أنّه يبست يداه، ولم يزل فقيراً بأسوأ حال إلى أن مات(١) .
ثمّ نادى شمر : ما تنظرون بالرجل ؟ فقد أثخنته السهام. فأخذت به الرماح والسيوف ؛ فضربه رجل يقال له : زرعة بن شريك التميمي ضربة منكرة، ورماه سنان بن أنس بسهم في نحره، وطعنه صالح بن وهب المري على خاصرته طعنة منكرة، فسقط الحسين (عليهالسلام ) عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن، ثمّ استوى جالساً ونزع السهم من نحره، ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسين ليراه.
قال حميد بن مسلم : خرجت زينب بنت علي (عليهاالسلام ) وقرطاها يجولان في اُذنيها، وهي تقول : يا ليت السماء اُطبقت على الأرض ! يابن سعد , أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فجعلت دموعه تسيل على خدّيه ولحيته، فصرف بوجهه عنها، والحسين جالس عليه جبّة خز، وقد تحاماه النساء، فصاح شمر : ويحكم ! ما تنتظرون ؟ اقتلوه ثكلتكم اُمهاتكم !
فضربه زرعة بن شريك فأبان كفّه اليسرى، ثمّ ضربه على عاتقه، فجعل (عليهالسلام ) يكبو مرّة ويقوم اُخرى، فحمل عليه سنان بن أنس في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه، وقال لخولى بن يزيد : احتز رأسه. فضعف وارتعدت يداه، فقال له سنان : فتَّ الله عضدك، وأبان يدك. فنزل إليه نصر بن خرشة الضبابي، وقيل : بل شمر بن ذي الجوشن - وكان أبرصَ - فضربه برجله، وألقاه على قفاه، ثمّ أخذ بلحيته , فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( أنت الكلب الأبقع الذي رأيته في منامي )). فقال له شمر : أتشبهني بالكلاب يابن فاطمة ؟! ثمّ جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين (عليهالسلام ) وهو يقول :
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٣٩ -٤٠.
أقتلُكَ اليومَ ونفسي تَعْلَمُ |
أنّ أباك خيرُ مَنْ يكلّمُ(١) |
|
ولا مجالٌ لا ولا تكتُّمُ |
علماً يقيناً ليس فيه مَزْعَمُ |
هلاك شمر بن ذي الجوشن
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : ودعا المختار بعبد الرحمن بن عبيد الهمداني وقال له : بلغني عن شمر بن ذي الجوشن الضبابي أنّه خرج من الكوفة في نفر من غلمانه ومَن تبعه هارباً، فاخرج أنت في طلبه فلعلّك تأتيني به حيّاً أو برأسه ؛ فإنّي لا أعرف في قتلة الحسين أعتى منه، ولا أشدّ بغضاً لأهل البيت (عليهمالسلام ).
وضمَّ إليه عشرة من أبطال أصحابه , وقال له ولهم : أنشدكم الله إلّا أقررتم عيني بقتله , وشفيتم غليلي بذلّه ؛ فلقد أكمدني بفعله.
فخرج عبد الرحمن في أصحابه العشرة يسألون عنه , فقيل : إنّه قد نزل في جنب قرية على شاطئ الفرات يقال لها : الكلتانية , ومعه قوم قد صحبوه من قَتَلة الحسين (عليهالسلام )، وهم آمنون مطمئنون. فرحل عبد الرحمن بهم إليه، فلمـّا أشرف عليه أعلم أنّ الخيل خيل المختار، فوثب قائماً يتأمّلهم , فنظروا إليه وعرفوه , فكبّروا وأحاطوا به وبأصحابه، وكان شمر متّزراً بمنديل، وكان أبرص , والبرص على سائر جسده فكأنه ثوب ملمع، فأخذ رمحه ودنا من أصحاب المختار، وحمل عليهم وهو يقول :
نَبَّهْتُمُ ليثاً هِزَبْراً باسلا |
جَهْماً مُحِيَّاهُ يدقُّ الكاهلا |
|
لم يكُ يوماً عن عدوٍّ ناكلا |
إلّا كذا مقاتلاً أو قاتلا |
فتقدّم إليه عبد الرحمن بن عبيد وهو يقول :
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٠ - ٤١.
يا أيُّها الغادرُ وابنَ الغادرِ |
وقاتل الحسينِ ذي المفاخرِ |
|
ابنِ النبيِّ الطيِّبِ العناصرِ |
وابنِ الوصيِّ الطاهرِ ابنِ الطاهرِ |
|
مُنِّيْت من شيعتهِ بثائرِ |
يطعنُ في الضلوعِ والحناجرِ |
|
أشجعَ من ليثِ عرينٍ خادِرِ |
فابْشِرْ بخزيٍ وبموتٍ حاضرِ |
ثمّ طعنه عبد الرحمن في نحره فسقط قتيلاً، فنزل إليه واحتزّ نحره , وقتل أصحابه جميعاً، وأخذ أموالهم وأسلحتهم ودوابهم، وجاء برأسه ورؤوس أصحابه إلى المختار، فلمـّا نظر المختار إليه خرَّ ساجداً، وقال عبد الرحمن : أقرَّ الله عينك بلقاء رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في الجنّة، ثمّ أمر برأس الشمر فنصب في رحبة الحذائين إزاء المسجد الجامع، فمثَّل به الصبيان برمي الحجارة والقذارة، وأمر المختار لعبد الرحمن عشرة آلاف دينار، وولاّه حلوان(١) .
وروى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو غالب الماوردي، أنبأ محمّد بن علي، أنبأ أحمد بن إسحاق، ثنا أحمد بن عمران، ثنا موسى بن زكريا، ثنا الخليفة العصفري قال : الذي ولي قتل الحسين (عليهالسلام ) شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك.
قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن بن الحسين، عن عبد العزيز بن أحمد، أنبأ عبد الوهاب الميداني، أنبأ أبو سليمان بن زبر، أنبأ عبد الله بن أحمد الفرغاني، أنبأ أبو جعفر الطبري قال : ذكر هشام بن محمّد قال : قال أبو مخنف : حدّثني يونس بن أبي إسحاق، عن مسلم بن عبد الله الضبابي قال : لمـّا خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار، وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع، ووجّه غلامه رزيقاً في طلب شمر، يعني مضى شمر حتّى ينزل ساتيدما، ثمّ مضى حتّى ينزل إلى جانب قرية يقال لها : الكلتانية , على شاطئ نهر إلى جانب
____________________
(١) مقتل الحسين - الخوارزمي ٢ / ٢٧٠ - ٢٧١.
تلٍّ، ثمّ أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجاً، ثمّ قال : النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزّبير، وكتب عنوانه للأمير مصعب بن الزّبير من شمر بن ذي الجوشن.
قال : فمضى العلج حتّى يدخل قرية فيها بيوت , وفيها أبو عمرة، وقد كان المختار بعثه في تلك الأيام إلى تلك القرية ليكون مسلحة فيما بينه وبين أهل البصرة، فلقي ذلك العلج علجاً من أهل تلك القرية , فأقبل يشكو إليه ما لقي من شمر، وأنه لقائم معه يكلّمه إذ مرَّ به رجل من أصحاب أبي عمرة فرأى الكتاب مع العلج، وعنوانه لمصعب بن شمر , فسألوا العلج عن مكانه الذي هو به، فإذا ليس بينهم وبينه إلّا ثلاثة فراسخ، فأقبلوا يسيرون إليه.
قال أبو مخنف : فحدثني مسلم بن عبد الله قال : وأنا والله مع شمر تلك الليلة , فقلنا له : لو أنّك ارتحلت بنا من هذا المكان ؛ فإننا نتخوّف به. فقال : أوَكلُّ هذا فرقاً من هذا الكذّاب ؟! والله لا أتحوَّل منه ثلاثة أيام , ملأ الله قلوبكم رعباً. وكان ذلك المكان الذي كنَّا به فيه دبا كثير , فوالله إنّي لبَيْنَ اليقظان والنائم إذا سمعت وقع حوافر الخيل، فقلت في نفسي : والله صوت الدّبا، ثمّ إنّي سمعت أشدَّ من ذلك , فانتبهت ومسحت عيني فقلت : لا والله ما هذا بالدّبا.
قال : وذهبت لأقوم فإذا أنا بهم قد أشرفوا علينا من التلِّ، فكبّروا، ثمّ أحاطوا بأبياتنا , وخرجنا نشتدّ على أرجلنا، وتركنا خيلنا.
قال : فأمرُّ على شمر وأنّه لمرتدي ببرد محقق , وكان أبرصَ , فكأنّي أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البرد، وأنّه ليطاعنهم بالرمح قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه.
قال : فمضينا وتركناه.
قال : فما هو إلّا أن مضت ساعة إذ سمعت : الله أكبر , قتل الله الخبيث(١) .
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٩٠.
وروى ابن خلدون في هلاكه ما يلي , قال : وبعث (المختار) في طلب شمر بن ذي الجوشن , فقتل طالبه، وانتهى إلى قرية الكلبانية فارتاح , يظنّ أنّه نجا، وإذا في قرية اُخرى بإزائه أبو عمرة صاحب المختار , بعثه مسلحة(١) بينه وبين أهل البصرة , فنمى إليه خبره، فركب إليه فقتله وألقى شلوه للكلاب(٢) .
وروى في هلاكه الشيعي العلّامة المجلسي (رحمهالله ) , قال : وطلب المختار شمر بن ذي الجوشن، فهرب إلى البادية، فسعى به إلى أبي عمرة، فخرج إليه مع نفر من أصحابه، فقاتلهم قتالاً شديداً فأثخنته الجراحة، فأخذه أبو عمرة أسيراً، وبعث به إلى المختار، فضرب عنقه، وأغلى له دهناً في قدر , فقذفه فيها فتفسّخ، ووطئ مولى لآل حارثة بن مضرب وجهه ورأسه(٣) .
أقول : تقدّم ذكر ما فعله هذا الخبيث اللعين , فالقِ نظرة ليتفطّر قلبك من أفعاله. وبهذا المقدار نكتفي في ما نقل من أفعال هذا الفاجر الملعون... ولنرى من أتبعه.
رأي أهل الخلاف في شمر بن ذي الجوشن
ذهب الذهبي وغيره إلى أنّ شمر اللعين من مشايخ الثقات، ومن كبار التابعين، وقال فيه ابن عساكر : إنه تابعي. وذُكرت له روايات تبرئ موقفه، وكونه مطيعاً لله فيما فعل !
____________________
(١) وفي المطبوع : مسلخة، والظاهر ما أثبتناه.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٥ , أبو الشهداء الحسين بن علي (عليهماالسلام ) للعقّاد / ١٨٠.
(٣) بحار الأنوار - العلّامة المجلسي ٥٤ / ٣٣٨، أقول : وذكر أيضاً في بحار الأنوار ٤٥ /٣٧٥ هلاك شمر (لعنه الله) مشابهاً لِما ذكره الخوارزمي، مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي ٦ / ٤٣.
من مشايخ الكوفة , وعالمها ومحدّثها , وتابعي
قال الذهبي : أبو إسحاق السبيعي(١) عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد، وقيل : عمرو بن عبد الله بن علي الهمداني الكوفي الحافظ , شيخ الكوفة وعالمها ومحدّثها، لم أظفر له بنسب متّصل إلى السبيع، وهو من ذرّية سبيع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان. وكانرحمهالله من العلماء العاملين، ومن جلّة التابعين. قال : ولدتُ لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ورأيت علي بن أبي طالب يخطب.
وروى عن معاوية، وعدي بن حاتم، وابن عباس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي جحيفة السوائي، وسليمان بن صرد، وعمارة بن رويبة الثقفي، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، وعمرو بن الحارث الخزاعي، وغيرهم من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
ورأى أيضاً أسامة بن زيد النبوي، وقرأ القرآن على الأسود بن يزيد، وأبي عبد الرحمن السلمي، وكان طلّابة للعلم، كبير القدر.
وروى أيضاً عن علقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، والضحاك بن قيس الفهري، وعمرو بن شرحبيل الهمداني، والحارث الأعور، وهبيرة بن يريم، وشمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد الزهري، وعبيدة بن عمرو السلماني، وعاصم بن ضمرة، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وعمرو بن ميمون الأودي، وصلة بن زفر العبسي، وسعيد بن وهب الخيواني، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، وحارثة بن مضرب، وعبد الله بن معقل، وصلة بن زفر، وأبي الأحوص عوف بن مالك، ومسلم بن نذير، والأسود بن هلال، وشريح القاضي، وأبي عبيدة بن عبد الله
____________________
(١) يبدو أنّ أخانا المؤلِّف (حفظه الله) قد وقع في خطأٍ وسهوٍ من دون قصد ؛ إذ الترجمة التي ذكرها عن الذهبي هذا هي ليست لشمر بن ذي الجوشن كما أشار إلى ذلك في العنوان , بل هي لأبي إسحاق السبيعي , وليس هناك أيُّ علاقة بينهما سوى رواية هذا الأخير عن ابن ذي الجوشن. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
ابن مسعود الهذلي، وكميل بن زياد النخعي، والمهلب بن أبي صفرة الأمير، والأسود بن هلال المحاربي , وخلق كثير من كبراء التابعين. تفرّد بالأخذ عن عدّة منهم(١) .
قال مُحدّث الشام ابن عساكر : شمر بن ذي الجوشن، واسم ذي الجوشن شرحبيل، ويقال : عثمان بن نوفل، ويقال : أوس بن الأعور , أبو السابغة العامري، ثمّ الضبابي : حي من بني كلاب. كانت لأبيه صحبة , وهو تابعي , أحد مَن قاتل الحسين بن علي , وحدّث عن أبيه.
روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ووفد على يزيد بن معاوية مع أهل بيت الحسين (عليهالسلام )، وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته(٢) .
وقال أيضاً عندما روى لأبي إسحاق رواية عن ذي الجوشن أبي شمر :... قال : ونا عبد الله، ثنا محمّد بن عباد، ثنا شيبان، عن أبي إسحاق بن(٣) ذي الجوشن أبي شمر الضبابي نحو هذا الحديث , قال شقيق : وكان ابن ذي الجوشن جاراً لأبي إسحاق، ولا أراه إلّا سمعه منه. قوله : ولا أراه إلّا سمعه منه يعني أبا إسحاق سمعه من شمر بن ذي الجوشن عن أبيه(٤) .
قال صلاح الدين الصفدي : قاتل الحسين شمر بن ذي الجوشن، أبو السابغة العامري ثمّ الضبابي، حي من بني كلاب كانت لأبيه صحبة، وهو تابعي، أحد مَن قاتل الحسين(رضياللهعنه )، وحدّث عن أبيه، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وفد على يزيد مع أهل البيت، وهو الذي احتزّ رأس الحسين (عليهالسلام ) على الصحيح، قتله أصحاب المختار في
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٥ / ٣٩٢ - ٣٩٣.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٨٦.
(٣) هكذا وردت (بن) في الأصل , ولعلها (عن) ؛ حيث السياق دالّ على ذلك , وكذلك لم نجد هناك رابطة نسبٍ بين الراوي أبي إسحاق وذي الجوشن. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(٤) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٨٨.
حدود السبعين للهجرة لمـّا خرج المختار وتطلّب قتلة الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه، وإنّما سمي أبوه ذو الجوشن لأنّ صدره كان ناتئاً(١) .
شمر اللعين عند أهل الخلاف مطيع لله في ما فعله مع الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا مسدد، عن عبد الوارث، عن الجعد، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : مَن كره من أميره شيئاً فليصبر ؛ فإنه مَن خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهليّة.
حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان، حدّثني أبو رجاء العطاردي قال : سمعت ابن عباس ( رضي الله عنهما )، عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه ؛ فإنّه مَن فارق الجماعة شبراً فمات إلّا مات ميتة جاهليّة(٢) .
وروى في شمر روايات أنه من المصلّين الداعين الله.
وممّن امتثل ما رواه البخاري ومسلم , روى ابن عساكر وقال : أخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنبأ أبو عمرو الإصبهاني، أنبأ أبو محمّد المديني، ثنا أبو الحسن الكتاني، أنبأ أبو بكر القرشي، حدّثني هارون أبو بشر الكوفي، ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق، قال : كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي يصلّي معنا الفجر، ثم يقعد حتّى يصبح، ثم يصلّي، ثم يقول : اللهمَّ إنك شريف تحب الشرف، وإنك تعلم أني شريف فاغفر لي.
قلت : كيف يغفر الله لك وقد
____________________
(١) الوافي بالوفيات / ١٢٦٩٣ لصلاح الدين الصفدي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) صحيح البخاري - البخاري ٨ / ٨٧ وفي ط ص٢٥٨٨، صحيح مسلم - مسلم النيسابوري ٦ / ٢١.
أعنت على قتل ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟
قال : قلت : ويحك ! كيف نصنع إن اُمراؤنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنَّا شرّاً من هؤلاء الحمر السقاة(١) .
روى أيضاً : أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي، أنبأ الحسن بن علي، أنبأ أبو عمر بن حيوية، أنبأ أحمد بن معروف، ثنا الحسين بن الفهم، ثنا محمّد بن سعد، أنبأ منذر بن إسماعيل، حدّثني الهيثم بن الخطاب الهدي أنه سمع أبا إسحاق السبيعي يقول : كان شمر بن ذي الجوشن الضبابي لا يكاد , أو لا يحضر الصلاة [معنا] , فيجيء بعد الصلاة فيصلّي، ثم يقول : اللّهمَّ اغفر لي ؛ فإني كريم لم تلدني اللئام.
قال : فقلت له : إنك لسيّئ الرأي ؛ [تسارع] إلى قتل ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) [ وتدعو بهذا الدعاء!](٢) . فقال : دعنا منك يا أبا إسحاق , فلو كنَّا كما تقول [أنت] وأصحابك كنَّا شرّاً من الحمراء السقات(٣) .
أقول : فشمر بن ذي الجوشن - اللعين - ممّن أطاع الله في حربه وقتله لسبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الإمام الحسين (عليهالسلام ) ؛ طاعة لأمرائه كي لا يخالفهم بشبر فلا يموت ميتة جاهليّة ! فهو - والعياذ بالله - عند أهل الخلاف في ما فعله مع الحسين (عليهالسلام ) ومَن معه مطيع لله ولرسوله بمقتضى ما رواه مسلم والبخاري !
وهذه الروايات تدلّ على أن شمر بن ذي الجوشن مثل باقي أهل الخلاف ممّن يعتقدون بإمامة يزيد بن معاوية والذين يعترفون بسلطانه، فهو ممّن يجب اتّباعه في قتل الحسين (عليهالسلام ) سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وريحانته، ومَن حربه حربه ،
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٨٩.
(٢) إنّ الرواية التي ذكرها المؤلِّف عن ابن عساكر كانت مربكةً , وقد صححناها وأضفنا عليها ما بين المعقوفات من بعض المصادر الاُخرى. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٨٨.
وسلمه سلمه، وبغضه بغضه، وحبّه حبّه.
وما أقول إلّا الحمد الله على نعمة العقل والولاية لمحمّد وآله الطاهرين (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين) , والبراءة من أعدائهم - عليهم لعائن الله - إلى قيام يوم الدين.
الملعون شمر بن ذي الجوشن عند الشيعة
فهو ملعون ويستحب لعنه - عليه لعائن الله - كما ورد في زيارة الحسين (عليهالسلام )، وفي الزيارة :... (( تقول : السّلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك , عليك منِّي سلام الله ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتك، السّلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أصحاب الحسين. ثم تقول ذلك مئة مرة.
ثم تقول : اللّهمَّ خصَّ أنت أوَّل ظالم باللعن منِّي وابدأ به أوّلاً , ثمّ الثاني , ثمّ الثالث , ثمّ الرابع، اللّهمَّ العن يزيد بن معاوية خامساً، والعن عبيد الله بن زياد وابن مرجانة، وعمر بن سعد، وشمراً، وآل أبي سفيان، وآل زياد , وآل مروان إلى يوم القيامة... ))(١) .
وشمر اللعين ابن زنا
قال الشيعي الإمامي صاحب مستدرك البحار أعلى الله مقامه : وعن كتاب المثالب لهشام بن محمّد الكلبي أنّ امرأة ذي الجوشن خرجت من جبانة السبيع إلى جبانة كندة، فعطشت في الطريق , ولاقت راعياً يرعى الغنم،
____________________
(١) مصباح المتهجد - الشيخ الطوسي / ٧٧٢، المزار- الشهيد الأوَّل / ١٧٨، بحار الأنوار - العلامة المجلسي ٨٩ / ٢٩٣ , وغيرها من كتب الشيعة.
فطلبت منه الماء فأبى أن يعطيها إلّا بالإصابة منها، فمكّنته , فواقعها الراعي فحملت بشمرٍ لعنهم الله. انتهى. وقول مولانا الحسين (عليهالسلام ) لشمر يوم عاشوراء : (( يابن راعية المعزى، أنت أولى بها صلياً ))(١) .
وروى قول الحسين (عليهالسلام ) لشمر : (( يابن راعية...)) الطبري وابن الدمشقي - واللفظ للأوّل - قال : لمـّا أقبلوا نحونا، فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنَّا ألهبنا فيه النار من ورائنا ؛ لئلّا يأتونا من خلفنا , إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتّى مرَّ على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلّا حطباً تلتهب النار فيه، فرجع راجعاً، فنادى بأعلى صوته : يا حسين , استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة ؟
فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( مَن هذا ؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن )). فقالوا : نعم، أصلحك الله , هو هو. فقال (عليهالسلام ) : (( يابن راعية المعزى، أنت أولى بها صلياً )). فقال له مسلم بن عوسجة : يابن رسول الله , جُعلت فداك ! ألا أرميه بسهم ؛ فإنه قد أمكنني، وليس يسقط سهم، فالفاسق من أعظم الجبارين. فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( لا ترمه ؛ فإني أكره أن أبدأهم ))(٢) .
____________________
(١) مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي ٦ / ٤٤.
(٢) تاريخ الطبري - الطبري ٣ / ٣١٨، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢٨٥.
ترجمة يزيد بن معاوية (لعنه الله)
وهو شارب الخمور، والمعلن بالفسوق، وناكح الاُمّهات والأخوات، وقاتل سيد شباب أهل الجنة صلوات الله عليه، والهاتك حرمة أهل البيت (عليهمالسلام ) والساب لأمير المؤمنين (عليهالسلام )، والهاتك حرمة المدينة حتّى قتل فيه الصحابة والقرّاء , وهتك الأعراض، وولدت الأبكار و... و...
ما جاء في شرف بني هاشم وذمِّ بني اُميّة على لسان غانمة التي زاد عمرها...
ذكر البيهقي والجاحظ - واللفظ للأوّل - قال : قيل : ولمـّا بلغ غانمة بنت غانم سبُّ معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم، قالت لأهل مكة : أيُّها الناس، إنّ قريشاً لم تلد من رَقم ولا رُقم , سادت وجادت، ومُلّكَت فمَلكت، وفُضّلت فَفَضلت، واصطُفيت فاصطَفَت، ليس فيها كدر عيب , ولا أفْن ريب، ولا حشروا طاغين، ولا حادوا نادمين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالين. إنّ بني هاشم أطول الناس باعاً، وأمجد الناس أصلاً، وأحلم الناس حلماً، وأكثر الناس عطاءً ؛ منَّا عبد مناف الذي يقول فيه الشاعر :
كانت قريشٌ بيضةً فَتَفَلَّقَتْ |
فالمـُخُّ خَالِصُها لِعَبْدِ مَنَافِ |
وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر :
هَشَمَ الثريدَ لقومِهِ وأجارهم |
ورجالُ مكّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ |
ثم منَّا عبد المطلب الذي سقينا به الغيث، وفيه يقول الشاعر :
ونحن سِنِيَّ المـُحْلِ قام شفيعُنا |
بمكّةَ يدعو والمياهُ تغورُ |
وأبنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر :
آتيتُهُ مَلِكاً فقام بحاجتي |
وترى العُليِّجَ خائباً مذموما |
ومنَّا العباس بن عبد المطلب، أردفه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فأعطاه ماله، وفيه يقول الشاعر :
رديفُ رسولِ اللهِ لم أرَ مِثْلَهُ |
ولا مِثْلُه يومَ القيامةِ يوجدُ(١) |
ومنَّا حمزة سيد الشهداء، وفيه يقول الشاعر :
أبا يَعْلَى لَكَ الأركانُ هُدَّتْ |
وأنت الماجدُ البَرُّ الوصُولُ |
ومنَّا جعفر ذو الجناحين , أحسن الناس حسناً(٢) , وأكملهم كمالاً , ليس بغدّار ولا ختّار(٣) ، بدّله الله(٤) عزَّ وجلَّ بكلِّ يدٍ له(٥) جناحاً يطير به في الجنة، وفيه يقول الشاعر :
هَاتُوا كجعفرِنا ومِثْلَ عَلِيِّنا |
كانا أعزَّ الناسِ عند الخَالِقِ |
ومنَّا أبو الحسن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) , أفرس بني هاشم، وأكرم من احتفى(٦) وتنعّل بعد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ومن فضائله ما قصر عنكم أنباؤها، وفيه يقول الشاعر :
____________________
(١) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٦ : ولا مثله الماجد البرُّ الوصول.
(٢) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٥ : أحسن الناس حالاً.
(٣) لسان العرب - ابن منظور ٤ / ٢٢٩ : ختر : الختر : شبيه بالغدر والخديعة، وقيل : هو الخديعة بعينها، وقيل : هو أسوأ الغدر وأقبحه.
(٤) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٦ : أبدله الله.
(٥) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٦ : بكلتا يديه جناحين يطير بهما.
(٦) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٥ : واحتبى.
وهذا عليٌّ سيِّدُ الناسِ فَاتَّقوا |
عليّاً بإسلامٍ تقدَّم من قَبْلُ(١) |
ومنَّا الحسن بن علي (عليهالسلام ) سبط رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وسيد شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر :
وَمَنْ يَكُ جدُّه حقّاً نبيّاً |
فإنَّ له الفضيلةَ في الأنامِ(٢) |
ومنَّا الحسين بن علي (رضوان الله عليه) , حمله جبرئيل (عليهالسلام ) على عاتقه، وكفى بذلك فخراً , وفيه يقول الشاعر :
نفى عنه عيبَ الآدميينَ رَبُّه |
ومِن مَجْدِه مَجْدُ الحسينِ المـُطَهَّرِ(٣) |
ثم قالت : يا معشر قريش، والله ما معاوية بأمير المؤمنين، ولا هو كما يزعم، هو والله شانئ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). إنّي آتية معاوية، وقائلة له ما يعرق جبينه، ويكثر منه عويله.
فكتب عامل معاوية إليه بذلك، فلمـّا بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافته فنظفت , وألقى فيها فرش، فلمـّا قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلمـّا دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم، فقال لها يزيد : إنّ عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته - وكانت لا تعرفه - , فقالت : من أنت كلاك الله ؟!
قال : يزيد بن معاوية.
قالت : فلا رعاك الله يا ناقص , لست بزائد !
فتغير لون يزيد، وأتى أباه فأخبره، فقال : هي أسن قريش وأعظمهم.
____________________
(١) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٥ :
عليٌّ ألَّفَ الفرقان صفحاً |
ووالى المصطفى طفلاً صبيا |
(٢) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٥ :
يا أجلَّ الأنامِ يابنَ الوصيِّ |
أنت سبطُ النبيِّ وابنُ عليِّ |
(٣) وفي المحاسن والأضداد / ١٤٦ :
حُبُّ الحسينِ ذخيرةٌ لِمُحِبِّه |
يا ربِّ فاحشرني غداً في حِزْبِهِ |
فقال يزيد : كم تعدّ لها يا أمير المؤمنين ؟
قال : كانت تعدّ على عهد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أربعمئة عام، وهي من بقية الكرام.
فلمـّا كان من الغد أتاها معاوية فسلّم عليها، فقالت : على المؤمنين السّلام , وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت : مَن منكم ابن العاص ؟
قال عمرو : ها أنذا.
فقالت : وأنت تسبُّ قريشاً وبني هاشم , وأنت والله أهل السبِّ، وفيك السبُّ وإليك يعود السبُّ يا عمرو ! إنّي والله لعارفة بعيوبك وعيوب أُمِّك، وإنّي أذكر لك ذلك عيباً عيباً : ولدتَ من أمة سوداء، مجنونة حمقاء، تبول من قيام، ويعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلاً. وأمّا أنت , فقد رأيتك غاوياً غير راشد، ومفسداً غير صالح، ولقد رأيتَ فحل زوجتك على فراشك، فما غرت ولا أنكرت.
وأمّا أنت يا معاوية، فما كنت في خير، ولا ربيت في خير، فما لك ولبني هاشم ؟ أنساء بني اُميّة كنسائهم ؟ أم اُعطى اُميّة ما اُعطى هاشم في الجاهليّة والإسلام ؟ وكفى فخراً برسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقال معاوية : أيُّها الكبيرة، أنا كاف عن بني هاشم.
قالت : فإني أكتب إليك عهداً، كان رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات، أفأجعل تلك الدعوات كلَّها فيك ؟ فخاف معاوية وحلف لها أن لا يسبَّ بني هاشم أبداً(١) .
بيان خبث بني اُميّة ومعاوية وأتباعه على لسان الإمام الحسن (عليهالسلام )
قال صلاح الدين الصفدي : وجدت لبعضهم من الخفيف :
____________________
(١) المحاسن والمساوي - البيهقي ١ / ٦٩ - ٧١ , المحاسن والأضداد - الجاحظ / ١٤٥ - ١٤٧ , وفي ط / ١٠٢ - ١٠٤، وفي ط / ١١٨ - ١٢١.
عبدُ شمسٍ قد أضرمت لبني ها |
شمٍ حرباً يشيب منها الوليدُ |
|
فابنُ حربٍ للمصطفى وابنُ هندٍ |
لعليٍّ وللحسين يزيدُ(١) |
وروى ابن أبي الحديد والخوارزمي وابن الدمشقي - واللفظ للأوّل - قال : وروى الزّبير بن بكار في كتاب المفاخرات، قال : اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي (عليهالسلام ) قوارص، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا : يا أمير المؤمنين، إنّ الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فاُطيع، وخفقت له النعال، وإنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا.
قال معاوية : فما تريدون ؟
قالوا : ابعث عليه فليحضر ؛ لنسبُّه ونسبُّ أباه، ونعيّره ونوبّخه، ونخبره أنّ أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغيّر علينا شيئاً من ذلك.
قال معاوية : إنّي لا أرى ذلك ولا أفعله.
قالوا : عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن.
فقال : ويحكم لا تفعلوا ! فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلّا خفت مقامه وعيبه لي.
قالوا : ابعث إليه على كلِّ حال.
قال : إن بعثت إليه لأنصفنَّه منكم.
فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقِّنا، أو يربى قوله على قولنا ؟
قال معاوية : أما إني إن بعثت إليه
____________________
(١) الوافي بالوفيات / ١٠٠٦٢ لصلاح الدين الصفدي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، ونسبهما الدكتور العقاد للمقريزي في كتابه أبو الشهداء الحسين بن علي (عليهالسلام ) / ٤١ قال : لخّص المقريزي المنافسة التي بين الهاشميِّين والاُمويِّين في بيتين. وذكرهما.
لأمرنَّه أن يتكلّم بلسانه كلِّه.
قالوا : مره بذلك.
قال : أما إذ عصيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلّا ذلك فلا تمرضوا له في القول، واعلموا أنّهم أهلُ بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره ؛ تقولون له : إنّ أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.
فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله، فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك.
قال : (( مَن عنده ؟ )). فسماهم له , فقال الحسن (عليهالسلام ) : (( ما لهم ! خرَّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون )). ثم قال : (( يا جارية، ابغيني ثيابي. اللّهمَّ إنّي أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنّى شئت، بحولٍ منك وقوة يا أرحم الراحمين)).
ثم قام، فلمـّا دخل على معاوية أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد القوم وخطروا خطران الفحول ؛ بغياً في أنفسهم وعلواً، ثم قال : يا أبا محمّد، إنّ هؤلاء بعثوا إليك وعصوني.
فقال الحسن (عليهالسلام ) : (( سبحان الله ! الدار دارك , والإذن فيها إليك. والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم، إنّي لأستحيي لك من الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك، إنّي لأستحيي لك من الضعف، فأيهما تقرر، وأيُّهما تنكر ؟ أما إنّي لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، وما لي أن أكون مستوحشاً منك ولا منهم ؛ إنّ وليي الله وهو يتولّى الصالحين )).
فقال معاوية : يا هذا , إني كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإنّ لك منهم النصف ومنِّي، وإنّما دعوناك لنقرّرك أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنّ أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكلِّ لسانك.
فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلّى على رسوله، ثم ذكر عليّاً (عليهالسلام )، فلم يترك شيئاً يعيبه به إلّا قاله، وقال : إنه شتم أبا بكر وكره خلافته، وامتنع من
بيعته، ثم بايعه مكرهاً، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلماً , وادّعى من الخلافة ما ليس له. ثم ذكر الفتنة يعيّره بها، وأضاف إليه مساوئ، وقال : إنكم يا بني عبد المطلب , لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرّم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحلُّ.
ثم إنك يا حسن، تُحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقلُ ذلك ولا لبّه. كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك !
وإنما دعوناك لنسبُّك وأباك ؛ فأمّا أبوك فقد تفرّد الله به وكفانا أمره ؛ وأمّا أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثمٌ من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى أنّا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، وإلّا فاعلم أنك وأباك ظالمان.
ثمَّ تكلّم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقال : يا بني هاشم، إنكم كنتم أخوال عثمان، فنعم الولد كان لكم فعرف حقَّكم، وكنتم أصهاره , فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أوَّل مَن حسده، فقتله أبوك ظلماً، لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلتكم ؟ والله , إنّ بني اُميّة خير لبني هاشم من بني هاشم لبني اُميّة، وإنّ معاوية خير لك من نفسك.
ثمَّ تكلّم عتبة بن أبي سفيان، فقال : يا حسن، كان أبوك شرَّ قريش لقريش ؛ أسفكها لدمائها، وأقطعها لأرحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وإنك ممّن قتل عثمان، ونحن قاتلوك به. وأمّا رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحاً، ولا في ميزانها راجحاً، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإنّ في الحقِّ أن نقتلك وأخاك به ؛ فأمّا أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه ؛ وأمّا أنت، فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثمٌ ولا عدوان.
ثمَّ تكلّم المغيرة بن شعبة، فشتم عليّاً، وقال : والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل، ولكنه قتل عثمان. ثم سكتوا.
فتكلَّم الحسن بن علي (عليهالسلام )، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله (صلىاللهعليهوآله )، ثم قال : (( أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني , ولكنّك شتمتني ؛ فحشاً ألفتَه , وسوء رأي عُرفت به، وخُلقاً سيّئاً ثبتّ عليه، وبغياً علينا ؛ عداوةً منك لمحمّد وأهله(١) ، ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا , فلأقولنَّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم :
أنشدكم الله أيُّها الرهط، أتعلمون أنّ الذي شتمتموه منذ اليوم، صلّى القبلتين كليهما , وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية ؟
وأنشدكم الله، هل تعلمون أنه بايع البيعتين كليهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان ،
____________________
(١) أقول : وبغضُ معاوية وذويه لأهل بيت العصمة والطهارة لا ينكره إلّا مكابر , فانظر ما فعله من حربٍ لأمير المؤمنين (عليهالسلام ) , وسبه إيّاه على المنابر , وأيضاً ما فعله هو وذويه لمـّا سمع بوفاة الإمام الحسن (عليهالسلام ) ؛ ففي الإمامة والسياسة - لابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني ١ / ١٥٠ , وفي ربيع الأبرار ونصوص الأخبار / ٢٦٩٠ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة , وفي محاضرات الاُدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء / ٤٠١٠ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين , موت الحسن بن علي (رضياللهعنهما ) قال :
فلما كانت سنة إحدى وخمسين، مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية : إن استطعت إلّا يمضى يوم يمرّ بي إلّا يأتيني فيه خبره فافعل.
فلم يزل يكتب إليه بحاله حتّى توفى , فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتّى سجد وسجد مَن كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عبّاس، وكان بالشام يومئذٍ، فدخل على معاوية، فلمـّا جلس قال معاوية : يابن عباس , هلك الحسن بن علي.
فقال ابن عباس : نعم هلك , ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) ترجيعاً مكرراً، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته. أما والله ما سدّ جسدُه حفرتَك، ولا زاد نقصانُ أجله في عمرك، ولقد مات وهو خيرٌ منك، ولئن اُصبنا به لقد اُصبنا بمَن كان خيراً منه ؛ جده رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة.
وأنت يا معاوية بإحداهما كافر، وبالاُخرى ناكث ؟
وأنشدكم الله، هل تعلمون أنه أوَّل الناس إيماناً، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلّفة قلوبهم ؛ تسرون الكفر، وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال ؟
وأنشدكم الله، ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم بدر، وأنّ راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم اُحد ويوم الأحزاب ومعه راية رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كلِّ ذلك يفتح الله له ويفلج حجّته، وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في تلك المواطن كلِّها عنه راضٍ، وعليك وعلى أبيك ساخط ؟
وأنشدك الله يا معاوية، أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرآكم رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقال : اللّهمَّ العن الراكب والقائد والسائق ؟
أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لمـّا همّ أن يسلم، تنهاه عن ذلك :
يا صَخْرُ لا تُسْلمـّن يوماً فَتَفْضَحَنا |
بَعْدَ الذين ببدر أصبحوا فرقا |
|
خالي وعمِّي وعمُّ الأمِّ ثالثُهم |
وحَنْظَلُ الخيرِ قد أهدى لنا الأَرَقا |
|
لا تَرْكَنَنَّ إلى أمرٍ تكلِّفُنا |
والراقصاتِ بهِ في مكّةَ الخُرُقا |
|
فالموتُ أهونُ من قولِ العداةِ لقد |
حاد ابنُ حربٍ عن العُزَّى إذن فَرِقا ؟ |
والله لما أخفيت من أمرك أكبر ممّا أبديت.
وأنشدكم الله أيُّها الرهط، أتعلمون أنّ عليّاً حرّم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فأنزل فيه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ) (١) ؟ وأنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليّاً بالراية، فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله ،
____________________
(١) سورة المائدة / ٨٧.
وفعل في خيبر مثلها ؟ )). ثم قال : (( يا معاوية , أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لمـّا أراد أن يكتب كتاباً إلى بني خزيمة، فبعث إليك [ ابن عباس، فوجدك تأكل، ثم بعثه إليك مرة اُخرى فوجدك تأكل، فدعا عليك الرسول بجوعك ] ( فقال : لا أشبع الله بطنه )(١) ؟ وأنشدك الله يا معاوية , هل تعرف تلك الدعوة في أكلك ونهمك إلى أن تموت ؟
وأنتم أيُّها الرهط , نشدتكم الله ألا تعلمون أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها.
أوّلها : يوم لقي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) خارجاً من مكّة إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الدين، فوقع به وسبَّه , وسفهه وشتمه , وكذّبه وتوّعده، وهم أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله وصرف عنه.
والثانية : يوم العير ؛ إذ عرض لها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وهي جائية من الشام، فطردها أبو سفيان , وساحل بها فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لأجلها.
والثالثة : يوم أحد ؛ حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في أعلاه، وهو ينادي : اعلُ هبل ! مراراً، فلعنه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) عشر مرات، ولعنه المسلمون.
والرابعة : يوم جاء بالأحزاب وغطفان واليهود، فلعنه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وابتهل ( فأنزل الله آيتين في سورة الأحزاب , كلّ آية منها يسمي أبا سفيان وأصحابه الذين كفروا )(٢) .
____________________
(١) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٢.
(٢) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٣.
والخامسة : يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدُّوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) عن المسجد الحرام، والهدي معكوفاً أن يبلغ مَحلِّه، ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع، وقال : ملعونون كلّهم، وليس فيهم من يؤمن، فقيل : يا رسول الله، أفما يُرجى الإسلام لأحد منهم , فكيف باللعنة ؟ فقال : لا تصيب اللعنة أحداً من الأتباع، وأمّا القادة فلا يفلح منهم أحد.
والسادسة : يوم الجمل الأحمر.
والسابعة : يوم وقفوا لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في العقبة ليستنفروا ناقته، وكانوا اثني عشر رجلاً، منهم أبو سفيان ؟ فهذا لك يا معاوية. ( فهل تستطيع يا معاوية أن تردَّ شيئاً مما قلتُ ؟ )(١) .
وأمّا أنت يابن العاص، فإنّ أمرك مشترك ؛ وضعتك اُمّك مجهولاً من عهر وسفاح، فيك أربعة من قريش(٢) ، فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً، ثم قام أبوك فقال : أنا شانئ محمّد الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل ,( فأنزل الله في كتابه :إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (٣) .
وقاتلت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكّة، وكدته كيدك كلَّه، وكنت من أشدِّ الناس له تكذيباً وعداوة.
ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة ؛ لتأتي بجعفر (عليهالسلام ) وأصحابه إلى أهل مكّة، فلمـّا أخطأك ما رجوت , ورجعك الله خائباً، وأكذبك واشياً، جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي ؛
____________________
(١) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٤.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٤ : خمسة من قريش.
(٣) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٤، سورة الكوثر / ٣.
حسداً لما ارتكب مع حليلتك، ففضحك الله وفضح صاحبك. فأنت عدوَّ بني هاشم في الجاهليّة والإسلام.
ثم إنك تعلم وكلُّ هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بسبعين بيتاً من الشعر، فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : اللّهمَّ إنّي لا أقول الشعر، ولا ينبغي لي , اللّهمَّ العنه بكل حرف ألف لعنة. فعليك إذاً من الله ما لا يحصى من اللعن.
وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعّرت عليه الدنيا ناراً، ثم لحقت بفلسطين، فلمـّا أتاك قتله قلت : أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحه أدميتها. ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغضٍ , ولا نعاتبك على ودٍّ , وبالله ما نصرت عثمان حيّاً , ولا غضبت له مقتولاً.
ويحك يابن العاص ! ألست القائل في بني هاشم لمـّا خرجت من مكّة إلى النجاشي :
تقولُ ابنتي أين هذا الرحيل |
وما السيرُ منِّي بِمُسْتَنْكَرِ |
|
فقلتُ ذريني فإني امرؤٌ |
اُريدُ النجاشيَّ في جعفرِ |
|
لأَكْوِيَه عندَهُ كيَّةً |
اُقيمُ بها نَخْوَةَ الأَصْعَرِ |
|
وشانئُ أحمدَ مِنْ بَيْنِهِمِ |
وَأَقْوَلُهم فيه بالمنكرِ |
|
وأجري إلى عتبةٍ جاهداً |
ولو كان كالذهبِ الأحمرِ |
|
ولا أنثني عن بني هاشمٍ |
وما اسْطَعْتُ في الغيبِ والمَحْضَرِ |
|
فإن قَبلَ العَتْبَ منِّي له |
وإلا لَوَيْتُ له مشفري ؟ |
فهذا جوابك، هل سمعته ؟
وأما أنت يا وليد، فوالله ما ألومك على بغض علي (عليهالسلام ) وقد جلدك ثمانين في الخمر، ( وحدَّك في الزنا مثلها )(١) , وقتل أباك بين يدي رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________________
(١) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٥.
صبراً ( بأمر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وهو يقول لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ولقريش : علام اُقتل ؟ فقال له رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : لعداوتك لله ولرسوله. فقال : مَن للصبية ؟ فقال (صلىاللهعليهوآله ) : النار. وقُتل فأنت من صبية النار.
وكيف تسبُّ عليّاً ومَن حولك يعلمون أنّ عليّاً مؤمن وأنت كافر فاسق ؟ وكيف تسبُّ رجلاً سمَّاه الله مؤمناً في عشر آيات، ورضي عنه في عشر آيات، وسمّاك تعالى في القرآن فاسقا ؟... )(١) . وأنت الذي سمَّاه الله الفاسق وسمّى عليّاً المؤمن ؛ حيث تفاخرتما فقلت له : اسكت يا علي، فأنا أشجع منك جناناً، وأطول منك لساناً. فقال لك عليٌّ (عليهالسلام ) : اسكت يا وليد , فأنا مؤمن وأنت فاسق. فأنزل الله تعالى في موافقة قوله :( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) (٢) ، ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ ) (٣) .
ويحك يا وليد ! مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه :
أنزلَ اللهُ والكتابُ عزيزٌ |
في عليٍّ وفي الوليدِ قرانا |
|
فَتَبَوَّا الوليدُ إذ ذاك فُسْقاً |
وعليٌّ مُبَوَّأٌ إيمانا |
|
ليس مَنْ كان مؤمناً عمرك الله |
كمن كان فاسقاً خوَّانا |
|
سوف يُدعى الوليدُ بعد قليلٍ |
وعليٌّ إلى الحساب عيانا |
|
فعليٌّ يُجْزَى بذاك جِناناً |
ووليدٌ يُجزى بذاك هوانا |
|
رُبُّ جدٍّ لعقبةَ بنِ أبانٍ |
لابسٌ في بلادِنا تبَّانا |
وما أنت وقريش ؟ إنّما أنت علج من أهل صفورية، وأقسم بالله لأنت أكبر
____________________
(١) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٥.
(٢) سورة السجدة / ١٨.
(٣) سورة الحجرات / ٦.
( من أبيك )(١) في الميلاد، وأسنّ ممّن تدّعي إليه عقبة بن أبي معيط.
وأمّا أنت يا عتبة، فوالله ما أنت بحصيف فاُجيبك، ولا عاقل فاُحاورك واُعاتبك، وما عندك خيرٌّ يرجى، ولا شرٌّ يُتّقى، وما عقلك وعقل أمتك إلّا سواء , وما يضرُّ عليّاً لو سببته على رؤوس الأشهاد !
وأمّا وعيدك إياي بالقتل، فهلاّ قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك ! أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك :
يا للرجالِ وحادثِ الأزمانِ |
ولسبَّة تُخْزِي أبا سفيانِ |
|
نُبِّئْتُ عُتْبَةَ خانه في عُرْسِهِ |
جنسٌ لئيمُ الأصلِ من لَحْيَانِ ؟! |
وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل فاضحك ؟ وكيف ألومك على بغض عليٍّ (عليهالسلام ) وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدِّك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد ؟
وأمّا أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة : استمسكي فإني طائرة عنك. فقالت النخلة : وهل علمت بك واقعة عليَّ فأعلم بك طائرة عنِّي ! والله ما نشعر بعداوتك إيّانا، ولا اغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشق علينا كلامك، ( فقل لي : على أي الخصال تسبُّ عليّاً ؟ لبعده من رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، أم لسوء بلائه في الإسلام، أم لرغبته في الدنيا، أم لجوره في الأحكام ؟ فإن قلت بواحدة منهن فقد كذبك الله ورسوله )(٢) .
وإنّ حدَّ الله في الزنا لثابت عليك، ولقد درأ عمر عنك حقّاً الله سائله عنه.
____________________
(١) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٥.
(٢) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٥.
ولقد سألتَ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها ؟ فقال : لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا ؛ لعلمه بأنك زانٍ.
( فأمّا زعمك أن عليّاً قتل عثمان , فلست من ذلك في شيء ؛ وأمّا قولك في الملك، فإنّ الله تعالى يقول لنبيِّه (صلىاللهعليهوآله ) :( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) (١) )(٢) ؛ وأمّا فخركم علينا بالإمارة , فإنّ الله تعالى يقول :( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (٣) .
ثم قام الحسن (عليهالسلام ) فنفض ثوبه وانصرف، فتعلّق عمرو بن العاص بثوبه وقال : يا أمير المؤمنين، قد شهدت قوله فيِّ وقذفه أُمِّي بالزنا، وأنا مطالب له بحدِّ القذف.
فقال معاوية : خلِّ عنه لا جزاك الله خيراً. فتركه.
فقال معاوية : قد أنبأتكم أنه ممّن لا تطاق عارضته، ونهيتكم أن تسبّوه فعصيتموني. والله ما قام حتّى أظلم عليَّ البيت. قوموا عنِّي فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق. والله المستعان(٤) .
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : ثمَّ إنّه (عليهالسلام ) نفض رداءه وقام، فقال معاوية لأصحابه : ذوقوا وبال أمركم.
فقالوا : والله ما ذقنا مثل ما ذقت.
فقال : ألم أقل لكم : إنكم لم تنصروا من الرجل ؟
____________________
(١) سورة الأنبياء / ١١١.
(٢) ما بين القوسين من مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٥.
(٣) سورة الإسراء / ١٦.
(٤) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٦ / ٢٨٥ - ٢٩٤ , مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٦٩ - ١٧٥ , نقله عن يزيد بن أبي حبيب، وعن الحرث بن يزيد , وعن ابن هبيرة. جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢١٧، وقد ذكر في إحقاق الحق ٢٦ / ٥٣٩ مصادر اُخرى.
فلا أطعتموني إذ نهيتكم، ولا انتصرتم إذ فضحكم. والله ما قام حتّى أظلم عليَّ البيت، وهممت أن أبطش به، فليس فيكم من خير اليوم , ولا قبل اليوم , ولا بعده.
وسمع مروان بن الحكم ما لقي معاوية وأصحابه من الحسن (عليهالسلام ) , فأتى معاوية فوجد عنده عمراً، والوليد بن عقبة، وعمرو بن عثمان، وعتبة، والمغيرة، فسألهم عمَّا بلغه من أمر الحسن , فقالوا : قد كان ذلك. فقال لهم مروان : أفلا أحضرتموني ؟ فلو حضرت لسببته وأهل بيته سبّاً تتغنى به الإماء والعبيد.
فقالوا له : الآن لم يفتك شيء ؛ لما يعلمون من ذرابة لسان مروان وفحش منطقه، فأرسل إليه معاوية، فأتى الحسن (عليهالسلام ) فجلس على السرير بين معاوية وعمرو , فقال معاوية : ما أرسلت إليك، ولكن مروان أرسل إليك. فقال مروان : أنت يا حسن السابّ رجال قريش ؟ فوالله، لأسبنَّك وأباك وأهل بيتك سبّاً تتغنى به الإماء والعبيد.
فقال الحسن (عليهالسلام ) : (( الحمد لله , ما زادك الله يا مروان بما خوّفت إلّا طغياناً كما قال الله عزَّ وجلَّ :( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (١) . ألست أنت وذرّيتك يا مروان الشجرة الملعونة في القرآن الكريم؟ سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يلعنك ثلاث مرات )). فكبّر معاوية وخرَّ ساجداً، وكان ذلك نصرة للحسن بن علي (عليهالسلام )، ثمَّ قاموا وتفرّقوا.
ولبعض شعراء أهل البيت (عليهمالسلام ) فيهم من المدح :
إليكم كلُّ منقبةٍ تؤولُ |
إذ ما قيل جدُّكُمُ الرسولُ |
|
وفيكم كلُّ مكرمةٍ تجلَّى |
إذا ما قيل أُمُّكُمُ البتولُ |
|
فلا يبقى لِمَادِحِكم كلامٌ |
إذا تمَّ الكلامُ فما أقول(٢) |
____________________
(١) سورة الإسراء / ٦٠.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٦.
وجواب الإمام الحسين (عليهالسلام ) على تفاخر يزيد لعنه الله
قال الأبشيهي : ودخل الحسين (عليهالسلام ) يوماً على يزيد بن معاوية، فجعل يزيد يفتخر ويقول : نحن ونحن، ولنا من الفخر والشرف كذا وكذا، والحسين (عليهالسلام ) ساكت، فأذّن المؤذن فلمـّا قال : أشهد أنّ محمداً رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , قال الحسين (عليهالسلام ) : (( يا يزيد , جدُّ مَن هذا ؟ )). فخجل يزيد ولم يرد جواباً.
وفي ذلك يقول علي بن محمّد بن جعفر :
لقد فاخرتْنا من قريش عصابةٌ |
بمطِّ خدودٍ وامتدادِ أصابعِ |
|
فلمَّا تنازعنا الفخارَ قضى لنا |
عليهم بما نهوى نداءُ الصوامعِ |
|
ترانا سكوتاً والشهيدُ بِفضلِنا |
عليهم جهيرُ الصوت من كلِّ جامعِ |
وله أيضاً :
إنّي وقومي من أنسابِ قومِهِم |
كمسجد الخيف من بحبوحة الخيفِ |
|
ما علّق السيف منَّا بابن عاشرة |
إلّا وهمّته أمضى من السيفِ(١) |
ما جرى بين عقيل بن أبي طالب (رض) وبين معاوية
قال الخوارزمي : وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب : يا بني هاشم , إنّي أرى فيكم خصلة لا تعجبني. قال : وما هي ؟ قال : أرى فيكم ليناً. قال : أجل والله في غير ضعف، وعزّاً في غير كبر، وأنتم يا بني اُميّة , فإنّ فيكم ليناً تحته غدر , وكبراً فيه كفر(٢) .
____________________
(١) المستطرف في كلِّ فن مستظرف / ٦٢٤ للأبشيهي , نسخة الموسوعة الشعريّة.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ١٧٩.
بعض ما ورد في حقِّ بني اُميّة
قال العاصمي الشافعي : قال في ( الإشاعة لأشراط الساعة ) , في الباب الأوّل، وهو في الأمارات البعيدة التي ظهرت وانقضت، وهي كثيرة , إلى أن قال : ومنها ملك بني اُميّة يزيد ومَن بعده، المشتمل على الفتن العظام كقطع الليل المظلم(١) .
قوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( آفة هذا الدين بنو اُميّة ))(*)
روى نعيم بن حماد المروزي قال : حدّثنا محمّد بن فضيل، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري قال : سمعت عبد الله بن مسعود (رض) يقول : إنّ لكل شيء آفة تفسده، وآفة هذا الدين بنو اُمية(٢) .
أقول : ورجاله ثقات(٣) .
____________________
(١) سمط النجوم العوالي ٣ / ٢٠٩.
(*) إنّ سياق الحديث يدلّ على أنّ القول هو لعبد الله بن مسعود وليس لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , اللّهمَّ إلّا أن يقال : إنّ هناك عبارةً ما قد سقطت من أصل السند المتّصل برسول الله (صلىاللهعليهوآله ). (موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(٢) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ٧٢، كنز العمال - المتّقي الهندي ٤١ / ٨٧، فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٥ / ٣٦٢، العلل - أحمد بن حنبل ٣ / ٤٥٥ , لكنه كنّى فقال : (بنو فلان) بدل (بنو اُمية).
(٣) الأوَّل : عبد الله بن مسعود , وهو من الصحابة , وحاله أشهر من أن يُعرف.
الثاني : علي بن علقمة , وذكره ابن حبان في الثقات ٥ / ١٦٣، وفي الكامل - لعبد الله بن عدي ٥ / ٢٠٤ قال الشيخ (ابن عدي) : ولا أرى بحديث علي بن علقمة بأساً في مقدار ما يرويه، وليس له عن علي غير ما ذكرت إلّا الشيء اليسير.
الثالث : سالم أبي الجعد , وثّقه العجلي , قال في معرفة الثقات ١ / ٣٨٢ : سالم بن أبي الجعد الغطفاني , كوفي تابعي ثقة. قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥ / ١٠٨ : سالم بن أبي الجعد الأشجعي الغطفاني , مولاهم الكوفي الفقيه , أحد الثقات. وقال فيه الذهبي أيضاً في
____________________
الكاشف في مَن له رواية في كتب الستة ١ / ٤٢٢ قال : سالم بن أبي الجعد الاشجعي , مولاهم الكوفي , عن عمر وعائشة , وهو مرسل , وعن ابن عمر وابن عباس , وعنه منصور والأعمش , توفي سنة مئة. ثقة.
الرابع : سليمان بن مهران الأعمش , وهو من الثقات , وهو أشهر من أن يُعرف. قال فيه الذهبي في تذكرة الحفاظ ١ / ١٥٤ : الأعمش الحافظ الثقة , شيخ الإسلام أبو محمّد سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي , مولاهم الكوفي , أصله من بلاد الري....إلخ.
الخامس : محمّد بن الفضيل , قال فيه العجلي في معرفة الثقات ٢ / ٢٥٠ : محمّد بن فضيل بن غزوان الضبي , كوفي ثقة , وكان يتشيع. وذكر أبو حاتم في الجرح والتعديل - الرازي ٨ / ٥٧ : حدّثنا عبد الرحمن , أنا حرب بن إسماعيل فيما كتب إليَّ , قال : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : محمّد بن فضيل ؟ قال كان يتشيع , وكان حسن الحديث.
وقال أبو حاتم أيضاً : نا عبد الرحمن , أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتب إلي , نا عثمان بن سعيد [ الدارمي١ ] قال : سألت يحيى بن معين عن محمّد بن فضيل فقال : ثقة... نا عبد الرحمن قال : سألت أبي عن محمّد بن فضيل فقال : شيخ. نا عبد الرحمن قال : سمعت أبا زرعة يقول : محمّد بن فضيل صدوق من أهل العلم.
السادس : نعيم بن حماد من الثقات والحفّاظ , ذمّه البعض ؛ لروايته في ذمِّ القياس وذمِّ أبي حنيفة. قال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل - الرازي ٨ / ٤٦٣:... نا عبد الرحمن قال : سمعت أبي يقول ذلك , وسألته عنه فقال : محله الصدق. قلت له : نعيم بن حماد وعبدة (١٥٦ م٦) ابن سليمان , أيُّهما أحب إليك ؟ قال : ما أقربهما.
وذكره العجلي في معرفة الثقات ١ / ٤٩، وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٣١ / ٣١٤ : أخبرنا حمزة بن محمّد بن طاهر الدقاق، حدّثنا الوليد بن بكر الأندلسي، حدّثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي، حدّثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي، حدّثني أبي قال : نعيم بن حماد المروزي ثقة. =
قوله ( عليهالسلام ) : (( آفة هذه الاُمّة بنو اُميّة ))
روى نعيم بن حماد المروزي قال : هشام، عن جويبر، عن الضحاك قال : قال لي النزال بن سبرة : ألا اُحدّثك حديثاً سمعته من أبي حسن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) ؟ قال : قلت : بلى. قال : سمعته يقول : ((لكلِّ اُمّةٍ آفةٌ، وآفةُ هذه الاُمّةِ بنو اُميّة ))(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( إذا بلغت بنو اُميّة أربعين... و... ))
روى نعيم بن حماد المروزي قال : حدّثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد
____________________
= وقال ابن عدي في الكامل ٧ / ١٦ : سمعت زكريا بن يحيى البستي يقول : ثنا يوسف بن عبد الله الخوارزمي قال : سألت أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد , فقال : لقد كان من الثقات.
وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٣١ / ٣١٤ : أخبرنا حمزة بن محمّد بن طاهر الدقاق، حدّثنا الوليد بن بكر الأندلسي، حدّثنا علي بن أحمد بن زكريا الهاشمي، حدّثنا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي، حدّثني أبي قال : نعيم بن حماد المروزي ثقة.
وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٣١ / ٣١٤ : أنبأنا أحمد بن محمّد بن عبد الله الكاتب، أنبانا محمّد بن حميد المخرمي، حدّثنا علي بن الحسين بن حبان قال : وجدت في كتاب أبي بخطِّ يده قال أبو زكريا : حدّثنا نعيم بن حماد , ثقة صدوق رجل صدق , أنا أعرف الناس به، كان رفيقي بالبصرة , كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث.
وقال فيه الذهبي في الكاشف في من له رواية في كتب الستة ٢ / ٣٢٤ : نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ , أبو عبد الله المروزي الأعور , عن أبي حمزة السكري , وإبراهيم بن سعد , وعنه البخاري مقروناً , والدارمي وحمزة الكاتب مختلف فيه , امتحن فمات محبوساً بسامراء ٢٢٩ خ د ت ق.
(١) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ٧٢.
ابن سعد، عن أبي ذر (رض) قال : سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( إذا بلغت بنو اُميّة أربعين , اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله نحلاً، وكتاب الله دغلاً ))(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( مِن أشدِّ الناس لنا بغضاً بنو اُميّة ))
روى نعيم بن حماد المروزي , والمتقى الهندي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا الوليد بن مسلم، عن أبي رافع إسماعيل بن رافع قال : قال أبو سعيد الخدري (رض) : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( إنّ أهل بيتي سيلقون من اُمّتي بعدي قتلاً شديداً، وإنّ أشدَّ قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة , وبنو المغيرة من بني مخزوم ))(٢) .
ورواه الحاكم قال : أخبرني محمّد بن المؤمل بن الحسن، حدّثنا الفضل بن محمّد، ثنا نعيم بن حماد، ثنا الوليد بن مسلم، عن أبي رافع إسماعيل بن رافع، عن أبي نضرة قال : قال أبو سعيد الخدري (رض) : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من اُمّتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشدَّ قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة، وبنو المغيرة، وبنو مخزوم )). هذا حديث صحيح الإسناد , ولم يخرجاه(٣) .
____________________
(١) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ٧٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٥٧ / ٢٥٣ ( نحلاً ) بدل ( دخلاً )، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ١٦٥ ( نحلاً ) بدل ( دخلاً ).
(٢) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ٧٣، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ١٦٩ وفيه : ( بنو مخزوم ) بدل ( من بني مخزوم).
(٣) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٤ / ٤٨٧، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١٠ / ١٥٢، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٢ / ٤٦٩.
(*) من أبغض الناس لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بنو اُميّة
روى نعيم بن حماد المروزي , والطبراني , والمتّقي الهندي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا محمّد بن جعفر، عن شعبة، عن محمّد بن أبي يعقوب الضبي قال : سمعت أبا نصر الهلالي يحدّث عن بجالة بن عبد أو عبد بن بجالة , قال : قلت لعمر : إنّ ابن حصين حدّثني عن أبغض الناس إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فقال : تكتم عليَّ حتّى أموت ؟ قال : قلتُ : نعم. قال : بنو اُميّة , وثقيف , وبنو حنيفة(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( ويل لبني اُميّة ! ))
روى الضحاك , وابن حجر , والمتّقي الهندي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا محمّد بن مسكين، نا عبد الله بن محمّد بن جابر، حدّثني أبي، عن عبد الله بن بدر، عن أُمِّ سالم , قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمّد - وهي جدّة عبد الله بن بدر , أُمّ اُمّه - عن أبي سالم - وهو جدّ عبد الله بن بدر : سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( ويل لبني اُميّة ! )) ثلاث مرات.
