مقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام من موروث أهل الخلاف الجزء 3

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: زهير ابن المرحوم الحاج علي الحكيم
الإمام الحسين عليه السلام

مقتل أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام )

من موروث أهل الخلاف

المجلد الثالث

المؤلّف : زهير بن علي الحكيم



بسم الله الرحمن الرحيم



الفصل السابع

في البكاء لمقتل سيّدِ الشُّهداء (عليه‌السلام )



فضلُ البكاءِ على سيِّدِ الشهداءِ (عليه‌السلام )

عقدتُ هذا الفصل - في بكاءِ النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والمعصومينَ من أهلِ بيتِهِ الأطهارِ (عليهم‌السلام )، وبكاءِ السماواتِ والأرضينَ وما احتوتاهُ على سيّدِ الشهداءِ، الإمامِ المفدّى، الحُسين بنِ عليٍّ (عليه‌السلام )، الّذي اُصيبَ بمصيبةٍ صَغُرَتْ عندَها كلُّ المصائبِ، فهي المصيبةُ العظمى، والرّزيّةُ الكُبْرى التي زَلْزَلَتْ وَفَطَرَتْ السماواتِ والأرضينَ، ومزَّقَتْ أكبادَ العالمينَ، وأذابَتْ أجسامَ المؤمنينَ، وانصدعَتْ لها أجسادُ الخلْقِ أجمعينَ، وأزالَتْ الأرواحَ عن قرارِها المَكينِ لِدَفْعِ ما ينْصِبُهُ النّواصبُ

قال الزمخشري : (أنشدَ) الحسنُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ :

أتعجبُ من جاري دموعي ومِنْ ضوى

كأنَّكَ لمْ تسمعْ بقاصمةِ الظهرِ

ولمْ تأتِكَ الأنباءُ عن يومِ كربلا

وقتلِ حسينٍ فيه والفتيةِ الزُّهرِ

فلا تعجبَنْ منِّي ومِنْ فيضِ عبرَتي

فأعجبُ منْهُ عَنْدَ ذِكْرِهُم صبرِي(١)

قالَ المنّاوي في مقتلِ الإمامِ الحُسين (عليه‌السلام ) : وتفصيلُ قصةِ قتلِهِ تُمزِّق الأكبادَ، وتُذيبُ الأجسادَ، فلعنةُ اللهِ على مَنْ قتلَهُ،

____________________

(١) ربيع الأبرار ونصوص الأخبار - الزمخشري / ٢١٤٥، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.


أو رضيَ أو أمرَ، وبُعداً لهُ كما بَعُدَتْ عاد وقد أفرد قصة قتله خلائق بالتأليف(١) .

قال السيوطي فيه أيضاً : وكان قتله بكربلاء، وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمِل القلب ذكرها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون وقُتلَ معه ستة عشر رجلاً من أهل بيته(٢) .

وقال ابن الدمشقي : وقد أكثر الناس في الرثاء والبكاء على ما أصاب أهل البيت (عليهم‌السلام )، وقالوا ما لا يحصى مِن المقالات نظماً، وذكروا في قتل الحُسين (عليه‌السلام ) وما كان مِن أمره ما أضرب عن ذكره صفحاً، ولمْ أرق له سفحاً، ولا يحتمل هذا المختصر أكثر مِن ذلك وفيه كفاية.

وبالجملة والتفصيل فما وقع في الإسلام قضية أفظع منها وهي ما ينبو الأسماع عنها، وتتفطّر القلوب عند ذكرها حزناً وأسىً وتأسّفاً، وتنهلّ لها المدامع كالسحب الهوامع، هذا والعهد بالنّبي قريب، وروض الإيمان خصيب، وغصن دوحته غضّ جديد، وظلّه وافر مديد، ولكنّ الله يفعل ما يريد وما أظنّ أنّ مَنْ استحلّ ذلك وسلك مع أهل النّبي هذه المسالك شمَّ [رائحة] الإسلام، ولا آمن بمحمّد (عليه الصلاة والسّلام)، ولا خالط الإيمان بشاشة قلبه، ولا آمن طرفة (عين) بربّه، والقيامة تجمعهم وإلى ربِّهم مرجعهم

ستعلمُ ليلى أيَّ دَينٍ تداينتْ

وأيَّ غريمٍ للتقاضي غريمها

ولقد قرأ قارئ بين يدي الشيخ العالم العلّامه أبي الوفاء (علي) ابن عقيل (رحمه‌الله ) قوله تعالى :( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ

____________________

(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ١ / ٢٦٥.

(٢) تاريخ الخلفاء ١ / ٢٠٧، وفي ط دار الفكر ص١٩٣.


إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِّنَ الْمؤْمِنِينَ ) (١) فبكى وقال : سبحان الله ! غاية ما كان طمعه فيما قال :( فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمرَنَّهُمْ ) (٢) جاوزوا والله، الحدَّ الذي طمع فيه ! ضحّوا بأشمط عنوان السجود به، يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً إي والله، عمدوا إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) بين صفّيه فقتلوه، ثمّ قتلوا ابنه الحُسين بن فاطمة الزهراء (عليهما‌السلام )، وأهل بيته الطيّبين الطاهرين بعد أنْ منعوهم الماء، هذا والعهد بنبيهم قريب ! وهم القَرن الذي رأوا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورأوه يُقبِّل فمه ويرشف ثناياه، فنكتوا على فمه وثناياه بالقضيب ! تذكّروا والله، أحقاد يوم بدر وما كان فيه، وأين هذا مِن مطمع الشيطان وغاية أمله بتبكيت آذان الأنعام ؟! هذا مع قرب العهد وسماع كلام ربّ الأرباب :( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٣) ستروا والله، عقائدهم في عصره مخافة السّيف، فلمـَّا صار الأمر إليهم كشفوا (عن) قناع البغي والحيف :( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (٤) .

ورأيت في تاريخ ابن خلكان (رحمه‌الله ) قضية غريبة فأحببت ذكرها هاهنا، وهي : قال الشيخ نصر الله بن مجلي في (مشارف الخزانة الصلاحية) : فكّرت ليلةً وقد آويت إلى فراشي فيما عامل به آل (أبي) سفيان أهلَ بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفي قضية الحُسين (عليه‌السلام ) وقتله وقتل أهل بيته (عليهم‌السلام )، وأسر بنات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحملهم (إيّاهن) على الأقتاب سبايا، ووقوفهم على درج دمشق سبايا عرايا، فبكيت بكاءً شديداً، وأرقت ثمّ

____________________

(١) سورة سبأ / ٢٠.

(٢) سورة النساء / ١١٩.

(٣) سورة الشورى / ٢٣.

(٤) سورة الأنعام / ١٣٩.


نمت فرأيت أمير المؤمنين عليّاً (عليه‌السلام )، فحين رأيته بادرت إليه وقبّلت يديه وبكيت، فقال : (( ما يُبكيك ؟ )) فقلتُ : يا أمير المؤمنين، تفتحون مكّة فتقولون : (( مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمن، ومَنْ دخل المسجد فهو آمن )) ثمّ يُفعل بولدك الحُسين وأهل بيتك (عليهم‌السلام ) بالطّف ما فُعل ؟! فتبسّم (أمير المؤمنين)، وقال : (( ألمْ تسمع أبيات ابن الصيفي (سعد بن محمّد) ؟ )) قلتُ : لا قال : (( اسمعها منه فهي الجواب )).

قال : فطالت ليلتي حتّى برق الفجر، فجئت باب ابن الصيفي، فطرقت بابه فخرج إليَّ حاسراً حافي القدمين، وقال : ما الذي جاء بك هذه السّاعة ؟! فقصصت عليه قصّتي، فأجهش بالبكاء وقال : والله، ما قلتُها إلّا ليلتي هذه، ولم يسمعها بشر (منِّي ثمّ أنشدني) :

ملكنا فكانَ العفّوُ منَّا سجيةً

فلمـَّا ملكتُم سال بالدمِ أبطحُ

وحلًّلتُم قتلَ الاُسارى وطالما

غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ

وحسبُكم هذا التفاوتُ بيننا

فكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ(١)

وقال الموفّق الخوارزميّ : معاشر المسلمين، مَنْ كان فيكم مصابٌ فليتعزَّ بمَنْ كان مَنْ منه أعز، ومَنْ كان فيكم مظلوم فليتسلَّ ؛ فقد ظُلِمَ مَنْ منه كان أجلّ، ومَنْ كان فيكم مَنْ حالف البَلاء فليذكر مبتلى كربلاء، المحرومَ من الماء، والمذبوحَ من القفا على ظماء، والمجدّلَ في تلك التربة، والمسوقة نساءه سوق الإماء، يهون عليه أمر الغربة وعسر الكربة :

إذا ذكرَتْ نفسي مصائبَ فاطمٍ

لأولادِها هانَتْ عليَّ مصائبي

ولمْ أتذكَّرْ منعَهُمْ عن مشاربٍ

على ظمأ إلّا وعِفْتُ مشاربي

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣١١.


أسيغُ مياهي بعدَهم ثمَّ أدَّعي

بأنّيَ في دعوى الهوى غيرُ كاذبِ

سَقَوا حسناً سُمّاً ذُعافاً وجدّلو

أخاه حُسيناً بالقنا والقواضبِ

فضائلُهم ليستْ تُعَدُّ وتنتهي

وإنْ عُدِّدتْ يوماً قطارُ السحائبِ

وإنَّ يزيداً رامَّ أنْ يتسفَّلو

وأنْ يتردّوا في مهاوي المعاطبِ

وقد رفع العدلُ المهيمنُ حالَهم

بمنزلةٍ قعساءَ فوقَ الكواكبِ

لبئس ما كان يزيد وحزبُهُ يحتقبون، وساء ما يرتكبون، وسوف ترونَهم في جهنّم يصطلون، ويصطرخون ويضطربون، فإنّهم إلى ربِّهم راجعون :( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

وقال الموفّق الخوارزميّ أيضاً : ومن مقالة لي فيه (عليه‌السلام ) : عباد الله، أما تستغربون أحقادَ قومٍ في ذحولهم ؟ أما تتعجّبون من آراء أمّة وعقولهم قتال الحُسين بن علي ولد رسولِهم ؟ ولمْ يُبالوا بالنَّص الجليّ في حفدة نبيِّهم، ثمَّ لبِثوا في شمالِهم على شُربِ شمولِهم، وجرّ فضولِ ذيولِهم، لعان الله والملائكة على شبّانهم وشيوخهم، وفتيانهم وكهولهم.

أفي صلاتهم يصلُّون على محمّد وآلهِ (عليهم‌السلام )، ويمنعونهم من مشرعة الماء وزلالِه، ويجمعون على حرب الحُسين (عليه‌السلام ) وقتالِه، ويذبحون ولا يستحون من شَيْبه وجماله ؟! أما والله، إنّ حقَّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أممهِ أنْ يعظّمون تراباً أَلَـمَّ بلَمَمِهِ، بلْ ترابَ نعلِ قدمِه، بلْ ترابَ نعلِ قدمِ خادمٍ من خَدَمِهِ، ثمَّ هؤلاء الطغاة قتلوا شبلَ أسدٍ سادَ في أجَمِه، ونكثُوا بالمِخصرِ ثنايا فمٍ كانت مراشفَ فمِه، وتنافسوا في ذبحه وإراقةِ دمِه.

____________________

(١) سورة الشعراء / ٢٢٧.


نعم، حقُّ الرسول أنْ يكتحِلُوا بغبارٍ من شعر جسده، وهم ذبحوا الحُسين بكربلاء أكرمَ وُلْدِه، وقرّةَ عينه، وفلِدَةَ كبدِه، ذلك الفتى الذي نشأ بين يدي الرسول، وبين عليّ الضرغام الصؤول، وفاطمة البتول، فسبحان الله ! ثمّ سبحان الله ! من يزيد وعبيد الله، عدوَّا الله وعدوَّا رسوله، الناكثَين ثنايا حبيب حبيبه، بالله ثم بالله، إنّ هذا البلاء المتناه، قولوا عباد الله من صميم قلوبكم : آهٍ ثم آهٍ، إذ ذُبحَ ولدُ رسولِ الله بين الطّغاة البغاة، والعُتاة والعُماه، ذوي الشّقاه، مرتكبي مناهي الملاه، ومانعي شربَ المياه، من الحُسين المخبَت الآوّاه(١) .

وقال الموفّق الخوارزميّ أيضاً : ومن مقالةٍ لي فيه (عليه‌السلام ) : عبادَ الله، إنّ المصيبة بالحُسين (عليه‌السلام ) من أعظم المصائب، فصبّوا فيها شآبيبَ الدموعِ السواكب، بتصعيد الزفرات الغوالب، واستنزِفوا بالبُكاء الدماءَ، وأعقِبوا الكرْب والبلاء بتذكّرِكُم أيّام كربلاء نعم، إنّ المصيبة بالمقتول، نجلِ الرسول والبتول وعليِّ الليث الصؤول، مصيبةٌ لا يُجبرُ كسرُها، ولا يمكن جبرُها، وشعلةٌ في صدور المؤمنين لا ينطفي جمرُها، وعظيمةٌ في العظائم يتجدّدُ على الأيّام ذكرُها، وليلةٌ بليّةٌ رزيةٌ لا يتنفّسُ فجرُها، وقارعةٌ زلزلَتْ منها الأرض برَّها وبحرَها.

عجباً لـمـّنْ يتذكر مصارع هؤلاء الأتقياء، الشهداء الظمآء من أهل بيت خيرة صفوة الله خاتم الأنبياء، ثمَّ يتمتّع بعدهم بشربةٍ من الماء ! سبحان الله ! أيُّ ظُلمٍ جرى على أصحابِ الحربِ والمِحرابِ، وأربابِ الكتيبةِ والكتابِ، وفتيانِ الطعانِ والضرابِ، ورجالِ العبءِ والعبابِ، قاصمي الأصلاب، وقاسمي الأسلاب،

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٨٢ - ١٨٣، الفصل الثالث عشر في ذكر بعض مراثي الحُسين (عليه‌السلام ).


وجازمي الرّقاب، وهازمي الأحزاب، وفالقي جماجمَ الأترابِ، روَّاضِ الصعاب، أحلاسِ صهوات العِرابِ، اُمراءِ الخطابِ المستطاب، ملوكِ يومِ الحساب، سلاطين يومِ الثّوابِ والعقابِ(١) .

ابنُ حنبل يروي فضلَ البكاءِ على الإمام الحُسين وأهل البيت (عليهم‌السلام )

روى عبد الله بن حنبل قال : حدّثنا أحمد بن إسرائيل، قال : رأيت في كتاب أحمد بن محمّد بن حنبل (رحمه‌الله ) بخط يده، حدّثنا أسود بن عامر أبو عبد الرحمن، حدّثنا الربيع بن منذر، عن أبيه، قال : . ثمّ كان حُسين بن علي (عليه‌السلام ) يقول : (( من دمعتا(٢) عيناه فينا دمعةً، أو قطرتْ عيناه فينا قطرةً أثواه الله (عزَّ وجل) الجنّة ))(٣) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٨٣ - ١٨٤، الفصل الثالث عشر في ذكر بعض مراثي الحُسين (عليه‌السلام ).

(٢) هكذا في الأصل، والظاهر : دمعت، أو على التقديم والتأخير.

(٣) فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل ٢ / ٦٧٥ ح ١١٥٤، وسيلة الآمال - العلّامه باكثير الحضرمي / ٦٠، نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٩ / ٥٢٣، وقال : ((. . أتاه الله )) وفي رواية (( بوّأه الله الجنّة )) أخرجه أحمد في المناقب، توضيح الدلائل - العلّامه شهاب الدين أحمد الشيرازي الحُسيني الشافعي / ٣١٦، والنّسخة مصوّرة من مخطوطة مكتبة الملّي بفارس، قال : (( . أعطاه الله (عزَّ وجل) الجنّة )) أخرجه الإمام أحمد في المناقب نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٤ / ٦٦٠، كتاب استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول ذوي الشرف - العلّامه شمس الدين محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر السّخاوي الشافعي / ٣٥، والنّسخة مصوّرة من مخطوطة مكتبة عاطف أفندي بإسلامبول، قال : (( . آتاه الله (عزَّ وجل) الجنّة )) أخرجه أحمد في المناقب، كتاب مطلع البدور ومجمع البحور - العلّامه شهاب الدين أحمد بن صالح بن محمّد اليماني المتوفّى سنة (١٠٩٢) ١ / ٩، نسخة مصوّرة من مخطوطة مكتبة دار الكتب العربيّة، قال : عن الحُسين (عليه‌السلام ) : (( مَنْ دمعت عيناه فينا قطرةً آتاه الله تعالى الجنّة )) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٤ / ٦٦١.


أقول : ورجاله ثقات(١) .

____________________

(١) الأوّل : عبد الله بن أحمد بن حنبل . من أئمّة أهل الخلاف، حتّى قيل : إنّه أفضل من أبيه، كما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٩ / ٣٨٩، وفي ط ص٣٧٦.

وقال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ - ٢ / ٦٦٥ : عبد الله بن أحمد بن محمّد بن حنبل، الإمام الحافظ الحجّة أبو عبد الرحمن، محدّث العراق، وَلدُ إمام العلماء أبي عبد الله الشيباني المروزي الأصل البغدادي وُلد سنة ثلاث عشرة ومئتين، وسمع من أبيه فأكثر، ومن يحيى بن عبدويه صاحب شعبة . .، قال الخطيب : كان ثقة ثبتاً فهماً.

الثاني : أحمد بن إسرائيل : روى عنه عبد الله بن حنبل، وروى هو عن محمّد بن عثمان في كتابه فضائل الصحابة ٢ / ٦٦٨ ح ١١٤٠، حدّثني أحمد بن إسرائيل، ثنا محمّد بن عثمان، ثنا زكريا بن يحيى، ثنا يحيى بن سالم، ثنا أشعث بن عمّ حسن بن صالح وكان يُفضّل عليه، ثنا مسعر، عن عطيّة العوفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( . ثمّ مكتوبٌ على باب الجنّة محمّد رسول الله، عليّ أخو رسول الله، قبل أن تُخلق السّماوات بألفي سنة )).

وقال فيه الخطيب البغدادي في كتابه - موضح أوهام الجمع والتفريق ١ / ٤٦٥ : . وهو أحمد بن إسرائيل، الذي روى عنه أبو بكر بن مالك القطيعي، أخبرنا أبو طاهر محمّد بن عليّ بن محمّد بن يوسف الواعظ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، حدّثني أحمد بن إسرائيل، حدّثنا محمّد بن عثمان، حدّثنا زكريا بن يحيى ينوي، حدّثنا يحيى بن سالم، حدّثنا أشعث ابن عم حسن بن صالح وكان يُفضّل عليه، حدّثنا مسعر، عن عطية العوفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مكتوبٌ على باب الجنّة محمّد رسول الله، عليّ أخو رسول الله، قبل أن أخلق السّماوات بألفي سنة )).

أقول : وفي ط : (( قبل أن أصحهما السّماوات . )) والصحيح ما أثبتناه.

قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال ١ / ١٠١ : =


____________________

= ٣٩٦ - [ صح ] أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النّجاد، الفقيه الحنبلي المشهور، عن هلال بن العلاء، وأبي قلابة، وخلق ورحل وصنّف السّنن.

روى عنه ابن مردويه، وأبو علي بن شاذان، وعبد الملك بن بشران وخلق كثير وكان رأساً في الفقه، رأساً في الرواية، ارتحل إلى أبي داود السّجستاني وأكثر عنه، وكان ابن زرقويه يقول : النّجاد بن صاعد قلت : هو صدوق.

قال الدار قطني : حدّث من كتاب غيره بما لم يكن في اُصوله وقال الخطيب : كان قد عمي في الآخر، فلعل بعض الطّلبة قرأ عليه ذلك.

وقال الألباني في إرواء الغليل ٣ / ٤٠ : (فائدة) : النّجاد - الذي عزا إليه الحديثَ مؤلفُ الكتاب - هو أحمد بن سلمان بن الحُسين، أبو بكر الفقيه الحنبلي، يُعرف بالنّجاد، وهو حافظٌ صدوقٌ، جمع المسندَ، وصنّف في السّنن كتاباً كبيراً، روى عنه الدار قطني وغيره من المتقدّمين، ولِدَ سنة (٢٥٣ ه) فيما قيل، وتوفي سنة (٣٤٨ه).

الثالث : وهو إمام الحنابلة، وصاحب المسند المشهور، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشّيباني.

وإليك ما قاله فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢ / ٤٣١ : أحمد بن حنبل شيخ الإسلام، وسيّد المسلمين في عصره، الحافظ الحجّة، أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل بن هلال بن أسد الذّهلي الشّيباني المروزي ثم البغدادي ولِدَ سنة أربع وستّين ومئة.

الرابع : أسود بن عامر : وهو شاذان، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ١١٢ - ١١٣ : شاذان الإمام الحافظ الصّدوق، أبو عبد الرحمن أسود بن عامر، شاذان الشّامي ثم البغدادي ولِدَ سنة بضعٍ وعشرين ومئة، وسمع هشامَ بن حسّان، وطلحة بن عمرو، وذواد بن علبة، وجرير بن حازم، وشعبة بن الحجّاج، وسفيان الثّوري، وعبد العزيز بن الماجشون، و حمّاد بن سلمة، و حمّاد بن زيد وعدّة.

حدّث عنه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبو ثور الكلبي، وعمرو النّاقد، وعبد الله الدارمي، ويعقوب بن شيبة، وأحمد بن الوليد الفحّام، وأحمد بن الخليل البرجلاني، والحارث بن أبي اُسامة وخلق كثير.

وثّقه ابن المديني وغيره، وحدّث عنه من القدماء بقية بن الوليد.

توفي في أوَّل سنة ثمان ومئتين ببغداد، وروى عنه مسلم في صحيحه في ٦ / ١٦٥.

الخامس : الربيع بن منذر الثّوري : قال فيه العجلي في معرفة الثّقات ١ / ٣٥٦ : (٤٦١) الربيع بن منذر كوفي ثقة =


أقول : وهذا ليس بغريب، بل مثله الكثير في الأحاديث النّبوية، وهذا ليس بأعظم من مصافحة المؤمن للمؤمن.

قال الهيثمي : وعن سلمان الفارسي، أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( إنّ المسلمَ إذا لقى أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتتْ عنهما ذنوبُهما، كما يتحاتّ الورقُ عن الشّجرة اليابسة في يومِ ريحٍ عاصفٍ، وإلّا غفر لهما، ولو كانت ذنوبُهما مثل زبدَ البحر )) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير سالم بن غيلان وهو ثقة(١) .

وأيضاً جاء في حبِّ آل محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ما يفوق على غفران الذّنوب من أن يعطى المراتب العالية ببركة حبّهم (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين).

قال القرطبي في تفسيره : وكفى قبحاً بقول مَنْ يقول : إنّ التّقرّبَ إلى الله بطاعته، ومودة نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته منسوخٌ، وقد قال النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ومَنْ مات على حبّ آل محمّد جعل الله زوّار قبره الملائكة والرّحمة، ومَنْ مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيسٌ اليوم من رحمة الله، ومَنْ مات على بغض

____________________

= والسادس : هو منذر الثّوري : قال فيه العجلي في معرفة الثقات ٢ / ٢٩٨: (١٧٩١) منذر الثّوري، أبو يعلى، كوفي ثقة وقال الرّازي في الجرح والتعديل ٨ / ٢٤٢:

١٠٩٣ - منذر بن يعلى، أبو يعلى الثّوري، روى عن ابن الحنفيّة، وسعيد بن جبير، والربيع بن خثيم، وعاصم بن ضمرة.

روى عنه الأعمش، وسعيد بن مسروق، وفطر، والحجّاج بن أرطاة، وابنه الرّبيع بن منذر، سمعت أبي يقول ذلك ثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنّه قال : منذر الثّوري ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات ٧ / ٥١٨ وروى عنه البخاري في صحيحه في باب الوضوء ١ / ٤٢.

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٨ / ٣٧، وفي ط ص٧٧ ح ١٢٧٧١.


آل محمّد لم يرح رائحة الجنّة، ومَنْ مات على بغض آل بيتي فلا نصيبَ له في شفاعتي )).

قلت : وذكر هذا الخبر الزمخشري في تفسيره بأطول من هذا، فقال : وقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكملَ الإيمان، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنّة، ثمّ منكر ونكير، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد فُتِحَ له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومَنْ مات في حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزارَ ملائكةِ الرّحمة، ألا ومَنْ مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيسٌ من رحمة الله، ألا ومَنْ مات على بغض آل محمّد مات كافراً ))(١) .

البكاءُ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) يُخرِجُ من النّار

الخطيب البغدادي، قال : حدّث عن محمّد بن عبد الله الحضرمي، والحسن بن حبّاش الدّهقان، وجعفر بن محمّد بن عبيد بن عتبة الكندي، وغيرهم روى عنه أحمد بن محمّد بن عمران بن الجندي، وكنَّاه نسبة إلى لقب أبيه من غير أن يسمّيه، وحدّث عنه أيضاً جناح بن نذير وغيره من الكوفيِّين، ثنا الحسن بن أبي طالب، ثنا أحمد بن محمّد بن عمران، ثنا أبو الحسن بن شُقَير، ثنا جعفر بن محمّد بن عُبيد، ثنا أحمد بن يحيى الأودي، ثنا مخول بن إبراهيم، ثنا محمّد بن بكر، ثنا الرّبيع بن منذر الثّوري، عن أبيه قال : سمعت الحُسين بن عليٍّ (عليه‌السلام ) يقول : (( مَنْ دمعَتْ عينُه فينا

____________________

(١) تفسير القرطبي ١٦ / ٢٢.


دمعةً، أو قطرَتْ عينُه فينا قطرةً أثواه الله بها في الجنّة حقباً، وإنْ دخل النّار أخرجتُه منها ))(١) .

ثوابُ البكاءِ والدمعةِ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال القندوزي الحنفي : وفي تفسير علي بن إبراهيم، عن الباقر (عليه‌السلام ) قال : كان أبي عليُّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) يقول : (( أيّما مؤمنٍ دمعَتْ عيناه لقتل الحُسين (عليه‌السلام ) ومَنْ معه حتّى يسيلَ على خدّيه، بوّأه الله في الجنّة غُرفاً، وأيّما مؤمنٍ دمعَتْ عيناه دمعاً حتّى يسيل على خدّيه لأَذىً مسَّنا من عدوِّنا، بوَّأه الله مبوَّأ صدقٍ، وأيّما مؤمنٍ مسَّه أذى فينا فدمعَتْ عيناه حتّى يسيلَ دمعُه على خدّيه من مضاضة ما اُوذي فينا، صرفَ الله عن وجهِهِ الأذى، وآمنه يوم القيامة من سخطِهِ ومِنَ النّار ))(٢) .

وقال القندوزي أيضاً : وفي تفسير علي بن إبراهيم، عن جعفر الصادق (عليه‌السلام ) قال : (( مَنْ ذَكَرَنا أو ذُكِرَنا عنده، فخرج من عينيه دمعٌ مثلُ جناحِ بعوضةٍ غفر الله له ذُنوبَه، ولو كانت مثلَ زبدِ البحر ))(٣) .

البكاءُ في يوم عاشوراء عن الإمام الصادق (عليه‌السلام )

قال الأسفراييني : (ويروي) عن جعفر الصادق (عليه‌السلام ) أنّه قال : (( قُتِلَ بالحُسين مئة ألف ولمْ

____________________

(١) تلخيص المتشابه - الخطيب البغدادي ١ / ٥٦٣.

(٢) ينابيع المودّة ٣ / ١٠٢.

(٣) المصدر نفسه.


تقُمْ بثأره، وسيُطلبُ بثأره )) قال جعفر الصادق (عليه‌السلام ) : (( إنّ الشهرَ المحرّمَ كانت الجاهليّةُ يُحرّمون فيه القتالَ، فاستُحلّتْ فيه دماؤنا، وانتُهبَ فيه مالُنا، وتهتكت فيه حريمنا، ولمْ يبقَ فيه حرمةٌ لنا إنّ يومَ عاشوراءَ أحرقَ قلوبَنا، وأرسلَ دموعَنا، وأرضَ كربلاءَ أورثتْنا الكربَ والبلاءَ فعلى مثلِ الحُسين (عليه‌السلام ) فليبكِ الباكون ؛ فإنّ البكاءَ عليه يمحُو الذّنوبَ أيُّها المؤمنون ))(١) .

ما ذُكر في منزلة الباكين في الجنّة، وفضل البكاء في يوم عاشوراء

قال ابن حجر في الإصابة، قال الذهبي : ووقفتُ على نسخةٍ يرويها عبيد الله بن محمّد بن عبد العزيز السّمرقندي، قال : حدّثني الإمام صفوة الأولياء جلالُ الدين موسى بن مجلي بن بندار الدّنيسيري، أخبرنا الشّيخ الكبير العديم النّظير رتن بن نصر بن كربال الهندي، عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . .(فذكر أحاديث كثيرة) . إلى أنْ قال : (( ما مِنْ عبدٍ يبكي يومَ اُصيبَ ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) إلّا كان يوم القيامة مع اُولي العزم من الرّسل )) وقال : (( البُكاء في يومِ عاشوراء نورٌ تامٌ يوم القيامة ))(٢) .

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٨٣، وفي ط ص٧٢.

(٢) الإصابة ٢ / ٥٢٧.

أقول : وهذه مع ضعف سندها، ولكنْ يتقوّى بما تقدّم من الرواية الأولى الصحيحة عن ابن حنبل، وأيضاً توجد كثيرٌ من هذه الروايات، ولكنّ الظروف العامّة التي خلقها بنو اُميّة وبنو العبّاس، والظّلمة والخوارج، وغيرهم من أعداء أهل البيت (عليهم‌السلام ) منعتْ وصولَ الكثيرِ من روايات فضائلِهم (عليهم‌السلام ) فضلاً عن الروايات التي تُصرّحُ بالأحكام الشرعيّة المتعلّقة بأفعال النّاس من التي تُشيدُ بذكرِهم (عليهم‌السلام ) ؛ مثل استحباب البكاء عليهم التي لا ينفكّ عنها المسلمون بحيث تكون على الدوام تُنادي بفضل أهل البيت (عليهم‌السلام )، وأكبرُ شاهدٍ في زماننا على ذلك تركهم ذكرَ الآل في الصّلاة على النّبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع وجود الروايات المصرّحة بالنّهي عن الصّلاة البتراء، وهي التي لا يُذكر فيها أهل البيت (عليهم‌السلام ).


جوابُ مَنْ منع مدح أهل البيت (عليهم‌السلام )

وقال القندوزي الحنفي : وفي جواهر العقدين، قال أبو الحسن بن سعيد في كنوز المطالب في فضائل بني أبي طالب : إنّ الشعراء يشتغلون ببغداد بالمشهد الكاظمي (رضي‌الله‌عنه ) في مدح أهل البيت، وأنكر بعض مَنْ غلب عليه التّعصبُ والتقليدُ، فقلت هذه الأبيات :

يا أهلَ بيتِ المصطفى عجباً لِمَنْ

يأبى حديثَكُمـُ مِنَ الأقوامِ

واللهُ قد أثنى عليكم قبلَه

وبهدْيِكُم شُدَّتْ عُرَى الإسلام

اللهُ يَحْشُرُ كلَّ مَنْ عاداكُمـُ

يومَّ الحسابِ م-زَلْزَلَ الأقدامِ

ويرى شفاعةَ جدِّكم مَنْ دونَه

ويُذادُ عن حوضٍ طريداً ظامي(١)

مجيءُ الزهراء (عليها‌السلام ) يوم المحشر وشفاعتها للباكين على مصيبة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال حسام الدين الحنفي : قال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش : يا أهلَ القيامة، أغمِضُوا أبصارَكم لتجوزَ فاطمةُ بنتُ محمّدٍ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، مع قميصٍ مخضوبٍ بدمِ الحُسين (عليه‌السلام )، فتحتوي على ساق العرش، فتقول : أنت الجبّار العدل، اقضِ بيني وبين مَنْ قتلَ ولدي فيقضي الله لبنتي وربِّ الكعبة، ثم تقول : اللّهمَّ، اشفعني في مَنْ بكى على مصيبته فيشفّعها الله فيهم ))(٢) .

____________________

(١) ينابيع المودّة لذوي القربى ٣ / ١٠٣.

(٢) كتاب ( آل محمّد ) للعلّامه حسام الدين الحنفي / ٣٧ (نسخة مكتبة السيد الأشكوري)، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٥ / ٢٢٢.


قال القندوزي الحنفي : وعنه ( أي عليّعليه‌السلام ) أيضاً : (( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش : يا أهلَ القيامة أغمِضُوا أبصارَكم(١) لتجوزَ فاطمةُ بنتُ محمّدٍ مع قميصٍ مخضوبٍ بدم الحُسين (عليه‌السلام )، فتحتوي على ساقِ العرشِ فتقول : أنت الجبّار العدل اقضِ بيني وبين مَنْ قتلَ ولدي فيقضي الله لبنتي وربِّ الكعبة، ثم تقول : اللّهمَّ : اشفعني في مَنْ بكى على مصيبته فيشفّعها الله فيهم ))(٢) .

حالُ فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) يوم القيامة

قال السمهودي، والقندوزي، والزرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال : وقال سليمان بن يسار: وُجِدَ حجرٌ عليه مكتوبٌ، وهو هذا :

لابدَّ أنْ ترِدَ القيامةَ فاطمٌ

وقميصُها بدمِ الحُسين م-لَطَّخُ

ويلٌ لِمَنْ شفعاؤُهُ خُصَمَاؤُه

والصّورُ في يومِ القيامةِ يُنْفَخُ

وشاهدُهُ ما أخرجَه الحافظ بن الأخضر في ( العترة الطاهرة ) من حديثِ عليِّ الرضا، عن أبيه موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصّادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه عليِّ بن الحُسين، عن أبيه الحُسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) قال : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : تُحْشَرُ ابنتي فاطمةُ يومَ القيامة ومعها ثيابٌ مصبوغة بالدّم، فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش فتقول : يا عدلُ، احكمْ بيني وبين قاتل ولدي فيحكم لابنتي وربِّ الكعبة ))(٣) .

____________________

(١) وفي ط: غضّوا أبصاركم.

(٢) ينابيع المودّة ٢ / ٣٢٣.

(٣) جواهر العقدين - السمهودي / ٤٢١، دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة ٣ / ٤٦، نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢١٩ بإيجاز.


ما رواه الأسفراييني في مجيء فاطمة (عليها‌السلام ) يوم المحشر

وفي نور العين قال الأسفراييني : وعن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه قال : (( إذا كان يومُ القيامة جاءت فاطمة (عليها‌السلام ) في جماعة من نسائها، فيُقال لها : ادخلي الجنّة فتقول : لا أدخل حتّى أعلمَ ما صُنِع(١) بولديَ الحُسين (عليه‌السلام ) فيُقالُ لها : انظري عن يمينك فتلتفت فإذا الحُسين (عليه‌السلام ) قائمٌ وليس عليه رأس، فتصرخ صرخةً فتصرخ النّساءُ لصراخِها والملائكةُ أيضاً، ثم تنادي : وا ولدَاه! وا ثمرةَ فؤاداه ! فعند ذلك يغضبُ اللهُ ويأمر ناراً قد أُوقِدَتْ عليها ألفَ عامٍ حتّى اسودَّتْ، ولا تدخلها ريحٌ ولا يخرج منها أبداً، فيقال لها : التقطي مَنْ حضرَ قتْلَ الحُسين (عليه‌السلام ) فتلقطُهُم، فإذا صاروا في جوفها صهلَتْ بهم وصهلُوا بها، وشهقَتْ بهم وشهقُوا بها، وزفرَتْ بهم وزفروا بها، ثم ينطقون بألسنةٍ ذلقَةٍ ناطقةٍ : يا ربِّنا، لِمَ أوجبْتَ لنا النّار قبل عبدةِ الأوثان ؟! فيأتيهُم الجوابُ عن الله : إنّ مَنْ عَلِمَ ليس كمَنْ لا يعلمَ )).

وروي عن آلِ البيت (عليهم‌السلام ) عن النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : أنّه قال : (( إذا كان يوم القيامة تأتي فاطمةُ الزهراء (عليها‌السلام ) على ناقةٍ من نياق الجنّة، خِطامها من لؤلؤٍ رطْبٍ، وقوائمها من زُمرد أخضر، وذنبُها من مسكٍ أذفر، وعينيها من ياقوتٍ أحمر، وعليها قبةٌ من النّورِ يُرى باطنُها من ظاهرِها وضدُّهُ، داخلُها عفو الله، وخارجُها عليها رحمةُ الله، وعلى رأسِها تاجٌ من النّور وله سبعون ركناً، كلُّ ركنٍ مرصّعٍ بالدّرِ والياقوت، يُضيءُ كما تُضيءُ الكواكبُ في أُفق السّماء، وعن يمينِها سبعون ألفَ ملكٍ، وعن يسارِها مثلُهم، وجبريلٌ آخذٌ بخطام النّاقة، وهو يُنادي

____________________

(١) وفي ط / ٧٠، بما صنع.


بأعلى صوتِه : غضّوا أبصارَكُم حتّى تجوزَ فاطمةُ فيغضّون أبصارَهم حتّى تجاوزَ عرش ربِّها، وتزجّ نفسها عن ناقتِه، وتقول : إلهي وسيّدي ومولاي، احكمْ بيني وبين مَنْ ظلمَني وقتلَ ولدي فإذا النّداءُ مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالى : يا حبيبتي وابنة حبيبي، سليني تُعْطَي، واشفعي تُشَفّعي، فوَعزّتِي وجلالي لا يُجاوزَني ظلم ظالمٍ فتقول : إلهي وسيدي ومولاي، ذُرّيَّتِي وشيعتي وشيعةَ ذُرّيّتي فإذا النّداءُ من قِبَلِ اللهِ تعالى : أين ذُرّيّةُ فاطمة (عليها‌السلام ) وشيعتُها وشيعةُ ذُرّيّتِها ومحبّوها ومحبّو ذُرّيّتِها ؟ فيقولون : - وقد أحاطَتْ بهِم ملائكةُ الرّحمن - ها نحن يا ربّنا فتقودُهُم فاطمةُ (عليها‌السلام ) حتّى تدخلهم الجنّة، وهي آخذةٌ بقميصِ الحُسين (عليه‌السلام ) وهو ملطخٌ بالدّم، وقد تعلّقت بقوائم العرش، وهي تقول : يا ربِّ، احكمْ بيني وبين قاتل ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) فيؤخذُ بها ويُقال لها : ويلٌ لمـّنْ شُفعاؤهُ خُصماؤهُ )).

كما قال القائل :

ويلٌ لمـَنْ شُفعاؤُه خُصماؤُه

والصورُ في بعثِ الخلائق يُنفخُ

لا بدَّ أنْ تردَ القيامةَ فاطمٌ

وقميصُها بدمِ الحُسين ملَطَّخُ

فتقول ربّي إنّني لك أشتكي

قتلَ الحُسين ابني وها أنا أصرُخُ

والله يأمرُ بالجميعِ لنارهٍ

ويلٌ لمـَنْ قتلوا الحُسين يؤرّخ(١)

فاطمةُ الزهراء (عليها‌السلام ) تتعلّق بقوائم العرش وتطلب الانتقامَ من قاتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الخوارزمي والديلمي، والحموي وابن المغازلي، والبدخشي والقندوزي، واللفظ للأوّل قال: وأخبرنا الشيخُ الإمام الثقة أبو بكر محمّدُ بن عبد الله بن نصر الرّاغوني بمدينةِ السّلامِ، منصرفي السّفرة الحجازية، أخبرنا الشيخُ الجليل أبو الحسنِ محمّدُ بن إسحاق الباقرحي، أخبرنا أبو عبد الله الحُسين بن الحُسين بن علي بن بندار، أخبرنا

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) / ٨٢، وفي ط / ٧٠ - ٧١.


أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان البزّاز، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدّثني أبي أحمد بن عامر، أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى الرّضا (عليه‌السلام ) قال : حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد (عليه‌السلام ) قال : حدّثني أبي محمّد بن عليٍّ (عليه‌السلام ) قال : حدّثني أبي عليُّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) قال : حدّثني أبي الحُسين بن عليٍّ (عليه‌السلام )، قال : حدّثني أبي عليُّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ((تُحْشَرُ ابنتي فاطمة يومَ القيامة ومعها ثيابٌ مصبوغةٌ بالدّم، فتتعلّق بقائمةٍ من قوائمِ العرش، فتقول : يا عدلُ، احكم بيني وبين قاتل ولدي قال : فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : فيحكُم لابنتي وربِّ الكعبة ))(١) .

النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يبشّر مَن بكى ورثى الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بأنّ له مثلَ مَنْ جاهد مع الحُسين (عليه‌السلام )

وفي نَظْمِ دُرَرِ السّمطين قال : ونقل سبطُ ابنِ الجوزي (رحمه‌الله ) أنّ ابن الهبارية الشاعرَ اجتازَ كربلاء، فجلسَ يبكي على الحُسين (عليه‌السلام ) وأهله :

أحسينُ والمبعوثِ جدِّك بالهدى

قسماً يكون الحقُّ عنه مسائلي

لو كنتُ شاهدَ كربلا لبذلتُ في

تنفيس كربِك جُهْدَ بَذْلِ الباذلِ

____________________

(١) مقتل الحُسين للخوارزمي ١ / ٩٠، الفصل الخامس، وذكره غيره باختلاف لا يضر بالمعنى كما في فردوس الأخبار بمأثور الخطاب للديلمي ٥ / ٤٧٦، فرائد السمطين للجويني ٢ / ٢٦٦ - ٥٣٣، رواه من القوم : منهم العلّامه ابن المغازلي (على ما في مناقب عبد الله الشافعي، مخطوط) إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٢٧، ومنهم العلّامه البدخشي في (مفتاح النجا / ١٥٠، مخطوط ) إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٢٧، ينابيع المودّة لذوي القربى ٢ / ٣٢٣.


وسقيتُ حدَّ السّيفِ من أعدائكُمْ

علَلاً وحدَّ السّمهريِّ الذابلِ

لكنّني أُخِّرْتُ عنك لشقوتي

فبلابلي بين الغريِّ وبابلِ

هبني حُرِمْتُ النّصرَ من أعدائِكُمْ

فَأقِلَّ من حُزْنٍ ودمعٍ سائلِ

ثم نام في مكانه، فرأى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام فقال له : (( يا فلان، جزاك الله عنِّي خيراً، أبشرْ فإنّ الله قد كتبكَ ممّنْ جاهد بين يدي الحُسين (عليه‌السلام ) ))(١) .

____________________

(١) نظم درر السمطين ١ / ٢٢٥، التّبر المذاب / ٩٣ المخطوط، للعلّامة الشريف أحمد بن محمّد بن أحمد الحُسيني الخوافي [الحافي] الشافعي قال : قال الشّعبي : وحكاه ابن سعد في الطبقات، قال : أنشدنا بعض أشياخنا : أنّ ابن الهبارية الشاعر اجتاز بكربلاء، فجلس يبكي على الحُسين (عليه‌السلام ) وأهله (عليهم‌السلام )، وقال بديهاً :

أحسينُ والمبعوثِ جدِّك بالهدى

قسماً يكون الحقُّ عنه م-سائلي

لو كنتُ شاهدَ كربلا لبذلتُ في

تنفيس كربك جُهْدَ بَذْلِ الباذلِ

وسقيتُ حدَّ السّيفِ من أعدائكم

علَلاً وحدَّ السّمهريِّ الذابلِ

لكنّني أُخِّرْتُ عنك لشقوتي

فبلابلي بين الغريِّ وبابلِ

هبْني حُرِمْتُ النّصرَ من أعدائِكم

فَأقِلَّ من حُزْنٍ ودمعٍ سائلِ

ثم نام في مكانه، فرأى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، فقال له : (( جزاك اللهُ عنِّي خيراً، أبشرْ فإنّ الله كتبك ممّنْ جاهد بين يدي الحُسين (عليه‌السلام ) )) نقلاً عن إحقاق الحقِّ - السيد المرعشي ٢٧ / ٤٧٥.



الباكون على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

بكاءُ النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونشيجُه على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الطبراني والهيثمي، وابن العديم والم-تّقي الهندي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا الحُسين بن إسحاق التُستري، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن أُمّ سلمة قالت : كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالساً ذاتَ يومٍ في بيتي فقال : (( لا يدخل عليَّ أحدٌ )) فانتظرتُ فدخل الحُسين (عليه‌السلام )، فسمِعْتُ نشيجَ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يبكي، فاطّلعت فإذا حُسينٌ في حجره والنّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يمسح جبينه - وهو يبكي - فقلتُ : والله , ما علمت حين دخل، فقال : (( إنّ جبريل (عليه‌السلام ) كان معنا في البيت، فقال : تُحِبّهُ ؟ قلت : أمّا مِنَ الدّنيا فنعم قال : إنّ اُمّتَك ستقتلُ هذا بأرضٍ يُقال : لها كربلاء )) فتناولَ جبريلُ (عليه‌السلام ) من تُربتِها، فأراها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلمـَّا اُحيطَ بحُسينٍ (عليه‌السلام ) حين قُتِلَ قال : (( ما اسم هذه الأرض ؟ )) قالوا : كربلاء قال : (( صدقَ اللهُ ورسولُه ؛ أرضُ كربٍ وبلاء ))(١) .

____________________

(١) المعجم الكبير للطبراني ٣ / ١٠٨ - ١٠٩، مجمع الزوائد للهيثمى ٩ / ١٨٨، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٥٩٨، كنز العمال للمتقي الهندي ٣١ / ٦٥٦ - ٦٥٧.


وقال الهيثمي : رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات(١) .

النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ينهى عن إبكاء الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وتغيّر حاله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمـَّا نُبِّئ بمقتله وبأكثر من رواية

روى ابن عساكر، وابن العديم، والذهبي، واللفظ للأوّل : أنبأنا أبو علي الحدّاد وجماعة قالوا: أنبأنا أبو بكر بن ريذة، أنبأنا سليمان بن أحمد، أنبأنا علي بن سعيد الرّازي، أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة المروزي، أنبأنا علي بن الحُسين بن واقد، حدّثني أبي، أنبأنا أبو غالب، عن أبي اُمامة قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لنسائِه : (( لا تُبكُوا هذا الصّبي )) - يعنِي حسيناً -.

قال : فكان يوم أُمِّ سلمة، فنزلَ جبريل، فدخل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال لأُمِّ سلمة : (( لا تدَعي أحداً يدخلُ عليَّ )) فجاء الحُسين (عليه‌السلام )، فلمـَّا نظر إلى النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في البيت أراد أن يدخلَ، فأخذتْهُ أُم سلمة فاحتضنتْهُ، وجعلت تُناغيه وتُسكتُه، فلمـَّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلسَ في حِجْرِ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال جبريل للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : إنّ اُمّتك ستقتلُ ابنك هذا فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يقتلونَه وهم مؤمنون بي ؟! )) قال : نعم يقتلونه فتناولَ جبريل تربةً، فقال : بمكان كذا وكذا.

فخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - وقد احتضنَ حسيناً - كاسفَ البالِ مهموماً، فظنّتْ أُمّ سلمة أنّه غضبَ من دخول الصّبي عليه، فقالت : يا نبيّ الله، جُعِلْتُ لك الفداء إنّك قلت لنا : ((لا تُبكُوا هذا الصّبي )) وأمرتني أنْ لا أدعَ أحداً يدخل عليك، فجاء فخلّيتُ عنه فلمْ يردّ عليها، فخرج إلى أصحابه، وهم جلوس، فقال لهم : (( إنّ اُمّتي يقتلون هذا )) وفي القوم أبو بكر وعمر - وكانا أجرأ القوم عليه - فقالا : يا نبيّ الله، يقتلونَه وهم مؤمنون ؟ قال :

____________________

(١) مجمع الزوائد للهيثمي ٩ / ١٨٨.


(( نعم هذه تُربتُه )) فأراهم إيّاها(١) .

وذكره الذهبي بإيجاز، وقال : وإسناده حسن(٢) .

ورواه الطبراني بطريق آخر عن أبي اُمامة، قال : حدّثنا أبو حبيب زيد بن الم-هتدي الم-روذي، ثنا علي بن خشرم، ثنا الفضل بن موسى، عن الحُسين بن حكى، عن أبي غالب، عن أبي اُمامة أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان إذا تكلّم تكلّم ثلاثاً لكي يُفهم عنه، حدّثنا علي بن سعيد الرّازي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن الم-غيرة الم-روزي، ثنا بن الحسن بن شفيق، ثنا الحُسين بن واقد، حدّثني أبو غالب، عن أبي اُمامة قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لنسائِه : (( لا تُبكُوا هذا الصّبي )) - يعني حسيناً -.

قال : وكان يومَ أُمِّ سلمة، فنزل جبريل (عليه‌السلام )، فدخل رسولَ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال لأُمِّ سلمة : (( لا تدَعي أحداً يدخل عليَّ )) فجاء الحُسين (عليه‌السلام )، فلمـَّا نظر إلى النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في البيت أراد أن يدخلَ، فأخذته أُمّ سلمة فاحتضنته، وجعلتْ تُناغيه وتُسكنُه، فلمـَّا اشتدّ في البكاء خلَّتْ عنه، فدخل حتّى جلسَ في حِجْرِ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله

____________________

(١) تاريخ دمشق - ابن عساكر ١٤ / ١٩٠، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٢٤٥، مختصر تاريخ مدينة دمشق ٧ / ١٣٣ لابن منظور، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٠١ - ٢٦٠٢، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٢٨٩.

(٢) سير أعلام النبلاء ٣ / ٢٨٩ للذهبي، قال علي بن الحُسين بن واقد، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو غالب، عن أبي اُمامة، قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لنسائه : (( لا تُبكُوا هذا )) - يعني حسيناً - فكان يومَ اُمّ سلمة، فنزل جبريل، فقال رسول الله لأُمّ سلمة : (( لا تدَعي أحداً يدخل )) فجاء حُسين فبكى، فخلّتْه يدخل، فدخل حتّى جلسَ في حِجْرِ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال جبريل : إنّ اُمّتك ستقتلُه قال : (( يقتلونه وهم مؤمنون ؟! )) قال : نعم وأراه تربته إسناده حسن.


فقال جبريل (عليه‌السلام ) : إنّ اُمّتك ستقتل ابنك هذا فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يقتلونه وهم مؤمنون بي ؟! )) قال : نعم يقتلونه فتناول جبريل تربة، فقال : بمكان كذا وكذا.

فخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - وقد احتضن حسيناً - كاسفَ البال مهموماً، فظنّتْ أُم سلمة أنّه غضبَ من دخول الصّبي عليه، فقالت : يا نبيّ الله، جُعِلْتُ لك الفداء إنّك قلت لنا : (( لا تُبكُوا هذا الصّبي )) وأمرتني أن لا أدعَ أحداً يدخل عليك، فجاء فخلَّيْتُ عنه فلمْ يردّ عليها، فخرج إلى أصحابه، وهم جلوس، فقال لهم : (( إنّ اُمّتي يقتلون هذا )) وفي القوم أبو بكر وعمر ( رضي ‌الله‌ عنهما ) - وكانا أجرأ القوم عليه - فقالا : يا نبيّ الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟ قال : (( نعم، وهذه تربته )) وأراهم إيّاها(١) .

أقول : ورجاله ثقات(٢) .

____________________

(١) المعجم الكبير - الطبراني ٨ / ٢٨٥.

(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٨٩ : رواه الطبراني ورجاله موثَّقون، وفي بعضهم ضعف قال الشيخ الأميني الشيعي (قدس‌سره ) - تعقيباً على قول الهيثمي - : ضعفُ بعضِ رجال الإسناد عند بعضٍ من دون بيانِ وجهِ الضعفِ بعد ثقتهم لا يُعبَأ به، ولا يضرَّ بالحديث كما هو الم-قرّر في اُصول [ الفقه ] الفن على أنّ الاحتجاج به في مثل المقام سائغٌ متّفقٌ عليه، كما نصّ عليه أعلام الفقه والحديث ولعل الهيثمي يومي إلى عليّ بن سعيد الرّازي المتوفّى ( ٢٩٩ ه ) شيخِ الحديث، المعروفِ بعليان، كان حافظاً رحّالاً جوّالاً، يفهم ويحفظ.

قال ابن يونس في تاريخه : تكلّموا فيه، وكان من المحدّثين الأجلاّء، وكان يصحب السّلطان ويلي بعض الولاة وعقّب ابن حجر كلمةَ ابن يونس وقال : لعل كلامَهم فيه من جهة دخوله في أعمال السّلطان وحكى حمزة بن محمّد الكتّاني: أنّ عبدان بن أحمد الجواليقي كان يعظّمه وقال مسلمة بن قاسم : يُعرف بعليان، وكان ثقةً عالماً بالحديث، حدّثني عنه غير واحد وقال أبو أحمد بن عدي : قال لي الهيثم الدوري : كان يسمع الحديث مع رجاء غلام المتوكّل، وكان مَنْ أراد أن يأذن له اُذِن له، ومَنْ أراد أن يمنعْه منعه قال : وسمعت أحمد بن نصر يقول : سألت عنه أبا عبيد الله بن أبي خيثمة فقال : عشتُ إلى زمانٍ أسأل عن مثله.

مصادر التراجم :

تاريخ البخاري الكبير ١ ق ٢ / ٣٨٦، ج ٣ ق ٢ / ٢٦٧، طبقات ابن سعد ٧ ق ٢ / ١٠٤، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١ ق ٢ / ٦٦، ج ٣ ق ١ / ١٧٩، تذكرة الحفّاظ للذهبي ٢ / ٢٨٤، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٧٣، ج ٧ / ٣٠٨، ج ١٢ / ١٩٧، تذهيب الخزرجي / ٧٢ و ١٣١ و ٣٩٣، شذرات الذهب ٢ / ٢٧ و ٢٣٢، لسان الميزان ٤ / ٢٣١ انتهى كلامه (سيرتنا وسنّتنا - الشيخ الأميني / ٦٣ - ٦٥ ).


النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يتأذّى لبكاء الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى ابن عساكر والطبراني، والذهبي وابن جرير الطبري، والصالحي الشامي، والقندوزي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو غالب بن البن، نا أبو الغنائم بن المأمون، نا أبو القاسم بن حبابة، نا أبو القاسم البغوي، حدّثني عمِّي، نا أبو نعيم، نا عبد السّلام، عن يزيد بن أبي زياد قال : خرج النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بيت عائشة، فمرَّ على بيتِ فاطمة فسمع حُسيناً يبكي فقال: (( ألمْ تعلمي أنّ بكاءَه يؤذيني ؟! ))(١) .

النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تفيض عيناه بالدّموع على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى أحمد بن حنبل، والهيثمي، والذهبي، وأبو يعلي الموصلي، والطبراني، والمتّقي الهندي، والمزّي، وابن حجر، وابن كثير، وابن الدمشقيّ، والصالحي الشامي، والحنبلي المقدسي، وابن أبي شيبة، والبزّاز، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا محمّد بن عبيد، ثنا شرحبيل بن مدرك، عن عبد الله بن نجيّ، عن أبيه : أنّه سار مع عليٍّ (عليه‌السلام ) - وكان صاحب مطهرته(٢) - فلمـَّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى عليٌّ : (( اصبرْ أبا عبد الله، اصبرْ

____________________

(١) تاريخ دمشق - ابن عساكر ١٤ / ١٧١، المعجم الكبير ٣ / ١١٦، سيرة أعلام النبلاء ٣ / ٢٨٤، دخائر العقبى / ١٤٣ وقال : خرّجه ابن بنت منيع، سبل الهدى والرشاد الصالحي الشامي ١١ / ٧٣، ينابيع المودّة للقندوزي ٢ / ٢١٤.

(٢) صاحب مطهرته / أي حامل ماء وضوءه.


أبا عبد الله بشط الفرات )) قلت : وما ذاك ؟ قال : (( دخلت على النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذات يومٍ وعيناه تفيضان، قلت : يا نبيّ الله، أغضبك أحد ؟ ما شأن عينيك تفيضان ؟! فقال : قام من عندي جبريل، فحدّثني(١) أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) يُقتلُ بشط الفرات قال : فقال : هل لك أنْ أشمّك من تربته ؟ قلتُ : نعم فمدّ يده فقبض قبضةً من تراب، قال : فأعطانيها، فلمْ أملك عيني أنْ فاضتا ))(٢) (( ثمّ سأل عن تلك الأرض، فقيل : ( يقال ) لها : كربلاء فقال : كرب وبلاء ))(٣) .

____________________

(١) وفي المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٠٦ : (( فأخبرني أنّ اُمّتي تقتلُ الحُسين ابني )) (مشهور)، ثمّ قال : (( هل لك أن اُريك من تربته قلت : نعم، فمدّ يده فقبض، فلمـَّا رأيتها لم أملك عيني أن فاضتا )).

(٢) مسند أحمد ١ / ٨٥، مجمع الزوائد - الهيثمى ٩ / ١٨٧، وقال : رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، والطبراني ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا الأحاديث المختارة للحنبلي المقدسي ٢ / ٣٧٥، وقال : وإسناده حسن، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣ / ٢٨٨، وقال : هذا غريب وله شويهد، وتاريخ الإسلام للذهبي ٣ / ٩، مسند أبي يعلى ١ / ٢٩٨، المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٠٥ - ١٠٦، كنز العمّال للم-تّقي الهندي ٣١ / ٦٥٥، تاريخ دمشق لابن عساكر ١٤ / ١٨٧ - ١٨٩، رواه بثلاثة طرق إلى محمّد بن عبيد . عن . عن عبد الله بن نجي عن أبيه : . .، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٠٧، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢ / ٣٠٠، البداية والنهاية لابن كثير ٨ / ٢١٧، وقال : تفرّد به أحمد.

أقول : ولا يعبأ بهذا لكثرة من رووه عن محمّد بن عبيد، كأبي شيبة صاحب المصنّف، وأبي يعلى الموصلي، عن أبي خثيمة، عن محمّد بن عبيد وغيرهم، ورواية ابن عساكر عن محمّد بن عبيد بثلاث طرق، وبقول الهيثمي : رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، والطبراني، ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليٍّ (عليه‌السلام ) لابن الدمشقي ٢ / ٢٩٠، سبل الهدى والرشاد - للصالحي الشامي ١١ / ٧٤، الأحاديث المختارة للحنبلي المقدسي ٢ / ٣٧٥، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ / ٤٧٨، مسند البزّاز ٣ / ١٠١، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٥٩٦.

(٣) وهذه الزيادة التي بين القوسين من جواهر المطالب في مناقب الإمام عليٍّ (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢٩٠، وقد تقدّم تفصيل الكلام في هذه الزيادة في الخبر الأوّل من أخبار أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) من الفصل الثاني من فصول هذا الكتاب.


وقال الهيثمي : رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار، والطبراني، ورجاله ثقات، ولم ينفرد نجي بهذا(١) .

قال الحنبلي المقدسي: وإسناده حسن(٢) .

بكاءُ النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بكربلاء

روى الطبراني، والهيثمي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا أحمد بن رشدين المصري، حدّثنا عمرو بن خالد الحرّاني، حدّثنا ابن لهيعة(٣) ، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ( رضي‌ الله ‌عنها ) قالت :

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمى ٩ / ١٨٧، وفي ط / ٣٠١.

(٢) الأحاديث المختارة للحنبلي المقدسي ٢ / ٣٧٥.

(٣) قال الهيثمى : رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار كثير، وأوّله : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أجلس حُسيناً (عليه‌السلام ) على فخذه فجاءه جبريل، وفى إسناد الكبير ابن لهيعة مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٨٨، وفي ط / ٣٠٢.

أقول: وابن لهيعة ثقة، بل له إطراء فوق الوثاقة، قال الذهبي فيه : ابن لهيعة الإمام الكبير، قاضى الديار المصريّة وعالمها ومحدّثها، أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمي المصري ( تذكرة الحفّاظ - الذهبي ١ / ٢٣٨)، وذكر الذهبي : (قال) أحمد بن حنبل : مَنْ كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه واتّقانه (تذكرة الحفّاظ - الذهبي ١ / ٢٣٧)، وقال الذهبي : (قال) أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما كان محدّث مصر إلّا ابن لهيعة وقال أحمد بن صالح : كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلاّباً للعلم (تذكرة الحفّاظ - الذهبي ١ / ٢٣٨).

أقول : الظاهر إنّ الذهبي في آخر ترجمته (لابن لهيعة) لا يقول بأخذ رواياته، وهذا لا يضر لعمل غيره من علماء أهل الخلاف برواياته، وعلى كلّ حال ما مرَّ من الروايات الصحيحة يفي بالمطلوب.


ثمّ دخل الحُسين بن عليٍّ (عليه‌السلام ) على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - وهو يوحى إليه - فنزا على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - وهو منكبّ - ولعب على ظهره، فقال جبريل لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : أتُحبّه يا محمّد؟ قال : (( يا جبريل، وما لي لا اُحبّ ابني ؟! )) قال : فإنّ اُمّتَك ستقتلُهُ من بعدِك فمدَّ جبريل (عليه‌السلام ) يده فأتاه بتربة بيضاء، فقال : في هذه الأرض يُقْتَلُ ابنُك هذا يا محمّد، واسمها الطفّ فلمـَّا ذهب جبريل (عليه‌السلام ) من عند رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والتربة في يده يبكي، فقال : (( يا عائشة، إنّ جبريل (عليه‌السلام ) أخبرني أنّ الحُسين ابني مقتولٌ في أرضِ الطّفِّ، وإنّ اُمّتي ستُفْتتنُ بعدي )) ثم خرج إلى أصحابه فيهم عليّ (عليه‌السلام )، وأبو بكر وعمر، وحذيفة وعمّار، وأبوذر (رضي‌ الله ‌عنهم) ، وهو يبكي، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟! فقال : (( أخبرني جبريل أنّ ابني الحُسين (عليه‌السلام ) يُقْتَلُ بعدي بأرضِ الطّفِّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه ))(١) .

____________________

(١) المعجم الكبير للطبراني ٣ / ١٠٧، مجمع الزوائد ٩ / ١٨٧ - ١٨٨، كنز العمال ١٢ / ١٢٣، موجزاً عن ابن سعد، فيض القدير في شرح الجامع الصغير للمناوي ١ / ٢٦٦ عن الطبراني بإيجاز سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي ١١ / ٧٣ عن الطبراني وابن سعد، الصواعق الم-حرقة لابن حجر / ٢٩٢ عنهما بإيجاز، ينابيع المودّة ٣ / ١٠.

ملاحظة : لم نجده في الطبقات الكبرى، ولعلهم أسقطوه منه بكاملها قبل إسقاطهم ترجمة الإمامين الحسن والحُسين (عليهما‌السلام )، كما هو في الطبعات المتأخرّة، فلاحظ.

وذكره أيضاً جماعة من القوم : منهم العلّامه الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد الماوردي الشافعي، المتوفّى سنة ( ٤٥٠ ه- ) في أعلام النّبوة / ١٠٨، ط دار الكتب العلمية، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٥٠، والعلّامه ولي الله اللكهنوي في مرآة المؤمنين / ٢٣١، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٥١، والفاضل المعاصر الهادي حمّو في أضواء على الشيعة / ١٢١، ط دار التركي، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٥١، والعلّامه الأمير أحمد بهادر خان في تاريخ الأحمدي / ٦٥، قال : قال العلّامه عبد العزيز الدهلوي في سر الشهادتين : أمّا إخبار النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذه الواقعة الهائلة من جهة الوحي فمشهور متواتر ؛ من ذلك ما أخرجه ابن سعد، والطبراني عن عائشة : أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( أخبرني جبرئيل أنّ ابني الحُسين يُقْتَلُ بعدي بأرض الطفِّ، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّها مضجعه )) إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٥٢.


وروى الطبراني، وابن عساكر، وابن منظور، وابن حجر، وابن العديم، والمزّي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني عبّاد بن زياد الأسدي، ثنا عمرو بن ثابت(١) ، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن أُمّ سلمة قالت : كان الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) يلعبان بين يدَي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بيتي، فنزل جبريل (عليه‌السلام )، فقال : يا محمّد، إنّ اُمّتك تقتُلُ ابنك هذا من بعدك فأوما بيده إلى الحُسين (عليه‌السلام )، فبكى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وضمَّه إلى صدره، ثم قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( وديعةٌ

____________________

(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٨٩: وفيه عمرو بن ثابت النكري، وهو متروك أقول : ذكر بعض القوم في عمرو بن ثابت بأنّه متروك الحديث وذمّوه، وما ذاك إلّا لتشيّعيه مع وجود التصريحات بكونه صدوق وليس بمنكر، بل بعضهم قال : كان يتشيع ولم يُترك راجع ترجمته وسند هذه الرواية فيما ذكرته في الفصل الثاني من هذا الكتاب في الخبر الثاني من أخبار أُمّ سلمة (رضوان عليها).


عندكِ هذه التربة )) فشمّها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال : (( ويح كربٌ وبلاء )) قالت : وقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا أُمّ سلمة، إذا تحوَّلَتْ هذه التربةُ دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتِلَ )) قال: فجعلَتْها أُمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلَتْ تنظر إليها كلَّ يوم وتقول : إنّ يوماً تُحَولينَ دماً ليوم عظيم(١) .

أقول : ورجاله ثقات(٢) .

نحيبُ النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) في كربلاء

روى ابن عساكر، والحافظ عبد بن حميد، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو عمر محمّد بن محمّد بن القاسم العبشمي، وأبو القاسم الحُسين بن علي الزّهري، وأبو الفتح المتار بن عبد الحميد، وأبو بكر مجاهد بن أحمد البوشنجيان، وأبو المحاسن أسعد بن علي بن الموفّق، قالوا : نا أبو الحسن عبد الرّحمن بن محمّد الداودي، نا عبد الله بن أحمد بن حموية، نا إبراهيم بن خريم الشّاشي، نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، نا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه قال : قالت أُم سلمة : كان النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) نائم، فجاء

____________________

(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٠٨، تاريخ دمشق لابن عساكر ١٤ / ١٩٣، مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور ٧ / ١٣٤، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢ / ٣٠١، تهذيب الكمال ٦ / ٤٠٩.

وذكر أيضاً السيّد المرعشي آخرين ؛ منهم العلّامه الشيخ وليّ الدين أبو زرعة العراقي في (طرح التثريب ١ / ٤١ ط مصر)، ومنهم الحافظ الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب / ٢٧٩ ط الغري)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٤٧ - ٣٤٨، وزاد صاحب معالم المدرستين، والصراط السوي للشيخان المدني / ٩٣، وجوهرة الكلام / ١٢٠، والروض النضير ١ / ٩٢ - ٩٣.

(٢) تقدّم الكلام في رجال سنده في الفصل الثاني من هذا الكتاب، في الخبر الثاني من أخبار أُمّ سلمة (رضوان الله عليها).


حُسينٌ يتدرّج، قالت : فقعدتُ على الباب، فسبقتُهُ مخافةَ أن يدخلَ فيوقِظَهُ قالت : ثمّ غفلتُ في شيء فدبَّ فدخل فقعد على بطنه قالت : فسمعت نحيبَ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فجئتُ فقلت : يا رسول الله، والله ما علمت به فقال : (( إنّما جاءني جبريل (عليه‌السلام ) - وهو على بطني قاعد - فقال لي : أتحبّه ؟ فقلت : نعم قال : إنّ اُمّتك ستقتلُهُ، ألا اُريك التربةَ التي يُقْتَلُ بها ؟ قال : فقلت : بلى قال : فضرب بجناحه فأتى بهذه التربة )) قلت : فإذا في يده تربةٌ حمراء، وهو يبكي، ويقول : (( يا ليت شعري مَنْ يقتلُكَ بعدي ))(١) .

أقول: ورجاله ثقات(٢) .

دموعُ النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تسيل لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بكربلاء

روى الطبراني، وإسحاق بن راهويه المروزي، وأبو شيبة، وابن سعد، والخوارزمي، والمتّقي الهندي، والبيهقي، وابن حجر، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا الحُسين بن إسحاق التُستري، ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس.

وحدّثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يعلى بن عبيد قال : ثنا موسى بن صالح الجُهني، عن صالح بن أربد، عن أُمّ سلمة قالت : قال لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( اجلسي بالباب، ولا يلجنَّ عليَّ أحد )) فقمت بالباب

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ١٩٤، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٢٥٩، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٥٩٩، منتخب مسند عبد بن حميد - لعبد بن حميد بن نصر الكسي / ٤٤٢.

(٢) فقد تعرّض له الشيخ الأميني (أعلى الله مقامه) في كتاب سيرتنا وسنّتنا / ٩٠، قال : الإسناد صحيح، ورجاله رجال الصحاح ثقات . .، راجع ما نقلناه عنه في الفصل الثاني من هذا الكتاب، في الخبر السّادس من أخبار أُمّ سلمة (رضوان الله عليها).


إذ جاء الحُسين (رضي‌الله‌عنه )، فذهبت أتناولُه، فسبقني الغلام- فدخل على جدِّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقلت : يا نبي الله، جعلني الله فداك ! أمرتني أن لا يلج عليك أحد وإنّ ابنك جاء، فذهبت أتناولُه فسبقني، فلمّا طال ذلك تطلّعت من الباب، فوجدتُك تُقلّبُ بكفيك شيئاً، ودموعَك تسيلُ، والصّبي على بطنك ! قال : (( نعم، أتاني جبريل فأخبرني أنّ اُمّتي يقتلونَه، وأتاني بالتّربة التي يُقْتَلُ عليها، فهي التي أقلب بكفّي ))(١) .

أقول : وقال إسحاق بن راهويه في رجال هذا الحديث : ثقات(٢) .

عينا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تهرقان بالدموع لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بكربلاء

الحاكم النيسابوري، وابن عساكر، وابن كثير، والمتّقي الهندي، والصالحي الشامي، والخوارزمي، وابن حجر الهيتمي، والسّيوطي، والقندوزي وغيرهم، واللفظ للأوّل قال : (أخبرنا) أبو عبد الله محمّد بن علي الجوهري ببغداد، ثنا أبو الأحوص محمّد بن الهيثم القاضي، ثنا محمّد بن مصعب، ثنا الأوزاعي، عن أبي عمّار شدّاد بن عبد الله، عن اُمِّ الفضل بنت الحارث : أنّها دخلت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقالت: يا رسول الله، إنّي رأيت حُلماً منكراً الليلة قال : ((وما هو ؟ )) قالت : إنّه شديد قال : (( وما

____________________

(١) معجم الكبير - للطبراني ٣ / ١٠٩، مسند إسحاق بن راهويه ١ / ١٣٠ - ١٣١، مصنف ابن أبي شيبة ٧ / ٤٧٧ - ٤٧٨ فيه بعض الاختلاف، مقتل الحُسين للخوارزمي ١ / ٢٣٢، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٤٤، كنز العمال - المتقي الهندي ٣١ / ٦٥٧ مختصر، والبيهقي في دلائل النبوة ٦ / ٤٦٨ موجز، وكذا ابن حجر في المطالب العالية ٤ / ٧٣ عن ابن راهويه موجزاً ذكرهما السيّد عبد العزيز الطبا طبائي في ترجمة الإمام الحُسين لابن سعد.

(٢) مسند إسحاق بن راهويه ١ / ١٣١، وقد ذكر الشيخ الأميني (قدس‌سره ) تصحيح هذا الحديث في كتاب سيرتنا وسنتنا / ١١٢.


هو ؟ )) قالت : رأيت كأنّ قطعةً من جسدِك قُطِعَتْ ووضِعَتْ في حِجْري ! فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( رأيتِ خيراً ؛ تلدُ فاطمة إنْ شاء الله غلاماً فيكون في حجرك )) فولدَتْ فاطمة (عليها‌السلام ) الحُسين (عليه‌السلام )، فكان في حجري كما قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فدخلتُ يوماً [على] رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فوضعته في حجره، ثمّ حانت منِّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تهريقانِ من الدّموع قالت : فقلت : يا نبيّ الله، بأبي أنت واُمّي ما لك ؟! قال : (( أتاني جبريل (عليه الصلاة والسّلام) فأخبرني أنّ أُمّتي ستقتلُ ابني هذا )) فقلتُ : هذا ؟ فقال : (( نعم، وأتاني بتربةٍ من تربته حمراء ))(١) .

____________________

(١) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٧٦ - ١٧٧، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ١٩٦ - ١٩٧، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٢٦٦، البداية والنهاية - ابن كثير ٦ / ٢٥٨، كنز العمال - المتّقي الهندي ٢١ / ١٢٣، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١ / ١٥٤، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للخوارزمي ١ / ٢٣٢، الصواعق المحرقة / ٢٩٥ (طبعة دار الكتب العلمية) موجز، الخصائص الكبرى للسّيوطي ٢ / ١٢٥، ينابيع المودّة - للقندوزي ٣ / ٧، وذكره جماعة من القوم أيضاً : منهم العلّامه ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمة / ١٥٤ ط الغري)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٩٨، ومنهم العلّامه الذهبي في (تلخيص المستدرك المطبوع في ذيل المستدرك ٣ / ١٧٦، ط حيدر آباد)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٩٩، ومنهم العلّامه الخطيب التبريزي في (مشكوة المصابيح / ٥٧٢ ط الدهلي)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٩٩، ومنهم العلّامه الشيخ أحمد بن يوسف الدمشقي في (أخبار الدول وآثار الاُول / ١٠٧ ط بغداد)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٩٩، ومنهم العلّامه البدخشي في (مفتاح النجا / ١٣٤ مخطوط)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٩٩، ومنهم العلّامه الشبلنجي في (نور الأبصار / ١١٦ ط مصر)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٠٠، ومنهم العلّامه الشيخ يوسف النّبهاني في (الفتح الكبير ١ / ٢٢ ط مصر)، إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٠٢، ومنهم العلّامه أبو بكر أحمد بن الحُسين البيهقي في (دلائل النبوة ٦ / ٤٦٨ ط بيروت)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٥، ومنهم الفاضل الأمير أحمد حُسين بهادر خان الحنفي البريانوي الهندي في كتابه (تاريخ الأحمدي / ٦٦ ط بيروت سنة ١٤٠٨ ه)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٦، ومنهم العلّامه المولوي وليّ الله اللكنهوئي في (مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيّد المرسلين /٢٣١ ط الهند)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٦، ومنهم العلّامه الشريف أبو المعالي المرتضى محمّد بن علي الحُسيني البغدادي في (عيون الأخبار في مناقب الأخيار / ٤٩ نسخة مكتبة الفاتيكان)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٦، ومنهم العلّامه المعاصر محمّد العربي التباني الجزائري المكّي في (تحذير العبقري من محاضرات الخضري ٢ / ٢٤٠ ط بيروت سنة ١٤٠٤)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٧، ومنهم العلّامتان الشريف عبّاس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد في (جامع الأحاديث ٤ / ٧٢٥ ط دمشق)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٧، ومنهم العلّامه حسام الدين المردي الحنفي في (آل محمّد / ٢٣، والنّسخة مصوّرة من مكتبة السيّد الأشكوري)، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٦٧، ومنهم العلّامه الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها ٢ / ٤٨٤، ط المكتب الإسلامي بيروت )، إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٦٣٣.


قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين(١) .

روى الطبراني قال : حدّثنا الصائغ، ثنا أحمد بن عمر العلاّف، ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن محمّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أجلس حُسيناً (عليه‌السلام ) على فخذه، فجاءه جبريل (عليه‌السلام )، فقال : هذا ابنك ؟ قال : (( نعم )) قال : أُمتك ستقتلُه بعدك فدمِعِتْ عينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال : إنْ شئت أريتك تربة الأرض التي يُقْتَلُ بها ؟ قال : (( نعم )) فأتاه جبريل بترابٍ من تراب الطّفِّ(٢) .

____________________

(١) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٧٦ - ١٧٧.

(٢) المعجم الأوسط - الطبراني ٦ / ٢٤٩، عيون الأخبار في مناقب الأخيار (نسخة مكتبة الفاتيكان) نقلاً عن (إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٢٧ / ٢٥٢).

أقول : أي متّفق مع الطبراني في السّند، من عائشة إلى مولى بني هشام، وإليك السّند :

أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي، أنبأ أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السّماك، نبأ محمّد بن إبراهيم بن عبد الحميد الحلواني، نبأ أحمد بن عمر الرّازي بمكة، نبأ أبو سعيد مولى بني هاشم، نبأ حمّاد بن سلمة، عن أيوب، عن عمارة بن عزيه، عن محمّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة . إلخ إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٥.


روى الخوارزمي أيضاً قال : وبهذا الإسناد ( أي أخبرنا الشيخ الإمام الزّاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا شيخ القُضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرنا والدي شيخ السنّة أبو بكر أحمد بن الحُسين البيهقي )، عن أبي عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن علي المقرئ، حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب، حدّثني أبي عبد الوهاب بن حبيب، حدّثني إبراهيم بن أبي يحيى المدني، عن عمارة بن يزيد، عن محمّد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أجلس حُسيناً (عليه‌السلام ) على فخذه، فجاء جبرئيل إليه فقال : هذا ابنك ؟ قال : (( نعم )) قال : أما إنّ اُمّتَك ستقتلُهُ بعدك فدمعت عينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال جبرئيل : إنْ شئتَ أريتك الأرض التي يُقْتَلُ فيها ؟ قال : (( نعم )) فأراه جبرئيل تراباً من تراب الطفِّ(١) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للخوارزمي ١ / ٢٣٣ الفصل الثامن.


بكاءُ الملائكة على الإمام الحسين (عليه‌السلام )

قال الخوارزمي : وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي في تاريخه بأسانيد له كثيرة عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ منها ما ذُكر من حديث ابن عبّاس، ومنها ما ذُكر من حديث اُمّ الفضل بنت الحرث حين أدخلَتْ حُسيناً (عليه‌السلام ) على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأخذه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبكى، وأخبرها بقتله . إلى أنْ قال : ثم هبط جبرائيل في قَبيلٍ من الملائكة قد نشرُوا أجنحتهم، ويبكون حزناً على الحُسين (عليه‌السلام )، وجبرائيل معه قبضةٌ من تربة الحُسين (عليه‌السلام ) تفوحُ مسكاً أذفر، فدفعها إلى النّبي، وقال : يا حبيب الله، هذه تربةُ ولدك الحُسين بن فاطمة (عليه‌السلام ) ؛ ستقتلُهُ اللعناء بأرض كربلاء فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( حبيبي جبرائيل، وهل تُفْلِحُ اُمَّةٌ تقتلُ فرخي وفرخ ابنتي ؟ )) فقال جبرائيل : لا، بل يضربُهم الله بالاختلاف، فتختلف قلوبهم وألسنتهم آخر الدهر(١) .

وقال ابن المغزلي : وبالإسناد حدّثنا الربعي، حدّثنا فضيل بن يسار، قال : قيل لأبي عبد الله (عليه‌السلام ) : أيُّ قبور الشهداء أفضل ؟ قال : (( أو ليس أفضل الشهداء عندك الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ فوالذي نفسي بيده، إنّ حولَ قبره أربعين ألف ملك شعثاً غبراً يبكون عليه إلى يوم القيامة ))(٢) .

ويأتي كثير من روايات بكاء الملائكة في زيارة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) تحت عنوان : ما تفعله الملائكة لزوّار الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وتحت عنوان : سبعون ألف ملك شعثاً غبراً يبكون الإمام الحُسين (عليه‌السلام ).

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للخوارزمي ١ / ٢٣٦ الفصل الثامن.

(٢) مناقب ابن المغازلي / ٣٩٧ المطبعة الإسلاميّة - طهران.


بكاءُ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الخوارزمي : وذكر شيخ الإسلام الحاكم الجشمي : أنّ أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) لمـَّا سار إلى صفّين نزل بكربلاء، وقال لابن عبّاس : (( أتدري ما هذه البقعة ؟ )) قال : لا قال : (( لو عرفتها لبكيت بكائي )) ثم بكى بكاءً شديداً، ثم قال : (( ما لي ولآل أبي سفيان ! )). ثمّ التفت إلى الحُسين (عليه‌السلام )، وقال : (( صبراً يا بُني، فقد لقيَ أبوكَ منهم مثل الذي تلقى بعده ))(١) .

____________________

(١) مقتل الحُسين للخوارزمي ١ / ٢٣٧، وذُكرت هذه الرواية في مصادر الشيعة بتفصيل، وذُكرت التغيرات الكونيّة التي صرّحت بها مصادر أهل الخلاف في روايات اُخرى.

قال الشيخ الصدوق في أماليه / ٦٩٤ : حدّثنا محمّد بن أحمد السّناني (رضي‌الله‌عنه )، قال : حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال : حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال : حدّثنا تميم بن بهلول، قال : حدّثنا علي بن عاصم، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال : كنتُ مع أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في خروجه إلى صفّين، فلمـَّا نزل بنينوى - وهو شط الفرات - قال بأعلى صوته : (( يابن عبّاس، أتعرف هذا الموضع ؟ )) فقلتُ له : ما أعرفه يا أمير المؤمنين فقال عليٌّ (عليه‌السلام ) : (( لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي )) قال : فبكى طويلاً حتّى اخضلّت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معه، وهو يقول : (( أوّه أوّه، ما لي ولآلِ أبي سفيان! ما لي ولآلِ حرب، حزبِ الشيطان وأولياءِ الكفر ! صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم)) ثم دعا بماء فتوضّأ وضوءه للصلاة، وصلّى ما شاء الله أن يصلّي، ثم ذكر نحو كلامه الأوّل، إلّا أنّه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة، ثم انتبه فقال : (( يابن عبّاس )) فقلتُ : ها أنا ذا فقال : (( ألا اُحدّثك بما رأيتُ في منامي آنفاً عند رقدتي ؟ )) فقلتُ : نامت عيناك ورأيت خيراً، يا أمير المؤمنين قال : (( رأيتُ كأنّي برجال قد نزلوا من السّماء، معهم أعلام بيض، قد تقلّدوا سيوفهم، وهي بيضٌ تلمعُ، وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة، ثم رأيتُ كأنّ هذه النّخيل قد ضربت بأغصانِها الأرضَ، [ فرأيتُها ] تضطرب بدمٍ عبيطٍ، وكأنّي بالحُسين سخلي وفرخي، ومضغتي ومخّي قد غرقَ فيه ؛ يستغيث فلا يُغاثُ، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السّماء يُنادونه ويقولون : صبراً آل الرسول ؛ فإنّكم تُقتلون على أيدي شرار النّاس، وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة ثُمّ يُعزّونني ويقولون: يا أبا الحسن، أبشر فقد أقرّ الله به عينك يوم القيامة ؛ يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين، ثمّ انتبهت هكذا.

والذي نفسُ عليٍّ بيده، لقد حدّثني الصّادق الم-صدّق أبو القاسم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّي سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرضُ كربٍ وبلاءٍ، يُدفنُ فيها الحُسين وسبعة عشر رجلاً من ولْدِي


____________________

= وولْدِ فاطمة، وأنّها لفي السّماوات معروفةٌ، تُذكرُ أرضُ كربٍ وبلاءٍ كما تُذكرُ بقعةُ الحرمين وبقعةُ بيتِ المقدس )) ثم قال : (( يابن عبّاس، اطلب لي حولها بعر الظباء، فوالله، ما كذبتُ ولا كُذّبت، وهي مصفرّة، لونُها لونُ الزعفران)) قال ابن عبّاس : فطلبتُها فوجدتُها مجتمعةً، فناديته : يا أمير المؤمنين، قد أصبتها على الصّفة التي وصفتها لي فقال عليٌّ (عليه‌السلام ) : (( صدق الله ورسوله )) ثم قام (عليه‌السلام ) يهرول إليها، فحملها وشمّها، وقال : (( هي هي بعينها، أتعلم يابن عبّاس ما هذه الأبعار ؟ هذه قد شمّها عيسى بن مريم (عليه‌السلام )، وذلك أنّه مرّ بها ومعه الحواريون، فرأى ها هنا الظّباء مجتمعةً وهي تبكي، فجلس عيسى (عليه‌السلام ) وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون، وهم لا يدرون لِمَ جلس ولِمَ بكى فقالوا : يا روح الله وكلمته، ما يبكيك ؟ قال : أتعلمون أيّ أرضٍ هذه ؟ قالوا : لا قال : هذه أرضٌ يُقتلُ فيها فرخُ الرسول أحمد، وفرخُ الحرّة الطّاهرة البتول شبيهةُ اُمّي، ويُلحدُ فيها.

طينةٌ أطيبُ من المسك ؛ لأنّها طينةُ الفرخ الم-ستشهدِ، وهكذا تكون طينةُ الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظّباء تُكلِّمني وتقول : إنّها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ الم-بارك، وزعمت أنّها آمنةٌ في هذه الأرض.

ثم ضرب بيده إلى هذه الصّيران فشمّها، وقال : هذه بعر الظّباء على هذا الطّيب لمكان حشيشها، اللّهمَّ فأبقِها أبداً حتّى يشمّها أبوه فتكون له عزاءً وسلوةً قال : فبقيت إلى يوم النّاس هذا، وقد اصفرّت لطول زمنها، وهذه أرضُ كربٍ وبلاءٍ )).

ثم قال بأعلى صوته : (( يا ربّ عيسى بن مريم، لا تُباركَ في قتلتهِ، والم-عين عليه والخاذل له )) ثمّ بكى بكاءً طويلاً وبكينا معه حتّى سقط لوجهه وغشي عليه طويلاً، ثمّ أفاق، فأخذ البعر فصرّه في ردائه، وأمرني أن أصرّها كذلك، ثمّ قال : (( يابن عبّاس، إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ويسيلُ منها دمٌ عبيط، فاعلم أنّ أبا عبد الله قد قُتلَ بها ودُفنَ )).

قال ابن عبّاس : فوالله، لقد كنتُ أحفظها أشدّ من حفظي لبعض ما افترض الله (عزّ وجلّ) عليّ، وأنا لا أحلّها من طرف كمي، فبينما أنا نائمٌ في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيلُ دماً عبيطاً، وكان كمّي قد امتلأ دماً عبيطاً، فجلست وأنا باكٍ، وقلت : قد قُتلَ - والله - الحُسين والله، ما كذبني عليٌّ قطّ في حديث حدّثني، ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلّا كان كذلك ؛ لأنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يخبرُه بأشياء لا يخبرُ بها غيره.

ففزعتُ وخرجت، وذلك عند الفجر، فرأيت - والله - المدينة كأنّها ضبابٌ لا يستبين منها أثرُ عينٍ، ثمّ طلعت الشّمس فرأيت كأنّها م-نكسفة، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دمٌ عبيطٌ، فجلست وأنا باكٍ، فقلتُ : قد قُتلَ - والله - الحُسين، وسمعت صوتاً من ناحية البيت، وهو يقول : =


بكاءُ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) حتّى بلَّ الأرض بدموعه

قال سبط ابن الجوزي : وذكر ابن سعد أيضاً، عن الشعبي قال : لمـَّا مرَّ عليّ (عليه‌السلام ) بكربلاء في مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى ( قريةً على الفرات ) وقف ونادى صاحب مطهّرته : (( أخبر أبا عبد الله، ما يُقال لهذه الأرض ؟ )) فقال : كربلاء فبكى حتّى بلَّ الأرض بدموعه، ثم قال: (( دخلت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يبكي، فقلتُ له : ما يبكيك ؟! فقال : كان عندي جبرائيل آنفاً، وأخبرني أنّ ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) يُقتلُ بشطِّ الفرات بموضعٍ يُقالُ له : كربلاء، ثم قبض قبضةً من تراب فشمَّني إيّاها، فلم أملك عيني أن فاضتا ))(١) .

وقال سبط ابن الجوزي أيضاً : وقد روى الحسن بن كثير، وعبد خير، قالا : لمـَّا وصل عليّ (عليه‌السلام ) إلى كربلاء وقف وبكى، وقال : (( بأبيه اُغيلمة يُقتلون هاهنا، هذا مناخُ ركابِهم، هذا موضعُ رحالِهم، هذا مصرعُ الرجلِ )) ثم ازداد بكاءه(٢) .

____________________

=

اصبروا آلَ الرسولْ

قُتل الفرْخُ النُّحُولْ

نزل الروحُ الأمينُ

ببكاءٍ وعويلْ

ثمّ بكى بأعلى صوته وبكيت، فأثبتُّ عندي تلك الساعة، وكان شهر الم-حرّم يوم عاشوراء لعشر مضين منه، فوجدته قُتلَ يوم ورد عليَّ خبره وتاريخه كذلك، فحدّثت هذا الحديث اُولئك الذين كانوا معه، فقالوا : والله، لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة، ولا ندري ما هو، فكنَّا نرى أنّه الخضر (عليه‌السلام ).

وأيضاً روي في كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٥٢٣، بحار الأنوار ٤٤ / ٢٥٢.

(١) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٢٥ ط منشورات الشريف الرضي.

(٢) المصدر نفسه.


تأوّه أمير المؤمنين لمقتل الإمام الحُسين (عليهما‌السلام )

روى ابن عساكر، وابن منظور، وابن سعد، وابن حجر، والمزّي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو بكر الأنصاري، أنبأنا أبو محمّد الجوهري، أنبأنا أبو عمر حيويه، أنبأنا أحمد بن معرف، أنبأنا الحُسين بن الفهم، أنبأنا محمّد بن سعد، أنبأنا يحيى بن حمّاد، أنبأنا أبو عوانة، عن سليمان، قال : أنبأنا أبو عبيد الضبّي، قال : دخلنا على ابن هرثم الضبّي حين أقبل من صفّين، وهو مع عليّ (عليه‌السلام )، وهو جالس على دكان له، وله امرأة يُقالُ لها: جرداء، وهي أشدُّ حبًّاً لعليٍّ (عليه‌السلام )، وأشدُّ لقولِه تصديقًا، فجاءت شاة له فبعرت، فقال لها : لقد ذكّرني بعر هذه الشاة حديثاً لعليٍّ (عليه‌السلام ) قالوا : وما علم عليٍّ (عليه‌السلام ) بهذا ؟ قال : أقبلنا مرجعَنا من صفّين، فنزلنا كربلاء، فصلّى بنا عليٌّ صلاة الفجر بين شجيرات ودوحات حرمل، ثم أخذ كفّاً من بعر الغزلان فشمّه، ثمّ قال : (( أوه أوه، يُقتلُ بهذا الغائط(١) قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب)).

قال أبو عبيد : قالت جرداء : وما تنكر من هذا ؟ هو أعلم بما قال منك نادت بذلك وهي في جوف البيت(٢) .

وروى أيضاً ابن حجر، والمزّي، وابن عساكر، وابن منظور، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : وقال إسحاق بن سليمان الرّازي، ثنا عمرو بن أبي قيس، عن يحيى بن سعيد، عن أبي حيان، عن قُدامة الضّبي،

____________________

(١) لسان العرب - ابن منظور ٧ / ٣٦٤، والغائط : المتّسع من الأرض مع طمأنينة، وجمعه أغواط وغوط، وغياط وغيطات، الصحاح - الجوهري ٣ / ١١٤٧، وأصل الغائط المطمئن من الأرض الواسع.

(٢) تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ١٩٩، مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور ٧ / ١٣٥، ترجمة الحُسين لابن سعد / ٤٩ من الطبقات، تهذيب التهذيب لابن حجر ٢ / ٣٠١، تهذيب الكمال للمزّي ٦ / ٤١١.


عن جرداء بنت سمير، عن زوجها هرثمة بن سلمى، قال : خرجنا مع عليٍّ (عليه‌السلام )، فسار حتّى انتهى إلى كربلاء، فنزل إلى شجرة فصلّى إليها، فأخذ تربةً من الأرض، فشمّها، ثمّ قال : ((واهاً لكٍ يا تربة ! ليُقتلنَّ بكِ قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب )) قال : فقفلنا من غزاتنا، وقُتلَ عليٌّ (عليه‌السلام )، ونسيتُ الحديثَ.

قال : فكنت في الجيش الذين ساروا إلى الحُسين (عليه‌السلام )، فلمـَّا انتهيت إليه نظرت إلى الشجرة، فذكرتُ الحديث، فتقدّمت على فرسٍ لي، فقلت : أُبشّرك ابن بنت رسول الله، وحدّثته الحديث قال (عليه‌السلام ) : (( معنا أو علينا ؟ )) قلت : لا معك، ولا عليك، تركت عيالاً، وتركت […] قال : (( أمّا لا فَوَلِّ في الأرض هارباً ؛ فوالذي نفس حسين بيده، لا يشهد قتلنا اليوم رجلٌ إلّا دخل جهنم )) قال : فانطلقت هارباً موليّاً في الأرض حتّى خفي عليَّ مقتله(١) .

وقال ابن أبي الحديد، قال نصر : وحدّثنا منصور بن سلام التميمي، قال : حدّثنا حيّان التيمي، عن أبي عبيدة، عن هرثمة بن سليم، قال : غزونا مع عليِّ (عليه‌السلام ) صفّين، فلمـَّا نزل بكربلاء صلّى بنا، فلمـَّا سلَّم رفع إليه من تربتها فشمّها، ثم قال : (( واهاً لك يا تربة ! ليُحشرنَّ منك قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب)).

قال : فلمـَّا رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير - وكانت من شيعة عليٍّ (عليه‌السلام ) - حدّثها هرثمة فيما حدّث، فقال لها : ألا اُعجبُكِ من صديقك أبي الحسن ! قال : لمـَّا نزلنا كربلاء، وقد أخذ حفنة من تربتها فشمَّها، قال : (( واهاً لك أيتها التربة ! ليحشرنَّ منك قوم يدخلون الجنّة

____________________

(١) تهذيب التهذيب لابن حجر ٢ / ٣٠١، تهذيب الكمال للمزّي ٦ / ٤١١، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٤ / ٢٢٢، مختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور ٧ / ١٤٨، بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ٦ / ٢٦١٩.


بغير حساب)) وما علْمهُ بالغيب ؟! فقالت المرأة له : دعنا منك أيُّها الرجل ؛ فإنّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لمْ يقل إلّا حقّاً.

قال : فلمـَّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحُسين (عليه‌السلام )، كنت في الخيل التي بعث إليهم، فلمـَّا انتهيت إلى الحُسين (عليه‌السلام ) وأصحابه، عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع عليٍّ (عليه‌السلام )، والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحُسين (عليه‌السلام ) فسلَّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( أمعنا أم علينا ؟ )) فقلتُ : يابن رسول الله، لا معك ولا عليك، تركت ولْدي وعيالي أخاف عليهم من ابن زياد فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( فَوَلِّ هرباً حتّى لا ترى مقتلنا ؛ فوالذي نفس حُسينٍ بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحدٌ، ثمّ لا يعيننا إلّا دخل النّار)) قال : فأقبلت في الأرض أشتدّ هرباً، حتّى خفي عليَّ مقتلهم(١) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣ / ١٦٩، وهو نقلها من كتاب واقعة صفّين لنصر بن مزاحم، ويوجد بعض الاختلاف في بعض المفردات نضعها بين معكوفتين :

قال : حدّثني مصعب [ابن سلام]، قال أبو حيّان التّميمي، عن أبي عُبيدة، عن هرثمة بن سليم قال : غزونا مع عليِّ بن أبي طالب غزوة صفّين، فلمّا نزلنا بكربلاء صلّى بنا صلاة، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمّ قال : (( [واهاً لكٍ أيّتُها التربة]، ليُحشرنّ منك قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب )) فلمّا رجع هرثمة [من غزوته] إلى امرأته - وهي جرداء بنت سمير، وكانت شيعةً لعليٍّ (عليه‌السلام ) - فقال لها زوجها هرثمة : ألا اُعجبُك من صديقك أبي الحسن (عليه‌السلام ) ! لمـّا نزلنا كربلاء رفع إليه من تربتها فشمّها وقال : (( واهاً لك يا تربة، ليُحشرنَّ منك قومٌ يدخلون الجنّة بغير حساب )) وما علْمه بالغيب ؟! فقالت : دعنا منك أيُّها الرجل ؛ فإنّ أمير المؤمنين لم يقُلْ إلّا حقّاً.

فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحُسين بن عليٍّ (عليه‌السلام ) وأصحابه، قال : كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم، فلمّا انتهيت إلى القوم وحُسينٍ وأصحابِه، عرفتُ المنزلَ الذي نزل بنا عليٌّ (عليه‌السلام ) فيه، والبُقعة التي رفع إليه من ترابها، والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحُسين (عليه‌السلام ) فسلّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( معنا أنت أو علينا ؟ )) فقلتُ : يابن رسول الله، لا معك ولا عليك ؛ تركت أهلي [وولْدي] أخاف عليهم من ابن زياد فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( فَوَلِّ هرباً حتّى لا ترى لنا مقتلاً ؛ [ فوالذي نفس محمّد بيده ] لا يرى مقتلنا اليوم رجلٌ [ ولا يُغيثنا ] إلّا أدخله الله النّار )). قال : فأقبلت في الأرض هارباً حتّى خفي [ عليّ مقتله ] وقعة صفّين - ابن مزاحم المنقري / ١٤٠.


بكاءُ الإمام زين العابدين على الإمام الحُسين (عليهما‌السلام )

روى الخوارزمي قال : وأخبرني الشيخ الإمام سيف الدّين أبو جعفر محمّد بن عمر بن علي (كتابةً )، أخبرني الشيخ الإمام أبو الحسن زيد بن الحسن بن علي البيهقي، أخبرني السيّد الإمام النّقيب عليّ بن محمّد بن جعفر الاسترابادي، حدّثني السيّد الإمام زيد السّلام أبو جعفر محمّد بن جعفر بن عليّ الحسني، حدّثني السيّد الإمام أبو طالب يحيى بن الحُسين، أخبرني أبو العبّاس الحسني، أخبرني محمّد بن جعفر القزاداني، حدّثني علي بن إبراهيم ابن هاشم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد بن عليّ الباقر (عليه‌السلام ) قال : (( كان أبي عليّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) إذا حضرت الصلاة يقشعرُّ جلْدُهُ، ويصفرُّ لونُهُ، وترتعدُ فرائصُهُ، ويقفُ شعْرُهُ، ويقول - ودموعه تجري على خدّيه - : لو علم العبد مَنْ يناجي ما انفتل )).

وبرز يوماً إلى الصحراء، فتبعه مولىً له، فوجده قد سجد على حجارةٍ خشنةٍ قال مولاه : فوقفت حيث أسمع شهيقَهُ وبكاءَهُ، فوالله، لقد أحصيت عليه ألفَ مرةٍ وهو يقول : (( لا إله إلّا الله حقّا حقّاً، لا إله إلّا الله تعبدّاً ورِقّاً، لا إله إلّا الله إيماناً وصدقاً )) ثمّ رفع رأسه من سجوده، وإنّ لحيتَه ووجهَه قد غُمِرا بالماء من دموع عينيْهِ، فقال مولاه : يا سيدي، أما آنَ لحزنك أنْ ينقضي، ولبكائِك أنْ يقلَّ ؟!


فقال لي : (( ويحك ! إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم‌السلام ) كان نبيًّاً ابن نبيٍّ، وكان له اثنا عشر ابناً، فغيَّبَ اللهُ تعالى واحداً منهم فشاب رأسُه من الحزن، واحدودبَ ظهرُه من الغمِّ، وذهب بصرُه من البكاء، وابنه حيٌّ في دار الدنيا، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة وعشرين(١) من أهل بيتي (عليهم‌السلام ) صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حُزني ويقل بكائي ؟! ))(٢) .

بكاءُ اُمّ سلمة (رضوان الله عليها) على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الترمذي، والذّهبي، وابن حجر، والمزّي، والبخاري، والطبراني، وابن جرير الطبري، والزرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أبو خالد الأحمر، أخبرنا رزين(٣) قال : حدّثتني سلمى قالت : دخلت على اُمِّ سلمة - وهى تبكي - فقلت : ما يُبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - تعني في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟! قال : (( شهدتُ قتلَ الحُسين (عليه‌السلام ) آنفاً )) هذا حديثٌ غريبٌ(٤) .

____________________

(١) الموجود في مصادر الشيعة : سبعة عشر.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - للخوارزمي ٢ / ١٤١ - ١٤٢، الفصل الثالث عشر.

(٣) وذكر ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٣٨ بدله (زريق) وقال : ورواه الترمذي، عن زين، وهو الصواب.

أقول : ولكنْ طبعة دار الفكر لتاريخ مدينة دمشق يوجد فيها خطأ ؛ إذ نُقلَ عن الترمذي، عن زريق وقال : وهو الصواب، والصحيح عن رزين كما في السنن وغيرها.

(٤) سنن الترمذي ٥ / ٣٢٣، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٦، تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٣٠٧، تهذيب الكمال - المزّي ٩ / ١٨٦، التاريخ الكبير - البخاري ٣ / ٣٢٤، المعجم الكبير - الطبراني ٣٢ / ٣٧٣، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٨، نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢١٧.


وقال الذهبي : رزين هو ابن حبيب وثّقه ابن معين(١) .

وقال المزّي في كلامه عن رزين : (وقد وقع لنا عالياً من روايته)(٢) ، فذكر هذه الرواية.

أقول : ورجاله ثقات(٣) .

____________________

(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٦.

(٢) تهذيب الكمال - المزّي ٩ / ١٨٦.

(٣) الأوّل : أبو سعيد الأشجّ، قال فيه ابن حجر في تقريب التهذيب ١ / ٤٩٧ : عبد الله بن سعيد بن حُصين الكندي، أبو سعيد الأشجّ الكوفي، ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة سبعٍ وخمسين، وقال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢ / ٥٠١ : الأشجّ الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد، عبد الله بن سعيد بن حصين الكندى الكوفي الحافظ، مـُحدّث الكوفة وصاحبُ التفسير والتّصانيف.

حدّث عن هشيم، وأبي بكر بن عيّاش، وعبد الله بن إدريس، وعقبة بن خالد وخلائق وعنه الجماعة، وابن خزيمة، وأبو يعلى، وزكريا السّاجي، وعمر البجيري، وعبد الرحمن بن حاتم، واُممٌ سواهم ذكره أبو حاتم فقال : هو إمامـُ أهل زمانِه وقال مـُحمّد بن أحمد بن بلال الشطوي : ما رأيت أحداً أحفظ منه وقال النّسائي : صدوقٌ، مات في ربيع الأوّل سنة سبعٍ وخمسين ومئتين، وقد زاد على التسعين (رحمه‌الله ).

الثاني : أبو خالد الأحمر، قال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ١ / ٢٧٢ : أبو خالد الأحمر، الحافظ الصّدوق، سليمان بن حيّان الأزدي الكوفي ولِدَ سنة أربع عشرة ومئة وحدّث عن سليمان التّيمي، وليث بن أبي سليم، وهشام بن عروة، وحميد الطّويل وعدّة وعنه أحمد بن حنبل، وابن نمير، وأبو كريب، وأبو سعيد الأشجّ، ويوسف بن موسى القطّان، وإسحاق بن راهويه، وهناد بن السّري، وحميد بن الرّبيع وطائفة وثّقه جماعة، وقال أبو حاتم : صدوقٌ.

قلت : هو من مشاهير المحدّثين، وغيرُه أثبتُ منه مات سنة تسع وثمانين ومئة ( رحمه ‌الله تعالى).

الثالث : ورزين بن حبيب الجُهني الرمّاني : ذكر الذهبي توثيق بن معين له كما ذكرناه.

وقال الرّازي في الجرح والتعديل ٣ / ٥٠٨ :

٢٣٠٤ - رزين بن حبيب الجُهني بيّاع الرمّان، كوفيٌ، ويُقال القزّاز، ويُقال التمّار روى عن الشعبي، وأبي جعفر، وأبي الرقّاد العبسي روى عنه الثّوري، وإسماعيل بن زكريا، وأبو خالد الأحمر، ووكيع، وأبو نعيم سمعت أبي يقول ذلك =


____________________

= قال أبو مـُحمّد : وروى عنه عُبيد الله بن موسى حدّثنا عبد الرحمن، أنا علي بن أبي طاهر فيما كتب إليَّ قال : نا الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سُئل عن رزين بيّاع الرمّان فقال : ثقةٌ.

حدّثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنّه قال : رزين بيّاع الرمّان ثقةٌ حدّثنا عبد الرحمن قال : سألت أبي عن رزين هذا فقال : صالحُ الحديث، ليس به بأسٌ، هو أحبُّ إليَّ من إسحاق بن خُلَيْد مولى سعيد بن العاص.

وقال المزّي في تهذيب الكمال ٩ / ١٨٦، وتعرّض لهذه الرواية أيضاً : قال أبو بكر الأثرم : عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين : رزين بيّاع الرمّان ثقةٌ وقال أبو حاتم : صالحُ الحديث، ليس به بأسٌ، وهو أحبُّ إليَّ من إسحاق بن خُلَيْد مولى سعيد بن العاص.

ومنهم مَنْ فرّق بين رزين بيّاع الأنماط، الذي يروي عن الأصبغ بن نُباتة، ويروي عنه عيسى بن يونس، وبين رزين بن حبيب الجُهني بيّاع الرمّان، ومنهم مَنْ جعلهما واحداً، فالله أعلم.

روى له الترمذي حديثاً واحداً، وقد وقع لنا عالياً من روايته، أخبرنا به أبو الحسن بن البخاري، وإبراهيم بن عليّ الواسطي، وأحمد بن إبراهيم بن عُمر الفاروقي، قالوا : أخبرنا عمر بن كرم الدّينوري ببغداد، قال : أخبرنا عبد الأوّل بن عيسى بن شعيب السّجزي، قال : أخبرنا مـُحمّد بن أبي مسعود الفارسي، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري، قال : أخبرنا يحيى بن مـُحمّد بن صاعد، قال : حدّثنا أبو سعيد الأشجّ، قال : حدّثنا أبو خالد الأحمر، قال : حدّثني رزين، قال : حدّثتني سلمى، قالت : دخلت على اُمّ سلمة وهي تبكي فقلتُ : ما يُبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟! قال : (( شهدتُ قتلَ الحُسين (عليه‌السلام ) آنفاً )) رواه عن الأشجّ، وقال : غريب، فوافقناه فيه بعلو.

الرابع : سلمى البكْرية، فقد ذكرها الذهبي في مَنْ له رواية في الكتب السّتة ٢ / ٥١٠ : سلمى البكْرية، عن عائشة، واُمِّ سلمة، وعنها رزين الجُهني.

وقال عنها المزّي في تهذيب الكمال ٥٣ / ١٩٦ : سلمى البكْرية، من بكر بن وائل مولاة لهم، روت عن عائشة، واُمِّ سلمة زوجي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) روى عنه رزين الجُهني، ويُقال : البكْري روى لها الترمذي، وقد كتبنا حديثها في ترجمة رزين.

أقول : والذهبي ظاهره قبول روايتها، حيث إنّه لمْ يتعرّض إلّا لرزين، وأمّا المزّي جعل رواية رزين عنها من عالي السّند.


ورواها الحاكم أيضاً قال : أخبرني أبو القاسم الحسن بن مـُحمّد السكوني بالكوفة، ثنا مـُحمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد الأحمر، حدّثني زريق، حدّثني سلمان قال : دخلت على اُمّ سلمة، وهي تبكي، فقلت ما يبكيك ؟ قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام يبكي، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلتُ : ما لك يا رسول الله ؟! قال : (( شهدت قتلَ الحُسين (عليه‌السلام ) آنفاً ))(١) .

صراخُ اُمّ سلمة (رضوان الله عليها) لمـَّا سمعتْ بمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى غُشي عليها

روى ابن عساكر، وابن حَجَرِ العسقلاني، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو بكر مـُحمّد بن عبد الباقي، أنا أبو مـُحمّد الحسن بن علي، أنا أبو عمر مـُحمّد بن العبّاس، أنا أبو الحسن أحمد ابن معروف، أنا الحُسين بن الفهم، أنا مـُحمّد بن سعد، أنا مـُحمّد بن عبد الله الأنصاري، أنا قُرّة بن خالد، أخبرني عامر بن عبد الواحد، عن شهر بن حَوْشَب، قال : أنا لعند اُمّ سلمة زوج النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : فسمعنا صارخة، فأقبلت حتّى انتهيت إلى اُمِّ سلمة، فقالت : قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) قالت : قد فعلوها ! ملأ الله بيوتهم - أو قبورهم - عليهم ناراً ووقعت مغشيّاً عليها وقمنا(٢) .

شهيقُ اُمِّ سَلَمة (رضوان الله عليها) على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى محدّث الشّام ابن عساكر : أخبرنا أبو القاسم زاهر، وأبو بكر وجيه ابنا طاهر بن مـُحمّد، قالا : أنا أحمد بن الحسن بن مـُحمّد الأزهري، أنا الحسن

____________________

(١) مستدرك الحاكم - الحاكم النيسابوري ٤ / ١٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٨، تهذيب التهذيب - ابن حجر ٢ / ٣٠٦ عن مـُحمّد بن سعد إلى ابن حوشب.


ابن أحمد المـُخلّدي، أنا أبو بكر الإسفراييني، نا الربيع بن سليمان، نا أسد بن موسى، نا عمران بن زيد التغلُبي، عن زبيد الإيامي، عن شهر بن حَوْشَب، عن اُمّ سلمة أنّها قالت لجارية: اخرجي فخبّريني قال : فرجعت الجارية، فقالت : قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) فشهقت شهقةً غشيَ عليه، ثمّ أفاقت فاسترجعت، ثمّ قالت : قتلوه قتلهم الله ! قتلوه أذلّهم الله ! قتلوه أخزاهم الله ! ثمّ أنشأت تحدّث قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على السّرير، أو على هذا الدّكان، فقال : (( ادعُوا إليَّ أهلي وأهل بيتي، ادعُوا إليَّ الحسنَ والحُسين وعليًّاً )) فقالت اُمـُ سلمة : يا رسول الله، أوَلستُ من أهل بيتك ؟! قال : (( وأنتِ في خيرٍ وإلى خيرٍ )) فقال : (( اللهمَّ، هؤلاء أهلي وأهل بيتي، أذهبْ عنهم الرجس أهل البيت وطهّرهم تطهيراً ))(١) .

اُمُّ سلمة (رضي الله عنها) بكت كثيراً على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال أبو المحاسن : وفيها (أي في أحداث سنة ٦٣) توفّيت اُمُّ المؤمنين اُمُّ سلمة، واسمـُها هندُ بنت أبي اُميّة بن المـُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزوميّة، زوجة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهي بنتُ عمِّ أبي جهلٍ، وبنتُ عمِّ خالد بن الوليد بنى بها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبله عند الرجل الصالح أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو أخو النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكانت من أجمل النّساء، وطال عُمـُرُها، وعاشت تسعين سنةً وأكثر، وهي آخر اُمهاتِ المؤمنين وفاةً، وقد حزنت على الحُسين (عليه‌السلام ) وبكت عليه كثيراً(٢) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ١٤٠.

(٢) النجوم الزاهرة ١ / ١٥٦.


بكاءُ اُمِّ سلمة (رضوان الله عليها) وتحوّلُ التُرابِ إلى دمٍ

روى الخوارزمي قال : وأخبرني أبو العلاء - هذا إجازةً - أخبرني أبو عليِّ الحدّاد، أخبرني مـُحمّد بن أحمد الكاتب، أخبرني عبد الله بن مـُحمّد، حدّثني أحمد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن سعيد، حدّثني مـُحمّد بن جعفر بن مـُحمّد، قال : سمعت عبد الرحمن بن مـُحمّد بن أبي سلمة يذكر عن أبيه، عن جدّه، عن اُمّ سلمة قالت : جاء جبرئيل (عليه‌السلام ) إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال : إنّ اُمّتَك تقتلُه - يعني الحُسين - بعدك ثمّ قال له : ألا اُريك من تربةِ مقتلِه ؟ قال : (( نعم)) فجاء بحصيات فجعلهنَّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قارورة، فلمـَّا كانت ليلة قتل الحُسين (عليه‌السلام ) قالت اُمُّ سلمة : سمعْتُ قائلاً يقول :

أيُّها القاتلون جهلاً حُسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وصاحبِ الإنجيلِ

قالت : فبكيت، وفتحتُ القارورةَ فإذا قد حدثَ فيها دمٌ(١) .

وذكر ابن جرير الطبري، والصالحي الشامي، واللفظ للأوّل قال : وعنها قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يمسحُ رأسَ الحُسين (عليه‌السلام ) ويبكي، فقلت ممّا بكاؤك ؟! فقال : (( إنّ جبريل أخبرني أنّ ابني هذا يُقتلُ بأرضٍ يُقالُ لها : كربلاء )) قالت : ثمّ ناولني كفّاً من ترابٍ أحمرٍ، وقال : (( إنّ هذا من تربةِ الأرض التي يُقتلُ بها، فمتى صار دماً فاعلمي أنّه قد قُتِلَ )).

قالت اُمُّ سلمة : فوضعتُ التُّراب في قارورةٍ عندي، وكنتُ أقول : إنّ يوماً يتحوَّلُ فيه دماً لَيومٍ عظيمٍ خرّجه الملاّ في سيرته(٢) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٥ - ١٠٦.

(٢) ذخائر العقبى - أحمد بن جرير الطبري / ١٤٧، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١٠ / ١٥٤.


وقال الزّرندي الحنفي : وروتْ اُمُّ سلمةَ (رض) قالت : جاء جبريل إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدخل عليه الحُسين (عليه‌السلام )، فقال : إنّ اُمّتَك تقتلُه بعدك ثمّ قال : ألا اُريك تربةَ مقتلِه ؟ فجاء بحصياتٍ فجعلهنَّ رسولُ اللهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قارورةٍ، فلمـَّا كان في ليلةِ قتلِ الحُسين (عليه‌السلام ) سمعتُ قائلاً يقول :

أيُّها القاتلون جهلاً حُسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وصاحبِ الإنجيلِ

قالت : فبكيت، وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً(١) .

وقال الخوارزميّ : وجاء في المراسيل أنّ سلمى المدنية قالت : دفع رسولُ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى اُمِّ سلمة قارورةً فيها رملٌ من الطّفِّ، وقال لها : (( إذا تحوَّلَ هذا دماً عبيطاً فعند ذلك يُقتلُ الحُسين (عليه‌السلام )).

قالت سلمى : فارتفعتْ واعيةٌ من حجرةِ اُمِّ سلمة، فكنتُ أوَّلُ مَنْ أتاها، فقلت : ما دهاكِ يا اُمَّ المؤمنين ؟! قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام والتُراب على رأسه، فقلت : ما لك؟! فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( وثبَ النّاسُ على ابني فقتلُوه، وقد شهدتُه قتيلاً السّاعةَ )) فاقشعرّ جلْدي، فوثبتُ إلى القارورةِ فوجدتُها تفورُ دماً قالت سلمى : فرأيتُها موضوعةً بين يديها(٢) .

بكاءُ ابن عبّاس (رضوان الله عليه) على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

وروى ابن عساكر، والمزّي، وابن كثير، واللفظ للأوّل قال : . فقال ابن عبّاس مـُخاطباً الحُسين (عليه‌السلام ) : لولا أنْ يُزري ذلك بي أو بك لنشبتُ يدي في رأسِك،

____________________

(١) نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢١٧.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٩ -١١٠، الفصل الثاني عشر.


ولو أعلم أنّا إذا تناصبنا أقمت لفعلت، ولكنْ لا أخالُ ذلك نافعي فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( لأنْ اُقتلُ بمكانِ كذا وكذا أحبُّ إليَّ أنْ تُستحلَّ بي )) - يعني مكّة -.

قال : فبكى ابن عبّاس، وقال : أقررتَ عين ابن الزّبير وكان ابن عبّاس يقول : فذاك الذي سلا بنفسي عنه، ثمّ خرج عبد الله بن عبّاس مِنْ عندِه وهو مـُغضبٌ، وابن الزّبير على الباب، فلمـَّا رآه قال : يابن الزّبير، قد أتى ما أحببتَ، قرّتْ عينُك، هذا أبو عبد الله يخرج ويتركُك والحجاز، ثمّ قال :

يا لكِ مِنْ قُنْبَرةٍ بمعْمر

خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفري

ونقِّري ما شئتِ أنْ تُنقّري(١)

نيحَ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) ثلاث سنين، وبكاءُ أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عليه

قال الزرندي الحنفي : روى جعفر بن مـُحمّد، عن أبيه (عليه‌السلام ) قال : (( نيحَ الحُسينُ بن عليّ (عليه‌السلام ) ثلاث سنين، وفي اليوم الذي قُتلَ فيه، فكان وائلة بن الأصمع، ومروان بن الحكم، ومسوّر بن محزمة، وتلك المشيخة من أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يجيئون متقنعين فيستمعون نوحَ الجنّ ويبكون ))(٢) .

بكاءُ مـُحمّد بن الحنفيّة (رضي‌الله‌عنه ) حتّى سُمعَ منه صوتُ وقع الدموع

روى الطبري قال : قال أبو مـُخنف، عن هشام بن الوليد، عمَّن شهدَ ذلك قال : أقبل الحُسين بن عليٍّ (عليه‌السلام ) بأهله من مكّة، ومـُحمّد بن الحنفيّة بالمدينة قال : فبلغه خبره، وهو يتوضّأ في طست قال : فبكى حتّى سمعت وقع دموعه

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - لابن عساكر ١٤ / ٢١١، وذكرنا تمام هذه الحادثة في مَنْ اعترض على الحُسين (عليه‌السلام ) في خروجه، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٢٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٧٨.

(٢) درر السمطين - للزرندي الحنفي / ٢٢٣ - ٢٢٥.


في الطست(١) .

وقال البلاذري : وبلغ ابنَ الحنفيّة شخوصُ الحُسين (عليه‌السلام ) وهو يتوضّأ، فبكى حتّى سمع وقع دموعه في الطست(٢) .

وقال الشريف الشهرزوري : لمـَّا بلغ أخاه مـُحمّد بن الحنفيّة بكى حتّى ملأ طستاً بين يديه(٣) .

بكاءُ أهل المدينة لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

وقال البلاذري : ولمـَّا بلغ أهلَ المدينةِ مقتلُ الحُسينِ (عليه‌السلام ) كثُرَت النّوائح والصوارخ عليه، واشتدّت الواعية في دور بني هاشم، فقال عمرو بن سعيد الأشدق : واعية بواعيةِ عثمان وقال مروان حين سمع ذلك :

عجَّت نساءُ بني زبيد عجةً

كعجيجِ نسوتنا غداةَ الأرنب(٤)

بكاءُ الحسن البصري على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى اختلج صدغاه

روى البلاذري قال :

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٠١.

(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٣٧٧.

(٣) كتاب الإشاعة لأشراط الساعة - العلّامه الشريف السيّد مـُحمّد بن عبد الرسول البرزنجي الحُسيني الموسوي الشافعي الشهرزوري المدني، المـُتوفّى بها سنة ١١٠٣ ( ص ٢٤ ط دار الكتب العلمية في بيروت ) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٣١.

(٤) أنساب الأشراف - البلاذري ٢ / ٤١٧.


وحدّثنا عمرو بن سبه، ثنا الصّلْت، عن مسعود الجُحدري، ثنا عاصم بن قرهد، عن أبي بكر الهُذلي، عن الحسن (البصري) : أنّه لمـَّا قُتِلَ الحُسينُ (عليه‌السلام ) بكى حتّى اختلج جنباه، ثمّ قال : وا ذلّ اُمَّةٍ قتلَ ابنُ دعيِّها ابنَ نبيِّها !(١) .

قال الخوافي أو الحافي الشافعي : قال الزهري : لمـَّا بلغَ الحسنُ البصري الكوفةَ قُتِلَ الحُسينُ (عليه‌السلام )، فبكى حتّى اختلج صدغاه، ثمّ قال : وا ذلَّ اُمَّةٍ قتلَ ابنَ بنتِ نبيِّها دعيُّها ! والله، لَيردّنَّ رأس الحُسينِ إلى جسدِه، ثمّ لينتقمنَّ له جدُّه وأبوه من ابن مرجانة ويزيد(٢) .

بكاءُ عبد الله بن عمر

وروى محدّث الشام ابن عساكر، وابن كثير، وابن الدمشقي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمن بن أبي عقيل، أنا علي بن الحسن بن الحُسين، أنا أبو مـُحمّد بن النّحاس، أنا أحمد بن مـُحمّد بن زياد، نا أبو بكر يحيى بن جعفر بن عبد الله بن الزّبرقان، نا شبابة بن سوار، نا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال : سمعت الشعبي يُحدّث عن ابن عمر: أنّه كان بماءٍ له فبلغَه أنّ الحُسينَ بن عليّ (عليه‌السلام ) قد توجّه إلى العراق، فلحقَه على مسيرةِ ثلاثِ ليالٍ، فقال له : أين تريد ؟ فقال : (( العراق )) وإذا معه طواميرُ كتبٍ، فقال : (( هذه كتبُهم وبيعتُهم )) فقال : لا تأتيهم فأبى.

قال : إنّي مـُحدّثك حديثاً ؛ إنّ جبريل أتى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فخيَّره بين الدّنيا والآخرة، فأختار الآخرة، ولم يُردِ الدّنيا

____________________

(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٢٥.

(٢) التبر المذاب / ٩١ مخطوط، للشريف أحمد بن مـُحمّد بن أحمد الحُسيني الخوافي [الحافي] الشافعي، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٦٩٨.


وإنّكم(*) بضعةٌ من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، واللهِ، لا يليها أحدٌ منكُم، وما صرفها الله عنكم إلّا للذي هو خير لكم فأبى أنْ يرجعَ قال : واعتنقَه ابنُ عمر وبكى، وقال : استودعك الله مِنْ قتيلٍ(١) .

ورواه أيضاً البيهقي قال : (أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العبّاس مـُحمّد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا شبابة بن سوار، ثنا يحيى بن إسماعيل الأسدي، قال : سمعت الشعبي يحدّث عن ابن عمر (رضي‌الله‌عنه ) : أنّه كان بماءٍ له فبلغَه أنّ الحُسينَ بن عليٍّ (عليه‌السلام ) توجّه للعراق فلحقَهُ، فذكر الحديث في أمره بالرجوع، فأبى أنْ يرجعَ، فاعتنقه ابن عمر وبكى، وقال: أستودعُك اللهَ مِنْ قتيلٍ هكذا رواه شبابة، ورواه سعيد بن سليمان، عن يحيى بن إسماعيل، عن سالم، عن أبيه، عن الشعبي(٢) .

بكاءُ اُمّ البنين (رضي‌الله‌عنه ) على أبنائها (عليهم‌السلام )

روى الأصفهاني قال : حدّثني أحمد بن عيسى، قال : حدّثني حُسين بن نصر، قال : حدّثنا أبي قال : حدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر : أنّ زيد بن رقّاد الجنبي، وحكيم بن الطّفيل الطّائي قتلا العباسَ بن عليٍّ (عليه‌السلام )، وكانت اُمُّ البنين - اُمّ هؤلاءِ الأربعةِ

____________________

(*) لا يخفى أنّ هذا التفسير مِنْ ابن عمر يدلّ على قصورِه، وإلّا فما هو الرّابط بين خروج الحُسينِ (عليه‌السلام ) على فاسقٍ يلعب بمقدّساتِ الإسلام وبين ما أختاره النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! وهل الأمر بالمعروف والنّهي عن المـُنكر طلب للدّنيا ؟! أوَ ليس الدّنيا مزرعة للآخرة ؟!

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٠٢، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٧٣، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢٧٥.

(٢) السنن الكبرى - البيهقي ٧ / ١٠٠.


الإخوةِ القتلى - تخرجُ إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع النّاس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمَنْ يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي ذكر ذلك عليّ بن مـُحمّد بن حمزة، عن النوفلي، عن حمّاد بن عيسى الجُهني، عن معاوية بن عمّار، عن جعفر بن مـُحمّد (عليه‌السلام )(١) .

بكاءُ سليمان بن صرد وأصحابه (رضي‌الله‌عنه ) على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الطبري قال : فلمـَّا خرج سليمان وأصحابه مِنَ النُّخيلةِ دعا سليمان بن صرد حكيمَ بن مـُنقذ، فنادى في النّاس : ألا لا يبيتنَّ رجلٌ منكم دونَ دَيْرِ الأعورِ فبات النّاس بدَيْرِ الأعورِ، وتخلّف عنه ناسٌ كثيرٌ، ثمّ سار حتّى نزل الأقساسَ ( أقساس مالكٍ ) على شاطئ الفرات، فعرض النّاسَ فسقط منهم نحوٌ من ألفِ رجلٍ، فقال ابن صرد : ما اُحبُّ أنّ مَنْ تخلَّفَ عنكم معكم، ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلّا خبالاً ؛ إنّ الله (عزَّ وجل) كرِهَ انبعاثَهُم فثبّطَهُم، وخصَّكم بفضل ذلك، فاحمدُوا ربَّكم ثمّ خرج مِنْ منزله ذلك دلجةً، فصبّحوا قبرَ الحُسين (عليه‌السلام )، فأقامـُوا به ليلةً ويوماً يُصلّون عليه ويستغفرون له.

قال : فلمـَّا انتهى النّاسُ إلى قبرِ الحُسين (عليه‌السلام ) صاحُوا صيحةً واحدةً وبكوا، فما رُئيَ يومٌ كان أكثرَ باكياً منه(٢) .

بكاءُ ورثاءُ ابن قتّة للإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي، والزّرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال : وذكر الشعبي، وحكاه ابن سعد أيضاً قال : مرَّ سُليمانُ بن قتّة بكربلاء، فنظر

____________________

(١) مقاتل الطالبيّين - أبو الفرج الأصفهاني / ٥٦.

(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٤١١.


إلى مصارع القوم فبكى حتّى كادَ أنْ يموتَ، ثمّ قال :

وإنَّ قتيلَ الطفِّ من آلِ هاشمٍ

أذلَّ رقاباً من قريش فذلَّتِ

مررتُ على أبياتِ آلِ مـُحمّدٍ

فلمْ أرَها أمثالَها يومَ حلَّتِ

فلا يُبْعِدُ اللهُ الديارَ وأهلَها

وإنْ أصبحت منهم برغمي تخلَّتِ

وكانوا لنا عيشاً فعادوا رزيَّةً

لقد عظمتْ تلك الرّزايا وجلَّتِ

ألم ترَ أنّ الأرضَ أضحتْ مريضةً

لِفقدِ حُسينٍ والبلادَ اقشعرَّتِ

فقال له عبد الله بن حسن بن حسن : هلاّ قلت : (أذلَّ رقابَ المسلمين فذلّت)(١) .

بكاءُ ابن الهبارية وبشارةُ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له

وروى سبط ابن الجوزي، والزّرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال : وأنشدنا أبو عبد الله مـُحمّد بن البذخي البغدادي قال : أنشدنا بعض مشايخنا : أنّ ابن الهبارية الشاعر اجتازَ كربلاء، فجلس يبكي على الحُسين وأهله (عليهم‌السلام )، وقال بديهة :

أحُسينُ والمبعوثِ جدِّك بالهدى

قسماً يكونُ الحقُّ عنه مسائلي

لو كنتُ شاهدَ كربلا لبذلتُ في

تنفيسِ كربِكَ جَهْدَ بَذْلِ الباذلِ

وسقيتُ حدَّ السيفِ من أعدائِكم

عَلَلاً وحدّ السّمهريِّ الذابلِ

لكنّني اُخِّرْتُ عنك لشقوتي

فبلابلي بين الغريِّ وبابلِ

هبني حُرِمْتُ النّصرَ من أعدائِكُم

فَأقلَّ من حزنٍ ودمعٍ سائلِ

____________________

(١) تذكرة الخواصّ / ١٥٤، وفي نظم درر السّمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢٥ ذكره هكذا : ويروى أنّ سُليمان بن قتّة ( بتاء من فوق ) وهي اُمـُه، وقف على مصارع الحُسين (عليه‌السلام ) وأهل بيته (رضي الله عنهم)، واتّكأ على فرسه وجعل يبكي، ويقول : . الأبيات، إلّا أنّه جعل البيت الذي قبل الأخير أخيراً.


ثمّ نام في مكانه، فرأى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، فقال له : (( يا فلان، جزاك الله عنِّي خيراً، أبشرْ فإنّ الله قد كتبك ممّن جاهد بين يدي الحُسين (عليه‌السلام ) ))(١) .

رثاءُ وتأوّه الموفّق الخوارزمي على مصيبة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الموفّق الخوارزمي : ومن مقالة لي في مرثيّته (عليه‌السلام ) نثراً ونظماً : عباد الله، اعلموا أنّه استشهد في هذه الأيّام الإمامُ الهُمامُ الحُسينُ بنُ عليّ (عليه‌السلام )، نجلُّ البتولِ والوصيِّ (عليهما‌السلام )، وثمرة فؤاد النّبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صُبَّت فيها المصائب والأذى على أهل بيت المـُصطفى، وذُبحَ فيها قُرّةُ عينِ المـُرتضى، فآهٍ على المـُجدّلِ بكربلاء ! وآهٍ على العترة الطّاهرة من الأطفال والنّساء ! ذبَحُوا سبطَ النّبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الشّهرِ الحرامِ، ثمَّ جعلُوه هديّةً لأهلِ الشّام، فويلٌ لمـّنْ شفعاؤه خصماؤه، وويلٌ لمَنْ عترةُ النّبيّ مـُحمّدٍ اُسراؤه :

من يكتسبْ سخطَ النّبيّ مـُحمّدٍ

لِينالَ في الدّنيا رضا ابنِ معاويه

حُرِمَ الشّفاعةَ في الحسابِ وسيقَ في

زُمَرِ الضلالةِ نحوَ نارٍ حاميه

فجزاءُ قومٍ حاربوا مِنْ دونِهِ

واستشهدوا غُرَفُ الجنانِ العاليه

وجزاءُ مَنْ قتلَ الحُسينَ وحزبَه

يومَ الجزاءِ خلودُهُ في الهاويه

ما للظلمةِ طوَوا على الدِنيا كشحاً، وأعرضُوا عن الآخرةِ صفحاً ؟! اقتحمـُوا الحُسينَ بالعادياتِ ضبحاً، وشنّوا عليه الغارة صُبحاً، فقاتلَ عنه صفوةُ الأنام حتّى تساقطَ عنهم الهمامُ، ثمّ قاتلَ عترةُ الرسول دونَه حتّى طحنتهم رحى المنايا، وأحاطتْ بهم سهامُ الحنايا، ثمَّ برز ليثُ الصؤول والغيثُ الهطول، نجلُ المـُرتضى والبتول، وعليه عمامةُ جدِّه الرسول، فذكّرهم حقَّ جدِّه خاتم الأنبياء،

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٥، ط منشورات الشريف الرضي، نظم درر السّمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢٥.


وحقَّ أبيه سيّد الأوصياء، وحقَّ اُمِّه فاطمة الزهراء، ليجودُوا عليه بشربةٍ من ماء، فجادُوا عليه بالسيوف والنّبال، فتقدّم (عليه‌السلام ) إلى القتال، وصرحُ مردةِ الرّجال، وأقعصَ بالحتوفِ الأبطال، مرّةً عن اليمين ومرّةً عن الشّمال، حتّى صارَ أهل الضّلال بأجمعِهم إلباً عليه بالسّيوفِ القواطعِ والأسلِ والطوال، فرمَوْهُ وطعنُوه وضربُوه حالاً بعد حال، وقاتل حتّى أضعفتْهُ كثرةُ النّصال، ففازَ بالشّهادةِ، وسلكَ إلى آخرِ مسلكِ السّعادة، فالسّلامُ على الحُسينِ المقتولِ يومُ الإثنين :

لقد ذبحُوا الحُسينَ بنَ البتولِ

وقالو نحنُ أشياعَ الرسولِ

بقطرةِ شربةٍ بَخِلُوا عليه

وخاضَ كلابُهُمْ وَسْطَ السّيولِ

قُصَارى همِّهم ريحٌ شمالٌ

وكاساتٌ من الراحِ الشَّمـُولِ

وإنّ موفَّقاً إنْ لمْ يُقَاتِلْ

أمامَك يابن فاطمةَ البتولِ

فسوف يصوغُ فيك مـُحَبَّراتٍ

تنقَّلُ في الحزونِ وفي السهولِ

ثمّ جعلَ يزيدُ ينكثُ بالمِخصرة والقضيب ثنايا الحُسينِ النّجيب، تلك الثّنايا التي كانت مقبلَ الحبيب، فآهٍ مِنْ رزيةٍ ما أوجعها ! وآهٍ مِنْ مـُصيبةٍ ما أفجعها ! شقّوا بألسنةِ الحياة حبّات القلوب، إذ لا قيمةَ للحبوبِ عند المحبوب، وأقضَوا حقَّ النّبيّ المـُختارِ بإرسالِ المدامعِ الغزارِ على اُولئك الأبرار :

نعم بادِّكاري كربلاءَ ومَنْ به

تَفَاقَمَ كربي واستحمَّ بلائي

وأنفدَ عيني ماؤُها ببُكَائِه

عليهم وقد أمددتُهَا بدمائي

فيا ويحَ قومٍ قتّلوهم إذ بد

شفيعُهُمُ من جُمْلَةِ الخُصَمَاءِ

وساقوا بني بنتِ النّبيّ مـُحمّدٍ

إلى الشّامِ في السّوقِ العنيفِ كَشَاءِ

صفتِ الدّنيا للطّغاة وذي العناد، وآلُ الرّسولِ مشرّدون في البلاد، محجبونَ إشفاقاً على أنفسِهم من مكرِهم، [ ونحفت ] أجسادُهم خوفاً من غائلةِ كيدِهم وغدرِهم :


أيأمنُ وحشُ البرِّ غائلةَ الوَرَى

وآلُ النّبيّ المـُصطفى غيرُ آمنِ

تكدَّرت الدُّنيا عليهم وقد صَفَتْ

لكلِّ عنيدٍ شاطرٍ متماجنِ

أتُقتلُ سادات العباد بسيف يزيدٍ وعبيد الله بن زياد ؟!

لقد قتلوا التقيَّ ابنَ التقيِّ

بأسيافِ الشقيِّ ابنِ الشقيِّ

وقد ذبحوا الحُسين بكربلاءٍ

لأمرِ عُبيّد الباغيْ الدعيِّ

وأهدَوا رأسَه في رأسِ رمحٍ

لنحوِ يزيدٍ العاتي البغيِّ

وساقوا نسوةَ المـُختارِ أسرى

وقالوا نحن أشياعَ النّبيّ

وأجرُ رسولِ ربِّ العرشِ لمـَّا

أشارَ به وِدَادُ بني عليِّ

بناتُ الظلمة في القصور نواعمٌ في الخدور، يركبنَ مطايا الشّهوات، ويسحبن أذيالَ الخطايا بالخطوات، وبناتُ الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في الفلوات، مكشّفات الرؤوس تحت الخفقات من السّياط والهفوات !

بناتُ زيادٍ في القصورِ قد استوتْ

على سُرُرِ العلياءِ من كلِّ جانبِ

وإنَّ بناتِ الهاشميِّ مـُحمّدٍ

رسولِ الهُدى نُكِّبْنَ سيرَ السّباسبِ

سوافرُ يندبنَ الحُسينَ بنوحةٍ

تحلُّ بها الأحزانُ خيطَ السّواكبِ

معاشر المسلمين، مَنْ كان فيكم مصابٌ فليتعزَّ بمَنْ كان مَنْ منه أعزّ، ومَنْ كان فيكم مظلومٌ فليتسلَّ ؛ فقد ظُلِمَ مَنْ مِنْه كان أجلّ ومَنْ كان فيكم مَنْ حالفَ البلاء فليذكرَ مبتلى كربلاء، المحرومَ من الماء، والمذبوحَ مِنَ القفا على الظّماء، والمجدلّ في تلك التربة، والمسوقةَ نساءه سوقَ الإماء، يهونُ عليه أمرُ الغُربة وعُسر الكُربة :

إذا ذكرتْ نفسي مصائبَ فاطمٍ

لأولادِها هانت عليَّ مصائبي

ولمْ أتذكَّر منعَهم عن مشاربٍ

على ظمأٍ إلّا وعِفْتُ مشاربي

أسيغُ مياهي بعدَهم ثمَّ أدَّعي

بأنّيَ في دعوى الهوى غيرُ كاذبِ


سقَوا حسناً سُمًّا ذعافاً وجدَّلوا

أخاه حُسيناً بالقنا والقواضبِ

فضائلُهم ليستْ تُعَدُّ وتنتهي

وإنْ عُدِّدت يوماً قطارُ السّحائبِ

وإنّ يزيداً رامَ أنْ يتسفَّلو

وأنْ يتردَّوا في مهاوي المعاطبِ

وقد رفع العدلُ المهيمنُ حالَهمْ

بمنزلةٍ قعساءَ فوقَ الكواكبِ

لَبئس ما كان يزيدُ وحزبه يحتقبون، وساء ما يرتكبون، وسوف ترونهم في جهنّم يصطلون، ويصطرخون ويضطربون، فإنّهم إلى ربّهم راجعون :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمـُوا أَيَّ مـُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .

ولي قصيدة طويلة فيهم آخرها :

ففاطمةٌ ومولانا عليٌّ

ونجلاه سروري في الكتابِ

وَمَنْ يكُ دأبُه تشييدَ بيتٍ

فها أنا مَدْحُ أهلِ البيتِ دأبي

وإنْ يكُ حبُّهم هيهات عاب

فها أنا مـُذْ عَقِلْتُ قريبُ عابِ

لقد قتلوا عليًّاً إذ تجلَّى

لأهلِ الحقِّ فحلاً في الضّرابِ

وقد قتلوا الرضا الحَسَنَ المرجَّى

جوادَ العُرْبِ بالسُّمِّ المـُذابِ

وقد منعوا الحُسين الماءَ ظُلم

وجُدِّلَ بالطّعانِ وبالضرابِ

وقد صلبوا إمامَ الحقِّ زيد

فياللهِ من ظلمٍ عُجابِ(٢)

وقال الموفّق الخوارزمي أيضاً : ومن مقالةٍ لي فيه (عليه‌السلام ) : عباد الله، أما تستغربون أحقاد قوم في ذحولهم ؟! أما تتعجّبون من آراء أمّة وعقولهم، قتالَ الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) ولَد رسولهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! ولم يبالوا بالنّص الجليّ في حفَدة نبيّهم ؟! ثمَّ لبثوا في شمالهم على شرب

____________________

(١) سورة الشعراء / ٢٢٧.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٨ - ١٨٢، الفصل الثالث عشر في ذكر بعض مراثي الحُسين (عليه‌السلام ).


شمولهم وجرّ فضول ذيولهم ؟! لعانُ الله والملائكة على شبّانهم وشيوخهم، وفتيانهم وكهولهم، أفي صلاتِهم يصلّون على مـُحمّدٍ وآله (عليهم‌السلام ) ويمنعونَهم من مشرعة الماء وزلاله، ويجمعون على حرب الحُسين (عليه‌السلام ) وقتالِه، ويذبحون ولا يستحون من شَيبه وجماله ؟!

أما والله، إنّ حقَّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على اُممِهِ أنْ يُعظّموا تراباً أَلَمَّ بلممِه، بلْ ترابَ نعلِ قدمه، بلْ ترابَ نعلَ قدم خادمٍ من خدمِه ثمَّ هؤلاء الطّغاة قتلوا شبلَ أسدِ سادٍ في أجمه، ونكثوا بالمِخصرة ثنايا فمٍ كانت مراشف فمِه، وتنافسوا في ذبحه وإراقة دمه.

نعم، حقُّ الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنْ يكتحلُوا بغبار من شعر جسده، وهم ذبحوا الحُسين (عليه‌السلام ) بكربلاء أكرم ولْدِه، وقرّةَ عينه، وفلِذةَ كبدِه، ذلك الفتى الذي نشأ بين يدي الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبين عليّ الضّرغام الصّؤول وفاطمة البتول، فسُبحان الله ! ثمّ سُبحان الله من يزيد وعبيد الله عدوّا الله وعدوّا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ! النّاكثين ثنايا حبيبِ حبيب الله، باللهِ ثمّ بالله، إنّ هذا البلاء المتناه، قولوا عباد الله مِنْ صميمِ قلوبكم : آهٍ ثمّ آهٍ إذ ذُبحَ ولَدُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين الطّغاة البُغاة، والعُتاة والعُماة، ذوي الشّقاة، مرتكبي مناهي الملاه، ومانعي شرب المياه من الحُسين المخبت الآوّاه(١) .

ليت شعري، ما عذر هؤلاء الشّطار الفجّار، الدعّار الأشرار في قتل هؤلاء الأخيار الأحبار عند رسول الله المـُختار، وعند عليٍّ الكرّار غير الفرّار صاحب ذي الفقار، وعند فاطمة المـُستغفرة بالأسحار، ذات العطاء الجاري على الأجنبي

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٨٢ - ١٨٣، الفصل الثالث عشر في ذكر بعض مراثي الحُسين (عليه‌السلام ).


