المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه
مؤلف: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسويالإمام الحسين عليه السلام
المجالس الفاخرة
في مآتم العترة الطاهرة وبضمنه
«المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة»
تأليف
الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسويقدسسره
مراجعة وتحقيق
محمود البدري
مؤسسة المعارف الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل صلواته وسلامه على خير من اصطفى محمد ، وعلى وصيّه المرتضى عليّ ، وأبنائه البررة الأتقياء.
أمّا بعد:
كثيرة هي قضايانا الاسلامية التي حظيت بالأهمية البالغة في البحث والكتابة عند الكتّاب والمؤرخين على مرّ العصور ، ومن تلك القضايا التي تناولتها الأقلام بالدراسة والتحليل هي سيرة الرسول الأكرم وخليفته في اُمّته وآل بيتهماعليهمالسلام أجمعين ، وكذا المحن والابتلاءات التي عانوا منها طوال حياتهم المقدسّة حتى قضوا جميعاً بين مسموم وقتيل.
وانّ قضيّة استشهاد الامام الحسين بن عليّعليهالسلام نالت القسط الأكبر من ذلك الاهتمام ، كيف لا وقد كان له المنزلة الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى حيث جعل في زيارتهعليهالسلام من الثواب ما يعادل العمرة المندوبة المتقبلة ، بل ورد في بعض الروايات: «إنّ الله ينظر إلى زوّار قبر الحسينعليهالسلام نظر
الرحمة في يوم عرفة قبل نظره إلى أهل عرفات»(١) .
وعلى هذا صار لزيارتهعليهالسلام آثاراً عظيمة لدى الناس وهم يثابون كلّ حسب حاله وبمقدار معرفته وإخلاصه ، وصار التوسّل بهعليهالسلام متنوّعاً ، وذلك إمّا من خلال زيارة مرقده الطاهر ، أو عقد مجالس العزاء ، أو بذل الطعام باسمه ، ولن يكون ذلك متقبّلاً الا في تحقّق عنصر الاخلاص.
والكتاب الذي بين يديك - عزيزي القارئ - قد ضمّ بين دفتيه طائفة من المجالس الفاخرة تناول فيها السيد المؤلّف قدّس سرّه سيرة وخصائص رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنينعليهالسلام ، وكذا ضمّنه سيرة الإمام أبي عبد الله الحسينعليهالسلام من ولادته وحتى استشهاده تُتلى صبيحة يوم العاشر من المحرّم بمجلس واحد أو تُتلى في مجالس متعدّدة في سائر ايّام عاشوراء.
ومن دواعي السرور أن تأخذ مؤسّستنا مؤسّسة المعارف الاسلامية على عاتقها طبع ونشر هذه التحفة النفيسة سائلين الباري تعالى أن يجعله في حسناتنا وشاكرين للاستاذ المحقّق محمود البدري جهوده الرائعة في تحقيق الكتاب ، سيّما وانّه قد ألحق المقدّمة الزاهرة في أوّل الكتاب والتي كتبها السيد المؤلف قدّس سرّه وطبعت مستقلة. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
____________________
(١) ثواب الأعمال: ١١٥ ح ٢٧ ، معاني الأخبار: ٢٩١ ح ٣٦.
ترجمة المؤلّف
ولادته ونشأته:
هو السيد عبد الحسين بن السيد يوسف بن السيد جواد بن السيد إسماعيل ابن محمد بن محمد جدّ الاسرتين «آل شرف الدين» و«آل الصدر» بن السيد إبراهيم الملقّب ب «شرف الدين» المنتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظمعليهالسلام .
ولد السيد عبد الحسين في الكاظمية سنة ١٢٩٠ ه في دار جدّه لّامّه السيد «هادي الصدر» ، وهو من أبوين علويين كريمين ، فأبوه العلامة الحجّة يوسف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل ، واُمّه العلوية الجليلة «الزهراء» كريمة المرحوم السيد «الهادي» بن السيد محمد علي ، الذي ينتهي نسبها إلى شرف الدين كذلك.
دراسته العلميّة:
في السنة الثامنة من عمره عاد به والده إلى «عاملة» ليؤدّي الأب فيها واجبه الديني بعد أن نال رتبة الاجتهاد ، وشبّ السيد في كنف والده ينتهل من نمير المعرفة في حدود علوم العربية والمنطق والبلاغة وسطوح الفقه والأصول.
وعندما بلغ السيد السابعة عشر من عمره أرسله أبوه إلى العراق لاكمال دراسته ، وكان له من ذكائه واجتهاده ما ساعده على المضي في الانتهال العلمي
في مدرسة النجف العلمية وشقّ طريقه على يد اساتذة فطاحل شهد لهم بعلو المقام ، فقد درس على يد فحول الحوزة العلمية في النجف وسامراء كالمرحوم الملا كاظم الخراساني ، والمرحوم السيد كاظم الطباطبائي وشيخ الشريعة الاصفهاني ، والشيخ محمد طه نجف ، والشيخ حسن الكربلائي والسيد إسماعيل الصدر ، والسيد حسن الصدر ، وغيرهم من أعلام الدين وأئمة العلم..
ومرّت عليه مرحلة كان ينتقل خلالها في رياض العلم والفضل والأدب حتى إذا ما استوفى نصيبه من هذه المناهل العلمية والأدبية ، كان من اولئك الأفراد الذين لمع نجمهم في الأوساط الدينية بمكانته العلمية.
وكان -رحمهالله كثير السؤال والمذاكرة والاستفسار عن مشاكل المسائل كلما اجتمع بعالم كبير يبرز منه الدقة وحب المناظرة والافادة.
قالرحمهالله في ترجمته من كتابه «بغية الراغبين» ما نصّه: «أمّا في العلوم العربية فقد كان ممّن لا يجارى فيها - ويقصد بذلك جدّه آية الله المرحوم السيد الهادي - ولا سيما في علمي المعاني والبيان ، إذ بان شأنه فيهما ، كنت استصبح بضوئه فيما لم اعتد إليه من معضلات «المطول» للمحقّق التفتازاني فيهديني إليها بنور بيانه وسطوع حجّته ، فإذا هي كالشمس في ريعان الضحى ، وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم العربية فيثلج غلتي بما ينفيه عني من معتلج الريب ، ويميطه من حجاب الشبهة ، وكان على جلالته وشيخوخته يقبل على مباحثتي بانبساطه ، ويسترسل إلى مناظرتي بأنسه...».
عودته إلى جبل عامل:
عاد بعد ذلك إلى جبل عامل وهو في الثانية والثلاثين من عمره ، واستقبلته مدينته استقبالاً رائعاً ، وحط فيها موفور الكرامة ، محترم الجانب ، رفيع المقام
وأصبح مرجعاً وزعيماً دينياً تمكن من الاصلاح والهداية ونشر المعارف.
بما ان استقر به المقام حتى بدأ يعمل ويخطط لأمّته كأي مصلح عظيم ، ويرعى الجانب العلمي ، كما دعم الجانب الاجتماعي والسياسي وكانت له مواقف مشهودة سجلها التاريخ بكلّ اكبار وتقدير.
ففي الجانب العلمي: نظّم السيد -رحمهالله في «صور» الدراسة العلمية وهذّبها من كلّ ما يعرقل سيرها ، ثم كان على اتّصال مستمر بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة ، وكانت حصيلة تلك الجهود العلمية مجموعة كبيرة من المؤلّفات القيّمة.
وقام كذلك بفتح مدارس علمية ليوفر عدد طلاب العلوم الدينية ويشجعهم على الاستمرار العلمي ، ووضع نواة لكلية جعفرية ، تولى العناية بها من بعده ولده العلامة السيد جعفر شرف الدين.
أمّا في الجانب السياسي والاجتماعي: فقد كان السيد -رحمهالله مثال القائد المصلح الذي يحاول أن يبني لاُمّته كياناً ، فكانت له مواقف خالدة ضد الاستعمار الأجنبي في العهد التركي والعهد الفرنسي وذلك لاقامة العدل ، ولصموده واستقامته حاولوا اغتياله بيد أحد المرتزقة يعرف بـ «ابن الحلاج» ، ولكن الله تعالى كفّ أيديهم عنه لكن بقيت مؤامراتهم متّصلة إلى أن أدّت إلى تشريد السيد بأهله وذويه نحو دمشق وترك مكتبته العامرة تحترق بيد الجيش الفرنسي.
أسفاره:
ولم يدم بقاء السيد طويلاً في دمشق ، فقد ضاق الفرنسيون به ذرعاً ، إذ
عرفت فيه الشام عالماً وزعيماً ومجاهداً ، وكانت معركة «ميسلون» نهاية بقائه في دمشق ، فلجأ إلى مصر سنة ألف وتسع وعشرين وثلاثمائة هجرية واجتمع بعلمائها وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالك شيخ الأزهر في عصره وانتجت اجتماعاته به ومراسلاته له كتاب «المراجعات».
ولم يمكث طويلاً في مصر ، إذ قصد فلسطين ليكون من هناك على مقربة من بلده يواصل منها جهاده الديني والوطني ، وعندما خرج الفرنسيون من لبنان عاد السيد -رحمهالله إلى بلاده منتصراً ظافراً ، وكان يوم عودته مشهوداً ، وهو يحمل مشعل النصر.
وللسيد -رحمهالله سفرات وزيارات اخرى إلى المدينة وفلسطين ومصر والعراق وإيران.
مؤلّفاته:
وللسيد شرف الدين مؤلفات كثيرة تدلّ على علمه وسعة اطلاعه ، وفيما يلي نذكر جملة منها:
١ - المراجعات: وهي آية من الآيات ، ومعجزة من المعجزات ببيانها ، وقوّة برهانها ، وشرف هدفها ، طبعت مرّتين في حياة السيد والعديد من المرّات بعد وفاته وترجمت إلى العديد من اللغات كالفارسية والانكليزية والاوردية.
٢ - الفصول المهمة في تأليف الأمة: وهو صرخه مدوية في سبيل جمع الكلمة واتحاد الاُمّة.
٣ - اجوبة مسائل موسى جار الله: وهي أجوبة عن عشرين سؤالاً تقدّم بها موسى جار الله إلى أعلام الشيعة في البلاد الاسلامية وقد دلّت هذه الاجوبة على
غزير علم واطلاع واسع يكتفي بها كلّ من كان رائده الحق.
٤ - الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء.
٥ - المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة (وهو هذا الكتاب).
٦ - أبو هريرة: وقد اقتفى السيد فيه أثر العلامة أبو ريّة المصري في كتاب الفذّ «شيخ المضيرة».
٧ - النصّ والاجتهاد: وهو من أعمق الدراسات الاسلامية في العصر الحاضر.
٨ - بغية الراغبين: ضمنه تراجم أعلام آل الصدر وشرف الدين مع عرض لتراجم أستاذتهم وتلامذتهم وصور عن عصرهم وهو من الكتب الجليلة التي تعد في طليعة أدب التراجم.
٩ - فلسفة الميثاق والولاية.
١٠ - ثبت الاثبات في سلسلة الرواة: عرض فيه إلى شيوخه من أعاظم أهل المذاهب الاسلامية باسلوب فريد مفيد.
١١ - مسائل فقهية: موضوع فقهي مقارن عميق البحث.
١٢ - إلى المجمع العلمي: حيث رد على بعض الشبهات المثارة حول الشيعة ، ووجّه نصائحه إلى المجمع العلمي يحثّه على الوفاق ونبذ الافتراق.
١٣ - حول الرؤية: رسالة عقائدية تبحث مسألة الرؤية بحثاً علمياً عميقاً يثبت به استحالة الرؤية بأدلّة مقنعة.
١٤ - زينب الكبرى: وهي خطبة خطبها في الصحن الزينبي المطهر تحدّث
فيها عن مقام الحوراء زينبعليهاالسلام ومواقفها الخالدة.
ومن جملة كتبه التي احترقت ولم تطبع:
١٥ - سبيل المؤمنين (في الإمامة).
١٦ - النصوص الجليلة (في الإمامة).
١٧ - تنزيل الآيات الباهرة (في الإمامة).
١٨ - شرح التبصرة في الفقه.
١٩ - تعليقة على الاستصحاب.
٢٠ - تحفة المحدّثين فيما أخرجت عن الستة المضعفين.
٢١ - الذريعة (ردّ على بديعة النبهاني).
٢٢ - تعليقة على صحيح البخاري.
٢٣ - تعليقة على صحيح مسلم.
٢٤ - الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة.
٢٥ - المجالس الفاخرة (المجلدات الأربعة).
٢٦ - مؤلفو الشيعة في صدر الاسلام.
٢٧ - زكاة الأخلاق.
وفاته ومدفنه:
توفيرحمهالله يوم الاثنين ٨ من جمادي الثانية سنة ١٣٧٧ ه ، الموافق ٣٠ كانون الأول سنة ١٩٥٧ ، ودفن في النجف الأشرف بجوار جدّه الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام داخل الصحن العلوي في إحدى الغرف المحيطة بالضريح.
تغمّد الله الفقيد العظيم برحمته ، ونفع الله الامّة بآثاره كما نفعها بسيرته.
والحمد لله رب العالمين.
عملنا في الكتاب
الكتاب الذي بين يديك - قارئنا العزيز - هو عبارة عن بقايا أثر خالد من آثار العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين ، وهو واحد من تلك السلسلة القيّمة التي خلّفها للمكتبة الاسلامية والتي كان بها أكبر الأثر في تركيز الجانب الفكري والعقائدي الشيعي في القرن الرابع عشر الهجري.
فقد وضع المؤلف كتاباً سمّاه «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة» ، حيث وضعه في مقدّمة وأربعة أجزاء وكوّن بمجموعه أربعة مجلدات ، وهي كما يلي:
المقدمة: اقتصر فيها على مطالب خمسة هي:
١ - البكاء على الموتى المؤمنين.
٢ - جواز رثائهم.
٣ - تلاوة مناقبهم ومآثرهم.
٤ - إقامة المجالس العزائية حزناً عليهم.
٥ - الانفاق عنهم في وجوه البر.
أمّا أجزاء الكتاب فهي:
المجلد الاول: تحدّث فيها عن سيرة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وحياته المقدّسة.
المجلد الثاني: وتحدّث فيه عن الإمام علي وفاطمة الزهراء والإمام الحسنعليهمالسلام .
المجلد الثالث: وقد خصّه بحياة الإمام الحسينعليهالسلام .
المجلد الرابع: وقد جمع فيه سيرة الأئمّة المعصومين التسعةعليهمالسلام .
وقد كان السيدرحمهالله قد قدم على طبع هذا الكتاب عام ١٣٣٢ ه ، وما أن أتمّ طبع المقدّمة حتى اندلعت شرارة الحرب العالمية ، فمنعت من الاستمرار بالطبع ، بل شاء الحظ العاثر أن تخسر المكتبة الاسلامية العديد من آثار السيد الفقيد بعد أن أصدر الاستعمار الفرنسي أمراً بنهب دار السيد وحرق مكتبته.
ومن جملة الكتب التي احترقت هوهذا الكتاب القيّم.
وبعد مرور مدّة طويلة حاول أحد أولاد عمّ المؤلّف وهو السيد الجليل علي ابن إسماعيل أن يجمع «من أفواه قراء المآتم» بعض المجالس المحفوظة ، ويعرضها على سماحة السيد ويقرأها من أولها حتى نهايتها ، فأقرّها وحبّذ هذا العمل وباركه منه.
«كما ألقى نظرة على المقدّمة ، ورتبها بعض الترتيب وحورها».
وقد طبعت مقدمة الكتاب في صيدا سنة ١٣٣٢ ه ، واطلق عليها اسم «المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة» ، ثم اُعيد طبعها في كربلاء المقدّسة سنة ١٣٧٨ ه ، ثم أعيد طبعها في النجف الأشرف سنة ١٣٨٦ بعد أن اُلحق بها بعض المجالس المتفرقة والتي جمعها السيد علي بن إسماعيل.
وقد اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على النسخة المطبوعة لكتاب المقدّمة الزاهرة والتي طبعت عام ١٣٧٨ ه ، وكذلك على نسخة المجالس الفاخرة المطبوعة عام ١٣٨٦ ه في النجف الأشرف.
ونظراً لكون نسخة «المقدمة الزاهرة» المطبوعة بصورة مستقلة عن المجالس الفاخرة أكثر تفصيلاً من المقدمة الموجودة ضمن كتاب المجالس
الفاخرة والمطبوع سنة ١٣٨٦ ه فقد جعلنا القسم الاول من كتابنا هذا هو «المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة» ، أمّا القسم الثاني فسيكون كتاب المجالس الفاخرة بمقدّمته المقتضبة.
أمّا عملنا في الكتاب فكان كالآتي:
١ - ضبط النص قدر الوسع والامكان ، والاشارة إلى بعض الاختلافات مع المصادر الأصلية.
٢ - تخريج الروايات الواردة في المتن من المظان المعتمدة.
٣ - تثبيت أقوال المؤلف في الهامش بعد كلمة «قالرحمهالله :» ، وتمييز تعليقاتنا في الهامش بكلمة «أقول:».
٤ - تثبيت التخريجات التي أوردها المؤلف كما هي ، مع زيادة العديد من التخريجات والتعليقات ضمن الهامش.
٥ - كتبتُ تراجم مختصرة لأغلب الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب.
٦ - ما أضفناه من المصادر أو من عندنا وضعناه بين [ ] دون الاشارة إلى المصدر.
٧ - وضعت فهارس فنية في آخر الكتاب لكي تعين الباحث في عمله.
نسأل الله رب العالمين أن ينفع به ، وأن يجعله في صحائف أعمالنا يوم القيامة «يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم».
محمود البدري
٣ / رجب / ١٤٢١ ه. ق
ذكرى استشهاد الإمام علي الهاديعليهالسلام
المقدمة الزاهرة
الكتاب المجالس الفاخرة
مقدمة المؤلف
الحمد لله على جميل بلائه وجليل عزائه ، والصلاة والسلام على اُسوة أنبيائه وعلى الأئمة المظلومين من أوصيائه ورحمة الله وبركاته...
أمّا بعد ؛ فهذا كتاب «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة» وضعته تقرّباً إليهم في الدنيا ، وتوسّلاً بهم في الآخرة ، سائلاً من الله سبحانه ان يكون خالصاً لوجهه الكريم ، انّه هو الرؤوف الرحيم...
الأصل العملي(١) يقتضي إباحة البكاء على مطلق الموتى ، ورثائهم بالقريض ، وتلاوة مناقبهم ومصائبهم ، والجلوس حزناً عليهم ، والانفاق عنهم في وجوه البر ، ولا دليل على خلاف هذا الاصل ، بل السيرة القطعية(٢) ، والأدلّة
____________________
(١) أي أنّ الحكم الشرعي في مرحلة العمل هكذا يقتضي ، وذلك استناداً إلى قول كثير من الاصوليين الذين يرون بأن الأصل في المكلّف أن لا يكون مسؤولاً عن التكاليف المشكوكة أو المجهولة ، ويرى هؤلاء انّ العقل هو الذي يحكم بنفي المسؤولية ، لأنّه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلّف للتكليف الذي لم يصل اليه ، ولأجل هذا يطلقون على الأصل من وجهة نظرهم اسم «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» أو «البراءة العقلية».
(٢) وتعني الأمر المتداول عند عموم المسلمين المتشرعين ، بشرط أن لا يكون هذا الأمر أمراً مستحدثاً أو عادة من العادات المحلية ، بل لا بدّ أن يرتبط بعصر المعصوم ، وهو ما يطلق عليه علماء الاُصول ب- «سيرة المتشرعة» على أساس أنّ المتشرعة حينما يسلكون سلوكاً بوصفهم
اللفظية حاكمان بمقتضاه ، بل يستفاد من بعضها استحباب هذه الاُمور إذا كان الميّت من أهل المزايا الفاضلة ، والآثار النافعة ، وفقاً لقواعد المدنية ، وعملاً باُصول العمران ، لأنّ تمييز المصلحين يكون سبباً في تنشيط أمثالهم ، وأداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم ، وتلاوة أخبارهم ترشد العاملين إلى اقتفاء آثارهم ، وهنا مطالب:
متشرعة ، يجب أن يكونوا متلقين ذلك من المعصومعليهالسلام ، وقد وصفت هذه السيرة بالقطعية ، لأنّه بواسطتها سوف يحصل لنا القطع باذن الشارع في مورده.
المطلب الأول
في البكاء
ولنا على ما اخترناه فيه (مضافاً إلى السيرة القطعية) فعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقوله وتقريره ؛ أمّا الأول متواتر عنه في موارد عديدة:
منها: يوم اُحد ، إذ علم الناس كافة بكائه يومئذ على عمّه أسد الله واسد رسوله حتى قال ابن عبد البر في ترجمة حمزة(١ ) من استيعابه لمـّا رأى النبيصلىاللهعليهوآله حمزة قتيلاً بكى ، فلمّا رأى ما مثّل به شهق.(٢)
وذكر الواقدي (كما في أوائل الجزء الخامس عشر من نهج البلاغة(٣) للعلامة المعتزلي) ، انّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يومئذ إذا بكت صفيّة يبكي ، وإذا نشجت ينشج(٤) قال: وجعلت فاطمة تبكي ، فلمّا [بكت] بكى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .(٥)
____________________
(١) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم أبو عمارة ، سيد الشهداء ، استشهد سنة ٣ ه ، عم النبيصلىاللهعليهوآله ، أحد صناديد قريش وسادتهم في الجاهلية والاسلام ، هاجر مع النبيصلىاللهعليهوآله إلى المدينة ، حضر وقعة بدر وغيرها ، استشهد يوم اُحد ودفن في المدينة.
انظر: تاريخ الاسلام ١: ٩٩ ، صفوة الصفوة ١: ١٤٤ ، الأعلام ٢: ٢٧٨.
(٢) الاستيعاب ١: ٣٢٥.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٣٨٧.
(٤) نشج الباكي ينشج نشيجاً: غُص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. القاموس المحيط ١: ٢١٩.
(٥) قالرحمهالله : قد اشتمل هذا الحديث على فعل النبيصلىاللهعليهوآله وتقريره ، فهو حجّة من
ومنها: يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة ، فيما أخرجه البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه(١) .
وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه(٢) انّ النبيصلىاللهعليهوآله بكى على جعفر(٣) وزيد وقال: أخواي ومؤنّساي ومحدّثاي.
ومنها: يوم مات ولده ابراهيم ، إذ بكى عليه فقال له عبد الرحمن بن عوف (كما في صفحة ١٤٨ من الجزء الأول من صحيح البخاري) وأنت يا رسول الله !(٤)
جهتين ، على انّ بكاء سيدة النساءعليهاالسلام كاف كما لا يخفى.
أقول: لانّ فعل الزهراءعليهاالسلام يكفي للاستدلال باعتباره حجّة في مثل هذا المقام ، إذ انّها معصومة ، وهي من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وانظر ما كتبهرحمهالله حول الزهراء في رسالته القيّمة (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراءعليهاالسلام ).
____________________
(١) صحيح البخاري ٢: ٣٨٤ ، صحيح مسلم ٥: ٣١٧ ، وانظر: مسند أحمد ٢: ٤٠.
(٢) الاستيعاب ٢: ٦٥.
(٣) جعفر بن أبي طالبعليهالسلام ، يكنّى أبا عبد الله ، صحابي هاشمي من شجعانهم ، أوّل قتيل من الطالبيين في الاسلام ، ويكنّى أبا المساكين أيضاً ، وجعفر هو الثالث من ولد أبيه بعد طالب وعقيل ، وبعد جعفر عليعليهالسلام ، وامّهم فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف ، استشهد سنة ٨ ه ، حضر وقعة مؤتة ، فنزل عن فرسه وقاتل ، ثم حمل الراية وتقدّم صفوف المسلمين ، فقطعت يمناه ، فحمل الراية باليسرى ، فقطعت ايضا ، فاحتضن الراية إلى صدره وصبر حتى وقع شهيداً وفي جمسه نحو تسعين طعنة ورمية.
انظر: الإصابة ١: ٢٣٧ ، البداية والنهاية ٤: ٢٥٥ ، تهذيب التهذيب ٢: ٩٨ ، أسد الغابة ١: ٢٨٦ ، الطبقات الكبرى ٤: ٢٢ ، حلية الأولياء ١: ١١٤.
(٤) قال القسطلاني: أي اتبع الدمعة الاولى بدمعه اخرى أو اتّبع الكلمة الاولى المجملة وهو قوله: «انّها رحمة» بكلمة اخرى مفصّلة ، فقال: انّ العين تدمع... الخ. انظر: ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري ٢: ٣٩٨.
قال: يا ابن عوف ، انّها رحمة(١) ثم اتبعها - يعني عبرته - باخرى ، فقال: انّ العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول(٢) الاما يرضي ربّنا ، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.(٣)
ومنها: يوم ماتت إحدى بناتهصلىاللهعليهوآله ، إذ جلس على قبرها (كما في صفحة ١٤٦ من الجزء الأول من صحيح البخاري) وعيناه تدمعان.(٤)
ومنها: يوم مات صبي لإحدى بناته ، إذ فاضت عيناه يومئذ (كما في الصحيحين وغيرهما) فقال له سعد: ما هذا ، يا رسول الله ؟
____________________
(١) قالرحمهالله : لا يخفى ما في تسميتها رحمة من الدلالة على حسن البكاء في مثل المقام.
أقول: قولهصلىاللهعليهوآله : انّها رحمة ؛ أي والرحمة نعم الفعل ، ونعمت الصفة ، وليس سخطاً لقضاء الله حتى تكون مذمومة ، وما كان ينبغي أن يقال لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك ، وهو القدوة في أقواله وأفعاله وسكوته ومقاله ، والله تعالى يقول:( وَ مَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) [سورة الحشر: ٧].
(٢) قالرحمهالله : أراد بهذا انّ الملامة والاثم في المقام انّما يكونان بالقول الذي يسخط الرب عزّ وعلا ، كالاعتراض عليه والسخط لقضائه لا بمجرّد دمع العين وحزن القلب.
(٣) صحيح البخاري ٢: ١٠٥.
وروي بأسانيد وألفاظ متفاوتة ، انظر: التعازي للمدائني: ١٤ ، سنن ابن ماجة ١: ٥٠٦ ح ١٥٨٩ ، الكامل للمبرّد ٣: ٢٦٣ ، العقد الفريد ٣: ٢٣٤ ، دعائم الاسلام ١: ٢٢٨ ح ٧٩٢ ، تحف العقول: ٣٧ ، بحار الانوار ٨٢: ٩١ و١٠٠ و١٠١.
(٤) قال القسطلاني (ارشاد الساري ٢: ٤٢٥): هي امّ كلثوم زوج عثمان.
وأخرج النسائي في سننه (١: ٢٦٢) عن ابن عباس قال: لمـّا حضرت بنت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صغيرة فأخذها فضمّها الى صدره ثم وضع يده عليها ، فقضت وهي بين يديه ، فبكت امّ أيمن فقال لها رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يا اُمّ أيمن ، أتبكين ورسول اللهصلىاللهعليهوآله عندك ؟
فقالت: ما لي لا أبكي ورسول اللهصلىاللهعليهوآله يبكي.
فقال: انّي لست أبكي ، ولكنّها رحمة.
قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب [من يشاء من] عباده ،« وإنّما يرحم الله من عباده الرحماء» (١) .(٢)
ومنها: ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ، عن ابن عمر قال: اشتكى سعد فعاده رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مع جماعة من أصحابه فوجده في غشية فبكي.