قال أبو عبد الرحمن وأبو سالم حمران بن جابر : وهو أحد الوفد(٢) .
____________________
(*) رفعنا من العنوان عبارة ( قوله (صلىاللهعليهوآله ) ) ؛وذلك لأنّها لا تنسجم وأصل العنوان , وكذلك أنّ القول الذي ذُكر هو قول عمر وليس قول رسول الله ( صلىاللهعليهوآله ). (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
(١) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ٧٤، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ٢٧٤، المعجم الكبير - الطبراني ٨١ / ٢٢٩ : حدّثنا معاذ بن المثنى، ثنا يحيى بن معين، ثنا محمّد بن جعفر، ثنا شعبة عن محمّد بن عبد الله بن أبي يعقوب قال : سمعت أبا نصر الهلالي يحدّث عن بجالة بن عبدة أو عبدة بن بجالة , قال : قلت لعمران بن حصين : أخبرني بأبغض الناس إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). قال : اكتم عليَّ حتّى أموت. قلت : نعم. قال : كان أبغض الناس إلى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بني حنيفة , وبني اُميّة , وثقيف.
(٢) الآحاد والمثاني - الضحاك ٣ / ٣٠٠، الإصابة - ابن حجر ٢ / ١٠٤، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ١٦٥ : ويل لبني اُميّة ثلاث مرات. ( ابن منده وأبو نعيم , عن حمران بن جابر اليمامي، ابن قانع , عن سالم الحضرمي ).
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( ويل لاُمّتي من الشيعتين ))
روى نعيم بن حماد المروزي قال : حدّثنا عبد الله بن مروان، حدّثنا محمّد بن سوار، عن عبيد الله بن الوليد، عن محمّد بن علي قال : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( ويل لاُمّتي من الشيعتين ؛ شيعة بني اُميّة، وشيعة بني العباس، وراية الضلالة ))(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( ليفتقنَّ رجلٌ من ولد أبي سفيان فتقاً... ))
روى نعيم بن حماد المروزي قال : حدّثنا بقية بن الوليد، عن الوليد بن محمّد بن يزيد، سمع محمّد بن زيد، سمع محمّد بن علي يقول : بلغني أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( ليفتقنَّ رجلٌ من ولد أبي سفيان في الإسلام فتقاً لا يسدُّه شيء ))(٢) .
وقوله (عليهالسلام ) : فتنة بني اُميّة فتنة عمياء مظلمة
روى نعيم بن حماد المروزي , والمتّقي الهندي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا أبو هارون، عن عمرو بن قيس الملائي، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش , سمع عليّاً (عليهالسلام ) يقول : (( ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني اُميّة , ألا إنّها فتنة عمياء مظلمة ))(٣) .
____________________
(١) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ١١٨.
(٢) المصدر نفسه / ١٦٧.
(٣) المصدر نفسه / ١١١، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ٣٦٤.
قوله ( عليهالسلام ) : (( لا يزال بلاء بني اُميّة شديد ))
روى نعيم بن حماد المروزي قال : حدّثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة , سمع عليّاً (عليهالسلام ) يقول : (( لا يزال بلاء بني اُميّة شديد حتّى يبعث الله العصب مثل قزع الخريف , يأتون من كلِّ , ولا يستأمرون أميراً ولا مأموراً، فإذا كان ذلك أذهب الله ملك بني اُميّة ))(١) .
قوله ( عليهالسلام ) : ((... الأفجرين من قريش : بنو اُميّة... ))
روى المتّقي الهندي قال : (مسند علي) , عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) على منبر الكوفة يقول : (( ألا لعن الله الأفجرين من قريش : بني اُميّة، وبني مغيرة ؛ أمّا بنو مغيرة فقد أهلكهم الله بالسيف يوم بدر، وأمّا بنو اُميّة فهيهات هيهات ! أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة , لو كان الملك من وراء الجبال ليثبوا عليه حتّى يصلوا ))(٢) .
قوله ( عليهالسلام ) : (( آية فينا وآية في بني اُميّة ))
روى الحاكم الحسكاني قال : حدّثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ (إملاءً وقراءةً) , حدّثنا أبو الحسين علي بن الحسين الرصافي ببغداد , قال : أخبرني أبو عبد الله العباس بن عبد الله بن
____________________
(١) كتاب الفتن - نعيم بن حماد المروزي / ١١٣.
(٢) كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ٣٦٣.
الحسن بن سعيد بن عثمان الخراز، عن جدّه الحسن بن سعيد , حدّثنا حصين بن مخارق، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق , عن ربيعة بن ناجذ، عن علي (عليهالسلام ) قال : (( سورة محمّد آية فينا، وآية في بني اُميّة ))(١) .
روى الحاكم الحسكاني قال : حدثونا عن أبي العباس بن عقدة (قال :) حدّثنا جعفر بن محمّد بن سعيد، حدّثنا مخول، حدّثنا أبو مريم. وحدثني كثير قال : حدّثني عبد الله بن حزن قال : سمعت الحسين بن علي بمكّة , (و) ذكر :( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن ربِّهِمْ ) (٢) , (ثمّ) قال : (( نزلت فينا وفي بني اُميّة ))(٣) .
روى الحاكم الحسكاني قال : أخبرنا أبو سعد المعاذي، أخبرنا أبو الحسين الكهيلي، حدّثنا أبو جعفر الحضرمي، حدّثنا محمّد بن مرزوق، حدّثنا حسين الأشقر، عن عمرو بن عبد الغفار وعلي بن هاشم، عن فطر، عن جعفر بن الحسين الهاشمي قال : في هذه السورة ( يعني سورة محمّد ) آية فينا وآية في بني اُميّة.
و (ورد) عن أبي جعفر الباقر (عليهالسلام ) مثله، أخرجه السبيعي. وقال الحسن بن الحسن : إذا أردت أن تعرفنا وبني اُميّة فأقرأ (الذين كفروا) آية فينا وآية فيهم إلى
____________________
(١) شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ٢ / ٢٤٠، الدر المنثور - جلال الدين السيوطي ٦ / ٤٦ قال : وأخرج ابن مردويه عن علي (عليهالسلام ) قال : (( سورة محمّد آية فينا وآية في بني اُميّة )).
(٢) سورة محمّد / ١ - ٢.
(٣) شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ٢ / ٢٤١.
آخر السورة(١) .
بنو اُمية الشجرة الملعونة
قال أبن أبي الحديد المعتزلي : وقد جاء في الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدّثين أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أخبر أنّ بني اُميّة تملك الخلافة بعده، مع ذمّ منه عليه والسّلام لهم، نحو ما روى عنه في تفسير قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلّا فِتْنَةً للنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) (٢) ؛ فإنّ المفسّرين قالوا : إنه رأى بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة - هذا لفظ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الذي فسر لهم الآية به - فساءه ذلك , ثمَّ قال : (( الشجرة الملعونة بنو اُميّة , وبنو المغيرة )).
ونحو قوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً , اتخذوا مال الله دولاً , وعباده خولاً )). ونحو قوله (صلىاللهعليهوآله ) في تفسير قوله تعالى :( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (٣) قال : (( ألف شهر يملك فيها بنو اُميّة ))(٤) .
قال ابن أبي الحديد المعتزلي : وقال (عمر) : أتسمع يابن عباس ؟ أما والله لقد سمعت من رسول الله ما يشابه هذا ؛ سمعته يقول : (( ليصعدنَّ بنو اُميّة على منبري، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة )) , وفيهم اُنزل( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلّا فِتْنَةً للنَّاسِ
____________________
(١) شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ٢ / ٢٤١.
(٢) سورة الإسراء / ٦٠.
(٣) سورة القدر / ٣.
(٤) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٩ / ٢١٩.
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) (١) .
روى الطبري عن المعتضد العباسي أنّه قال فيما قال في بني اُميّة : وأنزل به كتاباً قوله :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلّا طُغْيَاناً كَبِيراً ) (٢) , ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني اُميّة(٣) .
وقال الفخر الرازي : قال سعيد بن المسيب : رأى رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء(٤) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( إنّ الله يبغض بني اُميّة ويحب بني عبد المطلب ))
قال ابن أبي الحديد المعتزلي : ونحو قوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( إنّ ربَّكم يحبُّ ويبغض كما يحبُّ أحدكم ويبغض , وأنّه يبغض بني اُميّة ويحبُّ بني عبد المطلب ))(٥) .
قول عمر : ليعورنّ بنو اُميّة الإسلام...
قال ابن أبي الحديد المعتزلي :
____________________
(١) سورة الإسراء / ٦٠ , شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١٢ / ٨١.
(٢) سورة الإسراء / ٦٠
(٣) تاريخ الطبري ٥ / ٦١٩، وقد ذكر فضائح بني اُميّة بالتفصيل، وقد نقلته في الهامش على عنوان فضائح بني اُميّة على لسان المعتضد العباسي.
(٤) التفسير الكبير - الرازي ٢٠ / ٢٣٦ نقلاً عن تهذيب المقال - السيد محمّد علي الأبطحي ٣ / ١٥٧.
(٥) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٩ / ٢٢٠.
وقد روى الزّبير بن بكار عن المغيرة بن شعبة قال : قال لي عمر يوماً : يا مغيرة , هل أبصرت بهذه عينك العوراء منذ اُصيبت ؟ قلت : لا. قال : أما والله ليعورنَّ بنو اُميّة الإسلام كما أعورت عينك هذه، ثم ليعمينَّه حتّى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء …(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( هلاك اُمّتي على يدي غلمة... )).وفي شرحه ما يبيّن خبث بني اُميّة
روى البخاري وغيره - واللفظ للأوّل - قال : قال محمود : حدّثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن أبي التياح , سمعت أبا زرعة، حدّثنا أحمد بن محمّد المكي، حدّثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الاُموي، عن جده قال : كنت مع مروان وأبي هريرة , فسمعت أبا هريرة يقول : سمعت الصادق المصدوق يقول : (( هلاك اُمّتي على يدي غلمة من قريش )). فقال مروان : غلمة ؟ قال أبو هريرة : إن شئت أن أُسمّيهم بني فلان وبني فلان(٢) .
قال المناوي في شرحه : (هلاك اُمّتي) : الموجودون إذ ذاك أو من قاربهم , لا كلّ الاُمّة إلى يوم القيامة. (على يدَي) : بالتثنية، وروي بلفظ الجمع. (غِلمة) : كفتية , جمع غلام، وهو الطار
____________________
(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٢١ / ٨٢.
(٢) صحيح البخاري - رقم الحديث ٣٤١٠ ج ٤ / ١٧٨ , وفي ط ٥ / ١٣١٩ : باب علامات النبوة في الإسلام , وفي ٨ / ٨٨ من كتاب الفرائض، فتح الباري - ابن حجر ١١ / ٤١٧ و ١٣ / ٧ , وذكره بأكثر من طريق وأعتمد أحدها، مسند ابن راهويه - إسحاق بن راهويه ١ / ٣٥٨، صحيح ابن حبان - ابن حبان ١٥ / ١٠٧، المعجم الصغير - الطبراني ١ / ٢٠٠، الجامع الصغير - جلال الدين السيوطي ٢ / ٧١٢، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ١٢٨، الكامل - عبد الله بن عدي ٢ / ٢٠٩، تهذيب الكمال - المزي ٥١ / ١٣٧، كتاب الفتن - نعيم بن حمّاد المروزي / ٢٥٠، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١٠ / ١٥٥.
الشارب , أي صبيان، وفي رواية : اُغيلمة تصغير أغلمة قياساً، ولم يجز ولم يستعمل , كذا ذكره الزمخشري قال : والغلام هو الصغير إلى حدِّ الالتحاء , فإن قيل له بعد الالتحاء : غلام , فهو مجاز اه.
وهذا محتمل لتحقير شأن الحاصل منه هذا الهلاك ؛ من حيث إنّه حدث ناقص العقل , ويحتمل التعظيم باعتبار الحاصل منهم من الهلاك.
وكيفما كان ليس المراد هنا الحقيقة اللغوية ؛ فإن الغلام فيها ذكر غير بالغ، ووروده للبالغ على لسان الشارع غير عزيز كما في خبر الإسراء وغيره. (من قريش) : قال جمع منهم القرطبي : منهم يزيد بن معاوية وأضرابه من أحداث ملوك بني اُميّة ؛ فقد كان منهم ما كان من قتل أهل البيت (عليهمالسلام ) وخيار المهاجرين والأنصار بمكّة والمدينة , وسبي أهل البيت (عليهمالسلام ).
قال القرطبي : وغير خاف ما صدر عن بني اُميّة وحجاجهم من سفك الدماء , وإتلاف الأموال , وإهلاك الناس بالحجاز والعراق وغيرهما. قال : وبالجملة , فبنو اُمية قابلوا وصية المصطفى (صلىاللهعليهوآله ) في أهل بيته واُمّته بالمخالفة والعقوق ؛ فسفكوا دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخربوا ديارهم، وجحدوا شرفهم وفضلهم، واستباحوا نسلهم وسبيهم وسبهم ؛ فخالفوا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في وصيته، وقابلوه بنقيض قصده واُمنيته , فيا خجلهم إذا التقوا بين يديه ! ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه ! وهذا الخبر من المعجزات.
وقال ابن حجر , وتبعه القسطلاني : وفي كلام ابن بطال إشارة إلى أنّ أوَّل الاُغيلمة يزيد , كان في سنة ستين , قال : وهو كذلك ؛ فإنّ يزيد بن معاوية استخلف فيها وبقي إلى سنة أربع وستين فمات، ثمَّ ولي ولده معاوية ومات بعد أشهر. قال الطيبي : رآهم المصطفى (صلىاللهعليهوآله ) في منامه يلعبون على منبره , والمراد بالاُمّة هنا مَن كان في زمن ولايتهم.
(تتمة) : من أمثالهم : الباروخ على اليافوخ أهون من ولاية بعض الفروخ (حم خ) في الفتن
وغيرها. (عن أبي هريرة) قال : سمعت الصادق المصدوق يقول , فذكره كان ذلك بحضرة مروان بن الحكم , فقال : لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة : لو شئت أن أقول : بني فلان وفلان لفعلت. وقد ورد في عدة أخبار لعن الحكم والد مروان وما ولد(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( أوَّل مَن يبدّل سنّتي رجلٌ من بني اُميّة ))
روى عبد الله بن عدي قال : أنا أبو العلاء الكوفي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هوذة بن خليفة، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، عن أبي ذر , سمعت النبي (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( إنّ أوَّل مَن يُبدّل سنّتي رجل من بني اُميّة)). وفي بعض الأخبار مفسراً , زاد : (( يُقال له : يزيد ))(٢) .
وقال ابن كثير : قال البيهقي : ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، والله أعلم(٣) .
أقول : ورجال ما رواه ابن عدي ثقات(٤) .
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٦ / ٤٥٩.
(٢) الكامل - عبد الله بن عدي ٣ / ١٦٤.
(٣) البداية والنهاية - ابن كثير - ٦ / ٢٥٦.
(٤) الأوَّل ابن عدي , وفيه قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٦ / ١٥٣ : ابن عدي هو الإمام الحافظ الناقد الجوال، أبو أحمد، عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمّد بن مبارك بن القطان الجرجاني، صاحب كتاب ( الكامل ) في الجرح والتعديل، وهو خمسة أسفار
____________________
كبار. مولده في سنة سبع وسبعين ومئتين، وأول سماعه كان في سنة تسعين، وارتحاله في سنة سبع وتسعين.
وقال أيضاً : قال حمزة السهمي : كان ابن عدي حافظاً متقناً لم يكن في زمانه أحد مثله. وقال أيضاً : وقال أبو يعلى الخليلي : كان أبو أحمد عديم النظير حفظاً وجلالة، سألت عبد الله بن محمّد الحافظ، فقال : زر قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع.
وقال أيضاً : قال الخليلي : وسمعت أحمد بن أبي مسلم الحافظ يقول : لم أر أحداً مثل أبي أحمد بن عدي , فكيف فوقه في الحفظ ؟
وكان أحمد هذا لقي الطبراني وأبا أحمد الحاكم، وقال لي : كان حفظ هؤلاء تكلّفاً، وحفظ ابن عدي طبعاً , زاد ( معجمه ) على ألف شيخ. وقال أبو الوليد الباجي : ابن عدي حافظ لا بأس به.
وفي مقدمة كتابه الكامل ١ / ١٥ : وقال ابن ناصر الدين : هو إمام حافظ كبير ثقة مأمون، له كتاب في الجرح والتعديل سمّاه : الكامل، وهو كتاب جليل حافل.
الثاني أبو العلاء , قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٤ / ١٣٨ : (الوكيعي) الإمام المعمر الثقة، أبو العلاء، محمّد بن أحمد بن جعفر بن أبي جميلة الذهلي الوكيعي الكوفي، نزيل مصر. ولد سنة أربع ومئتين، وسمع عاصم بن علي، ومحمد بن الصباح الدولابي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، وعلي بن المديني، وأحمد بن صالح، وعدّة.
وكان من أئمة الحديث , روى عنه ابن عدي، وحمزة الكناني، والطبراني، والحسن الأسيوطي، وابن حيويه النيسابوري، وابن يونس، والحسن بن رشيق، وأبو إسحاق بن شعبان المالكي، وعدّة.
قال ابن يونس : كان ثقة ثبتاً , توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاثمئة.
الثالث : أبو بكر , قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١ / ١٢٢ : ابن أبي شيبة عبد الله بن محمّد بن القاضي , أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستى , الإمام العلم، سيد الحفّاظ، وصاحب الكتب الكبار ( المسند ) و ( المصنف ) و ( التفسير ) , أبو بكر العبسي مولاهم الكوفي. أخو الحافظ عثمان بن أبي شيبة، والقاسم بن أبي شيبة الضعيف ؛ فالحافظ
____________________
إبراهيم بن أبي بكر هو ولده، والحافظ أبو جعفر محمّد بن عثمان هو ابن أخيه، فهم بيت علم , وأبو بكر أجلّهم.
وهو من أقران أحمد بن حنبل... إلى أن قال :. قال يحيى بن عبد الحميد الحماني : أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحموننا عند كلّ محدث.
وقال أحمد بن حنبل : أبو بكر صدوق، هو أحب إليّ من أخيه عثمان.
وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان أبو بكر ثقة، حافظاً للحديث.
وقال عمرو بن علي الفلاس : ما رأيت أحداً أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة ؛ قدم علينا مع عليِّ بن المديني، فسرد للشيباني أربعمئة حديث حفظاً , وقام.
وقال الإمام أبو عبيد : انتهى الحديث إلى أربعة : فأبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد بن حنبل أفقههم فيه، ويحيى بن معين أجمعهم له، وعلي بن المديني أعلمهم به... إلخ.
الرابع : هودة بن خليفة , قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ١٢١ : هوذة بن خليفة , الإمام المحدّث، مسند بغداد، أبو الأشهب هوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة نفيع الثقفي البكراوي البصري الأصم، نزيل بغداد.
ولد سنة نيف وعشرين ومئة , وحدّث عن سليمان التيمي، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وعوف الأعرابي، وابن عون، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبي حنيفة، وابن جريج، والحسن بن عمارة، وطائفة. وكان صاحب حديث ومعرفة، إلّا أنّ أكثر كتبه عُدمت، فحدّث بما بقي له.
حدّث عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعباس الدوري، ومحمد بن سعد، ومحمد بن عبد الله المخرمي، ويعقوب الدورقي، وأبو زرعة الدمشقي لا الرازي، وأبو حاتم، وإبراهيم الخزّاز المقرئ، وبشر بن موسى، والحارث ابن أبي اُسامة، وولده عبد الملك بن هوذة، ومحمد بن شاذان الجوهري، ومحمد بن العباس المؤدب، وخلق سواهم... ( وذكر الأقوال فيه , ثم قال : ) قلت : الصحيح موته سنة ست عشرة، قاله جماعة. يقع حديثه عاليا في ( القطيعيات ) وغير ذلك... إلخ.
الخامس : أبو خلدة , وهو خالد بن دينار , قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣ / ٤٠٠ : أبو خلدة ثقة.
وقال فيه أبن حجر في تهذيب التهذيب ٣ / ٧٧ : قال إسحاق بن منصور , عن يحيى بن معين : صالح. وقال عثمان بن سعيد، عن يحيى : ثقة. وقال عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، ثنا أبو خلدة , وكان ثقة. وقال أيضاً : حدّثنا عبد الرحمن
____________________
ابن مهدي قال : حدّثنا أبو خلدة , فقال له رجل : كان ثقة ؟ فقال : كان مأموناًَ , خيارا الثقة شعبة وسفيان.
وقال النسائي : ثقة. وقال أبو زرعة : أبو خلدة أحب إليَّ من الربيع بن أنس.
قلت : وقال ابن سعد : كان ثقة , وله سنٌّ وقد لقي. وقال العجلي والدار قطني : ثقة. وقال الترمذي : ثقة عند أهل الحديث.
وفي تاريخ البخاري , قال ابن مهدي : كان خياراً مسلماً صدوقاً. وقال ابن حبان في الثقات : كان ابن مهدي يحسن الثناء عليه. وقال ابن عبد البر في الكنى : هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ. وقال ابن قانع : مات في سنة (١٥٢).
السادس : أبو العالية , قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال ٤ / ٥٤٣ : أبو العالية الرياحي رفيع , من جلّة التابعين وثقاتهم. قال ابن عدي : تُكلّم فيه من أجل حديث الضحك في الصلاة.
وقال أيضا في ميزان الاعتدال ٢ / ٥٤ : [ صح ] رفيع أبو العالية [ ع ] الرياحي , له ترجمة في كامل ابن عدي، وهو ثقة ؛ فأمّا قول الشافعي (رحمهالله ) : حديث أبي العالية الرياحي رياح , فإنّما أراد به حديثه الذي أرسله في القهقهة فقط. ومذهب الشافعي أنّ المراسيل ليست بحجة، فأمّا إذا أسند أبو العالية فحجة.
أقول : وأمّا قول ابن كثير في البداية والنهاية ٦ / ٢٥٦، وابن معين في تاريخ ابن معين - الدوري ٢ / ٩٦ بأنّ حديث أبي العالية عن أبي ذر منقطع , يدفعه ما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤ / ٢٠٩ من ذكره هذه الرواية التي ذكراها ولم يتعرّض لسندها.
وذكر الذهبي أيضاً أنّ أبا العالية روى عن أبي بكر وعمر , وأبو ذر توفّي في حكومة عثمان أو بعدها , أي في سنة ٣٢ هجري , وعمر أبي العالية على أقل تقدير أربع سنين عند وفاة الرسول الأعظم محمّد (صلىاللهعليهوآله ) التي كانت في السنة الحادية عشر بعد الهجرة , فعمره عند وفاة أبي ذر ما يقارب ٢٥ سنة.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤ / ٢٠٧ : أبو العالية (عليهالسلام ) رفيع بن مهران، الإمام المقرئ الحافظ المفسّر، أبو العالية الرياحي البصري، أحد الأعلام. كان مولى لامرأة من بني رياح بن يربوع، ثمَّ من بني تميم. أدرك زمان النبيِّ (صلىاللهعليهوآله ) وهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه. وسمع من عمر، وعلي، واُبي، وأبي ذر، وابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وأبي أيوب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعدّة. وحفظ القرآن وقرأه على اُبي بن كعب، وتصدّر لإفادة العلم، وبعُد صيته.
____________________
قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء فيما قيل، وما ذاك ببعيد ؛ فإنه تميمي وكان معه ببلده , وأدرك من حياة أبي العالية نيفاً وعشرين سنة.
قال أبو عمرو الداني : أخذ أبو العالية القراءة عرضاً عن اُبي، وزيد، وابن عباس , ويُقال : قرأ على عمر. روى عنه القراءة عرضاً شعيب بن الحبحاب وآخرون.
قال قتادة : قال أبو العالية : قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم (صلىاللهعليهوآله ) بعشر سنين.
وذكر الحافظ الإصبهاني في ذكر أخبار إصبهان ١ / ٣١٤ , وفي ط / ٣٦٩ : باب الراء - رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي , توفّي سنة تسعين , وقُبض النبيّ (صلىاللهعليهوآله ) وهو ابن أربع سنين , وقرأ القرآن بعد وفاة النبي (صلىاللهعليهوآله ) بعشر سنين.
أقول : لم يهدأ لهم بال حتّى أضافوا قصة مصطنعة لهذه الرواية التي ذكرها البيهقي، حيث زادوا فيها أنّ يزيد بن معاوية يسأل أبا ذر : هل أنا هو ؟ فقال له أبو ذر : لا.
فقد روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٥٦ / ٢٥٠ , والذهبي في سير أعلام النبلاء ١ / ٣٢٩ , وابن كثير في البداية والنهاية ٨ / ٢٥٣ - واللفظ للأوّل - قال محمّد بن هارون، نا محمّد بن بشار، نا عبد الوهاب، نا عوف، ثنا مهاجر أبو مخلد , حدّثني أبو العالية , حدّثني أبو مسلم قال : غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس فغنموا , فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل، فاغتصبها يزيد، فأتى الرجل أبا ذر فاستعان به عليه، فقال له : رد على الرجل جاريته، فتلكأ عليه ثلاثاً، فقال : إني فعلت ذاك , لقد سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( أوَّل مَن يُبدل سنتي رجل من بني اُميّة يقال له : يزيد )).
فقال له يزيد بن أبي سفيان : نشدتك بالله أنا منهم ؟ قال : لا. قال : فردّ على الرجل جاريته.
أخبرنا أبو الفضل أحمد بن منصور بن بكر بن محمّد، أنا جدي، أنبأ أبو بكر أحمد بن محمّد بن عبدوس الحيري (إملاء) , أنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مكرم البزاز ببغداد، نا أحمد بن محمّد بن نصر، ثنا سري بن يحيى، نا سعيد بن عبد الكريم بن سليط أنه سمع عوف بن أبي جميلة يحدّث عن المهاجر , أنه حدّث أبو العالية قال : لمـّا كان زمن يزيد بن أبي سفيان بالشام غزا الناس فغنموا , وكانت في غنائمهم جارية نفيسة، فصارت لرجل في قسمه، فأرسل إليه يزيد فانتزعها، وأبو ذر يومئذ بالشام، فاستعان الرجل بأبي ذر، فانطلق معه فقال : ردّ على الرجل جاريته.
فتلكأ يزيد , فقال : أما والله لئن فعلت لقد سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( إنّ أوَّل مَن يُبدّل سنتي رجل من بني اُميّة )). ثم ولّى , فلحقه فقال : اُذكّرك الله , أهو أنا ؟ قال : اللّهمَّ لا. فردّ على الرجل جاريته.
____________________
أقول : كاد المريب أن يقول خذوني ! حتّى جُعلت هذه الرواية تُبرئ يزيد بن معاوية من بين بني اُميّة خاصة من هذه الروايات التي صرّحت باسمه بالخصوص، ولكن الصدفة ! أَوَلم يطلع البيهقي على هذه الرواية حتّى حمل أنّ مَن يغيّر سنة الرسول (صلىاللهعليهوآله ) هو يزيد بن معاوية ؟!
وعلى كلّ حال , لو صحت الرواية [فإنّها] تُحمل على غير وجهها ؛ وذلك لأنّ الدراية والعلم ينفي ذلك، فإنّ يزيد بن معاوية هو أوَّل من أطاح علناً وجهاراً بالمعالم الإسلاميّة , واستهزئ بالمقدّسات الدينية , وانتهك المحرّمات التي نهت عنها الشريعة المقدّسة , وهو مع ذلك - والعياذ بالله - خليفة سول الله (صلىاللهعليهوآله ) عند أهل الخلاف من المسلمين , هذا مع علمهم بأنه يشرب الخمور , ويلعب بالحيوانات , ويزني بالاُمّهات والأخوات , وقتَل سبط النبي محمّد صلوات الله عليه وآله , وهتك حرمة نسائه , وطاف بهم البلدان مكشّفات الوجوه بغير غطاء، وأدخلهم مجالس الفجور والخمور، وغدر بالمدينة المنورة وأباحها , وقتل الصحابة والتابعين والقرّاء , وانتهك الأعراض حتّى ولدت ألف بكر لا يُعرف لأولادهن أباء، وأحرق بيت الله الحرام , وضربه بالمنجنيق , وغيرها...
ولو سلمت هذه الرواية فتُحمل على غير وجهها , كأن تُحمل على التقية مثلاً ؛ لخوف أبي ذر على نفسه من الهلاك , إذ لا ثمرة تترتب على تصريحه بأنّ المقصود من هذه الرواية هو يزيد إلّا ما يحتمل فيه هلاكه.
ورأيت بعد ذلك ما نقله صاحب الغدير (أعلى الله مقامه الشريف) عن كتاب تطهير الجنان - الذي في هامش الصواعق المحرقة - تعليقة على هذه الرواية , قال : وأخرج ابن أبي شيبة , وأبو يعلى أنّ يزيد لما كان أبوه أميرَ الشام غزا المسلمون , فحصل لرجل جارية نفيسة , فأخذها منه يزيد , فاستعان الرجل بأبي ذر , فمشى معه إليه وأمره بردّها ثلاث مرات , وهو يتلكّأ , فقال : أما والله لئن فعلتَ فقد سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( أوَّل مَن يُبدّل سُنّتي لَرجل من بني اُميّة )). ثم ولى، فتبعه يزيد فقال : أذكرك بالله , أنا هو ؟ فقال : لا أدري. وردّها يزيد.
قال ابن حجر في تطهير الجنان - هامش الصواعق / ١٤٥ : لا ينافي هذا الحديث , وقال : مسند , رجاله رجال الصحيح إلّا أنّ فيه انقطاعاً.
المذكور المصرّح بيزيد ؛ إمّا لأنّه بفرض كلام أبي ذر على حقيقته لكون أبي ذر لم يعلم بذلك المبهم، فقوله : لا أدري. أي في علمي , وقد بيّن إبهامه في الرواية الاُولى، والمفسّر يقضي على المبهم ؛ وإمّا لأنّ أبا ذر علم أنه يزيد , ولكنه لم يصرّح له بذلك خشية الفتنة، لا سيما وأبو ذر كان بينه وبين بني اُميّة اُمور تحملهم على أنّهم ينسبونه إلى التحامل عليهم. الغدير - الشيخ الأميني ٣ / ٢٥٧.
أقول : والمناسب للرواية التي ذكرتها هو الشق الثاني ؛ لأنّ في جواب أبي ذر رضوان الله عليه هنا (لا) بدون (أدري) , ويُحتمل أن يكون النفي عاماً , أي أعم من نفي يزيد أو نفي العلم ؛ فيصحّ أن يقصد به عدم العلم.
قال المناوي في شرحه : ( أوَّلُ من يبدل سنتي ) : أي طريقتي وسيرتي القويمة التي أنا عليها بما أوصلته لكم من الأحكام الاعتقادية والعملية. ( رجل من بني اُميّة ) : بضم الهمزة , زاد الروياني في مسنده وابن عساكر , يقال : يزيد اه-.
قال البيهقي في كلامه على الحديث : هو يزيد بن معاوية ؛ لخبر أبي يعلى والبيهقي , وأبي نعيم وابن منيع : (( لا يزال أمر اُمّتي قائماً بالقسط حتّى يكون أوَّل مَن يثلمه رجل من بني اُميّة يقال له : يزيد )). (ع عن أبي ذر) الغفاري(١) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( لا يزال هذا الأمر قائماً حتّى يثلمه... ))
روى مُحدّث الشام ابن عساكر قال : أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، وأبو بكر وجيه بن طاهر، وأبو الفتوح عبد الوهاب بن الشاه بن أحمد قالوا : أخبرنا أبو حامد الأزهري، أخبرنا الحسن بن محمّد المخلدي، أخبرنا أبو بكر الإسفرايني عبد الله بن محمّد بن مسلم، حدّثنا محمّد بن غالب الأنطاكي، حدّثنا محمّد بن سليمان بن أبي داود، حدّثنا صدقة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( لا يزال هذا الأمر قائماً بالقسط حتّى يثلمه رجل من بني اُميّة ))(٢) .
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٣ / ١٢٢.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٣ / ٣٣٦.
أقول : ورجاله ثقات(١) .
____________________
(١) قال ابن كثير في البداية والنهاية ٨ / ٢٥٣، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٩ : إنه منقطع ومرفوع , وذكر ابن كثير أنه منقطع بين مكحول وبين الخنشي.
أقول : وهذا بعيد ؛ وذلك لأن وفاة ثعلبة الخنشي في سنة (٧٥) هجري , ومكحول الشامي كان سبياً من كابل سنة (٤٤) هجري في يد المسلمين , فيكون معاصراً له ما يقارب (٣١) سنة , وإن فرضناه طفل فيقارب أنه أدركه بوعي على أقل تقدير عشر سنين، وكان كلاهما في الشام , فكيف يكون الحديث عنه منقطعا ؟!
قال ابن حبان في الثقات - ابن حبان ٣ / ٦٣ : جرهم بن ناشم أبو ثعلبة الخشني , ويقال : اسمه جرثوم بن ناشب , وقيل : جرثوم بن عمرو. يقال أيضاً : لاسر بن حرام , وقيل : إنّ اسمه جرثومة , ويقال : جرثم بن ياسم , وقيل : لاش بحمير , ويقال أيضاً : لاس بن جاهم. سكن الشام وهو من قضاعة , مات أبو ثعلبة سنة خمس وسبعين.
وقال الصفري في تاريخ خليفة بن خياط / ١٥٥ : سنة أربع وأربعين فيها افتتح ابن عامر كابل، وقُتل بكابل أبو قتادة العدوي , ويقال : الذي قُتل أبو رفاعة العدوي. ومن سبي كابل : مكحول الشامي، وسالم بن عجلان الأفطس، وكيسان أبو أيوب بن أبي تميمة السختياني، ومنهم : نافع مولى ابن عمر , ومهران أبو حميد الطويل. وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة أرض الهند فسار إلى قندابيل.
قال ابن حجر في الإصابة ٧ / ٥١ : وسكن أبو ثعلبة الشام , وقيل : حمص. روى عنه أبو إدريس الخولاني , وأبو أمية الشعباني , وأبو أسماء الرحبي , وسعيد بن المسيب , وجبير بن نفير , وأبو قلابة , ومكحول , وآخرون , ومنهم من لم يدركه.
قال المزي في تهذيب الكمال ٨٢ / ٤٧١ : وقال هشام بن خالد : سمعت مروان بن محمّد يحدث عن سعيد بن عبد العزيز , قال : كان مكحول أفقه من الزهري. قال : مكحول أفقه أهل الشام.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء - الذهبي ٥ / ١٥٥ : مكحول عالم أهل الشام، يكنى أبا عبد الله، وقيل : أبو أيوب، وقيل : أبو مسلم الدمشقي الفقيه، وداره بطرف سوق الأحد.
وروى أبو يعلي الموصلي : حدّثنا الحكم بن موسى، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( لا يزال أمر اُمّتي قائماً بالقسط حتّى يكون أوَّل مَن يثلمه رجل من بني اُميّة يقال له : يزيد ))(١) .
وروى أبو يعلى الموصلي : حدّثنا الحكم بن موسى، حدّثنا يحيى بن حمزة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي عبيدة، أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( لا يزال هذا الأمر قائماً بالقسط حتّى يثلمه رجل من بني اُميّة ))(٢) .
قوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( ويح لفراخ آل محمّد (صلىاللهعليهوآله )... )) , وشرحه.
روى الطبراني والخوارزمي والمتّقي الهندي والهيثمي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا الحسن بن العباس الرازي، ثنا سليم بن منصور بن عمار، ثنا أبي ح.
وحدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، ثنا عمرو بن بكير بن بكار القعنبي، ثنا مجاشع بن عمرو(*) قالا : ثنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي قبيل، حدّثني
____________________
(١) مسند أبي يعلى - أبو يعلى الموصلي ٢ / ١٧٦، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٩، فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٣ / ١٢٢، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١٠ / ٨٩، كنز العمال - المتّقي الهندي ١١ / ١٦٨، مجمع الزوائد - الهيثمي ٥ / ٢٤١ قال : رواه أبو يعلى، والبزار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، إلّا أنّ مكحولاً لم يدرك أبا عبيدة.
(٢) مسند أبي يعلى - أبو يعلى الموصلي ٢ / ١٧٦.
(*) ضعفت لمجاشع بن عمرو، وهو لا يتم في ردها مطلقاً ؛ لأنّ الرواية لها طريقان عن عبد الله بن لهيعة : الأوَّل عمرو بن بكير بن بكار، والثاني مجاشع بن عمرو كما هو ظاهر من هذه , بقرينة تعبير الطبراني والخوارزمي ب- ( قالا )...
والشيء الأخر تصحيح الحاكم لرواية مجاشع بن عمرو , قال في
عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ معاذ بن جبل أخبره قال : خرج علينا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) متغير اللون، فقال : (( أنا محمّد , اُوتيت فواتح الكلام وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله عزَّ وجلَّ ؛ أحلّوا حلاله وحرموا حرامه. أتتكم بالروح والراحة كتاب من الله سبق، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، كلَّما ذهب رسل جاء رسل , تناسخت النبوة فصارت ملكاً , رحم الله مَن أخذها بحقِّها، وخرج منها كما دخلها. أمسك يا معاذ وأحصِ )).
قال : فلمـّا بلغت خمسة قال : (( يزيد ! لا يبارك الله في يزيد )). ثم ذرفت عيناه (صلىاللهعليهوآله )، ثم قال : (( نُعي إليَّ حسين (عليهالسلام ) , واُتيت بتربته، واُخبرت بقاتله. والذي نفسي بيده , لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً )).
ثم قال : (( واها لفراخ آل محمّد (صلىاللهعليهوآله ) من خليفة مستخلف مترف , يقتل خلفي وخلف الخلف ! أمسك يا معاذ )). فلمـّا بلغت عشرة قال : (( الوليد اسم فرعون هادم شرائع الإسلام , بين يديه رجل من أهل بيت يسلّ الله سيفه فلا غماد له، واختلف الناس فكانوا هكذا )) , وشبك بين أصابعه.
ثم قال : (( بعد العشرين ومئة موت سريع، وقتل ذريع، ففيه هلاكهم، ويلي عليهم رجل من ولد العباس))(١) .
____________________
المستدرك في تعليقة على الرواية التي في سندها مجاشع : غريب حسن , إلّا أن مجاشع بن عمرو ليس من شرط هذا الكتاب ؛ فمجاشع تصح روايته ولكن ليس على مذهب البخاري ومسلم. وأمّا ابن لهيعة فقد تقدم الكلام فيه في رواية عروة بن الزّبير عن عائشة في الفصل الثاني في الأخبار الغيبية عن الشهادة الحسينيّة.
(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢٠، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ١ / ٢٣٤ , الفصل الثامن، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٩، كنز العمل ١٢ / ١٢٨ للمتقي الهندي، وذكر السيد المرعشي أيضاً العلامة البدخشي في مفتاح النجا / ١٣٥ (مخطوط) , إحقاق الحق ١١ / ٣٨٥.
قال المناوي في شرحه : (ويح) كلمة رحمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها , كما أنّ ويل كلمة عذاب لمن يستحقه، وهما منصوبان إذا اُضيفا بإضمار فعل، وكذا إذا نكّر. أو يجوز ويحٌ لزيد، وويلٌ له بالرفع على الابتداء.
قال الزمخشري : ويح، وويب، وويس ثلاثتها في معنى الترحم، وقيل : ويح رحمة لنازل به بلية، وويس رأفة واستملاح، وويب كويح، وأمّا ويل، فشتم ودعاء بالهلكة. وعن الفراء أنّ ويح كلمة شتم ودعاء استعملوها استعمال : قاتله الله , في محل الاستعجاب، ثم استعظموها فكفوا عنها بويح وأخويه اهـ.
(الفراخ فراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف) قالوا : المراد يزيد بن معاوية وأضرابه من خلفاء بني اُميّة. (ابن عساكر) في تاريخه (عن سلمة بن الأكوع) , ورواه عنه أبو نعيم والديلمي باللفظ المزبور(١) .
إخبار النبي (صلىاللهعليهوآله ) بما يفعله الملعون يزيد بن معاوية
روى الحاكم النيسابوري قال : أخبرنا أبو العباس محمّد بن أحمد المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا يزيد بن هارون، أنبأ ابن عون، عن خالد بن الحويرث، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( الآيات خرزات منظومات في سلك , يقطع السلك فيتبع بعضها بعضاً )).
قال خالد بن الحويرث : كنَّا نادين بالصباح، وهناك عبد الله بن عمرو، وكان هناك امرأة من بني المغيرة يقال لها : فاطمة، فسمعت عبد الله بن عمرو يقول : ذاك يزيد بن معاوية، فقالت : أكذاك يا عبد الله بن عمرو تجده مكتوباً في الكتاب ؟ قال : لا أجده باسمه، ولكن أجد رجلاً من شجرة معاوية يسفك
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٦ / ٤٧٣.
الدماء، ويستحل الأموال، وينقض هذا البيت حجراً حجراً ؛ فإن كان ذلك وأنا حي، وإلّا فاذكريني.
قال : وكان منزلها على أبي قبيس، فلمـّا كان زمن الحجّاج وابن الزّبير، ورأت البيت يُنقض، قالت : رحم الله عبد الله بن عمرو قد كان حدّثنا بهذا(١) .
النسب الوضيع ليزيد بن معاوية
قال هشام : وكانت هند ( جدة اُمّ معاوية بن أبي سفيان وجدة يزيد) من المغتلمات، وكان أحب الرجال إليها السود، فكانت إذا ولدت أسوداً قتلته(٢) .
قال ابن أبي الحديد المعتزلي : وكانت هند تذكر في مكة بفجور وعهر. وقال الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار : كان معاوية يعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبى عمرو، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح (مغنٍ كان لعمارة بن الوليد).
قال : وقد كان أبو سفيان دميماً قصيراً، وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شاباً وسيماً، فدعته هند إلى نفسها فغشيها. وقالوا : إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضاً(٣) .
وقال هشام بن محمّد الكلبي : ووقع بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبد الله(٤) كلام بين
____________________
(١) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٤ / ٤٧٣.
(٢) مثالب العرب / ٧٣ - هشام بن محمّد الكلبي المتوفّى سنة ٢٠٤ أو ٢٠٦.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ١ / ٣٣٦، ربيع الأبرار للزمخشري / ٢٢٧٣ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٤) وفي تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : إسحاق بن أطبة بن عبيد، وفي المناقب والمثالب للقاضي النعمان / ٢٤١ : إسحاق بن طابة.
يدي معاوية وهو خليفة، فقال يزيد لإسحاق : إنّ خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلهم الجنة , أشار يزيد إلى أن اُمّ إسحاق تُتّهم ببعض بني حرب , فقال له إسحاق : إنّ خيراً لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة , فلم يفهم يزيد قوله وفهم معاوية، فلمـّا قام إسحاق قال معاوية ليزيد : كيف تشاتم الرجال قبل أن تعلم ما يقال فيك ؟ قال : قصدت شين إسحاق. قال : وهو كذلك أيضاً. قال : وكيف ؟ قال : أما علمت أنّ بعض قريش في الجاهليّة يزعمون أني للعباس ؟ فسقط في يدي يزيد.
وعن هشام , وأخبرني أبي عن أبي صالح , عن ابن عباس قال : لمـّا أتى النبيُّ - وقال الشعبي : وقد أشار رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - مكة , وجاءت النسوة يبايعنه , أتته هند، فقال لها النبي (صلىاللهعليهوآله ) في كلام البيعة : (( ولا تزنين )). فقالت : يا رسول الله : وهل تزني الحرة ؟ فنظر النبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى عمر بن الخطاب , فتبسّم(١) .
قال ابن قتيبة الدينوري : وكان على الكوفة النعمان بن بشير , فقال النعمان : لاَبن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أحب إلينا من ابن بحدل. قال : فبلغ ذلك يزيد فأراد أن يعزله(٢) . وذكر ذلك صاحب كتاب تجارب من السلف.
فإن يكن الزمانُ أتى علينا |
بقتلِ التُّرْكِ والموتِ الوَحِيِّ |
|
فقد قتل الدعيُّ وعبدُ كلبٍ |
بأرضِ الطفِّ أولادَ النبيِّ |
وإلى هذا أشار النسابة الكلبي بقوله :
____________________
(١) مثالب العرب / ٧٤ - هشام بن محمّد الكلبي المتوفّى سنة ٢٠٤ أو ٢٠٦.
(٢) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الشيري ٢ / ٨.
ومراده بعبد كلب : يزيد بن معاوية ؛ لأنه من بجدل الكلبي(١) .
وجاء أيضا في نسب يزيد بن معاوية ما نقله العلامة المجلسي (رحمهالله ) : تذنيب : قال مؤلّف كتاب إلزام النواصب وغيره : إنّ ميسون بنت بجدل الكلبية أمكنت عبد أبيها من نفسها، فحملت يزيد لعنه الله , وإلى هذا أشار النسابة الكلبي بقوله :
فإن يكن الزمانُ أتى علينا |
بقتلِ التُّرْكِ والموتِ الوَحِيِّ |
|
فقد قتل الدعيُّ وعبدُ كلبٍ |
بأرضِ الطفِّ أولادَ النبيِّ |
أراد بالدعي : عبيد الله بن زياد لعنه الله ؛ فإنّ أباه زياد بن سمية كانت أُمُّه سمية مشهورة بالزنا، وولد على فراش أبي عبيد عبد بني علاج من ثقيف , فادعى معاوية أنّ أبا سفيان زنى باُمِّ زياد فأولدها زياداً، وأنه أخوه، فصار اسمه الدعي. وكانت عائشة تسميه زياد بن أبيه ؛ لأنه ليس له أب معروف. ومراده بعبد كلب : يزيد بن معاوية ؛ لأنّه من عبد بجدل الكلبي.
وأما عمر بن سعد (لعنه الله) فقد نسبوا أباه سعداً إلى غير أبيه، وأنه من رجل من بني عذرة كان خدناً لأُمِّه، ويشهد بذلك قول معاوية (لعنه الله) حين قال سعد لمعاوية : أنا أحقُّ بهذا الأمر منك. فقال له معاوية : يأبى عليك ذلك بنو عذرة، وضرط له.
روى ذلك النوفلي بن سليمان من علماء السنة، ويدل على ذلك قول السيد الحميري :
قِدْماً تداعوا زنيماً ثم سَادَهُمُ |
لولا خؤولُ بني سعدٍ لَمَا سادوا(٢) |
____________________
(١) راجع كتاب يزيد بن معاوية فرع الشجرة الملعونة - لأبي جعفر أحمد المكي / ٧٢ , نقله عن تجارب السلف / ٦٩. ووجدت منه نسخة بالفارسي / ٥٨ في مكتبة السيد عبد العزيز الطباطبائي (رحمهالله ).
(٢) بحار الأنوار - العلامة المجلسي ٤٤ / ٣٠٩.
صفات يزيد الجسديّة
قال عبد الحي الدمشقي : ومات يزيد بعده بنيف وسبعين يوماً , توفّي بالذبحة(١) وذات الجنب , في نصف ربيع الأوَّل بحمص، وله ثمان وثلاثون سنة، وصلّى عليه ابنه معاوية، وقيل : ابنه خالد. وكان شديد الأدمة , كثير الشعر , ضخماً , عظيم الهامة , في وجهه أثر الجدري(٢) .
يزيد بن معاوية مأبون
روى مُحدّث الشام ابن عساكر، وابن كثير والجاحظ - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو غالب محمّد بن الحسن، أنا أبو الحسن السيرافي، أنا أحمد بن إسحاق، نا أحمد بن عمران، نا موسى، نا خليفة قال : وقال أبو عاصم , عن ابن جريج، عن أبيه , قال : حجّ علينا عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزّبير بعامين، فخطبنا وقال : أما بعد، فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويوكلون، وإني والله لا اُداوي أدواء هذه الأمة إلّا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - , ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية -، ولا
____________________
(١) النهاية في غريب الحديث - ابن الأثير ٢ / ١٥٤ : (الذبحة) وقد تسكّن : وجع يعرض في الحلق من الدم. وقيل : هي قرحة تظهر فيه فينسد معها وينقطع النفس فتقتل. وفي لسان العرب - ابن منظور ٢ / ٤٣٨ : الذبحة : وجع يأخذ في الحلق من الدم، وقيل : هي قرحة تظهر فيه فينسد معها وينقطع النفس فتقتل.
(٢) شذرات الذهب ١ / ٧٢.
الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية...(١) .
وذكر الجاحظ والدينوري على لسان الإباضي يحيى بن المختار أبو حمزة الخارجي , والمبغض لأمير المؤمنين علي (عليهالسلام ) في معاوية ويزيد مثله - واللفظ للأوّل - قال : ثم وليَ معاوية بن أبي سفيان لَعِينُ رسول اللَّه وابنُ لعينه، فاتَّخَذ عباد اللَّه خَوَلاً، ومالَ اللَّه دُوَلاً، ودينَه دَغَلاً، ثمّ مضى لسبيله، فالعنُوه لعنه اللَّه.
ثم ولي يزيدُ بن معاوية ؛ يزيدُ الخُمور، يزيدُ القرود، ويزيدُ الفهود، الفاسق في بطنه، المأبونُ في فَرْجه، فعليه لعنة اللَّه وملائكته.
ثم اقتصَّهم خليفةً خليفة، فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عنه ولم يذكره، ثم قال : ثم وَلِيَ يزيدُ بن عبد الملك الفاسقُ في دينه، المأبونُ في فرجه... إلخ(٢) .
أقول : وجاء في تفسير المأبون ما يلي : قال ابن الأثير :
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٧ / ١٣٥، البداية والنهاية - ابن كثير ٩ / ٧٧، البيان والتبيان / ٨٦٢ للجاحظ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) البيان والتبيان / ٧٠٦ للجاحظ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، عيون الأخبار / ١٤٦٧ للدينوري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة : بدل (الفاسق في دينه) (الفاسق في بطنه).
أقول : فيزيد بن معاوية أصبح علماً ظاهراً , ومصداقاً معروفاً بين البر والفاجر من أنه من أهل النار , فمن هذا ما ذكر في البصائر والذخائر / ٩٤٣ لأبي حيان التوحيدي، والتذكرة الحمدونيّة / ٦٤٩٨ لابن حمدون , نسختي برنامج الموسوعة الشعريّة - واللفظ للأوّل - قال :
وقال الجماز : مات مخنث يقال له : قرنفل، فرآه إنسان في النوم وكأنه يقول : أيش خبرك يا قرنفل ؟ قال : لا تسأل. فيقول : إلى أين صرت يا قرنفل ؟ قال : إلى النار. قال : ويلك ! فمن ينيكك في النار ؟ قال : ثم يزيد بن معاوية ليس يقصر في أمري.
وفى حديث جعفر الصادق (عليهالسلام ) : (( لا يحبُّنا ذو رحم منكوسة )) , قيل : هو المأبون ؛ لانقلاب شهوته إلى دبره(١) .
وقال ابن منظور :... وقيل : الدعبوب والدعبوث من الرجال : المأبون المخنث(٢) .
وقال القلعجي : الذي يوطأ كما توطأ النساء مأبون...(٣) .
وذكر مُحدّث الشام ابن عساكر : قال :... وحدثنا الأصمعي , حدّثنا أبو عاصم النبيل , حدّثني عتبة رجل من[...] كلبة , قال : اُتي أبو العاج برجل مأبون في نفسه، فقال : تريدون ماذا ؟
- أوكل به رجالاً يحفظون دبره.
- لقد وقعت إذًا في عناء.
- أطلقوه يذهب حيث شاء(٤) .
معاوية يأمر ابنه يزيد بزيادة عطاء مَن أعجبه من المغنّين
قال ابن عبد ربه الأندلسي : وحدّث أنّ معاوية بن أبي سفيان استمع على يزيد ذات ليلة، فسمع عنده غناء أعجبه، فلمـّا أصبح قال له : مَن كان ملهيك البارحة ؟ قال : سائب خائر. قال :
____________________
(١) النهاية في غريب الحديث - ابن الأثير ٥ / ١١٥، رواها ابن منظور في لسان العرب ١٢ / ١٣٩ قال : وفي حديث الصادق (عليهالسلام ) : (( لا يحبنا - أهل البيت - الخيعامة )). قيل : هو المأبون، والياء زائدة , والهاء للمبالغة.
(٢) لسان العرب - ابن منظور ١ / ٣٧٦.
(٣) معجم لغة الفقهاء - محمّد قلعجي / ٤٤١.
(٤) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٥٠ / ٤٠.
فأكثر له العطاء(١) .
قال المبرد : وحدثت أنّ معاوية استمع على يزيد ذات ليلةٍ، فسمع من عنده غناءً أعجبه، فلما أصبح قال ليزيد : مَن كان ملهيك البارحة ؟ فقال له يزيد : ذاك سائب خاثر. قال : إذاً فأخثر له من العطاء(٢) .
قال الزمخشري : أستمع معاوية على يزيد ليلة، فسمع غناء أعجبه، فلما أصبح قال : مَن كان ملهيك البارحة ؟ قال : ذاك ابن خاثر. قال : إذاً فأخثر له من العطاء(٣) .
يزيد لا يتورّع عن نكاح المحارم وغيرها من المحرمات
* ما قاله عبد الله بن عمر
قال اليعقوبي في تاريخه : وبايع معاوية لابنه يزيد بولاية العهد بعد وفاة الحسن بن علي (عليهالسلام )، ولم يتخلف عن البيعة إلّا أربعة نفر : الحسين بن علي (عليهالسلام )، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزّبير.
وقال عبد الله بن عمر : نبايع من يلعب بالقرود والكلاب، ويشرب الخمر، ويظهر الفسوق ! ما حجتنا عند الله ؟!
وقال عبد الله بن الزّبير : لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، وقد أفسد علينا ديننا(٤) .
____________________
(١) العقد الفريد / ٤٥٨٤ لابن عبد ربه الأندلسي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) كتاب الكامل في الأدب والتاريخ / ١٠٧٥ للمبرد , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٣) ربيع الأبرار ونصوص الأخبار / ٦٢٩ للزمخشري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٤) تاريخ اليعقوبي - اليعقوبي ٢ / ٢٢٨.
* ما قاله معقل بن سنان في يزيد
روى ابن سعد والحاكم وابن عساكر - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا محمّد بن عمر، قال : حدّثني عبد الرحمن بن عثمان بن زياد الأشجعي، عن أبيه قال : كان معقل بن سنان قد صحب النبي (صلىاللهعليهوآله )، وحمل لواء قومه يوم الفتح، وكان شاباً ظريفاً، وبقي بعد ذلك، فبعثه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - وكان على المدينة - ببيعة يزيد بن معاوية.
فقدم الشام في وفد من أهل المدينة، فاجتمع معقل بن سنان، ومسلم بن عقبة الذي يعرف بمسرف. قال : فقال معقل بن سنان لمسرف وقد كان آنسه وحادثه إلى أن ذكر معقل بن سنان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فقال : إني خرجت كرهاً ببيعة هذا الرجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه ؛ رجل يشرب الخمر، وينكح الحرم. ثمَّ نال منه فلم يترك، ثمَّ قال لمسرف : أحببت أن أضع ذلك عندك ؟
فقال مسرف : أما أن أذكر ذلك لأمير المؤمنين يومي هذا فلا. والله لا أفعل، ولكن لله عليَّ عهد وميثاق إلّا تمكني يداي منك ولي عليك مقدرة إلّا ضربت الذي فيه عيناك.
فلمـّا قدم مسرف المدينة أوقع بهم أيام الحرة، وكان معقل يومئذ صاحب المهاجرين، فاُتي به مسرف مأسوراً، فقال له : يا معقل بن سنان , أعطشت ؟
قال : نعم أصلح الله الأمير.
فقال : خوضوا له شربة بلوز.
فخاضوا له فشرب، فقال له : أشربت ورويت ؟
قال : نعم.
قال : أما والله لا تستهني بها. يا مفرج , قم فاضرب عنقه. ثمَّ قال : اجلس. ثمَّ قال لنوفل بن مساحق : قم فاضرب عنقه.
قال : فقام إليه فضرب عنقه، ثمَّ قال : والله , ما كنت لأدعك بعد كلام سمعته منك تطعن فيه على إمامك.
قال : فقتله صبراً، وكانت الحرة في ذي الحجة سنة ست وستين , فقال الشاعر :
ألا تلكم الأنصارُ تنعى سراتها |
وأشجعُ تنعى معقلَ بنَ سنانِ(١) |
* ما قاله عبد الله بن حنظلة
روى ابن سعد قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه قال : وأخبرنا بن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حسان قال : وحدثنا سعيد بن محمّد، عن عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عمّه عبد الله بن زيد، وعن غيرهم أيضاً , كلّ قد حدّثني قالوا :
لمـّا وثب أهل المدينة ليالي الحرة فأخرجوا بني اُميّة عن المدينة، وأظهروا عيب يزيد بن معاوية وخلافه، أجمعوا على عبد الله بن حنظلة فأسندوا أمرهم إليه، فبايعهم على الموت وقال : يا قوم , اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء ! إنّ رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات , ويشرب الخمر , ويدع الصلاة(٢) ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاءً حسناً.
فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كلِّ النواحي، وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلّا المسجد، وما كان يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد يؤتى بها في المسجد يصوم الدهر، وما رُئي رافعاً رأسه إلى السماء إخباتاً. فلمـّا دنا أهل الشام من وادي القرى صلّى عبد الله
____________________
(١) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٤ / ٢٨٢ وفي ط / ٢١٢، المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ٥٢٢، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٥٩ / ٣٦٣.
(٢) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٥ / ٦٦، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٧ / ٤٢٩، كتاب الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ٥٤ , تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
ابن حنظلة بالناس الظهر، ثمَّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال : أيُّها الناس , إنما خرجتم غضباً لدينكم، فأبلوا لله بلاءً حسناً ؛ ليوجب لكم به مغفرته، ويحل به عليكم رضوانه.
قد خبرني من نزل مع القوم السويداء، وقد نزل القوم اليوم ذا خشب , ومعهم مروان بن الحكم. والله إن شاء الله مهلكه(١) بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فتصايح الناس وجعلوا ينالون من مروان، ويقولون : الوزغ ابن الوزغ ! وجعل ابن حنظلة يهدّئهم ويقول : إنّ الشتم ليس بشيء، ولكن أصدقوهم اللقاء ؛ والله ما صدق قوم قطّ إلّا حازوا النصر بقدرة الله. ثمَّ رفع يديه إلى السماء واستقبل القبلة وقال : اللّهمَّ إنَّا بك واثقون، بك آمنَّا، وعليك توكلنا، وإليك ألجأنا ظهورنا. ثمّ نزل.
وصبح القوم المدينة، فقاتل أهل المدينة قتالاً شديداً حتّى كثرهم أهل الشام، ودخلت المدينة من النواحي كلها ؛ فلبس عبد الله بن حنظلة يومئذ درعين، وجعل يحضّ أصحابه على القتال، فجعلوا يقاتلون، وقتل الناس، فما ترى إلّا راية عبد الله بن حنظلة ممسكاً بها مع عصابة من أصحابه، وحانت الظهر، فقال لمولى له : احمِ لي ظهري حتّى اُصلّي.
فصلّى الظهر أربعاً متمكناً، فلمـّا قضى صلاته قال له مولاه : والله يا أبا عبد الرحمن ما بقي أحد , فعلام نقيم ؟ ولواؤه قائم ما حوله خمسة، فقال : ويحك ! إنما خرجنا على أن نموت. ثمَّ انصرف من الصلاة وبه جراحات كثيرة، فتقلّد السيف، ونزع الدرع ولبس ساعدين من ديباج، ثمَّ حثَّ الناس على القتال، وأهل المدينة كالأنعام الشرد، وأهل الشام يقتلونهم في كلّ وجه، فلمـّا هزم الناس طرح الدرع وما عليه من سلاح، وجعل يقاتلهم وهو حاسر حتّى قتلوه(٢) .
____________________
(١) في المطبوع : (محينه) , والظاهر ما أثبتناه كما هو في الإمامة والسياسة ١ / ٢٣٣.
(٢) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٥ / ٦٦ , وفي ط / ٤٩، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٧ / ٤٢٩.
* ما قاله المنذر في يزيد
قال أبو الفرج ابن الجوزي : ولمـّا دخلت سنة اثنتين وستين ولّى يزيد عثمانَ بن محمّد بن أبي سفيان المدينة، فبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة، فلمـّا رجع الوفد أظهروا شتم يزيد وقالوا : قدمنا من عند رجل ليس له دين ؛ يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويلعب بالكلاب، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه.
وقال المنذر : والله لقد أجازني بمئة ألف درهم، وأنه لا يمنعني ما صنع إليَّ أن أصدقكم عنه. والله إنه يشرب الخمر , وإنّه ليسكر حتّى يدع الصلاة(١) .
* ما قاله المسور بن مخرمة في يزيد
قال ابن عبد ربه الأندلسي : كان المِسْوَر بن مَخْرمة جليلاً نبيلاً، وكان يقول في يزيد بن معاوية : إنه يشرب الخمر , فبلغه ذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلدَه الحدّ، ففعل , فقال المِسْوَر في ذلك :
أيَشْرَبُها صِرْفاً يَفُض خِتَامها |
أبو خالدٍ ويُجلَدُ الحدَّ مِسْورُ(٢) |
وقال ابن عبد ربه الأندلسي أيضاً : من حُدَّ من الأشراف في الخمر
وشهر بها منهم يزيد بن معاوية، وكان يقال له : يزيد الخمور، وبلغه أنّ مسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلد مسوراً
____________________
(١) الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ٥٣ , تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
(٢) العقد الفريد / ٢٤٥٨ لابن عبد ربه الأندلسي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
حد القذف، ففعل , فقال مسور :
أيَشْرَبُها صِرْفاً بطين دناها |
أبو خالدٍ ويُضرب الحدَّ مِسْورُ |
وممّن حُدّ في الشراب الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان بن عفان لاُمه , شهد أهل الكوفة عليه أنه صلّى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران , ثمَّ التفت إليهم فقال : إن شئتم زدتكم ! فجلده علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) بين يدي عثمان(١) .
