المنتخب للطريحي المنتخب في جمع المراثي والخطب المشتهر بـ (الفخري) الجزء 2
مؤلف: الإمام الكبير والـمُصنّف الشّهير الشّيخ فخر الدّين الطريحي النّجفيالإمام الحسين عليه السلام
الـمُنتخب
في جمع المراثي والخطب
المشتهر بـ (الفخري)
الجزء الثّاني
تأليف
الإمام الكبير والـمُصنّف الشّهير الشّيخ
فخر الدّين الطّريحي النّجفي المتوفى سنة / ١٠٨٥.
ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المجلس الأوّل
في الليلة السّادسة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
اعلموا أيّها الإخوان ، إنّه لا خير والله في دمع يُصان عن سادات الزّمان وأولياء الملك الدّيان , فوا حرّ قلباه على تلك الأجساد المطرّحات بغير وطاء ولا وساد ! وا أسفاه على تلك الجسوم المرمّلات بغير فراش ولا مهاد ! جسوم والله طال ما أتعبوها في عبادة الرّحمن وقراءة القرآن ، فوا عجباه ! كيف شمخت عليهم اُنوف الظّالمين حتّى فعلوا ما أغضبوا ربّ العالمين ، وأبكوا به عين الرّسول ، وأحرقوا به فؤاد البتول ؟! فليت فاطمة الزّهراء تنظر إلى الفاطميات وهن بين الأعداء مروّعات ، وما بين نادبة تأنّ وثاكلة تحنّ. فيا خيبة من عرف حال الآل وسارع إليهم بالمحاربة والقتال ، ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور :
لقد أورثتنا قتلة الطف قرحة |
وحزناً على طول الزمان مطول |
|
فلا حزنه يسلي ولا الوجد نازح |
ولا مدمعي يرقي ونوحي يكمل |
روي : أنّ هند اُمّ معاوية جاءت إلى دار الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) عند وقت الصّبح , فدخلت وجلست إلى جنب عائشة وقالت لها : يا بنت أبي بكر , رأيت رؤيا عجيبة وأريد أن أقصّها عليك لتقصّيها على رسول الله - وذلك قبل إسلام ولدها معاوية - ,
فقالت لها عائشة : خبّريني بها حتّى أخبر بها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). فقالت : إنّي رأيت في نومي شمساً مشرقة على الدُنيا كلّها , فولد من تلك الشّمس قمر , فأشرق نوره على الدُنيا كلّها , ثمّ ولد ذلك القمر نجمان زاهران قد أزهر من نورهما المشرق والمغرب , فبينما أنا كذلك , إذ بدت سحابة سوداء مُظلمة كأنّها الليل الـمُظلم , فولد من تلك السّحابة السّوداء حيّة رقطاء , فدّبت الحيّة إلى النّجمين فابتلعتهما , فجعلوا النّاس يبكون ويتأسّفون على ذينك النّجمين.
قال : فجاءت عائشة إلى النّبي(ص) وقصّت الرّؤيا عليه ، فلمّا سمع النّبي (صلىاللهعليهوآله ) كلامها , تغيّر لونه واستعبر وبكى , فقال : (( يا عائشة , أمّا الشّمس الـمُشرقة فأنا , وأمّا القمر فهي فاطمة ابنتي , وأمّا النّجمان فهما الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) , وأمّا السّحابة السّوداء فهي معاوية , وأمّا الحيّة الرّقطاء فهي يزيد بن معاوية )).
وكان الأمر كما قال (صلىاللهعليهوآله ) , فإنّه لـمّا توفّي الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) , نهض معاوية إلى حرب عليّ (عليهالسلام ) , ولازم حربه ثمانين شهراً حتّى هلك من الفريقين خلق كثير ، ثمّ إنّ معاوية استمر مع قومه على سبّ عليّ ثمانين شهراً ، ثمّ لم يكفه حتّى توصّل إلى سمّ الحسن (عليهالسلام ).
ولـمّا هلك معاوية , تولّى الأمر ولده يزيد لعنه الله تعالى , فنهض إلى حرب الحُسين (عليهالسلام ) وبالغ في قتاله وقتال رجاله , وذبح أطفاله وسبى عياله ونهب أمواله ، ألا لعنة الله على القوم الظّالمين :
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي |
وخدك معفور وأنت سليب |
|
أأشرب ماء المزن أم غير مائه |
ويدخل في الأحشاء منك لهيب |
|
بكائي طويل والدموع غزيرة |
وأنت بعيد والمزار قريب |
|
أروح بغم ، ثمّ أغدو بمثله |
كئيباً ودمع المقلتين سكوب |
|
فللعين منّي عبرة بعد عبرة |
وللقلب منّي عبرة ونحيب |
روي : أنّ الإمام زين العابدين (عليهالسلام ) مع كثرة علمه وحلمه , كان كثير البكاء لتلك البلوى وعظيم البثّ والشّكوى , وإنّه بكى على مصاب أبيه أربعين سنة , وهو مع ذلك صائم نهاره قائم ليله , وكان إذا حضر الطّعام لإفطاره , يبكي بكاءاً شديداً , فيُقال له : كُل يا مولاي. فيقول : (( كيف آكل وقد قُتل ابن رسول الله جائعاً عطشاناً مظلوماً ؟! )). ولم يزل يكرّر هذا القول , وهو مع ذلك يبكي حتّى يبلّ طعامه بدموعه
ويمزج بشرابه , ولم يزل كذلك مدّة حياته حتّى لحق بربّه.
وحدّث مولى له , أنّه (عليهالسلام ) برز يوماً إلى الصّحراء , قال : فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة , فوقفت من ورائه وأنا أسمع شهيقه وبكاءه زماناً طويلاً , فأحصيت عليه حتّى قال ألف مرّة : (( لا إله إلّا الله تعبّداً ورقّاً , لا إله إلّا الله إيماناً وصدقاً )). ثمّ رفع رأسه من سجوده , وإذا لحيته ووجهه قد غمرا بالدّموع والتّراب , فقلت له : يا سيّدي , ما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ ؟ فقال لي : (( يا هذا , ألا تعلم أنّ يعقوب بن إسحاق كان نبيّاً ابن نبيّ , وكان له اثني عشر ابناً , فغيّب الله عنه ولداً واحداً منهم , فشاب رأسه من الحزن وذهب بصره من البكاء , هذا وابنه حيّ في دار الدُنيا , وأنا قد رأيت إخوتي وأبي وسبعة عشر صالحاً من أهل بيتي , مقتولين مطرّحين حولي صرعى في الفلا مجدّلين , قد غيّرت الشّموس محاسنهم وأتلفت الأرض جسومهم والرّمال تسفى عليهم ؟! )).
فاعلموا(١) يا إخواني صوائب الفكر , وأطيلوا النّظر في حال هذا الإمام وما فعل به القوم اللئام , فإنّه مصاب تحير فيه الأفكار ، وتذهل في معانيه القلوب والأبصار , ولكن المرجع إلى الله ولا حول ولا قوة إلّا بالله :
بنفسي مجروح الجوارح آيساً |
من النصر خلوا ظهره من ظهيرها |
|
بنفسي محزوز الوريد معفراً |
على ظمأ من فوق حر صخورها |
|
يتوق إلى ماء الفرات ودونه |
حدود شفار أحدقت بشفيرها |
|
قضى ظامياً والماء يلمع ظامياً |
وغودر مقتولا روين غديرها |
|
هلال دجى أمسى بحد غروبها |
غروباً على قيعانها ووعورها |
|
فيا لك مقتولاً علت مهجة العلا |
به ظلمة من بعد ضوء سفورها |
|
فيا لك عيناً لا تجف عيونها |
وناراً يذيب القلب حر زفيرها |
|
على مثل هذا الحزن يستحسن البكا |
وتقلع منا أنفس من سرورها |
|
أيقتل خير الخلق أماً ووالداً |
وأكرم خلق الله وابن نذيرها |
|
ويمنع من ماء الفرات وتغتذي |
وحوش الفلا ريانة من نميرها |
|
يدير على رأس السنان برأسه |
سنان ألا شلت يمين مديرها |
|
ويؤتى بزين العابدين مكبلاً |
أسيراً ألا روحي الفدا لاسيرها |
|
يقاد ذليلاً في القيود ممثلا |
لأكفر خلق الله وابن كفورها |
____________________
(١) هكذا ورد , ولكن الظّاهر أنّ الصّحيح هو : فاعملوا. (معهد الإمامين الحسنين).
ويمشي يزيد رافلاً في حريره |
ويمسي حسيناً عارياً في حرورها |
|
ودار بني صخر ابن حرب أنيسة |
بنشد أغانيها وسكب خمورها |
|
ودار عليّ والبتول وأحمد |
وشبرها مولى الورى وشبيرها |
|
معالمها تبكي على علمائها |
وزائرها يبكي لفقد مزورها |
|
متى يظهر المهدي من آل هاشم |
على سيرة لم يبق إل ّ ا يسيرها |
|
هنالك تعلو همة طال همها |
لإدراك ثأر سالف من مثيرها |
روي عن ابن محبوبرضياللهعنه , قال : خرجت من الكوفة قاصداً زيارة الحُسين (عليهالسلام ) في زمان ولاية آل مروان لعنهم الله تعالى ، وكانوا قد أقاموا اُناساً من بني اُميّة على جميع الطّرق ؛ يقتلون من يظفروا به من زوّار الحُسين (عليهالسلام ) , فأخفيت نفسي إلى الليل , ثمّ دخلت الحائر الشّريف في الليل , فلمّا أردت الدّخول للزيارة , إذ خرج إليّ رجل وقال لي : يا هذا , ارجع من حيث جئت فقد قبل الله زيارتك عافاك الله ؛ فإنّك لا تقدر على الزّيارة في هذه السّاعة. فرجعت إلى مكاني , فسرت حتّى مضى أكثر من نصف الليل ثمّ أقبلت للزيارة , فخرج إليّ ذلك الرّجل وقال لي : يا هذا , ألم أقُل لك إنّك لا تقدر على زيارة الحُسين (عليهالسلام ) في هذه الليلة ؟ فقلت له : ولِمَ تمنعني من ذلك وأنا قد أقبلت من الكوفة على خوف ووجل من بني اُميّة أن يقتلوني ؟ فقال : يابن محبوب , اعلم أنّ إبراهيم خليل الرّحمن وموسى كليم الله , وعيسى روح الله ومُحمّد حبيب الله , قد استأذنوا الله عزّ وجلّ في هذه الليلة أن يزوروا الحُسين (عليهالسلام ) , فأذن لهم بزيارته , فهم عنده من أوّل الليل إلى آخره في جمع من الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين , لا يحصي عددهم إلّا الله تعالى , فهم يسبّحون الله ويقدّسونه لا يفترون إلى الصّباح , فإذا أصبحت فأقبل إلى زيارته إن شاء الله تعالى. فقلت له : وأنت مَن تكون عافاك الله ؟ فقال : أنا من الملائكة الموكلين بقبر الحُسين (عليهالسلام ). فطار قلبي ورجعت إلى مكاني أحمد ربّي وأشكره حيث لم يردني لقبح عملي , وصبرت إلى أن أصبحت فأتيت لزيارة مولاي الحُسين (عليهالسلام ) ولم يردني أحد , وبقيت نهاري كلّه في زيارته إلى أن هجم الليل , وانصرفت على خوف من بني اُميّة فنجّاني الله منهم.
فانظروا يا ذوي الأسماع والأبصار , وتفكّروا في هؤلاء الكفرة الفجّار , ما كفاهم قتل
العترة الأطهار , وذرّيّة النّبي الـمُختار حتّى دعتهم أنفسهم اللعينة إلى أن يمنعوا الزّوار :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) :
فيا ذلة الإسلام من بعد عزه |
ويا لك رزء في الأنام خطير |
|
فيا عبرتي سحي ويا حرقتي ازددي |
ويا نفس ذوبي فالمصاب كبير |
روى مُحمّد بن إسماعيل , عن موسى بن القاسم الحضرمي , قال : ورد أبو عبد الله الصّادق من المدينة إلى الكوفة في أوّل ولاية أبي جعفر العباسي , فقال (عليهالسلام ) : (( يا موسى , اذهب إلى الطّريق الأعظم فقف هُنيئة , فإنّه سيأتيك رجل من ناحية القادسية , فإذا دنا منك , فقُل له : هُنا رجل من ولد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يدعوك , فإنّه يسرّ بذلك وسيجيء معك )). قال موسى : فمضيت ووقفت على الطّريق وكان الحَرّ شديداً , فمددت بصري في الفلاة , فنظرت شيئاً مُقبلاً من بعيد , فتأمّلته وإذا هو رجل على بعير , فلمّا دنا منّي , قلت له : يا هذا , إنّ هُنا رجل من ولد رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يدعوك وقد وصف لي بجميع صفاتك. فزاد إعجابه وسرّ بذلك وقال : اذهب بنا إليه. قال : فجاء الرّجل حتّى أناخ بعيره على باب خيمة الصّادق (عليهالسلام ) , ودخل إليه وسلّم عليه وقبّل يديه ورجليه , فقال الصّادق : (( من أين أقبلت ؟ )). فقال : من أقصى بلاد اليمن. فقال له : (( أنت من وضع كذا وكذا ؟ )). قال : نعم. قال : (( فيما جئت ؟ )). قال : جئت لزيارة الحُسين (عليهالسلام ). فقال له الصّادق (عليهالسلام ) : (( جئت من غير حجّة ليس إلاّ للزيارة ؟ )). قال : نعم , إلّا أن أصلّي عند قبره ركعتين وأزوره وأسلّم عليه وأرجع إلى أهلي. فقال له الصّادق (عليهالسلام ) : (( وما ترون من زيارته ؟ )). قال : إنّا نرى من زيارته ؛ البركة والشّفاء والعافية في أنفسنا وأهالينا وأولادنا , ومعائشنا وأموالنا وقضاء حوائجنا. فقال له الصّادق (عليهالسلام ) : (( أفلا تحبّ أن أزيدك من فضل زيارته يا أخا اليمن ؟ )). فقال : أي والله , زدني يابن رسول الله. فقال : (( اعلم أنّ زيارة الحُسين (عليهالسلام ) تعدل حجّة مبرورة مقبولة زاكية مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )). فتعجّب الرّجل من ذلك , فقال الصّادق (عليهالسلام ) : (( لا تعجب يا أخا اليمن , بل تعدل حجّتين متقبّلتين زاكيتين مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )). فتعجّب الرّجل من ذلك ، قال : فلم يزل الصّادق (عليهالسلام ) يزيده من فضل زيارته حتّى قال له : (( تعدل ثلاثين حجّة مبرورة مقبولة زاكية مع رسول الله
____________________
(١) سورة الصّف / ٨.
(صلىاللهعليهوآله ) ، فقال الرّجل : إذا كان هذا فضل زيارة الحُسين (عليهالسلام ) , فو الله , لا اُفارقه حتّى أموت. قال : ولم يزل الرّجل لائذاً بقبر الحُسين (عليهالسلام ) حتّى أتاه الموت.
فتفكّروا يا إخواني في هذا الشّخص الرّباني , كيف تجرّأ عليه أهل الضّلال وبارزوه بالحرب والقتال , وسارعوا إليه بالسّيوف والرّماح وصادموه في ميدان الكفاح , فقالوا لا براح ولا سعة ولا فساح , كأنّهم قد نسوا المعاد إلى ربّ العباد. فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم فيهم وقال :
القصيدة للشيخ الكامل الدّرمكي
خل الحزين بهمه وبلائه |
وبوجده وحنينه وبكائه |
|
لا تعذل المحزون تجرح قلبه |
فالبين أورى النّار في أحشائه |
|
إن الشقاء على الحزين مسلط |
لا يستطيع الصبر في اخفائه |
|
يكفيك عن عذل الحزين سقامه |
قد ملّت العواد من إيتائه |
|
وتجمعت كل الأطبا حوله |
وتفرقوا لم يظفروا بشفائه |
|
وتعاهدوا كتباً لهم مخزونة |
عجزوا وما قدروا على استشفائه |
|
فهو المحن لـمّا تضمن صدره |
يخفى لعل العذل في اخفائه |
|
يخفي من الأعداء ما في نفسه |
ويذيعه سراً إلى أمنائه |
|
فاستخبروه ذوا البصائر والتقى |
عما يحن ليعلموا بأذائه |
|
قالوا له يا صاح بالله أنبئنا |
وبجملة النعماء من آلائه |
|
ما الذي تشكوه من ألم وما |
تخفي لعل البر في إبدائه |
|
قالوا اسمعوا الله أكرم عادل |
لا ينكر المقدور من إمضائه |
|
لو نال رضوي بعض ما قد نلته |
هد البلاء لصخره وصفائه |
|
والله ما أجرى الدما من مقلتي |
إلّا الحُسين مغسلاً بدمائه |
|
أبكي له أم لليتامى حوله |
أم للجواد أنوح أم لنسائه |
|
أم أسكب الدمع المصون لفتية |
عافوا الحياة وطيبها لفدائه |
|
فكأنه طود هوى وكأنهم |
أعجاز نخل جثم بفنائه |
يا عين سحي للغريب واسكبي |
وتعودي سهر الدجى لنعائه |
|
وابكي لزينب إذ رأته مجدلاً |
فوق الصعيد معفراً بدمائه |
|
عريان مبتول الجبين مجرحاً |
وا حسرتاه لذله وعرائه |
|
لهفي له والشمر يقطع رأسه |
وخيولهم تجري على أعضائه |
|
والمهر يندبه ويلثم نحره |
ويقول عاري السرج في بيدائه |
|
قتل الحُسين وهتكت نسوانه |
وغدا يباح المحتمي بحمائه |
|
فلأبكينك يابن بنت مُحمّد |
حتّى يذوب القلب عن أفضائه |
|
ويزيدني حزناً ويسهر مقلتي |
خبر روى الصدوق من روّائه |
|
اسفاده عن ابن عباس التقي |
أكرم به وبزهده وتقائه |
|
قال : اجتمعنا والنبي جليسنا |
وشعاعه يعلو على جلسائه |
|
قد طيبت كل البقاع بطيبه |
وتلامعت حيطانها بضيائه |
|
في غبطة بالقرب منه فبينما |
بعض يهني بعضنا بولائه |
|
فإذا بسبطيه الكرام وكف ذا |
في كف ذا يسراه في يمنائه |
|
وهما يجران الذيول غوافلا |
كل يصول بجده وآبائه |
|
فرآهما الهادي النّبي بنعمة |
فتنفس السعداء من صعدائه |
|
فتظاهرت زفراته وتحادرت |
عبراته سحاً لعظم بلائه |
|
حزناً وقال بحرقة وكآبة |
ودموعه كالسيل في إجرائه |
|
يعزز عليّ ومن توالى ملتي |
من كل بر ماحض بولائه |
|
ما يلقيان من الإهانة والأذى |
بعدي وقلبي واله بشجائه |
|
فدعاهما فتساقطا في حجره |
فرحاً به ولذاذة بلقائه |
|
فترشف الحسن الزكي وضمه |
مترشف الشفتين لثم لمائه |
|
وأتى إلى نحر الحُسين وشمه |
والدمع يسقيه بساكب مائه |
|
فبكى الحُسين وسرها في نفسه |
وغدا يهرول مسرعاً بخطائه |
|
نحو البتول فساء ما قد ساءه |
فاستعبرت وتحسرت لبكائه |
|
فأتت تقبله وتمسح دمعه |
ودموعها كالغيث في إهمائه |
|
وتقول والعبرات تسبق نطقها |
يا من حياتي اردفت ببقائه |
ماذا الذي يبكيك يا من حبه |
في القلب مشتمل على إفصائه |
|
قال الحُسين كان جدّي ملني |
ما كنت قبل معوداً لجفائه |
|
جئنا أنا وأخي إليه نزوره |
فدعا الزكي وشمه في فائه |
|
وأتى إلى نحري وأعرض عن فمي |
إعراض من أبدى عظيم جفائه |
|
وأنا أظن بأن ما فيّ من |
شيء يخاف الجد من لقيائه |
|
فتخمرت ست النساء ويممت |
نحو النّبي شجية لشجائه |
|
في الذيل عاثرة ومعها إبنها |
فرآهما المختار من خلصائه |
|
يبكون قال لهم فما هذا البكا |
يا صفوة الرحمن من خلصائه |
|
قالت حبيبي كيف تكسر خاطري |
لم لا تقبل شبّراً كأخائه |
|
قال النّبي لها بقلب موجع |
سر أخاف عليك من ابدائه |
|
قالت بحقك يا أبتاه أبنه لي |
وبحق من أنشئت في نعمائه |
|
فبكى وأطرق ساعة مسترجعاً |
والدمع يسقيه بساكب مائه |
|
فتعاهدته فقال ربي عالم |
والكل في تدبيره وقضائه |
|
أما ترشف شبّر في فيه قد |
ظلماً يذوق السم من أعدائه |
|
وترشفي نحر الحُسين فإنه |
بالسيف ينحرنا زخا بظمائه |
|
فجعلت ألثم ذا بموضع سمه |
وأشم ذا في نحره لأذائه |
|
فتجسرت ست النساء بحرقة |
أسفاً عليه ولوعة لعزائه |
|
فأتت تقبله وتلثم نحره |
والجيب قد مزقته عن أقصائه |
|
حزناً وتلطم خدها وتقول ذا |
لهفي عليه وخيبتي لربائه |
|
يا قرة العينين يا ثمرة الحشا |
هل في زماني أم زمان آبائه |
|
إن كان في زمني أقمت عزائه |
وصبغت ثوبي من نجيع دمائه |
|
ونشرت شعري فوق كتفي شاملاً |
وندبته يا أب في يتمائه |
|
قال النّبي إذا مضينا كلنا |
دار المنون عليه قطب رحائه |
|
بئس الزمان ومن تولى أمره |
فالغوث كل الغوث من ولائه |
|
قالت بأي الأرض يقطع رأسه |
وبأي شهر كان كون فنائه |
|
قال النّبي يكون ذا بمحرم |
في يوم عاشورا شنيع نعائه |
ويكون مصرعه المهول بكربلا |
ومصارع الأنصار في صحرائه |
|
قالت غريباً قال أعظم غربة |
قالت وحيداً قال من نصرائه |
|
فبكت وقالت وا شماتة حاسدي |
وا صفوة الجبار من خلصائه |
|
من ذا يغسله ويحمل نعشه |
من ذا يواري جسمه بثرائه |
|
من يكفل الأيتام بعد وفاته |
من ذا يقيم مأتماً لعزائه |
|
فبكى الحُسين وقال رزئي فادح |
فتصارخوا أهل العبا لبكائه |
|
فاتى الأمين إلى الأمين يقول قد |
أوحى إله العرش في أنحائه |
|
أن قل لسيدة النساء بأنني |
أنشي كراماً شيعة لعزائه |
|
الناهظين إلى منازل كربلا |
الخايظين غبارها لهوائه |
|
الساكبين دموعهم لمصابه |
المظهرين الحزن عن أقصائه |
|
يتوالدون فينسلون أطائباً |
حتّى يصير الحق في ولائه |
|
ويقوم قائم آل مُحمّد |
ويطير طير النصر فوق لوائه |
|
قال الحُسين فما يكون جزاءهم |
عند الإله غداة يوم جزاءه |
|
قال النّبي أنا أكون شفيعهم |
وأجيب كلا منهم بندائه |
|
قال الوصي أنا الذي أسقيهم |
يوماً يفر المرء من ابنائه |
|
قالت حبيبة أحمد فوحق من |
ربيت مذ أنشئت في نعمائه |
|
فلأوقفن وشعر رأسي ناشر |
والجيب ممزوق إلى أقصائه |
|
حتى يشفعني إلهي فيهم |
ويمد كلا منهم برضائه |
|
قال الحُسين وحق من خلق الورى |
طراً وسقف أرضه بسمائه |
|
لا أدخل الجنات حتّى يدخلوا |
والله يهدي من يشأ بهدائه |
|
يا أيّها الزوار مشهد كربلا |
كل يقصر منكم لخطائه |
|
فلكل عبد حجّة مبرورة |
في كل ما يخطوه من مسعائه |
|
ولكم بما أنفقتم من درهم |
في جنة حرصاً على إيتائه |
|
في جنة الفردوس ألف مدينة |
في قصرها الإعلاء من إعلائه |
|
ولمن بكاه تفجعاً لمصابه |
وتأسفاً بالحزن عن اقصائه |
|
في الحشر قصر لا يقاس علوه |
در ومرجان بحسن جزائه |
وجميع أملاك السما يستغفروا |
لكم ومن ظل لكم بسمائه |
|
يا رب مد الدرمكي بسؤله |
عجلاً وبلغه جميل رجائه |
|
صلّى الإله على النّبي مُحمّد |
وعلى الكرام الغر من أبنائه |
|
الطيبين الطاهرين من الخنا |
سفن النجاة لمن حضى بولائه |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون الأخيار والأتقياء الكرام الأبرار , تفكّروا فيمن تعدّى على العترة الأطهار وذرّيّة النّبي الـمُختار , كيف أذاقوهم الحتوف بأرض الطّفوف , فكم من جسد مرمّل بالدّماء , وكم من كبد محترق من الظّماء والماء من حوله قد طمي , وكم من رأس شريف على السّنان , وكم من كريم يسام الخسف والهوان , وكم من معولة حاسرة , وكم نابذة بشعرها ناشرة , وكم من ربّة خدر بارزة كالهلال مبذولة الوجه أسيرة على أقتاب الجمال , وكم من قلب يحنّ , وكم من جسم يأنّ , وكم من طفل مذبوح , وكم من دم لرسول الله مسفوح ! فيا حرّ قلبي لما جرى للآل من الكفرة الفجرة الأنذال , حسدوهم على معاليهم حيث عجزوا عن الوصول إلى ما أودعه الله فيهم , فحملتهم تلك الأحقاد على المعصية والعناد والزّيغ عن طريق الرّشاد والسّداد :
يغيضهم كغيضي بنقصهم |
وليس لأهل الفضل ضد سوى الجهل |
فما لي لا أندب تلك الأوطان وأسكب دموعي على سادات الزّمان , الممدوحين في محكم القرآن على لسان النّبي الكريم الصّادق العليم ؟
روي عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنّه خرج في سفر له , فلمّا كان في بعض الطّريق , إذ وقف جواده , فقال : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )). ثمّ دمعت عيناه وبكى بكاء شديداً , فسُئل عن ذلك , فقال : (( هذا جبرائيل يخبرني عن هذه الأرض يُقال لها كربلاء , يُقتل فيها ولدي الحُسين (عليهالسلام ) , وأنّي أنظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه , وكأنّي أنظر إلى السّبايا على أقتاب المطايا , وقد اُهدي رأس ولدي الحُسين إلى يزيد لعنه الله , فو الله , ما ينظر أحد إلى رأس الحُسين (عليهالسلام ) ويفرح إلّا خالف الله بين قلبه ولسانه وعذّبه عذاباً أليماً )).
ثمّ رجع النّبي (صلىاللهعليهوآله ) من سفره ؛ مغموماً مهموماً كئيباً حزيناً , فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحُسين وخطب ووعظ النّاس , فلمّا فرغ
من خطبته , وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحُسين (عليهالسلام ) , وقال : (( اللّهمّ , إنّ مُحمّداً عبدك ورسولك , وهذان أطائب عترتي وأرومتي وأفضل ذرّيّتي ومن أخلفهما في اُمّتي , وقد أخبرني جبرائيل أنّ ولدي هذا مقتول بالسّم والآخر شهيد مضرّج بالدّم. اللّهمّ , فبارك له في قتله واجعله من سادات الشّهداء. اللّهمّ , ولا تبارك في قاتله وخاذله واصله حرّ نارك , واحشره في أسفل درك الجحيم )).
قال : فضجّ النّاس بالبكاء والعويل ، فقال لهم النّبي (ص) : (( أيّها النّاس , أتبكونه ولا تنصرونه ؟! اللّهمّ , فكُن أنت له وليّاً وناصراً )). ثمّ قال : (( يا قوم , إنّي مُخلّف فيكم الثّقلين , كتاب الله , وعترتي وأرومتي ومزاج مائي وثمرة فؤادي ومهجتي , لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض , ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك , إلّا ما أمرني ربّي أن أسألكم عن المودة في القُربى , واحذروا أن تلقوني غداً على الحوض وقد آذيتم عترتي وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم , ألا إنّه سترد عليّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الاُمّة , الأولى : راية سوداء مُظلمة قد فزعت منها الملائكة , فتقف علي , فأقول لهم : مَن أنتم ؟ فينسون ذكري ويقولون نحن أهل التّوحيد من العرب. فأقول لهم : أنا أحمد نبيّ العرب والعجم. فيقولون : نحن من اُمّتك. فأقول : كيف خالفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربّي ؟ فيقولون : أمّا الكتاب فضيّعناه , وأمّا عترتك فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض. فلمّا أسمع ذلك منهم , أعرض عنهم وجهي , فيصدرون عُطاشاً مسودّة وجوههم.
ثمّ ترد عليّ راية اُخرى أشدّ سواداً من الأولى , فأقول لهم : كيف أخلفتموني من بعدي الثّقلين ؛ كتاب الله وعترتي ؟ فيقولون : أمّا الأكبر فخالفناه , وأمّا الأصغر فخذلناه ومزّقناه كُلّ ممزّق. فأقول : إليكم عنّي. فيصدرون عُطاشاً مسودّة وجوههم.
ثمّ ترد عليّ راية يلمع وجوههم نوراً , فأقول لهم : مَن أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل كلمة التّوحيد والتّقوى من اُمّة مُحمّد الـمُصطفى , ونحن بقية أهل الحقّ , حملنا كتاب الله ربّنا وحللنا حلاله وحرّمنا حرامه , وأجبنا ذرّيّة نبيّنا (صلىاللهعليهوآله ) ونصرناهم من كلّ ما نصرنا به أنفسنا. فأقول لهم : أبشروا فأنا نبيّكم مُحمّد , ولقد كنتم في الدُنيا كما قُلتم , ثمّ أسقيهم من حوضي , فيصدرون مرويين مستبشرين ، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين )).
وعن عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) , أنّه كان يقول وهو في أسر بني اُميّة : (( أيّها النّاس , إنّ كلّ صمت ليس
فيه فكر فهو غيّ , وكلّ كلام ليس فيه ذكر فهو هباء , ألا وإنّ الله تعالى أكرم أقواماً بآبائهم , فحفظ الأبناء بالآباء لقوله تعالى :( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ) (١) فأكرمهما , ونحن والله عترة الرّسول (صلىاللهعليهوآله ) فأكرمونا لأجل رسول الله ؛ لأنّ جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) كان يقول فوق منبره : احفظوني في عترتي وأهل بيتي , فمَن حفظني حفظه الله , ومَن آذاني فعليه لعنة الله. ونحن والله أهل بيت أذهب الله عنّا الرّجس والفواحش ما ظهر منها وما بطن , ونحن والله أهل بيت اختار الله لنا الآخرة , وزوي عنّا الدُنيا ولذّاتها ولم يمتّعنا بلذّاتها )).
فيا إخواني من أهل العقول , كيف ترضون بالدُنيا داراً بعد آل الرّسول ؟ أم كيف تتّخذون فيها لأنفسكم قراراً بعد أولاد البتول ؟ مع ما فيها من الهموم والغموم والابتلاء والالتواء , وقد ورد ذمّها في الخبر عن سيّد البشر ، روى سلمان الفارسي قال : كنت يوماً عند رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فبدأ يذّم الدُنيا , فقال : (( يا سلمان , قال الله تعالى ما خلقت خلقاً أبغض عليّ من الدُنيا )). ثمّ قال : (( لو كانت الدُنيا وما فيها تزن عند الله جناح بعوضة , ما سقى كافراً منها شربة ماء أبداً )). ثمّ قال لي : (( يا سلمان ألا أريك الدُنيا وما فيها ؟ )). قلت : بلى يا رسول الله. فأخذ بيدي وأتى إلى مزبلة من مزابل المدينة , وإذا فيها ؛ خرق كثيرة وخزف وعظام وعذرات وقذرات كثيرة , فقال لي : (( يا سلمان , هذه الدُنيا وما فيها وعلى هذا يحرص النّاس , وهذه العذرات ألوان أطعمتهم التي اكتسبوها من الحلال والحرام ، ثمّ قذفوها من بطونهم , وهذه الخرق البالية كانت زينتهم ولباسهم فأصبحت الرّياح تصفقها يميناً وشمالاً , وهذه العظام عظام دوابهم وأنعامهم وأغنامهم التي كانوا يتشاجرون عليها , وهذه الخزف كانت أوانيهم التي كانوا يأكلون ويشربون فيها , فهذه الدُنيا وهذا مُنتهاها , فمَن ركن إليها ندم , ومَن تجنّب عنها غنم وسلم )) :
هون الدُنيا وما فيها عليك |
واجعل الهم لما بين يديك |
|
إن هذا الدهر يدنيك إلى |
ملك الموت ويدنيه إليك |
|
فاجعل العدة ما عشت له |
إنه يأتيك إحدى ليلتيك |
فيا إخواني , لا يفتنكم إقبال الدُنيا على أعداء الرّسول بعدما علمتم حالها إلى هذا يؤول , وعليكم بتقوى الله ولا قوّة إلّا بالله , وتفكّروا فيما ابتلى الله به هذا القبيل , ليس على سبيل الهوان بل على سبيل التّفضيل , فلو بكيتم عليهم بدل
____________________
(١) سورة الكهف / ٨٢.
الدّموع دماً , وجعلتم العمر كلّه مأتماً , لكان أقلّ القليل لهذا الخطب الجليل :
ومن العجائب بعد قتل المجتبى |
تسبى كما تسبى بنات الأصفر |
|
نسل النبي المصطفى وحريمه |
تسبى كما تسبى بنات الأصفر |
|
ويشهرون ويلبسون مدارعاً |
ومقانعاً من بعد سلب المعجر |
|
ويسيرون على المطايا كالأما |
بين الملأ وبكل واد مقفر |
روي : أنّ الحُسين (عليهالسلام ) لـمّا رأى اشتداد الأمر عليه وكثرة العساكر عاكفة عليه كلّ منهم يُريد قتله , أرسل إلى عمر بن سعد يستعطفه ويقول : (( أريد أن ألقاك فأخلو معك ساعة )). فخرج عمر بن سعد من الخيمة وجلس مع الحُسين (عليهالسلام ) ناحية عن النّاس فتناجيا طويلاً , فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( ويحك يابن سعد ! أما تتقي الله الذي إليه معادك , أراك تُقاتلني وتُريد قتلي وأنا ابن مَن قد علمت , ذر هؤلاء القوم واتركهم وكُن معي ؛ فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى )). فقال له : يا حُسين , إنّي أخاف أن تُهدم داري بالكوفة وتُنهب أموالي. قال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( أنا أبني لك خيراً من دارك )). فقال : أخشى أن تؤخذ ضياعي بالسّواد. فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( أنا أعطيك من مالي البغية )). - وهي : عين عظيمة بالحجاز. وكان معاوية أعطاه في ثمنها ألف ألف دينار من الذّهب فلم يبعه إيّاها - فلم يقبل عمر بن سعد شيئاً من ذلك , فانصرف عنه الحُسين (عليهالسلام ) وهو غضبان عليه وهو يقول : (( ذبحك الله يا بن سعد على فراشك عاجلاً , ولا غفر الله لك يوم حشرك ونشرك , فو الله , إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا قليلاً )). فقال عمر بن سعد - مستهزئاً - : يا حُسين , إنّ في الشّعير عوضاً عن البرّ. ثمّ رجع إلى عسكره , فجاء برير بن خضير الهمداني الزّاهد العابد , وقال : يابن رسول الله , أتأذن لي أن أدخل إلى خيمة هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه ؛ فلعلّه يرجع عن غيّه. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( افعل ما أحببت )). فاقبل برير حتّى دخل على عمر بن سعد , فجلس معه ولم يُسلّم عليه , فغضب ابن سعد وقال له : يا أخا همذان , ما الذي منعك من السّلام عليّ , ألست مُسلماً أعرف الله ورسوله ؟! فقال له برير : لو كنت مُسلماً تعرف الله ورسوله , ما خرجت إلى عترة نبيّك مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) تريد قتلهم وسبيهم , وبعد , فهذا ماء الفُرات يلوح بصفائه يتلألأ تشربه الكلاب والخنازير , وهذا الحُسين (عليهالسلام ) ابن فاطمة الزّهراء ونسائه
وعياله وأطفاله يموتون عطشاً , قد حلت بينهم وبين ماء الفُرات أن يشربوا منه , وتزعم أنّك تعرف الله ورسوله ؟! قال : فأطرق ابن سعد رأسه إلى الأرض ساعة ، ثمّ قال : والله يا برير , إنّي لأعلم علماً يقيناً أنّ كلّ من قاتلهم وغصب حقّهم مُخلّد في النّار لا محالة , ولكن يا برير , أتشير عليّ أن أترك ولاية الرّي فتصير لغيري , والله ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبداً.
قال : فرجع برير إلى الحُسين (عليهالسلام ) وقال له : إنّ عمر بن سعد قد رضي بقتلك بولاية الرّي. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( لا يأكل من برّها إلّا قليلاً ويذبح على فراشه )).
وكان الأمر كما قال الحُسين (عليهالسلام ) , وسيعلم الذين ظلموا أيّ مُنقلب ينقلبون , وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الدّرمكي
جواهر الفكر تزري لؤلؤ الصدف |
وكل ذي دنف يرزي به دنف |
|
هلا حييت يواسيني ويسعدني |
على مصابي لأهل المجد والشرف |
|
لأن حزني لهم لا ينقضي أبداً |
لو مات جسمي به أودعته خلف |
|
يا لائمي في مصابي كف لومك قد |
أتعبت نفسك يا مغرور في عنف |
|
فالغيث والسبعة الأبحار قد خلقوا |
من دمع عيني سجع الطير من شغف |
|
والوحش من وحشتي والموت من سقمي |
والريح من زفرتي والموت من أسف |
|
يحق لي سكب دمع العين إذ نظرت |
هلال عاشور موفيا وغير وفي |
|
أمثل السبط في أرض الطفوف وقد |
دارت عليه رحى الأعداء بالتلف |
|
من بعدما قتلت أصحابه ومضوا |
معطشين وحر الصيف لم يصف |
|
يا ليتني ذقت طعم الموت دونهم |
لـمّا أخصهم الرحمن من زلف |
|
لهفي لسبط رسول الله بعدهم |
يجود بالنفس بين البيض والحجف |
|
يخوض بحر المنايا وهو مختطف |
الأبطال بالسيف يردي كل مختطف |
|
فعندها أحرقوا من حوله زمراً |
وصار كالصارم المصقول في الغلف |
|
كل يهز القنا ويطعنه |
ما بين متفق فيه ومختلف |
|
حتى رموه بسهم في مقاتله |
فخر من سرجه هاو على الأنف |
يا فجعة فجعت آل الرسول ومن |
والاهم صار منها في شفا جرف |
|
كأنهم كسبوا إثماً فحاق بهم |
أو خالفوا ما أوحاه الله في الصحف |
|
وزادني ما روت أهل البصائر عن |
زيد بن أرقم في قول بلا خلف |
|
إذا قال كنت مقيماً بالشآم إذا |
بالناس في رجف يعلو على رجف |
|
والجو مستحكك الآفاق منطبق |
والبدر محترق والشمس في كسف |
|
فقال ما هذه الأعلام قيل أما |
ترى الرؤوس على الخطية الألف |
|
فحين عاينت رأس السبط يتبعه |
رؤوس أنصاره والسبي في طرف |
|
لطمت وجهي وبان الصبر من جلدي |
وقلت يابن رسول الله وا أسف |
|
يعزز على الـمُصطفى المختار حالكم |
يا سادتي وعلى المدفون بالنجف |
|
وأقبلوا بالسبايا والرؤوس إلى |
نحوة اللعين يزيد الكافر الجنف |
|
ومد طرفاً إلى سبي الكرام رأى |
بنت الحُسين تغطي الوجه بالكتف |
|
فقال من هذه الحسنى التي ملكت |
وجهاً كبدر على كما الألف |
|
قالوا سكينة بنت الخارجي من |
جميع ملكك منه يا أمير عفى |
|
فقال كيف رأيت السبي قالت صه |
أليس قلبك منا يا لعين شفي |
|
اسمع منّي ما رأت عيناي إذ نظرت |
في ليلتي هذه قال اللعين صفي |
|
فالنطق أعوزها والدمع عاجلها |
فقال قصي لنا الرؤيا ولا تخفي |
|
قالت نعم بينما صليت إذ هجعت |
عيني إذ بأبي قد جء مرتشف |
|
وأسبل الدمع من عينيه غرقني |
وقال ها حالكم من بعد منصرف |
|
فالرأس والقلب والأحشاء عندكم |
والجسم سلو بأكناف الطفوف نفي |
|
ما حال ابني من عظيم السقام لعلي |
الجسم عنه من السقم الشديد شفي |
|
وكل حزن حواه الخلق مقترف |
وحزن قلبي عليكم غير مقترف |
|
فمن تباكى وأبكى أو بكي لكم |
أولى ضمنت له في الخلد بالزلف |
|
فقلت يا أبتا حال يشيب له |
رأس الرضيع ويرمي الطفل بالجرف |
|
وراح عني وخلى النّار في كبدي |
وعاينت مقلتي أيضاً كأني في |
|
قصر شرائفه الياقوت ملتمع |
بالنور يرصف يزري كل مرتصف |
|
وفي ذراه وصيف قلت اخبرني |
يا ذا الوصيف لمن ذا القصر ذو الشرف |
فقال هذا لمولاك الحُسين معاً |
سيرى اخبرك ما في القصر من طرف |
|
فسرت أسعى وأصغي ما يقول به |
إذ نخبة أشياخ بلا لحف |
|
وجوههم تتلألأ كالبدور وفي |
أوساطهم ثاكل ذو مدمع ذرف |
|
يبكي وكفاه طوراً فوق لمته |
وتارة يمسك الاحشا من الضعف |
|
إذا بكى بكت الأشياخ وانتحبوا |
لـمّا به من أذى الأحزان والنحف |
|
فقلت بالله يا هذا الوصيف فمن |
هذي المشايخ مع ذا الشيخ ذو الدنف |
|
فقال ذا آدم أب العباد وذا |
نوح وذاك خليل الله خير وفي |
|
ذلك موسى بن عمران الكليم وذا |
عيسى المسيح بلا شك ولا خلف |
|
وذا الذي بلظى الأحزان محترق |
مُحمّد الـمُصطفى عيسية بصفي |
|
يبكي لـمّا نالكم حزناً فقلت ألا |
يا جد أخبرك نور للإله طفي |
|
يا جد لو عاينت عيناك ما صنعت |
بنا اُميّة بعد العز والشرف |
|
ولو رأيت أبي في الترب منجدلاً |
والشمر يذبحه قهراً بلا رئف |
|
ولو ترانا نخوفه الإله على |
قتل الحُسين فلا يخشى ولم يخف |
|
ولو ترانا على الأجمال في عنف |
بلا وطاء ولا ستر ولا عطف |
|
مكشفات النواصي لا نصير لنا |
كأننا سلف من أسقط السلف |
|
ولو ترى ضربنا بالسوط إن عثرت |
بنا المطي وما نلقى من العنف |
|
فعندها صار جدّي ذاهلاً صعقاً |
وقال وا حر قلبي واشقا خلف |
|
هذا يكون جزائي إذ نصحت لهم |
لا قدس الله أهل الظلم والسرف |
|
فبينما هو يدنيني ويلثمني |
إذا بخمس نساء داخل الغرف |
|
عليهم حلل الأحزان قد برزوا |
وبين تلك النسا ذو مدمع ذرف |
|
أثوابها بسواد الحزن قد صبغت |
تنوح والشعر منشور على الكتف |
|
قد عطرت بتراب الأرض مفرقها |
والجيب ممتزق والقلب فيّ وجف |
|
فقلت بالله يا هذا الوصيف فمن |
هذي النساء ابن لي والضمير نفي |
|
فقال هاتيك حوا يا سكينة والأخرى |
خديجة في التقوى فلا تصف |
|
ومريم بنت عمران وسارة الأخرى |
آسية ذو الفضل والعفف |
|
وهذا الكبد الحري التي جمعت |
كل المصائب لا تهدئ ولم تقف |
تنوح طوراً وتبكي تارة وإذا |
هاج المصاب تعض الكف بالأسف |
|
بنت الرسول أمين الله فاطمة |
تبكي أباك قتيل الكافر الجلف |
|
فمذ تحققتها قلت السلام على من |
نور مقلتها تحت الظلام خفي |
|
قالت سكينة قلت الحزن سكنني |
في حرقة ما وراها قط من حرف |
|
قالت وما حالكم بعد القتيل ومن |
أحنى عليكم بكف الجود واللطف |
|
فقلت لا تسألني عن حالنا وسلي |
عن الذبيح الذي بأرض الطفوف نفي |
|
زواره الوحش والأملاك تندبه |
وجسمه بسوافي السافيات سفي |
|
قالت أحرقتي قلبي يا سكينة من |
حز الوريدين لن يخشى ولم يخف |
|
فقلت شمر فقالت آه وا والدي |
راح العزيز وخلى الحزن مؤتلف |
|
لم لا فديتنه طراً بأنفسكم |
أنتم أحق وأولى منه بالتلف |
|
فقلت لو قبل الأعداء له بدلاً |
كنا فداء له كلا على خلف |
|
قالت ألا وا حبيبي أضني جسدي |
لا قدس الله أهل البغي والسرف |
|
ربيته وهجرت الغمض فيه ولا |
أدري بأن زماني فيه ليس يفي |
|
من كان غامضه من كان غاسله |
من كان دارجه في القطن واللفف |
|
ومن تقدم في وقت الصلاة ومن |
سعى إلى قبره النائي عن النجف |
|
لأبكينك طول العمر يا ولدي |
وأقطع الدهر بالتذكار والأسف |
|
من كان دافنك تحت التراب هل رفقت |
كفاه بالجسد المحطوم بالجفف |
|
دفنت جسماً بلا رأس ولا كفن |
ولا حنوط ولا غسل بمعترف |
|
ومن ترى كفل أيتام النّبي ومن |
بأمره قام مثل الوالد العطف |
|
يا آل طه ويا سفن النجاة ويا |
خير البرية من باد ومعتكف |
|
هواكم في قلوب المؤمنين له |
وقع لأمكم من أطهر النطف |
|
أنا العبد الضعيف الدرمكي ومن |
بمدحكم يا بني خير الورى كلف |
|
لا تسلموني إذا ما قمت من جدثي |
والعين ذو مدمع والقلب في وجف |
|
وأنقذوني من النيران يا عددي |
يوم التغابن والزلزال والمخف |
|
يوم يقول إلهي للجحيم هل إمتلأت |
يا نار من أعدائنا انتصف |
|
تقول هل من مزيد يا إله ولو |
لاحب حيدر كان الكل في كنف |
لكن أمري إلى زوج البتول فمن |
يشاء قال خذي أو شاء قال عفي |
|
هو القسم وقسام النعم فلا |
يجوز في حكمه كلا ولم يحف |
|
صلّى الإله على الهادي وعترته |
أهل الحمية والإحسان والأنف |
|
ما لاح نجم وما سارت بمهجته |
أو صاح طير على الأغصان والعطف |
الباب الثّالث
أيّها المؤمنون المتّقون ، اسكبوا ماء العيون من مقرحات الجفون ، وتساعدوا على النّدب والعويل ، ونوحوا لفقد مَن اهتزّ له عرش الجليل , واسكبوا العبرات على الغريب القتيل ، فليتني كنت أذود عنهم خطوب الحمام , وأدفع عنهم تلك الكروب العظام ومواقع تلك الآلام ؛ حتّى أقضي حقّ جدّهم الـمُرسل وأحول بينهم وبين القدر الـمُنزل.
فنح أيّها الـمُحب لآل الرّسول على مصاب أبناء الرّسول , وابك عليهم بالدّموع السّجام ؛ لأنّهم الرّؤساء الأعلام , لعلّك تواسيهم في المصاب , بإظهار الجزع والإكتئاب والحنين والإنتحاب ، فوا عجباه كيف يرافق بهم رسول الخلائق ويقع بهم أهل الكفر والنّفاق ؟! ما هو إلّا شيء تكاد السّماوات أن تتفطّرن منه , وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً :
كيف صبر المحب وهو يرى |
الأحباب بعد عزة وجلال |
|
وحبيب الحبيب بين قتيل |
وجريح وموثق بالحبال |
|
ووجوهاً لا تنظر الشمس إلّا |
حذراً أن يفوت وقت الزوال |
|
مسفرات من بعد ستر حجاب |
مبديات من سجف بعد حجال |
حُكي عن سلمان الفارسي قال : خطب فينا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يوم الجُمُعة خطبة بليغة , فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (( أيّها النّاس , إنّي راحل عن قريب ومنطلق للمغيب , وإنّي أوصيكم في عترتي خيراً , فلا تخالفوهم ولا تخاصموهم ولا تنابذوهم ، وإيّاكم والبدع , فإنّ كلّ بدعة ضلالة والضّلالة وأهلها بالنّار. معاشر النّاس , مَن افتقد منكم الشّمس فليتمسّك بالقمر , ومَن افتقد القمر فليتمسّك بالفرقدين , وإن افتقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنّجوم الزّاهرة. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والحمد لله ربّ العالمين )). ثمّ نزل عن منبره وسار إلى
منزله. قال سلمان : فتبعته حتّى دخل حجرته وأنا معه , فقلت : يا رسول الله , سمعتك تقول : (( إذا فقدتم الشّمس فتمسّكوا بالقمر , وإذا فقدتم القمر فتمسّكوا بالفرقدين , وإذا فقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنّجوم الزّاهرة )). فما الشّمس وما القمر وما الفرقدان , وما النّجوم الزّاهرة ؟ فقال النّبي : (( أنا الشّمس وعليّ القمر , فإذا فقدتموني فتمسّكوا به , وأمّا الفرقدان فهما الحسن والحُسين , فإذا افتقدتم القمر فتمسّكوا بهما , وأمّا النّجوم الزّواهر , فهم الأئمة التّسعة من نسل الحُسين تاسعهم قائمهم )). ثمّ قال (صلىاللهعليهوآله ) : (( إنّهم هُم الأولياء والأوصياء والخُلفاء من بعدي , أئمة أبرار وأوصياء أطهار , وهُم بعدد أسباط يعقوب (عليهالسلام ) وعدد حواري عيسى وعدد نُقباء بني إسرائيل )). فقلت : سمهم لي يا رسول الله , فقال : (( أوّلهم وسيّدهم عليّ بن أبي طالب وسبطاه بعده , وبعدهُما عليّ بن الحُسين زين العابدين , وبعده مُحمّد الباقر للعلم , وبعده الصّادق جعفر , وبعده الكاظم موسى سمي النّبي بن عمران , والذي يُقتل مسموماً بأرض الغُربة على دينه وإيمانه وإنّه عليّ بن موسى الرّضا , وابنه مُحمّد الجواد , والصّادقان عليّ والحسن , ثمّ الحجة القائم بالأمر الـمُنتظر. فإنّهم ؛ عترتي ولحمي ودمي ومخّي وعظمي وعروقي , علمهم علمي وحكمهم حكمي , فمَن آذاني فيهم فلا أناله الله شفاعتي يوم القيامة )) :
فلله أمر فادح شمل الورى |
ورزء على الإسلام منه خمول |
|
وخطب جليل جل في الأرض وقعه |
عظيم على أهل السّماء ثقيل |
|
بنو الوحي في أرض الطفوف حواسر |
وأبناء حرب في الديار نزول |
|
ويسري بزين العابدين مقيداً |
على النزل مأسور اللثام عليل |
|
ويصبح في تخت الخلافة جالساً |
يزيد وفي الطف الحُسين قتيل |
|
ويقتل ظلماً ظامياً سبط أحمد |
إمام لخير الأنبياء سليل |
|
حبيب النّبي المجتبى خامس العبا |
وقرة عين للنبي رسول |
|
أمولاي آمالي تؤمل نصركم |
وقلبي إليكم بالولاء يميل |
|
وقد طال عمر الصبر في أخذ ثاركم |
أما آن للظلم المقيم رحيل |
|
متى ينطوي حر الغليل ويشتفي |
فؤادي بآلام المصاب عليل |
|
ويجبر هذا الكسر في ظل دولة |
لها النصر جند والأمان دليل |
|
وينشر للمهدي عدل وينطوي |
به الظلم حتماً والعناد يزول |
هناك يضحى دين آل مُحمّد |
عزيزاً ويمسي الكفر وهو ذليل |
|
فيا آل طه الطاهرين رجوتكم |
ليوم به فصل الخطاب طويل |
|
عليكم سلام كل ما ذكر اسمكم |
وذاك مدى الأيام ليس يزول |
روي عن اُمّ أيمن (رضياللهعنه ا) , قالت : مضيت ذات يوم إلى منزل ستّي ومولاتي فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) ؛ لأزورها في منزلها , وكان يوماً حارّاً من أيّام الصّيف , فأتيت إلى باب دارها , وإذا أنا بالباب مُغلق , فنظرت من سقوف الباب , وإذا بفاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) نائمة عند الرّحى , ورأيت الرّحى تطحن البرّ وهي تدور من غير يد تديرها , والمهد أيضاً إلى جانبها والحُسين (عليهالسلام ) نائم فيه , والمهد يهتزّ ولم أر من يهزّه , ورأيت كفّاً يُسبّح لله تعالى قريباً من كفّ فاطمة الزّهراء. قالت اُمّ أيمن : فتعجّبت من ذلك , فتركتها ومضيت إلى سيّدي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وسلّمت عليه وقلت له : يا رسول الله , إنّي رأيت عجباً ما رأيت مثله أبداً , فقال لي : (( ما رأيت يا اُمّ أيمن ؟ )). فقلت : إنّي قصدت منزل ستّي فاطمة الزّهراء , فلقيت الباب مُغلقاً وإذا بالرّحى تطحن البرّ وهي تدور من غير يد تديرها , ورأيت مهد الحُسين (عليهالسلام ) يهتزّ من غير يد تهزّه , ورأيت كفّاً يُسبّح لله تعالى قريباً من كفّ فاطمة ولم أر شخصه , فتعجّبت من ذلك يا سيّدي. فقال : (( يا اُمّ أيمن , اعلمي أنّ فاطمة الزّهراء صائمة وهي متعبة جائعة والزّمان قيّض , فألقى الله عليها النّعاس فنامت , فسبحان مَن لا ينام , فوكّل الله ملكاً يطحن عنها قوت عيالها , وأرسل الله ملكاً آخر يهزّ مهد ولدها الحُسين ؛ لئلا يزعجها من نومها , ووكّل الله ملكاً آخر يُسبّح لله عزّ وجلّ قريباً من كفّ فاطمة , يكون ثواب تسبيحه لها ؛ لأنّ فاطمة لم تفتر عن ذكر الله عزّ وجلّ , فإذا نامت جعل الله ثواب تسبيح ذلك الملك لفاطمة )). فقلت : يا رسول الله , أخبرني مَن يكون الطّحان ومَن الذي يهزّ مهد الحُسين ويناغيه ومَن يُسبّح ؟ فتبسّم النّبي (صلىاللهعليهوآله ) ضاحكاً وقال : (( أمّا الطّحان فجبرائيل ، وأمّا الذي يهزّ مهد الحُسين فهو ميكائيل ، وأمّا الملك الـمُسبّح فهو إسرافيل )) :
أتسبل دمع العين بالعبرات |
وبت تقاسي شدة الزفرات |
|
وتبكي لآثار لآل مُحمّد |
فقد ضاق منك الصدر بالحسرات |
|
ألا فابكهم حقاً وبل عليهم |
عيوناً لريب الدهر منسكبات |
ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم |
وداهية من أعظم النكبات |
|
سقى الله أجداثاً على أرض كربلا |
مرابيع أمطار من المزنات |
|
وصلّى على روح الحُسين حبيبه |
قتيلاً لدى النهرين بالفلوات |
|
قتيلاً بلا جرم فجعنا بفقده |
فريداً ينادي أين أين حماتي |
|
أنا الظامي العطشان في أرض غربة |
قتيل ومظلوم بغير ترات |
|
وقد رفعوا رأس الحُسين على القنا |
وساقوا نساء ولهى حسرات |
|
فقل لإبن سعد عذب الله روحه |
ستلقى عذاب النّار باللعنات |
|
سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا |
وأقنت بالإيصال والغدوات |
|
على معشر ضلوا جميعاً وضيعوا |
مقال رسول الله بالشبهات |
روي : أنّ المتوكل من خُلفاء بني العبّاس كان تحت ملكه (بسرّ من رأى) , فاستدعى الإمام عليّ الهادي إلى مجلسه , وأعرض عليه جميع عساكره وحجّابه ونوابّه وأرباب دولته ؛ ليرهبه بهم , وأمر كلّ فارس من جنده أن يملأ مخلاة فرسه تراباً ويطرحه في مكان واحد , فصار كالجبل العظيم وسمّاه ( تلّ المخالي ) , وهو حتّى الآن موجود بسرّ من رأى. قال : ثمّ إنّ المتوكل أخذ بيد الإمام عليّ الهادي (عليهالسلام ) وصعد معه إلى الجبل , وقال له : ما أصعدتك معي إلى هُنا إلّا لترى خيولي وعسكري وقومي وجندي. وكان قد ألبس عسكره الدّروع المجلية واعتلوا بالرّماح الخطّية وتقلّدوا بالسّيوف الهندية ، وأمرهم أن يعرضوا على الإمام الهادي بأحسن زينة وأتمّ عدّة وأعظم هيبة , وهو مع ذلك جالس مع الإمام (عليهالسلام ) , فقال له الإمام (عليهالسلام ) : (( يا خليفة الزّمان , أتحبّ أن أعرض عليك عسكري كما عرضت عليّ عسكرك ؟ )). فقال المتوكل : ومن أين لك عسكر مثل عسكري ؟ فإن كان لك عسكر فأرينه ؟ فقال له : (( انظر يميناً )). فنظر , فرأى الملائكة بعدد الرّمل والنّمل وهم محيطون بالدُنيا بصور مختلفة , وبأيديهم حراب من نار لا يحصي عددهم إلّا الله تعالى ، فغشي الخليفة ؛ من شدّة رعب دخله منهم ، فلمّا أفاق من غشيته , قال له الإمام : (( يا خليفة الزّمان , إنّا نحن لا نشاجركم على زينة الدُنيا وزخارفها , وإنّا نحن مشغولون عنكم باُمور الآخرة )).
وكذلك الحُسين (عليهالسلام ) لـمّا أحاط به الكفرة اللئام بنو
اُميّة , أتته أفواج كثيرة من الملائكة وفي أيديهم أعمدة من نار وحراب من نار , وهم راكبون على نجب من نجب الجنّة , وقالوا له : يا حُسين , أنت حجّة الله على الخلق بعد جدّك وأبيك , وإنّ الله عزّ وجلّ قد أمدّ جدّك وأباك بنا في سائر الحروب , وإنّ الله تعالى قد أمدّك بنا ؛ لننصرك على عدوّك , فمرنا بأمرك نقتل عدوّك. فقال : (( أما قرأتم قوله تعالى :( لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (١) ؟ وإنّ الله تعالى كتب عليّ القتل , فإذا قتلتم أعدائي فبما يبتلي الله هذا الخلق المتعوس ؟ ومَن ذا يكون ساكناً بحفرتي في أرض كربلاء وقد اختارها الله يوم دحو الأرض , وقد جعلها معقلاً لشيعتي وزوّاري , وتكون لهم أماناً في الدُنيا والآخرة ؟ ولكن تحضرون عندي يوم العاشر من شهر عاشوراء , ففي آخره اُقتل ولا يبقى بعدي مطلوب من أهل بيتي , ويُسار برأسي إلى يزيد لعنه الله تعالى )). فقالت له الملائكة : يابن رسول الله , لو لا أنّ أمرك طاعة وإنّه لا يجوز لنا مخالفتك , لقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك بسوء أبداً , حتّى لا يبقى على وجه الأرض منهم أحداً. فقال لهم : (( جزيتم خيراً , ولكن نحن والله أقدر منكم عليهم , والله على كلّ شيء قدير )).
فعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ ابن حماد (رحمهالله )
أآمر بالصبر أسرفت في أمري |
أيؤمر مثلي لا أبا لك بالصبر |
|
أفي يوم عاشورا ألام على البكا |
ولو أن عيني دمعها من دمي يجر |
|
إذا لم أقم في يوم عاشوراء مأتماً |
ولم أندب الأطهار فيه فما عذر |
|
أأنسى حسيناً حين أصبح مفرداً |
غريباً بأرض الطف في مهمه قفر |
|
وشمر عليه لعنة الله راكب |
على صدره أكرم بذلك من صدر |
|
يقطع أوداج الحُسين بسيفه |
على حنق منه يهبر بالنحر |
|
برزن نساء السبط يمشين حسراً |
على عجل حتّى تعلقن بالشمر |
|
وقلن له يا شمر فرقت بيننا |
والبستنا ثوب الأسى أبد الدهر |
|
أتقتل أولاد النّبي مُحمّد |
وترجو بأن تحضى الشفاعة في الحشر |
____________________
(١) سورة آل عمران / ١٥٤.
وقد فرّ ينعاه إلى الأهل مهره |
سليباً فلمّا أن نظرن إلى المهر |
|
هتكن حجاب الخدر عنهن جهرة |
يعز عليهن الخروج من الخدر |
|
وبادرن حتّى إذ رأين مكانه |
وشيبته مخضوبة من النحر |
|
فلما رأين الرأس في رأس ذابل |
كبدر الدجى إذ لاح في رابع العشر |
|
سقطن على حر الوجوه بدهشة |
وأيقن بالتهتيك والسبي والكسر |
|
وقد قبضت أحشائها بيمينها |
وقد قبضت إحدى يديها على العشر |
|
تضم علياً تارة نحو صدرها |
وفاطمة الصغرى مدامعها تجر |
|
وتدعو حسيناً يا ابن أم تركتني |
وفي كبدي ثكل أحر من الجمر |
|
أخي لو ترانا في السبايا ولو تر |
بناتك حولي بالمذلة والأسر |
|
سأبكيك دهراً يابن بنت مُحمّد |
وأسعد من يبكيك ما مد في عمر |
|
متى ينجز الوعد الذي قد وعدته |
وتأتي به الأجناد في غابر الدهر |
|
حقيق على الرحمن إنجاز وعده |
وتبلغه حتّى نرى راية النصر |
|
قيام إمام لا محالة قائم |
يقيم عماد الدين بالبيض والسمر |
|
لعل ابن حماد يجرد سيفه |
ويقتص من أعدائه باقي الدهر |
|
فإن قصرت كفاي عن قتلهم غداً |
سأقتلهم باللعن في محكم الشعر |
|
أيا شيعة الأطهار صبراً على الأذى |
فإن منال النجح عاقبة الصبر |
|
عليكم سلام الله يا آل أحمد |
سلام محب دائم مدة العمر |
المجلس الثّاني
في اليوم السّادس من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
لو صفّت أفكار المتفكّرين لأشرقت عليها أنوار اليقين , ولو طُلب طريق الحقّ بالتّحقيق لأدرك الطّالب سؤاله وخرج عن المضيق ، ولكن كثرة الشّوائب يصدر عنها الرّأي العازب , كيف وقد شهد بفضلهم التّوراة والإنجيل وبمدحهم العظيم الجليل في مُحكم التّنزيل.
يا إخواني , أيّ شرف أعظم من شرف من يخدم بالملائكة المقرّبين إلى ربّ العالمين ، أخلاقهم طاهرة ومعجزاتهم ظاهرة ودولتهم مستمرّة دائمة إلى الرّشاد , إمام الصّادقين البررة قاتل الجاحدين الكفرة , نور الله في العالمين مدمّر النّاكثين والقاسطين والمارقين , أصل الفخار غرّة شمس النّهار , شجرة أصلها النّبي المختار وفرعها بنوه المعصومون الأطهار , في مدحه نزل القُرآن وفي التّمسك به يكمل الإيمان :
كم بين من شك في عقيدته |
وبين من قيل أنه الله |
روي عن كعب بن مُحمّد القرطي , قال : افتخر طلحة بن عبد الدّار والعبّاس بن عبد الـمُطّلب وعليّ بن أبي طالب (ع) , فقال طلحة : معي مفتاح الكعبة ولو شئت أبت بها. وقال العبّاس : أنا صاحب السّقاية القائم عليها ولو شئت أبت في المسجد. فقال عليّ (عليهالسلام ) : (( ما أدري ما تقولان ؟! لقد صلّيت إلى القبلة ستة
أشهر قبل النّاس , وأنا صاحب الجهاد الأكبر )). فأنزل الله تعالى فيه :( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ) (١) :
يقولون لي قل في عليّ مدائحاً |
فإن أنا لم أفعل يقولوا معاند |
|
وما صنعت عنه الشعر عن ضعف هاجر |
ولا إنني عن مذهب الحق حائد |
|
ولكن عن الأشعار والله صنت من |
عليه بني قرآننا والمساجد |
|
فلو أن ماء الأبحر السبعة التي |
خلقن مداداً والسماوات كاغد |
|
وأشجار خلق الله أقلام كاتب |
إذا الخط أفناهن عادت عوائد |
|
وكان جميع الجن والإنس كتبا |
إذا كل منهم واحد قام واحد |
|
وخطوا جميعاً منقب بعد منقب |
لـمّا خط من تلك المناقب واحد |
فوا عجباً ممّن أنكر الوصية بالأمر إليه وخالف في النّص بالخلافة عليه , مع اعترافهم بعصبة الرّسول التي دلّ عليهم المعقول والمنقول ! ووا عجباً كيف ينكرون نصّه عليه يوم غدير خم في حجّة الوداع وقد ملأ بذلك الأسماع ! أما قال له عمر : بخ بخ لك أصبحت مولى كلّ مؤمن ! كأنّهم زعموا أنّ ذلك كان في النّوم فغفلوا عن ذلك اليوم , كلا ولكنّهم رجعوا على الأعقاب كما وعدهم به في الكتاب الله العزيز الوهاب , يقول :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (٢) . تركوا أخا الرّسول وعكفوا على الأوّل كقوم موسى حيث تركوا أخاه وعكفوا على العجل , تصديقاً لكلام الرّسول حيث يقول : (( تحذو اُمّتي حذو بني إسرائيل النّعل بالنّعل والقذّة بالقذّة )).
ومن طريقهم ما رواه أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك , قال : قُلت لسلمان : سلّ النّبي (ص) عن وصيّه. وقال سلمان : مَن وصيّك ؟ فقال (ص) : (( يا سلمان , مَن كان وصي موسى (عليهالسلام ) ؟ )). فقال : يوشع بن نون. قال , فقال (ص) : (( وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز وعدي عليّ بن أبي طالب )). فقد هبلت الهبول شانىء آل الرّسول :
إذا كان كل الناس سبعين فرقة |
ونيفاً كما قد جاء في واضح النقل |
____________________
(١) سورة التّوبة / ١٩.
(٢) سورة آل عمران / ١٤٤.
ولم يك منهم ناجياً غير فرقة |
فماذا ترى يا ذا البصيرة والعقل |
|
أفي الفرقة الناجين آل مُحمّد |
أم الفرقة الهلاك أيهما قل لي |
|
رضيت علياً لي إماماً وسيداً |
وأنت من الباقين في سائر الحل |
فابشروا أيّها الإخوان بموالات مولاكم الذي هو سبب هديكم وبه تحصلون الفوز في آخرتكم , واعلموا أنّه لا بدّ لكم من معاينته في سياق الموت وكربته كما أشار إليه في قوله سلام الله عليه يقول :
يا حار همدان من يمت يرني |
من مؤمن أو منافق قبلا |
|
يعرفني شخصه وأعرفه |
بعينه واسمه وما فعلا |
|
وأنت يا حار إن نمت ترني |
فلا تخف عثرة ولا زللا |
|
أسقيك من بارد على ظمأ |
تخاله في الحلاوة العسلا |
|
أقول للنار حين تعرض للحشر |
ذريه لا تقربي الرجلا |
|
ذرية لا تقربيه إن له |
حبلاً بحبل الوصي متصلا |
روي من طريقهم عن أبي مريم عن عليّ (عليهالسلام ) , قال : (( انطلقت أنا والنّبي (صلىاللهعليهوآله ) حتّى انتهينا إلى الكعبة , فقال لي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : اجلس. فصعد على منكبي وذهبت أنهض به فرأى منّي ضعفاً , فجلس لي نبي الله (صلىاللهعليهوآله ) , وقال : اصعد على منكبي. فصعدت على منكبيه , قال (ع) : فنهض فيّ , فخُيّل لي أنّي لو شئت لنلت اُفق السّماء , حتّى سقطت على البيت وعليه تمثال صفراً ونحاس , فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه حتّى استمسكت منه , فقال لي رسول الله : نستيق(١) أقذف به. فقذفت به فتكسّر كالقوارير , ثمّ نزلت وانطلقت أنا ورسول الله نستيق(٢) , حتّى توارينا بالبيوت ؛ خشية أن يلقانا أحد من النّاس )).
وروي من طرقهم أيضاً عن ابن عبّاس , قال : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( لو أنّ الرّياض أقلام والبحر مداد والجن حساب والإنس كتاب , ما أحصوا فضائل عليّ (عليهالسلام ) )) :
وإذا الدر زان حسن نحور |
كان للدر حسن بحرك زينا |
|
وتزين طيب الطيب طيباً |
عند ذكراك أين مثلك أينا |
فضائله لا تُحصى ومناقبه لا تُستقصى , ولو لم يكُن إلّا مبارزته لعمرو بن ودّ
____________________
(١) لم أجد هذه الكلمة في المصادر الاُخرى , ولعلّها من اشتباهات النّساخ. المقوم.
(٢) هذا ما ورد في الكتاب , ولكن الوارد في مسند احمد : ١/٨٤ , ينابيع المودة لذوي القربى ٣/٢٣٣ , وغيرهم : نستبق... (معهد الإمامين الحسنين).
الذي قال فيها النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( برز الإسلام كلّه إلى الشّرك كلّه )). فلمّا قتله قال : (( ضربة عليّ لعمرو , توازي عمل اُمّتي إلى يوم القيامة )). ولقد اُحصيت برزاته (عليهالسلام ) بين يدي النّبي (صلىاللهعليهوآله ) فكانت ألفاً وسبعين. فإذا كان جزء واحد من نيف وسبعين من قوّته العمليّة , بمقدار عمل جميع أهل الإسلام إلى يوم القيامة , فما ظنّك بباقي أعماله صلوات الله عليه في سائر أحواله.
فتبّاً لقوم غرّتهم الدُنيا فاختاروها على الأخرى وهو الآفة الكبرى , كان منتهاهم إلى الذّل والهوان وفي الآخرة عذاب النّيران.
روي : أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان : يا معاوية , ما أشدّ حُبّك للمال ؟ فقال : ولِمَ لا أحبّه وأنا استعبد به مثلك وأبتاع به دينك ومروّتك ؟ فلعمري , ما ربحوا بل خسروا وما جبروا بل كسروا وسيندمون ويعلمون أيّ منقلب ينقلبون.
روي : أنّ معاوية بن أبي سفيان لـمّا مرض الموت , رقي المنبر وخطب النّاس - وكانت آخر خطبة خطبها للنّاس في جامع بني اُميّة - وأنّه قال : أيّها النّاس , إنّ من زرع قد استحصد , وإنّي وليتكم ولم يتولكم أحد من بعدي إلّا مَن هو شرّ منّي كما كان من قبلي هو خير منّي , يا ليتني رجُلاً من قُريش ولم أتوّل من أمور النّاس شيئاً. ثمّ قال :( يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ ) (١) . فوالله , لو علمت هكذا عمري قصيراً ما فعلت. ثمّ بكى وقال : وا بُعد سفراه ! وا قلّة زاداه ! ثمّ نزل عن المنبر ودخل داره وثقل حاله وازدادت علّته , فعادوه إخوانه وجلسوا حوله وقالوا له : يا معاوية , أوصي إلينا بما تريد. فقال : يا إخواني , أحذّركم مصرعي هذا , فإنّه لا بدّ لكم منه. ثمّ قال : اجلسوني وسندوني. فأجلسوه وسندوه , فقال : إلهي , أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت. ثمّ قال: الآن تذكر ربّك يا معاوية بعد الهرم والانحطاط , فلِمَ لا كان هذا وغصن الشّباب نظر ريّان ؟! فقيل له : يا معاوية , كأنّك تحبّ الحياة ؟ فقال : لا , ولكن القدوم على الله شديد. قال : ودخل عليه قوم آخرون , فقالوا له : كيف أصبحت يا معاوية ؟ فقال : أصبحت من الدُنيا راحلاً وللإخوان مفارقاً ولسوء عملي ملاق. ثمّ انصرف النّاس عنه, قالت زوجته : فسمعته يقول عند موته :( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٢) . ثمّ سكت فجعلت لا أسمع له كلاماً أبداً , فقلت لوصيف كان عنده : انظر أنائم هو أم يقظان ؟ فنظر إليه فوجده قد مات.
وأمّا مروان بن الحكم
____________________
(١) سورة الحاقة /٢٧- ٢٨.
(٢) سورة القصص / ٨٣.
لـمّا مرض مرضه الذي مات فيه , مرّ على غسّال يغسل ثياباً بجانب نهر في دمشق , فنظر إليه وهو يلوي ثوباً بيده ثمّ يضرب به في المسلّة , فقال مروان : ليتني كنت غسّالاً آكل من كسب يدي يوماً بيوم ولم أكن والياً على الـمُسلمين ! قال : فبلغ كلامه إلى أبي حازم الغسّال , فقال : الحمد لله الذي جعل الملوك إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه من الغسل. قال : فدخلوا عليه إخوانه يعودونه في مرضه , فقالوا له : كيف نجدك يا أمير ؟ قال : تجدوني كما قال الله تعالى :( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ) (١) . ثمّ بكى فقيل له : وما يبكيك يا أمير ؟ فقال : ما أبكي جزعاً على الدُنيا , ولكن عهد إلينا رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنّه قال : (( يكون بلغة أحدكم من الدُنيا كزاد راكب )). ثمّ قال : وا بُعد سفراه ! وا قلّة زاداه ! ثمّ اُغمي عليه فماتلا رحمه الله.
وأمّا عمرو بن العاص , فإنّه لـمّا دنت منه الوفاة وقد نظر إلى خزائنه وصناديق ماله , قال : مَن يأخذها بما فيها ؟ وليتني كنت أعيش أبداً. فبكت امرأته , فقال لها : إن كنت باكية فابكي على نفسك ؟ ثمّ اُغمي عليه فمات لا رحمه الله تع الى.
وأمّا المأمون لـمّا ذنت منه الوفاة وأيس من الحياة , فرش رماداً واضطجع عليه وجعل يقول : يا مَن لا يزول ملكه, ارحم مَن قد زال ملكه. فقيل له : لا بأس عليك. فقال : ليس إلّا هذا , لقد ذهبت منّي الدُنيا والآخرة. ثمّ اُغمي عليه فمات لا رحمه الله تعالى.
وأمّا الحجاج بن عُبيدة الثّقفي , فإنّه كان يقول عند موته : اللّهمّ اغفر لي , فإنّ الخلق مجتمعون على أنّك لا تغفر لي. ثمّ اُغمي عليه فما ت لا رحمه الله تع الى.
وأمّا الشّمر اللعين , فإنّه كان عاقبته أن قتله الـمُختار أشرّ قتلة , وأحرق داره بمن فيها من أهله وعشيرته , ألا لعنة الله على الكافرين :
ستعلم أمة قتلت حسيناً |
بأن عذاب قاتله وبيل |
|
إذا عرضوا على الرحمن صفاً |
وجاءت ثمّ فاطمة البتول |
|
وفي يدها قميص السبط تشكو |
ظلامتها فينصفها الجليل |
|
ويهوي الظّالمين بها جميعاً |
إلى قعر الجحيم لهم عويل |
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته
____________________
(١) سورة الأنعام / ٩٤.
الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ صالح بن عبد الوهاب
نوحوا يا شيعة المولى أبا الحسن |
على الحُسين غريب الدار والوطن |
|
وابكوا عليه طريحاً بالطفوف على |
الرمضاء مختضب الأوداج والذقن |
|
وابكوا على صدره بالطف ترضضه |
خيول أهل الخنا والحقد والإحن |
|
وابكوا على رأسه بالرمح مشتهراً |
إلى يزيد اللعين الفاجر الكني |
|
وابكوا بنات رسول الله بين بني |
اللئام يشهرن في الأمصار والمدن |
|
وابكوا على السيد السجاد معتقلاً |
في أسره مستذلاً ناحل البدن |
|
وا حر قلباه وا حزني لا بنته |
سكينة حاسراً والدمع كالمزن |
|
تقول واضيتي بعد الحُسين أبي |
وا ذلتي وا عنا قلبي ووا حزني |
|
أبعد صوني وخدري والحجاب أرى |
جهراً وينظرني الطاغي ويرمقني |
|
والطهر فاطمة الصغرى تنوح على |
الحُسين نوح كئيب القلب ذي شجن |
|
وتستغيث أباها يا أباه ترى |
من ذا يجود على يتمي فيرحمني |
|
وزينب أخته للخد لاطمة |
تشكو إليه بقلب موجع حزن |
|
أيا أخي يا ضيا عيني ويا أملي |
فقدانكم يا كفيل اليوم ضيعني |
|
يا واحدي يابن أمي يا حسين أما |
ترى مقامي أيا حصني ومرتكن |
|
أمسيت بين الأعادي لا كفيل ولا |
مساعد في ملماتي يساعدني |
|
يا كافلي يا أخي ما كان في خلدي |
إنّي أراك ومنك الرأس في لدن |
|
كلا ولا خلت يا حصني وملتجئي |
هتكي وسبي ولا بعدي عن الوطن |
|
يا ليت عيني قبل الآن قد عميت |
وليتني قبل هذا اليوم لم أكن |
|
أيا بن امي قد أورثتني كمداً |
أو هي فؤادي وابلاني وانحلني |
|
أيا كفيلي لقد عز الكفيل فمن |
أرى نصيراً على الأعداء ينصرني |
|
أيا نصيري لقد عز النصير فلا |
أرى نصيرا على الأعداء ينصرني |
|
وا ذلتي يا أخي من بعد عزك لي |
هتكت بين أهل الظغن والأحن |
|
يا ليتني قبل هذا ايوم في جدث |
ولا أراك خضيب الشيب والذقن |
|
وأم كلثوم تدعو وهي باكية |
بمدمع هامل كالعارض الهتن |
أخي أخي يابن أمي يا حسين لقد |
تجددت لي أحزان على حزن |
|
أخي أخي بعد جدّي والوصي أبي |
وفقدكم لثياب الحزن ألبسني |
|
أخي أخي بعدكم من ذا ألوذ به |
ومن يساعدني في حادث الزمن |
|
أخي أخي بعد صوني يا حسين لقد |
أصبحت أسبى كسبي الروم في المدن |
|
فآه يا ضيعتي من بعد فقدك يا |
حصني الحصين ويا سؤلي ويا سكني |
|
يا ليت عين رسول الله ناظرة |
إلي والفاجر الملعون يسلبني |
|
يا ليت عين أمير المؤمنين أتى |
بين الأعادي بهذا اليوم تنظرني |
|
حسري مجردة وا ويلتاه فلا |
أرى كفيلاً بهذا اليوم يكفلني |
|
وتستغيث إلى الزّهراء فاطمة |
بنت النّبي ودمع العين كالمزني |
|
يا أم قومي من الأجداث نادبة |
على الحُسين مقيم الفرض والسنن |
|
يا أم قومي وانظري رأس الحُسين أخي |
كالبدر يشرق فوق الذبل اللدن |
|
يا أم قومي انظري السجاد معتقلاً |
يساق نحو يزيد الفاجر الكني |
|
فيا لها حسرة لا تنقضي أبداً |
حتّى ترى حجّة الرحمن ذا المنن |
|
سمي خير الورى المختار من مضر |
خليفة الله فينا صاحب الزمن |
|
الآخذ الثأئر من أهل العناد ومفني |
كل رجس خؤون غير مؤتمن |
|
الناصر للدين والمحيي معالمه |
الناشر العدل في الأطراف والمدن |
|
يزيل ما أسس الأرجاس من بدع |
بالإفك منهم وبالأحقاد والظغن |
|
يا حجّة الله يابن العسكري إلى |
متى تكابد أهل البغي والفتن |
|
عجل وخلص محبيك الضعاف فقد |
تشرد الناس عن أهل وعن وطن |
|
وما لهم ناصر مولاي غيرك يا |
محيي فرائض دين الله والسنن |
|
فخذ بنصرهم واشفي الغليل وخذ |
بثأر جدك يا سؤلي ومرتكني |
|
أيا بني الوحي والتنزيل يا أملي |
يا من ولاهم غداً في القبر يؤنسني |
|
حزني عليكم جديداً دائماً أبداً |
ما دمت حياً إلى أن ينقضي زمني |
|
وما تذكرت يوم الطف رزءكم |
إلا تجدد لي حزن على حزن |
|
وأصبح القلب منّي وهو مكتئب |
والدمع منسكب كالعارض الهتن |
|
لكم لكم يا بني المختار ذا أسفي |
لا للتنائي عن الأهلين والوطن |
فهماكموها ولاة الأمر مرثية |
من الكئيب العبير القلب ذو الشجن |
|
يا عدتي واعتمادي والرجا ومن |
هم أنيسي إذا أدرجت في كفني |
|
إني بحبكم أرجو النجاة غداً |
إذا أتيت وذنبي قد تكابدني |
|
وعاينت مقلتي ما قدمته يدي |
من الخطيات في سر وفي علن |
|
لأن حبكم زاد لآخرتي |
به إلهي من النيران ينقذني |
|
صلّى عليكم إله العرش ما سجعت |
حمامسة أو شدى ورق على غضن |
الباب الثّاني
يا إخواني في الدّين , لو أحاط النّاس بفضل أولاد أمير المؤمنين , لذهلت عقولهم وغدوا والهين , كيف وقد جُمعت فيهم فضائل الأنبياء الـمُتقدّمين خصوصاً على أبيهم عليّ أمير المؤمنين(ع) , وقد قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا عليّ , لو لا خوفي أن تقول النّاس فيك كما قالت النّصارى في عيسى بن مريم , لقلت فيك مقالاً لا تمر بأحد إلّا وأخذ التّراب من تحت قدميك )). ولهذا اُطلق عليهم لفظ الأشباح ؛ لأنّ الشّبح هو الذي ترى صورته ولا تعلم حقيقته. أو لا ترون يا أهل البصائر إلى رجل أخفى أعداءه فضائله ؛ بغضاً له , وستر أولياءه مناقبه ؛ خوفاً على أنفسهم , ثمّ ظهر بين هذين الاخفائين مناقب ملأت الخافقين ، ولقد أجاد ابن سرايا حيث ذكر له جمع بعض المزايا , حيث قال :
جمعت في صفاتك الأضداد |
فلهذا عزت لك الأنداد |
|
زاهد حاكم حليم شجاع |
ناسك فاتك فقير جواد |
|
خلق يشبه النسيم من اللطف |
وبأس يذوب منه الجماد |
|
شيم ما جمعن في بشر قط |
ولا حاز مثلهم العباد |
|
فلهذا تعمقت فيك أقوام |
بأقوالهم فرانوا وزادوا |
|
وغلت في صفات فضلك (يس |
وطه) وآل ياسين وصاد |
|
ظهرت منك للورى معجزات |
فأقرت بفضلك الحساد |
|
إن يكذب بها عداك فقد |
كذب من قبل قوم لوط وعاد |
|
أنت سر النّبي والصنو وبن |
العم والصهر والأخ المستجاد |
لو رأى مثلك النّبي لآخاه |
وإلّا فائط الإنتقاد |
|
فيكم بأهل النّبي ولم |
يلق لكم خامساً سواه يزاد |
|
كنت نفساً له وعرسك وإبناك |
لديه النساء والأولاد |
|
جل معناك أن يحمل به البشر |
ويحصي صفاته النقاد |
|
إنما الله عنكم أذهب الرجس |
فردت بغيضها الأضداد |
|
ذاك مدح الإله فيكم فإن |
فهت بمدح فذاك قول يعاد |
روي من طرقهم عن أحمد بن سعيد الثّقفي , قال : كُنّا يوماً وقوفاً على باب أبي نعيم الفضل بن دكين , ونحن جماعة فينا أحمد بن حنبل وغيره من نقلة الحديث ؛ نتوقع خروجه لنسمع منه ، فاطلع علينا من خوخة على باب داره , فقال : إنّ لي وعكة وعلّة صداع , فاعذروا وانصرفوا مأجورين. فقام إليه رجل فقال : مسألة. فقال : هاتها وأوجز. فقال : ما تقول في رجُل شهد أن لا إله إلّا الله , وأقرّ أنّ مُحمّداً رسول الله , وأقام الصّلاة وأتى الزّكاة , وصام شهر رمضان وحجّ البيت مع الأركان , وجاهد عند دعاء الحاجة إلى الجهاد , وأمر بالمعروف ونهى عن الـمُنكر , واجتهد بعد ذلك في أفعال الخير , ثمّ مات وهو لا يعرف... أبي قحافة , هل مات مؤمناً ولا بأس فيما جهل. قال : فإن فعل مثل ذلك وهو لا يعرف الثّاني. فأجاب مثل الجواب الأول , قال : فإن فعل مثل ما تقدم ومات ولم يعرف عليّ بن أبي طالب. قال : لا يسعه ذلك , لأنّ الصّلاة لا تفتقر إلى ذكر غير عليّ كما تفتقر إلى ذكره , وقد كان من مُحمّد بمكان لا كغيره.
ومن طريقهم أيضاً عن سعد بن أبي وقاص , قال : أمر معاوية سعداً بالسّب , فأبى , فقال ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : ثلاث قالهن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) فلن أسبّه , ولئن تكُن لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم , سمعته يقول لعلي - وقد خلّفه في بعض مغازيه - فقال له عليّ (ع) : (( خلّفتني مع النّساء والصّبيان ؟ )). فقال له رسول الله (ص) : (( أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى , إلّا أنّه لا نبي بعدي ؟ )). وسمعته يقول (ص) يوم خيبر : (( لأعطينّ الرّاية غداً رجُلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله )). قال : فتطاولنا إليها , فقال : (( ادعوا إليّ عليّ )). فأتاه وبه رمد , فبصق في عينيه ودفع الرّاية إليه , ففتح الله عليه , ولـمّا نزلت( قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ... ) (١) ، دعا رسول الله (ص) فاطمة وعليّاً والحسن والحُسين , فقال (ص) : (( اللّهمّ هؤلاء أهلي )).
____________________
(١) سورة آل عمران / ٦١.
حديث الكساء
روي عن فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ، قال : سَمِعتُ فَاطِمَةَ الزَّهراءِعليهاالسلام بِنتِ رَسُول اللهِ (صلىاللهعليهوآله ) أَنِّها قالَت : (( دَخَلَ عَلَيَّ أبي رَسُولُ اللهِ (صلىاللهعليهوآله ) فِي بَعضِ الأيَّامِ , فَقَالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا فاطِمَةُ. فَقُلتُ: وَعَلَيكَ السَّلامُ. قالَ : إنّي أَجِدُ في بَدَني ضَعفاً. فَقُلتُ لَهُ : أُعِيذُكَ باللهِ يا أَبَتاهُ مِنَ الضَّعفٍ. فَقَالَ : يا فاطِمَةُ إِيتيني بِالكِساءِ اليَمانِيِّ فَغَطّينِي بهِ. فَأَتَيتُهُ بِالكِساءِ اليَمانِيِّ فَغَطّيتُهُ بِهِ وَصِرتُ أَنظُرُ إِلَيهِ , وَإِذا وَجهُهُ يَتَلَأ لَأ كَأَنَّهُ البَدرُ فِي لَيلَةِ تمامِهِ وَكَمالِهِ.
فَما كَانَت إِلّا ساعَةً وإذا بوَلَدِيَ الحَسَنِ قَد أَقبَلَ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا أُمّاهُ. فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا قُرَّةَ عَيِني وَثَمَرَةَ فُؤادِي. فَقالَ : يا أُمّاهُ , إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدِّي رَسُولِ اللهِ (صلىاللهعليهوآله ) ؟ فَقُلتُ : نَعَم , إِنَّ جَدَّكَ تَحتَ الكِساء. فَأَقبَلَ الحَسَنُ نَحوَ الكِساء وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا جَدّاهُ يا رَسُولَ اللهِ , أَتَأذَنُ لي أَن أَدخُلَ مَعَكَ تَحتَ الكِساءِ ؟ فَقالَ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا وَلَدِي وَيا صاحِبَ حَوضِي قَد أَذِنتُ لَكَ. فَدَخَلَ مَعَهُ تَحتَ الكِساءِ.
فَما كانَت إِلّا سَاعَةً وَإِذا بِوَلَدِيَ الحُسَينِ (عليهالسلام ) أَقبَلَ وَقال : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا أُمّاهُ. فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا قُرَّةَ عَيِني وَثَمَرَةَ فُؤادِي. فَقالَ : يا أُمّاهُ , إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ جَدّي رَسُولِ اللهِ (صلىاللهعليهوآله ) ؟ فَقُلتُ : نَعَم , إِنَّ جَدَّكَ وَأَخاكَ تَحتَ الكِساءِ. فَدَنَا الحُسَينُ (عليهالسلام ) نحوَ الكِساءِ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا جَدَّاهُ يا مَنِ أختارَهُ اللهُ ، أَتَأذَنُ لي أَن أَكونَ مَعَكُما تَحتَ الكِساءِ ؟ فَقالَ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا وَلَدِي وَيا شافِع أُمَّتِي قَد أَذِنتُ لَكَ. فَدَخَلَ مَعَهُما تَحتَ الكِساء ، فَأَقبَلَ عِندَ ذلِكَ أَبو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ وَقال : أَلسَّلامُ عَلَيكِ يا بِنتَ رَسُولِ اللهِ. فَقُلتُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا أَبَا الحَسَن وَيا أَمِيرَ الـمُؤمِنينَ. فَقالَ : يا فاطِمَةُ , إِنّي أَشَمُّ عِندَكِ رائِحَةً طَيِّبَةً كَأَنَّها رائِحَةُ أَخي وَابِنِ عَمّي رَسُولِ اللهِ ؟ فَقُلتُ : نَعَم ها هُوَ مَعَ وَلَدَيكَ تَحتَ الكِساءِ. فَأقبَلَ عَلِيٌّ نَحوَ الكِساءِ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا رَسُولَ اللهِ , أَتَأذَنُ لي أَن أَكُونَ مَعَكُم تَحتَ الكِساءِ ؟ قالَ لَهُ : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا أَخِي وَيا وَصِيّيِ وَخَلِيفَتِي وَصاحِبَ لِوائِي , قَد أَذِنتُ لَكَ.
فَدَخَلَ عَلِيٌّ تَحتَ الكِساءِ.
ثُمَّ أَتَيتُ نَحوَ الكِساءِ وَقُلتُ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا أبَتاهُ يا رَسُولَ الله , أَتأذَنُ لي أَن أَكونَ مَعَكُم تَحتَ الكِساءِ ؟ قالَ: وَعَليكَ السَّلامُ يا بِنتِي وَيا بَضعَتِي , قَد أَذِنتُ لَكِ. فَدَخَلتُ تَحتَ الكِساءِ ، فَلَمَّا اكتَمَلنا جَمِيعاً تَحتَ الكِساءِ , أَخَذَ أَبي رَسُولُ اللهِ بِطَرَفَيِ الكِساءِ وَأَومَأَ بِيَدِهِ اليُمنى إِلىَ السَّماءِ , وقالَ : أَللّهُمَّ , إِنَّ هؤُلاءِ أَهلُ بَيتِي وخَاصَّتِي وَحَامَّتي ، لَحمُهُم لَحمِي وَدَمُهُم دَمِي ، يُؤلِمُني ما يُؤلِمُهُم وَيُحزِنُني ما يُحزِنُهُم ، أَنَا حَربٌ لِمَن حارَبَهُم وَسِلمٌ لِمَن سالَمَهُم , وَعَدوٌّ لِمَن عاداهُم وَمُحِبٌّ لِمَن أَحَبَّهُم ، إنًّهُم مِنّي وَأَنا مِنهُم , فَاجعَل صَلَواتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَرَحمَتكَ وغُفرانَكَ وَرِضوانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيهِم , وَاَذهِب عَنهُمُ الرَّجسَ وَطَهِّرهُم تَطهِيراً.
فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : يا مَلائِكَتي وَيا سُكَّانَ سَماواتي , إِنّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنَّيةً وَلا أرضاً مَدحيَّةً , وَلا قَمَراً مُنيراً وَلا شَمساً مُضيِئةً , وَلا فَلَكاً يَدُورُ وَلا بَحراً يَجري وَلا فُلكاً يَسري , إِلّا في مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمسَةِ الَّذينَ هُم تَحتَ الكِساء. فَقالَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ : يا رَبِّ , وَمَنْ تَحتَ الكِساءِ ؟ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : هُم أَهلُ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَمَعدِنُ الرِّسالَةِ , هُم فاطِمَةُ وَأَبُوها وَبَعلُها وَبَنوها. فَقالَ جِبرائِيلُ : يا رَبِّ , أَتَأذَنُ لي أَن أَهبِطَ إلىَ الأَرضِ لأِكُونَ مَعَهُم سادِساً ؟ فَقالَ اللهُ : نَعَم قَد أَذِنتُ لَكَ.
فَهَبَطَ الأَمِينُ جِبرائِيلُ وَقالَ : أَلسَّلامُ عَلَيكَ يا رَسُولَ اللهِ ، العَلِيُّ الأَعلَى يُقرِئُكَ السَّلامَ ، وَيَخُصُّكَ بِالتًّحِيَّةِ وَالإِكرَامِ وَيَقُولُ لَكَ : وَعِزَّتي وَجَلالي , إِنّي ما خَلَقتُ سَماءً مَبنيَّةً ولا أَرضاً مَدحِيَّةً , وَلا قَمَراً مُنِيراً وَلا شَمساً مُضِيئَةً , ولا فَلَكاً يَدُورُ ولا بَحراً يَجري وَلا فُلكاً تَسري , إِلّا لِأجلِكُم وَمَحَبَّتِكُم ، وَقَد أَذِنَ لي أَن أَدخُلَ مَعَكُم ، فَهَل تَأذَنُ لي يا رَسُول الله ِ؟ فَقالَ رَسُولُ الله : وَعَلَيكَ السَّلامُ يا أَمِينَ وَحيِ اللهِ ، إِنَّهُ نَعَم قَد أَذِنتُ لَكَ. فَدَخَلَ جِبرائِيلُ مَعَنا تَحتَ الكِساءِ ، فَقالَ لأِبي : إِنَّ اللهَ قَد أَوحى إِلَيكُم يَقولُ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (١) .
فَقالَ : عَلِيٌّ لِأَبِي : يا رَسُولَ اللهِ , أَخبِرنِي ما لِجُلُوسِنا هَذا تَحتَ الكِساءِ مِنَ الفَضلِ عِندَ اللهِ ؟ فَقالَ النَّبيُّ (صلىاللهعليهوآله ): وَالَّذي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيّاً وَاصطَفانِي بِالرِّسالَةِ نَجِيّاً ، ما ذُكِرَ خَبَرُنا هذا فِي مَحفِلٍ مِن مَحافِل أَهلِ الأَرَضِ ,
____________________
(١) سورة الأحزاب / ٣٣.
وَفِيهِ جَمعٌ مِن شِيعَتِنا وَ مُحِبِيِّنا , إِلّا وَنَزَلَت عَلَيهِمُ الرَّحمَةُ ، وَحَفَّت بِهِمُ الـمَلائِكَةُ وَاستَغفَرَت لَهُم إِلى أَن يَتَفَرَّقُوا. فَقالَ عَلِيٌّ (عليهالسلام ) : إذَاً وَاللهِ فُزنا وَفازَ شِيعَتنُا وَرَبِّ الكَعبَةِ. فَقالَ أَبي رَسُولُ اللهِ (صلىاللهعليهوآله ) : يا عَلِيُ , وَالَّذي بَعَثَني بِالحَقِّ نَبِيّاً وَاصطَفاني بِالرِّسالَةِ نَجِيّا ، ما ذُكِرَ خَبَرُنا هذا في مَحفِلٍ مِن مَحافِلِ أَهلِ الأَرضِ , وَفِيهِ جَمعٌ مِن شِيعَتِنا وَمُحِبّيِنا وَفِيهِم مَهمُومٌ , إِلّا وَ فَرَّجَ اللهُ هَمَّهُ وَلا مَغمُومٌ إِلّا وَكَشَفَ اللهُ غَمَّهُ وَلا طالِبُ حاجَةٍ إِلّا وَقَضى اللهُ حاجَتَهُ. فَقالَ عَلِيٌّ (عليهالسلام ) : إذَاً والله فُزنا وَسُعِدنا ، وَكَذلِكَ شِيعَتُنا فَازوا وَسُعِدوا في الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَ رَبِّ الكَعبَةِ )).
ولله درّ بعض من قال من الرّجال في مدح عليّ (عليهالسلام ) حين طاف حول قبره (عليهالسلام ) :
هو الشمس ام نور الضريح يلوح |
هو المسك أم طيب الوصي يفوح |
|
وبحر ندى أم روضة حوت الهدى |
وآدم أم سر المهيمن نوح |
|
وداود هذا أم سليمان بعده |
وهارون ام موسى العصى ومسيح |
|
وأحمد هذا الـمُصطفى أم وصيه |
على نماه هاشم وذبيح |
|
حبيب حبيب الله بل سر سره |
وعين الورى بل للخلائق روح |
|
له النص من يوم الغدير ومدحه |
من الله في الذكر المبين صريح |
|
إمام إذا ما المرء جاد يحبه |
فميزانه يوم المعاد رجيح |
|
له شيعة مثل النجوم زواهر |
إذا جادلت تلقى العدو طريح |
|
عليك سلام الله يا راية الهدى |
سلام سليم يغتدي ويروح |
روي عن سلمان الفارسي , قال : اُهدي إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) قطف من العنب في غير أوانه , فقال لي : (( يا سلمان , آتيني بولدي الحسن والحُسين ؛ ليأكلا معي من هذا العنب )). قال سلمان الفارسي : فذهبت أطرق عليهما منزل اُمّهما فلم أرهما , فأتيت منزل أختهما اُمّ كلثوم فلم أرهما , فجئت فخبرت النّبي بذلك , فاضطرب ووثب قائماً وهو يقول : (( وا ولداه ! وا قرّة عيناه ! مَن يرشدني عليهما فله على الله الجنّة )). فنزل جبرائيل من السّماء وقال : يا مُحمّد , علام هذا الانزعاج ؟ فقال : (( على ولدي الحسن والحُسين ؛ فإنّي خائف عليهما من كيد اليهود )). فقال جبرائيل : يا
مُحمّد , بل خف عليهما من كيد الـمُنافقين ؛ فإنّ كيدهم أشدّ من كيد اليهود ، واعلم يا مُحمّد , إنّ ابنيك الحسن والحُسين نائمان في حديقة أبي الدّحداح. فسار من وقته وساعته إلى الحديقة وأنا معه حتّى دخلنا الحديقة , وإذا هُما نائمان وقد اعتنق أحدهما الآخر , وثعبان في فيه طاقة ريحان يروح بها وجهيهما ، فلمّا رأى الثّعبان النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , ألق ما كان في فيه , وقال : السّلام عليك يا رسول الله , لست أنا ثعباناً ولكنّي ملك من ملائكة الله المكروبين , غفلت عن ذكر ربّي طرفة عين , فغضب عليّ ربّي ومسخني ثعبان كما ترى , وطردني من السّماء إلى الأرض , ولي منذ سنين كثيرة أقصد كريماً على الله فأسأله أن يشفع لي عند ربّي ؛ عسى أن يرحمني ويعيدني ملكاً كما كنت أوّلاً إنّه على كلّ شيءٍ قدير. قال فجثي النّبي (صلىاللهعليهوآله ) يقبّلهما حتّى استيقظا , فجلسا على ركبتي النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فقال لهما النّبي (ص) : (( انظرا يا ولدي , هذا ملك من ملائكة الله المكروبين , قد غفل عن ذكر ربّه طرفة عين , فجعله الله هكذا , وأنا مستشفع إلى الله تعالى بكما فاشفعا له )). فوثب الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) فاصبغا الوضوء وصلّيا ركعتين , وقالا : (( اللّهمّ , بحقّ جدّنا الجليل الحبيب مُحمّد الـمُصطفى , وبأبينا عليّ الـمُرتضى, وباُمّنا فاطمة الزّهراء , إلّا ما رددته إلى حالته الأولى )). قال : فما استتم دعاؤهما , وإذا بجبرائيل قد نزل من السّماء في رهط من الملائكة , وبشرّ ذلك برضى الله عليه وبردّه إلى سيرته الأولى ، ثمّ ارتفعوا به إلى السّماء وهم يُسبّحون الله تعالى ، ثمّ رجع جبرائيل (عليهالسلام ) إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) وهو مُبتسم وقال : يا رسول الله , إنّ ذلك الملك يفتخر على ملائكة السّبع السّماوات , ويقول لهم : مَن مثلي وأنا في شفاعة السّيدين السّبطين.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم فلتذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ عبد الله بن داوُد الدّرمكي
أسهر طرفي وانحل البدنا |
واجتاح صبري وزادني حزنا |
|
وحول القلب من مساكنه |
وصير النايبات لي سكنا |
|
ذكر غريب الطفوف يوم سرى |
بالأهل والمال يعنف البدنا |
|
إلى الذي كاتبوه واجتهدوا |
أن يقتلوه ويخربوا الوطنا |
فحين لـمّا أتى مخبرهم |
بأنه قد أجابهم ودنا |
|
تألبوا للقتال واجتهدوا |
واتخذوا دون ربهم وثنا |
|
فقال مولاي لا أبا لكم |
لم خنتم عهدنا وموثقنا |
|
أما كتبتم إلى أنكم |
من بعض أنصارنا وشيعتنا |
|
قالوا له كف ما لنا كتب |
ولا بعثنا بأن تقاربنا |
|
لكن زورت ما أتيت به |
تريد يا بن البتول تخدعنا |
|
نسيت في يوم بدر ما صنعت |
كف عليّ وفي حنين بنا |
|
أباد أبطالنا بصارمه |
وقدّ بالمشرفي ساداتنا |
|
فاصبر لأخذ الحقوق منك فقد |
أوقعك الدهر في مخالبنا |
|
فقال لي صبراً على جلادكم |
فالله حرب لمن يحاربنا |
|
إن قيل من أشرف الورى نسباً |
وأصبر العالمين قلت أنا |
|
أنظر إلى ماء الفرات كيف به |
الخنزير والكلب يمرغ البدنا |
|
ولم أذق منه شربة وإذا |
سطوت في الحرب ما ونيت أنا |
|
إن كان أغررتم بكثرتكم |
فلا نولي إذا لقلتنا |
|
وصطفت القوم للقتال معاً |
وكل ضد لضدّه كمنا |
|
وامتد جنح القيام بينهما |
فما ترى العين للنهار سنا |
|
ما كان إلّا هنيئة فإذا |
السبط وحيد وما له قرنا |
|
ينظر أصحابه على ظما |
بين ذبيح وطائح طعنا |
|
قد صبغ الترب من دمائهم |
وما غنوا عن الحُسين غنا |
|
فقال وا حسرتاه لفقدكم |
فرقنا الدهر بعد الفتنا |
|
وأم نحو الخيام مبتدراً |
ودمع عينيه يحرق الردنا |
|
يقول ودعتكم إلاهكم |
يا أهل بيتي أرى الفراق دنا |
|
فلتاح للطاهرين منطقة |
منكسر القلب باكياً حزنا |
|
فأقبلت زينب تقول له |
في يد من يا حسين تتركنا |
|
أراك يا بن البتول منكسر |
بمثل هذا الكلام تزعجنا |
|
فقال أنصارنا غدو زمراً |
وانتهكت بالطفوف حرمتنا |
أوصيك خيراً إذا قتلت فلا |
تقاربوا كل من يدنسنا |
|
فنشركم للشعور نكرهه |
وشقكم للجيوب يوكسنا |
|
نحن بنو الـمُصطفى وعترته |
والله قد عزنا وشرفنا |
|
فاستعلى الصبر دائماً أبداً |
فالصبر في النائبات شيمتنا |
|
قالت عزيز عليّ يا أملي |
صبري على حزننا وغربتنا |
|
من ذا يفك الأسير بعدك أو |
يكفل أيتامنا ويؤنسنا |
|
ويشترينا ببذل مهجته |
أو يتقي الله عن هضيمتنا |
|
فضمها رحمة وقبلها |
وقال سيري إلى مضاربنا |
|
فمذ رأته النساء يلثمها |
وهي تناديه وا شقاوتنا |
|
مالوا إلى جزهم شعورهم |
وأكثروا من مقال وا حزنا |
|
فانتحب السبط رحمة لهم |
وقال للنائبات مقدمنا |
|
لا تحرقوني بدمعكم فلقد |
أبيح للمعضلات جانبنا |
|
والله ضرب السيوف في جسدي |
أهون من ذلنا وشهرتنا |
|
أخاف بعد الخدور تنهتكوا |
في يد من خاننا وخادعنا |
|
قالوا له يا حسين راجعهم |
لعلهم يعرفون موضعنا |
|
ويوصلونا بشربة فلقد |
أحرق حرّ الأوام مهجتنا |
|
قال عسى الله وانثنى عجلاً |
يقول هل ناصر فينصرنا |
|
هل فيكم محسن نلوذ به |
هل فيكم راحم فيرحمنا |
|
نموت يا قوم بينكم عطشاً |
ما تحذروا الله في تعطشنا |
|
قالوا له يا حسين مت ظمأ |
لا تعترينا ولا تماطلنا |
|
نسقيك طعن الرماح في عجل |
وأوجع الضرب من صوارمنا |
|
ودارت القوم حوله حلقاً |
كل يناديه صرت في يدنا |
|
وانتهبوا بالنبال جثته |
وخبطوا من دمائه الذقنا |
|
وجاءه الشمر مسرعاً عجلاً |
ورجله فوق منكبيه ثنى |
|
فاقبلت زينب تقول له |
يا شمر يا شمر خل سيدنا |
|
يا شمر نفديه النفوس فإن |
قتلته فالمصاب يقتلنا |
يا شمر درّ الحسام عن دمه |
وفي جنان عداً تجاورنا |
|
فقال خلوا لكم جنانكم |
لا أبتغي دون قتله ثمنا |
|
وميز الرأس ثمّ شال به |
قابض منه بكفه الأذنا |
|
وخلف الجسم عارياً شحباً |
من حركات الحياة قد سكنا |
|
فلو ترى فاطماً تقبله |
أصابعه من دمائه الردنا |
|
قائلة يا أخي مصابك قد |
أسهر أجفاننا وأنحلنا |
|
عزّ عليّ جدنا ووالدنا |
وأمنا أن ترى وعمتنا |
|
إذ كل شخص تراه يسلبنا |
وبعد سلب الثياب يضربنا |
|
وإن يروك الغداة منجدلا |
معفراً في التراب مرتهنا |
|
يا عمتاه قربوا جهازهم |
ما تنظري في جوار سيدنا |
|
قالت فما حيلتي وخيلهم |
تجري على صدره وتدفعنا |
|
لكن تنادي عليه وابتدرت |
تقول يا قوم من يكرمنا |
|
غريب مقتول ما له أحد |
من ذا على دفنه يساعدنا |
|
من يكسب الأجر من يلحده |
ومن يعبي الحنوط والكفنا |
|
فلم يجبها من الورى أحد |
فقالت الغوث من مصيبتنا |
|
أودعتك الله يا حسين متى |
يا سيّدي باللقا تواعدنا |
|
وزينب في النساء قائلة |
أين مراد المنافقين بنا |
|
لم يكفهم ذلنا وغربتنا |
فالشتم والضرب فوق عاتقنا |
|
يسيرونا على المطي بلا |
ستر وفي كسبهم براقعنا |
|
يا ويلهم ما أشد كفرهم |
ما يرحمونا لوجه خالقنا |
|
يا حادي العيس لا رحمت فكم |
في السير يا بن الزنيم تعنفنا |
|
كم نطلب الرفق ما نحصله |
والرأس فوق القناة يقدّمنا |
|
وا ذلنا بعدهم وغربتهم |
وا طول تشتيتنا ومحنتنا |
|
يا آل بيت النّبي رزءكم |
أنحل أبداننا وأزعجنا |
|
قد حول الكل من مسرتنا |
وقبل أن المشيب شيبتنا |
|
لا رحم الله من معى لكم |
في الظلم قدماً ومن عليه بنا |
ويل ابن سلما وويل صاحبه |
قد فتنا العالمين وافتتنا |
|
فلعنة الله لا تزال على |
روحيهما عد من قصي ودنا |
|
ومن توالاهما ومال إلى |
قوليهما وإليهما ركنا |
|
يا صفوة الله لا نظير لكم |
يا من بهم سميت مناً بمنى |
|
عبدكم الدرمكي باعكم |
مهجته إذ نقدتم الثمنا |
|
في قولهم لا يخاف من مسكت |
كفاه في حشره ولايتنا |
|
يا آل طه وهل (أتى) (وسب) |
ومن إلى قصدهم توجهنا |
|
صلّى عليكم إلهكم أبدا |
ما صاح طير وما علا غصنا |
الباب الثّالث
أو لا ينتبه من الضّلال من رغب عن الآل وتحمّل الذّنوب الثّقال , أم على القلوب الأقفال ؟ ولكن اعلموا رحمكم الله وهداكم الطّريق القويم والصّراط الـمُستقيم , إنّ أهل البيت ومَن تابعهم من الأنام , لم يزالوا مُضطهدين في الدُنيا إلى يوم القيامة والرّزايا تعمّهم ؛ ليعظم لهم الثّواب ويوفون بأجورهم يوم الحساب , وليس سبي الذرّيّة وقتل العترة النّبويّة بأوّل منكر نهض أهل الشّنآن إليه وحملهم الشّيطان عليه , بل تقدّمته أحوال كانت له كالأساس وترتّب عليها هذا الرّزء , فكان أعظم منها على النّاس.
روي : أنّه لـمّا جاءت فاطمة إلى أبي بكر وكلّمته في أمر فدك والعوالي , قال لها : يا بنت رسول الله , ما أورثكي أبوك لا درهماً ولا ديناراً , وأنّه قال : الأنبياء لا يورّثون. فقالت له : (( يا أبا بكر , إنّ فدكاً والعوالي قد وهبهما لي أبي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) )). فقال لها : مَن يشهد لك بذلك ؟ فجاء عليّ فشهد لها بذلك , ثمّ جاءت اُمّ أيمن فقالت : يا أبا بكر , إنّ السّماء تشهد إنّي من أهل الجنّة , وإنّي ما أقول إلّا حقّاً , وإنّي أشهد أنّ رسول الله أعطى فدكاً والعوالي لابنته فاطمة. فقال أبو بكر : يا بنت رسول الله , صدق عليّ وصدقت , ولكن رسول الله يدفع إليكم من فدك والعوالي قوتكم , ويُقسّم الباقي على المؤمنين من أصحابه , وينفق الباقي في سبيل الله , وأنت فما تصنعين بها ؟ فقالت : (( وأنا أصنع بها ما كان يصنع بها أبي )). فارتجّ الأمر بينهم وغضب أبو بكر من قولها وخرجت فاطمة ,
[ولم](١) تزل فدك والعوالي في أيديهم إلى أن ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان , فاقتطع مروان بن الحكم ثلثها واقتطع يزيد بن معاوية ثلثها , ولم يزالوا يتداولونها إلى أن انحصرت كلّها في يد مروان بن الحكم في أيّام خلافته , فوهبها مروان لولده عبد العزيز ولابنه عمر ، فلمّا تولّى الأمر عمر بن عبد العزيز , كانت فدك أوّل ظلامة ردّها على أهل بيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ورفع السّب عن عليّ (عليهالسلام ) , ثمّ إنّ عمر بن عبد العزيز دعا بعلي بن الحُسين (عليهالسلام ) , فدفع فدك إليه وصارت فدك بيد أولاد فاطمة الزّهراء (عليهاالسلام ) مدّة خلافة عمر بن عبد العزيز , فلمّا توفي وصار الأمر إلى بني اُميّة , جعلوا يتداولونها إلى أن نُقلت الخلافة عنهم , فلمّا آل الأمر إلى السّفاح , ردّها إلى أهل البيت , ثمّ غصبها منهم موسى بن المهدي وأخوه هارون الرّشيد ، ولم تزل في أيدي بني العبّاس إلى أن آل الأمر إلى المأمون , فردّها إلى نسل فاطمة (عليهاالسلام ).
قال صاحب الحديث : فلمّا جلس المأمون [على](٢) تخت الـمُلك , ناول رقعة وقعت في يد المأمون قصّة فدك , فنظر إليها طويلاً وبكى وقال لبعض غلمانه : ادع لي أولاد فاطمة. فقدّم إليه شيخ كبير علوي من نسل فاطمةعليهاالسلام , فجعل العلوي يُناظر المأمون ويُباحثه فيها , والمأمون يحتجّ عليه والعلوي يحتجّ المأمون إلى أن حصحص الحقّ , فأمر المأمون له بها وأمر القاضي أن يسجّلها , فلمّا كتب السّجل وقرأ عليه الواقعة استحسنه.
ولم تزل فدك في أيدي أولاد فاطمةعليهاالسلام إلى أيّام سلطنة الـمُتوكل من بني العبّاس , وقد تبقّى من نخل فدك أحد عشر نخلة من غرس رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها ويحفظونه عندهم في مدينة الرّسول , فإذا قدم الحاج إلى المدينة , أهدوا إليهم ثمراً من غرس رسول الله , فيتبرّكون به ويأخذونه إلى بلادهم وأهاليهم , ثمّ يوصلون أولاد فاطمة نفقة من الدّراهم والدّنانير , فيصير إليهم من ذلك مال جزيل فيتعيشون به طول سنتهم ؛ وذلك كلّه من بركات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ولم تزل بركات رسول الله إلى آخر الدّهر.
فانظروا يا أهل العقول والإفهام إلى فعل هؤلاء الكفرة اللئام , كيف تطاولت أيديهم على غصب ميراث ابنة رسول الملك العلام وابنة خيرة الله في الأنام , واستمرّ ظلمهم لفاطمة إلى الذرّيّة والعترة النّبوية , فشرّدهم في أطراف البلاد , وقتلوا منهم الآباء والأجداد والأبناء والأولاد , وسبوا حريمهم على الأقتاب بالمذلّة والاكتئاب ,
____________________
(١) من إضافات المقوّم. (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) من إضافات المقوّم. (معهد الإمامين الحسنين).
ولم يخشوا من أهوال يوم الحساب , فلعنة الله تغشاهم أجمعين إلى يوم الجزاء والدّين.
روي عن عبد الله بن عامر , قال : لـمّا أتى نعي الحُسين (عليهالسلام ) إلى المدينة , خرجت اُمّ أسماء بنت عقيل بن أبي طالب في جماعة من نسائها , حتّى انتهت إلى قبر رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فلاذت به وشهقت عنده ، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار وهي تقول :
ماذا تقولون إذ قال النّبي لكم |
يوم الحساب وصدق القول مسموع |
|
خذلتم عترتي أو كنتم غيباً |
والحق عند ولي الأمر مجموع |
|
أسلمتموهم بأيدي الظّالمين فما |
منكم له اليوم عند الله مشفوع |
|
ما كان عبد غداة الطف إذ حضروا |
تلك المنايا ولا عنهن مدفوع |
قال : فما رأينا باكياً ولا باكية أكثر ما رأينا ذلك اليوم.
وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري , قال : لـمّا كان يوم اُحد , شُجّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) في وجهه وكُسرت رُباعيته , فقام (صلىاللهعليهوآله ) رافعاً يديه يقول : (( إنّ الله تعالى اشتدّ غضباً على اليهود إذ قالوا العزيز ابن الله , واشتد غضبه على النّصارى إذ قالوا المسيح ابن الله , وإنّ الله قد اشتد عضبه على مَن أراق دمي وآذاني في عترتي )).
ألا لعنة الله على القوم الظّالمين ، ألا وإنّ الجنّة مُحرّمة عليهم أجمعين كما جاء بذلك الخبر عن سيّد البشر , حيث قال : (( حرمت الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وقاتلهم والمعترض عليهم والسّاب لهم , أولئك لا خلاق لهم في الآخرة , ولا يكلّمهم الله يوم القيامة , ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم )). إلاّ وعلى محبّي أهل البيت رحمة الله وبركاته , ولهم في الحياة الدُنيا والآخرة , كما وردت به الأخبار عن المكرمين الأبرار ، فعن رسول الله (ص) : (( حُبّنا أهل البيت يُكفّر الذّنوب ويُضاعف الحسنات , وإنّ الله تعالى ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد , إلّا ما كان منهم فيهم على إصرار وظلم للمؤمنين , فيقول للسيئات كوني حسنات )).
وعن جعفر بن مُحمّد (عليهالسلام ) , قال : (( نفس المهموم لظلمنا تسبيح , وهمّه لنا عبادة , وكتمان سرّه جهاد في سبيل الله )). ثمّ قال أبو عبد الله (عليهالسلام ) : (( يجب أن يُكتب هذا الحديث بماء الذّهب )). وعنه (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( رحم الله شيعتنا , أنّهم أوذوا فينا ولم نود [نؤذ](١) فيهم , شيعتنا منّا قد خُلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا , رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة ,
____________________
(١) من إضافات المقوّم. (معهد الإمامين الحسنين).
يصيبهم مصابنا ويبكيهم ما أصابنا , ويحزنهم حزننا ويسرّهم سرورنا , ونحن أيضاً نتألّم لتألّمهم ونطّلع على أحوالهم , فهم معنا لا يفارقونا ولا نفارقهم ؛ لأنّ مرجع العبد إلى سيّده ومعوّله على مولاه , فهم يهجرون مَن عادانا , ويجهرون بمدح مَن والانا , ويباعدون مَن آذانا. اللّهمّ , أحيي شيعتنا في دولتنا وابقهم في مُلكنا. اللّهمّ ملكتنا. اللّهمّ , إنّ شيعتنا منّا ومضافين إلينا , فمَن ذكر مصابنا وبكى لأجلنا أو تباكى , استحى الله أن يُعذّبه بالنّار )) :
فيا لك مقتولا أصيب بقتله |
ملائكة الرحمن والجن معهم |
|
ويا لك من رزء عظيم إذا به |
تقاس الرزايا كلها فهو أعظم |
|
ويا لك من يوم مهول تزلزلت |
له الأرض والأطيار بالجو حوم |
|
ويا لك من حزن كان مذاقه |
على شيعة المختار صأب وعلقم |
روي عن عبد الله بن العبّاس , قال : كُنّا مع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وإذا بفاطمة الزّهراء قد أقبلت تبكي , فقال لها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( ما يبكيك يا فاطمة ؟ )). فقالت : (( يا أبه , إنّ الحسن والحُسين قد غابا عنّي هذا اليوم , وقد طلبتهما في بيوتك فلم أجدهما ولا أدري أين هُما , وإنّ عليّاً راح إلى الدّالية مُنذ خمسة أيّام ؛ يسقي بستاناً له )). إذ أبو بكر قائم بين يدي النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فقال (ص) له : (( يا أبا بكر , اطلب لي قرّة عيني )). ثمّ قال : (( يا عمر ويا سلمان ويا أباذر ويا فلان ويا فلان , قوموا فاطلبوا قرّة عيني )). قال : فأحصينا على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أنّه وجد سبعين رجُلاً في طلبهما , فغابوا ساعة ورجعوا ولم يصيبوهما , فاغتمّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) غمّاً شديداً , فوقف عند باب المسجد وقال : (( اللّهمّ , بحقّ إبراهيم خليلك , وبحقّ آدم صفيّك , إن كان قرّتا عيني وثمرتا فؤادي أخذا برّاً أو بحراً , فاحفظهما وسلّمهما من كلّ سوء يا أرحم الرّاحمين )). فإذا بجبرائيل (عليهالسلام ) قد هبط من السّماء , وقال : يا رسول الله , لا تحزن ولا تغتم فإنّ الحسن والحُسين فاضلان في الدُنيا والآخرة , وقد وكّل الله بهما ملكاً يحفظهما إن ناما أو قعدا أو قاما , وهما في حضيرة بني النّجار. ففرح النّبي بذلك وسار وجبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله والـمُسلمون من حوله , حتّى دخلوا حضيرة بني النّجّار , وذلك الموكّل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما , وعلى كلّ واحد منهما دراعة من صوف , والمداد على شفتيهما , وإذا الحسن مُعانق
الحُسين وهما نائمان , فجثي النّبي على ركبتيه ولم يزل يقبّلهما حتّى استيقظا , فحمل النّبي الحُسين (عليهالسلام ) وحمل جبرائيل الحسن , وخرج النّبي من الحضيرة وهو يقول : (( معاشر النّاس , اعلموا أنّ مَن أبغضهما فهو في النّار , ومَن أحبّهما فهو في الجنّة , ومن كرمهما على الله تعالى سمّاهما في التّوراة شبّراً وشبيراً )).
فيا إخواني , هذا والله الشّرف الرّفيع والفضل المنيع , والمجد الفاخر والنّور الزّاهر , والعنصر الطّيب الطّاهر. فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيد للشيخ ابن حماد (رحمه الله تعالى )
إبك ما عشت بالدموع الغزاري |
لذراري مُحمّد المختار |
|
شردوا في البلاد شرقاً وغرباً |
وخلت منهم عراص الديار |
|
وغزتهم بالجند أرجاس حقد |
بغليل من الصدور الحرار |
|
وكأني بهم عطاشا يسقون |
كؤوس الردا بحد الشفار |
|
وكأني أرى الحُسين وقد نكس |
عن سرجه تريب العذار |
|
وهوى شمر اللعين عليه |
ففرى رأسه بماضي الجمار |
|
ثم علاه في السنان سنان |
يتلألأ كضوء شمس النهار |
|
وكأني بالطاهرات وقد |
أبرزن للسبي من سجوف الديار |
|
وأني بزينب إذ رأته |
وهو ملقى على الجنادل عار |
|
سقطت دهشة ونادت بصوت |
يترك الصخر ذكره ذا انفطار |
|
يا أخي لا حييت بعدك بل لا |
نعمت مقلتي بطيب القرار |
|
أبرزت للسباء منا وجوه |
طال ما صينتها عن الأبصار |
|
يا أخي لو ترى سكينة قد |
ألبسها اليتم حلة الإنكسار |
|
لو تراها تخمر الرأس بالكم |
حياءاً من بعد سلب الخمار |
|
تستر الوجه باليمين وقد |
تمسك حزناً أحشاءها باليسار |
|
كلما حث حادي العيس بالسير |
وحدت في حداتها باشتهار |
|
هتفت عمتاه ما لي أرى |
السائق مستعجلاً بحث القطار |
عمتاه ليته يرفق بالسير |
فأعطيه دملجي وسواري |
|
وعزيز عليّ أبي لو أبي يراني |
أتلافاه خيفة وأداري |
|
لعن الله ظالميكم من الناس |
معا بالعشي والإبكار |
|
لو درى زائر الحُسين بما |
أوجبه ذو الجلال للزوار |
|
فلهم عفوه ورضوانه عنهم |
وحط الذنوب والأوزار |
|
وتناديهم الملائكة قد أعطيتهم |
الأمن من عذاب النار |
|
بشروهم بأنهم أوليائي |
في منّي وذمتي وجواري |
|
وخطاهم محسوبة حسنات |
هبة من إلهنا الجبار |
|
وعليهم أخلاف ما انفقوه |
ضعف من درهم ومن دينار |
|
فإذا زرته فزده بأخبار |
ونسك وخشية ووقار |
|
وادع من يسمع الدعاء من |
الزائر في جهرة وفي الاسرار |
|
ويرد الجواب إذ هو حي |
لم يمت عند ربه الغفار |
|
ثم طف حول قبره والتثم |
تربة قبر معظم المقدار |
|
فيه تفاحة النّبي وعلي |
وابن بر وخامس الأبرار |
|
وهو خير الورى أباً ثمّ أماً |
وأبو السادة الهداة الخيار |
|
جده الـمُصطفى وولده الهادي |
عليّ من مثله في الفخار |
|
سبط الحمى بلحمهم ودمي |
فهو محل الشعار ثمّ الدثار |
|
فعليهم صلّى المهيمن ما غرد |
طير على ذري الأحجار |
|
وأنا الشاعر ابن حماد الناظم |
فيهم قلائد الأشعار |
المجلس الثّالث
من الجزء الثّاني في الليلة السّابعة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها الإخوان , كيف تخفي زفرات الأحزان , أم كيف تطفي لهفات الأشجان وقد جرى ما جرى لسادات الزّمان ؟! تُقطّع منهم الأوصال , ويجدّلون على الرّمال , ويجرعون كؤوس الحتوف بأرض الطّفوف , وتُجرّ نساءهم سبايا على أقتاب المطايا.
فوا عجباه من تلك القلوب القاسية والنّفوس الملعونة العاصية , أما اختبروهم أنّهم ودائع الرّحمن ؟! أما سمعوا مدحهم في مُحكم القُرآن ؟!
فيا ويل مَن تجرّأ على اُمرائه وساداته الذين هُم أصل دينه وهُداته ! فبالله عليكم أيّها الإخوان , أطيلوا البكاء عليهم , وعجّوا بالابتهال في قبول الطّاعات عند ذي الجلال إليهم , وأسيلوا الدّموع الهتان واكثروا النّوح والأحزان , وكيف لا تشبّ نار أشجاني من ضلوعي كُلّما قرحت أجفاني سواكب دموعي ؟! :
وحقك لا ترى بي من ملال |
ولا يثني عناني عنك ثاني |
|
كفاني أن دمعي فيك جار |
وحسبي أنني بهواك عاني |
روي عن الصّادق أنّه قال : (( لـمّا خرج أمير المؤمنين إلى حرب صفّين , فلم يزل سائراً حتّى إذا كان قريباً من كربلاء على مسيرة ميل أو ميلين , تقدّم يسير أمام النّاس حتّى إذا صار بمصارع الشُهداء رضوان الله عليهم , قال : أيّها النّاس , اعلموا أنّه قُبض في هذه الأرض مئتا نبيّ ومئتا سبط من أولاد الأنبياء كلّهم شُهداء ,
وأتباعهم معهم استشهدوا معهم. ثمّ إنّه (عليهالسلام ) طاف على بغلته في تلك البقعة , ومع ذلك خارج رجليه من الرّكاب وهو يقول : هُنا والله مناخ ركاب ومصارع شهداء , لا يسبقهم بالفضل مَن كان قبلهم ولا يلحقهم مَن كان بعدهم. ثمّ نزل (عليهالسلام ) وجعل يبكي وهو يقول : آه , وا حزناه ! ما لي وما لآل بني سُفيان ، ومالي وما لآل حرب حزب الشّيطان ، صبراً صبراً يا أبا عبد الله , لقد لقي أبوك منهم مثل ما تلقى منهم. ثمّ إنّه توضئ وصلّى ثمّ ذكر كلامه الأوّل , ثمّ نعس فخفق خفقة وانتبه وهو يقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون. فقال له ابن عبّاس : رأيت رؤيا خير إن شاء الله تعالى ؟ فقال (ع) له : يابن عبّاس , رأيت كأنّي برجال قد نزلوا من السّماء وهم مقلدين بسيوفهم ومعهم غلام أبيض , وقد خطّوا حول هذه الأرض خطّة ، ثمّ رأيت كأنّ هذا النّخل قد ضربت بأغصانها الأرض , وصارت تضطرب بدم عبيط , وكأنّي بالحُسين ولدي ونجلي وقومي ومضغتي , يستغيث فلا يُغاث ويستجير فلا يُجار , والرّجال الذين نزلوا من السّماء يقولون له : صبراً صبراً يابن رسول الله يا أبا عبد الله , فإنّكم تُقتلون على يدي أشرّ النّاس , وهذه الجنّة مشتاقة إليكم. ثمّ إنّهم أقبلوا يعزونني بولدي الحُسين , ويقولون لي : صبراً صبراً يا أبا الحسن ! أحسن أحسن الله لك العزاء بولدك الحُسين , فقد أقرّ الله به عينيك يوم القيامة , يوم يقوم النّاس لربّ العالمين )).
فيا لك من أمر فظيع على الورى |
ومن عثرة ما أن يقال ولا تعفا |
|
فلله ما أعمى رجال عن الهدى |
ولله ما أقسى قلوباً وما أجفى |
|
ولا عجباً أن يفسدوا دين أحمد |
وإن يلحدوا فيه وقد أسلموا عنفا |
روي عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري , قال : قال لي أبو عبد الله (عليهالسلام ) : (( يا مسمع , أنت من أهل العراق , أما تأتي قبر الحُسين ؟ )). قُلت : لا , إنّما أنا رجل مشهور عند أهل البصرة , وعندنا مَن يتبع هذا الخليفة , وأعداؤنا كثير من أهل القبائل من النّصّاب وغيرهم , ولست آمنهم أن يدفعوا عليّ عند ولد سُليمان فيمثلوني. قال (ع) : (( أفما تذكر ما صُنع به ؟ )). قُلت : بلى والله. قال : (( فتجزع ؟ )). قُلت : أي والله , واستعبر حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ , فامتنع من الطّعام والشّراب حتّى يستبين ذلك في وجهي. قال : (( رحم الله دمعتك , أما أنّك من
الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا , والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا , ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا آمنّا , أما أنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيّتهم ملك الموت بك , وما يلقونك به من البشارة أفضل , ولملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الاُمّ الشّفيقة على ولدها )). قال : ثمّ استعبر واستعبرت معه ، فقال : (( الحمد لله الذي فضلّنا على خلقه بالوصية , وخصّنا أهل البيت بالرّحمة. يا مسمع , إنّ الأرض والسّماء ليبكيان مُنذ قُتل أمير المؤمنين رحمة لنا , وما بكي لنا من الملائكة أكثر , وما رقت دموع الملائكة منذ قُتلنا , وما بكى أحد رحمة لنا ولِمَ لقينا إلّارحمه الله قبل أن تخرج الدّمعة من عينيه , فإذا سالت دموعه على خدّه , فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها حتّى لا يوجد لها حرّ , وإنّ الموجع قلبه [لنا](١) ليفرح [يوم](٢) يرانا عند موته فرحة , ولا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض , وإنّ الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه حتّى ليذيقه من ضروب الطّعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه , يا مسمع , مَن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ولم يسق بعدها أبداً , وهو في برد الكافور وريح المسك وطعم الزّنجبيل , أحلى من العسل وألين من الزّبد , وأصفى من الدّمع وأزكى من العنبر , يخرج من تسنيم ويمرّ بأنهار الجنان , يجري على رياض الدّر والياقوت , وفيه القدحان أكثر من عدد نجوم السّماء , يوجد ريحه من مسيرة ألف عام , قدحاته من الذّهب والفضّة وألوان الجواهر , يفوح في وجه الشّارب منه كلّ فائحة , حتّى يقول الشّارب منه ليتني تركت ههنا لا أبغي بهذا بدلاً ولا عنه تحوّلاً , أما أنّك يا كردين , ممّن تروي منه , وما من عين بكت لنا إلّا أنعمت بالنّظر إلى الكوثر وسُقيت منه , وإنّ الشّارب منه ليُعطى من اللذّة والطّعم والشّهوة له أكثر ممّا يُعطاه من دونه في حبّنا , وإنّ على الكوثر أمير المؤمنين وفي يده عصا عوسج ؛ يحطّم بها أعداءنا , فيقول الرّجل منهم : إنّي أشهد الشّهادتين. فيقول له : انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك. فيقول : تبرّأ منّي إمامي الذي تذكره. فيقول له : ارجع إلى وراءك فقُل للذي كُنت تتولاه وتقدّمه على الخلق أن يشفع لك , فإنّ خير الخلق حقيق أن لا ير إذا شفع. فيقول : إنّي أهلك عطشاً. فيقول له : زادك الله ظمأً وزادك الله عطشاً )). قُلت : جُعلت فداك ! وكيف يقدر على الدّنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره ؟.
____________________
(١) و (٢) من إضافات المقوّم. (معهد الإمامين الحسنين).
قال : (( ودع عن أشياء قبيحة , وكف عن شتمنا إذا ذكرنا , وترك أشياء اجترأ عليها غيره , وليس ذلك لحبّنا ولهوى منه لنا , ولكن ذلك لشدّة اجتهاده في عبادته وتدينه , ولما قد شغل به نفسه عن ذكر النّاس , وأمّا في قلبه فمنافق ودينه النّصب واتباعه أهل النّصب , قد تولّى الماضين وقدمهما على كلّ أحد )) :
وإني ليشجيني إدكاري عصابة |
بأكناف أرض الغاضريات قتيل |
|
ومن بينهم سبط النّبي مُحمّد |
ومهجته فوق الصعيد مجدل |
|
وقد طحنت منه جناجن صدره |
تقاسمه قوم أضاعوا وبدل |
|
ورحل بني الهادي النبي الموزع |
تقاسمه قوم أضاعوا وبدل |
|
رجالهم صرعى بكل تنوفة |
ونسوتهم في السبي حسرى وثكل |
|
وأطفالهم غرثى يمضهم الطوى |
وليس لهم بر هنالك يكفل |
فيا إخواني , حسدوهم على الكمال وجلّ وعلا مجدهم أن ينال ، أمّا أمير المؤمنين , فإنّهم أغروا به المرادى اللعين وأبرزوا له قطام فهواها , فأبت أن تبلغ نفسه أمانيها إلّا بشيء من الحطام وقتل عليّ (عليهالسلام ) , فتعهّد بمهرها وطاوعها على أمرها , وفيه تقول من تعجّب من إقدامه وعلو مرامه :
ثلاثة آلاف وضرب وقينة |
وضرب عليّ بالحسام المصمم |
|
فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا |
ولا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم |
فلمّا كان وقت الغداة , ضربه بالسّيف وهو يوقظ للصلاة , فدعاه إلى جنّته فمات من ضربته.
وأمّا الإمام الحسن (عليهالسلام ) , فدسّوا إليه السّم فمات كما فعلوا بجدّه مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ).
عن الإمام الصّادق (عليهالسلام ) : (( أنّ الحسن قال لأهل بيته : إنّي أموت بالسّم كما مات به جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). قالوا : ومَن يفعل ذلك ؟ قال : امرأتي جعدة بنت الأشعث بن قيس , فإنّ معاوية يدسّ إليها ويأمرها بذلك. فقالوا : اخرجها من منزلك وباعدها من نفسك. قال : كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً ؟ ولو أخرجتها , ما قتلني غيرها وكان لها عذري عند النّاس. فما ذهبت الأيّام والليالي حتّى بعث إليها معاوية مالاً جسيماً , وجعل يُمنّيها بأن يعطيها مئة ألف درهم وأيضاً يزوّجها من
يزيد , وحمل إليها شربة من السّم لتسقيها الحسن , فانصرف (عليهالسلام ) إلى منزله وهو صائم وكان يوم شديد الحرّ , فأخرجت له وقت الإفطار شربة من لبن قد ألقت فيها ذلك السّم , فشربها فقال : يا عدوة الله ! قتلتيني قتلك الله , والله لا تصيبين منّي خلقاً ولقد غرّك وسخر منك , والله يخزيه ويخزيك. فمكث (عليهالسلام ) يوماً ومضى إلى رضوان الله , فغدر معاوية بها ولم يف لها )).
وأمّا الحُسين (عليهالسلام ) , فقد غرّوه بالمكاتيب وزخرفوا له الأكاذيب , وقالوا : اقدم على السّعة والتّرحيب والمنزل الخصيب , ونحن لك أجناد وأرقّاء وعباد. فلمّا أناخ بساحتهم , سارعوا إليه بالسّيوف والرّماح وصادموه في ميدان الكفاح , وقالوا : لا براح ولا سعة ولا فساح. فجاهدهم بمَن معه من أوليائه وبني أبيه وأحبّائه , فأتوا على آخرهم وأذاقوهم الحتوف ؛ رشقاً بالنّبال وطعناً بالرّماح وضرباً بالسّيوف. فيا ويحهم ما أجرأهم على سفك دم رسول الله ! ويا ويلهم ما أسرعهم إلى تقريح كبد البتول ! وكأنّهم قد نسوا المعاد إلى ربّ العباد.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة لابن السّمين (عليه الرّحمة)
من لقلب عن الهوى في اشتعال |
وللب من الجوى في اشتغال |
|
ولجسم من الضنا في سقام |
ولبال من العنا في وبال |
|
ولطرف من الأسى في سهاد |
ولدمع من البكا في انهمال |
|
ولوجد من البلا في مقام |
ولصبر من البلا في ارتحال |
|
أي عذر لمن يبيت خليا |
من جوى نار قلبه غير صال |
|
خل يا خل ذا الملام فقلبي |
قد تخلى عن القلوب الخوالي |
|
لا يبالي بقول حُبّ محب |
في ملائم ولائم قال قالي |
|
ما شجاه هجر الحبيب ولا فقد |
قرين ولا تغير حال |
|
بل شجاه مصاب آل رسول الله |
خير الورى وأشرف آل |
|
ما أهل الشهر المحرم إلّا |
هلّ طرفي بمدمع هطال |
|
وتمثلت ما جرى لموال |
يتعالى مصابهم عن مقال |
كيف صبر المحب وهو يرى |
الأحباب من بعد عزة وجلال |
|
وحبيب الحبيب بين قتيل |
وجريح وموثق بالحبال |
|
ووجوهاً لا تنظر الشمس إلّا |
حذراً أن يفوت وقت الزوال |
|
مسفرات من بعد ستر حجاب |
مبديات من بعد سجف حجال |
|
لست أنسى الحُسين روحي فداه |
وقليل يفدى بنفسي ومالي |
|
قائلاً للعدو ألين قول |
لبيان وحجة في المقال |
|
قد عرفتم أبي وجدي وأمي |
وعرفتم أخي وعمي وخالي |
|
لم جعلتم عزاء أحمد فينا |
بعد حسن الفعال قبح الفعال |
|
ولماذا نهجتم منهج القتل |
ولم آت موجباً للقتال |
|
أتروني حرمت غير حرام |
أم تروني حللت غير حلال |
|
فاهتدوا منهج الرشاد وحيدوا |
عن طريق الردى وسبل الضلال |
|
واعلموا إنني الولي فيا حزن |
المعادي وقرحة المتوالي |
|
وإلينا حكم المعاد جميعاً |
ومآل الحساب يوم المآل |
|
فبماذا تجادلون يوم لا ينفع |
عند الجدال واهي الجدال |
|
مذ تناهى قوم الإمام تناهوا |
في إذاء وضيقوا في المجال |
|
وأبادوا الأبرار من حزبه الأخيار |
فتكاً بالمرهفات الصقال |
|
بددوا جمعهم ببيض قصار |
ونصال زرق وسمر طوال |
|
لست أنساه بعد قتل أحباه |
وقتل الفرسان والأبطال |
|
قاصداً منهج الخيام إلى الفسطاط |
هوناً موصياً للعيال |
|
أجملوا الصبر آل بيت رسول الله |
فالأجر فيه للإجمال |
|
أخت طفلي الصغير أوصيك فيه |
دون كل العيال والأطفال |
|
ناولينيه كي أزود منه |
ناظري بالوداع قبل ارتحال |
|
فاتته به وكان محياه |
منيراً يفوق نور الهلال |
|
فرآه والجسم يذوي ذبولاً |
وهو ظامي وحاله غير حالي |
|
عندها قال والجوى في اتقاد |
ليس يطفي ودمعه في انهمال |
|
أين من يرحم الصغير ويطفي |
حر صدر ببرد ماء زلال |
طلب الماء منهم فسقوه |
من كؤوس المنون ماء وبال |
|
ورماه رام بسهم مشؤوم |
جاء في نحره العزيز المثال |
|
فملأ من دمائه راحتيه |
قائلاً في سبيل رب الجلال |
|
وأتته النبال من كل وجه |
وهو لا يختشي لوقع النبال |
|
عندما حان حينه وأتاه |
الأجل الـمُرتضى من الآجال |
|
خر ملقى عن مهره في هبوط |
من ثراه وقده في نفال |
|
وغدا مهره إلى الأهل ينعاه |
بشجو وسرجه منه خالى |
|
فابتدرن النساء يندبن ندباً |
بضروب التعويل والإعوال |
|
لهف قلبي وقد مررن بمثواه |
قتيلاً ملقى بتلل التلال |
|
رض منه صدر وخر كريم |
وهو عاري السربال والسروال |
|
فتصارخن صرخة رجّت الأعداء |
منها وأيقنوا في الوبال |
|
وبكت أعين السّماء دماء |
وسفت بالرماد ريح الشمال |
|
لهف قلبي لأم كلثوم تنعاه |
بقلب بجمر البين صالي |
|
وتناديه يا أخي يا مألي |
ومأل الرجال والآمال |
|
يا أخي يا مؤملي يا منيلي |
ومنيل السؤال قبل السؤال |
|
بأبي جسمك السليب لباساً |
وعليه ملابس من رمال |
|
بأبي رأسك المعلي يفوق البذر |
في تمه أوان الكمال |
|
يا أخي لو رأيت إبنك في الأسر |
وثقل القيود والأغلال |
|
يا أخي لو رأيتنا كيف نسري |
في الفيافي على ظهور الجمال |
|
سلبوا لباسنا حيث لا نستر |
عن أعين النساء والرجال |
|
بعدما أضرموا الضرام وشنوا |
غارة في خيامنا والرجال |
|
ورمونا عن قوس حقد قديم |
وحديث بأسهم في نكال |
|
حيث وصيتنا بصبر جميل |
في جميع الأمور والأحوال |
|
فعلى الصبر قد جعلت اعتمادي |
وعلى الأجر قد جعلت اتكالي |
|
يا ذوي الحجر والطواسين والرعد |
وأهل الإنعام والإفضال |
|
لكم يا بني عليّ علاء |
في وداد وسؤدد في كمال |
ومحل في رفعة ومعال |
في فعال وعزة في جلال |
|
وبهاء في بهجة وضياء |
في تلال ورونق في جمال |
|
ومغان رضعن در المعاني |
ومعان رضغن در المعالي |
|
فلهذا إن قيل فيكم نظام |
قيل هذا جواهر أم لئالي |
|
ولهذا قد زان نظماً بمدح |
في علاكم فتى السمين الموالي |
|
أنتم الحرز والذريعة والذخر |
غداً يوم حشره والمآل |
|
يوم لا ظل في القيامة إلّا ظلكم |
فاسكنوه تحت الظلال |
|
فعليكم من الإله صلاة |
جمة بالغدو والآصال |
الباب الثّاني
نوحوا أيّها المحبّون لآل الرّسول على مصاب أبناء الزّهراء البتول , وابكوا عليهم بالدّموع السّجام ؛ لأنّهم الهُداة الأعلام وأئمة أهل الإسلام , فلا خير والله في البكاء على الأطلال الخالية , ولا خير والله في الحزن على الرّمم البالية , ولا فضيلة والله في البكاء على الآباء والأجداد والأبناء والأولاد , ما لم يكن على مصاب العترة النّبوية والذرّيّة العلوية.
كما ورد في الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال : (( مَن ذُكرنا عنده فبكى لمصابنا وحزن لما نابنا من نوب الدّهر , غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )). وفي الخبر أيضاً عن عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة , أو دمعت عيناه فينا دمعة , إلّا بوّأه الله في الجنّة حقباً )). وعنهم (عليهمالسلام ) , أنّهم قالوا : (( مَن بكى وأبكى ولو واحداً , ضمنّا له على الله الجنّة , ومَن لم يتأتّ له البكاء فتباكى , فله الجنّة )).
فهذه يا إخواني النّعمة العظمى والفضيلة الكبرى , وفّقنا الله وإيّاكم للأجر العظيم والثّواب الجسيم , والخلود في جنان النّعيم مع مُحمّد وأخيه وعترته وذراريه :
حتى متى وإلى متى تتصبر |
فلمثل هذا اليوم دمعك يذخر |
|
اليوم فلتذهب النفوس كآبة |
وعلى الخدود من المحاجر تقطر |
|
وجدي يزيد وحسرتي ما تنقضي |
وجواً يحل ومدمع يتحدر |
ظفرت علوج أمية بإمامنا |
ظفراً تكاد له الصخور تفجر |
|
قتل الحُسين فيا سماء تفطري |
فلمثل مصرعه المرائر تفطر |
|
ومن العجائب أن مولانا اشتكى |
ظمأ وفي كلتا يديه أبحر |
|
أخذ الحُسين بكفه طفلاً له |
عطشان من فرط الظمأ يتضور |
|
خرجت سكينة والحُسين مرمل |
دامي الترائب والجبين معفر |
|
فغدت تعفر وجهها بدمائه |
وتقول وا كرباه مثلك ينحر |
|
وغدت تناجي جدها وتقول قد |
حكمت بنا قوم عتوا وتجبروا |
|
يا آل أحمد ما رأينا نكبة |
إلّا ونكبتكم أجل وأكبر |
|
صلّى الإله عليكم ما غردت |
ورق الحمام ولان غصن مثمر |
فيا ويلهم باعوا الآخرة بالأولى واستبدلوا بالأرذل الأدنى !
قيل : لـمّا جمع ابن زياد لعنه الله تعالى قومه لحرب الحُسين (عليهالسلام ) , كانوا سبعين ألف فارس , فقال ابن زياد : أيّها النّاس , مَن منكم يتولّى قتل الحُسين وله ولاية أي بلد شاء ؟ فلم يجبه أحد منهم , فاستدعى بعمر بن سعد لعنه الله , وقال له : أريد أن تتولّى حرب الحُسين بنفسك. فقال له : أعفني من ذلك. فقال ابن زياد : قد أعفيتك يا عمر , فاردد علينا عهدنا الذي كتبناه إليك بولاية الرّي. فقال عمر : أمهلني الليلة. فقال له : قد أمهلتك. فانصرف عمر بن سعد إلى منزله , وجعل يستشير قومه وإخوانه ومَن يثق به من إخوانه , فلم يشر عليه أحد بذلك , وكان عند عمر بن سعد رجل من أهل الخير يُقال له كامل , وكان صديقاً لأبيه من قبله , فقال له : يا عمر , ما لي أراك بهيئة وحركة فما الذي أنت عازم عليه ؟ - وكان كامل كاسمه ذا رأي وعقل ودين كامل - فقال له ابن سعد لعنه الله : إنّي قد ولّيت أمر هذا الجيش في حرب الحُسين , وإنّما قتله عندي وأهل بيته كآكلة آكل أو كشربة ماء , وإذا قتلته خرجت إلى ملك الرّي. فقال له كامل : أفّ لك يا عمر بن سعد ! تريد تقتل الحُسين ابن بنت رسول الله ؟! أفّ لك ولدينك يا عمر ! أسفهت الحقّ وضللت الهُدى ؟ أما تعلم إلى حرب مَن تخرج ولِمَن تُقاتل ؟! إنّا لله وإنّا إليه راجعون , والله , لو اُعطيت الدُنيا وما فيها على قتل رجل واحد من اُمّة مُحمّد لما فعلت , فكيف تُريد قتل الحُسين ابن بنت رسول الله ؟! وما الذي تقول غداً لرسول الله إذا وردت عليه وقد
قتلت ولده وقرّة عينه وثمرة فؤاده , ابن سيّدة نساء العالمين وابن سيّد الوصيين , وهو سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين , وإنّه في زماننا بمنزلة جدّه في زمانه , وطاعته فرض علينا كطاعته , وإنّه باب الجنّة والنّار , فاختر لنفسك ما أنت مختار , وإنّي أشهد بالله , إن حاربته أو قتلته أو أعنت عليه أو على قتله , لا تلبث في الدُنيا بعده إلّا قليلاً. فقال له عمر بن سعد : فبالموت تخوّفني ؟! وإنّي إذا فرغت من قتله أكون أميراً على سبعين ألف فارس وأتولّى مُلك الرّي.
فقال له كامل : إنّي أحدّثك بحديث صحيح أرجو لك فيه النّجاة إن وفّقت لقبوله , اعلم إنّي سافرت مع أبيك سعد إلى الشّام , فانقطعت بي مطيتي عن أصحابي وتهت وعطشت , فلاح لي دير راهب , فملت إليه ونزلت عن فرسي وأتيت إلى باب الدّير ؛ لأشرب ماء , فأشرف عليّ راهب من ذلك الدّير , وقال : ما تُريد ؟ فقلت له : إنّي عطشان. فقال لي : أنت من اُمّة هذا النّبي الذي يقتل بعضهم بعضاً على حُبّ الدُنيا مكالبة , ويتنافسون فيها على حطامها ؟ فقلت له : أنا من الاُمّة المرحومة اُمّة مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ). فقال : إنّكم أشرّ اُمّة , فالويل لكم يوم القيامة وقد عدوتم إلى عترة نبيّكم تسبّون نساءه وتنهبون أمواله ! فقلت له : يا راهب , نحن نفعل ذلك ؟ قال : نعم، وإنّكم إذا فعلتم ذلك , عجّت ؛ السّماوات والأرضون , والبحار والجبال , والبراري والقفار , والوحوش والأطيار , باللعنة على قاتله , ثمّ لا يلبث قاتله في الدُنيا إلّا قليلاً , ثمّ يظهر رجل يطلب بثأره فلا يدع أحداً أشرك في دمه إلّا قتله وعجّل الله بروحه إلى النّار.
ثمّ قال الرّاهب : إنّي لا أرى لك قرابة من قاتل هذا ابن الطّيب , والله , إنّي لو أدركت أيّامه لوقيته في نفسي من حرّ السّيوف. فقلت : يا راهب , إنّي أعيذ نفسي أن أكون ممّن يُقاتل ابن بنت رسول الله. فقال : إن لم تكُن أنت فرجل قريب منك , وإنّ قاتله عليه نصف عذاب أهل النّار , وإنّ عذابه أشدّ عذاباً من عذاب فرعون وهامان. ثمّ ردّ الباب في وجهي ودخل يعبد الله تعالى وأبى أن يسقيني الماء.
قال كامل : فركبت فرسي ولحقت أصحابي ، فقال لي أبوك سعد : ما أبطأك عنّا يا كامل ؟ فحدّثته بما سمعته من الرّاهب , فقال لي : صدقت. ثمّ إنّ سعداً أخبرني أنّه نزل بدير هذا الرّاهب مرّة من قبل , فأخبره أنّه هو الرّجل ابن بنت رسول الله , فخاف أبوك سعد من ذلك وخشي أن تكون أنت قاتله , فأبعدك عنه وأقصاك , فاحذر
يا عمر أن تخرج عليه يكون عليك نصف عذاب أهل النّار. قال : فبلغ الخبر إلى ابن زياد , فاستدعى بكامل وقطع لسانه , فعاش يوم أو بعض يوم وماترحمه الله تعا لى.
وروي : أنّ عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) لقي عمر بن سعد يوماً , فقال له : (( كيف تكون إذا قمت مقاماً تتخيّر فيه بين الجنّة والنّار فتختار لنفسك النّار ؟ )). فقال له : معاذ الله , أيكون ذلك ؟ فقال له (عليهالسلام ) : (( سيكون ذلك بلا شك )).
قال الرّاوي : ثمّ إنّ عمر بن سعد نزل على شاطئ الفُرات , فحالوا بين الحُسين وبين الماء حتّى كظهم العطش , فأخذ الحُسين (عليهالسلام ) فأساً وجاء إلى وراء الخيمة - خيمة النّساء - فحفر قليلاً فنبع الماء , فشرب وأسقى حرمه وأطفاله وجميع أصحابه , وملأ القرب وأسقى الخيل , ثمّ غار الماء فعلم الحُسين أنّه آخر ماء يشربه :
باعوا بدار الفناء دار البقاء وشروا |
نار اللظى بنعيم غير منتقل |
|
يا حسرة في فؤادي لا انقضاء لها |
يزول أحدو رضوي وهي لم تزل |
|
بنات أحمد في الأسفار سافرة |
وجوهها وبنو سفيان في الكلل |
|
يحملن من بعد ذاك العز وا حزني |
أسرى حواسر فوق الأنيق الذلل |
|
والرأس يحمله الباغي سنان على |
سنان لدن أصم الكف معتدل |
|
مصيبة بكت السبع الشداد لها |
دماً ورزء عظيم غير محتمل |
نُقل أنّ عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) كان عمره يوم قُتل أبوه عشر سنين أو أحد عشر سنة , فدخل جامع بني اُميّة في يوم الجُمُعة , واستأذن الخطيب أن يأذن له بالصّعود على المنبر ؛ ليتكلّم بكلام يرضي الله ورسوله , فأذن له , فصعد المنبر وقال : (( أيّها النّاس , مَن عرفني فقد عرفني ومَن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي , أنا عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهمالسلام ) , وأنا ابن المذبوح بشاطئ الفُرات عطشاناً , أنا ابن المقتول ظُلماً بلا ذحل ولا تراث , أنا ابن مَن ؛ انتهك حريمه وقطع كريمه , وذبح فطيمه وسُلب قميصه , ونهب من ماله وسبي عياله , أنا ابن مَن قُتل في الله صبراً وكفاني بهذا فخراً.
أيّها القوم ! هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي ودعوتموه , وأرسلتم إليه وخدعتموه , وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق وخنتموه , وقلتم له نحن أنصارك فقاتلتموه. فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم ! وسوءاً لكم فيما فعلتم ! بأيّ عين تنظرون
رسول الله , وبأيّ لسان تخاطبون به حبيب الله , إذ يقول لكم قتلتم عترتي وأهل بيتي , وانتهكتم حرمتي فلستم من اُمّتي ؟! )). قال : فارتفعت أصوات النّاس بالبكاء والنّحيب من كلّ ناحية , وقال بعضهم لبعض : أهلكتم والله أنفسكم وما تعلمون. فقال لهم زين العابدين : (( يا قوم , رحم الله أمرءاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله ورسوله وأهل بيت رسوله , فإنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة )). قالوا بأجمعهم : قُل يابن رسول الله , فإنّا لقولك سامعون ولأمرك طائعون ولذممك حافظون , غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك , فأمرنا بأمرك يرحمك الله ونحن حرب لِمَن حاربك وسلم لِمَن سالمك , ونبرأ ممّن ظلمكم وغصب حقّكم , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.
فقال عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) : (( هيهات هيهات أيّها الغدرة المكرة , حيل بينكم وبين ما تشتهون , أتريدون أن تأتوا إليّ ما أتيتم إلى أبي وأخي وبني عمّي , ووجدهم بلهاتي ومرارة مصابهم بين حناجري وغصصهم في فراش صدري , وقولي هذا لكم ؛ لئلا تكونوا لنا ولا علينا , ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم )) :
رموا باسهم بغي عن قسي رداً |
من كف كفر رماها الله بالشلل |
|
فغودروا في عراص الطف قاطبة |
صرعى بحد حسام الغدر والدجل |
|
سقوا بكأس القنا خمر الفنا فغدى |
الحمام تشدوا ببيت صار كالمثل |
|
لله كم قمر حاقي المحاق به |
وخادر دون باب الخدر منجدل |
|
نجوم سعد بأرض الطف آفلة |
وأسد غيل دهاها حادث الغيل |
|
وأصبح السبط فرداً لا نصير له |
يلقى الحمام بقلب غير منذهل |
|
يشكو الظمأ ونمير الماء مبتذل |
يعل منه وحوش السهل والجبل |
|
صاد يصد عن الورد المباح ومن |
وريده مورد الخطية الذبل |
|
لهفي له عافر ملقى لا كفن |
سوى السوافي بلا لحد ولا غسل |
|
مترب الخد دامي النحر منعفر |
الجبين بحر قضا ظام إلى الوشل |
|
ذا فادح هد أركان الهدى ودها |
غرار صارم دين الله بالقلل |
فانظروا يا إخواني إلى هؤلاء الظّلمة الكفرة الطّغاة الحسدة , كيف انتهكوا حُرمة الرّسول وفتكوا في ذرّيّة البتول بغير ذنب أذنبوه ولا جرم اجترموه ، اللّهمّ , فاحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً , ولا تغفر لهم
أبداً , وعذّبهم العذاب الأليم في أسفل درك من الجحيم. وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مغامس
فصلت صروف الحادثان مفاصلي |
وأصاب سهم النائبات مقاتلي |
|
قطع الزمان عري قواي وكلما |
قطع الزمان فما له من واصل |
|
لا غرو من جد الزمان هزله |
عز النصير على الزمان الهازل |
|
خلط الزمان بغيمه بغمومه |
عذراً وشاب زلاله بزلاله |
|
بعداً لوصلك يا زمان فإنما |
حلواك من صأب وسم قاتل |
|
أين الذي كانوا ونحن بقربهم |
في طيبات مشارب ومآكل |
|
دارت رحاك عليهم فتمزقوا |
فالقومتحت صفائح وجنادل |
|
أفنيتهم وتركتنا من بعدهم |
بين الصديق أو العدو الخاذل |
|
صرفت إرادتهم إليك فكلهم |
يتكالبون على النعيم الزائل |
|
طلبوا حلاوات المعاش بجهلهم |
ونسوا مرارات الحمام النازل |
|
فاحذر زمانك يا أخي فإنها |
فعل الحزامة من صنيع العاقل |
|
لا يخدعنك ما ترى من صفوة |
إن الخديعة مصرع للجاهل |
|
أم كيف تعشق دهر سوء همه |
بغض المحب له وضرم الواصل |
|
مغري بحفظ البارعين من الورى |
بالنائبات ورفع ركن الحامل |
|
أخنى على آل النّبي مُحمّد |
فأصيب شملهم ببين شامل |
|
كانوا غياثاً للورى وسعادة |
وغيوث خصب في الزمان الماحل |
|
كانوا سحائب رحمة فتقشعت |
بفجائع في كربلاء وشلاشل |
|
كانوا بدوراً يستضاء بنورها |
وكواكباً للحق غير أوافل |
|
فالمجد مهضوم الجنان لحزنهم |
والدين في كرب وشغل شاغل |
|
لهفي لمولاي الحُسين وقد غدا |
بالطف بين مجالد ومجادل |
|
لهفي له فرد أحاط برحله |
من رامح للظالمين ونابل |
لهفي له عند الشريعة يشتكي |
عطشاً وليس إلى الورود بواصل |
|
لهفي لأنصار له قد غودروا |
في كربلاء بذوابل ومناضل |
|
لهفي له يرنو مصارع أهله |
كملا وإن صاروا لديه أفاضل |
|
لهفي له يأتي الحريم مودعاً |
توديع من لا للحياة بآمل |
|
لهفي له يحمي الحريم بسيفه |
من فارس يسطو هناك وراجل |
|
لهفي له والقوم تنهب جسمه |
عن ناقط بالذابلات وشاكل |
|
لهفي له فوق الصعيد مجدلا |
قد خر يهوي عن سراة الفاضل |
|
لهفي وقد ذبح الحُسين بسيفه |
والشيب مخضوب بقان سائل |
|
لهفي وقد قطع الزنيم كريمه |
كفراً وقد علاه فوق الذابل |
|
لهفي وخيلهم ترض نعالها |
لأبر حاف في الأنام وناعل |
|
لهفي لفسطاط الحُسين وقد غدا |
نهباً وفيه بنو النّبي الفاضل |
|
لهفي لرأس ابن النّبي هدية |
لابن الدعي على سنان الغامل |
|
لهفي لزين العابدين مكتفاً |
يكبو له يقتاد بين عقائل |
|
لهفي على حرم الحُسين يسقن في |
ذل السبا وما لها من كافل |
|
لهفي لهن وقد برزن حواسراً |
من بعد قصم أساور وخلاخل |
|
لهفي لهن وقد سلبن معاجراً |
شعثاً وقد ركبن فوق رواحل |
|
فدعت بعمتها الزكية فاطم |
بنت النّبي دعا حزين ثاكل |
|
يا عمتاه ابن الحُسين وما بنا |
بين العداة كأننا من كابل |
|
قالت بصرت له على عفر الثرى |
ومترب ما منه رجاء الآمل |
|
متخضباً بدمائه متعفراً |
في القاع بين جوامع وعواسل |
|
قالت ألا يا عمتاه وا حسرتا |
لشقاء أيتام له وأرامل |
|
يا عمتا كان الحُسين يحوطنا |
وبه نصول على الزمان الصائل |
|
يا عمتا كان الحُسين وسيلة |
ترجى وقد قطع الزمان وسائلي |
|
يا عمتا ماذا نؤمل ومن |
يعتادنا بعوارف وفواضل |
|
يا عمتا ليس الصديق بزائر |
أبداً وليس عدونا بمجامل |
|
يا عمتا وا شقوتا من بعده |
ضغناً فليس لكلنا من حامل |
فبكت وقالت زينب لا تصدعي |
قلبي فحزن أبيك غير مزائل |
|
يا بنت مولاي الحُسين ترفقي |
بحشاشة مسجورة ببلابل |
|
فابوك فارقني ففارقه العزا |
لكن حزني في أبيك مواصلي |
|
حجب الحمام حمامه عن ناظري |
وخياله طول الزمان مقابل |
|
أسفاً على نور الإله وقد هوى |
أسفاً على الليث الهمام الباسل |
|
أأخي إن ذهل الحزين مصابه |
يوماً فليس القلب عنك بذاهل |
|
أأخي ما مدمعي عليك بجامد |
كلا ولا حزني عليك بزائلي |
|
فبكت ملائكة السّماء لبكائها |
وبكى النّبي لها بدمع هائل |
|
هذي الرزية للنبي وآله |
جلت فما رزء لها بممائل |
|
لم تفعل الأمم الأوائل مثلها |
هيهات ما أحد لذاك بفاعل |
|
فعلام يا شيعتي تذخر مدمعاً |
تبكي به لمعالم ومنازل |
|
فاحبس دموعك عن تذكر دمنة |
درست معالمها بشعبي نائل |
|
واسمع بها في رزء آل مُحمّد |
فعساك تحضى بالنعيم الآجل |
|
إني إذا هل المحرم هاج لي |
حزن يذيب حشاشتي من داخل |
|
يفنى الزمان ولا أرى لمصابهم |
إلّا أخاً حرق وجسم ناحل |
|
فلعل تعذيبي بهم ألقى به |
غفران ذنب هدّ منه كاهل |
|
يا أهل بيت مُحمّد يا سادة |
حازوا الورى بمكارم وفواضل |
|
أنتم أئمتنا الهداة وأنتم |
في الدين أهل فضائل وفواضل |
|
أنتم رعات المسلمين فمن يزغ |
عنكم فليس له الإله بقابل |
|
أنتم بنو المختار غير مدافع |
لكم ولا أحد لكم بمشاكل |
|
وإليكم منّي قصيدة شاعر |
لهج بمدحكم إليكم مائل |
|
منظومة جاءت تزف إليكم |
بكمالها من لج بحر الكامل |
|
قول ابن داغر والمحب مغامس |
والقول برهان لعقل القائل |
|
فتقبلوها وعجلوا بكرامتي |
فالنفس مولعة بحب العاجل |
|
صلّى الإله عليكم وسقاكم |
صوب الغمام بمستهل الوابل |
الباب الثّالث
أيّها المؤمنون , أتدرون أيّ مزيّة تحصلون وفي أيّ مرتبة تحلّون ؟ أنتم والله المحبورون الفائزون المجاهدون الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون , أليس في الكتاب الـمُبين بعد إثبات الولاية لأمير المؤمنين وأولاده الغرّ الميامين :( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ ) (١) ؟ وهذا الخطاب نصّ صريح في هذا الباب, واعلموا أنّ هذه الآية سرّاً عجيباً لا يتفطّن له إلّا الأريب , فلو تصوّر الـمُحبّ لآل الرّسول ما لاقوه من الخطب المهول وأخلص في ولائه , لاختار لمواساتهم في الموت على بقائه , أيُجندل الحُسين وبنو أبيه على الرّمال ويعلى كريمه الشّريف على القنا كالهلال , وتُسبى ذراريه محمولين حسراً على الجمال , يُطاف بهم في البلاد مقرنين في الأصفاد , هذا والدّموع جامدة والعيون راقدة ؟! لا والله , لا يحسن هذا من أهل الإيمان ولا ممّن يدّعي أنّه من حزب الرّحمان ، بل والله , قُل لهذا المصاب خروج الأرواح من شدّة الاكتئاب :
جار العدو عليهم حتّى غدوا |
أيدي سبا في سوء حال منكر |
|
ما بين مضروب بأبيض صارم |
أو بين مطعون بلدن أسمر |
|
أو بين مسحوب ليذبح بالعرى |
أو بين مشهور وآخر موسر |
|
أو بين من يكبو لثقل قيوده |
أو بين مغلول اليدين معفر |
|
كم من أذى متهضم قد مسهم |
من ظالم باغ عليهم ومفتر |
روي عن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , أنّه قال لعليّ بن أبي طالب : (( يا عليّ , إنّ الله زوّجك ابنتي فاطمة الزّهراء وجعل صداقها الأرض , فمَن مشى عليها وكان مُبغضاً لها , كان مشيه على الأرض حراماً ولها في يوم القيامة شأن عظيم )).
وعن الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( إذا كان يوم القيامة , جاءت فاطمة في لـمّة من نساء أهل الجنّة , فيُقال لها: يا فاطمة ادخلي الجنّة. فتقول : والله لا أدخل حتّى أنظر ما صُنع بولدي الحُسين من بعدي في دار الدُنيا. فيُقال لها : انظري في قلب القيامة. فتنظر يميناً وشمالاً فترى الحُسين (عليهالسلام ) وهو واقف ليس عليه رأس , فتصرخ صرخة عالية من حرقة قلبها , فتصرخ الملائكة لصرختها , وتقول : وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! وا حسيناه !
____________________
(١) سورة المائدة / ٥٦.
قال : فلم يبق في ذلك الموقف ملك ولا نبيّ ولا وصي إلّا وبكى لأجلها وحزن لحزنها. قال : فعند ذلك يشتدّ غضب الله على أعداء الرّسول , فيأمر الله تعالى ناراً اسمها هبهب - قد أوقدوا عليها ألف عام حتّى اسودّت واظلمّت لا يدخلها روح - فيُقال لها : يا هبهب , التقطي قتلة الحُسين (عليهالسلام ) ومَن أعان على قتله. فتلتقطهم جميعاً واحداً بعد واحد , فإذا صاروا في حوصلتها , صهلت بهم وصهلوا بها وشهقت بهم وشهقوا بها واشتدّ عليهم العذاب الأليم , فيقولون : ربّنا لِمَ اوجبت علينا حرق النّار قبل عبدة الأصنام ؟ فيأتيهم الجواب : يا أشقياء , إنّ مَن علم ليس كمن لا يعلم )). فذوقوا عذاب الهون بما كنتم تعملون :
لمصابهم تتزلزل الأطواد |
ولقتلهم تتفتت الأكباد |
|
كل الرزايا بعد وقت حلولها |
تنسى ورزءهم الجليل يعاد |
روي عن سهل بن سعيد الشّهرزوري , قال : خرجت من شهرزوري أريد بيت المقدس , فصار خروجي أيّام قتل الحُسين (عليهالسلام ) , فدخلت الشّام فرأيت ؛ الأبواب مفتحة والدّكاكين مُغلقة , والخيل مُسرجة , والأعلام منشورة والرّايات مشهورة , والنّاس أفواجاً امتلأت منهم السّكك والأسواق , وهُم في أحسن زينة يفرحون ويضحكون , فقلت لبعضهم : أظنّ حدث لكم عيد لا نعرفه ؟ قالوا : لا. قُلت : فما بال النّاس كافّة فرحين مسرورين ؟ فقالوا : أغريب أنت أم لا عهد لك بالبلد ؟ قُلت : نعم ، فماذا ؟ قالوا : فُتح لأمير المُفسدين فتح عظيم. قُلت : وما هذا الفتح ؟ قالوا : خرج عليه في أرض العراق خارجي فقتله والمنّة لله وله الحمد. قُلت : ومَن هذا الخارجي ؟ قالوا : الحُسين بن عليّ بن أبي طالب. قُلت : الحُسين ابن فاطمة بنت رسول الله ؟ قالوا : نعم. قُلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون , وإنّ هذا الفرح والزّينة لقتل ابن بنت نبيّكم , وما كفاكم قتله حتّى سمّيتموه خارجياً ؟! فقالوا : يا هذا , أمسك عن هذا الكلام واحفظ نفسك ؛ فإنّه ما من أحد يذكر الحُسين بخير إلّا ضُربت عنقه. فسكتّ عنهم باكياً حزيناً ، فرأيت باباً عظيماً قد دخلت فيه الأعلام والطّبول , فقالوا : الرّأس يدخل من هذا الباب. فوقفت هُناك , وكلّما تقدّموا بالرّأس , كان أشدّ لفرحهم وارتفعت أصواتهم , وإذا برأس الحُسين والنّور يسطع من فيه كنور رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فلطمت على وجهي وقطعت أطماري
وعلا بكائي ونحيبي , وقُلت : وا حزناه للأبدان السّليبة النّازحة عن الأوطان المدفونة بلا أكفان ! وا حزناه على الخدّ التّريب والشّيب الخضيب ! يا رسول الله ! ليت عينيك ترى رأس الحُسين في دمشق يُطاف به في الأسواق , وبناتك مشهورات على النّياق مشقّقات الذّيول والأرياق , ينظر إليهم شرار الفسّاق , أين عليّ بن أبي طالب يراكم على هذا الحال ! ثمّ بكيت وبكى لبكائي كلّ مَن سمع منهم صوتي , وأكثرهم لا يلتفتون بي ؛ لكثرتهم وشدّة فرحهم واشتغالهم بسرورهم وارتفاع أصواتهم , وإذا بنسوة على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر , وقائلة منهنّ تقول : وا مُحمّداه ! وا عليّاه ! وا حسناه ! لو رأيتم ما حلّ بنا من الأعداء. يا رسول الله ! بناتك اُسارى كأنّهن بعض أسارى اليهود والنّصارى. وهي تنوح بصوت شجيّ يقرح القلوب على الرّضيع الصّغير , وعلى الشّيخ الكبير المذبوح من القفا ومهتوك الخبا العريان بلا رداء. وا حزناه لما نالنا أهل البيت ! فعند الله نحتسب مصيبتنا.
قال : فتعلّقت بقائمة المحمل وناديت بأعلى الصّوت : السّلام عليكم يا آل بيت مُحمّد ورحمة الله وبركاته. وقد عرفت أنّها اُمّ كلثوم بنت عليّ (عليهالسلام ) , فقالت : مَن أنت أيّها الرّجل الذي لم يسلّم علينا أحد غيرك مُنذ قُتل أخي وسيّدي الحُسين (عليهالسلام ) ؟ فقلت : يا سيّدتي ! أنا رجل من شهرزور اسمي سهل , رأيت جدّك مُحمّد الـمُصطفى (صلىاللهعليهوآله ). قالت : يا سهل ! ألا ترى ما قد صُنع بنا ؟ أما والله لو عشنا في زمان لم يُر مُحمّد , ما صنع بنا أهله بعض هذا , قُتل والله أخي وسيّدي الحُسين , وسُبينا كما تُسبى العبيد والإماء , وحُملنا على الأقتاب بغير وطاء ولا ستر كما ترى. فقلت : يا سيّدتي , يعزّ والله على جدّك وأبيك واُمّك وأخيك سبط نبي الهُدى. فقالت : يا سهل ! اشفع لنا عند صاحب المحمل أن يتقدّم بالرّؤوس ؛ ليشتغل النّظّارة عنّا بها فقد خزينا من كثرة النّظر إلينا. فقلت : حُبّاً وكرامة.
ثمّ تقدّمت إليه وسألته بالله وبالغت معه , فانتهرني ولم يفعل ، قال سهل : وكان معي رفيق نصراني يُريد بيت المقدس وهو مُتقلد سيفاً تحت ثيابه , فكشف الله عن بصره , فسمع رأس الحُسين وهو يقرأ القُرآن ويقول :( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ... ) (١) . فقد أدركته السّعادة , فقال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له , وأنّ مُحمّداً عبده ورسوله. ثمّ انقضى سيفه وشدّ به على القوم وهو يبكي , وجعل يضرب فيهم فقتل منهم جماعة كثيرة , ثمّ تكاثروا عليه فقتلوه رحمه الله ، فقالت اُمّ كلثوم : ما هذه
____________________
(١) سورة إبراهيم / ٤٢.
الصّيحة ؟ فحكيت لها الحكاية , فقالت : وا عجباه ! النّصارى يحتشمون لدين الإسلام , واُمّة مُحمّد الذين يزعمون أنّهم على دين مُحمّد , يقتلون أولاده ويسبون حريمه , ولكن العاقبة للمتقين :( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١) . ولقد عجبت لتلك الأطواد كيف لا تتزلزل , وكذلك النّادي كيف لا ينخسف ويتحوّل , ولكن أرتفع موجود اللطف من بين أظهرهم وهم لا يعلمون :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (٢) :
يا أمة السوء لم تجازوا رسول الله |
فيكم إذ لم يزل متعوبا |
|
كل يوم تهتكون حريماً |
من بنيه وتقتلون حبيبا |
|
كيف تلقونه شفيعاً وترجون |
غدا أن يزيل عنكم كروبا |
|
لا وربي ينال وذاك سوى |
من كان مولاهم موال منيبا |
حُكي أنّ موسى بن عمران رآه إسرائيلي مستعجلاً , وقد كسته الصّفرة واعترى بدنه الضّعف وحكم بفرائصه الرّجف , وقد اقشعرّ جسمه وغارت عيناه ونحف ؛ لأنّه كان إذا دعاه ربّه للمُناجاة يصير عليه ذلك من خيفة الله تعالى , فعرفه إسرائيلي وهو ممّن آمن به , فقال له : يا نبي الله , أذنبت ذنباً عظيماً , فاسأل ربّك أن يعفو عنّي فأنعم. وسار , فلمّا ناجى ربّه , قال له : يا ربّ العالمين , أسألك وأنت العالم قبل نطقي به. فقال تعالى : (( يا موسى , ما تسألني أعطيك وما تريد أبلغك )). قال : ربّي , إنّ فلاناً عبدك إسرائيلي أذنب ذنباً ويسألك العفو. قال : (( يا موسى , اعفو عمّن استغفرني إلاّ قاتل الحُسين )). قال موسى : يا ربّ , مَن الحُسين ؟ قال له : (( الذي مرّ ذكره عليك بجانب الطّور )). قال : ربّ , ومَن يقتله ؟ قال : (( يقتله اُمّة جدّه الباغية الطّاغية في أرض كربلاء , وتنفر فرسه وتحمحم وتصهل وتقول في صهيلها : الظّليمة الظّليمة من اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها , فيبقى مُلقى على الرّمال من غير غسل ولا كفن , ويُنهب رحله وتُسبى نساءه في البلدان , ويُقتل ناصروه وتُشهر رؤوسهم مع رأسه على أطراف الرّماح. يا موسى , صغيرهم يميته العطش وكبيرهم جلده منكمش , يستغيثون ولا ناصر , ويستجيرون ولا خافر )). قال : فبكى موسى وقال : يا ربّ , ما لقاتليه من العذاب ؟ قال : (( يا موسى , عذاب يستغيث منه أهل النّار بالنّار , لا تنالهم رحمتي ولا شفاعة جدّه , ولو لم تكن كرامة له لخسفت
____________________
(١) سورة البقرة / ٥٧.
(٢) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
بهم الأرض )). قال موسى : برئت إليك اللّهمّ منهم وممّن رضي بفعالهم. فقال سبحانه : (( يا موسى , كتبت رحمة لتابعيه من عبادي , واعلم أنّه من بكى عليه وأبكى أو تباكى , حرمت جسده على النّار )) :
بني أمية مات الدين عندكم |
وأصبح الحق قد وارته أكفان |
|
أضحت منازل آل السبط مقفرة |
من الأنيس وما فيهن سكان |
|
باهوا بمقتله ظلماً وقد هدمت |
لفقده من ذوي الإسلام أركان |
|
رزية عمت الدُنيا وساكنها |
فالدمع في أعين الباكين هتان |
قيل : افتخر إسرافيل على جبرائيل , فقال : إنّي من حملة العرش وصاحب الصّور والنّفخة , وأنا أقرب الملائكة إلى حضرة الجلال. فقال جبرائيل : أنا خير منك. قال : لماذا ؟ قال : أنا أمين الله على وحيه , وصاحب الكسوف والخسوف والزّلازل والرّسائل. فاختصما إلى الله تعالى , فأوحى إليهما : (( أن اسكتا , فوعزّتي وجلالي , لقد خلقت مَن هو خير منكما , انظرا إلى ساق العرش )). فنظروا وإذا على ساق العرش : لا إله إلّا الله مُحمّد رسول الله , عليّ وفاطمة والحسن والحُسين خير خلق الله. فقال جبرائيل : بحقّهم عليك , إلّا ما جعلتني خادماً لهم. فقال : (( لك ذلك )). فافتخر جبرائيل على الملائكة أجمع لمّا صار خادماً لهم. فقال : مَن مثلي وأنا خادم آل مُحمّد ؟ فانكسرت الملائكة أن يفاخروه.
فتفكّروا أيّها الأعلام وتأمّلوا في هذا الإمام , وانظروا إلى ما فعل به القوم اللئام , وإلى صبره على التّجرّع والغصص والآلام , وتجرّع كؤوس الحمام , ولقد فاق على جدّه إبراهيم في هذا المقام العظيم ؛ لأنّ إبراهيم (عليهالسلام ) ابتلي في نفسه لا غير حين اُلقي في النّار , والحُسين (عليهالسلام ) صُرع حوله بنوه وبنو أبيه الأطهار ، واغتصبوا نفسه أيضاً , فقابل الجميع بالإستغفار والرّضا والإصطبار , فهذا مرام لم يصل قبله ولا بعده أحداً إليه إلّا هو صلوات الله وسلامه عليه ، نعم قد زاد على هذا المقام أبوه عليّ (عليهالسلام ) , وذلك أنّ النّبي (ص) لـمّا أدركته الوفاة وكان رأسه الشّريف في حجر عليّ (ع) , بكى , فقال له : (( ما يبكيك يا أخي ؟ )). فقال(ع) : (( يا سيّدي , كنت وقد وعدتني بالشّهادة وأنت مُعافى , وقد كنت أرجو أن اُقتل بين يديك )). فقال(ص) : (( ابشر فإنّها من ورائك , فكيف صبرك إذاً ؟ )). فقال : (( يا رسول الله , ليس ذاك موطن الصّبر , وإنّما هو موطن الشّكر )).
فقد جعل الحُسين (عليهالسلام ) موطن الشّهادة موطن الصّبر , وعليّ (عليهالسلام ) جعلها موطن البُشرى والشّكر , والصّبر لا يكون إلّا عن أمر مكروه , والشّكر لا يكون إلّا عن أمر محبوب , والفرق بين هذين الموطنين العظيمين , كالفرق بين هذين الإمامين الكريمين ، فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مغامس (رحمه الله تعالى )
كيف السلو والخطوب تنوب |
ومصائب الدُنيا عليك تصوب |
|
إن البقاء على اختلاف طبائع |
ورجاي أن ينجو الفتى لعجيب |
|
والدهر أطوار وليس لأهله |
إن فكروا في حالتيه نصيب |
|
ليس اللبيب من استقر بعيشه |
إن المفكر في الأمور لبيب |
|
يا غافلاً والموت ليس بغافل |
عش ما تشاء فإنك المطلوب |
|
أبرزت لهوك إذ زمانك مقبل |
زاه وإذ غصن الشباب رطيب |
|
فمن النصير من الخطوب إذ أتت |
وعلا على شرخ الشباب مشيب |
|
عمل الفتى من علمه مكتوبة |
حتّى الممات وعمره مكتوب |
|
فتراه يكدح في المعاش ورزقه |
في الكائنات مقدر محسوب |
|
إن الليالي لا تزال مجدة |
في الخلق أحداث لها وخطوب |
|
من سر فيها ساءه من صرفها |
ريب له طول الزمان قريب |
|
عصفت بخير الخلق آل مُحمّد |
صر شأمية لها وصبوب |
|
أما النّبي فخانه من قومه |
في أقربيه محاكم وصحيب |
|
من بعدما ردوا عليه وصاله |
حتّى كأن مقاله مكذوب |
|
ونسوا رعاية أحمد في حيدر |
في (خم) وهو وزيره المصحوب |
|
فأقام فيهم برهة حتّى قضى |
في الفرض وهو بغضبهم مغضوب |
|
والطهر فاطمة زوى ميراثها |
شر الأنام ودمعها مسكوب |
|
من بعدما رمت الجنين بضربة |
فقضت وحقها مغصوب |
|
وسليلها الهادي سقته جعيدة |
سما له سبط الفؤاد لهيب |
وجرى من الجفن الغريق بمائه |
دمع على قتل الحُسين صبيب |
|
يا يومه ما كان أقبح منظراً |
وأمر طعماً أنه لعصيب |
|
بأبي الإمام المستظام بكربلا |
يدعو وليس لـمّا يقول مجيب |
|
بأبي الوحيد وما له من راحم |
يشكو الظمأ والماء منه قريب |
|
بأبي الحبيب إلى النّبي مُحمّد |
ومحمد عند الإله حبيب |
|
يا كربلاء أفيك يقتل جهرة |
سبط المطهر إن ذا لعجيب |
|
ما أنت إلّا كربة وبلية |
كل الأنام بهولها مكروب |
|
هل لا انتصرت له من القوم الأولى |
قتلوه ظلماً وهو فيك غريب |
|
فتدكدكت فيهم رباك وغورت |
منك المياه وضاق منك رحيب |
|
لهفي وقد زحفت إليه جموعهم |
فلهم رفيف نحوه ووثوب |
|
لهفي له فرداً وحيداً بينهم |
لـمّا قضت أنصاره وأصيب |
|
لهفي وقد وافى إليه منهم |
سهم لمقلته الشريف مصيب |
|
لهفي عليه وقد هوى متعفراً |
وبه أوام فادح ولغوب |
|
لهفي عليه بالطفوف مجدلاً |
تسفى عليه شمائل وجنوب |
|
لهفي عليه والخيول ترضه |
فلهم ركض حوله وخبيب |
|
لهفي له والرأس منه مميز |
والشيب من دمه الشريف خضيب |
|
لهفي عليه ودرعه مسلوبة |
لهفي عليه ورحله منهوب |
|
لهفي على حرم الحُسين حواسراً |
شعثاً وقد رعبت لهن قلوب |
|
أبصرت شمراً فوقه فزجرته |
عنه وقلن وللقلوب وجيب |
|
يا شمر ويحك خله لبناته |
ولك المهيمن إن فعلت يثبت |
|
يا شمر ويحك من أبوه وأمه |
فكر لعلك تهتدي وتثيب |
|
حتى إذا قطع الكريم بسيفه |
لم يثنه خوف ولا ترغيب |
|
جددن ثمّ على الحُسين مأتماً |
فحريمه تبكي له وحريب |
|
لله كم لطمت خدود عنده |
جزعاً وكم شقت عليه جيوب |
|
ما أنس لا أنس الزكية زينباً |
تبكي له وقناعها مسلوب |
|
تدعو وتندب والمصاب يكضها |
بين الطفوف ودمعها مسلوب |
وتقول أي شقوة أولى لها |
صرف الزمن وحظنا المتعوب |
|
أأخي بعدك ما صفى متكدر |
ولخاطري عما يطيب نكوب |
|
أأخي بعدك قد شقيت ورابني |
دهر لأخبار الرجال مريب |
|
أأخي بعدك لا حييت بغبطة |
واغتالني خسف إلى قريب |
|
أأخي بعدك من أطول به ومن |
أسطو به والنائبات تنوب |
|
أأخي بعدك من يدافع جاهلاً |
عني ويسمع دعوتي ويجيب |
|
لم يلق خلق ما لقيت ولا ابتلى |
يوماً بمثل بليتي أيوب |
|
حزني تذرف به الجبال وعنده |
يسلو وينسى يوسفاً يعقوب |
|
فأتت إليه أم كلثوم لها |
ذبل على وجه الثرى مسحوب |
|
قالت مصابك يا حسين أصابني |
حزناً ونوري فاحم وغريب |
|
ما كنت أحسب يابن أمي أنني |
أشقي وإن الظن فيك يخيب |
|
قد كنت دخراً لي ولكن الفتى |
أبداً إليه حمامه مجلوب |
|
فالآن بعدك ظل مجدي قالص |
ولماء وجهي جفة وتصوب |
|
ودعت سكينة بالصغيرة فاطم |
قومي أخية فالمصاب يصوب |
|
هذا أبوك معفراً ثاو له |
خد على عفر الثراء تريب |
|
فابكي أخية دائماً لمصابه |
فمصابه منه الجبال تذوب |
|
قتلت أحبائي وأهل مودتي |
كملاً فليس لـمّا شكوت طبيب |
|
ودعا ابن سعد برزوا نسوانه |
فسليبة مكشوفة وسليب |
|
قال أوقدوا النيران في أبياته |
فسما لها بين البيوت لهيب |
|
قال اقصدوا بأرض الشآم فقربت |
أنقاض بزل للحريم ونيب |
|
فركبن يندبن النّبي محمداً |
وهم على حر الركاب ركوب |
|
يا جدنا ساقوا علينا موثقاً |
بالقيد وهو خائف المرعوب |
|
يا جدنا ساقوا بناتك حسراً |
حتّى تهتك سترها المحجوب |
|
يا للرجال الأكرمين لـمّا جرى |
والدهر فيه مصائب وخطوب |
|
آل النّبي الـمُصطفى الهادي لهم |
بالأرض في آفاقها تغريب |
|
يحدوا بهم زجر ليرضى منهم |
رجس لكأس مدامه شريب |
فالرأس بين يديه ينكت ثغره |
ويرجع الألحان وهو طريب |
|
يدعو بأشياخ له لا قدسوا |
فهم الذين عليهم مغضوب |
|
فعلى الذي ساس المضالم أولا |
لعن مدى الأيام ليس يغيب |
|
وعلى أمية أجمعين ومن لهم |
يهوى من اللعن الشديد ضروب |
|
يا أهل بيت مُحمّد دمعي لكم |
جار وقلبي ما حييت كئيب |
|
أنتم ولاة المسلمين وحبكم |
فرض ونهج هديكم ملحوب |
|
طبتم فحبكم النجاة وبغضكم |
كفر برب العالمين وجوب |
|
أولاكم الفضل الجسيم لأنه |
أبداً يعاقب فيكم ويثيب |
|
وإليكم منّي قصيدة شاعر |
ذي مقول من طبعه التهذيب |
|
أهداكم مدحاً لكي تمحي بها |
عنه جرائم جمة وذنوب |
|
فانظم مغامس ما تشاء منقحاً |
بالرغم ممن يزدري ويعيب |
|
ثم الصلاة على النّبي وآله |
ما ماس من مر النسيم قضيب |
المجلس الرّابع
من الجزء الثّاني في السّابع من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها المؤمنون , أيّ قُربة يتقرّب بها المتقرّبون , وأيّ سعادة يحضى بها الفائزون , أعظم من هذه القُربات التي يرضى بها ربّ السّماوات والأئمة الهُداة , حسدوهم الظّلمة الطُغاة على ما حصل لهم من الكمالات وعلو الدّرجات عند خالق الأرضين والسّماوات , واعتضد ذلك بحبّ الدُنيا الدّنيّة , فحملهم ذلك على ارتكاب هذه الرّزيّة. فقد نُقل عن عمر بن سعد لعنه الله عندما وبّخه الرّجل الهمداني على خروجه على الحُسين ومنعه الماء وأهل بيته , أنّه قال في جوابه : يا أخا همدان , والله إنّي أَعرف النّاس بحقّ الحُسين (عليهالسلام ) وحرمته عند الله تعالى وعند رسوله , ولكنّي حائر في أمري ما أدري كيف أصنع في هذا الوقت , كنت أتفكّر في أمري وخطر ببالي أبيات من الشّعر , فقال :
دعاني عبيد الله من دون قومه |
إلى بدعة فيها خرجت لحيني |
|
فوالله ما أدري وإني لصادق |
أفكر في أمري على خطرين |
|
أأترك ملك الري والري منيتي |
أم أرجع مأثوماً بقتل حسين |
|
وفي قتله النّار ليس دونها |
حجاب وملك الري قرة عيني |
ثمّ قال : يا أخا همدان , إنّ نفسي لأمّارة بالسّوء ما تحسن لي ترك مُلك الرّي , وإنّي إذا قتلت حُسيناً أكون أميراً على سبعين ألف فارس.