[قال:] فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا... الحديث (٣) .(٤)
والأخبار في ذلك لا تحضى ولا تستقصى (٥) .
____________________
(١) قالرحمهالله : دلالة قوله: «وانّما يرحم الله من عباده الرحماء» على استحباب البكاء في غاية الوضوح كما لا يخفى.
(٢) صحيح البخاري ٢: ١٠٠ ، صحيح مسلم ٢: ٦٣٥ ح ٩٢٣ ، سنن أبي داود ٣: ١٩٣ ح ٣١٢٥ ، سنن ابن ماجة ١: ٥٠٦ ح ١٥٨٨ ، سنن النسائي ٤: ٢٢ ، دعائم الاسلام ١: ٢٢٨ ح ٧٩٤ ، مجمع الزوائد ٣: ١٨ ، بحار الأنوار ٨٢: ٩١.
(٣) قالرحمهالله : لا يخفى اشتماله على كل من فعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تقريره ، فهو حجّة من جهتين.
أقول: ولكن عندما نقرأ بقية الحديث نجده حجّة من ثلاث جهات ؛ فعل النبيصلىاللهعليهوآله وقوله وتقريره.
(٤) أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له ، فأتاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن مسعود ، فلمّا دخل عليه فوجده في غاشية من أهله فقال: قد قضى ؟ فقالوا: لا يا رسول الله ، فبكى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا رأى القوم بكاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بكوا ، فقال: ألا تسمعون انّ الله لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم. (منه رحمه الله).
(٥) انظر: سنن ابن ماجة ١: ٥٠٦ ح ١٥٨٩ ، الكامل للمبرّد ٣: ٢٦٣ ، العقد الفريد ٣: ٢٣٤ ، التعازي للمدائني: ١٤.
وأمّا قوله وتقريره فمستفيضان مواردهما كثيرة فمنها ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه(١) قال:
لما جاء النبيصلىاللهعليهوآله نعي جعفر(٢) أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها.
[قال:] ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول: واعماه ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : على مثل جعفر فلتبك(٣) البواكي.
ومنها: ما ذكره ابن جرير(٤) وابن الأثير(٥) وصاحب العقد الفريد(٦) وجميع أهل السير(٧) ، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في صفحة
____________________
(١) الاستيعاب ١: ٣١٢.
(٢) قالرحمهالله : هذا الحديث مشتمل على تقريرهصلىاللهعليهوآله على البكاء وأمره به على انّ مجرّد صدوره من سيّدة النساءعليهاالسلام حجّة كما لا يخفى.
(٣) قالرحمهالله : هذا أمر منهصلىاللهعليهوآله بالبكاء ندباً على أمثال جعفر من رجال الاُمّة وحسبك به حجّة على الاستحباب.
(٤) تاريخ الطبري ٣: ٢٧.
(٥) الكامل في التاريخ: ٢: ١٣٢.
(٦) العقد الفريد ٢: ٨٦.
(٧) قال علي بن برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبيّة ١: ٤٦٢: وسمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ وأبنائهنّ وإخوانهنّ فقال: حمزة لا بواكي له ، وبكىصلىاللهعليهوآله - ولعلّه لم يكن له بالمدينة زوجة ولا بنت - فأمر سعد بن معاذ نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبكين حمزة بين المغرب والعشاء ، وكذلك اُسيد بن خضير أمر نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبكين حمزة - إلى أن قال -: فلمّا رجعصلىاللهعليهوآله من المسجد من صلاة المغرب سمع البكاء فقال: ما هذا ؟ فقال: نساء الأنصار يبكين حمزة ، فقال: رضي الله عنكنّ وعن أولادكنّ ، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهنّ - إلى أن قال -: وفي
(٤٠) من الجزء الثاني من مسنده قال:
[لمـّا ] رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله [من اُحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على مَن قُتِل من أزواجهن فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :] ولكن حمزة لا بواكي له.
[قال:] ثمّ نام فاستنبه وهن يبكين.
[قال:] فهنّ اليوم إذا بكين يبد أن(١) بحمزة.(٢)
رواية: فلمّا ذهب ثلث الليل نادى بلال: الصلاة يا رسول الله ، فقام من نومه ، وخرج وهنّ على باب المسجد يبكين حمزة فقال لهن: ارجعن رحمكنّ الله ، لقد واسيتن معي ، رحم الله الأنصار ، فإن المواساة فيهم كما عملت قديماً - إلى أن قال -: وصارت الواحدة من نساء الأنصار بعد لا تبكي على ميّتها الابدأت بالبكاء على حمزة ثمّ بكت على ميّتها.
وأخرج كذلك عن ابن مسعود: ما رأينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله باكياً أشدّ من بكائه على حمزة ، وضعه في القبلة ، ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق - أي شهق حتى بلغ الغشى - يقول: يا عمّ رسول الله ، وأسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة ، يا فاعل الخيرات ، يا حمزة ، يا كاشف الكربات ، يا ذابّ ، يا مانع عن وجه رسول الله.
(انظر: السيرة الحلبية ١: ٤٦١ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٣٨٧).
أقول: هذا حال رسول اللهصلىاللهعليهوآله عندما رأى حمزة شهيداً ، فكيف به صلوات الله عليه لو نظر إلى ما صنع بولده الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام لكان ذلك المنظر أوجع لقلبه من منظر حمزة ويكون حاله كما قال القائل:
لو أنّ رسول الله يبعث نظرة |
لردّت إلى انسان عين مؤرّق |
|
وهان عليه يوم حمزة عمّه |
بيوم حسين وهو أعظم ما لقي |
|
ونال شجى من زينب لم ينله من |
صفيّة إذ جاءت بدمع مرقرق |
|
فكم بين من للخدر عادت مصونة |
ومن سيّروها في السبايا بحلّق |
____________________
(١) كذا في الأصل ، والظاهر هو الصحيح ، وفي المصدر: يندبن.
(٢) مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٦١.
وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب ، نقلاً عن الواقدي قال: لم تبك امرأة من الأنصار على ميّت بعد قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «لكن حمزة لا بواكي له» إلى اليوم الابدأت(١) بالبكاء على حمزة [ثمّ بكت ميّتها].(٢)
وحسبك تلك السيرة في رجحان البكاء على من هو كحمزة وان بعُد العهد بموته.
ولا تنس ما في قولهصلىاللهعليهوآله : «لكن حمزة لا بواكي له» من البعث على البكاء والملامة لهن على تركه ، وحسبك به وبقوله: «على مثل جعفر فلتبك البواكي» دليلاً على الاستصحاب.
وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس في صفحة (٣٣٥) من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبكاء النساء عليها ، قال: فجعل عمر يضربهنّ بسوطه ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : دعهن يبكين.
ثم قال: مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة (- إلى أن قال -:] ، وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ، فجعل النبيصلىاللهعليهوآله يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها.(٣)
وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة جاء فيه: انّه مرّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله جنازة معها بواك ، فنهرهنّ عمر ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله
____________________
(١) كذا في المصدر ، وفي الأصل: لا بدأن ، وهو تصحيف.
(٢) الاستيعاب ١: ٢٧٥.
(٣) مسند أحمد ١: ٣٣٥ ، مشكاة المصابيح ١: ٥٤٨ ح ١٧٤٨ ، مجمع الزوائد ٣: ١٧ ، كنز العمّال ١٥: ٦٢١ ح ٤٢٤٧٦.
: دعهنّ ، فإنّ النفس مصابة ، والعين دامعة ، [والعهد قريب].(١)
إلى غير ذلك ممّا لا يسعنا استيفاؤه.
وقد بكى يعقوب ، إذ غيّب الله ولده:( وَ قَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ کَظِيمٌ ) (٢) ، حتى قيل - كما في تفسير هذه الآية من «الكشاف» -: ما جفّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً ، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه. وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله - كما في تفسير هذه الآية من «الكشاف» أيضاً -: أنّه سئل جبرئيلعليهالسلام : ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف ؟
قال: وجد سبعين ثكلى.
قال: فما كان له من الأجر ؟
قال: أجر مائة شهيد(٣) ، وما ساء ظنّه بالله ساعة قطّ(٤) .
____________________
(١) مسند أحمد ٢: ٣٣٣ ، وانظر: سنن ابن ماجة ١: ٢٤٧ ، سنن النسائي ١: ٢٦٣.
أقول: قوله: «والعهد قريب» لا يدل ّعلى عدم الجواز مع بعد العهد ، فإنّه بمنزلة التعليل لصعوبة الصبر مع قرب العهد ؛ أي لو كان العهد بعيداً لهان عليهنّ ترك البكاء ، وان كان جائزاً أيضاً ، فلا يدل ّعلى اختصاص الجواز بقرب العهد ، مع انّ مثل مصيبة الحسينعليهالسلام وما اشتملت عليه من الفظاعة التي لم يسبق لها مثيل كلّما بعُد عهدها فهو قريب ، وكما قال القائل:
وفجائع الأيّام تبقى مدّة وتزول وهي إلى القيامة باقية
(٢) سورة يوسف: ٨٤.
(٣) قالرحمهالله : هذا كالصريح في استحباب البكاء ، إذ ليس المستحب الا ما يترتب الثواب على فعله كما هو واضح.
(٤) الكشاف ٢: ٤٥٠ ، تفسير الطبري ١٣: ٣٢ ، غرائب القرآن - بهامش تفسير الطبري - ١٣: ٤٢ ، تفسير
قلت: أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الأنبياء( وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (١) .
وأمّا ما جاء في الصحيحين(٢) : من انّ الميّت يعذّب لبكاء أهله عليه.
وفي رواية: ببعض بكاء أهله عليه.
وفي رواية: ببكاء الحيّ.
وفي رواية: يعذب في قبره بما نيح عليه.
وفي رواية: من يبك عليه يعذّب. فانّه خطأ من الراوي بحكم العقل والنقل.
قال الفاضل النووي: هذه الروايات كلّها من رواية عمر بن الخطّاب وابنه عبد الله.(٣)
قال: وأنكرت عائشة(٤) عليهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ، واحتجّت
الرازي ٥: ٢٣٨.
____________________
(١) سورة البقرة: ١٣٠.
(٢) صحيح البخاري ١: ١٥٥ ، صحيح مسلم ١: ٣٥٩ و٤: ٢٥٧ ، سنن ابن ماجة ١: ١٧٣ ، سنن النسائي ١: ٢١٣.
(٣) صحيح مسلم ٥: ٣١٨.
(٤) هي زوج النبيصلىاللهعليهوآله واُمّ المؤمنين ، تزوّجها النبيصلىاللهعليهوآله في السنة الثانية أ, الثالثة للهجرة وتوفّي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة على أشهر الأقوال.
ولقب ام المؤمنين هذا لا يختصّ بعائشة ، فهو يطلق على كلّ امرأة تزوّجها الرسسولصلىاللهعليهوآله ، فيُقال امّ المؤمنين خديجة ، وامّ المؤمنين حفصة... الخ.
وقد لعبت عائشة دوراً كبيراً في التاريخ الاسلامي ، فهي أوّل امرأة تقود جيشاً كبيراً لمحاربة خليفة المسلمين ، انّها عصت أمر الله وأمر رسوله لها بالذات وخرجت فقادت حرب
بقوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر اُخرى»(١) ... الخ.(٢)
قلت: وأنكر هذه الروايات أيضا عبد الله بن عبّاس(٣) واحتجّ على خطأ
الجمل المشؤومة التي انتهكت فيها المحارم ، وقتلت الأبرياء وخانت العهد في الكتاب الذي كتبته مع عثمان بن حنيف وعندما جاؤوها بالرجال مكتّفين أمرت بضرب أعناقهم صبراً ، وكأنّها لم تسمع قول النبيصلىاللهعليهوآله : «سباب المؤمن فوس وقتاله كفر».
وقد سجّل لها التاريخ كُرهاً وبغضاً للإمام علي لم يعرف له مثيل وصل بها إلى حدّ أنّها لا تطيق ذكر اسمه ولا تطيق رؤيته ، وعندما تسمع بأنّ الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان تقول: وددت لو أنّ السماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب ، وتعمل كلّ جهودها للإطاحة به ، وتقود ضدّه عسكراً جرّراراً لمحاربته ، وعندما ياتيها خبر موته تسجد شكراً لله ! (انظر: صحيح البخاري ١: ١٦٢ وج ٣: ١٣٥ وج ٥: ١٤٠).
____________________
(١) سورة الأنعام: ١٦٤ ، سورة الاسراء: ١٥ ، سورة فاطر: ١٨ ، سورة الزمر: ٧.
(٢) أخرج النسائي ومسلم ومالك في الموطأ: انّ عائشة لمـّا بلغها رواية ابن عمر: انّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله ونحوه ، قالت: مرّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على قبر فقال: إنّ صاحب القبر ليعذّب ، وانّ أهله يبكون عليه ، وقرأت: «ولا تزر» الآية. أو قالت: انّه لم يكذب ، ولكن نسي أو أخطأ ، انّما مرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على يهودية يبكى عليها فقال: انّهم ليبكون عليها وانّها لتعذّب في قبرها. أو قالت: انّه سمع شيئاً فلم يحفظ ، انّما مرّت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: أنتم تبكون عليه ، وانّه ليعذّب. أو قالت: وهل انّما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : انّه ليعذّب بخطيئته وبذنبه ، وانّ أهله ليبكون عليه الآن. أو قالت - لمـّا ذكر لها حديث من يبكي عليه يعذّب -: انّما كان اولئك اليهود. أو لمـّا بلغها قول عمر وابنه قالت: انكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولا مكذّبين ، ولكن السمع يخطئ.
انظر: سنن النسائي ١: ٢١٣ ، صحيح مسلم ٤: ٢٥٧ ، الموطأ ١: ١٠٧ ، والتردد في هذه الأقوال من الراوي.
(٣) عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، أبو العباس ، حبر الاُمّة ، صحابي جليل ، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوّة ، لازم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وروى عنه ، وشهد مع عليعليهالسلام الجمل وصفّين ، كفّ بصره في آخر عمره ، فسكن الطائف وتوفي
راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى أخرج الطبري(١) في حوادث سنة ١٣ من تاريخه بالإسناد إلى سعيد بن المسيب قال: لمـّا توفّي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: انّي أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام وأخرج امّ فروة اُخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة ، فضربها ضربات ، فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك.
قلت: كأنّه لم يعلم تقرير النبيصلىاللهعليهوآله نساء الأنصار على البكاء على موتاهنّ ، ولم يبلغه قولهصلىاللهعليهوآله : «لكن حمزة لا بواكي له» ، وقولهصلىاللهعليهوآله : «على مثل جعفر فلتبك البواكي» ، وقولهصلىاللهعليهوآله : «إنّما يرحم الله من عباده الرحماء».
ولعله نسي نهي النبيصلىاللهعليهوآله اياه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، نسي نهيه إيّاه عن انتهارهن في مقام آخر مرّ عليك آنفاً.(٢)
ثمّ إذا كان البكاء على الميّت حراماً ، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم أن بها سنة ٦٨ ه.
انظر: الإصابة ترجمة رقم (٤٧٧٢) ، صفة الصفوة ١: ٣١٤ ، حلية الأولياء ١: ٣١٤ ، نسب قريش: ٢٦ ، الأعلام ٤: ٩٥.
____________________
(١) تاريخ الاُمم والملوك ٢: ٤٩ (وفاة أبو بكر).
(٢) انظر مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣٥ و٢: ٣٣٣ ، سنن ابن ماجة ١: ٢٤٧ ، العقد الفريد ٢: ٤٧.
يبكين على خالد بن الوليد(١) حتى ذكر محمد بن سلام - كما في ترجمة خالد من الاستيعاب(٢) - انّه لم تبق امرأة من بني المغيرة الاوضعت لمـّتها - أي حلق رأسها - على قبر خالد ، وهذا حرام بلا ارتياب ، والله أعلم.(٣)
____________________
(١) بل انّ عمر بكى وحزن على أخيه زيد ورثاه ، ففي الإصابة (١: ٥٦٥ و ٦٤٣٢) في ترجمة زيد بن الخطاب: انّه لمـّا قُتل باليمامة حزن عليه عمر حزناً شديداً.
وفي الاستيعاب (١: ٥٤٣) بسنده عن ابن جابر قال: قال لي عمر بن الخطاب: ما هبّت الصبا الاوأنا أجد منها ريح زيد.
وقد بكى عمر أيضاً على النعمان بن مقرن حين قتل في فتح نهاوند واضعاً يده على رأسه علامة على شدّة الحزن وعظيم المصاب. ففي الاستيعاب (٣: ٥٤٧) في ترجمة النعمان: و لمـّا جاء نعيه عمر بن الخطاب ، خرج فنعاه إلى الناس على المنبر ، ووضع يده على رأسه يبكي!
(٢) الاستيعاب - بهامش الاصابة - ٣: ٣٩٧. وانظر: صحيح البخاري ١: ١٦٧ (باب ما يكره من النياحة) ، النهاية لابن الأثير ٥: ١٠٩ ، العقد الفريد ٢: ٧٦.
(٣) فقد روى البخاري في صحيحه (١: ١٥٥ ، كتاب الجنائر): إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم برئ من الحالقة ، وكذا روى النسائي في سننه (١: ٢١٧).
المطلب الثاني
في رثاء الميّت بالقريض
ويظهر من القسطلاني في شرح [صحيح] البخاري(١) انّ الجماعة يفصّلون القول فيه ، فيحرمون ما اشتمل منه على مدح الميّت وذكر محاسنه ، الباعث على تحريك الحزن وتهييج اللوعة ، ويبيحون ما عدا ذلك ، والحقّ اباحته مطلقاً ، إذ لا دليل هنا يعدل بنا عن مقتضى الأصل ، والنواهي التي يزعمونها انّما يستفاد منها الكراهة في موارد مخصوصة على انّها غير صحيح بلا ارتياب.
وقد رثى آدمعليهالسلام ولده هابيل ، واستمرت على ذلك ذرّيّته إلى يومنا هذا بلا نكير.(٢)
وأقرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أصحابه عليه مع اكثارهم من تهييج الحزن به ، وتفنّنهم بمدائح الموتى فيه ، وتلك مراثيهم منتشرة في كتب الأخبار ،
____________________
(١) ارشاد الساري ٣: ٢٩٨ (باب رثاء النبي سعد بن خولى).
(٢) قال الطبي في تاريخه (١: ٣٧) ما لفظه:
وذكر انّ قابيل لمـّا قتل أخاه هابيل بكاه آدم فقال فيما حدّثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي إسحاق الهمداني قال: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لمـّا قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال:
تغيّرت البلاد ومَن عليها |
فلون الأرض مغبّر قبيح |
|
تغيّر كل ذي طعم ولون |
وقلّ بشاشة الوجه المليح |
فراجع الاستيعاب إن أردت بعضها أحوال سيد الشهداء حمزة(١) ، وعثمان بن مظعون(٢) ، وسعد بن معاذ(٣) ، وشمّاس بن عثمان بن الشريد(٤) ، والوليد بن الوليد
____________________
(١) الاستيعاب ١: ٣٢٥.
(٢) جاء في الاستيعاب (٣: ٨٩) أنّه لمـّا مات عثمان بن مظعون رثته امرأته فقالت:
يا عين جودي بدمع غير ممنون |
على رزية عثمان بن مظعون |
|
على امرئ كان في رضوان خالقه |
طوبى له من فقيد الشخص مدفون |
|
طاب البقيع له سكنى وغرقده |
واشرقت أرضه من بعد تفتين |
|
وأورث القلب حزناً لا انقطاع له |
حتى الممات وما ترقى له شوني |
وقد أخرج ابن ماجة في سننه (١: ٣٢٩ ، باب ما جاء في تقبيل الميّت) ، عن عائشة قالت: قبّل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عثمان بن مظعون وهو ميّت ، فكأني انظر إلى دموعه تسيل على خدّيه.
وقال محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي في الحاشية: قوله: على خدّيه ؛ أي خدّي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو خدّي عثمان ، ويؤيّد الثاني ما جاء: حتى سالت دموع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على وجه عثمان ، والله تعالى أعلم.
(٣) أورد ابن هشام في سيرته (٤: ٢٩٦) ، عن ابن إسحاق قال: قال حسّان بن ثابت يبكي سعد بن معاذ: لقد
سجمت من دمع عيني عبرة |
وحُقّ لعيني أن تفيض على سعد |
|
لقد سجمت من دمع عيني عبرة |
وحُقّ لعيني أن تفيض على سعد |
|
قتيل ثوى في معرك فجعت به |
عيون ذواري الدمع دائمة الوجد |
|
على ملّة الرحمن وارث جنّةٍ |
مع الشهداء وفدها أكرم الوفد |
|
فإن تك قد ودّعتنا وتركتنا |
وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد |
|
فأنت الذي يا سعد أبتّ بمشهد |
كريم وأثواب المكارم والحمد |
|
بحكمك في حيّي قريظة بالذي |
قضى الله فيهم ما قضيت على عمد |
(٤) قالت نُعم تبكي زوجها شمّاس بن عثمان الذي اُصيب يوم اُحد:
يا عين جودي بفيض غير إبساس |
على كريم من الفتيان لبّاس |
|
صعب البديهة ميمون نقيبته |
حمّال ألوية رَكّاب أفراس |
|
أقول لمـّا أتى الناعي له جزعاً |
أودى الجواد وأودى المُطعم الكاسي |
|
وقلت لمـّا خلت منه مجالسه |
لا يُبعد الله عنّا قرب شمّاس |
ابن المغيرة(١) ، وأبي خراش الهذلي(٢) ، وأياس بن البكير الليثي(٣) ، وعاتكة بنت
فأجابها أخوها أبو الحكم بن سعيد بن يربوع فقال:
اقني حياءك في ستر وفي كرم |
فإنّما كان شمّاس من الناس |
|
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته |
في طاعة الله يوم الروع والباس |
|
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري |
فذاق يومئذٍ من كأس شمّاس |
انظر: سيرة ابن هشام ١٦٨:٣، الاصابة ٩٧:٢.
____________________
(١) قالت امّ سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله تبكي الوليد بن الوليد بن المغيرة:
يا عين فابكي الوليـ |
د بن الوليد بن المغيرة |
|
قد كان غيثاً في السنيـ |
ن ورحمة فينا وميرة |
|
ضخم الدسيعة ماجداً |
يسمو إلى طلب الوتيرة |
|
مثل الوليد بن الوليـ |
د أبي الوليد كفى العشيرة |
انظر: الاستيعاب ٣: ٦٣٠.
(٢) هو خويلد بن مرّة أبو خرّاش الهذلي ، كان في الجاهلية من فتّاك العرب ثم أسلم ، وكان يعدو على قدميه فيسبق الخيل ، قال وهو يرثي أخاه أو ابن عمّه زهيراً الذي قتله جميل بن معمّر الجمحي أسيراً يوم حنين ؛ وقيل: قاله في أخيه عروة بن مرّة:
فجع أضيافي جميل بن معمّر |
بذي مفخر تأوي إليه الأرامل |
|
طويل نجاد السيف ليس بحيدر |
إذا اهتزّ واسترخت عليه الحمائل |
|
إلى بيته يأوي الغريب إذا شتا |
ومهتلك بالي الدريسين عائل |
|
تكاد يداه تسلّما رداءه |
من الجود لما استقبلته الشمائل |
|
فأقسم لو لاقيته غير موثّق |
لآبك بالجزع الضياع النواهل |
|
وانّك لو واجهته ولقيته |
فنازلته وكنت ممّن ينازل |
|
لكنت جميل أسوأ الناس صرعة |
ولكن أقران الظهور مقاتل |
|
فليس كعهد الدار يا اُمّ مالك |
ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل |
|
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل |
سوى الحق شيئاً فاستراح العواذل |
انظر: الاستيعاب ٤: ١٨٤.
(٣) قال أياس بن البكير يرثي زيد بن الخطاب:
ألا يا ليت اُمّي لم تلدني |
ولم أك في الغزاة لدى البقيع |
زيد بن عمرو بن نفيل(١) ، وغيرهم(٢) .
ولاحظ من الاصابة أحوال ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب(٣) ، وأبي
ولم أر مصرع ابن الخير زيد |
وهدّته هنالك من صريع |
|
هو الرزء الذي عظمت وجلّت |
مصيبته على الحي الجميع |
انظر: الاستيعاب ١: ١٠٢.
____________________
(١) وهي التي تزوجت بعدّة أزواج فقتلوا ؛ فقيل عنها: من أحبّ الشهادة فليتزوج عاتكة ؟
قالت وهي ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر المقتول في وقعة الطائف:
رزئت بخير الناس بعد نبيّهم |
وبعد أبي بكر وما كان قصرا |
|
فآليت لا تنفكّ عيني حزينة |
عليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا |
|
فلله عيناً من رأى مثله فتى |
أكرّ و احمى في الهياج واصبرا |
|
إذا شرعت فيه الاسنة خاضها |
إلى الموت حتى يترك الرمح احمرا |
انظر: الاستيعاب ٤: ٣٦٥.
(٢) كمراثي الخنساء لأخويها صخر ومعاوية ، ورثاء متمّم بن نويرة وغيره أخاه مالكاً الذي قتله خالد بن الوليد ، والمراثي التي قيلت في الإمام الحسينعليهالسلام من يوم شهادتهعليهالسلام إلى اليوم.
(٣) الاصابة ١: ٢٣٧.
قال حسّان بن ثابت الأنصاري يرثي جعفر بن أبي طالب وأصحاب مؤتة:
فلا يُبعدن الله قتلى تتابعوا |
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر |
|
فطاعن حتى مال غير موسّد |
بمعتركٍ فيه قنا متكسّر |
|
فصار مع المستشهدين ثوابه |
جنان وملتفّ الحدائق أخضر |
|
وكنّا نرى في جعفر من محمد |
وفاء وأمراً حازماً حين يأمر |
|
فما زال في الإسلام من آل هاشم |
دعائم عزّ ولا تزول ومفخر |
|
بهاليل منهم جعفر وابن اُمّه |
علي ومنهم أحمد المتخير |
|
وحمزة والعبّاس منهم ومنهم |
عقيل وماء العود من حيث يُعصر |
|
بهم تُفرج اللأواء في كلّ مأزق |
عماسٍ إذا ما ضاق بالناس مصدر |
|
هم أولياء الله أنزل حكمه |
عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّر |
زُبَيد الطائي(١) ، وأبي سنان بن حريث المخزومي(٢) ، والأشهب بن رميل-ة الدارمي(٣) ، وزينب بنت العوام(٤) ، وعبد الله بن عبد المدان الحارثي(٥) ، وجماعة
انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٤: ٣٨٤ - ٣٨٥.
____________________
(١) في الأصل: أبو زيد الطائي ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح.
وهو حرملة بن منذر ، ويقال: المنذر بن حرملة بن معد بن يكرب بن حنظلة الطائي ، قال يرثي الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام لما مات:
إنّ الكرام على ما كان من خُلق |
رهط امرئ جامع للدين مختار |
|
حبّ بصير بأصناف الرجال |
ولم يعدل بخير رسول الله أخيار |
انظر: الاصابة ترجم رقم «٩٩٧١».
(٢) قال أبو سنان بن حريث المخزومي وهو يرثي شمّاس بن عثمان وهو زوج ابنته:
اقني حيائك في ستر وفي خفر |
فإنّما كان عثمان من الناس |
|
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته |
في طاعة الله يوم الروع والباس |
|
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري |
قد ذاق ما ذاق عثمان بن شمّاس |
انظر: الاصابة ٢: ٩٧.
