مقتل الحسين للخوارزمى الجزء 2

مؤلف: الموفق بن أحمد بن محمّد المكي الخوارزمي
الإمام الحسين عليه السلام

مقتل الحسين للخوارزمى

الجزء الثاني

المؤلف: أبي المؤيّد بن أحمد المكّي أخطب خوارزم [ خوارزمي ]

تحقيق الشيخ محمّد السماوي


قال الإمام الحسين يوم عاشوراء :

«اللهم احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ؛ فلا يدع فيهم أحدا».


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على أشرف المخلوقين محمّد ، الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين ، وعلى عترته وذريته أجمعين. وبعد : فقد اتّفقت الرواة في «المسانيد» و «التواريخ» ، على أنّ مقتل الحسينعليه‌السلام كان ـ يوم عاشوراء ـ العاشر من محرّم لسنة إحدى وستين من الهجرة ، وإن اختلفوا : أكان يوم الجمعة أم يوم السبت؟ فلنشر إلى فضل هذا اليوم وشرفه.

١ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ ناصر السنة أبو القاسم منصور بن نوح الشهرستاني ـ بها وقت رجوعي من السفرة الحجازية ، أعادها الله تعالى ، غرّة شهر جمادي الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة هجرية ـ ، أخبرنا شيخ القضاة أبو عليّ إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا السيد أبو الحسين محمد بن الحسين بن داود العلوي ـ قراءة عليه ـ ؛ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ـ إملاء ـ ، قالا : أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا عبد


الرّحمن بن منيب ، حدثنا حبيب بن محمد المروزي ، حدثني أبي ، عن إبراهيم بن الصانع ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من صام يوم عاشوراء كتبت له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها ، ومن صام يوم عاشوراء كتب له أجر سبع سماوات ، ومن أفطر عنده مؤمنا في يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن أشبع جائعا في يوم عاشوراء رفعت له بكل شعرة في رأسه درجة في الجنة».

فقال عمر : يا رسول الله! لقد فضلنا اللهعزوجل في يوم عاشوراء.

فقال : «نعم ، خلق الله السماوات في يوم عاشوراء ، وخلق الكرسي في يوم عاشوراء ، وخلق الجبال في يوم عاشوراء ، والنجوم كمثله ، وخلق القلم في يوم عاشوراء ، واللوح كمثله ، وخلق جبرئيلعليه‌السلام في يوم عاشوراء ، وخلق الملائكة كمثله ، وخلق آدم في يوم عاشوراء ، وحواء كمثله ، وخلق الجنة يوم عاشوراء ، وأسكن آدم الجنّة في يوم عاشوراء ، وولد إبراهيم خليل الرحمن في يوم عاشوراء ، ونجاه الله من النار في يوم عاشوراء ، وفداه في يوم عاشوراء ، وأغرق فرعون في يوم عاشوراء ، ورفع إدريس في يوم عاشوراء ، وكشف الله الكرب عن أيوب في يوم عاشوراء ، ورفع عيسى بن مريم في يوم عاشوراء ، وولد في يوم عاشوراء ، وتاب الله على آدم في يوم عاشوراء ، وغفر ذنب داود في يوم عاشوراء ، وأعطى سليمان ملكه في يوم عاشوراء ، وولد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم عاشوراء ، واستوى الرب على العرش في يوم عاشوراء ، وتقوم القيامة في يوم عاشوراء».

قال الشيخ القاضي أبو بكر : استوى من غير مماسة ولا حركة كما يليق بذاته.

وقال شيخ السنّة أبو بكر : هذا حديث منكر ، وإسناده ضعيف ، وفي


متنه ما لا يستقيم ، وهو ما روي فيه من خلق السماوات والأرضين والجبال كلّها في يوم عاشوراء ، والله يقول :( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) يونس / ٣ ، ومن المحال أن تكون هذه الستّة كلّها يوم عاشوراء ، فدلّ ذلك على ضعف هذا الخبر ، والله أعلم.

٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن يحيى السكري ببغداد ، أخبرني إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثني أحمد بن منصور ، حدثني عبد الرزاق ، أخبرني ابن جريج ، عن عبد الله بن يزيد ، أنّه سمع ابن عباس يقول : ما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتحرى صيام يوم يلتمس فضله على غيره إلّا هذا اليوم : يوم عاشوراء ؛ وشهر رمضان.

٣ ـ قال : وفي «المشاهير» ، عن أبي قتادة ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة».

٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو الحسين علي ابن محمد الأشعراني ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله ـ ببغداد ـ ، حدثنا جعفر بن محمد ، حدثني علي بن مهاجر البصري ، حدثني الهيصم بن الشداخ الوراق ، حدثني الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من وسع على عياله في يوم عاشوراء ، وسع الله عليه في سائر سنته».

وبهذا الإسناد ، عن أبي سعيد الخدري مثله.

٥ ـ وأخبرنا الإمام سديد الدين محمد بن منصور بن علي المقري المعروف بالديواني ـ بمحلة «نصرآباد» بمدينة الري ـ ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين بن أحمد بن الحسين المعروف بالخلادي الطبري ، أخبرني القاضي الإمام أبو النعمان عبد الملك بن محمد الهلافاني ، أخبرني أبو العباس أحمد


ابن محمد الناطقي ، أخبرني أحمد بن يونس ، حدثني أبو الحسين عليّ بن الحسن الجامعي ، حدثني محمد بن نوكرد القصراني ، حدثني منجاب بن الحرث ، أخبرني عليّ بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «يوم عاشوراء يوم تاب الله على آدم ، واستوت سفينة نوح على الجودي يوم عاشوراء ، وردّ الله الملك على سليمان يوم عاشوراء ، وفلق البحر لموسى يوم عاشوراء ، وغرق فرعون ومن معه يوم عاشوراء ، وردّ الله على يعقوب بصره يوم عاشوراء ، وبعث زكريا رسولا يوم عاشوراء ، وتاب الله على يونس يوم عاشوراء ، وأخرج يونس من بطن الحوت يوم عاشوراء ، ورفع الله إدريس مكانا عليا يوم عاشوراء ، وكشف ضرّ أيوب يوم عاشوراء ، واخرج يوسف من الجب يوم عاشوراء ، وكسا هارون قميص الحياء يوم عاشوراء ، وألهم يحيى الحكمة يوم عاشوراء ، إن يوم عاشوراء سبعون عيدا فمن وسع على عياله فيه وسع الله عليه الى مثلها في السنة».

٦ ـ وذكر الحاكم : أن فاطمةعليها‌السلام ولدت يوم عاشوراء ، وأن الحسن والحسينعليهما‌السلام كذلك ولدا يوم عاشوراء.

ولما كانت لهذا اليوم فضيلة على غيره من الأيام ، كانت فيه مصيبة آل الرسول كرامة لهم وفضيلة لجهادهم ، ليكون ثوابهم أكثر ، ودرجاتهم أعلى وأنبل ، وليكون عقاب أعدائهم أعظم ، ولعائن الله عليهم وعلى أتباعهم يوم القيامة أشد وأطول.

عدنا لحديثنا : ولما أصبح الحسينعليه‌السلام يوم الجمعة عاشر محرّم ـ وفي رواية : يوم السبت ـ عبأ أصحابه ، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا ـ وفي رواية : اثنان وثمانون راجلا ـ ، فجعل على ميمنته زهير بن


القين ، وعلى ميسرته حبيب بن مظاهر ، ودفع اللواء إلى أخيه العباس بن عليّ ، وثبتعليه‌السلام مع أهل بيته في القلب.

وعبأ عمر بن سعد أصحابه ، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وثبت هو في القلب ، وكان جنده اثنين وعشرين ألفا ، يزيد أو ينقص.

٧ ـ أخبرنا الإمام الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ـ إجازة ـ ، أخبرنا أبو عليّ الحداد ، حدثنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا سلمان بن أحمد ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا الزبير بن بكار ، حدثنا محمد بن الحسن ، قال : لما نزل القوم بالحسينعليه‌السلام ، وأيقن أنهم قاتلوهم ، قام في اصحابه خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :

«أما بعد ـ فإنّه نزل من الأمر ما ترون ، ألا وإن الدّنيا قد تغيرت وتنكرت ، وأدبر معروفها ، وانشمرت(١) ، ولم يبق فيها إلّا كصبابة الإناء من خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحقّ لا يعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربه ، وإني لا أرى الموت إلّا سعادة ، والعيش مع الظالمين إلّا برما».

٨ ـ وأخبرنا الشيخ الإمام الزاهد ، سيف الدين أبو جعفر محمد بن عمر الجمحي ـ كتابة ـ ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرنا السيد الإمام النقيب علي بن محمد بن جعفر الحسني الأسترآبادي ، حدّثنا السيد الإمام نقيب النقباء زين الإسلام أبو جعفر محمد ابن جعفر بن علي الحسيني ، حدثنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين ابن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمّد بن القاسم بن الحسين

__________________

(١) ـ انشمرت : تقلصت فلم تحلب.


ابن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني ، حدثنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي ، حدثنا عليّ بن عبد العزيز العكبري ، حدثنا الحسن بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن تميم بن ربيعة الرياحي ، عن زيد بن علي ، عن أبيه : «أنّ الحسينعليه‌السلام خطب أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيها الناس خطّ الموت على بني آدم كمخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أو لعني بالشوق إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وإنّ لي مصرعا أنا لاقيه ، كأني أنظر الى أوصالي تقطعها وحوش الفلوات ، غبرا وعفرا قد ملأت مني أكراشها ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ليوفينا اجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته وعترته ، ولن تفارقه أعضاؤه ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقر بها عينه ، وتنجز له فيهم عدّته».

٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرني أبي ، أخبرني حمزة بن القاسم العلوي ، حدثني بكر بن عبد الله بن حبيب ، حدثني تميم ابن بهلول الضبي أبو محمد ، أخبرني عبد الله بن الحسين بن تميم ، حدثني محمد بن زكريا ، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التيمي ، حدّثني عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عبد الله بن الحسن ، قال : لما عبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسينعليه‌السلام ، ورتبهم في مراتبهم ، وأقام الرايات في مواضعها ، وعبأ الحسين أصحابه في الميمنة والميسرة ، فأحاطوا بالحسين من كلّ جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة ، خرج الحسين من أصحابه حتى أتى النّاس فاستنصتهم ، فأبوا أن ينصتوا ، فقال لهم : «ويلكم ، ما عليكم أن تنصتوا إليّ ، فتسمعوا قولي ، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمن أطاعني كان من


المرشدين ، ومن عصاني كان من المهلكين ، وكلكم عاص لأمري ، غير مستمع لقولي ، قد انخزلت عطياتكم من الحرام ، وملئت بطونكم من الحرام ، فطبع الله على قلوبكم ، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون»؟

فتلاوم أصحاب عمر بن سعد ، وقالوا : انصتوا له ، فقال الحسين : «تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ، أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين ، فأصرخناكم مؤدين مستعدين ، سللتم علينا سيفا في رقابنا ، وحششتم علينا نار الفتن التي جناها عدوكم وعدونا ، فأصبحتم إلبا على أوليائكم ، ويدا عليهم لأعدائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ، ولا أمل أصبح لكم فيهم ، إلّا الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه ، من غير حدث كان منا ، ولا رأي تفيل(١) لنا فهلّا لكم الويلات إذ كرهتمونا تركتمونا ، فتجهزتموها والسيف لم يشهر ، والجأش طامن ، والرأي لم يستحصف ، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الدبا ، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش ، فقبحا لكم ، فإنما أنتم من طواغيت الامة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومحرّفي الكتاب ، ومطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيري عترة الأوصياء ، وملحقي العهار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصراخ أئمة المستهزئين ، الذين جعلوا القرآن عضين ، وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون ، وإيانا تخذلون. أجل والله ، الخذل فيكم معروف ، وشجت عليه عروقكم ، وتوارثته اصولكم وفروعكم ، ونبتت عليه قلوبكم ، وغشيت به صدوركم ، فكنتم أخبث شيء سنخا للناصب ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، فأنتم والله هم ، ألا إن الدعي بن

__________________

(١) ـ تفيل : أخطأ.


الدعي ، قد ركز بين اثنتين : بين القتلة والذلة ، وهيهات منا أخذ الدّنية ، أبى الله ذلك ورسوله ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وانوف حمية ، ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام ، على مصارع الكرام ، ألا إني قد أعذرت وأنذرت ، ألا إني زاحف بهذه الاسرة على قلّة العتاد ، وخذلة الأصحاب ، ثم أنشد :

فإن نهزم فهزّامون قدما

وإن نهزم فغير مهزّمينا

وما أن طبّنا جبن ولكن

منايانا ودولة آخرينا

أما إنه لا تلبثون بعدها إلّا كريث ما يركب الفرس ، حتى تدور بكم دور الرحى ، عهد عهده إليّ أبي ، عن جدي( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ) (١) ( فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

اللهمّ! احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ، فلا يدع فيهم أحدا ، قتلة بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم ، فإنهم غرونا وكذبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا ، عليك توكلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير».

ثم قالعليه‌السلام : «أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر» ، فدعي له وكان كارها لا يحب أن يأتيه ، فقال : «يا عمر! أنت تقتلني ، وتزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان؟ والله ، لا تتهنأ بذلك أبدا ، عهد معهود ، فاصنع ما أنت صانع ، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة ، يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضا

__________________

(١) ـ اقتبس الآيات من سورتين ، الأولى : يونس / ٧١ ، والثانية : هود / ٥٥.


بينهم». فغضب عمر بن سعد من كلامه ، ثمّ صرف وجهه عنه ، ونادى بأصحابه : ما تنظرون به؟ احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة.

ثم إن الحسينعليه‌السلام دعا بفرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ المرتجز ـ ، فركبه وعبأ أصحابه ، وزحف عمر بن سعد فنادى غلامه دريدا : قدم رايتك يا دريد! ثمّ وضع سهمه في كبد قوسه ، ثمّ رمى به وقال : اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى ، فرمى أصحابه كلّهم بأجمعهم في أثره رشقة واحدة ، فما بقي من أصحاب الحسين أحد إلّا أصابه من رميتهم سهم.

وخرج يسار مولى زياد بن أبيه ؛ وسالم مولى عبيد الله بن زياد ، فقالا : من يبارزنا؟ فخرج إليهما برير بن خضير ؛ وحبيب بن مظاهر ، فقال لهما الحسين : اجلسا. فقام عبد الله بن عمير الكلبي ، فقال للحسين : ائذن لي أخرج! فرآه رجلا آدم طويلا ، شديد الساعدين ، بعيد ما بين المنكبين ، فقال : «إني أراه للأقران قاتلا ، أخرج إن شئت» ، فخرج إليهما فقالا له : من أنت؟ فانتسب لهما ، فقالا له : لا نعرفك ، ليخرج إلينا ـ زهير ابن القين أو حبيب بن مظاهر ـ ، ويسار أمام سالم ، فقال له : يا ابن الزانية! أو لك رغبة عن مبارزة أحد ، وليس أحد من الناس إلّا وهو خير منك؟ ثم حمل عليه فضربه حتى سكت ، وأنّه لمشتغل به يضربه بسيفه ، إذ شدّ عليه سالم ، فصاح به أصحابه : العبد قد دهاك ، فلم يلتفت إليه حتى جاء سالم وبدره بضربة ، فاتقاها الكلبي بيده ، فأطار أصابع كفّه ، ثم مال عليه الكلبي فقتله ، ثمّ قتل بعد ذلك.

قال أبو مخنف : فلما رموهم هذه الرمية قلّ أصحاب الحسينعليه‌السلام ، فبقي في هؤلاء القوم الذين يذكرون في المبارزة ، وقد قتل منهم ما ينيف على خمسين رجلا ، فعندها ضرب الحسينعليه‌السلام بيده إلى لحيته ، فقال : هذه


رسل القوم ـ يعني السهام ـ ، ثمّ قال : «اشتدّ غضب الله على اليهود والنصارى إذ جعلوا له ولدا ، واشتدّ غضب الله على المجوس إذ عبدت الشمس والقمر والنّار من دونه ، واشتدّ غضب الله على قوم اتّفقت آراؤهم على قتل ابن بنت نبيهم ، والله ، لا أجيبهم إلى شيء مما يريدونه أبدا ، حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي» ثم صاحعليه‌السلام : «أما من مغيث يغيثنا لوجه الله تعالى؟ أما من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله»؟

فلمّا سمع الحر بن يزيد هذا الكلام ، اضطرب قلبه ، ودمعت عيناه ، فخرج باكيا متضرعا ، مع غلام له تركي ، وكان كيفية انتقاله الى الحسين ، أنّه لما سمع هذا الكلام من الحسين أتى إلى عمر بن سعد ، فقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال : إي والله! قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس ، وتطيح الأيدي ، فقال : أما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟ فقال : والله ، لو كان الأمر إليّ لفعلت ، ولكن أميرك قد أبى ذلك.

فأقبل الحر حتى وقف عن النّاس جانبا ومعه رجل من قومه ، يقال له : قرّة بن قيس ، فقال له : يا قرة! هل سقيت فرسك اليوم ماء؟ قال : لا. قال : أما تريد أن تسقيه؟ قال قرّة : فظننت ، والله ، أنّه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال ، ويكره أن أراه يصنع ذلك مخافة أن أرفع عليه ، فقلت له : لم أسقيه وأنا منطلق فأسقيه.

قال : فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه والله لو أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين ، فأخذ يدنو قليلا قليلا ، فقال له رجل من قومه : يا أبا يزيد! إنّ أمرك لمريب ، فما الذي تريد؟ قال : والله ، إني اخير نفسي بين الجنّة والنار ، وو الله ، لا أختار على الجنّة شيئا ولو قطعت وحرقت.


ثم ضرب فرسه ، ولحق بالحسين مع غلامه التركي ، فقال : يا ابن رسول الله! جعلني الله فداك ، إني صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، وجعجعت بك في هذا المكان ، والله الذي لا إله إلّا هو ، ما ظننت القوم يردون عليك ما عرضت عليهم ، ولا يبلغون بك هذه المنزلة ، وإني لو سوّلت لي نفسي أنهم يقتلونك ما ركبت هذا منك ، وإني قد جئتك تائبا إلى ربي مما كان مني ، ومواسيك بنفسي حتى أموت بين يديك ، أفترى ذلك لي توبة؟

قال : «نعم ، يتوب الله عليك ويغفر لك ، ما اسمك»؟ قال : أنا الحرّ ، قال : «أنت الحر كما سمتك امك ، أنت الحرّ في الدنيا والآخرة ؛ انزل» ، فقال : أنا لك فارسا خير مني لك راجلا ، اقاتلهم على فرسي ساعة ، وإلى النزول ما يصير أمري. ثم قال : يا ابن رسول الله! كنت أوّل خارج عليك ، فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك ، فلعلي أن أكون ممن يصافح جدّك محمدا غدا في القيامة. فقال له الحسينعليه‌السلام : «إن شئت فأنت ممن تاب الله عليه ، وهو التواب الرحيم» ، فكان أول من تقدّم إلى براز القوم ، الحرّ بن يزيد الرياحي ، فأنشد في برازه :

إني أنا الحرّ ومأوى الضيف

أضرب في أعناقكم بالسيف

عن خير من حلّ بوادي الخيف

أضربكم ولا أرى من حيف

وروي : أنّ الحر لما لحق بالحسينعليه‌السلام ، قال رجل من بني تميم ، يقال له يزيد بن سفيان : أما والله ، لو لقيت الحر حين خرج لأتبعته السنان ، فبينا هو يقاتل ، وإنّ فرسه لمضروب على اذنيه وحاجبه ، وإن الدماء لتسيل ، إذ قال الحصين بن نمير : يا يزيد! هذا الحرّ الذي كنت تتمناه ، فهل لك به؟ قال : نعم ، وخرج إليه ، فما لبث الحرّ أن قتله وقتل أربعين فارسا وراجلا ، ولم


يزل يقاتل حتى عرقب فرسه ، وبقي راجلا ، فجعل يقاتل وهو يقول :

إن تعقروا بي فأنا ابن الحرّ

أشجع من ذي لبدة هزبر

ولست بالخوار عند الكرّ

لكنّني الثابت عند الفرّ

ثمّ لم يزل يقاتل حتى قتل ، فاحتمله أصحاب الحسينعليه‌السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين وبه رمق ، فجعل الحسين يمسح التراب عن وجهه ، وهو يقول له : «أنت الحرّ كما سمّتك به امك ، أنت الحرّ في الدّنيا ، وأنت الحرّ في الآخرة». ثمّ رثاه بعض أصحاب الحسين.

وقال الحاكم الجشمي : بل رثاه علي بن الحسينعليه‌السلام بقوله :

لنعم الحر حرّ بني رياح

صبور عند مشتبك الرماح

ونعم الحر إذ نادى حسين

فجاد بنفسه عند الصباح

وروي : أنّه كان ينشد عند مكافحته :

آليت لا اقتل حتى اقتلا

ولا اصاب اليوم إلّا مقبلا

أضربهم بالسيف ضربا معضلا

لا ناكلا فيهم ولا مهللا

قال : ثمّ برز من بعده برير بن خضير الهمداني ، وهو يقول :

أنا برير وفتى خضير

أضربكم ولا أرى من ضير

يعرف في الخير أهل الخير

كذاك فعل الخير من برير

وكان برير من عباد الله الصالحين ، فحمل وقاتل قتالا شديدا ، وجعل ينادي فيهم : اقتربوا مني ، يا قتلة المؤمنين! اقتربوا مني ، يا قتلة أولاد البدريين! اقتربوا مني ، يا قتلة عترة خير المرسلين! فبرز إليه رجل يقال له : يزيد بن معقل ، فقال لبرير : أشهد أنّك من المضلّين ، فقال له برير : هلم ، فلندع الله أن يلعن الكاذب منّا ، وأن يقتل المحق منا المبطل.

فخرجا ، ودعوا الله تعالى في ذلك ، وتبارزا فضرب يزيد بريرا ضربة


خفيفة لم تضرّه ، وضرب برير يزيدا ضربة قدّت المغفر ، ووصلت إلى دماغه ، فسقط قتيلا ، فحمل بجير بن أوس الضبي على برير ، وهو مشغول بيزيد ، فقتله ، ثمّ جال في ميدان الحرب ، وهو يقول :

سلي تخبري عنّي وأنت ذميمة

غداة حسين والرماح شوارع

ألم آت أقصى ما كرهت ولم يحل

غداة الوغى والروع ما أنا صانع

معي يزني لم تخنه كعوبه

وأبيض مشحوذ الغرارين قاطع

فجرّدته في عصبة ليس دينهم

كديني وإني بعد ذاك لقانع

وقد صبروا للطعن والضرب حسرا

وقد جالدوا لو أنّ ذلك نافع

فأبلغ عبيد الله إما لقيته

بأني مطيع للخليفة سامع

قتلت بريرا ثم جللت نعمة

غداة الوغى لما دعا من يقارع

ثم إنه ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين ، ثم جاءه ابن عم له يقال له : عبيد الله بن جابر ، فقال له : ويلك ، يا بجير! أقتلت برير بن خضير؟ بأي وجه تلقى ربك غدا؟ فندم وقال :

فلو شاء ربّي ما شهدت قتالهم

ولا جعل النعماء عند ابن جابر

لقد كان ذاك اليوم عارا وسبّة

تعير به الأبناء عند المعاشر

فيا ليت أني كنت في الرّحم حيضة

ويوم حسين كنت في رمس قابر

ويا سوأتي ما ذا أقول لخالقي؟

وما حجّتي يوم الحساب القماطر؟

قال : ثمّ خرج وهب بن عبد الله بن جناب الكلبي ، وكانت معه أمه ، فقالت له : قم يا بني! فانصر ابن بنت رسول الله ، فقال : أفعل ، يا اماه! ولا اقصر إن شاء الله ، ثم برز ، وهو يقول :

إن تنكروني فأنا ابن الكلبي

سوف تروني وترون ضربي

وحملتي وصولتي في الحرب

أدرك ثاري بعد ثأر صحبي

وأدفع الكرب بيوم الكرب

فما جلادي في الوغى للعب


ثم حمل ، فلم يزل يقاتل حتى قتل جماعة ، فرجع إلى أمه وامرأته فوقف عليهما ، فقال: يا اماه! أرضيت عني؟ فقالت : ما رضيت ، أو تقتل بين يدي ابن بنت رسول الله ، فقالت له امرأته : أسألك بالله أن لا تفجعني بنفسك ، فقالت له امّه : لا تسمع قولها ، وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله ليكون غدا شفيعك عند ربّك. فتقدّم وهو يقول:

إني زعيم لك أمّ وهب

بالطعن فيهم تارة والضرب

فعل غلام مؤمن بالرب

حتى يذيق القوم مرّ الحرب

إني امرؤ ذو مرّة وعصب

ولست بالخوار عند النكب

حسبي بنفسي من عليم حسبي

إذا انتميت في كرام العرب

ولم يزل يقاتل حتى قطعت يمينه ، فلم يبال ، وجعل يقاتل حتى قطعت شماله ، ثمّ قتل ، فجاءت إليه أمه تمسح الدّم عن وجهه ، فأبصرها شمر بن ذي الجوشن ، فأمر غلاما له فضربها بالعمود حتى شدخها وقتلها ، فهي أوّل امرأة قتلت في حرب الحسينعليه‌السلام .

وذكر مجد الأئمة السرخسكي ، عن أبي عبد الله الحدّاد : أن وهب بن عبد الله هذا ، كان نصرانيا ، فأسلم هو وأمه على يد الحسينعليه‌السلام ، وأنّه قتل في المبارزة أربعة وعشرين رجلا ، واثني عشر فارسا ، فاخذ أسيرا ، واتي به عمر بن سعد ، فقال له : ما أشدّ صولتك! ثم أمر فضرب عنقه ، ورمي برأسه إلى عسكر الحسين ، فأخذت أمه الرأس فقبلته ، ثم شدّت بعمود الفسطاط ، فقتلت به رجلين ، فقال لها الحسين : «ارجعي أمّ وهب! فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء». فرجعت ، وهي تقول : إلهي لا تقطع رجائي ، فقال لها الحسين : «لا يقطع الله رجاك ، يا أمّ وهب! ، أنت وولدك مع رسول الله وذريته في الجنّة».


قال : ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي ، وهو يقول :

اليوم يا نفس إلى الرحمن

تمضين بالروح وبالريحان

اليوم تجزين على الإحسان

قد كان منك غابر الزمان

ما خط باللوح لدى الديّان

فاليوم زال ذاك بالغفران

لا تجزعي فكلّ حيّ فان

والصبر أحظى لك بالأمان

فقاتل حتى قتل ، ثمّ تقدم ابنه خالد بن عمرو بن خالد الأزدي ، وهو يقول :

صبرا على الموت بني قحطان

كيما نكون في رضى الرّحمن

ذي المجد والعزّة والبرهان

يا أبتا قد صرت في الجنان

ثم حمل فقاتل حتّى قتل ، ثم خرج من بعده سعد بن حنظلة التميمي وهو يقول :

صبرا على الأسياف والأسنّة

صبرا عليها لدخول الجنّه

وحور عين ناعمات هنّه

لمن يريد الفوز لا بالظنّه

يا نفس للراحة فاطرحنّه

وفي طلاب الخير فارغبنّه

ثم حمل وقاتل قتالا شديدا فقتل ، ثم خرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي ، وهو يقول :

قد علمت سعد وحي مذحج

أني ليث الغاب لم اهجهج

أعلو بسيفي هامة المدجّج

وأترك القرن لدى التعرج

فريسة الضبع الأزل الأعرج

فمن تراه واقفا بمنهجي

ولم يزل يقاتل قتالا شديدا ، حتى قتله مسلم الضبابي ، وعبد الله البجلي ، اشتركا في قتله ، ثم خرج مسلم بن عوسجة الأسدي وهو يقول :


إن تسألوا عني فإني ذو لبد

من فرع قوم من ذرى بني أسد

فمن بغاني حائد عن الرشد

وكافر بدين جبّار صمد

ثمّ تابعه نافع بن هلال الجملي ، وهو يقول :

أنا على دين عليّ

ابن هلال الجملي

أضربكم بمنصلي

تحت عجاج القسطل

فخرج لنافع رجل من بني قطيعة ، فقال لنافع : أنا على دين عثمان ، فقال نافع : إذن أنت على دين الشيطان ، وحمل عليه فقتله ، فأخذ نافع ومسلم يجولان في ميمنة ابن سعد ، فقال عمرو بن الحجاج ـ وكان على الميمنة ـ : ويلكم ، يا حمقاء مهلا! أتدرون من تقاتلون؟ إنما تقاتلون فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوما مستميتين ، لا يبرزن منكم أحد إلّا قتلوه على قلّتهم ، والله ، لو لم ترموهم إلّا بالحجارة لقتلتموهم.

فقال ابن سعد له : صدقت! الرأي ما رأيت ، فأرسل في العسكر يعزم عليهم : أن لا يبارز رجل منكم ، فلو خرجتم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة. ثمّ دنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين ، ثم صاح بقومه : يا أهل الكوفة! ألزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين ، وخالف إمام المسلمين.

فقال له الحسين : «يا ابن الحجاج! أعليّ تحرّض الناس؟ أنحن مرقنا عن الدين وأنتم ثبتم عليه؟ والله ، لتعلمنّ أينا المارق عن الدين ، ومن هو أولى بصلي النّار».

ثم حمل عمرو بميمنته من نحو الفرات ، فاضطربوا ساعة ، فصرع مسلم بن عوسجة ، وانصرف عمرو بن الحجاج ، وارتفعت الغبرة ، فإذا مسلم صريع ، فمشى إليه الحسين ، فإذا به رمق ، فقال له الحسين : «رحمك


الله يا مسلم!( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) الأحزاب / ٢٣ ، ودنا منه حبيب بن مظاهر ، فقال له : عزّ والله ، عليّ مصرعك يا مسلم! أبشر بالجنة. فقال قولا ضعيفا : بشرك الله بخير ، فقال له حبيب : لو لا أني أعلم أني لا حقّ بك في أثرك من ساعتي هذه ، لأحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمّك ، حتى أحفظك في ذلك ، لما أنت أهله في القرابة والدين ، فقال له : بلى ، اوصيك بهذا رحمك الله ، ـ وأومأ إلى الحسين ـ أن تموت دونه. فقال له : أفعل وربّ الكعبة ، فما أسرع من أن مات ، فصاحت جارية له : يا سيداه! يا بن عوسجتاه! فنادى أصحاب عمر بن سعد مستبشرين : قتلنا مسلم بن عوسجة ، فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله : ثكلتكم امهاتكم! أما أنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم ، وتذلون عزّكم ، أتفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة؟ أما والذي أسلمت له ، لربّ موقف له في المسلمين كريم ، والله ، لقد رأيته يوم «آذربيجان» قتل ستّة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين.

قال : ثمّ حمل شمر بن ذي الجوشن فثبتوا له ، وقاتل أصحاب الحسين قتالا شديدا ، وإنما هم اثنان وثلاثون فارسا ، فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلّا كشفوه ، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة ، فأقبلوا حتى دنوا من الحسين وأصحابه ، فرشقوهم بالنبل ، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم ، وقاتلوهم حتى انتصف النهار ، واشتد القتال ، ولم يقدر أصحاب ابن سعد أن يأتوهم إلّا من جانب واحد ، لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض. فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوّضوا الأبنية من عن شمائلهم وأيمانهم ليحيطوا بها ، وأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون بينها فيشدون على الرجل وهو يقوّض وينتهب ،


فيرمونه من قريب فيصرعونه ويقتلونه ، فأمر عمر بن سعد أن يحرقوها بالنّار.

فقال الحسين لأصحابه : «دعوهم فليحرقوها ، فإنهم لو فعلوا لم يجوزوا إليكم منها». فأحرقوها وكان ذلك كذلك. وقيل : قال له شبث بن ربعي : أفزعت النساء ثكلتك امّك! فاستحيى من ذاك وانصرف عنه ، وجعلوا لا يقاتلونهم إلّا من وجه واحد ، وشدّ أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر.

قال : ولا يزال يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان ، فيتبين ذلك فيهم لقلّتهم ، ويقتل من أصحاب عمر العشرة والعشرون ، فلا يتبين ذلك فيهم لكثرتهم.

قال : ورأى أبو ثمامة الصيداوي زوال الشمس ، فقال للحسين : يا أبا عبد الله! نفسي لك الفداء ، أرى هؤلاء قد اقتربوا ، ولا والله ، تقتل حتى اقتل دونك ، واحبّ أن ألقى ربي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها. فرفع الحسين رأسه إلى السماء ، وقال له : «ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلّين ، نعم ، هذا أول وقتها» ، ثم قال : «سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلّي».

فقال له الحصين بن نمير : إنها لا تقبل منك ، فقال له حبيب بن مظاهر : لا تقبل الصلاة زعمت من آل رسول الله ، وتقبل منك يا ختار! فحمل عليه الحصين ، وحمل عليه حبيب فضرب حبيب وجه الفرس ، فشبّ الفرس ، ووقع عنه الحصين فاحتوشه أصحابه فاستنقذوه.

فقال الحسين لزهير بن القين ؛ وسعيد بن عبد الله : «تقدّما أمامي» ، فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف.


وروي أنّ سعيد بن عبد الله الحنفي تقدّم أمام الحسينعليه‌السلام ، فاستهدف له يرمونه بالنبل ، فما أخذ الحسينعليه‌السلام يمينا وشمالا إلّا قام بين يديه ، فما زال يرمى حتى سقط إلى الأرض ، وهو يقول : اللهمّ! العنهم لعن عاد وثمود ، اللهمّ! أبلغ نبيك عني السلام ، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك ، ثم مات ، فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف ، وطعن الرماح.

قال : ثمّ خرج عبد الرحمن بن عبد الله اليزني ، وهو يقول :

أنا ابن عبد الله من آل يزن

ديني على دين حسين وحسن

أضربكم ضرب فتى من اليمن

أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده يحيى بن سليم المازني ، وهو يقول :

لاضربنّ اليوم ضربا فيصلا

ضربا طلحفي(١) في العدى مستأصلا

لا عاجزا عنهم ولا مهللا

ما أنا إلّا الليث يحمي الأشبلا

ثمّ حمل فقاتل قتالا شديدا حتى قتل.

ثم خرج من بعده قرّة بن أبي قرّة الغفاري ، وهو يقول :

قد علمت حقا بنو غفّار

وخندف بعد بني نزار

بأنني الليث الهزبر الضاري

لأضربنّ معشر الفجّار

بحد عضب ذكر بتّار

يشع لي في ظلمة الغبار

دون الهداة السادة الأبرار

رهط النبي أحمد المختار

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده مالك بن أنس الكاهلي ، وهو يقول :

__________________

(١) شديدا.


قد علمت كاهل ثم دودان

والخندفيون وقيس عيلان

بأنّ قومي آفة للأقران

وانني سيد تلك الفرسان

ثم حمل فقاتل حتّى قتل.

ثم خرج من بعده عمر بن مطاع الجعفي ، وهو يقول :

أنا ابن جعفي وأبي مطاع

وفي يميني مرهف قطّاع

وأسمر سنانه لماع

يرى له من ضوئه شعاع

قد طاب لي في يومي القراع

دون حسين وله الدفاع

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده حبيب بن مظاهر الأسدي ، وهو يقول :

أنا حبيب وأبي مظهر(١)

فارس هيجاء وحرب تسعر

فأنتم عند العديد أكثر

ونحن أعلى حجّة وأظهر

وأنتم عند الهياج غدر

ونحن أوفى منكم وأصبر

ثمّ قاتل وجعل يحمل ، ويقول :

اقسم لو كنتم لنا أعدادا

أو شطركم وليتم الأكتادا

يا شرّ قوم حسبا وآدا

ويا أشدّ معشر عنادا

فحمل عليه رجل من بني تميم فطعنه ، فذهب ليقوم فضربه الحصين ابن نمير على رأسه بالسيف فوقع ، ونزل التميمي فاحتزّ رأسه ، فهدّ مقتله الحسين ، فقال : «عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي» ، وقيل : بل قتله رجل ، يقال له : بديل بن صريم ، وأخذ رأسه فعلّقه في عنق فرسه ، فلما دخل الكوفة رآه ابن حبيب بن مظاهر ـ وهو غلام غير مراهق ـ فوثب عليه وقتله وأخذ رأسه.

__________________

(١) المضبوط مظهر والشعر يشهد له والجاري على الألسن مظاهر.


قال : ثمّ خرج من بعده جون مولى أبي ذر الغفاري ، وكان عبدا أسود ، فجعل يقول وهو يحمل عليهم :

كيف يرى الفجار ضرب الأسود

بالمشرفي القاطع المهنّد

أحمي الخيار من بني محمد

أذبّ عنهم باللسان واليد

أرجو بذاك الفوز عند المورد

من الإله الواحد الموحّد

وقاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده أنيس بن معقل الأصبحي ، فجعل يقول :

أنا أنيس وأنا ابن معقل

وفي يميني نصل سيف فيصل

أعلو به الهامات بين القسطل

حتّى أزيل خطبه فينجلي

عن الحسين الفاضل المفضل

ابن رسول الله خير مرسل

ثم حمل ولم يزل يقاتل حتّى قتل.

ثمّ خرج من بعده يزيد بن مهاصر الجعفي ، وهو يقول :

أنا يزيد وأبي مهاصر

ليث عرين في العرين خادر

يا ربّ إني للحسين ناصر

ولابن سعد تارك وهاجر

ثم حمل وقاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده الحجاج بن مسروق ـ وهو مؤذن الحسينعليه‌السلام ـ ، فجعل يقول :

أقدم حسين هاديا مهديّا

اليوم نلقى جدّك النبيا

ثم أباك ذا العلا عليّا

والحسن الخير الرضا الوليا

وذا الجناحين الفتى الكميا

وأسد الله الشهيد الحيا

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده زهير بن القين البجلي ، وهو يقول :


أنا زهير وأنا ابن القين

أذودكم بالسيف عن حسين

إنّ حسينا أحد السبطين

من عترة البرّ التقي الزين

ذاك رسول الله غير المين

أضربكم ولا أرى من شين

وروي أنّ زهيرا لما أراد الحملة وقف على الحسينعليه‌السلام ، وضرب على كتفه ، وقال : أقدم حسين هاديا مهديّا الابيات التي تقدّمت للحجاج بن مسروق ، فلا أدري أهو منشؤها ، أم الحجاج بن مسروق ، ثمّ قاتل قتالا شديدا. فشدّ عليه كثير بن عبد الله الشعبي ؛ ومهاجر بن أوس التميمي ، فقتلاه فقال الحسين حين صرع زهير : «لا يبعدنّك الله يا زهير! ولعن الله قاتلك ، لعن الّذين مسخهم قردة وخنازير».

ثم خرج من بعده سعيد بن عبد الله الحنفي ، وهو يقول :

أقدم حسين اليوم نلقى أحمدا

وشيخك الخير عليا ذا الندى

وحسنا كالبدر وافى الأسعدا

وعمك القرم الهجان الأصيدا

وحمزة ليث الإله الأسدا

في جنّة الفردوس نعلو صعدا

فحمل وقاتل حتّى قتل.

وروي : أنّ هذه الأبيات لسويد بن عمرو بن أبي المطاع والله أعلم.

قال : ثمّ خرج من بعده نافع بن هلال الجملي ، وقيل : هلال بن نافع ، وجعل يرميهم بالسهام فلا يخطئ ، وكان خاضبا يده ، وكان يرمي ويقول :

أرمي بها معلمة أفواقها

والنفس لا ينفعها إشفاقها

مسمومة يجري بها أخفاقها

لتملأن أرضها رشاقها

فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه ، ثمّ ضرب إلى قائم سيفه فاستلّه ، وحمل ، وهو يقول :


أنا الغلام اليمني الجملي

ديني على دين حسين وعليّ

إن اقتل اليوم فهذا أملي

وذاك رأيي وألاقي عملي

فقتل ثلاثة عشر رجلا حتى كسر القوم عضديه ، وأخذوه أسيرا ، فقام شمر بن ذي الجوشن فضرب عنقه.

ثمّ خرج من بعده جنادة بن الحرث الأنصاري ، وهو يقول :

أنا جنادة أنا ابن الحارث

لست بخوار ولا بناكث

عن بيعتي حتى يقوم وارثي

من فوق شلو في الصعيد ماكث

فحمل ولم يزل يقاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده عمرو بن جنادة ، وهو ينشد ويقول :

أضق الخناق من ابن هند وأرمه

في عقره بفوارس الأنصار

ومهاجرين مخضبين رماحهم

تحت العجاجة من دم الكفّار

خضبت على عهد النبي محمد

فاليوم تخضب من دم الفجّار

واليوم تخضب من دماء معاشر

رفضوا القرآن لنصرة الأشرار

طلبوا بثارهم ببدر وانثنوا

بالمرهفات وبالقنا الخطّار

والله ربي لا أزال مضاربا

للفاسقين بمرهف بتّار

هذا عليّ اليوم حقّ واجب

في كلّ يوم تعانق وحوار

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل.

ثمّ خرج من بعده شاب قتل أبوه في المعركة ، وكانت امّه عنده ، فقالت : يا بني! اخرج فقاتل بين يدي ابن رسول الله حتى تقتل. فقال : أفعل! فخرج ، فقال الحسين : «هذا شاب قتل أبوه ، ولعل أمه تكره خروجه» ، فقال الشاب : أمي أمرتني يا ابن رسول الله! فخرج وهو يقول :

أميري حسين ونعم الأمير

سرور فؤاد البشير النذير


عليّ وفاطمة والداه

فهل تعلمون له من نظير

ثمّ قاتل فقتل ، وحزّ رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين ، فأخذت أمه رأسه ، وقالت له : أحسنت يا بني! يا قرة عيني وسرور قلبي! ثمّ رمت برأس ابنها رجلا فقتلته ، وأخذت عمود خيمة ، وحملت على القوم ، وهي تقول :

أنا عجوز في النسا ضعيفة

بالية خاوية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة

فضربت رجلين فقتلتهما ، فأمر الحسينعليه‌السلام بصرفها ودعا لها.

ثمّ خرج عمرو بن قرظة الأنصاري ، وهو يقول :

قد علمت كتيبة الأنصار

أني أحمي حوزة الذمار

ضرب غلام غير نكس شار

دون حسين مهجتي وداري

ثمّ حمل فقاتل قتالا شديدا حتى قتل.

ثم خرج من بعده عبد الرّحمن بن عروة ، وجعل يقول :

قد علمت حقا بنو غفار

وخندف بعد بني نزار

لأضربن معشر الأشرار

بالمشرفي الصارم البتار

ثمّ قاتل حتى قتل.

قال : وجاء عابس بن شبيب الشاكري ، ومعه شوذب مولى شاكر فقال : يا شوذب! ما في نفسك أن تصنع؟ قال : وما أصنع! اقاتل حتى اقتل ، فقال له : ذلك الظنّ بك ، فتقدّم بين يدي ـ أبي عبد الله ـ ، أحتسبك ويحتسبك كما احتسب غيرك ، فإن هذا اليوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما قدرنا عليه ، فانه لا عمل بعد اليوم ، وإنما هو الحساب. ثمّ تقدم فسلم على الحسين ، وقال له : يا أبا عبد الله! أما والله ، ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ ولا أحبّ إليّ منك ، ولو قدرت على أن


أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعزّ عليّ من نفسي ودمي لفعلت ، السلام عليك ، يا أبا عبد الله! أشهد أني على هداك وهدى أبيك ، ثمّ مشى بالسيف نحوهم.

قال ربيع بن تميم : فلما رأيته مقبلا عرفته ـ وقد كنت شاهدته في المغازي ـ فكان أشجع الناس ، فقلت للقوم : أيها الناس! هذا أسد الاسود ، هذا ابن شبيب ، لا يخرجنّ إليه أحد منكم. فأخذ ينادي : ألا رجل؟ ألا رجل؟ فقال عمر بن سعد : أرضخوه بالحجارة ، فرمي بالحجارة من كلّ جانب ، فلا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ، ثمّ شدّ على الناس ، فو الله ، لقد رأيته يطرد أكثر من مائتين من الناس ، ثم تعطفوا عليه من كلّ جانب فقتل ، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدّة ، هذا يقول : أنا قتلته! وهذا يقول : أنا قتلته! فقال عمر بن سعد : لا تختصموا ، هذا والله لم يقتله إنسان واحد ، ففرق بينهم بهذا القول.

ثمّ جاء عبد الله ؛ وعبد الرحمن الغفاريان ، فقالا : السلام عليك يا أبا عبد الله! أحببنا أن نقتل بين يديك ، وندفع عنك ، فقال : «مرحبا بكما ، أدنوا مني» ، فدنوا منه وهما يبكيان ، فقال لهما : «يا ابني أخي! ما يبكيكما ، فو الله ، إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري العين»؟ فقالا : جعلنا الله فداك ، لا ، والله ما نبكي على أنفسنا ، ولكن نبكي عليك ، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنع عنك ، فقال : «جزاكما الله ، يا ابني أخي! بوجدكما من ذلك ، ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين» ، ثمّ استقدما ، وقالا : السلام عليك ، يا ابن رسول الله! فقال : «وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته» ، فخرجا وقاتلا قتالا شديدا حتى قتلا.

ثمّ جاء سيف بن الحرث بن سريع ؛ ومالك بن عبد الله بن سريع


الجابريان بطن من همدان ، يقال لهم : بنو جابر ، فتقدما أمام الحسينعليه‌السلام ، ثمّ التفتا إليه ، وقالا : السلام عليك ، يا أبا عبد الله! فقال : «وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته» ، ثمّ خرجا فقاتلا قتالا شديدا حتى قتلا.

ثمّ خرج غلام تركي مبارز ، قارئ للقرآن ، عارف بالعربية ، وهو من موالي الحسين ، فجعل يقاتل ويقول :

البحر من طعني وضربي يصطلي

والجو من سهمي ونبلي يمتلي

إذا حسامي في يميني ينجلي

ينشقّ قلب الحاسد المبجل

فقتل جماعة ، فتحاوشوه فصرعوه ، فجاءه الحسين وبكى ووضع خدّه على خده ، ففتح عينيه ، ورآه فتبسّم ، ثمّ صار إلى ربه.

ثم جاء إليه عمر بن خالد الصيداوي ، فقال : السلام عليك ، يا أبا عبد الله! قد هممت أن ألحق بأصحابي ، وكرهت أن أتخلّف فأراك وحيدا من أهلك قتيلا ، فقال له الحسين : «تقدّم ، فإنا لاحقون بك عن ساعة» ، فتقدم وقاتل قتالا شديدا ، حتى قتل.

ثم جاء إليه حنظلة بن أسعد العجلي الشبامي ، فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره ، وأخذ ينادي : يا قوم!( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ. وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) غافر / ٣٠ ـ ٣٣. يا قوم لا تقتلوا حسينا( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ) طه / ٦١.

فقال له الحسين : «يا بن أسعد! رحمك الله ، إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ، ونهضوا إليك يشتمونك وأصحابك ، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين»؟ فقال :


صدقت ، جعلت فداك ، أفلا نروح إلى ربنا فنلحق بإخواننا؟ فقال له الحسين : «رح إلى ما هو خير لك من الدّنيا وما فيها ، وإلى ملك لا يبلى» ، فقال : السلام عليك ، يا ابن رسول الله! وعلى أهل بيتك ، وجمع الله بيننا وبينك في الجنّة. فقال الحسين : «آمين! آمين!» ثمّ استقدم فقاتل قتالا شديدا ، فحملوا عليه فقتلوه.

ثمّ رماهم يزيد بن زياد أبو الشعثاء بمائة سهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم ، وكان كلما رمى ، قال الحسين : «اللهمّ! سدّد رميته ، واجعل ثوابه الجنّة» ، فحملوا عليه فقتلوه.

وكان يأتي الحسين الرجل بعد الرّجل ، فيقول : السلام عليك ، يا ابن رسول الله! فيجيبه الحسين : «وعليك السلام ، ونحن خلفك ، ويقرأ :( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) » الاحزاب / ٢٣ ، ثمّ يحمل فيقتل حتى قتلوا عن آخرهم (رضوان الله عليهم) ، ولم يبق مع الحسين إلّا أهل بيته.

أقول : وهكذا يكون المؤمن : يؤثر دينه على دنياه ؛ وموته على حياته في سبيل الله ينصر الحقّ وإن قتل ، قال الله تعالى :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) آل عمران / ١٦٩ ، وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كلّ قتيل في جنب الله شهيد» ، ولما وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على شهداء «احد» وفيهم حمزة بن عبد المطلب ، قال : «أنا شهيد على هؤلاء القوم ، زملوهم بدمائهم ، فإنهم يحشرون يوم القيامة وكلومهم رواء ، وأوداجهم تشخب دما ، فاللون لون الدم ، والريح ريح المسك ، فهم كما قيل :

كسته القنا حلة من دم

فأضحت لرائيه من أرجوان

جزته معانقة الدارعين

معانقة القاصرات الحسان


وروى النّاصر للحق ، عن آبائه (رضوان الله عليهم) ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنه قال : «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة ، ولو أتوا بذنوب أهل الأرض : الضارب بسيفه أمام ذريتي ؛ والقاضي لهم حوائجهم ، والساعي لهم في حوائجهم ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه».

جعلنا الله من محبيهم ، ورزقنا شفاعة جدهم بمنه وسعة رحمته.

قال : ولما قتل أصحاب الحسينعليه‌السلام ، ولم يبق إلّا أهل بيته ، وهم : ولد عليّ ؛ وولد جعفر ؛ وولد عقيل ؛ وولد الحسن ؛ وولده ، اجتمعوا وودّع بعضهم بعضا ، وعزموا على الحرب ، فأوّل من خرج من أهل بيته عبد الله ابن مسلم بن عقيل ، فخرج وهو يقول :

اليوم ألقى مسلما وهو أبي

وفتية بادوا على دين النبي

ليسوا كقوم عرفوا بالكذب

لكن خيار وكرام النسب

ثمّ حمل فقاتل وقتل جماعة ثمّ قتل.

فخرج من بعده جعفر بن عقيل بن أبي طالب ، فحمل وهو يقول :

أنا الغلام الأبطحي الطالبي

من معشر في هاشم وغالب

فنحن حقا سادة الذوائب

فينا حسين أطيب الأطائب

وقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه عبد الرحمن بن عقيل ، فحمل وهو يقول :

أبي عقيل فاعرفوا مكاني

من هاشم وهاشم إخواني

فينا حسين سيد الأقران

وسيد الشباب في الجنان

فقاتل حتى قتله عثمان بن خالد.

ثمّ خرج من بعده محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فحمل وهو يقول :


نشكوا إلى الله من العدوان

فعال قوم في الردى عميان

قد تركوا معالم القرآن

وأظهروا الكفر مع الطغيان

فقاتل قتالا شديدا حتى قتل.

ثم خرج من بعده عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فحمل وهو يقول :

إن تنكروني فأنا ابن جعفر

شهيد صدق في الجنان أزهر

يطير فيها بجناح أخضر

كفى بهذا شرفا في معشر

فقاتل حتى قتل ، قيل : قتله عبد الله بن قطبة.

ثمّ خرج من بعده عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب في بعض الروايات ، وفي بعض الروايات : القاسم بن الحسن وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم ، فلما نظر إليه الحسين اعتنقه ، وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما ، ثمّ استأذن الغلام للحرب فأبى عمّه الحسين أن يأذن له ، فلم يزل الغلام يقبّل يديه ورجليه ويسأله الإذن حتى أذن له ، فخرج ودموعه على خديه ، وهو يقول :

إن تنكروني فأنا فرع الحسن

سبط النبي المصطفى والمؤتمن

هذا حسين كالأسير المرتهن

بين اناس لا سقوا صوب المزن

وحمل ، وكأنّ وجهه فلقة قمر ، وقاتل فقتل ـ على صغر سنه ـ خمسة وثلاثين رجلا.

قال حميد بن مسلم : كنت في عسكر ابن سعد ، فكنت أنظر إلى الغلام ، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما ، ما أنسى أنّه كان شسع اليسرى ، فقال عمرو بن سعد الأزدي : والله ، لأشدّن عليه ، فقلت : سبحان الله! ما تريد بذلك؟ فو الله ، لو ضربني ما بسطت له يدي ،


يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه ، قال : والله ، لأفعلنّ! وشدّ عليه ، فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ، فوقع الغلام لوجهه وصاح : يا عماه! فانقض عليه الحسين كالصقر ، وتخلّل الصفوف ، وشدّ شدّة الليث الحرب ، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بيده ، فأطنها من المرفق فصاح ، ثمّ تنحى عنه ، فحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوه ، فاستقبلته بصدورها ، ووطأته بحوافرها ، فمات وانجلت الغبرة ، فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام ، وهو يفحص برجليه ، والحسين يقول : «عز والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا يعينك ، أو يعينك فلا يغني عنك ، بعدا لقوم قتلوك ، الويل لقاتلك» ، ثم احتمله فكأني أنظر الى رجلي الغلام تخطان الأرض ، وقد وضع صدره إلى صدره. فقلت في نفسي : ما ذا يصنع به؟ فجاء به حتى ألقاه مع القتلى من أهل بيته ، ثم رفع طرفه إلى السماء ، وقال : «اللهمّ! احصهم عددا ، ولا تغادر منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا ، صبرا يا بني عمومتي! صبرا يا أهل بيتي! لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا».

ثم خرج عبد الله بن الحسن الذي ذكرناه أولا ـ في رواية ـ والأصح أنه برز بعد القاسم في الرواية الثانية ، وهو يقول :

إن تنكروني فأنا ابن حيدره

ضرغام آجام وليث قسوره

على الأعادي مثل ريح صرصره

أكيلكم بالسيف كيل السندرة

وقاتل حتى قتل ، وهاتان الروايتان وقع فيهما الشك بالسّابق منهما.

ثم تقدّم إخوة الحسينعليه‌السلام عازمين على أن يقتلوا من دونه ، فأول من تقدّم منهم : أبو بكر بن عليّ ، واسمه عبد الله ، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي بن مسلم بن جندل بن نهشل بن دارم التميمية ، فبرز أبو بكر ، وهو يقول :


شيخي عليّ ذو الفخار الأطول

من هاشم الصدق الكريم المفضل

هذا الحسين ابن النبي المرسل

نذود عنه بالحسام الفيصل

تفديه نفسي من أخ مبجل

يا ربّ فامنحني ثواب المجزل

فحمل عليه زحر بن قيس النخعي فقتله ، وقيل : بل رماه عبد الله بن عقبة الغنوي فقتله.

ثم خرج من بعد أبي بكر بن عليّ ، أخوه عمر بن عليّ ، فحمل وهو يقول :

أضربكم ولا أرى فيكم زحر

ذاك الشقيّ بالنبي قد كفر

يا زحر يا زحر تدان من عمر

لعلك اليوم تبوء بسقر

شرّ مكان في حريق وسعر

فإنّك الجاحد يا شر البشر

ثم قصد قاتل أخيه فقتله ، وجعل يضرب بسيفه ضربا منكرا ، ويقول في حملاته :

خلوا عداة الله خلوا عن عمر

خلوا عن الليث العبوس المكفهر

يضربكم بسيفه ولا يفر

وليس يغدو كالجبان المنحجر

ولم يزل يقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده عثمان بن علي وأمه أمّ البنين بنت حزام بن خالد ، من بني كلاب ، وهو يقول :

إني أنا عثمان ذو المفاخر

شيخي عليّ ذو الفعال الطاهر

صنو النبي ذي الرشاد السائر

ما بين كل غائب وحاضر

ثمّ قاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه جعفر بن علي ، وأمه أمّ البنين أيضا ، فحمل وهو يقول :


إني أنا جعفر ذو المعالي

نجل علي الخير ذو النوال

أحمي حسينا بالقنا العسال

وبالحسام الواضح الصقال

ثم قاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده أخوه عبد الله بن علي ، وأمه أمّ البنين أيضا ، فحمل وهو يقول :

أنا ابن ذي النجدة والافضال

ذاك عليّ الخير في الفعال

سيف رسول الله ذو النكال

وكاشف الخطوب والأهوال

فحمل وقاتل حتى قتل.

ثم خرج من بعده العباس بن عليّ ، وأمه أمّ البنين أيضا ، وهو «السقاء» ، فحمل وهو يقول :

أقسمت بالله الأعزّ الأعظم

وبالحجون صادقا وزمزم

وبالحطيم والفنا المحرّم

ليخضبنّ اليوم جسمي بدمي

دون الحسين ذي الفخار الأقدم

إمام أهل الفضل والتكرم

فلم يزل يقاتل حتى قتل جماعة من القوم ، ثمّ قتل ، فقال الحسين : «الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي».

فتقدم عليّ بن الحسين ، وأمه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي ـ ، وهو يومئذ ابن ثمان عشرة سنة ، فلما رآه ـ الحسين ـ رفع شيبته نحو السماء ، وقال : «اللهمّ اشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كنا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه ، اللهم! فامنعهم بركات الأرض ، وإن منعتهم ففرقهم تفريقا ، ومزقهم تمزيقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ، فإنهم دعونا لينصرونا ، ثمّ عدوا علينا يقاتلونا ويقتلونا».


ثم صاح الحسين بعمر بن سعد : «مالك! قطع الله رحمك ، ولا بارك الله في أمرك ، وسلّط عليك من يذبحك على فراشك ، كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله » ثم رفع صوته وقرأ :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) آل عمران / ٣٣».

ثم حمل علي بن الحسين وهو يقول :

أنا عليّ بن الحسين بن علي

نحن وبيت الله أولى بالنبي

والله ، لا يحكم فينا ابن الدّعي

أطعنكم بالرمح حتى ينثني

أضربكم بالسيف حتى يلتوي

ضرب غلام هاشمي علوي

فلم يزل يقاتل حتى ضج أهل الكوفة لكثرة من قتل منهم ، حتى أنه روي : أنه على عطشه قتل مائة وعشرين رجلا ، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، فقال : يا أبة! العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء؟ فبكى الحسين وقال : «يا بني! عزّ على محمد ؛ وعلى علي ؛ وعلى أبيك ، أن تدعوهم فلا يجيبونك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك ، يا بني! هات لسانك» ، فأخذ لسانه فمصه ، ودفع إليه خاتمه ، وقال له : «خذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال عدوك ، فإني أرجو أن لا تمسي حتى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا» ، فرجع علي بن الحسين إلى القتال ، وحمل وهو يقول :

الحرب قد بانت لها حقائق

وظهرت من بعدها مصادق

والله ، ربّ العرش لا نفارق

جموعكم أو تغمد البوارق

وجعل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعه فيها ، وضربه الناس بأسيافهم ، فاعتنق الفرس


فحمله الفرس إلى عسكر عدوّه ، فقطعوه بأسيافهم إربا إربا ، فلما بلغت روحه التراقي ، نادى بأعلى صوته : يا أبتاه! هذا جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا ، وهو يقول لك : العجل فإنّ لك كأسا مذخورة ، فصاح الحسين : «قتل الله قوما قتلوك ، يا بني! ما أجرأهم على الله ، وعلى انتهاك حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! على الدنيا بعدك العفا».

قال حميد بن مسلم : لكأني أنظر الى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس طالعة ، تنادي بالويل والثبور ، تصيح : وا حبيباه! وا ثمرة فؤاداه! وا نور عيناه! فسألت عنها ، فقيل : هي زينب بنت علي ، ثم جاءت حتى انكبت عليه ، فجاء إليها الحسين حتى أخذ بيدها ، وردّها إلى الفسطاط ، ثم أقبل مع فتيانه إلى ابنه فقال : احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه عند الفسطاط الذي يقاتلون أمامه.

قال : وخرج غلام من تلك الأبنية في اذنيه قرطان ، وهو مذعور فجعل يلتفت يمينا وشمالا وقرطاه يتذبذبان ، فحمل هاني بن بعيث فقتله ، ثم التفت الحسين عن يمينه وشماله فلم ير أحدا من الرجال ، فخرج علي بن الحسين وهو زين العابدين وهو أصغر من أخيه عليّ القتيل ، وكان مريضا ، وهو الذي نسل آل محمدعليهم‌السلام (١) فكان لا يقدر على حمل سيفه ، وأمّ كلثوم تنادي خلفه : يا بني ارجع! فقال : «يا عمتاه! ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول الله» ، فقال الحسين : «يا أمّ كلثوم! خذيه ورديه ، لا تبق الأرض خالية من نسل آل محمد» ، ولما فجع بأهل بيته وولده ولم يبق غيره وغير النساء والأطفال وغير ولده المريض ، نادى : «هل من ذابّ يذب عن حرم رسول

__________________

(١) ـ يعني أن نسل الحسين منه ، فان أولاده لم يبق منهم سواه.


الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجوا الله في إغاثتنا؟ هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا؟» ، فارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدم إلى باب الخيمة وقال : «ناولوني عليا الطفل حتى اودعه» ، فناولوه الصبي ، فجعل يقبله ويقول : «ويل لهؤلاء القوم إذا كان خصمهم جدّك» فبينا الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن الكاهل الأسدي فذبحه في حجره ، فتلقى الحسين دمه حتى امتلأت كفه ، ثم رمى به نحو السماء ، وقال : «اللهمّ! إن حبست عنا النصر ، فاجعل ذلك لما هو خير لنا».

ثم نزل الحسين عن فرسه ، وحفر للصبي بجفن سيفه ، وزمله بدمه ، وصلّى عليه ، ثم قام وركب فرسه ، ووقف قبالة القوم مصلّتا سيفه بيده ، آيسا من نفسه ، عازما على الموت ، وهو يقول :

«أنا ابن عليّ الخير من آل هاشم

كفاني بهذا مفخرا حين أفخر

وجدي رسول الله أكرم من مضى

ونحن سراج الله في الأرض نزهر

وفاطمة أمي ابنة الطهر أحمد

وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر

وفينا كتاب الله انزل صادعا

وفينا الهدى والوحي بالخير يذكر

ونحن أمان الله في الخلق كلهم

نسرّ بهذا في الأنام ونجهر

ونحن ولاة الحوض نسقي محبنا

بكأس وذاك الحوض للسقي كوثر

فيسعد فينا في القيام محبنا

ومبغضنا يوم القيامة يخسر»

ثم أنشد كما قيل :

«كفر القوم وقدما رغبوا

عن ثواب الله رب الثقلين

قتلوا قدما عليا وابنه

حسن الخير وجاءوا للحسين

خيرة الله من الخلق أبي

بعد جدي فأنا ابن الخيرتين»

وذكر السلامي في «تاريخه» : أن الحسين أنشأ هذه الأبيات ، وليس


لأحد مثلها وهي قوله :

«فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة

فدار ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت انشئت

فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل

وإن تكن الأرزاق قسما مقدّرا

فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها

فما بال متروك به المرء يبخل؟

سأمضي وما بالقتل عار على الفتى

إذا في سبيل الله يمضي ويقتل»

ثم إنّهعليه‌السلام دعا النّاس إلى البراز ، فلم يزل يقتل كل من دنا إليه من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة عظيمة ، فحالوا بينه وبين رحله فصاح بهم : «ويحكم ، يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون».

فناداه شمر : ما تقول يا حسين؟ فقال : «أقول أنا الذي اقاتلكم وتقاتلوني ، والنساء ليس عليهم جناح ، فامنعوا عتاتكم وطغاتكم وجهالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا». فقال له شمر : لك ذلك يا ابن فاطمة! ثم صاح شمر بأصحابه : إليكم عن حرم الرجل ، واقصدوه بنفسه ، فلعمري ، لهو كفو كريم! فقصده القوم بالحرب من كل جانب ، فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه ، وهو في ذلك يطلب الماء ليشرب منه شربة ، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه ، حتى أجلوه عنه ، ثم رماه رجل يقال له : أبو الحتوف الجعفي بسهم فوقع السهم في جبهته ، فنزع الحسين السهم ، ورمى به ، فسال الدم على وجهه ولحيته ، فقال : «اللهمّ! قد ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة العتاة ، اللهمّ! فاحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا».


ثم حمل عليهم كالليث المغضب ، فجعل لا يلحق أحدا إلّا بعجه بسيفه وألحقه بالحضيض ، والسهام تأخذه من كل ناحية ، وهو يتلقاها بنحره وصدره ، ويقول : «يا أمّة السوء! بئسما خلفتم محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله في عترته ، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد الله الصالحين ، فتهابوا قتله ، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي ، وايم الله ، إني لأرجو أن يكرمني ربي بهوانكم ، ثمّ ينتقم منكم من حيث لا تشعرون».

فصاح به الحصين بن مالك السكوني : يا ابن فاطمة! بما ذا ينتقم لك منّا؟ فقال : «يلقي بأسكم بينكم ، ويسفك دماءكم ، ثم يصبّ عليكم العذاب الأليم». ثم جعل يقاتل حتى أصابته اثنتان وسبعون جراحة ، فوقف يستريح وقد ضعف عن القتال ، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته ، فسالت الدماء من جبهته ، فأخذ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محدّد ، مسموم ، له ثلاث شعب ، فوقع في قلبه ، فقال الحسينعليه‌السلام : «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ـ ورفع رأسه الى السماء ـ ، وقال : إلهي! إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره».

ثم أخذ السهم وأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده على الجرح ، فلما امتلأت دما رمى بها إلى السماء ، فما رجع من ذلك قطرة ، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء ، ثمّ وضع يده على الجرح ثانيا ، فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته ، وقال : «هكذا ، والله ، أكون حتى ألقى جدي محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا مخضوب بدمي ، وأقول : يا رسول الله! قتلني فلان وفلان».

ثم ضعف عن القتال فوقف مكانه ، فكلما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه ، انصرف عنه ، وكره أن يلقى الله بدمه ، حتى جاءه رجل من كندة ، يقال


له : «مالك بن نسر» فضربه بالسيف على رأسه ، وكان عليه برنس(١) ، فقطع البرنس وامتلأ دما ، فقال له الحسين : «لا أكلت بيمينك ولا شربت بها ، وحشرك الله مع الظالمين» ، ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة(٢) واعتم عليها ، وقد أعيى وتبلّد ، وجاء الكندي فأخذ البرنس ـ وكان من خز ـ ، فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أمّ عبد الله ليغسله من الدم ، قالت له امرأته : أتسلب ابن بنت رسول الله برنسه ، وتدخل بيتي؟! اخرج عني حشا الله قبرك نارا.

وذكر أصحابه : أنّه يبست يداه ولم يزل فقيرا بأسوإ حال إلى أن مات.

ثم نادى شمر : ما تنتظرون بالرجل؟ فقد أثخنته السهام ، فاخذت به الرماح والسيوف ، فضربه رجل ، يقال له : «زرعة بن شريك التميمي» ضربة منكرة ، ورماه «سنان بن أنس» بسهم في نحره ، وطعنه «صالح بن وهب المري» على خاصرته طعنة منكرة ، فسقط الحسين عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن ، ثم استوى جالسا ونزع السهم من نحره ، ثم دنا عمر بن سعد من الحسين ليراه.

قال حميد بن مسلم : وخرجت زينب بنت علي وقرطاها يجولان في اذنيها ، وهي تقول : ليت السماء أطبقت على الأرض ، يا ابن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فجعلت دموعه تسيل على خديه ولحيته ، فصرف وجهه عنها ، والحسين جالس وعليه جبة خز ، وقد تحاماه النسا ، فصاح شمر : ويحكم ، ما تنتظرون؟ اقتلوه ثكلتكم امهاتكم ، فضربه «زرعة ابن شريك» فأبان كفه اليسرى ، ثم ضربه على عاتقه فجعلعليه‌السلام يكبو مرّة

__________________

(١) ـ البرنس : هو القلنسوة الطويلة.

(٢) ـ القلنسوة : هي القصيرة تلبس في الرأس.


ويقوم اخرى ، فحمل عليه «سنان بن أنس» في تلك الحال ، فطعنه بالرمح فصرعه ، وقال لخولي بن يزيد : احتز راسه ، فضعف وارتعدت يداه ، فقال له سنان : فتّ الله عضدك وأبان يدك ، فنزل إليه «نصر بن خرشة الضبابي» ، وقيل : بل «شمر بن ذي الجوشن» ، وكان أبرص فضربه برجله ، وألقاه على قفاه ، ثم أخذ بلحيته.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «أنت الكلب الأبقع الذي رأيته في منامي»؟

فقال شمر : أتشبهني بالكلاب يا ابن فاطمة؟ ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسينعليه‌السلام ، ويقول :

أقتلك اليوم ونفسي تعلم

علما يقينا ليس فيه مزعم

ولا مجال لا ولا تكتم

أن أباك خير من يكلّم

١٠ ـ أخبرنا أبو الحسن أحمد بن علي العاصمي ، عن إسماعيل بن أحمد البيهقي ، عن أبيه ، حدثنا الحسين بن محمد ، حدثنا إسماعيل بن محمد ، حدثنا محمد بن يونس ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثني عمي فضيل بن الزبير ، عن عبد الله بن ميمون ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن أبيه ، قال : كنا مع الحسينعليه‌السلام بنهر كربلاء ، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن ، فقال : «الله اكبر! الله أكبر! صدق الله ورسوله ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي». فغضب عمر بن سعد ، فقال لرجل كان عن يمينه : انزل ويحك إلى الحسين فأرحه! فنزل إليه ـ قيل هو خولي بن يزيد الأصبحي ـ فاحتزّ رأسه ، ـ وقيل : بل هو «شمر» ـ.

وروي : أنه جاء إليه شمر بن ذي الجوشن ؛ وسنان بن أنس والحسينعليه‌السلام بآخر رمق يلوك بلسانه من العطش ، فرفسه شمر برجله ،


وقال : يا ابن أبي تراب! ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبّه؟ فاصبر حتى تأخذ الماء من يده. ثم قال لسنان بن أنس : احتز رأسه من قفاه ، فقال : والله ، لا أفعل ذلك! فيكون جدّه محمد خصمي ، فغضب شمر منه ، وجلس على صدر الحسينعليه‌السلام ، وقبض على لحيته ، وهمّ بقتله ، فضحك الحسين ، وقال له : «أتقتلني؟ أو لا تعلم من أنا»؟ قال : أعرفك حقّ المعرفة ، امّك فاطمة الزهراء ؛ وأبوك عليّ المرتضى ؛ وجدك محمد المصطفى ؛ وخصمك الله العلي الأعلى ، وأقتلك ولا ابالي ، وضربه بسيفه اثنتي عشرة ضربة ، ثم حزّ رأسه ، ثم تقدم الأسود بن حنظلة فاخذ سيفه ، وأخذ جعوثة الحضرمي قميصه فلبسه ، فصار أبرص ، وسقط شعره.

وروي : أنّه وجد في قميصه مائة وبضع عشرة ما بين رمية وطعنه وضربة ، وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسينعليهم‌السلام : «وجد فيه ثلاث وثلاثون طعنة ، وأربع وثلاثون ضربة» ، وأخذ سراويله بحير بن عمرو الجرمي ، فصار زمنا مقعدا من رجليه ، وأخذ عمامته جابر بن يزيد الأزدي فاعتم بها فصار مجذوما ، وأخذ مالك بن نسر الكندي درعه ، فصار معتوها ، وارتفعت في السماء ـ في ذلك الوقت ـ غبرة شديدة مظلمة ، فيها ريح حمراء ، لا يرى فيها عين ولا أثر ، حتى ظنّ القوم أن العذاب قد جاءهم ، فلبثوا بذلك ساعة ، ثمّ انجلت عنهم».

قال : وقتل الحسينعليه‌السلام ـ باتفاق الرواة ـ يوم عاشوراء عاشر محرم سنة إحدى وستين ، وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر ونصف.