فيا إخواني , اعلموا
أنّ التّوفيق عزيز المثال , ومَن حقّت عليه كلمة العذاب لم يفد فيه عذل العذال , ومَن غلبته نفسه تورّط في أعظم الأمور ودخل في الضّلال ، وكما أنّ للجنّة رجالاً وفي النّار لها رجال , ومَن زُحزح عن النّار واُدخل الجنّة فقد فاز , وما الحياة الدُنيا إلّا لهو , فتعساً لِمَن ظلم تلك العصابة الكرام ! وسحقاً لِمَن نكّس أعلام أولئك الأعلام ! فويل لهم ماذا يقولون حين يُعرضون وبماذا يُجيبون حين يُسألون ! هُنالك تبلو كلّ نفس ما أسلفت وردّوا إلى الله مولاهم الحقّ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون.
حُكي : أنّ الأشعث بن قيس وجويرة الجبلي قالا يوماً لعليّ (عليهالسلام ) : يا أمير المؤمنين , حدّثنا عن بعض خلواتك مع فاطمة (عليهاالسلام ). فقال : (( نعم , بينما أنا وفاطمة في كساء واحد نائمان , إذ أقبل رسول الله إلينا نصف الليل , وكان (عليهالسلام ) يأتيها بالتّمر واللبن ؛ ليعينها على تربية الحسن والحُسين (عليهماالسلام ) , فدخل علينا ونحن نيام , فوضع رجلاً بحيالي ورجلاً بحيالها , فلمّا رأت فاطمة أباها واقفاً , همّت أن تجلس فلم تستطع , فبكت , فقال لها النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : وما يبكيك يا بنت مُحمّد الـمُصطفى ؟ فقالت : أما ترى حالنا ونحن في كساء واحد نصفه تحتنا ونصفه فوقنا ؟ فقال لها : يا بنيّة , أما تعلمين أنّ الله اطلع إطلاعة من سمائه إلى أرضه , فاختار منها بعلك عليّ بن أبي طالب , وأمرني أن أزوّجك به , وأنّ الله عزّ وجلّ اتخذه لي وصيّاً وخليفة من بعدي. يا فاطمة , أما أنّ العرش سأل ربّه أن يزيّنه بزينة لم يزيّن بها شيئاً من خلقه , فزيّنه بالحسن والحُسين (عليهماالسلام ) , وجعلهما في ركنين من أركان العرش , فالعرش يفتخر بزينته على كلّ شيء )).
وفي رواية اُخرى , أنّ فاطمة (عليهاالسلام ) لـمّا شكت عند أبيها ضعف الحال وفقر بعلها عليّاً ، قال لها : (( يا بنيّة , أتعلمين ما منزلة عليّ عندي ؟ )). قالت : (( الله ورسوله أعلم )). قال : (( كفاني أمري وهو ابن اثني عشر سنة , وقاتل الأبطال ولاقى الأهوال وهو ابن ثمانية عشر سنة , وفرّج همّي وجلى غمّي وأزال كربي وهو ابن عشرين سنة , وقلع باب خيبر وهو ابن اثنين وعشرين سنة )). فاستبشرت فاطمة بذلك سروراً عظيماً.
وقد ورد فيه من الفضل ما لا يُعد ولا ينتهي إلى حد ، فمن ذلك ما روي عن النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , أنّه قال : (( مررت ليلة المعراج بقوم تشرشر أشداقهم , فقلت : يا جبرائيل , مَن هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يقطعون على النّاس بالغيبة )). قال : (( ثمّ
عدلنا عن ذلك الطّريق ، فلمّا انتهينا إلى السّماء الرّابعة , رأيت عليّاً يُصلّي ، فقلت : يا جبرائيل , هذا عليّ قد سبقنا ؟ فقال : ليس هذا عليّاً. قُلت : فمَن هو ؟ قال : إنّ الملائكة المكروبين لـمّا سمعت بفضائل عليّ (عليهالسلام ) , وسمعت قولك فيه : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي من بعدي. اشتاقت إلى عليّ , فخلق الله ملكاً على صورة عليّ ، فكلّما اشتاقت إلى عليّ , جاءت إلى ذلك الملك فكأنّها قد رأت عليّاً )).
وعن ابن عبّاس , قال : رأيت أباذر وهو متعلّق بأستار الكعبة , وهو يقول : مَن عرفني فقد عرفني ومَن لم يعرفني فأنا أبوذر , لو صمتم حتّى تكونوا كالأوتاد ولو صلّيتم حتّى تكونوا كالحنايا , ما ينفعكم ذلك حتّى تحبّوا عليّاً.
وعن أبي شعيب الخراساني , قال : دخلت على الإمام أبي عبد الله , فقلت : فداك أبي واُمّي ! إنّي اشتقت إلى الغري. قال : (( وما يشوّقك إليه ؟ )). قُلت : جُعلت فداك ! أحبّ أن أزور أمير المؤمنين (عليهالسلام ). فقال : (( هلى تعرف فضل زيارته ؟ )). فقلت : يابن رسول الله عرّفني ذلك. قال : (( إذا أردت زيارة أمير المؤمنين ، فاعلم أنّك زائر عظام آدم وبدن نوح وجسم أمير المؤمنين )). فقلت : جعلت فداك ! إنّ آدم بسرنديب بمطلع الشّمس , وزعموا أنّ عظامه في البيت الحرام , فكيف صارت عظامه بالكوفة ؟ فقال : (( إنّ الله أوحى إلى نوح (عليهالسلام ) وهو في السّفينة أن يطوف بالبيت أسبوعاً , فطاف أسبوعاً , ثمّ نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج تابوتاً فيه عظام آدم , فلم يزل معه التّابوت في جوف السّفينة حتّى طاف ما شاء الله أن يطوف , ثمّ ورد إلى الكوفة في مسجدها وفيه يقول الله للأرض : اقلعي ماءك. فقلعت ماءها وتفرّق الجمع الذي كانوا مع نوح في السّفينة ودفعها , فرجعت إلى بيت الله الحرام ، وأخذ نوح التّابوت فدفنه في الغري , وهو قطعة من الجبل الذي كلّم الله فيه موسى تكليماً , وقدّس الله عليه عيسى تقديساً , واتّخذ الله إبراهيم خليلاً ومُحمّداً (صلىاللهعليهوآله ) حبيبا , وجعله للمتنسّكين منسكاً , والله , ما سكن فيه بعد آبائه الطّاهرين آدم ونوح أكرم من أمير المؤمنين , وأنّك تزور الآباء الأوّلين ومُحّمداً خاتم النّبيين وعليّاً سيّد الوصيين ، وأنّ زائره يفتح له أبواب السّماء عند دعوته , فلا تكن عن الخير نوّاماً )).
وكان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) يأتي هذه البُقعة الشّريفة ويصلّي فيها , فبينما هو ذات يوم يصلّي بالغري , إذ أقبل رجلان
معهما تابوت على ناقة , فحطّا التّابوت وأقبلا إليه فسلّما عليه ، فقال(ع) : (( من أين أقبلتما ؟ )). قالا : من اليمن. قال : (( وما هذه الجنازة ؟ )). فقالا : كان لنا أب شيخ كبير , فلمّا أدركته الوفاة , أوصى إلينا أن نحمله وندفنه في الغري ، فقلنا : يا أبانا , إنّه موضع شاسع بعيد عن بلدنا , وما الذي تريد بذلك ؟ فقال : إنّه سيُدفن هُناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر. فقال أمير المؤمنين (صلىاللهعليهوآله ) : (( الله أكبر الله أكبر , أنا والله ذلك الرّجل )). ثمّ قام فصلّى عليه ودفناه ومضيا حيث أقبلا.
فسبحان من جعلهم رحمة للعالمين وسبباً مودياً إلى الفوز باليقين ، وجودهم لطف في حقّ الأنام , وحط أجسادهم عصم لمن ثوي فيها وأقام , وبحبّهم تُمحى الآثام ، وبصحّة الإعتقاد فيهم تمحّص الذّنوب العظام , وباتباعهم يحصل الخلاص من أهوال يوم القيامة ودخول الجنّة بسلام :
طوبى لمن أضحى هواكم قصده |
وإلى محبتكم إشارة رمزه |
|
في قربكم نيل المسرة والمنى |
وجنانكم مستنزه المتنزه |
|
قلب يهيم بحبكم تفريطه |
في مثلكم والله غاية عجزه |
|
يضحى كدود القز يتعب نفسه |
في نسجه وهلاكه في قزه |
|
طرف رآكم ثمّ شاهد غيركم |
تطهيره بسوى الدما لم يجزه |
|
نزه فؤادك عن سواهم والقهم |
فوصالهم حل لكل منزه |
|
الصبر طلسم لكنز وصالهم |
من حل ذا الطلسم فاز بكنزه |
فوا عجباً من قوم استطاعوا على ساداتهم فقتلوهم , وخرجوا على أهل هدايتهم فقهروهم ! أتراهم ما علموا أو علموا وما رعوا فاعتدوا وظلموا ؟ فلا غرو إن بكت عليهم محاجري أو قرح السّهاد ناظري , أو تزايدت أوصابي أو أضرمت نار وجدي واكتئابي , فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الجليل ابن مغام س (رحمه الله ت عالى)
أتطلب دنيا بعد شيب قذال |
وتذكر أياماً مضت وليال |
وتظهر عن بان الغوير تجلداً |
وتصبو إلى نور له وضلال |
|
إذا كنت تستحي من العار خالياً |
فما لك تهوي قد كل غزال |
|
فكم تركب الأخطار في تبع الهوى |
ولا يخطر الذكر الجميل ببال |
|
أما كان في شيب القذال هداية |
فيهديك نور الشيب بعد ضلال |
|
أتأمل في دار الغرور إقامة |
لأنت حريص في طلاب محال |
|
تيقض فأني قد رأيتك مقبلاً |
عليها وللأخرى رأيتك قالي |
|
تمسكت فيها بالغرور كمثل ما |
تمسكت من نوم بطيف خيالي |
|
فيا زلة أسرفت فيها تنغصت |
لخيفتها نفسي بكل زلال |
|
فيا سوأتاه إن حان بيني وهذه |
سبيلي ولم أحذر قبيح فعالي |
|
وكان جديراً أن يموت صبابة |
فتى حاله في المذنبين كحالي |
|
فيا قلب هل لا تستقيل من الخطا |
وليس مصر في غد بمقال |
|
تزود من الأيام خيراً فإنها |
بلاغ لمشغوف بحسن مآل |
|
اتخدعني الدُنيا وقد شاب مفرقي |
وأصبحت معقولاً لها بعقالي |
|
وانسي مساربها وما طال عهدها |
وأسعى لها بالجهل سعي خيال |
|
ولي أسرة فيها بآل مُحمّد |
بني خير مبعوث وأكرم آل |
|
تقسمهم ريب المنون فاصبحوا |
عباديد أشتاتاً بكل محال |
|
فبين شريد ترتمي غربة النوى |
به بين غيطان وبين جبال |
|
وبين صليب ماثل فوق جذعه |
تهب عليه من صبي وشمال |
|
وبين دفين وهو حي ومختف |
يراقب خوفاً من وقوع نكال |
|
وبين سميم قد سرى في عظامه |
من السم قتال بغير قتال |
|
فيا ليت شعري من أنوح ومن له |
أروح وما قلبي عليه بسال |
|
أأشجو علياً حين عمم رأسه |
بمنصلت ذي رونق وصقال |
|
له أم لبنت الـمُصطفى بعدما مضى |
قضت لم تفز من إرثها بخلال |
|
أم الحسن الزاكي سقته جعيدة |
قضى بين أنصار له وموال |
|
وإن حنيني للشهيد بكربلا |
لباق فلا يقضى له بزوال |
|
فديت إماماً بالطواف كإنما |
ركائبه قد قيدت بحبال |
فأول لأنصار لديه وكلهم |
ركوب على خيل لهم وجمال |
|
أفيكم خبير باسمها قيل بكربلا |
فقال انزلوا فيها ليوم نزال |
|
ففي هذه حقاً محط رحالنا |
وفلق رؤوس بيننا وقلال |
|
وفي هذه حقاً ستسبي بذلة |
لنا خير نسوان وخير رجال |
|
وفي هذه حقاً ستغدوا رؤوسنا |
تعلى على سمر لها وعوال |
|
فديتك من ناع إلى الناس نفسه |
ومؤذن أهليه بوشك وبال |
|
كأن حياة النفس غير أحينة |
فما لك لا ترو لها بوصال |
|
لعمرك إن الموت مر مذاقه |
فما بال طعم الموت عندك خالي |
|
فديت وحيداً قد أحاط برحله |
لآل أبي سفيان جيش ضلال |
|
يقول لأنصار له قد ابحتكم |
ذمامي وعهدي فاسمعوا لمقال |
|
ألا فارحلوا فالليل مرخ سدوله |
عليكم ومنهاج البسيطة خال |
|
فما لهم من مطلب قد تألبوا |
عليه سوى قتلي ونهب رحالي |
|
فقالوا جميعاً ما يقال لنا وما |
نقول جواباً عند رد سؤال |
|
تقيك من الموت الشديد نفوسنا |
ويرخص عند النفس ما هو غال |
|
أمن فرق نبغي الفريق وكلنا |
لأولاده والعيش بعدك قال |
|
فطوبى لهم قد فاز والله سعيهم |
فكلهم في روضة وظلال |
|
فديت إماماً بعد قتل حماته |
ينادي بصوت في البرية عال |
|
يقول لهم إن تتقوا الله ربكم |
فقتلي لكم والله غير حلال |
|
فديت الذي يرنو الفرات بغلة |
وما بلها من بردها ببلال |
|
فديت فتى قد خر من سرج مهره |
كما خر طود من منيف جبال |
|
فديت صريعاً قد علا الشمر صدره |
لقطع وريد أو لحز قذال |
|
فديت طريحاً تركض الخيل فوقه |
ترض جناجي صدره بنعال |
|
فديت طريحاً أجمعوا بعد قتله |
على نهب نسوان له وعيال |
|
فديت قتيلاً رأسه فوق ذابل |
كالبدر يزهو في أتم كمال |
|
فديت علياً في آثاره يغتدي |
به في قيود للعدو ثقال |
|
فديت لنسوان الحُسين وأهله |
أسارى حيارى في سبي ووبال |
فديت وقد قامت تناديه زينب |
بصوت مبين عن فجيعة بال |
|
أخي ليس دمعي ما حييت بجامد |
عليك ولا قلبي عليك بسال |
|
أخي أن تكن فارقت لا عن ملالة |
فقد كنت قداماً زينتي وجمال |
|
أخي كيف أرجو في زماني مسيرة |
وقد فارقت كف اليمين شمال |
|
أخي كيف أدعو لا تجيب كأنما |
تركت وصالي أو صرمت حبالي |
|
أخي كيف بعد القرب منك طردتني |
وبعد دنوي يا أخي وجلالي |
|
أخي لو رأت عيناك ما قد أصابني |
أساءك فيما نالني وجرا لي |
|
أخي إن وجهي قد تبدل حسنه |
ومما جرى لي قد تغير حالي |
|
أخي إن فدت نفس لنفس من الردى |
فنفسي إذاً تفديك منه ومالي |
|
أخي قد دهتني الحادثات وقد برت |
نوائبها جسمي كبرى خلال |
|
أخي كيف يفني الدهر عني خطوبه |
وقد كنت فيه عدتي وثمالي |
|
وسار ابن سعد بالسبايا حواسراً |
على خلس انقاض لهم ورحال |
|
ينادين بالمختار يا خير مرسل |
وأكرم ماض في الزمان وتال |
|
أيا جدنا ما عبد شمس فدورهم |
جوار وأما دورنا فخوال |
|
أيا جدنا عض الزمان بنانه |
وصالت بنا الأيام أي مصال |
|
أيا جدنا أما الرزايا فإننا |
نقاسي لظى نيرانها بنصال |
|
أيا جد ما أبقوا علينا بقية |
ولا فتروا في أخذنا بنكال |
|
أيا جد لم يربع بنا لاستراحة |
على ما نلاقي من جوى وكلال |
|
أيا جد لأردن تغطى رؤوسنا |
ولا انتعلت أقدامنا بنعال |
|
أيا جد جد الدهر من بعد هزله |
على لاغبات في المصاب هزال |
|
أيا جد هذا السبط في كنف كربلا |
لقي بين دكداك وبين تلالي |
|
دعوهم إليهم طالبين قدومه |
لإرشاد غاو أو لبذل نوال |
|
فلما أتاهم صار فرداً لديهم |
قرين جلاد بينهم وجدال |
|
شكا عطشاً والماء طام ودونه |
رغال لهم قد اردفت برغال |
|
يحاول منهم شربة فترده |
بسمر لها قد أشرعت ونصال |
|
فذاق الردى صبراً وما ذاق شربه |
نزيل أواما مؤذناً بزوال |
بنوك أبيدوا والبنات بذلة |
يسقن هدايا فوق نيب جمال |
|
أيا جد لو شاهدت ما قد جرى لنا |
لابصرتنا شعثاً بأسوء حال |
|
وحسن وجوه قد تولى سعودها |
توالي عليها الحزن أي نوال |
|
بني الـمُصطفى يا صفوة الله إن لي |
فؤاداً من الترنيح ليس بخال |
|
حنيني إليكم لا يقاس بمثله |
حنين حمام أم حنين فصال |
|
ولو مر في تالي الزمان متيم |
بشجو رثى فيكم لرثى لي |
|
وهل أملك السلوان عن حُبّ سادة |
إليهم إذا حل الحساب مآلي |
|
فإن فاتني في عرصة الطف نصركم |
وأجر به أن لا يفوت مقالي |
|
ودونكم منّي عروساً زففتها |
إليكم كما زفت عروس حجال |
|
منظمة الألفاظ بكر كأنما |
على جيدها يزهو عقود لآل |
|
وما كلمت إلّا لأن كلامهما |
جرى من معانيكم صفات كمال |
|
فإن صح قبلان لها من مغامس |
فلست بعقبى ما جنوت أبالي |
|
عليكم سلام الله ما لاح بارق |
وما لاح وسمى بصوت سجالي |
الباب الثّاني
إنّ فضل أئمة الـمُسلمين لا يُحصى كثرة ولو اجتمع له كافّة العالمين , ولعمري , إنّ في فضيلة من فضائلهم عبرة للمعتبرين وذكرى للمتبصّرين , إلّا مَن أغواه الشّيطان فأصمّ سمعه وعميت منه العينان , فتصير عاصية عليه وإن كان ينظر بعينيه.
روي عن الإمام الصّادق (عليهالسلام ) , قال : (( كان من بني مخزوم لهم خولة من عليّ (عليهالسلام ) , فأتاه شابّ منهم فقال : يا خال , مات قريب لي فحزنت عليه حزناً شديداً. قال : أفتحبّ أن تراه ؟ قال : نعم. قال : فانطلق بنا إلى قبره. فلمّا وافى إليه , وقف عليه ودعى الله تعالى , وقال : يا فلان , قُم بإذن الله تعالى. فإذا الميت جالس على شفير القبر وهو يقول : زينة شالا - معناه : لبيك لبيك سيّدنا - فقال أمير المؤمنين : ما هذا اللسان , ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال : بلى ، ولكنّي متّ وأنا على ولاية غيرك , فاُدخلت النّار وانقلب لسانى إلى لسان أهل النّار ))
وعن
صالح بن عقبة عن جعفر بن مُحمّد (عليهالسلام ) , قال : (( لـمّا هلك أبو بكر [و](١) استخلف عمر , رجع [عمر] إلى المسجد فدخل عليه رجل , فقال : يا أمير المؤمنين , إنّي رجل من اليهود وأنا من ملّتهم , وقد أردت أن أسألك عن مسائل إن أجبتني فيها أسلمت ، قال : وما هي ؟ قال : ثلاث وثلاث وواحدة ، فإن سألتك وإن كان في قومك أحد أعلم منك فارشدني إليه. قال : عليك بذاك الشّاب - يعني : عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) - فأتى عليّاً فسأله، فقال له : [لِمَ] قُلت : ثلاثاً [و] ثلاثاً وواحدة ألا قُلت سبعاً ؟ قال : أنا إذاّ جاهل , إن لم تجبني في الثّلاث اكتفيت. قال : فإن أجبتك تسلم ؟. [ قال : نعم. قال : سل. ] قال : أسألك عن أوّل حجر وضع على وجه الأرض , وأوّل عين نبعت , وأوّل شجرة نبتت ؟ قال : يا يهودي , أنتم تقولون أوّل حجر وضع على وجه الأرض الحجر الذي في بيت المقدس , كذبتم هو الحجر الذي نزل به آدم من الجنّة. قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليهالسلام ). قال : وأنتم تقولون أوّل عين نبعت على وجه الأرض العين التي ببيت المقدس , كذبتم هي عين الحياة التي غسل فيها يوشع بن نون السّمكة , وهي العين التي شرب منها الخضر (عليهالسلام ) , وليس يشرب منها أحد إلّا حي. قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليهالسلام ). قال : وأنتم تقولون إنّ أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض الزّيتون , وكذبتم بل هي العجوة [التي] نزل بها [آدم](عليهالسلام ) من الجنّة معه. قال: صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليهالسلام ). قال : والثّلاث الاُخرى , كم لهذه الاُمّة من إمام هُدى لا يضرّهم مَن خذلهم ؟ قال : اثنا عشر إماماً. قال : صدقت والله , وإنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى. قال: فأين يسكن نبيّكم من الجنّة ؟ قال : في أعلاها ذروة وأشرفها مكاناً في جنّات عدن. قال : صدقت والله , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليهالسلام ). قال : فمَن ينزل معه في منزله ؟ قال : اثنا عشر إماماً. قال : صدقت [والله] , إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليهالسلام ). قال : السّابعة وأسلم , كم يعيش وصيّه بعده ؟ قال : ثلاثين سنة. قال : ثمّ يموت أو يُقتل ؟ قال : يُقتل , يُضرب على قرنه فيخضب لحيته. قال : صدقت والله , وإنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى (عليهالسلام ) )).
فانظروا يا إخواني , هل يوجد مثل هذا الشّخص الرّباني ؟
____________________
(١) كلّ ما هو موجود بين المعقوفتين في هذه الرّواية , هو منقول من كتاب الخصال للشيخ الصّدوق / ٤٧٦ - ٤٧٧. (معهد الإمامين الحسنين) .
الله ألبسه في يوم مغرسه |
ثياب حمد نقيات من العار |
|
رفاع معضلة حمال مثقلة |
دراك وتر ودفاع لا وتار |
بنوه المعصومون سادات الدُنيا وشفعاء الخلق في الاُخرى ، الجنّة دار مَن والاهم والنّار سجن مَن عاداهم , أخذ الله لهم على الخلق المواثيق , وأكّد لهم على عباده العهد الوثيق.
نُقل أنّه افتخرت النّار على الجنّة , وقالت : أنا مسكن الملوك والجبابرة والقساورة , وأنت لا يسكنك إلّا الفقراء والمساكين. فشكت الجنّة إلى ربّها , فأتاها النّداء : (( اسكتي وعزّتي وجلالي , لأزينك يوم القيامة بمُحمّد خيرتي من بريّتي , وعليّ ولي أمري وخليفتي , وفاطمة الزّهراء التي مَن أحبّها اُفطم من النّار بإرادتي , والحسن والحُسين سيّدي شباب أهل الجنّة رحمتي , والأئمة المعصومين زبدة خليقتي , وشيعتهم يتنافسون في قصورك بعطيتي )).
فيا إخواني , لقد اُصيب الإسلام بمصيبة ما أعظمها وأدهى بداهية دهماء ما أدهمها , مصيبة نكّست رؤوس أهل الإيمان وعلت مناكب الطّغيان , فليت شعري , مَن أوصى بقتلهم ومَن أمر بتبديد شملهم ؟ ويلهم كأنّهم نسوا المعاد إلى ربّ العباد ! وسيعلمون إلى أيّ مُنقلب ينقلبون :
تريدون منّي يا عواذل سلوة |
عن الحزن هذا مطلب ليس يعقل |
|
فو الله لا أنسى مصابي بسادتي |
إلى أن يواريني لحود وجندل |
|
إذا ذكرت نفسي مصاب أحبتي |
يظل فؤادي والحشا يتقلقل |
|
فاوطان قلبي بالهموم ملاءته |
وباب سرور القلب بالهم مقفل |
|
وأي نعيم خلف السبط بعده |
ففي القلب حزن ثابت لا يحول |
|
كأني به والطير يحجل حوله |
سليباً رداه في التراب مرمل |
|
كأني به والشمر ينحر نحره |
ومولاي من حر الظما يتململ |
|
ولم أنسها بنت الحُسين سكينة |
تشير إلى عماتها وهي تسأل |
|
أيا عمتا ما للأصاغر ذبحوا |
وما بال قومي بالصوارم قتلوا |
|
أيا عمتا ما للحرائر سلبوا |
وما ذنبنا حتّى نهان ونرذل |
|
ايا عمتا هذا الحُسين على الثرى |
سليب الردا من حوله الطير يخجل |
|
أيا عمتا لو تنظرين لنحره |
تفيض دماء مثل ما فاض جدول |
ولو عاينت عيناك ما نال جسمه |
وما فعلت فيه سيوف وذبل |
|
لقد نصعوه بالصوارم والقنا |
فللسمر نقط والصوارم تشكل |
|
ألا لعن الرحمن آل أمية |
وآل زياد كلما حن بزل |
نُقل عن لوط بن يحيى في تاريخه , قال : قال عبد الله بن قيس بن ورقة : كنت ممّن غزا مع أمير المؤمنين عليّ (عليهالسلام ) في صفّين , وقد أخذ أبو أيوب الأعور السّلمي الماء وحرزه عن النّاس , فشكى الـمُسلمون العطش , فأرسل فوارس على كشفه , فانصرفوا خائبين فضاق صدره , فقال له ولده الحُسين (عليهالسلام ) : (( أمضي إليه يا أبتاه )). فقال : (( امض يا ولدي )). فمضى مع فوارس , فهزم أبا أيوب عن الماء وبنى خيمته وحطّ فوارسه , وأتى إلى إبيه وأخبره , فبكى عليّ (عليهالسلام ) ، فقيل له : ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا أوّل فتح بوجه الحُسين ؟ قال : (( صحيح يا قوم , ولكن سيُقتل عطشاناً بطفّ كربلاء حتّى تنفر فرسه وتحمحم وتقول : الظّليمة الظّليمة من اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها )).
تخيرتهم رشداً لأمري أنهم |
على الحق بل هم خيرة الخيرات |
|
فيا رب زدني في يقيني بصيرة |
وزد حبهم يا رب في حسناتي |
روى سلمان الفارسي , قال : دخلت إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فإذا الحُسين (عليهالسلام ) على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول : (( أنت سيّد ابن السّيّد , أنت الإمام ابن الإمام , أنت حجّة ابن الحجّة أبو الحجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم )).
وعن ابن عباس , قال : قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( فاطمة مهجة قلبي , وابناها ثمرة فؤادي , وبعلها نور بصري, والأئمّة من ولده اُمناء ربّي وحبله الممدود بينه وبين خلقه , مَن اعتصم بهم نجى ومَن تخلّف عنهم هلك )).
وعن أبي جعفر (عليهالسلام ) , قال : (( سأل ابن الكوا أمير المؤمنين , فقال : ما معنى قوله تعالى :( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ) (١) ؟ فقال : نحن أصحاب الأعراف , نعرف أصحابنا بسيماهم , نقف بين الجنّة والنّار , فلا يدخل الجنّة إلّا مَن عرفنا وعرفناه , ولا يدخل النّار إلّا مَن أنكرنا وأنكرناه )) :
فمن مثل مولانا عليّ الذي له |
مُحمّد خير المرسلين خليل |
____________________
(١) سورة الأعراف / ٤٦.
فيا دافع الإسلام من بعد خفضه |
وناصب دين الله حيث يميل |
|
ويا أسد الله الذي مر بأسه |
لأعدائه مرّ المذاق وبيل |
|
ويا من له قلب الحوادث خافق |
ويا من له صعب الأمور ذلول |
|
أيا سيّدي يا حيدر الطهر إنني |
أتيتك محزوناً وفهت أقول |
|
أعزيك بالسبط الشهيد فرزءه |
ثقيل على أهل السّماء جليل |
|
دعته إلى كوفان شر عصابة |
عصاة وعن طرق الصواب عدول |
|
فلما أتاهم واثقاً بعهودهم |
فمالوا وطبع الغادرين يميل |
|
أحاطوا وحطوا بالفرات ولم يكن |
لآل رسول الله منه نهول |
|
فلما تناهى الأمر واقترب الردى |
وذل عزيز واستعز ذليل |
|
فمال عليه الجيش حملة واحد |
ببيض وسمر ذبل ونصول |
|
فوافاه في النحر المقدس عبطل |
به أصبح الدين الحنيف عليل |
|
فخر صريعاً ظامياً عن جواده |
فاضحت ربوع السعد وهي محول |
|
وراح إلى نحو الخيام جواده |
خلياً من الندب الجواد يجول |
|
برزن إليه الطاهرات حواسراً |
لهن على المولى الحُسين عويل |
|
فلله أمر فادح شمل الورى |
ورزء على الإسلام منه خمول |
|
بنو الوحي في أرض الطفوف حواسراً |
وأبناء حرب في الديار نزول |
|
ويسرى بزين العابدين مقيداً |
على البزل مأسور اللئام عليل |
|
ويصبح في تحت الخلافة جالساً |
يزيد وفي الطف الحُسين قتيل |
|
سليل النّبي الـمُصطفى وابن فاطم |
وأين لذين الوالدين مثيل |
|
لقد صدق الشيخ السعيد أخو العلى |
عليّ وجاز الفضل حيث يقول |
|
فما كلّ جد في الرجال محمداً |
ولا كلّ أم في النساء بتول |
|
أمولاي آمالي تأمل نصركم |
وقلبي إليكم بالولاء يميل |
|
وقد طال عمر الصبر في أخذ ثاركم |
أما أن للظلم المقيم رحيل |
|
فدونكم من عبدكم ووليكم |
عروساً ولكن في الزفاف ثكول |
|
عليكم سلام الله ما ذكر اسمكم |
وذاكي مدى الأيام ليس يزول |
روى السّعيد عبد الحميد عن مشايخه يرفعه إلى أنس بن مالك , قال : قال
: جاء أبو بكر إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) فجلس بين يديه , وقال : يا رسول الله , قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وإنّي وإنّي. قال(ص) : (( وماذا ؟ )). قال : تزوّجني فاطمة. فأعرض عنه , فرجع أبو بكر إلى عمر ، فقال : هلكت. قال : وما ذاك ؟ قال : خطبت فاطمة إلى النّبي فاعرض عنّي. فقال : مكانك حتّى آتيه فاطلب منه مثل الذي طلبت. فأتى عمر إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) فجلس بين يديه , وقال : يا رسول الله , قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وإنّي وإنّي. قال(ص) : (( وماذا ؟ )). قال : تزوّجني فاطمة. فأعرض عنه , فرجع إلى أبي بكر ، فقال: إنّه لينظر أمراً فيها , قُم بنا إلى عليّ نأمره أن يطلب ما طلبنا. قال عليّ (عليهالسلام ) : (( فاتياني وأنا أعالج فسيلاً لي , فقالا : إنّا جئنا من عند ابن عمّك لخطبة فاطمة , فأعرض عنّا فقم فاخطبها )).
قال عليّ (عليهالسلام ) : (( فقمت وأنا أجرّ ردائي إلى طرف عاتقي وطرف على الأرض , حتّى أتيت النّبي (صلىاللهعليهوآله ) فجلست بين يديه وقلت : يا رسول الله , قد علمت قدمي في الإسلام وإنّي وإنّي. قال(ص) : وماذا ؟ )). قال(ع) : (( زوّجني فاطمة. قال(ص) : وما عندك ؟ )). قال(ع) : (( قُلت : فرسي وبدني. قال(ص) : أمّا فرسك فلا بدّ لك منها ، وأمّا بدنك فبعها )). قال(ع) : (( فبعتها بأربعمئة درهم وجئت بها حتّى وضعتها في حجره , فقبض منها قبضة , فقال : أين بلال ؟ اشتري بها طيباً. وأمرهم أن يجهّزوها , فجعل لها سريراً مشروطاً بالشّرط , ووسادة من آدم حشوها ليف , وملأ البيت كثيباً , وقال : يا عليّ , إذا أتتك فلا تحدث شيئاً حتّى آتيك. فجاءت مع اُمّ أيمن , فقعدت في جانب البيت وأنا في جانب , وجاء النّبي (صلىاللهعليهوآله ) فقال : ههنا أخي ؟ فقالت اُمّ أيمن : أخوك أخوك وقد زوجته ابنتك ؟! قال : نعم. ودخل رسول الله البيت , فقال : يا فاطمة , آتيني بماء. فقامت إلى قعب في البيت فأتته بماء فمج فيه , وقال لها : قومي. فصبّ بين يديها وعلى رأسها وقال : اللّهمّ , إنّي أعيذها بك وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم ، ثمّ قال : آتوني بماء )).
قال عليّ (عليهالسلام ) : (( فقمت فملأت العقب ماء وأتيت به فمج فيه ، ثمّ قال لي : تقدّم. فصبّ على رأسي وبين يدي وقال : اللّهمّ , إنّي أعيذه بك وذرّيّته من الشّيطان الرّجيم ، ثمّ قال : أدبر. فأدبرت فصبّ بين كتفي وقال : اللّهمّ , إنّي أعيذه بك وذرّيّته من الشّيطان الرّجيم. ثمّ قال : ادخل بأهلك باسم الله والبركة )). فيا إخواني , ألا تتفكّرون في هؤلاء الأقوام , هلا
نظروا في كلام النّبي (صلىاللهعليهوآله ) حين عوّذ الذّرية من الشّيطان , فيقفوا عمّا قدموا عليه من الطّغيان ؟ ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور , فتبّاً لهم ما أجرأهم على انتهاك حُرمة خاتم النّبيين , وما أقسى قلوبهم على ذرّيّته الطّاهرين الـمُطهّرين , ويحهم أين يُتاه بهم عن قصد السّبيل , وحتّى متى لا يرعون عن هذا التّضليل , كلّ هذه الدُنيا ونعيمها الزّائل المشوب بالغصص والوهم الباطل ! ولعمري , سيفارقوها عن قليل ويُقال لهم انطلقوا إلى ظلّ لا ظليل.
يا موثر الدُنيا على دينه |
والحائر التائه عن قصده |
|
أصبحت ترجو الخلد فيها وقد |
أبرز ناب الموت عن حده |
|
هيهات أن الموت ذو أسهم |
من يرمه يوماً بها يرده |
|
لا يفرج الواعظ قلب أمرء |
لا يعزم الله على رشده |
وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للسيد عبد الحميد (رحمه الله تعالى )
عز صبري وعز يوم التلاق |
آه وا حسرتاه مما الاقي |
|
أرقتني مذ فارقتني أحبابي |
برغمي غداة يوم الفراق |
|
وفؤادي أضحى غريم غرام |
واصطباري نأى ووجدي باق |
|
أحدقوا بي عواذلي يعذلوني |
حين فاز الدّموع من أحداق |
|
يا عذولي إنّي لسيع فراق |
ما له بعد لسعة من راقي |
|
أعجبوا من متيم حكم الوجد |
عليه بالماء والإحتراق |
|
نار حزني تشب بين ضلوعي |
ودموعي تفيض من آماقي |
|
حق لي بالبكاء ما لا دموعاً |
وأشق الفؤاد لا أخلاق |
|
وأزيد الحزن الشديد لرزء |
السبط سبط الراقي لظهر البراق |
|
قتلوه ظلماً ولم يرقبوا فيه |
لعمري وصية الخلاق |
|
لست أنساه يوم ظل ينادي |
القوم يا عصبة الخنا والشقاق |
|
أتراكم بم استبحتم قتالي |
ورأيتم حلا عليكم شقاقي |
ونكثتم عهدي وكذبتموني |
وشرعتم قتلي وقتل رفاقي |
|
هل علمتم بأن جدّي رسول الله |
خير الأنام بالإطلاق |
|
وعلي أبي الذي كسر الأصنام |
قسراً وفي القيامة ساقي |
|
والبتول الزّهراء فاطم أمي |
ثمّ عمي الطيار في الخلد راقي |
|
هل مغيث يغيثنا وعلينا |
الأجر يوم المحيا ويوم التلاق |
|
فأجابوه قد علمنا الذي قلت |
وما أنت بعد ذا اليوم باق |
|
ثم حفوا به ببيض صقال |
ودروع زغف وسمر رشاقي |
|
ورجال إلى الحروب سراع |
فوق خيل مضمرات عتاق |
|
فغدا للقتال لا يختشي الموت |
لعمري والموت مر المذاق |
|
يورد السمر والضبا في الأعادي |
فيرويهما دم الأعناق |
|
فأحاطوا به فاردوه لـمّا |
عز نصاره وقتل الباقي |
|
ثم علوا كريمه فوق رمح |
وهو يبدو كالبدر في الإشراق |
|
وبنات النّبي يندبن لـمّا |
عاينوه قد خر منه التراقي |
|
وغدت زينب تنادي بشجو |
يا أخي يا قتيل أهل النفاق |
|
يا نبي الهدى بناتك أسرى |
بتناجين من ألم الفراق |
|
عاريات يحملن فوق المطايا |
حاسرات يسحبن في الأسواق |
|
وعلي السجاد يرفل في القيد |
عليلاً مضني شديد الوثاق |
|
يا لها من رزية تهدم الدين |
لعمري لو أن دينك باق |
|
يابن بنت الرسول يا غاية المأمول |
يا عدتي غدا للتلاقي |
|
ابن عبد الحميد عبدك ما زال |
محباً لكم بغير النفاق |
|
إن تفت نصرتي لكم واقتحامي |
دونك الهول عند ضيق الخناق |
|
لم تفت لوعتي وطول حنيني |
واكتثابي وحرقتي واشتياقي |
|
ومقامي على الكآبة والأحزان |
باك بدمعة مهراق |
|
قسماً بالحجيج والبيت والركن |
وطاها وحرمة الخلاق |
|
ما تجري يوم الطفوف على السبط |
جهاراً معاشر الفساق |
|
وسقوه كأس المنية إلّا |
بعتيق ونعثل ذي النفاق |
فهت بالحق والذي يقصد الحق |
يأمن فإنه لا يتاقي |
|
حبكم عدتي وأنتم ملاذي |
يوم حشري ومنكم أعراقي |
|
فصلاة الرب الرّحيم عليكم |
ما تغني الحداة خلف النياق |
الباب الثّالث
أيّها المؤمنون , قاطعوا رقاد العيون واصلوا سهاد الجفون , وامسكوا عن اللذّات وابذلوا الدّموع الجاريات , فإنّ إظهار الدّموع البادية دليل على إظهار الأحزان الخافية ، وإنّي كلّما تزايدت عليّ الأفكار , يتوقّد في قلبي لهيب النّار , فلا أجد مَن ألتجىء إليه ولا أعول في بثّ حزني عليه , وكيف لا تحزن على سادات العباد وأنوار الله في البلاد , وحجج الله على الخلاق ولسانه النّاطق , والشّهود على الاُمم بين يدي بارىء النّسم ؟ :
وأعظم ما بي شجو زينب إذ رأت |
أخاها طريحاً للمنايا يمارس |
|
تقول أخي يا واحدي شمت العدا |
بنا واشتفى فينا الحسود المنافس |
|
أخي يا أخي يا خير ذخر فقدته |
وأنفس شيء صابني فيه نافس |
|
أخي يا أخي قد كان غاية منيتي |
بأن يحتويني قبل فقدك غامس |
|
أخي اليوم مات الـمُصطفى ووصيه |
ولم يبق للإسلام بعدك حارس |
|
أخي من لأطفال النبوة يا أخي |
ومن لليتامى إن قضيت يوانس |
|
أخي من يحامي عن حريم مُحمّد |
ويصلح أحوالاً لها الدهر مائس |
|
وفاطمة الصغرى تخاطب جدها |
ونحو أبيها طرفها متشاوس |
|
تقول له يا جد ليتك شاهد |
وقد حكمت فينا الكلاب النواهس |
|
لتنظر يا جدّه سبطك ظامياً |
وسابحه في لجة الموت طامس |
|
فللّه ذا من فادح ما أجله |
ورزء له عرش المهيمن رائس |
روي : أنّ العبّاس بن عليّ (عليهالسلام ) كان حامل لواء أخيه الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا رأى جميع عسكر الحُسين (عليهالسلام ) قُتلوا وإخوانه وبنو عمّه , بكى وأنَّى إلى لقاء ربّه اشتاق وحنّ , فحمل الرّاية وجاء نحو أخيه الحُسين (عليهالسلام ) وقال : يا أخي , هل رخصة ؟ فبكى الحُسين (عليهالسلام ) بكاءاً شديداً حتّى ابتلت لحيته المباركة بالدّموع (عليهالسلام ) ، ثمّ قال : (( يا
أخي ! كنت العلامة من عسكري ومجمع عددنا , فإذا أنت غدوت , يؤول جمعنا إلى الشّتات وعمارتنا تنبعث إلى الخراب )). فقال العبّاس : فداك روح أخيك يا سيّدي ! قد ضاق صدري من حياة الدُنيا وأريد أخذ الثّأر من هؤلاء المنافقين. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( إذا غدوت إلى الجهاد , فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء )). فلمّا أجاز الحُسين (عليهالسلام ) أخاه العبّاس للبراز , برز كالجبل العظيم وقلبه كالطّود الجسيم ؛ لأنّه كان فارساً هماماً وبطلاً ضرغاماً , وكان جسوراً على الطّعن والضّرب في ميدان الكفاح والحرب , فلمّا توسّط الميدان , وقف وقال : يا عمر بن سعد , هذا الحُسين بن بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) يقول : إنّكم قتلتم أصحابه وإخوته وبني عمّه , وبقي فريداً مع أولاده وهم عُطاشا قد أحرق الظّمأ قلوبهم , فاسقوه شربة من الماء ؛ لأنّ أطفاله وعياله وصلوا إلى الهلاك , وهو مع ذلك يقول لكم : دعوني أخرج إلى أطراف الرّوم والهند , وأخلّي لكم الحجاز والعراق , والشّرط لكم , إنّ غداً في القيامة لا أخاصمكم عند الله حتّى يفعل الله بكم ما يريد.
فلمّا أوصل العبّاس إليهم الكلام عن أخيه , فمنهم من سكت ولم يرد جواباً , ومنهم من جلس يبكي , فخرج الشّمر وشبث بن ربعي لعنهما الله , فجاء نحو العبّاس وقال : يابن أبي تراب , قُل لأخيك , لو كان كلّ وجه الأرض ماءاً وهو تحت أيدينا , ما أسقيناكم منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد. فتبسّم العبّاس ومضى إلى أخيه الحُسين وعرض عليه ما قالوا ، فطأطأ رأسه إلى الأرض وبكى حتّى بلّ أزياقه , فسمع الحُسين (عليهالسلام ) الأطفال ينادون العطش , فلمّا سمع العبّاس ذلك , رمق بطرفه إلى السّماء وقال : إلهي وسيّدي , أريد اعتدّ بعدّتي وأملىء لهؤلاء الأطفال قربة من الماء.
فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة في كتفه , وكان قد جعل عمر بن سعد لعنه الله تعالى أربعة آلاف خارجي موكلين على الماء , لا يدعون أحداً من أصحاب الحُسين يشربون منه , فلمّا رأوا العبّاس قاصداً إلى الفُرات , أحاطوا به من كلّ جانب ومكان , فقال لهم : يا قوم , أنتم كفرة أم مُسلمون ؟ هل يجوز في مذهبكم أو في دينكم أن تمنعوا الحُسين وعياله شرب الماء , والكلاب والخنازير يشربون منه والحُسين مع أطفاله وأهل بيته يموتون من العطش ؟ أما تذكرون عطش القيامة ؟! فلمّا سمعوا كلام العبّاس , وقف خمسمئة رجل ورموه بالنّبل والسّهام , فحمل عليهم , فتفرّقوا عنه
هاربين كما تتفرّق الغنم عن الذّئب , وغاص في أوساطهم وقتل منهم على ما نُقل تقريباً من ثمانين فارساً , فهمز فرسه إلى الماء وأراد أن يشرب , فذكر عطش الحُسين وعياله وأطفاله , فرمى الماء من يده وقال : والله , لا أشربه وأخي الحُسين (عليهالسلام ) وعياله وأطفاله عُطاشا , لا كان ذلك أبداً. ثمّ ملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن وهمز فرسه وأراد أن يوصل الماء إلى الخيمة , فاجتمع عليه القوم فحمل عليهم , فتفرقوا عنه وصار نحو الخيمة , فقطعوا عليه الطّريق , فحاربهم محاربة عظيمة , فصادفه نوفل الأزرق وضربه على يده اليمنى فبراها , فحمل العبّاس القربة على كتفه الأيسر , فضربه نوفل أيضاً فبرا كتفه الأيسر من الزّند , فحمل القربة باسنانه , فجاء سهم فأصاب القربة فانفرت واُريق ماءها , ثمّ جاء سهم آخر في صدره , فانقلب عن فرسه إلى الأرض وصاح إلى أخيه الحُسين : أدركني! فساق الرّيح الكلام إلى الخيمة , فلمّا سمع كلامه , أتاه فرماه طريحاً فصاح : (( وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا قرّة عيناه ! وا قلّة ناصراه ! )). ثمّ بكا بكاءاً شديداً وحمل العبّاس إلى الخيمة , فجدّدوا الأحزان وأقاموا العزاء( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) :
لهفي على العبّاس لـمّا أن دنى |
نحو الفرات بقلبه الحران |
|
فأراد شرب الماء وقال بنفسه |
وا لهفتاه للسيد الظمآن |
|
عاف الشراب ولم يبل أو أمه |
وجد الوجد أخيه والإخوان |
|
لهفي على العبّاس إذ حاطوا به |
من كلّ فج اقبلوا ومكان |
|
حاطوا به واستفردوه وخرقوا |
قرباً ملأها قاصد النسوان |
|
ثاروا عليه بطعنهم وبضربهم |
وبطعنهم أردوه في الميدان |
|
فعلاه رجس فاجر بحسامه |
قطع اليمين بمشرفي ويماني |
|
وهواه آخر ضربة في رأسه |
حتّى رماه بحوبة الجولاني |
|
فأتى الحُسين إليه وهو مسارع |
فرآى أخاه مكابد الحدثان |
|
فبكى وقال جزيت خيراً من أخ |
واسى أخاه بشدة وهوان |
|
أديت حقاً للأخوة يا أخي |
وحضيت وصل الحور والولدان |
|
يا أول الشّهداء يابن الـمُرتضى |
صلّى عليك الله كلّ أوان |
|
والله تلك مصيبة لم أنساها |
إلّا إذا أدرجت في الأكفان |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
حُكي عن عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) , أنّه منذ وفاة أبيه الحُسين ما أكل لحم الرؤوس ؛ حزناً على رأس أبيه ، وكان عمره يومئذ أحد عشر سنة ولم يزل يبكي على مصاب أبيه أربعين سنة , وهو مع ذلك صائم نهاره قائم ليله , فإذا اُحضر الطّعام لإفطاره , قال : (( وا كرباه لكربك يا أباه ! وا أسفاه لقتلك يا أباه ! )). ثمّ يبكي طويلاً وهو يقول: (( قُتل ابن بنت رسول الله جائعاً , قُتل ابن بنت رسول الله عطشاناً وأنا آكل الزّاد وأشرب الماء , لا هناني الأكل والشّرب , يعزّ عليك يا أبي , ليتني لم أر مصرعك )).
قال : ولم يزل يبكي حتّى تبلّ الدّموع وجهه ولحيته ويغشى عليه , فإذا أفاق أكل قليلاً وحمد الله كثيراً وقام إلى عبادة ربّه وأصبح صائماً , ولم يزل هكذا حتّى مات رحمة الله عليه ورضوانه :
وأبلج وضاح الجبين تجمعت |
به من معاني المكرمات فنون |
|
إذا أسهرت عيناه من خوف ربه |
أقرت به للأولياء عيون |
حكى فضيل بن عبد ربّه , أنّه قال : دخلت على الإمام موسى بن جعفر (عليهالسلام ) , فقلت له : يا سيّدي , إنّي أنشدك قصيدة للسيد إسماعيل الحميري ؟ قال : (( أجل )). ثمّ إنّه (عليهالسلام ) أمر بستور فسدلت وأبواب ففتحت , وأجلس حريمه من وراء السّتر ، ثمّ قال : (( أنشد يا فضيل بارك الله فيك )). فانشدته قصيدة للسيد التي أوّلها : لأم عمر باللوى مربع. فلمّا بلغت إلى : ووجهه كالشّمس إذ تطلع. سمعت نحيباً من وراء السّتر وذلك بكاء أهل بيته وعياله ، وبكى هو أيضاً (عليهالسلام ) ؛ لأنّه كان رقيق القلب سريع العبرة , فقال لي : (( يا فضيل , لِمَن هذه القصيدة ؟ )). فقلت : هذه للسيد الحميري. فقال : (( يرحمه الله ! )). فقلت : يا مولاي , إنّي رأيته يرتكب المعاصي. فقال : (( يرحمه الله ! )). فقلت : إنّي رأيته يشرب النّبيذ , نبيذ الرّستاق. فقال : (( تعني الخمر ؟ )). قُلت : نعم. قال : (( يرحمه الله ! وما ذاك على الله بعسير أن يغفر لمحبّ جدّي عليّ بن أبي طالب شارب الخمر )). فقلت : الحمد لله على ولايته ومحبّته. ثمّ إنّي أكملت القصيدة إلى آخرها وهو (عليهالسلام ) مع ذلك يبكي.
وحكى سهيل بن ذبيان بن فضل هذه القصيدة أيضاً , حيث قال : دخلت على الإمام عليّ بن موسى الرّضا في بعض الأيّام قبل أن يدخل عليه أحد من النّاس , فقال لي : (( مرحباً بك يابن ذبيان , السّاعة أراد رسولنا يأتيك لتحضر عندنا )). فقلت : لماذا يابن رسول
الله ؟ فقال(ع) : (( لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأرقني )). فقلت : خيراً يكون إن شاء الله تعالى. فقال : (( يابن ذبيان , رأيت كأنّي قد نُصب لي سلّم فيه مئة مرقاة , فصعدت إلى أعلاه )). فقلت : يا مولاي , أهنئك بطول العمر وربّما تعيش مئة سنة لكلّ مرقاة سنة ؟ فقال لي : (( ما شاء الله كان )). ثمّ قال : (( يابن ذبيان , فلمّا صعدت إلى أعلى السّلّم , رأيت كأنّي دخلت في قبّة خضراء يرى ظاهرها من باطنها , ورأيت جدّي رسول الله جالساً فيها وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان يشرق النّور من وجوههما , ورأيت امرأة بهيّة الخلقة , ورأيت بين يديه شخصاً بهيّ الخلقة جالساً عنده , ورأيت رجلاً واقفاً بين يديه وهو يقرأ هذه القصيدة : لأم عمر باللوي مربع. فلمّا رآني النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , قال لي : مرحباً بك يا ولدي يا عليّ بن موسى الرّضا , سلّم على أبيك عليّ. فسلّمت عليه ، ثمّ قال لي : سلّم على اُمّك فاطمة الزّهراء. فسلّمت عليها ، فقال لي : سلّم على أبويك الحسن والحُسين. فسلّمت عليهما ، ثمّ قال لي : وسلّم على شاعرنا ومادحنا في دار الدُنيا السّيد إسماعيل الحميري. فسلّمت عليه وجلست , فالتفت النّبي إلى السّيد إسماعيل وقال له : عد إلى ما كنّا فيه من إنشاد القصيدة. فأنشد يقول :
لأم عمرو باللوى مربع |
طامسة أعلامه بلقع |
فبكى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فلمّا بلغ إلى قوله : ووجهه كالشّمس إذ تطلع. بكى النّبي وفاطمة (عليهماالسلام ) معه ومَن معه , ولـمّا بلغ إلى قوله : قالوا لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع. رفع النّبي (صلىاللهعليهوآله ) يديه , وقال : إلهي أنت الشّاهد عليّ وعليهم , إنّي أعلمتهم أنّ الغاية والمفزع عليّ بن أبي طالب. وأشار بيده إليه وهو جالس بين يديه صلوات الله عليه )).
قال عليّ بن موسى الرّضا : (( فلمّا فرغ السّيد إسماعيل الحميري من إنشاد القصيدة , التفت النّبي إليّ وقال لي : يا عليّ بن موسى الرّضا , احفظ هذه القصيدة وأمر شيعتنا بحفظها , واعلمهم إنّ مَن حفظها وأدمن قراءتها , ضمنت له الجنّة على الله )).
قال الرّضا : (( ولم يزل يكرّرها عليّ حتّى حفظتها منه )).
ونحن نتبرّك بإيراد هذه القصيدة ونجعلها خاتمة الباب وإلى الله المرجع وإليه المآب , والقصيدة هذه :
القصيدة للسيد إسماعيل الحميري (رحمهالله )
لأم عمرو باللوى مربع |
طامسة أعلامه بلقع |
|
تروح عنه الطير وحشية |
والأسد من خيفته تفزع |
|
برسم دار ما بها مؤنس |
إلّا ظلال في الثرى وقع |
|
رقش يخات الموت من نفثها |
والسم في أنيابها منقع |
|
لما وقفن العيس من رسمها |
والعين من عرفانه تدمع |
|
ذكرت من قد كنت ألهو به |
فبت والقلب شج موجع |
|
كأن بالنّار لـمّا شفني |
من حُبّ أروى كبد تلذع |
|
عجبت من قوم أتوا أحمداً |
بخطبة ليس لها موضع |
|
قالوا له لو شئت أعلمتنا |
إلى من الغاية والمفزع |
|
إذا توفيت وفارقتنا |
وفيهم في الملك من يطمع |
|
فقال لو أعلمتكم مفزعاً |
كنتم عسيتم فيه إن تصنعوا |
|
صنيع أهل العجل إذ فارقوا |
هارون فالترك له أودع |
|
وفي الذي قال بيان لمن |
كان إذا يعقل أو يسمع |
|
ثم أتته بعد ذا عزمة |
من ربه ليس لها مدفع |
|
أبلغ وإلّا لم تكن مبلغاً |
والله منهم عاصم يمنع |
|
فعندها قام النّبي الذي |
كان بما يأمره يصدع |
|
يخطب مأمور وفي كفه |
كف عليّ ظاهراً يلمع |
|
رافعها أكرم بكف الذي |
يرفع والكف الذي ترفع |
|
يقول والأملاك من حوله |
والله فيهم شاهد يسمع |
|
من كنت مولاه فهذا له |
مولى فلم يرضوا ولم يقنع |
|
فاتهموه وجنت منهم |
على خلاف الصّادق الأضلع |
|
وظل قوم غاضهم فعله |
كأنما آنافهم تجدع |
|
حتى إذا واروه في قبره |
وانصرفوا عن دفنه ضيع |
|
ما قال بالأمس وأوصى به |
واشتروا الضر بما ينفع |
|
وقطعوا أرحامه بعده |
فسوف يجزون بما قطع |
وازمعوا غدراً بمولاهم |
تباً لـمّا كان به أزمع |
|
لا هم عليه يردوا حوضه |
غداً ولا هو فيهم يشفع |
|
حوض له ما بين صنعا إلى |
أيلة والعرض به أوسع |
|
ينصب فيه علم للهدى |
والحوض من ماء له مترع |
|
يفيض من رحمته كوثر |
أبيض كالفضة أو انصع |
|
حصاه ياقوت ومرجانة |
ولؤلؤ لم تجنه أصبع |
|
بطحاءه مسك وحافاته |
يهتز منها مونق مربع |
|
أخضر ما دون الورى ناضر |
وفاقع أصفر أو انصع |
|
فيه أباريق وقد حانه |
يذب عنها الرجل الأصلع |
|
يذب عنها ابن أبي طالب |
ذباً كجرباء إبل شرع |
|
والعطر والريحان أنواعه |
ذاك وقد هبت به زعزع |
|
ريح من الجنّة مأمورة |
ذاهبة ليس لها مرجع |
|
إذا دنوا منه لكي يشربوا |
قال لهم تباً لكم فارجع |
|
دونكم فالتمسوا منهلا |
يرويكم أو مطمع يشبع |
|
هذا لمن والى بني أحمد |
ولم يكن غيرهم يتبع |
|
فالفوز للشارب من حوضه |
والويل والذل لمن يمنع |
|
والناس يوم الحشر راياتهم |
خمس فمنها هالك أربع |
|
فراية العجل وفرعونها |
وسامري الأمة المشنع |
|
وراية يقدمها أذلم |
عبد لئيم لكع أكوع |
|
وراية يقدمها حبتر |
للزور والبهتان قد أبدع |
|
وراية يقدمها نعثل |
لا برد الله له مضجع |
|
أربعة في سقر أودعوا |
ليس لهم من قعرها مطلع |
|
وراية يقدمها حيدر |
وراية الحمد له ترفع |
|
غدا يلاقي المصطفى حيدر |
وراية الحمد له ترفع |
|
مولا له الجنّة مأمورة |
والنار من إجلاله تفزع |
|
إمام صدق وله شيعة |
يرووا من الحوض ولم يمنع |
بذاك جاء الوحي من ربنا |
يا شيعة الحق فلا تجزع |
|
الحميري مادحكم لم يزل |
ولو يقطع أصبع أصبع |
|
وبعدها صلوا على الـمُصطفى |
وصنوه حيدرة الأصلع |
المجلس الخامس
من الجزء الثّاني في الليلة الثّامنة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها الإخوان والأصحاب ، كيف لا يعظم عليكم المصاب والحزن والاكتئاب , وقد أصبح لهم آل الرّسول ثاوياً على التّراب ، وتلك الأبدان المعظّمة عارية من الثّياب , ودماءهم مسفوكة بسيوف أهل الضّلال , ووجوه بناته مبذولة لأعين الأنذال ؟
فياليت فاطمة تنظر إلى الفاطميات بين العدى حاسرات , وهن ما بين نادبة : وا أخاه ! وقائلة : وا أباه ! وصارخة : يا جدّاه ! وباكية : وا كرباه ! مشققات الجيوب , مفجوعات بفقد المحبوب , ناشرات للشعور , بارزات من الخدور , لا طمات للخدود , عادمات للجدود , متعبات بالنّياحة والعويل , فاقدات للمحامي والكفيل. فيا عظم ما اُصيب به الرّسول وابتلي فيه أولاد البتول ! فالحكم لله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله :
ألا يا رسول الله لو كنت فيهم |
لشاهدتهم في حالة تذهل الفكرا |
|
فهم بين أطفال يتامى ونسوة |
أيامى وصرعى كالندامى سقوا خمرا |
|
رؤوسهم فوق القنا وعيالهم |
بأيدي أعاديهم تسوقهم قهرا |
|
ومن أفظع الأشياء يا خير مرسل |
مساومة استرقاق فاطمة الصغرى |
|
مصاب بكت منه السّماء وأهلها |
واشفت به الشم الرعان على المسرا |
فيا ويلهم كأنّهم لم يسمعوا ما قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( إنّ الله عزّ وجلّ قد حرّم الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وقاتلهم وسالبهم والمعرض عنهم , أولئك
لاخلاق لهم في الآخرة , ولا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )). آياتهم باهرة ومعجزاتهم واضحة ظاهرة وهم أعلام الـمُسلمين في الدُنيا والآخرة.
روي عن يحيى اُمّ الطّويل , أنّه قال : كنت عند مولاي الحُسين (عليهالسلام ) إذ دخل عليه شاب وهو يبكي , فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( ما الذي يبكيك يا شاب ؟ )). قال : يابن رسول الله , إنّ اُمّي ماتت في هذه السّاعة وقد تركت مالاً عظيماً , ولم توصي إليّ شيء ولم أعلم أين دفنته , وقد حرمته. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( ما الذي قالت لك عند موتها ؟ )). قال : قالت لي : إذا أردت أن تفعل أمراً من الاُمور لا تعلمه إلاّ بما يشير به إليك الحُسين ابن بنت رسول الله. فما تأمرني به يا مولاي ؟ فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( أتحبّ أن يحيي الله اُمّك وتخبرك بما تريد ؟ )). فقال الشّاب : يا حبّذا. فقام الحُسين (عليهالسلام ) مع الشّاب والنّاس معهما حتّى أتى منزل اُمّه , فوقف عليها ودعا إلى الله تعالى بدعوات لم نفهمها , ثمّ قال لها : (( قومي يا أمة الله بإذن الله تعالى , وأوصي إلى ابنك بما تريدين )). فقامت وهي تشهد وتقول : السّلام عليك يابن رسول الله , اعلم أنّ عندي مالاً جزيلاً موضوعاً في مكان كذا وكذا , فاستخرجه وخذ ثلثيه لك أنفقه بما شئت , وثلثه الآخر ادفعه لابني هذا إن كنت تعلم أنّه محبّ لكم وموال لكم , وإن كان مخالفاً فامنعه عنه ؛ لأنّ مالي مُحرّم على مَن يبغضكم أهل البيت. ثمّ إنّها ماتت رحمها الله تعالى , فأمر الحُسين (عليهالسلام ) بتغسيلها وتكفينها وصلّى عليها ودفنها.
انظروا يا إخواني إلى هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم , وهو ليس بكثير منهم ولا بمستبعد عنهم , وقد ظهر لهم من الفضل ما لا يحصى ومن المعجزات ما لا يستقصى , فالويل لِمَن خذلهم وهوى غيرهم ورد لهم.
وروي عن أبي الحصين (رضياللهعنه ) , قال : رأيت شيخاً مكفوف البصر فسألته عن السّبب , فقال : إنّي من أهل الكوفة وقد رأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) في المنام , وبين يديه طشت فيه دم عظيم من دم الحُسين (عليهالسلام ) , وأهل الكوفة كلّهم يُعرضون عليه فيلطخهم بالدّم دم الحُسين (عليهالسلام ) , حتّى انتهيت إليه وعُرضت عليه , فقلت : يا رسول الله , ما ضربت بسيف ولا رميت بسهم ولا كثرت السّواد عليه. فقال لي : (( صدقت , ألست من أهل الكوفة ؟ )). فقلت : بلى. قال : (( فلِمَ لا نصرت ولدي ولِمَ لا
أجبت دعوته ؟ ولكنّك هويت قتلة الحُسين وكنت من حزب ابن زياد )). ثمّ إنّ النّبي أومى إليّ بإصبعه فأصبحت أعمى , فوالله , ما يسرّني أن يكون لي حمر النّعيم , ووددت أن أكون شهيداً بين يدي الحُسين (عليهالسلام ).
وروي في بعض الأخبار : أنّ رسول الله كان نائماً في بيت عائشة وقت القائلة , فاستيقظ من نومه وهو يبكي , فقالت له عائشة : ما يبكيك يا رسول الله فداك أبي واُمّي ونفسي ؟! قال لها : (( إنّ جبرائيل أتاني في نومي وقال : ابسط يدك يا مُحمّد. فناولني قبضة من تراب أحمر , وقال لي : هذه تربة من أرض كربلاء يُقتل فيها ابنك الحُسين (عليهالسلام ) , تقتله اُمّتك يا محمد )).
قالت عائشة : فجعل النّبي يحدّثني وهو يبكي ويقول : (( مَن ذا يقتل ابني حُسيناً ؟ مَن ذا يقتل قرّة عيني حُسيناً ؟ لا أناله الله شفاعتي يوم القيامة ))
ثمّ قالت عائشة : والله , لقد قال لي رسول الله : (( ادع لي ابنتي فاطمة الزّهراء )). فأسرعت إليها , فجاءت وهي تقود ابنيها الحسن والحُسين كلّ واحد منهما بيد , وجاء عليّ (عليهالسلام ) يمشي خلفهما حتّى دخلوا حجرة النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فأجلس عليّاً عن يمينه وأجلس فاطمة عن شماله وأجلس الحسنين بين يديه , ثمّ تناول كساء جرباً فلفّهم فيه جميعاً , وأخذ بيده اليمنى طرفاً من الكساء وبيده اليسرى الطّرف الآخر , ورفع رأسه إلى نحو السّماء وقال : (( اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللّهمّ اذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً )). حتّى قالها ثلاث مرّات. فقالت عائشة : ثمّ جاءت جارية فاطمة ومعها إناء فيه عصيدة وخبز في طبق , فوضعته بين أيديهم , فجعلوا يأكلون جميعاً والنّبي يقول لهم : (( كلوا هنيئاً مريئاً قد أذهب الله عنكم الرّجس وطهّركم تطهيراً )) :
أعيني جودا في دموع غزيرة |
فقد حق إشفاقي وما كنت أحذر |
|
أعيني هذا شافعوا الناس واصلوا |
المنايا فمنهم دارعون وحسر |
|
من الأكرمين الغر من آل هاشم |
لهم سلف من واضح المجد يذكر |
|
مصابيح أمثال الأهلة إذ هم |
لدى الجود أو دفع الكريهة أبصر |
|
بهم فجعتنا والفوادح كأسمها |
تميم أو بكر والسكون وحمير |
|
وهمدان قد جاشت علينا وأجلست |
هوازن في أفناء قيس واعصر |
|
وفي كلّ حي نضحة من دمائنا |
بني هاشم يعلو سناها ويشهر |
فللّه محيانا وكان مماتنا |
وللّه قتلانا تدان وتنشر |
|
لكل دم مولى ومولى دمائنا |
لمرتقب يعلو عليكم ويظهر |
|
فسوف يرى أعداءنا حين نلتقي |
لأي الفريقين النّبي المطهر |
روى ابن وهب (رضياللهعنه ) , قال : دخلت يوم عاشوراء إلى دار إمامي جعفر الصّادق (عليهالسلام ) فرأيته ساجداً في محرابه , فجلست من ورائه حتّى فرغ , فأطال في سجوده وبكائه , فسمعته يناجي ربّه وهو ساجد يقول : (( اللّهمّ , يا مَن خصّنا بالكرامة ووعدنا الشّفاعة , وحملنا الرّسالة وجعلنا ورثة الأنبياء , وختم بنا الاُمم السّالفة وخصّنا بالوصية , وأعطانا علم ما مضى وما بقي , وجعل الأفئدة من النّاس تهوي إلينا. اغفر اللّهمّ لإخواني ولزوّار أبي عبد الله الحُسين (عليهالسلام ) , الذين انفقوا أموالهم في حبّه وشخصوا أبدانهم , رغبة في برّنا ورجاء لما عندك في صلتنا , وسروراً أدخلوه على نبيّك مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) , وإجابة منهم لأمرنا وغيظاً أدخلوه على عدوّنا ؛ وأرادوا بذلك رضوانك.
اللّهمّ , فكافهم عنّا بالرّضوان , واكلأهم بالليل والنّهار , واخلفهم في أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا أحسن الخلف , واكفهم شرّ كلّ جبّار عنيد , وكلّ ضعيف من خلقك وشديد , وشرّ شياطين الإنس والجن , وأعطهم أفضل ما أملوه منك في غربتهم عن أوطانهم , وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وأقربائهم.
اللّهمّ , إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم , فلم ينههم ذلك عن النّهوض والشّخوص إلينا ؛ خلافاً منهم على مَن خالفنا , فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشّمس , وارحم تلك الخدود التي تقلّبت على قبر أبي عبد الله الحُسين , وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا , وارحم تلك القلوب التي حزنت لأجلنا واحترقت بالحزن , وارحم تلك الصّرخة التي كانت لأجلنا.
اللّهمّ , إنّي استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتّى ترويهم من الحوض يوم العطش الأكبر , وتدخلهم الجنّة وتسهّل عليهم في يوم الحساب , إنّك أنت الكريم الوهّاب )).
قال : فما زال الإمام (عليهالسلام ) يدعو لأهل الإيمان ولزوّار قبر الحُسين وهو ساجد في محرابه , فلمّا رفع رأسه , أتيت إليه وسلّمت عليه وتأمّلت وجهه , وإذا هو كاشف اللون متغيّر الحال ظاهر الحزن , ودموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ الرّطب , فقلت : يا سيّدي , ممّ بكاؤك لا أبكى الله لك عيناً ؟ وما الذي حلّ بك ؟ فقال لي : (( أوفي غفلة عن
هذا اليوم ؟ أما علمت أنّ جدّي الحُسين قد قُتل في مثل هذا اليوم ؟! )). فبكيت لبكائه وحزنت لحزنه , فقلت له: يا سيّدي , فما الذي أفعل في مثل هذا اليوم ؟ فقال لي : (( يابن وهب , زر الحُسين (عليهالسلام ) من بعيد أقصى ومن قريب أدنى , وجدّد الحزن عليه وأكثر البكاء والشّجون له )). فقلت : يا سيّدي , لو أنّ الدّعاء الذي سمعته منك وأنت ساجد كان كمن لا يعرف الله تعالى , لظننت أنّ النّار لا تطعم منه شيئاً , والله , لقد تمنّيت إنّي كنت زرته قبل أن أحج. فقال لي : (( فما الذي يمنعك من زيارته يابن وهب ؟ ولِمَ تدع ذلك ؟ )).
فقلت : جعلت فداك ! لم أدر أنّ الأجر يبلغ كلّه حتّى سمعت دعاءك لزوّاره. فقال لي : (( يابن وهب , إنّ الذي يدعو لزوّاره في السّماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض , فإيّاك أن تدع زيارته لخوف من أحد , فمَن تركها لخوف , رأى الحسرة والنّدم حتّى أنّه يتمنّى أنّ قبره نبذه. يابن وهب , أما تحبّ أن يرى الله شخصك ؟ أما تحبّ أن تكون غداً ممّن رأى وليس عليه ذنب يتبع به ؟ أما تحبّ أن تكون غداً ممّن يصافحه رسول الله يوم القيامة ؟ )).
قُلت : يا سيّدي , فما قولك في غير تبييت ؟ فقال لي : (( لا تجعله صوم يوم كامل , وليكن إفطارك العصر بساعة على شربة من ماء ؛ فإنّه في ذلك الوقت انجلت الهيجاء عن آل الرّسول وانكشفت الغمّة عنهم , ومنهم في الأرض ثلاثون قتيلاً من مواليهم من أهل البيت , يعزّ على رسول الله مصرعهم ولو كان حيّاً لكان هو المعزّى بهم )).
قال : وبكى الصّادق (عليهالسلام ) حتّى اخضلت لحيته بدموعه , ولم يزل حزيناً كئيباً طول يومه ذلك وأنا معه أبكي لبكائه وأحزن لحزنه ، وها نحن كيف لا نبكي لِمَن بكى لفقده الرّسول ! وكيف لا نحزن لِمَن حزنت لأجله البتول ! وكيف لا نبكي لبكاء سادتنا ! وكيف لا نحزن لفقد هُداتنا ! أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مغامس (رحمه الله تعا لى)
لغيرك يا دنيا نعيت عناني |
وذاك لأمر عن غناك غناني |
|
ومن كان في الدُنيا مثلي عارفاً |
لواه الذي عن حبهن لواني |
|
نعيت إلى نفسي زمان شبيبتي |
وشيبي إلى هذا الزمان نعاني |
|
وانفذت في اللذات أيام صحتي |
فلمّا لحى عظمي السقام لحاني |
لقد ستر الستار حتّى كأنه |
بعفو عن اسم المذنبين محاني |
|
ولو أنني أديت في ذاك شكره |
لكنت رعيت الحق حين رعاني |
|
ولكنني بارزته بجرائم |
كأن لم يكن عن مثلهن نهاني |
|
أقول لنفسي إن أردت سلامة |
فديني فما لي في الغداة بداني |
|
ذري حذري يذري دموعي لعله |
إذا ما سقاني بالدموع شفاني |
|
فإني لأخشى أن يقول امرته |
بأمر وقد امهلته فعصاني |
|
ولي عنده يوم النشور وسيلة |
بها أنا راج صفح ما أنا جاني |
|
بنو الـمُصطفى الغر الذين اصطفاهم |
وميزهم من خلقه بمعاني |
|
أناف بهم في الفخر عبد منافهم |
فما لهم عند المدان مداني |
|
أبروا حمى من يرجي ويتقي |
ليوم طعام أو ليوم طعان |
|
وإن لهم في سالف الدهر وقعة |
لدى الطف تجري الدمع بالهملان |
|
غداة ابن سعد يستعد لحربهم |
بكل معدي وكل يماني |
|
غداة تسمى مسلماً وهو خادم |
لنجل عقيل مسلم ولهاني |
|
غداة دعوا النصاب سبط مُحمّد |
خداعاً بإيمان لهم وأماني |
|
غداة أتى من أهله في عصابة |
يجوبوا بها البيداء بغير تواني |
|
غداة دعوة فيهم أقبلت قاصداً |
لأنت مريب قاصداً لبيان |
|
غداة دعا كاتبتموني فاقبلت |
هجائن عزمي نحوكم وهجاني |
|
غداة دعوا فأنزل الحكم أميرنا |
وإلّا لحرب يا حسين عواني |
|
غداة دعا أن لم تنيبوا لربكم |
فخلوا سبيلي والرجوع لشاني |
|
غداة أبو أن يرجع السبط فانثنى |
وما هو فيما بينهم بمعاني |
|
غداة استحث اليعملات فلم تسر |
وقد ضربت في كربلاء بحران |
|
غداة دعا انصاره الآن فانزلوا |
نزول تفان لا نزول تهان |
|
ففي هذه حقاً تجول رجالنا |
وقطع أكف بيننا وبنان |
|
وفي هذه حقاً تجول خيولنا |
مجال قتال لا مجال رهان |
|
وفي هذه حقاً تعلى رؤوسنا |
على مستقيمات الكعوب لدان |
|
ودارت بهم خيل الأعادي فجرعوا |
كؤوس المنايا والحتوف دواني |
فلم يبق إلّا السبط يحمل فيهم |
لدى لبدة في حومة الجولان |
|
إذا ما التقاه الجحفل اللحب رده |
بعضب له ذي رونق وسنان |
|
إلى حيث أرداه سنان برمحه |
فخر كطوب من هضاب رهان |
|
واقبل شمر ساحب الذيل نحوه |
وفي كفه ماضي الغروب يماني |
|
فقال له من أنت قال أنا الذي |
اسمي بشمر والضباب نماني |
|
فقال وهل بي أنت يا شمر عارف |
أم أنت كفور أم جهلت مكاني |
|
فقال له أنت الحُسين ابن فاطم |
وما لك في هذه البرية ثاني |
|
فجاءته تمشي زينب إبنة فاطم |
مقرحة الأحشاء في لهفاني |
|
فقالت لشمر ذي الخنا وهو مثخن |
بحلق حسين للمهند حاني |
|
أيا شمر أم والله لو كنت مسلماً |
لربك أو أيقنت أنك فان |
|
لما كنت يا شمر أجترءت عظيمة |
بها يوم تأتي يشهد الملكان |
|
أيا شمر جهلاً قد جنيت جناية |
لأمثالها لم يجن قبلك جاني |
|
أيا شمر إن الخصم فيها مُحمّد |
وحيدر والزهراء والحسنان |
|
أيا شمر أبشر سوف تلقى مُحمّد |
فتشقى ولا تسقى رحيق جنان |
|
أيا شمر هذا واحدي قد قتلته |
وحسبي به حسبي به وكفاني |
|
أيا شمر من ذا للزمان نعده |
إذا ما زماني بالخطوب رماني |
|
أيا شمر ألا قبل ذاك قتلتني |
فما لي عيش بعد ذاك بهاني |
|
أيا شمر من ذا يرعوي لأرامل |
أراها تسح الدمع حين تراني |
|
ولما رنت نحو الحُسين ونحوه |
خضيب بما قد اسبل الودجان |
|
دعت يا أخي يعز عليك بأنني |
أراك قطيع الرأس رأي عياني |
|
أخي إن بكت نفسي أساً فلعلني |
بكيت لأمر عن أساك عنان |
|
أخي ما الحجالي عن حجالي بحاجب |
ولا عنك إذا بكى نهاي نهاني |
|
أخي أي أحداث الطوارق اشتكي |
فقد قض دمعي طارق الحدثان |
|
اخي من عمادي في الزمان وناصري |
ولم يبق إلّا شقوتي وهوان |
|
أخي إن رمتني الحادثات بريبها |
فقد كنت فيها عدتي وأماني |
|
أخي ليس للمبقي لحالي بقية |
عليك مصاب شفني وبراني |
أخي للرزايا حرقة مستمرة |
فيا سواتا منها يجن جناني |
|
أخي إن يكن في الموت من ذاك راحة |
فراحة نفسي أن يكون أتاني |
|
أخي لو تراني في السبايا أسيرة |
بشجو مصاب هدني ودهاني |
|
لا بصرت مس الضر كيف أصابني |
بكف عدو سبني وسباني |
|
وفاطمة الصغرى تنادي بزينب |
وتشكو فؤاداً دائم الخفقان |
|
أيا عمتاه ما للضبابي ترني |
قناعي وبغيا بالقطيع علاني |
|
أيا عمتا مالي إذا رمت من أبي |
دنوا حماني قربة ولحاني |
|
أيا عمتا كم استغيث بوالدي |
ولو كان حياً سامعاً لوعاني |
|
أيا عمتا قد كنت أملت أنني |
فداه ولكن الحُسين فداني |
|
أيا عمتا أما الأسى فاطاعني |
وأما العزا عن والدي فعصاني |
|
أيا عمتا أما السلو فخانني |
غداة سلا عني الحيا وجفاني |
|
أيا عمتا وجدي عليه مجدد |
وما فرط أحزاني عليه بواني |
|
أيا عمتا ما أخيب الحزن مطعماً |
بحلق معان للمصيبة عان |
|
أيا عمتا أن نيح مضني من الأسا |
فإن الأسى قد شجني وشجاني |
|
وتدعو بخير العالمين مُحمّد |
وبالدمع جفنا عليتها بكفاني |
|
أيا جد هذا السبط في طف كربلاء |
مضمخ جثمان باحمر قاني |
|
أيا جد أما جسمه فضيوفه |
ضباع الفلا معلومة العسلان |
|
أيا جد ما رأسه لو نظرته |
تجده رفيعاً في سنان سنان |
|
أيا جد قد رضته بالجرد منهم |
بنو أمهات قد عرفن زواني |
|
أيا جد لم يسقوه ماء وإنه |
ليكرع فيه سائر الحيوان |
|
أيا جدنا قد هدم القوم كلما |
له قبل هذا اليوم مجدل بان |
|
أيا جدنا هذي بناتك بينهم |
فمن أيم مسبية وحصان |
|
أيا جدنا هذا عليّ مصفداً |
يرى ما يلاقي من أذى وهوان |
|
أيا جد لو عاينته في قيوده |
رثيت لمغلول اليدين مهان |
|
وأعظم شيء أن يشاء على الطوا |
بهم من مكان نازح لمكان |
|
يسار بهم نحو الشام هدية |
إلى كافر ذي قسوة وشنان |
فلما رأتهم في القيود غداً لهم |
يقول بإلحاظ الشماتة ران |
|
ويندب أشياخاً ببدر مغرداً |
بترجيع ألحان ورشف دنان |
|
ويقرع سنا فاضلا كان قبل ذا |
يقبله من أحمد الشفتان |
|
على ظالم الأطهار من آل أحمد |
أشد نكال في غد ولعان |
|
بني صفوة الجبار عيناي كلما |
ذكرتم لهم بالدمع تبتدران |
|
وإني من حزن على فوت نصركم |
لأقرع سني حسرة ببناني |
|
ولكنه إن أخر العصر عنكم |
ففات سناني لا يفوت لساني |
|
وأنتم موالي الذي اقتدى بهم |
فلا فلان اقتدى وفلان |
|
ولي موبقات من ذنوب أخافها |
إذا ما إلهي للحساب دعاني |
|
وما قيل يوم الحشر يؤتى بشافع |
لناج ولكن الشفيع لجاني |
|
على أنني راج سماحة منعم |
لقصدكم قبل السؤال هداني |
|
وما أنا من عفو الإله بقانط |
ولكنه ذو رحمة وحنان |
|
وكيف وقد ابدعت إذ قمت خاطباً |
لكم في معاني حسنكم بمعاني |
|
ولن يخش يوماً من عذاب مغامس |
إذا كنتم مما أخاف أماني |
|
عليكم سلام الله ما در شارق |
وما قام داعي فرضه لأذان |
الباب الثّاني
أيّها الإخوان والأصحاب , إذا عرفتم أنّ الحزن على هذا المصاب مما يزيد في الأجر والثّواب , فلِمَ لا تحزنون على ما حلّ بسادات النّاس من اللئام الكفرة الأرجاس ؟ أزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها , وهذه القضية أصل كلّ بلية إن كنت تعيها , ثمّ لم يكفهم ذلك حتّى منعوهم من الأخماس التي عوّضهم الله تعالى بها عن أوساخ النّاس , فقالوا : هذه للمُسلمين كافّة. فحرّموها عليهم ومنعوها من الوصول إليهم ، ثمّ ارتقوا إلى أبلغ من ذلك , فقالوا لفاطمة (عليهاالسلام ) : فدك لنا لا لك. فانتزعوا منها بلغتها وبلغة بعلها وبنيها ، ثمّ ارتقوا على ذلك , فمنعوها إرثها من أبيها , فلمّا رأى أهل الشّقاق والنّفاق ما فعل بهم الصّدر الأوّل الذي على زعمهم عليه المعوّل , وكان في صدورهم الغلّ الكامن الدّفين ؛ من أجل بغضهم لأمير المؤمنين , لا جرم انتهزوا فيهم الفرص فجرّعوهم الغصص.
فوا عجباً من
الأوائل والأواخر وظلمهم الزّائد وعقلهم القاصر ! فيا حرقي تزايدي على ما حلّ بساداتي , ويا جفوني سحّي دموعاً على أصول ديني وأهل هداتي :
مضينا إلى الأرض التي تسكنونها |
أقبل ترب الأرض في كلّ منزل |
|
وحزناً على ما قد لقيتم من الظمأ |
اغص بشرب الماء في كلّ منهل |
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
حُكي : أنّه لـمّا قُتل الحُسين وأراد القوم وطأه بالخيل , قالت فضّة لزينب : يا سيدتي , إنّ سفينه صاحب رسول الله كان بمركب , فضربته الرّيح فتكسّر , فسبّح فقذفه البحر إلى جزيرة , وإذا هو بأسد , فدنا منه فخشي سفينه أن يأكله , فقال له : يا أبا حارث , أنا مولى لرسول الله. فهمهم بين يديه مشيراً له برأسه , ومشى قدّامه حتّى أوقفه على طريق فركبه ونجا سالماً , وأرى أسداً خلف مخيّمنا , فدعيني أذهب إليه وأخبره بما هُم صانعون غداً بسيّدي الحُسين. فقالت : شأنك. قالت فضّة : فمضيت إليه حتّى قربت منه وقُلت : يا أسد , أتدري ما يريدون صنعه غداة غد بنو اُميّة بأبي عبد الله ؟ يريدون يوطئون الخيل ظهره. قال : نعم. فقام الأسد ولم يزل يمشي وأنا خلفه حتّى وقف على جثّة الحُسين (عليهالسلام ) , فوضع يديه عليه , وجعل يمرّغ وجهه بدم الحُسين ويبكي إلى الصّباح , فلمّا أصبح بنو اُميّة , أقبلت الخيل يقدمهم ابن الأخنس لعنه الله تعالى ، فلمّا نظروه , صاح بهم ابن سعد إنّها لفتنة لا تثيروها , فرجعوا عليهم لعائن الله تعالى ، وهو من بعض فضائلهم عليهم رحمة الله.
حُكي عن رجل أسدي , قال : كنت زارعاً على نهر العلقمي بعد ارتحال عسكر بني اُميّة , فرأيت عجائب لا أقدر أحكي إلّا بعضها ، منها : أنّه إذا هبّت الرّيح , تمرّ عليّ نفحات كنفحات المسك والعنبر ، وإذا سكنت , أرى ما تنزل من السّماء إلى الأرض ويرقى من الأرض إلى السّماء مثلها ، وأنا مفرد مع عيالي ولا أرى أحداً أسأله عن ذلك ، وعند غروب الشّمس , يقبل أسد من القبلة فأولّي عنه إلى منزلي ، فإذا أصبح الصّباح وطلعت الشّمس وذهبت من منزلي , أراه مستقبل القبلة ذاهباً ، فقلت في نفسي , إنّ هؤلاء خوارج قد خرجوا على عُبيد الله بن زياد فأمر بقتلهم ، وأرى منهم ما لم أره من سائر القتلى ، فوالله , هذه الليلة لأبدأ من المساهرة ؛ لأبصر هذا الأسد يأكل من هذه الجثث أم لا. فلمّا صار غروب
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
الشّمس , وإذا به أقبل فحقّقته وإذا هو هائل المنظر , فارتعدت منه وخطر ببالي : إن كان مراده لحوم بني آدم , فهو يقصدني. وأنا أحاكي بهذا فمثلته , وهو يتخطّى القتلى حتّى وقف على جسد كأنّه الشّمس إذا طلعت , فبرك عليه، فقلت : يأكل منه ؟ وإذا به يمرّغ وجهه عليه وهو يهمهم ويدمدم ، فقلت : الله أكبر ما هذا إلّا أعجوبة. فجعلت أحرسه حتّى اعتكر الظّلام , وإذا بشموع مُعلّقة ملأت الأرض ، وإذا ببكاء ونحيب ولطم مفجع ، فقصدت تلك الأصوات , فإذا هي تحت الأرض ، ففهمت من ناع فيهم يقول : وا حُسيناه ! وا إماماه ! فاقشعرّ جلدي , فقربت من الباكي وأقسمت عليه بالله وبرسوله مَن تكون ؟ فقال : إنّا نساء من الجنّ. فقلت : وما شأنكنّ ؟ فقلنّ: في كلّ يوم وليلة هذا عزاؤنا على الحُسين الذّبيح العطشان. فقلت : هذا الحُسين الذي يجلس عنده الأسد ؟ قلنّ : نعم , أتعرف هذا الأسد ؟ قلت : لا. قلنّ : هذا أبوه عليّ بن أبي طالب. فرجعت ودموعي تجري على خدّي :
سلوا سيوف مُحمّد بمحمد |
ففزوا بها هامات آل محمد |
|
فكأن عترة أحمد اعداؤه |
وكأنما الأعداء عترة أحمد |
فاكثروا رحمكم الله الأحزان ، واظهروا شعائر الأشجان ، فإنّه رزء عظيم ومصاب جسيم ، تتزلزل منه الأطواد ، وتتفتت منه الأكباد.
حُكي : أنّه لـمّا فرغ عمر بن سعد من حرب الحُسين , واُدخلت الرؤوس والأسارى إلى عُبيد الله بن زياد لعنه الله تعالى , جاء عمر بن سعد لعنه الله ودخل على عُبيد الله بن زياد ؛ يريد منه أن يمكّنه من ملك الرّي ، فقال له ابن زياد : آتني بكتابي الذي كتبته لك في معنى قتل الحُسين وملك الرّي. فقال له عمر بن سعد : والله إنّه قد ضاع منّي ولا أعلم أين هو. فقال له ابن زياد : لا بدّ أن تجئني به في هذا اليوم , وإن لم تأتني به , فليس لك عندي جائزة أبداً ؛ لأنّي كنت أراك مستحياً معتذراً في أيّام الحرب من عجائز قُريش ، ألست أنت القائل :
فوالله ما أدري وإني لصادق |
أفكر في أمري على خطرين |
|
أأترك ملك الري والري منيتي |
أم أرجع مأثوماً بقتل حسين |
؟ وهذا كلام معتذر مستح متردد في رأيه. فقال عمر بن سعد : والله يا أمير , لقد نصحتك في حرب الحُسين نصيحة صادقة , لو ندبني إليها أبي سعد , لما كنت أدّيت حقّه كما أدّيت حقّك في حرب الحُسين. فقال له عبيد الله بن زياد : كذبت يا لُكع. فقال عثمان بن زياد - أخو عُبيد الله بن زياد - : والله يا أخي , لقد صدق عمر بن سعد في مقالته , وإنّي لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلّا وفي أنفه خزمة إلى يوم القيامة , وأنّ حُسيناً لم يُقتل أبداً.
فقال عمر بن سعد : فوالله يابن زياد , ما رجع أحد من قتلة الحُسين بشرّ ممّا رجعت به أنا. فقال له : وكيف ذلك ؟ فقال : لأنّي عصيت الله وأطعت عُبيد الله , وخذلت الحُسين بن رسول الله ونصرت أعداء الله , وبعد ذلك , إنّي قطعت رحمي ووصلت خصمي وخالفت ربّي ، فيا عظم ذنبي ويا طول كربي في الدُنيا والآخرة. ثمّ نهض من مجلسه مغضباً مغموماً ، وهو يقول : و( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (١) .