(٣) قال الأشهب بن رميلة الدارمي يرثي أخاه رباب بن رميلة:
أعيني قلت عبرة من أخيكما |
بأن تسهرا الليل التمام وتجزعا |
|
وباكية تبكي رباباً وقائل |
جزى الله خيراً ما أعفّ وأمنعا |
|
فلو كان قلبي من حديد أذابه |
ولو كان من صمّ الصفا لتصدّعا |
انظر: الاصابة ١: ٤٩٤.
(٤) هي زينب بن العوام بن خُويلد بن أسد القرشية الأسدية ، اُخت الزبير بن العوام ، شاعرة صحابية ، أسلمت قديماً وبقيت وعاشت إلى أن قُتل ابنها عبد الله بن حكيم يوم الجمل ، فرثته وذكرت حاله. انظر: الإصابة ترجمة رقم «١١٢٤٩» ، أعلام النساء: ١٠١.
(٥) قال ابن حجر في الاصابة (٣: ١٥٦): كان عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب صاهر عبد الله بن عبد المدان - وهو من الصحابة - على ابنته ، فلمّا أمّره عليّعليهالسلام على اليمن ، وسار بسر بن أرطأة إليها من قبل معاوية خرج عنها عبيد الله واستخلف عليها صهره هذا ، فقتله بسر وابنه مالكاً وولدي عبيد الله ابني اُخت مالك ، فقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يرثي عبد الله بن المدان وابنه مالكاً وكانا صديقين له:
آخرين لا تحضرني أسماؤهم ، ودونك كتاب الدرة في التعازي والمراثي ، وهو في أول الجزء الثاني من العقد الفريد(١) تجد فيه مراثي الصحابة ومن بعدهم شيئاً كثيراً ، وليس شيء ممّا أشرنا إليه الا وقد اشتمل على ما يهيج الحزن ويجيد اللوعة بمدح الميّت وذكر محاسنه.
و لمـّا توفّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله تنافست فضلاء الصحابة في رثائه ، فرثته سيدة نساء العالمينعليهاالسلام بأبيات تهيج الأحزان ، ذكر القسطلاني في ارشاد الساري(٢) بيتين منها وهما قولهاعليهاالسلام :
ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ |
أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا(٣) |
|
صُبّت عليَّ مصائب لو أنّها |
صُبّت على الأيّام صرن لياليا |
ورثته أيضا بأبيات تثير لواعج الأشجان ذكر ابن عبد ربّه المالكي بيتين منها في العقد الفريد وهما:
إنّا فقدناك فَقدَ الأرض وابلها |
وغاب مُذ غِبت عنّا الوحي والكتب |
|
فليت قبلك كان الموت صادفنا |
لما نُعيت وحالت دونك الكُثب(٤) |
|
ولولا أن تعنّفني قريش |
بكيت على بني عبد المدان |
|
فإنّهم أشدّ الناس فجعاً |
وكلّهم لبيت المجد باني |
|
لهم أبوان قد علمت يمان |
على آبائهم متقدّمان |
____________________
(١) العقد الفريد ٢: ٢٧.
(٢) صحيح البخاري ٢: ٣٦٣ و ٣٩٠.
(٣) الغوالي: جمع غالية ، وهي الطيب.
(٤) العقد الفريد ٣: ١٩٤.
وقال ابن الاثير في النهاية (٣: ١٥٦): انّ فاطمة قالت بعد موت النبيصلىاللهعليهوآله :
ورثته عمّته صفية بنت عبد المطلب(١) بقصيدة يائية ، ذكر ابن عبد البر في أحوال النبيصلىاللهعليهوآله من استيعابه جملة منها.(٢)
ورثاه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب(٣) بقصيدة لامية ذكر بعضها
قد كان بعدك أنباء وهنبثة |
لو كان شاهدها لم تكثر الخطب |
|
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها |
فاختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب |
وقالت أيضا ترثيهصلىاللهعليهوآله كما أورده أحمد بن زيني دحلان في سيرته (٣: ٣٩٢):
إغبرّ آفاق السماء وكُوّرت |
شمس النهار واظلم العصران |
|
والأرض من بعد النبي كئيبة |
أسفاً عليه كثيرة الرجفان |
|
فليبكه شرق البلاد وغربها |
وليبكه مُضرّ وكلّ يمان |
____________________
(١) انظر ترجمتها في: اُسد الغابة ٧: ١٧٣ ، الطبقات الكبرى ٢: ٣٣٠.
(٢) قالت صفيّة ترثي رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا |
وكنت بنا برّاً ولم تك جافيا |
|
وكنت رحيماً هادياً ومعلماً |
ليبك عليك اليوم من كان باكيا |
|
لعمرك ما أبكي النبيّ لفقده |
ولكن لما أخشى من الهرج آتيا |
|
كأنّ على قلبي لذكر محمد |
وماخفت من بعد النبي المكاويا |
|
أفاطم صلى الله رب محمد |
على جدث أمسى بيثرب ثاويا |
|
فداً لرسول الله اُمّي وخالتي |
وعمّي وآبائي ونفسي وماليا |
|
صدقت وبلغت الرسالة صادقاً |
ومتّ صليب العود أبلج صافيا |
|
فلو انّ ربّ الناس أبقى نبيّنا |
سعدنا ولكن أمره كان ماضيا |
|
عليك من الله السلام تحية |
وأخلدت جنّات من العدن راضيا |
|
أرى حسناً يتّمته وتركته |
يبكي ويدعو جدّه اليوم نائيا |
انظر: الاستيعاب - بهامش الاصابة - ٤: ٣١٢.
(٣) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، أسلم يوم الفتح وحسن اسلامه ، فيقال انّه ما رفع رأسه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله حياء منه بعد الذي وقف من رسول الله قبل اسلامه ، وشهد أبو سفيان حنيناً وأبلى فيها بلاء حسناً ، وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذ
صاحبا الاستيعاب والاصابة في ترجمة أبي سفيان المذكور.(١)
ورثاه أبو ذؤيب الهذلي(٢) - كما يعلم من ترجمته في الاستيعاب والاصابة - بقصيدة حائية.(٣)
ورثاه أبو الهيثم(٤) بن التيهان بقصيدة داليّة أشار إليها ابن حجر في ترجمة
انظر ترجمته في الاستيعاب ٤: ٨٤ - ٨٥ ، الاصابة ٤: ٩٠.
____________________
(١) قال أبو سفيان بن الحارث يرثي رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
أرّقت فبات ليلي لا يزول |
وليل أخي المصيبة فيه طول |
|
فاسعدني البكاء وذاك فيما |
اُصيب المسلمون به قليل |
|
لقد عظمت مصيبتنا وجلت |
عشيّة قيل: قد قبض الرسول |
|
وأضحت ارضنا ممّا عراها |
تكاد بنا جوانبها تميل |
|
فقدنا الوحي والتنزيل فينا |
يروح به ويغدو جبرئيل |
|
وذاك أحقّ ما سالت عليه |
نفوس الناس أو كادت تسيل |
|
نبيّ كان يجلو الشكّ عنّا |
بما يوحى إليه وما يقول |
|
ويهدينا فلا نخشى ضلالاً |
علينا والرسول لنا دليل |
|
أفاطم إن جزعت فذاك عذر |
وإن لم تجزعي ذاك السبيل |
|
فقبر أبيك سيّد كلّ قبر |
وفيه سيّد الناس الرسول |
انظر: الاستيعاب ٤: ١٣٤.
(٢) انظر ترجمته في الاستيعاب ٤: ٩٧.
(٣) قال أبو ذؤيب الهذلي يرثي رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها |
وتزعزعت آطام بطن الأبطح |
|
وتزعزعت أجبال يثرب كلّها |
ونخيلها لحلول خطب مفدح |
انظر: الاستيعاب ٤: ٩٨.
(٤) هو مالك بن التيهان أبو الهثيم الأنصاري: من السابقين ، وكان أحد الستّة الذين لقوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأوّل ما لقيه الأنصار ، وألأول من بايعه ليلة العقبة ، شهد صفين واستشهد فيها.
وقيل: هو عبيد بن التيهان ؛ وقيل: عتيك بن التيهان الأنصاري ، شهد بدر واُحد ، وقيل: قتل في اُحد قتله عكرمة بن أبي جهل ، وقيل: بل قتل بصفين مع عليعليهالسلام .
أبي الهيثم من اصابته.(١)
ورثته اُمّ رعلة القشيرية(٢) في قصيدة أشار إليها العسقلاني في ترجمه أم رعلة من اصابته.(٣)
ورثاه عامر بن الطفيل بن الحرث الأزدي(٤) لقصيدة جيميّة أشار إليها ابن حجر في ترجمة عامر من الاصابة.(٥)
ومن استوعب الاستيعاب ، وتصفّح الأصابة ، واسد الغابة ، ومارس كتب الأخبار ، يجد مراثيهم المشتملة على تهييج الحزن بذكر محاسن الموتى شيئاً يتجاوز حد الأحصاء(٦) .
انظر: أسد الغابة ٥: ١٤ - ١٦ ، الاصابة ٣: ٣٤١ و٥٣٤ و٥٧٤.
____________________
(١) قال أبو الهيثم بن التيهان يرثي الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
لقد جدعت آذاننا وانوفنا |
غداة فجعنا بالنبي محمد |
انظر الاصابة ٤: ١٨٦.
(٢) انظر ترجمتها في الاصابة ٤: ٢٧٥.
(٣) قالت امّ رعلة القشيرية ترثي رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
يا دار فاطمة المعمور ساحتها |
هيّجت لي حزناً حييث من دار |
انظر: الاصابة ٤: ٢٧٦.
(٤) انظر ترجمته في الاصابة ٣: ٥٣.
(٥) قال عامر بن الطفيل يرثي الرسول الأكرمصلىاللهعليهوآله :
بكت الأرض والسماء على النو |
ر الذي كان للعباد سراجا |
|
من هدينا به الى سبل الحـ |
قّ وكنّا لا نعرف المنهاجا |
انظر: الاصابة ٣: ٥٤.
(٦) للاطّلاع أكثر يمكن مراجعة الكتاب القيّم (إقناع اللائم على إقامة المآتم) والذي ألّفه الإمام محسن الأمين العاملي قدس سره ففيه المزيد من هذه الأخبار ، وهو من تحقيقنا ونشر مؤسسة المعارف الاسلامية في قم.
وقد أكثرت الخنساء(١) وهي صحابية من رثاء أخويها صخر ومعاوية - وهما كافران - ، وأبدعت في مدائح صخر ، وأهاجت عليه لواعج الحزن فما أنكر عليها منكر.(٢)
وأكثر أيضاً مُتمّم بن نُويرة من تهييج الحزن على أخيه السائرة حتى وقف مرّة في المسجد هو غاص بالصحابة أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح واتّكأ على سيّة قوسه فأنشد: نِعم القتيل - إذا الرياح تناوحت(٣) خلف البيوت - قتلت يا ابن الأزور(٤)
____________________
(١) انظر ترجمتها في: الاصابة ٤: ٢٨٦.
(٢) قال أبو عمر: قدمت (الخنساء) على النبيصلىاللهعليهوآله مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم ، فذكروا انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان يستنشدها ويعجبه شعرها ، وكانت تنشده وهو يقول: هيّه يا خناس ، ويومئ بيده.
ومن قولها في صخر:
أعينيّ جودا ولا تجمدا |
ألا تبكيان لصخر الندى ؟ |
|
ألا تبكيان الجري الجميل |
ألا تبكيان الفتى السيّدا؟ |
|
طويل النجاد عظيم الرماد |
وساد عشيرته أمردا |
وقالت كذلك:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني |
فقد أضحكتني دهراً طويلاً |
|
ذكرتك في نساء معولات |
وكنت أحقّ من أبدي العويلا |
|
دفعت بك الجليل وأنت حيّ |
فمن ذا يدفع الخطب الجليلا |
|
إذا قبّح البكاء على قتيل |
رأيت بكاءك الحسن الجميلا |
انظر: الاصابة ٤: ٢٨٦.
(٣) تناوحت: تقابلت.
(٤) هو: ضرار بن الأزور الأسدي ، من بني كرز ، وهو الذي قتل مالك بن نويرة بأمر خالد بن الوليد. انظر: الأغاني ١٤: ٦٦ - ٧٣.
ثمّ أومأ إلى أبي بكر - كما في ترجمة وثيمة بن موسى بن الفرات من وفيات ابن خلكان - فقال مخاطبا له:
أدعوته بالله ثمّ غدرته(١) |
لو هو دعاك بذمّة لم يغدر |
فقال أبو بكر: والله ما دعوته ، ولا غدرته. ثم قال:
ولنعم حشو الدرع كان وحاسراً |
ولنعم مأوى الطارق المتنوّر |
|
لا يمسك(٢) الفحشاء تحت ثيابه |
حلو شمائله عفيف المئزر |
وبكى حتى انحطّ عن سيّة قوسه ، قالوا: فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء ، فما أنكر عليه في بكائه ولا رثائه منكر ، بل قال له عمر - كما في ترجمة وثيمة من الوفيات -: لوددت أنّك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك ، فرثى متمم بعدها زيد بن الخطّاب فما أجاد ، فقال له عمر: لِم لَم ترث زيداً كما رثيت مالكاً ؟
فقال: انّه والله ليحرّكني لمالك ما لا يحرّكني لزيد(٣) .
واستحسن الصحابة ومن تأخر عنهم مراثيه في مالك ، وكانوا يتمثّلون بها كما اتّفق ذلك من عائشة ، إذ وقفت على قبر اخيها عبد الرحمن - كما في ترجمته من الاستيعاب(٤) - فبكت عليه وتمثّلت:
وكُنّا كَنَدماني جَذيمة حِقبةً |
من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا |
____________________
(١) في المصادر: قتلته.
(٢) في العقد الفريد: لا يُمسك.
(٣) وانظر: الكامل للمبرّد ٣: ١٦٢.
(٤) الاستيعاب ٢: ٤٩٧.
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكاً |
لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا(١) |
وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين وغيرهم في كلّ عصر ومصر لا يتناكرونه مطلقاً.
____________________
(١) تعتبر هذه القصيدة من أشهر قصائد متمّم التي يرثي بها أخاه مالكاً ، وتسمى اُمّ المراثي. انظر العقد الفريد ٣: ٢٢٠.
المطلب الثالث
في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميّت ومصائبه
كما كانت عليه سيرة السلف وفعلته عائشة ، إذ وقفت على قبر أبيها باكية ، فقالت: كنت للدنيا مذلاً بإدبارك عنها ، وكنت للآخرة معزّاً باقبالك عليها ، وكان أجل الحوادث بعد رسول الله رزؤك ، وأعظم المصائب بعده فقدك.(١)
وفعله محمد بن الحنفية(٢) ، إذ وقف على قبر أخيه المجتبىعليهالسلام فخنقته العبرة - كما في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد - ثم نطق فقال: يرحمك الله أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح روح ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت بقيّة ولد الانبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذّتك أكفّ الحقّ ، وربّيت في حجر الإسلام ، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً ، وإن كانت انفسنا غير طيّب-ة بفراقك ، ولا شاكّة في الخيار لك(٣) .
ثمّ بكى بكاءاً شديداً وبكى الحاضرون حتى [علا] نشيجهم.
____________________
(١) العقد الفريد ٢: ٣٧.
(٢) أبو القاسم محمد الأكبر بن علي بن أبي طالب ، والحنفية لقب اُمّه خولة بنت جعفر ، كان كثير العلم والورع ، شديد القوة ، توفي سنة ٨٠ ه ؛ وقيل: ٨١ ه. انظر: تنقيح المقال ٣: ١١٥ ، وفيات الأعيان ٥: ٩١.
(٣) العقد الفريد ٢: ٧٨.
ووقف أمير المؤمنينعليهالسلام على قبر خباب بن الأرت(١) في ظهر الكوفة(٢) ، وهو أوّل من دفن هناك - كما نصّ عليه ابن الأثير في آخر تتمة صفّين - فقالعليهالسلام :
رحم الله خباباً ، قد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلي في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.(٣)
و لمـّا توفّي أمير المؤمنين قام الخلف من بعد أبو محمد الحسن الزكيعليهماالسلام خطيباً فقال - كما في حوادث سنة ٤٠ من تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما - فقال:
لقد قتلتم الليلة رجلا والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد يكون بعده ، والله إن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ليبعثه في السرية ، وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، [والله] ما ترك صفراء ولا بيضاء... الخ.(٤)
ووقف الإمام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنينعليهماالسلام فقال:
____________________
(١) خباب بن الأرت - بتشديد المثناة - بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم التميمي ، ويقال: الخزاعي.
روى الباوردي أنّه أسلم سادس ستّة ، وهو أوّل من أظهر اسلامه وعُذّب عذاباً شديداً لأجل ذلك ، شهد بدراً وما بعدها ، ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين. انظر: الإصابة ١: ٤١٦ ترجمة رقم «٢٢١٥» ، أسد الغابة ٢: ١١٤ - ١١٧.
(٢) الكوفة - بالضم -: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق ؛ قيل: سمّيت الكوفة لاستدارتها. معجم البلدان ٤: ٢٢٢.
(٣) الكامل في التاريخ ٣: ٢١٥ ، وقعة صفّين: ٢٨٣ ، العقد الفريد ٢: ٦٦.
(٤) تاريخ الاُمم والملوك ٥: ١٥٧ ، الكامل في التاريخ.
أشهد أنّك جاهدت في الله حقّ جهاده ، وعملت بكتابه ، واتّبعت سنن نبيّهصلىاللهعليهوآله ، حتى دعاك الله إلى جواره ، فقبضك إليه باختياره ، لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجّة [في قتلهم ايّاك] مع ما لك من الحجج البالغة على جمي-ع خلقه.(١)
وعن أنس بن مالك - كما في العقد الفريد وغيره - قال: لمـّا فرغنا من دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم [أقبلت عليّ فاطمة فقالت: يا أنس ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التراب ؟ ثمّ بكت ونادت: يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه مِن ربّه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه ، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه.(٢)
ولو أردنا أن نستوفي ما كان من هذا القبيل لخرجنا عن الغرض المقصود ، وحاصله أن تأبين الموتى من أهل الآثار النافعة بنشر مناقبهم ، وذكر مصائبهم ، ممّا حكم بحسنه العقل والنقل ، واستمرت عليه سيرة السلف والخلف ، وأوجبته قواعد المدنية ، واقتضته اصول الترقي في المعارف ، إذ به تحفظ الآثار النافعة ، وبالتنافس فيه تعرج الخطباء إلى أوج البلاغة ، والقول بتحريمه يستلزم تحريم قراءة التاريخ وعلم الرجال ، بل يستوجب المنع من تلاوة الكتاب والسنّة لاشتمالها على جملة من مناقب الأنبياء ومصائبهم ، ومن يرضى لنفسه هذا الحمق ، أو يختار لها هذا العمى ، نعوذ بالله من سفه الجاهلين.
____________________
(١) العقد الفريد ٢: ٧١.
(٢) العقد الفريد ٣: ٢٣ ، وانظر مسند أحمد ٣: ١٩٧.
المطلب الرابع
في الجلوس حزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة
وحسبك في رجحان ذلك ما تواتر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الحزن الشديد على عمّه أبي طالب وزوجته الصدّيقة الكبرى ام المؤمنينعليهماالسلام ، وقد ماتا في عام واحد فسمّي «عام الحزن» وهذا معلوم بالضرورة من اخبار الماضين.
وأخرج البخاري - في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن من الجزء الأول من صحيحه - بالاسناد عن عائشة قالت: لمـّا جاء النبيصلىاللهعليهوآله قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس - أي في المسجد كما في رواية أبي داود(١) - يعرف فيه الحزن.
وأخرج البخاري في الباب المذكور أيضا عن أنس قال: قنت(٢) رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شهراً حين قتل القرّاء(٣) فما رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله حزن حزناً قطّ أشد منه.(٤) الحديث.
____________________
(١) ارشاد الساري ٢: ٣٩٣.
(٢) القنوت: الإمساك عن الكلام ؛ وقيل: الدعاء في الصلاة ، لسان العرب ٢: ٧٣.
(٣) والقُراء: هم الذين كانوا يتعلّمون القرآن في صفة المسجد أرسلهم النبيصلىاللهعليهوآله الى أهل نجد فقتلوا في الطريق.
(٤) ارشاد الساري ٢: ٣٩٦.
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى او تستقصى.
والقول بأنّه انّما يحسن ترتيب آثار الحزن إذا لم يتقدّم العهد بالمصيبة مدفوع بانّ من الفجائع ما لا تخبو زفراتها ولا تخمد لوعتها ، فقرب العهد بها وبعده عنها سواء.
نعم ، يتمّ قول هؤلاء اللائمين إذا تلاشى الحزن بمرور الأزمنة ولم يكن دليل ولا مصلحة يوجبان التعبّد بترتيب آثاره ، وما أحسن قول القائل في هذا المقام:
خلي اُميمة عن ملا |
مك ما المعزّي كالثكول |
|
ما لراقد الوسنان مثـ |
ل معذّب القلب العليل |
|
سهران من ألم وهـ |
ذا نائم الليل الطويل |
|
ذوقي اُميمة ما أذو |
ق وبعده ما شئت قولي |
على انّ في ترتيب آثار الحزن بما أصاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن تلك الفجائع ، وحلّ بساحته من هاتيك القوارع حكماً توجب التعبّد بترتيب آثار الحزن بسببها على كلّ حال ، والأدلة على ترتيب تلك الآثار في جميع الأعصار متوفّرة وستسمع اليسير منها ان شاء الله تعالى.
وقد علمت سيرة أهل المدينة الطيبة(١) واستمرارها على ندب حمزة وبكائه مع بعد العهد بمصيبته فلم ينكر عليهم في ذلك أحد حتى بلغني انّهم لا يزالون إلى
____________________
(١) مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وهي يثرب ، مساحتها نصف مكة ، وهي في حرّة سبخة الأرض ، ولها نخيل كثيرة ومياه ، والمسجد في نحو وسطها ، وقبر النبي في شرقي المسجد وللمدينة أسماء كثيرة ، منها: طيبة ويثرب والمباركة. انظر: معجم البلدان ٥: ٨٢.
الآن إذا ناحوا على ميّت بدأوا بالنياحة عليه ، وما ذاك الامواساة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله بمصيبته في عمّه ، وأداءاً لحقّ تلك الكلمة التي قالها في البعث على البكاء عليه وهي قوله: «لكنّ حمزة لا بواكي له».
وكان الأولى لهم ولسائر المسلمين مواساته في الحزن على أهل بيته والاقتداء به في البكاء عليهم ، وقد لام بعض أهل البيتعليهمالسلام من لم يواسيهم في ذلك ، فقال: يا لله لقلب لا ينصدع لتذكار تلك الاُمور ، ويا عجباً من غفلة أهل الدهور ، وما عذر أهل الاسلام والايمان في اضاعة أقسام الأحزان ، ألم يعلموا أنّ محمداصلىاللهعليهوآله موتور وجيع ، وحبيبه مقهور صريع.
قال وقد أصبح لحمه صلوات الله عليه مجرّداً على الرمال ، ودمه الشريف مسفوكاً بسيوف أهل الضلال: فياليت لفاطمة وأبيها عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها ، وهم ما بين مسلوب وجريح ، ومسحوب وذبيح... إلى آخر كلامه.
ومن وقف على كلام أئمة أهل البيتعليهمالسلام في هذا الشأن ، لا يتوقّف في ترتيب آثار الحزن عليهم مدى الدوران ، لكنّا منينا بقوم لا ينصفون ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
المطلب الخامس
في الانفاق عن الميّت في وجوه البر والاحسان
ويكفي في استحبابه عموم ما دلّ على استحباب المبرّات والخيرات على انّ فعل النبيصلىاللهعليهوآله وقوله ، دالان على الاستحباب في خصوص المقام ، وحسبك من فعله ، ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما(١) بطرق متعدّدة عن عائشة: ما غرت على أحد من نساء النبيصلىاللهعليهوآله ما غرت على خ-ديجة(٢) وما رأيتها ، ولكن كان النبيصلىاللهعليهوآله يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثمّ يقطعها أعضاء ، ثمّ يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا الا خديجة ، فيقول: انّما كانت وكان لي منها ولد.(٣)
____________________
(١) البخاري باب تزويج النبي خديجة ، مسلم: باب فضائل خديجة.
(٢) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ، من قريش ، زوج رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكانت أسنّ منه بخمس عشرة سنة ، ولدت بمكة ، كانت ذا مال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام ، تستأجر الرجال ، فلمّا بلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الخامسة والعشرين من عمره خرج في تجارة لها فعاد رابحاً ، تزوجها رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبل النبوّة ، دعاها رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الإسلام ، فكانت أول نساء هذه الامة إسلاماً ، وكانت تصلّي مع النبيصلىاللهعليهوآله سرّاً ، توفيت خديجة بمكّة لثلاث سنين قبل الهجرة.
انظر: الطبقات الكبرى ٨: ٧ - ١١ ، صفة الصفوة ٢: ٢ ، تاريخ الخميس ١: ٣٠١ ، الأعلام ٢: ٣٠٢.
(٣) صحيح البخاري ٤: ٢٣١ باب تزويج النبيصلىاللهعليهوآله خديجة ، وج ٦: ١٥٧ باب الغيرة.
قلت: وهذا يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميّت ، وأوليائه في الله عزّ وجل بالخصوص.
ويكفيك من قولهصلىاللهعليهوآله ، ما أخرجه مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميّت إليه ، من كتاب الزكاة ، في الجزء الأول من صحيحه بطرق متعدّدة ، عن عائشة: أنّ رجلاً أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله إنّ اُمّي افتلتت(١) نفسها ولم توص ، [وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت] ، أفلها أجر إن تصدّقت عنها ؟
قال: نعم(٢) .
ومثله: ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عباس في ص ٣٣٣ من الجزء الأول من مسنده ، من انّ سعد بن عبادة قال: انّ ابن بكر أخا بني ساعدة توفّيت أمّه وهو غائب عنها ، فقال: يا رسول الله انّ اُمّي توفّيت ، وأن غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدّقت بشيء عنها ؟
قال: نعم.
قال: فإنّي أشهدك انّ حائط المخرف صدقة عليها(٣) .
والأخبار في ذلك متضافرة ، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرة.(٤)
____________________
(١) افتلتت - بالفاء - ، ونفسها - بالضم - نائب فاعل ، أو - بالنصب - مفعول به ؛ أي: ماتت فجأة.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم - بهامش ارشاد الساري - ٤: ٣٧٧.
(٣) مسند أحمد ١: ٣٣.
(٤) قالرحمهالله : وربّما كان المنكر عليه فيما تفعله من المبرات عن الحسينعليهالسلام ، لا ، يقنع بأقوال النبيصلىاللهعليهوآله ولا بأفعاله ، وانّما تقنعه أفعال سلفه وأفعالهم ، وحينئذ نحتجّ
فصل
كلّ من وقف على ما سلف من هذه المقدّمة ، يعلم أنّه لا وجه للانكار علينا في مآتمنا المخصّة بسيد الشهداءعليهالسلام ، ضرورة انّه لا تشتمل الافي تلك المطالب الخمسة ، وقد عرفت اباحتها بالنسبة إلى مطلق الموتى من كافة المؤمنين وما أدري ، كيف يستنكرون مآتم انعقدت لمواساة النبيصلىاللهعليهوآله وأسّست على الحزن لحزنه ؟ أيبكي بأبي هو واُمّي قبل الفاجعة ، ونحن لا نبكي بعدها ؟ ما هذا شأن المتأسّي بنبيّه ، والمقتصّ لأثره ، إنّ هذا الاخروج عن قواعد المتأسّين ، بل عدول عن سنن النبيّين.