والجار، المـُشبعة الجائع، المروية الصّادي، المـُكسية العارِ، المـُتصدّقة بما طحنت بنفسها على ذوي المسكنة واليتم والأسارِ، ثلاثة أيام ولياليها بالإفطارِ، إذا جاءت بثوبٍ مخضوب بدم الحُسين المقتول بأسياف أصحاب الخمر والخمارِ، والقِمار والمزمارِ، واحتوت على ساقِ عرشِ الواحد القهّارِ، ورفعت شكواها إلى الملك الجبّارِ، ثمّ جاء النّداء : يا زبانية النّارِ، شدّوا الطّغاة بالسلاسل والأغلال من النّارِ، وسوقهم إلى أسفل دركات النّارِ، والطموا بيد الردّ والاحتقار ما يموّهون من هذه الأعذارِ، فسُحقاً وتعساً للظّلمة ذوي الخسار والصّغار والأدبار !( يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١)(٢) .

وقال الموفّق الخوارزمي أيضاً : ومِنْ مقالةٍ لي فيه (عليه‌السلام ) : عباد الله، إنّ المـُصيبة بالحُسين (عليه‌السلام ) مِنْ أعظم المصائب، فصبّوا فيها شآبيب الدموع السّواكب، بتصعيد الزفرات الغوالب، واستنزفوا بالبكاء الدّماء، وأعقبوا الكرب والبلاء بتذكرِكم أيّام كربلاء.

نعم، إنّ المـُصيبة بالمقتول نجلِ الرسول والبتول، وعليٍّ (عليهم‌السلام ) الليثِ الصؤول، مـُصيبة لا يجبر كسرها ولا يمكن جبرها، وشُعلة في صدور المؤمنين لا ينطفي جمرها، وعظيمة في العظائم يتجدد على الأيام ذكرها، وليلة بلية رزية لا يتنفس فجرها، وقارعة زلزلت منها الأرض برّها وبحرها.

عجباً لـمّنْ يتذكر مصارعَ هؤلاء الأتقياء، الشّهداء الظّمآء من أهل بيت خيرة صفوة الله خاتمِ الأنبياء، ثمَّ يتمتّع بعدهم بشربةٍ من الماء ! سُبحان الله ! أيُّ ظُلمٍ جرى على أصحاب الحرب والمحراب، وأرباب الكتيبة والكتاب، وفتيان الطّعان

____________________

(١) سورة غافر / ٥٢.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٨٢ - ١٨٣، الفصل الثالث عشر في ذكر بعض مراثي الحُسين (عليه‌السلام ).


والضّراب، ورجال العبء والعباب، قاصمي الأصلاب، وقاسمي الأسلاب، وجازمي الرقاب، وهازمي الأحزاب، وفالقي جماجم الأتراب، روَّاض الصّعاب، أحلاس صهوات العِراب، أمراء الخِطاب المـُستطاب، ملوك يومِ الحساب، سلاطينَ يوم الثّواب والعقاب !

ما عذرُ كلابٍ منعوهم عن الطّعام والشّراب، والفراتُ مكرعةٌ للخنازير والكلاب ؟! حبسوا سادة الخلق الأطياب في صحراء الاكتئاب والاغتراب، ثمّ ذبحُوا تلك النفوس الزّكية وعرضوها للنّسور والذئاب، وعفّروا تلك الوجوه البدرية كالبدور بالتراب، هيهات هيهات، لا عذرَ إلّا أنْ يُساقوا في عقاب ربّ الأرباب بأيدي الملائكة الغلاظ الشّداد إلى دار العذاب، الشّديدة الالتهاب، الضيّقة المسالك والشّعاب.

صفت الدّنيا للطّغاة ذوي العناد، وتمهدتْ أسبابُ التنعم لذوي العيب والفساد، واتّسقتْ أحوالُ الوجاهة للأنكاد ذوي الأحقاد، ونفدت أوامرهم على رقاب العباد، وأوسمَ لهم مـُرّاد المـُراد، وقد قِيدتْ بين أيديهم جنائب الجياد، وعطفت عليهم أجيادُ أنجاد الأغوار والأنجاد، ولفظت إليهم الخزائنُ نفائسَ الطّارف والتلاد، وآلُ الرسول مشرّدون في البلاد، منجحرون في كلِّ شعب وواد، ومنجحرون في كلِّ سرب ومطمورة ومهواة بغير زاد، مستشعرون الخوف مكتحلون بالسُّهاد، قد ضربت عليهم الأرض بالأسداد.

بناتُ الظّلمةِ في الخدور والقصور، على سرر السّرور، لابسةٌ حبر الحبور، مسبلاتُ السّتور، وبناتُ الرسول في حرِّ الشّمس والحرور، ومهبّ الصّبا والدَّبور، ضاربات الصّدور، فاتقات للشعور، على كسوف تلك الشموس والبدور، وغروبها في مغارب القبور، ومصيرها إلى بطون السّباع وحواصل الطيور !


تمتّعت اليزيديّة والزياديّة تمتّعاً قليلاً، وسيعذّبون بذلك عذاباً طويلاً، يورثهم ذلك العذاب رنّةً وأنّةً وعويلاً إذا نسوا وراءهم يوماً ثقيلاً، يوم لا ينفع فيه خليلٌ خليلاً، ولا يغني عنهم فتيلاً :( إِنْ هُمْ إلّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (١) وصبرت الحُسينيّة أياماً قلائلَ صبراً جميلاً، فنالوا بذلك في الجنّة ثواباً جزيلاً، وظلاً ظليلاً، وفواكه ذللت قطوفها تذليلاً، ويسقون - لِمَا منعوا من ماء الفرات - كأساً كان مزاجها زنجبيلاً، عيناً فيها تسمى سلسبيلاً.

نعم، قد وجدوا بشهادتِهم إلهاً رحيماً، برّاً كريماً فأسدى إليهم نعيماً مقيماً، وأهبَّ عليهم من روائح المسك والكافور والعنبر نسيماً، وأفاض عليهم رواءً وسيماً، وسقاهم عسلاً مصفّاً تسنيماً، وأوُلئك وجدوا الرسول عليهم متغيظّاً وخصماً، فاُسكنوا جحيماً، وذاقوا بطعمهم زقّوماً، وسقوا صديداً وحميماً :( يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عذاباً أَلِيماً ) (٢) .

رثاءُ ابن الجوزي في عاشوراء وبكاؤه على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال ابن كثير في ترجمة ابن الجوزي : . وقد كان فاضلاً عالماً، ظريفاً منقطعاً منكراً على أرباب الدول ما هم عليه من المـُنكرات، وقد كان مقتصداً في لباسه، مواظباً على المطالعة والاشتغال والجمع والتّصنيف، مـُنصفاً لأهلِ العلم والفضل، مـُبايناً لاُلي الجهل، وتأتي الملوك وأرباب المناصب إليه زائرين وقاصدين، وربّي في طول زمانه في حياة طيّبة وجاه عريض عند الملوك والعوّام نحو خمسين سنة، وكان مجلس وعظه

____________________

(١) سورة الفرقان / ٤٤.

(٢) سورة الإنسان / ٣١ , مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٨٣ - ١٨٥، الفصل الثالث عشر في ذكر بعض مراثي الحُسين (عليه‌السلام ).


مطرباً، وصوته فيما يورده حسناً طيباً،رحمه‌ الله تعالى ورضي عنه وقد سُئل في يوم عاشوراء زمن الملك النّاصر صاحب حلب أنْ يذكرَ للنّاس شيئاً من مقتل الحُسين (عليه‌السلام )، فصعد المنبرَ وجلس طويلاً لا يتكلم، ثمّ وضع المنديل على وجهه وبكى شديداً، ثمّ أنشأ يقول وهو يبكي :

ويلٌ لمَنْ شفعاؤُهُ خصماؤُهُ

والصورُ في نشرِ الخلائق يُنْفَخُ

لا بدّ أنْ تَرِدَ القيامةَ فاطمٌ

وقميصُها بدمِ الحُسينِ مـُلَطَّخُ

ثمّ نزل عن المنبر وهو يبكي، وصعد إلى الصالحيّة وهو كذلك (رحمه‌الله )(١) .

مَنْ كحَّل عينيه حزناً على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي : وأنشدنا أبو عبد الله النّحوي بمصرَ قال : كحّل بعض العلماء عينه يوم عاشوراء فعوتب على ذلك فقال :

وقائلٍ لمَ كحَّلْتَ عيناً

يوم استباحوا دَمَ الحُسينِ

فقلتُ كفُّوا أحقُّ شيءٍ

تلبسُ فيه السّوادَ عيني(٢)

قال المحبّي : وللعرضي شعرٌ قليلٌ أنشد له بعض الأدباء قوله، وهو معنى حسن :

لمْ أكتحل في صباح يومٍ

اُريقَ فيه دمُ الحُسينِ

إلّا لأنّي لفرط حزني

سوّدت فيه بياضَ عيني

وأصله قول بعضهم :

____________________

(١) البداية والنهاية - ابن كثير ١٣ / ٢٢٦.

(٢) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٥، ط منشورات الشريف الرضي.


وقائلٍ لمَ كحَّلْتَ عيناً

يوم استباحوا دَمَ الحُسينِ

فقلتُ كفُّوا أحقُّ شيءٍ

تلبسُ فيه السّوادَ عيني(١)

ومثله لأبي بكر العُمري الدمشقي :

في يوم عاشوراءَ لمْ أكتحل

ولمْ اُزيّن ناظري بالسّوادِ

لكنْ على مَنْ فيه حيناً قضى

ألبستُ عيني ثيابَ الحِدادِ(٢)

بكاءُ الخيل على حوافرها

وفي مقتل الخوارزميّ قال : . ثمّ أذّن عمر بن سعد بالنّاس في الرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحُسين (عليه‌السلام ) وأخواتِه، وعليَّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) وذراريهم، فلمـَّا مروا بجُثّة الحُسين (عليه‌السلام ) وجُثث أصحابه صاحت النّساء، ولطمنّ وجوهَهُنَّ، وصاحت زينب : يا مـُحمّداه ! صلّى عليك مليك السماء، هذا حُسين بالعراء، مزمّل بالدّماء، معفّر بالتراب، مقطّع الأعضاء. يا مـُحمّداه ! بناتك في العسكر سبايا، وذرّيتك قتلى تسفى عليهم الصّبا، هذا ابنك محزوزُ الرأس من القفا، لا هو غائب فيرجى، ولا جريح فيداوى.

وما زالت تقول هذا . حتّى أبكت - والله - كلَّ صديق وعدوّ، حتّى رأينا دموعَ الخيل تنحدر على حوافرها ثمّ قُطعتْ رؤوسُ الباقين، فسرّح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، وعمرو بن الحجّاج(٣) .

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٥، ط منشورات الشريف الرضي.

(٢) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر - المحبّي / ٣٤٠٣، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.

(٣) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - للخوارزمي ٢ / ٤٤ - ٤٥.


امتناعُ الطيور عن الطعام لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) يوم عاشوراء

روى الخوارزمي قال : وبهذا الإسناد، عن أبي عبد الله الحافظ، سمعت الزبير بن عبد الله، سمعت أبا عبد الله بن وصيف، سمعت المشطاح الورّاق، يقول : سمعت الفتح بن سحرف العابد يقول : كنت أفتُّ الحبَّ للعصافير كلَّ يوم فكانت تأكل، فلمـَّا كان يوم عاشوراء فتّت لها فلم تأكل، فعلمت أنّها امتنعت لقتل الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام )(١) .

امتناعُ النّمل وبقيّة الحيوانات عن الطعام في يوم عاشوراء

ذكره صاحب التدوين في أخبار قزوين قال : حدّث مـُحمّد بن عامر الوكيل، قال : حدّثني ريحان القادي، قال : كان أمير المؤمنين القادر بالله يصلّي الفجر من دارين من أبنية المعتضد وابنه المكتفي، وكانتا خاليتين إذ ذاك من ساكن ليخلو بنفسه في الدعاء، وكان فيهما نملٌ كثير، وكان يحمل كلَّ يوم شيئاً من الطعام فتأتي النّمل عليه، فلمـَّا كان يوم عاشوراء فتّت القرن والنّمل منبسط كثير، فلم يتناول منه شيئاً، فعجب.

قال عيسى : يكون في هذا الطعام شبهة، فنفذ إلى وكيل خزانة البرّ، فذكر أنّه من أحلّ أملاكه وأطيبه، فازداد عجباً، ثمّ إنّه استدعى الشيخ الزاهد القزويني، فلمـَّا حضر أعلمه ذلك، فتبسّم وقال : يا أمير المؤمنين، هذا يوم عاشوراء، والوحش والطير والذئب صائم كلّه فتركه ووكّل بالموضع مَنْ شاهد النّمل إلى الليل، فلمـَّا غربت الشّمس خرجت، وأتت على جميعه(٢) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٣.

(٢) التدوين في أخبار قزوين ٣ / ٣٨٨.


حديثُ العوسجة المباركة، وبكاءُ الجنِّ ورثاؤها على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الخوارزمي، والزمخشري، وابن العديم، والزمخشري، واللفظ للأوّل قال : وبهذا الإسناد (أي عن سيّد الحفّاظ أبو منصور الديلمي)، عن الرئيس أبي الفتح هذا، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن الحُسين الحنفي بالرّيّ، حدّثنا عبد الله بن جعفر الطبري، حدّثنا عبد الله بن مـُحمّد التميمي، حدّثنا مـُحمّد بن الحسن العطار، حدّثنا عبد الله بن مـُحمّد الأنصاري، حدّثنا عمّارة بن زيد، حدّثنا بكر بن حارثة، عن مـُحمّد بن إسحاق، عن عيسى بن عمر، عن عبد الله بن عمرو الخزاعي، عن هند بنت الجون(١) قالت :

نزل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخيمة خالتي ومعه أصحاب له، فكان من أمره في الشّاة ما قد عرفه النّاس، فقال(٢) في الخيمة هو وأصحابه حتّى أبرد، وكان اليوم قايضاً شديداً حرُّه، فلمـَّا قام من رقدته دعا بماء فغسل يديه فأنقاهما، ثمّ مضمض فاه ومجّه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتي ثلاث مرات، واستنشق ثلاث، وغسل وجهه ثلاث، وذراعيه ثلاث، ثمّ مسح برأسه ما أقبل منه وأدبر مرّة واحدة، ثمّ غسل رجليه ظاهرهما وباطنهما، والله ما عاينت أحداً فعل ذلك، ثم قال : (( إنّ لهذه العوسجة شأناً )).

ثم فعل مَنْ كان معه من أصحابه مثل ذلك، ثمّ قام فصلّى ركعتين، فعجبت أنا وفتيات الحيِّ من ذلك، وما كان عهدنا بالصّلاة، ولا رأينا مـُصليّاً قبله، فلمـَّا كان من الغد أصبحنا وقد علت العوسجة حتّى صارت كأعظم دوحة عالية وأبهى، وقد خضد الله شوكتها، ووشجت عروقها، وكثرت أفنانها، واخضرّ ساقها وورقها، ثمّ أثمرت بعد ذلك فأينعت بثمر كان كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس

____________________

(١) وفي بغية الطلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥٠، هند بنت النّجود.

(٢) من القيلولة.


المسحوق، ورائحة العنبر وطعم الشّهد والله، ما أكل منها جائع إلّا شبع، ولا ظمآن إلّا روي، ولا سقيم إلّا برئ، ولا ذو حاجة وفاقة إلّا استغنى، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلّا سمنت ودرَّ لبنها، فرأينا النّماء والبركة في أموالنا منذ يوم نزل (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأخصبت بلادنا وأمرعت، فكنَّا نسمّي تلك الشّجرة : المباركة.

وكان ينتابنا من حولنا من أهل البوادي يستظلّون بها، ويتزودون من ورقها في الأسفار، ويحملون معهم للأرض القفار، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب، فلم نزل كذلك وعلى ذلك حتّى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمارها، واصفرّ ورقها فأحزننا ذلك، وفزعنا من ذلك، فما كان إلّا قليلاً حتّى جاء نعي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فإذا هو قد قبض ذلك اليوم فكانت بعد ذلك تثمر ثمراً دون ذلك في العظم والطعم والرائحة، فأقامت على ذلك نحو ثلاثين سنة، فلمـَّا كان ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد شاكت من أولها إلى آخرها، وذهبت نضارة عيدانها، وتساقطت جميع ثمرتها، فما كان إلّا يسيراً حتّى وافى خبر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فما أثمرت بعد ذلك لا قليلاً ولا كثيراً وانقطع ثمرها، ولم نزل نحن ومن حولنا نأخذ من ورقها ونداوي به مرضانا ونستشفي به من أسقامنا، فأقامت على ذلك برهة طويلة، ثمّ أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد انبعث من ساقها دمٌ عبيطٌ، وإذا بأوراقها ذابلة تقطرُ دماً كماء اللحم، فقلنا : قد حدثت حادثة عظيمة، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقع الحادثة، فلمـَّا أظلم الليل علينا سمعنا بكاءً وعويلاً من تحت الأرض، وجلبةً شديدةً ورجّةً، وسمعنا صوت نائح يقول :

أيابن النّبيِّ ويابن الوصيِّ

بقيّةَ ساداتِنا الأكرمينا

وكثر الرنين والأصوات، فلم نفهم كثيراً ممّا كانوا يقولون، فأتانا بعد ذلك خبر قتل الحُسين (عليه‌السلام )، ويبست الشجرة، وجفّت وكسرتها الأرياح والأمطار فذهبت ودرس أثرها.

قال عبد الله بن مـُحمّد الأنصاري : فلقيت دعبل بن علي الخزاعي (رحمه‌الله ) في


مدينة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وحدّثته بهذا الحديث فلم ينكره، وقال : حدّثني أبي عن جدِّي، عن اُمِّه سعدى بنت مالك الخزاعية أنّها أدركت تلك الشجرة، وأكلت من ثمرها على عهد عليِّ بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وأنّها سمعت ليلة قتل الحُسين (عليه‌السلام ) نوح الجنّ فحفظت من جنية منهم هذين البيتين :

يابنَ الشهيدِ ويا شهيداً عمـُهُ

خيرُ العمومةِ جعفرُ الطيَّارُ

عجباً لمصقولٍ أصابَكَ حدُّهُ

في الوجهِ منك وقد عَلاك غبارُ

قال دعبل : قلت في قصيدة لي تشتمل على هذين البيتين :

زُرْ خيرَ قبرٍ بالعراقِ يُزَارُ

واعصِ الحمارَ فَمَنْ نَهَاكَ حمارُ

لِمْ لا أزورُكَ يا حسينُ لكَ الفِدَا

قَومي وَمَنْ عَطَفَتْ عليه نِزارُ

ولك المودّةُ في قلوبِ ذوي النُهى

وعلى عدوِّك مقتةٌ ودمارُ

يابنَ الشهيدِ ويا شهيداً عمـُه

خيرُ العمومةِ جعفرُ الطيّارُ

عجباً لمصقولٍ أصابكَ حدُّه

في الوجهِ منكَ وقد عَلاك غبارُ(١)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١١١ - ١١٤، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار - الزمخشري ١ / ٢٨٥، نقلاً عن ترجمة الإمام الحُسين من بغية الطلب في تاريخ حلب، تصحيح المحقّق العامل السيّد عبد العزيز الطباطبائي (قدس‌سره )، وفي نسخة برنامج الموسوعة الشعرية / ٦١٦٨، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٥٠، وذكره بهذا الإسناد قال : بسم الله الرحمن الرحيم، وبه توفيقي، أخبرنا أبو المظفّر حامد بن أبي العميد بن أميري القزويني قال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن مـُحمّد القزويني، قال : أخبرني أبو نصر مـُحمّد بن عبد الله الأرغياني إذناً، قال : أخبرنا القاضي الشهيد أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، قال : أخبرنا جدّي، قال : أخبرنا أبو العبّاس أحمد بن الحُسين الفقيه، قال : أخبرنا أبو العبّاس عبيد الله بن جعفر الحضري، قال : أخبرنا عبد الله بن مـُحمّد أبو مـُحمّد الأنصاري، قال : أخبرنا عمّارة بن زيد، قال : أخبرنا بكر بن حارثة، عن مـُحمّد بن إسحق، عن عيسى بن عمر، عن عبد الله بن عمرو الخزاعي، عن هند بنت النّجود، قالت : نزل رسول الله بخيمة خالتي اُمّ معبد ومعه أصحاب له، فكان في أمره في الشّاة ما قد عرفه النّاس . إلخ، ولكنْ لم يذكر نظم دعبل الخزاعي (رحمه‌الله ).


نوحُ الجنّ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

نوحُ الجنّ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بخبر اُمّ سلمة، بسند صحيح

عن عمّار بطرق مختلفة : روى الطبراني والهيثمي، والذهبي والمزّي، وابن حجر وابن سعد، وابن العديم وابن حنبل، والزّرندي الحنفي وابن أبي عاصم الضّحاك، وابن جرير الطبري والمناوي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا هدبة بن خالد، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار، عن اُمّ سلمة، قال : سمعت الجنّ تنوح على الحُسين(١) .

وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(٢) .

وقال ابن كثير : وقد روى حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّارة، عن أمِّ

____________________

(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢٢، مجمع الزوائد ٩ / ٢٥٩، سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٦، تهذيب الكمال ٦ / ٤٤١، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٦، الإصابة ٢ / ٧٢، وترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٩٣، وترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن سعد في الطبقات الكبرى ٩٠ / ح ٣١٩، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥٢، فضائل الخمسة - ابن حنبل ٢ / ٧٧٦، نظم درر السّمطين - الزندي الحنفي / ٢٢٣، الآحاد والمثاني ١ / ٣٠٨، فيض القدير ١ / ٢٦٥، وفي ط ج١ / ٢٠٥.

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٩.


سلمة : أنّها سمعت الجنّ تنوح على الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) وهذا صحيح(١) .

روى محدّث الشّام ابن عساكر قال : أخبرنا أبو بكر الأنصاري، نا أبو مـُحمّد الجوهري ( إملاءً )، أخبرنا أبو نصر بن رضوان، وأبو غالب بن البن، وأبو مـُحمّد بن شاتيل قالوا : أنا أبو مـُحمّد الجوهري ( قراءة )، أنا أبو بكر بن مالك، أنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، أنا عبد الرحمن بن مهدي، أنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار قال : سمعت اُمَّ سلمة قالت : سمعت الجنّ يبكين على حُسين (عليه‌السلام )(٢) .

قال ابن جرير الطبري : ذكر نوح الجنِّ لقتل الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) عن اُمِّ سلمة قالت : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) ناحت عليه الجنّ، ومطرنا دماً خرّجه ابن السّري، وعنه : سمعت الجنّ تنوح على الحُسين (عليه‌السلام ) خرّجه ابن الضّحاك، وعنه : ما سمعت نوح الجنّ بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلّا ليلة قتل الحُسين (عليه‌السلام )، فقالت للجارية : اخرجي، فوالله، ما أرى ابني إلّا قد مات، اخرجي فاسألي فخرجت، فسألت فقيل : إنّه قُتلَ خرّجه الملّا في سيرته(٣) .

نوحُ الجنّ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بخبر ميمونة، بسند صحيح.

روى الطبراني، وابن أبي عاصم الضحاك، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا عبد الله، ثنا إبراهيم بن الحجّاج، ثنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار، عن

____________________

(١) البداية والنهاية ٦ / ٢٥٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٩، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٩٣.

(٣) ذخائر العقبى - الطبري / ١٥٠.


ميمونة قالت : سمعت الجنّ تنوح على الحُسين (عليه‌السلام )(١) .

وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(٢) .

____________________

(١) المعجم الكبير ٣ / ١٢٢، الآحاد والمثاني ١ / ٣٠٨.

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٩.



رثاءُ الجنِّ للإمام الحُسين (عليه‌السلام )

الرثاءُ الأوّل بخبر اُمِّ سلمة (رضوان الله عليها) بروايتين :

الاُولى : روى ابن عساكر، وابن كثير، وابن العديم، والكنجي الشافعي، وابن منظور، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو السعود بن المجلي، أنا عبد المحسن بن مـُحمّد ( لفظاً ) أنا أبو أحمد عبد الله بن مـُحمّد بن مـُحمّد الدهان، أنا أبو جعفر أحمد بن الحسن البردعي، أنا أبو هريرة أحمد بن عبد الله بن أبي العصام العدوي، أنا إبراهيم بن يحيى بن يعقوب أبو الطّاهر البزّار، أنا ابن لقمان، أنا الحُسين بن إدريس، أنا هاشم بن هاشم، عن اُمِّه، عن اُمِّ سلمة قالت : سمعت الجنّ تنوح على الحُسين (عليه‌السلام ) يوم قُتِلَ، وهنَّ يقلنَ :

أيُّها القاتلون ظُلماً حُسيناً

أبشروا بالعذابِ والتنكيلِ

كلُّ أهلِ السّماءِ يدعو عليكُم

من نبيٍّ ومـُرسلٍ وقبيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وصاحبِ الإنجيلِ(١)

الثانية : روى الخوارزميّ، والزّرندي الحنفي، وابن كثير، واللفظ للأوّل قال :

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٤٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٩، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥٠، كفاية الطالب - الكنجي الشافعي / ٢٩٥، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٧٦، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٧ / ١٥٤ - إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٩٦.


وأخبرني أبو العلاء هذا ( إجازة ) أخبرني أبو علي الحدّاد، أخبرني مـُحمّد بن أحمد الكاتب، أخبرني عبد الله بن مـُحمّد، حدّثني أحمد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن سعيد، حدّثني مـُحمّد بن جعفر بن مـُحمّد قال : سمعت عبد الرحمن بن مـُحمّد بن أبي سلمة يذكر، عن أبيه، عن جدِّه، عن اُمِّ سلمة قالت : جاء جبرائيل (عليه‌السلام ) إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال : إنّ أمتك تقتله - يعني الحُسين (عليه‌السلام ) - بعدك ثمّ قال له : ألا اُريك من تربةِ مقتله ؟ قال : (( نعم )) فجاء بحصيّات، فجعلهنَّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في قارورة، فلمـَّا كانت ليلة قتل الحُسين (عليه‌السلام ) قالت اُمُ سلمة : سمعت قائلاً يقول :

أيُّها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وصاحبِ والإنجيلِ

قالت : فبكيت، وفتحت القارورة فإذا قد حدث فيها دمٌ(١) .

خبرُ اُمّ أبي حيزوم الكلبي في رثاء الجنِّ

روى أبو بكر بن أبي الدّنيا قال : حدّثني مـُحمّد بن عباد بن موسى، ثنا هشام بن مـُحمّد، ثنا أبو حيزوم الكلبي،

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٧ - ١٠٨، نظم درر السّمطين - الزّرندي الحنفي / ٢١٧، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٩، ولم يذكر قضية القارورة، وذكره بسند آخر قال : ورواه الحُسين بن إدريس، عن هاشم بن هاشم، عن اُمِّه، عن اُمّ سلمة قالت : سمعت الجنّ ينحنَ على الحُسين وهنّ يقلنَ :

أيُّها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

كلُّ أهلِ السماءِ يدعو عليكم

من نبيٍّ ومرسلٍ وقبيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وصاحبِ الإنجيلِ

وقد روي من طرق اُخرى، عن اُمّ سلمة بشعر غير هذا، فالله أعلم انتهى كلام ابن كثير.


عن اُمِّه قالت : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) سمعت منادياً ينادي في الجبال، وهو يقول :

أيُّها القاتلون ظُلماً حُسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

كلُّ أهلِ السّماءِ يدعو عليكُمْ

من نبيٍّ ومـُرسَلٍ وقبيلِ

قد لُعِنْتُمْ على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وحاملِ الإنجيلِ(١)

خبرُ مولىً لبني عكرمة في رثاء الجنِّ

روى الطبري، وابن كثير، واللفظ للأوّل قال : قال هشام : حدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن أبي المقدام، قال : حدّثني عمرو بن عكرمة قال : أصبحنا صبيحة قُتلَ الحُسين (عليه‌السلام ) بالمدينة، فإذا مولى لنا يُحدّثنا قال : سمعت البارحة منادياً ينادي وهو يقول :

أيُّها القاتلون جهلاً حُسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

كلُّ أهلِ السّماءِ يدعو عليكُم

من نبيٍّ ومالكٍ وقبيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وحاملِ الإنجيلِ(٢)

وروى الطبري أيضاً قال : (قال هشام) : حدّثني عمر بن حُيزوم الكلبي، عن أبيه قال : سمعت هذا الصوت(٣) .

____________________

(١) كتاب الهواتف - ابن أبي الدنيا / ٨٧.

(٢) تاريخ الطبري - الطبري ٣ / ٣٤٢، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٥، تاريخ الاُمم والملوك ٤ / ٣٥٧ من إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٨١.

(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٣٤٢.


خبرُ أهل المدينة في رثاء الجنِّ

قال ابن الدمشقي : وسمع أهل المدينة ليلة قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) منادياً ينادي :

أيُّها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

كلُّ أهلِ السّماءِ يدعو عليكُمْ

من نبيٍّ ومـُرسَلٍ وقبيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وصاحبِ الإنجيلِ(١)

خبرُ قَتَلَة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بأنّهم سمعوا قائلاً من السّماء يرثيه . بروايتين

الاُولى : قال ابن الجوزي : وذكر هشام بن مـُحمّد قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) سمع قاتلوه قائلاً يقول من السّماء :

أيُّها القاتلون جهلاً حسيناً

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

كلُّ أهلِ السّماءِ يدعو عليكُمْ

من نبيٍّ ومـُرسَلٍ وقبيلِ

قد لُعِنْتُم على لسانِ ابنِ داو

دَ وموسى وحاملِ الإنجيلِ(٢)

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢٩٦، الكامل في التاريخ - ابن الأثير ٣ / ٤٤١، جواهر المطالب في مناقب علي بن أبي طالب / ١٤٠ من إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٥٠١، كتاب الحسن والحُسين سبطا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) / ١٥٥ من إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٧٩.

(٢) تذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٤٢، ط مشورات الشريف الرضي، التبر المذاب / ٩٢ من إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٥٠٢.


الثانية : وفي نور العين للأسفراييني قال : . ثم إنّهم باتوا تلك الليلة وأصبحوا، فساروا وجدُّوا في المسير إلى أنْ وصلوا ثاني منزلة يُقال لها : جرابا، فنزلوا ووضعوا الرؤوس والسّبايا بينهم، ثمّ جلسوا يشربون الخمر، فبينما هم كذلك إذ سمعوا هاتفاً يقول :

أيُّها القاطعون رأسَ حُسينٍ

أبشروا بالعذابِ والتّنكيلِ

كلُّ مَنْ في السّماءِ يبكي عليهِ

من نبيٍّ ومقرَّبٍ ورسولِ(١)

قد لُعِنْتُم على لسانِ مـُحمّدْ

في الكتابِ المجيدِ والإنجيلِ

ففزعوا من ذلك فزعاً عظيماً وتركوا الخمر، وباتوا تلك الليلة، فلمـَّا أصبحوا حملوا وساروا، فبينما هم سائرون إذ سمعوا هاتفاً يقول :

ألا أيُّها الغادون إنّ أمامكُم

مقامَ سؤالٍ والرسولُ سؤولُ

وفيه رسولُ اللهِ فيكُم مخاصِمٌ

وفاطمةُ الزهراء وهي بتولُ

وإنّ عليّاً في الخصامِ مؤيَّدٌ

له الحقُّ فيما يدَّعي ويقولُ

فماذا تردُّون الجوابَ عليهِمُ

وليس إلى ردِّ الجوابِ سبيلُ

ولا يُرتجى في ذلك اليومِ شافعٌ

سوى خَصْمِكم والشرحُ فيه يطولُ

وَمَنْ يكنِ المختارُ واللهِ خصمَهُ

فإنَّ له نارَ الجحيمِ تؤولُ

فإنّهُمُ سُفْنُ النّجاةِ لِمـُغْرَقٍ

ونُجْحٌ وهذا بالنّجاحِ كفيلُ

مناقبُهُمْ بينَ الورى مستنيرةٌ

لها غُرَرٌ محجولةٌ وحجولُ

مناقبُ وحيُ اللهِ أثبتها لهم

بما قام منهم شاهدٌ ودليلُ

فلمـَّا سمعوا ذلك فزعوا فزعاً عظيماً(٢) .

____________________

(١) لا يخفى ما في المصراع الثاني من خلل عروضي واضح لا يستقيم إلّا برفع الواو من مفردة ( ومـُقرَّب ) (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٢) كتاب نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) / ٦٠ - ٦١، وفي ط : ص٥٢.


الرثاءُ الثاني للجنِّ بروايتين

الاُولى : روى ابن أبي الدنيا قال : حدّثنا منذر بن عمّار الكاهلي، أنا عمرو بن أبي المقدام، أنا الجصّاصون : أنّهم كانوا يسمعون نوح الجن على الحُسين (عليه‌السلام ) :

مسح النّبيُّ جبينَه

فله بريقٌ في الخدودِ

وأبوه مِنْ عُليا قريـ

ـشٍ جدُّه خيرُ الجدودِ(١)

أقول : ورجاله ثقات(٢) .

____________________

(١) كتاب الهواتف - ابن أبي الدنيا / ٨٦.

(٢) الأوّل : ابن أبي الدنيا، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣١ / ٣٩٧ : ابن أبي الدنيا عبد الله بن مـُحمّد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي، مولاهم البغدادي، المؤدّب، صاحب التصانيف السّائرة، من موالي بني اُميّة.

ولِدَ سنة ثمان ومئتين، وأقدم شيخٍ له سعيد بن سُليمان سعدويه الواسطي سمع من علي بن الجعد، وخالد بن خداش، وعبد الله بن خيران، صاحبَ المسعودي وطبقتهم . إلى أنْ قال: وقد روى عنه ابن ماجة في (تفسيره).

وقال ابن أبي حاتم : كتبتُ عنه مع أبي، وقال أبي : هو صدوق وقال الخطيب : كان يؤدّب غير واحد من أولاد الخلفاء وقال غيره : كان ابن أبي الدنيا إذا جالس أحداً، إنْ شاء أضحكه وإنْ شاء أبكاه في آن واحد ؛ لتوسعه في العلم والأخبار.

قال أحمد بن كامل : كان ابن أبي الدنيا مؤدّب المعتضد وقال فيه ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ٦ / ١١ : عبد الله بن مـُحمّد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي الأموي، مولاهم أبو بكر بن أبي الدنيا البغدادي الحافظ، صاحب التصانيف المشهورة، ومؤدّب أولاد الخلفاء.

روى عن أبيه، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، وأحمد بن أبي إبراهيم الدورقي، وعلي بن الجعد، وإبراهيم بن المـُنذر الحزامي، وخلف بن هشام البزّار، وزهير بن حرب، وعبد الله بن عون الخرّاز، وسريج بن يونس، وسعيد بن سُليمان الواسطي، وكامل بن طلحة الجحدري، ومنصور بن أبي مـُزاحم، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي الأحوص مـُحمّد بن حيّان البغوي، ومـُحمّد بن سعد كاتب الواقدي، وداود بن رشيد، والحسن بن حمّاد سجاده، والبخاري، وأبي داود السّجستاني، وخلق كثير.

روى عنه ابن ماجة في التفسير، وإبراهيم بن الجنيد، =


____________________

= وهو من أقرانه، والحارث بن أبي اُسامة، وهو من شيوخه، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو علي بن خزيمة، وأبو العبّاس بن عقدة، وعبد الله بن إسماعيل بن برية الهاشمي، وأبو بشر الدولابي، ومـُحمّد بن خلف، ووكيع، وأبو جعفر بن البختري، وأبو بكر مـُحمّد بن أحمد بن أبي خلف، وأبو سهل بن زياد القطّان، ومـُحمّد بن يحيى بن سُليمان المروزي، وأبو بكر أحمد بن مروان الدينوري، وأبو علي الحُسين بن صفوان البرذعي، وأبو الحسن أحمد بن مـُحمّد بن عمر النّيسابوري، وعلي بن الفرج بن أبي روح العكبري، وأبو بكر النّجاد، وأبو بكر مـُحمّد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي وجماعة.

قال ابن أبي حاتم : كتبتُ عنه مع أبي، وسُئلَ عنه أبي فقال : صدوق وقال صالح بن مـُحمّد : صدوق، وكان يختلف معنا، إلّا أنّه كان يسمع من إنسان يُقال له : مـُحمّد بن إسحاق البلخي، وكان يضع للكلام إسناداً، وكان كذّاباً ؛ يروي أحاديث من ذات نفسه مناكير.

وقال إبراهيم الحربي : رحم الله ابن أبي الدنيا، كنّا نمضي إلى عفّان نسمع منه، فنرى ابن أبي الدنيا جالساً مع مـُحمّد بن الحُسين البرجلاني يكتب عنه، ويدع عفّان وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : رحم الله أبا بكر، مات معه علم كثير.

قال ابن المنادي وغيره : مات سنة إحدى وثمانين ومئتين في جمادى الأولى قال الخطيب : وبلغني أنّ مولده سنة (٢٠٨ ه ).

والثاني : المنذر بن عمّار الكاهلي (وهو حسّان بن أبي الأشرس)، قال فيه الذهبي في كتاب الكاشف فيمن له رواية في كتب السّتة ١ / ٣٢٠ : حسّان بن أبي الأشرس، عن شريح، وسعيد بن جبير، وعنه منصور والأعمش : ثقة.

وقال فيه ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ٢ / ٢١٥ : حسّان بن أبي الأشرس المنذر بن عمّار الكاهلي الأسدي مولاهم، أبو الأشرس والد حبيب روى عن سعيد بن جبير، وشريح القاضي، ومغيث بن سمي، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعنه الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وعبد الله بن حبيب بن أبي ثابت.

روى له النّسائي حديثاً واحداً، فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزّة، وقال : ثقة.

قلت : وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري في الزكاة، ويذكر عن ابن عبّاس : يعتق من زكاة ماله، ويُعطي في الحج وقد أسنده أبو عبيد في كتاب الأموال من رواية الأعمش، عن حسّان بن هلال، عن ابن عبّاس.

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب ١ / ١٥٧ : ١١٩٥ حسّان بن أبي الأشرس منذر بن عمّار الكاهلي، مولاهم أبو الأشرس، والد حبيب، صدوق من السّادسة.

والثالث : عمر بن أبي المقدام، وهو عمر بن ثابت، شعيّ، وقد تقدّم الكلام في قبول روايته في الخبر الثاني لشقيق عن اُمّ سلمة، من الفصل الثاني - الأخبار الغيبية عن الشهادة الحُسينية - من هذا الكتاب.


ورواه - مع زيادة جواب - ابن العديم، وابن عساكر، وابن كثير، وابن الدمشقي، والصالحي الشامي، والطبراني، واللفظ للأوّل قال : أنبأنا أبو منصور عبد الرحمن بن مـُحمّد، عن عمِّه علي بن الحسن، قال : أخبرنا أبو بكر مـُحمّد بن شجاع، قال : أخبرنا عبد الوهاب بن مـُحمّد، قال : أخبرنا الحسن بن مـُحمّد، قال : أخبرنا أحمد بن مـُحمّد، قال : حدّثنا عبد الله بن مـُحمّد، قال : حدّثني أبو عبد الله التيمي، قال : حدّثنا علي بن عبد الحميد السّمعاني، عن أبي مزيد الفقيمي، قال : كان الجصّاصون إذا خرجوا في السّحر سمعوا نوح الجنّ على الحُسين (عليه‌السلام ) :

مسح النّبيُّ جبينَه

فلهُ بريقٌ في الخدودِ

وأبوه مِنْ عُليا قريـ

ـشٍ جدُّه خيرُ الجدودِ

قال : فأجبتهم :

خرجوا به وفداً إليـ

ـهِ فهم له شَرُّ الوفودِ

قتلوا ابنَ بنتِ نبيِّهمْ

سكنوا به نارَ الخلودِ(١)

____________________

(١) بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٥٢، تاريخ مدينة دمشق - لابن عساكر ١٤ / ٢٤٢ - ٢٤٢، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٤٠٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٨، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليٍّ (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٢٩٧، ولكنّه نسب جميع الأبيات إلى قائل واحد، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٦، المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٣٠، نظم درر السّمطين - الحنفي الزّرندي / ٢٢٣، ورواه عن أبي زياد التميمي، عن أبي جناب، وأنّ صاحب البيتين هو أبو زياد الإشراف في منازل الأشراف - ابن أبي الدنيا / ٢٢٢، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية، قال : حدّثني أبو عبد الله التيمي قال : حدّثنا عليّ بن عبد الحميد الشّيباني، عمّ أبي يزيد الفقيمي، قال : كان الجصّاصون إذا خرجوا في السّحر سمعوا نوح الجنّ على الحُسين (عليه‌السلام ) . إلخ


الثانية : روى ابن عساكر، والمزّي، والذهبي، وابن كثير، والطبراني، والرافعي القزويني، والقندوزي، وابن العديم، والسيوطي، واللفظ للأوّل قال : أنبأنا أبو علي بن نبهان ح، وأخبرنا أبو الفضل بن ناصر، أنا أحمد بن الحسن بن أحمد، وأبو الحسن مـُحمّد بن إسحاق، وأبو علي مـُحمّد بن سعيد بن نبهان ح.

وأخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن قالوا : أنا أبو علي بن شاذان، أنا أبو بكر مـُحمّد بن الحسن بن مقسم، أنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى النّحوي ثعلب، حدّثني عمر بن شبة، حدّثني عبيد بن عبّاد، أنا عطاء بن مسلم، عن أبي جناب الكلبي، قال: أتيت كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العرب بها : بلغني أنّكم تسمعون نوح الجنّ قال : ما تلقى حُرّاً ولا عبداً إلّا أخبرك أنّه سمع ذاك قال : قلت : وأخبرني ما سمعت أنت قال : سمعتهم يقولون :

مسح النّبيُّ جبينَه

فلهُ بريقٌ في الخدودِ

وأبوه مِنْ عُليا قريـ

ـشٍ جدُّه خيرُ الجدودِ(١)

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٤١، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٩٩، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٢، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٧، البداية والنهاية ٨ / ٢١٧، قال : قد حكى أبو جناب . .، المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢١ - ١٢٢، بطريقين عن أبي جناب ؛ الأوّل عن إسماعيل بن عبد الرحمن الأزدي، والثاني عن أبي زيد الفقيمي.

وفي التدوين في أخبار قزوين ١ / ٢٦٠، عن أبي زياد الفقيمي، وفي رواية اُخرى في تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٤٢، عن أبي مريد : كان الجصّاصون . .، ينابيع المودّة - القندوزي، وظاهره عن اُمّ سلمة (رضوان الله عليها)، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥١، ولكنّه رواه عن سفيان، عن أبي جناب الخصائص الكبرى - السّيوطي ٢ / ١٢٧، ولكنْ من سمع الجنّ هو حبيب بن أبي ثابت، مجالس ثعلب / ٤٢٣، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية، قال : ثنا أبو العبّاس أحمد بن يحيى النّحوي ثعلب، قال : حدّثني عمر بن شبّة قال : حدّثني عبيد بن جناد، ثنا عطاء بن مسلم، عن أبي جناب الكلبي . إلخ.


الجنُّ تنعى كهلَهُمُ

لابن السّعيدة والسّعيدِ(١)

الرثاءُ الثالث للجنِّ

روى الطبراني، والهيثمي، وابن عساكر، وابن أبي الدنيا، والسّيوطي، وابن العديم، والمزّي، والصالحي الشامي، والقندوزي، وغيرهم، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا القاسم بن عباد الخطّابي، ثنا سويد بن سعيد، ثنا عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت قال : قالت اُمِّ سلمة : ما سمعت نوح الجنّ منذ قبض النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلّا الليلة، وما أرى مشهوراً إلّا قد قُتِلَ - تعني الحُسين (عليه‌السلام ) - فقالت لجاريتها : اخرجي فسلي، فاُخبرت أنّه قد قُتِلَ، وإذا جنيّة تنوح :

ألا يا عينُ فاحتفلي بجَهدِ

وَمَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي

على رَهْطٍ تقودُهُمُ المنايا

إلى متجبِّبٍ في مـُلْكِ عبدِ(٢)

____________________

(١) والبيت الأخير من نور القبس / ٥٣٥، الحافظ اليغموري - أخبار أبي جناب الكلبي، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢٢، مجمع الزوائد - الهيثمى ٩ / ١٩٩، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٤٠، كتاب الهواتف - ابن أبي الدنيا / ٨٧، ورواه عن سويد بن سعيد، عن . إلى اُمّ سلمة، فسنده أخصر من الطبراني، الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٧، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥١، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤١، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٦، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ١٤، ٨٩، ولكنّه قال بدل ( في ملكِ عبدٍ) : في ملكِ وغدِ.


أقول : ورجاله ثقات(١) .

____________________

(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٩٩، رواه الطبراني، وفيه عمرو بن ثابت بن هرمز، وهو ضعيف.

أقول : قد تقدّم الكلام في قبول روايات عمر بن ثابت الشيعي في رواية شقيق عن اُمّ سلمة في الأخبار الغيبية من الفصل الثاني.

وأمّا القاسم بن عبّاد الخطّابي فهو من رجال الصحيح، كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ٤٢ تعليقاً على ما وقع في سنده : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

وأمّا سويد بن سعيد فوقع الكلام فيه، ولكنْ يكفي فيه أنّه من رواة صحيح مسلم، فقد أكثر مسلم من رواياته عن حفص بن مسيرة وعن غيره ؛ مثل : علي بن مسهر، والأعمش، كما في ١ / ٤١٦ و ٢ / ٨٧٨ من صحيح مسلم، وأيضاً رواياته عن الوليد بن مسلم ٣ / ١٢٦٨، وأيضاً رواياته عن الوليد بن أبي حازم، وأيضاً رواياته عن سليمان عن أبيه ٤ / ٢٠٢٣ من صحيحه، ورواياته عن مالك بن أنس ١ / ٢١٥ من صحيحه.

وبعد هذا لا كلام في روايات مسلم عن سويد بن سعيد ؛ أمّا أنّ مسلم لمْ يروِ عنه إلّا لأجل رواية حفص بن مسيرة، فهذا مردود بما تقدّم، ومع ذلك فقد وُثّق.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١ / ٤١١ : قال عبد الله بن أحمد : عرضت على أبي أحاديث لسويد بن سعيد، عن ضمام بن إسماعيل، فقال لي : اكتبها كلّها، أو قال : تتبّعه، فإنّه صالح، أو قال : ثقة.

وقال فيه العجلي في معرفة الثقات ١ / ٤٤٢ : سويد بن سعيد الحدثاني ثقة، من أروى النّاس عن عليِّ بن مسهر.

قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤ / ٢٤٢ : وقال سلمة في تاريخه : سويد ثقة، روى عنه أبو داود وقال عنه الذهبي - سير أعلام النبلاء ١١ / ٤١٠ - أيضاً قبل نقله أقوال في مدحه و ذمّه : سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار، الإمام المحدّث الصدوق، شيخ المحدّثين، أبو مـُحمّد الهروي، ثمّ الحدثاني الأنباري، نزيل حديثة النّورة، بُليدة تحت عانة وفوق الأنبار، رحّال جوّال، صاحب حديث وعناية بهذا الشأن.

لقي الكبار، وحدّث عن مالك بن أنس بـ‍ (الموطأ)، وحمّاد بن زيد، وعمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وشريك القاضي، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وسوار بن مصعب، وأبي الأحوص، وحفص بن ميسرة الصنعاني، وعبد ربّه بن بارق، ومسلم الزّنجي، وإبراهيم بن سعد، وخالد بن يزيد بن أبي مالك، وفضيل بن عياض . إلخ.

قال الحسن الميموني : سأل رجل أبا عبد الله، يعني أحمد، عن =


____________________

= سويد، فقال : ما علمت إلّا خيراً فقال له إنسان جاءه بكتاب فضائل، فجعل عليّاً (عليه‌السلام ) (أوّلها) وأخّر أبا بكر وعمر فعجب أبو عبد الله من هذا، وقال : لعله أتى من غيره ! قالوا له : وثمّ تلك الأشياء ؟ قال : فلِمَ تسمعونها أنتم ؟! لا تسمعوها، ولمْ أره يقول فيه إلّا خيراً سير أعلام النبلاء - الذهبي ١١ / ٤١٢.

أقول : ومن ذلك ما نقله الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢ / ٤٥٥ قال : أخبرنا أحمد بن المؤيّد، أنا الفتح بن عبد السّلام، أنا هبة الله بن الحُسين، أنا أبو الحُسين بن النّقور، أنا عيسى بن علي، أنا عبد الله بن مـُحمّد البغوي، أنا سويد بن سعيد، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة قال : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( علي منِّي وأنا من عليٍّ، لا يؤدّي عنِّي إلّا أنا أو هو )).

وأمّا حبيب بن أبي ثابت فقد وثّقه الكثير، فهو ثقة ثبت، ولكن أبا حاتم قال : إنّه ثقة، ولكنْ لم يسمع من اُمّ سلمة (رضوان الله عليها).

أقول : ورجّح الذهبي روايته عنها - سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٨٨ - فقد قال : حبيب بن أبي ثابت الإمام الحافظ، فقيه الكوفة، أبو يحيى القرشي الأسدي مولاهم، واسم أبيه قيس بن دينار، وقيل : قيس بن هند، ويقال : هند حدّث عن ابن عمر، وابن عبّاس، واُمّ سلمة، وقيل [ أقول : والقيل مشعر بتمريض القول، هو قول أبي زرعة، كما في تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل ١ / ٦٠ ] : لم يسمع منهم، وحديثه عنهما في ابن ماجه . إلخ.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٨٨ : . وقال أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش : كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع ؛ حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحمّاد، كانوا من أصحاب الفُتيا، ولم يكن أحد بالكوفة إلّا يذلّ لحبيب.

وقال أحمد العجلي : كوفي تابعي ثقة، كان مفتي الكوفة قبل حمّاد بن أبي سُليمان وقال ابن المبارك عن سفيان : حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، وكان دعامة، أو كلمة نحوها وروى أبو بكر بن عيّاش، عن أبي يحيى القتّات، قال : قدمت الطائف مع حبيب بن أبي ثابت، فكأنّما قدم عليهم نبيٌّ قال أحمد بن سعد بن أبي مريم، عن يحيى : ثقة حُجّة.

وقال الذهبي أيضاً في كتاب الكاشف في مَنْ له رواية في كتب الستّة ١ / ٣٠٧ : حبيب بن أبي ثابت الأسدي، عن ابن عبّاس، وزيد بن أرقم، وعنه شعبة، وسفيان، كان ثقة، مجتهداً، فقيهاً، مات ١١٩ =


وذكره سبط ابن الجوزي، عن الزهري قال : حكى الزهري، عن اُمِّ سلمة قالت : ما سمعت نوح الجنّ إلّا في الليلة التي قُتِلَ فيها الحُسين (عليه‌السلام )، سمعت قائلاً يقول :

ألا يا عينُ فاحتفلي بجَهدِ

ومَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي

على رهطٍ تقودهم المنايا

إلى متجبِّرٍ في مـُلكِ عبدِ(١)

الرثاءُ الرابع للجنِّ

ذكره سبط ابن الجوزي، والحُسيني الشافعي، واللفظ للأوّل قال : وقال الشعبي : سمع أهل الكوفة قائلاً يقول في جوف الليل :

أبكي قتيلاً بكربلاءِ

مضرَّجَ الجسمِ بالدماءِ

أبكي قتيلَ الطغاةِ ظلم

بغيرِ جرمٍ سوى الوفاءِ

أبكي قتيلاً بكى عليه

من ساكني الأرضِ والسّماءِ

سبوا أهاليه(٢) واستحلّو

ما حرَّم اللهُ في الإماءِ

يا بأبي جسمه المـُعرَّى

إلّا من الدينِ والحياءِ

كلُّ الرّزايا لها عزاءٌ

وما لذا الرّزءِ عن عزاءِ(٣)

____________________

= وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٢ / ١٥٦ : قال البخاري عن علي بن المديني : له نحو مئتي حديث وقال أبو بكر بن عيّاش : كان هؤلاء الثلاثة أصحاب الفُتيا ؛ حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحمّاد.

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤١، ط منشورات الشريف الرضي.

(٢) هذا موافق للتبر المـُذاب، وأمّا في التذكرة : (هتك أهلوه واستحلّوا).

(٣) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٢، ط منشورات الشريف الرضي، كتاب التبر المـُذاب / ٩٢ - العلّامه الشيخ أحمد بن مـُحمّد بن أحمد الحافي [الخوافي] الحُسيني الشافعي من إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٥٠١.


الرثاءُ الخامس للجنِّ

روى ابن عساكر، وابن العديم، والمزّي، وابن حجر، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو طاهر مـُحمّد بن الحُسين الحنّائي، أنا أبو علي وأبو الحُسين ابنا أبي نصر قال : أنا يوسف بن القاسم الميانجي، أنا أبو الوليد بشر بن مـُحمّد التميمي الكوفي بالكوفة، حدّثني أحمد بن مـُحمّد المصقلي، حدّثني أبي قال : لمـَّا قُتل الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) سمع منادياً ينادي ليلاً - سمع صوته ولم يُرَ شخصه - :

عقرتْ ثمودٌ ناقةً فاستؤصلوا

وجرتْ سوانِحهُمْ بغيرِ الأسعُدِ

فبنو رسولِ اللهِ أعظمُ حرمةً

وأجلُّ من اُمِّ الفصيلِ المقْصدِ(١)

عجباً لهم ولِمَا أتوا لمْ يُمْسَخوا

واللهُ يملي للطغاةِ الجَحَّدِ(٢)

الرثاءُ السادس للجنِّ

وروى الصالحي الشامي، والسّيوطي، والقندوزي، واللفظ للأوّل قال : وروى أبو نعيم، عن بريدة بن جابر الحضري، عن اُمِّه قالت : سمعت الجنّ تنوح على الحُسين (عليه‌السلام ) وهي تقول :

أنعى حسيناً هبلا

كان حسينٌ جبلا(٣)

وفي دلائل النّبوة قال : حدّثنا أبو حامد بن جبلة، حدّثنا مـُحمّد بن إسحاق، حدّثنا أبو بكر بن أبي

____________________

(١) وفي تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٧ : . (اُمُ الفصيلِ المـُقعدِ) بدلٌ من (اُمّ الفصيلِ المقصدِ).

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٤٢، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥٤، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٢، تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٣٠٧.

(٣) سبل الهدى والرشاد ١١ / ٧٦، الخصائص الكبرى - السّيوطي ٢ / ١٢٧، ينابيع المودّة ٣ / ١٤.


خلف، حدّثنا عبد الصمد بن النّعمان، حدّثنا عبد الله بن ميسرة أبو ليلى، عن مزيدة بن جابر الحضرمي، عن اُمِّه قالت : سمعت الجنّ تنوح على الحُسين (عليه‌السلام ) وهي تقول :

أنعى حُسيناً هبلا

كان حسينٌ جبلا(١)

الرثاءُ السابع لملك الجنِّ . ومجيئه لنصرته (عليه‌السلام )

قال القندوزي الحنفي، في طريقهم إلى الشام بحرم الحُسين (عليه‌السلام ) قال : قال أبو مخنف : نصبوا الرمح الذي عليه الرأس الشريف المبارك المكرّم إلى جانب صومعة الرّاهب، فسمعوا صوت هاتف ينشد ويقول :

واللهِ ما جئتُكُمْ حتّى بَصُرْتُ بهِ

بالطفِّ منعفرَ الخدَّين منحورا

وحولهُ فتيةٌ تُدمى نحورُهُمُ

مثلُ المصابيحِ يغشون الدُّجى نورا

كان الحُسينُ سراجاً يستضاءُ بهِ

اللهُ يعلمُ أنّي لمْ أقل زورا

مات الحُسينُ غريبَ الدارِ منفرد

ظامي الحشَاشةِ صادي القلبِ مقهورا

فقالت اُمّ كلثوم (عليها‌السلام ) : مَنْ أنتَ يرحمك الله ؟ قال : أنا ملك الجنّ، أتيت أنا وقومي لنصرة الحُسين (رضي الله عنه وأرضاه) فوجدناه مقتولاً فلمـَّا سمع الجيشُ من الجنِّ، تيقّنوا بكونهم من أهل النّار(٢) .

روى الأسفراييني قال : قال الحافظ المنذري : حدّثني شيخ من بني تميم كان يسكن الرابية، قال : سمعت أبي يقول : والله، ما شعرنا بقتل الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى كان سابع يوم

____________________

(١) أواخر الفصل الثالث من الجزء السادس من كتاب دلائل النبوّة، في الورق ٧٣ / أ، نقلاً عن هامش كتاب مناقب أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) - لمـُحمّد بن سليمان الكوفي ٢ / ٢٢٧.

(٢) ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ٩٠.


عاشوراء(١) ، فبينما أنا جالس في الرابية سمعت صوتَ متكلّم، فقلت له : مَنْ أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا وأبي نفران من جنّ نصيبين أردنا مواساة الحُسين (عليه‌السلام ) بأنفسنا، فسبقنا المقدور فوجدناه قتيلاً(٢) .

الرثاءُ الثامن لبعض الجنِّ الذين أرادوا نصرة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

وروى الزّرندي الحنفي : ونقل أبو الشيخ في كتابه، بسنده إلى مـُحمّد بن عبّاد بن صُهيب، عن أبيه قال : قدم رجل المدينة يطلب الحديث والعلم بها، فجلس في حلقة، فمرَّ بهم رجل فسلَّم عليهم فقال له ذلك الرجل : نحبُّ أنْ تخبرنا بما جئت له، تريد نصرة الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام ) ؟ قال : نعم، خرجت أريد نصرة الحُسين (عليه‌السلام )، فلمـَّا صرت بالرّبذة إذا برجل جالس فقال لي : يا أبا عبد الله، أين تريد ؟ قلت : اُريد نصرة الحُسين (عليه‌السلام ) قال : وأنا اُريد ذلك أيضاً، ولنا رسول هناك يأتينا بالخبر السّاعة قال : فتعجّبت من قوله : يأتينا بالخبر السّاعة، فلم يلبث هو يحدّثني إذ أقبل رجل، وقال له الذي كان معي : ما وراءك ؟ فأنشأ يقول :

واللهِ ما جئتُكُم حتّى بَصُرْتُ به

لَحْبَ العجاجةِ لَحْبَ السّيفِ منحورا

وحوله فتيةٌ تُدمى نحورُهُمُ

مثلُ المصابيحِ يغشون الدُّجى نورا

وقد حثثتُ قَلُوصي كي اُصادِقَهُمْ

مِنْ قَبْلِ ما أنْ يُلاقوا الخُرَّدَ الحورا

يا لهفَ نفسيَ لو أنّي لحقتُ بهمْ

أنّي تحلَّيْتُ إذ حُلَّتْ أساويرا(٣)

فأجابه الذي كنت معه، واستعبر وقال :

____________________

(١) الظاهر سابع يوم بعد العاشر من المـُحرّم.

(٢) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٧٦، وفي ط ص٦٦.

(٣) لا يخفى ما في البيت من إقواءٍ بيّن (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


في فتيةٍ وهبوا للهِ أنفسَهُمْ

قد فارقوا المالَ والأهلينَ والدورا

اذهب فلا زال قبرٌ(١) أنت تسكنُهُ

حتّى القيامةِ يُسقى الغيثَ ممطورا

ثم التفتُ فلم أرهم، فعلمت أنّهما من الجنّ، فرجعت إلى المدينة، وإذا بالخبر قد لحقنا أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) قد قُتِلَ، وأنّ رأسه حمله سنان بن أنس النخعي إلى يزيد.

روى جعفر بن مـُحمّد، عن أبيه (عليه‌السلام ) قال : (( نيحَ الحُسينُ بن علي (عليه‌السلام ) ثلاث سنين، وفي اليوم الذي قُتِلَ فيه، فكان وائلة بن الأصمع، ومروان بن الحكم، ومسوّر بن محزمة، وتلك المشيخة من أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يجيئون متقنّعين، فيستمعون نوح الجنّ ويبكون)).

وقال أبو الأسود الدُّؤلي (رحمه‌الله ) يرثي الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) :

أقولُ وزادني جزعاً وغيضاً

أزال اللهُ مـُلْكَ بني زيادِ

وأبعدهم كما غدروا وخانوا

كما بَعُدَتْ ثمودُ وقوم عادِ

ولا رجعت ركائبُهُمْ إليهمْ

إلى يومِ القيامةِ والتنادِ(٢)

وذكره أيضاً سبط ابن الجوزي قال : وذكر المدائني عن رجل من أهل المدينة قال : خرجت اُريد اللحاق بالحُسين (عليه‌السلام ) لمـَّا توجه إلى العراق، فلمـَّا وصلت الرّبذة إذا برجل جالس، فقال

____________________

(١) في الأصل وفي أكثر المصادر : فلا زال قبراً أنت تسكنه، والصحيح ما أثبتناه، وبه يستقيم الوزن، وهو موافق لرواية تذكرة الخواصّ الآتية.

(٢) درر السّمطين للزّرندي الحنفي / ٢٢٣ - ٢٢٥، تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٤ بإيجاز، وقد روى نظم أبي الأسود الدُّؤلي المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٨، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٥ / ٢٠٨، ٣٧، ٤٥١، أنساب الأشراف - البلاذري / ٨٥ بزيادة.


لي : يا عبد الله، لعلك تريد أن تمدَّ الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ قلتُ : نعم قال : وأنا كذلك، ولكن اقعد فقد بعثت صاحباً لي والسّاعة يقدم بالخبر قال : فما مضت إلّا ساعة وصاحبه قد أقبل، وهو يبكي، فقال له الرجل : ما الخبر ؟ فقال :

واللهِ ما جئتُكُم حتّى بَصُرْتُ بهِ

في الأرضِ منعفرَ الخدّينِ منحورا

وحوله فتيةٌ تُدمى نحورُهُم

مثلُ المصابيحِ يغشون الدُّجى نورا

وقد حثثتُ قلوصي كي اُصادفَه

مِنْ قبلِ ما ينكحون الخُرْدَ والحورا

يا لهفَ نفسيَ لو أنّي لحقتُهُم

إذن تقرّتْ إذا حُلُّوا أساويرا

فقال الرجل الجالس :

اذهب فلا زال قبرٌ أنت ساكنُهُ

حتّى القيامةِ يُسقى الغيثَ ممطورا

في فتيةٍ بذلوا للهِ أنفسَهُمْ

قد فارقوا المالَ والأهلينَ والدورا(١)

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٤، ط منشورات الشريف الرضي.


الرثاءُ التاسع لنساءٍ من الجنِّ(*)

وذكر سبط ابن الجوزي : وقال الزهري : ناحت عليه الجنُّ فقالت :

خيرُ نساءِ الجنِّ يبكين شجيَّاتِ

ويلطمنَ خدوداً كالدنانيرِ نقيَّاتِ

ويلبسن ثيابَ السّودِ بَعْدَ القَصَبِيَّاتِ(١)

____________________

(*) ما ننقله من مصادر أهل الخلاف فيه نقص وغير مرتب، وأمّا ما جاء في مقتل أبي مخنف / ١١٣ - ١١٤، طبعة مركز انتشارات الأعلمي طهران - فهو تامٌّ.

قال : ثمّ دخلوا (رحلوا) من تكريت، وأخذوا على طريق البرّ، ثمّ على الأعمي، ثمّ دير عروة، ثمّ على صليتا، ثمّ على وادي النخلة فنزلوا فيها وباتوا قال : وسمعوا نساء الجنّ يبكين على الحُسين (عليه‌السلام ) ويقلنَ :

نساءُ الجنِّ أسعدنَ

نساءَ الهاشميّاتِ

بنات المصطفى أحمدْ

يبكينَ شجيّاتِ

ويلبسن ثياب السوْ

دِ لبساً للمصيباتِ

ويلطمن خددواً كالـ

ـدنانيرِ نقيّاتِ

ويندبن حسيناً عـ

ـظمتْ تلك الرزيّاتِ

ويبلين ويندبنَ

مصابَ الأحمديّاتِ

وفي مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ٣ / ٢١٩ قال :

ومن نوحهم :

نساءُ الجنِّ يبكينَ

من الحزنِ شجيّاتِ

ويسعدن بنوح للنـ

ـساءِ الهاشميّاتِ

ويندبن حسيناً عـ

ـظمتْ تلك الرزيّاتِ

ويلطمن خدوداً كالـ

ـدنانيرِ نقيّاتِ

ويلبسن ثياب السّو

دِ بعد القصبيّات

(١) تذكر الخواص - سبط ابن الجوزي / ٢٤٢، ط منشورات الشريف الرضي.


وقال أبو الفرج بن الجوزي : قال ابن بطة : وحدّثنا أبو ذر الباغندي، حدّثنا حمّاد بن الحسن الورّاق قال : سمعت عليّ بن أخي شعيب بن حرب يقول : ناحت الجنُّ على الحُسين بن عليّ (عليه‌السلام )، فقالت جنيّة :

خيرُ نساء الحيِّ يبكين شجياتِ

ويلطمنَ خدوداً كالدنانير نقياتِ

ويلبسن ثيابَ السّودِ بعد القصبيّاتِ(١)

وذكرها الأسفراييني في طريقهم إلى الشام، قال : . ساروا إلى أنْ وصلوا وادياً فنزلوا فيه، فسمعوا الجنَّ وهم يبكون ويلطمون على الحُسين (عليه‌السلام )، وهم يقولون :

نساءُ الجنِّ ساعدن النساءَ الهاشميّاتِ

بناتُ المصطفى تبكي شجيّاتِ

بولولةٍ ويندبنَ البدورِ الفاطميّاتِ

ويلبسن الثياب المفظّعاتِ

ويلطمنَ الوجوهَ على عظيماتِ البليّاتِ

ويندبن الحُسينَ على رزيّاتِ(٢)

ثم سمعوا هاتفاً غيرهم يقول :

ذا حُسينٌ قتلوه ويلَهمْ

سوفَ يُصلونَ به نارَ الخلودِ

فأبوه ذا عليٌّ فاضلٌ

وله لو فهموا خَيْرُ الجدودِ

ثم باتوا وهم فزعون(٣) .

____________________

(١) كتاب التبصرة - ابن الجوزي ٢ / ١٦، نقلاً عن هامش ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) من كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب، تصحيح المحقّق العامل المغفور له السيّد عبد العزيز الطباطبائي (قدس‌سره ).

(٢) لا يخفى ما بعض في الأبيات من إرباك وخلل عروضي واضح (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٣) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٦١، وفي ط ص٥٣ وفيه : (المقطّعات) بدل (المفظّعات) وقد ذكرته في المسير بحرم الحُسين (عليه‌السلام ) إلى الشام.


بكاءُ السّماوات على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

بكاءُ السّماء والأرض على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

١ - روى الحافظ أبو نعيم الإصبهاني، والسيوطي، وابن الدمشقي، والقندوزي، ومحبّ الدين الطبري، وابن الصبّاغ، والبدخشي، والشبلنجي، والآمرتسري، والنقشبندي، والهندي، وباكثير الحضرمي، واللنكهوئي، ومحمّد رضا، واللفظ للأوّل قال :

قال : حدّثنا محمّد بن عمر بن سليم، ثنا عليّ بن العبّاس، ثنا جعفر بن محمّد بن حُسين، ثنا حُسين العربي، عن ابن سلام، عن سعد بن ظريف، عن أصبغ بن نباتة، [ قال : أتينا مع عليٍّ (عليه‌السلام ) كربلاء فمررنا بموضع قبر الحُسين (عليه‌السلام )، فقال عليٌّ (عليه‌السلام ) ](١) : (( ها هنا مناخُ ركابهم وموضعُ رحالهم، ها هنا مهراقُ دمائهم ؛ فتيةٌ من آل محمّدٍ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السّماء والأرض ))(٢) .

____________________

(١) أثبتنا ما بين المعقوفتين من بعض المصادر الاُخرى ؛ حيث إنّ الإرباك الموجود في عبارة الأصل قد أخلَّ بوحدة السياق (موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(٢) دلائل النبوة - أبي نعيم ٣ / ٢١١، الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٦، جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ١ / ٢٦٣، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ١٣، ذخائر العقبى / ٩٧.

هذا ما وقفت عليه، وقد ذكره جماعة من القوم، منهم الحافظ أبو نعيم الإصبهاني في (دلائل النّبوة / ٥٠٩، ط حيدر آباد الدكن) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٤، ومنهم العلّامه محبّ الدين الطبري في (الرياض النضرة ٢ / ٢٢، ط محمّد أمين الخانجي بمصر) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٤، ومنهم العلّامه المذكور في (ذخائر العقبى / ٩٧، ط مكتبة القدس بمصر) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٤،


٢ - ذكرها القندوزي قال : وعن كثير بن شهاب الحارثي قال : بينا نحن جلوس عند عليّ (عليه‌السلام ) في الرّحبة إذ طلع الحُسين (عليه‌السلام ) قال : (( إنّ الله ذكر قوماً بقوله : فما بكت عليهم السّماءُ والأرضُ والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، ليقتلنَّ هذا، ولتبكينَّ عليه السّماء والأرض))(١) .

____________________

ومنهم العلّامه القندوزي في (ينابيع المودّة / ٢١٦، ط اسلامبول) إحقاق الحقِّ السيّد المرعشي ٨ / ١٤٥، ومنهم العلّامه المشهور بابن الصبّاغ في (الفصول المهمّة / ١٥٤، ط الغري) قال : روى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه (معالم العترة الطاهرة) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٤، ومنهم العلّامه البدخشي في (مفتاح النجا / ١٣٥ مخطوط) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٤، ومنهم العلّامه الشبلنجي في (نور الأبصار / ١١٧، ط العامرة بمصر) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٥، ومنهم العلّامه الآمرتسري في (أرجح المطالب / ٦٨٣، ط لاهور) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٨ / ١٤٥، منهم العلّامه النقشبندي في (مناقب العشرة / ٢٧، من نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ١٧ / ٥٤٥ .، ومنهم العلّامه المولوي محمّد مبين الهندي في (وسيلة النجاة / ١٧١، ط لكنهو) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ١٧ / ٥٤٦، ومنهم العلّامه باكثير الحضرمي في (وسيلة المآل / ١٢٦، نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ١٧ / ٥٤٦، ومنهم العلّامه المولوي ولي الله اللكنهوئي في (مرآة المؤمنين في مناقب أهل بيت سيّد المرسلين / ٧٧، ط الهند) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ١٧ / ٥٤٦، ومنهم الفاضل المعاصر محمّد رضا في (الإمام عليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه) رابع الخلفاء الراشدين / ١٨، ط دار الكتب العلمية - بيروت) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٣١ / ٤١٤.

(١) ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ١٠١.

أقول : وكثير بن شهاب من قَتَلة الحُسين (عليه‌السلام )، وثّقه كثير من علماء أهل الخلاف، مثل : العجلي، وابن حبّان، تقدّم الكلام عنه في الفصل المتعلّق بقَتَلة الحُسين (عليه‌السلام ) من هذا الكتاب.


ما جاء في معنى بكاء السّماء

القرطبي : عن قرة بن خالد قال : ما بكت السّماء على أحد إلّا على يحيى بن زكريا والحُسين بن عليّ (عليهما‌السلام )، وحمرتها بكاؤها(١) .

الزّرندي الحنفي : وقال السّدي (رحمه‌الله ) : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) بكت السّماء، وبكاؤها حمرتها(٢) .

جلال الدين السّيوطي : ابن جرير، وابن المنذر، عن عطاء (رضي‌الله‌عنه ) قال : بكاءُ السّماء حُمرة أطرافها(٣) .

جلال الدين السّيوطي : وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الحسن (عليه‌السلام ) قال : (( بكاءُ السّماء حمرتُها ))(٤) .

وقال سبط ابن الجوزي، والزّرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال : قال جدّي أبو الفرج في كتاب (التبصرة) : لمـَّا كان الغضبان يحمرُّ وجهه عند الغضب، فيستدلّ بذلك على غضبه، وأنّه أمارة السّخط والحقُّ سُبحانه وتعالى ليس بجسم، فأظهر تأثير عظمته على مَن قتل الحُسين (عليه‌السلام ) بحُمرة الاُفق ؛ وذلك دليلٌ على عظيم الجناية.

وذكر جدّي أيضاً في هذا الكتاب : ولمـَّا اُسِرَ العبّاس يوم بدر سمع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

(١) تفسير القرطبي ١٠ / ٢٢٠.

(٢) نظم درر السمطين / ٢٢٢، تفسير القرطبي ١٦ / ١٤١، ذخائر العقبى / ١٤٥، عن ابن السّري، عن اُمّ سلمة (رضوان الله عليها).

(٣) تفسير الدر المنثور - السّيوطي ٦ / ٣١، و ٤ / ١٦٤، وفي ط ٥ / ٧٤٩.

(٤) تفسير الدر المنثور - السّيوطي ٦ / ٣١، وفي ط ٥ / ٧٤٩.


أنينه، فما نام تلك الليلة، فكيف لو سمع أنين الحُسين (عليه‌السلام ) ؟!

قال : ولمـَّا أسلم وحشي قاتل الحمزة (عليه‌السلام )، قال له رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( غيِّبْ وجهك عنِّي ؛ فإنّي لا اُحبُّ مَنْ قتل الأحبّة )).

قال : وهذا الإسلام يجبُّ ما قبله، فكيف يقدر الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنْ يرى مَنْ ذبح الحُسين (عليه‌السلام ) وأمر بقتله، وحمل أهله على أقتاب الجمال(١) ؟!

وقال السيوطي : وأخرج ابن أبي حاتم، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم (رضي‌الله‌عنه ) قال : ما بكت السّماء منذ كانت الدنيا إلّا على اثنين قيل لعُبيد : أليس السّماء والأرض تبكي على المؤمن ؟ قال : ذاك مقامه، وحيث يصعد عمله قال : وتدري ما بكاء السّماء ؟ قال : لا قال : تحمرّ وتصير وردة كالدهان ؛ إنّ يحيى بن زكريا (عليه‌السلام ) لمـَّا قُتِلَ أحمرّت السّماء وقطرت دماً، وإنّ حُسين بن علي (عليه‌السلام ) يوم قُتِلَ أحمرّت السّماء(٢) .

وقال ابن كثير : وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا علي بن الحُسين، حدّثنا عبد السّلام بن عاصم، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا المستورد ابن سابق، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم قال : ما بكت السّماء منذ كانت الدنيا إلّا على اثنين قلت لعُبيد : أليس السّماء والأرض تبكي على المؤمن ؟ قال : ذاك مقامه حيث يصعد عمله قال : وتدري ما بكاء السّماء ؟ قلتُ : لا.

____________________

(١) تذكر الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٦، ط منشورات دار الشريف الرضي، نظم درر السّمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢٢.

(٢) تفسير الدر المنثور ٦ / ٣١، وفي ط ٥ / ٧٤٨، تفسير ابن كثير ٤ / ١٥٤.


قال : تحمرّ وتصير وردة كالدهان، إنّ يحيى بن زكريا (عليه الصلاة والسّلام) لمـَّا قُتِلَ احمرَّت السّماء وقطرت دماً، وإنّ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) لمـَّا قُتِلَ احمرّت السّماء(١) .

وحدّثنا علي بن الحُسين، حدّثنا أبو غسان محمّد بن عمر وزنيج، حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال : لمـَّا قُتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) أحمرَّت آفاق السّماء أربعة أشهر قال يزيد : واحمرارها بكاؤها وهكذا قال السّدي في الكبير، وقال عطاء الخراساني : بكاؤها أنْ تحمرّ أطرافها(٢) .

روى الأسفراييني : وعن الأسعد بن قيس : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) ارتفعت حُمرةٌ من المشرق وحُمرةٌ من المغرب فكانتا تلتفيان في كبد السّماء(٣) .

ما عُرفت حُمرةُ السّماء حتّى رمى الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بدمه إليها

وفي مقتل الخوارزمي قال : ثم جعل يقاتل حتّى أصابته اثنان وسبعين جراحة، فوقف يستريح وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذا أتاه حجرٌ فوقع على جبهته، فسالت الدّماء من جبهته، فأخذ الثوب ليمسحَ عن جبهته فأتاه سهمٌ محدّدٌ مسمومٌ له ثلاثُ شعبٍ فوقع في قلبه، فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : (( بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله )).

____________________

(١) تفسير ابن كثير ٤ / ١٥٤.

(٢) المصدر نفسه، تفسير القرطبي ١٦ / ١٤١، تفسير الدرّ المنثور ٦ / ٣١، وفي ط ٥ / ٧٤٩ قال : أخرج ابن أبي حاتم (أي الرواية عن يزيد بن زياد).

(٣) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٧٦، وفي ط ص ٦٥.


ورفع رأسه إلى السّماء وقال : (( إلهي، إنّك تعلم- أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبيٍّ غيره )) ثمّ أخذ السّهم وأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدّم كالميزاب، فوضع يده على الجرح، فلمـَّا امتلأت دماً رمى بها إلى السّماء، فما رجع من ذلك قطرة، وما عُرِفَت الحُمرةُ في السّماء حتّى رمى الحُسين (عليه‌السلام ) بدمه إلى السّماء، ثمّ وضع يده على الجرح ثانياً، فلمـَّا امتلأت لطَّخ بها رأسه ولحيته، وقال : (( هكذا والله، أكون حتّى ألقى جدِّي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأنا مخضوبٌ بدمي وأقول : يا رسول الله، قتلني فلان وفلان ))(١) .

كلام عابر مع ابن كثير وأمثاله

ذكر ابن كثير بعد نقل روايات بكاء الجنِّ، وبكاء السّماء بالدّم، وأحمرارها، والخسوف، وغيره من التغيرات الكونية والأقوال، قال : وذكروا أيضاً في مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) أنّه ما قُلِبَ حَجرٌ يومئذ إلّا وُجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ، وأنّه كُسِفَت الشمسُ، وأحمرَّ الاُفق، وسقطت حجارةٌ، وفي كلِّ من ذلك نظر.

والظاهر أنّه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظّموا الأمر، ولا شكَّ أنّه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحُسين (عليه‌السلام ) ولم يقع شيء ممّا ذكروه ؛ فإنّه قد قُتِلَ أبوه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان بن عفّان (رضي‌الله‌عنه ) قُتِلَ محصوراً مظلوماً، ولم يكن شيء من ذلك، وعمر بن الخطاب (رضي‌الله‌عنه )

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ٣٩.


قُتِلَ في المحراب في صلاة الصّبح، وكأنّ المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك، وهذا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو سيّد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء ممّا ذكروه، ويوم مات إبراهيم ابن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خُسفَتِ الشمسُ، فقال النّاس : خُسفَتْ لموتِ إبراهيمَ، فصلّى بهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صلاة الكسوف، وخطبهم وبيَّن لهم أنّ الشمسَ والقمرَ لا ينخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته(١) .

أقول : وفيما ادّعاه ابن كثير عدّة ملاحظات :

الأولى : قوله : وفي كلّ ذلك نظر.

أقول : بل النظر في ما تنظر فيه إذ ادّعى من غير دليل، بل الدليل على خلافه، كما سيتبين ذلك، وإنّما هي دعوى من أخذ على نفسه نصرة أعداء آل محمّد (عليهم‌السلام ).

الثانية : قوله : وهذا من سخف الشيعة.

أقول : وهذه عادة مَن لا يحتمل أنْ يسمع فضيلة لأهل البيت (عليهم‌السلام ) إلّا ورمى قائلها بالتشيّع، وصدق القندوزي فيما نقله في ينابيعه قال : وفي جواهر العقدين للشريف السيّد نور الدين علي السّمهودي المصري، أعلم علماء مصر والحجاز، ومصنّف تاريخ المدينة المنوّرة (على صاحبها ألف ألف تحية وتصلية) : ( وقد ) نقل البيهقي عن الربيع بن سلمان - هو أحد أصحاب الشافعي - قال : قيل للإمام الشافعي (رحمه‌الله ) : إنّ ناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة لأهل البيت الطيّبين (عليهم‌السلام )، فإذا رأوا واحداً منَّا يذكرها

____________________

(١) تفسير ابن كثير ٤ / ١٥٤.


يقولون : هذا رافضي، ويأخذون في كلام آخر.

فأنشأ الشافعي (يقول) :

إذا في مَجْلِسٍ ذكروا عليّاً

وسبطيهِ وفاطمةَ الزكيَّه

فأجرى بعضُهم ذكرى سواه

فَأَيْقِنْ إنَّه لَسَلَقْلَقِيَّه(١)

إذا ذكروا عليًّا أو بنيهِ

تشاغل بالرواياتِ العليّه

وقال تجاوزوا يا قوم عَنْ ذا

فهذا من حديثِ الرافضيّه

بَرِئْتُ إلى المهيمنِ من اُناسٍ

يرون الرَّفَضَ حُبَّ الفاطميّه

على آلِ الرسولِ صلاةُ ربِّي

ولعنتُهُ لتلك الجاهليّه(٢)

وإلّا فقوله : من سخف الشيعة، كاشف عمَّا تحمله نفسه الخبيثة - والعياذ بالله - البعيدة عن الحقِّ، وإلّا هل كلُّ فضيلة لآل محمّد (عليهم‌السلام ) لا يتحمّلها تكون من سخف الشيعة ؟! وقد روى علماء أهل الخلاف هذه الروايات من طرق صحيحة في التغيّرات الكونية التي حصلت لمقتل الحُسين (عليه‌السلام )، ولك بعض ذلك :

ما رواه الهيثمي صاحب مجمع الزوائد : وعن أبي قبيل قال : لمـَّا قتل الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) انكسفت الشمسُ كسفةً حتّى بدت الكواكب نصف النهار، حتّى ظننا أنّها هي رواه الطبراني، وإسناده حسن(٣) .

وروى الهيثمي : وعن الزهري قال : ما رُفِعَ بالشام حجرٌ يوم قُتْل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) إلّا عن دمٍ رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(٤) .

____________________

(١) السلقلقيّة : (هي المرأة التي تحيض من دبرها).

(٢) ينابع المودّة - القندوزي ٣ / ٩٧.

(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.

(٤) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦.


وروى الهيثمي أيضاً وغيره : وعن الزهري قال : قال لي عبد الملك : أيُّ واحدٍ أنت إنْ أعلمتني أيّ علامةٍ كانت يوم قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ فقال : قلتُ : لمْ تُرفعُ حصاةٌ ببيت المقدس إلّا وجِدَ تحتها دمٌ عبيطٌ فقال لي عبد الملك : إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان رواه الطبراني، ورجاله ثقات(١) .

وروى أيضاً المزّي، وابن حجر، وابن عساكر، والقندوزي : وقال الحُسين بن إسماعيل المحاملي : حدّثنا الحسن بن شيب المؤدب، قال : حدّثنا خلف بن خليفة، عن أبيه، قال : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) اسودّت السّماء، وظهرت الكواكب نهاراً حتّى رأيت الجوزاء، ثمّ العصر، وسقط التراب الأحمر، وقال : ثمّ العصر(٢) .

الثالثة : إنّ ابن كثير خلط بين عُظْمِ المصيبةِ وبين الأفضليّة ؛ فإنّ ما جرى على الحُسين (عليه‌السلام ) من المصائب أعظم- ممّا جرى على غيره، لا أنّ الحُسين (عليه‌السلام ) أفضلُ من جدِّه وأبيه صلوات الله عليهما وآلهما،

____________________

(١) مجمع الزوائد ٩ / ١٩٦، المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٩، الطبقات الكبرى ١ / ١٦٣ باختلاف يسير، ومثله في سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٤، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٤ مثله.

(٢) تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٢، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥ مثله، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) / ٣٥٤ بزيادة وسقط التراب الأحمر، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٦ باختلاف يسير مع اختلاف بعض رجال السند، في ينابيع المودّة شبيهه ٣ / ١٥، وسنذكر ذلك مفصّلاً في بحث الآثار التكوينية لمقتل الحُسين (عليه‌السلام ).


فقوله : وقد وقع ما هو أعظم من قتلِ الحُسين (عليه‌السلام )، ولمْ يقع شيء ممّا ذكروه ؛ فإنّه قد قُتِلَ أبوه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وهو أفضلُ منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك مغالطة واضحة ؛ حيث يقول أوّلاً : وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحُسين (عليه‌السلام ) . ثمّ يقول : وأبوه (عليه‌السلام ) أفضل منه.

أقول : الكلام في عُظْمِ المصيبة لا في مَنْ هو أفضل، فالمفروض إذا أراد قياساً صحيحاً أنْ يقول : ومصيبة قتل أبيه (عليه‌السلام ) أعظم من مصيبته (عليه‌السلام )، وهذا غير صحيح ؛ لأنّ ما جرى على الحُسين (عليه‌السلام ) من المصائب أعظم ممّا جرى على أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم أجمعين).

هذا إذا لم نلحظ أنّ الأفضلية لها دخل في زيادة عظم المصيبة، وإنْ لحظنا أنّ الأفضلية تقتضي عُظم مصيبة الأفضل، فأيضاً لا يمنع ذلك من وقوعه لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) دون مقتل أبيه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ؛ وذلك لأنّ هذه المصيبة التي جرت على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) من مصائب أفضل خلق الله على الإطلاق، ألا وهو النّبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ووصيّه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ؛ وذلك لأنّ مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) مصيبته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(١) ، بل هي أعظم مصائبه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فما حصل - على الأقل - في الكون من التغيّرات هو لأجل مصيبة أعظم خلق الله النّبي محمّد بن عبد الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ووصيّه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في ولدهما الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، فلَماذا هذا الاستبعاد ؟!

وإليك تصريح بعض الأخبار بذلك، فقد روى الخوارزمي : . ثمّ قال كعب : لعلَّكم تهوّنون قتل الحُسين (عليه‌السلام ) أو لا تعلمون أنّه تفتح يوم قتله أبواب السّماوات كلُّها، ويؤذن للسّماء بالبكاء فتبكي دماً عبيطاً ! فإذا

____________________

(١) راجع الفصل الثاني في الأخبار عن مقتل الحُسين (عليه‌السلام )، وأيضاً فصل بكاء النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وانظر ما هو حال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لكي يتّضح لك الحقّ، كما هو واضح إلّا عند مَنْ أعمى الله قلبه.


رأيتم الحُمرة قد ارتفعت من جنباتها - شرقياً وغربياً - فاعلموا أنّها تبكي حُسيناً.

فقيل له : يا أبا إسحاق، كيف لم تفعل ذلك بالأنبياء وأولاد الأنبياء من قبل، وبمَنْ كان خيراً من الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ فقال كعب : ويحكم ! إنّ قتل الحُسين (عليه‌السلام ) لأمر عظيم ؛ لأنّه ابن بنت خير الأنبياء، وأنّه يُقتلُ علانيةً مبارزةً ظلماً وعدواناً، ولا تحفظ فيه وصيّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو مزاج مائه، وبضعةٌ من لحمه، فيُذبحُ بعرصة كربلاء في كرب وبلاء.

والذي نفسُ كعبٍ بيده، لتبيكه زُمرةٌ من الملائكة في السّماوات لا يقطعون بكاءهم عليه آخر الدهر، وأنّ البقعة التي يُدفنُ فيها خيرُ البقاع بعد بيت مكة والمدينة وبيت المقدس، وما من نبيٍّ إلّا زاره وقد بكى عليه، ولها في كلِّ يوم زيارةٌ من الملائكة بالتسليم، فإذا كانت ليلةُ جمعة أو يوم- جمعة نزل إليها سبعون ألفاً يزورونه ويبكون عليه، ويذكرون فضله ومنزلته عندهم ؛ وأنّه ليسمّى في السّماوات : الحُسين المذبوح، وفي الأرض : أبا عبد الله المقتول، وفي البحار : الفرخ الأزهر المظلوم.

وأنّه يوم يُقتلُ تنكسفُ في النهار الشمسُ، وفي الليل القمرُ، وتدوم الظلمةُ على الناس ثلاثة أيام، وتُدكدك الجبال، وتُغطمط البحار(١) ، ولولا بقيّة من ذريّته وذريّة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومحبّي محمّد، ومحبّي أبيه واُمِّه يطلبون بدمه ويأخذون بثأره لصبَّ الله عليهم من السّماء نيراناً.

ثم قال كعب : لعلَّكم تتعجبون ممّا اُحدّثكم من أمر الحُسين (عليه‌السلام )، أوَ لا تعلمون أنّ الله تبارك وتعالى لم يُنزل شيئاً كان أو يكون في آخر الدنيا وأوائلها إلّا وقد فسّره لموسى، وما من نسمة خُلقتْ ومضت من ذكر أو اُنثى إلّا وقد

____________________

(١) الغطمطة : هي اضطراب الأمواج لسان العرب ٦ / ٣٦٣ مادة غطمط.


رُفعَتْ إلى آدم وعُرضت عليه، ولقد عُرضَتْ على آدم هذه الاُمّة خاصة، فنظر إليها وإلى اختلافها، وتكالبها على هذه الدنيا، فقال : يا ربِّ، ما لهذه الاُمّة وتكالبها على الدنيا، وهم خير اُمّة وأفضلها ؟! فأوحى الله تعالى إليه : (( أنْ يا آدم، هذا أمري في خلقي، وقضائي في عبادي يا آدم، إنّهم اختلفوا فاختلفتْ قلوبُهم، وسيُظهرون في الأرض الفساد، كفساد قابيل حين قتل هابيل، وسيقتلون فرخ حبيبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )).

ومثِّل لآدم (عليه‌السلام ) مقتل الحُسين (عليه‌السلام )، ووثوب اُمِّة جدِّه عليه، فنظر آدم إليهم مسودّة وجوههم، فقال : يا ربِّ، ابسط عليهم الانتقام، كما قتلوا فرخ هذا النّبي المكرم عليك(١) .

أقول : والشيء الآخر، فما هو المانع من أنْ يكون في الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) خصوصية تقتضي ذلك، وإنْ لم نعلم بها ؟!

وأيضاً ابن كثير قد أثبت نوح الجنّ على الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) قال : وقد روى حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمارة، عن اُمِّ سلمة أنّها سمعت الجنّ تنوح على الحُسين بن علي وهذا صحيح(٢) .

أقول : مع أنّ هذا لم يثبت لموت أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، فبماذا يجيب ؟! أي الجواب الذي يجيب به هنا هو نفس الجواب على تغيّر الكون لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) دون غيره . إلخ.

الرابعة : إنّه عندما استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) حصل تغيّر في الكون،

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٢ - ١٩٤، وتأتي هذه الرواية مفصلّة في آخر الفصل المتعلّق بزيارة الحُسين (عليه‌السلام ).

(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٦ / ٢٥٩.


وهذا ما روي عن الزهري : أنّ أسماء الأنصارية قالت : ما رُفِعَ حجرٌ بإيليا - يعني حين قُتِلَ علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) - إلّا وُجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ.

قال الحافظ أبو بكر بن الحُسين البيهقي (رحمه‌الله ) قلت : كذا روي في هاتين الروايتين، وقد روي بإسناد صحيح عن الزهري : أنّ ذلك كان حين قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، ولعلّه وُجِدَ عند قتلهما جميعاً، والله أعلم(١) .

ورواية الزهري عن أسماء أيضاً رواها الحاكم قال : أخبرني أحمد بن بالويه العقصي، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبّاد بن يعقوب، ثنا نواح بن درّاج، عن محمّد بن إسحاق، عن الزهري : أنّ أسماء الأنصارية قالت : ثمّ ما رُفِعَ حجرٌ بإيليا ليلةَ قُتِلَ عليّ إلّا ووجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ.

قال الحاكم : قد اختلفت الروايات في مبلغ سنّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) حين قُتِل(٢) .

وقال السّيوطي : وأخرج الحاكم، والبهيقي، وأبو نعيم، عن الزهري قال : لمـَّا كان صباح قتلِ علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لمْ يُرفع حجرٌ في بيت المقدس إلّا وُجِدَ تحته دمٌ.

وقال أيضاً : وأخرج أبو نعيم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيّب قال : صبيحة يوم قُتل علي بن أبي طالب لمْ تُرفعَ حصاةٌ من الأرض إلّا وتحته دمٌ عبيطٌ(٣) .

____________________

(١) نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ١٤٩.

(٢) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٥٥.

(٣) الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٤.


الخامسة : ما ذكره من رواية موت إبراهيم ابن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فعلى فرض تسليمه، فالروايات المتقدّمة صرّحت بأنّ السّماء لم تبكِ على أحدٍ إلّا على النّبي يحيى والإمام الحُسين (عليهما‌السلام )، ولا مانع من تخصيص العام بمخصّص معتبر، والروايات الواردة في بكاء السّماء وحمرتها رواياتٌ صحيحة، زيادة على أنّ الرواية التي ذكرها ابن كثير في موت إبراهيم بن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أجنبية عن المقام ؛ ولأنّها واردة في الموت، وما نحن فيه - في قضية الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - هو القتل، وهو خارج تخصّصاً عن الموت ؛ إذ القتل شيء والموت شيء آخر، وهذا واضح من تفريق الشّرع المقدّس بينهما ؛ إذ رتّب أحكاماً على القتل بما هو من ثبوت الديّة والقصاص وغيرهما، بخلاف الموت إذ لا يترتّب عليه شيء من ذلك، وأيضاً ما نحن فيه هو المصيبة، والمصيبة شيء والموت شيء آخر، ولا ملازمة بينهما.

والشيء الآخر إنّ هذه الرواية - على فرض تسليمها مع ما تقدّم - واردة في خصوص الكسوف والخسوف، والتغيّرات الكونية التي حصلت في مقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) أكثر من ذلك، ونفي الأخص لا يقتضي ولا يدلّ على نفي الأعم، فلماذا صرّح ابن كثير بنفي الأعم مع وروده بروايات صحيحة لا معارض لها ؟!


الفصل الثامن

في التغيّرات الكونيّة لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )



في التغيّرات الكونيّة لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

السّماءُ مكثت أيّاماً مثل العلقة لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، بسند صحيح

روى الطبراني، والهيتمي، وابن أبي شيبة، والسيوطي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا منجاب بن الحارث، ثنا علي بن مسهر، حدّثتني جدِّتي اُم حكيم قالت : قُتلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) وأنا يومئذ جويرية، فمكثت السّماء أيّاماً مثل العلقة(١) .

وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله إلى اُمِّ حكيم رجال الصحيح(٢) .

وروى محدّث الشام ابن عساكر : أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل، أنا أحمد بن الحُسين ح، وأخبرنا أبو محمّد السلمي، أنا أبو بكر الخطيب ح، وأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا محمّد بن هبة الله قالوا : أنا أبو الحُسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، أنا يعقوب بن سفيان، أنا إسماعيل بن الخليل، أنا علي بن مسهر، حدّثتني جدَّتي قالت : كنت أيّام الحُسين (عليه‌السلام ) جارية شابّة، فكانت السّماء أيّاماً علقة(٣) .

____________________

(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٣، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٧، المصنّف - ابن أبي شيبة ٨ / ٦٣٣، الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٧ : أيّاماً عليلة، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٦ باختلاف يسير مع تغيّر بعض رجال السند.

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.

(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٦، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٣٥٥.


وروى ابن عساكر، والمزّي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمّد الزيدي، أنا أبو الفرج محمّد بن أحمد بن محمّد بن علّان بن الخازن، أنا القاضي أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن الحُسين الجعفي، أنا أبو الحسن علي بن محمّد بن هارون بن زياد الحميري، حدّثني أبي، أنا إسماعيل بن الخليل، عن علي بن مسهر، عن جدَّته قالت : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) كنت جارية شابة، فمكثت السّماء سبعة أيام بلياليها كأنّها علقة(١) .

احمرار آفاق السّماء ستّة أشهر لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وفي رواية أربعة أشهر

روى ابن سعد، وابن عساكر، والمزّي، والذهبي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا علي بن محمّد(٢) ، عن علي بن مدرك، عن جدِّه الأسود بن قيس، قال : احمرّت آفاق السّماء بعد قتل الحُسين (عليه‌السلام ) ستّة أشهر، يُرى ذلك في آفاق السّماء كأنّها الدم، فحدّثتُ بذلك شريكاً، فقال لي : ما أنت من الأسود ؟ قلتُ : هو جدِّي أبو اُمِّي قال : أما والله، إنْ كان لصدوقَ الحديث، عظيمَ الأمانة، مكرماً للضيف(٣) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٦، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٥٥، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٢.

(٢) المراد به علي بن محمّد المدائني، كما في تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٢.

(٣) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) من طبقات ابن سعد / ٩١، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٧، قال : وأنا علي بن محمّد، عن علي بن مدرك، عن جدِّه الأسود بن قيس، قال : احمرّت آفاق السّماء بعد قتل الحُسين (عليه‌السلام ) ستّة أشهر، يُرى ذلك في آفاق السّماء كأنّها الدم قال فحدّثت بذلك شريكاً، فقال لي : سألتَ أمن الأسود؟ قلتُ : هو جدِّي أبو اُمِّي قال : أما والله، إنْ كان لصدوقَ الحديث، عظيم الأمانة، مكرماً للضيف . تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٢ : ما أنت والأسود ؟ وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٢، قال : المدائني : عن علي بن مدرك، عن جدِّه =


و قال السيوطي في تفسيره : وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن زياد (رضي‌الله‌عنه ) قال : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) احمرّت آفاق السّماء أربعة أشهر(١) .

وروى ابن كثير، والقرطبي، واللفظ للأوّل قال : عن أبي حاتم، حدّثنا علي بن الحُسين، حدّثنا أبو غسان محمّد بن عمر وزنيج، حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، قال : لمـَّا قُتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) احمرّت آفاق السّماء أربعة أشهر قال يزيد : واحمرارها كان بكاءها، وهكذا قال السدّي الكبير، وقال عطاء الخراساني : بكاؤها أنْ تحمرّ أطرافها(٢) .

لم تظهر حمرة السّماء إلّا بعد مقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، بأكثر من خبر

الأول : عن محمّد بن سيرين

١ - روى ابن سعد قال : حدّثنا عفّان بن مسلم، قال : حدّثنا حمّاد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمّد بن سيرين، قال : لم تُرَ هذه الحُمرة في آفاق السّماء حتّى قُتِلَ الحُسين بن علي (رحمه‌الله )(٣) .

____________________

= الأسود بن قيس، قال : احمرّت آفاق السّماء بعد قتل الحُسين (عليه‌السلام ) ستّة أشهر تُرى كالدم هشام بن حسان، عن محمّد، قال : تعلم هذه الحمرة في الاُفق ممَّ ؟ هو من يوم قُتل الحُسين (عليه‌السلام ).

وذكر المعلّق أنّها رويَت في تاريخ الإسلام - الذهبي ٢ / ٣٤٨، الصواعق المحرقة / ١٩٢، مفتاح النجا للعلامة البدخشي، إسعاف الراغبين المطبوع في هامش نور الأبصار / ٢١٥، تاريخ الخلفاء للعلّامه السيوطي / ٨٠، ينابيع المودّة - القندوزي الحنفي ٣ / ٢٠.

(١) الدر المنثور - جلال الدين السيوطي ٦ / ٣١، وفي ط ٥ / ٧٤٩.

(٢) تفسير ابن كثير ٤ / ١٤٣، وفي ط ص١٤٥، تفسير القرطبي ١٦ / ١٤١.

(٣) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩١.


أقول : ورجاله ثقات(١) .

____________________

(١) الأوّل : محمّد بن سعد، قال فيه ابن حجر في لسان الميزان ٧ / ٣٥٩ : محمّد بن سعد بن منيع الهاشمي، مولاهم أبو عبد الله البصري، كاتب الواقدي، نزيل بغداد، وصاحب الطبقات، وأحد الحفّاظ الكبار الثقات المتبحرين عن الوليد بن مسلم، وهشيم، وعن بن عيسى، وابن علية، وعنه أبو داود، وابن أبي الدنيا، وأحمد بن يحيى البلاذري، وذكره أيضاً في تهذيب التهذيب ٩ / ١٦١.

والثاني : عفّان بن مسلم، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٢٤٢ : عفّان بن مسلم بن عبد الله مولى عزرة بن ثابت الأنصاري، الإمام الحافظ، محدّث العراق، أبو عثمان البصري الصفّار، بقيّة الأعلام.

ولِدَ سنة أربع وثلاثين ومئة، تحديداً أو تقريباً، وسمع من شعبة، وهشام الدستوائي، وهمام، والحمّادين، وصخر بن جويرية، وديلم بن غزوان، ووهيب بن خالد، وسُليمان بن المغيرة، والأسود بن شيبان وطبقتهم من مشيخة بلده، واستوطن بغداد حدّث عنه البخاري، وحديثه في الكتب الستّة بواسطة . إلخ.

أقول : وقال الذهبي - سير أعلام النبلاء ١٠ / ٢٥٠ - : قلتُ : ما فوق عفّان أحد في الثقة وذكر الذهبي كثير من أقوال العلماء فيه في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٢٤٣، قال : قال أبو حاتم : ثقة إمام وقال مرّة اُخرى : ثقة متقن متين وقال أحمد بن عبد الله العجلي : عفّان يُكنَّى أبا عثمان، ثقة ثبت.

الثالث : حمّاد بن زيد، وهو من رجال الصحيحين، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٧ / ٤٥٦ : حمّاد بن زيد بن درهم، العلّامه الحافظ الثبت، محدّث الوقت، أبو إسماعيل الأزدي، مولى آل جرير بن حازم البصري، الأزرق الضرير، أحد الأعلام، أصله من سجستان، سُبي جدّه درهم منها.

وقال الذهبي أيضاً في سير أعلام النبلاء ٧ / ٤٥٨ : قال عبد الرحمن بن مهدي : أئمّة الناس في زمانهم أربعة : سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة وقال يحيى بن معين : ليس أحد أثبت من حمّاد بن زيد وقال يحيى بن يحيى النيسابوري : ما رأيت شيخاً أحفظ من حمّاد بن زيد وقال أحمد بن حنبل : حمّاد بن زيد من أئمّة المسلمين، من أهل الدين، هو أحبُّ إليّ من حمّاد بن سلمة وقال عبد الرحمن بن مهدي : لم أرَ أحداً قط أعلم بالسنّة ولا بالحديث الذي يدخل في السنّة من حمّاد بن زيد.

وروي عن سفيان الثوري قال : رجل البصرة بعد شعبة ذاك الأزرق، يعني حمّاداً =


____________________

= قال وكيع بن الجرّاح : ما كنَّا نشبّه حمّاد بن زيد إلّا بمسعر قال سليمان بن حرب : لم يكن لحمّاد بن زيد كتاب إلّا كتاب يحيى بن سعيد الأنصاري.

وقال أحمد بن عبد الله العجلي : حمّاد بن زيد ثقة، وحديثه أربعة آلاف حديث كان يحفظها، ولم يكن له كتاب وقال عبد الرحمن بن خراش الحافظ : لم يخطئ حمّاد بن زيد في حديث قط، وفيه يقول ابن المبارك :

أيُّها الطالب علماً

إيت حمّادَ بن زيدِ

تقتبس حلماً وعلماً

ثمّ قيّده بقيدِ

. . . . . . . . . إلخ.

الرابع : هشام بن حسّان، وهو من رجال الصحيحين، بل من رجال الصحاح، قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٧ / ٧٨ : هشام بن حسان أبو عبد الله القردوسي البصري، صاحب الحسن وابن سيرين، ثقة، إمامٌ كبير الشأن.

وقال فيه الذهبي أيضاً في سير أعلام النبلاء ٦ / ٣٥٥ : هشام بن حسان الإمام العالم، الحافظ، محدّث البصرة، أبو عبد الله الأزدي القردوسي البصري، ويقال : هو من العتيك، ونزل في القراديس، وقيل : هو من مواليهم، وهو أشبه، فلم يسمَّ له جدّ مع شهرة هشام ونبله، وما علمت له شيئاً عن الصحابة والظاهر أنّه رأى أنس بن مالك ؛ فإنّه أدركه وهو قد اشتدّ.

حدّث عن الحسن، وابن سيرين، واُخته حفصة بنت سيرين، وأبي مجلز . إلخ.

وقال الذهبي أيضاً في سير أعلام النبلاء ٦ / ٣٦٢ : قلتُ : هشام قد قفز القنطرة واستقر توثيقه، واحتجّ به أصحاب الصحاح، وله أوهام مغمورة في سعة ما روى ولا شك أنّ يونس وابن عون أحفظ منه وأتقن، كما أنّه أحفظ من ابن إسحاق ومحمّد بن عمرو وأتقن.

قال أبو نعيم، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة : مات سنة ست وأربعين ومئة وقال يحيى القطّان، وابن بكير : مات سنة سبع وقال مكّي بن إبراهيم، وأبو عيسى الترمذي : مات في أوَّل يوم من صفر سنة ثمان وأربعين ومئة وهذا أصح.

أقول : وقوله : وله أوهام مغمورة في سعة ما روى، لا تضرّ بعد قبول أصحاب الصحاح رواياته، وأيضاً لو سلّم فهذه الرواية خارجة ؛ وذلك لأنّ الذهبي نفسه قال : إنّ هشام بن حسّان في ابن سيرين ثبت.

قال في ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٧ / ٧٩ : قلتُ : لا ريب أنّه (أي هشام بن حسّان ) ثبت في محمّد بن سيرين وقال ابن حجر في تقريب التهذيب ٢ / ٢٦٦ : =


وروى ابن عساكر، والذهبي، والنسوي، واللفظ للأوّل قال :

٢ - أخبرنا أبو محمّد عبد الكريم بن حمزة، أنا أبو بكر أحمد بن علي ح، وأخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا محمّد بن هبة الله، قال : أنا محمّد بن الحُسين، أنا عبد الله، نا يعقوب، نا سُليمان بن حرب، نا حمّاد بن زيد، عن هشام، عن محمّد قال : تعلم هذه الحمرة في الاُفق ممَّ هي ؟ فقال : من يوم قُتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام )(١) .

روى ابن عساكر، والقرطبي، وصاحب حلية الأولياء، واللفظ للأوّل :

٣ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور، وأبو إسحاق إبراهيم بن طاهر بن بركات قالا : أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو الحسن محمّد بن محمّد بن أحمد بن سعيد بن الروزبهان، أنا أبو الحسن علي بن الفضل بن إدريس السّتوري، نا محمّد بن مقبل، نا يحيى بن السّري، نا روح بن عبادة، عن ابن عون،

____________________

= هشام بن حسّان الأزدي القردوسي ( بالقاف وضم الدال ) أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين.

الخامس : محمّد بن سيرين، وهو من أعاظم رجال الصحيحين، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤ / ٦٠٦ : محمّد بن سيرين الإمام شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك خادم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان أبوه من سبي جرجرايا، تملّكه أنس . إلخ.

وذكر بعض الأقوال فيه، منها سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٦٠٨ : عون بن عمارة : حدّثنا هشام، حدّثني أصدق من أدركت : محمّد بن سيرين.

وفي سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٦١١ : قال محمّد بن جرير الطبري : كان ابن سيرين فقيهاً عالماً، ورعاً أديباً، كثير الحديث، صدوق، شهد له أهل العلم والفضل بذلك، وهو حُجّة.

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٨، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٣٥٨، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٢، تاريخ النسوي نقلاً عن مناقب آل أبي طالب ٣ / ٢١٢.


عن محمّد بن سيرين قال : لم تكن تُرى الحُمرة في السّماء حتّى قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام )(١) .

وروى الطبراني، والهيثمي، والقرطبي، واللفظ للأوّل قال :

٤ - حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا يحيى الحمّاني، ثنا حمّاد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمّد بن سيرين قال : لم يكن في السّماء حُمرة حتّى قُتل الحُسين (عليه‌السلام )(٢) .

أقول : ورجاله ثقات(٣) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر١٤ / ٢٢٨، ترجمة الحُسين - ابن عساكر / ٣٥٨، تفسير القرطبي ١٦ / ١٤١، حلية الأولياء ٢ / ٢٧٦ بسند مختلف.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٤، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧، تفسير القرطبي ١٦ / ١٤١.

(٣) الأوّل : عبد الله الحضرمي، فقد وثّقه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦ / ١٠٤، فقال : رواه الطبراني عن شيخه محمّد بن عبد الله الحضرمي وهو ثقة.

الثاني : حمّاد بن زيد : تقدّم في البحث السندي السابق، فهو من الثقات، قال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ١/ ٢٢٨ : الإمام الحافظ، شيخ العراق وقال عنه أحمد بن حنبل : إنّه من أئمّة المسلمين.

الثالث : هشام بن حسان : تقدّم أيضاً في البحث السندي السابق، فهو من الثقات أيضاً، فقد وثّقه ابن معين في تاريخ ابن معين / ٢٢٣، ووثّقه العجلي في معرفة الثقات ١ / ١٢٠، ووثّقه ابن حبّان أيضاً في الثقات ٧ / ٥٦٦، وقال عنه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ١ / ١٦٣ : هشام بن حسّان الحافظ الإمام أبو عبد الله الأزدي القردوسي مولاهم البصري.

الرابع : ابن سيرين، فهو من الثقات، كما تقدّم في البحث السندي السابق في أحاديث ظهور الحُمرة لمقتل الحُسين (عليه‌السلام )، الحديث الأوّل من أحاديث محمّد بن سيرين.

الخامس : يحيى الحمّاني، فقد وثّقه ابن معين، كما في الثقات - ابن حبان ٧ / ١٢١ : حدّثني عمر بن أبي السّري الحافظ، قال : سمعت عبد الله بن محمّد بن منيع يقول : كنَّا على باب يحيى بن =


____________________

= عبد الحميد الحمّاني، فجاء يحيى بن معين على بغلته فسأله أصحاب الحديث فأبى، وقال : جئتُ مسلِّماً على أبي زكريا فدخل، ثمّ خرج فسألوه عنه، فقال : ثقة ثقة.

ووثّقه عمر بن شاهين في تاريخ أسماء الثقات / ١٥٩ : وأبو يحيى الحمّاني ثقة، وابنه ثقة، وأبو يحيى اسمه عبد الحميد.

وأمّا الذهبي فقد وثّقه ؛ وذلك بما صدّر به ترجمته، وقَبل من رواياته، وقال عنها : من العوالي قال في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٢٦ : ١٧٠ - يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ميمون بن عبد الرحمن، الحافظ الإمام الكبير أبو زكريا بن المحدّث الثّقة أبي يحيى الحمّاني الكوفي صاحب (المسند الكبير) ولد نحو الخمسين ومئة.

وقال أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٥ : وقال أبو حاتم : سألت ابن معين عنه فأجمل القول فيه، وقال : ما له ؟ كان يسرد مسنده أربعة آلاف سرد، و [حديث] شريك ثلاثة آلاف وخمسمئة كمثل وذكر أبو حاتم نحو عشرة آلاف، ثمّ قال : كان أحد المحدّثين.

وقال الذهبي أيضاً في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٤ : وأمّا يحيى بن معين فروى عنه عبّاس : أبو يحيى الحمّاني ثقة وابنه ثقة.

وقال أحمد بن زهير عنه : يحيى الحمّاني ثقة وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٦ : ابن صالح المصري، قال البغوي : كنَّا على باب يحيى الحمّاني، فجاء يحيى بن معين على بغلته، فسأله أصحاب الحديث أن يحدّثهم فأبى، وقال : جئتُ مسلِّماً على أبي زكريا فدخل ثمّ خرج، فسألوه عنه، فقال : ثقة بن ثقة.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٥ : وروى عنه عثمان بن سعيد : صدوق مشهور، ما بالكوفة مثله، ما يُقال فيه إلّا مَن حسد.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٦ : وكذلك روى توثيقه عن ابن معين : مطين، وأحمد بن أبي يحيى، وعبد الله بن الدورقي، وغيرهم، حتّى قال محمّد بن أبي هارون الهمذاني : سألته عنه، فقال : ثقة وأبوه ثقة فقلتُ : يقولون فيه قال : يحسدونه، هو - والله الذي لا إله إلّا هو - ثقة.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٦ : العقيلي، عن علي بن عبد العزيز : سمعت يحيى الحمّاني يقول لقوم غرباء في مجلسه : من أين أنتم ؟ فأخبروه فقال : سمعتم ببلدكم أحداً يتكلم فيّ ويقول : إنّي ضعيف في الحديث ؟ لا تسمعوا كلام أهل الكوفة ؛ فإنّهم يحسدوني ؛ لأني أوَّل مَن جمع المسند، وقد تقدّمتهم في غير شيء.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٥ : وقال أحمد بن زهير، عن ابن معين : ما كان بالكوفة في أيامه رجل يحفظ معه، وهؤلاء يحسدونه =


الثاني : عن جميل بن زيد

روى الطبراني قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عبد الله بن يحيى بن الربيع بن أبي راشد الكاهلي، حدّثنا منصور بن أبي نويرة، عن أبي بكر بن عيّاش، عن جميل بن زيد قال : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) احمرت السّماء قلت : أيُّ شيء تقول ؟! فقال : إنّ الكذّاب منافق، إن السّماء احمرت حين قُتل(١) .

الثالث : عن ابن عبّاس (رضوان الله عليه)

قال القندوزي : وعن ابن عبّاس، إنّ يومَ قتْلِ الحُسين (عليه‌السلام ) قطرت السّماء دماً، وإنّ هذه الحمرة التي تُرى في السّماء ظهرت يوم قتله، ولم تُرَ قبله، وإنّ أيّام قتله لم يُرفعَ حجرٌ في الدنيا إلّا وُجِدَ تحته دمٌ(٢) .

____________________

= وأقول : وما كثر القدح فيه إلّا لتصريحه بأنّ معاوية بن أبي سفيان مات على غير ملّة الإسلام، ولعلّ رميه بالتشيع لذلك.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٣ : وقال أحمد بن محمّد بن صدقة وأبو شيخ، عن زياد بن أيوب دلويه، سمعت يحيى بن عبد الحميد يقول : مات معاوية على غير ملّة الإسلام قال أبو شيخ : قال دلويه : كذب عدوَّ الله.

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٥٣٠ : وقيل : كان يتشيّع فقال أبو داود : سألته عن حديث لعثمان، فقال لي : تحبّ عثمان ؟

وقال الذهبي بعد ما نقل أقوال المدح والذم فيه، وبعد محاولته للدفاع عن مَنْ قدحه فيه من جهة الحسد، وقال : القدح مقدّم على المدح، ثمّ أخذ في الدفاع عنه.

(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٣.

(٢) ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ١٠٢.


الرابع : عن إبراهيم بن يزيد النخعي

ذكر ابن كثير والسيوطي واللفظ للأوّل قال : وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا علي بن الحُسين، حدّثنا عبد السّلام بن عاصم، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا المستورد بن سابق، عن عُبيد(١) المكتب، عن إبراهيم قال : ما بكت السّماء منذ كانت الدنيا إلّا على اثنين قلت لعُبيد : أليس السّماء والأرض تبكي على المؤمن ؟ قال : ذاك مقامه حيث يصعد عمله قال : وتدري ما بكاء السّماء ؟ قلتُ : لا قال : تحمرّ وتصير وردة كالدّهان ؛ إنّ يحيى بن زكريا (عليه الصلاة والسّلام) لمـَّا قُتِلَ احمرّت السّماء وقَطُرَتْ دماً، وإنّ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) لمـَّا قُتِلَ احمرّت السّماء(٢) .

ما جرى على السّماء وما أصاب نساء الروم

قال إبراهيم البيهقي : وقال محمّد بن سيرين : ما رؤيت هذه الحمرّة في السّماء إلّا بعدما قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام )، ولم تطمث امرأة بالرّوم أربعة أشهر إلّا أصابها وضحٌ فكتب ملك الروم إلى ملك العرب : قتلتم نبيّاً أو ابن نبي ؟!(٣) .

بكاءُ الشمس أربعين صباحاً وطلوعها حمراء إلى أن تغيب

قال الأسفراييني :

____________________

(١) وهو عبيد بن مهران المكتب.

(٢) تفسير ابن كثير ٤ / ١٤٥، الدر المنثور - جلال الدين السّيوطي ٦ / ٣١، وفي ط ٥ / ٧٤٨، قال : وأخرج ابن أبي حاتم عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم (رضي‌الله‌عنه ) قال : ما بكت السّماء . إلخ.

(٣) المحاسن والمساوئ - إبراهيم البيهقي / ١٣٠، نسخة برنامج الموسوعة الشعرية.


(قال الراوي) : عن جعفر الصادق (عليه‌السلام ) : (( إنّ الشّمس بكت على يحيى (عليه‌السلام ) وعلى الحُسين (عليه‌السلام ) أربعين صباحاً )) قيل له : ما بكاؤها ؟ قال : (( كانت تطلع حمراء، ولم تزل حمراء إلى أن تغيب )) قال الفارسي (رضي‌الله‌عنه )، عن أبيه أنّه قال : أرسل عبد الملك بن مروان إلى رسول جالوت، وقال له : هل كان في قَتلِ الحُسين (عليه‌السلام ) علامة ؟ قال : نعم، ما كُشفَتْ يومئذٍ حجرٌ إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ(١) .

أمطرت السّماء دماً على مقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) . وامتلأ كلّ شيء دماً

عن سليم القاص، مع السند

روى ابن سعد قال : أخبرنا سليمان بن حرب، وموسى بن إسماعيل، قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة، قال : حدّثنا سليم القاص، قال : مطِرْنا دماً يوم قتل الحُسين (عليه‌السلام )(٢) .

أقول : ورجاله ثقات(٣) .

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٧٦، وفي ط ص٦٥.

(٢) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٠.

(٣) الأوّل : سليم القاص، ذكره ابن حبان في الثقات ٤ / ٣٢٩.

سليم القاص أبو إبراهيم قال : مطِرْنا يوم قتل الحُسين دماً روى عنه حمّاد بن سلمة، وابن علبة يخطئ.

أقول : وقوله يخطئ لا يخرجه عن التوثيق، والذي يؤيّد ذلك أنّ البخاري والرازي ذكرا عنه هذه الرواية، ولم يقدحا فيه.

قال البخاري في التاريخ الكبير ٤ / ١٢٩ : ٢٢٠٢ سليم القاص قال : مطِرْنا أيّاماً - أو يوم قُتل الحُسين - دماً سمع منه حمّاد بن سلمة، وإسماعيل بن إبراهيم أبو إبراهيم.

وقال الرازي في الجرح والتعديل ٤ / ٢١٦ : ٩٤١ سليم القاص قال : مطِرْنا دماً أيام قتل الحُسين بن علي (رحمه‌الله ) روى عنه حمّاد بن سلمة، سمعت أبي يقول ذلك =


____________________

= الثاني : حمّاد بن سلمة أقول : وهو من رجال الصحيحين، وقال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٧ / ٤٤٤ : ١٦٨ حمّاد بن سلمة بن دينار، الإمام القدوة، شيخ الإسلام، أبو سلمة البصري النحوي البزّاز الخرقي البطائني، مولى آل ربيعة بن مالك، وابن أخت حميد الطويل.

قال شعبة : كان حمّاد بن سلمة يفيدني، عن عمّار بن أبي عمّار وقال وهيب بن خالد : حمّاد بن سلمة سيّدنا وأعلمنا قال أحمد بن حنبل : هو أعلم من غيره بحديث عليِّ بن زيد بن جدعان قال علي بن المديني : كان ثمّ يحيى بن ضريس الرازي، عن حمّاد بن سلمة عشرة آلاف حديث قلتُ : يعني بالمقاطيع والآثار ؟ قال أحمد : أعلم النّاس بثابت البناني حمّاد بن سلمة، وهو أثبتهم في حميد الطويل وروى إسحاق الكوسج، عن ابن معين، قال : حمّاد بن سلمة ثقة . إلخ

الثالث : موسى بن إسماعيل، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٦١ : التبوذكي ع الحافظ، الإمام الحُجّة، شيخ الإسلام أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري مولاهم البصري التبوذكي.

قال عبّاس : عن يحيى بن معين قال : ما جلست إلى شيخ إلّا هابني أو عرف لي، ما خلا هذا الأثرم التبوذكي فعددت لابن معين ما كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث.

وفي سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٦٢ : وقال الحُسين بن الحسن الرازي : سألت يحيى بن معين عن أبي سلمة، فقال : ثقة مأمون وروى أبو حاتم عن يحيى قال : كان كيّساً، وكان حجّاج بن منهال رجلاً صالحاً، وأبو سلمة أتقنهم.

وقال أبو حاتم : سمعت أبا الوليد الطيالسي يقول : موسى بن إسماعيل ثقة صدوق وقال أبو حاتم أيضاً : قال علي بن المديني : مَنْ لم يكتب عن أبي سلمة كتب عن رجل عنه قلتُ : هكذا جرى لمسلم تواني في لقيه، فكتب عن رجل عنه.

وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث وقال أبو حاتم : كان ثقة لا أعلم أحداً بالبصرة ممَنْ أدركناه أحسن حديثاً منه قال : وإنّما سُمّي التبوذكي ؛ لأنّه اشترى بتبوذك داراً فنُسب إليها . إلخ ووثّقه ابن حجر في تقريب التهذيب ٢ / ٢٢٠.

الرابع : سليمان بن حرب، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٣٠ : سليمان بن حرب بن بجيل، الإمام الثّقة الحافظ، شيخ الإسلام، أبو أيوب الواشحي الأزدي البصري، قاضي مكّة وقال في سير أعلام النبلاء ١٠ / ٣٣١ : . قال أبو حاتم : سليمان بن حرب إمام من الأئمة، كان لا يدلّس، ويتكلّم في الرجال وفي الفقه، [ و ] ليس بدون عفّان، ولعلّه أكبر منه، وقد ظهر له =


روى البلاذري قال : وحدّثني عمر بن شبه، عن موسى بن إسماعيل،عن حمّاد بن سلمة، عن سالم القاص قال : مطِرَنا أيّام قتل الحُسين (عليه‌السلام ) دماً(١) .

عن اُمّ سلمة (رضوان الله عليها)

ذكر الصالحي الشامي، ومحبّ الدين الطبري، وباكثير الحضرمي، واللفظ للأوّل قال : وروى ابن السّدي، عن اُمّ سلمة قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (رضي الله تعالى عنه) مطِرْنا دماً(٢) .

عن نضرة الأزدية

١ - روى ابن عساكر، والمزّي، وابن سعد، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو عبد الله الفراوي، أنا أبو بكر البيهقي ح وأخبرنا أبو محمّد السلمي، نا أبو بكر الخطيب ح.

وأخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو بكر بن الطبري قالوا : أنا أبو الحُسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، نا مسلم بن إبراهيم قال :

____________________

= نحو من عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتاباً قط، وهو أحبّ إليّ من أبي سلمة التبوذكي في حمّاد بن سلمة وفي كلّ شيء . إلخ.

الخامس : ابن سعد، وقد تقدّمت ترجمته في الحديث الأوّل لابن سيرين تحت عنوان : لم تظهر حمرة السّماء إلّا بعد قتل الحُسين (عليه‌السلام ).

(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٣.

(٢) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٨٠، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥، وسيلة المآل - باكثير الحضرمي / ١٩٧، مخطوط - من إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٦٠.


حدّثتنا اُم شرف العبديّة قالت : حدّثتني نضرة الأزديّة قالت : لمـَّا أن قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) مطرت السّماء دماً، فأصبحتُ وكلُّ شيء لنا ملآن دماءً، وفي حديث البيهقي : ملئ دماً(١) .

٢ - وذكره العجلي قال : نضرة الأزديّة من أهل البصرة، تروي عن الحُسين بن علي، روى عنها البصريون ثنا ابن قتيبة بعسقلان قال : ثنا العبّاس بن إسماعيل مولى بني هاشم، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدّثتنا اُم شوق العبديّة(٢) قالت : حدّثني نضرة الأزديّة قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) مطرت السّماء دماً، فأصبحت جرارنا وكلُّ شيء لنا ملئ دماً(٣) .

٣ - ورواه الخوارزمي فقال : وبهذا الإسناد (أي الإسناد المتقدّم في كتابه)، عن يعقوب بن سفيان هذا، حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثتنا اُم شوق العبديّة، حدّثتني نضرة الأزديّة قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) مطرت السّماء دماً، فأصبحنا وكلُّ شيء لنا ملئ دمًا(٤) .

٤ - وذكره أيضاً ابن جرير الطبري، وابن حجر الهيتمي، والقندوزي، والصالحي الشامي، واللفظ للأوّل قال :

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٧، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٥٦، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٣، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) تحقيق العلّامه السيّد عبد العزيز الطباطبائي - من طبقات ابن سعد / ٩٠ : ٣٢١ - قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال : حدّثتنا اُمّ شوق العبديّة، قالت : حدّثتني نضرة الأزديّة، قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي مطرت السّماء دماً، فأصبحت خيامنا وكلُّ شيء منّا ملئ دماً.

(٢) لا يخفى ما في الكُنية من اختلاف مع ما سبق في الرواية المتقدمة (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٣) الثقات - أبي مسلم العجلي ٥ / ٤٨٧.

(٤) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٢، الفصل الثاني عشر.


وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النّبوة، عن نضرة الأزديّة أنّها قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) أمطرت السّماء دماً، فأصبحنا وِجبَابنا وجرارنا مملوءة دماً(١) .

وقال السيوطي : أخرج البيهقي وأبو نعيم، عن نضرة الأزديّة قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) مطرت السّماء دماً، فأصبحنا وخباؤنا وجرارنا وكلُّ شيء لنا ملآن دمًا(٢) .

عن ربيع بن لقيط

ذكره ابن الدمشقي : وقال ربيعة بن لقيط : مطرت عليهم السّماء دماً حتّى كانوا يأخذونها في الآنية(٣) .

مطِرْنا مطراً كالدم على البيوت والجدران : في خراسان، والشام، والكوفة لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى ابن عساكر، والمزّي، والذهبي، ومحبّ الدين الطبري، والصالحي الشامي، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو يعقوب الهمداني، نا أبو الحُسين بن المهتدي ح.

وأنا أبو غالب بن البنّا، أنا أبو الغنائم بن المأمون قال : أنا أبو القاسم بن حبابة،

____________________

(١) ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ١٥، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٨٠، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٥، ط دار الكتب العلمية، الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٧٢، المطبعة الأدبيّة بمصر، وسيلة المآل / ١٩٧، مخطوط من إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٥٩.

(٢) الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٦.

(٣) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٦٠.


أنا أبو القاسم البغوي، نا قطن بن نسير أبو عباد، نا جعفر بن سليمان قال : حدّثني خالتي اُم سالم قالت : لمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) مطِرْنا مطراً كالدم على البيوت والجُدر قال : وبلغني أنّه كان بخراسان، والشام، والكوفة(١) .

وفي بغية الطلب : فبلغني أنّه كان بالبصرة، والكوفة، وبالشام، وبخراسان، حتّى كنَّا لا نشك أنّه سينزل عذاب(٢) .

حِيطان قصر الإمارة تسيل دماً لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى ابن عساكر، والمزّي، ومحب الدين الطبري، وابن حجر الهيتمي، وابن العديم، وابن منظور، واللفظ للأوّل :

قال : وأنا البغوي، حدّثني أحمد بن محمّد بن يحيى بن سعيد، نا زيد بن الحباب، حدّثنا وقال أبو غالب : حدّثني أبو يحيى مهدي بن ميمون قال : سمعت مروان مولى هند بنت المهلب يقول : وقال أبو غالب : حدّثني بوّاب عبيد الله بن زياد : أنّه لمـَّا جئ برأس الحُسين (عليه‌السلام )، ووضع بين يديه، رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً(٣) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٨، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر /٣٦٠، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٣، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ١١٢، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٨٠، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٥ باختلاف يسير.

(٢) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٥.

(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٢٩، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٠، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٤، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٥، مطبعة دار الكتب العلميّة، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٩، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٧ / ١٥٠ من إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣٦٢.


الحيطانُ كأنّما تُلطّخُ بالدم حين الغدوة إلى طلوع الشمس

روى البلاذري قال : حدّثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، عن أبي حصين قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) مكثوا شهرين أو ثلاثة، وكأنّما تُلَطّخُ الحيطانُ بالدم من حين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس(١) .

وقال ابن العديم : قال حصين : لبثوا شهرين أو ثلاثة، كأنّما تُلَطّخُ الحيطانُ بالدماء ساعة تطلع الشمس حتّى ترتفع(٢) .

لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) مطروا دماً فبقى أثرُهُ في الثياب

قال ابن العديم : قرأت بخط أبي عبد الله الحُسين بن خالويه في بعض أماليه : حدّثنا البعراني - يعني أبا حامد محمّد بن هارون الحضرمي - قال : حدّثنا هلال - يعني ابن بشر - قال : حدّثنا عمر بن حبيب القاضي، عن هلال بن ذكوان قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) مطِرْنا مطراً بقي أثره في ثيابنا مثل الدم(٣) .

وذكر ابن حجر الهيتمي، وابن الجوزي، والقندوزي، والزرندي الحنفي، واللفظ للأوّل :

____________________

(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٣.

(٢) بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٣٩.

(٣) المصدر نفسه.


قال : قال أبو سعيد : ما رُفِعَ حجرٌ من الدنيا إلّا وتحته دم عبيط، ولقد مطرت السّماء دماً بقي أثره في الثياب مدّة حتّى تقطّعت(١) .

ما ذكرته عقيلةُ الطالبيِّين زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما‌السلام ) في خطبتها لأهل الكوفة

ذكر الخوارزمي، وابن طيفور، واللفظ للأوّل قال : ( قالت : ) . ويلكم يا أهل الكوفة ! أتدرون أيّ كبد لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فريتم، وأيّ دمٍ له سفكتم، وأيّ كريمةٍ له أبرزتم، وأيّ حريمٍ له أصبتم، وأيّ حرمةٍ له انتهتكم ؟!( لَقَدْ جِئْتُمْ شيئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (٢) إنّ ما جئتم بها لصلعاء عنقاء، سوآء فقماء، خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض وملاء السّماء.

أفعجبتم أنْ قطرت السّماء دماً ! ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى، وأنتم لا تنصرون فلا يستخفّنكم المهل ؛ فإنّه (عزَّ وجل) لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثأر، كلا إنّ ربّكم لبالمرصاد، فترقّبوا أوَّل النّحل وآخر صاد(٣) . إلخ.

____________________

(١) الصواعق المحرقة / ١٩٢، وفي ط ص١٩٤، ينابيع المودّة ٣ / ٤٣، عن الصواعق المحرقة، نظم درر السّمطين - الزرندي الحنفي / ٢٢٢، قال : الإمام أبو الفرج ابن الجوزي (رح) في كتاب (التبصرة) عن ابن سيرين (رح) قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (رض) أظلمت الدنيا ثلاثة أيّام، ثمّ ظهرت هذه الحمرة في السّماء.

وقال أبو سعيد (رح) : ما رُفِعَ حجرٌ في الدنيا لمـَّا قُتِلَ الحُسين إلّا وتحته دم عبيط، ولقد مطرت السّماء دماً بقي أثره في الثياب مدّة حتّى تقطّعت وقال سليم القاضي : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (رض) مطِرْنا دماً.

(٢) سورة مريم / ٨٩ - ٩٠.

(٣) أوّلها : ( أتى أمر الله )، وأخرها ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للخوارزمي ٢ / ٤٦، بلاغات النساء - ابن طيفور / ٢٤ : . أتدرون أيّ كبدٍ لرسول الله فريتم، وأيّ كريمةٍ له أبرزتم، وأيّ دمٍ له سفكتم؟! لقد جئتم بها شوهاء خرقاء، شرّها طلاع الأرض =


تفطّر السّماء لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الدولابي، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : أخبرني أبو عبد الله الحُسين بن علي، حدّثنا أبو محمّد الحسن بن يحيى بن زيد بن حسين بن زيد بن علي بن حسين، حدّثنا حسن بن حسين الأنصاري، عن أبي القاسم مؤذن بني مازن، عن عُبيد المكتب، عن إبراهيم النخعي قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) احمرّت السّماء من أقطارها، ثمّ لم تزل حتّى تفطّرت وقطرت دماً(١) .

لمقتلِهِ (عليه‌السلام ) كُسِفَتْ الشمس حتّى بدت الكواكب، بسند حسن

روى الطبراني، والهيثمي، والبيهقي، وابن عساكر، وابن حجر، والرافعي، والمزّي، والخوارزمي، والكنجي الشافعي، وابن منظور، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا قيس بن أبي قيس البخاري، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا بن لهيعة، عن أبي قبيل قال : ثمّ لمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) انكسفت الشمس كسفةً حتّى بدت الكواكب نصف النّهار، حتّى ظننا أنّها هي(٢) .

____________________

= والسّماء أفعجبتم أنْ قطرت السّماء دماً ! ولَعذاب الآخرة أخزى وهم لا يُنظرون فلا يستخفّنكم المهل ؛ فإنّه لا تحفزه المبادرة، ولا يخاف عليه فوت الثار كلاّ إنّ ربّك لنا ولهم لبالمرصاد ثمّ ولَّتْ عنهم.

قال : فرأيت النّاس حيارى، وقد ردّوا أيديهم إلى أفواههم . إلخ.

أقول : جملة (إنّ ربّك لنا) الظاهر - إنْ لمْ تكن زائدة فبقرينة المقام - أنّه يوجد تقدير كأنْ يكون المعنى : إنّ رحمة ربّك لنا، وربّك لهم بالمرصاد.

(١) الذرّيّة الطاهرة - الدولابي ١ / ٩٧، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٩.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٤، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٧، سنن البهيقي الكبرى ٣ / ٢٢٦، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٨، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٣٥٧، فتح العزيز - الرافعي ٥ / ٨٤، تلخيص الخبير - ابن حجر ٢ / ٩٤، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٣، مقتل الخوارزمي ٢ / ١٠٢ في الفصل الثاني عشر مع اختلاف بسيط، كفاية الطالب - الكنجي الشافعي / ٢٩٦ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٧٩، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٧ / ١٤٩ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣٨٢.


وقال الهيثمي : رواه الطبراني وإسناده حسن(١) .

روى البلاذري قال : حدّثنا عمرو، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل : أنّ السّماء أظلمت يوم قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى رأوا الكواكب(٢) .

روى الأسفراييني : وعن أنس أنّه قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) كُسِفَتْ الشمسُ بين الكواكب نصف النهار(٣) .

لمقتلِهِ (عليه‌السلام ) ما رُفِعَ حجرٌ في الشام إلّا وتحته دمٌ عبيط، رجاله رجال الصحيح

وروى الطبراني، والذهبي، ومحب الدين الطبري، والصالحي الشامي، ومجيد الدين الحنبلي، وباكثير الحضرمي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا زكريا بن يحيى الساجي، ثنا محمّد بن المثنى، ثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن بن شهاب، ثمّ قال : ما رُفِعَ بالشام حجرٌ يوم قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) إلّا عن دمٍ(٤) .

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.

(٢) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٣.

(٣) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٧٦، وفي ط ص٦٥.

(٤) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٣، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٦، ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري / ١٤٥، قال: أخرجهما (أي هذا الحديث وما قبله) ابن السّري سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٨٠، كتاب الاُنس الجليل - العلّامه مجيد الدين الحنبلي المقدسي / ٢٥٢، وفيه زيادة : وكذلك يوم قُتِلَ والده عليّ (عليه‌السلام )، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٤، وسيلة المآل / ١٧٧ (مخطوط) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٤.


وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(١) .

لمقتلِ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) ما رُفِعَ حجرٌ في بيت المقدس إلّا وتحته دمٌ عبيط، رجاله ثقات بأكثر من خبر

الأوّل : عن سعيد بن العاص عن الزهري

روى الطبراني، والهيثمي، والخوارزمي وغيرهم، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، أنا هشيم، ثنا أبو معشر، عن محمّد بن عبد الله بن سعيد بن العاص، عن الزهري قال : قال لي عبد الملك بن مروان : ثمّ أيُّ واحد أنت إنْ أخبرتني أيَّ علامة كانت يوم قُتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ؟ قال : قلتُ : لم تُرْفَع حصاةٌ ببيت المقدس إلّا وجد تحتها دم عبيط فقال عبد الملك : إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان(٢) .

قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات(٣) .

الثاني : عن معمر عن الزهري

أ - رواه ابن سعد قال :

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦.

(٢) المعجم الكبير ٣ / ١١٩، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٦، مناقب الخوارزمي / ٣٨٨، قال : إنّي وإيّاك لغريبان في هذا كفاية الطالب للكنجي / ٢٩٦، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٦، تاريخ الخلفاء / ٨٠، مفتاح النجا للعلّامه البدخشي، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٨

(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦.


أخبرنا سليمان بن حرب، قال : حدّثنا حمّاد بن زيد، عن معمر قال : أوَّل ما عُرف الزهري أنّه كان في مجلس عبد الملك بن مروان، فسألهم عبد الملك فقال : مَنْ منكم يعلم ما صنعت أحجار بيت المقدس يوم قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ قال : فلم يكن ثَمّ أحد منهم من ذلك علم(١) فقال الزهري : بلغني أنّه لم يُقْلَبْ منها يومئذٍ حجرٌ إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ قال : فعُرف من يومئذ(٢) .

ب - رواه المزّي، وابن حجر، والذهبي، والخوارزمي، وابن العديم، والسيوطي، واللفظ للأوّل قال : وقال يعقوب بن سفيان : ثنا سليمان بن حرب، ثنا حمّاد بن زيد، عن معمر قال : أوَّل ما عُرف الزهري تكلَّم في مجلس الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد : أيُّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قُتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ؟ فقال الزهري : بلغني أنّه لمْ يُقْلَبْ حجرٌ إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ(٣) .

روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل، أنا أحمد بن الحُسين ح وأخبرنا أبو محمّد السّلمي، نا أبو بكر الخطيب ح.

____________________

(١) هذا لا ينفي روايات : ( أنّه لمْ يُرفعْ حجرٌ في بقاع الأرض إلّا ووجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ ) ؛ وذلك لخصوص السؤال هنا بالأحجار التي في بيت المقدس فقط، لا عن الأحجار التي في الكوفة أو الشام مثلاً حين قتلهِ (عليه‌السلام )، أو لغيرها من المحامل.

(٢) الطبقات الكبرى (القسم المتمم) ١ / ١٦٣.

(٣) تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٤، سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٤، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٤، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٧ ورواه الخوارزمي في مقتله ٢ / ١٠٢، عن حمّاد ابن زيد الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٦ من قوله بلغني . إلخ.


وأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا محمّد بن هبة الله قالوا : أنا محمّد بن الحُسين، أنا عبد الله بن جعفر قال : ونا يعقوب، نا سليمان بن حرب، نا حمّاد بن زيد، عن معمر قال : أوَّل ما عُرف الزهري أنّه تكلَّم في مجلس الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد : أيُّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ؟ فقال الزهري - زاد عبد الكريم، وابن السّمرقندي : بلغني - وقالوا : إنّه لم يُقْلَبْ حجرٌ إلّا - زاد ابن السّمرقندي - وُجِدَ تحته، وقال البيهقي : إلّا وتحته دم عبيط(١) .

الثالث : عن أبي بكر الهذلي عن الزهري

روى الطبراني وابن العديم واللفظ للأوّل قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا يزيد بن مهران أبو خالد، ثنا أسباط بن محمّد، عن أبي بكر الهذلي، عن الزهري قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) لمْ يُرْفَع حجرٌ ببيت المقدس إلّا وجِدَ دمٌ عبيطٌ(٢) .

الرابع : بتفصل عن عقيل عن الزهري

وقد أورد هذا الحديث مفصلاً ابن عبد ربه في العقد الفريد قال : حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن ميسرة، قال : حدّثنا محمّد بن موسى الحرشي قال : حدّثنا حمّاد بن عيسى الجهني، عن عمر بن قيس، وقال حمّاد بن عيسى : حدّثني به عباد بن بشر، عن عقيل قال : قال الزهري : خرجت مع قتيبة اُريد المصيصة، فقدمنا على أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وإذا هو قاعد في إيوان له،

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٩، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٣٦٢.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٣، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٧.


وإذا سماطان من النّاس على باب الإيوان، فإذا أراد حاجة قالها للذي يليه حتّى تبلغ المسألة باب الإيوان، ولا يمشي أحد بين السّماطين.

قال الزهري : فجئنا فقمنا على باب الإيوان، فقال عبد الملك للذي عن يمينه : هل بلغكم أيُّ شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ؟ قال : فسأل كلّ واحد منهما صاحبه حتّى بلغت المسألة الباب، فلمْ يردّ أحدٌ فيها شيء.

قال الزهري : فقلت : عندي في هذا علم قال : فرجعت المسألة رجلاً عن رجل حتّى انتهت إلى عبد الملك قال : فدُعيت فمشيت بين السّماطين، فلمـَّا انتهيت إلى عبد الملك سلّمت عليه، فقال لي : مَنْ أنت ؟ قلت : أنا محمّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري قال : فعرفني بالنّسب - وكان عبد الملك طلاّبة للحديث - فقال : ما أصبح ببيت المقدس يوم قتل الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ؟ وفي رواية علي بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله، عن أبي معشر، عن محمّد بن عبد الملك بن سعيد بن العاص، عن الزهري أنّه قال : الليلة التي قُتِلَ في صبيحتها الحُسين بن علي (عليه‌السلام ).

قال الزهري : نعم، فقلت : حدّثني فلان - لمْ يسمّه - أنّه لمْ يُرفعْ تلك الليلة التي [ في ] صبيحتها قُتِلَ علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) والحُسين بن علي (عليه‌السلام ) حجرٌ في بيت المقدس إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ قال عبد الملك : صدقت ؛ حدّثني الذي حدّثك وإنّي وإيّاك في هذا الحديث لغريبان ثمّ قال لي : ما جاء بك ؟ قلت : مرابط قال : الزم الباب فأقمت عنده فأعطاني مالاً كثيراً(١) .