قال أبو السّدي : والله إنّي لأعجب ممّن يسعى في قتل أئمته , وهو يعلم أنّهم منتقمون منه في آخرته ، فهذا عاقبة أمره في حكومة الرّي وقد خسرها.
وأمّا هو نفسه , فحكي عن الهيثم بن الأسود ، قال : كنت جالساً عند المختار بالكوفة , فابتدأ يقول لجلسائه : والله , لأقتلنّ رجلاً عريض القدمين غائر العينين مرفوع الحاجبين عدو الحسن والحُسين ، وقتله يرضى فيه ربّ العالمين ، ويرضي عليّاً أمير المؤمنين وفاطمة الزّهراء سيّدة نساء العالمين. قال الهيثم : فلمّا سمعت كلام المختار , علمت أنّه يريد بهذه الأوصاف قتل عمر بن سعد.
قال : فلمّا نهض الهيثم من مجلسه , مشى إلى عمر بن سعد وعرّفه بمقالة المختار ، قال : وكان عبد الله بن جعد أعزّ النّاس عند المختار ؛ لأنّه رئيس قومه ، فجاء إلى المختار وتشفّع في عمر بن سعد , وأخذ له كتاب أمان من المختار يقول فيه : أمّا بعد , إنّك يا عمر بن سعد , آمن بأمان الله ورسوله على نفسك وأهلك وولدك ومالك , ولا تؤاخذ بذنب كان منك قديماً ، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الأمير , فلا يعرض له إلى سبيل الخير. فلمّا وصل الكتاب إلى عمر بن سعد , طاب قلبه ، وظهر بعدما كان مختفياً ، وصار يحضر في مجلس المختار في كلّ أسبوع مرّة، والمختار يكرمه ويدنيه ويجلسه معه على سريره ، كلّ هذا وعمر بن سعد يحسّ قلبه بالشّر , ويظنّ أنّ المختار يقتله لا محالة ، فعزم على الخروج ليلاً من الكوفة ,
____________________
(١) سورة الحج / ١١.
فعلم المختار بخروجه من لكوفة ، فقال : الله أكبر وفيناه وغدر ، وأعطيناه ومكر والله خير الماكرين ، ولكن والله في عنقه سلسلة , لو جهد عمر بن سعد أن يفلّها لما استطاع أبداً حتّى اقتله إن شاء الله تعالى عن قريب.
قال : فبينما عمر بن سعد سائر في الطّريق بالليل , فنام على ظهر النّاقة , فرجعت النّاقة به إلى الكوفة وقت الصّبح , فلم يشعر إلّا وهو على باب داره , فنوّخ ناقته ودخل داره واستسلم للقتل , فلمّا أصبح عمر بن سعد , دعا بابنه حفص وقال له : امض إلى المختار وانظر هل علم بخروجي أم لا ، واكشف لي عن سريرته.
قال : فجاء حفص إلى المختار وسلّم عليه , وقال له : أيّها الأمير , أبي يقرؤك السّلام ويقول لك أتفي لنا بالأمان أم لا ؟ فقال له : وأين أبوك ؟ فقال : ها هو في داره. فقال له : أليس أبوك قد هرب البارحة وكان يريد الشّام ؟ فقال : معاذ الله , إنّ أبي في داره لم يتغيّب أبداً. فقال : كذبت وكذب أبوك , اجلس هُنا حتّى يأتي أبوك. ثمّ إنّ المختار استدعى رجلاً من جلاوزته ، وقال له : انطلق إلى عمر بن سعد وآتني برأسه. فمضى مسرعاً , فما لبث هنيئة إذ جاء وبيده رأس عمر بن سعد , فألقاه في حجر ابنه ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. فقال له المختار : يا حفص , أتعرف صاحب هذا الرأس ؟ قال : نعم , هذا رأس أبي ولا خير الله في الحياة بعده. فقال المختار : وإنّي لا أبقيك بعده. ثمّ أمر بقتله في الحال لا رضي الله عنهما. ووضع الرّأسان بين يديه ، فسرّ بهما سروراً عظيماً ، فقال بعض من حضر : أيّها الأمير رأس عمر بن سعد برأس الحُسين ، ورأس حفص برأس عليّ بن الحُسين. فقال له المختار : صه يا لُكع الرّجال , يا ويلك ! أتقيس رأس عمر بن سعد برأس الحُسين , ورأس حفص برأس عليّ بن الحُسين ؟! فوالله , لو قتلت ثلاثة أرباع أهل الأرض , ما وفوا بأنملة من أنامل الحُسين.
قال : وكان مُحمّد بن الحنفيّة بمكّة يجلس مع أصحابه ويذمّ المختار ويعتب عليه ؛ لمجالسته مع عمر بن سعد على سريره وتأخيره قتله ، قال : فحمل الرأسان إليه إلى مكّة ، قال : فبينما مُحمّد بن الحنفيّة جالس , فنظر الرأسان بين يديه , فخرّ لله ساجداً شاكراً ، ثمّ رفع يديه يدعو للمختار بالخير , ويقول : اللّهمّ , لا تنس المختار من رحمتك. اللّهمّ , أجزه عنّا أهل بيت نبيّك خير الجزاء.
وعن ابن مسعود , قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله في مسجده , إذ دخل علينا فتية من قُريش ومعهم عمر بن سعد لعنه الله , فتغيّر لون رسول الله , فقلنا له : يا رسول الله , ما شأنك ؟ فقال : (( إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدُنيا , وإنّي ذكرت ما يلقى أهل بيتي من اُمّتي من بعدي من ؛ قتل وضرب وشتم وسبّ وتطريد وتشريد , وإنّ أهل بيتي سيشرّدون ويطردون ويقتلون ، وإنّ أوّل رأس يُحمل على رمح في الإسلام رأس ولدي الحُسين , أخبرني بذلك أخي جبرائيل عن الرّبّ الجليل )). وكان الحُسين حاضراً عند جدّه في ذلك الوقت ، فقال : (( يا جدّاه , فمَن يقتلني من اُمّتك ؟ )). فقال : (( يقتلك شرار النّاس )). وأشار النّبي (صلىاللهعليهوآله ) إلى عمر بن سعد لعنه الله , فصار أصحاب رسول الله إذا رأوا عمر بن سعد داخلاً من باب المسجد , يقولون : هذا قاتل الحُسين (عليهالسلام ). قال : وجعل عمر بن سعد كلّما لقي الحُسين يقول : يا أبا عبد الله , إنّ في قومنا اُناساً سفهاء يزعمون إنّي أقتلك. فيقول له الحُسين (عليهالسلام ) : (( والله إنّهم ليسوا سفهاء , ولكنّهم اُناس حُلماء ، أما إنّه ستقرّ عيني حيث لا تأكل من برّ الرّي من بعد قتلي إلّا قليلاً ، ثمّ تُقتل من بعدي عاجلاً)).
وكان الباقر (عليهالسلام ) يقول : (( إنّ قاتل يحيى بن زكريا ولد زنا ، وقاتل الحُسين ولد زنا , ولم تمطر السّماء دماً إلّا يوم قتلهما , ولم يحمر الاُفق إلّا في قتلهما ، وإنّ هذه الحمرة التي تظهر في السّماء لم تر قبل قتل الحُسين ولا رؤيت بعد قتله )).
قال الرّاوي : فلمّا نزل الحُسين يوم الطّفّ في أرض كربلاء , أوّل من حال بينه وبين ماء الفُرات عمر بن سعد لعنه الله تعالى , فاشتدّ العطش بالحُسين وأطفاله وأهل بيته (عليهمالسلام ) ، فقام رجل من أصحاب الحُسين قال : يابن رسول الله , أتأذن لي أن أمضي إلى ابن سعد فاكلّمه في أمر الماء , وأعرّفه بعطش الحرم والأطفال ؛ فعساه يرتدع عن القتال ؟ فقال (عليهالسلام ) : (( ذلك إليك , افعل ما شئت )).
قال : فجاء الهمداني ووبّخه بكلام - قد مرّ ذكره سابقاً - , فكان من عذره أن قال : يا أخا همدان , والله إنّي أَعرف النّاس بحقّ الحُسين وحرمته عند رسول الله , ولكنّي حائر في أمري ما أدري كيف أصنع , وفي هذا الوقت كنت اتفكّر في أمري بين ترك ملك الرّي وقتل الحُسين. ثمّ قال : نفسي لأمّارة بالسّوء ما تحسن لي ترك مُلك الرّي ، وإنّي إذا قتلت حُسيناً أكون أميراً على سبعين ألف فارس.
قال : فنهض
من عنده مكسور القلب ورجع إلى الحُسين (عليهالسلام ) , وقال : يا مولاي , إنّ القوم استحوذ عليهم الشّيطان , وإنّ عمر بن سعد قد عزم على قتلك وقتل أصحابك وأهل بيتك , ورضي بدخول النّار بولاية الرّي :( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (١) .
فيا إخواني , كيف لا يبكيهم مَن يزعم أنّ له بهم الاتصال حتّى تنقطع منه عليهم الأوصال ؟ وكيف لا يتحمّل الحزن عليهم في هذا الحال وفي كلّ حال حتّى المآل ؟ فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ نعمان (رحمه الله تعالى )
جزع بكى وأخو الصبابة يجزع |
وجرت بوادر دمعه تندفع |
|
صب إذا هل المحرم هاجه |
وجد تفيض العين منه وتدمع |
|
وجوى لـمّا نال الحُسين وآله |
نيرانه بين الأضالع تسفع |
|
في كربلاء في كربها وبلائها |
لـمّا استجابوا حوله وتجمعوا |
|
واتوه بالبيض الصوارم والقنا |
والخيل مسرجة تعد وتمنع |
|
بغياً وعدواً لم يخافوا حاكماً |
عدلاً يرى ما يفعلون ويسمع |
|
من بعدما كتبوا إليه خديعة |
منهم وهم من كل قوم أجدع |
|
حتى إذا ما جاءهم متحملاً |
خدعوا به وكأنهم لم يسمعوا |
|
بالأمس ما قال النّبي مُحمّد |
فيه وما أوصاهم بل ضيعوا |
|
وحموه عن ماء الفرات وقد شكا |
ظمأ ولم يخشوا ولما يفزعوا |
|
ويل لهم باعوا الهداية بالعمى |
وترددوا في غيهم وتسلعوا |
|
والله ما عاد بأعظم حرمة |
منهم ولا فعلت ثمود وتبع |
|
قوم كفعلهم الشنيع وما أتوا |
بل فعلهم من كل فعل أشنع |
|
ناداهم لـمّا به حفوا معاً |
زمراً ولم يك من لقاهم يجزع |
|
يا شر خلق الله ما من مسلم |
منكم له دين يكف ويردع |
|
حرم النّبي تموت من حر الظمأ |
والوحش في ماء الشريعة يترع |
____________________
(١) سورة الحجّ / ١١.
ألكم طلائب عندنا تبغونها |
اُمّ ما عرفتم ويلكم ما تصنعوا |
|
انفذتم كتباً إلي فجئتكم |
فالآن إذ خنتم دعوني ارجع |
|
قالوا له هيهات بل لاميرنا |
تعطى القياد وتستكين وتخضع |
|
أو بالسيوف المرهفات وبالقنا |
نوليكم طعناً وضرباً يفظع |
|
فهناك جرد سيفه لقتالهم |
وهو الشجاع اللوذعي السلفع |
|
في فتية بذلوا نفوسهم معاً |
من دون مهجته إلى أن صرعوا |
|
من حوله فوق التراب كأنهم |
أقمار أدحية ضياها يلمع |
|
وبقي حبيب مُحمّد بين العدا |
فردا يذب عن الحريم ويمنع |
|
كالليث منصلتاً إلى أن غاله |
سهم المنون فخر وهو الموجع |
|
عن سرجه يرنو إلى فسطاطه |
والعين منه تستهل وتدمع |
|
أسفي على النسوان في ذل السبا |
إذ لم يعد أحد هنالك يسمع |
|
ومضى الجواد إلى الخيام محمحماً |
ينعي الحُسين ودمعه يتدفع |
|
فسمعن رنته النساء فقلن قد |
وقع الذي كنا له نتوقع |
|
فخرجن من فسطاطهن صوارخا |
جزعاً صراخاً للصخور يصدع |
|
وأتينه والشمر جاث فوقه |
بحسامه للرأس منه يقطع |
|
فرقى الحُسين وقلن ويلك يا عدو |
الله ماذا بالمطهر تصنع |
|
هذا جزاء مُحمّد في آله |
منكم لفعلك يا أمية اشنع |
|
فاحتز رأس السبط يا لك لوعة |
لم يبق للإسلام شمل يجمع |
|
فاهتز عرش الله جل وسبحت |
أملاكه وبكوا أسى وتفجعوا |
|
وهوت نجوم عند ذاك من السما |
وبكت دما بعض لبعض تتبع |
|
والأرض مادت والجبال تزعزعت |
والجو مسود هنالك اسفع |
|
والطير في جو السّماء بكت له |
أسفاً وا عرضت الوحوش الرتع |
|
عن وعيها جزعاً عليه ولم يزل |
للجن نوح في الأماكن يسمع |
|
وعلى سنان الرمح شالوا رأسه |
كالبدر يزهو نوره ويشعشع |
|
وجرت خيولهم على جثمانه |
حتّى تحطم صدره والأضلع |
|
وتناهبوا رحل الحُسين وسلبوا |
نسوانه باخبث ما قد صنعوا |
يا عين أبكي للحسين وأهله |
بدم إذا ما قل منك المدمع |
|
ابكي غريب مُحمّد وجيبه |
فمصابه مما سواه أفظع |
|
ابكي عليه مفرداً بين العدا |
والبيض فيه والأسنة تشرع |
|
ابكي عليه ورأسه في ذابل |
والجسم منه بالسيوف مبضع |
|
ابكي له ملقى بلا غسل ولا |
كفن ولا نعش هناك يشيع |
|
ابكي لنسوان الحُسين حواسراً |
في البيد ما فيهن من يتقنع |
|
ابكي لهن يسقن بعد صيانة |
قسراً وهن إذاً عطاشى جوع |
|
ابكي على السجاد وهو مقيد |
بالقيد مكتوف اليدين مكنع |
|
ابكي لزينب إذ تقول لاختها |
لـمّا تنادوا للرحيل وازمعوا |
|
يا أخت قد عزوا عليّ ترحالهم |
قومي إلى جسد الحُسين نودع |
|
قومي إليه فما لنا من نظرة |
منه سوى هذي العشية نطمع |
|
يا أخت هذا اليوم آخر عهدنا |
لا يوم فيه بعده نتجمع |
|
هذا بآل مُحمّد فعل العدى |
أفبعده لهم نحب ونتبع |
|
بل منهم نبرأ ونلعنهم معاً |
لعناً يدوم مجدداً لا يقطع |
|
فالأولان هما لهذا أسساً |
والآخرون بنوا عليه ورفعوا |
|
والله لو لا نكث عهد الـمُصطفى |
يوم الغدير وظلم حيدر فاسمعوا |
|
ما استنهضت آل النّبي أمية |
كلا ولا لخلافة يوم دعوا |
|
لا زال لعن الله يغشاهم ومن |
يرضى بفعلهم الشنيع ويقنع |
|
وعلى بني الزّهراء صلّى ربهم |
ما دام صبح خلف ليل يصدع |
|
يا آل بيت مُحمّد إنّي لكم |
يوم القيامة في السلام أطمع |
|
أنا عبدكم نعمان حبكم معاً |
ذخري إذا ظم الأنام المضجع |
|
واليتكم لأكون تحت ولائكم |
وغدا إذا فرغ الورى لا أفزع |
|
وإذا منعتم حين يشتد الظمأ |
أعداءكم من حوضكم لا امنع |
|
مني السلام عليكم ما غردت |
ورقاء نهتف في الغصون وتسجع |
الباب الثّالث
أيّها المؤمنون النّاصحون والإخلاء الصّالحون ، عجّوا بالبكاء والعويل ،
واندبوا أهل الإيمان والتّنزيل ، ويا أهل الأمانة والطّاعة , ساعدوا أهل الكرامة والشّفاعة ، أو لم تسمعوا يا ذوي العقول بمصيبة آل الرّسول ؟! فوا عجباه من هذه المصائب التي تسكب العبرات ! ويا تعجّباه ممّن لا يساوي مواليه في النّكبات ! فكيف يدّعي المحبّة مَن لا ينوح على أولاد الرّسول وثمرة فؤاد البتول ؟ فهل تحسن المراثي والنّدب إلّا على المقتولين من غير سبب ؟
فيا وقعة ما أمرّها ! ويا قتلة ما أحرّها ! منعوهم من الماء المباح وسقوهم السّيوف والرّماح ، فليت شعري ما كان السّبب لذلك حتّى أوردوهم تلك المهالك , مشرّدين عن البلاد مفجوعين في الأهل والأولاد ؟ فمنهنّ من تخمش وجهها بيديها ، ومنهنّ من ينزع قرطيها من أذنيها.
فيا لها من مصيبة في الأنام تضعضعت لها سائر بلاد الإسلام ! فنحتسب أجرها عند الله ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.
نُقل عن اُمّ سلمة , قالت : كان رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ذات يوم معي , فبينما هو راقد على الفراش ، جاعل رجله اليمنى على اليسرى وهو على قفاه , وإذا بالحُسين (عليهالسلام ) - وهو ابن ثلاث سنين وأشهر - أتى إليه , فلمّا رآه (صلىاللهعليهوآله ) , قال : (( مرحباً بقرّة عيني مرحباً بثمرة فؤادي )). ولم يزل يمشي حتّى ركب على صدر جدّه فأبطأ ، فخشيت أنّ النّبي تعب فأحببت أنحيّه عنه ، فقال : (( دعيه يا اُمّ سلمة , متى أراد الانحدار ينحدر ، واعلمي مَن آذى منه شعرة فقد آذاني )). قالت : فتركته ومضيت فما رجعت إلّا ورسول الله يبكي , فعجبت من بعد الضّحك والفرح ، فقربت منه وقلت : يا سيّدي , ما يبكيك لا أبكى الله عينك ؟ وهو ينظر لشيء بيده ويبكي ، قال : (( ما تنظرين ؟ )). فنظرت وإذا بيده تربة , فقلت : ما هي ؟ قال : (( أتاني بها جبرائيل هذه السّاعة ، وقال لي : يا رسول الله , هذه طينة من أرض كربلاء , وهي طينة ولدك الحُسين وتربته التي يُدفن فيها. فصيّريها عندك في قاروره , فإذا رأيتها قد صارت دماً عبيطاً ، فاعلمي أنّ ولدي الحُسين قد قُتل , وسيصير ذلك من بعدي وبعد أبيه واُمّه وجدّته وأخيه )).
قالت : فبكيت وأخذتها من يده وائتمرت بما أمرني , وإذا لها رائحة كأنّها المسك الأذفر ، فما مضت الأيّام والسّنون إلّا وقد سافر الحُسين إلى أرض كربلاء ، فحسّ قلبي بالشّر وصرت كلّ يوم اتجسّس القارورة , فبينما أنا كذلك , وإذا بالقارورة انقلبت دماً عبيطاً , فعلمت أنّ الحُسين قد
قُتل ، فجعلت أنوح وأبكي يومي كلّه إلى الليل , ولم اتهنّ بطعام ولا منام إلى طائفة من الليل ، فأخذني النّعاس , وإذا أنا بالطّيف برسول الله (صلىاللهعليهوآله ) مُقبل وعلى رأسه ولحيته دم كثير , فجعلت انفضّه بكمّي وأقول : نفسي لنفسك الفداء ! متى أهملت نفسك هكذا يا رسول الله ؟ من أين لك هذا التّراب ؟ قال : (( هذه السّاعة فرغت من دفن ولدي الحُسين )).
قالت اُمّ سلمة : فانتبهت مرعوبة لم أملك على نفسي , فصحت : وا حسيناه ! وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! حتّى علا نحيبي , فأقبلت إليّ نساء الهاشميات وغيرهن , وقلنّ : ما الخبر يا اُمّ المؤمنين ؟ فحكيت لهنّ بالقصّة , فعلا الصّراخ وقام النّياح ، وصار كأنّه حين ممات رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ، وسعين إلى قبره مشقوقة الجيب ومكشوفة الرّأس , فصحن : يا رسول الله قُتل الحُسين !. فو الله الذي لا إله إلّا هو ، فقد حسسنا كأنّ القبر يموج بصاحبه حتّى تحرّكت الأرض من تحتنا , فخشينا أنّها تسيخ بنا , فانحرفنا بين مشقوقة الجيب ومنشورة الشّعر وباكية العين.
فيا إخواني , مصابهم هو الذي أحرمنا الهجوع وأسكب من أعيننا سحائب الدّموع , وقلّل صبرنا وأذهل فكرنا , وهدّ منّا الأركان وأسلمنا الذّل والهوان , فالحكم لله ولا حول ولا قوة إلّا بالله :
غريبون عن أوطانهم وديارهم |
تنوح عليهم في البراري وحوشها |
|
وكيف ولا تبكي العيون لمعشر |
سيوف الأعادي في العلاء تنوشها |
|
بدور تواري نورها فتغيرت |
محاسنها ترب الفلا نعوشها |
وروي : أنّ المتوكل من خلفاء بني العبّاس ، كان كثير العداوة شديد البغض لأهل بيت الرّسول ، وهو الذي أمر الحارثين بحرث قبر الحُسين (عليهالسلام ) , وأن يجروا عليه الماء من نهر العلقمي ، بحيث لا يبقى له أثر ولا أحد يقف له على خبر ، وتوعّد النّاس بالقتل لِمَن زار قبره , وجعل رصداً من أجناده وأوصاهم : كلّ مَن وجدتموه يريد زيارة الحُسين فاقتلوه ؛ يريد بذلك إطفاء نور الله وإخفاء آثار ذرّيّة رسول الله. فبلغ الخبر إلى رجل من أهل الخير يُقال له زيد المجنون , ولكنّه ذو عقل شديد ورأي رشيد ، وإنّما لُقّب بالمجنون ؛ لأنّه أفحم كلّ لبيب ، وقطع حجّة كلّ أديب ، وكان لا يعبأ من الجواب ولا يملّ من الخطاب ، فسمع بخراب قبر الحُسين وحرث مكانه , فعظم ذلك عليه واشتدّ حزنه وتجدّد مصابه
بسيّده الحُسين (عليهالسلام ) , وكان يومئذ بمصر , فلمّا غلب عليه الوجد والغرام لحرث قبر الإمام (عليهالسلام ) , خرج من مصر ماشياً هائماً على وجهه شاكياً وجده إلى ربّه ، وبقي حزيناً كئيباً حتّى بلغ الكوفة وكان البهلول يومئذ بالكوفة , فلقيه زيد المجنون وسلّم عليه فردّعليهالسلام , فقال له البهلول : من أين لك معرفتي ولم ترني قط ؟ فقال زيد : يا هذا , اعلم أنّ قلوب المؤمنين جنود مجنّدة , ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
فقال له البهلول : يا زيد , ما الذي أخرجك من بلادك بغير دابّة ولا مركب ؟ فقال : والله , ما خرجت إلّا من شدّة وجدي وحزني , وقد بلغني أنّ هذا اللعين أمر بحرث قبر الحُسين (عليهالسلام ) وخراب بنيانه وقتل زوّاره ، فهذا الذي أخرجني من موطني ونغّص عيشي , وأجرى دموعي وأقلّ هجوعي. فقال البهلول : وأنا والله كذلك. فقال له : قم بنا نمضي إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد عليّ الـمُرتضى.
قال : فأخذ كلّ بيد صاحبه حتّى وصلا إلى قبر الحُسين , وإذا هو على حاله لم يتغيّر وقد هدموا بنيانه ، وكلّما أجروا عليه الماء , غار وحار واستدار بقدرة العزيز الجبّار ، ولم يصل قطرة واحدة إلى قبر الحُسين (عليهالسلام ) , وكان القبر الشّريف إذا جاءه الماء , ترتفع أرضه بإذن الله تعالى ، فتعجّب زيد المجنون مما شاهده , وقال : انظر يا بهلول( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (١) . قال : ولم يزل المتوكل يأمر بحرث قبر الحُسين مدّة عشرين سنة ، والقبر على حاله لم يتغير ولا تعلوه قطرة من الماء ، فلمّا نظر الحارث إلى ذلك، قال : آمنت بالله وبمُحمّد رسول الله ، والله , لاهربنّ على وجهي وأهيم في البراري ولا أحرث قبر الحُسين ابن بنت رسول الله ، وإنّ لي مدّة عشرين سنة أنظر آيات الله وأشاهد براهين آل بيت رسول الله ، ولا اتعظ ولا اعتبر. ثمّ أنّه حلّ الثّيران وطرح الفدان وأقبل يمشي نحو زيد المجنون وقال له : من أين أقبلت يا شيخ ؟ قال : من مصر. فقال له : ولأيّ شيء جئت إلى هُنا وإنّي أخشى عليك من القتل , فبكى زيد وقال : والله قد بلغني حرث قبر الحُسين (عليهالسلام ) , فأحزنني ذلك وهيّج حزني ووجدي. فانكبّ الحارث على أقدام زيد يقبّلهما , وهو يقول : فداك أبي واُمّي ! فو الله يا شيخ , من حين ما أقبلت إليّ , أقبلت إليّ الرّحمة واستنار قلبي بنور
____________________
(١) سورة التّوبة / ٣٢.
الله , وإنّي آمنت بالله ورسوله , وإنّ لي مدّة عشرين سنة وأنا أحرث هذه الأرض ، وكلّما أجريت الماء إلى قبر الحُسين , غار وحار واستدار ولم تصل إلى قبر الحُسين منه قطرة ، وكأنّي كنت في سكر وأفقت الآن ببركة قدومك إليّ. فبكى زيد وتمثّل بهذه الأبيات :
تالله إن كانت أمية قد أتت |
قتل ابن بنت نبيها مظلوما |
|
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله |
هذا لعمرك قبره مهدوما |
|
اسفوا على أن لا يكونوا شاركوا |
في قتله فتتبعوه رميما |
فبكي الحارث وقال : يا زيد , قد أيقظتني من رقدتي وأرشدتني من غفلتي , وها أنا الآن ماض إلى المتوكل بسر من رأى أعرّفه بصورة الحال , إن شاء أن يقتلني وإن شاء يتركني. فقال له زيد : وأنا أيضاً أسير معك إليه وأساعدك على ذلك. قال : فلمّا دخل الحارث إلى المتوكل وأخبره بما شاهد من برهان قبر الحُسين (عليهالسلام ) , استشاط غيظاً وازداد بغضاً لأهل بيت رسول الله , وأمر بقتل الحارث , وأمر أن يشد حبل في رجليه ويسحب على وجهه في الأسواق ، ثمّ يُصلب في مجتمع النّاس ؛ ليكون عبرة لِمَن اعتبر ، ولا يبقى أحد يذكر أهل البيت بخير أبداً.
أمّا زيد المجنون فإنّه ازداد حزنه واشتدّ عزاؤه وطال بكاؤه ، وصبر حتّى انزلوه من الصّلب وألقوه على مزبلة هُناك ، فجاء إليه زيد فاحتمله إلى دجلة وغسّله وكفّنه وصلّى عليه ودفنه ، وبقي ثلاثة أيّام لا يفارق قبره وهو يتلو كتاب الله عنده ، فبينما هو ذات يوم جالس , إذ سمع صراخاً عالياً ونوحاً شجياً وبكاء عظيماً , ونساء بكثرة منشرات الشّعور مشققات الجيوب مسودّات الوجوه ، ورجالاً بكثرة يندبون بالويل والثّبور , والنّاس كافّة في اضطراب شديد , وإذا بجنازة محمولة على أعناق الرّجال وقد نشرت لها الأعلام والرّايات , والنّاس من حولها أفواجاً قد انسدّت الطّرق من الرّجال والنّساء ، قال زيد : فظننت أنّ المتوكل قد مات. فتقدّمت إلى رجل منهم وقلت له : مَن يكون هذا الميت ؟ فقال : هذه جنازة جارية المتوكل , وهي جارية سوداء حبشية وكان اسمها ريحانة ، وكان يحبّها حبّاً شديداً. ثمّ إنّهم عملوا لها شأناً عظيماً , ودفنوها في قبر جديد وفرشوا فيه الورد والرّياحين والمسك والعنبر , وبنوا عليها قبّة عالية ، فلمّا نظر زيد إلى ذلك , ازدادت
أشجانه وتصاعدت نيرانه , وجعل يلطم وجهه ويمزّق أطماره , وحثى التّراب على رأسه وهو يقول : وا ويلاه ! وا أسفاه عليك يا حُسين ! أتقتل بالطّفّ غريباً وحيداً ظمآناً شهيداً ، وتُسبى نساؤك وبناتك وعيالك وتُذبح أطفالك , ولم يبك عليك أحد من النّاس , وتُدفن بغير غسل ولا كفن , ويُحرث بعد ذلك قبرك ؛ ليطفئوا نورك وأنت ابن عليّ الـمُرتضى وابن فاطمة الزّهراء , ويكون هذا الشّأن العظيم لموت جارية سوداء , ولم يكن الحزن والبكا لابن مُحمّد الـمُصطفى.
قال : ولم يزل يبكي وينوح حتّى غشي عليه والنّاس كافّة ينظرون إليه ، فمنهم من رقّ له ومنهم من جثى عليه , فلمّا أفاق من غشوته ، أنشأ يقول :
أيحرث بالطف قبر الحُسين |
ويعمر قبر بني الزانية |
|
لعل الزمان بهم قد يعود |
ويأتي بدولتهم ثانية |
|
ألا لعن الله أهل الفساد |
ومن يأمن الدنية الفانية |
قال : ثمّ إنّ زيداً كتب هذه الأبيات في ورقة وسلّمها لبعض حجّاب المتوكل , قال : فلمّا قرأها , اشتدّ غيظه وأمر باحضاره , فاُحضر , وجرى بينهما من الوعظ والتّوبيخ ما أغاظه حتّى أمر بقتله ، فلمّا مثل بين يديه , سأله عن أبي تراب : مَن هو ؟ استحقاراً له ، فقال : والله , إنّك عارف به وبفضله وشرفه وحسبه ونسبه ، فوالله , ما يجحد فضله إلا كلّ كافر مرتاب ولا يبغضه إلا كلّ منافق كذّاب. وشرع يعدّد فضله ومناقبه , حتّى ذكر منها ما أغاظ المتوكل , فأمر بحبسه فُحبس , فلمّا أسدل الظّلام وهجع ، جاء إلى المتوكل هاتف ورفسه برجله ، وقال له : قُم وأخرج زيداً وإلاّ أهلكك الله عاجلاً. فقام هو بنفسه وأخرج زيداً من حبسه وخلع عليه خلعة سنية , وقال له : اطلب ما تريد. قال : أريد عمارة قبر الحُسين وأن لا يتعرض أحد بزوّاره. فأمر له بذلك ، فخرج من عنده فرحاً مسروراً , وجعل يدور في البلدان وهو يقول : مَن أراد زيارة قبر الحُسين , فله الأمان طول الأزمان.
وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مُحمّد بن السّمين (رحمهالله )
أيعذب من ورد الجفاء ورود |
أيزهر من ورد الوفاء ورود |
|
وينبع من غرس الوداد ثمارها |
ويورق من غصن المودة عود |
|
فيا من بدا ذا الود بالصد والجفا |
أيحمل من بعد الوصال صدود |
|
فإن تبخلوا بالوصل إنّي مواصل |
وبالنفس إن ضن الجواد أجود |
|
وإن عدتم يوماً بما قد بدأتم |
من الغدر إنّي بالوفاء أعود |
|
وحبل ذمامي لا تحل عقوده |
إذا حل من حبل الذمام عقود |
|
وإن نقضوا عهد الوداد فإنني |
مراع لأسباب الوداد ودود |
|
وما حال حال العهد عما عهدتم |
وإن رث عقد العهد فهو جديد |
|
وما كادني أمر يكيد احتماله |
ولكما نقض العهود يكيد |
|
ولا بدع إن أبدعتم نقض عهدكم |
فقد نقضت لابن النّبي عهود |
|
فكم تنقض الأرجاس عهداً وعقده |
وثيق على كل العباد وكيد |
|
وقد جاءه تترى صحائف جمة |
كأوجههم عند التوجه سود |
|
يقولون إن الضد باد وفي غد |
له في لظى بعد الدخول خلود |
|
ونحن بلا وال وأنت ولينا |
وأولى بنا منا ونحن عبيد |
|
فسر قصدنا قصداً فلا زلت مقصداً |
فقصدك في كل الأمور حميد |
|
فإن لم تسر فارسل من الآل سيداً |
فأنت لسادات الأنام عميد |
|
فأرسل سهماً من كنانة آل |
مصيباً لدفع النائبات عتيد |
|
فبايعه منهم ألوف تألفت |
عليه ولا يحصى لهن عديد |
|
فلم يأتي إلّا الليل حتّى تخاذلوا |
وبان لهم بعد الوفاء صدود |
|
وألقوه مذ ألقوه قد جاء رائداً |
لمرعى يولي في الصدور بزود |
|
عتواً من القصر المشيد مبوءاً |
له قصر در في الجنان مشيد |
|
ففرق جند الحق من بعد قتله |
وجمع من جند الضلال جنود |
|
لها ابن زياد مرسل ومجهز |
وأما ابن سعد للجنود يقود |
|
إلى حرب مولانا الحُسين وآله |
تسارع منهم قائد ومقود |
|
طبولهم في الخافقين خوافق |
وتخفق رايات لهم وبنود |
يذاد عن الماء المباح وقد غدا |
لجل عباد الله منه ورود |
|
ويمنعه من ورده ووروده |
كفور لآلاء الإله كنود |
|
ولست بناس قوله حال ما بدا |
يخاطبهم بالطف ثمّ يعيد |
|
يقول وقد أبدأ مقالة معذر |
ويعلم أن القول ليس يفيد |
|
إلى سبل فيها الهداية فاعدلوا |
وعن طريق فيها الضلالة حيدوا |
|
ولا تكحلوا الأبصار بالبغي أعيناً |
مراضاً بأميال العتو ثمود |
|
وكونوا أناساً أصلحوا ذات بينهم |
وآرائهم في ابن النّبي سديد |
|
ألم تعلموا إنّي الإمام عليكم |
وإني لله الشهيد شهيد |
|
وإن لنا حكم المعاد وامره |
يؤول إلينا والحساب يعود |
|
وإن أبي يسقي على الحوض معشراً |
ويطرد عنه معشراً ويذود |
|
ولولاه لم يخضر للدين عوده |
ولا قام للإسلام قط عميد |
|
وقد قلت هذا القول والله عالم |
وقاض به والعالمون شهود |
|
فقالوا علمنا ما تقول فلا تزد |
فقولك هذا ما عليه مزيد |
|
ولكنما انفاذ أمر أميرنا |
يزيد له دون الأنام نريد |
|
نريد بأن تأتي يزيد مبائعاً |
فرشدك أن تأتي يزيد نريد |
|
فقال وللعين المبرح في الحشا |
كلام وفي القلب الكليم وقود |
|
سلام على الإسلام بعد رعاته |
إذا كان راعي المسلمين يزيد |
|
وكيف وأبناء الكرام بذلة |
تسام وأبناء اللئام تسود |
|
وآب إلى أنصاره يطلب الرجا |
ويوعد إذ حقت لديه وعود |
|
يقول ابشروا فالقول من بعد هذه |
مهد وعيش في الجنان رغيد |
|
وحور حسان ما لهن مناظر |
يضاهي وفي دار الخلود خلود |
|
وباتوا ومنهم ذاكر ومسبح |
وراع ومنهم ركع وسجود |
|
فمذ بزغت شمس الهياج مضيئة |
بأفق سماء البغي وهو مديد |
|
به النقع غيم والبروق بوارق |
به الويل نبل والصراخ وعود |
|
دعاهم فثابوا للثواب تسابقاً |
إلى الموت إذ فيه الحياة تعود |
|
حفو حفيفاً مقدمين كأنهم |
ليوث الشرى عند اللقاء أسود |
فأورد كل نفسه مورداً له |
صدور ومن بعد الصدور ورود |
|
إلى أن تفانوا واحد بعد واحد |
لديهم فمنهم قائم وحصيد |
|
وظل بأرض الطف فرداً وحوله |
لآل زياد عدة وعديد |
|
وتنظره شزراً من السمر والقنا |
نواظر إلّا أنهن حديد |
|
ينادي أما من مسلم ذي حمية |
يحامي وعن آل الرسول يذود |
|
أما من شهاب ثاقب يحرق العدا |
بنار فشيطان الطغاة عنيد |
|
أما من نصير ينصر الفرد نصرة |
لينصر يوم الجمع وهو فريد |
|
أما واحد يأتي الوحيد موصلاً |
ليوصل يوم الفصل وهو وحيد |
|
أما جابر يأتي مجيراً ويجيره |
إذا حق في يوم الوعيد وعيد |
|
أما من شقي والنفوس تخوفه |
توافيه إن وافى لدي سعود |
|
أما أكمه في ليل غي فإن وفي |
أرى الفخر فخر الرشيد وهو رشيد |
|
أما فاسد رأياً إذا آب ناصراً |
يبلج وجه الرأي وهو سديد |
|
فلما رمى عن قوس حقد بأسهم |
حداد وكل للجلاد مريد |
|
ثنى صده قصد الخيام مودعاً |
لهم موصياً بالثبر وهو حميد |
|
يقول اصبروا فالله جلّ جلاله |
يوف لأجر الصابرين مزيد |
|
وصبراً جميلاً آل بيت مُحمّد |
فمجدكم والفضل ليس يبيد |
|
إذا مات منا سيّد قام سيّد |
رقيب على كل الأنام شهيد |
|
وبعد فزين العابدين خليفتي |
على من له في ذا الوجود وجود |
|
واستودع الرحمن ولدي وعترتي |
ومن جاء منهم والد ووليد |
|
وألوى على جيش العداة بعزمه |
تكاد لها شم الجبال تميد |
|
ففر العدى من بأسه خيفة الردى |
كما فر من بأس الأسود صيود |
|
فغادرهم صرعى لديه ومنهم |
جريح تولى هارباً وطريد |
|
فمذ حان حين أرسل القوم اسهما |
أصيب بها نحر له ووريد |
|
هوى ثاوياً فوق الثرى ومحله |
له فوق آفاق السّماء صعود |
|
وظل صريعاً بالطفوف ونفسه |
بها من سياق الموت وهو يجود |
|
إلى أن قصى نحباً وعهداً وموعداً |
به جاء من سر النّبي وعود |
تقي نقي طاهر ، طاهر الوفا |
وفي مجيد في الفعال حميد |
|
ولما غدا الحر الجواد وسرجه |
خلى وللحر الجواد فقيد |
|
برزن نساء الهاشميات حسراً |
عليهن من نسج الثكول برود |
|
توادين يخدشن الوجوه تفجعاً |
وتلطم بالأيدي لهن خدود |
|
وفاطمة الصغرى تعانق اختها |
سكينة خوف السبي وهو مكيد |
|
وزينب ما بين النساء وقلبها |
قريح وبالأحزان فهو كميد |
|
تقول وللأحزان في القلب مبدع |
ومبد لأسرار الهموم معيد |
|
أخي يابن أمي يا شقيقي وسيدي |
ومن لي من دون الأنام عميد |
|
عليك جفوني الذاريات ذوارف |
وأما دموعي المرسلات تجود |
|
أخي مهجة الإسلام مقضي كآبة |
ومتن الهدى قد قدّ وهو عميد |
|
أخي ثل عرش الدين وانهد ركنه |
وعطل منه إذا أصبت حدود |
|
أخي من يلئم الشمل بعد شتاته |
ومن لبناء المكرمات يشيد |
|
أخي من ترى للجود والندى |
إذا سار وفد أو أقام وفود |
|
فأنت لمن يبغي الوفادة والجدي |
بأنفس ما يسخو المفيد تفيد |
|
وإن أجدبت أرض فأنت ربيعها |
وإن ضن صوب المزن أنت مجيد |
|
وكل مصاب جاء بعدك هين |
وما هان في هذا المصاب شديد |
|
فيا شيعة المختار نوحوا لمصرع |
الشهيد وبالدمع الغزير فجودوا |
|
تطأه خيول المجريات تجبراً |
ويسفي عليه بعد ذاك صعيد |
|
وآل رسول الله يشهرن في الملأ |
وآل ابن هند في الخدور رقود |
|
يسار بآل الـمُصطفى فوق ضمر |
وترفعهم بيد وتخفض بيد |
|
ورأس إمام السبط في رأس ذابل |
طويل على رأس السنان يميد |
|
وينكثه بالخيزران شماتة |
به وسروراً كافر وعنيد |
|
ويؤتى بزين العابدين مصفداً |
وفي قدميه للحديد حدود |
|
فقوموا بأعباء العزاء فإنه |
جليل وأما غيره فزهيد |
|
لأي مصاب يذرف الشأن ماءه |
وتقضى نفوس أو تفت كبود |
|
لأعظم من هذا المصاب وخطبه |
عظيم على أهل السّماء شديد |
مصاب له في كل قلب مصيبة |
سهام لحبات القلوب تبيد |
|
وللهم هم والرزايا رزية |
وللحزن حزن زائد ويزيد |
|
إليكم يا بني الزّهراء يا من سمت بهم |
إلى المجد آباء لهم وجدود |
|
أوجه وجه المدح منّي لأنه |
قلائد في جيد العلى وعقود |
|
لأني لكم عبد محب وحبه |
قديم فمنه طارف وتليد |
|
وما قدر مدح قاله في علاكم |
ومدحكم في المحكمات عتيد |
|
ولكن يسر الأولياء استماعه |
ويكبت أعداء لكم وحسود |
|
فيا من هم فلك النجاة ومن هم |
هداة وغوث في الأنام وجود |
|
فمذ كان بدء الفضل منكم تفضلوا |
وجودوا على نجل السمين وعودوا |
|
فأنتم له ذخر إذا جاء في غد |
ومع كل نفس سائق وشهيد |
|
عليكم سلام الله حيث ثناؤكم |
حكى نشره ند يضوع وعود |
|
وحيث بكم هبت نسيم ونسمت |
هبوب وللعيدان رنح عود |
|
وأزهر من زهر البروج زواهر |
وورد من زهر المروج ورود |
المجلس السّادس
من الجزء الثّاني في اليوم الثّامن من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها المؤمنون جودوا بماء العيون المخزون ، وأيّها السّامعون جدّدوا ثياب الأشجان والحزون ، وتساعدوا على النّياحة والعويل ، واسكبوا العبرات على الغريب القتيل , واندبوا لِمَن اهتزّ لفقده عرش الجليل , ونوحوا أيّها المحبّون لآل الرّسول وابكوا على مصاب أبناء البتول ، وسحوا عليهم بالدّموع , فإنّهم أعلام الأنام وأئمة أهل الإسلام ؛ فلعلّكم تواسونهم في المصاب بإظهار الجزع والاكتئاب والإعلام بالحنين والانتحاب ، فيا خيبة من جهل فضلهم وأنكر قدرهم , ولكنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور :
وقفت على الدار التي كنتم بها |
فمغناكم من بعد معناكم قفر |
|
وقد درست منها الرسوم وطالما |
بها درس العلم الإلهي والذكر |
|
فراق فراق الروح بعد بعدكم |
ودار برسم الدار في خاطري الفكر |
روي عن زين العابدين عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) , قال : (( لـمّا أتوا برأس أبي إلى يزيد , فكان يتّخذه بمجالس الشّراب ويأتي برأس أبي ويضعه بين يديه ويشرب عليه , فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الرّوم وكان من أشرافهم وعظمائهم ، فقال : يا ملك العرب , هذا رأس مَن ؟ قال يزيد لعنه الله : مالك بذلك حاجة. قال : إنّى إذا رجعت إلى مَلكنا يسألني عن كلّ شيء رأيته ,
فأحببت أن أخبره بقصّة هذا الرّأس ؛ حتّى يشاركك في الفرح والسّرور. فقال له يزيد : هذا رأس الحُسين بن عليّ بن أبي طالب. قال : ومَن اُمّه ؟ قال : فاطمة الزّهراء بنت مُحمّد الـمُصطفى. قال النّصراني : أما تراني إذا حقّقت النّظر إليه يقشعرّ جسمي ، واسمعه يقرأ آيات من كتابك , اُفّ لك ولدينك ، ديني خير من دينك ، اعلم أنّ أبي من حوافد داود (عليهالسلام ) , وبيني وبينه آباء كثيرة , والنّصارى يعصمونني ويأخذون من تراب أقدامي ؛ تبرّكاً فيّ , وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم رسول الله , وما بينكم وبينه إلّا اُمّ واحدة ؟ فأيّ دين أحسن من دينكم , أما سمعت يا يزيد كنيسة الحافر ؟ فقال : لا والله. قال له : اعلم أنّ بين عمان والصّين بحر مسيرة سنة , ليس فيه عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء , طولها ثمانون فرسخاً وعرضها مثله , ما على وجه الأرض بلدة أكبر منها , ومنها يحمل الكافور والياقوت , وأشجارهم العود والعنبر , وهي في أيدي النّصارى لا ملك عليهم , وفيها كنائس كثيرة , لكن أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقّة من ذهب ، معلّق بها حافر يزعمون أنّه حمار عيسى (عليهالسلام ) , وقد زخرفوا حول الحقّة بالذّهب والدّيباج , يقصدها في كلّ عام عالم من النّصارى , يطوفون حولها ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى ، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيّكم ؟! لا بارك الله فيكم ولا في دينكم.
فاغتاظ يزيد لعنه الله وقال : اقتلوا هذا النّصراني ؛ لكي لا يفضحنا في بلاده. فلمّا أحسّ النّصراني بذلك , قال: أمرت بقتلي ؟ قال : نعم. فخرّ ساجداً إلى الأرض شكراً لله تعالى ، وقال : اعلم إنّي رأيت البارحة نبيّكم في المنام وهو يقول : يا نصراني , أنت من أهل الجنّة. فعجبت غاية العجب ، فوثب إلى الرّأس وضمّه إلى صدره ونادى : السّلام عليك يا أبا عبد الله الحُسين ورحمة الله وبركاته ، اشهد لي عند ربّك وجدّك وأبيك واُمّك وأخيك , بأنّي : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ مُحمّداً رسول الله ، وأنّ عليّاً ولي الله )). فغاروا عليه بالسّيوف وقطّعوه رحمه الله تعالى :
هدأت العيون ودمع عينك يهمل |
سحاً كما وكف الضباب المخضل |
|
وكأنما بين الجوانح والحشا |
مما تأويني شهاب مدخل |
وجداً على النفر الذين تتابعوا |
يوماً بموته اسندوا لم يقفلوا |
|
فتغير القمر المنير لفقدهم |
والشمس قد كسفت وكادت تأفل |
|
قوم علا بنيانهم من هاشم |
فرع اشم وسؤدد ما ينقل |
|
قوم بهم نصروا الإله رسوله |
وعليهم نزل الكتاب المنزل |
|
وبهديهم رضي الإله لخلقه |
وبجدهم نصر النّبي المرسل |
روي : أنّ رجلاً مؤمناً من أكابر بلاد بلخ , كان يحجّ بيت الله الحرام ويزور قبر النّبي في أكثر الأعوام ، وكان يأتي عليّ بن الحُسين فيزوره ، ويحمل إليه الهدايا والتّحف ويأخذ مصالح دينه منه ثمّ يرجع إلى بلاده ، فقالت له زوجته : أراك تهدي تحفاً كثيرة ولا أراه يجازيك عنها بشيء ؟ فقال : إنّ الرّجل الذي نهدي إليه هدايانا هو ملك الدُنيا والآخرة ، وجميع ما في أيدي النّاس تحت مُلكه ؛ لأنّه خليفة الله في أرضه وحجّته على عباده ، وهو ابن رسول الله ، وهو إمامنا ومولانا ومقتدانا. فلمّا سمعت ذلك منه , أمسكت عن ملامته ، قال : ثمّ إنّ الرّجل تهيّأ للحج مرّة اُخرى في السّنة القابلة وقصد عليّ بن الحُسين , فاستأذن له فدخل فسلّم عليه وقبّل يديه , ووجد بين يديه طعاماً فقرّبه إليه وأمره بالأكل معه ، فأكل الرّجل حسب كفايته ، ثمّ استدعى بطشت وإبريق فيه ماء , فقام الرّجل فأخذ الإبريق وصبّ الماء على يدي الإمام ، فقال الإمام : (( يا شيخ , أنت ضيفنا فكيف تصبّ على يدي الماء ؟ )). فقال : إنّي أحبّ ذلك. فقال الإمام (عليهالسلام ) : (( حيث أنّك أحببت ذلك , فوالله لأريك ما تحبّ وترضى به وتقرّ به عيناك )). فصبّ الرّجل الماء على يديه حتّى امتلأ ثلث الطّشت ، فقال الإمام للرجل : (( ما هذا ؟ )). قال : ماء. فقال الإمام : (( بل هو ياقوت أحمر )). فنظر الرّجل إليه , فإذا هو قد صار ياقوتاً أحمر بإذن الله تعالى ، ثمّ قال الإمام (عليهالسلام ) : (( يا رجل , صبّ الماء أيضاً )). فصبّ الماء على يدي الإمام مرّة اُخرى حتّى امتلأ ثلثي الطّشت ، فقال له : (( ما هذا ؟ )). قال : هذا ماء. فقال الإمام : (( بل هذا زمرّد أخضر )). فنظر الرّجل إليه , فإذا هو زمرّد أخضر ، ثمّ قال الإمام أيضاً : (( صبّ الماء يا رجل )). فصبّ الماء على يدي الإمام حتّى امتلأ الطّشت ، فقال للرجل : (( ما هذا ؟ )). فقال : ماء. قال : (( بل هذا درّ أبيض )). فنظر الرّجل إليه , فإذا هو درّ أبيض بإذن الله تعالى ، وصار الطّشت ملآناً
من ثلاثة ألوان ؛ درّ ، وياقوت ، وزمرّد , فتعجّب الرّجل غاية العجب وانكبّ على يدي الإمام يقبّلهما ، فقال له : (( يا شيخ , لم يكن عندنا شيء نكافيك على هداياك إلينا , فخذ هذه الجواهر فإنّها عوض هديتك , واعتذر لنا عند زوجتك ؛ لأنّها عتبت علينا )).
فأطرق الرّجل رأسه خجلاً ، وقال : يا سيّدي , مَن أنبأك بكلام زوجتي ؟ فلا شكّ أنّك من بيت النّبوة. ثمّ إنّ الرّجل ودّع الإمام وأخذ الجواهر وسار بها إلى زوجته وحدّثها بالقصّة ، قالت : ومَن أعلمه بما قُلت ؟ فقال : ألم أقل لك إنّه من بيت العلم والآيات الباهرات ؟ فسجدت لله شكراً وأقسمت على بعلها بالله العظيم , أن يحملها معه إلى زيارته والنّظر إلى طلعته ، فلمّا تجهّز بعلها للحج في السّنة القابلة , أخذها معه فمرضت المرأة في الطّريق وماتت قريباً من مدينة الرّسول ، فجاء الرّجل إلى الإمام باكياً حزيناً وأخبره بموت زوجته , وإنّها كانت قاصدة إلى زيارته وزيارة جدّه رسول الله ، فقام الإمام وصلّى ركعتين ودعا الله سبحانه بدعوات لم تحجب ، ثمّ التفت إلى الرّجل ، فقال له : (( قُم وارجع إلى زوجتك , فإنّ الله عزّ وجلّ قد أحياها بقدرته وحكمته ,( وهو يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) (١) )).
فقام الرّجل مسرعاً وهو فرح بين مصدّق ومكذّب ، فدخل إلى خيمته ، فرأى زوجته جالسة في الخيمة على حال الصّحة , فزاد سروره واعتقد ضميره ، وقال لها : كيف أحياك الله تعالى ؟ فقالت : والله , لقد جاءني ملك الموت وقبض روحي وهمّ أن يصعد بها , وإذا برجل صفته كذا وكذا , وجعلت تعدد أوصافه الشّريفة وبعلها يقول لها : نعم صدقتي , هذه صفة سيّدي ومولاي عليّ بن الحُسين (عليهماالسلام ) , قالت : فلمّا رآه ملك الموت مُقبلاً , انكبّ على قدميه يقبّلهما ويقول : السّلام عليك يا حجّة الله في أرضه ، السّلام عليك يا زين العابدين. فردّعليهالسلام وقال له : (( يا ملك الموت , أعد روح هذه المرأة إلى جسدها ؛ فإنّها قاصدة إلينا , وإنّي قد سألت ربّي أن يبقيها ثلاثين سنة اُخرى ويحييها حياة طيّبة ؛ لقدومها إلينا زائرة لنا , فإنّ للزائر علينا حقّاً واجباً )). فقال له الملك : سمعاً وطاعة لك يا وليّ الله. ثمّ أعاد روحي إلى جسدي وأنا أنظر إلى ملك الموت قبّل يده الشّريفة وخرج عنّي. فأخذ الرّجل بيد زوجته وأتى بها إلى مجلس الإمام وهو بين أصحابه ، وانكبّت على ركبتيه تقبّلهما وهي تقول : هذا والله سيّدي ومولاي , هذا الذي أحياني الله
____________________
(١) سورة يس / ٧٨.
ببركة دعائه.
قال : ولم تزل المرأة مع بعلها مجاورين عند الإمام بقية أعمارهما , بعيشة طيّبة في البلدة الطّيبة إلى أن ماتا رحمة الله عليهما.
فيا إخواني : إذا كان الإمام زين العباد هذه حالته عند الله , كيف يستحقّ أن تغل يداه وتسبى نساؤه ويحملنّ على أقتاب الجمال بغير وطاء , ويُطاف بهنّ البلدان بين أهل العناد حزب الشّيطان , فلا حول ولا قوة إلّا بالله وعلى ظالمي أهل البيت لعنة الله.
روي عن حذلم بن بشير , قال : قدمت الكوفة في المحرّم سنة إحدى وستين , وقت منصرف عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) بالنّسوة من كربلاء ومنهم الأجناد يحيطون بهم , وقد خرج النّاس لينظروا إليهم ، فلمّا اُقبل بهم على الجمال بغير وطاء ولا غطاء , جعلنّ نساء الكوفة يبكين ويندبن ، فسمعت عليّ بن الحُسين وهو يقول - وقد نهكته العلّة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه - : (( إنّ هؤلاء النّسوة يبكين , فمَن قتلنا ؟ )). قال : ورأيت زينب بنت عليّ (عليهماالسلام ) ولم أر خفرة أنطق منها ، كأنّها تفرغ من لسان أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ، قال : وقد أومت إلى النّاس أن اسكتوا ، فارتدّت الأنفاس وسكنت الأصوات , فقالت : الحمد لله والصّلاة على أبي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , أمّا بعد , يا أهل الكوفة , فلا رقّت لكم العبرة ولا هدأت الرّنة ، فإنّما مثلكم كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا وهل فيكم إلّا الصّلف الظّلف ، والصّرم السّرف ، خوّارون في اللقاء عاجزون عن الأعداء , ناكثون في البيعة مضيّعون للذمّة ، فبئس ما قدّمت لكم أنفسكم إن سخط الله عليكم , وفي العذاب أنتم خالدون ، أتبكون ؟ أي والله , فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد فزتم بعارها وشنارها ، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبدا ، فسليل خاتم الرّسالة وسيّد شباب أهل الجنّة , وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم , وإمارة محجّتكم ومدرجة حجّتكم , خذلتم وله قتلتم ، ألا ساء ما تزرون فتعساً ونكساً , ولقد خاب السّعي وتبّت الأيدي وخسرت الصّفقة , وبؤتم بغضب من الله , وضربت عليكم الذّلة والمسكنة , ويلكم أتدرون أيّ كبد لـمُحمّد فريتم ؟! وأيّ دم له سفكتم ؟ وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ لقد جئتم شيئاً إدّا( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) (١) ولقد أتيتم بها ؛ خرقاء شوهاء بلاغ الأرض والسّماء ، أفعجبتم أن قطرت السّماء دماً ، ولعذاب الآخرة
____________________
(١) سورة مريم / ٩٠.
أخزى ، فلا يستخفنّكم المهل , فإنّه لا يحقره البدار ولا يخاف عليه فوت النّار :( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (١) .
قال : ثمّ سكتت ، فرأيت النّاس حيارى قد ردّوا أيديهم على أفواههم ، ورأيت شيخاً قد بكى حتّى اُخضبت لحيته وهو يقول :
كهولهم خير الكهول ونسلهم |
إذا عد نسل لا يخيب ويخزي |
وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ صالح بن العرندس (رحمهالله )
طوايا نظامي في الزمان لها نثر |
يعطرها من طيب ذكركم نشر |
|
قصائد ما خابت لهن مقاصد |
ظواهرها حمد ، بواطنها شكر |
|
مطالعها تحكي النجوم طوالعاً |
وأنوارها زهر واخلاقها زهر |
|
عرائس تجلى حين تجلى قلوبنا |
أكاليلها در وتيجانها تبر |
|
حسان لها حسان بالفضل شاهد |
على وجهها بشر يدين لها بشر |
|
أنظمها نظم اللئالي وأسهر الليالي |
ليحيى لي بكم وبها ذكر |
|
فيا ساكني أرض الطفوف عليكم |
سلام محب ما له عنكم صبر |
|
نشرت دواوين الثنا بعد طيبها |
ففي كل طرس من مديحي لكم سطر |
|
فطابق شعري فيكم دمع ناظري |
فسر غرامي شائع بكم جهر |
|
لئالي نظامي في عقيق مدامعي |
فمبيض ذا نظم ومحمر ذا نثر |
|
فلا تتهموني بالسلو فإنما |
مواعيد سلواني وحقكم الحشر |
|
فذلي بكم عز وفقري بكم غنى |
وكسري بكم جبر وعسري بكم يسر |
|
تروق بروق السحب لي من دياركم |
فينهل من دمعي بيارقها القطر |
|
فعيناي كالخنساء تجري دموعها |
وقلبي شديد في محبتكم صخر |
|
وقفت على الدار التي كنتم بها |
ومغناكم من بعد معناكم قفر |
|
وقد درست منها الرسوم وطالما |
بها درّس العلم الإلهي والذكر |
|
فراق فراق الروح من بعد بعدكم |
ودار برسم الدار في خاطرى الفكر |
____________________
(١) سورة الفجر / ١٤.
وسالت عليها من دموعي سحائب |
إلى أن تروي ألبان بالدكمع والسدر |
|
وقد أقلعت عنها السحاب ولا تجد |
ولا در من بعد الحُسين لها در |
|
إمام الهدى سبط النبوة والد |
الأئمة رب النهى مولى له الأمر |
|
أبوه إمام الـمُرتضى علم الهدى |
وصي رسول الله والصنو والصهر |
|
إمام بكته الإنس والجن والسما |
ووحش الفلا والطير والبر والبحر |
|
له القبة البيضاء بالطف لم تزل |
يطوف بها حزناً ملائكة غر |
|
وفيه رسول الله قال وقوله |
صحيح صريح ليس في ذلكم نكر |
|
حي بثلاث ما أحاط بمثلها |
ولي فمن زيد سواه ومن عمرو |
|
له تربة فيها الشفاء وقبة |
يجاب بها الداعي إذا مسه الضر |
|
وذرية ذرية منه تسعة |
أئمة حق لا ثمان ولا عشر |
|
أيقتل ظمآناً حسين بكربلا |
وفي كل عضو من أنامله بحر |
|
ووالده الساقي على الحوض في غد |
وفاطمة ماء الفرات لها مهر |
|
فوا لهف نفسي للحسين وما جنى |
عليه غداة الطف في حرية الشمر |
|
رماه بجيش كالظلام قسيه |
الأهلة والخرصان أنجمه الزاهر |
|
لراياته نصب وأسيافه جزم |
وللنقع رفع والرماح لها جر |
|
تجمع فيه من طغاة أمية |
عصائب غدر لا يقوم لها عذر |
|
وأرسلها الطاغي يزيد ليملك |
العراق وما اغنته شام وما مصر |
|
وشد لهم أسراً سليل زيادها |
فحل بهم من شد أزرهم الوزر |
|
وأمّر فيهم نجل سعد لنحسه |
فما طال في الري اللعين له عمرو |
|
فلما التقى الجمعان في أرض كربلا |
تباعد فمل الخير واقترب الشر |
|
فداروا به في عشر شهر محرم |
وبيض للمواضي في الأكف لها شمر |
|
فقام الفتى لـمّا تشاجرت القنا |
وصال وقد أودى بمهجته الحر |
|
وجال يطوف في المجال كأنه |
دجى الليل في لألاء غرته الفجر |
|
له أربع للريح فيهن أربع |
لقد زانه كر وما شأنه الفر |
|
ففرق جمع القوم حتّى كأنهم |
طيور بغاث شت شملهم الصقر |
|
فأذكرهم ليل الهرير فأجمع |
الكلاب على ذاك الهرير وقد هر |
هناك فدته الصالحون بأنفس |
يضاعف في يوم الحساب لها الأجر |
|
وحادوا عن الكفار طوعاً لنصره |
وجادله بالنفس من سعده الحر |
|
ومدوا إليه ذبلاً سمهرية |
لطول حياة السبط من مدها جزر |
|
فغادره في مأزق الحرب مارق |
بشهم لنحر السبط من وقعه نحر |
|
فمال عن الطرف الجواد أخو الندى |
الجواد قتيلاً حوله يصهر المهر |
|
سنان سنان خارق منه في الحشا |
وصارم شمر في الوريد له شمر |
|
تجر عليه العاصفات ذيولها |
ومن نسج أيدي الصافنات له طمر |
|
زجت له السبع الشداد وزلزلت |
رواسي جبال الأرض والتطم البحر |
|
فيا لك مقتولاً بكته السما دماً |
فمغبر وجه الأرض بالدم محمر |
|
ملابسه في الحرب حمر من الدما |
وهن غداة الحشر من سندس خضر |
|
ولهفي لزين العابدين وقد سرى |
أسيراً عليلاً لا يفك له أسر |
|
وآل رسول الله تسبى نساؤهم |
ومن حولهن الستر يهتك والخدر |
|
سبايا بأكوار المطايا حواسراً |
يلاحظهن العبد في الناس والحر |
|
ورملة في ظل القصور مصانة |
يناط على أقراطها النير والدر |
|
فويل يزيد من عذاب جهنم |
إذا اقبلت في الحشر فاطمة الطهر |
|
ملابسها ثوب من السم أسود |
وآخر قان من دم السبط محمرد |
|
تنادي وأبصار الأنام شواخص |
وفي كل قلب من مهابتها ذعر |
|
وتشكو إلى الله العلي وصوتها |
عليّ ومولانا عليّ لها ظهر |
|
فلا ينطق الطاغي يزيد بما جنى |
وإني له عذر ومن شأنه الغدر |
|
فيؤخذ منه بالقصاص فيحرم |
النعيم ويصلّى في الجحيم له قعر |
|
أيقرع جهراً ثغر سبط مُحمّد |
وصاحب ذاك الثغر يحمى به الثغر |
|
ويشدو له الشادي فيطربه الغنا |
ويسكب في الكأس النظار له الخمر |
|
فداك الغنا في البعث تصحيفه العنا |
وتصحيف ذاك الخمر في قلبه الجمر |
|
وليس لأخذ الثار إلّا خليفة |
يكون لكسر الدين من عدله جبر |
|
تطوف به الأملاك من كل جانب |
ويقدمه الإقبال والعز والنصر |
|
عوامله في الدار عين خوارق |
وحاجبه عيسى وناصره الخضر |
|
تظلله حقاً غمامة جدّه |
إذا ما الملوك الصيد ظللها الحتر |
محيط على علم النبوة صدره |
فطوبى لعلم ضمه ذلك الصدر |
|
هو ابن الإمام العسكري مُحمّد |
التقي النقي العالم العلم الحبر |
|
سليل عليّ الهادي نجل مُحمّد |
الجواد ومن بأرض طوس له قبر |
|
علي الرضا وهو ابن موسى الذي قضى |
ففاح على بغداد من نشره عطر |
|
وصادق قول إنه نجل صادق |
إمام به في العلم يفتخر الفخر |
|
نتيجة مولانا الإمام مُحمّد |
إمام لعلم الأنبياء به بقر |
|
سلالة زين العابدين الذي بكى |
فمن دمعه يبس الأعاشيب مخضر |
|
سليل الحُسين الفاطمي وحيدر |
الوصي فمن طهر نمى ذلك الطهر |
|
له الحسن المسموم عم فحبذا |
الإمام الذي عم الورى جوده الغمر |
|
سمي رسول الله وارث علمه |
إمام على آبائه نزل الذكر |
|
هم النور نور الله جل جلاله |
هم التين والزيتون والشفع والوتر |
|
مهابط وحي الله خزان علمه |
ميامين في أبياتهم يقبل النذر |
|
وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشه |
ومكنونة من قبل أن يخلق الذر |
|
فلولاهم لم يخلق الله آدماً |
ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو |
|
ولا سطحت أرض ولا رفعت سماً |
ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر |
|
ونوح بهم في الفلك لـمّا دعا نجا |
وغيض به طوفانه وقضي الأمر |
|
ولولا نارهم نار الخليل لـمّا غدت |
سلاماً وبرداً وانطفأ ذلك الجمر |
|
ولولاهم يعقوب ما زال حزنه |
ولا كان عن أيوب يكشف الضر |
|
ولان لداود الحديد بسرهم |
فقدر في سرد يحير له الفكر |
|
ولما سليمان البساط بهم دعا |
أسيلت له عين يفيض بها القطر |
|
وسخرت الريح الرخاء بأمره |
فغدوتها شهر وروحتها شهر |
|
ولولاهم ما كان عيسى بن مريم |
لغادر من طي اللحود له نشر |
|
سرى سرهم في الكائنات وفضلهم |
فكل نبي فيه من سرهم سر |
|
مصابكم يا آل طه مصيبة |
ورزء على الإسلام أحدثه الكفر |
|
سأندبكم يا عدتي عند شدتي |
وأندبكم حزناً إذا أقبل العشر |
|
وأبكيكم ما دمت حياً فإن أمت |
ستبكيكم بعدي المراثي والشعر |
وكيف يحيط الواصفون بمدحكم |
وفي مدح آيات الكتاب لكم ذكر |
|
ومولدكم بطحاء مكة والصفا |
وزمزم والبيت المحرم والحجر |
|
جعلتكم يوم المعاد ذخيرتي |
فطوبى لمن أمسى وأنتم له ذخر |
|
عرائس فكر الصالح بن عرندس |
قبولكم يا آل طه لها مهر |
|
سيبلى الجديدان الجديد وحبكم |
جديد بقلبي ليس يخنقه الدهر |
|
عليكم سلام الله ما لاح بارق |
وحلت عقود المزن وانتثر القطر |
الباب الثّاني
العجب من يرضى من ذوي العقول بالدُنيا داراً بعد آل الرّسول ! غدرت بمواليها فلا خير والله ولا بركة فيها ، فرحم الله من اتخذ فيها الزّاد ليوم الحشر والمعاد , وجعلها إلى ما تقدم من صالح الأعمال بعد انقضاء الأعمار والآجال. ولعمري , لا عمل فيها أعظم من موالاة الآل ؛ لدفع تلك الأثقال العضال والمشاق والأهوال.
فوا عجباه ممّن مال من الحقّ إلى الباطل ، وارتكب مثل هذا الخطب الهائل , وتجرّئ على انتهاك ذرّيّة الرّسول وأولاد فاطمة البتول ، وما ذاك إلّا لطلب الدُنيا ونعيمها , وما قدره لو صح بالنّسبة إلى النّار وجحيمها :
هب الدُنيا تساقي إليك عفواً |
أليس مصير ذاك إلى زوال |
|
وهل دنياك إلّا مثل فيء |
أضلك ثمّ أذن بانتقال |
|
فما ترجو لشيء ليس يبقى |
سريع لا يدوم على الليالي |
لعلّهم ما عرفوا حالاتهم ولم يبلغهم شيء من معجزاتهم , بلى والله , لقد سمعوا وعرفوا وعاهدوا وما وفوا( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
نُقل : أنّه لـمّا رجع النّبي من غزاة خيبر إلى المدينة , جاءته امرأة يهودية قد أظهرت له الإسلام , ومعها لحم ذراع جمل مشوي فيه سمّ , فوضعته بين يديه , فقال لها : (( ما هذا ؟ )). فقالت له : فداك أبي واُمّي يا رسول الله ! لقد همّني أمرك في غزوتك إلى خيبر , فإنّي أعرفهم رجالاً شجعاناً , وهذا لحم ذراع جمل لي قد ربّيته صغيراً , وعلمت أنّ أحبّ الأطعمة إليك الشّواء من لحم الذّراع , فنذرت لله نذراً إن سلّمك الله من وقعة خيبر وظفرك الله بهم , لأذبحنّ جملي واجعل لحمه صدقة عنك , وقد جئت بهذا منه إليك ؛ لأوفي نذري ، قال : وكان من جلساء رسول الله رجل يُقال
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
له البرّاء(١) فمدّ يده وأخذ من ذلك اللحم فوضعها في فيه ، فقال له عليّ : (( يا برا , لا تتقدّم على رسول الله أبداً )). فقال البرّاء - وكان أعرابياً - : يا عليّ , كأنّك تبخل رسول الله ؟ فقال عليّ : (( لا والله , ما أبخل رسول الله ، ولكنّي اُبجّله واُوقّره واُعظّمه ، وليس لي ولا لك ولا لأحد من خلق الله أن يتقدّم على رسول الله ؛ بقول ولا فعل ولا أكل ولا شرب )). فقال البرّاء : لست تريد هذا , ولكنّك تبخل رسول الله. فقال عليّ : (( يا برا , هذا طعام جاءت به امرأة وكانت من قبل يهودية ولسنا نعرف حالها , فإذا أكلت به بأمر رسول الله فهو الضّامن لسلامتك منه , وإذا أكلت بغير إذنه وكّلك الله نفسك , فربما يكون هذا الطّعام مسموم )). قال : فبينما عليّ يخاطب البرّاء بهذا الكلام والبرّاء يلوك اللقمة في فمه , إذ أنطق الله الذّراع بلسان فصيح يقول : يا رسول الله , لا تأكلني فإنّي مسموم. فسقط البرّاء مغشيّاً عليه , ولم يرفع من مكانه إلّا ميتاً.
فقال رسول الله : (( ائتوني بالمرأة )). فأتوا بها , فقال لها بلطف ورفق : (( ما حملك على ذلك ؟ )). فقالت : يا مُحمّد , قد قتلت أبي وعمّي وأخي وبعلي وولدي , فهذا الذي حملني على ذلك , فجئت إليك بهذا السّم وقُلت في نفسي: إن كان مُحمّد نبيّاً حقّاً , فسيمنعه الله من أكله أو يأكله ولا يضرّه السّم ، وإن كان كاذباً , فإنّي أنتقم منه حيث قتل قومي ورجالي. فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا هذانة , لن يضرّنا موت البرّاء , فإنّما امتحنه الله ؛ لتقدّمه عليّ , ولو أنّه كان يأكل بأمري , لكفاه الله أذية السّم )).
ثمّ إنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) قال : (( هلمّ يا سلمان ويا عمار ويا مقداد ويا أبا ذر , هلمّوا جميعاً فكلوا من هذا الطّعام )). فمدّ رسول الله يده وقال : (( بسم الله الشّافي , بسم الله الكافي , بسم الله المعافي , بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء وهو السّميع العليم )). ثمّ أكل مع جميع أصحابه حتّى شبعوا والمرأة واقفة تنظر إليهم ، فقال لها رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( أليس أكلنا بحضرتك من هذا الطّعام المسموم , فكيف رأيت دفع الله عن نبيّه وأصحابه أذية السّم ؟ )). فقالت : يا رسول الله , إنّي كنت شاكّة في نبوّتك , والآن قد أيقنت أنّك رسول الله حقّاً وصدقاً , وأنا : أشهد أن لا إله إلّا الله , وأنّك مُحمّداً رسول الله. وأسلمت وأحسنت إسلامها.
قال : فلمّا حُملت جنازة البرّاء إلى رسول الله
____________________
(١) الظّاهر أنّه ليس ابن عازب ، لأنّه بقي إلى أن قُتل الحُسين , كما تقدّم القول فيه في الباب الثّالث من المجلس الثّامن ، من مجالس هذا الكتاب في الجزء الأوّل.
ليصلّي عليها , قال رسول الله : (( أين عليّ بن أبي طالب ؟ )). فقيل له : قد ذهب في حجّة. فجلس رسول الله ينتظره ولم يصل على جنازة البرّاء ، فقيل له : يا رسول الله , ما لك لا تصلّي على جنازة هذا العبد المؤمن ؟ فقال : (( إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن لا أصلّي عليها حتّى يحضر عليّ بن أبي طالب , فيجعله في حلّ ممّا كلّمه ؛ ليجعل الله موتة البرّاء بهذا السّم كفّارة لذنبه )).
فقال من حضر وشاهد الخبر وسمع الكلام الذي قاله البرّاء لعليّ : يا رسول الله , إنّما كان كلام البرّاء مزاحاً مازح به عليّاً , ولم يكن جدّاً منه فيؤاخذه الله بذلك. فقال رسول الله : (( لو كان كلام البرّاء جدّاً , لأحبط الله أعماله كلّها ولو كان تصدّق بملء ما بين الثّرى إلى عنان السّما ذهباً وفضّة , لكنّه كان مزاحاً وهو في حلّ من ذلك , إلّا أنّ رسول الله يريد أن لا يعتقد أحد منكم أنّ عليّاً (عليهالسلام ) واجد عليه , فيحلّه عليّ بن أبي طالب بحضرتكم ؛ إجلالاً للبرّاء ويستغفر له ليزيده الله زلفة في جنانه )).
قال : فبينما هُم في الكلام , إذ دخل عليّ (عليهالسلام ) فوقف عند جنازة البرّاء وقال : (( يرحمك الله يا برّاء ! لقد كنت صوّاماً ولقد متّ في سبيل الله ولقد جاهدت بين يدي رسول الله , فرضي الله عنك )). فقال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( فوالله , لو كان أحد من الموتى يستغني عن صلاة رسول الله , لاستغنى صاحبكم هذا بدعاء عليّ بن أبي طالب )). ثمّ قام رسول الله فصلّى على جنازة البرّاء وأمر بدفنه رحمة الله عليه.
فانظروا يا ذوي العقول إلى حقد هذه المرأة التي عزمت على قتل الرّسول وأب الطّهر البتول , وكذلك بنو اُميّة حقدوا وهم من قديم الزّمان والأعوام من فتك عليّ فيهم ؛ إطاعة للملك العلام , ولكن إلى الله مرجع الخصام في يوم القيام :
فرى كبدي من حزن آل مُحمّد |
ومن زفرات ما لهن طبيب |
|
فمن مبلغ عني الحُسين رسالة |
وإن كرهتها أنفس وقلوب |
|
قتيل بلا جرم كأن قميصه |
صيغ بماء الأرجوان خضيب |
|
فللسيف أعوال وللرمح رنة |
وللخيل من بعد الصهيل نحيب |
|
تزلزلت الدُنيا لآل مُحمّد |
وكادت لهم صم الجبال تذوب |
حكى عروة البارقي , قال : حججت في بعض السّنين فدخلت مسجد رسول الله , فوجدت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) جالساً وحوله غلامان يافعان , وهو يقبّل هذا
مرّة وهذا اُخرى , فإذا رآه النّاس يفعل ذلك , أمسكوا عن كلامهم حتّى يقضي وطره منهما , وما يعرفون لأيّ سبب حبّه إيّاهما ، فجئته وهو يفعل ذلك بهما , فقلت : يا رسول الله , هذان ابناك ؟ فقال : (( إنّهما ابنا ابنتي , وابنا أخي وابن عمّي وأحبّ الرّجال إلي , ومَن هو سمعي وبصري , ومن نفسه نفسي ونفسي نفسه , ومَن أحزن لحزنه ويحزن لحزني )).
فقلت له : قد عجبت يا رسول الله من فعلك بهما وحبّك لهما ؟ فقال لي : (( أحدّثك أيّها الرّجل , إنّي لـمّا عُرج بي إلى السّماء ودخلت الجنّة , انتهيت إلى شجرة في رياض الجنّة فعجبت من طيب رائحتها , فقال لي جبرائيل : يا مُحمّد , لا تعجب من هذه الشّجرة , فثمرها أطيب من ريحها. فجعل جبرائيل يتحفني من ثمرها ويطعمني من فاكهتها وأنا لا أملّ منها ، ثمّ مررنا بشجرة اُخرى , فقال لي جبرائيل : يا مُحمّد , كُل من هذه الشّجرة , فإنّها تشبه الشّجرة التي أكلت منها الثّمر , فإنّها أطيب طعماً وأزكى رائحة )).
قال(ص) : (( فجعل جبرائيل يتحفني بثمرها ويشمّني من رائحتها وأنا لا أملّ منها ، فقلت : يا أخي جبرائيل , ما رأيت في الأشجار أطيب ولا أحسن من هاتين الشّجرتين ! فقال : يا مُحمّد , أتدري ما اسم هاتين الشّجرتين ؟ فقلت : لا أدري. فقال : إحداهما الحسن والاُخرى الحُسين , فإذا هبطت يا مُحمّد إلى الأرض من فورك , فأت زوجتك خديجة وواقعها من وقتك وساعتك ؛ فإنّه يخرج منك طيب رائحة الثّمر الذي أكلته من هاتين الشّجرتين , فتلد لك فاطمة الزّهراء ، ثمّ زوّجها أخاك عليّاً فتلد له ابنين , فسمّ أحدهما الحسن والآخر الحُسين )).
قال رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) : (( ففعلت ما أمرني أخي جبرائيل , فكان الأمر ما كان , فنزل إليّ جبرائيل بعد ما ولد الحسن والحُسين ، فقلت له : يا جبرائيل , ما أشوقني إلى تينك الشّجرتين. فقال لي : يا مُحمّد , إذا اشتقت إلى الأكل من ثمر تينك الشّجرتين , فشمّ الحسن والحُسين )).
قال : فجعل النّبي (صلىاللهعليهوآله ) كلّما اشتاق إلى الشّجرتين , يشمّ الحسن والحُسين ويلثمهما وهو يقول : (( صدق أخي جبرائيل )). ثمّ يُقبّل الحسن والحُسين ويقول : (( يا أصحابي , إنّي أودّ أن أقاسمهما حياتي ؛ لحبّي لهما , فهما ريحانتاي من الدُنيا )). فتعجّب الرّجال من وصف النّبي للحسن والحُسين (عليهماالسلام ) ، فكيف لو شاهد النّبي من سفك دمائهم وقتل رجالهم وذبح أطفالهم , ونهب أموالهم وسبي
حريمهم ؟ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) . وعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون ، ولمثلهم تذرب الدّموع من العيون. أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ النّقي التّقي مُحمّد عليّ بن طريح النّجفي
(رحمهالله )
جاد ما جاد من دموعي السجاد |
لمصاب الكريم نسل الكرام |
|
حل من فادح على الناس طراً |
ومصاب أصيب في الإسلام |
|
كيف يلتذ طاعم بطعام |
كيف يهنى اللبيب طيب المنام |
|
قل صبري وزاد حزني ووجدي |
فهمومي سكرى ودمعي مدامي |
|
أضرم الشوق جذوره في فؤادي |
للأسى خل لأئمي عن ملامي |
|
لم أزل في تفكر وانقياد |
لهموم تعلني بالسقام |
|
بدموع حكت سحائب مزن |
وفؤاد متيم مستهام |
|
برحت مهجتي لتبريح وجدي |
فعلى جيرتي وأهلي سلامي |
|
ظللت أشكو إلى الحمام غرامي |
يا حمامي أدنيتني لحمامي |
|
هيجتني بلابلي وامتحاني |
بالتحاني إذ الغريم غرامي |
|
لست أبكي لفقد أهل وخل |
فتكت فيهم يد الأيام |
|
وديار خلا الأحبة منها |
فهي بعد الأنيس مأوى الهوام |
|
لا ولا هالني فراق حبيب |
بأن عني مقوضاً للخيام |
|
إنما حسرتي وحزني ووجدي |
ونحيبي وزفرتي واضطرام |
|
لسليل البتول سبط رسول الله |
نور الإله خير الأنام |
|
فتكت فيه عصبة الكفر حتّى |
قتلوه ظلماً بغير إجرام |
|
منعوه ماء الفرات مباحاً |
لسواه تمرّدا بالخصام |
|
لست أنسى الحُسين بالطف ملقى |
عافر الخد ناحر النحر دامي |
|
لست أنساه وهو فيهم وحيد |
قد أحاطت به علوج اللئام |
|
منعوه الماء الزلال وحاطوه |
دونه بالمهند الصمصام |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
وا حسيناه إذ أحاط الأعادي |
فيه كل مجرد للحسام |
|
وا حسيناه وهو فيهم ينادي |
يا لقومي هل كيف خنتم ذمامي |
|
وا حسيناه إذ قضى وهو ممنوع |
من الماء حوله وهو ظامي |
|
وا شهيداه لست أنساه يدعو |
رب فاحكم بيني وبين اللئام |
|
وا إماماه ما له من نصير |
وا إماماه ما له من محامي |
|
وا إماماه إد يودع أهليه |
ويرمي بطرفه للخيام |
|
زينب أخته تنوح بشجو |
ثمّ تدعو لواحد العلام |
|
وتناديه يا أخي يابن أمي |
أظلمت بعد فقدكم أيامي |
|
يا أخي هذه سكينة تبكي |
قد أهلت دموعها بالسجام |
|
تستجير العدا بطرف كليل |
وفؤاد مؤله مستهام |
|
يا أخي فاطم تدور وترتاع |
لـمّا نالها من الآلام |
|
خانها دهرها فاضحت بذّل |
بعد عز ونعمة واحتشام |
|
يا أخي هذه بناتك بالذل |
أسارى وما لهن محامي |
|
يا أخي هذه الاسارى حيارى |
ساترات الوجوه بالأكمام |
|
كم حسان وكم ربيبة خدر |
صرن من غير برقع ولثام |
|
يا أخي لو ترى علياً بقيد |
ناكس الرأس ذلة للرغام |
|
يا أخي هدّ حزن فقدك ركني |
وكساني النحول ثوب سقام |
|
يا أخي خانني الزمان بصبري |
وجفا عن جفون عيني منام |
|
يا أخي أظلم الزمان علينا |
بعدما كان ضاحكاً بابتسام |
|
لهف قلبي على الحُسين طريحاً |
بين تلك الأوهاد والأوكام |
|
لهف قلبي عليه والشمر يسعى |
نحوه وهو مشهر للحسام |
|
قال يا شمر هل علمت بأني |
ابن بنت الرسول بدر التمام |
|
وأبي خيرة الأنام وجديّ |
صفوة الله والنبي التهامي |
|
قال شمر عرفت هذا ولكن |
نلت اليوم يابن طه مرامي |
|
قال يا شمر خل قتلي لتحضى |
يوم حشري الورى بدار السلام |
|
قال شمر ما للجنان ومالي |
بل عطاء يزيد والأنعام |
ثم انحنى على الإمام مكباً |
ذابحاً بالمهند الصمصام |
|
ثم على سنان كريم السبط |
كالبدر في ليالي التمام |
|
لعنة الله لا تزال على الشمر |
ومن خان أحمد بالذمام |
|
أي نكراني وأي فجور |
حسبه في الحساب نار الضرام |
|
أيعلى على السنان سنان |
الرجس رأس الحُسين بين الأنام |
|
ثم يسري به يأم السبايا |
قاصداً بالمسير نحو الشآم |
|
لعن الله آل حرب الكفر |
والغدر عابد الأصنام |
|
ويزيد اللعين نسل اللعين |
عصبة الكفر والخنا والحرام |
|
وزياداً ونسل آل زياد |
وابن سعد اللعين نسل اللئام |
|
وكذا اللعين يعثري كل رجس |
نعقل ثمّ حبتر والدلام |
|
زادهم ربنا إلى لعناً لعناً |
سرمدياً مخلداً بالدوام |
|
يا بني أحمد وركن المعالي |
أنتم النور والبحور الطوامي |
|
أنتم عدّتي ليوم معادي |
تنقذوني من الذنوب العظام |
|
أنتم العارفون حبي وبغضي |
فهو كاف عن منطقي وكلامي |
|
قلت في حبكم واخصلت ودي |
يا رجائي وسادتي واعتصامي |
|
فخذوها من مسلمي ولى |
يختفي مهذب للنظام |
|
تحفتي منكم غداً في حياتي |
تنقذوني من زلتي واجترامي |
|
فعليكم من السلام صلاة |
وسلام بالف الف سلام |
|
ما اضمحل الدجى واسفر صبح |
وأضاءت كواكب بظلام |
الباب الثّالث
أيّها المؤمنون الأخيار والاُمناء الأبرار , أليس بإظهار الأسف تحطّ الأوزار ؟ أليس أئمتكم هُم الجنن الواقية من النّار ؟ أليس هُم العدّة لكلّ هول وشدّة ؟ أيبكي الباكون منكم على فقد الأولاد والآباء والأجداد ، ولا يبكي على سادات العباد وأنوار الله في البلاد ؟! لو بكيتم بدل الدّمع دماً وجعلتم جميع العمر مأتماً , لكان أقلّ القليل بالنّسبة إلى هذا الخطب الجليل ، كيف لا وقد جاء في الخبر عن سيّد البشر : (( مَن شرب الماء فذكر عطش الحُسين وعطش أطفاله وعياله وأنصاره
( فلعن الله قاتليهم وظالميهم ) كتب الله له أربعة آلاف حسنة وحطّ أربعة آلاف سيئة , ورفع له أربعة آلاف درجة , وكان كمن اعتق أربعة آلاف نسمة , وحشره الله يوم القيامة ثلج الفؤاد لن يضمأ أبداً )). فهل هذا إلاّ لعظم المصاب وشدّة الوجد الدّاخل عليهم والاكتئاب ؟
فيا إخواني تساعدوا على النّدب والعويل ، وتحاضوا على الثّواب الجزيل , فإنّكم تعزّون فاطمة البتول بل جميع أهل بيت الرّسول (عليهمالسلام ) :
فيا لك عيناً لا تجف عيونها |
وناراً لها بين الضلوع ذحول |
|
أيقتل ظمآناً حسين وجدّه |
إلى النسا من رب العباد رسول |
|
ويمنع شرب الماء والشرب آمن |
على الشرب منها صادر ونهول |
|
مصاب أصيب الدين منه بفادح |
تكاد له شم الجبال تزول |
حُكي : أنّه لـمّا توفّت فاطمة (عليهاالسلام ) , حزن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) لفقدها حزناً عظيماً , وانفرد بالعزاء وحده وتحجّب من النّاس مدّة طويلة ، فاجتمع جماعة من إخوانه المؤمنين وشيعته الصّادقين , وقالوا : إنّ عليّاً بن أبي طالب إمامنا وولينا وأميرنا وأمير المؤمنين أجمع , قد احتجب عنّا وصرنا لا نراه إلّا في وقت أداء الفرائض , وانقطع عنّا ما كان يفيدنا به من أحاديثه ويرشدنا به من أخباره ، وقد طال ذلك علينا منه وصرنا كالغنم بغير راع. فوقع عين الجماعة على عمّار بن ياسر وقالوا له : يا عمّار , امض إلى أمير المؤمنين وكلّمه في ذلك , فلعلّك تأنينا به أو تستأذن لنا بالدّخول عليه. قال عمّار : فقمت ودخلت عليه , فوجدته جالساً في بيته ومعه ولداه الحسن والحُسين (عليهمالسلام ) وهو مع ذلك يبكي , فسلّمت عليه وجلست بين يديه ساعة , فقلت له : يا سيّدي , أتأذن لي أن أقول أو أسكت ؟ فقال لي : (( قُل ما شئت )). [قُلت](١) : يا سيّدي , ما بالكم تأمرونا بالصّبر على المصيبة ونراكم تجزعون ؟ [ قال : فالتفت إليّ وقال ](٢) : (( يا عمّار , إنّ العزاء عن مثل مَن فقدته لعزيز. يا عمّار , لـمّا فقدت رسول الله كانت فاطمة الزّهراء هي الخلف منه والعوض عنه , وكانت صلوات الله عليها إذا نطقت ملأت سمعي بكلامه , وإن مشت حكت كريم قوائمه , فوالله يا عمار , ما أحسست بوجع المصيبة إلّا بوفاتها , وما أحسست بألم الفراق إلّا بفراقها )).
قال عمّار : فأبكاني كلامه وبكاؤه فبكيت رحمة له , فقلت : يا أمير المؤمنين , اعلم أنّ النّاس صنفان مقرر ومفتقر إليك وقول النّاصح ثقيل. فقال لي : (( يا عمّار , إنّي أحدّثك بحديث
____________________
(١) و (٢) مابين المعقوفتين هو من كتاب الأنوار العلوية /٣٠٦. (معهد الإمامين الحسنين).
سمعته من رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , قال : لـمّا قُتل النّبي يحيى بن زكريا (عليهالسلام ) ووجم عيسى بن مريم وجوماً , فقطعه ذلك من الكلام واحتجب من الأنام , ودخل عليه أحد الحواريين , فقال له : يا روح الله , لا تقطع عادتك المباركة عنّا واخبرنا بالأحاديث الصّحيحة ؛ لعلّ الله يرحمنا , ولعلّ حديثك ينبّه أبناء الدُنيا من رقدة الغفلة ويخرجهم من ظلمة الجهل , فربّ كلمة قد أحيت سامعاً بعد الموت ورفعته بعد الضّعة , ونعشته بعد الصّرعة وأغنته بعد الفقر , وجبرته بعد الكسر وأيقظته بعد الغفلة , وبقيت في قلبه ففجّرت ينابيع الحياة , فسالت منه أودية الحكمة ونبتت فيه غرائس الحكمة , إذا وافق ذلك القضاء من الله عزّ وجلّ. قال له عيسى : نعم يا عبد الله , إنّ مثلك من يستدعي من العالم الكلام , ولا بأس عليك.
وأمّا أنت : اعلم أنّ هذه المفقودة الماضية بنت رسول الله , وعند الله أحتسبها )).
ثمّ نهض ودموعه تنحدر على لحيته , فتلقّوه الجماعة وصاروا بين عاذر وعاذل , فقال لهم : (( رويداً , فإنّ القلوب إذا خلت قالت وإذا كرهت مالت , ألستم تعلمون أنّه لـمّا توفّيت اُمّ المؤمنين خديجة الكبرى , جزع رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) جزعاً شديداً حتّى إنّي أشفقت عليه من شدّة الجزع ؟ فقلت له : يا رسول الله , أنت والله القبلة وإليك الإشارة وبك القدوة , وعليك المعتمد ومنك التعليم , وأنت السّراج إذا ضللنا , وأنت الصّلاح إذا فسدنا , وأنت الهادي إذا تهنا , وحولك حاسد وحاقد ومحبّ وواجد , وقُريش شاخصة الأبصار إليك مصغية الأذان نحوك. وبعد , فأنت يا رسول الله ممّن إذا قال فعل وإذا أمر عمل.
فقال لي : مهلاً يا أبا الحسن , برّدت دمعي وسكّنت جزعي. ثمّ إنّه (صلىاللهعليهوآله ) صار يحبّ الخلوة بنفسه ويتطرّق الأمكنة الخالية , فبينما هو ذات يوم بظاهر مكّة شرّفها الله تعالى , إذ سمع هاتفاً ينشد بيتاً من الشّعر وهو :
وكل ذي سفرة يؤوب |
وغائب الموت لا يؤوب |
فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : إنّ من الشّعر لحكمة.
ثمّ قال لي (صلىاللهعليهوآله ) : يا عليّ حفظته ؟ قلت : نعم. فاستعاده منّي نوباً كثيرة , وكان (صلىاللهعليهوآله ) يقول :
(وكل ذي سفرة يؤوب ، ولا يؤوب غائب الموت)
ثمّ قال (عليهالسلام ) : (( يا عمّار , والله ما ذكرت اُمّها خديجة إلاّ وجابهها رسول الله في ذكرها , ولا رآها تبكيها إلّا وسبقتها عبرة عليها , ولا جرى ذكرها إلّا وأسهب في وصفها وطال الثّناء عليها وتلهّف على فراقها. ولـمّا مات ولده إبراهيم (عليهالسلام ) , بكى رسول الله حتّى جرت دموعه على لحيته صلوات الله عليه , فقيل له : يا رسول الله , أتنهى عن البكاء وأنت تبكي هكذا ؟ فقال : ليس هذا بكاء وإنّما هو رحمة , ومَن لا يَرحم لا يُرحم , وإنّما البكاء الذي هو رنّة وصراخ عال , ومَن لا يَرحم لا يُرحم )).