ألم يرو الامام أحمد بن حنبل من حديث عليّعليهالسلام ، في ص ٨٥ من الجزء الأول من مسنده بالاسناد إلى عبد الله بن نجا، عن أبيه انّه سار مع عليّعليهالسلام ، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى: صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشطّ الفرات.
قال: قلت: وما ذاك ؟
قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت: يا نبي الله ، اغضبك أحد ، ما شأن عينيك تفيضان ؟
عليه بما فعله الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي ، إذ مات لبيد بن ربيعة العامري الشاعر ، فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً ، فنحرت عنه ، كما نصّ عليه ابن عبد البر ، في ترجمة لبيد من الاستيعاب.
قال: قام من عندي جبرئيل قبل ، فحدّثني إنّ الحسين يقتل بشط الفرات.
قال: فقال: هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟
قال: قلت: نعم ، فمدّ يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني إن فاضتا(١) .
وأخرج ابن سعد ، كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة لابن حجر ، عن الشعبي قال: مرّ عليّرضياللهعنه بكربلاء(٢) عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى ، فوقف وسال عن اسم الأرض ؛ فقيل: كربلاء ، فبكى حتى بلّ الأرض من دموعه.
ثم قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يبكي فقلت: ما يبكيك (بأبي أنت وأمي) ؟
قال: كان عندي جبرئيل آنفاً ، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات ، بموضع يقال له: كربلاء...(٣) . الحديث.
وأخرج الملأ (كما في الصواعق أيضاً) انّ علياً مرّ بموضع قبر الحسينعليهالسلام فقال: ها هنا مناخ ركابهم ، وها هنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم ، فتية من آل محمد ، يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليهم السماء
____________________
(١) مسند أحمد ٤: ٢٤٢.
(٢) كربلاء - بالمدّ -: الموضع الذي قتل فيه الحسينعليهالسلام في طرف البرية عند الكوفة.
روي: أنّهعليهالسلام اشترى النواحي التي فهيا قبره من أهل نينوى والغاضرية بستّين ألف درهم ، وتصدّق بها عليهم ، وشرط عليهم أن يرشدوا إلى قبره ويضيّفوا من زاره ثلاثة أيام. انظر: معجم البلدان ٤: ٢٤٩ ، مجمع البحرين ٥: ٦٤١ - ٦٤٢.
(٣) الصواعق المحرقة: ١٩٣.
والأرض(١) . انتهى.
ومن حديث امّ سلمة(٢) قالت: كان عندي النبيصلىاللهعليهوآله ومعي الحسين ، فدنا من النبيصلىاللهعليهوآله فأخذته ، فبكى فتركته ، فدنا منه ، فأخذته فبكى فتركته ، فقال له جبرئيل: أتحبّه يا محمد ؟!
قال: نعم.
قال: أما إنّ اُمّتك ، ستقتله وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، [فبسط جناحيه، فأراه منها ،] فبكى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
وروى الماوردي الشافعي ، في باب انذار النبيصلىاللهعليهوآله بما سيحدث بعده ، من كتابه (أعلام النبوّة) عن عروة ، عن عائشة ، قالت: دخل الحسين بن علي على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يوحى إليه ، فقال
____________________
(١) قالرحمهالله : وهذا الحديث رواه أصحابنا ، بكيفية مشجية ، عن الباقر عليه الصلاة والسلام ، ورووه عن هرثمة ، وعن ابن عباس ، وان أردت الوقوف عليه ، فدونك ص ١٠٨ وما بعدها إلى ص ١١٢ من الخصائص الحسينية.
(٢) قالرحمهالله : كما نص عليه ابن عبد ربّه المالكي ، حيث ذكر مقتل الحسين في الجزء الثاني من العقد الفريد.
(٣) العقد الفريد ٥: ١٣٢.
وللاطّلاع أكثر على روايات امّ سلمة في هذا الموضوع انظر: مجمع الزوائد ٩: ١٩٠ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٤ ، الصراط السوي للشيخاني المدني: ٩١ ، جوهرة الكلام: ١١٨ ، ذخائر العقبى: ١٤٧ ، طرح التثريب للحافظ العراقي ١: ٤٢ ، المواهب اللدنية ٢: ١٩٥ ، نظم الدرر: ٢١٥. مسند أحمد ٣: ٢٤٢ و٢٦٥ ، دلائل النبوة لأبي نعيم ٣: ٢٠٢ ، مختصر التذكرة للقرطبي: ١١٩ ، الصواعق المحرقة: ١١٥ ، ضوء الشمس ١: ٩٧ ، كنز العمّال ٦: ٢٢١ ، جوهرة الكلام: ١١٧ ، شرح بهجة المحافل لعماد الدين العامري ٢: ٢٣٦ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٦٢.
جبرئيل: انّ اُمّتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك ، ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء ، وقال في هذه يقتل ابنك اسمها الطف ، قال: فلمّا ذهب جبرئيل ، خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أصحابه والتربة بيده ، وفيهم: أبو بكر ، وعمر ، وعليّ ، وحذيفة(١) ، وعثمان(٢) ، وأبو ذر ، وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟!
فقال: أخبرني جبرئيل: إنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاءني بهذه التربة ، فأخبرني إنّ فيها مضجعه.(٣)
____________________
(١) حذيفة بن اليمان ، من أصحاب الرسولصلىاللهعليهوآله ، وكان من المنقطعين إلى أمير المؤمنينعليهالسلام والعارفين بحقّه.
روى الحاكم في المستدرك (٣: ٤٢٨ ح ٥٦٢٦)... قال: لـمّا حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا: أوصيكم بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
(٢) في المصدر: وعمّار.
(٣) أعلام النبوّة: ٨٣ ، وانظر: كامل الزيارات: ٦١ ، أمالي الطوسي ١: ٣٢١ - ٣٢٤ ، المنتخب للطريحي: ٦٣ و٨٨ ، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - ترجمة الإمام الحسين -: ١٦٧ و١٨٣ ، تاريخ أبي الفداء ٢: ٤٨ ، أخبار النحويين للسيرافي: ٨٩ - ٩٣ ، الكامل لابن الأثير ٥: ٣٦٤ ، تاريخ ابن كثير ١١: ٢٩ - ٣٠ ، تذكرة الحفّاظ للذهبي ٢: ١٦٤.
أقول: ولا بدّ أن يكون الصحابة لمـّا رأوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يبكي لقتل ولده وتربته بيده ، وأخبرهم بما أخبره به جبرئيل من قتله ، وأراهم تربته التي جاء بها جبرئيل ، أخذتهم الرقّة الشديدة ، فبكوا لبكائه ، وواسوه في الحزن على ولده ، فإنّ ذلك ممّا يبعث على أشد الحزن والبكاء لو كانت هذه الواقعة مع غير النبيصلىاللهعليهوآله والصحابة فكيف بهم معه ؟! والظاهر انّ هذا أول مأتم أقيم على الحسينعليهالسلام يشبه مآتمنا التي تقام عليه ، وكان الذاكر فيه للمصيبة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والمستمعون أصحابه.
أخرج الترمذي(١) - كما في الصواعق وغيرها: - إنّ امّ سلمة رأت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (فيما يراه النائم) باكياً ، وبرأسه ولحيته التراب فسألته ، فقال: قتل الحسين آنفاً.
قال في الصواعق: وكذلك رآه ابن عباس نصف النهار ، أشعث أغبر ، بيده قارورة ، فيها دم يلتقطه فسأله ، فقال: دم الحسين وأصحابه ، لم أزل أتتّعه منذ اليوم.
قال: فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم.(٢)
وأمّا صحاحنا فإنّها متواترة في بكائهصلىاللهعليهوآله ، على الحسينعليهالسلام في مقامات عديدة ، يوم ولادته وقبلها(٣) ، ويوم السابع من مولده(٤) ، وبعده في بيت فاطمة(٥) ، وفي حجرته(٦) ، وعلى منبره(٧) ، وفي بعض أسفاره(٨) ، تارة يبكيه وحده يقبّله في نحره ، ويبكي ، ويقبّله في شفتيه
____________________
(١) سنن الترمذي ١٣: ١٩٣.
(٢) الصواعق المحرقة: ١٩٣.
(٣) انظر: ذخائر العقبى: ١١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ٨٧ ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ١٥٤ ، الخصائص الكبرى للسيوطي ٢: ١٢٥.
(٤) انظر: المستدرك الصحيح ٣: ١٧٦ ، دلائل النبوة ١: ٢١٣ ، الصواعق المحرقة: ١١٥ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٥ ، الفصول المهمّة ١٥٤ ، كنز العمّال ٦: ٢٢٣.
(٥) انظر: مقتل الخوارزمي ١: ١٦٣ ، ذخائر العقبى ١٤٩ ، الصراط السوي للشيخاني المدني: ٩٣.
(٦) انظر: مجمع الزوائد ٩: ١٩٠ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٤ ، الصراط السوي للشيخاني المدني: ٩١ ، جوهرة الكلام: ١١٨.
(٧) انظر: مسند احمد ٣: ٢٤٢ ، و٢٦٥ ، دلائل النبوة لأبي نعيم ٣: ٢٠٢ ، طرح التثريب ١: ٤١ ، مجمع الزوائد ٩: ١٨٧ و١٩٠.
(٨) انظر: مختصر التذكرة للقرطبي: ١١٩ ، الصواعق المحرقة: ١١٥ ، نظم الدرر: ٢١٧ ، ضوء الشمس ١:
ويبكي ، وإذا رآه فرحاً يبكي ، وإذا رآه حزناً يبكي ، بل صحّ انّه قد بكاه آدم ، ونوح ، وإبراهيم، وإسماعيل ، وموسى ، وعيسى ، وزكريا ، ويحيى ، والخضر ، وسليمانعليهمالسلام ، وتفصيل ذلك كلّه موكول إلى مظانه من كتب الحديث.
وأمّا أئمّة العترة الطاهرة الذين هم كسفينة نوح(١) ، وباب حطّة(٢) ، وأمان أهل الأرض(٣) ، وأحد الثقلين(٤) اللذين لا يضلّ من تمسّك بهما ، ولا يهتدي
٩٧ ، المواهب للحافظ القسطلاني ٢: ١٩٥ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٥ ، كنز العمّال ٦: ٢٢١ ، جوهرة الكلام: ١١٧ ، شرح بهجة المحافل لعماد الدين العامري ٢: ٢٣٦ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٦٢.
____________________
(١) مجمع الزوائد ٩: ١٦٨ ، الصواعق المحرقة: ١٥٢ ، تلخيص المستدرك للذهبي: ٢٣٥ ، ينابيع المودّة: ٣٠ ، الصواعق المحرقة: ١٨٤ و٢٣٤ ، اسعاف الراغبين: ١٠٩ ، فرائد السمطين ٢: ٢٤٦ ح ٥١٩ ، كفاية الطالب: ٣٧٨ ، المعجم الصغير ٢: ٢٢ ، حلية الأولياء ٤: ٣٠٦ ، ذخائر العقبى: ٢٠.
(٢) صحيح مسلم ٢: ٢٦١ ، مجمع الزوائد ٩: ١٦٨ ، الصواعق المحرقة: ١٥٢ ، نظم الدرر: ٢٣٢ ، ذخائر العقبى: ١٧ ، الاصابة ٢: ١٥٢.
(٣) الصواعق المحرقة: ٩١ ، منتخب كنز العمّال - بهامش مسند أحمد - ٥: ٩٣ ، ينابيع المودّة: ٢٩٨ ، جواهر البحار ١: ٣٦١ ، ذخائر العقبى: ١٧ ، نظم الدرر: ١١٢ ، الجامع الصغير ٢: ١٦١ ، الفتح الكبير ٣: ٢٦٧ ، اسعاف الراغبين: ١٢٨ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٤٥١.
(٤) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة وقد أخرجه علماء السنّة في كتبهم من الصحاح والسنن منها: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤ و١٧ وج ٤: ٢٦ و٥٩ وج ٥: ١٨٢ و١٨٩ ، صحيح مسلم ٤: ١٨٧٤ ح ٣٧ ، سنن الترمذي ٢: ٣٠٧ ، خصائص النسائي: ٣٠ ، ينابيع المودة: ب ٤ ص ٣٠ ، فرائد السمطين ٢: ١٤٢ ح ٤٣٦ - ٤٤١ ، الصواعق المحرقة لابن حجر: ١٤٩ و٢٢٨ ، مصابيح السنّة ٢: ٢٧٨ ، نظم الدرر: ٢٣١ ، تفسير الخازن ١: ٤٠ ، تفسير ابن كثير ٤: ١١٣ ، مشكاة المصابيح ٣: ٢٥٥ ، اسعاف الراغبين: ١٠٠ ، السيرة النبويّة لأحمد زيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة ٣: ٣٣٠ ، مناقب الإمام علي لابن المغازلي: ٢٣٦ ح ٢٨٤ ، الاتحاف بحبّ الأشراف: ٦ ، ذخائر العقبى: ١٦ ، كفاية الطالب: ٥٣ ، بحار الأنوار للمجلسي ٢٣: ١٠٨ ح ١١ و١٢ وص ١٣٤ ح ٧٢ ، وص ١٤٧ ح ١٠٩.
إلى الله من صدّ عنهما فقد استمرت سيرتهم على الندوب والعويل ، وأمروا أوليائهم بإقامة مآتم الحزن ، جيلاً بعد جيل ، فعن الصادقعليهالسلام (فيما رواه ابن قولويه في الكامل ، وابن شهراشوب في المناقب وغيرهما) انّ عليّ بن الحسينعليهماالسلام ، بكى على أبيه مدّة حياته ، وما وضع بين يديه طعام الابكى ، ولا اُتي بشراب الابكى ، حتى قال له أحد مواليه: جعلت فداك ، يا ابن رسول الله إنّي أخاف أن تكون من الهالكين ، قالعليهالسلام :( إِنَّمَا أَشْکُو بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) [إنّي لم اذكر مصرع بني فاطمة الاخنقتني العبرة].(٢)
وروى ابن قولويه ، وابن شهراشوب ايضاً ، وغيرهما أنّه لمـّا كثر بكاؤه ، قال له مولاه: أما آن لحزنك أن ينقضي ؟
فقال له: ويحك ، إنّ يعقوب النبيعليهالسلام كان له اثنا عشر ولداً ، فغيّب الله واحداً منهم ، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه ، واحدودب ظهره من الغمّ ، وابنه حي في الدنيا ، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمومتي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي ، فكيف ينقضي حزني ؟!(٣)
وعن الباقرعليهالسلام قال: كان أبي (علي بن الحسين صلوات الله عليه) يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن عليعليهالسلام دمعة حتى تسيل على خدّه ، بوّأه الله [بها] في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً.
____________________
(١) سورة يوسف: ٨٦.
(٢) كامل الزيارات: ١٠٧ ح ١ ، المناقب لابن شهراشوب ٤: ٦٠.
(٣) كامل الزيارات: ١٠٧ ح ١ ، المناقب لابن شهراشوب ٤: ٦٢ ، بحار الأنوار ٤٥: ٢٢٧.
وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا ، لأذى مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه الله في الجنّة مبوأ صدق.
وأيّما مؤمن مسّه أذى فينا ، فدمعت عيناه حتى تسيل على خده ، صرف الله عن وجهه الأذى، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.(١)
وقال الرضا (وهو الثامن من أئمة الهدى ، صلوات الله وسلامه عليهم):
إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال ، فاستحلّت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبيت فيه ذرارينا ونساؤنا ، واُضرمت فيه النار في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثَقلنا(٢) ، ولم ترع لرسول اللهصلىاللهعليهوآله حرمة في أمرنا.
انّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا [بأرض كرب وبلاء ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ،] فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام.
ثم قالعليهالسلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه [حتى تمضي عشرة أيّام منه ،] فإذا كان يوم العاشر ان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، [ويقول: هو اليوم الذي قُتل فيه الحسينعليهالسلام ].(٣)
____________________
(١) تفسير القمي ٢: ٢٩١ ، كامل الزيارات: ١٠٠ ح ١ ، ثواب الأعمال: ١٠٨ ح ١.
(٢) الثقل: متاع السفر ، وكلّ شيء نفيس مصون.
(٣) أمالي الصدوق: ١١١ ح ٢ ، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٣ ح ١٧.
وقالعليهالسلام : من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تبكي العيون ، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب(١) .
وعن الريّان بن شبيب (فيما أخرجه الشيخ الصدوق في العيون) قال: دخلت على الرضاعليهالسلام في اول يوم من المحرّم ، فقال لي: يا ابن شبيب ، إنّ المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الاُمّة حرمة شهرها ، ولا حرمة نبيّهاصلىاللهعليهوآله ، إذ قتلوا في هذا الشهر ذرّيّته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله ، [فلا غفر الله لهم ذلك أبداً].
يا ابن شبيب ، إن كنت باكياً لشيء ، فابك للحسينعليهالسلام ، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش(٢) ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً(٣) ما
____________________
(١) عيون الأخبار ١: ٢٢٩ ح ٤٨ ، أمالي الطوسي ١: ١١٧.
(٢) قالرحمهالله : انّ التعبير - كهذا - ممّا يدلّك على غاية همجية القوم وشقائهم وبعدهم عن العطف الانساني ، بالإضافة على قتلهم ريحانة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله وهتكهم حرمته في سبطه روحي فداه.
وقد أجمل الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام لما أدّى عن الفاجعة وأهميته بهذا الكلام القصير ، وأشار به إلى معنى جسيم يدركه الباحث المتعمّق بعد التحليل والاختبار ، ويندهش - ا لمجموع البشري - لمثل هذه الرزية عندما علم انّه لم يوجد بين تلك الجموع المحتشدة في كربلاء من يردعهم عن موقفهم البغيض ، ولا أقل من تسائل بعضهم ، لماذا نقاتل الحسين، وبأي عمل استحقّ ذلك منّا ؟ أو هل كان دم الحسينعليهالسلام مباحاً إلى حد اباحة دم الكبش ؟! او يذبح - بأبي هو واُمّي - بلا ملامة لائم ، ومن دون خشية محاسب !!
(٣) أقول: لقد كثر اختلاف المؤرخين وأرباب المقاتل في تحديد عدد شهداء الطف من أهل البيت عليهم
لهم في الأرض شبيه ، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله - إلى أن قال -:
يا ابن شبيب ، ان سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى [من الجنان] ،
السلام - كاختلافهم الكثير في تحديد شهداء الأصحاب أيضاً - فبين مقلّ إلى حدّ الثلاثة عشر ، كالمسعودي في مروجه (٣: ٧١) ، وبين مُكثر إلى حدّ الثلاثين كالأمين في أعيانه (٤ ق ١: ٢٥٠). وفي البحار (٤٥: ٦٣) رواية عبد الله بن سنان تؤيّد ذلك ، وبين هذين القولين من جانبي القلّة والكثرة أقوال اُخرى.
فالمشهور بين المؤرّخين وأرباب المقاتل: انّهم (١٧ شهيداً) غير الحسينعليهالسلام ، كما ورد تعداد أسمائهم في زيارة الناحية المقدسة ، وقد أوردها المجلسي بنصّها عن الإقبال في بحاره (٤٥: ٦٥) ، ويؤيّده قول محمد بن الحنفيّة - من حديث له -: «ولقد قتل مع الحسين سبعة عشر ممّن ارتكضوا في رَحِم فاطمة» ويعني: فاطمة بنت أسد اُمّ علي وجعفر وعقيل ، فإنّ شهداء الطف من أهل البيت ينتمون إلى هؤلاء الثلاثة أولاداً أو أحفاداً - ، ذكر ذلك الطبراني في معجمه (١: ١٤٠) ، والمقريزي في خططه (٢: ٢٨٦) ، وابن حجر في تهذيبه (١: ١٥٦).
وقال الدميري في حياة الحيوان (١: ٦٠) انّهم (١٨ رجلاً) ، وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي (٢٥٥) انّهم (١٩ رجلاً) ، ، ويضيف إليهم اثنين برواية المدائني فيكون المجموع (٢١ قتيلاً).
وفي تاريخ الطبري (٥: ٣٨٢) انّهم: (٢١ رجلاً) ، وهذا القول يلتقي مع قول ابن الجوزي برواية المدائني ، ويقترب من قول أبي الفرج في مقاتله (٦٧) حيث يقول: «فجميع من قُتِل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلاً».
ويكاد يتّفق الخوارزمي في مقتله (٢: ٤٧) وابن شهراشوب في مناقبه (٤: ١١٢) - وكلاهما من أبناء القرن السادس الهجري - في النسبة إلى الأكثر بأن مجموع القتلى من أهل البيتعليهمالسلام لا يتجاوز السبعة والعشرين.
وأخيرا ، فالذي يرجح عندنا - بعد أن استعرضنا الكثير من المصادر المعتبرة - هو القول الوسط - وهو النيف والعشرون ، بل الاثنان والعشرون بالضبط - باستثناء الحسينعليهالسلام - إذ القولان المتطرّفان في القلّة والكثرة لا يساعد عليهما الاعتبار وعامّة النصوص التاريخية المعتبرة.
فاحزن لحزننا ، وأفرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا...(١) ، الحديث.
وقالعليهالسلام - فيما أخرجه الصدوق في أماليه -: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه...(٢) . الحديث.
وبكى صلوات الله عليه إذ أنشده دعبل بن علي الخزاعي(٣) قصيدته التائية السائرة حتى اُغمي عليه في أثنائها مرّتين ، كما نصّ عليه الفاضل العباسي في ترجمة دعبل من معاهد التنصيص(٤) وغيره من أهل الأخبار.
وفي البحار ، وغيره: انّهعليهالسلام أمر قبل انشادها بستر ، فضرب دون عقائله فجلسن خلفه يسمعن الرثاء ، ويبكين على جدهن سيّد الشهداء وانّه قال يومئذ: يا دعبل من بكى ، أو أبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله.
يا دعبل ، من ذرفت عيناه على مصابنا حشره الله معنا.(٥)
____________________
(١) أمالي الصدوق: ١١٢ ح ٥ ، عيون الأخبار ١: ٢٣٣.
(٢) أمالي الصدوق: ١١٢ ح ٤ ، زينة المجالس: ٥٥٤ ، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٤ ح ١٨.
(٣) دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، من قبيلة خزاعة القحطانية الأصل ، ولد سنة ١٥٨ ه واستشهد سنة ٢٤٥ ه في أيّام المتوكّل العباسي ، كان من الشعراء المجيدين والمتفانين في ولاء أهل البيتعليهمالسلام ، يقول الشعر كثيراً في مدائح أهل البيتعليهمالسلام وفي طعن أعدائهم على غرار التولّي والتبرّي ، وذكر له المؤرّخون أسماء كثيرة ، ولكنه اشتهر بلقب (دعبل) بكسر الدال.
راجع ترجمته في الأغاني ١٥: ١٠٠ و١٨: ٢٠ ، مجالس المؤمنين: ٤٥١.
(٤) معاهد التنصيص على شواهد التلخيص للشيخ عبد الرحيم بن أحمد العباسي ٢: ١٩٠.
(٥) روى الصدوق في عيون الأخبار الرضا بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن
وحدّث محمد بن سهل (كما في ترجمة الكميت ، من معاهد التنصيص(١) )
علي الخزاعيرحمهالله على أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام بمرو ، فقال له: يا ابن رسول الله أنّي قد قلت فيكم قصيدة ، وآليت على نفسي أن لا انشدها أحداً قبلك.
فقالعليهالسلام : هاتها ، فأنشده:
مدارس آيات خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات |
فلما بلغ إلى قوله:
أرى فيأهم في غيرهم متقسّماً |
وايديهم من فيئهم صفرات |
بكى أبو الحسن الرضاعليهالسلام وقال له: صدقت يا خزاعي.
فلمّا بلغ إلى قوله:
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم |
أكفّاً عن الأوتار منقبضاب |
جعل أبو الحسن يقلّب كفّيه ويقول: أجل والله منقبضات.
فلمّا بلغ إلى قوله:
لقد خفت في الدنيا وأيّام سعيها |
وإنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي |
قال الرضاعليهالسلام : آمنك الله يوم الفزع الأكبر.
فلمّا انتهى إلى قوله:
وقبر ببغداد لنفسٍ زكيّة |
تضمنّها الرحمن في الغرفات |
قال له الرضاعليهالسلام : أفلا اُلحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟
قال: بلى يا ابن رسول الله.
فقالعليهالسلام :
وقبر بطوس يا لها من مصيبة |
ألحّت على الأحشاء بالزفرات |
|
إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً |
يفرّج عنا الهمّ والكربات |
فقال دعبل: يا ابن رسول الله ، هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟
فقال الرضاعليهالسلام : قبري... الحديث.
انظر: عيون أخبار الرضا ٢: ٢٧١ ، مقتل الحسين للخوارزمي ٢: ١٢٩ ، الحدائق الورديّة ٢: ٢٠٦ ، كشف الغمّة ٣: ١٠٨ ، مجالس المؤمنين ٤٥١ ، معجم الأدباء ١٢: ٢٠٣ ، ديوان دعبل للدجيلي: ٨.
____________________
(١) معاهد التنصيص ٣: ٩٣.
قال: دخلت مع الكميت(١) على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام في أيّام التشريق(٢) فقال له: جعلت فداك ، ألا أنشدك ؟
قالعليهالسلام : انّها أيّام عظام !
قال: انّها فيكم.
قالعليهالسلام : هات ، وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله ، فقرب فأنشده (في رثاء الحسينعليهالسلام ) ، فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت:
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم |
فيا آخراً أسدى له الغي أوّل |
قال: فرفع أبو عبد اللهعليهالسلام يديه فقال: اللهم اغفر للكميت ما قدّم
____________________
(١) هو أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي (٦٠ - ١٢٦) من شعراء أهل البيتعليهمالسلام ، قال عنه أبو الفرج في الأغاني: انّه شاعر مقدّم عالم بلغات العرب ، خبير بأيّامها وألسنتها ، وكان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم. (الأغاني ١٥: ١٢٣).
(٢) أقول: وفي رواية أخرى أنّ الكميترحمهالله دخل على الإمام الباقرعليهالسلام في ايّام محرّم فأنشده قصيدته الميميّة التي يقول في مطلعها:
من لقلبٍ مُتيّم مُسهام |
غير ما صبوة ولا أحلام |
فلمّا بلغ قوله:
وقتيل بالطف غودر منهم |
بين غوغاء أمّة وطُغام |
|
وأبو الفضل إنّ ذكرهم |
الحلو شفاء النفوس والأسقام |
|
قُتِل الأدعياء إذ قتلوه |
أكرم الشاربين صوب الغمام |
بكى أبو جعفرعليهالسلام بكاء شديدا ، ثم قال: يا كميت ، لو كان عندنا مال لأعطيناك ، ولكن لك ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لحسّان بن ثابت: لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببتَ عنّا أهل البيت ، ثم رفع يديه بالدعاء وقال: اللهم اغفر للكميت ، اللهم اغفر للكميت. انظر: الأغاني ١٥: ١٢٣ ، مقاتل الطالبيين: ٨٤ ، مروج الذهب ٣: ٢٤٣ ، رجال الكشي: ١٣٦ ، اعلام الورى: ١٥٨.