قال الوطواط : وكان يزيد بن معاوية يلقّب بالسكران ؛ لكثرة انهماكه على كثرة شرب الخمر، ولُقّب أيضاً يزيد الخمر. بلغه أنّ المسور بن مخرمة يرميه بشرب الخمر، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يجلد المسور حدَّ القذف , ففعل , فقال المسور :
أيَشْرَبُها صِرْفاً بطين دناها |
أبو خالدٍ ويُضرب الحدَّ مِسْورُ |
وكان له قرد يكنى أبا قيس , يُحضره مجلس شرابه ويطرح له متّكأ ويسقيه فضلة كأسه , واتخذ له أتاناً وحشية قد ربضت له وذُللت , وصنع لها سرج ولجام من ذهب يركبه بهما عليها ويسابق بها الخيل يوم حلبة الرهان , فجاء يوماً سابقاً وتناول القصبة التي هي الغابة , ودخل الحجرة قبل مجيء الخيل , وعليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر , وفيه يقول بعض شعراء الشام:
تمسك أبا قيس بفضل زمامِها |
فليس عليها إن سقطت ضمانُ |
|
ألا مَن رأى القردَ الذي سبقت به |
جيادَ أمير المؤمنين أتانُ(٢) |
____________________
(١) العقد الفريد / ٥٢٥٩ لابن عبد ربه الأندلسي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة / ١٦٥ للوطواط , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
* ما قاله عبد الله بن عمرو المخزومي في يزيد
قال أبو الفرج ابن الجوزي : قال أبو الحسن المدائني , وكان من الثقات : أتى أهل المدينة المنبر فخلعوا يزيد، فقال عبد الله بن عمرو بن حفص المخزمي : قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي - نزعها عن رأسه - وإني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سكّير(١) .
* ما قاله ابن الزّبير
روى خليفة بن خياط قال : وحدثنا أبو الحسن، عن بقية بن عبد الرحمن، عن أبيه قال : لمـّا بلغ يزيد بن معاوية أن أهل مكّة أرادوا ابن الزّبير على البيعة فأبى، أرسل النعمان بن بشير الأنصاري، وهمام بن قبيصة النميري إلى ابن الزّبير يدعوانه إلى البيعة ليزيد، على أن يجعل له ولاية الحجاز، وما شاء وما أحب لأهل بيته من الولاية.
فقدما على ابن الزّبير فعرضا عليه ما أمرهما به يزيد، فقال ابن الزّبير : أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر ويدع الصلاة ويتبع الصيد ؟! فقال همام بن قبيصة : أنت أولى بما قلت منه. فلطمه رجل من قريش، فرجعا إلى يزيد، فغضب وحلف لا يقبل بيعته إلّا وفي يده جامعة(٢) .
قال المعافى بن زكريا : وعلى ذكر القرد حدّثنا أحمد بن كامل، قال : حدّثني داود بن محمّد بن
____________________
(١) الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ٥٤ , تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
(٢) تاريخ خليفة بن خياط - العصفري / ١٩٣.
نجيح أبي مضر، وقال : هو نجيح بن عبد الرحمن، قال : حدّثني أبي، عن جدِّي، قال : خطب عبد الله بن الزّبير فقال من خطبته : يزيد القرد , وشارب الخمر.
قال : فبلغت يزيد بن معاوية، فما بات ليلته حتّى جهّز عشرين ألفاً، وجلس والشمع بين يديه , وعليه ثياب معصفرة , وهو يرتجز ويقول :
أبلغْ أبا بكرٍ إذا الأمرُ انبرى |
واُخذ الجيشُ على وادي القرى |
|
عشرون ألفاً بين كهلٍ وفتى |
أجمعَ سكرانٍ من القومِ ترى(١) |
كثرة مخازي يزيد بن معاوية
وقال ابن العماد : وقال فيه في الميزان أنّه مقدوح في عدالته , ليس بأهل أن يروى عنه. وقال رجل في حضرة عمر بن عبد العزيز : أمير المؤمنين يزيد , فضربه عمر عشرين سوطاً. واستفتى الكيا الهراسي فيه، فذكر فصلاً واسعاً من مخازيه حتّى نفدت الورقة، ثمَّ قال : ولو مددت بياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وأشار الغزالي إلى التوقّف في شأنه والتنزه عن لعنه مع تقبيح فعله(٢) .
وذكر ابن أبي الحديد وابن كثير - واللفظ للأوّل - قال : خطب عبد الله بن الزّبير أيام يزيد بن معاوية , فقال في خطبته : يزيد القرود، يزيد الفهود، يزيد الخمور، يزيد الفجور ! أما والله لقد بلغني أنه لا يزال مخموراً يخطب الناس وهو طافح في سكره.
فبلغ ذلك يزيد بن معاوية، فما أمسى ليلته حتّى جهّز جيش الحرة، وهو عشرون ألفاً، وجلس والشموع بين يديه، وعليه ثياب معصفرة، والجنود تعرض عليه ليلاً، فلمـّا أصبح خرج فأبصر الجيش ورأى
____________________
(١) كتاب الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي / ٦٦٧ للمعافى بن زكريا , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) شذرات الذهب - العكري الدمشقي ١ / ٦٨ , ويأتي في لعنه ما يرد قول الغزالي.
تعبئته , فقال :
أبلغْ أبا بكرٍ إذا الأمرُ انبرى |
واُخذ الجيشُ على وادي القرى |
|
عشرون ألفاً بين كهلٍ وفتى |
أجمعَ سكرانٍ من القومِ ترى(١) |
أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد
قال ابن كثير وابن الأثير والنوبري - واللفظ للأوّل - قال : وفيها دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولي عهده من بعده , وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة , فروى ابن جرير من طريق الشعبي أنّ المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة , فأعفاه لكبره وضعفه، وعزم على توليتها سعيد بن العاص، فلمـّا بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم، فجاء إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولي العهد، فسأل ذلك من أبيه , فقال : من أمرك بهذا ؟ قال : المغيرة.
فأعجب ذلك معاوية من المغيرة وردّه إلى عمل الكوفة، وأمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك، فكره زياد ذلك ؛ لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك، وهو عبيد بن كعب بن النميري , وكان صاحباً أكيداً لزياد.
فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أوّلاً، فكلّمه عن زياد , وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك ؛ فإنّ تركه خير له من السعي فيه. فانزجر يزيد عمَّا يريد من ذلك، واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلمـّا مات زياد , وكانت هذه السنة، شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه، وعقد البيعة لولده يزيد، وكتب إلى الآفاق بذلك، فبايع له
____________________
(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٢٠ / ١٣٣، البداية والنهاية لابن كثير ٨ / ٢٣٩، التنازع والتخاصم للمقريزي / ٥٩ بإيجاز، والقائل غير ابن الزّبير.
الناس في سائر الأقاليم إلّا عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، والحسين بن علي (عليهالسلام )، وعبد الله بن الزّبير، وابن عباس، فركب معاوية إلى مكّة معتمراً، فلمـّا اجتاز بالمدينة - مرجعه من مكّة - استدعى كلّ واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدّده بانفراده، فكان من أشدهم عليه ردّاً وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، وكان ألينهم كلاماً عبد الله بن عمر بن الخطاب. ثمَّ خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره، وبايع الناس ليزيد وهم قعود , ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافاً ؛ لما تهددهم وتوعدهم(١) .
( قال ابن الأثير في الكامل : (قال) : إنّي كنت أخطب فيكم فيقوم إليَّ القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإنّي قائم بمقالة , فاُقسم بالله لئن ردَّ عليَّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتّى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلّا على نفسه. ثمَّ دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال : أقم على رأس كلِّ رجل من هؤلاء رجلين , مع كلِّ واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما(٢) .
وقال ابن الأعثم في فتوحه : قال معاوية عزمت أن أتكلم على المنبر بكلام , والمبقي في ذلك الوقت إنما يبقي على نفسه من أهل الشام، وأنتم أعلم , وقد أعذر من أنذر).
فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد، ووفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد، فكان فيمن قدم الأحنف بن قيس، فأمره معاوية أن يحادث يزيد، فجلسا ثمَّ خرج الأحنف فقال له معاوية : ماذا رأيت من ابن أخيك ؟ فقال : إنا نخاف الله إن كذبنا ,
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٨٦.
(٢) الكامل لابن الأثير ٣ / ٥١٠، وذكر هذه مفصلاً النوبري في نهاية الإرب في فنون الأدب / ١٢٤٢٢ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
ونخافكم إن صدقنا، وأنت أعلم به في ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، ومدخله ومخرجه، وأنت أعلم به بما أردت، وإنما علينا أن نسمع ونطيع، وعليك أن تنصح للاُمّة...(١) .
قال القاضي التنوخي : وقيل لشريك بن عبد الله : إن معاوية كان حليماً. فقال : كلا، لو كان حليماً ما سفه الحقّ ولا قاتل علياً (عليهالسلام ) (كتاب الآداب لجعفر ٢٢ - ٢٣).
وروى ابن الجوزي عن الحسن البصري أنّه قال : أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم تكن فيه إلّا واحدة لكانت موبقة , وهي : أخذه الخلافة بالسيف من غير مشاورة وفي الناس بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه يزيد وكان سكّيراً خميراً , يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياد أخاً وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( الولد للفراش , وللعاهر الحجر ))، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر ! (خزانة الأدب للبغدادي ٢ / ٥١٨ - ٥١٩).
وقال نيكلسون : اعتبر المسلمون انتصار بني اُميّة، وعلى رأسهم معاوية، انتصاراً للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول (صلىاللهعليهوآله ) وأصحابه العداء، والتي جاهدها رسول الله حتّى قضى عليها، وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتّى نصرهم الله فقضوا عليها , وأقاموا على أنقاضها دعائم الإسلام ؛ لذلك لا ندهش إذا كره المسلمون بني اُميّة وغطرستهم، لا سيما أن جمهور المسلمين كانوا يرون بين الاُمويّين رجالاً كثيرين لم يعتنقوا الإسلام إلّا سعياً وراء مصالحهم الشخصية، ولا غرو ؛ فقد كان معاوية يرمي إلى جعل الخلافة ملكاً كسروياً، وليس أدل على ذلك من قوله : أنا أول الملوك. (تاريخ الإسلام ١ / ٢٧٨ - ٢٧٩).
____________________
(١) فتوح ابن أعثم ٤ / ٢٤٧.
وكان مصروف الهمة إلى تدبير أمر الدنيا يهون عليه كل شيء إذا انتظم أمر الملك. (الفخري / ١٠٧). ولمـّا استولى على الملك استبد على جميع المسلمين، وقلب الخلافة ملكاً. (رسائل الجاحظ ١٤ - ١٦). وكان يقول : إنّا لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين السلطان. (محاضرات الأدباء ١ / ٢٢٦).
وختم معاوية أعماله بإرادته أن يظهر العهد ليزيد، فقال لأهل الشام : إنّ أمير المؤمنين قد كبرت سنه، ورقَّ جلده، ودقَّ عظمه، واقترب أجله , ويريد أن يستخلف عليكم، فمن ترون ؟
فقالوا : عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
فسكت وأضمرها، ودس ابن أثال الطبيب إلى عبد الرحمن فسقاه سماً فمات. (الأغاني ١٦ / ١٩٧). ثمَّ فرض ولده يزيد على الناس فرضاً، وحملهم على بيعته قسراً، وأوعز إلى رجل من الأزد اسمه يزيد بن المقفع، فقام خطيباً وقال : أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - فإذا مات فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا، وأشار إلى السيف.
فقال له معاوية : أقعد، فأنت سيد الخطباء. (العقد الفريد ٤ / ٣٧٠ , ومروج الذهب ٢ / ٢١). اقرأ بعض أخبار معاوية في تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢١٧ , وفي الإمتاع والمؤانسة ٢ / ٧٥ و٣ / ١٧٨، وفي محاضرات الأدباء ١ / ٣٥٣ , وفي كتاب التاج للجاحظ / ٢٠٥ , وفي المحاسن والمساوئ ٢ / ١٤٨ , وفي البيان والتبيين للجاحظ ٢ / ٨٧ , ١١٠ و٤ / ١٣٣ , وفي الأغاني ٤ / ١٨٩، و٦ / ٢٦٦ و١٥ / ١٦٨، ١٩٧ - ١٩٨ و١٧ / ١٤٤ , وفي وفيات الأعيان ٢ / ١٦٩ , وفي الفخري / ١٠٦ - ١١٠ , وفي البصائر والذخائر م٢ ق٢ / ٦٧١ , ٧٠٢ , وفي نفح الطيب ٢ / ٥٤٢ , وفي خزانة الأدب للبغدادي ٢ / ٥١٨ - ٥١٩(١) .
____________________
(١) كتاب الفرج بعد الشدة / ١٣٤٧ للقاضي التنوخي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة. وأيضاً ذكر خطبة ابن المقنع الأبشيهي في المستطرف في كلِّ فن مستظرف / ٢٩٣ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، وعيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري / ١٤٠١ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
وقال المسعودي : فكان معاوية أوَّل مَن بايع ليزيد ابنه بولاية العهد، وفي ذلك يقول عبد الرحمن(١) بن همام السلولي :
فإن تأتوا برملةَ أو بهندٍ |
نُبَايعْها أميرةَ مؤمنينا |
|
إذا ما مات كسرى قام كسرى |
نعدُّ ثلاثةً متناسقينا |
|
فيا لهفا لَو انَّ لنا اُنوفاً |
ولكن لا نعودُ كما عنينا |
|
إذاً لضربتُمُ حتّى تَعُودوا |
بمكّةَ تَلْعَقُونَ بها السخينا |
|
خشينا الغيظَ حتّى لو شَرِبْنا |
دِمَاءَ بني اُميّة ما روينا |
|
لقد ضاعت رعيتُكُمْ وأنتم |
تصيدون الأرانبَ غافلينا |
واُنفذت الكتب ببيعة يزيد إلى الأمصار، وكتب معاوية إلى مروان بن الحكم - وكان عامله على المدينة - يعلمه باختياره يزيد ومبايعته إيّاه بولاية العهد، ويأمره بمبايعته وأخذ البيعة له على من ِقبَله. فلمـّا قرأ مروان ذلك خرج مغضباً في أهل بيته وأخواله من بني كنانة حتّى أتى دمشق، فنزلها ودخل على معاوية يمشي بين السماطين، حتّى إذا كان منه بقدر ما يسمعه صوته سلَّم وتكلم بكلام كثير يوبخ به معاوية , منه : أقم الاُمور يابن أبي سفيان، واعدل عن تأميرك الصبيان، واعلم أنّ لك من قومك نظراء، وأنّ لك على منازلهم وزراء.
فقال له معاوية : أنت نظير أمير المؤمنين وعدته في كلّ شديدة وعضده، والثاني بعد وليِّ عهده. وجعله ولي عهد يزيد وردّه إلى المدينة.
ثم إنه عزله عنها وولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ولم يفِ لمروان بما
____________________
(١) وفي نسخة : عبد الله.
جعله له من ولاية عهد يزيد بن معاوية(١) .
وقال المسعودي أيضاً : وبويع يزيد بن معاوية، فكانت أيامه ثلاث سنين وثمانية أشهر إلّا ثماني ليال، وأخذ يزيد لابنه معاوية بن يزيد البيعة على الناس قبل موته، ففي ذلك يقول : عبد الله بن همام السلولي :
تَلَقَّفَها يزيدٌ عن أبيهِ |
فَخُذْهَا يَا مُعَاوِي عن يزيدا |
|
فَقَدْ عَلِقَت بكم فَتَلَقَّفوها |
ولا ترموا بها الغَرَضَ البعيدا(٢) |
يزيد بن معاوية موبقة من موبقات معاوية
روى الطبري وابن الأثير , وابن الجوزي وأبو المحاسن , وابن أبي الحديد والقندوزي , والنوبري وعبد القادر البغدادي , والقاضي التنوخي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : عن الصقعب بن زهير , عن الحسن (البصري) قال : أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنَّ إلّا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً , يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر ))، وقتله حجراً , ويلاً له من حجر ! مرتين(٣) . (وروي عن الشافعي أنه أسرَّ إلى الربيع أن لا
____________________
(١) مروج الذهب ٣ / ٢١٨ , منشورات الشريف الرضي، وفي ط مؤسسة الأعلمي / ٣٨.
(٢) مروج الذهب ٣ / ٢٤٧ , منشورات الشريف الرضي , وفي ط مؤسسة الأعلمي / ٦٤.
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٢٣٢، الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣ / ٣٣٧، المنتظم لابن الجوزي (حتّى ٢٥٧ه-) ٥ / ٢٤٣، النجوم الزاهرة ١ / ١٤١ لأبي المحاسن بن تغري بردى، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٢ / ٢٦٢، و ١٦ / ١٩٣، =
يقبل شهادة أربعة، وهم : معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد)(١) .
وقال عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي : وروى الزّبير بن بكار في الموفقيات , ورواه جميع الناس ممّن عنى بنقل الآثار والسير، عن الحسن البصري : أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم يكن فيه إلّا واحدة منهنّ لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الاُمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة , واستخلافه بعده ابنه يزيد سكّيراً خميراً , يلبس الحرير ويضرب بالطنابير , وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )) , وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويله من حجر وأصحاب حجر !(٢) .
يزيد أوَّل من سنَّ الملاهي في الإسلام
وقال الأصفهاني : كان يزيد بن معاوية أوَّل من سنَّ الملاهي في الإسلام من الخلفاء , وآوى المغنّين، وأظهر الفتك، وشرب الخمر، وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه، والأخطل الشاعر النصراني , وكان يأتيه من المغنّين سائب خاثر فيقيم
____________________
= ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٢ / ٢٧، نهاية الأرب في فنون الأدب / ١٢٣٩١ للنوبري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، خزانة الأدب ولب لباب العرب / ٤٥٥٤ لعبد القادر البغدادي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
قال : وروى ابن الجوزي بإسناده عن الحسن البصري... نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، الفرج بعد لشدة / ١٣٤٧ للقاضي التنوخي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(١) ما بين القوسين من خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب / ٤٥٥٤ لعبد القادر البغدادي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٢ / ٢٦٢.
عنده فيخلع عليه...(١) .
قال البلاذري : كان يزيد بن معاوية أوَّل من أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء والصيد , واتخاذ القيان والغلمان، والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود، والمعاقرة بالكلاب والديكة(٢) .
فرعون أعدل من يزيد
قال المسعودي : وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعلمت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وسيرته سيرة فرعون بل كان فرعون أعدل منه في رعيته، وأنصف منه لخاصّته وعامّته(٣) .
يزيد والقرد , وفسوقه وأعماله
قال المسعودي والبلاذري - واللفظ للأوّل - قال : وكان يزيد صاحب طرب وجوارح , وكلاب وقرود , وفهود ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين (عليهالسلام )، فأقبل على ساقيه فقال :
اسقني شربةً تروِّي مشاشي |
ثمَّ مِلْ فاسقِ مثلَها ابنَ زيادِ |
|
صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي |
ولتسديدِ مغنمي وجهادي |
ثم أمر المغنّين فغنوا به.
وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من
____________________
(١) الأغاني - الاصفهاني ١٦ / ٦٨.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٨١ وفي ط ٥ / ٢٩٩.
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري ٤ القسم الأوَّل منه ص١ وفي ط ٥ / ٣٠٠.
الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب.
وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متّكأ، وكان قرداً خبيثاً، وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذُلّلت لذلك بسرج ولجام، ويسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الأيام سابقاً فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات الألوان بشقائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم :
تَمَسَّكْ أبا قيسٍ بفَضْلِ عنانِها |
فليس عليها إنْ سقطتَ ضمانُ |
|
أَلا مَنْ رأى القردَ الذي سبقت به |
جِيَادَ أميرِ المؤمنين أتانُ(١) |
وقال البلاذري أيضاً : كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه , ويكنيه أبا قيس، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمُسخ. وقال أيضاً : واشتهر يزيد بمنادمة القرود حتّى قال فيه رجل من التنوخ :
يزيدٌ صديقُ القردٍ ملَّ جوارَنا |
فحنَّ إلى أرضِ القرودِ يزيدُ |
|
فتبّاً لمـّن أمسى علينا خليفةً |
صَحَابَتُهُ الأدنون منه قُرُودُ(٢) |
قال الزجاج :
____________________
(١) مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٦٧ - ٦٨ , تحت عنوان : فسوق يزيد وأعماله , منشورات دار الهجرة , وفي ط منشورات الشريف الرضي ٣ / ٢٦٤ - ٢٦٥ , وفي ط منشوارت مؤسسة الأعلمي ٣ / ٧٩ - ٨٠، أنساب الأشراف للبلاذري ٤ / ١ , وفي ط ٥ / ٣٠٢.
(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٤ / ١ - ٢ , وفي ط ٥ / ٣٠٠.
أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال : حدّثنا عبد الله بن شبيبٍ قال : حدّثنا الزّبير قال : حدّثني عمر بن الضحاك ومحمد بن الحسين قالا : كان يزيد بن معاوية ينادم قرداً، فأخذه يوماً فحمله على أتانٍ وحشٍ وشدّ عليها رباطاً، وأرسل الخيل في أثرها حتّى حسرتها الخيل فماتت الأتان , فقال في ذلك يزيد بن معاوية :
تَمَسَّكْ أبا قيسٍ بفَضْلِ عنانِها |
فليس عليها إن هلكت ضمانُ |
|
كما فعل الشيخ الذي سبقت به |
زِيَاداً أميرِ المؤمنين أتانُ |
فسبّه أبو حمزة في خطبته حيث يقول : خالف القرآن، وتابع الكهان، ونادم القردة، وفعل وفعل(١) .
ما نقله ابن كثير في أحوال يزيد
وقال ابن كثير : وقد روي أنّ يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر , والغناء والصيد , واتخاذ الغلمان والقيان , والكلاب والنطاح بين الكباش , والدباب والقرود، وما من يوم إلّا يصبح فيه مخموراً. وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه.
وقيل : إنّ سبب موته أنّه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته , وذكروا عنه غير ذلك , والله أعلم بصحة ذلك(٢) .
____________________
(١) أمالي الزجاج / ٧٩ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٥٨.
يزيد بن معاوية يأمر الناس أن تعزّيه في موت قرده
قال ابن الدمشقي وابن شاكر الكتبي - واللفظ للأوّل - قال : وحكى ابن الفوطي في تاريخه قال : كان له قرد يجعله بين يديه، ويكنيه بأبي قيس، ويسقيه فضل كأسه ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمُسخ.
وكان يحمله على أتان وحشية قد نُصبت له ويرسلها مع الخيل في حلبة السباق، فحمله يوماً عليها فسبقت فسرَّ , وأنشد :
تَمَسَّكْ أبا قيسٍ بفَضْلِ عنانِها |
فليس عليها إن هلكت ضمانُ |
|
كما فعل الشيخ الذي سبقت به |
زِيَاداً أميرِ المؤمنين أتانُ |
وجاء يوماً سابقاً فطرحته الريح فمات، فحزن عليه حزناً شديداً، وأمر بتكفينه ودفنه، وأمر أهل الشام أن يعزوه فيه !
وأنشأ يقول :
كمْ من كرامٍ وقومٍ ذو محافظةٍ |
إلا أَتَانَا يعزِّي في أبي قيسِ |
|
شيخ العشيرة أمضاها وأجملها |
على الرؤوسِ وفي الأعناقِ والريسِ |
|
لا يبعدُ اللهُ قبراً أنت ساكِنُهُ |
فيه جمالٌ وفيه لحيةُ التيسِ(١) |
____________________
(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهمالسلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٣ , وفي ط الشطر الثاني من البيت الثاني : (على الرؤوس وفي الأعناق والريس) , نسخة من مطبعة السيد الحكيم نقلاً عن كتاب حياة الإمام الحسين للعلامة القرشي ٣ / ١٨٢ , فوات الوفيات / ٣٠٩٥ لابن شاكر الكتبي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة , عن ابن القفطي : والشطر الأول : (لم يبق قرم كريم ذو محافظة). والشطر الثاني من البيت الثاني : (له المساعي مع القربوس والديس).
ما فعله مع أهل البيت (عليهمالسلام ) على سبيل الاختصار(١)
أقول : تقدّم في المقتل ما فعله يزيد في أهل البيت (عليهمالسلام )، ونذكر هنا شيئاً يسيراً من ذلك :
قال أبو الفرج ابن الجوزي : قلت : ليس العجب من فعل عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد بما صنعوا وأتوا إلى أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من عظيم الأجرام , وإنّما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب على ثنية الحسين (عليهالسلام ) , (و)إعادته (رأسه الشريف) إلى المدينة وقد تغيّرت ريحه ؛ لبلوغه(٢) الغرض الفاسد ! أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج ؟ أوَ ليس في الشرع أنهم يُصلّى عليهم ويدفنون ؟!
أمّا قوله (يزيد) : لي أن أهبهم، فأمر لا يقع لفاعله ومعتقده إلّا اللعنة , ولو أنّه أحترم الرأس حين وصوله (إليه) , وصلّى عليه ولم يتركه في طست، ولم يضربه بقضيب ما الذي كان يضرّه وقد حصل مقصوده من القتل ؟ لكن أحقاد جاهليّة، ودليلها ما تقدم من إنشاده [ شعر ابن الزبعري] : ليت أشياخي ببدر شهدوا...(٣) .
وتعرّض سبط ابن الجوزي في تذكرته إلى ما ذكره جده فقال : وقال جدي : ليس العجب من قتال ابن زياد الحسين (عليهالسلام )، وتسليطه عمر بن سعد على قتله والشمر، وحمل الرؤوس إليه , وإنّما العجب من خذلان يزيد , وضربه بالقضيب ثناياه، وحمل آل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سبايا على أقتاب الجمال ،
____________________
(١) تقدم تفصيل ذلك في آخر مقتل الحسين (عليهالسلام ).
(٢) وسيأتي عن المقريزي ما كذب هذا في الفصل المتعلق بالرأس الشريف سلام الله عليه.
(٣) كتاب الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ٥٢ - ٥٣.
وعزمه على أن يدفع فاطمة بنت الحسين (عليهالسلام ) إلى الرجل الذي طلبها، وإنشاده أبيات ابن الزبعري : ( ليت أشياخي ببدر شهدوا) , وردّه الرأس إلى المدينة وقد ظنّ أنه تغيَّر ريحه(١) ، وما كان مقصوده إلّا الفضيحة وإظهار رائحة الرأس. أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج ؟ أليس بإجماع المسلمين أنّ الخوارج والبغاة يُكفّنون ويُصلّى عليهم ويُدفنون ؟
وكذا قول يزيد : لي أن أسبيكم , لمـّا طلب الرجل فاطمة بنت الحسين , قولاً يقنع لقائله وفاعله باللعنة، ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهليّة، وأضغان بدرية لاحترم الرأس لمـّا وصل إليه، ولم يضربه بالقضيب، وكفّنه ودفنه، وأحسن إلى آل رسول الله (صلىاللهعليهوآله )(٢) .
حاضنة يزيد تكشف عن حقده , وعن استلذاذهم بقتلهم أهل البيت (عليهمالسلام ) , ولأجله لم يقتل الإمام زين العابدين (عليهالسلام )
روى مُحدّث الشام ابن عساكر قال : أنبأنا أبو القاسم النسيب، نا عبد العزيز بن أحمد الكتاني، وحدثني أبو القاسم بن السمرقندي قال : وجدت في كتاب جدي لاُمّي أبي القاسم عبد الرحمن بن بكران المقرئ الدربندي قال : أنا أبو محمّد بن أبي نصر، أنا أبو الحارث أحمد بن محمّد بن عمارة بن أحمد بن أبي الخطاب، أنا أحمد بن محمّد بن يحيى بن حمزة , حدّثني أبي، عن أبيه يحيى بن حمزة بن يزيد , أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال : رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهنَّ يقال لها : ريّا , كان بنو اُميّة يكرمونها، وكان هشام يكرمها، وكانت إذا جاءت إلى هشام
____________________
(١) فيه أشارة إلى عدم تغيره، بل ريح رأسه (عليهالسلام ) ريح المسك كما يأتي في الفصل المتعلق برأسه الشريف.
(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٦٠ , ط منشورات الشريف الرضي، ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٢٩ عن ابن الجوزي.
تجئ راكبة، فكل من رآها من بني اُميّة أكرمها، ويقولون : ريّا حاضنة يزيد بن معاوية. فكانوا يقولون : قد بلغت من السن مئة سنة، وحُسن وجهها وجمالها باقٍ بنضارته، فلمـّا كان من الأمر الذي كان استترت في بعض منازل أهلنا، فسمعتها وهي تقول وتعيب بني اُميّة ؛ مداراة لنا , قالت : دخل بعض بني اُميّة على يزيد فقال : أبشر يا أمير المؤمنين، فقد أمكنك الله من عدو الله وعدوك - يعني الحسين بن علي - قد قُتل، ووجه برأسه إليك.
فلم يلبث إلّا أياماً حتّى جيء برأس الحسين (عليهالسلام ) , فوضع بين يدي يزيد في طشت، فأمر الغلام فرفع الثوب الذي كان عليه، فحين رآه خمر وجهه بكمِّه كأنه يشم منه رائحة، وقال : الحمد لله الذي كفانا المؤنة بغير مؤنة، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله.
قالت ريّا : فدنوت منه، فنظرت إليه وبه ردع من حناء. قال حمزة : فقلت لها : أقرع ثناياه بالقضيب كما يقولون ؟ قالت : إي والذي ذهب بنفسه، وهو قادر على أن يغفر له , لقد رأيته يقرع ثناياه بقضيب في يده، ويقول أبياتاً من شعر ابن الزبعري.
ولقد جاء رجل من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فقال له : قد أمكنك الله من عدو الله وابن عدو أبيك، فاقتل هذا الغلام ينقطع هذا النسل ؛ فإنك لا ترى ما تحب وهم أحياء , آخر مَن ينازع فيه , يعني علي بن حسين بن علي ؛ لقد رأيت ما لقي أبوك من أبيه، وما لقيت أنت منه.
وقد رأيت ما صنع مسلم بن عقيل، فاقطع أصل هذا البيت ؛ فإنك إن قتلت هذا الغلام انقطع نسل الحسين خاصة، وإلّا فالقوم ما بقي منهم أحد طالبك بهم , وهم قوم ذوو مكر، والناس إليهم مائلون، وخاصة غوغاء أهل العراق يقولون : ابن رسول الله , ابن علي وفاطمة. اقتله فليس هو بأكرم من صاحب هذا الرأس.
فقال : لا قمت ولا قعدت ! فإنك ضعيف مهين، بل أدعهم كلَّما طلع منهم طالع أخذته سيوف آل أبي سفيان.
قال : إني قد سميت الرجل الذي من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولكن لا اُسميه أبداً ولا أذكره.
قال حمزة : فسألتها : مَن هي ؟ فقالت : كانت اُمّي امرأة من كلب , وكان أبي رجلاً من موالي بني اُميّة. وقالت لي : ماتت اُمي يوم ماتت ولها مئة سنة وعشر سنين، وذكرت أنّ اُمّها عجيبة عاشت تسعين سنة، وأنها أدركت زمن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وسمعت وهي امرأة اُمّ أولاد، وأنها رأت عمر بن الخطاب حين قدم الشام وهي مسلمة.
قال أحمد : قال أبي : قال لي يحيى بن حمزة : قال أبي - يعني حمزة بن يزيد - : قد رأيت ريّا بعد ذلك مقتولة مطروحة على درج جيرون , مكشوفة الفرج , في فرجها قصبة مغروزة.
قال حمزة : وقد كان حدّثني بعض أهلنا أنه رأى رأس الحسين (عليهالسلام ) مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام(١) .
نكثه رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال الدكتور العقاد : ولمـّا قضى الخبيث ( ابن زياد) نهمة كيده من الطواف برأس الحسين (عليهالسلام ) في الكوفة وأرياضها، أنفذه ورؤوس أصحابه إلى دمشق , مرفوعة على الرماح، ثمَّ أرسل النساء والصبيان على الأقتاب، وفي الركب علي زين العابدين مغلول إلى عنقه , يقوده شمر بن ذي الجوشن ومحضر بن ثعلبة … فتلاحق الركبان في الطريق ودخلا الشام معاً إلى يزيد...
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٥٩.
وتكرر منظر القصر بالكوفة في قصر دمشق عند يزيد … ولا نستغرب أن يتكرر بعضه حتّى يظن أنه قد وقع في التاريخ خلط بين المنظرين ؛ لأنّ المناسبة في هذا المقام تستوحي ضرباً واحداً من الحوار …
فارتاع مَن بمجلس يزيد من نبأ المقتلة في كربلاء حين بلغهم، وقال يحيى بن الحكم وهو من الاُمويّين :
لَهَامٌ بجَنْبٍ الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابن زيادِ العبدِ في الحَسَبِ الوَغْلِ |
|
سميةُ أمسى نسلُها عَدَدَ الحصى |
وبنتُ رسول الله ليست بذي نَسْلِ |
فأسكته يزيد … وقال وهو يشير إلى الرأس وينكث ثناياه بقضيب في يده(١) .
سيأتي تفصيل نكثه وما فعله به في الفصل المتعلق برأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) بروايات متعددة.
ثقبه رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) , والطواف به في كور الشام ومدائنها
قال المسعودي : ثمَّ وجّه عامر بنات مروان وجواريه والأسارى إلى صالح بن علي، فلمـّا دخلن عليه تكلّمت ابنة مروان الكبرى، فقالت : يا عمَّ أمير المؤمنين , حفظ لك الله من أمرك ما يحب لك حفظه، وأسعدك في الاُمور كلها بخواصّ نعمه، وعَمَّك بالعافية في الدنيا والآخرة. نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمّك، فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا.
قال : إذاً لا نستبقي منكم أحداً رجلاً ولا امرأة ؛ ألم يقتل أبوك بالأمس ابن أخي إبراهيم بن محمّد بن علي بن عبد الله بن العباس
____________________
(١) أبو الشهداء الحسين بن علي(عليهالسلام ) / ١٦٩ للدكتور العقاد.
الإمام في محبسه في بحران ؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهمالسلام )، وصلبه في كناسة الكوفة ؟ وقتل امرأة زيد بالحيرة على يدي يوسف بن عمر الثقفي ؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟ ألم يقتل عبيد الله بن زياد الدعي مسلم بن عقيل بالكوفة ؟
ألم يقتل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الحسين بن علي أبي طالب (عليهالسلام ) على يدي عمر بن سعد مع من قتل بين يديه من أهل بيته ؟ ألم يخرج بحرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) سبايا حتّى ورد بهنَّ على يزيد بن معاوية، وقبل مقدمهن بعث إليه برأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) - قد ثقب دماغه - على رأس رمح , يُطاف به كور الشام ومدائنها حتّى قدموا به على يزيد بدمشق , كأنما بعث إليه برأس رجل من أهل الشرك ؟
ثمّ أوقف حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) موقف السبي , يتصفحهنَّ جنود أهل الشام الجفاة الطغام، ويطلبون منه أن يهب لهم حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؛ استخفافاً بحقِّه (صلىاللهعليهوآله ) , وجرأة على الله عزَّ وجلَّ، وكفراً لأنعمه ؟ فما الذي استبقيتم منَّا أهل البيت لو عدلتم فيه علينا(١) ؟!
صلبه رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) ثلاثة أيام في دمشق
قال الذهبي : أحمد بن محمّد بن يحيى بن حمزة : حدّثني أبي عن أبيه، قال : أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال : رأيت امرأة من أجمل النساء وأعقلهن يقال لها :
____________________
(١) مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٢٤٧، و ط دار الأعلمي ٣ / ٢٧٣ , ذكر هذا في ابتداء أمر الدولة العباسية , تحت عنوان (بنات مروان بين يدي صالح بن علي).
ريّا، حاضنة يزيد، يقال : بلغت مئة سنة. قالت : دخل رجل على يزيد فقال : أبشر، فقد أمكنك الله من الحسين، وجئ برأسه.
قال : فوضع في طست، فأمر الغلام فكشف، فحين رآه خمر وجهه كأنه شم منه , فقلت لها : أقرع ثناياه بقضيب ؟ قالت : إي والله.
ثم قال حمزة : وقد حدّثني بعض أهلنا أنه رأى رأس الحسين (عليهالسلام ) مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام.
وحدثتني ريّا أنّ الرأس مكث في خزائن السلاح حتّى ولي سليمان، فبعث فجيء به وقد بقي عظماً أبيض، فجعله في سفط وطيّبه , وكفّنه ودفنه في مقابر المسلمين , فلمـّا دخلت المسوّدة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صنع به. وذكر باقي الحكاية وهي قوية الإسناد(١) .
وقد تقدم هذا في المقتل في أحداث الشام , ويأتي في (موضع رأس الإمام الحسين (عليهالسلام ) ).
منعه حقّ أهل البيت (عليهمالسلام )
قال البيهقي : (وأخبرنا) أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد أحمد بن محمّد بن يحيى بن بلال، ثنا يحيى بن الربيع المكي، ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن ذي القربى مَن هم , وسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل لهما من المغنم شيء , وكتب يسأله عن قتل الولدان.
فقال : اكتب يا يزيد , لولا أن يقع في
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٩ , وروى صلب الرأس في مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٨١ - ٨٢، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٢٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٦٠.
أحموقة ما كتبت إليه ؛ سألت عن ذي القربى مَن هم , فزعمنا أنا نحن هم فأبى ذلك علينا قومنا، وكتبت تسأل عن العبد والمرأة يحضران المغنم , ليس لهما شيء إلّا أن يحذيا، وكتبت تسأل عن الولدان , فإنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لم يقتلهم، وأنت لا تقتلهم إلّا أن تعلم منهم ما علم صاحب موسى من الغلام , وسألت عن اليتيم متى ينقضي يتمه , وينقضي يتمه إذا اُونس منه الرشد.
رواه مسلم في الصحيح عن ابن أبي عمر وغيره , عن سفيان (قال الشافعي) : يجوز أن يكون ابن عباس عنى بقوله : فأبى ذلك علينا قومنا , غير أصحاب النبي (صلىاللهعليهوآله ) يزيد بن معاوية وأهله(١) .
وقال النووي : وقد قال الشافعيرحمهالله : يجوز أنّ ابن عباس أراد بقوله : أبى ذلك علينا قومنا , من بعد الصحابة , وهم يزيد بن معاوية , والله أعلم...(٢) .
يزيد بن معاوية قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
إنّ لكلّ حزب أنصاراً , ولكل رئيس أعواناً يتبعونه ويسيرون على نهجه، وقد سخّر الشيطان حزباً ليزيد بن معاوية يسرون على نهجه ويمدحونه ويذّبون عنه كي لا يمسّ بكلمة سوء ؛ فأخذت ثلة على نفسها بالدفاع عنه وتبرئ ساحته من كل عيب ونقص، وكلٌّ بحسب طاقته وقربه من سيده ومولاه يزيد بن معاوية.
فهؤلاء إمّا غير عالمين , وواقعهم وهم لا يقبلون بذلك , أو منافقون أرادوا نصرة أعداء الدين ومعادة أنصاره.
____________________
(١) السنن الكبرى - البيهقي ٦ / ٣٤٥.
(٢) شرح مسلم - النووي ٢١ / ١٩٢.
قال سبط ابن الجوزي : وقال جدي : وصنف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان من يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد , وقال في الكتاب المذكور : الممتنع من جواز لعن يزيد إمّا أن يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك، وربما استفز (استغر) الجهال بقوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( المؤمن لا يكون لعّاناً)).
قال القاضي : وهذا محمول على مَن لا يستحق اللعن(١) .
نذكر أقول بعض مَن صرّح بقتل يزيد بن معاوية (لعنه الله) الإمامَ الحسين (عليهالسلام )
قول ابن عباس
روى الفسوي جواب ابن عباس (رحمهالله ) لكتاب يزيد بن معاوية مخاطباً له قائلاً : [...] وقد قتلت حسيناً (رض) وفتيان عبد المطلب , مصابيح الهدى ونجوم الأعلام، غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد , مزمَّلين بالدماء , مسلوبين بالعراء , لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفوا عليهم الرياح، وتنتابهم عرج الضباع، حتّى أتاح الله عزَّ وجلَّ لهم [قوماً] لم يشركوا في دمائهم , كفّنوهم وأجنّوهم، وبي وبهم والله غررت، وجلست مجلسك الذي جلست.
فما أنسى من الأشياء فلست بناسٍ إطرادك حسيناً (رض) من حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى حرم الله عزَّ وجلَّ، وتسييرك إليه الرجال لقتله في الحرم، فما زلت بذلك وعلى ذلك حتّى أشخصته من مكّة إلى العراق، فخرج خائفاً يترقّب، فتزلزلت به خيلك ؛ عداوة منك لله عزَّ وجلَّ ولرسوله (صلىاللهعليهوآله ) , ولأهل بيته (عليهمالسلام ) الذين أذهب الله
____________________
(١) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٥٧ - ٢٥٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اُولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة أكباد الحمير. فطلب إليكم الموادعة , وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلّة أنصاره , واستئصال أهل بيته، فتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك(١) .
قول الخليفة العباسي
ما قال الخليفة العباسي في ذمِّ بني اُميّة حتّى وصل إلى يزيد بن معاوية وذكر فيه ما ذكر , قال : ثمَّ من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي (عليهالسلام ) , وابن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , مع موقعه من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة ؛ اجتراءً على الله , وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتثّ أصله وفرعه , وسلبه ما تحت يده، وأعد
____________________
(١) المعرفة والتاريخ ١ / ٥٣١، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٨٥، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٢٤ / ٢٤٣ بطريق مختلف، المعجم الكبير - الطبراني ١٠ / ٢٤٢ بسند آخر. وذكره سبط ابن الجوزي عن (الواقدي وهشام وابن إسحاق وغيرهم , قالوا : لمـّا قتل الحسين... إلخ، وساق ما جرى بينهما). تذكرة الخواصّ / ٢٤٧ , طبعة منشورات الشريف الرضي، اليعقوبي (تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٤٧ - ٢٥٠) , وتقدّم ذكرها مفصلة في مواقف ابن عباس رضوان الله عليه عند خروج الحسين (عليهالسلام ) من مكّة , وتأتي أيضاً.
له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته...(١) .
قول معاوية بن يزيد
ذكر اليعقوبي والدميري , وابن حجر الهيتمي والقندوزي - واللفظ للأوّل - : فخطب ( معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان قائلاً ) [...] ثمَّ قلَّد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلّت منعته، وانقطعت مدّته، وصار في حفرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه.
ثم بكى وقال : إنّ أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة، وحرق الكعبة، وما أنا المتقلد اُموركم، ولا المتحمل تبعاتكم، فشأنكم أمركم ؛ فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظّاً، وإن تكن شرّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها(٢) .
قول أحمد بن حنبل
قال محمّد رضا قال : وقال الإمام ابن حنبل بكفر يزيد , ونقل صالح بن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما ، قال : قلت لأبي : يا أبتِ : أتلعن يزيد ؟ فقال : يا بني , كيف لا نلعن مَن لعنه الله تعالى في ثلاث آيات من كتابه العزيز ؛ في الرعد والقتال والأحزاب. قال تعالى :( والَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥ / ٦٢٣، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١٥ / ١٧٨. وأذكر ما نقله الطبري من خبائث معاوية من كتاب الخلفية العباسي الذي قال عنه الذهبي بأمير المؤمنين في ترجمة أبيه الموفق ١٣ / ١٦٩ في سير أعلام النبلاء.
(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٤، حياة الحيوان ٢ / ٨٨ الإوز، الصواعق المحرقة / ٢٢٤ , وفي ط / ١٣٤، ينابيع المودة ٣ / ٣٦.
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ اُولئك لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) ، وأي قطيعة أفظع من قطيعته (صلىاللهعليهوآله ) في ابن بنته الزهراء.
وقال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (٢) ، وأي أذية له (صلىاللهعليهوآله ) فوق قتل ابن بنته الزهراء ؟
وقال تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* اُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (٣) , وهل بعد قتل الحسين (رض) إفساد في الأرض أو قطيعة للأرحام ؟!(٤) .
قول الشهاب الآلوسي
قال الشهاب الآلوسي : (وبعد ما ذكر المباني في اللعن) قال : وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد ؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه. ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة ؛ فقد روى الطبراني بسند حسن : ( اللّهمَّ مَن ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه , وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , لا يقبل منه صرف ولا عدل )
____________________
(١) سورة الرعد / ٢٥.
(٢) سورة الأحزاب / ٥٧.
(٣) سورة محمّد / ٢٢ - ٢٣.
(٤) الحسن والحسين سبطا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - لمحمد رضا أمين , مكتبة جامعة فؤاد الأوَّل سابقاً , في كتابه / ١٤٣ , ط دار الكتب العلمية - بيروت , نقلاً عن إحقاق الحق ٣٣ / ٦٦٦.
والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت (عليهمالسلام )، ورضاه بقتل الحسين على جدّه وعليه الصلاة والسّلام، واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته ممّا تواتر معناه وإنْ كانت تفاصيله آحاداً...(١) .
قول ابن الجوزي
وقال المناوي : قيل لابن الجوزي وهو على كرسي الوعظ : كيف يُقال : يزيد قتل الحسين (عليهالسلام ) وهو بدمشق، والحسين (عليهالسلام ) بالعراق ؟ فقال :
سهمٌ أصاب وراميه بذي سلمٍ |
مَن بالعراق لقد أبعدت مرماكا(٢) |
قول التفتازاني
قال المناوي : قال التفتازاني : الحقّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين (عليهالسلام ) وإهانته أهل البيت (عليهمالسلام ) ممّا تواتر معناه وإنْ كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه , بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
قال الزين العراقي : وقوله : بل في إيمانه , أي بل لا يتوقف في عدم إيمانه , بقرينة ما قبله وما بعده(٣) .
____________________
(١) روح المعاني - تفسير الآلوسي ٢٦ / ٧٢.
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ١ / ٢٦٥ , شذرات الذهب - العكري الدمشقي ١ / ٦٨ , وفي ط / ١٢٢ , دار الكتب العلمية.
(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٣ / ١٠٩.
قول الذهبي
قال الذهبي : وكان ناصبياً فظاً، غليظاً جلفاً , يتناول المسكر ويفعل المنكر , افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين(عليهالسلام )، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس , ولم يُبارك في عمره. وخرج عليه غير واحد بعد الحسين (عليهالسلام ) ؛ كأهل المدينة قاموا لله، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق(١) .
قول الجاحظ
قال الجاحظ : إنّ الجرائم التي ارتكبها يزيد ؛ من قتله للإمام الحسين (عليهالسلام ) , وأخافته لأهل المدينة، وخرابه الكعبة، وأسره لبنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وضربه ثنايا الحسين (عليهالسلام ) بالعصا، ألا تُعدُّ دليلاً على قساوته وعداوته وكرهه وحقده وعناده ونفاقه، أم أنها تدل على محبّته وإخلاصه للنبي وآله (عليهمالسلام ) ؟!
ثم إنه قال : وعلى أيٍّ حال فهذه الأعمال مصداق لفسقه وضلاله ؛ فهو فاسق ملعون، وكلُّ مَن منع من لعنه فهو ملعون(٢) .
وقال الجاحظ : ثمَّ الذي كان من يزيد ابنه , ومن عُمَّاله وأهل نُصرته، ثمَّ غزو مكّة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين (عليهالسلام ) في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتْباعه، والرجوع إلى داره
____________________
(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٧.
(٢) رسائل الجاحظ / ٢٩٨.
وحرمه، أو الذَّهاب في الأرض حتّى لا يُحسَّ به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلّا قَتْله والنُّزول على حكمهم. وسواء قتل نفسه بيده أو أسلمها إلى عدوِّه , وخُيَّر فيها من لا يبرد غليله إلّا بُشرْب دمه(١) .
قول المنّاوي
قال المنّاوي :... ومن مجازفات ابن العربي أنّه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر ؛ لأنّه عاب لبسة لبسها رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وقتل بفتياه كما ذكره في المطامح، وهذا تهوّر غريب، وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب، وسيخاصمه هذا القتيل غداً، ويبوء بالخزي من اعتدى.
وليس ذلك بأوِّلِ عجرفة لهذا المفتي وجرأته وإقدامه ؛ فقد ألّف كتاباً في شأن مولانا الحسين (عليهالسلام ) وكرَّم وجهه، وأخزى شانئه , زعم فيه أنّ يزيد قتله بحقٍّ بسيف جدِّه، نعوذ بالله من الخذلان...(٢) . وغير هؤلاء الكثير الكثير ممّن صرّحوا بقتل يزيد لعنه الله للإمام الحسين (عليهالسلام ).
اعتراف ابن زياد بأنّ قتله الإمام الحسين (عليهالسلام ) طاعة لإمامه يزيد عليه اللعنة
روى الدينوري قال : ولمـّا أتى على عبيد الله أيام، وأمن الطلب، قال لمسعود بن عمرو والحارث بن قيس : إنّ الناس قد سكنوا ويئسوا مني، فاعملا في إخراجي من البصرة لألحق بالشام. فاكتريا له رجلاً من بني يشكر أميناً هادياً بالطريق، وحملاه على
____________________
(١) رسائل الجاحظ / ٤٦٥ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) الجامع الصغير للسيوطي ١ / ٣٦٥، فيض القدير - المناوي ٥ / ٢٤٦.
ناقة مهرية، وقالا لليشكري : عليك به , لا تفارقه حتّى توصله إلى مأمنه بالشام. فخرج وخرجا معه مشيّعين له في نفرٍ من قومهما ثلاثة أيام، ثمَّ ودّعاه وانصرفا.
قال اليشكري : فبينا نحن نسير ذات ليلة إذ استقبلنا عير وحاد يحدو فيها، ويقول :
يا ربِّ ربَّ الأرض والعبادِ |
العن زياداً وبني زيادِ |
|
كم قتلوا من مسلمٍ عبَّادِ |
جَمَّ الصلاةِ خاشعِ الفؤادِ |
يكابدُ الليلَ من السُّهَادِ
فلمـّا سمع عبيد الله ذلك فزع، وقال : عُرف مكاني. فقلت : لا تخف، فليس كلّ من ذكرك يعلم موضعك. ثمَّ سرنا فأطرق طويلاً وهو على ناقته، فظننت أنه نائم، فناديته : يا نومان. فقال : ما أنا بنائم، ولكنِّي مفكّر في أمر. قلت : إنّي لأعلم الذي كنت مفكراً فيه. فقال : هاته إذاً.
قلتُ : ندمتَ على قتلك الحسين بن علي (عليهالسلام )، وفكّرت في بنائك القصر الأبيض بالبصرة، وما أنفقت عليه من الأموال، ثمَّ لم يقض لك التمتع به، وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من أهل البصرة بالظنة والتوهم.
قال عبيد الله : ما أصبت يا أخا بني يشكر شيئاً ممّا كنتُ مفكراً فيه ؛ أمّا قتلي الحسين فإنه خرج على إمام واُمّة مجتمعة، وكتب إليَّ الإمام يأمرني بقتله ؛ فإن كان ذلك خطأً كان لازماً ليزيد ؛ وأّما بنائي القصر الأبيض، فما فكرتي في قصر بنيته للإمام بأمره وماله...(١) .
يزيد بن معاوية يحمد الله على قتله الإمام الحسين (عليهالسلام )... وهو متّبع لأبيه معاوية
روى الخوارزمي قال : أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، أخبرنا
____________________
(١) الأخبار الطوال - اليدنوري / ٢٨٤.
الفقيه أبو الحسن علي بن أبي طالب الفرزادي بالرّي , أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين السمان الرازي، أخبرني عمِّي الشيخ الزاهد أبو سعيد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي، أخبرني أبو الحسين عبيد الله بن أحمد بن محمّد بن أبي خرسان (بقراءتي عليه) , حدّثني محمّد بن عبد الله بن عتاب، حدّثني الحارث بن محمّد بن أبي أسامة، حدّثني محمّد بن سعد، أخبرني محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عكرمة بن خالد قال : اُتي برأس الحسين (عليهالسلام ) إلى يزيد بن معاوية بدمشق فنُصب، فقال يزيد : عليَّ بالنعمان بن بشير.
فلمـّا جاء قال : كيف رأيت ما فعل عبيد الله ؟ قال : الحرب دول. فقال : الحمد الله الذي قتله. قال النعمان : قد كان أمير المؤمنين - يعني معاوية - يكره قتله. فقال : ذلك قبل أن يخرج، ولو خرج على أمير المؤمنين والله لقتله إن قدر. قال النعمان : ما كنت أدري ما كان يصنع ؟!
ثم خرج النعمان، فقال : هو كم ترون إلينا منقطع وقد ولاّه أمير المؤمنين ورفعه، ولكن أبي كان يقول : لم أعرف أنصارياً قطّ إلّا يحبُّ عليّاً وأهله، ويبغض قريشاً بأسرها(١) .
تقريبه ابن زياد لقتله الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال المسعودي : وكان يزيد صاحب طرب , وجوارح وكلاب , وقرود وفهود , ومنادمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه وعن يمينه ابن زياد , وذلك بعد قتل الحسين (عليهالسلام )، فأقبل على ساقيه فقال :
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٦٦.
اسقني شربةً تروِّي مشاشي |
ثمَّ مِلْ فاسقِ مِثْلَها ابنَ زيادِ |
|
صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي |
ولتسديدِ مغنمي وجهادي |
ثم أمر المغنّين فغنّوا به(١) .
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ : قلت : والذي يدل على هذا(٢) أنه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أمولاً كثيرة، وتحفاً عظيمة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وجعله نديمه. وسكر ليلة وقال للمغني : غَنِّ. ثمَّ قال يزيد بديهياً :
اسقني شربةً تروِّي فؤادي |
ثمَّ مِلْ فاسقِ مثلَها ابنَ زيادِ |
|
صاحبَ السرِّ والأمانةِ عندي |
ولتسديدِ مغنمي وجهادي |
|
قاتِلَ الخارجيّ أعني حسيناً |
ومبيدَ الأعداءِ والحسّادِ(٣) |
قال الشبراوي : قال أبو الفضل : وبعد أن وصل الرأس الشريف إلى دمشق، وضعت في طست بين يدي يزيد، وصار يضرب ثناياه الشريفة بقضيب , ثمَّ أمر بصلبه , فصُلب ثلاثة أيام بدمشق، وشكر لابن زياد صنيعه، وبالغ في إكرامه ورفعته حتّى صار يدخل على نسائه، ثمَّ ترك الرأس الشريف بعد صلبه في خزانه السلاح...(٤) .
____________________
(١) مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٦٧ , طبعة دار الهجرة.
(٢) أي على وجود الأحقاد البدريّة والخيبرية، ووجوب اللعنة عليه.
(٣) تذكرة الخواصّ / ٢٦٠ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
(٤) الإتحاف بحب الأشراف - الشبراوي / ٦٩ - ٧٠.
أمره ابن زياد بزيادة عطاء أهل الكوفة ؛ لقتلهم الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى البلاذري قال : وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي , عن مجالد بن سعيد قال : كتب يزيد إلى ابن زياد : أمّا بعد , فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في اُعطياتهم مئة مئة(١) .
الروايات الواردة في مَن تعدّى على أهل المدينة
أقول : تقدّم في أوَّل الكتاب في بيان ما يتعلق بأهل البيت (عليهمالسلام ) بأنّ حبَّهم حسنة وبغضهم سئية، وأنّ محبَّهم إلى الجنة وأنّ مبغضهم إلى النار، وأنّ الأعمال لا تقبل إلّا بولايتهم، وأنّ حربهم حرب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) و...... وغير ذلك، فهل بعد هذا يحقّ لمسلم أن يدافع عن يزيد بن معاوية الذي وردت في لعنه وكفره روايات ؟
بل يكفيه بغضه ومحاربته لرسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؛ وذلك لما صحَّ بأن المحارب والمبغض لأهل البيت(عليهمالسلام ) مبغض ومحارب لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )، حتّى وصلت الجرأة فيهم إلى أنهم يذمّون خروج مَن حربه حرب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ومَن سلمه سلمه , وغيره ممّا ثبتت به الروايات المتظافرة المتواترة !
ولا عجب في دفاع هؤلاء عن يزيد بن معاوية وأمثاله ؛ إذ بعد معرفة نصبهم العداء لأهل البيت (عليهالسلام ) يزول هذا العجب، وإلّا ما هو المبرر للدفاع عن ملعون ناصبي فعل ما فعل في العترة النبوية الطاهرة إلّا الاعتقاد بإمامته لهم ؟! وهذا الذهبي يصرح بنصبه(٢) , وتقدم ويأتي ما يثبت كفره وغيره من خساسته ودناءته.
فعلى الأقل إنّ مثل هذا يذم ويبغض لتعديه على أهل المدينة ؛ فقد جاءت
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٢٠.
(٢) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٧ : قلت :... وكان (يزيد) ناصبياً فظاً، غليظاً جلفاً , يتناول المسكر ويفعل المنكر , افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين (عليهالسلام )، واختتمها بواقعة الحرة...
ويقول المعلق على قوله ناصبياً : من (الناصبية) , وهم المنافقون المتديّنون ببغضة علي (رض) ؛ سُمّوا بذلك لأنهم نصبوا له وعادوه.
الروايات الصحيحة أيضاً بأنّ مَن أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , وغير ذلك. وممّا لا شك فيه أن الحسين (عليهالسلام ) وأغلب أصحابه [هم] من أهل المدينة.
فقد روى الهيثمي قال : وعن عبادة بن الصامت، عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنه قال : (( اللّهمَّ مَن ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل )). رواه الطبراني في الأوسط والكبير , ورجاله رجال الصحيح(١) .
وفي مسند ابن حنبل قال : حدّثنا عبد الله , حدّثني أبي، ثنا عفان قال : ثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن عطاء بن يسار، عن السائب بن خلاد أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن أخاف أهل المدينة أخافه الله عزَّ وجلَّ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً ))(٢) .
قال الهيثمي : عن جابر بن عبد الله أنّ أميراً من اُمراء الفتنة قدم المدينة، وكان قد ذهب بصر جابر، فقيل لجابر : لو تنحّيت عنه. فخرج يمشي بين ابنيه , فنكب فقال : تعس مَن أخاف رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). فقال ابناه أو أحدهما : يا أبت , وكيف أخاف رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقد مات ؟ قال : سمعت
____________________
(١) مجمع الزوائد - الهيثمى ٣ / ٣٠٦ , وفي ط / ٦٥٨.
(٢) مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل ٤ / ٥٥.
رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( مَن أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي )). رواه أحمد , ورجاله رجال الصحيح(١) .
وروى ابن أبي شيبة الكوفي , حدّثنا ابن نمير، عن هشام بن هاشم، عن عبد الله بن بسطام، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( مَن أخاف أهل المدينة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. مَن أخافها فقد أخاف ما بين هذين )) , وأشار إلى ما بين جنبيه(٢) .
قال الصالحي الدمشقي : روى الطبراني برجال الصحيح , عن أبي اُمامة، وعن علي (عليهالسلام ) أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن أحدث في مدينتي هذه حدثاً , أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ))(٣) .
وروى أبو بكر : حدّثنا محمّد بن سعد، ثنا أبو ضمرة، حدّثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، عن عبد الله بن نسطاس، عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( مَن أخاف أهل المدينة، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. مَن أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين هذين )) يعني قلبه(٤) .
وروى مسلم قال :
____________________
(١) مجمع الزوائد - الهيثمى ٣ / ٣٠٦ , وفي ط / ٦٥٨.
(٢) المصنف - ابن أبي شيبة الكوفي ٧ / ٥٥١.
(٣) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٣ / ٣١٢.
(٤) بغية الباحث - الحارث بن أبي أسامة / ١٣١.
حدّثني محمّد بن حاتم وإبراهيم بن دينار، قالا : حدّثنا حجاج بن محمّد ح.
وحدثني محمّد بن رافع حدّثنا عبد الرزاق كلاهما، عن ابن جريج , أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس، عن أبي عبد الله القراظ أنه قال : أشهد على أبي هريرة أنه قال : قال أبو القاسم (صلىاللهعليهوآله ) : (( مَن أراد أهل هذه البلدة بسوء - يعني المدينة - أذابه الله كما يذوب الملح في الماء ))(١) .
وقال النووي في الشرح : قوله (صلىاللهعليهوآله ) ( ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلّا أذابه الله في النار ذوب الرصاص , أو ذوب الملح في الماء ).
قال القاضي : هذه الزيادة، وهي قوله : في النار , تدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها هذه الزيادة، وتبين أنّ هذا حكمه في الآخرة.
قال : وقد يكون المراد به : مَن أرادها في حياة النبي (صلىاللهعليهوآله ) كُفي المسلمون أمره , واضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار.
قال : وقد يكون في اللفظ تأخير وتقديم , أي أذابه الله ذوب الرصاص في النار. ويكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله، ولا يمكّن له سلطان , بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن مَن حاربها أيام بني اُميّة مثل مسلم بن عقبة ؛ فإنّه هلك في منصرفه عنها، ثمَّ هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك، وغيرهما ممّن صنع صنيعهما(٢) .
____________________
(١) صحيح مسلم - مسلم النيسابوري ٤ / ١٢١ , رواه بأكثر من رواية , وفي ط دار ابن حزم - مكتبة المعارف ٢ / ٨١٧.
(٢) شرح مسلم - النووي ٩ / ١٣٧.
واقعة الحرّة
وصية يزيد بن معاوية لمسلم بن عقبة (عليهما لعائن الله) في أهل المدينة
قال المسعودي : وامتنع ابن الزّبير من بيعة يزيد - وكان يسمّيه السكّير الخمّير - وأخرج عامله عن مكّة، وكتب إلى أهل المدينة ينتقصه ويذكر فسوقه، ويدعوهم إلى معاضدته على حربه وإخراج عامله عنهم. وأخرج أهل المدينة عامله ومروان بن الحكم وولده وغيرهم من بني اُميّة، وسيّروهم إلى الشام ؛ فبعث إليهم يزيد مسلم بن عقبة المرّي في أربعة آلاف، ومعه زفر بن الحارث الكلابي , وحبيش بن دلجة القيني، والحصين بن نمير الكندي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وغيرهم من رؤساء الأجناد.