ثمّ التفت إلى أصحابه , وقال : (( أتلومونني على فقد بنت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , وإنّي اقتدي برسول الله ؛ لأنّه بكى على خديجة الكبرى وليست بنت نبيّ , وإنّ فاطمة الزّهراء ست النّساء بنت أشرف الأنبياء , ووالدة سيّد الشّهداء صلوات الله عليه وعلى أبيها )).
نُقل : أنّه من إنشاد عليّ (عليهالسلام ) بعد وفاة فاطمة (عليهاالسلام ) :
نفسي على زفراتها محبوسة |
يا ليتها خرجت مع الزفرات |
|
لا خير بعدك في الحياة وإنما |
أبكي مخافة أن تطول حياتي |
كمالهم لا يخفى ونورهم بيّن لا يطفئ ، حسدوهم على الفضل والكمال وجلّ وعلا مجدهم أن ينال.
حُكي عن السّيّد الحسني (ره) , قال : كنت مجاوراً في مشهد مولاي عليّ بن موسى الرّضا (عليهالسلام ) مع جماعة من المؤمنين , فلمّا كان اليوم العاشر من شهر عاشوراء , ابتدأ رجل من أصحابنا يقرأ مقتل الحُسين (عليهالسلام ) , فوردت رواية عن الباقر (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( مَن ذرفت عيناه على مصاب الحُسين (عليهالسلام ) ولو مثل جناح البعوضة , غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )). وكان في المجلس معنا جاهل مركّب يدّعي العلم ولا يعرفه , فقال : ليس هذا بصحيح والعقل لا يعتقده. وكثر البحث بيننا , وافترقنا من ذلك المجلس وهو مصرّ على العناد في تكذيب الحديث , فنام ذلك الرّجل تلك الليلة , فرأى في منامه , كأنّ القيامة قد قامت وحُشر النّاس في صعيد صفصف لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً , وقد نُصبت الموازين وامتدّ الصّراط ووضع الحساب , ونُشرت الكتب واُشعلت النّيران , وزخرفت الجنان واشتدّ الحرّ عليه , وإذا هو قد عطش عطشاً شديداً وبقي يطلب الماء فلا يجده , فالتفت يميناً وشمالاً , وإذا هو بحوض عظيم الطّول والعرض , قال : فقلت في نفسي هذا هو الكوثر. فإذا فيه ماء أبرد من الثّلج وأحلى من العذب , وإذا عند الحوض رجلان
وامرأة , أنوارهم تشرق على الخلائق , وهُم مع ذلك لبسهم السّواد وهُم باكون محزونون , فقلت : مَن هؤلاء ؟ فقيل : هذا مُحمّد الـمُصطفى , وهذا الإمام عليّ الـمُرتضى , وهذه الطّاهرة فاطمة الزّهراء. فقلت : ما لي أراهم لابسين السّواد باكين ومحزونين ؟ فقيل لي : أليس هذا يوم عاشوراء , يوم مقتل الحُسين (عليهالسلام ) ؟! فهم محزونون لأجل ذلك. قال : فدنوت إلى ستّ النّساء فاطمة , وقلت لها : ما أفضل الأعمال بعد إتيان الواجبات ؟ قالت : (( فضل البكاء على مصاب ولدي الحُسين (عليهالسلام ) ومهجة قلبي وقرّة عيني , الشّهيد المقتول ظلماً وعدواناً , لعن الله قاتليه وظالميه ومانعيه من شرب الماء )).
قال الرّجل : فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً واستغفرت الله كثيراً وندمت على ما كان منّي , وأتيت إلى أصحابي الذي كنت معهم وأخبرتهم برؤياي , وتبت إلى الله عزّ وجلّ :
تبارك من أجلك من شبيه |
ومن أعطى محاسنك الكمالا |
|
مديحك عدتي وهواك قصدي |
ومن عاداك لا أهواه لا لا |
روى شعيب بن عبد الرّحمن الخزاعي , أنّه قال : لـمّا قُتل الحُسين (عليهالسلام ) في طفّ كربلاء , وجد في ظهره أثر , فسئل زين العابدين (عليهالسلام ) : ما هذا الأثر الذي نراه في ظهر أبيك ؟ فبكى طويلاً وقال : (( هذا ممّا كان يحمل قوتاً على ظهره إلى منازل الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين , وأنّه كان ينقل لهم طعاماً في جراب , وينقله إلى دورهم طول ليلته , وكانت نفقته سرّاً لا جهراً ؛ لأنّ صدقة السّر تطفئ غضب الرّب )) :
هو الذي كل آية نزلت |
أحاط في علمها وأولها |
|
حوى الكرامات بعد والده |
آخرها ملكه وأوّلها |
نُقل : رجل يُسمى عبد الرّحمن كان مُعلّماً للأولاد في المدينة , فعلّم ولداً للحُسين يُقال له جعفر , فعلّمه الحمد لله ربّ العالمين , فلمّا قرأها على أبيه الحُسين (عليهالسلام ) , استدعى الـمُعلّم وأعطاه ألف دينار وألف حلّة وحشى فاه درّاً , فقيل له : قد استكثرت ؟ فقال (عليهالسلام ) : (( وهل تساوي ما أعطيته هذه بتعليمه ولدي ؟ )).
الحمد لله ربّ العالمين , فوا حرّ قلباه لتلك الأجساد الـمُلقاة على الرّمضاء بلا مهاد , هي والله جسوم طالما أتعبوها في عبادة الرّحمن وتلاوة القُرآن , تبكيهم المحراب والصّلوات ,
وتنوح عليهم المطايا والكرامات , لقد هدموا بقتلهم الدّين المتين , وأذلوا بمصابهم رقاب المؤمنين , وأغضبوا بغضبهم ربّ العالمين والملائكة المقرّبين أجمعين :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) . فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون, أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان, فنظم وقال فيهم :
القصيدة لابن السّمين (رحمه الله تعا لى)
كيف أخفي وجدي واكتم شأني |
ودموعي تسيح من سحب شأني |
|
وفؤادي لا يستنفيق غراماً |
وهيامي لشدة الخفقان |
|
وجفوني جفون طيب رقادي |
واصطباري نأي ووجدي دان |
|
فلو جدّي أبرزت من طي فكري |
ناشرات الهموم والأحزان |
|
ولوجدي شخصان عيني قالا |
حين سحت سحائب الأجفان |
|
لست ممن تخشى خف الله فينا |
نحن في لجة البكا غرقان |
|
قال إقرأ أو لا تقرأ فعذري |
قد بدا واضحاً فلا تعذراني |
|
كف صبري على الحُسين ومولاي |
حسين رمى بسهم الهوان |
|
من أكف البغاة آل زياد |
وذوي البغي آل أبي سفيان |
|
فوقوا نحوه ينال عناد |
ورموه بأسهم العدوان |
|
نبذوا عهده وأبدوا جهاراً |
كل خاف من كامن الأضغان |
|
كيف أنساه بالطفوف فريداً |
بعد فقد الأنصار والأعوان |
|
وينادي هل ذايد هل نصير |
ينصر الطهر من بني عدنان |
|
ويلكم ما علمتم أن جدّي |
دينه الـمُرتضى من الأديان |
|
ويلكم ما سمعتم أي قول |
جاء فينا في محكم القرآن |
|
فأجاب النداء غير معين |
ورماه بنبل حرب عوان |
|
قتلوه ظلماً وبغياً وعدواً |
وانتهاكاً لحرمة الرحمن |
|
ثم رضوا الصدر الشريف عناداً |
بخيول العصيان والطغيان |
|
ثم حز الكريم واحتزّ هام |
الآل أهل الالحاد والكفران |
|
وتولوا سلب النسا وإلهاب |
خباه بمضرم النيران |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
ثم ساروا برأسه والسبايا |
تتهادى بذلة وهوان |
|
حيث وافوا يزيد زاد سروراً |
ثمّ أبدى مسرة الجذلان |
|
قائلاً ارجعوا فلسنا نبالي |
حيث نلنا أمالنا والأماني |
|
ثم ردوا الكريم أزهر في الأفق |
ضياء من نوره النيران |
|
فادكارى رد الكريم شجاني |
وعويل الرجال والنسوان |
|
حين وافوا من الشآم ولا قوا |
جابراً زائراً لتلك المغاني |
|
فأقاموا له عزاً يقرح القلب |
ويبدي كواً من الأشجان |
|
آه لهفي لزينب تندب السبط |
وتذري مدامع الأجفان |
|
وتنادي بلوعة واكتئاب |
وجفون عبرى وقلب عان |
|
أين من يسعد النوائح بالنوح |
ويرثو الفاقد الولهان |
|
أين من وجدّه كوجدي وشجوي |
حيث يشجي فؤاده ما شجاني |
|
أين من قلبه كقلبي المعنى |
لعياني من العنا ما عناني |
|
أين من يندب المصارع بالطف |
ومثوى الكهول والشبان |
|
أين من يعرف المودة للقربى |
بنص النّبي والقرآن |
|
أين أهل الوفا وأهل التأسي |
ليسوا بالهم والأحزان |
|
أين من يندب الوحيد من الناصر |
يشكو من قلة الأعوان |
|
أين من يندب الحُسين ويذري |
من مآقي شونة ما شآن |
|
أين من يندب الإمام إمام |
الخلق طراً من أنسها والجان |
|
أين من يندب الشجاع المحامي |
عن حمى الدين فارس الفرسان |
|
ومفيد العفاة يوم طعام |
ومبيد العراة يوم طعان |
|
وكمال الورى وزين البرايا |
وجمال الأقران والإخوان |
|
اين من يندب الحماة حماة |
الدين أهل المعروف والإحسان |
|
وبدوراً غابوا فلسنا نراهم |
في سماء السّماء والجنان |
|
أين من يندب الكريم كريم سبط |
يسمو على سنان سنان |
|
ويزيد اللعين ينكث منه |
ثغره الجوهري بالخيزران |
|
أين من يندب النساء عرايا |
وسبايا يدرن في البلدان |
ظلمونا فويل من ظلم الآل |
ولم يخش سطوة الرحمن |
|
يوم يجثو الحُسين بين يد الله |
وما رأسه على الجثمان |
|
وتراه البتول وهو بلا رأس |
فتبدي الأشجان عند العيان |
|
فتنادي يا رب هذا حسين |
قتلوه الأعداء بالعدوان |
|
فانتصف لي من الظلوم وخذ لي |
يا إلهي من كل قاص وداني |
|
عندها يغضب الإله فتأتي |
هبهب تلقط الظلوم الجاني |
|
يا بني الـمُصطفى سموتم محلاً |
سامياً في المكان والإمكان |
|
أنتم منهج المحجة في الدين |
ونهج الإرشاد والإيمان |
|
وجمال لأوجه الدهر يبدو |
كل شخص منكم جمال زمان |
|
وجرى ماء حبكم ذوي الإيمان |
مجرى الأرواح في الأبدان |
|
فهو نجوى لمن أراد نجاة |
من ولاكم وسر علم البيان |
|
فلهذا نجل السمين مواليه |
أراد البيان بعد المعاني |
|
ثم أهدى إليك در نظام |
وعقوداً يفقن نظم الجمان |
|
يتولاكم بوجه ويبدي |
بوجوه من المديح حسان |
|
مدح تبهج الولي سروراً |
وتهيج العداوة بالأحزان |
|
فعليكم من السلام سلام |
كل آن وساعة وزمان |
المجلس السّابع
من الجزء الثّاني في الليلة التّاسعة من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها المؤمنون الأتقياء العارفون , أما تحبّون أن يرجح لكلّ واحد منكم ميزانه ؟ أما تريدون أن يعطى كلّ واحد منكم على حزنه ثواباً جزيلاً وثناء جميلاً ؟ أما بلغكم عن الفصيح النّاطق الإمام الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( نفس المهموم المحزون لنا تسبيح , وحزنه لمصابنا عبادة , وكتمان سرّنا عنده جهاد في سبيل الله , ونوحه على مصابنا أفضل العبادة , وبكائه على ما أصابنا من أعدائنا تمحيص لذنوبه ؟ )). وإذا كان الحال هذه , فينبغي للمؤمن أن يتجلبب أشجانه ويلبس شعار وجده وأحزانه , فإنّ الرّقة على الآل من أحسن الأحوال وأكملها عند ذي الجلال , كما جاءت به الرّواية عن الصّادق حيث قال : (( إنّ إكمال المؤمنين أحسنهم خُلقاً وأكثرهم رقّة علينا أهل البيت , وأشدّهم حبّاً لنا وأكثرهم حزناً علينا وأكثرهم مودّة لنا )).
فيا إخواني , محبّتهم من النّار تقيكم وولايتهم عند كلّ كريهة حتّى الموت تكفيكم ، كما ورد بذلك الخبر عن الصّادق (عليهالسلام ) , حيث قال : (( مرض مؤمن صالح فافتقده سلمان الفارسي , فقال : أين صاحبنا فلان ؟ فقيل له : إنّه مريض. قال : امشوا بنا إليه لنعوده. فقاموا معه جميعاً , فدخلوا عليه فوجدوه في حال النّزع وهو يجود بنفسه , فبكى سلمان وقال: يا ملك الموت , ارفق بولي أهل البيت. فقال له ملك الموت بلسان فصيح يسمعه مَن حضر : يا عبد الله , اعلم أنّي لرقيق بالمؤمنين ولو ظهرت لك. فتعجّب الحاضرون من هذا الكلام ولم يروا المتكلّم )). وإذا كان الأمر
كذلك , فكيف لا ننوح على أولاد مُحمّد الـمُصطفى وعليّ الـمُرتضى وفاطمة البتول الزّهراء ؟ ويلهم تواثبوا عليهم جهراً فقتلوهم وعن شرب الماء منعوهم كأنّهم ما عرفوهم , فتبّاً لهم ما أجرأهم على انتهاك حُرمة الرّسول وتقريح كبد الزّهراء البتول , فكأنّهم نسوا المعاد إلى ربّ العباد.
القصيدة للصاحب بن عباد (رحمهالله )
عيني جودي على الشهيد القتيل |
واتركي الخد كالمحل المحل |
|
كيف يشفي البكاء في قتل مولاي |
إمام التنزيل والتأويل |
|
قاتلوا الله والنبي ومولاهم علياً |
إذ قاتلوا ابن الرسول |
|
فجعوه من غدرهم برضيع |
هل سمعتم بمر ضع مقتول |
|
ثم لم يشفهم سوى قتل نفس |
هي نفس التكبير والتهليل |
|
هي نفس الحُسين نفس رسول الله |
نفس الوصي نفس البتول |
|
ذبحوه ذبح الأضاحي فيا قلب |
تصدع على الغريب الذليل |
نُقل : أنّه لـمّا وصل الحُسين (عليهالسلام ) في مسيره إلى الكوفة إلى منزل اسمه سوق ، جلس (عليهالسلام ) ناحية عن النّاس , وإذا برجل قد قدم من الكوفة , فسأله الحُسين (عليهالسلام ) وقال : (( ما الخبر ؟ )). فقال : يا سيّدي , ما خرجت من الكوفة حتّى رأيت هانياً ومُسلماً بن عقيل مقتولين وبُعث برأسيهما إلى يزيد. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )). وسار الرّجل ولم يعلم به أحد من أصحابه.
قال : وكان لـمُسلم بنت عمرها إحدى عشرة سنة مع الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا قام الحُسين من مجلسه , جاء إلى الخيمة فعزّز البنت وقرّبها من منزله , فحسّت البنت بالشّر ؛ لأنّ (عليهالسلام ) كان قد مسح على رأسها وناصيتها كما يُفعل بالأيتام , فقالت : يا عم , ما رأيتك قبل هذا اليوم تفعل بي مثل ذلك ؟! أظنّ أنّه قد استشهد والدي ؟ فلم يتمالك الحُسين (عليهالسلام ) من البكاء , وقال : (( يا ابنتي , أنا أبوك وبناتي أخواتك )). فصاحت ونادت بالويل , فسمع أولاد مُسلم ذلك الكلام وتنفّسوا الصّعداء , وبكوا بكاءاً شديداً ورموا بعمائمهم إلى الأرض.
قال : لـمّا تأمّل الحُسين (عليهالسلام ) هذا الحال وقُتل مُسلم , وأنّ أهل الكوفة هُم الذين أعانوا على قتل أمير المؤمنين (عليهالسلام ) ونهب الحسن وضربه بالخنجر على
فخذه , فبكى بكاءاً شديداً حتّى اخضلت لحيته بالدّموع.
ونُقل أيضاً : لـمّا آل أمر الحُسين إلى القتال بكربلاء وقُتل جميع أصحابه , ووقعت النّوبة على أولاد أخيه , جاء القاسم بن الحسن وقال : يا عم , الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفرة. فقال له الحُسين : (( يابن الأخ , أنت من أخي علامة وأريد أن تبقى ؛ لأتسلّى بك )). ولم يعطه إجازة للبراز , فجلس مهموماً مغموماً باكي العين حزين القلب , وأجاز الحُسين إخوته للبراز ولم يجزه , فجلس القاسم متألّماً ووضع رأسه على رجليه.
وذُكر : أنّ أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن ، وقال له : (( إذا أصابك ألم وهمّ , فعليك بحلّ العوذة وقراءتها وفهم معناها , واعمل بكلّ ما تراه مكتوباً فيها )). فقال القاسم لنفسه : مضى سنين عليّ ولم يصبني من مثل هذا الألم. فحلّ العوذة وفضّها ونظر إلى كتابتها , وإذا فيها : (( يا ولدي قاسم , أوصيك إنّك إذا رأيت عمّك الحُسين (عليهالسلام ) في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء , فلا تترك البراز والجهاد لأعداء رسول الله ولا تبخل عليه بروحك , وكلّما نهاك عن البراز , عاوده ليأذن لك في البراز ؛ لتحضى في السّعادة الأبدية )).
فقام القاسم من ساعته وأتى إلى الحُسين (عليهالسلام ) وعرض ما كتب الحسن على عمّه الحُسين , فلمّا قرأ الحُسين العوذة , بكى بكاءاً شديداً ونادى بالويل والثّبور وتنفّس الصّعداء , وقال : (( يابن الأخ , هذه الوصية لك من أبيك , وعندي وصية اُخرى منه لك , ولا بدّ من إنفاذها )). فمسك الحُسين (عليهالسلام ) على يد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عوناً وعبّاساً وقال لاُمّ القاسم : (( ليس للقاسم ثياب جدد ؟ )). قالت : لا. فقال لأخته زينب : (( ايتيني بالصّندوق )). فأتته به ووضع بين يديه , ففتحه وأخرج منه قباء الحسن وألبسه القاسم , ولفّ على رأسه عمامة الحسن , ومسك بيد ابنته التي كانت مُسمّاة للقاسم , فعقد له عليها , وأفرد له خيمة , وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما , فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمّه ويبكي إلى أن سمع الأعداء يقولون : هل من مبارز ؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج وهي تقول له : ما يخطر ببالك وما الذي تريد أن تفعله ؟ قال لها : أريد ملاقاة الأعداء , فإنّهم يطلبون البراز وأنّي أريد ملاقاتهم. فلزمته ابنة عمّه , فقال لها : خلّي ذيلي , فإنّ عرسنا أخّرناه إلى الآخرة. فصاحت وناحت وأنّت من قلب حزين , ودموعها جارية على خدّيها وهي تقول : يا قاسم , أنت تقول عرسنا أخّرناه إلى الآخرة , وفي القيامة بأيّ شيء أعرفك وفي أيّ
مكان أراك ؟ فمسك القاسم يده وضربها على ردنه وقطعها , وقال : يا بنة العم , اعرفيني بهذه الرّدن المقطوعة. قال : فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم , وبكوا بكاءاً شديداً ونادوا بالويل والثّبور.
قال مَن روى : فلمّا رأى الحُسين أنّ القاسم يريد البراز , قال له : (( يا ولدي , أتمشي برجلك إلى الموت ؟ )). قال : وكيف يا عم وأنت بين الأعداء وحيداً فريداً لم تجد محامياً ولا صديقاً ؟ روحي لروحك الفداء ونفسي لنفسك الوقاء ! ثمّ إنّ الحُسين (عليهالسلام ) شقّ أزياق القاسم وقطع عمامته نصفين ثمّ أدلاها على وجهه ، ثمّ ألبسه ثيابه بصورة الكفن وشدّ سيفه بوسط القاسم وأرسله إلى المعركة , ثمّ إنّ القاسم قدم إلى عمر بن سعد ، وقال : يا عمر , أما تخاف الله أما تراقب الله يا أعمى القلب ؟ أما تراعي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟ فقال عمر بن سعد : أما كفاكم التّجبّر , أم تطيعون يزيد ؟ فقال القاسم : لا جزاك الله خيراً , تدّعي الإسلام وآل رسول الله عطاشا ظمآ.
قد اسودّت الدُنيا باعينهم , فوقف هنيهة فما رأى أحداً يقدم إليه , فرجع إلى الخيمة فسمع صوت ابنة عمّه تبكي , فقال لها : ها أنا جئتك. فنهضت قائمة على قدميها وقالت : مرحباً بالعزيز , الحمد لله الذي أراني وجهك قبل الموت. فنزل القاسم في الخيمة وقال : يا بنت العم , مالي اصطبار أن أجلس معك والكفّار يطلبون البراز. فودّعها وخرج وركب جواده وحماه في حومة الميدان ، ثمّ طلب المبارزة , فجاء إليه رجل يُعدّ بألف فارس , فقتله القاسم وكان له أربعة أولاد مقتولين , فضرب القاسم فرسه بسوط وعاد يقتل بالفرسان إلى أن ضعفت قوّته , فهمّ بالرّجوع إلى الخيمة , وإذا بالأزرق الشّامي قد قطع عليه الطّريق وعارضه , فضربه القاسم على اُمّ رأسه فقتله , وسار القاسم إلى الحُسين وقال : يا عمّاه ! العطش العطش أدركني بشربة من الماء ! فصبّره الحُسين وأعطاه خاتمه وقال : (( حطه في فمك ومصه )).
قال القاسم : فلمّا وضعته في فمي , كأنّه عين ماء فارتويت وانقلبت إلى الميدان. ثمّ جعل همّته على حامل اللوى وأراد قتله , فاحتاطوا به بالنّبل , فوقع القاسم على الأرض , فضربه شيبة بن سعد الشّامي بالرّمح على ظهره فأخرجه من صدره , فوقع القاسم يخور بدمه ونادى : يا عم أدركني ! فجاءه الحُسين (عليهالسلام ) وقتل قاتله , وحمل القاسم إلى الخيمة فوضعه فيها , ففتح القاسم عينه فرأى الحُسين قد احتضنه وهو يبكي ويقول : (( يا ولدي لعن الله
قاتليك , يعزّ والله على عمّك أن تدعوه وأنت مقتول. يا بني , قتلوك الكفّار كأنّهم ما عرفوا مَن جدّك وأبوك )). ثمّ إنّ الحُسين (عليهالسلام ) بكى بكاءاً شديداً , وجعلت ابنة عمّه تبكي وجميع مَن كان منهم ؛ لطموا الخدود وشقّوا الجيوب ونادوا بالويل والثّبور وعظائم الأمور.
فيا إخواني , اكثروا النّوح وجدّدوا الأحزان على ما جرى على سادات الزّمان. فوا حزناه لما أصاب أهل بيت الرّسول وبني الزّهراء البتول من الأشقياء النّغول ! فتبّاً لهم فيما فعلوه وتعساً لهم فيما تحمّلوه ! فبأيّ شيء يتعللون حين يسئلون ؟ وبم يجيبون حين يستنطقون ؟ كلا , والله ليس لهم جواب مانع ولا خطاب دافع , وسيردّون إلى العذاب الأليم والعقاب الجسيم ، وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان فتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ مُحمّد السّبيعي (رحمه الله تعالى )
مشيب تولى للشباب وأقبلا |
نذيراً لمن امسى وأضحى مغفلاً |
|
يرى الناس منهم ظاعن أثر ظاعن |
فظن سواه الطاعن المتحملا |
|
ترحلت الجيران عنه إلى البلا |
وما رحل الجيران إلّا ليرحلا |
|
ولكنه لـمّا مضى العمر ضائعاً |
بكى عمره الماضي فحن وأعولا |
|
تذكر ما افنى الزمان شبابه |
فبات يسح الدمع في الخد مسبلا |
|
ولم يبك من فقد الشباب وإنما |
بكى ما جناه ضارعاً متنصلا |
|
تصرمت اللذات عنه وخلفت |
ذنوباً غداً من أجلها متوجلا |
|
حنانيك يا من عاش خمسين حجّة |
وخمساً ولم يعدل عن الشر مغدلا |
|
وليس له في الخير مثقال ذرة |
وكم ألف مثقال من الشر حصلا |
|
وقد جاءه في الذرتين كفاته |
إذا ما تلي في محكم الذكر منزلا |
|
أعاتب نفسي في الخلا ولم يفد |
عتابي على ما فات في زمن خلا |
|
فيا ليت إنّي قبل ما قد جنت يدي |
على نفسها لاقيت حتفاً معجلا |
|
ويا ليت إنّي كنت في الوحش هاملاً |
ولم أك للطاعات في العمر مهملا |
|
ويا ليت أمي لا غدت حاملاً بمن |
غدا حاملاً وزراً يوازن أجيلا |
ويا ليت شعري هل تفيد ندامتي |
على ما به أمسى وأضحى مثقلاً |
|
عذيري من الذنب الذي صار موجباً |
عذاب إلهي عاجلاً ومؤجلاً |
|
يدي قد جنت يا صبي على يدي |
ونفسي لنفسي حرت العذل فاعذلا |
|
ولا تعذل عيناً على عينها بكت |
فطرفي على طرفي جني وتأملا |
|
سأبكي على ما فات منّي ندامة |
إذا الليل أرخى الستر منه وأسبلا |
|
سأبكي على ذنبي وآفات غفلتي |
وأبكي قتيلاً بالطفوف مجدلا |
|
سأبكي على ما مات منّي بعبرة |
تجود إذا جاء المحرم مقبلا |
|
حنيني على ذاك القتيل وحسرتي |
عليه غريباً في المهامة والفلا |
|
حنيني على الملقى ثلاثاً معفراً |
طريحاً ذبيحاً بالدماء مغسلا |
|
سأبكي عليه والمذاكي بركضها |
تكفنه مما أثارته قسطلا |
|
سأبكي عليه وهي من صدره |
ترض عظاماً أو تفصل مفصلا |
|
سأبكي على الحران قلباً من الظما |
وقد منعوه أن يعل وينهلا |
|
إلى أن قضى يا لهف نفسي على الذي |
قضى بغليل يشبه الجمر مشعلا |
|
سأبكي على المحروز رأساً من القفا |
إلى أن برى السيف الوريدين والطلا |
|
سأبكي عليه يوم اضحى بكربلاء |
يكابد من أعدائه الكرب والبلا |
|
وقد أصبحت أفراسه وركابه |
وقوفاً بهم لم تنبعث فتوجلا |
|
فقال بأي الأرض تعرف هذه |
فقالوا له هذي تسمى بكربلا |
|
فقال على اسم الله حطوا رحالكم |
فليس لنا أن نستقل ونرحلا |
|
ففي هذه مهراق جاري دمائنا |
ومهراق دمع الهاشميات ثكلا |
|
وفي هذه والله تضحى جسومنا |
وزوارها سيّد يعاقب فرعلا |
|
وفي هذه والله تضحى رؤوسنا |
مشهرة تعلو من الخط ذبلاً |
|
وفي هذه والله تسبى حريمنا |
وتضحى بأنواع العذاب وتبتلا |
|
وفيها تساق الهاشميات حسراً |
وتضرب ضرب الشدقميات جفلا |
|
فلهفي على مضروبة الجسم وهي من |
ضروب الأسى تبكي هماماً مبجلا |
|
ولهفي على أطفالها في جحورها |
تمج عقيب الثدي سهماً ومنصلا |
|
ولهفي على الطفل المفارق أمه |
ولهفي تبكي على الطفل مطفلا |
ولهفي عليها وهي في غربة النوى |
تجوب الفيافي مجهلاً أثر مجهلا |
|
أشيعة آل الـمُصطفى من يكون لي |
عويناً على رزء الشهيد مولولا |
|
أشيعة آل الـمُصطفى من ينوح لي |
وينعي الإمام الفاضل المتفضلا |
|
قفا نبك من ذكرى حبيب مُحمّد |
وخلوا لذكراكم حبيباً ومنزلا |
|
قفا نبك من تذكاره ومصابه |
فتذكاره ينسي الذخول فحرملا |
|
فوالله لا أنسى وإن بعد المدى |
قتل ضبابي من الدين قد خلا |
|
فوالله لا أنساه يخفض في الثرى |
وشمر على الصدر المعظم قد علا |
|
يهبر أوداج الحُسين بسيفه |
إلى حيث رواه نجيعاً وخضلا |
|
ولم أنس أخت السبط زينب أقبلت |
لتقبيله ثمّ انثنت لم تقبلا |
|
وقد قنع الرجس المزنم رأسها |
ومنكبها الزاكي قطيعاً مفتلا |
|
فقالت له يا شمر دعني هنيهة |
أعلل قلباً باللقا لن يعللا |
|
فإن لم يكن إلّا تعلل ساعة |
فإني بها أشقى فؤاداً معللا |
|
أيا شمر دع عيني إلى نور عينها |
به تشتفي من قبل أن تتحملا |
|
اتمنع عيني نظرة من حبيبها |
ولا لذ في قلبي سواه ولا حلا |
|
اتمنعني من نظرة يشتفي بها |
فؤادي بمن لي كان كهفاً وموئلا |
|
اتفردني وحدي وابن والدي |
وتحتز رأساً منه رأس على الملا |
|
فما رق منه القلب عنه خضوعها |
وأوجعها بالسوط ضرباً مثكلا |
|
وميز رأس السبط ثمّ رمى به |
فسبحت الأملاك في سبعها العلا |
|
وسحت عليه سبعها الدم قانياً |
ولا عجباً من أن تسح وتهملا |
|
ولا عجباً إن مادت الأرض بالورى |
وأرجف منها جانباها وزلزلا |
|
ومالوا إلى سبي الحريم فحللوا |
بجهلهم ما ليس في الشرع حللا |
|
فكم سالب درعاً وكم هاتك خباً |
وقاصم خلخال فادمى المخلخلا |
|
وكم ساحب بكراً ولاطم ثيب |
لينزع عنهن البراقع والملا |
|
وما أنس في شيء يقادم عهده |
ولا أنس زين العابدين مكبلاً |
|
يغار على نسوانه فيرى لهم |
عذاباً بأنواع العذاب مكفلا |
|
سأبكي عليه بالسياط مقنعاً |
سأبكي عليه بالحديد مثقلا |
سأبكي له وهو العليل وفي الحشا |
غليل ببرد الماء أن يتبللا |
|
سأبكي لبنت السبط فاطم قد غدت |
قريحة جفن وهي تبكيه معولا |
|
تحن فيشجي كل قلب حنينها |
وتصدع من صم الصياخيد جندلا |
|
تقول أبي أبكيك يا خير من مشى |
ومن ركب الطرف الجواد المحجلا |
|
أبي كنت للدين الحنيفي موضحاً |
ومذ ثكلتك البيض أصبح مثكلا |
|
أبي يا ثمال الأرملات وكهفها |
إذا عاينت خطباً من الدهر معضلا |
|
أبي يا ربيع المجد بين ومن به |
يغاث من السقيا إذا الناس أمحلا |
|
أبي يا غياث المستغيثين والذي |
غداً لهم كنزاً وذخراً وموئلا |
|
أبي أن سلا المشتاق أو وجد العزى |
فإن فؤادي بعدك ماسلا |
|
سأبكيك تبكيك المحارب شجوها |
وقد فقدت مفروضها والتنقلا |
|
سأبكيك تبكيك المحارب شجوها |
وقد فقدت مفروضها والتنقلا |
|
سأبكيك تبكيك المناجاة في الدجى |
سأبكيك يبكيك الكتاب مرتلا |
|
سأبكيك إذ تبكي عليه سكينة |
ومدمعها كالغيث جاد وأسبلا |
|
ونادت رباب أمتاه فاقبلت |
وقد كضها فقد الحُسين وأثكلا |
|
وقالت لها يا أمنا ما لوالدي |
مضى مزمعاً عنا الرحيل إلى البلا |
|
أنادي به يا والدي وهو لم يجب |
وقد كان طلقاً ضاحكاً متهللا |
|
أظن أبي قد حال عما عهدته |
وإلّا فقد أمسى بنا متبدلا |
|
ألا أبتا قد شقت البين شملنا |
وجرعنا في الكأس صبراً وحنظلا |
|
ونادى المنادي بالرحيل فقربوا |
من الهاشميات الفواطم نزلا |
|
وصار بها الحادي يغني مغرداً |
سل الدار عمن قد نأى وترحلا |
|
تسير ورأس السبط يسري أمامها |
كبدر الدجى وافى السعود فاكملا |
|
فلهفي لها عن كربلا قد ترحلت |
مخلفة أزكى الأنام وأنبلا |
|
ولهفي لها بين العراق وجلق |
إذ هو جلا خلفن قابلن هو جلا |
|
ولهفي لها في اعنف السير والسرى |
تأم زينب بالشآم مضللا |
|
فلما رآها في حبائل سره |
تهلل مسروراً وأبدى التغزلا |
|
ونادى برأس السبط ينكث ثغره |
وينشد أشعاراً بها قد تمثلا |
نفلق هاماً من رجال أعزة |
علينا وهم كانوا أحق وأجملا |
|
الا فاعجبوا من ناكث ثغر سيداً |
له أحمد يمسي ويضحى مقبلا |
|
له عذب الرحمن ماسح وابل |
وعذب أصحاب السقيفة أولا |
|
أولئك في يوم السقيفة أفسدوا |
جميع الورى جيلاً فجيلاً لهم تلا |
|
أولئك من أردى الحُسين بكربلا |
ومن خان لله المهيمن مرسلا |
|
قضوا ما قضوا من أمرهم بعدما قضى |
نبيهم واستعجلوا أن يغسلا |
|
وجاءهم إبليس في زي عابد |
فأطنب في شكر الإله وطولا |
|
ولم يشكر الملعون إلّا لأنه |
رأى حبترا صار الإمام فحمدلا |
|
وقال أبا........... تهن فإنني |
أبايع قبل الناس لن اتشكلا |
|
فقل لرجيم جاء نحو رجيمه |
فبايعه قبل العصاة وعجلا |
|
أويلك لم تذعن لآدم ساجداً |
وبايعت أدنى العالمين وأنذلا |
|
تغشاك باللعن الإله مضاعفاً |
وخص ابن سلما والدلام ونعثلا |
|
بني الوحي والتنزيل من لي بمدحكم |
ومدحكم في محكم الذكر أنزلا |
|
وإن كان نظمي كالفريد مفصلا |
فقد أنزل الرحمن فيكم مفصلا |
|
ولكني أرجو شفاعة جدكم |
لـمّا فقت فيه دعبلاً ثمّ جرولا |
|
فهنيتموا بالمدح من خالق الورى |
فقد نلتموا أعلا محلاً وأفضلا |
|
فسمعاً من السبعي نظم غرائب |
يظل لديها احظل الفحل احضلا |
|
غرائب يهويها الكميت ودعبل |
كما فيكم أهوى الكميت ودعبلا |
|
أجاهر فيها بالولاء مصرحاً |
وبغضي لشانيكم مزجت به الولا |
|
لقد سيط لحمي في هواكم وفي دمي |
وما قل منّي في عدوكم القلا |
|
عليكم سلام الله يا خير من مشى |
ويا خير من لبي وطاف وهللا |
|
فما ارتضى إلّا كموالي سادة |
وما سواكم فالبراءة والخلا |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون السّامعون والاُمناء الصّالحون , اعلموا أنّ الله تعالى قد ابتلى ابن نبيّكم الحُسين (عليهالسلام ) ببلاء عظيم , بكت من أجله السّموات بأركانها ، والأرض بأرجائها والأشجار بأطيارها وأغصانها ، والملائكة المقرّبون وأهل
السّماوات أجمعون.
فأيّ قلب لا ينصدع لقتله , وأيّ فؤاد لا يحزن من أجله ؟! وكيف لا وقد أصبح أهل البيت مطرّدين مشرّدين مذودين عن الأوطان والدّيار , شاسعين في البراري والأمصار كأنّهم أولاد اليهود والكفّار ، فيا لها من مصيبة عظمت في الإسلام وجليل خطب عمّ سائر الأنام.
فيا إخواني , لا تُقصّروا في البكاء والعويل وتساعدوا على هذا الرّزء الجليل , وابرزوا الدّموع الهتان ومخفيّات الأشجان والأحزان على ما أصاب سادات الزّمان من الذّل والهوان :
يا مؤمناً متشياً بولائه |
يرجو النجا والفوز يوم المحشر |
|
أبك الحُسين بلوعة وبحرقة |
إن لم تجدها لم فؤادك وأكثر |
|
وامزج دموعك بالدماء وقل ما |
في حقه حقاً إذا لم تنصر |
|
والبس ثياب الحزن يوم مصابه |
وما بين أسود حالك أو أصفر |
|
فعساك تحضى في المعاد بشربة |
من حوضهم ماء لذيذ سكر |
روي عن أبي مخنف , قال : لـمّا قُتل الحُسين (عليهالسلام ) , اُسر من عسكره غلامان صغيران , فاُتي بهما إلى عُبيد الله بن زياد لعنه الله , فدعا بسجّان له وقال له : خُذ هذين الغلامين واسجنهما , ومن طيب الطّعام فلا تطعمهما ومن بارد الماء فلا تسقهما , وضيّق عليهما سجنهما.
قال : فأخذهما السّجان ووضعهما في السّجن إلى أن صار لهما سنة كاملة حتّى ضاقت صدورهما ، فقال الصّغير للكبير: يا أخي , يوشك أن تفنى أعمارنا وتبلى أبداننا في هذا السّجن , أفلم تخبر السّجان بخبرنا ونتقرّب إليه بمُحمّد الـمُصطفى (صلىاللهعليهوآله ) ؟ فقال : هكذا يكون.
فلمّا جنّهما الليل , أتى السّجان إليهما بقرصين من شعير وكوز من ماء ، فقام إليه الصّغير فقال له : يا شيخ , أتعرف مُحمّد الـمُصطفى ؟ قال : وكيف لا أعرفه وهو نبيي وشفيعي يوم القيامة ! قال له : يا شيخ , أتعرف عليّ بن أبي طالب ؟ قال : وكيف لا أعرفه وهو إمامي وابن عمّ نبيي ! قال له : يا شيخ , أتعرف مُسلم بن عقيل ؟ قال : بلى أعرفه وهو ابن عمّ رسول الله. فقال له : يا شيخ , نحن من عترة مُسلم بن عقيل , نسألك من طيب الطّعام فلا تطعمنا ومن بارد الماء فلا تسقينا , وقد ضيّقت علينا سجننا , فما لك وما لنا لا ترحمنا لصغر سننا ؟ أما ترعانا لأجل سيّدنا رسول الله ؟ فلمّا سمع السّجان كلامهما , بكى بكاءاً شديداً وانكبّ على أقدامهما يقبّلهما ويقول :
نفسي لنفسكما الفداء وروحي لروحكما الوقا ! يا عترة مُحمّد الـمُصطفى , والله لا يكون مُحمّد خصمي في القيامة , هذا باب السّجن مفتوح فخذوا أيّ طريق شئتما , يا حبيبي سيروا بالليل واكمنا بالنّهار.
قال : فلمّا خرجا لم يدريا إلى أيّ جهة يمضيان , فلمّا جهجه الصّبح عليهما , دخلا بستاناً وصعدا على شجرة واكتنا بها , فلمّا طلعت الشّمس , وإذا بجارية قد رأتهما , فأقبلت إليهما وسألتهما عن حالهما وطيب قلوبهما , وقالت لهما : سيرا معي إلى مولاتي فإنّها محبّة لكما. فسارا معها , فسبقتهم الجارية فاعلمت مولاتها , فلمّا سمعت بهما , قامت حافية إليهما واستقبلتهما بالبشرى , وقالت لهما : ادخلا على رحب وسعة. فلمّا دخلا , أنزلتهما في مكان لم يدخل إليه أحد من النّاس , وخدمتهما خدمة تليق بهما.
ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله نادى في شوارع الكوفة : أنّ مَن جاءني بأولاد مُسلم بن عقيل , فله الجائزة العظمى. وكان زوج تلك المرأة من جملة من طلبهما , فلمّا جنّ الليل , أقبل اللعين إلى داره وهو تعبان من كثرة الطّلب ، فقالت له زوجته الصّالحة : أين كُنت , فإنّي أرى في وجهك آثار التّعب ؟ قال : إنّ ابن زياد قد نادى بأزقّة الكوفة : أنّ مَن جاءني بأولاد مُسلم بن عقيل , كان له عندي الجائزة العظيمة. وقد خرجت في الطّلب فلم أجد لهما أثراً ولا خبراً. فقالت له زوجته : يا ويلك أما تخاف من الله ؟! ما لك وأولاد الرّسول تسعى إلى الظّالم بقتلهم ؟ فلا تغرّنّك الدُنيا. قال : أطلب الجائزة من الأمير. قالت : تكون أقلّ النّاس وأحقرهم عنده إن سعيت بهذا الأمر.
فبينما هو بين النّائم واليقظان , إذ سمع الهمهمة من داخل البيت ، فقال لزوجته : ما هذه الهمهمة ؟ فلا ترد عليه الجواب كأنّها [لا](١) تسمع , فقعد وطلب مُصباحاً , فتناوم أهل البيت كأنّهم لم يسمعوا , فقام وأشعل المصباح وأراد فتح الباب ، فقالت له زوجته : ما تريد من فتح الباب ؟ ومانعته , فقاتلها ومانعها وفتح الباب , وإذا بأحد الولدين قد انتبه , فقال لأخيه : يا أخي , اجلس فإنّ هلاكنا قد قرب. فقال له أخوه : وما رأيت يا أخي ؟ قال : بينما أنا نائم وإذا بأبي واقف عندي , وإذا بالنّبي (صلىاللهعليهوآله ) وعليّ والحسن والحُسين وقوف وهم يقولون لأبي : (( ما لك تركت أولادك بين الكلاب والملاعين ؟ )). فقال لهما أبي : وها هُما بأثري قادمين. فلمّا سمع الملعون كلامهما , جاء إليهما وقال لهما : مَن أنتما ؟ قالوا : من آل الرّسول. [قال](٢) : ومَن أبوكم ؟ قالوا :
____________________
(١) و (٢) من إضافات المقوّم.
مُسلم بن عقيل. فقال الملعون : إنّي أتعبت اليوم فرسي ونفسي في طلبكما وأنتما عندي.
ثمّ إنّه لطم الأكبر منهما لطمة أكبّه على الأرض حتّى تهشّم وجهه وأسنانه من شدّة الضّربة , وسال الدّم من وجهه وأسنانه ، ثمّ إنّه كتّفهما كتافاً وثيقاً , فلمّا نظرا إلى ما فعل به [بهم](١) اللعين , قالا : ما لك يا هذا تفعل بنا هذا الفعل , وامرأتك قد أضافتنا وأكرمتنا وأنت هكذا تفعل بنا ؟ أما تخاف الله فينا ؟ أما تراعي يتمنا وقربنا من رسول الله ؟
فلم يعبأ اللعين بكلامهما ولا رحمهما ولا رقّ لهما ، ثمّ دفعهما إلى خارج البيت , وبقيا مكتّفين إلى الفجر وهُما يتوادعان ويبكيان ؛ لما جرى عليهما , وأمّا الملعون , فلمّا أصبح الصّبح , أخرجهما من داره وقصد بهما جانب الفُرات ليقتلهما , وزوجته وولده وعبده خلفه وهم يخوّفونه الله تعالى ويلومونه على فعله , فلم يرتدع اللعين ولم يلتفت إليهم حتّى وصلوا إلى جانب الفُرات , فأشهر اللعين سيفه لقتلهما , فوقعت زوجته على يديه ورجليه تقبّلهما وتقول له : يا رجل , اعف عن هذين الولدين اليتيمين , واطلب من الله الذي تطلبه من أميرك عُبيد الله بن زياد , فإنّ الله يرزقك عوض ما تطلبه منه أضعافاً مضاعفة. فزعق الملعون عليها زعقة الغضب حتّى طار عقلها وذهل لبّها ، ثمّ قال للعبد : يا أسود , خُذ هذا السّيف واقتل هذين الغلامين , وائتني برأسيهما حتّى انطلق بهما إلى عُبيد الله بن زياد , وآخذ جائزتي منه ألفي درهماً وفرساً. فلمّا همّ بقتلهما , قال له أحد الغلامين : يا أسود , ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , يا أسود , ما لك وما لنا حتّى تقتلنا ؟ امض عنّا حتّى لا نطالبك بدمنا عند رسول الله (صلىاللهعليهوآله ). فقال لهما الغلام [العبد](٢) : يا حبيبي مَن أنتما ؟ فإنّ مولاي أمرني بقتلكما. فقالوا : يا أسود , نحن من عترة نبيّك مُحمّد (صلىاللهعليهوآله ) , نحن أولاد مُسلم بن عقيل , أضافتنا عجوزكم هذه الليلة ومولاك يريد قتلنا.
قال : فانكبّ العبد على أقدامهما يقبّلهما ويقول : نفسي لنفسكما الفداء وروحي لروحكما الوقاء يا عترة مُحمّد الـمُصطفى ! والله لا يكون مُحمّد خصمي يوم القيامة. ثمّ رمى السّيف من يده ناحية وطرح نفسه في الفُرات وعبر إلى الجانب الآخر , فصاح به مولاه : عصيتني ؟ فقال : أطعتك ما دمت لا تعصي الله , فلمّا عصيت الله عصيتك ؛ أحبّ إليّ من أن أعصي الله وأطيعك. فقال اللعين : والله , ما يتولّى قتلكما أحد غيري. فأخذ السّيف وأتى إليهما وسلّ السّيف
____________________
(١) و (٢) من إضافات المقوّم.
من جفنه , فلمّا همّ بقتلهما , جاء إليه ولده وقال له : يا أبه , قدّم حلمك وأخّر غضبك وتفكّر فيما يصيبك في القيامة. قال : فضربه بالسّيف فقتله. فلمّا رأت الحُرمة ولدها مقتولاً , أخذت بالصّياح والعويل.
قال : فتقدّم الملعون إلى الولدين , فلمّا رأياه , تباكيا ووقع كلّ منهما على الآخر يودّعه ويعتنقه , والتفتا إليه وقالا له : يا شيخ , لا تدعنا نطالبك بدمائنا عند جدّنا يوم القيامة , خذنا حيّين إلى ابن زياد يصنع بنا ما يريد. فقال : ليس إلى ذلك سبيل. فقالا له : يا شيخ , بعنا في السّوق وانتفع بأثماننا ولا تقتلنا. فقال : لا بدّ من قتلكما. قالا له : يا شيخ , ألا ترحم يتمنا وصغرنا ؟ فقال لهما : ما جعل الله لكما في قلبي من الرّحمة شيئاً. فقالا : يا شيخ , دعنا نصلّي كلّ منّا ركعتين. قال : صلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصّلاة.
قال : فصلّيا أربع ركعات , فلمّا فرغا رفعا طرفيهما إلى السّماء وبكيا وقالا : يا عادل يا حكيم , أحكم بيننا وبينه بالحقّ. ثمّ قالا له : يا هذا , ما أشدّ بغضك لأهل البيت ؟ فعندها عمد الملعون وضرب عنق الأكبر , فسقط إلى الأرض يخور في دمه , فصاح أخوه وجعل يتمرّغ بدم أخيه وهو ينادي : وا أخاه ! وا قلّة ناصراه ! وا غربتاه ! هكذا ألقى الله وأنا متمرّغ بدم أخي. فقال له الملعون : لا عليك سوف ألحقك بأخيك في هذه السّاعة. ثمّ ضرب عنقه , ووضع رأسيهما في المخلاة ورمى أبدانهما في الفُرات , وسار بالرّأسين إلى عُبيد الله بن زياد , فلمّا مثل بين يديه , وضع المخلاة فقال له : ما في المخلاة يا هذا ؟ قال : رؤوس أعدائك أولاد مُسلم بن عقيل. فكشف عن وجهيهما , فإذا هُما كالأقمار المشرقة , فقال : لِمَ قتلتهما ؟ قال : بطمع الفرس والسّلاح. فقام ابن زياد ثمّ قعد ثلاثاً وقال : ويلك وأين ظفرت بهما ؟! قال : في داري , وقد أضافتهم عجوز لنا. فقال ابن زياد : أفلا عرفت لهما حقّ الضّيافة وأتيت بهما حيّين إليّ ؟ فقال : خشيت أن يأخذهما أحد منّي ولا أقدر على الوصول إليك. فأمر ابن زياد أن يغسلوهما من الدّم , فلمّا غسلوهما واُتي بهما إليه ونظرهما , تعجّب من حسنهما وقال له : يا ويلك ! لو أتيتني بهما حيّين , لضاعفت لك الجائزة. فتعذّر بعذره الأوّل ، ثمّ قال له : يا ويلك ! حين أردت قتلهما ما قالا لك ؟ قال , قالا لي : يا شيخ , ألا تحفظ قرابتنا من رسول الله ؟ قال : فما قُلت لهما ؟ قال : قُلت لهما : مالكما من رسول الله قرابة. قال : فماذا قالا لك أيضاً ؟
قال : قالا لي : ألا ترحم صغر سننا ؟ فقلت لهما : ما جعل الله لكما في قلبي من الرّحمة شيئاً. قال : فما قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : امض إلى السّوق فبعنا وانتفع بأثماننا ؟ فقلت لهما : لا بدّ من قتلكما. قال : فماذا قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : ألا تمضي بنا إلى ابن زياد يحكم فينا بأمره ؟ فقلت لهما : ليس إلى ذلك من سبيل. قال : فماذا قالا لك أيضاً ؟ قال : قالا لي : دعنا نُصلّي كلّ واحد منّا ركعتين ؟ فقلت لهما : فصلّيا إن نفعتكما الصّلاة. فصلّيا أربع ركعات , فلمّا فرغا من الصّلاة , رفعا طرفيهما إلى السّماء ودعيا وقالا : يا حي يا حكيم , أحكم بيننا وبينه بالحقّ.
ثمّ نظر ابن زياد إلى ندمائه وكان فيهم محبّ لأهل البيت , وقال له : خُذ هذا الملعون وسر به إلى موضع قتل فيه الغلامين , واضرب عنقه ولا تدع أن يختلط دمه بدمهما , وخُذ هذين الرّأسين وارمهما في موضع رمي به أبدانما.
قال : فأخذه وسار به وهو يقول : والله , لو أعطاني ابن زياد جميع سلطنته , ما قبلت هذه العطية. وكان كلّما مرّ بقبيلة , أراهم الرّأسين وحكى لهم بالقصّة , وما يريد يفعل بذلك اللعين. ثمّ سار به إلى موضع قتل فيه الغلامين , فقتله بعد أن عذّبه بقطع عينيه وقطع أذنيه ويديه ورجليه ورمى بالرّأسين في الفُرات.
قال : فخرجت الأبدان وركبت الرّؤوس عليها بقدرة الله تعالى , ثمّ تحاضنا وغاصا في الفُرات ، ثمّ إنّ ذلك الرّجل المحبّ أتى بالرّأس - رأس ذلك اللعين - فنصبه على قناة وجعل الصّبيان يرجمونه بالحجارة. ألا لعنة الله على القوم الظّالمين( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) . وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان فتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ ابن حماد ( رحمه الله تعالى )
دا قلبه الداعي الوعيد فاسمعا |
وداع لبادي شيبه فتودعا |
|
وأيقن بالترحال فاعتد زاده |
وحاذر من عقبى الذنوب فاقلعا |
|
إلى كم وحتى ما اشتغالك بالمنى |
وقد مر منك الأطيبان فودعا |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
أيقنع بالتفريط في الزاد عاقل |
رأى الرأس منه بالمشيب تقنعا |
|
إذا نزع الإنسان ثوب شبابه |
فليس ترى إلّا إلى الموت مسرعا |
|
وشيبك توقيع المنون مقدماً |
بأنك لموت في غد متوقعا |
|
أتطمع أن تبقى وغيرك ما بقي |
فليس نرى للنفس في العيش مطمعا |
|
تدافع بالآمال عن أخذ أهبة |
ليوم إذا ما حم لم يغن مدفعا |
|
وتسأل عند الموت ربك رجعة |
ويهات أن تعطي هنالك مرجعا |
|
أما لك إخوان شهدت رفاتهم |
وكنت لهم نحو القبور مشيعا |
|
وأنت فعن قرب إلى الموت صائر |
وينعاك للإخوان ناع لهم نعى |
|
جرت عينه النجلى عن صحن خده |
فاصبح بين الدود نهباً موزعا |
|
وأنت كضيف لا محالة راحل |
ومسترجع ما كان عندك مودعا |
|
تلاقي الذي فرطت واستدرك الذي |
مضى باطلاً واصنع من الخير مصنعا |
|
ولا تدع الدُنيا الغرور فإنما |
هلاكك فيها إن تغر وتخدعا |
|
فقد جعلت دار الفجائع والأسى |
فلست ترى إلّا مزاراً مفجعا |
|
كفاك بخير الخلق آل مُحمّد |
أصابهم هم المصائب أجمعا |
|
تخطفهم ريب المنون بصرفه |
فاغرب بالارزاء فيهم وابدعا |
|
وقفت على أبياتهم فرأيتها |
خراباً أراباً قفرة الجو بلقعا |
|
وإن لهم في عرصة الطف وقعة |
تكاد لها الأطواد أن تتزعزعا |
|
غزتهم بجيش الحقد أمة جدهم |
ولم ترع فيهم من لهم كان قد رعا |
|
كأني بمولاي الحُسين وصحبه |
وجيش ابن سعد حولهم قد تجمعا |
|
وقد قام فيهم خاطباً قائلاً لهم |
ولم يك من ريب المنون ليجزعا |
|
ألم تأتني يا قوم بالكتب رسلكم |
تقولون عجل نحونا السير مسرعا |
|
وأنا جميعاً شيعة لك لا نرى |
لغيرك في حق الإمامة موضعا |
|
وقد جئت للعهد الذي عليكم |
فما عندكم في ذاك قولوا لأسمعا |
|
فقالوا له ما هذه الكتب كتبنا |
فقال لهم خلوا سبيلي لارجعا |
|
فقالوا له هيهات بل لنسوقكم |
إلى ابن زياد كارهين وخضعا |
|
فإن لم تجيبوا فالأسنة بيننا |
يجرعكم أطرافها السم منقعا |
فقال لهم يا ويلكم فتباعدوا |
عن الماء كي نروي فقالوا له معاً |
|
سنوردكم حوض الردى قبل ورده |
ومالوا عليه بالأسنة شرعا |
|
فبادر أصحاب الحُسين إليهم |
فرادى ومثنى حاسرين ودرعا |
|
إذا ما أتوا نحو الشريعة للظما |
رأوا دونها زرق الأسنة شرعا |
|
لقد صبروا لا ضيع الله صبرهم |
ولم يك عند الله صبر مضيعا |
|
إلى أن ثووا صرعى على الترب حوله |
فلله ذاك المصرع الطف مصرعا |
|
ووافوا إلى مولاي إذا ظل وحده |
فلا قوة إذ لاقوا شجاعاً سميدعا |
|
فشد عليهم شدة علوية |
فخلى نياط القوم منها مقطعا |
|
كفعل أبيه في الحروب وضربه |
وهل تلد الشجعان إلّا مشجعا |
|
إلى أن ثوى عن سرجه متعفراً |
يلاحظ فسطاط النساء مودعا |
|
وأقبل شمر الرجس فاحتز رأسه |
وخلف منه الجسم شلوا مبضعا |
|
وشال سنان في السنان برأسه |
كبدر الدجى وافى من التم مطلعا |
|
ومالوا على رحل الحُسين وأهله |
فيا يومهم ما كان أدهى واشنعا |
|
فلو تنظر النسوان في ذلة السبا |
يسقن على رغم عطاشى وجوعا |
|
وزينب ما تنفك تدعو باختها |
أيا أخت ركني قد وهى وتضعضعا |
|
أيا أخت أخت من بعد الحُسين نعده |
لحادثة الأيام حصناً ممنعا |
|
أيا أخت هذا اليوم آخر عهدنا |
فبعد حسين قط لن نتجمعا |
|
أيا أخت لو أن الذي بي من الأسى |
برضوي إذاً لانهدا ولتزعزعا |
|
أيا أخت أبكي لليتامى بذلة |
ونوحي وابكي للأرامل ضيعا |
|
فيا مؤمناً في زعمه متشيعاً |
ولا مؤمن إلّا الذي قد تشيعا |
|
أتذبح في يوم به ذبح العدى |
أمامك فاعفر عفر خديك لالعا |
|
ويألف في عاشور جنبك مضجعاً |
وترب الفلا أضحى لمولاك مضجعا |
|
أيضحك منك الثغر من بعد أن غدى |
به ثغر مولاك الحُسين مقرعا |
|
أينهب فيه رحل آل مُحمّد |
وبيتك فيه لا تزال موسعا |
|
فيا ليت سمعي صم عن ذكر يومه |
ويا ليت لم يخلق لي الله مسمعا |
|
سأبكي دماً بعد الدّموع لفقده |
وإن لم يكن يترك لي الحزن مربعا |
أشيعة آل الـمُصطفى من يلومني |
على بغض من يشني الشفيع المشفعا |
|
برئت إلى الرحمن ممن شناهم |
ولا زلت أبكيهم إلى أن أشيعا |
|
ولائي لهم شفع البرا من عدوهم |
بذلك أرجوهم غداً لي شفعا |
|
أوالي الذي سمى لكثرة علمه |
بطيناً كما سمى من الشرك انزعا |
|
ومدح ابن حماد لآل مُحمّد |
يرجى بأن يجزى لدى البعث ما سعا |
الباب الثّالث
أيّها الأصحاب والإخوان , أطيلوا الأشجان والأحزان وابكوا لسادات الزّمان ، فيا ليت علمي ماذا يقول ظالم بضعة الرّسول ، إذ حاولوا إطفاء نور خاتم النّبيين ومحو آثار ذرّيّته من بين العالمين , فتعساً لهم ! ما حملهم على غصب البتول ابنة النّبي الرّسول ؟ وعلى ماذا أنفسهم وطّنوا وعلى أيّ شيء اعتمدوا وركنوا ؟ فهل كانت إلّا أيّام قلائل وفيء زائل ، ثمّ يردون على الهول الطّائل :( نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (١) .
فيا إخواني , إذا ذكرت مصابهم في تلك الأيّام وما حلّ بهم من الآلام العظام , يعتريني الهمّ والحزن حتّى تكاد تخرج روحي من البدن , فاتمنّى مَن أبثّ حزني إليه ؛ ليساعدني ويسعفني على ما أنا عليه.
لا تحسبوا مدمعي المبيض غير دمي |
وإنما نار أنفاسي تصعده |
روي عن عبد الحميد (ره) , قال : بينما الحُسين (عليهالسلام ) واقف في ميدان الحرب يوم الطّفّ وهو يستعطف القوم شربة ماء , وهو ينادي : (( هل من راحم يرحم آل الرّسول المُختار ؟ هل من ناصر ينصر الذّرّيّة الأطهار ؟ هل من مجير لأبناء البتول , هل من ذابّ يذبّ عن حرم الرّسول ؟ )). إذ أتى الشّمر اللعين إليه حتّى صار بالقرب منه , ونادى : أين أنت يا حُسين ؟ فقال : (( ها أنا ذا )). فقال : أتطلب منّا شربة من الماء ؟ هذا مطلب محال , ولكن ابشر بالنّار الحمراء وشرب الحميم. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( من أنت يا لعين ؟ )). فقال : الشّمر. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( الله أكبر , صدق جدّي رسول الله في رؤياه من قبل )). فقال له الشّمر : في أيّ شيء صدق جدّك ؟ فقال (عليهالسلام ) : (( قال جدّي : رأيت في منامي كلباً أبقع يأكل من لحوم أهل بيتي ويلعق
____________________
(١) سورة التّحريم / ٦.
من دمائهم. وأمّا أنا فإنّي رقدت الآن , فرأيت في منامي كلاباً كثيرة تريد تنهش من لحمي وتشرب من دمي , وكان فيهم كلب أبقع وكان أشدّهم عليّ جرأة وأكثرهم عليّ حنقاً , وهو أنت يا شمر )). - وكان الشّمر لعنه الله أبقع الجسد - قال: فغضب الشّمر من كلام الحُسين وازداد حنقاً وبغضاً، وقال: والله لا يقتلك غيري, ولأذبحنّك من قفاك؛ ليكون ذلك أشدّ بك :
ليبك على الإسلام من كان باكياً |
فقد هدمت أركانه ومعالمه |
|
وقد ذهب الإسلام إلّا بقية |
قليل من الدُنيا الذي هو لازمه |
فيا لهفاه على مصاب الإسلام بعصابة جعلهم الله تعالى رحمة للأنام , بهم تتحصّل الخيرات وتكتسب الفضائل والكمالات ، فيا خيبة من ناوأهم ويا خسران من أبغضهم وعاداهم !
روي عن بعض الثُقاة : أنّ عبد الله بن عمر لـمّا بلغه أنّ الحُسين (عليهالسلام ) متوجه إلى العراق , جاء إليه وأشار عليه بالطّاعة والانقياد لابن زياد وحذّره من مشاقّة أهل العناد ، فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( يا عبد الله , إنّ من هوان هذه الدُنيا على الله , أنّ رأس يحيى بن زكريا (عليهالسلام ) اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل , فامتلأ به سروراً ولم يعجّل الله عليهم بالانتقام , وعاشوا في الدُنيا مغتبطين. ألم تعلم يا عبد الله , أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس سبعين نبيّاً ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّهم لم يفعلوا شيئاً , ولم يعجّل الله عليهم بانتقام , بل أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ؟ )).
ثمّ قال (( يا عبد الله , اتق الله ولا تدعن نصرتي ولا تركنن إلى الدُنيا ؛ لأنّها دار لا يدوم فيها نعيم ولا يبقى أحد من شرّها سليم , متواترة محنها متكاثرة فتنها , أعظم النّاس فيها بلاء الأنبياء ، ثمّ الأئمة الاُمناء ثمّ المؤمنون ثمّ الأمثل بالأمثل )).
قال (عليهالسلام ) : (( يا عبد الله , قد خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة , وما أولهني إلى لقاء أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف , وخير مصرع أنا لاقيه , كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النّواويس وكربلاء , فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً وأجوفة سغباً , لا محيص يوم خطّ بالقلم , رضا الله رضانا أهل البيت , نصبر على بلائه ليوافينا أجور الصّابرين , لن تشذّ عن رسول الله لحمته , هي مجموعة لنا في حظيرة القدس , تقربهم عينه وينجز لهم وعده , فمَن كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه ؟
فليرحل معي , فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى )).
ثمّ لقيه أبو هريرة الأسدي , فقال له : يابن رسول الله , ما الذي أخرّك من حرم جدّك مُحمّد الـمُصطفى ؟ فقال : (( يا أبا هريرة , إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت , وشتموا عرضي فحملت , وطلبوا دمي فهربت عن حرم جدّي )). وكان يزيد أنفذ عمر بن العاص في جيش عظيم وولاه أمر الحاج , وأوصاه أن يقبض على الحُسين سرّاً ويقتله غيلة , ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.
قال : ثمّ جاء إليه عبد الرّحمن بن الحرث , وأشار عليه بترك ما يجزم عليه من المسير إلى الكوفة وبالغ معه , وذكّره ما فعله أهل الكوفة بأبيه وأخيه من قبله , وحذّره منهم غاية الحذر , فشكر له الحُسين (عليهالسلام ) ، وقال : (( لقد اجتهدت برأيك هذا ولكن مهما يقض الله يكن , وأيم الله , لتقتضي(١) الفئة الباغية , وليسلبنّهم الله بعد قتلي ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً في رقابهم ، ثمّ يسلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ , إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم وأولادهم ودمائهم , وكذلك اُميّة )) :
إن كان منزل دمعي لا أنيس له |
فإن رسم الكرى عن مقلتي درسا |
|
ما زلت أجحد ما القى وادفعه |
فاستشهد العاذلون الدمع والنفسا |
روي عن الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( دخل جابر الأنصاري إلى أبي في مدينة الرّسول , فقال له : يا جابر , بحقّ جدّي رسول الله , ألا أخبرتني عن اللوح , أرأيته عند اُمّي فاطمة الزّهراء ؟ فقال جابر (ره) : أشهد بالله العظيم ورسوله النّبي الكريم , لقد أتيت إلى فاطمة الزّهراء في بعض الأيّام ؛ لأهنئها بولدها الحُسين (عليهالسلام ) بعدما وضعته بستة أيّام , فإذا هي جالسة وبيدها لوح أخضر من زبرجدة خضراء , وفيه كتابة أنوار الشّمس , وله رائحة أطيب من المسك , فقلت لها : ما هذا اللوح يا بنت رسول الله ؟ فقالت : هذا اللوح أهداه الله إلى أبي رسول الله , فيه اسم مُحمّد الـمُصطفى واسم عليّ الـمُرتضى واسم ولدي الحسن والحُسين ، وأسماء الأئمة الباقين من ولدي. فسألتها أن تدفعه إلي ؛ لأنظرّ ما فيه , فدفعته إلي , فسررت به سروراً عظيماً ، فقلت لها : يا ستّ النّساء , هل تأذنين لي أن اكتب نسخته ؟ فقالت : افعل. فأخذته ونسخته عندي , فقال له الباقر (عليهالسلام ) : هل لك أن تريني
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن ورد في مثير الأحزان /٣٣ , ولواعج الأشجان /٨٤ : لتقتلني. (مؤسسة الإمامين الحسنين).
النّسخة بعينها الآن ؟ فمضى جابر إلى منزله فأتى بصحيفة من كاغذ , مكتوب فيها : بسم الله الرّحمن الرّحيم , هذا كتاب من العليم أنزله الرّوح الأمين على خاتم النّبيين أجمعين ، أمّا بعد , يا مُحمّد , عظّم أسمائي واشكر نعمائي , ولا تجحد آلائي ولا ترج سوائي ولا تخشى غيري , فمَن يرجو ويخشى غيري , أعذّبه عذاباً لا أعذّب به أحداً من العالمين. يا مُحمّد , إنّي اصطفيتك على سائر الأنبياء , وفضلّت وصيّك عليّاً على سائر الأوصياء , وجعلت ولدك الحسن عيبة علمي بعد انقضاء مدّة أبيه , وجعلت الحُسين خير أولاد الأوّلين والآخرين ومن نسله الأئمة المعصومين , وعليه تشبّ فتنة صمّاء , فالويل كلّ الويل لِمَن حاربه وغصبه حقّه ! ومنه يعقب زين العابدين , وبعده مُحمّد الباقر لعلمي والدّاعي إلى سبيلي على منهاج الحقّ , ومن بعده جعفر الصّادق القول والعمل , ومن بعده الإمام المطهّر موسى بن جعفر , ومن بعده عليّ بن موسى الرّضا , يقتله كافر عنيد ذو بأس شديد , ومن بعده مُحمّد الجواد يُقتل مسموماً , ومن بعده عليّ الهادي يُقتل بالسّم , ومن بعده الحسن العسكري يُقتل بالسّم , ومن بعده القائم المهدي , وهو الذي يقيم اعوجاج الدّين ويأخذ ثأر الأئمة الطّاهرين صلوات الله عليهم أجمعين , وهو رحمة للعالمين وسوط عذاب على الظّالمين , وسألقي عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب , فتذلّ أوليائي قبل ظهوره وتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس التّرك والدّيلم , فيظهر حجّتي فيهم , فيُقتلون ويُحرقون وتُصبغ الأرض من دمائهم , ويفشوا الويل والرّنّة في نسائهم , أولئك أوليائي حقّاً , بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندسية , وبهم أكشف الزّلازل وأرفع الأسلال(١) والأغلال :( أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ) (٢) )).
فقال بعض أصحاب الصّادق (عليهالسلام ) : يا مولانا , لو لم نسمع في دهرنا إلّا فضل هذا الحديث , لكفانا فضله. وقال (عليهالسلام )(٣) : (( ولكن فصنه إلاّ عن أهله )).
فانظروا أيّها الإخوان الأبرار إلى ما فعل بالأئمة الأطهار , الأشقياء الكفرة الفجّار , فيا ويلهم ماذا يجيبون عند بكاء الرّسول لمصاب ذرّيّة البتول , وبكاء إبراهيم خليل الرّحمن وغضب لغضبهما الملك الدّيان ! :( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (٤) .
فعلى الأطائب من أهل الرّسول فليبك الباكون وأيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا
____________________
(١) الموجود في الكافي : ١/ ٥٢٨ : وأدفع الآصار. (مؤسسة الإمامين الحسنين).
(٢) سورة البقرة / ١٥٧.
(٣) ولكن الوارد في المصادر المعتبرة كالكافي ٢/٥٢٨ , وغيره : قال أبو بصير : لو لم تسمع في دهرك ، إلا هذا الحديث لكفاك ، فصنه إلا عن أهله. (معهد الإمامين الحسنين).
(٤) سورة يونس / ٣٠.
تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ محمود بن طريح النّجفي (رحمهالله )
هجوعي وتلذاذي عليّ محرم |
إذا هل في دور الشهور المحرم |
|
أجدد حزناً لا يزال مجدداً |
ولي مدمع هام همول مسجم |
|
وأبكي على الأطهار من آل هاشم |
وما ظفرت أيدي أولي البغي منهم |
|
هم العروة الوثقى هم المعدن التقى |
هم الشرف السامي نور الهدى هم |
|
هم العترة الداعي إلى الرشد حبهم |
ينبئنا فيه الكتاب المعظم |
|
بهم نطقت مدحاً من الله (هل أتى) |
(وطه) (ويس) (وعم) (ومريم) |
|
وجدهم الهادي النّبي وأمهم |
بتول ومولانا عليّ أبوهم |
|
يعز على المختار والطهر حيدر |
وفاطمة بالطف رزء معظم |
|
وقد سار بالرهط الحُسين بن فاطمة |
لكتب من الطاغين بالخدع تقدم |
|
إلى أن أتى أرض الطفوف بأهله |
فلم ينبعث مهر ولم يجر منسم |
|
فقال فما هذي البقاع التي بها |
وقفن تسمى (كربلاء) قال خيموا |
|
فقال تسمى نينوى نينوى قال أوضحوا |
فقالوا تسمى (كربلاء) قال خيموا |
|
نعم هذه والله أخبر جدنا |
بأن بها تسبى نسانا وتظلم |
|
وفي هذه الآذان تهوي إلى الثرى |
وفي هذه الأطفال بالرغم تيتم |
|
وفي هذه تبدوا البنات حواسراً |
وتوجع ضرباً بالسياط وتشتم |
|
وفي هذه النسوان يبرزن هتكاً |
بغير شعور والسعور ترنم |
|
وتخرم أقراط وتدمي أساور |
وتسلب خمر والخلاخل تقصم |
|
وتستعطف النسوان آل أمية |
فلم تر من يحنو عليها ويرحم |
|
وسار ابن سعد واللعين ابن خولة |
وشمر وطم الأرض جيش عرمرم |
|
فلما أحاطوا بالحسين تناوبوا |
وأكيفهم ليل من الكفر مظلم |
|
وأقبلت الأعداء من كل جانب |
على الظلم واشتاقت إليهم جهنم |
|
وصال امامي بالطغاة مجادلاً |
كما صال بالأغنام ليث غشمشم |
|
وجالدهم بالبيض ضرباً وبالقنا |
طعاناً وروى الأرض بالدم منهم |
|
إلى أن فنوا أصحابه ورجاله |
وأضحى فريداً ألفه الترب والدم |
فنادى ألا هل ناصراً ومجاهداً |
يجاهد عن آل النّبي ويغنم |
|
فلم يلق إلّا سمهرياً يجيبه |
وإلّا يمانياً به الموت يعلم |
|
وداروا عليه بالقسي فأرسلت |
لجثمانه نبل فرادى وتوأم |
|
فأصدفه سهم الردى متشعباً |
ثلاثاً تلقاها الوريد المكرم |
|
فجد له الأرض ملقى على الثرى |
طريحاً له الذراري شراب ومطعم |
|
فقام إليه الشمر يسعى وقد جثى |
على صدره والشمر رجس مزنم |
|
وأقبل مهر السبط نحو خيامه |
يحمحم عرياناً وينعي ويلطم |
|
فلما رأين الطاهرات خرجن في |
أذل السبا كل إليه تقدم |
|
وبادرن نحو السبط وهو مرمل |
يكلمنه شجواً ولا يتكلم |
|
رأت زينب صدر الحُسين مرضضاً |
فصاحت ونار الحزن في القلب تضرم |
|
وصكت من الضرب المبرح وجهها |
ولم تر صبراً من جوى الثكل يعصم |
|
تقول أخي قد كنت نوراً لشملنا |
فيا سورنا لم أنت فينا مهدم |
|
أخي يا أخي قد كنت كنزاً لفقرنا |
فها أنت في أيدي العدى تتقسم |
|
أخي يا أخي قد كنت كهفاً لعزنا |
الم ترنا بالذل نسبى ونشتم |
|
أخي زود الأطفال وعداً وأوبة |
فليس سوى الباري وإياك يرحم |
|
أخي زود الولهى سكينة نظرة |
فمهجتها حرى وعبرتها دم |
|
أخي تهتوي التقبيل منك سكينة |
وشمر لها بالسوط ضرباً يؤلم |
|
أخي فاطم الصغرى تحب التفاتة |
وحقك هذا قلبها فيك مغرم |
|
أخي بنتك الأخرى رقية ضمها |
إليك فأحشاها من الوجد تضرم |
|
تقولا هلمي يا سكينة نرتمي |
على والدي دعنا من الموت نسلم |
|
وإلّا فقومي ودعيه فإنه |
يروم إرتحالاً بعده ليس يقدم |
|
ولم أنس وجداً أم كلثوم تشتكي |
إلى جدها يا جد لو كنت تعلم |
|
أيا جد هل تنظر حسيناً مرملاً |
لأضلعه خيل العدة تحطم |
|
وهل تنظر السجاد بالقيد موثقاً |
يضربه التكبيل سحباً ويشتم |
|
أيا جدنا هذي بناتك حسراً |
أسارى قرط ابن بنتك تقسم |
|
أيا جدنا ساقوا علياً مكبلاً |
لينظره الطاغي يزيد المزنم |
أيا جدنا رأس الحُسين يقله |
سنان سناه بالقناة محكم |
|
فيا لك مقتولا أصيب بقتله |
ملائكة الرحمن والجن معهم |
|
ويا لك من رزء عظيم إذا به |
تقاس الرزايا كلها فهو أعظم |
|
ويا لك من يوم مهول تزلزلت |
له الأرض والأطيار بالجو حوم |
|
ويا لك من حزن كأن مذاقه |
على شيعة المختار صاب وعلقم |
|
أتسبى كريمات الحُسين على الضنا |
ويكنف نسوان العلوج المخيم |
|
أل لعن الرحمن آل أمية |
وأشياخهم مع من تناسل منهم |
|
وأشياعهم والتابعين لقولهم |
ومن لهم بالقلب يهوى ويرحم |
|
فيا عترة الهادي خذوها بمدحكم |
مدبجة كالدر حين ينظم |
|
على كل بيت للمديح يتيمة |
بأسماع من يهواكم تتقسم |
|
تزف إليكمم كل عشر محرم |
يتوق إليها الشاعر المترنم |
|
مديحاً لمحمود العزيزي عبدكم |
له باعاديكم من اللعن أسهم |
|
موالي مواليكم معادي عدوكم |
مودته في حبكم لا تكتم |
|
ويرجي بها يوم القيامة شربة |
من الحوض يا أهل الشفاعة منكم |
|
خذوا لي وآبائي وأمي ووالدي |
أماناً من أذى النّار وأرحم |
|
ورهطي وإخواني وقارئن مدحتي |
ومستمعيها واعطفوا وترحم |
|
وفي الخلد نرجو تدخلونا بجاهكم |
فليس لنا إلّا النّبي وأنتم |
|
صلاة وتسليم مساء وبكرة |
من الله عد الذر تترى عليكم |
المجلس الثّامن
من الجزء الثّاني ، في التّاسع من عشر الـمُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أيّها الإخوان , اكثروا رحمكم الله النّوح والأشجان , واظهروا شعائر الأحزان على سادات الزّمان , واُولي الكرم والفضل والإحسان خصوصاً في شهر عاشوراء ، وإن كان حزنهم خليقاً في كلّ الشّهور.
وكيف لا نبكي على مصاب من لا يحصل لنا من النّار الخلاص إلّا إذا قمنا في محبّتهم بالإخلاص ؟ وما لنا لا نعادي أعداء قوم محبّهم يحبّهم الجبّار ومبغضهم يورده موارد أهل النّار ؟ ففي الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال ذات يوم لبعض أصحابه : (( يا عبد الله , احبب في الله وابغض في الله ووال في الله وعاد في الله ، فإنّه لا تنال ولاية الله إلّا بذلك , ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه , حتّى يكون ذلك كذلك )). فقال له : يا رسول الله , وكيف لي أن اعلم أنّي قد واليت في الله وعاديت في الله ، ومَن ولي الله عزّ وجلّ حتّى أواليه ، ومَن عدوه حتّى أعاديه ؟ فأشار رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) إلى عليّ (عليهالسلام ) ، فقال : (( أترى هذا ؟ )). قال : بلى. قال : (( وليّ هذا وليّ الله ، وعدو هذا عدو الله ، فوال وليّ هذا لو أنّه أبوك , وعاد عدوه لو أنّه أبوك )) :
إذا كنت تهوى القوم فاسلك طريقهم |
فما وصلوا إلّا بعد العلائق |
|
وما نقل الهندي وهو حديدة |
على الكتف إلّا بعد دق المطارق |
فيا هذا : أيلام من شقّ الجيوب ، جيوب القلوب لا جيوب الثّياب , أو يعنّف مَن أجرى الدّماء لا الدّموع على هذا المصاب ؟ كلا , حاشا لله حقّهم لا
يقضي وشكرهم لا يؤدي ، لكن من بذل الاجتهاد كان جديراً أن يحصل المراد.
روي عن أبي حمزة الثّمالي , قال : أتيت إلى سيّدي ومولاي عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) وهو في داره في مدينة الرّسول , فاستأذنت عليه بالدّخول , فاذن لي , فدخلت عليه فوجدته جالساً , وإذا على فخذه صبي صغير وهو مشغوف به ، وهو يقبّله ويحنو عليه ، فقام الصّبي يمشي فعثر فوقع على عتبة الباب , فانشجّ رأسه , فوثب إليه مهرولاً وقد أحزنه ذلك , فجعل ينشّف دمه بخرقة وهو يقول له : (( يا بني , أعيذك بالله أن تكون المصلوب في الكناس )). فقلت له : يا مولاي فداك أبي واُمّي وأيّ كناس ؟ فقال : (( يُصلب ابني هذا في موضع يُقال له الكناس من أعمال الكوفة )). فقلت : يا مولاي أو يكون ذلك ؟ قال : (( والله سيكون ذلك , والذي بعث مُحمّداً بالحقّ نبيّاً , لئن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة وهو مقتول مسحوب ، ثمّ يُدفن ويُنبش ويُصلب في الكناسة ، ثمّ يُنزل بعد زمان طويل فيُحرق ويُذرى في الهوى )). فقلت : جعلت فداك ! وما اسم هذا الغلام ؟ قال : (( هذا ابني زيد )). وهو مع ذلك يحدّثني ويبكي ، ثمّ قال لي : (( أتحبّ أن أحدّثك بحديث ابني هذا ؟ )). قلت : بلى.
قال : (( بينما أنا ليلة ساجداً في محرابي , إذ ذهب بي النّوم فرأيت كأنّي إلى الجنّة , وكأنّ رسول الله وعليّاً والحسن والحُسين وقد زوجوني بحورية من حور العين , فواقعتها واغتسلت عند سدرة الـمُنتهى , وإذا أنا بهاتف يقول : أتحبّ أن أبشّرك بولد اسمه زيد ؟ فاستيقظت من نومي وقمت وصلّيت صلاة الفجر , وإذا أنا بطارق الباب ، فخرجت إليه , فإذا معه جارية وهي مخمرة بخمار ، فقلت له : ما حاجتك ؟ فقال : أريد عليّ بن الحُسين. فقلت : أنا هو. فقال : أنا رسول الـمُختار إليك , وهو يقرئك السّلام ويقول : قد وقعت هذه الجارية بأيدينا , فاشتريتها بستمائة دينار وقد وهبتها لك , وهذه أيضاً ستمائة دينار اُخرى فاستعن بها على زمانك. فدفع إليّ المال ومعه كتاب , فقبضت المال والجارية ، فقلت لها : ما اسمك ؟ قالت : اسمي حورية. فقلت : صدق الله ورسوله ، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربّي حقّاً. فدخلت بها تلك الليلة فإذا هي غاية الصّلاح , فعلقت منّي بهذا الغلام ، فلمّا وضعته سمّيته زيداً ، وسترى ما قُلت لك )).
قال أبو حمزة الثّمالي : فو الله لقد رأيت زيداً مقتولاً , ثمّ سُحب ثمّ دُفن ثمّ نُشر ثمّ صُلب ، ولم يزل مصلوباً زماناً طويلاً حتّى عشعشت الفاختاة في جوفه ، ثمّ اُحرق وذري في الهواء رحمة الله عليه.
وروى فضله عن بعض الأخبارين , قال : سألت خالد بن فضله عن فضل زيد بن زين العابدين (عليهالسلام ) , فقال : أيّ رجل كان ! فقلت : وما علمت عن فضله ؟ قال : كان يبكي من خشية الله تعالى حتّى تختلط دموعه بدمه طول ليله , حتّى اعتقد كثير من النّاس فيه الإمامة , وكان سبب اعتقادهم ذلك منه ؛ لخروجه بالسّيف يدعو بالرّضى من آل مُحمّد (عليهمالسلام ) , فظنّوه يريد بذلك نفسه ولم يكن يريدها ؛ لمعرفته باستحقاق من قبله ، وكان سبب خروجه ؛ الطّلب بدم جدّه الحُسين (عليهالسلام ) , وأنّه دخل يوماً على هشام بن عبد الملك ، وقد كان جمع له هشام بني اُميّة , وأمرهم أن يتضايقوا في المجلس ؛ حتّى لا يتمكن زيد من الوصول إلى قربه ، فوقف زيد مقابله وقال له : يا هشام , ليس أحد من عباد الله فوق أن يوصي بتقوى الله في عباده ، وأنا اُوصيك بتقوى الله فاتقه. فقال هشام : يا زيد , أنت المؤهل نفسك للخلافة ، وأنت الرّاجي لها , وما أنت وذاك لا اُمّ لك ! وإنّما أنت ابن أمة. فقال له زيد : إنّي لا اعلم أحداً أعظم عند الله من نبي بعثه , فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث الله إسماعيل نبيّاً وهو ابن أمة , فالنّبوة أعظم أم الخلافة ؟ وبعد , فما يقصر في رجل جدّه رسول الله وهو ابن عليّ بن أبي طالب أن يكون ابن أمة.
قال : فنهض هشام مغضباً ودعا قهرمانه وقال : والله , لآتين هذا بعسكر يضيق به الفضاء. وخرج زيد وهو يقول : لم يكره قوم قط حرّ السّيوف إلّا ذلّوا. ثمّ إنّه توجه إلى الكوفة فاجتمع عليه أهلها وبايعوه على الحرب معه. فنقضوا ببيعته وسلّموه لعدوه , فقُتل رحمة الله عليه وصُلب في موضع يُقال له الكناس , وبقي مصلوباً بينهم أربع سنوات لا ينكر أحد منهم بيد ولا لسان , وقد عشعشت الفاختاة في جوفه , وقد خانوا به أهل الكوفة ونقضوا بيعته كما خانوا آبائه وأجداده من قبل ، ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.
قال : فلمّا بلغ قتله إلى الصّادق (عليهالسلام ) , حزن عليه حزناً عظيماً وجعل يئنّ من وجده عليه , وفرّق من ماله صدقة عنه وعمّن اُصيب معه من أصحابه لكلّ بيت منهم ألف دينار ، وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر صفر سنة عشرين
ومئة من الهجرة ، وكان عمره يوم قُتل اثنين وأربعين سنة ، قال : فلمّا قُتل زيد , سرّ بقتله المنافقون وحزن له المؤمنون ، وأمّا هشام بن الحكم , فإنّه فرح بقتله وعمل يوم قتله عيداً , وأنشد يقول :
صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة |
ولم نر مهدياً على الجذع يصلب |
|
وقستم بعثمان علياً سفاهة |
وعثمان خير من عليّ وأطيب |
قال : فبلغ قوله إلى الصّادق (عليهالسلام ) , فاغتمّ منه غمّاً شديداً ، ورفع يديه إلى نحو السّماء وهما يرتعدان من شدّة عرقه , وقال : (( اللّهمّ , إن كان عبدك الحكم كاذباً , فسلّط عليه كلباً من كلابك يأكله )).
قال : فأرسله بنو اُميّة إلى الكوفة , فافترسه الأسد لعنة الله عليه , فوصل خبره إلى الصّادق (عليهالسلام ) , فخرّ ساجداً لله ؛ لسرعة إجابة دعائه , وقال : (( الحمد لله الذي أنجز وعده وأهلك عدوه( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) )). لقد غرّتهم الدُنيا الدّنيّة حتّى أردتهم وأهلكتهم , فحسبهم جهنّم وساءت مصيراً ، يوم لا يجدون من الله وليّاً ولا نصيراً.
ألا يا بايعاً ديناً بدنيا |
غروراً لا يدوم لها نعيم |
|
إلى ديان يوم الدين نمضي |
وعند الله تجتمع الخصوم |
نُقل : أنّه كانت الدّولة لبني اُميّة ألف شهر ، وكانوا لا يزالون يأمرون الخطباء بسبّ عليّ بن أبي طالب على رؤوس المنابر، فأوّل من تأمّر منهم معاوية عليه اللعنة ومدّة خلافته عشرون سنة ، ثمّ تخلّف من بعده ولده يزيد عليه اللعنة ثلاثة سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً ، ثمّ تخلّف من بعده معاوية بن يزيد شهراً واحداً وأحد عشر يوماً ، وترك الخلافة ؛ خوفاً من عذاب الله , واعترف بظلم آبائه وعرّف النّاس ذلك وهو قائم على المنبر , حتّى أنّ اُمّه لامته على ذلك ، فقالت له : ليتك كنت حيضة ولم تكن بشراً , أتعزل نفسك عن منصب آبائك ؟! فقال لها : يا اُمّاه , وأنا والله وددت أن أكون حيضة , ولا أطأ موطئاً لست له بأهل , ولا ألقى الله عزّ وجلّ بظلم آل مُحمّد.
ثمّ تخلّف من بعده عبد الملك بن مروان عليه اللعنة إحدى وعشرين سنة وشهراً ، ثمّ تخلّف من بعده الوليد بن عبد الملك بن مروان عليه اللعنة إحدى وعشرين سنة وشهراً ، ثمّ تخلّف من بعده الوليد بن عبد الملك تسع سنين
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
وثمانية أشهر ويوماً واحداً , ثمّ تخلّف من بعده أخوه هشام بن عبد الملك , تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيّام ، ثمّ تخلّف مروان الحمار خمس سنين وشهراً وثلاثة عشر يوماً , فملك بنو اُميّة ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر ، يكون المجموع ألف شهر , وهم مع ذلك يسبّون عليّاً (عليهالسلام ). ثمّ تخلّف عمر بن عبد العزيز وأبطل السّب عن عليّ(ع).
فلمّا قُتل الحُسين (عليهالسلام ) , لم تقم لبني اُميّة قائمة حتّى سلبهم الله ملكهم واضمحلّ ذكرهم ، فلمّا تولّى السّفاح , أحمد بن مُحمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس , عمّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فاستأصل الأكثر منهم ، ألا لعنة الله على القوم الظّالمين. وعلى الأطائب من أهل البيت فليبك الباكون ، وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أولا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة لابن حماد (رحمهالله )
ويك يا عين سحي دمعاً سكوباً |
ويك يا قلب كن حزيناً كئيبا |
|
ساعداني سعدتما فعسى |
أشفي غليلاً من لوعة وكروبا |
|
إن يوم الطفوف لم يبق لي من |
لذة العيش والرقاد نصيبا |
|
يوم صارت إلى الحُسين بنو حرب |
بجيش فنازلوه الحروبا |
|
وحموه من الفرات فما ذاق |
سوى الموت دونه مشروبا |
|
في رجال باعوا النفوس على الله |
فنالوا ببيعها المرغوبا |
|
لست أنساه حين أيقن بالموت |
دعاهم فقام فيهم خطيبا |
|
ثم قال الحقوا بأهليكم إذ |
ليس غيري أرى لهم مطلوبا |
|
شكر الله سعيكم إذ نصحتم |
ثمّ أحسنتم لي المصحوبا |
|
فأجابوه ما وفيناك إن نحن |
تركناك بالطفوف غريبا |
|
أي عذر لنا يوم نلقى |
الله والطهر جدك المندوبا |
|
حاش لله بل نواسيك أو يأخذ |
كل من المنون نصيبا |
|
فبكى ثمّ قال جوزيتم الخير |
فما كان سعيكم ان يخيبا |
|
ثم قال أجمعوا الرجال وشبوا |
النّار فيها حتّى تصير لهيبا |
|
وغدا للقتال في يوم عاشوراء |
فأبدى طعناً وضرباً مصيبا |
فكأني بصحبه حوله صرعى |
لدى كربلاء شباباً وشيبا |
|
فكأني أراه فرداً وحيداً |
ظامياً بينهم يلاقي الكروبا |
|
حاملاً طفله بقبله حتّى |
قد هو الطفل بالدماء خضيبا |
|
وكأني أراه إذ خر مطعوناً |
على حر وجهه مكبوبا |
|
وكأني بمهره قاصداً الفسطاط |
يبدي تحمحماً ونحيبا |
|
وبرزن النساء حتّى إذا أبصرن |
حيارى وقد شققن الجيوبا |
|
فكأني بزينب إذ رأته |
عارياً دامي الجبين تريبا |
|
أقبلت نحو اختها ثمّ قالت |
وديه وداع من لا يؤوبا |
|
أخت يا أخت كيف صبرك عنه |
وهو كان المؤمل المحبوبا |
|
ثم خرت عليه تلثم خديه |
وقد صار دمعها مسكوبا |
|
وتناديه يا أخي لو رأت عيناك |
حالي رأيت أمراً عجيباً |
|
يا أخي لا حييت بعدك هيهات |
حياتي من بعدكم لن تطيبا |
|
كنت حصني من الزمان إذا ما |
خفت خطباً دفعت عني الخطوبا |
|
ضاقت الأرض بي وكانت علينا |
بك يا سيّدي فناءاً رحيبا |
|
يا هلالاً لـمّا استتم كمالاً |
غاله خسفه فأهوى غروبا |
|
يا قضيباً اغضى ما كان أودته |
رياح الورى وكان رطيبا |
|
ما توهمت يا شقيق فؤادي |
كأن هذا مقدراً مكتوبا |
|
عد يتاماك إن أردت منيباً |
يا أخي بالرجوع وعداً قريبا |
|
فلعلي أسر فيك ولياً |
وأسوء الحسود فيك المريبا |
|
يا أخي حق فيك ما كنت أخشاه |
فظني قد بان فيك كذوبا |
|
يا أخي فاطم الصغيرة كلمها |
فقد كاد قلبها أن يذوبا |
|
يا أخي قلبك الشفيق علينا |
ما له قد قسى وصار صليبا |
|
ما أذل اليتيم حين ينادي |
بأبيه ولا يراه مجيبا |
|
يا أخي لو ترى علياً لدى اليتم |
مع الأسر ما يطيق وجوبا |
|
يا أخي لو ترى علياً لقد صار |
لدى القيد بينهم مسحوبا |
|
يا أخي ضمه إليك وقربه |
وسكن فؤاده المرعوبا |
لا تباعده يا أخي بعد إذا |
عودته منك ذلك التقريبا |
|
يا أخي لو تراه مستضعفاً بين |
الأعادي مقيداً مصحوبا |
|
كلما أوجعوه بالضرب ناداك |
وقد صار دمعه مسكوبا |
|
يا أخي هل يعز فيك على |
حين أضحى مكبلاً مضروبا |
|
يا أخي زود اليتيم اعتناقا |
والتزاماً إذا أردت المغيبا |
|
عندها قد بكت ملائكة الله |
واهتز عرش ربي غضوبا |
|
ثم سيرن حاسرات حيارى |
ما يفترن رنة ونحيبا |
|
وإذا ما رأين بالرأس قد شيل |
على رأس ذابل منصوبا |
|
يتساقطن بالوجوه على الأرض |
ويندبن بالعويل ندوبا |
|
وينادين : يا أقل البرايا |
كلها رحمة وأقسى قلوبا |
|
باعدوا الرأس وارحمونا ورقوا |
لا تزيدوا قلوبنا تعذيبا |
|
ما لنا بيننا وبينكم الله |
لدى الحشر حاكماً وحسيبا |
|
يوم عاشور لا رعيت لقد |
كنت مشوماً على الهداة عصيبا |
|
يا بني الـمُصطفى السلام عليكم |
ما أقل الغصون طيراً طروبا |
|
هدني الحزن بعدكم مثل ما هد |
من الحزن يوسف يعقوبا |
|
ولقد زاد ذكر زيد غليلي |
حين أضحى على الكناس صليبا |
|
ثم أذري من بعد قبر ونبش |
وحريق بين الرياح نهيبا |
|
أمة السوء لم تجازوا رسول الله |
فيكم إذ لم يزل متعوبا |
|
كل يوم تهتكون حريماً |
من بنيه وتقتلون حبيبا |
|
وتبيحون ما حمى وتشنون |
على أهله الأذى والحروبا |
|
كيف تلقونه شفيعاً وترجون |
غداً أن يزيل عنكم كروبا |
|
لا وربي ينال ذاك سوى من |
كان مولاهم موال منيبا |
|
وإليكم يا سادتي قد توجهت |
مطيعاً لأمركم مستجيبا |
|
بكم طاب مولد علم الله |
وزادت بصيرتي تهذيبا |
|
ويقيني صفا لكم فصفا سري |
وودي قتلت حصنا عجيبا |
|
وخلعت العذار فيكم فلن |
أقبل عذلا فيكم ولا تأنيبا |
وأنا الشاعر ابن حماد لا ينكر |
فضلي من كان طبا لبيبا |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون السّامعون , اعملوا رحمكم الله الفكر وأطيلوا التّأمّل والنّظر , وانظروا إلى هذا الإمام وشدّة صبره على المضض والآلام , وتجرّع كؤوس الحمام في رضى الملك العلام , فإنّه أمر تحير فيه الأفكار وتذهل في معانيه القلوب والأبصار. ألا ترون إلى إبراهيم الخليل (عليهالسلام ) ابتلى بنفسه لا غير حين اُلقي في النّار , والحُسين (عليهالسلام ) صُرع حوله بنوه وبنو أبيه الأطهار وآله وصحبه الأخيار , واغتصبوا نفسه الزّكيّة , فقابل الجمع بالرّضى والاصطبار ؟ وهذا أمر لم يصل أحد قبل ولا بعد إليه إلّا أبوه الإمام عليه أفضل الصّلاة والسّلام :
كفاك قسماً لو أكتفيت به |
إنك في المجد والعلى علم |
|
بمن يلوذ الراجي سواك ومن |
به يعوذ اللاجي ويعتصم |
فلا غرو إن بكينا الإمام الحُسين (عليهالسلام ) بدمع يخجل صوب الغمام. أليس هو ابن حبيب الملك العلام ؟ أليس هو سبط سيّد الأنام ؟ أليس هو ثمرة فؤاد الزّهراء ؟ أليس من خدّامه جبرائيل ؟ أليس من عتقائه دردائيل ؟ فيا ويل من ظلمهم وغصبهم حقّهم وهضمهم !