وما أخّر ، وما أسرّ وما أعلن حتى يرضى.(١)
وكأنّ سيدة نساء عصرها (زينب)عليهاالسلام أشارت إلى هذا المعنى بقولها مخاطبة يزيد: وسيعلم من سوّل لك ، ومكّنك من رقاب المسلمين.
بل أشار إليه معاوية ، إذ كتب إليه محمد بن أبي بكر يلومه في تمرده على أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويذكر له فضله وسابقته فكتب له معاوية في الجواب ما يتضمّن الإشارة إلى المعنى الذي نظمها لكميت ، فراجع ذلك الجواب في كتاب «صفّين» لنصر بن مزاحم أو «شرح النهج» الحديدي أو «مروج الذهب» للمسعودي.
وقد اعترف بذلك المعنى يزيد بن معاوية ، إذ كتب إليه ابن عمر يلومه على قتل الحسين فأجابه: أمّا بعد: ، فانّا أقبلنا على فرش ممهّدة ، ونمارق منضّدة... إلى آخر الكتاب ، وقد نقله البلاذري وغيره من أهلالسير والأخبار، وفي كتابنا سبيل المؤمنين من هذا شيء كثير ، فحقيق بالباحثين أن يقفوا عليه.
أقول: ولكي يطّلع القارئ على مضمون هذه الرسائل نذكرها هنا ، فالرسالة التي كتبها محمد بن أبي بكر فيها حقائق دامغة لكلّ باحث عن الحقيقة ، فه يتصف معاوية بأنّه ضال مضل ، وأنّه لعين ابن لعين ، وأنّه يعمل كل ما في وسعه لإطفاء نور الله ويبذل الأموال لتحريف الدين ويبغي لدين الله الغوائل ، وأنّه عدو لله ولرسوله...
والذي يهمّا هنا هو ردّ معاوية بن أبي سفيان على هذه الرسالة ، لتعرف - أيها الباحث - حقيقة وخفايا ودسائس التاريخ ، وتكشف من خلالها خيوط المؤامرة التي أبعدت الخلافة عن صاحبها الشرعي وتسببت في انحراف الامّة ، فاليك الرسالة والردّ عليها:
كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية
من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر:
سلام على أهل طاعة الله ، ممّن هو سلم لأهل ولاية الله ، أمّا بعد:
____________________
(١) قالرحمهالله : بخ بخ ، هنيئاً لمن نال من أئمة الهدى بعض ذلك ، وأنت تعلم انّهعليهالسلام لم يبتهل بالدعاء للكميت هذا الابتهال الالما دلّ عليه بيته هذا من معرفته بحقيقة الحال ، وقد أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى ، فنظمه المهيار في قصيدته اللامية ، وقبل ذلك نظمه الشريف الرضي فقال:
بنى لهم الماضون أساس هذه |
فعلوا على أسا تلك القواعد إلى آخر ما قال |
فإنّ الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته... - إلى أن قال: - فكان أوّل من أجاب وأناب وآمن وصدق وأسلم وسلم ، أخوه وابن عمّه علي بن أبي طالبعليهالسلام صدّقه بالغيب الكتوم وآثره على كلّ حميم ، ووقاه بنفسه كل هول وواساه بنفسه في كلّ خوف ، وحارب حربه واسلم سلمه...
وقد رأيتك تساميه ، وأنت أنت ، وهو السابق المبرز في كل خير ، أول الناس إسلاماً ، وأصدق الناس نيّة ، وأفضل الناس ذريّة وخير الناس زوجة... وأنت العين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل ، وتجهدان في إطفاة نور الله ، تجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال وتؤلبان عليه القبال.
إلى أن قال: فكيف يا لك الويل تعل نفسك بعلي وهو وارث رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووصيّه وأبو ولده ، وأول الناس له اتباعاً وأقربهم به عهداً ، يخبره بسره ويطلعه على أمره ، وأنت عدوه وابن عدوه ؟!...
رد معاوية على محمد بن أبي بكر
من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر.
سلام على أهل طاعة الله ، أمّا بعد:
فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه ، وما أصفى به رسول اللهصلىاللهعليهوآله مع كلام كثير الّفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف ، ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونصرته له ومواساته إياه في كلّ هول وخوف ، فكان احتجاجاتك عليَّ وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك ، فأحمد ربّاً صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك.
فقد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نعرف حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا ، فلما اختار الله لنبيّه عليه الصلاة والسلام ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج حجّته ، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه ، كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه وخالفه على أمره ، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثمّ إنّهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنها وتلّكأ عليهما ، فهما به الهموم وأرادا به العظيم ، ثمّ إنّه بايعهما وسلم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرّهما ، حتى قبضهما الله وانقضى أمرهما ، ثم قال ثالثهما عثمان فهدي بهديهما وسار بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي فطلبتما له الغوائل حتى بلغتما فيه مناكما.
فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بقترك تقصر عن أن توازي أو تساوي من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أنانه.
أبوك مهّد له مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله ، وإن يكن جوراً فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا ، ويفعله اقتدينا ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلمنا إليه ، ولكنا رأينالا أباك فعل من قبلنا ، فاحتذينا مثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب أباك بما بدا لك أودع ، والسلام على من أناب ورجع من غوايته وتاب.
انظر جمهرة رسائل العرب ١: ٤٧٥ - ٤٧٧ ، مرو الذهب للمسعودي ٣: ١١ - ١٢.
ونستنتج من هذا الرد بأنّ معاوية لا ينكر فضائل عليّ بن أبي طالب ومزاياه ، ولكنّه تجرّأ عله احتذاه بأبي بكر وعمر ، ولولاهما لما استصغر شأن عليّ ولا تقدّم عليه أحد من الناس ، كما يعترف معاوية بأنّ أبا بكر هو الذي مهّد لبني اميّة وهو الذي بنى ملكهم وشاده.
ونفهم كذلك من هذه الرسالة بأنّ معاوية لم يقتد برسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يهتد بهديه ، عندما اعترف بأنّ عثمان هدى بهدي أبي بكر وعمر وسار بسيرتهما.
ولتعميم القائدة لا بأس بذكر الرسالة الثانية والتي ردّ فيها يزيد بن معاوية على ابن عمر ، وهي على اختصارها ترمي نفس المرمى:
كتاب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية
أخرج البلاذري في تاريخ قال:
لمـّا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ، كتب عبد الله بن عمر رسالة إلى يزيد بن معاوية جاء فيها:
أمّا بعد ، فقد عظمت الرزية وجلّت المصيبة ، وحدث في الاسلام حدث عظيم ، ولا يوم كيوم قتل الحسين.
ردّ يزيد على كتاب ابن عمر
فكتب إليه يزيد:
أمّا بعد ، يا أحمق ! فإنّا جئنا إلى بيوت مجددة ، وفرش ممهّدة ، ووسائد منضدة ، فقاتلنا عنها !
وفي كامل الزيارات بالاسناد عن عبد الله بن غالب قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فأنشدته مرثية الحسين بن علي ، فلمّا انتهيت إلى قولي فيها: (لبلية...) البيت(١) صاحت باكية من وراء الستر يا ابتاه...(٢) .
وروى الصدوق في الأمالي وثواب الأعمال ، وابن قولويه بأسانيد معتبرة ، عن أبي عمارة قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : يا أبا عمارة ، من أنشدني في الحسين ، فأنشدته فبكى ، ثم أنشدته فبكى ، قال: فوالله ما زلت أنشده وهو يبكي ، حتى سمعت البكاء من الدار ، فقال: يا أبا عمارة ، من أنشد في الحسين بن عليعليهماالسلام فأبكى خمسين فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين بن عليعليهماالسلام فأبكى ثلاثين فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فأبكى عشرين فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فأبكى عشرة فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فبكى فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فتباكى فله الجنة(٣) .
فإن يكن الحق لنا فعن حقّنا قاتلنا ، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا واستأثر بالحقّ على أهله.
وفي رد معاوية على ابن أبي بكر ، وردّ يزيد على ابن عمر نجد نفس المنطق ونفس الاحتجاج ، وهو لعمري أمر ضروري يقرّه الوجدان ، ويدركه كل عاقل ولا يحتاج في الحقيقة إلى شهادة معاوية وابنه يزيد.
____________________
(١) والبيت هو: لبليّة تسقو حسيناً بمسقاة الثرى غير الشراب
(٢) كامل الزيارات: ١٠٥ ح ٣ ، عوالم الإمام الحسينعليهالسلام : ٥٤١ ، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٦ ح ٢٣.
(٣) الأمالي: ١٢١ ح ٦ ، ثواب الأعمال: ١١٠ ح ٣ ، كامل الزيارات: ١٠٥ ح ٤ ، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٩ ح ٢٩.
وروى الصدوق في ثواب الأعمال ، بالاسناد إلى [أبي](١) هارون المكفوف(٢) قال: دخلت على أبي عبد الله الصادقعليهالسلام فقال لي: يا ابا هارون ، أنشدني ، فأنشدته في الحسينعليهالسلام ، فقال لي: انشدني كما تنشدون - يعني بالرقّة(٣) - ، قال: فأنشدته:
اُمرُر على جَدُث الحسيـ |
ـن وقُل لأعظمه الزكيّة(٤) |
قال: فبكى ، ثم قال: زدني ، فأنشدته القصيدة الاخرى(٥) .
قال: فبكى ، وسمعت البكاء من خلف الستر ، فلمّا فرغت قال: يا أبا هارون ، مَن أنشد في الحسين فبكى وأبكى عشرة كتبت له الجنّة - إلى أن قال: - ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينيه مقدار جناح ذبابة ، كان ثوابه على الله عز
____________________
(١) وهو الصحيح.
(٢) واسمه - على ما احتمله الشيخ المامقاني في تنقيح المقال -: موسى بن عمير مولى آل جعدة بن هبيرة الكوفي ، أو ابن أبي عمير - على ما في الكافي - وعدّه الشيخ الطوسي في رجاله من اصحاب الإمامين الباقر والصادقعليهماالسلام.
(٣) أقول: قوله: بالرقّة - بكشر الراء الشمدّدة - أي بالطريقة التي تستعملونها عند الإنشاد ، التي فيها الرقّة والطلاوة ، والتي توجب التأثير في القلب ، لا مجرد التلاوة ، وهو المراد بقولهعليهالسلام: انشدني كما تنشدون.
وسها من فسّر «الرقّة» هنا بالبلدة التي على الفرات التي هي بفتح الراء.
(٤) أقول: هذا البيت للسيد الحميريرحمهالله ، وقد أنشده أبو هارون إنشاداً ولم ينشئه إنشاء ، والظاهر انّ مطلق القصيدة للسيد الحميري بدليل قول ابي هارون نفسه - بعد قول الإمام: زدني - فأنشدته القصيدة الاخرى - ، فالظاهر من هذا التعبير: الاخرى من قصيدتي السيد الحميري نفسه.
راجع القصّة والأبيات في الأغاني ٧: ٢٣٠ ، تاريخ الاسلام السياسي ٢: ١٤٦.
(٥) وهي:
يا مريم قومي واندبي مولاك |
وعلى الحسين فأسعدي ببكاك |
وجل ، ولم يرض له بدون الجنة.(١)
وروى الكشّي بسند معتبر عن زيد الشحّام قال: كنا عند أبي عبد اللهعليهالسلام ، فدخل عليه جعفر بن عفّان(٢) ، فقرّبه وأدناه ، ثم قال: يا جعفر.
____________________
(١) ثواب الأعمال: ١٠٨ ح ١ ، كامل الزيارات: ١٠٠ ح ٣ ، بحار الانوار ٤٤: ٢٨٨ ح ٢٨.
(٢) هو أبو عبد الله جعفر بن عفّان الطائي ، من رجال الشيعة المخلصين ، كان معاصراً للإمام الصادقعليهالسلام ، وقد أطراه علماء الرجال ووثّقوه ، وقد توفّي في حدود سنة ١٥٠ ه. وهو الذي ردّ على مروان ابن أبي حفصة القائل:
خلّوا الطريق لمعشر عاداتهم |
حطّم المناكب كل يوم زحام |
|
ارضوا بما قسم الإله لكم به |
ودعوا وراثة كل أحيد حام |
|
أنى يكون وليس ذاك بكائن |
لنبي البنات وراثة الأعمام |
فقال جعفر بن عفّان:
لِم لا يكون وان ذاك الكائن |
لبني البنات وراثة الأعمام |
|
للبنت نصف كامل من ماله |
والعم متروك بغير سهام |
|
ما للطليق وللتراث وإنما |
صلّى الطليق مخافة الصمصام |
ومن مراثيه في الإمام الحسينعليهالسلام قوله:
ليبكِ على الإسلام من كان باكيا |
فقد ضيّعت أحكامه واستحلّت |
|
غداة حسين لرماح دريئة |
وقد نهلت منه السيوف وعلّت |
|
وغودر في الصحراء لحما مبدّداً |
عليه عتاق الطير باتت وظلّت |
|
فما نصرته امّه السوء إذ دعا |
لقد طاشت الأحلام منها وضلّت |
|
بلى قد محوا أنوارم بأكفّهم |
فلا سلمت تلك الأكفّ وشلّت |
|
وناداهم جهداً بحقّ محمد |
فإنّ ابنه من نفسه حيث حلّت |
|
فماحفظوا قرب النبي ولا رعوا |
وزلّت بهم أقدامهم واستزلّت |
|
أذاقته حرّ القتل امّة جدّه |
هفت نعلها في كربلاء وزلّت |
|
فلا قدّس الرحمن امّة جدّه |
وإن هي صامت للإله وصلّت |
|
كما أفجعت بنت النبيّ بنسلها |
وكانوا حماة الحرب حيث استقلّت |
|
وكانوا سروراً ثمّ عادوا رزيّةً |
لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت |
قال: لبّيك ، جعلني الله فداك.
قال: بلغني انّك تقول الشعر في الحسينعليهالسلام وتجيد.
فقال له: نعم ، جعلني الله فداك.
قال: قل ، فأنشده فبكى ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ، ثم قال: يا جعفر ، والله لقد شَهِدت الملائكة المقرّبون قولك في الحسينعليهالسلام ، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر - إلى أن قال: - ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به الاأوجب الله له الجنّة ، وغفر له.(١)
وروى ابن قولويه في الكامل بسند معتبر عن الصادقعليهالسلام جاء فيه: وكان جدّي عليّ بن الحسينعليهماالسلام إذا ذكره - يعني الحسينعليهالسلام - بكى حتى تملأ عيناه لحيته ، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه.
وانّ الملائكة الذين عند قبره ليبكون ، فيبكي لبكائهم كلّ من في الهواء والسماء ، وما من باك يبكيه الاوقد وصل فاطمة وأسعدها ، ووصل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأدّى حقّنا...(٢) الحديث.
وفي قرب الإسناد عن بكر بن محمد الأزدي قال: قال أبو عبد الله (الصادق)عليهالسلام لفضيل بن يسار: أتجلسون وتحدّثون ؟
قال: نعم ، جعلت فداك.
انظر: عيون أخبار الرضا ١: ١٨٨ ، أمالي الطوسي ٢: ٢٤ ، الاحتجاج ١: ٢١٤ ، الأغاني ٧: ٨ و ٩: ٤٥ و ١٢: ١٧ ، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني: ١١٥ - ١١٦ ، مقتل الخوارزمي ٢: ١٤٤.
____________________
(١) رجال الكشي: ٢٨٩ ح ٥٠٨ ، بحار الانوار ٤٤: ٢٨٢ ح ١٦.
(٢) كامل الزيارات: ١١٧ ح ٣.
قالعليهالسلام : انّ تلك المجالس أحبّها ، فأحيوا أمرنا ، فرحم الله من أحيا أمرنا.
يا فضيل ، من ذَكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب ، غفر الله له ذنوبه.(١)
وفي خصال الصدوق: عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا ، واختار لنا شيعة ينصروننا ، ويفرحون لفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا ، اولئك منّا وإلينا.(٢)
وفي كامل الزيارات بالإسناد إلى أبي عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسينعليهالسلام عند أبي عبد الله - الصادق -عليهالسلام في يوم قطّ فرؤي متبسّماً في ذلك اليوم إلى الليل.
قال: وكان أبو عبد الله يقول: الحسين عبرة كلّ مؤمن(٣) .
وفيه بالإسناد إلى الصادقعليهالسلام قال: قال الحسينعليهالسلام : أنا قتيل العبرة ، لا يذكرني مؤمن الا استعبر(٤) .
إلى غير ذلك من صحاح الأخبار المتواترة عن الأئمّة الأبرار ، وناهيك بها
____________________
(١) قرب الإسناد: ١٨ ، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٢ ح ١٤.
(٢) الخصال: ٢٧١.
(٣) كامل الزيارات: ١٠٨ ح ٢.
وقولهعليهالسلام : «عبرة كل مؤمن» من باب ذكر المسبّب وإرادة السبب لقصد المبالغة: أي سبب لاستعباره وبكائه وهو قريب من قول الإمام الحسينعليهالسلام : أنا قتيل العبرة.
(٤) كامل الزيارات: ١٠٨ ح ٦ ، أمالي الصدوق: ١١٨ ح ٧ ، بحار الأنوار ٤٤: ٢٨٤ ح ١٩.
حجة على رجحان هذه المآتم ، واستحبابها شرعاً ، فإنّ أقوال أئمة الهدى من أهل البيتعليهمالسلام وأفعالهم وتقريرهم ، حجة بالغة لوجوب عصمتهم بحكم العقل والنقل ، كما هو مقرّر في مظانه من كتب المتكلّمين من أصحابنا ، والتفصيل في كتابنا «سبيل المؤمنين»(١) .
على انّ الاقتداء بهم في هذه المآتم وغيرها لا يتوقّف - عند الخصم - على عصمتهم ، بل يكفينا فيه ما اتّفقت عليه الكلمة من إمامتهم في الفتوى ، وانّهم في أنفسهم لا يقصرون عن الفقهاء الأربعة ، والثوري ، والأوزاعي ، وأضرابهم علماً ولا عملاً.
وانت تعلم انّ هذه المآتم لو ثبتت عن أبي حنيفة ، أو صاحبيه أبي يوسف والشيباني مثلا ، لاستبق الخصم إليها، وعكف أيّام حياته عليها ، فلما ينكرها علينا ، ويندّد بها بعد ثبوتها عن أئمة أهل البيت يا منصفون ؟!
أتراه يرى في أئمة الثقلين أمرا يقتضي الإعراض عنهم ، أو يجد فيهم شيئا يستوجب الانكار على الأخذ بمذهبهم، أو انّ هناك أدلّة خاصة تقتصر الإمامة في الفتوى على أئمة خصومنا ولا نبيح الرجوع إلى غيرهم.
كلا ، انّ واقع الأمر وحقيقة الحال بالعكس.
هذا حديث الثقلين(٢) المجمع على صحّته واستفاضته ، قد أنزل العترة منزلة الكتاب ، وجعلها قدوة لاولي الالباب، فراجعه في باب فضائل عليّ من صحيح
____________________
(١) أقول: كتاب «سبيل المؤمنين» - في الإمامة - من كتب العلّامة شرف الدينرحمهالله المهمّة ، وكان من ضمن الكتب المحترقة عندما أحرق الفرنسيون مكتبته العامرة في صور.
(٢) تقدّمت تخريجاته.
مسلم أو في الجمع بين الصحيحين ، أو الجمع بين الصحاح الستّة ، أو في حديث أبي سعيد الخدري من مسند أحمد بن حنبل ، أو خصائص علي للإمام النسائي ، أو في تفسيري الثعلبي والبيهقي ، أو في حلية الحافظ الأصفهاني، أو كتب الحاكم والطبراني ، وغيرها من كتب الحديث.
وأنا أورده لك بلفظ الترمذي(١) بحذف الإسناد قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّي تارك فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا ، الثقلين أحدهما أعظم من الآخر ؛ كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.
وقد زاد الطبراني: فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانّهم أعلم منكم.
قلت: لا يخفى أنّ تعليق عدم الضلال على التمسّك بهما ، يقتضي بحكم
____________________
(١) قالرحمهالله : قال ابن حجر - بعد نقله عن الترمذي - في أثناء تفسيره للآية الثانية من الآية التي أوردها في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من صواعقه ما هذا لفظه: ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقا كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّاً.
قال: ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق انّه قال: ذلك في حجّة الوداع بعرفة.
وفي اخرى: انّه قاله بالمدينة في مرضه ، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه.
وفي اخرى: انّه قال ذلك في غدير خم.
وفي اخرى: انّه قاله لمـّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف.
قال: ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من انّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. انظر: الصواعق المحرقة: ١٥٢.
المفهوم ثبوت الضلال لمن تخلّى عن أحدهما ، وناهيك به في وجوب اتباع العترة والانقطاع في الدين إليها ، وإلى القرآن العزيز.
على انّ اقترانهم بالكتاب (وهو معصوم) وجعلهم في وجوب التمسّك بهم مثله دليل قاطع على حجّية أقوالهم وأفعالهم ، وانّ الرجوع في الدين إلى خلافهم ليس الا كترك القرآن ، والرجوع إلى كتاب يخالف أحكامه ، ولا تنس دلالة قولهصلىاللهعليهوآله : «ولن يفترقا» ، على عدم خلو الزمان ممّن يفرغ منهم عن القرآن ، والقرآن يفرغ عنه.(١)
ثم انّ قوله: فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانّهم أعلم منكم - نصّ صريح فيما قلناه كما لا يخفى - ، وكم لهذا الحديث من نظير في الدلالة على وجوب الاقتداء بالعترة الطاهرة ، أو المنع من مخالفتها نستلفت الباحثين إلى ما أخرجناه من ذلك من مبحث العصمة من (سبيل المؤمنين) وحسبك منه ما أخرجه الحاكم بسند صحّحه على شرط البخاري ومسلم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال من جملة حديث «وأهل بيتي أمان لاُمّتي» من الاختلاف: فإذا خالفتها قبيلة من العرب (في بعض أحكام الدين) اختلفوا (في فتاويهم) فصاروا حزب ابليس.
____________________
(١) قالرحمهالله : ومثله: قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : في كل خلف من امّتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ألا وإنّ أئمّتكم وفدكم إلى الله عز وجل ، فانظروا مَن توفدون.
أخرجه الملأ ، كما في تفسير الآية الرابعة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من صواعقه ، وفي هذا المعنى صحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة ، بل هو من ضروريات مذهبهمعليهمالسلام : انظر: الصواعق المحرقة: ٢٣٦.
أليس هذا نصّاً في وجوب اتّباعهم ، وحرمة مخالفتهم ، وهل في لغة العرب أو غيرها عبارة أبلغ منه في انذار مخالفيهم ؟
وأخرج أحمد بن حنبل وغيره بالإسناد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت ذهبوا ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت ذهب أهل الأرض.
وفي رواية: فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون.
وفي هذا المعنى صحاح متظافرة من طريق العترة الطاهرة ومتى كانوا أماناً لأهل الأرض ، فكيف يستبدل بهم ، وأنّى يعدل عنهم.
وجاء من طرق عديدة يقوّي بعضها بعضاً (كذا قال ابن حجر)(١) أنّهصلىاللهعليهوآله قال: إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا.
قال ابن حجر: وفي رواية مسلم: ومن تخلّف عنها غرق.
قال: وفي رواية: هلك. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل ، من دخله غفر له.
قال: وفي رواية: غفر له الذنوب.
ولا يخفى انّ المراد من تمثيلهم بسفينة نوح ، انّما هو الزام الامّة باتباع طريقهم ، والتمسّك بالعروة الوثقى من ولايتهم ، وليس المراد من النجاة بذلك الا رضوان الله عز وجل والجنّة ، كما انّ المراد بغرق المتخلفين عنهم أو هلاكهم إنّما هو سخط الله سبحانه والنار.
____________________
(١) الصواعق المحرقة: ١٥١.
والمراد من تمثيلهم بباب حطّة انّما هو بعض الامّة على التواضع لله عز وجل بالاقتداء بهم والاستسلام لأوامرهم ونواهيهم ، وهذا كلّه ظاهر كما ترى.
قال ابن حجر - بعد إيراد هذه الأحاديث في تفسير الآية السابعة من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب الحادي عشر من الصواعق - ما هذا لفظه:
ووجه تشبيههم بالسفينة - فيما مرّ - أنّ من أحبّهم وعظّمهم ، شكراً لنعمة مشرفهمصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخذ بهدى علمائهم ، نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان.
إلى أن قال: وبباب حطّة - يعني ووجه تشبيههم بباب حطّة - انّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب اريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة ، وجعل لهذه الامة مودّة أهل البيت سبباً لها.(١) إلى آخر كلامه.
ولو أردنا استيفاء ما جاء من صحاح الستّة في وجوب اتباع أئمة أهل البيت ، والانقطاع الدين إليهم عن العالمين لطال المقام ، وخرجنا عن موضوع هذه المقدّمة وحاصله: أنّ مآتمنا بما فيها من الجلوس بعنوان الحزن على مصائب أهل البيت ، والانفاق عنهمه في وجوه البر ، وتلاوة رثائهم ومناقبهم ، والبكاء رحمة لهم ، سيرة قطعية قد استمّرت عليها أئمّة الهدى من أهل البيت ، وأمروا بها
____________________
(١) الصواعق المحرقة: ١٥٢.
أولياءهم على مرّ الليالي والأيام فورثناها منهم ، وثابرنا عليها عملاً بما هو المأثور عنهم ، فكيف والحال هذه - تنكرونها علينا ، وتقولون فيها ما تقولون ؟ والله يعلم انّها ليست كما تظنّون.
دع بكاء الأنبياء والأوصياء ، ودع عنك ما كان من ملائكة السماء ، وقل لي هل جهلت نوح الجن في طبقاتها(١) ، ورثاء الطير في وكناتها(٢) ، وبكاء الوحش في فلواتها(٣) ، ورسيس حيتان البحر في غمراتها(٤) ؟ وهل نسيت الشمس وكسوفها ، والنجوم وخسوفها ، والأرض وزلزالها(٥) ، وتلك الفجائع وأهوالها ؟ أم هل ذهلت عن الأحجار ودمائها ، والأشجار وبكائها ، والآفاق وغبرتها ، والسماء وحمرتها ، وقارورة امّ سلمة وحصياتها(٦) وتلك الساعة وآياتها ؟
____________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى ١: ٢٣ ، العرائس الواضحة: ١٩٠ ، إسعاف الراغبين: ٢١٧ ، ينابيع المودّة ١: ٣٣٠ ، كفاية الطالب: ٢٩٠ ، المعجم الكبير ٣: ١٢٧ ، مجمع الزوائد ٩: ١٩٦ ، إحقاق الحقّ ١١: ٥٦٧ - ٥٦٨.
(٢) انظر: مقتل الحسين ٢: ٩١ ، الكامل في التاريخ ٣: ٢٩٦ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٦ ، مجمع الزوائد ٩: ١٩٦ ، تاريخ الخلفاء: ٨١ ، إحقاق الحق ١١: ٤٩٠.
(٣) انظر: مقتل الحسين ٢: ٩١ ، الكامل في التاريخ ٣: ٢٩٦ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٦ ، مجمع الزوائد ٩: ١٩٦ ، تاريخ الخلفاء: ٨١ ، إحقاق الحق ١١: ٤٩٠.