وخرج يزيد مشيِّعاً لهم وموصياً , فقال لمسلم بن عقبة فيما وصّاه به : إن حدث بك حدث فالأمر إلى الحصين بن نمير، وإذا قدمت إلى المدينة فمن عاقك عن دخولها , أو نصب لك حرباً، فالسيف السيف، ولا تبقي عليهم، وانتهبها عليهم ثلاثاً , وأجهز على [جريحهم]، واقتل مدبرهم. وإن لم يعرضوا لك، فامضِ إلى مكّة فقاتل ابن الزّبير , فأرجو أن يظفرك الله به.
وأنشأ يزيد يقول والرايات تمر، وقد علا على نشر من الأرض، وأحاطت به الخيول :
أبلغ أبا بكرٍ إذ الأمرُ انبرى |
وانحطّت الراياتُ من وادي القرى |
|
أجمعُ سكرانٍ من القوم ترى |
أم جمعُ يقظانٍ نفى عنه الكرى |
وكان ابن الزّبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب، وسار مسلم إلى المدينة، وقد احتفر أهلها خندق رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الذي كان قد حفره يوم الأحزاب، وشكّوا المدينة بالحيطان، وقال شاعرهم مخاطباً ليزيد :
إن بالخندقِ المكلّل بالمجـ |
د لَضَرْباً يبدي عن النشواتِ |
|
لستَ منَّا وليس خالُكَ منَّا |
يا مُضِيعَ الصلاة للشهواتِ |
|
فإذا ما قتلتَنا فتنصَّرْ |
واشربِ الخمرَ واتْرُكِ الجُمُعَاتِ |
فالتقوا بالحرة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٦٣، وكان على قريش وحلفائهم ومواليهم عبد الله بن مطيع العدوي , ابن عم عمر بن الخطاب، وعلى الأنصار وسائر الناس عبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الأنصاري ثمَّ الأوسي، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل عبد الله بن حنظلة في عدة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم , ومواليهم وحلفائهم , وغيرهم من ذلك من قريش والأنصار نحو من سبعمئة رجل، ومن سائر الناس من الرجال والنساء والصبيان نحو من عشرة آلاف فيما ذكر محمّد بن عمر الواقدي صاحب المغازي والسير، وقيل دون ذلك وأكثر(١) .
وقال ابن حجر : (أبي داود في المراسيل) : يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن اُميّة بن عبد شمس أبو خالد. ولد في خلافة عثمان، وعهد إليه أبوه بالخلافة فبويع سنة ستّين، وأبى البيعة عبد الله بن الزّبير ولاذ بمكة ,
____________________
(١) التنبيه والإشراف - المسعودي / ٢٦٣.
والحسين بن علي (عليهالسلام ) ونهض إلى الكوفة، وأرسل ابن عمِّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليهالسلام ) ليبايع له بها، فقتله عبيد الله بن زياد , وأرسل الجيوش إلى الحسين (عليهالسلام ) فقُتل كما تقدم في ترجمته سنة إحدى وستين.
ثم خرج أهل المدينة على يزيد وخلعوه في سنة ثلاث وستين، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المرّي وأمره أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، وأن يبايعهم على أنهم خول وعبيد ليزيد، فإذا فرغ منها نهض إلى مكّة لحرب ابن الزّبير، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة، وقتل بها خلقاً من الصحابة وأبنائهم وخيار التابعين، وأفحش القضية إلى الغاية، ثمّ توجّه إلى مكّة فأخذه الله تعالى قبل وصوله، واستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني، فحاصروا ابن الزّبير، ونصبوا على الكعبة المنجنيق، فأدّى ذلك إلى وَهِي أركانها ووهي بنائها، ثمَّ اُحرقت. وفي أثناء أفعالهم القبيحة فجئهم الخبر بهلاك يزيد بن معاوية فرجعوا(١) .
قال ابن عبد المنعم الحميري :
الحرة : حرة مدينة النبي (صلىاللهعليهوآله ) , تعرف بحرة واقم , فيها كانت الوقيعة الشنيعة بأهل المدينة، وذلك أنه لما شمل الناس جور يزيد بن معاوية وعماله , وعمّهم ظلمهم، وما ظهر من فسقه من قتله ابن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وأنصاره , وما أظهر من شرب الخمور , وسار بها فرعونية، أخرج أهل المدينة عامله عليهم عثمان بن محمّد بن أبي سفيان لمروان بن الحكم وسائر بني اُميّة، وذلك عند تنسّك ابن الزّبير، وإظهاره الدعاء لنفسه سنة ثلاث وستين , وكان إخراجهم لمن ذكرناه عن إذن ابن الزّبير.
واغتنمها مروان منهم ؛ إذ
____________________
(١) تهذيب التهذيب - ابن حجر ١١ / ٣١٦.
لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزّبير، فحثّوا السير نحو الشام، ونمي فعل أهل المدينة ببني اُميّة ومَن معهم إلى يزيد , فسيّر إليهم جيوش أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المرّي الذي أخاف المدينة ونهبها وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد يزيد , وسمّاها نتنة ؛ مناقضة لتسمية رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لها طيبة , وقال : (( مَن أخاف المدينة أخافه الله )) , فسمّي مسلم هذا بمجرم ومسرف ؛ لما كان من فعله.
وقال يزيد حين عرض هذا الجند :
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى |
وأشرف القومُ على وادي القرى |
أجمعُ سكرانٍ من القوم ترى
يريد بهذا القول عبد الله بن الزّبير، وكان يكنّى أبا بكر , ويسمّى يزيد السكران الخمير، وكتب لابن الزّبير :
ادعُ إلهك في السماء فإنني |
أدعو عليك رجالَ عكٍّ وأشعرِ |
|
كيف النجاةُ أبا خُبيبٍ منهمُ |
فاحتل لنفسك قبل مأتى العسكرِ |
ولمـّا انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة , وعليهم مسلم، خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد الله بن مطيع العدوي , وعبد الله بن حنظلة الأنصاري، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها خلق من الناس من بني هاشم وسائر قريش , والأنصار وغيرهم من سائر الناس. وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد , ومَن أبى ذلك أمره مسلم على السيف , غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد (عليهالسلام ) , وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
وفي وقعة الحرّة يقول محمّد بن أسلم :
فإن تقتلونا يومَ حرة واقمٍ |
فنحنُ على الإسلامِ أوّل مَن قُتلْ |
|
ونحن تركناكم ببدرٍ أذلّةٍ |
واُبنا بأسيافٍ لنا منكمُ نفلْ |
ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد (عليهالسلام ) وقد لاذ بالقبر الشريف وهو يدعو , فاُتي به مسرف وهو مغتاظ عليه , متبرم منه ومن آبائه، فلما رآه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه , وقال له : سلني حوائجك. فلم يسأله في أحد ممّن قُدّم للسيف إلّا شفّعه فيه , وانصرف، فقيل لعلي (عليهالسلام ) : رأيناك تحرك شفتيك , فما الذي قلت ؟ قال : قلت : (( اللّهمَّ ربَّ السماوات السبع وما أظللنَ , والأرضين السبع وما أقللنَ , وربّ العرش العظيم , وربّ محمّد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شرّه , وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره وتكفيني شره )).
وقيل لمسلم : رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه , فلما اُتي به إليك رفعت منزلته ! قال : ما كان ذلك برأي مني , ولقد مُلئ قلبي منه رعباً.
وأمّا علي بن عبد الله بن العباس فإنّ أخواله من كندة منعوه منه , واُناس من ربيعة كانوا في جيشه , فقال علي في ذلك :
أبي العباسُ قرمُ بني لؤيٍّ |
وأخوالي الملوكُ بنو وليعهْ |
|
همُ منعوا ذماري يومَ جاءتْ |
كتائبُ مسرفٍ وبنو اللكيعهْ |
|
أراد بيَ التي لا عزَّ فيها |
فحالت دونَه أيدي ربيعهْ |
ونزل بأهل المدينة من القتل والنهب , والسرق والسبي وشبه ذلك أمر عظيم.
ثم خرج عنها يريد مكّة في جنوده ليوقع بابن الزّبير وأهل مكّة بأمر يزيد، وذلك سنة أربع وستين، فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف لعنه الله، فاستخلف على الجيش الحصين بن نمير حتّى أتى مكّة في محرم سنة أربع وستين، فحاصر مكّة وأحاط بها، وعاذ ابن الزّبير بالبيت الحرام , وسمّى نفسه العائذ بالبيت.
ونصب الحصين المجانيق والعرادات على مكّة والمسجد من الجبال والفجاج، فتواترت أحجار المجانيق والعرادات على البيت , ورُمي مع الأحجار النار والنفط ومشاقات الكتان فانهدمت الكعبة، ووقعت صاعقة فأحرقت
من أصحاب المجانيق أحد عشر رجلاً، واشتد الأمر على أهل مكّة وابن الزّبير إلى أن بلغت الحصين وفاة يزيد بالشام فانحلت العزيمة، ثمَّ كانت بينه وبين ابن الزّبير مخاطبات , فآل الأمر إلى أن انصرف عنه إلى الشام(١) .
وصية معاوية لابنه يزيد في أهل المدينة , وهلاك مسلم بن عقبة
روى ابن عساكر والهيثمي - واللفظ للأوّل - قال : أنبأنا أبو علي الحداد، أنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن أحمد بن ريذة، أنا سليمان بن أحمد الطبراني، نا علي بن المبارك الصنعاني، نا زيد بن المبارك , حدّثني عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري , أخبرني محمّد بن سعيد (يعني ابن رمانة)(٢) أنّ معاوية لمـّا حضره الموت قال ليزيد بن معاوية : قد وطأت لك البلاد , وفرشت لك الناس، ولست أخاف عليك إلّا أهل الحجاز ؛ فإن رابك منهم ريبة فوجّه إليهم مسلم بن عقبة المرّي ؛ فإنّي قد جرّبته غير مرة، فلم أجد له مثلاً في طاعته ونصيحته.
فلمـّا جاء يزيدَ بنَ معاوية خلافُ ابن الزّبير ودعاؤه إلى نفسه دعا مسلم بن عقبة المرّي، وقد أصابه الفالج، فقال : إنّ أمير المؤمنين عهد إليَّ في مرضه إن رابني من أهل الحجاز ريب أن اُوجّهك إليهم، وقد رابني. فقال : إني كما ظن أمير المؤمنين ؛ اعقد لي وعبّئ الجيوش.
قال : فورد المدينة، فأباحها ثلاثة، ثمَّ دعاهم إلى بيعة يزيد على أنهم أعبد قنّ في طاعة الله ومعصيته، فأجابوه إلى ذلك إلّا رجل واحد من قريش اُمّه اُمّ ولد، فقال له : بايع ليزيد على أنك عبد في طاعة الله
____________________
(١) الروض المعطار في أخبار الأقطار / ٩٥٥ لابن عبد المنعم الحميري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) ما بين القوسين قول الهيثمي، مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٢٤٩.
ومعصيته. قال : لا بل في طاعة الله. فأبى أن يقبل ذلك منه وقتله، فأقسمت اُمّه قسماً لئن أمكنها الله من مسلم حيّاً أو ميتاً أن تحرقه بالنار.
قال : فلمـّا خرج مسلم من المدينة اشتدت علته فمات، فخرجت اُمّ القرشي بأعبدٍ لها إلى قبر مسلم، فأمرت به أن ينبش من عند رأسه، فلمـّا وصلوا إليه إذا بثعبان قد التوى على عنقه قابضاً بأرنبة أنفه يمصّها.
قال : فكاع القوم عنه، وقالوا : يا مولاتنا , انصرفي قد كفاك الله شرّه. وأخبروها الخبر , قالت : لا، اُوافي الله بما وعدته. ثمَّ قالت : انبشوا من عند الرجلين. فنبشوا فإذا الثعبان لاوي ذنبه برجليه.
قال : فتنحّت فصلّت ركعتين، ثمَّ قالت : اللّهمَّ إن كنت تعلم أني إنما غضبت على مسلم بن عقبة اليوم لك، فخلِّ بيني وبينه.
قال : ثمَّ تناولت عوداً، فمضت في ذنب الثعبان فحرّكته , فانسل من مؤخر رأسه فخرج من القبر، ثمَّ أمرت به فاُخرج واُحرق بالنار.
أخبرنا أبو غالب محمّد بن الحسن، أنا أبو الحسن السيرافي، أنا أحمد بن إسحاق، نا أحمد بن عمران، نا موسى، نا خليفة قال : وقال علي بن محمّد : مات مسلم بن عقبة في صفر سنة أربع وستين. قال : وكان حصار حصين بن نمير خمسين يوماً حتّى مات يزيد(١) .
قال الهيثمي : رواه الطبراني , وفيه عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري , ضعّفه أبو زرعة ووثّقه ابن حبان وغيره , وابن رمانة لم أعرفه(٢) .
أقول : ومحمد بن سعيد بن رمانة ذكره ابن حبان في الثقات(٣) , وهو من
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٨٥ / ١١٣، مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٢٤٩.
(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٢٤٩، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٥٨ / ١١٤.
(٣) الثقات - ابن حبان ٩ / ٣٥.
رجال البخاري أيضاً(١) .
روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو الحسين بن الفرّاء، وأبو غالب، وأبو عبد الله ابنا البنّا قالوا : أنا أبو جعفر المعدل، أنا أبو طاهر محمّد بن عبد الرحمن، أنا أحمد بن سليمان، نا الزّبير بن بكار قال : ويزيد الذي أوقع بأهل المدينة بعث إليهم مسلم بن عقبة أحد بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، فأصابهم بالحرة بموضع يقال له : واقم , من مسجد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) على ميل , فقتل أهل المدينة مقتلة عظيمة ؛ فسمّي ذلك اليوم يوم الحرة , وأنهب المدينة ثلاثة أيام، وهو الذي يسميه أهل المدينة مسرفاً.
ثم خرج يريد مكّة وبها ابن الزّبير , فمات في طريق مكّة فدُفن على ثنية يقال لها : المشلل , مشرفة على قديد، فلمـّا ولّى عنه الجيش انحدرت إليه ليلى اُمّ ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة , فنبشته وصلبته على ثنية المشلل , وكان مسرف قتل يزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود أبا ولدها.
وفي ليلى هذه يقول يزيد بن عبد الله بن زمعة :
تقَولُ له لَيْلَى بذي الأثْلِ مَوْهِناً |
لَهِنَّ خَليلي عَنْ سِتَارةَ نازِحُ |
|
فقلتُ لَها يا لَيْلَ في النَّأْيِ فَأعلَمِيِ |
شِفاءٌ لأدْوَاءِ العَشِيرةِ صَالِحُ(٢) |
قال ابن عساكر :
____________________
(١) تهذيب التهذيب - ابن حجر ٩ / ١٦٥ قال : محمّد بن سعيد بن رمانة (بضم المهملة والتشديد) , عداده في أهل اليمن. روى عن أبيه , وروى عنه عبد الملك بن محمّد الذماري الصنعاني. وقع ذكره في أوَّل الجنائز من صحيح البخاري ضمناً , فقال : وقيل لوهب بن منبه : أليس لا إله إلّا الله مفتاح الجنة ؟ الحديث الموقوف , ووصله في التاريخ عن إسحاق بن راهويه عن عبد الملك , وهو على شرط المزّي في ذكره عبد الرحمن بن فروخ.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٨٥ / ١١٣.
قرأت على أبي غالب بن البنّا، عن أبي محمّد الجوهري، أنا أبو عمر بن حيوية، أنا سليمان بن إسحاق، نا الحارث بن محمّد، نا محمّد بن سعد، أنا محمّد بن عمر , حدّثني الضحاك بن عثمان , عن جعفر بن خارجة قال : خرج مسرف من المدينة يريد مكّة , وتبعته اُمّ ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة تسير وراء العسكر بيومين أو ثلاثة , ومات مسرف فدُفن بثنية المشلل، وجاءها الخبر، فانتهت إليه فنبشته ثمَّ صلبته على المشلل(١) .
روى البلاذري قال : حدّثنا أبو خثيمة، حدّثنا وهب بن جرير، عن جويرة , عن أشياخ أهل المدينة : أنّ أُمَّ ولد لابن زمعة لمـّا بلغها موت مسرف خرجت في عبيد لها حتّى أتت قبره فنبشته، فلمـّا رفع ما على لحده إذا أسود مثل الجمرة قد وضع فاه على فمه، فهابه الغلام الذي رفع عنه، فأحتزمت وأخذت فأساً لتضرب بها الأسود، فأنساب عن مسرف، فاستخرجته فألقته على الشجرة ثمَّ انصرفت.
وفي رواية المدائني قال : كان بمسلم النقرس، فركب بقُدَيد فرساً فسقط عنه، فوطأته الفرس فثقل ومات , فقال الشاعر :
قد خرَّ منجدلاً بِوَطْأةِ حافرٍ |
والموتُ يغشاه وَلاتَ حين أوانِ(٢) |
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٨٥ / ١١٢.
(٢) أنساب الأشراف، البلاذري ٥ / ٣٥٥.
موقف يزيد من مروان بن الحكم في واقعة الحرة
قال ابن الجوزي : قال ابن سعد : وكان مروان بن الحكم يحرّض مسلم بن عقبة على أهل المدينة، فبلغ يزيد فشكر مروان وقرّبه وأدناه ووصله(١) .
ما فعلوه بالمدينة من هتك الحرم النبوي وفضّ الأبكار...
وفي تاريخ اليعقوبي قال :... فلمـّا انتهى الخبر إلى يزيد بن معاوية وجَّه إلى مسلم بن عقبة فأقدمه من فلسطين، وهو مريض، فأدخله منزله، ثمَّ قصَّ عليه القصة , فقال : يا أمير المؤمنين , وجّهني إليهم، فوالله لأدعنَّ أسفلها أعلاها، يعني مدينة الرسول.
فوجّهه في خمسة آلاف إلى المدينة، فأوقع بأهلها وقعة الحرة، فقاتله أهل المدينة قتالاً شديداً، وخندقوا على المدينة، فرام ناحية من نواحي الخندق فتعذّر ذلك عليه، فخدع مروان بعضهم، فدخل ومعه مئة فارس، فأتبعه الخيل حتّى دخلت المدينة، فلم يبقِ بها كثير أحد إلّا قتل، وأباح حرم رسول الله حتّى ولدت الأبكار لا يُعرف مَن أولدهنَّ , ثمَّ أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيد يزيد بن معاوية، فكان الرجل من قريش يؤتى به فيقال : بايع آية أنّك عبدٌ قنٌّ ليزيد. فيقول : لا. فيضرب عنقه، فأتاه علي بن الحسين (عليهالسلام ) فقال : (( علام يُريد يزيد أن اُبايعك ؟ )).
قال : على أنّك أخٌ وابنُ عمٍّ.
فقال : (( وإن أردت أن اُبايعك على أنّي عبد قن فعلتُ )).
فقال : ما أحشمك هذا ! فلمـّا أن رأى الناس إجابة علي بن الحسين (عليهالسلام ) قالوا : هذا ابن رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________________
(١) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي ص٢٥٩ طبعة منشورات الشريف الرضي.
بايعه على ما يريد، فبايعوه على ما أراد. وكان ذلك سنة (٦٢)(١) .
بيعة أهل المدينة على أنّهم خول وعبيد ليزيد بن معاوية
روى ذلك كثير من المؤرّخين , منهم ابن قتيبة الدينوري , وخليفة بن خيّاط , وابن عساكر , وابن أبي الحديد وغيرهم(٢) .
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٠. وقد حفظ الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) أربعمئة امرأة : البصائر والذخائر / ٢٤٢٦ لأبي حيان التوحيدي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
قال : قال ابن الأعرابي : لمـّا وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المرّي لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ بن الحسين (رضوان الله عليهما) إلى نفسه أربعمئة امرأة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأةٌ من قريش : ما عشت والله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف.
وكذا في التذكرة الحمدونيّة لابن حمدون / ١١٠٧ - ١١٠٨ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة , قال : أتي رجل يسأل الحسن بن علي (عليهالسلام ) , فقال له : (( إنّ المسألة لا تصلح إلّا في غرمٍ فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة )). قال الرجل : ما جئت إلّا في إحداهن. فأمر به بمئة دينار، ثمَّ أتى أخاه الحسين (عليهالسلام ) فقال له مثل ما قال له أخوه، فأعطاه تسعة وتسعين ديناراً ؛ كره أن يساوي أخاه , ثمَّ أتى عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما فأعطاه سبعة دنانير، ولم يسأله عن شيء، فحدّثه بقصته وما جرى بينه وبينهما، فقال عبد الله : ويحك ! وأين تجعلني منهما ؟ إنهما غذيا العلم غذاء.
لمـّا وجه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضم علي بن الحسين (عليهالسلام ) إلى نفسه أربعمئة منافيّة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأة منهنّ : ما عشت والله بين أبوي بمثل ذلك التتريف.
قال الزمخشري في ربيع الأبرار / ٤٠٦ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة : لمـّا وجّه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لاستباحة أهل المدينة، ضمّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) إلى نفسه أربعمئة منافيّة بحشمهنّ يعولهنّ إلى أن تقوّض جيش مسلم، فقالت امرأة منهنّ : ما عشت والله بين أبوي مثل ذلك التتريف.
(٢) وقد تقدّم عنهم في مطاوي البحث. الإمامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الشيري ١ / ٢٣٦، الأخبار الطوال - الدينوري / ٢٦٥، تاريخ خليفة بن خياط - العصفري / ١٨٣، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٥٨ / ١٠٧، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١٥ / ٢٤٢.
قال ابن حمدون : قال أبو ميمون العبدي : رأيت أبا سعيد الخدري ممعط اللحية، فقلت له : أتعبث بلحيتك ؟ قال : لا، ولكن هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام ؛ دخلوا عليَّ زمان الحرة فأخذوا ما كان في البيت ثمَّ خرجوا، ثمَّ دخلت طائفة اُخرى فأخذوا ما كان في البيت من حلية أو متاع ثمَّ خرجوا، ثمَّ دخلت طائفة اُخرى فلم يصيبوا في البيت شيئاً، فأسفوا أن يخرجوا , فأضجعوا الشيخ وأخذ كلُّ واحد خصلةً من لحيتي، فأنا أتركها حتّى أوافي بها رب العالمين.
وجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدّته اُمّ سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه، وكان عمرو بن عثمان قال لاُمّ سلمة : أرسلي معي ابن ابنتك ولك عهد الله وميثاقه أن أرده عليك كما أخذته منك. فجاء به إلى مسلم بن عقبة , فجلس على طرف سريره، فلمـّا تقدم يزيد بن عبد الله قال : بايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خوله ممّا أفاء الله عليه بأسياف المسلمين ؛ إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرقّ.
قال له يزيد : والله لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك.
قال : والله لا تستقبلها أبداً.
فقال له عمرو بن عثمان : أنشدك الله، فإني أخذته من اُمّ سلمة بعهد الله وميثاقه أن أرده إليها.
قال : فركضه برجله فرمى به من فوق السرير , وقال : والله لو قلتها ما أقلتك حتّى أضرب الذي فيه عيناك. فقتل يزيد بن عبد الله.
قال سعيد بن المسيب : مكثت ثلاثة أيام في زمن يزيد بن معاوية اُصلّي في المسجد , لا يصلّي معي داع ولا مجيب ؛ إنّ أهل الشام لا يتركون أحداً بلغ الحلم إلّا ضربوا عنقه(١) .
____________________
(١) تذكرة الحمدونية / ٦١٦٩ لابن حمدون , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
قال إبراهيم البيهقي :... وقال مسلم لعبد الله بن جعفر : اخرج عن المدينة لا يقع بصري عليك. وأنهب المدينة ثلاثاً ؛ فقتل الناس , وضجّت النساء , وذهبت الأموال، فلمـّا فرغ مسلم من القتال انتقل إلى قصر ابن عامر فدعا أهل المدينة ليبايعوه، وكان ناس منهم قد تحصّنوا في عرصة سعيد، منهم محمّد بن أبي جهم ونفر معه، فدعاهم للبيعة، فقال : تبايعون لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خَوَله ممّا أفاء الله عليه بأسياف المسلمين ؛ إن شاء وهب , وإن شاء أعتق , وإن شاء استرقّ.
فبايعه ناس منهم على ذلك، وجاء عمرو بن عثمان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدته اُمّ سلمة زوج النبي (صلىاللهعليهوآله )، وكان عمرو بن عثمان قال لاُمّ سلمة : أرسلي معي ابن ابنتك ولك مني عهد الله وميثاقه أن أردّه إليك كما أخذته منك. فجاء به إلى مسلم , فجلس عمرو بن عثمان على طرف سريره، فلمـّا تقدّم يزيد بن عبد الله قال : تبايع ليزيد أمير المؤمنين على أنك من خوَلِه ممّا أفاء الله عليه بأسياف المسلمين ؛ إن شاء وهب، وإن شاء أعتق , وإن شاء استرقّ.
فقال : لا , أنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك.
فقال : والله لا أستقيلها منك أبداً.
فقال عمرو بن عثمان : أنشدك الله , فإني أخذته من اُمّ سلمة بعهد الله وميثاقه أن أردّه إليها.
قال : فركله ورمى به من فوق السرير , فقال : لو قلتها ما أقلتك. فقتل يزيد بن عبد الله، ثمَّ أتي بمحمد بن أبي جهم فقال له : أنت القائل : اقتلوا سبعة عشر من بني اُميّة لا تروا شرّاً أبداً ؟
قال : قد قلتها , ولكن لا يطاع لقصيرٍ أمرٌ، أرسل يدي من غلّي وقد برئت منّي الذمة.
قال : لا حتّى أقدمك إلى النار... إلخ(١) .
____________________
(١) المحاسن والمساوئ / ١٣٦ للبيهقي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
قال الزّبير بن بكار ومصعب الزبيري - واللفظ للأوّل - : وكان عبد الله بن زمعة من أشراف قريش، وكان يروى عن النبي (صلىاللهعليهوآله ). وابنه يزيد بن عبد الله بن زمعة، قتله مسرف يوم الحرة صبراً , قال له مسرف : بايع أمير المؤمنين يزيد بن معاوية على أنك عبد قنّ ؛ إن شاء أعتقك، وإن شاء أرقّك.
قال : أعوذ بالله، ولكني اُبايعه على أنّي ابنُ عمٍّ حرٌّ كريمٌ. فقدّمه فضرب عنقه , فلمـّا مات مسرف وهو موجه إلى مكّة دفن بالمشلل , الثنية التي تشرف على قديد , فلمـّا مضى أصحاب مسرف إلى مكّة يريدون ابن الزّبير، وأميرهم الحصين بن نمير، خرجت اُمّ ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة، وهي اُمّ يزيد بن عبد الله، من ضيعة كانت لهم بأستارة على أميال من قديد، فنبشت مسرفاً وصلبته(١) .
عدد من قتلوهم في المدينة حتّى وصلت الدماء إلى قبر الرسول (صلىاللهعليهوآله )
نقل سبط ابن الجوزي وجدّه - واللفظ للأوّل - قال : وذكر المدائني في كتاب الحرّة , عن الزهري قال : كان القتلى يوم الحرة سبعمئة من وجوه الناس ؛ قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي، وأمّا مَن
____________________
(١) جمهرة نسب قريش وأخبارها / ٥٢٢ لزبير بن بكار , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، نسب قريش / ٣٧٣ لمصعب الزبيري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
وفي غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة / ٩٣٥ للوطواط , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة :... ولمـّا مات مسلم جاءت اُمّ ولد يزيد بن عبد الله بن زمعة فنبشته وأحرقته , وقيل : بل أخرجته وصلبته.
لم يُعرف من عبد أو حرٍّ أو امرأة فعشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء حتّى وصلت الدماء إلى قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وامتلأت الروضة والمسجد(١) .
قال مجاهد : التجأ الناس إلى حجرة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومنبره , والسيف يعمل فيهم , وكانت واقعة الحرة سنة ثلاثة وستّين في ذي الحجة , فكان بينها وبين موت يزيد ثلاثة أشهر , ما أمهله الله بل أخذه أخذ القرى(٢) وهي ظالمة , وظهرت فيه الآثار النبويّة والإشارات المحمّدية(٣) .
قال العاصمي الشافعي : وقُتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمئة رجلاً. وقيل : من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، ونهبوا وأفسدوا، واستحلوا الحرم في مسجده (عليه الصلاة والسّلام)(٤) .
قال الوطواط : قال الواقدي : قُتل يوم الحرة سبعمئة من حملة القرآن، وقيل : قُتل سبعمئة من قريش والأنصار، وقُتل ممّن لا يُعرف عشرة آلاف , ثمَّ سار مسلم لعنه الله يريد مكّة لقتال عبد الله بن الزّبير، فلمـّا كان بقديد مات فدفن بالمشلل , وقيل : بثنية هرشي. وكان موته لسبع بقين من المحرم سنة أربع وستين، وفي هذه السنة مات يزيد في الرابع عشر من ربيع الأوّل وله من العمر ثمان وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر.
ولمـّا مات مسلم جاءت اُمّ ولد يزيد بن عبد الله
____________________
(١) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٥٩ , طبعة منشورات الشريف الرضي، كتاب الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ٥٥ , تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
(٢) وفي المطبوع : (أخذاً القوي) , والظاهر ما أثبتناه.
(٣) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٥٩ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
(٤) سمط النجوم العوالي ٣ / ٢٠٢ - ٢٠٣.
ابن زمعة فنبشته وأحرقته , وقيل : بل أخرجته وصلبته(١) .
عدد الأبكار التي فضّت
قال سبط ابن الجوزي : وذكر أيضاً المدائني عن أبي قرة قال : قال هشام بن حسان : ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج، وغير المدائني يقول : عشرة آلاف امرأة(٢) .
ما ذكره الزرقاني والعاصمي من عدد جيش الشام , وقتله الصحابة , وفضِّه الأبكار... و... ومسح دم الافتضاض بالقرآن الكريم !
قال الزرقاني والسيوطي - واللفظ للأوّل - : ويوم الحرّة (بفتح الحاء المهملة والراء المشددة) أرض ذات حجارة سود كأنها اُحرقت بالنار بظاهر المدينة , كانت به الوقعة بين أهلها وبين عسكر يزيد بن معاوية , وهو سبع وعشرون ألف فارس , وخمسة عشر ألف راجل , سنة ثلاث وستين بسبب خلع أهل المدينة يزيد، وولَّوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة، وأخرجوا عامل يزيد عثمان بن محمّد بن أبي سفيان من بين أظهرهم.
فأباح مسلم بن عقبة - أمير جيش يزيد - المدينة ثلاثة أيام ؛ يقتلون ويأخذون النهب، ووقعوا على النساء حتّى قيل : حملت في تلك الأيام ألف امرأة [من غير] زوج، وافتضّ فيها ألف عذراء، وبلغت القتلى من وجوه الناس سبعمئة من قريش، والأنصار ومن الموالي وغيرهم من نساء وصبيان وعبيد
____________________
(١) غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائض الفاضحة / ٩٣٥ للوطواط , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٥٩ - ٢٦٠ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
عشرة آلاف، وقيل : قتل من القرّاء سبعمئة، ثمَّ أخذ عقبة عليهم البيعة ليزيد على أنّهم عبيده ؛ إن شاء عتق وإن شاء قتل. وفي البخاري عن سعيد بن المسيب أنّ هذه الوقعة لم تُبقِ من أصحاب الحديبية أحداً. ثمَّ سار إلى قتال ابن الزّبير بمكة، فمات بقديد واستخلف على الجيش حصين بن نمير بعهد يزيد إليه(١) .
قال العاصمي الشافعي : وقُتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمئة رجلاً , وقيل : من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان، ونهبوا وأفسدوا، واستحلوا الحرم في مسجده (عليه الصلاة والسّلام) , ولم يبقَ في المسجد إلّا سعيد بن المسيب ؛ جعل نفسه ولهاناً خبلاً فتركوه، وكان يقول : كنت أسمع عند مواقيت الصلاة همهمة من الحجرة المطهرة.
وافتض فيها ألف عذراء، وإنّ مفتضها فعل ذلك أمام الوجه الشريف، والتمس ما يمسح به الدم فلم يجد , ففتح مصحفاً قريباً منه، ثمَّ أخذ من أوراقه ورقة فمسح به الدم , نعوذ بالله , ما هذا إلّا صريح الكفر وأنتنه(٢) !
من آثار هتك بنات أهل المدينة
قال سبط ابن الجوزي : وذكر أبو الحسن المدائني عن أُمِّ الهيثم بنت يزيد قالت : رأيت امرأة من قريش تطوف بالبيت، فعرض لها أسود فعانقته وقبّلته، فقلت لها : ما هذا منكِ ؟! قالت : هذا ابني من يوم الحرة، وقع عليَّ أبوه فولدته(٣) .
____________________
(١) شرح الزرقاني لموطأ مالك ٣ / ١٥٣، تاريخ الخلفاء / ١٩٥ , وفي ط / ٢٠٩ بإيجاز.
(٢) سمط النجوم العوالي ٣ / ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٣) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٥٩ , ط منشورات الشريف الرضي.
ما فعل بالمرأة الأنصارية وغلامها
روى ابن قتيبة الدينوري , قال أبو معشر : دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار , معها صبي لها، فقال لها : هل من مال ؟
قالت : لا والله ما تركوا لي شيئاً.
فقال : والله لتخرجن إليَّ شيئاً أو لأقتلنَّك وصبيك هذا.
فقالت له : ويحك ! إنّه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ولقد بايعتُ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) معه يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني، ولا أسرق، ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببهتان أفتريه، فما أتيت شيئاً فاتق الله. ثم قالت لابنها : يا بني، والله لو كان عندي شيء لافتديتك به.
قال : فأخذ برجل الصبي، والثدي في فمه، فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه في الأرض , قال : فلم يخرج من البيت حتّى اسودّ نصف وجهه، وصار مثلاً.
قال العاصمي الشافعي : ومن ذلك أن امرأة من الأنصار دخل عليها رجل من أهل الشام وهي ترضع ولدها، وقد أُخِذَ ما كان عندها، فقال لها : هاتي الذهب وإلّا قتلتك وقتلت ابنك.
فقالت : ويحك إن قتلته ؛ فأبوه أبو كبشة صاحب رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وأنا من النسوة اللاتي بايعنَ رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وما خنتُ الله في شيء بايعت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) عليه. فأخذ الصبي من حجرها , وثديها في فيه، وضرب به الحائط حتّى انتثر دماغه في الأرض، والمرأة تقول : لو كان عندي شيء أفديك به يا بني لفديتك. قال : فما خرج من البيت حتّى اسودّ نصف وجهه، وصار مثلة في الناس.
قال المؤلّف : وأحسب هذه المرأة جدة لهذا الصبي لا أُمّاً له ؛ إذ يبعد في
العادة أن تبايع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) امرأة وتكون في يوم الحرة في سنِّ مَن ترضع(١) .
حرق بيت الله الحرام ورميه بالمنجنيق
وروى هذا أكثر المحدثين، وإليك ما ذكره ابن حجر قال : ولابن سعد في الطبقات من طريق أبي الحارث بن زمعة قال : ارتحل الحصين بن نمير - يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزّبير من قبل يزيد بن معاوية - لمـّا أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين، قال : فأمر ابن الزّبير بالخصاص التي كانت حول الكعبة فهدمت , فإذا الكعبة تنفض - أي تتحرك - متوهنة ترتجّ من أعلاها إلى أسفلها , فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق.
وللفاكهي من طريق عثمان بن ساج , بلغني أنه لمـّا قدم جيش الحصين بن نمير أحرق بعض أهل الشام على باب بني جمح وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتّى أخذ في البيت فظنّ الفريقان أنهم هالكون، وضعف بناء البيت حتّى أنّ الطير ليقع عليه فتتناثر حجارته(٢) .
وفي رواية اُخرى قال : ثمَّ إنّ أهل المدينة خلعوا يزيد في سنة ثلاث وستين، فجهّز إليهم مسلم بن عقبة المرّي في جيش حافل فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم خلق كثير من الصحابة وأبنائهم، وسبق أكابر التابعين وفضلاءهم، واستباحها ثلاثة أيام نهباً وقتلاً، ثمَّ بايع مَن بقي على أنهم عبيد ليزيد , ومن امتنع قُتل.
ثمَّ توجه إلى مكّة لحرب ابن الزّبير فمات في الطريق , وعهد إلى الحصين بن نمير، فسار بالجيش إلى مكّة
____________________
(١) سمط النجوم العوالي ٣ / ٢٠٤.
(٢) فتح الباري - ابن حجر ٣ / ٣٥٤ , وفي ط ٤ / ٢٣٨.
فحاصر ابن الزّبير، ونصبوا المنجنيق على الكعبة فوهت أركانها، ثمَّ احترقت(١) .
ما جرى على أصحاب المنجنيق
قال الهيثمي : وعن عكرمة قال : مرَّ ابن الزّبير، وابن عباس في المسجد وأهل الشام يرمونها من فوق أبي قبيس (الجبل) بالمنجنيق بالحجارة، فأرسل الله عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم، وأحرقت تحته أربعة وأربعين رجلاً.
قال اُناس من بني اُميّة : لا يهولنَّكم فإنها أرض صواعق. فأرسل الله عليهم اُخرى فأحرقت منجنيقهم وأحرقت تحته أربعين رجلاً.
قال : فبينا هم كذلك أتاهم موت يزيد بن معاوية، فتفرق أهل الشام.
قلت : فذكر الحديث بنحو ما يأتي في كتاب الفتن إن شاء الله , رواه الطبراني في الكبير، وفيه هلال بن خباب وهو ثقة , وفيه كلام(٢) .
عبد الرزاق الصنعاني : عبد الرزاق عن معمر قال : بلغني أن الحصين بن نمير حين نصب المنجنيق على الكعبة، طلعت سحابة بيضاء نحو أبي قبيس، فرعدت ثمَّ صعقت فاحترقت المنجنيق، واحترق تحته سبعون رجلاً(٣) .
يزيد يعطّل حدود الله لمن وصف له جمال الخمر
قال مُحدّث الشام ابن عساكر : قرأت على أبي منصور بن خيرون، عن أبي محمّد الجوهري وأبي جعفر بن
____________________
(١) لسان الميزان - ابن حجر ٦ / ٢٩٣ , وفي ط ٧ / ٤٧٦.
(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٣ / ٢٩١ , وفي ط / ٦٢٩ - ٦٣٠.
(٣) المصنف - عبد الرزاق الصنعاني ٥ / ١٣٨.
المسلمة، عن أبي عبيد الله عمر بن عمران بن موسى المرزباني قال : الاُقيبل القيني - وكان أسودَ وهو شامي - اتُّهم بقتيل، فقدم إلى يزيد بن معاوية لضرب عنقه، فقال له يزيد : يا اُقيبل , أنشدني قصيدتك التي وصفت الخمر. فأنشده إيّاها , وفيها :
كميتٌ إذا صحَّت وفي الكأسِ وردةٌ |
لها في عظام الشاربين دبيبُ |
|
تُريكَ القذى من دونِها وهي دونَه |
لوجهِكَ منها في الإناءِ قطوبُ |
فجرت بينهما في ذلك محاورة، ثمَّ أنشده :
فما القيدُ أبكاني ولا القتلُ شفَّني |
ولا أنني من خشيةِ الموتِ أَجْزَعُ |
|
سوى أنّ قوماً كنت أخشى عليهِمُ |
إذا متُّ أن يعطوا الذي كنتُ أمنعُ |
فأطلقه، ثمَّ جنى جناية فحبسه الحجّاج، فهرب من الحبس ولحق بعبد الملك معتاذاً بقبر مروان , وقال :
إني أعوذُ بقبرٍ لستُ مخفرَه |
ولن أعوذَ بقبرٍ بَعْدَ مروانِ |
فأمنه عبد الملك، وقال له : لا بدَّ من الرجوع إلى الحجّاج. فانطلق إليه وقال :
لقد عَلِمْتُ لَوَ اَنَّ العلمَ ينفعُني |
أنّ انطلاقي إلى الحَجَّاجِ تغريرُ |
|
مستخفياً صُحُفاً تدمى طوابعُها |
وفي الصحائفِ حيَّاتٌ مداكيرُ |
|
لئن حُدي بي إلى الحجاجِ يقتلُني |
ما كنتُ أوَّلَ مَنْ تُحدى به العيرُ(١) |
الملعون يزيد يسمي المدينة خبيثة
قال ابن أبي الحديد : وطيبة اسم المدينة، كان اسمها يثرب فسمّاها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) طيبة. وممّا
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٩ / ١٩٦.
أكفر الناس به يزيد بن معاوية أنه سماها (خبيثة) ؛ مراغمة لرسول الله (صلىاللهعليهوآله )(١) .
رد الغزالي على مَن ادّعى أنّ يزيد لم يرضَ بقتل الحسين (عليهالسلام )
قال سبط ابن الجوزي : وقال الغزالي أيضاً : وقد زعمت طائفة أن يزيد بن معاوية لم يرضَ بقتل الحسين (عليهالسلام ) , وادّعو أنّ قتله وقع غلطاً، قال : وكيف يكون هذا وحال الحسين (عليهالسلام ) لا يحتمل الغلط ؛ لما جرى من قتاله , ومكاتبة يزيد إلى ابن زياد، وبسببه وحثه على قتله، ومنعه من الماء، وقتله عطشان، وحمل رأسه وأهله سبايا عرايا على أقتاب الجمال إليه، وقرع ثناياه بالقضيب ؟
ولمـّا دخل علي بن الحسين زين العابدين (عليهالسلام ) على يزيد قال : أنت ابن الذي قتله الله ؟ فقال : (( أنا علي ابن مَن قتلته أنت )). ثمَّ قرأ :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدا... ) (٢) الآية، ثمَّ استفاض لعن علي (عليهالسلام ) على المنابر ألف شهر، وكان ذلك بأمر معاوية , أتراهم أمرهم بذلك كتاب أو سنة أو إجماع ؟! هذه صورة كلام الغزالي(٣) .
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( أوَّل جيش من اُمّتي يركبون البحر... القسطنطينية )), وشرحه
ولا يهدأ المتعصبون لبغيض ولعين مثل يزيد بن معاوية حتّى وضعوا حديثاً استدلوا به على كونه من أهل الجنة، ولا أقول إلّا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي
____________________
(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٩ / ٢٣٧.
(٢) وتمام الآية الكريمة :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عذاباً عَظِيماً ) , سورة النساء / ٩٣.
(٣) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٦٥ , ذكره من كتاب أبي حامد من كتاب سر العالمين وكشف ما في الدارين , ط منشورات الشريف الرضي.
العظيم، وإنّا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على نعمة العقل والولاية، وحشرهم الله معه.
وقد ردَّ بعض علماء أهل الخلاف على مَن تعصب منهم ومَن تمسك بهذا الحديث ؛ فقد قال المناوي في شرحه لهذا الحديث : (( أوَّلُ جيش من اُمّتي يركبون البحر )) للغزو , (( قد أوجبوا )) أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة، أو أوجبوا لأنفسهم المغفرة والرحمة بذلك. والبحر معروف , وحقيقته الماء الكثير المجتمع في فسحة، سمي به لعمقه واتساعه، ويطلق على الملح والعذب، والمراد هنا الملح.
ومعنى ركوبه : الاستعلاء على ظهره كما تركب الدابة، وهو مجاز ؛ إذ الركوب إنما هو على السفن حقيقة فيه، فحذف ذلك اتساعاً لدلالة الحال عليه. (( وأول جيش من اُمّتي يغزون مدينة قيصر )) ملك الروم , يعني القسطنطينية , أو المراد مدينته التي كان بها يوم قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) ذلك , وهي حمص , وكانت دار مملكته إذ ذاك , (( مغفور لهم )) لا يلزم منه كون يزيد بن معاوية مغفوراً له لكونه منهم ؛ إذ الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة، ويزيد ليس كذلك ؛ لخروجه بدليل خاص , ويلزم من الجمود على العموم أن من ارتد ممّن غزاها مغفور له.
وقد أطلق جمع محققون حل لعن يزيد به حتّى قال التفتازاني : الحق إنّ رضا يزيد بقتل الحسين (عليهالسلام ) وإهانته أهل البيت (عليهمالسلام ) ممّا تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه , بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
قال الزين العراقي : وقوله : بل في إيمانه , أي بل لا يتوقف في عدم إيمانه , بقرينة ما قبله وما بعده(١) .
وقال المناوي أيضاً :
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٣ / ١٠٩.
(لتفتحنَّ القسطنطينية) - بضم القاف وسكون السين وفتح الطاء وسكون النون وكسر الطاء الثانية - أعظم مدائن الروم بناها قسطنطين الملك، وهو أوَّل من تنصّر من ملوك الروم (ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش) , تقدم كون يزيد بن معاوية غير مغفور له وإن كان من ذلك الجيش ؛ لأن الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة، ولا كذلك يزيد(١) .
وقال ابن الجوزي عن جدِّه : فإن قيل : فقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( أوَّل جيش يغزوا القسطنطينية مغفور له ))، ويزيد أوَّل من غزاها , قلنا : فقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( لعن الله مَن أخاف مدينتي ))، والآخر ينسخ الأوّل(٢) .
وقال الشيخ محمود أبو رية في تضعيفه : وبينما يجعلون القسطنطينية هذه في هذا الحديث من مدن النار إذا بهم يروون هذا الحديث في فضلها، وذلك بعد أن أصبحت مطمح الأنظار : ( لتفتحنّ القسطنطينية، فنعم الأمير أميرها، ونعم الجيش ذلك الجيش )، ولعلَّ هذا الحديث قد وضع من أجل يزيد بن معاوية ؛ لأنه كان أمير الجيش في غزوة القسطنطينية(٣) .
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٥ / ٣٣٤.
(٢) تذكرة الخواص - ابن الجوزي / ٢٥٧ - ٢٥٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
(٣) أضواء على السنة المحمدية - الشيخ محمود أبو ريه / ١٢٩.
ما جرى بين ابن عباس رضوان الله عليه وبين الملعون يزيد بن معاوية , وما فيه من الحقائق التي أرادوا إخفائها
قال أبو يوسف الفسوي (المتوفّى ٢٧٧ه) : حدّثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال : حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة قال : لمـّا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهمالسلام ) ثار عبد الله بن الزّبير، فدعا ابن عباس إلى بيعته، فامتنع ابن عباس، وظنّ يزيد بن معاوية أنّ امتناع ابن عباس تمسكاً منه ببيعته، فكتب إليه :
أمّا بعد , فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزّبير دعاك إلى بيعته والدخول في طاعته ؛ لتكون له على الباطل ظهيراً، وفي المأثم شريكاً، وإنك اعتصمت ببيعتنا ؛ وفاء منك لنا، وطاعة لله عزَّ وجلَّ لما عرفك من حقِّنا، فجزاك الله عن ذي رحم خير ما يجزي الواصلين أرحامهم , الموفين بعهودهم.
فما أنسى من الأشياء فلست بناسٍ برّك، وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من القرابة من الرسول، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممّن سحرهم ابن الزّبير بلسانه وزخرف قوله، فأعلمهم رأيك ؛ فإنهم منك أسمع، ولك أطوع منهم للمخلِّ المجرم المارق.
فكتب إليه ابن عباس : أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر دعاء ابن الزّبير إياي إلى بيعته، والدخول في طاعته ؛ فإن يك ذلك كذلك فإني والله ما أرجو بذلك برَّك ولا حمدك، ولكن الله عزَّ وجلَّ بالذي أنوي به عليم. وزعمت أنك غيرُ ناس برِّي وتعجيل صلتي , فاحبس أيُّها الإنسان برَّك وتعجيل صلتك , فإني حابس عنك ودِّي ؛ فلعمري ما تؤتينا ممّا لنا قبلك من حقِّنا إلّا اليسير، وإنك لتحبس منه العريض الطويل.
وسألتَ أن أحثَّ الناس عليك، وأن أُخذَّلهم عن ابن الزّبير، فلا ولا سروراً ولا حبّاً ؛ إنك تسألني نصرتك وتحثَّني على ودِّك وقد قتلت حسيناً - (رض) - وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى، ونجوم الأعلام، غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد
واحد , مزمَّلين بالدماء , مسلوبين بالعراء , لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفوا عليهم الرياح، وتنتابهم عرج الضباع، حتّى أتاح الله عزَّ وجلَّ لهم [قوماً] لم يشركوا في دمائهم كفّنوهم وأجنُّوهم، وبي وبهم والله غررت، وجلست مجلسك الذي جلست.
فما أنسى من الأشياء فلست بناسٍ إطرادك حسيناً (رض) من حرم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى حرم الله عزَّ وجلَّ، وتسييرك إليه الرجال لقتله في الحرم، فما زلت بذلك وعلى ذلك حتّى أشخصته من مكّة إلى العراق، فخرج خائفاً يترقب، فتزلزت به خيلك ؛ عداوة منك لله عزَّ وجلَّ ولرسوله (صلىاللهعليهوآله ) , ولأهل بيته (عليهمالسلام ) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، اُولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة أكباد الحمير. فطلب إليكم الموادعة , وسألكم الرجعة، فاغتنمتم قلّة أنصاره , واستئصال أهل بيته، فتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك.
فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودِّي وقد قتلت ولداي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت آخذ ثأري ! فإن شاء الله لا يطل لديك دمي، ولا تسبقني بثأري، وإن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيّون وآل النبيين(١) ، فيطلب الله عزَّ وجلَّ بدمائهم، فكفى بالله عزَّ وجلَّ للمظلومين ناصراً، ومن الظالمين منتقماً، فلا يعجبنك إن ظفرت بنا اليوم فلنظفرنَّ بك يوماً.
وذكرت وفائي وما عرفتني من حقِّك، فإن يك ذلك كذلك فقد والله بايعتك ومن قبلك، وأنك لتعلم أني وولد أبي أحقُّ بهذا الأمر منكم، ولكنَّكم معشر قريش كاثرتمونا حتّى دفعتمونا عن حقِّنا، ووليتم الأمر دوننا، فبعداً لمن تجرَّأ ظلماً ,
____________________
(١) وفي المطبوع : (وأن النبيين)، وهو خطأ , والصحيح هو (أبناء النبيين) , أو ما أثبتناه موافقاً لمقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي.
واستغوى السفهاء علينا كما بعدت ثمود وقوم لوط وأصحاب مدين.
ألا وإن من أعجب الأعاجيب - وما عسى أن أعجب - حملك بنات عبد المطلب، وأطفالاً صغاراً من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين , تُري الناس أنك قد قهرتنا، وأنك تمنَّ علينا، وبنا منَّ الله عزَّ وجلَّ عليك.
ولَعمر الله , لئن كنت تصبح آمناً من جراحة يدي إني لأرجو أن يعظم الله عزَّ وجلَّ جرحك من لساني، ونقضي وإبرامي. والله ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أن يأخذك أخذاً أليماً، ويخرجك من الدنيا مذموماً مدحوراً، فعش لا أبا لك ما استطعت ؛ فقد والله ازددت عند الله أضعافاً، واقترفت مأثماً، والسلام على مَن اتبع الهدى(١) .
عزم يزيد بن معاوية (لعنه الله) على قتل ابن عباس رضوان الله عليه
قال سبط ابن الجوزي : قال الواقدي : فلمـّا قرأ يزيد كتابه أخذته العزة بالإثم، وهمَّ بقتل ابن عباس، فشغله عنه أمر ابن الزّبير، ثمَّ أخذه الله بعد ذلك بيسير أخذاً عزيزاً(٢) .
ما جرى بين يزيد ونديمه الأخطل النصراني
قال إبراهيم البيهقي :
____________________
(١) المعرفة والتاريخ ١ / ٥٣١، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٨٥، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٢٤ / ٢٤٣ بطريق مختلف، المعجم الكبير - الطبراني ١٠ / ٢٤٢ بسند آخر، وذكره سبط ابن الجوزي عن (الواقدي وهشام وابن إسحاق وغيرهم قالوا : لمـّا قتل الحسين... إلخ، وساق ما جرى بينهما). تذكرة الخواصّ / ٢٤٧ , طبعة منشورات الشريف الرضي.
أقول : وذكره اليعقوبي (تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٤٧ - ٢٥٠) بصورة اُخرى , وتقدّم ذكرها في مواقف ابن عباس رضوان الله عليه عند خروج الحسين (عليهالسلام ) من مكّة.
(٢) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٨ , منشورات الشريف الرضي.
قيل : وشرب يزيد بن معاوية ذات يوم وعنده الأخطل , فلمـّا ثمل قال : يا أخطل , اهجني ولا تفحش. فأنشأ يقول :
ألا أسلم سلمت أبا خالدٍ |
وحيَّاك ربُّك بالعنقزِ |
|
وروّى عظامك بالخندري |
س قبل الممات ولم تعجزِ |
|
أكلت الدجاج فأفنيتها |
فهل في الحنانيص من مغمزِ |
|
ودينك حقّاً كدين الحما |
ر بل أنت أكفر من هرمزِ |
فرفع يده ولطمه وقال : يابن اللخناء ! ما بكلِّ هذا أمرتك(١) .
قال الرقيق القيرواني : وكان يزيد بن معاوية ينادم الأخطل النصراني , وهجا الأخطل النصراني الأنصار كثيراً، اعتدَّ به على بني اُميّة في قوله :
بني اُميّة قد ناضلتُ دونكُمُ |
أبناءَ قومٍ هُمُ آووا وهم نَصَروا |
فأجازه، وكان يُسوي بينه وبينه في أكثر المواضع من مجلسه(٢) .
هلاك الملعون يزيد بن معاوية
قال الخوارزمي وابن حجر العسقلاني والمتّقي الهندي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرني سيد الخفاظ هذا (أي أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي) , أخبرني أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا أبو حيان، حدّثنا موسى بن هارون، حدّثنا زهير بن حرب، حدّثني أبو معاوية، عن محمّد بن قيس بن البراء، عن عبد الله بن بدر الخطمي، عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن أحب أن يُنسأ له في أجله(*) , وأن يُمتّع بما خوّله الله تعالى، فليخلفني في أهل بيتي خلافة
____________________
(١) المحاسن والمساوئ / ٥٦١ لإبراهيم البيهقي , نسخة برنامج الموسوعة لشعرية.
(٢) قطب السرور في أوصاف الخمور ص٣٥٧ للرقيق القرواني, نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(*) وردت العبارة في الأصل بهذا الشكل : (( مَن أحبَّ أن يبارك الله في أجله )) , وما أثبتناه هو من بعض المصادر الاُخرى. (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
حسنة. ومَن لم يخلفني فيهم بتك عمره، وورد عليَّ يوم القيامة مسوداً وجهه )).
قال : فكان كما قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فإن يزيد بن معاوية لم يخلفه في أهله (صلىاللهعليهوآله ) خلافة حسنة , فتك عمره، وما بقي بعد الحسين (عليهالسلام ) إلّا قليلاً , وكذلك عبيد الله بن زياد (لعنهما الله)(١) .
وقال الحافظ الزرندي والمناوي والقندوزي عنه - واللفظ للأوّل - قال : وورد عن عبد الله بن بدر، عن أبيه أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( من أحبَّ أن [يُنسأ] في أجله، وأن يُمتّع بما خوّله الله، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة. فمَن لم يخلفني فيهم بتك عمره، وورد عليَّ يوم القيامة مسودّاً وجهه ))(٢) .
هلاك يزيد بن معاوية بأكثر من خبر
الأوّل : قال ابن حبان : وتوفّي يزيد بن معاوية بحوارين (قرية من قرى دمشق) لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوَّل سنة أربع وستين , وهو يومئذ ابن ثمان وثلاثين , وقد قيل : إن يزيد بن معاوية سكر ليلة، وقام يرقص فسقط على رأسه، وتناثر دماغه فمات...(٣)
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٩٧ - ٩٨ , الفصل الثاني عشر، الإصابة - ابن حجر ١ / ٤٠٦، كنز العمال - المتّقي الهندي٢١ / ٩٩.
(٢) نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢٣١، فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٢ / ٢٢٠ : قال الحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السبطين : ورد عن... إلخ، ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي الحنفي ١ / ١٢٦ وفي ج٢ / ٤٧٢ قال : وأخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن عبد الله بن زيد بن ثابت عن أبيه:... إلخ.
(٣) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١٤.
الثاني : وقال ابن كثير : وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر , والغناء والصيد، واتخاذ الغلمان والقيان , والكلاب والنطاح بين الكباش , والدباب والقرود، وما من يوم إلّا يصبح فيه مخموراً. وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه. وقيل : إنّ سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضّته. وذكروا عنه غير ذلك , والله أعلم بصحة ذلك(١) .
الثالث : وروى البلاذري قال : وذكر لي شيخ من أهل الشام أنّ سبب وفاة يزيد أنه حمل قردة على الأتان - وهو سكران - ثمَّ ركض خلفها، فسقط فاندقّت عنقه، أو انقطع في جوفه شيء. وحدثني محمّد بن يزيد الرفاعي، حدّثني عمِّي، عن ابن عياش قال : خرج يزيد يتصيّد بحوارين وهو سكران , فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قرداً، وجعل يركض الأتان ويقول :
أبا خَلَفٍ إحتلْ لنفسِك حيلةً |
فليس عليها إن هلكت ضمانُ |
فسقط واندقّت عنقه. ولا منافاة بين هذه الروايات(٢) ؛ فمن الجائز أنه أركب قردة على أتان، وركب هو أيضاً وركض خلفه، وجعل ينقزها فعضّته وسقط واندقت عنقه , وانقطع في جوفه شيء. وهكذا استشهد الخليفة قتيل القرد(٣) .
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٥٨.
(٢) أقول : وأيضاً لكثرة ما عنده من القرود !
(٣) أنساب الأشراف - البلاذري ٤ / ١ , وفي ط ٥ / ٣٠٠.
الرابع : قال الديار بكري في تاريخه : توفّي (يزيد بن معاوية) لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل. وفي سيرة معالطاي : في ثلاث وعشرين من شهر ربيع الأوَّل. وقال الحافظ : سنة أربع وستين بحواين , بالذبحة(١) وذات الجنب. لقد ذاب ذوبان الرصاص، وحُمل إلى دمشق ودفن في مقبرة الباب الصغير، وصلّى عليه ابنه معاوية بن يزيد، وعمره يوم مات ثمان أو تسع وثلاثون سنة(٢) .
قال الذهبي : وعن محمّد بن أحمد بن مسمع قال : سكر يزيد فقام يرقص، فسقط على رأسه فانشق وبدا دماغه(٣) .
قال ابن حمدون : حدّث أبو عمرو الشيباني أن يزيد بن معاوية شرب حتّى سكر، ثمَّ ركب فرساً وأقبل حتّى علا جبلاً، فانتهى إلى فصل بينه وبين جبل آخر، فأراد أن يوثب فرسه حتّى يلحق الجبل الآخر، فقرعه بالسوط، فوثب فلم يبلغ، وسقط فمات(٤) .
وقد نقل ابن طاووس (أعلى الله مقامه) , من علماء الشيعة الإماميّة , عن أبي
____________________
(١) النهاية في غريب الحديث - ابن الأثير ٢ / ١٥٤ : (الذبحة) وقد تسكّن : وجع يعرض في الحلق من الدم , وقيل : هي قرحة تظهر فيه فينسدّ معها وينقطع النفس فتقتل. وفي لسان العرب - ابن منظور ٢ / ٤٣٨ : الذبحة : وجع يأخذ في الحلق من الدم، وقيل : هي قرحة تظهر فيه فينسدّ معها وينقطع النفس فتقتل.
(٢) تاريخ الخميس - الديار بكري ٢ / ٣٠.
(٣) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٧.
(٤) التذكرة الحمدونيّة / ٥٩٧٤ لابن حمدون , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
مخنف في هلاك يزيد بن معاوية عليه لعائن الله , قال : قال أبو مخنف (رض) : وأمّا ما كان من أمر يزيد بن معاوية، فإنه ركب في بعض الأيام في خاصته في عشر آلاف فارس يريد الصيد والقنص، فسار حتّى بعُد من دمشق مسير يومين، فلاحت له ظبية، فقال لأصحابه : لا يتبعني منكم أحد.
ثمَّ إنه انطلق جواده في طلبها، وجعل يطاردها من وادٍ إلى وادٍ حتّى انتهت إلى وادٍ مهول مخوف، فأسرع في طلبها، فلمـّا توسّط الوادي لم يرَ لها خبراً، ولم يعرف لها أثراً، وكضّه العطش فلم يجد هناك شيئاً من الماء(١) ، وإذا برجل معه صحن ماء، فقال : يا هذا , اسقني قليلاً من الماء. فلمـّا سقاه قال : لو عرفت مَن أنا لازددت من كرامتي.
فقال له : ومَن تكون ؟
قال : أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية.
فقال الرجل : أنت والله قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) يا عدوَّ الله ! ثمَّ نهض ليلزمه فنفر من تحته , فرمى به عن مستتر، فعلقت رجله بالركاب، فجعل الفرس كلمـّا رآه خلفه نفر، فلم يزل كذلك إلى أن مزَّقه، وعجَّل الله بروحه إلى النار.
وكان له عشرة ندماء لا يفارقونه ولا يفارقهم , ويأمنهم على حريمه وأولاده وماله، فاقتحموا الطريق الذي سلك فيه ليعرفوا خبره، فوجدوا الفرس وفخذه معلّق بالركاب، فرفعت الصيحة في المعسكرين، فرجعوا إلى دمشق (هكذا )(٢) .
____________________
(١) ذكر في اللهوف في قتلى الطفوف بعد هذه الرواية رواية اُخرى ابتداءها من هنا : فلم يجدها , فخرج إليه ملك من الملائكة الموكّلين في جهنم وبيده سوط من النار، فضربه على وجهه فأهلكه لعنه الله، فلما أبطأ على أصحابه اقتحموا الطريق الذي سلكه فلم يردوه. وقيل : إنهم سلكوا مسلكه , ومضوا إلى جنهم وبئس المصير لعنهم الله جميعاً.