نُقل : أنّه لـمّا أنفذ ابن زياد برأس الحُسين (عليهالسلام ) إلى يزيد لعنه الله , التفت يزيد إلى عبد الملك بن مروان , وقال له : انطلق حتّى تأتي عمر بن سعيد بن العاص بالمدينة , فبشّره بقتل الحُسين. قال عبد الملك : فركبت ناقتي وسريّت نحو المدينة , فلمّا دخلت المدينة , لقيني رجل من قُريش فقال لي : ما الخبر ؟ فقلت : عند الأمير تسمعه. فبكى الرّجل وقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون , قُتل والله الحُسين. قال عبد الملك : فلمّا دخلت على عمر بن سعيد , قال لي : ما وراءك ؟ قُلت : ما يسرّ الأمير , قُتل والله الحُسين بن عليّ. فاسترّ بذلك سروراً عظيماً , [و](١) قال لي : اخرج فناد في شوارع المدينة بقتل الحُسين ؛ لتسرّ بذلك بني اُميّة وتكمد بني هاشم. قال : فخرجت فناديت في شوارع المدينة , فلم أسمع واعية قطة [قط](٢) مثل واعية بني هاشم في دورهم ينوحون على
____________________
(١) و (٢) من إضافات المقوّم.
الحُسين (عليهالسلام ) حين سمعوا النّداء بقتله , ثمّ رجعت إلى عمر بن سعيد بن العاص , فلمّا رآني تبسّم ضاحكاً ثمّ قال :
عجت نساء بني زياد عجة |
كعجيج نسوتنا غداة الأرنب |
|
فالآن أشفينا القلوب بقتله |
وسقى حسين جرعة لم تشرب |
ثمّ قال : هذه والله واعية بواعية عثمان. ثمّ خرج إلى المسجد ورقى المنبر وأعلمَ النّاس بقتل الحُسين (عليهالسلام ) , ودعا ليزيد بدوام الـمُلك وشدّة السّلطان , وسبّ الحُسين وذمّه , ثمّ نزل عن المنبر. فازداد البكاء والنّوح في دور بني هاشم , وقال : وخرجت اُمّ لقمان بنت عقيل بن أبي طالب حين سمعت نعي الحُسين وهي حاسرة ومعها أخواتها ؛ اُمّ هاني وأسماء ورملة وزينب بنات عقيل , وهن يبكين قتلاهن بطفّ كربلاء , وواحدة منهنّ تقول :
ماذا تقولون إذ قال النّبي لكم |
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم |
|
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي |
منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم |
|
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم |
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي |
قال : فلمّا كان الليل من ذلك اليوم الذي خطب فيه عمر بن سعيد , إذ سمع أهل المدينة في جوف الليل منادياً ينادي ولا يُرى شخصه :
أيها القاتلون ظلماً حسيناً |
إبشروا بالعذاب والتنكيل |
|
كل من في السّماء يدعو عليكم |
من نبي وملائك وقبيل |
|
قد لعنتم على لسان ابن داود |
وموسى وصاحب الإنجيل |
فتبّاً لهم ما أجرأهم على انتهاك حرمة خاتم النّبيين ! وما أقسى قلوبهم على الذّرّيّة الطّاهرين , كأنّهم لم يسمعوا بفضلهم في القُرآن الـمُبين على لسان الرّسول وجبرائيل الأمين , بلى والله قد سمعوا وعرفوا وعاهدوا عليه وما وفوا( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
وابشروا أيّها الشّيعة وبشّروا , فإنّ لكم عند الله الأجر العظيم والثّواب الجسيم ، وتصديق ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (عليهالسلام ) , أنّه كان يقول لغلامه قنبر : (( أبشر وبشّر المؤمنين , أنّ رسول الله (صلىاللهعليهوآله )
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
مات وهو ساخط على اُمّته إلّا الشّيعة ، ألا وإنّ لكلّ شيء عروة , وعروة الإسلام الشّيعة , ألا وإنّ لكلّ شيء دعامة , ودعامة الإسلام الشّيعة ، ألا وإنّ لكلّ شيء شرفاً , وشرف الإسلام الشّيعة ، ألا وإنّ لكلّ شيء سيّداً , وسيّد المجالس مجالس الشّيعة. والله , لولا من في الأرض منكم , ما أنعم الله على أهل الخلاف وما لهم في الآخرة من نصيب , وإن تعبّدوا واجتهدوا وصاموا وصلّوا كثيراً , لن يدخلوا الجنّة , وإنّ شيعتنا ينظرون بنور الله ومَن خالفنا ينقلب بسخط الله. والله , إنّ فقراءكم أهل الغنى وإنّ أغنياءكم أهل القنوع , وإنّ كلّكم أهل دعوة الله وأهل إجابته ، أنتم الطّيبون ونساءكم الطّيبات، كلّ مؤمن منكم صدّيق في الجنّة , وكلّ مؤمنة حوراء في الجنّة )).
فيا إخواني , ما عذر أهل الإيمان في إضاعة البكاء ولبس أثواب الأحزان ؛ لمصاب سيّد الشّهداء من ولد عدنان ؟ كيف لا وهو حبيب ربّ العالمين وابن سيّد الوصيين وآية الله في العالمين ؟!
ففي الخبر عن ابن مسعود , أنّه قال : دخلت يوماً على رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , فقلت : يا رسول الله , أرني الحقّ حتّى أنظر إليه. فقال لي : (( يابن مسعود الج المخدع )). فولجت , فرأيت عليّ بن أبي طالب راكعاً ساجداً وهو يقول عقيب كلّ صلاة : (( اللّهمّ , بحرمة مُحمّد عبدك ورسولك اغفر للخاطئين من شعيتي )). قال ابن مسعود : فخرجت أخبر رسول الله بذلك , فرأيته راكعاً وساجداً وهو يقول : (( اللّهمّ , بحرمة عليّ بن أبي طالب عبدك اغفر للعاصين من اُمّتي )). قال ابن مسعود : فأخذني الهلع حتّى غشي عليّ. فرفع النّبي رأسه فقال : (( يابن مسعود , أكفرت بعد إيمانك ؟ )). فقلت : معاذ الله , ولكنّي رأيت عليّاً يسأل الله تعالى بك وتسأل الله به , ولا أدري أيّكما أفضل ! فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يابن مسعود , إنّ الله عزّ وجل خلقني وعلقني [ وعليّ ](١) والحسن والحُسين من نور عظمته قبل الخلق بألف عام حين لا تسبيح ولا تقديس ، ففتق نوري فخلق منه السّماوات ، وفتق نور عليّ فخلق منه العرش والكرسي ، وعلي أجلّ من العرش والكرسي ، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم ، والحسن أجلّ من اللوح والقلم , وفتق نور الحُسين فخلق منه الجنان والحور والولدان ، والحُسين أفضل منهم ، فأظلمت المشارق والمغارب , فشكت الملائكة إلى الله عزّ وجلّ الظُلمة وقالت : اللّهمّ , بحرمة هذه الأشباح التي خلقتهم إلّا ما فرّجت عنّا من هذه الظُلمة.
____________________
(١) نقلناه عن مدينة المعاجز ٣/٢٢٠. المقوّم.
فخلق الله روحاً وقرنها باُخرى فخلق منها نوراً ، ثمّ أضارت الرّوح(١) , فخلق منها الزّهراء فأضاءت منها المشارق والمغارب ؛ فمن ذلك سمّيت الزّهراء. يابن مسعود , إذا كان يوم القيامة , يقول الله عزّ وجلّ لي ولعلي : ادخلا الجنّة مَن شئتما وادخلا النّار من شئتما , وذلك قوله تعالى :( أَلْقِيَا فِي جَهَنّمَ كُلّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ) (٢) . والكافر من جحد نبوّتي والعنيد من عادى عليّاً وأهل بيته وشيعته )).
ولله درّ دعبل الخزاعي , حيث قال :
ولو قلدوا الموصى إليه أمورهم |
لزمت بمأمون على العثرات |
|
أخو خاتم الرسل الصفي من القذا |
ومفترس الأبطال في الغمرات |
|
فإن جحدوا كان الغدير شهودهم |
وبدر وأحد شامخ الهضبات |
|
وآي من القرآن يتلى بفضله |
وإيثاره بالقوت في اللزبات |
|
نحى لجبرائيل الأمين وأنتم |
عكوف على العزى معاً ومنات |
روى الشّيخ أبو عليّ الطّبرسي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى :( إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً إلى قولهوَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) (٣) . قال : نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحُسين وجارية لهم تُسمّى فضّة. وذكر القصّة بإسناد عن الصّادق (عليهالسلام ) وابن عبّاس , قالا : (( مرض الحسن والحُسين وهما صبيّان صغيران , عادهما رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ومعه رجلان , فقال أحدهما لأمير المؤمنين : يا أبا الحسن , لو نذرت في ابنيك نذراً عافاهما الله تعالى , فقال عليّ : أصوم ثلاثة أيّام شكراً لله سبحانه , وكذلك قالت فاطمة وكذا الصّبيّان وكذا جاريتهم فضّة , فألبسهما الله العافية , فأصبحوا صياماً وليس عندهم شيء من الطّعام ، فانطلق أمير المؤمنين (عليهالسلام ) إلى جار له يهودي يعالج الصّوف اسمه شمعون , فقال له أمير المؤمنين (عليهالسلام ) : هل لك أن تعطيني جزراً من الصّوف تغزلها لك ابنة مُحمّد بثلاثة أصواع من شعير ؟ فقال اليهودي : نعم. وأعطاه , فجاء بالصّوف والشّعير وأخبر فاطمة بذلك , فقبلت وأطاعت ثمّ عمدت فغزلت ثلثه ، ثمّ أخذت صاعاً من الشّعير فطحنته فخبزت منه خمسة أقراص ، وصلّى أمير المؤمنين صلاة المغرب مع رسول الله ، ثمّ أتى المنزل فوضع الخوان بين يديه وجلسوا يتعشون خمستهم , فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنين إذا مسكين قد وقف
____________________
(١) في المصدر : ثم أضاف النور بالروح. (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) سورة ق / ٢٤.
(٣) سورة الإنسان/٥ - ٢٢.
على الباب وقال : السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة , أنا مسكين من مساكين الـمُسلمين , اطعموني مما تأكلون اطعمكم الله من موائد الجنّة. فوضع أمير المؤمنين اللقمة من يده ثمّ قال : يا فاطمة ادفعيه إليه. فعمدت فاطمة إلى ما كان على الخوان جميعه فدفعته إلى المسكين , وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً ولم يذوقوا إلّا الماء القراح ، ثمّ عمدت إلى الثّلث الثّاني من الصّوف فغزلته , ثمّ أخذت صاعاً من الشّعير فطحنته وخبزت منه خسمة أقراص لكلّ واحد قرص ، وصلّى أمير المؤمنين مع رسول الله صلاة المغرب ، ثمّ أتى المنزل , فلمّا وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم , فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنين إذا بيتيم ينادي بالباب : السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة , أنا يتيم من يتامى الـمُسلمين , أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من موائد الجنّة. فرمى أمير المؤمنين اللقمة وقال لفاطمة : ادفعيه إليه. ثمّ عمدت فاطمة إلى جميع ما على الخوان من الخبز فأعطته لليتيم , وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلّا الماء وأصبحوا صائمين ، فعمدت فاطمة إلى الثّلث الباقي من الصّوف فغزلته وطحنت الباقي من الشّعير وعجنته , وخبزته خمسة أقراص لكلّ واحد قرص , فصلّى أمير المؤمنين مع رسول الله صلاة المغرب وأتى المنزل , فوضع الخوان وجلسوا يتعشون خمستهم , فأوّل لقمة كسرها أمير المؤمنين وأراد وضعها في فمه , إذا بأسير من أسارى المشركين ينادي بالباب : السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوة , تأسروننا وتشرّدوننا ولا تطعموننا مما تأكلون , أطعمونا أطعمكم الله من موائد الجنّة. فرمى أمير المؤمنين اللقمة من يده وعمدت فاطمة إلى ما كان على الخوان فجمعته ودفعته إلى الأسير , وباتوا ليلتهم جياعاً وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء )).
قال شعيب في حديثه : وأقبل عليّ بالحسن والحُسين نحو رسول الله وهما يرتعشان كالفراخ من شدّة الجوع , فلمّا نظرهما رسول الله قال : (( يا أبا الحسن , ما أشدّ ما يسوءني ما أراكم فيه )). فقال : (( يا رسول الله , انطلق معي إلى فاطمة )). فانطلق , فإذا هي في محرابها وقد لصقت بطنها بظهرها من شدّة الجوع وغارت عيناها في وجهها , فلمّا نظرها رسول الله , ضمّها إليه وقال : (( وا غوثاه ! أنتم منذ ثلاثة أيّام على ما أرى )). فهبط جبرائيل (عليهالسلام ) وقال : خُذ يا مُحمّد مما هنّاك الله في أهل بيتك. قال : (( وما آخذ يا جبرائيل ؟ )). قال :( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ
مِنَ الدَّهْرِ إلى قولهإِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) (١) :
بأهلي ومالي ثمّ قومي وأسرتي |
فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم |
|
علي رقا فوق الخلائق في الورى |
فهدّت له أركان بيت المحرم |
|
تكاد الصفا والمشعران كلاهما |
تهدّر وبان النقص في ماء زمزم |
|
وأصبحت الشمس المنير ضياؤها |
لقتل عليّ لونها لون أدهم |
|
وضل له أفق السّماء كأنه |
شقيقة ثوب لونها لون عندم |
|
وناحت عليه الأرض إذ فجعت به |
حنيناً لثكلى نوحها بترنم |
|
وأضحى التقي والخير والعلم والنهى |
وبات العلي في قبره المتهدم |
وقال غيره من أهل الفضل :
إلى م الام وحتى متى |
أعنف في حُبّ هذا الفتى |
|
فهل زوجت فاطم غيره |
وفي غيره (هل أتى) هل أتى |
فيا إخواني , العنوا من ظلمهم وغصبهم حقّهم وهضمهم , فعلى مثل هؤلاء الأشراف فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
سجعت فوق الغصون فاقدات للقرين |
فاستهلت سحب أجفاني وهزتني شجوني |
|
غردت لاشجوها شجوي ولاحنت حنيني |
لا ولا قلت لها يا ورق بالنوح أسعديني |
|
ماشجي الباكي طروباً وشجي الباكي الحزين |
حق لي أبكي دماء عوض الدمع الهتوني |
|
لغريب نازح الدار خلى من معين |
لتريب الخددامي الوجه مرضوض الجبين |
|
لحبيب أسلم القلب إلى داء دفين |
لست أنساه بأرض الطف إذا قال أخبروني |
|
ما اسم هذه الأرض قالوا كربلاء يابن الأمين |
فبكى شجواً ونادى يا لقومي حان حيني |
|
أرض كرب وبلاء في رباها يدفنوني |
وبها تهتك نسواني وفيها يقتلوني |
|
وبها يمتحن الله رجالاً ينصروني |
فارجعوا جزيتم خير جزاء واتركوني |
|
ليس للقوم سوى قتلي قصد فاسمعوني |
فأجابوا لا ومن خصك بالفضل المبين |
|
لا رجعنا أو سنسقي القوم كاسات المنون |
فانثنى نحو الحريم الفاطميات بلين |
____________________
(١) سورة الإنسان /١ - ٢٢.
قائلاً يا أخت يا أخت هلمي ودعيني |
أخت يا زينب ضمي شمل أهلي خلفيني |
|
واحرسي السجاد واحميه بأجفان العيون |
فهو القائم من بعدي بعلم وبدين |
|
وإن اشتد عليكن مصابي فاندبيني |
وإذا نحت فنوحي بشجون وسكون |
|
واتقي الله وكوني خير أسلاف القرون |
وإذا قمت إلى نافلة الليل اذكروني |
|
وإذا استعبدت مولاك صلاة فصليني |
وغداً نحو العدى يرتاح للحرب الزبون |
|
جاثلاً يشبه في سطوته ليث العرين |
فرمته أسهم الأحقاد عن أيدي الضغون |
|
فهوى شلواً طعيناً آه للشلو الطعين |
وغدت زينب تبكي بعويل ورنين |
|
وتنادي وا رجالاه فقد خابت طنوني |
أين جدّي أين حملات أبي أين حصوني |
|
ليرونا والعدى هتكوا كل مصون |
حاسرات يسحبونا في سهول وحزون |
|
وتنادي والمطايا تشتكي شد الوضين |
واضلالي لوجوه كبدور في دجون |
|
واعنائي في يتامي في البكا قد أقرحوني |
وأشقائي في أسارى في قيود يرمقوني |
|
يا لها صفقة مغبون ولوعات حزين |
يحمل الرأس السماوي إلى الرجس اللعين |
|
وبنات الـمُصطفى تهدي إلى كلب مهين |
يا بني (طه ويس وحم ونون) |
|
بكم استعصمت من شر خطوب تعتريني |
فإذا خفت فأنتم لنجاتي كالسفين |
|
وعليكم ثقل ميزاني وأنتم تنقذوني |
فاحشروا العبد الخليعي إلى ذات اليمين |
|
واليكم مدحاً أسنى من الدر الثمين |
يا حجاب الله والمحمي عن رجم الظنون |
|
فيك داريت أناساً عزموا أن يقتلوني |
وتحصنت بقول الصّادق الحبر الأمين |
|
إتقوا إن التقي من دين آبائي وديني |
ولأوصافك وريت كلامي وحنيني |
|
وإلى مدحكم أظهرت ظهوري وبطوني |
وكفاني علمك الشاهد للسر المصون |
|
ومعاذ الله أن ألوي عن الحبل المتين |
وأساوي بين مفضال ومفضول ضنين |
|
وعليم وعديم وأمين وخئوني |
بين من قال : أقيلوني ومن قال : اسألوني |
هل يساويه بعلم أو فضل أو بدين
الباب الثّالث
أيّها الرّؤساء الأعلام , كيف يلتذّ العاقل منكم بطعام وقد حكمت في مواليه الكفرة اللئام ، أو بشراب وقد قُتلوا في الظّلماء [الظّماء](١) والماء حولهم قد طما , أو
____________________
(١) من إضافات المقوّم.
يسكن بعدهم إلى الطّمأنينة والدّعة وقد ضيّقوا عليهم الأرحبة والسّعة ، أو يقلّ من النّوح والأحزان وقد لاقوا الهوان من أبناء الزّمان ؟ ولِمَ لا نموت صبابة في هواهم ؛ طلباً لرّضى الله ورضاهم ؟ :
الموت مر ولكني إذا ظمئت |
نفسي إلى المجد مستحل لمشربه |
|
رئاسة ماض في رأسي وساوسها |
تدور فيه وأخشى أن تدور به |
حُكي عن زيد النّساج , قال : كان لي جار وهو شيخ كبير عليه آثار النّسك والصّلاح ، وكان يدخل إلى بيته ويعتزل عن النّاس ولا يخرج إلّا يوم الجُمُعة.
قال زيد النّساج : فمضيت يوم الجُمُعة إلى زيارة زين العابدين (عليهالسلام ) , فدخلت إلى مشهده , وإذا أنا بالشّيخ الذي هو جاري قد أخذ من البئر ماء وهو يريد أن يغتسل الجُمُعة والزّيارة ، فلمّا نزع ثيابه , وإذا في ظهره ضربة عظيمة فتحتها أكثر من شبر وهي تسيل قيحاً ودماً , فاشمأزّ قلبي منها ، فحانت منه التفاتة فرآني فخجل , فقال لي : أنت زيد النّساج ؟ فقلت: نعم. فقال لي : يا بني , عاونّي على غسلي. فقلت : لا والله لا أعاونك حتّى تخبرني بقصّة هذه الضّربة التي بين كتفيك , ومن كفّ مَن خَرجت , وأيّ شيء كان سببها ؟ فقال لي : يا زيد , أخبرك بها بشرط أن لا تحدّث بها أحداً من النّاس إلّا بعد موتي. فقلت : لك ذلك. فقال : عاونّي على غسلي فإذا لبست أطماري حدّثتك بقصّتي.
قال زيد : فساعدته , فاغتسل ولبس ثيابه وجلس في الشّمس وجلست إلى جانبه وقلت له : حدّثني. فقال لي : اعلم إنّا كنّا عشرة أنفس قد تواخينا على الباطل وتوافقنا على قطع الطّريق وارتكاب الآثام , وكانت بيننا نوبة نديرها في كلّ ليلة على واحد منّا ؛ ليصنع لنا طعاماً نفيساً وخمراً عتيقاً وغير ذلك ، فلمّا كانت الليلة التّاسعة وكنّا قد تعشّينا عند واحد من أصحابنا وشربنا الخمر ، ثمّ تفرّقنا وجئت إلى منزلي وهدوت ونمت ، أيقظتني زوجتي وقالت لي : إنّ الليلة الآتية نوبتها عليك ولا في البيت عندنا حبّة من الحنطة. قال : فانتبهت وقد طار السّكر من رأسي وقلت : كيف أعمل وما الحيلة وإلى أين أتوجّه ؟ فقالت لي زوجتي : الليلة ليلة الجُمُعة ولا يخلو مشهد مولانا عليّ بن أبي طالب من زوّار يأتون إليه يزورونه , فقم وامض وأكمن على الطّريق , فلا بدّ أن ترى أحداً فتأخذ ثيابه فتبيعها وتشتري شيئاً من
الطّعام ؛ لتتم مروتك عند أصحابك وتكافيهم على صنيعهم. قال : فقمت وأخذت سيفي وجحفتي ومضيت مبادراً , وكمنت في الخندق الذي في ظهر الكوفة , وكانت ليلة مُظلمة ذات رعد وبرق ، فأبرقت برقة فإذا أنا بشخصين مقبلين من ناحية الكوفة , فلمّا قربا منّي , برقت برقة اُخرى فإذا هُما امرأتان ، فقلت في نفسي : في مثل هذه السّاعة تأتي امرأتان ! ففرحت ووثبت إليهما وقلت لهما : اطرحا ثيابكما سريعاً. ففزعتا منّي ونزعتا ثيابهما ، فحسست عليهما حلياً , فقلت لهما: وانزعا الحلي التي عليكما سريعاً. فطرحتاه ، فأبرقت السّماء برقة اُخرى , فإذا إحداهما عجوز والاُخرى شابّة من أحسن النّساء وجهاً كأنّها ظبية قنّاص أو درّة غوّاص , فوسوس لي الشّيطان على أن أفعل بها القبيح , وقلت في نفسي : مثل هذه الشّابة التي لا يوجد مثلها حصلت عندي في هذا الموضع وأخلّيها ! فراودتها عن نفسها ، فقالت العجوز : يا هذا , أنت في حلّ ممّا أخذته منّا من الثّياب والحلي , فخلنا نمضي إلى أهلنا , فوالله أنّها بنت يتيمة من اُمّها وأبيها وأنا خالتها , وفي هذه الليلة القابلة تُزفّ إلى بعلها ، وإنّها قالت لي : يا خالة , إنّ الليلة القابلة اُزفّ إلى ابن عمّي , وأنا والله راغبة في زيارة سيّدي عليّ بن أبي طالب (عليهالسلام ) , وإنّي إذا مضيت إلى بعلي رُبّما لا يأذن لي بزيارته. فلمّا كانت هذه الليلة الجُمُعة , خرجت بها لأزوّرها مولاها وسيّدها أمير المؤمنين ، فبالله عليك , لا تهتك سترها ولا تفض ختمها ولا تفضحها بين قومها.
فقلت لها : إليك عنّي. وضربتها وجعلت أدور حول الصّبيّة وهي تلوذ بالعجوز , وهي عريانة ما عليها غير السّروال , وهي في تلك الحال تعقد تكّتها وتوثّقها عقداً ، فدفعت العجوز عن الجارية وصرعتها إلى الأرض , وجلست على صدرها ومسكت يديها بيد واحدة , وجعلت أحلّ عقد التكّة باليد الاُخرى وهي تضطرب تحتي كالسّمكة في يد الصّياد , وهي تقول : الـمُستغاث بك يا الله ! المستغاث بك يا عليّ بن أبي طالب , خلّصني من يد هذا الظّالم ! قال : فوالله , ما استتم كلامها إلا وأحسّ حافر فرس خلفي , فقلت في نفسي : هذا فارس واحد وأنا أقوى منه. وكانت لي قوّة زائدة وكنت لا أهاب الرّجال قليلاً أو كثيراً , فلمّا دنى منّي , فإذا عليه ثياب بيض وتحته فرس أشهب تفوح منه رائحة المسك ، فقال لي : (( يا ويلك خلّ المرأة ! )). فقلت له : اذهب لشأنك , فأنت نجوت بنفسك وتريد تنجي
غيرك. قال : فغضب من قولي ونفحني بذبال سيفه بشيء قليل , فوقعت مغشيّاً عليّ لا أدري أنا في الأرض أو في غيرها , وانعقد لساني وذهبت قوّتي لكنّي أسمع الصّوت وأعي الكلام ، فقال لهما : (( قوما البسا ثيابكما وخذا حليكما وانصرفا لشأنكما )). فقالت العجوز : فمَن أنت يرحمك الله وقد مَنّ الله علينا بك ؟ وإنّي أريد أن توصلنا إلى زيارة سيّدنا عليّ بن أبي طالب.
قال : فتبسّم في وجوههما وقال لهما : (( أنا عليّ بن أبي طالب , ارجعا إلى أهلكما فقد قبلت زيارتكما )). قال : فقامت العجوز والصّبيّة وقبّلا يديه ورجليه وانصرفا في سرور وعافية.
قال الرّجل : فأفقت من غشوتي وانطلق لساني , فقلت له : يا سيّدي , أنا تائب إلى الله على يدك , وإنّي لاعدت أدخل معصية أبداً. فقال : (( إن تبت تاب الله عليك )). فقلت له : تبت والله على ما أقول شهيد. ثمّ قلت له : يا سيّدي , إن تركتني في هذه الضّربة هلكت بلا شكّ. قال : (( فرجع إليّ )). وأخذ بيده قبضة من تراب ، ثمّ وضعها على الضّربة ومسح بيده الشّريفة عليها , فالتحمت بقدرة الله تعالى.
قال زيد النّساج : فقلت له : كيف التحمت وهذا حالها ؟ فقال لي : والله , إنّها كانت ضربة مهولة أعظم مما تراه الآن, ولكنّها بقيت موعظة لمن يسمع ويرى.
ولا شكّ أنّ عليّاً والأئمة (عليهمالسلام ) أحياء عند ربّهم يُرزقون :
بني الوحي والآيات يا من مديحهم |
علوت به قدراً وطبت به ذكرا |
|
مهابط سر الله خزان علمه |
وأعلى الورى فخراً وأرفعهم قدرا |
|
ركائب آمالي إليكم حثثتها |
فلا أرتجي في النّاس زيداً ولا عمرا |
|
ومن ذا الذي أضحى بربع نداكم |
نزيلاً فما أبدلتم عسره يسرا |
عن ابن عبّاس وأبي رافع , قالا : كنّا جلوساً عند النّبي , إذ هبط جبرائيل ومعه جام من البلّور الأحمر مملوء مسكاً وعنبراً، فقال له : السّلام عليك ، الرّبّ يقرؤك السّلام ويحيّيك بهذه التّحية ويأمرك أن تحيّي بها عليّاً وولديه. فلمّا صارت في كفّ النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , هلّلت ثلاثاً وكبّرت ثلاثاً ، ثمّ قالت بلسان ذرب :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) (١) . فشمّها النّبي ثمّ حيّى بها عليّاً , فلمّا صارت في كفّ عليّ , قالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) . فاشتمّها عليّ (عليهالسلام ) وحيّى بها
____________________
(١) سورة طه / ١ - ٢.
(٢) سورة المائدة / ٥٥.
الحسن ، فلمّا صارت في كفّ الحسن , قالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) (١) . فاشتمّها الحسن وحيّى بها الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا صارت في كفّ الحُسين , قالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (٢) . ثمّ رجعت إلى النّبي (صلىاللهعليهوآله ) , فقالت :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . فلم ندري صعدت في السّماء أم نزلت في الأرض بقدرة الله تعالى.
وهل هذا يا إخواني إلّا من بعض كراماتهم وفضائلهم ونكاتهم , الآيات الباهرة والمعجزات بيّنة ظاهرة ، وساداتنا هُم والله شفعاء المذنبين في الآخرة ، فيحقّ لمثلهم أن يبكي الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ حسن النّجفي (رحمهالله )
لمصاب الكريم زاد شجوني |
فاعذلوني أو شئتموا فاعذروني |
|
كيف لا أندب الكريم بجفن |
مقرح بالبكاء وقلب حنيني |
|
وقليل أن سح من غير عين |
دمع عيني من ذاريات جفوني |
|
يا لها من محاجر هاميات |
بخلت وابل الغمام الهتوني |
|
وجفون أن أصبح الماء غوراً |
من بكاها جاءت بماء معين |
|
لقتيل بكت له الجن والإنس |
وسكان سهلها والحزون |
|
لهف قلبي عليه وهو جديل |
فوق وجه الصعيد امي الجبين |
|
يتلظى من الصدى وعلى الخد |
جواري عيونه كالعيون |
|
لهف قلبي لثغره وهو يفتر |
نظاماً كاللؤلؤ المكنون |
|
قد علاه قضيب كف يزيد |
الباغي الطاغي الظلوم الخؤون |
|
لست أنساه بالطفوف فريداً |
منشداً من لواعج وشجون |
|
ليت شعري لأي ذنب ويا ليت |
على أي بدعة يقتلوني |
|
إن يكن قد جهلتموا الفضل منا |
فاسألوا محكم الكتاب المبين |
|
والدي أشرف الورى بعد جدّي |
وأخي أصل كلّ فضل ودين |
|
والبتول الزّهراء أمي وعمي |
ذو الجناحين صاحب التمكين |
____________________
(١) سورة النّبأ / ٢.
(٢) سورة الشّورى / ٢٣.
وينادي يا أم كلثوم قومي |
قبل تفريق شملنا ودّعيني |
|
واذرفي دمعك المصون على الخد |
ونوحي عليّ ثمّ اندبيني |
|
وإذا ما رأيت مقتول ظلم |
منعوه عن حقه فاذكروني |
|
لهف قلبي لزينب وهي تبكي |
وتنادي من قلبها المحزون |
|
يا أخي يا مؤملي يا رجائي |
يا منائي يا مسعدي يا معيني |
|
كنت أمناً للخائفين ويمناً |
للبرايا في كلّ وقت وحين |
|
بم تشدي من خاطري مستهام |
موثق بالأسى وقلب رهين |
|
يا هلالاً لـمّا استتم ضياءاً |
غيبته بالطف أيدي المنون |
|
ليت عينيك يا شقيقي ترانا |
حاسرات من بعد خدر وصون |
|
سافرات الوجوه متهتكات |
بين عبد باغ ووغد لعين |
|
آل طه يا من بهم يغفر الله |
ذنوبي وما جنته يميني |
|
وأماني في يوم بعثي وأمني |
عند خوفي من كلّ خطب وضيني |
|
أنتم قبلتي وحجتي وفرضي |
وصلاتي وأصل نسكي وديني |
|
من تمسك بكم وأمّ إليكم |
قد نجا والتجا بحصن حصين |
|
لا أبالي وإن تعاظم ذنبي |
يوم بعثي لكن يقيني يقيني |
|
كل عزي بين الأنام وفخري |
يوم حشري بأنكم تقبلوني |
|
بعتكم مهجتي بعد صحيح |
عن تراض ولست بالمغبون |
|
أنا منكم لكم بكم وإليكم |
فرط وجدي وذا حنين أنيني |
|
قد بذلت المجهود بالمدح منّي |
حسب جهدي ولم أكن بضنين |
|
ذركم لم يزل جليسي أنيسي |
مسعفي عند حركتي وسكوني |
|
أنتم لا سواكم وإليكم |
لا إلى غيركم تساق ظعوني |
|
لا أبالي إذا حضيت لديكم |
قربوني الأنام أو أبعدوني |
|
سوف أصفيكم الوداد بقلب |
ولسان كالصارم المسنوني |
|
وإذا ما قضيت بحبي ستبقى |
بعد مودتي مدائحي وفنوني |
|
وإليكم من عبدكم حسن النجفي |
قصيداً تزهو كدر ثمين |
|
بكر نظم لها القبول صداق |
فاقبلوها يا سادتي وارحموني |
|
وعليكم من الإله صلاة |
كلما ناح طائر في الغصون |
المجلس التّاسع
من الجزء الثّاني في الليلة العاشرة من الـمُحرّم
وفي ابتداء مصرع الحُسين (عليهالسلام )
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
أمّا بعد ، أيّها المؤمنون , فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة ، فتحه الله لخاصّته وأوليائه وأحبّائه وخُلصائه ، وهو لباس التّقوى ودرع الله الحصينة وجنّته الوثيقة ، فمَن تركه رغبة عنه , ألبسه الله ثوب الذّل وشمله البلاء , وديث بالصّغار وضرب على قلبه بالإسهاب , وأديل الحقّ بتضييع الجهاد , وسيم الخسف ومُنع النّصف. ألا وإنّ مَن أهَّله الله لذلك الشّهداء من الأنصار والأقرباء , فإنّهم لمّا علموا أنّهم لا ينالون لبس الخلعة السّنية , إلّا بخلع الحياة وركوب المنيّة , وإنّهم لا يعلون إلى مطلوبهم , إلّا ببذل النّفوس في طاعة محبوبهم ، وتيقّنوا أنّها المرتبة العالية والبيعة الرّاجحة الغالية , وبذلوا الأرواح يوم الكفاح , واتلفوا الأجساد يوم الجلاد والأبدان يوم الطّعان ، فلو شاهدت كلّ واحد منهم يوم الطّفوف وهو يبادر إلى طعن الرّماح وضرب السّيوف ، لرأيت الأمر العظيم والخطب الجسيم ، ولمثل هذا فليعمل العاملون وفي ذلك فليتنافس المتنافسون :
يلقى الرماح بنحره فكأنها |
في قلبه عود من الريحان |
|
ويرى السيوف وصوت وقع حديدها |
عرساً يجليها عليه غواني |
فيا لها من منيّة حصلوها وفضيلة أحرزوها , فاقوا بها الأوّلين والآخرين في رضى مولاهم الحُسين بن أمير المؤمنين. ولعمري , أنّه جهاد أعظم من جهاد
أنصار الإمام أبي عبد الله (عليهالسلام ) , أَذِن لهم في ترك القتال وقال : (( اذهبوا في هذا الليل بمن معي من الآل , فأنا بغية هؤلاء الأرجاس وقتلى مرادهم دون النّاس )). فأبوا واختاروا الموت على الحياة في طاعته والفناء لإجابته , ولله درّ مَن قال فيهم :
جادوا بأنفسهم في حُبّ سيدهم |
والجود بالنفس أقصى غاية الجود |
فلو رأيتهم وقد أقبلوا على القتال يجالدون بالسّيوف في حومة النّزال , يستبشرون بذهاب الأعمار لـمّا كشف عن أبصارهم فشاهدوا الجنّة والنّار. ولله درّ بعض مادحيهم حيث نظم وقال فيهم :
قوم إذا نودوا لدفع ملمة |
والقوم بين مدعس ومكردس |
|
لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا |
يتهافتون على ذهاب الأنفس |
وقوا بنفوسهم نفوس الطّاهرين البررة , حتّى اُبيدوا عن آخرهم بأيدي الطُغاة الفجرة ، فكم يومئذ من كبد مقروحة ودمعة مسفوحة , ومن لاطمة خدّها ونادبة جدّها ومنشور شعرها ومهتوك سترها , وكم من مريض يئنّ وثاكلة تحنّ , وكم من كريم على رأس السّنان وشريف يسام الخسف والهوان , وكم من طفل مذبوح ودم لآل رسول الله مسفوح , وكم من أكباد محترقة من الظّماء وأجساد مرمّلة بالدّماء , وربّات خدر بارزات ومغلولات حاسرات ! فوا عجباه بما حلّ بالآل من اللئام الكفرة الأنذال ! :
وجرع كأس الموت بالطف أنفس |
كرام وكانوا للرسول ودائعا |
|
وبدل سعد التم من آل هاشم |
بنحس وكانوا كالبدور طوالعا |
وقال آخر :
أديرت كؤوس للمنايا عليهم |
فأعفوا عن الدُنيا كاعفاء ذي السكر |
|
فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه |
وأرواحهم في الحجب نحو العلى تسري |
|
فما عرسوا إلّا بقرب حبيبهم |
وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر |
روي عن سعيد بن جبير , عن ابن عبّاس , قال : كنت عند رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) جالساً إذ أقبل الحسن (عليهالسلام ) , فلمّا رآه بكى وقال : (( إليّ إليّ )). فأجلسه على فخذه
اليمنى ، ثمّ أقبل الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا رآه بكى وقال : مثل ذلك. وأجلسه على فخذه اليسرى ، ثمّ أقبلت فاطمة (عليهاالسلام ) , فلمّا رآها بكى وقال : مثل ذلك. وأجلسها بين يديه ، ثمّ أقبل عليّ (عليهالسلام ) , فرآه فبكى وقال : مثل ذلك. فأجلسه إلى جانبه الأيمن , فقال له أصحابه : يا رسول الله , ما ترى واحداً من هؤلاء إلّا وبكيت له وما فيهم إلّا من تسرّ برؤيته ؟ فقال : (( والذي بعثني بالنّبوة واصطفاني بالرّسالة على جميع البرية , ما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم , وإنّما بكيت لما يحلّ بهم بعدي , وذكرت ما يُصنع بولدي هذا الحُسين , فكأنّي به وقد استجار بحرمي وقبري فلا يُجار , فيرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه أرض كربلاء , تنصره عصابة من المُسلمين , أولئك سادات شهداء اُمّتي يوم القيامة , كأنّي أنظر إليه وقد رُمي بسهم فخرّ عن سرجه طريحاً(١) ، ثمّ يُذبح كما يُذبح الكبش مظلوماً )). ثمّ انتحب وبكى وأبكى مَن كان حوله , وارتفعت أصواتهم بالضّجيج , ثمّ قام وهو يقول : (( اللّهمّ , إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي من بعدي )).
وفي بعض الأخبار : أنّ الحُسين دخل على أخيه الحسن , فلمّا نظر إليه بكى , فقال : (( ما يبكيك يا أبا عبد الله الحُسين ؟ )). فقال : (( بلى , لِما يُصنع بك )). فقال الحسن : (( إنّ الذي يؤتى إليّ بالسّم فاُقتل به(٢) , ولكن لا يوم كيومك ! يزدلف إليك ثلاثون ألف رجُل يدّعون أنّهم من اُمّة جدّنا , فيجتمعون على قتلك وسفك دمك , وانتهاك حُرمتك وسبي ذراريك ونسائك , وانتهاك رحلك وثقلك , فعندها تحلّ على اُميّة اللعنة وتمطر السّماء دماً , ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار )).
فيا إخواني , تساعدوا على النّياحة والعويل واسكبوا عبراتكم على الغريب القتيل الذي اهتزّ لمصابه عرش الجليل ، ولئن حجبتكم عن نصرتهم الأقدار على ما يشاء القادر المُختار , فلا عذر لكم عن لبس جلابيب العزاء وإظهار شعار الحزن والبكاء , وهو من أقلّ القليل في هذا القبيل :
يا سادة شرف الكتاب بما حوى |
فيهم من الإجلال والإعظام |
|
يا من إذا ذكر اللبيب مصابهم |
هانت عليه مصائب الأيام |
|
قسماً بمن فرض الولاء على الورى |
لكم وذلك أعظم الإقسام |
|
ما أطمع الارجاس فيما أبدعوا |
فيكم وجرّأهم على الإقدام |
____________________
(١) في المصادر الاُخرى : صريعاً. (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) ورد في آمالي الشّيخ الصّدوق /١٧٧, هكذا : إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يدسّ إليّ فاُقتل به. (معهد الإمامين الحسنين).
إلّا الذين تعاقدوا أن ينقضوا |
ما أحكم الهادي من الإبرام |
روي : أنّه لـمّا قُبض الحسن (عليهالسلام ) , اجتمع نفر من أهل الكوفة في دار رجل منهم , وكتبوا إلى الحُسين كتاباً يعزّونه على أخيه الحسن , ويذكرون فيه : إنّا شيعتك والمصابون لمصيبتك والمحزونون لحزنك والمنتظرون لأمرك , شرح الله صدرك وغفر ذنبك ورفع ذكرك وعلا قدرك وردّ عليك حقّك , والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وصار النّاس يقولون : إن هلك معاوية , يكن الأمر للحُسين (عليهالسلام ). فبلغ ذلك معاوية , فبعث يستعتب الحُسين بكلام يذكر فيه : أمّا بعد , فقد بلغني عنك اُمور وأسباب وأظنّها باطلة , فلا تُسمعني إلى قطيعتك يا أبا عبد الله ، فمتى أكرمتني أكرمتك ومتى أهنتني أهنتك ، فلا تشق عصا هذه الاُمّة , فقد جرّبتهم وبلوتهم , وأبوك من قبلك كان أفضل منك وقد أفسدوا عليه رأيه ، وإيّاك تسمع كلام السّفهاء الذين لا يعلمون بعواقب الاُمور.
فكتب الحُسين (عليهالسلام ) كتاباً إليه يعتذر فيه , إلى أن دنا من معاوية الموت , أوصى إلى ابنه يزيد وكان غائباً , وكتب له كتاباً يذكر فيه : اعلم يابني , إنّي قد وطّأت لك البلاد وذللت لك الرّقاب الشّداد ، ولست أخشى عليك إلّا من أربعة أنفر , فإنّهم لا يبايعونك على هذا الأمر. وذكر منهم الحُسين , ودفع الكتاب إلى الضّحاك بن قيس وأمره أن يوصله إلى يزيد عند قدومه من غيبته ، ثمّ إنّ معاوية قضى نحبه , فأرسل الضّحاك إلى يزيد رسولاً يخبره بموت أبيه , فجزع جزعاً عظيماً وبقي أيّاماً لا يخرج من داره , فلمّا خرج بعد ذلك , جاء النّاس يعزّونه ويهنونه , وكان من جملتهم الضّحاك بن قيس , فدفع إليه الوصية , فلمّا فضّها وقرأها , بكى حتّى غُشي عليه , فلمّا أفاق , خرج فرقى المنبر وخطبهم خطبة يذكر فيها موت أبيه وأنّه ولاه الأمر من بعده ، ثمّ نزل عن المنبر وكتب إلى الوليد بن عتبة - وكان يومئذ والياً على المدينة - كتاباً يأمره أن يأخذ البيعة على أهلها , وبعث إلى عمر بن سعد بالرّي وأمره أن يأخذ البيعة على أهلها , ونفذ إلى جميع الأمصار بذلك , فبايعوه إلّا أهل الكوفة والمدينة.
وكان فيما بعث إلى الوليد يقول : خُذ لنا البيعة على من قبلك عامة وعلى هؤلاء الأربعة أنفر خاصّة وهُم ؛ عبد الرّحمن بن بكر , وعبد الله بن عمر بن الخطاب , وعبد الله بن الزّبير , والحُسين بن عليّ , فمَن لم يبايعك منهم , فانفذ إليّ برأسه.
فلمّا قرأ الكتاب , بعث
إلى مروان بن الحكم - وكان قد جفاه من أجل الإمارة , لأنّه كان والياً من قبله على المدينة - فلمّا دخل عليه , قرّبه وأدناه وقرأ عليه الكتاب , فقال له مروان : الرّأي , أن ترسل إلى هؤلاء الأربعة وتدعوهم إلى البيعة والدّخول في الطّاعة , فإن أبوا , فاضرب أعناقهم. فأرسل في طلبهم , فقالوا للرسول : انصرف.
أقبل عبد الله بن الزّبير على الحُسين (عليهالسلام ) , وقال : يابن رسول الله , أتدري ما يُريد الوليد منّا ؟ قال : (( نعم ، اعلموا أنّه قد مات معاوية وتولّى الأمر من بعده ابنه يزيد , وقد وجّه الوليد في طلبكم ؛ ليأخذ البيعة عليكم , فما أنتم قائلون ؟ )). فقال عبد الرّحمن : أمّا أنا , فأدخل بيتي وأغلق بابي ولا أبايعه. وقال عبد الله بن عمر : أمّا أنا , فعليّ بقراءة القُرآن ولزوم المحراب. وقال عبد الله بن الزّبير : أمّا أنا , فما كنت بالذي أبايع يزيد.
وقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( أمّا أنا , فأجمع فتياني وأتركهم بفناء الدّار وأدخل على الوليد وأناظره وأطالب بحقّي )). فقال له عبد الله بن الزّبير : إنّي أخاف عليك منه. قال : (( لست آتيه إلّا وأنا قادر على الامتناع منه إن شاء الله تعالى )). ثمّ إنّه (عليهالسلام ) نهض إلى منزله , فأرسل إلى أهله وشيعته ومواليه فاقبلوا إليه , فأتى إلى دار الوليد وقال لهم : (( إنّي داخل على هذا الرّجل , فإن سمعتم صوتي فاهجموا عليه , وإلّا فلا تبرحوا حتّى أخرج إليكم )). ثمّ دخل على الوليد , فقرّبه وأدناه وأراه الكتاب ودعاه إلى البيعة ، فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( إنّ مثلي لا يبايع خلف الأبواب سرّاً دون الجهر , ولكن إذا خرجت ودعوت النّاس , كنت أوّل من بايع )). فقال : انصرف يا أبا عبد الله واتنا غداً مع النّاس. فقال مروان : فإنّك الثّعلب فلا ترى إلا غباره(١) , واحذر أن يخرج حتّى يبايعك أو تضرب عنقه. فلما سمع الحُسين , وثب قائماً وقال : (( يابن الزّرقاء , أنت تقتلني أم هؤلاء لا أمّ لك ؟! يابن اللخناء , والله لقد أهجت عليك وعلى صاحبك منّي حرباً طويلاً )). ثمّ خرج , فقال مروان للوليد : عصيتني , والله لا قدرت على مثلها أبداً. فقال له الوليد : ويحك لقد اخترت لي ما فيه هلاكي وهلاك ذرّيّتي ! فوالله ما أحبّ أن يكون لي ملك الدُنيا وأنا مُطالب بدم الحُسين , وإنّ كلّ أمريء يكون مطالباً بدمه , لخفيف الميزان يوم القيامة. فقال له مروان : مثلك ينبغي أن يكون سائحاً في البراري والقفار ولا
____________________
(١) هكذا هو الموجود في هذا الكتاب , والظّاهر إنّ الصّحيح هو : فإن فاتك الثّعلب فلا ترى إلا غباره. (معهد الإمامين الحسنين).
يكون أميراً. ثمّ إنّ الوليد أرسل إلى الحُسين (عليهالسلام ) رُسلاً بالليل وقال لهم : لا ترجعوا إلّا به. فساروا إليه مستعدّين لذلك , فوجدوه قد طلع يُريد مكّة بأهله وبني عمّه إلّا مُحمّد بن الحنفيّة.
فيا حرّ قلبي تزايدي , ويا نار وجدي توقّدي , ويا فؤادي القريح من الحزن والكآبة لا تستريح ! ولله درّ مَن قال من الرّجال :
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه |
والصور في نشر الخلائق ينفخ |
|
لا بد أن ترد القيامة فاطم |
وقميصها بدم الحُسين ملطخ |
روي عن بعض نقلة الآثار : أنّه لـمّا أراد الحُسين (عليهالسلام ) الخروج إلى مكّة , قال له مُحمّد بن الحنفيّة : يا أخي , إنّي خائف عليك أن تأتي مصراً من هذه الأمصار فيختلفون عليك , فتكون قتيلاً بينهم ويذهب دمك وتهتك حرمك. قال له الحُسين : (( إنّي أقصد مكّة , فإن اطمأنّت بي البلاد , أقمت بها , وإن كان الاُخرى , لحقت بالرّمال والشّعاب حتّى ننظر ما يكون )).
ثمّ أتى قبر جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) والتزمه وبكى بكاءاً شديداً , وقال : (( بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ! لقد خرجت من جوارك كُرهاً وقد فُرّق بيني وبينك ؛ حيث إنّي لم اُبايع ليزيد بن معاوية شارب الخمور وراكب الفجور , وها أنا خارج من جوارك على الكراهة , فعليك منّي السّلام )). ثمّ أخذته النّعسة , فرأى في منامه رسول الله وإذا هو قد ضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه , وقال : (( حبيبي يا حُسين , كأنّي أراك عن قليل مُرمّلاً بدمائك مذبوحاً بأرض كرب وبلاء بين عصابة من اُمّتي , وأنت في ذلك عطشان ولا تُسقى وظمآن لا تُروى , وهم في ذلك يرجون شفاعتي , ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة , فما لهم عند الله من خلاف. حبيبي يا حُسين , إنّ أباك واُمّك وأخاك قد قدموا عليّ وهم إليك مشتاقون , إنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلّا بالشّهادة )).
قال : فجعل الحُسين (عليهالسلام ) في منامه ينظر إلى جدّه ويسمع كلامه وهو يقول : (( يا جدّاه ! لا حجّة لي في الرّجوع إلى الدُنيا , فخذني إليك وادخلني معك إلى قبرك )). فقال النّبي (صلىاللهعليهوآله ) : (( يا حُسين , إنّه لا بدّ لك من الرّجوع إلى الدُنيا ؛ حتّى تُرزق الشّهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثّواب العظيم , فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعم أبيك , تُحشرون في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة )).
قال : فانتبه الحُسين (عليهالسلام ) من نومه فزعاً مرعوباً , فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد الـمُطلب , فلم يكن في ذلك اليوم
في شرق ولا غرب قوم أشدّ غمّاً من أهل البيت ولا أكثر باكية ولا باك.
قال : وتهيّأ الحُسين وعزم على الخروج ودعا بمُحمّد بن الحنفيّة وقال له : (( يا أخي , إنّي عازم على الخروج إلى مكّة , وقد تهيأت لذلك أنا وأخوتي وبنو أخي وشيعتي , وأمرهم أمري ورأيهم رأيي , وأمّا أنت يا أخي , فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم , ولا تخف عليّ شيئاً من أمورهم )).
قال : ثمّ دعا الحُسين (عليهالسلام ) لأخيه بدواة وبياض فكتب : (( هذه وصية الحُسين لأخيه مُحمّد : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , هذا ما أوصى به الحُسين بن عليّ بن أبي طالب إلى أخيه مُحمّد بن عليّ , المعروف بابن الحنفيّة : إنّ الحُسين بن عليّ يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له , وأنّ مُحمّداً عبده ورسوله جاء بالحقّ من عند الحقّ , وأنّ الجنّة والنّار حقّ , وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها , وأنّ الله يبعث مَن في القبور ، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مُفسداً ولا ظالماً , وإنّما خرجت أطلب(١) الإصلاح في اُمّة جدّي مُحمّد , أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر , وأسير بسيرة جدّي مُحمّد وسيرة عليّ بن أبي طالب وسيرة الخُلفاء الرّاشدين المهديين , فمَن قبلني بقول الحقّ , فالله أولى بالحقّ , ومَن ردّ عليّ هذا , أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ , ويحكم بيني وبينهم وهو خير الحاكمين. هذه وصيتي إليك يا أخي , وما توفيقي إلّا بالله العليّ العظيم )).
ثمّ طوى الحُسين كتابه وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه مُحمّد بن الحنفيّة ، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل يُريد مكّة في جمع من أهل بيته , وذلك لثلاث ليال مضين من شعبان سنة ستّين من الهجرة. فلزم الطّريق الأعظم , فجعل يسير وهو يتلو هذه الآية :( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٢) .
وعن سكينة بنت الحُسين (عليهماالسلام ) , قالت : لـمّا خرجنا من المدينة , ما كان أحد أشدّ خوفاً منّا أهل البيت ، ثمّ إنّ الحُسين ركب الجادّة , فقال له ابن عمّه مُسلم بن عقيل : يابن رسول الله , لو عدلنا عن الطّريق وسلكنا غير الجادّة كما فعل عبد الله بن الزّبير , كان عندي الرّأي , فإنّا نخاف أن يلحقنا الطّلب. فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( لا والله يابن العم , لا فارقت هذا الطّريق أبداً , أو أنظر إلى أبيات مكّة , أو يقضي الله في ذلك ما يحبّ ويرضى )).
قال : فسار الحُسين (عليهالسلام ) وهو يقول :
إذا المرء لم يحم بنيه وعرسه |
ونسوته كان اللئيم المسببا |
____________________
(١) الموجود في المصادر المعتبرة هو : لطلب. (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) سورة القصص / ٢١.
وفي دون ما يبغي بنا غداً |
نخوض حياض الموت شرقاً ومغرباً |
|
ويضرب ضرباً كالحريق مقدماً |
إذا ما رآه ضيغم راح هاربا |
قال : فبينما الحُسين كذلك بين مكّة والمدينة , إذ استقبله عبد الله بن مطيع العدوي ، فقال له : أين تريد يا أبا عبد الله جعلني الله فداك ؟! فقال : (( أمّا في وقتي هذا , فإنّي أريد مكّة , فإذا سرت فيها , استخرت الله في أمري )). فقال له عبد الله : خار الله لك يابن رسول الله فيما قد عزمت عليه ، غير إنّي أشير عليك مشورة فاقبلها منّي. فقال الحُسين : (( وما هي يابن مطيع ؟ )). فقال : إذا أتيت مكّة فاحذر أن يغرّك أهل الكوفة ، فيها قُتل أبوك , وأخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه فيها , فالزم الحرم فأنت سيّد العرب في دهرك هذا , فوالله لئن هلكت , ليهلكنّ أهل بيتك بهلاكك , والسّلام. فودّعه الحُسين ودعا له بالخير وسار حتّى وافى مكّة , فلمّا نظر إلى جبالها من بعيد , جعل يتلو هذه الآية :( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) (١) .
قال : فلمّا قدم الحُسين إلى مكّة , قال : (( اللّهمّ , خر لي وقرّ عيني واهدني سواء السّبيل )). ثمّ دخل مكّة وجعل النّاس يترددون إليه ولا ينقطعون عنه , فلمّا بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية , امتنعوا من البيعة ليزيد , فاجتمعوا وكتبوا إلى الحُسين كتاباً يقولون فيه : أقدم إلينا يكون ذلك ما لنا وعليك ما علينا , فلعلّ الله يجمع بيننا وبينك على الهُدى ودين الحقّ(٢) . ورغّبوه في القدوم إليهم إلى أن قالوا : فإن لم تقدر على الوصول إلينا , فأنفذ إلينا برجل يحكم فينا بحكم الله ورسوله. وكتبوا بهذا المعنى كُتباً كثيرة ، فلمّا وقف الحُسين على الكتب وقرأ ما فيها , سألهم عن أمور النّاس , وكتب إليهم كتاباً يذكر فيه : (( إنّي قد أنفذت إليكم أخي وابن عمّي والمفضّل عندي مُسلم بن عقيل بن أبي طالب , فاسمعوا له وأطيعوا رأيه , وقد أمرته باللطف فيكم وان ينفذ إلي بحسن رأيكم وما أنتم عليه , وأنا أقدم عليكم إن شاء الله )). ثمّ دعا بمُسلم فأنفذه مع دليلين يدلانه على الطّريق , فلمّا صار أثناء الطّريق , ضلّ الدّليلان عن الطّريق ومات أحدهما عطشاً ، فنظر مُسلم ممّا هو متوجّه إليه , فبعث إلى الحُسين يخبره بذلك ويستعفيه عن المسير إلى الكوفة , فبعث إليه الحُسين يأمره بالمسير إلى ما أمره به ، فسار من وقته وساعته إلى أن قدم الكوفة فدخلها ليلاً , فنزل في دار
____________________
(١) سورة القصص / ٢٢.
(٢) الوارد في ينابيع المودّة للقندوزي ٣/٥٥ , وغيره , هكذا :... يقولون فيه : لك مالنا وعليك ما علينا ، فلعلّ الله أن يجمع بيننا وبينك على الهُدى ودين الحقّ. (معهد الإمامين الحسنين).
المختار بن أبي عُبيدة ، ثمّ صار النّاس يختلفون إليه , فأقرأهم كتاب الحُسين (عليهالسلام ) , فمنهم من تداخل السّرور عليه ، فاجتمعوا عليه وبايعوه حتّى نُقل أنّه بايعه في ذلك اليوم ثمانية عشر ألف رجل.
فكتب مُسلم إلى الحُسين كتاباً بمبايعة أهل الكوفة وإنّك تعجّل بالإقبال إلينا. فبلغ الخبر إلى النّعمان بن بشير - وكان هو خليفة يزيد بن معاوية - , فصعد المنبر خطيباً , فقال في خطبته : احذروا مخالفة الخليفة يزيد , وأيّ رجل أصبح مخالفاً لقولي لأضربنّ عُنقه.
ثمّ إنّ رجُلاً من القوم يُقال له عبد الله الحضرمي , استضعف رأي النّعمان وبعث كتاباً إلى يزيد يذكر فيه اجتماع النّاس على مُسلم بن عقيل , وأنّه يبعث إلى الكوفة رجُلاً أقوى رأياً من النّعمان ، فلمّا قرأ يزيد الكتاب , أنفذ إلى الكوفة عمر بن سعد لعنه الله , وكتب إلى عُبيد الله بن زياد - وكان في البصرة - كتاباً يستنهضه على الرّحيل إلى الكوفة , ولا يدع من نسل عليّ إلّا قتله , فلمّا قرأ الكتاب , تجهّز للمسير إلى الكوفة مجدّاً في مسيره , فلمّا وصل الكوفة , دخلها وهو ملتثم(١) وبيده قضيب خيزران وأصحابه من حوله , فجعل لا يمرّ بملأ إلّا وسلّم عليهم بالقضيب , والنّاس يردّونعليهالسلام ويزعمون أنّه الحُسين ؛ لأنّهم كانوا يتوقّعون قدومه , فلمّا قرب من قصر الإمارة , قال لهم مُسلم الباهلي : يا ويلكم ! هذا الأمير ابن زياد ليس هو طلبتكم. فأسفر ابن زياد عن لثامه وقال للنعمان وهو في أعلى القصر : يا نعمان , حفظت نفسك وضيّعت مصرك. ثمّ نادى بالنّاس , فرقى المنبر فخطب خطبة ذكر فيها : إنّ الخليفة يزيد قد ولاني مصركم هذا , وقد أوصاني بالإحسان إلى محسنكم والتّجاوز عن مسيئكم وأنا مطيع أمره فيكم , فلمّا نزل من المنبر , جعل النّاس ينظر بعضهم إلى بعض ويقولون : ما لنا والدّخول بين السّلاطين. فنقضوا بيعة الحُسين وبايعوا عبيد الله بن زياد. قيل : وكان يوم الجُمُعة وكان مُسلم بن عقيل موعوكاً لم يقدر على الحضور للاجتماع , فلمّا كان وقت صلاة العصر , خرج إلى الجامع , فأذّن وأقام الصّلاة وصلّى وحده ولم يصل معه أحد من أهل الكوفة , فخرج فرأى رجل , فقال له : ماذا فعل أهل مصركم ؟ قال: يا سيّدي , نقضوا بيعة الحُسين وبايعوا يزيد. فصفق بيده وجعل يخترق السّكك والمحال هارباً حتّى بلغ إلى محلّة بني خزيمة , فرأى باباً شاهقة في الهواء وجعل ينظر إليها , فخرجت جارية
____________________
(١) الظّاهر الأصح هو : متلثّم. المقوّم.
فقال لها : يا جارية لِمَن هذه الدّار ؟ قالت : لهاني بن عروة. فقال لها : ادخلي فقولي : إنّ رجلاً من أهل البيت واقف بالباب. فإن قال : ما اسمه. فقولي : مُسلم بن عقيل. فدخلت الجارية ثمّ خرجت إليه , وقالت له : ادخل. وكان هانئ يومئذ عليلاً , فنهض ليعتنقه فلم يطق , وجعلا يتحادثان إلى أن وصلا إلى ذكر عُبيد الله بن زياد , فقال هانئ : يا أخي , إنّه صديقي وسيبلغه مرضي , فإذا أقبل إليّ يعودني , خُذ هذا السّيف واحذر أن يفوتك , والعلامة بيني وبينك أن أقلع عمامتي عن رأسي , فإذا رأيت ذلك , فاخرج لقتله. قال مُسلم : أفعل إن شاء الله. ثمّ إنّ هانئ أرسل إلى ابن زياد يستجفيه , فبعث إليه معتذراً إنّي رائح العشية , فلمّا صلّى ابن زياد العشاء يعود هانياً أقبل , فلمّا وصل استأذن للدخول , قال هانئ : يا جارية , ادفعي هذا السّيف إلى مُسلم بن عقيل. فدفعته إليه , ودخل عُبيد الله بن زياد ومعه حاجبه , وجعل يحادثه ويسأله عن حاله وهو يشكو إليه ألمه ويستبطي مُسلماً في خروجه , فقلع عمامته عن رأسه وتركها على الأرض ثمّ رفعها ثلاث مرّات ، ثمّ رفع صوته بشعر أنشده ؛ كلّ ذلك يريد به إشعار مُسلم وإعلامه. فلمّا كثرت الحركات والإشارات من هانئ , أنكر عليه ابن زياد , فنهض هارباً وركب جواده وانصرف , لـمّا خرج مُسلم من المخدع , فقال له هانئ : يا سبحان الله ! ما منعك من قتله ؟ قال : منعني كلام سمعته من أمير المؤمنين (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( لا إيمان لمن قتل مسلماً )). فقال له هانئ : والله , لو قتلته لقتلت فاجراً كافراً.
ثمّ إنّ ابن زياد بعث في طلب مُسلم وبذل على ذلك الجوائز والعطايا الخطيرة , وكان ممّن رغب في ذلك العطاء مولى لابن زياد يُقال له معقل , فخرج يدور الكوفة ويتحيّل للاستطلاع على خبر مُسلم إلى أن وقع على خبره أنّه عند هانئ ، أرشده عليه رجل يُقال له مُسلم بن عوسجة , قال له : إنّي ثقة من ثقاته وعندي كتمان أمره , وقد أحببت أن ألقاه ؛ لأبايعه. وحلف لذلك الرّجل بالأيمان المؤكّدة على ذلك ، فلمّا أدخله على مُسلم وهانئ , أخذ أخبارهما على الحقيقة وأوصلهما إلى ابن زياد ، فبعث ابن زياد في طلب هانئ ، فلمّا وصل إليه وسلّم عليه , أعرض عنه ولم يرد عليه جواباً , فأنكر هانئ أمره , فقال : لماذا أصلح الله الأمير ؟ فقال : يا هانئ , أخبيت مُسلماً وأدخلته دارك وجمعت له الرّجال والسّلاح , وظننت أنّ ذلك
يخفى عليّ. فقال هانئ : معاذ الله أيّها الأمير ما فعلت ذلك. فقال : بلى قد فعلته. فقال هانئ : الذي بلغك عنّي باطل. فقال ابن زياد : يا معقل , أخرج إليه وكذّبه. فخرج معقل وقال : يا هانئ أما تعرفني ؟ فقال : نعم أعرفك فأجراً غادراً. ثمّ إنّه علم كان عيناً لابن زياد , فقال له ابن زياد : يا هانئ , آتني بمُسلم وإلّا فرّقت بين رأسك وجسدك. فغضب من قوله وقال : إنّك لا تقدر على ذلك أو تهرق بنو مذحج دمك. فغضب ابن زياد فضرب وجهه بقضيب كان عنده , فضربه هانئ بسيف كان عنده فقطع أطماره وجرحه جرحاً منكراً , فاعترضه معقل لعنه الله فقطع وجهه بالسّيف , فجعل هانئ يضرب بهم يميناً وشمالاً حتّى قتل من القوم رجالاً , وهو يقول : والله , لو كانت رجلي على طفل من أطفال أهل البيت , ما رفعتها حتّى تُقطع. حتّى تكاثر عليه الرّجال فأخذوه وأوثقوه كتافاً وأوقفوه بين يدي ابن زياد , وكان بيده عمود من حديد , فضربه به فقتله رحمة الله عليه وعذّب قاتله وأصلاه جهنّم وبئس المصير , ولله درّ مَن قال :
سأصبر حتّى تنجلي كلّ غمة |
وتأتي بما تختار نفسي من البشائر |
|
وإني لبئس العبد إن كنت آيساً |
من الله إن دارت عليّ الدوائر |
قال النّاقلون : لـمّا وصل خبر هانئ إلى مُسلم , خرج من الدّار هارباً حتّى انتهى إلى الحيرة , فأضافته امرأة هُناك بعد ما سألته عن حاله وقصّته ، فلمّا أدخلته الدّار , أكرمته وقدّمت إليه المأكول فأبى عن ذلك ؛ لما به من الوجل والألم , فلمّا أمسى المساء , أقبل ولد المرأة إلى الدّار - وكان من أتباع ابن زياد - فنظر إلى اُمّه رآها تكثر الدّخول والخروج إلى المكان , فأنكر شأنها وسألها عن ذلك فنهرته , فألحّ عليها في المسألة , فأخذت عليه العهد فأخبرته , فأمسك عنها وأسرّ ذلك في نفسه إلى أن طلع الفجر , وإذا بالمرأة قد جاءت إلى مُسلم بماء ليتوضّأ وقالت له : يا مولاي , ما رأيتك رقدت في هذه الليلة ؟ فقال لها : اعلمي إنّي رقدت رقدة فرأيت في منامي عمّي أمير المؤمنين وهو يقول : الوحاء الوحاء , العجل العجل. وما أظنّ إلّا أنّه آخر أيامي من الدُنيا :
يا طالب الصفوة في الدُنيا بلا كدر |
طلبت معسرة فآيس من الظفر |
|
واعلم بأنك ما عمرت ممتحن |
بالخير والشر والإيسار والعسر |
|
في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة |
ومن يفرّ فلا ينجو من القدر |
ثمّ إنّ ولد تلك المرأة لـمّا حقّق الخبر عن مُسلم , مضى إلى اللعين ابن زياد فأخبره بخبر مُسلم ، ثمّ إنّ ابن زياد دعا بمُحمّد بن الأشعث الكندي وضمّ إليه ألف فارس وخمسمائة راجل , وأمرهم بالانطلاق إلى مُسلم , فسار ابن الأشعث حتّى وصل الدّار , ولـمّا سمعت المرأة صهيل الخيل وقعقعة اللجم , أقبلت إلى مُسلم وأخبرته بذلك , فلبس درعه وشدّ وسطه وجعل يدير عينيه ، فقالت المرأة : ما لي أراك تهيأت للموت ؟ فقال : ما طلبه القوم غيري , وأنا أخاف أن يهجموا عليّ في الدّار ولا يكون لي فسحة ولا مجال. ثمّ إنّه عمد إلى الباب وخرج إلى القوم , فقاتلهم قتالاً عظيماً حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً , فلمّا نظر ابن الأشعث إلى ذلك , أنفذ إلى ابن زياد يستمدّه بالخيل والرّجال , فانفذ إليه ابن زياد يقول : ثكلتك اُمّك ! رجل واحد يقتل منكم هذه المقتلة العظيمة , فكيف لو أرسلتك إلى مَن هو أشدّ منه قوّة وبأساً ؟! ( يعني الحُسين ) فبعث إليه الجواب : عساك أرسلتني إلى بقّال من بقاقيل الكوفة أو إلى جرمقان من جرامقة الكوفة , وإنّما أرسلتني إلى سيف من أسياف مُحمّد بن عبد الله. فلمّا بلغ ذلك ابن زياد , أمدّه بالعسكر الكثير , فلمّا رأى مُسلم ذلك , رجع إلى الدّار وتهيّأ وحمل عليهم حتّى قتل كثيراً منهم , وصار جلده كالقنفذ من كثرة النّبل ,
فبعث [ابن الأشعث](١) إلى ابن زياد يستمدّه بالجند والرّجال , فأرسل إليه بذلك وقال لهم : يا ويلكم ! أعطوه الأمان وإلّا أفناكم عن آخركم. فنادوه بالأمان ، فقال لهم : لا أمان لكم يا أعداء الله وأعداء رسوله. ثمّ حمل عليهم فقاتلهم , ثمّ إنّهم احتالوا عليه وحفروا له حفرة عميقة في وسط الطّريق , وأخفوا رأسها بالدّغل والتّراب , ثمّ انطردوا بين يديه , فوقع بتلك الحفرة وأحاطوا به , فضربه ابن الأشعث على محاسن وجهه , فلعب السّيف في عرنين أنفه ومحاجر عينيه , حتّى بقيت أضراسه تلعب في فمه , فأوثقوه وأخذوه إلى ابن زياد , فنظر مُسلم إلى برادة هُناك فيها ماء وكان له يومان ما شرب الماء , فقال لِمَن يليها : اسقني ماء والجزاء على الله تعالى وعلى رسوله. فرفع إليه البرادة , فلمّا تناولها منه , ردّها إليه وقال : خذها لا حاجة لي فيها. ثمّ أدخلوه إلى ابن زياد , فقال له القوم : سلّم على الأمير. فقال : السّلام على مَن اتبع الهُدى وخشي عواقب الرّدى وأطاع الملك الأعلى. فضحك ابن زياد , فقال له بعض الحجبة : أما ترى الأمير يضحك في وجهك , فلِمَ لا تسلّم عليه
____________________
(١) من إضافات المقوم. (معهد الإمامين الحسنين).
بالإمارة ؟ فقال مُسلم : والله , ما لي أمير غير الحُسين بن عليّ (عليهالسلام ) , وإنّما يُسلّم عليه بالإمارة مَن يخاف منه الموت. ولله درّ من قال من الرّجال :
أصبر لكل مصيبة وتجلد |
واعلم بأن المرء غير مخلد |
|
وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها |
فاذكر مصيبة آل بيت محمّد |
|
واصبر كما صبر الكرام فإنها |
نوب تنوب اليوم تكشف في غد |
ثمّ إنّ ابن زياد قال له : سواء عليك سلّمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول. فقال : إذا كان لا بدّ من قتلي , فلي إليكم حاجة. قالوا : وما هي ؟ قال : أريد رجُلاً قرشياً أوصيه. فنهض عمر بن سعد لعنه الله , فقال له : ما وصيتك ؟ فقال له: ادن منّي. فدنى منه.
فقال له : أوّل وصيتي , فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ مُحمّداً رسول الله , وأنّ عليّاً وليّ الله ووصي رسوله وخليفته في اُمّته. وثانياً : تأخذ درعي تبيعه وتقضي عنّي سبعمائة درهم ؛ استقرضتها منذ دخلت إلى مصركم هذا. [و](١) ثالثاً : أن تكتب إلى سيّدي الحُسين يرجع ولا يأتي إلى بلدكم ؛ فيصيبه ما أصابني , فقد بلغني أنّه توجّه بأهله وأولاده إلى الكوفة.
فقال عمر بن سعد : أمّا ما ذكرت من الشّهادة فكلّنا نشهدها ، وأمّا ما ذكرت من بيع الدّرع وقضاء الدّين , فذلك إلينا إن شئنا قضيناه وإن شئنا لم نقض ، وأمّا ما ذكرت من أمر الحُسين , فلا بدّ أن يقدم علينا ونذيقه الموت غصّة بعد غصّة. ثمّ إنّ ابن زياد سمع بذلك , فقال : قبّحك الله من مستودع سرّاً , وحيث أنّك أفشيت سرّه , فلا يخرج إلى حرب الحُسين غيرك.
ثمّ أمر بمُسلم أن يُصعد به إلى أعلى القصر ويُرمى منه منكساً على رأسه , فعند ذلك بكى مُسلم على فراق الحُسين (عليهالسلام ) , وقال :
جزى الله عنا قومنا شر ما جزى |
شرار الموالي بل أعق وأظلم |
|
هم منعونا حقنا وتظاهروا |
علينا ورامونا نذل ونرغم |
|
وغاروا علينا يسفكون دماءنا |
فحسبهم الله العظيم المعظم |
|
ونحن بنو المختار لا شيء مثلنا |
نبي صدوق مكرم ومكرم |
قال ثمّ اُلقي من أعلى القصر وعجّل الله بروحه إلى الجنّة. ثمّ إنّهم أخذوا مُسلماً وهانئاً يسحبونهما في الأسواق , فبلغ خبرهما إلى مذحج , فركبوا خيولهم
____________________
(١) من إضافات المقوم. (معهد الإمامين الحسنين).
وقاتلوا القوم , وأخذوهما ودفنوهما رحمة الله عليهما وعذّب قاتليهما بالعذاب الشّديد يوم الوعيد. ولله درّ من قال من الرّجال :
فإن كنت لا تدرين بالموت فانظري |
إلى هانئ في السوق وابن عقيل |
|
إلى بطل قد هشم السيف وجهه |
وآخر يهوي من طمار قتيل |
|
أصابهما أمر الأمير فأصبحا |
أحاديث من يسري بكل سبيل |
|
ترى جسداً قد غير الموت لونه |
ونضيح دم قد سال كلّ مسيل |
|
فتى كان أحيى من فتاة حيية |
وأقطع من ذي شفرتين صقيل |
|
وأشج من ليث ببطن مسبل |
وأجرأ من ليث بغابة غيل |
ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله بعث كتاباً إلى يزيد لعنه الله يخبره بقصّتهما , فكتب إليه الجواب يقول : كنت كما أردت وفعلت ما أحببت وصدقت ظنّي فيك , وقد بلغني أنّ الحُسين متوجه إلى العراق , فضع عليه المراصيد واكتب إليّ بما يحدث من الأمور , والسّلام.
فانظروا يا إخواني إلى ما صُنع بأهل الفضل والمعاني , جرّعوهم الكؤوس وأذاقوهم الحتوف , واستأصلوهم طعناً بالرّماح وضرباً بالسّيوف , فيا ويحهم ! كأنّهم لم يخافوا الانتقام في يوم الحشر والقيامة , ولم يراقبوا الملك العلام ولا برسوله المظلل بالغمام.
وبالله عليكم يا إخواني , لـمّا ترحّمتم على مُسلم بن عقيل وتفكّرتم فيما امتحن الله فيه هذا الجيل , فليس ذلك على سبيل الهوان وإنّما هو على سبيل التّبجيل والتّفضيل , فلو ذابت نفوسكم من الأحزان بذلتم أرواحكم في النّوح والأشجان , لكان ذلك من أقلّ القليل لهذا الخطب الجليل , فيحقّ على مثل هؤلاء الكرام أن يبكي الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الدّرمكي (رحمهالله )
قلب المتيم بالأحزان موغور |
وطرفه عن لذيذ النوم محجور |
|
ودمعه فوق صحن الخد منحدر |
وجسمه بقيود السقم مقهور |
|
وودي الصير منه مقفر خرب |
وعمره بالبكاء والنوح معمور |
قد عاهد الله إيماناً مغلظة |
لا يترك الحزن حتّى ينفخ الصور |
|
حزناً مقيماً مديماً لا على ولد |
ولا حبيب ولا أبكاء مخدور |
|
ولا لحسن رياض قد زهت ونمت |
وقت الربيع بالزهر تزهير |
|
ولا لنوح حمام الايك إذ سجعت |
فوق الغصون لها في النوح تجهير |
|
ولا لطيب الصبا واللهو إذ ذهبا |
غداة ذيل حلى البال مجدور |
|
لكن تصرم شهر الحج فاحترقت |
أحشاه بالحزن لـمّا هل عاشور |
|
أمثل الأتقياء الأصفياء ومن |
لولاهم مارجاً القرآن مأزور |
|
غداة سار ابن سعد بالجيوش إلى |
حرب الحُسين له في السير تكبير |
|
من بعد ما وردت بالأمس كتبهم |
أقدم فأنت بعون الله منصور |
|
فحين لـمّا دنا من قرب دارهم |
مبلغاً ما به بالنص مأمور |
|
ثاروا عليه وحالوا دون مشربه |
وأظهروا رشك في الصدر مذخور |
|
فقال يا قوم كفوا عن ضلالتكم |
فالكل منا بتقوى الله مأمور |
|
فلا تغركم الدُنيا وزينته |
فالخير والشر للإنسان مسطور |
|
إني أحذركم بطش الإله بكم |
ومن تقدم بالإنذار معذور |
|
عذرتموني وجددتم عهودكم |
فجئت أسعى لـمّا في الكتب مسطور |
|
قالوا له كفّ عن هذا الكلام فما |
ينجيك من كيدنا ذا اليوم تعذير |
|
فإن أردت النجا بايع يزيد وإن |
تأبى فدمك بالأسياف مهدور |
|
فقال يا قوم إن الله أمرّنا |
وما لصاحبكم في الحكم قطمير |
|
وقسمة النّار والجنات في يدنا |
وما علينا لخلق الله قط تأمير |
|
قالوا له حكمكم ظلم وطاعتكم سقم |
وخذلانكم ما فيه تخسير |
|
فإن أطعت على هونٍ نجوت وإن |
تأبى فأنت بحد السيف مقهور |
|
فقال خلوا سبيلي إن لي فكراً |
باقي نهاري ولي في الليل تفكير |
|
فامّ منزله والدمع يسبقه |
كأنه درر في الخد منثور |
|
فحين لـمّا دجى الليل البهيم وقد |
أمسى على وجل والطرف مسهور |
|
دعا بأصحابه جميعاً فاحضرهم |
وقال يا قوم ما في الأمر تأخير |
|
إن النواصب قد نامت عيونهم |
والبر خال وجنح الليل مستور |
من كان منكم يواسينا بمهجته |
فأجره ثابت والذنب مغفور |
|
ومن أبى فهو في حل وفي دعة |
فما لنا في رقاب النّاس تحجير |
|
فأكثروا بالبكاء والوجد وانتحبوا |
وجددوا قولهم والدمع محدور |
|
حاشا وكلا بأن نعطي الظهور معاً |
وأنت في عرصات الصف محصور |
|
فالموت لا بد أن نلقي مرارته |
فاصدع بما أنت ملزوم ومأمور |
|
فقال لا خيب الرّحمن قصدكم |
ولا هفا لكم ذكر ولا نور |
|
يا ليتني كنت ذاك اليوم بينهم |
وفي يدي مرهف الخدين مشهور |
|
لله درهم ما كان أصبرهم |
كأنهم في الوغى أسد مغاوير |
|
من كلّ محتزم بالصبر مدرع |
بالفضل متشح بالخير مذكور |
|
كانوا كأصحاب بدر في الوغا لهم |
شأن ومجد وتعظيم وتوفير |
|
لله كم قسموا بالروع من بطل |
مجرّب وهو في الهيجاء مذكور |
|
حتى أذيقوا الردى ظلماً على ظمأ |
والماء يشربه كلب وخنزير |
|
وأصبح السبط فرداً لا نصير له |
وقلبه بلظى الأحزان موغور |
|
إذا دنوا منه أفناهم بصارمه |
وإن ولى فله في الدين تبصير |
|
حتى رموه بسهم في مقاتله |
فخرّ ملقى له في التراب تعفير |
|
وأدبر المهر ينعاه ويندبه |
والسرج منتكس والرمح مكسور |
|
فحين أبصرنه النسوان مختضباً |
خرجن كلّ لها في الذيل تعثير |
|
كل تقول فجعنا بالذي فجعت |
به البتول وخانتنا المقادير |
|
أين الحُسين يرانا نستغيث فلا |
نغاث قد أحكمت فينا الخنازير |
|
واغبرت الأرض والآفاق وانكسفت |
شمس النهار ووافى البدر تكوير |
|
وأصبحت عرصات العلم دارسة |
وشرد الحق واستعلى المناكير |
|
فحين أبصرته النسوان منجدل |
والشّمر يذبحه والسيف مشهور |
|
سقطن كلّ توقيه بمهجته |
ودمعنا فوق صحن الخد محدور |
|
والشمر يدفعهم عنه ويوجعهم |
ضرباً بوشحهم والنحر منحور |
|
وميز الرأس في كفيه ينظره |
الدم منه على زنديه تقطير |
|
لهفي لزينب تنعاه وتندبه |
والنحر في يدها والرأس مبتور |
يا عارياً كست الأرياح جثته |
قميص ترب بدم النحر مزرور |
|
وغسلته الضبا من دم منحره |
وشيبه قطنه والترب كافور |
|
ونعشه من قنى الخطى أرفعها |
والقبر في قلب من والاه محفور |
|
يا سيّدي ما ترى الأيام حولك |
والسجاد يسحب في الأقياد مأسور |
|
وأم كلثوم للأيتام جامعة |
وقلبها بسيوف الحزن مشطور |
|
وبينهم فاطمة الصغراء صارخة |
وشعرها من وراء الكتف منشور |
|
تقول يا أبتا خلفتنا عبر |
وفي بعض ما نالنا النّاس تعبير |
|
من للأرامل والأيتام يا أبتا |
وأنت تحت طباق الأرض مقبور |
|
ما كان أطيبنا والشمل مجتمع |
ونحن في نعمة والقلب مسرور |
|
تبدل الأمن خوفاً والنعيم شقا |
واليسر عسراً وضد الصفو تكبير |
|
ما كنت أحسب أن الدهر يعذرني |
وبذل وجهي وهتك الستر مذخور |
|
لا زلت أحذر حتّى صرت في حذري |
وحاذر الدهر لم ينفعه تحذير |
|
يعز على البضعة الزّهراء لو نظرت |
أولادها الغر كلّ وهو مضرور |
|
كان الحُسين لنا سوراً وقصر حمى |
فاليوم هدّم ذاك القصر والسور |
|
يا عمتاه قربوا الأجمال يرتحلوا |
والرأس يقدمهم في الرمح مشهور |
|
قومي نودع جثمان الحُسين فقد |
حان الرحيل وما للقوم تأخير |
|
فغردت برفيع الصوت عمتها |
أما لزلتنا يا قوم تكبير |
|
تسيرونا على الأقتاب عارية |
شعثاً عراة لنا في السير تعثير |
|
يا ليت أسماعنا من قبل ذا طرشت |
جمعاً وأعيننا من رزئنا عور |
|
بأي وجه تلاقي الله ويلك يا |
حادي اتق الله أين الله محذور |
|
فحين لـمّا أتو أرض الشام معاً |
نحو اللعين وباب القصر محصور |
|
وأقبلوا بالسبايا والرؤوس معاً |
نحو اللعين وباب القصر محصور |
|
فكبروا قال ما هذا فقيل له |
رأس الحُسين فأنشأ وهو مسرور |
|
أخذت ثأري بقتلي لابن فاطمة |
ظلماً وخالفت ما في الكتب مسطور |
|
فلعنة الله تغشاه ووالده |
مخلد في أطباق النّار مدحور |
|
وجاد أجداث آل الـمُصطفى أبداً |
غيث مقيم مدى الأيام مهمور |
متى نرى الشمس من غرب وقد طلعت |
لها شعاع على الآفاق مظهور |
|
والعدل بالأرض والأيام باسمة |
والظلم والفسق والطغيان مطمور |
|
أنا العبد الذليل الدرمكي ومن |
شخصي على فطرة الإسلام مفطور |
|
صلّى الإله على من حبهم سكن |
ومدحهم في جميع الكتب مسطور |
الباب الثّاني
أيّها المؤمنون والاُمناء الصّالحون , أجروا مياه العيون من مقرحات الجفون ، على هذا الخطب العظيم والمصاب الجسيم ، خطب يقلّ فيه بذل الأرواح ويهون فيه الضّرب والكفاح ، خطب أبكى الرّسول وأحرق كبد البتول. فوا عجباه ممّن تقدّم إليهم بذلك وخاض بنفسه تلك المهالك ! كيف لم تُحفظ فيهم القرابة والنّسب والشّرف والحسب , حتّى تركوا رجالهم بنجيع الدّماء مخضوبة , وأبدانهم على التّراب مسلوبة , ومخدراتهم سبايا منهوبة ؟ فكم من جرم اجترموه وعظيم أمر ارتكبوه ، فما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله.
فيا إخواني , كيف لا نبكي عليهم ونحن قلوبنا إليهم ؟ وقد ورد في الخبر عن الإمام الصّادق (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( مَن ذُكرنا عنده فبكى لما أصابنا من نوب الدّهر , غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر )). فلذلك يجب علينا لبس سراويل الجزع والأشجان وإرسال الدّموع الهتان ، وأن نضجّ ضجيج الثّكلى بين العباد ، ونواسي بهذا التّعداد عليّ بن الحُسين السّجاد ؛ لما روي أنّه بكى على أبيه الحُسين أربعين سنة , وما وضع بين يديه طعام إلّا وبكى ، حتّى قال مولى له : جُعلت فداك يا بن رسول الله ! إنّي أخشى عليك أن تكون من الهالكين. فيقول :( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) . ثمّ قال : (( إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا وخنقتني العبرة )) :
إن كنت محزوناً فما لك ترقد |
هلاّ بكيت لمن بكاه محمد |
|
ولقد بكته في السّماء ملائك |
زهر كرام راكعون سجد |
|
والشمس والقمر المنير كلاهما |
حول النجوم تباكيا والفرقد |
____________________
(١) سورة يوسف / ٨٦.
أنسيت قتل المصطفين بكربلا |
حول الحُسين ذبائح لم يلحدوا |
|
فسقوه من جرع الحتوف بمشد |
كثر العدو به وقل المسعد |
|
ثم استناحوا الصائنات حواسراً |
فالشمل من بعد الحُسين مبدد |
|
كيف السلو وفي السبايا زينب |
تدعو بحرقة قلبها يا أحمد |
|
يا جد حولي من يتامى إخوتي |
في الذل قد سلبوا القناع وجردوا |
|
يا جد قد منعوا الفرات وقتلوا |
عطشاً فليس لهم هناك مورد |
|
يا جد من ثكلي وطول مصيبتي |
ولما أعانيه أقوم وأقعد |
|
يا جد لو أبصرتني ورأيتني |
والخد منّي بالدماء مخدد |
|
يا جد ذا نحر الحُسين مضرج |
بالدم والجسم الشريف مجرد |
|
يا جد ذا صدر الحُسين مرضض |
والخيل تنزل من علاء وتصعد |
|
يا جد ذا ابن الحُسين معلل |
ومغلل في قيده ومصفد |
|
يرنو لوالده وينظر حاله |
وبنو اُميّة في العمى لم يهتدوا |
|
يا جد ذا شمر يروم بفتكه |
ذبح الحُسين فأي عين ترقد |
|
ليحوز جائزة الزنيم عليه من |
لعن المهيمن ما به يتضهد |
|
حتى إذا أهوى عليه بسيفه |
نادى بفاضل صوته يا واحد |
|
يا خالقي أنت الرقيب عليهم |
في فعلهم ظلماً وأنت الشاهد |
|
وتعج طوراً بالنبي وآله |
وتقول يا جدّه ألا يا أحمد |
|
يا والدي الساقي على الـمُرتضى |
نال العدو بنا كما قد مهدوا |
|
يا أمي الزّهراء قومي جددي |
وجميع أملاك السّماء لك ينجد |
|
هذا حبيبك بالحديد قتلى مقطع |
ومخضب بدمائه مستشهد |
|
والطيبون بنوك قتلى حوله |
فوق الصعيد مبضع ومجرد |
|
هذا مصاب ما أصيب بمثله |
بشر من المخلوق إلّا واحد |
|
وإليكم من عبدكم ومحبكم |
بعض النظام عساه فيه يسعد |
|
صلّى الإله عليكم يا سادتي |
ما دام طير في الغصون يغرد |
روي عن نقلة الأخبار : أنّ اليوم الذي قُتل فيه مُسلم بن عقيل وهو يوم الثّلاثاء لثمان خلون من ذي الحجّة يوم التّروية، كان فيه خروج الحُسين من مكّة
إلى العراق بعد أن طاف وسعى وأحلّ من إحرامه وجعل حجّة عمرة مفردة ؛ لأنّه (عليهالسلام ) لم يتمكّن من إتمام الحج مخافة أن يُبطش به ؛ وذلك لأنّ يزيد لعنه الله أنفذ عمر بن سعد بن العاص في عسكر عظيم , وولاه أمر الموسم وأمره على الحاج كلّه , وكان قد أوصاه بقبض الحُسين (عليهالسلام ) سرّاً , وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة. ثمّ إنّه لعنه الله دسّ مع الحجاج في تلك السّنة ثلاثين رجُلاً من شياطين بني اُميّة , وأمرهم بقتل الحُسين على كلّ حال اتفق , فلمّا علم الحُسين بذلك , حلّ من إحرام الحجّ وجعلها عمرة مفردة.
وعن بعض النّاقلين : أنّ مُحمّد بن الحنفيّة لـمّا بلغه الخبر أنّ أخاه الحُسين خارج من مكّة يُريد العراق , كان بين يديه طشت فيه ماء وهو يتوضّأ , فجعل يبكي بكاءاً شديداً حتّى سُمع , وكفّ دموعه في الطّشت مثل المطر ، ثمّ إنّه صلّى المغرب ثمّ سار إلى أخيه الحُسين , فلمّا صار إليه , قال له : يا أخي , إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم ومكرهم بأبيك وأخيك من قبلك , وإنّي أخشى عليك أن تكون حالك كحال من مضى من قبلك , فإن أطعت رأيي , قم بمكّة وكُن أعزّ مَن في الحرم المشرّف.