(٤) انظر: تاريخ دمشق - ترجمة الامام الحسين - ٤: ٣٣٩ ، مقتل الحسين ٢: ٩٠ ، سير اعلام النبلاء ٣: ٣١١ ، المحاسن والمساوئ: ٦٢ ، تاريخ الخلفاء: ٨٠ ، إحقاق الحق ١١: ٤٦٧.
(٥) انظر: المصادر السابقة.
(٦) قال:(رحمهالله ) اشرنا بهذا إلى ما رواه الملأ في سيرته ، وابن احمد في زيادة المسند ، كما في الصواعق عن امّ سلمة ، قالت - من حديث -: ثمّ ناولني كفّا من تراب أحمر وقال: انّ هذا من تربة الأرض التي يقتل بها (ولدي) فمتى صار دماً فاعلمي انّه قد قتل، قالت: فوضعته في قارورة، وكنت أقول: انّ يوماً يتحول فيه دماً ليوم عظيم.
وفي رواية اخرى - كما في الصواعق أيضا -: انّ جبرئيل جاء بحصيات فجعلهن النبي
ألم يرو الملأ عن ام سلمة (كما في الصواعق(١) وغيرها(٢) ) انّها قالت: سمعت نوح الجن على الحسين.
وروى ابن سعد - كما في الصواعق أيضاً -: انّها بكت حينئذ حتى غشي عليها.
وأخرج أبو نعيم الحافظ في الدلائل عنها - كما نقله السيوطي - قالت: سمعت الجن تبكي على الحسين وتنوح عليه.(٣)
وأخرج ثعلب في أماليه (كما في تاريخ الخلفاء ايضا) عن أبي جناب الكلبي(٤) قال: أتيت كربلاء ، فقلت لرجل من أشراف العرب بها: أخبرني بما بلغنيصلىاللهعليهوآله في قارورة ، قالت امّ سلمة: فلمّا كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلاً يقول:
أيّها القاتلون جهلا حسيناً |
ابشروا بالعذاب والتذليل |
|
قد لعنتم على لسان ابن داو |
د وموسى وحامل الانجيل |
قالت: فبكيت وفتحت القارورة ، فإذا الحصيات قد جرت دماً.
أقول: وانظر أيضا حديث امّ سلمة في: المعجم الكبير ٣: ١٣٠ ، ذخائر العقبى: ١٥٠ ، تاريخ الإسلام ٢: ٢٤٩ ، أسماء الرجال ٢: ١٤١ ، سير أعلام النبلاء ٣: ٢١٤ ، آكام المرجان: ١٤٧ ، نظم الدرر: ٢١٧ ، الإصابة ١: ٣٣٤ ، مجمع الزوائد ٩: ١٩٩ ، البداية والنهاية ٦: ٢٣١ ، تاريخ الخلفاء: ٨٠ ، وسيلة المآل: ١٠٧ ، مفتاح النجا: ١٤٤ ، ينابيع المودّة: ٣٢٠ ، الشرف المؤبّد: ٦٨ ، كفاية الطالب: ٢٩٤ ، التذكرة: ٢٧٩ ، المختصر من المقتبس: ٢٦٣ ، تاج العروس ٣: ١٩٦.
____________________
(١) قالرحمهالله : كلّ ما ننقله هنا عن الصواعق موجود في أثناء كلامه في الحديث الثلاثين من الأحاديث التي أوردها في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر.
(٢) البداية والنهاية ٦: ٢٣١ ، مجمع الزوائد ٩: ١٩٩ ، كفاية الطالب: ٢٩٤.
(٣) دلائل النبوة ٢: ٥٥٦ ، تاريخ الخلفاء: ٨٠.
(٤) في الأصل: أبو خباب الكلبي ، وما أثبتناه هوالصحيح ، وهو: يحيى بن أبي حيّة الكوفي ،
انّكم تسمعون من نوح الجنّ ؟ فقال: ما تلقى أحداً(١) الاأخبرك أنّه سمع ذلك. قلت: فأخبرني بما سمعت أنت؟
قال: سمعتهم يقولون:
مسح الرسول جبينه |
فله بريق في الخدود |
|
أبواه من عَليا قريـ |
ـش وجدّه خير الجدود(٢) |
وأخرج أبو نعيم الحافظ (في كتاب دلائل النبوة) عن نضرة الأزدية قالت: لمـّا قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دماً ، فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دماً.(٣)
قال ابن حجر - بعد إيراده في الصواعق -: وكذا روي في أحاديث غير هذه.(٤)
قال: وممّا ظهر يوم قتله من الآيات أيضا: انّ السماء إسودّت إسوداداً عظيماً حتى رؤيت النجوم نهاراً.
حدّث عن أبيه والشعبي وأبي اسحاق السبيعي وغيرهم ، روى عن عبد الرحمن المحاربي وغيره. انظر: لسان الميزان ٦: ٧٨٩ ، الإكمال ٢: ١٣٤.
____________________
(١) في المصدر: ما تلقى حرّا ولا عبداً.
(٢) مجالس ثعلب ٢: ٣٣٩ ، تاريخ الخلفاء: ٨١ ، الملهوف:٢٢٦.
أقول: وقد نسب البيهقي في (المحاسن والمساوئ ١: ٤٩) هذه الأبيات إلى الشاعر كعب بن زهير ، والظاهر انّه كعب بن زهير الصحابي ، ولم أجد الأبيات المنسوبة إليه في غير هذا الكتاب ، فإن صحّت هذه النسبة ، فهي ممّا كتمت في أيام الامويّين والعباسيّين.
(٣) دلائل النبوة ٢: ٥٥٣ ، المناقب لابن شهراشوب ٤: ٥٤ ، العوالم ١٧: ٤٦٦ ح ١ ، بحار الأنوار ٤٥: ٢١٥ ح ٣٨.
(٤) الصواعق المحرقة: ١٩٤.
قال: ولم يرفع حجر الاوجد تحته دم عبيط.(١)
وأخرج أبو الشيخ - كما في الصواعق أيضاً -: انّ السماء احمرّت لقتلهعليهالسلام وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار وظنّ الناس انّ القيامة قد قامت.
قال: ولم يرفع حجر في الشام(٢) الارؤي تحته دم عبيط.
وأخرج عثمان بن أبي شيبة - كما في الصواعق وغيرها - انّ الشمس مكثت بعد قتلهعليهالسلام سبعة ايّام ترى على الحيطان كأنّهاملاحف معصفرة(٣) من شدّة حمرتها وضربت الكواكب بعضها بعضاً.(٤)
قال في الصواعق: ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين: انّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيّام ثم ظهرت الحمرة في السماء.(٥)
قال: وقال أبو سعيد: ما رفع حجر من الدنيا الا وتحته دم الثياب حتى
____________________
(١) الصواعق المحرقة: ١١٦ و١٩٢ ، تذكرة الخواص: ٢٨٤ ، نظم درر السمطين: ٢٢٠ ، كفاية الطالب: ٢٩٥ ، الإتحاف بحبّ الأشراف: ١٢.
(٢) الشام - بالهمزة - ويجوز أن لا يهمز ، فيكون جمع شامة ، سمّيت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشبّهت بالشامات ، حدّها من الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية ، وعرضها من جَبَلَي طي من نحو القبلة إلى بحر الروم ، وبها من امّهات المدن حلب ، ومنبج وحماة وحمص ودمشق والبيت المقدّس والمعرة وفي الساحل أنطاكية وطرابلس.
انظر: معجم البلدان ٣: ٣١١ - ٣١٥.
(٣) المعصفرة: التي اصطبغت باللون الأصفر. «المنجد في اللغة: ٥٠٩».
(٤) المعجم الكبير: ١٤٦ ، مجمع الزوائد ٩: ١٧٩ ، سير أعلام النبلاء ٣: ٢١٠ ، تاريخ الخلفاء: ٨٠ ، إحقاق الحق ١١: ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٥) الصواعق المحرقة: ١١٦ و١٩٢ ، تذكرة الخواص: ٢٨٤ ، تاريخ الاسلام ٢: ٣٤٩.
تقطّعت.
قال: وأخرج الثعلبي: انّ السماء بكت وبكاؤها حمرتها.
وقال غيره: احمرّت آفاق السماء ستّة أشهر بعد قتله ، ثم لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك.
وانّ ابن سيرين قال: اُخبرنا انّ الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسينعليهالسلام .
قال: وذكر ابن سعد: انّ هذه الحمرة لم تر في السماء قبل قتله.(١)
إلى آخر ما هو مذكور في كتب السنّة ، ممّا يدلّك على انقلاب الكون بمقتلهعليهالسلام ، وانّه قد بكته السماء ، وصخور الأرض دماً.
ولو فرض خصمنا جاهلاً بما في تلك الكتب ممّا سمعت بعضه ، فهل يجهل ما قام به ابن نباتة(٢) خطيبا على أعواده ، وتركه سنة لخطباء المسلمين في
____________________
(١) الصواعق المحرقة: ١١٦ و١٩٣ - ١٩٥ ، تذكرة الخواص:٢٨٣.
وللاطلاع انظر: المعجم الكبير: ١٤٥ ، نظم درر السمطين: ٢٢٠ ، الاتحاف بحب الأشراف: ١٢ ذخائر العقبى: ١٤٥ ، الكامل في التاريخ ٣: ٢٩٦ ، الأنس الجليل: ٢٥٢ ، وسيلة المآل: ٩٨ ، تفسير القرآن لابن كثير ٩: ١٦٢ ، تهذيب التهذيب ٢: ٣٥٣ ، كفاية الطالب: ٢٩٦ ، تاريخ دمشق ٤: ٣٣٩ ، تاريخ الاسلام ٢: ٣٤٨ ، سير أعلام النبلاء ٣: ٢١٢ ، مقتل الحسين ٢: ٨٩ و٩٠ ، العقد الفريد ٢: ٢٢٠ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٦ ، مجمع الزوائد ٩: ١٩٦ ، تاريخ الخلفاء: ٨٠ ، مفتاح النجا «مخطوط» ، نور الأبصار: ١٢٣ ، إسعاف الراغبين: ٢١٥.
(٢) هو أبو القاسم الأصبغ بن نباتة المجاشعي التميمي الحنظلي ، من خاصّة أصحاب أمير المؤمنينعليهالسلام ومن شرطة الخميس ، عمّر بعد عليعليهالسلام طويلاً ، وتوفّي بعد المائة ، والظاهر انّه أوّل من كتب مقتل سيد الشهداءعليهالسلام . انظر: الفهرست ٣٧ - ٣٨ رقم ١٠٨ ، الذريعة ٢٢: ٢٣ - ٢٤ رقم ٥٨٣٨.
الجمعة الثانية من المحرم في كل سنة ، وإليك ما اشتملت عليه تلك الخطبة - بعين لفظه -:
[أيّها الناس إن شهركم هذا استشهد فيه الحسين بن علي بن أبي طالب فنال بذلك أعلى المفاخر والمراتب ، وكان ذلك في أرض يقال لها كربلاء ، أحلّ الله بقاتله كلّ كرب وبلاء...].
[و] قال: بكت لموته الأرض والسماوات ، وأمطرت دماً ، وأظلمت الأفلاك من الكسوف ، واشتدّ سواد السماء ودام ذلك ثلاثة أيّام ، والكواكب في أفلاكها تتهافت ، وعظمت الأهوال حتى ظنّ ان القيامة قد قامت.
[ثم] قال: كيف لا وهو ابن السيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام وسبط سيّد الخلائق دنيا وآخرة ، وكان عليه الصلاة والسلام من حبّه في الحسين ، يقبّل شفتيه ، ويحمله كثيراً على كتفيه ، فكيف لو رآه ملقى على جنبيه ، شديد العطش والماء بين يديه ، وأطفاله يصيحون بالبكاء عليه ؟ لصاح عليه الصلاة والسلام ، وخرّ مغشياً عليه.
[ثم] قال: فتأسّفوا رحمكم الله على هذا السبط السعيد الشهيد ، وتسلّموا بما أصابه عمّا سلف لكم من موت الأحرار والعبيد ، واتّقوا الله حقّ تقواه.
قال: وفي الحديث: إذا حشر الناس في عرصات القيامة ، نادى مناد من وراء حجب العرش:
يا أهل الموقف ، غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ، فتجوز وعليها ثوب مخضوب بدم الحسين ، وتتعلّق بساق العرش ، وتقول: أنت الجبّار العدل ، اقض بيني وبين من قتل ابني ، فيقضي الله بينها وبينه.
ثم تقول: اللهم شفّعني فيمن بكى على مصيبتي ، فيشفّعها الله تعالى فيهم(١) ... إلى آخر كلامه.
فهل - بعد ذلك كلّه - تقول: إنّ البكاء على مصائب أهل البيت بدعة ، وهب انّك لا ترجو شفاعة الزهراء ، ولا تبكي لبكاء الأنبياء والأوصياء ، فابك لبكاء الشمس والقمر ، ولا يكن قلبك أقسى من الحجر ، إبك لبكاء عمر بن سعد(٢) ، أو عمرو بن الحجّاج(٣) والأخنس بن يزيد(٤) ، ويزيد بن معاوية(٥) ، أو خولي(٦) ،
____________________
(١) المناقب لابن المغازلي: ٣٥٥ ح ٤٠٤ ، فرائد السمطين ٢: ٢٦٥ ، أمالي المفيد: ٨٤.
(٢) عمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهري المدني ، سيّره عبيد الله بن زياد على أربعة آلاف لقتال الديلم ، وكتب له عهده على الري ، ثم لمـّا علم ابن زياد بمسير الحسينعليهالسلام من مكّة متّجهاً إلى الكوفة كتب إلى عمر بن سعد أن يعود بمن معه ، فعاد ، فولاه قتال الحسينعليهالسلام ، فاستعفاه ، فهدّه وذكّره ولاية الري ، فأطاع ، بعث المختار من قتل عمر بن سعد حين قيامه فقتل. انظر: الطبقات ٥: ١٢٥ ، الأعلام ٥: ٤٧.
(٣) عمرو بن الحجّاج الزبيدي ؛ وقيل: عمر. انظر: الارشاد للمفيد: ٣٨.
(٤) وفي بعض المصادر: أخنس بن مرتد ، وأخنس بن مرثد ، وهو ابن علقمة الحضرمي ، من العشرة الذين داسوا الحسينعليهالسلام بحوافر خيلوهم، حتى رضّوا ظهره وصدره ، وهو من أولاد الزنا.
(٥) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، ثاني ملوك الدولة الاموية في الشام ، ولد بالماطرون ونشأ في دمشق وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة ٦٠ ه ولم يبايعه جماعة وعلى رأسهم الحسينعليهالسلام لفسقه وفجوره ولهوه ولعبه ، خلع أهل المدينة طاعته سنة ٦٣ ه. فأرسل إليهم مسلم بن عقبة وأمره أن يستبيحها ثلاثة أيام وأن يبايع أهلها على أنّهم عبيد ليزيد ، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة ، وقتل فيها كثيراً من الصحابة والتابعين ، مات يزيد سنة ٦٤ ه.
انظر: تاريخ الخميس ٢: ٣٠٠ ، تاريخ ابن الأثير ٤: ٤٩ ، جمهرة الأنساب: ١٠٣.
(٦) هو خولي بن يزيد الأصبحي ، من أشقياء الكوفة ومبغضي أهل البيتعليهمالسلام ، بعد سقوط الإمام الحسينعليهالسلام على الأرض تقدّم ليحتزّ رأسه. وذهب هو وحميد بن مسلم الأزدي بالرأس إلى ابن زياد لكن الوقت كان متأخرّاً وباب القصر مغلقاً فاضطر إلى
والسالب لحلي فاطمة بنت الحسين(١) عليهالسلام ، إبك لبكاء العسكر بأجمعه ، فقد شهدت كتب السير بكائهم ، مع خبث امّهاتهم وآبائهم ، أيحسن منك - وأنت مسلم - أن يصاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهذه الفجائع ، وتحل بساحته تلك القوارع ، ثم تتّخذها ظهرياً ، وتكون عندك نسياً ، ما هذا شأن أهل الوفاء ، ولا بهذا تكون المواساة لسيّدة الأنبياءصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثم انّ الانقلاب الهائل ، وتلك الأحوال المدهشة (من الخسوف والكسوف ورجفة الأرض ، وظلمة الأفق وتهافت النجوم ، وحمرة السماء وبكاء الصخر الأصم دماً ، لم تكن الا إظهاراً لغضب الله عز وجل ، وتنبيهاً على فظاعة الخطب ، وتسجيلاً لتلك النازلة في صفحات الأفق ، لئلا تنسى على مرّ الليالي والأيّام ، وفيها من بعث الناس على استشعار الحزن وادثار الكآبة ما لا يخفى على اولي الألباب.
أخذ الرأس إلى داره واخفائه هناك.
كان له زوجتان ، لمـّا علمت أحداهما بانّه قد أتى برأس الحسين إلى الدار غضبت عليه ولم تجتمع بعدها وأيّاه في فراش واحد.
بقي خولي في أيام المختار متخفّياً ، الاأنّ زوجته الاخرى واسمها عيوف بنت مالك دلّت عليه أصحاب المختار ، وكانت هذه المرأة قد غضبت عليه منذ أن جاء برأس الحسين ، فأخذوا خولي وقتلوه. انظر: بحار الأنوار ٤٥: ١٢٥ ، أعيان الشيعة ١: ٦١٢ ، مستدركات علم الرجال ٣: ٣٤٤ ، مقتل الحسين للمقرم: ٣٩١.
____________________
(١) فاطمة بنت الإمام الحسينعليهالسلام ، تابعية من روايات الحديث ، روت عن جدّتها فاطمة مرسلاً وعن أبيها ، حملت إلى الشام مع اختها سكينة وعمّتها زينب وامّ كلثوم ؛ قيل: عادت إلى المدينة ، فتزوّجها ابن عمّها الحسن بن الحسن بن علي ، ومات عنها فتزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان ، ومات فأبت الزواج إلى أن توفّيت سنة ١١٠ ه. انظر: الطبقات ٨: ٣٤٧ ، مقاتل الطالبيين: ١١٩ و١٢٠ و٢٠٢ ، الأعلام ٥: ١٣٠.
فصل
علم الباحثون من مدقّقي الفلاسفة انّ في مآتمنا المختصّة بأهل البيتعليهمالسلام أسراراً شريفة(١) تعود على الامّة بصلاح آخرتها ودنياها ، أنبهك إليها بذكر
____________________
(١) قالرحمهالله : نبهك الى بعضها ، حكيما الغربيين ، فيلسوفا المستشرقين: الدكتور (جوزف) الفرنساوي في كتابه: «الاسلام والمسلمون» ، والمسيو (ماربين) الألماني في كتابه «السياسة الاسلامية» ، وقد ترجمت جريدة (الحبل المتين) الفارسية في العدد (٨٢) من اعداد سنة ١٧ [وقيل: في العدد (٢٨) من السنة الثامنة بتاريخ ٧ محرم سنة ١٣٢٩ ه ١٩١١ م] فصلين من ذينك الكتابين النفيسين يحتويان على أسرار شهادة الحسين وفلسفة مآتمهعليهالسلام ، فكان لهما دوي في العالم الاسلامي وأخذا في الشرق دوراً مهمّاً ، وترجما بالتركية والهندية ، وعرّبهما سيدنا الشريف العلامة الباحث السيد صدر الدين الموسوي نجل الإمام الكبير حجّة الاسلام ، وآية الله في الأنام ، قدوتنا المولى السيد إسماعيل الصدر أبقاه الله ، فنشرت مجلة العلم أحد الفصلين ، ومجلة العرفان نشرت الآخر ، وإليك ما ذكره الدكتور (جوزف) تحت عنوان «الشيعة وترقياتها المحيّرة للعقول» قال في جملة كلام له طويل:
لم تكن هذه الفرقة (يعني الشيعة) ظاهرة في القرون الإسلامية الاولى كأختها ، ويمكن أن تنسب قلّتهم إلى سببين:
أحدهما: انّ الرئاسة والحكومة التي هي سبب ازدياد تابعي المذهب كانت من بدء الإسلام بيد الفرقة الثانية.
ثانيهما: انّه كان القتل والإغارة عليهم في كل زمان ومكان ، ولهذا حكم أحد أئمّتهم في أوائل القرن الثاني من الإسلام بالتقية واخفاء مذهب الشيعة ، حفظاً لنفوسهم وأموالهم ، فزادت في قوّتهم ، لأنّهم حيث لم يكونوا ظاهرين لم تنلهم أيدي أعدائهم القويّة بالقتل والغارة ، وأقاموا المآتم تحت الستار يبكون فيها على الحسين فأثّرت هذه المآتم في قلوب هذه الطائفة إلى حدّ انّه لم يمر عليها زمن كثير حتى بلغت الأوج في الترقّي ، ودخل في هذه
الطائفة بعض الوزراء وكثير من الملوك والخلفاء ، فبعضهم أخفى ذلك تقيّة ، وبعضهم أظهره جهراً.
من بعد الأمير تيمور الكورگاني ورجوع سلطنة إيران قليلاً قليلاً إلى الصفوية ، اتّخذت فرقة الشيعة إيران مركزاً لها ، وبمقتضى تخمين بعض سائحي فرنسا أن الشيعة سدس أو سبع المسلمين - ونظراً إلى ترقّي هذه الطائفة في مدة قليلة بدون اجبار اصلاً يمكن القول بأنّه لا يمضى قرن أو قرنان حتى يزيد عددها على عدد سائر فرق المسملين ، والعلّة في ذلك ؛ هي إقامة هذه المآتم التي جعلت كل فرد من أفرادها داعية إلى مذهبه.
اليوم لا يوجد نقطة من نقاط العالم يكون فيها شخصان من الشيعة الا ويقيمان فيها المآتم ، ويبذلان المال والطعام. رأيت في بندر (مارسل) في الفندق شخصاً واحداً عربياً شيعياً من أهل البحرين يقيم المأتم منفرداً جالساً على الكرسي بيده الكتاب يقرأ ويبكي ، وكان قد أعدّ مائدة من الطعام ففرّقها على الفقراء !
هذه الطائفة تصرف في هذا السبيل الأموال على قسمين ، فبعضهم يبذلون في كلّ سنة من أموالهم خاصّة في هذا السبيل بقدر استطاعتهم ما يقدّر بالملايين من الفرنكات ، والبعض الآخر من أوقاف خصّصت لإقامة هذه المآتم ، وهذا المبلغ طائل جداً ، ويمكن القول بأنّ جميع فرق المسلمين منضمّة بعضها إلى بعض لا تبذل في سبيل مذهبها ما تبذله هذه الطائفة ، وموقوفات هذه الفرقة هي ضعف أوقاف سائر المسلمين أو ثلاثة أضعافها.
كل واحد من هذه الفرقة بلا استثناء سائر في طريق الدعوة إلى مذهبه ، وهذه النكتة مستورة عن جميع المسلمين حتى الشيعة أنفسهم ، فإنهم لا يتصوّرون هذه الفائدة من عملهم هذا ، بل قصدهم الثواب الاخروي ، ولكن بما أن كلّ عمل في هذا العالم لا بدّ أن يظهر له بطبيعته أثر ، فهذا العمل أيضاً يؤثر ثمرات للشيعة ، من المسلّم أن المذهب الذي دعاته من خمسين إلى ستّين مليوناً لا محالة يترقّى على التدريج ترقّياً لائقاً بهم ، حتى انّ الرؤساء الروحانية ، والملوك والوزراء لهذه الفرقة ليسوا بخارجين عن صفة الدعوة ، فقراء وضعفاء هذه الفرقة بما انّهم حصلوا ويحصلون على فوائد كلّية من هذا الطريق ، فهم يحافظون على إقامة هذه المآتم أكثر من كبرائها ؛ لأنّهم رأوا في هذا العمل ثواب الآخرة وأجر الدنيا ، فلهذا ترك جمع غفير من عرفاء هذه الفرقة أسباب معاشهم ، واشتغلوا بهذا العمل، فهم يتحمّلون المشاقّ ليتمكّنوا من ذكر فضائل كبراء دينهم ، والمصائب التي أصابت أهل هذا البيت
بأحسن وجه واقوى تقرير على رؤوس المنابر وفي المجالس العامّة.
وبسبب هذه المشاقّ التي اختارتها هذه الجماعة في هذا الفن تفوّقت خطباء هذه الفرقة على جميع الطوائف الإسلامية ، وحيث انّ تكرار المطلب الواحد يورث اشمئزاز القلوب لمذهبهم في هذ الطريقة على المنابر ، حتى آل الأمر إلى أن أصبح الأميّون من الشيعة أعرف في مسائل مذهبهم ممّن يقرأون ويفهمون من الفرق الإسلامية الاخرى من كثرة ما سمعوا من عرفائهم.
اليوم إذا نظرنا في كلّ نقطة من نقاط العالم من حيث العدد والنفوس نرى أن أليق المسلمين بالمعرفة والعلم والحرفة والثروة هي فرقة الشيعة ، دعوة هذه الفرقة غير محصورة في أهل مذهبهم أو في سائر الفرق الاسلامية ، بل أي قوم وضع أفراد هذه الطائفة أقدامهم بينهم يسرى في قلوب أهل تلك الملّة هذا الأثر.
إنّ العدد الكثير الذي يرى اليوم في بلاد الهند من الشيعة هو من تأثير إقامة هذه المآتم ، فرقة الشيعة حتى في زمان السلاطين الصفوية لم تسع في ترقّي مذهبها بقوّة السيف ، بل ترقّت هذا الترقّي المحيّر للعقول بقوّة الكلام الذي هو أشدّ تأثيراً من السيف ، ترقّت اليوم هذه الفرقة في إداء مراسمها المذهبية بدرجة جعلت ثلثي المسلمين يتّبعونها في حركاتها ، جمّ غفير من الهنود والفرس وسائر المذاهب أيضاً شاركوهم في أعمالهم ، وهذا أمر واضح انّه بعد مضي قرن تودّع هذه الاخيالات بطريق الإرث لأبناء تلك الطوائف ، فيسلّمون بها أو يعتقدون بذلك المذهب ، وحيث انّ فرقة الشيعة تعتقد أنّ جميع مطالبها مرتبطة بكبراء مذهبها ويطلبون المدد منهم في الحوائج والشدائد ، فسائر الفرق أيضاً التي تشاركهم في أفعالهم وأعمالهم تتأسّى بهم كثيراً ، فبمجرّد مصادفة قضاء حوائجهم تزداد عقيدتهم رسوخاً.
من هذه القرائن والأسباب يمكن ان يستدرك انّه لا يمر زمن قليل على هذه الفرقة حتى تتفوّق من حيث العدد على جميع الفرق الإسلامية ، كان أكثر هذه الفرقة إلى ما قبل قرن أو قرنين ما عدا إيران يعملون بالتقيّة في مذهبهم لقلّة العدد ، وعدم القدرة ، ومن الزمن الذي استولت فيه دول الغرب على الممالك الشرقية وأعطت الحريّة لجميع المذاهب ، تظاهرت هذه الفرقة بمراسم مذهبها في كلّ نقطة ، وهذه الحريّة أفادتهم بدرجة أنّها رفعت من مذهب
الشيعة اسم التقيّة.