(٢) اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني / ١٥١.
نبش قبر الملعون يزيد بن معاوية
روى المسعودي وابن خلكان وابن أبي الحديد - واللفظ للأوّل - قال : حكى عن الهيثم بن عدي الطائي قال : حدّثني عمرو بن هانئ قال : خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني اُميّة في أيام أبي العباس السفاح، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحاً، ما فقدنا منه إلّا عرنين(١) أنفه، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ثمَّ أحرقه، واستخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلّا صلبه ورأسه وأضلاعه , فأحرقناه، وفعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني اُميّة، وكانت قبورهم بقنسرين.
ثمَّ انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك، فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلّا شؤون رأسه , ثمّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه(٢) إلّا عظماً واحداً، ووجدنا من(٣) موضع نحره إلى قدمه خطّاً واحداً أسود كأنما خطّ بالرماد في طول لحده، وتتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم(٤) .
قال ابن عبد المنعم الحميري :
____________________
(١) وفي ط مؤسسة الأعلمي ٣ / ٢٣٠ : خورمة أنفه.
(٢) وفي هذه النسخة : فلم وجدناه، والصحيح ما أثبتناه من نسخة مؤسسة الأعلمي ٣ / ٢٣٠ , وهو موافق أيضاً لرواية ابن خلكان عن صاحب المروج.
(٣) وفي ط مؤسسة الأعلمي ٣ / ٢٣٠ : مع لحده خطاً أسود كأنما خطّ بالرماد في طول لحده.
(٤) مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٢٠٧ , دار الهجرة (أيام هشام بن عبد الملك بن مروان) , وفي ط منشورات الشريف الرضي ٤ / ٤٤، وفيات الأعيان وأنباء أهل الزمان لابن خلكان , عن المسعودي / ٤٥٤٣ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٧ / ١٣١.
قِنّسرين : بالشام، وهي الجابية، وبينها وبين حلب اثنا عشر ميلاً , وفيها كان قبر هشام بن عبد الملك بن مروان. وحكى عمر بن هانئ الطائي قال : خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني اُميّة في أيام أبي العباس السفاح , وانتهينا إلى قبر هشام , واستخرجناه صحيحاً ما فقدنا منه إلّا خورمة أنفه، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ثمَّ أحرقه ؛ لأنّ هشاماً كان صلب زيد بن علي وأحرقه بالنار، ولهذا قال :
صلبنا لكم زيداً على جذعِ نخلةٍ |
ولم أرَ مهدياً على الجذع يُصلبُ |
وزيد هذا هو الذي ينسب إليه الزيدية من الشيعة.
قال : واستخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلّا صلبه وأضلاعه ورأسه , فأحرقناه، وفعلنا ذلك بغيرهما من بني اُميّة.
قال : وكانت قبورهم [في] قنّسرين، ثمَّ انتهينا إلى دمشق , فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلاً ولا كثيراً، واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا منه إلّا شؤون رأسه، ثمَّ احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلّا عظماً واحداً، ووجدنا مع لحده خطاً أسود كأنما خطّ بالرماد بالطول في نحره، ثمَّ تتبعنا قبورهم في سائر البلدان وأحرقنا ما وجدنا فيها(١) .
قال الراغب الاصفهاني :
نبش القبور : قال عمرو بن هانئ الطائي : بعثنا أبو غانم المروزي على نبش قبور بني اُميّة , فانتهيت إلى قبر هشام فاستخرجته صحيحاً فما فقدت منه شيئاً إلّا أطراف أنفه، إلّا أنّه كان كريشة , فأحرقناه، ثمَّ استخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد إلّا صلبه وجمجمته، وكذلك كان عبد الملك، ووجدنا معاوية كخط أسود كأنه رماد، ولم يوجد في قبر يزيد بن معاوية إلّا عظم واحد، وما وجد من عظامهم
____________________
(١) الروض العطار في خبر الأقطار / ٢٢٩٠ لابن عبد المنعم الحميري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
أحرقناه(١) .
كفر يزيد بن معاوية
ولا يشك مؤمن في كفر يزيد إلّا مَن تعصّب للباطل أو غلب على عقله الظلال ؛ إذ يزيد بن معاوية نفسه قد أقرّ على نفسه بالارتداد فضلاً عمَّن قال بكفره ؛ فقد روى ابن عبد ربه الأندلسي : وأمر مُسلم بن عُقبة بقتل مَعقلِ بن سِنان الأشجَعي صبراً، ومحمد بن أبي الجهم بن حُذيقة العَدوي صبراً، وكان جميعُ من قتل يوم الحرة من قريش والأنصار ثلاثمئة رجل وستة رجال , ومن الموالي وغيرهم أضعافُ هؤلاء.
وبعث مسلم بن عُقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلمـّا ألقيت بين يديه جَعل يتمثّل بقول ابن الزِّبْعري يوم اُحد :
ليت أشياخِي ببدرٍ شَهِدُوا |
جَزَع الخَزْرج من وَقْع الأسَلْ |
|
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً |
ولقالوا ليزيد َ لا فَشَلْ |
فقال له رجل من أصحاب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : ارتددتَ عن الإسلام يا أمير المؤمنين ؟! قال : بلى، نَستغفر الله.
قال : والله لا ساكنتُك أرضاً أبداً. وخرج عنه(٢) .
أما مَن قال بكفره فكثير، قال عبد الحي الدمشقي : وقال اليافعي : وأمّا حكم من قتل الحسين (عليهالسلام ) أو أمر بقتله ممّن استحل ذلك فهو كافر , وإن لم يستحل ففاسق فاجر، والله أعلم(٣) .
____________________
(١) محضرات الأدباء ومحاورة الشعراء والبلغاء / ٤١٢٤ للراغب الأصفهاني , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) العقد الفريد / ٣١٨٥ لابن عبد ربه الأندلسي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٣) شذرات الذهب ١ / ٦٨ - ٦٩.
قال ابن الدمشقي : وقال ابن القفطي في تاريخه : إنّ السبي لمـّا ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقيه , فلقي الأطفال والنساء من ذرّيّة علي والحسن والحسين (عليهمالسلام )، والرؤس على أسنة الرماح، وقد أشرفوا على ثنية العقاب، فلمـّا رآهم أنشد :
لـمَّا بدت تلك الحمولُ وأشرقتْ |
تلك الرؤوس على ربا جيرونِ |
|
نعب الغرابُ فقلت قل أو لا تقل |
فقد اقتضيتُ من الرسول ديوني |
يعني بذلك أنه قتل الحسين (عليهالسلام ) بمَن قتله رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم بدر , مثل عتبة جدّه ومَن مضى من أسلافه ! وقائل مثل هذا (القول) برئ من الإسلام، ولا يشك في كفره(١) .
وقال أيضاً :
نعب الغرابُ فقلت قل أو لا تقل |
فقد اقتضيت من الرسول ديوني |
فقال له رجل من الصحابة : ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين ؟! [ قال] : بل نستغفر الله.
وقرع ثغره الشريف بالقضيب وهو الحبيب وابن الحبيب [ و ] سبط الحبيب , وكل هذا ممّا يدل على صريح الكفر [ أو الكفر ] الصريح والذنب القبيح. والقيامة تجمعهم وإلى الله مرجعهم , ففضّ الله فاه بما نطق وفاه(٢) .
قال المناوي : قال المولى ابن الكمال : والحقُّ إنّ لعن يزيد على اشتهار كفره، وتواتر فظاعته وشرِّه على ما عرف بتفاصيله جائز...(٣) .
____________________
(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٠.
(٢) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ١ / ١٥.
(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ١ / ٢٦٤.
قال سبط ابن الجوزي : قال ابن عقيل : وممّا يدلُّ على كفره وزندقته فضلاً عن سبّه ولعنه , أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد، وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد , فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها :
عُليةُ هاتي واعلني وترنَّمِي |
بذلك إني لا أُحِبُّ التناجيا |
|
حديثُ أبي سفيانَ قِدْمَاً سمى بها |
إلى أُحُدٍ حتّى أقام البواكيا |
|
ألا هاتِ فاسقيني على ذاك قهوةً |
تخيَّرها العنسيُّ كرْماً شآميا |
|
وإن متُّ يا أُمَّ الأحيمرِ فانكحي |
ولا تأملي بَعْدَ الفراقِ تلاقيا |
|
فإنّ الذي حُدَّثْتِ عن يومِ بَعْثِنا |
أحاديثُ طسمٍ تجعلُ القلبَ ساهيا |
|
ولابدَّ لي من أن أزورَ محمداً |
بمشمولةٍ صفراءَ تَرْوِي عظاميا |
قلتُ : ومنها :
ولو لم يمسَّ الأرضَ فاضلُ بُرْدِها |
لما كان عندي مسحةٌ في التيمٌّمِ |
ومنها : (لمـّا بدت الحمول وأشرقت) , وقد ذكرناها , وهي قوله :
لـمّا بدت تلك الحمولُ وأشرقتْ |
تلك الشموسُ على رُبَى جيرونِ |
|
نَعَبَ الغرابُ فقلتُ نُحْ أو لا تَنُحْ |
فلقد قضيتُ من الغريمِ ديوني(١) |
ومنها قوله :
معشرَ الندمانِ قوموا |
واسمعوا صَوْتَ الأغاني |
|
واشربوا كأسَ مُدَامٍ |
واتركوا ذِكْرَ المعاني |
____________________
(١) ما بين القوسين من تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٣٥ , ط منشورات الشريف الرضي.
شغلتني نغمةُ العيدا |
نِ عن صوتِ الأذانِ |
|
وتعوَّضْتُ عن الحورِ |
خموراً في الدِّنَانِ |
إلى غير ذلك مما نقلته من ديوانه ؛ ولهذا تطرق إلى هذه الأمة العار بولايته عليها حتّى قال أبو العلاء المعري(رحمهالله ) يشير بالشنار إليها :
أرى الأيامَ تفعلُ كلَّ نُكْرٍ |
فما أنا في العَجَائِبِ مستزيدُ |
|
أليس قريشُكمْ قتلت حسيناً |
وكان على خلافتِكُمْ يزيدُ(١) |
وقال ابن كثير : قال أبو مخنف : فحدّثني أبو جعفر العبسي قال : وقام يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم فقال :
لَهَامٌ بجَنْبٍ الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابن زيادِ العبدِ ذي الحَسَبِ الوَغْلِ |
|
سميةُ أضحى نسلُها عَدَدَ الحصى |
وليس لآلِ المصطفى اليومَ من نَسْلِ |
قال : فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال له : اسكت.
وقال محمّد بن حميد الرازي , وهو شيعي(٢) : ثنا محمّد بن يحيى
____________________
(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٦٠ - ٢٦١ , ط منشورات الشريف الرضي.
(٢) أقول : ومحمد بن حميد وثّقه جماعة من علماء أهل الخلاف , مثل ابن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما. قال عمر بن شاهين في تاريخ أسماء الثقات / ٢٠٨ , وفي ط / ٢٩٠ :
وقال أحمد بن حنبل : لا يزال بالري علم ما دام بها محمّد بن حميد - يعني الرازي - حيّاً. قال أبو عبد الرحمن : قدم علينا محمّد بن حميد - يعني الرازي - وكان أبي بالعسكر , فلمـّا خرج قدم أبي وكان أصحابه يسألونه عن ابن حميد، (فقال لي : ما لهؤلاء يسألوني عن ابن حميد ؟). (وفي ط : بدون ما بين القوسين).
قلت : قدم ها هنا فحدّثهم بأحاديث لا يعرفونها. قال لي : كتبت عنه ؟ قلت : نعم , كتبت عنه جزءاً. قال : اعرض علي. فعرضتها عليه , فقال : أمّا حديثه عن ابن المبارك وابن جريج فهو صحيح , وأمّا حديثه عن أهل الري فهو أعلم.
أخبرنا الحسن بن صدقة , أخبرنا ابن أبي خيثمة قال : سُئل يحيى بن معين عن محمّد بن حميد الرازي , فقال : ثقة ليس به بأس , ذو رأي كيس. وفي ط : رازي كيس.
الأحمري، ثنا ليث عن مجاهد قال : لمـّا جيء برأس الحسين (عليهالسلام )، فوضع بين يدي يزيد , تمثَّل بهذه الأبيات:
ليت أشياخي ببدرٍ شَهِدُوا |
جَزَعَ الخزرجِ في وَقْعِ الأَسَلْ |
|
فأَهَلُّوا واستهلّوا فَرَحا |
ثم قالوا لي هنياً لا تسلْ |
|
حين حكَّت بفناءٍ بركها |
واستحرَّ القتلُ في عبدِ الأسلْ |
|
قد قتلنا الضِّعِفَ من أشرافِكم |
وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدلْ |
قال مجاهد : نافق فيها والله. ثمَّ والله ما بقي في جيشه أحد إلّا تركه , أي ذمّه وعابه(١) .
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
|
لستُ من خندفَ إن لم أَنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ(٢) |
وقال سبط ابن الجوزي : وقال الشعبي : وزاد فيها يزيد فقال :
وذكر ابن كثير بعد الدفاع عن إمامه يزيد بن معاوية قال : وأمّا ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك، واستشهاده بشعر ابن الزبعرى في وقعة أحد التي يقول فيها :
ليت أشياخي ببدرٍ شَهِدُوا |
جَزَعَ الخزرجِ في وَقْعِ الأَسَلْ |
|
حين حلَّت بِفناهم بركها |
واستحرَّ القتلُ في عبدِ الأشلْ |
|
قد قتلنا الضِّعِفَ من أشرافِكم |
وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدل |
وقد زاد بعض الروافض فيها , فقال :
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٨.
(٢) المصدر نفسه.
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
مَلَكٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة الله عليه ولعنة اللاعنين، وإن لم يكن قاله فلعنة الله على مَن وضعه عليه ليشنّع به عليه.
وسيذكر في ترجمة يزيد بن معاوية قريباً، وما ذكر عنه , وما قيل فيه , وما كان يعانيه من الأفعال والقبائح , والأقوال في السنة الآتية، فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرة وقتل الحسين (عليهالسلام ) إلّا يسيراً حتّى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليماً قديراً.
وقد توفّي في هذه السنة خلق من المشاهير والأعيان من الصحابة وغيرهم في وقعة الحرة ممّا يطول ذكرهم(١) .
وهذا عجب من ابن كثير ؛ حيث صرّح هنا بكل قوة بلعن يزيد على فرض أنه قال هذا البيت، ولعلّه في اعتقاده أنه من التعليق على المحال , وهو كذلك , وسيأتيك ثناؤه على يزيد بن معاوية , بل جعله من الطبقة العليا، فيكون لعنه متوجّه للشيعة على حسب دعواه، مع أنّ جزمَ علمائهم كما تقدم , والطبري بقوله هذا البيت , وما تقدم عن حاضنة يزيد , يدحضُ قوله وأقوال من هم على شاكلته(٢) الذين أخذوا على أنفسهم نصرة أعداء أهل البيت (عليهمالسلام ) بكل السبل الباطلة ؛ وذلك - والعياذ بالله - لما يرونه من جميل نصرة أعداء أهل الوحي والرسالة (عليهمالسلام )، فهم من الذين زيّن لهم الشيطان أعمالهم.
وإلّا إذا كان يزيد بن معاوية من الجبابرة الذين يفعلون القبائح , ويهتكون المحرمات , ويعبثون بالمقدسات، ويفعلون ما فعلوه بأهل بيت النبي (صلىاللهعليهوآله )، وقتل أصحابه والتابعين والقرّاء، وهتكهم حرمة المدينة المنورة , وإباحتها ثلاثة أيام , و..... و..... و....، فلماذا يلعن ابن كثير الشيعة على
____________________
(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٤٥.
(٢) مثل الغزالي في بعض أقواله، وابن تيمية وأضرابهما , ولكن لا عجب ؛ إذ حقّ لأتباع الشيطان أن ينصروه.
فرض أن يزيد بن معاوية لم يقل هذا البيت من الشعر ؟! هب أنه لم يقله , فهل هذا يضر بالإسلام أو بعقيدة أهل الخلاف شيء حتّى يلزم لعن الشيعة ؟! ولكن ما هذا إلّا لإقرار ابن كثير بإمامته، فهذا الذي يدعوه للدفاع المستميت ! وعلى كل حال هنيئاً لهؤلاء بإمامٍ كيزيد بن معاوية ومَن هو على شاكلته، وحشرهم الله معه.
وإليك شيئاً ممّا قاله الطبري في بني اُميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان على لسان خليفته المعتضد العباسي :
فضائح بني اُميّة وعلى رأسهم معاوية على لسان المعتضد العباسي
قال المعتضد العباسي :... وممّا استحقّ به (أي معاوية) اللعنة من الله ورسوله ادّعاؤه زياد بن سميّة ؛ جرأة على الله، والله يقول :( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ) (١) , ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( ملعونٌ مَن ادّعى إلى غير أبيه , وانتمى إلى غير مواليه ))، ويقول : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )).
فخالف حكم الله عزَّ وجلَّ وسنّة نبيّه (صلىاللهعليهوآله ) جهاراً، وجعل الولد لغير الفراش , والعاهر لا يضره عهره ؛ فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في اُمِّ حبيبة زوجة النبي (صلىاللهعليهوآله )، وفي غيرها من سفور وجوه ما قد حرّمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله ممّا لم يدخل على الإسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهه.
ومنه إيثاره بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمير صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة , والتوعيد والإخافة , والتهديد
____________________
(١) سورة الأحزاب / ٥.
والرهبة، وهو يعلم سفهه، ويطلع على خبثه ورهقه , ويعاين سكره وفجوره وكفره، فلمـّا تمكّن منه ما مكنه منه، ووطأه له، وعصى الله ورسوله فيه , طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ؛ فأوقع بأهل الحرة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها، ولا أفحش ممّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد نفسه وغليله، وظن أن قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النوى لأعداء الله , فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه :
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزَعَ الخزرجِ من وقعِ الأَسَلْ |
|
قد قتلنا القرمَ من ساداتِكم |
وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدلْ |
|
فأهلُّوا واستهلُّوا فَرَحا |
ثم قالوا يا يزيد لا تشلْ |
|
لست من خندف إنْ لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
|
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله، ولا إلى دينه، ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله، ولا بما جاء من عند الله.
ثمّ من أغلظ ما انتهك , وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , مع موقعه من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة ؛ اجتراء على الله وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته.
فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتث أصله وفرعه , وسلبه ما تحت يده، وأعدّ له من
عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته....(١) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥ / ٦٢٣، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١٥ / ١٧٨ , وأذكر ما نقله الطبري من خبائث معاوية من كتاب الخلفية العباسي الذي قال عنه الذهبي بأمير المؤمنين في ترجمة أبيه الموفق ١٣ / ١٦٩ في سير أعلام النبلاء , وقال الطبري في تاريخه ٥ / ٦١٩ : (لعن بني اُميّة).
(وفي) هذه السنة عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس، فخوّفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إلى ذلك من قوله.
وذكر أن أوَّل شيء بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان إلّا أن يُسألوا عن شهادة إن كانت عندهم، وبمنع القصاص من القعود على الطرقات. وعُملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام في الأرباع والمحال والأسواق، فقرئت يوم الأربعاء لستٍ بقين من جمادى الاُولى من هذه السنة.
ثم منع يوم الجمعة لأربع بقين منها القصاص من القعود في الجامعين، ومنع أهل الحلف في الفتيا أو غيرهم من القعود في المسجدين، ومنع الباعة من القعود في رحابهما. وفي جمادى الآخرة نودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاصٍّ أو غيره، ومنع القصّاص وأهل الخلق من القعود.
وفي يوم الحادي عشر , وذلك يوم الجمعة , نودي في الجامعين بأنّ الذمة بريئة ممّن اجتمع من الناس على مناظرة أو جدل، وإنّ مَن فعل ذلك أحل بنفسه الضرب. وتقدّم إلى الشرّاب والذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحموا على معاوية، ولا يذكروه بخير.
وتحدّث الناس أن الكتاب الذي أمر المعتضد إنشاءه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر، فلمـّا صلّى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب، فلم يقرأ، فذكر أنّ المعتصد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية، فاُخرج له من الديوان، فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وذكر أنها نسخة الكتاب الذي أنشئ للمعتضد بالله :
(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله العلي العظيم , الحليم الحكيم , العزيز الرحيم , المنفرد بالوحدانية , الباهر بقدرته , الخالق بمشيئته وحكمته، الذي يعلم سوابق الصدور وضمائر القلوب , لا يخفى عليه خافية , ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات العلا ولا في الأرضين السُّفلى، قد أحاط بكلِّ شيء علماً، وأحصى كلّ شيء عدداً، وضرب لكل شيء أمداً، وهو العليم الخبير.
والحمد لله الذي برأ خلقه
____________________
لعبادته، وخلق عباده لمعرفته على سابق علمه في طاعة مطيعهم، وماضي أمره في عصيان عاصيهم ؛ فبيّن لهم ما يأتون وما يتّقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذّرهم مسالك الهلكة، وظاهر عليهم الحجة، وقدم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم، وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه وأهل طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته ؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيا عن بينة، وإن الله لسميع عليم.
والحمد لله الذي اصطفى محمداً رسوله من جميع بريته، واختاره لرسالته، وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذّن له بالنصر والتمكين، وأيّده بالعز والبرهان المتين ؛ فاهتدى به من اهتدى، واستنقذ به من استجاب له من العمى، وأضلّ من أدبر وتولّى، حتّى أظهر الله أمره وأعزّ نصره، وقهر مَن خالفه، وأنجز له وعده، وختم به رسله، وقبضه مؤدّياً لأمره , مبلغاً لرسالته , ناصحاً لاُمّته , مرضياً مهتدياً إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين وعباده الفائزين، فصلّى الله عليه أفضل صلاة وأتمّها , وأجلّها وأعظمها , وأزكاها وأطهرها، وعلى آله الطيبين.
والحمد لله الذي جعل أمير المؤمنين، وسلفه الراشدين المهتدين , ورثة خاتم النبيين وسيد المرسلين , والقائمين بالدين , والمقومين لعباده المؤمنين , والمستحفظين ودائع الحكمة , ومواريث النبوة , والمستخلفين في الأمة، والمنصورين بالعز والمنعة , والتأييد والغلبة، حتّى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم , وفساد قد لحقهم في معتقدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتهم على غير معرفة ولا روية، وقلّدوا فيها قادة الضلالة بلا بيّنة ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة. قال الله عز وجل :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (سورة القصص / ٥٠) , خروجاً عن الجماعة , ومسارعة إلى الفتنة , وإيثاراً للفرقة , وتشتيتاً للكلمة، وإظهاراً لموالاة مَن قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، وأخرجه من الملة , وأوجب عليه اللعنة.
وتعظيماً لمـّن صغر الله حقّه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه من بني اُميّة الشجرة الملعونة، ومخالفة لمـّن استنقذهم الله به من الهلكة، وأسبغ عليهم به النعمة من أهل بيت البركة والرحمة. قال الله عز وجل :( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (سورة آل عمران / ٧٤) , فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى في ترك إنكاره
____________________
حرجاً عليه في الدين، وفساداً لمـّن قلّده الله أمره من المسلمين، وإهمالاً لمـّن أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين، وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجة على الشاكّين، وبسط اليد على المعاندين.
وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله عزَّ وجلَّ لمـّا ابتعث محمداً بدينه، وأمره أن يصدع بأمره , بدأ بأهله وعشيرته ؛ فدعاهم إلى ربه، وأنذرهم وبشرّهم، ونصح لهم وأرشدهم، فكان مَن استجاب له وصدّق قوله واتبع أمره نفرٌ يسير من بني أبيه، من بين مؤمن بما أتى به من ربه، وبين ناصر له وإن لم يتبع دينه ؛ إعزازاً له وإشفاقاً عليه لماضي علم الله فيمن أختار منهم.
ونفذت مشيئته فيما يستودعه إيّاه من خلافته وإرث نبيه ؛ فمؤمنهم مجاهد بنصرته وحميّته، يدفعون من نابذه، وينهرون من عاره وعانده، ويتوثّقون له ممّن كانفه وعاضده، ويبايعون له من سمح بنصرته، ويتجسسون له أخبار أعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين، حتّى بلغ المدى وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين الله وطاعته , وتصديق رسوله والإيمان به بأثبت بصيرة وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة، وأهل بيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ومعدن الحكمة، وورثة النبوة، وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة، وألزم العباد لهم الطاعة.
وكان ممّن عانده ونابذه , وكذّبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر والسواد الأعظم ؛ يتلقّونه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذية والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدون عنه من قصده، وينالون بالتعذيب مَن اتبعه ؛ وأشدّهم في ذلك عداوة , وأعظمهم له مخالفة، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصبة ؛ لا يرفع على الإسلام راية إلّا كان صاحبها وقائدها ورئيسها في كلّ مواطن الحرب من بدر وأحد والخندق والفتح : أبو سفيان بن حرب، وأشياعه من بني اُميّة الملعونين في كتاب الله، ثمَّ الملعونين على لسان رسول الله في عدّة مواطن وعدّة مواضع ؛ لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم , ونفاقهم وكفر أحلامهم ؛ فحارب مجاهداً، ودافع مكابداً، وأقام منابذاً حتّى قهره السيف، وعلا أمر الله وهم كارهون , فتقوَّل بالإسلام غير منطو عليه، وأسرّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) والمسلمون، وحيَّز له المؤلفة قلوبهم فقبله وولده على علم منه.
فمما لعنهم الله به على لسان نبيه (صلىاللهعليهوآله )، وأنزل به كتاباً , قوله :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلّا طُغْيَاناً كَبِيراً ) (سورة الإسراء / ٦٠). ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني اُميّة. ومنه قول الرسول (صلىاللهعليهوآله ) , وقد رآه مقبلاً على حمار , ومعاوية يقود به , ويزيد ابنه يسوق به : (( لعن الله
____________________
القائد والراكب والسائق )). ومنه ما يرويه الرواة من قوله : يا بني عبد مناف , تلقّفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
ومنه ما يروون من وقوفه على ثنية أحد بعد ذهاب بصره، وقوله لقائده : ها هنا ذببنا محمداً وأصحابه. ومنه الرؤيا التي رآها النبي (صلىاللهعليهوآله )، فوجم لها فما رؤي ضاحكاً بعدها، فأنزل الله( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) (سورة الإسراء / ٦٠) , فذكروا أنه رأى نفراً من بني اُميّة ينزون على منبره.
ومنه طرد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الحكم بن أبي العاص لحكايته إيّاه، وألحقه الله بدعوة رسوله آية باقية حين رآه يتخلّج، فقال له : (( كن كما أنت )). فبقي على ذلك سائر عمره , إلى ما كان من مروان في افتتاحه أوَّل فتنة كانت في الإسلام، واحتقابه لكل دم حرام سفك فيها أو اُريق بعدها.
ومنه ما أنزل الله على نبيّه في سورة القدر( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر ) (سورة القدر / ٣) , من ملك بني اُميّة.
ومنه أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه، فدافع بأمره واعتل بطعامه، فقال النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( لا أشبع الله بطنه ))، فبقي لا يشبع، ويقول : والله ما أنزل الطعام شبعاً ولكن أعياء.
ومنه أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( يطلع من هذا الفجِّ رجل من اُمّتي يحشر على غير ملّتي ))، فطلع معاوية.
ومنه أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( إذا رأيتم معاوية على منبرى فاقتلوه )). ومنه الحديث المرفوع المشهور أنه قال : (( إنّ معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها، ينادي : يا حنّان يا منّان , الآنَ وَقَدْ عَصَيْت قَبْلُ وَكُنْت مِنْ الْمُفْسِدِين )).
ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكاناً، وأقدمهم إليه سبقاً، وأحسنهم فيه أثراً وذكراً ؛ علي بن أبي طالب , ينازعه حقّه بباطله، ويجاهد أنصاره بضلاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله وجحود دينه، ويأبى الله إلّا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
يستهوي أهل الغباوة، ويموّه على أهل الجهالة بمكره وبغيه , الذين قدم رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) الخبر عنهما، فقال لعمار : (( تقتلك الفئة الباغية , تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار )) , مؤثراً للعاجلة , كافراً بالآجلة، خارجاً من ربقة الإسلام، مستحلاً للدم الحرام , حتّى سفك في فتنته، وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذابين عن دين الله، والناصرين لحقّه ؛ مجاهداً لله , مجتهداً في أن يعصى الله فلا يُطاع , وتبطل أحكامه فلا تقام، ويخالف دينه فلا يدان، وأن تعلو كلمة
____________________
الضلالة، وترتفع دعوة الباطل. وكلمة الله هي العليا، ودينه المنصور، وحكمه المتبع النافذ، وأمره الغالب، وكيد من حاده المغلوب الداحض , حتّى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتبعها، وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها، وسنّ سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم مَن عمل بها إلى يوم القيامة، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها، واغترّه الإملاء، واستدرجه الإمهال , والله له بالمرصاد.
ثمَّ مما أوجب الله له به اللعنة قتله من قتل صبراً من خيار الصحابة والتابعين، وأهل الفضل والديانة , مثل : عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، فمن قتل أمثالهم في أن يكون له العزة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله عزَّ وجلَّ يقول :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عذاباً عَظِيمًا ) (سورة النساء / ٩٣).
وممّا استحقّ به اللعنة من الله ورسوله ادعاؤه زياد بن سمية ؛ جرأة على الله، والله يقول :( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ) (سورة الأحزاب / ٥) , ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : (( ملعون مَن ادّعى إلى غير أبيه، وانتمى إلى غير مواليه )). ويقول : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )). فخالف حكم الله عزّ وجل، وسنة نبيه (صلىاللهعليهوآله ) جهاراً، وجعل الولد لغير الفراش , وجعل الولد لغير الفراش , والعاهر لا يضره عهره ؛ فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في اُمِّ حبيبة زوجة النبي (صلىاللهعليهوآله )، وفي غيرها من سفور وجوه ما قد حرّمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله ممّا لم يدخل على الإسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهه.
ومنه إيثاره بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمير صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة , والتوعيد والإخافة , والتهديد والرهبة، وهو يعلم سفهه، ويطلع على خبثه ورهقه , ويعاين سكره وفجوره وكفره، فلمـّا تمكّن منه ما مكنه منه، ووطأه له، وعصى الله ورسوله فيه , طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين ؛ فأوقع بأهل الحرة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها، ولا أفحش ممّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد نفسه وغليله، وظن أن قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النوى لأعداء الله , فقال مجاهراً بكفره ومظهراً لشركه :
____________________
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزَعَ الخزرجِ من وقعِ الأَسَلْ |
|
قد قتلنا القرمَ من ساداتِكم |
وعدلنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدلْ |
|
فأهلُّوا واستهلُّوا فَرَحا |
ثم قالوا يا يزيد لا تشلْ |
|
لست من خندف إنْ لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
|
لعبت هاشمُ بالملكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله، ولا إلى دينه، ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله، ولا بما جاء من عند الله.
ثمّ من أغلظ ما انتهك , وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , مع موقعه من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة ؛ اجتراء على الله وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته.
فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفّار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتث أصله وفرعه , وسلبه ما تحت يده، وأعدّ له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته.
هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه، واتخاذ مال الله دولاً بينهم، وهدم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيق عليه، ورميهم إيّاه بالنيران ؛ لا يألون له إحراقاً وإخراباً، ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكاً، ولمن لجأ إليه قتلاً وتنكيلاً، ولمن أمنه الله به إخافة وترشيداً , حتّى إذا حقّت عليهم كلمة العذاب، واستحقّوا من الله الانتقام , وملؤوا الأرض بالجور والعدوان، وعموا عباد الله بالظلم والاقتسار، وحلّت عليهم السخطة، ونزلت بهم من الله السطوة، أتاح الله لهم من عترة نبيّه وأهل وراثته مَن استخلصهم منهم بخلافته مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين ؛ فسفك الله بهم دماءهم مرتدّين كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين، وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين , ومكّن الله المستضعفين، وردّ الله الحقّ إلى أهله المستحقّين، كما قال جلّ شأنه :( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (سورة القصص / ٥).
واعلموا أيُّها الناس , أنّ الله عزَّ وجلَّ إنما أمر ليُطاع، ومثَّل ليُمتثل، وحكم ليُقبل، وألزم الأخذ بسنة نبيه (صلىاللهعليهوآله ) ليُتّبع، وإنّ كثيراً ممّن ضلّ فالتوى، وانتقل من أهل الجهالة والسفاه ممّن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ،
____________________
وقد قال الله عزَّ وجلَّ :( فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) (سورة التوبة / ١٢). فانتهوا معاشر الناس عمَّا يسخط الله عليكم، وراجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوا من الله بما اختار لكم، والزموا ما أمركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتّبعوا الصراط المستقيم، والحجّة البيّنة والسبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة الذين هداكم الله بهم بديئاً، واستنقذكم بهم من الجور والعدوان أخيراً، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعزّ بدولتهم، وشملكم الصلاح في أديانكم ومعايشكم في أيامهم، والعنوا من لعنه الله ورسوله، وفارقوا مَن لا تنالون القربة من الله إلّا بمفارقته.
اللّهمَّ العن أبا سفيان بن حرب، ومعاوية ابنه، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم وولده. اللّهمَّ العن أئمة الكفر، وقادة الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول، ومغيِّري الأحكام، ومبدّلي الكتاب، وسفّاكى الدم الحرام. اللّهمَّ إنا نتبرّأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك كما قلت :( لا تَجِدُ قوماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (سورة المجادلة / ٢٢).
يا أيُّها الناس , اعرفوا الحقَّ تعرفوا أهله، وتأمّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها ؛ فإنه إنما يبين عن الناس أعمالهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم، فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء مَن يستهويكم، وكيد مَن يكيدكم، وطاعة من تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم.
أيُّها الناس , بنا هداكم الله، ونحن المستحفظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله، والقائمون بدين الله ؛ فقفوا عندما نقفكم عليه، وأنفذوا لما نأمركم به، فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى.
أمير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم، وفي حفظ دينه عليكم , حتّى تلقوه به مستحقّين طاعته , مستحقين لرحمته، والله حسب أمير المؤمنين فيكم , وعليه توكله , وبالله على ما قلّده من اُموركم استعانته، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله , والسلام عليكم.
وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنة (٢٨٤) , (وذكر) أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد، فمضى يوسف بن يعقوب فكلّم المعتضد في ذلك، وقال له : يا أمير المؤمنين , إني أخاف أن تضطرب العامّة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة.
فقال : إن تحركت العامّة أو نطقت , وضعت سيفي فيها.
فقال : يا أمير المؤمنين , فما تصنع بالطالبيّين الذين هم في كلّ ناحية يخرجون ويميل إليهم كثير من الناس ؛ لقرابتهم من الرسول , ومآثرهم , وفي هذا الكتاب إطراؤهم ؟ أو كما قال : وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل , وكانوا في أبسط ألسنة وأثبت حجة منهم اليوم ؟
فأمسك المعتضد فلم يرد عليه جواباً، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء.
لعن علماء أهل الخلاف يزيد بن معاوية (لعنه الله)
فتوى جمع من المحققين بجواز لعنه
قال المناوي : وقد أطلق جمع محققون حلَّ لعن يزيد به، حتّى قال التفتازاني : الحقُّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين (عليهالسلام )، وإهانته أهل البيت (عليهمالسلام ) ممّا تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه , بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
قال الزين العراقي : وقوله : بل في إيمانه , أي بل لا يتوقف في عدم إيمانه بقرينة ما قبله وما بعده(١) .
فتوى المولى ابن كمال بجواز لعنه
وقال المناوي أيضاً : قال المولى بن الكمال : والحقُّ إنّ لعن يزيد على اشتهار كفره، وتواتر فظاعته وشرِّه على ما عرف بتفاصيله جائز(٢) .
وقال المناوي : قيل لابن الجوزي وهو على كرسي الوعظ : كيف يقال : يزيد قتل الحسين (عليهالسلام ) وهو بدمشق، والحسين (عليهالسلام ) بالعراق ؟ فقال :
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٣ / ١٠٩.
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ١ / ٢٦٥.
سهمٌ أصاب وراميه بذي سلمِ |
مَن بالعراق لقد أبعدت مرماكا(١) |
الكيا الهراسي الفقيه الشافعي
الفقيه الشافعي الكيا الهراسي قال في يزيد : إنه لم يكن من الصحابة ؛ لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب، وأمّا قول السلف ففيه لأحمد قولان : تلويح وتصريح، ولمالِك قولان : تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة قولان : تلويح وتصريح، ولنا قول واحد : التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد , والمتصيِّد بالفهود , ومدمِن الخمر، وشِعره في الخمر معلوم , ومنه قوله :
أقولُ لصحبٍ ضمَّت الكأسُ شملَهم |
وداعي صباباتِ الهوى يترنَّمُ |
|
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذَّةٍ |
فكلٌّ وإن طال المدى يتصرَّمُ |
|
ولا تتركوا يومَ السرور إلى غدٍ |
فربَّ غدٍ يأتي بما ليس يُعْلَمُ(٢) |
جواز لعنه من أحمد بن حنبل والرد على مَن منع
قال سبط ابن الجوزي : ذكر علماء السير عن الحسن البصري أنه قال : قد كان [في] معاوية هنات لو لقي أهل الأرض (الله) ببعضها لكفاهم ؛ وثوبه على هذا الأمر، واقتطاعه من غير مشورة من المسلمين، وادعاؤه زياداً، وقتله حجر بن عدي وأصحابه، وبتوليته مثل يزيد على الناس.
قال : وقد كان معاوية يقول : لولا هواي في يزيد لأبصرت رشيدي(٣) .
____________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ١ / ٢٦٥.
(٢) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - ابن خلكان ٣ / ٢٨٧.
(٣) وروى قول معاوية هذا في تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٩٥ / ٦١ , ٢١٤ - ٢١٥، وسير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ١٥٦، والبداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٢٦ , وغيرهم.
وذكر جدي أبو الفرج في كتاب ( الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد )(١) , وقال : سألني سائل فقال : ما تقول في يزيد بن معاوية ؟ فقلت له : يكفيه ما به. فقال : أتجوِّز لعنه ؟ فقلت : قد أجاز العلماء الورعون لعنه، منهم : أحمد بن حنبل، فإنه ذكر في حقِّ يزيد ما يزيد على اللعنة.
قال جدِّي : وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزاز، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي، أنبأنا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمّد بن الخلال، حدّثنا محمّد بن علي، عن منها بن يحيى قال : سألت أحمد بن حنبل عن يزيد بن معاوية , فقال : هو الذي فعل ما فعل. قلت : ما فعل ؟ قال : نهب المدينة. قلت : فنذكر عنه الحديث ؟ قال : لا، ولا كرامة، لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه الحديث.
وحكى جدي أبو الفرج، عن القاضي أبي يعلي بن الفراء في كتابه (المعتمد في الأصول) , بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي : إنّ قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد ! فقال : يا بني، وهل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله ؟! فقلت : فلِمَ لا تلعنه ؟ فقال : وما رأيتني لعنت شيئاً.
يا بني , لِمَ لا تلعن من لعنه الله في كتابه ؟ فقلت : وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ فقال : في قوله تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * اُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (١) . فهل يكون فساد أعظم من القتل ؟
وفي رواية : سأله صالح , فقال : يا بني , ما أقول
____________________
(١) كتاب الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ٦ - ١٩ , تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي (رحمهالله ).
(٢) سورة محمّد / ٢٢ - ٢٣.
في رجل لعنه الله في كتابه وذكره ؟!
وقال جدي : وصنف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان مَن يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد , وقال في الكتاب المذكور : الممتنع من جواز لعن يزيد ؛ إمّا أن يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك، وربما استفز (استغر) الجهال بقوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( المؤمن لا يكون لعاناً )).
قال القاضي : وهذا محمول على من لا يستحق اللعن , فإن قيل : فقوله تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ) (١) , نزلت في منافقي اليهود، فقد أجاب جدِّي عن هذا في الرد على المتعصب وقال : الجواب أنّ الذي نقل هذا مقاتل بن سليمان ذكره في تفسيره، وقد أجمع عامة المحدثين على كذبه كالبخاري ووكيع , والساجي والسدي , والرازي والنسائي وغيرهم، وقال : فسرها أحمد بأنها في المسلمين، فكيف يقبل قول أحمد أنها نزلت في المنافقين ؟
فإن قيل : فقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( أوَّل جيش يغزو القسطنطينية مغفور له ))، ويزيد أوَّل من غزاها. قلنا فقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( لعن الله من أخاف مدينتي )) , والآخر ينسخ الأول(٢) .
____________________
(١) سورة محمّد / ٢٢.
(٢) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٥٧ - ٢٥٨ , طبعة منشورات الشريف الرضي. وقد نقل ما جرى بين أحمد بن حنبل وابنه غير سبط ابن الجوزي مثل الشبرواي , ومحمد رضا - أمين مكتبة جامعة فؤاد الأوَّل سابقاً - في كتابه : ( الحسن والحسين سبطا رسول الله صلّى الله عليه وسلم) / ١٤٣ , ط دار الكتب العلمية - بيروت , نقلا عن إحقاق الحق ٣٣ / ٦٦٦ , قال : وقال الإمام ابن حنبل بكفر يزيد. ونقل صالح بن أحمد بن حنبل (رضي الله عنهما) ، قال : قلت لأبي : يا أبتي , أتلعن يزيد ؟ فقال : يا بني , كيف لا نلعن من لعنه الله تعالى في ثلاث آيات من كتابه العزيز ؛ في الرعد والقتال والأحزاب.
قال تعالى :( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ
لعن ابن الزّبير
قال مطهر بن طاهر المقدسي المتوفى ٥٠٧ ه- :... وأمّا عبد الله بن الزّبير فامتنع بمكة، ولاذ بالكعبة، ودعا الناس إلى الشورى، وجعل يلعن يزيد، وسمّاه الفاسق المتكبر، وقال : لا يرضى الله بعهد معاوية إلى يزيد(١) .
قول ابن الزّبير : يزيد الفاجر ابن الفاجر , ولعن...
قال سبط ابن الجوزي : وقال عامر الشعبي : لمـّا بلغ عبد الله بن الزّبير قتل الحسين (عليهالسلام ) خطب بمكة وقال : ألا إنّ أهل العراق قوم غدر وفجر، ألا وإنّ أهل الكوفة شرارهم ؛ إنهم دعوا الحسين (عليهالسلام ) ليولُّوه عليهم ليقيم اُمورهم، وينصرهم على عدوِّهم، ويعيد معالم الإسلام، فلمـّا قدم عليهم ثاروا عليه ليقتلوه، وقالوا له : إن لم تضع يدك في يد الفاجر الملعون ابن زياد الملعون فيرى فيك رأيه. فاختار الوفاة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسيناً، وأخزى قاتله، ولعن من أمره بذلك ورضي به.
____________________
وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ اُولئك لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ) (سورة الرعد / ٢٥)، وأي قطيعة أفظع من قطيعته (صلىاللهعليهوآله ) في ابن بنته الزهراء ؟! وقال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (سورة الأحزاب / ٥٧)، وأي أذية له (صلىاللهعليهوآله ) فوق قتل ابن بنته الزهراء ؟! وقال تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * اُولئك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (سورة محمّد / ٢٢ - ٢٣) , وهل بعد قتل الحسين (عليهالسلام ) إفساد في الأرض أو قطيعة للأرحام ؟!
(١) البدء والتاريخ ٦ / ١٣.
أفبعد ما جرى على أبي عبد الله يطمئن أحد إلى هؤلاء، أو يقبل عهود الفجرة الغدرة ؟! أما والله، لقد كان صوّاماً بالنهار , قوّاماً بالليل، وأولى بينهم من الفاجر ابن الفاجر. والله، ما كان يستبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الخمور، ولا بقيام الليل الزمور، ولا بمجالس الذكر الركض في طلب الصيود واللعب بالقرود ؛ قتلوه فسوف يلقون غيّاً، ألا لعنة الله على الظالمين. ثمَّ نزل(١) .
لعن القاضي أبي الحسن
قال أبو الفرج ابن الجوزي : وصنف القاضي أبو حسن محمّد بن القاضي أبي يعلي بن الفّراء كتاباً فيه بيان من يستحق اللعن، وذكر فيهم يزيد، وقال : الممتنع من ذلك ؛ إمّا غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك، وربما استفز الجهال بقوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( المؤمن لا يكون لعاناً )).
قال القاضي أبو الحسين : وهذا محمول على مَن لا يستحق اللعن.
نقلت هذا من خط القاضي أبي الحسين وتصنيفة(٢) .
لعن الحافظ الشيرازي ليزيد وبني اُميّة كلّهم
قال السمعاني : وقال عبد العزيز النخشبي : أبو القاسم الحافظ الشيرازي كان يحفظ الغرائب، حسن الفهم , حسن المعرفة، غير أنه يلعن يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان ,
____________________
(١) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٤١ , ط منشورات الشريف الرضي. أقول : قد تقدّم موقف ابن الزّبير من خروج الإمام الحسين (عليهالسلام ) من مكّة , وما قاله ابن عباس فيه.
(٢) كتاب الرد على المتعصب العنيد - أبو الفرج ابن الجوزي / ١٨ , تحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
وبني اُميّة كلَّهم، وجرت بيني وبينه مناظرة في ذلك(١) .
لعن الآلوسي وجلال الدين السيوطي , وابن الجوزي وأبي يعلي وغيرهم
قال الشهاب الآلوسي في تفسير قوله تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) (٢) , قال : واستدلّ بها أيضاً على جواز لعن يزيد عليه من الله تعالى ما يستحق. نقل البرزنجي في الإشاعة، والهيثمي في الصواعق أنّ الإمام أحمد لمـّا سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال : كيف لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه ؟! فقال عبد الله : قد قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه لعن يزيد ! فقال الإمام : إن الله تعالى يقول :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) , وأيُّ فساد وقطيعة أشد مما فعله يزيد. انتهى.
.... (أقول : فأخذ في ذكر الأقوال والمباني في اللعن , فقال بعد ذلك) :
____________________
(١) الأنساب - السمعاني ٣ / ٤٩٣ , هذا بعد ما ذكر ترجمته , فقال : وأبو القاسم عبد الصمد بن الحسن بن محمّد بن جعفر الحافظ الشيرازي، من أهل شيراز، سمع بأصبهان أبا عبد الله محمّد بن إسحاق بن منده الحافظ، وأبا علي الحسن بن علي البغدادي، وببغداد أبا الحسن أحمد بن محمّد بن عمران الجندي، وأبا بكر محمّد بن زنبور بن خلف المقرئ، وبواسط أبا بكر أحمد بن عبيد بن بدري الواسطي، وبالأبلة أبا الحسن بن شيبان الأبلي وطبقتهم. وكان حافظاً يعرف الحديث ويفهمه، وسمع منه أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد بن محمّد النخشبي، وأبو القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي وغيرهما من أهل شيراز والغرباء.
وقال هبة الله الشيرازي : أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن الحسن الحافظ الثقة (إملاءً) بشيراز , وهو أوَّل شيخ سمعت منه الحديث. وقال عبد العزيز النخشبي :... إلخ.
(٢) سورة محمّد / ٢٢.
وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد ؛ لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه.
ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة ؛ فقد روى الطبراني بسند حسن : (( اللّهمَّ مَن ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه , وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , لا يقبل منه صرف ولا عدل )). والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت (عليهمالسلام )، ورضاه بقتل الحسين على جدّه وعليه الصلاة والسلام، واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته , ممّا تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاداً.
وفي الحديث (( ستّة لعنتهم , (وفي رواية : لعنهم الله) وكل نبيٍّ مجاب الدعوة : المحرف لكتاب الله , (وفي رواية : الزائد في كتاب الله) والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذلّ الله , ويذلّ من أعزَّ الله، والمستحلّ من عترتي، والتارك لسنتي )).
وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه وصرح بلعنه جماعة من العلماء , منهم : الحافظ ناصر السنة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلي. وقال العلامة التفتازاني : لا نتوقف في شأنه , بل في إيمانه لعنه الله تعالى، وعلى أنصاره وأعوانه.
وممّن صرّح بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة، وفي تاريخ ابن الوردي، وكتاب الوافي بالوافيات أن السبي لمـّا ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّيّة علي والحسين رضي الله تعالى عنهما، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنية جيرون، فلمـّا رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول :
لما بدت تلك الحمولُ وأشرفت |
تلك الرؤوسُ على شفا جَيْرونِ |
|
نعب الغرابُ فقلتُ قل أو لا تَقُلْ |
فَقَدِ اقتضيتُ من الرسولِ ديوني(١) |
قال السيوطي : فقُتل ( يعني الحسين (عليهالسلام ) ) وجيء برأسه في طست حتّى وضع بين يدي
____________________
(١) روح المعاني - تفسير الآلوسي ٢٦ / ٧٢.
ابن زياد، لعن الله قاتله وابن زياد، ويزيد أيضاً(١) .
لعن العلامة التفتازاني
قال عبد الحي الدمشقي : وقال التفازاني في شرح العقائد النسفية : اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين(عليهالسلام )، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. قال : والحقُّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين (عليهالسلام )، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ممّا تواتر معناه وإن كان تفصيله آحاداً. قال : فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه(٢) .
لعن الجاحظ ليزيد ولعن كلّ من منع لعنه
قال الجاحظ : إنّ الجرائم التي ارتكبها يزيد من قتله للإمام الحسين (عليهالسلام ) , وأخافته لأهل المدينة، وخرابه الكعبة، وأسره لبنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وضربه ثنايا الحسين (عليهالسلام ) بالعصا، ألا تُعدُّ دليلاً على قساوته وعداوته , وكرهه وحقده , وعناده ونفاقه، أم أنها تدل على محبته وإخلاصه للنبي وآله (عليهمالسلام ) ؟!
ثم إنه قال : وعلى أيِّ حال فهذه الأعمال مصداق لفسقه وضلاله ؛ فهو فاسق ملعون، وكلُّ من منع من لعنه فهو ملعون(٣) .
____________________
(١) تاريخ الخلفاء / ١٩٣ وفي ط / ٢٠٧.
(٢) شذرات الذهب - العكري الدمشقي ١ / ٦٨ , وفي ط / ١٢٢ , دار الكتب العلميّة.
(٣) رسائل الجاحظ / ٢٩٨.
لعن ابن الدمشقي ليزيد وتكفيره
قال ابن الدمشقي :... ثم أذكر على طريق الاختصار قتل سيدنا الحسين (عليهالسلام )، وتجريعهم له كؤوس الحين، وما عامله آل أبي سفيان لأهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من القتل والأسر والهوان ممّا تقشقرُّ منه الأبدان، وما لا يستحلّه مَن تديَّن بدين من الأديان، وما قال به يزيد بن معاوية عليه اللعنة عند وضع رأسه الشريف بين يديه حين قدم به عليه , وهذا قوله :
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جَزَعَ الخزرجِ من وَقْعِ الأسلْ |
وقال أيضاً :
نعب الغرابُ فقلتُ قل أو لا تقلْ |
فقد اقتضيت من الرسول ديوني |
فقال له رجل من الصحابة : ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين ! [ قال : ] بل نستغفر الله. وقرع ثغره الشريف بالقضيب وهو الحبيب وابن الحبيب [ و ] سبط الحبيب , وكل هذا ممّا يدلّ على صريح الكفر [ أو الكفر ] الصريح والذنب القبيح. والقيامة تجمعهم وإلى الله مرجعهم ففض الله فاه بما نطق وفاه(١) .
رأي معاوية بن يزيد في أبيه يزيد بن معاوية، وما فعله الاُمويّون بمعلّمه
ذكر اليعقوبي والدميري , وابن حجر الهيتمي والقندوزي - واللفظ للأوّل - : فخطب الناس فقال : أمّا بعد , حمداً لله والثناء عليه. أيُّها الناس , فإنا بلينا بكم وبليتم بنا , فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألا وإنّ جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر مَن كان أولى به منه في القرابة برسول الله، وأحقّ في الإسلام، سابق المسلمين وأوّل المؤمنين، وابن عم رسول ربِّ العالمين، وأبا بقية خاتم
____________________
(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) - ابن الدمشقي ١ / ١٥.
المرسلين، فركب منكم ما تعلمون، وركبتم منه ما لا تنكرون، حتّى أتته منيته , وصار رهناً بعمله. ثمَّ قلَّد أبي وكان غير خليق للخير ؛ فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل ؛ فقلّت منعته، وانقطعت مدته، وصار في حفرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه.
ثمَّ بكى وقال : إنّ أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة، وحرق الكعبة، وما أنا المتقلد اُموركم، ولا المتحمّل تبعاتكم، فشأنكم أمركم ؛ فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظاً، وإن تكن شرّاً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها(١) .
(ثمّ قال : فشأنكم أمركم فخذوه , ومن رضيتم فولّوه ؛ فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم، والسلام. ولمـّا نزل من على المنبر وبّخه أقاربه، وقالت له اُمُّه : ليتك كنت حيضة ولم اسمع بخبرك. فقال : وددت والله ذلك.
وقال الاُمويّون لمعلمه ومودّبه عمر المقصوص : أنت علمته حبَّ علي وأولاده ! وأخذوه فدفنوه حيّاً، ثمَّ دسوا السمَّ لمعاوية فمات)(٢) .
____________________
(١) تاريخ اليعقوبي ٢ / ٢٥٤، حياة الحيوان ٢ / ٨٨ الإوز، الصواعق المحرقة / ٢٢٤ , وفي ط / ١٣٤، ينابيع المودة ٣ / ٣٦.
(٢) ما بين القوسين من حياة الحيوان نقلاً من كتاب السيد فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) / ٦٥ - محمّد بيومي عن الدميري، وفي النسخة الموجودة عندي من حياة الحيوان لم يذكر مسألة سم معاوية بن يزيد , وإليك ما ذكره الدميري في حياة الحيوان ١ / ٨٨ , قال:
وذكر غير واحد أنّ معاوية بن يزيد لمـّا خلع نفسه، صعد المنبر فجلس طويلاً، ثمَّ حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الثناء والحمد، ثمَّ ذكر النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأحسن ما يذكر به، ثمَّ قال : أيُّها الناس , ما أنا بالراغب في الاتّمار عليكم لعظيم ما أكرهه منكم، وإني لأعلم أنكم تكرهوننا أيضاً ؛ لأنا بلينا بكم وبليتم بنا , إلّا أن جدي معاوية.... قد نازع في هذا الأمر مَن كان أولى به منه ومن غيره ؛ لقرابته من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وعظيم فضله وسابقته.
أعظم المهاجرين قدراً، وأشجعهم قلباً , وأكثرهم علماً، وأوّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة , وأقدمهم صحبة ؛ ابن عم الرسول (صلىاللهعليهوآله )، وصهره وأخوه، وزوج ابنته فاطمة ,
____________________
وجعله لها بعلاً باختياره لها , وجعلها له زوجة باختيارها له، وأبو سبطيه سيدي شباب أهل الجنة، وأفضل هذه الاُمة، تربية الرسول، وابني فاطمة البتول , من الشجرة الطيبة الطاهرة الزكية، فركب جدي معاوية منه ما تعلمون، وركبتهم منه ما لا تجهلون، حتّى انتظمت لجدِّي الاُمور، فلمـّا جاءه القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون , بقي مؤتهناً بعمله , فريداً في قبره، ووجد ما قدمت يداه، ورأى ما ارتكبه واعتداه.
ثمَّ انتقلت الخلافة إلى أبي يزيد، فتقلّد أمركم لهوى كان أبوه فيه، ولقد كان أبي بسوء فعله , وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلاقة على اُمّة محمّد (صلىاللهعليهوآله ) ؛ فركب هواه، واستحسن خطاه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله، وبغيه على من استحلّ حرمته من أولاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقلَّت مدته , وانقطع أثره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته , رهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، وحصل على ما أقدم، وندم حيث لا ينفعه الندم، وشغلنا الحزن له عن الحزن عليه، فليت شعري ماذا قال، وماذا قيل له ؟ هل عوقب بإساءته وجوزي بعمله , وذلك ظنّي !
ثمَّ [خنقته] العبرة , فبكى طويلاً , وعلا نحيبه، ثمَّ قال : وصرت أنا ثالث القوم , والساخط عليَّ أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا يراني الله (جلّت قدرته) متقلداً أوزاركم , وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم أمركم فخذوه , ومَن رضيتم به عليكم فولّوه ؛ فلقد خلعت بيعتي من أعناقكم، والسلام.
فقال له مروان بن الحكم , وكان تحت المنبر : أسنة عمرية يا أبا ليلى ؟! فقال : اغدُ عنّي، أعن ديني تخدعني ؟! فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها ؛ ائتني برجال مثل رجال عمر.... على أنه ما كان من حين جعلها شورى، وصرفها عمّن لا شك في عدالته ظلوماً. والله لئن كانت الخلافة مغنماً لقد نال أبي منها مغرماً ومأثماً، ولئن كانت سوءاً فحسبه منها ما أصابه.
ثمَّ نزل , فدخل عليه أقاربه واُمّه فوجدوه يبكي , فقالت له اُمّه : ليتك كنت حيضة ولم أسمع بخبرك ! فقال : وددت والله ذلك. ثمَّ قال : ويلي إن لم يرحمني ربي ! ثمَّ إنّ بني اُميّة قالوا لمؤدبه عمر المقصوص : أنت علّمته هذا ولقّنته إيّاه، وصددته عن الخلافة، وزيّنت له حب عليٍّ وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وأحسنت له البدع حتّى نطق بما نطق، وقال ما قال ؟ فقال : والله ما فعلته ولكنه مجبول ومطبوع على حبِّ عليٍّ. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حياً حتّى مات.
قال العاصمي الشافعي : وبويع من بعده ابنه معاوية، فمكث ثلاثة أشهر، ثمَّ خطب الناس وقال : إني ضعيف عن أمركم، وطلبت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فطلبت ستة مثل أهل الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم , اختاروا له. ودخل منزله فمات، يقال : مسموماً، وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهلك ليومه بالطاعون، وقيل : إن معاوية بن يزيد أوصى الضحاك بن قيس أن يصلّي بالناس حتّى تجتمع الناس على إمام.
قال العلامة السبكي : إنّ معاوية بن يزيد لمـّا خلع نفسه، صعد المنبر فجلس طويلاً، ثمَّ حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثمَّ ذكر النبي (صلىاللهعليهوآله ) بأحسن ما يذكر به، ثمَّ قال : أيُّها الناس , ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم لعظيم ما أكرهه منكم، وإني أعلم أنكم تكرهونا أيضاً ؛ لأنّا بلينا بكم وبليتم بنا، إلّا أنّ جدِّي معاوية نازع هذا الأمر مَن كان أولى به منه ومن غيره ؛ لقرابته من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وعظيم فضله وسابقته ؛ أعظم المهاجرين قدراً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً، وأوّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة ؛ ابن عمِّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وصهره وأخوه.
زوّجه ابنته - رضي الله تعالى عنها - وجعله لها بعلاً باختياره لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، أبو سبطيه سيدي شباب أهل الجنة، وأفضل هذه الأمة، تربية الرسول، وأبناء فاطمة البتول - رضي الله تعالى عنها - حتّى انتظمت لجدِّي
____________________
وفي كتاب السيد فاطمة الزهراء (س) / ٦٥ - محمّد بيومي قال : وقال الاُمويّون لمعلمه ومؤدّبه عمر المقصوص : أنت علّمته حبَّ علي وأولاده ؟ وأخذوه فدفنوه حيّاً، ثمَّ دسّوا السم لمعاوية فمات.
معاوية الاُمور، فلمـّا جاءه القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون , بقي مرتهناً بعمله، فريداً في قبره، ووجد ما قدّمت يداه، فرأى ما أرتكبه واعتراه.
ثم انتقلت الخلافة في أبي يزيد، فتقلّد أمركم لهوى كان أبوه هويه فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله , وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على اُمّة محمّد (صلىاللهعليهوآله ) ؛ فركب هواه، واستحسن خطاه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله تعالى، وبغيه على من أستحلّ حرمته من أولاد رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، فقلَّتْ مدته، وانقطع أثره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته، رهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، فهل عوقب بإساءته وجوزي بعمله ؟ وذلك ظني.
ثم خنقته العبرة , فبكى طويلاً , وعلا نحيبه، وحمد الله، ثمَّ قال : وصرت أنا ثالث القوم , والساخط عليَّ أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا يراني الله جلَّتْ قدرته متقلّداً أوزاركم، وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم وأمركم فخذوه، ومَن رضيتم به عليكم فولُّوه ؛ فلقد خلعت بيعتي من أعناكم , والسّلام.
فقال مروان بن الحكم، وكان تحت المنبر : أسنّة عمرية يا أبا ليلى ؟ فقال : اغدُ عنِّي، أعن ديني يخدعوني ؟ فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها ؛ ائتني برجال مثل رجال عمر، على أنه كان حين جعلها شورى، وصرفها عمَّن لا شكَّ في عدالته ظلوماً. والله لئن كانت الخلافة مغنماً، لقد نال أبي معها مغرماً ومأثماً، ولئن كانت شرّاً فحسبه منها ما أصابه.
ثم نزل، فدخل عليه أقاربه وأُمُّه فوجدوه يبكي، فقالت له أُمُّه : ليتك كنت حيضة ولم أسمع بخبرك ! فقال : وددت والله ذلك. ثمَّ قال : ويلي إن لم يرحمني ربي !
ثم إنّ بني اُميّة قالوا لمؤدّبه [عمر المقصوص] : أنت علّمته هذا ولقّنته إيّاه، وصددته عن الخلافة، وزيَّنت له حبَّ عليٍّ وأولاده , وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحسَّنت له البدع حتّى نطق بما نطق، وقال ما قال ؟
فقال : والله ما فعلته، ولكنه مجبول ومطبوع على حبِّ عليٍّ وأولاده - رضي الله تعالى عنهم -. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيّاً حتّى مات (رحمهالله )(١) .