فقال : (( يا أخي , إنّي أخشى أن تغتالني أجناد بني اُميّة في حرم مكّة , فأكون كالذي يُستباح دمه في حرم الله )). فقال : يا أخي , فسر إلى اليمن فإنّك أمنع النّاس به. فقال الحُسين : (( والله يا أخي , لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض , لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني )). ثمّ قال : (( يا أخي سأنظر فيما قُلت )).
قال : فلمّا كان وقت السّحر , عزم الحُسين على الرّحيل إلى العراق , فجاءه أخوه مُحمّد بن الحنفيّة وأخذ بزمام ناقته التي هو راكبها ، وقال : يا أخي , ألم تعدني النّظر فيما أشرت به عليك ؟ فقال : (( بلى )). قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ فقال : (( يا أخي , إنّ جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) أتاني بعدما فارقتك وأنا نائم , فضمّني إلى صدره وقبّل ما بين عيني وقال : يا حُسين يا قُرّة عيني , اخرج إلى العراق , فإنّ الله عزّ وجلّ قد شاء أن يراك قتيلاً مخضّباً بدمائك )). فبكى ابن الحنفيّة بكاءاً شديداً , وقال له : يا أخي , إذا كان الحال هكذا , فما معنى حملك هذه النّسوة وأنت ماض إلى القتل ؟ فقال : (( يا أخي , قد قال لي جدّي أيضاً : إنّ الله عزّ وجلّ قد شاء أن يراهم سبايا مهتكات يسقن في أسر الذّل , وهن أيضاً لا يفارقنّني ما دمت حيّاً )). فبكى ابن الحنفيّة بكاءاً شديداً وجعل يقول : أودعتك الله
يا حُسين , في وداعة الله يا حُسين.
ونُقل : أنّه لـمّا خرج من مكّة , اعترضه رسول عمر بن سعد وفيهم يحيى بن سعيد ليردّوه , فأبى عليهم , وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسّياط , ثمّ امتنع عليهم الحُسين امتناعاً شديداً ومضى لوجهه , فنادوه وقالوا : يا حُسين , ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الاُمّة ؟ فقال لهم : (( لي عملي ولكم عملكم , أنتم بريئون ممّا أعمل وأنا بريء ممّا تعملون )).
وروي عن الطّرماح بن حكيم , قال : لقيت حُسيناً وقد امترت لأهلي ميرة ، فقلت : اذكر الله في نفسك , لا يغرّنك أهل الكوفة , والله إن دخلتها لتقتُلن , وأنّي أخاف أن لا تصل إليها , فإن كنت مجمعاً على الحرب , فانزل أجاء فإنّه جبل منيع , والله ما لنا فيه ذلّ قط , وعشيرتي جميعاً يرون نصرتك ما أقمت فيهم. فقال : (( إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن أخلفها , فإن يدفع الله , فقديماً ما أنعم علينا وكفى , وإن يكن ما لا بدّ منه , ففوز وشهادة إن شاء الله )). ومضى لوجهه.
ونُقل أيضاً : أنّ الحُسين (عليهالسلام ) لـمّا عزم على الخروج إلى العراق من المدينة , جاءت إليه اُمّ سلمة - زوجة رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) - وقالت له : يا بُني , لا تحزّني بخروجك إلى العراق , فإنّي سمعت من جدّك رسول الله يقول : (( يُقتل ولدي الحُسين بأرض العراق في أرض يُقال لها كربلاء )). فقال : (( يا اُمّاه , وأنا والله أعلم ذلك , وإنّي مقتول لا محالة وليس لي من هذا بدّ , وإنّي والله لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه وأعرف مَن يقتلني وأعرف البقعة التي اُدفن فيها , وإنّي أعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي , وإن أردت يا اُمّاه أريتك حفرتي ومضجعي ومكاني )). ثمّ أشار بيده الشّريفة إلى جهة كربلاء , فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع معسكره وموقفه ومشهده كما هو الآن , وهي من بعض فضائله صلوات الله وسلامه عليه.
فعند ذلك بكت اُمّ سلمة بكاءاً عظيماً وسلّمت أمرها إلى الله تعالى. فقال لها : (( يا اُمّاه , قد شاء الله عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظُلماً وعدواناً , وقد شاء الله أن يرى حرمي ورهطي ونسائى مسبيين مشرّدين , وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين , وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا مُعيناً )):
فداؤك روحي يا حسين وعترتي |
وأنت عفير في التراب جديل |
|
وجسمك عريان طريح على الثرى |
عليك خيول الظّالمين تجول |
|
بناتك تسبى كالإماء حواسرا |
وسبطك ما بين العداة قتيل |
ثمّ إنّ الحُسين (عليهالسلام ) بعدما توجّه إلى العراق , كتب كتاباً إلى أهل العراق يقول فيه : (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : من الحُسين بن عليّ إلى إخوانه المؤمنين ، سلام عليكم , وإنّي أحمد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو , أمّا بعد : فإنّ كتاب مُسلم بن عقيل أتاني يخبرني بحسن رأيكم واجتماع ملّتكم على نصرتنا والطّلب بحقّنا , فسألت الله أن يحسن لنا ولكم الصّنيع وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثّلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التّروية , فإذا قدم عليكم رسولي , فاكتموا أمركم وخذوا حذركم , فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله تعالى , والسّلام )).
فلمّا أقبل الرّسول بالكتاب , اعترضه الحصين بن نمير وبعث به إلى ابن زياد , فاستخرج الكتاب فلم يقبل تسليمه إليه ومزّقه ولم يمكّنه منه , فقال ابن زياد : من أنت ؟ قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين. قال : ممّن الكتاب وإلى مَن ؟ قال: من الحُسين إلى أهل الكوفة. فغضب ابن زياد , فقال له : اصعد على المنبر وسب الكذّاب ابن الكذّاب الحُسين بن عليّ. قال : لـمّا صعد المنبر : حمد الله وأثنى عليه وقال : أيّها النّاس , إنّ هذا الحُسين بن عليّ خير خلق الله ابن فاطمة الزّهراء بنت رسول الله , وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحجاز , فأجيبوه. ثمّ لعن عُبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعليّ بن أبي طالب.
قال : فأمر ابن زياد بأن يُلقى من أعلى القصر. ففُعل به فمات من ساعته وعجّل الله بروحه إلى الجنّة.
قال الرّاوي : فبينما الحُسين في المسير , إذ طلع عليه ركب مقبلون من الكوفة وفيهم هلال بن نافع البجلي وعمرو بن خالد , فسألهما عن النّاس , فقال : أمّا الأشراف فقد استمالهم ابن زياد بالأموال ، وأمّا باقي النّاس فقلوبهم معك وسيوفهم عليك. وبلّغاه الخبر عن مُسلم بن عقيل وهانئ بن عروة أنّهما قُتلا. فقال : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )). ثمّ قال للركب: (( ولكم عِلم برسولي ؟ )). قالوا : نعم ، قتله ابن زياد. فاسترجع وبكى ، وقال : (( جعل الله له الجنّة ثواباً , اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً إنّك على كلّ شيء قدير )). ثمّ إنّه (عليهالسلام ) قام خطيباً بالنّاس وقال : (( إنّه قد نزل بنا من الأمر ما ترون , وإنّ الدُنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها , ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة
الإناء , ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُنتهى عنه , ليرغب المؤمنين في لقاء الله محقّاً , ولا يرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظّالمين إلّا برماً ))(١) . ثمّ سار (عليهالسلام ) إلى نصف النّهار , فرقد واستيقظ وقال : (( رأيت هاتفاً يقول : أنتم تسيرون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة )). فقال له ابنه : يا أبتاه , ألسنا على الحقّ ؟ قال : (( يا بُني , أي والذي مرجع العباد إليه )). قال : إذاً لا نُبالي بالموت. ثمّ أنّه (عليهالسلام ) سار حتّى أتى إلى موضع يُقال له زبالة , فنزل بها وخطب النّاس فقال : (( أيّها النّاس , إنّما جمعتكم على أنّ العراق لي(٢) وقد أتاني خبر فظيع عن ابن عمّي مُسلم, يدلّ على أنّ شيعتنا قد خذلتنا, فمَن كان منكم يصبر على حرّ السّيوف وطعن الأسنّة فليتم معنا, وإلّا فلينصرف عنّا )).
قال : فجعل القوم يتفرّقون يميناً وشمالاً حتّى لم يبق معه من أهل بيته ومواليه نيف وسبعون رجلاً , وهم الذين خرجوا معه من مكّة , فسار بهم إلى الثّعلبيّة , فاعترضهم الحرّ بن يزيد الرّياحي قادماً من نحو القادسية في أربعة آلاف فارس ، فلم يزل الحرّ يساير الحُسين حتّى جاء وقت الظّهر , فخرج وصلّى بالنّاس وقال : (( أيّها النّاس , المعذرة إلى الله وإليكم , اعلموا أنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم بـ : أنّ لك ما لنا وعليك ما علينا. فإن كنتم على ذلك فقد أتيتكم , وإن كنتم كارهين لقدومي انصرفت عنكم )). فقال له الحرّ : لا نعرف ما تقول ولا نعرف مَن كتب إليك ولا مَن أرسل , وإنّما اُمرنا أن لا نفارقك إلّا عند عُبيد الله بن زياد. فقال الحُسين : (( يا ويلك ! الموت أدنى إليكم من ذلك )). ثمّ إنّه (عليهالسلام ) همّ بالرّجوع , فمنعه الحرّ أشدّ المنع , فلمّا كثر بينهم الخطاب , قال الحرّ : فإذا أبيت ذلك , فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يرجع بك إلى المدينة.
قال : فسار الحُسين (عليهالسلام ) والحرّ يساره حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل , وإذا بفسطاط مضروب , فقال (عليهالسلام ) : (( لِمَن هذا السّفطاط ؟ )). فقيل : لرجل يقطع الطّريق. فأرسل الحُسين إليه , فقال له : (( يا هذا , إنّك قد جمعت على نفسك ذنوباً كثيرة , فهل لك من توبة تمحّص بها عنك الذّنوب ؟ )). قال : فماذا ؟ قال : (( تنصر ابن بنت رسول الله )). فقال : والله , ما خرجت من الكوفة إلّا خوفاً أن تقدم إليها , فأكون أوّل من يحاربك مع ابن زياد , ولكن هذه فرسي وهذا سيفي واعفني من ذلك. فأعرض عنه الحُسين , فقال : (( إذا بخلت بنفسك , فلا حاجة لنا في مالك )). وتلا هذه الآية :( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) (٣) .
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في مناقب آل أبي طالب : ٣/٢٢٤, وفي غيره من الكتب هو : (( قد نزل ما ترون من الأمر , وأنّ الدّنيا قد تنكّرت وتغيّرت وأدبر معروفها , واستمرّت حتّى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء ، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحقّ لا يُعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، وإنّي لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظّالمين إلا برما )). (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) هكذا ورد في الكتاب. (معهد الإمامين الحسنين).
(٣) سورة الكهف / ٥١.
قال : سمعت جدّي رسول الله يقول : (( مَن سمع نداء أهل البيت ولم يجبه , أكبّه الله على منخريه في النّار )). ثمّ إنّه سار (عليهالسلام ) فلمّا فارقه الرّجل , ندم على ما فاته من نصرة الحُسين.
قال : فبينما هم يسيرون , وإذا براكب على نجيب قد أقبل من نحو الكوفة , فلمّا وصل , سلّم على الحرّ ولم يُسلّم على الحُسين , ثمّ دفع إلى الحرّ كتاباً من ابن زياد يأمره فيه بالتّعجيل , فساروا جميعاً إلى أن انتهوا [إلى](١) أرض كربلاء , إذ وقف الجواد الذي تحت الحُسين ولم ينبعث من تحته , وكلّما حثّه على المسير لم ينبعث خطوة واحدة , فنزل عنه وركب غيره فلم ينبعث خطوة واحدة ، فقال الإمام (عليهالسلام ) : (( يا قوم , ما يُقال لهذه الأرض ؟ )). فقالوا : نينوى. فقال : (( هل لها اسم غير هذا ؟ )). قالوا : نعم , شاطئ الفُرات. فقال : (( هل لها اسم غير هذا ؟ )). قالوا : نعم ، تُسمّى كربلاء. فعند ذلك تنفّس الصُعداء ، فقال : (( هذه والله كرب وبلاء , وههنا والله تُرمّل النّسوان وتُذبح الأطفال , وههنا والله تُهتك الحريم , فانزلوا بنا يا كرام , فههنا محلّ قبورنا , وههنا والله محشرنا ومنشرنا , وبهذه أوعدني جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ولا خلف لوعده )). ثمّ إنّه نزل عن فرسه وجلس بعد ذلك يصلح سيفه وهو يقول :
يا دهر أف لك من خليلي |
كم لك بالإشراق والأصيل |
|
من طالب وصاحب قتيل |
والدهر لا يقنع بالبديل |
|
وكل حي سالك سبيلي |
ومنتهى الأمر إلى الجليل |
ولم يزل يكرّر هذه الأبيات حتّى سمعت أخته زينب , فوثبت تجرّ ذيلها حتّى انتهت إليه , وقالت له : يا أخي وقرّة عيني , ليت الموت أعدمني الحياة , يا خليفة الماضين وثمال الباقين هذا كلام مَن أيقن بالموت , وا ثكلاه ! اليوم مات جدّي مُحمّد الـمُصطفى وأبي عليّ الـمُرتضى واُمّي فاطمة الزّهراء وأخي الحسن الرّضي.
قال لها : (( يا أختاه , لا يذهب بحلمك الشّيطان تعزّي بعزاء الله , فإنّ أهل السّماء والأرض يموتون , وكلّ شيء هالك إلّا وجهه ، أبي خير منّي وأخي خير منّي ولكلّ مسلم برسول الله أسوة )). فقالت : يا أخي , تُقتل وأنا أنظر إليك ؟ فردت غصته وتغرغرت عيناه بالدّموع. فقالت : يا أخي , ردنا إلى حرم جدّنا. فقال : (( لو ترك القطا لغفا ونام )). قالت : والله يا أخي , لا فرحت بعدك أبداً. ثمّ إنّها
____________________
(١) من إضافات المقوم. (معهد الإمامين الحسنين).
لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشية عليها , ثمّ قام الحُسين إليها وقال لها : (( يا أختاه , بحقّي عليك إذا أنا قُتلت فلا تشقّي عليّ جيباً ولا تخمشي وجهاً ولا تدعين بالويل والثّبور )). ثمّ حملها حتّى أدخلها الخيمة , ثمّ خرج إلى أصحابه وأمرهم أن يقرّبوا البيوت بعضها إلى بعض , ففعلوا ذلك.
ثمّ إنّ ابن زياد لعنه الله نادى في عسكره : معاشر النّاس , مَن يأتيني برأس الحُسين وله الجائزة العُظمى , وأعطه ولاية الرّي سبع سنين ؟ فقام إليه عمر بن سعد لعنه الله , وقال : أصلح الله الأمير. وقال : امض إليه وامنعه من شرب الماء وآتني برأسه. فقال : أيّها الأمير أخّرني شهراً. قال : لا أفعل. قال : ليلتي هذه. قال : قد فعلت. ثمّ نهض من وقته وساعته ودخل مضربه ، فدخل عليه أولاد المهاجرين والأنصار وقالوا له : يابن سعد , تخرج إلى حرب الحُسين وأبوك سادس الإسلام ؟! فقال : لست أفعل ذلك. ثمّ جعل يفكّر في مُلك الرّي وقتل الحُسين , فأضلّه الشّيطان وأعمى قلبه فاختار قتل الحُسين (عليهالسلام ) وملك الرّي , واستعدّ للحرب ومدّ العساكر إلى أن تكمّلت عشرين ألفاً , فضيّقوا على الحُسين وأصحابه.
ثمّ إنّ الحُسين قام متكئاً على سيفه وقال : (( أمّا بعد , أيّها النّاس , انسبوني مَن أنا وراجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها , هل يحلّ لكم سفك دمي وانتهاك حُرمي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن عمّه أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسكم(٢) ؟ أو ليس حمزة سيّد الشّهداء عمّ أبي ؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله فيّ وفي أخي ؟ سلوا زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله الأنصاري وسهل بن سعد السّاعدي وأنس بن مالك , يخبروكم عن هذا القول , فإن كنتم تشكّون إنّي ما أنا ابن بنت نبيّكم , فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري , والله , ما تعمدت الكذب منذ نشأت وعرفت أنّ الله يمقت الكذب وأهله , هل تطالبونني بقتل منكم قتلته أو بمال استهلكته أو بقصاص من جراحة ؟ )). فسكتوا.
فلمّا كان اليوم التّاسع من الـمُحرّم , دعاهم عمر بن سعد إلى المحاربة , فأرسل الحُسين (عليهالسلام ) أخاه العبّاس يلتمس منهم التّأخير في تلك الليلة ، فقال أبن سعد للشمر : ما تقول ؟ فقال : أمّا أنا , فلو كنت الأمير لم أنظره. فقال عمر بن سلمة(٢) : سبحان الله ! والله لو كانوا من التّرك أو الدّيلم وسألوك هذا , ما كان لك أن تمنعهم , فيحنئذٍ أمهلهم. فكان لهم في تلك الليلة دويّ كدوي
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في الإرشاد للشيخ المفيد ٢/٩٧ , وغيره هو : ثمّ قال : أمّا بعد , فانسبوني فانظروا مَن أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيه وابن عمّه , وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله بما جاء به من عند ربّه ؟... (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) ورد في كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي ٥/٩٨. : فقال رجل من أصحابه يُقال له عمرو بن الحجاج :... (معهد الإمامين الحسنين).
النّحل من الصّلاة والتّلاوة.
ثمّ إنّ الحُسين جمع أصحابه فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أمّا بعد ، لا أعلم أنّ أصحاباً أوفى ولا أخير من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً ، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا فأنتهم في حلّ ليس عليكم منّي ذمام ، وقد غشيكم الليل فاتخذوه ستراً جميلاً )). فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر : لا نفعل ذلك ولا نبقى بعدك , لا أرانا الله ذلك أبداً. فدعا لهم العبّاس وإخوته ثمّ بايعوه , وقال لبني مُسلم بن عقيل : (( حسبكم من القتل ما تقدّم في مُسلم , اذهبوا فقد أذنت لكم )). قالوا : لا والله , لا نفارقك أبداً حتّى نضرب بسيوفنا ونُقتل بين يديك.
ثمّ إنّ الحُسين ركب فرسه وتهيّأ للقتال ، ثمّ إنّ القوم أقبلوا يزحفون نحو الحُسين , فرمى عمر بن سعد إلى أصحاب الحُسين سهماً , وقال : اشهدوا لي عند الأمير إنّي أوّل مَن رمى. فقال الحُسين لأصحابه : (( قوموا إلى الموت الذي لا مفرّ لكم عنه )). فنهضوا جميعاً والتقى العسكران وامتاز الرّجال من الفرسان , واشتدّ الجدال بين العسكرين إلى أن علا النّهار , فاشتدّ العطش بالحُسين وأصحابه , فدعا بأخيه العبّاس وقال له : (( اجمع أهل بيتك واحفر بئراً )). ففعلوا ذلك فطمّوها ثمّ حفروا أُخرى فطمّوها , فتزايد العطش عليهم. فقال العبّاس لأخيه الحُسين : يا أخي , ما ترى ما حلّ بنا من العطش , وأشدّ الأشياء علينا عطش الأطفال والحرم ؟ فقال الإمام (عليهالسلام ) : (( امض إلى الفُرات وآتنا بشيء من الماء )). فقال : سمعاً وطاعة. فضمّ إليه رجالاً وسار حتّى أشرفوا على المشرعة , فوثبوا عليهم الرّجال وقالوا لهم : ممّن القوم ؟ قالوا : نحن من أصحاب الحُسين. قالوا : وما تصنعون ؟ قالوا : فقد كضّنا العطش , وأشدّ ذلك علينا عطش الحرم والأطفال. فلمّا سمعوا ذلك , حملوا عليهم فمنعوهم ، فحمل عليهم العبّاس فقتل منهم رجالاً وجدّل أبطالاً حتّى كشفهم عن المشرعة , ونزل فملأ قربته ومدّ يده ليشرب , فتذكّر عطش الحُسين (عليهالسلام ) , فنفض يده وقال : والله لا ذقت الماء وسيّدي الحُسين عطشان. ثمّ صعد المشرعة فأخذه النّبل من كلّ مكان حتّى صار جلده كالقنفذ من كثرته , فحمل عليه رجل من القوم فضربه ضربة قطع بها يمينه , فأخذ السّيف بشماله فحمل عليه آخر فقطعها , فانكبّ وأخذ السّيف بفمه , فحمل عليه رجل فضربه بعمود من حديد على رأسه ففلق هامته , فوقع على
الأرض وهو يُنادي : يا أبا عبد الله عليك منّي السّلام ! فلمّا رأى الحُسين أخاه وقد انصرع , صرخ : (( وا أخاه ! وا عبّاساه مهجة قلباه ! يعزّ والله عليَّ فراقك )). ثمّ حمل على القوم وكشفهم عنه , ثمّ نزل إليه فحمله على ظهر جواده , وأقبل به إلى الخيمة فطرحه وهو يبكي حتّى اُغمي عليه. ولله درّ مَن قال :
أحق الناس أن يبكى عليه |
فتى أبكى الحُسين بكربلاء |
|
أخوه وابن والده عليّ |
أبو الفضل المضرج بالدماء |
|
ومن ساواه لا يثنيه شيء |
وجادله على ظمأ بماء |
ومن قال أيضاً :
وما زال في حرب الطغاة مجاهداً |
إلى أن هوى فوق الصعيد مجدلا |
|
وقد رشقوه بالنبال وخرقوا |
له القربة الماء الذي كان قد ملا |
|
فنادى حسيناً والدموع هوامل |
أيا ابن أبي قد خاب ما كنت آملا |
|
عليك سلام الله يا بن مُحمّد |
على الرغم منّي يا أخي نزل البلا |
|
فلما رآه السبط ملقى على الثرى |
يعالج كرب الموت والدمع أهملا |
|
فجاء إليه والفؤاد مقرح |
ونادى بقلب بالهموم قد امتلا |
|
أخي كنت عوني في الأمور جميعها |
أبا الفضل يا من كان للنفس باذلا |
|
يعز علينا أن نراك على الثرى |
طريحاً ومنك الوجه أضحى مرملا |
|
عليك من الرحمن ألف تحية |
فقدرك عندي يا أخي الآن قد علا |
|
فأبشر بجنات من الله في غد |
وبالحور والولدان والفوز والعلى |
روي : أنّه لـمّا قُتل العبّاس , تدافعت الرّجال على أصحاب الحُسين (عليهالسلام ) , فلمّا نظر ذلك , نادى : (( يا قوم , أما من مجير يجيرنا ؟ أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من طالب حقّ فينصرنا ؟ أما من خائف من النّار فيذّب عنّا ؟ أما من أحد يأتينا بشربة من الماء لهذا الطّفل ؛ فإنّه لا يطيق الظّمأ ؟ )). فقام إليه ولده الأكبر - وكان له من العمر سبعة عشر سنة - فقال : أنا آتيك بالماء يا سيّدي. فقال : (( امض بارك الله فيك )). قال : فأخذ الرّكوة بيده ، ثمّ اقتحم الشّريعة وملأ الرّكوة وأقبل بها نحو أبيه , فقال : يا أبه , الماء لِمَن طلب , اسق أخي وإن بقى شيء فصبه علىَّ , فإنّي والله عطشان. فبكى الحُسين
وأخذ والده الطّفل فأجلسه على فخذه , وأخذ الرّكوة وقرّبها إلى فيه ، فلمّا همّ الطّفل أن يشرب , أتاه سهم مسموم فوقع في حلق الطّفل , فذبحه قبل أن يشرب من الماء شيئاً , فبكى الحُسين ورمى الرّكوة من يده ونظر بطرفه إلى السّماء ، وقال : (( أللّهمَّ أنت الشّاهد على قوم قتلوا أشبه الخلق بنبيّك وحبيبك ورسولك )) :
والله ما لي أنيس بعد فرقتكم |
إلّا البكاء وقرع السن من ندم |
|
ولا ذكرت الذي أبدى الزمان لكم |
إلّا جرت أدمعي ممزوجة بدمي |
ثمّ إنّه اشتدّ القتال بين الفريقين حتّى قتل مقتلة عظيمة ورجع إلى أبيه يستغيث من العطش , فقال له : (( اصبر قليلاً حتّى تلقى جدّك أمير المؤمنين فيسقيك بكفّه شربة لا ظمأ بعدها )). فرجع وحمل عليهم فقتل مقتلة عظيمة , ثمّ كمن له ملعون من أصحاب عمر بن سعد , فضربه ضربة على مفرق رأسه فانصرع , فنادى : يا أباه , هذا جدّي مُحمّد الـمُصطفى , وهذا جدّي عليّ الـمُرتضى , وهذه جدّتي فاطمة الزّهراء , وهذه جدّتي خديجة , وهم إليك مشتاقون. فأقبل الحُسين وفرّق القوم عنه وصاح بأعلى صوته , فتصارخن النّساء , فقال لهن الحُسين : (( اسكتن , فإنّ البكاء أمامكن )). فأخذ رأس ولده ووضعه في حجره , وجعل يمسح الدّم عن وجهه وهو يقول : (( قتلوك يا بني , ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرم رسول الله , قتل الله قوماً قتلوك يا بني )). واغرورقت عيناه بالدّموع.
قال مَن شهد الوقعة : كأنّي أنظر إلى امرأة خرجت من فسطاط الحُسين وهي كالشّمس الزّاهرة وهي تُنادي : وا ولداه ! وا قرّة عيناه ! فقلت : مَن هذه ؟ قالوا : زينب بنت عليّ.
فانظروا يا إخواني إلى أهل المكر والعناد , كيف حملهم الغل الكامن في الفؤاد على قتل أولاد الرّسول وثمرة فؤاد الزّهراء البتول , فتركوهم مصرعين على الرّمال في أذلّ الأحوال غير مراقبين فيهم ذا الجلال ، رؤوسهم في أعالي الرّماح وأجسادهم شاحبة تسفي عليها الرّياح ، فهم ما بين قتيل يجري منه الصّديد وأسيراً مكبّل بالحديد.
فيا عيوني سحّي دموعاً ويا فؤادي ذب كمداً وخشوعاً , فيحقّ على هؤلاء الأطائب أن يبكي الباكون ويندب النّادبون وتذرف الدّموع من العيون , أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان وتتابعت عليه الأشجان , فنظم وقال فيهم:
القصيدة لسيف بن عمير (رحمهالله )
جل المصاب بمن أصبنا فاعذري |
يا هذه ، وعن الملامة فاقصري |
|
أفما علمت بأن ما قد نالنا |
رزء عظيم مثله لم يذكر |
|
رزء عظيم لا يقاس بمثله |
رزء فلم تسمع به أو تبصر |
|
رزء به عشر الإله مصابه |
والشمس كاسفة ولما تزهر |
|
رزء النّبي الـمُصطفى ومصيبة |
جلت لدى الملك المجليل الأكبر |
|
رزء الحُسين الطهر أكرم من برى |
بارىء الورى من سوقة ومؤمر |
|
من جدّه الهادي النّبي الـمُصطفى |
وأبوه حيدرة عظيم المفخر |
|
والبضعة الزّهراء فاطم أمه |
حوراء طاهرة وبنت الأطهر |
|
فأحق سبط الـمُصطفى وحبيبه |
هذا الشبير وصنو ذاك الشبر |
|
فأحق أن يرثى وأن نبكي له |
بتفجع وتوجع وتحسر |
|
وأحق من ألف ناء أو دمنة |
درست معالمها بسطح المجحر |
|
هذا الحُسين ملقى بشاطىء كربلاء |
ظمآن دامي الخد ثمّ المنحر |
|
عار بلا كفن ولا غسل سوى |
مور الرياح ثلاثة لم يقبر |
|
مقطوع رأس هشمت أضلاعه |
وكسير ظهر كسره لم يجبر |
|
ومباعد عن داره وحماته |
ومنازل بحجوفها والمشعر |
|
ويظام مضطهداً غريباً نازحاً |
نائي المزار بذلة لم ينصر |
|
ويذاد عن ماء الفرات ووردها |
ذود البعير لخمسة لم يصدر |
|
ويداس بعد ركوبه خير الورى |
بحوافر وسنابك وبعسكر |
|
ودق ثغر كان أحمد لم يزل |
عن لثمه في الخد غير مفتر |
|
وحريمه من حوله وحماته |
ماتوا ضمأ فورودهم من كوثر |
|
لم ينثنوا من نصره حتّى غدوا |
أيدي سبا في سوء حال منكر |
|
ما بين مضروب بأبيض صارم |
أو بين مطعون بلدن أسمر |
|
أو بين مسحوب ليذبح بالعرى |
أو بين مشهور وآخر موسر |
|
أو بين من يكبو لثقل قيوده |
أو بين مغلول اليدين معفر |
|
ورضيع حول بالحسام فطامه |
وصغير سن عن أذى لم يكبر |
هذا وزين العابدين مكتفاً |
بالقيد بين عصابة لم تنظر |
|
قد أثخنوه بضربهم وبقيدهم |
قد أوثقوه فكان كالمتضور |
|
فكأن مولاي الحُسين وقد غدا |
متأهباً لقتالهم لم يحذر |
|
ذو لبدة عز المعين مجاهداً |
ثبت الجنان أشد كل غضنفر |
|
يغشى النزال ولا يزال محامياً |
حتّى رماه سهم رجس أبتر |
|
فهوى الصعيد مجدلاً ومعفراً |
ثبت الجنان أشد كل غضنفر |
|
يدعو الإله ويستغيث بجده |
في حاله المستضعف المستنصر |
|
يومي إلى نحو الخيام وتارة |
نحو العدو كخائف متحذر |
|
فكأنما قد ألبسوه من الظبا |
ثوبين بين معصفر ومزعفر |
|
وأتاه أشقاها لقطع كريمه |
ولحز أوداج وقطع الأبهر |
|
لم يدر ذاك الرجس أي عظيمة |
أم أي داهية أتى أم منكر |
|
لما ابان الرأس بان به الهدى |
وعلا الظلام على الضياء الأزهر |
|
وهوى إلى السفل الحضيض مكرم |
والظلم شاد وساد كل مغشمر |
|
والجن ناحت شجوة في أرضها |
والغيث غاض ماء الأبحر |
|
وعليه أمطرت السّماء وقبله |
يحيي دماً وسواهما لم تمطر |
|
وهوى يدور الأُفق في أفلاكها |
فكأنها من قبله لم تبدر |
|
وكأنها أفلاكها في كربلاء |
أو كربلاء صارت فريق المنبر |
|
يا كربلاء حويت ما لم تحوه |
أرض السواك من الضياء النير |
|
غيبت بطن الأرض منك معظماً |
وغدوت تفتخري بكل غنضفر |
|
كنت مجازاً ثمّ صرت حقيقة |
بين البلا والكرب للمتبصر |
|
ومن العجائب بعد قتل المجتبى |
بدع وأحداث لنسل الأطهر |
|
نسل النّبي المـُصطفى وحريمه |
تسبى كما تسبى بنات الأصفر |
|
ويشهرون ويسلبون مدارعاً |
ومقانعاً من بعد سلب المعجر |
|
ويسيرون على المطايا كالإماء |
أسرى كأنهم لأسرة قيصر |
|
شعثا مثاكيل عطاشى جوعا |
أسرى كأنهم لأسرة قصير |
|
ويصغرون ويشتمون عداوة |
بأوامر من كافر متجبر |
لم أنس زينب وهي حسرى حائر |
في نسوة متبرجات حسر |
|
تمشي إلى نحو الحُسين وتشتكي |
ما نالها من ظلم ذاك المعشر |
|
تدعو وتندب يا ثمال أرامل |
وربيع أيتام أطفال صغر |
|
يا بن النّبي المـُصطفى خير الورى |
وابن البتولة والإمام الأطهر |
|
قد جل رزؤك يا أخي وجل ما |
ألقاه من ثكل وطول تضرر |
|
أأخي رزؤك ملبسي ثوب الضنا |
ومغيراً جسمي بلون أصفر |
|
أأخي مذ فارقت فارقني العرا |
وعلى عليّ تحسري وتزفري |
|
أأخي واصلني العزاء وهجرتني |
ولقد عهدتك واصلاً لم تهجر |
|
أأخي حالي بعد بعدك ما صفا |
وحلاوتي ممزوجة بتمرمر |
|
أأخي بعد البعد منك تقربت |
منّي المصائب في الزمان الأعسر |
|
أأخي دار أُمية معمورة |
وديار فاطم عاطل لم تعمر |
|
أأخي شمل أُمية مستجمع |
وبنات أحمد شملهم يتكدر |
|
أأخي أولاد لآل أُمية |
مخفورة وبناتنا لم تخفر |
|
يا سيّدي يا واحدي وموئلي |
يا من إليه شكايتي وتجأري |
|
يا غايتي يا بغيتي يا منيتي |
يا من يقيني نائبات الأعصر |
|
كم من أسى متهضم قد مسنا |
من ظالم باغ علينا مفتر |
|
كنا نعدك للحوادث ملجأ |
فإذا فقدت فكسرنا لم يجبر |
|
ظفر العدو بنا ونال مراده |
لمـّا مضيت وقبل ذا لم يظفر |
|
في ربع جدك آمنون وغفل |
أخرجتنا لمصائب لم تشعر |
|
فإذا ارعوت أهوت إليه تضمه |
وقناعها سلب ولم تتخمر |
|
وسكينة عنها السكينة فارقت |
لمـّا ابتديت بفرقة وتغير |
|
ورقية رق الحسود لضعفها |
وغدا ليعذرها الذي لم يعذر |
|
ولأم كلثوم يجد جديدها |
لثم عثيب دموعها لم يكرر |
|
لم أنسها وسكينة ورقية |
يبكينه بتحسر وتزفر |
|
يدعون أُمهم البتولة فاطماً |
دعوى الحزين الواله المتحير |
|
يا أُمنا هذا الحُسين مجدلا |
ملقى عفيراً مثل بدر مزهر |
في تربها متعفراً ومضمخاً |
جثمانه بنجيع دم أحمر |
|
ظمآن فارق رأسه جثمانه |
عريان مسلوب الرداء والمئزر |
|
يا أمنا نوحي عليه وعولي |
في قبرك المستور بين الأقبر |
|
يا أمنا لو تعلمين بحالنا |
لرأيت ذا حال قبيح المنظر |
|
أما الرجال فمو سر ومعفر |
والمحصنات ففي سبي وتشهر |
|
هذا وكيف يحمل والعزا |
منا عقيب مصابنا بالمنذر |
|
أم كيف تسلو النفس عن تطلابه |
بلا بالبكاء عليهم بتحسر |
|
يا مؤمناً متشيعاً بولائه |
يرجو النجا والفوز يوم المحشر |
|
ابك الحُسين بلوعة وبعبرة |
إن لم تجد هاذب فؤادك واكثر |
|
وامزج دموعك بالدماء وقل ما |
في حقه حقاً إذا لم تنصر |
|
والبس ثياب الحزن يوم مصابه |
ما بين أسود حالك أو أخضر |
|
فعساك تحظى في المعاد بشربة |
من حوضهم ماء لذيذ سكر |
|
ويزيدني حزناً بأن رؤوسهم |
تهدى إلى الطاغي يزيد المفتر |
|
فكأنها فوق العوالي أنجم |
زهرت بأنوار الهدى للمنظر |
|
لما رأى الملعون أحوال النسا |
والرأس ظل بحاله المستبشر |
|
فعلى أمية كلها وعتيقها |
ودلامها لعن أبي لم يحصر |
|
هذا مصاب للنبي وآله |
يوم الطفوف جرى بصحة مخبر |
|
ما في الرزايا الهائلات رزية |
بأجل منها في الأمور وأكبر |
|
كل المصائب لو تعاظم شأنها |
هي دون ذلك في المحل الأكبر |
|
عدت على أفعال عاد واعتدت |
ما عقر ناقة صالح من أحمر |
|
وإليكم يا سادتي وأحبتي |
شعر كنظم الدر أو الجوهر |
|
حبرت ألفاظاً فجاءت درة |
هذبتها بجوانحي وتفكري |
|
ألبستها حلل المعاني فاغتدت |
تسبي العقول بمسمع وبمنظر |
|
أبهى واسنى من عروس تجتلي |
وأرق من صهباء تروق بمحضر |
|
سادات إذا قرئت على أمثالها |
نظم يعيب لجرول ولحبتر |
|
أرثي الحُسين بها وارجو منكم |
يوم المعاد كرامتي وتوفري |
والعفو عما قد جنيت من الخطا |
وجرائم لولاكم لا تغفر |
|
وعبيدكم سيف فتى ابن عميرة |
عبد لعبد عبيد حيدر قنبر |
|
وعليكم صلّى المهيمن ما سرى |
أو سار ركب في دجى أو مقمر |
الباب الثّالث
يا إخواني في الدّين , هل يحسن نوح النّائحين إلاّ على الذّرية الطّاهرة ؟ وهل يليق بكاء الباكين إلّا على أولاد عليّ أمير المؤمنين ؟ فوا حسرتاه على تلك الأجساد المرمّلة بالدّماء وعلى تلك الأفواه اليابسة من الظماء ! ويا لهفاه على مولاي الحُسين ينادي فلا يجاب قد شغله المصاب عن توديع الأولاد والأحباب ! زخرفوا له الأكاذيب وقالوا له أقدم على السّعة والتّرحيب وعلى النّزل الخصيب , فنحن لك ما تريد أرقّاء وعبيد ، فحين أناخ برحلهم وحطّ بمحلّهم , سارعوا إليه بالسّيوف والرّماح وصارعوا في ميدان الكفاح , فجاهدهم بمن معه من أبنائه وأهل بيته وأحبابه إلى أن سقوا الحتوف رشقاً بالنّبال , وطعناً بالرّماح وضرباً بالسّيوف.
فيا ويلهم ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله , ولكن سيعلمون أيّ منقلب ينقلبون. فبالله عليكم يا إخواني , أديموا عليهم الحزن الطّويل فإنّ مصابهم عظيم جليل :
يا نفس صبراً فكل نائبة |
سوى مصاب الحُسين تحتمل |
|
ويا جفوني سحي عليه فلي |
عن كل رزء برزئه شغل |
|
لهفي له يشتكي الأوام وللبيض |
المواضي من نحره بلل |
|
لهفي لذاك الجبين معفراً |
كالشمس أنى بدا لها الخجل |
|
لهفي لنسوانه وقد كشفت |
عن صدرهن السجوف والكلل |
|
هذي تنادي أخي وتلك أبي |
والدمع فوق الخدود منهمل |
|
وزينب مستجيرة ولها |
على أخيها ندب ومرتجل |
|
تصيح من حسرة ومن أسف |
والقلب منها مرّوع وجل |
|
أين عليّ بن الحُسين ألا |
أين المحامي والفارس البطل |
|
وفاطم تستغيث عمتها |
صارخة دمع عينها خضل |
|
يا سادتي يا بني النّبي ومن |
عليهم في المعاد أتكل |
ما عنكم لابن حرة عوض |
وليس منكم ملعارف بدل |
|
وأين عنكم بالولاء لكم |
تمحى الخطايا ويغفر الزلل |
فلا يفرح الظّالمون بما هُم عليه عاكفون وسيعلمون إلى ما إليه يرجعون , فتبّاً لمن أعمتهم أطماعهم الدّنيويّة وأهواؤهم المرديّة الرّديّة ، جعلوا يركضون في أودية الضّلال على مطايا الأطماع , فنكستهم إلى الأذقان في أمر حمله لا يستطاع , ولكن لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور , ألا ترون يا إخواني إلى أوّل الرّجلين عند نزول الموت حيث قال , كما نقله الثّقات من الرّجال : يا ليتني كنت تبنة في لبنة. وهل هذا إلاّ نظير قوله تعالى :( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ) (١) . وإلى الثّاني حيث قال : لو أنّ لي ملئ الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطّلع. وهل هذا إلّا مثل قوله تعالى :( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (٢) . فشتّان ما بين ذين وبين مَن قال حين ضُرب على اُمّ رأسه : (( فزت وربّ الكعبة )).
ولعمري , إنّ نسبة هؤلاء وأضرابهم إليه افتراء على الله وعليه. فيا سعد من تمسّك بذراريه , ويا فلاح من اعتقده وكان من حزبه ومواليه , بنوه المعصومين سادات الدُنيا وشفعاء الخلق في الآخرة , أزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله في العالمين , فبذلك استحقّوا منه العذاب المهين واللعنة إلى يوم الدّين.
نُقل : أنّه لمـّا قُتل عليّ بن الحُسين في طفّ كربلاء , أقبل عليه الحُسين وعليه جبّة خزّ دكناء وعمامة مورّدة وقد أرخى لها غرّتين , فقال مخاطباً له : (( أما أنت يا بني , فقد استرحت من كرب الدُنيا وغمّها وما أسرع اللحوق بك )). ثمّ وثب على قدميه ببردة رسول الله والتّحف بها , وأفرغ عليه درعه الفاضل وتقلّد سيفه , واستوى على متن جواده وهو غائص في الحديد , فأقبل على اُمّ كلثوم وقال لها : (( أوصيك يا اُخيّه بنفسك خيراً , وإنّي بارز إلى هؤلاء القوم )). فأقبلت سكينة وهي صارخة وكان يحبّها حبّاً شديداً , فضمّها إلى صدره ومسح دموعها بكمّه وقال :
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي |
منك البكاء إذا الحمام دهاني |
|
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة |
ما دام منّي الروح في جثماني |
|
فإذا قتلت فأنت أولى بالذي |
تأتينه يا خيرة النسوان |
ونقل آخر وهو : أنّه لمّا قُتل أصحاب الحُسين كلّهم وتفانوا وابيدوا ولم يبق
____________________
(١) سورة النّبأ / ٤٠.
(٢) سورة الزّمر / ٤٧.
أحد , بقي (عليهالسلام ) يستغيث فلا يُغاث وأيقن بالموت , أتى إلى نحو الخيمة وقال لأخته : (( آتيني بثوب عتيق لا يرغب فيه أحد من القوم أجعله تحت ثيابي ؛ لئلا اُجرّد منه بعد قتلي )).
قال : فارتفعت أصوات النّساء بالبكاء والنّحيب , ثمّ أوتي بثوب فخرّقه ومزّقه من أطرافه وجعله تحت ثيابه , وكان له سروال جديد فخرّقه أيضاً ؛ لئلا يُسلب منه , فلمّا قُتل , عمد إليه رجل فسلبهما منه وتركه عرياناً بالعراء مجرّداً على الرّمضاء , فشلّت يداه في الحال وحلّ به العذاب والنّكال.
قال : فلمّا لبس الحُسين (عليهالسلام ) ذلك الثّوب المخرّق , ودّع أهله وأولاده وداع مفارق لا يعود , قال : وكان عبد الله بن الحسن الزّكي واقفاً بإزار الخيمة وهو يسمع وداع عمّه الحُسين , فخرج في أثره وهو يبكي ويقول : والله لا أفارق عمّي. فلحقته زينب لتحبسه ؛ لأنّه صغير لم يبلغ الحُلم والحُسين يقول لها : (( يا أختي احبسيه )). فانفلت الصّبي من يدها وقال : والله لا أفارق عمّي. فأقبل حرملة بن كاهل اللعين إلى الحُسين (عليهالسلام ) , فضرب الصّبي بالسّيف فأطنّ يمينه إلى الجلد , فإذا هي معلّقة , فصاح الصّبي : يا عمّاه أدركني ! فأخذه الحُسين وضمّه إليه وقال : (( يابن أخي , صبراً على ما نزل بك يا ولدي )). فبينما هو يخاطبه , إذ رماه اللعين حرملة بسهم فذبحه في حجره , فصاحت زينب : وابن أخاه , ليت الموت أعدمني الحياة , ليت السّماء أطبقت على الأرض , وليت الجبال تدكدكت على السّهل. وكان عمر بن سعد اللعين قريباً منها , فقالت : ويحك يا عمر , يُقتل ابن بنت رسول الله وأنت تنظر إليه ؟! فلم يجبها.
قال من شهد الوقعة : ثمّ إنّ الحُسين (عليهالسلام ) أقبل على عمر بن سعد , وقال له : (( أخيّرك في ثلاث خصال )). قال : وما هي ؟ قال : (( تتركني حتّى أرجع إلى المدينة إلى حرم جدّي رسول الله )). قال : ما لي إلى ذلك سبيل. قال : (( اسقوني شربة من الماء , فقد نشفت كبدي من الظّمأ )). فقال : ولا إلى الثّانية سبيل. قال : (( وإن كان لا بدّ من قتلي , فليبرز إليّ رجل بعد رجل )). فقال : ذلك لك.
فحمل على القوم وهو يقول :
أن ابن عليّ الطهر من آل هاشم |
كفاني بهذا مفخر حين أفخر |
|
وفاطم أمي ثمّ جدّي مُحمّد |
وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر |
|
بنا بيّن الله الهدى من ضلالة |
ويغمر بنا آلاءه ويطهر |
علينا وفينا أنزل الوحي والهدى |
ونحن سراج الله في الأرض نزهر |
|
ونحن ولاة الحوض نسقي محبنا |
بكأس رسول الله من ليس ينكر |
|
إذا ما أتى يوم القيامة ظامياً |
إلى الحوض يسقيه بكفيه حيدر |
|
إمام مطاع أوجب الله حقه |
على الناس جمعاً والذي كان ينظر |
|
وشيعتنا في الناس أكرم شيعة |
ومبغضنا يوم القيامة يخسر |
|
فطوبى لعبد زارنا بعد موتنا |
بجنة عدن صفوها لا يكدّر |
قال : ثمّ إنّ الحُسين (عليهالسلام ) نظر إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى , فالتفت إلى الخيمة ونادى : (( يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا اُمّ كلثوم , عليكنّ منّي السّلام )). فنادته سكينة : يا أبه ! استسلمت للموت ؟ فقال : (( كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين )). فقالت : يا أبه ! ردنا إلى حرم جدّنا. فقال : (( هيهات , لو تُرك القطا لنام )). فتصارخن النّساء , فسكتهنّ الحُسين , ثمّ حمل على القوم وهو يقول :
كفر القوم وقدماً رغبوا |
عن ثواب الله رب الثقلين |
|
حنقاً منهم وقالوا إننا |
نأخذ الأول قدماً بالحسين |
|
يا لقومي من أناس قد بغوا |
جمعوا الجمع لأهل الحرمين |
|
لا لذنب كان منّي سابقاً |
غير فخري بضياء الفرقدين |
|
بعلي الطهر من بعد النّبي |
ذاك خيرة هاشم في الخافقين |
|
خيرة الله من الخلق أبي |
وارث العلم ومولى الثقلين |
|
اُمي الزهراء حقا وأبي |
وارث العلم ومولى الثقلين |
|
فضة قد صفيت من ذهب |
فأنا الفضة ابن الذهبين |
|
ذهب في ذهب في ذهب |
ولجين في لجين في لجين |
|
والدي شمس وأمي قمر |
فأنا الكوكب وابن القمرين |
|
عبد الله غلاماً يافعاً |
وقريش يعبدون الوثنين |
|
يعبدون اللات والعزى معاً |
وعلي قائم بالحسنين |
|
مع رسول الله سبعاً كاملاً |
ما على الأرض مصل غير ذين |
|
هجر الأصنام لا يعبدها |
مع قريش لا ولا طرفة عين |
|
من له جد كجدي في الورى |
أو كأمي في جميع المشرقين |
خصه الله بفضل وتقى |
فأنا الأزهر ابن الأزهرين |
|
جوهر من فضة مكنونة |
فأنا الجوهر ابن الدرتين |
|
نحن أصحاب العبا خمستنا |
قد ملكنا شرقها والمغربين |
|
نحن جبريل لنا سادسنا |
ولنا البيت ومثوى الحرمين |
|
كل ذا العالم يرجو فضلنا |
غير ذا الرجس لعين الوالدين |
|
جدي المرسل مصباح الدجى |
وأبي الموفى له بالبيعتين |
|
والدي خاتمه جاد به |
حين وافى رأسه للركعتين |
|
قتل الأبطال لمـّا برزوا |
يوم أحد وببدر وحنين |
|
أظهر الإسلام رغماً للعدى |
بحسام صارم ذي شفرتين |
قال : ولم يزل يحمل على القوم يجالدهم بالسّيف يميناً وشمالاً , حتّى قتل منهم مقتلة عظيمة , إلى أن انكشفوا من بين يديه واقتحم المشرعة ونزل إلى الماء , وقد كضّه العطش العظيم وكذلك فرسه.
قال : فلمّا حسّ الفرس ببرد الماء يجري تحت قدميه , حطّ رأسه ليشرب , فصبر عليه حتّى شرب ونفض ناصيته ، ثمّ جعل ذوائب السّيف في يده وغرف غرفة ليشرب , وإذا بصائح : يا حُسين , أدرك خيمة النّساء. فرمى الماء من يده وأقبل مسرعاً نحو الخيمة , فرآها سالمة , فعلم أنّها كانت حيلة من الكفرة اللئام ؛ ليحرموه شرب الماء ويحولوا بينه :
وا لهفتاه على معين سيادة |
أكدى وكان على الزمان معينا |
|
أبكي أعز كأن ضوء جبينه |
فلق صدوقاً في الحديث أمينا |
|
طابت مآزره وطاب ثناؤه |
فوجدته بالمدحتين قمينا |
|
إن المحامد لا تقوم بفضله |
فاقصص له (الأنفال) أو (ياسينا) |
|
اليوم سلطت الدئور على العلى |
ولقد بررت المكرمات سنينا |
|
حتى أغارت للمنون كتائب |
لم أدر أن لها عليكم كمينا |
|
هتكت حمى المجد المصون ولم تدع |
دمعاً لذي حلم عليك مصونا |
وقال آخر :
لهفي عليه وقد أحاط به العدى |
والبيض تبرق والخيول صواهل |
|
ويقول وهو يجود بينهم وقد |
فقد النصير وثم تم الخاذل |
هل مسعد هل منجد هل ناصر |
هل ذائد هل فارس هل راجل |
|
هل راغب هل واهب هل هارب |
هل ناصح هل راشد هل عاقل |
|
يأتي إلينا ناصراً ومحامياً |
فيرى لنا حقاً نفاه الباطل |
|
يا سعدة إن قرّ وهو مفارق |
يا فوزة إن قرّ وهو مواصل |
|
لا تجهلوا فالجهل داء معضل |
لا يشتفى من داء جهل جاهل |
|
فأنا الإمام عليكم دون الورى |
وبذاك قد قامت هناك دلائل |
|
جدي النّبي مُحمّد من فضله |
فضل على كل البرية شامل |
|
وأبي الوصي أبر من وطأ الثرى |
من بعده حاف غدا أو ناعل |
|
والام فاطمة البتول ومن لها |
فضل به ضرع الفضائل حافل |
|
وأخي الزكي وجعفر عمي فمن |
في الفضل من كل الأنام يماثل |
|
ولنا المعاد يعود فضل قضائه |
فهناك نحكم فيكم أو نسأل |
|
فهناك أوقد كل باغ خارج |
نيران حرب وهو فينا داخل |
فيا إخواني , كيف لا تبكي عليهم محاجري ؟! وكيف لا يقرح السّهاد ناظري أو تتزايد أوصابي أو تضرم نار وجدي واكتئابي ؟! فيا جفوني سحّي دماً , ويا قلبي ازدد ألماً , ويا حرقي اشتدّى عليهم , ويا أشواقي تزايدي إليهم ، فإنّه يحقّ على مثلهم أن يبكي الباكون ويندب النّادبون , وتذرف الدّموع من العيون. أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان والأشجان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة لأبي الحُسين بن أبي سعيد (رحمهالله )
أيها الباكي المطيل بكاه |
كل ما آن صبحه ومساه |
|
إبك ما عشت للحسين بشجو |
لا ترد بالبكا الطويل سواه |
|
فهو سبط النّبي أكرم سبط |
فاز عبد بنفسه واساه |
|
يوم أضحى بكربلاء بين قوم |
خذلوه وأظهروا بغضاه |
|
وهو يدعوهم إلى منهج الحق |
وهم في عمى الضلالة تاهوا |
|
كتبوا نحوه يقولون إنا |
قد رضينا بكل ما ترضاه |
|
سر إلينا فلا إمام نراه |
يهتدي ذا الورى إذاً بهداه |
غيرك اليوم يابن من فرض الله |
على سائر الأنام ولاه |
|
كن إلينا مسارعاً فعلينا |
حين تأتي جميع ما تهواه |
|
فأتى مسرعاً إليهم فلمّا |
عاينوه وعنده أقرباه |
|
أعرضوا عن وداده ثمّ أبدى |
منهم الحقد من له أخفاه |
|
ثم صالوا عليه صولة بغي |
لم يريدوا من الأنام سواه |
|
فتحامت إليه إخوان صدق |
رغبة في قتال من عاداه |
|
بذلو دونه النفس اختياراً |
للمنايا ولم يعد إلّا هو |
|
ما ونوا ساعة إلا ابيدوا |
للمنايا ولم يعد إلا هو |
|
تارة بطعن الطغاة وطوراً |
بالحسام الصقيل يحمي حماه |
|
إذ رماه اللعين خولى بسهم |
وهو عن ذاك غافل لا يراه |
|
وعلاه اللعين أعني سناناً |
طعنة بالسنان شلت يداه |
|
فهوى بالجراح يخفض في الأرض |
صريعاً أبي وأمي فداه |
|
وأتى مسرعاً إلى نحره الشمر |
بعد أن سل سيفه وانتضاه |
|
فبرى رأسه وكبر لمـّا |
أن على رأس رمحه علاه |
|
فبكت من فعاله الجن والإنس |
ومن حل في رفيع سماه |
|
وبكى البيت والمقام ونادى |
مذهب الحق آه وا ويلاه |
|
وغدا الدين بعد هذا حزيناً |
وعليه الزمان شق رداه |
|
وتولى الجواد يبكي عليه |
أسفاً وهو بالبكا ينعاه |
|
ورأت زينب أخاها على الأرض |
صريعاً معفراً بدماه |
|
ثاوياً بالعرى قتيلاً سليباً |
عارياً من قميصه ورداه |
|
ثم نادت بأختها أخت يا أخت |
حق لي في الحُسين ما أخشاه |
|
أخت يا أخت خيّب الدهر فيه |
ما ارتجيناه آه وا خيبتاه |
|
ما توهمت في جنود يزيد |
أنهم يهرقون ظلماً دماه |
|
أخت يا أخت آه وا طول حزني |
بعد آه ثمّ وا حسرتاه |
|
أخت يا أخت قد جفاني حبيب |
ما تعمدت في الزمان جفاه |
|
أخت يا أخت ودعيه وقولي |
لحسين متى يعدنا لقاه |
أخت يا أخت اسكبي الدمع حزناً |
لقتيل ما غمضت عيناه |
|
أخت يا أخت قاتل الله قوماً |
قتلوه وحرموه لقاه |
|
أخت يا أخت اندبيه بشجو |
ندب صب تقلقت أحشاه |
|
أخت يا أخت اندبيه وقولي |
يا وحيداً أبيد بعد ظماه |
|
يا شهيداً لموته أفل البدر |
واعتراه الخسوف بعد ضياه |
|
يا قضيباً حين استوى وتدلى |
أقصفته المنون بعد استواه |
|
يا قتيلاً بكت له الجن والإنس |
طويلاً واستوحشت لجفاه |
|
لهف نفسي وجميع خيل الأعادي |
قد أهدت بركضها أعضاه |
|
لهف نفسي على بنات حسين |
حاسرات يصحن وا جده |
|
لهف نفسي على الحُسين وشمر |
قد برى الرأس عامداً من قفاه |
|
آه وا ذلتاه من بعد عز |
آه وا ضيعتاه يا جداه |
|
آه وا خيبتاه بعد حسين |
آه وا غربتاه وا وحدتاه |
|
آه يا جد لو رأيت حسيناً |
بعد أن أحدقت به أعداه |
|
حرموا مورد الفرات عليه |
إفتراء وذبحوا ابناه |
|
وسقوه الحمام ظلماً وجوراً |
واستباحوا أمواله ونساه |
|
جد يا جد لو رأيت علياً |
ناحلاً والسقام قد أضناه |
|
لو تراه بقيد وهو يبكي |
بين قوم لا يرحمون بكاه |
|
وإذا ما رأى أم كلثوم نادى |
أتعبوني بالقيد يا عمتاه |
|
فبكت رحمة له أم كلثوم |
وأجابت من بعد ذاك نداه |
|
ثم قالت له ألا إن ذا الحال |
عزيز لجدنا أن يراه |
|
وعزيز عليه أن لو يرى اليوم |
بعينيه بعض ما نلناه |
|
لو يرانا ونحن فوق المطايا |
عند رجس نسير في مسراه |
|
وإذا ما وقفن في السير عنه |
ساعة لم يكف عنا أذاه |
|
طالباً للشآم نحو يزيد |
جعلت في جهنم مثواه |
|
ثم لمـّا أتيته في دمشق |
بهت الرجل إذ رأت عيناه |
|
رأس سبط النّبي فوق قناه |
والسبايا يصحن وا سنداه |
ثم قال الزنيم ويل ابن مرجان |
على الطاهرين ما أعداه |
|
ويحه ما أشده من عتل |
ويحه في الفعال ما أقساه |
|
كنت أرضى بدون ذا الفعل منه |
لكن الأمر ما أراد الله |
|
ودعا الرجس بعد ذاك بالرأس |
فأوتي به فلمّا رآه |
|
ساطعاً بالضيا تعجب منه |
ثمّ منه تعجبت جلساه |
|
وعلا بالقضيب رأس حسين |
ثمّ في طست عسجد ألقاه |
|
وانثنى الرجس ثمّ أنشد شعراً |
وترنم وقال في منشاه |
|
ليت أشياخنا تشاهد ذا اليوم |
الذي قد أسرنا لقاه |
|
يا لها اليوم فرحة وسروراً |
حيث نال الصديق فيه مناه |
|
فعلى الطاغي اللعين يزيد |
لعنة الله دائماً تغشاه |
|
فالعنوه ببكرة وأصيل |
فلقد طال في المعاد شقاه |
|
والعنوا ما استطعتم ابن زياد |
وابن سعد ومن سعى في رضاه |
|
فلقد باع دينه من يزيد |
بالزهيد القليل من دنياه |
|
جددوا اللعن ما بقيتم عليه |
وأطيلوا مدى الزمان سجاه |
|
فلعنهم من المهيمن لعن |
ليس يفنى ولا يزول بقاه |
|
يا بني المـُصطفى سلام عليكم |
ما أضاء الصبح واستنار ضياه |
|
أنتم صفوة العلى من الخلق |
جميعاً وأنتم أمناه |
|
أنتم منهج القويم وأنتم |
يا بني أحمد منار هداه |
|
أنتم حبله المتين فطوبى |
لمحب تمسكته يداه |
|
أنتم يا بني النّبي حجج الله |
في البرايا وأنتم خلفاه |
|
حبكم في المعاد ذخري وكنزي |
يوم يلقى المسيء ما قد جناه |
|
وإذا ما أبو الحُسين ارتجاكم |
حاش لله أن يخيب رجاه |
|
ابن أبي سعد مخلص الود فيكم |
في غد يرتجيكم شفعاه |
|
ويرجي الخلود في جنة الخلد |
وأن تصفحوا له عن جناه |
|
وعليكم من ربكم صلوات |
ليس يحصي عظيمها إلّا هو |
|
ما دعا الله مخلص حين صلّى |
في مقام وما استجيب دعاه |
المجلس العاشر
من الجزء الثّاني ، في العاشر من شهر المُحرّم
وفيه أبواب ثلاثة
الباب الأوّل
عباد الله , إنّ المصيبة بالحُسين (عليهالسلام ) أعظم المصائب ، فصبّوا فيها شآبيب الدّموع السّواكب بتصعيد الزّفرات الغوالب , واستنزفوا بالبكاء الدّماء , واعقبوا الكرب والبلاء بتذكّركم كربلاء.
نعم , إنّ المصيبة بالمقتول نجل الرّسول والبتول وعلى الليث الصّؤول , مصيبة لا يُجبر كسرها ، وشعلة في صدور المؤمنين لا يطفئ جمرها , وعظيمة من العظائم يتجدد على الأيّام ذكرها ، ورزية لا يتنفّس فجرها , وقارعة زلزلت منها الأرض برّها وبحرها. عجباً لمن يتذكّر مصارع هؤلاء الأتقياء الشّهداء العظماء من أهل بيت صفوة الخلق خاتم الأنبياء ، ثمّ يتمتع بعدهم بشربة من الماء !
سبحان الله ! أيّ ظُلم جرى على أهل الحراب والمحراب وأرباب الكتيبة والكتاب , وفتيان الطّعان والضّراب ورجال القب والقباب , قاصمي الأصلاب وقاسمي الأسباب وقاصمي الرّقاب , وهازمي الأحزاب وفالقي جماجم الأتراب , اُمراء الخطاب المستطاب ملوك يوم الحساب سلاطين يوم الثّواب والعقاب.
ما عذر أرجاس بني اُميّة إذ منعوهم من الطّعام والشّراب والفُرات يومئذ مكرعة الكلاب , حبسوا سادة الخلق في صحراء الاكتئاب , ثمّ ذبحوا تلك النّفوس الزّكية وعرضوها للنسور والذّئاب , وعفروا تلك الوجوه البدريّة في التّراب. هيهات , لا عذر إلّا أن يُساقوا - بعد عتاب ربّ الأرباب , بأيدي الملائكة الغلاظ الشّداد الغضاب - إلى دار العذاب الشّديد الالتهاب الضّيقة
المسالك والشّعاب.
صفت الدُنيا للطغاة ذوي العناد , واتسقت أحوال الوجاهة للأنكاد ذوي الأحقاد , ونفذّت أوامرهم على رقاب العباد , ولفظت إليهم الخزائن نفائس الطّارف والتّلاد , وآل الرّسول مشرّدين في البلاد منحجرين في كلّ شعب بغير بزّة وزاد ، مستشعرون للخوف مكتحلون بالسّهاد , قد ضربت عليهم الأرض بالسّهاد ، بنات الظّلمة في الدّور والقصور مسبلات السّتور ، وبنات الرّسول في حرّ الشّمس في مهبّ الصّبا والدّبور ، ضاربات الصّدور على هؤلاء البدور وغروبها في مغارب القبور ، ومصيرها إلى بطون السّباع وحواصل الطّيور , تمتّعت اليزيدية تمتّعاً قليلاً وسيعذّبون بذلك طويلاً , يورثهم ذلك العذاب رنّة وعويلاً , إذ نسوا وراءهم يوماً ثقيلاً , يوم لا ينفع خليل خليلاً ولا يغني عنه فتيلاً إن هُم إلاّ كالأنعام بل هُم أضلّ ظليلاً. وفواكه ذلك قطوفها ويسقون لما مُنعوا من ماء الفُرات(١) :( كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ) (٢) . وجدوا إلهاً رحيماً كريماً قد أسدى إليهم نعيماً مُقيماً , وهؤلاء وجدوا الرّسول خصيماً , وسكنوا سعيراً وجحيماً , سقوا صديداً وغساقاً وحميماً :( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (٣) .
فيا إخواني : لو تصوّر المُحبّ لآل الرّسول ما لاقوا من الخطب المهول , لاختار مواساتهم في الموت الشّديد وجعله عدّة للعيش الرّغيد ، ليجدل الحُسين وأهل بيته وأصحابه على الرّمال , وبعليّ كريمه الشّريف على القنا كالهلال , وتسبى ذراريه محمولين حسراً على الجمال , يُطاف بهم في البلاد مقرنين في الأصفاد , هذا والدّموع جامدة ونيران الأحزان هامدة والأشجان متباعدة , لا يحسن ذلك من أهل الإيمان ولا من كاملي العقول والأديان , بل والله , قلّ لهذا المصاب خروج الأرواح من شدّة الاكتئاب.
فيا إخواني : اسكبوا الدّموع وأقلّوا الهجوع على مَن فقدهم عظيم ومصابهم جسيم , فقد ورد في الخبر عن أهل العلم والأثر عن منذر النّوري : سمعت الحُسين (عليهالسلام ) يقول : (( مَن دمعت عينه فينا دمعة أو قطرت عيناه فينا قطرة , بوّأه الله في الجنّة حقباً )). وعنه (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( أنا قتيل العبرة , ما ذكرت عند مؤمن إلاّ بكى واغتمّ لمصابي )). وعن عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( أيما مؤمن ذرفت عيناه لقتل أبي عبد الله الحُسين حتّى تسيل على خدّه , بوّأه الله في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً )).
فهذه والله النّعمة العظمى والثّواب الهني
____________________
(١) يقصد هُنا (قدسسره ) : آل الرّسول (ص). (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) سورة الإنسان /١٧ - ١٨.
(٣) سورة الإنسان / ٣١.
الأهنى.
وعن الباقر (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( رحم الله شيعتنا , لقد شاركونا بطول الحزن على مصاب جدّي الحُسين , وأيما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خدّه ؛ حزناً على ما مسّنا من الأذى من عدوّنا في دار الدُنيا , بوّأه الله منزل صدق في الجنّة)).
وروي عن الصّدوق القمّي في كتاب كامل الزّيارات بإسناده إلى زرارة(١) , قال : أبو عبد الله : (( يا زرارة , إنّ السّماء بكت على الحُسين أربعين صباحاً بالدّم , وإنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسّواد , وإنّ الشّمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة , وإنّ الجبال تقطّعت وابتزت , وإنّ البحار تفجّرت , وإنّ الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحُسين , وما اختضبت منّا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجل , حتّى أتانا رأس عُبيد الله بن زياد , وما زلنا في عبرة بعده , وكان جدّي إذا ذكره , بكى حتّى تملأ عيناه لحيته وحتّى يبكي لبكائه رحمة من رآه , وإنّ الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كلّ مَن في الهواء والسّماء من الملائكة , ولقد خرجت نفسه (عليهالسلام ) فزفرت جهنّم زفرة كادت الأرض تنشقّ لزفرتها , ولقد جرت نفس عُبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية , فشهقت جهنّم شهقة لو لا أنّ الله حبسها بخزانها , لأحرقت مَن على فوق الأرض من فورها , ولو يؤذن لها ما بقي شيء إلاّ ابتلعته ولكنّها مأمورة مصفودة , ولقد عتت على الخزان غير مرّة حتّى أتاها جبرائيل فضربها بجناحه فسكنت , وإنّها لتبكيه وتندبه وإنّها لتتلظّى على قاتله , ولولا مَن على الأرض من حجج الله , لتفطّرت الأرض وأكفت ما عليها , وما يكثر الزّلازل إلاّ عند اقتراب السّاعة , وما عين أحبّ إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه , وما من باك يبكيه إلاّ وقد وصل فاطمة وساعدها عليه , وما من عبد يُحشر إلاّ وعيناه باكية إلاّ الباكين على جدّي , فإنّه يُحشر وعينه قريرة والبشارة بلقائه والسّرور على وجهه , والخلق في الفزع وهُم آمنون , والخلق يعرضون وهم خدّام الحُسين (عليهالسلام ) تحت العرش وفي ظلّ العرش لا يخافون سوء الحساب , يُقال لهم : ادخلوا الجنّة. فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه , وأنّ الحور لترسل إليهم : إنّا قد اشتقناكم مع الولدان المخلّدون. فما يرفعون رؤوسهم إليهم ؛ لما يرون في مجلسهم من السّرور والكرامة , وأنّ أعداءهم من بين مسحوب بناصيته إلى النّار , ومن قائل ما لنا من شافعين ولا صديق حميم , وإنّهم ليرون منزلهم وما يقدرون أن يدنوا إليهم ولا يصلون إليهم ,
____________________
(١) الوارد في كامل الزّيارات / ١٦٧ , هكذا : عن زرارة ، قال : قال : أبو عبد الله... (معهد الإمامين الحسنين).
وإنّ الملائكة لتأتيهم من أزواجهم ومن خزانهم ما أعطوا من كرامة , فيقولون : نأتيكم إن شاء الله تعالى. فيرجعون إليّ بمقالاتهم(١) , فيزدادون إليهم شوقاً ؛ إذ هم خيّروا بما هم فيه من الكرامة وقربهم من الحُسين , فيقولون : الحمد لله الذي كفانا الفزع الأكبر وأهوال القيامة ونجّانا ممّا كنّا نخاف. ويؤتون بالمراكب والرّجال على النّجائب فيستوون , وهم في الثّناء على الله والصّلاة على مُحمّد وآله حتّى ينتهوا إلى منازلهم )).
وعن زيد الشّحام , قال : كنّا عند أبي عبد الله ونحن جماعة من الكوفيين , إذ دخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله فقرّبه وأدناه ، ثمّ قال : (( يا جعفر )). قال : لبيك جعلني الله فداك ! قال : (( بلغني أنّك تقول الشّعر في الحُسين وتجيد ؟)). قال : نعم جعلني الله فداك ! قال : (( قُل )). فأنشده ومن حوله حتّى سالت له الدّموع على وجهه ولحيته ، ثمّ قال : (( يا جعفر, والله لقد شهد الملائكة المقرّبون ههنا يسمعون قولك في الحُسين (عليهالسلام ) , ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر, ولقد أوجب الله لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها وغفر لك )).
وقال أيضاً : (( يا جعفر ألا أزيدك ؟ )). قال : نعم يا سيّدي. قال : (( ما من أحد قال في الحُسين شعراً فبكى وأبكى به , إلاّ أوجب الله له الجنّة وغفر له )).
وعنه (عليهالسلام ) , قال : (( إذا كان يوم العاشر من المـُحرّم , تنزل الملائكة من السّماء ومع كلّ ملك منهم قارورة من البلّور الأبيض , ويدورون في كلّ بيت ومجلس ؛ يبكون فيه على الحُسين (عليهالسلام ) , فيجمعون دموعهم في تلك القوارير ، فإذا كان يوم القيامة , فتلتهب نار جهنّم , فيضربون من تلك الدّموع على النّار , فتهرب النّار عن الباكي على الحُسين مسيرة ستين ألف فرسخ )).
أيا شيعة المختار نوحوا لمصرع |
الشهيد وبالدمع الغزير فجودوا |
|
تطأه الخيول الحادثات بركضها |
ويسفى عليه بعد ذاك صعيد |
|
وآل رسول الله يشهرون في الملأ |
وآل ابن هند في الخدور قعود |
|
ورأس إمام السبط في رأس ذابل |
طويل على رأس سنان يميد |
|
وينكثه بالخيزران شماتة |
به وسروراً كافر وعنيد |
|
برزن النساء الهاشميات حسراً |
عليهن من نسج الثكول برود |
|
نوادب يخدش الوجوه تفجعاً |
وتلطم بالأيدي لهن خدود |
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الذي ورد في كامل الزّيارات : ١٦٩ , هو : فيرجعون إلى أزواجهم بمقالاتهم... (معهد الإمامين الحسنين).
فقوموا بأعباء العزاء فإنه |
جليل وأما غيره فزهيد |
فيا إخواني , يحقّ لي أن أجعل النّوح عليهم دأبي وأن أظهر عليهم جزعي واكتئابي , وكيف لا والعيش بعدهم لا يصفو والزّفرة عليهم لا تقفو ؟! وكيف الصّبر لمن يمثل مولاه الحُسين (عليهالسلام ) وهو واقف ينادي في ميدان القتال : ألا هل من نصير ينصر الآل ؟ ألا هل من معين يعين عترة المختار ؟ ألا هل من ذابّ يذبّ عن الذرّيّة الأطهار ؟ أين الثّقاة البررة والأتقياء الخيرة ؟ أين من أوجب حقّاً عليه الإسلام ؟ أين الوصية فينا من الرّسول ؟ فما عذر أهل الزّمان عن إقامة العزاء للإمام الشّهيد العطشان ؟
نُقل : أنّ الحُسين (عليهالسلام ) لمّا كان في موقف كربلاء , أتته أفواج من الجنّ الطّيّارة , وقالوا له : نحن أنصارك فمرنا بما تشاء , فلو أمرتنا بقتل عدو لكم لفعلنا. فجزاهم خيراً , وقال لهم : (( إنّي لا أخالف قول جدّي رسول الله حيث أمرني بالقدوم عليه عاجلاً , وإنّي الآن قد رقدت ساعة , فرأيت جدّي رسول الله قد ضمّني إلى صدره وقبّل ما بين عيني وقال لي : يا حُسين , إنّ الله عزّ وجلّ شاء أيراك مقتولاً ملطّخاً بدمائك , مخضّباً شيبتك بدمائك مذبوحاً من قفاك , وقد شاء الله أن يرى حرمك سبايا على أقتاب المطايا. وإنّي والله , سأصبر حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين )).
ثمّ إنّه (عليهالسلام ) لم يزل يحمل على القوم ويقاتلهم حتّى قتل من القوم ألوفاً ، فلمّا نظر الشّمر لعنه الله إلى ذلك , قال لعمر بن سعد : أيّها الأمير , والله لو برز إلى الحُسين أهل الأرض لأفناهم عن آخرهم , فالرّأي أن نفترق عليه , ونملأ الأرض بالفرسان والرّماح والنّبل تحيط به من كلّ جانب.
قال : ففعلوا ذلك , وجعل الحُسين يحمل تارة على الميمنة واُخرى على الميسرة , حتّى قتل على ما نُقل ما يزيد على عشرة آلاف فارس ولا يبين فيهم لكثرتهم حتّى أثخنوه بالجراح.
نُقل : أنّه وقع فيه ثمانون جرحاً ما بين طعنة ونبلة , فبينما هو كذلك , إذ رماه اللعين خولّى بن يزيد الأصبحي بسهم فوقع في لبّته فأرداه صريعاً على الأرض , فجعل ينزع السّهم ويأخذ الدّم بكفّه فيخضّب به رأسه ولحيته , فقيل له : ما هذا يا أبا عبد الله ؟ فقال : (( حتّى ألقى جدّي وأنا مخضوب بدمي , فأشكو إليه ما نزل بي )).
قال : فنادى شمر بن [ذي](١) الجوشن لعنه الله : ما انتظاركم فيه , احملوا عليه من كلّ جانب. فضربه زرعة بن شريك لعنه الله على عاتقه الأيسر , وضربه الآخر
____________________
(١) من إضافات المقوم. (معهد الإمامين الحسنين).
من كندة على وجهه , وآخر ضربه على مفرق رأسه , وحمل عليه جوشن(١) فقطعه وأصاب السّيف رأسه فسال الدّم منه وأخذ منه البرنس ، فقال له الحُسين (عليهالسلام ) : (( لا أكلت بيمينك ولا شربت بها وحشرك الله مع القوم الظّالمين )).
قال : فأقبل الكندي بالبرنس إلى منزله , فقال لزوجته : هذا برنس الحُسين فاغسليه من الدّم ، فبكت وقالت له : ويلك قتلت الحُسين وسلبت برنسه ! والله لا صبّحتك أبداً. فوثب إليها ليلطمها فانحرفت عن اللطمة , فأصابت يده الباب التي في الدّار , فدخل مسمار في يده فعملت عليه حتّى قطعت من وقته , ولم يزل فقيراً حتّى مات لارضياللهعنه .
وطعنه سنان بن أنس النّخعي برمح , وبادر إليه خولّى بن يزيد ليجتز رأسه , فرمقه بعينيه فارتعدت فرائصه منه فلم يجسر عليه وولّى عنه. ثمّ ابتدر إليه أربعون فارساً كلّ يريد قطع رأسه , وعمر بن سعد لعنه الله يقول : عجّلوا عليه عجّلوا عليه. فدنا إليه شبث بن ربعي وبيده سيف ليجتز رأسه , فرمقه (عليهالسلام ) بطرفه فرمى السّيف من يده وولّى هارباً وهو ينادي : معاذ الله يا حُسين أن ألقى أباك بدمك.
قال : فأقبل إليه رجل قبيح الخلقة كوسج اللحية أبرص اللون يُقال له سنان , فنظر إليه (عليهالسلام ) فلم يجسر عليه وولّى هارباً وهو يقول : ما لك يا عمر بن سعد غضب الله عليك , أردت أن يكون مُحمّد خصمي.
فنادى ابن سعد : من يأتيني برأسه وله ما يتهنى به ؟ فقال الشّمر : أنا أيّها الأمير. فقال : اسرع ولك الجائزة العُظمى. فأقبل إلى الحُسين - وقد كان غشي عليه - فدنا إليه وبرك على صدره , فحسّ به (عليهالسلام ) وقال : (( يا ويلك من أنت فقد ارتقيت مرتقى عظيماً ؟! )). فقال : هو الشّمر. فقال له : (( ويلك مَن أنا ؟! )). فقال : أنت الحُسين بن عليّ وابن فاطمة الزّهراء وجدّك مُحمّد المـُصطفى. فقال الحُسين : (( ويلك إذا عرفت هذا حسبي ونسبي , فلِمَ تقتلني ؟! )). فقال الشّمر : إن لم أقتلك فمَن يأخذ الجائزة من يزيد ؟ فقال (عليهالسلام ) : (( أيما أحبّ إليك الجائزة من يزيد أو شفاعة جدّي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) ؟ )). فقال اللعين : دانق من الجائزة أحبّ إليّ منك ومن جدّك. فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( إذا كان لا بدّ من قتلي فاسقني شربة من الماء )). فقال له : هيهات والله لا ذقت قطرة واحدة من الماء حتّى تذوق الموت غصّة بعد غصّة. فقال له : (( ويلك اكشف لي عن وجهك وبطنك ! )). فكشف له , فإذا هو أبقع أبرص
____________________
(١) هكذا هو الوارد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في شرح الأخبار ٣/١٦٣ : من كندة يُقال له مالك بن بشير. وفي الإرشاد ٢/١١٠ : مالك بن النّسر الكندي. وفي روضة الواعظين /١٨٨ : رجل يقال له مالك بن انس. وفي مثير الأحزان /٥٥ : مالك بن النّثر. وفي أعلام الورى بأعلام الهدى ١/٤٦٧ : مالك الكندي. وغيرهم قالوا غير ذلك. (معهد الإمامين الحسنين).
له صورة تشبه الكلاب والخنازير , فقال الحُسين (عليهالسلام ) : (( صدق جدّي فيما قال )). فقال : وما قال جدّك ؟ قال : (( يقول لأبي : يا عليّ , يقتل ولدك هذا رجل أبقع أبرص أشبه الخلق بالكلاب والخنازير )). فغضب الشّمر من ذلك وقال : تشبّهني بالكلاب والخنازير , فو الله لأذبحنّك من قفاك. ثمّ قلبه على وجهه وجعل يقطع أوداجه روحي له الفداء وهو ينادي : (( وا جدّاه ! وا مُحمّداه ! وا أبا قاسماه ! وا أبتاه وا عليّاه ! أأقتل عطشاناً وجدّي مُحمّد المـُصطفى ؟! أأقتل عطشاناً وأبي عليّ المـُرتضى واُمّي فاطمة الزّهراء ؟! )). فلمّا احتزّ الملعون رأسه , شاله في قناة فكبّر وكبّر العسكر معه , وشرع الحُسين في سلبه(١) , فأخذ سراويله بحر بن كعب , وأخذ عمامته أحبش بن يزيد ، وأخذ سيفه رجل من بني دارم , وانتهبوا رحله , فتزلزلت الأرض وأظلم الشّرق والغرب , وأخذت النّاس الصّواعق والرّجفة من كلّ جانب , وأمطرت السّماء دماً ، وانكسفت الشّمس لقتله ، وفيه يقول الشّاعر :
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة |
لقتل حسين والبلاد اقشعرت |
|
وإن قتيل الطف من آل هاشم |
أذلّ رقاب المسلمين فذّلت |
فيا فؤادي القريح من الكآبة والحزن لا تستريح ، أو ما يحقّ لهذا الرّزء الجليل أن تشقّ عليه القلوب فضلاً عن الجيوب.
نُقل : أنّه لمـّا قُتل الحُسين (عليهالسلام ) , جعل جواده يصهل ويحمحم ويتخطّى القتلى في المعركة واحداً بعد واحد ، فنظر إليه عمر بن سعد , فصاح بالرّجال : خذوه وآتوني به. وكان من جياد خيل رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , قال : فتراكضت الفرسان إليه , فجعل يرفس برجليه ويمانع عن نفسه ويكدم بفمه , حتّى قتل جماعة من النّاس ونكس فرساناً عن خيولهم ولم يقدروا عليه , فصاح ابن سعد : ويلكم تباعدوا عنه ودعوه لننظر ما يصنع ! فتباعدوا عنه ، فلمّا أمن الطّلب , جعل يتخطّى القتلى ويطلب الحُسين (عليهالسلام ) , حتّى إذا وصل إليه , جعل يشمّ رائحته ويقبّله بفمه ويمرّغ ناصيته عليه , وهو مع ذلك يصهل ويبكي بكاء الثّكلى حتّى أعجب كلّ من حضر ، ثمّ انفلت يطلب خيمة النّساء وقد ملأ البيداء صهيلاً , فسمعت زينب صهيله , فأقبلت على سكينة وقالت : هذا فرس أخي الحُسين(ع) قد أقبل لعلّ معه شيئاً من الماء. فخرجت متخمّرة من باب الخباء تتطلّع إلى الفرس , فلمّا نظرتها , فإذا هي عارية من راكبها(٢) والسّرج خال منه , فهتكت عند
____________________
(١) هذا ما ورد في الكتاب , ولكن ورد في الكامل في التاريخ ٤/٧٨ , وتاريخ الطبري ٤/٣٤٦ , وغيرهم هو : وسُلب الحُسين ما كان عليه... (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) الأصح أن يقال : فلمّا نظرته , فإذا هو عار من راكبه. المقوّم.
ذلك خمارها ونادت : والله قُتل الحُسين ! فسمعت زينب قولها فصرخت وبكت وأنشأت تقول :
شرقت بالريق في أخٍ فجعت به |
وكنت من قبل أرعى كل ذي جاري |
|
فالوهم أحسبه شيئاً فأندبه |
لولا التخيل ضاعت فيه أفكاري |
|
قد كنت آمل آمال أسر بها |
لولا القضاء الذي في حكمه جاري |
|
جاد الجواد فلا أهلاً بمقدمه |
إلّا بوجه حسين مدرك الثار |
|
ما للجواد لحاه الله من فرس |
أنلا يجد دون الضيغم الجاري |
|
يا نفس صبراً على الدُنيا ومحنتها |
هذا الحُسين قتيل بالعرى عاري |
قال : فخرجن النّساء فلطمن الخدود وشققن الجيوب وصحن : وا محمداه ! وا عليّاه ! وا فاطماه ! وا حسناه ! وا حُسيناه ! وارتفع الضّجيج وعلا الصّراخ , فصاح ابن سعد : أضرموا عليهم النّار في الخيمة. فقيل : يا ويلك يا عمر ! ما كفاك ما صنعت بالحُسين وتريد أن تحرق حرم رسول الله بالنّار ؟! لقد عزمت أن تخسف بنا الأرض. فأمرهم بعد ذلك بنهب ما في الخيم.
فيا ويلهم , ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله من غير جرم اجترموه ولا مكروه ارتكبوه ! فيا لها من مصيبة ما أوجعها ومن رزية ما أفجعها ! فكيف لا يحزن المحبّون وقد ذبح المبغضون ذرّيّة رسول الله من غير سبب ، وداروا برؤوسهم البلدان من غير أمر قد وجب ، وسبوا نساءهم على الجمال واُدخلوهم على يزيد في أذلّ الأحوال ؟! ما هو إلّا شيء( تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الْأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (١) :
ولم أنس من بين النساء سكينة |
تقول ودمع العين يهمي ويهمل |
|
أبي يا أبي يا خير ذخر فقدته |
فيا ضيعتي من ذا لضيمي أؤمل |
|
أبي يا أبي ما كان أسرع فرقتي |
لديك فمن لي بعدك اليوم يكفل |
|
أبي يا أبي من للشدائد يرتجي |
ومن لي إذا ما غبت كهف وموئل |
|
أبي يا أبي هل لا تعود لثاكل |
تعلّ من الأحزان طوراً وتنهل |
|
ومن لليتامى بعد بعدك سيّدي |
ومن للأيامى كافل ومتكفل |
|
فعذب حياتي بعد فقدك والدي |
وما دمت حتّى للقيامة حنظل |
____________________
(١) سورة مريم / ٩٠.
وتشكو إلى الزّهراء بنت مُحمّد |
بقلب حزين بالكآبة مقفل |
|
أيا جدتا قومي من القبر وانظري |
حبيبك متروب الجبين مرمل |
|
عرايا على عادي العرى متعفراً |
قتيلاً خضيباً بالدماء مغسل |
|
وقد قطعوا دون الوريد وريده |
وديس ومنه الرأس في الرمح يحمل |
|
وقد حرموا ماء الفرات عتاوة |
علينا وسلب الفاطميات حللوا |
|
وتلك الوجوه المشرقات برغمها |
تهتك ما بين الأنام وتهزل |
|
وتلك الجباه الشامخات على القنا |
تشج وترمي بالتراب وترمل |
|
وساروا بنا يا جدّه حواسرا |
وأوجهنا بعد التخفر تبذل |
|
سبايا على الأقتاب تبدو جسومنا |
عرايا بلا ظل به نتظلل |
وقال آخر :
وزينب من فرط الأسى تكثر البكا |
تقول أخي من لي إذا نابني الدهر |
|
أخي يابن أمي يا حسين أما ترى |
نساءك حسبرى عز عندهم الستر |
|
أخي يا كفيلي يا شقيقي وعدتي |
ومعتمدي إن مسني العسر واليسر |
|
أخي كنت ركني في الشدائد ملجأ |
وعوني ومن في حكمه النهي والأمر |
|
أخي قد رمانا الدهر بالضر والعنا |
أخي قد علانا بعدك الذل والكسر |
|
أخي قل صبري واحتمالي ومن تكن |
فقيداً لها من أين يلقي لها الصبر |
|
أخي بعدك السجاد في قيد أسرهم |
فلهفي لمن قد مضه القيد والأسر |
|
أخي لو ترانا فوق أقتاب بدنهم |
يسار بنا حسرى يعالجنا القهر |
|
أخي كل خطب هان عند حلوله |
سوى يومك الجاري فمطعمه مرّ |
|
فيا نكبة هدّت قوى دين أحمد |
وعظم مصاب في القلوب له شعر |
قال آخر : (ويُنقل : أنّه لزينب بنت فاطمة (عليهماالسلام ) :
تمسك بالكتاب ومن تلاه |
فأهل البيت هم أهل الكتاب |
|
بهم نزل الكتاب وهم تلوه |
وهم أهل الهداية للصواب |
|
إمامي وحد الرّحمن طفلاً |
وآمن قبل تشديد الخطاب |
|
علي كان صديق البرايا |
عليّ كان فاروق العذاب |
شفيعي في القيامة عند ربي |
نبيي والوصي أبو تراب |
|
وفاطمة البتول وسيدا من |
يخلد في الجنان من الشباب |
|
على الطف السلام وساكنيه |
وروح الله في تلك القباب |
|
نفوس قدست في الأرض قدماً |
وقد خلصت من النطف العذاب |
|
مضاجع فتية عهدوا فناموا |
هجوداً في الفوافد والشعاب |
|
علتهم في مضاجعهم كعاب |
بأرواق منعمة رطاب |
|
وصيرت القبور لهم قصوراً |
مناخاً ذات أفنية رحاب |
|
بنات مُحمّد أضحت سبايا |
يسقن مع الأسارى والتهاب |
|
معثرة الذيول مكشفات |
كسبي الروم دامية الكعاب |
|
لئن أبرزن كرهاً من حجاب |
فهن من التعفف في حجاب |
|
أيبخل بالفرات على حسين |
وقد أضحى مباحاً للكلاب |
|
فلي قلب عليه ذو التهاب |
ولي جفن عليه ذو انسكاب |
نُقل عن زينب بنت عليّ (عليهماالسلام ) قالت : في اليوم الذي أمر ابن سعد بسلبنا ونهبنا , كنت واقفة على باب الخيمة , إذ دخل الخيمة رجل أزرق العينين وأخذ جميع ما كان فيها وأخذ جميع ما كان عليّ , ونظر إلى زين العابدين فرآه مطروحاً على نطع من الأديم وهو عليل , فجذب النّطع من تحته , وجاء إليّ وأخذ قناعي وقرطين كانا في أذني , وهو مع ذلك يبكي , فقلت له : لعنك الله هتكتنا وأنت مع ذلك تبكي ؟! قال : أبكي مما جرى عليكم أهل البيت. قالت زينب : فقد غاضني , فقلت له : قطع الله يديك ورجليك وأحرقك بنار الدُنيا قبل الآخرة. فوالله ما مرّت به الأيّام حتّى ظهر المختار وفعل به ذلك ، ثمّ أحرقه بالنّار.
وأمّا عليّ بن الحُسين (عليهماالسلام ) , فإنّه أقبل إليه الشّمر مع جماعة وأرادوا قتله ، فقيل له : صبيّ عليل لا يحلّ قتله. ثمّ أقبل عليهم عمر بن سعد لعنه الله , فضجّ النّساء في وجهه بالبكاء والنّحيب حتّى ذهل اللعين وارتعدت فرائصه , وقال لهم : لا تقربوا هذا الصّبي. ووكّل بعليّ بن الحُسين وعياله من حضر , وقال لهم : أحفظوا واحذروا أن يخرج منهم أحد. فلمّا رأت اُمّ كلثوم ما حلّ بهم , بكت وأنشأت :
يا سائلي عن فتية صرعوا |
بالطف أضحوا رهن أكفاني |
وفتية ليس يجارى بهم |
بنو عقيل خير فرسان |
|
ثم بعون وأخيه معاً |
فذكرهم هيج أحزاني |
|
من كان مسروراً بما مسنا |
أو شامتاً يوماً بنا شاني |
|
لقد ذللنا بعد عز فما |
أرفع ضيماً حين يغشاني |
|
لقد هتكنا بعد صون لنا |
وسامني وجدي وأشجاني |
قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد اللعين نادى بأصحابه : مَن يبتدر إلى الحُسين فيوطئ ظهره وصدره بفرسه ؟ فابتدر من القوم عشرة رجال منهم إسحاق بن حنوة الحضرمي(١) وهو الذي يقول : نحن رضضنا الصّدر بعد الظّهر [بكلّ يعبوب شديد الأسر](٢) فداسوه بخيولهم حتّى هشموا صدره وظهره ، ورجع عمر بن سعد من ذلك. وقيل : أقام إلى الغد , فجمع قتلاه فصلّى بهم ودفنهم وترك الحُسين وأصحابه ، فلمّا ارتحلوا إلى الكوفة وتركوهم على تلك الحال , عمد أهل الغاضرية من بني أسد , فكفّنوا أصحاب الحُسين وصلّوا عليهم ودفنوهم ، وكانوا اثنين وسبعين رجلاً.
ثمّ إنّ عمر بن سعد أمر بالرّحيل , فأخذوا السّبايا على الجمال , وحملوا عليّ بن الحُسين أسيراً , وحملوا الرؤوس على الأسنّة , وتركوا القتلى مطرحين بأرض الغاضريات.
ونُقل عن الشّعبي أنّه قال : سمع أهل الكوفة ليلة قتال الحُسين قائلاً يقول :
وفتية ليس يجارى بهم |
بنو عقيل خير فرسان |
|
ثم بعون وأخيه معاً |
فذكرهم هيج أحزاني |
|
من كان مسروراً بما مسنا |
أو شامتاً يوماً بنا شاني |
|
لقد ذللنا بعد عز فما |
أرفع ضيماً حين يغشاني |
|
لقد هتكنا بعد صون لنا |
وسامني وجدي وأشجاني |
قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد لمـّا أذن للناس بالرّحيل إلى الكوفة , وأمر بحمل السّبايا من بنات الحُسين وإخوته وذراريهم , فمرّوا بجثّة الحُسين ومَن معه , صاحت النّساء ولطمن وجوههن , ونادت زينب بنت عليّ : يا مُحمّداه ! صلّى عليك مليك السّماء , هذا حُسين بالعراء مرمّل بالدّماء معفّر بالتّراب مقطّع الأعضاء , يا محمداه ! بناتك في العسكر سبايا وذرّيّتك مقتّلة تسفى عليهم الصّبا , هذا أبيك(٣) محزوز
____________________
(١) هكذا ورد في الكتاب , ولكن الوارد في بحار الأنوار ٤٥/٥٩ , والعوالم ، الإمام الحسين (ع) /٣٠٣ , ولواعج الأشجان /١٩٥ , وأعيان الشّيعة ١/٦١٢ , واللهوف في قتلى الطّفوف /٨٠ , وغيرهم , هو : أسيد بن مالك. وفي بعض غيرهم غيره. (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) كما في مثير الأحزان /٦٠ , ولواعج الأشجان /١٩٥ , وغيرهم. (معهد الإمامين الحسنين).