بمناسبة الأسباب التي ذكرت ، وقفت هذه الفرقة على مقتضيات العصر اكثر من سائر الفرق الاسلامية ، وأقدمت على كسب المعاش وتحصيل العلوم أكثر من الآخرين ، ومن هذه الوجهة فالرجال العاملون الذين يعيشون بكدّ اليمين يوجدون فيهم أكثر من سائر فرق المسلمين ، وحيث انّ الغالب عليهم العمل ، فالملازمون لهم وخدّامهم يصيرون بالطبع تابعين لهم ، وعلاوة على ذلك انّهم بواسطة الأعمال يحتاج الناس إليهم ، ومحبّتهم ومعاشرتهم لسائر الفرق موجبة لاختلاط الآخرين معهم عند مشاركتهم لهم في مجالسهم ومحافلهم ، وحينما يصغى المباشرون لهم إلى سماع اصول مذهبهم وأحاديثهم مرّة بعد مرّة لا محالة يألفون مشربهم ، وهذا هو عمل الدعاة ، والأثر الذي يترتّب على هذه الوضعية هو الأثر الذي توخّته عرفاء دول الغرب في ترقية دين المسيح مع بذل أموال تحيّر العقول.
من جملة الامور السياسية التي ألبستها روؤساء فرقة الشيعة لباس المذهب من عدّة قرون وصارت مورثة جداً لجلب قلوبهم وقلوب غيرهم ؛ هي اصول التمثيل باسم الشبيه والتعزية في مأتم الحسين ، التمثيل أدخلته حكماء الهند في عباداتها لعدّة أغراض خارجة عن موضوع بحثنا ، الاوربّيون بمقتضى السياسة ألبسوا التمثيل لباس التفرّج ، وأظهروا في محلات التفرّج العمومية لأنظار العامّ والخاصّ اموراً سياسية مهمّة لاستجلاب القلوب ، وقليلاً قليلاً أصابوا هدفين بسهم واحد ؛ تفريح الطبائع ، وجلب قلوب العامّة في الامور السياسية.
فرقة الشيعة حصلت من هذه النكتة على فائدة تامّة فألبست ذلك لباس المذهب ، فيستنبط أنّ فرقة الشيعة أخذت هذا العمل من الهنود ، وعلى كلّ حال فالتأثير الذي يلزم أن يحصل على قلوب العامّة والخاصّة في اقامة العزاء والشبيه قد حصل.
من جهة يذكرون في مجالس قراءة التعزية المتواصلة ، وعلى المنابر المصائب التي وردت على رؤساء دينهم ، والمظالم التي وردت على الحسين ، ومع تلك الأحاديث المشوّقة إلى البكاء على مصائب آل الرسول.
فتمثيل تلك المصائب للأنظار أيضاً له تاثير عظيم ويجعل العامّ والخاصّ من هذه الفرقة راسخ العقيدة فوق التصوّر، وهذه النكات الدقيقة صارت سبباً في أنّه لم يسمع بأحد من هذه الفرقة من ابتداء ترقّي مذهب الشيعة انّه ترك دين الإسلام أو دخل في فرقة اسلامية اخرى.
بعضها وأوكل الباقي إلى فطنتك:
فمنها: انّها جامعة اسلاميّة ، ورابطة إمامية باسم النبي وآلهصلىاللهعليهوآله ينبعث عنها الاعتصام بحبل الله عز وجل ، والتمسّك بثقلي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفيها من اجتماع القلوب على اداء الرسالة بمودّة القربى ، وترادف
هذه الفرقة تعمل الشبيه بأقسام مختلفة ، فتارة في مجالس مخصوصة ومقامات معينة ، وحيث انّه في أمثال هذه المجالس المخصوصة والمقامات المعينة يكون اشتراك الفرق الاخرى معهم أقلّ ، أوجدوا تمثيلاً بوضع خاص ، فعملوا الشبيه في الأزقّة والأسواق ، وداروا به بين جميع الفرق ، وبهذا السبب تتأثّر قلوب جميع الفرق منهم ومن غيرهم بذلك الأثر الذي يجب أن يحصل من التمثيل ، ولم يزل هذا العمل شيئاً فشيئاً يورث توجّه العام والخاص إليه ، حتى أنّ بعض الفرق الاسلامية الأخرى وبعض الهنود قلّدوا الشيعة فيه ، واشتركوا معهم في ذلك.
وعمل الشبيه في الهند أكثر رواجاً منه في جميع الممالك الاسلامية ، كما انّ سائر فرق الاسلام هناك أكثر اشتراكاً مع الشيعة في هذا العمل من سائر البلاد. ويظنّ أن اصول التمثيل وعمل الشبيه بين الشيعة قد جاءت من جهة سياسة السلاطين الصفويّة الذين كانوا أول سلسلة استولت على السلطنة بقوّة المذهب وروؤساء الشيعة الروحانيون شيئاً فشيئاً أيّدوا هذا العمل وأجازوه.
ومن جملة الامور التي صارت سبباً في ترقّي هذه الفرقة وشهرتها في كلّ مكان هو إرادة أنفسهم بالمرأى الحسن ، بمعنى أنّ هذه الطائفة بواسطة مجالس المأتم ، وعمل الشبيه ، واللطم والدوران ، وحمل الأعلام في مأتم الحسين ، جلبت إليها قلوب باقي الفرق بالجاه والاعتبار والقوة والشوكة ، لأنّه من المعلوم أنّ كل ّجمعية وجماعة تجلب إليها الأنظار وتوجّه إليها الخواطر إلى درجة ما.
مثلاً لو كان في مدينة عشرة آلاف نفس متفرّقين ، وكان في محل ألف نفس مجتمعين ، كانت شوكة الألف وعظمتهم في أنظار الخاصّ والعامّ أكثر من العشرة آلاف ، مضافاً إلى أنّه إذا اجتمع ألف نفس انضمّ إليهم من غيرهم بقدرهم بعضهم للتفرّج ، وبعضهم للصداقة والرفاقة ، وبعضهم لأغراض خاصّة ، وبهذا الانضمام تتضاعف قوة الألف وشوكتهم في الأنظار.
العزائم على إحياء أمر أهل البيتعليهمالسلام ما ليس في غيرها.
وحسبك في رجحانها ما يتسنّى بها للحكيم من إلقاء المواعظ والنصائح ، وإيقاف المجتمعين على الشؤون الإسلامية ، والامور الإمامية ولو إجمالاً ، وبذلك يكون أمل العاملي(١) ، نفس أمل إخوانه في العراق وفارس والبحرين والهند وغيرها من بلاد الاسلام.
ولا تنس ما يتهيّأ للمجتمعين فيها من الاطّلاع على شؤونهم ، والبحث عن شؤون اخوانهم النائين عنهم ، وما يتيسّر لهم حينئذ من تبادل الآراء فيما يعود عليهم بالنفع ، ويجعلهم كالبنيان المرصوص ، يشدّ بعضه بعضاً ، أو كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضواً أنّت له سائر الأعضاء ، وبذلك يكونون مستقيمين في السير على خطة واحدة يسعون فيها وراء كلّ ما يرمون إليه.
ومنها: انّ هذه المآتم دعوة إلى الدين بأحسن صورة وألطف اسلوب ، بل هي أعلى صرخة للإسلام توقظ الغافل من سباته ، وتنبّه الجاهل من سكراته ، بما تشربه في قلوب المجتمعين ، وتنفثه في آذان المستمعين ، وتبثّه في العالم ، وتصوره قالباً لجميع بني آدم ، من أعلام الرسالة ، وآيات الاسلام ، وأدلّة الدين ، وحجج المسلمين ، والسيرة النبويّة، والخصائص العلوية ، ومصائب اهل البيتعليهمالسلام في سبيل الله ، وصبرهم على الأذى في اعلاء كلمة الله.
فاولوا النظر والتحقيق يعلمون أنّ خطباء المآتم كلهم دعاة إلى الدين من حيث لم يقصدوا ذلك ، بل لا مبشّر بالإسلام على التحقيق سواهم ، وأنت تعلم أنّ الموظفين لهذا العمل الشريف لا يقصرون في انحاء البسيطة عن الألوف المؤلّفة ،
____________________
(١) نسبة إلى جبل عامل في لبنان موطن المصنّفرحمهالله .
فلو بذل المسلمون شطر أموالهم ليوظفوا دعاة إلى دينهم بعد اولئك الخطباء ما تيسّر ذلك لهم ، ولو تيسّر من يستمع الدعوة على مرّ الدهور استماع الناس لما يُتلى في هذه المآتم بكلّ رغبة واقبال.
ومنها: ما قد أثبته العيان ، وشهد به الحس والوجدان من بثّ روح المعارف بسبب هذه المآتم ، ونشر أطراف من العلوم ببركتها ، إذ هي - بشرط كونها على اصولها - أرقى مدارس للعوام ، يستضيئون فيها بأنوار الحكم من جوامع الكلم ، ويلتقطون منها دور السير ، ويقفون بها على أنواع العبر ، ويتلقون فيها من الحديث والتفسير والفقه ما يلزمهم حمله ولا يسعهم جهله ، بل هي المدرسة الوحيدة للعوام في جميع بلاد الاسلام.
وقد تفنّن خطباؤها في ما يصدعون به أوّلاً على أعوادها ثم يتخلّصون منه إلى ذكر المصيبة وتلاوة الفاجعة ؛ فمنهم: من يشنف المسامع ويشرف الجوامع بالحكم النبويّة ، والمواعظ العلوية ، أو يتلو أوّلاً من كلام أئمّة أهل البيتعليهمالسلام ما يقرّب المستمعين إلى الله ، ويأخذ بأعناقهم إلى تقواه.
ومنهم: من يتلو أوّلاً من سيرة النبيصلىاللهعليهوآله وتارخ أوصيائهعليهمالسلام ما يبعث المستمعين على مودتهم ، ويضطرهم إلى بذل الجهد في طاعتهم.
ومنهم: من ينبّه الأفكار أوّلاً إلى فضل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومقام أوصيائهعليهمالسلام بما يسرده من الأحاديث الصحيحة، والآيات المحكمة الصريحة.
ومنهم: من يتلو أوّلاً الأحكام الشرعية والعقائد الدينية ما تعمّ به البلوى المكلّفين ولا مندوحة من معرفته لأحد من العالمين.
هذه سيرتهم المستمرة أيام حياتهم ، فهل ترى بجدك للعوام مدرسة تقوم مقامها في جسيم فوائدها وعظيم مقاصدها ؟ لا وسرّ الحكماء الذين بعثوا شيعتهم عليها وحكمة الأوصياء الذين أرشدوا أوليائهم إليها.
ومنها: الارتقاء في الخطابة ، والعروج إلى منتهى البراعة ، كما يشهد به الوجدان ، ولا نحتاج فيه إلى برهان.
ومنها: العزاء عن كل مصيبة ، والسلوة لكل فادحة ، إذ تهون الفجائع بذكر فجائعهم ، وتنسى القوارع بتلاوة قوارعهم ، كما قيل في رثائهمعليهالسلام : أنست رزيّتكم رزايا التي سلفت وهوّنت الرزايا الآتية
ومنها: انعاش أهل الفاقة ، واثلاج أكباد حرّى من أهل المسكنة على الدوام بما نفق في هذه المآتم من الأموال في سبيل الله عز وجل ، وما يبذل فيها لأهل المسغبة وغيرهم ، وأنت تعلم أنّه لا وسيلة لقراء تلك المآتم في التعيّش غالباً الا هذه الوظيفة ، وهم من الرجال والنساء - بقطع النظر عمّن يقومون بنفقته ، اُلوف مؤلّفة يعيشون ببركة أهل البيتعليهمالسلام ويتنعّمون بيمن مآتمهمعليهمالسلام .
ومنها: انّ المصلحة التي استشهد الحسينعليهالسلام - بأبي واُمّي - في سبيلها ، وسفك دمه الزكي تلقاءها ، تستوجب استمرار هذه المآتم ، وتقتضي دوامها إلى يوم القيامة وبيان ذلك:
إنّ المنافقين حيث دفعوا أهل البيتعليهمالسلام عن مقامهم ، وأزالوهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، ظهروا للناس بمظاهر النيابة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأظهروا التأييد لدينه ، والخدمة لشريعته ، فوقع الإلتباس ، واغترّ
بهم أكثر الناس ، ولما ملكوا من الامّة أزمتها ، واستسلمت لهم برمّتها ، حرموا (والناس في سنّة عن سوء مقاصدهم) من حلال الله ما شاؤوا ، وحلّلوا من حرامه ما أرادوا ، وعاثوا في الدين وحكموا فيه القاسطين ، فسمّلوا أعين أولياء الله ، وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وصلبوهم على جذوع النخل ، ونفوهم عن عقر ديارهم حتى تفرقوا أيدي سبأ ، ولعنوا أمير المؤمنينعليهالسلام وكنّوا به عن أخيه الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله .
فلو دامت تلك الأحوال ، وهم أولياء السلطة المطلقة ، والرئاسة الروحانية ، لما أبقوا للإسلام عيناً ولا أثراً ، لكن ثار الحسينعليهالسلام فادياً دين الله عز وجل بنفسه وأحبائه حتى وردوا حياض المنايا ، ولسان حاله يقول: إن كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي يا سيوف خذيني
فاستنقذ الدين من أيدي الظالمين ، وانكشف الغطاء بوقوع تلك الرزايا عن نفاق القوم حتى تجلّت عداوتهم لله عز وجل ، وظهر انتقامهم من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، إذ لم يكتفوا بقتل الرجال من بنيه عطاشى والماء تعبث فيه خنازير البر وكلابه ، ولم يقنعوا بذبح الأطفال من أشباله أحياء وقد غارت أعينهم من شدّة العطش ، ولا اكتفوا باستئصال العترة الطاهرة ونجوم الأرض من شيبة الحمد حتى وطأوا جثثهم بسنابك الخيل ، وحملوا رؤوسهم على أطراف الأسنة ، وتركوا أشلائهم الموزعة عارية بالعراء ، مباحة لوحوش الأرض وطير السماء ، ثمّ أرزوا ودائع الرسالة وحرائر الوحي مسلبات ، وطافوا البلاد بهنّ سبايا كأنّهنّ من كوافر البربر ، حتى أدخلوهنّ تارة على ابن مرجانة ، واخرى على ابن آكل الأكباد ، وأوقفوهنّ على درج الجامع في دمشق حيث تباع جواري السبي.
فلم تبق بعدها وقفة من عداوتهم لله ، ولا ريبة بنفاقهم في دين الاسلام ،
وعلم حينئذ أهل البحث والتنقيب من اولي الألباب انّ هذه امور دبّرت بليل ، وانّها عن عهد السلف بها إلى خلفه ، وما كانت ارتجالاً من يزيد - وما المسبّب لو لم ينجح السبب - ثمّ لم تزل أنوار هذه الحقيقة تتجلّى لكلّ من نظر نظراً فلسفياً في فجائع الطفّ وخطوب أهل البيتعليهمالسلام ، أو بَحَث بحث مدقّق عن أساس تلك القوارع ، وأسباب هاتيك الفظائع.
وقد علم أهل التدقيق من اولي البصائر أنّه ما كان لهذا الفاجر أن يرتكب من أهل البيت ما ارتكب ، لولا ما مهده سلفه من هدم سورهم ، واطفاء نورهم ، وحمله الناس على رقابهم ، وفعله الشنيع يوم بابهم.(١)
وتالله لولا ما بذله الحسينعليهالسلام في سبيل إحياء الدين من نفسه الزكية ، ونفوس أحبّائه بتلك الكيفية ، لأمسى الاسلام خبراً من الأخبار السالفة(٢) ،
____________________
(١) أقول: أخرج البلاذري في تاريخه قال: لمـّا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ، كتب عبد الله بن عمر رسالة إلى يزيد بن معاوية جاء فيها: أمّا بعد ، فقد عظمت الرزية وجلّت المصيبة ، وحدث في الاسلام حدث عظيم ، ولا يوم كيوم قتل الحسين.
فكتب إليه يزيد:
أمّا بعد ، يا أحمق ! فإنّا جئنا إلى بيوت مجددة ، وفرش ممهّدة ، ووسائد منضدة ، فقاتلنا عنها ! فإن يكن الحق لنا فعن حقّنا قاتلنا ، وإن كان الحقّ لغيرنا فأبوك أوّل من سنّ هذا واستأثر بالحقّ على أهله.
(٢) قالرحمهالله : كما شهد به العظماء من فلاسفة الغرب ، وإليك ما ذكره الميسو ماربين الألماني في كتابه «السياسة الإسلامية» بعين لفظ المعرّب قال من جملة كلام طويل: لا يشكّ صاحب الوجدان إذا دقّق النظر في أوضاع ذلك العصر وكيفية نجاح بني اميّة في مقاصدهم واستيلائهم على جميع طبقات الناس وتزلزل المسلمين انّ الحسين قد أحيا بقتله دين جده وقوانين الاسلام وان لم تقع تلك الواقعة ولم تظهر تلك الحسيّات الصادقة بين المسلمين لأجل قتل الحسين ، ولم يكن الاسلام على ما هو عليه الآن قطعاً بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانين حيث كان يومئذ حديث العهد ، عزم الحسين انجاح هذا المقصد واعلان
الثورة ضد بني اميّة من يوم توفي والده ، فلما قام يزيد مقام معاوية خرج الحسين من المدينة وكان يظهر مقصده العالي ويبثّ روح الثورة في المراكز المهمة الاسلامية كمكّة والعراق واينما حلّ فازداد - نفرة قلوب المسلمين التي هي مقدّمة الثورة من بني أميّة ، ولم يكن يجهل يزيد مقاصد الحسين وكان يعلم انّ الثورة إذا اُعلنت في جهة والحسين قائدها مع تنفّر المسلمين عموماً من جومة بني اميّة وميل القلوب وتوجه الأنظار إلى الحسين عمّت جميع البلاد وفي ذلك زوال ملكهم وسلطانهم فعزم يزيد قبل كلّ شيء من يوم بويع على قتل الحسين.
ولقد كان هذا العزم أعظم خطا سياسي صدر من بني اميّة الذي جعلهم نسياً منسياً ولم يبق منهم أثر ولا خبر.
وأعظم دلالة على انّ الحسين أقدم على قتل نفسه ، ولم تكن في نظره سلطنة ولا رئاسة هو: أنّه مضافاً إلى ما كان عليه من العلم والسياسة والتجربة التي وقف عليه زمن أبيه وأخيه في قتال بني اميّة كان يعلم أنّه مع عدم تهيئة الأسباب له واقتدار يزيد لا يمكنه المقاومة والغلبة ، وكان يقول: من يوم توفي والده انّه يقتل ، وأعلن يوم خروجه من المدينة انّه يمضي إلى القتل وأظهر ذلك لأصحابه والذي اتّبعوه من باب اتمام الحجّة حتى يتفرّق الذين التفّوا حوله طمعاً بالدنيا ، وطالما كان يقول: «خير لي مصرع أنا ملاقيه» ، ولو لم يكن قصده ذلك ولم يكن عالما عامداً لجمع الجنود ولسعى في تكثير أصحابه وزيادة استعداده لا أن يفرق الذين كانوا معه ، ولكن لما لم يكن له قصد الاالقتل مقدّمة لذلك المقصد العالي واعلان الثورة المقدّسة ضد يزيد رأى انّ خير الوسائل إلى ذلك الوحدة والمظلومية فان أثّر هكذا مصائب أشد وأكثر في القلوب.
من الظاهر انّ الحسين مع ما كانت له من المحبوبية في قلوب المسلمين في ذلك الزمان لو كان يطلب قوّة واستعداداً لأمكنه أن يخرج إلى حرب يزيد جيشاً جرّاراً ، ولكنّه لو وضع ذلك لكان قتله في سبيل طلب السلطنة والامارة ، ولم يفز بالمظلوميّة التي انتجت تلك الثورة والعظيمة ، هذا هو الذي سبب أن لا يبقى معه أحداً ، الا الذين لا يمكن انفكاكهم عنه ، كأولاده وأخوانه وبني أخوته وبني أعمامه وجماعة من خواص أصحابه ، حتى انّه أمر هؤلاء أيضاً بمفارقته ، ولكنّهم أبو عليه ذلك ، وهؤلاء أيضاً كانوا من المعروفين بين المسلمين بجلالة القدر ، وعظيم المنزلة ، وقتلهم معه ممّا يزيد في عظم المصيبة وأثر الواقعة.
نعم ، انّ الحسين بمبلغ علمه وحسن سياسته بذل كمال جهده في افشاء ظلم بني اميّة واظهار عداوتهم لبني هاشم وسلك في ذلك كلّ طريق ، لما كان يعلم عداوة بني اميّة له ولبني هاشم ، ويعرف انّه بعد قتله يأسرون عياله وأطفاله ، وذلك يؤيّد مقصده ، ويكون له أثر عظيم في قلوب المسلمين - سيّما العرب - كما وقع ذلك حملهم معه وجاء بهم إلى المدينة.
نعم ، انّ ظلم بني اميّة وقساوة قلوبهم في معاملاتهم مع حرم محمد وصباياه أثّر في قلوب المسلمين تأثيراً عظيماً لا ينقص عن أثر قتله وأصحابه ، ولقد أظهر في فعله هذا عقيدة بني اميّة في الاسلام وسلوكهم مع المسلمين سيّما ذراري نبيّهم ، لهذا كان الحسين يقول في جواب أصحابه والذين كانوا يمنعونه عن هذا السفر: أني أمضي إلى القتل، ولما كانت أفكار المانعين محدودة ، وأنظارهم قاصرة لا يدركون مقاصد الحسين العالية لم يألوا جهدهم في منعه وآخر ما أجابهم به ان قال لهم: شاء الله ذلك ، وجدّي أمرني به ، فقالوا: ان كنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النسوة والأطفال ؟ فقال: «انّ الله شاء أن يراهنّ سبايا» ولما كان بينهم رئيساً روحانياً لم يكن لهم بدّ عن السكوت.
وممّا يدلّ على انّه لم يكن له غرض الا ذلك المقصد العالي الذي كان في نفسه ولم يتحمل تلك المصائب لسلطنة وامارة ولم يقدم على هذا الخطر من غير علم ودراية كما تصوّره بعض المؤرخين منّا أنّه قال لبعض ذوي النباهة قبل الواقعة بأعوام كثيرة على سبيل التسلية: «انّ بعد قتلي وظهور تلك المصائب المحزنة يبعث الله رجالاً يعرفون الحقّ من الباطل ، يزورون قبورنا ، ويبكون على مصابنا ، ويأخذون بثأرنا من أعدائنا. واولئك جماعة ينشرون دين الله وشريعة جدّي ، وأنا وجدّي نحبّهم وهم يحشرون معنا يوم القيامة».
ولو تأمّل المتأمّل في كلام الحسينعليهالسلام وحركاته يرى انّه لم يترك طريقاً من السياسة الاسلكه في إظهار شنائع بني اميّة وعداوتهم القلبية لبني هاشم ومظلومية نفسه ، وهذا ممّا يدلّ على حسن سياسته وقوّة قلبه وتضحية نفسه في طريق الوصول إلى المقصد الذي كان في نظره حتى انّه في آخر ساعات حياته عمل عملاً حيّر عقول الفلاسفة ولم يصرف نظره عن ذلك المقصد العالي مع تلك المصائب المحزنة ، والهموم المتراكمة ، وكثرة العطش والجراحات وهو قصّة الرضيع.
فلمّا كان يعلم أنّ بني اميّة لا يرحمون له صغيراً رفع طفله الصغير تعظيماً للمصيبة على يده أمام القوم ، وطلب منهم أن يأتوه شربة من الماء فلم يجيبوه الا بالسهم ، ويغلب على
الظنّ انّ غرض الحسين من هذا العمل تفهيم العالم بشدّة عداوة بني اميّة لبني هاشم وأنّها إلى أي درجة بلغت ، ولا يظن أحد انّ يزيد كان مجبوراً على تلك الاقدامات الفجيعة لأجل الدفاع عن نفسه ، لأنّ قتل الطفل الرضيع في ذلك الحال بتلك الكيفية ليس هو الاتوحّش وعداوة سبعية منافية لقواعد كلّ دين وشريعة ، ويمكن أن تكون هذه الفاجعة كافية في افتضاح بني اميّة ورفع الستار عن قبائح أعمالهم ونيّاتهم الفاسدة بين العالم سّيما المسلمين ، وأنّهم يخالفون الاسلام في حركاتهم ، بل يسعون بعصبية جاهلية إلى اضمحلال آل محمد وجعلهم أيدي سبأ.
ونظراً لتلك المقاصد العالية التي كانت في نظر الحسين مضافاً إلى وفور علمه وسياسته التي كان لا يشكّ فيها اثنان لم يرتكب أمراً يوجب مجبورية بني اميّة للدفاع حتى انّه مع ذلك النفوذ والاقتدار الذي كان له في ذلك العصر ، لم يسع في تسخير البلاد الاسلامية وضمّها إليه ، ولا هاجم ولاية من ولايات يزيد إلى أن حاصروه في وادٍ غير ذي زرع ، قبل أن تبدو منه أقل حركة عدائية ، أو تظهر منه ثورة ضد بني اميّة.
لم يقل الحسين يوماً: سأكون ملكاً أو سلطاناً ، وأصبح صاحب سلطة ، نعم ، كان يبثّ روح الثورة في المسلمين بنشره شنائع بني اميّة واضمحلال الدين أن دام ذلك الحال ، وكان يخبر بقتله ومظلوميته وهو مسرور ، ولما حوصر في تلك الأرض القفراء أظهر لهم من باب اتمام الحجة بأنّهم لو تركوه لرحل بعياله وأطفاله ، وخرج من سلطة يزيد ، ولقد كان لهذا الاظهار الدالّ على سلامة نفس الحسين في قلوب المسلمين غاية التأثير.
قتل قبل الحسين ظلماً وعدواناً كثير من الرؤساء الروحانيين وأرباب الديانات ، وقامت الثورة بعد قتلهم بين تابعيهم ضدّ الأعداء ، كما وقع مكرّراً في بني إسرائيل وقصّة يحيى من أعظم الحوادث التأريخية ، ومعاملة اليهود مع المسيح لم ير نظيرها إلى ذلك العهد ، ولكن واقعة الحسين فاقت الجميع.
أقول: واتماماً للفائدة أكثر نذكر بعض عبارات المسيو ماربين الألماني والتي لم يذكرها المصنّفرحمهالله هنا:
وقال المسيو ماربين كذلك: الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف هو سبط محمد المتولد من ابنته وحبيبته فاطمةعليهمالسلام ويمكننا القول بأنّه كان جامعاً للأخلاق والصفات المستحسنة عند العرب في ذلك الزمان ، ووارثاً للشجاعة من
أبيه ، وأعلم المسلمين باحكام دين جدّه ، وحاوياً بدرجة كاملة للجود الذي هو أحبّ الصفات ، وكان طلق اللسان، فصيح البيان للغاية ، اتّفق المسلمون بلا مخالف على حسن العقيدة في الحسين حتى أنّ الطوائف التي تذمّ أباه وأخاه تمدحه وتثنى عليه ، وكتبهم مشحونة بذكر ملكاته الحسنة ، وسجاياه المستحسنة ، وكان غيوراً صادقاً غير هيّاب ، وانّ لغالب فرق المسلمين عقائد عظيمة في الحسينعليهالسلام ، ولكن الذي نقدر أن نكتبه في كتابنا بكمال الطمأنينة ، وبلا خوف المعارضة هو أنّ تابعي عليعليهالسلام يعتقدون في الحسين أكثر ممّا تقوله النصارى في المسيحعليهالسلام ، فكما أنّنا نقول إنّ عيسى تحمّل هذه المصائب لتكفير السيئات ، هم يقولون ذلك في الحسين ، ويعدونه الشفيع المطلق يوم القيامة ، والشيء الذي لا يقبل الانكار أبداً.