قال : وأقبل فرس الحسين ، وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ ، فوضع ناصيته في دم الحسين ، وذهب يركض إلى خيمة النساء ، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة ، فلما نظرت أخوات الحسين وبناته وأهله


إلى الفرس ليس عليه أحد ، رفعن أصواتهنّ بالصراخ والعويل ، ووضعت أمّ كلثوم يدها على أم راسها ، ونادت : وا محمّداه! وا جداه! وا نبياه! وا أبا القاسماه! وا علياه! وا جعفراه! وا حمزتاه! وا حسناه! هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلاء ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، ثمّ غشي عليها ، وأقبل الأعداء حتى أحدقوا بالخيمة ، ومعهم شمر بن ذي الجوشن ، فقال : ادخلوا فاسلبوا بزّتهن. فدخل القوم فأخذوا كلّ ما كان بالخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في اذن أمّ كلثوم ـ اخت الحسين ـ فأخذوه وخرموا اذنها ، حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تغلب عليه. وأخذ قيس بن الأشعث قطيفة للحسين ، كان يجلس عليها ، فسمي لذلك : «قيس قطيفة» ، وأخذ نعليه رجل من الأزد ، يقال له : «الأسود» ، ثمّ مال الناس على الورس والخيل والإبل فانتهبوها.

قال : حميد بن مسلم : انتهيت إلى علي بن الحسين ، وهو مضطجع على فراش له وهو مريض ، وإذا شمر مع رجال ، يقولون له : ألا نقتل هذا المريض؟ فقلت له : سبحان الله! ما معنى قتل المرضى من الصبيان؟ وما زلت به ادافع عنه حتى جاء عمر بن سعد ، فقال : ألا لا يدخلنّ أحد بيوت هذه النسوة ، ولا يتعرض لهذا الغلام المريض أحد ، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده.

قال : فو الله ، ما ردّ واحد منهم شيئا غير أنهم كفوا ، فقال لي عليّ بن الحسين : جزيت من رجل خيرا ، فقد رفع الله عني بمقالتك شرّ هؤلاء ، وقال عبيد الله بن عمار : رأيت على الحسين سراويل تلمع ساعة قتل ، فجاء أبجر ابن كعب فسلبه وتركه مجرّدا.

وذكر محمد بن عبد الرحمن : إنّ يدي أبجر بن كعب كانتا ينضحان


الدم في الشتاء ، وييبسان في في الصيف كأنهما عود.

وقال بعض من شهد الوقعة : ما رأيت مكثورا قط قتل ولده ، وإخوته ، وبنو عمّه ، وأهل بيته ، أربط جأشا ، ولا أمضى جنانا ، ولا أجرى من الحسينعليه‌السلام ، ولا رأيت قبله ولا بعده مثله ، لقد رأيت الرجال تنكشف عنه إذا شدّ فيهم انكشاف المعزى إذا عاث فيها الذئب.

قال : ثمّ إن عمر بن سعد ، نادى : من ينتدب الحسين فيوطئه فرسه فانتدب له عشرة نفر ، منهم : إسحاق الحضرمي ، ومنهم : الأخنس بن مرثد الحضرمي ، القائل في ذلك :

نحن رضضنا الظهر بعد الصدر

بكلّ يعبوب شديد الأسر

حتى عصينا الله ربّ الأمر

بصنعنا مع الحسين الطهر

فداسوا حسينا بخيولهم ، حتى رضوا صدره وظهره ، فسئل عن ذلك ، فقال : هذا أمر الأمير عبيد الله.

قال : ثمّ دفع الرأس إلى خولي بن يزيد الأصبحي ، ليحمله إلى عبيد الله بن زياد ، وأقام عمر بن سعد يومه ذلك إلى الغد ، فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم ، وترك الحسين وأهل بيته وأصحابه ، فلمّا ارتحلوا الى الكوفة وتركوهم على تلك الحالة عمد أهل الغاضرية من بني أسد فكفنوا أصحاب الحسين ، وصلّوا عليهم ، ودفنوهم ، وكانوا اثنين وسبعين رجلا.

قال : ثم أذن عمر بن سعد بالناس في الرحيل إلى الكوفة ، وحمل بنات الحسين ، وأخواته ، وعليّ بن الحسين ، وذراريهم ، فلما مروا بجثة الحسين وجثث أصحابه ، صاحت النساء ، ولطمن وجوههن ، وصاحت زينب : يا محمداه! صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين بالعراء ، مزمل بالدماء ، معفر بالتراب ، مقطع الأعضاء ، يا محمداه! بناتك في العسكر


سبايا ، وذريتك قتلى تسفى عليهم الصبا ، هذا ابنك محزوز الرأس من القفا ، لا هو غائب فيرجى ، ولا جريح فيداوى.

وما زالت تقول هذا القول حتى أبكت والله كل صديق وعدو ، حتى رأينا دموع الخيل تنحدر على حوافرها ، ثم قطعت رءوس الباقين فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن ؛ وقيس بن الأشعث ؛ وعمرو ابن الحجاج.

قال : ولما أدخل خولي الأصبحي الرأس على ابن زياد وكان الذي يتولى حمله بشير بن مالك فقدّمه إليه ، وأنشأ يقول :

املأ ركابي فضة وذهبا

إني قتلت الملك المجبا

قتلت خير الناس امّا وأبا

وخيرهم إذ يذكرون النسبا

فغضب ابن زياد من قوله ، وقال : فإذا علمت أنه كذلك لم قتلته؟ والله ، لا نلت مني خيرا ولألحقنك به ، فقدّمه وضرب عنقه.

قال : وساق القوم حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما تساق الأسارى ، حتى إذا بلغوا بهم الكوفة خرج الناس ينظرون إليهم ، وجعلوا يبكون ويتوجعون ، وعلي بن الحسين مريض ، مغلول مكبل بالحديد ، قد نهكته العلّة ، فقال : «ألا إن هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا ، فمن قتلنا إذن»؟

١١ ـ وذكر أبو علي السلامي ، عن البيهقي صاحب «التاريخ» : أنّ السنة التي قتل فيها الحسينعليه‌السلام وهي سنة إحدى وستين سميت «عام الحزن».

قال : وقال بشير بن حذيم الأسدي : نظرت إلى زينب بنت علي يومئذ ، ولم أر خفرة قط أنطق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي ابن أبي طالبعليه‌السلام وتفرغ عنه ، أومأت إلى الناس أن اسكتوا! فارتدت


الأنفاس ؛ وسكنت الأجراس ، فقالت : الحمد لله والصلاة على أبي محمد رسول الله ، وعلى آله الطيبين الأخيار آل الله ، وبعد : يا أهل الكوفة! ويا أهل الختل ، والخذل ، والغدر! أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، أتتخذون إيمانكم دخلا بينكم؟ ألا وهل فيكم إلا الصلف ، والطنف ، والشنف ، والنطف(١) وملق الإماء ، وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة ، أو كقصة(٢) على ملحودة! ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم ، إن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون أتبكون وتنتحبون؟ إي والله ، فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا.

وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء ؛ وسيد شباب أهل الجنّة ؛ وملاذ خيرتكم ؛ ومفزع نازلتكم ؛ ومنار حجتكم ، ومدره(٣) ألسنتكم ، ألا ساء ما تزرون ، وبعدا لكم وسحقا! فلقد خاب السعي وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.

ويلكم ، يا أهل الكوفة! أتدرون أي كبد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فريتم ، وأي دم له سفكتم ، وأي كريمة له أبرزتم ، وأي حريم له أصبتم ، وأي حرمة له انتهكتم؟( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ) مريم / ٨٩ ، إنّ ما جئتم بها لصلعاء ، عنقاء ، سوءاء ، فقماء ، خرقاء ، شوهاء كطلاع الأرض وملاء السماء ، أفعجبتم أن قطرت السماء دما؟ ولعذاب الآخرة اشد وأخزى وأنتم لا تنصرون ، فلا

__________________

(١) الأول الوقاحة والثاني فساد الأخلاق والثالث الكراهة والرابع النجاسة.

(٢) وهي الجص.

(٣) كنبر المقدم في اللسان.


يستخفنّكم المهل ، فإنهعزوجل لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثار ، كلا ، إنّ ربكم لبالمرصاد ، فترقبوا أوّل النحل(١) وآخر صاد(٢) .

قال بشير : فو الله ، لقد رأيت الناس يومئذ حيارى ، كأنهم كانوا سكارى ، يبكون ويحزنون ، ويتفجعون ويتأسفون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، قال : ونظرت الى شيخ من أهل الكوفة ، كان واقفا إلى جنبي ، قد بكى حتى أخضلت لحيته بدموعه ، وهو يقول : صدقت ، بأبي وأمي ، كهولكم خير الكهول ، وشبانكم خير الشبان ، ونساؤكم خير النسوان ، ونسلكم خير نسل لا يخزي ولا يبزى(٣) .

قال : ثمّ جاءوا بهم حتى دخلوا على عبيد الله بن زياد ، فنظرت إليه زينب بنت عليعليه‌السلام وجلست ناحية ، فقال ابن زياد : من الجالسة؟ فلم تكلمه ، فقال ثانيا فلم تكلّمه ، فقال رجل من أصحابه : هذه زينب بنت علي ابن أبي طالب ، فقال ابن زياد : الحمد لله الذي فضحكم وكذب احدوثتكم ، فقالت زينب : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وطهرنا بكتابه تطهيرا ، وإنما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر.

فقال ابن زياد : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت زينب : ما رأيت إلّا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم يا ابن زياد! فتحاجون وتخاصمون ، فانظر لمن الفلج يومئذ ، هبلتك امك يا ابن مرجانة! فغضب ابن زياد ، وكأنه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث المخزومي : إنها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ

__________________

(١) أي :( أَتى أَمْرُ اللهِ ) .

(٢) أي :( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) .

(٣) أي لا يقهر. من بزاه يبزوه قهره.


بشيء من منطقها.

فقال ابن زياد : يا زينب! لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين ، والعصاة المردة من أهل بيتك ، فقالت زينب : لعمري ، لقد قتلت كهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت. فقال ابن زياد : هذه سجّاعة ، لا جرم ، لعمري لقد كان أبوك شاعرا سجّاعا ، فقالت زينب : يا ابن زياد! وما للمرأة والسجاعة؟ وإن لي عن السجاعة لشغلا.

فالتفت ابن زياد الى علي بن الحسين ، وقال له : من أنت؟ قال : أنا عليّ بن الحسين ، فقال : ألم يقتل الله علي بن الحسين؟ فسكت عنه ، فقال : مالك لا تتكلم؟ فقال : كان لي أخ يقال له : «علي» قد قتله الناس (أو قال : قد قتلتموه) وإن له منكم مطلبا يوم القيامة. فقال ابن زياد : بل الله! فقال عليّ :( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) الزمر / ٤٢ ،( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً ) آل عمران / ١٤٥ ، فقال : أنت والله ، منهم ، انظروا إليه هل أدرك؟ فكشف عنه مروان بن معاذ الأحمري ، قال : نعم ، قال : اقتله ، فقال عليّ بن الحسين : فمن يتوكل بهؤلاء النسوة ، وتعلقت به زينب بنت علي ، وقالت : يا ابن زياد! حسبك منا ، أما رويت من دمائنا؟ واعتنقت عليا ، وقالت : أسألك بالله ، يا ابن زياد! إن قتلته أن تقتلني معه.

فقال عليّ : يا عمة! اسكتي حتى اكلمه ، فقال : يا ابن زياد! أبالقتل تهددني؟ أما علمت أن القتل لنا عادة ، وكرامتنا الشهادة؟ فقال ابن زياد : دعوه ينطلق مع نسائه ، ثم قال : اخرجوهم عني ، فأخرجوهم الى دار في جنب المسجد الأعظم.

١٢ ـ أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر


الزمخشري ، أخبرنا الفقيه أبو علي الحسن بن علي بن ابي طالب الفرزالي ـ بالري ـ ، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسن الرازي ، أخبرنا عمي الشيخ الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الجعفي ـ بالكوفة ـ ، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد ، حدثنا عبد الرحمن بن أنس ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثني أبي ، حدثني هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس ، قال : لما جيء برأس الحسين فوضع بين يديه ـ يعني ابن زياد ـ في طست جعل ينكت بقضيب في وجهه ، وقال : ما رأيت مثل حسن هذا الوجه قط ، فقلت : أما إنه كان يشبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ بعث برأسه إلى يزيد ، فلما اتي إلى يزيد برأسه ، قال : لقد قتلك رجل ما كان الرحم بينك وبينه قطعا.

١٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعد السّمان هذا ، أخبرنا أبو عبد الله هذا ، أخبرنا محمد بن جعفر هذا ، حدثنا عليّ بن منذر ، حدثنا ابن فضيل ، حدثنا سالم بن أبي حفصة ، عن منذر الثوري ، قال : كنت عند الربيع بن خثيم ، فدخل عليه رجل ممن شهد قتل الحسينعليه‌السلام ممن كان قاتله ، فقال الربيع : قد جئتم برءوسهم معلقيها ، وأدخل الربيع إصبعه في فيه تحت لسانه ، وقال : قتلتم صبية لو أدركهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقبّل أفواههم ، وأجلسهم في حجره ، ثم قال الربيع : اللهمّ فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.

١٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي سعد السمان هذا ، حدثنا أبو محمد بن عبد الله بن محمد الأسدي ـ لفظا ـ ببغداد ، حدثنا محمد بن يحيى الصولي ، حدثنا محمد بن يزيد ، حدثني أبي ، حدثني سليمان الواسطي ، عن الحسن ابن أبي الحسناء ، سمعت أبا العالية البراء قال : لما قتل الحسينعليه‌السلام اتي


عبيد الله بن زياد برأسه ، فأرسل الى أبي برزة ، فقال له عبيد الله : كيف شأني وشأن حسين بن فاطمة؟ قال : الله أعلم! فما علمي بذلك؟ قال : إنما أسألك عن علمك! قال : أما إذا سألتني عن رأيي فإنّ علمي أنّ الحسين يشفع له جدّه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويشفع لك زياد ، فقال له : اخرج! لو لا ما جعلت لك ، لضربت والله عنقك. فلما بلغ باب الدار ، قال : لئن لم تغد عليّ وترح لأضربنّ عنقك.

١٥ ـ وبهذا الإسناد عن أبي سعد ـ هذا ـ ، أخبرنا أبو عبد الله هذا ، أخبرنا محمد بن جعفر هذا ، حدّثنا عباد بن يعقوب ، أخبرنا سعيد بن خثيم ، عن محمد بن خالد الضبي ، عن إبراهيم (ره) ، قال : لو كنت ممن قاتل الحسينعليه‌السلام ، ثم اتيت بالمغفرة من ربي ، فادخلت الجنّة لاستحييت من محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن أمرّ عليه فيراني.

١٦ ـ أخبرنا صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن ـ إجازة بهمدان ـ ، أخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرنا أبو القاسم الطبراني ، حدثنا أبو مسلم الكشي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس بن مالك ، قال : لما اتي برأس الحسينعليه‌السلام إلى عبيد الله بن زياد جعل ينكته بقضيب في يده ، ويقول : إنه لحسن الثغر ، فقلت : والله ، لأسوأنك! لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبل موضع قضيبك من فمه.

وسمعت هذا الحديث في جامع أبي عيسى ، ولم يذكر : أنّه لحسن الثغر ، وفيه : فجعل يقول بقضيب في أنفه ، فقال أنس : فقلت : أما إنّه كان من أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

١٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي العلاء هذا ، أخبرنا عبد القادر بن


محمد ، أخبرنا الحسن بن محمد الجوهري ، أخبرنا أحمد بن العباس ، أخبرنا أحمد بن معروف ، أخبرنا الحسين بن محمد ، أخبرنا محمد بن سعد ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، حدثنا شريك ، عن مغيرة ، قال : قالت مرجانة لعبيد الله بن زياد : قتلت ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا ترى الجنّة أبدا.

١٨ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي أبو بكر أحمد ابن الحسين البيهقي ، حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد بن يعقوب ، حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا إسماعيل بن أميّة ، حدثنا حبيب أخو حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال : كنت جالسا عند عبيد الله ابن زياد إذ اتي برأس الحسينعليه‌السلام ، فوضع بين يديه ، فأخذ قضيبه فوضعه بين شفتيه ، فقلت له : إنك لتضع قضيبك في موضع طالما لثمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : قم! إنك شيخ قد ذهب عقلك.

وجاء هذا الحديث في «المراسيل» ، وفيه زيادة : قال زيد بن أرقم : نحّ قضيبك هذا ، فطالما رأيت شفتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على هاتين الشفتين ، ثم رفع زيد صوته يبكي ، فقال ابن زياد : أبكى الله عينيك ، والله ، لو لا إنك شيخ قد خرفت ، وذهب عقلك ، لضربت عنقك ، فخرج وهو يقول : ملك عبد حرا ، أنتم يا معشر العرب! العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم ، ويستعيد شراركم ، رضيتم بالذل ، فبعدا لمن رضي.

١٩ ـ وبهذا الإسناد ، الذي مر عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا عبد الحميد بن بهرام ،


حدثنا شهر بن حوشب ، قال : سمعت أمّ سلمة لعنت أهل العراق ، لما نعي الحسينعليه‌السلام ، وقالت : قتلوه قتلهم الله ، غروه وأذلوه لعنهم الله.

٢٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، أخبرنا محمد بن علي ، حدثنا الفضل بن يوسف ، حدثنا إسماعيل بن بهرام ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأجلح الكندي ، عن عمرو بن قيس ، قال : ثلاثة محجوجون يوم القيامة : وذكر الحديث ـ إلى أن قال : ـ وقاتل الحسين ، يقال له : فيم قتلته؟ فلقد كان ينبغي أن تستحي من قتله ، ولو كان ظالما لك ، لمكان جده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكيف وأنت ظالم؟

٢١ ـ وبهذا الإسناد ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، حدثنا الأحوص ، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق ، عن عمرو بن نعجة ، قال : إنّ أول ذل دخل العرب : قتل الحسين بن علي ؛ وادعاء زياد.

٢٢ ـ وذكر في كتاب «نزهة الطرف وبستان الظرف» : عن الحسن البصري ، قال: قتل مع الحسين بن عليعليه‌السلام ستة عشر من أهل بيته ، ما كان لهم على وجه الأرض شبيه.

٢٣ ـ وبهذا الإسناد الذي مرّ عن أحمد بن الحسين ، أخبرني أبو الحسين ابن الفضل القطان ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا ابن بكير ، عن الليث بن سعد ، قال : في سنة إحدى وستين قتل الحسين بن علي وأصحابه ، لعشر ليال خلون من المحرم يوم عاشوراء يوم السبت في آخر اليوم ، وقتل معه العباس بن علي ؛ وجعفر بن علي ؛ وعبد الله بن عليّ ؛ وعثمان بن علي ؛ وأبو بكر بن علي ؛ وعلي بن الحسين الأكبر ؛ وعبد الله بن الحسن ؛ وأبو بكر بن الحسن ؛ والقاسم بن الحسن ؛


وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ؛ ومحمد بن عبد الله بن جعفر ؛ وجعفر بن عقيل بن أبي طالب ؛ وعبد الرحمن بن عقيل ؛ ومسلم بن عقيل ـ قتل قبل ذلك ـ ، وعبد الرحمن بن مسلم بن عقيل ؛ وسليمان مولى الحسين ، ورضيع الحسين قتلا بالكوفة.

٢٤ ـ قال يعقوب : وحدثني محمد بن عبد الرحمن ، قال : سمعت عليا ، قال : سمعت سفيان ، عن أبي موسى ، سمعت : الحسن البصري ، يقول : قتل مع الحسينعليه‌السلام سبعة عشر رجلا من أهل بيته.

٢٥ ـ وذكر السيد الإمام أبو طالب : أنّ الصحيح في يوم عاشوراء الذي قتل فيه الحسينعليه‌السلام وأصحابه (رضي الله عنهم) أنه كان يوم الجمعة سنة إحدى وستين.

٢٦ ـ واختلف أهل النقل في عدد المقتول يومئذ مع ما تقدم من قتل مسلم من العترة الطاهرة ، والأكثرون : على أنهم كانوا سبعة وعشرين ، فمن ولد عليعليه‌السلام : الحسين بن علي ؛ وأبو بكر بن علي ؛ وعمر بن علي ؛ وعثمان بن علي ؛ وجعفر بن علي ؛ وعبد الله بن علي ؛ ومحمد بن علي ؛ والعباس بن علي ؛ وإبراهيم بن علي ، فهم تسعة ، ومن ولد الحسن بن علي : عبد الله بن الحسن ؛ والقاسم بن الحسن ؛ وأبو بكر بن الحسن ؛ وعمر بن الحسن ، وكان صغيرا ، فهم أربعة ، ومن ولد الحسين بن علي : علي بن الحسين ؛ وعبد الله بن الحسين ، وكان أصغرهم ، فهما اثنان ، ومن ولد جعفر ابن أبي طالب : محمد بن عبد الله بن جعفر ؛ وعون بن عبد الله بن جعفر ؛ وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر ، وهم ثلاثة ، ومن ولد عقيل : مسلم بن عقيل ؛ وعبد الله بن عقيل ؛ وعبد الرحمن بن عقيل ؛ ومحمد بن عقيل ؛ وجعفر بن عقيل ؛ ومحمد بن مسلم بن عقيل ؛ وعبد الله بن مسلم بن عقيل ؛ وجعفر بن


محمد بن عقيل ؛ ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل ، فهم تسعة.

وأخذوا رءوس هؤلاء فحملت إلى الشام ، ودفنت جثثهم بالطف ، فلما كان أيام المتوكل ، وكان سيئ الاعتقاد في آل أبي طالب ، شديد الوطاة عليهم ، قبيح المعاملة معهم ، ووافقه على جميع ذلك وزيره عبيد الله بن يحيى ، بلغ بسوء معاملتهم ما لم يبلغه أحد من الخلفاء من بني العباس ، فأمر بتخريب قبر الحسين ، وقبور أصحابه ، وكرب مواضعها واجراء الماء عليها ، ومنع الزوار من زيارتها ، وأقام الرصد ، وشدد في ذلك حتى كان يقتل من يوجد زائرا ، وولى ذلك كله يهوديا ، وسلط اليهودي قوما من اليهود فتولوا ذلك إلى أن قتل المتوكل وقام بالأمر ابنه المنتصر ، فعطف على آل أبي طالب ، وأحسن إليهم ، وفرق فيهم الأموال ، فاعيدت القبور في ايامه ، إلى أن خرج الداعيان : الحسن ومحمد ابنا زيد ، فأمر محمد بعمارة المشهدين الشريفين : مشهد أمير المؤمنين ؛ ومشهد الحسينعليهما‌السلام ، وأمر بالبناء عليهما ، وزيد في ذلك من بعد ؛ وبلغ عضد الدولة الغاية في تعظيمهما وعمارتهما والأوقاف عليهما ؛ وكان يزورهما في كل سنة.

٢٧ ـ أخبرنا الشيخ الإمام سعد الأئمة سعيد بن محمد بن أبي بكر الفقيمي إذنا ، أخبرنا مجد الأئمة أبو الفضل محمد بن عبد الله السرخسكي ، أخبرنا أبو نصر محمد بن يعقوب ، أخبرنا أبو عبد الله طاهر ابن محمد الحدادي ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن علي بن نعيم ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن علي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي ، قال : لما قتل الحسينعليه‌السلام بكربلاء هرب غلامان من عسكر عبيد الله ابن زياد : أحدهما يقال له : ابراهيم ؛ والآخر يقال له : محمد من ولد جعفر الطيار في الجنّة ، فإذا هما بامرأة تستسقي ، فنظرت إلى الغلامين وإلى


حسنهما وجمالهما ، فقالت لهما : من أنتما؟ ومن أين جئتما؟ فقالا : نحن من ولد جعفر الطيار في الجنة ، هربنا من عسكر عبيد الله بن زياد ، فقالت المرأة : إن زوجي في عسكر عبيد الله بن زياد ، ولو لا أني أخشى أن يجيء الليلة لأضفتكما وأحسنت ضيافتكما. فقالا لها : انطلقي بنا فنرجو أن لا يأتي زوجك الليلة ، فانطلقت المرأة والغلامان حتى انتهت بهما إلى منزلها ، فأدخلتهما وأتتهما بطعام ، فقالا : ما لنا في الطعام من حاجة ، ائتنا بمصلّى نقضي نوافلنا ، فأتتهما بمصلى فصليا وانطلقا إلى مضجعهما.

فقال الأصغر للأكبر : يا ابن أمي! التزمني وانتشق من رائحتي فإني أظن أن هذه الليلة آخر ليلة فلا نمسي بعدها ، فاعتنق الغلامان وجعلا يبكيان ، فبينا هما كذلك إذ أقبل زوج المرأة فقرع الباب ، فقالت المرأة : من هذا؟ فقال : افتحي الباب. فقامت ففتحت الباب ، فدخل زوجها ورمى سلاحه من يديه ، وقلنسوته من رأسه ، وجلس مغتما حزينا ، فقالت له امرأته : مالي أراك مغتما حزينا؟ قال : فكيف لا أحزن وإن غلامين قد هربا من عسكر عبيد الله؟ وقد جعل لمن جاء بهما عشرة آلاف درهم ، وقد بعثني خلفهما فلم أقدر عليهما ، فقالت امرأته : اتّق الله يا هذا! ولا تجعل خصمك محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال لها : اعزبي عني! فو الله ، لا أعرف لهما من رسول الله منزلة ، فائتني بطعامي ، فأتته بالمائدة ووضعتها بين يديه ، فأهوى يأكل منها ، فبينا هو يأكل إذ سمع هينمة الغلامين في جوف الليل ، فقال : ما هذه الهينمة؟ قالت : لا أدري! قال : ائتني بالمصباح حتى أنظر ، فأتته به فدخل البيت فإذا هو بالغلامين ، فعرفهما فوكزهما برجله وقال : قوما من أنتما؟ ومن أين جئتما؟


قالا : نحن من ولد جعفر الطيار في الجنّة ، هربنا من عسكر ابن زياد ، فقال لهما : من الموت هربتما وفي الموت وقعتما ، فقالا له : يا شيخ! اتّق الله ، وارحم شبابنا ، واحفظ قرابتنا من رسول الله ، فقال لهما : دعا هذا ، فو الله ، لا أعرف لكما قرابة من رسول الله ، فأقامهما وشدّ كتفيهما ، ودعا بغلام له أسود ، فقال له : دونك هذين الغلامين ، فانطلق بهما إلى شط الفرات ، واضرب أعناقهما ، وأنت حر لوجه الله.

فتناول الغلام السيف ، وانطلق بهما ، فلما كان في بعض الطريق ، قال له أحدهما : يا أسود! ما أشبه سوادك بسواد «بلال» خادم جدنا رسول الله! قال لهما : من أنتما من رسول الله؟ قالا : نحن من ولد جعفر الطيار في الجنّة ، ابن عم رسول الله ، فألقى الأسود السيف من يده وألقى نفسه في الفرات ، وكان مولاه اقتفى أثره ، وقال : يا مولاي! أردت أن تحرقني بالنار ، فيكون خصمي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم القيامة.

فقال له : عصيتني يا غلام؟ فقال الغلام : لأن اطيع الله وأعصيك أحبّ إلي من أن اطيعك وأعصي الله! فلما نظر إلى الغلام وحالته ، علم أنه سيهرب ، فدعا بابن له ، فقال: دونك الغلامين فاضرب أعناقهما ، ولك نصف الجائزة. فتناول الشاب السيف ، وانطلق بهما ، فقالا له : يا شاب! ما ذا تقول لرسول الله غدا؟ بأي ذنب قتلتنا ، وبأي جرم؟ فقال : من أنتما؟ قالا : نحن من ولد جعفر الطيار في الجنة ابن عم رسول الله ، فألقى الشاب نفسه في الماء ، وقال : يا ابة! أردت أن تحرقني بالنار ، ويكون محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله خصمي! فاتق الله ، يا أبة! وخل عن الغلامين ، قال : يا بني! عصيتني؟ فقال : يا أبة! لأن أعصيك واطيع الله أحب إليّ من أن اطيعك واعصي الله.

فلما نظر الشيخ أن ابنه أبى ذلك كما أباه العبد ، تناول السيف بيده ،


وقال : والله ، لا يلي هذا أحد سواي ، ثم انطلق بالغلامين ، فلما نظرا ذلك أيسا من الحياة ، فقالا له : يا شيخ! اتق الله فينا! فإن كان تحملك على قتلنا الحاجة ، فاحملنا إلى السوق ، ونقر لك بالعبودية ، فبعنا واستوف ثمننا ، قال : لا تكثرا! فو الله ، لا أقتلكما للحاجة ، ولكني أقتلكما بغضا لأبيكما ولأهل بيت محمد؟

ثم هز السيف ، وضرب عنق الأكبر ، ورمى بدنه بالفرات ، فقال الأصغر : سألتك بالله أن تتركني أتمرغ بدم أخي ساعة ، ثم افعل ما بدا لك ، قال : وما ينفعك ذلك؟ قال : هكذا احبّ ، فتمرغ بدم أخيه إبراهيم ساعة ، ثم قال له : قم! فلم يقم ، فوضع السيف على قفاه ، وذبحه من القفا ، ورمى ببدنه إلى الفرات ، وكان بدن الأوّل طافيا على وجه الفرات ، فلما قذف الثاني أقبل بدن الأول راجعا يشق الماء شقا حتى اعتنق بد أخيه ، والتزمه ، ورسيا في الماء ، وسمع الشيخ صوتا من بينهما في الماء منهما ، يقول : يا ربنا! تعلم وترى ما فعل بنا هذا الظالم ، فاستوف حقنا منه يوم القيامة ، ثمّ أغمد سيفه وحمل الرأسين وركب فرسه ، حتى أتى بهما عبيد الله ابن زياد ، فلما نظر عبيد الله إلى الرأسين قبض على لحية الرجل ، وقال له : سألتك بالله ما قال لك الغلامان؟ قال : قالا لي : يا شيخ! اتّق الله وارحم شبابنا ، فقال له : ويحك! لم لم ترحمهما؟ فقال له : لو رحمتهما ما قتلتهما.

فقال عبيد الله : لما كنت لم ترحمهما؟ فإني لأرحمك اليوم ، ثم دعا بغلام أسود له يسمى : نادرا ، فقال : يا نادر! دونك هذا الشيخ ، فانطلق به إلى الموضع الذي قتل الغلامين فيه ، فاضرب عنقه ، ولك سلبه ، ولك عندي عشرة آلاف درهم التي أجزتها ، وأنت حرّ. فشدّ نادر كتفيه وانطلق


به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين ، فقال الشيخ : يا نادر! لا بدّ لك من قتلي؟ قال : نعم! قال : أفلا تقبل مني ضعف ما اعطيت؟ قال : لا! ثمّ ضرب عنقه ورمى بجيفته إلى الماء ، فلم يقبله ورمى به الى الشط ، فأمر عبيد الله بحرقه فاحرق.

فهذا وأمثاله من الآيات التي ظهرت بقتل الحسينعليه‌السلام ، ويجوز مثل هذا ، وقد أخبر به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن مجد الأئمة هذا ، قال : أخبرنا أبو نصر منصور بن أحمد القرني ، أخبرنا الشيخ إسماعيل بن محمد ، أخبرنا أبو الحسن المفسر «هو علي بن أحمد الواحدي» ، حدثنا ابن كامل القاضي ـ ببغداد ـ ، حدثنا أبو فلانة ، حدثنا إبراهيم بن حميد الطويل ، أخبرنا شعبة ، عن عمرو بن دينار ، عن صهيب ـ مولى ابن عباس ـ ، عن عبد الله بن عمر : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «من ذبح عصفورا بغير حقه ، سأله الله عنه يوم القيامة».

وفي رواية اخرى : «من ذبح عصفورا بغير حق ، ضجّ الى الله تعالى يوم القيامة منه ، فقال : يا ربّ إنّ هذا ذبحني عبثا ، ولم يذبحني منفعة».

قال مجد الأئمّة : هذا لمن ذبح عصفورا بغير حق ، فكيف لمن قتل مؤمنا؟ فكيف لمن قتل ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الحسينعليه‌السلام ؟

عدنا إلى الحديث ، قال : ولما جيء برأس الحسين إلى عبيد الله ، طلب من يقوره ويصلحه ، فلم يجسر أحد على ذلك ، ولم يحر أحد جوابا ، فقام طارق بن المبارك فأجابه إلى ذلك ، وقام به فأصلحه وقوره ، فنصبه بباب داره ، ولطارق هذا ، حفيد كاتب يكنى : «ابا يعلى» هجاه «العدويّ» فعرض له بذلك وقال :


نعمة الله لا تعاب ولكن

ربما استقبحت على أقوام

لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى

ولا نور بهجة الإسلام

وسخ الثوب والعمامة والبرذون

والوجه والقفا والغلام

لا تسموا دواته فتصيبوا

من دماء الحسين في الأقلام

قال : ولما كمل له ذلك ، نادى في الناس ، فجمعهم في المسجد الأعظم ، ثم خرج ودخل المسجد وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، فكان من بعض كلامه أن قال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين وأشياعه ، وقتل الكذاب بن الكذاب ، قال : فما زاد على هذا شيئا حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ، ثم العامري ـ أحد بني والبة ـ ، وكان من رؤساء الشيعة وخيارهم ، وكان قد ذهبت عينه اليسرى يوم «الجمل» ، والاخرى يوم «صفين» ، وكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم ، يصلي فيه إلى الليل ، ثم ينصرف إلى منزله ، فلما سمع مقالة ابن زياد ، وثب إليه ، وقال : يا ابن مرجانة! إنّ الكذاب وابن الكذاب أنت وأبوك ، ومن استعملك وأبوه ، يا عدو الله ورسوله! أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟

فغضب عبيد الله بن زياد ، وقال : من المتكلم؟ فقال : أنا المتكلم يا عدو الله! أتقتل الذرية الطاهرة الذين قد أذهب الله عنهم الرجس في كتابه ، وتزعم أنك على دين الإسلام؟ وا غوثاه! أين أولاد المهاجرين والأنصار ، لينتقموا من هذا الطاغية ، اللعين بن اللعين على لسان رسول الله رب العالمين؟ فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه.

فقال : عليّ به ، فوثب إليه الجلاوزة فأخذوه ، فنادى بشعار الأزد؟ يا مبرور! وكان عبد الرحمن بن مخنف الأزدي في المسجد ، فقال : ويح


نفسك! أهلكتها وأهلكت قومك. وحاضر الكوفة يومئذ سبعمائة مقاتل من الأزد ، فوثبت إليه فتية من الأزد فانتزعوه منهم ، وانطلقوا به إلى منزله ، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر ، ودخلت عليه أشراف الناس ، فقال : أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم؟ قالوا : رأينا أصلح الله الأمير ، إنما فعل ذلك الأزد ، فشد يدك بساداتهم فهم الذين استنقذوه من يدك.

فأرسل عبيد الله الى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي فأخذه ، وأخذ جماعة من أشراف الأزد فحبسهم ، وقال ، لا خرجتم من يدي أو تأتوني بعبد الله بن عفيف ، ثم دعا بعمرو بن الحجاج الزبيدي ؛ ومحمد بن الأشعث ؛ وشبث بن ربعي ؛ وجماعة من أصحابه ، فقال لهم : اذهبوا إلى هذا الأعمى الذي أعمى الله قلبه كما أعمى عينيه ، فأتوني به. فانطلقوا يريدون عبد الله بن عفيف وبلغ الأزد ذلك ، فاجتمعوا وانضمت إليهم قبائل من اليمن ليمنعوا صاحبهم ، فبلغ ذلك ابن زياد ، فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث ، وأمره أن يقاتل القوم ، فأقبلت قبائل مضر ، ودنت منهم اليمن فاقتتلوا قتالا شديدا ، وبلغ ذلك ابن زياد ، فأرسل إلى أصحابه يؤنبهم ويضعفهم ، فأرسل إليه عمرو بن الحجاج يخبره باجتماع اليمن معهم ، وبعث إليه شبث بن ربعي : أيّها الأمير! إنك بعثتنا إلى اسود الآجام فلا تعجل.

قال : واشتد اقتتال القوم حتى قتلت جماعة من العرب ، ووصل القوم إلى دار عبد الله بن عفيف فكسروا الباب ، واقتحموا عليه ، فصاحت ابنته : يا أبتي أتاك القوم من حيث تحذر ، فقال : لا عليك يا بنية! ناوليني سيفي ، فناولته السيف ، فجعل يذبّ عن نفسه ، وهو يقول :

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر

عفيف شيخي وأنا ابن عامر


كم دارع من جمعكم وحاسر

وبطل جدّلته مغاور

وجعلت ابنته تقول : ليتني كنت رجلا فاقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة ، قاتلي العترة البررة ، وجعل القوم يدورون عليه من يمينه وشماله وورائه ، وهو يذبّ عن نفسه بسيفه فليس أحد يقدم عليه ، كلما جاءوه من جهة ، قالت ابنته : جاءوك يا أبتي من جهة كذا ، حتى تكاثروا عليه من كل ناحية ، وأحاطوا به ، فقالت ابنته : واذلاه! يحاط بأبي ، وليس له ناصر يستعين به ، وجعل عبد الله يدافع ويقول :

والله لو يكشف لي عن بصري

ضاق عليكم موردي ومصدري

وما زالوا به حتى أخذوه ، فقال جندب بن عبد الله الأزدي صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أخذوا والله عبد الله بن عفيف ، فقبح الله العيش بعده. فقام وجعل يقاتل من دونه ، فاخذ أيضا وانطلق بهما ، وابن عفيف يردّد : والله ، لو يكشف لي عن بصري «البيت».

فلما ادخل على عبيد الله ، قال له : الحمد لله الذي أخزاك ، فقال ابن عفيف : يا عدوّ الله! بما ذا أخزاني ، والله ، لو يكشف عن بصري ـ البيت ـ ، فقال له : ما تقول في عثمان؟ فقال : يا ابن مرجانة! يا ابن سميّة! يا عبد بني علاج! ما أنت وعثمان؟ أحسن أم أساء ، وأصلح أم أفسد ، الله ولي خلقه يقضي بينهم بالعدل والحق ، ولكن سلني عنك وعن أبيك ، وعن يزيد وأبيه.

فقال ابن زياد : لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت ، فقال ابن عفيف : الحمد لله رب العالمين ، كنت أسأل الله أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك امك مرجانة ، وسألته أن يجعل الشهادة على يدي ألعن خلقه وأشرهم وأبغضهم إليه ، ولما ذهب بصري أيست من الشهادة ، أما الآن فالحمد لله الذي رزقنيها


بعد اليأس منها ، وعرفني الاستجابة منه لي في قديم دعائي.

فقال عبيد الله : اضربوا عنقه ، فضربت وصلب. ثمّ دعا ابن زياد بجندب بن عبد الله ، فقال له : يا عدوّ الله! ألست صاحب علي بن أبي طالب يوم صفين؟ قال : نعم ، ولا زلت له وليا ولكم عدوا ، لا أبرأ من ذلك إليك ولا أعتذر في ذلك وأتنصل منه بين يديك ، فقال ابن زياد له : أما إني سأتقرب إلى الله بدمك ، فقال جندب : والله ، ما يقربك دمي إلى الله ، ولكنه يباعدك منه ، وبعد ، فإني لم يبق من عمري إلّا أقله ، وما أكره أن يكرمني الله بهوانك ، فقال : اخرجوه عني ، فانه شيخ قد خرف وذهب عقله ، فاخرج وخلي سبيله.

عدنا إلى حديثنا قال : ثم دعا عبيد الله بن زياد زحر بن قيس الجعفي ، فأعطاه رأس الحسين ، ورءوس إخوته وأهل بيته وشيعته ، ودعا بعلي بن الحسين فحمله وحمل عماته وأخواته وجميع نسائهم معه إلى يزيد ، فسار القوم بحرم رسول الله من «الكوفة» إلى بلد «الشام» على محامل بغير وطاء ، من بلد إلى بلد ، ومن منزل إلى منزل ، كما تساق الترك والدّيلم ، وسبق زحر بن قيس برأس الحسينعليه‌السلام إلى «دمشق» حتى دخل على يزيد ، فسلم عليه ودفع إليه كتاب عبيد الله بن زياد. فأخذ يزيد الكتاب ، ووضعه بين يديه ، ثم قال لزحر : هات ما عندك يا زحر! فقال زحر : أبشر يا أمير المؤمنين! بفتح الله عليك وبنصره إياك ، فإنه قد ورد علينا الحسين بن علي في اثنين وثمانين رجلا من إخوته وأهل بيته وشيعته ، فسرنا إليهم وسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله فأبوا علينا ، فقاتلناهم من وقت شروق الشمس إلى أن أضحى النهار ، فلما اخذت السيوف مآخذها من هام الرجال ، جعلوا يتوقلون إلى غير وزر ، ويلوذون منا بالآكام


والحفر ، كما يخاف الحمام من الصقر ، فو الله ، يا أمير المؤمنين! ما كان إلا كجزر جزور ، أو كاغفاءة القائل ، حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم بالعراء مجردة ، وثيابهم بالدماء مزمّلة ، وخدودهم بالتراب معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم: الرخم والعقبان ، والذئب والضبعان.

فأطرق يزيد ساعة ، ثم رفع رأسه وبكى ، وقال : والله ، يا هذا! لقد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، أما والله ، لو صار إليّ لعفوت عنه ، ولكن قبح الله ابن مرجان ، فقال عبد الرحمن بن الحكم ـ أخو مروان ابن الحكم ـ ، وكان جالسا عند يزيد في المجلس :

لهام بجنب الطف أدنى قرابة

من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل(١)

سمية أمسى نسلها عدد الحصى

وبنت رسول الله ليست بذي نسل

فقال يزيد : نعم! فلعن الله ابن مرجانة إذ أقدم على قتل مثل الحسين ابن فاطمة ؛ أما والله ، لو كنت أنا صاحبه لما سألني خصلة إلّا أعطيته إياها ، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ولكن إذا قضى الله أمرا لم يكن له مرد.

وروي : أنّ يزيد نظر إلى عبد الرحمن ، وقال : سبحان الله! أفي هذا الموضع تقول ذلك أما يسعك السكوت؟

قال : ثمّ اتي بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد في طست من ذهب ، فنظر إليه وأنشد:

__________________

(١) الوغل : المدعي نسبا كاذبا.


نفلق هاما من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

ثم أقبل على أهل المجلس ، وقال : إنّ هذا كان يفخر عليّ ويقول : إن أبي خير من أب يزيد ، وأمي خير من أم يزيد ؛ وجدي خير من جد يزيد ؛ وأنا خير من يزيد ، فهذا هو الذي قتله ، فأما قوله : بأنّ اباه خير من أبي ، فلقد حاجّ أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه ، وأما قوله : بأن أمي خير من أم يزيد ، فلعمري ، لقد صدق إن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خير من أمي ؛ وأما قوله : بأنّ جدّه خير من جدي ، فليس لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر ، أن يقول : بأنه خير من محمد ، وأما قوله : بأنه خير مني ، فلعله لم يقرأ :( قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) آل عمران / ٢٦ ، ثم دعا بقضيب خيزران ، فجعل ينكت(١) به ثنايا الحسينعليه‌السلام ، وهو يقول : لقد كان أبو عبد الله حسن المضحك.

فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي أو غيره من الصحابة ، وقال له : ويحك يا يزيد! أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة؟ لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا من ثغره ، أشهد لقد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ، ويقول : «إنهما سيدا شباب أهل الجنّة ، قتل الله قاتلهما ولعنه ، وأعدّ له جهنم ، وساءت مصيرا» ، أما أنت يا يزيد! فتجيء يوم القيامة وعبيد الله بن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمد شفيعه.

فغضب يزيد وأمر بإخراجه من المجلس فاخرج سحبا ، وجعل يزيد بعده يتمثّل بأبيات ابن الزبعري ، وسنوردها من طريق مسند إن شاء الله.

وقيل : إن الذي ردّ عليه ليس أبا برزة ، بل هو سمرة بن جندب صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال ليزيد : قطع الله يدك ، يا يزيد! أتضرب ثنايا

__________________

(١) ـ نكت بالتاء المثناة : ضرب.


طالما رايت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبلهما ، ويلثم هاتين الشفتين؟ فقال له يزيد : لو لا صحبتك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لضربت ، والله عنقك. فقال سمرة : ويلك ، تحفظ لي صحبتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تحفظ لابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنوته؟ فضج الناس بالبكاء ، وكادت أن تكون فتنة.

٢٩ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرني والدي ، أخبرني أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو نصر محمد بن أحمد الفقيه ـ قدم علينا بنيسابور ـ ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، حدثنا علي بن طاهر ، حدثنا عبد الله بن زاهر ، حدثنا أبي ، عن ليث بن سليم ، عن مجاهد : أنّ يزيد حين اتي برأس الحسين بن علي ورءوس أهل بيته ، قال ابن محفز : يا أمير المؤمنين! جئناك برءوس هؤلاء الكفرة اللئام! فقال يزيد : ما ولدت أم محفز أكفر وألأم وأذم ، ثم كشف عن ثنايا رأس الحسين بقضيبه ، ونكته به وأنشد :

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت

قواضب في أيماننا تقطر الدما

صبرنا وكان الصبر منا عزيمة

وأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما

نفلق هاما من اناس أعزة

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

فقال له بعض جلسائه : ارفع قضيبك! فو الله ، ما أحصي ما رأيت شفتي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في مكان قضيبك يقبّله ، فأنشد يزيد :

يا غراب البين ما شئت فقل

إنما تندب أمرا قد فعل

كلّ ملك ونعيم زائل

وبنات الدهر يلعبن بكل

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستهلّوا فرحا

ثم قالوا يا يزيد لا تشل


لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

قد أخذنا من علي ثارنا

وقتلنا الفارس الليث البطل

وقتلنا القوم من ساداتهم

وعدلناه ببدر فاعتدل

قال مجاهد : فلا نعلم الرجل إلّا قد نافق في قوله هذا.

وقال أبو عبد الله الحافظ : وقد روينا في ـ رواية اخرى ـ بدل لست من خندف : لست من عتبة.

وقال شيخ السنة أحمد بن الحسين : وآخر كلام يزيد لا يشبه أوله ، ولم أكتبه من وجه يثبت مثله ، فإن كان قاله ، فقد كان ضم إلى فعل الفجار ، في قتل الحسين وأهل بيته أقوال الكفار ، والله يعصمنا من الخطأ والزلل.

٣٠ ـ أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ، أخبرنا الفقيه أبو الحسن علي بن أبي طالب الفرزادي ـ بالري ـ ، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين السمان الرازي ، أخبرني عمي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي ، أخبرني أبو الحسين عبيد الله بن أحمد بن محمد بن أبي خراسان ـ بقراءتي عليه ـ ، حدثني محمد بن عبد الله بن عتاب ، حدثني الحارث بن محمد بن أبي اسامة ، حدثني محمد بن سعد ، أخبرني محمد بن عمر ، حدثني محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن عكرمة بن خالد ، قال : اتي برأس الحسين إلى يزيد بن معاوية بدمشق فنصب ، فقال يزيد : عليّ بالنعمان بن بشير ، فلما جاء قال : كيف رأيت ما فعل عبيد الله بن زياد؟ قال : الحرب دول ، فقال : الحمد لله الذي قتله ، قال النعمان : قد كان أمير المؤمنين ـ يعني به


معاوية ـ يكره قتله ، فقال : ذلك قبل أن يخرج ، ولو خرج على أمير المؤمنين ، والله قتله إن قدر.

قال النعمان : ما كنت أدري ما كان يصنع؟

ثمّ خرج النعمان ، فقال : هو كما ترون إلينا منقطع ، وقد ولاه أمير المؤمنين ورفعه ، ولكن أبي كان يقول : لم أعرف أنصاريا قط إلّا يحبّ عليا وأهله ، ويبغض قريشا بأسرها.

٣١ ـ حدثنا الشيخ الإمام عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي ـ إملاء ـ ، حدثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمد البلالي ، حدثنا السيد الإمام المرتضى نجم الدين نقيب النقباء أبو الحسن محمد بن محمد بن زيد الحسنى الحسيني ، أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عبد الرحمن بن عيسى ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن منصور المرادي المقري ، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين ، عن أبي خالد ، عن زيد ، عن أبيهعليه‌السلام ، أنّ سهل بن سعد قال : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار ، قد علقوا الستور والحجب والديباج ، وهم فرحون مستبشرون ، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : لعل لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن ، فرأيت قوما يتحدثون ، فقلت : يا هؤلاء! ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا : يا شيخ! نراك غريبا ، فقلت : أنا سهل بن سعد ، قد رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحملت حديثه ، فقالوا : يا سهل! ما أعجبك السماء لا تمطر دما ، والأرض لا تخسف بأهلها ، قلت : ولم ذاك؟ فقالوا : هذا رأس الحسين عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يهدى من أرض «العراق» إلى «الشام» ، وسيأتي الآن.


قلت : وا عجباه! يهدى رأس الحسين والناس يفرحون ، فمن أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب ، يقال له : «باب الساعات» ، فسرت نحو الباب ، فبينما أنا هنالك ، إذ جاءت الرايات يتلو بعضها بعضا ، وإذا أنا بفارس بيده رمح منزوع السنان ، وعليه رأس من أشبه الناس وجها برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا بنسوة من ورائه على جمال بغير وطاء ، فدنوت من إحداهن ، فقلت لها : يا جارية! من أنت؟ فقالت : أنا سكينة بنت الحسين ، فقلت لها : ألك حاجة إليّ؟ فأنا سهل بن سعد ، ممن رأى جدك وسمعت حديثه ، قالت : يا سهل! قل لصاحب الرأس أن يتقدم بالرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه فلا ينظرون إلينا ، فنحن حرم رسول الله.

قال : فدنوت من صاحب الرأس ، وقلت له : هل لك أن تقضي حاجتي ، وتأخذ مني أربعمائة دينار؟ قال : وما هي؟ قلت : تقدم الرأس أمام الحرم ، ففعل ذلك ، ودفعت له ما وعدته ، ثم وضع الرأس في حقّة ، وادخل على يزيد ، فدخلت معهم ، وكان يزيد جالسا على السرير ، وعلى رأسه تاج مكلل بالدر والياقوت ، وحوله كثير من مشايخ قريش ، فدخل صاحب الرأس ودنا منه ، وقال :

أوقر ركابي فضّة أو ذهبا

فقد قتلت السيد المحجبا

قتلت أزكى الناس اما وأبا

وخيرهم إذ يذكرون النسبا

فقال له يزيد : إذا علمت أنه خير الناس لم قتلته؟ قال : رجوت الجائزة ، فأمر بضرب عنقه ، فحزّ رأسه ، ثم وضع رأس الحسين بين يديه على طبق من ذهب ، فقال : كيف رأيت يا حسين؟

وروي أيضا : أنّ السبايا لما وردوا مدينة دمشق ، ادخلوا من باب يقال له باب «توما» ، ثم اتي بهم حتى اقيموا على درج باب المسجد الجامع ،


حيث يقام السبي ، وإذا شيخ أقبل حتى إذا دنا منهم ، قال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم ، وأراح العباد من رجالكم ، وأمكن أمير المؤمنين منكم.

فقال له علي بن الحسين : «يا شيخ! هل قرأت القرآن»؟ قال : نعم! قال : «هل قرأت هذه الآية :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) »؟ الشورى / ٢٣ ، قال الشيخ : قرأتها! قال : «فنحن القربى يا شيخ! وهل قرأت هذه الآية :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) »؟ الاحزاب / ٣٣ ، قال : نعم ، قال : «فنحن أهل البيت الذي خصصنا بآية الطهارة» ، فبقي الشيخ ساكتا ساعة ، نادما على ما تكلّم به ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، فقال : اللهمّ! إني أتوب إليك من بغض هؤلاء ، وإني أبرأ إليك من عدوّ محمد وآل محمد من الجن والإنس.

ثمّ اتي بهم حتى ادخلوا على يزيد ، قيل : إنّ أول من دخل شمر بن ذي الجوشن بعلي بن الحسين ، مغلولة يداه إلى عنقه ، فقال له يزيد : من أنت يا غلام؟ قال : أنا عليّ بن الحسين ، فأمر برفع الغل عنه.

وروي : عن فاطمة بنت الحسين ، أنها قالت : لما ادخلنا على يزيد ، ساءه ما رأى من سوء حالنا ، وظهر ذلك في وجهه ، فقال لعن الله : ابن مرجانة ؛ وابن سميّة ، لو كان بينه وبينكم قرابة ما صنع بكم هذا؟ وما بعث بكن هكذا؟ قالت : فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر ، وقال له : يا أمير المؤمنين! هب لي هذه الجارية! يعنيني ، قالت : وكنت جارية وضيئة ، فارتعدت وفرقت ، وظننت أنّ ذلك يجوز لهم ، فأخذت بثياب اختي وعمتي زينب ، فقالت عمتي : كذبت ، والله ، ولؤمت! ما ذلك لك ولا له ، فغضب يزيد ، وقال : بل أنت كذبت أنّ ذلك لي ، ولو شئت فعلته ، فقالت : كلا ، والله! ما جعل الله لك ذلك ، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين


بغير ديننا.

فقال : إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك ، قالت زينب : بدين الله ؛ ودين أبي ؛ وجدي اهتديت إن كنت مسلما. فقال : كذبت ، يا عدوة الله ، قالت زينب : أمير مسلّط يشتم ظالما ، ويقهر بسلطانه ، اللهم! إليك أشكو دون غيرك.

فاستحيى يزيد ، وندم ، وسكت مطرقا ، وعاد الشاميّ إلى مثل كلامه ، فقال : يا أمير المؤمنين! هب لي هذه الجارية؟ فقال له يزيد : أعزب عني لعنك الله ، ووهب لك حتفا قاضيا ، ويلك لا تقل ذلك! فهذه بنت علي وفاطمة ، وهم أهل بيت لم يزالوا مبغضين لنا منذ كانوا.

قيل فتقدم علي بن الحسين حتى وقف بين يدي ـ يزيد ـ ، وقال :

لا تطمعوا إن تهينونا ونكرمكم

وإن نكف الأذى عنكم وتؤذونا

فالله يعلم إنا لا نحبكم

ولا نلومكم إن لم تحبونا

فقال يزيد : صدقت! ولكن أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين ، فالحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما ، ثم قال : يا علي! إنّ أباك قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني في سلطاني ، فصنع الله به ما قد رأيت. فقال علي بن الحسين :( ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ ) الحديد / ٢٢ ، فقال يزيد لابنه خالد : اردد عليه يا بني! فلم يدر خالد ما ذا يرد ، فقال يزيد( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) الشورى / ٣٠ ، فقال علي بن الحسين : «يا ابن معاوية ؛ وهند ؛ وصخر! لم تزل النبوّة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد ، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في يوم «بدر» و «احد» و «الأحزاب» في يده راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفار».


ثم جعل علي بن الحسينعليه‌السلام ، يقول :

ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم :

ما ذا فعلتم وأنتم آخر الامم؟

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

منهم اسارى ومنهم ضرّجوا بدم

ثم قال عليّ بن الحسين : «ويلك يا يزيد! إنّك لو تدري ما ذا صنعت؟ وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي؟ إذن لهربت إلى الجبال ، وافترشت الرمال ، ودعوت بالويل والثبور ، أيكون رأس أبي الحسين بن علي وفاطمة منصوبا على باب مدينتكم ، وهو وديعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكم؟ فابشر يا يزيد! بالخزي والندامة ، إذا جمع الناس غدا ليوم القيامة.

٣٢ ـ أخبرنا الشيخ الإمام مسعود بن أحمد ـ فيما كتب إليّ من دهستان ـ ، أخبرنا شيخ الإسلام أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي ، أخبرنا الشيخ أبو حامد ، أخبرنا أبو حفص عمر بن الجازي ـ بنيسابور ـ ، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد المؤدب الساري ، حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد الحجري ، أخبرنا أبو بكر محمد بن دريد الأزدي ، حدثنا المكي ، عن الحرمازي ، عن شيخ من بني تميم من أهل الكوفة ، قال : لما ادخل رأس الحسين وحرمه على يزيد بن معاوية ، وكان رأس الحسين بين يديه في طست ، جعل ينكت ثناياه بمخصرة في يده ، ويقول : «ليت أشياخي ببدر شهدوا» ـ وذكر الأبيات إلى قوله : «من بني أحمد ما كان فعل» ، فقامت زينب بنت علي وامها فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت :

«الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، صدق الله تعالى إذ يقول :( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ


اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) الروم / ١٠ ، أظننت يا يزيد! حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء ، وأصبحنا نساق كما تساق الأسارى ، أن بنا على الله هوانا ، وبك عليه كرامة؟ وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة(١) ، والأمور متسقة(٢) ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلا مهلا! أنسيت قول الله تعالى :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) ؟ آل عمران / ١٧٨ ، أمن العدل يا ابن الطلقاء! تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟ قد هتكت ستورهن ؛ وأبديت وجوههن ؛ يحدى بهن من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل ، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد ، والدّنيّ والشريف ، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حميّ ، وكيف ترجى المراقبة ممن لفظ فوه أكباد السعداء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟ وكيف لا يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف(٣) والشنئان(٤) والإحن والأضغان؟ ثم يقول غير متأثم ولا مستعظم؟

لأهلّوا واستهلّوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

منحنيا على ثنايا أبي عبد الله تنكتها بمخصرتك؟ وكيف لا تقول ذلك ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذرية آل محمد ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب؟ أتهتف بأشياخك؟ زعمت تناديهم ، فلتردن وشيكا موردهم ، ولتودن أنك شللت وبكمت ، ولم تكن

__________________

(١) مستوسقة : بمعنى المستوثقة.

(٢) المتسقة : المنتظمة.

(٣) الشنف : البغض.

(٤) الشنئان : العداوة.


قلت ما قلت ، اللهمّ! خذ بحقنا ، وانتقم ممن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا ، وقتل حماتنا ، فو الله ، ما فريت إلّا جلدك ، ولا جززت إلّا لحمك ، ولتردنّ على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهاك حرمته في لحمته وعترته ، وليخاصمنك حيث يجمع الله تعالى شملهم ، ويلم شعثهم ، ويأخذ لهم بحقهم( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) آل عمران / ١٦٩ ، فحسبك بالله حاكما ، وبمحمد خصما ، وبجبرئيل ظهيرا ، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، أن بئس للظالمين بدلا ، وأيكم شرّ مكانا وأضعف جندا ، ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك ، فإني لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكبر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرى ، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء ، بحزب الشيطان الطلقاء ، فتلك الأيدي تنطف(١) من دمائنا ، وتلك الأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل(٢) وتعفوها الذئاب ، وتؤمها الفراعل(٣) ، فلئن اتخذتنا مغنى ، لتجدنا وشيكا مغرما ، حين لا تجد إلّا ما قدمت يداك ، وأنّ الله ليس بظلام للعبيد ، فإلى الله المشتكى ، وعليه المعول ، فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو الله ، لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، ولا تغيب منك شنارها(٤) فهل رأيك إلا فند!(٥) وايامك إلّا عدد! وشملك إلّا بدد! يوم ينادي المنادي : ألا

__________________

(١) تنطف : تقذف بما تلطخت؟.

(٢) العواسل : المتمائلة من الذئاب والضباع.

(٣) الفراعل : جمع الفرعل ولد الضبع.

(٤) الشنار : أقبح العيب.

(٥) الفند : الخطأ في الرأي.


لعنة الله على الظالمين ، فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والرحمة ، ولآخرنا بالشهادة والمغفرة ، وأسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد وحسن المآب ، ويختم بنا الشرافة ، إنه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير.

فقال يزيد :

يا صيحة تحمد من صوائح

ما أهون النوح على النوائح

ثم استشار أهل الشام ما ذا يصنع بهم؟ فقالوا له : لا تتخذ من كلب سوء جروا! فقال النعمان بن بشير : انظر ما كان يصنعه بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاصنعه ، فأمر بردّهم إلى المدينة.

قال الحاكم : الأبيات التي أنشدها يزيد بن معاوية هي لعبد الله بن الزبعري ، أنشأها يوم «احد» لما استشهد «حمزة» عمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وجماعة من المسلمين ، وهي قصيدة طويلة فمنها :

يا غراب البين ما شئت فقل

إنما تندب أمرا قد فعل

إن للخير وللشرّ مدى

وكلا ذلك وجه وقبل

والعطيات خساس بينهم

وسواء قبر مثر ومقل

كل عيش ونعيم زائل

وبنات الدهر يلعبن بكل

أبلغا حسان عني آية

فقريض الشعر يشفي ذا الغلل

كم ترى في الحزن من جمجمة

وأكف قد ابينت ورجل

وسرابيل حسان سلبت

عن كماة اهلكوا في المتزل

كم قتلنا من كريم سيد

ماجد الجدين مقدام بطل

صادق النجدة قرم بارع

غير ملتاث لدى وقع الأسل

فسل المهراس ما ساكنها

بين أقحاف وها هم كالحجل

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل


حين حكت بقباء بركها(١)

واستحرّ القتل في عبد الأشل

ثم خفوا عند ذاكم رقصا

رقص الحفان(٢) تعدو في الجبل

فقتلنا الضعف من أشرافهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

لا ألوم النفس إلا أننا

لو كررنا لفعلنا المفتعل

بسيوف الهند تعلو هامهم

عللا نوردها بعد نهل

فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري فقال :

ذهبت يا ابن الزبعرى وقعة

كان منا الفضل فيها لو عدل

فلقد نلتم ونلنا منكم

وكذاك الحرب أحيانا دول

إذ شددنا شدّة صادقة

فأجأناكم إلى سفح الجبل

إذ تولّون على أعقابكم

هربا في الشعب أشباه الرسل

نضع الأسياف في أكتافهم

حيث نهوى عللا بعد نهل

تخرج التضييح(٣) من أستاهكم

كسلاح(٤) النيب يأكلن العضل(٥)

بخناطيل(٦) كجنان(٧) الملا

من يلاقوه من الناس يهل

فشدخنا في مقام واحد

منكم سبعين غير المنتحل

وأسرنا منكم أعدادهم

فانصرفنا مثل أفلات الحجل

لم يفوقونا بشيء ساعة

غير أن ولوا بجهد وفشل

ضاق عنا الشعب إذ نجزعه

وملأنا الفرط منه والرحل

برجال لستم أمثالهم

آدهم جبريل نصرا فنزل

__________________

(١) البرك : صدر الناقة ونحوها.

(٢) الحفان : فاخ النعام.

(٣) التضييح : اللبن المشروب ضياحا.

(٤) السلاح : جمع سلحه وهي العذرة.

(٥) العضل : نبت إذا أكلته الإبل سلحت.

(٦) الخناطيل : الجماعات.

(٧) الجنان : الجن.


وعلونا يوم بدر بالتقى

طاعة الله وتصديق الرسل

وقتلنا كلّ رأس منهم

وصرعنا كلّ جحجاح رفل

لا سواء من مشى حتى انتهى

بخطاه جنّة الخلد فحل

وكلاب حكت النار لها

في لظاها صوت ويل وهبل

ورسول الله حقا شاهد

يوم بدر والتنادي بهبل

قد تركنا في قريش عورة

يوم بدر وأحاديث مثل

وتركنا من قريش جمعهم

مثل ما جمّع في الخصب الهمل

وشريف لشريف ماجد

لا نباليه لدى وقع الأسل

نحن لا أمثالكم ولد استها

نحضر الباس إذا البأس نزل

وروي : أنّ يزيد أمر بمنبر وخطيب ، ليذكر للناس مساوئ للحسين وأبيه عليعليهما‌السلام ، فصعد الخطيب المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وأكثر الوقيعة في علي والحسين ، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد ، فصاح به علي بن الحسين : «ويلك ، أيها الخاطب! اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق؟ فتبوأ مقعدك من النار» ، ثم قال : «يا يزيد! ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن لله رضا ، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب» ، فأبى يزيد ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين! ائذن له ليصعد ، فلعلّنا نسمع منه شيئا ، فقال لهم : إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلّا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان ، فقالوا : وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال : إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقا ، ولم يزالوا به حتى أذن له بالصعود. فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم خطب خطبة أبكى منها العيون ؛ وأوجل منها القلوب ، فقال فيها :

«أيها الناس! اعطينا ستا ، وفضلنا بسبع : اعطينا العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأنّ


منا النبي المختار محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومنا الصديق ، ومنا الطيار ، ومنا أسد الله وأسد الرسول ، ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنا سبطا هذه الامة ، وسيدا شباب أهل الجنّة ، فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي : أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى ، أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حجّ ولبى ، أنا ابن من حمل على البراق في الهوا ، أنا ابن من اسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فسبحان من أسرى ، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنا فتدلى فكان من ربه قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة السما ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى ، أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله إلّا الله ، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وصلّى القبلتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ، وقامع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين ، وزين العابدين ، وتاج البكائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين ، ورسول رب العالمين ، أنا ابن المؤيد بجبرائيل ، المنصور بميكائيل ، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، والمجاهد أعداءه الناصبين ، وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأول من أجاب واستجاب لله من المؤمنين ، وأقدم السابقين ، وقاصم المعتدين ، ومبير المشركين ، وسهم من مرامي الله على المنافقين ، ولسان حكمة العابدين ، ناصر دين الله ، وولي أمر الله ، وبستان


حكمة الله ، وعيبة علم الله ، سمح سخي ، بهلول زكي أبطحي رضي مرضي ، مقدام همام ، صابر صوام ، مهذب قوام ، شجاع قمقام ، قاطع الأصلاب ، مفرق الأحزاب ، أربطهم جنانا ، وأطبقهم عنانا ، وأجرأهم لسانا ، وأمضاهم عزيمة ، وأشدّهم شكيمة ، أسد باسل ، وغيث هاطل ، يطحنهم في الحروب ـ إذا ازدلفت الأسنة ، وقربت الأعنة ـ طحن الرحى ، ويذروهم ذرو الريح الهشيم ، ليث الحجاز ؛ وصاحب الإعجاز ؛ وكبش العراق ، الإمام بالنص والاستحقاق مكي مدني ، أبطحي تهامي ، خيفي عقبي ، بدري أحدي ، شجري مهاجري ، من العرب سيدها ، ومن الوغى ليثها ، وارث المشعرين ، وأبو السبطين ، الحسن والحسين ، مظهر العجائب ، ومفرق الكتائب ، والشهاب الثاقب ، والنور العاقب ، أسد الله الغالب ، مطلوب كل طالب ، غالب كلّ غالب ، ذاك جدي علي بن أبي طالب.

أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء ، أنا ابن الطهر البتول ، أنا ابن بضعة الرسول».

قال : ولم يزل ، يقول : «أنا أنا» حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد أن تكون فتنة ، فأمر المؤذن : أن يؤذن ، فقطع عليه الكلام وسكت ، فلما قال المؤذن : الله أكبر! قال عليّ بن الحسين : «كبرت كبيرا لا يقاس ، ولا يدرك بالحواس ، لا شيء أكبر من الله» ، فلما قال : أشهد أن لا إله إلّا الله! قال علي : «شهد بها شعري وبشري ، ولحمي ودمي. ومخي وعظمي» ، فلما قال : أشهد أنّ محمدا رسول الله! التفت عليّ من أعلى المنبر إلى يزيد ، وقال : «يا يزيد! محمد هذا جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت ، وإن قلت : إنه جدي ، فلم قتلت عترته»؟

قال : وفرغ المؤذن من الأذان والإقامة ، فتقدم يزيد وصلى صلاة الظهر.


وروي : أنه كان في مجلس يزيد هذا ، حبر من أحبار اليهود ، فقال : يا أمير المؤمنين! من هذا الغلام؟ قال : علي بن الحسين ، قال : فمن الحسين؟ قال : ابن علي بن أبي طالب ، قال : فمن أمه؟ قال : فاطمة بنت محمد ، فقال له الحبر : يا سبحان الله! فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة ، بئسما خلفتموه في ذريته ، فو الله ، لو ترك نبينا موسى بن عمران فينا سبطا ، لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا ، وأنتم إنما فارقتم نبيكم بالأمس ، فوثبتم على ابنه وقتلتموه. سوأة لكم من امة.

فأمر يزيد به فوجئ بحلقه ثلاثا ، فقام الحبر وهو يقول : إن شئتم فاقتلوني ، وإن شئتم فذروني ، إني أجد في التوراة : من قتل ذرية نبي فلا يزال ملعونا أبدا ما بقي ، فإذا مات أصلاه الله نار جهنم.

وخرج علي بن الحسين ذات يوم ، فجعل يمشي في سوق «دمشق» فاستقبله المنهال بن عمرو الضبابي ، فقال : كيف «أمسيت يا ابن رسول الله؟ فقال : أمسيت ، والله ، كبني إسرائيل في آل فرعون ، يذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، يا منهال! أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله عربي ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمدا قرشي منها ، وأمسينا آل بيت محمد ونحن مغصوبون ، مظلومون ، مقهورون ، مقتولون ، مشردون ، مطرودون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما أمسينا يا منهال»!.

وذكر السيد أبو طالب هذا الحديث ، وزاد فيه : «وأصبح خير الامة يشتم على المنابر ، وأصبح شرّ الامة يمدح على المنابر ، وأصبح مبغضنا يعطى الأموال ، ومن يحبنا منقوصا حقه».

وروي هذا الحديث ، عن الحارث بن الجارود التميمي : أنه رأى عليّ


ابن الحسين بالمدينة فقال له : كيف أصبحت؟ وساق الحديث.

٣٣ ـ أخبرنا عين الأئمة ، بإسناده الذي مرّ آنفا ، عن زيد بن عليّ ؛ وعن محمد بن الحنفية ، عن عليّ بن الحسين زين العابدين ، أنه قال : «لما اتي برأس الحسينعليه‌السلام إلى يزيد ، كان يتخذ مجالس الشرب ، ويأتي برأس الحسين فيضعه بين يديه ويشرب عليه ، فحضر ذات يوم أحد مجالسه رسول ملك الروم ، وكان من أشراف الروم وعظمائها ، فقال : يا ملك العرب! رأس من هذا؟ فقال له يزيد : مالك ولهذا الرأس؟ قال : إني إذا رجعت إلى ملكنا ، يسألني عن كلّ شيء رأيته ، فأحببت أن اخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه ، ليشاركك في الفرح والسرور.

فقال يزيد : هذا رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، فقال : ومن أمه؟ قال : فاطمة الزهراء ، قال : بنت من؟ قال : بنت رسول الله ، فقال الرسول : اف لك ولدينك! مادين أخسّ من دينك ، اعلم أني من أحفاد داود ، وبيني وبينه آباء كثيرة ، والنصارى يعظمونني ، ويأخذون التراب من تحت قدمي تبركا ، لأني من أحفاد داود ، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله ، وما بينه وبين رسول الله إلّا أم واحدة ، فأيّ دين هذا؟

ثم قال له الرسول : يا يزيد! هل سمعت بحديث كنيسة الحافر؟ فقال يزيد : قل حتى أسمع ، فقال : ان بين «عمان» و «الصين» بحرا مسيرته سنة ، ليس فيه عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء ، طولها ثمانون فرسخا ، وعرضها كذلك ، وما على وجه الأرض بلدة أكبر منها ، ومنها يحمل الكافور والياقوت والعنبر ، وأشجارهم العود ، وهي في أيدي النصارى لا ملك لأحد فيها من الملوك ، وفي تلك البلدة كنائس كثيرة ، أعظمها كنيسة الحافر ، في محرابها حقة من ذهب ، معلقة فيها حافر ، يقولون : إنه حافر


حمار كان يركبه عيسى ، وقد زينت حوالي الحقّة بالذهب والجواهر والديباج والابريسم. ، وفي كل عام يقصدها عالم من النصارى ، فيطوفون حول الحقة ويزورونها ويقبلونها ، ويرفقون حوائجهم إلى الله ببركتها ، هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار يزعمون أنه حافر حمار كان يركبه عيسى نبيهم. وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم ، لا بارك الله فيكم ، ولا في دينكم! فقال يزيد لأصحابه : اقتلوا هذا النصراني ، فانه يفضحنا إن رجع إلى بلاده ويشنع علينا ، فلما أحسّ النصراني بالقتل ، قال : يا يزيد! أتريد قتلي؟ قال : نعم ، قال : فاعلم أني رأيت البارحة نبيكم في منامي ، وهو يقول لي : «يا نصراني أنت من أهل الجنّة». فعجبت من كلامه حتى نالني هذا ، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، ثم أخذ الرأس ، وضمه إليه ، وجعل يبكي حتى قتل.