رواية رأس الجالوت مع عبد الملك بن مروان

روى ابن سعد، وابن عساكر، وابن العديم، وسبط ابن الجوزي، والأسفراييني، والذهبي، والكنجي الشافعي، وابن منظور، واللفظ للأوّل قال :

____________________

(١) العقد الفريد ٢ / ٢٢٠ للعلّامه ابن عبد ربه (ط الشرقية بمصر) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٦.


قال : أخبرنا محمّد بن عمر، قال حدّثني عمر بن محمّد بن عمر بن علي، عن أبيه، قال : أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت، فقال : هل كان في قتل الحُسين علامة ؟ فقال ابن رأس الجالوت : ما كُشِفَ يومئذٍ حجرٌ إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ(١) .

لمقتلِهِ (عليه‌السلام ) ما رُفِعَ حجرٌ في الدنيا إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ

قال القندوزي : وعن ابن عبّاس قال : إنّ يوم قتْلِ الحُسين (عليه‌السلام ) قطرت السّماء دماً، وإنّ هذه الحمرة التي تُرى في السّماء ظهرت يوم قتله، وإنّ أيّام قتله لمْ يُرفعْ حجرٌ في الدنيا إلّا وجِدَ تحته دمٌ(٢) .

روى ابن سعد، والخوارزمي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا محمّد بن عمر، قال : حدّثني نجيح عن رجل من آل سعيد يقول : سمعت الزهري يقول : سألني عبد الملك بن مروان، فقال : ما كان علامة مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ قال : لمْ يُكْشَفْ يومئذٍ حجرٌ إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ فقال عبد الملك : أنا وأنت في هذا غريبان(٣) .

____________________

(١) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٠، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٠، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٢ - ٣٦٤، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٠٢، تذكرة الخواصّ / ٢٧٣، نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٧٦، تاريخ الإسلام - الذهبي ٢ / ٣٤٩ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٢، كفاية الطالب - الكنجي الشافعي / ٢٩٥، ط الغري نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٨٢، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٧ / ١٥٠ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣٧٢.

(٢) ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ١٠٢.

(٣) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٠، المناقب - للخوارزمي / ٣٨٨.


لمقتلِهِ (عليه‌السلام ) انقلب الورس إلى رماد ودمٍ، بأكثر من خبر

خبرُ اُمّ عُيينة، رجاله ثقات

١ - روى الطبراني، والهيثمي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، حدّثتني جدّتي اُم أبي قالت : ثمّ رأيت الورس الذي اُخذ من عسكر الحُسين (عليه‌السلام ) صار مثل الرماد(١) .

وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله إلى جدّه سفيان ثقات(٢) .

٢ - وروى أبو نعيم الحافظ الإصبهاني، وابن عساكر، وابن العديم، والخطيب البغدادي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر من أصله، ثنا محمود بن أحمد الفرج، ثنا محمّد بن المنذر البغدادي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، ثنا سفيان بن عيينة، حدّثني جدّتي اُم عيينة: أنّ حمَّالاً كان يحمل ورس، فهوى قتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فصار ورسه رماداً(٣) .

____________________

(١) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ٢٦٤، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧ قال : وعن سفيان قال : حدّثتني جدّتي اُم أبي قالت : شهد رجلان من الجعفيِّين قتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ؛ فأمّا أحدهما فطال ذَكَره حتّى كان يلفه ؛ وأمّا الآخر فكان يستقبل الراوية بفيه حتّى يأتي على آخرها.

قال سفيان : رأيت ولد أحدهما كان به خبل وكأنّه مجنون رواه الطبراني، ورجاله إلى جدّه سفيان ثقات وبسنده قال : رأيت الورس الذي اُخذ من عسكر الحُسين (عليه‌السلام ) صار مثل الرماد.

(٣) ذكر أخبار إصبهان - الحافظ الإصبهاني ٢ / ١٨٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣١، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٥، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٥، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٩ (دماً) بدلاً من (رماداً)، تاريخ الخطيب ٤ / ٦٨ في ترجمة محمّد بن المنذر البغدادي، وفي تاريخ الخطيب : (دماً) بدلا من (رماداً).


٣ - وروى ابن عساكر، والخوارزمي، وابن العديم، والمزّي، وابن حجر العسقلاني، والذهبي، واللفظ للأوّل قال : وأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أبي بكر، أنا أبو بكر بن الطبري قالوا : أنا أبو الحُسين القطّان، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، نا أبو بكر الحميدي، نا سفيان، حدّثتني جدّتي قالت : لقد رأيت الورس عاد رماداً، ولقد رأيت اللّحم كأنّ فيه النّار حين قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام )(١) .

٤ - وروى محبّ الدين، والصالحي الشامي، والقندوزي، واللفظ للأوّل قال : وعن سفيان أيضاً أنّ رجلاً ممّن شهد قتل الحُسين (عليه‌السلام ) كان يحمل ورساً، فصار ورسه رماداً(٢) أخرجه الملا في سيرته(٣) .

خبرُ أبي حفصة السلولي

روى ابن سعد، والخوارزمي، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا الفضل بن دكين، قال : حدّثنا عقبة بن أبي حفصة السلولي، عن أبيه قال : إنْ كان الورس من ورس الحُسين (عليه‌السلام ) ليُقال به هكذا فيصير رماداً(٤) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر ١٤ / ٢٣٠، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٥، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٣ الفصل الثاني عشر، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٩، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٥، تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٣٠٦، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٣.

(٢) ذخائر العقبى / ١٤٤، قال : أخرجه الملا في سيرته سبل الهدى والرشاد ١١ / ٧٩، ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ١٩.

(٣) ذخائر العقبى - الطبري / ١٤٤.

(٤) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩١، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٣ الفصل الثاني عشر، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٩ (يُقال) بدل من (ليقال).


خبرُ يزيد بن أبي زياد، مع السند

روى الدوري، وابن عساكر، والمزّي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، واللفظ للأوّل قال : سمعت يحيى (ابن معين) يقول : حدّثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال : قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ولي أربع عشرة سنة، وصار الورس رماداً الذي كان في عسكرهم، واحمرّت آفاق السّماء، ونحروا ناقة في عسكرهم في لحمها النيران(١) .

أقول : ورجاله ثقات(٢) .

____________________

(١) تاريخ ابن معين ١ / ٣٦١، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٠، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٥، سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٣، تهذيب التهذيب ٢ / ٣٠٥، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٥.

(٢) أمّا الأول، وهو يزيد بن أبي زياد الكوفي، قال فيه الذهبي في الكاشف في مَنْ له رواية في كتب الستّة ٢ / ٣٨٢ : يزيد بن أبي زياد الكوفي، مولى بني هاشم، عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وأبي جحيفة، وابن أبي ليلى، وعنه زائدة، وابن إدريس : شيعي، عالم، فهم، صدوق، رديء الحفظ، لم يُترك، مات ١٣٧٤ م مقروناً.

وقال فيه العجلي - في معرفة الثقات ٢ / ٣٦٤ : (٢٠١٩) يزيد بن أبي زياد، مولى بني هاشم، كوفي، ثقة، جائز الحديث، وكان بآخره يلقن.

وقال فيه ابن شاهين في تاريخ أسماء الثقات / ٢٥٦ : (١٥٦١) وقال أحمد بن صالح : يزيد بن أبي زياد ثقة، لا يعجبني قول مَنْ يتكلم فيه.

وقال فيه الهيثمي في سند حديث ذكره، مجمع الزوائد ٨ / ٢٥٨ : ورجال أحمد رجال الصحيح، غير يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث وقال في مجمع الزوائد ٥ / ٢٦٣، في موضع آخر : . وقال داود : لا أعلم أحداً ترك حديثه، وغيره أحبّ إليّ منه، وروى له مسلم مقروناً، والبخاري تعليقاً، وبقيّة رجاله ثقات =


____________________

= وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣ / ٣٧٥ : هذا حديث رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، ويزيد وإنْ لمْ يخرجاه فإنّه أحد أركان الحديث في الكوفيِّين.

وقال المزّي في تهذيب الكمال ٢٣ / ١٤٠ : قال البخاري في (اللباس) من (صحيحه) عقيب حديث عاصم بن كليب، عن أبي بردة، قلنا لعلي : ما القسيّة ؟ وقال جرير عن يزيد (ابن أبي زياد) في حديثه : القسيّة ثياب مضلّعة . الحديث وروى له في كتاب (رفع اليدين في الصلاة) وفي (الأدب).

وروى له مسلم مقروناً بغيره، واحتجّ به الباقون، وذكر المزّي أيضاً في تهذيب الكمال ٢٣ / ١٤٠ : وقال عبيد الآجري، عن أبي داود : لا أعلم أحداً ترك حديثه، وغيره أحبّ إليَّ منه وقال أبو أحمد بن عدي : وهو من شيعة أهل الكوفة، ومع ضعفه يُكتب حديثه.

وأقول : وما ذكر من الضعف واللين لا يؤثر في سقوط رواياته بعد، كما صرح الهيثمي بأنّ ضعفه من جهة لينه في الحديث لا من جهة الكذب - مجمع الزوائد ٨ / ٨١.

قال في تعليقه على سند حديث رواه الطبراني في الصغير، وفيه يزيد بن أبي زياد : وهو ليّن، وهذا لا يضرّ ؛ لأنّ اللّين لا يقدح في قبول الرواية كما يأتي، مع أنّ الهيثمي حسّنه كما تقدّم عنه.

وإليك اصطلاح أهل الحديث فيمَنْ قيل فيه : ليّن

وقال أبو بكر السيوطي في تدريب الراوي ١ / ٣٤٥ قال : فإذا قالوا : (ليّن الحديث كُتب حديثه) ويُنظر اعتباراً.

وقال الدارقطني : إذا قلت : ليّن الحديث، لم يكن ساقطاً، ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط عن العدالة وقولهم : ليس بقويٍّ، يُكتب حديثه، وهو دون (ليّن)، وإذا قالوا : ضعيف الحديث فدون (ليس بقوي)، ولا يطرح بل يعتبر به وإذا قالوا : متروك الحديث، أو واهيه، أو كذّاب فهو ساقط لا يُكتب حديثه، وينظر فيه اعتباراً.

وقال الدارقطني لمـَّا قال له حمزة بن يوسف السّهمي : إذا قلتَ : فلان ليّن، أيش تريد ؟ إذا قلتُ : ليّن الحديث لمْ يكن ساقطاً متروكَ الحديث، ولكنْ مجروحاً بشيء لا يسقط عن العدالة.

وذكر أيضاً : قال المنذري من علماء العامة في رسالة في الجرح والتعديل ١ / ٣٢ تحت عنوان : (إجابة الدارقطني عن قولهم : فلان ليّن الحديث، وعمّن يكون كثير الخطأ) . عن أبي القاسم حمزة بن يوسف السّهمي الحافظ يقول : سألت أبا الحسن الدارقطني =


____________________

= قلت له : إذا قيل : فلان ليّن، أيش تريد به ؟ قال : لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكن يكون مجروحاً بشيء لا يسقطه عن العدالة وسألته عمّن يكون كثير الخطأ، قال : وإن نبّهوه عليه ويرجع عنه فلا يسقط، وإنْ لمْ يرجع سقط.

وأقول : ولا يخفى أنّ الجرح في يزيد بن أبي زياد ليس إلّا لتشيّعه، وما ذكره من روايات الذمّ في بعض الصحابة، مثل معاوية وابن العاص.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦ / ١٣٠ : وقال ابن فضيل : كان (يزيد بن أبي زياد) من أئمّة الشيعة الكبار وقال في سير أعلام النبلاء ٦ / ١٣١ : ابن فضيل، حدّثنا يزيد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبي برزة قال : تغنّى معاوية وعمرو بن العاص، فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( اللهمَّ، أركسهما في الفتنة ركساً، ودعهما في النّار دعّاً )) وهذا أيضاً منكر، وأنكر منه حديث الرايات فقال أبو جعفر : حدّثناه محمّد بن إسماعيل، حدّثنا عمرو بن عون، أنبأنا خالد بن عبد الله، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال : كنَّا جلوساً [ عند ] النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إذ جاءه فتية من قريش فتغيَّر لونه، فقلنا : يا رسول الله، إنّا لا نزال نرى في وجهك الشيء تكرهه ! فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّا أهل بيتٍ اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي تطريداً وتشريداً، حتّى يجيء قومٌ من ها هنا - وأومأ نحو المشرق - أصحاب رايات سود يسألون الحقَّ ولا يُعطونه )) مرتين أو ثلاثا ً.

الثاني : جرير بن عبد الحميد

قال الذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٢ / ١١٩ : ١٤٦٨ - جرير بن عبد الحميد ع الضبّي، عالم أهل الرّي، صدوق، يُحتج به في الكتب . وإلخ.

وقال فيه العجلي في معرفة الثقات ١ / ٢٦٧ : جرير بن عبد الحميد الضبّي، كوفيٌّ ثقة، سكن الرّي، وكان رباح إذا أتاه الرجل فقال : اُريد أنْ أكتب حديث الكوفة قال : عليك بجرير، فعليك بمحمّد بن فضيل بن غزوان.

وقال فيه أبو حفص الواعظ في تاريخ أسماء الثقات ١ / ٥٦ : جرير بن عبد الحميد، صدوقٌ ثقة، قاله يحيى بن معين.

وقال فيه القيسراني في تذكرة الحفّاظ ١ / ٢٧١ : جرير بن عبد الحميد الحافظ الحُجّة، أبو عبد الله الضبي الكوفي، محدّث الرّي . كثير، رحل إليه المحدّثون ؛ لثقته وحفظه وسعة علمه =


امرأةٌ تطيّبت بالورس، واُخرى بالطيب اللذين سُرقا من الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، فبرصتا

قال العلّامه الدينوري : روى سنان بن حكيم، عن أبيه قال : انتهب النّاس ورساً في عسكر الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) يوم قُتِل،

____________________

= الثالث : يحيى بن معين صاحب التاريخ وغيره.

قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١ / ٧١ : يحيى بن معين، هو الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدّثين، أبو زكريا يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام وقيل : اسم جدّه غياث بن زياد بن عون بن بسطام الغطفاني، ثمّ المرّي، مولاهم البغدادي، أحد الأعلام ولد سنة ثمان وخمسين ومئة.

الرابع : عبّاس بن محمّد الدوري، وهو صاحب حديث : ( نجد التي منها يخرج قرن الشيطان).

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٢ / ٥٢٢ : الدوري، الإمام الحافظ، الثّقة الناقد، أبو الفضل عبّاس بن محمّد بن حاتم بن واقد الدوري، ثمّ البغدادي، مولى بني هاشم، أحد الأثبات المصنّفين ولد سنة خمس وثمانين ومئة، سمع حسين بن علي الجعفي، ومحمّد بن بشر، وجعفر بن عون، وأبا داود الطيالسي، وعبد الوهاب بن عطاء، ويحيى بن أبي بكير، وشبابة بن سوّار، وعبيد الله بن موسى، وهاشم بن القاسم، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وعفّان، وخلقاً كثيراً ولازم يحيى بن معين، وتخرّج به، وسأله عن الرجال، وهو في مجلد كبير.

حدّث عنه أرباب السنن الأربعة، ووثّقه النّسائي، ومن الرواة عنه ابن صاعد، وأبو عوانة، وأبو بكر بن زياد، وأبو جعفر بن البختري، وإسماعيل الصفّار، وحمزة بن محمّد الدهقاني، وخلق لم أرَ في مشايخي أحسن حديثاً منه.

قلتُ : يحتمل أنّه أراد بحسن الحديث الإتقان، أو أنّه يتبع المتون المليحة فيرويها، أو أنّه أراد علوّ الإسناد، أو نظافة الإسناد، أوتركه رواية الشاذ والمنكر والمنسوخ ونحو ذلك، فهذه اُمور تقضي للمحدّث إذا لازمها أنْ يُقال : ما أحسن حديثه . إلى أنْ قال : . أخبرنا عمر بن عبد المنعم، أخبرنا عبد الصمد بن محمّد (حضوراً)، أخبرنا علي بن المسلم، أخبرنا الحُسين بن طلاّب، أخبرنا محمّد بن أحمد الغسّاني، حدّثنا علي بن محمّد بن عبيد الحافظ، حدّثنا العبّاس بن محمّد الدوري، حدّثنا أزهر السمّان، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر : أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال : (( اللهمَّ، بارك لنا في شامنا اللهمَّ، بارك لنا في يمننا )) قالوا : وفي نجدنا قال : (( هناك الزلازل والفتن، وبها - أو قال : منها - يطلع قرنُ الشيطان )).


فما تطيّبت منه امرأةٌ إلّا برصت(١) .

وذكر العلّامه ابن عبد ربه، وابن الدمشقي، واللفظ للأوّل قال : عن يسار بن عبد الحكم قال : انتُهِبَ عسكرُ الحُسين (عليه‌السلام ) فوُجِدَ فيه طيبٌ، فما تطيّبت به امرأةٌ إلّا برصت(٢) .

لمقتلِ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) انقلبت بعضُ لحوم الجزر إلى دمٍ . وبعضٌ إلى جمرٍ، وبعضٌ إلى مثل العلقم، والتهاب القدور ناراً، بأكثر من خبر

خبرُ أبي ذويد الجعفي، رجاله ثقات

روى الطبراني، والهيثمي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا زكريا بن يحيى السّاجي، ثنا إسماعيل بن موسى السّدي، ثنا ذويد الجعفي، عن أبيه قال : لمـَّا قُتل الحُسين (عليه‌السلام ) انتُهِبَ جزورٌ من عسكره، فلمـَّا طُبِخَتْ إذا هي دمٌ فأكفؤوها(٣) .

وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله ثقات(٤) .

روى البيهقي قال : وكانت معه إبل فجزروها، فصارت جمرةً في منازلهم(٥) .

____________________

(١) عيون الأخبار - الدينوري ١ / ٢١٢، ط المؤسسة المصريّة العامّة.

(٢) العقد الفريد ٢ / ٢٢٠، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٥١١، جواهر المطالب - ابن الدمشقي ٢ / ٢٧٤.

(٣) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢١، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٦.

(٤) مجمع الزوائد ٩ / ١٩٦.

(٥) المحاسن والمساوئ - الشيخ إبراهيم بن محمّد البيهقي / ٦٢.


خبرُ جميل بن مرة

روى ابن عساكر، والمزّي، وابن حجر العسقلاني، وابن العديم، والسيوطي، وابن منظور، والبيهقي، وسبط ابن الجوزي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو عبد الله الفراوي، أنا أبو بكر البيهقي ح، وأخبرنا أبو محمّد السلمي، نا أبو بكر الخطيب ح.

وأخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أبو بكر اللالكائي قالوا : أنا محمّد بن الحُسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، نا سليمان بن حرب، نا حمّاد بن زيد، حدّثني جميل بن مرة قال : أصابوا إبلاً في عسكر الحُسين (عليه‌السلام ) يوم قُتِلَ، فنحروها وطبخوها، قال : فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أنْ يسيغوا منها شيئاً(١) .

خبرُ حميد الطحّان

روى الطبراني، وابن عساكر، والمزّي، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا أبو غسان، حدّثنا أبو نمير عم الحسن بن شعيب، عن أبي حميد الطحّان قال : كنتُ في خزاعة، فجاؤوا بشيء من تركة الحُسين (عليه‌السلام )، فقيل لهم : ننحر أو نبيع

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣١، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٣٦٧، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٣ الفصل الثاني عشر، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٣٣٥، تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٣٠٦، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٤١، الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٦، تاريخ الإسلام - الذهبي ٢ / ٣٤٨ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٠٨، تاريخ الخلفاء - السيوطي / ٨٠ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٠٩، نور الأبصار - الشبلنجي / ١٢٣ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٠٩، دلائل النّبوة - البهيقي ٦ / ٤٧٢ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤١٣، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٧ / ١٥٠ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤١٣، مرآة المؤمنين - اللكنهوئي / ٢٧٧ موجز نقلاً عن شرح إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤١٣.


فنقسم ؟ قال : انحروا قال : فجلس(١) على جفنة، فلمـَّا وُضِعَت فارت ناراً(٢) .

خبرُ حمامة بنت يعقوب الجعفيّة

قال الزّرندي الحنفي : وروى أيضاً بسنده إلى حمامة بنت يعقوب الجعفيّة، قالت : كان في الحيِّ رجل ممّن شهد قتل الحُسين (عليه‌السلام )، فجاء بناقة من نوق الحُسين (عليه‌السلام ) فنحرها، وقسّمها في الحيِّ، فالتهبت القدور ناراً فأكفيناها(٣) .

خبرُ يزيد بن هارون

روى ابن المغازلي، وابن العديم، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا أسلم، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثتني اُمِّي، عن جدِّها قال : أدركتُ قتل الحُسين بن علي (عليهما‌السلام )، فلمـَّا قُتِلَ خرج اُناسٌ إلى إبلٍ كانت معه فانتهبوها، فلمـَّا كان الليل رأيت فيها النيران فاحترق كلّ ما اُخذ من عسكره(٤) .

____________________

(١) وفي تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٣١، وكذا في تهذيب الكمال ٦ / ٣٣٥ : فجعل على جفنة (بدل) فجلس على جفنة.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢١، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣١، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٦، تهذيب الكمال ٦ / ٣٣٥، وذكره ابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٤٠، قال : أنبأنا أبو نصر القاضي، قال : أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، قال : أنبأنا أبو علي الحدّاد وغيره، قالوا : أخبرنا محمّد بن عبد الله بن محمّد بن إبراهيم، قال : أخبرنا سليمان بن أحمد، قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، قال : حدّثنا أحمد بن شعيب، عن أبي حميد الطحان، قال : كنت في خزاعة فجاؤوا بشيء من تركة الحُسين، فقيل لهم : نتجر أو نبيع فنقسم ؟ قالوا : انحروا قال : فجُعل على جفنة، فلمـَّا وضعت فارت ناراً.

(٣) نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢٠.

(٤) المناقب - ابن المغازلي / ٣٨٣ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١٩ / ٣٨٨، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٤٠.


ورواه أيضاً ابن العديم بطريق آخر، عن يزيد بن هارون قال : أخبرنا مرجا بن أبي الحسن التاجر، قال : أخبرنا محمّد بن علي بن أحمد، قال : أخبرنا أبو الفضل بن أحمد بن عبد الله، قال : أخبرنا محمّد بن محمّد بن مخلّد، قال : أخبرنا علي بن الحسن، قال : أخبرنا أبو بكر بن عثمان الحافظ، قال : حدّثنا يزيد بن هرون، قال : أخبرتني اُمِّي، عن جدَّتها قالت : أدركت قتل الحُسين بن علي (رضوان الله عليه)، فلمـَّا قُتِلَ خرج ناسٌ إلى إبلٍ كانت معه فانتهبوها، فلمـَّا كان الليل رأيت فيها النيران تلتهب، فاحترق كلُّ ما أخذ من عسكره(١) .

ما جرى على الإبل التي حُمل عليها رأسُ الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي : أخبرنا غير واحد، عن عبد الوهاب بن المبارك، أخبرنا أبو الحُسين بن عبد الجبار، أخبرنا الحُسين بن علي الطناجيري، حدّثنا عمر بن أحمد بن شاهين، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن سالم، حدّثنا علي بن سهل، حدّثنا خلد بن حداش، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن ابن مرة، عن أبي الوصي ومروان بن الوصين(٢) قال : نُحِرَت الإبلُ التي حُمِلَ عليها رأسُ الحُسين (عليه‌السلام ) وأصحابه، فلم يستطيعوا أكل لحومها ؛ كانت أمر من الصبر(٣) .

____________________

(١) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٢٠.

(٢) ضبطناه على ما نقله السيّد المرعشي في إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٠٩، وأمّا ما في تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٠ منشورات الشريف الرضي - فهكذا : عن ابن مرّة أبي الوصي مروان بن الوصين.

(٣) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٠ منشورات الشريف الرضي.


تحوّلُ الدنانير التي انتهبوها من رحل الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) إلى خزف

قال الهيتمي : وكان مع أولئك الحرس - ( أي الحرس الذين ساروا بأهل البيت (عليهم‌السلام ) إلى الشام ) - دنانير أخذوها من عسكر الحُسين (عليه‌السلام )، ففتحوا أكياسها ليقتسموها فرأوها خزفاً، وعلى أحد جانبي كلِّ منها :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمون ) (١) وعلى الآخر :( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) .

الأخبارُ الجامعة لأكثر من أثر لمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، بأكثر من خبر

خبرُ اُمّ حيّان

روى محدّث الشام ابن عساكر، والمزّي، والخوارزمي، والسيوطي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل، أنا أحمد بن الحُسين ح.

وأخبرنا أبو محمّد السلمي، نا أبو بكر الخطيب ح، وأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا محمّد بن هبة الله قالوا : أنا محمّد بن الحُسين، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، حدّثني أيوب بن محمّد الرقّي، نا سلام بن سليمان الثقفي، عن زيد بن عمرو الكندي قال :

____________________

(١) سورة إبراهيم / ٤٢.

(٢) سورة الشعراء / ٢٢٧ الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٣٠٢، ط دار الكتب العلميّة، وفي ط ص١٩٩، أقول : وتقدّم في أحداث الكوفة مثل هذا عن ابن حبّان وغيره في دنانير الراهب الذي التقوا به في طريقهم بحرم الحُسين (عليه‌السلام ) إلى الشام.


حدّثتني اُم حيّان قالت : يوم قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) أظلمت علينا ثلاثاً، ولم يُمْسِ أحدٌ من زعفرانهم شيئاً فجعله على وجهه إلّا احترق، ولم يُقْلَبَ حجرٌ ببيت المقدس إلّا أصبح تحته دمٌ عبيطٌ(١) .

خبرُ يزيد بن أبي زياد

قال الزّرندي الحنفي : وروي أيضاً بسنده (أي بسند أبي الشيخ في كتابه السنّة) إلى يزيد بن أبي زياد قال : شهدت مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) وأنا ابن خمسة عشر سنة، فصار الورس(٢) في عسكرهم رماداً، واحْمَرّتِ السّماء لقتله، وانكسفت الشمسُ لقتله حتّى بدت الكواكب نصف النّهار، وظنَّ النّاس أنّ القيامة قد قامت، ولم يُرفع حجرٌ في الشام إلّا رُئيَ تحته دمٌ عبيطٌ(٣) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٩، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٢، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٤، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٢، بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٣٧، الخصائص الكبرى - السيوطي ١٢ / ١٢٦.

(٢) وفي المطبوع : الفرس، والظاهر ما أثبتناه كما في رواية الإصبهاني.

(٣) نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢٠، ذخائر العقبى / ١٤٥ قال : أخرجه ابن السيري، وذكره الحافظ الصبهاني في ذكر أخبار الإصبهاني ٢ / ١٨٣ : حدّثنا أحمد بن إسحاق، ثنا محمود بن أحمد بن الفرج، ثنا محمّد ابن المنذر البغدادي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، ثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد قال : شهدتُ مقتلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) وأنا ابن خمس عشرة سنة، فصار الورس في عسكرهم رماداً.


خبرُ عيسى بن الحارث

الطبراني، والمزّي، والذهبي، وابن عساكر، وابن حجر الهيتمي، والسيوطي، والعلّامه البدخشي، وصاحب كتاب إسعاف الرّاغبين، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثني أبي، عن جدي، عن عيسى بن الحارث الكندي قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) مكثنا سبعة أيام، إذا صلينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضاً(١) .

خبرُ اُمّ خلاّد

روى ابن سعد، وابن عساكر، واللفظ للأوّل : قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال حدّثنا خلّاد - صاحب السّمسم، وكان ينزل بني جحدر - قال : حدّثتني اُمِّي قالت : كنَّا زماناً بعد مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) وإنّ الشّمس تطلع محمرّة على الحيطان والجدران بالغداة والعشي قالت : وكانوا لا يرفعون حجراً إلّا وجدوا تحته دماً(٢) .

____________________

(١) المعجم الكبير ٣ / ١١٤، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٣٣٣، سير أعلام النبلاء ٣ / ٣١٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٢٧، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٥٦، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٥ طبعة دار الكتب العلميّة، تاريخ الإسلام للذهبي ٢ / ٣٤٨ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٦٥، تاريخ الخلفاء للسيوطي / ٨٠ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٦٥، مفتاح النجا - العلّامه البدخشي / ١٤٣ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٦٦، إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار / ٢٥١ باختلاف يسير نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٦٦.

(٢) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩١، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٢٦، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٥٥، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٢٤.


خبرُ ابن سيرين

ذكر الزّرندي، وسبط ابن الجوزي، وابن حجر الهيتمي، وغيرهم، واللفظ للأوّل : ونقل الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب (التبصرة) عن ابن سيرين قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) أظلمت الدُّنيا ثلاثة أيّام، ثمّ ظهرت هذه الحُمرة في السّماء(١) .

خبرُ خليفة الواسطي

روى ابن عساكر، والمزّي، وابن حجر العسقلاني، والقندوزي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا أحمد بن أبي عثمان، وأحمد بن محمّد بن إبراهيم، وأخبرنا أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن إبراهيم، نا أبي أبو طاهر قال : أنا إسماعيل بن الحسن بن عبد الله الصرصري، نا الحُسين بن إسماعيل المحاملي، نا الحُسين بن شبيب المؤدّب، نا خلف بن خليفة، عن أبيه قال : لمـَّا قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) اسودّت السّماء، وظهرت الكواكب نهاراً حتّى رأيت الجوزاء عند العصر، وسقط التراب الأحمر(٢) .

____________________

(١) نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢١، تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٦ منشورات الشريف الرضي، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٥ مطبعة دار الكتب العلميّة، (مفتاح النجا، مخطوط) - البدخشي - من إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٧٤، ومنهم العلّامه الشبلنجي في نور الأبصار / ١٢٣ ط مصر، روى الحديث إلى قوله : ثمّ ظهرت إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٧٤، (التبر المذاب) - الحافي [الخوافي] الحُسيني الشافعي / ٩٦ نسخة مكتبة السيّد المرعشي العامّة بقم، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٠٢، مرآة المؤمنين - العلّامه المولوي ولي الله اللكنهوئي / ٢٧٧ ط لكهنو، إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٠٢.

(٢) تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر ١٤ / ٢٢٦، ترجمة الإمام الحُسين (عليها‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٥٤، تهذيب الكمال ٦ / ٤٣٢ رواه عن الحُسين بن إسماعيل، عن الحسن بن شبيب.


ونقله المزّي عن الحُسين بن إسماعيل المحاملي . إلى خليفة، ورجاله ثقات(١) .

ما رُفِعَ حجرٌ عند مقتل أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) إلّا وتحته دمٌ عبيطٌ

قال الزّرندي الحنفي :

____________________

(١) الأوّل : خليفة بن صاعد الواسطي، قال فيه ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب ١ / ٢٧٣ : خليفة بن صاعد الأشجعي، مولاهم الكوفي، والد خلف، صدوق من الثالثة، ذكره ابن حبان في الثقات ٤ / ٢٠٩.

الثاني : خلف بن خليفة، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٨ / ٣٤١ : خلف بن خليفة تبعا ابن صاعد، الإمام المعمّر، أبو أحمد الأشجعي، مولاهم الكوفي، نزيل واسط، ثمّ تحوّل إلى بغداد، وبعضهم يعدّه من صغار التابعين ؛ لكونه ذكر أنّه رأى عمرو بن حريث (رضي‌الله‌عنه ).

وقال أبو حاتم : صدوق وقال ابن عدي : أرجو أنّه لا بأس به وقال ابن سعد : تغيّر قبل موته واختلط وقال أحمد بن حنبل : رأيته، ووضعه رجل فصاح، فسئل عن حديث فلم أفهم كلامه وقال ابن معين ليس به بأس.

الثالث : الحُسين بن شبيب المؤدّب، ذكره ابن حبان في الثقات الثقات ٨ / ١٧٢ : الحسن بن شبيب البغدادي، يروى عن شريك، وخلف بن خليفة، ثنا عنه أبو يعلى ربمّا أغرب وفي سؤالات البرقاني ١ / ٢٢ : قلت له (للدارقطني) الحسن بن شبيب المؤدّب ؟ فقال : أخباري يُعتبر به، وليس بالقوي، يُحدّث عنه المحاملي.

الرابع : الحُسين بن إسماعيل المحاملي، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٥ / ٢٥٨ : المحاملي القاضي الإمام العلّامه، المحدّث الثقة، مسند الوقت، أبو عبد الله الحُسين بن إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان الضبي البغدادي المحاملي، مصنّف السّنن، مولده في أوَّل سنة خمس وثلاثين ومئتين . إلخ.


عن الزهري : إنّ أسماء الأنصارية قالت : ما رُفِعَ حجرٌ بإيليا - يعني حين قُتِلَ علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) - إلّا وجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ.

قال الحافظ أبو بكر بن الحُسين البيهقي قلت : كذا روي في هاتين الروايتين، وقد روي بإسناد صحيح عن الزهري : أنّ ذلك كان حين قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، ولعله وجِدَ عند قتلهما جميعاً، والله أعلم(١) .

قال الحاكم : أخبرني أحمد بن بالوجيه العقصي، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عباد بن يعقوب، ثنا نواح بن درّاج، عن محمّد بن إسحاق، عن الزهري : أنّ أسماء الأنصارية قالت: ثمّ ما رُفِعَ حجرٌ بإيليا ليلة قُتِلَ علي (عليه‌السلام ) إلّا ووجِدَ تحته دمٌ عبيطٌ(٢) .

وقال السيوطي، وابن حجر الهيتمي، واللفظ للأوّل قال : وأخرج الحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم، عن الزهري قال : لمـَّا كان صباح قتل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لم تُرفعْ حجرٌ في بيت المقدس إلّا وجِدَ تحته دمٌ.

وأخرج أبو نعيم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيّب قال : صبيحة يوم قتل علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لم تُرفعْ حصاةٌ من الأرض إلّا وتحتها دمٌ عبيطٌ(٣) .

____________________

(١) نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ١٤٩.

(٢) مستدرك الحاكم النيسابوري ٣ / ١٥٥.

(٣) الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٤، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٦ طبعة دار الكتب العلميّة.



الفصل التاسع

في الرؤى المتعلّقة بمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )



في الرؤى المتعلّقة بمقتل الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

رؤيا النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بني اُميّة وهم ينزون على منبره نزو القِردة

قال ابن أبي الحديد المعتزلي : وقد جاء في الأخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدّثين أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أخبر أنّ بني اُميّة تملك الخلافة بعده، مع ذمٍّ منه (عليه‌السلام ) لهم ؛ نحو ما روى عنه في تفسير قوله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا التي أَرَيْنَاكَ إلّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ) (١) فإنّ المفسرين قالوا : إنّه رأى بني اُميّة ينزون على منبره نزو القِردة، هذا لفظ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الذي فسّر لهم الآية به، فساءه ذلك، ثمّ قال : (( الشّجرة الملعونةُ بنو اُميّة وبنو المغيرة )).

ونحو قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً)) ونحو قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في تفسير قوله تعالى :( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (٢) قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ): (( ألفُ شهر يملك فيها بنو اُميّة ))(٣) .

قال ابن أبي الحديد المعتزلي : . وقال (عمر) : أتستمع يابن عباس، أما والله , لقد سمعتُ من رسول الله ما يشابه هذا، سمعته يقول : (( ليصعدنَّ بنو اُميّة على منبري، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة، وفيهم اُنزل : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا التي أَرَيْنَاكَ إلّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ ))(٤) .

____________________

(١) سورة الإسراء / ٦٠.

(٢) سورة القدر / ٣.

(٣) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٩ / ٢١٩.

(٤) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١٢ / ٨١.


روى الطبري، عن المعتضد العباسي، أنّه قال فيما قال في بني اُميّة : وأنزل به كتاباً قوله :( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلّا طُغْيَانًا كَبِيراً ) (١) ولا اختلاف بين أحد أنّه أراد بها بني اُميّة(٢) .

وقال الفخر الرازي : قال سعيد بن المسيّب : رأى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بني اُميّة ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك وهذا قول ابن عبّاس في رواية عطاء(٣) .

رؤيا الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) جدَّه الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . وأمره بالخروج

روى ابن عساكر، والمزّي، وابن كثير، والذهبي، واللفظ للأوّل قال : وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتاباً يحذّره أهلَ الكوفة، ويناشده الله أنْ يشخص إليهم، فكتب إليه الحُسين(عليه‌السلام ) : (( إنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأمرني بأمر أنا ماضٍ له، ولست بمخبرٍ بها أحداً حتّى اُلاقي عملي ))(٤) .

____________________

(١) سورة الإسراء / ٦٠.

(٢) تاريخ الطبري ٥ / ٦١٩، أقول : تقدّم نقل هذا في الفصل السّادس عند ذكر فضائح بني اُميّة في الهامش [ تحت] عنوان : فضائح بني اُميّة على لسان المعتضد العباسي.

(٣) التفسير الكبير - الرازي ٢٠ / ٢٣٦ نقلاً عن تهذيب المقال - السيّد محمّد علي الأبطحى ٣ / ١٥٧.

(٤) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٠٩، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) / ٢٠٤، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤١٨، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ١٧٦، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٢٩٧.


روى الخوارزمي، والقندوزي، واللفظ للأوّل قال : فلمـَّا كانت الليلة الثالثة خرج (عليه‌السلام ) إلى قبر جدِّه أيضاً، فصلّى ركعات، فلمـَّا فرغ من صلاته جعل يقول : (( اللهمَّ، إنّ هذا قبر نبيّك محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت اللهمَّ، إنّي اُحبُّ المعروف، واُنكِرُ المنكرَ، وإنّي أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقِّ هذا القبر ومَنْ فيه، إلّا اخترت لي من أمري ما هو لك رضىً، ولرسولك رضىً، وللمؤمنين رضىً )).

ثمّ جعل يبكي عند القبر، حتّى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى، فإذا هو برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله، وبين يديه ومن خلفه، فجاء حتّى ضمّ الحُسين (عليه‌السلام ) إلى صدره، وقبَّل بين عينيه، وقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( حبيبي يا حُسين، كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كربلاء بين عصابة من اُمّتي، وأنت في ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم في ذلك يرجون شفاعتي، ما لهم ! لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، وما لهم عند الله من خلاق حبيبي يا حُسين، إنّ أباك واُمَّك وأخاك قَدِموا عليَّ وهم إليك مشتاقون، وإنّ لك في الجنّة لدرجاتٍ لن تنالها إلّا بالشهادة )).

قال : فجعل الحُسين (عليه‌السلام ) في منامه ينظر إلى جدِّه محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ويسمع كلامه، ويقول له: (( يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدُّنيا، فخذني إليك، وأدخلني معك إلى قبرك )) فقال له النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا حُسين، لا بدَّ لك من الرجوع إلى الدُّنيا حتّى تُرزق الشهادة، وما قد كتب الله لك من الثواب العظيم ؛ فإنّك وأباك واُمَّك وأخاك وعمَّك وعمَّ أبيك تُحشرون يوم القيامة في زمرةٍ واحدة حتّى تدخلوا الجنّة )).

قال : فانتبه الحُسين (عليه‌السلام ) من نومه فَزِعاً مرعوباً، فقصَّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في شرق ولا غرب قومٌ أشدّ


غمَّاً من أهل بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا أكثر باكٍ ولا باكية(١) .

رؤيا الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) في طريقه إلى كربلاء

قال الخوارزمي : وسار الحُسين (عليه‌السلام ) حتّى نزل الثعلبية - وذلك وقت الظهيرة - ونزل أصحابه، فوضع رأسه فأغفى، ثمّ انتبه باكياً من نومه، فقال له ابنه عليُّ بن الحُسين (عليهما‌السلام ) : ما يُبكيك يا أبه ؟ لا أبكى الله عينيك فقال له : (( يا بُني، هذه السّاعة لا تُكذب فيها الرؤيا، فاُعلمكَ أنّي خفقت برأسي خفقةً فرأيت فارساً على فرسٍ وقف عليَّ وقال : يا حُسين، إنّكم تُسرعون، والمنايا تُسرع بكم إلى الجنّة فعلمتُ أنّ أنفسنا نعيت إلينا )) فقال له ابنه علي : يا أبه، أفلسنا على الحق ؟ قال : (( بلى يا بُني، والذي إليه مرجع العباد )) فقال ابنه علي : إذاً لا نبالي بالموت فقال له الحُسين (عليه‌السلام ) : (( جزاك الله يا بُني خير ما جُزي به ولداً عن والده))(٢) .

رؤيا الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) يوم التاسع

روى الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، والخوارزمي، واللفظ للأوّل قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى : يا خيل الله، اركبي وأبشري فركب في النّاس، ثمّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحُسين (عليه‌السلام ) جالس أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت اُخته زينب الصيحة، فدنت من أخيها فقالت : يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت ؟ قال : فرفع

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ١ / ٢٧٠ - ٢٧١، ينابيع المودّة - للقندوزي ٣ / ٥٤.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٢٤.


الحُسين (عليه‌السلام ) رأسه، فقال : (( إنّي رأيتُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام فقال لي : إنّك تروح إلينا)) قال : فلطمت اُخته وجهها، وقالت : يا ويلتا ! فقال : (( ليس لك الويل يا اُخيّة، اسكتي رحمك الرحمن ))(١) .

وفي مقتل الخوارزمي، قال : (( يا اُختاه، رأيت السّاعة في منامي جدّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأبي عليّاً، واُمّي فاطمة، وأخي الحسن (صلوات الله عليهم) وهم يقولون : إنّك تروح إلينا عن قريب، وقد والله، دنا الأمر لا شكَّ فيه )).

فلطمت زينب (عليها‌السلام ) وجهها وصاحت، فقال لها الحُسين (عليه‌السلام ) : (( مهلاً ومهلاً، اسكتي ولا تصيحي فيشمت القوم بنا ))(٢) .

رؤيا الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) في ليلة عاشوراء في وقت السحر

وفي مقتل الخوارزمي قال : فلمـَّا كان وقت السحر خفق الحُسين (عليه‌السلام ) برأسه خفقة، ثمّ أستيقظ فقال : (( أتعلمون ما رأيت في منامي السّاعة ؟ )) قالوا : فما رأيت يابن رسول الله؟! قال : (( رأيت كلاباً قد شدَّت عليَّ لتنهشني، وفيها كلبٌ أبقع رأيته كأشدّها عليَّ، وأظن الذي يتولى قتلي رجلاً أبرص من بين هؤلاء القوم، ثمّ إني رأيت بعد ذلك جدِّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومعه جماعة من أصحابه، وهو يقول لي : يا بُني، أنت شهيد آل محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد استبشر بك أهل السّماوات وأهل الصفيح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة(٣) .

عجِّل يا بُني لا تُأخّر، فهذا ملك نزل من السّماء

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣١٤، البداية النهاية ٨ / ١٧٥ - ١٧٦، الكامل في التاريخ ٣ / ٤١٥، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٥٣.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٥٣.

(٣) أقول : وهذا شاهد على أنّ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) قضى صائماً عطشان.


ليأخذ دمك في قارورة خضراء فذا ما رأيت، وقد أزف الأمر، وأقترب الرحيل من هذه الدنيا))(١) .

رؤيا ابن عبّاس، عن عمّار بن عمّار بسند صحيح

روى أحمد بطريقين عن حمّاد بن سلمة، ورواه الطبراني والخوارزمي، وابن عساكر والهيثمي، وابن الأثير والمزّي، وابن حجر العسقلاني وابن كثير، والذهبي والمحبّ الطبري، والزّرندي الحنفي والمناوي، والبري والقندوزي، واللفظ لأحمد قال :

١ - حدّثنا عبد الله حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، ثنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبى عمّار، عن ابن عبّاس قال : رأيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام بنصف النّهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دمٌ يلتقطه، أو يتتبّع فيها شيئاً، قال : قلتُ : يا رسول الله، ما هذا ؟! قال : (( دم الحُسين (عليه‌السلام ) وأصحابه لمْ أزل أتتبّعه منذ اليوم )) قال عمّار : فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قُتِلَ ذلك اليوم.

٢ - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفّان، ثنا حمّاد هو ابن سلمة، أنا عمّار، عن ابن عبّاس قال : رأيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيما يرى النّائم

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ١ / ٣٥٦، وقد تقدّم إخبار النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بذلك، في ترجمة الملعون شمر بن ذي الجوشن قال (عليه‌السلام ) : (( صدق الله ورسوله ؛ قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : كأنّي أنظر إلى كلبٍ أبقع يلغ في دماء أهل بيتي )) فكان شمرٌ أبرص.

تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٣ / ١٩٠، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٥، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ٤١، كنز العمال - الم-تّقي الهندي ٣١ / ٦٧٢، الخصائص الكبرى - السيوطي ٢ / ١٢٥ ط دار الكتاب العربي.


بنصف النّهار، وهو قائم أشعث أغبر(١) ، بيده قارورة فيها دم، فقلتُ : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! ما هذا ؟! قال : (( هذا دم الحُسين (عليه‌السلام ) وأصحابه لمْ أزل التقطه منذ اليوم )) فأحصينا ذلك اليوم، فوجدوه قُتِلَ في ذلك اليوم(٢) .

قال الهيثمي : ورواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح(٣) .

وقال ابن كثير : تفرّد به أحمد وإسناده قوي(٤) .

وصححه الحاكم بطريق آخر عن حمّاد عن عمّار قال : حدّثني أبو بكر محمّد بن أحمد بن بالوجيه، ثنا بشر بن موسى الأسدي، ثنا الحسن بن موسى الأشيب، ثنا حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن عمّار، عن ابن عبّاس ( رضي‌ الله ‌عنه ما) قال : رأيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيما يرى النّائم نصف النّهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت : يا نبيّ الله، ما هذا ؟! قال : (( هذا دم الحُسين (عليه‌السلام )

____________________

(١) وفي المطبوع : (أغير) بدل (أغبر) والصحيح ما أثبتناه.

(٢) مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل [ الخبر ] الأوّل في ١ / ٢٤٢ والخبر الثاني في ١ / ٢٨٣، وبأسنانيد مختلفة عن حمّاد بن سلمة، المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٠ وأيضاً في ٢١ / ١٤٣، مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٠٧ الفصل الثاني عشر، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٧ بثلاثة طرق عن حمّاد، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٨٧ بثلاثة طرق عن حمّاد، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٣، اُسد الغابة - ابن الأثير ٢ / ٢٢، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٩، تهذيب التهذيب - ابن حجر٢/ ٣٠٦، الإصابة - ابن حجر ٢ / ٧١، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٨ بطريقين عن حمّاد، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٥، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٨، نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢١٧، فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ١ / ٢٦٥، الجوهرة في نسب الإمام علي وآله - البري / ٤٦، ينابيع المودّة لذوي القربى - القندوزي ٣ / ١٣.

(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٣.

(٤) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٨.


وأصحابه، لمْ أزل التقطه منذ اليوم )) قال : فاُحصي ذلك اليوم، فوجدوه قُتِلَ قبل ذلك بيوم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولمْ يخرجاه(١) .

رؤيا ابن عبّاس، عن زيد بن جدعان

روى محدّث الشام ابن عساكر، وابن كثير، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو محمّد بن طاووس، أنا أبو الغنائم بن أبي عثمان، نا أبو الحُسين بن بشران، أنا الحُسين بن صفوان، أنا أبو بكر بن أبي الدُّنيا، أنا عبد الله بن محمّد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحوي، نا معدي بن سلمان، نا علي بن زيد بن جدعان، قال : استيقظ ابن عبّاس من نومه فاسترجع، وقال : قُتِلَ الحُسين والله فقال له أصحابه : كلّا يابن عباس، كلّا قال : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ومعه زجاجة من دم، فقال : (( ألا تعلم ما صنعت اُمّتي من بعدي ؟ قتلوا ابني الحُسين (عليه‌السلام )، وهذا دمه ودم أصحابه أرفعه إلى الله عزّ وجل )).

قال : فكُتب ذلك اليوم الذي قال فيه وتلك الساعة قال : فما لبثوا إلّا أربعة وعشرين يوماً حتّى جاءهم الخبر بالمدينة أنّه قُتِلَ ذلك اليوم وتلك الساعة(٢) .

رؤيا اُمِّ سلمة ( رضي ‌الله‌عنه ا) النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلى رأسه ولحيته التراب ..

روى الترمذي والذهبي، وابن حجر والمزّي، والبخاري والطبراني، وابن جرير الطبري والزّرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال :

____________________

(١) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٤/ ٣٩٧، منتخب مسند عبد بن حميد / ٢٣٤.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٣٧، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٨٧، البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢١٨.


حدّثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أبو خالد الأحمر، أخبرنا رزين(١) قال : حدّثتني سلمى قالت : دخلت على اُمِّ سلمة وهي تبكي فقلتُ : ما يبكيك ؟! قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - تعني في المنام - وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟! قال : (( شهدتُ قتل الحُسين (عليه‌السلام ) آنفاً ))(٢) .

وقال الذهبي، تعليقاً على هذه الرواية : رزين هو ابن حبيب، وثّقه ابن معين(٣) .

وقال المزّي في كلامه عن رزين : وقد وقع لنا عالياً من روايته(٤) ، فذكر هذه الرواية.

أقول : ورجاله ثقات(٥) .

____________________

(١) وذكر ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٣٨ بدله زريق، وقال : وهو الصواب أقول : وهو وهمٌ حتّى نبّه على وهمه مَن علّق على كتابه، ولعلّه أشتبه بمثل سند المستدرك.

(٢) سنن الترمذي ٥ / ٣٢٣، وقال : هذا حديث غريب أقول : إنْ كان من جهة الدلالة فلا يُعبأ به بعد تماميّة سنده، ووجود أمثاله عن ابن عبّاس والبرّاء، وقد أخرجه الحاكم من طريق زريق، والبخاري أخرجه بطريقين عن رزين سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٦، تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٣٠٧، تهذيب الكمال - المزّي ٩ / ١٨٦، التاريخ الكبير - البخاري ٣ / ٣٢٤، المعجم الكبير - الطبراني ٣٢ / ٣٧٣، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٨، نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢١٧.

(٣) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٦.

(٤) تهذيب الكمال - المزّي ٩ / ١٨٦.

(٥) الأوّل : أبو سعيد الأشج، قال فيه ابن حجر في تقريب التهذيب ١ / ٤٩٧ : عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ع وقال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢ / ٥٠١ : الأشج الإمام، شيخ الإسلام، أبو سعيد عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي، الحافظ، محدّث الكوفة، وصاحب التفسير والتصانيف ؛ حدّث عن هشيم، وأبي بكر بن عيّاش، وعبد الله بن إدريس، وعقبة بن خالد، وخلائق وعنه الجماعة، وابن خزيمة، وأبو يعلى، وزكريا السّاجي، وعمر البجيرى، وعبد الرحمن بن ابن حاتم =


____________________

= واُمم سواهم ذكره أبو حاتم فقال : هو إمام أهل زمانه وقال محمّد بن أحمد بن بلال الشطوى : ما رأيت أحداً أحفظ منه وقال النّسائي : صدوق، مات في ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين ومئتين، وقد زاد على التسعين (رحمه‌الله ).

الثاني : أبو خالد الأحمر، قال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ١ / ٢٧٢ : أبو خالد الأحمر، الحافظ الصدوق، سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، ولد سنة أربع عشرة ومئة . وثّقه جماعة وقال أبو حاتم : صدوق قلتُ : هو من مشاهير المحدّثين، وغيره أثبت منه مات سنة تسع وثمانين ومئة ( رحمه‌ الله تعالى).

الثالث : رزين بن حبيب الجهني الرمّاني، ذكرناه، وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل ٣ / ٥٠٨ : رزين بن حبيب الجهني، بيّاع الرمّان، كوفي، ويُقال : القزاز، ويُقال : التمّار . حدّثنا عبد الرحمن، أنا علي بن أبي طاهر فيما كتب إليَّ، قال : نا الأثرم، قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سُئل عن رزين بيّاع الرمّان فقال : ثقة.

حدّثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنّه قال : رزين بيّاع الرمّان ثقة حدّثنا عبد الرحمن قال : سألت أبي عن رزين هذا فقال : صالح الحديث ليس به بأس، هو أحبّ إليَّ من إسحاق بن خُليد مولى سعيد بن العاص.

وقال المزّي في تهذيب الكمال ٩ / ١٨٦ - وتعرّض لهذا الرواية أيضاً - : رزين بن حبيب الجهني، ويُقال : البكري الكوفي الرمّاني، ويُقال : التّمار، ويُقال : البزاز بيّاع الأنماط . قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين : رزين بيّاع الرمّان ثقة وقال أبو حاتم : صالح الحديث ليس به بأس، وهو أحبّ إليَّ من إسحاق بن خُليد مولى سعيد بن العاص.

ومنهم مَنْ فرّق بين رزين بيّاع الأنماط، يروي عن الأصبغ بن نباتة، ويروي عنه عيسى بن يونس، وبين رزين بن حبيب الجهني بيّاع الرمّان، ومنهم من جعلهما واحداً، فالله أعلم.

روى له الترمذي حديثا واحداً، وقد وقع لنا عالياً من روايته، أخبرنا به أبو الحسن بن البخاري، وإبراهيم بن علي الواسطي، وأحمد بن إبراهيم بن عمر الفاروقي، قالوا : أخبرنا عمر بن كرم الدينوري ببغداد، قال : أخبرنا عبد الأوّل بن عيسى بن شعيب السّجزي، قال : أخبرنا محمّد بن أبي مسعود الفارسي، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح الأنصاري، قال : أخبرنا يحيى بن محمّد بن صاعد، قال : حدّثنا أبو سعيد الأشج، قال : حدّثنا أبو خالد الأحمر، قال : حدّثني رزين، قال : حدّثتني سلمى، قالت : دخلت على اُمّ سلمة (رضوان الله عليها) وهي تبكي فقلت : ما يبكيك ؟! =


ورواه الحاكم بطريق آخر قال :

أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد السّكوني بالكوفة، ثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد الأحمر، حدّثني زريق، حدّثني سلمان قال : دخلت على اُمِّ سلمة، وهي تبكي، فقلتُ : ما يُبكيك ؟! قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام يبكي، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت : ما لك يا رسول الله ؟! قال : (( شهدتُ قتلَ الحُسين آنفاً ))(١) .

روى الإسفراييني قال : وعن ابن عبّاس قال : بينما أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عالياً من بيت اُمِّ سلمة، فخرجت أتوجه بقائدي إلى منزلها، وقد أقبل أهل المدينة إليها رجالاً ونساء، فقالت : يا بنات عبد المطلب، عدّدن وابكينّ معي ؛ فقد قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) - والله - سيِّدُكنَّ، وسيّدُ شباب أهل الجنّة فقلت لها : يا اُمَّ سلمة، مَنْ هو ؟ فقالت : الحُسين (عليه‌السلام ) فقلت لها : ومن أين علمت ؟! قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام مذعوراً، فسألته عن ذلك، فقال :

____________________

= قالت : رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلتُ : ما لك يا رسول الله ؟ قال : ((شهدتُ قتلَ الحُسين آنفاً )) رواه عن الأشج، وقال : غريب، فوافقناه فيه بعلو.

الرابع : سلمى البكريّة، ذكرها الذهبي في مَن له رواية في الكتب الستّة ٢ / ٥١٠ : سلمى البكريّة عن عائشة واُمّ سلمة، وعنها رزين الجهني (ت).

وقال عنها المزّي في تهذيب الكمال ٥٣ / ١٩٦ : سلمى البكريّة، من بكر بن وائل مولاة لهم، روت عن عائشة واُمّ سلمة (ت) زوجَي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) روى عنها رزين الجهني (ت)، ويُقال : البكري روى لها الترمذي، وقد كتبنا حديثها في ترجمة رزين.

أقول : والذهبي ظاهره قبول روايتها ؛ حيث إنّه لمْ يتعرّض إلّا لرزين، وأمّا المزّي جعل رواية رزين عنها بعلو.

(١) مستدرك الحاكم النيسابوري ٤ / ١٩.


(( قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) وأهل بيته، والسّاعة فرغت من دفنهم )) قالت اُم سلمة : فدخلت البيت وأنا لا أكاد أعقل، ونظرت فإذا تربة الحُسين (عليه‌السلام ) التي أتى بها جبريل من كربلاء إلى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال له : إذا صارت مثل الدم، فاعلم أنّه علامة على قتل الحُسين (عليه‌السلام ) ؛ وقد نظرتُ إليها فوجدتها دماً عبيطاً(١) .

امرأةٌ صالحة ترى فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) وفي حجرها رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وأمْرُها بمَن يبلّغ ابن أصدق لينوح على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى ابن العديم قال : أنبأنا أحمد بن أزهر بن السبّاك، قال : أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي الأنصاري في كتابه، عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه أبي علي قال : حدّثني أبي، قال : خرج إلينا أبو الحسن الكرخي يوماً، فقال : تعرفون ببغداد رجلاً يقال له : ابن أصدق ؟ فلم يعرفه من أهل المجلس غيري، وقلتُ : أعرفه، فكيف سألت عنه ؟ قال : أيّ شيء يعمل ؟ قال : ينوح على الحُسين بن علي (عليه‌السلام ).

قال : فبكى أبو الحسن، وقال : عندي عجوز تزيّنني من أهل كرخ جدّان، يغلب على لسانها النبطيّة، ولا يمكنها أنْ تقيم كلمة عربيّة فضلاً عن أنْ تحفظ شعراً، وهي من صوالح النساء، وتكثر من الصلاة والصوم والتهجّد، وانتبهتْ البارحة في جوف الليل، ومنامها قريب من منامي، فصاحت : أبو الحسن أبو الحسن ! قلتُ : ما لك ؟! قالت : الحقني فجئتها ووجدتها ترعد، وقلتُ : ما أصابكِ ؟!

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الإسفراييني / ٧٦، وفي ط ص٦٥.


قالت : رأيت في منامي، وقد صلّيت وردي ونمت، كأنّي في درب من دروب الكرخ، فيه حجرة محمرّة بالساج، مبيضّة بالأسفيداج، مفتوحة الباب، وعليها نساء وقوف، فقلت لهن : ما الخبر ؟! فأشاروا إلى داخل الدار، وإذا امرأة شابّة حسناء بارعة الجمال والكمال، وعليها ثياب بياض مرويّة، من فوقها إزار شديد البياض التفَّت به، وفي حجرها رأس يشخب دماً، ففزعتُ، وقالت : (( لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهذا رأس الحُسين (عليه‌السلام ) . فقولي لابن أصدق حتّى ينوح :

لَمْ اُمرِّضْه فأسلوا

لا ولا كان مريضا ))(١)

وانتبهت مذعورة.

قال أبو الحسن : وقالت العجوز : اُمرّظه ( بالظاء ) ؛ لأنّها لا تتمكن من إقامة الضاد، فسكنت منها إلى أنْ عاودت نومها.

وقال أبو القاسم : ثمّ قال لي : مَع معرفتك بالرجل فقد حمّلتك الأمانة في هذه الرسالة فقلت : سمعاً وطاعة لأمر سيدة النساء (رضوان الله تعالى عليها).

قال : وكان هذا في شعبان، والناس في إذ ذاك يلقون أذىً شديداً وجهداً جهيداً من الحنابلة، وإذا أرادوا زيارة المشهد بالحائر خرجوا على استتار ومخافة، فلم أزل أتلطّف في الخروج حتّى تمكّنت منه، وحصلت في الحائر ليلة

____________________

(١) مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ٣ / ٢٢٠ :

أمالي المفيد النيشابوري : إنّ زر النائحة رأت فاطمة (عليها‌السلام ) فيما يرى النائم أنّها وقعت على قبر الحُسين تبكي، وأمرتها أنْ تنشد :

أيُّها العينانِ فيضا

واستهلّا لا تَغِيضا

وابكيا بالطفِّ مَيْتاً

تَرَكَ الصدرَ رضيضا

لم اُمرِّضْه قتيلاً

لا ولا كان مريضا


النصف من شعبان، وسألت عن ابن أصدق فُدللت عليه، ودعوته وحضرني، فقلت له : إنّ فاطمة تأمرك أنْ تنوح بالقصيدة التي فيها :

لمْ اُمرِّضْه فأسلوا

لا ولا كان مريضا

فانزعج من ذلك، وقصصت عليه وعلى مَنْ كان معه عندي الحديثَ، فأجهشوا بالبكاء، وناح بذلك طول ليلته.

وأوّل القصيدة :

أيُّها العينانِ فيضا

واستهلا لا تغيضا

وهذه الحكاية ذكرها غرس النّعمة أبو الحسن محمّد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم المعروف بابن الصابئ في كتاب الربيع، وذكر أنّ أباه الرئيس هلال بن المحسن ذكرها في كتاب المنامات من تأليفه، وقال : حدّث القاضي أبو علي التنوخي قال : حدّثني أبي - يعني أبا القاسم - وذكر الحكاية.

أنبأنا بذلك أبو محمّد عبد اللطيف بن يوسف بن علي، عن أبي الفتح محمّد بن عبد الباقي بن سلمان، عن أبي عبد الله الحميدي قال : أخبرنا غرس النّعمة وأبو الحسن الكرخي المذكور، هو من كبار أصحاب أبي حنيفة، وله من المصنّفات مختصر الكرخي في الفقه.

وقريب من هذه الحكاية ما قرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن مسعود بن الحصين في تاريخه(١) .

أقول : ورجاله ثقات(٢) .

____________________

(١) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥٤، نشوار المحاضرة / ٧٤٦، وله كتاب اسمه نشوان المحاضرة غير هذا، للقاضي التنوخي - نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(٢) الأوّل : الكرخي، قال فيه الذهبي في ١٥ / ٤٢٦ : =


____________________

= الكرخي، الشيخ الإمام الزاهد، مفتي العراق، شيخ الحنفيّة، أبو الحسن عبيد الله بن الحُسين بن دلال البغدادي الكرخي الفقيه سمع إسماعيل بن إسحاق القاضي، ومحمّد بن عبد الله الحضرمي، وطائفة حدّث عنه أبو عمر بن حيويه، وأبو حفص بن شاهين، والقاضي عبد الله بن الأكفاني، والعلّامه أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، وأبو القاسم علي بن محمّد التنوخي، وآخرون.

انتهت إليه رئاسة المذهب، وانتشرت تلامذته في البلاد، واشتهر اسمه وبَعُدَ صيتُه، وكان من العلماء العبّاد ذا تهجّد وأوراد وتألّه، وصبر على الفقر والحاجة وزهد تام، ووقع في النفوس.

ومن كبار تلامذته أبو بكر الرازي المذكور وعاش ثمانين سنة.

الثاني : أبو القاسم علي بن محمّد التنوخي

ونذكر ما جاء فيه، وفي ابنه المحسن، وفي حفيده أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي جملة، قال القنوجي في أبجد العلوم ٣ / ٨٤ : القاضي التنوخي أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمّد صاحب كتاب الفرج بعد الشدّة، وله ديوان شعر جيد أكبر من ديوان أبيه، وكتاب نشوان المحاضرة، وكتاب المستجاد من فعلات الأجواد، نزل بغداد وأقام بها، وحدّث إلى حين وفاته.

كان سماعه صحيحاً، وكان أديباً شاعراً إخبارياً، تقلّد القضاء والأعمال من قبل الإمام المطيع لله، ولد بالبصرة وتوفي ببغداد، ذكره وأباه الثعالبي، ثمّ قال في حقّه : هلال ذلك القمر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله، والفرع المشيد لأصله، النائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته.

وأمّا ولده أبو القاسم علي بن المحسن فكان أيضاً أديباً فاضلاً له شعر، صحب أبا العلاء المعرّي وأخذ عنه كثيراً، وهم أهل بيت كلّهم فضلاء أدباء ظرفاء ولد في منتصف شعبان سنة خمس وستّين وثلاثمئة بالبصرة، وتوفي مستهل المحرّم يوم الأحد سنة سبع وأربعين وأربعمئة، انتهى.

قال فيه البغدادي في تاريخه ١٢ / ٧٧ : . وكان يعرف الكلام في الاُصول على مذاهب المعتزلة، ويعرف النجوم وأحكامها معرفة ثاقبة، ويقول الشعر الجيّد، وله ديوان مجموع أنشدناه علي بن المحسن، عن أبيه، عنه.

ولي القضاء بالأهواز وسائر كورها، وتقلّد قضاء ايذج وجند حمص من قِبل المطيع لله، وحدّث ببغداد فروى عنه من أهلها أبو حفص بن الآجري، وأبو القاسم بن الثلاّج.

أخبرنا التنوخي، حدّثنا عمر بن أحمد بن محمّد بن هارون المقرئ، حدّثنا أبو القاسم علي بن =


____________________

= محمّد بن أبي الفهم التنوخي قاضي الأهواز قراءة عليه، وأقرّ به شيخاً حافظاً ثبتاً.

وذكر ابن حجر ما ذكره الخطيب في لسان الميزان ٤ / ٢٥٦، وفي ط ٥ / ٨٧ - ٨٨ قال : قال الخطيب : كان يعرف الكلام في الاُصول على مذهب المعتزلة، ويعرف النجوم وأحكامها معرفة ثاقبة، ويقول الشعر الجيّد، وله ديوان سمعناه من حفيده، عن أبيه ولي قضاء الأهواز وغيرها، روى عنه ابنه أبو علي المحسن، وأبو حفص بن الآجري، وقال : إنّه شيخ حافظ.

وقال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٩٩ : التنوخي القاضي العلّامه أبو القاسم علي بن محمّد بن أبي الفهم التنوخي الحنفي، مولده بأنطاكية، سمع أحمد بن خليد . والحسن بن أحمد بن حبيب صاحب مسدّد، وعمر بن أبي غيلان، وكان معتزلياً مناظراً، منجّماً شاعراً أديباً، ولي قضاء الأهواز، حدّث عنه ابنه المحسن، وأبو حفص الآجري، وأبو القاسم بن الثلاّج، وكان أحد الأذكياء حفظ ستمئة بيتٍ في يوم وليلة، وله تصانيف، وكان المطيع قد همّ بتوليته قضاء القضاة، ولمـّا توفّي بالبصرة وفّى عنه المهلّبي خمسين ألف درهم دَيناً، وقال ابنه : كان يحفظ للطائيّين ستمئة قصيدة، ويحفظ من النحو واللغة شيئاً عظيماً، ومن العقليات، ويجيب في أزيد من عشرين ألف حديث.

أقول : وكونه من أهل الغناء وشراب النّبيذ ليس بغريب في رجال أهل الخلاف ؛ إذ لا أثر له عندهم، وما أكثرهم !

الثالث : أبو علي المحسن بن علي التنوخي : قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٦ / ٥٢٤ : التنوخي القاضي العلّامه، أبو علي المحسن بن علي بن محمّد بن أبي الفهم التنوخي البصري الأديب، صاحب التصانيف ولد بالبصرة - على ما قال - في سنة سبع وعشرين وثلاثمئة، وأوّل سماعه في سنة ثلاث وثلاثين.

سمع أبا العبّاس الأثرم، وأبا بكر الصولي، وابن داسة، وواهب بن محمّد صاحب نصر الجهضمي روى عنه ولده أبو القاسم علي، وكان إخبارياً متفنناً، شاعراً نديماً، ولي قضاء رامهرمز، وعسكر مكرم، وغير ذلك.

قال الخطيب : كان سماعه صحيحاً، توفّي في المحرّم سنة أربع وثمانين وثلاثمئة، بعد أبيه باثنتين وأربعين سنة، وأوّل مَن استعمله على القضاء القاضي أبو السّائب عتبة بن عبد الله، وذلك في سنة تسع وأربعين وثلاثمئة وله اثنتان وعشرون سنة، وله كتاب (الفرج بعد الشدّة)، وكتاب (النشوار) وغير ذلك عاش سبعاً وخمسين سنة =


____________________

= الرابع : أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي : قال فيه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٢ / ١١٥ : علي بن المحسن بن علي بن محمّد بن أبي الفهم أبو القاسم التنوخي، وقد ذكر نسب جدّه علي بن محمّد على الاستقصاء، وذكر لنا أنّ تنوخ - الذين ينتسبون إليه - اسم لعدّة قبائل، اجتمعوا قديماً بالبحرين وتحالفوا على التآزر والتناصر، وأقاموا هناك فسُمّوا تنوخاً.

سمع أبا القاسم عبد الله بن إبراهيم الزينبي، وعليَّ بن محمّد بن سعيد الرزّاز، وأبا الحسن بن كيسان، وأبا سعيد الحرفي، وإسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان، وأبا عبد الله العسكري، وعبيد الله بن محمّد الحوشبي، وإبراهيم بن أحمد الخرقي، وعبد العزيز بن جعفر الخرقي، وخلقاً كثيراً من طبقتهم، وممّن بعدهم كتبتُ عنه وسمعته، يقول : ولدت بالبصرة في النصف من شعبان سنة خمس وستّين وثلاثمئة، وأوّل سماعي في شعبان من سنة سبعين وثلاثمئة، وكان قد قُبِلَتْ شهادتُه، ثمّ الحكّام في حداثته، ولم يزل على ذلك مقبولاً إلى آخر عمره.

كان متحفّظاً في الشهادة، محتاطاً صدوقاً في الحديث، وتقلّد قضاء نواحٍ عدّة، منها المدائن وأعمالها، ودرزنجان والبردان وقرميسين، ومات في ليلة الإثنين الثاني من المحرّم سنة سبع وأربعين وأربعمئة، ودُفن يوم الإثنين في داره بدرب التل، وصُلّيت على جنازته

الخامس : أبو بكر محمّد بن عبد الباقي الأنصاري قاضي مارستان، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٢٣ : قاضي المارستان الشيخ الإمام، العالم المتفنن، الفرضي العدل، مسند العصر، القاضي أبو بكر محمّد بن عبد الباقي بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن شاعر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأحد الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك بن عمرو بن القين الخزرجي السلمي الأنصاري البغدادي النصري، من محلّة النصرية . إلخ.

وفي سير أعلام النبلاء ٢٣ / ٢٥ أيضاً، قال : قال ابن الجوزي فيه : . وكان ثقة فهماً، ثبتاً حُجّة ومتفنناً . إلخ.

وقال فيه ملا علي القاري في شرح مسند أبي حنيفة / ١٠ : مسند له، جمعه الشيخ الإمام الثقة العدل أبو بكر محمّد بن عبد الباقي بن محمّد الأنصاري ( رحمه‌ الله تعالى).

السادس : أحمد بن أزهر، قال فيه ابن ماكولا في إكمال الكمال ٤ / ٢٤٥ : . أبو محمّد أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب السبّاك، سمع عبد الوهاب الأنماطي، وأبا المعالي أحمد بن محمّد =


رؤيا الشيخ نصر الله أميرَ المؤمنين (عليه‌السلام )، وسؤاله وجوابه

قال ابن العديم، وابن خلكان، وعبد الحي الدمشقي، واللفظ للأوّل قال : وأخبرنا أبو عبد الله محمّد بن محمود بن هبة الله بن النّجار عنه، قال : حدّثني الشيخ نصر الله بن مجلي مشارف الصناعة بالمخزن - وكان من الثقاة الأمناء [ عند ] أهل السنّة - قال : رأيت في المنام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فقلتُ : يا أمير المؤمنين، تفتحون مكّة فتقولون : (( مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن )) ثمّ يتم- على وَلدكَ

____________________

= ابن أحمد بن الحُسين المذاري، وأبا القاسم أحمد بن عبد الباقي بن قفرجل، وأبا حفص عمر بن عبد الله الحربي المقري، وله إجازة من القاضي أبي بكر والقزّاز وغيرهما، وسماعه صحيح وإجازاته، توفّي ليلة الجمعة ثامن شوال من سنة اثنتي عشرة وستمئة، ودُفن من الغد

السابع : ابن العديم، قال فيه إليان سركيس في معجم المطبوعات العربية ١ / ١٧١ : ابن العديم ( ٥٨٨ - ٦٦٠ ) كمال الدين أبو حفص، (أو) أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله، الشهير بابن العديم الحلبي، والمعروف بابن أبي جرادة ؛ من أعيان أهل حلب وأفاضلهم، وبيت أبي جرادة بيت مشهور من أهل حلب ؛ اُدباء شعراء فقهاء، يتوارثون الفضل كابراً عن كابر، وتالياً عن غابر.

سمع من أبيه، ومن عمّه، ومن جماعة كثيرة بدمشق وحلب والقدس، والحجاز والعراق، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وكان محدّثاً فاضلاً، حافظاً مؤرّخاً، له تصانيفٌ رائقة، منها تاريخ حلب - أدركته المنيّة قبل إكمال تبييضه - وله كتاب الدراري، صنّفه للملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيّوب، وقدّمه له يوم ولد ولده الملك العزيز، وكان قد قدم مصر لمـّا جفل الناس من التتر، ثمّ عاد بعد خراب حلب، فلمّا نظر ما فعله التتر من خراب حلب وقتل أهلها بعد تلك العمارة، قال في ذاك قصيدة طويلة أوّلها :

هو الدهرُ ما تبنيه كفُّك يهدم

وإنْ رُمتَ إنصافاً لديهِ فتُظلَم

ثمّ عاد إلى القاهرة ومات بها، ودُفن بالقرافة.

وذكر فيه ابن نقطة، كما في هامش إكمال الكمال لابن ماكولا ٢ / ٧٣ : وأبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي العدل، سمع الحديث بها من جماعة، وسمع معنا بدمشق من القاضي أبي القاسم الحرستاني وغيره، وكان مليح الخطِّ، حَسَن القراءة، كريمَ الأخلاق، ثقة فاضلاً.


الحُسين يوم الطّف ما تَمَّ ؟! فقال لي عليٌّ (عليه‌السلام ) : (( أما سمعت أبيات الجمّال ابن الصيفي في هذا ؟ )) فقلتُ : لا فقال : (( اسمعها منه )) ثمّ استيقظت فباكرت إلى دار الحيص بيص، فخرج إليَّ، فذكرت له الرؤيا، فشهق وأجهش بالبكاء، وحلف بالله إنْ كانت خرجت من فمي أو خطّي إلى أحد، وإنْ كنت نظمتها إلّا في ليلتي هذه :

ملكنا فكان العفوُ منَّا سجيةً

فلمـَّا ملكتُمْ سال بالدمِ أبطحُ

وحلًّلتُم قتلَ الاُسارى وطالما

غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ

ولا غروَ فيما بينَنا من تفاوتٍ

فكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

وأخبرنا أبو الطليق معتوق بن أبي السعود البغدادي المقرئ، قال : أنشدني الوزير أبو غالب بن الحصين هذه الأبيات للحيص بيص(١) .

أقول : ورجاله ثقات(٢) .

____________________

(١) بغية الطلب في تاريخ حلب ٦ / ٢٦٥٦ و ٩ / ٤٢٦٦، وفيات الأعيان - ابن خلكان ٢ / ٣٦٤، شذرات الذهب - عبد الحي الدمشقي ٢ / ٢٤٧، جواهر المطالب - ابن الدمشقي الباعوني ٢ / ٣١٤ عن ابن خلّكان، وذكر خلاصة عبقات الأنوار - السيّد حامد النقوي ٨ / ٣٩٢، مرآة الجنان - حوادث / ٥٧٤، ريحانة الألباء ١ / ٤١٤ - ٤١٥، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر.

(٢) الأوّل : نصر الله بن مجلي، قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان ٢ / ٣٦٤ عندما نقل هذه الرؤية قال : إنّه من ثقات أهل السنّة، وما قاله ابن العديم هنا : وكان من الثقاة الاُمناء.

الثاني : محمّد بن محمود بن الحسن، قال فيه ابن كثير في البداية والنهاية ٣١ / ١٩٧ : ابن النّجار الحافظ، صاحب التاريخ، محمّد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن بن النّجار، أبو عبد الله البغدادي الحافظ الكبير، سمع الكثير، ورحل شرقاً وغرباً ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمئة . وكانت وفاته يوم الثلاثاء الخامس من شعبان من هذه السنة، وله من العمر خمس وسبعون سنة، وصُلّي عليه بالمدرسة النظاميّة، وشهد جنازته خلق كثير، وكان =


ورأيت في تاريخ ابن خلكان (رحمه‌الله ) قضية غريبة فأحببت ذكرها هاهنا، وهي : قال الشيخ نصر الله بن مجلي في (مشارف الخزانة الصلاحية) : فكّرت ليلةً وقد آويت إلى فراشي فيما عامل به آل (أبي) سفيان أهلَ بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفي قضية الحُسين (عليه‌السلام ) وقتله وقتل أهل بيته (عليهم‌السلام )، وأسر بنات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحملهم (إيّاهن) على الأقتاب سبايا، ووقوفهم على درج دمشق سبايا عرايا، فبكيت بكاءً شديداً، وأرقت، ثمّ نمت فرأيت أمير المؤمنين عليّاً (عليه‌السلام )، فحين رأيته بادرت إليه وقبّلت يديه وبكيت، فقال : (( ما يُبكيك ؟ )) فقلتُ : يا أمير المؤمنين،

____________________

= يُنادى حول جنازته : هذا حافظ حديث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، الذي كان ينفي الكذب عنه ولم يترك وارثاً، وكانت تركتُه عشرين ديناراً وثياب بدنه وأوصى أنْ يتصدّق بها، ووقف خزانتين من الكتب بالنظاميّة تساوي ألف دينار، فأمضى ذلك الخليفة المستعصم، وقد أثنى عليه الناس ورثوه بمراثٍ كثيرة، سردها ابن السّاعي في آخر ترجمته، انتهى.

راجع ما ذكر في حقّه من المدح في طبقات الحفّاظ ٢ / ٥٠٢، شذرات الذهب ٣ / ١٢٦، طبقات الشافعيّة ٢ / ١٢٤، العبر في أخبار مَن غبر ٥ / ١٨٠ وفي طبقات المحدّثين ١ / ٢٠٣ قال عنه : الحافظ الكبير.

الثالث : ابن العديم صاحب بغية الطلب في تاريخ حلب، ذكرنا ترجمته في المرأة الصالحة التي رأت فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، وهي الرواية السابقة.

وأمّا صاحب الأبيات وهو الحيص بيص، فقد قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢١ / ٦١ : الحيص بيص، الشاعر المشهور، الأمير شهاب الدين أبو الفوارس سعد بن محمّد بن سعد بن صيفي التميمي، الأديب الفقيه الشافعي، سمع من أبي طالب الزينبي، وأبي المجد محمّد بن جهور، روى عنه القاضي بهاء الدين بن شدّاد، ومحمّد بن المني، وله ديوان وترسّل وبلاغة، وباعٌ في اللغة، ويدٌ في المناظرة، وكان يتحدّث بالعربية، ويلبس زي العرب مات في شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمئة.


تفتحون مكّة فتقولون : (( مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمن، ومَنْ دخل المسجد فهو آمن )) ثمّ يُفعل بولدك الحُسين وأهل بيتك (عليهم‌السلام ) بالطّف ما فُعل ؟! فتبسّم (أمير المؤمنين) وقال : (( ألمْ تسمع أبيات ابن الصيفي (سعد بن محمّد) ؟ )) قلتُ : لا قال : (( اسمعها منه فهي الجواب )).

قال : فطالت ليلتي حتّى برق الفجر، فجئت باب ابن الصيفي فطرقت بابه فخرج إليَّ حاسراً حافي القدمين، وقال : ما الذي جاء بك هذه السّاعة ؟! فقصصت عليه قصّتي، فأجهش بالبكاء، وقال : والله، ما قلتُها إلّا ليلتي هذه، ولم يسمعها بشر (منِّي ثمّ أنشدني) :

ملكنا فكانَ العفّوُ منَّا سجيةً

فلمـَّا ملكتُم سال بالدمِ أبطحُ

وحلًّلتُم قتلَ الاُسارى وطالما

غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ

وحسبُكم هذا التفاوتُ بيننا

فكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ(١)

رؤيا الشعبي نزولَ الملائكة بحراب تتبع قتلة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، إسناده حسن

روى الطبراني، والهيثمي، واللفظ للأوّل قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سلم بن جنادة، ثنا أحمد بن بشير، عن مجالد، عن الشعبي قال : رأيت في النوم كأنّ رجالاً نزلوا من السّماء معهم حراب يتتبعون قَتَلة الحُسين، فما لبثت أنْ نزل المختار فقتلهم(٢) .

قال الهيثمي : رواه الطبراني، وإسناده حسن(٣) .

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣١٣.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١١٣، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦، وتقدّم في عقاب قتلة الحُسين (عليه‌السلام ).

(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٦.


رؤيا عامر البجَلي النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في النوم، وأخبره بأنَّ الله كاد يسحت أهلَ الأرض بعذاب أليم .

روى ابن عساكر، والمزّي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو سهل محمّد بن إبراهيم، أنا أبو الفضل الرازي، أنا جعفر بن عبد الله، نا محمّد بن هارون، نا محمّد بن إسحاق، أنا العبّاس بن محمّد مولى بني هاشم، نا يحيى بن أبي بكير، نا علي - ويكنى أبا إسحاق -، عن عامر بن سعد البجلي قال : لمـَّا قُتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، فقال : (( إنْ رأيت البرّاء بن عازب فاقرأه منِّي السّلام، وأخبره أنّ قَتَلة الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) في النّار، وإنْ كاد الله أنْ يسحت أهل الأرض منه بعذاب أليم )).

قال : فأتيت البرّاء فأخبرته، فقال : صدق رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ((مَنْ رآني في المنام فقد رآني حقّاً ؛ فإنّ الشيطان لا يتصوّر بي ))(١) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٨، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٤٤٥، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٦، وتقدّم في عقاب قتلة الحُسين (عليه‌السلام ).

وقد روت عنه الصحاح كصحيح البخاري ما رواه البرّاء بن عازب، قال البخاري في صحيح البخارى ٨ / ٧١ : حدّثنا معلّى بن أسد، حدّثنا عبد العزيز بن مختار، حدّثنا ثابت البناني، عن أنس (رضي‌الله‌عنه ) قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ((مَنْ رآني في المنام فقد رآني ؛ فإنّ الشيطان لا يتمثلّ بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النّبوة )).

وقال أيضاً في صحيح البخارى ٨ / ٧٢ : حدّثنا خالد بن خلي، حدّثنا محمّد بن حرب، حدّثني الزبيدي، عن الزهري، قال أبو سلمة : قال أبو قتادة (رضي‌الله‌عنه ) : قال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ رآني فقد رأى الحقَّ )).

تابعه يونس وابن أخي الزهري، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث، حدّثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، سمع النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( مَنْ رآني فقد رأى الحقَّ ؛ فإنّ الشيطان لا يتكوّنني )) باب رؤيا الليل، رواه سمرة.


رؤيا رجل من قَتَلة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، فأهوى بيده في عينه فاُعمي؛ لتكثيره سواد الأعداء

روى ابن عساكر وابن العديم، وابن الجوزي وابن حجر الهيتمي، والقندوزي وابن منظور، وابن المغازلي، والخطيب البغدادي والحضرمي، واللفظ للأوّل قال : . نا عبد الرحمن بن أبي حمّاد، عن ثابت بن إسماعيل، عن أبي النضر الجرمي قال : رأيت رجلاً سمج العمى، فسألته عن سبب ذهاب بصره، فقال : كنتُ ممّن حضر عسكر عمر بن سعد، فلمـَّا جاء الليل رقدت، فرأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام بين يديه طست فيها دمٌ وريشة في الدم، وهو يُؤتى بأصحاب عمر بن سعد، فيأخذ الريشة فيخطّ بها بين أعينهم، فاُتِيَ بي فقلت : يا رسول الله، والله، ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أفلم تُكْثِّر عدوَّنا )) فأدخل إصبعه في الدم السّبابة والوسطى وأهوى بهما إلى عيني، فأصبحت وقد ذهب بصري(١) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٩، ترجمة الإمام الحُسين - ابن عساكر / ٤٤٨، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٤٢، تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٨١، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٧ ط دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ٢٤، وذكره جماعة من القوم : منهم العلّامه ابن منظور الإفريقي في (مختصر تاريخ مدينة دمشق ٧ / ١٥٢ ط دمشق) إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣٤٠، ومنهم العلّامه ابن المغازلي في (المناقب / ٤٠٥ ط الإسلاميّة بطهران ) إحقاق الحقِّ ١٩ / ٣٨٨، ومنهم العلّامه الشيخ أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي في (تلخيص المتشابه في الرسم ط دمشق ) إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣٤٥، ومنهم العلّامه الحضرمي في (رشفة الصادي / ٢٩١ ط الغري) إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٥٤.


رؤيا اُخرى لرجل من قَتَلة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) للنّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعاقبه لتكثيره سواد الأعداء، وتسعة معه

روى الخوارزمي وابن الجوزي، وابن حجر الهيتمي والقندوزي، والبدخشي والحُسيني الشافعي، والشبلنجي والصبّان والنّبهاني، واللفظ للأوّل قال : وقال ابن رماح : لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الحُسين (عليه‌السلام )، فكان الناس يأتونه ويسألونه عن سبب ذهاب بصره، فقال : إنّي كنتُ شهدت قتله عاشر عشرة، غير أنّي لمْ أضرب ولمْ أطعن ولمْ أرمِ، فلمـَّا قُتل رجعت إلى منزلي فصلّيت العشاء الآخرة ونمت، فأتاني آتٍ في منامي وقال لي : أجبْ رسول الله.

فإذا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالس في الصحراء، حاسراً عن ذراعيه أخذ بحربة، ونطعٌ بين يديه، ومَلَكٌ قائم لديه في يده سيف من نار يقتل أصحابي، فكلَّما ضرب رجلاً منهم ضربة التهبت نفسه ناراً، فدنوت من النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وجثوت بين يديه، وقلت : السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليَّ، ومكث طويلاً مطرقاً، ثمّ رفع رأسه وقال لي : (( يا عبد الله، انتهكتَ حرمتي، وقتلتَ عترتي، ولمْ ترعَ حقِّي، وفعلت وفعلت ؟! )) فقلتُ له : يا رسول الله، والله، ما ضربت سيفاً ولا طعنت رمحاً ولا رميت سهماً فقال : (( صدقت، ولكنَّك كثّرت السّواد، ادنُ منِّي )) فدنوت منه، فإذا طست مملوء دماً، فقال : (( هذا دم- ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) )) فكحلّني منه، فانتبهت ولا أبصر شيئاً حتّى السّاعة(١) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١١٧ - ١١٨، تذكرة الخواصّ / ٢٩١ من إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٥٢، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٦ - ٢٩٧ موجزاً، ط دار الكتب العلميّة، ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ٢٣ موجزاً، وذكره جماعة من القوم، منهم العلّامه المحدّث الحافظ الميرزا محمّد خان بن رستم خان المعتمد البدخشي، المتوفّى أوائل القرن الثاني عشر في كتابه (مفتاح النجا في مناقب آل العبا / ١٥١ المخطوط) إحقاق الحقِّ ١٩ / ٣٨٤، ومنهم العلّامه الشيخ أحمد بن محمّد بن أحمد الحافي [ الخوافي ] الحُسيني الشافعي في (التبر المذاب / ٩٩ نسخة مكتبتنا العامة بقم) إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٢٧ / ٣٤٤،


ثم قال (الخوارزمي) : وأورد هذا الحديث مجد الأئمّة السرخسكي، ورواه عن أبي عبد الله الحداد عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنّه قال : يُحكى عن عبد الله بن رماح القاضي . وساق الحديث إلى أن قال : وكلمـَّا قتلهم عادوا أحياءً، فيقتلهم مرّة اُخرى.

وقال : (( صدقت، ولكنْ يا عدوَّ الله لمْ ترعَ حقَّ نبوتي )) وباقي الحديث يقرب بعضه من بعض في اللفظ والمعنى، ولقد لقي بنو الحسن والحُسين من عتاة بني العبّاس ما لقي آباؤهم من طغاة بني اُميّة(١) .

رؤيا رجل من قَتَلة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . حتّى سقاه القطران

روى محدّث الشام ابن عساكر، والألكائي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا أبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى ابنا البنا في كتابيهم، أنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن سياوش الكازروني، نا أبو أحمد عبيد الله بن محمّد بن محمّد بن أبي مسلم الفرضي المقرئ، قال : قُرئ على أبي بكر محمّد بن القاسم بن يسار الأنباري النحوي، وأنا حاضر، نا أبو بكر موسى بن إسحاق الأنصاري، نا هارون بن حاتم أبو بشر، نا عبد الرحمن بن أبي حمّاد، نا الفضل ابن الزبير، قال : كنت جالساً عند شخص، فأقبل رجل فجلس إليه، رائحته

____________________

= ومنهم العلّامه سبط ابن الجوزي في (التذكرة / ٢٩١ ط الغري) إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٥٢، ومنهم العلّامه السيّد مؤمن الحُسيني الشبلنجي في (نور الأبصار / ١٢٣ ط مصر) إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٥٢، ومنهم العلّامه الشيخ محمّد الصبّان في (إسعاف الراغبين المطبوع بهامش نور الأبصار / ١٩٢ الطبع المذكور) إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٥٢، ومنهم العلّامه يوسف بن إسماعيل النّبهاني المتولّد ١٢٦٥، والمتوفّى ١٣٥٠ ه- في (جامع كرامات الأولياء ١ / ١٣١ ط مصطفى البابي وشركاه بمصر) إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٦٣٨.

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١١٨.


رائحة القطران، فقال له : يا هذا، أتبيع القطران ؟ قال : ما بعته قط قال : فما هذه الرائحة ؟ قال : كنتُ ممّن شهد عسكر عمر بن سعد، وكنت أبيعهم أوتاد الحديد، فلمـَّا جَنَّ عليَّ الليل رقدتُ، فرأيت في نومي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومعه عليٌّ (عليه‌السلام )، وعليٌّ (عليه‌السلام ) يسقي القتلى من أصحاب الحُسين (عليه‌السلام )، فقلت له : اسقني فأبى، فقلتُ : يا رسول الله، مره يسقيني فقال : (( ألستَ ممّن عاون علينا ؟ )) فقلتُ : يا رسول الله، والله، ما ضربتُ بسيفٍ ولا طعنت برمحٍ ولا رميت بسهمٍ، ولكنِّي كنت أبيعهم أوتاد الحديد فقال : (( يا علي، اسقه )) فناولني قعباً مملوءاً قطراناً، فشربت منه قطراناً، ولم أزل أبول القطران أيّاماً، ثمّ انقطع ذلك البول عنِّي وبقيت الرائحة في جسمي.

فقال له السّدي : يا عبد الله، كُلْ مِنْ بُرِّ العراق، واشرب من ماء الفرات، فما أراك تعاين محمّداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أبداً(١) .

ورواه الخوارزمي بسند آخر قال : وحدّثنا عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي (إملاءً)، حدّثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمّد البلالي، حدّثنا السيّد الإمام المرتضى أبو الحسن محمّد بن محمّد الحُسيني الحسني، أخبرنا الحسن بن محمّد الفارسي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عيسى، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن منصور المرادي المصري، حدّثنا عيسى ابن زيد بن حسين، عن أبي خالد، عن زيد قال : قال الحسن البصري : كان يجالسنا شيخ نصيب منه ريحَ

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٨، كرامات الأولياء - هبة الله الطبري الألكائي ١ / ١٣٨ - ١٣٩، ترجمة الإمام الحُسين / ٤٤٧، مقتل الخوارزمي بسند آخر عن الحسن البصري في الفصل الثاني عشر ٢ / ١١٦ - ١١٧.


القطران، فسألناه عن ذلك، فقال : إنّي كنتُ في مَنْ منع الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) عن الماء، فرأيت في منامي كأنّ الناس قد حُشروا، فعطشت عطشاً شديداً، فطلبت الماء، فإذا النّبي وعلي وفاطمة والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) على الحوض، فاستسقيت من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال : (( اسقوه )) فلمْ يسقني أحد، فقال ثانياً فلمْ يسقني أحد، فقال ثالثاً، فقيل : يا رسول الله، إنّه ممّن منع الحُسين (عليه‌السلام ) الماء فقال : (( اسقوه قطراناً )) فأصبحت أبول القطران، ولا آكل طعاماً إلّا وجدت منه رائحة القطران، ولا أذوق شراباً إلّا صار في فمي قطراناً(١) .

رؤيا زوجة شمر بن ذي الجوشن (عليه لعائن الله) فاطمةَ وخديجةَ (صلوات الله عليهنّ)

روى العلّامه الحافي، أو الخوافي الشافعي قال : قال الواقدي : لمـَّا حمل الشمرُ رأسَ الحُسين (عليه‌السلام ) جعله في مخلاة وذهب به إلى منزله، فوضعه على التراب، وجعل عليه إجانة، فخرجت امرأته فرأت نوراً ساطعاً عند الرأس إلى عنان السّماء، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً تحتها، فجاءت إلى شمر فقالت : رأيت كذا وكذا ! فأيُّ شيء تحت الإجانة ؟ قال : رأس خارجي قتلته، واُريد [ أن ] أذهب به إلى يزيد ليعطيني عليه مالاً كثيراً.

قالت : ومَنْ يكون ؟ قال : الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) فصاحت وخرّت مغشيّة، فلمـَّا أفاقت قالت : يا شرَّ المجوس، أما خفت من إله الأرض والسّماء ؟! ثمّ خرجت من عنده باكية، ورفعت الرأس وقبّلته ووضعته في حجرها، ودعت نساءً يساعدنها بالبكاء، وقالت : لعن الله قاتلك.

فلمـَّا جنَّ الليل غلب عليها النوم، فرأت كأنّ الحائط قد انشق نصفين، وغشي البيت نور، وجاءت سحابة فإذا فيها امرأتان، فأخذتا

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي، في الفصل الثاني عشر ٢ / ١١٧.


الرأس وبكتا، فسألت عنهما فقيل : إنّهما خديجة وفاطمة.

ثمّ رأت رجالاً وفي وسطهم إنسانٌ وجه كالقمر ليلة تمّه، فسألت عنه، فقيل : محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعن يمينه حمزة وجعفر وأصحابه، فبكوا وقبّلوا الرأس، ثمّ جاءت خديجة وفاطمة إلى امرأة الشمر وقالتا لها : (( تمنّي ما شئتِ ؛ فإنّ لك عندنا منّة ويداً بما فعلت، فإنْ أردت أن تكوني من رفقائنا في الجنّة فأصلحي أمرك فإنا منتظرون )).

فانتبهت من النوم ورأس الحُسين (عليه‌السلام ) في حجرها، فجاء الشمر لطلب الرأس فلم تدفعه إليه، وقالت له : يا عدوَّ الله، طلّقني فإنّك يهودي والله، لا أكون معك أبداً فطلّقها فقالت : والله، لا أدفع إليك هذا الرأس أو تقتلني، فضربها ضربة كانت منيتها فيها وعجَّل الله بروحها إلى الجنّة(١) .

رؤيا جارية يزيد . وأمره لها بسبِّ الإمام عليٍّ (عليه‌السلام ) وبنيه حتّى قتلها

روى أبو إسحاق الإسفراييني قال : قال الشهروزي : فبينما نحن واقفون عند يزيد، وإذا بامرأة لمْ أرَ أحسن منها وهي ترفل في أذيالها، ولمْ تزل مقبلة حتّى دخلت على يزيد، وقالت له : ما هذا الرأس ؟ قال : رأس الحُسين فقالت له : والله، يعزُّ على جدِّه وأبيه واُمِّه وأهله والله، لقد رأيت السّاعة - وأنا نائمة - كأنّ أبواب السّماء قد فُتِحَتْ، وهبط منها خمسة ملوكٍ بأيديهم كلاليب من نار، وهم يقولون : قد أمرنا الله الجبّار بحرق هذه الدار فالتفت يزيد إليها، وقال : ويلكِ ! أنت في ملكي ونعمتي وتقولين هذا الكلام ! والله، لأقتلنَّك شرَّ قتلة.

____________________

(١) التبر المذاب - العلّامه الحافي أو الخوافي الشافعي / ١٠١ نقلاً عن إحقاق الحقِّ - للسيد المرعشي ٢٧ / ٣٤٢.


فقالت : وما الذي ينجّني من ذلك ؟ قال : ترقين المنبر وتسبّين عليًّا وأولاده فقالت : أفعل ذلك فأمر بجمع الناس فجُمعت، وقال لها : قومي ارقي المنبر وافعلي ما أمرتُك به فقامت على قدميها ورقت المنبر، وقالت : يا معشر الإنس، اعلموا أنّ يزيد يأمرني أنْ أسبَّ عليّاً وأولاده، وهو السّاقي على الحوض، ولواء الحمد بيده، وولداه سيِّدا شباب أهل الجنّة.

ألا فاسمعوا(١) ما أقول لكم : ألا لعنة الله ولعنة اللاعنين على يزيد، وعلى كلِّ ساعٍ في قتل الحُسين (عليه‌السلام )، وصلوات الله على عليٍّ وأولاده وشيعتهم (عليهم‌السلام ) منذ خلق الله الدُّنيا إلى يوم القيامة، عليها أَحيا وعليها أموتُ وعليها اُبعثُ إنْ شاء الله فغضب يزيد من كلامها وقال : مَنْ يكفيني شرَّها ؟ فقال رجل من النصارى : أنا أكفيك شرَّها فقام وضربها بسيفه فماتت (رحمها الله)(٢) .

رؤيا حارس رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وما جرى من نزول الأنبياء (عليهم‌السلام )، والملائكة .

قال إبراهيم البيهقي : وقُتِلَ الحُسين وجميع مَن معه (رحمهم‌الله )، وحُمِلَ رأسُه إلى عبيد الله بن زياد، فوضِعَ بين يديه على ترس، فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله وجعله في حريرة، وضرب عليه خيمة ووكّل به خمسين رجلاً.

فقال واحد منهم : نمتُ وأنا مفكّر في يزيد وقتله الحُسين (عليه‌السلام )، فبينا أنا كذلك إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين، وسمعت صهيل الخيل، ومنادياً ينادي : يا أحمد، اهبط فهبط رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

(١) وفي نسخة : بدون ( ألا ).

(٢) نور العين في مشهد الحُسين - الإسفراييني / ٦٦ - ٦٧، وفي ط ص ٥٧.


ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة، فدخل الخيمة وأخذ الرأس، فجعل يقبّله ويبكي ويضمّه إلى صدره، ثمّ التفت إلى مَنْ معه فقال : (( انظروا إلى ما كان من اُمّتي في ولدي، ما بالهم لمْ يحفظوا فيه وصيّتي، ولمْ يعرفوا حقّي ! لا أنالهم الله شفاعتي )).

قال : وإذا بعدّة من الملائكة يقولون : يا محمّد، الله تبارك وتعالى يُقرئك السّلام، وقد أمرنا بأنْ نسمع لك ونطيع، فمرنا أنْ نقلب البلاد عليهم فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( خلّوا عن اُمّتي ؛ فإنّ لهم بلغةً وأمداً )) قالوا : يا محمّد، إنّ الله (جلّ ذكره) أمرنا أنْ نقتل هؤلاء النفر فقال : (( دونكم وما اُمرتم به )).

قال : فرأيت كلَّ واحد منهم قد رمى كلَّ واحد منّا بحربة، فقُتِلَ القوم في مضاجعهم غيري، فإنّي صحت : يا محمّد فقال : (( وأنت مستيقظ ؟ )) قلتُ : نعم قال : (( خلّوا عنه، يعيش فقيراً ويموت مذموماً )) فلمـَّا أصبحت دخلت على يزيد وهو منكسرٌ مهموم، فحدّثته بما رأيت فقال : امضِ على وجهك، وتبْ إلى ربِّك(١) .

قال أبو إسحاق الإسفراييني : (ويروى) عن أحمد البابي، عن الأعمش قال : التجأتُ إلى البيت الحرام، فبينما أنا أطوف وإذا برجل في الطواف يقول : اللهمَّ، اغفرْ لي ولا تؤاخذني بفعلي لأنّي مقهور من يزيد فقلت له : يا عبد الله، ما لي أراك في مثل هذا المكان تقول هذا الكلام، وأنت في محلٍّ يغفر الله لمـّنْ دخله، ومَنْ دخله كان آمن ؟!

قال : فقصّتي عجيبة فقلت : أخبرني بها فقال : دعني فقلتُ : اُقسم عليك بالله العظيم أنْ تُخْبرَني فقال : أقسمتَ عليَّ بقَسم عظيم، فخذ بيدي فأخذت بيده فإذا هو أعمى، ثمّ خرجنا إلى شعب من شعاب مكّة وجلسنا فيه، فقال لي : أيُّ شعب هذا ؟ فقلت : هذا شعب

____________________

(١) المحاسن والمساوئ - إبراهيم البيهقي / ١٢٧، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


علي المرتضى (عليه‌السلام ) فقال : والله، ما أجلس في شعب والد رجل كنتُ في قتل ولده فنهضت وأخذتُ بيده، وخرجنا إلى الأبطح وجلسنا هناك، فقال لي : مَنْ أنت ؟ فقلت : أنا سليمان بن مهران الأعمش فقال لي : اعلم أنّي كنت من أصحاب يزيد، وكنت من جلسائه، فلمـَّا أتى برأس الحُسين (عليه‌السلام ) أمر بوضعها في طشت من اللجين فوضعت، ثمّ وُضعت الطشت بما فيها بين يديه، فجعل ينكت ثناياه بقضيب كان بيده، ويقول : اشتفيت فيك وفي أبيك، غير أنّ أباك خرج على أبي بأهل العراق فظفر به، ثمّ إنّ أهل العراق خدعوك وأخرجوك فظفرت بك، فالحمد لله الذي مكّنّي منك.

ولم يزل على هذا الحال مدّة من الأيام، فلمـَّا عظم ذلك على الناس خشي على نفسه فجمعهم، وقال : يا قوم، أتظنون أنّي قتلت الحُسين ؟ فوالله، ما قتله إلّا عاملي ابن زياد ثمّ دعا برأس الحُسين فغسلها وطيّبها وجعلها في صندوق وغلق عليه، وقال : دعوها في قصري واجعلوا حولها السرادق وقصد بذلك كف ألسنة الناس عنه، ثمّ جعل خارج السرادق خمسين رجلاً ووكّلني بهم، وكان إذا أتى الليل يرسل لهم طعاماً وخمراً، فيأكل أصحابي ويشربون وأنا لم آكل ولم أشرب، ثمّ ينامون ولمْ أنم ؛ حزناً على الحُسين (عليه‌السلام ) فبينما أنا ذات ليلة قد استلقيت على ظهري، وأنا متفكّر في ذلك، وإذا بسحابة عظيمة سمعت فيها دويّاً كدويِّ النحل، وإذا بخفقان أجنحة الملائكة حتّى نزلوا إلى الأرض، ورأيت مَلَكاً عظيماً قد نزل وبيده بسطٌ مكللة بالدر والياقوت ففرشها، ثمّ نزل خمسة ملائكة وبأيديهم كراسي من النور فوضعوها على البسط، ثمّ نادى منادٍ : انزل يا آدم يا أبا البشر فإذا برجل من أبهج الرجال وجهاً وأكثرهم هيبة، وعليه حلّة من حلل الجنّة، وقد نزل من الهواء، وأقبل على الرأس وسلَّم عليه، وقال : عشت سعيداً، وقُتِلْتَ شهيداً عطشانَ حتّى ألحقك الله بنا غفر الله لك يا بُني ولا غفر لقاتلك، والويل له غداً من النّار ثمّ


جلس على كرسي من تلك الكراسي.

ثم جاءت سحابةٌ اُخرى أعظم من الاُولى، فسمعت فيها خفقان أجنحة الملائكة حتّى نزلت إلى الأرض، ثمّ نادى منادٍ : انزل يا نوح يا نبي الله فنزل وإذا هو رجل تعلوه سمرة، وهو أحسن الناس هيبة، وعليه حلّة من حلل الجنّة، فأقبل حتّى وقف على الرأس، وقال مقالة آدم (عليه‌السلام ) وجلس على كرسي من تلك الكراسي ثمّ جاءت سحابةٌ عظيمة، فسمعت فيها خفقان أجنحة الملائكة حتّى نزلوا إلى الأرض، ثمّ نادى منادٍ : انزل يا موسى يا كليم الله فنزل وأقبل على الرأس، وقال مقالة نوح (عليه‌السلام )، وجلس على كرسي من تلك الكراسي ثمّ جاءت سحابةٌ عظيمة، فسمعت فيها خفقان أجنحة الملائكة حتّى نزلوا إلى الأرض، ثمّ نادى منادٍ : انزل يا عيسى فنزل وإذا هو رجل حسن الوجه تعلوه شقرة، وعليه حلّة من حلل الجنّة، فأقبل على الرأس، وقال مقالة موسى، ثمّ جلس على كرسي من تلك الكراسي ثمّ جاءت سحابةٌ أعظم من تلك السحائب، ولها دويٌّ كدويِّ الرعد القاصف، وسمعت فيها خفقان أجنحة الملائكة حتّى نزلت إلى الأرض، ثمّ نادى منادٍ : انزل يا أبا القاسم، يا أوَّل يا آخر، يا ماحي ياعاقب، يا حاشر يا طاهر، يا مزّمل يا مدّثر، يا طه يا أحمد، انزل يا محمّد فنزل المصطفى (عليه الصلاة والسّلام)، وعليه حلل من حلل الجنّة، وعن يمينه صفٌّ من الملائكة لا يحصيهم إلّا الله، وعن يساره عليّ المرتضى، وولده الحسن، وفاطمة الزهراء (عليهم‌السلام )، فأقبل النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على الرأس الشريف وأخذه وضمّه إلى صدره، وبكى بكاءً شديداً، وقال : (( يا حبيبي يا حُسين، عشت سعيداً، وقُتلت شهيداً عطشان حتّى ألحقك الله بنا غفر الله لك يا بُني ولا غفر لقاتلك، والويل له غداً من النّار)).

ثمّ دفعه إلى عليٍّ المرتضى (عليه‌السلام )، فأخذه وضمّه إلى صدره، وبكى بكاءً شديداً، وقال مقالة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثمّ دفعه إلى فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، فأخذته وضمّته إلى صدرها، وبكت بكاءً شديداً، وقالت


مقالة علي (عليه‌السلام )، ثمّ دفعته إلى الحسن (عليه‌السلام )، فأخذه وضمّه إلى صدره، وبكى بكاءً شديداً وقال مقالة فاطمة (رضي‌ الله‌ عنه م أجمعين).

ثمّ إنّ آدم (عليه‌السلام ) أقبل على النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقال له : السّلام عليك أيُّها الولد الصالح، عظّم الله أجرك، وقوَّى صبرَك، وأحسن الله عزاءك ثمّ أقبل نوح (عليه‌السلام ) وقال مقالته، ثمّ أقبل موسى (عليه‌السلام ) وقال مقالته، ثمّ أقبل عيسى وقال مقالته، ثمّ قال لهم النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( يا آدم، ويا نوح، ويا موسى، ويا عيسى، اشهدوا على ما ترَون من فعل هؤلاء القوم بأولادي )) ثمّ بكى.

فبينما هو كذلك إذ أقبل الملك الموكّل بالسّماء الدُّنيا، وقال : السّلام عليك أيُّها النّبي الكريم، اعلم أنّ الله أمرني بالطاعة لك ؛ فإنْ أمرتني أنْ أهلك القوم جميعاً أطبقت عليهم السّماوات حتّى لا يبقى منهم أحدٌ ؛ جزاءً بما فعلوا فقال له النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مهلاً )) وإذا بملك ثانٍ وبيده حربة عظيمة، ولها شعبة بالمشرق وشعبة بالمغرب، وقال : السّلام عليك أيُّها النّبي الكريم، قد قطّع قلبي بكاؤك، اعلم أنّي أنا الملك الموكّل بالبحار، واعلم أنّ الله أمرني بالطاعة لك ؛ فإنْ أمرتني أنْ أهلك هؤلاء القوم أطبقت عليهم البحار ؛ جزاءً بما فعلوا فقال له : (( مهلاً )).

وإذا بنور قد ملأ ما بين السّماء والأرض، وإذا الملائكة قد أحاطت به، وقالوا : يا محمّد، العليُّ الأعلى يُقرئك السّلام، ويخصّك بالتحية والإكرام، ويقول لك : اخفض صوتك، فقد بكى لبكائك أهل السّماوات، وقد أرسلنا إليك الله نمتثل أمرك فقال : (( مِنَ الله بدء السّلام، وإليه يعود السّلام، فمَنْ أنتم ؟ )) فقال أحدهم : إنّي ملك الشمس، إنْ أمرتني أنْ أحرقهم فعلت وقال الآخر : أنا ملك الجبال، إنْ أمرتني أنْ أطبق عليهم الجبال فعلت فقال لهم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( جزاكم الله تعالى خيراً، دعوهم إنّ لهم موقفاً أكون أنا وإيّاهم فيه بين يدي الله (عزَّ وجل)، فيحكم بيننا


بالحقِّ وهو أحكم الحاكمين )) فعند ذلك قال جميع مَنْ حضر من الأنبياء والملائكة : جزاك الله خيراً - يا محمّد - عن اُمّتك، ما أرحمك بهم وأرأفك عليهم !

وهذا كلّه يا سليمان رأيته بعيني وسمعته باُذني، وأنا يقضان بحالة الصحة الكاملة، وما ذكرته لأحد غيرك، بل أصبحت هارباً من الدُّنيا، خائفاً وجلاً من الله (عزَّ وجل) لصحبتي ليزيد، وأنا على البكاء والنحيب حتّى ذهبت عيناي، وما أدري ما عاقبة أمري ؛ إنْ كان الله تعالى يمنُّ عليَّ من فضله ويغفر لي أمْ يؤاخذني فعند ذلك بكى سُليمان، وقال : لعلَّ الله تعالى يمنُّ عليك بفضله ثمّ مشى معه إلى أنْ أتوا الطواف على حالتهم الاُولى، وصار الرجل يدعو بدعائه الأوَّل(١) .

رؤيا مَنْ أحسن لرأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) . وبشارة النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له

قال الزّرندي الحنفي، والهيتمي، واللفظ للأوّل : وروي الحسن البصري أنّ سليمان بن عبد الملك رأى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام يلاطفه ويُبشّره، فلمـَّا أصبح سليمان سأل الحسن عن ذلك، فقال له الحسن : لعلك صنعت إلى أهل بيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) معروفاً قال : نعم، وجدتُ رأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) في خزانة يزيد، فكسوته خمسة أثواب وصلّيت عليه مع جماعة من أصحابي وقبرته فقال له الحسن : إنّ رضى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عنك بسبب ذلك فأمر سليمان للحسن بجائزة سنيّة(٢) .

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الإسفراييني / ٧٧ - ٨١.

(٢) نظم درر السمطين - الزّرندي الحنفي / ٢٢٦، الصواعق المحرقة - الهيتمي / ١٩٩.


رؤيا هند (زوجة الملعون يزيد) نزولَ الملائكة (عليهم‌السلام )، والنّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأهلِ البيت (عليهم‌السلام ) يُسلّمون على رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وما جرى بينها وبين يزيد (لعنه الله)

وفي نور العين قال الإسفراييني : قالت هند زوجة يزيد : لمـَّا أخذت مضجعي تلك الليلة رأيتُ في منامي كأنّ أبواب السّماء قد فُتحت، والملائكة بأجمعهم قد نزلوا، وهم يدخلون إلى الرأس ويقولون : السّلام عليك يا أبا عبد الله فبينما أنا كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السّماء وفيها رجال [ كُثر ]، وبينهما رجل قمري اللون، فأقبل حتّى دنا من رأس الحُسين (عليه‌السلام ) وانكبّ عليه، وهو يقول : (( السّلام عليك، يا ولدي قتلوكَ ومِنْ شرب الماء منعوك ! أتراهم ما عرفوك ؟! أنا جدّك المصطفى، وهذا أبوك عليّ المرتضى (عليه‌السلام )، وهذا أخوك الحسن (عليه‌السلام )، وهذا عمّك جعفر (عليه‌السلام ) )) وهكذا إلى آخرهم، فعند ذلك ارتعتُ فانتبهتُ من نومي، وطلبتُ زوجي فوجدته في مكان مظلم، وعلى وجهه بيديه يلطم، ويقول : ما لي وللحسين !

فقلت له : اسكت حتّى أخبرك بما رأيت فسكت، ثمّ قصصت عليه الرؤيا وهو منكس رأسه، فلمـَّا استتمّت خرج ودعا بعليٍّ وإخوته، وقال لهم : أيُّهما أحبّ إليكم ؛ المقام عندي ولكم الجائزة، أمْ المسير إلى مكّة والمدينة ؟

فقالوا : يا يزيد، نحن فارقنا الحُسين (عليه‌السلام )، وعبيد الله بن زياد لمْ يمكنَّا من البكاء والنحيب فأمر بإخلاء دارٍ لهم فقعدوا فيها، وعدّدوا البكاء والنوح ليلاً ونهاراً، ولمْ يبقَ في دمشق قرشيّة ولا هاشميّة إلّا وشدّت الأوساط، وأقاموا على ذلك أسبوعاً.

ثمّ دعاهم وعرض عليهم المسير فأجابوا لذلك، فعند ذلك قُدّمت لهم المحامل على الجمال، واُحضرت لهم الرحال، وذلك بعد أنْ أعطاهم الثياب الفاخرة، ثمّ أحضر لهم مالاً جزيلاً، وقال : يا زينب، خُذي هذا المال عوضاً عن


مصيبتكم فقالت : يا ويلك ! ما أقلّ حياءك وأصلب وجهك ! تقتل أخي وتقول خذوا عوضه مالاً ! فلمـَّا أبَتْ دعا بقائدٍ من قوّاده وضمَّ إليه ألف فارس، وأمره أنْ يسير بهم إلى المدينة أو إلى أيِّ مكان شاؤوا، وأنْ يقضي لهم جميع ما يلزم، ثمّ حشا الرأس بالمسك والكافور وسلَّمها لهم، فأخذوه وساروا إلى كربلاء، ودفنوها مع الجسد الشريف(١) .

مَنْ رأى في اليقظة الإمامَ الحُسين (عليه‌السلام ) في مشهد الرأس في مصر

قال الشبلنجي : ومن ذلك أيضاً ما أخبر به العلّامه الشيخ فتح الدين أبو الفتح الغمري الشافعي : أنّه كان يتردّد إلى الزيارة غالباً، فجلس يوماً يقرأ الفاتحة ودعاءً، فلمـَّا وصل في الدعاء إلى قوله : واجعل ثواباً مثل ذلك، فأراد أنْ يقول : في صحائف سيدنا الحُسين (عليه‌السلام ) ساكن هذا الرمس، فحصلت له حالة، فنظر فيها إلى شخص جالس على الضريح وقع عنده أنّه السيّد الحُسين (رضي‌الله‌عنه )، فقال : في صحائف هذا وأشار بيده إليه، فلمـَّا أتمّ الدعاء ذهب إلى الشيخ الجليل الشيخ عبد الوهاب الشعراني (رضي‌الله‌عنه ) فأخبره بذلك، فقال له الشيخ : صدقت، وأنا وقع لي مثل ذلك ثمّ ذهب إلى الشيخ كريم الدين الخلوتي (رضي‌الله‌عنه ) فأخبره بذلك، فقال الشيخ كريم الدين : صدقت، وأنا ما زرت هذا المكان إلّا بإذنٍ من النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الإسفراييني / ٧٢.

(٢) نور الأبصار - للشبلنجي / ١٢٤ ط مصر نقلاً عن إحقاق الحقِّ، وفي ط ص٢٧١.


رجلٌ عميتْ عينه فرأى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . حتّى شفي ببركة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الشبراوي في ذكر كرامات زيارة الحُسين (عليه‌السلام ) : إنّ رجلاً يُقال له : شمس الدين القعويني كان ساكناً بالقرب من المشهد، وكان معلّم الكسوة الشريفة، حصل له ضرر في عينيه فكُفَّ بصره، وكان كلّ يوم إذا صلّى الصبح في مشهد الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) يقف على باب الضريح الشريف ويقول : يا سيدي، أنا جارك قد كُفَّ بصري، وأطلب من الله بواسطتك أنْ يردَّ عليَّ ولو عيناً واحدة.

فبينما هو نائم ذات ليلة إذ رأى جماعة أتوا إلى المشهد الشريف، فسأل عنهم، فقيل له : هذا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والصحابة معه جاؤوا لزيارة السيّد الحُسين (رضي‌الله‌عنه )، فدخل معهم ثمّ قال ما كان يقوله في اليقظة، فالتفت الحُسين (عليه‌السلام ) إلى جدِّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وذكر له ذلك على سبيل الشفاعة عنده في الرجل، فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للإمام عليٍّ : (( يا علي كحّله )) فقال : (( سمعاً وطاعة)).

وأبرز من يده مكحلة ومرود، وقال له : (( تقدّم حتّى اُكحّلك )) فتقدّم فلوّث المرود ووضعه في عينه اليمنى، فأحسّ بحرقان عظيم، فصرخ صرخة عظيمة فاستيقظ منها، وهو يجد حرارة الكحل في عينه، ففُتحت عينه اليمنى فصار ينظر بها إلى أنْ مات، وهذا الذي كان يطلبه فاصطنع هذه البسط التي تُفرش في مشهد الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) وكتب عليها وقفاً، ولم تزل تُفرش حتّى تولّى مصرَ الوزيرُ المعظّم محمّد باشا الشريف من طرف حضرة مولانا السّلطان محمّد خان (نصره الله)، فجدّد بُسطاً اُخرى وهي التي تُفرش إلى الآن(١) .

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٨٤، مطبعة أمير - قم.


رؤيا رسول فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) للنائح أحمد المورّق، وطلبها منه أن يرثي الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بقصيدة الناشي

ذكره ابن حجر العسقلاني في ترجمة الناشي الصغير، قال : علي بن عبد الله بن وصيف الناشي الصغير أبو الحسن الحلاّء ( بالمهملة المفتوحة وتشديد اللام )، كان عالماً بالأدب، قيِّماً في علم الكلام، شيعيّاً جلداً، أكثر شعره في مدح أهل البيت (عليهم‌السلام ).

روى عن المبرّد وابن المعتز وغيرهما، وحدّث عنه أبو عبد الله الخالع، وأبو الحُسين بن فارس، وأبو بكر بن زرعة الهمداني، وعبد الواحد بن أحمد العبري، وعبد السّلام بن الحُسين البصري اللغوي، وغيرهم، وكان يذكر أنّه رأى ابن الرومي الشاعر مراراً ولم يأخذ عنه، وأنّ جدَّه كان عطّاراً، وأنّه نشأ معه في دكّانه (وكان يُعرف بالحياء) ؛ لأنّه كان يعمل الصفر ويخدمه، وله فيه صنعة بديعة، ولقى ثعلباً وتشاغل بالحرفة عن السّماع منه.

قال الخالع : وكان مولده سنة إحدى وسبعين ومئتين، وكان عالي الطبقة في المجون، ملازماً لحصبة الأحداث، لم يتزّوج قط وذُكِر أنّه دخل على الراضي فقال له : أنت الناشي الرافضي ؟ [ قال ] : بل الشيعي قال : أيُّ الشيعة ؟ [ قال ] : شيعة بني هشام قال : هذا خبث حيلة [ قال ] : مع طهارة مولد فسمع مدحه وأجازه.

قال : وكان جهوري الصوت، عمَّر نيفاً وتسعين سنة لم تضطرب أسنانه، وقد ناظر الرمّاني فقطعه، فدخل عليهما علي بن كعب الأنصاري المعتزلي فقال : في أيِّ شيء أنتم ؟ قال له الناشي : في ثيابنا فقال : دع مجونك وقلها عسى أنْ أقدح فيها قال : كيف تقدح وحرافك رطب ؟!

وسمع جزاراً يقول : أين مَنْ حلف أنْ لا يغبن ؟ فقال له : كأنّك تريد أنّه يحنث.

وقال الخالع : دخل رجل شعث - سنة ست وأربعين - عليه مرقعة، معه سطحية وركوة، ومعه عكاز، فسلَّم وقال بصوت مرتفع : أنا رسول فاطمة الزهراء.


فقالوا له : مرحباً وأهلاً فقال : رأيت مولاتنا في النوم، فقالت لي : (( امضِ إلى بغداد، واطلب أحمد المورّق الناسخ، وقل له : نِحْ على ابني بشعر الناشي الذي يقول فيه :

بني أحمدٍ قلبي لكُمْ يتقطَّعُ

بمثلِ مصابي فيكُم ليس يُسْمَعُ))

فسمعه الناشي - وكان حٍاضراً - فلطم لطماً عظيماً على وجهه، وتبعه الناس، فناحوا بهذه القصيدة إلى الظهر، وجهد بالرجل أنْ يقبل شيئاً فامتنع، ومن هذه القصيدة قوله :

عَجِبْتُ لكم يُفْنون قتلاً مشِيْعَكُمْ

ويسطو عليكُمْ مَنْ لكُم كان يخضعُ

كأنّ رسولَ اللهِ أوصى بقتلِكُمْ

فأجسامكمْ مِن كلِّ أرضٍ تُزرَّعُ(١)

وقال الخالع : رأيتُ في النوم عبد العزيز الشطرنجي في النوم، وكان يكثر زيارة مشهد الحُسين (عليه‌السلام )، فقال لي : اُريد أنْ تقوم فتكتب قصيدة الناشي البائيّة ؛ فإننا قد نحنا بها البارحة في المشهد.

قال : أوّلها :

رجائي بعيدٌ والمماتُ قريبُ

ويُخْطِئُ ظنّي والمنونُ تصيبُ

قال : فقمتُ فتوجهت إلى الناشي، فقلت له : هات البائيّة(٢) حتّى أكتبها فقال : مِنْ أين علمت ؟

____________________

(١) وفي ط : فأجسامكم في كلِّ أرض تُوزّعُ قال العلّامه الشيخ الأميني (قدس‌سره ) في الغدير ٤ / ٣١ : ومن هذه القصيدة، وهي بضعة عشر بيتاً أوَّل هذه القصيدة :

بني أحمدٍ قلبي لكم يتقطَّعُ

بمثلِ مصابي فيكُم ليس يُسْمَعُ

فما بقعةٌ في الأرضِ شرقاً ومغرباً

وليس لكُمْ فيها قتيلٌ ومَصْرَعُ

ظُلِمْتم وُقتّلتُمْ وقُسِّمَ فيئُكُمْ

وضاقتْ بكم أرضٌ فلم يحمِ موضعُ

جسومٌ على البوغاءِ تُرمى وأرؤسٌ

على أرؤسِ اللّدنِ الذوابلِ تُرْفَعُ

تَوَارون لم تأوِ فراشاً جنوبُكُمْ

ويُسْلِمني طيبُ الهجوعِ فأهجعُ

(٢) الغدير - الشيخ الأميني ٤ / ٣١ : .

رجائي بعيدٌ والمماتُ قريبُ

ويُخْطِئُ ظنّي والمنونُ تصيبُ


فحدّثته بالمنام، فبكى وقام فأخرجها لي.

قال ياقوت في معجم الاُدباء : مات الناشئ في صفر سنة خمس وستّين وثلاثمئة، وأرّخه ابن النجّار عن أبي الصابي وغيره سنة ستّ وستّين، وأنه مات فجأة(١) .

رؤيا حمزة الزيّات النّبيَّ محمّداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأباه النّبيَّ إبراهيم (عليه‌السلام ) يُصلّيان على قبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الشريف أبو المعالي البغدادي قال : أخبرنا الحسن بن أحمد بن عبد الله الفقيه، نبأ محمّد بن أحمد الحافظ، نبأ محمّد بن عمر الحافظ، نبأ محمّد بن حسين، نبأ يحيى بن محمّد بن بشير، نبأ أبو بكر بن عيّاش، عن حمزة الزيّات قال : رأيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في النوم وإبراهيم الخليل (عليه‌السلام ) يُصلّيان

____________________

= وقال الشيخ الأميني (قدس‌سره ) : ومن البائيّة في المديح قوله :

اُناسٌ علوا أعلى المعالي مِنْ العُلا

فليس لهم في الفاضلين ضريبُ

إذا انتسبوا جازوا التناهي لمجدِهمْ

فما لَهُم في العالمينَ نسيبُ

هُم البحرُ أضحى دُرُّه وعبابُهُ

فليس له من منتفيهِ رسوبُ

تسيرُ به فُلْكُ النجاةِ وماؤُها

لشرابهِ عذبُ المذاقِ شروبُ

هو البحرُ يُغني مَنْ غدا في جوارِهِ

وساحلُه سهلُ المجالِ رحيبُ

هُم سببٌ بينَ العبادِ وربِّهم

محبُّهُم في الحشرِ ليس يخيبُ

حووا علمَ ما قد كان أو هو كائنٌ

وكلُّ رشادٍ يحتويه طلوبُ

وقد حفظوا كلَّ العلومِ بأسرِها

وكلّ بديعٍ يحتويه غيوبُ

هُم حسناتُ العالمين بفضلِهِمْ

وهم للأعادي في المعادِ ذنوبُ

وجمع العلّامه السّماوي شعر الناشي في أهل البيت (عليهم‌السلام ) يربو على ثلاثمئة بيتاً.

(١) لسان الميزان - ابن حجر ٤ / ٢٣٨ - ٢٣٩.


على قبر الحُسين بن علي(١) .

رؤيا ابن الفرزدق أباه، وإخباره بأنّ الله غفر له بزيارة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال ابن العديم : وقال ابن المأمون : حدّثنا أبو بكر محمّد بن القاسم الأنباري، قال : حدّثنا أبي، قال : حدّثنا أبو سعيد الغاضري، قال : حدّثنا أبو عثمّان المازني، قال : حدّثنا الأصمعي، عن أعين بن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال : رأيت أبي في النوم بعد موته، فقلتُ له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي بقصدي الحُسين (عليه‌السلام )، وسلامي عليه(٢) .

____________________

(١) عيون الأخبار في مناقب الأخيار - الشريف أبو المعالي المرتضى الحُسيني البغدادي / ٥٠ نسخة مكتبة الفاتيكان نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٣٠.

(٢) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦١٤، وذكر الرواية السّابقة على هذا إلى ابن المأمون بهذا السند، قال : أنبأنا أبو علي الحسن بن هبة الله بن الحسن بن علي الدوامي، قال : أخبرنا القاضي محمّد بن عمر بن يوسف الأرموي، قال : أخبرنا الشريف أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن المأمون



الفصل العاشر

فيما يتعلق برأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )



فيما يتعلّق برأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

أوّلُ رأسٍ رُفع على خشبة

روى الطبري قال : قال الحارث : قال ابن سعد : أخبرنا محمّد بن عمر، قال : أخبرنا عطاء بن مسلم، عمن أخبره، عن عاصم ابن أبي النّجود، عن زر بن حبيش قال : أوَّل رأس رُفع على خشبة رأس الحُسين (عليه‌السلام )، وصلّى الله على روحه(١) .

وروى الطبري أيضاً قال : وقال محمّد بن عمر عن أبي معشر : قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام ) لعشر خلون من المحرّم قال الواقدي : وهذا الثبت قال محمّد بن عمرو : حدّثنا عطاء بن مسلم أخبرهعن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش قال : أوَّل رأس رفع على خشبة رأس الحُسين (عليه‌السلام )(٢) .

وروى ابن العديم قال : حدّثنا محمود قال : حدّثنا محمّد بن موسى بن داود قال : حدّثني محمّد بن سعد قال : حدّثني الواقدي قال : حدّثنا عيسى بن عبد الرحمن السّلمي، عن الشعبي قال : أوَّل رأس حُمِلَ في الإسلام على خشبة رأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام )(٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٠١.

(٢) المنتخب من ذيل المذيل - الطبري / ٢٥.

(٣) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٤٦.


سطوعُ النور من مكان رأسه (عليه‌السلام ) إلى عنان السّماء(١) ، وإسلام الراهب بسببه، وصيرورة الدنانير خزفاً

روى ابن حبّان والقندوزي واللفظ للأوّل قال : ثمّ أنفذ عُبيد الله بن زياد رأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) إلى الشام، مع اُسارى النّساء والصبيان من أهل بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أقتاب، مكشّفات الوجوه والشعور، فكانوا إذا نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من الصندوق وجعلوه في رمح وحرسوه إلى وقت الرحيل، ثمّ اُعيد الرأس إلى الصندوق ورحلوا، فبينما هم كذلك إذ نزلوا بعض المنازل وإذا فيه دير راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم وجعلوه في الرمح وأسندوا الرمح إلى الدير، فرأى الديراني بالليل نوراً ساطعاً من ديره إلى السّماء، فأشرف على القوم وقال لهم : مَنْ أنتم ؟ قالوا : نحن أهل الشام قال : وهذا رأسُ مَنْ هو ؟ قالوا : رأس الحُسين بن علي.

قال : بئس القوم أنتم ! والله، لو كان لعيسى ولدٌ لأدخلناه أحداقنا ثمّ قال : يا قوم، عندي عشرة آلاف دينار ورثتها من أبي، وأبي من أبيه، فهل لكم أنْ تعطوني هذا الرأس ليكون عندي الليلة واُعطيكم هذه العشرة آلاف دينار ؟ قالوا : بلى فأحضر إليهم الدنانير، فجاؤوا بالنقّاد ووُزنت الدنانير ونُقّدت، ثمّ جُعِلَت في جراب وخُتِمَ عليه، ثمّ اُدْخِلَ الصندوق وشالوا إليه الرأس، فغسله الديراني ووضعه على فخذه، وجعل يبكي الليل كلّه عليه، فلمـَّا أنْ أسفر عليه الصبح قال : يا رأس، لا أملك إلّا نفسي، وأنا أشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ جدَّك رسولُ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأسلم النصراني وصار مولى للحُسين (عليه‌السلام ).

____________________

(١) تقدّم في أوَّل فصل أحداث الكوفة سطوع النور من رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) برواية الطبري وابن كثير، وأيضاً في العنوان الذي بعده : (فيما فعله شمر بزوجته لمـَّا منعته من أخذ الرأس الشريف).


ثمّ أحضر الرأس إليهم فأعادوه إلى الصندوق ورحلوا، فلمـَّا قربوا من دمشق قالوا : نحبُّ أنْ نُقسّم تلك الدنانير ؛ لأنّ يزيد إنْ رآها أخذها منَّا، ففتحوا الصندوق وأخرجوا الجراب بختمه وفتحوه، فإذا الدنانير كلُّها قد تحوّلت خزفاً، وإذا على جانب من الجانبين من السّكة مكتوب :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمونَ ) (١) وعلى الجانب الآخر :( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) قالوا : قد افتضحنا والله ثمّ رموها في (بَردى) نهر لهم، فمنهم مَنْ تاب مِنْ ذلك الفعل لِما رأى، ومنهم مَنْ بقى على إصراره، وكان رئيس مَنْ بقى على ذلك الإصرار سنان بن أنس النخعي ثمّ أركب الاُسارى من أهل بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من النّساء والصبيان أقتاباً يابسة، مكشّفات الشعور، واُدخلوا دمشق كذلك، فلمـَّا وضع الرأسُ بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينقر ثنيّته بقضيب كان في يده، ويقول : ما أحسن ثناياه !

قد ذكرت كيفية هذه القصة . في أيام بني اُميّة وبني العبّاس في كتاب الخلفاء، فأغنى عن إعادة مثلها في هذا الكتاب ؛ لاقتصارنا على ذكر الخلفاء الراشدين منهم في أوَّل هذا الكتاب(٣) .

ورواه ابن الجوزي وابن حجر، وأبو بكر الحضرمي والقندوزي، واللفظ للأوّل قال : ذكر عبد الملك بن هاشم في كتاب (السّيرة) : أنبأنا القاضي الأسعد أبو البركات عبد القوي بن أبي المعالي بن الحبّار السعدي في جمادى الاُولى سنة تسع وستمئة بالديار المصرية (قراءة عليه ونحن نسمع)، قال : أنبأنا أبو محمّد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي في جمادى الاُولى

____________________

(١) سورة إبراهيم / ٤٢.

(٢) سورة الشعراء / ٢٢٧.

(٣) الثقات - ابن حبان ٢ / ٣١٢ - ٣١٣، ينابيع المودّة - القندوزي ٣ / ٢٩ بإيجاز.


سنة خمس وخمسين وخمسمئة، قال : أنبأنا أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي، أنبأنا أبو محمّد عبد الرحمن بن عمر بن سعيد النّحاس النحيي، أنبأنا أبو محمّد عبد الله بن جعفر بن محمّد بن زنجويه البغدادي، أنبأنا أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، أنبأنا أبو محمّد عبد الملك بن هشام النحوي البصري، قال : لـمَّا أنفذ ابن زياد رأس الحُسين (عليه‌السلام ) إلى يزيد بن معاوية مع الاُسارى موثّقين في الحبال، منهم نساء وصبيان وصبيّات من بنات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على أقتاب الجمال موثّقين، مكشّفات الوجوه والرؤوس، وكُلَّما نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من صندوق أعدّوه له، فوضعوه على رمح وحرسوه طول الليل إلى وقت الرحيل، ثمّ يعيدونه إلى الصندوق ويرحلون، فنزلوا بعض المنازل، وفي ذلك المنزل دير فيه راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم ووضعوه على الرمح وحرسه الحرس على عادتهم، وأسندوا الرمح إلى الدير، فلمـَّا كان في نصف الليل رأى الراهب نوراً من مكان الرأس إلى عنان السّماء، فأشرف على القوم وقال : مَنْ أنتم ؟ قالوا : نحن أصحاب ابن زياد قال : وهذا رأس مَنْ ؟ قالوا : رأس الحُسين بن علي بن أبي طالب، ابن فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : نبيِّكم ؟ قالوا : نعم قال : بئس القوم أنتم ! لو كان للمسيح ولدٌ لأسكنّاه أحداقنا.

ثمّ قال : هل لكم في شيء ؟ قالوا : وما هو ؟ قال : عندي عشره آلاف دينار تأخذوها وتعطوني الرأس يكون عندي تمام الليلة، وإذا رحلتم تأخذوه قالوا : وما يضرّنا ! فناولوه الرأس وناولهم الدنانير، فأخذه الراهب فغسله وطيّبه، وتركه على فخذه وقعد يبكي الليل كلّه، فلمَّـا أسفر الصبح قال : يا رأس، لا أملك إلّا نفسي، وأنا أشهد أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ جدَّك


محمّداً رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، واُشهدُ الله أنني مولاك وعبدك ثمّ خرج عن الدير وما فيه وصار يخدم أهل البيت (عليهم‌السلام ).

قال ابن هشام في السّيرة : ثمّ إنّهم أخذوا الرأس وساروا، فلمـَّا قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض : تعالوا حتّى نقسّم الدنانير لا يراها يزيد فيأخذها منَّا فأخذوا الأكياس وفتحوها وإذا الدنانير قد تحوَّلت خزفاً، وعلى أحد جانبي الدينار مكتوب :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمونَ ) (١) وعلى الجانب الآخر :( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) . فرموها في بَرَدى(٣) .

الرأسُ الشريف ينطق بأذن الله تعالى

عن المنهال بن عمرو يسمع الرأس يقرأ من سورة الكهف

روى ابن عساكر، وابن منظور، وعبد الرؤوف المناوي، وصاحب إسعاف الراغبين، والشبلنجي، والصالحي الشامي، والسّيوطي، والطحطاوي، واللفظ للأوّل قال : أنبأنا أبو محمّد بن الأكفاني، نا عبد العزيز الكتّاني، نا أبو محمّد عبد الله بن الحسن بن الفضيل الكلاعي، وأبو عبد الله محمّد بن يعقوب الطائي الحمصيان قال : أنا أبو عبد الله بن خالويه النحوي، نا أبو الحُسين بن مخزوم الحافظ، حدّثني محمّد بن علي بن العبّاس الصيرفي، نا أحمد بن محمّد بن سليمان القاضي، عن عبد الله بن زاهر الرازي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو قال : أنا والله، رأيت

____________________

(١) سورة إبراهيم / ٤٢.

(٢) سورة الشعراء / ٢٢٧.

(٣) تذكرة الخواصّ / ٢٣٦ ط منشورات الشريف الرضي، الصواعق المحرقة / ١١٩، كتاب رشفة الصادي - العلّامه أبو بكر الحضرمي / ١٦٣ رواه عن التذكرة بإيجاز، ينابيع المودّة - القندوزي / ٣٢٥، رواه عن الصواعق المحرقة وبَرَدى : نهر بدمشق مخرجه من الزبداني.


رأس الحُسين بن علي حين حُمل - وأنا بدمشق - وبين يدي الرأس رجل يقرأ سورة الكهف حتّى بلغ قوله تعالى :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (١) قال : فأنطق الله الرأس بلسان ذرب، فقال : (( أعجبُ من أصحاب الكهف قتلي وحملي ))(٢) .

____________________

(١) سورة الكهف / ٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٠ / ٣٧٠، مختصر تاريخ مدينة دمشق - اابن منظور ٢٥ / ٣٧٤، الكواكب الدرّيّة - عبد الرؤوف المناوري ١ / ٥٧، إسعاف الراغبين المطبوع في هامش نور الأبصار / ١٢٥، نور الأبصار - الشبلنجي / ١٢٥، سبل الهدى والرشاد ١١ / ٧٦، الخصائص الكبرى ٢ / ١٢٧، المنحة الوهبيّة - الطحطاوي / ٣٤، وذكر شواهد كثيرة على تكلّم [ الرأس ] بعد الموت، وذكر مَن اُحي بعد القتل فيض القدير - المناوي ١ / ٢٦٥، وقال : وقال ابن عساكر : إسناده مجهول.

أقول : لم أرَ هذا القول لابن عساكر، نعم ذكر هذه الرواية في ترجمة المنهال بن عمرو، وذكر مَنْ وثّقه ومَنْ ضعّفه ومَنْ قال عنه : سيء المذهب ؛ فإنْ كان سبب كون الإسناد مجهولاً هو المنهال بن عمرو فهو عند بعضهم معروف بالوثاقة كما ذكر ابن عساكر في تاريخه ٦٠ / ٣٧١ - ٣٧٢، فقال : أنا أبو طاهر، أنا علي قال : أنا ابن أبي حاتم قال : ذكره أبي عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنّه قال : أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر، أنا أحمد بن عبد الملك، أنا ابن السقّاء، نا الأصم، نا عبّاس قال : سمعت يحيى يقول : المنهال بن عمرو ثقة.

قال : وسمعت يحيى يقول : قد روى شعبة عن المنهال بن عمرو، وروى شعبة عن منصور عن المنهال، أخبرنا أبو البركات الأنماطي وأبو عبد الله البلخي قالا : أنا أبو الحُسين بن الطيوري وثابت بن بندار قالا : أنا أبو عبد الله الحُسين بن جعفر، وابن عمِّه أبو نصر محمّد بن الحسن قالا : أنا الوليد بن بكر، أنا علي بن أحمد بن زكريا، أنا صالح بن أحمد، حدّثني أبي قال : المنهال بن عمرو كوفي ثقة.

أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل وغيره في كتبهم عن أبي بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ قال : قلت للدارقطني: فالمنهال بن عمرو ؟ فقال : صدوق.

أخبرنا أبو البركات الأنماطي، أنا أبو بكر محمّد بن المظفر، أنا أبو الحسن العتيقي، أنا يوسف بن أحمد، أنا أبو جعفر العقيلي، نا عبد الله بن أحمد قال : سمعت أبي يقول : أبو بِشْر أحبُّ إليَّ من المنهال بن عمرو قلتُ له : أحبُّ إليك من المنهال ؟ قال : نعم [ حباً ] شديداً ؛ أبو بشر أوثق، إلّا أنّ المنهال أسنّ تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٠ / ٣٧١ - ٣٧٢.


زيدُ بن أرقم يسمع الرأس الشريف يقرأ من سورة الكهف

قال البدخشي : وروي عن زيد بن أرقم (رضي‌الله‌عنه ) أنّه قال : مرَّ به عليَّ وهو على رمح وأنا في غرفة، فلمـَّا حاذاني سمعته يقرأ :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (١) فوقف والله، شعري، وناديت : رأسك، والله يابن رسول الله، وأمرك أعجب وأعجب!(٢)

وذكرها أيضاً الإسفراييني : أمر ابن زياد أنْ يطوف القوم برأس الحُسين (عليه‌السلام )، ويشهروه بالكوفة، فحملوه على رمح وطافوا به قال زيد بن أرقم : مرَّ عليَّ برأس الحُسين (عليه‌السلام ) - وهو على رمح طويل - فلمَّا دنا منِّي سمعته يقول :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (٣) فرفعت صوتي وناديت : رأسك أعجب يابن بنت رسول الله !

ثمّ بكى وجعل يقول :

رأسُ الحُسين ابنِ النبيِّ محمّد

للناظرينَ على قناةٍ تُرفعُ

والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ

لا منكرٌ منهم ولا متفجِّعُ

____________________

(١) سورة الكهف / ٩.

(٢) مفتاح النجا في مناقب آل العبا / ١٤٥ ( المخطوط ) للبدخشي - نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٥٢.

(٣) سورة الكهف / ٩.