أقول : أكان أنصار يزيد بن معاوية ؛ مثل ابن تيمية وابن العربي , والغزالي ومحب الدين الخطيب , ممّن أولعوا حبّاً لأعداء أهل بيت النبي محمّد (صلىاللهعليهوآله ) , أحرص من معاوية بن يزيد على أبيه حتّى أخذوا يدافعون عنه بهذه الصلابة , حتّى وصل بهم الأمر أن عابوا خروج الإمام الحسين (عليهالسلام ) على مثل من هتك حرمات الدين، وعاث فساداً في مقدسات المسلمين(*) !
ما قاله بعض علماء أهل الخلاف في الردِّ على مَن ذمَّ خروج الحسين (عليهالسلام )
الشوكاني يلعن مَن عاب على الحسين (عليهالسلام ) خروجه
قال الشوكاني : لا ينبغي لمسلم أن يحطَّ على من خرج من السلف الصالح من العترة وغيرهم على أئمة الجور ؛ فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أتقى لله وأطوع لسنّة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) من جماعة ممّن جاء بعدهم.
ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومن وافقهم في الجمود على أحاديث الباب، حتّى حكموا بأنّ الحسين
____________________
(١) سمط النجوم العوالي - العاصمي الشافعي ٣ / ٢١٢ - ٢١٤.
(*) وفي إحقاق الحقّ ٢٧ - السيد المرعشي / ٣٣٦ قال : قول النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( لعن الله قاتلك يا حسين )) , رواه جماعة من أعلام العامة في كتبهم , منهم : الفاضل المعاصر رياض عبد الله عبد الهادي في ( فهارس كتاب الموضوعات - لابن الجوزي / ٨٨ , ط دار البشائر الإسلامية - بيروت) , قال : (( لعن الله قاتلك... )) , في فضل الحسين ١ / ٤٠٩ , ومنهم الفاضل المعاصر صالح يوسف معتوق في ( التذكرة المشفوعة في ترتيب أحاديث تنزيه الشريعة المرفوعة / ٤١ , ط دار البشائر الإسلامية - بيروت) قال : (( لعن الله قاتلك... )) (للحسين) ١ / ٤٠٨.
السبط (رضياللهعنه وأر ضاه) باغٍ على الخمّير السكير , الهاتك لحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهما الله، فيا لله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود , ويتصدع من سماعها كلُّ جلمود(١) !
ما ذكره سبط ابن الجوزي
قال سبط ابن الجوزي : قال الخصم : فذهب قوم إلى أن الحسين كان خارجياً(*) !
____________________
(١) نيل الأوطار - الشوكاني ٧ / ٣٦٢ , وفي ط ٧ / ١٧٦ - باب الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، والكف عن إقامة السيف - في أخر هذا الباب.
(*) قال المعلق الشيعي الإمامي الشيخ المحمودي (رحمهالله ) : إلى الله أشكو من معشر يعيشون ضلاّلاً , ويموتون جهّالاً ! ويل لهؤلاء الحمر المستنفرة , الفارة عن الصدق والصواب، المائلة إلى الغي والضلال , المعرضة عن محكمات الكتاب , والآثار النبويّة المجمع عليها بين المسلمين !
أيقال لريحانة رسول الله ووديعته في اُمّته : خارجي ؛ لتصحيح أعمال الملحدين ؟!
أيقال للحسين (عليهالسلام ) : خارجي , وقد جعله الله مع صنوه واُمّه وأبيه برهاناً لصدق نبوّته وأمره ؛ بأن يخرج بهم لمباهلة النصارى , حيث قال :( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ؟! (سورة آل عمران / ٦١).
أيقال للحسين : خارجي , وقد جعل الله حبه وحبّ أبيه , واُمّه وأخيه أجر رسالة نبيه , وأنزل عليه( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟! ( سورة الشورى / ٢٣).
أيقال للحسين المطهر من كلّ دنس , المحلّى بكل فضيلة : خارجي , وقد أنزل الله في شأنه وصنوه , واُمّه وأبيه( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ؟! (سورة الأحزاب / ٣٣).
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) له ولأخيه : (( هما سيدا شباب أهل الجنة , مَن أحبّهما فقد أحبّني , ومَن أبغضهما فقد أبغضني , وأبوهما خير منهما )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال له جدّه النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( حسين منّي وأنا من حسين , أحب الله مَن أحبّ حسيناً )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد أخذ النبي (صلىاللهعليهوآله ) بيده ويد أخيه , وقال : (( هذان ابناي , مَن أحبّهما فقد أحبّني , ومَن أبغضهما
____________________
فقد أبغضني )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( اللّهمَّ إني اُحبّه , واُحبّ مَن يحبه )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) فيه وصنوه : (( مَن أحبّني فليحب هذين )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد كان جدّه يضمه وأخاه الحسن (عليهماالسلام ) , ويقول : (( اللّهمَّ إنّي اُحبّهما , واُحبّ مَن يحبهما )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال النبي (صلىاللهعليهوآله ) في شأنه وشأن أخيه : (( مَن أحبهما أحببته , ومَن أحببته أحبه الله , ومَن أحبه الله أدخله جنات النعيم. ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته , ومَن أبغضته أبغضه الله , ومَن أبغضه الله أدخله نار جهنم وله عذاب مقيم )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له وصنوه , واُمّه وأبيه : (( أنا حرب لمـّن حاربكم , وسلم لمـّن سالمكم )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فيه وفي صنوه , واُمّه وأبيه : (( [ يا فاطمة , ] إني وإيّاك , وهما وأبوهما في مكان واحد في الجنة )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد أخرج رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) جميع أصحابه وأعمامه من المسجد , وصاح بهم : (( ألا لا يحلّ هذا المسجد لجنب ولا لحائض إلّا لرسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لابنته فاطمة , مسلّياً لها في مرض وفاته , وهو يستعبر الدموع : (( اللّهمَّ أهل بيتي , وأنا مستودعهم كلّ مؤمن )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) له ولأخيه : (( اللّهمَّ أستودعك إيّاهما وصالح المؤمنين )) ؟!
أيقال للحسين : خارجي , وقد بكى عليه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وقال : (( إنّ جبرائيل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين , فاشتد غضب الله على مَن سفك دمه. يا عائشة , إن ليحزنني فمن هذا الذي يقتل حسيناً بعدي )) ؟!
(وقال) : أقول : هذه إشارة يسيرة من معالي الحسين المبينة بلسان جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) المروية من طريق شيعة آل أبي سفيان وأعضاد المجرمين , مع شدة كفّهم وامتناعهم عن ذكر ما يوهن أمر خلفائهم , ويقوي جانب أهل البيت وشيعتهم , ولكن أجرى الله أقلامهم بذلك ليتمّ كلمة الله ولو كره المبطلون.
وفي الختام , اُبشّر المسلمين خاصة وذوي العقول وطالبي الحقّ من العالم عامة , بأنه قد [انكسر الحصار] العلمي الذي فرضه اُمراء الجور بمعونة دعاة السوء والأقلام المستأجرة. فيا دعاة الحق , تحرّكوا نحو البحث والتفتيش , واحذروا الهلكة من جهة الجهالة ؛ فإنّ العالم في ذهول عن حقائق الإسلام , وقد بقي من التراث الإسلامي الذي دوّنه المنصفون , وأنجاه الله من إتلاف المبطلين , ما يبين لكم سبيل الرشد من الغي , ويميز لكم طريق الجنّة من النار.
قلنا : إنما يقال : فلان خارجي , لمن خرج على مستحق، وإنما خرج الحسين (عليهالسلام ) لدفع الظلم وإقامة الحقِّ.
ونقلت من خطِّ ابن عقيل قال : قال رجل : كان الحسين خارجياً.
[قال ابن عقيل :] فبلغ ذلك من قلبي , فقلت : لو عاش إبراهيم ابن رسول الله صلح أن يكون نبيّاً , فهب أن الحسن والحسين نزلا عن رتبة إبراهيم مع كون النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد سمّاهما ابنيه , أفلا يصيب ولد ولده أن يكون إماماً بعده ؟ فأمّا تسميته خارجياً وإخراجه من الإمامة لأجل صون بني اُميّة عن الافتضاح , هذا ما لا يقتضيه عقل ولا دين.
قال ابن عقيل : ومتى حدثتك نفسك بوفاء الناس فلا تصدّق ؛ هذا رسول الله أكبر الناس حقوقاً على الخلق , هداهم , وعلّمهم، وأشبع جائعهم، وأعزَّ ذليلهم ،
____________________
أيها السلمون , اعلموا أنكم لن تعرفوا الإسلام , ولن تنالوا بركاته حتّى تعرفوا أهل بيت نبيكم الذين خلّفهم رسول الله فيكم , وقرنهم بكتاب الله تعالى. ولن تعرفوا أهل بيت نبيكم حتّى تعرفوا مَن أحبهم ومن أبغضهم , ولن تعرفوا هؤلاء إلّا بمراجعة سيرة الفريقين من كتب المنصفين المعتمدين.
فما الانتظار من نشر آثار القدماء المنصفين وقد انقضى عصر طغاة الاُمويّين والعباسيّين الذين أخمدوا بهاء الإسلام , وأنزلوا المسلمين إلى أسفل السافلين بقتل علماء الدين , أو تشريدهم وإخلادهم في سجونهم , أو سد أبوابهم وختم أفواههم ؟!
ثمَّ استخدام الشياطين وعلماء السوء الذين وصفهم رسول الله بقوله : (( ولكني أخاف عليكم كلّ منافق الجنان , عالم اللسان , يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون )).
ولقد أخبر الله تعالى عن أبيهم وعنهم بقوله :( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقاً منَ الْمُؤْمِنِينَ ) (سورة سبأ / ٢٠). من هامش كتاب الرد على المتعصب العنيد لابن الجوزي / ٨٣ , تعليق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
ووعدهم الشفاعة في الآخرة , وقال :( ... لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) , فقتلوا أصحابه، وأهلكوا أولاده.
قال الخصم : هلا سكتم عن يزيد احتراماً لأبيه ؟
قلنا : ما سكت عنه أحمد بن حنبل , ولا الخلاّل , ولا غلامه أبو بكر عبد العزيز , ولا القاضي أبو يعلى, ولا ابنه أبو الحسن وهو شيخك، فهلا وافقت شيخك ؟ وما ردّك عن موافقته إلا أحد أمرين : إمّا الجهل بالحال، وإمّا أن يكون المقصود : خالف تُعرف.
ثمّ لا يختلف الناس أنّ سعد بن أبي وقاص من العشرة المشهود لهم بالجنّة , ومن أهل بدر , ومن أصحاب الشورى، وما سكت الناس عن ابنه عمر - لعنه الله - ما فعل بالحسين، فالدين لا يحمل المحاباة.
واحتج هذا الشيخ بأن يزيد كان كريماً، وأنه أعطى عبد الله بن جعفر أربعة آلاف ألف.
قلنا : ما مدحت به هو الذمّ ؛ لأنه تبذير في بيت مال المسلمين , وليس بماله، فمن فعل ذلك كان مذموماً لا ممدوحاً، وإنما كان يعطي الناس ليسكتوا عنه.
قال : فقد كان [يزيد] من القرن الثاني، قد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( خيركم قرني , ثمَّ الذين يلونهم )).
قلنا : إنما أشار (صلىاللهعليهوآله ) إلى عموم القرن لا إلى ما يندر من الفسّاق، وقد كان في القرن الثاني الحجّاج وغيره من الظلمة، ومن المبتدعة كمعبد الجهني.
قال هذا الشيخ : فقد روي أن قوماً دخلوا على يزيد وهو يقرأ في المصحف.
قلنا : على هذا نقطع التفكر في جواب هذه الحجة ! نسأل الله عزَّ وجلَّ أن
____________________
(١) سورة الشورى / ٢٣.
يمتعنا بعقولنا، ويحفظنا من موافقة أهوائنا إنه سميع قريب مجيب(١) .
وقال الجاحظ : ثمَّ ما زالت الفتن متَّصلة، والحروب مترادفة ؛ كحرب الجمل، وكوقائع صفّين، وكيوم النَّهْروان، وقبل ذلك يوم الزَّابوقة , وفيه أُسر ابن حُنيف , وقُتل حكيم بن جبلة إلى أن قتل أشقاها عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللَّعنة.
إلى أنْ كان من اعتزال الحسن (عليهالسلام ) الحروب , وتخليته الاُمور عند انتشار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلوُّنهم عليه. فعندها استوى معاوية على الملك، واستبدَّ على بقيّة الشُّورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سَمَّوْه عام الجماعة وما كان عام جماعةٍ، بل كان عام فُرْقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحلّت فيه الإمامة مُلكاً كسرويّاً، والخلافة غصْباً وقيصريّاً، ولم يَعْد ذلك أجمع الضَّلال والفسق.
ثمَّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتّى ردَّ قضيَّة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ردّاً مكشوفاً، وجحد حُكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الأمّة أنَّ سُميَّة لم تكن لأبي سُفيان فراشاً، وأنَّه إنَّما كان بها عاهراً ؛ فخرج بذلك من حُكم الفُجَّار إلى حكم الكفَّار.
وليس قتل حُجْر بن عديّ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعته يزيد الخليع، والاستئثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشَّفاعة والقرابة ؛ من جنْس جَحْد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة ،
____________________
(١) كتاب الرد على التعصب العنيد - ابن الجوزي / ٨٣ - ٨٨ , بتحقيق الشيخ محمّد كاظم المحمودي.
والسُّنن المنصوبة , وسواء في باب ما يستحقُّ من الإكفار جحد الكتاب وردُّ السنة ؛ إذْ كانت السنَّة في شُهرة الكتاب وظهوره، إلّا أنَّ أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشدّ , فهذه أوَّلُ كفرةٍ كانت في الأمة.
ثمّ لم تكن إلّا فيمنْ يدَّعي إمامتها والخلافة عليها , على أن كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره. وقد أربتْ عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا , فقالت : لا تسبُّوه فإنَّ له صُحبة ؛ وسبُّ معاوية بدعة، ومن يبغضْه فقد خالف السُّنَّة. فزعمت أنَّ من السُّنّة ترك البراءة ممن جحد السُّنَّة.
ثم الذي كان من يزيد ابنه , ومن عُمَّاله وأهل نُصرته، ثمَّ غزو مكّة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين (عليهالسلام ) في أكثر أهل بيته ؛ مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام , بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتْباعه، والرجوع إلى داره وحرمه، أو الذَّهاب في الأرض حتّى لا يُحسَّ به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلّا قَتْله والنُّزول على حكمهم.
وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوِّه وخيَّر فيها من لا يبرد غليله إلّا بُشرْب دمه , فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحُرمة ليس بحجَّة، كيف تقولون في رمْي الكعبة، وهدم البيت الحرام وقبْلة المسلمين ؟
فإنْ قلتم : ليس ذلك أرادوا، بل إنما أرادوا المتحرِّز به , والمتحصِّن بحيطانه.
[قلنا :] أفما كان من حقِّ البيت وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن يُعطى بيده ! وأيُّ شيءٍ بقي من رجلٍ قد أُخذت عليه الأرض إلّا موضع قدمه ؟!
واحسُبْ ما رووا عليه من الأشعار التي قولُها شِرك، والتمثُّل بها كفر شيئاً مصنوعاً، كيف يُصنع بنَقْر القضيب بين ثَنيَّتي الحسين (عليهالسلام )، وحمل بنات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) حواسر على الأقتاب العارية , والإبل الصِّعاب ،
والكشف عن عورة عليِّ بن الحسين (عليهالسلام )(١) عند الشَّكِّ في بلوغه , على أنَّهم إنْ وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري المشركين ؟
وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصَّته : دعوني أقتلْه فإنَّه بقيّة هذا النَّسل ؛ فأحسم به هذا القرْن، وأُميت به هذا الدَّاء، وأقطع به هذه المادَّة.
خبِّرونا على ما تدلُّ هذه القسوة وهذه الغلطة بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم، ونالوا ما أحبُّوا فيهم ؟ أتدلُّ على نصبٍ وسوء رأي , وحقدٍ وبغْضاء ونفاق، وعلى يقينٍ مدخول , وإيمان ممزوج، أم تدلُّ على الإخلاص , وعلى حبِّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) , والحفظ له، وعلى براءة السَّاحة وصحّة السَّريرة ؟
فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضَّلال - وذلك أدنى منازله - فالفاسق ملعونٌ، ومن نهى عن لَعْن الملعون فملعون.
وزعمت نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، أنَّ سبَّ ولاة السُّوء فتنة، ولعن الجورة بدعة وإنْ كانوا يأخذون السَّميَّ بالسَّميِّ، والوليَّ بالوليِّ، والقريب بالقريب، وأخافوا الأولياء، وآمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار القدرة، والتهاون بالأمَّة، والقمع للرعيّة، وأنهم في غير مداراة ولا تقيّة وإنْ عدا ذلك إلى الكفر، وجاوز الضَّلال إلى الجحد، فذاك أضلُّ لمن كفَّ عن شتْمهم والبراءة منهم.
____________________
(١) ذكر هذه الحادثة بعض المؤرّخين، وهي غير صحيحة ؛ لأنه لا يقع لفاعله ؛ ولأنّ الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) كان له ولد وهو الإمام محمّد الباقر (عليهالسلام ) , ذكرنا ذلك في أحداث الشام عند اعتراضه (عليهالسلام ) على يزيد عندما أشار عليه أصحابه بقتل الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) كما نص على ذلك المسعودي.
على أنَّه ليس من استحقَّ اسم الكفر بالقتل كمن استحقَّه بردِّ السنَّة وهدم الكعبة , وليس من استحقَّ الكفر بالتشبيه كمن استحقَّه بالتجوير. والنَّابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه، وابن زيادٍ وأبيه.
ولو ثبت أيضاً على يزيد أنَّه تمثَّل بقوله ابن الزِّبعْري :
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا |
جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ |
|
لاستطاروا واستهلُّوا فرحاً |
ثم قالوا يا يزيد لا تسلْ |
|
قد قتلنا الغرَّ من ساداتهمْ |
وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ |
كان تجوير النَّابتيِّ لربِّه، وتشبيهه بخلقه أعظم من ذلك وأفْظع.
على أنَّهم مجمعون على أنَّه ملعونٌ مَن قتل مؤمناً متعمِّداً أو متأوِّلا , فإذا كان القاتل سُلطاناً جائراً، أو أميراً عاصياً، لم يستحلُّوا سبَّه ولا خَلْعه، ولا نفيه ولا عيبه وإنْ أخاف الصُّلحاء , وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير , وظلم الضعيف، وعطَّل الحدود والثُّغور، وشرب الخمور , وأظهر الفجور.
ثم ما زال الناس يتسكّعون مرّةً ويداهنونهم مرّة، ويقاربونهم مرة ويشاركونهم مرّة، إلّا بقيّةً ممّن عصى الله تعالى ذكره، حتّى قام عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجّاج بن يوسف، ومولاه يزيد بن أبي مُسْلم، فأعادوا على البيت بالهدْم، وعلى حرم المدينة بالغزْو ؛ فهدموا الكعبة، واستباحوا الحُرْمة، وحوَّلوا قبلة واسط، وأخرّوا صلاة الجمعة إلى مُغيربان الشَّمس.
فإن قال رجلٌ لأحدٍ منهم : اتّق الله فقد أخَّرت الصلاة عن وقتها , قتله على هذا القول جهاراً غير ختْل، وعلانيةً غير سرّ. ولا يُعلم القتل على ذلك إلّا أقبح من إنكاره، فكيف يكفر العبد بشيءٍ ولا يكفر بأعظم منه ؟
وقد كان بعض الصَّالحين ربَّما وعظ بعض الجبابرة، وخوَّفه العواقب، وأراه أنَّ في الناس بقيّةً
ينهون عن الفساد في الأرض، حتّى قام عبد الملك بن مرْوان والحجاج بن يوسف فزجرا عن ذلك , وعاقبا عليه، وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه.
فاحسبْ أنَّ تحويل القبلة كان غلطاً، وهدم البيت كان تأويلاً، واحسب ما رووا من كلِّ وجه أنَّهم كانوا يزعمون أنَّ خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم، باطلاً ومصنوعاً مولَّداً , واحسبْ وسْم أيدي المسلمين , ونقْش أيدي المسلمات، وردّهم بعد الهجرة إلى القُرى، وقتل الفقهاء، وسبَّ أئمَّة الهدى، والنَّصْب لعترة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) لا يكون كفراً، كيف نقول في جمع ثلاث صلواتٍ فيهنَّ الجمعة , ولا يصلُّون اُولاهنَّ حتّى تصير الشمس على أعالي الجدران كالملاء المعصفر ؟ فإن نطق مسلمٌ خبطه السَّيف، وأخذته العمد، وشكَّ بالرِّماح.
وإن قال قائلٌ : اتَّق الله، أخذته العزَّة بالإثم، ثمّ لم يرضَ إلّا بنثر دماغه على صدره، وبصلبه حيث تراه عياله.
وممّا يدلُّ على أنَّ القوم لم يكونوا إلّا في طريق التمرُّد على الله عزَّ وجلَّ، والاستخفاف بالدِّين، والتَّهاون بالمسلمين، والابتذال لأهل الحقّ , أكْلُ اُمرائهم الطَّعام، وشُربُهم الشَّراب على منابرهم أيّلم جُمعهم وجموعهم ؛ فعل ذلك حُبيش بن دُلْجة، وطارق مولى عثمان، والحجَّاج بن يوسف وغيرهم , وذلك إنْ كان كفراً كلُّه فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا ؛ لأنَّ جنس كفر هؤلاء غير كفر اُولئك.... إلخ(١) .
____________________
(١) رسائل الجاحظ / ٤٦٢ - ٤٧٢ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
لعنوا ابن خلدون
قال السخاوي : وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن - يعني الهيثمي - يبالغ في الغض منه (أي من ابن خلدون)، فلمـّا سألته عن سبب ذلك ذكر أنه بلغه أنه ذكر لي الحسين بن علي (عليهالسلام ) في تاريخه , فقال : قُتل بسيف جدِّه. ولمـّا نطق شيخنا بهذه اللفظة أردفها بلعن ابن خلدون وسبه , وهو يبكي.
قال شيخنا في رفع الإصر : ولم توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن، وكأنه كان ذكرها في النسخة التي رجع عنها(١) .
ما قيل في ابن العربي
وقال المناوي في تعريضه بابن العربي : وقد غلب على ابن العربي الغضُّ من أهل البيت (عليهمالسلام ) حتّى قال : قتله بسيف جدِّه.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أوحى الله تعالى إلى محمّد (صلىاللهعليهوآله ) إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإنّي قاتل بابن ابنتك الحسين سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. قال الحاكم : صحيح الإسناد، وقال الذهبي : وعلى شرط مسلم(٢) .
وذكر السيوطي والمناوي - واللفظ للأوّل - قال :... ومن مجازفات ابن العربي أنّه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر ؛ لأنه عاب لبسة لبسها رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، وقتل بفتياه كما ذكره في
____________________
(١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع - السخاوي ٤ / ١٤٧ , ترجمة ابن خلدون , ط دار الجيل.
(٢) فيض القدير - المناوي ١ / ٢٦٥.
المطامح، وهذا تهوّر غريب، وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب، وسيخاصمه هذا القتيل غداً، ويبوء بالخزي من اعتدى. وليس ذلك بأوِّل عجرفة لهذا المفتي , وجرأته وإقدامه ؛ فقد ألف كتاباً في شأن مولانا الحسينرضياللهعنه وكرَّم وجهه، وأخزى شانئه , زعم فيه أنّ يزيد قتله بحقٍّ بسيف جدِّه ! نعوذ بالله من الخذلان...(١) .
ثناء ابن كثير الدمشقي على يزيد , وقوله فيه : إنّه من الدرجة العليا من التابعين
قال ابن كثير في ترجمته : هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن اُميّة بن عبد شمس، أمير المؤمنين أبو خالد الاُموي. ولد سنة خمس أو ست أو سبع وعشرين، وبويع له بالخلافة في حياة أبيه أن يكون ولي العهد من بعده، ثمَّ أكّد ذلك بعد موت أبيه في النصف من رجب سنة ستّين، فاستمر متولّياً إلى أن توفي في الرابع عشر من ربيع الأوَّل سنة أربع وستين.
وأُمُّه ميسون بنت مخول بن أنيف بن دلجة بن نفاثة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي. روى عن أبيه معاوية أن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( مَن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )). وحديثاً آخر في الوضوء. وعنه ابنه خالد وعبد الملك بن مروان.
وقد ذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي العليا، وقال : له أحاديث، وكان كثير اللحم , عظيم الجسم , كثير الشعر , جميلاً طويلاً , ضخم الهامة , محدد الأصابع غليظها , مجدراً(٢) .
أقول : وحقيق بالذكر ما رواه الخوارزمي قال :
____________________
(١) الجامع الصغير للسيوطي ١ / ٣٦٥، فيض القدير - المناوي ٥ / ٢٤٦.
(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٤٨.
وبهذا الإسناد , أي أخبرنا سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي , أخبرنا الرئيس أبو الفتح الهمداني قال : أنشدني أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن، أنشدني عمار بن محمّد، أنشدني يحيى بن زكريا، أنشدني عليُّ بن منصور :
أباد الأكرمين بني عليٍّ |
يزيدٌ والدعيُّ إلى سُمَيَّهْ |
|
شفيعٌ في المعادِ لنا أبوهم |
ويشفعُ في المعادِ لهم اُميّهْ(١) |
ما ذكر من الاتفاق على تصويب قتال الحسين (عليهالسلام )
قال عبد الحي الدمشقي : والعلماء مجمعون على تصويب قتال علي (عليهالسلام ) لمخالفيه ؛ لأنه الإمام الحق. ونقل الاتفاق أيضاً على تحسين خروج الحسين (عليهالسلام ) على يزيد، وخروج ابن الزّبير وأهل الحرمين على بني اُميّة، وخروج ابن الأشعث ومَن معه من كبار التابعين وخيار المسلمين على الحجّاج، ثمَّ الجمهور رأوا جواز الخروج على مَن كان مثل يزيد والحجاج، ومنهم مَن جوَّز الخروج على كلِّ ظالم.
وعدَّ ابن حزم خروم الإسلام أربعة , قتل عثمان، وقتل الحسين (عليهالسلام )، ويوم الحرة، وقتل ابن الزّبير.
ولعلماء السلف في يزيد وقتلة الحسين (عليهالسلام ) خلاف في اللعن والتوقف ؛ قال ابن الصلاح : والناس في يزيد ثلاث فرق ؛ فرقة تحبه وتتولاه، وفرقة تسبّه وتلعنه، وفرقة متوسّطة في ذلك لا تتولاه ولا تلعنه. قال : وهذه الفرقة هي المصيبة، ومذهبها هو اللائق لمن يعرف سير الماضين، ويعلم قواعد الشريعة الطاهرة. انتهى كلامه.
ولا أظن الفرقة الأولى توجد اليوم، وعلى الجملة فما نقل عن قتلة الحسين
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ١١١.
والمتحاملين عليه يدل [على] الزندقة , وانحلال الإيمان من قلوبهم، وتهاونهم بمنصب النبوّة. وما أعظم ذلك ! فسبحان من حفظ الشريعة حينئذ، وشيَّد أركانها حتّى انقضت دولتهم ! وعلى فعل الاُمويّين واُمرائهم بأهل البيت حمل قوله (صلىاللهعليهوآله ) : (( هلاك اُمّتي على أيدي اُغيلمة من قريش )). قال أبو هريرة : لو شئت أن أقول : بني فلان وبني فلان لفعلت.
ومثل فعل يزيد فعل بسر بن أرطأة العامري أمير معاوية في أهل البيت (عليهمالسلام ) , من القتل والتشريد، حتّى خدَّ لهم الأخاديد، وكانت له أخبار شنيعة في علي (عليهالسلام )، وقتل ولدي عبيد الله بن عباس - وهما صغيران - على يدي اُمّهما ؛ ففقدت عقلها، وهامت على وجهها، فدعا عليه عليٌّ (عليهالسلام ) أن يطيل الله عمره ويذهب عقله، فكان كذلك ؛ خرف في آخر عمره، ولم تصح له صحبة.
وقال الدار قطني : كانت له صحبة، ولم تكن له استقامة بعد النبي. وقال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: اتفقوا على جواز اللعن على مَن قتل الحسين (عليهالسلام )، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به.
قال : والحق إنّ رضا يزيد بقتل الحسين (عليهالسلام )، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ممّا تواتر معناه وإن كان تفصيله آحاداً. قال : فنحن لا نتوقّف في شأنه، بل في كفره وإيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.
وقال الحافظ ابن عساكر : نُسب إلى يزيد قصيدة منها :
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ |
|
لعبت هاشمُ بالملك فلا |
ملكٌ جاء ولا وحي نزلْ |
فإن صحّت عنه فهو كافر بلا ريب. انتهى بمعناه.
وقال الذهبي فيه : كان ناصبياً , فظاً غليظاً , يتناول المسكر ويفعل المنكر , افتتح دولته بقتل الحسين (عليهالسلام )، وختمها بوقعة الحرة، فمقته الناس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين (عليهالسلام ). وذكر من خرج عليه.
وقال فيه في الميزان : إنه مقدوح في
عدالته , ليس بأهل أن يروى عنه.
وقال رجل في حضرة عمر بن عبد العزيز : أمير المؤمنين يزيد , فضربه عمر عشرين سوطاً.
واستفتى الكيا الهراسي فيه , فذكر فصلاً واسعاً من مخازيه حتّى نفدت الورقة، ثمَّ قال : ولو مددت بياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وأشار الغزالي إلى التوقّف في شأنه والتنزه عن لعنه مع تقبيح فعله(١) .
عمر بن عبد العزيز يعزّر مَن أطلق إمرة المؤمنين على يزيد بن معاوية
ذكره الذهبي وابن حجر , وصاحب النجوم الزاهرة والقندوزي - واللفظ للأوّل - قال : وروى محمّد بن أبي السري العسقلاني، حدّثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن نوفل بن أبي الفرات، قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل : قال أمير المؤمنين يزيد. فأمر به فضُرب عشرين سوطاً(٢) .
أقول : ورجاله ثقات(٣) .
____________________
(١) شذرات الذهب - العكري الدمشقي ١ / ٦٨ , وفي ط / ١٢٢ دار الكتب العلميّة.
(٢) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٤٠، تهذيب التهذيب - ابن حجر ١١ / ٣١٧ , لسان الميزان - ابن حجر ٦ / ٢٩٤ , ولكن في سنده اختلاف , ونشير له في السند. النجوم الزاهرة ٦ / ١٣٤، ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٣٢.
(٣) أمّا ابن السري [فقد] قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١ / ١٦١ :
٦٤ - محمّد بن أبي السري (د) الحافظ العالم الصادق، أبو عبد الله بن متوكل العسقلاني. سمع فضيلاً، ومعتمر بن سليمان، ورشدين بن سعد، وابن عيينة، وابن وهب، وزيد بن أبي الزرقاء، وعبد الرزاق، وعدة.
حدّث عنه أبو داود، وبكر بن سهل، والحسن بن سفيان، وعلي بن محمّد الحكاني، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وجعفر الفريابي، وخلق. وكان مُحدّث فلسطين.
وثّقه يحيى بن معين , وقال ابن حبان : كان من الحفاظ. وقال ابن عدي : كان كثير الغلط. وقال أبو حاتم : لين الحديث. قلت : كان من أوعية الحديث. توفي سنة ثمان وثلاثين (بعد المئتين). وهو أخو الحسين بن أبي السري.
____________________
أما يحيى بن عبد الملك [فقد] قال فيه الذهبي في كتاب الكاشف في مَن له رواية في كتب الستة ٢ / ٣٧٠ : يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي الكوفي , عن أبيه وهشام بن عروة , وعنه أحمد وابن معين والأشج , ثقة وقور صالح , مات ١٨٨ , قرنه البخاري بآخر.
قال فيه العجلي في معرفة الثقات ٢ / ٣٥٥ : يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية , كوفي ثقة , رجل صالح.
وقال فيه أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل ٩ / ١٧١ : يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الكوفي، يقال : إنه كان وصي ابن المبارك، روى عن الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وأبيه , روى عنه ابن نمير وابن أبي شيبة (٢٩٣ م ٦) سمعت أبي يقول ذلك.
نا عبد الرحمن , نا عبد الله بن أحمد [ ابن محمّد - ١ ] ابن حنبل فيما كتب إلي , قال : قال أبي : كان ابن أبي غنية ثقة، شيخ له هيئة , رجل صالح. نا عبد الرحمن , أنا يعقوب بن إسحاق [ الهروي - ٣] فيما كتب إلي قال : نا عثمان بن سعيد [ الدارمي - ٣ ] , قال : سألت يحيى بن معين عن يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية [ كيف هو - ١ ] ؟ فقال : ثقة.
وقال فيه يوسف بن المبرد في بحر الدم (في من مدحه أحمد أو ذمه) / ١٧٣ :
١١٥٧ - يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، أبو زكريا الكوفي , قال أحمد : كان ثقة، له هيئة، وكان رجلاً صالحاً.
وأمّا نوفل بن أبي الفرات [فقد] ذكره ابن حبان في الثقات ٩ / ٢٢١ قال : نوفل بن الفرات يروى عن عمر بن عبد العزيز , روى عنه مبشر بن إسماعيل الحلبي. وقال في الثقات ٧ / ٥٤٠ , قال في تعليقه على حديث موضوع في نظره , فقال :... إلا الذي هو أسعد البلية في هذا الخبر من محمّد بن أيوب بن سويد ؛ لأنّ نوفلاً كان ثقة , وكان محمّد بن أيوب يضع الحديث , وهذا الحديث موضوع.
وقال فيه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٢٦ / ٢٩٠ :
٧٩٣٤ - نوفل بن الفرات بن مسلم , ويقال : ابن سالم , ويقال : نوفل بن أبي الفرات , أبو الجراح العقيلي مولى بني عقيل الجزري الرقي , قدم على عمر بن عبد العزيز مع أبيه , وروى عنه وعن القاسم بن محمّد وعون بن عبد الله بن عتبة , روى عنه الليث بن سعد , وبشر بن إسماعيل الحلبي , وعبيد الله بن عمرو الرقي , وقرّة بن حبيب , وأيوب بن سويد الرملي , ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية. سكن حلب وولي خراج مصر للمنصور... إلخ. =
وما رواه ابن حجر , وقال : يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية , أحد الثقات. ثنا نوفل بن أبي عقرب ثقة , قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد بن معاوية , فقال : قال أمير المؤمنين يزيد. فقال عمر : تقول : أمير المؤمنين يزيد ؟! وأمر به فضرب عشرين سوطاً(١) .
فقهاؤهم يفتون بتعزير فقيه على طبق عمل عمر بن عبد العزيز لمـّن مدح اللعين يزيد بن معاوية
قال صاحب النجوم الزاهرة :... فيها توفي أحمد بن إسماعيل بن يوسف , الشيخ الإمام أبو الخير القزويني الشافعي. كان إماماً عالماً بالتفسير والفقه، وكان متعبّداً يختم القرآن في كلِّ يوم وليلة، ومولده بقزوين في سنة اثنتي عشرة وخمسمئة، وقدم بغداد ووعظ ومال إلى الأشعري فوقعت الفتن.
وجلس يوم عاشوراء في النظامية، فقيل له : العن يزيد بن معاوية. فقال : ذاك إمام مجتهد. فجاءه الرجم حتّى كاد يُقتل ،
____________________
= أقول : وقد ذكر هذه الرواية ابن حجر بهذا السند , وقال : يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية , أحد الثقات. ثنا نوفل بن أبي عقرب ثقة , قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز... إلخ.
أقول : لعلّ نوفلاً الذي في رواية ابن حجر هو ابن أبي الفرات، لا نوفل بن أبي العقرب على حسب الظاهر ؛ إذ مَن نُصَّ على صحبته لعمر بن عبد العزيز بهذا الاسم أو ما يقاربه هو نوفل بن أبي الفرات، وقد بحثت عنه فلم أجده، والذي وجدته مقارب لهذا الاسم هو أبو نوفل بن أبي عقرب , وهو معاوية بن مسلم , وهو من التابعين , وهو أيضاً ثقة.
والذي يهوّن الخطب أنه لو وجد نوفل بن أبي العقرب فهو أيضاً ثقة بنص ابن حجر , حيث قال في سند هذا الحديث:... ثنا نوفل بن أبي عقرب ثقة , قال :... إلخ.
(١) تهذيب التهذيب - ابن حجر ١١ / ٣١٧ , لسان الميزان - ابن حجر ٦ / ٢٩٤.
وسقط عن المنبر، فاُدخل إلى بيت في النظامية، وأخذت فتاوى الفقهاء بتعزيره، فقال بعضهم : يضرب عشرين سوطاً. قيل له : من أين لك هذا ؟ فقال : عن عمر بن عبد العزيز سمع قائلاً يقول : أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فضربه عشرين سوطاً. ثمَّ خُلّص القزويني بعد ذلك واُخرج من بغداد إلى قزوين(١) .
____________________
(١) النجوم الزاهرة ٦ / ١٣٤ , وفي ط / ١٢١.
مَن باشر ذبح الحسين (عليهالسلام )
مَن قال : إنّ قاتله شمر اللعين
قال صلاح الدين الصفدي : قاتل الحسين شمر بن ذي الجوشن، أبو السابغة العامري ثمَّ الضبابي , حيٌّ من بني كلاب. كانت لأبيه صحبة، وهو تابعي. أحد من قاتل الحسين (عليهالسلام )، وحدّث عن أبيه. روى عنه أبو إسحاق السبيعي.
وفد على يزيد مع أهل البيت، وهو الذي احتزّ رأس الحسين (عليهالسلام ) على الصحيح، قتله أصحاب المختار في حدود السبعين للهجرة لمـّا خرج المختار وتطلّب قتلة الحسين (عليهالسلام ) وأصحابه ؛ وإنما سمي أبوه ذو الجوشن لأنّ صدره كان ناتئاً.
قال خليفة العصفري : الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك. قال محمّد بن عمر بن حسين : كنا مع الحسين بن علي (عليهالسلام ) بنهر كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال : (( صدق الله ورسوله ؛ قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي )). وكان شمر أبرص(١) .
قال البلاذري :
____________________
(١) الوافي بالوفيات / ١٢٦٩٣ لصلاح الدين الصفدي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
وقال الواقدي : قتل الحسينَ (عليهالسلام ) شمرُ بن ذي الجوشن، وقد نصل خضاب لحيته، وكان يخضب بالسواد، وأوطأه شمرٌ فرسه، وذلك في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ويقال : ابن ست وخمسين(١) .
قال ابن حبان :... والذي تولَّى في ذلك اليوم حزَّ رأس الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) شمرُ بن ذي الجوشن(٢) .
وقال جمال الدين أبو المحاسن : وقصّته طويلة يجرح ذكرها القلوب , غير أننا نختصر منها ما نعرف به وفاته , وكيفية خروجه حتّى ظفر به , وهو أنه لمـّا ولي يزيد بن معاوية الخلافة بعد موت أبيه بايع الناس السيد الحسين (عليهالسلام ) بالخلافة، وخرج في جموعه بعد أن خلع الفاسق يزيد المذكور من الخلافة، فانتدب لقتاله بأمر يزيد ابنَ مرجانة - أعني عبيد الله بن زياد - وقاتله حتّى ظفر به، وقتله بعد اُمور وحروب، وكان قاتل الحسين (عليهالسلام ) الشمر اللعين الطريد من رحمة الله، قتله بكربلاء(٣) .
وروى خليفة بن خياط : حدّثنا محمّد بن معاوية، عن سفيان، عن أبي موسى قال : سمعت الحسن البصري قال : اُصيب مع الحسين (عليهالسلام ) ستة عشر رجلاً من أهل بيته , ما على وجه الأرض يومئذ أهل بيت لهم شبيهون.
وحدّثنا الحسن بن أبي عمرو قال : سمعت فطر بن خليفة قال : سمعت منذر الثوري , عن ابن الحنفيّة قال: قُتل مع الحسين بن علي (عليهالسلام ) سبعة عشر
____________________
(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٨ - ٤١٩.
(٢) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١١.
(٣) النجوم الزاهرة ١ / ١٥٦، في ط / ٢٠٢.
رجلاً , كلهم قد ارتكض في بطن فاطمة. الذي ولى قتل الحسين (عليهالسلام ) شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد بن مالك(١) .
قال الدميري : وكان الذي باشر قتله الشمر بن ذي الجوشن(٢) .
وقال الدميري : وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الكاف , في لفظ الكلب، ما ذكره ابن عبد البر في ( بهجة المجالس واُنس المجالس ) أنه قيل لجعفر الصادق (عليهالسلام ) : كم تتأخر الرؤيا ؟ فقال : (( خمسين سنة ؛ لأنّ النبي (صلىاللهعليهوآله ) رأى كأن كلباً أبقع ولغ في دمه , فأوَّله بأنّ رجلاً يقتل الحسين ابن بنته ))، فكان الشمر بن ذي الجوشن الكلب قاتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وكان أبرص , فتأخّرت الرؤيا بعده (صلىاللهعليهوآله ) خمسين سنة(٣) .
حديث النبي ( صلىاللهعليهوآله ) : (( كأني أنظر إلى كلب أبقع... )).
روى ابن عساكر , وابن كثير , والخوارزمي , والمتّقي الهندي , والسيوطي - واللفظ للأوّل - قال : أنبأنا أبو محمّد هبة الله بن أحمد بن طاووس، أنبأ أبو الغنائم بن أبي عثمان، أنبأ محمّد بن أحمد بن محمّد بن رزقويه، أنبأ أبو بكر محمّد بن عمر بن محمّد بن الجعابي، حدّثني أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، ثنا عمر بن شبة، ثنا أبو أحمد، حدّثني عمِّي فضيل بن الزّبير، عن عبد الرحيم بن ميمون، عن محمّد بن عمرو بن حسن قال : كنَّا مع الحسين (عليهالسلام ) بنهري كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن ،
____________________
(١) تاريخ خليفة بن خياط ١ / ٢٣٥.
(٢) حياة الحيوان الكبرى - الدميري١ / ٨٦ الإوز.
(٣) حياة الحيوان الكبرى - الدميري ١ / ٨٧ في الإوز.
فقال : (( صدق الله ورسوله ؛ قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي )). فكان شمر أبرص(١) .
مَن قال : إنّ قاتله سنان النخعي اللعين
قال الطبراني والهيثمي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الزّبير بن بكار قال : ولد الحسين بن علي (عليهالسلام ) لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وقتله سنان بن أبي أنس النخعي، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، وحزَّ رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد، فقال سنان بن أنس :
أوقر ركابي فضةً وذهبا |
أنا قتلت الملك المحجبا |
|
قتلتُ خير الناس أُماً وأبً(٢) |
(وخيرهم إذ ينسبون نسبا)(٣) |
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٩٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٥، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٤١، كنز العمال - المتّقي الهندي ٣١ / ٦٧٢، الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٥ , ط دار الكتاب العربي.
(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٧، مجمع الزوائد للهيثمي ٩ / ١٩٤.
أقول : هذه [الأشطر] نسبها بعض إلى سنان كما تقدم , وكذا في اُسد الغابة لابن الأثير ٢ / ٢١ إلّا أنه ذكر أنّ سناناً قالها في فسطاط عمر بن سعد، وبعض نسبها إلى خولى بن يزيد كما هو في تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٥٢، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٤٣٠، واُسد الغابة أيضاً ٢ / ٢١ , نظم درر السمطين / ٢١٦، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) ٢ / ٢٧٠.
(٣) ما بين القوسين من اُسد الغابة لابن الأثير ٢ / ٢١ , نسب [الأشطر] إلى الملعون خولى، تهذيب الكمال ٦ / ٣٢٨ نسبهما إلى رجل من مذحج.
وقال الهيثمي : رواه الطبراني , ورجاله ثقات(١) .
وفي تاريخ الطبري : وقُتل الحسين - وأُمُّه فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - قتله سنان بن أنس النخعي ثمَّ الأصبحي، وجاء برأسه خولى بن يزيد(٢) .
وفي جواهر المطالب قال : قتله سنان بن أبي أنس , وأجهز عليه خولى بن يزيد بن حمير لعنهما الله وأخزاهما، وأتى برأسه لعبيد الله بن زياد الدعي وهو يقول :
أوقر ركابي فضةً وذهبا |
أنا قتلت الملك المحجّبا |
|
خير عباد الله اُمّا وأبا |
(وخيرهم إذ ينسبون نسبا) |
فقال له ابن الدعي : فإذا كان خير عباد الله أُمّاً وأباً فلم قتلته ؟ قدّموه فاضربوا عنقه. (فضُربت عنقه)(٣) .
وفي اُسد الغابة قال : شمر حرّض الناس على قتاله , وابن سعد قائد الجيش. قال : قتله سنان بن أنس النخعي، وأمّا قول مَن قال : قتله شمر وعمر بن سعد ؛ لأنّ شمر هو الذي حرّض الناس على قتله وحمل بهم إليه، وكان عمر أمير الجيش، فنسب القتل إليه.
ولمـّا أجهز عليه خولى حمل رأسه إلى ابن زياد , وقال :
____________________
(١) مجمع الزوائد للهيثمي ٩ / ١٩٤.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٣.
(٣) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليهالسلام ) ٢ / ٢٧٠ , وقوله : فضربت عنقه , ليس من الأصل , بل من العقد الفريد.
أقول : فقد تقدّم تعليق الشريف الشهروزي بأن ما فعله ابن زياد من ضرب عنقه ؛ لأجل مدحه الحسين (عليهالسلام ) , وذكر اُمِّه فاطمة الزهراء وأبيه علي المرتضى (عليهماالسلام ) بخير، لا لقتله الحسين (عليهالسلام ) وحربه.
أوقر ركابي فضّةً وذهبا |
فقد قتلتُ السيّد المحجّبا |
|
قتلتُ خير الناس أُمّاً وأبا |
وخيرهم إذ ينسبون نسبا(١) |
(وقيل : إنّ سنان بن أنس لمـّا قتله قال له الناس : قتلت الحسين بن علي وهو ابن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ورضي عنها , أعظم العرب خطراً , أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فلو أعطوك بيوت أموالهم لكان قليلاً.
فأقبل على فرسه - وكان شجاعاً به لوثة - فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد، وأنشده الأبيات المذكورة، فقال عمر : أشهد أنك مجنون ! وحذفه بقضيب وقال : أتتكلم بهذا الكلام ! والله لو سمعه ابن زياد لقتلك)(٢) .
مَن قال : إنّ قاتله رجل من مذحج
روى الطبري والمزّي والذهبي - واللفظ للأوّل - قال : قتله رجل من مذحج وحزَّ رأسه , وانطلق به إلى عبيد الله وقال :
أوقر ركابي فضةً وذهبا |
فقد قتلت الملك المحجّبا |
|
قتلتُ خير الناس أُماً وأبا |
وخيرهم إذ ينسبون نسبا |
وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول :
يفلقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما |
فقال له أبو برزة : ارفع قضيبك، فوالله لربَّما رأيت فاه رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________________
(١) اُسد الغابة لابن الأثير ٢ / ٢١ , وفي ط دار الفكر ١ / ٥٧٠.
(٢) ما بين القوسين لفظ ابن الأثير في اُسد الغابة ٢ / ٢١ , وفي ط دار الفكر ١ / ٥٧٠، وهو أيضاً مروي في تاريخ الطبري ٤ / ٣٤٧، والبداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٥.
على فيه يلثمه(١) .
قيل : قاتله شبل بن يزيد الأصبحي لعنه الله
قال الدميري : وقيل : سنان بن أنس النخعي , وقيل : إنّ الشمر ضربه على وجهه، وأدركه سنان فطعنه فألقاه عن فرسه، ونزل خولي بن يزيد الأصبحي ليحزّ رأسه فارتعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد فاحتزّ رأسه ودفعه إلى أخيه خولي(٢) .
وقيل : قاتله خولي لعنه الله
قال الخوارزمي : (عن أبي مخنف) : وأتى قوم أعوان المختار إلى دار خولي بن يزيد الأصبحي، فاقتحموها ودخلوا , وكان خولي هو الذي احتزّ رأس الحسين (عليهالسلام ). وكانت له امرأة يقال لها : العيوف بنت مالك الحضرمي , وهي التي خاصمته إذ أدخل رأس الحسين (عليهالسلام ) عليها، فلمـّا نظرت إلى أصحاب المختار قد دخلوا دارها قالت : ما شأنكم , وما تريدون ؟
فقال أبو عمرة صاحب شرطة المختار : لا بأس عليك , نريد زوجك , أين هو ؟ قالت : لا أدري. وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا عليه فإذا هو جالس وعلى رأسه قوصرة، فأخذوه وأتوا به إلى المختار، فقالوا له : أيُّها الأمير , هذا خولي الذي احتزّ رأس الحسين (عليهالسلام ). فأمر به
____________________
(١) تاريخ الطبري - الطبري ٤ / ٢٩٣، تهذيب الكمال - المزي ٦ / ٤٢٨ - ٤٢٩، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣٠٩.
(٢) حياة الحيوان الكبرى - الدميري ١ / ٨٦ الإوز.
المختار فذبح بين يديه، ثمَّ أمر بجسده فاُحرق بالنار(١) .
قال الجاحظ : ومن البرصان شمر بن ذي الجوشن الضبابي. قال الحسين بن علي بن أبي طالب (رحمة الله عليه) قبل أن يقتله بليلة : (( إني رأيت في المنام كأنّ كلباً أبقع يلغ في دمائنا، فعبّرته هذا الأبرص الضبابي ))، يعني شمر بن ذي الجوشن.
كان الرئيس في قتل الحسين بن علي (عليهالسلام )، والملك يزيد بن معاوية، وكان أمير العراق الذي جهّز الجيش وعقد اللواء عبيد الله بن زياد، وكان صاحب الجيش وأمير الجماعة عمر بن سعد، وكان قائده الأكبر شمر بن ذي الجوشن، وكان الذي تولّى قتله خولى بن يزيد(٢) ، والذي حفظ ظهر يزيد حتّى نزل إليه وحزَّ رأسه سنان بن أنس(٣) .
أكثر من قول في مَن تولّى ذبحه (عليهالسلام )
الأول : قال ابن عساكر : قال : وأنا الواقدي، نا سفيان، عن جابر، عن عامر قال : رأيت رأس الحسين بن علي (عليهالسلام ) بعد أن قُتل، وقد نصل الخضاب بالسواد من رأسه ولحيته. كتب إليَّ أبو محمّد بن الآبنوسي، وأخبرني أبو الفضل محمّد بن ناصر عنه، أنا أبو محمّد الجوهري، أنا أبو الحسين محمّد بن المظفر، أنا أبو علي المدائني، أنا
____________________
(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٢ / ٢٥٠ الفصل الخامس عشر في بيان انتقام المختار من قاتلي الحسين (عليهالسلام )، تاريخ الطبري ٤ / ٥٣٠ , رواه أيضاً عن أبي مخنف.
(٢) وفي هذه النسخة : يزيد بن خولى، والصحيح ما أثبتناه.
(٣) كتاب البرصان والعرجان / ٩٤ للجاحظ , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
أحمد بن عبد الله بن البرقي، قال : الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، يكنى أبا عبد الله. ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقُتل بالطفِّ يوم عاشوراء سنة إحدى وستّين، وهو ابن خمس وخمسين وستة أشهر، وكان قبره بكربلاء من سواد الكوفة , قتله سنان بن أنس النخعي، ويقال : قتله ابن ذي الجوشن الضبابي.
قرأت على أبي محمّد السلمي، عن أبي محمّد التميمي، أنا مكي بن محمّد بن الغمر، أنا أبو سليمان بن زبر، نا الهروي، نا محمّد بن صالح قال : قُتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) سنة إحدى وستين يوم عاشوراء , يوم السبت , وهو ابن ست وخمسين سنة , وقد قيل : إنّه قُتل سنة اثنتين وستّين(١) .
الثاني : قال الزرندي الحنفي : وقُتل (رض) بكربلاء يوم الجمعة , يوم عاشوراء سنة إحدى وستين , بناحية الكوفة من أرض العراق، ويُعرف ذلك المكان أيضاً بالطفِّ، قتله سنان بن حرب النخعي , وهو جدّ شريح القاضي. وقيل : قتله شمر بن ذي الجوشن , وكان أبرص , وأجهز عليه خولى بن يزيد الأصبحي من حمير، وأتى برأسه إلى عبيد الله بن زياد وقال له :
أوقر ركابي فضةً وذهبا |
أنا قتلتُ الملك المحببا |
قتلتُ خير الناس أُمّاً وأبا(٢)
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٥، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٣٣ , ٤٢١ , ٤٣٠ , ٤٣٨.
(٢) نظم درر السمطين / ٢١٦ - ٢١٧.
الثالث : قال أحمد بن عبد الله الطبري : قتله سنان بن أنس النخعي، وقيل : رجل من مذحج، وقيل : شمر بن ذي الجوشن , وكان أبرص , وأجهز عليه خولى بن يزيد الأصبحي من حمير، حزَّ رأسه وأتى بها عبيد الله بن زياد.
وما نقل من أنّ عمر بن أبي سعيد بن أبي وقاص قتله فتاه، فلا يصحّ، وسبب نسبته إليه أنه كان أمير الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد لقتاله، ووعده إن ظفر أن يولِّيَه الرَّي، وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من أهل مصر وأهل اليمن(١) .
الرابع : قال ابن عبد البر : وكان الحسين (عليهالسلام ) فاضلاً ديّناً , كثير الصيام والصلاة والحج، قُتل (رض) يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين , بموضع يقال له : كربلاء , من أرض العراق بناحية الكوفة، ويُعرف الموضع أيضاً بالطفِّ، قتله سنان بن أنس النخعي، ويقال له أيضاً : سنان بن أبي سنان النخعي , وهو جدُّ شريك القاضي.
ويقال : بل الذي قتله رجل من مذحج، وقيل : بل قتله شمر بن ذي الجوشن , وكان أبرص , وأجهز عليه خولى بن يزيد الأصبحي من حمير، حزَّ رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد، وقال :
أوقر ركابي فضةً وذهبا |
إنّي قتلتُ الملك المحجّبا |
|
قتلتُ خير الناس اُمّاً وأبا |
وخيرهم إذ ينسبون نسبا |
____________________
(١) ذخائر العقبى للطبري / ١٤٦.
وقال يحيى بن معين : أهل الكوفة يقولون : إنّ الذي قتل الحسينَ عمرُ بن سعد بن أبي وقاص. قال يحيى : وكان إبراهيم بن سعد يروي فيه حديثاً أنه لم يقتله عمر بن سعد. قال أبو عمر : إنما نسب قتل الحسين (عليهالسلام ) إلى عمر بن سعد ؛ لأنّه كان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد الله بن زياد إلى قتال الحسين (عليهالسلام )، وأمر عليهم عمر بن سعد، ووعده أن يولّيه الري إن ظفر بالحسين (عليهالسلام ) وقتله، وكان في تلك الخيل(١) , والله أعلم(٢) .
وفي العقد الفريد قال الدميري : وكان الذي باشر قتله الشمر بن ذي الجوشن، وقيل : سنان بن أنس النخعي، وقيل : إنّ الشمر ضربه على وجهه , وأدركه سنان فطعنه فألقاه عن فرسه، ونزل خولى بن يزيد الأصبحي ليحزّ رأسه فأرعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد فاحتزَّ رأسه ودفعه إلى أخيه خولى , فكان أمير الجيش عبيد الله بن أبيه من قبل يزيد بن معاوية.
قالوا : ثمَّ عبيد الله بن زياد جهزَّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) ومَن كان مع الحسين (عليهالسلام ) من حرمه بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه من سبي الحريم , وقتل الذراري ممّن تقشعر من ذكره الأبدان، وترتعد منه الفرائص , إلى البغيض يزيد بن معاوية , وهو يومئذ بدمشق , مع الشمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه(٣) .
قال ابن عبد المنعم الحميري :
____________________
(١) والظاهر يوجد نقص , وتمامه كما رواه أحمد بن عبد الله الطبري - ذخائر العقبى / ١٤٥- وهي : وكان في تلك الخيل - والله أعلم - قوم من أهل مصر وأهل اليمن.
(٢) الاستيعاب ١ / ٣٩٣.
(٣) العقد الفريد للدميري , نقلاً من موسوعة مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )، آل مكباس ٢ / ٨٥٢.
الطفّ : ساحل البطيحة، وهو بين البصرة والأهواز. والطفّ أيضاً بالعراق على فرسخين من البصرة، وهناك الموضع المعروف بكربلاء الذي قتل فيه الحسين بن علي (عليهالسلام )، وقال الشاعر فيه :
وإنّ قتيلَ الطفِّ من آل هاشمٍ |
أذلّ رقاب المسلمين فذلّتِ |
وبالطفِّ كان قصر أنس بن مالكرضياللهعنه ، وفيه ماترحمهالله سنة ثلاث وتسعين، وهو ابن مئة عام وثلاثة أعوام. وكان مقتل الحسين (عليهالسلام ) بالطفِّ في محرم سنة إحدى وستّين , لعشر خلون من المحرم، وله ست وخمسون سنة وخمسة أشهر وثلاثة أيام، قتله شمر بن ذي الجوشن، وقيل : سنان بن أبي أنس، وصاحب الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص، وحمل رأسه إلى يزيد بن معاوية، وهو أوّل رأس حُمل على خشبة في الإسلام(١) .
قال في الاستيعاب : وقال خليفة بن خياط : الذي وَلِيَ قتل الحسين بن علي شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد. وقال مصعب : الذي وَلِيَ قتل الحسين بن علي سنان بن أبي سنان النخعي لارحمهالله , ويصدق ذلك قول الشاعر :
ونصفُ رزيّةٍ عدلت حسيناً |
غداة تبيره كفَّا سنانِ |
وقال منصور النمري :
ويلك يا قاتل الحسين لقد |
بؤتَ بحملٍ ينوءُ بالحاملِ |
|
أيّ حباءٍ حبوت أحمد في |
حفرته من حرارة الثاكلِ |
|
تعال فاطلب غداً شفاعته |
وانهض فرد حوضه مع الناهلِ |
____________________
(١) الروض المعطار في أخبار الأقطار / ١٩٢٩ لابن عبد المنعم الحميري , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
ما الشّكُّ عندي في حال قاتله |
لكنني قد أشكّ في الخاذلِ |
|
كأنما أنتِ تعجبين ألا |
تُنزل بالقوم نقمةُ العاجلِ |
|
لا يعجل الله إن عجلت وما |
ربّك عمّا ترين بالغافلِ |
|
ما حصلت لامرئٍ سعادتُه |
حقّت عليه عقوبةُ الآجلِ(١) |
____________________
(١) الاستيعاب ١ / ٣٩٥.
عقاب قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )
قال ابن حجر الهيتمي , وسبط ابن الجوزي , والقندوزي وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : عن الزهري : لم يبقَ ممّن قتله إلّا مَن عوقب في الدنيا ؛ إمّا بقتل , أو عمى , أو سواد الوجه , أو زوال الملك في مدة يسيرة(١) .
وقال الخوارزمي : روي عن مينا أنه قال : ما بقي من قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) أحد لم يُقتل إلّا رمي بداء في جسده قبل أن يموت(٢) .
____________________
(١) الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٦ , ط دار الكتب العلمية، تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٥٢ , ط منشورات الشريف الرضي، ينابيع المودّة - القندوزي الحنفي ٣ / ٢٣. وذكر مصادر اُخرى في إحقاق الحق ١١ / ٥١٣.
وأيضاً في إحقاق الحق ٣٣ / ٦٣٧ قال : ما روي عن ابن شهاب الزهري قال : لم يبقَ من قتلة الحسين (عليهالسلام ) أحد إلّا وعوقب في الدنيا ؛ إمّا بالقتل، أو بالعمى، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة. جامع كرامات الأولياء ١ / ١٣١ عن إحقاق الحق ٣٣ / ٦٣٧. وفي نور الأبصار : بدل (ممّن قتل الحسين) , ممّن حضر قتل الحسين (عليهالسلام ). نقلاً عن إحقاق الحق ١١ / ٥١٣.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ١١٧ , الفصل الثاني عشر.
رجل أنكر عقاب قتلة الحسين (عليهالسلام ) فأحرقه الله... بأكثر من خبر
الأوّل : روى ابن عساكر والمزّي , والذهبي وابن حجر العسقلاني , والقندوزي ومحب الدين الطبري , والخوارزمي والكنجي الشافعي , وباكثير الحضرمي , والبدخشي , وابن الصبان المالكي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، وأحمد بن محمّد بن علي بن القروري، وأبو نصر المبارك بن أحمد بن علي البقال قالوا : أنا أبو الحسين بن النقور، أنا عيسى بن علي، أنا أبو بكر محمّد بن الحسن المقرئ، حدّثني أبو العباس أحمد بن يحيى، وأنبأنا أبو علي محمّد بن سعيد بن نبهان ح.
وأخبرنا أبو الفضل بن ناصر السلامي، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن، وأبو الحسين محمّد بن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان ح.
وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن قالوا : أنا أبو علي بن شاذان، أنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن مقسم، حدّثني أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، حدّثني عمر بن شبة، حدّثني عبيد بن حماد، أخبرني عطاء بن مسلم قال : قال السدي : أتيت كربلاء أبيع البز بها، فعمل لنا شيخ من طيء طعاماً فتعشّينا عنده، فذكرنا قتل الحسين (عليهالسلام )، فقلت : ما شرك في قتله أحد إلّا مات بأسوأ ميتة.
فقال : ما أكذبكم يا أهل العراق ! فأنا فيمن شرك في ذلك. فلم يبرح حتّى دنا من المصباح وهو يتّقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفيها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فغدا
فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنه حممة(١) .
الثاني : روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو محمّد عبد الكريم بن حمزة السلمي، أنا أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد السلمي، أنا جدي أبو بكر محمّد بن أحمد بن عثمان العدل، نا خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي، نا أحمد بن العلاء أخو هلال بالرقة، نا عبيد بن جناد، نا عطاء بن مسلم، عن ابن السدي، عن أبيه قال : كنَّا غلمة نبيع البز في رستاق كربلاء , قال : فنزلنا برجل من طيء , قال : فقرب إلينا العشاء، قال : فتذاكرنا قتلة الحسين، قال : فقلنا ما بقي أحد ممّن شهد كربلاء من قتلة الحسين إلّا وقد أماته الله ميتة سوء , أو بقتلة سوء.