وروى مجد الأئمة السرخسكي ، عن أبي عبد الله الحداد : أنّ النصراني اخترط سيفا ، وحمل على يزيد ليضربه ، فحال الخدم بينهما ، وقتلوه ، وهو يقول : الشهادة الشهادة.

وذكر أبو مخنف وغيره : أنّ يزيد أمر أن يصلب الرأس الشريف على باب داره ، وأمر أن يدخلوا أهل بيت الحسين داره ، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم تبق امرأة من آل معاوية إلّا استقبلتهن بالبكاء والصراخ والنياحة والصياح على الحسين ، وألقين ما عليهن من الحلي والحلل وأقمن المأتم عليه ثلاثة أيام.

وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز امرأة يزيد ، وكانت قبل ذلك تحت الحسين بن عليعليهما‌السلام فشقت الستر وهي حاسرة ، فوثبت على يزيد ، وقالت : أرأس ابن فاطمة مصلوب على باب داري؟ فغطاها يزيد


وقال : نعم! فاعولي عليه يا هند! وابكي على ابن بنت رسول الله ، وصريخة قريش ، عجل عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله.

ثم إنّ يزيد أنزلهم بداره الخاصة ، فما كان يتغدى ويتعشى حتى يحضر معه علي بن الحسين ، ودعا يوما خالدا ابنه ، ودعا عليا ـ وهما صبيان ـ ، فقال لعلي : أتقاتل هذا؟ قال : «نعم ، اعطني سكينا وأعطه سكينا ، ثم نتقاتل» ، فأخذه وضمه ، وقال :

شنشنة أعرفها من أخزم

هل يلد الأرقم غير الأرقم

وروي : أنّ يزيد عرض عليهم المقام بدمشق ، فأبوا ذلك ، وقالوا : ردنا إلى المدينة ، لأنها مهاجرة جدّنا ، فقال للنعمان بن بشير : جهزّ هؤلاء بما يصلحهم ، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا ، وابعث معهم خيلا وأعوانا ، ثم كساهم وحباهم وفرض لهم الأرزاق والانزال ، ثم دعا بعلي بن الحسين ، فقال له : لعن الله ابن مرجانة ، أما والله ، لو كنت صاحبه ما سألني خصلة إلّا أعطيتها إياه ، ولدفعت عنه الحتف بكل ما قدرت عليه ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى الله ما رأيت ، فكاتبني بكل حاجة تكون لك ، ثم أوصى بهم الرسول. فخرج بهم الرسول يسايرهم فيكون أمامهم حيث لا يفوتون طرفه ، فإذا نزلوا تنحى عنهم ، وتفرق هو وأصحابه كهيئة الحرس ، ثم ينزل بهم حيث أراد أحدهم الوضوء ، ويعرض عليهم حوائجهم ، ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة.

وروي : عن الحرث بن كعب ، قال : قالت لي فاطمة بنت عليعليه‌السلام ، قلت لاختي زينب : قد وجب علينا حق هذا الرسول لحسن صحبته لنا ، فهل لنا أن نصله بشيء؟ قالت : والله ، ما لنا ما نصله به إلّا أن نعطيه حلينا. فأخذت سواري ودملجي ، وسوار اختي ودملجها ، فبعثنا بها إليه واعتذرنا


من قلّتها ، وقلنا : هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيانا ، فقال : لو كان الذي صنعت للدنيا ففي دون هذا رضاي ، ولكن والله ، ما فعلته إلّا لله ولقرابتكم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣٤ ـ وذكر الإمام أبو العلاء الحافظ ، بإسناده عن مشايخه : أن يزيد بن معاوية حين قدم عليه برأس الحسين وعياله ، بعث إلى المدينة فاقدم عليه عدّة من موالي بني هاشم ، وضم إليهم عدّة من موالي آل أبي سفيان ، ثمّ بعث بثقل الحسين ومن بقي من أهله معهم ، وجهّزهم بكل شيء ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلّا أمر لهم بها ، وبعث رأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص ـ وهو إذ ذاك عامله على المدينة ـ ، فقال عمرو : وددت أنه لم يبعث به إلي ، ثم أمر عمرو برأس الحسينعليه‌السلام ، فكفن ودفن في «البقيع» عند قبر أمه فاطمةعليها‌السلام .

وقال غيره : إن سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام ، كأنه يبرّه ويلطفه ، فدعا الحسن البصري ، وقصّ عليه ، وسأله عن تأويله ، فقال الحسن : لعلك اصطنعت إلى أهله معروفا.

فقال سليمان : إني وجدت رأس الحسين في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة من الديباج ، وصليت عليه في جماعة من أصحابي ، وقبرته ، فقال الحسن : إن النبي رضي عنك بسبب ذلك ، فأحسن إلى الحسن البصري ، وأمر له بجوائز.

وقال غيرهما : إن رأس الحسينعليه‌السلام صلب بدمشق ثلاثة أيام ، ومكث في خزائن بني أميّة حتى ولي سليمان بن عبد الملك ، فطلبه فجيء به ـ وهو عظم أبيض قد قحل ـ فجعله في سفط وطيبه ، وجعل عليه ثوبا ودفنه في مقابر المسلمين بعد ما صلى عليه.


فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى المكان يطلبه منه فاخبر بخبره ، فسأل عن الموضع الذي دفن فيه فنبشه وأخذه ، والله أعلم بما صنع به ، والظاهر من دينه أنه بعثه إلى كربلاء فدفن مع جسده.

قالوا : ولما دخل حرم الحسينعليه‌السلام المدينة عجت نساء بني هاشم ، وصارت المدينة صيحة واحدة ، فضحك عمرو بن سعيد أمير المدينة ، وتمثل بقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي :

عجت نساء بني زياد عجة

كعجيج نسوتنا غداة الأرنب

وجلس عبد الله بن جعفر للتعزية ، فدخل عليه مولاه ، فقال : هذا ما لقينا من الحسين؟ فحذفه عبد الله بنعله ، وقال : يا ابن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟ والله ، لو شهدته لأحببت أن اقتل دونه ، وإني لأشكر الله الذي وفّق ابني عونا ومحمدا معه ، إذ لم أكن وفقت.

وخرجت بنت عقيل في نساء من قومها ، وهي تقول :

ما ذا تقولون إذ قال النبي لكم؟

ما ذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي

فهم اسارى وقتلى ضرّجوا بدم

أكان هذا جزائي إذ نصحتكم

ولم تفوا لي بعهدي في ذوي رحمي

ضيعتم حقنا والله أوجبه

وقد عرى الفيل حق البيت والحرم

وجاء في «المسانيد» : أنّ القائلة للبيتين الأوّلين زينب بنت عليعليه‌السلام حين قتل الحسينعليه‌السلام ، وأنها أخرجت رأسها من الخباء ، ورفعت عقيرتها(١) ، وقالت البيتين الأوّلين.

قالوا : ثمّ صعد عمرو بن سعيد ـ أمير المدينة ـ المنبر ، وخطب ، وقال في خطبته : إنها لدمة بلدمة ، وصدمة بصدمة ، وموعظة بعد موعظة( حِكْمَةٌ

__________________

(١) ـ العقير : صوت الباكي.


بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ) القمر / ٥ ، والله لوددت أنّ رأسه في بدنه ، وروحه في جسده ، أحيان كان يسبّنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولم يكن من أمره ما كان ، ولكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه يريد قتلنا؟ إلّا أن ندفع عن أنفسنا.

فقام إليه عبد الله بن السائب ، فقال : أما لو كانت فاطمة حية فرأت رأس الحسين لبكت عليه.

فجبهه عمرو بن سعيد ، وقال : نحن أحقّ بفاطمة منك ، أبوها عمنا ، وزوجها أخونا ، وابنها ابننا ، أما لو كانت فاطمة حية لبكت عينها ، وحزن كبدها ، ولكن ما لامت من قتله ، ودفع عن نفسه.

٣٥ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا يعقوب بن سفيان ، حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك ، أخبرنا عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، قال : لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ثار عبد الله بن الزبير ، فدعا ابن عباس إلى بيعته ، فامتنع ابن عباس ، وظن يزيد بن معاوية أن امتناع ابن عباس كان تمسكا منه ببيعته ، فكتب إليه :

أما بعد فقد بلغني : أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته ، والدخول في طاعته ، لتكون له على الباطل ظهيرا ، وفي المآثم شريكا ، وإنك اعتصمت ببيعتنا ، وفاء منك لنا ، وطاعة لله لما عرفك من حقنا ، فجزاك الله من ذي رحم خير ما يجزي الواصلين بأرحامهم ، الموفين بعهودهم ، فما أنسى من الأشياء فلست بناس برك ، وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من


القرابة من الرسول ، فانظر من طلع عليك من الآفاق ، ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه ، وزخرف قوله ، فاعلمهم برأيك ، فإنهم منك أسمع ولك أطوع ، من المحل للحرم المارق.

فكتب إليه ابن عباس :

أما بعد : فقد جاءني كتابك ، تذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى بيعته ، والدخول في طاعته ، فإن يكن ذلك كذلك ، فإني ، والله ، ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ، ولكن الله بالذي أنوي به عليم ، وزعمت أنك غير ناس بري ، وتعجيل صلتي ، فاحبس ، أيها الإنسان برّك ، وتعجيل صلتك ، فإني حابس عنك ودي ، فلعمري ، ما تؤتينا مما لنا قبلك من حقنا إلّا اليسير ، وأنك لتحبس منه عنا العريض الطويل ، وسألتني أن أحثّ الناس إليك ، وأن أخذلهم من ابن الزبير ، فلا ولاء ، ولا سرورا ولا حبا ، إنّك تسألني نصرتك وتحثني على ودك ، وقد قتلت حسينا ، وفتيان عبد المطلب ، مصابيح الدّجى ، ونجوم الهدى ، وأعلام التقى ، غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد ، مزملين بالدماء ، مسلوبين بالعراء ، لا مكفنين ، ولا موسّدين ، تسفي عليهم الرياح ، وتنتابهم عرج الضباع ، حتى أتاح الله لهم بقوم لم يشركوا في دمائهم ، كفنوهم وأجنوهم ، وبي وبهم والله غروب ، وجلست مجلسك الذي جلست.

فما أنسى من الأشياء ، فلست بناس إطرادك حسينا من حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حرم الله ، وتسييرك إليه الرجال لتقتله في حرم الله ، فما زلت بذلك وعلى ذلك حتى أشخصته من مكة إلى العراق ، فخرج خائفا يترقب ، فزلزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ، ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اولئك لا كآبائك الجفاة الأجلاف ، أكباد الحمير.


فطلب إليكم الموادعة ، وسألكم الرجعة ، فاغتنمتم قلة أنصاره ، واستئصال أهل بيته ، فتعاونتم عليه ، كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك ، فلا شيء أعجب عندي من طلبك ودي ، وقد قتلت ولد أبي ، وسيفك يقطر من دمي ، وأنت أحد ثاري ، فإن شاء الله لا يبطل لديك دمي ، ولا تسبقني بثاري ، فإن سبقتني في الدنيا ، فقبل ذلك ما قتل النبيون وآل النبيين ، فطلب الله بدمائهم ، وكفى بالله للمظلومين ناصرا ومن الظالمين منتقما ، فلا يعجبك أن ظفرت بنا اليوم ، فلنظفرن بك يوما ، وذكرت وفائي وما عرفتني من حقك ، فإن يكن ذلك كذلك ، فقد بايعتك وأباك من قبلك ، وأنك لتعلم أني وولد أبي أحق بهذا الأمر منك ومن أبيك ، ولكنكم معشر قريش! كابرتمونا حتى دفعتمونا عن حقنا ، ووليتم الأمر دوننا ، فبعدا لمن تحرى ظلمنا ، واستغوى السفهاء علينا ، كما بعدت ثمود وقوم لوط وأصحاب مدين.

ومن أعجب الأعاجيب ، وما عسى أن أعجب حملك بنات عبد المطلب وأطفالا صغارا من ولده إليك بالشام ، كالسبي المجلوبين ، تري الناس أنك قهرتنا ، وأنت تمن علينا ، وبنا منّ الله عليك ، ولعمر الله ، لئن كنت تصبح آمنا من جراحة يدي ، فإني لأرجو أن يعظم الله جرحك من لساني ، ونقضي وابرامي ، والله ، ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذك الله أخذا أليما ، ويخرجك من الدنيا مذموما مدحورا ، فعش لا أبا لك! ما استطعت ، فقد والله ، ازددت عند الله أضعافا ، واقترفت مآثما ، والسلام على من اتبع الهدى.

وكتب يزيد إلى محمد بن الحنفية ، وهو يومئذ بالمدينة.

أما بعد : فإني أسأل الله لي ولك عملا صالحا يرضى به عنا ، فإني ما


أعرف اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك علما وحلما ، ولا أحضر منك فهما وحكما ، ولا أبعد منك عن كل سفه ودنس وطيش ، وليس من يتخلق بالخير تخلفا ، ويتنحل بالفضل تنحلا ، كمن جبله الله على الخير جبلا ، وقد عرفنا ذلك كله منك قديما وحديثا ، شاهدا وغائبا ، غير أني قد أحببت زيارتك والأخذ بالحظ من رؤيتك ، فإذا نظرت في كتابي هذا ، فاقبل إلي آمنا مطمئنا ، أرشدك الله أمرك ، وغفر لك ذنبك ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فلما ورد الكتاب على محمد بن علي بن الحنفية ، وقرأه ، أقبل على ابنيه جعفر وعبد الله أبي هاشم ، فاستشارهما في ذلك ، فقال له ابنه عبد الله : يا أبتي! اتّق الله في نفسك ، ولا تصر إليه ، فإني خائف أن يلحقك بأخيك الحسين ، ولا يبالي. فقال له محمد : يا بني! ولكني لا أخاف منه ذلك. وقال له ابنه جعفر : يا أبتي! إنه قد اطمأنك وألطفك في كتابه إليك ، ولا أظنه يكتب إلى أحد من قريش بأن «أرشدك الله أمرك ، وغفر ذنبك» ، وأنا أرجو أن يكف الله شره عنك.

فقال محمد : يا بني إني توكلت على الله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه ، وكفى بالله وكيلا ، ثم تجهز محمد بن علي ، وخرج من المدينة ، وسار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام ، فلما استأذن أذن له ، وقرّبه وأدناه ، وأجلسه معه على سريره ، ثم أقبل عليه بوجهه ، فقال : يا أبا القاسم! آجرنا الله وإياك في أبي عبد الله الحسين ، فو الله ، لئن كان نقصك فقد نقصني ، ولئن كان أوجعك فقد أوجعني ، ولو كنت أنا المتولي لحربه لما قتلته ، ولدفعت عنه القتل لو بجز أصابعي ، وذهاب بصري ، ولفديته بجميع ما ملكت يدي ، وإن كان قد ظلمني ، وقطع رحمي ،


ونازعني في حقي ، ولكن عبيد الله بن زياد لم يعلم رأيي فيه من ذلك ، فعجل عليه بالقتل فقتله ، ولم يستدرك ما فات ، وبعد : فإنه ليس يجب علينا أن نرضى بالدنية في حقنا ، ولم يكن يجب على أخيك أن ينازعنا في أمر خصنا الله به دون غيرنا ، وعزيز علي ما ناله ، فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم.

فتكلّم محمد بن علي ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : إني قد سمعت كلامك ، فوصل الله رحمك ورحم حسينا ، وبارك الله له فيما صار إليه من ثواب ربه ، والخلد الدائم الطويل ، في جوار الملك الجليل ، وقد علمنا أن ما نقصنا فقد نقصك ، وما عراك فقد عرانا من فرح وترح ، وكذا أظن أن لو شهدت ذلك بنفسك لاخترت أفضل الرأي والعمل ، ولجانبت أسوأ الفعل والخطل ، والآن أن حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره ، فإنه أخي وشقيقي ، وابن أبي ، وإن زعمت : انه كان ظالمك وعدوّا لك ، كما تقول.

فقال له يزيد بن معاوية : إنك لم تسمع فيه مني إلّا خيرا ، ولكن هلم فبايعني ، واذكر ما عليك من الدّين حتى أقضيه عنك. فقال له محمد : أما البيعة فقد بايعتك ، وأما ما ذكرت من أمر الدين فما علي دين بحمد الله ، وإني من الله تبارك وتعالى في كل نعمة سابغة ، لا أقوم بشكرها. فالتفت يزيد إلى ابنه خالد ، وقال له : يا بني! إنّ ابن عمك هذا بعيد من الخب واللؤم والدنس والكذب ، ولو كان غيره كبعض من عرفت ، لقال : عليّ من الدّين كذا وكذا ، ليستغنم أخذ أموالنا.

ثم أقبل عليه يزيد بن معاوية ، وقال له : بايعتني يا أبا القاسم! فقال : نعم ، يا أمير المؤمنين! قال : فإني قد أمرت لك بثلاثمائة ألف درهم فابعث من يقبضها ، فإذا أردت الانصراف عنا ، وصلناك إن شاء الله تعالى. فقال له


محمد : لا حاجة لي في هذا المال ، ولا له جئت ، فقال له يزيد : فلا عليك أن تقبضه وتفرقه في من أحببت من أهل بيتك ، قال : فإني قد قبلته ، يا أمير المؤمنين!

ثم إن يزيد أنزل محمدا في بعض منازله ، فكان يدخل عليه صباحا ومساء ، ثم إن وفدا من أهل الكوفة قدموا على يزيد ، وفيهم : المنذر بن الزبير ؛ وعبد الله بن عمر ؛ وعبد الله بن حفص بن المغيرة المخزومي ؛ وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري ، فأقاموا عند يزيد أياما ، فأجارهم يزيد وأمر لكل رجل بخمسين ألف درهم ، وأجاز المنذر بمائة الف درهم ، فلمّا أرادوا الانصراف إلى المدينة ، دخل محمد بن علي على يزيد ، فاستأذنه في الانصراف معهم ، فأذن له في ذلك ووصله بمائتين ألف درهم ، وأعطاه عروضا بمائة ألف درهم ، ثم قال له : والله ، يا أبا القاسم ألية أني لا أعلم اليوم في أهل بيتك رجلا هو أعلم منك بالحلال والحرام ، وقد كنت أحب أن لا تفارقني ، وتأمرني بما فيه حظي ورشدي ، وو الله ، ما أحبّ أن تنصرف عني وأنت ذام لشيء من أخلاقي.

فقال له محمد : أما ما كان منك إلى الحسين ، فذاك شيء لا يستدرك ، وأما الآن فإني ما رأيت منك منذ قدمت عليك إلّا خيرا ، ولو رأيت منك خصلة أكرهها ، لما وسعني السكوت دون أن أنهاك عنها ، واخبرك بما يحقّ لله عليك منها ، للذي أخذ الله تبارك وتعالى على العلماء في علمهم أن يبينوه للناس ولا يكتموه ، ولست مؤديا عنك إلى من ورائي من الناس إلّا خيرا ، غير أني أنهاك عن شرب هذا المسكر ، فإنه رجس من عمل الشيطان ، وليس من ولي امور الامة ، ودعي له بالخلافة على رءوس الأشهاد فوق المنابر ، كغيره من الناس ، فاتّق الله في نفسك ، وتدارك ما سلف من ذنبك.


فسرّ يزيد بما سمع من محمد سرورا شديدا ، وقال له : فإني قابل منك ما أمرتني به ، وأنا احبّ أن تكاتبني في كل حاجة تعرض لك : من صلة أو تعاهد ، ولا تقصر في ذلك أبدا.

فقال له محمد : أفعل ذلك إن شاء الله ، وأكون عند ما تحب.

ثمّ ودعه ورجع إلى المدينة ، وفرق ذلك المال كلّه في أهل بيته ، وسائر بني هاشم وقريش ، حتى لم يبق من بني هاشم وقريش أحد من الرجال والنساء والذرية والموالي إلّا صار إليه من ذلك ، ثم خرج محمد بن المدينة إلى مكة ، وأقام بها مجاورا لا يعرف غير الصوم والصلاة ، ولا يتداخل بغير الفقه.



الفصل الثاني عشر

في بيان عقوبة قاتل

الحسينصلى‌الله‌عليه‌وآله وخاذله وماله من الجزاء



١ ـ أخبرنا الشيخ الثقة العد الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن نصر الزاغوني ـ بمدينة السلام منصرفي عن السفرة الحجازية ـ ، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمد بن إسحاق بن الساهوجي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن علي بن بندار ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان البزاز ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان ـ ببغداد في باب المحوّل ـ ، حدثني أبي أحمد بن عامر بن سليمان الطائي ، حدثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا ، حدثني أبي موسى بن جعفر ، حدثني أبي جعفر بن محمد ، حدثني أبي محمد بن علي ، حدثني أبي علي بن الحسين ، حدثني أبي الحسين بن علي ، حدثني أبي علي بن أبي طالبعليهم‌السلام قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إن قاتل الحسين في تابوت من نار ، عليه نصف عذاب أهل النار ، وقد شدّ يداه ورجلاه بسلاسل من نار ، ينكس في النار ، حتى يقع في قعر جهنم ، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهمعزوجل من شدة نتنها وهو فيها خالد ، ذائق العذاب الأليم ، كلما نضجت


جلودهم تبدل عليهم الجلود ليذوقوا ذلك العذاب الأليم».

٢ ـ وبهذا الإسناد ، قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الويل لظالمي أهل بيتي ، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، لا يفتر عنهم ساعة ، ويسقون من عذاب جهنم ، فالويل لهم من العذاب الأليم».

٣ ـ وبهذا الإسناد ، قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اشتدّ غضب الله وغضب رسوله على من أهرق دمي ؛ وآذاني في عترتي».

٤ ـ أخبرنا العالم العابد الأوحد أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي ، عن مشايخه الثلاثة : محمود بن أبي القاسم الأزدي ؛ وأبي نصر الترياقي ؛ وأبي بكر الغورجي ، ثلاثتهم ، عن أبي محمد الجراحي ، عن أبي العباس المحبوبي ، عن الحافظ أبي عيسى الترمذي ، حدثني واصل بن عبد الأعلى ، حدثني أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، قال : لما جيء برأس عبيد الله بن زياد إلى المختار مع رءوس أصحابه ، نضدت في المسجد في الرحبة ، فانتهيت إلى الناس وهم يقولون : قد جاءت ، قد جاءت ، فلم أدر ، فإذا حيّة قد جاءت فتخللت الرءوس حتى دخلت في منخر عبيد الله بن زياد فمكثت هنيئة ، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ، ثم قالوا : قد جاءت ، قد جاءت ، ففعلت ذلك أمامي مرتين أو ثلاثا.

قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث صحيح.

٥ ـ وأخبرني الإمام الحافظ سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ، فيما كتب إليّ من همدان ، أخبرني والدي ، أخبرني الحافظ الميداني إجازة ، أخبرني القاضي أبو الحسن الوراق ، أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن زرعة ، حدّثني ظهير بن محمّد بن ظهير ، حدّثني عبد الله بن محمّد بن بشر ، حدثني الحسن بن الزبرقان المرادي ، حدثني


أبو بكر ابن عياش ، عن الأجلح ، عن الزبير ، عن جابر الأنصاري قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يجيء يوم القيامة ثلاثة : المصحف ؛ والمسجد ؛ والعترة ، فيقول المصحف : حرقوني ومزقوني ، ويقول المسجد : خرّبوني وعطلوني ، وتقول العترة : قتلونا وطردونا وشردونا ، فأجثو على ركبتي للخصومة ، فيقول اللهعزوجل : ذلك إليّ فأنا أولى بذلك».

٦ ـ أخبرني سيد الحفاظ هذا ، قال : ومما سمعت في «المفاريد» برواية عليّعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ موسى بن عمران سأل ربه ، فقال : يا رب إنّ أخي هارون مات فاغفر له ، فأوحى الله إليه أن يا موسى! لو سألتني في الأولين والآخرين لأجبتك فيهم ، ما خلا قاتل الحسين بن علي ، فإني أنتقم له منه».

٧ ـ وأخبرني سيد الحفاظ هذا ، قال : وباسنادي إلى أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اريت في منامي رجلا من أهل بيتي دعا إلى الله وعمل صالحا ، وغير المنكر ، وأنكر الجور فصلب ، فعلى صالبه لعنة الله».

٨ ـ وأخبرني سيد الحفاظ هذا ، أخبرني أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا ابن حبّان ، حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا زهير بن حرب ، حدثني أبو معاوية ، عن محمد بن قيس بن البراء ، عن عبد الله بن بدر الخطمي ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «من أحبّ أن يبارك [الله] في أجله ، وأن يمتع بما خوله الله تعالى ، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة ، ومن لم يخلفني فيهم بتلك عمره ، وورد عليّ يوم القيامة مسودا وجهه».

قال : فكان كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن يزيد بن معاوية لم يخلفه في أهله خلافة حسنة ، فبتك عمره ، وما بقي بعد الحسينعليه‌السلام إلّا قليلا ، وكذلك


عبيد الله بن زياد (لعنهما الله).

٩ ـ وأخبرني سيد الحفاظ هذا ـ كتابة ـ ، أخبرني الرئيس أبو الفتح عبدوس بن عبد الله ـ فيما أذن لي ، حدثني الشيخ العدل أبو بكر عبد الله ابن علي ابن حمويه ، حدثني أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي ـ إجازة ـ ، حدثني أبو عمرو محمد بن محمد بن صابر ، حدثني أبو سعيد خلف بن سليمان ، حدثني أبو عبد الله محمد بن تميم السعدي ، حدثني محمد بن عبد الله (الرحمن) النيسابوري ، حدثني أبو هانئ ، عن خلف بن محمد ، قال : قال عمر بن عبد العزيز : سألت ربيعزوجل أن يريني الخلفاء من أهل الجنّة ، فرأيت فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت ، وأنّ الناس قد قربوا للحساب ، فرأيت رجلا قصيفا قد حوسب حسابا يسيرا ، وامر به إلى الجنّة ، فقلت : من ذاك؟ قيل : أبو بكر الصديق.

ثمّ اتي بآخر فحوسب حسابا يسيرا ، ثم امر به الى الجنّة ، فقلت : من ذاك؟ قيل عمر بن الخطاب.

ثم اتي بآخر فحوسب حسابا يسيرا وامر به إلى الجنّة ، فقلت : من هذا؟ قيل : عثمان بن عفان.

ولم أر عليا ، فقلت : وأين علي؟ قيل : هيهات هيهات! عليّ في أعلى عليين مع النبيين والصديقين.

ثمّ مررت على واد من نار ، فإذا رجل فيه كلما أراد أن يخرج ، قمع بمقامع من حديد فهوى ، فقلت : من هذا؟ قيل : يزيد بن معاوية ، ورأيت قبّة من نار فيها رجل ، فلما رآني ، قال لي : السلام عليك ، يا عمر بن عبد العزيز! قلت : من أنت ، ثكلتك امك؟ قال: الحجاج بن يوسف ، قلت ما فعل بك الرحمن؟ قال : قتلت بكل رجل مرة ، وبدل سعيد بن جبير


سبعين مرّة ، وأنا على حال لم أيأس من ربي.

١٠ ـ وأخبرني الإمام أبو جعفر محمد بن عمر ـ كتابة ـ ، أخبرني الإمام زيد ابن الحسن البيهقي ، أخبرني النقيب علي بن محمد بن الحسين ، أخبرني السيد الإمام أبو جعفر محمد بن جعفر الحسيني ، أخبرني السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الحسيني قال : روي لي أنّ الزهري دخل على هشام ابن عبد الملك ، فقال هشام : إني ما أراني إلّا أوبقت نفسي(١) بقتل زيد بن علي بن الحسين وذلك بعد قتله ، فقال الزهري : وكيف ذاك؟ فقال: أتاني آت ، فقال : إنه ما أصاب أحد من دماء آل محمد شيئا إلا أوبق نفسه من رحمة الله ، فخرج الزهري ، وهو يقول : أما والله ، لقد أوبقت نفسك من قبل ذلك ، وأنت الآن وابق.

١١ ـ وأنبأني الحفاظ صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني بها ، أخبرني محمود بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرني الطبراني ، حدثني محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثني محمد بن يحيى الصيرفي ، حدثني أبو غسان ، حدثني عبد السلام بن حرب ، عن عبد الملك بن كردوس ، عن حاجب عبيد الله بن زياد قال : دخلت القصر خلف عبيد الله ، فاضطرم في وجهه نارا ، فقال هكذا بكمه على وجهه ، والتفت إلي ، فقال : هل رأيت؟ قلت : نعم ، فأمرني أن أكتم ذلك.

١٢ ـ وحدثنا عين الأئمة أبو الحسن علي بن أحمد الكرباسي الخوارزمي ، حدثنا الشيخ الامام أبو يعقوب يوسف بن محمد البلالي ، حدثنا الإمام السيد المرتضى أبو الحسن محمد بن محمد بن زيد الحسيني

__________________

(١) أوبق نفسه : حبسها وأهلكها ، ووبق : هلك.


الحسني ، أخبرنا الحسن بن أحمد الفارسي ، أخبرنا علي بن عبد الرحمن ، حدثنا محمد بن منصور ، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد بن حسين ، عن أبي خالد ؛ عن زيد ، عن ابن لهيعة قال : كنت أطوف بالبيت ، إذا أنا برجل يقول : اللهمّ! اغفر لي ، وما أراك فاعلا! فقلت له : يا عبد الله! اتّق الله ، لا تقل مثل هذا ، فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار ؛ وورق الاشجار ، واستغفرت الله غفرها لك ، فإنه غفور رحيم.

فقال لي : تعال حتى اخبرك بقصتي ، فأتيته ، فقال : اعلم إنا كنا خمسين نفرا حين قتل الحسين بن علي ، وسلم إلينا رأسه ، لنحمله إلى يزيد بالشام ، فكنا إذا أمسينا نزلنا واديا ؛ ووضعنا الرأس في تابوت ؛ وشربنا الخمور حوالي التابوت إلى الصباح ، فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا ، ولم أشرب معهم ، فلما جنّ الليل ، سمعت رعدا وبرقا ، وإذا أبواب السماء قد فتحت فنزل : آدم ؛ ونوح ؛ وإبراهيم ؛ وإسحاق ؛ وإسماعيل ؛ ونبينا محمد (صلوات الله عليهم) ، ومعهم جبرئيل ؛ وخلق من الملائكة.

فدنا جبرئيل من التابوت ، فأخرج الرأس وقبله وضمه ، ثم فعل الأنبياء كذلك ، ثم بكى النبيّ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على رأس الحسين ، فعزاه الأنبياء ، وقال له جبرئيل : يا محمّد! إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن اطيعك في امتك ، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض ، وجعلت عاليها سافلها ، كما فعلت بقوم لوط. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ، يا جبرئيل فإن لهم معي موقفا بين يدي اللهعزوجل يوم القيامة».

قال : ثمّ صلوا عليه ، ثمّ أتى قوم من الملائكة ، فقالوا : إنّ الله تعالى أمرنا بقتل الخمسين ، فقال لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «شأنكم بهم».

قال : فجعلوا يضربونهم بالحربات ، وقصدني واحد منهم بحربته


ليضربني ، فصحت : الأمان الأمان ، يا رسول الله! فقال لي : «اذهب فلا غفر الله لك»! قال : فلما أصبحت رأيت أصحابي جاثمين رمادا.

ورويت هذا الحديث بإسنادي إلى أبي عبد الله الحدادي ، عن أبي جعفر الهندواني ، بإسناده إلى ابن لهيعة ، وفيه زيادة عند قوله : لنحمله إلى يزيد ، قال : وكان كلّ من قتله جفت يده ، وفيه بعد : سمعت صوت رعد ، لم أسمع مثله ، فقيل : قد أقبل محمد ، وسمعت بصهيل الخيل ، وقعقعة السلاح مع جبرئيل ؛ وميكائيل ؛ وإسرافيل ؛ والكروبيين ؛ والروحانيين والمقربين ، وفيه : فشكا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى النبيين والملائكة ، وقال : «قتلوا ولدي وقرّة عيني» ، فكلهم قبّل الرأس ، وضمه إلى صدره ، والباقي من الحديث يقرب بعضه بعض.

١٣ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، حدثنا العباس بن محمد ، حدثنا الأسود بن عامر ، حدثنا شريك ، عن أبي عمير يعني عبد الملك قال : قال الحجاج يوما : من كان له بلاء فليقم لنعطيه على بلائه ، فقام رجل ، فقال : اعطني على بلائي ، قال : وما بلاؤك؟ قال : قتلت الحسين بن علي؟ قال : وكيف قتلته؟ قال : دسرته ، والله ، بالرمح دسرا ، وهبرته بالسيف هبرا ، وما أشركت معي أحدا ، قال : أما إنك وإياه لن تجتمعا في مكان واحد. ثم قال له : اخرج ، وأحسبه لم يعطه شيئا.

١٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين هذا ، أخبرنا محمد بن الحسين القطان ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي ، حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي ، حدثني النضر بن عبد الجبار ، أخبرني ابن


لهيعة ، عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن عليعليه‌السلام كسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار ، حتى ظننا أنها هي(١) .

١٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن يعقوب بن سفيان الفسوي هذا ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا عليّ بن مسهر ، حدثتني جدّتي قالت : كنت أيام الحسين ابن عليّ جارية شابة ، فكانت السماء أياما علقة(٢) بعد ما قتل.

١٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن يعقوب بن سفيان هذا ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثتنا أم سرق العبدية ، حدثتني نضرة الأزدية ، قالت : لما قتل الحسين مطرت السماء دما ، فأصبحنا وكل شيء لنا ملئ دما.

١٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن يعقوب بن سفيان هذا ، حدثني أيوب بن محمد الرقي ، حدثني سلام بن سليمان الثقفي ، عن زيد بن عمر الكندي ، حدثتني أم حسان ، قالت : يوم قتل الحسينعليه‌السلام اظلمت علينا ثلاثا ، ولم يمس أحد من زعفرانهم شيئا فجعله على وجهه إلّا احترق ، ولم يقلب حجر ببيت المقدس إلّا وجد تحته دم عبيط.

١٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن يعقوب بن سفيان هذا ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، قال : أول ما عرف الزهري أن تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك ، قال الوليد : أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين؟ فقال الزهري : بلغني أنه لم يقلب حجر إلّا وجد تحته دم عبيط.

١٩ ـ وبهذا الإسناد ، عن حماد بن زيد هذا ، حدثنا هشيم ، عن ابن سيرين ، قال : قيل له : أتعلم هذه الحمرة في الافق ممّ هي؟ قال : عرفت من

__________________

(١) يعني القيامة.

(٢) أي كالدم.


يوم قتل الحسين بن علي. وروى هذا الحديث أبو عيسى الترمذي.

٢٠ ـ وبهذا الإسناد ، عن حماد بن زيد هذا ، حدثني جميل بن مرّة ، قال : أصابوا إبلا في عسكر الحسينعليه‌السلام يوم قتل ، فنحروها وطبخوها ، فكانت مثل العلقم ، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا.

٢١ ـ وبهذا الإسناد ، عن يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو بكر الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدّثتني جدتي ، قالت : لقد رأيت الورس عاد رمادا ، ولقد رايت اللحم كانّ فيه المرار(١) ، وذلك ورس وإبل كانت للحسين ونهبت لما قتل.

٢٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن يعقوب بن سفيان ، حدثنا أبو نعيم ، حدثني عقبة بن أبي حفصة ، عن أبيه ، قال : إن كان الورس من ورس الحسين بن علي ليقال به هكذا(٢) فيصير رمادا.

٢٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا محمد بن يعقوب ، سمعت العباس بن محمد الدوري ، سمعت يحيى بن معين ، حدثني جرير ، عن زيد بن أبي الزناد ، قال : قتل الحسين بن علي ولي أربع عشرة سنة ، وصار الورس الذي في عسكره رمادا ، واحمرت آفاق السماء ، ونحروا ناقة في عسكره فكانوا يرون في لحمها المرار.

٢٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، سمعت الزبير بن عبد الله ، سمعت أبا عبد الله بن وصيف ، سمعت المشطاح الوراق ، يقول : سمعت الفتح بن سحرف العابد ، يقول : كنت أفت الحبّ للعصافير كل يوم

__________________

(١) المرار : نبت مرّ لا يساغ.

(٢) أي : يفرك.


فكانت تأكل ، فلما كان يوم عاشوراء فتت لها فلم تأكل ، فعلمت أنها امتنعت لقتل الحسين بن عليعليه‌السلام .

٢٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن أحمد بن الحسين ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا الحسين بن صفوان ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، أخبرني العباس بن هشام بن محمد الكوفي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان رجل من أبان بن دارم ، يقال له : «زرعة» شهد قتل الحسينعليه‌السلام ورماه بسهم فأصاب حنكه ، فجعل يتلقى الدم بكفه ، ويقول به هكذا الى السماء فيرمي به ، وذلك أنّ الحسينعليه‌السلام دعا بماء ليشرب ، فلما رماه حال بينه وبين الماء ، فقال الحسين : اللهمّ! أظمئه ، اللهمّ! أظمئه ، قال : فحدثني من شهده وهو يجود أنه يصيح من الحر في بطنه ، والبرد في ظهره ، وبين يديه المرواح والثلج ، وخلفه الكانون ، وهو يقول : اسقوني أهلكني العطش! فيؤتى بعس عظيم فيه السويق والماء واللبن ، لو شربه خمسة لكفاهم ، فيشربه ويعود فيقول : اسقوني أهلكني العطش! قال : فانقدّ بطنه كانقداد البعير.

وذكر أعثم الكوفي هذا الحديث مختصرا ، وسمى الرامي عبد الرحمن الأزدي ، وقال : فقال الحسين : «اللهم اقتله عطشا ، ولا تغفر له أبدا».

قال القاسم بن الأصبغ : لقد رأيتني عند ذلك الرجل وهو يصيح : العطش ، والماء يبرد له فيه السكر ، والاعساس فيها اللبن ، وهو يقول : ويلكم ، اسقوني قد قتلني العطش! فيعطى القلة والعس ، فإذا نزعه من فيه ، يصيح : اسقوني ، وما زال حتى انقد بطنه ، ومات أشرّ ميتة.

٢٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن ابن أبي الدنيا ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثني سفيان ، حدثتني جدتي أمّ أبي ، قالت : أدركت رجلين ممن شهد قتل الحسينعليه‌السلام ، فأما أحدهما : فطال ذكره حتى كاد يلفه ، وأما الآخر : فكان


يستقبل الرواية فيشربها حتى يأتي على آخرها ولا يرتوي.

قال سفيان : وأدركت ابن أحدهما به خبل أو نحوه.

٢٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، حدثني أبو محمد يحيى بن محمد العلوي ، حدثني الحسين بن محمد العلوي ، حدثنا أبو علي الطرسوسي ، حدثني الحسن بن علي الحلواني ، عن عليّ بن معمر ، عن إسحاق بن عباد ، عن المفضل بن عمر الجعفي ، سمعت جعفر بن محمدعليهما‌السلام يقول : حدثني أبي محمد بن علي ، حدثني أبي علي بن الحسينعليه‌السلام قال : لما قتل الحسين جاء غراب فوقع في دمه ، ثم تمرغ ثم طار ، فوقع بالمدينة على جدار دار فاطمة بنت الحسين وهي الصغرى ، فرفعت رأسها إليه فنظرته فبكت ، وقالت :

نعب الغراب فقلت من

تنعاه ويلك من غراب؟

قال الإمام فقلت من؟

قال الموفق للصواب

إن الحسين بكربلاء

بين المواضي والحراب

قلت الحسين فقال لي

ملقى على وجه التراب

ثمّ استقلّ به الجناح

ولم يطق رد الجواب

فبكيت منه بعبرة

ترضي الإله مع الثواب

قال محمد بن عليعليه‌السلام : فنعته لأهل المدينة ، فقالوا : جاءت بسحر بني عبد المطلب ، فما كان بأسرع من أن جاءهم الخبر بقتل الحسينعليه‌السلام .

٢٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن أبي عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق البغوي ببغداد ، حدثنا أبو بكر بن أبي العوام ، حدثني أبي ، حدثني منصور بن عمار ، عن ابن لهيعة ، عن أبي قبيل ، قال : لما قتل الحسينعليه‌السلام (١) بعث

__________________

(١) في الأصل : لمّا قتل الحسين حدّثنيعليه‌السلام .


برأسه الى يزيد ، فنزلوا أول مرحلة ، فجعلوا يشربون ويبتهجون بالرأس ، فخرجت عليهم كف من الحائط ، معها قلم من حديد ، فكتبت سطرا بدم :

أترجو أمّة قتلت حسينا

شفاعة جدّه يوم الحساب

٢٩ ـ وذكر هذا البيت مع بيت آخر ، الرئيس أبو الفتح الهمداني في كتابه المعروف ب «فوز الطالب في فضائل علي بن أبي طالب» ، على ما أخبرني به سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الرئيس أبو الفتح عبدوس بن عبد الله الهمداني في ـ كتابه ـ ، حدثني الشريف أبو طالب ، حدثني الحافظ محمد بن مردويه ، حدثني يحيى بن عبد الله ، حدثني جندل بن والق ، حدثني محمد بن فورك [ح] قال الرئيس أبو الفتح : وحدثني أبي ، حدثني أحمد بن عليّ الزعفراني ، حدثني أحمد بن عبيد الله ، حدثني الحضرمي ، حدثني محمد بن فورك ، عن أبي سعيد الثعلبي ، عن يحيى بن يمان ، عن إمام لبني سليم ، قال : حدثنا أشياخنا ، قالوا : دخلنا في الروم كنيسة لهم ، فوجدنا في الحائط صخرة ، فيها مكتوب :

أترجو أمّة قتلت حسينا

شفاعة جدّه يوم الحساب

فلا ، والله ، ليس لهم شفيع

وهم يوم القيامة في العذاب

فقلنا لشيخ في الكنيسة : منذ كم هذا الكتاب؟ فقال : من قبل أن يبعث صاحبكم بثلاثمائة عام.

٣٠ ـ وأخبرني الحافظ صدر الحفاظ أبو العلاء الحسن بن أحمد الهمداني ـ إجازة ـ ، أخبرني محمود بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرني أحمد ابن محمد بن الحسين الطبراني ، حدثني علي بن عبد العزيز ، حدثني محمد ابن سعيد الأصبهاني ، حدثني شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن ابن وائل


أو وائل بن علقمة ، أنه شهد ما هناك ، فقال : قام رجل من أصحاب عمر بن سعد ، فصاح في معسكر الحسين : أفيكم حسين؟ قالوا : نعم ، فقال : ابشر يا حسين بالنّار! فقال : «أبشر برب رحيم وشفيع مطاع ، من أنت»؟ قال : ابن حويزة ، قال : «اللهمّ حزه إلى النار»! قال : فنفرت به الدابة فتعلقت رجله بالركاب ، فو الله ، ما بقي عليها منه إلّا رجله.

٣١ ـ وبهذا الإسناد ، عن الطبراني ، قال : حدثنا الحضرمي ، حدثنا أحمد بن يحيى ، حدثنا أبو غسان ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن الكلبي ، قال : رمى رجل الحسينعليه‌السلام وهو يشرب ، فشك شدقه ، فقال له : لا أرواك الله! قال : فشرب حتى نفط(١) .

٣٢ ـ وأخبرني أبو العلاء هذا ـ إجازة ـ ، أخبرنا هبة الله بن محمد الشيباني ، أخبرنا الحسن بن علي التميمي ، أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن حرب ، عن حماد ، عن عمار : أنّ ابن عباس رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامه يوما بنصف النهار ، وهو أشعث أغبر ، في يده قارورة فيها دم ، فقال : يا رسول الله! ما هذا الدم؟ قال : «دم الحسين ، لم أزل ألتقطه منذ اليوم».

فأحصي ذلك اليوم فوجدوا الحسينعليه‌السلام قتل في ذلك اليوم.

٣٣ ـ وأخبرني أبو العلاء هذا ـ إجازة ـ ، أخبرني أبو علي الحداد ، أخبرني محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرني عبد الله بن محمد ، حدثني أحمد ابن عمر ، حدثني إبراهيم بن سعيد ، حدثني محمد بن جعفر بن محمّد قال : سمعت عبد الرحمن بن محمّد بن أبي سلمة ، يذكر عن أبيه ، عن جدّه ، عن أمّ سلمة ، قالت : جاء جبرئيلعليه‌السلام إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : إنّ

__________________

(١) ـ نفط : تقرّح بدنه.


امتك تقتله يعني الحسين بعدك ، ثم قال له : ألا اريك من تربة مقتله؟ قال : «نعم» ، فجاء بحصيات فجعلهنّ رسول الله في قارورة ، فلما كانت ليلة قتل الحسين قالت أمّ سلمة : سمعت قائلا يقول :

أيها القاتلون جهلا حسينا

أبشروا بالعذاب والتنكيل

قد لعنتم على لسان ابن داود

وموسى وصاحب الإنجيل

قالت : فبكيت وفتحت القارورة ، فإذا قد حدث فيها دم.

٣٤ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إلي من همدان ـ ، أخبرني محمود بن إسماعيل ، أخبرني أحمد ابن فادشاه [ح] قال : وأخبرني أبو علي مناولة ، أخبرني أبو نعيم الحافظ ، قالا : أخبرنا الطبراني ، حدثنا القاسم بن عبّاد الخطابي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا عمرو بن ثابت ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : قالت أمّ سلمة : ما سمعت نوح الجن منذ قبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا الليلة ، وما أدري إلا وقد قتل ابني تعني الحسين ثمّ قالت لجاريتها : اخرجي فاسألي ، فأخبرتها أنه قد قتل ، وكانت سمعت جنيّة تنوح بهذين البيتين :

ألا يا عين فاحتفلي بجهد

فمن يبكي على الشهداء بعدي

على رهط سرت بهم المنايا

إلى متجبر في ملك عبد

٣٥ ـ وأنبأني صدر الحفاظ أبو العلاء الهمداني بها ، أخبرنا محمود بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرنا أبو القاسم اللخمي ، حدثنا محمد بن عثمان ، حدثنا جندل بن والق ، حدثنا عبد الله بن الطفيل ، عن أبي زيد الفقيمي ، عن أبي جناب الكلبي ، قال : حدثني الجصاصون ، قالوا : كنا إذا خرجنا في الليل إلى الجبانة أيام مقتل الحسين بن عليعليه‌السلام سمعنا الجن ينوحون عليه ، ويقولون :


مسح الرسول جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش

وجدّه خير الجدود

٣٦ ـ وأنبأني أبو العلاء هذا ، أخبرنا أحمد بن محمد البخاري ؛ وأحمد بن عبد الجبار البغدادي ؛ وهبة الله بن محمد الشيباني ، قالوا : حدثنا محمد بن محمد الهمداني ، حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي ، حدثنا محمد بن شداد المسمعي ، حدثنا أبو نعيم عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أوحى الله تبارك وتعالى إلى محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن بنتك ـ يا محمد ـ سبعين ألفا وسبعين ألفا». وأخرج هذا الحديث أبو عبد الله الحافظ في «المستدرك» ، عن ابن عباس أيضا.

٣٧ ـ وأخبرني الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن العاصمي ، عن أبي علي إسماعيل بن أحمد ، عن والده ، أخبرني علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرني أحمد بن عبيد ، أخبرني تمام ، حدثني أبو سعيد ، حدثني أبو خالد الأحمر ، حدثني رزين ، عن حبيش ، قال : حدثتني سلمى ، قالت : دخلت على أمّ سلمة وهي تبكي ، فقلت لها : ما يبكيك؟ قالت : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام ، وعلى رأسه ولحيته أثر التراب ، فقلت : مالك يا رسول الله مغبرا؟ قال : «شهدت قتل الحسين آنفا».

٣٨ ـ وجاء في «المراسيل» : أنّ سلمى المدنية ، قالت : رفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أمّ سلمة قارورة فيها رمل من الطف ، وقال لها : «إذا تحول هذا دما عبيطا ، فعند ذلك يقتل الحسين» ، قالت سلمى : فارتفعت واعية من حجرة أمّ سلمة فكنت أوّل من أتاها ، فقلت لها : ما دهاك يا أم المؤمنين؟ قالت : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام ، والتراب على رأسه ، فقلت : مالك؟


قال : «وثب الناس على ابني فقتلوه ، وقد شهدته قتيلا الساعة» ، فاقشعر جلدي وانتبهت وقمت إلى القارورة فوجدتها تفور دما ، قالت سلمى : ورأيتها موضوعة بين يديها.

٣٩ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور الديلمي ـ فيما كتب إلي من همدان ـ ، أخبرني أبو علي الحداد ، أخبرني أبو نعيم الحافظ ، حدثني محمد ابن الفتح ، حدثني عبد الله بن أبي داود ، حدثني عباد بن يعقوب ، حدثني أبو يزيد العتكي ، عن هشام ، عن عبد الله المكي ، عن جابر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ثلاث من كنّ فيه فليس مني : بغض عليعليه‌السلام ، ونصب أهل بيتي ، ومن قال : الإيمان كلام».

يعني فيها : يناصبهم العداوة ، ويقول : بأن الإيمان قول بلا عمل.

٤٠ ـ قال : وفي رواية أبي سعيد الخدري عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ثلاث من حفظهن حفظ الله له دينه ودنياه ، ومن ضيعهنّ لم يحفظ الله له شيئا : حرمة الإسلام ؛ وحرمتي ؛ وحرمة رحمي».

٤١ ـ وأخبرنا سيد الحفاظ الديلمي هذا ، أخبرنا أبو علي ، أخبرنا أبو نعيم ، عن أبي الهيثم أحمد بن محمد ، عن علي بن أحمد ، حدثنا عباد بن يعقوب ، عن ارطاة بن حبيب ، عن عبيد بن ذكوان ، عن عمرو بن خالد ، عن زيد بن علي ـ وهو آخذ بشعره ـ ، حدثني أبي علي بن الحسين ـ وهو آخذ بشعره ـ ، حدثني أبي الحسين بن علي ـ وهو آخذ بشعره ـ ، حدثني أبي علي ابن أبي طالب ـ وهو آخذ بشعره ـ ، حدثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وهو آخذ بشعره ـ قال : «من آذى شعرة مني فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فعليه لعنة الله ملء السماء وملء الأرض».

٤٣ ـ وأخبرنا سيد الحفاظ هذا ـ إجازة ـ ، أخبرنا الرئيس أبو الفتح


الهمداني ـ كتابة ـ ، حدثنا أبو الحسين بن يعقوب ، حدثنا أبو القاسم عيسى ابن علي بن الجراح ـ وزير المقتدر بالله ـ ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن المقري ، حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى ، حدثنا عمر بن شبة ، حدثنا عبيد ابن حماد ، حدثني عطاء بن مسلم ، قال: قال السدي : أتيت «كربلاء» ابيع البزّ بها ، فعمل لنا شيخ من طيّ طعاما فتعشينا عنده ، فذكر قتل الحسينعليه‌السلام ، فقلت : ما شرك أحد في قتله إلّا مات بأسوإ ميتة ، فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق! فأنا ممن شرك في قتله.

فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد بنفط ، فذهب ليخرج الفتيلة باصبعه فأخذت النار فيها ، فذهب ليطفئها بريقه فذهبت النار بلحيته ، فعدا فألقى نفسه في الماء ، فرأيته والله ، كأنه حممة(١) .

٤٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن الرئيس أبي الفتح هذا ، قال : أنشدني أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن ، أنشدني عمار بن محمد ، أنشدني يحيى بن زكريا ، أنشدني عليّ بن منصور :

أباد الأكرمين بني علي

يزيد والدّعي إلى سميّة

شفيع في المعاد لنا أبوهم

ويشفع في المعاد لهم أميّة

٤٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن الرئيس أبي الفتح هذا ، حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين الحنفي بالري ، حدثنا عبد الله بن جعفر الطبري ، حدثنا عبد الله بن محمد التميمي ، حدثنا محمد بن الحسن العطار ، حدثنا عبد الله ابن محمد الأنصاري ، حدّثنا عمارة بن زيد ، حدّثنا بكر بن حارثة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عيسى بن عمر ، عن عبد الله بن عمرو الخزاعي ، عن هند بنت الجون ، قالت :

__________________

(١) الحممة : الفحمة.


نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخيمة خالتي ومعه أصحاب له ، فكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس ، فقال(١) في الخيمة هو وأصحابه حتى أبرد ، وكان اليوم قايظا شديدا حرّه ، فلما قام من رقدته ، دعا بماء فغسل يديه فأنقاهما ، ثم مضمض فاه ومجه على عوسجة كانت إلى جنب خيمة خالتي ثلاث مرات ، واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، وذراعيه ثلاثا ، ثم مسح برأسه ما أقبل منه وأدبر مرة واحدة ، ثم غسل رجليه ظاهرهما وباطنهما ، والله ، ما عاينت أحدا فعل ذلك.

ثم قال : «إنّ لهذه العوسجة شأنا».

ثم فعل من كان معه من أصحابه مثل ذلك ، ثم قام فصلّى ركعتين ، فعجبت أنا وفتيات الحي من ذلك ، وما كان عهدنا بالصلاة ولا رأينا مصليا قبله ، فلمّا كان من الغد أصبحنا وقد علت العوسجة حتى صارت كأعظم دوحة عالية وأبهى ، وقد خضد الله شوكها ، ووشجت عروقها ، وكثرت أفنانها ، واخضر ساقها وورقها ، ثم أثمرت بعد ذلك فأينعت بثمر كان كأعظم ما يكون من الكمأة في لون الورس المسحوق ، ورائحة العنبر وطعم الشهد ، والله ، ما أكل منها جائع إلّا شبع ، ولا ظمآن إلا روي ، ولا سقيم إلّا برئ ، ولا ذو حاجة وفاقة إلّا استغنى ، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلا سمنت ودر لبنها ، فرأينا النماء والبركة في أموالنا منذ يوم نزلعليه‌السلام ، واخصبت بلادنا وامرعت ، فكنا نسمي تلك الشجرة : «المباركة» ، وكان ينتابنا من حولنا من أهل البوادي يستظلون بها ، ويتزودون من ورقها في الأسفار ، ويحملون معهم للأرض القفار ، فيقوم لهم مقام الطعام والشراب.

__________________

(١) من القيلولة.


فلم نزل كذلك وعلى ذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمارها ؛ واصفر ورقها ؛ فأحزننا ذلك ؛ وفزعنا من ذلك ؛ فما كان إلّا قليل حتى جاء نعي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا هو قد قبض ذلك اليوم ، فكانت بعد ذلك تثمر ثمرا دون ذلك في العظم والطعم والرائحة ، فأقامت على ذلك نحو ثلاثين سنة ، فلما كان ذات يوم أصبحنا وإذا بها قد شاكت من أوّلها إلى آخرها ، وذهبت نضارة عيدانها ، وتساقطت جميع ثمرتها ، فما كان إلّا يسير حتى وافى خبر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فما أثمرت بعد ذلك لا قليلا ولا كثيرا ، وانقطع ثمرها ، ولم نزل نحن ومن حولنا نأخذ من ورقها ؛ ونداوي به مرضانا ؛ ونستشفي به من أسقامنا ، فأقامت على ذلك برهة طويلة ، ثم أصبحنا ذات يوم فإذا بها قد انبعث من ساقها دم عبيط ، وإذا بأوراقها ذابلة تقطر دما كماء اللحم ، فقلنا قد حدثت حادثة عظيمة ، فبتنا ليلتنا فزعين مهمومين نتوقع الحادثة ، فلما أظلم الليل علينا سمعنا بكاء وعويلا من تحت الأرض ، وجلبة شديدة ورجّة ، وسمعنا صوت نائح يقول :

أيا ابن النبي ويا ابن الوصيّ

بقية ساداتنا الأكرمينا

وكثر الرنين والأصوات ، فلم نفهم كثيرا مما كانوا يقولون ، فأتانا بعد ذلك خبر قتل الحسينعليه‌السلام ، ويبست الشجرة وجفت ، وكسرتها الأرياح والأمطار فذهبت ودرس أثرها.

قال عبد الله بن محمد الأنصاري : فلقيت دعبل بن علي الخزاعي في مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فحدثته بهذا الحديث فلم ينكره ، وقال : حدثني أبي ، عن جدي ، عن أمه سعدى بنت مالك الخزاعية أنها أدركت تلك الشجرة وأكلت من ثمرها على عهد علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأنها سمعت ليلة قتل


الحسينعليه‌السلام نوح الجن ، فحفظت من جنية منهم هذين البيتين :

يا ابن الشهيد ويا شهيدا عمه

خير العمومة جعفر الطيار

عجبا لمصقول أصابك حدّه

في الوجه منك وقد علاك غبار

قال دعبل : فقلت في قصيدة لي تشتمل على هذين البيتين :

زر خير قبر بالعراق يزار

واعص الحمار فمن نهاك حمار

لم لا أزورك يا حسين لك الفدا

قومي ومن عطفت عليه نزار؟

ولك المودّة في قلوب ذوي النهى

وعلى عدوك مقتة ودمار

يا ابن الشهيد ويا شهيدا عمه

خير العمومة جعفر الطيار

عجبا لمصقول أصابك حدّه

في الوجه منك وقد علاه غبار

٤٥ ـ وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي : إنّ عمر بن سعد لما دفع الرأس إلى خولي بن يزيد الأصبحي ليحمله الى عبيد الله بن زياد اتي به ليلا فوجد باب القصر مغلقا ، فأتى به منزله وله امرأتان : امرأة أسدية ؛ وامرأة حضرمية ، يقال لها : «نوار» ، فآوى إلى فراشها ، فقالت له : ما الخبر؟ قال : جئتك بالذهب! هذا رأس الحسين بن علي معك في الدار ، فقالت : ويلك جاء الناس بالذهب والفضة ، وجئت أنت برأس ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والله ، لا تجمع رأسي ورأسك وسادة أبدا.

قالت : وقمت من فراشي إلى الدار ، ودعوت الأسدية فأدخلتها عليه ، فما زلت ، والله أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من الاجانة التي فيها الرأس إلى السماء ، ورأيت طيورا بيضا ترفرف حولها وحول الرأس.

٤٦ ـ وقال بعض العلماء : إنّ اليهود حرموا الشجرة التي كان منها عصا موسى أن يخبطوا بها ، وأن يوقدوا منها النار ، تعظيما لعصا موسى ، وأنّ النصارى يسجدون للصليب لاعتقادهم فيه : أنّه من جنس العود الذي


صلب عليه عيسى ، وأن المجوس يعظمون النار لاعتقادهم فيها أنها صارت بردا وسلاما على إبراهيم بنفسها ، وهذه الأمة قد قتلت أبناء نبيها ، وقد أوصى الله تعالى بمودّتهم وموالاتهم ، فقال عزّ من قائل :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) الشورى / ٢٣.

٤٧ ـ وروي عن جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام أنه قال : «حفظوا فينا ما حفظ العبد الصالح في اليتيمين لأبيهما الصالح ، وكان الجد السابع ، وقد ضيعت هذه الامة حق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل أولاده».

٤٨ ـ ورئي رجل بلا يدين ، ولا رجلين ، وهو أعمى ، يقول : ربي نجني من النار! فقيل له : لم تبق عليك عقوبة وأنت تسأل النجاة من النار؟ قال : إني كنت في من قاتل الحسين بن علي في كربلاء ، فلما قتل رأيت عليه سراويل وتكة حسنة ، وذلك بعد ما سلبه النّاس ، فأردت أن أنتزع التكة ، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكة ، فلم أقدر على دفعها فقطعت يمينه ، ثم أردت انتزاع التكة ، فرفع شماله ووضعها على التكة ، فلم أقدر على دفعها فقطعت شماله ، ثم هممت بنزع السراويل ، فسمعت زلزلة فخفت وتركته ، فألقى الله عليّ النوم ، فنمت بين القتلى ، فرأيت كأنّ النبي محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله أقبل ومعه : علي ؛ وفاطمة ؛ والحسنعليهما‌السلام ، فأخذوا رأس الحسين فقبلته فاطمة ، وقالت : «يا بني! قتلوك؟ قتلهم الله» ، وكأنه يقول : «ذبحني شمر ، وقطع يدي هذا النائم» ـ وأشار إليّ ـ.

فقالت فاطمة : «قطع الله يديك ، ورجليك ، وأعمى بصرك ، وأدخلك النار». فانتبهت وأنا لا أبصر شيئا ، ثم سقطت يداي ورجلاي مني ، فلم يبق من دعائها إلّا النار.

٤٩ ـ وروي : أنّ رأس الحسينعليه‌السلام لما حمل إلى الشام ، جنّ عليهم


الليل ، فنزلوا عند رجل من اليهود ، فلما شربوا وسكروا ، قالوا له : عندنا رأس الحسين ، فقال لهم : أروني إياه ، فأروه إياه بصندوق يسطع منه النور إلى السماء ، فعجب اليهودي ، واستودعه منهم ، فأودعوه عنده ، فقال اليهودي للراس ـ وقد رآه بذلك الحال ـ : اشفع لي عند جدك ، فأنطق الله الرأس ، وقال : «إنما شفاعتي للمحمّديين ولست بمحمدي» ، فجمع اليهودي أقرباءه ، ثم أخذ الرأس ، ووضعه في طست وصبّ عليه ماء الورد ، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر.

ثم قال لأولاده وأقربائه : هذا رأس ابن بنت محمد ، ثم قال : وا لهفاه! لم أجد جدّك محمدا فأسلم على يديه ، ثم وا لهفاه! لم أجدك حيا فأسلم على يديك واقاتل دونك ، فلو أسلمت الآن أتشفع لي يوم القيامة؟ فأنطق الله الرأس ، فقال بلسان فصيح : «إن أسلمت فأنا لك شفيع». قالها ثلاث مرات ، وسكت ، فأسلم الرجل وأقرباؤه.

أقول : لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب «قنسرين» ، لأنه أسلم بسبب رأس الحسينعليه‌السلام ، وجاء ذكره في الأشعار ، وأورده الجوهري والجرجاني في مراثي الحسين كما سيرد عليك في موضعه إن شاء الله.

ومثل هذا يجوز إذا أخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه سيكون بعدي كذا وكذا ، كما أخبر عن بقيلة بنت الشماء الأزدية صاحبة الحيرة ، وكما أخبر سفينة مولاه أنه يكلمه الأسد ، وكما أخبر عن تبليغ صوت عمر من المدينة إلى نهاوند حين افتتحوها ، وفي حربها صاح عمر : يا سارية الجبل الجبل في أخبار لهعليه‌السلام كثيرة.

٥٠ ـ وحدّثنا عين الأئمة أبو الحسن عليّ بن أحمد الكرباسي ـ إملاء ـ ، حدّثنا الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف بن محمد البلالي ، حدّثنا السيد


الإمام المرتضى أبو الحسن محمّد بن محمّد الحسيني الحسني ، أخبرنا الحسن ابن محمد الفارسي ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عبد الرحمن بن عيسى ، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن منصور المرادي المصري ، حدّثنا عيسى بن زيد بن حسين ، عن أبي خالد ، عن زيد ، قال : قال الحسن البصري : كان يجالسنا شيخ نصيب منه ريح القطران ، فسألناه عن ذلك ، فقال : إني كنت في من منع الحسين بن علي عن الماء ، فرأيت في منامي كأنّ الناس قد حشروا فعطشت عطشا شديدا فطلبت الماء ، فإذا النبي ؛ وعليّ ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسينعليهم‌السلام على الحوض ، فاستسقيت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : «اسقوه» ، فلم يسقني أحد ، فقال ثانيا ، فلم يسقني أحد ، فقال ثالثا ، فقيل : يا رسول الله! إنه ممن منع الحسين من الماء ، فقال : «اسقوه قطرانا» فأصبحت أبول القطران ، ولا آكل طعاما إلّا وجدت منه رائحة القطران ، ولا أذوق شرابا إلّا صار في فمي قطرانا.

٥١ ـ وروي عن مينا أنّه قال : ما بقي من قتلة الحسين أحد لم يقتل ، إلا رمي بداء في جسده قبل أن يموت.

٥٢ ـ وقال ابن رماح : لقيت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسينعليه‌السلام فكان الناس يأتونه ويسألونه عن سبب ذهاب بصره. فقال : إني كنت شهدت قتله عاشر عشرة ، غير أني : لم أضرب ، ولم أطعن ، ولم أرم ، فلمّا قتل رجعت إلى منزلي فصلّيت العشاء الآخرة ونمت ، فأتاني آت في منامي ، وقال لي : أجب رسول الله! فإذا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جالس في الصحراء ، حاسر عن ذراعيه ، آخذ بحربة ، ونطع بين يديه ، وملك قائم لديه في يده سيف من نار يقتل أصحابي ، فكلما ضرب رجلا منهم ضربة التهبت نفسه نارا ، فدنوت من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجثوت بين يديه ، وقلت : السلام عليك يا رسول الله! فلم


يرد عليّ ، ومكث طويلا مطرقا ، ثم رفع رأسه وقال لي : «يا عبد الله! انتهكت حرمتي ، وقتلت عترتي ، ولم ترع حقي ، وفعلت وفعلت». فقلت له : يا رسول الله! والله ، ما ضربت سيفا ، ولا طعنت رمحا ، ولا رميت سهما.

فقال : «صدقت ، ولكنك كثرت السواد ، ادن مني» ، فدنوت منه ، فإذا طست مملوء دما ، فقال : «هذا دم ولدي الحسين». فكحلني منه فانتبهت ولا أبصر شيئا حتى الساعة.

وأورد هذا الحديث مجد الأئمة السرخسكي ، ورواه عن أبي عبد الله الحداد ، عن الفقيه أبي جعفر الهندواني ، أنه قال : يحكى عن عبد الله بن رماح القاضي ، وساق الحديث إلى أن قال : وكلما قتلهم عادوا أحياء فيقتلهم مرّة اخرى ، وقال : «صدقت ، ولكن يا عدوّ الله! لم ترع حق نبوتي».

وباقي الحديث يقرب بعضه من بعض في ـ اللفظ والمعنى ـ.

ولقد لقي بنو الحسن والحسين من عتاة بني العبّاس ما لقى آباؤهم من طغاة بني أميّة.

٥٣ ـ على ما أخبرني الشيخ الإمام أبو جعفر محمّد بن عمير بن أبي علي ـ كتابة ـ ، أخبرني الإمام زيد بن الحسن البيهقي ، أخبرني النقيب علي بن محمّد الحسني ، أخبرني السيد الإمام أبو جعفر محمّد بن جعفر الحسني ، أخبرني أبو طالب يحيى بن الحسين الحسني ، حدّثني أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني ـ إملاء ـ ، أخبرني أبو علي الحسن بن علي بن برزخ ، سمعت محمد بن يحيى الصولي ، سمعت أبا العيناء محمّد بن أبي القاسم يقول ـ وقد تدارك ذهاب بصره ـ قال : كان أبو جعفر ـ يعني الدوانيقي ـ دعا


جدي وكان في نهاية الثقة به لكمال عقله ، فقال له : قد ندبتك لأمر عظيم عندي ، فأنت عندي ، كما قال أبو ذويب :

الكنى(١) إليها وخير الرّسول

اعلمهم بنواحي الخبر

ثمّ عرفه بما يريده منه ، وأطلق له مالا خطيرا ، وقال له : كلّ شيء تريده بعد هذا من المال فخذه وصر إلى المدينة ، وافتح بها دكان عطار ، وأظهر أنّك من خراسان من شيعة عبد الله بن الحسن بن الحسن ، وأنفق على أصحابه ، وأهد لهم وله ما يقربك منهم ، وكاتبني مع ثقاتك بأنفاسهم ، وتعرف لي خبر ابنيه محمد وإبراهيم.

قال : فمضى جدي ففعل ذلك كلّه ، فلما أخذ ـ أبو جعفر الدوانيقي ـ عبد الله بن الحسن وإخوته ، جعل يوبخ عبد الله على شيء من فعله ، ويأتيه بما ظن عبد الله أنه ليس أحد يعلمه ، فقال عبد الله لبعض ثقاته : من أين أتينا؟ قال : من العطار. قال : اللهم! أبله في نفسه وولده بما يكون ، نكالا له وردعا لغيره ، بلاء يشتهر به.

قال : فعمي جدي وأبي وعمي وولدهم ، وأنا على الحال التي ترون ، وكذلك تكون ولدي من دعاء ـ عبد الله بن الحسن ـ ، وكذلك يكونون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو أحمد العسكري ، بإسناده إلى بشير الرّحال هذه الحكاية تامة ، إلى أن قال: فأخذ أبو جعفر عبد الله بن الحسن ، وحبسه وجوّعه ، ووضعت المائدة بين يديه ، ثم قال لبعض خدمه : قم على رأسه! فقام فلم يلتفت إليه من شدّة الجوع ، فقال : اجذبه فجذبه ، فنظر إليه فسقطت اللقمة من يده ، فقال : أقلني ، يا أمير المؤمنين. قال : لا أقالني الله إذن ، ثم قتله

__________________

(١) الكنى : أرسلني.


وسمره ، فدخل إليه بشير الرّحال ، فقال أبو جعفر لخادم له : اذهب به حتى ينظر إلى عبد الله بن الحسن ، فلمّا دخل ورآه غشي عليه وسقط ، وقال للخادم : استر عليّ ، قال : نعم ، فقال أبو جعفر : يا بشير! أترى بعد عبد الله عندي لأحد هوادة(١) ؟ فقلت في نفسي: والله ، إن قدرت على الخروج عليك خرجت ، فخرج مع إبراهيم بن عبد الله وقتل.

٥٤ ـ وفي رواية اخرى : أنّ ـ أبا جعفر ـ قال لبشير : أي رجل كان عبد الله بن الحسن؟ قال : فقلت من خيار الناس ، قال : أراك محبا له ، فقلت : إني لأحبّ كل خير ذي فضل ، فقال : ادخل هذا البيت فدخلت ، فإذا عبد الله مذبوح ، فغشي عليّ ثم خرجت إليه ، فقلت(٢) : هذه الدّنيا أصبتها ، أما لك في الآخرة من حاجة ، فقتل(ره).

٥٥ ـ وبالإسناد الذي تقدم إلى السيد أبي طالب ، قال : روى أبو عبد الله محمّد بن يزيد المهلّبي ، حدّثني محمّد بن زكريا العلائي ، قال : صرت إلى أحمد بن عيسى بن زيد ـ وهو متوار بالبصرة ـ ، فقال لي : لما طلبنا هارون الملقّب بالرشيد ، خرجت أنا ؛ والقاسم بن إبراهيم بن عبد الله ابن الحسن ؛ وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن ، فتفرقنا في البلاد ، فوقعت الى ناحية الري ، ووقع عبد الله بن موسى إلى الشام ، وخرج القاسم بن إبراهيم إلى اليمن ، فلما توفي هارون الرشيد اجتمعنا في الموسم فتشاكينا ما مرّ علينا.

فقال القاسم : أشد ما مر بي أني لما خرجت من مكة اريد اليمن صرت في مفازة لا ماء فيها ، ومعي زوجتي بنت عمي وبها حبل فجاءها المخاض في

__________________

(١) الهوادة : اللين.

(٢) يعني في نفسي وقتله في الحرب مع ابراهيم كما مر.