كُحِلَّتْ بمنظرِك العيونُ عمايةً

وأصمَّ شأنُك كلَّ اُذْنٍ تسمعُ

أيقظتَ أجفاناً وكنتَ لها كرىً

وأنمتَ عيناً لم تكنْ تتهجَّعُ

ما روضةٌ إلّا نَمَتْ ثمارُها

ما حفرةٌ إلّا وفيها مضجعُ(١)

أقول : قد تقدّم في فصل الأخبار الغيبيّة عن الشهادة الحُسينيّة، نطق رأس النّبي يحيى (عليه‌السلام ).

وأيضاً ورد في رأس سعيد بن جبير (رضوان الله عليه)، قال الذهبي : وعن خلف بن خليفة، عن أبيه قال : شهدت مقتل سعيد (رحمه‌الله )، فلمـَّا بانَ رأسه قال : لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله، ولمْ يتم الثلاثة(٢) .

وقال ابن سعد : أخبرنا مالك بن إسماعيل قال : سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لـمَّـا قُتِلَ سعيد بن جبير (رحمه‌الله )، فندر رأسه هلَّل ثلاثاً، مرةً يفصح بها وفي الثنتين يقول مثل ذلك فلا يفصح بها(٣) .

وقد ذكر الطحطاوي في (المنحة الوهبيّة) شواهد كثيرة على تكلُّم الموتى، وذكر أيضاً مَنْ عادت له الحياة بعد القتل(٤) .

الرأسُ الشريف يقرأ الآية :( فَسَيَكْفِيكَهُم اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم )

روى ابن عساكر قال : حدّثنا أبو الحسن علي بن المسلم ( لفظاً )، نا عبد العزيز بن أحمد، أنا تمام بن محمّد وأبو الليث أسد بن القاسم الحلبي قالا : أنا الفضل بن جعفر بن محمّد

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الإسفراييني / ٥٩ - ٦٠.

(٢) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ٣٣٤، حلية الأولياء - الإصبهاني ٤ / ٢٩١.

(٣) الطبقات الكبرى - ابن سعد ٦ / ٢٧٥ وفي ط ص٢٦٥، سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٤٠.

(٤) المنحة الوهبيّة - الطحطاوي / ٣٤.


التميمي المؤذّن، نا أبو الحسن محمّد بن أحمد العسقلاني (بطبرية)، نا علي بن هارون الأنصاري، نا محمّد بن أحمد المصري، نا صالح، نا معاذ بن أسد الحراني، نا الفضل بن موسى الشيباني، نا الأعمش، نا سلمة بن كهيل قال : رأيت رأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) على القنا وهو يقول :( فَسَيَكْفِيكَهُم اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ) (١) .

قال الفضل بن جعفر : فقلت لأبي الحسن العسقلاني : الله إنّك سمعته من علي بن هارون ؟ قال : الله إنّي سمعته منه قال تمام وأسد : قلنا للفضل بن جعفر : الله إنّك سمعته من أبي الحسن العسقلاني ؟ قال : الله إنّي سمعته منه قال عبد العزيز : قلت لتمام وأسد : الله إنّكما سمعتماه من الفضل بن جعفر ؟ قالا : الله إننا سمعناه منه قال أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، قلت لعبد العزيز : الله إنّك سمعته من تمام وأسد ؟ قال : الله إنّي سمعته منهما قلنا للفقيه أبي الحسن : الله إنّك سمعته من عبد العزيز ؟ قال : الله إنّي سمعته منه رواه الميداني عن الفضل، وقال معاذ بن أسد الخراساني : وهو الصواب(٢) .

رأسُ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) يخاطب يهودياً فيسلم مع ذويه

وفي مقتل الخوارزمي قال : وروي أنّ [ رأس ] الحُسين (عليه‌السلام ) لـمَّا حُمل إلى الشام، وجنَّ عليهم الليل، نزلوا عند رجل من اليهود، فلمـَّا شربوا وسكروا قالوا له : عندنا رأس الحُسين فقال لهم : أروني إيّاه فأروه إيّاه بصندوق يسطع منه النور إلى السّماء، فعجب اليهودي واستودعه منهم فأودعوه عنده، فقال للرأس - وقد رآه بذلك الحال - : اشفع لي

____________________

(١) سورة البقرة / ١٣٧.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٢٢ / ١١٧.


عند جدِّك فأنطق الله الرأس وقال : (( إنّما شفاعتي للمحمّديّين، ولستَ بمحمّدي )) فجمع اليهودي أقرباءه، ثمّ أخذ الرأس ووضعه في طست وصبَّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر، ثمّ قال لأولاده وأقربائه : هذا رأس ابن بنت محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثمّ قال : وا لهفاه ! لمْ أجد جدَّك محمّد (صلى الله عليه وآله) فأسلم على يديه، ثمّ وا لهفاه ! لمْ أجدك حيّاً فاُسلم على يديك واُقاتل دونك، فلو أسلمتُ الآن أتشفع لي يوم القيامة ؟ فأنطق الله الرأس، فقال بلسان فصيح : (( إنْ أسلمت فأنا لك شفيع )) قالها ثلاث مرّات وسكت، فأسلم الرجل وأقرباؤه(١) .

ثمّ قال الخوارزمي تأييداً لهذه الحادثة : أقول : لعلَّ هذا الرجل اليهودي كان راهب (قنسرين) ؛ لأنّه أسلم بسبب رأس الحُسين (عليه‌السلام )، وجاء ذكره في الأشعار، وأورده الجواهري(٢) ، والجرجاني في مراثي الحُسين (عليه‌السلام )، كما سيرد عليك في موضعه إنْ شاء الله.

وقال أيضاً : ومثل هذا يجوز إذا أخبر به النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه سيكون بعدي كذا وكذا، كما أخبر عن بقيلة بنت الشمّاء الأزدية صاحبة الحيرة، وكما أخبر سفينة مولاه أنّه يكلمه الأسد، وكما أخبر(٣) عن تبليغ صوت عمر من المدينة إلى نهاوند حين افتتحوها،

____________________

(١) مقتل الخوارزمي ٢ / ١١٥ - ١١٦ في الفصل الثاني عشر، في بيان عقوبة قاتل الحُسين (عليه‌السلام )، رقم الرواية ٤٩.

(٢) وهذه القصيدة قد تقدّمت - في الهامش - عند ذكر هذه الواقعة في طريقهم بحرم الحُسين (عليه‌السلام ) إلى الشام، ونذكرها في فصل الرثاء.

(٣) أقول : هذا على حسب الإدّعاء.


وفي حربها صاح عمر(١) : يا سارية الجبل في أخبار له كثيرة(٢) .

لـمـَّا جاؤوا بالرأس الشريف إلى قصر الإمارة سالت حيطانها دماً

روى ابن عساكر والمزّي، ومحبّ الدين الطبري وابن حجر الهيتمي، وابن العديم وابن منظور، واللفظ للأوّل : قال : أنا البغوي، حدّثني أحمد بن محمّد بن يحيى بن سعيد، نا زيد بن الحباب، حدّثنا وقال أبو غالب : حدّثني أبو يحيى مهدي بن ميمون، قال : سمعت مروان مولى هند بنت المهلّب يقول : وقال أبو غالب : حدّثني بوّاب عُبيد الله بن زياد أنّه لـمـَّا جيء برأس الحُسين (عليه‌السلام )، فوضع بين يديه، رأيت حيطان دار الإمارة تسايل دماً(٣) .

رجلٌ يُعذّبه صلاح الدين بالخنافس ولا يصيبه شيء ؛ لحمله رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الشبراوي والقلقشندي والشبلنجي، واللفظ للأوّل قال :

____________________

(١) أقول : قد تقدّمت هذه الحادثة في طريقهم بحرم الحُسين (عليه‌السلام ) إلى الشام، تحت عنوان : ( لقاؤهم يهوديّاً في طريقهم إلى الشام . )، ونقلت تعليق صاحب الغدير (قدس‌سره ) على قول عمر بن الخطاب : يا سارية الجبل.

(١) مقتل الخوارزمي ٢ / ١١٦، في الفصل الثاني عشر في بيان عقوبة قاتل الحُسين (عليه‌السلام )، رقم الرواية ٤٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٢٩، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٣٦٠، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣٤، ذخائر العقبى - أحمد بن عبد الله الطبري / ١٤٥، الصواعق المحرقة - ابن حجر الهيتمي / ٢٩٥ مطبعة دار الكتب العلميّة، بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣٩، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٧ / ١٥٠ من إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣٦٢.


وقال عبد الظاهر : قد ذُكر أنّ الملك الصالح طلايع بن زريك لـمـَّا قصد نقل الرأس الشريف من عسقلان ؛ خوفاً عليه من الإفرنج، بنى جامعه - الذي هو الآن - خارج باب ذويلة ليُدفن الرأس فيه، ويفوز بهذا الفخار، فغلب أهل القصر على ذلك وقالوا : لا يكون ذلك إلّا عندنا فعمدوا إلى هذا المكان وبنوه ونقلوا إليه الرخام، وذلك في خلافة الفايز علي بن طلايع في سنة تسع وأربعين وخمسمئة.

وحُكي أنّ السّلطان صلاح الدين يوسف وُشِيَ له مرّة بخادم من خَدَمة القصر المذكور كان بيده ذمام القصور، وقيل له : إنّه يعرف موضع الأموال والدفائن التي بالقصر، فاُخِذَ وسُئِلَ فلمْ يذكر شيئاً، وتجاهل، فأمر صلاح الدين بتعذيبه، فأخذه متولّي العقوبة وجعل على رأسه خنافس وشدَّ عليها قرمزية، ويقال : إنّ هذا أشدّ العقوبات ؛ لأنّها تثقب بالرأس فلا يطيق الإنسان الصبر عليه، ففعل به ذلك مراراً، والخنافس توجد ميّتة ولا تؤذيه، فاُخبروا به صلاح الدين فأحضره، وقال : عرّفني ما سبب هذا ؟ فقال : ليس له سبب أعرفه غير أنّه لـمـَّا وصل الرأس الشريف إلى هنا حملته بالديباج والطيب على رأسي حتّى وضعته داخل الضريح فقال صلاح الدين : وأيُّ سبب أشرف من هذا ! وعفى عنه(١) .

أقول : الضريح الموسوم بضريح رأس الحُسين (عليه‌السلام ) في مصر يُحتَمَلُ أنّه رأسُ رجلٍ من أنصار الحُسين (عليه‌السلام ) الذين قُتِلُوا معه، وإلّا فعند الفرقة المحقّة

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٧٩ - ٨٠ ط أمير قم، صبح الأعشى - القلقشندي ٣ / ٣٥١ ط القاهرة، نور الأبصار - الشبلنجي / ١٢٥ ط مصر نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٤٥٥، وقال السيّد المرعشي (قدس‌سره ) تعليقاّ على هذا الحديث : أي لمْ تُأثّر الخنافس فيه ببركة حمله رأس الحُسين (عليه‌السلام )، وكان ذلك في سبيل دفنه أو حفظه عن معرض الإهانة أو غيرهما من الأغراض الصحيحة مآثر الأنافة في معالم الخلافة / ١١٧ ط الكويت، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٥٠١، ذكره في الهامش.


الرأس الشريف رُدَّ إلى كربلاء، وأمَّا ما حصل ويحصل من الكرامات فهي لا تدلّ على وجوده في هذا المكان ؛ وذلك لحصول الكرامات بالتوسّل وغيره مع عدم الحضور، كمَنْ توسّل بالنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو في غير المدينة المنورة - زادها الله نوراً وشرفاً - في قضاء الحوائج فإنّها تُقضى، وأيضاً لا فرق بين قضائهم (عليهم‌السلام ) للموالي وغيره ؛ وذلك لأنّهم أهل الجود والكرم، والسائل لهم تُقضى حوائجه ببركتهم (صلوات الله عليهم أجمعين) بحسب شأنه، كيف وهم يستجيبون إلى عدوِّهم إذا عرف أنّهم أهل المسألة والفيض والكرم.

قال المناوي في شرح : (( عليٌّ عيبةُ علمي )) : أي مظنّة استفصاحي وخاصّتي، وموضع سرّي ومعدن نفائسي، والعيبة ما يحرز الرجل فيه نفائسه قال ابن دريد : وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه باُموره الباطنة التي لا يطّلع عليها أحد غيره، وذلك غاية في مدح عليٍّ (عليه‌السلام )، وقد كانت ضمائر أعدائه منطوية على اعتقاد تعظيمه.

وفي شرح الهمزيّة : إنّ معاوية كان يُرْسِلُ ليسأل عليّاً عن المشكلات فيجيبه، فقال أحد بنيه : تجيب عدوَّك ؟! قال : (( أما يكفينا أنْ احتاجنا وسألنا ؟ ))(١) .

أقول : وكذا المنامات التي رؤيت، فإنّها إنْ ثبتت في مشهد الرأس لا تعارض ما عليه الفرقة المحقّة ؛ إذ المنامات موضع للتأويل والتفسير.

عقابُ مَنْ أخذ رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) وحشاه مسكاً

قال أبو إسحاق الإسفراييني : ( قال الراوى) : ثمّ لـمـَّا أنْ طافوا بالرأس جميع الكوفة سلَّموها إلى عمر المخزومي، وأمروه أنْ يحشوها مسكاً وكافوراً ففعل ذلك، فما أتم فعله حتّى

____________________

(١) فيض القدير - المناوي ٤ / ٣٥٦.


بُلِيَتْ يده، ووقعت بها الأكلة وتهرَّت(١) .

أقول : الفرق بين هذا وبين مَنْ قبله، إذ هذا فعل بالرأس ما فعل استهزاءً.

حارسُ الرأس الشريف وما جرى مع الأنبياء (عليهم‌السلام )

تقدّم في الفصل التاسع في الرؤى عن الإسفراييني.

ما فعله عبيدُ الله بن زياد ويزيد بن معاوية برأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

نكتُ الرأس الشريف، برواية القاسم الثقفي عن ابن أرقم(٢)

روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، نا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا أبو العبّاس بن عقدة، نا أحمد بن الحُسين بن عبد الملك، نا إسماعيل بن عامر، نا الحكم بن محمّد بن القاسم الثقفي، حدّثني أبي عن أبيه : أنّه حضر عُبيد الله بن زياد حين اُتي برأس الحُسين (عليه‌السلام )، فجعل ينكت بقضيب ثناياه، ويقول : إنْ كان لحسن الثغر ! فقال له زيد بن أرقم : ارفع قضيبك ؛ [ فطالما ] رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يلثمّ موضعه فقال : إنّك شيخ قد خرفت فقام زيد يجرّ ثوبه(٣) .

نكتُ الرأس الشريف، برواية داود السبيعي عن ابن أرقم

روى ابن عساكر أيضاً :

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الإسفراييني / ٦٠، وفي ط ص٥١.

(٢) قد تقدّم ذكر هذه الواقعة في أحداث الكوفة برواية الطبري وغيره من المؤرّخين.

(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر / ١٤ / ٣٦٥.


أخبرنا أبو غالب بن البن، أنا أبو محمّد الجوهري، أنا أبو الفضل الزهري، نا إبراهيم بن عبد الله المحرّمي، نا صالح بن مالك، نا عبد السلام بن مسلم الضمري، نا أبو داود السبيعي، نا زيد بن أرقم قال : كنتُ عند عُبيد الله بن زياد (لعنه الله) إذ اُتِيَ برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فوضع في طست بين يديه، فأخذ قضيباً فجعل يفتر به عن شفته وعن أسنانه، فلم أرَ ثغراً قط كان أحسن منه كأنّه الدّر، فلمْ أتمالك أنْ رفعت صوتي بالبكاء، فقال: ما يبكيك أيُّها الشيخ؟ قال: يُبكيني ما رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقبّل بعض موضع هذا القضيب ويلثمّه، ويقول : (( اللهمَّ، إنّي اُحبّه ))(١) .

نكتُ الرأس الشريف، برواية محمّد بن سيرين عن أنس

روى البخاري قال : حدّثني محمّد بن الحُسين بن إبراهيم، قال : حدّثني حسين بن محمّد، حدّثنا جرير، عن محمّد، عن أنس بن مالك (رضي‌الله‌عنه ) : أتى عبيد الله بن زياد برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فجُعل في طست فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس : كان أشبههم برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكان مخضوباً بالوسمة(٢) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٣٦.

(٢) صحيح البخاري - البخاري ٤ / ٢١٦، مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل ٣ / ٢٦١، فتح الباري - ابن حجر ٧ / ٧٥، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ١٢٦، اُسد الغابة - ابن الأثير ٢ / ١٩، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٢٨٠ قال الذهبي : ورواه جرير بن حازم عن محمّد كنز العمال - الم-تقي الهندي ٣١ / ٦٥٤.


نكتُ الرأس الشريف، برواية علي بن زيد عن أنس

روى الضحاك قال : حدّثنا إبراهيم بن حجّاج، ثنا حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال : لـمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) جيء برأسه إلى عبيد الله بن زياد، فجعل ينكت بقضيبٍ على ثناياه، وقال : إنْ كان لحسنَ الثغر ! فقلت في نفسي : لأسوءنك ؛ لقد رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقبّل موضع قضيبك من فيه(١) .

نكتُ ابن زياد الرأس الشريف، برواية حفصة بنت سيرين عن أنس

روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبد الله، وأبو غالب أحمد بن الحسن، وأبو محمّد عبد الله بن محمّد قالوا : أنا الحسن بن علي، أنا أبو بكر بن مالك، نا عبّاس بن محمّد القراطيسي، نا خلاّد بن أسلم، نا النّضر بن شميل، نا هشام بن حسّان، عن حفصة - هي بنت سيرين - قالت : حدّثني أنس بن مالك قال : كنت عند ابن زياد، فجيء برأس الحُسين (عليه‌السلام ) قال : فجعل يقول بقضيبه في أنفه، ويقول : ما رأيت مثل هذا حُسْناً ! قلتُ : أما إنّه كان أشبههم برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، كذا قال وصوابه عبّاس بن إبراهيم القراطيسي(٢) .

____________________

(١) الآحاد والمثاني - الضحّاك ١ / ٣٠٧، مسند أبي يعلى - أبو يعلى الموصلي ٧ / ٦١، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٣٥، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٤.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ١٢٦ ورواه بطريق آخر إلى خلاّد، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٢٨١.


نكتُ الرأس الشريف، برواية ثابت وحميد عن يونس

وقال ابن كثير : وقال البزّار : حدّثنا مفرج بن شجاع بن عُبيد الله الموصلي، ثنا غسّان بن الربيع، ثنا يونس بن عُبيدة، عن ثابت وحميد، عن أنس قال : لمـَّا اُتي عبيد الله بن زياد برأس الحُسين (عليه‌السلام ) جعل ينكت بالقضيب ثناياه ويقول : لقد كان - أحسبه قال : - جميلاً ! فقلتُ: والله لأسوءنك ؛ إنّي رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يلثمّ حيث يقع قضيبك قال : فانقبض تفرّد به البزّار من هذا الوجه، وقال : لا نعلم، رواه عن حميد غير يونس بن عبدة، وهو رجل من أهل البصرة مشهور، وليس به بأس ورواه أبو يعلى الموصلي، عن إبراهيم بن الحجّاج، عن حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس فذكره ورواه قرّة بن خالد، عن الحسن عن أنس فذكره(١) .

نكتُ الرأس الشريف، برواية أبي عاصم عن أنس

قال الصالحي الشامي : وروى ابن أبي عاصم، عن أنس (رضي الله تعالى عنه) قال : لـمـَّا قُتِلَ الحُسين بن علي (رضي الله تعالى عنهما) جيء برأسه إلى ابن زياد، فجعل ينكت بقضيب معه على ثناياه، وقال : كان حسن الثغر فقلت في نفسي : لأسوءنك ؛ لقد رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقبّل موضع قضيبك من فيه(٢) .

____________________

(١) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٧.

(٢) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ١١ / ٧٢ , أقول : ولعلّ أبا عاصم كُنية أحد المذكورين.


نكتُ الرأس الشريف، برواية الحسن

روى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، نا عبد العزيز بن أبي طاهر، أنا صدقة بن محمّد بن مروان، نا عثمّان بن محمّد الذهبي، نا إسحاق بن الحسن بن ميمون، نا محمّد بن عبد الوهاب الرياحي، نا معتمر بن سليمان، عن قرّة بن خالد عن الحسن أنّه قال : لمْ ترَ عيني - أو لمْ ترَ عيناي - يوماً مثل يوم اُتِيَ برأس الحُسين (عليه‌السلام ) في طست إلى ابن زياد، فجعل ينكت فاه ويقول : إنْ كان لصبيح ! إنْ كان لقد خضب !(١) .

إلقاءُ الرأس الشريف ونكته، برواية القاسم بن محمّد

قال ابن عساكر : قال القاسم بن محمّد : وما رأيت منظراً قط أفظع من إلقاء رأس الحُسين (عليه‌السلام ) بين يديه وهو ينكته(٢) .

رمي الرأس الشريف بين يدي يزيد بن معاوية

قال ابن العديم : قالوا : ثمّ إنّ ابن زياد جهّز عليَّ بن الحُسين (عليه‌السلام ) ومَن كان معه من الحرم، وجه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زجر بن قيس، ومحقن بن ثعلبة، وشمر بن ذي الجوشن، فساروا حتّى قدموا الشام، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق، وأدخل معهم رأس الحُسين فرمي بين يديه(٣) .

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٤١ / ٢٣٦.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٣٦٦.

(٣) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٣١.


يزيدُ بن معاوية ينكت الرأس الشريف

روى ابن عساكر قال : رجل له صحبة كان عند يزيد بن معاوية حين اُتِيَ برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، إنْ لمْ يكن أبا برزة الأسلمي، أو زيد بن أرقم فهو(١) غيرهما(٢) ، أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد، أنا شجاع بن علي، أنا أبو عبد الله بن مندة، أنا خيثمّة بن سليمان، نا الفضل بن يوسف، نا سعيد بن عثمّان الجزاز، نا عمرو بن شمر، عن محمّد بن سوقة، عن عبد الواحد القرشي قال : لـمـَّا اُتِيَ يزيد بن معاوية برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) تناوله بقضيب، فكشف عن ثناياه، فوالله، ما البرد بأبيض من ثناياه، ثمّ أنشأ يقول :

يفلّقْنَ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

____________________

(١) وقد نقل الخوارزمي في مقتله ٢ / ٦٤ - كما يأتي - : أنّ هذا المعترض هو سمرة بن جندب صاحب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

(٢) وهذا يدفع قول ابن تيميّة، الذي أخذ على نفسه الدفاع عن ملعون فاسق مثل يزيد بن معاوية، حتّى أخذ يبرِّئه من نكث رأس الحُسين (عليه‌السلام )، وقد استدل بالرواية التي ذُكرت عن أنس وأبي برزة الأسلمي، وهما في الكوفة ؛ والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من اعتراض أنس على ابن زياد حينما نكت رأس الحُسين (عليه‌السلام ).

أقول : وهذا الدليل باطل عاطل ؛ لأنّ أكثر ما يثبته هو أنّ أنساً كان في الكوفة، أمّا أنّه لمْ يخرجَ ويذهبَ إلى الشام فهذا لا يدلُّ عليه ؛ خصوصاً مع كونهم طافوا بحرم الحُسين (عليه‌السلام ) ونسائه البلدان في مدّة طويلة، والشيء الأخر إنّا لو سلّمنا دلالتها فهي تدلّ على وجود أنس في الكوفة، وأمّا أبو برزة فهي لا تدلّ على وجوده في الكوفة، لا من قريب ولا من بعيد، بل وحتّى لو سلّمنا أنّ أنساً وأبا برزة في الكوفة فهذا أيضاً لا ينفي ما فعله يزيد بن معاوية ؛ لكون المعترض عليه رجل آخر، كما ذكره ابن عساكر، وابن الأثير، والخوارزمي، وبعد مراجعة كلام المؤرّخين والمحدّثين لا ينكر ما فعله يزيد برأس الحُسين (عليه‌السلام ) إلّا مكابر.


فقال له رجل عنده : يا هذا، ارفع قضيبك ؛ فوالله، لربّما رأيت شفتي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مكانه يقبله فرفعه متذمّراً عليه فغضب(١) .

قال مؤلف الكتاب (ابن الجوزي) : ولـمـَّا جلس يزيد وضعَ الرأس بين يديه، وجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول :

يفلّقْنَ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال أبو برزة - وكان حاضراً - : ارفع قضيبك ؛ فوالله، لربّما رأيت فاه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فيه يلثمه(٢) .

روى ابن الجوزي قال : أنبأنا علي بن عُبيد الله بن الزغواني، قال أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، عن أبي المرزباني، قال : أخبرنا محمّد بن أحمد الكاتب، قال : أخبرنا عبد الله بن أبي سعد، قال : حدّثنا محمّد بن أحمد، قال : حدّثنا محمّد بن يحيى الأحمري، قال : حدّثنا ليث، عن (مجاهد)(٣) ، قال : جيء برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فوضع بين يدي يزيد بن معاوية، فتمثَّل بهذين البيتين يقول :

ليت أشياخي ببدرٍ شهِدُوا

جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ

فأهلّوا واستهلوا فرحاً

ثمّ قالوا لي بغيب لا تُشلْ

قال مجاهد : نافق فيها، ثمّ والله ما بقي من عسكره أحدٌ إلّا تركه(٤) .

روى ابن الأثير قال :

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٨ / ٩٥.

(٢) المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٢.

(٣) كما في البداية والنهاية - لابن كثير ٨ / ١٩٢.

(٤) المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٣.


روى محمّد بن سوقة، عن عبد الواحد القرشي قال : لـمـَّا اُتِيَ يزيد برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) تناوله بقضيب فكشف عن ثناياه، فوالله، ما البرد بأبيض منها، وأنشد :

يفلّقْنَ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهُم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال له رجل عنده : يا هذا، ارفع قضيبك ؛ فوالله، ربّما رأيت شفتي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) فكأنّه يقبله فرفع متذمراً عليه مغضباً، أخرجه أبو نعيم(١) .

وروى الطبري قال : وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول :

يفلّقْنَ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال له أبو برزة : ارفع قضيبك ؛ فوالله، لربَّما رأيت فاه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على فيه يلثمه(٢) .

قال ابن كثير، وابن الجوزي، واللفظ للأوّل : لـمـَّا وضع رأس الحُسين (عليه‌السلام ) بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب - كان في يده - في ثغره، ثمّ قال : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام المرّي :

يفلّقْنَ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال له أبو برزة الأسلمي : أما والله، لقد أخذ قضيبك هذا مأخذاً ؛ لقد رأيت

____________________

(١) اُسد الغابة - ابن الأثير ٥ / ٣٨١، وفي ط ص٢٨٣.

(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٢٩٨، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٢٨.


رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يرشفه ثمّ قال : ألا إنّ هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعه محمّد، وتجيء وشفيعك ابن زياد ثمّ قال : فولّى(١) .

وقد رواه ابن أبي الدُّنيا، عن أبي الوليد، عن خالد بن يزيد بن أسد، عن عمّار الدهني، عن جعفر قال : لـمـَّا وُضِع رأسُ الحُسين (عليه‌السلام ) بين يدي يزيد، وعنده أبو برزة، جعل ينكته بالقضيب، فقال له : ارفع قضيبك ؛ فلقد رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يلثمه(٢) .

روى الخوارزمي قال : ثمّ اُتِيَ بالرأس حتّى وُضِع بين يدي يزيد في طست من ذهب، فنظر إليه وأنشد :

نفلّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعزّ وأظلما

ثمّ أقبل على أهل المجلس وقال : إنّ هذا كان يفخر عليَّ ويقول : (( إنّ أبي خيرٌ من أبي يزيد، واُمِّي خيرٌ من اُمِّ يزيد، وجدِّي خيرٌ من جدّ يزيد )) فهذا هو الذي قتله ؛ فأمّا قوله : بأنّ أباه خيرٌ من أبي، فلقد حاجّ أبي أباه، فقضى الله لأبي على أبيه ؛ وأمّا قوله : بأنَّ اُمِّي خيرٌ من اُمِّ يزيد، فلعمري لقد صدق إنّ فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خيرٌ من اُمِّي ؛ وأمّا قوله : بأنّ جدَّه خيرٌ من جدِّي، فليس لأحد

____________________

(١) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤١٧ قال : قالوا : وجعل يزيد ينكت بالقضيب ثغر الحُسين، وضع رأسه بين يديه، فقال أبو برزة الأسلمي : أتنكت ثغر الحُسين ؟! لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً ربّما رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يرشفه أما أنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد، ويجيء الحُسين (عليه‌السلام ) وشفيعه محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثمّ قام ويُقال : إنّ القائل رجل من الأنصار.

(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٩، المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤١ بإيجاز.


يؤمن بالله واليوم الأخر أنْ يقول : بأنّه خيرٌ من محمّد(١) ؛ وأمّا قوله : بأنّه خيرٌ منّي، فلعله لمْ يقرأ(٢) :( قُلِ اللّهمَّ مَالِكَ الْملْكِ تُؤْتِي الْملْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْملْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كلّ شَيْءٍ قَدِير ) (٣) .

ثمّ دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحُسين (عليه‌السلام )، وهو يقول : لقد كان أبو عبد الله حَسَنَ الـمَضْحَك فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي، أو غيره من الصحابة، وقال له : ويحك يا يزيد ! أتنكت بقضيبك ثغر الحُسين بن فاطمة (عليهما‌السلام ) ؟! لقد أخذ قضيبك هذا مأخذاً من ثغره ؛ أشهد لقد رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن (عليه‌السلام )، ويقول : (( إنّهما سيِّدا شباب أهلِ الجنّة، وقتل الله قاتلهما ولعنه، وأعدَّ له جهنمَّ وساءت مصيراً )) أمّا أنت يا يزيد، فتجيء يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك، ويجيء هذا ومحمّد شفيعه.

فغضب يزيد وأمر بإخراجه من المجلس فاُخْرِجَ سحباً، وجعل يزيد بعده يتمثّل بأبيات ابن الزبعري، وسنوردها من طريق مسند إنشاء الله.

____________________

(١) نعم إنّ الذي يؤمن بالله لا يقول مثل هذا، ولكن مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخر مثل الملحد فإنّه يقول هذا وغيره، ويزيد بن معاوية لا يؤمن بهذا ؛ لاشتهار كفره ومن شواهده قوله : ليت أشياخي ببدر شهدوا . وفعل ما فعل بالعترة الطاهرة، وقد تقدّم في ترجمته ما يبيِّن ذلك.

(٢) لعل بعض النواصب يتمسّك بهذه الآية ليزيد بن معاوية ! فحقّاً له أنْ يتمسّك بها على براءة السارق والغاصب من الناس حقوقهم ؛ وذلك لأنّه ملْكٌ أتاه الله إيّاه !! وما هذا إلّا من سخف العقول التي ابتعدت عن الحقّ واستولى عليها الشيطان ؛ إذ الملْكُ الذي يؤتيه الله مَنْ يشاء هو ما كان بحقٍّ، لا - والعياذ بالله - بطريق الباطل.

(٣) سورة آل عمران / ٢٦، وفي المطبوع نقص في بعض كلمات هذه الآية.


وقيل : إنّ الذي ردَّ على يزيد ليس أبا برزة، بل هو سمرة بن جندب صاحب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال ليزيد : قطع الله يديك يا يزيد، أتضرب ثناياً طالما رأيتُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقبّلهما، ويلثم هاتين الشفتين ؟! فقال له يزيد : لولا صحبتك لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لضربت - والله - عنقك فقال سمرة : ويلك ! تحفظ لي صحبتي من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولا تحفظ لابن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بنوّته ؟! فضجَّ الناس بالبكاء وكادت أن تكون فتنة(١) .

يزيدُ بن معاوية يضرب الرأس الشريف

روى ابن الجوزي قال : أخبرنا ابن ناصر، قال : أخبرنا ابن أحمد السرّاج، قال : أخبرنا أبو طاهر محمّد بن علي، قال : أخبرنا أبو الحُسين ابن أخي ميمي، قال : أخبرنا أبو الحُسين بن صفوان، قال عبد الله بن محمّد القرشي : حدّثني محمّد بن صالح، قال : حدّثنا علي بن محمّد، عن خالد بن يزيد بن بشر السكسكي، عن أبيه، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي قال : قُدم برأس الحُسين (عليه‌السلام )، فلمـَّا وضع بين يدي يزيد ضربه بقضيب كان في يده، ثمّ قال :

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ٦٣، وروى البلاذري في هذا المقام - أنساب الأشراف ٣ / ٤١٥ - قال: وقال الهيثم بن عدي بن عوانة : لـمـَّا وُضع رأس الحُسين (عليه‌السلام ) بين يدي يزيد تمثّل ببيت الحصين بن حمام المرّي :

يُفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

وروى البلاذري أيضاً في أنساب الأشراف ٣ / ٤١٥ قال : حدّثني عمرو الناقد وعمر بن شبّه قالا : ثنا أبو أحمد الزبيري، عن عمِّه فضيل بن الزبيد، وعن أبي عمر البزّاز، عن محمّد بن عمرو بن الحسن قال : لـمـَّا وُضع رأس الحُسين بن علي بين يدي يزيد قال متمثّلاً :

يُفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما


يفلّقْنَ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(١)

يزيدُ بن معاوية يطعن الرأس الشريف بقضيبه

قال ابن كثير : قال ابن أبي الدُّنيا : وحدّثني مسلمة بن شبيب، عن الحميدي، عن سفيان : سمعت سالم بن أبي حفصة قال : قال الحسن : لـمـَّا جيء برأس الحُسين (عليه‌السلام ) جعل يزيد يطعن بالقضيب، قال سفيان : واُخْبِرْتُ أنّ الحصين كان ينشد على إثر هذا :

سميّةُ أمسى نسلُها عددَ الحصى=

وبنتُ رسولِ الله ليس لها نسلُ(٢)

ابنُ زياد (لعنه الله) يضع رجله على فم الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي : وقال هشام بن محمّد : لـمـَّا وُضع الرأس بين يدي ابن زياد قال له كاهنه : قُم فضع قدمك على فمِ عدوِّك فقام فوضع قدمه على فيه، ثمّ قال لزيد بن أرقم : كيف ترى ؟ فقال : والله، لقد رأيتُ رسولَ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واضعاً فاه حيث وضعت قدمك(٣) .

____________________

(١) المنتظم في تاريخ الملوك والاُمم - ابن الجوزي ٥ / ٣٤٢ - ٣٤٣ أقول : وفي العقد الفريد، والإمامة والسياسة ٢ / ١٢ فيما نقلاه من مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) : فقد ذكرا ما ظاهره أنّ الملعون يزيد بن معاوية لمـَّا غضب من الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ) جعل يعبث بلحية الإمام الحُسين (عليه‌السلام ).

(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٠٩.

(٣) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٣١ منشورات الشريف الرضي.


اكتحالُ يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد بدم الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال البكري الدمياطي، وابن عابدين، واللفظ للأوّل : وقال العلّامه صاحب جمع التعاليق : يُكره الكحل يوم عاشوراء ؛ لأنّ يزيد وابن زياد اكتحلا بدم الحُسين (عليه‌السلام ) هذا اليوم، وقيل : بالثمد لتقرّ عينهما بفعله(١) .

التقويرُ والتمثيل برأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي : وذكر عبد الله بن عمرو الورّاق في كتاب المقتل : أنّه لـمـَّا [ اُحضر ] الرأس بين [ يدي ] ابن زياد أمر حجّاماً فقال : قوّره وأخرج لغاديده ونخاعه وما حوله من اللحم. واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم(٢) .

قال اليافعي : وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور ؛ وهو أنّ عُبيد الله بن زياد أمر أنْ يقوّر الرأس المشرّف المكرّم حتّى يُنصب في الرمح، فتحامى الناس عن ذلك، فقام من بين الناس رجل يقال له : طارق بن المبارك، بل هو ابن المشؤوم المذموم، فقوّره ونصبه بباب المسجد الجامع، وخطب خطبة لا يحلُّ ذكرها(٣) .

ثقبُ دماغ الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

ذكر المسعودي فيما قاله صالح بن علي لبنات مروان، قال :

____________________

(١) إعانة الطالبين - البكري الدمياطي ٢ / ٣٠١، حاشية ردّ المحتار - ابن عابدين ٦ / ٧٥٢.

(٢) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٢٣٣ منشورات الشريف الرضي.

(٣) مرآة الزمان وعبرة اليقظان - اليافعي / ٢٧٣ نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


. ألمْ يقتل يزيدُ بن معاوية بن أبي سفيان الحُسينَ بن علي أبي طالب (عليه‌السلام ) على يدَي عمر بن سعد، مع ما قتل بين يديه من أهل بيته ؟! ألمْ يخرج بحرم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سبايا حتّى ورد بهنَّ على يزيد بن معاوية، وقبل مقدمهنَّ بعث إليه برأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، قد ثُقب دماغه، على رأس رمح يُطافُ به كوَر الشام ومدائنها حتّى قدموا به على يزيد في دمشق، كأنّما بعث إليه برأس رجل من أهل الشرك ؟! ثمّ أوقف حرم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) موقف السبي، يتصفحهنَّ جنودُ أهل الشام الجفاة الطغام، ويطلبون منه أنْ يهب لهم حرم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ استخفافاً بحقِّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وجرأة على الله (عزَّ وجل)، وكفراً لأنعمه ؟! فما الذي استبقيتم منَّا أهل البيت لو عدلتم فيه علينا ؟!(١) .

ضربُ الرأس الشريف بحجر . ومعجزة السيدة اُمِّ كلثوم (عليها‌السلام )

وفي نور العين قال الإسفراييني : قال سهيل : ثمّ نظرت إلى روشن عليه خمس نسوة، وفيهم عجوز محدودبة الظهر، فلمـَّا وصل الرأس قبالها ضربته بحجر، فنظرتها اُم كلثوم (عليها‌السلام ) فقالت : اللهمَّ، أهلكها ومَن معها فما استتم دعاؤها حتّى سقط الروشن بالجميع فهلكوا، وهلك تحتهم خلق كثير، فقالت زينب (عليها‌السلام ) : الله أكبر من دعوةٍ ما أسرع إجابتها ! ثمّ دخلوا الباب الذي أدخلوهم منه(٢) .

____________________

(١) مروج الذهب - المسعودي ٣ / ٢٤٧، وفي ط ٣ / ٢٧٤ (ذكر ابتداء أمر الدولة العباسيّة).

(٢) كتاب نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - الإسفراييني / ٦٤، وفي ط : ص٥٥.


سقوطُ رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) في موضعٍ وبناءُ مسجد فيه

وفي نور العين للإسفراييني قال : ثمّ دخلوا بالرأس من باب جيرون، وداروا بها إلى باب فراديس، فسقطت الرأس فتلقّتها قرن حائط، فعُمِّر هناك مسجد إلى يومنا هذا، ثمّ ازدحم الناس حتّى خرجوا من باب الساعات، والنساءُ مكشوفات الوجوه، والرؤوس على الرماح، فقال أهل الشام : والله، ما رأينا سبايا أحسن من هؤلاء ! ثمّ أتوا حتّى وقفوا بهم على باب القصر، وقد أحدقت النظّار إلى زين العابدين (عليه‌السلام ) وهو موثق بالرباط(١) .

صلبُ الرأس الشريف ثلاثة أيّام في الشام

قال الذهبي : أحمد بن محمّد بن يحيى بن حمزة : حدّثني أبي، عن أبيه، قال : أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال : رأيت امرأةً من أجمل النساء وأعقلهنَّ، يقال لها : ريّا، حاضنة يزيد، يُقال: بلغت مئة سنة قالت : دخل رجل على يزيد فقال : أبشر، فقد أمكنك الله من الحُسين.

وجيء برأسه، قال : فوُضع في طست فأمر الغلام فكشف، فحين رآه خمر وجهه كأنه شمّ منه. فقلتُ لها : أقرع ثناياه بقضيب ؟ قالت : إي والله ثمّ قال حمزة : وقد حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحُسين (عليه‌السلام ) مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام وحدثتني ريَّا أنّ الرأس مكث في خزائن السّلاح حتّى ولي سليمان، فبعث فجيء به، وقد بقي عظماً أبيض، فجعله في سفط وطيّبه وكفّنه ودفنه في مقابر المسلمين، فلمـَّا دخلت المسوّدة سألوا

____________________

(١) كتاب نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) / ٦٤ - ٦٥، وفي ط : ص٥٥.


عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صُنع به وذكر باقي الحكاية، وهي قوية الإسناد(١) .

وقال محدّث الشام ابن عساكر : قال حمزة : وقد كان حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحُسين (عليه‌السلام ) مصلوباً بدمشق ثلاثة أيّام(٢) .

وقال الخوارزمي : وذكر أبو مخنف وغيره : أنّ يزيد أمر أنْ يصلب الرأس الشريف على باب داره، وأمر أنْ يدخلوا أهل بيت الحُسين (عليه‌السلام ) داره، فلمـَّا دخلت النسوة دار يزيد لم تبقَ امرأة من آل معاوية إلّا استقبلتهن بالبكاء والصراخ، والنياحة والصياح على الحُسين (عليه‌السلام )، وألقينَ ما عليهنَّ من الحلي والحلل، وأقمنَ المأتم عليه ثلاثة أيام.

وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز، امرأة يزيد - وكانت قبل ذلك تحت الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) - فشقَّت الستر وهي حاسرة، فوثبت على يزيد وقالت : أرأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري ؟! فغطّاها يزيد وقال : نعم فاعولي عليه يا هند، وابكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش ؛ عجَّل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله(٣) .

وقال ابن كثير : ثمّ نصبه بدمشق ثلاثة أيّام، ثمّ وُضع في خزائن السّلاح(٤) .

وذكر محدّث الشام ابن عساكر : خالد بن غفران من أفاضل التابعين، كان بدمشق أخبرنا أبو محمّد عبد الجبار

____________________

(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٦٠.

(٣) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ٨١ - ٨٢.

(٤) البداية والنهاية - ابن كثير ٨ / ٢٢٢.


ابن محمّد بن أحمد البيهقي في كتابه، وحدّثنا أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد عنه قال : أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي، أنا أبو عبد الله الحافظ، قال : سمعت أبا الحُسين علي بن محمّد الأديب يذكر بإسنادٍ له : أنّ رأس الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) لـمـَّا صُلِبَ بالشام أخفى خالد بن غفران - وهو من أفاضل التابعين - شخصه عن أصحابه، فطلبوه شهراً حتّى وجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال : أما ترون ما نزل بنا ؟! ثمّ أنشأ يقول :

جاؤوا برأسِكَ يابنَ بنتِ محمّد

متزمِّلاً بدمائِهِ تزميلا

وكأنّما بكَ يابنَ بنتِ محمّد

قتلوا جهاراً عامدين رسولا

قتلوكَ عطشاناً ولم يترقَّبوا

في قتلكَ التنزيلَ والتأويلا

ويُكبِّرون بأن قُتِلْتَ وإنِّما

قتلوا بكَ التكبيرَ والتهليلا(١)

روى المزّي وابن كثير، وابن الدمشقي وابن عساكر، واللفظ للأوّل قال : وقال الاُستاذ أبو عثمّان إسماعيل بن عبد الرحمان الصابوني : أنشدني الحاكم أبو عبد الله الحافظ في مجلس الاُستاذ أبي منصور الحمشاذي على حجرته في قتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) :

جاؤوا برأسِكَ يابنَ بنتِ محمّد

متزمِّلاً بدمائِهِ تزميلا

وكأنما بكَ يابنَ بنتِ محمّد

قتلوا جهاراً عامدين(٢) رسولا

قتلوكَ عَطشاناً ولم يترقَّبوا

في قتلكَ التنزيلَ والتأويلا

ويُكبِّرون بأن قُتلْتَ وإنِّما

قتلوا بكَ التكبيرَ والتهليلا(٣)

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر / ٦١ - ١٨٠، ولم يذكر هذه الأبيات مباشرة بل أخرها وذكرها من طريق الحاكم و

(٢) ورد (عاقدين)، والظاهر ما أثبتناه ؛ لموافقته المصادر التاريخيّة.

(٣) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر / ٦١ - ١٨٠.


أخبرنا بذلك أبو الحسن بن البخاري، قال : أنبأنا أبو سعد بن الصفّار، قال : أخبرنا أبو عبد الله الفراوي، قال : أخبرنا أبو عثمّان الصابوني، فذكره(١) .

لـمـَّا كُشِفَ عن رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بعد السنين المتطاولة وُجِدَ بدمه ولم ويتغيّر، وفيه رائحةُ المسك

قال علي فكري : فكشف الحجُبَ عن تلك الذخيرة النبوية ( أي رأس الحُسين (عليه‌السلام ) ) فوجد دمها لم يجف، ووجد لها رائحة أطيب من المسك (كما قال المقريزي)(٢) .

____________________

(١) تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٨، البداية والنهاية - ابن كثير ٦ / ٢٦١، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٥، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦١ / ١٨٠ ورواها بهذا الطريق قال : وأخبرنا أبو عبد الله الفراوي، أنا أبو عثمّان الصابوني قال : أنشدني الحاكم أبو عبد الله الحافظ في مجلس الاُستاذ أبي منصور [ الحمشاذي على حجرته ] في قتل الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) : . وقال : ( لم يذكر لهما الصابوني إسناداً )، ولكنّ ابن عساكر ذكر لهما إسناداً وهو ما تقدّم عن خالد بن غفران.

(٢) أحسن القصص - الشريف علي فكري الحُسيني القاهري ٤ / ٢٥٥، ط بيروت - نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٧٠٦.

أقول : وأمّا على قول الشيعة بأنّ رأسه الشريف دُفن في كربلاء، فبقاء رأس سيّد شباب أهل الجنة بدون تغيّر من باب أولى ؛ فهذه رؤوس كثيرة لم تتغيّر ما يقارب مئتين وخمسين سنة، منها رأس هانئ بن عروة (رحمه‌الله ).

فقد جاء في صلة تاريخ الطبري - للقرطبي / ٤٣، قال : وفيها - أي في سنة ٣٠٤ ه - ورد الكتاب من خراسان يذكر فيه أنّه وجِدَ بالقندهار في أبراج سورها برج متّصل بها، فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش، ومن هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأساً في اُذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم باسم كلِّ رجل منهم، والأسماء : شريح بن حيّان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمي، الحارث بن عبد الله، طلق بن معاذ السلمي، حاتم بن حسنة، هانئ بن عروة (رحمه‌الله )، عمر بن علّان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزّبير، فرقد بن الزّبير السعدي، عبد الله بن سليمان بن عمارة، سليمان بن عمارة، مالك بن طرخان صاحب لواء عقيل بن سهيل بن عمرو، عمرو بن حيّان، سعيد بن عتاب الكندي، =


موضعُ الرأس الشريف والاختلاف فيه

اختلف المسلمون في موضع الرأس الشريف ؛ فذهب الشيعة - الاثنا عشريّة - إلى أنّه رُدَّ إلى الجسد الشريف في كربلاء ودُفن.

قال الشعراني القلقشندي : وقال الإماميّة : إنّ الرأس اُعِيدَ إلى الجثّة بكربلاء بعد أربعين يوم .(١) .

قال سبط ابن الجوزي : اختلفوا في الرأس على أقوال ؛ أشهرها أنّه ردّه إلى المدينة مع السبايا، ثمّ رُدَّ إلى الجسد بكربلاء فدُفن معه، قاله هشام وغيره(٢) .

قال الخوارزمي : ولـمـَّا ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلبه فأخبر بخبره، فسأل عن الموضع الذي دُفن فيه فنبشه وأخذه - والله أعلم بما صنع به - والظاهر من دينه أنّه بعثه إلى كربلاء فدُفِنَ مع الجسد(٣) .

وقال الخوافي - أو الحافي - في التبر المذاب : واختُلِفَ في الرأس على أقوال ؛ أصحّها أنّه عاد بعد أربعين يوماً إلى جثّته الشريفة روي ذلك عن زين العابدين (عليه‌السلام )، ومحمّد الباقر (عليه‌السلام )، وجعفر الصادق (عليه‌السلام

____________________

= حبيب بن أنس، هارون بن عروة، غيلان بن العلاء، جبريل بن عبادة، عبد الله البجلي، مطرف بن صبح ختن عثمّان بن عفّان (رضي‌الله‌عنه ) وُجِدوا على حالهم، إلّا أنّهم قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغيّر، وفى الرقاع : من سنة ٧٠ من الهجرة.

(١) مختصر تذكرة القرطبي - الشعراني القلقشندي / ٢٢٢ (بداية نقله لمقتل الحُسين (عليه‌السلام ) ) ط دار الفكر بيروت - نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٦٩٨.

(٢) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٣٨ - منشورات الشريف الرضي.

(٣) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ٨٤.


وجابر بن عبد الله، وهو أوَّل مَن زار قبره (عليه‌السلام ) بعد أربعين يوماً.

قال ابن الجوزي (رضي‌الله‌عنه ) : وفي أيِّ مكان كان رأسه أو جسده فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر وقد أنشد بعض أشياخنا فيه :

لا تطلبوا المولى الحُسيْـ

ـنَ بأرضِ شرقٍ أو بغربِ

ودعوا الجميعَ وعرِّجوا

نحوي فمشهدُهُ بقلبي(١)

وذهب آخرون إلى أنّه ردّ إلى المدينة (على ساكنيها آلاف التحية والسّلام).

وذهب آخرون إلى أنّه دُفن في المدينة المنورة

قال صاحب شذور الذهب : والصحيح أنّ الرأس المكرّم دُفن بالبقيع إلى جنب اُمِّه فاطمة (عليها‌السلام ) ؛ وذلك أنّ يزيد بعث به إلى عامله بالمدينة عمرو بن سعيد الأشدق فكفّنه ودفنه(٢) .

وذهب آخرون إلى أنّه دُفن بعسقلان ثُمّ نُقل إلى مصر، وهو بدمه(٣)

ذكره الشبراوي قال :

____________________

(١) التبر المذاب / ٩٠ المخطوط - العلّامه الشريف أحمد بن محمّد بن أحمد الحُسيني الخوافي [الحافي] الشافعي، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٧٠.

(٢) شذور الذهب - المسعودي ١ / ٦٧ - ٦٨، وفي ط ص١٢٢.

(٣) قال ابن فضل الله العمري في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار / ٣٨٢، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة : مشهد الحُسين بعسقلان، كان رأسه بها، فلمّا أخذها الإفرنج نقل المسلمون الرأس إلى القاهرة ودُفن بها في المشهد المعروف به خلف القصرين، على زعم مَن قال ذلك، والأغلب أنّه لم يتجاوز دمشق ؛ لأنّه إنّما حُمِلَ إلى يزيد بن معاوية وكانت دمشق دار ملكه وملك بني اُميّة، ومن المحال أنْ يتجاوز الرأس المحمول إلى السلطان لغير حضرته.

وله بدمشق مشهد معروف داخل =


قال العلّامه الشعراني : لـمـَّا دُفن الرأس الشريف ببلاد المشرق، ومضى عليه مدّة، أرشى عليه الوزير طلايع بن رزيك، وأنفق ثلاثين ألف ديناراً ونقله إلى مصر وبنى عليه المشهد الشريف، وخرج هو وعسكره حفاة إلى نحو الصلحيّة من طريق الشام يتلقّون الرأس الشريف، ثمّ وضعه طلايع في برنس من حرير أخضر على كرسي من أبنوس، وفرشَ تحتها المسك والطيب وقد زرته مراراً .(١) .

____________________

= باب الفراديس، وفي خارجه مكان الرأس، على ما ذكروا.

وقد جاء في أخبار الدولة العباسيّة أنّهم حملوا أعظُم الحُسين (عليه‌السلام ) ورأسه إلى المدينة النبويّة حتّى دفنوه بقبر أخيه الحسن (عليه‌السلام ).

والمدى بعيد بين مقتل الحُسين ومبنى مشهد عسقلان، وفي هذا المشهد دُفن رأس الكامل صاحب ميّافارقين، وفي ذلك قال ابن المهتار الكاتب :

أين غازٍ غَزَى وَجَاهَدَ قَوماً

أثْخَنوا بالعراق والمشرقَيْنِ

لم يَشِنْهُ أنْ طِيفَ بالرأسِ منه

فله اُسوةٌ برأسِ الحُسينِ

وافق السِّبطَ في الشهادة والدفْـ

ـنِ وقد حاز أجرهُ مَرَّتَيْنِ

لِمَ وارَوْا في مشهد الرأس ذاك الرْ

أسَ فاستعجِبوا من الحالتينِ

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٧٥ ط أمير قم، وفي نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - لأبي إسحاق الإسفراييني / ٧٢ وفي ط ص٦١ - ٦٢ : . ثمّ حشا (يزيد) الرأس بالمسك والكافور وسلّمه لهم، فأخذوه وساروا إلى كربلاء ودفنوه مع الجسد الشريف.

(وروي) : أنّه بقي في خزانته إلى أن مات، وبعد موته وجده سليمان بن عبد الملك عظماً أبيض، فكفّنه ودفنه في مقابر المسلمين.

(وروي) : أنّ يزيد بعد أنْ أرسل عليّاً ومَنْ معه أمر بدفن الرؤوس إلّا رأس الحُسين، فإنّه أرسله خارج دمشق، ومعه خمسون فارساً يحرسونه ليلاً ونهاراً ؛ وذلك من كثرة خوفه وفزعه، فلمـَّا مات أتى به الحرَّاس ووضعوه في خزانته.

(وروي) عن طائفة الفاطميّة الذين حكموا مصر : أنّ الرأس وصل إليهم، ودفنوه في المشهد المشهور.


وذكره - بتفصل - الشريف علي فكري قال : اختار الله تعالى للإمام الحُسين (عليه‌السلام ) ما عنده، فقرّبه إليه، ونقله من دار المِحَنِ إلى دار المِنَحِ، ومن دار الفناء إلى دار النعيم السّرمدي المقيم، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستّين من الهجرة.

فسافر عمر بن سعد بالرأس الشريف إلى الكوفة وسلّمها إلى ابن زياد (الشهير بابن مرجانة) فطاف بها في الأسواق، ثمّ وجهها إلى دمشق ليزيد، فأمر برفعها بها ثلاثة أيّام، ثمّ أمر بأنْ يُطاف بها في البلاد (عاملَهم الله بما يستحقون) فطيف بها حتّى وصلت (عسقلان)، وأميرها إذ ذاك من خيرة الناس إيماناً وخوفاً من الله، فدفنها في مكانٍ فخيمٍ استمرت به إلى سنة إحدى وتسعين وأربعمئة وفي شعبان منها خرج الأفضل ابن أمير الجيوش بعساكر كثيرة إلى بيت المقدس (كما نقله المقريزي عن ابن ميسر) وحارب مَنْ به وملكه، ثمّ دخل (عسقلان).

ولـمـَّا علم بالرأس الشريف عمل مشهداً جليلاً بالمدينة المذكورة ؛ إذ رأى المكان الأوّل صار لا يليق بجلاله، ولـمـَّا تكامل أخرجه فعطرّه وحمله على صدره، وسعى بها ماشياً إلى أنْ أحلَّها في المشهد المذكور، فاستمرت به إلى سنة ثمّان وأربعين وخمسمئة من الهجرة، وحواليها قضى الله على عسقلان أنْ تمتدّ إليها أيدي الطمع من الإفرنج، وكان بها أمير يُقالُ له : (عيّاش)، فأرسل إلى الخليفة (الفائز بأمر الله) بمصر يقول له : أمّا بعد، فإن الإفرنج قد أشرفوا على أخذ عسقلان وإنّ بها رأس الإمام الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فأرسلوا مَنْ تختارونه وإلّا أخذوها.

وكان الخليفة (الفائز) أحد الخلفاء الفاطميّين إذ ذاك طفلاً صغيراً لم يبلغ الحادية عشرة من عمره ؛ ولذلك كان الحلُّ والعقد والأمر والنهي لأكبر وزرائه (طلائع بن رزيك)، فأرسل فرقة من الجيش تحت أمر (مكنون) الخادم، وزوّده بثلاثين ألف دينار، فأتوا به ووصلوا إلى (قطية)، فخرج الوزير


إلى لقائها من عدّة مراحل ومعه جيوش كثيرة، وكلُّهم حفاة خاشعون، فحملها الوزير على صدره حتّى دخلوا مصر، وبنى (طلائع) مسجداً لها خارج باب زويلة من جهة الدرب الأحمر، وهو المعروف (بجامع الصالح) الآن، فكشف الحُجبَ عن تلك الذخيرة النبويّة فوجَدَ دمها لم يجفّ، ووجد لها رائحة أطيب من المسك (كما قال المقريزي)، فغسلها في المسجد المذكور على ألواح من الخشب ( بأعلى الحائط ألواح الآن يُقالُ : إنّها هي التي كان عليها الغُسل)، ثمّ أراد أنْ يُشرّف ذلك المسجد بدفنها فيه فأبى أهل القصر، وهم معيّة الملك الفائز وقالوا : إنّ أثراً نبويّاً جليلاً كهذا لا يليق أنْ يكون مستقره خارج حدود القاهرة، بل لا بدَّ من دفنه في قصر الملك.

وكانت بوابة الباب الأخضر - الموجودة الآن تحت المنارة الصغرى للمسجد الحُسيني - باباً من أبواب القصر المنتهي إلى الجمالية، واسمه (باب الديلم) ودهليز الخدمة، فعمدوا إلى الجهة المذكورة وبنوا بها بناءً فخماً حلّوه بأنواع الزخارف الجميلة، وكسوا جدرانه بالرخام الملوّن في البقعة المباركة الحالية (عن كتاب التاريخ الحُسيني للمرحوم السيّد محمود البيلاوي).

قد حصل تضارب في الأقوال واختلاف كثير في وجود رأس الحُسين (عليه‌السلام ) ؛ فبعضهم يقول : إنّه دُفِنَ بدمشق، ونُقِلَ إلى عسقلان ومنها إلى القاهرة، وبعضهم يقول : إنّه مدفون بالمدينة عند قبر اُمِّه فاطمة (عليها‌السلام )، وقيل : بمسجد الرقّة على الفرات، وبعضهم يُنْكِرُ أنّ ابن زياد أرسله إلى يزيد، وبعض أهل السنّة اتّفقوا على أنّه مدفون مع الجسد بكربلاء.

ولقد حقّق المرحوم علي بك جلال الحُسيني في كتابه (تاريخ الحُسين) من الشواهد ما يثبت وجود الرأس بالقاهرة، كما أنّ الاُستاذ حسن أفندي قاسم، الكاتب التاريخي لمجلة الإسلام الغرّاء، أثبت في كتابه (مصرع الحُسين) - الذي ظهر حديثاً - بالأدلة التاريخيّة والشواهد الدينيّة المنقولة عن كبار العلماء، أنّ الرأس الشريف مدفون بالقاهرة بالمشهد الحُسيني بلا


خلاف، وقد أورد كثيراً من التحقيقات المؤيّدة لذلك بأدلة ثابتة، والله تعالى أعلم(١) .

وذهب آخرون إلى أنّه بقي في دمشق في الخزانة ودُفن، ثمّ نُبش واُخرج ولا يُعرف خبره

قال الذهبي، وابن عساكر، وابن حجر العسقلاني، واللفظ للأوّل قال : ثمّ قال حمزة : وقد حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحُسين (عليه‌السلام ) مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام، وحدثتني ريّا (امرأة وهي حاضنة يزيد) : أنّ الرأس مكث في خزائن السّلاح حتّى ولي سليمان فبعث فجيء به، وقد بقي عظماً أبيض، فجعله في سفط وطيّبه وكفّنه، ودفنه في مقابر المسلمين، فلمـَّا دخلت المسوّدة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، فالله أعلم ما صُنع به وذكر باقي الحكاية، وهي قويّة الإسناد(٢) .

خمسةُ أقوال ذكرها سبط ابن الجوزي في مدفن رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي : اختلفوا في الرأس على أقوال : أشهرها أنّه ردّه إلى المدينة مع السّبايا، ثمّ رُدَّ إلى الجسد بكربلاء فدفن معه، قاله هشام وغيره.

والثاني : أنّه دُفِنَ بالمدينة عند قبر اُمّه فاطمة (عليها‌السلام )، قاله ابن سعد، قال : لـمـَّا

____________________

(١) أحسن القصص - الشريف علي فكري الحُسيني القاهري ٤ / ٢٥٥، ط بيروت نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٧٠٦.

أقول : نقل الشبراوي أكثر هذا في الإتحاف بحبِّ الأشراف / ٧٥ - ٨٢.

(٢) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٩، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٦٩ / ١٦١، تهذيب التهذيب - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٣٠٧.


وصل إلى المدينة كان سعيد بن العاص والياً عليها، فوضعه بين يديه وأخذ بأرنبة أنفه، ثمّ أمر به فكُفّن ودُفن عند اُمِّه فاطمة (عليها‌السلام ).

وذكر الشعبي : أنّ مروان بن الحكم كان بالمدينة فأخذه، وتركه بين يديه وتناول أرنبة أنفه، وقال :

يا حَبَّذا بردُكَ في اليدينِ

ولونُكَ الأحمرُ في الخدّينِ

والله، لكأني أنظر إلى أيّام عثمّان.

وقال الكلبي : سمع سعيد بن العاص، أو عمرو بن سعيد، الضجّة في دور بني هاشم، فقال :

عَجَّتْ نساءُ بني تميمٍ عَجَّةً

كعجيجِ نسوتِنا غَدَاةَ الأَرْنَبِ

والبيت لعمرة بن معدي كرب، والرواية : عجّت نساء بني زياد.

وروى أنّ مروان أنشد :

ضرب دوسرُ فيهم ضربةً

أثبتتْ أوتادَ ملكٍ فاستقرْ

الثالث : أنّه بدمشق، حكى ابن أبي الدُّنيا قال : وُجِدَ رأسُ الحُسين (عليه‌السلام ) في خزانة يزيد بدمشق، فكفّنوه ودفنوه بباب الفراديس وكذا ذكر البلاذري في تاريخه قال : هو بدمشق في دار الإمارة، وكذا ذكر الواقدي أيضاً.

الرابع : أنّه بمسجد الرقّة على الفرات بالمدينة المشهورة، ذكره عبد الله بن عمر الورّاق في كتاب المقتل، وقال : لـمـَّا حضر الرأس بين يدي يزيد بن معاوية قال : لأبعثنَّه إلى آل أبي معيط عن رأس عثمّان، وكانوا بالرقّة، فبعثه إليهم فدفنوه في بعض دورهم، ثمّ اُدخلت تلك الدار في المسجد الجامع قال : وهو إلى جانب سدرة هناك، وعليه شبيه النيل لا يذهب شتاءً ولا صيفاً.

والخامس : أنّ الخلفاء الفاطميّين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان، ثمّ نقلوه إلى القاهرة، وهو فيها، وله مشهد عظيم يُزار في الجملة.

ففي أيِّ مكان رأسه أو جسده، فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر.


وأنشدنا بعض أشياخنا في هذا المعنى :

لا تطلبوا المولى الحُسيْـ

ـنَ بأرض شرقٍ أو بغربِ

ودعوا الجميعَ وعرّجوا

نحوي فمشهدُهُ بقلبي(١)

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٣٨ - ٢٤٠، منشورات الشريف الرضي.



الفصل الحادي عشر

فيما يتعلّق بقبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) وزيارته



فيما يتعلق بقبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) وزيارته

استفتاءٌ لمشهد رأس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) في مصر وتربته الشريفة

واستُفتي القاضي زكي الدين عبد العظيم في ذلك، فقال : هذا مكان شريف، وبركته ظاهرة، والاعتقاد فيه خير، والسلام.

وما أجدر هذا المشهد الشريف والضريح الأنور المنيف بقول القائل :

نفسي الفداءُ لمشهدٍ أسرارُهُ

من دونها سترُ النبوّةِ مسْبَلُ

وَرواقُ عزٍّ فيه أشرفُ بقعةٍ

ظلَّت تُحارُ لها العقولُ وتذهلُ

تُغضي لبهجتِهِ النواظرُ هيبةً

ويردُّ عنه طَرْفَهُ المتأمِّلُ

حَسَدَتْ مكانتَهُ النّجوم فودَّ لو

أمسى يجاورُهُ السّماكُ الأعزلُ

وسما علوّاً أن تُقَبِّلَ تُرْبَهُ

شَفَةٌ فأضحى بالجباهِ يُقَبَّلُ(١)

أقول : ليس ببعيد أن تصدر الكرامات من المشهد المسمّى باسم الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) في مصر ؛ كرامة من الله له (عليه‌السلام )، وصدرها لا ينافي قول الشيعة ؛ إذ الاعتقاد بالطلب من الله بواسطة الحُسين (عليه‌السلام )، وتحقّق الطلبات هو لذات الحُسين (عليه‌السلام )، ولعظيم منزلته عند الله لا لاعتقاد أنّه في هذا المكان بخصوصه أو ذاك.

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٨٢ - ٨٣.


ولهذا قال سبط ابن الجوزي : ففي أيّ مكان رأسه أو جسده فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر وأنشدنا بعض أشياخنا في هذا المعنى :

لا تطلبوا المولى الحُسيْـ

ـنَ بأرضِ شرقٍ أو بغربِ

ودعوا الجميعَ وعرِّجوا

نحوي فمشهدُه بقلبي(١)

والشيء الآخر إنّه من المحتمل قويّاً أنّ المدفون في مصر هو رأس أحد أنصار الحُسين (عليه‌السلام ) ؛ إذ الرؤوس نُقِلَتْ إلى الشام، وكثير منها لم يُعْرَف خبرُه.

طينُ قبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) شفاءٌ من كُلِّ داء، وأمانٌ من كُلِّ خوف

قال ابن حجر العسقلاني : الحسن بن علي بن أبي المغيرة الزبيدي الكوفي، سمع الكثير ورحل وأخذ عن أبي جعفر الباقر (عليه‌السلام )، والحارث بن المغيرة البصري وغيرهما روى عنه عبد الله بن أحمد بن نهيك، وسعيد بن صالح ذكره الطوسي في مصنّفي الشيعة الإماميّة، وأفرد له خبراً منكراً رواه عن الحارث، عن الباقر فيه : إنّ في طين قبر الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) شفاءً من كلِّ داءٍ، وأمناً من كلِّ خوف(٢)(*) .

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٣٨ - ٢٤٠ منشورات الشريف الرضي.

(٢) لسان الميزان - ابن حجر العسقلاني ٢ / ٢٣٧.

(*) ومسألة التبرك بآثار الصالحين هي عادة أهل الإسلام عامّة إلّا مَنْ طبع الله على قلبه ؛ وذلك لاعتقادهم بأنّ الله (عزَّ وجل) جعل في آثارهم البركة من الشفاء وغيره، وهذه الحقيقة قد أثبتها الله في محكم كتابه الكريم إذ قال تعالى :( اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (سورة يوسف / ٩٣) وأيضاً قوله تعالى:( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) (سورة طه / ٩٦) =


____________________

= فتراب حافر فرس جبرائيل له أثر، فكيف بتراب سيّد شباب أهل الجنة، ومَنْ كان جبرائيل خادماً لأبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟!

قال : العلّامه البدخشي في (مفتاح النجا / ١٧٩ مخطوط ) نقلاً من إحقاق الحقِّ ١٢ / ٤٠٨ قال : وذكر العلّامه شمس الدين أحمد بن محمّد بن إبراهيم الأربلي، المعروف بابن خلّكان، في تاريخه : أنّ بعض أصحاب أبي نوّاس الحسن بن هاني الحكم، الشاعر المشهور، قال له : ما رأيتُ أوقح منك ! ما تركتَ شيئاً إلّا قلت فيه شعراً، وهذا عليُّ بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً ؟! فقال : والله، ما تركت ذلك إلّا إعظاماً له، وليس قَدْرُ مثلي أنْ يقول في مثله.

ثمّ أنشد بعد ساعة هذه الأبيات :

قيل لي أنتَ أحسنُ الناسِ طرّاً

في فنونٍ من المقالِ النبيهِ

لكَ من جيِّدِ المديحِ قريضٌ

يثمرُ الدرّ في يدي مجتنيهِ

فعلى ما تركتَ مدحَ ابنِ موسى

والخصالَ التي تجمَّعنَ فيهِ

قلتُ لا أستطيعُ مدحَ إمام

كان جبريلُ خادماً لأبيهِ

ورواه أيضاً ابن النجّار البغدادي في ذيل تاريخ بغداد ٤ / ١٣٨ وراجع مَنْ رواها في إحقاق الحقِّ ١٢ / ٤٠٨.

وأمّا مسألة التبرّك في جوازها وندبها، فقد صرح به علماء أهل الخلاف إلّا مَنْ شدّ من الذين خرجوا عن الجادة راجع هذا في ما ذكره العلّامه المحقق المدقّق الشيخ الأميني (أعلى الله مقامه الشريف) في كتاب الغدير المجلّد الخامس، وأذكر لك شيئاً من أقوالهم :

سأل عبد الله بن أحمد بن حنبل أبيه قال : سألته عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويتبرّك بمسّه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، أو نحو هذا ؛ يريد بذلك التقرّب إلى الله (عزَّ وجل) فقال لا بأس بذلك (١) قال الصالحي الشامي : وذكر غير واحد نحو ذلك.

وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه رواية أبي علي الصوان، قال عبد الله : سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ويتبرّك بمسّه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك ؛ رجاء ثواب الله (عزَّ وجل) قال : لا بأس (٣)

وروى أحمد بن حنبل وغيره قال : =


____________________

= حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا كثير بن زيد، عن داود بن أبي صالح قال : أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر فقال : أتدري ما تصنع ؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب (٣) ، فقال : نعم، جئت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولم آت الحجر ؛ سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( لا تبكوا على الدّين إذا وليه أهلُهُ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غيرُ أهلِهِ )) (٤)

ورواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٥)

وقال محمّد سعيد ممدوح : وأخرجه من هذا الوجه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد، وسلّمه الذهبي : عبد الملك بن عمرو هو القيسي، أبو عامر العقدي، ثقة، احتجّ به الجماعة وكثير بن زيد، حسن الحديث (٦)

قال الصالحي الشامي : وروى الإمام أحمد - بسند حسن(٧ )، فذكر الحديث.

وقال أيضاً : ونقل الطيّب الناشري عن المحبّ الطبري، أنّه يجوز تقبيل الحجر ومسّه، قال : وعليه عمل العلماء الصالحين، ويُنشد :

أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى

اُقبِّلُ ذا الجدارِ وذا الجدارا

وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي

ولكنْ حبّ مَنْ سكن الديارا (٨)

وقال الصالحي الشامي : ونقل عن ابن أبي الصيف اليمني، أحد علماء مكّة من الشافعية، جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقبور الصالحين، انتهى كلام الحافظ (٩)

وقال أيضاً : ومنه، أنْ يأتي بقيّة الآثار المنسوبة للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالمدينة ممّا عملت يمينه أو جهته، وكذا الآبار التي شرب منها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وتوضّأ أو اغتسل، فيُتبرّك بمائها، صرّح جماعة من الشافعيّة وغيرهم باستحباب ذلك كلّه(١٠).

وقال أيضاً : =


____________________

= قال القاضي : ومن إعظامه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وإكباره إعظام جميع أسبابه، وإكرام جميع مشاهده وأمكنته ومعاهده، وما مسّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيده، أو عُرِفَ به، انتهى.

وذلك بزيارة تلك المشاهد والتبرّك بها، ولله در القائل :

خليليَّ هذا رَبعُ عزَّةَ فاعْقِلا

قَلُوصيكما ثمّ انزلا حيثُ حلَّتِ

ومسَّا تراباً طالما ما مَسَّ جِلْدَها

وظِلاّ وبيتا حيثُ باتت وظلَّتِ

ولا تيأسا أنْ يمحوَ اللهُ عنكما

ذنوباً إذا صلَّيتما حيثُ صَلَّتِ(١١)

وروى محدث الشام ابن عساكر قال : أنبأنا أبو محمّد بن الأكفاني، نا عبد العزيز بن أحمد، أنا تمام بن محمّد، نا محمّد بن سليمان، نا محمّد بن الفيض، نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، حدّثني أبي محمّد بن سليمان، عن أبيه سليمان بن بلال، عن اُمِّ الدرداء، عن أبي الدرداء قال : لمـَّا دخل عمر بن الخطاب الجابية سأل بلالاً أنْ يقدم الشام، ففعل ذلك.

قال : وأخي أبو رويحة الذي آخى بينه وبيني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فنزل داراً في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان، فقال لهم : قد جئناكم خاطبين، وقد كنَّا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله ؛ فإنْ تُزوّجونا فالحمد لله، وإنْ تردّونا فلا حول ولا قوة إلّا بالله فزوّجوهم.

ثمّ إنْ بلالاً رأى في منامه النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يقول له (( ما هذه الجفوة يا بلال ! أما آن لك أنْ تزورني يا بلال ؟! )) فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبرَ النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) فجعل يضمّهما ويقبّلهما، فقالا له : (( يا بلال، نشتهي نسمع أذانك الذي كنتَ تؤذّنه لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في السّحر )) ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمـَّا أنْ قال : الله أكبر الله أكبر ارتجّت المدينة، فلمـَّا أنْ قال : أشهد أنْ لا إله إلّا الله زاد تعاجيجها، فلمـَّا أنْ قال : أشهد أنّ محمّداً رسول الله خرج العواتق من خدورهنَّ فقالوا : أبُعِثَ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! فما رُئِيَ يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من ذلك اليوم(١٢).

وذكر الصالحي الشامي : أنّ ابن عساكر روى بسند جيد(١٣)، فذكر هذا الحديث =


____________________

= قال ابن حجر : استنبط بعضهم من مشروعيّة تقبيل الأركان جوازَ تقبيل كلِّ مَنْ يستحق التعظيم من آدمي وغيره(١٤).

وقال الشوكاني أيضاً : وقد استنبط بعضهم من مشروعيّة تقبيل الحجر، وكذلك تقبيل المحجن، جوازَ تقبيل كلِّ مَنْ يستحق التعظيم من آدمي وغيره(١٥).

وقد ذكر ابن جبير في تبرّك الناس بتراب عمِّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حمزة بن عبد المطلب فقال : فأوَّل ما نذكر من ذلك مسجد حمزة (رضي‌الله‌عنه ) وهو بقبلى الجبل المذكور، الجبل جوفي المدينة، وهو على مقدار ثلاثة أميال، وعلى قبره (رضي‌الله‌عنه ) مسجد مبْنى، والقبر برحبة جوفي المسجد، والشهداء (رضي ‌الله‌ عنهم) بإزائه، والغار الذي أوى إليه النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإزاء الشهداء أسفل الجبل، وحول الشهداء تربة حمراء هي التربة التي تُنْسَبُ إلى حمزة، يتبرّك الناس بها(١٦).

وقال ابن حبان في صحيحه : قال أبو حاتم (رضي‌الله‌عنه ) في قسمة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شَعره بين أصحابه : أبين البيان بأنّ شَعر الإنسان طاهر ؛ إذ الصحابة إنّما أخذوا شعره (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ليتبرّكوا به، فبين شادٍّ في حجزته، وممسكٍ في تكّته، وآخذ في جيبه، يصلّون فيها، ويسعون لحوائجهم وهي معهم، وحتى إنّ عامّة منهم أوصوا أنْ تجعل تلك الشعرة في أكفانهم، ولو كان نجساً لم يقسّم عليهم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الشيء النّجس، وهو يعلم أنّهم يتبرّكون به على حسب ما وصفنا، فلمّا صحّ ذلك من المصطفى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) صحّ ذلك من اُمّته ؛ إذ محال أنْ يكون منه شيء طاهر ومن اُمّته ذلك الشيء بعينه نجساً(١٧).

قال الشيخ سلامة العزامي الشافعي في (فرقان القرآن) ص ١٣٣ ردّاً على ابن تيميّة : وقال [يعني ابن تيميّة] : مَنْ طاف بقبور الصالحين أو تمسّح بها كان مرتكباً أعظم العظائم وأتى بكلام ملتبس، فمرّة يجعله من الكبائر، واُخرى من الشرك، إلى مسائل من أشباه ذلك، قد فرغ العلماء المحقّقون والفقهاء المدقّقون من بحثها وتدوينها قبل أنْ يُولدَ هو بقرون، فيأبى إلّا أنْ يخالفهم، وربما ادّعى الإجماع على ما يقول، وكثيراً ما يكون الإجماع قد انعقد قبله على خلاف قوله، كما يعلم ذلك مَن أمعن في كلامه وكلامِ مَنْ قبله، وكلام مَنْ بعده ممّن تعقّبه من أهل الفهم =


____________________

= المستقيم والنقد السليم، وإليك مثالاً : التمسّح بالقبر أو الطواف به من عوام المسلمين، فأهل العلم فيه على ثلاثة أقوال : الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاُ على وجه كراهة التنزيه الشديدة، ولكنّها لا تبلغ حدّ التحريم، والتفصيل بين مَن غلبه شدّة شوق إلى المزور فتنتفي عنه هذه الكراهة ومَنْ لا، فالأدب تركه.

وأنت إذا تأمّلت في الاُمور التي كفّر بها المسلمين وجعلها عبادة لغير الله، وجدت حجّته ترجع إلى مقدّمتين صدقت كبراهما، وهي : كلّ عبادة لغير الله شرك، وهي معلومة من الدين بالضرورة، ثمّ يسوق عليه الأدلّة بالآيات الواردة في المشركين.

وكذبت صغراهما، وهي قوله : كلّ نداء لميت أو غائب، أو طواف بقبر أو تمسّح به، أو ذبح أو نذر لصاحبه . إلخ، فهو عبادة لغير الله.

ثمّ يسوق الآيات والأحاديث الصحيحة التي لم يفهمها، أو تعمّد في تأويلها على غير وجهها، ثمّ يخرج من هذا القياس - الذي فسدت إحدى مقدّمتيه - بنتيجة لا محالة كاذبة وهي : أنّ جمهور المسلمين - إلّا إيّاه ومَنْ شايعه - مشركون كافرون.

وقد أجاد تلخيص هذا المذهب وأدلته، وتزييفها منطقياً واُصولياً كلّ الإجادة سيّد أهل التحقيق، وتاج أهل التدقيق، الإمام أبو عبد الله محمّد بن عبد المجيد الفاسي، المتوفّى سنة تسع وعشرين ومئتين وألف في مؤلّف ردّ به على ذلك المذهب، ينطق بعلوّ كعب هذا الإمام [إلى أنْ قال] : ولقد تعدّى هذا الرجل حتّى على الجناب المحمّدي فقال : إنّ شدّ الرحال إلى زيارته معصية، وإنّ مَنْ ناداه مستغيثاً به (عليه الصلاة والسّلام) بعد وفاته فقد أشرك.

فتارة يجعله شركاً أصغر، واُخرى يجعله شركاً أكبر وإنْ كان المستغيث ممتلئ القلب بأنّه لا خالق ولا مؤثّر إلّا الله، وأنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنّما تُرفع إليه الحوائج ويستغاث به، على أنّ الله جعله منبع كلِّ خير، مقبول الشفاعة، مستجاب الدعاء (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كما هي عقيدة جميع المسلمة مهما كانوا من العامة ا ه‍.

وأخبر جمال الدين عبد الله بن محمّد الأنصاري المحدّث في كتاب الديباج المذهب / ١٨٧، قال : رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق، فقصد زيارة نعل سيّدنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التي بدار الحديث الأشرفيّة بدمشق، وكنتُ معه، فلمـَّا رأى النعل المكرّمة حسر عن رأسه وجعل يقبّلها ويمرّغ وجهه عليها، ودموعه تسيل، وأنشد :

فلو قيل للمجنونِ ليلى ووصلَها

تُريدُ أم الدُّنيا وما في طواياها

لقال غبارٌ من ترابِ نِعَالِها

أحبُّ إلى نفسي وأشفى لبلواها(١٨)

الهامش : =


رجلٌ أصابه الجرب فمسح جسمَه بتراب قبرِ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) فشافاه الله

روى ابن العديم قال : أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحُسين، قال : أخبرنا أبو طاهر السلفي ( إجازة إن لم يكن سماعاً ) قال : أخبرنا أبو الحُسين بن الطيوري قال : سمعت أحمد - يعني

____________________

= (١) العلل - أحمد بن حنبل ٢ / ٤٩٢.

(٢) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٣٩٨.

(٣) قال الصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد ٢١ / ٣٩٨ : قال المطلّب : وذلك أبو أيوب الأنصاري.

(٤) مسند أحمد - الإمام أحمد بن حنبل ٥ / ٤٢٢.

(٥) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٤ / ٥١٥.

(٦) رفع المنارة - محمود سعيد ممدوح / ١٩٠.

(٧) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٣٩٨.

(٨) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٣٩٩.

(٩) المصدر نفسه.

(١٠) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٤٠١.

(١١) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٤٠٢.

(١٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٧ / ١٣٦.

(١٣) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٣٩٨.

(١٤) فتح الباري - ابن حجر ٣ / ٣٨٠، سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٣٩٨.

(١٥) نيل الأوطار - الشوكاني ٥ / ١١٤.

(١٦) رحلة ابن جبير ١ / ١٤٤.

(١٧) صحيح ابن حبان - ابن حبان ٤ / ٢٠٧.

(١٨) نقلاً عن كتاب الغدير - للعلامة الشيخ الأميني (قدس‌سره ) ٥ / ١٥٤.


ابن محمّد العتيقي - يقول : سمعت أبا بكر محمّد بن الحسن بن عبدان الصيرفي يقول : سمعت جعفر الخلدي يقول : كان بي جرب عظيم كثير، فتمسّحت بتراب قبر الحُسين (عليه‌السلام )، قال : فغفوتُ فانتبهتُ وليس عليَّ منه شيء(١) .

رجلٌ من بني أسد أهان قبرَ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) فأصاب أهل ذلك البيت جنون وجذام، وبرص وفقر - رجاله رجال الصحيح

روى الطبراني والهيثمي، والمزّي وابن عساكر والذهبي، واللفظ للأوّل : حدّثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي، ثنا جرير، عن الأعمش قال : خرى رجل من بني أسد على قبر حسين بن علي (عليه‌السلام )، قال : فأصاب أهل ذلك البيت خبلٌ وجنون وجذام، ومرض وفقر(٢) .

وقال الهيثمي : رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح(٣) .

روى البلاذري قال : حدّثنا يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش : أنّ رجلاً أحدث على قبر الحُسين (عليه‌السلام )، فجذم وبرص وجُنَّ، فوُلده يتوارثون(٤) .

وروى ابن حمدون قال : وقال الأعمش : خري رجل على قبر الحُسين (عليه‌السلام ) فجُنَّ فمات، فسُمع صوتُه

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧.

(٢) المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٢٠، مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧، وفي ط ص٣١٧، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤٣ - ٤٤٤، تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٤٤، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٧ بدل (خرى) تغوّط، ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - ابن عساكر / ٤٠٧.

(٣) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٧، وفي ط ص٣١٧.

(٤) أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٤٢٦، وفي ط ص ٢٢٨.


يصيح في القبر كنباح الكلب(١) .

رجلٌ من أهل الشام أهان قبرَ الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) فأبرص من ساعته

روى محدّث الشام ابن عساكر قال : أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، أنا رشأ بن نظيف، أنا الحسن بن إسماعيل، أنا أحمد بن مروان، نا أحمد بن محرز، نا الحماني قال : قال الأعمش : أحدث رجل من أهل الشام على قبر الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فأبرص من ساعته(٢) .

لـمـَّا أجروا الماءَ على قبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) وصل إليه الأسدي بطيب ريحه

روى ابن العديم، والمزّي، والذهبي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا محمّد بن هبة الله القاضي فيما أذن لنا أن نرويه عنه، قال : أخبرنا أبو الفضل أحمد بن منصور بن بكر بن محمّد بن حيد، قال : أخبرنا جدِّي أبو منصور، قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن عبدوس الحيري (إملاءً) قال : أخبرنا الحسن بن محمّد الإسفرائيني، قال : حدّثنا محمّد بن زكريا الغلابي، قال : حدّثنا عبد الله بن الضحاك، قال : حدّثنا هشام بن محمّد، قال : لـمـَّا اُجري الماء على قبر الحُسين (عليه‌السلام ) نضب بعد أربعين يوماً، وامتحى أثر القبر، فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمه حتّى وقع على قبر الحُسين (عليه‌السلام )، وبكى وقال : بأبي واُمّي ! ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميّتاً! ثمّ بكى وأنشأ يقول :

____________________

(١) التذكرة الحمدونيّة - ابن حمدون / ٦١٦٨، وذكر بعض التغيّرات الكونيّة أيضاً، نقلاً عن برنامج الموسوعة الشعريّة.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٤٤.


أرادوا ليخفوا قبرَهُ عن عدوِّهِ

فطيبُ ترابِ القبرِ دلَّ على القبرِ(١)

ما فعله المتوكّل بقبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، بعض ما جرى على القبر الشريف

ذكر الخوارزمي في مقتله بعد ما ذكر مَنْ استشهد مع الحُسين (عليه‌السلام ) من الطالبيّين قال : فلمـَّا كان أيّام المتوكّل، وكان سيِّء الاعتقاد في آل أبي طالب، شديد الوطأة عليهم، قبيح المعاملة معهم، ووافقه على جميع ذلك وزيره عبيد الله بن يحيى، فبلغ بسوء معاملتهم ما لم يبلغه أحد من الخلفاء من بني العبّاس، فأمر بتخريب قبر الحُسين (عليه‌السلام ) وقبور أصحابه، وكرب مواضعه وإجراء الماء عليه، ومنع الزوّار من زيارته، وأقام الرصد وشدّد في ذلك، حتّى كان يقتل مَنْ يوجد زائراً، وولَّى ذلك كلَّه يهوديّاً.

وسلَّط اليهودي قوماً من اليهود فتولّوا ذلك إلى أن قُتِلَ المتوكّل، وقام بالأمر ابنه المنتصر، فعطف على آل أبي طالب وأحسن إليهم، وفرَّق فيهم الأموال، فاُعيدت القبور في أيّامه إلى أن خرج الداعيان : الحسن ومحمّد ابنا زيد، فأمر محمّد بعمارة المشهدين الشريفين : مشهد أمير المؤمنين ومشهد الحُسين (عليهما‌السلام )، وأمر بالبناء عليهما، وزِيدَ في ذلك من بعدُ، وبلغ عضد الدولة الغاية في تعظيمهما وعمارتهما والأوقاف عليهما، وكان يزورهما في كلِّ سنة(٢) .

قال الدكتور عبد الرحمن سالم : ففي عام ٢٣٦ أمر المتوكّل بهدم قبر الحُسين (عليه‌السلام ) وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وحُرِثَ وبقي صحراء.

إنّ ما

____________________

(١) بغية الطلب في تاريخ حلب - ابن العديم ٦ / ٢٦٥٧، تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٤، سير أعلام النبلاء - الذهبي ٣ / ٣١٧ موجزاً.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ٥٤.


يثير التساؤل هنا أنّ المتوكّل لم يلق بالاً إلى ما كان متوقّعاً من ردود الفعل السيّئة لدى جماهير المسلمين - على اختلاف مذاهبهم - إزاء هذا التصرّف ؛ فالحُسين (عليه‌السلام ) ليس شخصاً عزيزاً على الشيعة وحدهم، ولكنّه عزيز على المسلمين جميعاً، وقد تألّم المسلمون حقّاً لهذا السلوك وأنكروه على المتوكّل، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وقال أحد الشعراء يعبِّر عن استنكاره :

باللهِ إنْ كانت اُميّةُ قد أتت

قتلَ ابنِ بنتِ نبيِّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلِهِ

هذا لعمرُك قبرُه مهدوما

أسفوا على ألا يكونوا شاركوا

في قتلِهِ فتتبَّعوه رميما(١)

ما كُتب على قبر الإمام الحُسين وسيفه (عليه‌السلام )

روى الخوارزمي قال : قيل : إنّ على قبر الحُسين (عليه‌السلام ) مكتوباً : مَنْ عظَّمَ أمرَ الله أجابَ المولى سؤاله، ومَنْ حرَّمَ نهيه قَبِل المولى عذره، ومَنْ مات من مخافته غفر المولى ذنبه، ومَنْ ذكر اسمه (عزَّ وجل) رفع المولى في الدارين قدره.

وقيل : كان مكتوباً على سيف الحُسين (عليه‌السلام ) : البخيل مذمومٌ، والحريص محرومٌ، والحسود مغمومٌ(٢) .

____________________

(١) التاريخ السياسي للمعتزلة - عبد الرحمن سالم / ٣١٣ ط دار الثقافة في القاهرة، وذكر أيضاً بعض ما يتعلّق بنبش قبر الحُسين (عليه‌السلام ) فراجع، نقلاً عن هامش إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٣١٠.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٦.


زيارة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )(١)

____________________

(١) زيارة الصالحين بعد وفاتهم من المسائل المسلّمة بين المسلمين إلّا مَنْ شذَّ من الذين زاغت قلوبهم، ونذكر شيئاً ممّا ورد في زيارة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ تيمّناً وتبرّكاً به، وقد ذكر علماء أهل الخلاف استحباب زيارة القبور فضلاً عن قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وراجع ما ذكره صاحب الغدير العلّامه الشيخ الأميني (أعلى الله مقامه) في المجلّد الخامس.

ذكر الصالحي الشامي : أنْ لا يمرَّ بالقبر الشريف حتّى يقف ويسلّم على النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، سواء مرّ من داخل المسجد أو من خارجه، ويكثر من قصده وزيارته (١)

قال الصالحي الشامي أيضاً : وروى ابن أبي الدُّنيا، عن أبي حازم : أنّ رجلاً أتاه فحدّثه أنّه رأى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : قل لأبي حازم : (( أنت المار بي معرضاً، لا تقف تسلِّم عليَّ ! )) فلم يدع ذلك أبو حازم منذ بلغته هذه الرؤيا.

وقال أيضاً : قال العلّامه فضل الله ابن القاضي نصر الدين الفوري الحنفي : إذا خرج من باب البلد يأتي قبة العبّاس والحسن بن علي (رضي الله تعالى عنهما)، ويختم بزيارة صفيّة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وقال أيضاً : قال السيّد : ولعلّه يكون مشهدهم أوَّل المشاهد التي يلقاها الخارج من البلد، فإنّه يكون على يمينه، فمجاوزتهم من غير سلام عليهم جفوة، فإذا سلك تلك الطريق سلَّم على مَنْ يمرّ به بعدهم، فيكون مروره على صفيّة في رجوعه فيختم بها (٢)

قال محيي الدين النووي : (فرع) يستحبّ أنْ يخرجَ كلَّ يوم إلى البقيع، خصوصاً يوم الجمعة، ويكون ذلك بعد السّلام على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإذا وصله دعا بما سبق في كتاب الجنائز في زيارة القبور، ومنه : السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إنشاء الله بكم لاحقون اللهمَّ، اغفر لأهل الفرقد اللهمَّ، اغفر لنا ولهم.

ويزور القبور الطاهرة في البقيع، كقبر إبراهيم بن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعثمّان، والعبّاس، والحسن بن علي (عليه‌السلام )، وعلي بن الحُسين (عليه‌السلام )، ومحمّد بن علي (عليه‌السلام )، وجعفر بن محمّد (عليه‌السلام )، وغيرهم ( رضي ‌الله ‌عنهم) ، ويختم بقبر صفيّة عمّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورضي عنها (٣)

قال البكري الدمياطي : قوله (فائدة) : يسنّ متأكداً زيارة قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، لمّا أنهى الكلام على ما يتعلّق بالمناسك من الأركان والواجبات والسنن، شرع يتكلّم فيما هو حقّ مؤكّد على كلِّ مسلم، خصوصاً الحاج، وهو =


____________________

= زيارة سيدنا رسول الله (ص)، ولو أخّر ذلك عن محرّمات الإحرام كغيره لكان أنسب.

واعلم أنّهم اختلفوا فيها ؛ فجرى كثيرون على أنّها سنّة متأكّدة، وجرى بعضهم على أنّها واجبة وانتصر له بعض العلماء. وقوله : ولو لغير حاج ومعتمر غاية في سَنّ تأكد الزيارة، لكنْ تتأكد الزيارة لهما تأكّداً زائداً ؛ لأنّ الغالب على الحجيج الورود من آفاق بعيدة، فإذا قربوا من المدينة يقبحُ تركهم الزيارة ؛ ولحديث : (( مَنْ حجّ ولم يزرْني فقد جفاني )) وإن كان التقييد فيه غير مراد.

وقوله : لأحاديث وردت في فضلها، أي الزيارة، منه : قوله (ص) : (( مَنْ زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي )) وقوله (ص) : (( مَنْ زار قبري وجبت له شفاعتي )) ومفهومه أنّها جائزة لغير زائره وقوله (ص) : (( مَنْ جاءني زائراً، لم تنزعه حاجة إلّا زيارتي، كان حقّاً على الله تعالى أن أكون له شفيعاً يوم القيامة )) وروى البخاري [ عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ] : (( مَنْ صلّى عليَّ عند قبري وكّل الله به ملكاً يبلغني، وكُفي أمر دنياه وآخرته، وكنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة )).

مَنْ زار قبرَ محمّد

نال الشفاعةَ في غدِ

باللهِ كرِّر ذِكْرَهُ

وحديثَه يا منْشِدي

واجعل صلاتَك دائماً

جهراً عليه تهتدي

فهو الرسولُ المصطفى

ذو الجودِ والكفِّ الندي

وهو المشفَّعُ في الورى

مِنْ هولِ يومِ الموعدِ

والحوضُ مخصوصٌ به

في الحشرِ عذبُ الموردِ

صلَّى عليه ربُّنا

ما لاح نجم الفَرْقَدِ

قال بعضهم : ولزائر قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عشر كرامات ؛ إحداهن يُعطى أرفع المراتب، الثانية يبلغ أسنى المطالب، الثالثة قضاء المآرب، الرابعة بذل المواهب، الخامسة الأمن من المعاطب، السّادسة التطهير من المعايب، السّابعة تسهيل المصاعب، الثامنة كفاية النوائب، التاسعة حسن العواقب، العاشرة رحمة ربِّ المشارق والمغارب.

هنيئاً لِمَنْ زار خيرَ الورى

وحطَّ عن النَّفس أوزارَها

فإنّ السّعادةَ مضمومةٌ

لِمنْ حلَّ طيبةَ أَو زارها

والحاصل : [ إنّ ] زيارة قبر النّبي (ص) من أفضل القُربات، فينبغي أنْ يحرصَ عليها، وليحذر كلَّ الحذر من التخلّف عنها مع القدرة، وخصوصاً بعد حجّة الإسلام ؛ لأن حقَّه (ص) على اُمِّته عظيم، =


____________________

= ولو أنّ أحدهم يجيء على رأسه، أو على بصره، من أبعد موضع من الأرض لزيارته (ص)، لم يقم بالحقِّ الذي عليه لنبيِّه (جزاه الله عن المسلمين أتم الجزاء) :

زُرْ مَنْ تحبّ وإن شطَّت بك الدارُ

وحال مِنْ دُونِهِ تُرْبٌ وأحجارُ

لا يمنعنَّك بُعْدٌ عن زيارتِهِ

إنّ المحبَّ لِمَنْ يهواه زوَّارُ (٤)

قال ابن قدامة : (مسألة) : فإذا فرغ مِنَ الحجّ استحبّ زيارة قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقبر صاحبيه ( رضي ‌الله‌ عنهما ).

تستحب زيارة قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر (رضي ‌الله‌ عنهما ) قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ حجّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي )) وفي رواية : (( مَنْ زار قبري وجبت له شفاعتي)).

رواه باللفظ الأوّل سعيد، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط، عن أبي هريرة (رضي‌الله‌عنه ) : إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( ما من أحد يسلّم عليَّ عند قبري إلّا ردَّ الله عليَّ روحي حتّى أردَّعليه‌السلام )).

قال : وإذا حجّ الذي لمْ يحجّ قطّ - يعني من غير طريق الشام - لا يأخذ على طريق المدينة ؛ لأنّي أخاف أنْ يحدثَ به حدث، فينبغي أنْ يقصد مكّة من أقصد الطرق، ولا يتشاغل بغيره.

ويُروى عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فجاء أعرابيٌّ، فقال : السّلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُم الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (سورة النساء / آية ٦٤) وقد جئتك متسغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي ثمّ أنشأ يقول :

يا خيرَ مَنْ دُفِنَتْ بالقاعِ أعظمهُ

فطاب من طيبِهِنَّ البانُ والأكم

نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكِنُهُ

فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرم

ثمّ انصرف الأعرابي، فحملتني عيني فرأيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال : (( يا عتبي، الحق الأعرابي فبشّره أنّ الله قد غفر له)) (٥)

الهامش :

(١) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٣٩٩.

(٢) سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ٢١ / ٤٠٠.

(٣) المجموع - محيِّ الدين النووي ٨ / ٢٧٥.

(٤) إعانة الطالبين - البكري الدمياطي ٢ / ٣٥٤.

(٥) الشرح الكبير - عبد الرحمن بن قدامه ٣ / ٤٩٤.


قال الدكتور العقّاد : لم تنقض في ذلك اليوم خمسون سنة على انتقال النّبي محمّد (عليه‌السلام ) من هذه الدُّنيا إلى حظيرة الخلود ؛ محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الذي برّ بدينهم ودنياهم، فلم يُنقل من الدُّنيا حتّى نقلهم من الظلمة إلى النور، ومن حياة التيه في الصحراء إلى حياة عامرة يسودون بها اُمم العالمين، ثمّ هذه الخمسون سنة لم تنقضِ بعدُ وإذا هم في موكب جهير يجوب الصحراء إلى مدينة بعد مدينة ؛ سباياه بنات محمّد حواسر على المطايا، وأعلامه رؤوس أبنائه على الحراب، وهم داخلون به دخول الظافرين.

وبقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء (تسفي عليها الصبا)، فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأنحاء . فلمّا أمِنوا من العيون - بعد يوم أو يومين - سَرَوا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم، على منظر لا يطلع القمر على مثله شرفاً، ولا وحشة في الآباد بعد الآباد

وكان يوم المقتل في العاشر من المحرم، فكان القمر في تلك الليلة على وشك التمام، فحفروا القبور على ضوئه، وصلّوا على الجثث ودفنوها، ثمّ غادروها هناك في ذمّة التاريخ، فهي اليوم مزارٌ يطيف به المسلمون متّفقين ومختلفين، ومن حقّه أنْ يطيف به كلّ إنسان ؛ لأنّه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحيّ الآدمي بين سائر الأحياء.

فما أظلّت قبة السّماء مكاناً لشهيد قطّ أشرف من تلك القباب، بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء(١) .

____________________

(١) أبو الشهداء الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) - الدكتور العقّاد / ١٦٠.


قال ابن جبير(١) : رأس الحُسين (عليه‌السلام )، الإمام السّبط الشهيد، بمصر، هو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض، قد بُني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه، ولا يحيط الإدراك به، مجلّل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعاً أبيض، ومنه ما هو دون ذلك، قد وُضِعَ أكثرها في أتوار فضة خالصة ومنها مذهّبة، وعلّقت عليه قناديل فضة، وحُفَّ أعلاه كلُّه بأمثال التفافيح ذهباً، في مصنع شبيه الروضة، يقيّد الأبصار حُسناً وجمالاً، فيه من أنواع الرخام المجزّع - الغريب الصنعة، البديع الترصيع - ما لا يتخيّله المتخيّلون، ولا يحق أدنى وصفه الواصفون.

والمدخل إلى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنّق والغرابة، حيطانه كلُّها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بنيان من كليهما المدخل إليها، وهما أيضاً على تلك الصفة بعينها، والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلّقة على الجميع.

ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا إلى هذا المسجد المبارك حجرٌ موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل، شديد السّواد والبصيص، يصف

____________________

(١) هناك خمسة أبيات لدعبل الخزاعي (رحمه‌الله ) وردت في أصل الكتاب قبل هذا القول، وقد رفعناها ؛ ليقيننا بأنّ هناك خطأً في النسخ ؛ حيث إنّها مطبوعة في الصفحة ٧٦ من نفس هذا الجزء (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


الأشخاص كلَّها، كأنّه المرآة الهندية الحديثة الصقل، وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك وإحداقهم به وانكبابهم عليه، وتمسّحهم بالكسوة التي عليه، وطوافهم حوله مزدحمين، داعين باكين متوسّلين إلى الله سُبحانه وتعالى ببركة التربة المقدسة، ومتضرّعين بما يذيب الأكباد ويصدع الجماد، والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهول، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم، وإنّما وقع الإلماع بنبذة من صفته مستدلاً على ما وراء ذلك ؛ إذ لا ينبغي لعاقل أنْ يتصدّى لوصفه ؛ لأنّه يقف موقف التقصير والعجز.

وبالجملة : فما أظنّ في الوجود كلِّه مصنعاً أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع، قدّس الله العضو الكريم الذي فيه بمنّه وكرمه.

وفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة بالقرافة، وهي أيضاً إحدى عجائب الدُّنيا ؛ لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأهل البيت (عليهم‌السلام )، والصحابة والتابعين (رضوان الله عليهم)، والعلماء والزهّاد، والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة، وإنّما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته.

فمنه قبر ابن النّبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن (صلوات الله عليهم أجمعين)، وقبر آسية امرأة فرعون (رضي‌ الله‌ عنه ا)، ومشاهد أهل البيت ( رضي ‌الله‌ عنه م أجمعين) ؛ مشاهد أربعة عشر من الرجال وخمس من النساء، وعلى كلِّ واحد منها بناء حفيل، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكَّل بها قوم يسكنون فيها ويحفظونها، ومنظرها منظر عجيب، والجرايات متّصلة لقوامها في كلِّ شهر (انتهى) ثمّ ذكر تفصيلاً للمشاهد الموجودة(١) .

____________________

(١) رحلة ابن جبير (المتوفّى ٦١٤) / ١٢، نقلاً عن كتاب الغدير للعلّامه الأميني (أعلى الله مقامه) ٥ / ١٨٥.


وجعل أفئدةً من الناس تهوي إليكم

قال الاُستاذ أحمد أبو كف المصري : رأس سيّد الشهداء (عليه‌السلام )، تُشدّ إلى رحابها محبّون وعاشقون، على موعد وغير موعد، أنت تجد دائماً الحي الذي شرُفَ باسم الحُسين (عليه‌السلام ) عامراً بكلّ ألوان الناس من مختلف الجنسيات، تجذبهم جميعاً المحبّة والعشق لآل بيت الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، إلى ريحانة الرسول وسبطه، مئات الاُلوف من المحبّين والمتشيّعين لآل البيت حتّى وإنْ اختلفت المذاهب، فالكلُّ في حبِّ آل بيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) سواء.

ولماذا الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ وحيّ الحُسين (عليه‌السلام ) بالذات هو مبتغى الناس في مصر ومن خارجها. ولماذا يستأثر سيّد الشهداء بمثل هذا الحبِّ والإقبال ؟ السؤال سهل والجواب أكثر سهولة وصعوبة في الوقت نفسه ! إنّها قصة البطولة والعبرة، وقصة الإيمان الذي ميَّز آل بيت الرسول (ص)، وقصة الدفاع عن المبدأ والعقيدة إلى آخر مدى ومهما كانت التضحيات.

فالإمام الحُسين (عليه‌السلام ) سبط الرسول الكريم (عليه أفضل الصلاة وأتم السّلام)، وُلد في بيت النّبوة من ابنته البتول فاطمة الزهراء ( رضي ‌الله‌ عنه ا)، وهو أخو الإمام الحسن ابنا الإمام علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه)(١) .

رثاءُ عقبة بن عمرو العبسي

قال سبط ابن الجوزي وغيره : قال السّدي : أوَّل مَن رثى الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) عقبة بن عمر العبسي، فقال :

____________________

(١) كتاب (آل بيت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مصر/ ١٧ ط دار المعارف بالقاهرة)، نقلاً عن إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٣٣ / ٦٩٨.


إذا العينُ قرَّت في الحياةِ وأنتم

تخافون في الدُّنيا فأظلمَ نورُها

مررتُ على قبرِ الحُسين بكربلا

ففاضتْ عليه من دموعي غزيرُها

ومازلتُ أبكيه وأرثى لشجوِهِ

ويُسْعِدُ عيني دمعُها وزفيرُها

وناديتُ مِنْ حولِ الحُسين عصائباً

أطافت به من جانبيهِ قبورُها

سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا

وقلَّ لها منِّي سلامٌ يزورُها

سلامٌ بآصالِ العشيِّ وبالضحى

يؤدِّيه نَكْبَاءُ الرياحِ ومورُها

ولا بَرِحَ الزوَّارُ زُوَّارُ قبرِهِ

يفوحُ عليهم مسكُها وعبيرُها(١)

مَن زار الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) كان في أعلى علّيّين

روى الخوارزمي، ومحبّ الدين الطبري، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا الشيخ الفقيه العدل الحافظ أبو بكر عبيد الله بن نصر الزاغوني بمدينة السّلام، منصرفي من السّفرة الحجازية، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن الباقرحي، أخبرنا أبو عبد الله الحُسين أبو الحسن بن علي بن بندار، أخبر أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان، أخبر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان ببغداد في باب المحول، حدّثني أبي (أحمد بن عامر بن سليمان الطائي)، حدّثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام )، حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، قال : (( سُئل جعفر بن محمّد (عليه‌السلام ) عن زيارة قبر الحُسين (عليه‌السلام )، فقال : أخبرني أبي : أنّ مَنْ زار قبر الحُسين (عليه‌السلام ) عارفاً بحقِّه كتبه الله في علّيّين ))(٢) .

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٢٤٢ ط مشورات الشريف الرضي، التبر المذاب - الخوافي [أو الحافي] الشافعي / ٩٣ (مخطوط) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٧٨.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٢، ذخائر العقبى - محبّ الدين الطبري / ١٥١، وذكر في إحقاق الحقِّ ١١ / ٢٨٧ في الهامش : ورواه العلّامه باكثير الحضرمي في ( وسيلة المآل) بعينه.


وقال الخوارزمي، ومحبّ الدين الطبري، واللفظ للأوّل : وبهذا الإسناد قال : (( إنّ حول قبر الحُسين (عليه‌السلام ) سبعين ألف ملك، شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى يوم القيامة ))(١) قال الطبري : خرّجه أبو الحسن العتيقي(٢) .

روى الجويني : أخبرنا الصالح أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد (سماعاً عليه)، بإجازة عن أبي روح المعز بن محمّد الهروي، واُمّ المؤيّد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن بإجازتهم، عن زاهر بن طاهر الشحّامي، قال : أنبأنا أبو الحسن علي بن محمّد بن علي السحابي الزوزني، أنبأنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن محمّد بن هارون الزوزني، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن محمّد النيسابوري الحفيد، حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، حدّثني أبي سنة ستّين ومئتين، قال : حدّثني علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) سنة أربع وتسعين ومئة، قال : ((حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) قال : سُئل جعفر بن محمّد عن زيارة قبر الحُسين (عليه‌السلام )، فقال : أخبرني أبي، قال : مَنْ زار قبر الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) عارفاً بحقِّه كتبه الله في أعلى علّيّين )).

ثمّ قال : (( إنّ حول قبره سبعين ألف ملك، شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى أنْ تقوم السّاعة))(٣) .

وروى ابن المغازلي بإسناده عن فضيل بن يسار قال : وبإسناد حدّثنا الربعي، حدّثنا فضيل بن يسار : قيل لأبي عبد الله (عليه‌السلام ) : أيُّ قبور الشهداء أفضل ؟ قال :

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٢، ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٥١، وذكر في إحقاق الحقِّ ١١ / ٢٨٧ في الهامش : ورواه العلّامه باكثير الحضرمي في ( وسيلة المآل) بعينه.

(٢) ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٥١.

(٣) فرائد السّمطين - الجويني ٢ / ١٧٤.


(( أوليس أفضل الشهداء عندك الحُسين (عليه‌السلام ) ؟! فوالذي نفسي بيده، إنّ حول قبره أربعين ألف ملك، شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى يوم القيامة ))(١) .

رسولُ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ينجِّي زائري الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) من أهوال الموقف

روى الخوارزمي، والخركوشي، والسّمهودي، واللفظ للأوّل قال : أخبرنا العلّامه فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (رحمه‌الله )، أخبرنا الفقيه أبو الحسن علي بن أبي طالب الفرزادي (بالري)، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحُسين الرازي، أخبرنا عمّي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسن السمّان الرازي، حدّثني أبو محمّد القاسم بن محمّد الشروطي (إملاءً)، حدّثني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله، حدّثني أبو رمح، حدّثني عبد الأعلى بن واصل الكوفي، حدّثني علي بن عبد الرحمن القطان، حدّثني عبيد بن يحيى بن مهران، عن محمّد بن الحُسين بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، عن أبيه، عن جدّه علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) قال : (( زارنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فعملنا له حريرة، وأهدت لنا اُم أيمن قعباً من لبن وزبد، وصفحة من تمر، فأكل النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأكلنا معه، ثمّ وضّأت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) (فمسح رأسه ووجهه بيده)، فقام واستقبل القبلة فدعا الله ما شاء، ثمّ أكبّ على الأرض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن نسأله، فوثب الحُسين (عليه‌السلام ) فقال : يا أبتي، رأيتك تصنع ما لم أرك تصنع مثله ! فقال : يا بُني، إنّي سررتُ بكم اليوم سروراً لم اُسرُّ بكم مثله، وإنّ حبيبي جبرئيل (عليه‌السلام ) أتاني فأخبرني أنّكم قتلى - (وفي كتاب شرف النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : أخبرني بما يُصنع بكم وإنّكم تُقتلون) - وأنّ

____________________

(١) مناقب ابن المغازلي / ٣٩٧.


مصارعكم شتّى، فدعوت الله لكم (بالخِيرة)، وأحزنني ذلك فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : يا رسول الله، فمَنْ يزورنا على تشتّتنا ويتعاهد قبورنا ؟ قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : طائفة من اُمّتي يريدون برِّي وصلتي، فإذا كان يوم القيامة شهدتهم (زرتهم) بالموقف، وأخذت أعضادها فأنجيتها - والله - من أهواله وشدائده ))(١) .

وروى الجويني قال : أخبرني الإمامان ؛ العلّامه نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم بن عبد الغفار، وعلاء الدين أبو حامد محمّد بن أبي بكر الطاووسي القروينيّان (كتابة)، بروايتيهما عن الشيخين عزِّ الدين محمّد بن عبد الرحمن الواريني، وتاج الدين عبد الله بن إبراهيم الشحاذي القزويني (إجازة)، قالا : أنبأنا الشيخان ؛ محمّد بن الفضل بن أحمد، وزاهر بن طاهر بن محمّد الشحامي (إجازة)، قالا : أنبأنا الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله البيّع (رحمة الله عليه)، قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق بن محمّد بن علي بن خلف القرشي بالكوفة، قال : حدّثنا جعفر بن عبد الله المحمّدي، قال : حدّثنا عبيد بن يحيى بن مهران القطّان قال : حدّثنا محمّد بن الحُسين بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، عن أبيه (عليه‌السلام )، عن جدّه (عليه‌السلام )، عن عليٍّ (عليه‌السلام ) قال : (( زارنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٨٩ - ١٩٠، وسيلة المآل - باكثير الحضرمي / ١٨٣ نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٢٩٩، كتاب شرف النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - الحافظ عبد الملك بن محمّد الخركوشي في (شرف النّبي / ٢٩٠ مخطوط) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٧٦ - ٣٧٧، خلاصة الوفاء للسمهودي / ٢١٨ (مخطوط) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٣٧٧.

روى الحديث بعين ما تقدم عن (شرف النّبي) إلى قوله : (( دعوت لكم بالخيرة ))، بتغيير يسير في بعض الألفاظ لا يضر بالمعنى، أخبار المدينة - الشريف النسّابة أبو الحسن العبيدلي العقيقي نقلاً عن كتاب سيرتنا وسنّتنا للعلّامه الأميني (قدس‌سره ) / ١٢٠.

أقول : ما بين الأقواس من كتاب شرف النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - للخركوشي / ٢٩٠.


فعملنا له حريرة، فأهدت إليه اُم أيمن قعباً من لبن وزبد، وصفحة من تمر، فأكل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأكلنا معه، ثمّ وضّأتُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فمسح رأسه ووجهه بيده، فقام واستقبل القبلة ودعا ما شاء، ثمّ أكبّ على الأرض بدموع غزيرة مثل المطر.

قال (عليه‌السلام ) : فهبنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أن نسأله، فوثب الحُسين (عليه‌السلام ) فأكبَّ على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال : يا أبه، رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله قط ! قال : يا بُني، إنّي سُررت بكم اليوم سروراً لم اُسرّ مثله، وإنّ حبيبي جبرئيل (عليه‌السلام ) أتاني فأخبرني أنّكم قتلى ومصارعكم شتّى، فأحزنني ذلك، فدعوت الله (عزَّ وجل) بالخير.

فقال الحُسين (عليه‌السلام ) : يا رسول الله، فمَنْ يزورنا على تشتّتنا وتبعيد قبورنا ؟ قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : يزوركم طائفة من اُمّتي يُريدون بذلك برِّي وصلتي، فإذا كان يوم القيامة زرتهم بالموقف، وأخذت أعضادهم فأنجيتها من أهوالها وشدائدها ))(١) .

ما تفعله الملائكة لزوّار الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال ابن [حسنويه] : الحديث الخامس، وبالإسناد عنهم (عليهم‌السلام ) عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّ الله يخلق خلقاً كثيراً من الملائكة، وأنّه ينزل من كلِّ سماء في كلِّ يوم سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت ليلتهم، حتّى إذا طلع الفجر ينصرفون إلى قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر عليٍّ (عليه‌السلام ) فيسلّمون عليه، ثمّ يعرجون إلى السّماء قبل طلوع الفجر، ثمّ ينزل عوضهم في النهار، ثمّ يعرجون قبل مغيب الشمس.

والذي نفسي بيده، إنّ حول قبر ولدي الحُسين (عليه‌السلام ) أربعة آلاف ملك،

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٧٢.


شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملكٌ يُقال له : منصور، وأنّ الملائكة عونٌ لمـَنْ زاره، فلا يزوره زائر إلّا استقبلوه، ولا يودّعه مودّع إلّا شيّعوه، ولا يمرض إلّا عادوه، ولا يموت إلّا صلّوا عليه واستغفروا له بعد موته ))(١) .

سبعون ألف ملك شعثٌ غبرٌ يبكون على الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الخوارزمي : أخبرنا الشيخ الفقيه العدل الحافظ أبو بكر عبيد الله بن نصر الزاغوني بمدينة السّلام، منصرفي من السفرة الحجازية، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن الباقرحي، أخبرنا أبو عبد الله الحُسين أبو الحسن بن علي بن بندار، أخبر أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان، أخبر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان ببغداد في باب المحول، حدّثني أبي (أحمد بن عامر بن سليمان الطائي)، حدّثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام )، حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، حدّثني أبي جعفر بن محمّد (عليه‌السلام ) . قال : (( إنّ حول قبر الحُسين (عليه‌السلام ) سبعين ألف ملك، شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى أنْ تقوم السّاعة ))(٢) .

وقال محب الدين الطبري : خرّجه أبو الحسن العتيقي(٣) .

____________________

(١) درّ بحر المناقب - العلّامه المحدّث العارف الشيخ جمال الدين محمّد بن أحمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه، المتوفّى سنة ٦٨٠، في (در بحر المناقب / ١٠٧ مخطوط) نقلاً عن إحقاق الحقِّ ١١ / ٢٨٧.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩١.

(٣) ذخائر العقبى - محب الدين الطبري / ١٥١، وقال في هامش إحقاق الحقِّ ١١ / ٢٨٧ : ورواه العلّامه باكثير الحضرمي في (وسيلة المآل) بعينه.


ورواه الجويني أيضاً قال : أخبرنا الصالح أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد (سماعاً عليه)، بإجازةٍ عن أبي روح المعزّ بن محمّد الهروي، واُمّ المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن بإجازتهما، عن زاهر بن طاهر الشحامي، قال : أنبأنا أبو الحسن علي بن محمّد بن علي السحابي الزوزني، أنبأنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن محمّد بن هارون الزوزني، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن محمّد النيسابوري الحفيد، حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، حدّثني أبي سنة ستّين ومئتين، قال : حدّثني علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) سنة أربع وتسعين ومئة، قال : (( حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، قال : سُئل جعفر بن محمّد (عليه‌السلام ) عن زيارة قبر الحُسين (عليه‌السلام )، فقال : أخبرني أبي (عليه‌السلام ) قال : مَنْ زار قبر الحُسين بن عليٍّ (عليهما‌السلام ) عارفاً بحقِّه كتبه الله في أعلى علّيّين.

ثمّ قال (عليه‌السلام ) : إنّ حول قبره سبعين ألف ملك، شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى أنْ تقوم السّاعة))(١) .

نزولُ سبعين ألف ملك كلّ مساء . ثمّ يأتون قبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وكرامة زوَّاره (عليه‌السلام )

قال الحافظ محمّد بن أبي الفوارس : الحديث الثاني عشر، عن علي بن فضل الله بن علي بن عبد الله (أدام الله علاه) يروي عن الثقات، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن وهب عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن آبائه (عليهم‌السلام )، عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إنّه قال : (( ما خلق الله

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٧٤.


خلقاً أكثر من الملائكة، وإنّه لينزل من السّماء كلَّ مساء سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت ليلتهم، حتّى إذا طلع الفجر انصرفوا إلى قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر عليٍّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر الحُسين (عليه‌السلام ) فيسلّمون عليه، ثمّ يعرجون إلى السّماء قبل أن تطلع الشمس، ثمّ تنزل ملائكة النهار سبعون ألف ملك، فيطوفون بالبيت الحرام نهارهم، حتّى إذا غربت الشمس انصرفوا إلى قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فيسلّمون عليه، ثمّ يأتون قبر الحُسين (عليه‌السلام ) فيسلّمون عليه، ثمّ يعرجون إلى السماء قبل أن تغرب الشمس.

والذي نفسي بيده، إنّ حول قبره أربعة آلاف ملك، شعثاً غبراً، يبكون عليه إلى يوم القيامة )). وفي رواية اُخرى : (( قد وكَّل الله بالحُسين (عليه‌السلام ) سبعين ألف ملك، شعثاً غبراً، يصلّون عليه كلَّ يوم ويدعون لمـَنْ زاره، ورئيسهم ملك يُقال له : منصور، فلا يزوره زائر إلّا استقبلوه، ولا يودّعه مودّع إلّا ودّعوه، ولا يمرض إلّا عادوه، ولا يموت إلّا صلّوا عليه وعلى جنازته، واستغفروا له بعد موته ))(١) .

النّبيُّ موسى (عليه‌السلام ) يسأل الله زيارة قبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الخوارزمي قال : وأخبرنا الحافظ سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي (في ما كتب إليَّ من همدان)، أخبرني الإمام أبو بكر أحمد بن محمّد بن زنجويه الزنجاني (بقرائتي عليه بزنجان سنة خمسمئة)، أخبرني الحُسين بن محمّد الفلاكي، أخبرني أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، أخبرني عبد الله بن أحمد

____________________

(١) كتاب الأربعين / ١٨ (المخطوط )، نقلاً عن إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٢٧ / ٤٣٣.


ابن حنبل، أخبرني أبي أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن محمّد التيمي، عن حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّ موسى بن عمران سأل ربّه (عزَّ وجل) زيارة قبر الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فزاره في سبعين ألفاً من الملائكة )) وروى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )(١) .

قال أبو الشجاع الديلمي الحنفي : . عن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ): (( إنّ موسى بن عمران سأل ربَّه (عزَّ وجل) زيارة قبر الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) في سبعين ألفاً من الملائكة ))(٢) .

كيفيةُ زيارة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وما ورد فيها من المقامات العالية

قال الجويني : قال الحاكم (النيسابوري) أبو عبد الله البيع الحافظ (رحمه‌الله )، قال : حدّثني أبو ذر محمّد بن المنذر المفيد بالكوفة، وكتبه بخطّه، قال : حدّثني أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني الحافظ، حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن عامر الحضرمي من كتابه سنة خمس وستّين ومئتين، قال : حدّثنا عبد الله بن معاد التميمي، قال : حدّثنا حفص بن غياث النخعي، عن محمّد بن جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن محمّد بن علي (عليهم‌السلام ) قال : (( فإذا أتيت قبر أبي عبد الله - يعني الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) - فاغتسل من الفرات، موضع الدالية، ثمّ ائت وعليك السكينة والوقار حتّى تنتهي إلى باب الحير، ثمّ قل :

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٢.

(٢) فردوس الأخبار / ٢٥ (النسخة مصوّرة من مكتبة فيض الله في إسلامبول) نقلاً عن إحقاق الحقِّ - السيّد المرعشي ٢٧ / ٤٣٤.


بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، السّلام على أمين الله على وحيه وعزائم أمره، والخاتم لما سبق والقائم بما استقبل، والدّاعي إلى الحقِّ، والمهيمن على ذلك كلّه، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته.

اللهمّ صلِّ على محمّد عبدك ورسولك، وخيرتك من خلقك، وأمينك على وحيك، أفضل ما صلّيت على أحد من أنبيائك ورسلك وصلِّ على [ عليٍّ ] أمير المؤمنين، عبدك وأخي رسولك، الذي انتجبته لعلمك، وجعلته هادياً لمـَنْ شئت مِنْ خلقك، والمهيمن على ذلك كلِّه، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته.

اللهمّ صلِّ على الحسن بن علي، ابن رسولك (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، الذي انتجبته لعلمك، وجعلته هادياً لمـَنْ شئت مِنْ خلقك، والدليل على مَنْ بعثته برسالتك، والقائم بالدّين بعدلك، وفصل قضائك مِنْ خلقك، والمهيمن على ذلك كلِّه، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته ثمّ تقول هذا لكلِّ إمام مِنْ ولد الحُسين بن علي (عليهما‌السلام )، حتّى تنتهي إلى آخر الأئمّة (صلوات الله عليهم).

ثمّ تقول عندما أتيت القبر : السّلام عليك يا أبا عبد الله، ورحمك الله يا أبا عبد الله، ولعن الله مَنْ قتلك وأنتهك حرمتك أشهد أنّ الذين خالفوك وحاربوك وقتلوك . ملعونون على لسان النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والسّلام عليك وعلى أبيك واُمّك.

وأشهد أنّك قد بلَّغت مِنَ الله ما اُمرتَ به، ولمْ تخشَ أحداً غيره، وعبدته حتّى أتاك اليقين، وأشهد أنّكم كلمة التقوى وأبواب الهدى، والعروة الوثقى والحجّة على مَنْ بقي ومَنْ تحت الثرى، أشهد أنّ ذلك لكم سابق فيما مضى، وأنّ ذلك لكم قائم فيما بقي،


وأشهد أنّ أرواحكم وطينتكم طيّبة، طابت وطهرت بعضها مِنْ بعض، مِنَ الله ومِنْ رحمته اجتباكم.

اُشهد الله ربّي واُشهدكم أنّي لكم رابق ولكم تابع، في ذات نفسي، وفي شرائع ديني، ومنقلبي ومثواي، لعلّ الله (عزَّ وجل) أنْ يتمَّ ذلك لي أشهد أنّكم قد بلَّغتم عن الله (عزَّ وجل) ما اُمرتم به، ولم تخشوا أحداً غيره، وعبدتموه حتّى أتاكم اليقين.

اللهمّ، العن الذين بدَّلوا دينك، واتّهموا رسولك، وصدُّوا عن سبيلك، ورغبوا عن أمرك اللهمَّ، احشُ قبورهم ناراً، واحشُ أجوافهم ناراً، واحشر حزبهم وأشياعهم إلى جهنَّم اللهمَّ، العن طواغيت هذه الاُمّة وفراعنتها وجواليتها، والعن قتلة أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، والعن قتلة الحُسين (عليه‌السلام )، وعذّبهم عذاباً لا تعذّبه أحداً من العالمين.

السّلام عليك يا أبا عبد الله، السّلام عليك يابن رسول الله، السّلام عليك يا حجّة الله، [أشهد أنّك] قد بلَّغت ناصحاً، وقُتِلْتَ صدّيقاً، ومضيت على يقين ؛ لمْ تُأثِر غيّاً على هدى، ولمْ تَمِل مِنْ حقٍّ إلى باطل أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وأتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وتلوت القرآن حقَّ تلاوته السّلام على ملائكة الله المقربين، السّلام على أنبياء الله المرسلين الذين هم في خلقه مقيمين.

ثمّ تنكب على القبر عند رأسه فتقول : السّلام عليك يا أبا عبد الله، السّلام عليك يابن رسول الله، السّلام عليك يا حجّة الله على مَنْ في الأرض ومَنْ تحت الثرى أشهد أنّك عبد الله وابن رسوله، وأنّك قد بلَّغت عن الله (عزَّ وجل) مناصحاً صدّيقاً، وافيت ووفيت، وجاهدت في سبيل الله، ومضيت على يقين من ربِّك شهيداً وشاهداً ومشهوداً، فأقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت


عن المنكر، وعبدت ربَّك حتّى آتاك اليقين، فصلّى الله عليك يا أبا عبد الله، أنا مولاك وفي طاعتك، [وأنا] مولاك الوافد إليك، ألتمس ثبات القدم في الهجرة وكرامة المنزلة في الآخرة، أتيتك بنفسي وأهلي ومالي وولدي، بحقِّك عارفاً، ومقرّاً بالهدى الذي أنت عليه، معتصماً بطاعتك، موجباً بفضلك لعنة الله على اُمةٍ قتلتك وظاهرت عليك، وخالفتك وجحدت حقَّك اللهمَّ، العنهم لعناً يلعنهم كلُّ مَلَك مقرّب ونبيٍّ مرسل.

[ثمّ] ترفع رأسك وتسند ظهرك إلى القبر، ووجهك إلى القبلة، وتقول : اللهمّ، إنّي أتوجه إليك بمحبّة أهل بيت نبيِّنا أحمد نبيِّ الرحمة، صلّى الله عليه وعلى الأئمّة من أهل بيت نبيِّ الرحمة، وأعطِ محمّداً وآل محمّد من البهاء والكرامة، والنضرة والشرف، والفضل والفضلية، والوسيلة والشفاعة عندك أفضل ما تعطي أحداً من المخلوقين كلِّهم، أضعافاً مضاعفةً كثيرة، لا يحصيها أحدٌ غيرك، وعجِّل فرجهم واهلك عدوَّهم من الجنِّ والإنس ؛ فإنّك على كلِّ شيءٍ قدير، وصلّى الله على محمّد وعلى آل محمّد، ولا تجعله آخر العهد من زيارة قبر وليِّك وابن رسولك، وصلّى الله عليه وعلى آله ورحمة الله وبركاته ))(١) .

التوجّه لزيارة مَنْ قُتل مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

في نور العين قال الأسفراييني : فهؤلاء السّبعة عشر من بني هاشم حفر لهم حفرة ممّا يلي رجلي الحُسين (عليه‌السلام ) ودُفنوا فيها إلّا العبّاس ؛ فإنّه دفن في موضع مقتله بطريق الغاضرية، وقبره ظاهر.

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٧٥ - ١٧٨ ب ٣٨.


وأمّا إخوته الذين ذُكروا، فمَنْ أراد زيارتهم فعليه بقبر الحُسين (عليه‌السلام )، ويومئ إلى نحو رجليه (رضي ‌الله‌ عنه وعنهم ) ؛ وأمّا أصحابه الذين استشهدوا بين يديه ودُفِنُوا حوله، فلا عُرف لهم أجداث على التحقيق، ولا شكّ أنّ الحاجز محيط بهم (رضوان الله عليهم أجمعين)(١) .

ما ذكره كعب الأحبار في أخبار عمر بن الخطاب : بأنّ أعظم الملاحم التي لا تُنسى هي ملحمة كربلاء، وفيه ما يجري على السّماوات كلّها، وتصويره عظمة مصيبة الحُسين (عليه‌السلام ) على مصائب الأنبياء (عليهم‌السلام )، ومقام أرض كربلاء وزيارة جميع الأنبياء (عليهم‌السلام ) لها، وعدد مَنْ يزوره مِن الملائكة (عليهم‌السلام ) وبكاؤهم عليه، واسمه في السّماء وفي الأرض وفي البحار، وما جرى على الشمس والقمر والجبال والبحار، ولولا البقيّة مِنْ ذرّيّته لصبّ الله عليهم النيران، وإخبار الله لأنبيائه (عليهم‌السلام ) بما يجري على الحُسين (عليه‌السلام )

قال الخوارزمي : وذكر الإمام أحمد بن أعثمّ الكوفي في فتوحه، بإسناده إلى كعب الأحبار : أنّه لـمـَّا أسلم في زمن عمر بن الخطاب وقدم المدينة، وجعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان، فكان يخبرهم بأنواع الملاحم والفتن ويقول : وأعظمها ملحمة هي الملحمة التي لا تُنسى أبداً، وهي الفساد الذي ذكره الله تعالى في كتابكم، فقال :( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) (٢) وإنّما فُتِحَ بقتل قابيل هابيل ويُختم بقتل الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ).

ثمّ قال كعب : لعلَّكم تهوّنون قتل الحُسين (عليه‌السلام )، أوَ لا تعلمون أنّه تُفتح يوم قتله أبواب السّماوات كلُّها، ويُؤذن للسماء بالبكاء فتبكي دماً عبيطاً ؟! فإذا رأيتم الحمرة قد ارتفعت من جنباتها - شرقيّاً وغربيّاً - فاعلموا أنّها تبكي حسيناً.

____________________

(١) نور العين في مشهد الحُسين (عليه‌السلام ) - أبو إسحاق الأسفراييني / ٤٥، وفي ط ص ٣٩.

(٢) سورة الروم / ٤١.


فقيل له : يا أبا إسحاق، كيف لمْ تفعل ذلك بالأنبياء وأولاد الأنبياء مِنْ قبل، وبمَنْ كان خيراً مِنَ الحُسين (عليه‌السلام ) ؟ فقال كعب : ويحكم ! إنّ قتل الحُسين لأمرٌ عظيم ؛ لأنّه ابن بنت خير الأنبياء، وأنّه يُقتلُ علانية مبارزة ظلماً وعدواناً، ولا تحفظ فيه وصية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو مزاج مائه وبضعة مِنْ لحمه، فيُذبحُ بعرصة كربلاء في كرب وبلاء.

والذي نفس كعب بيده، لتبكيه زمرةٌ مِنَ الملائكة في السّماوات لا يقطعون بكاءهم عليه (إلى) آخر الدهر، وإنّ البقعة التي يُدفن فيها خيرُ البقاع بعد بيت مكّة والمدينة وبيت المقدس، وما مِنْ نبيٍّ إلّا زاره وقد بكى عليها، ولها في كلِّ يومٍ زيارةٌ من الملائكة بالتسليم، فإذا كانت ليلة جمعة أو يوم جمعة نزل إليها سبعون ألفاً يزورونه ويبكون عليه، ويذكرون فضله ومنزلته عندهم وإنّه لَيُسمّى في السّماوات الحُسين المذبوح، وفي الأرض أبو عبد الله المقتول، وفي البحار الفرخ الأزهر المظلوم.

وأنّه يوم يُقتلُ تنكسف في النّهار الشمسُ، وفي الليل القمرُ، وتدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيّامٍ، وتُدكدكُ الجبالُ، وتُغطمطُ البحارُ، ولولا بقيّة مِنْ ذرّيّته وذرّيّة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومحبّي محمّد ومحبّي أبيه واُمِّه يطلبون بدمه ويأخذون بثأره، لصبَّ الله عليهم من السّماء نيراناً.

ثمّ قال كعب : لعلّكم تتعجبون ممّا اُحدّثكم مِنْ أمر الحُسين (عليه‌السلام )، أَوَ لا تعلمون أنّ الله تبارك وتعالى لمْ يُنزِل شيئاً كان أو يكون في آخر الدُّنيا وأوائلها إلّا وقد فسّره لموسى ؟! وما مِنْ نسمة خُلِقَتْ ومضت مِنْ ذكر أو اُنثى إلّا وقد رُفِعَتْ إلى آدم وعُرِضَتْ عليه ؟! ولقد عُرِضَتْ على آدم هذه الاُمَّة خاصة، فنظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على هذه الدُّنيا، فقال : يا ربّ، ما لهذه الاُمّة وتكالبها على الدُّنيا، وهم خير اُمّة وأفضلها ؟! فأوحى الله تعالى إليه : (( أنْ يا آدم، هذا أمري في خلقي، وقضائي في عبادي يا آدم، إنّهم اختلفوا فاختلفت قلوبُهم، وسيُظهِرون


في الأرض الفساد كفساد قابيل حين قتل هابيل، وسيقتلون فرخ حبيبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )).

ومثِّلَ لآدم (عليه‌السلام ) مقتل الحُسين (عليه‌السلام )، ووثوبُ اُمّة جدِّه عليه، فنظر آدم إليهم مسودّة وجوههم، فقال : يا ربّ، ابسط عليهم الانتقام كما قتلوا فرخ هذا النّبي المكرّم عليك(١) .

سلمان المحمّدي يصدّق ما قاله كعب الأحبار بما أخبر به، وزاد عليه سلمان الفارسي، وذكر أيضاً آثار الركعتين عند قبر الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

وتابع الخوارزمي بما ذكره عن كعب الأحبار فقال : قال هُبيرة بن يُريم : حدّثني أبي قال : لقيت سلمان الفارسي (رحمه‌الله )، فحدّثته بهذا الحديث، فقال سلمان : لقد صدقك كعب، وأنا أزيدك في ذلك : إنّ كلَّ شيء في الأرض يبكي على الحُسين (عليه‌السلام ) إذا قُتِلَ حتّى النجم ونبات الأرض، ولا يبقى شيء مِن الروحانيّين إلّا ويسجد ذلك اليوم ويقول : إلهنا وسيِّدنا، أنت الحكيم العليم ثمّ لا يرفعون رؤوسهم حتّى ينادي ملك السماء والأرض : أنْ يا معشر الخليقة، ارفعوا رؤوسكم فقد وفيتم لربِّ العزّة.

قال : ثمّ أقبل عليَّ سلمان، فقال : يا يريم، إنّك لو تعلم يومئذٍ كم مِنْ عينٍ سخينة كئيبة حزينة، قد ذهب نورها وعُشي بصرها ببكائها على الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، ولقد صدقك كعب فيما حدّثك عن كربلاء أنّها أرض كرب وبلاء.

والذي نفس سلمان بيده، لو أنّي أدركت أيّامه لضربت بين يديه بالسيف، أو اُقطَّع بين يديه عضواً عضواً، فأسقط بين يديه صريعاً ؛ فإنّ القتيل معه يُعْطى أجر

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٢ - ١٩٤.


سبعين شهيداً، كلّهم كشهداء بدر وأحد، وحنين وخيبر.

ثمّ قال سلمان : يا يُريم، ليت اُمَّ سلمان أسقطت سلمان، أو كان حيضة، ولم يسمع بقتل الحُسين بن فاطمة (عليهما‌السلام ) ويحك يا يُريم ! أتدري مَنْ حُسين (عليه‌السلام ) ؟ حُسين (عليه‌السلام ) سيّد شباب أهل الجنّة على لسان محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحُسين لا يهدأ دمه حتّى يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وحُسين (عليه‌السلام ) مَنْ تفزع لقتله الملائكة.

ويحك يا يريم ! أتعلم كم ملك ينزل يوم قتل الحُسين (عليه‌السلام ) ويضمه إلى صدره، وتقول الملائكة بأجمعها : إلهانا وسيِّدنا، هذا فرخ رسولك، ومزاج مائه وابن بنته ؟

يا يُريم : إنْ أنت أدركت أيّام مقتله واستطعت أنْ تُقتل معه، فكنْ أوَّل قتيل ممّن يُقتل بين يديه ؛ فإنّ كلَّ دم يوم القيامة يُطالبُ به بعد دم الحُسين (عليه‌السلام )، ودماء أصحابه الذين قُتِلُوا بين يديه.

وانظر يا يُريم، إنْ أنت نجوت ولمْ تُقْتَل معه فزر قبره ؛ فإنّه لا يخلوا من الملائكة أبداً، ومَنْ صلّى عند قبره ركعتين حفظه الله مِنْ بغضهم وعداوتهم حتّى يموت.

قال هُبيرة : فأمّا سلمان فمات بالمدائن في خلافة عمر بن الخطاب ؛ وأمّا يُريم فإنّه لمْ يلحق لذلك(١) .

أوَّل مَنْ زار الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الخوافي [ أو الحافي ] : واختُلِفَ في الرأس على أقوال ؛ أصحها إنّه عاد بعد أربعين يوماً إلى جثّته الشريفة، روي ذلك عن زين العابدين (عليه‌السلام )، ومحمّد الباقر (عليه‌السلام )، وجعفر

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٤ - ١٩٦.


الصادق (عليه‌السلام )، وجابر بن عبد الله، وهو أوَّل مَنْ زار قبره بعد أربعين يوماً.

قال ابن الجوزي (رضي‌الله‌عنه ) : وفي أيِّ مكان كان رأسه أو جسده، فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر، وقد أنشد بعض أشياخنا فيه :

لا تطلبوا المولى الحُسيْـ

ـنَ بأرض شرق أو بغربِ

ودعوا الجميع وعرّجوا

نحوي فمشهدهُ بقلبي

وقال أيضاً في ص٩١ : قال الزهري : لـمـَّا بلغ الحسن البصري الكوفةَ قُتِلَ الحُسين (عليه‌السلام )، فبكى حتّى اختلج صدغاه، ثمّ قال : وا ذلّ اُمّة قتل ابنَ بنت نبيِّها دعيُّها ! والله، ليردّنَّ رأس الحُسين (عليه‌السلام ) إلى جسده، ثمّ لينتقمنَّ له جدُّه وأبوه من ابن مرجانة ويزيد(١) .

ما جرى بين جابر (رضي‌الله‌عنه ) وبين عطيّة العوفي في زيارة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

روى الخوارزمي قال : أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو جعفر محمّد بن عمر بن أبي علي (كتابة)، أخبرنا الإمام أبو الحسن زيد بن الحسن بن علي البيهقي، أخبرنا السيّد الإمام النقيب علي بن محمّد بن جعفر الحسني، حدّثنا السيّد الإمام أبو طالب يحيى بن الحُسين بن هارون الحسني، أخبرنا أبي، أخبرنا أبو أحمد إسحاق بن أحمد المقري بالكوفة، حدّثنا عبد الله بن محمّد الأيادي، حدّثنا عمر بن مدرك، حدّثنا محمّد بن زياد المكي، أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن

____________________

(١) التبر المذاب / ٩٠ (المخطوط) - العلّامه الشريف أحمد بن محمّد بن أحمد الحُسيني الخوافي [الحافي] الشافعي، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٣٣ / ٧٠.


عطية العوفي قال : خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائراً قبر الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فلمـَّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثمّ أتّزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها سعدٌ فنثرها على بدنه، ثمّ لمْ يخطُ خطوة إلّا ذكر فيها الله تعالى، حتّى إذا دنا من القبر قال : ألمسنيه يا عطية فألمسته فخرَّ على القبر مغشياً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلمـَّا أفاق قال : يا حسين ! يا حسين ! - ثلاثاً - ثمّ قال : حبيبٌ لا يجيب حبيبه، وأنّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك ! وفرَّق بين رأسك وبدنك ! فأشهد أنّك ابن خاتم النّبيّين، وابن سيّد الوصيّين، وحليف التُقى وسليل الهُدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيّد النقباء، وابن فاطمة سيّدة النساء.

وما لك لا تكون هكذا وقد غذّتك كفُّ محمّد سيّد المرسلين، ورُبِيتَ في حجور المتّقين، واُرضِعْتَ من ثدي الإيمان، وفُطمت حيّاً وطبت عيشاً ! غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك، ولا شاكّة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، فأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه يحيى بن زكريا (عليه‌السلام ).

قال عطية : ثمّ جال ببصره حول القبر، فقال : السّلام عليكم أيُّتها الأرواح الطيّبة التي بفناء الحُسين (عليه‌السلام ) أناخت برحلها، أشهد أنّكم قد أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين فوالذي بعث محمّداً (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالحقِّ، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطية : فقلت لجابر بن عبد الله : وكيف، ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب بسيفٍ، والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم، واُوتمت الأولاد، وأرملت الأزواج ؟! فقال لي : يا عطية، سمعت جدَّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( مَنْ أحبَّ قوماً حُشِرَ معهم، ومَنْ أحبَّ عمل القوم اُشركَ في عملهم )).


احدر بي نحو أبيات كوفان فلمـَّا صرنا في بعض الطريق قال لي : يا عطية، هل اُوصيك وما أظنني أنّني بعد هذه السفرة اُلاقيك ؟ أحبّ محبَّ آل محمّد (عليهم‌السلام ) ما أحبّهم، وأبغض مبغضَ آل محمّد (عليهم‌السلام ) ما أبغضهم، وإنْ كان صوَّاماً قوَّاماً(١) .