قال : فقال : ما أكذبكم يا أهل الكوفة ! تزعمون أنه ما بقي أحد ممّن شهد قتلة الحسين إلّا وقد أماته الله ميتة سوء , أو قتلة سوء، وإنّي لممّن شهد قتل الحسين، وما بها أكثر مالاً منِّي !
قال : فنزعنا أيدينا عن الطعام , قال : وكان السراج يوقد , قال : فذهب ليطفئ السراج ،
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٣، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٧٢، تهذيب الكمال - المزي ٦ / ٤٣٦، تذكرة الحفّاظ - الذهبي ٣ / ٩٠٩، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٣٠٦، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٢٣، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥ , قال : خرّجه ابن الجراح.
مقتل الحسين للخوارزمي ٢ / ١١٠ - ١١١ , الفصل الثاني عشر، وذكره جماعة من القوم , منهم العلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / ٢٧٩ , ط الغري , إحقاق الحق ١١ / ٥٣٦، ومنهم العلامة الشيخ أحمد بن الفضل بن محمّد باكثير الحضرمي في وسيلة المآل / ١٩٧ (مخطوط) , إحقاق الحق ١١ / ٥٣٦، ومنهم العلامة البدخشي في مفتاح النجا (مخطوط) إحقاق الحق ١١ / ٥٣٦ , ومنهم العلامة ابن الصبان المالكي في إسعاف الراغبين (المطبوع بهامش نور الأبصار) / ١٩١ , ط مصر , إحقاق الحق ١١ / ٥٣٦.
قال : فذهب ليخرج الفتيلة بإصبعه، قال : فأخذت النار بإصبعه، قال : ومدَّها إلى فيه فأخذت بلحيته، قال : فحضر , أو قال : فأحضر إلى الماء حتّى ألقى نفسه فيه، قال : فرأيته يتوقّد فيه النار حتّى صار حممة(١) .
الثالث : روى ابن عساكر والمزي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو محمّد عبد الكريم بن حمزة، نا أبو بكر الخطيب (إملاء) , أنا أبو العلاء الوراق - وهو محمّد بن الحسن بن محمّد - نا بكار بن أحمد المقرئ، نا الحسين بن محمّد الأنصاري، حدّثني محمّد بن الحسن المدني، عن أبي السكين البصري، حدّثنا عمُّ أبي زحر بن حصن، نا إسماعيل بن داود بن أسد، حدّثني أبي، عن مولى لبني سلامة قال : كنَّا في ضيعتنا بالنهرين، ونحن نتحدث بالليل : ما أجد ممّن أعان على قتل الحسين خرج من الدنيا حتّى يصيبه بلية. ومعنا رجل من طيء، فقال الطائي : فأنا ممّن أعان على قتل الحسين، فما أصابني إلّا خير !
قال : وعشي السراج، فقام الطائي يصلحه، فعلقت النار في سباحته، فمرَّ يعدو نحو الفرات، فرمى بنفسه في الماء، فأتبعناه، فجعل إذا انغمس في الماء فرقت النار على الماء، فإذا ظهر أخذته حتّى قتلته(٢) .
الرابع : ذكره الزرندي الحنفي , وابن حجر الهيتمي , والقندوزي - واللفظ للأوّل - قال :
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٣، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٧٤.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٢، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٣٧٢، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٧.
ونقل أبو الشيخ في كتابه بسنده إلى يعقوب بن سليمان قال : كنت في ضيعتي، فصلّينا العتمة، ثمَّ جلسنا جماعة، فذكروا الحسين بن علي (رض)، فقال رجل : ما من أحد أعان على قتل الحسين إلّا أصابه قبل أن يموت بلاء. ومعنا شيخ كبير , فقال : أنا ممّن شهده وما أصابني أمر أكرهه إلى ساعتي هذه.
قال : فطفئ السراج، فقام ليصلحه، فثارت النار فأخذته، فجعل ينادي : النار ! النار ! وذهب فألقى نفسه في الفرات ليغتمس فيه، فأخذته النار حتّى مات. وفي رواية : فلم يزل به حتّى مات(١) .
غضب الله على قتلة الحسين (عليهالسلام ) , وحال النبي (صلىاللهعليهوآله ) لو رآه...
قال سبط ابن الجوزي والزرندي الحنفي - واللفظ للأوّل - : قال جدِّي في كتاب التبصرة : لمـّا كان الغضبان يحمرّ وجهه عند الغضب فيستدل بذلك على غضبه، وأنه أمارة السخط. والحق سبحانه وتعالى ليس بجسم، فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين (عليهالسلام ) بحمرة الاُفق، وذلك دليل على عظيم الجناية.
وذكر جدِّي أيضاً في هذا الكتاب : لمـّا أسر العباس يوم بدر سمع النبي (صلىاللهعليهوآله ) أنينه، فما نام تلك الليلة، فكيف لو سمع أنين الحسين (عليهالسلام ) ؟!
____________________
(١) نظم درر السمطين للزرندي الحنفي / ٢٢١، الصواعق المحرقة للهيتمي / ٢٩٦ , ط دار الكتب العلمية، ينابيع المودة للقندوزي ٣ / ٢٢، كتاب المحاسن والمساوئ / ١٢٩ لإبراهيم البيهقي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة , قال أبو عبد الله غلام الخليل (رحمهالله ) , قال : حدّثنا يعقوب بن سليمان , قال : كنت في ضيعتي , فصلّينا العتمة وجعلنا نتذاكر قتل الحسين (عليهالسلام )، فقال رجل من القوم : ما أحد أعان عليه إلّا أصابه بلاء قبل أن يموت. فقال شيخ كبير من القوم : أنا ممّن شهدها وما أصابني أمر كرهته إلى ساعتي هذه. وخبا السراج فقام يصلحه , فأخذته النار وخرج مبادراً إلى الفرات وألقى نفسه فيه , فاشتعل وصار فحمة.
وقال : لمـّا أسلم وحشي قاتل حمزة قال له النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( غيِّب وجهك عنِّي ؛ فإني لا اُحبُّ مَن قتل الأحبة )).
قال : وهذا والإسلام يجبُّ ما قبله، فكيف يقدر الرسول (صلىاللهعليهوآله ) أن يرى مَن ذبح الحسين (عليهالسلام )، أو أمر بقتله , وحمل أهله على أقتاب الجمال(١) ؟!
أقول : قد ثبت عند القوم أن النبي (صلىاللهعليهوآله ) قد أباح دم هبار بن الأسود حيث أخاف ابنته (صلىاللهعليهوآله ) زينب , فما باله (صلىاللهعليهوآله ) لو رأى الحسين (عليهالسلام ) بتلك الحال ؟!
وقد علّق ابن أبي الحديد المعتزلي على هذا قائلاً : قلت : وهذا الخبر أيضاً (أي خبر ما جرى على زينب) قرأته على النقيب أبي جعفررحمهالله ، فقال : إذا كان رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أباح دم هبار بن الأسود لأنّه روع زينب، فألقت ذا بطنها، فظهر الحال إنه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتّى ألقت ذا بطنها.
فقلت : أروي عنك ما يقوله قوم إن فاطمة (عليهاالسلام ) رُوّعت فألقت المحسن (عليهالسلام ) ؟
فقال : لا تروه عنِّي ولا تروِ عنِّي بطلانه ؛ فإني متوقّف في هذا الموضع ؛ لتعارض الأخبار عندي فيه(٢) .
أقول : والظاهر أنه يتّقي في عدم النقل عنه ؛ لأنه صار معروفاً به، وإلّا كيف يروي القوم عنه ذلك.
إنّ الله عزَّ وجلَّ لا يغفر لقاتل الحسين (عليهالسلام ) أبداً
روى الخوارزمي وصاحب الفردوس وغيرهما - واللفظ للأوّل - قال : أخبرني سيد الحفاظ هذا (أبو منصور شهردار بن شهرويه الديلمي) قال :
____________________
(١) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٤٦ , ط منشورات الشريف الرضي، نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢٢٢.
(٢) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٤١ / ١٩٣.
ومما سمعت في المفاريد برواية علي (عليهالسلام ) قال : (( قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : إنّ موسى بن عمران سأل ربه فقال : يا رب , إنّ أخي هارون مات فاغفر له. فأوحى الله إليه أن يا موسى لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك فيهم، ما خلا قاتل الحسين بن علي (عليهالسلام )، فأني أنتقم له منه ))(١) .
انتقام الله تعالى لقتل الحسين (عليهالسلام ) كما أنتقم لقتل النبي يحيى (عليهالسلام )
روى الحاكم والذهبي , وابن حجر وابن كثير , وابن عساكر والزرندي الحنفي , والمتّقي الهندي والعجلوني , والقرطبي وجلال الدين السيوطي , والخطيب البغدادي والصالحي الشامي , والقندوزي وابن شيرويه الديلمي , والمزّي وصاحب علل الجارودي , والخوارزمي وابن حجر الهيتمي وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال :
(وأخبرنا) أحمد بن كامل القاضي، ثنا عبد الله بن إبراهيم البزار، ثنا كثير بن محمّد أبو أنس الكوفي، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رض) قال : أوحى الله تعالى إلى محمّد (صلىاللهعليهوآله ) أني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وأني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً.
هذا لفظ حديث الشافعي، وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل : أني قتلت على دم يحيى بن زكريا، وأني قاتل على دم ابن ابنتك. هذا حديث صحيح الإسناد , ولم يخرجاه(٢) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٩٧ , في الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة قاتل الحسين (عليهالسلام )، الفردوس بمأثور الخطاب ٢ / ٢٢٧، ذيل اللآلي للسيوطي / ٧٦ , ط لكهنو , نقلاً عن إحقاق الحق ١١ / ٣٢٤، مفتاح النجا للبدخشي / ١٣٦ (مخطوط) , نقلاً عن إحقاق الحق ١١ / ٣٢٤، المناقب لابن المغازلي / ٦٨ , ط الإسلاميّة بطهران , إحقاق الحق ١٩ / ٣٧٨.
(٢) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٧٨، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٤٢، لسان الميزان - ابن حجر ٤ / ٤٥٧، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٩، تاريخ مدينة
____________________
دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٥، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٥٢، نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢١٦ , وهو موافق لرواية قاتل بدم... , كنز العمال - المتّقي الهندي ٢١ / ١٢٧، كشف الخفاء - العجلوني ٢ / ٩٨، تفسير القرطبي ١٠ / ٢١٩، الدر المنثور - جلال الدين السيوطي ٤ / ٢٦٤، تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي ١ / ١٥٢، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٨١، ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٣١، الفردوس بمأثور الخطاب ٣ / ١٨٧ لابن شيرويه الديلمي، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥ لابن حجر، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣١ للمزّي، علل الجارودي ١ / ١٤٤، مقتل الحسين (عليهالسلام ) الخوارزمي ٢ / ١٠٩ , الفصل الثاني عشر، والصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي / ٣٠٢.
وذكر السيد المرعشي أعلى الله مقامه مصادر اُخرى عن القوم , منهم : العلامة الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب / ٢٨٨ ط الغري) إحقاق الحق ١١ / ٣١٨، ومنهم العلامة سبط ابن الجوزي في (التذكرة / ٢٩٠ ط الغري) إحقاق الحق ١١ / ٣١٩، ومنهم العلامة السيوطي الشافعي في كتابه (التعقيبات / ٥٧ ط نول كشور في لكهنو) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٠، ومنهم العلامة المذكور في (الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٦ ط حيدر آباد) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٠، ومنهم العلامة شمس الدين محمّد السخاوي في (المقاصد الحسنة / ٣٠٢ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٠، ومنهم العلامة باكثير الحضرمي في (وسيلة المآل / ١٨٣ , ١٩٨ ط نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق) إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم العلامة المولى علي المتّقي الهندي في (كنز العمال ١٣ / ١١٢ ط حيدر آباد) إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم العلامة المذكور في (منتخب كنز العمال - المطبوع بهامش المسند - ٥ / ١١١ الميمنية بمصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم العلامة السيد عبد الوهاب العلوي الشعراني في (الطبقات الكبرى ١ / ٢٣ ط القاهرة) إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم العلامة ابن الصبان المالكي في (إسعاف الراغبين - المطبوع بهامش نور الأبصار - / ١٨٦ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم الشيخ محمّد بن السيد درويش المشتهر بالحوت البيروتي في (أسنى المطالب / ١٤٨ ط الحلبي بمصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم العلامة الشيخ عبد الهادي (نجا) الأبياري المصري في (جالية الكدر في شرح منظومة البرزنجي / ١٩٨ ط مصر)
____________________
إحقاق الحق ١١ / ٣٢١، ومنهم العلامة عبد الله الشافعي في (مناقبه / ٢١٤ (مخطوط) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٢، ومنهم العلامة المناوي في (الكواكب الدرية١ / ٥٧ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٢، ومنهم العلامة النبهاني في (الشرف المؤبد / ٦٩ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٢، ومنهم العلامة السيد مؤمن الشبلنجي في (نور الأبصار / ١٢٧ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٢٢، ومنهم العلامة الشيخ أحمد بن محمّد ابن أحمد الحافي (الخوافي) الحسيني الشافعي في (التبر المذاب / ٩٩) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٠، ومنهم العلامة الشريف أبو المعالي المرتضى محمّد بن علي الحسيني البغدادي في (عيون الأخبار في مناقب الأخيار / ٥٠ نسخة مكتبة الفاتيكان) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٠، ومنهم العلامة كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة المولود (٥٨٨) , والمتوفّى (٦٦٠) في (بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٤٤ ط دمشق) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣١، ومنهم العلامة أبو عبد الله محمّد بن السيد درويش الحوت الحنفي البيروتي , المولود بها سنة (١٢٠٩) , والمتوفّى بها أيضاً سنة (١٢٧٦) في كتابه (الأحاديث المشكلة في الرتبة / ١٨٤ ط عالم الكتب في بيروت / ١٤٠٣) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣١، ومنهم العلامة المؤرخ محمّد بن مكرم المشتهر بابن منظور , المتوفى سنة (٧١١) في (مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٧ / ١٤٩ ط دار الفكر) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣١، ومنهم الفاضل الأمير أحمد حسين بهادرخان الحنفي البريانوي الهندي في كتابه (تاريخ الأحمدي / ٦٨ ط بيروت سنة ١٤٠٨) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٢، ومنهم الفاضل المعاصر الدكتور محمّد جميل غازي في (استشهاد الحسين / ١٢٩ , خرّجه من كتاب الحافظ ابن كثير ط مطبعة المدني - المؤسسة السعودية بمصر) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٢، ومنهم العلامة الشيخ حسام الدين المردي الحنفي في كتاب (آل محمّد / ١٦٧ - المخطوط -) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٣، ومنهم العلامة الشيخ عبد الرحمن بن علي بن محمّد بن عمر الشيباني الشافعي الأثري في (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث / ١١٥ ط دار الكتاب العربي - بيروت) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٣.
وقال الذهبي : هذا حديث نظيف الإسناد، منكر اللفظ(١) . وعبد الله وثّقه ابن معين , وخرّج له مسلم(٢) .
وقال المناوي تعليقاً على هذا الحديث : قال الحاكم : صحيح الإسناد. وقال الذهبي : وعلى شرط مسلم(٣) .
وقال ابن حجر : وقد أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق ستة أنفس عن أبي نعيم , وقال : صحيح، ووافقه المصنف في تلخيصه(٤) .
____________________
(١) قوله : منكر اللفظ , فلا أثر له بعد إمكان مطابقته للواقع , بل مطابقته ؛ فلروايته من طرق ستة كما يذكر ابن حجر , ولتحقق الكم الكثير من القتلى على أرض الواقع، فمن تابع التاريخ وجد هذا العدد الكبير ؛ فقد روى ابن حجر في صواعقه , في توهم ترك هذا الحديث لكثرة من ينتقم منهم الله عز وجل : وقتل هذه العدة بسببه لا يستلزم أنها كعدد المقاتل له ؛ فإنّ فتنته أفضت إلى تعصّبات ومقاتلات تفي بذلك. (الصواعق المحرقة / ٣٠٢).
وأيضا ما ذكره الخوارزمي في مقتله ٢ / ٢٨٠ , بأنّ المختار قتل خلقاً كثيراً من أهل الكوفة , وقيل : قتل من قتلة الحسين (عليهالسلام ) سبعين ألفاً.
وأيضاً الروايات الواردة في خصوص قضية الحسين كلّها تصرّح بأنها ليست قضية مثل باقي القضايا , وحادثة كبقية الحوادث حتّى يستغرب من مثل هذه الأحاديث , بل هي قضية اهتمّت ونوّهت بها السماء ؛ وما ذلك إلّا لعظمها عند الله. فانظر إلى الروايات التي تقدمت في الفصل الثاني من الأخبار عن قتل الحسين (عليهالسلام ) , والروايات الآتية في بكاء السماء والأرض وكل شيء على الحسين (عليهالسلام ) , والتغيرات الكونية لمقتله (عليهالسلام ) , فكل ذلك رافع لأي تردد في هذا الحديث.
(٢) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٤٢ , وما ذكره الذهبي تعليقاً على الإسناد التالي : أخبرنا المسلم بن محمّد، وابن أبي عمر (كتابة)، أنّ عمر بن محمّد أخبرهما، أنبأنا هبة الله بن محمّد، أنبأنا محمّد بن محمّد، أنبأنا أبو بكر الشافعي، حدّثنا محمّد بن شداد، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا عبد الله بن حبيب عن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : أوحى الله إلى محمّد (صلىاللهعليهوآله ) أني قد قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وأني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً.
(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير - للمناوي ١ / ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٤) لسان الميزان - ابن حجر ٤ / ٤٥٧.
أقول : فقد ذكر هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات , وعقّب ابن حجر الهيتمي عليه قائلاً : ولم يصب ابن الجوزي في ذكره لهذا الحديث في الموضوعات. (وقال أيضاً في توهّم ترك هذا الحديث لكثرة من ينتقم منهم الله عز
قوله ( صلىاللهعليهوآله ) : (( اشتد غضب الله على قاتل الإمام الحسين صلوات الله عليه... )).
روى ابن عساكر والمزي، والصالحي الشامي والمتّقي الهندي وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو بكر محمّد بن الحسين، نا أبو الحسين بن المهتدي، أنا أبو الحسن علي بن عمر الحربي، نا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، نا عبد الرحمن - يعني ابن صالح الأزدي - نا أبو بكر بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن داود قال : قالت أُمُّ سلمة : دخل الحسين (عليهالسلام ) على رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ففزع، فقالت اُمّ سلمة : ما لك يا رسول الله ؟ قال : (( إنّ جبريل أخبرني أن ابني هذا يُقتل، وأنه اشتد غضب الله على من يقتله ))(١) .
____________________
وجل :) وقتل هذه العدة بسببه لا يستلزم أنها كعدد المقاتل له ؛ فإن فتنته أفضت إلى تعصّبات ومقاتلات تفي بذلك. الصواعق المحرقة / ٣٠٢.
(١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٤١ / ١٩٣، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٢٥٣، تهذيب تاريخ مدينة دمشق ٤ / ٣٢٥، تهذيب الكمال ٦ / ٤٠٩ للمزي، ، سبل الهدى والرشاد ١٠ / ١٥٣ للصالحي الشامي، كنز العمال للمتقي الهندي ٢١ / ١٢٧.
وعن جماعة , منهم : العلامة البدخشي في (مفتاح النجا / ١٣٥ - مخطوط -) إحقاق الحق ١١ / ٣٦٢ , ومنهم العلاّمتان الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد في (جامع الأحاديث ٢ / ٧٤٥ ط دمشق) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٥ , ومنهم الدكتور عبد الصبور شاهين والاُستاذة إصلاح عبد السلام الرفاعي في (موسوعة اُمهات المؤمنين / ٤٩٤ ط الزهراء للأعلام العربي - القاهرة) إحقاق الحق ٢٧ / ٢٦٠ , ومنهم العلامة المؤرّخ محمّد بن مكرم المشتهر بابن منظور , المتوفّى سنة (٧١١) في (مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٧ / ١٣٤ ط دار الفكر) إحقاق الحق ٢٧ / ٢٤٥.
قاتل الحسين (عليهالسلام ) في تابوت من نار و... و...
رواه الخوارزمي وابن المغازلي، والكازروني والقندوزي، والهمداني وابن البديع الشيباني - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا الشيخ الثقة العدل الحافظ أبو بكر محمّد بن عبد الله بن نصر الزاغوني بمدينة السلام , منصرفي عن السفرة الحجازية , أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن الساهوجي، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن علي بن بندار، أخبرنا أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان البزاز، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان ببغداد في باب المحول , حدّثني أبي أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، حدّثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليهالسلام ) :
(( حدّثني أبي موسى بن جعفر(عليهالسلام )، حدّثني أبي جعفر بن محمد (عليهالسلام )، حدّثني أبي محمّد بن علي (عليهالسلام )، حدّثني أبي علي بن الحسين (عليهالسلام )، حدّثني أبي الحسين بن علي (عليهالسلام )، حدّثني أبي علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) قال : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : إنّ قاتل الحسين في تابوت من نار , عليه نصف عذاب أهل النار، وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار، ينكس في النار حتّى يقع في قعر جهنم. وله ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربِّهم عزَّ وجلَّ من شدة نتنها، وهو فيها خالد، ذائق العذاب الأليم، كلَّما نضجت جلودهم تُبدّل عليهم الجلود ؛ ليذوقوا ذلك العذاب الأليم ))(١) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٩٥ , الفصل الثاني عشر. وذكره غيره باختلاف بسيط لا يضر بالمعنى , مثل ينابيع المودة ٢ / ٣٢٨ - ٣٢٩، وذكره جماعة , منهم : العلّامة ابن المغازلي في (المناقب / ٦٨ ط الإسلامية بطهران) إحقاق الحق ١٩ / ٣٧٨، ومنهم العلامة أبو اليقظان الكازروني في (شرف النبي , على ما في مناقب الكاشي / ٢٥٢ - مخطوط -) إحقاق الحق ١١ / ٣٣٠، ومنهم العلامة السيد علي بن شهاب الدين الهمداني العلوي الحسيني في (مودّة
فاطمة (عليهاالسلام ) تأتي بالحسنين (عليهماالسلام ) , ومعها قميصان ملطّخان... وتطلب بثأرهما , و...
ذكرها الشيخ أحمد بن محمّد بن أحمد الحافي الشافعي , قال : إذا كان يوم القيامة تجيء فاطمة (عليهاالسلام ) وبيدها اليمنى الحسن (عليهالسلام )، وبيدها اليسرى الحسين (عليهالسلام )، وعلى كتفها الأيمن قميص الحسن ملطّخ بالسم، وعلى الأيسر قميص الحسين ملطخ بالدم، فتنادي وتقول : (( ربِّ احكم بيني وبين قاتلي ولدي )). فيأمر الله الزبانية، فيقول لهم : (( خذوه فغلّوه، فسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون )).
وما أحسن مَن قال :
لا بدَّ أن تَرِدَ القيامةَ فاطمٌ |
وقميصُها بدمِ الحسينِ مُلَطَّخُ |
|
ويلٌ لِمَنْ شفعاؤُهُ خُصَمَاؤهُ |
والصورُ في حرِّ الخلائقِ يُنْفَخُ |
فالحسن والحسين (عليهماالسلام ) كانا شمس دولة المصطفى (صلىاللهعليهوآله )، وقطب فلك المحبة والوفاء، ونجوم اُفق الشريعة، وحبهما إلى الله ذريعة. وهما لؤلؤ صدف الألطاف، ومرجان الإيمان، وزهر رياض الرسالة، وياسمين السلالة، ومسك التوحيد، ومجد أهل التمجيد، وكواكب الكرامة، وصدور أهل القيامة ؛ عُجنت طينتهما من طينة صاحب قاب قوسين، واعتق من النار محبُّ الحسن والحسين (عليهماالسلام ). نورهما أضوء من نور القمرين، وهما زين الدارين، سلوة الرسول (صلىاللهعليهوآله ) وسلالته , وقرّة عينه وقرابته عليه وعليهمالسلام (١) .
____________________
القربى / ١١٢ ط لاهور) إحقاق الحق ١١ / ٣٣٠ , ومنهم العلامة ابن الدبيع الشيباني في (تمييز الطيب من الخبيث / ١٣٩ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٣٣٠.
(١) التبر المذاب للحافي الشافعي / ١١٠ النسخة الموجودة في مكتبة السيد المرعشي النجفي في قم المقدسة , وذكرها صاحب التبر المذاب عن صاحب كتاب (اللطائف). إحقاق الحق ٢٦ / ٣٠٤.
حال فاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) في يوم المحشر , وبيان عذاب قتلة الحسين (عليهالسلام ) , والغفران لشيعتها وشيعة ذرّيتها (عليهمالسلام )
قال الإسفرايني : (ويروى) عن الرسول عليه الصلاة والسّلام أنه قال : (( إذا كان يوم القيامة تقبل فاطمة على ناقة من نياق الجنة، وبيدها قميص الحسين (عليهالسلام ) ملطّخ بدمه، فتصرخ وتزجّ نفسها عن الناقة، وتخرّ ساجدة لله عزَّ وجلَّ، وتقول : إلهي وسيدي ومولاي , احكم بيني وبين مَن قتل ولدي الحسين (عليهالسلام ). فيأتيها النداء من قِبل الله عزَّ وجلَّ : يا حبيبتي وابنة حبيبي , ارفعي رأسك ؛ فوعزتي وجلالي لأنتقمنَّ اليوم ممّن ظلمك وظلم ولدك. ثمَّ يأمر بجميع من حضر قتل الحسين (عليهالسلام )، ومن شارك في قتله إلى النار )).
وعن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أنه قال : (( إذا كان يوم القيامة جاءت فاطمة في جماعة من نسائها، فيقال لها : ادخلي الجنة. فتقول : لا أدخل حتّى أعلم ما صنع(١) بولدي الحسين (عليهالسلام ). فيقال لها : انظري عن يمينك. فتلتفت فإذا الحسين (عليهالسلام ) قائم وليس عليه رأس، فتصرخ صرخة، فتصرخ النساء لصراخها , والملائكة أيضاً، ثمَّ تنادي : وا ولداه ! واثمرة فؤاداه !
فعند ذلك يغضب الله، ويأمر ناراً قد اُوقد عليها ألف عام حتّى اسودّت، ولا تدخلها ريح ولا يخرج منها أبداً، فيقال لها : التقطي مَن حضر قتل الحسين (عليهالسلام ) , فتلقطهم، فإذا صاروا في جوفها صهلت بهم وصهلوا بها، وشهقت بهم وشهقوا بها، وزفرت بهم وزفروا بها، ثمَّ ينطقون بألسنة ذلقة ناطقة : يا ربنا , لم أوجبت لنا النار قبل عبدة الأوثان ؟! فيأتيهم الجواب عن الله : أن مَن علم ليس كمن لا يعلم )).
وروي عن آل البيت (عليهمالسلام ) , عن النبي (صلىاللهعليهوآله ) أنه قال : (( إذا كان يوم القيامة تأتي فاطمة الزهراء (عليهاالسلام ) على ناقة من نياق الجنة، خطامها من
____________________
(١) وفي ط / ٧٠ : بما صنع.
من لؤلؤ رطب، وقوائمها من زمرد أخضر، وذنبها من مسك أذفر، وعينيها من ياقوت أحمر، وعليها قبة من النور يرى باطنها من ظاهرها وضدّه , داخلها عفو الله، خارجها عليها رحمة الله.
وعلى رأسها تاج من النور، وله سبعون ركناً , كلُّ ركن مرصّع بالدر والياقوت، يضيء كما يضيء الكواكب في أُفق السماء. وعن يمينها سبعون ألف ملك، وعن يسارها مثلهم، وجبريل آخذ بخطام الناقة، وهو ينادي بأعلى صوته : غضّوا أبصاركم حتّى تجوز فاطمة. فيغضّون أبصارهم حتّى تجاوز عرش ربها، وتزج نفسها عن ناقتها، وتقول : إلهي وسيدي ومولاي , احكم بيني وبين مَن ظلمني وقتل ولدي.
فإذا النداء من قِبل الله تعالى : يا حبيبتي وابنة حبيبي , سليني تُعطَي، واشفعي تُشفعي، فوعزّتي وجلالي لا يجاوزني ظلم ظالم.
فتقول : إلهي وسيدي ومولاي , ذرّيتي , وشيعتي، وشيعه ذريتي.
فإذا النداء من قِبل الله تعالى : أين ذرّية فاطمة (عليهاالسلام ) , وشيعتها وشيعة ذرّيتها , ومحبوها ومحبو ذرّيتها ؟ فيقولون - وقد أحاطت بهم ملائكة الرحمن - : ها نحن يا ربَّنا. فتقودهم فاطمة (عليهاالسلام ) حتّى تدخلهم الجنة، وهي آخذة بقميص الحسين (عليهالسلام ) وهو ملطّخ بالدم، وقد تعلّقت بقوائم العرش، وهي تقول : يا رب , احكم بيني وبين قاتل ولدي الحسين (عليهالسلام ). فيؤخذ بها ويقال لها : ويلٌ لمن شفعاؤه خصماؤه )) كما قال القائل :
ويلٌ لمن شفعاؤُه خصماؤُه |
والصورُ في بَعْثِ الخلائقِ يُنْفَخُ |
|
لا بدَّ أن ترد القيامةَ فاطمٌ |
وقميصُها بدمِ الحسينِ مُلَطَّخُ |
|
فتقولُ ربِّي إنني لك أشتكي |
قتلَ الحسينِ ابني وها أنا أصرخُ |
|
واللهُ يأمرُ بالجميعِ لنارِهِ |
ويلٌ لمن قتلوا الحسينَ يُؤَرَّخُ(١) |
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٨٢ , وفي ط / ٧٠ - ٧١.
وفي نور العين قال الإسفرايني : (وروي) عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : (( إذا كان يوم القيامة ينصب الله سرادقاً من نور بين يدي رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، والخلائق كلُّهم حاضرون، ثمَّ ينادي منادٍ : يا معشر الناس , غضّوا أبصاركم ؛ فإنّ فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى (صلىاللهعليهوآله ) تريد أن تجوز السرادق.
فيغضّون أبصارهم، فإذا هي مقبلة، فإذا وضعت رجلها في السرادق نوديت : يا فاطمة، فتلتفت فترى ولدها الحسين (عليهالسلام ) واقفاً بجانبها من غير رأس، فتصرخ صرخةً لا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلّا جثا على ركبتيه، وخرَّ مغشياً عليه. ثمَّ إنها تفيق من غشيتها فتجد الحسين (عليهالسلام ) يمسح وجهها بيديه، ورأسه قد عادت إليه، فعند ذلك تدعو على قاتله ومَن أعانه , فيؤمر بهم إلى جهنم، ولا شفيع لهم )).
(ويروى) عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : (( إذا كان يوم القيامة يُنصب لفاطمة (عليهاالسلام ) كرسي من نور فتجلس عليه، فبينما هي جالسة وإذا بالحسين (عليهالسلام ) مقبل عليها ورأسه بيده، فإذا رأته صرخت صرخة عظيمة حتّى لا يبقى في الجمع ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلّا بكى لبكائها، فيمثله الله عزَّ وجلَّ في أحسن صورة، ويجمع له مَن حضر في قتلته، والمتجاهر عليه، ومَن أشار في قتله، فيقتلهم الحسين (عليهالسلام ) عن آخرهم، ثمَّ ينشرون فيقتلهم الحسن (عليهالسلام )، وهكذا ينشرون ويقتلون حتّى لم يبقَ من ذرّيتنا أحد إلّا ويقتلهم، فعند ذلك يكشف الهمَّ ويزول الحزن ))(١) .
____________________
(١) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) - أبو إسحاق الإسفرايني / ٨١ , وفي ط / ٧٠.
قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام ) شرُّ هذه الأُمَّة
قال القندوزي : [وعن] علي (عليهالسلام ) رفعه : (( يقتل الحسين (عليهالسلام ) شرُّ هذه الاُمّة، ويتبرأ الله منهم , ومن ولدهم , وممّن يكفر بي ))(١) .
سنان قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) يحكي مفتخراً للحجّاج ما فعله بالحسين (عليهالسلام ) , وما جرى عليه من العذاب
رواه الطبراني والهيثمي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا فرات بن محبوب، ثنا أبو بكر بن عياش، حدّثني أسلم المنقري قال : دخلت على الحجّاج، فدخل سنان بن أنس قاتل الحسين، فإذا شيخ آدم فيه حناء , طويل الأنف , في وجهه برش(٢) ، فاُوقف بحيال الحجّاج، فنظر إليه الحجّاج فقال : أنت قتلت الحسين (عليهالسلام ) ؟
قال : نعم.
قال : وكيف صنعت به ؟
قال : دعمته بالرمح، وهبرته بالسيف هبراً.
فقال له الحجّاج : أما إنكما لن تجتمعا في دار(٣) .
وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات(٤) .
روى ابن معين , والخلاّل , وابن عساكر , والخوارزمي , وابن كثير وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا العباس، حدّثنا الأسود بن عامر، حدّثنا شريك، عن ابن عمير - يعني عبد الملك - قال : قال الحجّاج يوماً : مَن كان له بلاء فليقم , فلنعطه على بلائه.
____________________
(١) ينابيع المودّة - القندوزي ٢ / ٣٢٨.
(٢) الظاهر : برص.
(٣) معجم الكبير للطبراني ٣ / ١١٢، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٤.
(٤) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٤.
فقام رجل فقال : أعطني على بلائي.
قال : وما بلاؤك ؟
قال : قتلت الحسين.
قال : وكيف قتلته ؟
قال : دسرته والله بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً، وما أشركت معي في قتله أحد.
قال له : أما إنك وإيّاه لن تجتمعا في مكان واحد. وقال له : اخرج. قال : وأحسبه لم يعطه شيئاً(١) .
وقال الخلاّل : إسناده حسن(٢) .
وروى ابن عساكر والطبري - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو بكر الشاهد، أنا الحسين بن علي، أنا محمّد بن العباس، أنا أحمد بن معروف، أنا الحسين بن الفهم، نا محمّد بن سعد، أنا علي بن محمّد، عن مجاهد، عن حسن بن الحارث، عن شيخ من النخع، قال الحجّاج : مَن كان له بلاء فليقم ؟ فقام قوم يُذكروا، وقام سنان بن أنس، فقال : أنا قاتل حسين. فقال : بلاء حسن. ورجع إلى منزله، فاعتقل لسانه، وذهب عقله ؛ فكان يأكل ويحدث في مكانه(٣) .
قال إبراهيم البيهقي : قيل : ودخل سنان بن أنس على الحجّاج بن يوسف , فقال : أنت قتلت الحسين بن علي ؟ قال : نعم. فقال : أما إنكما لن تجتمعا في الجنة. فذكروا أنهم
____________________
(١) تاريخ ابن معين (رواية الدوري) ٣ / ٤٨٩، السنة للخلال ٣ / ٥٢٥، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٢ / ١٤٣، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ١٠١، البداية والنهاية - ابن كثير ٩ / ١٤٤ , الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٢٨٤، الفائق في غريب الحديث - جار الله الزمخشري ١ / ٣٦٧، النهاية في غريب الحديث - ابن الأثير ٢ / ١١٦.
(٢) السنة للخلال ٣ / ٥٢٥.
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣١ - ٢٣٢، المنتخب من ذيل المذيل - الطبري / ٢٥ , ولكن سنده عن حنش بن الحارث بدل حسن بن الحارث , وكذا في ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٣٦٨.
رأوه موسوساً يلعب ببوله كما يلعب الصبيان(١) .
هلاك سنان بن أنس
وروى الطبري وابن الأثير وابن خلدون - واللفظ للأوّل - قال : وطلب المختار سنان بن أنس الذي كان يدّعي قتل الحسين (عليهالسلام )، فوجده قد هرب إلى البصرة , فهدم داره(٢) .
قال العلامة الشيعي الإمامي ابن نما الحلي أعلى الله مقامه : وهرب سنان بن أنس - لعنه الله - إلى البصرة، فهدم داره، ثمَّ خرج من البصرة نحو القادسية، وكان عليه عيون، فأخبروا المختار، فأخذه بين العذيب والقادسية، فقطع أنامله، ثمَّ يديه ورجليه، وأغلى زيتاً في قدر وألقاه فيه(٣) .
ما قيل في ذمِّ قاتل الحسين (عليهالسلام )
روى ابن الأثير وابن حجر - واللفظ للأوّل - قال :
ويلكَ يا قاتلَ الحسينِ لقد |
بُؤت بحملٍ ينوءُ بالحاملِ |
|
أيُّ حباءٍ حبوت أحمد في |
حفرته من حرارةِ الثاكلِ |
|
تعال فاطلب غداً شفاعتَه |
وانهض فردْ حوضه مع الناهلِ |
|
ما الشكُّ عندي بحال قاتله |
لكنني قد أشكُّ بالخاذلِ |
|
كأنّما أنتِ تعجبين ألا |
تُنزلُ بالقوم نقمةُ العاجلِ |
|
لا يعجل الله إن عجلتِ وما |
ربُّكِ عمَّا ترينَ بالغافلِ |
____________________
(١) المحاسن والمساوئ / ١٣٠ لإبراهيم البيهقي , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٨، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٦ موجزاً.
(٣) ذوب النضار - ابن نما الحلي / ١٢٠.
ما حصلت لامرئٍ سعادتهُ |
حقّت عليه عقوبةُ الآجل(١) |
الملائكة تتبع قتلة الحسين (عليهالسلام ) بحراب من نار
روى الطبراني والهيثمي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سلم بن جنادة، ثنا أحمد بن بشير، عن مجالد، عن الشعبي قال : رأيت في النوم كأن رجالاً نزلوا من السماء معهم حراب يتتبعون قتلة الحسين (عليهالسلام )، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم(٢) .
وقال الهيثمي : رواه الطبراني , وإسناده حسن(٣) .
ثواب محبّ الإمام الحسين (عليهالسلام ) , وعقاب قاتله
ذكره القندوزي والحسيني - واللفظ للأوّل - قال : وعن الحسين (عليهالسلام ) رفعه إلى النبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا بني , إنك لكبدي , طوبى لمـّن أحبَّك وأحبَّ ذرّيتك، فالويل لقاتلك يوم الجزاء ))(٤) .
____________________
(١) اُسد الغابة - ابن الأثير ٢ / ٢١، لسان الميزان - ابن حجر ٦ / ٩٥. وهذه القصيدة طويلة , ولكن هذا ما نقلاه منها.
(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٣، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ١٦.
(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦.
(٤) ينابيع المودّة للقندوزي ٢ / ٣٢٨، كتاب مودّة القربى للحسيني / ١١١ , ط لاهور - شرح إحقاق الحق ١١ / ٣١٦.
عامر البجلي رأى النبي (صلىاللهعليهوآله ) في النوم وأخبره بأنّ الله كاد يسحت أهل الأرض ؛ لقتلهم الحسين (عليهالسلام ) , وأنّ قتلته في النار
روى ابن عساكر والمزي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو سهل محمّد بن إبراهيم، أنا أبو الفضل الرازي، أنا جعفر بن عبد الله، نا محمّد بن هارون، نا محمّد بن إسحاق، أنا العباس بن محمّد مولى بني هاشم، نا يحيى بن أبي بكير، نا علي - ويكنى أبا إسحاق - عن عامر بن سعد البجلي قال : لمـّا قُتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في المنام، فقال : (( إن رأيت البراء بن عازب فاقرأه منِّي السلام، وأخبره أنّ قتلة الحسين بن علي (عليهالسلام ) في النار، وإن كاد الله أن يسحت أهل الأرض منه بعذاب أليم )).
قال : فأتيت البراء فأخبرته , فقال : صدق رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , قال رسول الله (صلّى الله عليه آله) : (( مَن رآني في المنام فقد رآني حقّاً ؛ فإن الشيطان لا يتصوّر بي ))(١) .
عقاب رجلين شاركا في قتل الحسين (عليهالسلام ) فأصاب أحدهما عطشٌ لا ارتواء بعده , وأصاب الآخر داء في عورته
روى الطبراني والهيثمي , ومحب الدين الطبري والمزي , والذهبي وابن حجر , وابن عساكر وابن العديم , والصالحي الشامي وابن حجر الهيتمي , والقندوزي والسيوطي وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان , حدثتني جدتي اُمُّ أبي قالت : شهد رجلان من الجعفيين قتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) ،
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٨، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٤٤٥، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٦.
قالت : وأمّا أحدهما فطال ذكره حتّى كان يلفّه، وأمّا الآخر فكان يستقبل الراوية بفيه حتّى يأتي على آخرها. قال سفيان : رأيت ولد أحدهما كأن له خبلاً، وكأنه مجنون(١) .
قال الهيثمي : رواه الطبراني , ورجاله إلى جدة سفيان ثقات(٢) .
طليت وجوه القوم يوم قتله (عليهالسلام ) مثل الرماد
ذكره المزّي , والذهبي , وابن حجر , وأبو الوليد الباجي , وأبو نصر الكلاباذي , وأبو البركات الشافعي , والرزاز الواسطي وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : وقال علي بن عاصم، عن حصين : جاءنا قتل الحسين بن علي (عليهالسلام )، فمكثنا ثلاثاً كأن وجوهنا طليت رماداً. قلت : مثل من أنت يومئذ ؟ قال : رجل متأهّل(٣) .
____________________
(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٩، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٤، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٨، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٤، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٣٠٥ - ٣٠٦، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٣٥ , ذكر أكثر من رواية باختلاف يسير جداً، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٧٦، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٩، الصواعق المحرقة للهيتمي / ٢٩٦ , طبعة دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة للقندوزي ٣ / ٢٢، الخصائص الكبرى للسيوطي ٢ / ١٢٧ , (وسيلة المآل لباكثير الحضرمي / ١٩٧ - مخطوط -) إحقاق الحق ١١/ ٥٣٥ , (مجابي الدعوة، أبي الدنيا الاُموي (المتوفّى ٢٨١) / ٣٨ , ط بمبئي) إحقاق الحق ١١ / ٥٣٣.
(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.
(٣) تهذيب الكمال للمزّي ٦ / ٥٢٣، سير أعلام النبلاء للذهبي ٥ / ٤٢٣، رجال صحيح البخاري لأبي نصر الكلاباذي ١ / ٢٠٦، التعديل والتجريح لأبي الوليد الباجي ٢ / ٥٣٢، تاريخ واسط للرزاز الواسطي ١ / ١٠٠، وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ٢ / ٣٢٩ : مناهد (مراهق) بدل متأهل، الكواكب النيّرات / ٢٣ لأبي البركات الشافعي، بغية الطلب في
النبي (صلىاللهعليهوآله ) أهوى بيده في عين رجل من قتلة الحسين (عليهالسلام ) فأعماه الله
روى ابن عساكر، وابن العديم، وابن الجوزي، وابن حجر الهيتمي، والقندوزي , وابن منظور , وابن المغازلي , والخطيب البغدادي , والحضرمي - واللفظ للأوّل - قال : ونا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ثابت بن إسماعيل، عن أبي النضر الجرمي قال : رأيت رجلاً سمج العمى، فسألته عن سبب ذهاب بصره، فقال : كنت ممن حضر عسكر عمر بن سعد، فلمـّا جاء الليل رقدت، فرأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في المنام بين يديه طست فيها دم , وريشة في الدم، وهو يؤتى بأصحاب عمر بن سعد فيأخذ الريشة فيخط بها بين أعينهم، فاُتي بي، فقلت : يا رسول الله , والله ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم.
قال : (( أفلم تكثِّر عدوَّنا ؟ )). فأدخل إصبعه في الدم - السبابة والوسطى - وأهوى بهما إلى عيني، فأصبحت وقد ذهب بصري(١) .
____________________
تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦٤١، وذكر السيد المرعشي أعلى الله مقامه في إحقاق الحق مصادر اُخرى للقوم، منهم العلامة ابن المغازلي في (المناقب / ٣٨٤ , ط الإسلاميّة بطهران) إحقاق الحق ١٩ / ٣٨٥ , (و) منهم العلامة أبو المعالي المرتضى محمّد بن علي الحسيني البغدادي في (عيون الأخبار في مناقب الأخيار / ٥١ - نسخة مكتبة الفاتيكان) إحقاق الحق ٢٧ / ٤٢٦. أقول : روي بأسانيد مختلفة عن علي بن عاصم.
(١) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ٢٥٩، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) لابن عساكر / ٤٤٨، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦٤٢، تذكرة الخواصّ لابن الجوزي / ٢٨١، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي / ٢٩٧ , ط دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة للقندوزي ٣ / ٢٤، وذكره أيضاً جماعة اُخرى ,
موقف النبي (صلىاللهعليهوآله ) مع عشرة من قتلة الحسين (عليهالسلام )
روى الخوارزمي وابن الجوزي , وابن حجر الهيتمي والقندوزي , والبدخشي والحسيني الشافعي , والشبلنجي والصبّان والنبهاني - واللفظ للأوّل - قال : وقال ابن رماح : لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الحسين (عليهالسلام )، فكان الناس يأتونه ويسألونه عن سبب ذهاب بصره، فقال : إني كنت شهدت قتله عاشر عشرة , غير أني لم أضرب، ولم أطعن، ولم أرم، فلمـّا قُتل رجعت إلى منزلي فصلّيت العشاء الآخرة ونمت، فأتاني آتٍ في منامي، وقال لي : أجب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فإذا النبي (صلىاللهعليهوآله ) جالس في الصحراء، حاسر عن ذراعيه , آخذ بحربة، ونطع بين يديه، وملك قائم لديه في يده سيف من نار يقتل أصحابي، فكلَّما ضرب رجلاً منهم ضربةً التهبت نفسه ناراً، فدنوت من النبي (صلىاللهعليهوآله ) وجثوت بين يديه، وقلت : السلام عليك يا رسول الله.
فلم يردَّ عليَّ، ومكث طويلاً مطرقاً، ثمَّ رفع رأسه وقال لي : (( يا عبد الله , انتهكت حرمتي، وقتلت عترتي، ولم ترع حقِّي، وفعلت وفعلت ! )).
فقلت له : يا رسول الله , والله ما ضربت سيفاً، ولا طعنت رمحاً، ولا رميت سهماً.
فقال : (( صدقت , ولكنّك كثّرت السواد. ادنُ منّي )).
فدنوت منه، فإذا طست مملوء دماً , فقال : (( هذا دم ولدي الحسين (عليهالسلام ) )). فكحّلني منه، فانتبهت ولا أبصر شيئاً حتّى
____________________
منهم العلامة ابن منظور الإفريقي في (مختصر تاريخ مدينة دمشق ٧ / ١٥٢ ط دمشق) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٤٠، ومنهم العلامة ابن المغازلي في (المناقب / ٤٠٥ ط الإسلاميّة بطهران) إحقاق الحق ١٩ / ٣٨٨، (و) منهم العلامة الشيخ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي في (تلخيص المتشابه في الرسم , ط دمشق) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٤٥، ومنهم العلامة الحضرمي في (رشفة الصادي / ٢٩١ ط الغري) إحقاق الحق ١١ / ٥٥٤.
الساعة(١) .
ثم قال : وأورد هذا الحديث مجد الأئمة السرخسكي، ورواه عن أبي عبد الله الحداد , عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال : يحكى عن عبد الله بن رماح القاضي. وساق الحديث إلى أن قال : وكلّما قتلهم عادوا أحياءً، فيقتلهم مرة اُخرى.
وقال : (( صدقت، ولكن يا عدوَّ الله لم ترع حقَّ نبوتي )). وباقي الحديث يقرب بعضه من بعض في اللفظ والمعنى، ولقد لقي بنو الحسن والحسين (عليهمالسلام ) من عتاة بني العباس ما لقي آباؤهم من طغاة بني اُميّة(٢) .
وروى الحافي - أو الخوافي - الشافعي قال : وحكى الواقدي عن ابن الرماح قال : كان بالكوفة شيخ أعمى قد شهد قتل الحسين (عليهالسلام )، فسألناه يوماً عن ذهاب بصره، فقال : كنت من القوم الذين خرجوا
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ١١٧ - ١١٨، تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٥٢ ط منشورات الشريف الرضي، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي / ٢٩٦ - ٢٩٧ (موجزاً) , ط دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة للقندوزي ٣ / ٢٣ (موجزاً).
وذكره أيضاً جماعة اُخرى من القوم , منهم العلامة المحدث الحافظ الميرزا محمّد خان بن رستم خان المعتمد البدخشي , المتوفّى أوائل القرن الثاني عشر , في كتابه (مفتاح النجا في مناقب آل العبا / ١٥١ - المخطوط -) إحقاق الحق ١٩ / ٣٨٤ , ومنهم العلامة الشيخ أحمد بن محمّد بن أحمد الحافي [ الخوافي ] الحسيني الشافعي في (التبر المذاب / ٩٩ , نسخة مكتبتنا العامة بقم) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٤٤، ومنهم العلامة سبط ابن الجوزي في (التذكرة / ٢٩١ ط الغري) إحقاق الحق ١١ / ٥٥٢، (و) منهم العلامة السيد مؤمن الحسيني الشبلنجي في (نور الأبصار / ١٢٣ ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٥٥٢، ومنهم العلامة الشيخ محمّد الصبان في (إسعاف الراغبين - المطبوع بهامش نور الأبصار - / ١٩٢ الطبع المذكور) إحقاق الحق ١١ / ٥٥٢، ومنهم العلامة يوسف بن إسماعيل النبهاني , المتولد ١٢٦٥ , والمتوفّى ١٣٥٠ , في (جامع كرامات الأولياء ١ / ١٣١ , ط مصطفى البابي وشركاه بمصر) إحقاق الحق ٣٣ / ٦٣٨.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ١١٨.
على الحسين (عليهالسلام )، وكنَّا عشرة , غير أني لم أضرب بسيف، ولم أطعن برمح , ولا رميت بسهم، فلمـّا قُتل الحسين (عليهالسلام ) وحُمل رأسه رجعت إلى منزلي ونمت تلك الليلة، فأتاني آتٍ في منامي فقال : أجب رسول الله (صلىاللهعليهوآله ).
فقلت : ما لي ولرسول الله ؟! فأخذ بيدي وانتهرني , ولزم بثيابي وانطلق بي إلى مكان فيه جماعة ورسول الله (صلىاللهعليهوآله ) جالس، وهو مغتمٌّ , معتجر , حاسر عن ذراعيه , وبيده سيف , وبين يديه نطع، وإذا أصحابي العشرة مذبوحين بين يديه، فسلّمت عليه , فقال : (( لا سلام الله عليك , ولا حيَّاك يا عدوَّ الله ! أما استحييت منِّي ؛ تهتك حرمتي , وتقتل عترتي , ولم ترع حقِّي ؟! )).
فقلت : يا رسول الله , ما قتلت.
قال : (( نعم، ولكنّك كثّرت السواد )). وإذا بطشت عن يمينه فيه دم الحسين (عليهالسلام )، فقال : (( اقعد )). فجثوت بين يديه , فأخذ مروداً فأحماه ثمَّ كحل به عيني , فأصبحت أعمى كما ترون(١) .
عقاب رجل هوى قتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الخطيب البغدادي قال : أخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رزقويه البزاز، أنا أبو بكر محمّد بن عمر بن محمّد بن سلم الجعابي الحافظ، قال : حدّثني عبد الله بن بريد بن قطن بن هلال، أبو محمّد، وأبو عبد الله الحسين بن علي السلولي، قالا : نا محمّد بن الحسن السلولي، نا عمر بن زياد الهلالي، عن أبي حصين، عن شيخ من قومه من بني أسد قال : رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في المنام والناس يعرضون عليه، وبين يديه طست فيها أسهم ودم، وهو يلطخ الناس، فقلت : بأبي أنت وأمي ! والله ما طعنت برمح، ولا رميت بسهم.
____________________
(١) التبر المذاب - للحافي أو الخوافي الشافعي / ٩٩ , نسخة مكتبة السيد المرعشي العامة بقم - نقلاً من إحقاق الحق ٢٧ / ٣٤٤.
قال : (( كذبت , قد هويت قتل الحسين (عليهالسلام ) )). ثمَّ أومأ بإصبعه إليَّ فأصبحت أعمى(١) .
رجل بشّر بقتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) فأعماه الله
روى ابن عساكر وابن حجر والمزّي - واللفظ للأوّل - قال : ونا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، نا محمّد بن الصلت الأسدي الكوفي، نا الربيع بن المنذر الثوري، عن أبيه قال : جاء رجل يبشّر الناس بقتل الحسين (عليهالسلام )، فرأيته أعمى يُقاد(٢) .
دعاء الحسين (عليهالسلام ) على ابن جويرية فتقطّع جسده
روى الطبراني وأبو شيبة، وابن عساكر والمزي، والهيثمي والصالحي الشامي، وابن العديم والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمّد بن سعيد بن الإصبهاني، ثنا شريك , عن عطاء بن السائب(*) ، عن ابن وائل , أو وائل بن علقمة أنه شهد ما هناك.
قال : قام
____________________
(١) تلخيص المتشابه في الرسم - للخطيب البغدادي ١ / ٣٣٤ - ط دار طلاس - دمشق , نقلاً عن إحقاق الحق ٢٧ / ٣٣٩.
(٢) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ٢٢٧، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٣٥٦، مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور ٧ / ١٤٩ , نقلاً عن إحقاق الحق ٢٧ / ٤٠٠، تهذيب التهذيب ٢ / ٣١٥، تهذيب الكمال ٦ / ٣٣٣.
(*) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٩٣ : رواه الطبراني , وفيه عطاء بن السائب , وهو ثقة، ولكنه اختلط.
أقول : تقدّم الكلام في عطاء بن السائب في رواية شيبان بن مخرم من روايات الأخبار بالغيب عن شهادة الحسين (عليهالسلام ) , في الفصل الثاني من هذا الكتاب، وهي من روايات أمير المؤمنين (عليهالسلام ) , مع أنّ نفس مضمون هذه الرواية ذكره صاحب كرامات الأولياء بسند آخر كما نذكره.
رجل فقال : أفيكم حسين ؟ قالوا : نعم. فقال : أبشر بالنار. فقال : (( أبشرُ بربٍّ رحيم , وشفيع مطاع )). قال : (( من أنت ؟ )). قال : أنا ابن جويزة أو حويزة. قال : فقال : (( اللّهمَّ حزه إلى النار )). فنفرت به الدابة، فتعلَّقت رجله في الركاب. قال : فوالله ما بقي عليها منه إلّا رجله(١) .
وروى الطبري قال : قال : فلمـّا انتهينا إلى حسين تقدّم رجل من القوم يقال له : ابن حوزة، فقال : أفيكم حسين؟
قال : فسكت حسين (عليهالسلام )، فقالها ثانية , فسكت , حتّى إذا كانت الثالثة قال : (( قولوا له : نعم هذا حسين، فما حاجتك ؟ )).
قال : يا حسين , أبشر بالنار. قال : (( كذبت , بل أقدم على ربٍّ غفور , وشفيع مطاع. فمن أنت ؟)). قال : ابن حوزة. قال : فرفع الحسين (عليهالسلام ) يديه حتّى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب، ثمَّ قال : ((اللّهمَّ حزه إلى النار )).
قال : فغضب ابن حوزة، فذهب ليقحم إليه الفرس، وبينه وبينه نهر , قال : فعلقت قدمه بالركاب، وجالت به الفرس فسقط عنها , قال : فانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقى جانبه الآخر متعلّقاً بالركاب , قال : فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه , قال : فسألته فقال : لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً لا اُقاتلهم أبداً(٢) .
وقال ابن ماكولا :
____________________
(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٦، المصنف - ابن أبي شيبة الكوفي ٨ / ٦٣٣، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٣٥، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٧٧، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٧، مجمع الزوائد للهيثمي ٩ / ١٩٣، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٩، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦٤٣، مقتل الحسين للخوارزمي ٢ / ١٠٦ - ١٠٧ الفصل الثاني عشر.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٢٢.
وحوثرة وجويرة، أمّا حويزة (بحاء مهملة , وياء معجمة باثنتين من تحتها , وزاي) فهو ابن حويزة , أو ابن جويزة , خرج إلى الحسين بن علي (عليهالسلام ) فنادى : يا حسين , ابشر بالنار. فقال : (( بل ربٍّ كريم , وشفيع مطاع. مَن أنت ؟ )). قال : أنا حويزة , أو ابن حويزة. قال : (( اللّهمَّ حزه إلى النار )). فتحامل به فرسه فسقط، فاندقّت عنقه(١) .
وفي البداية والنهاية قال : وحمل رجل يقال له : عبد الله بن حوزة , حتّى وقف بين يدي الحسين (عليهالسلام )، فقال له : يا حسين , أبشر بالنار. فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( كلاّ ويحك ! إنّي أقدم على ربٍّ رحيم , وشفيع مطاع، بل أنت أولى بالنار )).
قالوا : فانصرف , فوقصته فرسه فسقط، وتعلّقت قدمه بالركاب، وكان الحسين (عليهالسلام ) قد سأل عنه، فقال : أنا ابن حوزة، فرفع الحسين (عليهالسلام ) يده وقال : (( اللّهمَّ حزه إلى النار )). فغضب ابن حوزة، وأراد أن يقحم عليه الفرس , وبينه وبينه نهر، فحالت به الفرس، فانقطعت قدمه وساقه وفخذه , وبقي جانبه الآخر متعلّقاً بالركاب، وشدَّ عليه مسلم بن عوسجة فضربه فأطار رجله اليمنى، وغارت به فرسه، فلم يبقَ حجر يمرُّ به إلّا ضربه في رأسه حتّى مات(٢) .
وفي كرامات الأولياء قال : روى أبو الحسن الطبري اللالكائي : أخبرني محمّد بن عبد الرحمن العباسي قال : أنا عبد الله بن محمّد البغوي قال : ثنا داود بن رشيد قال : ثنا عطاء بن مسلم قال : سمعت أسلم قال : حدّثني مَن كان في الصف في يوم الحسين (عليهالسلام )، فقال : ابتدر رجل فقال : أيُّكم الحسين ؟
قال : كان أوّلنا له إجابة فقال : (( أنا الحسين، فما
____________________
(١) الإكمال لابن ماكولا ٢ / ٥٧٢.
(٢) البداية والنهاية ٨ / ١٩٦.
تريد يا عبد الله ؟ )). قال : ابشر يا عدوَّ الله بالنار. قال : فقال : (( ويحك ! أنا ؟! )). قال : نعم. قال : (( ولِمَ ؟! و[لي] ربٌّ رحيم وشفاعةُ نبيٍّ مطاع. اللّهمَّ إن كان عبدك كاذباً فجره إلى النار، واجعله اليوم آية لأصحابه )).
قال : فما هو إلّا أن ثنى عنان فرسه، فوثب به فألقاه في حيزته، وبقيت رجلاه في الركاب، فجعل يضربه حتّى قطعه. قال : فلقد رأيت مذاكيره تسحب في الأرض، فقال : فوالله ما عجبنا لسرعة إجابة دعائه، ولكن لوقوفنا حتّى قُتل , كأن قلوبنا زبر الحديد(١) .
دعاء الإمام الحسين (عليهالسلام ) على رجل فأحرقه الله
قال القندوزي الحنفي : ثمَّ - أي بعد إرساله (عليهالسلام ) أنس إلى القوم ليعظهم - إنَّ عمر بن سعد جعل في الميمنة من جيشه سنان بن أنس النخعي، وجعل في الميسرة الشمر بن ذي الجوشن الضبابي , مع كلِّ واحد منهما أربعة آلاف فارس، ووقف عمر وباقي أصحابه في القلب.
وجعل الحسين (عليهالسلام ) في الميمنة من جيشه زهير بن القين معه عشرون رجلاً، وجعل في الميسرة حبيب بن مظاهر في ثلاثين فارس، ووقف هو وباقي جيشه في القلب، وحفروا حول الخيمة خندقاً وملؤوه ناراً حتّى يكون الحرب من جهة واحدة، فقال رجل ملعون : عجلت يا حسين بنار الدنيا قبل نار الآخرة !
فقل الحسين (عليهالسلام ) : (( تعيّرني بالنار وأبي قاسمها، وربي غفور رحيم ؟! )). ثمَّ قال لأصحابه : (( أتعرفون هذا الرجل ؟ )). فقالوا : هو جبيرة الكلبي لعنه الله. فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( اللّهمَّ أحرقه بالنار في الدنيا قبل نار الآخرة )). فما استتم كلامه حتّى تحرّك به جواده فطرحه مكبّاً على رأسه في وسط النار فاحترق , فكبّروا، ونادى منادٍ من السماء : هنيت بالإجابة سريعاً يابن رسول الله.
قال عبد الله
____________________
(١) كرامات الأولياء لأبي الحسن الطبري اللالكائي ١ / ١٣٨.
ابن مسرور : لمـّا رأيت ذلك رجعت عن حرب الحسين (عليهالسلام )(١) .
عقاب مَن ضرب الحسين (عليهالسلام ) بسهم فدعا عليه بالظمأ
روى ابن عساكر والمزّي , والخوارزمي ومحب الدين الطبري , والصالحي الشامي وابن العديم , وابن حجر الهيتمي والطبري وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو محمّد هبة الله بن أحمد بن طاووس، أنا طراد بن محمّد بن علي، أنا علي بن محمّد بن عبد الله بن بشران، نا الحسين بن صفوان، نا عبد الله بن محمّد بن عبيد الله بن أبي الدنيا، أخبرني العباس بن هشام بن محمّد الكوفي(*) ، عن أبيه، عن جدِّه قال :
كان رجل من بني أبان بن دارم يقال له : زرعة , شهد قتل الحسين (عليهالسلام )، فرمى الحسين (عليهالسلام ) بسهم فأصاب حنكه، فجعل يتلقّى الدم - ثمَّ يقول هكذا إلى السماء - فيرمي به، وذلك إن الحسين (عليهالسلام ) دعا بماء ليشرب، فلمـّا رماه حال بينه وبين الماء، فقال : (( اللّهمَّ اظمئه، اللّهمَّ اظمئه )).