ذلك الوقت ، فحفرت لها حفيرة لتولي أمر نفسها ، وضربت في الأرض أطلب لها ماء فرجعت ولم أصب ماء ، فرأيتها قد ولدت غلاما وقد أجهدها العطش ، فالححت في طلب الماء ، ولم أصب ، فرجعت إليها وقد ماتت والصبي حيّ ، فكان بقاء الغلام أشدّ عليّ من وفاة امّه ، فصليت ركعتين ، ودعوت الى الله أن يقبضه ، فما فرغت من دعائي حتى مات.

وقال عبد الله بن موسى : أشدّ ما مرّ بي ، إني خرجت من بعض قرى الشام ، فصرت إلى بعض المسالح وقد تزييت بزي الأكرة والفلاحين ، فسخرني بعض الجند ، وحمل على ظهري شيئا ثقيلا ، فكنت إذا أعييت ، وضعت ما على ظهري للاستراحة ، ضربني ضربا موجعا ، وقال لي : لعنك الله ، ولعن من أنت منه ، وقلت أنا من شديد ما نالني : إني صرت إلى ورزنين(١) ، ومعي ابني محمّد فتزوجت لبعض الحاكة هناك ، وتكنيت : بأبي حفص الجصاص ، فكنت أغدو فأقعد مع بعض من آنس به من الشيعة ، ثم اروح الى منزلي كأني قد عملت يومي ، وولدت المرأة بنتا وتزوج ابني محمد الى بعض موالي عبد قيس هناك ، فأظهر مثل ما أظهرت ، فلما صار لابنتي عشر سنين ، طالبني أخوالها بتزويجها من رجل من الحاكة له فيهم قدر فضقت ذرعا بما دفعت إليه ، وخفت من إظهار نسبي ، وألح القوم عليّ في تزويجها ، ففزعت الى الله وتضرعت إليه في أن يخترمها ، ويحسن عليّ الخلف والعوض عنها ، فأصبحت الصبيّة عليلة ، وماتت من يومها.

فخرجت مبادرا إلى ابني محمد ، ابشره فلقيني في الطريق ، وأعلمني : أنّه ولد له ولد فسماه عليا ، وهو اليوم بناحية ورزنين ، لا أعرف له خبرا للاستتار الذي أنا فيه.

__________________

(١) ورزنين من قرى الري.


٥٦ ـ وبهذا الإسناد ، الى السيد أبي طالب هذا ، قال : روى أبو الفرج عليّ بن الحسين المعروف بالأصبهاني ، أخبرنا علي بن العباس البجلي ، حدثنا حسين بن نصر ـ وذكر قصّة آل الحسن وحبسهم ـ ، فقال : حبسهم أبو جعفر الدوانيقي ستين ليلة في محبس لا يدرون به ليلا من نهار ، ولا يعرفون وقت الصلاة إلّا بتسبيح علي بن الحسن بن الحسن بن الحسنعليه‌السلام .

فضجر عبد الله بن الحسن بن الحسن ضجرة ، فقال : يا عليّ! ألا ترى ما نحن فيه من البلاء؟ ألا تطلب إلى ربك أن يخرجنا من هذا الضيق والبلاء؟ قال : فسكت عنه طويلا ، ثم قال : يا عم! إنّ لنا في الجنّة درجة لم نكن لنبلغها إلّا بهذه البلية ، أو بما هو أعظم منها ، وأنّ لأبي جعفر في النار موضعا لم يكن ليبلغه حتى يبلغ منا مثل هذه البلية أو أعظم منها ، فإن تشأ أن تصبر فأوشك فيما أصابنا أن نموت فنستريح من هذا الغم ، كأن لم يكن شيء وإن نشأ ندعوا ربّنا تعالى أن يخرجك من الغم ، ويقصر بأبي جعفر عن غايته التي له في النار فعلنا. فقال عبد الله : لا ، بل أصبر ، فما مكثوا إلا ثلاثا حتى قبضهم الله تعالى إليه.

٥٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، حدثنا أحمد بن إبراهيم الحسني ، حدثنا علي بن الحسين الهمداني ، حدّثنا الحسن بن علي الأسدي ، حدثنا أحمد بن رشد ، حدّثنا أبو عمر سعيد بن خيثم : أنّ زيد بن عليعليه‌السلام كتّب كتائبه ، فلما خفقت راياته رفع يده إلى السماء ، فقال : الحمد لله الذي أكمل لي ديني ، والله ، ما يسرني إني لقيت محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم آمر امته بمعروف ، ولم أنههم عن منكر.

وفي رواية اخرى : والله ، إني لاستحي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا لقيته ولم آمر امته بالمعروف ، ولم أنههم عن المنكر ، والله ، ما ابالي إذا أقمت


كتاب الله وسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن اججت لي نار ، وقذفت فيها ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة اللهعزوجل .

والله ، لا ينصرني أحد إلا كان في الرفيق الأعلى مع : محمّد ؛ وعلي ؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسين (صلوات الله عليهم) ، ويحكم ، أما ترون هذا القرآن بين أظهركم جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن بنوه.

يا معشر الفقهاء! وأهل الحجى! أنا حجّة الله عليكم ، هذه يدي مع أيديكم ، على أن نقيم حدود الله ، ونعمل بكتابه ، ونقسم فيكم بالسوية ، فسلوني عن معالم دينكم ، فإن لم انبئكم بكل ما سألتم عنه ، فولوا من شئتم ممن علمتم أنه أعلم مني. لقد علمت علم أبي علي بن الحسين ، وعلم جدي الحسين بن علي ، وعلم علي بن أبي طالب وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيبة علمه ، وإني لأعلم أهل بيتي ، والله ، ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي ، ولا انتهكت محرما منذ عرفت أن الله تعالى يؤاخذني به ، هلموا فاسألوني.

ثم سار حتى انتهى الى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها ، ثم سار إلى الجبانة ، ويوسف بن عمر مع أصحابه على التل ، فشدّ بالجمع على زيد وأصحابه.

قال أبو معمر : فرايته شدّ عليهم كأنه الليث حتى قتلنا منهم أكثر من ألفي رجل ما بين الحيرة والكوفة ، وتفرقنا فرقتين وكنا من أهل الكوفة أشدّ خوفا. قال أبو معمر : فلما كان يوم الخميس حاصت حيصة منهم ، واتبعتهم فرساننا فقتلنا أكثر من مائتي رجل ، فلما جنّ علينا الليل ليلة الجمعة ، كثر فينا الجراح ، واستبان فينا الفشل ، فجعل زيد يدعو ، ويقول : اللهمّ! إن هؤلاء عدوك وعدوّ رسولك ودينك الذي ارتضيته لعبادك ،


وهؤلاء يقاتلونهم ، اللهمّ! فاجزهم أفضل ما جزيت أحدا من عبادك المؤمنين.

ثم قال : عباد الله! أحيوا هذه الليلة : بقراءة القرآن ؛ والدعاء والتهجد ؛ والتضرع إلى الله تعالى ، فإني ، والله ، لأعلم أنه ما أمسى على وجه الأرض عصابة أنصح لله ورسوله وللإسلام منكم.

قال : ولما قتل وصلب ، قال جرير بن حازم : رأى أبي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مسند ظهره إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب ، وهو يقول للنّاس : «أهكذا تفعلون بولدي؟ أهذا جزائي منكم»؟

٥٨ ـ وروي : أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت ، سئل عن خروج زيد؟ فقال : إن خروجه ، والله ، ليضاهي خروج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر ، فقيل له : فهلا قاتلت معه يا ابن الواسعة؟(١) فقال : حبستني عنه ودائع الناس عندي ، فخفت أن اقتل مهملا للوديعة.

٥٩ ـ وقيل : بعث أبو حنيفة إلى زيد بن علي جرابا من الورق ، وقال له : استظهر بها على خروجك ، وكان يحضّ الناس على الخروج معه ، حتى أن بعض أهل البيت كان يقول : رحم الله أبا حنيفة! فإنه كان يعين أصحاب زيد على الخروج ويقوي قلوبهم ، وفعل الله بعبد الله بن المبارك وفعل ، فإنه كان يثبط الناس عنه.

٦٠ ـ وقال عبد الله بن الحسن بن الحسن : دخلت على عمر بن عبد العزيز فخلا بي ، وقال : يا أبا محمد! إن رأيت أن ترفع ما فوق الأزار. فقلت : ما تريد إلى هذا رحمك الله؟ قال : فإني أسألك ، فرفعت فجاء ببطنه حتى الزق ببطني ، ثم قال : إني لأرجو أن لا تمس النار بضعة مست

__________________

(١) كذا في النسخة ، ولعل فيها تصحيفا أو تحريفا.


بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٦١ ـ وخطب محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن على منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد قتل زيد ، فقال : أما ، والله ، لقد أحي زيد ابن علي ما دثر من سنن المرسلين ؛ وأقام عمود الدين إذ أعوج ولن ننحو إلّا أثره ؛ ولن نقتبس إلّا من نوره ؛ فزيد إمام الأئمة ، وأوّل من دعاء إلى الله بعد الحسين ابن علي.

٦٢ ـ وقال هذا القول أيضا سفيان الثوري ، وكان سفيان زيديا ، وكان يقول : قام زيد مقام الحسين بن علي ، وكان أعلم خلق الله بكتاب الله ، ما ولدت النساء مثله أبدا. وكان زيد بن علي يقول : من استشعر حب البقاء ، استدبر الذل إلى الفناء.

٦٣ ـ ولما خرج الدّاعي الحسن بن زيد قال :

لا عيب في ديننا ولا أثره

لو لا طغاة قد تابعوا الشجرة

إني لأرجو والله ينصرنا

بالسيف نعلو جماجم الكفرة

ردوا علينا تراث والدنا

خاتمه والقضيب والحبرة

وبيت ذي العرش سلموه لنا

تليه منا عصابة طهرة

فطالما دنست مشاعره

واظهرت فيه فسقها الفجرة

٦٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب ، حدّثنا أحمد بن محمد البغدادي ، حدّثنا أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني ، حدثني عمي الحسن بن محمد ، حدثني محمد بن القاسم ، حدثني محمد بن أبي العتاهية ، حدثني أبي ، قال : لما امتنعت من قول الشعر وتركته ، أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم ، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس ، فلمّا دخلته دهشت وذهل عقلي ورأيت منظرا هالني ، فرميت بطرفي أطلب موضعا


آوي إليه ، ورجلا آنس به وبمجالسته فإذا أنا بكهل حسن السمت ، نظيف الثوب ، بين عينيه سيماء الخير ، فقصدته وجلست إليه من غير أن أسلم عليه ، وأسأله عن شيء من أمره ، لما أنا فيه من الجزع والحيرة والدهشة ، فمكثنا كذلك مليا وأنا مطرق ومفكر في حالي فأنشد :

تعودت مسّ الضرّ لما ألفته

وأسلمني حسن العزاء الى الصبر

وصيرني يأسي من الناس واثقا

بحسن صنيع الله من حيث لا أدري

قال : فاستحسنت البيتين وتبركت بهما ، وثاب إليّ عقلي ، فقلت له : تفضل أعزّك الله بإعادة البيتين ، فقال لي : ويحك ، يا إسماعيل! ـ ولم يكنني ـ ما أسوأ أدبك ، وأقل عقلك ومروءتك! دخلت عليّ ولم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم ، ولا توجعت لي توجع المبتلى للمبتلى ، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم ، حتى إذا سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيرا إلّا به ، ولم يجعل لك معاشا غيره ، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه ، ولا اعتذرت عما قدّمته وفرطته فيه من الحقّ حتى استنشدتني مبتدئا كأن بيننا انسا قديما ، ومعرفة سابقة ، وصحبة تبسط القبض.

فقلت له : تعذرني متفضلا ، فدون ما أنا فيه ما يدهش ، قال : وفي أي شيء أنت؟ إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم ، وسبيلك إليهم فحبسوك حتى تقول ، وأنت لا بدّ من أن تقوله فتطلق ، وأما أنا فيدعى بي الساعة فاطالب بعيسى بن زيد ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإن دللت عليه قتل ، ولقيت الله تعالى بدمه ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خصمي فيه ، وإلّا قتلت ، فأنا


أولى بالحيرة منك ، وأنت ترى احتسابي وصبري.

فقلت : يكفيك الله ، وأطرقت خجلا منه ، فقال : يا أبا العتاهية! لا أجمع عليك التوبيخ والمنع ، اسمع البيتين واحفظهما ، وأعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما ، ثم دعي به وبي ، فلما قمنا قلت من أنت أعزّك الله تعالى؟ فقال : أنا «حاضر» صاحب عيسى بن زيد ، فادخلنا على المهدي ، فلما وقفنا بين يديه قال له : هيه! أين عيسى بن زيد؟

فقال : ما يدريني أين عيسى بن زيد؟ طلبته وأخفته فهرب منك في البلاد ، وأخذتني فحبستني فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس؟ فقال له المهدي : فأين كان متواريا؟ ومتى كان آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟ فقال : ما لقيته منذ توارى ، ولا أعرف له خبرا.

فقال المهدي : والله العظيم لتدلّن عليه أو لأضربنّ عنقك الساعة ، قال له : فاصنع ما بدا لك؟ فو الله ، أنا لا ادلك على ابن رسول الله لتقتله ، وألقى الله ورسوله وهما يطالباني بدمه ، وو الله ، إنه لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه. فقال المهدي : اضربوا عنقه ، فقدم وضرب عنقه ، ثم دعا بي ، وقال : أتقول الشعر أو لألحقنك به؟ فقلت : بل أقول الشعر ، فقال : اطلقوه!

٦٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرنا أحمد بن محمد البغدادي ، أخبرنا عبد العزيز بن إسحاق الكوفي ، حدّثني محمد بن عيسى ، حدّثني محمد بن زكريا المكي ، حدّثني عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، قال : قال محمّد الباقرعليه‌السلام : «إنّ أخي زيد بن علي خارج فمقتول على الحقّ ، فالويل لمن خذله ، والويل لمن حاربه ، والويل لمن يقتله».


قال جابر : فلما أزمع(١) زيد بن علي على الخروج ، قلت له : إني سمعت أخاك يقول : كذا وكذا ، فقال لي : يا جابر! لا يسعني أن أسكن وقد خولف كتاب الله ، وتحوكم إلى الجبت والطاغوت ، وذلك إني شهدت هشاما ورجل عنده يسبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت للساب : ويلك ، يا كافر! أما إني لو تمكنت منك لاختطفت روحك ، وعجلتك إلى النار. فقال لي هشام : مه ، عن جليسنا يا زيد! فو الله ، لو لم أكن إلا أنا ؛ ويحيى ابني ، لخرجت عليه وجاهدته حتى افنى.

٦٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصفهاني ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، حدثني أبي ، حدثني الحسن بن الفضل ـ مولى الهاشميين بالمدينة سنة خمس عشرة ومائتين هجرية ـ ، حدّثني عليّ بن موسى بن جعفر ، عن أبيهعليه‌السلام قال : أرسل أبو جعفر الدوانيقي إلى جعفر بن محمد الصّادقعليه‌السلام ليقتله ، وطرح سيفا ونطعا ، وقال لحاجبه الربيع : يا ربيع! إذا أنا كلمته ثم ضربت بإحدى يديّ على الاخرى فاضرب عنقه.

فلمّا دخل جعفر بن محمدعليه‌السلام فنظر إليه من بعيد ، نزق أبو جعفر على فراشه ـ يعني : تحرك ـ ، وقال : مرحبا وأهلا وسهلا بك ، يا أبا عبد الله! ما أرسلنا إليك إلّا رجاء أن نقضي دينك. ثم سأله مسألة لطيفة عن أهل بيته ، وقال له : قد قضى الله دينك وأخرج جائزتك ، يا ربيع! لا تمض ثالثة حتى يرجع جعفر بن محمد إلى أهله. فلما خرج هو والربيع ، قال له : يا أبا عبد الله! أرأيت السيف والنطع؟ إنما كانا وضعا لك ، فأي شيء رأيتك تحركت به شفتاك؟ قال : «يا ربيع! لما رأيت الشرّ في وجهه قلت : حسبي

__________________

(١) أزمع : عزم.


الرب من المربوبين ، حسبي الخالق من المخلوقين ، حسبي الرازق من المرزوقين ، حسبي الله ربّ العالمين ، حسبي من هو حسبي ، حسبي من لم يزل حسبي ، حسبي الله لا إله إلّا هو ، عليه توكلت ، وهو ربّ العرش العظيم.

وفي رواية اخرى : أنّ الربيع قال للدوانيقي : ما بدا لك يا أمير المؤمنين؟ حيث انبسطت الى جعفر بن محمّد بعد ما أضمرت له ما أضمرت؟ قال : والله ، لقد رأيت قدّامه أسدين فاغرين فمويهما ؛ فلو هممت به سوءا لابتلعاني ، فلذلك تضرعت له وفعلت ما فعلت.

٦٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، قال : روى أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» ، أخبرني عمر بن عبد الله العتكي ، حدّثني عمر بن شبّة ، حدّثني محمّد بن حرب ، حدّثني يحيى بن زيد بن حميد ، حدّثني سليمان بن داود بن الحسن ؛ والحسن بن جعفر بن الحسن ، قالا : لما حبسنا ـ يعنيان في حبس أبي جعفر الدوانيقي ـ كان معنا علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن ، وكانت حلق أقيادنا قد اتّسعت فكنا إذا أردنا صلاة أو نوما خلعناها عنّا ، فإذا خفنا دخول الحرس أعدناها ، وكان عليّ بن الحسن لا يفعل ذلك ، فقال له عمّه عبد الله ابن الحسن بن الحسن : يا بني! ما يمنعك أن تفعل مثل هذا؟ قال : لا ، والله ، لا أخلعه حتى أجتمع أنا وأبو جعفر ، عند اللهعزوجل فيسأله : لم قيّدني به؟ ٦٨ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرني أحمد بن محمّد البغدادي ، أخبرني عبد العزيز بن إسحاق ، حدّثني عمر بن محمد ، حدثني إبراهيم بن محمد ، حدثني محرز بن هشام ، حدثني السري بن عبد الله ، عن هشام ، عن أبي حفص المكي ، قال : لما رحل الحسين بن علي


من المدينة إلى الكوفة سرت معه ، فنزل ماء من مياه بني سليم فأمر غلامه فاشترى شاة فذبحها ، فجاء صاحبها ، فلما رأى هيئة الحسينعليه‌السلام في أصحابه رفع صوته ، وقال : أعوذ بالله وبك ، يا ابن رسول الله! هذا اشترى شاتي فذبحها ، ولم يدفع إليّ الثمن ، فغضب الحسين غضبا شديدا ، ودعا غلامه ، فسأله عن ذلك ، فقال : والله ، يا ابن رسول الله! أعطيته ثمنها ، وهذه البينة(١) .

فسألهم الحسين فشهدوا أنه أعطاه ثمنها ، وقالت البينة أو بعضها : يا ابن رسول الله! إنه رأى هيئتك فانصاع(٢) إليك لتعوضه ، فأمر له الحسين بمعروف ، فقال علي بن الحسين : ما اسمك يا أعرابي؟ فقال : زيد ، فقال : «ما بالمدينة أكذب من رجل اسمه : زيد» ، وكان بالمدينة رجل اسمه زيد يبيع الخمر ، قال : فضحك الحسين حتى بدت نواجذه ، ثم قال : «مهلا ، يا بني! لا تعيره باسمه ، فإنّ أبي حدّثني : أنه سيكون منا رجل اسمه زيد يخرج فيقتل ، فلا يبقى في السماء ملك مقرب ؛ ولا نبيّ مرسل ، إلّا تلقى روحه ، ليرفعه أهل كل سماء إلى سماء ، حتى يبلغ ، فاذا قامت القيامة يبعث هو وأصحابه يتخللون رقاب النّاس ، ويقال : هؤلاء خلف الخلف ودعاة الحق.

٦٩ ـ قال أبو عوانة : كان سفيان الثوري إذا ذكر زيد بن علي ، يقول : إنه بذل مهجته لربه ، وقام بالحق لخالقه ، ولحق بالشهداء المرزوقين من آبائه.

٧٠ ـ وقال أبو عوانة أيضا : كان زيد بن علي يرى الحياة غراما(٣) ، وكان ضجرا بالحياة.

٧١ ـ وبهذا الإسناد ، إلى عبد العزيز بن إسحاق ، حدّثني علي بن

__________________

(١) يعني الشهود الحاضرين.

(٢) انصاع : جاء.

(٣) الغرام : الشرّ الدائم.


الوليد ، حدثني عباد بن يعقوب ، حدثني عيسى بن عبد الله ، عن رجل من أهل المدينة ، يقال له : البابكي ، قال : خرجت أنا ؛ وزيد بن علي ، إلى العمرة ، فلما فرغنا من عمرتنا أقبلنا ، فلما كنا بالعرج أخذنا طريقنا ، فلما استوينا على رأس الثنية نصف الليل استوت الثريا على رءوسنا ، فقال لي زيد : يا بابكي! ترى الثريا ما أبعدها؟ أترى أنّ أحدا يعرف بعدها؟ قلت : لا ، والله ، قال : فو الله ، لوددت أن يدي ملتصقة بها ، ثم أفلت حتى وقعت حيث وقعت ، وأنّ الله أصلح بي أمر امة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولما انصرف عيسى بن زيد من وقعة «باخمرى» ، خرجت عليه لبوءة(١) معها أشبالها ، وتعرضت للطريق ، فجعلت تحمل على الناس ، فنزل عيسى وأخذ سيفه وترسه ، ثم بدر إليها فقتلها ، فقال مولى له : أيتمت أشبالها يا سيدي! فضحك ، وقال : نعم ، أنا مؤتم الأشبال ، فلزمه هذا الاسم ، وكان أصحابه يكون عنه به ، فيخفى أمره.

٧١ ـ وقيل لجعفر بن محمّد الصّادقعليهما‌السلام : ما الذي تقول في زيد بن علي ، وخروجه على هشام؟ فقال : «لقد قام زيد مقام صاحب الطف» ـ يعني : الحسين بن عليعليهما‌السلام ـ.

٧٢ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الحسني ، أخبرنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن علي بن هشام ، حدثنا أحمد بن رشد ، عن سعيد بن خيثم ، عن أخيه معمر ، قال : قال لي زيد بن عليعليه‌السلام : كنت اماري ـ هشام بن عبد الملك ـ واكايده في الكلام ، فدخلت عليه يوما فذكرت بني اميّة ، فقال : والله ، هم أشدّ قريش أركانا ، وأشيد قريش مكانا ، وأسدّ قريش سلطانا ، وأكثر قريش أعوانا ، كانوا

__________________

(١) اللبوة : زوج السبع.


رءوس قريش في جاهليتها ، وملوكهم في إسلامها.

فقلت له : على من تفتخر؟ أعلى بني هاشم أوّل من أطعم الطعام ، وضرب الهام ، وخضعت لها قريش بإرغام؟

أم على بني عبد المطلب سيد مضر جميعا؟ وإن قلت : معد كلّها ، صدقت ، إذا ركب مشوا ، وإذا انتعل احتفوا ، وإذا تكلم سكتوا ، وكان يطعم الوحوش في رءوس الجبال ، والطير والسباع والإنس في السهل ، حافر زمزم ، وساقي الحجيج ، أم على بنيه أشرف الرجال.

أم على نبيّ الله ورسوله ، حمله الله على البراق ، وجعل الجنّة عن يمينه ، والنار عن شماله ، فمن تبعه دخل الجنّة ، ومن تأخر عنه دخل النار؟

أم على أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين علي بن أبي طالب ، أخي رسول الله ، وابن عمه المفرج الكرب عنه ، وأوّل من قال : لا إله إلّا الله ، بعد رسول الله ، لم يبارزه فارس قط إلّا قتله ، وقال فيه رسول الله ما لم يقله في أحد من أصحابه ، ولا لأحد من أهل بيته؟ قال: فاحمرّ وجهه.

٧٣ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرنا أبو العباس الحسني ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، أخبرني أبي ، أخبرني الحسن بن عبد الواحد ، حدثني حمدويه بن عمران ، حدّثني بشر بن حمزة ، قال : مررنا مع زيد بن علي وأنا غلام وعليّ قباء ، فأشرف عليه رجل من سطح فرماه ، فدعا زيد عليه ، وقال : اللهمّ! أفقره ولا ترزقه على ذلك الصبر.

قال : فرأيته بعد ذلك أعمى يسأل ، فإذا سئل ، قال : دعا عليّ العبد الصالح.

٧٤ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، حدثنا أبو الفرج الأصبهاني ، حدثني علي بن العباس ، حدثني أحمد بن يحيى ، حدّثني


عبد الله بن مروان ، قال : سمعت محمّد بن جعفر بن محمد في «دار الامارة» ، وهو يقول : رحم الله أبا حنيفة! لقد تحققت مودّته لنا في نصرته زيد بن علي ، وفعل الله بابن المبارك في كتمانه فضائلنا ، ودعا عليه بضرره.

٧٥ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرني أبي أبو محمد الحسن بن محمّد بن يحيى ، حدثني جدي يحيى بن الحسن ، حدّثني عمار ابن أبان ، حدثني كليب الحربي : أن زيد بن علي دخل على هشام بن عبد الملك ، وقد جمع له هشام الشاميين ، فسلّم عليه ، ثم قال : إنه ليس أحد من عباد الله فوق أن يوصى بتقوى الله ، وليس أحد من عباد الله فوق أن يوصى بتقوى الله ، وليس أحد من عباد الله فوق أن يوصى بتقوى الله ، وأنا اوصيكم بتقوى الله.

فقال له هشام : أنت زيد المؤمل للخلافة ، والراجي لها؟ وما أنت والخلافة ، وأنت ابن أمة؟ فقال له زيد : إني لا أعلم أحدا أعظم منزلة عبد الله من الأنبياء ، وقد بعث الله تعالى نبيا هو ابن أمة ، فلو كان ذلك تقصيرا عن حتم الغاية لم يبعث ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ، والنبوّة أعظم منزلة عند الله من الخلافة ، فكانت أمّ إسماعيل مع أم إسحاق ، كامي مع امك ، ثم لم يمنع ذلك أن جعله اللهعزوجل أبا العرب ، وأبا خير النبيين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما تقصير رجل ، جدّه رسول الله ؛ وأبوه علي بن أبي طالب؟

فقام هشام من مجلسه ، وتفرّق الشاميون ، فدعا هشام قهرمانه ، وقال : لا يبيتنّ هذا في عسكري! فخرج أبو الحسين زيد بن علي ، وهو يقول : لم يكره قوم قط حرّ السيوف إلّا ذلّوا.

وفي رواية اخرى : أن هشاما قال لأهل بيته بعد ما خرج زيد : أتزعمون أنّ أهل هذا البيت قد بادوا؟ كلا ، لعمري ، ما انقرض قوم هذا


خلفهم.

٧٦ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، حدّثني أبو العباس الحسن ، حدّثني أبو زيد العلوي ، حدثني أحمد بن سهل ، حدّثني القاسم بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : عوتب الحسين بن علي صاحب «فخ» فيما كان يعطي ، فإنه كان من أسخى العرب والعجم ، فقال : والله ، ما أظن أن لي فيما اعطي أجرا؟ فقيل له : وكيف ذاك؟ فقال : إنّ الله تعالى ، يقول :( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) آل عمران / ٩٢ ، وو الله ، ما هو عندي وهذه الحصاة إلّا بمنزلة ـ يعني : المال ـ.

٧٧ ـ وبهذا الإسناد ، عن السيد أبي طالب هذا ، أخبرنا أحمد بن محمد البغدادي المعروف بالآبنوسي ، أخبرنا عبد العزيز بن إسحاق ، حدثني أحمد بن حمدان ، حدثني محمد بن الأزهر الطائي ، حدثني الحسين ابن علوان ، عن أبي صامت الضبي ، عن ابن أبي عمير ، عن زاذان ، عن علي (صلوات الله عليه) ، أنه قال : «الشهيد من ولدي ، والقائم بالحق من ولدي ، المصلوب بكناسة كوفان ، إمام المجاهدين ، وقائد الغر المحجلين ، يأتي يوم القيامة هو وأصحابه تتلقاهم الملائكة ، ينادونهم : ادخلوا الجنّة ، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون».

٧٨ ـ وروي : أنه لما ولد زيد بن علي سنة خمس وسبعين بشر أبوه علي ابن الحسين زين العابدينعليه‌السلام به ، فأخذ المصحف وفتحه ، فنظر فيه فخرج أوّل السطر :( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ ) التوبة / ١١١ ، فأطبقه ، ثم فتحه فخرج :( وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) النساء / ٩٥ ، ثم أطبقه وفتحه فخرج :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) آل عمران / ١٦٩ ، فأطبقه ،


وقال : «عزيت عن هذا المولود ، وإنه من الشهداء».

٧٩ ـ وروي ، عن خالد بن صفوان ، أنه قال : انتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة في بني هاشم إلى زيد بن علي ، رأيته عند هشام ابن عبد الملك وقد تضايق مجلسه.

٨٠ ـ وروي عن الباقرعليه‌السلام ، عن آبائه ، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال للحسينعليه‌السلام : «يخرج من صلبك رجل ، يقال له : زيد ، يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس يوم القيامة ، غرا محجلين يدخلون الجنّة».

٨١ ـ وروى أنس بن مالك ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنه قال : «يقتل من ولدي رجل ، يقال له : زيد بموضع يعرف بالكناسة ، يدعو إلى الحق ، ويتبعه كلّ مؤمن».

٨٢ ـ وروي عن جعفر بن محمد الصادقعليهما‌السلام ، أنه قال : «رحم الله عمي زيدا ، خرج على ما خرج عليه آباؤه ، وودت أني استطعت أن أصنع كما صنع ، فأكون مثل عمي ، ومن قتل مع زيد بن علي كمن قتل مع الحسين ابن عليعليهما‌السلام ».

٨٣ ـ وروى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» : أنّ عبد الله بن الحسن بن الحسن انتهى إليه الحسن والجمال ، وهو أوّل من اجتمعت فيه ولادة الحسن والحسينعليهما‌السلام ، لأنّ أباه الحسن لما خطب إلى عمه الحسين ، قال له : يا بني! اختر أحبهما إليك ، فاستحى الحسن ، فقال له الحسين : اخترت لك ابنتي فاطمة ، فهي أكثرهما شبها بامي فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وزوجها فولد لهما عبد الله بن الحسن ، وولد في بيت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو اليوم في المسجد ، حبسه أبو جعفر الدوانيقي ثلاث سنين ، ثم قتله في الحبس ، وهو ابن خمس وسبعين سنة.


ومن اولئك : علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن ، يقال له : «علي الخير» ، و «علي الأغر» ، و «علي العابد» ، وهو والد الحسين الفخي ، توفي في الحبس ، وهو ساجد.

ومنهم : محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، وكان يدعى : «الديباج الأصفر» ، لحسنه وجماله ، قال له أبو جعفر الدوانيقي : أنت الديباج الأصفر؟ والله ، لأقتلنّك قتلة ما قتلها أحد من أهل بيتك ، فبنى عليه اسطوانة وهو حي.

ومنهم : إسماعيل طباطبا بن ابراهيم الديباج الأكبر ، قتل في الحبس ، قتله أبو جعفر الدوانيقي.

ومنهم : يعقوب وإسحاق وإبراهيم ومحمد بنو الحسن قتلوا في حبس الدوانيقي ، بضروب من القتل ، فإبراهيم بن الحسن دفن حيا ، وطرح على الآخرين بيت.

ومنهم : محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، أخو عبد الله بن الحسن لامه ، وأمه فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ، قتله أبو جعفر الدوانيقي ، وكان عبد الله يحبه حبا شديدا ، فكان أبو جعفر الدوانيقي يأمر بضربه بين يدي عبد الله ليغيظه بذلك ، ثم أمر بقتله.

وقتل بعد ذلك : محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ؛ وابنه عبد الله الأشتر ؛ وابراهيم بن عبد الله بن الحسن ، فهؤلاء الذين قتلوا في حبس الدوانيقي ، سوى من مات منهم حتف أنفه في السجن.

وقال الحسين بن زيد : لما اخرج بنو الحسن من المدينة ، وعليهم القيود والأغلال ، بأمر الدوانيقي ، نظر إليهم جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام ، فهملت عيناه ، حتى جرت دموعه على لحيته ، وقال : «والله ، لا تحفظ حرمة


الله بعد هذا أبدا ، والله ، ما وفت الأنصار ، ولا أبناء الأنصار لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما أعطوه من البيعة على العقبة ، على أن يمنعوه وذريته بما يمنعون منه أنفسهم وذريتهم».

وكان محمد وإبراهيم قد هربا من الدوانيقي ، فكانا يأتيان أباهما عبد الله بن الحسن في هيئة الأعراب ، فيقول لهما : إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين ، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.

وكان لمحمد بن عبد الله «النفس الزكية» ابن صغير من أمّ ولده ، وكانت على جبل معه ، فهجم الطلب عليهم فهربوا ، فسقط الصبي من الجبل فتقطع ومات ، فقال محمّد بن عبد الله «النفس الزكية» هذه الأبيات :

منخرق الخفين يشكو الوجا

تنكبه أطراف مرو(١) حداد

شرّده الخوف فأزرى به

كذاك من يكره حر الجلاد

قد كان في الموت له راحة

والموت حتم في رقاب العباد

٨٤ ـ وروى يعقوب بن داود بن الحسن ، قال : دخلت مع المهدي في طريق «خراسان» بعض الخانات ، فإذا على الحائط مكتوب هذه الأبيات :

والله ما أطعم طعم الرقاد

خوفا إذا نامت عيون العباد

شرّدني الخوف اعتداء وما

اذنبت ذنبا غير ذكرى المعاد

آمنت بالله ولم يؤمنوا

فكان زادي عندهم شرّ زاد

أقول قولا وله خائف

مضطرب القلب كثير السهاد

منخرق الخفين يشكو الوجا

تنكبه أطراف مرو حداد

شرّده الخوف وأزرى به

كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة

والموت حتم في رقاب العباد

__________________

(١) المرو : الحجر الصلب.


قال : فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت : لك الأمان من الله ومني ومتى شئت فاظهر؟ ودموعه تجري على خديه ، فقلت : من قائل هذه الأبيات يا أمير المؤمنين؟ قال : أتتجاهل عليّ؟ قائلها عيسى بن زيد.

٨٥ ـ وكان ممن خرج يحيى بن عمر من أولاد زيد بن علي ، خرج بالكوفة أيام المستعين ، وكان فاضلا ورعا حلف بالله أنه ما خرج إلّا غضبا لله تعالى.

قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري : قلت لابن طاهر الأمير : جئتك مهنيا بما لو كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيا لعزي به ، وخرج عنه ، فقال :

يا بني طاهر كلوه وبيا

انّ لحم النبي غير هني

إن من خصمه النبي ليؤتى

فيه يوم المعاد خصم النبيّ

قيل : ولما أفضت الخلافة إلى بني العباس ، نبشوا هشام بن عبد الملك واستخرجوه من قبره بعد ست سنين أو سبع ، فكان كما دفن فيقال : طلوه بما لا يبلى ، فأحرقوه بالنّار.


الفصل الثالث عشر

في ذكر

بعض ما قيل فيه من المراثي



١ ـ أخبرني العلامة فخر خوارزم محمود بن عمر الزمخشري ، أخبرنا الشيخ الفقيه أبو الحسن عليّ بن أبي طالب الفرزادي ـ بالري ـ ، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين الرازي ، أخبرني عمي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل ابن علي بن الحسين السمان الرازي ، حدثني أبو محمد عبد الله بن محمد الأسدي القاضي ـ لفظا ـ ، حدثني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ، حدثني محمد بن أبي العوام ، حدثني أبي ، حدثني سلم بن سليم الواسطي ، حدثني غاضرة ، قال : قال أبو بكر : قيل للحسن البصري : يا أبا سعيد! قتل الحسين ابن علي ، فبكى حتى اختلج جنباه ، وقال : واذلّاه ، لامّة يقتل ابن دعيها ابن نبيها!

٢ ـ وأخبرني الشيخ الإمام سيف الدين أبو جعفر محمد بن عمر بن علي ـ كتابة ـ ، أخبرني الشيخ الإمام أبو الحسن زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرني السيد الإمام النقيب علي بن محمد بن جعفر الأسترآبادي ، حدثني السيد الإمام زين الإسلام أبو جعفر محمد بن جعفر


ابن علي الحسني ، حدثني السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين ، أخبرني أبو العباس الحسني ، أخبرني محمد بن جعفر القزاداني ، حدثني عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقرعليهم‌السلام ، قال : «كان أبي علي بن الحسينعليه‌السلام إذا حضرت الصلاة يقشعر جلده ؛ ويصفر لونه ؛ وترتعد فرائصه(١) ؟ ويقف شعره ؛ ويقول ودموعه تجري على خديه : لو علم العبد من يناجي ما انفتل(٢) ».

وبرز يوما إلى الصحراء ، فتبعه مولى له ، فوجده قد سجد على حجارة خشنة ، قال مولاه : فوقفت حيث أسمع شهيقه وبكاءه ، فو الله ، لقد أحصيت عليه ألف مرّة ، وهو يقول : «لا إله إلّا الله حقا حقا ، لا إله إلّا الله تعبدا ورقّا ، لا إله إلّا الله إيمانا وصدقا». ثم رفع رأسه من سجوده ، وأنّ لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه. فقال له مولاه : يا سيدي! أما آن لحزنك أن ينقضي ولبكائك أن يقلّ؟

فقال له : «ويحك ، إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيا ابن نبي وله اثنا عشر ابنا ، فغيب الله تعالى واحدا منهم ، فشاب رأسه من الحزن ، واحدودب ظهره من الغم ، وذهب بصره من البكاء ، وابنه حيّ في دار الدنيا ، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة وعشرين من أهل بيتي صرعى مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقل بكائي؟!

٣ ـ وأخبرني الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن عليّ بن أحمد العاصمي (رحمه‌الله ) ، أخبرني شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد البيهقي ، أخبرني والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي ، أخبرني أبو عبد الله

__________________

(١) الفريصة : عضلة في العضد ترتعد عند شدة الخوف.

(٢) أي : ما ترك الصّلاة.


الحافظ ، سمعت أبا الحسن علي بن محمّد الأديب ، يذكر بإسناد له : أنّ رأس الحسين بن عليعليه‌السلام لما صلب بالشام ، أخفى خالد بن معدان ـ وهو من أفضل التابعين ـ شخصه من أصحابه ، فطلبوه شهرا فوجدوه ، فسألوه عن عزلته ، فقال لهم : أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشدهم :

جاءوا برأسك يا ابن بنت محمّد

متزملا بدمائه تزميلا

قتلوك عطشانا ولم يترقبوا

في قتلك التنزيل والتأويلا

وكأنما بك يا ابن بنت محمد!

قتلوا جهارا عامدين رسولا

ويكبرون بأن قتلت وإنما

قتلوا بك التكبير والتهليلا

٤ ـ وأخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني محيي السنّة أبو الفتح ـ إجازة ـ ، أنشدني أبو الطيب البابلي ، أنشدني أبو النجم بدر بن إبراهيم الدينوري للشّافعي محمد بن إدريس(١) :

تأوب همي والفؤاد كئيب

وأرق نومي فالرقاد غريب

ومما نفى نومي وشيب لمني

تصاريف أيام لهنّ خطوب

فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة

وأن كرهتها أنفس وقلوب

قتيلا بلا جرم كأنّ قميصه

صبيغ بماء الأرجوان خضيب

فللسيف إعوال وللرمح رنّة

وللخيل من بعد الصهيل نحيب

تزلزلت الدنيا لآل محمد

وكادت لهم صمّ الجبال تذوب

وغارت نجوم واقشعرّت كواكب

وهتك أستار وشقّ جيوب

يصلي على المهدي من آل هاشم

وتغزى بنوه ان ذا العجب

لئن كان ذنبي حب آل محمد

فذلك ذنب لست عنه أتوب

__________________

(١) هو الإمام الشافعي الشهير المتوفى في مصر سنة ٢٠٤ ه‍.


هم شفعائي يوم حشري وموقفي

إذا كثرتني يوم ذاك ذنوب

٥ ـ أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه ـ فيما كتب إليّ من همدان ـ ، أنشدني والدي ، أنشدني أبو نصر أحمد بن علي بن عامر الفقيه العكبري ـ على شاطئ نهر الهارونية ـ ، أنشدني أحمد بن منصور بن علي القطيعي المعروف بالقطّان(١) ـ ببغداد ـ ، لنفسه :

يا أيها المنزل المحيل

جاءك مسحنفر(٢) هطول

أودى عليك الزمان لما

شجاك من أهلك الرحيل

لا تغتر بالزمان واعلم

أنّ يد الدهر تستطيل

فإنّ آجالنا قصار

وإنّ آمالنا تطول

تفنى الليالي وليس يفنى

شوقي ولا حسرتي تزول

لا صاحب منصف فأسلو

به ولا حافظ وصول

وكيف أبقى بلا صديق

باطنه باطن جميل

يكون في البعد والتداني

كما أرجى وما أقول

هيهات قلّ الوفاء منهم

فلا صديق ولا خليل

يا قوم ما بالنا جفينا

فلا كتاب ولا رسول

لو وجدوا بعض ما وجدنا

لكاتبونا ولم يحولوا

لكن سلونا فلم يجودوا

لنا بوصل ولم ينيلوا

يا قاتلي بالصدود رفقا

بمهجة شفّها الغليل

أنحل جسمي هواك حتى

كأنه خصرك النحيل

قلبي قريح به كلوم

جاد بها طرفك البخيل

غصن من البان حيث مالت

ريح النعامى به يميل

__________________

(١) توفي في بغداد سنة ٤٨٠ تقريبا ودفن في مقابر قريش.

(٢) المسحنفر : الكثير المطر.


يسطو علينا بلحظ جفن

كأنه مرهف صقيل

كما سطت بالحسين قوم

أراذل ما لهم اصول

قد أفردوه فظل يدعو

ولا سميع لما يقول

يا أهل كوفان لم غدرتم

بنا ولم أنتم نكول؟

أنتم كتبتم إليّ كتبا

وفي طوياتها ذحول

فراقبوا الله في خباء

فيه لنا صبية غفول

وأمّ كلثوم قد تنادي

وقد عرى طرفها الذهول

تقول لما رأته شلوا

قد خسفت صدره الخيول

أين الذي حين أرضعوه

ناغاه في المهد جبرئيل؟

أين الذي حين عمدوه

قبّله أحمد الرسول؟

أين الذي حيدر أبوه

وامّه فاطم البتول؟

جاءت بشاطي الفرات تدعو

ما فعل السيد القتيل

أنا ابن منصور لي لسان

على ذوي النصب يستطيل

ما الرفض ديني ولا اعتقادي

ومذهبي عنه لا أحول

٦ ـ وللإمام السيد الأديب أبي الحسن علي بن أحمد النيشابوري(١)

جامع كتاب «تاج الأشعار في النبيّ المختار وآله الأطهار» : ـ

أيا سائلي عن مذهبي وطريقي

محبّة أولاد النبي عقيدتي

هما الحسنان اللؤلؤان تلألآ

وفاطمة الزهراء بنت خديجة

سرور فؤاد المصطفى علم الهدى

محمد المختار هادي الخليقة

وقرّة عين المرتضى أسد الوغى

أبي الحسن الكرار مردي الكتيبة

وخذ سبعة من بعدهم وافتخر بهم

مع اثنين ثم امح سواهم أو اثبت

__________________

(١) هو الشهير بالفنجكردي ، نسبه الى قرية من قرى نيشابور ، توفي سنة (٥١٣ ه‍).


أأبغض من خير النبيين جدهم

ووالدهم في الناس شمس البرية؟

فلا ترمني بالرّفض ويلك أنني

لفي من يعاديني شديد الوقيعة

لساني سيف ما نبا عن ضريبة

ولا طاش سهم من سهام قريحتي

فإن شئت فاجبني وإن شئت فأقلني

فهذا وربي ما حييت خليقتي

وإني لأصحاب النبي محمد

محبّ عليه نيتي وطويتي

أأثلب قوما كافحوا عن نبيهم

ومن بعده كانوا نجوم الشريعة؟

خلا فرقة عادوا عليا وقتلوا

بنيه على جهل بغير جريمة

لئن كان قوم قبلهم خير امة

فإنهم في فعلهم شرّ أمّة

فوا عجبا من جاهل بوضوئه

ويقدح في دين الهداة الأئمة!

فيا ربّ بلغ كل لمحة ناظر

سلامي إلى أرواحهم وتحيتي

٧ ـ وللإمام الشافعي :

إذا في مجلس ذكروا عليا

وسبطيه وفاطمة الزكيّة

وقطب وجهه من كان فيهم

فأيقن أنه ابن سلقلقية(١)

يقول لما يصح ذروا فهذا

سقيم من حديث الرافضيه

برئت إلى المهيمن من اناس

يرون الرّفض حبّ الفاطمية

إذا ذكروا عليا أو بنيه

أفاضوا بالروايات الوقيّه

٨ ـ وللإمام الشافعي أيضا :

يا راكبا قف بالمحصّب من منى

واهتف بقاعد خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى

شوقا كملتطم الفرات الفائض

إني احبّ بني النبي المصطفى

وأعدّه من واجبات فرائضي

إن كان رفضا حبّ آل محمّد

فليشهد الثقلان اني رافضي

__________________

(١) ـ السلقلقية : التي تحيض من دبرها.


٩ ـ ولكثير بن عبد الرحمن الشهير بكثير عزة(١) :

ألا إنّ الأئمة من قريش

ولاة الحق أربعة سواء

عليّ والثلاثة من بنيه

هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط أيمان وبر

وسبط غيبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى

يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يرى فيهم زمانا

برضوى عنده عسل وماء

١٠ ـ ولدعبل(٢) بن علي الخزاعي من قصيدة طويلة مدح بها علي بن موسى الرضاعليه‌السلام انتخبت منها :

بكيت لرسم الدار من عرفات

وأذريت دمع العين بالعبرات

أبان عرى صبري وهاجت صبابتي

رسوم ديار قد عفت بشتات

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

لآل رسول الله بالخيف من منى

وبالبيت والتعريف والجمرات

ديار عليّ والحسين وجعفر

وحمزة والسجّاد ذي الثفنات

منازل كانت للصّلاة وللتقى

وللصوم والإعطاء للزكوات

منازل وحي ينزل الوحي بينها

على أحمد في الليل والغدوات

منازل كانت للصلاة وللهدى

وللصوم والإحسان والحسنات

ديار عفاها جور كلّ منابذ

ولم تعف بالأيام والسّنوات

قفا نسأل الدار التي خفّ أهلها

متى عهدها بالصّوم والصّلوات؟

وأين الالى شطت بهم غربة النوى

أفانين في الأقطار مفترقات؟

__________________

(١) كثير بن عبد الرحمن الخزاعي ، توفي سنة ١٠٥ ه‍.

(٢) هو الشاعر الشهير في مدح الأئمّة ، المتوفى سنة ٢٤٦ ه‍.


هم أهل ميراث النبي إذا اعتزّوا

وهم خير سادات وخير حماة

مطاعيم في الإعسار في كل مشهد

مطاعين في الهيجاء بالغزوات

وما النّاس إلّا غاصب ومكذّب

ومضطغن ذو إحنة وترات

ولو قلدوا الموصى إليه امورهم

أخذن بمأمون من العثرات

وصيّ النبي المصطفى وابن عمه

ومفترس الأبطال في الغمرات

فإن جحدوا كان الغدير شهيده

وبدر واحد شامخ الهضبات

وآي من القرآن تتلى بفضله

وإيثاره بالقوت في اللزبات

وغر خلال قد حماها بسبقه

مناقب كانت فيه مؤتنفات

مناقب لم تدرك بكيد ولم تنل

بشيء سوى حدّ القنا الذربات

نحبي لجبريل الأمين وأنّهم

عكوف على العزى معا ومنات

فكيف يحبون النبي ورهطه

وهم تركوا أحشاءه وغرات

لقد لاينوه في المقال وأضمروا

قلوبا على الأحقاد منطويات

سقى الله قبرا بالمدينة غيثه

فقد ضمّ فيه الأمن والبركات

أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا

وقد مات عطشانا بشطّ فرات

إذن للطمت الخدّ فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي

نجوم سماوات بأرض فلاة

قبور بكوفان واخرى بطيبة

واخرى بفخ(١) نالها صلواتي

واخرى بأرض الجوزجان(٢) محلّها

وقبر بباخمرى ،(٣) لدى الغربات

وقبر ببغداد لنفس زكية

تضمّنها الرّحمن بالغرفات

__________________

(١) فخ : واد بمكة قتل فيه الحسين بن الحسن العلوي سنة ١٦٩ ه‍ وجماعة من أهله.

(٢) الجوزجان : موضع في بلخ قتل فيه الداعيان من أولاد الحسن الطالقانية.

(٣) باخمرى : موضع بين الكوفة وواسط قتل فيه إبراهيم الإمام وأصحابه قتله المنصور في السجن.


فأما الممضات التي لست بالغا

مبالغها مني بكنه صفات

قبور بجنب النهر من أرض كربلا

معرّسهم فيها بشطّ فرات

توفوا عطاشى بالفرات فليتني

توفيت فيهم قبل حين وفاتي

سأبكيهم ما حجّ لله راكب

وما ناح قمري على الشجرات

ألم تر أني مذ ثلاثين حجّة

أروح وأغدو دائم الحسرات

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما

وأيديهم من فيئهم صفرات

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم

أكفا عن الأوتار منقبضات

فلولا الذي أرجوه في اليوم أوغد

لقطّعت نفسي إثرهم حسرات

خروج إمام لا محالة خارج

يقوم على اسم الله والبركات

فيا نفس طيبي ثمّ يا نفس فأبشري

فغير بعيد كلّ ما هو آت

لئن قرب الرحمن من تلك مدتي

وأخّر من عمري ووقت مماتي

شفيت ولم أترك بقلبي غصّة

ورويت فيهم منصلي وقناتي

فيا وارثي علم النبي وآله

عليكم سلام دائم النّفحات

إذا لم نناج الله في صلواتنا

بأسمائكم لم يقبل الصلوات

لقد آمنت نفسي بكم في حياتها

وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

١١ ـ ولدعبل من قصيدة اخرى طويلة :

أأسبلت دمع العين بالعبرات

وبت تقاسي شدّة الزفرات؟

وتبكي على آثار آل محمّد

وقد ضاق منك الصدر بالحسرات

ألا فأبكهم حقّا وأجر عليهم

عيونا لريب الدّهر منسكبات

ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم

بداهية من أعظم النكبات

سقى الله أجداثا على طفّ كربلا

مرابع أمطار من المزنات


وصلّى على روح الحسين وجسمه

طريحا على النهرين بالفلوات

قتيلا بلا جرم ينادي لنصره

فريدا وحيدا أين أين حماتي

أأنسي وهذا النهر يطفح ظامئا

قتيلا ومظلوما بغير ترات

فقل لابن سعد أبعد الله سعده

ستلقى عذاب النار واللعنات

سأندب طول الدهر ما هبّت الصبا

وأقنت بالآصال والغدوات

على معشر ضلوا جميعا عن الهدى

وألقوا رسول الله بالكربات

لقد رفعوا رأس الحسين على القنا

وساقوا نساه حسرا ولهات

١٢ ـ ولدعبل من قصيدة أيضا :

يا أمّة قتلت حسينا عنوة

لم ترع حقّ الله فيه فتهتدي

قتلوه يوم الطّف طعنا بالقنا

سلبا وهبرا بالحسام المقصد

ولطالما ناداهم بكلامه

جدي النبي خصيمكم في الموعد

يا قوم إنّ الماء يلمع بينكم

وأموت ظمآن الحشى بتوقّد

قد شفني عطشي وأقلقني الذي

أنا فيه من ثقل الحديد المجهد

فأتاه سهم من يد مشئومة

من قوس ملعون خبيث المولد

يا عين جودي بالدموع وأهملي

وابكي الحسين السيّد ابن السيّد

١٣ ـ ولدعبل أيضا من قصيدة :

منازل بين أكناف الغري

إلى وادي المياه إلى الطوي

تركن الدمع ينبع من فؤادي

كما نبع الدفاع من الركي

لقد شغل الدموع عن الغواني

مصاب الأكرمين بني عليّ

ألم يحزنك أن بني زياد

أصابوا بالترات بني النبيّ؟


وإنّ بني الحصان تعيث فيهم

علانية سيوف بني البغي

ألا فقف الدموع على حسين

وذكرك مصرع الحبر التقي

فيا أسفي على هفوات دهر

تقتل فيه أولاد الزكي

١٤ ـ ولدعبل من قصيدة :

إن كنت محزونا لمهلك ولد

هلّا بكيت لمن بكاه محمّد؟

هلا بكيت على الحسين وقتله

إنّ البكاء على الحسين ليحمد؟

فلقد بكته من السماء ملائك

زهر كرام راكعون وسجّد

لم يحفظوا حقّ النبي محمد

إذ جرّعوه حرارة ما تبرد

أنسيت إذ سارت إليه كتائب

فيها ابن سعد والطغاة الجحد؟

فسقوه من جرع الحتوف بمشهد

كثر العدو به وقلّ المسعد

ثم استباحوا الطاهرات حواسرا

فالشمل من بعد الحسين مبدّد

وتضعضع الإسلام يوم مصابه

فالدّين يبكي فقده والسؤدد

كيف القرار وفي السبايا زينب

تدعوا شجا يا جدّنا يا أحمد

هذا حسين بالسيوف مقطّع

متخضب بدمائه مستشهد

عار بلا كفن صريع في الثرى

تحت الحوافر والسنابك يخضد

والطيّبون بنوك قتلى حوله

فوق التراب ذبائح لا تلحد

يا جدّ من ثكلي وطول مصيبتي

فيما اعاينه أقوم وأقعد

يا جدّ قد منعوا الفرات وقتلوا

عطشا فكان من الداء المورد

يا جدّ إنّ الكلب يشرب آمنا

ريّا ونحن عن الفرات نطرد

١٥ ـ وللشريف نقيب النقباء ـ ببغداد ـ الرضي الموسوي(١) من قصيدة :

__________________

(١) هو الشهير بالرضي أخي المرتضى المتوفى سنة ٤٠٥ ه‍.


شغل الدموع عن الديار بكاؤها

لبكاء فاطمة على أولادها

وا لهفتاه لعصبة علوية

تبعت اميّة بعد عزّ قيادها

الله سابقكم إلى أرواحها

وكسبتم الآثام في أجسادها

إن قوّضت تلك القباب فإنما

خرّت عماد الدّين قبل عمادها

هي صفوة الله التي أوحى لها

وقضى أوامره إلى أمجادها

يروي مناقب فضلها أعداؤها

أبدا ويسندها إلى أضدادها

يا غيرة الله اغضبي لنبيه

وتزحزحي بالبيض عن أغمادها

من عصبة ضاعت دماء محمّد

وبنيه بين يزيدها وزيادها

صفدات مال الله ملء أكفها

وأكفّ آل الله في أصفادها

ضربوا بسيف محمّد أبناءه

ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة

تترقّص الأحشاء من ايقادها؟

١٦ ـ وللشريف أيضا من قصيدة طويلة :

سقى الله المدينة من محل

لباب الودق بالنطف العذاب

وجاد على البقيع وساكنيه

رخي الذيل ملآن الوطاب(١)

وأعلام الغري وما أطاقت

معالمها على الحسب اللباب

وقبرا بالطفوف يضمّ شلوا

قضى ظمأ إلى برد الشراب

وبغداد وسامرا وطوسا

هطول الودق منخرق العباب

بكم في الشعر فخري لا بشعري

وعنكم طال باعي في الخطاب

ومن أولى بكم منّي ولاء

وفي أيديكم طرف انتسابي؟

__________________

(١) الوطاب : السقاء.


١٧ ـ ولأبي الحسن عليّ بن أحمد الجوهري الجرجاني(١) من قصيدة يمدح بها أهل البيتعليهم‌السلام :

وجدي بكوفان لا وجدي لكوفان

تهمي عليه ضلوعي قبل أجفاني

أرض إذا نفحت ريح العراق بها

أتت بشاشتها أقصى خراسان

فمن قتيل بأعلى كربلاء على

جهد الصدى(٢) فتراه غير صديان

وذي صفائح يستسقي النقيع به

ريّ الجوانح من روح وريحان

هذا قسيم رسول الله من آدم

قدا معا مثلما قد الشراكان

وذان سبطا رسول الله جدّهما

وجه الهدى وهما في الوجه عينان

واخجلتا من أبيهم يوم يشهدهم

مضرّجين نشاوى من دم قان

يقول يا أمّة خف الضلال بها

فاستبدلت للعمى كفرا بطغيان

ما ذا جنبت عليكم إذ أتيتكم

بخير ما جاء من آي وفرقان

ألم أجركم وأنتم في ضلالتكم

على شفا حفرة من حرّ نيران

ألم اؤلف قلوبا منكم فرقا

مثارة بين أحقاد وأضغان

ألم أكن فيكم غوثا لمضطهد

ألم أكن فيكم ماء لظمآن

أما تركت كتاب الله بينكم

وآلي الغرّ في جمع وقرآن

قتلتم ولدي صبرا على ظمأ

هذا وترجون عند الحوض إحساني

سبيتم ثكلتكم امهاتكم

بني البتول وهم روحي وجثماني

مزّقتم ونكثتم عهد والدهم

وقد قطعتم بذاك النكث أقراني

يا ربّ خذ لي منهم إذ هم ظلموا

كرام رهطي وراموا هدم بنياني

ما ذا تجيبون والزهراء خصمكم

والحاكم الله للمظلوم والجاني

__________________

(١) كان من شعراء الصاحب وتوفي حوالي سنة (٣٨٠ ه‍).

(٢) الصدى : العطش.


أهل الكساء صلاة الله ما نزلت

عليكم الآي من مثنى ووحدان

أنتم نجوم بني حوّاء ما طلعت

شمس النهار وما لاح السماء كان

ما زلت منكم على شوق يهيجني

والدهر يأمرني فيه وينهاني

حتى توصلت والتوحيد راحلتي

والعدل زادي وتقوى الله امكاني

هذي حقائق لفظ كلما برقت

ردت بلألائها أبصار عميان

هي الحلى لبني طه وعترته

وهي الردى لبني حرب ومروان

وهي الجواهر جاء الجوهري بها

محبّة لكم من أرض جرجان

١٨ ـ ولأبي الحسن الجوهري أيضا من قصيدة طويلة :

أهل عاشور! يا لهفي على الدين

خذوا حدادكم يا آل ياسين

اليوم شقق جيب الدين وانتهبت

بنات أحمد نهب الروم والصين

اليوم قام بأعلى الطّف نادبهم

يقول من ليتيم أو لمسكين

اليوم خرت نجوم الفخر من مضر

على مناخر تذليل وتوهين

اليوم خضب شيب المصطفى بدم

أمسى عبير نحور الخرد العين

اليوم اطفئ نور الله متقدا

وبرقعت غرّة الإسلام بالهون

اليوم زعزع قدس من جوانبه

وطاح رضوى على أنف وعرنين

اليوم عقوا على الزهراء كلها

وساوروها بتنكيب وتهوين

اليوم نال بنو حرب طوائلهم

مما صلوه ببدر ثمّ صفين

اليوم جدل سبط المصفى شرقا

من نفسه بنجيع غير مسنون

زادوا عليه بحبس الماء غلّته

فيا لرأي فريق فيه مغبون

نالوا أزمّة دنياهم ببغيهم

فليتهم سمحوا منها بماعون

حتى أصات بقنسرين راهبها(١)

يا عصبة الغيّ يا حزب الشياطين

__________________

(١) يشير الى قصّة الراهب وما فعل يزيد بالراس واسلم الراهب فقتل.


أتهزءون برأس بات منتصبا

على القنا بجبين منه ميمون؟

آمنت ويحكم بالله مهتديا

مستبدلا لي دين الرأس من ديني

قد جدلوه صريعا فوق جبهته

وقسّموه بأطراف السكاكين

وأوقروا صهوات الخيل من آخر

على أساراهم فعل الفراعين

مصفّدين على أقتاب أرحلهم

محمولة بين مضروب ومطعون

أطفال فاطمة الزهراء قد فطموا

من الثدي بأنياب الثعابين

يا أمّة ولي الشيطان رايتها

ومكّن الغيّ منها كل تمكين

يا ابني زياد وهند ترجوان غدا

روح الجنان بمقذوف وملعون

ما المرتضى وبنوه من معاوية

وما الفواطم من هند وميسون

آل الرسول عباديد السيوف فمن

سار على وجهه خوفا ومسجون

يا عين لا تدّعي شيئا لغادية

تهمي ولا تدعى دمعا لمحزون

سحي على جدث بالطف وانتفضي

بكل لؤلؤ دمع فيك مكنون

يا آل أحمد إنّ الجوهري لكم

سيف يقطع عنكم كل موضون

١٩ ـ ولبعضهم(١) قصيدة طويلة ، انتخبت منها :

إذا جاء عاشور تضاعف حسرتي

لآل رسول الله وانهل دمعتي

هو اليوم فيه اغبرت الأرض كلّها

شجونا عليهم والسّماء اقشعرت

مصائب ساءت كلّ من كان مسلما

ولكن عيون الفاجرين أقرب

إذا ذكرت نفسي مصيبة كربلا

وأشلاء سادات بها قد تفرت

أضاقت فؤادي واستباحت تجلدي

وزادت على كربي وعيشي أمرت

اريقت دماء الفاطميين بالفلا

فلو عقلت شمس النهار لخرت

__________________

(١) وهي المنسوبة إلى عبد الله بن عمار البرقي ، المقتول سنة ٢٤٥ ه‍ ، قطع لسانه وخرق ديوانه بسبب شعره.


ألا بأبي تلك الدماء التي جرت

بأيدي كلاب في الجحيم استقرت

توابيت من نار عليهم قد اطبقت

لهم زفرة في جوفها بعد زفرة

فشتان من في النّار في جوف طابق

ومن هو في الفردوس فوق الأسرّة

بنفسي خدود في التراب تعفّرت

بنفسي جسوم بالعراء تعرّت

بنفسي رءوس مشرقات على القنا

إلى الشام تهدى بارقات الاسرة(١)

بنفسي شفاه ذابلات من الظمأ

ولم ترو من ماء الفرات بقطرة

بنفسي عيون غائرات شواخص

إلى الماء منها نظرة بعد نظرة

بنفسي من آل النبي خرائد

حواسر لم يرأف عليها بسترة

تفيض دموعا بالدّماء مشوبة

كقطر الغوادي من مدامع ثرة

على خير قتلى من كهول وفتية

مصاليت أنجاد(٢) إذا الخيل كرت

ربيع اليتامى والأرامل في الملا

دوارس للقرآن في كلّ سحرة

وأعلام دين المصطفى وولاته

وأصحاب قربان وحجّ وعمرة

ينادين يا جدّاه أية محنة

تراها علينا من أميّة مرت؟

ضغائن بدر بعد ستين أظهرت

وكانت أجنت في الحشا وأسرت

شهدت بأن لم ترض نفس بهذه

وفيها من الإسلام مثقال ذرة

كأني ببنت المصطفى قد تعلّقت

يداها بساق العرش والدمع أذرت

وفي حجرها ثوب الحسين مضرّجا

وعنها جميع العالمين بحسرة

تقول ايا عدل اقض بيني وبين من

تعدى على ابني بعد قهر وقسوة

أجالوا عليه بالصوارم والقنا

وكم جال فيهم من سنان وشفرة؟

على غير جرم غير انكار بيعة

لمنسلخ عن دين أحمد عرة

__________________

(١) الأسرة : غضون الجبهة.

(٢) المصاليت : جمع مصلات وهو الرجل الماضي بعزمه.


فيقضي على قوم عليه تألّبوا

بسوء عذاب النار من غير فترة

ويسقون من ماء الصديد إذا دنا

شوى الوجه والأمعاء منه تهرت

مودّة ذي القربى رعوها كما ترى

وقول رسول الله أوصي بعترتي

فكم فجرة قد أتبعوها بفجرة؟

وكم غدرة قد ألحقوها بغدرة؟

هم أول العادين ظلما على الورى

ومن ساد فيهم بالأذى والمضرة

مضوا وانقضت أيامهم وعهودهم

سوى لعنة باءوا بها مستمرة

لآل رسول الله ودّي خالصا

كما لمواليهم ولائي ونصرتي

وها أنا مذ أدركت حدّ بلاغتي

اصلّي عليهم في عشيّي وبكرتي

وقول النبيّ المرء مع من أحبه

يقوّي رجائي في إقالة عثرتي

على حبهم يا ذا الجلال توفني

وحرّم على النيران شيبي وكبرتي

٢٠ ـ وللصّاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد(١) من قصيدة جيدة طويلة انتخبت منها مقدارا :

بلغت نفسي مناها

بالموالي آل طه

برسول الله من حا

ز المعالي وحواها

وببنت المصطفى من

أشبهت فضلا أباها

وأخيه الأسد

الباسل في يوم وغاها

وبحبّ الحسن البا

لغ في العليا مداها

والحسين المرتضى

يوم المساعي إذ حواها

ليس فيهم غير نجم

قد تعالى وتناهى

عترة أصبحت الدّنيا

جميعا في حماها

__________________

(١) توفي سنة ٣٨٥.


نابذتهم عصب البغي

بأنواع عماها

أردت الأكبر بالسمّ

وما كان كفاها

وأنبرت تبغي حسينا

وعرته وعراها

منعته شربة والو

حش قد أروت صداها

فأفاتت نفسه يا

ليت روحي قد فداها

بنته تدعو أباها

اخته تبكي أخاها

لو رأى احمد ما كا

ن دهاه ودهاها

ورأى زينب إذ شمر

أتاها وسباها

لشكا الحال إلى الله

وقد كان شكاها

وإلى الله سيأتي

وهو أولى من جزاها

٢١ ـ وللصاحب أيضا من قصيدة منتخبة :

ما لعليّ العلاء أشباه

لا والذي لا إله إلّا هو

مبناه مبني النبي تعرفه

وابناه عند التفاخر ابناه

لو طلب النجم داس أخمصه(١)

أعلاه والفرقدان نعلاه

يا بابي السيد الحسين وقد

جاهد في الدين يوم بلواه

يا بابي أهله وقد قتلوا

من حوله والعيون ترعاه

يا قبّح الله أمّة خذلت

سيدها لا تريد ارضاه

وأبعد الله جيفة نجسا

يقرع من بغضه ثناياه

٢٢ ـ وللصاحب أيضا من قصيدة منتخبة :

برئت من الأرجاس رهط اميّة

لما صحّ عندي من قديم عدائهم

__________________

(١) الأخمص : باطن القدم.


ولعنهم خير الوصيين جهرة

لكفرهم المعدود في شرّ دائهم

وقتلهم السادات من آل هاشم

وسبيهم عن جرأة لنسائهم

وذبحهم خير الرجال أرومة

حسين العلا بالكرب في كربلائهم

وتشتيتهم شمل النبيّ محمد

لما ورثوا من بغضه في فنائهم

وما غضبت إلا لأصنامها التي

اذلت وهم أنصارها لشقائهم

فيا ربّ جنبني المكاره واعف عن

ذنوبي لما أخلصته من ولائهم

ويا ربّ أعدائي كثير فردّهم

بغيظهم لا يظفروا بابتغائهم

ويا ربّ من كان النبي وأهله

وسائله لم يخش من غلوائهم

حسين توسل لي إلى الله إنني

بليت بهم فادفع عظيم بلائهم

فكم قد دعوني رافضيا لحبكم

فلم يثنني عنكم طويل عوائهم

٢٣ ـ وللصاحب أيضا من قصيدة منتخبة جيدة :

يا أصل عترة أحمد ولاك لم

يك أحمد المبعوث ذا أعقاب

ردت عليك الشمس وهي فضيلة

بهرت فلم تستر بكفّ نقاب

لم أحك إلا ما روته نواصب

عادتك فهي مباحة الأسلاب

عوملت يا تلو النبي وصنوه

بأوابد(١) جاءت بكل عجاب

قد لقّبوك أبا تراب بعد ما

باعوا شريعتهم بكفّ تراب

أتشك في لعني أميّة بعد ما

جارت على الأحرار والأطياب

قتلوا الحسين فيا لعولي بعده

وطويل حزني أو أصير لما بي

وسبوا بنات محمد فكأنما

طلبوا ذحول(٢) الفتح والأحزاب

مهلا ففي يوم القيامة غنية

والنار باطشة بسوط عذاب

__________________

(١) الاوابد : الدواهي.

(٢) الذحول : الثارات.


٢٤ ـ وللصاحب أيضا من قصيدة طويلة :

اجروا دماء أخي النبيّ محمد

فلتجر غزر دموعنا ولتهمل

ولتصدر اللعنات غير مزالة

لعداه من ماض ومن مستقبل

وتجرّدوا لبنيه ثم بناته

بعظائم فاسمع حديث المقتل

منعوا الحسين الماء وهو مجاهد

في كربلاء فنح كنوح المعول

منعوه أعذب منهل وهم غدا

يردون في النيران أو خم منهل

أيجزّ رأس ابن النبي وفي الورى

حيّ أمام ركابه لم يقتل؟

وبنو السفاح تحكّموا في أهل

حيّ على الفلاح بفرصة وتعجل

نكت الدّعي ابن البغي ضواحكا

هي للنبي الخير خير مقبل

تمضي بنو هند سيوف الهند في

أوداج أولاد النبيّ المرسل

ناحت ملائكة السماء لقتلهم

وبكت فقد سقوا كئوس الذبل

وأرى البكاء على الزمان محللا

والضحك بعد الطّف غير محلّل

كم قلت للأحزان دومي هكذا

وتنزلي في القلب لا تترحّل

٢٥ ـ ولبديع الزمان أحمد بن الحسين الهمداني(١) :

يا لمة ضرب الزمان

على معرسها خيامه

لله درك من خزامي

روضة عادت ثغامه

لرزية قامت بها

للدين أشراط القيامة

لمضرّج بدم النبوة

ضارب بيد الإمامه

متقسم بظبا السيوف

مجرّع منها حمامه

منع الورود وماؤه

منه على طرف الثمامه

__________________

(١) هو الشاعر المعروف صاحب المقامات توفي مسموما سنة ٣٩٨ ه‍.


نصب ابن هند رأسه

فوق القنا نصب العلامة

ومقبل كان النبيّ

بلثمه يشفي غرامه

قرع ابن هند بالقضيب

عذابه فرط استضامه

وشدا بنغمته عليه

وصب بالفضلات جامه

والدين أبلج ساطع

والعدل ذو خال وشامه

يا ويح من ولّى الكتاب

قفاه والدّنيا أمامه

ليضرسنّ يد الندامة

حين لا تغني الندامه

وليدركنّ على الغرامة

سوء عاقبة الغرامة

وحمى أباح بنو يزيد

على طوائلهم حرامه

حتى اشتفوا من يوم بدر

واستبدوا بالزعامه

لعنوا أمير المؤمنين

بمثل إعلان الإقامه

لم لم تخري يا سماء

ولم تصبي يا غمامه؟

لم لم تزولي يا جبال

ولم تشولي يا نعامه؟

يا لعنة صارت على

أعناقهم طوق الحمامه

إنّ الإمامة لم تكن

دون البتول ولإكرامه

من سبط هند وابنها

وضرّجي بدم رغامه

يا عين! جودي للبقيع

وقبّلي عني مقامه

جودي على جدث الغري

ووفّري عني ذمامه

جودي لمشهد كربلا

أجد بما جاد ابن مامه

جودي بمسكوب الدموع

وأرسلي بددا نظامه

جودي بمكنون الدموع

للئيم ما تحت العمامة


٢٦ ـ ولبعضهم من قصيدة طويلة انتخبت منها قدرا :

تمسك بالكتاب ومن تلاه

فأهل البيت هم أهل الكتاب

لهم نزل الكتاب وهم تلوه

وهم كانوا الهداة إلى الصواب

شفيعي في القيامة عند ربي

نبي والوصي أبو تراب

إمام وحّد الرحمن طفلا

وآمن قبل تشديد الخطاب

عليّ كان صديق البرايا

عليّ كان فاروق العذاب

وفاطمة البتول وسيدا من

يخلد في الجنان من الشباب

على الطف السّلام وساكنيه

وروح الله في تلك القباب

مضاجع سادة قتلوا فناموا

هجودا في الفدافد والشعاب

لديهم في مضاجعهم كعاب

بأرواق منعّمة رطاب

وصيرت القبور لهم قصورا

مناخا ذات أفنية رحاب

لئن وارتهم أطباق ارض

فإنّ السيف يغمد في القراب

كأقمار إذا طلعوا وضاء

وآساد إذا ركبوا غضاب

لقد كانوا الثمال لمن أتاهم

من العافين والهلكى السياب

وقد نقلوا إلى جنات عدن

وجوزوا بالنعيم وبالثواب

أيبخل بالفرات على حسين؟

وقد أضحى مباحا للكلاب؟!