إخبارُ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بزيارة الناس الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) من الآفاق عند انقطاع ملكِ بني مروان

روى الخوارزمي قال : أخبرنا الشيخ الفقيه العدل الحافظ أبو بكر عبيد الله بن نصر الزاغوني بمدينة السّلام، منصرفي من السفرة الحجازية، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمّد بن إسحاق بن الباقرحي، أخبرنا أبو عبد الله الحُسين بن الحسن بن علي بن بندار، أخبر أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمّد بن شاذان، أخبر أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان ببغداد في باب المحول، حدّثني أبي (أحمد بن عامر بن سليمان الطائي)، حدّثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) : (( حدّثني أبي موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، حدّثني أبي جعفر بن محمّد (عليه‌السلام )، حدّثني أبي محمّد بن علي الباقر (عليه‌السلام )، حدّثني أبي علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، حدّثني أبي الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، حدّثني أبي علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : كأنّي بالقصور قد شُيّدت حول قبر الحُسين (عليه‌السلام )، ولا تذهب الأيّام والليالي حتّى يسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان ))(٢) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩٠ - ١٩١، وقد تقدّم هذا في المقتل - في رجوع حرم الحُسين (عليه‌السلام ) إلى المدينة المنوّرة، وذكرت في الهامش زيادة لم يذكرها الخوارزمي.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٩١ - ١٩٢.


أحمدُ الحنفي يرى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في مشهد الرأس

قال الشبراوي : قال العلّامه الشعراني : لـمـَّا دُفِن الرأس الشريف ببلاد المشرق، ومضى عليه مدّة، أرشى عليه الوزير طلايع بن رزيك، وأنفق ثلاثين ألف دينار ونقلها إلى مصر، وبنى عليها المشهد الشريف، وخرج هو وعسكره - حفاة - إلى نحو الصالحيّة من طريق الشام يتلقّون الرأس الشريف (عليه‌السلام )، ثمّ وضعها طلايع في برنس من حرير أخضر على كرسي من ابنوس، وفرشَ تحتها المسك والطيب، وقد زرتها مراراً.

وحضر معي مرّة شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشلبي الحنفي، وكان لا يعتقد دفنها في هذا المشهد تبعاً لأهل التاريخ، فلمـَّا جلس ثقلت رأسه، فنام فرأى خادماً خرج من الضريح وذهب ماشياً إلى الحجرة النبويّة، فوقف على رأس النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقال : يا رسول الله، إنّ عبد الوهاب وأحمد الحنفي عند رأس ابنك السيّد الحُسين (عليه‌السلام ) يزورانه فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( تقبّل الله منهما )) ثمّ أفاق صارخاً بأعلى صوته : آمنتُ وصدّقت أنّ رأس الحُسين (عليه‌السلام ) هنا وداوم على زيارته حتّى مات (رحمه‌الله )(١) .

ردّ الله بصر رجل أعمى بتوسّله بالإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الشبراوي في ذكر كرامات زيارة الحُسين (عليه‌السلام )، ومنها : أنّ رجلاً يُقال له : شمس الدين القعويني كان ساكناً بالقرب من المشهد، وكان معلّم الكسوة الشريفة، حصل له ضرر في عينيه فكُفَّ بصره، وكان كلّ يوم

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٧٥، ط أمير قم.


إذا صلّى الصبح في مشهد الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) يقف على باب الضريح الشريف، ويقول : يا سيدي، أنا جارك قد كُفَّ بصري، وأطلب من الله بواسطتك أنْ يردَّ عليَّ ولو عيناً واحدة.

فبينما هو نائم ذات ليلة إذ رأى جماعة أتوا إلى المشهد الشريف، فسأل عنهم فقيل له : هذا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والصحابة معه جاؤوا لزيارة السيّد الحُسين (عليه‌السلام )، فدخل معهم، ثمّ قال ما كان يقوله في اليقظة، فالتفت الحُسين (عليه‌السلام ) إلى جدِّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وذكر له ذلك على سبيل الشفاعة عنده في الرجل، فقال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) للإمام علي (عليه‌السلام ) : (( يا علي، كحّله )) فقال (عليه‌السلام ) : (( سمعاً وطاعة )).

وأبرزَ مِنْ يده مكحلة ومروداً، وقال له : (( تقدّم حتّى اُكحلك )) فتقدّم، فلوّث المرود ووضعه في عينه اليمنى، فأحس بحرقان عظيم، فصرخ صرخة عظيمة فاستيقظ منها وهو يجد حرارة الكحل في عينه، ففُتِحَتْ عينه اليمنى فصار ينظر بها إلى أنْ مات، وهذا الذي كان يطلبه، فاصطنع هذه البسط التي تُفرش في مشهد الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) وكتب عليها وقفاً، ولم تزل تُفرش حتّى تولَّى مصرَ الوزيرُ المعظّم محمّد باشا الشريف من طرف حضرة مولانا السلطان محمّد خان (نصره الله)، فجدد بسطاً اُخرى، وهي التي تُفرش إلى الآن(١) .

أقول : لا يخفى أن توسّط النّبي محمّد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) في قضاء حوائج الخلق - أيٍّ كان - هو مقتضى كرمهم (عليهم‌السلام )، وهو لا يقتضى كمالاً في المقضي له حاجته ؛ بل كمالاً في القاضي والمتوسّط بما له مقام عظيم عند الله ؛ ولهذا لمـَّا سُئِلَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) عن إجاباته على أسئلة معاوية

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٨٤ - ٨٥ ط أمير قم.


ابن أبي سفيان، وهو من أعظم أعدائه المعادين للدين الحنيف، قال : (( يكفيه أنّه عرف أنَّا أهل المسألة )).

قال المناوي : وفي شرح الهمزيّة أنّ معاوية كان يُرسل يسأل عليّاً عن المشكلات فيجيبه، فقال أحد بنيه : تجيبُ عدوَّك ! قال : (( أما يكفينا أنْ احتاجنا وسألنا ))(١) .

فقضاء حاجة المحتاج لا تدلّ على مزيّة فيه ولا في صحّة مذهبه، بل مزية في القاضي والمتوسّط.

ردّ الله كُتبَ رجلٍ سُرقت بتوسّله بالإمام الحُسين (عليه‌السلام )، والتشرّف بتقبيل أعتابه (عليه‌السلام )

رواها الحمزاوي العدوي، المتوفّى ١٣٠٣ ه، بعد كلام طويل حول مشهد الإمام الحُسين الشريف، قال : واعلم أنّه ينبغي كثرة الزيارة لهذا المشهد العظيم متوسلاً به إلى الله، ويطلب مِن هذا الإمام ما كان يطلب منه في حياته ؛ فإنّه باب تفريج الكروب(٢) ، فبزيارته يزول عن الخطب الخطوب، ويصل إلى الله بأنواره والتوسّل به كلُّ قلب

____________________

(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٤ / ٤٧٠.

(٢) وهذا شأن جميع أئمّة الهدى من آل محمّد (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين)، فكلُّهم أبواب الله تعالى لقضاء الحوائج، وإليك ما قاله ابن حبان بزيارته للإمام علي بن موسى الرضا (صلوات الله عليه وعلى أبائه).

قال : ومات عليُّ بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) بطوس من شربةٍ سقاه إيّاها المأمون، فمات من ساعته، وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومئتين، وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يزار، بجنب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا (صلوات الله على جدِّه وعليه)، ودعوت الله إزالتها عنّي إلّا أستُجيبَ لي وزالت عنّي تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته (صلّى الله عليه وعليهم أجمعين) الثقات - ابن حبان ٨ / ٤٥٦

وسيأتي ما وقفت عليه من كراماتهم (عليهم‌السلام ) من مصادر القوم.


محجوب، ومِنْ ذلك ما وقع لسيدي العارف بالله تعالى سيدي محمّد شلبي شارح (العزيّة) الشهير بابن السّت، وهو أنّه قد سُرقت كتبه جميعها من بيته، قال : فتحيَّر عقله واشتدّ كربه، فأتى إلى مقام وليِّ نعمتنا الحُسين (عليه‌السلام ) منشداً لأبيات استغاث بها، فتوجّه إلى بيته بعد الزيارة ومكثه في المقام مدّة، فوجد كتبه في محلِّها قد حضرت من غير نقص لكتاب منه، وها هي الأبيات :

أيحوم حول مَنْ التجى لَكُم أَذَىً

أو يشتكي ضيماً وأنتم سادتُهْ

حاشا يُرَدُّ مَنْ انتمى لجنابكمْ

يا آلَ أحمدَ أو تُسَرُّ شوامتُهْ

لَكُم السّيادةُ مِنْ ألستُ بربِّكمْ

وَلَكُمْ نِطَاقُ العزِّ دارت هالتُهْ

هل ثَمّ بابٌ للنبيِّ سواكُم

مَنْ غيرِكمْ مِنْ ذي الورى ريحانَتُهْ

تبّاً لطرفٍ لا يشاهدُ مشهداً

يحوي الحُسين وتستلمهُ سلامَتُهْ

فالزمْ رحاباً ضمَّ سبطَ محمّد

ما أَمَّهُ راجٍ وعيقتْ حاجتُهْ

ها خادماً للحُبِّ يرفعُ حاجةً

ممّا يلاقي مِنْ بلايا هالتُهْ

(فقال الحمزاوي بعد ذكره هذه الحادثة) : أمدَّنا الله مِنْ فيض أمداده، ومتّعنا مِنْ فيض قربه وتقبيل أعتابه(١) .

وذكر الحمزاوي العدوي أبياتاً للبعض، فقال : وذكر لبعضهم في ذلك المشهد قوله :

منزلٌ كمَّلَ الإلهُ سَنَاهُ

تتوارى البدورُ عندَ لِقَاهُ

خصَّه ربُّنا بما شاءَ في الأرْ

ضِ تعالى مَنْ في السماءِ إلهُ

صانهُ زانهُ حَمَاهُ وَقَاهُ

وكساهُ بمنِّهِ ورِضَاهُ

إنْ غدا مسكناً لعزَّةِ آلِ الْـ

ـ بيتِ منَ ْثمّ قدرُه وعلاهُ

____________________

(١) مشارق الأنوار - الحمزاوي العدوي / ٩٩، نقلاً عن كتاب الغدير - العلّامه الأميني ٥ / ١٩٢.


الإمام الحُسينُ أشرفُ مولىً

أيَّدَ الدينَ سرُّه ووقاهُ

مدحته آيُ الكتابِ وجاءتْ

سنّةُ الهاشميِّ طرزَ حلاهُ(١)

شفاءُ الشيخ أبي الفضل من مرضه الشديد ببركة زيارة الإمام الحُسين (عليه‌السلام )

قال الشبراوي في تعداده لكرامات الحُسين (عليه‌السلام )، ومنها ما وقع للشيخ أبي الفضل نقيب السّادة الخلوتية، قال : أصابني مرضٌ شديد عجز عنه الأطباء، وطال بي ذلك المرض، فلازمت زيارة مشهد الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) كلَّ يوم بقصد الشفاء من ذلك المرض، غير أنّي تركت الزيارة يوم الثلاثاء لكثرة الازدحام، فمكثت على ذلك ثلاث جمع لا أزور في يوم الثلاثاء ولكن أزور كلَّ يومٍ غيره من الأيام، فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ رأيت كأنّي واقف على باب الضريح الشريف، وإذا بثلاث رجال خرجوا من الضريح وعليهم ثياب بيض، وعلى هيئة عرب الحجاز، فوقع في نفسي أنّ فيهم الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، فتبعتهم حتّى جاؤوا وجلسوا بجانب المنبر، فجلست بين أيديهم، فألتفت إليَّ واحد منهم، وقال : (( يا فلان )) فقوى في نفسي أنّه الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، فقلت : لبيِّك سيدي فقال : (( لأيِّ شيء قطعت الزيارة ؟ )) فقلتُ له : يا مولاي، إنّي أزور في كلِّ يوم فقال : (( صدقتَ، وإنّي أعرف ذلك إلّا أنّك قطعت الزيارة يوم الثلاثاء، أما علمت أنّ يوم الثلاثاء عرسي، فلأيِّ شيء تركته ؟ )) فقلتُ : يا مولاي، لك المعذرة، قصّرت وتبتُ وصرت أعتذر له بكلام كثير، فتبسّم وقال كلاماً معناه : عذرك مقبول.

ثمّ إنّي لـمـَّا أصبحت ذهبت إلى المشهد المبارك ودعوت الله سبحانه وسألته ببركة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) أنْ يعافيني من ذلك المرض، فببركته عافاني الله من ذلك

____________________

(١) مشارق الأنوار - الحمزاوي العدوي / ٩٩، نقلاً عن الغدير - العلّامه الأميني ٥ / ١٩٢.


المرض في أسرع زمان(١) .

استحبابُ زيارة أئمّة البقيع (عليهم‌السلام )

قال محيي الدين النووي : (فرع) يُستحب أنْ يخرج كلَّ يوم إلى البقيع، خصوصاً يوم الجمعة، ويكون ذلك بعد السّلام على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإذا وصله دعا بما سبق في كتاب الجنائز في زيارة القبور، ومنه : السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إنشاء الله بكم لاحقون اللهمَّ، اغفر لأهل الفرقد اللهمَّ، اغفر لنا ولهم.

ويزور القبور الطاهرة في البقيع، كقبر إبراهيم بن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعثمّان، والعبّاس والحسن بن علي (عليه‌السلام )، وعلي بن الحُسين (عليه‌السلام )، ومحمّد بن علي (عليه‌السلام )، وجعفر بن محمّد (عليه‌السلام ) وغيرهم (رضي‌ الله ‌عنهم )، ويختم بقبر صفيّة عمَّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورضي عنها(١) (٢)

الإمام الباقر عند قبر أبيه (عليهما‌السلام )

قال محدّث الشام : قرأت على أبي القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل، عن أبي القاسم علي بن محمّد المصيصي، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمّد المقرئ، أخبرنا محمّد بن أحمد بن عثمّان الشاهد، أنبأنا محمّد بن جعفر السّامري، قال : سمعت أبا موسى المؤدّب يقول : قال قيس بن النعمان : خرجت يوماً إلى بعض مقابر المدينة فإذا

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ٨٦ ط أمير قم.

(٢) المجموع - محيي الدين النووي ٨ / ٢٧٥، أقول : وقد ذكرت شيئاً في الهامش ممّا يتعلّق بالزيارة، في أول زيارة الحُسين (عليه‌السلام ).


أنا بصبي جالس عند قبر يبكي بكاءً شديداً، وإنّ وجهه ليلقي شعاعاً من نور، فأقبلت عليه فقلت : أيُّها الصبي، ما الذي عقلت له من الحزن حتّى أفردك بالخلوة في مجالب الموتى، والبكاء على أهل البلاء، وأنت بغو الحداثة، مشغول عن اختلاف الأزمان وحنين الأحزان ؟! فرفع رأسه وطأطأه وأطرق ساعة لا يحير جواباً، ثمّ رفع رأسه وهو يقول :

إنّ الصبيَّ صبيُّ العقلِ لا صغرٌ

أزرى بذي العقلِ فينا لا ولا كِبرُ

ثمّ قال لي : (( يا هذا ؟ إنّك خليّ الذرع من الفكر، سليم الأحشاء من الحُرقة، أمنت تقارب الأجل بطول الأمل إنّ الذي أفردني بالخلوة في مجالب أهل البلاء تذكّرُ قول الله (عزَّ وجل) :( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) ))(١) .

فقلت : بأبي أنت واُمِّي ! مَنْ أنت ؟ فإنّي لأسمع كلاماً حسناً فقال : (( إنّ من شقاوة أهل البلاء قلّة معرفتهم بأولاد الأنبياء، أنا محمّد بن علي بن الحُسين بن علي (عليهم‌السلام )، وهذا قبر أبي، فأيّ اُنس آنس من قربه، وأيّ وحشة تكون معه ؟! )).

ثمّ أنشا يقول :

ما غاضَ دمعي عند نازلةٍ

إلّا جعلتُك للبكا سببا

إنّي أجلُّ ثرىً حللتَ به

منْ أن اُرَى لسواك مكتئبا

فإذا ذكرتك سامحتْك به

منِّي الدموعُ ففاض فانسكبا

قال قيس : فانصرفت وما تركت زيارة القبور مذ ذاك(٢) .

____________________

(١) سورة يس / ٥١.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٥٤ / ٢٨١، مختصر تاريخ مدينة دمشق - ابن منظور ٢٣ / ٨٠ ط دار الفكر نقلاً من إحقاق الحقِّ ٢٨ / ٢٦٧.


زيارةُ الإمام الكاظم (عليه‌السلام ) وآثارها

قال ابن عماد الحنبلي : توفّي ببغداد الشريف أبو جعفر محمّد الجواد بن علي بن موسى الرضا الحُسيني (عليهم‌السلام )، أحد الاثني عشر إماماً الذين تدّعي فيهم الرافضة العصمة، ودُفِنَ عند جدِّه موسى، ومشهدهما ينتابه العامّة بالزيارة(١) .

قال محدّث العراق : باب ما ذُكر في مقابر بغداد المخصوصة بالعلماء والزهّاد : بالجانب الغربي في أعلا المدينة مقابر قريش، دُفِنَ بها موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، وجماعة من الأفاضل معه أخبرنا القاضي أبو محمّد الحسن بن الحُسين بن محمّد بن رامين الأسترابادي قال : أنبأنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، قال : سمعت الحسن بن إبراهيم - أبا علي الخلاّل - يقول : ما همَّني أمرٌ فقصدت قبر موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، فتوسَّلت به إلّا سهَّل الله تعالى لي ما اُحِبُّ(٢) .

الزيارةُ الجامعة عن الإمام الهادي (عليه‌السلام )

قال العلّامه الجويني : قال الحاكم : وأخبرني علي بن محمّد بن موسى، قال : حدّثنا محمّد بن علي بن الحُسين الفقيه الرازي، قال : حدّثنا علي بن أحمد الدقّاق في آخرين، قالوا : حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أبي عبد الله الأسدي، قال : حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال : حدّثنا موسى بن عبد الله النخعي، قال : قلت لعلي بن محمّد بن

____________________

(١) شذرات الذهب - ابن عماد الحنبلي ١ / ٤٨.

(٢) تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي ١ / ١٣٢.


علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم الصلاة والسّلام) : علَّمني يابن رسول الله قولاً أقوله - بليغاً كاملاً - إذا زرت واحداً منكم فقال : (( إذا صرت إلى الباب فقف واشهد الشهادتين وأنت على غُسل، فإذا دخلت ورأيت القبر فقف وقل : الله أكبر الله أكبر، ثلاثين مرة، ثمّ امشِ قليلاً وعليك السكينة والوقار، وقارب بين خُطاك، ثمّ قف وكبّر الله ثلاثين مرة، ثمّ ادنُ من القبر وكبّر الله أربعين مرة، تمام مئة تكبيرة، ثمّ قُل : السّلام عليكم يا أهل بيت النبوة وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة، وخزّان العلم ومنتهى الحلم، واُصول الكرم، وقادة الاُمم وأولياء النّعم، وعناصر الأبرار ودعائم الأخيار، وساسة العباد وأركان البلاد، وأبواب الإيمان وأمناء الرحمن، وسلالة النّبيّين وصفوة المرسلين، وعترة خيرة ربِّ العالمين ورحمة الله وبركاته.

السّلام على أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، وأعلام التقى، وذوي النُّهى، واُولي الحِجا، وكهف الورى، وورثة الأنبياء، والمثل الأعلى، والدعوة الحسنى، وحجج الله على أهل الدُّنيا والآخرة والأولى ورحمة الله وبركاته.

السّلام على محّال معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سرِّ الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وذرّيّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورحمة الله وبركاته.

السّلام على الدعاة إلى الله، والأدلاّء على مرضاة الله، والمستوفرين في أمر الله، والثابتين في محبّة الله، والمخلصين في توحيد الله، والمظهرين لأمر الله ونهيه، وعباده المكرّمين الذين لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون ورحمة الله وبركاته.

السّلام على الأئمّة الدّعاة، والقادة الهُداة، والسّادة الولاة، والذادة الحماة،


وأهل الذكر واُولي الأمر، وبقيّة الله وخيرته وحزبه، وعيبة علمه وحجّته، وصراطه ونوره وبرهانه ورحمة الله وبركاته.

أشهد أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، كما شهد الله لنفسه، وشهدت له الملائكة واُولوا العلم من خلقه، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم، وأنّ الدين عند الله الإسلام وأشهد أنّ محمّداً عبده المنتجب، ورسوله المرتضى، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون وأشهد أنّكم الأئمّة الهادون المهديّون، الراشدون المكرمون المقرّبون، المتّقون الصادقون المصطفون، المطيعون لله، القوّامون بأمره، العاملون بإرادته، الفائزون بكرامته.

اصطفاكم بعلمه، وارتضاكم لغيبه واختاركم لسرِّه، واجتباكم بقدرته، وأعزَّكم بهداه، وخصّكم ببرهانه، وانتجبكم لنوره وأيَّدكم بروحه، ورضيَكم خلفاء في أرضه، وحُججاً على بريّته، وأنصاراً لدينه، وحفظةً لسرّه، وخزنة لعلمه ومستودعاً لحكمته، وتراجمة لوحيه، وأركاناً لتوحيده، وشهداء على خلقه، وأعلاماً لعباده، ومناراً في بلاده، وأدلاّء على صراطه.

عصمكم الله من الزلل، وآمنكم من الفتن، وطهّركم من الدنس، وأذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيراً، فعظّمتم جلاله وأكبرتم شأنه، ومجّدتم كرمه وأدمتم ذكره، ووكّدتم ميثاقه، وأحكمتم عقد طاعته، ونصحتم له في السرِّ والعلانية، ودعوتم إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلتم أنفسكم في مرضاته، وصبرتم على ما أصابكم في جنبه، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم في الله حقَّ جهاده حتّى أعلنتم دعوته وبيّنتم فرائضه، وأقمتم حدوده، ونشرتم شرائع أحكامه وسننتم سنّته، وصرتم في ذلك منه إلى الرضا، وسلّمتم له القضاء، وصدّقتم من رُسله مَنْ مضى.


فالراغب عنكم مارق، واللازم لكم لاحق، والمقصّر في حقِّكم زاهق، والحقُّ معكم وفيكم، ومنكم وإليكم، وأنتم أهله ومعدنه، وميراث النّبوة عندكم، وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم، وآيات الله لديكم، وعزائمه فيكم، ونوره وبرهانه عندكم، وأمره إليكم.

مَنْ والاكم فقد وإلى الله، ومَنْ عاداكم فقد عادى الله، ومَنْ أحبَّكم فقد أحبَّ الله، ومَنْ أبغضكم فقد أبغض الله، ومَنْ اعتصم بكم فقد اعتصم بالله أنتم السّبيل الأعظم، والصراط الأقوم، وشهداء دار الفناء، وشفعاء دار البقاء، والرحمة الموصولة، والآية المخزونة، والأمانة المحفوظة، والباب المبتلى به الناس.

مَنْ أتاكم نجا، ومَنْ لم يأتكم هلك، إلى الله تدعون وعليه تدلّون، وبه تؤمنون وله تُسلّمون، وبأمره تعملون، وإلى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون.

سعد - والله - مَنْ والاكم، وهلك مَنْ عاداكم، وخاب مَنْ جحدكم، وضلَّ مَنْ فارقكم، وفاز مَنْ تمسّك بكم، وأمِنَ مَنْ لجأ إليكم، وسلِمَ مَنْ صدّقكم، وهُديَ مَنْ اعتصم بكم مَنْ اتّبعكم فالجنّة مأواه، ومَنْ خالفكم فالنار مثواه، ومَنْ جحدكم كافر، ومَنْ حاربكم مشرك، ومَنْ ردَّ عليكم فهو في أسفل دركٍ من الجحيم.

أشهد أنّ هذا سابق لكم فيما مضى، وجارٍ لكم فيما بقي، وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة، طابت وطهُرت بعضها من بعض خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين، حتّى منَّ علينا بكم فجعلكم في بيوت أذن الله أنْ تُرفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا عليكم وما خصَّنا به مِنْ ولايتكم طيباً لخلقنا، وطهارة لأنفسنا، وتزكية لنا، وكفّارة لذنوبنا، فكنَّا عنده مسلمين بفضلكم، ومعروفين بتصديقنا إيّاكم، فبلغ الله بكم أشرف محلِّ المكرمين، وأعلى منازل المقرّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه


لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع، حتّى لا يبقى ملكٌ مقربٌ، ولا نبي مرسل، ولا صدّيقٌ ولا شهيد، ولا عالمٌ ولا جاهل، ولا دني ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولا جبّار عنيد، ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد، إلّا عرّفهم جلالة أمركم، وعظم خطركم، وكِبَرَ شأنكم، وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصتكم لديه، وقرب منزلتكم منه.

بأبي أنتم واُمّي وأهلي ومالي واُسرتي ! اُشهد الله واُشهدكم أنّي مؤمنٌ بكم وبما آمنتم به، كافرٌ بعدوِّكم وبما كفرتم به، مستبصرٌ بشأنكم وبضلالة مَنْ خالفكم، موالٍ لكم ولأوليائكم، مبغض لأعدائكم ومعادٍ لهم، سلم لمـَنْ سالمكم، وحرب لمـَنْ حاربكم، محقّقٌ لما حقّقتم، مبطلٌ لما أبطلتم، مطيع لكم، عارف بحقِّكم، مقرٌّ بفضلكم، محتمل لأمركم، مرتقب لدولتكم، آخذ بقولكم، عامل بأمركم، مستجير بكم، زائر لكم، عائذ بكم، لائذ بقبوركم، مستشفعٌ إلى الله (عزَّ وجل) بكم، ومتقرّب بكم إليه، ومقدّمكم أمام طَلِبَتِي وحاجتي وإرادتي في كلِّ أحوالي واُموري، مؤمنٌ بسرِّكم وعلانيتكم، وشاهدكم وغائبكم، وأوّلكم وآخركم، ومفوّض في ذلك كلِّه إليكم، ومسلّم فيه معكم، وقلبي لكم مؤمن، ورأيي لكم تَبَعٌ، ونصرتي لكم معدّة، حتّى يحيي الله تعالى دينه بكم، ويردّكم في أيّامه، ويظهركم لعدله، ويمكِّنكم في أرضه.

فمعكم معكم لا مع عدوِّكم، آمنت بجدِّكم (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتولّيت آخركم بما تولّيت به أوّلكم، وبرئت إلى الله تعالى من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت والشياطين، وإخوانهم الظالمين لكم، والجاحدين لحقِّكم، والمارقين من ولايتكم، والغاصبين لإرثكم، والشاكّين فيكم، والمنحرفين عنكم، ومن كلِّ وليجة دونكم، وكلِّ مطاع سواكم، ومن الأئمّة الذين يدعون إلى النار، فثبّتني الله أبداً ما حييت


على موالاتكم، ومحبّتكم ودينكم، ووفّقني لطاعتكم، ورزقني شفاعتكم، وجعلني من خيار مواليكم، التابعين لما دعوتم إليه، وجعلني ممّن يقتصُّ آثاركم، ويسلك سبيلكم، ويهتدي بهداكم، ويُحشر في زمرتكم، ويكرُّ في رجعتكم، ويملك في دولتكم، ويشرف في عافيتكم، ويُمكّن في أيّامكم، وتقرُّ عينه غداً برؤيتكم.

بأبي أنتم واُمّي ونفسي وأهلي ومالي ! مَنْ أراد الله بدأ بكم، ومَنْ وحدَّه قبل عنكم، ومَنْ قصده توجّه إليكم موالي لا أحصي ثناءكم، ولا أبلغ من المدح كنهكم، ومن الوصف قدركم، وأنتم نور الأخيار، وهداة الأبرار، وحجج الجبّار بكم فتح الله وبكم يختم، وبكم نزل الغيث، وبكم يُمسك السماء أنْ تقع على الأرض إلّا بإذنه، وبكم يُكشفُ الضرُّ، وعندكم ما نزلت به رسله، وهبطت به ملائكته، وإلى جدِّكم بُعِثَ الروحُ الأمين.

وإن كانت الزيارة لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فقل : وإلى أخيك بُعِثَ الروح الأمين.

آتاكم الله ما لم يؤته أحداً من العالمين، طأطأ كلُّ شريف لشرفكم، وبخع كلُّ متكبّر لطاعتكم، وخضع كلُّ جبّار لفضلكم، وذلَّ كلُّ شيء لكم، وأشرقت الأرض بنوركم، وفاز الفائزون بولايتكم. بكم يُسلكُ إلى الرضوان، وعلى مَنْ جحد فضلكم غضب الرحمن.

بأبي أنتم واُمّي ونفسي ومالي وأهلي ! ذِكْركُم في الذاكرين، وأسماؤكم في الأسماء، وأجسادكم في الأجساد، وأرواحكم في الأرواح، وأنفسكم في النفوس، وآثاركم في الآثار، وقبوركم في القبور فما أحلى أسماءكم وأكرم أنفسكم ! وأعظم شأنكم وأجلّ خطركم وأوفى عهدكم ! كلامكم نور، وأمركم رشد، ووصيتكم التقوى، وفعلكم الخير، وعبادتكم الإحسان، وسجيتكم الكرم، وشأنكم الحق والصدق والرفق، وقولكم حكم وحتم، ورأيكم علم وحلم وحزم إنْ ذُكر الخير كنتم أوَّله وأصله، وفرعه ومعدنه، ومأواه ومنتهاه.


بأبي أنتم واُمّي ونفسي وأهلي ومالي ! كيف أصف حسن ثنائكم ؟! وكيف أحصي جميل بلائكم، وبكم أخرجنا الله مِنَ الذلّ، وفرَّج عنَّا غمرات الكروب، وأنقذنا مِنْ شفا جرف الهلكات ومِنَ النار ؟!

بأبي أنتم واُمّي ونفسي ! بموالاتكم علَّمنا الله معالم ديننا، وأصلح ما كان فسد من دنيانا، وبموالاتكم تمّت الكلمة وعظمت النّعمة وائتلفت الفرقة، وبموالاتكم تُقبل الطاعة المفترضة، ولكم المودّة الواجبة، والدرجات الرفيعة، والمقام المحمود عند الله تعالى، والمكان المعلوم، والجاه العظيم، والشأن الكبير، والشفاعة المقبولة ربّنا، آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا مِنْ لدنك رحمة إنّك أنت الوهاب سُبحان ربِّنا إنْ كان وعد ربنا لمفعولاً.

يا وليَّ الله، إنّ بيني وبين الله (عزَّ وجل) ذنوباً لا يأتي عليها إلّا رضاكم، فبحقِّ مَنْ ائتمنكم على سرِّه، واسترعاكم أمر خلقه، وقرن طاعتكم بطاعته، لمـَّا استوهبتم ذنوبي، وكنتم شفعائي ؛ فإنّي لكم مطيع مَنْ أطاعكم فقد أطاع الله، ومَنْ عصاكم فقد عصى الله، ومَنْ أحبَّكم فقد أحبَّ الله، ومَنْ أبغضكم فقد أبغض الله.

اللهمّ، إنّي لو وجدتُ شفعاء أقرب إليك مِنْ محمّد وأهل بيته الأخيار، الأئمّة الأبرار، لجعلتهم شفعائي، فبحقِّهم الذي أوجبت لهم عليك، أسألك أنْ تدخلني في جملة العارفين بهم وبحقِّهم، وفي زمرة المرحومين بشفاعتهم إنّك أرحم الراحمين، وصلى الله على محمّد وآله وسلم تسليماً كثيراً )).

ثمّ قال الإمام علي الهادي (عليه‌السلام ) : (( وإذا أردت الانصراف فقل عند الوداع : السّلام عليك سلام مودّعٍ لا سئم ولا قالٍ، ورحمة الله وبركاته إنّه حميد مجيد.


السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة، سلام وليٍّ غيرِ راغب عنكم، ولا مستبدل بكم، ولا مؤثر عليكم، ولا منحرف عنكم، ولا زاهد في قربكم، ولا جعله الله آخر العهد مِنْ زيارة قبوركم، وإتيان مشاهدكم، والسّلام عليكم، وحشرني الله في زمرتكم، وأوردني حوضكم، وجعلني مِنْ حزبكم، وأرضاكم عنِّي، ومكّنني في دولتكم، وأحياني في رجعتكم، وملّكني في أيّامكم، وشكر سعيي بكم، وغفر ذنبي بشفاعتكم، وأقال عثرتي بحبِّكم، وأعلى كعبي بموالاتكم، وشرّفني بطاعتكم، وأعزَّني بهداكم، وجعلني ممّن انقلب مفلحاً منجحاً، غانماً سالماً، معافاً غنياً، فائزاً برضوان الله تعالى وفضله وكفايته، بأفضل ما ينقلب به أحدٌ من زوّاركم ومواليكم، ومحبّيكم وشيعتكم، ورزقني الله العود ثمّ العود أبداً ما أبقاني ربّي بنيّة صادقة وإيمان، وتقوى وإخبات، ورزق واسع حلال طيّب.

اللهمّ، لا تجعله آخر العهد مِنْ زيارتهم وذكرهم والصلاة عليهم، وأوجب ليَ المغفرة والخير والبركة، والفوز والإيمان وحسن الإجابة، كما أوجبت لأوليائك العارفين بحقِّهم، المؤمنين بطاعتهم، والراغبين في زيارتهم، المتقرّبين إليك وإليهم.

بأبي أنتم واُمّي ونفسي وأهلي ومالي ! اجعلوني في همّكم، وصيّروني في حزبكم، وأدخلوني في شفاعتكم، واذكروني عند ربّكم.

اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وأبلغ أرواحهم وأجسادهم منِّي السّلام، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله، وسلّم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير ))(١) .

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٥، وفي ط ص ١٧٩.


ما جاء في زيارة الإمام الرضا (عليه‌السلام )(١)

____________________

(١) وقد ذكر القوم من كرامات الإمام علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) الكثير، فنذكر ما وقفنا عليه ؛ تيمّناً وإظهاراً لشيء من فضائلهم (عليهم‌السلام )، فقد ذكر العلّامه الجويني شيئاً من ذلك.

إخبار الإمام (عليه‌السلام ) بكيفية موته

قال العلّامه الجويني في فرائد السمطين ٢ / ٢٠٨ : عليُّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، أحد أكابر الأئمّة ومصابيح الاُمّة، من أهل بيت النّبوة ومعادن العلم والعرفان، والكرم والفتوة كان عظيم القدر مشهور الذكر، وله كرامات كثيرة، منها : أنّه أخبر أنّه يأكل عنباً ورمّاناً فيموت، فكان كذلك.

ومنها : أنّه قال لرجل صحيح سليم : (( استعدّ لما لا بدَّ منه )) فمات بعد ثلاثة أيّام، رواه الحاكم.

كرامتُه (عليه‌السلام ) مع المرأة التي ادّعت أنّها زينب

قال العلّامه الجويني في فرائد السمطين ٢ / ٢٠٨ : قال الحاكم : ومن كرامات أولياء الله التي شاهدوا لعلي بن موسى الرضا (صلوات الله عليه) أوّلها ما قدّمنا ذكره من تمزيق الصورتين بطن حميد بن مهران في مجلس المأمون.

ثمّ قال الحاكم : ولقد حدّثني علي بن محمّد بن يحيى الواعظ، قال : حدّثنا أبو الفضل بن أبي نصر الحافظ، قال : قرأت في كتاب عيسى بن مريم العمّاني : أنّ موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) أوصى إلى ابنه علي بن موسى (عليه‌السلام )، ويُكنّى أبا الحسن ويُلقّب بالرضا، واُمّه تكتم النوبية وكان سني إمامته بقيّة ملك الرشيد، ثمّ محمّد بن زبيدة وهو الأمين، ثمّ المأمون.

ثمّ إنّ المأمون في صدر ملكه أخذ البيعة لعلي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) بعهد ولايته لاُمور المسلمين - بعد رضاه بذلك - فقيل له : ما تقول ؟ فقال : (( والله لا أفعل، وإنّي والرشيد كهاتين )) - وحرّك إصبعيه الوسطى والسّبابة - فما عُلِمَ معنى قوله : أنا والرشيد كهاتين حتّى دُفِنَ بجنبه، فصار قبراهما واحد بجنب الآخر.

فلمّا كان يوم مِنَ الأيّام دخل علي الرضا (عليه‌السلام ) على المأمون وعنده زينب الكذّابة - التي كانت تزعم أنّها ابنة علي بن أبي طالب، وأنّ عليّاً دعا لها بالبقاء إلى يوم السّاعة ، فقال المأمون لعليٍّ (عليه‌السلام ) : سلّم على اُختك فقال : (( والله، ما هي اُختي، ولا ولدها عليُّ بن أبي طالب (عليه‌السلام )) فقالت زينب : والله، ما هو أخي، ولا ولده علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فقال المأمون : ما مصداق قولك هذا ؟ قال : (( إنّا أهل البيت لحومنا محرّمة على السّباع، فاطرحها إلى السّباع، فإنْ تك صادقة فإنّ السّباع تغبّ لحمها )) قالت زينب : ابدأ بالشيخ فقال : المأمون : لقد أنصفتِ قال الرضا (عليه‌السلام ) : (( أجل )) ففُتِحَتْ بركة السّباع واُضربت، فنزل =


____________________

= الرضا (عليه‌السلام ) إليها، فلمـَّا أنْ رأته بصبصت وأومأت إليه بالسّجود، فصلّى ما بينها ركعتين وخرج منها، فأمر المأمون زينب لتنزل فامتنعت، فطُرِحَت إلى السّباع فأكلتها، فحسد المأمون علي الرضا على ذلك.

كرامتُهُ (عليه‌السلام ) مع البَدوي الذي أتى بشعرات من النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

قال العلّامه الجويني في فرائد السمطين ٢ / ٢٠٩ : فلمـَّا كان بعد مدّة دخل الرضا (عليه‌السلام ) على المأمون فوجد فيه همّاً، فقال له : (( أرى فيك همّاً ! )) فقال المأمون : نعم، بالباب بدوي قد دفع إليَّ منه سبع شعرات يزعم أنّهنّ من لحية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد طلب الجائزة ؛ فإنْ يك صادقاً ومنعته الجائرة قد بخست شرفي، وإنْ يك كاذباً فأعطه الجائزة فقد سخر بي، وما أدري ما أعمل قال الرضا (عليه‌السلام ) : (( عليَّ بالشَّعر )) فلمـَّا رآه شمّه، وقال : (( هذه أربع من لحية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأمّا الباقي فليس من لحيته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) )) فقال المأمون : ومِنْ أين هذا ؟! فقال : (( النّار والشَّعر )) فألقي الشعر في النار فاحترقت ثلاث شعرات، وبقيت الأربعة التي أخرجها عليُّ بن موسى الرضا (عليه‌السلام )، ولم يكن للنار عليها سبيل فقال المأمون : عليَّ بالبدوي فلمّا مثل بين يديه أمر بضرب عنقه، فقال البدوي : بماذا ؟ فقال : تصدق عن الشَّعر قال : أربع من لحية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وثلاث من لحيتي فتمكّن حسد المأمون في قلبه للرضا (عليه‌السلام )، فنفاه إلى طوس، ثمّ سقاه سمّاً فمات عليُّ الرضا (عليه‌السلام ) مسموماً، وقد كمل عمره ثمانياً وأربعين سنة، فدُفِنَ إلى جانب قبر الرشيد، فعُلِمَ قول عليٍّ (عليه‌السلام ) : (( أنا والرشيد كهاتين )).

ولمّا صار إلى كرامة الله سبحانه وتعالى، صار وليّ الله في أرضه ابنه محمّد بن علي بوصية أبيه إليه، ولقبه : صاحب الذؤابة، ويُقال : التّقي واُمّه ريحانة اُمّ الحُسين، ومولده بالمدينة سنة سبعين ومئة من الهجرة.

كرامتُهُ (عليه‌السلام ) مع مَنْ مدّ في عمره

قال العلّامه الجويني في فرائد السمطين ٢ / ٢١٠ : قال الحاكم : وحدّثني علي بن محمّد بن يحيى المذكر، قال : حدّثنا محمّد بن علي بن الحُسين الفقيه، قال : حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر، قال : حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن عيسى، عن أبي حبيب البناجي أنّه قال : رأيتُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام وقد وافى البناج، ونزل في المسجد الذي ينزله الحاجّ في كلِّ سنة، وكأنّي مضيت إليه ونزلت عنده =


____________________

= وسلّمت عليه، ووقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، فكأنّه قبض قبضة من ذلك التمر، فناولني فعددته فكان ثمان عشرة تمرة، فتأوّلت أنّني أعيش بعدد كلِّ تمرة سنة.

فلمـَّا كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، إذ جاءني مَنْ أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه‌السلام ) من المدينة ونزوله ذلك المسجد، فرأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنتُ رأيت فيه النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتحته حصير مثل ما كان تحته، وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه وردّ عليّ السّلام، واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقلت له : زدني منه يابن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال : (( لو زادك رسولُ الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لزدناك )).

كرامتُهُ (عليه‌السلام ) بإخباره بالغيب

قال العلّامه الجويني في فرائد السمطين ٢ / ٢٠٨ : وبالسند المتقدّم عن الحاكم، عن محمّد بن علي بن الحُسين قال : وحدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل، قال : حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن سعد بن سعيد، عن أبي الحسن الرضا (عليه‌السلام ) : أنّه نظر إلى رجل فقال له : (( يا عبد الله، أوصِ بما تريد، واستعد لما لا بدَّ منه )) وكان [ ما ] قد قال، فمات بعد ذلك بثلاثة أيّام.

كرامتُهُ (عليه‌السلام ) في الاستسقاء، وافتراس الأسدين لمَنْ أنكرها

قال العلّامه الجويني في فرائد السمطين ٢ / ٢١٢ : وبالإسناد المتقدّم إلى الحاكم البيع (رحمة الله عليه) قال : رأيت في كتب أهل البيت (عليهم‌السلام ) أنّ المأمون لـمّا جعل عليَّ بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) وليّ عهده احتبس المطر، فجعل بعض حاشية المأمون والمتعصّبين على الرضا (عليه‌السلام ) يقولون : انظروا ما جاءنا علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) وليّ عهدنا، فحبس عنّا المطر.

واتّصل ذلك بالمأمون واشتدّ عليه، فقال للرضا (عليه‌السلام ) : قد احتبس عنّا المطر، فلو دعوت الله تعالى أنْ يمطر الناس قال الرضا : (( نعم )) قال : فمتى نفعل ذلك ؟ - وكان ذلك يوم الجمعة - فقال : (( يوم الإثنين ؛ فإنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أتاني البارحة في منامي ومعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فقال : يا بُني، انتظر يوم الإثنين، فابرز فيه إلى الصحراء واستسق فإنّ الله (عزَّ وجل) يسقيهم وأخبرهم بما يريك الله ممّا لا يعلمون ؛ ليزداد علمهم بفضلك ومكانك من ربّك (عزَّ وجل) ).

فلمّا كان يوم الإثنين غدا علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) إلى =


____________________

= الصحراء، وخرج الخلائق ينظرون، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال : (( اللهمَّ يا ربّ، أنت عظّمت حقَّنا أهل البيت، فتوسلوا بنا كما أمرت، وأمّلوا فضلك ورحمتك، وتوقّعوا إحسانك ونعمتك، فاسقهم سقياً نافعاً عامّاً غير ضارٍ، وليكن ابتداءُ مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارّهم )).

قال : فوالذي بعث محمّداً نبيّاً، لقد نسجت الرياح الغيوم وأرعدت وأبرقت، وتحرّك الناس كأنّهم يريدون التنحّي عن المطر، فقال الرضا (عليه‌السلام ) : (( على رَسلكم أيُّها الناس فليس هذا الغيم لكم، إنّما هي لأهل بلد كذا )) فمضت السّحابة وعبرت، ثمّ جاءت سحابة اُخرى تشتمل على رعد وبرق فتحرّكوا، فقال الرضا (عليه‌السلام ) : (( على رسلكم فما هذه لكم إنّما هي لبلد كذا )).

فما زالت حتّى جاءت عشرة سحائب وعبرت، ويقول علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) : (( على رسلكم ليست هذه لكم إنّما هي لبلد كذا )) ثمّ أقبلت سحابة حادية عشرة، فقال : (( يا أيُّها الناس، هذه بعثها الله لكم فاشكروا الله على تفضلّه عليكم، وقوموا إلى مقارّكم ومنازلكم ؛ فإنها مسامتة لرؤوسكم، ممسكة عنكم إلى أنْ تدخلوا مقارّكم، ثمّ يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله (عزَّ وجلّ) )).

ونزل الرضا (عليه‌السلام ) عن المنبر وانصرف الناس، فما زالت السّحابة ممسكة إلى أنْ قربوا من منازلهم، ثمّ جاءت بوابل المطر فملأت الأودية والحياض، والغدران والفلوات، فجعل الناس يقولون : هنيئاً لولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كرامات الله.

ثمّ برز إليهم الرضا (عليه‌السلام )، وحضرت الجماعة الكثيرة منهم، فقال : (( يا أيُّها الناس، اتّقوا الله في نِعَمِ الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه، بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه واعلموا أنّكم لا تشكرون الله (عزَّ وجل) بشيء بعد الإيمان بالله، وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمّد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أحبّ إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم، تعبر بهم إلى جنان ربّهم ؛ فإنّ مَنْ فعل ذلك كان مِنْ خاصّة الله تعالى، وقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ذلك قولاً ينبغي للعاقل أنْ يزيد في فضل الله عليه فيه، أنْ يأمله ويعمل عليه، قيل : يا رسول الله : هلك فلان، يعمل من الذنوب كيت وكيت فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : بل قد نجا، ولا يختم الله عمله إلّا بالحسنى، وسيمحوا الله عنه السيّئات ويبدلها له حسنات ؛ إنّه كان مرّة يمرّ في طريق، وعرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر، فسترها عليه ولم يخبره بها ؛ مخافة أنْ يخجل.

ثمّ إنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواة، فقال له : أجزل الله لك الثواب، وأكرم لك المآب، ولا ناقشك الحساب فهذا العبد لا يختم له إلّا بخير بدعاء ذلك المؤمن، فاتّصل قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بهذا الرجل فتاب وأناب، وأقبل على طاعة الله، فلمْ يأت عليه سبعة أيّام حتّى اُغير على سرح المدينة، فوجّه رسول =


____________________

= الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في إثرهم جماعة، ذلك الرجل آخرهم، واستشهد فيهم )) فعظّم الله تعالى البركة من البلاد بدعاء الرضا (رضوان الله عليه).

وقد كان للمأمون مَنْ يريد أنْ يكون وليّ عهده دون الرضا، وحسّاد كانوا بحضرة المأمون للرضا (عليه‌السلام )، فقال للمأمون بعض اُولئك : يا أمير المؤمنين، اُعيذك بالله أنْ يكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد العبّاس إلى بيت ولد علي ؛ اعتب على نفسك وأهلك، جئت بهذا السّاحر من ولد السّحرة، وقد كان خاملاً فأظهرته، ووضيعاً فرفعته، ومنسيّاً فذكّرت به، ومستخفّاً به فنوّهت به، قد ملأ الدُّنيا مخرقة وتشرّفاً بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أنْ يخرج هذا الأمر عن ولد العبّاس إلى ولد علي، بل ما أخوفني أنْ يتوصّل بسحره إلى إزالة نعمتك، والتوثّب على مملكتك، هل جنا أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك ؟!

فقال المأمون : قد كان هذا الرجل مستتراً عنّا يدعو إلى نفسه، فأردنا أنْ نجعله وليّ عهدنا ليكون دعاؤه إلينا، ولنعرف ما يخالفه والملك لنا، وليعتقد فيه المعترفون به أنّه ليس ممّا ادّعى في قليل ولا كثير، وأنّ هذا الأمر لنا من دونه، وقد خشينا إنْ تركناه على تلك الحالة أنْ ينفتق علينا منه ما لا نسدّه، ويأتي علينا ما لا نطيقه، والآن وإذ قد فعلنا به ما قد فعلنا، وأخطأنا في أمره ما أخطأنا، وأشرفنا من الهلاك - بالتنويه به - على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنّا نحتاج أنْ نضع منه قليلاً قليلاً حتّى نُصوّره عند الرعايا بصورة مَنْ لا يستحق هذا الأمر، ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنّا مواد بلائه.

قال الرجل : يا أمير المؤمنين، فولّني مجادلته فإنّي اُفحمه وأصحابه، وأضع من قدره، فلولا هيبتك في صدري لأنزلته منزلته، وبيّنت للناس قصوره عمّا رشحته له.

فقال المأمون : ما شيء أحبّ إليّ من هذا قال : فاجمع جماعة من وجوه أهل مملكتك ؛ من القواد والقضاة وخيار الفقهاء لأبيّن نقصه بحضرتهم، فيكون تأخيرك له عن محلّه الذي أحللته فيه على علم منهم بصواب فعلك.

قال : فجمع المأمون الخلق الفاضلين من رعيّته في مجلس واسع قعد فيه لهم، وأقعد الرضا (عليه‌السلام ) بين يديه في مرتبته التي جعلها له، فابتدأ الحاجب المتضمّن للوضع عن الرضا (عليه‌السلام )، وقال له : إنّ الناس قد أكثروا عليك الحكايات، وأسرفوا في وصفك، فما أرى أنّك إنْ وقفت عليه إلّا برئت منه ؛ رأوك دعوت الله تعالى في المطر المعتاد مجيئه فجعلوه آية لك، ومعجزة أوجبوا لك بها أنْ لا نظير لك في الدنيا، وهذا أمير المؤمنين (أدام الله ملكه) لا يوازي بأحد إلّا رجع به، وقد أحلّك المحلّ الذي قد عرفت، فليس مِنْ حقّه أنْ تسوغ للكذّابين وعليه ما يكذبونه.

فقال الرضا (رضوان الله عليه) : (( ما أدفعُ عبادَ الله عن التحدّث بنعم الله عليّ، وإنْ كنتُ لا أبغي أشِراً ولا بطراً وأمّا ذكرك صاحبك الذي أحلّني فما أحلّني إلّا المحل الذي أحلّه ملكُ مصر يوسف =


الإخبارُ عن شهادته (عليه‌السلام )، وفضلُ زيارة قبره الشريف

روى العلّامه الجويني، قال : وبه - أي بالسند المتقدّم - أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله البيع، قال : حدّثني علي بن محمّد المذكر، قال : حدّثنا محمّد بن علي الفقيه، قال : حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال : حدّثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ياسر الخادم، قال : قال علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) : (( لا تشدّ الرحال إلى شيء من القبور إلّا إلى قبورنا ألا وإنّي مقتول بالسّم ظلماً ومدفون في موضع

____________________

= الصدّيق (عليه‌السلام )، وكانت حالهما ما قد عرفت )).

فغضب الحاجب عند ذلك فقال : يابن موسى، لقد عدوت طورك وتجاوزت قدرك أنْ بعث الله تعالى بمطر مقدور في وقته، لا يتقدّم ولا يتأخّر، وجعلته آية تستطيل بها، وصولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم (عليه‌السلام ) لـمّا أخذ رؤوس الطير بيده، ودعا أعضاءها، التي كان فرّقها على الجبال، فأتته سعياً على الرؤوس، وحففْنَ وطرْنَ بإذن الله تعالى ؛ فإنْ كنت صادقاً فيما تُوهِم فأحي هاتين الصورتين وسلّطهما عليَّ، فإنّ ذلك يكون حينئذ آية معجزة ؛ فأمّا المطر المعتاد فلست أنت أحقّ بأنْ يكون جاء بدعوتك من غيرك الذي دعا كما دعوت - وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون الذي كان مستنداً إليه، وكانا متقابلين على المسند -.

فغضب عليُّ بن موسى (عليه‌السلام ) وصاح بالصورتين : (( دونكما الفاجر، فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً )) فوثبت الصورتان - وقد عادتا أسدين - فتناولا الحاجب ورضضاه وهشّماه، وأكلاه ولحسا دمه، والقوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون، فلمّا فرغا منه أقبلا على الرضا (عليه‌السلام ) فقالا : يا وليَّ الله في أرضه، ماذا تأمرنا أنْ نفعل بهذا ؟ - ويشيران إلى المأمون - فغشي على المأمون ممّا سمع منهما، فقال الرضا (عليه‌السلام ) : (( قفا )) فوقفا، ثمّ قال الرضا (عليه‌السلام ) : (( صبّوا عليه ماءَ وردٍ وطيّبوه )) ففُعِلَ ذلك به، وعاد الأسدان يقولان : أتأذن لنا أنْ نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه ؟ قال : (( لا، فإنّ لله تعالى تدبيراً هو ممضيه )) فقالا : بماذا تأمرنا ؟ قال : (( عودا إلى مقرّكما كما كنتما )) فعادا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا، فقال المأمون : الحمد الله الذي كفاني شرَّ حميد بن مهران - يعني الرجل المفترس - ثمّ قال للرضا (عليه‌السلام ) : هذا الأمر لجدّكم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ثمّ لكم، فلو شئتَ لنزلتُ لك عنه.


غربة، فمَنْ شدَّ رحله إلى زيارتي استُجيب دعاؤه، وغفر له ذنوبه ))(١) .

روى العلّامه الجويني، قال : وبهذا الإسناد الذي تقدّم آنفا قال الحاكم : سمعت علي بن محمّد بن يحيى المذكر يقول : سمعت أبا الفضل بن أبي نصر الصوفي يقول : سمعت محمّد بن أبي علي الصائغ يقول : سمعت رجلاً - ذهب عنِّي اسمه - عند قبر الرضا (عليه‌السلام ) يقول : كنتُ اُفكّر في شرف القبر وشرف مَنْ توارى فيه، فتخالج في قلبي الإنكار على بعض مَنْ بها، فضربت بيدي إلى المصحف متفئّلاً، فخرجت هذه الآية :( وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ) (٢) حتّى ضربت ثلاث مرات فخرجت في كلِّها هذه الآية(٣) .

روى العلّامه الجويني، قال : أخبرنا الإمام العالم محمّد بن أبي القاسم (إجازة)، قال : أخبرني الشيخ عز الدين محمّد بن عبد الرحمن بن معالي الوابيني، قال : أنبأنا زاهر بن طاهر الشحامي، قال : أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحُسين البيهقي، قال : أنبأنا الحاكم الحافظ البيع (رحمه‌الله )، قال : حدّثنا أبو سعيد أحمد بن محمّد بن عمرو الأحمسي بالكوفة، قال : أنبأنا الحُسين بن حميد بن الربيع، قال : سمعت أبي يقول : استشهد علي بن موسى الرضا بخراسان بطوس، بقرية يقال لها: سناباد، في شهر رمضان سنة ثلاث ومئتين(٤) .

وروى العلّامه الجويني :

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢١٨.

(٢) سورة يونس / ٥٣.

(٣) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢١٨.

(٤) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٨٨.


وبالسند المتقدّم قال الحاكم : أنبأنا أبو بكر محمّد بن عبد الله بن أحمد العبسي، قال : حدّثنا محمّد بن زكريا الغلابي، قال : حدّثنا جعفر بن محمّد - يعني ابن عمّار - عن أبيه، عن جعفر بن محمّد الصادق (رضي‌الله‌عنه )، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحُسين، عن أبيه، عن عليٍّ (عليهم‌السلام )، قال : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ستُدْفنُ بضعةٌ منِّي بخراسان، لا يزورها مؤمن إلّا أوجب الله له الجنّة، وحرّم جسده على النّار ))(١) .

قال العلّامه الجويني : أنبأني الشيخ كمال الدين علي بن محمّد بن محمّد بن محمّد بن وضّاح الشهرياني، أنبأنا مؤرّخ بغداد الإمام محبّ الدين محمّد بن محمود بن الحُسين بن النجّار (إجازة)، قال : أنبأنا الإمام أبو الفتوح ناصر بن أبي المكارم المطرزي (إجازة)، أنبأنا الإمام أخطب خوارزم أبو المؤيد الموفّق بن أحمد المكي ثمّ الخوارزمي، قال : أخبرني الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي، قال : أنبأنا الإمام شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ (رحمه‌الله )، قال : أنبأنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحُسين البيهقي، قال : أنبأنا الحاكم أبو عبد الله محمّد بن عبد الله البيع الحافظ (رحمه‌الله )، قال : أخبرني علي بن محمّد بن موسى الواعظ، قال : حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي بن الحُسين الرازي، عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال : حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، قال : حدّثنا محمّد بن عيسى بن عبيد، قال : حدّثنا محمّد بن سليمان المصري، عن أبيه، عن إبراهيم بن أبي حجر الأسلمي، عن قبيصة، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت وارث علم الأنبياء أبا جعفر محمّد بن علي بن

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٨٨.


الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) يقول : (( حدّثني سيّد العابدين علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، عن سيّد الشهداء الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، عن سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، قال: قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ستُدْفَنُ بضعةٌ منِّي بأرض خراسان، ما زارها مكروب إلّا نَفّسَ الله كربته، ولا مذنب إلّا غفر الله ذنوبه ))(١) .

روى العلّامه الجويني، قال : وبه - يعني بالسند المتقدّم - عن الحاكم البيع، قال : حدّثنا أبو الحُسين أحمد بن جعفر بن البزار العلوي بالكوفة، قال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الحافظ، قال : حدّثنا علي بن الحُسين بن علي بن فضّال، قال : حدّثنا أبي قال : سمعت علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام )، وجاءه رجل فقال له : يابن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، رأيت رسول الله في المنام كأنّه يقول لي : (( كيف أنتم إذا دُفِنَ في أرضكم بعضي، واستحفظتم وديعتي، وغُيّبَ في ثراكم نجمي ؟ )) فقال الرضا (عليه‌السلام ) : (( أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعةٌ مِنْ نبيّكم، وأنا الوديعة والنجم ومَنْ زارني وهو يعرف ما أوجب الله مِنْ حقِّي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومَنْ كنَّا شفعاءه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين : الجن والإنس.

ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : مَنْ رآني في منامه فقد رآني؛ فإنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ولا في صورة واحدٍ مِنْ أوصيائي، وإنّ الرؤيا الصادقة جزءٌ مِنْ سبعين جزءاً من النّبوة ))(٢) .

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٠.

(٢) المصدر نفسه.


وروى العلّامه الجويني، قال : وبه - يعني بالسند المتقدّم - عن الحاكم البيع النيسابوري قال : حدّثني أبو سعيد أحمد بن عمرو بن رميح الحافظ، قال : حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد الحافظ، قال : حدّثنا علي بن الحُسين بن فضّال، عن أبيه قال : سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) يقول : (( إنّي مقتولٌ مسمومٌ مدفونٌ بأرض غُربة، أعلم ذلك بعهدٍ عهدهُ إليَّ أبي عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ ألا فمَنْ زارني في غربتي كنت أنا وآبائي شفعاءه يوم القيامة، ومَنْ كنَّا شفعاءه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين ))(١) .

وروى العلّامه الجويني، قال : وبه - يعني بالسند المتقدّم - عن الحاكم، قال : أخبرني أبو القاسم بن أبي سعيد الصيدلاني، قال : حدّثنا محمّد بن علي بن الحُسين الرازي، قال : حدّثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، قال : حدّثني أبي عن جدِّي، عن الصقر بن دلف، قال : سمعت علي بن محمّد بن علي الرضا (عليهم‌السلام )، يقول : (( مَنْ كانت له إلى الله حاجة فليزُرْ قبرَ جدِّي الرضا بطوس وهو على غُسل، وليُصلِّ عند رأسه ركعتين، ويسأل الله تعالى حاجته في قنوته؛ فإنّه يُستجابُ له ما لم يسأله في مأثم أو قطيعة رحم وإنّ موضع قبره لَبقعة مِنْ بقاع الجنّة، لا يزورها مؤمنٌ إلّا أعتقه الله من النّار، وأدخله دار القرار ))(٢) .

وروى العلّامه الجويني، قال :

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٢ ب٤٠.

(٢) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٣ب٤٠.


وبالسّند المتقدّم عن الحاكم، عن محمّد بن علي بن الحُسين الرازي، قال : وحدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور، قال : حدّثنا الحُسين بن محمّد بن عامر، عن عمّه عبد الله بن عامر عن سليمان بن حفص المروزي، قال : سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) يقول : (( مَنْ زار قبر ولدي علي (عليه‌السلام ) كان له عند الله سبعون حجّة )) ثمّ قال (عليه‌السلام ) : (( ورُبَّ حجّة لا تُقبل مَنْ زاره أو بات عنده ليلة كان كمَنْ زار أهل السّماوات، وإذا كان يوم القيامة وُجِدَ معنا زوّار أئمّتنا أهل البيت، وأعلاهم درجة وأقربهم حياة زوّار ولدي علي (عليه‌السلام ) ))(١) .

وروى العلّامه الجويني، قال : وبه - يعني بالسند المتقدّم - قال الحاكم : أخبرني أبو القاسم بن أبي سعيد الصيدلاني، قال : حدّثنا محمّد بن علي بن الحُسين الرازي، قال : حدّثنا علي بن أحمد بن عمران الدقّاق، قال : حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن أحمد بن محمّد بن صالح الرازي عن حمدان الديواني (رضي‌الله‌عنه )، قال : قال الرضا (عليه‌السلام ) : (( مَنْ زارني على بُعد داري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتّى اُخلصه من أهوالها : إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً، وعند الصراط، وعند الميزان ))(٢) .

قال العلّامه الجويني : وبه - يعني بالسند المتقدّم - عن الحاكم قال : حدّثنا أبو القاسم بن أبي سعيد الصيدلاني، قال : أخبرني علي بن أحمد البيع، قال : حدّثني أبي، قال : حدّثني سعيد بن عبد الله عن أيوب بن نوح قال : سمعت أبا جعفر محمّد بن علي بن موسى يقول : (( مَنْ زار قبر أبي بطوس غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وإذا كان يوم القيامة يُنْصَبُ له منبرٌ

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٤ ب٤٠.

(٢) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٥ب٤٠.


بحذاء منبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى يفرغ الله من حساب عباده ))(١) .

كرامةٌ في حَرمِ الإمام الرضا (عليه‌السلام ) مع رجلٍ اسمه حمزة

وروى العلّامه الجويني، قال : وبه - يعني بالسند المتقدّم - عن الحاكم قال : حدّثني علي بن محمّد بن يحيى المذكر قال : حدّثني محمّد بن علي بن الحُسين الفقيه، قال : حدّثنا محمّد بن أبي القاسم التميمي، قال : سمعت أبا الحسن علي بن الحسن القهستاني يقول : كنت بمرو الرود، فلقيت بها رجلاً من أهل مصر مجتازاً اسمه حمزة، وقد ذكر أنّه خرج مِنْ مصر زائراً لمشهد الرضا (عليه‌السلام ) بطوس، وذكر أنّه لـمـَّا دخل المشهد كان قرب غروب الشمس، فزار الإمام وصلّى، ولمْ يكن في ذلك اليوم زائر غيره، فلمـَّا صلّى العتمة أراد خادم القبر أنْ يُخرجَه أو يغلق عليه الباب، فسأله أنْ يغلق عليه الباب ويدعه في المسجد ليصلّي فيه ؛ فإنّه جاء مِنْ بلد شاسع، ولا يُخرجَه فإنّه لا حاجة له في الخروج.

فتركه وغلق عليه الباب، فإنّه كان يصلّي وحده إلى أنْ أعيا، فجلس ووضع رأسه على ركبتيه ليستريح ساعة، فلمـَّا رفع رأسه رأى في الجدار مواجهاً وجهه رقعةً عليها هذان البيتان :

مَنْ سرَّه أن يرى قبراً برؤيتِهِ

يفرِّجُ الله عمَّن زاره كُرُبَهْ

فليأتِ ذا القبرَ إنّ اللهَ أسكنَه

سلالةً مِنْ رسولِ اللهِ منْتَجَبَهْ

قال : فقمت وأخذت في الصلاة إلى وقت السحر، ثمّ جلست كجلستي الأولى، ووضعت رأسي على ركبتي، فلمـَّا رفعت رأسي لمْ أرَ على الجدار شيئاً.

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٥ب٤٠.


وكان الذي رآه مكتوباً رطباً كأنّه كُتِبَ في تلك السّاعة قال : فانفلق الصبح وفُتِحَ الباب، وخرج من هناك(١) .

ما حصل لمنكرِ زيارة الإمام الرضا (عليه‌السلام )

قال العلّامه الجويني : أورد الإمام شهاب الدين أبو سعيد عبد الملك بن سعد بن عمرو بن محمّد بن عمر بن إبراهيم (رحمه‌الله ) في مصنّفه الموسوم بكتاب نزهة الأخيار، أنّه سمع من الشيخ الزكي أبي الفتوح محمّد بن عبد الكريم بن منصور بن غلان، قال : سمعت الشيخ أبا الحسن محمّد بن القاسم الفارسي بنيسابور، قال : كنت اُنْكِرُ على مَنْ قصد المشهد بطوس للزيارة، وأصررت على هذا الإنكار، فاتّفق أنّي رأيت ليلةً - فيما يرى النائم - كأنّي كنت بطوس في المشهد، ورأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قائماً وراء صندوق القبر يصلّي، فسمعت هاتفاً مِنْ فوق وهو ينشد ويقول :

مَنْ سرَّه أن يرى قبراً برؤيتِهِ

يفرِّجُ الله عمَّن زاره كُرُبَهْ

فليأتِ ذا القبرَ إنّ اللهَ أسكنَه

سلالةً مِنْ رسولِ اللهِ منْتَجَبَهْ

وكان يشير في الخطاب إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال : فاستيقظت مِنْ نومي كأنّي غريق في العرق، فناديت غلامي يسرج دابتي في الحال، فركبتها وقصدت الزيارة وتعوّدت في كلِّ سنة مرتين.

قلت : أروي هذه الرؤيا وجميع مرويّات سلاّر أبي الحسن مكّي بن منصور بن علان الكرجي، عن الشيخ محيي الدين عبد المحيي بن أبي البركات الحربي (إجازة)، بروايته عن الإمام مجد الدين يحيى بن الربيع بن سليمان بن حراز الواسطي (إجازة)،

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٦.


عن أبي زرعة طاهر من محمّد بن طاهر بن علي المقدسي عنه (إجازة)(١) .

وروى العلّامه الجويني، قال : ولقد أنشدنا الإمام الفاضل، الحَسَنُ الأخلاقِ والشمائل، فخر الدين هبة الله بن محمّد بن محمود الأديب الجندي (رحمه‌ الله تعالى) لنفسه بالمشهد المقدّس الرضوي (على مشرّفه السّلام)، في زيارتنا الاُولى لها (جعلها الله مبرورة، وفي صحائف الأعمال المقبولة مسطورة) :

أيا مَنْ منَاه رضى ربِّه

تهيَّأ وإنْ منكرُ الحسنِ لامْ

فَزُرْ مشهداً للإمامِ الرضا

عليِّ بنِ موسىعليه‌السلام (٢)

آثارُ زيارة الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما‌السلام )

زيارةُ ابن حبّان للإمام الرضا (عليه‌السلام ) وتوسّله به، وشفاء الحاكم

قال ابن حبّان في ثقاته : ومات عليُّ بن موسى الرضا (عليهما‌السلام ) بطوس مِنْ شربة سقاها إيّاها المأمون، فمات مِنْ ساعته، وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومئتين، وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يُزار بجنب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة، وما حلَّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس، فزرت قبر علي بن موسى الرضا (صلوات الله على جدّه وعليه) ودعوت الله إزالتها عنِّي إلّا استُجيب لي، وزالت عنِّي تلك الشدّة، وهذا شيء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبّة المصطفى

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٧.

(٢) المصدر نفسه.


وأهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين)(١) .

قال العلّامه الجويني : وبه - يعني بالسند المتقدّم - قال الحاكم : سمعت أبا الحُسين محمّد بن علي بن سهل الفقيه يقول : ما عُرِضَ لي مهمٌ مِنْ أمر الدين والدنيا، فقصدت قبر الرضا (عليه‌السلام ) لتلك الحاجة، ودعوت عند القبر إلّا قُضيَتْ لي تلك الحاجة، وفرَّج الله عنِّي ذلك المهم ثمّ قال أبو الحسين (رحمه‌الله ) : وقد صارت إليَّ هذه العادة أنْ أخرج إلى ذلك المشهد في جميع ما يُعْرَضُ لي؛ فإنّه عندي مجرّب.

قال الحاكم (رحمه‌الله ) : وقد عرّفني الله من كرامات التربة خير كرامة، منها : أنّي كنت متقرّساً لا أتحرك إلّا بجهد، فخرجتُ وزرت وانصرفت إلى نوقان بخفّين من كرابيس، فأصبحت من الغد بنوقان وقد ذهب ذلك الوجع، وانصرفت سالماً إلى نيسابور(٢) .

توافرُ زيارة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) والتواضع عند تربته (عليه‌السلام )

وذكر ابن حجر، قال : وسمعت أبا بكر محمّد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى يقول : خرجنا مع أمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة، وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا، وهم إذ ذاك متوافرون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) بطوس قال : فرأيت من تعظيمه - يعنى ابن خزيمة - لتلك البقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما تحيّرنا.

وقال أبو سعد بن السمعاني في (الأنساب) : قال أبو حاتم بن حبّان : يروي

____________________

(١) الثقات - ابن حبّان ٨ / ٤٥٦.

(٢) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢٢٠.


عن أبيه العجائب(١) ، كأنّه كان يهمّ ويخطئ مات يوم السبت آخر يوم من صفر، وقد سُمّ في ماء الرمّان وسُقي.

قلتُ : وأورد له ابن حبّان، بسند عن آبائه مرفوعاً : (( السبت لنا، والأحد لشيعتنا، والإثنين لبني اُميّة، والثلاثاء لشيعتهم، والأربعاء لبني العبّاس، والخميس لشيعتهم، والجمعة للناس جميعاً ))(٢) .

روى هذه الحادثة العلّامه الجويني قال : وبه - يعني بالسند المتقدّم - عن الحاكم الإمام أبي عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ، قال : سمعت أبا بكر محمّد بن المؤمل بن الحُسين بن عيسى، يقول : خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة، وعديله في العمّارية أبي علي الثقفي، وجماعة من مشايخنا، وهم إذ ذاك متوافرون إلى المشهد لزيارة قبر علي بن موسى الرضا (رضي‌الله‌عنه )، فرأيت من تعظيمه لتلك التربة وتواضعه لها، وتضرّعه عند الوصول إليها ما تحيّرنا فيه، وذلك بمشهد من عدّة من آل السلطان وآل شاذان بن نعيم وآل الشنقشين، وبحضرة جماعة من العلويّة من أهل نيسابور وهرات، وطوس وسرخس، فدونوا شمائل أبي بكر محمّد بن إسحاق عند الزيارة، وفرحوا وتصدّقوا شكراً لله على ما ظهر من إمام العلماء عند ذلك الإمام والمشهد، وقالوا بأجمعهم : لو لم يعلم هذا الإمام أنّه سنّة وفضيلة لما فعل هذا.

قال : ثمّ انصرفنا من الزيارة في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمئة(٣) .

____________________

(١) ولا يخفى أنّها عجائب عند مَن لا يعتقد بإمامته (عليه‌السلام ) بالنص من الله، وأنّه حجّة الله على خلقه، فهو كباقي الأوصياء لهم تلك القدرات الربّانية كالتي عند آصف بن برخيا (عليه‌السلام ).

(٢) تهذيب التهذيب - ابن حجر ٧ / ٣٣٩.

(٣) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ١٩٨ باب ٤٠.


شفاءُ أبي النضر النيسابوري من علّة في لسانه بزيارة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) والتوسّل عنده

قال العلّامه الجويني : أنبأني الشيخ محيي الدين عبد الحميد بن أبي البركات الحربي، وأمين الدين أبو الفضل إسماعيل بن أبي عبد الله بن حمّاد العسقلاني، قالا : أنبأنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي (إجازة)، أنبأنا زاهر بن طاهر بن محمّد المستملي (إجازة)، قال: أنبأنا أبو بكر الحُسين بن علي، أنبأنا محمّد بن عبد الله الحافظ، قال : سمعت أبا القاسم بن علي المعمّري يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا النضر المؤذن النيسابوري يقول : أصابتني علّة شديدة ثقل فيها لساني، فلم أقدر منها على الكلام، فخطر ببالي زيارة الرضا (عليه‌السلام ) والدّعاء عنده، والتوسّل به إلى الله تعالى ليعافني، فخرجت زائراً وزرت الرضا (عليه‌السلام )، وقمت عند رأسه وصلّيت ركعتين، وكنت في الدّعاء والتضرّع مستشفعاً صاحب القبر إلى الله (عزَّ وجل) أنْ يعافني من علّتي، ويحل عقدة لساني، إذ ذهب بي النوم في سجودي، فرأيت في منامي كأنّ [القبر](١) قد انفرج، فخرج منه رجل آدم كهل شديد الأدمة، فدنا منِّي، فقال : (( يا أبا النّضر، قل : لا إله إلّا الله )) قال : فأومأت إليه كيف أقول ذلك ولساني منغلق ! فصاح عليَّ صيحةً، وقال : (( تنكر لله القدرة ؟! قل : لا إله إلّا الله )) قال : فانطلق لساني فقلتُ : لا إله إلّا الله ورجعت إلى منزلي راجلاً وكنتُ أقول : لا إله إلّا الله، ولم ينغلق لساني بعد ذلك(٢) .

شفاءُ زيد الفارسي من مرضِ النقرس بمسح جسده بقبر الإمام الرضا (عليه‌السلام )

روى العلّامه الجويني، قال : وبالسند المتقدّم عن الحاكم، عن علي بن محمّد بن يحيى، قال أبو الفضل بن

____________________

(١) ورد في المصدر الأساس ( القمر )، ولعل الصحيح ما أثبتناه (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٢) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢١٧.


أبي نصر الصوفي : سمعت زيد الفارسي يقول : كنت بمرو الرود منْقَرِساً مدّة سنتين، لا أقدر أنْ أقوم قائماً، ولا أنْ أصلي قائماً، فأُريت في المنام : ألا تمرّ بقبر الرضا وتمسح رجليك به، وتدعو الله تعالى عند القبر حتّى يذهب ما بك ؟ قال : فاكتريتُ دابّة وجئت إلى طوس، ومسحت رجلَي بالقبر، ودعوت الله (عزَّ وجل) فذهب عنِّي ذلك النقرس والوجع، فأنا هاهنا منذ سنتين وما نقرستُ(١) .

حادثةٌ لطيفةٌ في عظيم ما يُستجاب عند الإمام الرضا (عليه‌السلام )

قال العلّامه الجويني : وبه - أي بالسند المتقدم - قال الحاكم : سمعت أبا الحسن بن أبي منصور العلوي يقول : سمعت عمّي أبا محمّد يقول : سمعت أبا نصر بن أبي الفضل بن محمّد يقول : سمعت حاجب حمويه بن علي يقول : كنت مع حمويه ببلخ، فركب يوماً وأنا معه، فبينا نحن في سوق بلخ إذ رأى حمويه رجلاً فوكّل به، وقال : احملوه إلى الباب ثمّ عند انصرافه أمر بإحضار حمار فارهٍ وسفرة وجبنة ومئتي درهم، فلمـَّا اُحضر قال : هاتوا الرجل فجيء به، فلمـَّا وقف بين يديه قال : قد صفعتني صفعة وأنا أقتصّها منك اليوم ؛ أتذكر اليوم الذي زرنا جميعاً قبر الرضا (رضي‌الله‌عنه )، فدعوتَ أنتَ وقلت : اللهمَّ، ارزقني حماراً ومئتي درهم وسفرة فيها جبنة وخبزة وقلت أنا : اللهمَّ، ارزقني قيادة خراسان فصفعتني وقلتَ : لا تسأل ما لا يكون ؟ فالآن قد بلغني الله (عزَّ وجل) مأمولي وبلغك مأمولك، والصفعة لي عليك(٢) .

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢١٩.

(٢) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢١٩.


استجابةُ كلِّ دعاء لأبي الحسن الفقهي عند الإمام الرضا (عليه‌السلام )، حتّى رزقه الله ولداً بعد اليأس

قال العلّامه الجويني : وبه - أي بالسند المتقدّم - قال الحاكم : سمعت أبا الحُسين بن أبي بكر الفقيه يقول : قد أجاب الله لي في كلِّ دعوة دعوته بها عند مشهد الرضا (عليه‌السلام )، حتّى إنّي دعوت الله أن يرزقني ولداً فرُزقت ولداً بعد الآياس منه(١) .

ما قاله أبو نواس في مدح الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه‌السلام )

روى العلّامه الجويني، قال : أنبأني الشيخ عبد الرحيم بن محمّد بن أحمد بن فارس بن الزجّاج الثعلبي، أنبأني القاضي جمال الدين عبد الصمد بن محمّد بن أبي الفضل، أنبأنا محمّد بن الفضل أبو عبد الله، وأبو القاسم زاهر بن طاهر (إجازة)، قالا : أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن الحُسين، قال : أنبأنا الإمام الحاكم البيع، قال : حدّثني علي بن محمّد بن يحيى المذكر، قال : حدّثنا محمّد بن علي الفقيه، قال : حدّثنا الحُسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المكتب، قال : أنبأنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه، قال : حدّثنا أبو الحُسين محمّد بن يحيى الفارسي، قال : نظر أبو نواس إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) ذات يوم، وقد خرج من عند الخليفة، على بغلة له، فدنا منه أبو نواس وسلّم عليه، وقال : يابن رسول الله، قد قلتُ فيك أبياتاً فأحبّ أن تسمعها منِّي قال : (( هات )).

فأنشأ أبو نواس يقول :

مطهّرون نقياتٌ ثيابُهُم

تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا

مَنْ لم يكن علويّاً حين تَنْسِبُهُ

فما له في قديمِ الدهر مفْتَخَرُ

واللهُ لـمَّا برى خلقاً فأتقنهُ

صَفَّاكُم واصطفاكُمْ أيُّها البشرُ

وأنتُم الملأُ الأعلى وعندكُم

علم الكتابِ وما جاءت به السورُ

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢٢٠.


فقال الرضا (عليه‌السلام ) : (( قد جئت بأبيات ما سبقك إليها أحد )) ثمّ قال : (( يا غلام، هل معك من نفقتنا شيء ؟ )) فقال : ثلاثمئة دينار فقال : (( أعطها إيّاه )) ثمّ قال (عليه‌السلام ) : (( لعلّه استقلها يا غلام، سقْ إليه البغلة ))(١) .

روى ابن النجار البغدادي قال : أنبأنا أبو أحمد الصوفي، قال : كتب إليَّ أبو الغنائم العلوي، أنبأنا أبو عبد الرحمن الشاذياخي (قراءة عليه)، حدّثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال : حدّثني الزبير بن عبد الله بن موسى البغدادي، حدّثنا محمّد بن يحيى الصولي، حدّثنا أحمد بن يحيى - بإسناد ذكره عن الشعبي - أنّه قال : أفخر بيت قيل في الإسلام قول الأنصار يوم بدر :

وببئر بدرٍ إذ يردُّ وجوهَهُمْ

جبريلُ تحتَ لوائِنا ومحمّد(٢)

قال الصولي : أقول : أفخر من هذا قول الحسن بن هانئ في علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) :

قيلَ لي أنتَ واحدُ الناسِ في

كلِّ كلامٍ من المقامِ بديهِ

لك في جوهرِ الكلامِ بديعٌ

يُثمرُ الدُّرَّ في يدَي مجتنيهِ

فعلى ما تركتَ مدحَ ابنِ موسى

والخصال التي تجمّعنَ فيهِ(٣)

قلتُ لا أستطيعُ مدحَ إمامٍ

كان جبريلُ خادماً لأبيهِ(٤)

____________________

(١) فرائد السمطين - الجويني ٢ / ٢٠٠، وقد روى هذه الحادثة كثير من أبناء العامّة، راجع إحقاق الحقِّ ١٢ / ٤٠٩.

(٢) وهذا البيت نُسبَ إلى حسّان بن ثابت تارة، وإلى كعب بن مالك الأنصاري تارة اُخرى، وأمّا ما نُسب إلى حسّان بن ثابت ففيه بدل (ببئر بدر)(بيوم بدر).

(٣) إنّ المصراع الثاني من هذا البيت، والأوّل من البيت الذي يليه أثبتناهما من بعض المصادر التي ذكرت الأبيات كاملةً؛ ليقيننا بأنّ هناك سقطاً في طباعة الأصل، وإلّا فالمعنى واضح الإرباك (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٤) ذيل تاريخ بغداد - ابن النجّار البغدادي ٤ / ١٣٨، وقد ذكرت - في مرآة الجنان وعبرة اليقضان / ٩٥٨ لليافعي، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة - هذه الحادثة مفصّلة مع النظم الآتي =


روى من طرق الشيعة محمّد بن علي الطبري (رحمه‌الله ) قال : أخبرنا الشيخ الأمين أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن، في ذي القعدة سنة اثنتي عشر وخمسمئة (قراءة عليه) بمشهد مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) عند باب الوداع، قال : أخبرنا أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن أحمد بن العبّاس الدورستي بالمشهد المقدّس بالغري (على ساكنه السّلام)، في شعبان سنة ثمان وخمسين وأربعمئة وهو متوجّه إلى مكّة للحجّ، قال : حدّثني أبي (محمّد بن أحمد)، قال : حدّثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمّد بن علي بن الحُسين بن بابويه (رحمهم‌الله )، قال : حدّثني أبي، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن ياسر الخادم قال : لـمـَّا جعل المأمون علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) ولي عهده، وضربت الدراهم باسمه، وخطب (له) على المنابر، قصده الشعراء من جميع الآفاق، فكان في جملتهم أبو نواس الحسن بن هانئ، فمدحه كلُّ شاعر بما عنده إلّا أبا نؤاس فإنّه لم يقلْ فيه شيئاً، فعاتبه المأمون وقال له : يا أبا نواس، أنت مع تشيّعك وميلك إلى أهل هذا البيت تركت مدح علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) مع اجتماع خصال الخير فيه ! فأنشأ يقول :

قيل لي أنتَ أشعرُ الناسِ طرّاً

إذ تفوّهت بالكلام البديهِ

____________________

= مثل ما نذكره من مصادر الشيعة قال اليافعي : وفيها توفّي الإمام الجليل المعظّم، سلالة السّادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمّة الاثني عشر، اُولي المناقب الذين انتسبت الإماميّة إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليه . إلى أن ساق هذه الحادثة.

وذكرت أيضاً مفصّلة في وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان - ابن خلكان / ٢١٩٥، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، وكذا في الوافي بالوفيات - صلاح الدين الصفدي / ١٧٧٠٢، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


لكَ مِنْ جوهرِ القريضِ مديحٌ

يُثمرُ الدُّرَّ في يدَي مجتنيهِ

فلماذا تركت مدحَ ابنِ موسى

والخصال التي تجمّعنَ فيهِ

قلتُ لا أستطيعُ مدحَ إمامٍ

كان جبريلُ خادماً لأبيهِ

قصُرَتْ ألسنُ المدايحِ عنهُ

ولهذا القريضُ لا يحتويهِ

قال : فدعا بحقّةِ لؤلؤٍ فحشا فاه لؤلؤاً، وهكذا فعل بعلي بن هامان لـمـَّا جلس علي بن موسى (عليهما‌السلام ) في الدست، قال له المأمون : يا علي بن هامان، ما تقول في علي بن موسى (عليه‌السلام ) و(أهل ) هذا البيت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين، ما أقول في طينة عجنت بماء الحيوان، وغرست بماء الوحي والرسالة، هل ينفح منها إلّا رائحة التقى وعنبر الهدى ! فحشا أيضاً فاه لؤلؤاً.

قال ياسر : خرج علينا علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) من دار المأمون راكباً بغلة فارهة بمراكب حسنة، وعليه ثياب فاخرة، وكان الرضا (عليه‌السلام ) أشبه الناس برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكلّ مَنْ رأى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام رآه في صورته، فاستقبله أبو نواس في الدهليز، فأنشأ يقول :

مطهّرونَ نقيّاتٌ جيوبُهم

تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا

منْ لم يكن علويّاً حين تَنْسِبُهُ

فما له في قديمِ الدهرمفْتَخَرُ

اللهُ لـمَّا برى خلقاً فأتقنهُ

صفَّاكُم واصطفاكُمْ أيُّها البشرُ

فأنتُم الملأُ الأعلى وعندكُم

علم الكتابِ وما جاءتْ به السُّورُ

فقال له الرضا (عليه‌السلام ) : (( يا حسن بن هانئ، قد قلت أبياتاً لمْ تُسبَق إلى مثلها، فأحسنَ اللهُ جزاك )) ثمّ قال لغلامه : (( كم معنا مِنَ النفقة ؟ )) قال : ثلاثمئة دينار قال : (( احملها إلى أبي نواس )) فلمـَّا رجع الغلام قال له : (( يا غلام، لعلّه استقلّها سقْ إليه البغلة ))(١) .

____________________

(١) بشارة المصطفى - محمّد بن علي الطبري / ١٣٣.



الفصل الثاني عشر

في الشعائر الحُسينيّة



في الشعائر الحُسينيّة

التطبيرُ وما دونه من الضرب بالأيدي والسلاسل على الظهور والصدور، وغيرها من مظاهر العزاء

ممّا تسالم عليه المسلمون وقامت عليه الأدلّة هو حرمة التشريع والتصرّف في أحكام الشريعة، فلا يجوز لأحد مِن الناس أنْ يقولَ في شرع الله بغير علم، فضلاً مِنْ أنْ يُشرّع أو يبتدع فيه(١) .

____________________

(١) فليحذر المؤمنون عن هذا المنزلق الخطير، ولا يتكلّموا في شيء ليس من اختصاصهم الكلام فيه ؛ إذ الكلّ مسؤول عن مقوله، فلا يحرّم أو يوجب أيَّ شيء على الآخرين، فقد جاءت الروايات الكثيرة المصرّحة بالنّهي عن التكلّم بغير علم وبيّنة في أحكام الشرع المقدّس، وخصوصاً إذا كان ذلك ابتغاء رضى مَنْ لا يرضي الله رضاهم فليتمهّل المؤمن وليسأل مقلّده، وليس له القدح في فتاوى الآخرين من المجتهدين أو توبيخ مقلّديهم، وليترك الاستحسانات التي لو تبنّاها لخرج من الإسلام، فأنا اُكثرُ من الروايات في هذا المضمون ليتبيِّن للمؤمنين (الكرام) الغافلين خطورة هذا الموقف :

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٦ : (٣٣١١٩) ١٩ - محمّد بن الحسن، بإسناده عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الحُسين، عن جعفر بن بشير، عن حمّاد، عن عاصم قال : حدّثني مولىً لسلمان عن عبيدة السلماني قال : سمعت عليّاً (عليه‌السلام ) يقول : (( يا أيها الناس، اتّقوا الله ولا تُفتوا الناس بما لا تعلمون ؛ فإنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد قال قولاً آل منه إلى غيره، وقد قال قولاً مَنْ وضعه غيرَ موضعهِ كذب عليه )) فقام عبيدة وعلقمة والأسود، واُناس معهم، فقالوا : يا أمير المؤمنين، فما نصنع بما قد خُبرنا به في المصحف ؟ فقال : (( يُسأل عن ذلك علماء آلِ محمّد)).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٩ : (٣٣١٢٨) ٢٩ - أحمد بن أبي عبد الله في (المحاسن)، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال : سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام ) عن مجالسة أصحاب الرأي، فقال : (( جالسهم، وإيّاك عن خصلتين تهلك فيهما الرجال : أن تدين بشيء من رأيك، أو تُفتي الناس بغير علم )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٠ : (٣٣١٠٠) ١ - محمّد بن يعقوب، =


____________________

= عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة قال : قال أبو جعفر (عليه‌السلام ): (( مَنْ أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدىً مِنَ الله لعنته ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب، ولحقه وزرُ مَنْ عملَ بفتياه )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٩ : (٣٣١٣٠) ٣١ - وعن محمّد بن عيسى، عن جعفر بن محمّد (بن) أبي الصباح، عن إبراهيم بن أبي سماك، عن موسى بن بكر، قال : قال أبو الحسن (عليه‌السلام ) : (( مَنْ أفتى الناس بغير علمٍ لعنته ملائكةُ الأرض وملائكةُ السّماء )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٩ : (٣٣١٣١) ٣٢ - وعن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن إسماعيل بن (أبي) زياد، عن أبي عبد الله، عن أبيه (عليهما‌السلام )، قال : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : مَنْ أفتى الناس بغير علمٍ لعنته ملائكةُ السّماء والأرض )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٣٠ : (٣٣١٣٢) ٣٣ - الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول)، عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( مَنْ أفتى الناس بغير علمٍ لعنته ملائكةُ السّماء والأرض )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢١ : عميرة، عن مفضّل بن مزيد قال : قال أبو عبد الله (عليه‌السلام ) : (( أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال : أنهاك أنْ تَدين الله بالباطل، وتُفتي الناس بما لا تعلم )) ورواه البرقي في (المحاسن)، عن علي بن الحكم، والذي قبله عن الحسن بن محبوب مثله.

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢١ : (٣٣١٠٢) ٣ - وعن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال : قال لي أبو عبد الله (عليه‌السلام ) : (( إيّاك وخصلتين ففيهما هلك مَنْ هلك : إيّاك أنْ تُفتي الناس برأيك، أو تَدين بما لا تعلم )) ورواه البرقي في (المحاسن) عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٢ : (٣٣١٠٤) ٥ - وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن علي الوشّا، عن أبان الأحمر، عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفر (عليه‌السلام ) قال : (( ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا : الله أعلم إنّ الرجل لينتزع الآية يخرّ فيها أبعد ما بين السّماء [والأرض] )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٢ : أبو عبد الله (عليه‌السلام ) قال : (( القضاة أربعة ؛ ثلاثة في النار، وواحد في الجنّة : رجل قضى بجور وهو يعلم، فهو في النّار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم، فهو في النّار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم، فهو في النّار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم، فهو في الجنّة )) =


____________________

= وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٤ : (٣٣١٠٩) ١٠ - وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال : قلت لأبي عبد الله (عليه‌السلام ) : ما حقّ الله على خلقه ؟ قال : (( أنْ يقولوا ما يعلمون، ويكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٢٥ : (٣٣١١٣) ١٤ - وعنه عن أحمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة بن الطيّار أنّه عرض على أبي عبد الله (عليه‌السلام ) بعض خطب أبيه، حتّى إذا بلغ موضعاً منها، قال : (( كفَّ واسكتْ )) ثمّ قال : (( [إنّه] لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه والتثبّت، والردّ إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد، ويجلو عنكم فيه العمى (٣) قال الله تعالى :( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمونَ ) (سورة الأنبياء / ٧).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ٧٢ / ٣٠ : (٣٣١٣٥) ٣٦ - محمّد بن علي بن الحُسين في (الأمالي) عن ابن المتوكّل، عن السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، عن آبائه (عليهم‌السلام ) - في حديث - قال : (( ليس لك أنْ تتكلّم بما شئت ؛ لأنّ الله (عزّ وجلّ) يقول :وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ))(سورة الإسراء / ٣٦).

ومن ذلك ما رواه صحيح البخارى ١ / ٣٣، قال : حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال : حدّثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكنْ يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لمْ يُبقِ عالماً اتّخذ الناسُ رؤوساً جهّالاً فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا )).

وروى أيضاً في صحيح البخارى ٤ / ١٦٠، وصحيح مسلم ٨ / ٦٠ واللفظ للأوّل : حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس (رضي ‌الله‌ عنه ما) قال : إذا سرّك أنْ تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام :( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ - إلى قوله - قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مهْتَدِينَ ) .

وروى مسلم في صحيح مسلم ١ / ١٢ قال : (وحدّثني) أبو بكر بن النضر بن أبي النضر، قال : حدّثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدّثنا أبو عقيل صاحب بهية، قال : كنت جالساً عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمّد، إنّه قبيح على مثلك عظيم أنْ تسأل عن شيء مِنْ أمر هذا الدين، فلا يوجد عندك منه علم ولا =


فأفعال المكلّفين موضوع، ومصبّ الأحكام الشرعية التكليفيّة موضوع آخر، فلا يخلو فعل

____________________

= فرج، أو علم ولا مخرج فقال له القاسم : وعمّ ذاك ؟ قال : لأنّك ابن إمامَي هدى ؛ ابن أبي بكر وعمر قال : يقول له القاسم : أقبح مِنْ ذاك عند مَنْ عقل عن الله أنْ أقول بغير علم، أو آخذ عن غير ثقة قال : فسكت فما أجابه.

وروى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ١٢ / ٣٠٤ : أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك، وأبو الحسن مكي بن أبي طالب قالا : أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن خلف، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، أنبأنا محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا ابن وهب، أخبرني سلمة بن علي، عن زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( حدّثوا عنِّي كما سمعتم، ولا حرج إلّا مَنْ افترى عليَّ كذباً متعمداً بغير علم، فليتبوّأ مقعده من النار )) انتهى.

وروى أيضاً في تاريخ مدينة دمشق ٥١ / ٩٤ : أخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد، أنبأنا جدّي أبو عبد الله، أنبأنا أبو علي الأهوازي، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عبيد الله العجلي المقرئ، حدّثنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن عمر الداجوني المقرئ، حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن عثمان الرازي، عن أحمد بن أبي شريح، أنبأنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ كذب في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار )).

وروى أيضاً ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٥٢ / ١٩، في ترجمة محمّد بن إسحاق أخي العريف، قال : روى عنه علي الحنائي، قرأت بخط أبي الحسن علي بن محمّد الحنائي، أنبأنا أبو عبد الله محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الأنطاكي أخو العريف الشيخ الصالح، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي الحافظ، حدّثني أبي، حدّثني عبد الله، حدّثنا سيّدي على بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) : (( حدّثني موسى بن جعفر (عليه‌السلام )، حدّثني جعفر بن محمّد (عليه‌السلام )، حدّثني علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، عن الحُسين (عليه‌السلام )، حدّثنا علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) قال : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو يقول : مَنْ أفتى بغير علم لعنته ملائكةُ السّماء والأرض )).

وروى الدارمي في سننه ١ / ٩١ : (أخبرنا) مروان بن محمّد، ثنا سعيد بن عبد العزيز، قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة : أنّه مَنْ تعبّد بغير علم كان ما يُفسد أكثر ممّا يُصلح، ومَنْ عدّ كلامَه مِنْ عمله قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه، ومَنْ جعل دينه غرضاً للخصومة كثُرَ تنقّله.


المكلّف مِنْ حكم شرعي متعلّق به ؛ أمّا الوجوب، أو الحرمة، أو الاستحباب، أو الكراهة، أو الإباحة ؛ فإنْ دلَّ الدليل على أحدها بالخصوص فبها، وإلّا فيرجع إلى العمومات، كأصالة الإباحة مثلاً أو الاشتغال.

وقبل الخوض في أحكام هذه المظاهر والشعائر الحُسينيّة، لا بدَّ لنا - أوّلاً - مِنْ معرفة حقيقتها والمقصود منها :

فالتطبير حقيقته إخراج الدّم من البدن، وبالخصوص مِنَ الرأس بجرحِ جلدته بالسّيف، أو المواسي (أو الأمواس)، أو غيرها واللّطم : هو ضرب البدن باليد أو بالسّلاسل أو غيرها.

فالسؤال : هل هذه الأفعال محرّمة في نفسها أم لا ؟ والجواب : أمّا بنحو الإجمال، فإنّ التحريم يحتاج إلى دليل كباقي الأحكام الشرعيّة كما تقدّم، والإفتاء به بغير علم تشريعٌ محرّم وبعد العجز عن الدليل فالأصل والقاعدة في الأشياء هي الإباحة، أي الحكم بإباحته ؛ وأمّا تفصيل الكلام في المقام، فهو أنّ دعوى تحريم هذه الأفعال يحتاج إلى دليل يكون حجّة بين المفتي بها وبين الله (عزَّ وجل).

والمتصوّر مِنْ الأدلّة التي يمكن أنْ تُذكر للاستدلال على الحرمة اُمور :

الأمر الأوّل : الإضرار بالنّفس ؛ فإنّ إخراج الدّم من البدن ضررٌ به، والضرر محرّم، فالتطبير محرّم، وكذا ضرب البدن باليد أو بالسّلاسل.

جواب الأمر الأوّل : الكلام أوّلاً يقع في الكبرى التي حاصلها : أنّ كلَّ ضرر بالنّفس محرّم وهي غير مسلّمة ؛ إذ الضرر المحرّم هو الضرر المعتدّ به عرفاً وشرعاً وليس كلّ ضرر، وإلّا فكثير من الاُمور المباحة، بل المستحبّة، بل حتّى الواجبات لا تخلو من الضرر، كالصيام، والحجّ، والوضوء بالنسبة إلى مَنْ يتضرّر بالماء ضرراً غير معتدٍّ به، وكالتجارة وغيرها مِنْ الأعمال المباحة، مثل ركوب البحر، وحفر الآبار، والأعمال الليليّة كالحراسة، وغيرها من الحرف والمهن التي فيها ضرر على البدن ؛ لحرارة الشمس، أو سهر ليلٍ، أو غير ذلك.


فالمناط إذاً في تحديد الضرر المثبت للحرمة بالعنوان الأوّلي، والنافي للحكم الشرعي بالعنوان الثانوي هو الشرع، وإلّا فالعرف وأذكر على سبيل المثال بعض أقوال علمائنا الأبرار (رضوان الله عليهم)، ثمّ أعقبه بأقوال علماء أهل الخلاف في بعض الأحكام الضرريّة ليتبيَّن الحال.

أقوالُ بعض علماء الشيعة (رضوان الله عليهم)

قال الحر العاملي : أقول : نفي الحرج مجمل(١) ، لا يمكن الجزم به فيما عدا تكليف ما لا يُطاق، وإلّا لزم رفع جميع التكاليف(٢) .

قال العلّامه الحلي (رحمه‌الله ) : ولا يتحقّق الإكراه مع الضرر اليسير(٣) .

قال الفاضل الهندي : (ولو لم يتضرر) ضرراً شديداً (وجب) ؛ اتّفاقاً للعمومات، وأمّا الضرر اليسير فلا يخلو المسافر منه غالباً(٤) .

قال ابن العلّامه (رحمه‌الله ) : (ج) الاختيار، فلا يقع طلاق المكرَه، وهو مَنْ توعّده القادر المظنون فعل ما توعّد به لو لمْ يفعل مطلوبه بما يتضرّر به في نفسه، أو مَنْ يجري مجرى نفسه كالأب والولد وشبههما، من

____________________

(١) لا يخفى أنّه وقع الكلام في المراد من الضرر والحرج في قاعدة الحرج ولا ضرر، أهو مطلق الحرج والضرر، أم الحرج والضرر غير المتحمّل عادة ؛ ولهذا عبّر صاحب الفصول المهمّة بالإجمال في ما عدا الحرج غير المتحمل عادة.

(٢) الفصول المهمة في اُصول الأئمّة - الحر العاملي ١ / ٦٢٦.

(٣) شرائع الإسلام - المحقق الحلي ٣ / ٥٨٠.

(٤) كشف اللثام (ط .ج) - الفاضل الهندي ٥ / ١١٢.


جرح، أو شتم، أو ضرب، أو أخذ مال وإنْ قلَّ، أو غير ذلك، ويختلف بحسب اختلاف المكرَهين في احتمال الإهانة وعدمها، ولا إكراه مع الضرر اليسير(١) .

وذكر السيد الخوئي (قدس‌سره ) : أنّ المحرّم إنّما هو الإضرار بالغير، وأمّا الإضرار بالنّفس فلمْ يقُمْ على حرمته دليلٌ، فلا مانع مِنْ أكل الطعام الذي يجب(٢) المرض يوماً أو يومين أو أكثر، اللهمَّ إلّا أنْ يكونَ الإضرار بالنّفس ممّا نقطع بعدم رضا الشارع به، كقتل النّفس، أو قطع الأعضاء، أو نحوهما وعليه فلو تحمّل الضّرر وتوضّأ أو اغتسل، فحكمه حكم الفرع الآتي، وهو ما إذا كان الوضوء أو الغسل حرجيّاً وتحمّل الحرج، فتوضّأ أو اغتسل(٣) .

قال السيد السيستاني (حفظه الله) : البحث الثالث، في أنّ حرمة الإضرار بالنّفس هل توجب الحكم بفساد الوضوء والغسل المضرّين في حال الجهل والعلم أو لا ؟

ويلاحظ أوّلاً : أنّه لمْ تثبت حرمة الإضرار بالنّفس مطلقاً، وإنّما الثابت حرمته فيما يكون مِنْ قبيل هلاك النّفس أو ما يلحق به - كما أوضحنا ذلك في بحث الوضوء من شرح العروة - وعليه فالكلام في هذا البحث فيما إذا كان الضّرر اللازم مِنَ الوضوء والغسل كذلك(٤)

وذكر السيد محمّد صادق الروحاني (حفظه الله) : أنّ الإضرار بالنّفس ما لمْ يبلغ إلى الهلاكة، أو قطع عضو مِن الأعضاء - الذي

____________________

(١) إيضاح الفوائد - ابن العلّامه ٣ / ٢٩٢.

(٢) هكذا وردت المفردة (يجب) هنا وفي أصل المصدر المستقاة منه، ولعلها (يجلب) (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٣) كتاب الطهارة - السيد الخوئي ٩ / ٤٢٠.

(٤) قاعدة لا ضرر ولا ضرار - تقريرات بحث السيّد السيستاني / ٢٨٨.


عُلم مبغوضيّتُه في الشريعة - لا دليل على حرمته كما حقّقناه في محله(١) .

بعض أقول علماء أهل الخلاف : فقد قسَّم أبو بكر الكاشاني - مثلاً - الإكراه على الفعل الحرام إلى قسمين : منه ما فيه ضرر تام، وهو ما فيه وعيد بتلف نفس أو تلف عضو، ومنه ما فيه ضرر ناقص، فقال عنه : وإنْ كان الإكراه ناقصاً لا يحلُّ له الإقدام عليه، ولا يُرخّص أيضاً ؛ لأنّه لا يفعله للضرورة، بل لدفع الغمّ عن نفسه، فكانت الحرمة بحكمها قائمة، وكذلك لو كان الإكراه بالإجاعة بأنْ قال : لتفعلنَّ كذا وإلّا لأجيعنَّك لا يحلُّ له أنْ يفعلَ حتّى يجيئه مِنَ الجوع ما يخاف منه تلف النّفس أو العضو ؛ لأنّ الضرورة لا تتحقّق إلّا في تلك الحالة، والله تعالى أعلم(٢) .

____________________

(١) فقه الصادق (عليه‌السلام ) - السيّد محمّد صادق الروحاني ١ / ٣١٨.

(٢) بدائع الصنائع - أبو بكر الكاشاني ٧ / ١٧٦.

أقول وأذكر كلمات بعض علماء أهل الخلاف في هذا : قال ابن عابدين في حاشية ردّ المحتار ١ / ٣٠٢، في شرح (إنْ ضرّ) : المراد الضرر المعتبر لا مطلقه ؛ لأنّ العمل لا يخلو عن أدنى ضرر، وذلك لا يبيح الترك.

وقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط ١ / ٣٤٧ : والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة أو المستحبة، سواء كانت طبيعيّة كالتجارة والحراثة، أو كانت دينيّة كالتوكّل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضّلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن إمام المتّقين (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، كالصدقة وفعل المعروف، فيحصل بها الخير المحض أو الغالب، وما يحصل مِنْ ضررٍ بفعل مشروع أو ترك غير مشروع ممّا نهى عنه فإنّ ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل مِنَ المنفعة، وهذا الأمر كما أنّه قد دلَّ عليه الكتاب والسنّة والإجماع، فهو أيضاً معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة.

قال ابن القيّم في أعلام الموقعين ٣ / ١٧٠ : . فالشريعة لا تحرّم الضرر الأدنى، وتبيح ما هو أعلى منه.


فعلى هذا ليس كلُّ ما فيه ضرر حراماً، بل الحرام هو الموجب لتلف النّفس، أو للمرض الموجب لشلِّ الحركة مثلاً، أو الموجب لتلف جزء مِنَ البدن، مثل الإلقاء مِنْ شاهق، وشرب السمّ، والانتحار، وقطع عضوٍ وغير ذلك، فلهذا إذا لزم مِنْ أيِّ عملٍ كان - سواء كان واجباً كالصيام أو مباحاً - تلفُ النّفس، أو المرضُ الموجب لشلِّ الحركة، فلا يجب، أو يكون محرّماً.

وأمّا الكلام في الصغرى التي حاصلها أنّ إخراج الدّم مِنَ البدن ضرر فغير صحيحة أيضاً ؛ إذ إخراج الدّم مِنَ البدن ليس بضرر على البدن، كيف وهو مِنْ موجبات الصحة له ؛ لتجدّد الدورة الدّموية مثلاً، ولدفع الأمراض والسّموم ورفعها كما ورد في الحجامة والفصد ؛ فإنّ لهما منافع جمّة حتّى حبّبتهما الشريعة المقدّسة، حتّى وردت الأحاديث الكثيرة في استحباب إخراج الدّم من البدن، سواء كان من الرأس(١) أو غيره، وهو ما يسمّى بالحجامة أو الفصد، فالآثار

____________________

(١) فقد روي في وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ١٧ / ١١٣ : (٢٢١٢٠) ٦ - . وعن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن أبي عبد الله رفعه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليه‌السلام ) قال : (( احتجم النّبيُّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في رأسه، وبين كتفيه، وفي قفاه ثلاثاً ؛ سمّى واحدة : النافعة، والاُخرى : المغيثة، والثالثة : المنقذة )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ١٧ / ١١٢ : (٢٢١١٧) ٣ - وعن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال : (( الحجامةُ في الرأس هي المغيثةُ تنفع من كلِّ داء إلّا السّام. وشبرٌ مِنَ الحاجبين إلى حيث بلغ إبهامه )) ثمّ قال : (( ههنا )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ١٧ / ١١٥ : (٢٢١٢٥) ١١ - وعن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن الحُسين بن أبي الخطاب، عن حمّاد بن عيسى، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال: (( الحجامةُ يوم الإثنين من آخر النّهار تسلُّ الداء سلاً من البدن )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ١٧ / ١١٣ : ٥ - وعن محمّد بن الحسن، عن الصفار، عن أحمد بن أبي عبد الله رفعه، قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( نعمَ العيد الحجامة - يعني بالعيد العادة - تجلوا البصر، وتذهب بالداء)).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ١٧ / ١١٥ : (٢٢١٢٦) =


التكوينيّة للحجامة والفصد هي أيضاً آثار للتطبير، وأمّا مسألة قصد عنوان الحجامة - لكي تكون حجامة وعدم قصدها لكي لا تكون - فهو لا أثر له في

____________________

= ١٢ - وعن محمّد بن الحسن، عن سعد، عن البرقي، عن أبي الخزرج، عن سليمان، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة، أو تسع عشرة، أو لإحدى وعشرين من الشهر كانت له شفاء من أدواء السّنة كلّها، وكانت لما سوى ذلك شفاء مِنْ وجع الرأس، والأضراس، والجنون، والبرص، والجذام )).

وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي ١٧ / ١١٥ : (٢٢١٢٨) ١٤ - وعن محمّد بن الحسن، عن الصفّار، عن أحمد بن محمّد، عن عبد الرحمن بن عمر بن أسلم، قال : رأيت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه‌السلام ) احتجم يوم الأربعاء وهو محموم، فلم تتركه الحمّى، فاحتجم يوم الجمعة فتركته الحمّى.

ومِنْ ذلك ما رواه البخاري في صحيحه الجزء الأوّل : ٣٤ - أبواب الإحصار وجزاء الصيد ٢٢ - باب : الحجامة للمحرم الحديث رقم : ١٧٣٩ - حدّثنا خالد بن مخلد : حدّثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحينة (رضي‌الله‌عنه )، قال : احتجم النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو محرم، بلحي جمل، في وسط رأسه.

صحيح البخاري الجزء الرابع : ٧٩ - كتاب الطب ١٤ - باب : الحجامة على الرأس الحديث رقم : ٥٣٧٣ - حدّثنا إسماعيل قال : حدّثني سليمان، عن علقمة : أنّه سمع عبد الرحمن الأعرج، أنّه سمع عبد الله بن بُحَينة يُحدّث : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) احتجم بِلَحْيِ جمل مِنْ طريق مكّة، وهو محرم، في وسط رأسه وقال الأنصاري : أخبرنا هشام بن حسّان : حدّثنا عكرمة، عن ابن عبّاس (رضي‌ الله ‌عنهم) : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) احتجم في رأسه.

صحيح البخاري : الجزء الرابع ٧٩ - كتاب الطب ١٥ - باب : الحجم من الشقيقة والصداع الحديث رقم : ٥٣٧٤ - حدّثني محمّد بن بشّار : حدّثنا ابن أبي عدي، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عبّاس : احتجم النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في رأسه، وهو محرم، من وجع كان به، بماء يُقال له : لحْيُ جَمَلٍ.

وقال محمّد بن سواء : أخبرنا هشام، عن عكرمة، عن ابن عبّاس : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) احتجم وهو محرم في رأسه، مِنْ شقيقة كانت به.

وفي الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي، المجلد الثالث - فصل : في المحلّى بأل من حرف الحاء الحديث رقم : ٣٧٨١ - (( الحجامة في الرأس هي المغيثة، أمرني بها جبريل حين أكلت طعام اليهوديّة )) التخريج (مفصّلاً) : ابن سعد عن أنس.


ذات هذه الآثار المترتّبة على إخراج الدّم ؛ وذلك لأنّ الفوائد - مثل تجديد الدورة الدّموية، وإخراج السّموم، وإخراج كريات الدّم الهرمة وغيرها - مترتّبة على نفس إخراج الدّم، لا على الإخراج مع قصد الحجامة أو غيرها فعلى هذا يكون إخراج الدّم من البدن لا دليل على حرمته، والأصل الإباحة وهذا لا كلام فيه.

فالتطبير واللّطم والضرب بالسّلاسل وغيرها إذا لم يبلغ مبلغ تلف النفس، أو تلف العضو، أو المرض الموجب لشلِّ الحركة فهو على الإباحة، بل يكون على الاستحباب والندب فضلاً عن الإباحة ؛ وذلك لاندراجه تحت عنوان ثبت استحبابه وهو الجزع والتفجّع والتوجّع لمصيبة سيّد الشهداء الإمام الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فالبكاء وإقامة العزاء بأنواعه عليه (صلوات الله عليه) من المستحبّات والمندوبات، حيث ثبت استحبابهما.

فالتطبير في نفسه مباح، وربما يكون مستحبّاً من حيث إنّه مظهر من مظاهر الاستعداد للتضحية والفداء لمبادئ الإمام الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) التي هي مبادئ الشريعة المقدّسة فكما أنّ التدريبات الشاقّة - التي هي أعظم بكثير من التطبير - التي يقوم بها جيوش المسلمين في معسكراتهم ؛ استعداداً لمواجهة أعداء الدين - مثلاً - جائزة ومحبّبة، فكذلك التطبير والضرب على الصدور.

وشعيرة التطبير ليس بأعظم من تلك الاُمور كمّاً، نعم هي أعظم منها كيفاً، حيث إنّها توجد الدواعي المعنوية في النفس والبدن استعداداً للدفاع عن المبادئ والمقدّسات الإسلامية،


فالنتيجة أنّ التطبير حكمه الأوّلي الإباحة أو الاستحباب.

أمّا بالنسبة إلى حكمه الثانوي فهذا قد يختلف على حسب الأنظار، فإذا أفتى مجتهد بحرمته لأجل العناوين الطارئة حسبما توصّل إليه نظره فقوله محترم، ولا يشنّع عليه كما لا يشنّع هو على غيره، وأيضاً ليس له إلزام الآخرين بقوله من العلماء والمقلّدين لغيره، وهذا لا خلاف فيه بين شيعة أهل البيت (عليهم‌السلام ).

الأمر الثاني : وهو فيما يذكر بلحاظ حكمه الثانوي، أي بما أنّ التطبير حكمه الأوّلي الإباحة كما تقدّم، فيقع الكلام في إمكان كونه حراماً بلحاظ حكمه الثانوي، كأنْ يحرم لأجل تعنونه بعنوان قبيح ثبتت حرمته ؛ وذلك كلحاظ كونه - بالعنوان الثانوي - موجباً لتوهين المذهب وضعفه - كما قيل - فهو حرام ومحضور من باب العنوان الثانوي، فكثير من الأحكام بلحاظ حكمها الأوّلي الوجوب مثلاً أو الحرمة فينقلب بلحاظ طروء الحالات الثانوية عليه كالضرر والحرج مثل (الكذب) فهو من الكبائر والاُمور القبيحة، ولكن لإصلاح ذات البين يكون أمراً حسناً ومحبوباً(١) ، فيتغيّر حكمه الأوّلي

____________________

(١) وقد رويت روايات كثيرة في جواز الكذب في موارد، منها ما رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٨ / ٨٠ : وعن شداد بن أوس، عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( ليس بالكاذب مَنْ أصلح بين الناس ؛ قال خيراً أو نمى خيراً )) رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه يحيى بن جرحة وثّقه ابن حبّان وغيره، وقزعة بن سويد الراوي عنه وثّقه ابن معين وغيره، وبقيّة رجال إحدى الطريقين رجال الصحيح.

وما رواه جلال الدين السيوطي في اللمع في أسباب ورود الحديث / ٩٤، قال : أخرج ابن جرير في تهذيبه، والخرائطي في مساوئ الأخلاق، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق شهر بن حوشب، عن الزبرقان، عن النواس بن سمعان، قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ما لي أراكم تتهافتون في الكذب كما تتهافت الفراش في النّار، ألا أنّ كلَّ كَذبٍ مكتوب على ابن آدم إلّا في ثلاث : كذب الرجل امرأته ليرضيها، وكذب الرجل للحرب ؛ فإن الحرب خدعة، وكذب الرجل في الإصلاح بين الرجلين ؛ فإنّ الله =


لطروء ذلك عليه.

وما نحن فيه مثل التطبير واللطم وغيرهما من أنواع العزاء المباحة، يمكن أنْ يُدّعى أنّها محرّمة من جهة حكمها الثانوي، وهو أنّها من الاُمور التي تشين المذهب وتوهنه، وشين المذهب وتوهينه من المحرّمات، فيحرم التطبير والعزاء وغيرهما لذلك.

جواب الأمر الثاني : إنّ كلَّ عنوان يدّعى بأنّه عنوان ثانوي لا بدَّ من دليل على إثبات كون هذا العنوان موضوع للحكم الشرعي المدّعى له، وإلّا فلا ثمّرة في تحقّق هذا العنوان، بل ترتيب الحكم عليه من التشريع المحرّم، فالكلام في عنوان التوهين للمذهب هل هو حرام أم لا ؟

____________________

= تعالى يقول :لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ )).

وقال المناوي في شرح بعض هذه الأحاديث في فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥ / ٨٠ : الكذب كلّه إثمٌ إلّا ما نفع به مسلم محترم في نفس أو مال، (أو دفع به عن دين) ؛ لأنّه لغير ذلك غشٌ وخيانة، ومِنْ ثمّ كان أشدّ الأشياء ضرراً والصدق أشدّها نفعاً، وقبح الكذب مشهور معروف ؛ إذ ترك الفواحش بتركه وفعلها بفعله، فموضعه من القبح كموضع الصدق من الحسن، ولهذا أجمع على حرمته إلّا لضرورة أو مصلحة قال الغزالي : وهو مِنْ اُمّهات الكبائر.

ومثل هذا واقعة عمّار بن ياسر ما قاله له سيّد الخلق النّبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( فإنْ عادوا فعُد لهم )) فقد روى جلال الدين السيوطي في الدر المنثور ٤ / ١٣٢، قال : وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصحّحه، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار عن أبيه قال : أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلمْ يتركوه حتّى سبّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وذكر آلهتهم بخير، ثمّ تركوه، فلمـَّا أتى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( ما وراءك شيء ؟ )) قال : شرّ ما تركت حتّى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال : (( كيف تجد قلبك ؟ )) قال : مطمئن بالإيمان قال : (( إنْ عادوا فعُد )) فنزلت :( إلّا مَنْ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) .


ولا يخفى عليك أنّ كلَّ ما يوجب توهين المذهب إذا كان المقصود به معناه، وهو تضعيف المذهب بإلقاء الشبهات الموجبة للانحراف عن الحق، فهو حرام بلا إشكال، ولكان الشأن في كون التطبير واللّطم من جملتها ؛ وأمّا إنْ كان المقصود بالتوهين والتشيين هنا هو كون المذهب موضعاً لتهريج الآخرين وسخريتهم على أتباع هذا المذهب، فالتوهين والشين - أي استهزاء المستهزئين وعيب العائبين - لا أثر له في نفي أو إثبات الأحكام الإلهيّة(١) .

وذلك لأنّ استهزاء وسخرية هؤلاء على ما لمْ يعرفوا ملاكه من الأحكام، ليس من التوهين في شيء، بل مِنْ باب قوله تعالى :( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ) (٢) فاستهزاء أهل الباطل والضلال على أحكام الشريعة المقدّسة ليس وليد هذا الزمان فحسب، بل هو سيرة أهل الباطل وديدنهم منذ قيام الشرائع السّماوية إلى الخاتمة المهدوية، فهذه الأنبياء (عليهم‌السلام ) قد استُهزئ بهم وبما جاؤوا به، ومع ذلك لمْ يحدهم (عليهم‌السلام ) ذلك، ولمْ يمنعهم عن تبليغ دعوتهم، ولمْ يُغيّر شيء مِنْ أحكام الله لهذه الاستهزاءات، قال تعالى :( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ) (٣) وقال تعالى :( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ

____________________

(١) ويمكن أنْ يعتبر بعض الفقهاء بهذا العنوان في التحريم أو لعنوان آخر مثلاً، فكلٌّ له حجّته، وقوله محترم، كقول غيره مِن العلماء، إلّا أنّه لا يلزم التشنيع على غيره ولا غيره عليه، كما هو ديدن علمائنا الأبرار، وإنّما هذا ينشأ مِنْ بعض المأجورين أو بعض الجهلة مِنْ المقلّدين.

(٢) سورة الزمر / ٤٨.

(٣) سورة الأنبياء / ٤١.


سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ ) (١) وقال تعالى :( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) (٢) وقال تعالى :( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) (٣) .

ولو قلنا : بأنّ التطبير وما دونه من اللطم والضرب على الصدور موجب لسخرية المخالفين فهو موهن للمذهب فيحرم فعله، للزم أنْ يترك المسلمون رمي الجمرات، والطواف بالبيت، وكثير مِنَ الأحكام الشرعية ؛ لأنّها مثار سخرية الكفّار والمنافقين، ولا يلتزم بذلك أحدٌ يؤمن بالرسول محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ويمكن للبعض أنْ يدّعي التحريم مِنْ جهة كون هذه الأفعال بدعة والبدعة محرّمة، وهذا القول لا وجه له فيما نحن فيه، ولكي يتّضح الأمر، لا بدَّ مِنْ ذكر حقيقة البدعة وما يتعلّق بها.

____________________

(١) سورة الأنعام / ١٠.

(٢) سورة هود / ٣٨.

(٣) سورة الرعد / ٣٢.



بحث في البدعة

قد ذكر للبدعة معنيان : الأوّل لغوي، والأخر شرعي، فاللغوي، قال النووي : قال أهل اللغة: هي كلُّ شيء عُمِلَ على غير مثال سابق(١) وبعضهم حمل المعنى الشرعي على المعنى اللغوي، فقال : وشرعاً إحداث ما لمْ يكن له أصلٌ في عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(٢) .

أقول : وهؤلاء قد اضطرّوا إلى تقسيم البدعة إلى حَسنة ومذمومة، أو تقسيمها بحسب الأحكام التكليفيّة إلى الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة.

والظاهر في وجه اضطرارهم لهذا التقسيم هو عدم إمكان التزامهم بالأحاديث الواردة في ذمِّ البدعة والمبتدعة، وإلّا لكان كثير مِنَ الاُمور التي لمْ تكن على عهد النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من المخترعات المادّية، وما يترتّب عليها من أحكام تكليفيّة - مثل حكم الجلوس في السيارات والطائرات وغيرها، ومِنْ أثاث المنازل - بدعة ؛ لأنّها لمْ تكن على عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فيلزم أنْ تكون مِن

____________________

(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٦ / ١٥٤.

(٢) عمدة القاري ٥ / ٢٣٠.


المحرّمات بهذا المعنى للبدعة، مضافاً أنّه يلزم مِن الالتزام بهذا المعنى للبدعة أنْ يكون عمر بن الخطاب أوَّل المبتدعين ؛ وذلك لتخصيصه صلاة التراويح بإمامٍ مخصوص وبوقتٍ مخصوص، وهذا لمْ يكن على عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى قال عمر نفسه : نِعْمَ البدعة هذه(١) فلجوء هؤلاء إلى هذا التقسيم للبدعة لدفع هذه المحاذير.

والحقُّ أنّ المعنى المتقدّم للبدعة غير صحيح ؛ إذ لا دليل يدلّ عليه وأمّا مسألة الرجوع (إلى) اللغة فهو يتم إذا لمْ يتسنَّ لنا المعنى الشرعي، وإلّا فلا يصحّ الرجوع إلى المعنى اللغوي مع وجود نصٍ شرعي على المعنى المراد، أو مع وجود ما ينافي المعنى اللغوي في الشرع ؛ لأنّه مِن الاجتهاد في مقابل النص، وما نحن فيه كذلك ؛ إذ إنّ المعنى المذكور لا دليل عليه أوّلاً، وثانياً وجود ما ينافيه مِن الشرع المقدّس ؛ وذلك لأنّ الشريعة المقدّسة تامّة، بمعنى أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد بيَّن لاُمّته جميع ما يحتاجون إليه مِن الأحكام الشرعية التكليفيّة والأحكام الوضعية، كما نبيّنه بعدُ.

فالأفعال أحكامها خمسة : وجوب أو استحباب أو حرمة أو كراهة أو إباحة، فمع تماميّة الشرعية لا يتصوّر للبدعة مورد إلّا في مخالفة ما جعله الشارع، يعني أنّ البدعة هي تغيير أحكام الشريعة المقدّسة، كجعل المباح محرّماً أو بالعكس، أو الواجب حراماً، وهكذا.

وبهذا يكون معنى البدعة هو : ( إدخال ما ليس مِنَ الدّين في الدّين )، وهذا ما

____________________

(١) صحيح البخارى ٢ / ٢٥٢ : وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي‌الله‌عنه ) ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا النّاس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على اُبي بن كعب ثمّ خرجت معه ليلة اُخرى، والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر : نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل مِن التي يقومون - يريد آخر الليل، وكان النّاس يقومون أوّله -.


وردت بمضمونه أحاديث مِن مصادر القوم(١) ، فالالتزام بالأمر المباح لا يكون بدعة ؛ لأنّ المكلّف مخيّر - مِن قبل الدّين والشرع المقدّس - بالنسبة إلى أيِّ فعل مباح، بل القول بأنّه مِن المحرّمات بدعة ؛ لأنّه تغيير ولعب في أحكام الشريعة المقدّسة.

ويؤيد هذا ما ذكره الشوكاني في نيل الأوطار ردَّا على التعريف الأوّل للبدعة(٢) .

____________________

(١) صحيح البخارى ٣ / ١٦٧ باب الصلح : حدّثنا يعقوب، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة ( رضي ‌الله‌ عنها ) قالت : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌ )).

(٢) نيل الأوطار - الشوكاني ٢ / ٦٩ قال : وعن عائشة، أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ )) متّفق عليه.

ولأحمد : مَنْ صنع أمراً على غير أمرنا فهو مردود قوله : (( ليس على أمرنا )) المراد بالأمر هنا : واحد الاُمور، وهو ما كان عليه النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأصحابه قوله : (( فهو ردٌّ )) المصدر بمعنى اسم المفعول كما بينته الرواية الاُخرى، قال في الفتح : يحتجّ به في إبطال جميع العقود المنهيّة، وعدم وجود ثمراتها المترتّبة عليه، وأنّ النهي يقتضي الفساد ؛ لأنّ المنهيّات كلّها ليست مِنْ أمر الدّين، فيجب ردّها.

ويُستفاد منه أنّ حكم الحاكم لا يغيّر ما في باطن الأمر ؛ لقوله : (( ليس عليه أمرنا )) والمراد به أمر الدّين، وفيه أنّ الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عليه مستحقّ الردّ اه ـ

وهذا الحديث مِن قواعد الدّين ؛ لأنّه يندرج تحته مِن الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء مِن تقسيم البِدَع إلى أقسام، وتخصيص الردّ ببعضها بلا مخصص مِن عقل ولا نقل، فعليك إذا سمعت مِنْ يقول : هذه بدعة حسنة، بالقيام في مقام المنع، مسنداً له بهذه الكلّية وما يشابهها مِن نحو قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( كلّ بدعة ضلالة )) طالباً لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها، بعد الاتّفاق على أنّها بدعة، فإنْ جاءك به قبلته، وإنْ كاع كنت قد ألقمته حجراً واسترحت مِنَ المجادلة.

ومِنْ مواطن الاستدلال لهذا الحديث : كلّ فعلٍ أو تركٍ وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنّه ليس من أمر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد، متمسّكاً بما تقرر في الاُصول مِن أنّه لا يقتضي ذلك، إلّا عدم أمر يؤثّر عدمه في العدم كالشرط، أو وجود أمر يؤثّر وجودُه في العدم =


____________________

= كالمانع، فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلّا مجرد الاصطلاح، مسنداً لهذا المنع بما في حديث الباب مِنْ العموم المحيط بكل فرد مِنْ أفراد الاُمور التي ليست مِنْ ذلك القبيل، قائلاً : هذا أمر ليس مِنْ أمره، وكلُّ أمر ليس مِنْ أمره ردّ فهذا ردّ، وكلّ ردّ باطل فهذا باطل، فالصلاة - مثلاً - التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أو فعل فيها ما كان يتركه ليست مِنْ أمره فتكون باطلةً بنفس هذا الدليل، سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعاً باصطلاح أهل الاُصول، أو شرطاً أو غيرهما، فليكن منك هذا على ذكر.

قال في الفتح : وهذا الحديث معدود مِنْ اُصول الإسلام، وقاعدة مِنْ قواعده، فإنّ معناه : مَنْ اخترع مِن الدين ما لا يشهد له أصل مِنْ اُصوله فلا يُلتفتُ إليه.

قال النووي : هذا الحديث ممّا ينبغي حفظه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك.

وقال الطوخي : هذا الحديث يصحّ أنْ يُسمّى نصف أدلّة الشرع ؛ لأنّ الدليل يتركّب مِنْ مقدّمتين، والمطلوب بالدليل إمّا إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدّمة كبرى في إثبات كلِّ حكم شرعي ونفيه ؛ لأنّ منطوقه مقدّمة كلّية، مثل أنْ يُقال في الوضوء بماء نجس : هذا ليس مِنْ أمر الشرع، وكلّ ما كان كذلك فهو مردود فهذا العمل مردود، فالمقدّمة الثانية ثابتة بهذا الدليل، وإنّما يقع النزاع في الاُولى، ومفهومه أنّ مَنْ عمل عملاً عليه أمر الشرع فهو صحيح، فلو اتّفق أنْ يوجدَ حديث يكون مقدّمة اُولى في إثبات كلِّ حكم شرعي ونفيه لاستقلّ الحديثان بجمع أدلّة الشرع، لكنْ هذا الثاني لا يوجد، فإذاً حديث الباب نصف أدلّة الشرع، انتهى.

وقال في تحفة الأحوذي ٧ / ٤٢٧ : قال الحافظ - بعد ذكر كلام النووي - ما هذا لفظه : وللنظر فيه مجال ؛ فإنّ أصل صلاة النافلة سُنّة مرغّب فيها، ومع ذلك فقد كره المحقّقون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم مَنْ أطلق مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها، انتهى.

وقال القارئ - بعد ذكر كلام النووي - : ولا يخفى أنّ في كلام الإمام نوع تناقض ؛ لأنّ إتيان السُنّة في بعض الأوقات لا يُسمّى بدعة، مع أنّ عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع ؛ فإنّ محلّ المصافحة المشروعة أوَّل الملاقاة، وقد يكون جماعة يتلاقون مِنْ غير مصافحة، ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم، وغير مدّة مديدة، ثمّ إذا صلّوا يتصافحون، فأين هذا مِنَ السُنّة المشروعة ؛ ولهذا صرّح بعض علمائنا بأنّها مكروهة حينئذ، وأنّها مِنَ البدع المذمومة، انتهى.

قلت : الأمر كما قال القارئ والحافظ =


وما ذكره المناوي في شرح بعض الأحاديث المحتوية على هذا المضمون، قال : والمحدَثات (بفتح الدال) جمع محدثة(١) ، والمراد بها ما اُحدث وليس له أصل في الشرع، ويُسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة ؛ فإنّ كلَّ شيء اُحدث على غير مثال يُسمّى بدعة، سواء كان محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المحدَثة، وفي الأمر المحدَث الذي ورد في حديث عائشة : (( مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ )) كما تقدّم شرحه، ومضى بيان ذلك قريباً في كتاب الأحكام، وقد وقع في حديث جابر المشار إليه : (( وكلّ بدعة ضلالة )) وفي حديث العرباض بن سارية : (( وإيّاكم ومحدثات الاُمور ؛ فإنّ كلَّ بدعة ضلالة )) وهو حديث أوّله : وعظنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) موعظة بليغة، فذكره، وفيه هذا : أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وصحّحه ابن ماجة وابن حبّان والحاكم، وهذا الحديث في المعنى قريب مِن حديث عائشة المشار إليه، وهو مِن جوامع الكلم.

فالمقصود مِن البدعة : هو إدخال ما ليس مِن الدين في الدين، وهذا التعريف بالنسبة إلى أهل الخلاف مستنده ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة قال

____________________

= وقال صاحب عون المعبود : وتقسيم البدع إلى خمسة أقسام، كما ذهب إليه ابن عبد السّلام وتبعه النووي، أنكر عليه جماعة مِنَ العلماء المحقّقين، ومِنْ آخرهم شيخنا القاضي العلّامه بشير الدين القنوجي، فإنّه ردّ عليه ردًّا بليغاً، قال : وكذا المصافحة والمعانقة بعد صلاة العيدين مِنَ البدع المذمومة المخالفة للشرع، انتهى.

(١) صحيح البخارى ٣ / ١٦٧، باب الصلح : حدّثنا يعقوب، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة (رضي ‌الله‌ عنها) قالت : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ)).


البخاري في صحيحه : حدّثنا يعقوب، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن عائشة (رضي ‌الله‌ عنها ) قالت : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ ))(١) .

وبعد هذا يتّضح أنّ الأحكام التكليفيّة في الشريعة المقدّسة - كما تقدّم - خمسة : وجوب، وحرمة، وندب، وكراهة، وإباحة، فهذه أحكام الدين المتعلّقة مباشرة بأفعال المكلّفين.

وأمّا الأحكام الوضعية التي تترتّب عليها أحكام تكليفيّة، مثل : الزوجيّة التي يترتّب عليها وجوب النفقة مثلاً فهي كثيرة، مضافاً إلى أنّ الشريعة المقدّسة تامّة لا نقص فيها، فلكلّ فعل حكمه الشرعي لا يخرج عن الأحكام التكليفيّة المتقدّمة، ولكنْ على الفقيه العالم أنْ يستخرج هذه الأحكام مِن مظانّها، وهذا لا ينكره مسلم، فعلى هذا يكون مَنْ أحدث في أمرنا : بمعنى جعل أحكاماً غير هذه الأحكام التي جعلتها الشريعة المقدّسة للأشياء، وذلك بأنْ يجعل الفعل الحرام واجباً، ويجعل الواجب حراماً أو مباحاً أو غيره، أو يُحدِث أحكاماً وضعيّة ويرتّب عليها أحكاماً تكليفيّة.

بيان ذلك : إنّ الشارع المقدّس - مثلاً - قد جعل الزوجيّة - وهو حكم وضعي منه - ورتَّب عليها أحكاماً، مثل جواز النظر والوطء ووجوب النفقة وغيرها، وهذا مِن الشريعة المقدّسة، فلا يجوز لأحد - مثلاً - أنْ يجعل عقداً اسمه عقد الصداقة مثلاً بين الرجل والمرأة، ويرتب عليه جواز اللمس والنظر.

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ / ١٦٧.


ومِن هنا يتبيّن لنا أحكام التطبير واللطم على الصدور ؛ وذلك لأنّ الأشياء التي لمْ يرد فيها حكم بالوجوب أو بالحرمة، أو بالندب أو بالكراهة فهي مباحة، وفعلها لا يكون مِن البدعة أصلاً؛ لأنّ إباحته مشرَّعة مِن الشريعة المقدّسة ؛ ولهذا ترى الفقهاء دائماً يُصرّحون بإباحة ما لمْ يرد فيه حكم مِن الشريعة المقدّسة، ويقولون : الأصل الإباحة.

فقد ذكر الرازي لدليل الإباحة أحد اُمور ثلاثة، على سبيل منع الخلو، قال : الفرع الخامس : المباح هل هو مِن الشرع ؟ قال بعضهم : ليس مِن الشرع ؛ لأنّ معنى المباح أنّه لا حرج في فعله وفي تركه، وذلك معلوم قبل الشرع، فتكون الإباحة تقريراً للنفي الأصلي لا تغيير، فلا يكون من الشرع.

والحقّ أنّ الخلاف لفظي ؛ وذلك لأنّ الإباحة تثبت بطرق ثلاثة :

أحدها : أنْ يقول الشرع : إنْ شئتم فافعلوا وإنْ شئتم فاتركوا.

والثاني : أنْ تدلّ أخبار الشرع على أنّه لا حرج في الفعل والترك.

والثالث : أنْ لا يتكلّم الشرع فيه البتة، ولكنْ انعقد الإجماع مع ذلك على أنّ ما لمْ يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك، فالمكلف فيه مخيّر، وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي لا نهاية لها.

إذا عرفت هذا، فنقول : إنْ عنى بكون الإباحة حكماً شرعيّاً، أنّه حصل حكم غير الذي كانَ مستمراً قبل الشرع فليس كذلك، بل الإباحة تقرير لا تغيير، وإنْ عنى بكونه حكماً شرعياً، أنّ كلام الشرع دلَّ على تحقّقه، فظاهر أنّه كذلك ؛ لأنّ الإباحة لا تتحقّق إلّا على أحد الوجوه الثلاثة المذكورة، وفي جميعها خطاب الشرع دلَّ عليها، فكانت الإباحة مِن الشرع بهذا التأويل، والله أعلم(١) انتهى كلام الرازي.

____________________

(١) المحصول - الرازي ٢ / ٢١٣.


أقول : وعوداً على بدء يكون معنى البدعة واضحاً جلياً لا خفاء فيه، وحاصله : إدخال ما ليس مِن الشرع في الشرع، أي تبديل أحكام الشريعة المقدّسة، مثل : جعل المباح حراماً وبالعكس، أو اختراع أحكام وضعيّة وترتيب أحكام عليها، كاختراع عقد الصداقة بين الرجل والمرأة الأجنبيّة، وترتيب جواز النظر واللمس وغير ذلك.

فهل بعد هذا يكون ذكر الحُسين (عليه‌السلام ) والبكاء عليه مخالفاً لحكم شرعي حتّى تكون بدعة مع وجود الروايات الصحيحة في بكاء النّبي (عليه‌السلام ) عليه، بل ونشيجه ونحيبه عليه، كما تقدّم بروايات صحيحة ؟! بل قد ورد النّص بمحبوبية البكاء على أهل البيت (عليهم‌السلام )، فقد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل إمام الحنابلة قال : حدّثنا أحمد بن إسرائيل، قال : رأيت في كتاب أحمد بن محمّد بن حنبل (رحمه‌الله ) بخطِّ يده، نا أسود بن عامر أبو عبد الرحمن، ثنا الربيع بن منذر، عن أبيه، قال : ثمّ كان حُسين بن علي (عليه‌السلام ) يقول : (( مَنْ دمعتا(١) عيناه فينا دمعة، أو قطرت عيناه فينا قطرة، أثواه الله (عزَّ وجل) الجنّة ))(٢) .

فمسألة كلِّ ما يتعلّق بالحُسين (عليه‌السلام ) إذا لمْ يرد فيه مِن الشارع حكم فهو على الإباحة، هذا عندهم، يعني لو لطم أهل الخلاف - مثلاً - على الحُسين (عليه‌السلام )، وبنوا الحُسينيات لرثائه (عليه‌السلام )، والنّاس تسمع وتبكي كما بكى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - فهذا عندهم على أقل تقدير جائز ومباح، وراجع ما فعله ابن الجوزي وغيره حينما طلب منه

____________________

(١) وهكذا في الأصل، والظاهر : دمعت.

(٢) فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل ٢ / ٦٧٥، أقول : ورجاله ثقات، كما تقدّم في أوَّل فصل البكاء على الحُسين (عليه‌السلام ).


أنْ يرثي الحُسين (عليه‌السلام )(*) - لكان سائغاً مشروعاً، وهذا لا يختلف عمّن يبني صالات الاجتماعات لإقامة الأفراح والندوات الشعرية وغيرها، بل يكون الحكم على هذه الاُمور بالحرمة - مع عدم وروده من الشريعة المقدّسة - بدعة وإحداثاً في الدين ما ليس فيه ؛ وذلك لأنّ الذي يحرّم حلالاً أو يحلّل حراماً يكون مبتدعاً.

وإليك مثال على سبيل التقريب : لمس المرأة الأجنبيّة، والنظر إلى صدرها فإنّه مِن المعلوم حرمته مِن الشريعة المقدّسة بالضرورة لغير ضرورة، ومع ذلك فقد حكم بعض أهل الخلاف بجوازه في مسألة رضاع الكبير، فالرجل الكبير يجوز له أنْ يرتضع مِن المرأة بحيث يجعل فمه في ثديها، وهذا لازمه مخالفة ما علم مِن الشرع تحريمه ضرورة - وهو النّظر إلى جسد المرأة الأجنبيّة - وعلى أقل تقدير لمس ثدي المرأة الأجنبية ؛ فإنْ قلتم هذا دلّت عليه مصادرنا قلنا كذا - ولا قياس - شيعة آل محمّد (صلوات الله عليهم) عندهم ما يعتمدون عليه في إقامة العزاء وغيرها مِن الشعائر الإيمانية، فعلى هذا كيف تحكمون على الشيعة الإماميّة - التي عندها مصادرها في التشريع، والتي يعتقدون بأنّها الحجّة بينهم وبين الله - أنّهم أهل بدعة ؛ لأنّهم فعلوا شيئاً دلَّ الدليل عندهم على رجحانه فضلاً عن إباحته ؟!

فالمفروض مِن الإنسان العاقل إذا أراد الوصول إلى الحقّ أنْ يبحث في أصل العقيدة المتقوِّمة باُصول الدين التي تترتّب عليها المسائل الفرعيّة.

____________________

(*) تقدم ذلك في فصل البكاء على الحُسين (عليه‌السلام ).



الفصل الثالث عشر

١ - الصيام- والتوسعةُ و . في عاشوراء من المبتدعات.

٢ - تسميةُ الأئمّة (عليهم‌السلام ) بعض أبنائهم بأسماء أعدائهم.

٣ - تخصيصُ بعض مَن قُتل مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بالذكر.



صيام- عاشوراء . وبحث التسمية وغيرهما

ما جاء في يوم عاشوراء من أعمال وأفراح من موضوعات بني اُميّة وأنصارهم

ما ذُكِرَ في يوم عاشوراء مِن استحباب الصيام والصلاة، والاكتحال والتوسعة على العيال و . كلّه مِن وضع النّواصب مِن بني اُميّة وأنصارهم.

قال الرعيني : وقد ذكروا فيما يُفعلُ يوم عاشوراء اثني عشر خصلة، وهي : الصلاة، والصوم، والصدقة، والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة المريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص ألف مرّة، وصلة الرحم وقد نظمها بعضهم فقال : [. .](١) .

وذكر الزرندي الحنفي بعد ما تعرّض لذم الشيعة لما تفعله في يوم عاشوراء من الحزن والبكاء، مع أنّ الشيعة لا تتّبع الزرندي ولا أئمّته حتّى يقولَ في حقهم أنّهم مبتدعه، أو غير ذلك مِن التجازوات، بل الشيعة لا تتّبع إلّا أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم‌السلام )، وعندهم المصادر التي هي الحجّة بينهم وبين الله (عزّ وجلّ)، فكلام الزرندي حجّة لبني جنسه مَنْ يعتقدون باعتقاده.

قال الزرندي الحنفي : وهذا مِن تزيين الشيطان وأعوانه، كما زيّن لقوم آخرين معارضة هؤلاء في فعلهم، فاتّخذوا هذا اليوم عيداً، وأخذوا في إظهار الفرح والسّرور، أمّا لكونهم مِن النواصب المتعصّبين على الحُسين وأهل بيته (عليهم‌السلام )، وأمّا مِن الجُهّال

____________________

(١) مواهب الجليل - الحطّاب الرعيني ٣ / ٣١٧.


الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشرّ بالشرّ، والبدعة بالبدعة، فأظهروا الزينة كالخضاب ولبس الجديد مِن الثياب، والاغتسال، والاكتحال، وتوسع النفقات، وطبخ الأطعمة والحبوب الخارجة عن العادات، ويفعلون فيه ما يفعل بالأعياد، ويزعمون أنّ ذلك مِن السُنّة والمعتاد، والسُنّة ترك ذلك كلّه ؛ فإنّه لمْ يرد في ذلك شيء يُعتمد عليه، ولا اُثر صحيحٌ يُعوّل ويُرجع إليه، وقد سُئل بعض العلماء الأعيان - المشار إليه في علم الحديث وعلم الأديان - عمّا يفعله النّاس في يوم عاشوراء مِن الاكتحال، والاغتسال، والحِنّاء، وطبخ الحبوب، ولبس الثياب الجدد، وإظهار السّرور وغير ذلك، فقال : لمْ يرد في ذلك حديث صحيح عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ولا عن أصحابه، ولا استحبّ ذلك أحد مِن أئمّة المسلمين والأئمّة الأربعة ولا غيرهم، ولمْ يروِ أهل الكتب المعتمدة مِن ذلك شيئاً عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا عن الصحابة ولا عن التّابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً(١) .

قال ابن الجوزي في حقّ هؤلاء الذين يُعدّون مِن العلماء، كما يتبيِّن لك ذلك : باب في ذكر عاشوراء، قد تمذهب قومٌ مِن الجُهّال بمذهب أهل السُنّة فقصدوا غيظ الرافضة، فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء، ونحن براء مِن الفريقين(٢) .

____________________

(١) نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي / ٢٢٧.

(٢) الموضوعات - ابن الجوزي ٢ / ١٩٩ أقول : وكلامه مقبول في بني جنسه ممّن اشتركوا معه في مصادر الحديث وفي العقيدة، وهم النّواصب، وأمّا الشيعة فعندهم ما يعتمدون عليه مِن المصادر الحديثة وهي الحجّة عندهم، فهم غير هؤلاء في العقيدة، بل هم ممّن يبرؤون مِن أعداء أهل البيت (عليهم‌السلام )، فما يفعله النّواصب هو غيضٌ للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته (عليهم‌السلام )، لا لغيض أتباعهم (عليهم‌السلام ) مِن الشيعة فقط.


وقال العجلوني : ومِن الأحاديث الموضوعة أحاديث الاكتحال، والإدهان، والتطيّب يوم عاشوراء، فمَنْ فعل ذلك فيه معتقداً السُنّة، مظهراً للفرح والسّرور فهو مبتدع(١) .

أتباعُ النّواصب من الأيّوبين لأهل الشام الاُمويّين

قال المقريزي - بعد أنْ ذكر أنّ العلويّين المصريّين كانوا يتّخذون يوم عاشوراء يوم حزن، تتعطل فيه الأسواق - : فلمـَّا زالت الدولة اتّخذ الملوك مِن بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه على عيالهم، وينبسطون في المطاعم، ويتّخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمّام جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجّاج في أيّام عبد الملك بن مروان ؛ ليرغموا به آناف شيعة عليِّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) الذين يتّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) ؛ لأنّه قُتِلَ فيه قال : وقد أدركنا بقايا ممّا عمله بنو أيّوب مِن اتّخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسّط(٢) . ونكتفي بنقل أقوال القوم في هذا المجال.

حديثُ التوسعة على العيال

قال ابن الجوزي :

____________________

(١) كشف الخفاء - العجلوني ٢ / ٤١٤.

(٢) الخطط والآثار - المقريزي ١ / ٤٩٠، وراجع الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري ١ / ١٣٨ عنه، وكلا هذين المصدرين نقلاً عن الصحيح مِن السّيرة - السيّد جعفر مرتضى ٤ / ٣٠٨.


حديث آخر، أنبأنا عبد الله بن علي المقري، أنبأنا جدّي أبو منصور المقري، أنبأنا عبد السّلام بن أحمد الأنصاري، أنبأنا أبو الفتح بن أبي الفوارس، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر، حدّثنا أحمد بن محمود بن صبيح، حدّثنا إبراهيم بن فهد، حدّثنا عبد الله بن عبد الجليل، حدّثنا هيصم بن شداخ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ وسّع على أهله يوم عاشوراء، وسّع الله عليه سائر سنته )).

قال العقيلي : الهيصم مجهول، والحديث غير محفوظ قال ابن حبان : الهيصم يروي الطامات، لا يجوز الاحتجاج به وقد روى هذا الحديث سليمان بن أبي عبد الله، عن أبي هريرة، عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال العقيلي : وسليمان مجهول، والحديث غير محفوظ، ولا يثبت عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حديث مسند(١) .

الأخذُ والردّ في حديث التوسعة على العيال

قال ناصر الدين الألباني - تحت عنوان : التوسعة يوم عاشوراء - : عن جابر أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( مَنْ وسَّع على نفسه وأهله يوم عاشوراء، وسَّع الله عليه سائر سنته )) رواه البيهقي في (الشعب)، وابن عبد البرّ، وللحديث طرق اُخرى كلُّها ضعيفة، ولكنْ إذا ضُمّ بعضها إلى بعض ازدادت قوّة، كما قال السّخاوي.

قلتُ : هذا رأي السّخاوي، ولا نراه صواباً ؛ لأنّ شرط تقوّي الحديث بكثرة الطرق، وهو خلوّها مِن متروك أو متّهم، لم يتحقّق في هذا الحديث، فانظر مثلاً

____________________

(١) الموضوعات - ابن الجوزي ٢ / ٢٠٣.


حديث جابر هذا، فإنّ له طريقين :

الأوّل : عن محمّد بن يونس، حدّثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري : حدّثنا عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمّد بن المنكدر، عن محمّد بن المنكدر عنه أخرجه البيهقي فهذا إسناد موضوع مِن أجل محمّد بن يونس - وهو الكديمي - فإنّه كذّاب.

قال ابن عدي : قد اتّهم الكديمي بالوضع وقال ابن حبّان : لعلّه قد وضع أكثر مِن ألف حديث وشيخه عبد الله بن إبراهيم الغفاري، قال الذهبي : وهو عبد الله بن أبي عمرو المدني، يدلّسونه لوهنه، نسبه ابن حبان إلى أنّه يضع الحديث، وذكر له ابن عدي في فضل أبي بكر وعمر حديثين، وهما باطلان قال الحاكم : يروي عن جماعة مِن الضعفاء أحاديث موضوعة.

قلتُ : وهذا منها ؛ فإنّ شيخه عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمّد بن المنكدر، ضعيف كما في (الميزان).

وأمّا الطريق الثاني، فأخرجه ابن عبد البر في (الاستذكار) مِن طريق أبي الزبير عنه، وهذه الطريق مع أنّها أصح طرق الحديث - كما قال السيوطي في (اللآلئ ٢ / ٦٣) - فقد قال فيها الحافظ ابن حجر : هذا حديث منكر جدّاً كما نقله السيوطي نفسه عنه ولمْ يتعقّبه بشيء، وقد حمل فيه الحافظ على الفضل بن الحباب، وقال : لعلّه حدّث به بعد احتراق كتبه.

قلتُ : وفيه علّة اُخرى، وهي عنعنة أبي الزبير ؛ فإنّه مدلّس، وقد أورده في (المدلّسين) الحافظ، وابن العجمي، وقالا : إنّه مشهور بالتدليس وهكذا سائر طرق الحديث، مدارها على متروكين أو مجهولين، ومِن الممكن أنْ يكونوا مِن أعداء الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) الذين وضعوا الأحاديث في فضل الإطعام والاكتحال وغير ذلك يوم عاشوراء ؛ معارضة منهم للشيعة الذين جعلوا هذا اليوم يوم حزن على الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) ؛ لأنّ قتله كان فيه ؛ ولذلك جزم شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه‌الله )


بأنّ هذا الحديث كذب، وذكر أنّه سُئل الإمام أحمد عنه فلمْ يرَه شيئاً، وأيَّد ذلك بأنّ أحداً مِن السّلف لمْ يستحبّ التوسعة يوم عاشوراء، وأنّه لا يعرف شيئاً مِن هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، وقد فصّل القول في هذا في (الفتاوى ٢ / ٢٤٨ - ٢٥٦)، فراجعه وقد نقل المناوي عن المجد اللغوي أنّه قال : ما يُروى في فضل صوم يوم عاشوراء والصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب، والإدهان، والاكتحال، بدعة ابتدعها قَتَلة الحُسين(١) .

قال الشيخ يوسف القرضاوي : رأينا رعايا أكثر بلاد المسلمين يحتفلون بيوم عاشوراء ؛ يذبحون الذبائح، ويعتبرونه عيداً وموسماً يوسعون فيه على الأهل والعيال ؛ اعتماداً على حديث ضعيف، بل موضوع في رأي ابن تيميّة وغيره، وهو الحديث المشهور على الألسنة : (( مَن أوسع على عياله وأهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر سنته )).

وقال المنذري : ورواه البيهقي وغيره - من طرق - عن جماعة مِن الصحابة، وقال البيهقي : هذه الأسانيد وإنْ كانت ضعيفة، فهي إذا ضُمّ بعضها إلى بعض أخذت القوّة.

قال القرضاوي : وفي هذا القبول نظر، وقد تقدّم جزم ابن الجوزي وابن تيمية في منهاج السُنّة وغيرهما أنّ الحديث موضوع.

وحاول الطبراني وغيره الدفاع عنه، وإثبات حسنه لغيره، وكثير مِن المتأخّرين يعزُّ عليهم أنْ يحكموا بالوضع على الحديث(٢) .

والذي يترجّح لي أنّ الحديث ممّا وضعه بعض الجُهّال مِن أهل السُنّة في

____________________

(١) تمام المنّة - محمّد ناصر الدين الألباني / ٤١٠.

(٢) في المصدر المنقول عنه : (بالوضع على حديث)، والظاهر ما أثبتناه.


الردّ على مبالغات الشيعة في جعل يوم عاشوراء يوم حزن وحداد، فجعله هؤلاء يوم اكتحال واغتسال وتوسعة على العيال(١) .

الاكتحالُ في يوم عاشوراء

قال البكري الديماطي : ( وأمّا أحاديث الاكتحال . إلخ ) في النفحات النبويّة في الفضائل العاشوريّة - للشيخ العدوي - ما نصُّه : قال العلّامه الأجهوري : أمّا حديث الكحل، فقال الحاكم إنّه منكر، وقال ابن حجر إنّه موضوع، بل قال بعض الحنفيّة : إنّ الاكتحال يوم عاشوراء لـمـَّا صار علامة لبغض آل البيت (عليهم‌السلام ) وجب تركه.

قال : وقال العلّامه صاحب جمع التعاليق : يُكره الكحل يوم عاشوراء ؛ لأنّ يزيد وابن زياد اكتحلا بدم الحُسين (عليه‌السلام ) هذا اليوم، وقيل : بالإثمد ؛ لتقر عينهما بفعله(٢) .

قال المناوي : وقال المجد اللغوي : ما يُروى في فضل صوم يوم عاشوراء والصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب، والإدهان، والاكتحال، بدعة ابتدعها قَتَلة الحُسين (رضي‌الله‌عنه ).

وفي القنية للحنفيّة : الاكتحال يوم عاشوراء لـمـَّا صار علامةً لبغض أهل البيت وجب تركه(٣) .

____________________

(١) كيف نتعامل مع السُنّة النّبويّة (معالم وضوابط) / ٨٢٥، ومنهجنا في بناء المعرفة والحضارة ٢ / ١٩٩٢، وكلا المصدرين نقلاً عن كتاب صوم عاشوراء بين السُنّة النّبويّة والبدعة الاُمويّة / ١٢٣ للشيخ الفاضل نجم الدين الطبسي.

(٢) وذكر أيضاً اكتحال يزيد وابن زياد (لعنهما الله) بدم الحُسين (عليه‌السلام ) في حاشية ردّ المحتار - ابن عابدين ٦ / ٧٥٢.

(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي ٦ / ٣٠٦.


قال الحطّاب الرعيني : وقد روى الحاكم والبيهقي مِن حديث ابن عبّاس مرفوعاً : (( مَنْ اكتحل يوم عاشوراء بالإثمد لمْ ترمد عينه أبداً )) قال الحاكم : إنّه منكر قال ابن حجر : هو موضوع، أورده ابن الجوزي في الموضوعات قال الحاكم : والاكتحال يوم عاشوراء لمْ يرد عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قَتَلة الحُسين (عليه‌السلام )(١) .

قال العجلوني : مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لمْ ترمد عينه ويروى : عيناه أبداً رواه الحاكم، والبيهقي في شعبه، والديلمي عن ابن عبّاس رفعه، وقال الحاكم : منكر وقال في المقاصد : بل موضوع وقال في اللآلئ، بعد أنْ رواه عن ابن عبّاس مِن طريق الحاكم : حديث منكر، والاكتحال لا يصح فيه أثر، فهو بدعة. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال الحاكم أيضاً: الاكتحال يوم عاشوراء لمْ يُروَ عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قَتَلة الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) وقبّحهم، نعم رواه في الجامع الصغير بلفظ: ((مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لمْ يرمد أبداً)) قال المناوي، نقلاً عن البيهقي : وهو ضعيف بالمرّة وقال ابن رجب في لطائف المعارف: كلُّ ما روى في فضل الاكتحال والاختضاب والاغتسال فيه موضوعٌ لمْ يصح(٢) .

وقال العجلوني أيضاً :

____________________

(١) مواهب الجليل - الحطّاب الرعيني ٣ / ٣١٦.

(٢) كشف الخفاء - العجلوني ٢ / ٢٣٤.


قال أئمّة الحديث : الاكتحال فيه بدعة ابتدعها قَتَلة الحُسين (عليه‌السلام )(١) .

قال ابن الجوزي في الموضوعات : حديث آخر، أنبأنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو بكر أحمد بن الحُسين البيهقي، أخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم، أنبأنا عبد العزيز بن محمّد الورّاق، حدّثنا علي بن محمّد الوراق، حدّثنا الحُسين بن بشر، حدّثنا محمّد بن الصلت، حدّثنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لمْ يرمد أبداً )).

قال الحاكم : أنا أبرأ إلى الله من عهدة جويبر قال : والاكتحال يوم عاشوراء لمْ يُروَ عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قَتَلة الحُسين (عليه‌السلام ) وقال أحمد : لا يشتغل بحديث جويبر وقال يحيى : ليس بشيء وقال النسائي والدارقطني : متروك(٢) .

قال الفتني : مَنْ اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لمْ ترمد عينه أبداً لجماعة مرفوعاً، قال الحاكم : منكر قلت : بل موضوع كما قال ابن الجوزي قال المذنب : وكذا قال الصنعاني وفي اللآلئ: ضعيف الإسناد بمرّة : مَنْ اكتحل يوم عاشوراء بإثمد فيه مسك عوفي مِن الرمد فيه مَنْ هو غير ثقة(٣) .

____________________

(١) كشف الخفاء - العجلوني ٢ / ٤٢١.

(٢) الموضوعات - ابن الجوزي ٢ / ٢٠٣.

(٣) تذكرة الموضوعات - الفتني / ١١٨.


الذبائحُ وإطعام الحبوب وغيرها، والاغتسال، ولبس الجديد، وإظهار السّرور في يوم عاشوراء

قال العلّامه الأجهوري : ولقد سألت بعض أئمّة الحديث والفقه عن الكحل، وطبخ الحبوب، ولبس الجديد، وإظهار السّرور، فقال : لمْ يرد فيه حديث صحيح عن النّبي (ص) ولا عن أحد مِن الصحابة، ولا استحبّه أحد مِن أئمّة المسلمين، وكذا ما قيل : إنّه مَنْ اكتحل يومه لمْ يرمد ذلك العام، ومَنْ اغتسل يومه لمْ يمرض كذلك(١) .

قال العجلوني : وقال ابن رجب في لطائف المعارف : كلُّ ما روى في فضل الاكتحال والاختضاب والاغتسال فيه موضوع لمْ يصح(٢) .

قال الحطّاب الرعيني : وقد سُئل الحافظ عبد الرحيم العراقي الشافعي عن أكل الدجاج والحبوب يوم عاشوراء، أهو مباح أو محرّم، فأجاب بأنّه مِن جملة المباحات ؛ فإنْ اقترنت به نية صالحة فهو مِن الطاعات قال : وذكر أنّ بعض أهل العصر أفتى بتحريم ذلك في هذا اليوم، وأنّه لا يستحب فيه شيء غير الصوم قال : فسألت عنه فإذا هو ممّن ينتحل فتاوى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فنظرت بعض فتاوى الشيخ تقي الدين المتعلّقة بذلك فوجدته سُئل عن أشياء تتعلّق بيوم عاشوراء.

ومِن المسؤول عنه ذبح الدجاج، وطبخ الحبوب في هذا اليوم، فأجاب : ليس شيء مِن ذلك سُنّة في هذا اليوم، بل هو بدعة لمْ يشرّعها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولا فعلها هو ولا أصحابه(٣) .

قال البهوتي :

____________________

(١) إعانة الطالبين - البكري الدمياطي ٢ / ٣٠١.

(٢) كشف الخفاء - العجلوني ٢ / ٢٣٤.

(٣) مواهب الجليل - الحطّاب الرعيني ٣ / ٣١٥.


وما رُويَ في فضل الاكتحال، والاختضاب، والاغتسال، والمصافحة، والصلاة فيه - أي يوم عاشوراء - فكذب وكذا ما يُروى في مسح رأس اليتيم، وأكل الحبوب، أو الذبح ونحو ذلك، فكلّ ذلك كذب على النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ومثل ذلك بدعة لا يستحبّ شيء منه عند أئمّة الدين قاله في الاختيارات(١) .

صلاةُ يوم عاشوراء

قال الفتني : الثالث في عاشوراء، يوم عاشوراء أربعين ركعة بعد الظهر، في كلّ ركعة آية الكرسي عشر مرّات، والإخلاص إحدى عشرة ركعة (مرّة)، والمعوذتين خمس مرّات، موضوع.

في اللآلئ : فضل أربع ركعات بالفاتحة، والإخلاص خمسين مرّة يوم عاشوراء، موضوع(٢) .

وقال الفتني أيضاً : ورأيت في بعض الرسائل لابن تيمية، كما أنّ للحديث أدلّة تقطع بصحته، فله أدلّة نقطع بكذبه، مثل ما رواه الوضّاعون من أهل البدع والغلو في الفضائل، كحديث يوم عاشوراء وصلاته(٣) .

وقال العجلوني أيضاً : وباب فضائل عاشوراء ورد استحباب صيامه، وسائر الأحاديث في فضله، وفضل الصلاة فيه، والإنفاق، والخضاب، والإدهان، والاكتحال، وطبخ الحبوب، وغير

____________________

(١) كشاف القناع - البهوتي ٢ / ٣٩٣.

(٢) تذكرة الموضوعات - الفتني / ٤٣.

(٣) تذكرة الموضوعات - الفتني / ٨٣.


ذلك، مجموعه موضوع مفترى(١) .

قال البهوتي : وما روي في فضل الاكتحال، والاختضاب، والاغتسال، والمصافحة، والصلاة فيه - أي يوم عاشوراء - فكذب(٢) .

صيام يوم عاشوراء(٣)

قال الفتني : في الذيل [عن] ابن عبّاس : مَنْ أفطر عنده يوم عاشوراء فكأنّما أفطر عنده جميع اُمّة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفيه حبيب بن حبيب يضع(٤) .

قال ابن الجوزي : فمِن الأحاديث التي وضعوا، حدّثنا أبو الفضل محمّد بن ناصر (من لفظه وكتابه مرّتين)، قال : أنبأنا أحمد بن الحُسين بن قريش، أنبأنا أبو طالب محمّد بن علي بن الفتح العشاري، وقرأت على أبي القاسم الحريري، عن أبي طالب العشاري، حدّثنا أبو بكر أحمد بن منصور البرسري، حدّثنا أبو بكر أحمد بن سليمان النّجاد، حدّثنا إبراهيم الحربي، حدّثنا سريح بن النعمان، حدّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هُريرة قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

(١) كشف الخفاء - العجلوني ٢ / ٤٢١.

(٢) كشاف القناع - البهوتي ٢ / ٣٩٣.

(٣) وقد ناقش العلّامه الشيخ نجم الدين الطبسي أحاديث صيام عاشوراء - التي اعتمدها بعضهم في استحباب الصيام - في كتاب صوم عاشوراء بين السُنّة النّبوية والبدعة الأمويّة، فشكر الله سعيه المبارك.

(٤) تذكرة الموضوعات - الفتني / ١١٨.


: (( إنّ الله (عزّ وجلّ) افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السّنة يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر مِن المحرّم، فصوموه ووسّعوا على أهليكم فيه ؛ فإنّه مَنْ وسّع على أهله مِن ماله يوم عاشوراء وُسِّع عليه سائر سنته، فصوموه ؛ فإنّه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، وهو اليوم الذي رفع الله فيه إدريس مكاناً عليّاً، وهو اليوم الذي نجا فيه إبراهيم مِن النّار، وهو اليوم الذي أخرج فيه نوحاً مِن السّفينة، وهو اليوم الذي أنزل الله فيه التوراة على موسى، وفيه فدى الله إسماعيل مِن الذّبح، وهو اليوم الذي أخرج الله يوسف مِن السّجن، وهو اليوم الذي ردّ الله على يعقوب بصره، وهو اليوم الذي كشف الله فيه عن أيوب البلاء، وهو اليوم الذي أخرج الله فيه يونس مِن بطن الحوت، وهو اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل، وهو اليوم الذي غفر الله لمحمّد ذنبه ما تقدّم وما تأخّر.

وفي هذا اليوم عبر موسى البحر، وفي هذا اليوم أنزل الله تعالى التوبة على قوم يونس، فمَنْ صام هذا اليوم كانت له كفارة أربعين سنة، وأوّل يوم خلق الله مِن الدُّنيا يوم عاشوراء، وأوّل مطر نزل مِن السّماء يوم عاشوراء، وأوّل رحمة نزلت يوم عاشوراء، فمَنْ صام يوم عاشوراء فكأنّما صام الدهر كلّه، وهو صوم الأنبياء ومَنْ أحيا ليلة عاشوراء فكأنّما عبد الله تعالى مثل عبادة أهل السّماوات السّبع، ومَنْ صلّى أربع ركعات يقرأ في كلّ ركعة الحمد مرّة وخمسين مرّة قل هو الله أحد غفر الله (له) خمسين عاماً ماضٍ، وخمسين عاماً مستقبل، وبنى له في الملأ الأعلى ألف ألف منبر مِن نور ومَنْ سقى شربة مِن ماء فكأنّما لمْ يعصِ الله طرفة عين، ومَنْ أشبع أهل بيت مساكين يوم عاشوراء مرّ على الصراط كالبرق الخاطف، ومَنْ تصدّق بصدقة يوم عاشوراء فكأنّما لمْ يردّ سائلاً قط، ومَنْ اغتسل يوم عاشوراء لمْ يمرض مرضاً إلّا مرض الموت، ومَنْ اكتحل يوم عاشوراء لمْ ترمد عينيه تلك السّنة كلّها، ومَنْ أمرّ يده على رأس يتيم فكأنّما برّ يتامى ولد آدم كلّهم، ومَنْ


صام يوم عاشوراء اُعطي ثواب عشرة ألف [آلاف] ملك، ومَنْ صام يوم عاشوراء اُعطى ثواب ألف حاج ومعتمر، ومَنْ صام يوم عاشوراء اُعطي ثواب ألف شهيد، ومَنْ صام يوم عاشوراء كُتِبَ له أجر سبع سماوات.

وفيه خلق الله السماوات والأرضين، والجبال والبحار، وخلق العرش يوم عاشوراء، وخلق القلم يوم عاشوراء، وخلق اللوح يوم عاشوراء، وخلق جبريل يوم عاشوراء، ورفع عيسى يوم عاشوراء، واُعطي سليمان الملك يوم عاشوراء ويوم القيامة يوم عاشوراء، ومَنْ عاد مريضاً يوم عاشوراء فكأنّما عاد مرضى ولد آدم كلّهم )).

هذا حديث لا يشك عاقل في وضعه، ولقد أبدع مَنْ وضعه، وكشف القناع ولمْ يستحي، وأتى فيه المستحيل، وهو قوله : وأوّل يوم خلق الله يوم عاشوراء، وهذا تغفيل مِن واضعه ؛ لأنّه إنّما يُسمّى يوم عاشوراء إذا سبقه تسعة !!

وقال : فيه خلق السّماوات والأرض والجبال يوم عاشوراء وفى الحديث الصحيح : (( إنّ الله تعالى خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد ))، وفيه التحريف في مقادير الثواب الذي لا يليق بمحاسن الشريعة، وكيف يحسن أنْ يصوم الرجل يوماً فيُعطى ثواب مَنْ حجّ واعتمر وقُتل شهيداً، وهذا مخالف لاُصول الشرع، ولو ناقشناه على شيء بعد شيء لطال، وما أظنه إلّا دُسّ في أحاديث الثّقاة، وكان مع الذي رواه نوع تغفّل، ولا أحسب ذلك إلّا في المتأخّرين، وإنْ كان يحيى بن معين قد قال في ابن أبي الزناد : ليس بشيء ولا يحتجّ بحديثه، واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، واسم ابنه عبد الرحمن، كان ابن مهدي لا يحدّث عنه.

وقال أحمد : هو مضطرب الحديث وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتجّ به، فلعلّ بعض أهل الهوى قد أدخله في حديثه.

حديث آخر : أنبأنا عبد الله بن علي المقري، أنبأنا جدّي أبو منصور الخيّاط، أنبأنا عبد السّلام بن أحمد الأنصاري، حدّثنا أبو الفتح بن أبي الفوارس، أنبأنا الحسن بن إسحاق بن زيد المعدّل، حدّثنا


أحمد بن محمّد بن مصعب، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن قهزاد، حدّثنا حبيب بن أبي حبيب، عن إبراهيم الصائغ، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( مَنْ صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستّين سنة بصيامها وقيامها، ومَنْ صام يوم عاشوراء اُعطي ثواب عشرة آلاف ملك، ومَنْ صام يوم عاشوراء اُعطي ثواب ألف حاج ومعتمر، ومَنْ صام يوم عاشوراء اُعطي ثواب عشرة آلاف شهيد، ومَنْ صام يوم عاشوراء كتب الله له أجر سبع سماوات، ومَنْ أفطر عنده مؤمن في يوم عاشوراء فكأنّما أفطر عنده جميع اُمّة محمّد، ومَنْ أشبع جائعاً في يوم عاشوراء فكأنّما أطعم جميع فقراء اُمّة محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأشبع بطونهم، ومَنْ مسح على رأس يتيم رُفعت له بكلّ شعرة على رأسه في الجنّة درجة )).

قال : فقال عمر : يا رسول الله، لقد فضلّنا الله (عزّ وجلّ) بيوم عاشوراء ؟ قال : (( نعم، خلق الله (عزّ وجلّ) يوم عاشوراء والأرض كمثله، وخلق الجبال يوم عاشوراء والنجوم كمثله، وخلق القلم يوم عاشوراء واللوح كمثله، وخلق جبريل يوم عاشوراء وملائكته يوم عاشوراء، وخلق آدم يوم عاشوراء، ووُلِد إبراهيم يوم عاشوراء، ونجّاه الله من النّار يوم عاشوراء، وفداه الله يوم عاشوراء، وغرق فرعون يوم عاشوراء، ورُفِعَ إدريس يوم عاشوراء، ووُلِدَ في يوم عاشوراء !! وتاب الله على آدم في يوم عاشوراء، وغفر ذنب داود في يوم عاشوراء، وأعطى الله الملك لسليمان يوم عاشوراء، وولِدَ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في يوم عاشوراء، واستوى الربّ (عزّ وجلّ) على العرش يوم عاشوراء، ويوم القيامة يوم عاشوراء )).

قال ابن الجوزي : هذا حديث موضوع بلا شك قال أحمد بن حنبل : كان حبيب بن أبي حبيب يكذب وقال ابن عدى : كان يضع الحديث وفى الرواة مَنْ يدخل بين حبيب وبين إبراهيم إبله وقال أبو حاتم وأبو حبان : هذا حديث


باطل لا أصل له قال : وكان حبيب مِن أهل مرو يضع الحديث على الثّقاة، لا يحلّ كتب حديثه إلّا على سبيل القدح فيه(١) .

قال الذهبي، وابن حجر العسقلاني في ترجمة محمّد بن علي أبو طالب العشاري، واللفظ للأوّل: العشاري، حدّثنا أحمد بن منصور البوشري، حدّثنا أبو بكر النّجاد، حدّثنا الحربي، حدّثنا سريج بن النعمان، حدّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعاً : (( صوموا عاشوراء ووسّعوا على أهاليكم، فقد تاب الله فيه على آدم . إلى أنْ قال : فمَنْ صامه كان كفارة أربعين سنة، واُعطي ثواب ألف شهيد، وكتب له أجر سبع سماوات . إلى أنْ قال : وفيه خلق الله السماوات والأرض، والعرش والقلم، وأوّل يوم خلق يوم عاشوراء )) فقبّح الله مَنْ وضعه، والعتب إنّما هو على محدّثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل(٢) .

قال البيهقي : قال القاضي أبو بكر : استوى مِن غير مماسّة ولا حركة، كما يليق بذاته قال الشيخ (رضي‌الله‌عنه ) : هذا حديث منكر، وإسناده ضعيف بمرّة (بالمرّة)، وأنا أبرأ إلى الله مِن عُهدته، وفي متنه ما لا يستقيم، وهو ما روي فيه مِن خلق السماوات والأرضين والجبال كلّها في يوم عاشوراء، والله تعالى يقول :( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ومِن المحال أنْ تكون السّنة كلّها في يوم عاشوراء، فدلّ ذلك على ضعف هذا الخبر، والله أعلم(٣) .

____________________

(١) الموضوعات - ابن الجوزي ٢ / ١٩٩.

(٢) ميزان الاعتدال - الذهبي ٣ / ٦٥٦، لسان الميزان - ابن حجر ٥ / ٣٠٢.

(٣) فضائل الأوقات - البيهقي / ٤٤٢ أقول : ولا يتوهّم متوهّم بأنّ أهل الخلاف لمْ يعملوا بأحاديث التوسعة، بل عملوا بها وحبّبوها للناس حتّى في زماننا هذا =


ما ورد عن طريق أهل البيت (عليهم‌السلام ) في ما يفعله أعداؤهم في يوم عاشوراء

في الهامش المتقدّم ما يدلل على إصرارهم على التمسّك بهذه الأحاديث الكاذبة لإحياء مراسم السّرور والفرح في يوم عاشوراء، وقد جاء من طرق الإماميّة ما يُبيِّن ذلك على لسان الأئمّة الأطهار (عليهم‌السلام )، قال (رحمه‌الله ) : حدّثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمّد بن علي بن الحُسين بن موسى بن بابويه القمي (رضي‌الله‌عنه )، قال : حدّثنا الحُسين بن أحمد بن إدريس (رحمه‌الله )، قال : حدّثنا أبي، عن محمّد بن الحُسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرسان، عن جبلة المكّية، قالت : سمعت ميثمَ التمّار (رحمه‌الله ) يقول : والله، لتقتلنَّ هذه الاُمّة ابن نبيِّها في المحرّم لعشر يمضين منه، وليتّخذنّ أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وإنّ ذلك

____________________

= فخذ على سبيل المثال ما نقله المناوي في فيض القدير ٦ / ٢٣٥، قال : مَنْ وسّع على عياله وهمّ في نفقته في يوم عاشوراء عاشر المحرّم - وفي رواية بإسقاط (في) - وسّع الله عليه في سنته كلّها دعاء أو خيراً ؛ وذلك لأنّ الله سبحانه أغرق الدُّنيا بالطوفان فلمْ يبقِ إلّا سفينة نوح بمَنْ فيها، فردّ عليهم دنياهم يوم عاشوراء، واُمروا بالهبوط للتأهّب للعيال في أمر معاشهم بسلام وبركات عليهم وعلى مَنْ في أصلابهم مِن الموحّدين، فكان ذلك يوم التّوسعة والزيادة في وظائف المعاش، فيسنّ زيادة ذلك في كلِّ عام ذكره الحكيم، وذلك مجرّب للبركة والتوسعة.

قال جابر الصحابي : جرّبناه فوجدناه صحيحاً وقال ابن عيينة : جرّبناه خمسين أو ستّين سنة وقال ابن حبيب أحد أئمّة المالكيّة :

لا تنسَ يُنسكَ الرحمنُ عاشورا(*)

واذكرْهُ لا زلتَ في الأخبارِ مذكورا

قال الرسولُ صلاةُ اللهِ تشملُهُ

قولاً وجدنا عليه الحقَّ والنورا

مَنْ بات في ليلِ عاشوراءَ ذا سعةٍ

يكن بعيشتِهِ في الحولِ مجبورا

فارغب فديتك فيما فيه رَغَّبَنا

خيرُ الورى كلِّهم حيّاً ومقبورا

قال المؤلف : فهذا مِن هذا الإمام الجليل يدلّ على أنّ للحديث أصلاً.

(*) في المصراع خلل عروضي واضح (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


لكائن، قد سبق في علم الله تعالى ذكره، أعلم ذلك بعهد عهده إليَّ مولاي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، ولقد أخبرني أنّه يبكي عليه كلُّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار، والطير في جو السّماء، وتبكي عليه الشمس والقمر والنّجوم، والسّماء والأرض، ومؤمنو الإنس والجنّ، وجميع ملائكة السماوات، ورضوان ومالك وحملة العرش، وتمطر السّماء دماً ورماداً.

ثم قال : وجبت لعنة الله على قَتَلة الحُسين (عليه‌السلام ) كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، وكما وجبت على اليهود والنصارى والمجوس قالت جبلة : فقلت له : يا ميثم، وكيف يتّخذ الناس ذلك اليوم الذي يُقتل فيه الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) يوم بركة ! فبكى ميثم (رضي‌الله‌عنه )، ثمّ قال : سيزعمون بحديث يضعونه أنّه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم (عليه‌السلام )، وإنّما تاب الله على آدم (عليه‌السلام ) في ذي الحجة، ويزعمون أنّه اليوم الذي قَبِلَ الله فيه توبة داود (عليه‌السلام )، وإنّما قَبِلَ الله توبته في ذي الحجة، ويزعمون أنّه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس (عليه‌السلام ) مِن بطن الحوت، وإنّما أخرجه الله تعالى مِن بطن الحوت في ذي القعدة، ويزعمون أنّه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح (عليه‌السلام ) على الجودي، وإنّما استوت على الجودي يوم الثامن عشر من ذي الحجة، ويزعمون أنّه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل، وإنّما كان ذلك في ربيع الأوّل.

ثمّ قال ميثم : يا جبلة، اعلمي أنّ الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) سيّد الشهداء يوم القيامة، ولأصحابه على سائر الشهداء درجة يا جبلة، إذا نظرتِ إلى الشمس حمراء كأنّها دم عبيط، فاعلمي أنّ سيِّدَك الحُسين (عليه‌السلام ) قد قُتِل.

قالت جبلة : فخرجت ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كأنّها الملاحف المعصفرة، فصحت حينئذ وبكيت، وقلت : قد والله , قُتِلَ سيدنا الحُسين


ابن علي (عليهما‌السلام )(١) .

وروى الشيخ الصدوق (رحمه‌الله )، (قال : ) حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام )، قال : (( مَنْ ترك السّعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدُّنيا والآخرة، ومَنْ كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه يجعل الله (عزَّ وجلّ) يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه ومَنْ سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادّخر لمنزله شيئاً لمْ يبارك له فيما ادّخر، وحُشِرَ يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد (لعنهم الله) إلى أسفل دركٍ مِن النّار ))(٢) .

____________________

(١) الأمالي - الشيخ الصدوق / ١٨٩.

(٢) علل الشرائع - الشيخ الصدوق ١ / ٢٢٧، عيون أخبار الرضا (عليه‌السلام ) - الشيخ الصدوق ٢ / ٢٦٧، قال : حدّثنا محمّد بن بكران النقاش في مسجد الكوفة، ومحمّد بن إبراهيم بن إسحاق المكتب (رضي‌الله‌عنه ) بالرّي، قالا : حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني مولى بني هاشم، قال : حدّثنا علي بن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام )، قال : (( مَنْ ترك السّعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدُّنيا والآخرة، ومَنْ كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله (عزَّ وجلّ) القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه ومَنْ سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادّخر فيه لمنزله شيئاً لمْ يبارك له فيما ادّخر، وحُشِرَ يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد (لعنهم الله تعالى) إلى أسفل دركةٍ مِن النّار )).


بحثٌ في التسمية

كثيراً ما يتمسّك بعضهم بأدلّة هي أشبه بتمسّك الغريق بالطحلب، والتي هي أوهن مِن خيوط العنكبوت، حيث أرادوا أنْ يثبتوا محبّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) لأشخاصٍ ظهرت منهم المعاداة لهم (عليهم‌السلام )، مع أنّ الله أمر الناس بمحبّتهم، فحري بهم أنْ يثبتوا محبّتهم لأهل البيت (عليهم‌السلام ) لا أنْ يثبتوا العكس، وإلّا فهذا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يدعو الله بأنْ يهدي قومه محبّة منه لهدايتهم، فهل يعني هذا محبّتهم لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مِن أي وجه مِن وجوه المحبّة ؟! ومع هذا الاعوجاج في الاستدلال فقد استدلّوا على محبّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) لهم بتسمية أبنائهم بمثل أسماء أعدائهم، وما أدري ! وكأنّ هذه الأسماء لمْ يسمَّ بها إلّا هؤلاء ! وعلى كلِّ حال نشرع في بيان الحال ودفع المحال لما فيه مِن إظهار شيء مِن مظلوميّتهم (عليهم‌السلام )، فنقول :

إنّ حقيقة التسمية هي عملية وضع الاسم على المسمّى، والغرض الأوَّلي غالباً هو تمييز المسمّى عن غيره، ولكن كثيراً ما تلاحظ أغراض اُخرى، وهذا أمر مرتكز عند عامّة البشر، وهذه الأغراض ترجع إلى جهات كثيرة، منها الجهة اللفظية : وهي ما يكون الغرض راجعاً لذات اللفظ مع قطع النظر عن المعنى الموضوع له، وذلك كأنْ يكون لللفظ نغمة خاصة على السمع، أي النظر إلى جماله اللفظي مثل زهراء وأسماء.

ومنها الجهة المعنوية : وهي التي يكون النظر في التسمية إلى حسن المعنى الموضوع له لفظ هذا الاسم، مثل وردة، نور، كريم، شجاع، عمر وغيرها، فإنّ


(عمر) معناه الموضوع له هو فاعل العمران أو التعمير، أي هو بمعنى عامر، وعامر معناه حسن، أو عمر جمع لعمرة ومعناه حَسَن أيضاً.

ومنها الجهة الخارجية عن ذات اللفظ وذات المعنى الموضوع له : وهذه منشأها مختلف بحسب الأغراض والمناسبات، فتارة يكون الغرض هو التفاؤل بالخير، كمَنْ يسمي ابنه (كريم) ؛ تفاؤلاً ورجاء أنْ يكون مِن الكرماء، وتارة يكون هذا الاسم اسم شخص عزيز وحبيب، فتراه يسمّي ابنه باسم والده مع قطع النظر عن حُسنه اللفظي ومعناه الموضوع له، بل الداعي هو إظهار معزّته لوالده مثلاً، وكذا كأنْ يكون الاسم اسماً لنبيِّه أو إمامه، أو صديقه، أو أي عزيز عليه، أو غير ذلك مِن الأغراض الداعية لاختيار الاسم، كما لو علم أنّ مَن يسمّي مولوده باسم خاص يُعطى ثواباً، أو لمجرّد امتثاله لشريعته - مثلما ورد : (( خيرُ الأسماء عبد الله وعبد الرحمن والحارث )) ذكر البخاري في تاريخه في ترجمة أبي سبرة : أنّه غيَّر اسمه امتثالاً للشريعة(١) - أو للتقرّب مِن السلطان فيسمّي ابنه بما يقرِّبه له، أو للخوف مِن السلطان فيسمّي ابنه بما يتّقي شرَّه ويُبعده عنه. وإليك بعض الشواهد الواضحة التي تبيّن لك ذلك.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة مِن علي (عليه‌السلام ) ولعنه، وأنْ يقتل كلَّ مَنْ امتنع مِن ذلك ويخرِّب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون، فمات (لا رحمه ‌الله )

____________________

(١) التاريخ الكبير - البخاري ٩ /٤٠، كنى البخاري - البخاري / ٤٠، قال : ٣٤٧ - أبو سبرة له صحبة، روى عنه عبد الرحمن، نا شهاب، قال : نا حمّاد عن الحجّاج، عن عمير بن سعد، عن سبرة بن أبي سبرة، نا أباه : أتى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( ما وُلدك ؟ )) قال : عبد العزّى، وحارث، وسبرة، فغيَّر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عبد العزّى، وقال : (( هو عبد الله ؛ إنّ خير الأسماء عبد الله، وعبد الرحمن، والحارث )) ودعا له ولولده قال الحجّاج : فلم يزالوا حتّى اليوم.


بعد ثلاثة أيام، وذلك في خلافة معاوية.

وكان الحجّاج (لعنه الله) يلعن عليّاً (عليه‌السلام ) ويأمر بلعنه، وقال له متعرض به يوماً وهو راكب : أيُّها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً، فغيِّر اسمي وصلني بما أتبلغ به فإنّي فقير فقال : للطف ما توصّلت به ! قد سمّيتك كذا، وولّيتك العمل الفلاني فاشخص إليه(١) .

وذكر المستبصر الدكتور التيجاني مثلها، قال : وقصة المتوكّل مع ابن السكيت - العالم النحوي - المشهور معروفة، وقد

____________________

(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٤ / ٥٨، وفي حادثة اُخرى قال ابن أبي الحديد المعتزلي أيضاً في شرح نهج البلاغة ٤ / ٦١ : وروى ابن الكلبي عن أبيه، عن عبد الرحمن بن السائب، قال : قال الحجّاج يوماً لعبد الله بن هانئ - وهو رجل مِن بني أود (حي مِن قحطان)، وكان شريفاً في قومه، قد شهد مع الحجّاج مشاهده كلَّها، وكان مِن أنصاره وشيعته - : والله، ما كافأتك بعد.

ثمّ أرسل إلى أسماء بن خارجة سيّد بني فزارة : أنْ زوّج عبد الله بن هانئ بابنتك فقال : لا والله ولا كرامة فدعا بالسياط، فلما رأى الشرّ قال : نعم اُزوّجه ثمّ بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية : زوّج ابنتك مِن عبد الله بن أود فقال : ومَنْ أود ! لا والله، لا اُزوّجه ولا كرامة فقال : عليّ بالسيف فقال : دعنِّي حتّى اُشاور أهلي، فشاورهم فقالوا : زوّجه ولا تعرّض نفسك لهذا الفاسق فزوّجه، فقال الحجّاج لعبد الله : قد زوّجتك بنت سيّد فزارة وبنت سيّد همدان وعظيم كهلان وما أود هناك فقال : لا تقل - أصلح الله الأمير - ذاك ؛ فإنّ لنا مناقب ليست لأحد مِن العرب قال : وما هي ؟ قال : ما سُبّ أمير المؤمنين عبد الملك في نادٍ لنا قط قال : منقبة والله قال : وشهد منّا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجل، ما شهد منّا مع أبي تراب إلّا رجل واحد، وكان - والله - ما علمته امرأ سوء قال : منقبة والله قال : ومنّا نسوة نذرن : إنْ قُتل الحُسين بن علي أن تنحر كلُّ واحدة عشر قلائص، ففعلنَ قال: منقبة والله قال : وما منّا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلّا فعل وزاد ابنيه حسناً وحُسيناً واُمّهما فاطمة!!! قال : منقبة والله قال : وما أحد مِن العرب له مِن الصباحة والملاحة ما لنا فضحك الحجّاج، وقال : أمّا هذه يا أبا هانئ فدعها وكان عبد الله ذميماً شديد الأدمة مجدوراً، في رأسه عجر، مائل الشدق، أحول، قبيح الوجه، شديد الحول.


قتله شرَّ قتلة، فاستخرج لسانه مِن قفاه عندما اكتشف بأنّه يتشيّع لعلي وأهل بيته (عليهم‌السلام )، في حين أنّه كان اُستاذاً لولديه.

وبلغ حقد المتوكّل ونصبه أنْ أمر بقتل كلِّ مولود يسمّيه أبواه باسم علي ؛ لأنّه أبغض الأسماء إليه، حتّى أنّ علي بن الجهم الشاعر لـمـَّا تقابل مع المتوكّل قال له : يا أمير المؤمنين، إنّ أهلي عقّوني قال المتوكّل : لماذا ؟ قال : لأنّهم سمّوني عليّاً وأنا أكره هذا الاسم وأكره مَنْ يتسمّى به فضحك المتوكّل وأمر له بجائزة(١) .

وقال ابن أبي الحديد : وروى أبو عثمان أيضاً أنّ قوماً مِن بني اُميّة قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين، إنّك قد بلغت ما أمَّلت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل فقال : لا والله، حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً !(٢) .

وقال ابن أبي الحديد : وذكر المبرّد في الكامل أنّ خالد بن عبد الله القسري لـمـَّا كان أمير العراق - في خلافة هشام - كان يلعن عليّاً (عليه‌السلام ) على المنبر، فيقول : اللهمَّ، العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) على ابنته، وأبا الحسن والحُسين ! ثمّ يقبل على الناس، فيقول : هل كنّيت ؟!(٣) .

وإليك شيئاً مِن الظلم الذي نال أهل البيت (عليهم‌السلام ) وشيعتهم ؛ لتعرف مدى الخوف الذي جعلهم يحذرون كلَّ الحذر حتّى وصل بالشيعة أنْ تسمّي أبناءها

____________________

(١) الشيعة هم أهل السُّنّة - الدكتور محمّد التيجاني / ٧٩.

(٢) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٤ / ٥٧.

(٣) المصدر نفسه.


بمعاوية ويزيد !!(١) ، فاستمع لما يُتلى عليك :

قال ابن أبي الحديد المعتزلي: وقد روي أنّ أبا جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه‌السلام ) قال لبعض أصحابه: (( يا فلان، ما لقينا مِن ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا، وما لقى شيعتنا ومحبّونا مِن الناس، إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قُبض وقد أخبر أنَّا أولى النّاس بالنّاس، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقِّنا وحجَّتِنا، ثمّ تداولتها قريش واحد بعد واحد حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كئود حتّى قُتِلَ، فبُويِعَ الحسن ابنه (عليه‌السلام ) وعُوهِدَ، ثمّ غُدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتّى طُعِنَ بخنجرٍ في جنبه، ونُهبَت عسكره، وعُولجت خلاخيل اُمّهات أولاده، فوادع معاوية، وحقن دمه ودماءَ أهل بيته، وهم قليل حقّ قليل، ثمّ بايع الحُسين (عليه‌السلام ) مِن أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به وخرجوا عليه - وبيعته في أعناقهم - وقتلوه، ثمّ لم نزل - أهل البيت - نُستذلَ ونُستضام، ونُقصى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل ونخاف، ولا نأمنُ على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً

____________________

(١) وهذا ظاهر وواضح للعيان في ما يلقاه الشيعة في العراق وغيرها في هذا الزمان - بعد سقوط النظام الصدّامي البائد - من النواصب، خصوصاً مِن المتواجدين في منطقة اللطيفيّة ؛ مِن الذبح والتفنن بالقتل وغيره ممّا يُبثّ على الأنترنت، وذلك بالتعرّف على أسمائهم مِن خلال الهويات، فبمجرد أنْ يُعرف الشخص بأنّ اسمه علي أو حسن أو حُسين أو عبّاس أو حيدر أو باقر أو جعفر أو صادق أو هادي أو جواد أو كاظم أو رضا أو مرتضى أو منتظر أو مهدي وغيرها مِن أسماء وألقاب أهل البيت (عليهم‌السلام ) يُذبح بالمدى أو بالسيف، أو يضرب في رأسه بالرشاش وغيرها مِن آلآت القتل، حتّى إنّهم إذا لمْ يتّفق أنّ اسمه بأحد هذه الأسماء عرضوا عليه سبَّ عليِّ بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فإنْ أمتنع قُتِلَ.


يتقرّبون به إلى أوليائهم، وقضاة السّوء، وعمّال السّوء في كلِّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنَّا ما لمْ نقله وما لمْ نفعله ؛ ليُبغّضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه‌السلام )، فقُتلت شيعتنا بكلِّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان مَنْ يُذكر بحبِّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله أو هُدمت داره.

ثمّ لمْ يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحُسين (عليه‌السلام )، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلَّ قتلة، وأخذهم بكلّ ظنَّة وتهمة، حتّى إنّ الرجل ليُقال له : زنديق أو كافر أحبُّ إليه مِن أنْ يقال : شيعة علي (عليه‌السلام )، وحتّى صار الرجل الذي يُذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يُحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة مِن تفضيل بعض مَنْ قد سلف مِن الولاة، ولمْ يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت، وهو يحسب أنّها حقٌّ ؛ لكثرة مَنْ قد رواها ممّن لمْ يُعرف بكذب ولا بقلّة ورع ))(١) .

____________________

(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٤ / ٥٨، وقال ابن أبي الحديد أيضاً في شرح نهج البلاغة ١١ / ٤٤ : وروى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدايني في كتاب ( الأحداث )، قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أنْ برئت الذمّة ممـّن روى شيئاً مِن فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كلِّ كورة وعلى كلِّ منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة ؛ لكثرة مَنْ بها مِن شيعة علي (عليه‌السلام )، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة وضمَّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ؛ لأنّه كان منهم أيّام علي (عليه‌السلام )، فقتلهم تحت كلِّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطرفهم وشرّدهم عن العراق، فلمْ يبقَ بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عمَّاله في جميع الآفاق إلّا يجيزوا لأحد مِن شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم : أنْ انظروا مِن قبلكم مِن شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكلِّ ما يروي كلُّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ؛ لما كان يبعثه =


أقول : بعد وجود هذه الاحتمالات الكثيرة للتسمية التي منها ملاحظة حسن المعنى، وتارة حسن اللفظ، واُخرى الدواعي المختلفة، فبالوجدان التسمية لا تدلّ على خصوص محبّة شخص مسمّى بهذا الاسم ؛ إذ إنّ الأعم لا يدلّ على

____________________

= إليهم معاوية مِن الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلِّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود مِن الناس عاملاً مِن عمّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّا كُتب اسمه وقرّبه وشفّعه، فلبثوا بذلك حيناً.

ثمّ كتب إلى عمَّاله : أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلِّ مصر وفي كلِّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد مِن المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ؛ فإنّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني، وأدحضُ لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم مِن مناقب عثمان وفضله.

فقُرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، واُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم مِن ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثمّ كتب إلى عمَّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا مَنْ قامت عليه البينة أنّه يحبُّ عليّاً وأهل بيته فامحوه مِن الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اُخرى : مَنْ اتّهمتوه بمولاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتّى إنّ الرجل مِن شيعة علي (عليه‌السلام ) ليأتيه مَنْ يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه، ويخاف مِن خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء المرّاؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنّها حقٌّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولا تديّنوا بها.


الأخص، فتسمية أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) - لو ثبتت - أحد أبنائه بعثمان وعمر وغيرهما لا تدلّ على محبّته لعثمان بن عفّان، بل يمكن أنْ يكون لمحبّته لعثمان بن مظعون(١) ، أو لِمَا تحمله كلمة (عمر) من حُسن معناها الموضوعة له في اللغة، و لا تدلّ على مسمّىً مخصوصاً ؛ فإنّ عمر معناه عامر، ولا يخفى ما في (عامر) مِن معنى حسن وجميل، فاحتمال أنّه سمّاه لأجل هذا لا لأجل أنّه اسم لعمر بن الخطاب.

وأمّا أبو بكر - وهي كنية ابنه عبد الله أو عبيد الله، أو كنية ابنه محمّد الأصغر كما تقدّم(٢) - فلا دليل فيها على المحبّة لِمَا قدّمناه أيضاً، وعلى هذا لا تدلّ التسمية على الحبِّ، بل قد تدلّ على البغض كما لوسمَّاه خوفاً، كما يأتي في ذكر بقية الاحتمالات وهي كثيرة كما قلنا.

منها : أنّه (عليه‌السلام ) اُجبر على التسمية كما اُجبر على ما هو أعظم منها، وهي البيعة لهم، وقد كان ممتنعاً مدّة ستّة أشهر، وبعد وفاة الشهيدة الصدّيقة فاطمة الزهراء بايع (عليه‌السلام ) على قول، كما في رواية البخاري، وهكذا الإمام الحسن (عليه‌السلام )، والإمام علي بن الحُسين (عليهما‌السلام )، فتسميتهم بسبب السلطة الحاكمة آنذاك ؛ وذلك لأنّ السلطة أرادت أنْ تجعل لمنصبها الصبغة الشرعية بكلِّ ما ملكت مِن قوّة، وقد صرّح الذهبي بأنّ مَنْ سمّى ابنَ عليٍّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بعمر هو الخليفة الثاني نفسه(٣) .

____________________

(١) وفي مقاتل الطالبيّين - أبو الفرج الأصفهاني / ٥٥، قال : وقال الضحّاك المشرفي في الإسناد الأوّل الذي ذكرناه آنفاً : إنّ خولّى بن يزيد رمى عثمان بن عليٍّ بسهم فأوهطه، وشدّ عليه رجل مِن بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه وعثمان بن علي (عليه‌السلام ) الذي روى عن عليٍّ (عليه‌السلام ) أنّه قال (( إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون )).

(٢) راجع ما ذكرته في هامش مقتل أبي بكر وعثمان ابنا علي بن طالب (عليه‌السلام ).

(٣) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ١٣٤، قال : عمر بن علي بن أبي طالب الهاشمي، يروي عن أبيه وعنه ابنه محمّد، بقي حتّى وفد على الوليد [ ليولّيه ] صدقة أبيه ومولده في أيّام عمر، فعمر سمّاه باسمه، ونحله غلاماً اسمه مورق قال العجلي : تابعي ثقة . إلخ.


ومنها : حفاظ أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) على شيعتهم بالإقتداء بهم في ذلك(*) ، والكلّ يعلم ما جرى وما يجري إلى الآن على الشيعة(١) بموالاتهم لأمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فانظر إلى ما ذكرته قبلُ ممّا رواه ابن أبي الحديد، وإلى ما فُعِلَ بحِجر بن عدي وكميل بن زياد، وسعيد بن جبير وميثم التمّار، ورُشَيد الهجري ومولاه قنبر، وغيرهم من شيعة عليٍّ (عليه‌السلام ) الذين هم باتّفاق مِن شعيته (عليه‌السلام )، والشيعة الاثنا عشريّة الآن هم الامتداد لذلك التشيّع الذي مضى عليه ميثم التمّار وغيره من شيعة أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، وإنْشاء الله يمنّ علينا بتتبّع مقاتل شيعة أهل البيت (عليه‌السلام ) وأفرادها بمؤلَّف ؛ لإظهار مظلوميّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) وشيعتهم.

وهذا الاحتمال قوي ؛ فإنّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، والإمام الحسن (عليه‌السلام )، والإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وعلي بن الحُسين (عليه‌السلام ) سمّوا بهذه الأسماء لكي تقتدي شيعتهم بهم، بحيث تسمّي أبناءهم بتلك الأسماء ؛ لحفظهم مِن القتل والحرمان والتشريد وغيره، وإلّا كيف يسمّي علي بن الحُسين (عليه‌السلام ) ابنه (عمر) مع أنّ القاتل لأبيه هو الملعون عمر بن سعد ؟! وكذا عمرو بن العاص العدو المقاتل لجدّه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وكذا كيف يسمّي ابنته عائشة مع أنّ الغاضبة - التي لا تطيق لجدّه (عليه‌السلام ) ذكراً(٢) ، والخارجة عليه لتقتله - هي عائشة بنت أبي بكر التي شمتت حين قُتل (عليه‌السلام ) كما ذكر ذلك سبط ابن الجوزي، قال :

____________________

(*) وهذا ليس بمستبعد من أئمة الهدى (عليهم‌السلام )، بل ثابت وروايات التقيّة تكفي ذلك.

(١) وفي هذه الأيّام - أيّام سقوط النظام الصدّامي - القلب يتفطّر على ما يفعله النواصب في شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في العراق من الذبح والتفنن بالقتل والتعذيب، وتعريضهم لسبِّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) ( سورة الشعراء / ٢٢٧)،( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمتَّقِينَ ) (سورة القصص / ٨٣).

(٢) كما يأتي عن قريب أنّ عائشة لا تطيق ذكر علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).


وذكر ابن جرير في تاريخه، وا ب ن سعد في الطبقات : أنّه لـمـَّا استشهد علي (عليه‌السلام ) بلغ عائشة، فقالت :

فألقتْ عَصَاها واستقرَّ بها النوى

كما قرَّ عيناً بالإيابِ المسافرُ

ثم قالت : مَنْ قتله ؟ قالوا : رجل مِن مراد فقالت :

فإن يكُ هالكاً فَلَقدْ نعاهُ

نَعِيٌّ ليس في فيه الترابُ

فعابها الناس، وقالت لها زينب(١) بنت سلمة بن أبي سلمة : ألعلي تقولين هذا ؟! فقالت : إنّي أنسى فذكّروني(٢) .

فهل بعد هذا تكون التسمية دالّة على حبِّ كلِّ مَنْ تسمّى بهذه الأسماء ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟!

وأيضاً إنّ مِن المعلوم والمقطوع به الذي لا يختلف فيه اثنان هو أنّ الشيعة لا ينفك تشيُّعهم عن بغض بني اُميّة - وبالأخص رموزهم -، وعن بغض جميع أعداء أهل البيت (عليهم‌السلام ) في كلِّ عصر ومصر، ومع ذلك تراهم يسمّون أبناءهم بيزيد ومعاوية وغيرهما، مثل معاوية بن عمّار، ومعاوية بن وهب، ومعاوية بن ميسرة، ويزيد بن سليط، ويزيد بن إسحاق أبي السخف، ويزيد بن أسباط، ويزيد القمّاط وغيرهم، فما ذلك إلّا للحفاظ عليهم مِن السلطات الغاشمة التي أخذت على نفسها إبادة شيعة أهل البيت (عليهم‌السلام ) في كلِّ عصر ومصر، وحتّى أصبحت الشيعة مرمى لكلّ ظالم وغاشم إلى هذه الأيام.

وقد ذكر ابن كثير حادثة صريحة في هذه الحقيقة المغفولة، قال في أحداث سنة ٢٨٧ :

____________________

(١) وفي الطبري وكثير من المصادر : زينب بنت أبي سلمة.

(٢) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ١٦٥، ط منشورات الشريف الرضي.


[ . .] وقد كان محمّد بن زيد هذا فاضلاً ديّناً حسن السّيرة فيما وليه مِن تلك البلاد، وكان فيه تشيّع تقدّم إليه يوماً خصمان اسم أحدهما معاوية واسم الآخر علي، فقال محمّد بن زيد : إنّ الحكم بينكما ظاهر فقال معاوية : أيّها الأمير، لا تغترن بنا ؛ فإنّ أبي كان مِن كبار الشيعة وإنّما سمّاني معاوية مداراة لمَنْ ببلدنا مِن أهل السنة وهذا كان أبوه مِن كبار النّواصب فسمّاه عليّاً تقاةً لكم فتبسّم محمّد بن زيد وأحسن إليهما(١) .

وقد جاء في هذا ما روي عن الإمام الرضا (عليه‌السلام ) - مِن طرق الشيعة - أنّه أمر أحد أصحابه بأنْ يُسمّي ابنه بعمر ؛ لكي يدفع عنه توهّم أنّه شيعي فقط، وما ذلك إلّا للحفاظ عليهم.

قال ابن حمزة الطوسي (رحمه‌الله ) : عن أحمد بن عمر قال : خرجت إلى الرضا (صلوات الله عليه) وامرأتي بها حَبَل، فقلت له : إنّي خلّفت أهلي وهي حامل، فادعُ الله أنْ يجعله ذكراً فقال لي : (( وهو ذَكَرٌ، فسمّه عمر )) فقلتُ : نويت أنْ اُسمّيه عليّاً، وأمرت الأهل به ! قال : (( سمّه عمرَ )) فوردتُ الكوفة وقد ولد لي ابن وسُمّي عليّاً فسمّيتُه عمراً، فقال لي جيراني : لا نصدّق بعدها بشيء ممّا كان يُحكى عنك فعلمت أنّه كان أنظر لي مِن نفسي(٢) .

____________________

(١) البداية والنهاية - ابن كثير ١١ / ٩٥.

(٢) الثاقب في المناقب - ابن حمزة الطوسي / ٢١٤، الخرائج والجرائح - قطب الدين الراوندي ١ / ٣٦٢، بحار الأنوار - العلّامه المجلسي ٤٩ / ٥٢، مدينة المعاجز - السيّد هاشم البحراني ٧ / ٢٣٧، الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ٢ / ١٩٧، مسند الإمام الرضا (عليه‌السلام ) - الشيخ عزيز الله العطاردي ١ / ٢٤٩، منتهى الآمال - الشيخ عبّاس القمي (أعلى الله مقامه) ٢ / ٤٣٧ في دلائل ومعاجز الإمام الرضا (عليه‌السلام ).


الخلافُ بين أهل البيت (عليهم‌السلام ) وبين الخلفاءِ، من مورث أهل الخلاف

والشيء الجدير بالذكر والمهم هو أنّ البغض والكُرْه والمشاحنات ممّن تولّى الخلافة إلى بني العبّاس تجاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته (عليهم‌السلام )، فضلاً عن شيعتهم، أثبتها الموروث التاريخي لأهل الخلاف فضلاً عن الموروث الشيعي.

فمِن قضية مَنْ قال لنبي الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : إنّه ليهجر !! ومَنْ ماتت الزهراء (عليها‌السلام ) وهي واجدة عليهما، وغير ذلك ممّا جرى عليهم (صلوات الله عليهم أجمعين) يبيِّن ذلك فعلى هذا كيف يتّهم الشيعة باختلاق هذه الخلافات ؟! فأذكر للقارئ شيئاً مِن تلك المثالب والاختلافات تجاه أهل البيت (عليهم‌السلام ) مِن مصادر القوم ؛ ليكون على بصيرة مِن أمره.

تعدّيهم على أمير المؤمنين (عليه‌السلام )

قال سبط ابن الجوزي : وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب سرّ العالمين، وكشف ما في الدارين ألفاظاً تشبه هذا، فقال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لعلي يوم غدير خُم(١) : (( مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه )) فقال عمر بن الخطاب : بخٍ بخٍ يا أبا الحسن ! أصبحت مولاي ومولى كلِّ مؤمن ومؤمنة قال : وهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثمّ بعد هذا غلب الهوى حُبّاً للرياسة، وعقد البنود، وخفقان الرايات، وازدحام الخيول في فتح الأمصار، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون.

قال : لـمـَّا مات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

(١) وهذا موجز لما جرى بعد السقيفة، وسيأتي تفصيله عن الطبري، وابن قتيبة الدينوري، وابن عبد ربّه الأندلسي، والبلاذري، واليعقوبي، وغيرهم في الهجوم على بيت فاطمة (عليها‌السلام )، وغيرها مِن الأحداث.


قال قبل وفاته بيسير : (( ائتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتاباً لا تختلفوا فيه بعدي )) فقال عمر : دعوا الرجل فإنّه ليهجر !!(١) .

مَنْ آذى فاطمة وعليّاً (عليهما‌السلام ) فقد آذى الله ورسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

روى البخاري في صحيحه، قال : حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة : أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( فاطمة بضعة منِّي، فمَنْ أغضبها أغضبني ))(٢) .

وقال الحاكم النيسابوري : (حدّثنا) أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفّان العامري، (وأخبرنا) محمّد بن علي بن دحيم بالكوفة، ثنا أحمد بن حاتم بن أبي غرزة، (قال) : ثنا عبد الله محمّد بن سالم، ثنا حُسين بن زيد بن علي، عن عمر بن علي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن الحُسين، عن أبيه، عن علي (رضي‌الله‌عنه ) قال : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لفاطمة (عليها‌السلام ) : إنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك )) هذا حديث صحيح الإسناد ولمْ يخرجاه(٣) .

وقال الهيثمي : وعن عليٍّ (عليه‌السلام ) : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : إنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك )) رواه الطبراني وإسناده حسن(٤) .

____________________

(١) تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٦٤، منشورات الشريف الرضي.

(٢) صحيح البخارى ٤ / ٢١٠، وفي ط ص١٣٦١ رقم الحديث ٣٥٤١.

(٣) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٥٣.

(٤) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ٢٠٣، وفي ط ص٣٢٨.


وقال الحاكم النيسابوري : (أخبرني) محمّد بن أحمد بن تميم القنطري، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن المؤمل، حدّثني أبو بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن أبيه قال : جاء رجل من أهل الشام فسبَّ عليّاً عند ابن عبّاس، فحصبه ابن عبّاس، فقال : يا عدوَّ الله، آذيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُم اللَّهُ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مهِيناً ) (١) لو كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حيّاً لآذيته هذا حديث صحيح الإسناد ولمْ يخرجاه(٢) .

وروى الحاكم النيسابوري : (حدّثنا) أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا محمّد بن خالد الوهبي، ثنا محمّد بن إسحاق، (وأخبرناه) أحمد بن جعفر البزّار، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن محمّد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الفضل بن معقل بن يسار، عن عبد الله بن نيار الأسلمي، عن عمرو بن شاس الأسلمي - وكان من أصحاب الحديبيّة -، قال : خرجنا مع علي (رضي‌الله‌عنه ) إلى اليمن، فجفاني في سفره ذلك حتّى وجدتُ في نفسي، فلمـَّا قدمت أظهرتُ شكايته في المسجد حتّى بلغ ذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

قال : فدخلتُ المسجد ذات غداة ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في ناس مِن أصحابه، فلمـَّا رآني أبدني عينيه قال : حدّد إليَّ النظر، حتّى إذا جلست قال : (( يا عمرو، أما والله لقد آذيتني )) فقلتُ : أعوذ بالله أن اُوذيك يا رسول الله ! قال :

____________________

(١) سورة الأحزاب / ٥٧.

(٢) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٢١.


(( بلى مَنْ آذى عليّاً فقد آذاني )) هذا حديث صحيح الإسناد ولمْ يخرجاه(١) .

قال الهيثمي : وعن عمرو بن شاس الأسلمي - وكان من أصحاب الحديبية - قال : خرجت مع عليٍّ (عليه‌السلام ) إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك حتّى وجدت في نفسي عليه، فلمـَّا قدمت المدينة أظهرت شكايته في المسجد حتّى سمع بذلك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فدخلت المسجد ذات غداة ورسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جالس في ناس من أصحابه، فلمـَّا رآني أمدَّ لي عينيه - يقول : حدّد إليَّ النظر - حتّى إذا جلست قال : (( يا عمرو، والله لقد آذيتني )) قلت : أعوذ بالله مِن أذاك يا رسول الله ! قال : (( بلى مَنْ آذى عليّاً فقد آذاني )) رواه أحمد والطبراني باختصار، والبزّار أخصر منه، ورجال أحمد ثقات(٢) .

قال الهيثمي : وعن أبي رافع قال : بعث رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عليّاً أميراً على اليمن، وخرج معه رجل مِن أسلم يُقال له : عمرو بن شاس، فرجع وهو يذم عليّاً ويشكوه، فبعث إليه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقال : (( اخسأ يا عمرو ! هل رأيتَ مِنْ عليٍّ جوراً في حكمه أو أثرة في قسمه ؟ )) قال : اللهمَّ لا قال : (( فعلامَ تقول الذي بلغني ؟ )) قال : بغضه لا أملك.

قال : فغضب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى عرف ذلك في وجهه، ثمّ قال : (( مَنْ أبغضه فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغضَ الله، ومَنْ أحبَّه فقد أحبَّني، ومَنْ أحبَّني فقد أحبَّ الله تعالى )). رواه البزّار، وفيه رجال وُثّقوا على

____________________

(١) المستدرك - الحاكم النيسابوري ٣ / ١٢٢.

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٢٩.


ضعفهم(١) .

وبهذا لا يختلف اثنان في أنّ مَنْ آذى عليّاً وفاطمة فقد آذى الله ورسوله، والله يغضب لغضب عليٍّ وفاطمة ويرضى لرضاهما وهناك المزيد مِن الروايات الكثيرة الصحيحة تدلّ على هذا المضمون.

بعضُ الصحابة آذوا السيدة فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين (عليهما‌السلام )

قال البخاري : حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) بنت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقى مِن خمس خيبر، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال : (( لا نورّث ما تركنا صدقة(٢) ، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال )) وإنّي والله، لا اُغيّر شيئاً مِن صدقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلمْ تكلّمه حتّى توفيت . إلخ(٣)(*) .

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٢٩.

(٢) يأتي الكلام - في الهامش - في حديث : ( نحن معاشر الأنبياء ).

(٣) صحيح البخارى ٥ / ٨٢.

(*) ( فدك وما يدور حولها ) : =


____________________

= لا يخفى أنّ فدكاً ذات أهمية خطيرة لكونها - مثلاً - مِن مصادر الدخل المهم، حتّى صرّحت بعض الأخبار بأنّ اعتماد الخلافة التي نصبت نفسها بعد رحيل الرسول الأعظم محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عليها، كما يأتي في تمزيق عمر بن الخطاب كتاب فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ).

فالكلام يقع في ما جاءت به فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (سلام الله عليها) لإثبات حقِّها، ويتلخّص إثباته بدعويين :

الاُولى : دعوى النّحلة والعطية من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها.

الثانية : دعوى الإرث، وهي في طول الدعوى الاُولى.

الدعوى الاُولى ودليلها :

فقد استُدل بروايات مستفيضة في نحلة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدكاً لفاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) قال جلال الدين السيوطي في - الدر المنثور ٤ / ١٧٧ : وأخرج البزّار، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري (رضي‌الله‌عنه ) قال : لمـَّا نزلت هذه الآية :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (سورة الإسراء / ٢٦)، دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة فأعطاها فدكاً.

وقال أيضاً : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عبّاس (رضي‌ الله‌ عنهما) قال : لـمـَّا نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، أقطع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) فدكاً.

وقال أبو يعلي الموصلي في مسند أبي يعلى ٢ / ٣٣٤ : ١٠١ (١٠٧٥) - قرأت على الحُسين بن يزيد الطحان هذا الحديث، فقال : هو ما قرأت على سعيد بن خثيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد قال : لمـَّا نزلت هذه الآية :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، دعا النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) وأعطاها فدكاً.

وقال الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١ / ٤٤٢ : حدّثني أبو الحسن الفارسي، قال : حدّثنا الحُسين بن محمّد الماسرجسي، قال : حدّثنا جعفر بن سهل ببغداد، قال : حدّثنا المنذر بن محمّد القابوسي، قال : حدّثنا أبي، قال : حدّثنا عمِّي عن أبيه، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّد (عليه‌السلام )، عن أبيه (عليه‌السلام )، عن علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، عن أبيه (عليه‌السلام )، عن عليٍّ (عليه‌السلام ) قال : (( لمـَّا نزلت : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، دعا رسول الله فاطمة (عليها‌السلام ) فأعطاها فدكاً )) =


____________________

= وقال الحاكم الحسكاني أيضاً في شواهد التنزيل ١ / ٤٤١ : أخبرنا أبو سعد السعدي، بقراءتي عليه في الجامع مِن أصل سماعه، قال : أخبرنا أبو الفضل الطوسي، قال : أخبرنا أبو بكر العامري، قال : أخبرنا هارون بن عيسى، قال : أخبرنا بكار بن محمّد بن شعبة، قال : حدّثني أبي، قال : حدّثني بكر بن الأعتق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال : لـمـَّا نزلت على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، دعا فاطمة (عليها‌السلام ) فأعطاها فدكاً والعوالي، وقال: (( هذا قسمٌ قسمه الله لك ولعقبك )).

وقال أيضاً في شواهد التنزيل ١ / ٤٤٠ : أخبرنا زكريا بن أحمد، بقراءتي عليه في داري من أصل سماعه، [ قال : أخبرنا ] محمّد بن الحُسين بن النخاس ببغداد، قال : حدّثنا عبد الله بن زيدان، قال : حدّثنا أبو كريب، قال : حدّثنا معاوية بن هشام القصّار، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال : لمـَّا نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) فأعطاها فدكاً.

وقال أيضاً في شواهد التنزيل ١ / ٤٣٩ : أخبرنا أبو يحيى الخوري وأبو علي القاضي، قالا : أخبرنا محمّد بن نعيم، قال : أخبرنا أبو حامد أحمد بن إبراهيم الفقيه، قال : أخبرنا صالح بن أبي رميح الترمذي سنة خمس وعشرين وثلاثمئة، قال : حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن أبي خيثمة، قال: حدّثنا عبّاد بن يعقوب، قال : حدّثني علي بن هاشم، عن داود الطائي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال : لـمـَّا نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) فأعطاها فدكاً ورواه أيضاً بطريق آخر عن أبي سعيد، وعن ابن عبّاس، راجع شواهد التنزيل.

وفي مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٤٩ : عن أبي سعيد، قال : لـمـَّا نزلت( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) فأعطاها فدكاً رواه الطبراني، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف متروك، انتهى.

أقول : وعطية معتبر، فقد قال فيه العجلي في معرفة الثقات ٢ / ١٤٠ : عطية العوفي كوفي تابعي ثقة وليس بالقوي وقال ابن شاهين أبو حفص الواعظ في تاريخ أسماء الثقات ١ / ١٧٢، وفي ط ص٢٤٧ : عطية العوفي ليس به بأس، قاله يحيى وقال فيه يحيى بن معين في كتاب من كلام أبي زكريا في الرجال ١ / ٨٤ : عطية العوفي ليس به بأس، قيل : يُحتجّ به، قال : ليس =


____________________

= به بأس وقال فيه أيضاً في تاريخ ابن معين (رواية الدوري) ٣ / ٥٠٠ : سمعت يحيى يقول: عطية العوفي هو عطية الجدلي، قيل ليحيى : كيف حديث عطية ؟ قال : صالح.

وهذا ما جاء في الآية من سورة الإسراء، وجاء أيضاً في تفسير آية اُخرى من سورة الروم، قال الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ١ / ٥٧٠ : [ ١٢٤ ] ومن سورة الروم [أيضاً نزل] فيها قوله تعالى :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ) (سورة الروم / ٣٨).

٦٠٨ - أخبرنا عقيل بن الحُسين، قال : أخبرنا علي بن الحُسين، قال : حدّثنا محمّد بن عبيد الله، قال : حدّثنا أبو مروان عبد الملك بن مروان قاضي مدينة الرسول بها سنة سبع وأربعين وثلاثمئة، قال : حدّثنا عبد الله بن منيع، قال : حدّثنا آدم، قال : حدّثنا سفيان، عن واصل الأحدب، عن عطاء، عن ابن عبّاس قال : لمّا أنزل الله :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ) ، دعا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة (عليها‌السلام ) وأعطاها فدكاً ؛ وذلك لصلة القرابة.

والمسكين : الطوّاف الذي يسألك، يقول : أطعمه وابن السبيل : وهو الضيف، حثّ على ضيافته ثلاثة أيّام، وإنّك يا محمّد إذا فعلت هذا فافعله لوجه الله وأولئك هم المفلحون : يعني أنت ومَنْ فعل هذا مِن النّاجين في الآخرة مِن النّار، الفائزين بالجنة.

وقد أستشكل ابن كثير - على عادته في روايات حقوق أهل البيت (عليهم‌السلام ) أو فضائلهم، وتشمير ساعديه لنصرة أعدائهم - على هذه الروايات بأنّها لا تصحّ ؛ لأنّ هذه الآية مِن سورة الإسراء، وسورة الإسراء مكّيّة، وفدك لمْ تكن عند المسلمين إلّا بعد الهجرة إلى المدينة ؟

أقول : لا مانع من كون السورة مكّية وهي تشتمل على آيات مدنيّة، وسبب ذلك جمع القرآن ؛ وأمّا تسميتها مكّية فهو بالنظر إلى أغلب آياتها، وهذا ما ثبت في هذه السورة بالفعل، فقد صرّح الم-فسّرون بأنّ بعض آيات هذه السّورة مدنية، فبعضهم قال : آيتان، كما في تفسير روح المعاني، والبعض الآخر قال : ثمان آيات، كما هو في تفسير البيضاوي، وبعضهم ذكر غير ذلك فكون السورة مكّية لا يلزم منه أنْ تكون هذه الآية مكّية ؛ لأنّ تسمية السّورة بمكية أو بمدنية بلحاظ الغالب، فهذا إشكال مردود على صاحبه.

وأيضاً ممّا يدلّ على أنّ فدكاً كانت تحت يد فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) هو ما قاله عبد الحميد المعتزلي في شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ١٦ / ٢٠٧ : =


____________________

= الأصل : (( بلى كانت في أيدينا فدك مِن كلِّ ما أظلّته السّماء، فشحّت عليها نفوسُ قومٍ وسخت عنها نفوسُ آخرين، ونِعْمَ الحكم الله وما أصنع بفدكٍ وغيرِ فدك، والنفس مظانّها في غدٍ جدَث، تنقطع في ظلمته آثارُها وتغيب أخبارُها، وحفرة لو زيد في فسحتها، وأوسعت يدا حافرها، لأضغطها الحجرُ والمدرُ، وسدّ فرجَها التراب المتراكم، وإنّما هي نفسي اُروّضها بالتّقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق )).

الشرح : الجَدَث : القبر وأضغطها الحجر : جعلها ضاغطة، والهمزة للتعدية، ويُروى : (وضغطها) وقوله : (مظانّها في غدٍ جدث)، المظانّ : جمع مظنّة، وهو موضع الشيء وما لفّه الذي يكون فيه، قال :

فإنْ يكُ عامرٌ قد قال جهلاً

فإنّ مظنةَ الجهلِ الشبابُ

يقول : لا مال لي ولا اقتنيتُ فيما مضى مالاً، وإنّما كانت في أيدينا فدك فشحّت عليها نفوسُ قومٍ، أي بخلت وسخت عنها نفوس آخرين، أي سامحت وأغضت، وليس يعنى هاهنا بالسّخاء إلّا هذا، لا السّخاء الحقيقي ؛ لأنّه وأهله (عليهم‌السلام ) لمْ يسمحوا بفدك إلّا غصباً وقسراً، وقد قال هذه الألفاظ في موضع آخر فيما تقدّم، وهو يعنى الخلافة بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

وممّا يدلّ على أنّها ملك لهم (عليهم‌السلام ) روايات ردّ أبي بكر لهذه الدعوى بعدم تماميّة نصاب الشهادة.

وفي فتوح البلدان ١ / ٣٥، روى البلاذري قال : وحدّثنا عبد الله بن ميمون المكتب، قال : أخبرنا الفضيل بن عياض، عن مالك بن جعونة، عن أبيه قال : قالت فاطمة (عليها‌السلام ) لأبي بكر : (( إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جعل لي فدكاً فأعطني إيّاها )) وشهد لها عليُّ بن أبي طالب، فسألها شاهداً آخر، فشهدت لها اُمّ أيمن، فقال : قد علمتِ يا بنت رسول الله أنّه لا تجوز إلّا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين فانصرفت.

وفي فتوح البلدان ١ / ٣٥ أيضاً، روى البلاذري قال : وحدّثني روح الكرابيسي، قال : حدّثنا زيد بن الحباب، قال : أخبرنا خالد بن طهمان، عن رجل حسبه روح جعفر بن محمّد : أنّ فاطمة ( رضي‌ الله ‌عنها ) قالت لأبي بكر الصديق (رضي‌الله‌عنه ) : (( أعطني فدكاً، فقد جعلها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لي )) فسألها البيّنة، فجاءت باُمِّ أيمن ورباح مولى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فشهدا لها بذلك، فقال : إنّ هذا الأمر لا تجوز فيه إلّا شهادة رجل وامرأتين =


____________________

= وروى اليعقوبي في تاريخه ٢ / ٤٦٩، قال : ورفع جماعة مِن ولد الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) إلى المأمون يذكرون أنّ فدكاً كان وهبها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لفاطمة (عليها‌السلام )، وأنّها سألت أبا بكر دفعها إليها بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فسألها أنْ تُحضرَ على ما ادّعت شهوداً، فأحضرت عليّاً والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) واُمّ أيمن . إلخ.

وقد روى أيضاً عمر بن شبة النمير الحافظ الحجّة الثّقة ( كما في تذكرة الحفّاظ - الذهبي ٢ / ٥١٦، وفي سير أعلام النبلاء - الذهبي ١٢ / ٣٦٩ ) في تاريخ المدينة ١ / ١٩٩، قال : حدّثنا محمّد بن عبد الله بن الزبير، قال : حدّثنا فضيل بن مرزوق، قال : حدّثني النميري بن حسان، قال : قلت لزيد بن علي (رحمة الله عليه)، وأنا اُريد أنْ أهجن أمر أبي بكر : إنّ أبا بكر (رضي‌الله‌عنه ) انتزع مِن فاطمة (رضي‌ الله ‌عنها) فدكاً فقال : إنّ أبا بكر (رضي‌الله‌عنه ) كان رجلاً رحيماً، وكان يكره أنْ يغيّر شيئاً تركه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأتته فاطمة (رضي ‌الله‌ عنها) فقالت : (( إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطاني فدكاً )) فقال لها : هل لك على هذا بيّنة ؟ فجاءت بعلي (رضي‌الله‌عنه ) فشهد لها، ثمّ جاءت باُمِّ أيمن فقالت : أليس تشهد أنّي مِن أهل الجنة ؟ قال : بلى - قال أبو أحمد : يعني أنّها قالت ذاك لأبي بكر وعمر (رضي ‌الله‌ عنهما ) - قالت : فأشهدُ أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطاها فدكاً فقال أبو بكر (رضي‌الله‌عنه ) : فبرجل وامرأة تستحقّينها، أو تستحقّين بها القضية ؟

قال زيد بن علي : وأيم الله، لو رجع الأمر إليَّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر (رضي‌الله‌عنه ) انتهى كلام ابن عساكر.

أقول : مثل زيد بن علي (عليه‌السلام ) العالم بمقام اُمّه فاطمة (عليها‌السلام ) بأنّها سيّدة نساء العالمين، وروح النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التي بين جنبيه، والتي يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، و . و . - لا يصدر منه ذلك، وإلّا لكان رادّاً - والمستجار بالله - لما ثبت صحيحاً مِن عصمتها عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كهذه الأحاديث وغيرها.

وقال السرخسي في المبسوط ١٢ / ٢٩ : (واستدلّ) بعض مشايخنا (رحمهم‌الله ) بقوله (عليه الصلاة والسّلام) : (( إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة )) فقالوا : معناه ما تركنا صدقة لا يورّث ذلك عنَّا، وليس المراد أنّ أموال الأنبياء (عليهم الصلاة والسّلام) لا تُورّث، وقد قال الله تعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ( سورة النمل / ١٦) =


____________________

= وقال تعالى :( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)(سورة مريم / ٥ - ٦ ) فحاشا أنْ يتكلّم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخلاف المنزل، فعلى هذا التأويل في الحديث بيان أنّ لزوم الوقف من الأنبياء (عليهم الصلاة والسّلام) خاصة ؛ بناءً على أنّ الوعد منهم كالعهد مِن غيرهم.

ولكنْ في هذا الكلام نظر، فقد استدلّ أبو بكر (رضي‌الله‌عنه ) على فاطمة (رضي ‌الله‌ عنها ) حين ادّعت فدكاً بهذا الحديث على ما روي أنّها ادّعت أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهب فدكاً لها، وأقامت رجلاً وامرأة، فقال أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) : ضمّي إلى الرجل رجلاً، أو إلى المرأة امرأة، فلمـَّا لمْ تجد ذلك جعلت تقول : (( مَنْ يرثُك ؟ )) فقال أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) : أولادي فقالت فاطمة (رضي الله تعالى عنها) : (( أيرثُكَ أولادُك ولا أرث أنا مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! )) فقال أبو بكر (رضي‌الله‌عنه ) : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( إنّا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة )) فعرفنا أنّ المراد بيان أنّ ما تركه يكون صدقة ولا يكون ميراثاً عنه، وقد وقعت الفتنة بين الناس بسبب ذلك، فتَرْك الاشتغال به أسلم.

مناقشة ردّ أبي بكر

أقول :

أوّلاً : وهل مثلُ فاطمة (عليها‌السلام ) تُطالَب بالبيّنة ؟! فإذا كانت فاطمة (عليها‌السلام ) هي عند الله صادقة، وعند رسوله صادقة، وعند جميع المسلمين صادقة، فلماذا يُطلَب منها البيّنة ؟! إذ هي ممّن نزلت فيهم آية التطهير، وهي سيّدة النّساء، وهي ممّن يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وهي بضعة النّبي وروحه التي بين جنبيه، وهي التي أذيّتها أذيّة أشرف خلق الله النّبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فمَنْ كانت هذه حالها يُطلب منها البيّنة ؟! وهل يطلب البيّنة مؤمنٌ برسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! فكذلك المؤمن به (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبما جاء به لا يطلب البيّنة مِن سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ).

فهل كان ذو الشهادتين ذا شهادتين إلّا بشهادته للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ وذلك لاعتقاده عدم صدور الخطأ من النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في دعواه ؛ ولأنّ دعواه حقّ لا ريب فيها، وإلّا لكان مكذّباً بالقرآن والسُنّة، فكذلك ردُّ فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، بمعنى أنّ مَنْ عُلِمَ أنّ الحقَّ معه بعلمٍ يقينٍ، بأدلّة شرعيّة كالقرآن وأقوال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في صدقه، لا يحتاج إلى أمارة ظنّية ؛ إذ ليس بعد الحقّ إلّا الضلال =


____________________

= وكذا مَنْ ردّ شهادة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وإلّا كيف كان القرآن مع عليٍّ وعليٌّ مع القرآن، وكيف كان الحقُّ مع علي وعليٌّ مع الحقّ، كما ثبت صحيحاً.

فقد روى اليعقوبي في تاريخه ٢ / ٤٦٩، ما يبيِّن شيئاً مِن هذه الحقيقة، قال : ورفع جماعة مِن ولد الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) إلى المأمون يذكرون أنّ فدكاً كان وهبها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لفاطمة (عليها‌السلام )، وأنّها سألت أبا بكر دَفْعَها إليها بعد وفاة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فسألها أنْ تُحضر على ما ادّعت شهوداً، فأحضرت عليّاً والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) واُمّ أيمن، فأحضر المأمون الفقهاء، فسألهم عن . .، رووا أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) قد كانت قالت هذا، وشهد لها هؤلاء، وأنّ أبا بكر لم يجز شهادتهم.

فقال لهم المأمون : ما تقولون في اُمّ أيمن ؟ قالوا : امرأة شهد لها رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بالجنّة فتكلّم المأمون بهذا بكلام كثير ونصفهم إلى أنْ قالوا : إنّ عليّاً والحسن والحُسين (عليهم‌السلام ) لمْ يشهدوا إلّا بحقّ، فلمـَّا أجمعوا على هذا ردّها على ولد فاطمة (عليها‌السلام ) وكتب بذلك، وسُلّمت إلى محمّد بن يحيى بن الحُسين بن زيد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، ومحمّد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام ).

ثانياً : المنصف الذي يعلم بمقام فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) وبعلمها وعلم زوجها أمير المؤمنين وأبنيها (عليهم‌السلام )، يعلم أنّ في المقام نقاطَ فراقٍ لمْ تتمّ بعدُ، إذ كيف تخفى على خاصّة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - ومَنْ جعلهم الله أصحاب مقامات شامخة ككون فاطمة الزهراء روحه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التي بين جنبية، وعلي (عليه‌السلام ) أخوه وباب مدينة علمه و . و . و . - اُمور الدعوى ! ألمْ تكن اليد أمارة الملكية ؟! وهذه فدك تحت يدي فاطمة (عليها‌السلام )، فهلاّ أقام المقابل لصاحب اليد على دعواه البيّنة ؟ وإذا لمْ تكن له بيّنة وجًّه لصاحب اليد القسم، أكلُّ هذا - والعياذ بالله - جهل منهم بأحكام الشريعة ؟!

فإنْ قلتَ : كيف تكون فدك ملكاً لفاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) وهي تطلبها من أبي بكر، فلو كانت م-لكاً لها وتحت يديها لما طالبت بها، فمطالبتها دليل على عدم ملكيتها ؟

والجواب : إنّ فدكاً ليست بقطعة ذهب حتّى لا تُغصب ويستولى عليها إلّا بالمشقة، بل هي أرض في معرض الغصب والأخذ والاستيلاء والسلطنة عليها بالقوّة والقهر والغلبة، وأيضاً فدكاً لها مدخول عظيم، وهذا المدخول مِن الأموال منع أبو بكر وصوله لفاطمة الزهراء (عليها‌السلام ).

وفي الواقع هذا إشكال لا أدري كيف ذكره الذهبي حتّى أراد أنْ يبطل حديثاً لمجرد أنّ فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) =


____________________

= طالبت، والمطالبة دليل عدم الملكية ؟! فعلى هذا يكون طلب المالك لماله مـمّن غصبه منه دليل على عدم ملكيته ؟! وهذه بيّنة ما بعدها بيَّنة !!

وقد جاء في روايتنا أنّ أبا بكر استولى على فدك، وأخرج وكيل السيّدة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) من فدك، ففي تفسير القمّي - علي بن إبراهيم القمي ٢ / ١٥٥، وغيره، مثل الاختصاص للشيخ المفيد / ١٨٣، والاحتجاج، واللفظ لعلي بن إبراهيم (رحمه‌الله ) قال :

حدّثني أبي، عن ابن أبي عُمير، عن عثمان بن عيسى وحمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام ) قال : (( لـمّا بُويع لأبي بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار، بعث إلى فدك فأخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منها، فجاءت فاطمة (عليها‌السلام ) إلى أبي بكر، فقالت : يا أبا بكر، منعتني عن ميراثي مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأخرجت وكيلي مِن فدك، وقد جعلها لي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأمر الله ! فقال لها : هاتي على ذلك شهوداً.

فجاءت باُمِّ أيمن، فقالت : لا أشهد حتّى احتجّ - يا أبا بكر - عليك بما قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقالت : أنشدك الله، ألست تعلم أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : إنّ اُمّ أيمن مِن أهل الجنة ؟ قال : بلى قالت : فأشهد أنّ الله أوحى إلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) فجعل فدكاً لفاطمة بأمر الله.

وجاء عليٌّ (عليه‌السلام ) فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً بفدك ودفعه إليها، فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب ؟ فقال أبو بكر : إنّ فاطمة ادّعت في فدك، وشهدت لها اُمّ أيمن وعلي فكتبتُ لها بفدك فأخذ عمر الكتاب مِن فاطمة فمزّقه، وقال : هذا فيء المسلمين وقال : أوس بن الحدثان وعائشة وحفصة يشهدونَ على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأنّه قال : إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة ؛ فإنّ عليّاً زوجها يجرُّ إلى نفسه، واُمّ أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه.

فخرجت فاطمة (عليها‌السلام ) مِن عندهما باكية حزينة، فلمـَّا كان بعد هذا جاء علي (عليه‌السلام ) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار، فقال : يا أبا بكر، لِمَ منعت فاطمة ميراثها مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وقد ملكته في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟ فقال أبو بكر : هذا فيء المسلمين، فإنْ أقامت شهوداً أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جعله لها وإلّا فلا حقَّ لها فيه فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) : يا أبا بكر، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟ قال : لا قال : فإنْ كان في يد المسلمين شيء يملكونه ادّعيتُ أنّا فيه مَنْ تسأل البيّنة ؟ قال : إيّاك كنت أسأل البيّنة على ما تدّعيه على المسلمين قال : فإذا كان في يدي شيء وادّعى فيه المسلمون فتسألني البيّنة على ما في يدي وقد ملكتُهُ في حياة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبعده، ولم تسأل المسلمين البيّنة على ما ادّعوا عليَّ =


____________________

= شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليهم ! فسكت أبو بكر، ثمّ قال عمر : يا علي، دعنا مِن كلامك فإنّا لا نقوى على حججك، فإنْ أتيت بشهودٍ عدول وإلّا فهو فيء المسلمين، لا حقَّ لك ولا لفاطمة فيه.

فقال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) : يا أبا بكر، تقرأ كتاب الله ؟ قال : نعم قال : فأخبرني عن قول الله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُم- الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (سورة الأحزاب / ٣٣) فيمن نزلت، أفينا أم في غيرنا ؟ قال : بل فيكم قال : فلو أنّ شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة ما كنتَ صانع ؟ قال : كنتُ اُقيم عليها الحد كما اُقيم على سائر المسلمين قال : كنت إذاً عند الله مِن الكافرين قال : ولِمَ ؟ قال : لأنّك ردَدْتَ شهادة الله لها بالطهارة وقبلت شهادة النّاس عليها، كما ردَدْتَ حكم الله وحكم رسوله أنْ جعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها فدكاً وقبضته في حياته، ثمّ قبلت شهادة أعرابي - بايل على عقبه - عليها، فأخذت منها فدكاً وزعمت أنّه فيء المسلمين، وقد قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : البيّنة على مَنْ ادّعى، واليمين على مَنْ ادُّعي عليه.

قال : فدمدم النّاس وبكى بعضهم، فقالوا : صدق والله، عليٌّ (عليه‌السلام ) ورجع عليٌّ (عليه‌السلام ) إلى منزله )).

ثالثاً : في المقام تمويه وإخفاء للحقّ ؛ إذ في الروايات المتقدّمة أكثر مِن شاهد على إعطاء فدك لفاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، مثل ابن عبّاس وأبي سعيد الخدري، زيادة على الشهود المذكورين، فأين هؤلاء ؟! ألم يعلم بهم أبو بكر ولو بعد حين، أم في المقام أشياء اُخفيت علينا أم خفيت ؟!

رابعاً : بالنسبة للمخالفين، لماذا لم يعتبروا بهذه الروايات التي فيها أدّعت فاطمة (عليها‌السلام )، وشهد لها الإمام علي والحسنان (عليهم‌السلام )، واُمّ أيمن (رضوان الله عليها) ؟! على أنّهم على أقل تقدير رواة، فمِن حيث إنّ فاطمة (عليها‌السلام ) تدّعي أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطاها فدكاً فهي تروى ذلك عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وكذا الإمام علي (عليه‌السلام ) مِن حيث إنّه يشهد بأنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطى فاطمة (عليها‌السلام ) فدكاً فهو أيضاً يروي عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ذلك، وكذا الحسنان (عليهما‌السلام ) واُمّ أيمن، فهذه روايات تصرّح بأنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى فاطمة (عليها‌السلام ) فدكاً، فلماذا لمْ يقبل أهل الخلاف هذه الروايات ويردّوا بها دعوى أبي بكر ؟!

فعلى هذا وما تقدّم يوجد عندنا على أقل تقدير سبعة رواة - في قبال أبي بكر - يروون أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قد أعطى فاطمة (عليها‌السلام ) فدكاً =


____________________

= الدعوى الثانية : طلبُ فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) الإرث، وردّ أبي بكر لها بحديث (( . لا نورّث، ما تركنا صدقة )).

قال البخاري : حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) بنت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقى مِن خمس خيبر، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال : (( لا نورّث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمّد في هذا المال )) وإنّي والله، لا اُغيّر شيئاً مِن صدقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأبى أبو بكر أنْ يدفع إلى فاطمة (عليها‌السلام ) منها شيئاً، فوجدت فاطمة (عليها‌السلام ) على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلمْ تكلّمه حتّى توفيت . إلخ.

مناقشة حديث أبي بكر

أقول : التمسّك بظاهر هذا الحديث يلزم منه محاذير لا يمكن الالتزام بها :

الأوّل : أنّه يلزم منه أنْ يكون النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مخالفاً للقرآن ؛ إذ قال عزّ مَن قال :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (سورة الشعراء / ٢١٤) وهو على هذه الرواية لمْ ينذرهم بمثل هذا الحديث حتّى لا يقعوا في خلاف مع غيرهم مِن المسلمين، ولقوله تعالى :( يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (سورة التحريم / ٦).

والشيء الآخر، هذا الحكم - على حسب الفرض - مِن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) خاص بأهل بيته (عليهم‌السلام )، فالمفروض أنْ يبلّغه أهله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا أنْ يبلّغه رجلاً أجنبياً عنهم حتّى يقع هذا الاختلاف بينهم، حتّى صارت المشاحنة بين أهل بيت النّبيِّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبين مَنْ تقمّص الخلافة، بل بين المسلمين حتّى يومنا هذا !

قال السرخسي، في تعرّضه لهذه القضية في المبسوط ١٢ / ٣٠ : . وقد وقعت الفتنة بين الناس بسبب ذلك، فترك الاشتغال به أسلم، انتهى.

وهذا يتنافى مع قوله تعالى :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (سورة الأنبياء / ١٠٧)، فهو (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) رسول رحمة لا رسول - والعياذ بالله - فتنة =


____________________

= فهذا الفعل الذي لا يرضى العاقل منَّا أنْ يُنسب إليه ؛ لِمَا فيه مِن التقصير الذي يستحق فاعله عليه الذّم واللوم، فلا أدري كيف تجرّأ مَنْ تجرأ ونسب هذا الفعل الشنيع إلى أعظم خلق الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟!

الثاني : مخالفة القرآن الكريم ؛ وذلك لاستدلال سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) في خطبتها - التي هي روح النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) التي بين جنبيه - وأيضاً استدلال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وموافقته لها، وهو مَنْ قال فيه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( عليٌّ مع القرآن والقرآن مع عليٍّ )).

فقد روى الحاكم النيسابوري في المستدرك ٣ / ١٢٤، قال : (أخبرنا) أبو بكر محمّد بن عبد الله الحفيد، ثنا أحمد بن محمّد بن نصر، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد الثّقة المأمون، ثنا علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه، قال : حدّثني أبو سعيد التيمي، عن أبي ثابت مولى أبي ذر، قال : كنت مع عليٍّ (رضي‌الله‌عنه ) يوم الجمل، فلمـَّا رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس، فكشف الله عنِّي ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلتُ مع أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فلمـَّا فرغ ذهبت إلى المدينة، فأتيت اُمَّ سلمة فقلتُ : إنّي والله، ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولى لأبي ذر فقالت : مرحباً فقصصت عليها قصّتي، فقالت : أين كنت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قلتُ : إلى حيث كشف الله ذلك عنِّي عند زوال الشمس قالت : أحسنت، سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( عليٌّ مع القران والقرآن مع عليٍّ لن يتفرقا حتّى يردا عليًّ الحوض )) هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء ثقة مأمون، ولمْ يخرجاه.

استدلالُ فاطمة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسّلام) بالآيات

خطبة فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) وأنقلها بعدّة مصادر ؛ لما فيها مِن بيان مظلوميّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) وحال ظالميهم :

روى ابن طيفور - المتوفى سنة ٣٨٠ ه - في بلاغات النساء / ١٢، وفي جواهر المطالب في مناقب آل أبي طالب ١ / ١٥٥، وأعلام النساء ٣ / ١٢٠٨ واللفظ للأوّل، قال : كلام فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، قال أبو الفضل : ذكرت لأبي الحُسين زيد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) كلام فاطمة (عليها‌السلام ) عند منع أبي بكر إيّاها فدكاً، وقلتُ له : إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع، وأنّه مِن كلام أبي العيناء (الخبر منسوق البلاغة على الكلام) فقال لي : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويُعلّمونه أبناءهم، وقد حدّثنيه =


____________________

= أبي عن جدي يبلغ به فاطمة (عليها‌السلام ) على هذه الحكاية.

ورواه مشايخ الشيعة، وتدارسوه بينهم قبل أنْ يولد جدّ أبي العيناء، وقد حدّث به الحسن بن علوان، عن عطية العوفي أنّه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه.

ثمّ قال أبو الحُسين : وكيف يُذكر هذا مِن كلام فاطمة فينكرونه وهم يرون مِن كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب مِن كلام فاطمة (عليها‌السلام ) [ فيحقّقونه ] (١) ، لولا عداوتهم لنا أهل البيت ثمّ ذكر الحديث.

قال : لـمـَّا أجمع أبو بكر (ره) على منع فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدكاً، وبلغ ذلك فاطمة (عليها‌السلام )، لاثت خمارها على رأسها وأقبلت في لـمّةٍ مِن حفدتها تطأ ذيولها، ما تخرم مِن مشية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شيئاً، حتّى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد مِن المهاجرين والأنصار، فنيطت دونها ملاة، ثمّ أنَّت أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء، وارتجّ المجلس، فأمهلت حتّى سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فعاد القوم في بكائهم، فلمـَّا أمسكوا عادت في كلامها، فقالت :( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (٢) فإنْ تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم، فبلغ النذارة صادعاً بالرسالة، مائلاً على مدرجة المشركين، ضارباً لثبجهم، آخذاً بكظمهم، يهشم الأصنام وينكث الهام حتّى هزم الجمع وولوا الدبر، وتعرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وكنتم على شفا حفرة مِن النّار، مذقة الشارب ونهزة الطامع، وقبسة العجلان وموطئ الأقدام، تشربون الطَرَق وتقتاتون الورق، أذلةً خاشعين - وفي جواهر المطالب ١ / ١٥٩: أذلة خاسئين ، تخافون أنْ يتخطّفكم الناس مِن حولكم، فأنقذكم الله برسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد اللُّتيا والتي، وبعد ما منِي ببُهم الرجال وذؤبان العرب ( ومَردة أهل الكتاب )، كلَّما حشوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نَجَمَ قرنٌ للضلال وفغَرَتْ فاغرةٌ مِن المشركين قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بحدّه، مكدوداً في ذات الله، قريباً مِن رسول الله، سيّداً في أولياء الله. وأنتم في بلهنية وادعون آمنون، حتّى إذا أختار الله لنبيه دار أنبيائه، ظهرت خلّة النّفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه مِن مغرزه صارخاً بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرّة فيه =

(١) ورد في المصدر الأساس (يتحققونه) والتغيير من بعض المصادر الاُخرى (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)

(٢) سورة التوبة / ١٢٨.


____________________

= ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم ؛ هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لـمـَّا يندمل بدار - وفي نسخة إنّما ، زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا، وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين.

فهيهات منكم ! وأنّى بكم وأنّى تؤفكون وهذا كتاب الله بين أظهركم ؛ زواجره بيّنة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة ! أرغبة عنه تدبرون، أم بغيره تحكمون ؟ بئس للظالمين بدلاً !( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) (١) ثمّ لمْ تريثوا إلّا ريث أنْ تسكن نغرتها، تشربون حسواً وتسرون في ارتغاء، ونصبر منكم على مثل حزِّ المدى، وأنتم الآن تزعمون إلّا إرث لنا، أفحكم الجاهليّة تبغون ؟ ومَنْ أحسن مِن الله حكماً لقوم يوقنون.

ويهاً معشر المهاجرين ! أاُبتز إرث أبي ؟! أفي الكتاب أنْ ترث أباك ولا أرث أبي ؟! لقد جئت شيئاً فريّاً فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنِعْمَ الحكم الله، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون،( لِّكُلِّ نَبَأ مسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمونَ ) (٢) )).

ثمّ انحرفت إلى قبر النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهي تقول :

قد كان بَعْدَك أنباءٌ وهنبثةٌ

لو كنتَ شاهدَها لم تَكْثُرِ الخطُبُ

إنَّا فقدناك فَقْدَ الأرضِ وابلَها

واختلَّ قومك فاشهدْهم ولا تغبِ (٣)

قال : فما رأينا يوماً كان أكثر باكياً ولا باكية مِن ذلك اليوم.

روى ابن طيفور - أيضاً - في بلاغات النساء / ١٤، وفي جواهر المطالب في مناقب آل أبي طالب ١ / ١٥٧، وأعلام النساء ٣ / ١٢٠٨، واللفظ للأوّل قال : حدّثني جعفر بن محمّد - رجل مِن أهل ديار مصر لقيته بالرافقة -، قال : حدّثني أبي، قال : أخبرنا موسى بن عيسى، قال : أخبرنا عبد الله بن يونس، قال : أخبرنا جعفر الأحمر، عن زيد بن علي (رحمة الله عليه)، عن عمّته زينب بنت الحُسين (عليهما‌السلام )، قالت : لـمـَّا بلغ فاطمة (عليها‌السلام ) إجماع أبي بكر على منعها فدكاً، لاثت خمارها وخرجت في حشدة نسائها ولـمّةٍ مِن قومها، تجر أذراعها، ما تخرم مِن مشية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) شيئاً، حتّى وقفت على أبي بكر، وهو في حشد مِن المهاجرين والأنصار، فأنَّت أنّةً أجهش لها القوم بالبكاء، فلمـَّا سكنت فورتهم، قالت : (( أبدأ بحمد الله - ثمّ أسبلت بينها وبينهم سجفاً -، ثمّ قالت : الحمدُ لله على ما أنعم، والشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم مِن عموم نِعَمٍ ابتدأها،

(١) سورة آل عمران / ٨٥.

(٢) سورة الأنعام / ٦٧.

(٣) لا يخفى ما في البيت من اختلافِ حرف الروي مع ما قبله (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)


____________________

وسبوغ آلاء أسداها، وإحسان مننٍ والاها جمَّ عن الإحصاء عددها، وناءى عن المجازاة أمدها، وتفاوت عن الإدراك آمالها، واستثنِ الشكر بفضائلها، واستحمد إلى الخلائق بأجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها.

وأشهد أنْ لا إله إلّا الله، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنى - في م : وأنار وفي م : وأبان - الفكرة معقولها الممتنع مِن الأبصار رؤيته، ومِن الأوهام الإحاطة به، ابتدع الأشياء لا مِن شيء قبله، واحتذاها بلا مثال لغير فائدة زادته إلّا إظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريته، وإعزازاً لدعوته، ثمّ جعل الثواب على طاعته والعقاب على معصيته؛ ذيادة لعباده عن نقمته، وجياشاً لهم إلى جنّته.

وأشهد أنّ أبي محمّداً عبده ورسوله، اختاره قبل أنّ يجتبله، واصطفاه قبل أنْ ابتعثه، وسمّاه قبل أنْ استنجبه ؛ إذ الخلائق بالغيوب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علماً مِن الله (عزَّ وجلّ) بمآيل الاُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواضع المقدور ابتعثه الله تعالى (عزَّ وجلّ) إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، فرأى (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الاُمم فرقاً في أديانها، عُكفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله (عزَّ وجلّ) بمحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ظلمها، وفرَّج عن القلوب بهمَها، وجلى عن الأبصار غِمَمَها، ثمّ قبض الله نبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قبض رأفة واختيار ؛ رغبة بأبي عن هذه الدار، موضوع عنه العبء والأوزار، محتفٍّ بالملائكة الأبرار، ومجاورة الملك الجبّار، ورضوان الربّ الغفّار صلّى الله على محمّد نبي الرحمة، وأمينه على وحيه، وصفيّه مِن الخلائق، ورضيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ورحمة الله وبركاته.

ثمّ أنتم عباد الله - تريد أهل المجلس - نصْب أمر الله ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الاُمم، [ زعيم حقّ له فيكم، وعهد قدّمه إليكم ](*)، ونحن بقيّة استخلَفَنا عليكم، ومعنا كتاب الله بيّنة بصائره، وآي فينا منكشفة سرائره، وبرهان منجلية ظواهره، م-ديم البريّة أسماعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤدٍّ إلى النّجاة استماعه، فيه بيان حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذّرة، وتبيانه الجالية، وجمله الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، ففرض الله الإيمان تطهيراً لكم مِن الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكِبر، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والزكاة تزييداً في الرزق، والحجّ تسلية للدين، والعدل تنسّكاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً [ للملة ]، وإمامتنا [ أماناً ] مِن الفرقة، وحبُّنا عزاً للإسلام، والصبر منجاة، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعرّضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تعبيراً للنحسة - وفي م : تغييراً للبخسة -، =

(*) ورد في المصدر الأساس : ( زعمتم حقّاً لكم، الله فيكم عهدٌ قدّمه إليكم )، وما أثبتناه من كتاب الاحتجاج للشيخ الطوسي ١ / ١٣٣ (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)


____________________

= والنّهى عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، وقذف المحصنات اجتناباً لللعنة، وترك السّرق إيجاباً للعفّة وحرَّم الله (عزَّ وجلّ) الشرك إخلاصاً له بالربوبية، فاتّقوا الله حقَّ تقاته ولا تموتن إلّا وأنتم مسلمون، وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه ؛ فإنّه إنّما يخشى اللهَ مِن عباده العلماءُ.

ثمّ قالت : أيُّها الناس، أنا فاطمة وأبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أقولها عوداً على بدء، لقد جاءكم رسول مِن أنفسكم، ثمّ ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي (عليه‌السلام ) في رواية أبيه، ثمّ قالت في متّصل كلامها : أفعلى محمّد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (١) وقال الله (عزَّ وجلّ) فيما قصّ مِن خبر يحيى بن زكريا : ربِّ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (٢) وقال (عزَّ ذكره) :( وَاُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ) (٣) وقال :( يُوصِيكُم اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنثَيَيْن ) (٤) وقال:( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمتَّقِين ) (٥) ؟!

وزعمتم أنْ لا حقَّ ولا إرث لي مْن أبي ولا رحم بيننا ! أفخصّكم الله بآية أخرج نبيّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منها ؟! أم تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثون ؟! أو لست أنا وأبي مِن أهل ملّة واحدة ؟! لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه مِن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! أفحكم الجاهليّة تبغون ؟ ومَنْ أحسن مِن الله حكماً لقوم يوقنون اُغلبُ على إرثي جوراً وظلماً !( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٦)

وذكر أنّها لـمـَّا فرغتْ مِن كلام أبي بكر والمهاجرين، عدلت إلى مجلس الأنصار، فقالت : (( معشر البقيّة، وأعضاد الملّة، وحصون الإسلام، ما هذه الغميرة في حقِّي والسِّنة عن ظلامتي ؟! أما قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : المرءُ يُحفظُ في وِلْدِه ؟! سرعان ما أجدبتم فأكديتُم، وعجلان ذا إهالة، تقولون : مات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فخَطْبٌ جليلٌ استوسعَ وهيُه، واستنهر فَتْقُه، وبَعُدَ وقتُه، وأظلمّت الأرضُ لغيبته، واكتأبتْ خيرةُ الله لمصيبته، وخشعت الجبالُ، وأكدت الآمالُ، واُضيع الحريم، واُذيلت الحرمة عند مماته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتلك نازل علينا بها كتاب الله في أفنيتكم، ممساكم ومصبحكم، يهتف بها في أسماعكم، وقبله حلَّت بأنبياء الله (عزَّ وجلّ) ورسله،( وَمَا محمّد إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) (٧)

إيهاً بني قيلة ! أاُهضم تراثُ أبي وأنتم بمرأى ومسمع، تلبسكم الدعوة، وتثملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدّة، ولكم الدار، وعندكم الجنن، =

(١) سورة النمل / ١٦.

(٢) سورة مريم / ٥ - ٦.

(٣) سورة الأنفال / ٧٥.

(٤) سورة النساء / ١١.

(٥) سورة البقرة / ١٨٠.

(٦) سورة الشعراء / ٢٢٧.

(٧) سورة آل عمران / ١٤٤.


____________________

= وأنتم الاُلى نخبة الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسوله، وأهل الإسلام، والخيرة التي أختار لنا أهل البيت، فباديتم العرب، وناهضتم الاُمم، وكافحتم البُهم، لا نبرح نأمركم وتأمرون حتّى دارت لكم بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأنام - وفي جواهر المطالب : ودرّ حلب الأيام -، وخضعت نعرة الشرك، وباخت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الإقدام، وأسررتم بعد الإعلان لقوم نكثوا أيمانهم،( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مؤْمِنِينَ ) (١) ؟!

ألا قد أرى أنْ قد أخلدتُم إلى الخفض، وركنتم إلى الدِّعة، فعجتم عن الدين، وبحجتم الذي وعيتم، ودسعتم الذي سوّغتم،( إِنْ تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) (٢) ألا وقد قلتُ الذي قلتُه على معرفة منِّي بالخذلان الذي خامر صدوركم واستشعَرتهُ قلوبُكم، ولكنْ قلتُه فيضة النّفس، ونفثة الغيظ، وبثّة الصدر، ومعذرة الحجّة فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناكبة الحقّ، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة بـ( نَارُ اللَّهِ الْموقَدَةُ * التي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ) (٣) فبعين الله ما تفعلون،( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٤) وأنا ابنةُ نذيرٍ لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون )).

قال أبو الفضل : وقد ذكر قوم أنّ أبا العيناء ادّعى هذا الكلام، وقد رواه قوم وصحّحوه، وكتبناه على ما فيه.

وفي التذكرة الحمدونيّة - ابن حمدون / ٣٩٦٨، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة، قال : قيل لمّا بلغ فاطمة (عليها‌السلام ) ما أجمع عليه مِن منعها فدكاً، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّةٍ مِن حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، حتّى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد مِن المهاجرين والأنصار ( رضي‌ الله‌ عنهم أجمع ين) وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثمّ أنّت أنّةً أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيهةً، حتّى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بحمد الله، والثّناء عليه، والصلاة على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ثمّ قالت :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (٥) فإنْ تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم، فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة، بالغاً بالرسالة، مائلاً عن سُنن المشركين، ضارباً لثبجهم، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، آخذاً بأكظام المشركين، يهشم الأصنام ويفلق الهام، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدُّبر، وحتى تفرّى الليل عن =

(١) سورة التوبة / ١٣.

(٢) سورة إبراهيم / ٨.

(٣) سورة الهمزة / ٦ - ٧.

(٤) سورة الشعراء / ٢٢٧.

(٥) سورة التوبة / ١٢٨.


____________________

= صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وتمّت كلمة الإخلاص.

وكنتم على شفا حفرة مِن النّار ؛ نهزة الطامع، ومذقة الشارب، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام ؛ تشربون الطَرَق وتقتاتون القَد، أذِلّة خاسئين، تخافون أنْ يتخطفكم الناس مِن حولكم، حتّى أنقذكم الله تعالى برسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد اللتيا والتي، وبعد أنْ مني ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومَرَدة أهل الكتاب، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نَجَمَ قرن الشيطان أو فَغَرت فاغرةٌ للمشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويطفئ عادية لهبها بسيفه - أو قالت : يُخمد لهبها بحدّه -، مكدوداً في ذات الله تعالى وأنتم في رفاهيّة فاكهون آمنون وادعون، حتّى إذا اختار الله لنبيه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) دار أنبيائه، ظهرت حسكة النّفاق، وسملَ جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة ملاحظين، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم ؛ هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل.

بماذا زعمتم ؟ خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين، فهيهات منكم ! وأنّى بكم وأنّى تؤفكون وكتاب الله تعالى بين أظهركم ؛ زواجره بيّنة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة ! أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون ؟ بئس للظالمين بدلاً !( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) (١) ثمّ لمْ تلبثوا إلّا ريث أنْ تسكن نفس نغرتها، تسرون حسواً في ارتغاء، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى، وأنتم الآن تزعمون إلّا إرث لنا، أفحكم الجاهليّة تبغون ؟ ومَنْ أحسن مِن الله حكماً لقوم يوقنون.

إيهاً معشر المسلمة المهاجرة، أاُبتز إرث أبي ؟! أبى الله، أفي الكتاب يابن أبي قحافة أنْ ترث أباك ولا أرث أبي ؟! لقد جئت شيئاً فريّاً فدونكها مخطومةً مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والموعد القيامة، وعند الله يُحشر المبطلون،( لِّكُلِّ نَبَأ مسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمونَ ) (٢) )).

ثمّ انكفأت على قبر أبيها (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقالت : =

(١) سورة آل عمران / ٨٥.

(٢) سورة الأنعام / ٦٧.


____________________

=

قد كان بَعْدَك أنباءٌ وهنبثةٌ

لو كنتَ شاهدَها لم تَكْثُرِ الخطُبُ

إنَّا فقدناك فَقْدَ الأرضِ وابلَها

واختلَّ قومك فاشهدْهمْ ولا تغبِ(١)

( أبدى رجالٌ لنا فحوَى صدورهم

لـمّا حُجبت وحالتْ دونك الكثُبُ

تجهّمتنا رجالٌ فاستُخِفَّ بنا

مذْ غبت عنَّا وكلّ الخير قد غصبوا

سيعلم المتولّي ظلم حامينا

يومَ القيامة أنِّي كيف أنقلبُ )

( والأبيات التي بين القوسين من كتاب الزهرة لابن داود الأصفهاني / ١٤٣٩، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة ).

وذكر أنّها لـمـَّا فرغت مِن كلام أبي بكر (رضي‌الله‌عنه ) والمهاجرين عدلت إلى مجلس الأنصار، فقالت : (( يا معشر الفئة وأعضاء الملّة وحضنة الإسلام، ما هذه الفترة في حقّي والسِّنَة في ظُلامتي ؟! أما كان لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنْ يُحفظ في وِلْدِه ؟! لسرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة أتقولون مات محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! فخطبٌ جليل استوسع وهيُه، واستنهر فتقُه، وفُقد راتقُه، واُظلمت الأرضُ لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبالُ، وأكدت الآمالُ، واُضيع الحريم، واُذيلت الحرمة عند مماته (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله تعالى في فتنتكم، في ممساكم ومصبحكم، تهتف في أسماعكم، ولقبله ما حلّت بأنبياء الله ورُسله (صلّى الله عليه وعليهم)،( وَمَا محمّد إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) (٢)

إيهاً بني قيلة، اُهتضم تراث أبي وأنتم بمرأىً منّي ومسمع، تلبسكم الدّعوة، وتشملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدّة، ولكم الدار، وعندكم الجنن، وأنتم الاُلى نخبة الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأهل الإسلام، والخيرة التي اختار الله تعالى لنا أهل البيت، فنابذتم العرب، وناهضتم الاُمم، وكافحتم البُهم، لا نبرح نأمركم فتأتمرون حتّى دارت لكم بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيام، وخضعت نعرة الشرك، وباخت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى جرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الإقدام، وأسررتم بعد الإعلان لقومٍ نكثوا أيمانهم،( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُم مؤُمِنِينَ ) (٣) ؟!

ألا قد أرى أنْ قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدّعة، فعجتم عن الدين ومحجّتكم التي وعيتم، ولفظتم التي سوغتم و( إِنْ تَكْفُرُواْ أَنتُمْ =

(١) لا يخفى ما في البيت من اختلافِ حرف الروي مع ما قبله (موقع معهد الإمامين الحَسَنين)

(٢) سورة آل عمران / ١٤٤.

(٣) سورة التوبة / ١٣.


____________________

=وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) (١)

ألا وقد قلتُ الذي قلتُه على معرفة منّي بالخذلان الذي خامر صدوركم واستشعرته قلوبكم، ولكنْ قلتُه فيضة النّفس، ونفثة الغيظ، وبثّة الصدر، ومعذرة الحجّة فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناقبة الخفِّ، باقية العار، موسومةً بشنار الأبد، موصولةً بـ( نَارُ اللَّهِ الْموقَدَةُ * التي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ) فبعين الله ما تفعلون،( وَسَيَعْلَم الَّذِينَ ظَلَموا أَيَّ منقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) . وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون )) انتهى كلام ابن حمدون.

وروى ابن طيفور في بلاغات النساء / ١٩، وفي جواهر المطالب في مناقب آل أبي طالب ١ / ١٦٤، واللفظ للأوّل قال: وحدّثني هارون بن مسلم بن سعدان، عن الحسن بن علوان، عن عطية العوفي، قال : لـمـَّا مرضت فاطمة (عليها‌السلام ) المرضة التي توفّيت بها دخل النساء عليها، فقلن : كيف أصبحتِ مِن علّتك يا بنت رسول الله ؟ قالت : (( أصبحت والله، عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أنْ عجمتهم، وشنئتهم بعد أنْ سبرتهم، فقبحاً لفلول الحدّ، وخور القنا، وخطل الرأي ! و( لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) (٢) لا جرم لقد قلدتهم ربقتُه، وشنّت عليهم عارها، فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين !

ويحهم ! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النّبوة، ومهبط الروح الأمين، الطبن باُمور الدُّنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموا مِن أبي الحسن (عليه‌السلام ) ؟! نقموا والله، منه نكيرَ سيفه، وشدّةَ وطأته، ونكالَ وقعته، وتنمّره في ذات الله ويا لله لو تكافؤوا على زمامٍ نبذه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لسار بهم سيراً سجحاً، لا يُكلم خشاشه، ولا يُتعتع راكبه، ولأوردهم منهلاً رويّاً فضفاضاً تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً قد تحرّى بهم الريَّ غير متجلٍّ منهم بطائل بعمله الباهر، وردعه سَورة السّاغب، ولَفُتحت عليهم بركات مِن السماء، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

ألا هلمنَ فاسمعنَ، وما عشتنّ أراكنَّ الدهر عجباً، إلى أيّ لجأ لجؤوا وأسندوا، وبأيّ عروة تمسّكوا، ولبئس المولى ولبئس العشير ! استبدلوا والله، الذنابي بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم( . يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (٣) ،( أَلا إِنَّهُمْ هُم الْمفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَّ يَشْعُرُونَ ) (٤) ، ويحهم !( . أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إلّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمونَ ) (٥)

أما لعمر إلهكنَّ، لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثمّ احتلبوا طلاع القعب دماً =

(١) سورة إبراهيم / ٨.

(٢) سورة المائدة / ٨٠.

(٣) سورة الكهف / ١٠٤.

(٤) سورة البقرة / ١٢.

(٥) سورة يونس / ٣٥.


____________________

= عبيطاً، وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التّالون غبّ ما أسّس الأوّلون، ثمّ أطيبوا عن أنفسكم نفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيفٍ صارم، وبقرحٍ شامل، واستبدادٍ مِن الظالمين يدع فيكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم وأنّى بكم وقد عميت عليكم !( أَنُلْزِمكُموهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) (١) ثمّ أمسكت (عليها‌السلام ).

وأمّا استدلال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) بالآيات :

أوّلاً : تقريره (عليه‌السلام ) لاستدلال فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) بالآيات المتقدّمة في خطبتها، وهو باب مدينة علم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

ثانياً : ما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢ / ٣١٥، قال : أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هشام بن سعد، عن عبّاس بن عبد الله بن معبد، عن جعفر (عليه‌السلام ) قال : (( جاءت فاطمة (عليها‌السلام ) إلى أبي بكر تطلب ميراثها، وجاء العبّاس بن عبد المطلب يطلب ميراثه، وجاء معهما عليٌّ (عليه‌السلام )، فقال أبو بكر : قال رسول الله : لا نورّث، ما تركنا صدقة وما كان النّبي يعول فعليَّ فقال عليٌّ (عليه‌السلام ) :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (٢) ورث سليمان داود وقال زكريا :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (٣) قال أبو بكر : هو هكذا، وأنت - والله - تعلم مثلما أعلم فقال عليٌّ (عليه‌السلام ) : هذا كتاب الله ينطق فسكتوا وانصرفوا )).

وقال القرطبي في تفسيره ١١ / ٧٨ : . وإنّ سليمان لمْ يرث مِن داود مالاً خلّفه داود بعده، وإنّما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى مِن آل يعقوب، هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، وإلّا ما روى عن الحسن أنّه قال : (يرثني) مالاً (ويرث مِن آل يعقوب) النّبوة والحكمة، وكل قول يخالف قول النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فهو مدفوع مهجور، قاله أبو عمر.

قال ابن عطية : والأكثر مِن المفسرين على أنّ زكريا إنّما أراد وراثة المال . إلخ.

أقول : أوّلاً : ليس الروافض مَنْ خالف، بل الروافض - الذين رفضوا الباطل - اتّبعوا مَنْ خالف هؤلاء، وهم أهل آية التطهير بنص الكتاب العزيز، وهم فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والإمام علي (عليه‌السلام )، واُمّ أيمن، وجميع أهل البيت (عليهم‌السلام ).

ومَنْ تتبّع التاريخ وجد أنّ الشيعة متّبعة لأهل البيت (عليهم‌السلام ) الذين قد اتّبعوا اُمّهم فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) حتّى ماتت، وهي واجدة على مَنْ خالفها، وأيضاً سكوت الصحابة - بما فيهم أبو بكر إذ لمْ يعترضوا عليها بأنّ الآيات ناظرة إلى النّبوة لا إلى المال - إقرارٌ =

(١) سورة هود / ٢٨.

(٢) سورة النمل / ١٦.

(٣) سورة مريم / ٦.


____________________

= منهم بصحة قولها (سلام الله عليها)، وأيضاً قول أكثر المفسرين مؤيد لهم، كما تقدّم عن ابن عطية، وأيضاً هل يُعقل أنّ نبي الله زكريا (عليه‌السلام ) يخاف على النّبوة مِن أنْ تكون في الموالي مع أنّه يعلم أنّ النّبوة جعْلٌ مِن الله لا يجعلها إلّا في موقعها ؟! فهل كان شاكّاً - والعياذ بالله - في فعله تعالى حتّى يخاف، مع أنّه يمكن أنْ يخاف النّبي زكريا (عليه‌السلام ) على ماله الطاهر - الذي اكتسبه في رضى الله وطاعته للاستعانة به على الآخرة - أنْ تناله أيدي غير طاهرة ؟! لهذا جاءت بعض روايات القوم تصرّح بإرادة المال، كما في جامع البيان لابن جرير الطبري ٦١ / ٦٠.

قال ابن جرير الطبري : وقوله :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) يقول : يرثني مِن بعد وفاتي مالي، ويرث مِن آل يعقوب النّبوة ؛ وذلك أنّ زكريا كان مِن ولد يعقوب، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر مَنْ قال ذلك : ١٧٦٩٣ - حدّثنا أبو كريب، قال : ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) يقول : يرث مالي، ويرث مِن آل يعقوب النّبوة.

حدّثنا مجاهد، قال : ثنا يزيد، قال : أخبرنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال : يرث مالي، ويرث مِن آل يعقوب النّبوة.

حدّثني يعقوب، قال : ثنا هشيم، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال : يرثني مالي، ويرث مِن آل يعقوب النّبوة.

الثالث : إنّه كما تقدّم في الدعوى الأولى مِن أنّ الروايات الدالّة على دعوى فاطمة (عليها‌السلام ) بإعطائها النّبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدكاً، وشهادة الإمام علي والحسنين (عليهم‌السلام ) واُمِّ أيمن على ذلك، فهي روايات منافية لتطبيق أبي بكر هذا الحديث على فدك ؛ إذ الروايات المتقدّمة تثبت أنّ فدكاً ليست ملكاً للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهي خارجة عن موضوع الإرث، فلا يتم استدلال أبي بكر عند أهل الخلاف إلّا بدفع تلك الروايات الدالّة على إعطاء النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) فدكاً.

وبعبارة اُخرى : إنّ الروايات المتقدّمة في تفسير :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (١) ، والشواهد المتقدّمة تدلّ أنّ فاطمة الزهراء والإمام عليّاً والحسنين (عليهم‌السلام ) واُمَّ أيمن (رضوان الله عليها) يروون عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : بأنّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) فدكاً، فشهادتهم على الأقل إنْ لمْ تكن بيَّنة، فلتكن رواية عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهم يروون عن النّبي أنّه أعطى فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) فدكاً، =

(١) سورة الإسراء / ٢٦.


____________________

= وهي رواية يرويها الثقات - وهم أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام )، وسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، وسيدا شباب أهل الجنّة الإمامان السبطان الحسن والحُسين (عليهما‌السلام )، واُمّ أيمن، وهي مِن أهل الجنة - الذين لا يختلف في وثاقتهم إلّا كافر ومكذّب بما جاء به النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فعلى هذا لماذا قَبِلَ أهل الخلاف رواية أبي بكر وردُّوا رواية فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، ورواية الإمام علي (عليه‌السلام )، ورواية الحسنين (عليهما‌السلام )، ورواية اُمّ أيمن ؟!

فإنْ قلتَ : إنّ أبا بكر ينقل قول النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو صريح وله ظهور، أمّا ما ذكرته مِن الشهادة التي حاصلها الإخبارعن فعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بإعطاء فاطمة (عليها‌السلام ) فدكاً، فهذا إخبار عن فعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والفعل مجمل.

قلتُ : أوّلاً : الإجمال في فعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أو المعصوم - الذي يُذكر في علم الاُصول - مِن جهة حكم الفعل، أي هل هو وجوب، أو استحباب، أو إباحة، لا مِن جهة ذاته، وإلّا فهو فعل معلوم مخصوص، مثله مثل مَنْ أخبر عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه صلّى الظهر أربع ركعات.

ثانياً : لو كان مجملاً لما صحّت الشهادة عليه، فالمروي عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هو تمليكه فدكاً لفاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، فهذه رواية الإمام علي (عليه‌السلام ) وسيّدة نساء العالمين (عليها‌السلام ) واُمّ أيمن بتمليك النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فهي رواية عن فعل خاص لا رواية عن مطلق التسليم المحتمل للعارية مثلاً وغيرها.

ثالثاً : إذا جُعِلَ فعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عامّاً ومجملاً يلزم أنّ فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) ومَنْ جاءت به للشهادة أعملوا اجتهادهم في فهم فعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو مِن الاُمور الحدسية التي لا تُقبل فيها الشهادة ؛ إذ موضوع الشهادة هو خصوص الاُمور الحسّية، وهذا خلاف الظاهر مِن إخبارهم بفعله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لا باستنتاجهم واستنباطهم أنّه فعله كذا، وأيضاً يلزم جهل الإمام علي (عليه‌السلام ) - الذي هو باب مدينة علم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - وفاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) - وهي بضعته وروحه التي بين جنبيه - واُمّ أيمن بموضوع الشهادة، وهذا لازم فاسد.

وأيضاً أنّ أبا بكر لمْ يردّ شهادتهم بكونها حدسية، بل ردّها لعدم تمامية نصابها حسب دعواه، فهذا ممّا يدلّ على أنّ شادتهم عن حسٍّ بالتمليك لا عن حدس، وإلّا لكان أبو بكر جاهلاً بموضوع الشهادة أيضاً.

وإنْ سُلّم فأيضاً رواية أبي بكر رواية عن فعل النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ حيث صرّح بأنّ فدكاً وخيبراً كانتا صدقة على عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وليس هي ملكاً للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بل هي صدقة كان المتولّي عليها النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهذا =


____________________

= مِن قول أبي بكر ؛ حيث قال : وإنّي والله، لا اُغيّر شيئاً مِن صدقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فهو أيضاً يخبر عن أنّ فدكاً كانت مِن صدقات النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، أي ما تصدّق به (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حياته، وهذا ظاهر كلامه، وإلّا فكونها صدقة على عهده (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) اجتهاد منه.

وهذا أيضاً يؤيّد قراءة النصب - كما سيأتي في الخامس -، وأيضاً يوجب التناقض في كلام أبي بكر ؛ حيث إنّه أثبت ملك النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ إذ لا تصحّ تطبيق روايته ( لا نورّث، ما تركناه . ) هنا إلّا إذا كانت فدكاً ملكاً للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى تصبح إرثاً فيُنفى بحديث أبي بكر، وإلّا لو كانت صدقة في حياة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فهي ليست بملك له (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى ينفيها بهذا الحديث ! مع أنّ صريح ذيل الرواية أنّها ليست بملك للنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في حياته، بل هي مِن صدقاته (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو المتولّي عليها.

الرابع : وهذا الحديث لمْ يروه إلّا أبو بكر في هذا الموضع، ولمْ يدّعيه أحد معه، فهو متّهم فيه، نعم بعد ذلك رواه مَنْ رواه، واستُحلف عليه مَنْ استُحلف وأيضاً هو مخالف لإطلاقات القرآن الكريم ؛ حيث أثبت إرث الولد لوالده، وإرث الأنبياء لأولادهم، كما تقدّم، فكيف يكون ما هذا حاله مخصّصاً لكتاب الله ؟!‍

وأيضاً كيف خفي عن أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما‌السلام ) حتّى قالت (عليها‌السلام ) في خطبتها : (( أمْ أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه مِن أبي وابن عمّي ؟ )) كتاب أعلام النساء ٣ / ١٢٠٨ نقلاً عن مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للعلّامه الشيخ باقر القرشي (حفظه الله).

الخامس : الرواية مجملة ومحتملة لأمرين :

الاحتمال الأوّل : على قراءة الرفع ( ما تركناه صدقةٌ ) بالرفع، أي الذي تركناه فهو صدقة وهذا معناه أنّ ما تركه النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فهو صدقة.

الاحتمال الآخر : على قراءة النصب على الحالية، فيكون المعنى ما تركناه حال كونه صدقة، فهذا لا نورّثه وهذا لدفع احتمال أنّ صدقات النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تُورّث، وهذا الاحتمال قريب جداً بعد معرفة =


____________________

= اختصاص النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بأحكام دون غيره، فهذا الحديث يرفع هذا الاحتمال، أو يكون المعنى أنّ ما تركناه حالة كونه صدقة لا يكون لأبنائنا حتّى ولو كانوا فقراء لا يرثونه، أي لا يعطون منه شيئاً لكونه صدقة، والصدقة عليهم محرّمة، سواء كانت صدقة النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أم غيره.

ووجود الاحتمال يجعل مِن الرواية مجملة، ولا غرابة في عدم فهم أبي بكر كلام النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ وذلك للعلم بعدم عصمته في فهم كلام النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وهو لا يختلف فيه اثنان، وأيضاً ثبت في مقامات كثيرة جهل الخلفاء، راجع كتاب الغدير ج٦ للعلّامه الشيخ الأميني (رحمه‌الله ) تجد منها الكثير الكثير من مصادر أهل الخلاف، وبهذا لا يمكن الاستدلال بفهم أبي بكر لهذا الحديث.

وبهذا نجيب أيضاً على مَنْ ذهب إلى تخصيص هذا الخبر لكتاب الله، إذ المدّعي يسلّم بأنّ القرآن أثبت الإرث حتّى في مال الأنبياء، ولكنْ فهمَ أبي بكر مِن حديثه مخصّصٌ له، فيكون مال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مِن بين أموال الأنبياء لا يُورّث وأنت خبير بأنّ المجمل لا يخصص.

ولوجود هذه الاحتمالات التي ذكرتها اختلف أهل الخلاف أنفسهم في هذه الرواية التي يرويها مَنْ هو في موضع التهمة قال السرخسي في المبسوط ١٢ / ٢٩ : (واستدلّ) بعض مشايخنا (رحمهم‌الله ) بقوله (عليه الصلاة والسّلام) : (( إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة )) فقالوا : معناه ما تركنا صدقة لا يورّث ذلك عنَّا، وليس المراد أنّ أموال الأنبياء (عليهم الصلاة والسّلام) لا تُورّث ؛ وقد قال الله تعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) وقال تعالى :( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) فحاشا أنْ يتكلّم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بخلاف المنزل، فعلى هذا التأويل في الحديث بيان أنّ لزوم الوقف مِن الأنبياء (عليهم الصلاة والسّلام) خاصة بناء على أنّ الوعد منهم كالعهد مِن غيرهم.

ولكنْ في هذا الكلام نظر، فقد استدلّ أبو بكر (رضي‌الله‌عنه ) على فاطم ة (رضي‌ الله‌ عنها) حين ادّعت فدكاً بهذا الحديث على ما روي، أنّها ادّعت أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهب فدكاً لها، وأقامت رجلاً وامرأة، فقال أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) : ضمّي إلى الرجل رجلاً، أو إلى المرأة امرأة فلمـَّا لمْ تجد ذلك جعلت تقول : (( مَنْ يرثك ؟ )) فقال أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) : أولادي فقالت فاطمة (رضي الله تعالى عنها) : (( أيرثك أولادك ولا أرث أنا مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؟! )) فقال أبو بكر (رضي‌الله‌عنه ) : =


____________________

= سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( إنّا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة )) فعرفنا أنّ المراد بيان أنّ ما تركه يكون صدقة ولا يكون ميراثاً عنه انتهى كلام السرخسي.

أقول : كيف عرفتم صحته مع مخالفة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) له وأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) واُمّ أيمن (رضوان الله عليها) حتّى غضبت فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) على أبي بكر وعمر، وماتت وهي غاضبة وواجدة عليهما، وحتّى أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لمْ يعترف بما ذكره أبو بكر ؛ إذ ردّه بالكتاب العزيز كما تقدّم برواية ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢ / ٣١٥.

أبو بكر يناقض ما فعله

روى البخاري في صحيحه ٣ / ٥٧، قال : حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو، سمع محمّد بن علي، عن جابر بن عبد الله، قال : قال النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا )) فلم يجئ مال البحرين حتّى قُبض النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فلمـَّا جاء مال البحرين أمر أبو بكر فنادى مَنْ كان له عند النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عدّة أو دين فليأتنا فأتيته فقلت : إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لي : (( كذا وكذا )) فحثا لي حثية فعددتها فإذا هي خمسمئة، وقال: خذ مثليها.

وقال أيضاً في صحيح البخارى ٣ / ١٣٧ : حدّثنا علي بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا ابن المنكدر : سمعت جابراً (رضي‌الله‌عنه ) قال : قال لي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثاً )) فلم يقدم حتّى توفّي النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأرسل أبو بكر منادياً فنادى : مَنْ كان له عند النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عدّة أو دين فليأتنا فأتيته فقلتُ : إنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعدني فحثا لي ثلاثاً.

أقول : فلماذا طلب البيّنة مِن سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، ورفض شهادة الإمام علي (عليه‌السلام )، وشهادة اُمّ أيمن (رضوان الله عليها) مع ما ورد في حقِّ فاطمة الزهراء والإمام علي والحسنين (عليهم‌السلام )، واُمّ أيمن (رضوان الله عليها) ؟!

ولأجل هذا استنكر مَنْ استنكر، فقد روى البلاذري في فتوح البلدان ١ / ٣٧، قال : ولمـَّا كانت سنة عشر ومئتين أمر أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هارون الرشيد فدفعها إلى وِلْدِ فاطمة (عليها‌السلام )، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين بمكانه مِن دين الله، وخلافة رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، والقرابة به أولى مَنْ =


____________________

= استنّ سنّته ونفّذ أمره، وسلّم لـمَنْ منحه منحة، وتصدّق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقرّ به إليه رغبته.

وقد كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أعطى فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فدكاً وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولمْ تزل تدعي منه ما هو أولى به مَنْ صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أنْ يردّها إلى ورثتها، ويسلّمها إليهم ؛ تقرباً إلى الله تعالى بإقامة حقهّ وعدله، وإلى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بتنفيذ أمره وصدقته فأمر بإثبات ذلك في دواوينه، والكتاب به إلى عمّاله.

فلئن كان يُنادى في كلِّ موسم - بعد أنْ قبض الله نبيّه (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - أنْ يذكر كلّ مَنْ كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك، فيقبل قوله وينفذ عدته، إنّ فاطم ة (رضي‌ الله‌ عنها) لأولى بأنْ يصدّق قولها فيما جعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها !

وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدكاً على ورثة فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بحدودها، وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها مِن الرقيق والغلاّت وغير ذلك، وتسليمها إلى محمّد بن يحيى بن الحُسين بن زيد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، ومحمّد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام ) ؛ لتولية أمير المؤمنين إيّاهما القيام بها لأهلها.

فاعلم ذلك مِن رأي أمير المؤمنين، وما ألهمه الله مِن طاعته، ووفّقه له من التقرّب إليه وإلى رسوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأعلمه مِن قبلك، وعامل محمّد بن يحيى، ومحمّد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاّتها إنْ شاء الله، والسّلام وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا مِن ذي القعدة سنة عشر ومئتين، فلمّا استخلف المتوكّل على الله أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون (رحمه‌الله ) انتهى كلام البلاذري.