(٣) هكذا ورد في الكتاب , ولكن الوارد في بحار الأنوار ٤٥/٥٩ , والعوالم ، الإمام الحسين (ع) /٣٠٣ , واللهوف في قتلى الطّفوف /٧٨ , وغيرهم , هو : وهذا حسين... (معهد الإمامين الحسنين).
الرّأس من القفا , لا هو غائب فيُرجى ولا جريح فيداوى. فما زالت تقول هذا القول حتّى أبكت كلّ صديق وعدو , حتّى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها. ولله درّ بعض المحبّين حيث يقول :
قفوا ودعونا قبل بعدكم عنا |
وداعاً فإن الجسم من أجلكم مضني |
|
فقد نقضت منّي الحياة وأصبحت |
على فجاج الأرض من بعدك سجنا |
|
سلامي عليكم ما أمرّ فراقكم |
فيا ليتنا من قبل ذاك اليوم قد متنا |
|
وإني لارثي للغريب وإنني |
غريب بعيد الدار والأهل والمعنى |
|
إذا طلعت شمس النهار ذكرتكم |
وإن غربت جددت من أجلكم حزنا |
|
لقد كان عيشي بالأحبة صافياً |
وما كنت أدري أن صحبتنا تفنى |
|
زمان نعمنا فيه حتّى إذا انقضى |
بكينا على أيامنا بدم أقنى |
|
فوالله قد زاد اشتياقي إليكم |
ولم يدع التغميض لي بعدكم جفنا |
|
وقد بارحتني لوعة البين والأسى |
وقد صرت دون الخلق مقترعاً سنا |
|
وقد رحلوا عني أحبة خاطري |
فما أحد منهم على غربتي حنا |
|
عسى ولعل الدهر يجمع بيننا |
وترجع أيام الهنا مثل ما كنا |
فيا إخواني , كيف لا نلبس جلابيب الأحزان وسرابيل الأشجان على سادات الزّمان واُمناء الملك الدّيان , المبرّئين من الزّيادة والنّقصان , الممدوحين بكلّ جارحة ولسان ! فتعساً لمن أرداهم وسحقاً وخيبة لمن خالفهم وعصاهم ! وليتني حضرتهم يوم الطّفوف ووقيتهم بنفسي من الحتوف , ولكن الأمر ما أراد الله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
روى الثّقاة من أصحاب الحديث بأسانيدهم عن هند بنت الحرث , قالت : نزل رسول الله خيمة خالتي اُمّ سعد فنام ، ثمّ قام عن رقدته فدعا بماء يغسل يديه ، ثمّ تمضمض ومجّ في عوسجة إلى جانب الخيمة , فأصبحنا فإذا هي أعظم دوحة , وجاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشّهد , ما أكل منها جائع إلاّ شبع ولا ظمأ إلّا روي ولا سقيم إلّا بريء , ولا أكلت من ورقها شاة إلّا درّ لبنها , فكنّا نسمّيها المباركة , حتّى أصبحت ذات يوم تساقط ثمرها واصفر ورقها , ففزعنا ممّا رأينا , فما راعنا إلاّ نُعي رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , ثمّ إنّه بعد ثلاثين سنة , أصبحت ذات شوكة من أسفلها إلى أعلاها ,
وتساقط ثمرها وذهبت نضرتها , فما شعرنا إلّا بقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهماالسلام ) ، فما أثمرت بعد ذلك وكنّا ننتفع بورقها ، ثمّ أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط وقد ذبل ورقها , فبينما نحن فزعين مهمومين , إذ أتانا مقتل الحُسين السّبط ويبست الشّجرة على أثر ذلك وذهبت.
وروي عن ابن عباس , قال : كنت نائماً في منزلي في المدينة قابلة الظّهر , فرأيت رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) وهو مقبل من نحو كربلاء , وهو أشعث أغبر والتّراب على شيبته وهو باكي العين حزين القلب , ومعه قارورتان مملؤتان دماً ، فقلت له : يا رسول الله , ما هذه القارورتان المملؤتان دماً ؟ فقال : (( هذه فيها من دم الحُسين , وهذه الاُخرى من دم أهل بيته وأصحابه , وإنّي رجعت الآن من دفن ولدي الحُسين )). وهو مع ذلك لا يفيق من البكاء والنّحيب.
قال ابن عباس : فاستيقظت من نومي فزعاً مرعوباً حزيناً على الحُسين ولم أعلم بقتله , فبقيت في الهمّ والغمّ أربعة وعشرين يوماً , حتّى جاء النّاعي إلى المدينة بقتل الحُسين (عليهالسلام ) , فحسبت من يوم الرؤيا إلى ذلك اليوم , فإذا هو يوم قتل الحُسين وفي تلك السّاعة كان مقتله , فتعجبت من ذلك وتزايدت أحزاني وتصاعدت أشجاني.
فعلى الأطائب من أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون , ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون، أو لا تكونوا كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة لمحمد بن حماد (رحمهالله )
لغير مصاب السبط دمعك ضائع |
ولم نحظ بالحظ الذي أنت طامع |
|
ولا أنت فيما تدعيه من الولاء |
إذا لم يذب من لوعة الحزن سامع |
|
فكل مصاب دون رزء ابن فاطم |
حقير ورزء السبط والله فازع |
|
فدعني عذولي والبكاء فإنني |
اراك خلياً لم ترعك الفواجع |
|
لأي مصاب اُمّ لأي رزية |
تصان لها دون الحُسين المدامع |
|
لحا الله طرفاً لم يسح دموعه |
بقان فما دمع على السبط ضائع |
|
فأين ادعاك الود والعهد والولاء |
وقولك إنّي تابع ومتابع |
|
يبيت حسين ساهر الطرف خائفاً |
وطرفك ريان من النوم هاجع |
وجسم حسين بالدماء مرمل |
وجسمك في ثوب من الحزن دارع |
|
أيا عين ابكي للحسين وما جرى |
عليه وما جرت عليه الخدائع |
|
لقد كاتبوه الناكثون وكثروا |
لقولهم أقدم فسعدك طالع |
|
وليس لنا إلاك يابن مُحمّد |
إماماً وإن الدين والحق ضائع |
|
وأنفسنا دون النفوس وأهلها |
وأموالنا تفديك والكل طائع |
|
فأقبل مولاي الحُسين بأهله |
يحدبهم حدب الظهور الجراشع |
|
فلم يلق إلّا غادراً ومنافقاً |
وكل لعين أحرقته المطامع |
|
يسائله ماذا الذين أنت طالب |
وفي أي قول جئت فيه وطامع |
|
فقال لهم كتب لكم ورسائل |
تخبر أن الكل للحق طائع |
|
فأبدوا جحوداً واغتدوا وتجبروا |
وباحوا بما كانوا بذكراه طالعوا |
|
وأصبح ممنوعاً من الماء ورده |
وقد ملكت دون الحُسين الشرائع |
|
فيا لهف قلبي للشهيد وأهله |
وأصحابه كل هناك يطالع |
|
إلى الماء يجري واللئام تحوطه |
كلون سماء موجه متدافع |
|
وللفاطميات العفاف تلهف |
على شربه والذئب والكلب شارع |
|
فلما رأى السبط الشهيد ضلالهم |
وكل لكل في الغواية تابع |
|
أتى نحوهم في نعله وردائه |
ولا راعه من كثرة القوم رائع |
|
وقال لهم يا قوم أي شريعة |
مبدلها اُمّ أي بدعة بادع |
|
يحل لكم قتلي بغير جناية |
ألا فانسبوني من أنا ثمّ راجعوا |
|
نفوسكم قبلي الندامة والأسى |
فما الحزن من بعد التفرط نافع |
|
إذا لم تكونوا ترتضون قدومنا |
دعوني عنكم إنّي الآن راجع |
|
فقالوا له خل التعل والمنى |
وصحبك جمعاً سلموا ثمّ بايعوا |
|
وإلّا فكاسات المنون مليئة |
بها السم من زرق الأسنة ناقع |
|
فشأنك والحالين أي كلاهما |
تريد فأخبرنا بما أنت صانع |
|
فقال لهم كفوا عن الحرب إنني |
أفكر فيما قلتم وأطالع |
|
ولما دجي الليل البهيم عليهم |
وطاب لخالين القلوب المضاجع |
|
دعا السبط أنصاراً كراماً أعفة |
وما منهم إلّا حمى وطائع |
فقال لهم بالحل أمضوا واسلكوا |
سبيل النجا بالليل فالبر واسع |
|
فقالوا جميعاً لا رعى الله عيشة |
نعيش بها والسبط للموت جارع |
|
فقاموا يرون الموت أكبر مغنم |
وما منهم إلّا عن السبط دافع |
|
وقام لهم سوق من الموت حامياً |
وتجاره سمر القنا والقواطع |
|
وبادي منادي الموت واشتجر القنا |
وقد نشرت للبيع ثمّ البضائع |
|
فكم بائع نال السعادة والمنى |
وكم خاب ذاك اليوم شار وبائع |
|
فلله من أقمار ثمّ تساقطت |
على الأرض صرعى فهي فيها طوالع |
|
وآساد غيل بعد بأس وسطوة |
مذللة من بعد عز خواضع |
|
وعاد حسين مثل ما قال شاعر |
كما مثل كف طار عنها الأصابع |
|
ونسوانه من بين سبي وغارة |
حزانا حيارى نادبات جوازع |
|
وبنت عليّ لا تمل من البكا |
بقلب لها قلب الأحبة لاسع |
|
تقول أخي هذا الفراق متى اللقا |
وفي أي وقت يجمع الشمل جامع |
|
أخي من لنا من بعد فقدك كافل |
وفيمن تلوذ البائسات الضوائع |
|
وصاح ابن سعد إذ رأى السبط وسلبه |
ونهب خيام النساء وسارعوا |
|
ألا عجلوا قتل الحسين وسلبه |
ونهب خيام النساء وسارعوا |
|
فمال عليه القوم بالبيض والقنا |
ورشق سهام رميه متتابع |
|
فأردوه مخضوب الثياب كأنه |
شمام هوى من سرجه أو مقالع |
|
كأني بشمر جالساً فوق صدره |
لرأس حسين بالمهند قاطع |
|
وعلى سنان رأسه في سنانه |
ونور حسين السبط كالبدر ساطع |
|
فيا لك من يوم عظيم مصابه |
عجيب أمور للشواهق ضارع |
|
ففحم الغوى والجهل والبطل جامع |
ونهر الهدى والدين والحق ضائع |
|
وفيه حسين بالدماء مرمل |
وفيه يزيد بالمسرة رائع |
|
وزواره عود وخمرة وقينة |
وزوار مولاي الحُسين الجوامع |
|
وطفل يزيد بالمهود ممهد |
وطفل حسين بالمنية راضع |
|
وأطلال أولاد الدعي عوامر |
وأطلال أولاد النّبي بلاقع |
|
وآل زياد بالستور أعزة |
وآل رسول الله فيها ضوارع |
كمثل لمـّا يضربن من كل جانب |
وقد أخذت عن رؤوسهن المقانع |
|
إذا نظروا رأس الحُسين إمامهم |
إلى الأرض من فوق المطايا تواقع |
|
ولم أنس زين العابدين مكبلاً |
وشمر له بالسب والضرب واجع |
|
وفخذاه نضاخان قان وقلبه |
من الوجد والتبريح بالذل خاشع |
|
فكل مصاب هان دون مصابهم |
وكل بلاء دونه متواضع |
|
أيا سادتي يا آل طه عليكم |
سلام متى ناح الحمام المراجع |
|
فوالله ما لي في المعاد ذخيرة |
ولا عمل فيه انمحى الذنب طائع |
|
سوى حبكم يا خيرب من وطأ الثرى |
وإني بذاك الذخر راض وقانع |
|
لعل ابن حماد مُحمّد عبدكم |
له في غد خير البرية شافع |
|
عليكم سلام الله ما هبت الصبا |
وما لاح نجم في دجى الليل لا مع |
الباب الثّاني
يا إخواني , وكيف لا تحزنون على حبيب ربّ العالمين ، وثمرة فؤاد الزّهراء بنت خاتم النّبيين ، وقرّة عين عليّ أمير المؤمنين؟! وكيف لا يكون كذلك وقد ورد في الخبر عن سيّد البشر , أنّه قال في الحسن والحُسين : (( اللّهمّ , أحبّهما وأحبّ من يحبّهما )). وقال : (( مَن أحبّ الحسن والحُسين أحببته , ومَن أحببته أحبّه الله , ومَن أحبّه الله أدخله الجنّة , ومَن بغضهما بغضته , ومَن أبغضته أبغضه الله , ومَن أبغضه الله أدخله النّار )).
فوا عجباه ممّن يحبّهما رسول الملك الخلاق , كيف يقع بهما أهل الضّلال والنّفاق ! فأيّ فؤاد لا يحزن لفقدهم ؟ وأيّ عين تحبس دمعها من بعدهم ؟ وكيف تستقرّ القلوب وقد أصبح أهل بيت الرّسول مطرودين على(١) الأوطان , مشرّدين في البراري والبلدان , شاسعين في الأمصار كأنّهم مع سبايا الكفّار , من غير جرم اجترموه أو مكروه ارتكبوه. فكم من ورع اُريق دمه وذي كمال نكس علمه , فلو سمعتم كيف ينوح عليه(٢) لسان الصّلوات ويحنّ إليهم إنسان الخلوات , وتبكيهم محاريب المساجد وتناديهم أندية الفوائد , لشجاكم سماع تلك الواعية النّازلة , وعرفتم تقصيركم في هذه المصيبة الشّاملة. ولله درّ مَن قال من الرّجال :
ولم أنس مولاي الحُسين وقد غدا |
يودع أهليه ويوصي ويعجل |
____________________
(١) الأنسب : عن. المقوّم.
(٢) الأنسب : عليهم. المقوّم.
ينادي ألا يا أهل بيت مُحمّد |
أصيغوا ل ـ مّا أوصيكموا وتقبلوا |
|
عليكم بتقوى الله لا تتغيروا |
لعظم رزاياكم ولا تتبدلوا |
|
ودوموا على أعمالكم وانتهالكم |
وقوموا إذا جن الدجى وتنفلوا |
|
وإن نابكم خطب فلا تتضعضعوا |
لوقع الرزايا واصبروا وتحملوا |
|
وفاطمة الصغرى تقول لأختها |
هلمي إلى التوديع فالأمر مهول |
|
ألى والدي يوصني بنا أخواته |
وعيناه من حزن تفيض وتهمل |
|
وتدعو ألا يا سيّدي بلغ العدى |
بنا ما تمنوا في النفوس وأمّلوا |
|
وقمن النساء الفاطميات ولهاً |
فأبصرن منه ما يسوء ويذهل |
|
وخرت عليه زينب مستغيثة |
ومعجزها من نحره متبلل |
|
وتشكو إلى الزّهراء فاطم حالها |
وتندب مما نالها وتولول |
|
أيا اُمّ قومي من ثرى القبر وانظري |
حبيبك ملقى في الثرى لا يغسل |
|
وهل أنت يا ست النساء عليمة |
بأنا حيارى نستجير ونسأل |
|
وهل لك علم من عليّ فإنه |
أسير عليل في القيود مغلل |
|
علمتم وما أعلمتمونا برزئكم |
وحملتمونا اليوم ما ليس يحمل |
|
فيا حسرة لا تنقضي ومصيبة |
لقد نزلت بالناس دهياء معضل |
نُقل : أنّ الحُسين لـمّا أراد الخروج إلى العراق , قالت له اُمّ سلمه : يا مولاي لا تخرج , قد سمعت جدّك رسول الله يقول: (( يُقتل ابني الحُسين بالعراق )). وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة ، فقال : (( والله إنّي مقتول كذلك , وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضاً )). ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة وأعطاها إيّاها وقال : (( اجعليها مع القارورة التي أعطاك ايّاها جدّي , فإذا فاضتا دماً , فاعلمي أنّي قد قُتلت )). قالت اُمّ سلمه : فلمّا كان يوم عاشوراء , نظرت إلى القارورتين بعد الظّهر , فإذا هُما قد صارتا دماً. فصاحت وأعلمت من كان عندها , فصرخوا وأقاموا عليه العزاء. ولم يُقلب ذلك اليوم حجر ولا مدر إلّا ووجد تحته دم عبيط.
علم جدّه (صلىاللهعليهوآله ) أنّه مقتول فأوعز إليه , فاستقرّ ذلك في الخاطر وانعقدت عليه السّرائر , فهان عليه ما يلقاه في طاعة ربّه ومولاه حتّى جاهد على الضّلال ممتثلاً لرضا ذي الجلال. فويل لمن خصماؤه شفعاؤه وشفعاؤه خصماؤه !
فيا إخواني , لا تساموا في إقامة
الأحزان ولا ترغبوا عن إظهار الجزع والأشجان , فإنّه قليل في جنب هذا الخطب الجليل.
نُقل : أنّه لـمّا ارتحل عمر بن سعد لعنه الله ومن معه من أرض كربلاء متوجهاً إلى الكوفة , ومعهم حرم رسول الله ورؤوس العلويين ورأس الحُسين بمقدمهم , سمعوا هاتفاً يقول :
نُقل : أنّ الأبيات لسُليمان بن قتيبة
مررت على أبيات آل مُحمّد |
فلم أرها أمثالها يوم حلت |
|
فلا أبعد الله الديار وأهلها |
وإن أصبحت عنها برغم تخلت |
|
وكانوا رجاء ثمّ صاروا رزية |
لقد عظمت تلك الرزايا وجلت |
|
ألا أن قتل السبط من آل هاشم |
أذل رقاب المسلمين فذلت |
|
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة |
لقتل حسين والبلاد اقشعرت |
|
فليت الذي أهوى إليه بسيفه |
أصاب به يمنى يديه فشلت |
عن مُسلم الجصاص , قال : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة , فبينما أنا أجصص الأبواب , وإذا بالزّعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة ، فأقبلت على خادم وكان يعمل معنا , فقلت : ما لي أرى الكوفة تضجّ ؟ قال : السّاعة أتوا برأس خارجي , خرج على يزيد بن معاوية. فقلت : مَن هذا الخارجي ؟ قال : الحُسين بن عليّ. قال : فتركت الخادم حتّى خرجت ولطمت وجهي حتّى خشيت على عيني أن تذهبا , وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس , فبينما أنا واقف والنّاس يتوقعون وصول السّبايا والرّؤوس , إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملاً فيها الحرم والنّساء وأولاد فاطمة , وإذا بعليّ بن الحُسين على بعير بغير وطاء وأوداجه تشجب(١) دماً وهو مع ذلك يبكي ويقول :
يا أمة السوء لا سقياً لربعكم |
يا أمة لم تراعي جدنا فينا |
|
لو أننا ورسول الله يجمعنا |
يوم القيامة ما كنتم تقولونا |
|
تسيرونا على الأقتاب عارية |
كأننا لم نشيد فيكم دينا |
|
بني أمية ما هذا الوقوف على |
تلك المصائب لا تبلون داعينا |
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في الكتب الاُخرى : تشخب. المقوّم.
تصفقون علينا كفكم فرحاً |
وأنتم في فجاج الأرض تسبونا |
|
أليس جدّي رسول الله ويلكم |
أهدى البرية من سبل المضلينا |
|
يا وقعة الطف قد أورثتني حزناً |
والله يهتك أستار المسيئينا |
قال : وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التّمر والخبز والجوز , فصاحت بهم اُمّ كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة , إنّ الصّدقة علينا حرام. وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال ومن أفواههم وترمي به إلى الأرض , قال : كلّ ذلك والنّاس يبكون على ما أصابهم ، ثمّ إنّ اُمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم : يا أهل الكوفة , تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم , فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء. فبينما هي تخاطبهم , وإذا بضجّة قد ارتفعت , وإذا هُم بالرّوؤس بمقدمهم رأس الحُسين , وهو رأس أزهري قمري أشبه الخلق برسول الله , ولحيته كسواد التّيح قد اتصل بها الخطاب , ووجهه دائرة قمر طالع , والرّيح تلعب بها(١) يميناً وشمالاً ، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها , فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتّى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها , وأومت إليه بحرقة وجعلت تقول :
يا هلالاً لـمّا استتم كمالاً |
غاله خسفه فأبدى غروبا |
|
ما توهمت يا شقيق فؤادي |
كان هذا مقدراً كتوبا |
|
يا أخي فاطم الصغرى كلمها |
فقد كاد قلبها أن يذوبا |
|
يا أخي قلبك الشفيق علينا |
ما له قد قسا وصار صليبا |
|
يا أخي لو ترى علياً لدى الأسر |
مع اليتم لا يطيق وجوبا |
|
كلما أوجعوه بالضرب ناداك |
بذل يفيض دمعاً سكوبا |
|
يا أخي ضمه إليك وقربه |
وسكن فؤاده المرعوبا |
|
ما أذل اليتيم حين ينادي |
بأبيه ولا يراه مجيبا |
قال : ثمّ إنّ ابن زياد اللعين جلس في قصر الإمارة وأذن للناس أذناً عامّاً , وأمر بإحضار رأس الحُسين , فاُحضر بين يديه وجعل ينظر إليه ويبتسم وكان بيده قضيب , فجعل يضرب به ثناياه. قال : وكان إلى جانبه رجل من الصّحابة يُقال له
____________________
(١) الظّاهر أنّه يقصد لحيته. المقوّم.
زيد بن أرقم وكان شيخاً كبيراً ، فلمّا رآه يفعل ذلك , قال له : ارفع قضيبك عن هاتين الشّفتين , فوالله الذي لا إله إلّا هو, لقد رأيت ثنايا رسول الله ترشف ثناياه. ثمّ انتحب وبكى , فقال ابن زياد : أتبكي , أبكى الله عينك ؟ والله لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك , لأضربنّ عنقك. فنهض عنه مولّياً.
ثمّ دخلت عليه زينب بنت عليّ وهي متنكّرة وعليها أرذل ثيابها ، فجلست ناحية وقد حفّ بها إماؤها , فقال ابن زياد : مَن هذه ؟ فلم تجبه , فأعاد القول ثانية ، فقال له بعض الخدم : زينب بنت عليّ. فأقبل عليها ابن زياد وقال لها : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم. فقالت : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه مُحمّد وطهّرنا من الرّجس تطهيراً ، إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو أنت يا عدو الله وعدو رسوله. فقال لها : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيته ؟ فقالت : كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم , وسيجمع الله بينك وبينهم وتتحاجّون وتتخاصمون عنده ، وإنّ لك يا بن زياد موقفاً فاستعد له جواباً وإنّي لك به(١) . فغضب ابن زياد واستشاط , فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من خطاياها. فقال ابن زياد : قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك. فرقّت زينب وبكت وقالت : لعمري , لقد قتلت كهلي وأبرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثت أصلي , فإن يشفك هذا فقد اشتفيت ؟ فقال ابن زياد : هذه سجّاعة , ولعمري , كان أبوها أسجع منها. فقالت : ما للمرأة والسّجاعة , وأنّى لي السّجاعة , وأنّي لفي شغل عنها ولكن صدري نفث بما قُلت.
ثمّ عُرض عليه عليّ بن الحُسين ، فقال له : مَن أنت ؟ قال : أنا عليّ بن الحُسين ، وقد كان لي أخ أكبر منّي قتلوه النّاس. فقال له ابن زياد : قتله الله. فقال عليّ بن الحُسين : الله يتوفّى الأنفس حين موتها. قال : فغضب ابن زياد وقال : ألك جرأة على جوابي وفيك بقيّة الرّد عليّ ؟! اذهبوا إليه(٢) فاضربوا عنقه. فتعلّقت به زينب وقالت : يا بن زياد , حسبك من دمائنا. واعتنقته وقالت : والله لا أفارقه , وإن قتلتموه فاقتلوني معه. فنظر ابن زياد وقال : واعجباً للرحم ! والله إنّي لأظنّها تودّ أن أقتلها دونه ، دعوه فإنّي أراه لما به مشغول.
ثمّ قام من مجلسه وخرج من القصر وجاء المسجد وصعد المنبر وقال : الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله ,
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في اللهوف في قتلى الطّفوف /٩٤ , وغيره , فقالت : ما رأيت إلا جميلا ، هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم , وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم , فانظر لمن يكون الفلج يؤمئذ , هبلتك اُمّك يا بن مرجانة. (معهد الإمامين الحسنين).
(٢) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في اللهوف في قتلى الطفوف /٩٥ , وغيره : به. (معهد الإمامين الحسنين).
ونصر الأمير يزيد بن معاوية وحزبه , وقتل الكذّاب ابن الكذّاب وشيعته. فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وكان من شيعة عليّ (عليهالسلام ) , وقال بأعلى صوته : يا عدو الله , الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه , يا بن مرجانة , تقتل أولاد الأنبياء وتقوم مقام الصّديقين الأتقياء ؟! قال ابن زياد : عليّ به. فأخذته الجلاوزة , فنادى : معاشر الأزد. فاجتمع منهم جمع كثير فانتزعوه من أيديهم ، فلمّا كان الليل , أمر ابن زياد من يأتيه به وقد كان كفّ بصره , فهجموا عليه ولم يكن عنده غير ابنته , فقال لها : يا بنيّة , ناوليني سيفي وقولي : خلفك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك. فقتل منهم مقتله عظيمة ، ثمّ ظفروا به واخذوه أسيراً إلى ابن زياد , فقال له : الحمد لله الذي أعمى عينيك. فقال له : الحمد لله الذي فتح عينيك وأعمى قلبك. فأمر به فضربت عنقه وصلب رحمة الله عليه. قال من حضر : رأيت ناراً قد خرجت من القصر كادت تحرقه , فقام ابن زياد عن سريره هارباً ودخل بعض بيوته. كلّ ذلك ولم يرتدع اللعين عن غيّه وشقاوته.
ثمّ التفت إلى السّبي فرأى زينب وهي تتخفّى بين النّساء وتستر وجهها بكمّها ؛ لأنّ قناعها اُخذ منها , فقال لها : يا زينب , كلّميني بحقّ جدّك رسول الله. فقالت : وما الذي تريد وقد هتكتني بين النّساء ؟ قال : كيف رأيت صنع الله بأخيك , أراد أن يكابر الأمير يزيد في مكّة , فخيّب الله أمله وقطع رجاه ؟ فقالت زينب : ويلك يابن مرجانة ! كم تسحب علينا أثواب غيّك , فإنّ أخي إن طلب الخلافة فلا عدوان عليه , فإنّه طلب ميراث جدّه وأبيه , وإنّه أحقّ بالأمر منك وممّن أمّرك , لكنّك استجرت الجحيم لنفسك , فاستعد لله جواباً إذا كان هو القاضي والخصم جدّي رسول الله والسّجن جهنّم.
قال : فغار عليّ بن الحُسين على عمّته , فقال لابن زياد : إلى كم تهتك عمّتي بين من يعرفها ومَن لا يعرفها , قطع الله يديك ورجليك ؟ قال : فاستشاط ابن زياد وأمر بضربه , فمنع من ذلك.
قال : ثمّ إنّ اللعين دعا بالشّمر وخولّى وشبث بن ربعي وعمر بن الحاج وضمّ إليهم ألف فارس وزوّدهم , وأمرهم بأخذ السّبايا والرّؤوس إلى دمشق عند يزيد , وأمر أن يشهروهم في كلّ بلدة يدخلونها , فساروا على الفرات واخذوا على أوّل منزل نزلوا وكان المنزل خراباً , فوضعوا الرّأس بين أيديهم والسّبايا قريباً منه , وإذا بكفّ خارج من الحائط وقلم يكتب بدم هكذا :
أترجو أمة قتلت حسيناً |
شفاعة جدّه يوم الحساب |
|
فال والله لي لهم شفيع |
وهم يوم القيامة في العذاب |
قال : ففزعوا من ذلك وارتاعوا ورحلوا من ذلك المنزل , وإذا بهاتف يسمعونه ولا يرونه وهو يقول :
ماذا تقولون إذ قال النّبي لكم |
ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم |
|
بعترتي وبأهلي عند مفتقدي |
منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم |
|
ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم |
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي. |
قال : فلمّا وصلوا إلى تكريت , أنفذوا إلى صاحب البلد : أن تلقانا فإنّ معنا رأس الحُسين وسباياه. فلمّا أخبرهم الرّسول بذلك , نُشرت الأعلام وخرجت الغلمة(١) يتلقونهم ، فقالت النّصارى : ما هذا ؟ فقالوا : رأس الحُسين. فقالوا : هذا رأس ابن بنت نبيّكم ؟ قالوا : نعم. قال : فعظم ذلك عليهم وصعدوا إلى بيعهم وضربوا النّواقيس ؛ تعظيماً لله ربّ العالمين , وقالوا : اللّهمّ , إنّا إليك براء ممّا صنع هؤلاء الظّالمون.
قال : فلمّا رحلوا من تكريت وأتوا على وادي النّخلة , سمعوا بكاء الجنّ وهن يلطمن الخدود على وجوههن ويقلنّ :
مسح النّبي جبينه فله بريق في الخدود |
أبواه من علياً قريش جدّه خير الجدود |
واُخرى تقول :
ألا يا عين جودي فوق خدي |
فمن يبكي على الشّهداء بعدي |
|
علي رهط تقودهم المنايا |
إلى متكبر في الملك عبد |
قال : فلمّا وصلوا إلى بلدة يُقال لها مرشاد , خرج المشايخ والمخدرات والشّبّان ؛ يتفرّجون على السّبي والرّؤوس , وهُم مع ذلك يصلّون على مُحمّد وآله ويلعنون أعداءهم وهو من العجائب ، ثمّ رحلوا عنه إلى مدينة يُقال لها بعلبك , وكتبوا إلى صاحبها : بأن تلقانا فإنّ معنا رأس الحُسين بن عليّ. فأمر بالرّايات فنشرت , وخرج الغلمان يتلّقونهم على نحو من ستة أميال فرحاً بهم.
قال : فدعت عليهم
____________________
(١) الظّاهر يريد : الغلمان. المقوّم.
اُمّ كلثوم , فقالت : أباد الله كثرتكم وسلّط عليكم من يقتلكم. قال : فعند ذلك بكى عليّ بن الحُسين وقال :
هو الزمان فلا تفنى عجائبه |
عن الكرام وما تهدأ مصائبه |
|
فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنا |
فنونه وترانا كم نجاذبه |
|
يسري بنا فوق أقتاب بلا وطاء |
وسائق العيس يحمي عنه غاربه |
|
كأننا من أسارى الروم بينهم |
كأنما قاله المختار كاذبه |
|
كفرتم برسول الله ويحكم |
فكنتم مثل من ضلت مذاهبه |
قال : ونصبوا الرّمح الذي فيه الرّأس إلى جانب صومعة راهب , فسمعوا هاتفاً يقول :
والله ما جئتكم حتّى بصرت به |
بالطف منعفر الخدين منحورا |
|
وحوله فتية تدمى نحورهم |
مثل المصابيح يغشون الدجي نورا |
|
كان الحُسين سراجاً يستضاء به |
الله أعلم إنّي لم أقل زورا |
فقالت اُمّ كلثوم : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا ملك من الجنّ , أتيت أنا وقومي لننصر الحُسين فصادفناه وقد قُتل. قال : فلمّا سمعوا بذلك , رعبت قلوبهم وقالوا : إنّنا علمنا أنّنا من أهل النّار بلا شك. فلمّا جنّ الليل , أشرف الرّاهب من صومعة ونظر إلى الرأس وقد سطع منه نور وقد أخذ في عنان السّماء , ونظر إلى باب قد فُتح من السّماء والملائكة ينزلون وهم ينادون : يا أبا عبد الله عليك السّلام. فجزع الرّاهب من ذلك , فلمّا أصبحوا وهمّوا بالرّحيل , أشرف الرّاهب عليهم وقال : ما الذي معكم ؟ قالوا : رأس الحُسين بن عليّ. فقال : ومَن اُمّه ؟ قالوا : فاطمة بنت مُحمّد. قال : فجعل الرّاهب يصفق بكلتا يديه وهو يقول : لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم , صدقت الأحبار فيما قالت. فقالوا : وما الذي قالت الأحبار ؟ قال : يقولون إذا قُتل هذا الرّجل , مطرت السّماء دماً ، وذلك لا يكون إلّا لنبي أو ولد وصي. ثمّ قال : وا عجباه من اُمّة قتلت ابن بنت نبيّها وابن وصيه ! ثمّ إنّه أقبل على صاحب الرّأس الذي يلي أمره , وقال له : أرني الرّأس لأنظر إليه. فقال : ما أنا بالذي أكشفه إلّا بين يدي الأمير يزيد ؛ لأحظى عنده
بالجائزة وهي بدرة عشرة آلاف درهم. فقال الرّاهب : أنا أعطيك ذلك. فقال : احضره. فاحضر له ما قال ، ثمّ أخذ الرّأس وكشف عنه وتركه في حجره , فبدت ثناياه , فانكبّ عليها الرّاهب وجعل يقبّلها ويبكي ويقول : يعزّ عليّ يا أبا عبد الله لاكون أوّل قتيل بين يديك , ولكن إذا كان في الغد , فاشهد لي عند جدّك إنّي أشهد أن لا إله إلّا الله , وأنّ محمداً عبده ورسوله. ثمّ ردّ الرّأس بعد أن أسلم وأحسن إسلامه ، فسار القوم ثمّ جلسوا يقتسمون الدّراهم , فإذا هي خزف مكتوب عليها :( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) . قال : ثمّ ساروا إلى أن قربوا من دمشق , وإذا بهاتف يقول :
رأس ابن بنت مُحمّد ووصيه |
يا للرجال على قناة يرفع |
|
والمسلمون بمنظر وبمشهد |
لا جازع فيهم ولا متوجع |
|
كحلت بمنظلك العيوم عماءها |
وأصم رزؤك كل أذن تسمع |
|
ما روضة إلّا تمنت أنها |
لك تربة ولخط جنبك مضجع |
|
منعوا زلال الماء آل مُحمّد |
وغدت ذئاب البر فيه تكرع |
|
عين علاها الكحل فيه تفرقعت |
ويد تصافح في البرية تقطع |
قال : فلمّا وردوا إلى دمشق , جاء البريد إلى يزيد وهو مُعصب الرّأس ويداه ورجلاه في طشت من ماء حار , بين يديه طبيب يعالجه وعنده جماعة من بني اُميّة يحادثونه , فحين رآه , قال له : أقرّ عينيك بورود رأس الحُسين. فنظره شزراً وقال : لا أقرّ الله عينيك. ثمّ قال للطبيب : اسرع واعمل ما تريد أن تعمل. قال : فخرج الطّبيب عنه وقد أصلح جميع ما أراد أن يصلح ، ثمّ إنّه أخذ كتاباً بعثه إليه ابن زياد وقرأه , فلمّا انتهى إلى آخره , عضّ على أنامله حتّى كاد أن يقطعها , ثمّ قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ودفعه إلى مَن كان حاضراً ، فلمّا قرأوه , قال بعضهم لبعض : هذا ما كسبت أيديكم. فما كان إلّا ساعة , وإذا بالرّايات قد أقبلت ومن تحتها التّكبير , وإذا بصوت هاتف لا يُرى شخصه يقول :
جاؤوا برأسك يا بن بنت مُحمّد |
مترملاً بدمائه ترميلا |
|
ويكبرون بأن قتلت وإنما |
قتلوا بك التكبير والتهليلا |
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
قال : ثمّ دخلوا بالسّبايا والرّؤوس إلى دمشق وعليّ بن الحُسين معهم على جمل بغير وطاء , وهو يقول :
أقاد ذليلاً في دمشق كأنني |
من الزنج عبد غاب عنه نصير |
|
وجدي رسول الله في كل مشهد |
وشيخي أمير المؤمنين أمير |
|
فيا ليت لم انظر دمشق ولم أكن |
يراني يزيد في البلاد أسير |
قال : ثمّ أتوا إلى باب السّاعات , فوقفوا هناك ثلاث ساعات يطلبون الإذن من يزيد , فبينما هُم كذلك , إذ خرج مروان بن الحكم , فلمّا نظر إلى رأس الحُسين (عليهالسلام ) , صار ينظر إلى أعطافه جذلاً طرباً ، ثمّ خرج أخوه عبد الرّحمن , فلمّا نظر إلى الرّأس بكى ، ثمّ قال : أمّا أنتم فقد حُجبتم عن جدّه رسول الله (صلىاللهعليهوآله ) , والله لا جامعتكم على أمر أبداً. قال : ثمّ قال : بالعزيز عليّ يا أبا عبد الله ما نزل بك. ثمّ أنشأ يقول :
سمية أمسى نسلها عدد الحصى |
وبنت رسول الله ليس لها نسل |
|
إمام غريب الطف ادنى برأسه |
من ابن زياد وهو في العالم الرذل |
قال : ثمّ إنّ يزيد لعنه الله بعث يطلب الرّأس , فلمّا اُوتي به إليه , وضعه في طشت من ذهب وجعل ينكث ثناياه بقضيب كان عنده , وهو يقول : رحمك الله يا حُسين , لقد كنت حسن المضحك. ثمّ أنشأ :
نفلق هاماً من رجال أعزة |
علينا وهم كانوا أعق واظلما |
قال : ثمّ نظر إلى عليّ بن الحُسين وقال : أبوك قطع رحمي وجهل حقّي ونازعني في سلطاني , ففعل الله به ما رأيت. فقال عليّ بن الحُسين(ع) :( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (١) . فقال يزيد لولده خالد : أجب عليّ بن الحُسين على جوابه. فلم يدر خالد ما يقول , فقال أبوه : قُل له :( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) (٢) . فقال عليّ بن الحُسين(ع) :( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (٣) . فسكت يزيد , وإذا بغراب ينعق ويصيح في أعلى القصر , فأنشأ اللعين يقول :
____________________
(١) سورة الحديد / ٢٢.
(٢) سورة الشّورى / ٣٠.
(٣) سورة الزّمر / ٤٢.
يا غراب البين ما شئت فقل |
إنما تندب أمراً قد فعل |
|
كل ملك ونعيم زائل |
وبنات الدهر يلعبن بكل |
|
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
وقعة الخزرج من وقع الأسل |
|
لأهلوا واستهلوا فرحاً |
ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل |
|
قد قتلنا القوم من ساداتهم |
وعدلناه ببدر فاعتدل |
|
وأخذنا من عليّ ثارنا |
وقتلنا الفارس الندب البطل |
|
لست من خندف إن لم أنتقم |
من بني أحمد ما كان فعل |
|
لعبت هاشم في الملك فلا |
خبر جاء ولا وحي نزل |
قال : ثمّ إنّه التفت إلى القوم وقال : كيف صنعتم بهم ؟ فقالوا : جاءنا بثمانية عشر من أهل بيته وسبعين رجلاً من شيعته وأنصاره , فسألناهم النّزول على حكم الأمير يزيد , فأبوا , فغدونا عليهم من شرق الأرض وغربها , وأحطنا بهم من كلّ ناحية حتّى أخذت السّيوف مأخذها من هام القوم , فلاذوا بنا كما يلوذ الحمام من الصّقر , فما كان إلا ساعة حتّى أتينا على آخرهم , فهاتيك أجسادهم مجرّدة وثيابهم مرمّلة وخدودهم معفّرة , تصهرهم الشّمس وتسفى عليهم الرّيح وزوارهم العقبان والرّخم. قال : فأطرق يزيد رأسه وقال : كنت أرضى من طاغيتكم بدون قتل الحُسين. قال : ثمّ إنّ هند بنت عبد الله بن عمر زوجة يزيد , دعت برداء وتقنّعت ووقفت خلف السّتار ، فلمّا رأت الرّأس بين يدي يزيد , قالت : ما هذا ؟ فقال : رأس الحُسين بن فاطمة. فبكت هند وقالت : عزيز على فاطمة أن ترى رأس ابنها بين يديك يا يزيد , ويحك فعلت فعلة استوجبت بها النّار يوم القيامة ! والله ما أنا لك بزوجة ولا أنت ببعل , ويلك يا يزيد بأيّ وجه تلقى الله وجدّه رسول الله ؟ فقال لها : ارتدعي يا هند من كلامك هذا , والله ما أخبرت بذلك ولا أمرت به. فعند ذلك خرجت عنه وتركته , ثمّ دخل عليه الشّمر اللعين يطلب منه الجائزة وهو يقول :
إملأ ركابي فضة أو ذهباً |
قتلت خير الخلق أماً وأباً |
قال : فنظر إليه يزيد شزراً وقال : أملأ ركابك حطباً وناراً , ويلك إذا علمت أنّه خير الخلق اُمّاً وأباً , فلم قتلته وجئتني برأسه ؟! اخرج من بين يدي لا جائزة
لك عندي. فخرج على وجهه هارباً قد خسر الدُنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.
قال : وحضر عند يزيد رأس الجالوت , فرآه يقلّب رأس الحُسين بالقضيب ، فقال له : اتأذن لي أن أسألك يا يزيد ؟ فقال اسأل ما بدا لك. فقال له : سألتك بالله هذا رأس مَن , فما رأيت أحسن منه ولا من مضحكه ؟ فقال : هذا رأس الحُسين بن عليّ , خرج علينا بأرض العراق فقتلناه. فقال رأس الجالوت : فيما استوجب هذا الفعل ؟ فقال : ويلك دعوه أهل العراق وكتبوا إليه وأرادوا أن يجعلوه خليفة , فقتله عاملي عُبيد الله بن زياد وبعث إليّ برأسه ! فقال له : يا يزيد , هو أحقّ منكم بما طلب وهو ابن بنت نبيّكم , ما أعجب أمركم , إنّ بيني وبين داود نيفاً وثلاثين جدّاً , واليهود يعظّمونني ويأخذون التّراب من تحت قدمي , وأنتم بالأمس نبيّكم بين أظهركم , واليوم شددتم على ولده فقتلتموه وسبيتم حريمه وفرقتموهم في البراري والقفار , إنّكم لأشرّ قوم ! فقال له يزيد : ويلك أمسك عن هذا الكلام أو تقتل !
ثمّ إنّ اللعين أمر بإحضار السّبايا , فاحضروا بين يديه , فلمّا حضروا عنده , جعل ينظر إليهن(١) ويسأل مَن هذه ومَن هذا , فقيل : [ هذه](٢) اُمّ كلثوم الكبرى وهذه اُمّ كلثوم الصّغرى , وهذه صفيّة وهذه اُمّ هانئ وهذه رقيّة بنات عليّ , وهذه سكينة وهذه فاطمة بنتا الحُسين , وهذا عليّ بن الحُسين. فالتفت اللعين إلى سكينة وقال : يا سكينة , أبوك الذي كفر حقّي وقطع رحمي ونازعني في مُلكي. فبكت سكينة وقالت : لا تفرح بقتل أبي ؛ فإنّه كان مُطيعاً لله ولرسوله ودعاه إليه فأجابه وسعد بذلك , وإنّ لك يا يزيد بين يدي الله مقاماً يسألك عنه , فاستعد للمسألة وجواباً , وأنّى لك الجواب. قال لها : اسكتي يا سكينة , فما كان لأبيك عندي حقّ.
قال : فوثب رجل من لخم , وقال : يا أمير , هب لي هذه الجارية من الغنيمة , فتكون خادمة عندي - يعني : سكينة - قال : فانضمّت إلى عمّتها اُمّ كلثوم وقالت : يا عمّتاه أترين نسل رسول الله يكونون مماليكاً للأدعياء ؟! فقالت اُمّ كلثوم لذلك الرّجل : اسكت يا لُكع الرّجال , قطع الله لسانك وأعمى عينيك وأيبس يديك وجعل النّار مثواك , إنّ أولاد الأنبياء لا يكونون خدمة لأولاد الأدعياء.
قال : فوالله ما استتم كلامها حتّى أجاب الله دعاءها في ذلك الرّجل ، فقالت : الحمد لله الذي عجّل لك العقوبة في الدُنيا قبل الآخرة , فهذا جزاء من يتعرّض بحرم رسول الله.
نُقل عن
____________________
(١) الأنسب : إليهم. المقوّم.
(٢) من إضافات المقوّم.
علي بن الحُسين (عليهالسلام ) , أنّه قال : (( لـمّا وفدنا على يزيد بن معاوية لعنه الله , أتونا بحبال وربطونا مثل الأغنام , وكان الحبل بعنقي وعنق اُمّ كلثوم وبكتف زينب وسكينة والبنيات , وساقونا , وكلّما قصرنا عن المشي , ضربونا حتّى أوقفونا بين يدي يزيد , فتقدمت إليه وهو على سرير مملكته , وقلت له : ما ظنك برسول الله لو يرانا على هذه الصّفة ؟ فبكى وأمر بالحبال فقطعت من أعناقنا وأكتافنا )).
ونُقل أيضاً : أنّ الحريم لـمّا اُدخلن إلى يزيد بن معاوية , كان ينظر إليهن ويسأل عن كلّ واحدة بعينها وهن مربطات بحبل طويل , وكانت بينهنّ امرأة تستر وجهها بزندها ؛ لانّها لم تكن عندها خرقة تستر وجهها , فقال : مَن هذه ؟ قالوا : سكينة بنت الحُسين. فقال : أنت سكينة ؟ فبكت واختنقت بعبرتها حتّى كادت تطلع روحها , فقال لها : وما يبكيك ؟ قالت : كيف لا تبكي مَن ليس لها ستراً تستر وجهها ورأسها عنك وعن جلسائك ؟ فبكى اللعين ثمّ قال : لعن الله عبيد الله بن زياد , ما أقوى قلبه على آل الرّسول. ثمّ قال لها : ارجعي حتّى آمركنّ بأمري.
كثير الحزن من مثلي قليل |
فاقلل من مصابك يا عليل |
|
ماصبي لو علمت به عظيم |
ورزئي حين تعله جليل |
|
أصبت بسيد ساد البرايا |
فليس لفضل سؤدده عديل |
|
شريكي في مصيبتي الرسول |
وفاطم والوصي وجبرائيل |
|
حسين بن النّبي فدته نفسي |
على الرمضاء عريان قتيل |
|
يرى ماء الفرات على ظماء |
وليس إلى الورود له سبيل |
|
يطاف برأسه في رأس رمح |
وجثته ترضضها الخيول |
|
وقد برزت حلائله سبايا |
كسبي الروم موقفها ذليل |
|
فأي مصيبة من ذاك أدهى |
إذا ذكرت تفكرها العقول |
|
فماذا للنبي إذا رأته |
غداة الحشر أمته تقول |
|
وكلهم لعترته ظلوم |
غشوم قاتل شأن خذول |
|
ستعلم أمة قتلت حسيناً |
بأن عذاب قاتله وبيل |
|
إذا عرضوا على الرحمن صفاً |
وجاءت ثمّ فاطمة البتول |
|
وفي يدها قميص السبط تشكو |
ظلامتها فينصفها الجليل |
ويهوي الظالمون بها جميعاً |
إلى قعر الجحيم لهم عويل |
|
وتشفع في مواليها فتعطي |
شفاعتها كما قال الرسول |
|
وتقدمهم إلى الفردوس حتّى |
تكون ثوابهم ولهم مقيل |
|
وإني من مواليهم حياتي |
لأن ثواب مولاهم جزيل |
|
أحبهم وأبغض شانئيهم |
وذلك لي إلى ربي وسيل |
|
وأنشر فضلهم نثراً ونظماً |
وأعلم أن ذاك لهم قليل |
فانظروا يا إخواني إلى ما قد حلّ بذراري رسول الملك العلام من الطّغاة الكفرة اللئام ، أخرجوهن من خدورهن مسلّبات؛ للشعور ناشرات وللخدود لاطمات ، وللمحامي والكفيل فاقدات ، ولمحاسن الوجوه بأيديهن ساترات. يعزّ عليّ ذكر هذا المصاب , أو يسمح بسطره بناني , أوأتمثّله في خاطري وجناني ، ولكن لا حيلة فيما صدر ممّا جرى به القضاء والقدر , إلّا مَن فاتته نصرتهم يوم القتال , فلا ييأس من مشاركتهم في تلك الحال , فإنّ الله تعالى جعل متابعتنا لهم فيما أمكن من الأفعال , وحزننا وبكائنا بالدّموع السّجال , وبثّ عيوب أعداءهم أهل الزّيغ والضّلال , قائماً مقام الجهاد معهم يوم القتال, كما ورد في الخبر عن سيّد الأوصياء وخير الأتقياء عليّ (عليهالسلام ) , أنّه قال لاصحابه : (( الزموا بيوتكم واصبروا على البلاء ولا تتحرّكوا بأيديكم وسيوفكم وهواء ألسنتكم , ولا تستعجلوا بما لم يعجّله الله لكم ؛ فإنّه مَن مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله , كان كمن مات شهيداً ووقع أجره على الله , استوجب ثواب ما نوى من صالح عمله , وقامت النّيّة مقام صلاته وجهاده بسيفه ويده , وإنّ لكلّ شيء أجلاً وانتهاء )). وعلى مثل أهل بيت الرّسول فليبك الباكون , وإيّاهم فليندب النّادبون ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا تكونون كبعض مادحيهم حيث عرته الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة للشيخ الخليعي (رحمهالله )
ما لدمعي لم يطف حر غليلي |
للقتيل الظامي وأي قتيل |
|
لقتيل أبكى النّبي وأذكى |
حرق الحزن في فؤاد البتول |
لقتيل بكت عليه السماوات |
وأملاكها بدمع همول |
|
لقتيل عزي به جدّه وهو |
ربيب على يدي جبرائيل |
|
كيف يلجأ على النازح الثاكل |
أو يرعوي لعذل العذول |
|
أين قلب الخلي من لوعة الحزن |
وقلب المتيم المبتول |
|
فضح الدمع من تلطع بالحب |
وصحت شواهد المعلول |
|
لست أنساه يسأل الركب |
والسائل أوفى جزاء من المسؤول |
|
مستدلاً مستخبراً ما أسم هذي |
الأرض وهو الدليل وابن اليل |
|
ناشفاً ترب كربلاء باكياً مستعيراً |
مؤذناً لهم بالنزول |
|
ثم قال اضربوا الخيام وقيلوا |
ليس من حادث الردى من مقيل |
|
ههنا تنحر النحور ولم يبق |
لنا في الحياة غير القليل |
|
ههنا يصبح العزيز من الأشراف |
في قبضة الحقير الذليل |
|
ههنا تهتك الكرائم من آل |
عليّ بذلة وخمول |
|
من دمي يبلل الثرى ههنا |
واحر قلبي على القثرى المبلول |
|
ورقا فوق منبر حامد الله |
يثني على العزيز الجليل |
|
ثم قال اربعوا فقتلي شفاء |
لصدور مملوءة بالذحول |
|
فأجابوه حاش لله بل يفديك |
كل بالنفس يا بن البتول |
|
فجزاهم خيرا وقال لقد |
فزتم ونلتم نهاية المأمول |
|
ومضى يقصد الخيام ويدعو |
ودعيني يا أخت قبل الرحيل |
|
ودعيني فما إلى جمع شملي |
بكم بعد فرقة من سبيلي |
|
ودعيني واستعملي الصبر إنا |
من قبيل يفوق كل قبيل |
|
شأننا إن طغت علينا خطوب |
نتلقى الأذى بصبر جميل |
|
لا تشقي جيباً ولا تلطمي خداً |
فأنا أهل الأذى بصبر جميل |
|
واخلفيني على بناتي وكوني |
خير مستخلف لأكرم جيل |
|
وأطيعي إمامك السيد السجاد |
رب التحريم والتحليل |
|
فإذا ما قضيت نحبي فقولي |
في الإله خير سبيل |
|
واذكريني إذا تنفلت بالليل |
عقيب التكبير والتهليل |
|
وغداً طالباً قتال بني الزرقاء |
ببيض الظباء وزرق النصول |
فاتكا فيهم كفتك أمية |
يوم بدر بالصارم المصقول |
|
فأتاه سهم اللعين فأرداه |
صريعاً يرض تحت الخيول |
|
ومضى المهر ناعياً يقصد الفسطاط |
في كسره وضعف صهيل |
|
فبرزن النسوان من خلل السجف |
حيارى في رنة وعويل |
|
وأتت زينب إليه تنادي |
وا أخي وا مؤملي وا كفيلي |
|
يا بن أمي يا واحدي ي شقيقي |
وا سبائي وا ذلتي وا غليلي |
|
ثم تدعو بأمها أم يا أم |
أدركيني وعجلي واندبي لي |
|
واخرجي من ثرى القبور ونوحي |
لي على غربتي وحزني الطويل |
|
واسعديني وابكي على النازح |
الدار الغريب المشرد المقتول |
|
ثم تدمي الخد الأسيل من النحر |
المدمى باللثم والتقبيل |
|
وتنادي أيا أخي ما ترى الأيتام |
يعثرن دهشة بالذيول |
|
ما ترى نجلك المفدي بذل |
وسقام باد وداء دخيل |
|
يشتكي ثقل الحديد عليلا |
لهف قلبي على الأسير العليل |
|
ثم تبكي والسبط ملقى على الأرض |
رميلا وا حسرتا للرميل |
|
كلما أفحمت وملت من الندى |
رنا نحوها وخطب جليل |
|
يا لها من مصيبة أضعفت أركان |
دين الهدى وخطب جليل |
|
أيعلى رأس الحُسين على الرمح |
ويهدى إلى الطغاة النغول |
|
يا بن بنت النّبي جفني بتسكاب |
دموعي عليك غير نجيلي |
|
ما شجاني إلّا مصابك لا فقد |
حبيب ولا فراق خليلي |
|
عبدك النابع الخليعي محزون |
بكم عارف لكم بالدليل |
|
ما ثنته عنكم خطوب كما قيل |
ولا قاس عالماً بجهول |
|
حاش لله كيف يمضي مع الفاضل |
دعوى إمامة المفضول |
|
لكن الجاهل المقلد لا يفرق |
بين الدليل والمدلول |
|
أنتم الآمرون للناس بالتقوى |
وأهل التنزيل والتأويل |
|
حكمكم في العباد ماض فيهم بينٍ |
ضلال مرد وضل ضليل |
|
فأقسموني إذا قسمتم نعماً |
وجحيماً إلى ثواب جزيل |
الباب الثّالث
يا إخواني , كيف لا ينهدّ ركني لمصابهم وأتجرّع بعض ما تجرّعوه من غصصهم وأوصابهم , وهُم شفعائي في يوم الدّين إلى ربّ العالمين ؟ حاش لله , بل طال ما شبّت نار أحزاني فأكتمها عن من ينظر إليّ ويراني ، وكم كادت مدامعي أن تظهر كتماني فأزيلها بإرادتي ؛ لئلا يظهر عليها جلسائي وخلاني ، ولِمَ لا أموت في هواهم وأتلف مهجتي في رضاهم ؛ لأفوز بالأجر العظيم والثّواب الجسيم ؟.
حُكي عن الشّعبي الحافظ لكتاب الله تعالى , أنّه قال : استدعاني الحجاج بن يوسف في يوم عيد الضّحية , فقال لي : أيّها الشّيخ , أيّ يوم هذا ؟ فقلت : هذا يوم الضّحية. قال : بِمَ يتقرّب النّاس في مثل هذا اليوم ؟ فقلت : بالأضحيّة والصّدقة وأفعال البرّ والتّقوى. فقال : اعلم إنّي قد عزمت أن أضّحي برجل حُسيني. قال الشّعبي : فبينما هو يخاطبني , إذ سمعت من خلفي صوت لسلسلة وحديد , فخشيت أن التفت فيستخفّني , وإذا قد مثل بين يديه رجل علوي وفي عنقه سلسلة وفي رجليه قيد من حديد ، فقال له الحجاج : ألست فلان بن فلان العلوي ؟ قال : نعم أنا ذلك الرّجل. فقال له : أنت القائل : إنّ الحسن والحُسين من ذرّيّة رسول الله ؟ قال : ما قلت ولا أقول , ولكن أقول : إنّ الحسن والحُسين ولدا رسول الله , وإنّهما دخلا في ظهره وخرجا من صلبه على رغم أنفك يا حجاج. قال : وكان متّكئاً على مسندة فاستوى جالساً , وقد اشتدّ غيظه وغضبه وانتفخت أوداجه حتّى تقطّعت أزرار بردته , فدعا ببردة غيرها فلبسها ، ثمّ قال للرجل : يا ويلك أن تأتيني بدليل من القرآن يدلّ أنّ الحسن والحُسين ولدا رسول الله , دخلا في ظهره وخرجا من صلبه , وإلّا قتلتك في هذا الحين أشرّ قتلة , وإن أتيتني بما يدلّ على ذلك , أعطيتك هذه البردة التي بيدي وخلّيت سبيلك.
قال : وكنت حافظاً كتاب الله تعالى كلّه وأعرف وعده ووعيده وناسخه ومنسوخه , فلم تخطر على بالي آية تدلّ على ذلك , فحزنت في نفسي يعزّ والله عليّ ذهاب هذا الرّجل العلوي ، قال : فابتدأ الرّجل يقرأ الآية فقال :( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . فقطع عليه الحجاج قراءته , وقال : لعلّك تريد أن تحتجّ عليّ بآية المباهلة , وهي قوله تعالى :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا
وَنِسَاءَكُمْ ) (١) ؟ فقال العلوي : هي والله حجّة مؤكّدة معتمدة , ولكنّي آتيك بغيرها. ثمّ ابتدأ يقرأ :( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى ) (٢) . وسكت , فقال له الحجاج : فلِم لا قلت :( وَعِيسَى ) ؟ أنسيت عيسى ؟ فقال : نعم صدقت يا حجاج , فبأيّ شيء دخل عيسى في صلب نوح (عليهالسلام ) وليس له أب ؟ فقال له الحجاج : إنّه دخل في صلب نوح من حيث اُمّه. فقال العلوي: وكذلك الحسن والحُسين دخلا في صلب رسول الله باُمّهما فاطمة الزّهراء. قال : فبقي الحجاج كأنّما اُلقم حجراً , فقال له الحجاج : ما الدّليل على أنّ الحسن والحُسين إمامان ؟ فقال العلوي : يا حجاج , لقد ثبتت لهما الإمامة بشهادة النّبي في حقّهما ؛ لأنّه قال في حقّهما : (( ولداي هذان إمامان فاضلان إن قاما وإن قعدا , تميل عليهما الأعداء فيسفكون دمهما ويسبون حرمهما )). ولقد شهد النّبي لهما بالإمامة أيضاً حيث قال : (( ابني هذا - يعني الحُسين - إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة )). فقال الحجاج : وكم عمر الحُسين في دار الدُنيا ؟ فقال : ست وخمسون سنة. فقال له : وفي أيّ يوم قُتل؟ قال : يوم العاشر في شهر مُحرّم بين الظّهر والعصر. فقال له : ومَن قتله ؟ فقال : يا حجاج , لقد جنّد الجنود ابن زياد بأمر اللعين يزيد , فلمّا اصطفّت العساكر لقتاله , فقتلوا حماته وأنصاره وأطفاله وبقي فريداً , فبينما هو يستغيث فلا يُغاث ويستجير فلا يُجار يطلب جرعة من الماء ليطفىء بها حرّ الظّمأ , فبينما هو واقف يستغيث إلى ربّه , جاءه سنان فطعنه بسنانه , ورماه خولّى بسهم ميشوم فوقع في لبّته وسقط عن ظهر جواده إلى الأرض يجول في دمه , فجاءه الشّمر لعنه الله فاجتزّ رأسه بحسامه ورفعه فوق قناته , واخذ قميصه إسحاق الحضرمي , وأخذ سيفه قيس النّهشلي , وأخذ بلغته حارث الكندي , وأخذ خاتمه زيد بن ناجية الشّعبي , وأحاط القوم بخيامه وعاثوا في باقي أثاثه , وأسبوا حريمه ونساءه.
فقال الحجاج : هكذا جرى عليهم يا علوي ؟ والله , لو تأتيني بهذا الدّليل من القرآن وبصحة إمامتهما , لأخذت الذي فيه عيناك , ولقد نجاك الله تعالى مما عزمت عليه من قتلك , ولكن خذ هذه البردة لا بارك الله لك فيها. فأخذها العلوي وهو يقول : هذا من عطاء الله وفضله لا من عطائك يا حجاج. ثمّ إنّ العلوي بكى وجعل يقول :
____________________
(١) سورة آل عمران / ٦١.
(٢) سورة الأنعام /٨٤ - ٨٥.
صلّى الإله ومن يحف بعرشه |
والطيبون على النّبي الناصح |
|
وعلى قرابته الذين نهضوا |
بالنائبات وكل خطب فادح |
|
طلبوا الحقوق فأبعدوا عن دارهم |
وعوى عليهم كل كلب نائح |
نُقل : أنّه لـمّا دعا اللعين يزيد بسبي الحُسين واعرضوا عليه , قالت له زينب بنت عليّ : يا يزيد , أما تخاف الله سبحانه من قتل الحُسين ؟ وما كفاك حتّى تستحث حرم رسول الله من العراق إلى الشّام ؟ وما كفاك انتهاك حرمتهنّ حتّى تسوقنا إليك كما تُساق الإماء على المطايا بغير وطاء من بلد إلى بلد ؟ فقال لها يزيد لعنه الله : إنّ أخاك الحُسين قال : (( أنا خير من يزيد , وأبي خير من أبيه , واُمّي خير من اُمّه , وجدّي خير من جدّه )). فقد صدق في بعض وألحن في بعض , أمّا جدّه رسول الله فهو خير البرية ، وأمّا أنّ اُمّه خير من اُمّي وأباه خير من أبي , كيف ذلك وقد حاكم أبوه أبي ؟ ثمّ قرأ :( قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١) . قال : فقالت :( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (٢) . ثمّ قالت : يا يزيد , ما قتل الحُسين غيرك , ولولاك لكان ابن مرجانة أقلّ وأذلّ ، أما خشيت من الله بقتله ؟ وقد قال رسول الله فيه وفي أخي : (( الحسن والحُسين سيّدا شباب أهل الجنّة )). فإن قُلت لا , فقد كذبت , وإن قُلت نعم ، فقد خصمت نفسك. فقال يزيد :( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (٣) . وبقي خجلاناً. وهو مع ذلك لم يرتدع عن غيّه وبيده قضيب ينكث ثنايا الحُسين(ع) ، فدخل عليه رجل من الصّحابة - ونُقل أنّه زيد بن أرقم - فقال له : يا يزيد , فوالله الذي لا إله إلّا هو , لقد رأيت رسول الله يقبّلهما مراراً كثيرة , ويقول له ولأخيه الحسن : (( اللّهمّ , إنّ هذان وديعتي عند الـمُسلمين )). وأنت يا يزيد هكذا تفعل بودائع رسول الله ؟! قال : ثمّ إنّ يزيد غضب عليه وأمر به فسجن , حتّى نُقل أنّه مات وهو في السّجن. ألا لعنة الله على القوم الظّالمين.
ونُقل : أنّ سكينة بنت الحُسين قالت : يا يزيد , رأيت البارحة رؤيا إن سمعتها منّي قصصتها عليك ؟ فقال يزيد : هاتي ما رأيت. قالت : بينما أنا ساهرة وقد كللت من البكاء بعد أن صلّيت ودعوت الله بدعوات , رقدت عيني , رأيت أبواب
____________________
(١) سورة آل عمران / ٢٦.
(٢) سورة آل عمران /١٦٩ - ١٧٠.
(٣) سورة آل عمران / ٣٤.
السّماء قد تفتّحت , وإذا أنا بنور ساطع من السّماء إلى الأرض , وإذا أنا بوصائف من وصائف الجنّة , وإذا أنا بروضة خضراء وفي تلك الرّوضة قصر , وإذا أنا بخمس مشايخ يدخلون إلى ذلك القصر وعندهم وصيف , فقلت : يا وصيف , أخبرني لمن هذا القصر ؟ فقال : هذا لأبيك الحُسين أعطاه الله ثواباً لصبره. فقلت : ومَن هؤلاء المشايخ ؟ فقال : أمّا الأوّل فآدم أبو البشر ، وأمّا الثّاني فنوح نبي الله ، وأمّا الثّالث فإبراهيم خليل الرّحمن ، وأمّا الرّابع فموسى الكليم. فقلت : ومَن الخامس الذي أراه قابضاً على لحيته باكياً حزيناً من بينهم ؟ فقال لي : يا سكينة أما تعرفينه ؟ فقلت : لا. فقال : هذا جدّك رسول الله. فقلت له : إلى أين يريدون ؟ فقال : إلى أبيك الحُسين ، فقلت : والله , لألحقنّ جدّي واخبرنّه بما جرى علينا. فسبقني ولم ألحقه , فبينما أنا متفكّرة , وإذا بجدّي عليّ بن أبي طالب وبيده سيفه وهو واقف , فناديته : يا جدّاه قُتل والله ابنك من بعدك ! فبكى وضمّني إلى صدره وقال : (( يا بنية , صبراً وبالله المستعان )). ثمّ إنّه مضى ولم أعلم إلى أين ، فبقيت متعجّبة كيف لم أعلم به , فبينما أنا كذلك , إذا بباب قد فُتح من السّماء ، وإذا بالملائكة يصعدون وينزلون على رأس أبي. قال : فلمّا سمع يزيد ذلك , لطم على وجهه وبكى وقال : ما لي ولقتل الحُسين.
وفي نقل آخر : أنّ سكينة قالت : ثمّ أقبلت على رجل ؛ دري اللون قمري الوجه حزين القلب ، فقلت للوصيف : مَن هذا ؟ فقال : جدّك رسول الله. فدنوت منه وقلت له : يا جدّاه ! قُتلت والله رجالنا وسفكت والله دماؤنا ، وهتكت والله حريمنا ، وحملنا على الأقتاب بغير وطاء ، نساق إلى يزيد. فأخذني إليه وضمّني إلى صدره ، ثمّ أقبل على آدم ونوح وإبراهيم وموسى , ثمّ قال لهم : (( ماترون إلى ما صنعت اُمّتي بولدي من بعدي ؟ )). ثمّ قال الوصيف : يا سكينة , اخفضي صوتك فقد أبكيت رسول الله. ثمّ أخذ الوصيف بيدي وادخلني المصر , وإذا بخمس نسوة قد عظم الله خلقتهن وزاد في نورهن , وبينهنّ امرأة عظيمة الخلقة ناشرة شعرها وعليها ثياب سود وبيدها قميص مضمّخ بالدّم , وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها ، فقلت للوصيف : مَن هؤلاء النّسوان اللواتي قد عظم الله خلقتهن ؟ فقال : يا سكينة , هذه حواء اُمّ البشر ، وهذه مريم ابنة عمران ، وهذه خديجة بنت
خويلد ، وهذه هاجر ، وهذه سارة ، وهذه التي بيدها القميص المضمّخ بالدّم وإذا قامت يقمن معها وإذا جلست يجلسن معها , هي جدّتك فاطمة الزّهراء. فدنوت منها وقلت لها : يا جدتاه ! قُتل والله أبي وأوتمت على صغر سني. فضمّتني إلى صدرها وبكت بكاءاً شديداً وبكين النّسوة كلّهن وقلن لها : يا فاطمة , يحكم الله بينك وبين يزيد يوم فصل القضاء. ثمّ إنّ يزيد تركها ولم يعبأ بقولها :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (١) .
قتلتم أبي ظلماً فويل لأمكم |
ستجزون ناراً حرها تتوقد |
|
سفتكم دماء حرم الله سفكها |
وحرمها القرآن ثمّ محم |
|
ألا فابشروا بالنّار إنكم غداً |
لفي سقر حقاً يقيناً تخلدوا |
|
وإني لأبكي في حياتي على أبي |
على خير من بعد النّبي سيولد |
|
بدمع غزير مستهل مكفكف |
على الخد منّي ذائب ليس يجمد |
قال : ثمّ إنّ يزيد لعنه الله أمر الخطيب أن يصعد المنبر يسبّ عليّاً والحسن والحُسين , قال : فصعد ففعل ذلك ، فقال له زين العابدين : (( سألتك بالله إلّا ما أذنت لي بالصّعود على المنبر , وأتكلّم بكلام لله فيه رضى وللاُمّة فيه صلاح )). فاستحى منه فأذن له ، ثمّ إنّ زين العابدين جعل بعذوبة منطقه وفصاحة لسانه ودلائل النّبوة بعد أن حمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( معاشر النّاس , مَن عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فإنّي أعرّفه بنفسي , أنا عليّ بن الحُسين بن عليّ بن أبي طالب، أنا ابن من حجّ ولبّى , أنا ابن من طاف وسعى , أنا ابن زمزم والصّفا ، أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن البشير النّذير ، أنا ابن الدّاعي إلى الله بإذنه ، أنا ابن من دنى فتدلّى ، أن ابن مُحمّد الـمُصطفى ، أنا ابن عليّ الـمُرتضى ، أنا ابن فاطمة الزّهراء ، أنا ابن خديجة الكبرى ، أنا ابن صريع كربلاء ، أنا ابن محزوز الرّأس من القفا ، أن ابن العطشان حتّى قضى ، أنا ابن الذي افترض الله ولايته : فقال :( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) (١) . ألا أنّ الاقتراف مودّتنا أهل البيت.
أيّها النّاس , فضّلنا الله بخمس خصال , فينا الشّجاعة والسّماحة والهُدى والحكم بين النّاس بالحقّ والحمية في قلوب المؤمنين )). قال : فقام المؤذّن فقطع خطبته , فلمّا قال : الله أكبر الله أكبر. قال
____________________
(١) سورة الشّعراء / ٢٢٧.
(١) سورة الشّورى / ٢٣.
الإمام زين العابدين : (( كبّرت كبيراً وعظمت عظيماً وقُلت حقّاً جليلاً )). فقال المؤذّن : أشهد أن لا إله إلا الله. فقال الإمام : (( وأنا أشهد أن لا إله إلا الله )). فقال المؤذّن : أشهد أنّ مُحمّداً رسول الله. فبكى زين العابدين وقال : (( يا يزيد , مُحمّد جدّي أم جدّك ؟ )). فقال : بل جدّك. قال : لِم قتلت ولده ؟ فلم يرد جواباً ، حتّى نُقل أنّه قال : ما لي بالصّلاة حاجة. فخرج ولم يصل.
قال : ثمّ إنّ المنهال لقي عليّ بن الحُسين (عليهالسلام ) ، فقال : كيف أصبحت يا بن رسول الله ؟ فقال : (( كيف أصبح من قُتل بالأمس أبوه وأهله وهو يتوقّع الموت بعدهم )). ثمّ قال : (( أصبحت العرب تفتخر على العجم ؛ لأنّ مُحمّداً منهم , ونحن أهل البيت أصبحنا مظلومين مقتولين مشردين )). قال : فعلت الأصوات بالبكاء والنّحيب حتّى أنّ يزيد لعنه الله خشي الفتنة.
ونُقل عن هند زوجة يزيد , قالت : كنت أخذت مضجعي , فرأيت باباً من السّماء قد فتحت والملائكة ينزلون كتائب كتائب إلى رأس الحُسين , وهم يقولون : السّلام عليك يا أبا عبد الله , السّلام عليك يا بن رسول الله. فبينما أنا كذلك , إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السّماء وفيها رجال كثيرون , وفيهم رجل دري اللون قمري الوجه , فأقبل يسعى حتّى انكبّ على ثنايا الحُسين يقبّلهما وهو يقول : (( يا ولدي قتلوك , أتراهم ما عرفوك ومن شرب الماء منعوك , يا ولدي , أنا جدّك رسول الله , وهذا أبوك عليّ الـمُرتضى , وهذا أخوك الحسن , وهذا عمّك جعفر وهذا عقيل , وهذان الحمزة والعبّاس )). ثمّ جعل يعدّد أهل بيته واحداً بعد واحد. قالت هند : فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة , وإذا بنور قد انتشر على رأس الحُسين , فجعلت أطلب يزيد وهو قد دخل إلى بيت مظلم وقد دار وجهه إلى الحائط , وهو يقول : ما لي وللحسين. وقد وقعت عليه الهمومات , فقصصت عليه المنام وهو منكس الرّأس.
قال : فلمّا أصبح , استدعى بحرم رسول الله , فقال لهم : أيما أحبّ إليكنّ , المقام عندي أو الرّجوع إلى المدينة ولكم الجائزة السّنية ؟ قالوا : نحبّ أوّلاً أن ننوح على الحُسين. قال : افعلوا ما بدا لكم. ثمّ اُخليت لهن الحجر والبيوت في دمشق , ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلّا ولبست السّواد على الحُسين , وندبوه على ما نُقل سبعة أيّام ، فلمّا كان اليوم الثّامن , دعاهم يزيد وعرض عليهم المقام , فأبوا وأرادوا الرّجوع إلى المدينة
فأحضر لهم المحامل وزيّنها , وأمر بالأنطاع من الإبريسم وصبّ عليها الأموال , وقال : يا اُمّ كثلوم , خذوا هذا المال عوض ما أصابكم. فقالت اُمّ كلثوم : يا يزيد , ما أقلّ حياءك وأصلف وجهك , أتقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم مالاً ؟! والله لا كان ذلك أبداً.
فيا ذلة الإسلام من بعد عزه |
ويا لك رزء في الأنام خطير |
|
فيا عبرتي سحي ويا حرقتي إزددي |
ويا نفس ذوبي فالمصاب كبير |
|
فأي حياة بعد ذا الرزء ترتجي |
وأي فؤاد يعتريه سرور |
نُقل : اللعين يزيد أوعد عليّ بن الحُسين بثلاث حاجات يقضيها له ، فلمّا أحضره , قال له : اذكر لي حاجاتك اللاتي وعدتك بهن. فقال له : (( الأولى : أن تريني وجه سيّدي ومولاي الحُسين , فأتزوّد منه وأودّعه. والثّانية : أن ترد علينا ما أخذت منّا. والثّالثة : إن كنت قد عزمت على قتلي , فوجّه مع هؤلاء النّسوة من يردّهن إلى حرم جدّهن )).
فقال : أمّا وجه أبيك لن تراه أبداً ، وأمّا قتلك فقد عفونا عنك ، وأمّا النّسوة فلا يسير بهن إلى المدينة غيرك ، وأمّا ما اُخذ منكم فأنا أعوّضكم عنه. فقال (عليهالسلام ) : (( أمّا مالك فهو موفور عليك ، وإنّما طلبت ما اُخذ منّا ؛ لأنّ فيها مغزل فاطمة بنت مُحمّد ومقنعتها وقلادتها وقميصها )). فأمر اللعين برد ذلك وأمر برد الأسارى إلى أوطانهم.
قال : فسار القائد وكان يتقدمهم تارة ويتأخّر عنهم تارة , فقلن النّساء له : بحقّ الله عليك إلّا ما عرجت بنا على طريق كربلاء. ففعل ذلك حين وصل إلى قرب النّاحية , وكان قدومهم إلى ذلك المصرع يوم العشرين من صفر , فوجدوا هناك جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من نساء بني هاشم , فتلاقوا في وقت واحد , فأخذوا بالنّوح والبكاء وإقامة المآتم إلى ثلاثة أيّام , فلمّا انقضت , توجّهوا إلى نحو المدينة.
قال بشر بن حذلم : لـمّا صرنا قريباً من المدينة , نزل عليّ بن الحُسين وحطّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه , وقال لي : (( يا بشر , ادخل المدينة وانع أهلها بأبي عبد الله وأخبرهم بقدومنا )). قال بشر : فركبت ودخلت المدينة ورفعت صوتي بالبكاء والنّحيب , فقلت : يا أهل المدينة , هذا عليّ بن الحُسين قد قدم إليكم مع عمّاته وأخواته , وقد نزل قريباً منكم , وأنا رسوله إليكم أعرّفكم بمكانه. قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة , إلّا
وبرزن من خدورهن خمشة وجوههن لاطمات يدعون بالويل والثّبور وعظائم الأمور. قال : فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم(١) . قال : ثمّ إنّ أهل المدينة تبادروا مسرعين إلى نحو زين العابدين وأنا معهم , فوجدت النّاس قد ملأوا الطّرق والأمكنة , فنزلت عن فرسي وبقيت أتخطى رقاب النّاس حتّى قربت من باب الخيمة وكان زين العابدين (عليهالسلام ) داخلاً , فخرج وبيده منديل يمسح به دموعه - وكان عمره يومئذ على ما نُقل أحد عشر سنة - فجلس على كرسي له وهو لا يتمالك على نفسه من شدّة البكاء , والنّاس يعزونه وهم مع ذلك يبكون وينحبون , فأومى إليهم أن اسكتوا , فقام وقال : (( الحمد لله ربّ العالمين , مالك يوم الدّين , بارئ الخلائق أجمعين , الذي بعد فارتفع في السّماوات العلى , وقرب فشهد النّجوى , نحمده على عظائم الاُمور ومجامع الدّهور , وألم الفجائع ومضاضة اللواذع , وجليل الرّزء وعظيم المصائب.
أيّها النّاس , إنّ الله له الحمد وله الشّكر قد ابتلانا بمصائب جليله ، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام ورزء جليل في الأنام ، قُتل أبي الحُسين وعترته وأنصاره وشيعته ، وسبيت نساؤه وذرّيّته ، وطيف برأسه في البلدان من فوق عالي السّنان فهذه الرّزيّة تعلو على كلّ رزية ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
أيّها النّاس , مَن منكم يسر قلبه بعد قتل أبي وهو ابن بنت رسول الله ؟ أم أيّة عين تحبس وتضن بانهمالها فلقد بكت السّبع الشّداد لقتله ، والسّبع الطّباق لفقده ، وبكت البحار بأمواجها , والسّماوات بأركانها وسكّانها ، والأرضون بأرجائها , والأشجار بأغصانها , والطّيور بأوكارها , والحيتان في لجج البحار , والوحوش في البراري والقفار ، والملائكة المقرّبون , والسّماوات والأرضون.
أيّها النّاس , أيّ قلب لا ينصدع لقتله ولا يحزن لأجله ؟
أيّها النّاس , أصبحنا مشردين لائذين شاسعين عن الأمصار , كأننا من أولاد الكفّار من غير جرم اجترمناه أو مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ولا فاحشة فعلناها. فوالله , لو أنّ النّبي أوصى إليهم في قتالنا , لما زادوا على ما فعلوه بنا. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون )). ثمّ قام يمشي إلى دار الرّسول ليدخلها. وأمّا اُمّ كلثوم , فحين توجّهت إلى المدينة , جعلت تبكي وتقول :
مدينة جدنا لا تقبلينا |
فبالحسرات والأحزان جينا |
____________________
(١) هكذا ورد في هذا الكتاب , ولكن الوارد في اللهوف في قتلى الطّفوف /١١٥ , وغيره : قال : فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلا برزن من خدورهن , مكشوفة شعورهن , مخمشة وجوههن , ضاربات خدودهن , يدعون بالويل والثّبور , فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم , ولا يوما أمر على المسلمين منه...(معهد الإمامين الحسنين).
ألا فاخبر رسول الله عنا |
بأنا قد فجعنا في أخينا |
|
وإن رجالنا في الطف صرعى |
بلا رؤوس وقد ذبحوا البنينا |
|
وأخبر جدنا أنا أسرنا |
وبعد الأسر يا جد سبينا |
|
ورهطل يا رسول الله أضحوا |
عاريا بالطفوف مسلبينا |
|
وقد ذبحوا لحسين ولم يراعوا |
جنابك يا رسول الله فينا |
|
فلو نظرت عيونك لأسارى |
على أقتاب الجمال محملينا |
|
رسول الله بعد الصون صارت |
عيون الناس ناظرة إلينا |
|
وكنت تحوطنا حتّى تولت |
عيونك ثارت الأعدا علينا |
|
أفاطم لو نظر إلى السبايا |
بناتك في البلاد مشتتينا |
|
أفاطم لو نظرت إلى الحيارى |
ولو أبصرت زين العابدينا |
|
أفاطم لو رأيتنا سهارى |
ومن سهر الليالي قد عمينا |
|
أفاطم ما لقيت من عداكي |
ولا قيراط مما لقينا |
|
فلو دامت حياتك لم تزالي |
إلى يوم القيامة تندبينا |
|
وعرج بالبقيع وقف وناد |
أأين حبيب رب العالمينا |
|
وقل يا عم يا الحسن المزكى |
عيال أخيك اضحوا ضائعينا |
|
أيا عماه إن أخاك أضحى |
بعيداً عنك بالرمضاء رهينا |
|
بلا رأس تنوح عليه جهراً |
طيور والوحوش الموحشينا |
|
ولو عاينت يا مولاي ساقوا |
حريماً لا يجدن لهم معينا |
|
على متن النياق بلا وطاء |
وشاهدت العيال مشكفينا |
|
مدينة جدنا لا تقبلينا |
فبالحسرات والأحزان جينا |
|
خرجنا منك بالأهلين جمعاً |
رجعنا لا رجال ولا بنينا |
|
وكنا في الخروج بجمع شمل |
رجعنا حاسرين مسلبينا |
|
ونحن في أمان الله جهراً |
رجعنا بالقطيعة خائفينا |
|
ومولانا الحُسين لنا أنيس |
رجعنا والحُسين به رهينا |
|
فنحن الضائعات بلا كفيل |
ونحن النائحات على أخينا |
|
ونحن السائرات على المطايا |
نشال على جمال المبغضينا |
ونحن بنات (يس) و(طه) |
ونحن الباكيات على أبينا |
|
ونحن الطاهرات بلا خفاء |
ونحن المخلصون المصطفونا |
|
ونحن الصابرات على البلايا |
ونحن الصادقون الناصحونا |
|
ألا يا جدنا قتلوا حسيناً |
ولم يرعوا جناب الله فينا |
|
لقد هتكوا النساء وحملوها |
على الأقتاب قهراً أجمعينا |
|
وزينب أخرجوها من خباها |
وفاطم والهةً تبدي الأنينا |
|
سكينة تشتكي من حر وجد |
تنادي الغوث رب العالمينا |
|
وزين العابدين بقيد ذل |
وراموا قتله أهل الخؤنا |
|
فبعدهم على الدُنيا تراب |
فكأس الموت فيها قد سقينا |
|
وهذي قصتي مع شرح حالي |
ألا يا سامعون أبكوا علينا |
قال الرّاوي : أمّا زينب , فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت : يا جدّاه إنّي ناعية إليك أخي الحُسين ! وهي مع ذلك لا تجفّ لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنّحيب , وكلّما نظرت إلى عليّ بن الحُسين , تجدد حزنها وزاد وجدها.
وأمّا عليّ بن الحُسين (عليهماالسلام ) ، فلمّا دخل إلى دار الرّسول , وجدها مقفرة الطّلول خالية من سكّانها حاكية أحزانها , وقد غشيها القدر النّازل ، وساورها الخطب الهائل , وأطلّت عليها عذبات المنايا , واظلّتها جحافل الرّزايا ، فهي موحشة العرصات لفقد الأئمة الهداة ، لهوام لي معاهدها صياح ، وللرياح في محو آثارها إلحاح ، ولسان حالها يندب ندب الفاقد ويذري دمعاً من عين ساهرة ، وقد جالت عواصف الشّمال والدّبور في تلك المعالم والقصور ، وقالت بلسان حالها : يا قوم , ساعدوني على الحزن على اُناس كنت آنس بهم في الخلوات ، واسمع تهجدهم في الصّلوات , فيا ليتني حيث لم أحطّ بالمساواة عند النّزال , وحرمت معالجة تلك الأهوال , كنت لأجسادهم الشّريفة محلاً لجثثهم موطناً ومجناً ، فكيف لا أندب الأطلال والدّوارس ، واوقض الأعين النّواعس ؟ وقد كان سكّانها سماري في ليلي ونهاري وهم شموسي وأقماري , وافتخر على أمثالي بجوارهم , واتمتع مواطىء أقدامهم وآثارهم ، فكيف يقلّ جزعي وحزني عليهم ؟
وكيف لا تنهدّ أركاني تشوّقاً إليهم ؟! ولله درّ مَن قال :
وقفت على دار النّبي مُحمّد |
فلقيتها قد أقفرت عرصاتها |
|
وامت خلاء من تلاوة قارئ |
وعطل منها صومها وصلاتها |
|
وكانت ملاذاً للأنام وجنة |
من الخطب يغني المعتفين صلاتها |
|
فأقفرت من السادات من آل هاشم |
ولم يجتمع بعد الحُسين شتاتها |
|
فعيني لقتل السبط عبرى ولوعتي |
على فقدهم ما تنقضي زفراتها |
|
فيا كبدي كم تصبرين على الأذى |
أما آن أن تقني إذاً حسراتها |
أيّها المفتون بهذا المصاب ملاذ الحماة من سفرة الكتاب , بلزوم الأحزان على أئمة الأنام ورؤساء الإيمان ، فقد روي عن الباقر (عليهالسلام ) , أنّ زين العابدين (عليهالسلام ) كان مع علمه وصبره , شديد الجزع والشّكوى لهذه المصيبة والبلوى ، وأنّه بكى على أبيه أربعين سنة بدمع مسفوح وقلب مقروح , يقطع نهاره بصيامه وليله بقيامه ، فإذا حضر الطّعام لإفطاره , ذكر قتلاه ونادى : (( وا أباه ! )). ثمّ يقول : (( قُتل ابن رسول الله جائعاً , قُتل ابن رسول الله عطشاناً ، وأنا آكل طيباً وأشرب بارداً )). ثمّ يبكي كثيراً حتّى يبلّ ثيابه بدموعه ، ولله درّ من قال :
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا |
شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا |
|
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا |
يقضي علينا الأسى لولا تآسينا |
|
حالت لبعدكم أيامنا فغدت |
سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا |
|
إن الزمان الذي قد كان يضحكنا |
أنساً بقربكم قد عاد يبكينا |
نُقل : أنّه قيل لعلي بن الحُسين (عليهالسلام ) : إلى متى هذا البكاء يا مولاي ؟ فيقول : (( يا قوم , إنّ يعقوب النّبي فقد سبطاً من أولاده الاثني عشر , فبكى عليه حتّى ابيضّت عيناه من الحزن , وابنه حيّ في دار الدُنيا ويعلم أنّه لم يمت ، وأنا قد نظرت بعيني إلى أبي وسبعة عشر من أهل بيتي قتلوا في ساعة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي ، وذكرهم يخلو من لساني ، وشخصهم يغيب عن عيني ، لا والله , لا أنساهم حتّى أموت )).
فيا إخواني , على مثل هؤلاء الأبرار يحقّ أن يبكي الباكون ، وإيّاهم يندب النّادبون ، ولمثلهم تذرف الدّموع من العيون ، أو لا
تكونون كبعض مادحيهم حيث عرتهم الأحزان , فنظم وقال فيهم :
القصيدة لابن حماد (رحمهالله )
نُقل : أنّ بعض الرّجال في يوم عاشوراء أتاه ليهنئه بالعيد على ما هو معروف بينهم , فقال :
هن بالعيد إن أردت سوائي |
أي عيد لمستباح العزاء |
|
إن في مأتمي عن العيد شغلاً |
فاله عني وخلني بشجائي |
|
فإذا الناس عيدوا بسرور |
كان عيدي بزفرة وبكائي |
|
وإذا جددوا الأبزة جددت |
ثياباً من لوعتي وضنائي |
|
وإذا أدمنوا الشراب فشربي |
من دموعي ممزوجة بدمائي |
|
وإذا استشعروا الغناء فنوحي |
وعويلي على الحُسين غنائي |
|
وقليل لو مت هماً ووجداً |
لمصاب الغريب في كربلاء |
|
أيهنا بعيده من مواليه |
أياديهم يد الأعداء |
|
آه يا كربلاء كم فيك من كرب |
لنفس شجية وبلاء |
|
أألذ الحياة بعد قتيل الطف |
ظلماً إذاً لقل حيائي |
|
كيف ألتذ شرب الماء وقد |
جرع كأس الردى بكرب الظماء |
|
كيف لا أسلب العزاء إذا ما |
أنا مثلته سليب الرداء |
|
كيف لا تسكب الدّموع جفوني |
بعد تضريج شبيه بالدماء |
|
تطأ الخيل جسمه في ثرى الطف |
وجسمي يلتذ لين الوطاء |
|
بأبي زينب وقد سبيت بالذل |
من خدرها كسبي الإماء |
|
فإذا عاينتيه ملقى على الترب |
معرّى مجدلاً بالعراء |
|
أقبلت نحوه فيمنعها الشمر |
فتدعو في خفية وخفاء |
|
أيها الشمر خلني اتزود |
نظرة منه فهي أقصى منائي |
|
ما لجدي عليك حق فلم |
تضربني جاهراً بسوء مراء |
|
ثم تدعو الحُسين يا شقيق روحي |
وابن أمي خلفتني لشقائي |
|
يا أخي يومك المشؤوم برى جسمي |
وعظمي وأوهى قوائي |
يا أخي كنت أرتجيك لموتي |
وحياتي فالآن خاب رجائي |
|
يا أخي لو فداك من الموت شخص |
كنت أفديك بي وقل فدائي |
|
يا أخي لا حييت بعدك بل لا |
عشت إلّا بمقلة عمياء |
|
آه وا حسرتاه لفاطمة الصغرى |
وقد أبرزت بذل السباء |
|
كفها فوق رأسها من جوى الثكلٍ |
فلهفي لها على الأحشاء |
|
فإذا عاينت أباها صريعاً |
فاحصاً باليدين في الرمضاء |
|
لم تطق نهضة إليه من الضعف |
تناديه في خفي النداء |
|
يا أبا من ترى ليتمي وضعفي |
بعدكم يا أبا ومن لضنائي |
|
فإذا لم يطق جواباً هلما إلّا |
بغمر الجفون بالإيماء |
|
أقبلت نحو عمتيها وقالت |
ما أرى والدي مع الأحياء |
|
عمتا ما له جفاني وما كان |
له قط عادة بالجفاء |
|
يا بني أحمد السلام عليكم |
ما أدارت كواكب الجوزاء |
|
أنتم صفوة الإله من الخلق |
ومن بعد خاتم الأنبياء |
|
يا نجوم الهدى بنوركم يهدى |
الورى في حنادس الظلماء |
|
أنا مولاكم ابن حماد أعدتكم |
في غد ليوم الجزاء |
قد تمّ الجزء الثّاني من كتاب الـمُنتخب
وبه تمّ الكتاب
الفهرس
المجلس الأوّل في الليلة السّادسة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٣
الباب الثّاني ١٢
الباب الثّالث ٢٠
المجلس الثّاني في اليوم السّادس من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٦
الباب الثّاني ٣٣
حديث الكساء ٣٥
الباب الثّالث ٤٢
المجلس الثّالث من الجزء الثّاني في الليلة السّابعة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٤٨
الباب الثّاني ٥٥
الباب الثّالث ٦٣
المجلس الرّابع من الجزء الثّاني في السّابع من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٧٢
الباب الثّاني ٧٩
الباب الثّالث ٨٧
المجلس الخامس من الجزء الثّاني في الليلة الثّامنة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٩٤
الباب الثّاني ١٠٢
الباب الثّالث ١١٠
المجلس السّادس من الجزء الثّاني في اليوم الثّامن من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٢١
الباب الثّاني ١٣٠
الباب الثّالث ١٣٦
المجلس السّابع من الجزء الثّاني في الليلة التّاسعة من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٤٤
الباب الثّاني ١٥٢
الباب الثّالث ١٦٠
المجلس الثّامن من الجزء الثّاني ، في التّاسع من عشر الـمُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٦٧
الباب الثّاني ١٧٤
الباب الثّالث ١٨٠
المجلس التّاسع من الجزء الثّاني في الليلة العاشرة من الـمُحرّم وفي ابتداء مصرع الحُسين ( عليهالسلام ) وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ١٨٦
الباب الثّاني ٢٠٣
الباب الثّالث ٢١٨
المجلس العاشر من الجزء الثّاني ، في العاشر من شهر المـُحرّم وفيه أبواب ثلاثة الباب الأوّل ٢٢٧
الباب الثّاني ٢٤٢
الباب الثّالث ٢٥٨
الفهرس ٢٧١