وآل محمد تضحى سبايا

يسقن مع الاسارى والنهاب

مغبّرة الذيول مكشفات

كسبي الروم دامية الكعاب

لئن ابرزن كرها من حجاب

فهنّ من التعفف في حجاب

ولي قلب عليهم ذو التهاب

ولي جفن عليهم ذو انسكاب

وسوف يرى الاولى ظلموا وجاروا

عقاب الله في يوم الحساب


٢٧ ـ ولدعبل بن عليّ الخزاعي من قصيدة طويلة جيدة :

جاءوا إلى الشام المشومة أهلها

بالشوم يقدم جندهم ابليس

لعنوا وقد لعنوا بقتل إمامهم

تركوه وهو مبضّع محموس

وسبوا فوا حزنا بنات محمد

عبرى حواسر ما لهنّ لبوس

تبا لكم يا ويلكم أرضيتم

بالنار ذلّ هنالك المحبوس؟

يعتم لدنيا غيركم جهلا لكم

عزّ الحياة وأنه لنفيس

اخسر بها من بيعة اموية

لعنت وحظ البائعين خسيس

بؤسا لمن بايعتم فكأنني

بإمامكم وسط الجحيم حبيس

يا آل أحمد ما لقيتم بعده

من عصبة هم في القياس مجوس

صبرا موالينا فسوف ينيلكم

يوم على آل اللعين عبوس

ما زلت متبعا لكم ولأمركم

وعليه نفسي ما حييت أسوس

٢٨ ـ ولجعفر بن عفان الطائي(١) :

ليبك على الإسلام من كان باكيا

فقد ضيعت أحكامه واستحلت

غداة حسين للرماح درية

وقد نهلت منه السيوف وعلت

وغودر في الصحراء لحما مبددا

عليه عاق الطير باتت وظللت

فما نصرته أمّة السوء إذ دعا

لقد طاشت الأحلام منها وضلّت

بلى قد محوا أنوارهم بأكفهم

فلا سلمت تلك الأكف وشلّت

وذكرهم جهدا بحقّ محمد

فإنّ ابنه من نفسه حيث حلّت

فما حفظوا قرب الرسول ولا رعوا

وزلّت بهم أقدامهم واستزلّت

أذاقته حرّ القتل أمّة جدّه

هفت نعلها في كربلاء وزلّت

__________________

(١) شاعر شهير ذكره المرزباني في شعراء الشيعة ، توفّي في حدود سنة ١٥٠ ه‍.


فلا قدّس الرّحمن منها نفوسها

إن هي صامت للإله وصلّت

كما أفجعت بنت الرسول بنسلها

وكانوا حماة الحرب حيث استقلت

وكانوا سرورا ثم عادوا رزية

لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت

٢٩ ـ ولجعفر بن عفان أيضا من قصيدة طويلة انتخبت منها هذه الأبيات :

تبكي العيون لركن الدين حين وهى

وللرزايا العظيمات الجليلات

هل لامرئ عاذر في خزن اوهمه

بعد الحسين وسبي الفاطميات؟

أم هل لمكتئب حران أفقده

لذاذة العيش تكرار الفجيعات؟

قضت على آل خير الخلق كلّهم

وهم غياث البرايا في الملمات

مثل النجوم الدراري يستضاء بها

إن غاب نجم بدا نجم لميقات

يا أمّة السوء هاتوا ما حجاجكم

إذا برزتم لجبّار السماوات

وأحمد خصمكم والله منصفه

إن قال في جمعكم دون المحاباة

ألم ابين لكم ما فيه رشدكم

من الحال ومن ترك الخطيئات

فما صنعتم أضل الله سعيكم

فيما عهدت إليكم من وصياتي؟

أما بني فمقتول ومكتبل

وهارب في رءوس المشمخرات

وقد أخفتم بناتي بين أظهركم

ما ذا أردتم شقيتم من بنياتي؟

ينقلن من عند جبار يؤنبها

لآخر مثله نقل السبيات

٣٠ ـ وللناشي علي بن وصيف(١) مما يناح به في المآتم :

اما شجاك يا سكن

قتل الحسين والحسن

__________________

(١) هو الشاعر المعروف بالناشي الصغير ، توفي سنة ٣٦٦ ه‍.


ظمأت من فرط الحزن

وكلّ وغد ناهل

* * *

يقول يا قوم أبي

عليّ البر الأبي

وفاطم بنت النبي

أمي وعني سائلوا

* * *

منّوا على طفلي بما

فقد ضرا فيه الظما

ولم يكن قد أجرما

حيث الفرات سائل

* * *

قالوا فلن يرتويا

فإن تجيء مستجديا

فانزل بحكم الأدعيا

فقال بل اناضل

* * *

حتى أتاه مشقص

رماه وغد أبرص

من سقر لا يخلص

رجس دعي واغل

* * *

فاجمعوا لختله

واعصوصبوا لقتله

وذبحه مع طفله

فاستنت المناصل

* * *

فوصلوا عرينه

وخضبوا جبينه

بالدم يا معينه

ما أنت عنه غافل

* * *

وانتهكوا حريمه

وذبحوا فطيمه

وقيدوا سقيمه

وسيقت الحلائل


يسقن بالتنائف

في ضجّة الهواتف

وأدمع ذوارف

عقولها ذو اهل

* * *

يصحن يا محمّد

يا جدّنا يا أحمد

قد أسرتنا الأعبد

فكلّنا ثواكل

* * *

تهدى سبا من كربلا

إلى الشام في الفلا

ينفثن كربا وبلا

ليس لهنّ كافل

* * *

الى يزيد الطاغية

معدن كلّ داهيه

من نحو باب الجابية

فجاحد وخاذل

* * *

حتى دنا بدر الدّجى

رأس الإمام المرتجى

في طست معدوم الحجى

وهو اللعين القاتل

* * *

أمال في بنانه

قضيب خيزرانه

ينكت في أسنانه

قطعت الأنامل

* * *

فيا عيوني اسكبي

على بني بنت النبي

بفيض دمع واهضبي

كذاك يبكي العاقل

* * *


٣١ ـ ولمنصور بن سلمة بن الزبرقان النمري(١) من قصيدة جيدة :

متى يشفيك دمعك من همول

وببرد ما بقلبك من غليل؟

وقد شرقت رماح بني زياد

بري من دماء بني الرسول

فؤادك والسلو فإنّ قلبي

ليأبى أن يعود إلى ذهول

فيا طول الأسى من بعد قوم

أدير عليهم كأس الافول

تعاورهم أسنّة آل حرب

وأسياف قليلات الفلول

فما وجدت على الأعقاب منهم

ولا الانفاء آثار النصول

ولكن الوجوه مكلّمات

وفوق صدورهم مجرى السيول

اريق دم الحسين ولم يراعوا

وفي الأحياء أموات العقول

فدت نفسي جبينك من جبين

جرى دمه على الخدّ الأسيل

أيخلو قلب ذي ورع ودين

من الأحزان والألم الطويل

وأوصال الحسين ببطن قاع

ملاعب للدبور والقبول؟

بتربة كربلاء له ديار

نيام الأهل دارسة الطلول

تحيات ومغفرة وروح

على تلك المحلّة والحلول

قتيل ما قتيل بني زياد

ألا بأبي ونفسي من قتيل

برئنا يا رسول الله ممن

أصابك بالأذية والذحول

٣٢ ـ ولمنصور بن سلمة هذا من قصيدة جيدة جدا :

شاء من الناس راتع هامل

يعللون النفوس بالباطل

تقتل ذريّة النبي ويرجو

ن خلود الجنان للقاتل

ويلك يا قاتل الحسين لقد

جئت بعبء ينوء بالحامل

__________________

(١) الشاعر المعروف قتله الرشيد برأس عين سنة ـ ١٩٠ ه‍.


أيّ حياء حبوت أحمد في

حفرته من حرارة الثاكل

بأيّ وجه تلقى النبي وقد

دخلت في قتله مع الداخل

هلم فاطلب غدا شفاعته

أولا فرد حوضه مع الناهل

لا شكّ عندي في كفر قاتله

لكنني قد أشكّ في الخاذل

نفسي فداء الحسين يوم غدا

إلى المنايا غدو لا قافل

ذلك بوم أخنى بكلكله

على سنام الإسلام والكاهل

مظلومة والنبيّ والدها

تدير أرحاء مقلة حافل

ألا مساعير يغضبون لها

بسلة البيض والقنا الدابل

كم ميت منهم بغصته

مقترب القر بالعرا نازل

ما انتجت حوله قرابته

عند مقاساة يومه النازل

أذكر منهم ما قد أصابهم

فيمنع القلب سلوة الذاهل

حتى متى أنت تعجبين ألا

ينزل بالقوم بأسه العاجل

لا يعجل الله إن عجلت وما

ربك عما ترين بالغافل

ما حصلت لامرئ سعادته

حقّت عليه عقوبة الآجل

أعاذلي أنني احبّ بني

أحمد والترب في فم العاذل

دنت بما أنتم عليه وما

رجعت عن دينكم إلى باطل

دينهم جفوة النبي وما

الجافي لآل النبي كالواصل

٣٣ ـ ولسليمان بن قتّة الخزاعي(١) من قصيدة :

مررت على أبيات آل محمد

فلم ارها أمثالها حين حلت

فلا يبعد الله الديار واهلها

وان أصبحت منهم برغمي تخلت

__________________

(١) هو هاشمي الولاء أمه قتة وأبوه حبيب ، توفّي بدمشق سنة ١٢٦ ه‍.


ألم تر أن الأرض أمست مريضة

لفقد حسين والبلاد اضمحلت؟

وقد طفقت تبكي السماء لفقده

وانجمها ناحت عليه وحنت

ألا ان قتلى الطف من آل هاشم

أذلت رقاب المسلمين فذلّت

وكانوا غياثا ثم أضحوا رزية

الا عظمت تلك الرزايا وجلّت

إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها

وتقتلنا قيس اذا النعل زلت

وعند غنى قطرة من دمائنا

سنطلبهم يوما بها حيث ولّت

٣٤ ـ وللصاحب إسماعيل بن عباد الوزير كافي الكفاة :

عين جودي على الشهيد القتيل

واتركي الخد كالمحل المحيل

كيف يشفى البكاء في قتل مولا

ي إمام التنزيل والتأويل

ولو أنّ البحار صارت دموعي

ما كفتني لمسلم بن عقيل

قاتلوا الله والنبي ومولا

هم عليا إذ قاتلوا ابن الرّسول

صرعوا حوله كواكب دجن

قتلوا حوله ضراغم غيل

إخوة كل واحد منهم ليث

عرين وحد سيف صقيل

أوسعوهم طعنا وضربا ونحرا

وانتهابا يا ضلة من سبيل

والحسين الممنوع شربة ماء

بين حرّ الظبا وحرّ الغليل

مثكل بابنه وقد ضمّه وهو

غريق من الدماء الهمول

فجعوه من بعده برضيع

هل سمعتم بمرضع مقتول؟

ثمّ لم يشفهم سوى قتل نفس

هي نفس التكبير والتهليل

هي نفس الحسين نفس رسول الله

نفس الوصيّ نفس البتول

ذبحوه ذبح الأضاحي فيا قلب

تصدّع على العزيز الذليل

وطئوا جسمه وقد قطعوه

ويلهم من عقاب يوم وبيل


أخذوا رأسه وقد بضعوه

إنّ سعي الكفار في تضليل

نصبوه على القنا فدمائي

لا دموعي تسيل كلّ مسيل

واستباحوا بنات فاطمة الز

هراء لما صرخن حول القتيل

حملوهن قد كشفن على الاقتا

ب سبيا بالعنف والتهويل

يا لكرب بكربلاء عظيم

ولرزء على النبيّ ثقيل

كم بكى جبرئيل مما دهاه

في بنيه صلّوا على جبرئيل؟

سوف تأتي الزهراء تلتمس الحكم

إذا حان محشر التعديل

وأبوها وبعلها وبنوها

حولها والخصام غير قليل

وتنادي يا رب ذبح أولادي

لما ذا وأنت خير مديل؟

فينادي بمالك ألهب النار

وأجّج وخذ بأهل الغلول

يا بني المصطفى بكيت وأبكيت

ونفسي لم تأت بعد بسول

ليت روحي ذابت دموعا فأبكي

للذي نالكم من التذليل

فولائي لكم عتادي وزادي

يوم ألقاكم على سلسبيل

لي فيكم مدائح ومراث

حفظت حفظ محكم التنزيل

قد كفاني في الشرق والغرب فخرا

أن يقولوا من قيل إسماعيل

ومتى كادني النواصب فيكم

حسبي الله وهو خير وكيل

٣٥ ـ وللصاحب أيضا من قصيدة طويلة انتخبت منها :

هم أكدوا أمر الدعي

يزيد منفوظ السفاح

فسطا على روح الحسين

وأهله جم الجماع

صرعوهم قتلوهم

نحروهم نحر الأضاحي

يا دمع حيّ على انسفاك

ثم حتى على انسفاح


في أهل حيّ على الصّلاة

وأهل حيّ على الفلاح

يحمي يزيد نساءه

بين النضائد والوشاح

وبغات أحمد قد كشفن

على حريم مستباح

ليت النوائح ما سكتن

عن النياحة والصياح

يا سادتي لكم ودادي

وهو داعية امتداحي

وبذكر فضلكم اغتبا

في كلّ يوم واصطباحي

لزم ابن عباد ولاءكم

الصريح بلا براح

٣٦ ـ ولأبي الرّميح الخزاعي(١) من قصيدة :

أجالت على عيني سحائب عبرة

فلم تصح بعد الدمع حتى ارمعلت(٢)

نبكي على آل النبي محمّد

وما أكثرت في الدمع لا بل اقلت

اولئك قوم لم يشبعوا سيوفهم

ولم تكثر القتلى بها حين سلت

٣٧ ـ ولعقبة بن عميق السهمي(٣) وهو أول شعر رثي به الحسينعليه‌السلام .

مررت على قبر الحسين بكربلاء

ففاض عليه من دموعي غزيرها

وما زلت أبكيه وأرثي لشجوه

ويسعد عيني دمعها وزفيرها

وبكيت من بعد الحسين عصائبا

أطافت به من جانبيه قبورها

إذا العين قرّت في الحياة وأنتم

تخافون في الدنيا فأظلم نورها

سلام على أهل القبور بكربلاء

وقل لها مني سلام يزورها

__________________

(١) هو عمير بن مالك الخزاعي ، ذكره ابن النديم ، والمرزباني ، وانشد هذه الابيات فاطمة بنت الحسين ، وتوفي سنة ١٠٠ ه‍ تقريبا.

(٢) ارمعلت العين : تنابع دمعها.

(٣) هو من بني سهم بن عوف بن غالب من أهل المائة الأولى.


سلام بآصال العشي وبالضحى

توديه نكباء الرياح وموردها

ولا برح الوفاد زوار قبره

يفوح عليهم مسكها وعبيرها

٣٨ ـ وللكميت بن زيد الأسدي من قصيدة انتخبت منها :

أضحكني الدهر وأبكاني

والدهر ذو صرف وألوان

لتسعة بالطفّ قد غودروا

فيها جميعا رهن أكفان

وستة لا يتمارى بهم

بنو عقيل خير فرسان

وابن علي الخير مولاهم

فذكرهم هيج أشجاني

٣٩ ـ ولسليمان بن قتّة الخزاعي ، وأنشدنيه ركن الإسلام أبو الفضل الكرماني ، عن محمّد بن الحسين الأرسابندي :

عين جودي بعبرة وعويل

واندبي إن بكيت آل الرسول

وأندبي تسعة لصلب عليّ

قد اصيبوا وستة لعقيل

وأندبي شيخهم فليس إذا ما

ضمن بالخير شيخهم بالبخيل

وأندبي إن ندبت عونا أخاهم

ليس فيما ينوبهم بخذول

وسمي النبيّ غودر فيهم

قد علوه بصارم مصقول

٤٠ ـ وللسري الرفاء(١) من قصيدة جاء منها هذا :

أقام روح وريحان على جدث

ثوى الحسين به ظمآن آمينا

كأنّ أحشاءنا من ذكره أبدا

تطوى على الجمر أو تحشى السكاكينا

مهلا فما نقضوا آثار والده

وإنما نقضوا فيقتله الدينا

__________________

(١) هو صاحب الديوان المطبوع المتوفى سنة ٣٦٦ ه‍.


٤١ ـ ولكشاجم(١) من قصيدة طويلة :

إذا تفكرت في مصابهم

أثقب زند الهموم قادحه

فبعضهم قربت مصارعه

وبعضهم بعدت مطارحه

اظلم في كربلاء يومهم

ثمّ تجلى وهم ذبائحه

ذلّ حماه وقلّ ناصره

ونال أقوى مناه كاشحه

٤٢ ـ وللسوسي(٢) الشاعررحمه‌الله تعالى من قصيدة :

لهفي على السبط وما ناله

قد مات عطشانا بكرب الظما

لهفي لمن نكس من سرجه

ليس من الناس له من حمى

لهفي على بدر الهدى إذ علا

في رمحه يحكيه بدر الدّجى

لهفي على النسوة إذ أبرزت

تساق سبيا بالعنا والجفا

لهفي على تلك الوجوه التي

ابرزن بعد الصون بين الملا

لهفي على ذاك العذار الذي

علاه بالطّف تراب العرا

لهفي على ذاك القوام الذي

حنته بالطف سيوف العدى

٤٣ ـ وله أيضا من قصيدة :

كم دموع ممزوجة بالدماء

سكبتها العيون في كربلاء؟

لست أنسى على الطفوف حسينا

مفردا بين صحبه بالعراء

وكأني به وقد خرّ في الترب

صريعا مخضّبا بالدماء

وكأني به وقد لحظ النسوان

يسلبن مثل هتك الاماء

__________________

(١) هو محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك أبو الفتح الرملي ، يعرف بكشاجم ، له ديوان مطبوع ، توفي سنة ٣٥٠ ه‍.

(٢) هو محمد بن عبد العزيز الكاتب بحلب المتوفى حوالي سنة ٣٧٠ ه‍.


٤٤ ـ وله أيضا من قصيدة :

لا عذر للشيعي يرقى دمعه

ودم الحسين بكربلاء اريقا

يا يوم عاشوراء قد غادرتني

ما عشت في بحر الدموع غريقا

فيك استبيح حريم آل محمّد

وتمزّقت أسبابهم تمزيقا

أأذوق طعم الماء وابن محمد

ما ذاقه حتى الحمام اذيقا؟

٤٥ ـ وله أيضا من قصيدة :

وكلّ جفني بالسهاد

وعرس(١) الحزن في فؤادي

ناع نعى بالطفوف بدرا

أكرم به رائحا وغادي

نعى حسينا فدته نفسي

لما أحاطت به الأعادي

في فتية ساعدوا وواسوا

وجاهدوا أعظم الجهاد

حتى تفانوا وظل فردا

فنكسوه عن الجواد

وجاء شمر إليه حتى

جرّعه الموت وهو صاد

وركب الرأس في سنان

كالبدر يحلو دجى السواد

واحتملوا أهله سبايا

على مطايا بلا مهاد

٤٦ ـ وله أيضا من قصيدة :

أأنسى حسينا بالطفوف مجدّلا

ومن حوله الأطهار كالأنجم الزهر

أأنسى حسينا يوم سير برأسه

على الرمح مثل البدر في ليله البدر

أأنسى السبايا من بنات محمّد

يهتكن من بعد الصيانة والخدر

__________________

(١) عرس : نزل وأقام.


٤٧ ـ وله أيضا من قصيدة يناح بها :

ألا أبكي على الحسين

يا عين بالغزار؟

وجودي على الغريب

إذا الجار لا يجار

وجودي على النسا

مع الصبية الصغار

وجودي على القتيل

طريحا على القفار

ألا يا بني الرسول

لقد قلّ الاصطبار

ألا يا بني الرسول

خلت منكم الديار

ألا يا بني الرسول

فلا قرّ لي قرار

إذا أذكر الحسين

وما قد جرى وصار

٤٨ ـ وللصوفي(١) الشاعر من قصيدة :

يا قمر غاب حين لاحا

أورثني فقدك المناحا

يا نوب الدهر لم يدع لي

صرفك في عيشي ارتياحا

أبعد يوم الحسين ويحيى

أستعذب اللهو والمزاحا؟

يا بأبي أنفسا ظماء

ماتوا ولم يشربوا المباحا

يا بأبي سادة صباحا

باكرها حتفها صباحا

يا سادتي يا بني عليّ

بكى الهدى فقدكم وناحا

يا سادتي يا بني إمامي

أقولها عنوة صراحا

أوحشتم الحجر والمساعي

والبيت والقفر والبطاحا

أوحشتم الذكر والمثاني

والسور الطول الفصاحا

__________________

(١) هو طلحة بن عبد الله بن محمد بن ابي عون أبو محمد الغساني المصري ، توفي حوالي سنة ٣٩٠ ه‍ بمصر ، ودفن بها.


٤٩ ـ وله أيضا من قصيدة :

أيا بضعة من فؤاد النبيّ

بالطّف أضحت كشيبا مهيلا

ويا حبة من فؤاد البتول

بالطّف سلت فأضحت أكيلا

قتلت فأبكيت عين الرّسول

وأبكيت من رحمة جبرئيلا

٥٠ ـ وله أيضا من قصيدة :

لم أنس يوما للحسين وقد ثوى

بالطّف مسلوب الرداء خليعا

ظمآن من ماء الفرات محلئا

ريان من غصص الحتوف نقيعا

يرنو إلى ماء الفرات بطرفه

فيراه عنه محرّما ممنوعا

٥١ ـ وللصاحب بن عباد من قصيدة جيدة طويلة :

إن لم أكن حربا لحرب كلها

فنفاني الآباء والأجداد

أو لم افضل أحمدا ووصيه

فهدمت مجدا شاده عبّاد

ساقوا بنات المصطفى مسبية

وحداتها التخويف والإبعاد

لم يشتفوا إلا بسبي بناته

أفما كفى التقتيل والإبعاد؟

يا كربلاء تحدّثي ببلائنا

وبكربنا أنّ الحديث يعاد

أسد نماه أحمد ووصيّه

أرداه كلب قد نماه زياد

فالدّين يبكي والملائك تشتكي

والجو أكلف والسنون جماد

٥٢ ـ ولبعضهم فيما يناح به من قصيدة :

يا حسين بن علي

يا قتيل ابن زياد

يا حسين بن علي

يا صريعا في البوادي


لو رأى جدك بكى

بدموع كالمهاد

أو رأى حيدر أودى

فيه لا سيف المرادي

أو رأى فاطم ناحت

نوح ورقاء بواد

وأقامت وهي ولهى

لك تبكي وتنادي

ولدي قرّة عيني

كبدي حبّ فؤادي

أنت روحي قسّموها

لصعيد وصفاد

لعن الله يزيدا

وزيادا لعن عاد

هم أعاد لرسول

الله أبناء أعاد

٥٣ ـ وروي : أنّ أبا يوسف عبد السلام بن محمّد القزويني ثمّ البغدادي ، قال لأبي العلاء المعري : هل لك شعر في أهل البيتعليهم‌السلام ؟ فإنّ بعض شعراء «قزوين» يقول فيهم ما لا تقوله شعراء «تنوخ» ، فقال : وما ذا قال؟ قال : يقول :

راس ابن بنت محمّد ووصيه

للناظرين على قناة يرفع

والمسلمون بمنظر وبمسمع

لا جازع منهم ولا متوجع

أيقظت أجفانا وكنت لها كرى

وأنمت علينا لم تكن بك تهجع

كحلت بمنظرك العيون عماية

وأصم نعيك كلّ اذن تسمع

ما روضة إلا تمنت أنها

لك مضجع ولخط قبرك موضع

فقال المعري : وأنا أقول :

مسح النبيّ جبينه

فله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش

وجدّه خير الجدود


٥٤ ـ ولبعضهم في التسلّي :

محن الزمان عظيمة متراكمة

هي بالفوادح والفواجع ساجمه

وإذا الهموم تعاورتك فسلها

بمصاب أولاد البتولة فاطمه

٥٥ ـ ومن مقالة لي في مرثيتهعليه‌السلام نثرا ونظما : عباد الله ، اعلموا أنه استشهد في هذه الأيام ، الإمام الهمام الحسين بن علي ، نجل البتول ، والوصي ، وثمرة فؤاد النبي ، صبت فيها المصائب والأذى على أهل بيت المصطفى ، وذبح فيها قرّة عين المرتضى ، فآه على المجدل بكربلاء ، وآه على العترة الطاهرة من الأطفال والنساء ، ذبحوا سبط النبي في الشهر الحرام ، ثمّ جعلوه هدية لأهل الشام ، فويل لمن شفعاؤه خصماؤه ، وويل لمن عترة النبي محمّدا سراؤه :

من يكتسب سخط النبي محمّد

لينال في الدّنيا رضى ابن معاويه

حرم الشفاعة في الحساب وسيق في

زمر الضلالة نحو نار حاميه

فجزاء قوم حاربوا من دونه

واستشهدوا غرف الجنان العالية

وجزاء من قتل الحسين وحزبه

يوم الجزاء خلوده في الهاويه

ما للظلمة طووا عن الدنيا كشحا ، وأعرضوا عن الآخرة صفحا؟ اقتحموا الحسين بالعاديات ضجا ، وشنوا عليه الغارة صبحا ، فقاتل عنه صفوة الأنام ، حتى تساقط عنهم الهام ، ثمّ قاتل عترة الرّسول دونه ، حتى طحنتهم رحى المنايا ، وأحاطت بهم سهام الحنايا(١) ، ثمّ برز الليث الصؤول ، والغيث الهطول ، نجل المرتضى والبتول ، وعليه عمامة جدّه

__________________

(١) الحنايا : القسي.


الرسول ، فذكرهم حقّ جدّه خاتم الأنبياء ، وحقّ أبيه سيد الأوصياء ، وحقّ امّه فاطمة الزهراء ، ليجودوا عليه بشربة من ماء ، فجادوا عليه بالسيوف والنبال ، فتقدّمعليه‌السلام إلى القتال ، وصرع مرده الرجال ، وأقعص(١) بالحتوف الأبطال ، مرّة عن اليمين ومرّة عن الشمال ، حتّى صار أهل الضلال بأجمعهم إلبا عليه(٢) بالسيوف القواطع ، والأسل الطوال ، فرموه وطعنوه وضربوه حالا بعد حال ، وقاتل حتى أضعفته كثرة النصال ، ففاز بالشهادة ، وسلك إلى آخر مسلك السعادة ، فالسلام على الحسين ، المقتول يوم الاثنين :

لقد ذبحوا الحسين ابن البتول

وقالوا نحن أشياع الرّسول

بقطرة شربة بخلوا عليه

وخاض كلابهم وسط السيول

قصارى همهم ريح شمال

وكاسات من الراح الشمول

وإنّ موفقا(٣) إن لم يقاتل

أمامك يا ابن فاطمة البتول

فسوق يصوغ فيك محبرات

تنقل في الحزون وفي السهول

ثمّ جعل يزيد ينكت بالمخصرة والقضيب ثنايا الحسين النجيب ، تلك الثنايا التي كانت مقبل الحبيب ، فآه من رزية ما أوجعها! وآه من مصيبة ما أفجعها! شقّوا بألسنة الحياة ، حبات القلوب ، إذ لا قيمة للحبوب عند المحبوب ، وأقضوا حقّ النبي المختار ، بإرسال المدامع الغزار على اولئك الأبرار :

نعم باد كاري كربلاء ومن بها

تفاقم كربي واستحم بلائي

__________________

(١) أقعص : مات وحيا.

(٢) إلبا : اتفاقا.

(٣) يعني نفسه.


وانفذ عيني ماؤها ببكائها

عليهم وقد أمددتها بدمائي

فيا ويح قوم قتلوهم إذ بدا

شفيعهم من جملة الخصماء

وساقوا بني بنت النبي محمد

إلى الشام في السوق العنيف كشاء

صفت الدّنيا للطغاة وذوي العناد ، وآل الرسول مشردون في البلاد ؛ محجبون إشفاقا على أنفسهم من مكرهم ، ونحف أجسامهم خوفا من غائلة كيدهم وغدرهم :

أيأمن وحش البر غائلة الورى

وآل النبي المصطفى غير آمن

تكدرت الدّنيا عليهم وقد صفت

لكلّ عنيد شاطر متماجن

أتقتل سادات العباد ، بسيف يزيد بن معاوية ؛ وعبيد الله بن زياد :

لقد قتلوا التقي ابن التقي

بأسياف الشقي ابن الشقي

وقد ذبحوا الحسين بكربلاء

لأمر عبيد الباغي الدعي

وأهدوا رأسه في رأس رمح

لنحو يزيد العاتي البغي

وساقوا نسوة المختار أسرى

وقالوا نحن أشياع النبيّ

وأجر رسول ربّ العرش لما

أشار به وداد بني عليّ

بنات الظلمة في القصور ، نواعم في الخدور ، يركبن مطايا الشهوات ، ويسحبن أذيال الخطايا بالخطوات ، وبنات الرسول في الفلوات ، مكشوفات الرءوس ، تحت الخفقات من السياط والهفوات :

بنات زياد في القصور قد استوت

على سرر العلياء من كل جانب

وإنّ بنات الهاشمي محمّد

رسول الهدى نكبن سير السباسب


سوافر يندبن الحسين بنوحة

تحلّ بها الأحزان خيط السواكب

معاشر المسلمين من كان فيكم مصاب فليتعزّ بمن كان منه أعز ، ومن كان فيكم مظلوم فليتسلّ ، فقد ظلم من منه كان أجل ، ومن كان فيكم من حالف البلا ، فليتذكر مبتلى كربلا ، المحروم من الماء ، المذبوح من القفا على الظماء ، المجدل في تلك التربة ، المسوقة نساؤه سوق الاماء ، يهون عليه أمر الغربة وعسر الكربة :

إذا ذكرت نفسي مصائب فاطم

بأولادها هانت عليّ مصائبي

ولم أتذكر منعهم عن مشارب

على ظمأ إلا وعفت مشاربي

أسيغ مياهي بعدهم ثمّ أدّعي

بأني في دعوى الهوى غير كاذب

سقوا حسنا سما ذعافا وجدلوا

أخاه حسينا بالقنا والقواضب

فضائلهم ليست تعدّ وتنتهي

وإن عددت يوما قطار السحائب

وإن يزيدا رام أن يتسفلوا

وأن يتردّوا في مهاوي المعاطب

وقد رفع العدل المهيمن حالهم

بمنزلة قعساء فوق الكواكب

لبئس ما كان يزيد وحزبه يحتقبون ، وساء ما يرتكبون ، وسوف ترونهم في جهنم يصطلون ويصطرخون ويضطربون ، فإنهم إلى ربهم راجعون( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) الشعراء / ٢٢٧ ، ولي قصيدة طويلة فيهم آخرها :

ففاطمة ومولانا علي

ونجلاه سروري في الكتاب

ومن يك دأبه تشييد بيت

فها أنا مدح أهل البيت دأبي

وإن يك حبّهم هيهات عابا

فها أنا مذ عقلت قريب عاب


لقد قتلوا عليا إذ تجلى

لأهل الحقّ فحلا في الضراب

وقد قتلوا الرضا الحسن المرجى

جواد العرب بالسّمّ المذاب

وقد منعوا الحسين الماء ظلما

وجدل بالطعان وبالضراب

وقد صلبوا إمام الحق زيدا

فيا لله ، من ظلم عجاب

٥٦ ـ ومن مقالة لي فيهعليه‌السلام : عباد الله أما تستغربون أحقاد قوم في ذحولهم؟ أما تتعجبون من آراء امة وعقولهم؟ قتال الحسين بن علي ولد رسولهم ، ولم يبالوا بالنص الجلي في حفدة نبيهم ، ثم لبثوا في شمالهم على شرب شمولهم ، وجر فضول ذيولهم ، لعائن الله والملائكة على شبانهم ، وشيوخهم ، وفتيانهم ، وكهولهم ، أفي صلاتهم يصلّون على محمد وآله ، ويمنعونهم من مشرعة الماء وزلاله ، ويجمعون على حرب الحسين وقتاله ، ويذبحون ولا يستحيون من شيبه وجماله؟ أما والله ، إن حقّ رسول الله على اممه أن يعظموا ترابا ألم بلممه ، بل تراب نعل قدمه ، بل تراب نعل قدم خادم من خدمه ، ثم هؤلاء الطغاة قتلوا شبل أسد ساد في أجمه ، ونكتوا بالمخصرة ثنايا فم كانت مراشف فمه ، وتنافسوا في ذبحه وإراقة دمه.

نعم ، حقّ الرسول أن يكتحلوا بغبار من شعر جسده وهم ذبحوا الحسين «بكربلاء» أكرم ولده ، وقرّة عينه ، وفلذة كبده ، ذلك الفتى الذي نشأ بين يدي الرسول ؛ وبين علي الضرغام الصؤول ؛ وفاطمة البتول ، فسبحان الله! ثم سبحان الله! من يزيد وعبيد الله عدوا الله وعدوا رسول الله ، الناكتين ثنايا حبيب حبيب الله. بالله ثم بالله ، إنّ هذا البلاء المتناه ، قولوا عباد الله من صميم قلوبكم : آه ثم آه إذ ذبح ولد رسول الله بين الطغاة


البغاه ، والعتاة العماة ، ذوي الشقاه ، مرتكبي مناهي الملاه ، ومانعي شرب المياه ، من الحسين المخبت الأواه.

ليت شعري ، ما أعذار هؤلاء الشطار الفجار ، الدّعار الأشرار ، في قتل هؤلاء الأخيار الأحبار عند رسول الله المختار ، وعند علي الكرار ، غير الفرار ، صاحب ذي الفقار ، وعند فاطمة المستغفرة بالأسحار ، ذات العطاء الجاري على الأجنبي والجار ، المشبعة الجائع المروية الصادي الكاسية العار ، المتصدقة بما طحنت بنفسها على ذوي المسكنة واليتم والإسار ، ثلاثة أيام ولياليها بالافطار ، إذا جاءت بثوب مخضوب بدم الحسين المقتول بأسياف أصحاب الخمر والخمار ، والقمار والمزمار ، واحتوت على ساق عرش الواحد القهار ، ورفعت شكواها إلى الملك الجبار ، ثم جاء النداء : يا زبانية النار! شدوا الطغاة بالسلاسل والأغلال من النّار ، وسوقوهم إلى أسفل دركات النار ، والطموا بيد الرد والاحتقار ، ما يموهون من هذه الأعذار ، فسحقا وتعسا للظلمة ذوي الخسار والصغار والأدبار( يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) غافر / ٥٢ ، والصلاة على محمّد وآله الأطهار.

ومن مقالة لي فيهعليه‌السلام : عباد الله إن المصيبة بالحسينعليه‌السلام من أعظم المصائب ، فصبوا فيها شآبيب(١) الدموع السواكب ، بتصعيد الزفرات الغوالب ، واستنزفوا بالبكاء الدماء ، وأعقبوا الكرب والبلاء ، بتذكركم أيام كربلاء ، نعم ، إنّ المصيبة بالمقتول ـ نجل الرّسول ؛ والبتول ؛ وعليّ الليث الصؤول ـ مصيبة لا يجبر كسرها ، ولا يمكن جبرها ، وشعلة في صدور المؤمنين لا ينطفي جمرها ، وعظيمة في العظائم يتجدد على الأيام ذكرها ،

__________________

(١) شآبيب : جمع شؤبوب وهو الدفعة من المطر.


وليلة بلية رزية لا يتنفس فجرها ، وقارعة زلزلت منها الأرض برها وبحرها.

عجبا لمن يتذكر مصارع هؤلاء الأتقياء الشهداء الظماء ، من أهل بيت خير صفوة الله خاتم الأنبياء ، ثمّ يتمتع بعدهم بشربة من الماء ، سبحان الله! أي ظلم جرى على أصحاب الحراب والمحراب ، وأرباب الكتيبة والكتاب ، وفتيان الطعان والضراب ، ورجال العبء والعباب(١) ، قاصمي الأصلاب وقاسمي الأسلاب ، وجازمي الرقاب ، وهازمي الأحزاب ، وفالقي جماجم الأتراب ، رواض الصعاب ، أحلاس(٢) صهوات العراب ، أمراء الخطاب المستطاب ، ملوك يوم الحساب ، سلاطين يوم الثواب والعقاب.

ما عذر كلاب منعوهم عن الطعام والشراب ، والفرات مكرعة للخنازير والكلاب؟ حبسوا سادة الخلق الأطياب ، في صحراء الاكتئاب والاغتراب ، ثمّ ذبحوا تلك النفوس الزكية ، وعرضوها للنسور والذئاب ، وعفروا تلك الوجوه البدرية كالبدور بالتراب. هيهات هيهات ، لا عذر إلّا أن يساقوا في عقاب رب الأرباب ، بأيدي الملائكة الغلاظ الشداد إلى دار العذاب ، الشديدة الالتهاب ، الضيقة المسالك والشعاب.

صفت الدّنيا للطغاة ذوي العناد ، وتمهدت أسباب التنعم لذوي العيب والفساد ، واتسقت أحوال الوجاهة للأنكاد ذوي الأحقاد ونفذت أوامرهم على رقاب العباد ، وأوسم لهم(٣) مراد المراد ، قد قيدت بين أيديهم جنائب الجياد ، وعطفت عليهم أجياد أنجاد الأغوار والأنجاد ، ولفظت إليهم الخزائن

__________________

(١) العبء : الثقل ، والعباب : البحر ، فلعله أراد حمالي التكاليف برا وبحرا.

(٢) الأحلاس : جمع حلس وهو ما يوضع على ظهر الدابة ويقال فلان حلس بيته أي جليسه الملازم له كالحلس وحلس الصهوات أي ملازم لركوب الخيل.

(٣) يعني خصّ لهم رود المراد ومرعاه.


نفائس الطارف والتلاد.

وآل الرسول مشرّدون في البلاد ، منجحرون في كلّ شعب وواد ، ومنجحرون في كل سرب ومطمورة ومهواة بغير زاد ، مستشعرون الخوف مكتحلون بالسهاد ، قد ضربت عليهم الأرض بالأسداد ، بنات الظلمة في الخدور والقصور ، على سرر السرور ، لابسة حبر الحبور ، مسبلات الستور ، وبنات الرسول في حرّ الشمس والحرور ، ومهب الصبا والدبور ، ضاربات الصدور ، فاتقات للشعور ، على كسوف تلك الشموس والبدور ، وغروبها في مغارب القبور ، ومصيرها إلى بطون السباع وحواصل الطيور.

تمتعت اليزيدية والزيادية تمتعا قليلا ، وسيعذبون بذلك عذابا طويلا ، يورثهم ذلك العذاب رنة وأنة وعويلا إذا نسوا وراءهم يوما ثقيلا يوم لا ينفع فيه خليل خليلا ، ولا يغني عنهم فتيلا( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) الفرقان / ٤٤ ، وصبرت الحسينية أياما قلائل صبرا جميلا ، فنالوا بذلك في الجنّة ثوابا جزيلا ، وظلا ظليلا ، وفواكه ذلّلت قطوفها تذليلا ، ويسقون ـ لما منعوا من ماء الفرات ـ كأسا كان مزاجها زنجبيلا ، عينا فيها تسمى سلسبيلا.

نعم قد وجدوا بشهادتهم إلها رحيما ، برا كريما فأسدى إليهم نعيما مقيما ، وأهبّ عليهم من روائح المسك والكافور والعنبر نسيما ، وأفاض عليهم رواء وسيما ، وسقاهم عسلا مصفا تسنيما ، واولئك وجدوا الرسول عليهم متغيظا وخصما فاسكنوا جحيما ، وذاقوا بطعمهم زقوما ، وسقوا صديدا وحميما :( يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) الانسان / ٣١.



الفصل الرابع عشر

في زيارة

تربته صلوات الله عليه وفضلها



١ ـ أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (رحمه‌الله ) ، أخبرنا الفقيه أبو الحسن علي بن أبي طالب الفرزادي ـ بالري ـ ، أخبرنا الفقيه أبو بكر طاهر بن الحسين الرازي ، أخبرنا عمي الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان الرازي ، حدثني أبو محمد القاسم بن محمد الشروطي ـ إملاء ـ ، حدثني أبو عبد الله محمد بن عبد الله ، حدثني أبو رمح ، حدثني عبد الأعلى بن واصل الكوفي ، حدثني عليّ بن عبد الرحمن القطان ، حدثني عبيد بن يحيى بن مهران ، عن محمد بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، قال : «زارنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فعملنا له حريرة ، وأهدت لنا أم أيمن قعبا من لبن ؛ وزبدا ؛ وصفحة من تمر ، فأكل النبيّ وأكلنا معه ، ثم وضأت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقام واستقبل القبلة ، فدعا الله ما شاء ، ثم أكبّ على الأرض بدموع غزيرة مثل المطر ، فهبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن نسأله ، فوثب الحسين فقال :


يا أبتي! رأيتك تصنع ما لم أرك تصنع مثله! فقال : يا بني! إني سررت بكم اليوم سرورا لم اسر بكم مثله ، وأن حبيبي جبرئيلعليه‌السلام أتاني ، فأخبرني : أنكم قتلى ، وأن مصارعكم شتى فدعوت الله لكم وأحزنني ذلك ، فقال الحسين : يا رسول الله! فمن يزورنا على تشتتنا ، ويتعاهد قبورنا؟ قال : طائفة من امتي يريدون بري وصلتي ، فإذا كان يوم القيامة شهدتها بالموقف ، وأخذت بأعضادها فأنجيتها ـ والله ـ ، من أهواله وشدائده».

٢ ـ أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو جعفر محمد بن عمر بن أبي علي ـ كتابة ـ ، أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي ، أخبرنا السيد الإمام النقيب عليّ بن محمد بن جعفر الحسني ، حدثنا السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني ، أخبرنا أبي ، أخبرنا أبو أحمد إسحاق بن أحمد المقري ـ بالكوفة ـ ، حدثنا عبد الله بن محمد الأيادي ، حدثنا عمر بن مدرك ، حدثنا محمد بن زياد المكي ، أخبرنا جرير ابن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن عطية العوفي ، قال : خرجت مع جابر ابن عبد الله الأنصاري زائرا قبر الحسين بن علي فلما وردنا كربلاء ، دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ، ثم اتزر بإزار وارتدى بآخر ، ثم فتح صرّة فيها سعد فنثره على بدنه ، ثم إنّه لم يخط خطوة إلّا ذكر فيها الله تعالى ، حتى إذا دنا من القبر قال : المسنية يا عطيّة! فألمسته ، فخر على القبر مغشيا عليه ، فرششت عليه شيئا من الماء ، فلما أفاق قال : يا حسين يا حسين ـ ثلاثا ـ ثمّ قال : حبيب لا يجيب حبيبه ، وأنى لك بالجواب ، وقد شخبت أوداجك على أثباجك ، وفرق بين رأسك وبدنك؟ فأشهد أنّك ابن خاتم النبيين ، وابن سيد الوصيين ، وحليف التقى ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، وابن سيد النقباء ، وابن فاطمة سيدة النساء ، ومالك لا تكون هكذا ، وقد


غذتك كفّ محمّد سيد المرسلين ، وربيت في حجور المتقين ، وأرضعت من ثدي الإيمان ، وفطمت حيا ، وطبت عيشا ، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك ، ولا شاكة في الخيرة لك ، فعليك سلام الله ورضوانه ، فأشهد أنك مضيت على ما مضى يحيى بن زكريا.

قال عطية : ثمّ جال ببصره حول القبر ، فقال : السلام عليكم أيتها الأرواح الطيبة التي بفناء الحسين أناخت برحله؟ أشهد أنكم قد أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة ، وأمرتم بالمعروف ، ونهيتم عن المنكر ، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين ، فو الذي بعث محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطيّة : فقلت لجابر بن عبد الله : فكيف ولم نهبط واديا ، ولم نعل جبلا ، ولم نضرب بسيف ، والقوم قد فرق بين رءوسهم وأبدانهم ، فاوتمت الأولاد ، وارملت الأزواج؟ فقال لي : يا عطية! سمعت جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : «من أحبّ قوما حشر معهم ، ومن أحبّ عمل قوم اشرك في عملهم».

أحدر بي نحو أبيات كوفان ، فلما صرنا في الطريق ، قال : يا عطية! هل اوصيك ، وما أظنني بعد هذه السفرة الاقيك؟ أحب محبّ آل محمّد ما أحبهم ، وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم ، وإن كانوا صوّاما قوّاما.

٣ ـ وأخبرنا الشيخ الفقيه العدل الحافظ أبو بكر عبيد الله بن نصر الزاغوني ـ بمدينة السّلام منصرفي من السفرة الحجازية ـ ، أخبرنا الشيخ الجليل أبو الحسن محمد بن إسحاق بن الباقرحي ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن علي بن بندار ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر


ابن سليمان ببغداد في باب المحوّل ، حدّثني أبي أحمد بن عامر بن سليمان الطائي ، حدثني أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا ، حدثني أبي موسى بن جعفر ، حدثني أبي جعفر بن محمد ، حدثني أبي محمد بن علي الباقر ، حدّثني أبي علي بن الحسين ، حدثني أبي الحسين بن عليّ ، حدثني أبي عليّ ابن أبي طالبعليهم‌السلام ، قال : «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : كأني بالقصور قد شيدت حول قبر الحسين ، ولا تذهب الأيام والليالي حتى يسار إليه من الآفاق ، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان».

٤ ـ وبهذا الإسناد ، قال جعفر بن محمّد ـ وسئل عن زيارة قبر الحسينعليه‌السلام ـ : «أخبرني أبي قال : من زار قبر الحسين عارفا بحقه ، كتبه اللهعزوجل في عليين».

٥ ـ وبهذا الإسناد ، قال : «إنّ حول قبر الحسين سبعين ألف ملك شعثا غبرا يبكون عليه إلى أن تقوم السّاعة».

٦ ـ وأخبرني الحافظ سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الدّيلمي ـ في ما كتب إليّ من همدان ـ ، أخبرني الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الزنجاني ـ بقراءتي عليه بزنجان سنة خمسمائة ـ ، أخبرني الحسين بن محمد الفلاكي ، أخبرني أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ، أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل ، أخبرني أبي أحمد بن حنبل ، عن عبد الله بن محمد التيمي ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس ابن مالك ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ موسى بن عمران سأل ربّهعزوجل زيارة قبر الحسين بن عليّ ، فزاره في سبعين ألف من الملائكة».

وروي مثل ذلك ، عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

٧ ـ وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي في «فتوحه» بإسناده إلى كعب


الأحبار : أنّه لما أسلم زمن عمر بن الخطاب ، وقدم المدينة ، وجعل أهل المدينة يسألونه عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان ، فكان يخبرهم بأنواع الملاحم والفتن ، ويقول : وأعظمها ملحمة هي الملحمة التي لا تنسى أبدا ، وهي الفساد الذي ذكره الله تعالى في كتابكم ، فقال:( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) الروم / ٤١ ، وإنما فتح بقتل قابيل هابيل ، ويختم بقتل الحسين بن عليعليه‌السلام .

ثم قال كعب : لعلكم تهونون قتل الحسين ، أو لا تعلمون أنّه تفتح يوم قتله أبواب السماوات كلّها؟ ويؤذن للسماء بالبكاء فتبكي دما عبيطا؟ فإذا رأيتم الحمرة قد ارتفعت من جنباتها ـ شرقيا وغربيا ـ فاعلموا أنها تبكي حسينا.

فقيل له : يا أبا إسحاق! كيف لم تفعل ذلك بالأنبياء وأولاد الأنبياء من قبل ، وبمن كان خيرا من الحسين؟ فقال كعب : ويحكم ، إنّ قتل الحسين لأمر عظيم ، لأنه ابن بنت خير الأنبياء ، وأنه يقتل علانية مبارزة ظلما وعدوانا ، ولا تحفظ فيه وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو مزاج مائه ، وبضعة من لحمه ، فيذبح بعرصة «كربلاء» في كرب وبلاء ، والذي نفس كعب بيده ؛ لتبكيه زمرة من الملائكة في السّماوات ، لا يقطعون بكاءهم عليه آخر الدهر ، وأن البقعة التي يدفن فيها خير البقاع بعد بيت مكة والمدينة وبيت المقدس ، وما من نبي إلّا زارها ، وقد بكى عليها ، ولها في كل يوم زيارة من الملائكة بالتسليم ، فإذا كانت ليله جمعة أو يوم جمعة نزل إليها سبعون ألف يزورونه ويبكون عليه ويذكرون فضله ومنزلته عندهم ، وأنّه ليسمى في السماوات : الحسين المذبوح ، وفي الأرض : أبا عبد الله المقتول وفي البحار : الفرخ الأزهر المظلوم.


وأنه يوم يقتل تنكسف في النهار الشمس وفي الليل القمر ، وتدوم الظلمة على الناس ثلاثة أيام ، وتدكدك الجبال وتغطمط البحار(١) ، ولو لا بقية من ذريته وذرية محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومحبي محمّد ومحبي أبيه وأمه ، يطلبون بدمه ، ويأخذون بثاره ، لصبّ الله عليهم من السماء نيرانا.

ثم قال كعب : لعلكم تتعجبون مما حدثتكم من أمر الحسين ، أو لا تعلمون أنّ الله تبارك وتعالى لم ينزل شيئا كان أو يكون في آخر الدّنيا وأوائلها الّا وقد فسره لموسى ، وما من نسمة خلقت ومضت من ذكر أو انثى إلّا وقد رفعت الى آدم وعرضت عليه؟ ولقد عرضت على آدم هذه الامة خاصة ، فنظر إليها وإلى اختلافها وتكالبها على هذه الدنيا فقال : «يا ربّ! ما لهذه الامة وتكالبها على الدنيا ، وهم خير امة وأفضلها»؟ فأوحى الله تعالى إليه : أن يا آدم! هذا أمري في خلقي ، وقضائي في عبادي ، يا آدم! إنهم اختلفوا فاختلفت قلوبهم ، وسيظهرون في الأرض الفساد كفساد قابيل حين قتل هابيل وسيقتلون فرخ حبيبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومثل لآدم مقتل الحسين ، وثوب أمّة جدّه عليه ، فنظر آدم إليهم مسودة وجوههم ، فقال : «يا رب! أبسط عليهم الانتقام كما قتلوا فرخ هذا النبي المكرم عليك».

قال هبيرة بن يريم : حدّثني أبي ، قال : لقيت سلمان الفارسي فحدثته بهذا الحديث ، فقال سلمان : لقد صدقك كعب ، وأنا ازيدك في ذلك : أنّ كل شيء في الأرض يبكي على الحسين إذا قتل ، حتى النجم ونبات الأرض ، ولا يبقى شيء من الروحانيين إلّا ويسجد ذلك اليوم ، ويقول : إلهنا وسيدنا! أنت الحكيم العليم ، ثمّ لا يرفعون رءوسهم حتى ينادي ملك

__________________

(١) الغطمطة : اضطراب موج البحر.


السماء والأرض : أن يا معشر الخليقة! ارفعوا رءوسكم ، فقد وفيتم لربّ العزّة.

قال : ثمّ أقبل عليّ سلمان فقال : يا يريم! إنك لو تعلم يومئذ كم من عين تعود سخينة كئيبة حزينة ، قد ذهب نورها ، وعشي بصرها ببكائها على الحسين بن علي ، ولقد صدقك كعب فيما حدثك ، عن كربلا أنها أرض كرب وبلاء.

والذي نفس سلمان بيده ، لو أني أدركت أيامه ، لضربت بين يديه بالسيف ، أو اقطع بين يديه عضوا عضوا ، فأسقط بين يديه صريعا ، فإن القتيل معه يعطى أجر سبعين شهيدا كلّهم كشهداء «بدر» و «احد» و «حنين» و «خيبر».

ثم قال سلمان : يا يريم! ليت أم سلمان اسقطت سلمان ، أو كان حيضة ولم يسمع بقتل الحسين بن فاطمة ، ويحك ، يا يريم! أتدري من حسين؟ حسين سيد شباب أهل الجنّة على لسان محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحسين لا يهدأ دمه حتى يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى ، وحسين من تفزع لقتله الملائكة.

ويحك ، يا يريم أتعلم كم من ملك ينزل يوم يقتل الحسين؟ ويضمه إلى صدره ، وتقول الملائكة بأجمعها : إلهنا وسيدنا هذا فرخ رسولك ، ومزاج مائه ، وابن بنته.

يا يريم! إن أنت أدركت أيام مقتله ، واستطعت أن تقتل معه ، فكن أوّل قتيل ممن يقتل بين يديه ، فإنّ كلّ دم يوم القيامة يطالب به بعد دم الحسين ودماء أصحابه ، الذين قتلوا بين يديه.

وانظر يا يريم! إن أنت نجوت ولم تقتل معه ، فزر قبره ، فإنه لا يخلو من الملائكة أبدا ، ومن صلّى عند قبره ركعتين ، حفظه الله من بغضهم


وعداوتهم حتى يموت.

قال هبيرة : فأما سلمان فمات بالمدائن في خلافة عمر بن الخطاب ، وأما يريم فإنه لم يلحق لذلك.

٨ ـ قيل : إن على قبر الحسينعليه‌السلام مكتوبا : «من عظم أمر الله أجاب المولى سؤاله ، ومن حرّم نهيه قبل المولى عذره ، ومن مات من مخافته غفر المولى ذنبه ، ومن ذكر اسمهعزوجل رفع المولى في الدارين قدره».

٩ ـ وقيل : كان مكتوبا على سيف الحسينعليه‌السلام : «البخيل مذموم ، والحريص محروم ، والحسود مغموم». انتهى.


الفصل الخامس عشر

في ذكر انتقام المختار

بن أبي عبيد الثقفي من قاتلي الحسينصلى‌الله‌عليه‌وآله



ذكر

نسب المختار بن أبي عبيد الثقفي

١ ـ ذكر أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب القتيبي الدينوري ، في كتاب «المعارف» : أنّ المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي من الأحلاف ، وأنّ مسعودا جده هو عظيم القريتين ، فولد مسعود سعدا وأبا عبيد ، فكان سعد عامل علي بن أبي طالبعليه‌السلام على المدائن ؛ وله عقب بالكوفة ، وأما أبو عبيد فولاه عمر بن الخطاب جيشا فيهم من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلقي الخرذد الحاجب ب ـ «قس الناطف» من الكوفة وهو على فيل ، فضرب أبو عبيد الفيل فوقع عليه الفيل فمات ، فولد أبو عبيد المختار ؛ وصفية ؛ وجبرا ؛ وأسيدا ، فأمّا جبر فقتل مع أبيه «يوم الفيل» ولا عقب له ، وأما صفية فكانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأما المختار فغلب على الكوفة زمن مصعب بن الزبير ، وكان يزعم أنّ جبرئيل يأتيه ، وتتبع قتلة الحسين بن عليعليه‌السلام .


فقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وابنه حفص بن عمر ، وقتل شمر ابن ذي الجوشن الضبابي ، ووجه إبراهيم بن مالك الأشتر فقتل عبيد الله بن زياد وغيره ، وخرج نفر من أهل الكوفة فقدموا البصرة يستغيثون بهم ويستنصرونهم على المختار ، فخرج أهل البصرة مع مصعب فقاتلوه بالكوفة.

فقتل المختار عبيد الله بن علي بن أبي طالب ـ وهو في عسكر مصعب لا يعرف ـ ، ومحمد بن الأشعث بن قيس ، ثم ظفر بالمختار فقتل ، قتله صراف بن يزيد الحنفي ، وكانت ابنة سمرة بن جندب تحته وله ابنان : إسحاق ومحمد ، ومن غيرها بنون وعقبه بالكوفة كثير ، قيل : وكان المختار أوّل من لبس الدراعة.

٢ ـ وذكر الإمام عبد الكريم بن محمد بن حمدان في «تاريخه» : إن أبا عبيد بن مسعود ـ أبا المختار ـ كان من الفرسان المذكورين ؛ والشجعان المعدودين ، فلمّا رجع المثنى بن حارثة من القادسية حين بلغه وفاة أبي بكر إلى عمر ، واشتدت شوكة الفرس ، وجمع يزد جرد قواده المذكورين لحرب المسلمين ، قام عمر بن الخطاب خطيبا فقال : أيها الناس! قد وعدكم الله تعالى على لسان نبيه محمد كنوز كسرى وقيصر ، فمن ينتدب منكم لقتال الفرس؟ فسكت الناس لما ذكر الفرس ، وفيهم المهاجرون والأنصار بأجمعهم ، فقام أبو عبيد بن مسعود الثقفي ـ أبو المختار ـ ، فقال : أنا يا أمير المؤمنين! أوّل من أجاب إلى ما دعوتنا إليه. فأثنى عليه عمر بن الخطاب ، ثم انتدب بعده ناسا كثيرين من المهاجرين والأنصار ، فلما أجمعوا على المسير ، قيل لعمر : يا أمير المؤمنين! أمر على الناس رجلا من المهاجرين أو الأنصار ، فقال : لا والله ، لا أومر إلا من سبق الى الإجابة.

فأمر على الجيش أبا عبيد بن مسعود الثقفي ، ثم ارتحل من المدينة


ونزل الحيرة بعسكره ، وخرج إليه رستم في جمع كثيف ، فكتب إليه أبو عبيد بن مسعود : السلام على من اتبع الهدى ، أدعوكم لهداية الإسلام ، فإن قبلتم وإلّا فاعتقدوا مني الذمة ، وإلّا قاتلتكم برجال هم أحرص على الموت منكم على الحياة ، ثم لا أقلع عنكم حتى أقتل رجالكم وأسبي نساءكم.

فبعث إليه رستم جالينوس في جمع عظيم مقدمة له ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وهزم العدو هزيمة فاحشة ، وحلف أبو عبيد الأمير ليقطعن إليهم الفرات ، فأمر ابن صلوبا فاتخذ له جسرا على الفرات ، فصار مثلا من ذلك الوقت ـ جسر أبي عبيد ـ ، وورخ يوم جسر أبي عبيد لحوادث كثيرة ، ثم عبر إليهم الفرات.

وجاء رستم في جمع عظيم يقدمه الفيل من أعظم ما يكون ، ولم يكن للعرب عهد بالفيل ، فشد الفيل على المسلمين فأهلك ناسا منهم ، وكانت دومة امرأة أبي عبيد قد رأت في تلك الليلة كأن رجلا نزل من السماء بقدح من الشراب ، فشرب منه أبو عبيد وابنه جبر بن أبي عبيد في اناس من أهله فحكت ذلك لزوجها ، فقال : هذه والله ، الشهادة إن شاء الله.

ثمّ قال أبو عبيد : أيها الناس! إن قتلت فعليكم ابني جبر ، وإن قتل جبر فعليكم المثنى بن حارثة ، فلما رأى أبو عبيد ما يصنع الفيل بالمسلمين قال : هل لهذه الدابة من مقتل؟ قالوا : نعم ، إذا قطع مشفرها هلكت. فشدّ أبو عبيد على الفيل ، وضرب مشفره فقطعه ، وبرك الفيل عليه فقتله ، وانهزم المسلمون فسبقهم عبد الله بن مرئد إلى الجسر فقطعه ، وقال : قاتلوا عن أميركم! فأخذ الراية ابنه جبر فقتل أيضا ، ثم أخذها المثنى فقاتل قتالا شديدا حتى هزم الله العدو ، فهلك يوم الجسر أربعة آلاف رجل بين غريق وقتيل ، ثم بعد هذا أمر عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص على حرب العراق ،


وهذه القصة طويلة ذكرنا منها فصلا ، لنذكر فيه لأبي عبيد ـ أبي المختار ـ فضلا ، وقد نسج المختار على منوال أبيه في فضله وزاد بانتقامه من قتلة الحسين ومن اشترك في قتله.

قال الإمام أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي : ولما رجع محمد بن الحنفية من يزيد تحرك عبد الله بن الزبير بمكة ، ودعا إلى نفسه فبعث عبد الله ابن مطيع العدوي ؛ والعباس بن سهل الأنصاري ؛ وجماعة من أبناء المهاجرين والأنصار ، فأتوا محمد بن الحنفية ، فقالوا له : يا أبا القاسم إنا عزمنا على قتال يزيد بن معاوية ، وهذا عبد الله بن الزبير قد بايعناه ، ونريد أن تكون يدك مع أيدينا ، فقال : لا أفعل ذلك ، قالوا : ولم؟ قال : لأني بايعت يزيد وأخذت جائزته ، ولم أخلعه ولم أخنه ، قالوا : فلم بايعته وأنت أنت؟ قال : بايعته خوفا على نفسي وولدي ومن بقي من أهل بيتي ، لأني رأيت الحسين قد قتل فلم آمن يزيد على نفسي ، ورأيت أخي الحسن قد بايع معاوية وأخذ جائزته ، والحسن أفضل مني ، فإن بايعت فلي اسوة بأخي.

فقالوا له : إنّ أخاك الحسن رأى رأيا ، فقال : وأنا أيضا رأيت ذلك الرأي ، فقالوا : يا هذا! إنّ يزيد يشرب الخمر ؛ ويلعب بالكلاب والقرود ؛ وقد فسق وفجر وكفر ، فقال لهم : إني كنت عنده مقيما فلم أطلع منه على كفر ولا فسوق ولا فجور إلى وقت انصرافي ، وأكثر ما ينتهي إليّ من خبره : أنّه يشرب هذا المسكر ، وقد نهيته عن ذلك ، وقضيت ما عليّ ، ولن يؤاخذني ربي بذنبه ، فقالوا له : إنه ليأتي من المنكر والفواحش ولكنه لم يطلعك على ذلك. فقال لهم محمد : هل اطلعكم على ذلك منه؟ فو الله ، لئن كان أطلعكم على ما ذكرتم منه فأنتم شركاؤه في فعله إذ رأيتم منه شيئا من المنكر فلم لا تغيرونه؟ وإن كان لم يطلعكم على شيء من ذلك فقد شهدتم


بغير الحق ، فاتقوا الله يا هؤلاء! على أنفسكم وكفوا عما أزمعتم عليه ، فإني خائف عليكم أن تسفكوا دماءكم بغير حق.

فأطرق القوم ساعة ثم قالوا له : يا أبا القاسم! لعلك إنما تكره البيعة لابن الزبير لأنك ترى أنك أحق بالبيعة منه ، فإن كنت كارها لهذا الشأن فاخرج بنا حتى نبايعك ، فقال : أنا لا أستحل القتال تابعا ولا متبوعا ، فقالوا : لقد قاتلت مع أبيك يوم الجمل وصفين والنهروان ، فتبسم وقال : ويحكم ، وأين تجدون مثل أبي في دهركم؟ فو الله ، لو لا أن أبي قاتل أهل القبلة ، لما علم أحد كيف يقاتلهم؟ ولكنه كان لا يتبع موليا ، ولا يجهز على جريح ، ولا يدخل دارا إلا بإذن صاحبها ، فقالوا له : والله ، لا نفارقك حتى تخرج معنا ، وتبايع من قد بايعنا ، فقال لهم : لا والله ، لا خلعت من بايعت ، ولا بايعت من لم يجعل الله له في عنقي بيعة ، فاتقوا الله ربكم واذكروا ما نزل بأخي الحسين وولده وبني عمه وشيعته فإني لكم نذير مبين ، يا قوم! لا ترضوا أحدا من عباد الله بسخط الله.

فانصرف القوم إلى عبد الله بن الزبير فأخبروه فسكت ، ولعبد الله بن الزبير بعد ذلك محاورات ومنازعات معه ومع عبد الله بن عباس يطول الكتاب بذكرها ، فلنذكر ما نحن بصدده.

قال : ثم تحدّث أهل الكوفة بشيء من أمر عبد الله بن الزبير ، فقدم عبيد الله بن زياد من البصرة ، ودعا بخليفته عمرو بن حريث المخزومي فقال له : ويحك يا عمرو بلغني عن ابن الزبير أمر لا أدري أمر لا أدري أحقّ هو أم باطل ، ولست أخاف على أمير المؤمنين من ابن الزبير ، وإنما أخاف عليه من هؤلاء الترابية ، فهل تعلم أحدا بالكوفة ممن يتولى عليا وولده فإني لا أعلم؟ فوثب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال له : هذا المختار بن أبي عبيد


الثقفي وهو الذي كان يؤلب علينا الناس بالأمس حين خرج عليك مسلم بن عقيل ، وقد كان فيما مضى عثمانيا ، فقد صار اليوم ترابيا ، فدعا بالمختار ، فلما دخل عليه قال له : يا ابن أبي عبيد! أنت المقبل أمس بالجيوش لنصرة مسلم بن عقيل علينا ، وأنت تتولى أبا تراب وولده؟ فقال المختار : أما علي وولده فإني احبهم لمحبة رسول الله ، وأما نصرتي لمسلم بن عقيل فلم أفعل ، وهذا عمرو بن حريث يعلم ذلك ، وهو شيخ الكوفة يعلم أني في ذلك الوقت كنت لازما منزلي ، فاستحى عمرو بن حريث أن يشهد على الرجل في مثل ذلك الوقت فيقتل؟ غير أنه قال : صدق أعزّ الله الأمير إنه لم يقاتل مع مسلم بن عقيل ، ولقد كذب عليه في هذا ، فإن رأى الأمير أن لا يعجل عليه فإنه من أبناء المهاجرين (يريد بالمهاجرين : من شهد ثلاثين زحفا مع خالد بن الوليد بالعراق والشام ، فان عمر بن الخطاب ألحق مثل هؤلاء بأبناء المهاجرين في العطاء ، فسمّوا المهاجرين للعطاء ، ولهجرتهم أوطانهم ونزولهم بالعراق ومجاورتهم الفرس).

قال : فرفع ابن زياد قضيبا كان في يده واعترض به وجه المختار ، فشتر به عينه ، فصار المختار من ذلك الوقت أشتر ، وقال له : وقال له : يا عدو الله! لو لا شهادة عمرو بن حريث لضربت عنقك ، ثم قال : انطلقوا به إلى السجن ، فسجن.

٣ ـ وذكر ابن مخنف : إنّ عبيد الله بن زياد إنما حبس المختار بعد قتل مسلم قبل قتل الحسين فكان محبوسا في سجنه يوم قتل الحسين ، ثم إنّ المختار بعث إلى زائدة بن قدامة فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمر ابن الخطاب وهو ختن المختار على اخته صفية بنت أبي عبيد فيخبره ، فسار وأخبره ، فاغتم لذلك عبد الله وجزعت اخته صفية جزعا شديدا واتقت عليه


من ابن زياد أن يقتله وبكت كثيرا ، فقال لها عبد الله : كفي بكاءك فإني سأعمل في خلاصه إن شاء الله ولا قوة إلّا بالله.

ثم كتب ابن عمر إلى يزيد : أما بعد فإن المختار بن أبي عبيد صهري وخال ولدي ، وقد حبسه ابن زياد بالكوفة على الظن والتهمة ، وأنا أطلب منك أن تكتب إليه ليخلي سبيله ، فإنه أحق بالعفو والصفح الجميل إن شاء الله. فلما ورد الكتاب على يزيد تبسم ضاحكا وقال : يشفع أبو عبد الرحمن في صهره فهو أهل لذلك ، وكتب الى عبيد الله بن زياد : أما بعد فخل سبيل المختار ساعة تنظر في كتابي هذا والسلام.

فلما قرأ عبيد الله كتاب يزيد أخرج المختار من حبسه ، وقال له : إني أجلتك ثلاثا فإن أصبتك في الكوفة بعد الثلاث ضربت عنقك.

٤ ـ وذكر محمد بن إسحاق صاحب السيرة : إن عبيد الله لما قتل ابن عفيف الأنصاري وجاءت الجمعة الثانية ، صعد المنبر وبيده عمود من حديد ، فخطب الناس وقال في آخر خطبته : الحمد لله الذي أعز يزيد وجيشه بالعز والنصر ، وأذل الحسين وجيشه بالقتل ، فقام إليه سيد من سادات الكوفة وهو المختار بن أبي عبيد فقال له : كذبت يا عدو الله وعدو رسوله! بل الحمد لله الذي أعزّ الحسين وجيشه بالجنّة والمغفرة ، وأذلك وأذلّ يزيد وجيشه بالنار والخزي ، فحذفه ابن زياد بعموده الحديد الذي كان في يده فكسر جبينه ، وقال للجلاوزة : خذوه! فأخذوه.

فقال أهل الكوفة : أيها الأمير! هذا هو المختار ، وقد عرفت حسبه ونسبه وختنه عمر بن سعد ، وختنه الآخر عبد الله بن عمر فأوجس في نفسه خيفة فحبس المختار ولم يتجرأ على قتله ، فكتب المختار إلى عبد الله كتابا شرح فيه القصة ، فكتب ابن عمر إلى يزيد : أما بعد أفما رضيت بأن قتلت


أهل نبيك حتى وليت على المسلمين من يسب أهل بيت نبينا ، ويقع فيهم على المنبر عبر عليه ابن عفيف فقتله ، ثم عبر عليه المختار فشجه وقيده وحبسه ، فإذا أنت قرأت كتابي هذا فاكتب الى ابن زياد باطلاق المختار ، وإلّا فو الله ، لأرمين عبيد الله بجيش لا طاقة له به والسلام.

فلما قرأ يزيد الكتاب غضب من ذلك وكتب إلى ابن زياد : أما بعد فقد وليتك العراق ولم اولك على أن تسب آل النبي على المنابر وتقع فيهم ، فإذا قرأت كتابي هذا فاطلق المختار من حبسك مكرما ، وإياك إياك أن تعود إلى ما فعلت ، والّا فو الذي نفسي بيده ، بعثت إليك من يأخذ منك الذي فيه عيناك.

فلما ورد الكتاب على ابن زياد اخرج المختار من حبسه ودعا بمشايخ الكوفة وسلمه إليهم سالما ، فخرج المختار من الكوفة هاربا نحو الحجاز ، ولما صار بواقصة إذا هو برجل من أهل الكوفة يقال له : صقعب بن زهير ، فسلّم عليه وقال : يا أبا إسحاق! مالي أرى عيناك على هذه الحالة صرف الله عنك السوء؟ فقال له : اعترضها هذا الدعي عبد بني علاج ابن زياد ، فقال له صقعب : ما له شلّت يمينه شلا عاجلا؟ فقال له : نعم ، يا صقعب! ، وقتلني الله إن لم أقتله وأقطع أعضاءه عضوا عضوا وإربا إربا ، ولكن أخبرني عن ابن الزبير أين تركته؟ قال : تركته بمكة ، وهو يظهر العداوة ليزيد ، وأظنه يبايع سرا ، فضحك المختار وقال : الله أكبر! بشرك الله بخير ، فو الله ، إنه لرجل قومه ، وهو من أولاد المهاجرين ، وإني لأرى الفتنة قد أرعدت وأبرقت ، وكأنك بي يا صقعب! وقد خرجت وكان ما سمعت ، وقيل لك : إنّ المختار بن أبي عبيد قد خرج في عصابة من المؤمنين يطلب بدم ابن بنت نبي العالمين ؛ وابن سيد الوصيين الحسين بن علي وابن فاطمة ، فو ربك ،


يا صقعب! لأقتلنّ به عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريا.