أقول : هذا ما يدلّل على تقصّد القوم وتربّصهم بفاطمة الزهراء وأمير المؤمنين والحسنين (عليهم‌السلام )، وليست المسألة مسألة إقامة حقّ وعدل، مع جهلهم بطريقتهم التي اتّخذوها مع أهل البيت (عليهم‌السلام )، بل هو أمر متعمّد ومتربّص بهم (عليهم‌السلام ) في نفي أملاك فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) .=


البخاري يصرّح بكراهية أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لعمر بن الخطاب

قال البخاري :

____________________

ما فعله عمر بن الخطاب في كتاب فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )

وقال العلّامه سبط ابن الجوزي الحنفي في كتابه المسمّى مرآة الزمان، في الباب العاشر، في طلب آل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) الميراث، مِن أبواب مرض رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في وقائع السّنة الحادية عشرة ما لفظه - نقلاً عن كتاب إفحام الأعداء والخصوم للسيّد ناصر حُسين النقوي / ٩٥ - : وقال علي بن الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) :

(( جاءت فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) إلى أبي بكر وهو على المنبر، فقالت : يا أبا بكر، أفي كتاب الله أنْ ترث ابنتك ولا أرث أبي ؟! فاستعبر أبو بكر باكياً، ثمّ قال : بأبي أبوك ! وبأبي أنت ! ثمّ نزل فكتب لها بفدك، ودخل عليه عمر فقال : ما هذا ؟ فقال : كتاب كتبته لفاطمة ميراثها مِن أبيها قال : فماذا تُنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ؟! ثمّ أخذ عمر الكتاب فشقّه )).

وقال نور الدين الحلبي في إنسان العيون، في المجلد الثالث منه عند ذكره دعوى فاطمة (عليها‌السلام ) في أمر فدك ما لفظه : وفي كلام سبط ابن الجوزي (رحمه‌الله )، أنّه (رضي‌الله‌عنه ) كتب لها بفدك، ودخل عليه عمر (رضي‌الله‌عنه ) فقال : ما هذا ؟ فقال : كتاب كتبته لفاطمة (عليها‌السلام ) بميراثها مِن أبيها فقال : ماذا تُنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ؟! ثمّ أخذ عمر الكتاب فشقّه.

نور الدين علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي المتوفّى ١٠٤٤، كان واسع العلم غاية في التحقيق، حادّ الفهم، قوي الفكرة، متحرّياً في الفتوى خلاصة الأثر ٣ / ١٢٢، هدية العارفين ١ / ٧٥٥، إيضاح المكنون ٢ / ٤٩٧، نقلاً عن إفحام الأعداء والخصوم - السيّد ناصر حُسين النقوي / ٩٥.

الغايةُ من عدم استجابتهم لفاطمة الزهراء (عليها‌السلام )

قال عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ٦١ / ٢٨٤ : وسألت علي بن الفارقي، مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلتُ له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم قلتُ : فلِمَ لمْ يدفع إليها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة ؟ فتبسّم، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً، مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته، قال : لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه، ولمْ يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء ؛ لأنّه يكون قد أسجل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي، كائناً ما كان، مِن غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود وهذا كلام صحيح وإنْ كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل انتهى.


حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة : أنّ فاطمة (عليها‌السلام ) بنت النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك، وما بقى مِن خمس خيبر، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( لا نورّث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في هذا المال )) وإنّي والله، لا اُغيّر شيئاً مِن صدقة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

فأبى أبو بكر أنْ يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلمْ تكلِّمه حتّى توفيت، وعاشت بعد النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ستّة أشهر، فلمـَّا توفيت دفنها زوجها عليٌّ (عليه‌السلام ) ليلاً، ولمْ يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها وكان لعلي مِن الناس وجه [ في ] حياة فاطمة، فلمـَّا توفيت استنكر علي (عليه‌السلام ) وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولمْ يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر : (( أنْ ائتنا ولا يأتنا أحد معك )) ؛ كراهية لمحضر عمر(١) .

تصريحُ مسلم بأنّ الإمام عليّاً (عليه‌السلام ) كان يعتقد بأنّ أبا بكر وعمر غادران خائنان وآثمان

قال مسلم وغيره، واللفظ له : . قال (عمر) : فلمـَّا تُوفّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فجئتما (يعني أمير

____________________

(١) صحيح البخاري ٥ / ٨٢.


المؤمنين (عليه‌السلام ) وعمّه العباس) تطلب ميراثك مِن ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته مِن أبيها، فقال أبو بكر : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ما نورّث، ما تركنا صدقة )) فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم أنّه لصادق بارٌّ راشد تابع للحقّ ثمّ تُوفّي أبو بكر وأنا وليُّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ووليُّ أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم أنّي لصادق بارٌّ راشد تابع للحقّ فوليته .(١) .

أقول : هذا المقطع مِن الرواية واضح في ما يراه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في الشيخين، وأمّا مسألة أنّهما صادقان وأمير المؤمنين - والعياذ بالله - خلاف ذلك فهذا لا يقبله عاقل اطّلع على شيءٍ ممّن جاء في فضل أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، فضلاً عن مسلم يؤمن بالنّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبما جاء به ؛ حيث قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ )) فكيف يرى أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام ) أنّهما كاذبان - ولو في موضع من المواضع - ثمّ عمر يقول : إنّهما صادقان ؟! فهل نكذّب - والعياذ بالله - مَنْ قال فيه النّبي محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ( إنّه مع الحقِّ والحقُّ معه ) ونصدّق غيره المسلَّم عند الجميع عدم عصمته ؟!

الهجوم على بيت الزهراء (عليها‌السلام )(٢)

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج عند الهجوم على بيت الإمام عليٍّ (عليه‌السلام ) :

____________________

(١) صحيح مسلم ٥ / ١٥٢، وفي ط ص١١٠٦، مسند أبي عوانة ٤ / ٢٤٧، سنن البيهقي ٦ / ٢٩٨، فتح الباري ٦ / ٢٠٦.

(٢) وقد اُلّفت كثيرٌ مِن الكتب في ما جرى على بيت فاطمة (عليها‌السلام )، ومن أفضلها كتاب الهجوم على بيت فاطمة (عليها‌السلام ) للعلّامه عبد الزهراء مهدي، وكتاب إحراق بيت فاطمة (عليها‌السلام ) للعلّامه الشيخ حُسين غيب غلامي.


. واجتمع الناس ينظرون، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال، ورأت فاطمة ما صنع عمر، فصرخت وولولت، واجتمع معها نساء كثير مِن الهاشميّات وغيرهنّ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : (( يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ! والله، لا اُكلِّم عمر حتّى ألقى الله ))(١) .

قال اليعقوبي : وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة مِن المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في منزل فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فأتوا في جماعة حتّى هجموا (على) الدار، وخرج عليٌّ (عليه‌السلام ) ومعه السّيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه(٢) وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة، فقالت : (( والله، لتخرجنَّ أو لأكشفنَّ شعري، ولأعجنَّ إلى الله )) فخرجوا وخرج مَنْ كان في الدار، وأقام القوم أيّاماً، ثمّ جعل الواحد بعد الواحد يبايع، ولمْ يبايع علي (عليه‌السلام ) إلّا بعد ستّة أشهر، وقيل : أربعين يوماً(٣) .

قال الطبري : حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد بن كليب، قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي (عليه‌السلام )، وفيه طلحة والزبير ورجال مِن المهاجرين، فقال : والله، لأحرقنَّ عليكم أو لتخرجنَّ إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتاً

____________________

(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٦ / ٤٨.

(٢) أقول : وهذا كما ترى، إذ ما أقلّت الغبراء ولا أظلت الخضراء أشجع ولا أقوى مِن أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) إلّا ابن عمِّه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وقد أبانت حروب النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وغزواته حقيقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) وحقيقة عمر بن الخطاب، فلا شكَّ أنّ هذه الجملة لا موضع لها في المقام.

(٣) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٢٦.


[ سيفه ]، فعثر فسقط السّيف مِن يده، فوثبوا عليه فأخذوه(١) .

أقول : ورجاله ثقات(*) .

____________________

(١) تاري خ الطبري ٢ / ٤٣٣.

(*) الأوّل : الطبري، قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣ / ٤٩٨ وفي ط ٦ /٩٠ : محمّد بن جرير بن يزيد الطبري، الإمام [ الجليل المفسّر ] أبو جعفر، صاحب التصانيف الباهرة، مات سنة عشر وثلاثمئة ثقة صادق فيه تشيّع [ يسير ] وموالاة لا تضر.

أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ، فقال : كان يضع للروافض، كذا قال السليماني، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير مِن كبار أئمّة الإسلام المعتمدين، وما ندّعي عصمته مِن الخطأ، ولا يحلّ لنا أنْ نؤذيه بالباطل والهوى ؛ فإنّ كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أنْ يُتأنى فيه، ولا سيما في مثل إمام كبير.

الثاني : وهو مِن شيوخ أحمد بن حنبل وابنه، وقال فيه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٦ : أخبرني عبد الباقي بن عبد الكريم بن عمر المؤدّب، قال : قرأنا على الحُسين بن هارون، عن بن سعيد، قال : سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول : ابن حميد ثقة، كتب عنه يحيى، وروى عنه مَنْ يقول فيه هو أكبر منهم.

وقال أيضاً في تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٧ : أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، قال : أنبأنا أبي قال : أنبأنا الحُسين بن صدقة، قال : أنبأنا بن أبي خيثمة، قال : سُئل يحيى بن معين عن محمّد بن حميد الرازي، فقال : ليس به بأس، رازيٌّ كيّس.

وقال في تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٧ : أخبرنا أبو بكر البرقاني، قال : قُرئ على محمّد بن عبد الله بن خميرويه، وأنا أسمع، أخبركم يحيى بن أحمد بن زياد، قال : ذُكر محمّد بن حميد الرازي عند بن معين، فقال : ليس به بأس.

وقال في تاريخ بغداد ٢ / ٢٦٢ : سألت أبا نعيم الحافظ عن محمّد بن حميد المخرمي، فقال : ثقة وذكر الخطيب البغدادي أيضا في تاريخ بغداد ٢ / ٢٥٦، بعد ما نقل بعض التوثيقات له، قال : أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت إبراهيم بن مالك القطان، يقول : سمعت محمّد بن حميد يقول : دخلت بغداد فاستقبلني أحمد بن حنبل ويحيى، فسألوني أحاديث يعقوب القمّي، فوزّعوا الأوراق فيما بينهما وكتبوه وقرأته عليهما.

أقول : ونقل أغلب هذه التوثقيات ابن حجر في تهذيب التهذيب ٩ / ١١٢، قال : =


رفسُ بطن فاطمة (عليها‌السلام ) وإسقاطُ جنينها

____________________

= . وعنه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين - وماتا قبله - وعبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، وهو مِن أقرانه، (أقول : وعبد الصمد مِن الثقات، راجع ما نقله فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب ٥ / ٢٦٣) ومحمّد بن إسحاق الصاغاني، ومحمّد بن يحيى الذهلي، وصالح بن محمّد الأسدي، وأحمد بن علي الأبّار، وجعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، والحسن بن علي المعمّري، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي الدُّنيا، ومحمّد بن هارون الرؤياني، والقاسم بن زكريا المطرّز، ومحمّد بن جرير الطبري، وعبد الله بن محمّد البغوي، وآخرون...

وأيضاً ذكر هذه التوثيقات المزّي في تهذيب الكمال ٢٥ / ١٠١.

الثالث : وهو جرير بن عبد الحميد، وهو مِن رجال صحيح البخاري ومسلم، وهو مِن الثقات الذين يُرحل إليهم، راجع ما ذكره الذهبي عنه بالتفصيل في سير أعلام النبلاء ٩ / ٩، وقال فيه الذهبي في المصدر نفسه : جرير بن عبد الحميد بن يزيد، الإمام الحافظ القاضي أبو عبد الله الضبي الكوفي، نزل الرّيّ ونشر بها العلم، ويُقال : مولده بأعمال إصبهان، ونشأ بالكوفة . إلخ.

وقال فيه ابن حجر [ في ] تهذيب التهذيب ٢ / ٦٥ : كان ثقة يُرحل إليه وقال ابن عمّار الموصلي : حجّة، كانت كتبه صحاحاً.

الرابع : وهو المغيرة بن مقسم الضبّي، قال فيه الذهبي في كتاب مَنْ له رواية في الكتب الستّة ٢ / ٢٨٨ : مغيرة بن مقسم الضبي مولاهم الكوفي، الفقيه الضرير أبو هشام عن أبي وائل وإبراهيم والشعبي، وعنه شعبة وزائدة وابن فضيل، حكى جرير عنه، قال : ما وقع في مسامعي شيء فنسيته توفّي ١٣٣ ع.

وقال فيه العجلي في معرفة الثقات ٢ / ٢٩٣ : مغيرة بن مقسم الضبي، وكان ضرير البصر، كوفي ثقة، وكان مِن فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان عثمانياً . إلخ.

الخامس : وهو زياد بن كُليب، قال فيه الذهبي في كتاب مَنْ له رواية في الكتب الستّة ١ / ٤١٢ : زياد بن كُليب أبو معشر التميمي عن إبراهيم والشعبي، وعنه منصور وأبو بشر وابن أبي عروبة، حافظ متقن، توفّي ١١٩ م د ت س.

وقال فيه النسائي (في سنن النسائي) ٤ / ١٧١ : قال أبو عبد الرحمن : أبو معشر هذا اسمه زياد بن كُليب، وهو ثقة.

وقال فيه العجلي في معرفة الثقات ١ / ٣٧٤ : زياد بن كُليب، أبو معشر، كوفي ثقة، روى عنه أيوب السختياني، وخالد الحذّاء، ومنصور، ومغيرة الضبّي، وسعيد بن أبي عروبة وكان فقيهاً في الحديث


قال الذهبي - في ترجمة راوي هذه الواقعة - : الإمام الحافظ الفاضل وقال عنه أيضاً : إمام بصير بالرجال فهم متيقّظ وقال عنه : محدّث أهل الكوفة وقال : وقال محمّد بن حمّاد الحافظ: كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب حضرته ورجل يقرأ عليه أنّ عمر رفس فاطمة (عليها‌السلام ) حتّى أسقطت محسناً (عليه‌السلام ).

وفي خبر آخر قوله تعالى :( وَجَاءَ فِرْعَوْنُ ) : عمر،( وَمَنْ قَبْلَهُ ) : أبو بكر،( وَالْمؤْتَفِكَاتُ ) : عائشة وحفصة فوافقته وتركت حديثه(١) .

وقال ابن حجر والذهبي، واللفظ للأوّل قال : وقال محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي الحافظ - بعد أنْ أرّخ موته - : كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب حضرته ورجل يقرأ عليه أنّ عمر رفس فاطمة (عليها‌السلام ) حتّى أسقطت بمحسن (عليه‌السلام ).

وفي خبر آخر في قوله تعالى :( وَجَاءَ فِرْعَوْنُ ) : عمر،( وَمَنْ قَبْلَهُ ) : أبو بكر،( وَالْمؤْتَفِكَاتُ ) : عائشة وحفصة فوافقته على ذلك.

ثمّ إنّه حين أذّن الناس بهذا الأذان المحدث وضع حديثاً متنه : تخرج نار مِن قعر عدن تلتقط مبغضي آل محمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ووافقته عليه، وجاءني ابن سعيد في أمر هذا الحديث فسألني، وكبر عليه، وأكثر الذكر له بكلِّ قبيح تركت حديثه وأخرجت عن يدي ما كتبته عنه(٢) .

____________________

(١) سير أعلام النبلاء - الذهبي ١٥ / ٥٧٨، وقال الذهبي بعد ذلك : قلت : شيخٌ ضالٌّ معثرٌ.

أقول : صار ضالاً ومعثراً بعد أنْ كان الإمام الحافظ الفاضل بقراءة المثالب والفضائح على مخالفين أهل البيت (عليهم‌السلام )!! ميزان الاعتدال في نقد الرجال - الذهبي ١ / ٢٨٣.

(٢) لسان الميزان - ابن حجر ١ / ٢٦٨.


قولُ النّظام في رفس

قال أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني في ذكر مقالات النّظام، ما لفظه : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة(عليها‌السلام ) يوم البيعة حتّى ألقت الجنين مِن بطنها، وكان يصيح : أحرقوها بمَنْ فيها. وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحُسين (عليهم‌السلام )(١) .

وقال صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في ترجمة نظام، في ذكر أقواله : وقال : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسن (عليها‌السلام ) مِن بطنها(٢) .

أقول : الشهرستاني والصفدي لو ناقشا النّظام فهو غير مجدي ؛ إذ الكلام في رأي النّظام نفسه، حيث إنّه يرى صدور هذا الفعل مِن إمامه (عمر)، وهذا بنفسه دليل على الخصم، مع العلم بأنّ النّظام مِن المتشدّدين على الشيعة، فلو لمْ يكن هذا حقّاً، فلماذا ينقله وهو مثلبة على إمامه عمر ؟!

ضربُ فاطمة (عليها‌السلام ) وكسرُ ضلعها

روى الحمويني في فرائد السّمطين، قال : أنبأني الشيخ أبو طالب علي بن نجب بن عبيد الله بن الخازن، كتاب الإمام برهان الدين أبي الفتح ناصر بن أبي المكرام المطرّزي، عن أبي المؤيد عبد الله الكوفي، قال : أنبأنا موسى بن عمران، عن عمِّه الحُسين بن يزيد النوفلي، عن الحُسين بن علي بن حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال : إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه‌السلام )، فلمـَّا رآه بكى، ثمّ قال :

____________________

(١) الملل والنحل - الشهرستاني ١ / ٥٧.

(٢) الوافي بالوفيات - الصفدي ٥ / ٣٤٧.


(( إليَّ إليَّ يا بُنيَّ )) فمازال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليُمنى(١) ثمّ أقبل الحُسين (عليه‌السلام )، فلمـَّا رآه بكى، ثمّ قال : (( إليَّ إليَّ يا بُنيَّ )) فمازال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليُسرى ثمّ أقبلت فاطمة (عليها‌السلام )، فلمـَّا رآها بكى، ثمّ قال : (( إليَّ إليَّ يابُنيَّة فاطمة )) فجلست بين يديه ثمّ أقبل أمير المؤمنين علي (عليه‌السلام )، فلمـَّا رآه بكى، ثمّ قال : (( إليَّ إليَّ يا اُخيَّ )) فما زال يدنيه حيث أجلسه إلى جنبه اليُمنى.

فقال له أصحابه : يا رسول الله، ما ترى واحداً مِن هؤلاء إلّا بكيت ! أو ما فيهم مِن تُسرّ برؤيته ؟! فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( والذي بعثني بالنّبوة واصطفاني على جميع البريّة، إنّي وإيّاهم لأكرم الخلائق على الله (عزَّ وجلّ)، وما على وجه الأرض نسمة أحبُّ إليَّ منهم ؛ وأمّا علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فإنّه أخي وشقيقي، وصاحب الأمر بعدي، وصاحب لوائي في الدُّنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو مولى كلِّ مسلم، وإمام كلِّ مؤمن، وقائد كلِّ تقي، وهو ووصيي وخليفتي على أهلي واُمّتي في حياتي وبعد موتي، ومحبُّه محبّي، ومبغضه مبغضي، وبولايته صارت اُمَّتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة له ملعونة.

وإنّي بكيت حين أقبل ؛ لأنّي ذكرت غدر الاُمّة به بعدي، حتّى أنّه يزال عن مقعدي، وقد جعله الله له بعدي، ثمّ لا يزال الأمر حتّى يُضرب على قرنه ضربة تُخضّب منها لحيته في أفضل الشهور، شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن.

وأمّا ابنتي فاطمة (عليها‌السلام )، فإنّها سيّدة نساء العالمين مِن الأوّلين والآخرين، وهي

____________________

(١) وفي المطبوع (الأيمني)، والظاهر ما أثبتناه.


بضعة منِّي، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جَنْبَي وهي الحوراء الإنسية متى قامت في محرابها بين يدي ربِّها (جلَّ جلاله) زهر نورها لملائكة السّماء كما يزهر نورُ الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله (عزَّ وجلّ) لملائكته : يا ملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي، قائمة بين يدي، ترعد فرائصها مِن خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أنّي قد آمنت شيعتها مِن النّار.

وإنّي لـمـَّا رأيتها ذكرتُ ما يُصنع (بها) بعدي ؛ كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها، وانتُهِكَتْ حرمتها، وغُصِبَ حقُّها، ومنِعَتْ إرثها، وكُسِرَ جنبها، واُسْقِطَتْ جنينها، وهي تنادي : يا محمّداه! فلا تُجاب، وتستغيث فلا تُغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، فتذكر انقطاع الوحي مِن بيتها مرّة، وتتذكّر فراقي اُخرى، وتستوحش إذا جنَّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثمّ ترى نفسها ذليلة بعد أنْ كانت في أيّام أبيها عزيزة، وعند ذلك يُؤنسها الله تعالى فيناديها بما نادى به مريم ابنة عمران، فيقول : يا فاطمة، إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين يا فاطمة، اقنتي لربِّك واسجدي واركعي مع الراكعين.

ثمّ يبتدئ بها الوجع فتمرض، فيبعث الله (عزَّ وجلّ) إليها مريم ابنة عمران تُمرضها وتُؤنسها في علّتها، فتقول عند ذاك : يا ربِّ، إنّي قد سئمت الحياة، وتبرّمت بأهل الدُّنيا، فألحقني بأبي فيُلحقها الله (عزَّ وجلّ) بي، فتكون أوَّل مَنْ يلحقني مِن أهل بيتي فتقدم عليَّ محزونة مكروبة، مغمومة مغصوبة مقتولة يقول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عند ذلك : اللهمَّ، العن مَنْ ظلمها، وعاقب مَنْ غصبها، وذلّل مَنْ أذلّها، وخلِّد في نارك مَنْ ضرب جنبها حتّى ألقت ولدها فتقول الملائكة عند ذلك : آمين.


وأمّا الحسن (عليه‌السلام )، فإنّه ابني وولدي ومنِّي وقرّت عيني، وضياء قلبي وثمرة فؤادي، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، وحجّة الله على الاُمّة أمره أمري، وقوله قولي ؛ مَنْ تبعه فهو منِّي، ومَنْ عصاه فليس منِّي، وإنّي إذا نظرت إليه تذكّرت ما يجري عليه مِن الذلّ بعدي، ولا يزال الأمر به حتّى يُقتلَ بالسمّ ظلماً وعدواناً، فعند ذلك تبكي الملائكة والسّبع الشداد لموته، ويبكيه كلُّ شيءٍ حتّى الطير في جوِّ السّماء، والحيتان في جوف الماء، فمَنْ بكاه لمْ [ تعمَ ]عينه يوم تعمى العيون، ومَنْ حزن عليه لمْ يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومَنْ زاره في بقعته ثبتت قدمه على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام.

وأمّا الحُسين (عليه‌السلام )، فهو منِّي وهو ابني وولدي، وخير الخلق بعد أخيه، وهو إمام المسلمين وخليفة ربِّ العالمين، وغياث المستغيثين، وكهف المستجيرين، ورحمة الله على خلقه أجمعين، وسيّد شباب أهل الجنّة، وباب نجاة الاُمّة أمره أمري، وطاعته طاعتي ؛ مَنْ تبعه فإنّه منِّي، ومَنْ عصاه فليس منِّي، وإنّي لـمـَّا رأيته تذكّرت ما يُصنع به بعدي.

كأنّي به قد استجار بحرمي وقبري فلا يُجار، فأضمّه في منامي (منامه) إلى صدري، وآمره بأمره عن دار هجرتي، واُبشّره بالشهادة، فيرتحل عنها إلى أرض مقتله وموضع مصرعه ؛ أرض كرب وبلاء، موضع قتل وفناء، تنصره عُصابة مِن المسلمين، اُولئك ساداة شهداء اُمّتي يوم القيامة كأنّي أنظر إليه وقد رُمي بسهم فخرَّ عن فرسه صريعاً، ثمّ يُذبح كما يُذبح الكبش مظلوماً )).

ثمّ بكى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وبكى مَنْ حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثمّ قال (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( اللهمَّ، إنّي أشكوا إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي )) ثمّ دخل منزله(١) .

____________________

(١) فرائد السمطين ٢ / ٣٤ - ٣٦.


إحراقُ باب بيت علي وفاطمة (عليهما‌السلام )، مع السند

أخرج البلاذري، المتوفى ٢٧٩ ه، عن المدائني، عن سلمة بن محارب، عن سُليمان التيمي، وعن ابن عون : أنّ أبا بكر أرسل إلى علي (عليه‌السلام ) يريد البيعة فلمْ يُبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقّته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة (عليها‌السلام ) : (( يابن الخطّاب، أتراك محرقاً عليَّ بابي ؟! )). قال : نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك(١) .

أقول : ورجاله ثقات(*) .

____________________

(١) أنساب الأشراف - البلاذري ١ / ٥٨٦.

(*) الأوّل : البلاذري، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٣١ / ١٦٢ : البلاذري، العلّامه الأديب المصنّف، أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي البلاذري الكاتب، صاحب (التاريخ الكبير) سمع هوذة بن خليفة، وعبد الله بن صالح العجلي، وعفّان، وأبا عبيد، وعلي بن المديني، وخلف بن هشام، وشيبان بن فروخ، وهشام بن عمّار، وعدّة، وجالس المتوكّل ونادمه . إلخ.

وقال أيضاً في تذكرة الحفّاظ ٣ / ٨٩٢، في ترجمة البلاذري الصغير . قلت : هذا البلاذرى الصغير ؛ فأمّا الكبير فإنّه أحمد بن يحيى، صاحب التاريخ المشهور، من طبقة أبي داود السجستاني حافظ أخباري [علّامه١].

سير أعلام النبلاء - الذهبي ١٦ / ٣٦، فأمّا البلاذري الكبير، فهو أحمد بن يحيى صاحب (التاريخ الكبير)، حافظ أخباري علّامه، أدرك عفّان بن مسلم ومن بعده، يُعدّ من طبقة أبي داود صاحب (السنن).

أقول : ولا يخفى عليك ما هي منزلة أبي داود السجستاني عند الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٣ / ٢٠٣ :

الإمام، شيخ السنّة، مقدّم الحفاظ، أبو داود الأزدي السجستاني، محدّث البصرة ولد سنة اثنتين ومئتين، ورحل وجمع وصنّف وبرع في هذا . إلخ.

الثاني : المدائني، قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣ / ١٥٣ : . قلت : روى عنه الزبير بن بكار، وأحمد بن زهير، والحارث بن أبي أسامة.

وقال أحمد بن أبي خيثمة : كان أبي وابن معين ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب، فمرّ رجل على حمارِ فاره وبزّة حسنة، فسلّم وخصّ بسلامه يحيى، فقال له : يا أبا الحسن، إلى أين ؟ قال : إلى دار هذا الكريم الذي يملأ =


____________________

= كُمّي دنانير ودراهم ؛ إسحاق الموصلي فلمّا ولّى قال يحيى : ثقة ثقة ثقة فسألت أبي : مَنْ هذا ؟ فقال : هذا المدائني.

مات المدائني سنة أربع أو خمس [وعشرين] ومئتين عن ثلاث وتسعين سنة.

الثالث : مسلمة بن محارب، وثّقه ابن حبّان - الثقات لابن حبّان ٧ /٤٩٠ -، وذكره البخاري في تاريخه الكبير ٧ / ٣٨٧، ولمْ يقدح فيه، وكذا الرازي في الجرح والتعديل ٨ / ٢٦٦، بل لمْ أقف على مَنْ ذمّه أو قدح فيه.

الرابع : سُليمان بن طرخان، قال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ١ / ١٥٠ : سُليمان التيمي، الحافظ الإمام، شيخ الإسلام أبو المعتمر سُليمان بن طرخان القيسي، مولاهم البصري، لمْ يكن تيميّاً بل نزل فيهم سمع أنس بن مالك، وأبا عثمان النّهدي، وطاووساً، والحسن، وعدّة، وعنه شعبة، والسّفيانان، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، والأنصاري، وهوذة بن خليفة، وخلق قال شعبة : ما رأيت أحداً أصدق مِن سُليمان التيمي . إلخ.

وقال فيه أيضاً، في سير أعلام النبلاء ٦ / ١٩٥ : سُليمان بن طرخان، الإمام شيخ الإسلام، أبو المعتمر التيمي البصري، نزل في بني تيم فقيل : التيمي.

أقول : وقال عنه في ميزان الاعتدال ٢ / ٢١٢ : الإمام أحد الإثبات وقال فيه العجلي في معرفة الثقات ١ / ٤٣٠ : سُليمان بن طرخان التيمي، تابعي ثقة.

الخامس : عبد الله بن عون، قال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ١ / ١٥٦ : ابن عون، الإمام شيخ أهل البصرة، أبو عون [عبد الله بن عون] ابن أرطبان المزني، مولاهم البصري، الحافظ حدّث عن سعيد بن جُبير، وأبي وائل، وإبراهيم النخعي، [وعطاء]، ومجاهد، [والشعبي]، والحسن، والقاسم بن محمّد، وخلق، وعنه حمّاد بن زيد، وإسماعيل بن عليّة، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، وأبو عاصم، والأنصاري، ومسلم بن إبراهيم، وخلق كثير.

قال عبد الرحمن بن مهدي : ما كان بالعراق أعلم بالسنّة مِن ابن عون وقال قرّة : كنّا نعجب مِن ورع ابن سيرين فأنساناه ابن عون وقال شعبة : ما رأيت مثل أيّوب وابن عون ويونس وقال هشام بن حسّان : لمْ ترَ عيناي مثل ابن عون وقال ابن المبارك : ما رأيت أحداً أفضل مِن ابن عون وقال شعبة : شكُّ ابن عون أحبّ إليّ مِن يقين غيره وقال الأوزاعي : إذا مات ابن عون وسفيان استوى الناس وقال ابن معين : ثقة في كلِّ شيء وقال بكار السيريني : كان ابن عون يصوم يوماً ويفطر يوماً، =


ابن عبد ربّه الأندلسي (المتوفّى ٣٢٨ ه)

قال : الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر ؛ علي (عليه‌السلام ) والعبّاس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة (عليها‌السلام )، حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة (عليها‌السلام )، وقال له: إنْ أبَوا فقاتلهم فأقبل بقبسٍ مِن نار على أنْ يُضرِمَ عليهم الدار، فلقيته فاطمة (عليها‌السلام )، فقالت: (( يابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا ؟! )) قال : نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الاُمّة(١) .

قال عمر رضا كحالة : وتفقّد أبو بكر قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، كالعبّاس والزبير وسعد بن عبادة، فقعدوا في بيت فاطمة (عليها‌السلام )، فبعث أبو بكر عمر بن الخطاب، فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة (عليها‌السلام )، فأبوا أنْ يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجنَّ أو لأحرقنَّها على مَنْ فيها فقيل له : يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة (عليها‌السلام ) قال : وإنْ .(٢) .

____________________

= وصحبته دهراً، وكان طيّب الريح، ليّن الكسوة، يختم كلّ أسبوع، وكان يغزو ويركب الخيل، بارز مرّة علجاً فقتله، وكان إذا جاء إخوانه كأنّ على رؤوسهم الطير، لهم خضوع وخشوع.

قلتُ : لابن عون جلالة عجيبة، ووقْع في النفوس ؛ لأنّه كان إماماً في العلم، رأساً في التألّه والعبادة، حافظاً لأنفاسه، كبير الشأن.

مات في رجب سنة إحدى وخمسين ومئة (رحمه ‌الله تعالى)، قاله جماعة، ويقع حديثه عالياً لأصحاب ابن طبرزذ والكندي.

(١) العقد الفريد ٤ / ٢٤٢ ( دار الكتاب العربي ) و ٤ / ٢٥٩ (مكتبة النهضة المصرية)، نقلاً عن كتاب الهجوم على بيت فاطمة (عليها‌السلام ) - للعلّامه عبد الزهراء مهدي / ١٧٩، والعقد الفريد ٢ / ٢٠٥ ط المطبعة الأزهرية المصرية الكائنة بخان جعفر، بجوار السّاحة الحُسينيّة، عام ١٣٢١ ه‍، نقلاً عن كتاب مِن حياة الخليفة عمر بن الخطاب - عبد الرحمن البكري / ١٨١.

(٢) أعلام النساء - عمر رضا كحالة ٤ / ١١٤.


وفي فلك النّجاة، قال علي محمّد فتح الدين الحنفي : وفيه، عن أبي الفداء في تاريخه : وانثال الناس يبايعون (أبا بكر) خلا جماعة مِن بني هاشم، والزبير، وعتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد بن العاص، والمقداد، وسلمان الفارسي، وأبي ذر، وعمّار بن ياسر، والبرّاء بن عازب، واُبي بن كعب، ومالوا مع علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب :

ما كنتُ أحسبُ أنّ الأمرَ منصرفٌ

عن هاشمٍ ثمّ منهم عن أبي حسنِ

عن أوَّلِ الناسِ إيماناً وسابقةً

وأعلم الناسِ بالقرآنِ والسُّننِ

وآخرِ النّاسِ عهداً بالنّبي وَمَنْ

جبريلُ عونٌ له في الغُسلِ والكفنِ

مَنْ فيه ما فيهِم لا يمترون بهِ

وليس في القومِ ما فيه مِن الحَسنِ

وكذلك تخلَّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان مِن بني اُميّة، ثمّ إنّ أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي (عليه‌السلام ) ومَنْ معه ليخرجهم مِن بيت فاطمة الزهراء (عليها‌السلام )، فقال : إنْ أبوا عليك فقاتلهم فأقبل عمر بشيء مِن نار على أنْ يضرم الدار، فلقيته فاطمة (عليها‌السلام )، وقالت : (( إلى أين يابن الخطاب ؟ أجئت لتحرق دارنا ؟! )) قال : نعم(١) .

وذكر اليعقوبي مَنْ تخلّف مع الإمام علي (عليه‌السلام )، وما فعله أبو بكر وعمر ليقنعا العباس

قال اليعقوبي : وجاء البرّاء بن عازب، فضرب الباب على بني هاشم، وقال : يا معشر بني هاشم، بويع أبو بكر ! فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثاً نغيب عنه

____________________

(١) فلك النجاة - علي محمّد فتح الدين الحنفي / ١٢١، نقله عن تاريخ أبي الفداء ١ / ١٦٤.


ونحن أولى بمحمّد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقال العبّاس : فعلوها وربِّ الكعبة.

وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في عليٍّ (عليه‌السلام )، فلمـَّا خرجوا مِن الدار قام الفضل بن العبّاس، وكان لسان قريش، فقال : يا معشر قريش، إنّه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم، وصاحبنا أولى بها منكم.

وقام عتبة ابن أبي لهب، فقال :

ما كنتُ أحسبُ أنّ الأمرَ منصرفٌ

عن هاشمٍ ثمّ منهم عن أبي حسنِ

عن أوَّلِ الناسِ إيماناً وسابقةً

وأعلم الناسِ بالقرآنِ والسننِ

وآخرِ الناسِ عهداً بالنّبي وَمَنْ

جبريلُ عونٌ له في الغُسلِ والكفنِ

مَنْ فيه ما فيهِم لا يمترون به

وليس في القومِ ما فيه مِن الحَسنِ

فبعث إليه عليٌّ (عليه‌السلام ) فنهاه.

وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم مِن المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، منهم : العبّاس بن عبد المطلب، والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبرّاء بن عازب، واُبي بن كعب، فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة ابن شعبة، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أنْ تلقى العبّاس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه مِن بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، حجّة لكم على عليٍّ إذا مال معكم.

فانطلق أبو بكر وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتّى دخلوا على العبّاس ليلاً، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه، ثمّ قال : إنّ الله بعث محمّداً نبيّاً وللمؤمنين وليّاً، فمنَّ عليهم بكونه بين أظهرهم حتّى اختار له ما عنده، فخلّى على الناس اُموراً ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم مشفقين، فاختاروني عليهم والياً ولاُمورهم راعياً، فولّيت ذلك، وما أخاف بعون الله وتسديده وهناً ولا حيرة ولا جبناً، وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.


وما انفك يبلغني عن طاعن يقول : الخلاف على عامّة المسلمين، يتخذكم لجأً، فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع ؛ فإمّا دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإمّا صرفتموهم عمَّا مالوا إليه ولقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك، ويكون لـمَنْ بعدك مِن عقبك ؛ إذ كنت عمَّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وإنْ كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك [ فعدلوا الأمر عنكما ](١) وعلى رسلكم بني هاشم، فإنّ رسول الله منَّا ومنكم.

فقال عمر بن الخطاب : إي والله، واُخرى إنّا لمْ نأتكم لحاجة إليكم، ولكن كرهاً أنْ يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم(٢) .

إخراجُهم أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ملبّباً

ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي، قال : قال أبو بكر : وحدّثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمّد، قال : حدّثنا أحمد بن الحكم، قال : حدّثنا عبد الله بن وهب، عن ليث بن سعد، قال : تخلّف عليٌّ (عليه‌السلام ) عن بيعة أبي بكر، فاُخرج ملبّباً يُمضى به ركضاً، وهو يقول : (( معاشر المسلمين، علامَ تُضرب عنقُ رجل مِن المسلمين لمْ يتخلّف لخلاف، وإنّما تخلّف لحاجة )) فما مرّ بمجلس مِن المجالس إلّا يُقال له : انطلق فبايع.

قال أبو بكر : وحدّثنا علي بن جرير الطائي، قال : حدّثنا ابن فضل، عن الأجلح، عن حبيب بن ثعلبة بن يزيد، قال : سمعت عليّاً (عليه‌السلام ) يقول : (( أما وربِّ السّماء والأرض - ثلاثاً - إنّه لعهدُ النّبي الاُميِّ إليَّ : لتغدرنَّ بك الاُمة مِن بعدي )).

قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد عمر بن شبة بإسناد رفعه إلى ابن عبّاس، قال :

____________________

(١) ما بين المعقوفتين زيادة من بحار الأنوار ٢٨ / ٢٩٢ (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ / ١٢٤.


إنّي لاُماشي عمر في سكّة مِن سكك المدينة، يده في يدي، فقال : يابن عبّاس، ما أظن صاحبك إلّا مظلوماً فقلت في نفسي : والله، لا يسبقني به، فقلت : يا أمير المؤمنين، فاردد إليه ظلامته فانتزع يده مِن يدي ثمّ مرَّ يهمهم ساعة ثمّ وقف، فلحقته، فقال لي : يابن عبّاس، ما أظن القوم منعهم مِن صاحبك إلّا أنّهم استصغروه فقلت في نفسي : هذه شرٌّ مِن الاُولى، فقلت : والله، ما استصغره الله حين أمره أنْ يأخذ سورة براءة مِن أبي بكر(١) .

تفصيلُ بعض الحقائق التي رواها ابن قتيبة الدينوري

قال ابن قتيبة الدينوري : كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) قال : وإنّ أبا بكر (رضي‌الله‌عنه ) تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي (كرّم الله وجهه)، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي (عليه‌السلام )، فأبوا أنْ يخرجوا، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده، لتخرجنَّ أو لأحرقنّها على مَنْ فيها فقيل له : يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة ! فقال : وإنْ. فخرجوا فبايعوا إلّا عليّاً (عليه‌السلام ) ؛ فإنّه زعم أنّه قال : (( حلفت أنْ لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتّى أجمع القرآن )) فوقفت فاطم ة (رضي ‌الله‌ عنها) على بابه، فقالت : (( لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم ؛ تركتم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لمْ تستأمرونا، ولمْ تردّوا لنا حقّاً )).

فأتى عمر أبا بكر، فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ؟ فقال أبو بكر لقنفذ، وهو مولى له : اذهب فادع لي عليّاً قال : فذهب إلى علي (عليه‌السلام )، فقال له : (( ما حاجتك ؟)) فقال : يدعوك خليفة رسول الله فقال عليُّ : (( لسريع ما كذبتم على رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ! )).

____________________

(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٦ / ٤٥.


فرجع فأبلغ الرسالة قال : فبكى أبو بكر طويلاً، فقال عمر (ثانية) : لا تمهل هذا المتخلّف عنك بالبيعة فقال أبو بكر (رضي‌الله‌عنه ) لقنفذ : عُدْ إليه فقل له خليفة رسول الله يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدّى ما أمر به، فرفع علي (عليه‌السلام ) صوته، فقال : (( سبحان الله ! لقد ادّعى ما ليس له )) فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلاً، ثمّ قام عمر فمشى معه جماعة حتّى أتوا باب فاطمة (عليها‌السلام )، فدقّوا الباب، فلمـَّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : (( يا أبتِ يا رسول الله ! ماذا لقينا بعدك مِن ابن الخطاب وابن أبي قحافة ! )) فلمـَّا سمع القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدّع وأكبادهم تنفطّر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليّاً فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له : بايع فقال : (( إنْ أنا لمْ أفعل فمه ؟ )) قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلّا هو، نضرب عنقك فقال : (( إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله )) قال عمر : أمّا عبد الله فنعم ؛ وأمّا أخو رسوله فلا(١) وأبو بكر ساكت لا يتكلّم،

____________________

(١) أقول : وقول عمر بن الخطاب هذا فيه ردّ لما ثبت عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ حيث روي بأنّ علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) أخو رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، بحديث المؤاخاة وغيره بطرق صحيحة.

قال (في) كنز العمال - المتقي الهندي ٣١ / ١٥٩ : عن علي (عليه‌السلام ) قال : (( طلبني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فوجدني في جدول نائماً، فقال : قمْ ما ألوم الناس يسمّونك أبا تراب قال : فرآني كأنّي وجدت في نفسي مِن ذلك، [ فقال ] : قمْ والله لأرضينك ؛ أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل عن سُنّتي وتُبرئ ذمّتي مَنْ مات في عهدي فهو كنز الله، ومَنْ مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومَنْ مات بحبّك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت، ومَنْ مات يُبغضك مات ميتة جاهليّة وحوسب بما عمل في الإسلام )).

قال البوصيري : رواته ثقات.

فتح الملك العلي - أحمد بن الصديق المغربي / ٤٨ : وحديث زيد بن أبي أوفى، قال : لـمّا آخى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين أصحابه، قال عليٌّ (عليه‌السلام ) : (( لقد ذهب روحي، وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري ! )) فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( والذي بعثني بالحقّ، ما أخّرتك إلّا لنفسي ؛ وأنت منِّي بمنزلة هارون مِن موسى غير أنّه لا نبي بعدي وأنت أخي ووارثي )) قال : (( وما أرث منك يا رسول الله ؟ )) قال : (( ما ورث الأنبياء مِن قبلي )) قال : (( وما ورث الأنبياء مِن قبلك ؟ )) قال : (( كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم )) . الحديث، أخرجه الإمام أحمد في كتابه المناقب.


فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال : لا اُكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه فلحق عليٌّ بقبر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يصيح ويبكي، ويُنادي :( يابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (١) .

فقال عمر لأبي بكر (رضي ‌الله‌ عنهما) : انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلَّما عليها فلمْ تردّعليهما‌السلام ، فتكلّم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله، والله، إنّ قرابة رسول الله أحبُّ إليَّ مِن قرابتي، وإنّك لأحبُّ إليَّ مِن عائشة ابنتي، ولودَدْتُ يوم مات أبوك أنّي متُّ ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك مِن رسول الله ! إلّا أنّي سمعت أباك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة )).

فقالت : (( أرأيتكما إنْ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تعرفانه وتفعلان به ؟ )) قالا : نعم فقالت : (( نشدتكما الله ألمْ تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة مِن رضاي، وسخطُ فاطمة مِن سخطي، فمَنْ أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومَنْ أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومَنْ أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ )) قالا : نعم سمعناه مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قالت : (( فإنّي اُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النّبيَّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لأشكونَّكما إليه )) فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى مِن سخطه وسخطك يا فاطمة.

____________________

(١) سورة الأعراف / ١٥٠.


ثمّ انتحب أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أنْ تزهق، وهي تقول : (( والله، لأدعونَّ الله عليك في كلَّ صلاة اُصلّيها )) ثمّ خرج باكياً فاجتمع إليه الناس، فقال لهم : يبيت كلُّ رجل منكم معانقاً حليلته، مسروراً بأهله، وتركتموني وما أنا فيه ! لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي.

قالوا : يا خليفة رسول الله، إنّ هذا الأمر لا يستقيم وأنت أعلمنا بذلك ؛ إنّه إنْ كان هذا لمْ يقم لله دين فقال : والله، لولا ذلك وما أخافه مِن رخاوة هذه العروة ما بتُّ ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعت ورأيت مِن فاطمة !

قال : فلمْ يبايع عليٌّ (كرم الله وجهه) حتّى ماتت فا طمة (رضي ‌الله‌ عنها)، ولمْ تمكث بعد أبيها إلّا خمساً وسبعين ليلة(١) .

آثارُ الهجوم على بني هاشم

قال ابن أبي الحديد : قال أبو بكر : وحدّثني المؤمل بن جعفر، قال : حدّثني محمّد بن ميمون، قال : حدّثني داود بن المبارك، قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبى طالب (عليه‌السلام )، ونحن راجعون مِن الحجّ في جماعة، فسألناه عن مسائل، وكنتُ أحد مَنْ سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر، فقال : أجيبك بما أجاب به جدّي عبد الله بن الحسن ؛ فإنّه سُئل عنهم، فقال : كانت اُمنا صدّيقة ابنة نبيٍّ مرسل، وماتت وهى غضبى على قوم، فنحن غضاب لغضبها.

قلتُ : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيّين مِن أهل الحجاز، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمّد بن عبد الحميد العلوي، قال : أنشدني هذا الشاعر لنفسه - وذهب عنِّي اسمه - ، قال :

يا أبَا حَفْصٍ الهوينى وما

كُنتَ مليّاً بذاك لولا الحِمَام

____________________

(١) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الشيري ١ / ٣٠ - ٣١.


أتموتُ البتولُ غضبى ونرضى

ما كذا يصنعُ البنونَ الكرام

يخاطب عمر ويقول له : مهلاً ورويداً يا عمر، أي أرفق واتّئد ولا تعنف بنا وما كنت ملي، أي وما كنت أهلاً لأنْ تخاطب بهذا وتستعطف، ولا كنت قادراً على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه لولا أنّ أباها - الذي كان بيتُها يُحترم ويصان لأجله - مات، فطمع فيها مَنْ لمْ يكن يطمع ثمّ قال : أتموت اُمنا وهى غضبى ونرضى نحن ! إذاً لسنا بكرام ؛ فإنّ الولد الكريم يرضى لرضا أبيه واُمِّه ويغضب لغضبهما.

والصحيح عندي أنّها ماتت وهى واجدة على أبي بكر وعمر، وأنّها أوصت إلّا يصلّيا عليها . .إلخ(١) .

تنبيه : أقول : إنّ ما ننقله هو أصل ما صدر منهم مِن تعدّيهم على مَنْ يرضى الله لرضاهم ويغضب لغضبهم ؛ أمّا تعليل أنّهم تابوا أو ما فعلوه ذنب مغتفر أو غير ذلك مِن التبريرات الواهية، فهذا مِن أنصارهم، ولا حاجة لنا به بعد ما ذكرناه مِن الروايات الصحيحة في تعدّيهم على أهل البيت (عليهم‌السلام ).

أبو بكر يندم على كشفه بيت فاطمة (عليها‌السلام )

روى الطبراني، وابن عساكر، والمتّقي الهندي، والدارقطني، وابن أبي الحديد، واللفظ للأوّل قال: حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري، ثنا سعيد بن عفير، حدّثني علوان بن داود البجلي، عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال : دخلتُ على أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) أعوده في مرضه الذي توفّي فيه، فسلّمت عليه

____________________

(١) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٦ / ٤٨.


وسألته : كيف أصبحت ؟ فاستوى جالساً، فقلتُ : أصبحتَ بحمد الله بارئاً فقال : أما إنّي على ما ترى وجعٌ، وجعلتم لي شغلاً مع وجعي جعلتُ لكم عهداً مِن بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي، فكلكم ورّم لذلك أنفه ؛ رجاء أنْ يكون الأمر له، ورأيتم الدُّنيا قد أقبلت ولـمـَّا تُقبل وهي جائية، وستنجدون بيوتكم بسور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأذري، كأنّ أحدكم على حسك السّعدان، ووالله، لأنْ يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حدّ خيرٌ له مِن أنْ يسيح في غمرة الدُّنيا.

ثمّ قال : أما إنّي لا آسي على شيء إلّا على ثلاث فعلتهن، ودَدْتُ أنّي لمْ أفعلهنّ، وثلاث لمْ أفعلهنّ ودَدْتُ أنّي فعلتهنّ، وثلاث ودَدْتُ أنّي سألتُ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عنهنّ ؛ فأمّا الثلاث اللاتي ودَدْتُ أنّي لمْ أفعلهنّ : فودَدْتُ أنّي لمْ أكنْ كشفتُ بيت فاطمة وتركته، وأنْ أغلق على الحرب، وودَدْتُ أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنتُ قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر، فكانْ أميرَ المؤمنين وكنتُ وزيراً، وودَدْتُ أنّي حيث كنتُ وجّهتُ خالد بن الوليد إلى أهل الردّة أقمت بذي القصة ؛ فإنْ ظفر المسلمون ظفروا، وإلّا كنتُ ردءاً أو مدداً.

وأمّا اللاتي ودَدْتُ أنّي فعلتها : فودَدْتُ أنّي يوم أتيت بالأشعث أسيراً ضربتُ عنقه ؛ فإنّه يخيلُ إليَّ أنّه لا يكون شرّ إلّا طار إليه، وودَدْتُ أنّي يوم أتيت بالفُجاءة السلمي لمْ أكنْ أحرقه، وقتلته سريحاً أو أطلقته نجيحاً، وودَدْتُ أنّي حيث وجّهتُ خالد بن الوليد إلى الشام وجّهتُ عمر إلى العراق، فأكون قد بسطت يدَي، يميني وشمالي، في سبيل الله (عزَّ وجلّ).

وأمّا الثلاث اللاتي ودَدْتُ أنّي سألت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) عنهنّ : فودَدْتُ أنّي كنت سألته فيمنْ هذا الأمر فلا ينازعه أهله، وودَدْتُ أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر سبب ؟ وودَدْتُ أنّي سألته عن العمّة وبنت الأخ فإنّ في نفسي منهما حاجة(١) انتهى.

____________________

(١) المعجم الكبير - الطبراني ١ / ٦٢، تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٣٠ / ٤١٨ ذكر أكثر مِن ثلاث روايات، وفي إسنادها اختلاف، وفي بعضها لمْ يذكر علوان بن داود.

كنز العمال - المتّقي الهندي ٥ / ٦٣١، علل الدارقطني - الدار قطني ١ / ١٨١، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٢ / ٤٦.


أقول : ورجاله ثقات(١) .

____________________

= (١) الأوّل : أبو الزنباع، قال فيه ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ٣ / ٢٥٦ : تمييز - روح بن الفرج القطّان أبو الزنباع المصري روى عن يوسف بن عدي، وعمرو بن خالد الحراني، وسعيد بن عفير، وأبي صالح كاتب الليث عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير، وغيرهم.

وعنه المحاملي، والطحاوي، وعلي بن محمّد المصري، وعبد الله بن إسحاق، وأبو العبّاس الأصم، والطبراني، وكان مِن الثقات.

وقال ابن يونس : توفّي في ذي القعدة سنة ٢٨٢ ه، وكان مولده في سنة ٢٠٤ ه.

قلتُ : قال الكندي في الموالي : كان مِن أوثق الناس وقال ابن قديد : ذاك رجل نفسه، رفعه الله بالعلم والصدق وقال الخطيب : كان ثقة.

وقال أيضاً في تقريب التهذيب - ابن حجر ١ / ٣٠٤ : روح بن الفرج القطّان، أبو الزنباع (بكسر الزاي وسكون النون بعدها موحّدة) المصري، ثقة من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وثمانين، وله أربع وثمانون

الثاني : سعيد بن عفير، وهو مِن رجال الصحيحين، وقال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢ / ٤٢٧ : ٨ ٤٣٥ / ١٧ - خ م س - سعيد بن عُفير، عالم الديار المصريّة، الإمام أبو عثمان سعيد بن كثير بن عُفير بن مسلم الأنصاري، مولاهم المصرى سمع يحيى بن أيوب، ومالكاً، والليث، وسليمان بن بلال وطبقتهم وعنه البخاري، وروح بن الفرج، وأحمد بن حمّاد زغبة، وأحمد بن محمّد الرشديني، ويحيى بن عثمان، وخلق كثير وثّقه ابن عدي وغيره، وتحامل عليه الجوزجاني.

وقال أبو حاتم : كان يقرأ في كتب الناس، وهو صدوق وقال ابن يونس : كان مِن أعلم الناس بالأنساب والأخبار الماضية، وأيّام العرب والتواريخ، كان في ذلك كلّه عجباً، وكان أديباً فصيحاً حاضر الحجّة، لا تُملّ مجالسته ولا ينزف علمه، وكان مليح النظم . إلى أنْ قال : مولده في سنة ستٍّ وأربعين ومئة، وتوفّي في شهر رمضان سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (رحمه ‌الله تعالى).

وقال فيه ابن حجر - تهذيب التهذيب ٤ / ٦٦ - : . قلتُ : وذكره بن حبّان في الثقات وقال إبراهيم بن الجنيد، عن بن معين : ثقة لا بأس به وقال النسائي : سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي =


____________________

= مريم أحبّ إليّ منه وقال الحاكم : يُقال إنّ مصر لمْ تخرج أجمع للعلوم منه وقال فيه الدراقطني في علل الدارقطني ١ / ١٨٢ : فيُشبه أنْ يكون سعيد بن عُفير ضبطه عن علوان ؛ لأنّه زاد فيه رجلاً، وكان سعيد بن عُفير مِن الحفّاظ الثقات.

الثالث : علوان بن داود، وثّقه ابن حبّان في كتابه الثقات ٨ / ٥٢٦.

الرابع : حميد بن عبد الحميد، قال فيه ابن حجر في تقريب التهذيب ١ / ١٨٢ : حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي (بضم الراء بعدها همزة خفيفة) أبو عوف الكوفي، ثقة مِن الثامنة، مات سنة تسع وثمانين، وقيل : تسعين، وقيل : بعدها ع.

وقال فيه القيسراني في تذكرة الحفّاظ ١ / ٢٨٨ : حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الحافظ، الإمام المتقن أبو عوف الرواسي الكوفي، ابن أخي المحدّث إبراهيم بن حميد الرواسي روى عن أبيه، وهشام بن عروة، والأعمش، وسلمة بن نبيط، وابن أبي خالد، وابن أبي ليلى، وينزل إلى حمّاد بن زيد، وزهير بن معاوية.

وعنه أحمد، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وعلي بن حرب، وخلق أثنى عليه أحمد، ووثّقه ابن معين، وقال أبو بكر بن أبي شيبة : قلَّ مَنْ رأيت مثله وقال ابن نمير : مات سنة تسعين ومئة وقال ابن حبّان : مات في آخر سنة اثنتين وتسعين ومئة (رحمه‌ الله تعالى ).

الخامس : صالح بن كيسان، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥ / ٤٥٤ : صالح بن كيسان، الإمام الحافظ الثقة أبو محمّد، ويُقال : أبو الحارث المدني المؤدّب، مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز، يُقال : مولى بني غفّار، ويُقال : مولى بني عامر، ويُقال : مولى آل معيقيب الدوسي رأى عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وقد قال يحيى بن معين : إنّه سمع منهما، وحدّث عن عبيد الله بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسالم بن عبد الله، ونافع بن جُبير، ونافع مولى ابن عمر، ونافع مولى أبي قتادة، والقاسم بن محمّد، وابن شهاب رفيقه، وينزل إلى ابن عجلان، وإسماعيل بن محمّد بن سعد، وعدّة وكان مِن أئمّة الأثر ..

وقال عنه الذهبي أيضاً في الكاشف ١ / ٤٩٨ : صالح بن كيسان المدني، رأى ابن عمر، وسمع عروة والزهري، وعنه ابن عُيينة وإبراهيم بن سعد والداروردي ثقة جامع للفقه والحديث والمروءة قال أحمد : هو أكبر الزهري

السادس : حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال فيه الذهبي في طبقات الم-حدّثين ١ / ٣٢، تحت عنوان أكابر التابعين، قال : حميد بن عبد الرحمن بن عوف وقال فيه العجلي في معرفة الثقات ١ / ٣٢٣ : =


حالُ اُمّ المؤمنين عائشة مع الإمام عليٍّ (عليه‌السلام )

اُم المؤمنين تكره ذكر الإمام علي (عليه‌السلام ) بخير

وفي مسند أحمد رواه عبد الله بن حنبل عن أبيه، قال : حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، عن معمّر، قال : قال الزهري : وأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنّ عائشة أخبرته قالت : أوَّل ما اشتكى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أنْ يمرض في بيتها، فاُذِنَ له قالت : فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ له على رجل آخر، وهو يخطّ برجليه في الأرض.

قال عبيد الله : فحدّثتُ به ابن عبّاس، فقال : أتدرون مَنْ الرجل الآخر الذي لمْ تسمِّ عائشة؟ هو عليٌّ (عليه‌السلام )، ولكنْ عائشة لا تطيب له نفساً(١) .

____________________

= حميد بن عبد الرحمن بن عوف، تابعي ثقة مدني.

وقال ابن حبّان في الثقات ٤ / ١٤٦ : حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أخو إبراهيم وأبي سلمة واُمِّ حميد أولاد عبد الرحمن، يروي عن عثمان وأبي هريرة ومعاوية اُمّه اُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، روى عنه الزهري كنيته أبو عبد الرحمن، وقد قيل : أبو إبراهيم مات قبل عمر بن عبد العزيز بالمدينة، وقد قيل : إنّه مات سنة خمس ومئة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.

السابع : عبد الرحمن بن عوف، قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١ / ٦٨ : عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو محمّد، أحد العشرة، وأحد الستّة أهل الشورى، وأحد السّابقين البدريّين، القرشي الزهري، وهو أحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام له عدّة أحاديث، روى عنه ابن عبّاس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وبنوه : إبراهيم وحميد وأبو سلمة وعمرو ومصعب بنو عبد الرحمن، ومالك بن أوس، وطائفة سواهم له في الصحيحين حديثان، وانفرد له البخاري . إلخ.

(١) مسند أحمد - الأمام أحمد بن حنبل ٦ / ٢٢٨ أقول : وللأمانة وبيان الحقّ حُدفتْ جملة : ( لا تطيب له نفساً بخير ) مِن صحيح البخاري ١ / ١٦٨، ومِن صحيح مسلم ٢ / ٢١، =


روى ابن سعد في طبقاته، قال : أخبرنا أحمد بن الحجّاج، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال : أخبرنا معمّر ويونس، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : أنّ عائشة زوج النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لـمّا ثَقُلَ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) واشتدّ وجعه، استأذن أزواجه في أنْ يمرض في بيتي، فاُذِنَ له‌، فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض، بين ابن عبّاس - تعني الفضل - ورجل آخر.

قال عبيد الله : فأخبرت ابن عبّاس بما قالت، قال : فهل تدري مَنْ الرجل الآخر الذي لمْ تسمِّ عائشة ؟ قال : قلت : لا قال ابن عبّاس : هو عليٌّ (عليه‌السلام )، إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير(١) .

روى الطبري، قال : حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق، حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا علي بن مجاهد، قال : حدّثنا ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن محمّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة زوج النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قالت : رجع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )

____________________

= وسنن النسائي ٢ / ١٠٢، والسنن الكبرى - البيهقي ٣ / ٨٠، والسنن الكبرى - البيهقي ٨ / ١٥١، ومسند ابن راهويه - إسحاق بن راهويه ٢ / ٥٠٤، وحديث خيثمة - خيثمة بن سليمان الأطرابلسي / ١٣٨، وصحيح ابن حبّان - ابن حبّان ١٤ / ٥٦٨، ومسند أبي يعلي / ٥٦، و السيرة النبوية - عبد الملك بن هشام المعافري ٦ / ٦٤، اقتصروا مِن قول ابن عبّاس على قوله : قال عبيد الله : فحدّثت هذا الحديث عبد الله بن عبّاس، قال : تدري مَنْ الرجل الآخر ؟ قال : قلت : لا قال : عليٌّ.

(١) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٢ / ٢٣٢.


مِن البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول : وا رأساه ! قال : (( بل أنا والله يا عائشة، وارأساه ! ))، ثمّ قال : ((ما ضرّكِ لو متِّ قبلي، فقمتُ عليك وكفّنتك، وصلّيت عليك ودفنتك )) فقلتُ : والله، لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعتَ إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك قالت : فتبسّم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وتنام به وجعه، وهو يدور على نسائه، حتّى استعزَّ به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهنّ أنْ يمرض في بيتي، فاُذِنَ له، فخرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بين رجلين مِن أهله : أحدهما الفضل بن العبّاس، ورجل آخر، تخطّ قدماه الأرض، عاصباً رأسه حتّى دخل بيتي.

قال عبيد الله : فحدّثت هذا الحديث عنها عبد الله بن عبّاس، فقال : هل تدري مَنْ الرجل ؟ قلت : لا قال : عليّ بن أبي طالب (عليه‌السلام )، ولكنّها كانت لا تقدر على أنْ تذكره بخير، وهي تستطيع(١)

لـمـَّا سمعتْ ببيعة الناس لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) قالت : ودَدْتُ أنّ السّماء سقطت على الأرض

قال سبط ابن الجوزي، والطبري، واللفظ للأوّل قال : وفي الباب حكاية ذكرها صاحب بيت مال العلوم، وذكرها أيضاً صاحب عقلاء المجانين، عن أبي الهُذيل العلاّف، قال : سافرت مع المأمون إلى الرّقّة، فبينما أنا أسير في الفرات إذ مررنا بدير فوُصف لي فيه مجنون يتكلّم بالحكمة، فدخلتُ الدير، وإذا برجل وسيم نظيف فصيح، وهو مقيّد، فسلَّمت عليه فردَّ السّلام، ثمّ قال : قلبي يحدّثني أنّك لست مِن أهل هذه المدينة القليل عقول أهلها - يعني الرّقّة - قلت : نعم أنا مِن العراق فقال : إنّي أسألك فافهم ما أقول فقلتُ : سَل.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٢ / ٢٢٦.


فقال : اخبرني عن النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) هل أوصى ؟ قلتُ : لا قال : فكيف ولي أبو بكر (رض) مجلسه من غير وصية ؟! فقلتُ : اختاره المهاجرون والأنصار ورضى به الناس فقال : كيف أجازه المهاجرون، وقد قال الزبير بن العوام : لا اُبايع إلّا عليَّ بن أبي طالب (عليه‌السلام )، وكذا العباس؟! وكيف اختاره الأنصار، وقد قالت : منَّا أمير ومنكم أمير، وولّوا سعد بن عبادة يوم السّقيفة، وقال عمر (رض) : اقتلوا سعداً قتله الله ؟! وكيف تقول : رضى به الناس، وقد قال سلمان الفارسي : كردي نكردي، أي فعلتموها، فَوجِئَتْ عُنُقُه ؟! وقال أبو سفيان بن حرب لعلي (عليه‌السلام ) : امدد يدك لاُبايعك، وإنْ شئت ملأتها خيلاً ورجالاً، ثمّ قعد بنو هاشم عن بيعة أبي بكر ستّة أشهر، فأين الإجماع ؟!

ثمّ لـمـَّا مات ولي أبو بكر الخلافة وحمد الله، ثمّ قال : وليتكم ولست بخيركم وكيف يتقدّم المفضول على الفاضل ؟! ولـمـَّا ولي عمر (رض) قال : ودَدْتُ أنّي كنت شعرة في صدر أبي بكر، ثمّ قال بعد ذلك : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله الاُمّة شرها، فمَنْ عادَ إلى مثلها فاقتلوه ؟! ثمّ إنّ عمر ردَّ السّبي الذي سباه خالد بن الوليد في أيّام أبي بكر ؛ فإنّ خالداً تزوّج امرأة مالك بن نويرة فردَّها عمر بعدما ولدت منه، ثمّ ولَّى عمر صهيباً على أصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وهو عبد النمر بن قاسط، وكلّ هذا تناقض !!

وأخبرني عن عبد الرحمن بن عوف حين ولّى عثمان (رضي‌الله‌عنه ) الخلافة واختاره، هل ولاّه إلّا وهو يعرفه ؟ قلتُ : لا، فقد قال عبد الرحمن بن عوف بعد ذلك : ما كنت أحبّ أنْ أعيش حتّى يقول لي عثمان : يا منافق فمعرفة عثمان عبد الرحمن حين نسبه إلى النفاق كمعرفة عثمان إيّاه إذ ولاّه الخلافة !


وأخبرني عن عائشة لـمـَّا كانت تحرّض الناس على عثمان يوم الدار وتقول : اقتلوا نعثلاً - قتله الله - فقد كفر، فلمـَّا ولي علي (عليه‌السلام ) الخلافة قالت : ودَدْتُ أنّ هذه سقطت على هذه، تعني السّماء على الأرض(١) ، ثمّ خرجت مِن بيتها تقاتل عليّاً (عليه‌السلام ) مع طلحة والزبير، وتسفك الدّم الحرام، والله تعالى يقول :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُولَى ) (٢) وهذه مخالفة لله تعالى !!

ولـمـَّا قُتل عثمان جاء المسلمون والصحابة إرسالاً إلى علي (عليه‌السلام ) ليبايعوه، فلمْ يفعل حتّى قالوا له : والله، لئن لمْ تفعل لنلحقنَّك بعثمان.

فأخبرني أيُّما آكد : مَن ضرب سعداً ووجأ عنق سلمان، كمَنْ جاء الناس يكرهونه على البيعة؟ قال : فلمْ أحر جواباً، وسقط في يدي قال : في كمْ يجب القطع في السّرقة ؟ قلت : ربع دينار. فقال : كمْ أعطاك هذا الذي جئت معه إلى هاهنا ؟ فقلت : خمسمئة دينار فقال : يجب أنْ تُقطع أعضاؤك بحساب ما أخذت قلت : ولِمَ ؟! قال : لأنّك سرقت مال المسلمين فقلت : الخليفة أعطاني مِن ماله فقال : ومِن أين ماله ؟ المال لله تعالى ولعامّة المسلمين والله، إنّك لأحقُّ بهذا السّعوط الذي اُسعط به كلّ يوم والقيد منِّي قال : فخرجت مِن عنده وأنا خجلٌ، فحدّثت المأمون حديثه، فاستطرفه وبقي زماناً يستعيده منِّي(٣) .

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ١٢، ذكر قولها هذا.

(٢) سورة الأحزاب / ٣٣.

(٣) تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٦٣ - ٦٤ ط منشورات الشريف الرضي أقول : مَنْ يتكلّم بهذا ليس من المجانين، ولكنّه ما حُبس وفُعل به ما فُعل إلّا لأنّه مِن أصحاب اللسان والعقل، مِن أصحاب أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) الذين يُخشى منهم.


اتخاذُها قتل عثمان وسيلة للخروج على أمير المؤمنين (عليه‌السلام )

روى الطبري، قال : حدّثني عمر بن شعبة، قال : حدّثنا أبو الحسن المدائني، قال : حدّثنا سُحيم مولى وبرة التميمي، عن عبيد بن عمرو القرشي، قال : خرجت عائشة (رضي ‌الله‌ عنها ) وعثمان محصور، فقدم عليها (من) مكّة رجل يُقال له : أخضر، فقالت : ما صنع الناس ؟ فقال: قتل عثمانُ المصريِّين قالت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أيقتل قوماً جاؤوا يطلبون الحقّ وينكرون الظلم ! والله، لا نرضى بهذا(١) ثمّ قدم آخر، فقالت : ما صنع الناس ؟ قال : قتل المصريون عثمانَ قالت : العجب لأخضر ! زعم أنّ المقتول هو القاتل فكان يُضرب به المثل : أكذب مِن أخضر(٢) .

وذكر الطبري تحت عنوان ( قول عائشة ( رضي ‌الله‌ عنها) : والله، لأطلبنَّ بدم عثمان، وخروجها وطلحة والزبير فيمن تبعهم إلى البصرة ) رواه الطبري، وسبط ابن الجوزي، واللفظ للأوّل قال : كتب إليَّ علي بن أحمد بن الحسن العجلي أنّ الحُسين بن نصر العطّار، قال : حدّثنا أبي نصر بن مزاحم العطّار، قال : حدّثنا سيف بن عمر، عن محمّد بن نويرة وطلحة بن الأعلم الحنفي، قال : وحدّثنا عمر بن سعد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك مِن أهل العلم : أنّ عائشة ( رضي ‌الله‌ عنها ) لـمـَّا انتهت إلى (سرف) راجعة في طريقها إلى مكّة لقيها عبد بن اُمّ كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، يُنسب إلى اُمِّه - فقالت له : مهيم(٣) ؟

____________________

(١) فموقف عائشة المضاد لمْ يتغيّر تجاه عثمان إلى حين قتله ؛ ولهذا قالت عن المصريين : إنّهم قوم خرجوا يطلبون الحقّ وينكرون الظلم.

(٢) تاريخ الطبري ٣ / ٧.

(٣) الصحاح - الجوهري ٥ / ٢٠٣٨، قال : ( مهيم ) : كلمة يستفهم بها، معناها : ما حالك وما شأنك ؟


قال : قتلوا عثمان (رضي‌الله‌عنه )، فمكثوا ثمانياً قالت : ثمّ صنعوا ماذا ؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الاُمور إلى خير مجاز ؛ اجتمعوا على علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فقالت: والله، ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إنْ تمَّ الأمر لصاحبك، ردّوني ردّوني فانصرفت إلى مكّة، وهي تقول : قُتِلَ - والله - عثمان مظلوماً والله، لأطلبنَّ بدمه فقال لها ابن اُمِّ كلاب : ولِمَ ؟! فوالله إنّ أوَّل مَنْ أمال حرفه لأنتِ، ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

قالت : إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه، وقد قلتُ وقالوا، وقولي الأخير خيرٌ مِن قولي الأوّل فقال لها ابنُ اُمّ كلاب :

فَمِنْكِ البداءُ ومنكِ الغِيَرْ

ومنكِ الرياحُ ومنكِ المطرْ

وأنتِ أمرتِ بقتلِ الإمامِ

وقلتِ لنا إنّه قد كَفَرْ

فَهَبْنَا أطعناكِ في قتلِهِ

وقاتلُه عندَنا مَنْ أَمَرْ

ولم يسقطِ السّقفُ من فوقِنا

ولم تنكسف شَمْسُنا والقمرْ

وقد بايعَ الناسُ ذا تُدرَإٍ

يُزيلُ الشّبا ويقيم الصَّعَرْ

ويلبسُ للحربِ أثوابَها

وما مَنْ وفى مِثْلُ مَنْ قَدْ غَدَرْ

فانصرفتْ إلى مكّة، فنزلتْ على باب المسجد فقصدتْ للحجر فسُترتْ، واجتمع إليها الناس، فقالت : يا أيُّها الناس، إنّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، ووالله، لأطلبنَّ بدمه(١) .

ما قاله الشاعرُ أحمد شوقي في خروجها على أمير المؤمنين (عليه‌السلام )

قال أحمد شوقي :

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ١٢، تذكرة الخواصّ - سبط ابن الجوزي / ٦٦ - ٦٧ ط منشورات الشريف الرضي، ولكنّه ذكر بدل (ومنك الغير) (ومنك العويل)، وبدل (رجاء لنا أنّه قد كفر) (وقلت لنا أنّه قد كفر)، وبدل (للحرب أثوابها) (للحرب أوزارها)، وبدل (قد غدر) (قد عثر).


أمَّا الإمام فالأغرُّ الهادي

حامي عرين الحقِّ والجهادِ

يا جبلاً تأبى الجبَالُ ما حَمَلْ

ماذا جنتْ عليك رَبَّةُ الجَمَلْ

آثارُ عثمانَ الذي شَجَاها

أم غُصَّةٌ لمْ ينتزعْ شَجَاها

قضيةٌ مِنْ دمِهِ تبنيها

هَبَّتْ لها واستنفرتْ بنيها

ذلك فتقٌ لم يكنْ بالبالِ

كيدُ النساءِ موْهِنُ الجبالِ

إلى أنْ يقول :

صاحبةُ الهادي وصاحباهُ

فكيف يمضون لِمَا يأباهُ

وجاء في الاُسْدِ أبو تُرَابِ

على متون الضمَّر العرَابِ

يرجو لِصدْعِ المؤمنين رَأْبَا

وأمهُمْ تدفعُهُ وتأبى(١)

نهيُ النّبيّ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لها عن الخروج على الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام )

قال الهيثمي في مجمعه : وعن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) قال : (( قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : إنّه سيكون اختلاف وأمر، فإنْ استطعت أنْ تكون السلم فافعل )) رواه عبد الله، ورجاله ثقات(٢) .

وقال أيضاً : وعن أبي رافع أنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) : (( إنّه سيكون بينك وبين عائشة أمر قال : أنا يا رسول الله ! قال : نعم قال : أنا أشقاهم يا رسول الله ! قال : لا، ولكنْ إذا كان ذلك فاردُدْها إلى

____________________

(١) الموسوعة الشوقيّة، جمع وترتيب إبراهيم الأنباري ٩ / ٦٢، دول العرب وعظماء الإسلام، نقلاً من كتاب وارثة خديجة اُمّ سلمة اُمّ المؤمنين للعلّامه الشيخ نزار سنبل (حفظه الله ورعاه).

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٢٣٤، وفي ط ص٤٧٣ - ٤٧٤.


مأمنها )) رواه أحمد والبزّار والطبراني، ورجاله ثقات(١) .

وقال أيضاً : وعن قيس بن أبي حازم : أنّ عائشة لـمـَّا نزلت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت : ما أظنّني إلّا راجعة ؛ سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول لنا : (( أيّتكنَّ ينبح عليها كلاب الحوأب ؟ )) فقال لها الزبير : ترجعين عسى الله أنْ يصلح بك بين الناس رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار، ورجال أحمد رجال الصحيح(٢) .

وقال أيضاً : وعن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لنسائه : (( ليت شعري ! أيّتكنَّ صاحبة الجمل الأدبب تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يُقتلُ عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثمّ تنجو بعد ما كادت ؟ )) رواه البزّار، ورجاله ثقات(٣) .

وقال عبد الرزاق الصنعاني في المصنّف : أخبرنا عبد الرزاق عن معمّر، عن ابن طاووس، عن أبيه : أنّ النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال لنسائه : (( أيّتكن تنبحها كلاب ماء كذا وكذا )) - يعني الحوأب - فلمـَّا خرجت عائشة إلى البصرة نبحتها الكلاب، فقالت : ما اسم هذا الماء ؟ فأخبروها، فقالت : ردّوني فأبى عليها ابن الزبير(٤) .

وقال الهيثمي أيضاً : وعن أبي سعيد - يعني الخدري - قال : كنَّا عند بيت النّبي(صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في نفر مِن المهاجرين والأنصار، فقال : (( ألا اُخبركم بخياركم )) قالوا :

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٢٣٤، و في ط ص٤٧٤.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) المصنّف - عبد الرزاق الصنعاني ١١ / ٣٦٥.


بلى قال : (( خيارُكم الموفون المطيّبون ؛ إنّ الله يُحبُّ الخفيَّ التقيَّ )) قال : ومرَّ علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، فقال : (( الحقّ مع ذا، الحقّ مع ذا )) رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات(١) .

أقول : لا يخفى على مسلم، فضلاً عن أمِّ المؤمنين عائشة، بأنّ الإمام علياً (عليه‌السلام ) الحقّ معه والقرآن معه، بل هو الحقّ المبين الذي بيّنه الرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لجميع المسلمين، فلا تشك بأنّها تخرج وهي ظالمة له، وبهذه الروايات يعرف موقفها.

أما أنّها أرادت الإصلاح فهذا لا يعقل ؛ بمخالفتها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بما تقدّم عليك مِن الروايات، بل حتّى لو لمْ توجد هذه الروايات فخروجها خروج بغير حقٍّ ؛ إذ ليست هي وليّة دم عثمان بن عفّان حتّى يجوز لها المطالبة بدمه ويُقتل مَنْ يُقتل بسببها، وأيضاً لا عذر لها في خروجها على أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ؛ وذلك لما ثبت في حقِّ علي (عليه‌السلام ) بأنّه مع الحقّ والحقّ معه، والقرآن معه، وأنّ حبَّه إيمان وبغضه نفاق، وغيرها، كيف بقتله ؟! فلو أرادت الإصلاح، فلماذا خرجت بأخذ الثأر ؟! ولماذا أمرت بالتمثيل وقتل والي البصرة ؟!(٢) ، ولماذا لمْ تتوقّف عن الحرب، بل استمرت في حربها عدّة

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٧ / ٢٣٤، وفي ط ص٤٧٥.

(٢) قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ / ٦٩، ط منشورات الشريف الرضي : ثمّ إنّ طلحة والزبير اغتالا عثمان بن حنيف في ليلة مظلمة، وكان بالمسجد في جماعة، فأوطؤه الأرجل، ونتفوا شعر وجهه فما أبقوا فيه شعرة، وأرسلوا إلى عائشة ليستشيروها فيه، فقالت : اقتلوه فقالت لها امرأة : ناشدتك الله في عثمان ؛ فإنّه صاحب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فقالت : احبسوه واضربوه أربعين سوطاً، وانتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبه وأشفار عينيه ففعلوا، ونهبوا بيت مال البصرة، وقتلوا سبعين رجلاً مِن المسلمين بغير جرم، فهم أوَّل مَنْ قُتِلَ في الإسلام ظلماً.

وذكر سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ أيضاً / ٦٢، ط منشورات الشريف الرضي، قول أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في طلحة والزبير عندما أرادا الخروج عليه [ وقد ] استحجّا بالذهاب إلى العمرة، قال : . وقالا : ائذن لنا في العمرة فقال : (( والله، ما تريدان العمرة، وإنّما تريدان الغدرة والفتنة )) فقالا : كلاّ والله فقال : (( قد أذنت لكما، فافعلا ما شئتما )) وذلك بعد أربعة أشهر مِن خلافته (عليه‌السلام ).


أيّام، وقُتِلَ الاُلوف مِن المسلمين، ومع ذلك يُقال : إنّها أرادت الإصلاح ؟!

هذا والشيء الآخر ما جرى بينها وبين اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة (رضوان الله تعالى عليها) ؛ حيث إنّها نبّهتها وذكّرتها - لكي لا تدّعي النسيان أو غيره - بما قاله الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فإليك ما ذكره أبو جعفر الإسكافي المعتزلي تحت عنوان :

[ ما خطّته اُمّ المؤمنين عائشة، ونقضته اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة (سلام الله عليها) ]

قال أبو جعفر الإسكافي : وفيما يؤثر عنها أنّ عائشة لـمـَّا لقيتها بمكّة قالت لها : يا بنت أبي اُميّة، كنتِ أوَّل ظعينة هاجرت، وكنت كبيرة اُمّهات المؤمنين، وكان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يُقسم لنا مِن بيتك، وكان جبريل أكثر شيء تعبّداً في بيتك.

قالت اُمّ سلمة : يا بنت أبي بكر، لأمرٍ ما تقولين هذا القول قالت عائشة : إنّ ابني وابن اُختي أخبراني أنّ القوم استتابوا الرجل حتّى إذا تاب قتلوه - يعني عثمان -، وأخبراني أنّ ابن عامر أخبرهم أنّ بالبصرة مئة ألف يغضبون لقتله ويطلبون بدمه، وقد خشيت أنْ يكون بين الناس حرباً ودماً، فهل لكِ أنْ أسير أنا وأنت لعلّ الله أنْ يُصلح هذا الأمر على أيدينا ؟

قالت لها اُم سلمة : يا بنت أبي بكر، أبدم عثمان تطلبين ؟! فوالله، إنْ كنتِ لأشدَّ الناس عليه، وما كنتِ تدْعينه إلّا نعثلاً ! أمْ على عليِّ بن أبي طالب (عليه‌السلام ) تنقمين وقد بايعه المهاجرون والأنصار ؟! اُذكّرك الله خمساً سمعتهن أنا وأنتِ مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قالت : وما هنَّ ؟ قالت : [أتذكرين] يوم أقبل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونحن معه، حتّى إذا هبط مِن (قديد) مال الناس ذات اليمين وذات الشمال،


فأقبل هو وعلي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) يتناجيان، فأقبلتِ على جملك [عليهما] فنهيتُك، وقلتُ : رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مع ابن عمِّه، ولعلّ لهما حاجة، فعصيتيني فهجمت عليهما، فلمْ تلبثي أنْ رجعتِ تبكين، فقلتُ لكِ : قد نهيتك، فقلتِ : والله، ما جرّأني على ذلك إلّا أنّه يومي مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، فقلتُ لكِ : ما أبكاكِ ؟ فقلتِ : هجمت عليهما فقلتُ : يا علي، إنّما لي مِن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مِن تسعة أيّام يومٌ، فلا تَدَعْني ويومي ؟ فأقبل عليَّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) غضباناً محمّراً وجهه، فقال : (( والله، لا يبغضه أحدٌ مِن أهل بيتي وغيرهم إلّا خرج مِن الإيمان، وإنّه مع الحقِّ والحقّ معه )) أتذكرين هذا ؟ قالت : نعم.

قالت : ويوم كنتُ أنا وأنت مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس [ له ] حيساً، وكان يعجبه، فرفع رأسه إليَّ، فقال : (( يا بنتَ أبي اُميّة، اُعيذك بالله أنْ تكوني منبحة كلاب الحوأب، وأنت يومئذ ناكبة عن الصراط )) فرفعتُ يدي مِن الحيس، فقلتُ : أعوذ بالله وبرسوله مِن ذلك فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( إنّ إحداكنَّ تفعل هذا )) أتذكرين هذا ؟ قالت : نعم.

قالت : ويوم كنَّا أزواج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بيت حفصة بنت عمر فتبذّلنا لرسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولبست كلُّ امرأة منَّا ثياب صاحبتها، فأقبل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) حتّى جلس إلى جنبك، وكنت تعجبينه، فقال - وضرب بيده على ظهرك - : (( أترين يا حُميراء أنّي لا أعرفك، إنّ لاُمّتي منك يوماً مرّاً )) أتذكرين هذا ؟ قالت : نعم.

قالت : ويوم كنتُ أنا وأنت مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في بعض أسفاره، وكان علي (عليه‌السلام ) يتعاهد ثياب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ونعله،


فإذا رأى ثوبه قد توسّخ غسله، وإذا رأى نعله قد نقبت أو رثّت خصفه، فأقبل علي (عليه‌السلام ) يوماً فأخذ نعل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فخصفها في ظل سمرة، فأقبل أبوك وعمر فاستأذنا، فقمنا إلى الحجاب فدخلا، ثمّ قالا : يا رسول الله، إنّا - والله - ما ندري ما قدر ما تصحبنا، أفلا تعلمنا خليفتك فينا فيكون مفزعنا إليه ؟ فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أما إنّي قد أرى مكانه، ولو فعلتُ لنفرتم عنه كما نفرت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران )).

فلمـَّا أنْ خرجا خرجتُ أنا وأنت، فقلتِ له - وكنتِ جريئة عليه - : يا رسول الله، مَنْ كنتَ مستخلفاً عليهم ؟ فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( خاصف النعل )) قالت : فنظرتِ إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) فقلتِ : يا رسول الله، ما أرى إلّا علي بن أبي طالب فقال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( هو ذاك )) أتذكرين هذا ؟ قالت : نعم.

قالت : ويوم جمع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أزواجه عند موته، فقال : (( يا نسائي، اتّقينَ الله وقَرْنَ في بيوتكنَّ، ولا يستفزنَّكنَّ أحد )) أتذكرين هذا ؟ قالت : نعم فخرجتُ مِن عندها وقد ضعفت عزيمتها وفترت عن الخروج، وأمرت مناديها فنادى بمكّة : ألا إنّ اُمّ المؤمنين قد بدا لها مِن الخروج فاجتمع عليها طلحة والزبير، ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير، فقلبوا رأيها وموّهوا الاُمور عليها، واستغلطوها واستغفلوها، وقالوا لها : تخرجين وتصلحين بين الناس، فلعلّ الله أنْ يدفع بك الفتنة، فهو أعظم لأجرك.


فردّوا رأيها وقوّوا عزمها(١) .

وبهذا خالفت اُمّ المؤمنين الله ورسوله، وأطاعت الزبير وابنه ومروان بن الحكم، فخرجت على إمام زمانها حتّى قال أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) : (( فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) كَمَا تُجَرُّ الأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا، متَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا، وأبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مكْرَهٍ، فَقَدِموا عَلَى عَامِلِي بِهَا، وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَطَائِفَةً غَدْراً فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمسْلِمِينَ إلّا رَجُلاً وَاحِداً معْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ، بِلا جُرْمٍ جَرَّهُ، لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ ؛ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَلا بِيَدٍ، دَعْ مَا إنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ ))(٢) .

روى الطبري، وابن الجوزي، واللفظ للأوّل قال : ذكر نصر بن مزاحم، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمّد، قال : وأقبل جارية بن قُدامة السّعدي، فقال : يا اُمَّ المؤمنين، والله، لَقتلُ عثمان بن عفّان أهون مِن خروجك مِن بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسّلاح، إنّه قد كان لكِ مِن الله ستراً وحرمة، فهتكتِ ستركِ وأبحتِ حُرمتِك إنّه مَنْ رأى قتالك فإنّه يرى قتلَك ؛ إنْ كنت أتيتينا طائعة فارجعي إلى منزلكِ، وإنْ كنتِ أتيتينا

____________________

(١) المعيار والموازنة - أبو جعفر الإسكافي / ٢٧ - ٢٩.

(٢) نهج البلاغة ٢ / ٥٨، خطبة رقم ١٧٢، شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ٩ / ٣٠٨، [وذمّهم] بإخراجهم حرمة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورد كثيراً في الكتب التاريخيّة.


مستكرهة فاستعيني بالناس.

قال : فخرج غلام شاب مِن بني سعد إلى طلحة والزبير، فقال : أمّا أنت يا زبير فحواري رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأمّا أنت يا طلحة، فوقيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بيدك، وأرى اُمَّكما معكما فهل جئتما بنسائكم ؟ قالا : لا قال : فما أنا منكما في شيء واعتزل.

وقال السّعدي في ذلك :

صُنْتُمْ حلائِلَكُم وَقُدْتُم اُمَّكم

هذا لَعَمْرُكَ قِلَّةُ الإنصافِ

اُمِرَتْ بجرِّ ذيولِها في بيتِها

فَهَوَتْ تشقُّ البيدَ بالإيجافِ

غرضاً يقاتلُ دونَها أبناؤُها

بالنبلِ والخطيِّ والأسيافِ

هتكتْ بطلحةَ والزُّبيرِ ستورَها

هذا المخبِّرُ عنهُم والكافي

وأقبل غلام مِن جهينة على محمّد بن طلحة - وكان محمّد رجلاً عابداً - فقال : أخبرني عن قَتَلة عثمان ؟ فقال : نعم، دم عثمان ثلاث أثلاث : ثلث على صاحبة الهودج - يعني عائشة -، وثلث على صاحب الجمل الأحمر - يعنى طلحة -، وثلث على عليِّ بن أبي طالب.

وضحك الغلام، وقال : ألا أراني على ضلال ! ولحق بعليٍّ (عليه‌السلام )، وقال في ذلك شعراً :

سألتُ ابنَ طلحةَ عن هالكٍ

بجوفِ المدينةِ لَمْ يُقْبَرِ

فقال ثلاثةُ رهطٍ هُم

أماتوا ابنَ عفّانَ واستعبرِ

فثلثٌ على تلك في خدرِها

وثلثٌ على راكبِ الأحمرِ

وثلثٌ على ابنِ أبي طالبٍ

ونحن بدَوِّيَّةٍ قَرْقَرِ

فقلتُ صدقتَ على الأوَّليْنِ

وأَخْطَأت في الثالثِ الأزهرِ(١)

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ١٦، تذكرة الخواصّ - ابن الجوزي / ٦٨، بإيجاز ولمْ يذكر قضية الغلام الذي مِن جهينة.


فرحُها بقتل أمير المؤمنين (عليه‌السلام )

قال الطبري : ولـمـَّا انتهى إلى عائشة قتل علي (رضي‌الله‌عنه )، قالت :

فألقتْ عصاها واستقرَّت بها النَّوى

كما قرَّ عيناً بالإيابِ المسافرُ

فمَنْ قتله ؟ قيل : رجل مِن مراد فقالت :

فإنْ يَكُ نائياً فَلَقَدْ نعاهُ

غلامٌ ليس في فيهِ الترابُ

فقالت زينب ابنة أبي سلمة : ألعليٍّ تقولين هذا ؟! فقالت : إنّي أنسى، فإذا نسيت فذكّروني(١) .

روى ابن سعد، والبلاذري، واللفظ للأوّل قال : قالوا : وذهب بقتل علي (عليه‌السلام ) إلى الحجاز سفيان بن اُميّة بن أبي سفيان بن اُميّة بن عبد شمس، فبلغ ذلك عائشة، فقالت :

فألقتْ عصاها واستقرَّتْ بها النَّوى

كما قرَّ عيناً بالإيابِ المسافرُ(٢)

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ١٥٩.

(٢) الطبقات الكبرى - ابن سعد ٣ / ٤٠، وفي ط ص٢٩، أنساب الأشراف - البلاذري ٣ / ٢٦٣.



تخصيصُ بعض مَنْ قُتِلَ مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) بالذكر

ومِن بعض ما يوجّه المتطرّفون على الشيعة هو تخصيصهم في واقعة كربلاء ذكر بعض أبناء أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) دون البقية، مثل عمر وأبي بكر وعثمان.

أوّلاً : أنّ عمر ليس عندنا أنّه قُتِلَ مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وقد نبَّه على ذلك السيّد الخوئي (قدس‌سره ) في كتابه معجم رجال الحديث(١) .

____________________

(١) قال في معجم رجال الحديث - السيّد الخوئي ٤١ / ٥١ : ٨٧٨٧ - عمر بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، قال ابن داود ( ١١٠٧ ) مِن القسم الأوّل : عمر بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) (ي) (جخ)، معروف.

أقول : إنّ عمر بن علي وإنْ كان معروفاً، إلّا أنّه لمْ ينسبه إلى رجال الشيخ غيره وكيف كان فقد قال ابن شهر آشوب: إنّه قتل في واقعة الطّف بين يدي الحُسين (عليه‌السلام ) المناقب ٤ - باب إمامة أبي عبد الله الحُسين بن علي (عليهما‌السلام )، فصل في مقتله (عليه‌السلام )، قبل ذكر المقتولين في الحملة الاُولى.

هذا وقد ذكر في فصل، في المفردات والنصوص عليه، مِن هذا الباب : أنّ عمر بن علي خاصم عليَّ بن الحُسين إلى عبد الملك في صدقات النّبي وأمير المؤمنين (عليهما‌السلام )، فقال : يا أمير المؤمنين، أنا ابن المصدّق وهذا ابن ابن، فأنا أولى بها منه.

فتمثّل عبد الملك بقول أبي الحقيق :

لا تجعلِ الباطلَ حقَّا ولا

تلطَّ دونَ الحقِّ بالباطلِ

قم يا علي بن الحُسين فقد ولّيتكها فقام، فلمـَّا خرج تناوله عمر وآذاه، فسكت عنه فلمْ يرد عليه شيئاً، فلمـَّا كان بعد ذلك، دخل محمّد بن عمر على علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، فسلّم عليه وأكبّ عليه يُقبّله، فقال عليٌّ (عليه‌السلام ) : (( يابن عمّ، لا تمنعني قطيعة أبيك أنْ أصل رحمك، فقد زوّجتك ابنتي خديجة ابنة علي )) انتهى.

أقول : مقتضى هذا الكلام، إنّ عمر بن علي كان باقياً إلى زمان عبد الملك، فكيف يمكن أنْ يكون مِن شهداء الطّفِّ؟! واحتمال التعدّد مفقود ؛ إذ الحاضرون لأولاد أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) لمْ يذكروا إلّا وأحداً مسمّى بعمر، وهذا هو الصحيح.

[ وقد ] ذكر الشيخ المفيد في =


بل قد نصّ على موته سنة ٦٦ ه صاحب التاريخ الصفري في كتابه تاريخ خليفة بن خيّاط / ٢٠٣، قال خليفة : وفيها وقعة المذار، وفيها قُتِلَ عمر بن علي بن أبي طالب، ومحمّد بن الأشعث بن قيس، وقُتِلَ المختار بن أبي عبيد دخل عليه القصر طريف وطراف، أخوان مِن بني حنيفة فقتلاه، وأتيا مصعب برأسه فأعطاهما ثلاثين ألفاً.

وذكر الطبراني بسند صحيح مَنْ قُتِلَ مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) مِن الهاشميِّين، ولمْ يذكر عمر بن علي(١) ، وأيضاً ابن سعد في بيان تعداد أولاد أمير المؤمنين (عليه‌السلام

____________________

= الإرشاد قصة تظلّم عمر بن علي إلى عبد الملك مِن نفسه، بعد أنْ ردّ عبد الملك صدقات النّبي وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) إلى علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، فتمثّل عبد الملك بقول أبي الحقيق :

إنَّا إذا مالت دواعي الهوى

وأنصتَ السامعُ للقائلِ

واصطرعَ الناسُ بألبابِهِم

نقضي بحكمٍ عادلٍ فاصلِ

لا نجعلُ الباطلَ حقّا ولا

نلطُّ دونَ الحقِّ بالباطلِ

نخافُ أَنْ تسفَه أحلامنا

فنخملُ الدهرَ مَعَ الخاملِ

الإرشاد، باب إمامة أبي محمّد علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، باب في طرف مِن أخبار علي بن الحُسين (عليه‌السلام )، الحديث٢٠.

ويؤكد ما ذكرناه أنّه لمْ يذكر في المستشهدين في واقعة الطفِّ في شيء مِن الكتب المشهورة.

(١) قال في المعجم الكبير - الطبراني ٣ / ١٠٣ : ٢٨٠٣ - حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا يحيى بن بكير، حدّثني الليث بن سعد قال : توفّي معاوية (رضي‌الله‌عنه ) في رجب لأربع ليالٍ خلت منه، واستخلف يزيد سنتين، وفي سنة إحدى وستّين قُتِلَ الحُسين بن علي وأصحابه (رضي‌ الله‌ عنهم) لعشر ليالٍ خلون مِن المحرّم يوم عاشوراء، وقُتِلَ العبّاس بن علي بن أبي طالب، واُمه اُم البنين عامرية، وجعفر بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن علي بن أبي طالب، وعثمان بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن علي بن أبي طالب، واُمه ليلى بنت مسعود نهشلية، وعلي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب الأكبر (عليه‌السلام )، واُمه ليلى ثقفيّة، وعبد الله بن الحُسين، واُمه الرباب بنت امرئ القيس كلبيّة، وأبو بكر بن الحُسين لاُمّ ولد، والقاسم بن =


وحيث نصَّ على مَنْ قُتِلَ مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، ولـمـَّا ذكر عمر بن علي لمْ يذكره فيمَنْ قُتِلَ مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) مِن إخوته(١) .

وكذا ابن كثير(٢) وابن حبّان، ذكرا مَنْ قُتِلَ مع الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، ولمْ يذكرا عمر بن علي منهم(٣) ، وقد صرّح الذهبي(٤) أنّه بقي حتّى زمان الوليد بن عبد الملك.

____________________

= الحسن لاُم ولد، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وسليمان مولى الحُسين، وعبد الله رضيع الحُسين ( رضي ‌الله‌ عنهم ) وقُتِلَ الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) وهو ابن ثمان وخمسين.

وقال الهيثمي، تعليقاً على ما رواه الطبراني في مجمع الزوائد ٩ / ١٩٧، رواه الطبراني ورجاله إلى قائليه رجال الصحيح.

أقول : أمّا قائله فهو مِن الثقات أيضاً، فقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣ / ٤٢٣ : الليث بن سعد [ع] الفهمي، أبو الحارث، أحد الأعلام والأئمة الأثبات، ثقة حجّة بلا نزاع.

وقال يحيى بن معين : كان يتساهل في الشيوخ والسّماع، وكان مِن أهل المعرفة.

وذكر أبو الوليد الطيالسي : أنّ رواية الليث عن بكير بن الأشج مناولة قال عبد الله بن أحمد : ذكرت هذا لأبي فأنكره، وقال : الليث يقول : حدّثني بكير، قد سمع مِن بكير نحو ثلاثين حديثاً قلتُ : لولا أنّ النّباتي ذكر الليث في تذييله على الكامل لما ذكرته ؛ لأنّه ما هو بدون مالك ولا سفيان، وما تساهل فيه الليث فهو دليل على الجواز ؛ لأنّه قدوة.

(١) الطبقات الكبرى - محمّد بن سعد ٣ / ١٩.

(٢) البداية والنهاية - ابن كثير ٧ / ٣٦٧، بل ذكر في البداية والنهاية ٨ / ٣١٧ : وعمير بن علي بن أبي طالب، أي ذكر فيمَنْ قُتِلَ في سنة ٦٧ في حرب مصعب للمختار بن عبيد الله . إلخ انتهى.

أقول : والظاهر أنّ المراد بعمير عمر ؛ وذلك لعدم نصّ المؤرّخين على أنّ الإمام علي (عليه‌السلام ) عنده ابن اسمه عمير.

وأيضاً ممّا يدلّ على ذلك هو أنّ المقتول مع مصعب مختلف فيه بين عمر أو عبيد الله لا ثالث قال المزّي في ترجمة عمر بن علي (عليه‌السلام ) - تهذيب الكمال ٢١ / ٤٦٩ . وذكره (أي عمر بن علي) ابن حبّان في كتاب الثقات، وقال : قُتِلَ سنة سبع وستّين وقال خليفة بن خياط : قُتِلَ مع مصعب بن الزبير أيّام المختار سنة سبع وستّين، روى له الأربعة.

(٣) الثقات - ابن حبّان ٢ / ٣٠٩.

(٤) سير أعلام النبلاء - الذهبي ٤ / ١٣٤.


وأمّا أبو بكر فكنية لابن أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وليست اسماً ؛ ولهذا قال الخوارزمي : واسمه عبد الله وقال أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيّين / ٥٦ : وأبو بكر بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) لمْ يُعْرَف اسمه، واُمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم . إلخ.

وأمّا عند الشيعة فقد ذكر الشيخ المفيد (أعلى الله مقامه) بأنّ اسمه محمّد، واسم أخيه عبيد الله. قال في الإرشاد ١ / ٣٥٤ : ومحمّد الأصغر المكنّى أبا بكر، وعبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحُسين (عليه‌السلام ) بالطّف، اُمّهما ليلى بنت مسعود الدارمية.

وفي الاختصاص جعل اسم أخيه عبد الله، قال في الاختصاص - للشيخ المفيد / ٨٢، وفي تاج المواليد (المجموعة) - للشيخ الطبرسي / ١٩، واللفظ للأوّل قال : وأبو بكر بن علي، واُمه ليلى بنت مسعود، وعلي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام )، واُمه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود.

وأمّا عثمان فكثيراً ما يُذكر في رجوع أهل البيت (عليهم‌السلام ) إلى المدينة، وفي سؤال اُمّ البنين (عليها‌السلام ) لبشر بن حذلم.

ثانياً : أنّ الأنصار مخْتَلَفٌ فيهم، وكذا الطالبيّين ؛ فأكثر عددٍ ذُكِرَ للطالبيّين سبعة وعشرون، وقيل : ستّة عشر، وقيل : سبعة عشر، وقيل غير ذلك.

وأكثرُ عددٍ وقفت عليه هو ما ذكره الخوارزمي في المقتل، قال : واختلف أهل النقل في عدد المقتول يومئذ مع ما تقدّم مِن قتل مسلم من العترة الطاهرة، والأكثرون على أنّهم كانوا سبعة وعشرين، فمِن ولد علي (عليه‌السلام ) : الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، وأبو بكر بن علي، وعمر بن علي، وعثمان بن علي،


وجعفر بن علي، وعبد الله بن علي، ومحمّد بن علي، والعبّاس بن علي، وإبراهيم بن علي فهم تسعة ومِن ولْدِ الحسن بن علي : عبد الله بن الحسن، والقاسم بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن - وكان صغيراً -، وعمر بن الحسن - وكان صغيراً - فهم أربعة ومِن ولْدِ الحُسين بن علي : علي بن الحُسين، وعبد الله بن الحُسين (الرضيع) - وكان أصغرهم - فهما اثنان ومِن ولْدِ جعفر بن أبي طالب : محمّد بن عبد الله بن جعفر، وعون بن عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر وهم ثلاثة ومِن ولْدِ عقيل : مسلم بن عقيل، وعبد الله بن عقيل، وعبد الرحمن بن عقيل، ومحمّد بن عقيل، وجعفر بن عقيل، ومحمّد بن مسلم بن عقيل، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وجعفر بن محمّد بن عقيل، ومحمّد بن أبي سعيد بن عقيل فهم تسعة وأخذوا رؤوس هؤلاء فحُمِلَتْ إلى الشام، ودُفِنَتْ جثثهم بالطّفِّ(١) .

فأبناء الحسن (عليه‌السلام ) أربعة، وأبناء الحُسين (عليه‌السلام ) اثنان، وأبناء عبد الله بن جعفر ثلاثة وهم أبناء عقيلة الطالبيّين (عليها‌السلام )، فعلى هذا التقدير تكون أبناء الزهراء (عليها‌السلام ) تسعة مع الحُسين (عليه‌السلام )، مع أنّه ذُكِرَ أنّ مَنْ قُتِلَ مِن أبناء فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) ستّة عشر أو سبعة عشر.

قال الهيثمي : وعن منذر الثوري، قال : كنَّا إذا ذكرنا حُسيناً ومَنْ قُتِلَ معه، قال محمّد بن الحنفيّة : قُتِلَ معه سبعة عشر كلّهم ارتكض في رحم فاطمة(رضي ‌الله‌ عنها وعنهم) رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح(٢) .

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للخوارزمي ٢ / ٥٣ - ٥٤.

(٢) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٨.


قال الهيثمي : وعن الحسن - يعني البصري - قال : قُتِلَ مع الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) ستّة عشر رجلاً مِن أهل بيته، والله، ما على ظهر الأرض يومئذ أهل بيت يشبهونهم قال سفيان : ومَنْ يشك في هذا.

وعن أبي بكر ابن أبي شيبة قال : قُتِلَ الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) يوم عاشوراء في سنة إحدى وستّين وهو ابن ثمان وخمسين، وكان يُخضب بالحناء والكتم رواه الطبراني(١) .

أقول : فعلى هذا يكون عدد الطالبيّين أكثر ممّا ذكره الخوارزمي، وفي الحقيقة مَنْ قُتِلَ مع الحُسين (عليه‌السلام ) مِن الطالبيّين قسمان : الأوّل متّفق عليه، وهو العدد القليل، والآخر مخْتَلَفٌ فيه، وبهذا قال محقّق كتاب تهذيب الكمال في الهامش.

وروى خليفة، عن الحسن بن أبي عمرو، قال : سمعت فطر بن خليفة، قال : سمعت منذر الثوري، عن ابن الحنفيّة، قال : قُتِلَ مع الحُسين بن علي (عليه‌السلام ) سبعة عشر رجلاً، كلّهم قد ارتكض في بطن فاطمة (عليها‌السلام ).

وقال أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيّين / ٦٥ : فجميع مَنْ قُتِلَ يوم الطّفِّ مِن ولْدِ أبي طالب سوى مَن يُخْتَلَفُ في أمره، اثنان وعشرون رجلاً.

قال بشّار : هذا العدد الذي ذكره أبو الفرج يتضمّن المخْتَلَفُ فيهم، وقد ذكر ذلك هو في المقاتل / ٥٣ - ٦٥، ولعلّ أدقّ قائمة هي التي ذكرها أبو مخنف، وتصح بها رواية ابن الحنفيّة التي أوردها خليفة بن خياط، وهي لا تشمل المختلف فيهم ؛ فقد قُتِلَ مع الحُسين (عليه‌السلام ) ستّة مِن إخوته هم : العبّاس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمّد، وأبو بكر أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم‌السلام )، وقد شكّ بعضهم بمقتل أبي بكر بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

وقُتِلَ مِن أولاده (عليه‌السلام ) : علي الأكبر وعبد الله (عليهما‌السلام )، وقُتِلَ مِن أولاد أخيه الحسن (عليه‌السلام ) : أبو بكر وعبد الله والقاسم (عليهم‌السلام )، وقُتِلَ

____________________

(١) مجمع الزوائد - الهيثمي ٩ / ١٩٨.


مِن أبناء أخيه عقيل سوى مسلم ثلاثة هم : جعفر بن عقيل، وعبد الرحمن بن عقيل، وعبد الله بن عقيل، وقُتِلَ عبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمّد بن أبي سعيد بن عقيل، وقُتِلَ من أولاد ابن عمِّه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب اثنان هم : عون بن عبد الله، ومحمّد بن عبد الله (رضوان الله عليهم أجمعين) انظر تاريخ الطبري ٥ / ٤٦٨ - ٤٦٩، وتاريخ خليفة / ٢٣٤ - ٢٣٥، وقائمته منقولة عن المدائني وأبي عبيدة، ومقاتل الطالبيّين / ٥٣ - ٦٥ وفي الرواية التي أسندها خليفة إلى محمّد بن الحنفيّة : (كلّهم قد ارتكض في بطن فاطمة) نظر ؛ لأنّهم ليسوا كلُّهم مِن نسل فاطمة بنت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) كما هو معروف مشهور، فلا رضي الله عن قاتليهم(١) .

فعلى هذا يكون أبناء أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في كربلاء كثيرين، ومع ذلك لمْ يذكر إلّا القليل منهم، وكذا أبناء عقيل، ومع ذلك لمْ يذكر منهم إلّا واحد، وأبناء الحسن أربعة، ولمْ يذكر منهم إلّا واحد فقط، وكذا الأنصار لمْ يذكر منهم إلّا القليل جدّاً، فالمسألة ليست خاصة بمَنْ اسمه أبو بكر وعمر وعثمان.

فالسؤال لماذا خصّصوا هؤلاء بالذكر دون غيرهم ؟ ولعلّ الجواب في تخصيص بعض مَنْ قُتِلَ مع الحُسين (عليه‌السلام ) بالذكر، هو ما رواه الخوارزمي في مقتله، قال : وزحف عمر بن سعد، فنادى غلامه دريد : قدّم رايتك يا دريد ثمّ وضع سهمه في كبد قوسه ثمّ رمى به، وقال : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوَّل مَنْ رمى.

____________________

(١) تهذيب الكمال - المزّي ٦ / ٤٣١ في الهامش.


فرمى أصحابه كلّهم بأجمعهم في إثره رشقة واحدة، فما بقي مِن أصحاب الحُسين (عليه‌السلام ) أحد إلّا أصابه مِن رميتهم سهم.

قال أبو مخنف : فلمـَّا رموهم هذه الرمية قلَّ أصحاب الحُسين (عليه‌السلام )، فبقي في هؤلاء القوم الذين يذكرون في المبارزة، وقد قُتِلَ منهم ما ينيف على خمسين رجلاً، فعندها ضرب الحُسين (عليه‌السلام ) بيده إلى لحيته، فقال : (( هذه رسل القوم )) - يعني السهام(١) - انتهى.

أقول : ولعلّ الجواب أيضاً هو تميّز هؤلاء عن غيرهم بصفات كمالية ؛ فإنّ جميع المعارك دائماً يذكر فيها مَنْ تميّز بخصوصيات أو بمواقف أنفرد بها في المعركة دون غيره، فمَنْ أمتاز بالصفات الكمالية العالية مِن العلم والشجاعة وغيرها مِن أبناء أمير المؤمنين (عليه‌السلام )، باستثناء الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، هو أبو الفضل العبّاس (عليه‌السلام ) وبأفعاله المشهودة في واقعة كربلاء، وكذا القاسم بن الحسن (عليه‌السلام )، حيث أنفرد بالذكر مِن دون إخوته ؛ ولتلك الصفات الكمالية مِن العلم والشجاعة حتّى صار هو الوحيد مِن بين إخوته مَنْ أوصى له الإمام الحسن (عليه‌السلام ) بنصرة عمِّه الحُسين (عليه‌السلام ) دون إخوته، كما ورد في الموروث الشيعي.

وأيضاً موقفه مع الحُسين (عليه‌السلام ) والكلمات التي سطّرها حينما سأله عمه الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) : (( بُني قاسم، كيف تجد الموت عندك ؟ )) فقال : عم، في نصرتك أحلى مِن العسل. وما ظهر مِن شجاعته على صغر سنه وعدم مبالاته بالأعداء، قال الراوي : استأذن الغلام للحرب فأبى عمه الحُسين (عليه‌السلام ) أنْ يأذن له، فلمْ يزل يُقبّل يدَيْهِ ورجليه ويسأله الإذن حتّى أذن له، فخرج ودموعه على خدّيْه

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) للخوارزمي ٢ / ١٢، وهو مشابه لما سنذكره عن الطبري وغيره في توبة الحُرّ.


وهو يقول :

إنْ تنكروني فأنا فرعُ الحسنْ

سبطِ النّبي المصطفى والمؤتَمنْ

هذا حُسينٌ كالأسيرِ المرتَهنْ

بين اُناسٍ لا سُقوا صوبَ المزنْ

وحمل وكأنّ ووجهه فلقة قمر، وقاتل فقتل على صغر سنه خمسة وثلاثين رجلاً . راجع ذلك في المقتل.

وكذا مسلم بن عقيل (عليه‌السلام )، حيث انفرد بتلك الصفات الكمالية التي فاقت صفات بني عقيل مِن العلم والشجاعة، حتّى كان ثقة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) ونائبه الخاص، وغيرها وكذا مِن الأصحاب حبيب بن مظاهر الأسدي (سلام الله عليه) ؛ لِمَا تميَّز به مِن العلم والفقاهة، ومقامه عند الحُسين (عليه‌السلام )، وما ظهر مِن مواقفه المشهودة وكذا الحُرّ لِمَا أنفرد به مِن كونه مِن رؤساء عسكر ابن سعد، وله مِن المناصب الدنيوية، فتركها واختار الجنّة على النّار، وتوجّه إلى الحُسين (عليه‌السلام ) تائباً نادماً حتّى بذل نفسه وابنه وغيره في نصرة الحُسين (عليه‌السلام ) وكذا زهير بن القين بعد ما كان عثمانياً بعيداً عن أهل البيت (عليهم‌السلام )، وإذا به ينقلب إلى أهل الرحمة (عليهم‌السلام )، ينقلب إلى الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

وأيضاً قوله الذي قال بعدما خطب الحُسين (عليه‌السلام ) في أصحابه، قال الراوي : فقام زهير بن القين البجلي، فقال لأصحابه : تكلّمون أمْ أتكلم ؟ قالوا : لا بل تكلّم فحمد الله فأثنى عليه، ثمْ قال : قد سمعنا - هداك الله يا بن رسول الله - مقالتك والله، لو كانت الدُّنيا لنا باقية وكنَّا فيها مخلّدين إلّا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها.

قال : فدعا له الحُسين (عليه‌السلام ) ثمْ


قال له خيراً(١) وهكذا غيرهم ممّا امتازوا بتلك الصفات والمواقف التي انفردوا بها.

وبهذا تقف على سبب مَنْ يُذكر في معارك رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مثل معركة أحد وبدر، والخندق وخيبر وغيرها، بل لو تفحّصت ونقّبت في مطاوي التاريخ لما وجدت مِن الشجعان، فضلاً عن الخلفاء، ممّن امتازت به الحروب وعليه دارت رحاها غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ؛ فلهذا يذكره المنصفون دون سواه.

____________________

(١) تاريخ الطبري ٣ / ٣٠٧.



الفصل الرابع عشر

في مدحِ ورثاءِ سيِّد الشهداء (عليه‌السلام )



في مدحِ ورثاء سيّد الشهداء (عليه‌السلام )

بعضُ المدائح

قال ابن عساكر : وأخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي، أنا الشريف أبو الفضل العبّاس بن أحمد بن محمّد بن بكران الهاشمي، وأبو محمّد أحمد، وأبو الغنائم محمّد ابنا علي بن الحسن بن أبي عثمان، وأبو منصور محمّد بن محمّد بن عبد العزيز العكبري، وعبيد الله بن عثمان بن محمّد بن دوست المعروف بابن الشوكي، وأبو بكر محمّد بن هبة الله بن الحسن الطبري، وأبو الحسن علي بن المقلد البواب.

وأخبرنا أبو بكر بن المزرفي، أنا الشريف أبو الفضل الهاشمي، وأخبرنا أبو محمّد بن طاووس، أنا أبو الغنائم بن أبي عثمان، قالوا : نا أبو عبد الله الحُسين بن الحسن بن القاسم الغضائري، نا أبو بكر محمّد بن يحيى الصولي، نا محمّد بن زكريا الغلابي، نا أحمد بن عيسى، وذكر ابن هرمة، زاد المزرفي وترحّم عليه، وقالوا : قال : وكان متّصلاً بنا، وهو القائل :

ومهما اُلام على حبِّهم

فإنّي اُحبُّ بني فاطمهْ

بني بنتِ مَنْ جاء بالمحكماتِ

والدّينِ والسنّةِ القائمهْ

ولستُ اُبالي بحبِّي لهمْ

سواهم مِنَ النِّعمِ السائمهْ

قال : فقيل له في دولة بني العبّاس : ألست القائل كذا ؟ فأنشدوه هذه الأبيات فقال : أعضَّ الله قائلها بهن اُمّه فقال مَنْ يثق به : ألست قائلها ؟! قال : بلى، ولكن


أعضّ بهنّ اُمّي خير مِن أنْ اُقْتَل(١) .

وقال ابن الدمشقي : وقد أكثر الناس في الرثاء والبكاء على ما أصاب أهل البيت (عليهم‌السلام )، وقالوا ما لا يحصى مِن المقالات نظماً، وذكروا في قتل الحُسين (عليه‌السلام ) وما كان مِن أمره ما أضرب عن ذكره صفحاً، ولمْ أرق له سفحاً، ولا يحتمل هذا المختصر أكثر مِن ذلك وفيه كفاية.

وبالجملة والتفصيل فما وقع في الإسلام قضية أفظع منها وهي ما ينبو الأسماع عنها، وتتفطّر القلوب عند ذكرها حزناً وأسىً وتأسّفاً، وتنهلّ لها المدامع كالسحب الهوامع، هذا والعهد بالنّبي قريب، وروض الإيمان خصيب، وغصن دوحته غضّ جديد، وظلّه وافر مديد، ولكنّ الله يفعل ما يريد وما أظنّ أنّ مَنْ استحلّ ذلك وسلك مع أهل النّبي هذه المسالك شمَّ [رائحة] الإسلام، ولا آمن بمحمّد (عليه الصلاة والسّلام)، ولا خالط الإيمان بشاشة قلبه، ولا آمن طرفة (عين) بربّه، والقيامة تجمعهم وإلى ربِّهم مرجعهم.

ستعلم ليلى أيَّ دَينٍ تداينتْ

وأيَّ غريمٍ للتقاضي غريمها

ولقد قرأ قارئ بين يدي الشيخ العالم العلّامه أبي الوفاء (علي) ابن عقيل (رحمه‌الله ) قوله تعالى :( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِّنَ الْمؤْمِنِينَ ) (٢) فبكى وقال : سبحان الله ! غاية ما كان طمعه فيما قال :( فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمرَنَّهُمْ ) (٣) جاوزوا والله، الحدَّ

____________________

(١) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ٧ / ٧٥، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣١١.

(٢) سورة سبأ / ٢٠.

(٣) سورة النساء / ١١٩.


الذي طمع فيه ! ضحّوا بأشمط عنوان السجود به، يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً إي والله، عمدوا إلى علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) بين صفّيه فقتلوه، ثمّ قتلوا ابنه الحُسين بن فاطمة الزهراء (عليهما‌السلام )، وأهل بيته الطيّبين الطاهرين بعد أنْ منعوهم الماء، هذا والعهد بنبيهم قريب ! وهم القَرن الذي رأوا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ورأوه يُقبِّل فمه ويرشف ثناياه، فنكتوا على فمه وثناياه بالقضيب ! تذكّروا والله، أحقاد يوم بدر وما كان فيه، وأين هذا مِن مطمع الشيطان وغاية أمله بتبكيت آذان الأنعام؟! هذا مع قرب العهد وسماع كلام ربّ الأرباب :( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (١) ستروا والله، عقائدهم في عصره مخافة السّيف، فلمـَّا صار الأمر إليهم كشفوا (عن) قناع البغي والحيف :( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (٢) .

ورأيت في تاريخ ابن خلكان (رحمه‌الله ) قضية غريبة فأحببت ذكرها هاهنا، وهي : قال الشيخ نصر الله بن مجلي (مشارف الخزانة الصلاحية) : فكّرت ليلةً وقد آويت إلى فراشي فيما عامل به آل (أبي) سفيان أهلَ بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وفي قضية الحُسين (عليه‌السلام ) وقتله وقتل أهل بيته (عليهم‌السلام )، وأسر بنات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وحملهم (إيّاهن) على الأقتاب سبايا، ووقوفهم على درج دمشق سبايا عرايا، فبكيت بكاءً شديداً، وأرقت، ثمّ نمت فرأيت أمير المؤمنين عليّاً (عليه‌السلام )، فحين رأيته بادرت إليه وقبّلت يديه وبكيت، فقال : (( ما يُبكيك ؟ )) فقلتُ : يا أمير المؤمنين، تفتحون مكّة فتقولون : (( مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومَنْ أغلق عليه بابه فهو آمن، ومَنْ دخل المسجد فهو آمن )) ثمّ يُفعل بولدك الحُسين وأهل بيتك (عليهم‌السلام ) بالطّف ما فُعل ؟!

____________________

(١) سورة الشورى / ٢٣.

(٢) سورة الأنعام / ١٣٩.


فتبسّم (أمير المؤمنين) وقال : (( ألمْ تسمع أبيات ابن الصيفي (سعد بن محمّد) ؟ )) قلتُ : لا قال : (( اسمعها منه فهي الجواب )).

قال : فطالت ليلتي حتّى برق الفجر، فجئت باب ابن الصيفي، فطرقت بابه فخرج إليَّ حاسراً حافي القدمين، وقال : ما الذي جاء بك هذه السّاعة ؟! فقصصت عليه قصّتي، فأجهش بالبكاء وقال : والله، ما قلتُها إلّا ليلتي هذه، ولم يسمعها بشر (منِّي ثمّ أنشدني) :

ملكنا فكانَ العفّوُ منَّا سجيةً

فلمـَّا ملكتُم سال بالدمِ أبطحُ

وحلًّلتُم قتلَ الاُسارى وطالما

غدونا عن الأسرى نعفُّ ونصفحُ

وحسبُكم هذا التفاوتُ بيننا

فكلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ(١)

وقال الشبراوي، بعد بيان اختصاص يوم الثلاثاء بزيارة ذلك المشهد : ولنذكر في هذا الباب نبذة مِن القصائد التي مدحتُ بها آل البيت الشريف، وتوسّلت فيها بساكن هذا المشهد المنيف، فممّا قلتُ فيه :

آلَ طه وَمَنْ يَقُلْ آلُ طه

مستجيراً بجاهِكم لا يُردُّ

حبُّكم مذهبي وعَقْدُ يقيني

ليس لي مذهبٌ سواه وعقدُ

منكُم أستمدُّ بل كلُّ مَنْ في الـ

ـ كونِ مِن فيضِ فضلِكم يستمدُّ

بيتكُمْ مَهبطُ الرِسالَةِ وَالوَحْـ

ـي وَمِنكُم نور النُّبُوّة يَبدو

ولكمْ في العُلا مقامٌ رفيعٌ

ما لكم فيه آلَ يس نِدُّ

يابنَ بنتِ الرسولِ مَنْ ذا يضاهيـ

ـ كَ افتخاراً وأنت للفخرِ عِقْدُ

يا حُسينٌ هل مثلُ اُمِّك اُمٌّ

لشريفٍ أو مثلُ جدِّك جدُّ

رام قومٌ أن يلحقوك ولكنْ

بينهم في العُلا وبينك بُعْدُ

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣١١.


خصَّك اللهُ بالسعادةِ في دُنْـ

ـ ياكَ ثمّ بالشهادةِ بعدُ

لكَ في القبرِ يا حُسينُ مقامٌ

ولأعداكَ فيه خزيٌ وطردُ

يا كريمَ الدارينِ يا مَنْ له الدهْـ

ـرُ على رَغْمِ مَنْ يعاندُ عبدُ

أنت سيفٌ على عداكَ ولكنْ

فيكَ حلمٌ وما لفضلِكَ حدُّ

كلُّ مَنْ رام حَصْرَ فضلِكَ غرٌّ

فضلُ آلِ النّبي ليس يُعدُّ

طيبةٌ فاقت البقاعَ جميعاً

حين أضحى فيها لجدِّكَ لحدُ

ولمصرٍ فخرٌ على كلِّ مصرٍ

ولها طالعٌ بقبرِكَ سعدُ

مشهدٌ أنت فيه مشهدُ مجدٍ

كم سعى نحوَهُ جوادٌ مجِدٌّ

وضريحٌ حوى عُلاكَ ضريحٌ

كلُّهُ مندلٌ يفوحُ ونَدُّ

مددٌ ما له انتهاءٌ وسرٌّ

لا يُضاهى ورونقٌ لا يُحدُّ

رحماتٌ للزائرين توالتْ

وجزيلٌ من العطاءِ ورِفدُ

رضي اللهُ عنكُم آلَ طه

ودُعاءُ المقلِّ مثليَ جُهْدُ

وسلامٌ عليكُم كلَّ وقتٍ

ما تغنَّت بكمْ تهامٌ ونجدُ

أنا في عرضِ تربةٍ أنت فيه

يا حُسينٌ وبَعْدُ حاشا أردُّ

أَنا في عَرضِ جَدّك الطاهر الطُّهْـ

ـرِ إذا ما الزَمانُ بِالخطب يَعدو

أنا في عرضِ مَنْ يعوِّلُ كلُّ الرُّسلِ

عليه وما لهم عنه بدُّ

أنا في عرضِ مَنْ أتته غزالٌ

فحماها والخصم خصمٌ أَلَدُّ

أنا في عرضِ جدِّك المصطفى مِنْ

كلِّ عامٍ له الرحالُ تُشَدُّ(١)

قال الشبراوي : وقلت فيهم أيضاً (رضي الله تعالى عنهم) :

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف / ٨٦ ط أمير.


آلَ بيتِ النّبي مالي سواكُمْ

ملجأٌ أرتجيهِ للكربِ في غَدْ

لستُ أخشى ريبَ الزمانِ وأنتُمْ

عُمدتي في الخطوبِ يا آلَ أحمدْ

مَنْ يُضاهي فخارَكم آلَ طه

وعليكُمْ سرادقُ العزِّ ممتَدْ

كلُّ فضلٍ لغيرِكمْ فإليكُمْ

يا بني الطُّهْرِ بالأصالةِ يُسْنَدْ

لا عَدِمنا لكمْ موائدَ جودٍ

كلّ يومٍ لزائريكمْ تُجدَّدْ

يا ملوكاً لهمْ لواءُ المعالي

وعليهمْ تاجُ السَّعادةِ يُعْقَدْ

أيُّ بيتٍ كبيتِكُم آلَ طه

طَهَّرَ اللهُ ساكنيه ومَجَّدْ

روضةُ المجدِ والمفاخرِ أنتُمْ

وعليكُمْ طيرُ المكارمِ غَرَّدْ

ولكُمْ في الكتابِ ذكرٌ جميلٌ

يهتدي منه كلُّ قارٍ ويسعدْ

وعليكم أثنى الكتابُ وهل بَعْـ

ـدَ ثناءِ الكتابِ مجدٌ وسؤددْ

ولكم في الفخارِ يا آلَ طه

منزلٌ شامخٌ رفيعٌ مشيَّدْ

قد قصدناك يابنَ بنتِ رسولِ ال

لهِ والخيرُ من جَنابِك يُقْصَدْ

يا حُسينٌ ما مثلُ مجدِك مجدٌ

لشريفٍ ولا كجدِّك مِنْ جَدْ

يا حُسينٌ بحقِّ جدِّك عطفاً

لمحِبٍّ بالخيرِ منك تَعَوَّدْ

كلَّ وقتٍ يودُّ يلثم قبر

أنت فيه بمقلتيهِ ويشهدْ

سادتي أنجدوا محبّاً أتاكُمْ

مطلقَ الدمعِ في هواكمْ مقْيَّدْ

وأغيثوا مقصِّراً ما له غيْـ

ـرُ حماكُمْ إنْ أَعْضَلَ الأمْرُ واشتَدْ

فعليكُمْ قَصَرْتُ حبِّي وحاشا

بعد حُبِّي لكم اُقابَلُ بِالرَّدْ

يا إلهي مالي سوى حبِّ آلِ الْـ

ـبيتِ آل النّبي طه الممَجَّدْ

أنا عبدٌ مقصِّرٌ لستُ أرجو

عملاً غيرَ حُبِّ آلِ محمّد

أَشرفِ المرسلين أزكى البرايا

مَنْ له الفضلُ والفخارُ المؤبّدْ

صلِّ يا ربِّ كلَّ وقتٍ عليهِ

دائماً في دوامِ ذاتِكَ سَرْمَدْ


وعلى الآلِ والصحابةِ مهما

أنشأ المستهام مدحاً وأنشدْ(١)

وقال الشبراوي في المشهد الحُسيني أيضاً :

يا نديمي قُمْ بي إلى الصَّهباءِ

واسقنيها في الروضةِ الغَنَّاءِ

حيثُ مجرى الخليجِ والماءُ فيهِ

يتثنَّى كالحيَّةِ الرقْشَاءِ

هَاتِها يا نديم صَرْفًا وَدَعْنِي

مِنْ صريعِ الهوى قتيلِ الماءِ

وَأَدَرْهَا ممزوجةً بالتهاني

غيرَ ممزوجةٍ بماءِ السّماءِ

هَاتِها يا نديم مِنْ غيرِ خلطٍ

إنَّ خلطَ الدواءِ عينُ الداءِ

وَالْقِنِي يا نديم تحتَ الأثيلـ

ـ تِ سُحَيراً إذا أردتِ لقِائي

في كثيبٍ مِنْ الجزيرةِ يختا

لُ دلالاً في حُلّةٍ خضراءِ

روضةٌ راضها النَّسيم سحير

باعتلالٍ صَحَّتْ بِهِ واعتلاءِ

ولطيفُ النَّسيمِ يَعْبَثُ بالغُصْـ

ـنِ فيهتزُّ هزَّةَ استهزاءِ

يا خريرَ الخليجِ تَفْدِيكَ نفسي

فَلَكَمْ نِلْتُ في حماك منَائِي

يا نديمي جَدِّدْ بذكراه وجدي

واحييِ ذاك الغَرَامَ بالإغراءِ

هَاتِ حَدِّثْ عن نيل مِصْرَ وَدَعْنِي

من فراتٍ ودجلةٍ فَيْحَاءِ

وأَعِدْ لي حديثَ لَذَّاتِ مصرٍ

فحديثُ اللَّذَّاتِ عنِّيَ نائِي

إنّ مصراً لأحسنُ الأرضِ عندي

وعلى نيلِها قَصَرْتُ رَجَائِي

وغرامي فيها وغايةُ قصدي

أنْ أرى سادتي بني الزهراءِ

وإلى المشهدِ الحُسينيِّ أسعى

داعياً راجياً قبولَ دعائِي

يابنَ بنتِ الرسولِ إنّي محبٌّ

فتعطَّفْ واجعل قبولي جزائِي

يا كرامَ الأنامِ يا آلَ طه

حبُّكم مذهبي وعَقْدُ ولائي

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ١٠٠ - ١٠١.


ليس لي ملجأٌ سواكم وذخرٌ

أرتجيهِ في شدتي ورخائي

فاز مَنْ زار حَيَّكم آلَ طه

وجناي منكُم ثمارَ العطاءِ

سادتي إنّني حُسِبْتُ عليكُمْ

في ابتدائي يا سادتي وانتهائي

وعليكُم منِّي السّلام دواماً

في صباحي وغُدْوَتي ومَسَائي

وعلى جدِّكم شفيعِ البرايا

أشرفِ الرُّسلِ سيِّدِ الأنبياءِ

صلواتٌ مقرونةٌ بسلامٍ

ما انجلت ظلمةُ الدُّجَا بالضياءِ

وعلى آلِهِ ذوي الْقَدْرِ والمـَجْـ

ـدِ وأصحابِهِ بُحُورِ الْوَفَاءِ(١)

قال الشبراوي : وقلت فيهم أيضاً :

يا آلَ طه مَنْ أتى حُبَّكمْ

مؤمِّلاً إحسانَكم لا يُضَامْ

لُذْنَا بكم يا آلَ طه ! وَهَلْ

يُضام مَنْ لاذ بقومٍ كِرَامْ

تزدحِم النّاسُ بأعتابِكُمْ

والـمَنْهَلُ العَذْبُ كثيرُ الزّحامْ

مَنْ جاءكم مستمطراً فَضْلَكم

فاز مِنَ الجودِ بأقصى مرامْ

يا سادتي يا بضعةَ المصطفى

يا مَنْ لهم في الفضلِ أعلى مقامْ

أنتم ملاذي وعياذي ولي

قلبٌ بكم يا سادتي مسْتَهامْ

وَحَقِّكُمْ إنّي محِبٌّ لكُمْ

محبّةً لا يعتريها انصرامْ

وَقَفْتُ في أعتابِكم هائم

وما على مَنْ هَامَ فيكم مَلامْ

يا سبطَ طه يا حُسينٌ على

ضريحِكَ المأنوسِ منِّي السّلامْ

مَشهدُكَ السّامي غدا كعبةً

لنا طوافٌ حوله واستلامْ

بيتٌ جديدٌ حَلَّ فيه الهدى

فصار كالبيتِ العتيقِ الحرامْ

تفديك نفسي يا ضريحاً حوى

حُسيناً السبطَ الإمامَ الهُمامْ

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ١٠٠ - ١٠١.


إنّي توسَّلتُ بما فيك مِنْ

عِزٍّ ومجدٍ شامخٍ واحتشامْ

يا زائراً هذا المقامَ اغْتَنِمْ

فكم لِمَنْ يسعى إليه اغتنامْ

ينشرحُ الصدرُ إذا زُرْتَهُ

وتنجلي عنه الهُموم العِظَامْ

كم فيه من نورٍ ومن رَوْنَقٍ

كأنّه روضةُ خيرِ الأنامْ

صلّى عليه اللهُ طولَ الـمَدَى

ما غرّدتْ في الرّوضِ ورقُ الحَمَامْ

أسألُكَ اللهمَّ يا رَبَّنا

يا مَنْ تجلَّى بالبقا والدوامْ

اغفر لعبدِ اللهِ ما قد جنى

وارزقه عند الموتِ حُسْنَ الختامْ(١)

قال الحمزاوي العدوي : ومِن ذلك ما وقع لسيّدي العارف بالله تعالى، سيّدي محمّد شلبي، شارح (العزية)، الشهير بابن السّت، وهو أنّه قد سُرقت كتبه جميعها مِن بيته، فقال : فتحيَّر عقله واشتدّ كربه، فأتى إلى مقام وليّ نعمتنا الحُسين (عليه‌السلام ) منشداً لأبياتٍ استغاث بها، فتوجّه إلى بيته بعد الزيارة ومكثه في المقام مدّة، فوجد كتبه في محلّها قد حضرت مِن غير نقص لكتاب منها، وها هي الأبيات :

أيحوم حول مَنْ التجى لَكُم أَذَىً

أو يشتكي ضيماً وأنتم سادتُهْ

حاشا يُرَدُّ مَنْ انتمى لجنابكمْ

يا آلَ أحمدَ أو تُسَرُّ شوامتُهْ

لَكُم السّيادةُ مِنْ ألستُ بربِّكمْ

وَلَكمْ نِطَاقُ العزِّ دارت هالتُهْ

هل ثَمّ بابٌ للنبيِّ سواكُم

مَنْ غيرِكمْ مِنْ ذي الورى ريحانَتُهْ

تبّاً لطرفٍ لا يشاهدُ مشهداً

يحوي الحُسين وتستلمهُ سلامَتُهْ

فالزمْ رحاباً ضمَّ سبطَ محمّد

ما أَمَّهُ راجٍ وعيقتْ حاجتُهْ

ها خادماً للحُبِّ يرفعُ حاجةً

ممّا يلاقي مِنْ بلايا هالتُهْ

____________________

(١) الإتحاف بحبِّ الأشراف - الشبراوي / ١٠٢ - ١٠٣، أقول : وتوجد قصائد اُخرى في مدحهم (عليهم‌السلام ) فراجع ص ذ١٠٩.


(فقال الحمزاوي بعد ذكره هذه الحادثة) : أمدَّنا الله مِنْ فيض أمداده، ومتّعنا مِنْ فيض قربه وتقبيل أعتابه(١) .

وذكر (أيضاً) الحمزاوي العدوي أبياتاً للبعض، فقال : وذكر لبعضهم في ذلك المشهد قوله :

منزلٌ كمَّلَ الإلهُ سَنَاهُ

تتوارى البدورُ عندَ لِقَاهُ

خصَّه ربُّنا بما شاءَ في الأرْ

ضِ تعالى مَنْ في السماءِ إلهُ

صانهُ زانهُ حَمَاهُ وَقَاهُ

وكساهُ بمنِّهِ ورِضَاهُ

إنْ غدا مسكناً لعزَّةِ آلِ الْـ

ـبيتِ منَ ْثمّ قدرُه وعلاهُ

الإمام الحُسينُ أشرفُ مولىً

أيَّدَ الدينَ سرُّه ووقاهُ

مدحته آيُ الكتابِ وجاءتْ

سنّةُ الهاشميِّ طرزَ حلاهُ(٢)

رثاءُ سليمان بن قتّة

قال الخوارزمي : ولسليمان بن قتّة الخزاعي، وأنشدنيه ركن الإسلام أبو الفضل الكرماني، عن محمّد بن الحُسين الأرسابندي :

عينُ جودي بعبرةٍ وعويلِ

واندبي إنْ بكيتِ آلَ الرسولِ

واندبي تسعةً لِصُلْبِ عليٍّ

قد اُصيبوا وستّةً لعقيلِ

واندبي كهْلَهم فليس إذا مـ

ـ ضنَّ بالخير كهلُهمْ بالبخيلِ

واندبي إنْ ندبتِ عوناً أخاهُم

ليس فيما ينوبُهُمْ بِخَذُولِ

____________________

(١) مشارق الأنوار - الحمزاوي العدوي / ٩٩، نقلاً عن كتاب الغدير - العلّامه الأميني ٥ / ١٩٢.

(٢) المصدر نفسه.


وسميّ النّبي غودرَ فيهم

قد عَلَوْه بصارمٍ مصقولِ(١)

قال سبط ابن الجوزي، والزرندي الحنفي، واللفظ للأوّل قال : وذكر الشعبي، وحكاه ابن سعد أيضاً، قال : مرَّ سليمان بن قتّة بكربلاء، فنظر إلى مصارع القوم فبكى حتّى كاد أنْ يموت، ثمّ قال:

وإنّ قتيلَ الطفِّ مِن آلِ هاشمٍ

أذلَّ رقاباً مِنْ قريشٍ فذَلَّتِ

مررتُ على أبياتِ آلِ محمّد

فلم أرها أمثالَها يومَ حلِّتِ

فلا يُبْعِدُ اللهُ الديارَ وأهلَها

وإنْ أصبحت منهم برغمي تخلَّتِ

وكانوا لنا عيشاً فعادوا رزيَّةً

لقد عظُمتْ تلك الرزايا وجلَّتِ

ألمْ ترَ أنّ الأرض أضحتْ مريضةً

لِفَقْدِ حُسينٍ والبلادَ اقشعرَّتِ

فقال له عبد الله بن حسن بن حسن : هلاّ قلت : أذلّ رقابَ المسلمين فذلّت(٢) .

قال ابن سعد : وقال سليمان بن قتّة يرثي الحُسين بن علي بن أبي طالب (رضي‌الله‌عنه ) :

وإنّ قتيلَ الطفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ

أذلَّ رقاباً مِنْ قريشٍ فذلَّتِ

مررتُ على أبياتِ آلِ محمّد

فألفيتُها أمثالَها حين حلَّتِ

وكانوا لنا غُنماً فعادوا رزيَّةً

لقد عظُمتْ تلك الرزايا وجلَّتِ

فلا يُبْعِدُ اللهُ الديارَ وأهلَه

وإنْ أصبحت منهم برغمي وجلَّتِ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٢.

(٢) تذكرة الخواصّ / ١٥٤، وفي نظم درر السّمطين - الزرندي الحنفي / ٢٢٥، ذكره هكذا : ويُروى أنّ سليمان بن قتّة - بتاء مِن فوق وهي اُمّه - وقف على مصارع الحُسين وأهل بيته (عليهم‌السلام )، واتّكأ على فرسه وجعل يبكي، ويقول : . الأبيات، إلّا أنّه جعل البيت الذي قبل الأخير أخيراً.


إذا افتقرتْ قيسٌ جبرنا فقيرَه

وتقتلنا قيسٌ إذا النّعلُ زَلَّتِ

وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائِنا

سنجزيهِم يوماً بها حيثُ حلَّتِ

ألمْ ترَ أنّ الأرضَ أضحتْ مريضةً

لِفَقْدِ حُسينٍ والبلادَ اقشعرّتِ

( وقد أعولتْ تبكي السّماءُ لفقدِهِ

وأنجمها ناحتْ عليه وصلَّتِ )(١)

فقال له عبد الله بن حسن بن حسن : ويحك ! ألا قلت : أذلّ رقابَ المسلمينَ فذلَّتِ(٢) .

قال الخوارزمي : ولسليمان بن قتّة الخزاعي مِن قصيدة :

وإنّ قتيلَ الطفِّ مِن آلِ هاشمٍ

أذلَّ رقاباً من قريشَ فذلَّتِ

فإنْ تبتغوه عائد البيتِ تُصبحو

كعادٍ تعمَّت عن هداها فضلَّتِ(٣)

مررتُ على أبياتِ آلِ محمّد

فلمْ أرها أمثالَها يومَ حلَّتِ

فلا يُبْعدُ اللهُ الديارَ وأهلَه

وإنْ أصبحتْ منهم برغمي تخلَّتِ

ألمْ ترَ أنّ الأرضَ أمستْ مريضةً

لِفَقْدِ حُسينٍ والبلادَ اضمحلَّتِ

لقد طَفِقَتْ تبكي السماءُ لِفَقْدِهِ

وأنجُمها ناحت عليه وحنَّتِ

ألا إنّ قتلى الطفِّ مِن آلِ هاشمٍ

أذلَّتْ رِقَابَ المسلمين فذلَّتِ

وكانوا غياثاً ثمْ أضحوا رزيَّةً

ألا عَظُمَتْ تلك الرزايا وجلَّت

إذا افتقرت قيسٌ جبرنا فقيرَها

وتقتلنا قيسٌ إذا النّعلُ زلَّتِ

____________________

(١) البيت الأخير من اُسد الغابة - ابن الأثير ٢ / ٢١.

(٢) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٢، اُسد الغابة - ابن الأثير ٢ / ٢١، باختلاف في التقدّيم والتأخير وبعض المفردات.

(٣) هذان البيتان من تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٩.


وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائِنَا

سنطلبُهُمْ يوماً بها حيث ولَّتِ(١)

وقد ذكر الحموي بأنّ أبا [ دهبل ] الجمحي رثى الحُسين بهذه الأبيات، أو بالقريب منها، قال: قال أبو دهبل الجمحي يرثي الحُسين بن علي (رضي‌الله‌عنه ) ومَنْ قُتِلَ معه بالطّف :

مررتُ على أبياتِ آلِ محمّد

فلم أرها أمثالَها يومَ حلَّتِ

فلا يُبْعِدُ اللهُ الديارَ وأهلَه

وإنّ أصبحت منهم برغمي تخلَّتِ

ألا إنّ قتلى الطفِّ مِن آلِ هاشمٍ

أذلَّت رقابَ المسلمينَ فذلَّتِ

وكانوا غياثاً ثمْ أضحوا رزيَّةً

ألا عظمتْ تلك الرزايا وجلَّتِ

وجا فارسُ الأشقينَ بَعْدُ برأسِهِ

وقد نَهِلَتْ منه الرّماحُ وعلَّتِ(٢)

وقال أيضاً :

تبيتُ سكارى مِن اُميّةَ نوَّماً

وبالطفِّ قتلى ما ينام حميمها

وما أفسد الإسلامَ إلّا عصابةٌ

تَأَمَّر نَوْكَاها فدام نعيمها

فصارت قناةُ الدينِ في كفِّ ظالمٍ

إذا اعوجَّ منها جانبٌ لا يقيمها(٣)

رثاءُ خالد بن معدان

قال الخوارزمي : وأخبرني الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي (رحمه‌الله )، أخبرني شيخ القضاء إسماعيل بن أحمد البيهقي، أخبرني والدي شيخ السُنّة أبو

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٨ - ١٦٩، وذكرها محدّث الشام بسنده في تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٥٩.

(٢) معجم البلدان - الحموي ٤ / ٣٦.

(٣) المصدر نفسه.