قال : فحدّثني مَن شهده وهو يموت، وهو يصيح من الحرِّ في بطنه، والبرد في ظهره، وبين يديه المراوح والثلج، وخلفه الكافور، وهو يقول : اسقوني أهلكني العطش ! فيؤتى بالعس العظيم فيه السويق أو الماء واللبن , لو شربه خمسة لكفاهم، قال : فيشربه، ثمَّ يعود فيقول : اسقوني أهلكني العطش ! فانقدّ بطنه كانقداد البعير(٢) .
____________________
(١) ينابيع المودّة - القندوزي الحنفي ٣ / ٧٠.
(*) قال الذهبي تعليقاً على هذا الحديث : الكلبي رافضي متّهم. أقول : ثبوت ما جرى على قتلة الحسين من العقاب بأنواعه كافٍ في رفع هذا الاتّهام , مع أنّ هذا المضمون قد تقدّم بسند صحيح تحت عنوان : عقاب رجلين شاركا.... , ومقارب لما رواه ابن العديم , روى بسند آخر عن سفيان الثقة. لاحظ الرواية الآتية.
(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٣، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٤٥ - ٣٤٦، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٠، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١١، =
روى الطبراني والهيثمي , وابن العديم ومحبّ الدين الطبري , والصالحي الشامي - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا أبو غسان، ثنا عبد السلام بن حرب، عن الكلبي قال : رمى رجل الحسين (عليهالسلام ) وهو يشرب , فشلَّ(١) شدقه، فقال : (( لا أرواك الله )). قال : فشرب حتّى تفطّر(٢) .
____________________
= مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ١١٧ , ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٤ , وقال : خرّجه ابن أبي الدنيا. (شرح) : العس : القدح الكبير , وجمعه عساس. سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٩، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦٢٠، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي / ٢٩٩ , ط دار الكتب العلميّة، تاريخ الطبري ٣ / ٣٣٣ باختلاف لا يضر بالمعنى.
وذكر في إحقاق الحق عن جماعة من القوم , منهم الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبيد بن أبي الدنيا الأموي , المتوفّى سنة ٢٨١ , في (مجابي الدعوة / ٣٧ ط بمبئي ) شرح إحقاق الحق ١١ / ٥١٥، ومنهم العلامة الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب / ٢٨٧ ط الغري) إحقاق الحق ١١ / ٥٢٩، ومنهم العلامة باكثير الحضرمي في (وسيلة المآل / ١٩٦ - مخطوط -) إحقاق الحق ١١ / ٥٣٠ إحقاق الحق ٢٧ / ٢١١ , ومنهم العلامة ابن منظور الإفريقي في (مختصر تاريخ مدينة دمشق ٧ / ١٤٨ ط دمشق)شرح إحقاق الحق ٢٧ / ٢١١، ومنهم العلامة الشيخ أحمد بن محمّد بن أحمد الحافي [ الخوافي ] الحسيني الشافعي في (التبر المذاب / ٨٣) إحقاق الحق ٢٧ / ٢١٢، ومنهم العلامة يوسف بن إسماعيل النبهاني , المتولد ١٢٦٥ , والمتوفّى ١٣٥٠ ه- , في (جامع كرامات الأولياء ١ / ١٣١ ط مصطفى البابي وشركاؤه بمصر) إحقاق الحق ٣٣ / ٦٣٧.
(١) وفي ذخائر العقبى / ١٤٤ : (فشق شدقه)، وفي سبل الهدى والرشاد ١١ / ٧٩ : (فشدّ شدقه).
(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٤، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٣ , وقال : رواه الطبراني , ورجاله إلى قائله ثقات. بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٢٠ - ٢٦٢١، ذخائر
وروى ابن العديم قال : أخبرنا أبو العباس أحمد بن مسعود بن شداد الصفّار الموصلي بحلب , قال : أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن القاص بالموصل , قال : أخبرنا الرئيس أبو علي محمّد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان، قال : أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، قال : أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمّد بن عبد الله بن زياد، قال : حدّثني أبو يوسف يعقوب بن خضر المتطبب، قال : حدّثنا أبو نعيم، قال : حدّثنا ابن عيينة، عن أبيه قال :
أدركت من قتلة الحسين (عليهالسلام ) رجلين ؛ أمّا أحدهما فإنّ الله طوّل ذكره فكان يحمله على عاتقه، وأمّا الآخر فكان يأتي عزلاء الراوية فيضعها على فيه حتّى يستفرغها، ويصيح العطش العطش ! ويدور إلى الجانب الآخر من الراوية فيستفرغها ولا يروى ؛ وذلك أنه نظر إلى الحسين (عليهالسلام ) وقد أهوى إلى فيه - وهو يشرب - فرماه بسهم، فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( ما لك ! لا أرواك الله من الماء في دنياك، ولا آخرتك ))(١) .
وقال الخوارزمي : وذكر (ابن) أعثم الكوفي هذا الحديث مختصراً، وسمى الرامي عبد الرحمن الأزدي، وقال : فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( اللّهمَّ اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً ))(*) .
____________________
العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٤، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٨. أقول : ما اتّهام الكلبي إلّا لأجل تشيعه لأهل البيت (عليهمالسلام ) , وروايته مثالب أعدائهم.
(١) بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٢١ , وهذه الرواية تقدمت بمصادرها في (عقاب رجلين شاركا في قتل الحسين (عليهالسلام ) , فأصاب أحدهما العطش الذي لا ارتواء بعده , والآخر أصابه المرض في عورته) , مع كلام في ما يرويه سفيان بن عيينه.
(*) الظاهر من جامع كرامات الأولياء ١ / ١٣١ , والصواعق المحرقة / ٢٩٩ أنهما حادثتان ؛ أحدهما مع الرجل الذي قال للحسين (عليهالسلام ) : لا تذوق الماء حتّى ترد... فدعا عليه. وقد تقدم في المقتل، والثانية مع رجل لعين ضرب الحسين (عليهالسلام ) بسهم حينما أراد أن يشرب الماء , فدعا (عليهالسلام ) عليه أيضاً.
قال القاسم بن الأصبغ : لقد رأيتني عند ذلك الرجل وهو يصيح : العطش ! والماء يبرّد له , فيه السكر , والأعساس فيها اللبن، وهو يقول : ويلكم ! اسقوني قد قتلني العطش. فيُعطى القلة والعس، فإذا نزعه من فيه يصيح : اسقوني ! وما زال حتّى انقدّ بطنه ومات شرَّ ميتة(١) .
أقول : والظاهر أنّ ما ذكره الخوارزمي عن ابن أعثم حادثة ثانية , وهي حين منعوا الحسين (عليهالسلام ) الماء. وما تقدّم مع ابن زرعة فهي حينما ضربه بسهم... وما نقله ابن حجر الهيتمي مقارب لما ذكره الخوارزمي عن ابن أعثم , قال : ولمـّا منعوه وأصحابه الماء ثلاثاً قال له بعضهم : انظر إليه كأنه كبد السماء، لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً. فقال له الحسين (عليهالسلام ) : (( اللّهمَّ اقتله عطشاً )). فلم يرو مع كثرة شربه للماء حتّى مات عطشاً(٢) .
وروى الطبري أيضاً قال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج على خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين حسين (عليهالسلام ) وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة ؛ وذلك قبل قتل الحسين (عليهالسلام ) بثلاث.
قال : ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي , وعداده في بجيلة، فقال : يا حسين , ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً. فقال حسين : (( اللّهمَّ اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً)).
قال حميد بن مسلم : والله , لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلّا
____________________
(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٢ / ١١٧.
(٢) الصواعق المحرقة / ٢٩٩ , ط دار الكتب العلميّة.
هو , لقد رأيته يشرب حتّى بغر، ثمَّ يقئ , ثمَّ يعود فيشرب حتّى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ عصبه , يعنى نفسه(١) .
وفي مقاتل الطالبيِّين قال : وجعل الحسين (عليهالسلام ) يطلب الماء وشمر - لعنه الله - يقول له : والله لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل : ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون الحياة(٢) ؟ والله لا تذوقه أو تموت عطشاً.
فقال الحسين (عليهالسلام ) : (( اللّهمَّ أمته عطشاً )).
قال : والله لقد كان هذا الرجل يقول : اسقوني ماءً ؛ فيؤتى بماء فيشرب حتّى يخرج من فيه، وهو يقول : اسقوني قتلني العطش ! فلم يزل حتّى مات لعنه الله(٣) .
الإمام الحسين (عليهالسلام ) رمى بدمه إلى السماء فلم ترجع منه قطرة
روى ابن عساكر والكنجي الشافعي - واللفظ للأوّل - قال : وأنا الخطيب، أنا الحسين بن محمّد الخلال، نا عبد الواحد بن علي القاضي، نا الحسين بن إسماعيل الضبي، نا عبد الله بن شبيب، حدّثني إبراهيم بن المنذر، حدّثني حسين بن زيد بن علي بن الحسين، عن الحسن بن زيد بن حسن بن علي، حدّثني مسلم بن رباح - مولى علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) - قال : كنت مع الحسين بن علي (عليهالسلام ) يوم قُتل، فرُمي في وجهه بنشابة، فقال لي : (( يا مسلم , ادنُ يديك من الدم )).
فأدنيتهما , فلمـّا امتلأتا قال : (( اسكبه في يدي )). فسكبته في يده، فنفخ بهما إلى السماء وقال : (( اللّهمَّ اطلب بدم ابن بنت نبيّك )).
قال مسلم : فما وقع
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١١ , وتقدم هذا في المقتل عندما أراد أصحاب الحسين (عليهالسلام ) جلب الماء للنساء والأطفال.
(٢) الظاهر : بطون الحيات.
(٣) مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهاني / ٧٨.
منه إلى الأرض قطرة(١) .
رجل سبَّ الإمام الحسين وأبيه (عليهماالسلام ) فرماه الله بكوكبين فاُعمي
روى الطبراني، والهيثمي، وابن سعد، وابن عساكر، والمزّي، وابن حجر العسقلاني، والذهبي، وابن العديم، ومحب الدين الطبري، والزرندي الحنفي، والصالحي الدمشقي، وابن حجر الهيتمي، والقندوزي وغيرهم - واللفظ للأوّل - قال : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا بكر بن خلف، ثنا أبو عاصم ح.
وحدثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو عامر العقدي , كلاهما عن قرة بن خالد، قال : سمعت أبا رجاء العطاردي يقول : لا تسبُّوا عليّاً، ولا أهل هذا البيت ؛ فإن جاراً لنا من بلهجيم قال : ألم تروا إلى هذا الفاسق الحسين بن علي قتله الله ! فرماه الله بكوكبين في عينيه، فطمس الله بصره(٢) .
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٣، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٤٥، كفاية الطالب للكنجي الشافعي / ٤٣١ نقلاً عن إحقاق الحق ١١ / ٤٥٤.
(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٢، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) من طبقات ابن سعد / ٨٩، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٢، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٦٩، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٦ , تهذيب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٣٠٦، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٣، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦٤٢، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥، نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢٢٠، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٩، الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي / ٢٩٧ ط دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٢ / ٤٦٣.
وذكره أيضاً جماعة من القوم , منهم أحمد بن حنبل في (كتاب المناقب - مخطوط - ) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٧، ومنهم العلّامة الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب / ٢٩٦ , ط الغري) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٨، ومنهم العلامة الشهير بالقرماني في (أخبار الدول / ١٠٩ , ط بغداد) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٨، ومنهم العلّامة
وقال الهيثمي : رواه الطبراني , ورجاله رجال الصحيح(١) .
وروى أيضاً ابن عساكر والمزّي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا جدِّي القاضي أبو الفضل يحيى بن علي بن عبد العزيز، أنا أبو القاسم علي بن محمّد بن أبي العلاء، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمّد بن داود الرزّاز، نا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك، نا أبو قلابة، نا أبو عاصم وأبو عامر قالا : نا قرة بن خالد السدوسي، قال : سمعت أبا رجاء العطاردي
____________________
المذكور في تاريخ السلام ٢ / ٣٤٨ , ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٩، ومنهم العلامة البدخشي في (مفتاح النجا / ١٥١ - مخطوط -) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٩، ومنهم العلامة السيد أبو بكر العلوي الحسيني الحضرمي في (رشفة الصادي / ٦٣ , ط مصر) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٩، ومنهم العلامة الشيخ أحمد بن الفضل بن محمّد باكثير الحضرمي في (وسيلة المآل / ١٩٧ - مخطوط -) إحقاق الحق ١١ / ٥٥٠، عنهم هناك.
ومنهم العلامة مؤلف (مختار مناقب الأبرار / ١٠٢) , والنسخة مصورة من مكتبة جستربيتي , شرح إحقاق الحق ٢٧ / ٣٦٨، ومنهم العلامة ابن منظور الإفريقي في (مختصر تاريخ مدينة دمشق ٧ / ١٥١) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٦٩، ومنهم العلامة الشريف أبو الفضل عبد الله بن محمّد بن الصديق الغماري الحسني في (الحجج البيّنات في إثبات الكرامات / ٨٤ , ط عالم الكتب) شرح إحقاق الحق ٢٧ / ٣٦٩، ومنهم العلامة المولى ولي الله اللكنهوئي في (مرآة المؤمنين / ٧ ط لكهنو) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٦٩، ومنهم العلامة أبو العرب محمّد بن أحمد بن تميم بن تمام بن تميم التميمي القيرواني المغربي المالكي , المولود (٢٥١) والمتوفى سنة (٣٣٣) في (المحن / ١٤١ , ط دار الغرب الإسلامي في بيروت) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٦٩، ومنهم العلامة المحدّث السيد إبراهيم الحسيني السمهودي في (الإشراف على فضل الأشراف / ٨١ - مخطوط -) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٧٠، ومنهم العلامة الشريف أبو المعالي المرتضى محمّد بن علي الحسيني البغدادي في (عيون الأخبار في مناقب الأخيار / ٥١ , نسخة مكتبة الفاتيكان) إحقاق الحق ٢٧ / ٣٧٠.
(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦.
يقول : لا تسبُّوا أهل هذا البيت، أو أهل بيت النبي (صلىاللهعليهوآله ) ؛ فإنه كان لنا جار من بلهجيم قدم من الكوفة , قال : ما ترون إلى هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله ! - يعني الحسين - فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره. قال أبو رجاء : فأنا رأيته(١) .
وقال القندوزي : وأخرج أحمد أنّ شيخاً قال : قتل الله الحسين بامتناعه عن بيعة يزيد ! فرماه الله بكوكبين في عينيه فُعمي(٢) .
قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) اسودَّ وجهه
ذكره محب الدين الطبري والصالحي الشامي - واللفظ للأوّل - قال : وعن أبي معشر , عن بعض مشيخته أنّ قاتل الحسين (عليهالسلام ) لمـّا جاء ابن زياد وحكى عليه كيفية قتله، وما قال له الحسين (عليهالسلام ) , اسودَّ وجهه. خرّجه ابن بنت منيع أيضاً(٣) .
عقاب من حشا رأس الإمام الحسين (عليهالسلام )
وقبل ذلك أذكر ما فعله اللعين ابن اللعين ابن زياد : قال ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ :
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٢، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٣٦٩، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٦، (المختار) لمجد الدين ابن الأثير الجزري / ٢٢ (مخطوط) إحقاق الحق ١١ / ٥٤٨.
(٢) ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ٢٤.
(٣) ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٤، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٩.
وذكر عبد الله بن عمرو الوراق في كتاب المقتل أنه لمـّا حضر الرأس بين [يدي] ابن زياد أمر حجاماً، فقال : قوِّره، وأخرج لغاديده ونخاعه، وما حوله من اللحم واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم(١) .
قال الإسفرايني : (قال الراوي :) ثمَّ لمـّا أن طافوا بالرأس جمع الكوفة سلّموها إلى عمر المخزومي، وأمروه أن يحشوها مسكاً وكافوراً، ففعل ذلك، فما أتمّ فعله حتّى بليت يده، ووقعت بها الأكلة وتهرَّت(٢) .
قاتل الإمام الحسين (عليهالسلام ) يُعذّب بالعطش
روى ابن عساكر , وابن العديم , والمزّي - واللفظ للأوّل - : أخبرنا أبو محمّد بن الأكفاني (شفاهاً) , نا عبد العزيز بن أحمد، نا أسد بن القاسم الحلبي قال : رأى جدِّي صالح بن الشحام بحلب (رحمهالله ) - وكان صالحاً ديّناً - في النوم كلباً أسود وهو يلهث عطشاً، ولسانه قد خرج على صدره، فقلت : هذا كلب عطشان , دعني أسقه ماءً أدخل فيه الجنّة.
وهممت لأفعل بذلك، فإذا بهاتف يهتف من ورائه وهو يقول : يا صالح , لا تسقه يا صالح , لا تسقه ؛ هذا قاتل الحسين بن علي (عليهالسلام ) , اُعذّبه بالعطش إلى يوم القيامة(٣) .
____________________
(١) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٣٣ , منشورات الشريف الرضي.
(٢) نور العين في مشهد الحسين (عليهالسلام ) / ٦٠ للاُستاذ أبي إسحاق الإسفرايني.
(٣) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ٢٥٩، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) لابن عساكر / ٤٤٩، تهذيب الكمال للمزّي ٦ / ٤٤٧، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦٤٣.
عقاب مَن سلب الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري قال : (قال أبو مخنف :) عن جعفر بن محمّد بن علي (عليهمالسلام ) قال : (( وُجد بالحسين (عليهالسلام ) حين قُتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة )).
قال : وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين إلّا شدَّ عليه ؛ مخافة أن يغلب على رأسه، حتّى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولى.
قال : وسُلِبَ الحسين (عليهالسلام ) ما كان عليه ؛ فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته , وكانت من خزّ , وكان يسمّى بعدُ قيس قطيفة. وأخذ نعليه رجل من بني أود يُقال له : الأسود , وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل.
قال : ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها.
قال : ومال الناس على نساء الحسين (عليهالسلام ) وثقله ومتاعه، فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه، فيذهب به منها(١) .
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : وقال جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين (عليهمالسلام ) : (( وُجد فيه ثلاث وثلاثون طعنة , وأربع وثلاثون ضربة )).
وأخذ سراويله بحير بن عمر والجرمي فصار زمناً مقعداً من رجليه، وأخذ عمامته جابر بن يزيد الأزدي فاعتم بها فصار مجذوماً، وأخذ مالك بن نسر الكندي درعه فصار معتوهاً. وارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر، حتّى ظنَّ القوم أن العذاب قد جاءهم، فلبثوا بذلك ساعة ثمَّ انجلت عنهم(٢) .
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال :
____________________
(١) تاريخ الطبري - الطبري ٣ / ٣٣٤.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٢.
وذكر محمّد بن عبد الرحمن أنّ يدي أبجر بن كعب كانتا تنضحان الدم في الشتاء، وييبسان في الصيف كأنهما عود(١) .
وقال البلاذري : لمـّا بقي الحسين (عليهالسلام ) في ثلاثة نفر أو أربعة دعا بسراويل محشوة فلبسها , فذكروا أن بحر بن كعب التميمي سلبه إيّاها حين قُتل، فكانت يداه في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان فكأنهما عودان(٢) .
قال الخوارزمي :... ثمّ تقدم الأسود بن حنظلة فأخذ سيفه، وأخذ جعوثة الحضرمي قميصه , فلبسه فصار أبرص، وسقط شعره(٣) .
قال القندوزي :... فلمـّا أفاق (عليهالسلام ) من غشوته أراد أن يقوم فلم يقدر، فضربه على رأسه الشريف رجل ملعون من كندة ففلقه، ووقعت عمامته على الأرض، ودعا (عليهالسلام ) على الكندي وقال : (( لا أكلت بيمينك ولا شربت بها، وحشرك الله مع القوم الظالمين )).
قال أبو مخنف : لمـّا أخذ الكندي عمامة الحسين (عليهالسلام ) قالت زوجة الكندي : ويلك ! قتلت الحسين وسلبت ثيابه ! فوالله لا جمعت معك في بيت وأحد. فأراد أن يلطمها , فأصاب مسمار يده، فقُطعت يده من المرفق، ولم يزل فقيراً(٤) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٣ - ٤٤.
(٢) أنساب الأشراف للبلاذري ٣ / ٢٢٠ , وفي ط / ٤٠٨، وذكرت مصادر اُخرى في ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر بتحقيق العلامة الجليل السيد عبد العزيز الحكيم (رحمهالله ).
(٣) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٢.
(٤) ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٨١ - ٨٢.
عقاب مَن أهان قبر الإمام الحسين (عليهالسلام )
١ - روى الطبراني والبلاذري , والهيثمي والمزّي , وابن عساكر والذهبي - واللفظ للأوّل - حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي، ثنا جرير، عن الأعمش قال : خرى رجل من بني أسد على قبر حسين بن علي (عليهالسلام ) , قال : فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وجذام ومرض وفقر(١) .
وقال الهيثمي : رواه الطبراني , ورجاله رجال الصحيح(٢) .
٢ - وروى مُحدّث الشام ابن عساكر وابن العديم - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا رشأ بن نظيف، أنا الحسن بن إسماعيل، أنا أحمد بن مروان، نا أحمد بن محرز، نا الحماني قال : قال الأعمش : أحدث رجل من أهل الشام على قبر الحسين بن علي (عليهالسلام )، فأبرص من ساعته(٣) .
٣ - روى ابن حمدون قال : وقال الأعمش : خري رجل على قبر الحسين (عليهالسلام ) , فجُنّ فمات، فسمع صوته يصيح في القبر كنباح الكلب(٤) .
____________________
(١) المعجم الكبير للطبراني ٣ / ١٢٠، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧، أنساب الأشراف للبلاذري ٣ / ٢٢٨، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٣ - ٤٤٤، تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٤٤ , رواه تارة (رجل من بني أسد , واُخرى من أهل الشام)، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٧ , بدل (خرى) (تغوّط)، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٤٠٧.
(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.
(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٤٤، ترجمة الإمام الحسين (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٤٠٦، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٤٤.
(٤) ترجمة الإمام الحسن (عليهالسلام ) - ابن عساكر / ٢٤٥، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٣ / ٣٠٥، جامع كرامات الأولياء - يوسف النبهاني ١ / ١٣١ , ط مصطفى البابي وشركاؤه , عن الأعمش أنّ رجلاً تغوّط على قبره فجُن، فجعل ينبح كما ينبح الكلاب , ثمَّ مات، فسُمع من قبره يعوي. نقلاً عن إحقاق الحق ٣٣ / ٤٧٨.
وجرت مثل هذه الحادثة مع قبر الإمام أبي محمّد الحسن بن علي (عليهالسلام )، قال ابن عساكر وغيره - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمان، أنبأنا أبو الحسن علي بن الحسن، أنبأنا أبو محمّد بن النحاس، أنبأنا أبو سعيد ابن الأعرابي، أنبأنا محمّد بن يونس أبو العباس الحارثي القرشي، أنبأنا عبد العزيز بن الخطاب، أنبأنا جرير، عن الأعمش قال : خري رجل على قبر الحسن (عليهالسلام ) , فجُنّ , فجعل ينبح كما تنبح الكلاب. قال : فمات , فسُمع من قبره يعوي ويصيح(١) .
النبيّ (صلىاللهعليهوآله ) سقى رجلاً القطران لإعانته قتلة الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى مُحدّث الشام ابن عساكر , والألكائي - واللفظ للأوّل - قال : أخبرنا أبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى ابنا البنا في كتابيهما، أنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن سياوش الكازروني، نا أبو أحمد عبيد الله بن محمّد بن محمّد بن أبي مسلم الفرضي المقرئ، قال : قُرئ على أبي بكر محمّد بن القاسم بن يسار الأنباري النحوي وأنا حاضر، نا أبو بكر موسى بن إسحاق الأنصاري، نا هارون بن حاتم أبو بشر، نا عبد الرحمن بن أبي حماد، نا الفضل بن الزّبير قال : كنت جالساً عند شخص، فأقبل رجل فجلس إليه , رائحته رائحة القطران، فقال له : يا هذا , أتبيع القطران ؟
قال : ما بعته قط.
قال : فما هذه الرائحة ؟!
____________________
(١) التذكرة الحمدونيّة / ٦١٦٨ لابن حمدون , نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.
قال : كنت ممّن شهد عسكر عمر بن سعد، وكنت أبيعهم أوتاد الحديد، فلمـّا جَنَّ عليَّ الليل رقدت، فرأيت في نومي رسول الله (صلىاللهعليهوآله )، ومعه علي (عليهالسلام ) , وعلي (عليهالسلام ) يسقي القتلى من أصحاب الحسين (عليهالسلام )، فقلت له : اسقني. فأبى، فقلت : يا رسول الله , مره يسقيني.
فقال : (( ألست ممّن عاون علينا ؟ )).
فقلت : يا رسول الله، والله ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، ولكني كنت أبيعهم أوتاد الحديد.
فقال : (( يا علي , اسقه )). فناولني قعباً مملوءاً قطراناً، فشربت منه قطراناً، ولم أزل أبول القطران أياماً، ثمَّ انقطع ذلك البول عنِّي وبقيت الرائحة في جسمي. فقال له السدي : يا عبد الله , كُل من برِّ العراق، واشرب من ماء الفرات، فما أراك تعاين محمّداً أبداً(١) .
ورواه الخوارزمي بسند آخر مع اختلاف , قال : وحدثنا عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي - (إملاءً) , حدّثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمّد البلالي، حدّثنا السيد الإمام المرتضى أبو الحسن محمّد بن محمّد الحسيني الحسني، أخبرنا الحسن بن محمّد الفارسي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عيسى، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن منصور المرادي المصري، حدّثنا عيسى بن زيد بن حسين، عن أبي خالد، عن زيد قال : قال الحسن البصري : كان يجالسنا شيخ نصيب منه ريح القطران، فسألناه عن ذلك، فقال : إنّي كنت في مَن منع الحسين بن علي عن الماء، فرأيت في منامي كأن الناس قد حشروا، فعطشت عطشاً شديداً، فطلبت الماء ،
____________________
(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٨، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر / ٤٤٧، كرامات الأولياء - هبة الله الطبري الألكائي ١ / ١٣٨ - ١٣٩، مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي بسند آخر عن الحسن البصري في الفصل الثاني عشر ٢ / ١١٦ - ١١٧.
فإذا النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهمالسلام ) على الحوض، فاستسقيت من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فقال : (( اسقوه )). فلم يسقني أحد، فقال ثانياً، فلم يسقني أحد، فقال ثالثاً , فقيل : (( يا رسول الله , إنه ممّن منع الحسين (عليهالسلام ) الماء )). فقال : (( اسقوه قطراناً )). فأصبحت أبول القطران، ولا آكل طعاماً إلّا وجدت منه رائحة القطران، ولا أذوق شراباً إلّا صار في فمي قطراناً(١) .
عقاب من أراد نزع تكّة الإمام الحسين (عليهالسلام )
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : روئي رجل بلا يدين ولا رجلين وهو أعمى، يقول : ربِّي , نجِّني من النار. فقيل له : لم تبق عليك عقوبة، وأنت تسأل النجاة من النار !
قال : إني كنت في مَن قاتل الحسين (عليهالسلام ) في كربلاء، فلمـّا قُتل رأيت عليه سراويل وتكّة حسنة، وذلك بعد ما سلبه الناس، فأردت أن أنزع التكّة، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكّة فلم أقدر على دفعها , فقطعت يمينه، ثمَّ أردت أن أنزع التكّة , فرفع شماله ووضعها على التكّة فلم أقدر على دفعها , فقطعت شماله، ثمَّ هممت بنزع السراويل، فسمعت زلزلة , فخفت وتركته , فألقى الله عليَّ النوم، فنمت بين القتلى، فرأيت كأنّ النبي محمداً (صلىاللهعليهوآله ) أقبل ومعه عليٌّ وفاطمة والحسن (عليهمالسلام )، فأخذوا رأس الحسين فقبّلته فاطمة (عليهاالسلام )، وقالت : (( يا بُني , قتلوك قتلهم الله ! )).
وكأنه يقول : (( ذبحني شمر، وقطع يدي هذا النائم )) - وأشار إليَّ - فقالت فاطمة (عليهاالسلام ) : (( قطع الله يديك ورجليك، وأعمى بصرك، وأدخلك النار )). فانتبهت وأنا لا أبصر شيئاً، ثمَّ سقطت يداي ورجلاي منِّي، فلم يبقَ من دعائها إلّا النار(٢) .
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي , في الفصل الثاني عشر ٢ / ١١٧.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ١١٥.
ما فعله المختار بن عبيد الله الثقفي (رحمهالله ) في قتلة الحسين (عليهالسلام ) , وهلاكهم على يده
قال الدكتور العقاد : ولم تنقضِ سنوات أربع على يوم كربلاء حتّى كان يزيد قد قضى نحبه (إلى جهنم وبئس القرار)، ونجمت بالكوفة جريرة العدل التي حاقت بكل من مدَّ يداً إلى الحسين (عليهالسلام ) وذويه , فسلّط الله على قاتلي الحسين (عليهالسلام ) كفؤاً لهم في النقمة والنكال , يفلُّ حديدهم بحديده , ويكيل لهم بالكيل الذي يعرفونه ؛ وهو المختار بن أبي عبيدة الثقفي (رحمهالله ) , داعية التوابين , من طلاب ثأر الحسين (عليهالسلام )، فأهاب أهل الكوفة أن يكفّروا عن تقصيرهم في نصرته، وأن يتعاهدوا على الأخذ بثأره , فلا يبقينّ من قاتليه أحد ينعم بالحياة، وهو دفين مذال القبر في العراء...
فلم ينجُ عبيد الله بن زياد، ولا عمر بن سعد، ولا شمر بن ذي الجوشن، ولا الحصين بن نمير، ولا خولي بن يزيد، ولا أحد ممّن اُحصيت عليهم ضربة أو كلمة , أو مدوا أيديهم بالسلب والمهانة إلى الموتى أو الأحياء...
وبالغ (رحمهالله ) في النقمة ؛ فقتل , وأحرق , ومزّق , وهدم الدور , وتعقّب الهاربين، وجوزي كلّ قاتل أو ضارب أو ناهب بكفاء عمله ؛ فقُتل عبيد الله واُحرق، وقُتل شمر بن ذي الجوشن واُلقيت أشلاؤه للكلاب، ومات مئات من رؤسائهم بهذه المثلات , واُلوف من جندهم وأتباعهم مغرقين في النهر , أو مطاردين إلى حيث لا وزر لهم ولا شفاعة... فكان بلاؤهم بالمختار عدلاً لا رحمة فيه، وما نحسب قسوة بالآثمين سلمت من اللوم أو بلغت من العذر ما بلغته قسوة المختار (رحمهالله )(١) .
____________________
(١) أبو الشهداء الحسين بن علي (عليهالسلام ) / ١٧٩ للدكتور العقّاد.
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرَّد المختار لقتلة الحسين (عليهالسلام ) , فقال : ما من ديننا تركُ قومٍ قتلوا الحسين (عليهالسلام ) يمشون أحياءً في الدنيا آمنين , بئس ناصر آل محمد (صلىاللهعليهوآله ) أنا إذاً في الدنيا ! أنا إذاً الكذّاب كما سمّوني، فإني بالله أستعين عليهم.
الحمد لله الذي جعلني سيفاً ضربهم به، ورمحاً طعنهم به، وطالب وترهم، والقائم بحقِّهم، إنه كان حقّاً على الله أن يقتل مَن قتلهم، وأن يذلّ مَن جهل حقَّهم، فسمّوهم لي , ثمَّ اتبعوهم حتّى تفنوهم(١) , (حتّى تقتلوهم ؛ فإني لا يسوغ لي الطعام والشراب حتّى أُطهِّرَ الأرض منهم)(٢) .
وروى ابن خلدون ما فعله المختار بإيجاز , قال : وتتبع المختار قتلة الحسين (عليهالسلام )، ودلَّ على عبيد الله بن أسد الجهني، ومالك بن نسير الكندي، وحمل بن مالك المحاربي بالقادسية فأحضرهم وقتلهم، ثمَّ أحضر زياد بن مالك الضبعي، وعمران بن خالد العثري، وعبد الرحمن بن أبي حشكارة البجلي، وعبد الله بن قيس الخولاني - وكانوا نهبوا من الورس الذي كان مع الحسين (عليهالسلام ) - فقتلهم، وأحضر عبد الله أو عبد الرحمن بن طلحة، وعبد الله بن وهيب الهمداني ابن عم الأعشى فقتلهم , وأحضر عثمان بن خالد الجهني، وأبا أسماء بشر بن سميط القابسي - وكانا مشتركين في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفى سلبه - فقتلهما وحرقهما بالنار.
وبحث عن خولى بن يزيد الأصبحي صاحب رأس الحسين , فجيء برأسه وحرق بالنار، ثمَّ قتل عمر بن سعد بن أبي وقاص بعد أن كان أخذ له الأمان منه عبد الله بن جعدة بن هبيرة ،
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٢.
(٢) ما بين القوسين من الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٥.
فبعث أبا عمرة فجاءه برأسه , وابنه حفص عنده، فقال : تعرف هذا ؟ قال : نعم، ولا خير في العيش بعده. فقتله، ويقال : إن الذي بعث المختار على قتلة الحسين (عليهالسلام ) أنّ يزيد بن شراحيل الأنصاري قدم على محمّد بن الحنفيّة، فقال له ابن الحنفيّة : يزعم المختار أنه لنا شيعة وقتلة الحسين (عليهالسلام ) عنده على الكراسي يُحدّثونه ! فلمـّا سمع المختار ذلك تتبعهم بالقتل، وبعث برأس عمر وابنه إلى ابن الحنفيّة، وكتب إليه : أنه قتل مَن قدر عليه، وهو في طلب الباقين.
ثمَّ أحضر حكيم بن طفيل الطائي، وكان رمى الحسين بسهم، وأصاب سلب العباس ابنه , وجاء عدي بن حاتم يشفع فيه، فقتله ابن كامل والشيعة قبل أن يصل ؛ حذراً من قبول المختار شفاعته. وبحث عن مرة بن منقذ بن عبد القيس قاتل علي بن الحسين (عليهالسلام )، فدافع عن نفسه ونجا إلى مصعب بن الزّبير، وقد شلَّت يده بضربة، وبحث عن زيد وفاد الحسين(١) قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل - رماه بسهمين، وقد وضع كفه على جبهته يتّقي النبل، فأثبت كفه في جبهته , وقتله بالاُخرى - فخرج بالسيف يدافع , فقال ابن كامل : ارموه بالحجارة , فرموه حتّى سقط، وأحرقوه حيّاً.
وطلب سنان بن أنس الذي كان يدّعي قتل الحسين (عليهالسلام ) , فلحق بالبصرة، وطلب عمر بن صبح الصدائي فقتله طعناً بالرماح، وأرسل في طلب محمّد بن الأشعث وهو في قريته عند القادسية، فهرب إلى مصعب، وهدم المختار داره، وطلب آخرين كذلك من المتّهمين بأمر الحسين (عليهالسلام ) , فلحقوا بمصعب وهدم دورهم(٢) .
____________________
(١) هكذا في الأصل , والظاهر كما في المقاتل : وبحث عن زيد بن رقاد الجنبي.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٥.
هلاك عبد الله بن أسيد الجهني , ومالك بن بشير البدوي , وحمل بن مالك المحاربي
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : وحدّثني مالك بن أعين الجهني أن عبد الله بن دباس , وهو الذي قتل محمّد بن عمار بن ياسر الذي قال [فيه] الشاعر :
قتيلُ ابن دبّاس أصاب قذالَهُ
هو الذي دلَّ المختار على نفر ممّن قتل الحسين (عليهالسلام ) , منهم : عبد الله بن أسيد بن النزال الجهني , من حرقة، ومالك بن النسير البدي، وحمل بن مالك المحاربي، فبعث إليهم المختار أبا نمر مالك بن عمرو النهدي , وكان من رؤساء أصحاب المختار , فأتاهم وهم بالقادسية، فأخذهم فأقبل بهم حتّى أدخلهم عليه (عشاءً) , فقال لهم المختار : يا أعداء الله، وأعداء كتابه، وأعداء رسوله وآل رسوله ! أين الحسين بن علي (عليهالسلام ) ؟ أدّوا إليَّ الحسين (عليهالسلام )، قتلتم مّن اُمرتم بالصلاة عليه في الصلاة !
فقالوا : رحمك الله , بعثنا ونحن كارهون , فامنن علينا واستبقنا.
قال المختار : فهلاّ مننتم على الحسين ابن بنت نبيِّكم واستبقيتموه وسقيتموه ؟! ثمَّ قال المختار : أنت صاحب برنسه ؟ فقال له عبد الله بن كامل : نعم، هو هو. فقال المختار : اقطعوا يدي هذا ورجليه، ودعوه حتّى يموت. ففُعل ذلك به وترك، فلم يزل ينزف الدم حتّى مات، وأمر بالآخرين فقُدّما ؛ فقتل عبدُ الله بن كامل عبدَ الله الجهني، وقتل سعرُ بن أبي سعر حملَ بن مالك المحاربي(١) .
هلاك قيس بن الأشعث بن قيس
روى الدينوري قال :
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٣، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٦.
وإنّ قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها، فانصرف إلى الكوفة مستجيراً بعبد الله بن كامل، وكان من أخص الناس عند المختار , فأقبل عبد الله إلى المختار فقال : أيُّها الأمير، إنّ قيس بن الأشعث قد استجار بي وأجرته، فأنفذ جواري إيّاه.
فسكت عنه المختار مليّاً، وشغله بالحديث، ثمَّ قال : أرني خاتمك. فناوله إيّاه، فجعله في إصبعه طويلاً , ثمَّ دعا أبا عمرة فدفع إليه الخاتم، وقال له سرّاً : انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل فقل لها : هذا خاتم بعلك علامة لتدخليني إلى قيس بن الأشعث ؛ فإني اُريد مناظرته في بعض الاُمور التي فيها خلاصه من المختار.
فأدخلته إليه , فانتضى سيفه فضرب عنقه , وأخذ رأسه فأتى به المختار، فألقاه بين يديه , فقال المختار : هذا بقطيفة الحسين (عليهالسلام ) ؛ وذلك أن قيس بن الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين (عليهالسلام ) حين قُتل، فكان يسمى قيس قطيفة(١) .
هلاك زياد بن مالك الضبعي , وعمران بن خالد القشيري , وعبد الرحمن بن أبي خشارة البجلي , وعبد الله بن قيس الخولاني
روى الطبري وابن الأثير والخوارزمي - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : وحدثني أبو الصلت التيمي قال : حدّثني أبو سعيد الصيقل أن المختار دُلَّ على رجال من قتلة الحسين (عليهالسلام ) , دلَّه عليهم سعر الحنفي.
قال : فبعث المختار عبد الله بن كامل، فخرجنا معه حتّى مرَّ ببني ضبيعة، فأخذ منهم رجلاً يقال له : زياد بن مالك، قال : ثمَّ مضى إلى عنزة فأخذ منهم رجلاً يقال له : عمران بن خالد، قال : ثمَّ بعثني في رجال معه يقال لهم : الدبابة , إلى دار في
____________________
(١) الأخبار الطوال - الدينوري / ٣٠٢.
الحمراء فيها عبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي، وعبد الله بن قيس الخولاني، فجئنا بهم حتّى أدخلناهم عليه، فقال لهم : يا قتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة , ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم، لقد جاءكم الورس بيوم نحس - وكانوا قد أصابوا من الورس الذي كان مع الحسين (عليهالسلام ) - أخرجوهم إلى السوق فضربوا رقابهم، ففعل ذلك بهم , فهؤلاء أربعة نفر(١) .
هلاك عبد الله وعبد الرحمن ابني صلخب , وعبد الله بن وهب بن عمرو الهمداني
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : وحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال : جاءنا السائب بن مالك الأشعري في خيل المختار، فخرجت نحو عبد قيس آلاف، وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في أثري، وشغلوا بالاحتباس عليهما عنِّي فنجوت، وأخذوهما ثمَّ مضوا بهما حتّى مرّوا برجل يقال له : عبد الله بن وهب بن عمرو , ابن عمِّ أعشى همدان من بني عبد، فأخذوه فانتهوا بهم إلى المختار، فأمر بهم فقتلوا في السوق، فهؤلاء ثلاثة، فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم:
أَلَمَ ترني على دهشٍ |
نجوتُ ولم أَكَدْ أنجو |
|
رجاءُ اللهِ أنقذني |
ولم أكُ غيرَه أرجو(٢) |
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٣ , الكامل في التاريخ ٤ / ٤٦، مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٢٥٠.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٣، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٦.
هلاك عثمان بن خالد بن أسير الدهماني الجهني , وأبي أسماء بشر بن سوط القابضي
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : قال أبو مخنف : حدّثني موسى بن عامر العدوي - من جهينة - وقد عرف ذلك الحديث شهم بن عبد الرحمن الجهني , قال : بعث المختار عبد الله بن كامل إلى عثمان بن خالد بن أسير الدهماني من جهينة، وإلى أبي أسماء بشر بن سوط القابضي - وكانا ممن شهدا قتل الحسين، وكانا اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، وفي سلبه - فأحاط عبد الله بن كامل - ثمَّ العصر - بمسجد بني دهمان، ثمَّ قال : عليَّ مثل خطايا بني دهمان منذ يوم خُلقوا إلى يوم يُبعثون إن لم اُوتَ بعثمان بن خالد بن أسير إن لم أضرب أعناقكم من [عند] آخركم.
فقلنا له : أمهلنا نطلبه.
فخرجوا مع الخيل في طلبه، فوجدوهما جالسين في الجبانة، وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة، فاُتي بهما عبد الله بن كامل، فقال : الحمد لله الذي كفى المؤمنين القتال , لو لم يجدوا هذا مع هذا عنانا إلى منزله في طلبه، فالحمد لله الذي حيّنك حتّى أمكن منك.
فخرج بهما حتّى إذا كان في موضع بئر الجعد ضرب أعناقهما، ثمَّ رجع فأخبر المختار خبرهما، فأمره أن يرجع إليهما فيحرقهما بالنار , وقال : لا يدفنان حتّى يُحرقا، فهذان رجلان. فقال أعشى همدان يرثي عثمان الجهني :
يا عينُ اِبكي فتى الفتيانِ عثمانا |
لا يبعدنَّ الفتى من آلِ دهمانا |
|
واذكر فتىً ماجداً حلواً شمائلُهُ |
ما مثلُهُ فارسٌ في آلِ همدانا(١) |
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٣، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٦.
هلاك خولي بن يزيد الأصبحي
وفي الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : قال موسى بن عامر : وبعث معاذ بن هانئ بن عدي الكندي , ابن أخي حجر، وبعث أبا عمرة صاحب حرسه، فساروا حتّى أحاطوا بدار خولي بن يزيد الأصبحي - وهو صاحب رأس الحسين الذي جاء به - فاختبأ في مخرجه، فأمر معاذ أبا عمرة أن يطلبه في الدار، فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها : أين زوجك ؟ فقالت : لا أدري أين هو، وأشارت بيدها إلى المخرج.
فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة، فأخرجوه. وكان المختار يسير بالكوفة، ثمَّ إنه أقبل في أثر أصحابه، وقد بعث أبو عمرة إليه رسولاً، فاستقبل المختار الرسول عند دار بلال، ومعه ابن كامل , فأخبره الخبر، فأقبل المختار نحوهم، فاستقبل به فردّه حتّى قتله إلى جانب أهله، ثمَّ دعا بنار فأحرقه بها، ثمَّ لم يبرح حتّى عاد رماداً، ثمَّ انصرف عنه، وكانت امرأته من حضرموت يقال لها : العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين (عليهالسلام )(١) .
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : (عن أبي مخنف) : وأتى قوم أعوان المختار إلى دار خولي بن يزيد الأصبحي، فاقتحموها ودخلوا - وكان خولي هو الذي احتزّ رأس الحسين (عليهالسلام ) - وكانت له امرأة يقال لها : العيوف بنت مالك الحضرمي , وهي التي خاصمته إذ أدخل رأس الحسين عليها، فلمـّا نظرت إلى أصحاب المختار قد دخلوا دارها قالت : ما شأنكم , وما تريدون ؟
فقال أبو عمرة صاحب شرطة المختار : لا بأس عليك , نريد زوجك , أين هو ؟ قالت : لا أدري , وأشارت بيدها إلى
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٤، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٦.
المخرج، فدخلوا عليه فإذا هو جالس وعلى رأسه قوصرة، فأخذوه وأتوا به إلى المختار، فقالوا له : أيُّها الأمير , هذا خولي الذي احتزّ رأس الحسين (عليهالسلام ). فأمر به المختار فذُبح بين يديه، ثمَّ أمر بجسده فاُحرق بالنار(١) .
هلاك عمر بن سعد وابنه لعنهما الله
أقول : وقد تقدّم ذكر هلاكه وابنه في ترجمته.
هلاك حكيم بن الطفيل السنبسي الطائي
روى الطبري، وابن الأثير، وابن خلدون - واللفظ للأوّل - قال : ثمَّ إنّ المختار بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن طفيل الطائي السنبسي، وقد كان أصاب سلب العباس بن علي، ورمى حسيناً بسهم، فكان يقول : تعلّق سهمي بسرباله وما ضرّه. فأتاه عبد الله بن كامل فأخذه، ثمَّ أقبل به.
وذهب أهله فاستغاثوا بعدي بن حاتم، فلحقهم في الطريق، فكلَّم عبد الله بن كامل فيه، فقال : ما إليَّ من أمره شيء، إنّما ذلك إلى الأمير المختار. قال : فإني آتيه. قال : فأته راشداً.
فمضى عدي نحو المختار، وكان المختار قد شفّعه في نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع لم يكونوا نطقوا بشيء من أمر الحسين ولا أهل بيته، فقالت الشيعة لابن كامل : إنا نخاف أن يشفع الأمير عدي بن حاتم في هذا الخبيث وله من الذنب ما قد علمت، فدعنا نقتله.
قال : شأنكم به. فلمـّا انتهوا به إلى دار العنزيّين - وهو مكتوف - نصبوه غرضاً، ثمَّ قالوا له : سلبت ابن علي ثيابه ! والله لنسلبنَّ ثيابك
____________________
(١) مقتل الحسين (عليهالسلام ) للخوارزمي ٢ / ٢٥٠ , الفصل الخامس عشر في بيان انتقام المختار من قاتلي الحسين (عليهالسلام )، تاريخ الطبري ٤ / ٥٣٠ رواه أيضاً عن أبي مخنف.
وأنت حيٌّ تنظر. فنزعوا ثيابه، ثمَّ قالوا له : رميت حسيناً واتخذته غرضاً لنبلك وقلت : تعلّق سهمي بسرباله ولم يضره ! وأيم الله , لنرمينَّك كما رميته بنبال ما تعلّق بك منها أجزأك. قال : فرموه رشقاً واحداً، فوقعت به منهم نبال كثيرة فخرّ ميتاً.
قال أبو مخنف : فحدثني أبو الجارود عمَّن رآه قتيلاً , كأنه قنفذ ؛ لِمَا فيه من كثرة النبل. ودخل عدي بن حاتم على المختار، فأجلسه معه على مجلسه، فأخبره عدي عمَّا جاء له، فقال له المختار : أتستحل يا أبا طريف أن تطلب في قتلة الحسين ؟
قال : إنه مكذوب عليه أصلحك الله. قال : إذًا ندعه لك. قال : فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل، فقال له المختار : ما فعل الرجل ؟ قال : قتلته الشيعة. قال : وما أعجلك إلى قتله قبل أن تأتيني به - وهو لا يسرّه أنه لم يقتله - وهذا عدي قد جاء فيه، وهو أهل أن يُشفّع ويؤتى ما سره ؟ قال : غلبتني والله الشيعة. قال له عدي : كذبت يا عدو الله، ولكن ظننت أنّ مَن هو خير منك سيشفعني فيه، فبادرتني فقتلته، ولم يكن خطر يدفعك عمَّا صنعت.
قال : فاسحنفر إليه ابن كامل بالشتيمة، فوضع المختار إصبعه على فيه يأمر ابن كامل بالسكوت والكفِّ عن عدي، فقام عدي راضياً عن المختار , ساخطاً على ابن كامل يشكوه عند مَن لقي من قومه(١) .
عقاب مرة بن منقذ العبدي قاتل علي الأكبر ابن الإمام الحسين (عليهالسلام )
روى الطبري , وابن الأثير , وابن خلدون - واللفظ للأوّل - قال : وبعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين (عليهالسلام ) عبد الله بن كامل , وهو رجل من عبد قيس يقال له : مرة بن منقذ بن النعمان العبدي , وكان شجاعاً , فأتاه ابن
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٥ - ٤٦٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٧ - ٤٨، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٦ موجزاً.
كامل فأحاط بداره، فخرج إليهم وبيده الرمح، وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامي فصرعه , ولم يضرّه، قال : [وضربه] ابن كامل بالسيف [فاتّقاها] بيده اليسرى، فأسرع فيها السيف، وتمطّرت به الفرس، فأفلت ولحق بمصعب، وشلَّت يده بعد ذلك(١) .
هلاك زيد بن رقاد الجنبي قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل رضوان الله عليهم
روى الطبري , وابن الأثير , وابن خلدون - واللفظ للأوّل - قال : وبعث المختار أيضاً عبد الله الشاكري إلى رجل من جنب يقال له : زيد بن رقاد، كان يقول : لقد رميت فتىً منهم بسهم، وإنه لواضع كفّه على جبهته يتّقي النبل، فأثبت كفَّه في جبهته، فما استطاع أن يزيل كفَّه عن جبهته.
قال أبو مخنف : فحدثني أبو عبد الأعلى الزبيدي أن ذلك الفتى عبد الله بن مسلم بن عقيل، وأنه قال حيث أثبت كفَّه في جبهته : اللّهمَّ إنهم استقلّونا واستذلّونا , اللّهمَّ فاقتلهم كما قتلونا , وأذلّهم كما استذلّون. ثمَّ إنه رمى الغلام بسهم آخر فقتله، فكان يقول : جئته ميتاً فنزعت سهمي الذي قتلته به من جوفه، فلم أزل اُنضنض السهم من جبهته حتّى نزعته، وبقي النصل في جبهته مثبتاً ما قدرت على نزعه.
قال : فلمـّا أتى ابن كامل داره أحاط بها، واقتحم الرجال عليه، فخرج مصلتاً سيفه - وكان شجاعاً - فقال ابن كامل : لا تضربوه بسيف ولا برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة. ففعلوا ذلك به فسقط، فقال ابن كامل : إن كان به رمق
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٨، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٦ موجزاً.
فأخرجوه. فأخرجوه وبه رمق، فدعا بنار فأحرقه بها وهو حيٌّ لم تخرج روحه(١) .
عبد الله بن عقبة الغنوي وحرملة بن كاهل
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وطلب المختار عبد الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب ولحق بالجزيرة , فهدم داره، وكان ذلك الغنوي قد قتل منهم غلاماً، وقتل رجلٌ آخر من بني أسد يقال له : حرملة بن كاهل , رجلاً من آل الحسين (عليهالسلام )، ففيهما يقول ابن أبي عقب الليثي :
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا |
وفي أسد اُخرى تُعدُّ وتُذكرُ(٢) |
عقاب حرملة بن كاهل عليه اللعنة وصيرورته على أقبح صورة...
سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ قال : وحكى هشام بن محمّد، عن القسم بن الأصبغ المجاشعي قال : [لمـّا] اُتي بالرؤوس إلى الكوفة إذا بفارس أحسن الناس وجهاً قد علَّق في لبب فرسه رأسَ غلام أمرد كأنه القمر ليلة تمامه، والفرس يمرح، فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالأرض , فقلت له : رأس من هذا ؟ فقال : رأس العباس بن علي. قلت : ومَن أنت ؟ قال : حرملة بن الكاهل الأسدي.
قال : فلبثت أياماً، وإذا بحرملة وجهه أشدُّ سواداً من القار، فقلت له : لقد رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنضر وجهاً منك , وما أرى اليوم لا أقبح ولا أسود وجهاً منك ؟!
فبكى وقال : والله , منذ حملت
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٨، تاريخ ابن خلدون ٣ / ٢٦.
(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٨.
الرأس وإلى اليوم ما تمرّ عليَّ ليلة إلّا واثنان يأخذان بضبعي، ثمَّ ينتهيان بي إلى نار تأجج فيدفعاني فيها، وأنا اُنكص، فتسفعني كما ترى. ثمَّ مات على أقبح حال(١) .
وقال صاحب إسعاف الراغبين تعليقاً على هذه الرواية : إنّ رجلاً أنكر ذلك , فوثبت النار على جسده فحرقته(٢) .
هلاك حرملة بن كاهل من طريق الشيعة
روى الشيخ الطوسي (رحمهالله ) قال : أخبرنا محمّد بن محمّد قال : أخبرني المظفر بن محمّد البلخي قال : حدّثنا أبو علي محمّد بن همام الإسكافي قال : حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال : حدّثني داود بن عمر النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن يونس، عن المنهال بن عمرو قال : دخلت على علي بن الحسين (عليهالسلام ) منصرفي من مكّة , فقال لي : (( يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهلة الأسدي ؟ )). فقلت : تركته حيّاً بالكوفة. قال : فرفع يديه جميعاً، فقال : (( اللّهمَّ أذقه حرَّ الحديد، اللّهمَّ أذقه حرَّ الحديد، اللّهمَّ أذقه حرَّ النار )).
قال المنهال : فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيد، وكان لي صديقاً، قال : فكنت في منزلي أياماً حتّى انقطع الناس عنِّي، وركبت إليه فلقيته خارجاً من داره، فقال : يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، ولم تهنّنا بها، ولم
____________________
(١) تذكرة الخواصّ / ٢٥٣ , ط منشورات الشريف الرضي، وروي باختلاف يسير لا يضر بالمعنى ينابيع المودّة ٣ / ٢٤ , الصواعق المحرقة / ١٩٦، نور الأبصار للشبلنجي / ١٢٣، وروي في إسعاف الراغبين لابن الصبان المصري في هامش نور الأبصار / ١٩٢ , لكنه أسقط قوله : فقيل له... إلى قوله : كما ترى.
(٢) إسعاف الراغبين لابن الصبان المصري في هامش نور الأبصار / ١٩٢.
تشركنا فيها ! فأعلمته أني كنت بمكة، وأني قد جئت الآن.
وسايرته ونحن نتحدث حتّى أتى الكناس، فوقف وقوفاً كأنه ينتظر شيئاً، وقد كان أخبر بمكان حرملة بن كاهلة، فوجَّه في طلبه، فلم نلبث أن جاء قوم يركضون وقوم يشتدون حتّى قالوا : أيُّها الأمير , البشارة ؛ قد اُخذ حرملة بن كاهلة.
فما لبثنا أن جيء به، فلمـّا نظر إليه المختار قال لحرملة : الحمد لله الذي مكَّنني منك. ثمَّ قال : الجزّار الجزّار. فاُتي بجزّار، فقال له : اقطع يديه. فقُطعتا، ثمَّ قال له : اقطع رجليه. فقُطعتا، ثمَّ قال : النار النار. فاُتي بنار وقصب فاُلقي عليه واشتعلت فيه النار , فقلت : سبحان الله ! فقال لي : يا منهال، إنّ التسبيح لَحسن، ففيم سبحت ؟
فقلت : أيُّها الأمير، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكّة على علي بن الحسين (عليهالسلام ) , فقال لي : ((يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهلة الأسدي ؟ )). فقلت : تركته حيّاً بالكوفة ؟ فرفع يديه جميعاً فقال : ((اللّهمَّ أذقه حرَّ الحديد، اللّهمَّ أذقه حرَّ الحديد، اللّهمَّ أذقه حرَّ النار )).
فقال لي المختار : أسمعت علي بن الحسين (عليهالسلام ) يقول هذا ؟ فقلت : والله لقد سمعته. قال : فنزل عن دابته وصلّى ركعتين , فأطال السجود، ثمَّ قام فركب وقد احترق حرملة، وركبت معه وسرنا، فحاذيت داري، فقلت : أيُّها الأمير، إن رأيت أن تشرّفني وتكرمني , وتنزل عندي وتحرم بطعامي.
فقال : يا منهال , تُعلمني أنّ علي بن الحسين (عليهالسلام ) دعا بأربع دعوات فأجابه الله على يدي، ثمَّ تأمرني أن آكل ! هذا يوم صوم شكراً لله (عزَّ وجلَّ) على ما فعلته بتوفيقه. وحرملة هو الذي حمل رأس الحسين (عليهالسلام )(١) .
____________________
(١) الأمالي - الشيخ الطوسي / ٢٣٨، ، بحار الأنوار - العلامة المجلسي ٥٤ / ٣٣٢، كشف الغمة - ابن أبي الفتح الأربلي ٢ / ٣٢٤، اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني / ١٩٥، العوالم، الإمام الحسين (عليهالسلام ) - الشيخ عبد الله البحراني / ٦٦٤، مدينة
عبد الله بن عروة الخثعمي
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وطلب رجلاً من خثعم يقال له : عبد الله بن عروة الخثعمي، كان يقول : رميت فيهم باثني عشر سهماً ضيعة , ففاته ولحق بمصعب فهدم داره(١) .
هلاك عمرو بن صبيح
روى الطبري وابن الأثير - واللفظ للأوّل - قال : وطلب رجلاً من صداء يقال له : عمرو بن صبيح، وكان يقول : لقد طعنت بعضهم، وجرحت فيهم، وما قتلت منهم أحداً. فاُتي ليلاً وهو على سطحه وهو لا يشعر بعد ما هدأت العيون، وسيفه تحت رأسه، فأخذوه أخذاً، وأخذوا سيفه، فقال : قبّحك الله سيفاً ما أقربك وأبعدك !
فجيء به إلى المختار، فحبسه معه في القصر، فلمـّا أن أصبح أذن لأصحابه، وقيل : ليدخل مَن شاء أن يدخل. ودخل الناس، وجيء به مقيداً، فقال : أما والله يا معشر الكفرة الفجرة , أنْ لو بيدي سيفي لعلمتم أني بنصل السيف غير رعش ولا عديد. ما يسرّني إذ كانت منيّتي قتلاً أنّه قتلني من الخلق أحد غيركم ؛ لقد علمت أنكم شرار خلق الله، غير أنّي وددت أن بيدي سيفاً أضرب به فيكم ساعة.
ثمَّ رفع يده فلطم عين ابن كامل وهو إلى جنبه، فضحك ابن كامل، ثمَّ أخذ بيده وأمسكها، ثمَّ قال : إنّه يزعم أنه قد جرح في آل محمد (صلىاللهعليهوآله ) وطعن، فمرنا بأمرك فيه.
فقال المختار : عليَّ بالرماح. فاُتي
____________________
المعاجز - السيد هاشم البحراني ٤ / ٣٢١، مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ٣ / ٢٧٦، ذوب النضار - ابن نما الحلي / ١٢١.
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٤ / ٤٨.
بها، فقال : اطعنوه حتّى يموت. فطُعن بالرماح حتّى مات(١) .
هلاك محمّد بن الأشعث عليه اللعنة
قد تقدم في ترجمته.
عدد مَن قتلهم المختار ممّن شارك في مقتل الإمام الحسين (عليهالسلام )
وفي مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي قال : وكان المختار قد قتل بالكوفة خلقاً كثيراً من أهل الكوفة حتّى قيل : إنه قتل سبعين ألفاً ممّن قتل أو قاتل الحسين (عليهالسلام )(٢) .
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
____________________
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٤٦٦ - ٤٦٧، الكامل في التاريخ ٤ / ٤٩.
(٢) مقتل الحسين (عليهالسلام ) - الخوارزمي ٢ / ٢٨٠ , الفصل الخامس عشر في بيان انتقام المختار من قاتلي الحسين (عليهالسلام ).
الفهرس
الأحداث التي جرت على حرم الإمام الحسين ( عليهالسلام ) بعد المقتل إلى خروجهم من الكوفة رأس الإمام الحسين ( عليهالسلام ) يسطع نوره إلى السماء ٨
ما فعله شمر بزوجته لمـّا منعته من أخذ رأس الإمام الحسين ( عليهالسلام ) ١٠
ما ذكره القندوزي في حَمْلهم حرم الإمام الحسين ( عليهالسلام ) من كربلاء إلى الكوفة، وضرب عقيلة الطالبيِّين ( عليهاالسلام ) رأسها حتّى خرج الدم ١١
ما ذكره الإسفرايني في حَمل حرم الإمام الحسين ( عليهالسلام ) من كربلاء إلى الكوفة , وحالهم ١٢
ابن زياد جعل جُعْلاً لمـّن يأتي بالإمام علي بن الحسين ( عليهالسلام )... ووجود اُمّه ( عليهالسلام ) ١٥
خطبة عقيلة الطالبيِّين زينب بنت أمير المؤمنين ( عليهاالسلام ) في الكوفة ١٦
خطبتا العقيلة زينب ( عليهاالسلام )، والإمام زين العابدين ( عليهالسلام ) برواية الإسفرايني ٢١
ابن سعد يرسل مَن يبشّر أهله بنصره، وما فعله ابن زياد برأس الإمام الحسين ( عليهالسلام ) , وما جرى بين ابن زياد وزيد بن أرقم ٢٣
إدخال حرم الإمام الحسين ( عليهالسلام ) على ابن زياد (لعنه الله) , وموقف عقيلة الطالبيِّين ( عليهاالسلام ) ٢٦
المصائب التي جرت في مجلس الملعون ابن زياد، وما قاله الإمام زين العابدين ( عليهالسلام ) للملعون : إلى كم... عمّتي... وما جاء من المصائب ٢٨
ما فعله اللعين ابن زياد برأس الإمام الحسين (صلوات الله عليه) نكثه اللعين برأس الإمام الحسين ( عليهالسلام ) , بأكثر من رواية ٣٣
ابن زياد (لعنه الله) يضع رجله على فَم الإمام الحسين ( عليهالسلام ) ٣٦
الفصل السادس في قَتَلة الإمام الحسين ( عليهالسلام ) ١٥٣
قتيلُ ابن دبّاس أصاب قذالَهُ ٦٣٥
الفهرس ٦٤٨