فقال صقعب : إنّ من أعجب القول أن يكون هذا منك! فقال : نعم والله ، إنه كائن لا محالة( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) ص / ٨٨ ، وجعل يقول : والذي أنزل القرآن ، وبين الفرقان ، وشرع الأديان ، وكتب الإيمان ، وكره العصيان ، لأقتلن العتاة من أزد عمان ومذحج وهمدان وبهران وخولان وبكر ونبهان وعبس ودودان ، وقبائل قيس عيلان ، غضبا لابن بنت نبي الرحمن.

ثم ضرب المختار راحلته ومضى حتى قدم مكة ، فدخل على عبد الله ابن الزبير ، فرحب به وقرّبه وسأله عن أهل الكوفة ، فقال المختار : هم في السر أعداء ، وفي العلانية أولياء ، فقال ابن الزبير : هذه والله ، صفة عبيد السوء ، إذا حضر مواليهم خدموهم وأطاعوهم ، وإذا غابوا عنهم شتموهم ولعنوهم ، فقال المختار له : ذرني من هذا ، ولكن أبسط يدك حتى ابايعك وأعطني ما أرضى به بأن تبث بي على أهل الحجاز حتى آخذها لك ، فإن أهل الحجاز كلهم معك وأنت أقرب إلى جماعة الناس وأرضى عند ذوي النهى من يزيد.

فسكت ابن الزبير ولم يرد عليه شيئا ، فخرج المختار مغضبا ومضى إلى الطائف ، فأقام بها حولا عند بني عمه من ثقيف ، وافتقده ابن الزبير فسأل عنه ، فقال له بعض أصحابه : ما رأيته منذ خرج من عندك ، فما كان بأسرع من أن قدم المختار من الطائف ، فدخل المسجد واستلم الحجر ، وطاف وصلّى ركعتين وجلس ، فجاءه قوم من أهل مكة فسلموا عليه وجلسوا إليه ، فعلم ابن الزبير بقدومه ، وقال : إني لا أراه يصير إلينا.

فقال له العباس بن سهل الأنصاري : إن شئت أتيتك بخبره ، فقال له


ابن الزبير : نعم ، فافعل ، فجاء العباس إلى المختار وسلّم عليه ، وسأله عن بني عمه بالطائف ، ثم قال له : يا أبا إسحاق! ليس مثلك من يغيب عما اجتمع عليه أهل الشرف وبيوتات العرب ، فقال المختار : وما ذاك؟ قال : انه لم تبق قبيلة من العرب إلّا جاء عميدها وزعيمها فبايع عبد الله بن الزبير ، فعجب منك ومن رأيك أن لا تكون آتيته فأخذت بحظك من هذا الأمر ، فقال يا أخا الأنصار! إنّك لتعلم أني أتيته في العام الماضي ، وأشرت عليه بالرأي ودعوته إلى حظه ، فطوى أمره دوني وأراني نفسه مستغنيا عني فأحببت أن يراني مستغنيا عنه ، فو الله ، لهو أحوج إليّ مني إليه ، فقال العباس : صدقت يا أبا إسحاق! قد كان ذلك ، غير أنك كلمته وهو ظاهر في المسجد ، وهذا كلام لا يكون إلّا والستور دونه مسدولة والأبواب فوقها مغلقة ، ولكن ألقه الليلة وأنا معك حتى تسمع كلامه ويسمع كلامك ، قال : نعم.

فلمّا صليت العشاء الآخرة ذهب المختار والعباس إلى ابن الزبير ، فمد يده ابن الزبير إلى المختار وصافحه ورحب به وسأله عن حاله؟ ثم قال : يا أبا إسحاق! إنك كلمتني بذاك الكلام والناس حضور وللحيطان آذان ، وليس من أحد إلّا وله عدو وصديق ، وهذا وقت خلوة فهات ما بدا لك ، فقال المختار : إنه لا خير في الإكثار من الكلام ولا حظ في التقصير عن الحاجة ، وأنت اليوم رجل قومك وقد جئتك لابايعك على أن لا تقضي الامور دوني ، وعلى أن أكون أوّل من تأذن له وآخر من يخرج من عندك ، فإذا أظهرك الله على يزيد استعنت بي على أفضل أعمالك فانتفع وأرد على أهل بيتي شيئا.

فقال ابن الزبير : يا أبا إسحاق! ابايعك على كتاب الله وسنة نبيه ،


فقال المختار : لو جاءك عبد أسود لبايعته على كتاب الله وسنة نبيه ، فأبى ابن الزبير غير هذا ، فقال العباس : جعلت فداك اشتر منه دينه حتى ترى رأيك ويرى هو رأيه ، فقال ابن الزبير : يا ابا إسحاق! فإني ابايعك على ما سألت ، ثمّ بسط يده فبايعه المختار ثم انصرف إلى منزله ، وكان عنده إلى أن جاء أخوه عمرو بن الزبير مع أهل الشام يقاتل أخاه عبد الله بين مكة والمدينة ، فخرج إليه المختار ، وأبلى بلاء حسنا في قتاله دون عبد الله ، وأسر عمرا وفر أهل الشام ، فلما جيء بعمرو إلى أخيه قال : من كان له مظلمة عند عمرو فليقم؟ فقام جماعة ، فمن يقول : صفعني ، يقول له اصفعه ، ومن يقول : ضربني ، يقول له : اضربه ، وإنما كانت عنده هذه المظالم لأنه كان صاحب شرطة أمير المدينة عمرو بن سعيد بن العاص حتى جاءه مصعب بن سعيد بن عبد الرحمن بن عوف فقال : يا أمير المؤمنين! انه ضربني مائة سوط بلا ذنب كان مني إلّا ميلي إليك ، فأمر به عبد الله وجرد من ثيابه ، وأمر مصعب بن سعيد فجلده كما جلده مائة سوط ، ثم أمر به عبد الله الى السجن ولم يداوه فمات ، ولما مات ، قيل : إنّه أمر بصلبه فصلب ، وقيل : بل دفن ولم يصلب ، ثم أقبل عبد الله بن الزبير على أصحابه ، فقال : أتدرون لم فعلت بعمرو هذا الفعل؟ قالوا : لا ، قال : إنه صار إلى معاوية زائرا فكتب معاوية الى زيادا بن أبيه بمائة ألف درهم جائزة ففض الكتاب وجعل المائة مائتي الف ، وعلم معاوية أنه عمل على زياد ، فكتب إلى مروان وهو عامله بالمدينة أن يأخذ عمرو بن الزبير بمائة الف درهم ، فأخذه مروان وحبسه ، فصرت إلى مروان وهيأت المائة الف له من نفسي فأعطيتها وأخرجته من سجن مروان ، فكان جزائي منه أن خرج عليّ ويضرب وجهي بالسيف.

قال : فلما بعث يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري أميرا على أهل


الشام لمحاربة عبد الله ومن بالمدينة من قبل ابن الزبير والحصين بن نمير السكوني بعده إن حدث به حدث الموت ، لأن مسلما كان مريضا فكانت الوقعة بالحرة ، وأقام بعدها بالمدينة فقتل من أولاد المهاجرين ألفا وثلاثمائة ، ومن أولاد الأنصار ألفا وسبعمائة ، ومن العبيد والموالي ثلاثة آلاف ، ونهب المدينة ثلاثة أيام بلياليها ، حتى قال أبو سعيد الخدري : والله ، ما سمعنا الأذان بالمدينة ثلاثة أيام إلا من قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم ارتحل مسلم إلى مكة لمحاربة ابن الزبير ، فمات بين مكة والمدينة فسمّوه مسرفا لأنه أسرف بالقتل ، ولما مات استخلف الحصين بن نمير السكوني فنصب الحصين المجانيق على الكعبة فكانوا يرمونها حتى نزلت صاعقة فأحرقت منجنيقا لهم بما كان فيه من الناس فجعل المختار يومئذ يحارب بين يدي عبد الله أشد المحاربة وهو يقول : أنا ابن الكرارين لست من أبناء الفرارين ، حتى ضج أهل الشام منه ، وأقام القوم على ذلك أياما لا يفترون ليلا ولا نهارا حتى قتل من أهل الشام مقتلة عظيمة وكذلك من أصحاب عبد الله.

فبينا الحصين كذلك إذ قدم رجل من أهل الشام فسلم وجلس وقال : أنت ترمي البيت الحرام بالحجارة والنيران ويزيد قد مات؟ قال الحصين : ويحك ما تقول؟ قال : ما تسمع. قال الحصين : ما سبب موته؟ قال : إنه شرب من الليل شرابا كثيرا فأصبح مخمورا فذرعه القيء فلم يزل حتى قذف عشرين طستا من قيء ودم فمات.

٥ ـ وذكر أبو الحسن السلامي البيهقي في تاريخه عن ابن عباس أنه قال : لا يمهل الله يزيد بعد قتله الحسين ، وأنه قال : سبب زوال الدولة عن يزيد بن معاوية والله قتله الحسينعليه‌السلام .

٦ ـ وذكر عبد الكريم بن حمدان صاحب التاريخ : إنّ يزيد بن معاوية


ولي ثلاث سنين وثمانية أشهر ، ومات بحمص بقرية ، يقال لها : حوران ودفن بها في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ، وهو ابن تسع وثلاثين ، وكان له بنون كثيرة ، غير أنّ أكبرهم معاوية بن يزيد ، وكان برا تقيا فاضلا ، وكان ولي عهد أبيه ؛ وخالد بن يزيد يليه ولكنه غير بالغ ، فبويع أبو ليلى معاوية بن يزيد فخطب الناس ، فقال :

أيها الناس! ما أنا بالراغب في الامارة عليكم ، ولا بالآمن من شركم ، إلا إن جدي معاوية بن أبي سفيان قد نازع هذا الأمر من كان أولى به منه بالقرابة والقدم ، فهو ابن عم نبيكم أعظم المهاجرين قدرا ، وزوج ابنته وأبو ذريته ، فركب جدي منه ما تعلمون ، وركبتم معه ما لا تجهلون ، حتى نزلت به منيته ، ثم تقلّد الأمر أبي وكان غير خليق بها فقصرت مدّته ، وانقطع أثره ، وضمته وأعماله حفرته ، لقد أنسانا الحزن به الحزن عليه ، فيا ليت شعري هل اقيلت عثرته. أم غلبت عليه إساءته ، ثم صرت أنا ثالث القوم والساخط فيما أرى أكثر من الراضي ، وما كنت لاحتمل آثامكم وألقى الله بتبعاتكم فشأنكم بأمركم.

فقال له مروان : يا أبا ليلى! لقد سن لها عمر بن الخطاب سنّة فاتبعها ، فقال معاوية : أتريد أن تفتنني عن ديني يا مروان؟ ثم قال : ائتني برجال عمر حتى أجعلها بينهم شورى ، والله ، لئن كانت الخلافة مغنما فلقد أصبنا منها حظا. وحسب آل أبي سفيان منها ذلك.

ثم نزل عن المنبر ، فقالت له أمه : يا بني! ليتك كنت حيضة في خرقة ، فقال : وددت ذلك يا اماه! أما علمت أن لله نارا يعذب بها من كان ظالما؟ فعاش أربعين يوما ثم مات فقيل له : ألا تعهد بها الى من أحببت؟ فإنا سامعون له مطيعون.


فقال : كلا لا أترك لبني أميّة حلاوتها وأتزود لنفسي مرارتها ، وكان ابن إحدى وعشرين سنة ، قيل : كان له مؤدب ممن يميل الى عليعليه‌السلام فظن به آل أبي سفيان أنّه هو الذي دعاه الى تلك الخطبة وما فيها ، فقبضوا عليه بعد موت معاوية ودفنوه حيا.

قال : ثم لما بلغ الحصين موت يزيد واضطرب أمر الشام قفل الحصين بن نمير من مكة إلى الشام ، وتوارى ابن زياد بالبصرة عند مسعود بن عمرو الأزدي ، واجتمع أهل البصرة في طلبه ، فقال ابن زياد لمسعود : اخرجني ليلا من البصرة في جوار بني عمك من الأزد حتى ألحق بالشام.

فأخرجه مسعود ليلا ، وبعث معه ثلاثين رجلا حتى لحق بالشام ، فبلغ أهل البصرة أنّ مسعودا هو الذي أجاره وأخرجه ليلا ، فقتلوا مسعودا في جوف الليل ونهبوا ماله ، وقصدوا داري ابن زياد الحمراء والصفراء فأحرقوهما ، ووجدوا أمه وزوجته فأخذوهما ، ونهبا أموالهما ، وبقيت البصرة والكوفة أربعة أشهر لا أمير عليهما ، ولما وصل ابن زياد إلى الشام وجدهم مضطربين ، فطائفة تميل للضحاك بن قيس الفهري وكانت معه أعنّة الخيل ؛ وطائفة تميل الى عبد الله بن الزبير ومنهم مروان.

فقال ابن زياد لمروان : أما تستحي أن تبايع رجلا كان في قتلة عثمان؟ فامتنع وتحير ، فقال له ابن زياد : ما أحد أحق بهذا الأمر منك فإنك ابن عم عثمان ، فظن مروان أنه مستهزئ ، فمد ابن زياد إليه يده وبايعه ، فبايعه الناس في دمشق فندبهم لقتال الضحاك فأجابوه ، واقتتلوا ب «مرج راهط» فقتل الضحاك ، وتمت لمروان البيعة فنكح حنة بنت هاشم أم خالد بن يزيد ، فكان خالد بن يزيد في داره بمنزلة الولد عنده ، ثم ولاه أرض حمص وبعث إليها خليفة من تحت يده.


قال : واستوثق الأمر لعبد الله بن الزبير في الحجاز والعراق والبصرة والكوفة فبعث أخاه مصعب بن الزبير على البصرة واجتمع أهل الكوفة على عامر بن مسعود بن اميّة بن خلف الجمحي فبايعوه ليكون أميرا من قبل عبد الله بن الزبير ، وكان المختار عند عبد الله بن الزبير ، فلم يستشره في شيء على شرطه ، فكان في قلبه أن يخرج على ابن الزبير ، وكان يقدم في ذلك ويؤخر ، حتى قدم هانئ بن حيّة الهمداني مكة للعمرة ، فسأله المختار عن أهل الكوفة ، فقال : هي مستوسقة لعبد الله بن الزبير ، فقال له : أخبرني يا أخا همدان! عن سليمان بن صرد وأصحابه ، هل شخصوا إلى قتال المحلّين؟ قال : لا ما شخصوا وإنه لعازم على ذلك.

فانصرف المختار إلى منزله ، فلما جنّه الليل استوى على راحلته ، وخرج عن مكة فلم يصبح إلّا على مرحلتين منها ، فلما صار بالقرعاء لقيه رجل من أهل الكوفة ، يقال له : سليمان بن كريب ، فقال له المختار : كيف خلفت أهل الكوفة؟ قال : خلفتهم كغنم لا راعي لها.

فتبسم المختار وقال : أنا والله ، راعيها الذي يحسن رعايتها ، ويقيم أودها ، فلما انتهى إلى نهر الحيرة وذلك يوم الجمعة ، نزل عن راحلته واغتسل فيه ولبس ثيابه واعتصم بعمامة وتقلّد سيفه ثم ركب فرسا له وأقبل حتى دخل الكوفة نهارا جهارا ، فجعل يمر بمجالس القوم فيسلم ويقول : ابشروا بالفرج فقد جئتكم بما تحبون ، فأنا المسلط على الفاسقين ؛ والطالب بدماء الطاهرين ، ثم جاء الى المسجد الأعظم فنزل وصلّى فيه ركعتين والناس يستشرفونه ، ويقولون : هذا المختار ، وما قدم والله إلّا لأمر عظيم ، ثم جلس وصلّى الظهر والعصر ، ونهض وعليه ثياب رثة فخرج إلى دار مسلم بن المسيب.


٧ ـ وذكر محمد بن إسحاق : إنه أخذ من محمد بن الحنفية كتابا إلى إبراهيم بن مالك الأشتر أن يسمع للمختار ويطيع له ، وزوّر أربعين كتابا من لسان محمّد بن الحنفية إلى أربعين شيخا من مشايخ الكوفة في معنى ذلك ، فأوّل من زوّر الكتب المختار(١) .

قال : ولما وصل إلى القادسية عدل عنها إلى كربلاء واغتسل ولبس ثياب الزيارة وسلم على قبر الحسين واعتنقه وقبله وبكى وقال : يا سيدي! آليت بجدك المصطفى ، وأبيك المرتضى ، وامك الزهراء ، وأخيك الحسن المجتبى ، ومن قتل معك من أهل بيتك وشيعتك في كربلا لا أكلت طيب الطعام ؛ ولا شربت لذيذ الشراب ؛ ولا نمت على وطيء المهاد ، ولا خلعت عن جسدي هذه الأبراد ؛ حتى أنتقم لك ممن قتلك أو اقتل كما قتلت ، فقبح الله العيش بعدك.

ثمّ ودع القبر وركب وسار إلى الكوفة وقدم ليلا فسلم الكتاب إلى إبراهيم وإلى المشايخ ، وكانت الشيعة قد تحرّكت قبل قدومه ، وكثر بينهم التلاوم والندم على ما فرطوا في أمر الحسينعليه‌السلام من خذلانه ، وعلموا أنه لا يغسل عنهم ذلك إلّا أن يخرجوا فيقتلوا من قتله وشرك في دمه حيث كان في مشارق الأرض ومغاربها ، وقد فزعوا إلى خمسة نفر من خيار الشيعة ومن أصحاب عليعليه‌السلام سليمان بن صرد الخزاعي ، وكان صحابيا ، والمسيب بن نجبة الفزاري ، ورفاعة بن شداد البجلي ، وعبد الله بن سعد الأزدي ، وعبد الله بن وال التميمي ، فاجتمع هؤلاء الخمسة في بيت سليمان بن صرد فأول من تكلم منهم المسيب بن نجبة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ الله تعالى اختبرنا في غير موطن من مواطن ابن بنت نبينا

__________________

(١) ان صح ذلك فلعله من خدع الحرب التي يرى وجوبها.


محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فوجدنا كذابين ، وذلك أنّ الحسين كتبنا إليه وأتتنا رسله وسألنا النصر فبخلنا عليه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا : فلا نصرناه بأيدينا ؛ ولا دفعنا عنه بألسنتنا ؛ ولا قويناه بأموالنا ؛ ولا طلبنا له نصرة من عشائرنا ، فخبروني الآن ما عذرنا غدا عند الله؟ وما حجتنا عند أبيه محمد ، وقد قتل ولده وحبيبه وريحانته بين أظهرنا؟ لا والله ، ما لنا غير أن نخرج ونقتل من قتله أو شرك بدمه أو أعان على قتله فعسى الله أن يرضى عنا بذلك.

ثم تكلم سليمان بن صرد وكان شيخ القوم ، فقال : أما إنه دهر ملعون ، قد عظمت فيه الرزية وشمل فيه الخوف والمصيبة ، وذلك إنا كنا نمد أعيننا إلى قدوم أهل البيت ، ونمنيهم النصرة ونحثهم على المصير إلينا ، فلما قدموا علينا عجزنا وونينا ، وتربصنا حتى قتل في جنبنا ابن نبينا وسلالته وسبطه وعصارته ، وبضعة من لحمه ودمه ، وهو في ذلك يستصرخ فلا يصرخ ، ويدعو فلا يجاب ، ويستغيث فلا يغاث ، ويسأل النصفة فلا يعطى ، اتخذه الفاسقون غرضا لسهامهم ؛ ودرية لرماحهم ، حتى قتلوه ثم سلبوه وانتهكوا حرمته بعد أن قتلوا ولده وأهل بيته وشيعته ، ألا فانهضوا واتقوا الله تعالى فقد سخط عليكم ، ولا ترجعوا للحلائل والأبناء حتى يرضى عنكم ، ولا أظنه يرضى دون أن تناجزوا من قتله ، وشرك في دمه أو خذله فلا تهابوا الموت ، فو الله ، ما هابه أحد إلّا ذل ، فانهضوا وكونوا كبواقي بني إسرائيل ، إذ قيل لهم : اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ألا فاشحذوا الصفاح ، وركّبوا أسنة الرماح ، وجدوا في الكفاح ، وأعدوا ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، ولا تهنوا عن لقاء الفاسقين ، فأجابه الناس إلى ذلك ، ثم إنهم قلّدوا امورهم سليمان بن صرد ، وعزموا على الخروج ، وكتبوا إلى شيعة البصرة وشيعة المدائن ، وسألوهم المعاونة على


ذلك ، فأجابوهم لها.

قال : ثم بعث المختار إلى وجوه الشيعة فدعاهم ، وقال لهم : إني قد جئتكم من ولي الأمر ، ومعدن الفضل ، وصي الوصي ، والإمام المهدي محمد بن علي بن الحنفية الرضي ، بعثني إليكم أمينا ووزيرا وعاملا وأميرا ، وأمرني بأن اقاتل المحلّين ، وأطلب بدم ابن بنت رسول العالمين.

فقالت له الشيعة : يا أبا إسحاق! أنت أهل لذلك ، ولكن الشيعة قد بايعوا سليمان بن صرد وأنت تعلم أنه شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك.

فسكت المختار وأقام بالكوفة ينتظر ما يكون من أمر سليمان ، وعلم عبد الله بن الزبير أنّ المختار صار إلى الكوفة فاتقى أن يفسد عليه البلد ، فعزل عامر بن مسعود بن أميّة عن الكوفة وولّى عليها عبد الله بن يزيد الأنصاري ، وقدم معه إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على خراج الكوفة فجاءه رؤساء الكوفة وسلموا عليه وهنأؤه بالامارة ، فقال لهم :

يا أهل الكوفة! ما يبلغني عن سليمان بن صرد وأصحابه؟ فقالوا : إنه يطلب بدم الحسين بن عليعليه‌السلام ، فقال الأمير : نعم ما رأى سليمان ، وأنا أسأل الله أن يعينهم على ذلك ويقتل الفاسقين المحلّين.

ثم قاموا وخرجوا وبقي عنده رجل من شيعة بني أميّة ، يقال له : يزيد ابن الحرث ، فقال له : أصلح الله الأمير إنّ سليمان بن صرد يريد أن يخرج عليك فاتقه على نفسك ، فقال له : ولم ذلك؟ قال : لأنه يطلب بدم الحسين ، فقال الأمير : الله أكبر! أنا قتلت الحسين؟ لعن الله من قتل الحسين ، وشرك في قتله ، ومن لم تكن مصيبة الحسين دخلت عليه فليس بمؤمن ، فندم الرجل على ما تكلّم به.


قال : ثم نادى سليمان بن صرد ، فجعل الناس يخرجون من منازلهم على الخيل العتاق ، وقد أعدوا الآلة والسلاح ، وجعلوا يستطرقون أسواق الكوفة ، والناس تدعو لهم بالنصر حتى إذا أتى النخيلة عسكر بها ، ثم أشرف على عسكره فلم يعجبه لقلّة الناس ، فدعا برجلين من أصحابه : حكيم بن سعد الكندي ؛ والوليد بن غصين الكناني ، فقال لهما : اركبا إلى الكوفة في مائة فارس ، وناديا بأعلى صوتيكما : يا لثارات الحسين! فمن أراد الجنّة ورضا ربه والتوبة من ذنبه ، فليلحق بسليمان بن صرد الخزاعي. ففعلا ما أمر به فأجابهما شرذمة قليلة ، وقد كان قبل أن يقدم المختار عرض سليمان أصحابه ، فكانوا ستة عشر ألفا ، فلما عرضهم في ذلك اليوم إذا هم أربعة آلاف يزيدون أو ينقصون.

فقال سليمان : ما أظن هؤلاء بمؤمنين ، أما يخافون الله بالذي أعطونا من صفقة أيمانهم؟ فقال المسيب بن نجبة : إنه لا ينفعك الكاره ، ولا يقاتل معك إلّا من أخرجته النية ، فلا تنتظر أحدا واستعن بالله وتوكل عليه ، وقل : لا حول ولا قوة إلّا بالله.

فوثب سليمان قائما على قدميه متكئا على قوس عربية ، فقال : أيها الناس! إنّ من كان أخرجته معنا إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذاك منا ونحن منه ، ورحمة الله عليه حيا وميتا ، ومن كان يريد الدنيا وزينتها فلا والله ما معنا خز ولا حرير ، ولا ذهب ولا فضة ، ولسنا والله نمضي إلى فيء نحوزه أو غنيمة نأخذها ، وما هي إلا سيوفنا في رقابنا ورماحنا في أكفنا ، ومعنا زاد بقدر البلغة ، إلى لقاء عدونا ابن زياد وأصحابه المحلّين ، فمن كان ينوي غير هذا فلا يصحبنا. فقالوا بأجمعهم : ما أخرجنا والله إلّا التوبة من ذنوبنا ، والطلب بدماء أهل بيت نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد علمنا بأنا إنما نقدم على حد


السيوف وأطراف الرماح.

فقال لهم سليمان : رحمكم الله ، فعليكم بطول الصلاة في جوف الليل ، وذكر الله كثيرا على كل حال ، وتقربوا إلى الله تعالى بما استطعتم ، فإنكم لن تتوسلوا إلى ربكم بشيء أكثر ثوابا من الصلاة والجهاد ، لأن الصلاة عماد الدين ، والجهاد سنام العلم والعمل.

ثم أدلج سليمان بالناس ليلة الجمعة من شهر ربيع الآخر لخمس بقين أو مضين منه ، حتى نزل على شاطئ الفرات بموضع يقال له : اقساس بني مالك ثم عرض الناس هناك ، فإذا قد نقص منهم ألف ومائة رجل ، فقال لهم : أيها الناس! والله ، ما أحبّ أن من تخلف عنكم كان معكم ، لأنهم لو كانوا فيكم لما زادوكم إلّا خبالا ، فاحمدوا الله على رجوعهم عنكم.

وسار تلك الليلة فأصبحوا وقد أشرفوا على قبر الحسين ، فلما عاينوه رفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب ، ورموا أنفسهم عن دوابهم ، وجعلوا يقولون : اللهم! إنا خذلنا ابن بنت نبينا ، وقد أسأنا وأخطأنا فاغفر لنا ما مضى من ذنوبنا ، وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم ، ثم تقدم رجل منهم ، يقال له : وهب بن رفعة الجعفي حتى وقف على القبر باكيا ، ثم قال : والله ، ما أشك أن صاحب القبر هو وجدّه وأبوه وأمه وأخوه أفضل عند الله وسيلة يوم القيامة من جميع الخلق ، ألم تروا إلى ما فعل به وبأهل بيته المحلّون؟ ولم يراقبوا فيه من ربه ، ولا قرابته من نبيه ، لكنهم جعلوه للنبل غرضا ، وغادروه لملك باغ مطعما ، فلله الحسين ولله يوم الحسين ، لقد عاينوا منه يوم وافوه ذا وفاء وصبر ، وعفاف وبر ، وذا بأس ونجدة ، وأمانة وشدّة ، فهو ابن أول المؤمنين ، وابن بنت نبي ربّ العالمين ، قلّت حماته ، وكثرت عداته ، فويل للقاتل وملامة للخاذل ، إن الله تبارك وتعالى لم يجعل للقاتل


حجّة ، ولا للخاذل معذرة ، إلّا أن يناصح الله في التوبة فيجاهد الفاسقين ، وينابذ المحلّين ، فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ، ويقيل العثرة ، فإنه تواب رحيم أرحم الراحمين غافر للمذنبين. ثم أنشد :

تبيت النشاوى من أميّة نوّما

وبالطّف قتلى ما ينام حميمها

وما ضيّع الإسلام إلا عصابة

تأمر نوكاها(١) ودام نعيمها

فأضحت قناة الدين في كف ظالم

إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمها

وأقسم لا تنفكّ نفسي حزينة

وعيني سفوحا لا يجفّ سجيمها

قال : فضجوا بالبكاء والعويل والنحيب ، وأقاموا عند القبر يومهم ذلك وليلتهم يصلّون ويبكون ويتضرّعون ، ثم نادى سليمان بن صرد بالرّحيل ، فجعلوا يودعون القبر ويزدحمون عليه كازدحام الحجيج على الحجر الأسود وهم يقولون : اللهمّ! إنا خرجنا عن الديار والأموال والأهلين والأولاد نريد جهاد الفاسقين الّذين قتلوا ابن بنت نبيك ، فارزقنا الشهادة ، اللهم! إنا نعلم لو كان الجهاد فيهم بمطلع الشمس أو بمغربها ، وبمنقطع التراب لكان حقيقا علينا أن نطلبه حتى نناله ، فإن ذلك هو الفوز العظيم والشهادة التي ثوابها الجنّة.

وساروا من قبر الحسينعليه‌السلام فلزموا الطريق الأعظم ، فارتجز رجل منهم وجعل يقول :

خرجن يلمعن بنا ارسالا

يحملن منا فتية أبطالا

وقد تركنا الأهل والأموالا

والخفرات البيض والحجالا

نريد أن نلقى بها إقبالا

الفاسقين الغدر الضلالا

__________________

(١) النوكى : الحمقاء جمع انوك وهو الأحمق.


لنرضي المهيمن المفضالا

ونأمن العقاب والنكالا

فبينا هم يسيرون ، وإذا كتاب أمير الكوفة عبد الله بن يزيد الأنصاري إلى سليمان بن صرد فيه : أما بعد فإن كتابي إليكم كتاب ناصح لكم مشفق عليكم ، وذلك أنكم تريدون المسير ، بالعدد اليسير ، إلى الجمع الكثير ، والجيش الكبير ، وقد علمتم أنّ من أراد أن يقلع الجبال عن أماكنها تكلّ معاوله ، ولا يظفر بحاجته ، فيا قومنا! لا تطمعوا عدوكم في بلدكم ، فإنكم خيار قومكم ، ومتى ظفر بكم عدوكم طمع في غيركم من أهل مصركم ، فارجعوا إلينا فإن أيدينا وأيديكم واحدة في قتال العدو ، فمتى اجتمعت كلمتنا ثقلنا على عدوكم وعدونا ، فاقبلوا حين تقرءون كتابي هذا والسلام.

فكتب إليه سليمان : قد قرأنا كتابك أيها الأمير! وعلمنا ما نويت ، فنعم أخو العشيرة أنت ، غير أنا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه :( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ ) التوبة / ١١١ ، واعلم أيها الأمير! إنّ المؤمنين استبشروا ببيعهم الذي بايعوا ربهم ، وقد تابوا إليه من عظيم ذنبهم ، وقد توجهوا إليه وتوكلوا عليه ، وهو حسبهم ونعم الوكيل ، واعلم أنّ لعبد الله بن الزبير أشكالا يقاتلون معه ، ولسنا من أشكال ابن الزبير ، فإنهم يريدون الدنيا ونحن نريد الآخرة.

فلما قرأ الكتاب عبد الله أقبل على جلسائه ، وقال : استمات القوم وربّ الكعبة.

قال : وعلم المختار أن سليمان بن صرد وأصحابه لا يرجع منهم أحد فجعل يبعث على الشيعة ويشاورهم في الخروج ، وبلغ ذلك عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فدخل على الأمير عبد الله ، فقال له : إن المختار صاحب فتنة ، وقد بلغني أنّ قوما من هؤلاء الترابية يختلفون إليه ، ولست آمنه على


بلية ، فابعث إليه الساعة وخلده في السجن ، فإنك لا تدري ما يكون منه ، فأرسل الأمير إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة أن يهجم على المختار فيأخذه ، فهجم عليه في داره فقال : ما الذي يبلغنا عنك يا مختار؟ فقال المختار : كل ما بلغكم عني فهو باطل.

وأقبل عمر بن سعد على فرس له وقد أخرج المختار من منزله ملببا ، فقال : أوثقوه بالحديد وخلدوه في السجن إلى أن يستقيم أمر الناس ، وإذا رسول الأمير أقبل إلى إبراهيم بن محمد ، فقال : يقول الأمير : شد المختار كتافا وامض به إلى السجن حافيا ، فقال إبراهيم للرسول : يا هذا! ولم يفعل بالمختار هذا الفعال؟ لا والله ، ما هذا جزاؤه من أمير المؤمنين ابن الزبير ، وقد أبلى بين يديه البلاء الحسن ، وقاتل القتال الشديد ، فلما ذا يفعل به هذا؟ وإنما أخذناه على الظن والتهمة ، ثم أمر به إبراهيم إلى السجن فحبس ، ومشى قوم من وجوه الكوفة ، وقالوا للأمير : إنّ المختار من شيعة آل محمد ، وأنت عارف به قديما وحديثا ، وإنما قدم علينا لأنه رأى من أمير المؤمنين جفوة فأحب أن يكون في ناحيتنا ، ولم يظهر لنا ولا لك عداوة ، فإن رأى الأمير أن يشفّعنا فيه ، فعل منعما ، فأبى الأمير أن يشفعهم فيه فانصرفوا مغضبين ، ثم قال المختار في السجن : أما ورب البحار ، والنخل والأشجار ، والمهامة والقفار ، والملائكة الأبرار ، والمصطفين الأخيار ، لأقتلن كل جبار ، بكل لدن خطّار ، ومهنّد بتار ، حتى إذا أقمت عمود الدين ، وشفيت غليل الصديقين من أولاد القاسطين ، وبقية المارقين ، وأدركت ثأر أولاد النبيين ، لم يكبر عليّ زوال الدنيا ، ولم أحفل بالموت إذا أتى إذ كان المصير إلى الجزاء ، ثمّ كتب إلى عبد الله بن عمر كتابا :

أما بعد فإني حبست مظلوما ، وظن بي الولاة ظنونا كاذبة ، فاكتب


رحمك الله إلى هذين الوليين الصالحين كتابا لطيفا لعلّ الله تبارك وتعالى أن يخلّصني من أيديهما ، بيمنك وبركتك ، والسّلام.

فكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن يزيد ؛ وإبراهيم بن محمد :

أما بعد فقد علمتما بالذي بيني وبين المختار من الصهر والقرابة ، والذي بينكما من المودّة ، فأسألكما بالذي بيني وبينكما إلا خليتما سبيله ساعة تنظرون كتابي هذا ، والسلام.

فلما ورد الكتاب أرسل الأمير إلى المختار فأخرجه من السجن ، ثم قالا له : اعطنا كفلاء ، أنّك لا تحدث في عملنا حدثا واحلف بما نحلفك به ، والزم منزلك ، فتقدم عشرة من وجوه الشيعة فكفلوه ، وحلف المختار بما حلّفوه به أن لا يخرج على عبد الله بن يزيد ؛ وابراهيم بن محمد في عملهما ما كان لهما سلطان بالكوفة ، فإن خرج فعليه ألف بدنة ينحرها عند رتاج الكعبة وعبيده وإماؤه كلّهم أحرار ، فحلف لهما وانصرف إلى منزله ، ثم أرسل إلى من يثق به من إخوانه فدعاهم ، فقال : قاتل الله هؤلاء القوم ما أحمقهم حين يظنون أني أفي لهم بأيمانهم هذه ، أما حلفي بالله فإنه ينبغي لي أني إذا حلفت بيمين فرأيت غيرها خيرا لي من يميني ، فإني أفي بالذي هو خير لي واكفر عن يميني وخروجي عليهم خير من كفّي عنهم فانا أكفر عن يميني وأخرج عليهم متى شئت ، وأما الألف بدنة التي أنحرها عند رتاج الكعبة ، فهي أهون عليّ من بزاقة ، وما ثمن ألف بدنة حتى يهولني أمرها ، وأما عتقي لعبيدي وإمائي فو الله ، إني لوددت التئام أمري ولا اريد أن أملك مملوكا ما عشت ، ولكني إنما أنتظر أمر سليمان وأصحابه وما يكون منهم فأنظر أمري ، ثم سكت ولزم بيته.

[رجعنا] إلى أخبار سليمان بن صرد قال : فسار سليمان حتى صار إلى


هيت ثم إلى قرقيسيا ، وبها يومئذ زفر بن الحرث الكلابي ، فلما نظر إلى خيل المسلمين كأنه اتّقى منهم ، فأمر بباب المدينة فاغلق ، ونزل المسلمون بحذاء المدينة على شط الفرات ، فدعا سليمان بن صرد المسيب بن نجبة فقال له : صر الى ابن عمك هذا زفر بن الحرث فأخبره : إنا لسنا نريده وإنما نريد الفاسق ابن زياد وقتلة الحسين بن عليعليه‌السلام فليخرج إلينا سوقا نتسوق فيها.

فانطلق المسيب إلى زفر وأخبره فأدناه زفر وأجلسه إلى جانبه وسأله عن الحال ، ثم أمر أن يخرج إليهم سوق وأمر للمسيب بفرس وألف درهم ، فقال المسيب : أما المال فلا حاجة لنا فيه لأنا ليس للمال خرجنا ، وأما الفرس فإني احتاج إليه إن ظلع فرسي أو عقر تحتي ، ثمّ أمر زفر بأن يخرج إليهم الطعام الكثير وأرسل إلى كل رئيس منهم بعشرة من الجزر ودقيق وشعير وجميع ما يحتاجون إليه ، فظل القوم يومهم ذلك واليوم الثاني مخصبين لا يحتاجون إلى شيء من السوق قد كفوا جميع ذلك إلّا أن يشري الرجل منهم ثوبا أو يحدّ سيفا أو رمحا ، فلما كان اليوم الثالث نادى سليمان بالرحيل فخرج إليه زفر فقال له : إن ابن زياد سمع بخبركم فنزل الرقة وقد وجه إليكم بخمسة من قواده : الحصين بن نمير السكوني ؛ وشرحبيل بن ذي الكلاع الحميري ؛ وأدهم بن محرز الباهلي ؛ وربيعة بن مخارق الغنوي ؛ وجبلة بن عبد الله الغنوي ، وهم في عدّة لا طاقة لكم بها ، فقال سليمان : على الله توكلنا وعليه فليتوكل المؤمنون ، فقال : نعم ما قلت ، ولكن هل لكم أن أفتح باب مدينة قرقيسيا فتدخلوها ، ويكون أمركم وأمرنا واحدا على ابن زياد؟ أو تنزلوا على باب المدينة ونعسكر إلى جانبكم ، فإذا جاء ابن زياد قاتلناه جميعا فعسى أن يظفرنا الله تعالى به ، فقال سليمان : إنّ هذا الذي تقول به قد عرضه علينا أهل بلدنا ولم نتبعه ، وكتبه إلينا بعد ذلك أمير


الكوفة فأبينا إلّا أن نسير إليهم فيحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.

فقال زفر : أما إذا أبيتم ذلك فاقبلوا مني نصيحة ، اعلم أنّ القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم الآن إلى عين الوردة فانزلوها واجعلوا المدينة من وراء ظهوركم والرستاق بين أيديكم ، فانظروا إذا أتوكم فلا تقاتلوهم في فضاء من الأرض فإني أخاف أن يحيطوا بكم لأنهم أكثر منكم بأضعاف ولا تصفوا لهم صفوفكم ، فإني لست أرى لكم رجّالة تحميكم ؛ ولكن إذا وافوكم فعبوا كتائبكم واجعلوا منكم مع كل كتيبة كتيبة إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين فزالت ، أعانتها الاخرى ، فيكون ذلك أشد لصفكم وأضعف لصفهم. وأنا أسأل الله تعالى أن ينصركم على هؤلاء الفاسقين.

فقال له سليمان : جزاك الله من رجل خيرا ، فلقد أكثرت النزل ، وأحسنت الضيافة ، ونصحت في المشورة. فودّعهم زفر وسار القوم حتى نزلوا عين الوردة فقام سليمان خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا شيعة آل محمّد! إنه قد أتاكم عدوكم الذي تجدون إليه المسير في آناء الليل وأطراف النهار ، تريدون بذلك أن تطهروا أنفسكم بالتوبة النصوح إلى ربكم مما فرطتم في ابن بنت نبيكم ، وقد جئتم إليهم ، وأنتم اليوم في دارهم ، فانظروا إذا لقيتموهم غدا فأصدقوا القتال واصبروا فإن الله مع الصابرين ، ولا يولين أحد منكم دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، ولا تقتلوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيرا إلّا أن يقاتلكم ، ولا تدخلوا دارا إلّا بإذن أهلها فإنّ هذه سنّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام في أهل هذه الدعوة ، واعلموا أن مروان كانت ولايته تسعة أشهر ، فعبث بها ابن زياد لمحاربتكم والآن قام ابنه عبد الملك فأقر ابن زياد على ما بعثه أبوه


مروان ، وانظروا إذا أنا قتلت فأميركم المسيب بن نجبة ، فإن قتل فعبد الله بن سعد ، فإن قتل فأخوه خالد ، فإن قتل فعبد الله بن وال ، فإن قتل فرفاعة بن شداد ، فإن قتل فأمر بعضكم إلى بعض ، ورحم الله من صدق ما عاهد عليه الله.

ثم دعا سليمان بالمسيب ، فضم إليه أربعمائة فارس من أشدّ فرسان عسكره وقال له: سر حتى تلقى أول عسكر من عساكر القاسطين فاحمل عليهم ، فإن رأيت ما فقاتل ، وإلا فانصرف ، فسار المسيب ليلا حتى ابتلج الصبح فرأى أعرابيا ، قال : ممن الرّجل؟ قال : من تغلب ، قال : غلبنا ورب الكعبة! قد أخذنا فالك من فيك ، ما اسمك؟ قال : بشير ، قال : بشرى وربّ الكعبة! كم بيننا وبين القوم؟ فقال : أما أدناهم فعلى ميل منكم وهم أربعة آلاف رئيسهم شرحبيل ، ومن ورائهم الحصين في أربعة آلاف ؛ ومن ورائهم الصلت بن ناجية في أربعة آلاف ، والعساكر متصلة بعضها ببعض ، ومعظم العسكر بالرقة مع عبيد الله بن زياد ، فقال المسيب : لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم سار حتى أشرف على عسكر شرحبيل ، فلما نظر إليه ، صاح : يا ليوث العراق! كروا ، فحملوا عليهم حملة رجل واحد ، فانهزموا هزيمة فاحشة ، وقتل منهم خلق كثير وجرح خلق كثير ، وألقى الله في قلوبهم الرعب ، ثم رجع المسيب بأصحابه إلى سليمان بن صرد سالمين ، وبلغ ابن زياد الخبر فغضب ووجه زهاء عشرين ألفا الى عين الوردة وأصحاب سليمان ثلاثة آلاف ومائة رجل ، فعبأ أهل الشام ، فكان على ميمنتهم عبد الله بن الضحاك الفهري ، وعلى ميسرتهم مخارق بن ربيعة ، وعلى الجناح شرحبيل ابن ذي الكلاع ، وفي القلب الحصين بن نمير ، وعبأ أهل العراق ، فكان على


ميمنتهم المسيب بن نجبة ، وعلى ميسرتهم عبد الله بن سعد الأزدي ، وعلى الجناح رفاعة بن شداد ، وعلى القلب سليمان بن صرد.

وزحف القوم بعضهم إلى بعض ، فقال أهل الشام : يا أهل العراق! هلموا الى الجماعة والطاعة لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، فقال أهل العراق : هلموا يا أهل الشام إلى طاعة أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وادفعوا إلينا ابن زياد لنقتله كما قتل الحسين ابن بنت رسول الله (عليه وآله السلام) فلما سمع أهل الشام منهم هذا الكلام حملوا عليهم واختلط القوم ورزق الله أهل العراق الظفر عليهم ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، فلما كان من الغد وكان يوم الجمعة اقتتلوا وانتصف بعضهم من بعض ، فجعل سليمان ينادي بأعلى صوته : من يطلب بدم الشهيد ابن فاطمة فليبشر بكرامة الله ورضوانه فو الله ، ما بينكم وبين الشهادة ودخول الجنّة والراحة من هذه الدنيا الدنية إلّا فراق هذه الأنفس الأمارة بالسوء ، ألا فمن أراد الرواح إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي إلي.

ثم إن سليمان كسر جفن سيفه وتقدم وهو يقول :

إليك ربي تبت من ذنوبي

فقد أحاطت بي من الجنوب

وقد علا في هامتي مشيبي

فاغفر ذنوبي سيدي وحوبي(١)

ثم حمل على القوم فلم يزل يقاتل حتى قتل جماعة كثيرة ثم قتل (رحمه‌الله ) ، فأخذ الراية المسيب بن نجبة ، فقال : أيها الناس! إن سليمان قد صدق ووفى ما عليه ، وبقي ما علينا ، ثم حمل على أهل الشام فجعل يطعن فيهم ويقول :

لقد منيتم بأخي جلاد

ثبت المقام مقعص(٢) الأعادي

__________________

(١) ـ الحوب : بضم الحاء الاثم.

(٢) اقعصه : قتله مكانه كقعصه.


أشجع من ليث عرين عاد

ليس بفرار ولا حياد

ولم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه‌الله ) ، فتقدّم عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي فاخذ الراية وهو يقول : رحم الله اخوتي( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) الأحزاب / ٢٣ ، ثم حمل وجعل يطعن في أعراضهم ويقول :

ارحم إلهي عبدك التوابا

ولا تؤاخذه فقد أنابا

وفارق الأهلين والأحبابا

يرجو بذاك الأجر والثوابا

ولم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه‌الله ) ، فتقدّم أخوه خالد بن سعد فحمل الراية ونادى بأعلى صوته : أيها الناس! من أراد الحياة التي ليس بعدها وفاة ، والراحة التي ليس بعدها نصب ، والسرور الذي ليس بعده حزن ، فليتقرب إلى الله تعالى بجهاد هؤلاء المحلين ، ثم حمل عليهم وهو يقول :

قد علمت ذات القوم الرود

أن لست بالواني ولا الرعديد

يوما ولا بالناكص الحيود

لكنني المقدّم في الجنود

ولم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه‌الله ) ، فأخذ الراية عبد الله بن وال التميمي ووقف في الميدان وهو يقول :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ) آل عمران / ١٦٩ ، ثم حمل حملة قاتل فيها قتالا شديدا فقطعت يده اليسرى ، فرجع حتى وقف قريبا من أصحابه ، ويده تشخب دما وهو يتلو :( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) آل عمران / ١٧٢. ثم حمل عليهم ثانيا وهو يقول :

نفسي فدتكم اذكروا الميثاقا

وجالدوهم واحذروا النفاقا


لا كوفة نبغي ولا عراقا

لا بل نريد الموت والعتاقا

ولم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه‌الله ).

قال : فبينا أهل العراق كذلك ، وقد قتل منهم من قتل ، وذلك عند زوال الشمس ، وإذا بالمثنى بن مخرمة العبدي قد وافاهم في ثلاثمائة فارس من أهل البصرة ، وكثير بن عمرو الحنفي في مائة وسبعين فارسا من أهل المدائن ، فلما نظروا إليهم اشتدت عزيمتهم وقويت نفوسهم ، وفرحوا بهم ، ثم اجتمعوا في موضع واحد وكبروا وحملوا على أهل الشام ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وهزموهم هزيمة قبيحة ، ثم تراجع أهل الشام واشتدّ القتال وأخذ الراية رفاعة بن شداد البجلي وقال :

يا رب إني تائب إليكا

متّكل يا سيدي عليكا

أرجو بذاك الخير من يديكا

فاجعل ثواب أملي لديكا

ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى جرح ، فعاد إلى أصحابه مجروحا فالتفت رجل من كنانة من أهل المدائن إلى أصحابه فقال : يا أهل العراق! والله ، مالنا بهؤلاء القوم من طاقة ، فارجعوا إلى بلدنا فعسى الله أن يكفينا أمرهم بغيرنا ، فقال له عبد الله بن عوف الأزدي : بئسما قلت ، والله ، لو وليناهم الأدبار ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخا حتى نقتل عن آخرنا ، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى فقتلوه صبرا ، أو أخذوه أسرا فيدفعوه إليهم ، ولكن نقاتلهم في يومنا هذا الى الليل ، فإن أمسينا واختلط الظلام ركبنا خيولنا ومضينا ، فإن تبعونا رجعنا عليهم وعزمنا على الموت ، وإن لم يتبعونا مضينا ولا أظنهم يتبعوننا.

قال : ثم حمل أهل الشام بأجمعهم على أهل العراق فقتلوا منهم جماعة ، قال : وتقدم رجل من أهل الكوفة من كندة يقال له : عبد الله بن


عزيز ومعه ابن له صغير اسمه محمد ، فوقف بين الصفين فنادى : يا أهل الشام! هل فيكم أحد من كندة؟ قالوا : نعم ، ما تريد؟ قال : أنا رجل من كندة وهذا ابني فخذوه إليكم ، فإذا قتلت فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة فإنه لا بد لي من القتال حتى أموت ، فنادوه : يا عم! لا تقتل نفسك ، هلم إلينا وأنت آمن.

فقال الشيخ : لا والله ، ما كنت لأرغب عما نويت به ، وقد عزّ علي مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورا وللدين أركانا ، فجعل ولده يبكي ، فقال الشيخ لابنه : يا بني! والله ، لو كان عندي شيء آثر من طاعة ربي ، لكنت أنت ، ولو كان رضا ربي في قتلك لقتلتك والله في طاعته ، ثم تقدم للقتال وهو يقول :

قد علمت كندة من أعلامها

أهل النهى ومن ذي أحكامها

أهل عراقها وأهل شامها

بأنني الليث لدى زحامها

وحمل فقاتل حتى قتل (رحمه‌الله ) ، وصار ابنه الى الشام ، وتقدم عبد الله بن عوف الأزدي إلى الراية فرفعها وقال : أيها الناس! قد بلغني عن قوم منكم يريدون الهرب في ليلتكم هذه ، لا والله ، لا يراني الله وأنا أولي ظهري عن هذا العدو ، دون أن أرد مورد إخواني ، لأني قد علمت أنه ليس في هذه الدّنيا عوض عن الآخرة.

ثم دنا من صفوف أهل الشام ومعه جماعة من الأزد وحمير وهمدان ، فقال أهل الشام : أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم ، فقال لهم كريب بن زيد الحميري : يا هؤلاء! إنا كنا آمنين في هذه الدنيا ، ولكنا خرجنا لطلب الأمان في الآخرة ، ثم التفت الى أصحابه وقال : احملوا عليهم فإنكم بحمد الله


على بصيرة ويقين.

فحمل على أهل الشام ، وحمل أصحابه وكانوا قريبا من مائتي رجل فلم يزالوا يقاتلون حتى قتلوا عن آخرهم ؛ فتقدم صحير بن حذيفة المولى وكان من خيار أهل الكوفة وزهادهم ومعه نيف وثلاثون رجلا من بني عمه ، فقال : يا قوم! لا تهابوا الموت فإنه لاقيكم ، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها فإنها لا تبقى لكم ، ولا تزهدوا فيما دعيتم إليه من ثواب ربكم ، فما عند الله خير وأبقى ، ثم حمل أمام قومه وهو يقول :

بؤسا لقوم قتلوا حسينا

بؤسا وتعسا لهم وحينا

ارضوا يزيد ثم لاقوا شينا

ولم يخافوا بغيهم علينا

فقاتل هو وقومه من عشيرته حتى قتلوا ولم يبق منهم إلّا رجل كان يقاتلهم بشدّة يتقونه منها ، فقالوا له : ويلك من أنت فقد أعجزتنا؟ فقال : الويل لكم أنا من بني آدم! وحمل عليهم وهو يقول :

إني الى الله من الذنب أفر

ولا ابالي كلّ ما كان قدر

أنوي ثواب الله فيما قد أثر

وأضرب القرن بمصقول بتر

ثم حمل عليهم فأحدقوا به فقتل ، فعرفه رجل من أهل الشام وقال : ويحكم! هذا عبد الله بن عبيد الرافعي ، فارس مزينة قاطبة.

قال ولما هجم الليل عليهم قام رفاعة بن شداد ، فقال : يا أهل العراق! إنكم قد علمتم أنا وافينا هذا الموضع ونحن ثلاثة آلاف ومائة رجل ، ووافانا أهل البصرة والمدائن في أربعمائة وسبعين رجلا ، وقد بقي منا سبعمائة رجل ، فإن صبحنا القوم غدا فقاتلناهم لم يبق منا أحد ، وإنما أنا رجل منكم ، وقد أحببت أن أرزق الشهادة وألحق بإخواني ، وقد أبت المقادير ذلك ، فهاتوا آراءكم وتكلموا بما عندكم.


فقال القوم : رأينا لك تبع ، والرأي أن نتنحى من بين أيديهم ، فإنه لا طاقة لنا بهم ، واخرى أنهم عرفوا حربنا فلا يتبعونا ، ونحن نرجو ان يتحرك المختار فيكفينا إياهم بعد هذا ، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

فعزموا على التنحي ، ودفنوا قتلاهم ليلا ، وسووا عليهم الأرض كيلا يعرفوا وينبشون وتؤخذ رءوسهم ، ثم إنهم ساروا ليلا وأصبح أهل الشام فلم يروا منهم أحدا ، فأخبروا الحصين بن نمير فلم يبعث خلفهم أحدا ، وكتب بذلك الى ابن زياد بالرقة ، ورجعوا إلى الرقة ، وسار أهل العراق حتى صاروا إلى قرقيسيا ، فأخرج لهم زفر من الطعام واللحم وغيره مما يحتاجون إليه كما أخرج أوّلا ، وأرسل إليهم الأطباء فداووهم من جراحاتهم ، فأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى استراحوا ثم ساروا الى هيت ، وقد مات منهم جماعة ، ثم خرجوا يريدون الكوفة فما بلغوها إلا وهم خمسمائة أو أقل ، فخرج عبد الله بن يزيد الأمير ، فعزاهم عن إخوانهم ، وخرج إليهم المختار فعزاهم ، وقال لهم : ابشروا فقد قضيتم ما عليكم وبقي ما علينا ، ولن يفوتنا ما بقي منهم إن شاء الله ، ولئن أخر الله لي الأجل لأخذت ثأركم وثأر إخوانكم عن قريب ، فلا تعجلوا فإن الله مع الصابرين.


ذكر

خروج المختار وقتله قتلة الحسينعليه‌السلام

قال : وعزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد الأنصاري عن الكوفة وولى عبد الله بن مطيع العدوي ، وذلك في شهر رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لثلاث بقين من الشهر فدخل قصر الامارة فلما كان من الغد نادى في الناس أن يحضروا المسجد الأعظم ، فحضروا ، وفيهم المختار وجماعة من أصحابه الّذين كانوا بايعوه فصعد ابن مطيع المنبر وحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أهل الكوفة! إن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني أميرا عليكم وأمرني بحياطة مصركم وجباية فيئكم ، وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلّا برضا منكم ، وأن أستن فيكم بسنة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان ، فاتقوا الله عباد الله ، واستقيموا ولا تخافوا وخذوا على أيد سفهائكم ، وإن لم تفعلوا فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ، فو الله ، لأقيمن أود المرتاب.


فالتفت المختار إلى من حوله من الشيعة فقال : إنّ ابن مطيع قد تكلّم بما سمعتم ، فقوموا إليه وردوا عليه ولا تمهلوه ، فقام السائب بن مالك الأشعري فقال : أيها الأمير! إنا قد سمعنا كلامك وما أمرك به أمير المؤمنين ، ونحن لا نرضى أن تحمل عنا فيئنا ؛ ولكن يكون في فقرائنا ، فأما ما ذكرت من سيرة عمر وعثمان فإنا لا نقول فيهما إلّا خيرا غير أننا نحب أن تسير فينا بسيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فليس هو عندنا بدونهما فان فعلت ذلك وإلّا فلست عندنا بأمير ، ولا نحن لك برعية.

وتكلّم عامة الناس بمثل ما تكلم به السائب ، وقالوا له وهو يتكلّم : أحسنت أحسنت ، فو الله ، لقد ذهبت بفضلها ، وقالوا له بعد ذلك : أحسنت لا يعدمك المسلمون! ثم تكلّموا ، فقال ابن مطيع : يا هؤلاء! اسكتوا فإنا لا نسير بكم إلّا بما تحبون ، ثم نزل عن المنبر ودخل منزله ، فأتاه إياس بن مضارب العجلي وهو صاحب شرطته ، وقال : أصلح الله الأمير إن هذا الذي اعترض عليك في المسجد هو من رؤساء أصحاب المختار ، ولست آمن المختار أن يخرج عليك في عملك هذا ، ولكن ابعث إليه الساعة فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس ، فإنه غير مأمون على بليته ، ومعه قوم من أهل مصرك هذا قد بايعوه سرا ، وكأني به قد خرج عليك ليلا أو نهارا فخذ حذرك منه ، فدعا ابن المطيع برجلين من أصحابه وهما : زائدة بن قدامة والحسين بن عبد الله الهمداني ، فقال لهما : انطلقا إلى المختار فادعوه لي فجاءا إليه ودخلا عليه وسلّما ، ثم قالا له : أجب الأمير يا أبا إسحاق! فإنه يدعوك لأمر ندب فيه وأحبّ مشورتك ، وغمزة زائدة بن قدامة وقرأ :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ) الانفال / ٣٠.

ففهم المختار فقال : يا غلام الق عليّ ثوبا ثقيلا فإني أجد في بدني رعدة


شديدة ، ثم رمى بنفسه على فراشه ، وقال : ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالي وما أجد في بدني من هذه القرة(١) .

فقال زائدة : أما أنا ففاعل ذلك يا أبا إسحاق ، فقال المختار : وأنت يا أخا همدان فاعذرني عنده فإنه خير لك عندي ، فقال : افعل ذلك إن شاء الله ، ولا أبلغ الأمير عنك إلّا ما تحب ، وخرجا ، فقال الهمداني إلى زائدة : قد علمت أنك الذي غمزته ، وكان قد تهيأ أن يصير إلى الأمير ، وأمر بإسراج دابته والرأي ما فعلت ، والله ، إنا لا ندري ما يكون منه ، ولعله يخرج غدا فلا يبدأ إلّا بنا ، ثم دخلا على الأمير فأخبراه بعلّة المختار فصدقهما ونسي ذكر المختار.

وقيل : بل بعث للمختار ثلاثة ، ثالثهم مروان بن سهل ـ وكان من خيار الشيعة ـ فهجموا عليه داره ، ومروان يقرأ :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ ) الآية ، فسمعه المختار وعلم أنه مطلوب ، فخرج من الدار ولم يقدروا عليه ، وتوارى إلى أن خرج ، قال : وجعل المختار يجمع أصحابه ويقول ، تهيئوا وكونوا على اهبة من الخروج والطلب بدماء أهل البيتعليهم‌السلام ، فيقولون : نحن على ذلك ، فانهض متى شئت.

ثم اجتمعت الشيعة في منزل عبد الرحمن بن شريح الهمداني ، وقالوا : إنا قد بايعنا هذا الرجل ، وقد زعم أنّ محمد بن الحنفية هو الذي أرسله إلينا ، ولسنا ندري أصادق هو أم كاذب؟ فلا عليكم أن تبعثوا إلى محمد بن علي فتخبروه ، فإن رخص في اتباعه اتبعناه وإن نهانا اجتنبناه ، فخرج جماعة وقدموا على محمد فسلموا عليه فقال : ما أقدمكم مكة في غير وقت الحج؟ قالوا : جئناك لمهمة ، قال : أعلانية هي أم سر؟ قالوا : سرا!

__________________

(١) القرة : البردة الشديدة من المرض.


فتنحى معهم فتقدم إليه عبد الله بن شريح الهمداني ـ وكان من وجوه الشيعة في الكوفة ـ ، فقال : جعلت فداك إنكم أهل بيت خصكم الله بالفضل ، وأماط عنكم الجهل ، وأكرمكم بفضل النبوّة ، وعظم حقكم على هذه الامة ، فلا يجهل حقكم إلّا مغبون ، وقد أصبتم بأبي عبد الله الحسينعليه‌السلام ، وهي مصيبة قد خصّ بها المؤمنون ، وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد الثقفي فذكر : أنه قد جاءنا من قبلك وأنك أرسلته إلينا ليطلب بدم الحسين ، وهو مقيم بين أظهرنا من قبل قتل سليمان بن صرد وأصحابه ، وقد بايعناه وعزمنا على الخروج معه ، غير أنا أحببنا أن نستطلع رأيك في ذلك ، فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه ، وإن نهيتنا اجتنبناه.

فقال محمد بن الحنفية : أما ما ذكرت من الفضل الذي خصنا الله به فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم ، وأما ما ذكرت من مصيبة أبي عبد الله فإن ذلك كان في الزبر الاولى والذكر الحكيم ، وهي ملحمة كتبت عليه ، وكرامة من الله أهداها إليه لكي يضاعف له الحسنات ويرفع له الدرجات ، وأما ما ذكرت من أمر المختار فو الله ، لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه ، فودّعه القوم وخرجوا وهم يقولون : قد رضي بذلك ، ولو لا أنه رضي لكان نهانا.

وسار القوم فدخلوا الكوفة ، وكان المختار قد علم بخروجهم فشقّ ذلك عليه ، وخشي أن يأتوا من محمّد بما يخذل عنه الناس ، فلما جاءوا سألهم المختار فقالوا : قد أمرنا باتباعك والخروج معك فقال : الله أكبر! أنا أبو إسحاق ، أنا مبيد الفاسقين ، وقاتل المحلّين ، وأعلمت الشيعة بعضهم بعضا بالخير الذي جاء من محمد ، فلم يبق بالكوفة شريف ولا وضيع ولا عربي ولا مولى ممن يعرف بمحبة أهل البيت إلّا بايعه سرا ما خلا عبيد الله بن


الحر الجعفي وإبراهيم بن مالك الأشتر ، فلما بلغهما أن محمد بن علي قد رخص الشيعة بالخروج معه ، أحب عبيد الله بن الحر أن يسبق إلى بيعته فجاء إليه وبايعه وتباطأ إبراهيم بن مالك.

فقال المختار لأصحابه : ما تقولون في ابن الأشتر؟ فقالوا : هو سيد قومه اليوم بهذا المصر ، فإن ساعدنا على أمرنا رجونا القوة على عدونا ، فإنه رجل شريف بعيد الصوت في قومه ، ذو عدد في عشيرته وعزّ ، قال : فصيروا إليه وكلموه بما نحن عليه من الطلب بدم الحسينعليه‌السلام ، فإن فعل وإلّا صرت إليه بنفسي ، فخرج إليه جماعة فيهم : أبو عثمان النهدي ؛ وعامر الشعبي ؛ وأشباههما من ذوي العلم ، وصاروا إلى إبراهيم فدخلوا عليه فأدناهم وقربهم ، ورفع مجالسهم وقال : ألكم حاجة فتكلّموا رحمكم الله؟ فقال يزيد بن أنس النخعي وكان من الأبطال ـ : يا أبا النعمان! إنا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك ، فإن قبلته كان الحظ فيه لك ، وإن تركته فقد أدّينا إليك النصيحة ، ونحن نحبّ أن تكون كلمتنا مستورة.

فتبسّم وقال : إنّ مثلي لا تخاف غايلته ، ولا تخشى سعايته ، ولا يتقرب إلى سلطانه ، باتباع مصائب إخوانه ، وإنما يفعل ذلك الصغار لا ذوو الأخطار ، فقولوا ما أحببتم ، فقال يزيد : صدقت لعمري ، إنا ندعوك لأمر قد اجتمع عليه الملأ من إخوانك ، ندعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله ، والطلب بدماء أهل البيت ، وقتال المحلّين والدفع عن المستضعفين من آل رسول الله رب العالمين ، ثم قال أحمد بن شميط البجلي نحوا من ذلك ، فقام لهم إبراهيم : قد أجبتكم إلى الطلب بدماء أهل البيت على أنكم تولوني هذا الأمر ، فقال يزيد : إنّك والله ، لأهل لذلك ، ولكنا بايعنا هذا الرجل ـ يعني المختار ـ لأنه قد جاءنا من عند أبي القاسم محمد بن علي ، فهو


الأمير والمأمور بالقتال ، وقد أمرنا بطاعته وليس إلى خلافه من سبيل ، فسكت إبراهيم ولم يجبهم ، فانصرفوا عنه وأخبروا المختار ، فسكت ثلاثة أيام ، ثم دعا بجماعة ممن يثق بهم وخرج بهم ليلا حتى أتى منزل إبراهيم بن مالك الأشتر ، فاستأذن عليه ودخل فالقيت له الوسائد ، وأجلس ابراهيم المختار على فراشه ، ثم تكلّم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد يا أبا النعمان! فإنني إنما قصدتك في وقتي هذا لأنك سيد قومك اليوم في هذا المصر ، ولعله قد بلغك أني لم أصر الى أحد في منزله أدعوه إلى هذا الأمر سواك ، وهذا كتاب المهدي محمد بن علي الوصي ، وهو خير أهل الأرض اليوم ، وابن خيرها قبل اليوم ، وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا حتى نأخذ بدم أخيه الحسين وولده وإخوته وشيعته ، فإن فعلت فقد أصبت حظك واوتيت رشدك ، وإن أبيت فهذا الكتاب حجة عليك وسيغني الله المهدي وشيعته عنك.

فقال إبراهيم : وأين الكتاب؟ فقال المختار : يا شعبي! ادفعه إليه ، فقام الشعبي إلى إبراهيم وأعطاه الكتاب ، ففضّه وقرأه ، فإذا فيه :

من محمد المهدي بن علي الوصي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر ، سلام عليك.

أما بعد فقد وجهت إليك بوزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي المختار ابن أبي عبيد الثقفي ، وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدم أخي وأهل بيتي ، فانهض معه بنفسك وقومك وعشيرتك ، فإنك إن أطعتني وساعدت وزيري كانت لك عندي يد عظيمة ، ولك بذلك أعنّة الخيل من كل جيش غاز وكل مصر وكل منبر وثغر غلبت عليه من أرض الكوفة ، إلى أقاصي الشام ومصر ، ولك بذلك عليّ الوفاء وعهد الله وميثاقه ، وإن أبيت ذلك هلكت


هلاكا لا تستقيله أبدا ، والسلام على من اتبع الهدى.

فلما فرغ من قراءة الكتاب قال : يا أبا إسحاق! إني كتبت إلى محمّد قبل اليوم وكتب إلي فما كان يكاتبني إلّا باسمه واسم أبيه ، وقد أنكرت في هذا قوله : المهدي! ، فقال : صدقت يا أبا النعمان! ذلك زمان وهذا زمان ، فقال : يا أبا إسحاق! فمن يعلم أنّ هذا كتاب محمد بن علي؟ فقام بضعة عشر رجلا من الشيعة فقالوا : نشهد أنّ هذا الكتاب من محمد بن علي إليك.

فقال إبراهيم : حسبي بهم شهودا ، ابسط يدك يا أبا إسحاق! فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم ، ثم دعا بأطباق فيها فاكهة كثيرة فأكلوا منها ، ثم دعا بشراب من عسل وخل فشربوا منه ، ثم قال إبراهيم : يا غلام! عليّ بدواة وبياض ، فاحضرت ، فقال : يا شعبي! اكتب لي أسماء هؤلاء الشهود؟ فقال الشعبي : وما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال : احبّ أن تكون معي أسماؤهم ، فكتب الشعبي أسماءهم ودفعها إليه ، ثم قام المختار فخرج إبراهيم مشيعا إلى باب الدار ، ومضى المختار إلى منزله ، ولما أصبح أرسل على الشعبي ، وقال : قد علمت أنك لم تشهد البارحة بما شهد به أصحابي ، لا أنت ولا أبوك شراحيل ، فما منعكما من ذلك؟ فسكت الشعبي ولم يجب ، فقال المختار : تكلم يا عامر! أترى أنّ هؤلاء القوم الذين شهدوا البارحة على حق أم باطل؟ فقال الشعبي : لا والله ، يا أبا إسحاق! ما أدري غير أنهم سادات أهل العراق ومشيخة أهل هذا المصر وفرسان الناس وكبراء العرب ، فما أظن أنهم شهدوا إلّا بالحقّ.

فتبسم المختار وقال : إنهم والله ، لم يجدوا بدّا من ذلك ، وعسى الله أن يأتي بالفرج لأهل بيت نبينا على يدي ، ثم انصرف الشعبي إلى منزله


واعتقد أنّ الكتاب كان مزورا وأنّ المختار هو الذي كتبه.

وذكر أبو مخنف : أنّ عامر الشعبي قال : كنت والله ، متهما لشهادتهم ، غير أنه كان يعجبني الخروج معهم ، وكنت أرى رأي القوم في قتال قتلة الحسين ، واحبّ تمام الأمر ، ولم أطلع المختار على ما في نفسي ، وجعل إبراهيم يختلف إلى المختار كل ليلة وينصرف إلى أن اجتمعت آراؤهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ، فوطنوا أنفسهم على ذلك ، وأقبل إياس بن مضارب العجلي إلى عبد الله بن مطيع ـ وهو صاحب شرطته ـ ، فقال : إن المختار خارج عليك لا محالة فإن إبراهيم الأشتر قد بايعه سرا ، واشتمل ديوانه على بضعة عشر ألف رجل ما بين فارس وراجل ، فخذ حذرك! فأرسل ابن مطيع إلى قواده فجمعهم في قصر الأمارة ، ثم أخبرهم الخبر وقال : اريد منكم أن يكفيني كل واحد منكم ناحيته التي هو فيها ، فإن سمعتم الأصوات قد علت في جوف الليل فوجهوا إليهم الخيل واكفوني أمرهم.

فقالوا : نفعل ذلك أيها الأمير! ولا يهولنك أمر المختار ، فإنما بايعه شرذمة قليلة من هؤلاء الترابية ، وخرجوا منه ، فصار عبد الرحمن بن سعيد ابن قيس الهمداني إلى جبانة السبيع من همدان ؛ وصار كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشير ؛ وصار زحر بن قيس إلى جبانة كندة ؛ وصار شمر ابن ذي الجوشن الضبابي إلى جبانة سالم ؛ وصار عبد الرحمن بن منقذ إلى جبانة الصيدائيين ؛ وصار يزيد بن الحرث بن رويم الى جبانة مراد ، وصار شبث بن ربعي الى السبخة ، فنزل هؤلاء القواد في هذه المواضع من الكوفة يوم الأثنين من شهر ربيع الآخر ، في الآلة والسلاح ، وخرج إبراهيم ابن الأشتر ليلة الثلاثاء إلى المختار ، وقد بلغه أنّ تلك الجبانات شحنت بالخيل


والرجال ، وأنّ الشرط قد أحاطوا بالأسواق ، فسار في مائة رجل من بني عمه عليهم الدروع قد ظاهروها بالأقبية ، حتى إذا جاوز دار عمرو بن حريث الى دار سعيد بن قيس ، ثم الى درب اسامة استقبلهم إياس بن مضارب العجلي صاحب الشرطة في نفر من أصحابه وفي أيديهم السلاح والحراب ، فقال : من هؤلاء؟ فقال له إبراهيم : نحن هؤلاء ، فامض لشأنك! فقال إياس : وما هذا الجمع الذي معك يا ابن الأشتر؟ فو الله ، إنّ أمرك لمريب ، وقد بلغني أنك تمرّ هاهنا في كل ليلة بجمعك هذا ، فو الله ، لا تزايلني حتى آتي بك إلى الأمير عبد الله بن مطيع فيرى فيك رأيه ، فقال إبراهيم : خل ويحك سبيلنا وامض لشأنك ، أنت تمضي بي الى الأمير ، يا ماص بضر أمه(١) ؟ قال : نعم! فقال إبراهيم : يا عدو الله! ألست من قتلة الحسين بن علي؟ ثم التفت إلى رجل من أصحاب إياس يكنى أبا قطن الهمداني ، فتناول رمحه من يده وطعن إياس طعنة في صدره نكسته عن فرسه ، ثم قال لأصحابه : انزلوا فخذوا رأسه ، فنزل بعض أصحابه فاحتز رأسه ، ومر أصحاب إياس هربا على وجوههم ، وأتى إبراهيم الى المختار فقال : قم أيها الأمير! فقد كنا عزمنا على أن نخرج ليلة الخميس ، وقد حدث أمر فلا بدّ معه من الخروج الساعة ، فقال المختار : وما الأمر رحمك الله؟ فحدّثه الحديث ، فقال المختار : بشرك الله بخير فهذا أوّل الظفر.