بكر أحمد بن الحُسين البيهقي، أخبرني أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا الحسن علي بن محمّد الأديب يذكر بإسناد له : أنّ رأس الحُسين (عليه‌السلام ) لـمّا صُلِبَ بالشام أخفى خالد بن معدان - وهو مِن أفضل التابعين - شخصه مِن أصحابه، فطلبوه شهراً فوجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال لهم : أما ترون ما نزل بنا ؟! ثمّ أنشدهم :

جاؤوا برأسِكَ يابنَ بنتِ محمّد

متَرمِّلاً بدمائِهَ ترميلا

وكأنّما بكَ يابنَ بنتِ محمّد

قتلوا جهاراً عامدين رسولا

قتلوك عطْشَاناً ولمْ يترقَّبوا

في قتلِكَ التنزيلَ والتأويلا

ويكبِّرون بأنْ قُتلتَ وإنّما

قتلوا بك التكبيرَ والتهليلا(١)

وذكر ابن عساكر هذه الحادثة، ونسب هذه الأبيات إلى خالد بن غفران(٢) ، وذكر أنّ هذه الأبيات لديك الجنّ وهو عبد السّلام بن رغبان(٣) .

رثاءُ محمّد بن إدريس الشافعي

وقال الخوارزمي : أخبرني سيّد الحفّاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي فيما كتب إليّ مِن همدان، أخبرني محيي السُنّة أبو الفتح (إجازة)، أنشدني أبو الطيب البابلي، أنشدني أبو النجم بدر بن إبراهيم الدينوري للشافعي محمّد بن إدريس :

تأوَّبَ همَّي والفؤادُ كئيبُ

وأرَّق نومي فالرُّقَادُ غريبُ

وممّا نفى جسمي وشيَّبَ لـمـَّتِي

تصاريفُ أيّامٍ لهنَّ خطوبُ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٤٢ - ١٤٣، الفصل الثالث عشر.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٦ / ١٨١.

(٣) كما ذكر ذلك في الموسوعة الشعريّة الكمبيوتريّة.


فَمَنْ مبلغٌ عنِّي الحُسينَ رسالةً

وإنْ كَرِهَتْهَا أنفسٌ وقلوبُ

قتيلاً بلا جُرمٍ كأنّ قميصَه

صبيغٌ بماءِ الأرجوانِ خضيبُ

وللسّيفِ إعوالٌ وللرمح رنَّةٌ

وللخيلِ مِنْ بَعْدِ الصهيلِ نحيبُ

تزلزلتِ الدُّنيا لآلِ محمّدٍ

وكادتْ لها صم الجبالِ تذوبُ

يُصلّى على المهديِّ مِن آلِ هاشمٍ

ويُغزى بنوه إنَّ ذا لعجيبُ

لئن كان ذنبي حبَّ آلِ محمّد

فذلك ذنبٌ لستُ منه أتوبُ

هُم شفعائي يومَ حشري وموقفي

إذا كثرتني يوم ذاك ذنوبُ(١)

رثاءُ القطّان

وروى الخوارزمي : أخبرني سيّد الحفّاظ أبو منصور شهر دار بن شهرويه فيما كتب إليَّ مِن همدان، أنشدني والدي، أنشدني أبو نصر أحمد بن علي بن عامر الفقيه العبكري على شاطئ نهر الهارونيّة، أنشدني أحمد بن منصور بن علي القطيعي المعروف بالقطّان ببغداد لنفسه :

يا أيُّها المنزلُ المحيلُ

غاثك مستخفرٌ هَطُولُ

أودى عليك الزَّمانُ لـمـَّا

شجاك من أهلِهِ الرحيلُ

لا تَغْتَرِرْ بالزمانِ واعلمْ

أنّ يدَ الدَّهْرِ تستطيلُ

فإنَّ آجالَنا قِصارٌ

فيه وآمالنا تطولُ

تفنى الليالي وليس يفنى

شوقي ولا حسرتي تزولُ

لا صاحبٌ منصفٌ فأسلو

به ولا حافظٌ وَصُولُ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٤٣ - ١٤٤، الفصل الثالث عشر.


وكيف أبقى بلا صديقٍ

باطنُه باطنٌ جميلُ

يكون في البُعْدِ والتداني

كما اُرَجِّي وما أقولُ

هيهات قَلَّ الوفاء فيهم

فلا حميمٌ ولا وَصولُ

يا قوم ما بَالُنَا جُفين

فلا كتابٌ ولا رسولُ

لو وجدوا بَعْضَ ما وَجَدْن

لكاتبونا ولمْ يحولوا

لكنَّ خانوا ولمْ يجودوا

لنا بوصلٍ ولمْ ينيلوا

قلبي قريحٌ به كُلُومٌ

أفتنه طرفُك البخيلُ

أنحلَ جسمي هواك حتّى

كأنّه خصرُك النحيلُ

يا قاتلي بالصدودِ رفقاً

بمهجةٍ شَفَّها غليلُ

غصنٌ مِن البانِ حيثُ مالتْ

ريحُ النعامى به تميلُ

يسطو علينا بغُنْجِ لَحْظٍ

كأنّه مرْهَفٌ صقيلُ

كما سطت بالحُسين قومٌ

أراذلٌ ما لهم اُصولُ

قد أفردوه فظلّ يدعو

ولا سميعٌ لِما يقولُ

يا أهلَ كوفانَ لِمَ غدرتمْ

بنا وكمْ أنتم نُكُولُ

أنتُم كتبتمْ إليَّ كُتباً

وفي طريِّاتِها ذحولُ

فراقبوا اللهَ في خباي

فيه لنا فتيةٌ غفولُ!

واُم كلثومَ قد تُنادي

ليس الذي حلَّ بي قليلُ

تقول لـمَّا رأته خلّو

قد خسفت صدرَه الخيولُ

جاءت بشاطي الفُرَاتِ تدعو

ما فعلَ السيّدُ القتيلُ

أين الذي حين أرضعوهْ

ناغاه في المهدِ جبرئيلُ

أين الذي حين غمَّدوهْ

قبَّله أحمدُ الرسولُ

أين الذي حيدرةٌ أبوهْ

واُمهُ فاطمةُ البتولُ


أنا ابنُ منصورٍ لي لسانٌ

على ذوي النّصبِ يستطيلُ

ما الرفضُ ديني ولا اعتقادي

ومذهبي عنه لا أحولُ(١)

رثاءُ دعبل بن علي الخزاعي

قال ابن الدمشقي : ومِن أحسن ما قيل في هذا المعنى، وما مدِحَ به أهل البيت (عليهم‌السلام )، القصيدة المشهورة الجامعة لهذه الاُمور مِن المديح والرثاء والبكاء على أهل البيت (عليهم‌السلام )، وهي قصيدة دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل بيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله )، ولمْ أظفر منها إلّا بهذا القدر اليسير، وهو هذا :

مدارسُ آياتٍ خلت مِن تلاوةٍ

ومنزلُ وحي مقفر العرصاتِ .(٢)

أقول : وقد ذكر الخوارزمي شيئاً منتخباً منها، حيث قال : ولدعبل بن علي الخزاعي مِن قصيدة طويلة مدحَ بها علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) انتخبتُ منها :

بكيتُ لرسمِ الدارِ مِن عرفات

إلى أنْ يقول :

لقد آمنتْ نفسي بكُمْ في حياتها

وإنّي لأرجو الأمنَ بعد وفاتي

وقد انتخب منها أبياتاً مِن هنا وهناك، وأنقلها كاملة مِن مصادر الشيعة ؛ لِما تحتويه مِن معارف وحقائق جليلة وعظيمة.

قال في كشف الغُمّة : وقد أورد الطبرسي (رحمه‌الله ) قصّة دعبل بن علي على زيادات عمَّا ذكرناه، فذكرتها عن أبي الصّلت الهروي، قال : دخل دعبل بن علي الخزاعي (رحمه‌الله ) على الرضا (عليه‌السلام ) بمرو، فقال له : يابن رسول الله، إنّي قد قلت فيكم قصيدة، وآليت

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٤٤ - ١٤٥، الفصل الثالث عشر.

(٢) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣١٠.


على نفسي ألا أنشدها أحداً قبلك فقال الرضا (عليه‌السلام ) : (( هاتها يا دعبل )).

فأنشد :

تَجَاوَبْنَ بالإرنانِ والزفراتِ

نَوَائحُ عُجْم اللفظِ والنّطقاتِ

يُخَبِّرْنَ بالأنفاسِ عن سرِّ أنفسٍ

اُسارى هَوَىً ماضٍ وآخرَ آتِ

فَأسْعَدْنَ أو أسعفنَ حتّى تقوَّضَتْ

صفوفُ الدُّجَى بالفجرِ منْهَزِمَاتِ

على العَرَصَاتِ الخالياتِ من الْمَهَا

سلام شَجٍ صَبٍّ على العَرَصَاتِ

فعهدي بها خُضْرَ المعاهدِ مألف

مِنَ الْعَطِرَاتِ البيضِ والخَفِرَاتِ

لياليَ يُعْدِيْنَ الوصالَ على القلى

ويُعْدِي تدانينا على الغرباتِ

وإذْ هُنَّ يلحظنَ العيونَ سوافر

ويَسْتُرْنَ بالأيدي على الوَجَنَاتِ

وإذْ كلَّ يومٍ لي بلحظيَ نَشْوةٌ

يبيتُ بها قلبي على نَشَوَاتِ

فكم حسراتٍ هاجَها بمحَسِّرٍ

وقوفيَ يومَ الجمعِ مِنْ عَرَفَاتِ

ألمْ ترَ للأيّامِ ما جرَّ جورُها

على النّاسِ من نقصٍ وطولِ شَتَاتِ

ومِنْ دُوَلِ المستهزئينَ وَمَنْ غدا

بهم طالباً للنورِ في الظلماتِ

فكيف ومِنْ أنّى يُطالِبُ زلفةً

إلى اللهِ بَعْدَ الصومِ والصلواتِ

سوى حبِّ أبناءِ النّبي ورهطِهِ

وبُغْضِ بني الزَّرْقَاءِ والعَبَلاتِ

وهندٍ وما أدَّتْ سميّةُ وابنُه

اُولوا الكفرِ في الإسلام والفَجَرَاتِ

هُم نقضوا عهدَ الكتابِ وفَرْضَه

ومحْكَمَه بالزورِ والشُّبهاتِ

ولمْ تكُ إلّا محنةٌ كشفتهُم

بدعوى ضلالٍ من هَنٍ وهَنَاتِ

تُراثٌ بلا قربى وملْكٌ بلا هُدَىً

وحكمٌ بلا شورى بغيرِ هُدَاتِ

رزايا أرتنا خُضْرَةَ الاُفْقِ حُمْرَةً

وَرَدَّتْ اُجَاجَاً طعَمْ َكلِّ فُرَاتِ

وما سَهَّلَتْ تلك المذاهبَ فيهِم

على النّاسِ إلّا بيعةُ الفَلَتَاتِ

وما قيلُ أصحابِ السّقيفةِ جهرةً

بدعوى تراثٍ في الضلالِ نتاتِ

ولو قَلَّدوا الموْصَى إليه اُمورَه

لَزُمَّت بمأمونٍ على العَثَرَاتِ


أخي خَاتَمِ الرُسْلِ المصفَّى من القَذَى

ومفترِسِ الأبطالِ في الغَمَرَاتِ

فإنْ جحدوا كان الغديرُ شهيدَه

وبدرٌ واُحْدٌ شامِخُ الهَضَبَاتِ

وآيٌ مِن القُرآنِ يُتلى بفَضْلِهِ

وإِيثارِهِ بال-قوتِ في اللَّزَبَاتِ

وغرُّ خلالٍ أدركته بسبقِه

مناقبُ كانت فيه مؤْتَنِفَاتِ

مَنَاقِبُ لمْ تُدْرَك بخيرٍ ولمْ تُنَلْ

بشيءٍ سوى حَدِّ الْقَنَا الذِّرِبَاتِ

نجيٌّ لجبريلَ الأمينِ وأنتُم

عكوفٌ على العُزَّى معاً وَمَنَاتِ

بكيتُ لِرَسْمِ الدارِ من عرفاتِ

وأجريتُ دمعَ العينِ بالعبراتِ

وَبَانَ عُرَى صبري وهاجت صَبَابتي

رسوم ديارٍ قد عَفَتْ وَعِرَاتِ

مدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تلاوةٍ

ومنزلُ وَحْيٍ مقْفرُ الْعَرَصَاتِ

لآلِ رسولِ اللهِ بالخَيْفِ مِنْ مِنَى

وبالبيتِ والتعريفِ والجمراتِ

ديارٌ لعبدِ اللهِ بالخَيْفِ مِنْ مِنى

وللسيّدِ الدَّاعي إلى الصلواتِ

ديارُ عليٍّ والحُسين وجعفرٍ

وحمزةَ والسجّادِ ذي الثَّفَنَاتِ

ديارٌ لعبدِ اللهِ والفضلِ صِنْوِهِ

نجيِّ رسولِ اللهِ في الخَلَوَاتِ

وَسَبْطَيْ رسولِ اللهِ وابْنَيْ وصيِّه

ووارثِ عِلْمِ اللهِ والحسناتِ

منازلُ وحيِ اللهِ يَنْزِلُ بينَها

على أحمدَ المذكورِ في السُّورَاتِ

منازلُ قومٍ يُهْتَدَى بهداهُم

وتُؤْمَنُ منهم زَلَّةُ العَثَرَاتِ

منازلُ كانت للصلاةِ وللتقى

وللصومِ والتطهيرِ والحسناتِ

منازلُ لا تَيْمٌ يحلُّ بِرَبْعِهَا

ولا ابنُ صهاكٍ فَاتِكُ الحُرُمَاتِ

ديارٌ عَفَاها جورُ كلِّ منَابِذٍ

ولم تَعْفُ للأَيَّامِ والسنواتِ

قِفَا نَسْأَل الدَّارَ التي خَفَّ أَهْلُه

متى عَهْدُها بالصومِ والصلواتِ

وأين الاُلى شَطَّتْ بِهم غربةُ النوى

أفانينَ في الأطرافِ مفترقاتِ

هُم أهلُ ميراثِ النّبي إذا اعتزو

وهم خَيْرُ ساداتٍ وخيرُ حُمَاتِ


إذا لمْ نُنَاجِ الله في صلواتِن

بأسمائِهِم لمْ يَقْبَلْ الصلواتِ

مطاعيم في الإقتارِ في كلِّ مَشْهَدٍ

لقد شُرِّفوا بالفضلِ والبركاتِ

وما الناسُ إلّا غاصبٌ ومكذِّبٌ

ومضْطَغِنٌ ذو إحنةٍ وتراتِ

إذا ذكروا قتلى ببدرٍ وخيبرٍ

ويومِ حُنينٍ أسبلوا العبراتِ

فكيف يُحِبُّونَ النّبيَّ وَرَهْطَه

وهم تركوا أحشاءَنا وَغِرَاتِ

لقد لاينوه في المقالِ وأضمروا

قلوباً على الأحقادِ منطوياتِ

فإنْ لمْ تكنْ إلّا بقربى محمّد

فهاشم أولى مِن هنٍ وهناتِ

سقى اللهُ قبراً بالمدينةِ غَيْثَه

فقد حلَّ فيه الأمنُ بالبركاتِ

نبيُّ الهدى صلّى عليه مليكُهُ

وبلَّغَ عنَّا روحَه التُّحَفَاتِ

وصلّى عليه اللهُ ما ذرَّ شارقٌ

ولاحتْ نجوم الليلِ مبتدراتِ

أفاطم لو خلْتِ الحُسينَ مجَدَّل

وقد مات عَطْشَاناً بشطِّ فُرَاتِ

إذاً للطمتِ الخَدَّ فاطمٌ عِنْدَهُ

وأجريتِ دَمْعَ العينِ في الوَجَنَاتِ

أفاطم قومي يابنة الخيرِ فاندُبي

نُجُومَ سماواتٍ بأرضِ فلاتِ

قبورٌ بكوفانٍ واُخرى بطيبةٍ

واُخرى بفخٍّ نالها صلواتِ

واُخرى بأرضِ الجوزجانِ محلُّه

وقبرٌ بباخمرا لدى الغُرُبَاتِ

وقبرٌ ببغدادٍ لنفسٍ زكيَّةٍ

تضمَّنها الرحمانُ في الغرفاتِ

وقبرٌ بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ

أَلَحَّت على الأحشاءِ بالزفراتِ

إلى الحشرِ حتّى يبعثَ اللهُ قائماً

يُفَرِّجُ عنَّا الغمَّ والكُرباتِ

عليُّ بنُ موسى أرشدَ اللهُ أمرَه

وصلّى عليه أفضلَ الصلواتِ

فأمّا الممِضَّاتُ التي لستُ بالغاً

مَبَالِغَها منِّي بكُنْهِ صِفَاتِ

قبورٌ ببطنِ النّهرِ من جَنْبِ كربل

معَرَّسُهُم منها بشطِّ فُرَاتِ

توفوا عطاشى بالفراتِ فليتني

توفّيتُ فيهم قبل حين وفاتي


إلى اللهِ أشكو لوعةً عند ذِكْرِهم

سقتني بكأسِ الذلِّ والقصعاتِ

أخاف بأنْ أزدارَهُمْ فَتَشُوقُنِي

مَصَارِعُهُم بالجَزْعِ والنَّخَلاتِ

تقسَّمهم رَيْبُ المنونِ فما ترى

لهم عُقْوَةً مَغْشِيَّةَ الحُجُرَاتِ

خلا أنَّ منهم بالمدينةِ عُصْبَةً

مدينين أنضاءً من اللزباتِ

قليلةُ زُوَّارٍ سوى أنّ زُوَّرَاً

من الضَّبْعِ وَالعُقْبَانِ والرَّخَمَاتِ

لهم كلّ يومٍ تربةٌ بمضاجعٍ

ثوت في نواحي الأرضِ مفترقاتِ

تنكَّبُ لأواءُ السنين جِوارَهم

ولا تصطليهم جَمْرَةُ الجمراتِ

وقد كان منهم بالحجازِ وأرضِه

مغاويرُ نَحَّارون في الأزَمَاتِ

حِمىً لمْ تزرْه المذنباتُ وأوْجُهٌ

تُضِئُ لدى الأستارِ والظلماتِ

إذا وردوا خيلاً بسمرٍ من القنا

مساعيرُ حربٍ أقحموا الغمراتِ

فإنْ فخروا يوماً أتوا بمحمّد

وجبريلَ والفرقانِ والسُّورَاتِ

وعدُّوا عليّاً ذا المناقبِ والعُل

وفاطمةَ الزهراءِ خَيْرَ بَنَاتِ

وحمزةَ والعبّاسَ ذا الهَدْيِ والتقى

وجعفرَها الطيّار في الحجباتِ

اُولئك لا منتوجُ هندٍ وحِزْبِها

سميَّةَ مِن نَوْكى ومِن قَذِرَاتِ

سَتُسْأَلُ تيمٌ عنهُم وعَدِيُّها

وبيعتُهُم مِن أفْجَرِ الفَجَرَاتِ

هُم منعوا الأباءَ عن أَخْذِ حَقِّهِمْ

وهم تركوا الأبناءَ رَهْنَ شَتَاتِ

وهم عَدَلُوها عن وصيِّ محمّد

فبيعتُهُم جاءتْ على الغَدَرَاتِ

وَلِيَّهُم صِنْوُ النّبي محمّد

أبو الحسنِ الفَرَّاجُ للغمراتِ

مَلامَك في آلِ النّبي فإنهم

أَحِبَّايَ ما داموا وأهلُ ثِقَاتي

تخيَّرتُهُم رُشْداً لنفسي وإنهم

على كلِّ حالٍ خيرةُ الخيراتِ

نبذتُ إليهم بالمودةِ صادق

وسلَّمتُ نفسي طائعاً لِوُلاتي

فيا ربِّ زِدْني في هواي بصيرةً

وَزِدْ حُبَّهم يا ربِّ في حسناتي


سأبكيهِم ما حجَّ للهِ راكبٌ

وما ناح قَمْرِيٌّ على الشَّجَرَاتِ

وإنّي لمولاهم وقالٍ عدوَّهم

وإنّي لمحزونٌ بطولِ حَيَاتِي

بنفسيَ أنتم مِن كهولٍ وفتيةٍ

لِفَكِّ عُنَاةٍ أو لِحَمْلِ دِيَاتِ

وللخيلِ لـمَّا قيَّد الموتُ خَطْوَهَا

فأطلقتُم منهُنَّ بالذرباتِ

اُحِبُّ قصيَّ الرحمِ مِن أجلِ حُبِّكم

وأهجرُ فيكم زوجتي وبناتي

وأكتُم حُبِّيْكُمْ مخافةَ كاشحٍ

عنيدٍ لأهلِ الحقِّ غيرِ موَاتِ

فيا عينُ أبكيهم وجُودي بعبرةٍ

فقد آنَ للتَّسْكَابِ والهَمَلاتِ

لقد خفتُ في الدُّنيا وأيّامِ سَعْيِها

وإنّي لأرجو الأمنَ عند وفاتي

ألمْ ترَ أنّي مذ ثلاثين حجةً

أروحُ وأغدو دائمَ الحَسَراتِ

أرى فَيْئَهُم في غيرِهم متقَسَّم

وأيدِيَهُمْ من فَيئِهِم صَفِرَاتِ

وكيف اُداوي من جوىً بي والجوى

اُميّةُ أهلُ الكفرِ واللَعَنَاتِ

وآلُ زيادِ في الحريرِ مصونةٌ

وآلُ رسولِ اللهِ منهتكاتِ

سأبكيهِم ما ذرَّ في الاُفقِ شارقٌ

ونادى منادي الخير بالصلواتِ

وما طلعتْ شمسٌ وحان غروبُها

وبالليلِ أبكيهم وبالغدواتِ

ديارُ رسولِ اللهِ أصبحنَ بلقع

وآلُ زيادٍ تَسْكُنُ الحجراتِ

وآلُ رسولِ اللهِ تدْمَى نحورُهم

وآلُ زيادٍ ربَّةُ الحجلاتِ

وآلُ رسولِ اللهِ تُسْبَى حريمهُم

وآلُ زيادٍ آمِنُوا السرباتِ

وآلُ زيادٍ في القصورِ مصونةٌ

وآلُ رسولِ اللهِ في الفلواتِ

إذا وُتِرُوا مَدُّوا إلى واتريهِم

أكفاً عن الأوتار منقبضاتِ

فلولا الذي أرجوه في اليومِ أو غدٍ

تقطّع نفسي إثرهم حسراتِ

خروجُ إمامٍ لا محالةَ خارجٌ

يقوم على اسم اللهِ والبركاتِ


يُميِّزُ فينا كُلَّ حقٍّ وباطلٍ

ويجزي على النّعماءِ والنّقماتِ

فيا نفسُ طيبي ثمْ يا نفس فابشري

فغيرُ بعيدٍ كلَّ ما هو آتِ

ولا تجزعي مِن مدَّةِ الجورِ إنّني

أرى قوّتي قد آذنتْ بثباتِ

فإنْ قَرَّبَ الرحمانُ مِن تلك مدتي

وأخَّر مِن عمري ووقتِ وفاتي

شُفِيتُ ولمْ أترك لنفسيَ غُصَّةً

وَرَوَّيْتُ منهم منْصَلي وقَنَاتي

فإنّي مِن الرحمانِ أرجو بِحُبِّهم

حياةً لدى الفردوسِ غير تباتِ

عسى اللهُ أنْ يرتاحَ للخلقِ إنّه

إلى كلِّ قومٍ دائم اللحظاتِ

فإنْ قُلْتُ عُرْفاً أنكروه بمنكرٍ

وَغَطَّوا على التحقيقِ بالشُّبهاتِ

تَقَاصَرُ نفسي دائماً عن جِدَالِهِم

كفانيَ ما ألقى من العبراتِ

اُحَاوِلُ نَقْلَ الصُّمِّ عن مستقرِّها

وإسماع أحجارٍ من الصلداتِ

فحسبيَ منهم أنْ أبوءَ بِغُصَّةٍ

تَرَدَّدُ في صدري وفي لَهَوَاتي

فمِن عارفٍ لمْ ينتفعْ ومعاندٍ

تميلُ به الأهواءُ للشهواتِ

كأنّك بالأضلاعِ قد ضاق ذَرْعُه

لِمَا حَمَلَتْ من شِدَّةِ الزفراتِ(١)

( فلمـَّا وصل إلى قوله : وقبر ببغداد، قال (عليه‌السلام ) له : (( أفلا اُلحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟ )) قال : بلى يابن رسول الله فقال :

وقبرٌ بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ

أَلَحَّت على الأحشاءِ بالزفراتِ

إلى الحشرِ حتّى يبعثَ اللهُ قائماً

يُفَرِّجُ عنَّا الغمَّ والكُرباتِ )(٢)

فقال دعبل : يابن رسول الله، لـمَنْ هذا القبر بطوس ؟ فقال (عليه‌السلام ) : (( قبري، ولا تنقضي الأيام والسنون حتّى تصير طوس مختلف شيعتي، فمَنْ زارني في غربتي كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له )) ونهض الرضا (عليه‌السلام )، وقال : (( لا تبرح )).

____________________

(١) كشف الغمّة - ابن أبي الفتح الإربلي ٣ / ١١٢.

(٢) ما بين القوسين من بحار الأنوار - العلامة المجلسي ٩٤ / ٢٥١.


وأنفذ إليه صرّة فيها مئة دينار، فردَّها وقال : ما لهذا جئتُ وطلب شيئاً مِن ثيابه، فأعطاه جبّة مِن خزّ والصرّة، وقال للخادم : (( قُلْ له : خذها فإنّك ستحتاج إليها ولا تعاودني )) فأخذها وسار مِن مرو في قافلة، فوقع عليهم اللصوص، أخذوهم وجعلوا يُقسّمون ما أخذوا مِن أموالهم، فتمثّل رجل منهم بقوله : أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً البيت فقال دعبل : لـمَنْ هذا البيت ؟ فقال : لرجل مِن خزاعة يُقال له دعبل فقال : فأنا دعبل قائل هذه القصيدة فحلُّوا كتافه وكتاف جميع مَنْ في القافلة، وردُّوا إليهم جميع ما اُخِذَ منهم.

وسار دعبل حتّى وصل إلى قم فأنشدهم القصيدة، فوصلوه بمال كثير وسألوه أنْ يبيع الجُبّة منهم بألف دينار فأبى، وسار عن قم فلحقه قوم مِن أحداثهم وأخذوا الجُبّة منه، فرجع وسألهم ردَّها، فقالوا : لا سبيل إلى ذلك، فخذ ثمنها ألف دينار فقال : على أنْ تدفعوا إليّ شيئاً منها، فأعطوه بعضها وألف دينار، وعاد إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما في منزله، فباع المئة دينار التي وصله بها الرضا (عليه‌السلام ) مِن الشيعة، كلُّ دينار بمئة درهم، وتذكّر قول الرضا (عليه‌السلام ) : (( إنّك ستحتاج إليها )).

وعن أبي الصّلت الهروي، قال : سمعت دعبلاً قال : لـمـَّا أنشدت مولانا الرضا (عليه‌السلام ) القصيدة، وانتهيت إلى قولي :

خروجُ إمامٍ لا محالةَ خارجٌ

يقوم على اسمِ اللهِ بالبركاتِ

يميِّز فينا كلَّ حقٍّ وباطلٍ

ويجزي على النّعماءِ والنّقماتِ

بكى الرضا (عليه‌السلام ) بكاءً شديداً، ثمّ رفع رأسه إليَّ، وقال : (( يا خُزاعي، نطق روح القُدُس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري مَنْ هذا الإمام ومتى يقوم ؟ )) قلتُ : لا، إلّا أنّي سمعت يا مولاي بخروج إمام منكم يملأ الأرض عدلاً فقال : (( يا دعبل، الإمام بعدي محمّد ابني، ومِن بعد محمّد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحُجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره ولو لمْ يبقَ مِن


الدنيا إلّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ))(١) .

قال الخوارزمي : ولدعبل مِن قصيدة اُخرى طويلة :

أَأَسْبَلْتَ دَمْعَ العينِ بالعبراتِ

وبِتَّ تُقاسي شِدَّةَ الزفراتِ

وتبكي على آثارِ آلِ محمّد

وقد ضاق منك الصدرُ بالحسراتِ

أَلا فابكِهِمْ حقاً وأَجْرِ عليهِم

عيوناً لريبِ الدَّهْرِ منْسَكِبَاتِ

ولا تنسَ في يوم الطفوفِ مصَابَهمْ

بداهيةٍ من أعظمِ النّكباتِ

سقى اللهُ أجداثاً على طفِّ كربلا

مَرَابِعَ أمطارٍ مِنَ المزناتِ

وصلّى على روحِ الحُسينِ وجسمِهِ

طريحاً على النهرين بالفلواتِ

قتيلاً بلا جرمٍ ينادي لنَصْرِهِ

فريداً وحيداً أين أين حُماتي

أأنسى وهذا النّهرُ يطفحُ ظامئاً

قتيلاً ومظلوماً بغيرِ تِرَاتِ

فقل لابنِ سعدٍ أبعدَ اللهُ سَعْدَه

ستلقى عذابَ النّارِ واللعناتِ

سأقنتُ طول الدهر ما هبّت الصب

وأقنتُ بالآصالِ والغَدَواتِ

على معشرٍ ضلّوا جميعاً عن الهدى

وألقَوا رسولَ اللهِ بالكرباتِ

لقد رفعوا رأسَ الحُسين على القنا

وساقوا نِسَاءً حُسَّراً وَلِهَاتِ(٢)

( تُوفّوا عطاشى نازحين وغادروا

مدارسَ وحيِ اللهِ منْدَرِسَاتِ

يعزُّ على المختارِ أن يمكثَ ابنُهُ

طريحاً بلا دفنٍ لدى الهبوات

ويرفعَ رأسُ الرمحِ رأسَ حبيبِهِ

ويُسْرَى به للشامِ في الحرباتِ

____________________

(١) كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي ٣ / ١١٢.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٤٩ - ١٥٠ الفصل الثالث عشر.


وينكث بالعودِ مَنْ لاكت امه

لحمزةَ كبداً لمْ يُسَغْ بلهاةِ

مصائبُ أجرت عينَ كلِّ موحِّدٍ

دماءً رماها القلبُ بالعبرات)(١)

قال الخوارزمي : ولدعبل مِن قصيدة أيضاً :

يا اُمّةً قتلت حسيناً عنوةً

لمْ ترعَ حقَّ اللهِ فيه فتهتدي

قتلوهُ يومَ الطّفِّ طعناً بالقن

سلباً وهبراً بالحُسَامِ المقصدِ

ولطالما ناداهُم بكلامِهِ

جدّي النّبيّ خصيمكم في الموعدِ

يا قوم إنّ الماءَ يلمعُ بينكُم

وأموتُ ظمآنَ الحشى بتوقُّدِ

قد شَفَّني عطشي وأقلقني الذي

ألقاه مِن ثقلِ الحديدِ المجْهِدِ

فأتاه سَهْمٌ مِن يدٍ مشؤومةٍ

مِن قوسِ ملعونٍ خبيثِ المولدِ

يا عينُ جودي بالدموعِ وجوِّدي

وابكي الحُسينَ السيّدَ ابنَ السيّدِ(٢)

____________________

(١) ما بين القوسين من ديوان دعبل، نقلاً عن كتاب حياة الإمام الرضا (عليه‌السلام ) - الشيخ باقر شريف القرشي ٢ / ١٢١.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٠، الفصل الثالث عشر، وذكرها العلّامه المجلسي في بحار الأنوار ٥٤ / ٢٧٦، قال : ولدعبل أيضاً (رحمه‌الله ) :

يا اُمّةً قتلت حسيناً عنوةً

لمْ ترعَ حقَّ الله فيه فتهتدي

قتلوه يوم الطّفِّ طعنا بالقنا

وبكلِّ أبيضَ صارمٍ ومهندِ

ولطالما ناداهم بكلامِهِ

جدّي النّبيّ خصيمكُم في المشهدِ

جدّي النّبيّ أبي عليٌّ فاعلموا

والفخرُ فاطمةُ الزكيّةُ محتدي

يا قوم إنّ الماء يشربه الورى

ولقد ظمئتُ وقلَّ منه تجلدي

قد شفَّني عطشي وأقلقني الذي

ألقاه من ثقلِ الحديدِ (المجهدِ)

قالوا له هذا عليك محرّمٌ

هذا حلالٌ مَن يُبايعُ للغبي

فأتاه سهمٌ من يدٍ مشؤومةٍ

من قوس ملعونٍ خبيثِ المولدِ

يا عينُ جودي بالدموع وجوّدي

وابكي الحُسينَ السيّدَ ابنَ السيّدِ


وقال الخوارزمي : ولدعبل أيضاً من قصيدة :

مَنَازِلُ بين أكنافِ الغَريِّ

إلى وادي المياهِ إلى الطَوِيِّ

تَرَكْنَ الدَّمْعَ يَنْبَعُ مِن فؤادي

كما نَبَعَ الدفاعُ مِن الرَّكِيِّ

لقد شَغَلَ الدموعَ عن الغواني

مصَابُ الأكرمين بني عليِّ

ألمْ يحزنْكَ أنّ بني زيادٍ

أصابوا بالتِرَاتِ بني النّبيِّ

وأنّ بني الحصانِ يمرُّ فيهم

علانيةً سيوفُ بني البغيِّ

ألا فَقِفِ الدموعَ على حسينٍ

وذكرك مَصْرَعِ الحبرِ التقيِّ

أتى أسفي على هفواتِ دهري

تضاءل فيه أولادُ الزكيِّ(١)

قال الخوارزمي : ولدعبل من قصيدة :

إنْ كنتَ محزوناً فمالكَ تَرْقُدُ(٢)

هلاّ بكيتَ لِمَنْ بكاه محمّد

هلاّ بكيتَ على الحُسينِ وقتلِهِ

إنّ البكاءَ على الحُسينِ لَيُحْمَدُ

فلقد بكتهُ في السّماءِ ملائكٌ

زُهْرٌ كرامٌ راكعون وسجَّدُ

لمْ يحفظوا حقَّ النّبيِّ محمّد

إذ جرَّعوه حرارةً ما تبرُدُ

أنسيتَ إذ سارت إليه كتائبٌ

فيها ابنُ سعدٍ والطّغاةُ الجُحَّدُ

فسقوه مِن جرعِ الحتوفِ بمشهدٍ

كَثُرَ العدوُّ به وقلَّ المسْعِدُ

ثمْ استباحوا الطّاهراتِ حواسراً

فالشملُ مِن بعدِ الحُسينِ مبدَّدُ

وتضعضع الإسلام يومَ مصَابِهِ

فالجودُ يبكي فقدَه والسؤددُ

كيف القرارُ وفي السّبايا زينبٌ

تدعو شجاً يا جدَّنا يا أحمدُ

هذا حُسينٌ بالسّيوفِ مقطَّعٌ

متخضِّبٌ بدمائِهِ مستشهدُ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٠ - ١٥١.

(٢) وفي المطبوع : (لمهلك ولد) بدل (فمالك ترقد)، والظاهر ما أثبتناه.


عارٍ بلا كفنٍ صريعٌ في الثَّرى

تحت الحوافرِ والسّنابِكِ يُخْضَدُ(١)

والطّيبون بَنوك قتلى حولَه

فوقَ الترابِ ذبائحٌ لا تُلْحَدُ

يا جدُّ مِن ثكلي وطولِ مصيبتي

فيما أعانيه أقوم وأقعدُ

يا جَدُّ قَد منَعوا الفُراتَ وَقُتِّلوا

عَطَشاً فَلَيسَ لَهُم هُنالِكَ مَورِدُ(٢)

يا جدُّ إنّ الكلبَ يشربُ آمناً

ريّاً ونحن عن الفراتِ نطرَّدُ(٣)

قال الخوارزمي : ولدعبل الخزاعي من قصيدته الطويلة :

جاؤوا مِن الشامِ المشومةِ أهلُها

للشؤمِ يقدم جندَهمْ إبليسُ

لُعِنوا وقد لُعنوا بقتلِ إمامِهم

تركوه وهو مبضَّعٌ محموسُ

وسَبَوا فواحزني بناتِ محمّد

عبرى حواسرَ مالهنَّ لبوسُ

تبًّاً لكمْ يا ويلكُمْ أرضيتُم

بالنّارِ ذلَّ هنالك المحبوسُ

بِعْتُم بدنيا غيرِكمْ جهلاً بكُمْ

عِزَّ الحياةِ وإنّه لَنَفِيسُ

أَخْسِرْ بها مِن بيعةٍ اُمويَّةٍ

لُعِنَتْ وحظُّ البائعين خسيسُ

بؤساً لِمَنْ بايعتُم وكأنّني

بإمامِكم وَسْطَ الجحيمِ حبيسُ

يا آلَ أحمدَ ما لقيتُمْ بعدَه

مِن عُصبةٍ همْ في القياسِ مجوسُ

( كمْ عبرةٍ فاضتْ لكمْ وتقطَّعَتْ

يومَ الطّفوفِ على الحُسين نفوسُ )(٤)

صبراً موالينا فسوف نديلُكُمْ

يوماً على آلِ اللعينِ عبوسُ

مازلتُ متَّبِعاً لكمْ ولأمرِكم

وعليه نفسي ما حييتُ أسوس(٥)

____________________

(١) وفي الغدير ٢ / ٣٨٣ : (يقصد) بدل (يخضد)، وفي بحار الأنوار ٤٥ / ٢٧٧ : (مقصد).

(٢) وفي المطبوع : بدل هذا الشطر (عطشاً فكان مِن الداء المورد)، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥١.

(٤) زيد هذا البيت مِن بحار الأنوار ٤٥ / ٢٨٦.

(٥) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٠ - ١٥١.


رثاءُ الشريف الرضي

قال الخوارزمي : وللشريف نقيب النّقباء ببغداد، الرضي الموسوي، من قصيدة :

شَغَلَ الدموعَ عن الديارِ بكاؤُها

لبكاءِ فاطمةٍ على أولادِها

وا لهفتاه لعصبةٍ علويّةٍ

تَبِعَتْ اُميَّةَ بعد عزِّ قيادِها

اللهُ سَابَقَكُمْ إلى أرواحِه

وكسبتُم الآثامَ في أجسادِها

إنْ قوَّضَتْ تلك القبابُ فإنّم

خرَّت عمادُ الدينِ قبل عمادها

هي صفوةُ اللهِ التي أوحى له

وقضى أوامرَه إلى أمجادِها

يَرْوي مناقبَ فضلِها أعداؤها

أبداً ويُسْنِدُها إلى أضدادِها

يا غيرةَ اللهِ اغضبي لنبيِّه

وتزحزحي بالبيضِ عن أغمادِها

مِن عصبةٍ ضاعت دماءُ محمّد

وبنيه بينَ يزيدِها وزيادِها

صَفَدَاتُ مالِ اللهِ ملءُ أكفِّها

وأكفُّ آلِ اللهِ في أصفادِها

ضربوا بسيف محمّد أبناءَهُ

ضربَ الغرائب عدن بعد ذيادِها

يا يومَ عاشوراءَ كمْ لكَ لوعةً

تترقّص الأحشاءُ مِن إيقادِها(١)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥١ - ١٥٢، وقد ذكر هذه القصيدة الشيخ الأميني (قدس‌سره ) في كتاب الغدير ٤ / ٢١٥، قال : وقال الشريف الرضي (قدس‌سره ) يرثي الإمام السبط :

هذي المنازلُ بالغميمِ فنادِها

واسكبْ سخيَّ العينِ بعد جمادِها

إنْ كان دَينٌ للمعالمِ فاقضِهِ

أو مهجةٌ عند الطلولِ فَفَادِها

يا هل تبلُّ مِن الغليلِ إليهم

إشرافةً للركبِ فوق نجادها

نُؤْيٌ كمنعطفِ الحنيَّة دونهُ

سحم الخدودِ لهنّ إرثُ رمادِها

ومناطُ أطنابٍ ومقعدُ فتيةٍ

تخبو زنادُ الحيِّ غيرَ زنادِها

ومجرُّ أرسانِ الجيادِ لغلمةٍ

سَجَفُوا البيوتَ بشقرِها وورادِها

ولقد حبستُ على الديارِ عصابةً

مضمومةَ الأيدي إلى أكبادِها =


____________________

=حسرى تَجَاوَبُ بالبكاءِ عُيُونُهَ

وتَعِطُّ بالزفراتِ في أبرادِها

وقفوا بها حتّى كأنّ مَطِيَّهمْ

كانت قوائمهُنَّ مِن أوتادِها

ثمّ انثنتْ والدمعُ ماءُ مَزَادِه

ولواعجُ الأشجانِ مِن أزوادِها

مِن كلِّ مشتملٍ حمائل رنةٍ

قطر المدامعِ من حليِّ نجادِها

حيَّتْك بل حيَّتْ طلوعَك دِيمةٌ

يَشفي سقيمَ الربعِ نَفْثُ عهادِها

وغدتْ عليك مِن الخمائلِ يمنةٌ

تستام نافقةً على روَّادِها

هل تطلبون مِن النواظرِ بعدَكمْ

شيئاً سوى عبراتِها وسهادِها

لمْ يبقَ ذخرٌ للمدامعِ عنكُم

كلاّ ولا عينٌ جرى لرقادِها

شغلَ الدموعَ عن الديارِ بكاؤُها

لبكاءِ فاطمةٍ على أولادِها

لمْ يخلفوها في الشهيدِ وقد رأى

دفعَ الفراتِ يزاد عن أورادِها

أترى درت أنّ الحُسينَ طريدةٌ

لقنا بني الطرداءِ عند وِلادِهَا

كانت مآتم بالعراقِ تَعُدُّها

اُمَوِيَّةٌ بالشامِ من أعيادِها

ما راقبتْ غَضَبَ النّبيِّ وقد غدا

زَرْعُ النّبيِّ مطنةً لحصادِها

باعت بصائرَ دينِها بضلالِها

وشرتْ مَعَاطِبَ غيِّها برشادِها

جعلت رسولَ اللهِ مِن خُصَمَائِها

فَلَبِئْسَ ما ذخرتْ ليومِ معادِها

نَسْلُ النّبيِّ على صِعَابِ مَطِيِّها

ودم النّبيِّ على رؤوسِ صِعَادِها

وا لهفتاهُ لعُصبةٍ علويّةٍ

تبعت اُميّة بعد عزِّ قيادِها

جَعَلَتْ عِرَانَ الذلِّ في آنافها

وعِلاطَ وَسْمِ الضيمِ في أجيادِها

زعمتْ بأنّ الدينَ سوَّغ قتلَه

أو ليس هذا الدينُ عن أجدادِها

طلبت تِرَاتِ الجاهليّةِ عنده

وشفت قديمَ الغِلِّ من أحقادِها

واستأثرت بالأمرِ عن غُيَّابِها

وقضت بما شاءتْ على شُهَّادِها=


____________________

اللهُ سابَقَكُمْ إلى أرواحِه

وكسبتُم الآثامَ في أجسادِها

إنْ قوَّضت تلك القبابُ فإنّم

خرَّت عمادُ الدينِ قبل عمادِها

إنّ الخلافةَ أصبحت مزويَّةً

عن شَعْبِها ببياضِها وسوادِها

طَمَسَتْ منابرَها علوجُ اُميّةٍ

تنزو ذئابُهُم على أعوادِها

هي صفوةُ اللهِ التي أوحى له

وقضى أوامرَه إلى أمجادِها

أخذتْ بأطرافِ الفَخَارِ فعاذرٌ

أنْ يصبحَ الثقلان من حُسَّادِها

الزهدُ والأحلام في فُتَّاكِه

والفتكُ لولا اللهُ في زُهَّادِها

عُصبٌ يُقَمَّطُ بالنّجادِ وليدُه

ومهُودُ صبيتِها ظهورُ جيادِها

تروي مناقبَ فضلِها أعداؤُها

أبداً وتُسْنِدُه إلى أضدادِها

يا غيرةَ اللهِ اغضبي لنبيِّهِ

وتزحزحي بالبيضِ عن أغمادِها

مِن عصبةٍ ضاعت دماءُ محمّد

وبنيه بين يزيدها وزيادِها

صَفَدَاتُ مالِ اللهِ ملءُ أكفِّها

وأكفُّ آلِ اللهِ في أصفادِها

ضربوا بسيفِ محمّد أبناءَه

ضَرْبَ الغرائبِ عُدْنَ بعدَ ذِيادِها

كانت مآتم بالعراقِ تعدُّها

اُمويّةٌ بالشامِ من أعيادِها

قد قلتُ للركبِ الطلاحِ كأنّهم

ربدُ النّسورِ على ذُرى أطوادِها

يحدو بعوجٍ كالحنيِّ أطاعه

معتاصُها فطغى على منقادِها

حتى تخيَّل مِن هبابِ رقابِه

أعناقَها في السّيرِ مِن أعدادِها

قفْ بي ولو لوثَ الإزارِ فإنّم

هي مهجةٌ عَلِقَ الجوى بفؤادِها

بالطفِّ حيثُ غدا مَرَاقَ دمائِه

ومَنَاخَ أَيْنُقِها ليومِ جِلادِها

الفقرُ مِن أرواقها والطيرُ مِن

طُرَّاقِها والوحشُ مِن عُوَّادِها

تجري لها حببُ الدموعِ وإنّم

حبُّ القلوبِ يكُنَّ من أمدادِها=


قال الخوارزمي : وللشريف أيضاً مِن قصيدة طويلة :

سقى اللهُ المدينةَ مِن محلٍّ

لُبابَ الودقِ بالنّطفِ العذابِ

وجادَ على البقيعِ وساكنيهِ

رخيُّ الذيلِ ملآنُ الوطابِ

وأعلامَ الغريِّ وما أطافتْ

معالمها مِن الحسبِ اللبابِ

وقبراً بالطّفوفِ يضم شِلْواً

قضى ظمأً إلى بردِ الشرابِ

وبغداداً وسامرا وطوساً

هطولُ الوَدْقِ منخرقُ العبابِ

بكم في الشعرِ فخري لا بشِعْري

وعنكم طال باعي في الخِطَابِ

ومَنْ أولى بكم منِّي ولاءً

وفي أيديكُم طَرَفُ انتسابي(١)

قال عمر فرّوخ : لنْ أقول في استشهاد الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) شعراً ولا خيالاً كالشعر ؛

____________________

= يا يومَ عاشوراءَ كمْ لك لوعةٌ

تترقَّص الأحشاءُ مِن إيقادها

ما عُدْتَ إلّا عاد قلبي غُلَّةٌ

حرَّى ولو بالغتُ في إبرادِها

مثلُ السّليمِ مضيضةٌ آناؤهُ

خُزْرُ العيونِ تعودُه بعدادِها

يا جدُّ لا زالت كتائبُ حسرةٍ

تغشى الضميرَ بِكَرِّها وطِرَادِها

أبداً عليك وأدمعٌ مسفوحةٌ

إنْ لمْ يُرَاوِحْهَا البُكاءُ يغادِها

هذا الثناءُ وما بلغتُ وإنّما

هي حلبةٌ خلعوا عذارَ جوادِها

أأقولُ جادكُم الربيعُ وأنتُم

في كلِّ منزلةٍ ربيعُ بلادِها

أمْ أستزيدُ لكم عُلاً بمدائحي

أين الجبالُ مِن الرُبى وِوِهَادِها

كيف الثناءُ على النّجومِ إذا سَمَتْ

فوقَ العُيُونِ إلى مدى أبعادِها

أغنى طلوعُ الشمسِ عن أوصافِها

بجلالِها وضيائها وبعادِها

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٢.


فمَنْ ذا الذي يستطيع أنْ يسمو بعاطفته وخياله إلى أنْ يقول كما قال الشريف الرضي في مأتم الحُسين :

ميِّتٌ تبكي له فاطمةٌ

وأبوها وعليٌّ ذو العلا(١)

وذكر الشريف علي الحُسيني مِن شعر الشريف الرضي (رحمه‌الله )، قال :

كربلا لا زلتِ كرباً وبلا

ما لقي عندك آلُ المصطفى

كمْ على تُرْبِكِ لـمّا صرِّعوا

مِن دمٍ سال ومِن دمعٍ جرى

يا رسولَ اللهِ لو أبصرتَهُمْ

وهُم ما بينِ قتْلٍ وسبا

مِنْ رميضٍ يُمْنَعُ الظلَّ ومِنْ

عاطشٍ يُسْقَى أنابيبَ القنا

جَزَرُوا جَزْرَ الأضاحي نسلَهُ

ثمّ ساقوا أهلَه سَوْقَ الإما

هاتفاتٍ برسولِ اللهِ في

شدّةِ الخوفِ وعَثْرَاتِ الخُطَا

قتلوه بعدَ علمٍ منهُم

أنّه خامسُ أصحابِ الكسا

ليس هذا لرسولِ اللهِ يا

اُمَّةَ الطغيانِ والبغيِ جَزَا

يا جِبَالَ المجدِ عزاً وعُلاً

وبدورَ الأرضِ نوراً وسَنا

جعلَ اللهُ الذي نالكُم

سَبَبَ الوجدِ طويلاً والبكا

لا أرى حُزْنَكُم يُسْلَى ولا

رُزْءَكم يُنْسَى وإنْ طال الـمَدَى(٢)

رثاءُ الجوهري الجرجاني

قال الخوارزمي : ولأبي الحسن بن علي الجوهري الجرجاني من قصيدة يمدح بها أهل البيت (عليهم‌السلام ) :

____________________

(١) تجديد في المسلمين لا في الإسلام - الدكتور عمر فرّوخ / ١٤٤، ط دار الكتاب العربي - بيروت، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٨٢.

(٢) أحسن القصص - الشريف علي الحُسيني ٤ / ٢٥٢، ط بيروت، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٦ / ٤٨٢، التبر المذاب - الخوافي أو الحافي / ٩٣ مخطوط - نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٧٥.


وَجدِي بكوفانَ لا وجدي لكوفانِ

تَهْمِي عليه ضلوعي قبلَ أجفاني

أرضٌ إذا نَفَحَتْ ريحُ العراقِ بها

أتت بشاشتها أقصى خراسانِ

ومِن قتيلٍ بأعلى كربلاءَ على

جهدِ الصَّدَى فتراه غيرَ صَدْيَانِ

وذي صَفَائحَ يُستسقى النقيعُ به

ريِّ الجوانحِ مِن رَوْحٍ ورضوانِ

هذا قسيم رسولِ اللهِ من أدمٍ

قُدّا معاً مثلما قُدَّ الشريكانِ

وذانِ سبطا رسولِ اللهِ جدُّهما

وَجْهُ الهدى وهما في الوجهِ عينانِ

وا خجلتا مِن أبيهم يومَ يَشْهَدُهمْ

مضَرَّجينِ نَشَاوَى من دمٍ قانِ

يقول يا اُمّةً حفَّ الضلالُ بها

واستبدلت للعمى كفراً بإيمانِ

ماذا جنيتُ عليكم إذ أتيتُكُم

بخيرِ ما جاء من آيٍ وفُرْقَانِ

ألمْ اُجِرْكم وأنتم في ضَلالَتِكُمْ

على شفا حُفْرَةٍ من حَرِّ نيرانِ

ألمْ اُؤْلِّفْ قلوباً منكُم فِرَقَاً

مثارةً بين أحقادٍ وأضغانِ

ألمْ أكن فيكُم غوثاً لمضطهدٍ

ألمْ أكن فيكُم ماءً لظمآنِ

أما تركتُ كتابَ اللهِ بينَكُم

وآيةُ العزِّ في جَمْعٍ وقرآنِ

قتلتُم ولَدي صبراً على ضمأٍ

هذا وتَرْجُونَ عند الحوضِ إحساني

سبيتُم ثكلتكُمْ اُمّهاتُكُمُ

بني البتولِ وهم لحمي وجُثماني

مزَّقْتُم ونكثتمْ عَهْدَ والدِهمْ

وقد قَطَعْتُم بذاك النّكثِ أقراني

يا ربِّ خُذْ لِيَ منهمْ إذ هُم ظلموا

كرامَ رهطي وراموا هَدْمَ بُنياني

ماذا تُجيبون والزهراءُ خَصْمكُم

والحاكم اللهُ للمظلومِ والجاني

أهلَ الكساءِ صلاةُ الله ما نَزَلَتْ

عليكُم الآيُ من مَثْنَى وَوِحْدَانِ

أنتم نجوم بني حَوَّاءَ ما طَلَعَتْ

شَمْسُ النّهارِ وما لاح السماكانِ

ما زلتُ منكمْ على شوقٍ يُهَيِّجُني

والدَّهْرُ يأمرني فيه وينهاني

حتى تَوَصَّلْتُ والتوحيدُ راحلتي

والعدلُ زادي وتقوى اللهِ إمكاني

هذي حقائقُ لفظٍ كلّما برقتْ

رَدَّتْ بِلألائِها أبصارَ عميانِ


هي الحُلى لبني طه وعترتِهِم

هي الردى لبني حربٍ ومروانِ

هي الجواهرُ جاء [ الجوهريُّ ] بها

محبّةً لَكُم مِن أرضِ جُرْجَانِ(١)

قال الخوارزمي : ولأبي الحسن الجوهري أيضاً من قصيدة طويلة :

يا أهلَ عاشورا(٢) يا لهفي على الدينِ

خذوا حدادَكُم يا آلَ ياسينِ

اليوم شُقِّق جَيْبُ الدينِ وانْتُهِبَتْ

بناتُ أحمدَ نَهْبَ الرومِ والصينِ

اليوم قام بأعلى الطفِّ نادبُهُمْ

يقول مَنْ ليتيمٍ أو لمسكينِ

اليوم خُضِّبَ شَيْبُ المصطفى بدمٍ

أمسى عبيرَ نحورِ الخُرْدِ والعِيْنِ

اليوم خَرَّتْ نجوم الفخرِ من مضرٍ

على مناخرَ تذليلٍ وتوهينِ

اليوم اُطفئ نورُ اللهِ متَّقِداً

وُجِّررتْ لَهُم التقوى على الطينِ

اليوم هُتِّكَ أسبابُ الهدى مزقاً

وُبْرقِعَتْ غرَّةُ الإسلامِ بالهونِ

اليوم زُعْزِعَ قُدْسٌ من جوانبه

وطاح رَضْوى على أنفِ العرينينِ

اليوم نال بنو حربٍ طوائلَها

ممّا صَلَوه ببدرٍ ثمّ صفّينِ

اليوم جُدِّل سِبْطُ المصطفى شَرِقاً

من نفسِهِ بنجيعٍ غيرِ مسنونِ

زادوا عليه بحبسِ الماءِ غُلَتَّهُ

تبّاً لرأيِ فريقٍ منه مغبونِ

نالوا أَزِمَّةَ دنياهم ببغيِهِم

فليتهم سمحوا منها بماعونِ

حتّى يصيحَ بقنَّسْرِيْنَ راهِبُها

يا عصبةَ الغيِّ يا حِزْبَ الشياطينِ

أتهزَؤون برأسٍ بات منتصباً

على القنا بجبينٍ منه ميمونِ

آمنتُ وَيْحَكُم باللهِ مهتدياً

مستبدلاً لِيَ دينَ الرأس من ديني

قد جدَّلوه صريعاً فوقَ جَبْهَتِهِ

وقسَّموه بأطرافِ السكاكينِ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٣ - ١٥٤.

(٢) وفي المطبوع : أهل عاشور، والصحيح ما أثبتناه(*) !!

(*) إنّ الرسم الأوّل للبيت هو الصحيح ؛ إذ هو من البحر البسيط، وإضافة الألف إلى (عاشور) يختل معها عروض البيت (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


وأوقروا صَهَوَاتِ الخيلِ من إحَنٍ

على أسَارَاهُم فِعْلَ الفراعينِ

مصعَّدين على أقتابِ أَرْحُلِهِمْ

محمولةً بين مضروبٍ ومطعونِ

أطفالُ فاطمةَ الزهراءِ قد فُطِموا

من الثديِّ بأنيابِ الثعابينِ

يا اُمّةً وَلِيَ الشيطانُ رَايَتَها

ومَكَّنَ الغيَّ منها كلَّ تمكينِ

يا ابْنَيْ زيادٍ وهندٍ تَرْتَجُونَ غداً

رَوْحَ الجِنَانِ بمقذوفٍ وملعونِ

ما المرتضى وبنوه مِن معاويةٍ

ولا الفواطم مِن هندٍ وميسونِ

آلُ الرسولِ عباديدُ السيوفِ فَمِنْ

سارٍ على وَجْهِهِ خوفاً ومسجونِ

يا عينُ لا تَدَعِي شيئاً لغاديةٍ

تَهْمِي ولا تَدَعِي دمعاً لمحزونِ

سُحِّي على جَدَثٍ بالطفِّ فانتقضي

بكلِّ لؤلؤِ دمعٍ فيك مكنونِ

يا آلَ أحمدَ إنّ ( الجوهريَّ ) لكُمْ

سيفٌ يُقَطِّعُ عنكم كلَّ موصونِ(١)

رثاءُ كشاجم

قال الخوارزمي : لكشاجم من قصيدة طويلة :

إذا تفكَّرت في مصَابِهِم

أثقبَ زَنْدَ الهُمومِ قادِحُهُ

فبعضُهم قُرِّبَتْ مَصَارِعُهُ

وبعضُهم بُوعِدَتْ مطارِحُهُ

أظلمَ في كربلاءَ يومهُم

ثمّ تجلَّى وَهُمْ ذَبَائِحُهُ

ذلَّ حماه وقلَّ ناصرُهُ

ونال أقصى منَاه كَاشِحُهُ(٢)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٤ - ١٥٥.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٣.


رثاءُ السوسي

وقال السوسي :

لهفي على السِّبْطِ وما نَالَهُ

قد ماتَ عَطْشَاناً بكربِ الظما

لهفي لِمَنْ نُكِّس عن سَرْجِهِ

ليس مِن النّاسِ له مِن حِمَى

لهفي على بَدْرِ الهُدى إذ عَلا

في رُمْحِهِ يحكيه بَدْرُ الدُّجَى

لهفي على النّسوةِ إذ اُبْرِزَتْ

تُساقُ سبياً بالعَنَا والجَفَا

لهفي على تلك الوُجُوهِ التي

اُبرزنَ بعدَ الصّونِ بينَ المَلا

لهفي على ذاك العذارِ الذي

علاه بالطفِّ ترابُ العَرَا

لهفي على ذاك القوامِ الذي

حَنَتْهُ بالطفِّ سيوفُ العِدَا(١)

قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة :

كم دموعٍ ممزوجةٍ بدماءِ

سكبتها العيونُ في كربلاءَ

لستُ أنساه بالطّفوف غريباً

مفرداً بينَ صَحْبِه بالعَرَاءِ

وكأنّي به وقد خرَّ في التُّرْ

بِ صريعاً مخضَّباً بالدماءِ

وكأنّي به وقد لَحَظَ النّسوا

نَ يُسْلَبْنَ مثلَ هَتْكِ الإماءِ(٢)

قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة :

لا عذرَ للشيعيِّ يرقى دَمْعُهُ

ودم الحُسين بكربلاءَ اُريقا

يا يومَ عاشوراءَ قد غادرتني

ما عشتُ في بحرِ الهمومِ غريقا

فيك استُبيحَ حريم آلِ محمّد

وتمَّزقَتْ أسبابُهمْ تمزيقا

أأذوقُ ريَّ الماءِ وابنُ محمّد

ما ذاقه حتّى الحمام اُذيقا(٣)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٣.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٤.


قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة :

وكَّلَ جَفْنِي بالسهادِ

وعرَّسَ الحزن في فؤادي

ناعٍ نعى بالطّفوفِ بدراً

أَكْرِمْ به رائحاً وغادي

نعى حُسيناً فدته نفسي

لـمَّا أحاطتْ به الأعادي

في فتيةٍ ساعدوا وواسوا

وجاهدوا أعظمَ الجهادِ

حتّى تفانوا وظلَّ فرداً

فنكَّصوه عَنِ الجوادِ

وجاء شمرٌ إليه حتّى

جَرَّعه الموتَ وهو صَادِ

و ركَّب الرأسَ في سنانٍ

كالبدرِ يجلو دُجَى السّوادِ

واحتملوا أهلَه سبايا

على مطايا بلا مِهَادِ(١)

قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة :

أأنسى حُسيناً بالطّفوفِ مجدَّلاً

ومِنْ حولِهِ الأطهارُ كالأنجمِ الزُّهْرِ

أأنسى حُسيناً يومَ سِيْرَ برأسِهِ

على الرمحِ مثل البدرِ في ليلةِ البدر

أأنسى السّبايا من بناتِ محمّد

يُهَتَّكْنَ مِن بعدِ الصِّيَانةِ والخِدْرِ(٢)

قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة يُناح بها :

ألا أبكي على الحُسيْنِ

يا عين بالغزارْ

وجودي على الغريبِ

إذا الجارُ لا يجارْ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٤.

(٢) المصدر نفسه.


وجودي على النسا

مع الصّبيةِ الصّغارْ

وجودي على القتيل

طريحاً على القفارْ

ألا يابني الرسول

لقد قلّ الاصطبارْ

ألا يابني الرسول

خلت منكم الديارْ

ألا يابني الرسول

فلا قرَّ لي قرارْ

إذا أذكر الحُسين

وما قد جرى وصارْ(١)

رثاءُ عقبة بن عمر العبسي

قال العلّامه الشريف أحمد الحُسيني الخوافي : قال السّدي : أوَّل مَنْ رثى الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) عقبة بن عمر العبسي، فقال :

مررتُ على قبرِ الحُسين بكربلا

ففاض عليه من دموعي غزيرُها

ومازلتُ أبكيه وأرثي لِشَجْوِهِ

ويُسْعِدُ عيني دَمْعُها وزفيرُها

وناديتُ مِن حولِ الحُسين عصائباً

أطافتْ به مِن جانبيه قبورُها

سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا

وقلَّ لها منِّي سلامٌ يزورُها

سلامٌ بآصالِ العَشِيِّ وبالضحى

يؤدِّيه نَكْبَاء الرياح دَبُورُها

ولا بَرِحَ الزوَّارُ زُوَّارُ قبرِهِ

يفوحُ عليهم مِسْكُها وعبيرُها(٢)

ونسبها الخوارزمي إلى ابن عميق السّهمي، قال : ولعقبة بن عميق السّهمي، وهو أوَّل شعر رثي به الحُسين (عليه‌السلام ) :

مررتُ على قبرِ الحُسين بكربلا

ففاض عليه مِن دموعي غزيرُها

فمازلتُ أرثيه وأبكي لشجوِهِ

ويُسْعِدُ عيني دمعُها وزفيرُها

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٥.

(٢) التبر المذاب - العلّامه الخوافي أو الحافي / ٩٣ (المخطوط)، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٧٨.


وبكيتُ مِن بعد الحُسين عصائباً

أطافتْ به مِن جانبيهِ قبورُها

إذا العينُ قرَّت في الحياةِ وأنتُم

تخافون في الدُّنيا فأظلمَ نورُها

سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا

وقلَّ لها منِّي سلامٌ يزورُها

سلامٌ بآصالِ العَشِيِّ وبالضحى

تؤدِّيه نكباءُ الرياحِ ومورُها

ولا بَرِحَ الوفَّاد زوَّارُ قبرِهِ

يفوحُ عليهم مسْكُها وعبيرُها(١)

رثاءُ الكميت

قال الخوارزمي : للكميت بن زيد الأسدي من قصيدة انتخبت منها :

أضحكني الدَّهرُ وأبكاني

والدَّهرُ ذو صَرْفٍ وألوانِ

لتسعةٍ بالطفِّ قد غودروا

فيها جميعاً رَهْن أكفانِ

وستةٍ لا يُتَمَارى بهم

بنو عقيلٍ خيرُ فُرْسَانِ

ثمّ عليُّ الخيرِ مولاهُم

ذِكْرُهُم هيَّج أحزاني(٢)

مِن رثاءِ السّريِّ الرفّاء

قال الخوارزمي : وللسّريِّ الرفّاء مِن قصيدة جاء منها هذا :

أقام روحٌ وريحانٌ على جَدَثٍ

ثوى الحُسين به ظَمآنَ آمينا

كأنَّ أحشاءَنا مِن ذكرِهِ أبداً

تُطْوَى على الجمرِ أو تُحْشَى السكاكينا

مهلاً فما نقضوا أوتارَ والِدِهِ

وإنّما نقضوا في قتلِهِ الدينا(٣)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧١.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المصدر نفسه.


مِن رثاءِ الصوفي

قال الخوارزمي : وللصوفي الشاعر (وهو طلحة بن عبد الله الغسّاني المصري) من قصيدة :

يا قمراً غاب حين لاحا

أورثني فَقْدُكَ الـمَنَاحَا

يا نُوبَ الدَّهرِ لم يَدَعْ لي

صَرْفُكِ في عَشِيِّكِ ارتياحا

أَبَعْدَ يومِ الحُسين ويحيى

أستعذبُ اللَّهْوَ والـمِزَاحَ

يا بأبي أنفساً ظماءً

ماتوا ولمْ يشربوا المباحا

يا بأبي سادةً صباحاً

بَاكَرَها حَتْفُها صَبَاحا

يا سادتي يا بني عليٍّ

بكى الهدى فَقْدِكُم وناحا

يا سادتي يا بني إمامي

أقولُها عنْوَةً صراحا

أوحشتُم الحِجْرَ والـمَسَاعي

آنستُم القَفْرَ والبطَاحَا

أوحشتُم الذِّكْرَ والـمَثَاني

والسُّوَرَ الطوَّلَ الفِصَاحا(١)

قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة :

أيا بضعةً مِن فؤادِ النّبي

بالطفِّ أضحت كثيباً مهيلا

ويا حبّةً مِن فؤادِ البتولِ

بالطفِّ شُلَّتْ فأضحت أكيلا

قُتِلْتَ فأبكيتَ عَيْنَ الرسولِ

وأبكيتَ من رحمةٍ جبرئيلا(٢)

قال الخوارزمي : وله أيضاً من قصيدة :

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٥.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٦.


لمْ أنسَ يوماً للحُسينِ وقد ثوى

بالطفِّ مسلوبَ الرِّدَاءِ خليعا

ظمآنَ مِن ماء الفرات محلأًّ(١)

رَيَّانَ من غُصَصِ الحُتُوفِ نقيعا

يرنو إلى ماءِ الفُرَاتِ بطَرْفِهِ

فيراه عنه محرَّماً ممنوعا(٢)

من رثاءِ الصاحب بن عبّاد (رحمه‌الله )

قال الخوارزمي : وللصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد من قصيدة طويلة انتخبت منها هذه الأبيات :

بَلَغَتْ نفسي منَاهَا

بالموالي آلِ طاها

برسولِ اللهِ مَنْ حا

ز المعالي وَحَوَاها

وببنتِ المصطفى منْ

أشبهت فضلاً أباها

وبأخيه الأسدِ الـ

ـباسلِ في يوم وَغَاها

وبحبِّ الحَسَنِ الـ

ـبالغِ في العليا مَدَاها

والحُسينِ المرتضى

يوم المساعي إذ حواها

ليس فيهم غيرُ نجمٍ

قد تعالى وتناهى

عترةٌ أصبحت الدُّ

نيا جميعاً في حِمَاها

نابَذَتْهُمْ عصبُ البغـ

ـي بأنواعِ عَمَاها

أردَتِ الأكبرَ بالسمْـ

ـمِ وما كان كَفَاها

وانبرت تبغي حُسيناً

وَعَرَتْهُ وَعَرَاها

منعته شربةً والـ

ـوحشُ قد أروت صَدَاها

____________________

(١) وفي غيره من المصادر : (ظمآن من ماء الفرات معطشاً).

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٦.


فأفاتت نَفْسَه يا

ليت روحي قد فَدَاها

بِنْتُهُ تدعو أباها

اُخْتُه تبكي أخاها

لو رأى أحمدُ ما

كان دَهَاه وَدَهاها

ورأى زينبَ إذْ شمـ

ـرٌ أتاها وسَبَاها

لَشَكى الحال إلى اللـ

ـهِ وقد كان شكاها

وإلى الله سيأتي

وهو أولى مَنْ جزاها(١)

قال الخوارزمي : وللصاحب أيضاً من قصيدة منتخبة :

ما لعليٍّ العلا أشباهُ

لا والذي لا إله إلّا هو

مبناه مبنى النّبي تَعْرِفُهُ

وابناه عند التفاخر ابناه

لو طلب النّجم ذاتَ أخمصِهِ

أعلاه والفرقدان نعلاه

يا بأبي السيّدَ الحُسين وقدْ

جَاهَدَ في الدينِ يومَ بلواه

يا بأبي أهلَه وقد قُتِلوا

مِنْ حولِهِ والعيونُ ترعاه

يا قَبَّحَ اللهُ اُمَّةً خذلتْ

سيّدَها لا تريدُ إرضاه

وأبعدَ اللهُ جيفةً نَجِساً

يَقْرَعُ مِن بُغْضِهِ ثناياه(٢)

قال الخوارزمي : وللصاحب أيضاً من قصيدة منتخبة :

بَرِئْتُ مْن الأرجاسِ رَهْطَ اُميّةٍ

لِمَا صحَّ عندي مِن قبيحِ عِدَائِهِمْ

ولعنِهِم خيرَ الوصيِّين جَهْرَةً

لِكُفْرِهِم المعدودِ في شَرّ دائِهِمْ

وقتلِهِم السّاداتِ من آلِ هاشمٍ

وسبيِهِم عن جُرْأةٍ لنسائِهِمْ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٧ - ١٥٨.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٨.


وذبحِهِم خَيْرَ الرجال أرومةً

حُسينَ العُلا بالكربِ في كربلائِهِمْ

وتشتيتِهِمْ شَمْلَ النّبيِّ محمّد

لِمَا ورثوا من بُغْضِهِ في فنائِهِمْ

وما غضبت إلّا لأصنامِها التي

اُذِلَّتْ وهم أنصارُها لشقائِهِمْ

أيا ربِّ جَنّبني المكارهَ واعفُ عَنْ

ذنوبي لِمَا أخلصتُهُ من ولائِهِمْ

أيا ربِّ أعدائي كثيرٌ فَرُدَّهُمْ

بغيظِهِم لا يظفروا بابتِغَائِهِمْ

أيا ربِّ مَنْ كان النّبيُّ وأهلُهُ

وسائلَهُ لمْ يخشَ من غَلَوَائِهِمْ

حُسينُ توسَّلْ لي إلى اللهِ إنّني

بُلِيْتُ بهم فادفعْ عظيمَ بلائِهِمْ

فكم قد دعوني رافضياً لحبِّكم

فلمْ ينثنِ عنكم طويلُ عوائِهِمْ(١)

قال الخوارزمي : وللصاحب أيضاً من قصيدة منتخبة جيّدة :

يا أصلَ عترةِ أحمدٍ لولاكَ لمْ

يك أحمدُ المبعوثُ ذا أعقابِ

رُدَّت عليكَ الشمسُ وهي فضيلةٌ

بهرت فلمْ تُسْتَرْ بكفِّ نِقَابِ

لمْ أَحْكِ إلّا ما روته نواصبٌ

عادتك فهي مباحةُ الأَسْلابِ

عومِلتَ يا صَنوَ النَبِيِّ وَتلوَهُ

بِأَوابِدٍ جاءَت بكُلِّ عُجاب

قد لقّبوك أبا تراب بعدما

باعوا شريعتَهُم بكفِّ تُرَابِ

أتشكُّ في لعنِي اُميّةَ بعدما

كفرت على الأحرارِ والأطيابِ

قتلوا الحُسين فيا لِعولي بَعْدَه

ولِطولِ حزني أو أصير لِمَا بي

فسبوا بناتِ محمّد فكأنّما

طلبوا ذحولَ الفتحِ والأحزابِ

مهلاً ففي يومِ القيامةِ غنيةٌ

والنارُ باطشةٌ بصوتِ عقاب(٢)

قال الخوارزمي : وللصاحب أيضاً من قصيدة طويلة :

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٨.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٩.


أجروا دماءَ أخي النّبي محمّد

فَلْتَجْرِ غزْرَ دموعِنا ولتهملِ

وَلْتَصْدُرِ اللعناتُ غيرَ مزالةٍ

لِعِدَاه من ماضٍ ومن مستقبلِ

وتجرَّدوا لبنيه ثمّ بَناتِهِ

بعظائمٍ فاسمع حديثَ الـمَقْتَلِ

منعوا الحُسين الماءَ وهو مجاهدٌ

في كربلاءَ فَنُحْ كنوحِ المعْوِلِ

منعوه أعذبَ مَنْهَلٍ وهُم غداً

يَرِدُونَ في النيرانِ أَوْخَمَ مَنْهَلِ

أَيُجَزُّ رأسُ ابنِ النّبي وفي الورى

حيٌّ أمامَ رِكابِهِ لمْ يُقْتَلِ

وَبَنو السِفاحِ تَحَكَّموا في أَهلِ حَيْـ

ـيَ عَلى الفَلاحِ بِفُرصَةٍ وَتَعَجُّلِ

نَكَتَ الدعيُّ ابنُ البغيِّ ضواحكاً

هي للنبيِّ الخيرِ خيرُ مقَبَّلِ

تُمْضِي بنو هندٍ سيوفَ الهِنْدِ في

أوداجِ أولادِ النّبي المرْسَلِ

ناحت ملائكةُ السّماءِ لقتلِهِمْ

وبكت فقد اُسْقُوا كؤوسَ الذُّبَّلِ

فأرى البكاءَ على الزمانِ محلَّلاً

والضحكَ بعد الطفِّ غيرَ محلَّلِ

كم قلتُ للأحزان دومي هكذا

وتنزَّلي في القلب لا تترحَّلِ(١)

قال الخوارزمي : وللصاحب بن عباد من قصيدة جيّدة طويلة :

إنْ لمْ أكن حرباً لحربٍ كلِّها

فنفانيَ الآباءُ والأجْدَادُ

إنْ لمْ أفضِّلْ أحمداً ووصيَّه

لَهَدَمْتُ مجداً شأوه عَبَّادُ

ساقوا بناتِ المصطفى مسبيَّةً

وحداتُهَا التخويفُ والإبعادُ

لم يشتفوا إلّا بسبيِ بَنَاتِهِ

أفما كفى التقتيلُ والإبعادُ

يا كربلاءُ تحدَّثي ببلائِنَا

وبكربِنا إنّ الحديثَ يعادُ

أَسَدٌ نماه أحمدٌ ووصيُّه

أرداه كلبٌ قد نماه زيادُ

فالدينُ يبكي والملائكُ تشتكي

والجوُّ أَكْلَفَ والسّنونَ جَمَادُ(٢)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦١.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٦.


قال الخوارزمي : وللصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد الوزير :

عينُ جودي على الشهيدِ القتيلِ

واتركي الخدَّ كالمحيلِ المحيلِ

كيف يشفي البكاءُ في قتلِ مولا

ي إمامِ التنزيلِ والتأويلِ

ولو إنّ البحارَ صارت دموعي

ما كفتني لمسلمِ بنِ عقيلِ

قاتلوا اللهَ والنّبي ومولا

هم عليّاً إذ قاتلوا ابنَ الرسولِ

صرعوا حولَه كواكبَ دجنٍ

قتلوا حولَه ضراغِمَ غِيْلِ

إخوةٌ كلُّ واحدٍ منهُم ليْـ

ـثُ عرينٍ وحدُّ سيفٍ صقيلِ

أو سعوهم ضرباً وطعناً ونحراً

وانتهاباً يا ضلّة من سبيلِ

والحُسين الممنوع شربةَ ماءٍ

بين حرِّ الظبا وحرِّ الغليلِ

مثْكَلٌ بابْنِهِ وقد ضمَّه وهـ

ـ و غريقٌ مِن الدماءِ الهمولِ

فجعوه مِنْ بعدِهِ برضيعٍ

هل سمعتم بمرْضَعٍ مقتولِ

ثمّ لمْ يشفِهِمْ سوى قتلِ نفسٍ

هي نفسُ التكبيرِ والتهليلِ

هي نفسُ الحُسين نفسُ رسولِ اللـ

ـهِ نفسُ الوصيِّ نفسُ البتولِ

ذبحوه ذَبْحَ الأضاحي فيا قلْـ

ـبُ تصدَّعْ على العزيزِ الذليلِ

وطؤوا جسمَه وقد قطَّعوه

ويلهم مِن عقابِ يومٍ وبيلِ

أخذوا رأسَه وقد بضَّعوه

إنْ سَعْيَ الكفّارِ في تضليلِ

نصبوه على القنا فدمائي

لا دموعي تسيلُ كلَّ مسيلِ

واستباحوا بناتِ فاطمةَ الزهـ

ـراءِ لـمَّا صَرَخْنَ حولَ القتيلِ

حملوهنَّ قد كُشِفْنَ على الأقتا

بِ سبياً بالعنفِ والتهويلِ

يا لِكربٍ بكربلاءَ عظيمٍ

ولِرزءٍ على النّبي ثقيلِ

كم بكى جبرئيلُ ممّا دهاه

في بنيه صَلُّوا على جبرئيلِ

سوف تأتي الزهراءُ تلتمسُ الحكْـ

ـمَ إذا حان محشرُ التعديلِ


وأبوها وبعلُها وبنوها

حولَها والخصام غيرُ قليلِ

وتنادي يا ربِّ ذُبِّحَ أولا

دي لِمَاذا وأنت خيرُ مديلِ

فينادي بمالكٍ أَلْهِبِ النّا

ر وأَجِّجْ وخُذْ بأهلِ الغلولِ

يا بَني المصطَفى بَكيتُ وَأَبكَي

تُ وَنَفسي لَم تَأتِ بَعدُ بِسولي

ليت روحي ذابت دموعاً فأبكي

للذي نالكم من التذليلِ

فولائي لكم عِتَادِي وزادي

يوم ألقاكُم على سلسبيلِ

لِيَ فيكم مدائحٌ ومراثي

حُفِظَتْ حِفْظَ محْكَمِ التنزيلِ

قد كفاني في الشرقِ والغربِ فخراً

أنْ يقولوا مِنْ قيل إسماعيلِ

ومتى كادني النواصبُ فيكم

حسبيَ اللهُ وهو خيرُ وكيلِ(١)

قال الخوارزمي : وللصاحب أيضاً من قصيدة طويلة انتخبت منها :

هم وكَّدوا أمرَ الدعيِّ

يزيدَ ملفوظِ السّفاحِ

فسطا على روحِ الحُسيْـ

ـنِ وأهلِهِ جم الجماحِ

صرعوهُم قتلوهُم

نحروهُم نَحْرَ الأضاحي

يا دمعُ حيَّ على انسجا

مٍ ثمّ حيَّ على انسفاحِ

في أهلِ حيَّ على الصلا

ةِ وأهلِ حيَّ على الفلاحِ

يحمي يزيدُ نساءَهُ

بينِ النّضائدِ والوشاحِ

وبناتُ أحمدَ قد كُشِفْـ

ـنَ على حريمٍ مستباحِ

ليت النّوائحَ ما سكت‍

نَ عن النّياحةِ والصِّياحِ

يا سادتي لكُم ودا

دي وهو داعيةُ امتداحي

____________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٠ - ١٧١.


وبذكرِ فضلِكُم اغتبا

طي كلَّ يومٍ واصطباحي

لَزِمَ ابنُ عبّادٍ ولا

ءَكُم الصريحَ بلا براحِ(١)

مِن رثاءِ زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما‌السلام )

قال الخوارزمي : ولبعضهم من قصيدة طويلة انتخبت منها قدراً :

تمسَّكَ بالكتابِ ومَنْ تَلاهُ

فأهلُ البيتِ هم أهلُ الكتابِ

بهم نَزَلَ الكتابُ وهم تَلَوْهُ

وهم كانوا الهداةَ إلى الصوابِ

شفيعي في القيامةِ عندَ ربي

نبيي والوصيُّ أبو ترابِ

إمامٌ وحَّدَ الرحمنَ طِفْلاً

وآمنَ قبلَ تشديدِ الخطابِ

عليٌّ كان صِدِّيْقَ البَرَايَا

عليٌّ كان فاروقَ العذابِ

وفاطمةُ البتول وسيَّدا مَنْ

يُخَلَّدُ في الجنانِ مَعَ الشبابِ

على الطفِّ السّلام وساكنيه

وَرَوْحُ اللهِ في تلك القِبَابِ

مضاجعُ سادةٍ قُتِلُوا فناموا

هجوداً في الفَدَافِدِ والشِّعابِ

لديهم في مَضَاجِعِهِمْ كِعَابٌ

بأوراقٍ منَعَّمَةٍ رطابِ

وصُيِّرَتِ القبورُ لهم قصوراً

مناخاً ذاتَ أفنيةٍ رِحَابِ

لئِنْ وارتهُم أطباقُ أرضٍ

فإنّ السيفَ يُغْمَدُ في القرابِ

كأقمارٍ إذا طلعوا وضاءٍ

وآسادٍ إذا ركبوا غضابِ

لقد كانوا الثّمالَ لمن أتاهم

من الْعَافِيْنَ والهَلْكَى السّيابِ

وقد نُقلوا إلى جنّاتِ عدنٍ

وَجُوْزُوا بالنّعيمِ وبالثوابِ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٩ - ١٧٠.


أيُبْخَلُ في الفراتِ على حُسينٍ

وقد أضحى مباحاً للكلابِ

وآلُ محمّد تضحى سبايا

يُسَقْنَ مع الاُسارى والنّهابِ

مغْبَّرْةَ الذيولِ مكشَّفاتٍ

كسبيِ الرومِ داميةَ الكِعَابِ

لئن اُبرزن كرهاً من حجابٍ

فهنّ من التعفّفِ في حجابِ

ولي قلبٌ عليه ذو التهابٍ

ولي جَفْنٌ عليه ذو انسكابِ

وسوف يرى الاُلى ظلموا وجاروا

عقابَ اللهِ في يومِ الحِسَابِ(١)

رثاءُ عاتكة والرباب زوجتي الإمام الحُسين (عليه‌السلام )، وابنته سكينة (عليها‌السلام )

قال الأصفهاني : فلمّا انقضت عدّتها تزوجها الحُسين بن علي (عليه‌السلام )، فكانت أوّل مَنْ رفع خدّه مِن التراب، وقالت ترثيه :

وا حُسيناً فلا نسيتُ حُسيناً

أقصدته أسنّة الأعداءِ

غادروه بكربلاءَ صريعاً

جادت المزن في ذرى كربلاء

ثمّ تأيّمت بعده(٢) .

قال محمّد رضا : رثت الحُسين (عليه‌السلام ) زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، فقالت :

وا حُسيناً فلا نسيتُ حُسيناً

أقصدته أَسِنَّةُ الأعداءِ

غادروه بكربلاءَ صريعاً

لا سقى الغيثُ بَعْدَه كربلاءَ(*)

ورثته الرباب زوجته، فقالت :

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٢ نسبها في بحار الأنوار ٤٥ / ٢٨٥ إلى السيّدة زينب (عليها‌السلام ).

(٢) كتاب الأغاني - للأصفهاني ١ / ١ نقلاً من نسخة الموسوعة الشعريّة.

(*) لا يخفى اختلاف حركة الروي في البيتين (موقع معهد الإمامين الحَسنَين)


إنّ الذي كان نوراً يستضاءُ به

بكربلاءَ قتيلٌ غيرُ مدفونِ

سِبْطَ النّبي جزاكَ اللهُ صالحةً

عنَّا وجُنِّبْتَ خُسْرَانَ الموازينِ

قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذُ بهِ

وكنتَ تَصْحَبُنا بالرَّحمِ والدينِ

مَنْ لليتامى ومَنْ للسائلين ومَنْ

يُغني ويأوي إليه كلَّ مسكينِ

واللهِ لا أبتغي صهراً بصهرِكُم

حتّى اُغَيَّبَ بينَ الرملِ والطينِ

ورثته سكينة ابنته، فقالت :

لا تعذليه فَهَمٌّ قاطعٌ طَرَقَهْ

فعينُهُ بدموعٍ ذُرَّفٍ غَدِقَهْ

إنّ الحُسين غداةَ الطفِّ يرشقُهُ

ريبُ المنونِ فما أَنْ يُخْطِئَ الحَدقَهْ

بكفِّ شرِّ عبادِ اللهِ كلِّهِم

نَسْلِ البَغَايَا وجيشِ الـمرَّقِ الفسَقهْ

يا اُمّةَ السُّوء هاتوا ما احتجاجُكُم

غداً وجلُّكُم بالسّيفِ قد صفقهْ

الويلُ حلَّ بكم إلّا بمَنْ لَحِقَه

صيَّرتموه لأرماحِ العِدا درقَهْ

يا عينُ فاحتفلي طولَ الحياةِ دماً

لا تبكِ وِلْداً ولا أهلاً ولا رفَقهْ

لكنْ على ابنِ رسولِ اللهِ فانسكبي

قيحاً ودمًّاً وفي إثْريهما العلقَهْ

قال : وقالت بنت عقيل بن أبي طالب ترثي حُسيناً ومَنْ اُصيبَ معه :

عينُ اَبكي بعبرةٍ وعويلِ

واندبي إنْ ندبتِ آلَ الرسولِ

ستةٌ كلُّهم لصُلْبِ عليٍّ

قد اُصيبوا وخمسةٌ لعقيلِ(١)

____________________

(١) كتاب الحسن والحُسين سبطا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - محمّد رضا أمين / ١٥٤، ط دار الكتب العلميّة بيروت، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٩١، وذكر البري في الجوهرة في نسب الإمام علي وآله / ٤٦، رثاء الرباب زوجة الإمام الحُسين (عليهما‌السلام )، قال :

وبكى النّاس الحُسين (عليه‌السلام ) فأكثروا وأحسنوا قالت الرباب بنت امرئ القيس الكلبية ترثي زوجها الحُسين بن علي ( رضي ‌الله ‌عنهما ) :

إنّ الذي كان نوراً يُستضاء بهِ

بكربلاءَ قتيلٌ غيرُ مدفونِ

سِبطَ النّبيِّ جزاك الله صالحة

عنّا وجُنِّبت خسرانَ الموازينِ


رثاءُ عقيلة بنت الضحاك

قال عمر رضا كحالة : عقيلة بنت الضحّاك، مِن شواعر العرب، قالت ترثي الحُسين (عليه‌السلام ) ومَنْ اُصيبَ معه :

عينُ اَبكي بعبرةٍ وعويلِ

واندُبي إنْ ندبتِ آلَ الرسولِ

ستّةٌ كلُّهم لصُلبِ عليٍّ

قد اُصيبوا وخمسةٌ لعقيلِ

وقالت أيضاً :

ماذا تقولون إنْ قال النّبيُّ لكُمْ

ماذا فعلتُمْ وأنتم آخِر الاُمَمِ

بعترتي وبأهلي بعد مفتَقدي

منهم اُسارى ومنهم ضُرِّجوا بِدَمِ(١)

من رثاءِ جعفر بن عفّان الطائي

قال الخوارزمي : ولجعفر بن عفّان الطائي :

ليبكِ على الإسلامِ مَنْ كان باكياً

فقد ضُيِّعَتْ أحكامهُ واستحلَّتِ

غداةَ حُسينٌ للرماح دريَّةٌ

وقد نَهَلَتْ منه السّيوفُ وعلَّتِ

وغودر في الصحراءِ لحماً مبدَّداً

عليه عتاقُ الطيرِ باتتْ وظلَّتِ

فما نصرته اُمَّةُ السُوءِ إذ دعا

لقد طاشت الأحلام منها وضلَّتِ

بلى قد مَحَوا أنوارَهم بأكفِّهِمْ

فلا سَلِمَتْ تلك الأكفُّ وشُلَّتِ

وناداهُم جَهداً بحقِّ محمّد

فإنّ ابنَه من نَفْسِه حيث حَلَّتِ

____________________

=قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذُ به

وكنتَ تصحبنا بالرحم والدينِ

مَنْ لليتامى ومَنْ للسائلين ومَنْ

يقي ويأوي إليه كلُّ مسكينِ

(١) المرأة في القديم والحديث - عمر رضا كحالة ٧ / ٢٥١، ط مؤسسة الرسالة - بيروت، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٩١.


فما حفظوا قُرْبَ الرسولِ ولا رَعَوا

وزلَّت بهم أقدامهُم واستزلَّتِ

أذاقته حَرَّ القتلِ اُمةُ جدِّه

هفت نَعْلُها في كربلاءَ وزلَّتِ

فلا قدَّس الرحمنُ منها نفوسَها

وإنْ هي صامت للإله وصلَّتِ

كما فَجَعَتْ بنتَ الرسولِ بِنسلِهَا

وكانوا حُمَاةَ الحرب حين استقلَّتِ

وكانوا سروراً ثمّ عادوا رزيَّةً

لقد عَظُمَتْ تلك الرزايا وجلَّتِ(١)

قال الخوارزمي : ولجعفر بن عفّان أيضاً قصيدة طويلة انتخبت منها هذه الأبيات :

تبكي العيونُ لركنِ الدينِ حينَ وَهَى

وللرزايا العظيماتِ الجليلاتِ

هل لامرئٍ عاذرٌ في خزنِ أوهمِهِ

بعدَ الحُسين وسبيِ الفاطميّاتِ

أمْ هل لمكتَئبٍ حَرَّانَ أفقده

لذيذةَ العيشِ تكرارُ الفجيعاتِ

قضت على آلِ خيرِ الخلق كلِّهِم

وهم غياثُ البرايا في الملمـَّاتِ

مثلُ النّجومِ الدراري يستضاءُ بها

إنْ غاب نجمٌ بدا نجمٌ لميقاتِ

يا اُمّةَ السُّوءِ هاتوا ما حِجَاجُكُم

إذا برزتم لجبَّارِ السّماواتِ

وأحمدٌ خَصْمكُمْ واللهُ منْصِفُهُ

إنْ قال في جَمْعِكم دونَ المحاباةِ

ألمْ اُبيِّن لكم ما فيه رُشْدُكُم

مِن [ الحلالِ ومِن ترك ]الخطيئاتِ

فما صنعتمْ أضلَّ اللهُ سَعْيَكُم

فيما عَهِدْتُ إليكم مِن وصيّاتي

أمَّا بَنِيَّ فمقتولٌ ومكتبلٌ

وهارِبٌ في رؤوس المشْمَخِرَّاتِ

وقد أخفتم بناتي بينَ أَظْهُرِكم

ماذا أردتم شقيتم من بُنَيَّاتي

يُنْقَلْنَ مِن عندِ جبّارٍ يُؤَنِّبُهَا

لآخرٍ مثلِهِ نَقْلَ السبيَّاتِ(٢)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٣ - ١٦٤.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٤.


مِن رثاءِ الناشي علي بن وصيف

قال الخوارزمي : وللناشي علي بن وصيف ممّا يناح به في المآتم :

أما شجاك يا سَكَنْ

قَتْلُ الحُسين والحسنْ

ظمأت من طولِ الحَزَنْ

وكلُّ وَغْدٍ ناهلُ!

يقولُ يا قوم أبي

عليٌّ البَرُّ الأبِي

وفاطمٌ بنتُ النّبيْ

اُمّي وعنِّي سائلوا

منُّوا على طفلي بما

فَقَدْ أضرَّه الظَّمَا

ولمْ يكن قد أجرما

حيثُ الفراتُ سائلُ

قالوا فلنْ يرتويا

فإنْ تَجِئْ مسْتَجْديا

فانْزِلْ بحُكْمِ الأدعيا

فقال بَلْ اُناضلُ

حتى أتاه مشقصُ

رماه وَغْدٌ أبرصٌ

مِن سقرٍ لا يخلصُ

رِجْسٌ دَعِيٌّ واغلُ

فأجمعوا لِخَتْلِه

واعصوصَبوا لقتلِهِ

وذبحِهِ مَعْ طفلِهِ

فاستنَّتِ الـمَنَاصِلُ

فواصلوا عرينَهُ

وخضَّبُوا جبينَهُ

بالدمِّ يا معينَهُ

ما أنت عنه غافلُ

وانتهكوا حريمَهُ

وذبَّحُوا فطيمَهُ

وقيَّدوا سقيمَهُ

وسيقتِ الحلائلُ


يُسَقْنَ بالتنائِفِ

في ضجَّةٍ الهواتِفِ

وأدمعٍ ذوارفِ

عقولُها ذواهلُ

يصحْنَ يا محمّدُ

يا جدَّنا يا أحمدُ

قد أسرتنا الأَعبدُ

فكلُّنا ثواكلُ

تُهْدَى سبا من كربلا

إلى الشآمِ في الفلا

ينفثْنَ كرباً وبلا

ليس لهنَّ كافلُ

إلى يزيد الطاغيهْ

مَعْدِنِ كلِّ داهيهْ

من نحوِ بابِ الجابيهْ

فجاحدٌ وخاذلُ

حتّى دنا بَدْرُ الدُّجى

رأسُ الإمامِ المرتجى

في طَسْتِ معدومِ الحِجَا

وهو اللعينُ القاتلُ

أمالَ في بنانهِ

قضيبَ خيزرانِهِ

ينكتُ في أسنانِهِ

قُطِّعَتِ الأناملُ

فيا عيونيَ أسْكبي

على بني بنتِ النّبي

بفيضِ دمعٍ واهضبي

كذاك يبكي العاقلُ(١)

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٤ - ١٦٦.


مِن رثاءِ أحمد بن الحُسين الهمداني

قال الخوارزمي : ولبديع الزمان أحمد بن الحُسين الهمداني :

يالُمَّةً ضرب الزما

نُ على معَرَّسِها خِيَامَهْ

للهِ درُّكَ من خُزَا

مى روضةٍ عادت ثَغَامَهْ

لِرزيّةٍ قامت بها

للدِّينِ أشراطُ القيامهْ

لمضرَّجٍ بدمِ النّبـ

ـوَّةِ ضاربٍ بيدِ الإمامهْ

متقسِّمٍ بظُبَا السّيو

فِ مجرَّعٍ منها حِمَامَهْ

منع الورودُ وماؤُهُ

منه على طَرَفِ الثمّامَهْ

نَصَبَ ابنُ هندٍ رأسَه

فوق القنا نَصْبَ العلامهْ

ومقَبَّلٍ كان النّبيْ

يُبلثمهِ يَشفي غَرَامهْ

قرع ابنُ هندٍ بالقضيـ

ـبِ عذابَه فَرْطُ استضامهْ

وشدا بنغمتِهِ عليـ

ـهِ وصبَّ بالفضلاتِ جَامهْ

والدينُ أبلجُ ساطعٌ

والعدلُ ذو خَالٍ وشامهْ

يا ويحَ مَنْ ولَّى الكتا

بَ قَفَاه والدنيا أمامهْ

ليُضَرِّسَنَّ يدَ الندا

مةِ حينَ لا تغني النّدامهْ

ولَيُدْرِكَنَّ على الغَرَا

مةِ سُوء عاقبةِ الغرامهْ

وحمىً أباح بنو يزي

دَ على طوائِلِهِمْ حَرَامهْ

حتّى اشتفوا مِن يومِ بد

رٍ واستبدّوا بالزعامهْ

لَعنوا أميرَ المؤمنيـ

ـن بمِثْلِ إعلانِ الإقامهْ

لِمَ لَمْ تَخُرِّي يا سما

ءُ وَلمْ تَصُبِّي يا غَمَامهْ

لِم لَمْ تزولي يا جبا

لُ ولمْ تَشُولي يانَعَامهْ


يا لعنةً صارتْ على

أعناقهمْ طوقَ الحمامهْ

إنّ الإمامةَ لمْ تَكُنْ

دونَ البتولِ ولا كرامهْ

مِنْ سِبْطِ هندٍ وابنِها

للئيمِ ما تحتَ العمامهْ

يا عينُ جُوْدي للبقيـ

ـع وقبّلي عنِّي مقامهْ

جودي على جَدَثِ الغريِّ

ووفّري عنِّي ذمامهْ

جودي لمشهدِ كربلا

أجدي بما جادَ ابن مامهْ

جودي بمسكوبِ الدُّمو

ع وأرسلي بدداً نظامهْ

جودي بمكنونِ الدُّمو

ع وضرَّجي بدمٍ رغامهْ(١)

مِن رثاءِ بعض الشعراء

قال الخوارزمي : روي أنّ أبا يوسف عبد السّلام بن محمّد القزويني ثمّ البغدادي، قال لأبي العلاء المعرّي : هل لك شعر في أهل البيت (عليهم‌السلام ) ؛ فإنّ بعض شعراء قزوين يقول فيهم ما لا يقول شعراء تنوخ ؟ فقال له المعرّي : وماذا تقول شعراؤهم ؟ فقال : يقولون :

رأسُ ابنِ بنتِ محمّد ووصيِّهِ

للمسلمين على قَنَاةٍ يُرْفَعُ

والمسلمون بمَنْظَرٍ وبمَسْمَعٍ

لا جازعٌ منهم ولا متوجِّعُ

أيقظتَ أجفاناً وكنتَ لها كرىً

وأَنَمْتَ عيناً لم تكن بك تَهْجَعُ

كُحِلَتْ بمنظركَ العيونُ عَمَايَةً

وأَصَمَّ نَعْيُكَ كلَّ اُذنٍ تَسْمَعُ

ما روضةٌ إلّا تمنَّتْ أنَّها

لك مَضْجَعٌ ولِخَطِّ قَبْرِكَ مَوْضَعُ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٠ - ١٦١.


فقال المعرّي : وأنا أقول :

مَسَحَ الرسولُ جبينَهُ

فله بريقٌ في الخدودِ

أبواه مِن عُليا قريـ

ـشٍ جدُّه خيرُ الجدودِ(١)

قال الخوارزمي : ولبعضهم فيما يُناح به مِن قصيدة :

يا حُسينُ بنَ عليٍّ

يا قتيلَ ابنِ زيادِ

يا حُسينُ بنَ عليٍّ

يا صريعاً في البوادي

لو رأى جدٌ بكّى

بدموعٍ كالعهادِ

لو رأى حيدرُ أودى

فيه لا سيفُ المرادي

لو رأت فاطم ناحت

نوحَ وَرْقَاءٍ بوادِ

وأقامت وهي ولهى

لكَ تبكي وتنادي

ولدي قُرَّةَ عيني

كبدي حبَّ الفؤادِ

أنت روحي قسَّموها

لصعيدٍ وصفادِ

لعن اللهُ يزيداً

وزياداً لَعْنَ عادِ

هُمْ أعادٍ لرسولِ الـ‍

ـلهِ أبناءُ أعادي(٢)

قال ابن الدمشقي : ورأيت في مرثيته (عليه‌السلام ) قصيدة طويلة جدّاً عَلُقَ بخاطري منها هذه الأبيات :

أما والذي لِدَمي حلَّلا

وخصَّص أهل الولا بالبلا

لَئِنْ ذقتُ فيك كؤوسَ الحمامِ

لَمَا قال قلبي لساقيه لا

ولا كنتُ ممّن يُشاكي الجوى

ولو قَدَّني مِفْصَلاً مِفْصَلا

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٧.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧٦.


رضيتُ وحقِّك كلَّ الرضا

إذا كان يُرْضِيكَ أنْ اُقْتلا

أنا ابنُ البتولِ وسِبْطُ الرسولِ

وجدّي محمّد فيكُمْ عَلا

أنا ابنُ الفتى الهاشميِّ الذي

لِمَرْحَبَ في خيبرٍ جَنْدَلا

فلا غَرْوَ إنْ متُّ موتَ الكرامِ

كما ماتَ في الحُبِّ مَنْ قد خلا

أتُنْكَرُ بينَ الورى قتلتي

ورأسي يُطافُ به في الملا(١)

قال البري : ولبعض المحسنين المجيدين يرثي الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) :

اُمْرُرْ على جَدَثِ الحُسيـ

نِ وقُلْ لأعْظُمِه الزكيَّهْ

يا أعظماً لا زلتِ مِنْ

وطفاءَ ساكبةٍ رويَّهْ

وإذا مررتَ بقبره

فأَطِلْ به وَقْفَ المطيَّهْ

وابكِ المطهَّرَ للمطهْـ

ـر والمطهرةِ التقيَّهْ

كبكاءِ معْوِلَةٍ أتت

يوماً لِوَاحِدِها المنيَّهْ(٢)

قال البري : وقال بعضهم وقد رزأ [ مصابُ ] الحُسينِ فؤادَه، وألفَ الحزنَ على مصابه الجلل واعتاده، نفعه الله بما قاله، ومِن عثرات الذنوب أقاله :

أيا رُزْءَ الرضيْ الزاكي حُسينٍ

أَسَلْتَ مَعَ الدموعِ لَنَا نجيعا

ببقعةِ كربلاءَ أَرَيْتَ سبطاً

لخيرِ المرسلين لُقَىً صريعا

رُزِينا ابنَ البتول وأيُّ رزءٍ

جليل قد أرى خطباً شنيعا

أثار لنا اكتئاباً وانتحاباً

وأجَّج لَفْحُه منّا الضلوعا

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٦.

(٢) الجوهرة في نسب الإمام علي وآله - البرّي / ٤٨ والشاعر هو السيد الحميري ؛ إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، أبو هاشم أو أبو عامر، توفّي سنة ١٧١.


وكمْ مِنْ أجلِهِ صبرٌ توَلّى

وكم عينٍ له هجرت هجوعا

وكمْ قلبٍ به أضحى مَرُوعاً

ونفسٍ فارقتْ جَلَداً وروعا

فيا صبري على بلوى حُسينٍ

أَلا ودِّع فؤاداً لي جزوعا

وما عاف الأسى والوَجْدَ مثلي

عليه ولا الكآبةَ والخشوعا

دهاه ابنُ الدعيِّ بشرِّ ناسٍ

فجذُّوا الأصلَ منه والفروعا

لقد خسروا بما اكتسبوا فَمَنْ ذا

يكونُ لهم إذا بُعِثُوا شفيعا

هُم وترُوا شفيعَ الخلقِ في ابنٍ

لديه كان محفوظاً رفيعا

فلا سقت الغوادي قبرَ رجسٍ

زنيمٍ للغرورِ غدا مطيعا

تحمّ في بني المختار قسراً

وأجرى من دمائِهِم ربيعا

وعن ماءِ الفراتِ حمى كراماً

لِرعْيِ حُقُوقِّهم أضحى مضيعا

أتى في الذكرِ ذكرُهُم بقدسٍ

فكن يا مَنْ تلاه له مذيعا(١)

قال ابن الدمشقي : وله (أي الشافعيرحمه‌الله ) من قصيدة طويلة أيضاً :

يا خائفاً عليَّ أسبابَ الردى

أما عَرَفْتَ حصنيَ الحصينا

إنّي جعلتُ في الخطوبِ موئلي

محمّداً والأنزعَ البطينا

اُحبُّ ياسينَ وطاسينَ وَمَنْ

يلوم في ياسينَ أو طاسينا

(سُفْنُ النّجاةِ والمناجاة ومَنْ

آوى إلى الفُلْكِ وطورِ سينا)(٢)

يا ذاهبين في أضاليلِ الهوى

وعن سبيلِ الحقِّ ناكبينا

تِجَاهَكُمْ دارُ السّلامِ فابتغوا

في نهجها جبريلها الأمينا

قوموا ادخلوا الباب وقولوا حطّة

يغفر لنا الذنوب أجمعينا

ذروا العنادَ إنّ أصحابَ العبا

هم النبا إنْ شئتُم التبيينا

____________________

(١) الجوهرة في نسب الإمام علي وآله - البرّي / ٤٩.

(٢) مابين القوسين من مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب ٣ / ٥٠٣.


ديني الولاءُ لستُ أبغي غيرَه

ديناً وحسبي بالولاءِ دينا

هما طريقانِ فإمَّا شامةٌ

أو فاليمينُ فاسلكوا اليمينا

سِجْنُكُم السجِّينُ إِنْ لمْ تَتْبَعُوا

عَلِيَّنَا دليلَ عِلِّيِّينا(١)

قال ابن عساكر : أنشدنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل الفراوي، قال : أنشدت لبعض الشعراء في مرثية الحُسين بن علي (عليهما‌السلام ) :

لقد هدَّ جسمي رزءُ آلِ محمّد

وتلك الرزايا والخُطُوبُ عِظَام

وأبكت جُفُوني بالفُرَاتِ مَصَارِعٌ

لآلِ النّبي المصطفى وعظام

عِظَامٌ بأكنافِ الفُرَاتِ زكيَّةٌ

لهنَّ علينا حرمةٌ وذمام

فكمْ حُرَّةٍ مسبيَّة فاطميَّةٍ

وكمْ مِنْ كريمٍ قد علاه حُسَام

لآلِ رسولِ اللهِ صلَّت عليهم

ملائكةٌ بِيضُ الوجوهِ كِرَام

أفاطم أشجاني بنوك ذوو العلا

فَشِبْتُ وإنّي صادقٌ لَغُلام

وأصبحتُ لا ألتذُّ طيبَ معيشةٍ

كأنّ عليَّ الطيّباتِ حَرَام

يقولون لي صبراً جميلاً وسلوةً

ومالي إلى الصبرِ الجميلِ مَرَام

فكيف اصطباري بعدَ آلِ محمّد

وفي القلبِ منهم لوعةٌ وسقام(٢)

مِن المنسوب إلى عبد الله بن عمّار البرقي (رحمه‌الله )(٣)

قال الخوارزمي :ولبعضهم مِن قصيدة طويلة انتخبت منها :

____________________

(١) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٩.

(٢) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر ١٤ / ٢٦٠.

(٣) ذكر هذه النسبة المعلِّق على مقتل الخوارزمي العلّامه الشيخ السّماوي.


إذا جاء عاشورا تضَاعَفَ حسرتي

لآلِ رسولِ اللهِ وانهلَّ دمعتي

هو اليوم فيه اغبرّت الأرضُ كلُّها

وجوماً عليهم والسّماءُ اقشعرَّتِ

مصائبُ ساءت كلَّ مَنْ كان مسلماً

ولكنْ عُيُونَ الفاجرين أقرَّتِ

إذا ذكرتْ نفسي مصيبةَ كربلا

وأشلاءَ ساداتٍ بها قد تَفَرَّتِ

أضاقتْ فؤادي واستباحتْ تجلُّدي

وزادتْ على كربي وعيشي أمرَّتِ

اُريقتْ دماءُ الفاطميّين بالفلا

فلو عَقِلتْ شَمْسُ النّهارِ لَخَرَّتِ

ألا بأبي تلك الدماءَ التي جَرَتْ

بأيدي كلابٍ في الجحيمِ استقرَّتِ

توابيتُ مِنْ نارٍ عليهم قد أطبقتْ

لهم زفرةٌ في جوفِها بعد زفرةِ

فشتَّانَ مَنْ في النّارِ في جوفِ طابقٍ

وَمَنْ هو في الفردوسِ فوقَ الأَسِرَّةِ

بنفسي خدودٌ في الترابِ تعفرَّتْ

بنفسي جسومٌ بالعراءِ تعرَّتِ

بنفسي رؤوسٌ مشرفاتٌ على القنا

إلى الشامِ تُهدى بارقاتُ الأسرِّةِ

بنفسي شفاهٌ ذابلاتٌ مِنْ الظما

ولمْ تُرْوَ مِنْ ماءِ الفراتِ بقطرةِ

بنفسي عيونٌ غائراتٌ شواخصٌ

إلى الماءِ منها نظرةٌ بعد نظرةِ

بنفسيَ مِنْ آلِ النّبي خرائدٌ

حواسرُ لم يُرْأَفْ عليها بسترةِ

تفيض دموعاً بالدماءِ مشوبةً

كقطرِ الغوادي مِنْ مدافعِ ثرّة

على خير قتلى مِنْ كهولٍ وفتيةٍ

مصاليتُ أنجادٍ إذا الخيلُ كرَّتِ

ربيعُ اليتامى والأراملِ في الملا

دوارسُ للقرآنِ في كلِّ سَحْرَةِ

وأعلام دينِ المصطفى وولاتِهِ

وأصحابُ قُرْبَانٍ وحجٍّ وعمرةٍ

ينادين يا جدَّاه أيةُ محنةٍ

تراها علينا مِنْ اُميّة مرَّتِ

ضغائنُ بدرٍ بعد ستّين اُظهرتْ

وكانت اُجِنَّتْ في الحشا واُسِرَّتِ

شهدتُ بأنْ لمْ ترضَ نفسٌ بهذه

وفيها مِن الإسلامِ مثقالُ ذَرَّةِ

كأنّي ببنتِ المصطفى قد تعلَّقَتْ

يداها بساقِ العرشِ والدمع أَذْرَتِ


وفي حِجْرِها ثوبُ الحُسين مضرَّجٌ

وعنها جميعُ العالمين بحسرةِ

تقول أيا عدلُ اقضِ بيني وبينَ مَنْ

تعدَّى على ابني بعد قهرٍ وقسرةِ

أجالوا عليه بالصوارمِ والقنا

وكمْ جال فيهم مِنْ سنانٍ وشفرةِ

على غيرِ جُرْمٍ غيرَ إنكارِ بيعةٍ

لمنسلخٍ من دينٍ أحمدَ عرَّةِ

فيقضي على قومٍ عليه تألبَّوا

بسوءِ عذابِ النّارِ مِن غيرِ فَتْرَةِ

ويسقون من ماءٍ صديدٍ إذا دَنَا

شوى الوَجْهَ والأمعاءُ منه تهرَّتِ

مودةُ ذي القربى رَعَوها كما ترى

وقولُ رسولِ اللهِ اُوصي بعترتي

فكم فَجْرَةٍ قد أتبعوها بعجرةٍ

وكم غدرةٍ قد ألحقوها بغدرةِ

هُم أوَّلُ العادين ظلماً على الورى

ومَنْ سار فيهم بالأذى والمضرَّةِ

مضوا وانقضت أيّامهم وعهودُهمْ

سوى لعنةٍ باؤوا بها مستمرّةِ

لآلِ رسولِ اللهِ ودّيَ خالصاً

كما لمواليهم ولائي ونصرتي

وها أنا مذ أدركتُ حدَّ بلاغتي

اُصلّي عليهم في عشيي وبُكْرَتي

وقولُ النّبيِّ المرءُ مَعْ مَنْ أحبَّه

يقوِّي رجائي في إقالةِ عثرتي

على حبِّهم يا ذا الجلالِ تَوَفَّني

وحرِّمْ على النيرانِ شيبي وكبرتي(١)

مِن رثاءِ منصور النّمري

قال الخوارزمي : ولمنصور بن سلمة بن الزبرقان النّمري مِن قصيدة جيدة :

متى يشفيك دَمْعُكَ مِن همولِ

ويبرُدُ ما بقلبِكَ من غليلِ

وقد شَرَقَتْ رماحُ بني زيادٍ

بِرِيٍّ من دماءِ بني الرسولِ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٥٥ - ١٥٧.


فؤادَك والسّلوَ فإنّ قلبي

لَيَأبى أنْ يعودَ إلى ذُهُولِ

فيا طُوْلَ الأسى مِنْ بَعْدِ قومٍ

اُديرَ عليهِم كأسُ الاُفُولِ

تَعاورهُمْ أسنَّةُ آلِ حربٍ

وأسيافٌ قليلاتُ الفُلُولِ

فما وُجِدَتْ على الأعقابِ منهم

ولا الأنفاءِ آثارُ النُّصُولِ

ولكنَّ الوجوه مكَلَّمَاتٌ

وفوقَ صدورِهِم مجرى السّيولِ

اُريق دم الحُسينِ فلم يُراعوا

وفي الأحياءِ أمواتُ العُقُولِ

فَدَتْ نفسي جبينَكَ من جبينٍ

جرى دَمهُ على الخدِّ الأسيلِ

أيخلو قلبُ ذي ورعٍ ودينٍ

مِنْ الأحزانِ والألمِ الطويلِ

وأوصالُ الحُسين ببطنِ قاعٍ

ملاعبُ للدَّبورِ وللقَبُولِ

بتربةِ كربلاءَ لهمْ ديارٌ

نيام الأهلِ دارسةُ الطُّلُولِ

تحيّاتٌ ومغفرةٌ وَرْوَحٌ

على تلك المحلَّةِ والحُلُولِ

قتيلٌ ما قتيلُ بني زيادٍ

ألا بأبي ونفسي من قتيلِ

بَرِئْنَا يا رسولَ اللهِ ممَّنْ

أصابك بالأذيَّةِ والذُّحُولِ(١)

قال الخوارزمي : ولمنصور بن سلمة بن الزبرقان النّمري مِن قصيدة جيدة :

شاءٌ مِن الناسِ راتع هاملِ

يعلِّلونَ النّفوسَ بالباطلِ

تُقتل ذرّيّةُ النّبيِّ ويرجو

ن خُلُودَ الجنانِ للقاتلِ

ويلكَ يا قاتلَ الحُسين لَقَدْ

جئتَ بعبءٍ ينوءُ بالحاملِ

أيُّ حباء حبوتَ أحمدَ في

حُفْرَتِهِ من حرارةِ الثاكلِ

بأيٍّ وجهٍ تلقى النّبيَّ وقد

دخلتَ في قتلِهِ معَ القاتلِ

____________________

(١) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٧.


هلمَّ فاطلبْ غداً شفاعَتَهُ

أو لا فَرِدْ حَوْضَهُ مع النَّاهِلِ

لا شكَّ عندي في كفرِ قاتلِهِ

لكنّني قد أشكُّ في الخاذلِ

نفسي فداءُ الحُسين يومَ غدا

إلى المنايا عدوَ لا قافلِ

ذلك يومٌ أخنى بكلكلِهِ

على سَنَام الإسلامِ والكاهلِ

مظلومةٌ والنّبي والدُها

تديرُ أرجاءَ مقلةٍ حافلِ

ألا مساعيرَ يغضبون لها

بسلَّةِ البيضِ والقنا الذابلِ

كمْ ميّتٍ منهم بغُصَّتِهِ

مقتربِ القرب بالعرا نازلِ

ما أنتجت حولَه قرابتُهُ

عند مقاساةِ يومهِ النازلِ

أذكرُ منهم ما قد أصابَهُم

فيُمْنَعُ القلبُ سلوة الذاهلِ

حتى متى أنتِ تعجبين أَلا

تَنْزِلُ بالقوم نِقْمَةُ(١) العاجلِ

لا يعجلُ اللهُ إنْ عجلتِ وما

ربُّك عمّا ترين بالغافلِ

ما حصلت لامرئٍ سَعَادتُهُ

حقَّتْ عليه عقوبةُ الآجلِ

أعاذلي إنّني اُحبُّ بني أحـ

ـمدَ والترابُ في فمِ العاذلِ

دنتُ بما أنتم عليه وما

رجعتُ عن دينِكم إلى الباطلِ

دينُهُم جفوةُ النّبي وما الـ

ـجافي لآلِ النّبي كالواصل(٢)

مِن رثاءِ أبي رمح الخزاعي

قال الخوارزمي : لأبي الرمح الخزاعي مِن قصيدة :

أجالت على عيني سحائبُ عبرةٍ

فلم تَصْحُ بعدَ الدَّمْعِ حتّى ارمعلَّتِ

تبكِّي على آلِ النّبي حمّدٍ

وما أكثرت في الدمعِ لا بل أقلَّتِ

____________________

(١) وفي المطبوع : ينزل بالقوم بأسه العاجل، وما أثبتنا من الموسوعة الشعريّة الكمبيوترية.

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٦٧ - ١٦٨.


اُولئك قومٌ لمْ يشيموا(١) سيوفَهمْ

ولمْ تُكثرِ القتلى بها حين سلّتِ(٢)

مِن رثاءِ أبي الأسود الدؤلي (رحمه‌الله )

قال ابن سعد : وقال أبو الأسود الدؤلي في قتل الحُسين (رضي‌الله‌عنه ) :

أقولُ وذاك مِنْ جَزَعٍ ووجدٍ

أزال اللهُ ملْكَ بني زيادِ

وأبعدهم بما غدروا وخانوا

كما بَعُدَتْ ثمّودُ وقوم عادِ

هُم خشموا الاُنوفَ وكنَّ شُمَّاً

بقتلِ ابنِ القعاسِ أخي مرادِ

قتيلَ السّوق يا لك مِنْ قتيلٍ

به نضحٌ من اَحمرَ كالجِسَادِ

وأهلُ نبيِّنا مِنْ قبلُ كانوا

ذوي كَرَمٍ دَعَائِمَ للبلادِ

حُسينٌ ذو الفضول وذو المعالي

يزين الحاضرين وكلَّ بادِ

أصابَ العزَّ مَهْلِكَهُ فأضحى

عميداً بَعْدَ مَصْرَعِهِ فؤادي(٣)

مِن رثاءِ عبد الله بن الحُرّ

قال ابن سعد في طبقاته : ولقي عبيد الله بن الحُرّ الجُعفي حسين بن علي (عليهما‌السلام )، فدعاه حُسين إلى نصرته والقتال معه، فأبى وقال : قد أعييتُ أباك قبلك قال : (( فإذ أبيتَ أنْ تفعلَ فلا تسمع الصيحة علينا ؛ فوالله، لا يسمعها أحدٌ ثمّ لا ينصرنا فيرى بعدها خيراً أبداً )).

قال عبيد الله : فوالله، لَهبتُ كلمته تلك، فخرجت هارباً من عبيد الله بن زياد

____________________

(١) وفي المطبوع : (لم يشبعوا).

(٢) مقتل الحُسين (عليه‌السلام ) - الخوارزمي ٢ / ١٧١.

(٣) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٣.


مخافة أنْ يوجّهني إليه، فلمْ أزل في الخوف حتّى انقضى الأمر فندم عبيد الله على تركه نصرة حسين (رضي‌الله‌عنه )، فقال :

يقولُ أميرٌ غادرٌ حقَّ غادرِ

ألا كنتَ قاتلتَ الشهيدَ ابنَ فاطمهْ

ونفسي على خذلانِهِ واعتزالِهِ

وبيعةِ هذا الناكثِ العهدَ لائمهْ

فيا ندمي ألا أكونَ نَصَرْتُهُ

ألا كلُّ نفسٍ لا تُسدَّدُ نادمهْ

وإنّي لأنّي لمْ أكن مِنْ حُمَاتِهِ

لذوٍ حسرةٍ ما إنْ تفارقُ لازمهْ

سقى اللهُ أرواحَ الذين تأزَّروا

على نصرِهِ سُقياً مِن الغيثِ دائمهْ

وقفتُ على أجداثِهِمْ ومَحَالِهِمْ

فكاد الحشى ينفضُّ والعينُ ساجمهْ

لَعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى

سِرَاعاً إلى الهيجا حُمَاةً خضارمهْ

تآسوا على نصر ابنِ بنتِ نبيِّهم

بأسيافِهِمْ آسادَ غِيلٍ ضراغمهْ

وقد طاعنوا مِن دونِهِ برماحِهِم

عصائبَ بوراً نابذتهمْ مجارمهْ

فإنْ يُقتلوا فكلُّ نفسٍ زكيّةٍ

على الأرض قد أضحتْ لذلكَ واجمهْ

وما إنْ رأى الراؤون أصبر منهُم

لدى الموت ساداتٍ وزهراً قماقِمهْ

أتَقْتُلُهم ظلماً وترجو ودادَنا

فَدَعْ خطّةً ليست لنا بملائمهْ

لَعمري لقد أرغمتمونا بقتلِهِمْ

فكم ناقمٍ منّا عليكم وناقمهْ

أهم مراراً أنْ أسيرَ بجحفلٍ

إلى فئةٍ زاغت عن الحقِّ ظالمهْ

فكفّوا وإلّا زرتُكُمْ في كتائبٍ

أَشَدَّ عليكم من زُحوفِ الديالمهْ(١)

وقال ابن سعد : وقال عبيد الله بن الحُرّ أيضاً :

أيرجو ابنُ الزبيرِ اليومَ نصري

بعاقبةٍ ولم أَنْصُرْ حسينا

وكان تخلُّفي عنه تباباً

وتركي نصرَه غبناً وجُبْنَا

____________________

(١) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٣.


ولو أنّي اُواسيه بنفسي

أصبتُ فضيلةً وقررتُ عينا(١)

قال ابن سعد : وقال عبيد الله بن الحُرّ أيضاً :

فيا لكِ حسرةً ما دمتُ حياً

تردَّد بين حلقي والتراقي

حُسينٌ حين يطلُبُ بَذْلَ نصري

على أهلِ العداوةِ والشقاقِ

ولو أنّي اُواسيه بنفسي

لنلتُ كرامةً يومَ التلاقِ

مع ابنِ المصطفى نفسي فداهُ

فولَّى ثمّ ودَّع بالفراقِ

غداةَ يقول لي بالقصر قولاً

أتتركُنا وتزْمعُ بانطلاقِ

فلو فَلَقَ التلهُّفُ قَلْبَ حيٍّ

لَهَمَّ اليومَ قلبي بانفلاقِ

فقد فاز الاُلى نصروا حُسيناً

وخاب الآخرون اُولو النّفاق(٢)

قال ابن سعد :وقال عبيد الله بن الحُرّ أيضاً :

تبيتُ نساءٌ من اُميّة نوَّماً

وبالطفِّ هامٌ ما ينام حميمها

وما ضيَّع الإسلامَ إلّا قبيلةٌ

تأمَّرَ نوكاها وطال نعيمها

وأضحت قناةُ الدينِ في كفِّ ظالمٍ

إذا أعوجَّ منها جانبٌ لا يقيمها(٣)

رثاءُ عبيدة بن عمرو الكندي

قال ابن سعد في طبقاته : وقال عبيدة بن عمرو الكندي أحد بني بدِّ بن الحارث يرثي الحُسين بن

____________________

(١) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٤.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٦.


علي وولده (رضي ‌الله‌ عنهم )، ويذكر قتلهم وقتلتهم :

صحا القلبُ بعدَ الشيبِ عن اُمِّ عامرِ

وأذهلَهُ عنها صروفُ الدوائرِ

ومقتلُ خيرِ الآدميّين والداً

وجدّاً إذا عُدَّت مساعي المعاشرِ

دعاه الرجالُ الحائرون لنصرِهِ

فكلاً رأيناه له غيرَ ناصرِ

وجدناهُم مِنْ بينِ ناكثِ بيعةٍ

وساعٍ به عند الإمامِ وغادرِ

ورامٍ له لـمَّا رآه وطاعنٍ

ومسلِ عليه المصلتين وناحِرِ

فيا عينُ أذري الدَّمْعَ منكِ وأسبلي

على خيرِ بادٍ في الأنام وحاضرِ

على ابن عليٍّ(١) وابنِ بنتِ محمّد

نبيِّ الهدى وابنِ الوصيِّ المهاجرِ

تداعت عليه مِنْ تميمٍ عصابةٌ

واُسرةُ سوءٍ مِنْ كلابٍ وعامرِ

ومِنْ حيِّ وهبيلٍ تداعت عصابةٌ

عليه واُخرى أردفت مِنْ يحابرِ

وخمسون شيخاً مِنْ أبانَ بنِ دارمٍ

تداعوا عليه كالليوثِ الخواطرِ

ومِنْ كلِّ حيٍّ قد تداعى لقتلِهِ

ذوو النكثِ والإفراطِ أهلِ التفاخرِ

شفى اللهُ نفسي مِنْ سنانٍ ومالكِ

ومِنْ صاحبِ الفُتيا لقيطِ بنِ ياسرِ

ومِنْ مرَّةَ العبديِّ وابنِ مساحقٍ

ومِنْ فارسِ الشقراءِ كعبِ بنِ جابرِ

ومِنْ أورقِ الصيداء وابنِ موزّعِ

ومِنْ بَحْرِ تيمِ اللاتِ والمرءِ عامرِ

ومِنْ نفرٍ مِنْ حضرموتَ وتَغْلِبٍ

ومِنْ مانعيه الماءَ في شَهْرِ ناجرِ

وخوليّ لا يقتلك ربّي وهانئٍ

وثعلبةَ المستوهِ وابنِ تباحرِ

ولا سلَّم اللهُ ابنَ أَبْجرَ ما دَعَتْ

حمامةُ أيكٍ في غصونٍ نواضِرِ

ومِنْ ذلك الفَدْمِ الأبانيِّ والذي

رماه بسهمٍ ضيعةٍ والمهاجرِ

ولا ابنِ رقادٍ لا نجا مِنْ حِذَارِهِ

ولا ابنِ يزيدٍ مِنْ حذارِ المحَاذِرِ

ومِنْ رأسِ ضُلاّلِ العراقِ وغيرِهم

تميمٍ ومِنْ ذاك اللعينِ ابنِ زاجرِ

____________________

(١) الظاهر : هو ابن عليٍّ.


ولا الحنظليّين الذين تتابعتْ

نبالُهُم في وَجْهِهِ والخواصِرِ

ولا نفرٍ مِنْ آلِ سعدِ بنِ مَذْحَجٍ

ولا الأبرصِ الجِلْفِ اللئيمِ العناصرِ

ولا عصبةٍ مِنْ طَيّئٍ أحدقت به

ولا نفرٍ منّا شِرَارِ السرائرِ

ولا الخثعميّين الذين تنازلوا

عليه ولا مَنْ زاره بالمناسِرِ

ولا شَبَثٍ لا سلَّم اللهُ نَفْسَهُ

ولا في ابنِ سعدٍ حدّ أبيض بَاتِرِ

قال : والقوم الذين سماهم في شعره : سنان بن أنس النخعي، ومالك - رجل مِنْ وهبيل مِنْ النخع -، ومرّة بن كعب - رجل مِنْ أشراف عبد القيس -، ونوفل بن مساحق مِنْ بني عامر بن لوي، وكعب بن جابر الأزدي، وأورق الصيداء - رجل منهم كان أفوه -، وابن موزع - رجل مِنْ همدان -، وبحر بن مالك مِنْ بني تميم بن ثعلبة، وخولى بن يزيد الأصبحي - المحرق بالنّار -، وهانئ بن ثبيت الحضرمي، وثعلبة المستوه - رجل مِنْ بني تميم كان مأبوناً -، وابن تباحر - رجل مِنْ بني تيم الله يُقال له : عمرو بن يبحر بن أبحر حجّار بن أبحر -، بجير بن جابر العجلي - والذي رماه الغنوي الذي رمى ابن الحُسين فقتله -، وابن زاجر - رجل مِنْ بني منقر مِنْ بني تميم -، والأبرص الجلف يعني شمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي الرياحي(١) .

رثاءُ ابن الهبارية

قال العلّامه الشريف أحمد الحُسيني الخوافي - أو الحافي - الشافعي، قال : قال الشعبي، وحكاه ابن سعد في الطبقات، قال : أنشدنا بعض أشياخنا أنّ ابن الهبارية الشاعر اجتاز بكربلاء، فجلس يبكي على الحُسين وأهله، وقال بديهاً :

أحُسينُ والمبعوثِ جدِّك بالهُدى

قسماً يكون الحقُّ عنه مسَائلي

____________________

(١) ترجمة الإمام الحُسين (عليه‌السلام ) - من طبقات ابن سعد / ٩٤ - ٩٦.


لو كنتُ شاهدَ كربلا لبذلتُ في

تنفيسِ كَرْبِكَ جُهْدَ بَذْلَ الباذلِ

وسقيتُ حدَّ السّيفِ مِنْ أعدائِكُمْ

عَلَلاً وحدَّ السَّمْهَرِيِّ الذابلِ

لكنّني اُخِّرْتُ عنكَ لِشَقْوَتِي

فبلابلى بينَ الغَرِيِّ وبابلِ

هَبْنِي حُرِمْتُ القَتْلَ في أعدائِكمْ

فأَقلَّ مِنْ حُزنٍ ودمعٍ سائلِ

ثمّ نام في مكانه، فرأى النّبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، فقال له : (( جزاكَ اللهُ عنِّي خيراً، أبشر فإنّ الله كتبك ممّن جاهد بين يدي الحُسين (عليه‌السلام ) ))(١) .

رثاءُ ناهض الوادي آشي

قال المقري التلمساني : وقد تذكّرت هنا قول ناهض بن محمّد الأندلسي الوادي آشي في رثاء الحُسين (رضي الله تعالى عنه) :

أمرنةٌ سجعتْ بعودِ أراكِ

قولي مولّهةً علامَ بُكاكِ

أجفاك إلفُكِ أمْ بليت بفرقةٍ

أم لاح برقٌ بالحمى فشجاكِ

لو كان حقّاً ما ادّعيت مِنْ الجوى

يوماً لما طرق الجفون كراكِ

أو كان روَّعك الفراقُ إذاً لما

ضنّتْ بماءِ جفونها عيناكِ

ولِما ألفتِ الروضَ يأرجُ عرفهُ

وجعلتِ بين فروعهِ مَغناكِ

ولِما اتّخذتِ من الغصون منصّةً

ولِما بدتْ مخضوبةً كفّاكِ

ولِما ارتديتِ الريشَ برداً معلماً

ونظمتِ من قزحٍ سلوك طلاكِ

لو كنتِ مثلي ما أفقت مِن البكا

لا تحسبي شكواي مِنْ شكواكِ

إيهٍ حمامة خبّريني إنّني

أبكي الحُسينَ وأنتِ ما أبكاكِ

____________________

(١) التبر المذاب - الخوافي أو الحافي الشافعي / ٩٣ (المخطوط)، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٧٥.


أبكي قتيلَ الطّفِّ فرع نبيّنا

أكرمْ بفرعٍ للنّبوةِ زاكي

ويلٌ لقومٍ غادروهُ مضرّجاً

بدمائه نضْواً صريعَ شكاكِ

متعفّراً قد مزّقت أشلاؤهُ

فرياً بكلّ مهنّد فتاكِ

أيزيدُ لو راعيتَ حُرمةَ جدّهِ

لمْ تقتنصْ ليثَ العرين الشاكي

أو كنتَ تصغي إذ نقرت بثغرِهِ

قرعت صماخَكَ أنّةُ المسواكِ

أتروم ويكَ شفاعةً مَنْ جدّهِ

هيهات لا ومدبّرِ الأفلاكِ

ولسوف تُنبذُ في جهنّم خالداً

ما الله شاء ولاتَ حين فكاكِ

توفّي ناهض المذكور بوادي آش سنة ستمئة وخمس عشرة(١) .

رثاءُ علي الجواليقي

قال صلاح الدين الصفدي : الجواليقي محمّد بن علي الجواليقي الكوفي يتشيّع، قال يرثي الحُسين بن علي بن أبي طالب (رضي‌الله‌عنه ) :

اِبكِ حُسيناً ليومِ مصرعهِ

بالطّفِّ بين الكتائب الخرسِ

يعدو عليه بسيف والدِهِ

أيدٍ طوال لمعشرٍ نُكسِ

بالله ما إنْ رأيتُ مثلَهم

في يوم ضنكٍ قماطرٍ عبسِ

أحسن صبراً على البلاءِ وقد

ضيقت الحرب مخرج النّفسِ

أضحى بنات النّبي إذ قتلوا

في مأتم والسّباع في عرسِ(٢)

____________________

(١) نفح الطيب في غص الأندلس الرطيب - الم-قري التلمساني / ٥٠٥٤، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.

(٢) الوافي بالوفيات - الصفدي / ٢٦٨٤، نسخة برنامج الموسوعة الشعريّة.


رثاءُ ابن الجوزي

قال الخوافي - أو الحافي - الشافعي : قال : ذكر جدّي أبو الفرج في كتاب (التبصرة) إنّما سار الحُسين (عليه‌السلام ) إلى القوم ؛ لأنّه رأى الشريعة قد دُثرت، فجدَّ في رفع قواعد أصلها، فلمـَّا أحضروه حصروه، فقالوا له : انزل على حكم ابن زياد فقال : (( لا أفعل )) واختار القتل على الذلّ، وهكذا النّفوس الشريفة تأبى مواطن الذلّة، ثمّ أنشد :

ولـمَّا رأوا بَعْضَ الحِيَادِ مذلَّةً

عليهمْ وعِزَّ الموتِ غيرَ محرَّمِ

أبوا أنْ يذوقوا العيشَ والذم واقعٌ

عليه وماتوا ميتةً لمْ تُذَمَّمِ

وَلا عَجَبٌ للاُسْدِ أَنْ ظَفِرَت بها

كلابُ الأعادي مِنْ فصيحٍ وأعجمِ

فحربةُ وحشيٍّ سَقَتْ حَمْزَةَ الردى

وحتفُ عليٍّ في حُسَامِ ابنِ ملجمِ(١)

أقول : وهذا شيء ممّا ورد في رثاء سيّد الشهداء (عليه‌السلام )، ولا يخفى أنّ ما وصل إلينا هو الشيء اليسير اليسير جداً، وإلّا فما منِعَ واُخفيَ فكثير لا يحصى فخذ على سبيل المثال حذفهم ترجمة الإمامين الحسن والحُسين (عليهما‌السلام ) مِنْ طبقات ابن سعد، وأيضاً ما ذكره ابن الدمشقي في كتابه جواهر المطالب(٢) مِنْ قصيدة تحتوي على مئة بيت، ونصَّ على أنّه نقلها مِنْ كتاب المنتظم لابن الجوزي، ومع هذا راجعته فلمْ أجدها ! ولكنْ لا يستطيعون بجميع محالاتهم

____________________

(١) التبر المذاب - الخوافي أو الحافي الشافعي / ٩٤ (المخطوط)، نقلاً عن إحقاق الحقِّ ٢٧ / ٤٨٣.

(٢) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه‌السلام ) - ابن الدمشقي ٢ / ٣٠٧ قال : ووقفت على قصيدة طويلة نحو المئة بيت في مديح أهل البيت (عليهم‌السلام ) للشيخ العلاء يحيى بن سلامة الحصكفي، ذكرها ابن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم، فاخترت منها هذا القدر :

ليتَ المطايا للنّوى ما خُلقَتْ

ولا حدا مِن الحداة أحدٌ

. . إلى آخر ما ذكره من الأبيات.


وحيلهم إطفاء نور الله (جلّ جلاله) :( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) .

تمَّ والحمد لله ربِّ العالمين، ووفّقنا وجميع المشتغلين لخدمة شريعة سيّد المرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين (صلوات الله عليه وعليهم أجمعين)، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم مِن الآن إلى قيام يوم الدين.

كان الابتداء في تاريخ ١١/ ١٤٢٢ ه والانتهاء في يوم مولد إمامنا المفدّى سيّد الشهداء، الحجّة مِن الله على الورى، ابن الإمام الغالب، الحُسين بن علي بن أبي طالب (عليهما أفضل الصلاة والسّلام)، في يوم السّبت الموافق ٣/ ٨/١٤٢٥ ه.

____________________

(١) سورة التوبة / ٣٢.


الفهرس

الفصل السابع في البكاء لمقتل سيّدِ الشُّهداء ( عليه‌السلام ) ٥

بكاءُ ابن عبّاس (رضوان الله عليه) على الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٥٦

الفصل الثامن في التغيّرات الكونيّة لمقتل الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ١١٥

خبرُ يزيد بن أبي زياد ١٥٣

الفصل التاسع في الرؤى المتعلّقة بمقتل الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ١٥٩

رؤيا الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) في طريقه إلى كربلاء رؤيا الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) يوم التاسع ١٦٤

رؤيا الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) في ليلة عاشوراء في وقت السحر ١٦٥

رؤيا ابن عبّاس، عن عمّار بن عمّار بسند صحيح ١٦٦

رؤيا ابن عبّاس، عن زيد بن جدعان رؤيا اُمِّ سلمة ( رضي ‌الله‌عنه ا) النّبيَّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وعلى رأسه ولحيته التراب ١٦٨

امرأةٌ صالحة ترى فاطمة الزهراء ( عليها‌السلام ) وفي حجرها رأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام )، وأمْرُها بمَن يبلّغ ابن أصدق لينوح على الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ١٧٢

رؤيا الشيخ نصر الله أميرَ المؤمنين ( عليه‌السلام )، وسؤاله وجوابه ١٧٨

رؤيا الشعبي نزولَ الملائكة بحراب تتبع قتلة الإمام الحُسين ( عليه‌السلام )، إسناده حسن ١٨١

رؤيا عامر البجَلي النّبيَّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في النوم، وأخبره بأنَّ الله كاد يسحت أهلَ الأرض بعذاب أليم ١٨٢

رؤيا رجل من قَتَلة الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) النّبيَّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في المنام، فأهوى بيده في عينه فاُعمي؛ لتكثيره سواد الأعداء ١٨٣


رؤيا اُخرى لرجل من قَتَلة الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) للنّبيِّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وعاقبه لتكثيره سواد الأعداء، وتسعة معه ١٨٤

رؤيا رجل من قَتَلة الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) النّبيَّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . حتّى سقاه القطران ١٨٥

رؤيا زوجة شمر بن ذي الجوشن (عليه لعائن الله) فاطمةَ وخديجةَ (صلوات الله عليهنّ) ١٨٧

رؤيا جارية يزيد . وأمره لها بسبِّ الإمام عليٍّ ( عليه‌السلام ) وبنيه حتّى قتلها ١٨٨

رؤيا حارس رأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام )، وما جرى من نزول الأنبياء ( عليهم‌السلام )، والملائكة ١٨٩

رؤيا مَنْ أحسن لرأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) . وبشارة النّبيِّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) له ١٩٤

رؤيا هند (زوجة الملعون يزيد) نزولَ الملائكة ( عليهم‌السلام )، والنّبيِّ ( صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأهلِ البيت ( عليهم‌السلام ) يُسلّمون على رأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام )، وما جرى بينها وبين يزيد (لعنه الله) ١٩٥

مَنْ رأى في اليقظة الإمامَ الحُسين ( عليه‌السلام ) في مشهد الرأس في مصر ١٩٦

رجلٌ عميتْ عينه فرأى النّبي ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) . حتّى شفي ببركة الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ١٩٧

رؤيا رسول فاطمة الزهراء ( عليها‌السلام ) للنائح أحمد المورّق، وطلبها منه أن يرثي الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) بقصيدة الناشي ١٩٨

رؤيا حمزة الزيّات النّبيَّ محمّداً ( صلى‌الله‌عليه‌وآله )، وأباه النّبيَّ إبراهيم ( عليه‌السلام ) يُصلّيان على قبر الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٢٠٠

رؤيا ابن الفرزدق أباه، وإخباره بأنّ الله غفر له بزيارة الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٢٠١

الفصل العاشر فيما يتعلق برأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٢٠٣

فيما يتعلّق برأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) أوّلُ رأسٍ رُفع على خشبة ٢٠٥

سطوعُ النور من مكان رأسه ( عليه‌السلام ) إلى عنان السّماء(١) ، وإسلام الراهب بسببه، وصيرورة الدنانير خزفاً ٢٠٦

الرأسُ الشريف ينطق بأذن الله تعالى ٢٠٩


عن المنهال بن عمرو يسمع الرأس يقرأ من سورة الكهف ٢٠٩

زيدُ بن أرقم يسمع الرأس الشريف يقرأ من سورة الكهف ٢١١

الرأسُ الشريف يقرأ الآية : ( فَسَيَكْفِيكَهُم اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ) ٢١٢

رأسُ الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) يخاطب يهودياً فيسلم مع ذويه ٢١٣

لـمـَّا جاؤوا بالرأس الشريف إلى قصر الإمارة سالت حيطانها دماً رجلٌ يُعذّبه صلاح الدين بالخنافس ولا يصيبه شيء ؛ لحمله رأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٢١٥

عقابُ مَنْ أخذ رأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) وحشاه مسكاً ٢١٧

حارسُ الرأس الشريف وما جرى مع الأنبياء ( عليهم‌السلام ) ما فعله عبيدُ الله بن زياد ويزيد بن معاوية برأس الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) نكتُ الرأس الشريف، برواية القاسم الثقفي عن ابن أرقم(٢) نكتُ الرأس الشريف، برواية داود السبيعي عن ابن أرقم ٢١٨

نكتُ الرأس الشريف، برواية محمّد بن سيرين عن أنس ٢١٩

نكتُ الرأس الشريف، برواية علي بن زيد عن أنس نكتُ ابن زياد الرأس الشريف، برواية حفصة بنت سيرين عن أنس ٢٢٠

نكتُ الرأس الشريف، برواية ثابت وحميد عن يونس نكتُ الرأس الشريف، برواية أبي عاصم عن أنس ٢٢١

نكتُ الرأس الشريف، برواية الحسن إلقاءُ الرأس الشريف ونكته، برواية القاسم بن محمّد رمي الرأس الشريف بين يدي يزيد بن معاوية ٢٢٢

يزيدُ بن معاوية ينكت الرأس الشريف ٢٢٣

يزيدُ بن معاوية يضرب الرأس الشريف ٢٢٨

يزيدُ بن معاوية يطعن الرأس الشريف بقضيبه ابنُ زياد (لعنه الله) يضع رجله على فم الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٢٢٩

اكتحالُ يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد بدم الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) ٢٣٠


الفصل الحادي عشر فيما يتعلّق بقبر الإمام الحُسين ( عليه‌السلام ) وزيارته ٢٤٥

الفصل الثاني عشر في الشعائر الحُسينيّة ٣٢٣

[ ما خطّته اُمّ المؤمنين عائشة، ونقضته اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة (سلام الله عليها) ] ٤٤٩

الفصل الرابع عشر في مدحِ ورثاءِ سيِّد الشهداء ( عليه‌السلام ) ٤٦٧

الفهرس ٥٤٢


مقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام من موروث أهل الخلاف الجزء ٣

مقتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام من موروث أهل الخلاف

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: زهير ابن المرحوم الحاج علي الحكيم
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 545