ثم صاح المختار برجل من أصحابه فقال : يا سعيد بن منقذ! قم فاشعل النار في هراوي(٢) القصب ، وقم أنت يا عبد الله بن شداد! فناد في الأزقّة : يا منصور أمت!(٣) ، وقم أنت يا سفيان بن ليلى فناد في الناس بها ، وقم أنت

__________________

(١) البظر : الفرج ـ فهي كلمة تقولها العرب استحقارا.

(٢) الهراوى : أعواد القصب وغيره المجموعة كالاطنان.

(٣) يا منصور أمت : شعار في الحرب للنبي وعليّ (عليهما‌السلام).


يا قدامة بن مالك! فناد في الناس : يا لثارات الحسين بن علي! ثم قال : يا غلام! عليّ بدرعي وسلاحي ، فصب الدرع على بدنه وهو يتمثل بقول مروان بن الحكم :

قد علمت بيضاء حسناء الكلل

واضحة الخدين عجزاء الكفل

إني غداة الروع مقدام بطل

لا عاجز فيها ولا وغد فشل

ثم خرج المختار من منزله على فرس له أدهم أغرّ محجّل ومعه إبراهيم على كميت له أرثم(١) وقد رفعت بين أيديهم النيران في هراوي القصب ، والناس ينادون من كل ناحية وجانب : يا لثارات الحسين! فاجتمع الناس الى المختار من كل جهة ، وجاءه عبيد الله بن الحر في قومه وعشيرته ، وجعل إبراهيم بن مالك يدخل السكك التي فيها الامراء والقواد والجند الكثير ، فيهجم عليهم هو والمختار وعبيد الله بن الحر ، فيكشفونهم مرّة بعد اخرى ، والمختار يقول : اللهم! إنّك تعلم أنا إنما غضبنا لأهل بيت نبيك فانصرنا على من قتلهم وظلمهم ، وتمم لنا دعوتنا إنّك على كل شيء قدير.

فبينا هم كذلك وإذا بسويد بن عبد الرحمن من أصحاب عبد الله بن مطيع قد أقبل في خيل عظيمة وجحفل لجب ، فنظر إليهم إبراهيم ، وقال للمختار : مكانك أيها الأمير! ذرني وهؤلاء ، ثم نادى إبراهيم في أصحابه : يا شرطة الله! إليّ إليّ ، فأحاط به قومه من قبائل مذحج والنخع ، فقال لهم : انزلوا عن دوابكم فأنتم أولى بالنصر والظفر من هؤلاء الفساق الذين خاضوا في دماء آل محمّدعليهم‌السلام ، فنزل القوم ونزل معهم إبراهيم ، ثم دنوا من القوم فطاعنوهم وضاربوهم فهزموهم حتى بلغوا بهم الى الكناسة ، فاستوى إبراهيم وأصحابه على دوابهم ، وجاءوا إلى المختار على مسجد

__________________

(١) الأرثم : الفرس الذي في طرف أنفه بياض.


الأشعث بن قيس ، ثم على مسجد جهينة ، ثم بلغوه فرأوا شبث بن ربعي وحجار بن أبجر قد أقبلا بأصحابهما نحو المختار ، فكبر إبراهيم وأصحابه تكبيرة واحدة وحملوا عليهم ، فاشتدّ القتال وكثرت القتلى من أصحابهما ثم انهزما بجنديهما حتى تفرقوا بالأزقة والسكك ، ثم أقبل أبو عثمان النهدي في بني نهد ، وبيده راية صفراء ، وهو ينادي : يا لثارات الحسين بن علي! إليّ إليّ أيها المهتدون! فثاب إليه الناس من كلّ ناحية ، فحمل على أصحاب عبد الله بن مطيع فاشتدّ القتال ، ولم يزل الناس في تلك الليلة الداجية المسدولة أطرافها في قتال شديد وحرب وطعن ، حتى لقد نسوا والله فيها ليلة الهرير بصفين إلى أن أصبحوا ، فنظر المختار إلى عمود الفجر قد طلع ، فنادى في اصحابه وخرج بهم عن الكوفة حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة.

٨ ـ وروى أبو مخنف : عن الوالبي ؛ وحميد بن مسلم ؛ والنعمان بن أبي الجند ، أنهم قالوا : أتينا المختار في معسكره فصلّى بنا الفجر بغلس فقرأ بنا :( وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ) ، و( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) فما سمعنا والله إماما قط أمّ قوما بأفصح لهجة منه ، والتأم قومه هنالك وجاءوا أفواجا إليه من النواحي والجوانب على كل صعب وذلول ، وعبد الله بن مطيع يوجه إلى نحوه الزحوف كردوسا كردوسا ، فأولهم زحف شبث بن ربعي في أربعة آلاف ؛ ثم راشد بن إياس بن مضارب العجلي في ثلاثة آلاف ؛ ثم حجار بن أبجر في ثلاثة آلاف ؛ ثم الغضبان بن القبعثري في ثلاثة آلاف ؛ ثم شمر بن ذي الجوشن في ثلاثة آلاف ؛ ثم عكرمة بن ربعي في الف ؛ ثم شداد بن المنذر في ألف ؛ ثم عبد الرحمن بن سويد في ألف ، واجتمع أصحاب المختار فكانوا عشرين ألفا أو يزيدون ، وأشرف رجل من أصحاب المختار على حائط


من حيطان الكوفة ، فجعل ينظر في هذه العساكر ، فقوم صلوا وقوم لم يصلوا بعد ، وإذا إمام القوم يقرأ بهم سورة :( إِذا زُلْزِلَتِ ) ، فقال : أرجوا أن يزلزل الله بكم الأرض سريعا. ثم قرأ :( وَالْعادِياتِ ) ، فقال : أرجو أن تكون الغارة عليكم سريعا.

قال : وأقبل مسعر بن أبي مسعر الحنفي إلى المختار فقال : أيها الأمير! وافتك العساكر يتلو بعضها بعضا مستعدين للحرب عازمين على الموت فاصنع ما أنت صانع.

فقال له المختار : لا تخف يا أخا حنيفة! فإن الله تعالى كاسر شوكتهم وهازمهم الساعة ، وأصحرت العساكر إلى المختار ، فكان كلما نظر إلى قائد من قواد ابن مطيع وجه إليه قائدا من قواده بمثل قوته وعدده ، فاشتدّ القتال وعلت الأصوات وارتفع الغبار ، فجعل إبراهيم يحمل من ناحية ؛ وعبيد الله بن الحر من ناحية اخرى ، والمختار تارة يحرض على القتال ويشجع الأبطال ، وتارة يحمل بنفسه على الرجال ، حتى إذا كان وقت الضحى انهزم أصحاب ابن مطيع هزيمة شنيعة ، وقتل منهم جماعة فصاح شبث بن ربعي : ويلكم يا حماة السوء! أتنهزمون من عبيدكم وأراذلكم؟ فتراجع الناس واقتتلوا ساعة ، ثم انهزموا ثانيا حتى دخلوا أزقّة الكوفة ، فوقف المختار على أفواه السكك ، وأمر أصحابه بالنزال والقتال ، فاقتتلوا هناك قتالا لم يسمع بمثله ، وجعل السائب بن مالك الأشتر أخو إبراهيم يصيح : يا شيعة آل محمد! إنكم كنتم قبل اليوم تقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف وتسمل أعينكم ، وتصلبون أحياء على جذوع النخل ، وأنتم إذ ذلك في منازلكم لا تقاتلون أحدا من هؤلاء ، فما ظنكم بهم اليوم بعد هذا القتل ، فهم لو ظهروا عليكم ما ذا يفعلون بكم؟ فالله الله ، في أنفسكم وأولادكم وأهاليكم ،


قاتلوا أعداء الله المحلّين فلا ينجيكم اليوم إلّا الصدق واليقين والطعن الشزر ، والضرب الهبر ، ولا يهولنكم ما ترون من عساكرهم فإنّ النصر مع الصبر.

فلما سمع أصحابه ذلك رموا بأنفسهم عن دوابّهم وجثوا على الركب ، وأشرعوا الرماح وجرّدوا الصفاح وفوّقوا السهام ، فثار القتال ، واصطفقوا بالسيوف اصطفاقا ، وتشابكوا مع الأعداء اعتناقا ، وصبر بعضهم لبعض ، فقتل من الفريقين جماعة ، ثم انهزم أصحاب ابن مطيع ، فاقتحم المختار الكوفة ، فتصايحت النسوان وعلت الأصوات بطلب الأمان ، من العجائز والصبيان ، من فوق السطوح وكل مكان ، ونادوا : يا أبا إسحاق! الله الله في الحرم ، فصاح المختار : لا بأس عليكم الزموا منازلكم ، فأنا المسلط على المحلين. وجعل عبد الله بن مطيع يصيح : إنّ من العجب عندي عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها ، خبيث دينها ، ضالة مظلّة ، يقاتلون على غير الحقّ ، جرأة على هذا الخلق ، كرّوا عليهم وامنعوا حريمكم ومصركم.

فبينا هو يحرض أصحابه ويشجعهم إذ بإبراهيم وعبيد الله بن الحرقد أقبلا في نحو أربعة آلاف فارس لا يرى منه إلّا الحدق ، فلما نظر إبراهيم إلى ابن مطيع صاح : أنا ابن الأشتر ، أنا الأفعى الذكر ، ثم قال لأصحابه : شدّوا عليهم ، فداكم أبي وخالي ، ولا يهولنكم أسماء قوادهم شبث وحجار وسويد وفلان وفلان فو الله ، لو أذقتموهم شبا الرماح ؛ وحد الصفاح ؛ لما وقفوا لكم أبدا ، احملوا عليهم فداكم أبي وأمي. وحمل فتبعه ابن الحر وتبعه المختار وتبعه أصحابه معهم ، حملة واحدة فانهزم أصحاب عبد الله بن مطيع الى باب المسجد الجامع ، ودخل عبد الله وغلمانه وحشمه وخواص أصحابه قصر الامارة وأغلقوا بابه.


قال أبو مخنف : إنّ رؤساء أهل الكوفة والقواد دخلوا معه القصر ، غير عمرو بن حريث فإنه فرّ إلى البادية فما عرف له أثر ، ولما اغلق باب القصر تفرق الناس إلى منازلهم هاربين ، وأقبلت أهل الخيل الى القصر فأحاطت به ، فقال عبد الله بن مطيع : أيها الناس ربما غلب أهل الباطل على أهل الحق ، فقد ترون غلبة المختار علينا فأشيروا برأيكم.

فقال له شبث بن ربعي : الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرّجل أمانا ثم تخرج ونخرج معك بأمانك ، وإلّا دام الحصار علينا في القصر ولم يشعر بنا أحد ، فقال ابن مطيع : ويل لك ولرأيك السخيف! أآخذ لنفسي أمانا وامور أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير مستقيمة بالحجاز وأرض البصرة والشرق عن آخرها؟ فقال شبث : أيها الأمير! فاخرج من القصر ولا يشعر بك أحد ، وصر إلى من تثق به من أهل هذا المصر فتنزل عنده أياما حتى يسكن شرّ المختار وشر أصحابه فتخرج أنت وتلحق بصاحبك ، ووافقه على هذا الرأي عامة من كان عنده من الرؤساء.

فعزم ابن مطيع على ذلك ، فلما جاء الليل جمع ابن مطيع أصحابه وقال لهم : إني رأيت أن أخرج من هذا القصر ، فلا يتبعني أحد ، ثم خرج متنكرا في زي امرأة ، فأخذ على درب الروميين حتى صار إلى دار أبي موسى الأشعري فدخلها ، وعلم به آل أبي موسى فآووه وكتموا عليه أمره ، وأصبح من كان في القصر من أصحابه يضجون ويطلبون الأمان ، فأعطاهم إبراهيم الأمان فخرجوا بالأمان إلى المختار فبايعوه وأخبروه بخروج ابن مطيع ، فقال المختار : وما علينا من ابن مطيع؟ ذاك رجل كان بالكوفة أميرا فلم يجد بدا من القتال. ثم نادى المختار في الناس ، فأعطاهم الأمان وبايعه الناس أجمعون ، ثم فتح بيت مال الكوفة فوجد فيه تسعة آلاف درهم


ففرقها على النّاس وحبس عنده ألف ألف درهم.

وذكر أيضا أبو مخنف : أنّ المختار سمع صوتا عاليا يناديه ويقول :

أمنن عليّ اليوم يا خير معد

وخير من حلّ بشحر والجند

وخير من زكى وصلّى وسجد

بعد الرّسول والوصي المعتمد

فسأل عنه ، فقالوا : من السجن ، فأحضره فإذا هو سراقة بن مرداس وكان قاتل قتالا شديدا فحبس ، فلما مثل بين يديه قال :

ألا أبلغ أبا إسحاق إنا

نزونا نزوة كانت علينا

خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا

فكان خروجنا بطرا وحينا

لقينا منهم ضربا طلحفي(١)

وطعنا مكبدا حتى انثنينا

نصرت على عدوك كل يوم

بكل كتيبة تنعى حسينا

كنصر محمّد في يوم بدر

ويوم الشعب إذ وافى حنينا

فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا

لجرنا في الحكومة واعتدينا

تقبّل توبة مني فإني

سأشكر إذ جعلت النقد دينا

قال : فعفا عنه ، وهذا سراقة هو الذي قال للمختار : رأيت الملائكة يقاتلون معك ، فقال له المختار : كذبت يا عدو الله! اخرج من الكوفة إلى أي بلد شئت ولا تساكني في الكوفة ، فخرج إلى البصرة.

قال : ثمّ نادى المختار : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس في المسجد ، وخرج المختار من قصر الامارة إلى المسجد فصعد المنبر ، وقال :

الحمد لله الذي وعد وليّه بالنصر والظفر ، وكتب لعدوه الخسر والخذل والختر ، وجعل ذلك إلى آخر الدهر قضاء مقضيا. ووعدا مأتيا ، وقولا

__________________

(١) الطلحفي : الضرب الشديد.


مقبولا ، وأمرا مفعولا ، وقد خاب من افترى ، أيها الناس! إنّه قد مدت لنا غاية ، ورفعت لنا راية ، فقيل لنا في الراية : أن ارفعوها ولا تضعوها ؛ وفي الغاية : أن خذوها ولا تدعوها ، فسمعنا دعوة الداعي ، وقبلنا قول الراعي ، فكم من باغ وباغية ، قتل في الواغية ، ألا بعدا لمن طغى ، وجحد وبغى ، وأدبر وعصى وكذب وتولّى ، ألا فهلمّوا عباد الله إلى بيعة الهدى ، ومجاهدة الأعدا ، والذبّ عن السعدا ، من آل محمّد المصطفى.

فأنا المسلّط على المحلّين ، والطالب بدم ابن بنت الرسول الأمين ، أما ومنشئ السحاب ، شديد العقاب ، سريع الحساب ، منزل الكتاب ، العزيز الوهاب ، القدير الغلاب ، لأنبشنّ قبر ابن شهاب ، المجتري الكذاب ، المفتري المرتاب ، ولأنفين الأحزاب ، إلى بلد الأعراب.

أما والذي جعلني بصيرا ، ونور قلبي تنويرا ، لأحرقن بالبصرة دورا ، ولأنبشنّ بها قبورا ، ولأشفين بها صدورا ، ولأقتلن بها جبارا كفورا ، ملعونا غدورا ، وكفى بالله نصيرا. أما ورب الحرم ، والبيت المحرم ، والركن المستلم ، والمسجد المعظم ، ونون والقلم ليرفعن عن قريب لي علم ، من الكوفة إلى ذي سلم ، من العرب والعجم ولأتخذنّ من تميم أكثر الاماء والخدم.

ثمّ نزل عن المنبر فصلّى بالناس ودخل قصر الامارة فدخل إليه الناس يبايعونه على كتاب الله وسنّة رسوله ، والطلب بدماء آل محمّد (صلّى الله عليه وعليهم وسلّم) ، وهو يقول : تقاتلون من قاتلنا ، وتسالمون من سالمنا ، والوفاء عليكم ببيعتنا ، لا نقيلكم ولا نستقيلكم ، حتى بايعه العرب والموالي على ذلك ، واتصل المختار : أنّ عبد الله بن مطيع في دار آل أبي موسى الأشعري ، فدعا عبد الله بن كامل ليلا ودفع إليه عشرة آلاف درهم وقال


له : ادخل على عبد الله بن مطيع فاقرأه مني السلام ، وقل له : يقول المختار : قد علمت بمكانك وليس مثلي يسيء إلى مثلك ، وقد وجهت إليك بما تستعين به على سفرك فخذه والحق بصاحبك ، فخرج عبد الله بن مطيع في جوف اللّيل. واستحى أن يصير إلى مكة من حيث عبد الله بن الزبير ، فصار إلى البصرة وبها يومئذ مصعب بن الزبير من قبل أخيه ، وخرج عمرو بن الحجاج الزبيدي هاربا إلى البادية لأنه كان ممن شهد قتال الحسين فلا يدري أخسفت به الأرض أم حصبته السماء ، ثم نادى المختار : من أغلق بابه فهو آمن إلا من شرك بدم الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه ، واحتوى المختار على الكوفة ، فعقد لأصحابه ، وولاهم البلاد من : أرمينية ؛ وآذربيجان ؛ وأران ؛ وماهان إلى الري ؛ وأصفهان ؛ وجعل يجبي خراج البلاد ، وكان محمد بن الأشعث الكندي عاملا على الموصل من قبل ابن الزبير ، فلما قدم عامل المختار عليه لم تكن لابن الأشعث طاقة ، فخرج عن الموصل هاربا إلى تكريت ونزلها وكتب إلى عبد الله بن الزبير بذلك ، فكتب إليه يعيره بهربه عن الموصل.

وبلغ المختار أنّ محمد بن الأشعث بتكريت ، فدعا ابنه عبد الرحمن ابن محمد وقال له: أنت في طاعتي ، وأبوك في طاعة ابن الزبير ، ما الذي يمنعه من المصير إليّ والدخول في طاعتي؟ أما والله ، لقد هممت أن اوجه إليه من يأتيني به قبل ثلاث فافعل به ما اضمره له في قلبي ، أو ليس هو من قتلة الحسين؟ أو ليس هو الذي قال للحسين يوم كربلاء : وأي قرابة بينك وبين محمد؟ فقال له عبد الرحمن : أعزّ الله الأمير أنا أخرج إليه بإذنك ، فآتيك به شاء أو لم يشأ ، ولا قوّة إلّا بالله.

فأذن له المختار فخرج حتى قدم تكريت ودخل على أبيه فقال له :


ما وراءك يا بني؟ فقال له : ورائي إنّ هذا الرجل ظهر على الكوفة وسائر البلاد ، وقد استوسق له الأمر وأطاعه الناس جميعا ، وقد سأل عنك وذكرك وأخاف أن يبطش بقتلة الحسين ، فلم يغادر منهم أحدا ، وأنت ممن أساء الى الحسين ، وليس جلوسك هنا بشيء ، لأنه ليس معك جيش تمتنع به ، وأنت بالكوفة أعزّ منك هنا.

فتبسم محمد وقال : يا بني! إني قد علمت بأنك لم تأتني وتعرض عليّ هذا الرأي إلّا خوفا من المختار ، ثمّ التفت إلى من كان عنده فقال : إنّ ابني هذا له نخل بالكوفة على شاطئ الفرات ، وإنما يريد أن أكون بالكوفة حتى يأمن هو في نخله وماله ، ولا يضره ما يفعل بأبيه ، وأنا لست ابالي بذلك النخل ، كان أو لم يكن ، ولم يزل عبد الرحمن يلين لأبيه تارة ويشتدّ تارة ، ويرغبه تارة ويخوفه اخرى حتى أجابه إلى ما أراد ، وقدم معه الكوفة ، ودخل على المختار وسلّم عليه ؛ فقربه وأدناه ومنّاه. وجعل المختار يجلس غدوة وعشية فيقضي بين الخصمين بنفسه فإذا أعاقه عائق أمر شريحا أن يجلس فيقضي ، فقال له الناس : إنه عثماني الرأي ، وأنه شهد على حجر بن عدي ، وأنه لم يبلغ عن هاني بن عروة ما أرسله به إلى قومه ، وأنه كان عليّعليه‌السلام قد عزله عن القضاء ، فخافهم شريح فتمارض ، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود فمرض ، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي وأحب الناس المختار حبا شديدا ودر له حلب البلاد وحمل إليه الخراج من جميع عماله.

ثم إن المختار أرسل الى وجوه أصحابه فجمعهم عنده وقال : إنه والله ، إني ليس يسوغ لي الطعام ولا احبّ أن اروى من الماء وقتلة الحسين بن علي أحياء يمشون في الأرض ، وقد استوسق لي الأمر ؛ وأطاعني الناس بسببهم ،


ولست والله بالناصر لآل محمد إن لم أطلب بدمائهم ، وأقتل من قتلهم ، وأذلّ من جهل حقهم ، وانتهك حرمتهم ، فسمّوهم لي ؛ لعليّ أن اطهر البلاد منهم ، فجعل أصحابه يسمونهم رجلا رجلا ، ويذكرون ما فعلوا ، وجعل يؤتى بهم فمنهم من يقطع يديه ، ومنهم من يقطع رجليه ، ومنهم من يقطع رجله ويده ، ومنهم من يسمل عينيه أو يقلعهما ، ومنهم من يجدع أنفه ، ومنهم من يقطع لسانه وشفتيه ، ومنهم من يضربه بالسياط حتى يموت ، ومنهم من يقطعه بالسيوف إربا إربا ، ومنهم من يضرب عنقه صبرا ، ومنهم من يحرقه بالنار ، ومنهم من يسلخ جلده ، فلم يزل كذلك حتى قتل منهم مقتلة عظيمة.

وروى أبو مخنف : أنّ سعد الحنفي دله على زياد بن مالك ؛ وعمران ابن خالد ؛ وعبد الرحمن البجلي ؛ وعبد الله بن قيس الخولاني ؛ وكانوا من المحلّين ، ومن جملة قتلة الحسين ، فبعث إليهم عبد الله بن كامل فجاء بهم إليه ، فقال لهم المختار : يا قتلة سيد شباب أهل الجنّة! ألا ترون الله قد أقاد منكم؟ فقد أصاركم الورس ، إلى يوم نحس ، وكانوا قد نهبوا الورس الذي مع الحسين ، ثم أمر بهم أن يخرجوا إلى السوق ، وتضرب أعناقهم ، وأتى قوم من أعوان المختار إلى دار خولي بن يزيد الأصبحي فاقتحموها ودخلوا وكان خولي هو الذي احتزّ رأس الحسينعليه‌السلام ، وكانت له امرأة يقال لها : العيوف بنت مالك الحضرمي ، وهي التي خاصمته إذ أدخل رأس الحسين عليها ، فلما نظرت إلى أصحاب المختار قد دخلوا دارها قالت : ما شأنكم وما تريدون؟ فقال أبو عمرة صاحب شرطة المختار : لا بأس عليك نريد زوجك أين هو؟ قالت : لا أدري! وأشارت بيدها إلى المخرج فدخلوا عليه فإذا هو جالس وعلى رأسه قوصرة ، فأخذوه وأتوا به إلى المختار فقالوا له : أيها


الأمير! هذا خولي الذي احتزّ رأس الحسين.

فأمر به المختار فذبح بين يديه ، ثم أمر بجسده فاحرق بالنار ، ثم اتي برجل يقال له : بجدل بن سليم الكلبي وادخل على المختار فقيل له : أيها الأمير! هذا بجدل الذي أخذ خاتم الحسين وقطع أصبعه ، فقال المختار : اقطعوا يديه ورجليه وذروه يتشحط بدمه ففعل به ذلك ، وجيء ذلك اليوم بستة نفر وهم الذي نهبوا مال الحسين ، فأمر بهم فسلخت جلودهم وهم أحياء.

وذكر أبو مخنف : أنّ المختار بعث إلى الحكيم بن الطفيل الطائي وهو الذي أصاب سلب العباس بن علي ورمى الحسين بسهم فتعلّق بسرباله ، فكان يقول : إنّ السهم تعلق بسرباله وما ضرّه ، فقال له المختار : لنرمينك بنبال تتعلق بثوبك ، فانظر هل يضرّك ما تعلّق؟ فرموه بنبال حتى سقط ميتا.


مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص

٩ ـ وذكر السيد أبو طالب ، والامام محمد بن إسحاق ، والإمام أحمد بن أعثم الكوفي ، والإمام عبد الكريم ، وكلّ واحد منهم ذكر زيادة على صاحبه ، فدخل حديث بعضهم على بعض ، قالوا : إنّ المختار كان قد أمن عمر بن سعد بشفاعة عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي ، لأنه كان أكرم خلق الله على المختار ، لصهره وقرابته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال محمد بن إسحاق : كان عمر ختن المختار على ابنته ، وقال الباقون : كان ختنه على اخته ، فكتب محمد بن الحنفية للمختار : إنّك ذكرت أنك قتلت قتلتنا ، وطلبت بثأرنا ، وقمت بأمرنا كيف ذاك؟ وقاتل الحسين عندك يغدو ويروح وهو عمر بن سعد؟

فقال المختار حين قرأ الكتاب : صدق والله ، ثمّ إنّ المختار تحدّث فقال : لأقطعنّ والله ، غدا رجلا عظيم القدمين ، غائر العينين ، مشرف الحاجبين ، من قتلة الحسين ، يسرّ بقتله المؤمنون والملائكة المقرّبون ، وكان الهيثم بن الأسود عنده ، فلما سمع هذا الكلام ، علم أنه أراد عمر بن سعد فخرج وبعث بابنه إليه وقال له : قل له خذ حذرك فإنّ المختار اليوم قال : كذا وكذا ، وهو والله ، لا يريد غيرك.

فقال له عمر : جزى الله أباك خيرا ، كيف يريدني بهذا وقد أعطاني من العهود ما أعطاني؟ فلم يبرح من منزله ، فدخل حفص بن عمر بن سعد على المختار فأجلسه إلى جنبه ودعا أبا عمرة فأسرّ إليه : أن سر إلى عمر بن


سعد وقل له : أجب الأمير! فإن أتى معك فجيء به ، وإن قال : يا جارية! هاتي ردائي ، ويا غلام! هات طيلساني ، فاعلم أنه يدعو لك بالسيف ، فاقتله وأتني برأسه ، فلم يشعر عمر بن سعد إلّا وأبو عمرة رئيس شرطة المختار قد وافاه في أعوانه ، فبقي متحيرا ، ثم قال : ما شأنكم؟ فقالوا : أجب الأمير! قال : إن الأمير قد علم بمكاني وقد أعطاني بالأمان ، وهذا أمانه عندي قد أخذه منه لي ابن جعدة ، وقد كتبه الأمير لي. فاتي به وفيه :

بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا أمان المختار بن أبي عبيد الثقفي لعمر بن سعد بن أبي وقاص ، إنك آمن بأمان الله على نفسك وأهلك ومالك وولدك وأهل بيتك لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ، ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك ، إلّا أن تحدث حدثا جديدا ، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد فلا يعرض له إلا بسبيل خير ، وشهد السائب بن مالك الأشتر ؛ وأحمد بن شميط البجلي ؛ وعبد الله بن كامل الهمداني ؛ وعبد الله ابن شداد اليحصبي ؛ ويزيد بن أنس الأسدي ؛ وفلان ؛ وفلان ؛ وفلان ؛ كلّهم شهدوا بالعهد والميثاق والأمان لعمر ابن سعد وولده إلا أن يحدث حدثا جديدا وكفى بالله شهيدا.

فقال له أبو عمرة : صدقت والله ، يا أبا حفص! قد كنا حضورا عند الأمير يوم كتب لك الأمان ، غير أنه يقول إلّا أن يحدث حدثا ، ولعمري ، لقد دخلت المخرج مرارا ، وأحدثت أحداثا كثيرة ، وليس مثل المختار من يغدر ، ولكن عنى هذه الأحداث وليس ينبغي أن يعفو عنك بعد قتلك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأجبه لعلّه يدعوك لغير هذا.

قال : فإني أفعل ، يا غلام! هات طيلساني واعجل ، فقال له أبو عمرة : يا عدو الله! ألمثلي يقال هذا؟ واستلّ سيفه فضربه ضربة على رأسه فسقط على


قفاه فقال لأعوانه : خذوا رأس عدو الله ، فأخذوا رأسه فجاء به حتى وضعه بين يدي المختار ، وابنه حفص واقف بين يدي المختار ، وهو ابن اخته في رواية الجماعة أو سبطه في رواية محمد بن إسحاق ، فقال المختار : أتعرف هذا الرأس يا حفص؟ قال : نعم ، هذا رأس أبي ولا خير لي في العيش بعده.

وفي رواية عبد الكريم بن حمدان : أنّ أبا عمرة لما قتل عمر أسرّ ابنه حفصا ، وجاء به إلى المختار مع الرأس فقال : الحقوا حفصا بأبيه ، فقال : أيها الأمير! ما شهدت كربلاء؟ قال : لا ، ولكنك تفتخر بأنّ أباك قتل الحسين ، فو الله ، لا تعيش بعده ، فضربت عنقه صبرا ، ثمّ وضع الرأسين بين يديه وقال : هذا بالحسين وهذا بعليّ ، ولا سواء وربّ الكعبة ، ثم صلب جسديهما منكسين ، وصبّ عليهما النفط فاحرقا ، ووجّه بالرأسين إلى المدينة ، ومعهما ثلاثون ألف دينار ، وكتب إلى محمد ابن الحنفية :

بسم الله الرّحمن الرّحيم ـ للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد الثقفي ، سلام عليك ، أما بعد : فإن الله تبارك وتعالى جعلني نعمة لأوليائكم ونقمة على قاتليكم وأعدائكم ، فهم من فضل الله العزيز الحكيم بين قتيل وأسير وشريد وطريد ، فنحمد الله على ذلك أيها المهدي حمدا يستوجب منه المزيد في العاجلة ، والمغفرة والرحمة في الآجلة ؛ وقد وجهت إليك برأسي عمر بن سعد وحفص بن عمر وقد قتلت ممن شرك في دم الحسين وأهل بيته من قدرت عليه ولن يعجز الله من بقي منهم ، ولست ألتذّ بالمنام ، ولا يسوغ لي الطعام ، ولا يطيب لي الشراب ولا يبقى أحد ممن شرك في دماء أهل بيتك ، وأنا أرجو أن يقتل الله عبيد الله بن زياد واصحابه المحلّين على يدي ، وقد وجهت إليك بثلاثين ألف دينار ، لتفرقها على من أحببت من أهل بيتك ، واكتب إلي برأيك فيما أحببت حتى أتبعه ، والسلام.


ثم دفع الكتاب والرأسين والمال الى مسافر بن سعيد الهمداني ؛ وابن عمارة التميمي ؛ وضمّ إليهما عشرين رجلا ووجّه بهما إلى محمد بن الحنفية وهو يومئذ بمكة ، فبينا هو جالس في نفر من شيعته يتحدث ويقول : ألا ترون إلى المختار يزعم : أنّه من شيعتنا وأنه يطلب بدم الحسين! وقتلة الحسين عن يمينه وشماله على الكراسي يحدثونه؟ وقد بلغني عن عمر بن سعد وابنه حفص يروحان ويغدوان عليه ، فما أتم كلامه إلا وكتاب المختار مع الرأسين والمال قد وافاه ووضع بين يديه ، فقرأ الكتاب وحوّل وجهه إلى القبلة وخرّ ساجدا ، ثم رفع رأسه وبسط كفيه وقال : اللهم! لا تنس هذا للمختار ، وأجزه عن أهل بيت نبيك أفضل الجزاء.

ثم أخذ بعض المال وفرّقه في مكة ، وأرسل الباقي إلى المدينة ففرق في أهل البيت وغيرهم من المهاجرين والأنصار ، ولما أحرق المختار الجسدين وبعث بالرأسين أمر بإحراق داري عمر بن سعد وابنه حفص فاحرقا جميعا.

١٠ ـ وذكر أبو مخنف في تاريخه الكبير : أنّ عبد الله بن دباس جاء إلى المختار فأخبره : أنّ في القادسية فرسانا من قتلة الحسينعليه‌السلام فبعث إليهم المختار مالك بن عمرو النهدي وكان من رؤساء أصحابه فأتاهم وقبض عليهم وجاء بهم عشاء إلى المختار ، وهم : عبد الله بن النزال الجهني ؛ ومالك بن بشير البدي ؛ وحمل بن مالك المحاربي ؛ وكانوا فرسان عبيد الله بن زياد ، فقال لهم المختار : يا أعداء الله وأعداء رسول الله وأعداء آل الله! أين الحسين بن علي؟ أدوا إليّ الحسين ، قتلتم من أمركم الله بالصلاة عليه في صلواتكم؟ قالوا : رحمك الله ، بعثنا عبيد الله بن زياد ونحن كارهون قتاله ، فامنن علينا واستبقنا ، فقال لهم المختار : فهلا مننتم على الحسين واستبقيتموه؟ ثم قال لمالك بن بشير البدي : أنت صاحب برنسه؟ فقال عبد الله بن كامل :


نعم ، هو صاحب البرنس ، فقال المختار : اقطعوا يديه ورجليه ، ودعوه فليضطرب حتى يموت ، ففعل به ذلك فلم يزل يضطرب حتى مات ، وأمر عبد الله بن كامل فقتل عبد الله بن النزال الجهني ، وأمر مسعر بن أبي مسعر الحنفي فقتل حمل بن مالك المحاربي.

ثم عزم المختار على هدم دار أسماء بن خارجة الفزاري وإحراقها لأنه عمل في قتل مسلم بن عقيل ، فجعل يقول : أما وربّ السماء والماء ، وربّ الضياء والظلماء ، لتنزلن نار من السماء حمراء دهماء سحماء ، ولتحرقن دار أسماء ، فبلغ ذلك أسماء فقال : قد سجع أبو إسحاق بداري فليس لي مقام هنا بعد هذا ، فخرج أسماء الى البادية هاربا وأرسل المختار إلى داره ودور بني عمه ، فهدّمها عن آخرها ، ثمّ دعا برجل من أصحابه يقال له : حوشب بن يعلى الهمداني فقال له : ويحك يا حوشب! أنت تعلم أن محمد ابن الأشعث من قتلة الحسين بن علي وهو الذي قال له بكربلاء ما قال ، والله ، لا يهنيني النوم ولا القرار ، ورجل من قتلة الحسين يمشي على الأرض ، وقد بلغني أنه في قريته التي هي جنب القادسية فسر إليه في مائة رجل من أصحابك فإنك تجده لاهيا متصيدا ، أو قائما متبلدا ؛ أو خائفا متلددا ؛ أو حائرا مترددا ؛ فاقتله وجئني برأسه.

فخرج حوشب في مائة رجل من أصحابه وفرسانه حتى صار إلى قرية محمد بن الأشعث ، وعلم محمد بن الأشعث أنه لا طاقة له بحوشب بن يعلى ، فخرج من باب له آخر في جوف الليل هاربا ومضى نحو البصرة إلى مصعب بن الزبير فكتب حوشب إلى المختار بذلك ، فكتب إليه المختار : إنك قد ضيعت الحزم والفرصة ولم تأخذ بالوثيق ، فإذا فاتك الرّجل فاهدم قصره وبيته ، وخرب قريته وائتني بأمواله جميعا ، ففعل ذلك كله.


وبلغ محمد البصرة فقال له مصعب : ما وراءك يا ابن الأشعث؟ قال : ورائي الترك والديلم ، هذا المختار قد غلب على الأرض جميعا ، وهو يقتل الناس كيف شاء ، وقد قتل والله الى ساعته هذه ممن يتهم بقتل الحسين بن علي أكثر من ثلاثة آلاف رجل من فرسان العرب وشجعانهم وساداتهم وكبرائهم ، وقد أراد قتلي فهربت إليك خوفا منه ، فهذا ما ورائي.

وكان عبد الله بن همام سمع أبا عمرة صاحب الشرطة ينال من عثمان ابن عفان قبل مجيء المختار ؛ فضربه بسوطه ، فلما ظهر المختار خاف واستر حتى استأمن له عبد الله بن شرار ، فجاء إلى المختار ذات يوم فمدحه بقصيدة طويلة منها قوله :

وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى

ويلهيه عن رود الشباب شموع

دعا يا لثارات الحسين! فأقبلت

كتائب من همدان بعد هزيع

ومن مذحج جاء الرئيس ابن مالك

يقود جموعا عقبت بجموع

ومن أسد وافى يزيد لنصره

بكل فتى حامي الذمار منيع

وسار أبو النعمان لله سعيه

الى ابن إياس مصحرا لوقوع

بخيل عليها يوم هيجا دروعها

واخرى حسور غير ذات دروع

فكرت خيول كرة أثقفتهم

وشد بأولاها على ابن مطيع

فآب الهدى حقا الى مستقرّه

بخير إياب آبه ورجوع

إلى الهاشمي المهتدي المهتدى به

فنحن له من سامع ومطيع

فقال المختار لأصحابه : أحسنوا جائزته فوصلوه ، وأحسنوا إليه ، ذكر الأبيات أبو مخنف.

رجعنا الى أخبار ما تقدم وكيفية قتل عبيد الله بن زياد قال : ثمّ دعا


عبد الملك بن مروان بعبيد الله بن زياد بعد قتل سليمان بن صرد الخزاعي وأصحابه فضم إليه ثمانين ألف رجل من أجناد أهل الشام وشجعانهم ، وقال له : يا ابن زياد! أنت تعلم أن أبي مروان قد أمرك بالمسير إلى العراق فتقتل أهلها حتى يستقيموا ، ثم إن الموت عاجله وأدركه فمضى لسبيله ، وقد وليتك أنا هذا الجيش الكثيف ، فسر نحو الجزيرة والعراق ، فإذا فرغت من أمر المختار فصر إلى مصعب بن الزبير بالبصرة فاكفني أمره وشرّه ، ثم صر إلى أخيه عبد الله بن الزبير بالحجاز ، فاكفني أيضا أمره وشره ، فإذا فرغت من ذلك فلك جميع ما غلبت عليه بسيفك من أرض الشام إلى مطلع الشمس.

فسار عبيد الله ومعه ثمانون ألفا ما بين فارس وراجل حتى نزل الجزيرة ، ثمّ أرض نصيبين ، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد الهمداني وهو عامل المختار على الموصل وما والاها ، فكتب بذلك الى المختار يخبره ، وخرجت مقدمة ابن زياد في عشرين ألفا نحو الموصل فخرج عامل المختار إلى تكريت ، فكتب إليه المختار :

بلغني كتابك وما ذكرت فيه من أمر عدو الله ورسوله عبيد الله بن زياد ، ولقد أصبت في تنحيك من بين يديه إذ كنت لا تقوم لجيشه ، فانظر لا تبرح من مكانك حتى يأتيك أمري ، ثم دعا المختار برجل من سادات الكوفة وشجعانها وهو يزيد بن أنس الأسدي ، وقال له : يا يزيد! إنّ هذا عبيد الله بن زياد قد أقبل في المحلين وأبناء القاسطين ، فسر إليه أنت في المؤمنين ، وأطلب بدم ابن بنت الرسول الأمين. فقال له يزيد بن أنس : أيها الأمير! ضم إليّ ثلاثة آلاف رجل ممن انتخبهم أنا وخلني والوجه الذي يوجهني الله تبارك وتعالى إليه ، فإن احتجت إلى مدد فأنا سأكتب لك بذلك ولا قوة


إلّا بالله.

فقال له : اخرج إذن وانتخب رحمك الله من شئت وأحببت على بركة الله وعونه ، فخرج يزيد بن أنس وجعل ينتخب القائد بعد القائد والرجل بعد الرجل ، حتى انتخب ثلاثة آلاف من سادات فرسان العراق وشجعانهم ، وانفصل من الكوفة ؛ وخرج المختار يشيعه حتى إذا صار إلى دير أبي موسى التفت إليه المختار ، وقال له يوصيه : يا يزيد! انظر إذا لقيت عدوك نهارا فلا تنظرهم إلى الليل ، وإن أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها البتة ، وليكن خبرك عندي كلّ يوم ، فإن احتجت إلى مدد فأكتب إليّ بذلك سريعا. فقال يزيد له : أيها الأمير! إني ما اريد منك أن تمدني إلّا بالدعاء الصالح ، فكفى به لي مددا إن شاء الله.

وكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد الهمداني بتكريت :

أما بعد : فقد وجهت إلى ما قبلك يزيد بن أنس الأسدي وهو من قد علمت في البأس والشدّة ، فإذا قدم عليك فخل بينه وبين البلاد ، وكن تحت رايته مطيعا له ، والسلام.

فسار يزيد بن أنس حتى صار إلى تكريت ، فصار إليه عبد الرحمن بن سعيد في ألف رجل مقاتل ، فصار يزيد في أربعة آلاف فارس ، وأقبل حتى نزل على خمسة فراسخ من الموصل ، وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فوجّه إليه بقائد من قواد أهل الشام وهو ربيعة بن مخارق في ثلاثة آلاف فارس ، واتبعه بقائد آخر وهو حملة بن عبد الله الخثعمي في ثلاثة آلاف فارس ، وأقبل القوم حتى نزلوا بحذاء يزيد بن أنس ، واعتلّ يزيد بن أنس في تلك الليلة علّة شديدة ، وأصبح موعوكا لما به من المرض ، فدعا بحمار له أسود مقطوع الذنب والاذنين بصري ، فاستوى عليه وجعل يجول في عسكره


وغلمانه يمسكونه من ضعفه كيلا يسقط ، وهو يوصيهم ، ويقول لهم : يا شرطة الله! اصبروا تؤجروا ، وصابروا عدوكم تظفروا ، وقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ، وبعد فقد ترون ما بي من العلّة ، فإن هلكت فأميركم ابن عمي ورقاء بن عازب الأسدي ، فإن اصيب فعبد الله بن ضمرة الغنوي ، فإن اصيب فمسعر بن أبي مسعر الحنفي ، ثم نزل عن الحمار وجلس على كرسي ، وقال للناس : يا أهل العراق! إن شئتم قاتلوا عن دينكم ، وجدّوا في طلب دم ابن بنت نبيكم ، وإن شئتم قاتلوا عن أنفسكم وعن أميركم.

فدنا القوم بعضهم من بعض واقتتلوا ساعة ثم حمل ورقاء بن عازب على رجل من أهل الشام فضربه ضربة منكرة فسقط عن فرسه قتيلا وصاح : يا أهل العراق! احملوا معي ، فحملوا فانهزم أهل الشام هزيمة قبيحة ووضع أهل العراق السيف في أكتافهم نحوا من خمسة فراسخ ، وأسروا منهم زهاء ثلاثمائة رجل ، واتي بهم ليزيد بن أنس ، فأمر بضرب أعناقهم فاوقفوا بين يديه وهو لما به ، فضربت أعناقهم ، وهو يومئ بيده : أن لا تتركوا منهم أحدا فاستوفوهم.

واشتدّت العلّة بيزيد فتوفي في بعض الليل ، فجهز وصلّى عليه ورقاء ابن عازب ، وأقبره ليلا وأصبحوا في حزن على صاحبهم ، فقال لهم ورقاء : يا أهل العراق! ذروا هذا الجزع فكلّ حيّ ميت ، فلا تشربوا قلوبكم الكدر فتهنوا ، وهذا عدو الله وعدوكم عبيد الله قد التأم إليه عسكره ؛ وعسكر آخر من الجزيرة وغيرها ولا اظنّ ان لكم به طاقة ؛ فإني أعلم أنا ان قاتلناهم خاطرنا على أنفسنا لكثرتهم ، وإن هزمنا ما جاءنا لم ينفعنا ، لكثرة مددهم.


قالوا له : أيها الأمير! فالرأي أن ننصرف عنهم لا سيما وقد نكأنا(١) فيهم بالأمس ، فوافقهم وانصرفوا في جوف الليل نحو العراق ، وبلغ ذلك أهل الكوفة فأرجفوا وقالوا : قتل يزيد أميرهم. وابيد عسكره ، واغتم المختار ولم يدر ما قصتهم ، حتى علم أنهم انصرفوا لموت صاحبهم ، فطابت نفسه وقدم أصحاب يزيد فأخبروه بما كان ، فدعا أبا النعمان إبراهيم بن مالك الأشتر فعقد له وضمّ إليه أصحاب يزيد وغيرهم من فرسان أهل الكوفة ورجالهم ، وقال له : سر إلى عدو الله وعدوك وناجزهم وطالعني بأخبارك بليلك ونهارك ، فإن رأيت أمرا لا طاقة لك به فلا تلق بيدك إلى التهلكة واكتب إليّ حتى أمدّك بما تكتفي به من خيل ورجال ، وكن في كل أمر ذاكرا لله تعالى في كل حال ، وعجّل السير وناجز عدوك وحاكمهم الى الله ، صحبك الله وسلّمك ، وردّك سالما غانما ، فسار إبراهيم بن مالك في أصحابه ، وهو يقول :

أما ورب المرسلات عرفا

حقا وربّ العاصفات عصفا

لتعسفن بالعدو عسفا

حتى نسوم القاسطين خسفا

زحفا إليهم لا نملّ الزحفا

حتى نلاقي بعد صف صفا

وبعد ألف في النزال الفا

فنكشف الظالم عنا كشفا

وعسكر ابراهيم بموضع يقال له : حمام أعين ثم ارتحل حتى نزل على خمسة فراسخ من الموصل ، وعبيد الله بن زياد بالموصل قد أخذ خراجها وفرقه في أصحابه ، وهو يومئذ في ثلاثة وثمانين ألفا وخرج بهم فنزل

__________________

(١) نكأنا : أضررنا ، ومعنى الجملة ـ إن قاتلناهم وهزمناهم جاءهم مدد لا يبقي علينا. لأنا قد أضررناهم بالنكاية بالأمس.


قريبا من معسكر إبراهيم ، وإبراهيم يومئذ في نحو عشرين ألفا ، وكان في عسكر ابن زياد رجل من الأشراف من بني سليم وهو عمير بن الحباب السلمي ، فأرسل إلى إبراهيم : إني قد عزمت على المصير إليك والكينونة معك ، فإن أعطيتني الأمان وافيتك الآن ، فأرسل إليه إبراهيم : إنه قد أعطيتك الأمان ولك عندي الكرامة ما رزقني الله السلامة ، فهلمّ إلينا آمنا مطمئنا ، فخرج عمير في جوف الليل في ألف رجل من قومه ومواليه حتى صار إلى إبراهيم ، فأكرمه وبرّه وبرّ أصحابه وفرّق عليهم مالا.

فبلغ ذلك ابن زياد فأقلقه وقال : يخرج رجل من عسكري في ألف فارس لا يعلم به أحد ، إنّ هذا الأمر يتبع ، ثم إن إبراهيم قال لعمير : إني رأيت أن اخندق على عسكري خندقا ، فما الذي ترى؟ فقال له عمير : إنّ القوم يحبون أن يطاولوك ، فإن خندقت كان خيرا لهم في المطاولة ، وإن ناجزتهم كان خيرا لك ، فقد ملئوا منك رعبا فصادمهم بخيلك ورجالك ، فإنك على حقّ ، فالله ناصرك وهم على باطل ، فهو تعالى خاذلهم ، ومظهرك عليهم.

فقال إبراهيم : قد اختبرتك وعلمت أنك ناصح ، فهذا ما أشار به الأمير ، وعزم عليه الضمير ، وقال عبيد الله بن زياد لأصحابه : إني لا عجب من هذا الغلام يعني إبراهيم ومسيره إليّ بهذا الجيش ، وعهدي به بالأمس في الكوفة يلعب بالحمام ، ولعلّ أجله قد اقترب ، وبات كل من الفريقين ساهرين ، لما يدبرونه غدا ، ولا سيما جيش أهل العراق فإنهم علموا أن أميرهم إبراهيم يناجز أهل الشام ، فلما كان وقت السحر صلّى إبراهيم في أصحابه بغلس ، وعبّأ أصحابه ، فجعل على ميمنته سفيان بن يزيد بن معقل الأزدي ؛ وعلى ميسرته علي بن مالك الجشمي ؛ وعلى أعنّة الخيل الطفيل بن


لقيط النخعي ؛ وعلى الرجّالة مزاحم بن مالك السكوني ، فوقف بهم وتقدمت الرجّالة ، وجعل إبراهيم يقف على كل كتيبة فيوصيهم ويعهد إليهم وينهاهم عن الخور والفشل ، ثم زحف رويدا حتى أشرف على تلّ ، فنظر في عسكر القوم وتأمّلهم ، فرآهم غارين لم يتحركوا ولم يظنوا أن أهل العراق يناجزونهم ، فلما نظروا إلى الخيل وافتهم ، بادروا إلى خيولهم وقدّموا الرجالة بين أيديهم ، وكانت الخيول ستين ألفا ، والرجالة اثنين وعشرين ألفا ، فعبأهم ابن زياد فجعل على ميمنته شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري ؛ وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي ؛ وعلى جناح ميمنته عبد الله بن مسعدة الفزاري ؛ وعلى جناح ميسرته حملة بن عبد الله الخثعمي ؛ وفي القلب يومئذ الحصين بن نمير السكوني ، ثم انقض عليهم أهل العراق قائلين : اللهم إنا خرجنا ثائرين بدماء أهل بيت نبيك ، فانصرنا عليهم كيف شئت وأنى شئت يا ربّ العالمين! وتنادوا : يا لثارات الحسين ، وتواقفوا رأي العين.

وتقدم عوف بن ضبعان الكلبي على فرس له أدهم ونادى : يا شيعة آل أبي تراب! يا شيعة المختار الكذاب! يا شيعة ابن الأشتر المرتاب! من كان منكم يدل بشجاعة وشدّة فليبرز إليّ إن كان صادقا ، ثم جال بين الصفين وهو يقول :

إني ابن ضبعان الكريم المفضل

ليث النزال في مثار المفضل

من عصبة تبرأ من دين علي

كذاك كانوا في الزمان الأوّل

فما لبث عوف بن ضبعان حتى خرج إليه الأحوص بن شداد الهمداني وهو يقول :


أنا ابن شدّاد على دين علي

لست لمروان بن ليلى بولي

لأوقدنّ نارها في الجحفل

ثم أخوض النار حتى تنجلي

فجعل الشامي يشتم الأحوص ، فقال الأحوص : دع عنك هذا إن كنت عربيا ، فإن الذي بيننا أجلّ من الشتم ، أنتم تقاتلون عن بني مروان ، ونحن نطلب بدم ابن نبيّ الرحمن ، فادفعوا إلينا ابن زياد لنقتله ببعض موالينا الذين قتلوا مع الحسين ، ولا نراه والله كفوا له ، فقال الشامي : جربناكم يوم صفين عند التحكيم ، فحكمناكم وعدوتم علينا ظالمين.

فقال الأحوص : إنّ الحكم في الخديعة لا يتخذ فاصلا في الشريعة ، ما اسمك أيها الرجل؟ قال : منازل الأبطال! قال : ما أقرب اسمك من اسمي ، فأنا مقرب الآجال! ثم حمل عليه الأحوص فالتقيا بضربتين ، سبقت ضربة الأحوص منها فسقط الشامي قتيلا ، وجال الأحوص وصاح : يا قتلة الحسين هل من مبارز؟ فخرج داود بن عروة الدمشقي على كميت له مقنعا بالحديد وهو يقول :

أنا ابن من قاتل في صفينا

ولم يكن في دينه غبينا

بل كان في إيذا مكينا

مجربا يوم الوغى حرونا

فجاوله الأحوص وهو يقول :

يا ابن الذي قاتل في صفينا

ولم يكن في دينه غبينا

كذبت بل كان به مفتونا

لا يعرف الحق ولا اليقينا

ثم صعد له الأحوص فضربه ضربة ، ألحقته بصاحبه وعاد إلى صفه ، فخرج الحصين بن نمير السكوني فجعل يقول :


يا قادة الكوفة أهل المكر

وشيعة المختار وابن الأشتر

هل فيكم قرن كريم العنصر

مجرب في بأسه ذو مخفر؟

يبرز نحوي عامدا لا يمتري

فيستقي الحتف بكأس ممقر(١)

فخرج إليه شريك بن خريم التغلبي ، وهو يقول :

يا قاتل الشيخ الكريم العنصر

بكربلاء في التقاء العسكر

أعني حسينا ذا السنا والمفخر

نجل النبي المصطفى من حيدر

خذها إليك من خزبر قسور

ضربة قرم ربعيّ مضريّ

فتقدم إليه الحصين فالتقيا بضربتين ، فما كذب التغلبي ، أن ضربه ضربة على أم رأسه فخرّ منها صريعا قتيلا ، فكبّر أصحاب التغلبي ، ودخل أهل الشام شيء عظيم من الجزع عليه ، فتقدم إبراهيم ابن الأشتر على فرس له غرّ محجّل ، حتى وقف بين الصفين ، ونادى بصوته ـ وكان جهوريّ الصوت ـ : ألا يا شرطة الله وشيعة الحق! وأنصار الدين! وقاتلي المحلّين! وأبناء القاسطين! لا تطلبوا أثرا بعد عين ، فهذا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين الذي فعل وفعل (وجعل يعدد مساوئه) ما جاءكم به اللهعزوجل في هذا المكان إلا لهلاكه ، فتقدموا إليه رحمكم الله ونصركم ، ثم حمل على أهل الشام وجعل يضرب سيفه في أعراضهم قدما قدما ويقول :

قد علمت مذحج في اليوم الجلل

إني ذو البأس إذا القرن نكل

والأروع المقدام إن نكس فتل

أضرب في القوم وإن حال الأجل

وأعتلي رأس الطرماح(٢) البطل

بالذكر البتّار ما فيه فلل

__________________

(١) الممقر : المرّ.

(٢) الطرماح : الطويل.


وحمل معه أهل العراق بأجمعهم حملة رجل واحد فاصطفقوا بالصفاح ، وتطاعنوا بالرماح ، وتراموا بالسهام ، وإبراهيم يقول لصاحب رايته : تقدّم فداك أبي ، فالحق امامك ، والله ناصرك ، وصاحب الراية يتقدّم وأهل العراق خلفه ، وحان وقت الصلاتين ، وما صلّى القوم إلّا بالإيماء ، حتى إذا كان وقت اصفرار الشمس ، انهزم أهل الشام هزيمة قبيحة وولوا الأدبار ، فأخذ السيف أكتافهم ، وقهقر بقيتهم إلى الموصل ونظر إبراهيم إلى رجل عليه بزّة حسنة ، درع سابغة وعمامة خزّ دكناء ، وديباجة فوق الدرع ، وقد أخرج يده من الديباجة وفيها صفيحة مذهبة ، فقصده إبراهيم لتلك الصفيحة ، وللفرس الذي تحته ، فلم يلبث أن ضربه ضربة شرّقت بيديه وغرّبت برجليه ، فامتد إبراهيم منعطفا من سرجه ، ورجلاه في الركاب إلى الأرض ، وتناول الصفيحة وغار الفرس فما لحقه ، وكان الظلام من الغروب ومن القتام قد ترك الناس لا يبصر بعضهم بعضا.

فتراجع أهل العراق من نحو الموصل إلى معسكرهم لا يطئون إلّا على جسد قتيل ، وأصبحوا وقد فقد منهم ثلاثة وسبعون رجلا ، وأصبح أهل الشام وهم عشرة آلاف رجل وثمانمائة رجل وعامتهم جرحى ، وقد فقد منهم سبعون ألفا فبذلك يقول بعض الشعراء في إبراهيم بن مالك الأشتر ؛ والمختار بن أبي عبيد يمدحهما :

فجزى إبراهيم ثم أبا إسحا

ق عنّا الإله خير الجزاء

وجزى الله شرطة الله خيرا

عن بني هاشم بحسن البلاء

إذ تعشّوا منهم بسبعين ألفا

أو يزيدون قبل وقت العشاء

قتلوا الفاسق اللعين جهارا

في فريق من سائر الأحياء

وشفوا منهم غليل صدور

وعلى ربّنا تمام الشفاء


ثم قال إبراهيم لأصحابه : إني تبعت البارحة رجلا وقد اختلط الظلام في يده هذه الصفيحة ، وتحته فرس جواد ، فقتلته وأنا أشمّ منه رائحة المسك ، فأخذت الصفيحة وفاتني الفرس ، فقال بعض أصحابه : أصلح الله الأمير! الفرس أنا أمسكته وسأجيئك به فقد جعله الله لك ، قال إبراهيم : إنّ بزته حسنة ، ولامته كاملة ، فانظروه بجانب شاطئ الفرات بموضع كذا وكذا ، فذهب القوم فإذا هو عبيد الله بن زياد فأتوا برأسه ووضعوه بين يديه ، فلما رآه عرفه وقال : الله أكبر! وخرّ ساجدا ، ورفع رأسه وهو يقول : الحمد لله الذي جعل قتله على يدي ، فبذلك يقول بعض الشعراء من أصحاب إبراهيم :

فدى لغلام من عرانين مذحج

جريء على الأعداء غير نكول

أتاه عبيد الله في شرّ عصبة

من الشام واستجلى بخير قبيل

فلما التقى الجمعان في حومة الوغى

وجرّ الردى في الحرب فضل ذيول

فولى عبيد الله خوفا من الردى

وخشية ماضي الشفرتين صقيل

فيعلوه إبراهيم بالسيف فاصلا

فطاح على البوغاء شرّ قتيل

جزى الله خيرا شرطة الله أنهم

شفوا بعبيد الله كل غليل

ثم أمر إبراهيم برأس عبيد الله بن زياد ـ ؛ ورأس الحصين بن نمير السكوني ؛ ورأس شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري ؛ ورأس ربيعة بن مخارق الغنوي ؛ ورءوس أشباههم من رؤساء أهل الشام ؛ فقورت ونقضت ، وكتبت الرقاع بأسماء أصحابها وبعث بها إلى المختار ، وكتب له يخبره بالواقعة كيف فعل بالمحلّين ، وقتلة أهل البيت؟ وكيف أباد خضراءهم؟ فوردت الرءوس على أهل الكوفة تنيف على سبعين رأسا


يقدمها رأس عبيد الله بن زياد فاستقبلتها الشيعة فرحين ، يحمدون الله الّذي أهلكهم وشفى صدور المؤمنين ، وكان المختار قبل مجيء الرءوس يقول : سيأتينا الفتح غدا في رأس ابن مرجانة ، فلمّا ورد في غد ، زعم بعض من لا علم له : أنه يعلم الغيب ، وافتتن به خلق من أهل الكوفة ، حتى قال الشعبي : يا قوم! لا يفتننكم الشيطان ، ما ذلك إلّا فراسة مؤمن فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فراسة المؤمن لا تخطئ.

ثم إن المختار بعث برأس عبيد الله بن زياد ، ورأس الحصين بن نمير ؛ ورأس شرحبيل بن ذي الكلاع إلى محمّد بن الحنفية وصلب باقي الرءوس حول الكوفة ، وكتب إلى محمّد ومع الكتاب ثلاثون ألف دينار :

بسم الله الرّحمن الرّحيم للمهدي محمّد بن علي ، من المختار بن أبي عبيد سلام عليك ، أما بعد ـ فأحمد الله الذي أخذ لك بالثأر ، من الأشرار ، المطلوبين بالأوتار ، فقتلهم في كل فج بقهر ، وأغرقهم في كلّ نهر ، وأهلك أولياءهم بالقهر ، فشفى الله بذلك قلوب المؤمنين ، وأقرّ عيون المسلمين ، إذ أهلك المحلّين ، وأبناء القاسطين ، وإذا أنزل بهم ما أنزل بثمود وعاد وغرقهم تغريق فرعون ذي الأوتاد ، الذين طغوا في البلاد ، وأكثروا فيها الفساد ، لقد قتلوا أشر قتلة ، ومثل بهم أقبح مثلة ، وقد وجهت إليك برأس ابن زياد من ذوي الإلحاد ، ليكبت بذلك الأعداء ذوو الأحقاد ، ويفرح ذوو الولاء والوداد ، ووجّهت معها ثلاثين ألف دينار ، لتنفقها على أهل بيتك وشيعتك ، والسلام.

فلما ورد الكتاب على محمد قرأه على أهل بيته ، فحمدوا الله وصاموا له شكرا وأمر محمد أن تصلب الرءوس خارج الحرم ، فمنعه عبد الله بن الزبير ، فدفنت.


ثم سار إبراهيم بن مالك فنزل الموصل واحتوى على الجزيرة وجبا الخراج فقسم على أصحابه جملة منه ، وأرسل فاضله إلى المختار فصارت الكوفة وسوادها إلى المدائن والجزيرة بأجمعها من ديار ربيعة ومضر إلى المختار ، وصارت الشام وأرض مصر إلى المغرب إلى عبد الملك بن مروان ، وصارت الحجاز واليمن بأجمعها إلى عبد الله بن الزبير.

وذكر أبو مخنف : أنّ المختار (رحمه‌الله ) بعث بعد ذلك عبد الله بن كامل إلى مرة بن منقذ العبدي قاتل علي بن الحسينعليه‌السلام ـ وكان بطلا شجاعا ـ فأحاط بداره فخرج مرّة وبيده رمح وهو على فرس جواد فتجاول مع ابن كامل ، فضربه ابن كامل بالسيف فأبان يده اليسرى ، ثم تعاورته أصحاب ابن كامل فقتلوه ، ثم بعث المختار عبد الله بن كامل هذا إلى يزيد بن رقاد قاتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، وكان يقول : رميته بسهم فاتقاه بيده ، فشك يده إلى جبهته ، فأنبته بعد ما مات فما قدرت والله أن أنزع سهمي من جبهته ، فتركته مثبتا فيها ، فلما أحاط عبد الله بن كامل بداره خرج شاهرا سيفه ، وكان بطلا مقداما ، فقال ابن كامل لأصحابه : لا تضربوه بسيف ولا تطعنوه برمح ، ولكن ارشقوه بالسهام كما رمى ابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فرشقوه حتى سقط ، فأمر عبد الله بنار فأحرقوه بها وهو حي.


قتل الشمر بن ذي الجوشن

ودعا المختار بعبد الرحمن بن عبيد الهمداني وقال له : بلغني عن شمر ابن ذي الجوشن الضبابي أنه خرج من الكوفة في نفر من غلمانه ومن تبعه هاربا ، فاخرج أنت في طلبه فلعلك تأتيني به حيا أو برأسه ، فإني لا أعرف في قتلة الحسين أعتى منه ولا أشدّ بغضا لأهل البيت ، وضمّ إليه عشرة من أبطال أصحابه ، وقال له ولهم : انشدكم الله إلا أقررتم عيني بقتله ، وشفيتم غليلي بذلّه ، فلقد أكمدني بفعله.

فخرج عبد الرحمن في أصحابه العشرة يسألون عنه ، فقيل : إنّه قد نزل في جنب قرية على شاطئ الفرات يقال لها : الكلتانية ومعه قوم قد صحبوه من قتلة الحسين وهم آمنون مطمئنون ، فرحل عبد الرحمن بهم إليه ، فلما أشرف عليه علم أن الخيل خيل المختار ، فوثب قائما يتأمّلهم فنظروا إليه وعرفوه ، فكبّروا وأحاطوا به وبأصحابه ، وكان شمر متزرا بمنديل وكان أبرصا ، والبرص على سائر جسده ، فكأنه ثوب ملمع ، فأخذ رمحه ودنا من أصحاب المختار وحمل عليهم وهو يقول :

نبهتم ليثا هزيرا باسلا

جهما محياه يدق الكاهلا

لم يك يوما عن عدونا كلا

إلّا كذا مقاتلا أو قاتلا

فتقدم إليه عبد الرحمن بن عبيد وهو يقول :

يا أيها الغادر وابن الغادر

وقاتل الحسين ذي المفاخر

ابن النبي الطيب العناصر

وابن الوصي الطاهر ابن الطاهر

منيت من شيعته بثائر

يطعن في الضلوع والحناجر


أشجع من ليث عرين خادر

فأبشر بخزي وبموت حاضر

ثم طعنه عبد الرحمن في نحره فسقط قتيلا ، فنزل إليه واحتزّ نحره وقتل أصحابه جميعا ، وأخذ أموالهم وأسلحتهم ودوابهم ، وجاء برأسه ورءوس أصحابه إلى المختار ، فلما نظر المختار إليه خرّ ساجدا ، وقال : يا عبد الرحمن! أقر الله عينك بلقاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنّة ، ثم أمر برأس الشمر فنصب في رحبة الحذائين إزاء المسجد الجامع ، فمثل به الصبيان برمي الحجارة والقذارة ، وأمر المختار لعبد الرحمن بعشرة آلاف دينار وولاه حلوان.

١١ ـ وذكر ابن إسحاق قصة المختار مع ابن زياد بسياقة اخرى ، فنحن نذكرها مجملا ونبين الصحيح فيما بعد ، قال : لما هرب المختار من ابن زياد أمير الكوفة إلى مكة دخل على عبد الله بن الزبير فبايعه ، فلما جنّ الليل دخل على محمد بن الحنفية فبايعه سرا ، وكان المختار يحب الصيد ، فكان كل يوم يركب للصيد ، فلما كان في بعض الأيام خرج متصيدا فإذا هو برجل على ناقة يجدّ السير ، فقصده المختار فقال له : من أين أقبلت؟ قال: من الكوفة ، فقال : وإلى أين؟ قال : إلى مكة اريد المختار بن أبي عبيد ، قال : وما تريد منه؟ قال : جئته ببشارة ، قال : فها أنا المختار فأخرج من عمامته كتابا إليه من جملة من شيعة الكوفة ، يسألونه القدوم عليهم ليأمروه عليهم ، ويطلب بثار الحسين بن عليعليه‌السلام .

فقال : ما فعل عبيد الله بن زياد؟ قال : إن أهل البصرة شغبوا على عامله وكسروا سجنه ونهبوا أمواله ، وقد خرج من الكوفة إليهم. قال : فمن خلف بالكوفة؟ قال : عمرو بن حريث في أربعة آلاف ، فخلع المختار على البشير ما كان عليه من الثياب واللباس ، وردّه إلى الكوفة ، ودخل المختار


على عبد الله بن الزبير ، فأخبره بخروج ابن زياد من الكوفة إلى البصرة وما حدث في البصرة ، وأنه بقي في الكوفة عمرو بن حريث في أربعة آلاف ، وقال له : ابعث معي مائتي فارس ، فأنطلق بهم إلى الكوفة ، وأقتل ابن حريث ، وآخذ الكوفة وأجبي خراجها وأحمله إليك وأخطب لك فيها.

فأجابه ابن الزبير وعرض عليه عسكره ، فانتخب منه مائتي رجل من شجعانهم ، فلما جنّ الليل دخل على محمد بن الحنفية وأخبره بما كان من أمر البصرة والكوفة ، وقال له : اريد منك كتابين : كتابا إلى إبراهيم بن مالك الأشتر ، وكتابا إلى محمّد بن الأشعث ليسمعا كلامي ويطيعاني وينتهيا إلى أمري حتى آخذ الثأر من قاتلي الحسين بن عليعليه‌السلام ، فكتب كتابين له ، فخرج المختار إلى منزله ، وزوّر أربعين كتابا إلى أربعين شيخا من مشايخ الكوفة عن لسان محمد بن علي ، وخرج من مكة ليلا ومعه مائتا فارس ، فجعل يسير الليل ، ويكمن النهار ، حتى ورد القادسية ، فعاج لكربلاء وزار الحسين وبكى ، ثم قال : يا ابن رسول الله! لا خلعت ثيابي هذه حتى أنتقم ممن قتلك وقاتلك أو اقتل.

ثمّ ودّع القبر وسار حتى صار بجبانة الكوفة ، وذلك في أوّل الليل ودخل الكوفة وحده ، ومعه اثنان وأربعون كتابا فقصد إبراهيم وقرع بابه ، ففتح له ودخل ، فلما رآه إبراهيم اعتنقه وقرّبه وقال : يا أبا إسحاق! من أين جئت؟ وأين كنت؟ قال : من مكة وفي مكة. قال : كيف خلفت سيدنا محمد بن علي؟ قال : بخير وهو يقرأ عليك السلام ، وأعطاه كتابه إليه فتناوله إبراهيم وقبّله وبكى ، ثم فضّه وقرأه وعجب بما فيه فحرّك رأسه ، فقال المختار : ممّ حركت رأسك ، لعله ثقل عليك أن تبايعني؟ فناولني الكتاب فلا حاجة لي في بيعتك ، ولكن لا تكن عليّ كما لم تكن لي ، فقال


إبراهيم : سبحان الله يا أبا إسحاق! بل السمع والطاعة لأمر سيدنا محمد ، مد يدك ، فمدّها فبايعه وأخذ مواثيقه ، وكان إذا ركب إبراهيم ركب ثلاثمائة فارس معه من مواليه وموالي أبيه ، فلما بايع المختار قال إبراهيم : قم معي إلى محمد بن الأشعث ندفع إليه الكتاب ، فقاما إليه وقرعا الباب ، فلما دخلا أجلسهما وجلس فأعطاه المختار الكتاب ففضه وقرأه ، فحرّك رأسه كما فعل إبراهيم ، فقال له المختار كما قال لإبراهيم فقال : ظننت أن سيدنا محمد يأمرك بالبيعة لي فحرّكت رأسي ، ثم بايعه محمد ، فقال لهما المختار : قوما معي فإن معي هذه الكتب ندفعها إلى مشايخ الكوفة وهي أربعون كتابا. فقاما معه حتى فرق تلك الكتب إلى أهلها وأخذ منهم البيعة ، ثم إنّ المختار جمعهم في منزل إبراهيم فدبروا في قتل عمرو بن حريث خليفة عبيد الله ، وكان عمرو في أربعة آلاف وكان مع المختار مائتا فارس ؛ ومع إبراهيم ثلاثمائة ؛ ومع محمد بن الأشعث مائتان ، ثم قال للمشايخ : أخبروني كم يركب معكم؟ فقالوا : شأنك والقوم فإنّ كل واحد يكفيك محلّته ودربه ، فكبّر المختار وقال : الآن آخذ بثأر آل محمّد ورب الكعبة.

ثم قال لمحمد بن الأشعث : اركب الآن في أصحابك وأخرج بعلّة الصيد ، وانتح بعسرك الحيرة ، واركب أنت يا إبراهيم! إذا انتصف النهار وادخل على ابن حريث ، وقل له : إنّ أهل البصرة قد هزموا الأمير عبيد الله ابن زياد وإني خارج إلى نصرته ، فما ذا تأمر؟ ثم إنك إن تمكنت فاقتله ، ثم اضرب بطبله فكل من خرج من أعوانه وأصحابه فضع السيف فيهم ، ومن هرب منهم إلى الحيرة ، فاقتله أنت يا محمد! ومن هرب إلى الجبانة قتلته أنا في عسكري ، ومن هرب منهم في السكك والأزقّة فاقتلوهم أنتم أيها المشايخ! وغلّقوا الدروب جيدا واستوثقوا من المحال.


فاجتمع رأيهم على ذلك وتفرّقوا ورجع المختار إلى عسكره ولم يعلم أحدا من أهله ، فلما أصبحوا خرج محمد بن الأشعث إلى الحيرة بعلّة الصيد. ووكل كل شيخ في دربه ومحلته من يعتمده من أهله وأعوانه يتوقعون الصيحة ، فلما انتصف النهار ركب إبراهيم في قومه حتى أتى قصر عمرو بن حريث ثم دخل وعليه سلاحه ، فاستقبله الحاجب فقال : ما شأنك في هذا الوقت وفي هذا الزي؟ قال : إنّ أهل البصرة هزموا الأمير عبيد الله وأنا خارج لنصرته فأخبر الحاجب الأمير ـ وكان نائما في بيت الخيش ـ(١) فخرج مغموما متغير اللون وعليه غلالة كتان منسوج بالذهب وفي رجليه نعلان ، فلما صار في صحن الدار اعتنقه وأخبره الخبر وجلسا يتحدّثان ، فنظر إبراهيم إلى رمح في وسط الدار مغشى بالديباج ، فسأله عنه ، فقال : هذا الرمح الذي حمل رأس الحسين من الطف إلى الشام يفتخر به ابن زياد ومن يوالي آل سفيان ، فاستأذن أن يراه ، فقال عمرو بن حريث : يا غلام! ائت به إلى إبراهيم ، فأخذه إبراهيم وهزّه ثم طعن به عمرو بن حريث فأخرج السنان من وراء ظهره واستلّ سيفه وقتله ، وقتل الحاجب والغلمان ، وارتفعت الصيحة في الدار فلم يخرج إليه أحد إلا قتل ، ثم ضرب الطبل ، فركب عسكر ابن حريث إلى القصر فمن لقيه إبراهيم قتله. ومن فرّ إلى الحيرة قتله ابن الأشعث ، ومن فرّ إلى الجبانة قتله المختار ، ومن هرب إلى السكك والمحال قتله المشايخ ، حتى لم ينج منهم أحد ، فبايع حينئذ أهل الكوفة المختار واحتوى على خزائن ابن زياد ، ووضع الديوان فكتب فيه اثني عشر ألف مقاتل ، وقوي أمره. وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فعرض ستين ألف رجل ، وجاء بهم إلى الكوفة لحرب المختار ، فنزل بباب الكوفة بموضع

__________________

(١) بيت الخيش : يوضع فيه الثلوج بين الخيش للتبريد في الحرّ.


يقال له : بين النهرين ، الفرات والوادي.

فنادى المختار : يا أهل الكوفة! قاتلوا عن ابن بنت نبيكم واطلبوا بثأره ، أو قاتلوا عن كوفتكم وعيالكم وأموالكم ، فو الله لئن ظفر ابن زياد بكوفتكم هذه ليحرقنها وينسفنها ، فبايعه ذلك الوقت ستة آلاف رجل فصار عنده ثمانية عشر الف ، فخرج المختار إليه فراسله بالصلح ، فأبى المختار ، وبقي العسكران متقابلين شهرين حتى بذل ابن زياد العراق للمختار فلم يقبل ، فقال له بعض قواده : ما هذا الحال أيها الأمير! فقد أذللتنا على كثرتنا؟ فقال : أعلم أني كنت صبيا وكان المختار أصغر مني فوقعت بيننا خصومة بسبب حمامة فضربني المختار وأسقطني على الأرض وجثا على صدري ، وقال لي : لأقتلنك ولن يكون قتلك إلّا على يدي إن شاء الله ، فأنا من ذلك اليوم أتخوف منه على نفسي ، ثمّ إني سألت المنجم عن طالعي وموتي ، فأخبرني : إني اقتل على يدي رجل له صفته ، فقتلت المنجم بسبب ذلك ، حتى لا يخبره فيقوي عزمه ، ثم صمّم الحرب مع المختار ، فأرسل المختار جاسوسا يستعلم أخبار ابن زياد بقيامه وقعوده وحركاته كلّها ، فأخبره : أنه صلّى فقرأ في صلاته في الركعة الاولى :( إِذا وَقَعَتِ ) ، وفي الثانية :( إِذا زُلْزِلَتِ ) .

فكبّر المختار ، وقال : وقعت بهم الواقعة ؛ وزلزلت بهم الأرض ، ثم إنّ المختار عبأ عسكره فجعل على الميمنة إبراهيم بن مالك ، وعلى الميسرة محمد بن الأشعث ، ووقف هو في القلب ، وعبأ ابن زياد عسكره على ما كان يعبأ به ، وكان المختار لا يحارب إلّا حين تزول الشمس اقتداء بأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فلما أن قرب الزوال ، دعا المختار برجل من أصحابه ، وقال له : استأمن ابن زياد واتبعهم ، فإذا خلع عليك وقرّبك ،


فصر إلى صاحب العلم وأسر إليه : إنّ المختار يعرفك محبا لآل محمد وهو يطالب بدم ابنه الحسين ، ويقول لك : إذا دنوت من عسكر المختار ، فنكس العلم ساعة ، فإن أنت فعلت جزيت من الله ورسوله ، وجعلت لك ولاية البصرة ، فاستأمن الرجل وأكرمه ابن زياد لمعرفته به ، فدنا من صاحب العلم وأسرّ إليه ما أراده المختار ، فقال له : ارجع إليه ، وقل له : إني فاعل ذلك ، فاحمل أنت على القلب ، فلما التحم القتال وحمل إبراهيم في الميمنة ؛ ومحمد بن الأشعث في الميسرة ؛ وحمل هو في القلب ، واستحرّ الضرب ، نكس صاحب العلم علمه فانكسرت النفوس وارتعدت الفرائص ، فولوا مدبرين وأسرّ إبراهيم ابن الأشتر عبيد الله بن زياد ، وجاء به إلى المختار ، فلما اوقف ابن زياد بين يدي المختار خرّ ساجدا شكرا لله تعالى ، ثمّ جلس فضرب بسيفه جبين ابن زياد كما رماه ابن زياد بعمود من حديد فشج جبينه ، ثمّ قطع يديه ورجليه ، ثم رأسه ، ثم صلبه ، ثم أحرقه بالنار.

والصحيح من استيلاء المختار على الكوفة وقتل ابن زياد ما ذكرناه أولا أنه استولى كما تقدّم ، وقتل إبراهيم ابن زياد بالموصل ، لأنّ أصحاب التواريخ والنسّابين قد اتفقوا على أنه لم يكن لبني اميّة ولاية بالعراق من سنة أربع وستين ، وهي السنة التي مات فيها يزيد وهرب ابن زياد من العراق إلى الشام ، إلى سنة اثنين وسبعين وهي السنة التي دخل عبد الملك بن مروان فيها العراق ، وقتل مصعب بن الزبير وولى فيها الحجاج بعد قتله عبد الله بن الزبير.

وكان خروج المختار ومقتل ابن زياد سنة ست وستين ، وكان ابن زياد في هذه السنة في الشام هاربا من العراق ، فكيف يكون أميرا على البصرة؟ والبصرة كانت ولايتها من السنة التي مات فيها يزيد وهي سنة أربع وستين


في يد عبد الله بن الزبير إلى سنة اثنتين وسبعين ، فالصحيح من سياق قصة المختار ما ذكرناه أولا.

ولما قتل إبراهيم بن الأشتر عبيد الله بن زياد ، واستولى على أرض الجزيرة ، أقام هناك وأعرض عن المختار ، فكان المختار يكاتبه فلا يجيبه ، فلمّا نظر مصعب بن الزبير إلى أنّ المختار قد بقي في شرذمة قليلة من أهل الكوفة ، وأنّ إبراهيم بن الأشتر معرض عنه لا يجيب كلامه ولا يسمع له ، اغتنم الفرصة في ذلك ، وكتب إلى المهلب بن أبي صفرة ، وكان يحارب الأزارقة بأمره ، فاستدعاه واعطى الكتاب إلى محمد بن الأشعث فقال : سر إليه فليس له أحد سواك ، فإنه إذا نظر إليك رسولا علم أنّ الأمر جدّ فلا يتخلف ، وانظر أن لا تفارقه أو تشخصه معك ، فأخذ محمد بن الأشعث الكتاب وسار إلى المهلب ، وهو يومئذ بسابور من أرض فارس يحارب الأزارقة ، فلما قرأ الكتاب قال : يا سبحان الله! أما وجد الأمير بريدا سواك؟ فقال ابن الأشعث : والله ، ما أنا ببريد لأحد غير أنّ نساءنا وأبناءنا وعقرنا ومنازلنا في يد المختار ، قد غلبنا عليها وأجلانا عن بلدنا ، ونحن نرجو أن تعود إلينا بعونك.

فدعا المهلب بأصحابه وقال : إن الأزارقة لا يريدون إلّا ما في أيديهم ، والمختار يريد ما في أيديكم ، فذاك أولى بالدفع والنفع ، وولى عليهم ابنه المغيرة وسار في ألف رجل من فرسانه حتى قدم البصرة فقربه مصعب وأجلسه معه على سريره ، ثم أمره بالتأهب لمحاربة المختار ، ثم أمر مصعب أصحابه أن يعسكروا عند الجسر الأعظم ، وخرج مصعب وخرج الناس معه من البصرة ، وجعل على كل قبيلة رئيسا يقتدون برأيه ، فجعل على قريش عمرو بن عبيد الله التيمي وعلى تميم كلها الأحنف بن قيس ، وعلى أهل


العالية قيس بن الهيثم السلمي ، وعلى بكر بن وائل مسمع الجحدري ، وعلى عبد قيس مالك بن المنذر العبدي ، وعلى كندة محمد بن الأشعث ، وعلى مذحج عبيد الله بن الحر الجعفي ، وعلى قبائل الأزد المهلب بن أبي صفرة.

فبلغ ذلك المختار فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا أهل الكوفة! فإن أهل مصركم بغوا عليكم ، كما قتلوا ابن بنت نبيكم ، قد كانوا لجئوا إلى أمثالهم من الفاسقين الملحدين فاستعانوا بهم عليكم ، لما علموا أن ابن الأشتر قد خذلني ، وقعد عن نصرتي ، وقد بلغني أنهم خرجوا من البصرة يريدون قتلي ، ليضمحل الحق وينتعش الباطل ، ويقتلوا أولياء الله ، ألا فانهدوا مع الأحمر بن شميط البجلي فإني أرجو أن يهلكهم الله تعالى على أيديكم ، فأجابه الناس من كل جانب : سمعنا وأطعنا! فخرج بهم الأحمر حتى عسكر بموضع يقال له : حمام أعين ، ثم رحل حتى نزل المذار في قريب من ثلاثة آلاف فارس.

وأقبل مصعب حتى نزل قريبا منه في سبعة آلاف فارس وراجل ، ودنا القوم بعضهم من بعض ، وتقدم عباد بن الحصين الحبطي فنادى : يا شيعة المختار! أنا أدعوكم إلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ، فقال له عبد الله ابن كامل الهمداني : ونحن ندعوكم إلى بيعة المختار وأن نجعل هذا الأمر شورى بين آل الرسول ، فمن زعم أنه أحقّ بهذا منهم برئنا منه في الدنيا وهو في الآخرة لمن الخاسرين ، وجاهدناه حق الجهاد عن الدين ، فلما سمع مصعب ذلك غضب ، وقال : احملوا عليهم ؛ فحمل عباد بن الحصين على أصحاب المختار فلم يزل أحد من موقعه ، ثم حمل ابن الأشعث فلم يزل أحد من موقعه ، فصاح ابن الأشعث : يا أهل العراق! إلى متى ، وحتى متى نحن


أذلاء مشردون عن بلادنا ، مطرّدون عن أهلنا وأولادنا ، فكرّوا عليهم كرة صادقة ، فكرّوا عليهم فقتل الأمير الأحمر بن شميط وانهزم أصحابه إلى الكوفة.

فنزل بالمختار أمر عظيم من مقتل أصحابه ، فكتب إلى إبراهيم بن الأشتر أيضا فلم يجبه ، وأقبل مصعب حتى نزل بواسط ثم أمر أصحابه الرجّالة فقعدوا بالسفن ، وساروا في نهر يخرجهم إلى الفرات ، وبلغ ذلك المختار فأمر بكل نهر يحمل من الفرات فسدّه ، فبقي أصحاب مصعب في الطين ، فخرجوا من السفن وساروا على الظهر حتى نزلوا حروراء ، وخرج المختار من الكوفة حتى نزل بإزائهم ، وقال : يا له من يوم لو حضرني فيه ابن الأشتر ، وو الله ، ما من الموت بدّ ، ثم اختلط الفريقان بالحرب ، فأرسل مصعب إلى المهلب : ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك ، فالتفت المهلب إلى أصحابه ، وقال : يظن الأمير أنا نلعب ولا يعلم بأني ما قاتلت قتالا أشدّ من هذا ، ثم حملوا على أصحاب المختار فكشفوهم ، فصاح المختار : أين أصحاب الصبر واليقين؟ فثاب إليه زهاء خمسمائة رجل ما فيهم رجل إلّا وهو يعد برجال ، فجعلوا يقاتلون قتالا لم تسمع الناس بمثله ، فالتفت رجل من أصحاب المختار يقال له : عبد الله بن عمرو النهدي ، فقال : ويحكم! أروني الموضع الذي فيه محمد بن الأشعث فإنه والله ممن قاتل الحسين وشرك في دمه ، وقال له : أي قرابة بينك وبين رسول الله.

فقالوا له : هو في الكتيبة الحمراء على فرس له أدهم فقال : بلى والله ، قد رأيته فذروني وإياه ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، وقال : اللهم! إني على ما كنت عليه بصفين ، اللهم! وإني أبرأ ممن قتل آل بيت نبيك محمد أو قاتلهم أو شرك في دمائهم ، وحمل حتى خالط أصحاب مصعب فجعل يضرب


ويقتل فيهم وهو مع ذلك يلاحظ الموضع الذي فيه محمد بن الأشعث حتى إذا أمكنته الفرصة حمل عليه فضربه ضربة على راسه فجدله قتيلا ، فأحاط أصحاب مصعب بعبد الله بن عمرو هذا فقتلوه.

وكان المختار قد قتل بالكوفة خلقا كثيرا من أهل الكوفة حتى قيل : إنه قتل سبعين ألفا ممن قتل أو قاتل الحسينعليه‌السلام فتركه أصحابه لما في نفوسهم من الذحل على أقربائهم ، وتحولوا إلى مصعب ، فلما رأى المختار ذلك نزل عن فرسه ، ونزل معه شيعة آل الرسول الخلّص ، فبركوا على أفواه السكك ، فلم يزالوا يقاتلون من المغرب الى الصبح ، ثم قال له بعض أصحابه : أما أخبرتنا أنا نقتل مصعبا ، فقال : بلى ، أما قال اللهعزوجل :( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) الرعد / ١٣.

ولما أصبح دخل قصر الامارة وكان قد أخطأ رجل من أهل الكوفة فضرب عبيد الله بن عليعليه‌السلام وكان في عسكر مصعب فقتله ولم يعرفه ، وأقبل مصعب نحو الكوفة ، حتى دخلها في جيشه ، والمهلب عن يساره ، فقال له : يا أبا سعيد! يا له من فتح ما أهناه لو لا قتل محمد بن الأشعث ، وجاءت الخيل حتى أحدقوا بالقصر فحاصروا المختار وأصحابه حصارا شديدا حتى بلغ منهم العطش مبلغا عظيما ، وكانوا بذلوا في الرواية من الماء الدينارين والثلاثة ، وكانت النساء يأتين فيدخلن القصر بالطعام والشراب إلى أقربائهن ، فبلغ ذلك مصعبا فمنع النساء ثم قطع عنهم الماء ، فكانوا يمزجون ماء البئر بالعسل فيشربونه من العطش ، وكان أصحاب مصعب ينادون المختار : يا ابن دومة! كيف ترى ما أنت فيه من الحصار؟ هذا جزاء من خالف أمير المؤمنين عبد الله وطلب الأمر لغيره.

فأشرف عليهم المختار ثم قال : يا جند المرأة ، وأتباع البهيمة! أتعيروني


بدومة وهي من بنات سادات ثقيف؟ نعم ، أنا ابن دومة ، حسناء الحومة ، لا يسمع فيها لومة ، أما والله ، لو كان من يعيرني بدومة من إحدى القريتين لما عدا ، ولكن إن كنتم رجالا كما تزعمون ، فاثبتوا لي قليلا فو الله لاقاتلنكم قتال مستقتل قد آيس من الحياة. ثم صبّ عليه درعه وسلاحه واستوى على فرسه وتمثل بقول غيلان بن سلمة الثقفي :

ولو يراني أبو غيلان إذ حسرت

عني الهموم بأمر ماله طبق

لقال رعبا ورهبا يجمعان معا

غنم الحياة وهول النفس والشفق

والموت أحمد شيء للكريم إذا

طغى له الدهر والآجال تحترق

ثم أمر بباب القصر ففتح وخرج في نحو مائتي رجل ممن يقي بهم فكرّ على أصحاب مصعب حتى هزمهم وركب بعضهم بعضا ، فنظر إليه رجل من أهل البصرة وهو يحيى بن ضمضم الضبي ـ وكان فارسا طويلا إذا ركب خطت رجلاه الأرض من طوله ، ولم يكن في عسكر مصعب أفرس منه ـ ، فحمل على المختار ليضربه فاستقبله المختار وضربه على جبينه فخرّ صريعا وحملت الكتائب على المختار من كل جانب ، فجعل يحاربهم ويرجع إلى ورائه حتى دخل القصر فأحاطت الخيل بالقصر ، وحاصروه أشدّ الحصار ، فتمثل السائب بن مالك الأشعري بقول عبد الله بن حذاق :

هل للفتى من بنات الدّهر من واق

أم هل له من حمام الموت من راق

كأنني قد رماني الدهر عن عرض

بنافذات بلا ريش وأفواق

وغمضوني ولم يألوا بنعيهم

وقال قائلهم أودى ابن حذاق

وقد دعوا لي أقواما وقد غسلوا

بالماء والسدر جثماني وأعلاقي

ورجلوني وما رجلت من شعث

وألبسوني ثيابا غير أخلاق

ورفعني وقالوا أيما رجل

حامي الحقيقة قد وافى بميثاق


وأرسلوا فتية من خيرهم نسبا

ليدخلوني ضريحا بين أطباق

هون عليك ولا تولع باشفاق

فإنما مالنا للوارث الباقي

فسمع المختار هذه الأبيات من السائب ، فقال له : لله در عبد الله بن حذاق ، ما أجود هذه الأبيات! أما والله ، لو لا ما نحن فيه ، لأحببت أن أحفظها ، والله ، يا سائب! لو كان لي عشرة من مثلك لقهرت مصعبا وأصحابه.

ثم قال لأصحابه : اخرجوا بنا ويحكم حتى نقاتل هؤلاء فنقتل كراما ، وو الله ، ما أنا بآيس إن صدقتموهم القتال ، أن تنصروا عليهم. فأجابه أصحابه إلى ذلك ، وقالوا : ما الرأي إلّا ما رأيت ، وليس يجب علينا أن نعطي بأيدينا ، ويحكم هؤلاء في دمائنا ، فاعزم على ما أنت عليه عازم من أمرك ، فها نحن بين يديك.

فبعث المختار إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزارية ، فأرسلت إليه بطيب كثير وحنوط ، فقام واغتسل ، ثم أفرغ عليه ثيابه وتحنط ، ووضع ذلك الطيب في رأسه ولحيته ، وقام أصحابه ففعلوا ذلك ، وقال له بعض أصحابه : يا أبا إسحاق! ما من الموت بدّ؟ فقال : لا والله ، يا ابن أخي! ما من الموت بد ، وقد رأيت والله عبد الله بن الزبير بالحجاز وبني أميّة بالشام ومصعبا بالعراق ، ولم أكن بدون واحد منهم ، وإنما خرجت بطلب دماء أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وقد والله ، شفيت نفسي من أعدائهم ، وممن شرك في دمائهم ، ولست ابالي بعد هذا كيف أتاني الموت. ثم استوى على جواده وقال :

لما رأيت الأمر قد تعسّرا

وشرطة الله قياما حسرا

شددت في الحرب عليّ مغفرا

وصارما مهندا مذكرا


معتقدا أني سألقى القدرا

أن يقتلوني ويروني المنكرا

فقد قتلت قبل هذا عمرا

ونجله حفص الذي تنمرا

وابن زياد إذ أقام العثيرا

والأبرص القيسي لما أدبرا

وقد قتلت قبل هذا المنذرا

من كل حيّ قد قضيت وطرا

١٢ ـ وذكر السيد أبو طالب ، بإسنادي إليه ، عن محمد بن زيد الحسني ، عن الناصر للحق الحسن بن علي ، عن محمد بن خلف ، عن عمر ابن عبد الغفار ، عن أبي نصر البزاز مولى صعصعة بن صوحان العبدي ، عن أبيه ، قال : رأيت المختار خرج من القصر ، والسيف في يمينه وفي يساره الترس ، وهو يهدر كما يهدر البعير ، ويقول :

إن تقتلوني تقتلوا مشمرا

رحب الذراعين شديدا حذرا

محمدا قتلته وعمرا

والأبرص القيس لما أدبرا

أخا لجيم إذ طغى واستكبرا

من كل حيّ قد قضيت وطرا

قال : فو الله العظيم ، ما ارتفع له شيء إلا ضربه فجدله ، حتى جاءه عبد الكبير بن شبث بن ربعي ، فضرب يده فانقطع فاعتوروه بالرماح حتى قتلوه.

وزاد السيد أبو طالب في روايته أجزاء من كتابه على هذه الأبيات وأسندها إلى المختار ، وهي :

لما رأيت الأمر قد تغيّرا

شددت في الحرب عليّ مغفرا

وصارما محددا مذكرا

وشرطة الله قياما حسرا

يسعون حولي جاهدين صبرا

أن يقتلوني يجدوني حذرا

محمدا قتلته وعمرا

وابن سعيد وقتلت المنذرا

والأبرص القيس لما أدبرا

من كل حيّ قد قضيت وطرا


قال السيد أبو طالب : يعني بقوله محمدا ـ محمد بن الأشعث ـ ، وعمرا ـ عمر بن سعد بن أبي وقاص ـ ، وابن سعيد ـ عبد الرحمن بن سعيد ابن قيس الهمداني ـ ، والمنذر ـ المنذر بن حسان الضبي ـ ، والأبرص القيس ـ شمر بن ذي الجوشن الضبابي ـ.

ثم جاء مصعب بعد قتله فاحاط بالقصر على أهله ، وأمر برأس المختار فجزّ ، وبيديه فقطعتا وعلقتا على عضادتي باب الجامع ، فكانتا عليها إلى أن جاء الحجاج وقتل مصعبا ، فأمر بهما فانزلتا.

ثم أمر مصعب برأس المختار فنصب في رحبة الحذائين ، ونادى أصحاب القصر : افتحوا الباب ولكم الأمان ، ففتحوا فأخذوهم وأوقفوهم بين يدي مصعب ، فنظرهم وقال : الحمد لله الذي أمكنني منكم يا شيعة الدجّال! فقال رجل منهم وهو بحير بن عبد الله السلمي : لا والله ، ما نحن بشيعة الدجال ، ولكنا شيعة آل رسول الله ، وما خرجنا بأسيافنا إلا طلبا بدمائهم ، وقد ابتلانا الله بالأسر وابتلاك أيها الأمير بالعفو والعقاب ، وهما منزلتان : منزلة رضى ومنزلة سخط ، فمن عفا عفي عنه ، ومن عاقب فلا يعدو القصاص ، وبعد ، فإنا إخوتكم في دينكم ، ونحن من أهل قبلتكم وعلى ملتكم ، ولسنا من الترك ولا الدّيلم ، وقد كنا أمنا ما كان من أهل الشام فما لأهل العراق ، فاصفح إذا قدرت ، فكأنّ مصعبا رقّ لكلامه ، فوثب جماعة من عتاة الكوفة وقالوا : أيها الأمير! إنّ هؤلاء هم الذين قتلوا آباءنا وأبناءنا وإخواننا ، وفي إطلاقك إياهم فساد عليك في سلطانك وعلينا في أحسابنا.

فقال مصعب : فشأنكم إذن بهم ، فانحوا عليهم بالسيوف ، فقتلوهم جميعا ، ثم دخل مصعب القصر وجلس على سرير المختار ، وأرسل إلى


امرأتي المختار : أم ثابت بنت سمرة بن جندب الفزارية ، وعمرة بنت النعمان ابن بشير الأنصارية ، فقال لهما مصعب : ما تقولان في المختار؟ فقالت الفزارية : أقول فيه كما تقولون ، فقال مصعب : اذهبي فلا سبيل لي عليك ، وقالت الأنصارية : ولكني أقول كان عبدا مؤمنا محبا لله ولرسوله ولأهل بيت رسوله ، فإن كنتم قتلتموه فإنكم لم تبقوا بعده إلّا قليلا ، فغضب مصعب وأمر بها فقتلت ، فقال بعض الشعراء في ذلك :

إنّ من أعجب العجائب عندي

قتل بيضاء حرّة عطبول

قتلت هكذا على غير جرم

إنّ لله درها من قتيل

كتب القتل والقتال علينا

وعلى المحصنات جرّ الذيول

ثم بعث مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير ، فأمر عبد الله برأس المختار فنصب بالأبطح ، وكان قبل ذلك أبى أن ينصب محمد بن الحنفية رأس ابن زياد خارج الحرم ، ثم أرسل عبد الله بن الزبير إلى ابن عباس فقال له : يا ابن عباس! إنّ الله قد قتل المختار الكذاب ، فقال ابن عباس : رحم الله المختار! فقال : كأنّك لا تحب أن يقال : الكذاب؟

قال : فإن المختار كان محبا لنا عارفا بحقنا ، وإنما خرج بسيفه طالبا لدمائنا ، وليس جزاؤه منا أن نشتمه ونسميه كذابا.

ثم كتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر :

أما بعد فقد قتل الله المختار الكذاب وشيعته الذين دانوا بالكفر ، وكادوا بالسحر ، فأقبل إلينا آمنا مطمئنا ، ولك أرض الجزيرة وما غلبت عليه بسيفك من أرض العرب ، ما بقيت وبقي سلطان ابن الزبير ، ولك بذلك عهد الله وميثاقه.

وكتب أيضا عبد الملك بن مروان من الشام إلى إبراهيم مثل ذلك


ومناه ، فكتب إبراهيم إلى عبد الملك بن مروان : إنه ما من قبيلة بالشام إلّا وقد وترتها يوم ابن زياد ، فلا آمنهم وإنما قبيلتي بالعراق ، وبعض الشرّ أهون من بعض ، وصار إلى مصعب فخلع عليه مصعب ، وأجلسه معه على سريره.

وكتب إلى أخيه عبد الله بذلك ، فسرّ بمقدم إبراهيم ، ثم إن مصعبا أعاد المهلّب إلى حرب الأزارقة ، وبقى عبد الله بن الزبير يجدّ في مناوأة محمد بن الحنفية وابن عباس وبقية أهل البيت ، حتى حبسهما إذ لم يجيباه إلى البيعة ، وكان قبل ذلك حبس محمد بن الحنفية في قبّة الشراب ، فعلم المختار بذلك فأرسل إليه أبا عبد الله الجدلي في جيش عظيم فخلّصه ، وتوعد ابن الزبير أن أخافه ، فأمسك ابن الزبير الى أن قتل المختار ، فعاد إلى ما كان عليه من العداوة ، حتى قال يوما لابن عباس : إنه قد قتل المختار الكذاب الذي كنتم تمدون أعينكم إلى نصرته ، فقال ابن عباس : دع عنك المختار فإنه قد بقيت لك عقبة تأتيك من الشام ، فإذا قطعتها فأنت أنت ، وإلا فأنت أهون من كلب في درب المسجد.

فغضب وقال : إني لم أعجب منك ، ولكن أعجب مني إذ أدعك تتكلم بين يدي بملء فمك ، فتبسم ابن عباس ، وقال : تكلّمت والله ، بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعند أبي بكر غلاما ، وعند عمر وعثمان وعليّ رجلا ، وكانوا يرونني أحقّ من نطق ، يسمعون رأيي ، ويقبلون مشورتي ، وهؤلاء الذين ذكرتهم بعد رسول الله خير منك ومن أبيك ، فازداد غضبه ، وقال له : لقد علمت أنك ما زلت لي ولأهل بيتي مبغضا ، ولا زلت لكم يا بني هاشم! منذ نشأت مبغضا ، ولقد كتمت بغضكم أربعين سنة ، فقال ابن عباس له : فازدد في بغضنا ، فو الله ، ما نبالي أحببتنا أم أبغضتنا؟


فقال ابن الزبير : اخرج عني فلا أراك بعد هذا تقربني ، فقال ابن عباس : أنا زاهد فيك من أن تراني عندك ، ثمّ عاد ابن الزبير فقال : ذر عنك هذا وارجع الى ابن عمك ـ يعني محمّد بن عليعليه‌السلام ـ وقل له : فليخرج من جواري ولا يتربص ، فإني لا أظنه سالما مني أو يصيبه ظفر ، فقال ابن عباس : مهلا ، يا ابن الزبير! فإن مع اليوم غدا ، فقال ابن الزبير : صدقت مع اليوم غد ، وليس يجب عليك أن تكلمني في رجل ضعيف سخيف ليس له قدم ولا أثر محمود ، قال : فتنمر ابن عباس غضبا وقال : ليس على هذا صبر يا ابن الزبير! والله ، إن أباه لخير من أبيك ، وأنّ اسرته لخير من اسرتك ، وانه في نفسه لخير منك ، وبعد فرماه الله بك إن كان شرا منك في الدنيا والدين.

ثم نهض مغضبا وخرج وهو يقول : لأنملة من محمد بن الحنفية أحبّ إلي من ابن الزبير وآل الزبير ، وأنه والله ، لأوفر منهم عقلا ، وأفضل دينا وأصدق حياء ، وأشد ورعا ، ثم خرج ابن الزبير في عدّة أصحابه ، وقام في الناس خطيبا فقال : أيها الناس! إنّ فيكم رجلا أعمى الله بصره يزري على عائشة أم المؤمنين ، ويعيب طلحة والزبير حواري رسول الله يريد بذلك ابن عباس ، وكان ابن عباس حاضرا في المسجد ، فلما سمعه وثب قائما وقال : يا ابن الزبير! أما ما ذكرت من أم المؤمنين عائشة فإنّ أوّل من هتك حجابها أنت وأبوك وخالك طلحة ، وقد أمرها الله أن تقرّ في بيتها فلم تفعل فتجاوز الله عنها ورحمها ، وأما أنت وأبوك وخالك فقد لقيناكم يوم الجمل ، فإن كنا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم المؤمنين ، وإن كنا كفارا فقد كفرتم بفراركم من الزحف.

فقال ابن الزبير : اخرج عني ولا تجاورني! فقال ابن عباس : نعم


والله ، لأخرجن خروج من يفلاك ويذمك ، ثم قال ابن عبّاس : اللهم! إنك قادر على خلقك ، قائم على كلّ نفس بما كسبت ، اللهم! إنّ هذا الرجل قد أبدى لنا العداوة والبغضاء ، اللهم! فأرمه منك بحاصب ، وسلّط عليه من لا يرحمه ، ثمّ خرج ابن عباس ومحمد بن الحنفية وأصحابهما من مكة إلى الطائف.

وكان ابن عباس يقول : أيها الناس! لو فسح لي عن بصري لكان لي ولابن الزبير ولبني أميّة شأن ، ألا وإنّ اللهعزوجل قد حرم هذا الحرم منذ خلق السماوات والأرض ، وهؤلاء القوم قد أحلّوه ، ولكن انظروا متى يقصمهم الله ، ويغير ما بهم. فقيل : أتعني ابن الزبير أم الحصين بن نمير السكوني؟ فقال : بل أعنيهما وأعني يزيد بن معاوية ، فلم يزل بالطائف يذكر أفعال ابن الزبير إلى أن أدركته الوفاة ، فصلّى عليه محمّد بن عليعليه‌السلام ودفنه بالطائف بوادي وج منها.

١٣ ـ وذكر القتيبي : أنّ وفاته سنة ثمان وستين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، وضرب محمد على قبره فسطاطا ، وقال : مات والله ، رباني هذه الامة ، وبقي بعده محمد في الطائف لا يرى ابن الزبير ولا يذكره.

وقال أصحابه : أنه دخل شعب رضوى مع أربعين من أصحابه ، فلم ير لهم أثر ولا سمع عنهم خبر ، وقيل : لما قتل ابن الزبير واستقر الأمر لعبد الملك بن مروان وولى الحجاج العراق ، بايع محمد بن الحنفية عبد الملك على أن لا تكون للحجاج عليه ولاية ، فأجابه عبد الملك وأحسن إليه والتمسه أن يزوره في كل سنة مرة ، فأجابه محمّد ، وكان يجيزه في كلّ سنة بمائتي ألف درهم ، ثمّ نزل محمّد المدينة حتى مات.

وذكر القتيبي : أنّ محمدا توفي أيضا بالطائف سنة اثنتين وثمانين وهو


ابن خمس وستين سنة ، ولنذكر لتمام المطلب هنا :

مقتل مصعب ، وعبد الله ابني الزبير

كان عبد الملك بن مروان يهمه أمر العراق ، فأجمع رأيه أن يدخلها بنفسه ، وتهيأ للمسير إليها ، ولبس سلاحه ، ودعا بكرسي فجلس عليه ، فأتته امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية ومعها جواريها حتى وقفت بين يديه ، فقالت : أنشدك الله ، يا أمير المؤمنين! إن غزوت آل الزبير في هذه السنة ، فقد علمت أنهم أشأم بيت في قريش.

فقال لها : ويحك قد أزمعت على السير ، ولا بدّ لي من ذلك ، فإما أن يبيدني آل الزبير أو ابيدهم. فبكت عاتكة فتبسم عبد الملك ، وقال : قاتل الله كثيرا كأنّه نظر إلينا فقال:

إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه

حصان عليها نظم در يزينها

نهته فلمّا لم تر النهي عاقه

بكت فبكى مما عناها قطينها

ثم دعا أخاه أبان بن مروان فاستخلفه على الشام ، وخرج إلى العراق ومعه ثلاثة وستون ألفا من أهل الشام ومصر ، فبلغ ذلك مصعب ابن الزبير ، فخرج من الكوفة وعسكر على عشرة فراسخ منها ، واغتمّ غما شديدا ، فدعا بعبد الله بن أبي فروة مولى عثمان بن عفان ، فاستشاره في المحاربة ، فأشار عليه أن يستخلف على عمله ويلحق بأخيه عبد الله بمكة ، وقال : إنّ الناس يخذلونك ، فاقل له : إني أكره أن تتحدّث العرب : بأني كعت عنه(١) ، ولكن هل لك أن تسير معي؟

__________________

(١) كاع : رجع خائفا.


قال : لا ، والله لا يتهيأ لي ذلك ، فلا تجشمني من الأمر ما لا اطيقه.

فسار مصعب حتى التقى بعبد الملك بدير الجاثليق ، فعبأ عبد الملك أصحابه ، فجعل على ميمنته عبد الله بن يزيد بن معاوية ، وعلى ميسرته خالد بن يزيد بن معاوية ، وعلى القلب أخاه محمد بن مروان ، وعبأ مصعب أصحابه ، فجعل على ميمنته حمزة بن يزيد العتكي ، وعلى ميسرته عبد الله بن أوس الجعفي ، وعلى القلب إبراهيم بن مالك الأشتر ، فحارب يومئذ إبراهيم محاربة شديدة حتى أصابته نيف وثلاثون ضربة وطعنة ، فصرعوه عن فرسه ، واحتزوا رأسه ، وأتوا به إلى عبد الملك ، فلما قتل إبراهيم تضعضع ركن مصعب ، فالتفت إلى قطن بن عبد الله ، فقال : تقدم ، فقال قطن : ما أرى ذلك صوابا ، قال : لم؟ قال : لأنّ القوم كثير ، ثم قال مصعب لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني ـ : لو قدّمت رايتك قيلا ، فقال : ما رأيت أحدا فعل ذلك فأفعل ، فرمي مصعب عند ذلك بالسهام ، حتى اثخن بالجراحات ، وكاد أن يسقط عن فرسه ، فتقدم عيسى بن مصعب ، فقاتل بين يدي أبيه حتى قتل ، وبقي مصعب لا يقدر أن يحرك يدا ولا رجلا.

فقال محمد بن مروان : لا تقتل نفسك يا مصعب! فقد آمنتك بأمان أمير المؤمنين ، فقال : إنّ أمير المؤمنين بالحجاز ، فحمل عليه عبد الله بن ظبيان التيمي ، فقتله وأخذ رأسه ، ووضعه بين يدي عبد الملك ، ثم أمر عبد الملك أن يؤخذ رأس مصعب ؛ ورأس ابنه عيسى ؛ ورأس إبراهيم بن الأشتر ، فيطاف بها في أجناد الشام ، ثم قدم الكوفة في أجناد أهل الشام ، ونادى في الناس بالأمان ، ثم دعاهم إلى بيعته فبايعوا طائعين.

ثمّ إنّ الحجاج بن يوسف رأى في منامه أنه كان يسلخ عبد الله بن


الزبير حتى أخرجه من جلده ، فأخبر بذلك عبد الملك ، فأمره أن يسير إلى مكة وضمّ إليه ستة آلاف فارس : ألفين من أهل الشام ؛ وألفين من مصر ، وألفين من العراق ، وقال : انظر يا حجاج! أن لا تطأ الحرم بالخيل والجنود ، ولكن انزل حيث شئت من أرض الحجاز ، وامنع ابن الزبير الميرة ، وخذ عليه الطرق.

فوثب إبراهيم بن الأسود النخعي ، فقال : يا أمير المؤمنين! قد بعثت هذا الغلام الثقفي إلى مكة فمره أن لا يهتك أستارها ، ولا ينفر أطيارها ، وأن يأخذ على ابن الزبير شعابها وجبالها ، حتى يموت فيها جوعا وعطشا ، أو يخرج عنها مخلوعا. فقال عبد الملك : قد أوصيناه بذلك ، ولن يجاوز أمرنا إن شاء الله تعالى.

فسار الحجاج ونزل على بئر ميمون وقطع الميرة على ابن الزبير ، وطال ذلك ، فلم يطع ابن الزبير ، فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك ، فكتب إليه : أن اعطه الأمان ، فإن لم يخرج فجدّ في حربه ، فدعاه الحجاج إلى الأمان فلم يقبل ، فحاربه حتى التجأ إلى المسجد ، فدخلوا عليه المسجد فقاتلهم حتى قتل وقتل أصحابه ، فأمر الحجاج بعبد الله بن الزبير فصلب منكسا ، وكان مقتله سنة ثلاث وسبعين وهو ابن ثلاث وسبعين أيضا.

ولما قتل وقف عليه عبد الله بن عمر فبكى واستغفر له ، وقال : أما والله ، يا ابن الزبير! لئن علتك رجلاك اليوم فطالما قمت عليها في ظلمة الليل بين يدي ربك ، وإني لأسمع قوما يزعمون : أنك شرّ هذه الامة ، فلقد أفلحت امة أنت شرّها.

وجاءت إليه أمه أسماء في اليوم الثالث ، وهي مكفوفة ، فقالت : اللهم! إني راضية عنه فارض عنه ، ثم جاءت إلى الحجاج ، فقالت له : أما


آن لهذا الفارس أن ينزل؟ فقال : أما روحه فصارت إلى جهنم ، وأما جثمانه ففي طريق البلاغ ، فقالت : كذبت ، يا حجاج! فأمر بجثة ابنها فحطت عن خشبتها ، فحملت إليها فغسلته وكفنته ودفنته ، ولم تلبث بعده حتى لحقت به.

وهرب عروة بن الزبير من الحجاج ، فصار إلى عبد الملك ، فآمنه وأكرمه ، فقال له الحجاج : إنّ أموال أخيه عنده ، فزجره عبد الملك ، وقال : لا سبيل لك عليه.

١٤ ـ وأخبرني صدر الحفاظ أبو العلا الحسن بن أحمد الهمداني ـ إجازة بها ـ ، أخبرني محمود بن إسماعيل الصيرفي ، أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرني أبو القاسم الطبراني ، حدثني محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدّثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري ، حدثني سعيد بن سويد ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : دخلت على عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين بن عليعليه‌السلام قدّامه على ترس ، فما لبثت إلّا قليلا حتى دخلت على المختار ، فرأيت رأس عبيد الله بن زياد قدّامه على ترس ، ثمّ ما لبثت إلّا قليلا حتى دخلت على مصعب بن الزبير فرأيت قدّامه رأس المختار على ترس ، ثمّ ما لبثت والله ، إلا قليلا حتى دخلت على عبد الملك بن مروان فرايت قدّامه رأس مصعب بن الزبير على ترس.

١٥ ـ وذكر الإمام أحمد بن أعثم الكوفي ؛ والإمام عبد الكريم بن حمدان هذا الحديث ، عن الشعبي قال : كنت جالسا بين يدي عبد الملك بن مروان فجيء له برأس مصعب ووضع بين يديه ، فقلت : ما أعجب هذا الاتفاق! فقال : ما ذلك؟ قلت : يا أمير المؤمنين! دخلت هذا القصر فرأيت عبيد الله في موضعك هذا ، ورأس الحسين بين يديه ، ثم دخلته والمختار فيه


ورأس عبيد الله بن زياد بين يديه ، وساق الحديث على هذا الترتيب ، فقام عبد الملك ، وقال : لله ، يا شعبي! في أمره تدبير.

وزاد عبد الكريم : قال الشعبي : ورأيت الحجاج بن يوسف قاعدا على كرسي من ذهب بين يدي عبد الملك فغلبني البكاء ، فقال لي عبد الملك : ما ذا يبكيك؟ فساق الحديث ، قال : فزبرني الحجاج ، وكاد أن يبطش بي ، فنهاه عبد الملك ، فخرجت سالما.

١٦ ـ وقال محمد بن إسحاق : إن محمد بن هانئ دخل عليه فلما رأى رأس مصعب ضحك ، فقال الحجاج : مم ضحكت يا ابن هانئ؟ قال : من عجب ، قال : فأخبرني به فقد شغلت قلبي ، فقال : رأيت في هذا المجلس ، وساق الحديث إلى آخره ، فتطيّر الحجاج من ذلك ، وانتقلوا إلى قصر آخر.

أقول : ولا ينافي ذلك بأن يكون محمد بن هانئ كان حاضرا ، وكان عبد الملك بن عمير حاضرا ، وكان الشعبي حاضرا ، أو يقول كل واحد هذا القول ، ويجاب بما اجيب أصحابه.

[انتهى والحمد لله ربّ العالمين]


الخاتمة


الخاتمة

بقلم الاستاذ فضيلة الشيخ

محمد كاظم آل شبير الخاقاني

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تنحدر قوافل البشر سيّالة فتقا بعد رتق من الرحمة المطلقة الفعلية وهي نفس الرحمن الى ساحة التعيّن في الاعيان ، خارجة من كتم العدم باذن موجدها الفياض ، تتجلى فيها الأنوار جمالا وجلالا على اختلاف مراتبها أداء لحق ربوبيته ، تتخطى الأيام في ساحة كونها تسوقها الأقدار قضاء لحكمته وبيانا لرحمته لترسم جريها في قوسي النزول والصعود طالبة في عروجها مدارج الأبد. وقد جئت في مسيرة الكون أحث السير مع السائرين بوجد وحنين اصطحب الأجيال لاصبح خيالا لا يتحدث عنه الركبان ووهما لا تحكي وحشة فراقه الوديان ، في ديار الحزن والأسى ، كأني لم أكن جزت مع الركب مخاوف الاحلام ، وخضت في جنبهم بحور الأوهام وطربت في كهفم لوتر الانغام ، وقد بت أخاطب النفس بعد ربيع انسها ومحافل جهلها قائلا : لم لا أذكر اليوم في حفل ولا مقام ، ولا في جبل أو سهل ولا


في برّ أو بحر؟ اسلمتني كوارث الحدثان لخلسة صمت مؤلمة وغربة ديار موحشة وقد كنت من قبل ذلك ابصرت نفسي وأنا على حافة الطريق أساير ركب السلام متعثر الخطى أكبو تارة ، وأجدّ السير تارة أخرى ، في يوم قدر عظيم أخذت فيه العهود وابرمت المواثيق وقيل (للمخفين جوزوا وللمثقلين حطّوا) شاهدت فيه أقواما كنت أظنهم من الأوتاد رأيتهم يهوون الى أسفل درك من الجحيم لا يصدّهم عن ذلك عرفانهم ولا يمنعهم منه سواد جباههم ، ولا يسترهم دونه حنك تيجانهم ، يتسابقون الى الهاوية في كل مكان وزمان ألا إنّهم خلفاء الشياطين باسم رب العالمين.

فقلت : يا لله وملء الحشا حسرة الفراق واشواق الحنين في ديار الغفلة بعد الألفة ، كيف أصبحت الأجيال فتقا بعد رتق ، وكثرة بعد وحدة وريبا بعد جزم وجهلا بعد علم ، وكفرا بعد ايمان وغواية بعد فطرة ثلّة منها اقرّت لأنوار الملكوت وقوامها الأعظم راح يركع لصنم الناسوت.

فوقفت احدّ النظر في قارعة الطريق متهما للبصر فيما يرى وللاذن فيما تعي ، وللعقل فيما يعقل ، وللفؤاد فيما يلمس من حقائق الأمور التي أضحت تجري مقلوبة على ألسن العارفين مسايرة لمرضاة الطغاة الجائرين وذلك لمسا لواقع أمر كاد أن يكون من أحاديث الغابرين لمتابعة السلف الخاطئين حيث يقول عزّ من قائل :( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران / ١٤٤.

أجل انه كان انقلابا على الأعقاب ، عم الحاضر والغائب على اختلاف مراتب الردة في ميادين الحكمة علما وعملا ، إلا بعض الأوتاد الذين أرادهم الله حجج حق على بريته يرثون النبيين والأوصياء الطاهرين الذين يقول في


حقهم إمام المتقين (بلى لا تخلوا الأرض من قائم لله بحجة اما ظاهرا مشهورا واما خائفا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا واين ذا اولئك والله الأقلون عددا والأعظمون عند الله قدرا يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظرائهم إلى قولهعليه‌السلام (اولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة الى دينه آه آه شوقا إلى رؤيتهم).

هؤلاء لا تعيّنهم الألقاب التي باتت تتطور بتطور الزمان لأنهم مظاهر القرآن وروح العرفان لا تؤنسهم العناوين ولا تخدعهم مدارج العلم لأن العلماء كثيرون فكم من عالم قتله جهله وعارف بقطب رحى الاسلام ينتقض عليه فتله في يوم ينفع الصادقين صدقهم ، أجل هكذا يكون نتاج الجهد إذ غربلت الأمم وان هوّن الخطب على النفس في ميادين الوهم والخيال ان كل واحد منا يظن واقع الأمر حكما يخص قوما آخرين. فكم بت أنظر الى مزالق أقدام كانت منارا للهدى وسبيلا للرشاد كيف أضحت ترسم حجب الغفلة بعد صحو من العيش ، كانت فيه النخبة التي انتخبت فكيف حارت بعد الايمان واسرّت بعد الاعلان ، ونكصت بعد الاقدام فملئت من مشهدهم رعبا ، كاد أن يلقى بي الى هوة حضيض ظلمات اليأس من كبوة عقبات الأوهام خوفا من انتقاض الجزم في ميادين العلم والعزم في ميادين العمل ، فقلت يا الله! كيف يأمن أمثالي خواتيم الأمور وها هم أسود الوغى صرعى في مخالب الذئبان ، فوقفت لدهشة المصاب أسلي النفس بهدير الآهات وأقوّي اللب بسيل العبرات ، لا أدري الى أي ركن وثيق أو خفض سحيق تأخذ بي مطارق الاقدار وتسلك بي مسالك الأسرار التي جف القلم عند أعتاب مدارجها وأقرّ اللب بالاستسلام عند بعض هضبات عروجها. أجل وقفت على مصارع أقوام كانوا للحق أنصارا (قد تحملوا الكد والتعب


وناطحوا الأمم وكافحوا البهم) انظر إليهم والحزن ملء جوانحي مجزّرين صرعى في وديان الظلمات كأنهم لم يشربوا من عذب فرات ماء رويا ولم يذوقوا من فيض أنوار عسلا نقيا.

بلى والله قد عاشوا في ظل مدرسة حق لا ريب فيها لم يشهد لها الكون من نظير ، أعواما تسطع عليهم أنوار الملكوت ، وتنشر في ربوعهم كنوز اللاهوت. فتركتهم في مواطن قتلهم أشلاء تمزقهم الذئبان يأتون يوم القيامة تحت راية إمامهم قائد المنقلبين على الأعقاب ، فرحت أتابع السير مع الأجيال ، وهم يتلوا بعضهم بعضا انظر الى الرايات كأنها السيل المنحدر تساق الى منازل كدحها ومحافل وجدها ، كل منها يظن وقفة الكون اجلالا لهيبته وتكريما لبريق رايته وأنا أنظر الى تهافت المضطهدين تحت أقدام الجائرين أنينهم جرم وصراخهم كفر وارتداد ، واشاهد تكسّر أضلاع البؤساء والمحرومين كيف تهمل في سلة من النسيان وتكون وهما حتى في محافل الأديان الا عند عباد الله المخلصين ، فكم قد راح يسبح المترفون في بحر من دماء ودموع اليتامى والمساكين؟! حتى مرّ على هذا المشهد الرهيب أعوام بات الصمت يخرس حناجر البلغاء الصادقين وفخر التأريخ لأنه يكتب تحت ظلال سيوف الجبارين والماكرين ، وتسلّق في هذه الاعوام الذئبان الأعواد باسم سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخذ يتسابق الشعراء لمدح قادة المنافقين والعلماء يوجهون أفعال الشياطين ، والخطباء يخطبون طمعا لما في أيدي الولاة الظالمين.

وقد شاهدت في هذا المطاف أمرا عجبا كيف أصبح الطليق أميرا للمؤمنين والطريد وزيرا للخلفاء الراشدين والمتخلف عن نداء الحق مثالا للصديقين. فلما أمعنت النظر وجدت الخرق متسعا بأعين السالكين ،


لا تحدده الأزمان ولا تقيّد ملاعب خيله المذاهب والأديان ، فرجعت بعد رسم الوهم أملا زهيدا ، ألمس طرفا من الموازين الحاكمة بواقع أمرها آيسا من كل منطيق وعربيد ، أنظر مواقع النجوم لعلي اشاهد قمرا منيرا حجبته عن الابصار غيوم الأوهام ، فرأيت أن صبر الصابرين خير من أمل الآملين لبزوغ شمس الحقيقة قبل صباح المتقين لأنه قد يكون من تسويل النفس طمعا لرغيف الغاصبين.

وها أنا قد كنت قبل اليوم وقفت وقفة في مسالك السائرين أردد التجوال انظر مواقع الأمور وسير الليالي في مقاطع الدهور ، حينما تركت اخوان الصفا بعد التخبط في الظلمات صرعى ، حائرا لا أعرف للنجاة سبيلا حتى ظننت أنه قد انطفأت مصابيح الهدى واستسلمت دعائم الحق لمطارق الكفر والشقى ، إذ بي في هذه البرهة من الزمن العضوض اسمع صوتا يملأ الكون ضجيجا ، يهب فوق أركان الملكوت فتضطرب له الأجساد تحت ثرى الناسوت ، وتطير شوقا لهمس انغامه أصحاب اللب في مسالك اللاهوت وهو يصيح : (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) ، من بعد ما ودّع ديار الهجرة متوجها نحو بيت الله الحرام قاصدا بعد ذلك التحلل من مناسكه شوقا لاسلافه الكرام وسعيا لتحكيم موازين الحق والسلام لما اقيمت الحجة بوجود الناصر.

فاسرع كالطيف يتم الحجة على حشد المسلمين يحث السير نحو كعبة العاشقين وحرم سيد الوصيين وامام الموحدين ، وقائد الغر الميامين على أمير المؤمنينعليه‌السلام فبت أساير ركب السلام وهو يمرّ على صفحات الدهر ليرسم فيها خطى النبيين التي كادت أن تندرس على أيدي الولاة الظالمين باسم شريعة سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فرحت انظر الى كواكب الاسحار مشرقة تطل من


وراء الحجب على مرابع الظلمات يكاد سنا برقها أن يتوّج ظلمة العدم حلل الانوار ، بلى رحت أكدح مع الكادحين استلهم انغام الأزل واستنشق عبير الجنان يأخذ بي طرب الوصال الى منازل الوالهين وينقلني الشوق الى كعبة العارفين ويقلّبني الوجل عن مضاجع الجاهلين ، فقلت سبحان ربي ، كيف يغمض الطرف من يعانق أسرار الملكوت؟

أجل هب ركب السلام مسرعا يلبي نداء البائسين ، ويؤمن روع الخائفين ويبث نسيم الخلد فوق ديار الناسكين انه لمشهد عظيم ، وخطب جسيم ، انقدحت منه مشاعل العلم وتعاطفت عنده محامل السلم ، فبات يهز أركان الطاغين ويسكت هدير الظالمين فقلت في أيام فرحتي وسروري وطربي قولا يشبه مقالة الشعراء لا وقف مطيتي لحظة تتاح لي فيها القوى لمتابعة السير :

دعيني ايا سلمى او اللوم فاقصدي

فاني في درب الهوى غير معتد

دعيني ايا سلمى الغرام وغرّدي

بربع فتى احلامه طيف معضد

فكم قد روينا من أحاديث للهوى

ليال بوجد الواله المتوقد

وصغنا أنا شيد الغرام صبابة

بدمع كضوء اللؤلؤ المتفرّد

فقلت لها صرم الفؤاد عن المها

أيا سلم من بعد الرشاد المسدّد

ولا راح يلهيني بانغامه الهوى

اذا ما استدير الكأس من ناعم اليد

طربت ولم أطرب لخد مورّد

ولا هاجني طيف لحسناء أغيد

طربت لذكراي البشير ولم أكن

لا طرب الا من مناقب امجد

احن الى ربع به آل احمد

وابعد عن قصر العذول المشيّد

فبت يناغيني الفؤاد بحبهم

ويرسم لي من حبهم كل سؤدد

يهيمون طلابا الى المجد والعلي

ويبكون اشواق الفراق المبدد

رأيت بني الزهراء للمجد قادة

هداة مع الكرار في كل مشهد

رأيت بني الزهراء والفخر أحمد

هداة لمن قد كان للحق يهتدي


ثم رحت أتابع السير مسرعا فرأيت كيف راح الحسينعليه‌السلام يرسم خطى النبيين ، التي كادت أن تندرس على أيدي الظالمين باسم شريعة سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله قائلا : (اهلي مع اهليكم ونفسي مع أنفسكم) ، ليكون درسا يعرف به دعاة الحق عن الكاذبين على طول مسيرة السائرين ، يجسدعليه‌السلام بذلك خطى الصدق التي كنا نعيشها في عهد سيد النبيين حيث يقول باب مدينة العلمعليه‌السلام : (كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وانهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا اشتد الامر جعل أهل بيته درعا يقي بهم المسلمين فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : (تقدّم يا علي تقدم يا حمزة تقدم يا فلان ويا فلان) من أهل بيته وبني عمومته ، فرأيت كيف كان منهج الصادقين الذين لا يأمرون أحدا بشيء إلا من بعد كونهم فيه أسوة للآخرين ، ورأيت كيف رسموا خطى الحق بأفعالهم قبل الأقوال.

بلى هكذا كان يتهافت الصادقون الى الجنان قبل السواد الأعظم تحكيما لموازين العدل وتثبيتا لقيم الشرع وهذه هي نفس المشاهد التي شاهدنا معالمها في يوم بدر وحنين وأحد والجمل وصفين ، لنميز راية الحق من راية الضلال لاصحاب القبب المحصّنة ونزّال القصور المطنطنة ، الذين طالما أكثروا الكلام وخدعوا الأنام ليكونوا خلفاء الشياطين يعرفهم طلاب اليقين الذين كانوا آية صدق للمتقين حيث يقول تعالى :( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت / ٦٩.

فرحت أتخطى الأجيال على طول الزمن أتأمل في رايات الحق والباطل فعرفت أن لكل من الفريقين مظاهر يعرفها الناظر بفراسة الايمان قبل أن يأتي يوم( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ) أو تكون( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) ، لمن شاهد بعد الحقيقة


للانسان في أبعاد عالم شهادته وبرزخه وآخرته وإلا فجمع المرائين قد يشوّه حقيقة الصادقين.

ثم قلت في نفسي يا عجبا أين كانت جماهير المسلمين حينما بلغتهم الدعوة ، وقد جاءوا يعاهدون الله تعالى في بيته الحرام يظهرون له التلبية ، فكيف عن داعية الحق تخاذلوا؟ وعن منهج الصواب حادوا حتى ارتفع سدهم المنيع فأخذهم السيل ، فابيحت نسائهم وقتلت أشرافهم واحرقت كعبة العشاق التي كانوا يطوفون حولها بألسنتهم ، وأخذت البيعة منهم بانهم عبيد للشياطين بدلا من عبادة رب العالمين ، في حين انهم ما كانوا يترددون في ضلالة الشجرة الملعونة وان كانوا من قبل ذلك للأنفس خادعين وللظلمة باسم النور تابعين.

فآه آه أين طلاب الهوى من امام المتقين وباب مدينة النبيين؟.

ثم أخذت أساير ركب السلام انظر الى كوكبة من الابرار ليس لها على وجه الأرض من نظير يقدمها خليفة الرحمن وامام الانس والجان ، تسير بعزم تزول منه الجبال على قلة العدد وخذلان الناصر. فأمسكت مطيتي ، تطوف بي الأفكار أعدد القوم كرارا وتكرارا ، مخاطبا للنفس هل بات يصدقني البصر فيما يرى؟ أم صرت من جهد متاعب السفر وطول الطريق أعيش خطأ للحس فيما يروي حتى بلغت مرتبة الجزم واليقين بان جمع الهاشميين على كثرة العدد اذا كان يوم العروج وزلزلت الأرض زلزالها يكون متجسدا بسبعة عشر من الفتيان ، وان عساكر المسلمين يوم الفزع الأكبر يمثلها في الصدق ما يقل عن الستين!! فارجعت البصر بعد دهشة المصاب كرة أخرى انظر الى الأمم وهي تمر مرّ السحاب على صفحات الدهر تروي بصريح فعلها : (ان الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم


يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدّيانون) وانهم على دين ملوكهم يرسمون لهم الحق باطلا والباطل حقا وهم على ذلك من الشاهدين. وقد لمست أن بالقوة والسلطان تضييع المقاييس ، فكم من جائر ماكر البسته العامة لسلطانه حلل العظماء والمتقين؟ وكم من سفير حق صادق انزله الدهر منازل المتهمين واجلسه مجالس الخائفين؟

فلمّا حكت لي حوادث الأيام طرفا من حقايق الأمور وكنت في هذا الحال قد أبصرت حدثا عظيما يطل على مسيرة الأمم رغم تاريخها الطويل وهو خروج الحسينعليه‌السلام ببنيه وأخوته وبني أخيه وجل أهل بيته داعيا للصلاح وسنن النبيين التي اندرست بواسطة الولاة الجائرين باسم سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أوقفت عند ذلك مطيتي تاركا السير انظر ما بين الحرمين مكة والكوفة أتفرس ما ذا أصبح يرسم القدر فشاهدت جند الحق والسلام كيف راحوا يرسمون سبل النبيين بافعالهم قبل الأقوال ، يتقدمون ميادين الوغى ليكونوا أسوة نميز بهم الصادقين عن الكاذبين الذين عاشوا الترف والقصور وهم يلقون بأبناء الآخرين الى محارق الموت على عبر التأريخ.

فنظرت إليهعليه‌السلام فإذا به يخرج من حرم الله تعالى قائلا : (لأن أقتل والله بمكان كذا أحب إليّ من أن استحل بمكة) وفي موضع آخر راح يقول : (إن أبي حدثني أن بها كبشا يستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش) كل ذلك حفاظا لحرمة وكرامة البيت الحرام وان كان هو المثال الأعظم لرسم حقايق الشرع حتى لا يتعرّض أحد بعده لهتك حرم الله تعالى.

فرحت انظر حتى إذا ما أراد الخروج من مكة ناداه أصحاب عمرو بن سعيد ـ والي مكة ـ : يا حسين ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرّق هذه الأمة؟!


فقالعليه‌السلام : (لي عملي ولكم عملكم وانتم بريئون مما أعمل وأنا بريئون مما تعملون). أجل انهعليه‌السلام ممن إذا خاطبه الجاهلون قال سلاما ، وكيف لا يكون له عمل الصالحين وأوصياء النبيين ، ولهم عمل المفسدين وخلفاء الشياطين.

فعرفت عندها أن التقوى بألسن عبيد الدنيا الماكرين هي السكوت عن معالم الدين حتى تمحق بأيدي الجبارين بمشهد ومنظر من فقهاء السلاطين وان الجماعة هي الكثرة التي تنعق مع الناعقين التي ذمها الكتاب المجيد في كثير من الآي المبين وان العصا التي لا يجوز شقها هي عصا المنافقين والظالمين.

وعرفت أيضا أن المتسلط على الرقاب يكون أميرا للمؤمنين ولو كان في فعله وقوله يجسّد خطى الفراعنة الطاغين وان المخالف له من البغاة المرتدين ولو كان محمدا سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فيا لها من عظيم مدرسة يدرّس فيها الشياطين دروس حق بأعين أبناء الدنيا الغافلين. ثم رحت انظر كتابا لعمرو بن سعيد يعيذ فيه الحسين بن عليعليهما‌السلام من الشقاق بأعين الجبارين الذي هو شقاق لعبيد الدنيا وجمع الخونة والماكرين المتلبسين بلباس الدين فلما انقضى ذلك الكتاب تأملت بعد ذلك كتابا آخر أجاب به الحسينعليه‌السلام جمع الظالمين والانتهازيين على طول تاريخ البشر قائلا : أما بعد فانه لم يشاقق الله ورسوله من دعا الى اللهعزوجل وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين.

ولما رأى ابن سعيد كما هو ديدن الظلمة الماكرين أن التهديد لا يثني الحسينعليه‌السلام عن عزمه وان حجته لا تقاوم حجج الحسينعليه‌السلام حاول أن يدخل من باب آخر مكرا وخداعا وهو باب الترغيب واعطاء الامان.


فأجابه الحسينعليه‌السلام : إنّك دعوت إلى الأمان والبرّ والصلة ، فخير الأمان أمان الله ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا ، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة.

ثم راح الحسينعليه‌السلام يخطب الناس قائلا : أيها الناس أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعمل في عباده بالاثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله.

فقلت في نفسي : يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويا ابن أمير المؤمنينعليه‌السلام إن كان الرائي لجور سلطان ولم يغير عليه بفعل أو قول يكون حقا على الله أن يدخله مدخله فما حال من سولت لهم أنفسهم فأصبحوا يرون جور الجائرين عدلا وصلاحا ، وإذا كان عدم التغيير بعد مشاهدة الجور للجائرين مقتضيا لاستحقاق أن يدخل الله الرائي مدخل الظالم فما يكون شأن من يوجّه أعمال الجائرين وهو من العلماء والعارفين ويدعي أن تلك الأعمال من سنن النبيين وخلفائهم الطاهرين.

فأخذ الحسينعليه‌السلام يجد السير حثيثا نحو الكوفة وقد كتب عبيد الله بن زياد الى عمر بن سعد أن لقيت حسينا وقد نزل هو وأصحابه على حكمنا واستسلموا فابعث بهم إليّ سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم فإنهم لذلك مستحقون فإن قتل حسين فأوط الخيل صدره وظهره فانه عاقّ مشاق قاطع ظلوم.

أجل هكذا يجب أن يرسم الشرع القويم على أيدي ولاة أمراء المؤمنين


من بعد ما سقطت قوائم الحق واعيدت سنن الجاهلية في يوم السقيفة باحياء منطق السيف واماتة الحرية حتى أصبح شرعا يقتدى به على طول التأريخ باسم الدين فكم من سنة أميتت ، وآية فسّرت بالشهوات والرغبات وكلام حق أطلق اريد منه الباطل وهكذا

فرحت أمد الطرف أتابع الأيام وهي تسري لهول مطلع عظيم يزداد بذلك القلب اضطرابا يكاد أن يؤدي به ذلك إلى الهلاك حينما صكت مسامع الكون في اليوم التاسع من المحرم عصرا كلمات قائد جيش الضلال عمر بن سعد قائلا : يا خيل الله اركبي وابشري بالجنة ثم زحف بهم بعد صلاة العصر والحسينعليه‌السلام جالس على باب فسطاطه حتى مرت به خيل لابن سعد تجول حوله ، فقرأعليه‌السلام :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) آل عمران / ١٧٨. وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب حتى جاءهم العباسعليه‌السلام قائلا : أن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر وتنظرون.

ولما كان اليوم العاشر من المحرم من بعد ما أطلت الشمس على أراضي كربلاء لتظهر بنورها الوضاء صراع الحق مع الباطل قدّم الحسينعليه‌السلام أول فداء للحق الذي رسمه قبل ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنينعليه‌السلام ولده شبيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي الأكبر قبل كل قتيل من أهل بيته فضلا عن أصحابه.

وقد بيّن لناعليه‌السلام من هو الامام قائلا : فلعمري ما الامام إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط ، الدائن بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله والسلام.

فبعد هذا المشهد العظيم والخطب الجسيم أعيتني طوارق الدهور


فابدت لي بعض حقائق الأمور حتى صرت عالما علم اليقين بأن الحق في هذه الدار باطل والباطل حق وان حديثها بات يروى بأبخس الأثمان ، فعقدت العزم على ترك الأمم في ميادين جريها ساعيا الى معانقة الكهوف تلبسني لباس العزلة اقضي ما تبقّى من قليل صبابة الايام بعيدا عن مسالك الانام في ديار الغفلة خوفا من أن يؤدي بي مواصلة السير الى جري القلم في سوح ملاعب خيل العامة أو الخاصة فاتهم بحيف وعدوان لا تصلحه التوبة ولا تطفئ لظى جمره المثلة ، فأصبح هدفا لمواقع السهام ، ترميني تارة بمخالفة السلف وشق عصا المسلمين بأعين العامة وأخرى بعدم قبول مقالة المشهور بمنظار الخاصة أو الرفض لمناهج الدين والشك في صحة أخبار المخبرين والنقد لحديثهم عن الجبارين بترك القول عن حياة صنوف الخلق أجمعين من أنهم كيف عاشوا وكيف الى مزالق الانحطاط عادوا بعد رقيهم في عهد قائدهم الأعظم وانه كيف راحت الاقلام تجري لمدح الظالمين أداء لحق الاسخياء المنعمين جزيل العطايا من بيت مال المسلمين.

فأوقفت جري القلم مخافة أن تترى عليّ السهام كشئابيب المطر حتى اغلظ القلم لي الخطاب وكرّر علي العتاب فاطلقت له طرفا من العنان خجلا وحياء من أن اتهم عنده بالجبن والنفاق أو بالعجز عن متابعة السباق فراح يجري مقيدا ببعض القيود يرسم سطرا من كتاب خطّه القدر بدماء الشهداء والاحرار ، فوقفت مبهوتا أكاد أن أكون من المعدمين أنظر جري القلم فيما يرسم من حقائق الأمور ويروي من كوارث الدهور ، ويسطر من نوادر المقدور من عجب عجاب لحديث عهد بالاسلام يروي عشرات الالوف من الأخبار التي ما ادعى رواية عشر معشارها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فعلمت أن أمة تصدّق في نقل الحديث ما لا يعقل أمرها لمريب في


بقية مسالك الطريق ثم تابعت قراءة الأحرف بدقة وامعان فوجدت فيها أن من لم يبايع السلطان تضرب عنقه قربة لله رب العالمين لأنه يكون من المرتدين ولو كان من أعظم الأوتاد المتقين هذا كلّه شريطة أن يكون هذا القدر من قضاء العدل كافيا لاطفاء حقد الحاقدين وإلا فمن حق المتهم بعد موته أن يودع في زنزانة الكفر والنفاق وان تستباح عرسه ليلة قتله لسيف المسلمين تحكيما لاركان رسالة سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأن الممتنع من البيعة أصبح من المفسدين في الأرض المحاربين لله تعالى والخلق أجمعين حتى وقفت متحيرا ، فقلت أين هذا من بيعة حق بعد نص على رءوس الاشهاد تزدحم إليها الناس ثلاثة أيام متوسلين ثم يترك المتخلف عن البيعة وإن كان شاذا نادرا ، وهو يمشي ما بين صفوف الثائرين تجري عطاياه كبقية المسلمين.

ثم وجدت القلم يرسم ما حكى التاريخ من اجلال لاكابر المجرمين الذين اظهروا في الأرض الفساد وقتلوا العباد وهو يغض الطرف عن حياة المحرومين وأنين الثائرين في سجون الظالمين توجّه إليهم التهم وتنال منهم الأمم جهلا منهم متابعة لاقلام الخائنين التي جرت لارضاء الفراعنة الجبارين فعرفت أن ما بقي من قليل زاهر من حقائق الأمور في بعض سطور التأريخ كان بمشيئة الله تعالى إقامة للحجج وإتماما للبيان وإلا فتأريخ يكتب لمرضاة الحاكمين يجب أن لا يرسم الا خطى الجبارين ويلبسهم فوق ملابس الأنبياء والصالحين.

ولمّا وجد القلم الجري لرسم مزال اقدام الآخرين مع غض الطرف عن اضطراب قدم النفس في مسالك الهداة المعصومينعليهم‌السلام قد يكون حيفا في محكمة الصادقين راح يرسم كيف تقيّدت محافل العلم في مواطن الاستنباط التي هي في غير ضروريات الدين والمذهب وهي الموارد التي فتح


المعصومون أبوابها لجولان خيل السالكين تكريما لحرية الرأي وتنمية لمسيرة خطى العلم والفقه والاجتهاد لكي لا تصاب الشريعة بالجمود ويبقى الباب مفتوحا أمام نقد فطاحل العلم لاحتمال اختلاف الآراء أو خطأ البعض منها وراح يرسم أنه كيف أصبح الاستبداد في ميادين العلم سببا لعدم ابداء الرأي مخافة هجمة العامة بايعاز بعض اصحاب المصالح أو الذين يرون الجزم لآرائهم وخطأ آراء الآخرين وحيا لا محل للنقاش فيه حتى جوّز البعض لانفسهم العدوان على أكابر العلم وراح يمزّق صفوف المؤمنين للمذهب الواحد بدلا من أن يكون داعية سلام بين الموحدين.

ثم راح القلم يسري ليرسم مواطن كثيرة من مصاديق ما يهب الأمير مما لا يملك على حساب الضعفاء والمحرومين والكثير من الأمور الأخرى فلمّا انتبهت إلى ذلك حاولت أن القي بالنفس على عنانه حتى كففته عن السير خوفا من أن يكون ذلك مستمسكا لبعض الجاهلين لإيراد النقد على مسلك الصادقين بدلا من المنتسبين الى الهداة المهديينعليهم‌السلام .

فوقفت في آخر المطاف انظر دنيا الغرور كيف راح ابنائها لثمن بخس يرسمون لوحة الكون طبقا لمذاق الطاغين وقد راحت الاقلام تشوّه التأريخ وتدس الكثير من الأكاذيب حتى كاد أن يكون الكثير منها لا يطابق عقلا ولا شرعا ، وأخذت الكتب تملأ من الأوهام والخرافات مما يحتّم على السالكين سبل الحق أن ينظروا بدقة وامعان سعيا وراء الحقيقة ليمتاز الحق عن الباطل ثم لتبذل الجهود لتفسير التأريخ حتى يصبح بيانا لسيرة المعصومينعليهم‌السلام وتحذيرا من مسالك الجبارين وفقنا الله تعالى وإياكم لمراضيه إنّه ولي التوفيق.

محمد كاظم الخاقاني

قم المقدسة ١ / شوال / ١٤١٨ ه


فهارس الكتاب


فهرس الجزء الثاني

مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ٣

الفصل الثاني عشر : في بيان عقوبة قاتل الحسينعليه‌السلام وخاذله وماله من الجزاء ٩٣

الفصل الثالث عشر : في ذكر بعض ما قيل فيه من المراثي ١٣٩

الفصل الرابع عشر : في زيارة تربته صلوات الله عليه وفضلها ١٨٧

الفصل الخامس عشر : في ذكر انتقام المختار بن أبي عبيد الثقفي من قاتلي الحسينعليه‌السلام ١٩٧

ذكر نسب المختار بن أبي عبيد الثقفي ١٩٩

ذكر خروج المختار وقتله قتلة الحسينعليه‌السلام ٢٣٢

ذكر مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص ٢٥٢

قتل الشمر بن ذي الجوشن ٢٧٠

مقتل مصعب وعبد الله ابني الزبير ٢٨٩

الخاتمة : بقلم الشيخ محمد كاظم الخاقاني ٢٩٥

فهارس الكتاب : ٣١٠