إذا قلناه في الحسين هو انّه كان في عصره أوّل شخص سياسي ، ويمكن أن نقول أنّه لم يختر أحد من أرباب الديانات سياسة مؤثرة مثل سياستة ، ومع أنّ أباه عليّاً هو حكيم الإسلام ، وحكمياته وكليّاته الشخصية لم تكن بأقل ممّا هو لسائر حكماء العالم المعروفين ، لم يظهر منه مثل السياسة الحسينية.
ولأجل اثبات هذه المسألة يلزم الالتفات قليلاً إلى تاريخ العرب قبل الإسلام ، فنرى أنّها كانت قرابة بين بني هاشم وبني اميّة ؛ أي أنّهم بنو أعمام لأنّ أميّة وهاشم أنجال عبد مناف ، ومن قبل الإسلام كان بينهم نفور وكدورة بدرجة متناهية ، وحصل بينهم مراراً مجادلات وقتال ، وكان كلّ من الطرفين طالباً ثأر من الآخر ، وكان بنو هاشم وبنو اميّة أعزّاء محترمين في قريش ، ولهم السيادة ، بنو اميّة من جهة الغنى والرئاسة الدنيويّة ، وبنو هاشم من جهة العلم والرئاسة الروحانية ، وفي بدء الاسلام ازدادت العداوة بين بني هاشم وبني اميّة إلى أن فتح النبي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم مكة ، وأدخل في طاعته وتحت أمره عموم قريش وبني اميّة ، وفي الواقع استولى على رئاسة العرب الدينيّة والدنيويّة ، فلأجل ذلك ارتفع قدر بني هاشم بين العرب واطاعتهم بنو اميّة ، وأضرم هذا التقدّم في الباطن نار الحسد لبني هاشم في صدور بني اميّة ، وكانوا على استعداد للإيقاع ببني هاشم حقداً عليهم.
فلمّا توفّي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اتّسع لهم المجال لذلك ، فسعوا أولاً أن لا يكون الخليفة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على اصول ولاية العهد ، بل على اصول
أكثرية الآراء ولم تدع شدّة مخالفة بني اميّة أن تكون أكثرية الآراء في الخلافة بجانب بني هاشم ، فهنا نال بنو اميّة مآربهم ، وتغلّبوا على بني هاشم.
وبسبب الخلافة تمكّن بنو اميّة من الحصول على مقام منيع ، فسهّلوا الطريق لمستقبلهم ، وكانوا يسعون في رفعة منزلتهم عند الخلفاء يوماً فيوماً ، وأصبحوا ركناً من أركان السلطنة الإسلامية حتى أصبح الخليفة الثالث منهم ، وأصبح بنو اميّة متفوّقين تفوّقاً مطلقاً في كل عمل ومكان ، ووطّدوا مقامهم للمستقبل ، ونظراً إلى تلك العداوة والثارات التي كانت لبني أميّة عند بني هاشم حسب عوائد العرب في ذلك الزمان كان إظهارهم لخلوص العقيدة والنيّة الصافية للإسلام أقلّ من سواهم ، وكانوا باطناً يرون من العار أن يتّبعوا ديناً يكون ختامه باسم بني هاشم ، ولكثرة المسلمين في ذلك الزمان كان بنو اميّة يسيرون وراء مقاصدهم تحت ظلّ هذا الدين ، ولم يعلنوا بمخالفته ، وتظاهرو بمتابعته ، و لمـّا رأوا أنفسهم في المقامات العالية ، ووطّدوا مقامهم في الجاه والجلالة ، أظهروا تمرّدهم عن أحكام الإسلام حتى أنّهم كانوا في المحافل يستهزئون بدين جاء به بنو هاشم.
ولما رأى بنو هاشم انّ الأمر صار الى هذا ، واطّلعوا على نوايا بني اميّة لم يقعدوا عن العمل ، وأظهروا للناس أعمال الخليفة الثالث بأساليب عجيبة ، فأثاروا المسلمين عليه حتى آل الأمر إلى أن اشترك رؤساء طبقات المسلمين في قتله ، وبأكثرية الآراء اصبح عليّ الخليفة الرابع.
من بعد هذه الواقعة تأكّد بنو اميّة أنّها ستكون لبني هاشم السيادة والعظمة كما كانت لهم في زمن النبيصلىاللهعليهوآله . فلهذا قام معاوية الذي كان حاكماً لبلاد الشام من قبل الخلفاء السابقين ، وكان ذا إقتدار ودهاء ونظر بعيد ناشراً لواء العصيان على علي بدعوى انّ قتل عثمان كان بإشارة منه والقى الخلاف بين المسلمين وبتلك الطريقة التي كانت بين العرب قبل الإسلام شهر السيف بينهم.
ومعاوية وان لم يغلب عليّاً في هذه الحروب العديدة ، لكنّه لم يكن مغلوباً ، ولم يطل زمن تمرّد بني اميّة على رئاسة بني هاشم حتى قتلوا عليّاًعليهالسلام وعندئذ تغلّب معاوية ، وصالحه الحسن الذي هو الأخ الأكبر للحسين وهو الخليفة الخامس ، وعادت الخلافة الى بني اميّة فكان معاوية من جهة يسعى في تقوية ملكه ، ومن جهة اخرى يسعى في اضمحلال بني هاشم ، ولم يفتر دقيقة واحدة عن محوهم.
وأضحى المسلمون امّه من الامم التالفة ، إذ لو بقي المنافقون على ما كانوا عليه من الظهور للعامّة بالنيابة عن رسول الله والنصح لدينهصلىاللهعليهوآله ، وهم أولياء السلطة المطلقة والإرادة المقدّسة لغرسوا من شجرة النفاق ما أرادوا وبثّوا من روح الزندقة ما شاؤوا وفعلوا بالدين ما توجبه عداواتهم له وارتكبوا من الشريعة كلّ أمر يقتضيه نفاقهم.
وأمّا وشيبة الحسينعليهالسلام المخضوبة بدمه الطاهر ، لولا ما تحمّله سلام الله عليه في سبيل الله ما قامت لأهل البيتعليهمالسلام - وهم حجج الله - قائمة ، ولا عرفهم - وهم اولوا الأمر - ممّن تأخّر عنهم أحد ، لكنّه - بأبي وأمّي - فضح المنافقين ، وأسقطهم من أنظار العالمين ، واستلفت الأبصار مصيبته إلى سائر مصائب أهل البيت ، واضطر الناس بحلول هذه القارعة إلى البحث عن اساسها ، وحملهم على التنقيب عن أسبابها ، والفحص عن جذرها وبذرها واستنهض الهمم إلى حفظ مقام أهل البيتعليهمالسلام ، وحرك الحميّة على الانتصار لهم ، لأنّ
وكان الحسين مع أنّه تحت نفوذ أخيه الحسن لم يطع بني اميّة ، ولم يظهر مخالفتهم وكان يقول علناً لا بدّ أن اقتل في سبيل الحق ، ولا استسلم للباطل ، وكان بنو اميّة في اضطراب منه ، وبقي هذا الاضطراب إلى أن مضى الحسن ومعاوية وجلس يزيد في مقام أبيه على اصول ولاية العهد ، وابطلت الخلافة بأكثرية الآراء من بعد عليعليهالسلام ، ولكن بعد تعيينه لولاية العهد استحصل معاوية على صكّ بأخذ البيعة له من رؤساء القوم ، ورأى الحسينعليهالسلام من جهة انّ حركات بني اميّة الذين كانت لهم السلطة المطلقة والرئاسة الروحانية الإسلامية قاربت أن تزعزع عقيدة المسلمين من دين جدّه ، ومن جهة اخرى كان يعلم انّه إذا أطاع يزيد أو لم يطعه ، فبنو اميّة نظراً لعدواتهم وبغضهم لبني هاشم لا يألون جهداً في محوهم ، وإذا دامت هذه الحال مدّة لا يبقى أثر لبني هاشم في عالم الوجود ، فلهذا صمّم الحسينعليهالسلام على القاء الثورة بين المسلمين ضد بني اميّة ، كما أنّه رأى من حين جلوس يزيد في مقام أبيه وجوب عدم طاعته ، ولم يخف مخالفته له.
الطبيعة البشرية ، والجبلة الانسانية تنتصر للمظلومين وتنتقم بجهدها من الظالمين فاندفع المسلمون إلى موالاة أهل البيتعليهمالسلام حتى كأنّهم قد دخلوا - بعد فاجعة الطف - في دور جديد ، وظهرت الروحانية الاسلامية بأجلى مظاهرها ، وسطع نور اهل البيتعليهمالسلام بعد أن كان محجوباً بسحائب ظلم الظالمين ، وانتبه الناس إلى نصوص الكتاب والسنّة فيهمعليهمالسلام ، فهدى الله بها من هدى لدينه ، وضلّ عنها من عمى عن سبيله.
وكان الحسين - بأبي وامّي - على يقين من ترتّب هذه الآثار الشريفة على قتله ، وانتهاب رحله ، وذبح أطفاله ، وسبي عياله ، بل لم يجد طريقاً لإرشاد الخلق إلى الأئمّة بالحقّ ، واستنقاذ الدين من أئمّة المنافقين - الذين خفي مكرهم ، وعلا في نفوس العامّة أمرهم - الاالاستسلام لتلك الرزايا ، والصبر على هاتيك البلايا ، وما قصد كربلاء الا لتحمّل ذلك البلاء عهد معهود عن أخيه ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن الله عز وجل ، ويرشدك إلى ذلك - مضافاً إلى أخبارنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة - دلائل أقواله ، وقرائن أفعاله ، فانّها نص فيما قلناه ، وحسبك منها جوابه لامّ سلمة إذ قالت له - كما في البحار وجلاء العيون وغيرهما -: يا بني لا تحزني بخروجك الى العراق فإنّي سمعت جدّكصلىاللهعليهوآله يقول: يقتل ولدى الحسين بأرض يقال لها كربلاء.
فقال لها: يا امّاه وأنا والله أعلم ذلك ، وأنّي مقتول لا محالة ، وليس لي منه بدّ ، وقد شاء الله أن يراني مقتولاً ، ويرى حرمي مشرّدين وأطفالي مذبوحين(١) .
وجوابه لأخيه عمر إذ قال له حين امتنع من البيعة ليزيد: حدّثني أخوك أبو
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥: ١٨٩ ، دار السلام للنوري ١: ١٠٢.
محمد ، عن ابيه ، ثم بكى حتى علا شهيقه ، فضمّه الحسين إليه وقال - كما في الملهوف وغيره -: حدّثك أنّي مقتول.
قال: حوشيت يا ابن رسول الله.
فقال: بحق أبيك بقتلي خبّرك ؟
قال: نعم ، فلو بايعت.
فقالعليهالسلام : حدّثني أبي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبره بقتله وقتلي ، وانّ تربتي تكون بقرب تربته ، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلم ؟(١)
والرؤيا التي رآها في مسجد جدّهصلىاللهعليهوآله حين ذهب ليودعه وقول النبي له فيها - كما في أمالي الصدوق وغيره -: بأبي أنت كأنّي أراك مرمّلاً بدمك بين عصابة من هذه الامّة ما لهم عند الله من خلاق(٢) .
وكتابه إلى بني هاشم لما فصل من المدينة ، وقوله فيه - كما في الملهوف نقلاً عن رسائل ثقة الاسلام -: من لحق بي استشهد ، ومن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح(٣) .
وخطبته ليلة خروجه من مكّة(٤) ، وقوله فيها - كما في الملهوف وغيره -:
____________________
(١) المهلوف: ١٠٠ ، الأخبار الطوال: ٢٩.
(٢) أمالي الصدوق: ٩٣ المجلس (٣٠).
(٣) المهلوف: ١٢٩ ، كامل الزيارات: ٧٥ ، بصائر الدرجات: ١٤١.
(٤) ولها أسماء أخرى كثيرة منها: ام القرى ، والنساسة ، وأم رحم ، وهي بيت الله الحرام.
والمكّ: النقض والهلاك ، وسمّي البلد الحرام مكة لأنّها تنقض الذنوب وتنفيها ، أو تمكّ مَن قصدها بالظلم ، أي تهلكه. انظر: معجم البلدان ٥: ١٨١ - ١٨٨ ، مجمع البحرين ٥: ٢٨٩.
كأنّى بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس(١) وكربلاء(٢) إلى أن قال: - ألا ومن كان باذلاً فينا وهجته ، موطئاً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً ان شاء الله تعالى.
وقوله - كما في الملهوف وغيره -: لولا تقارب الأشياء ، وهبوط الأجل(٣) لقاتلتهم بهؤلاء(٤) ، ولكنّي أعلم يقيناً أنّ من هناك مصرعي ومصرع أصحابي ، لا ينجو منهم الاولدي عليّ(٥) .
وجوابه لأخيه محمد بن الحنفية إذ قال له - كما في الملهوف وغيره -: يا أخي ، ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟
قال: بلى ، ولكن أتاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعدما فارقتك ، فقال: يا حسين ، اُخرج ، فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً.
فقال ابن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فما معنى حملك هذه النسوة وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟
____________________
(١) كانت مقبرة عامة للنصارى قبل الفتح الاسلامي ، وتقع في أراضي ناحية الحسينية قرب نينوى. انظر: تراث كربلاء: ١٩.
(٢) المهلوف: ١٢٦ ، مقتل الخوارزمي ١: ١٨٦.
(٣) كذا في الأصل ، وفي الملهوف: وحضور الأجل ، وفي بعض المصادر: وحبوط الأجر.
(٤) أي الملائكة.
قال الواقدي وزرارة بن خَلج: لقيناالحسين بن عليعليهالسلام قبل أن يخرج إلى العراق ، بثلاثة ، فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة ، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده نحو السماء ، ففتحت أبواب السماء ، فنزلت الملائكة عدداً لا يحصيهم الا الله عز وجل ، فقالعليهالسلام : لولا تقارب الاشياء و.....
انظر الملهوف: ١٢٥ - ١٢٦.
(٥) الملهوف: ١٣١ ، مقتل الخوارزمي ١: ١٨٥.
قال: فقال له: قد قال لي: إن شاء الله أن يراهنّ سبايا.(١)
وجوابه لابن عباس وابن الزبير(٢) ، إذ أشارا عليه بالإمساك فقال لهما - كما في المهلوف وغيره -: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمرني بأمر ، وأنا ماض فيه.
فخرج ابن عبّاس وهو يقول: واحسيناه.(٣)
وجوابه لعبد الله بن جعفر(٤) ويحيى بن سعيد إذ حاولا منه الرجوع فأبى وقال لهما - كما في تاريخي ابن جرير ، وابن الأثير وغيرهما -: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المنام وأمرني ما أنا ماضٍ له.
وقوله - في كلام له مع ابن الزبير -: وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيَّ حاجتهم ، ووالله ليعتدن كما اعتدت اليهود
____________________
(١) المهلوف: ١٢٨ ، تاريخ الطبري ٥: ١٩١ ، الكامل في التاريخ ٤: ٧.
(٢) أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي ، بويع له الخلافة سنة ٦٤ ه عقيب موت يزيد بن معاوية ، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق وأكثر الشام ، وجعل قاعدة ملكه المدينة ، وكانت له مع الأمويّين وقائع هائلة ، سار لمحاربته الحجاج الثقفي في أيام عبد الملك بن مروان ، فانتقل إلى مكة وعسكر الحجّاج في الطائل ، ونشبت بينهما حروب انتهت بمقتل ابن الزبير في مكة بعد أن خذله أصحابه وذلك سنة ٧٣ ه ، مدة خلافته ٩ سنين.
انظر: تاريخ ابن الاثير ٤: ١٣٥، تاريخ الطبري٧:٢٠٢، تاريخ الخميس ٣٠١:٢.
(٣) الملهوف: ١٠١.
(٤) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، صحابي ، ولد بأرض الحبشة لمـّا هاجر أبواه إليها ، وهو أول من ولد بها من المسلمين ، كان كريماً يسمّى بحر الجود ، وللشعراء فيه مدائح ، وكان أحد الأمراء في جيش علي يوم صفين ، توفي بالمدينة سنة ٨٠ ه ؛ وقيل: غير ذلك. انظر: الاصابة ترجمة رقم ٤٥٨٢ ، فوات الوفيات ١: ٢٠٩.
في السبت.(١)
وقوله في مقام آخر - كما في كامل ابن الأثير وغيره -: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من فرام المرأة (يعني من خرقة الحيض).
وقوله لابي هرّة [الأزدي] - كما في تاريخ ابن جرير وغيره -: وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية.(٢)
ورؤياه التي رآها لما ارتحل من قصر بني مقاتل(٣) - كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال حين انتبه: انّا لله وانّا إليه راجعون ، الحمد لله رب العالمين - مرّتين أو ثلاثاً -.
وقالوا: فاقبل عليه ابنه عليّ فقال: يا أبتاه ، جعلت فداك ممّا حمدت الله واسترجعت ؟
فقال: يا بني ، خفقت برأسي فعنّ لي فارس ، فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم ، فعلمت انّها انفسنا نعيت إلينا ، فقال: يا أبت لا أراك الله سوءاً ، ألسناعلى الحق ؟
قال: بلى ، والذي إليه مرجع العباد.
قال: إذاً لا نبالي نموت محقّين !
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥: ١٩١ ، تاريخ ابن الأثير ٦: ٧٤.
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢٣١ ، المهلوف: ١٣٢.
(٣) وهو مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيّوب الذي نسب إلى قصر مقاتل ، وكان يقال بعد: قصر ابن مقاتل ، ويقولون: قصر بني مقاتل. انظر: انساب الأشراف ٤: ٥١٥.
فقال له: جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده.(١)
وقوله لمـّا اُخبر بقتل قيس بن مسهّر الصيداوي(٢) - كما في تاريخ الطبري وغيره -: «فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً».(٣)
إلى غير ذلك من أقواله الصريحة بانّه كان على يقين ممّا انتهت إليه حاله ، وانّه ما خرج الا ليبذل في سبيل الله نفسه وجميع ما ملكته يده ، ويضحي في احياء دين الله أولاده واخوته ، وأبناء أخيه ، وبني عمومته وخاصّة أوليائه ، والعقائل الطاهرات من نسائه.
إذ لم ير السبط للدين الحنيف شفاً |
الا إذ دمه في نصره سفكا |
|
وما سمعنا عليلاً لا علاج له |
الابنفس مداويه إذا هلكا |
____________________
(١) أنساب الأشراف ٥: ٢٩٠.
(٢) قيس بن مسهر أسدي من عدنان ، كان من شجعان الكوفة ومن وجهاء قبيلة بني اسد ، وأحد مبعوثي الكوفة إلى الإمام الحسين سار مع مسلم بن عقيل من مكّة إلى الكوفة ، وبعد مدّة حمل كتاب مسلم وسار به إلى الحسين بمكة يخبره بمبايعة أهل الكوفة له.
و لمـّا وافى الامام الحسين الحاجز من بطن ذي الرمّة ، كتب كتاباً لشيعته من أهل الكوفة يعلمهم بالقدوم اليهم ، ودفع الكتاب إلى البطل الفذ قيس بن مسهّر الصيداوي ، حتى انتهى إلى القادسية فاستولت عليه مفرزة من الشرطة اقيمت هناك وعلى رأسها الحصين بن نمير وهو من قادة جيش الكوفة ، وأسرع قيس إلى الكتاب فخرقه لئلا تطّلع الشرطة على ما فيه ، وأرسل مخفوراً إلى عبيد الله بن زياد ، الذي لم ينجح في الحصول على الأسماء الواردة الكتاب.
ولما تناهى خبر استشهاده إلى الحسين استعبر باكياً وقال: «اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً عندك ، واجمع بيننا وإيّاهم في مستقر رحمتك». انظر: الارشاد للمفيد: ٢٢٠ ، تاريخ الطبري ٥: ٣٩٤ - ٣٩٥ ، رجال الشيخ: ٧٩ ، حياة الإمام الحسين ٣: ٦٢.
(٣) تاريخ الطبري ٥: ٤٨٨ ، اعلام الورى: ١٣٦.
بقتله ناح للاسلام طيب هدى |
فكلّما ذكرته المسلمون ذكا |
|
وصان ستر الهدى عن كلّ خائنة |
ستر الفواطم يوم الطف إذ هتكا |
|
نفسي الفداء لفاد شرع والده |
بنفسه وبأهليه وما ملكا |
|
قد آثر الدين أن يحيى فقحمها |
حيث استقام القنا الخطي واشتبكا(١) |
على انّ الامر الذي انتهت إليه حاله كان من الوضوح بمثابة لم تخف على أحد ، وقد نهاه عن ذلك الوجه (جهلاً بمقاصده السامية) كثير من الناس ، وأشفقوا عليه وأنذروه بلؤم بني اميّة وغدر أهل العراق.
فقال له أخوه محمد بن الحنفية - كما في الملهوف وغيره -: يا أخي ، إنّ أهل الكوفة مَن قد عرفتَ غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفتُ أن يكون حالك كحال مَن مضى ، فإن رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ من في الحرم وأمنعه.
[فقال: يا أخي قد خفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت.
فقال له ابن الحنفية:] فان خفتَ فسر إلى اليمن أوبعض نواحي البرّ ، فإنّك أمنع الناس به ، ولا يقدر عليك [أحد].
فردّه الحسينعليهالسلام برأفة ورفق ، وقال: أنظر فيما قلت.(٢)
واتاه ابن عبّاس فقال: يا ابن عمّ ، قد ارجف الناس انّك سائر إلى العراق ، فبيّن لي ما أنت صانع ؟
قال: انّي قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين ان شاء الله تعالى.
____________________
(١) هذه الأبيات من قصيدة للشريف الفاضل السيد جعفر الحلّي يرثي بها جدّهعليهالسلام .
(٢) الملهوف: ١٢٨.
فقال له ابن عباس - كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: أعيذك بالله من ذلك ، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم ؟ فان كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم وان كانوا انّما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم ، وعماله تجبي بلادهم ،فانّهم انّما دعوك إلى الحرب والقتال ، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفونك ويخذلونك ، وأن يستنفروا إليك ، فيكونون أشرّ الناس عليك.
فردّه الحسينعليهالسلام ردّ رحمة وحنان فقال له: أستخير الله وانظر ما يكون.
فخرج ابن عبّاس ، ثم جاءه مرّة اخرى فقال له - كما في تارخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: يا ابن عم ، انّي أتصبّر ولا أصبر ، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ، انّ أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم ، أقم بهذا البلد ، فانّك سيّد أهل الحجاز ، فان كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم ، فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم ، فان أبيت الاأن تخرج فسر إلى اليمن فانّ بها حصوناً وشعاباً ، ولأبيك بها شيعة ، فتكتب إلى الناس وتبثّ دعاتك ، فانّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية.
فقال له الحسينعليهالسلام : يا ابن عم ، انّي لاعلم والله انّك ناصح مشفق ، ولكن قد أزمعت وأجمعت على المسير.
ودخل عليه عمر بن عبد الرحمن المخزومي(١) فقال له - كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: انّي مشفق عليك ، انّك تأتي بلداً فيه عمّاله
____________________
(١) عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. انظر ترجمته في تهذيب الكمال ١٤: ٤٩٣.
واُمراؤه ، ومعهم بيوت وأموال ، وانّما الناس عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره.
فقال له الحسينعليهالسلام : جزاك الله خيراً يا ابن عم ، فقد علمت انّك مشيت بنصح وتكلّمت بعقل ، ومهما يقض من أمر يكن.(١)
وكتب إليه عبد الله بن جعفر بعد خروجه من مكة - كما في تاريخي الطبري وابن الاثير وغيرهما -: أمّا بعد ، فانّي أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ، فانّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فانّك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير فانّي في أثر كتابي والسلام.(٢)
وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد (وهو عامل يزيد يومئذ بمكّة) فقال له: اكتب للحسين كتاباً تجعل له الأمان فيه ، وتمنّيه فيه البر والصلة ، واسأله الرجوع ، ففعل عمرو ذلك ، وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد وعبد الله بن جعفر فلحقاه وقرأى عليه الكتاب ، وجهدا أن يرجع ، فلم يفعل.
وقال له عبد الله بن مطيع إذ إجتمع به في الطريق على بعض مياه العرب - كما في تاريخ الطبري وغيره - اذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك ، أنشدك الله في حرمة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لأن طلبت ما في أيدي بني اميّة ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً.
والله إنّها لحرمة الاسلام تنتهك ، ورحمة قريش ، وحرمة العرب ، فلا تفعل ،
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥: ٣٨٢ ، تاريخ ابن الاثير ٦: ٢٣٨ ، مقتل الخوارزمي ١: ١٩٧.
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢١٨ ، تاريخ ابن الاثير ٦: ٣٢١.
ولا تأت الكوفة ، ولا تعرض لبني اميّة.(١)
قالوا: فأبى الاأن يمضي إنجازاً لمقاصده السامية.
ولقيه أحد بني عكرمة ببطن العقبة - كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال له: أنشدك الله لما انصرفت ، فوالله لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء ، فقدمت عليهم كان ذلك رأياً ، فأمّا على هذه الحال فانّي لا أرى لك أن تفعل ، فقال له: يا عبد الله انّه ليس يخفي عليَّ ، الرأي ما رأيت ، ولكن الله لا يغلب على أمره.(٢)
ولقيه بعض بني تميم قريباً من القادسية - كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال له: ارجع فانّي لم أدع لك خيراً ارجوه.(٣)
وكان قد لقيه الفرزدق بن غالب(٤) الشاعر في الصفاح(٥) - كما في تاريخ الطبري وغيره - فقال له: قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني اميّة.(٦)
وما إلتقى بالطريق بأحد الا إلتمسه على الرجوع إشفاقاً عليه من لؤم بني
____________________
(١) الطبقات الكبرى ٥: ١٤٤.
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢٤٦.
(٣) تاريخ الطبري ٥: ٢٣٩.
(٤) هو: همّام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي ، أبو فراس ، شاعر من النبلاء من أهل البصرة ، عظيم الأثر في اللغة ، كان شريفاً في قومه ، وكان أبوه من الأشراف الأجواد ، كذلك جدّه ، توفي في بادية البصرة سنة ١١٠ ه وقد قارب المائة من عمره. انظر: خزانة الأدب ١: ١٠٥ - ١٠٨ ، جمهرة أشعار العرب: ١٦٣.
(٥) اسم منزل في شمال الطريق بين مكة وكربلاء ، بين حنين وانصاب الحرم. ومعنى الصفاح الأرض المجاورة لسفح الجبل. انظر: الأمالي الخميسية ١: ١٦٦.
(٦) تاريخ الطبري ٥: ٢١٨ ، الكامل لابن الأثير ٤: ١٦ ، تذكرة الحفّاظ الذهبي ١: ٣٣٨ ، الأمالي الخميسية ١: ١٦٦.
اميّة وغدر أهل العراق ، وما كان ليخفي عليه ما ظهر لأغلب الناس ، لكنه وهؤلاء كما قيل: - أنت بواد والعذول بوادي.
ما نزل - بأبي وامّي - منزلاً ولا ارتحل منه - كما في الإرشاد وغيره(١) - الاذكر يحيى بن زكريا وقتله.
وقال يوماً: من هوان الدنيا على الله إنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل(٢) .
____________________
(١) الارشاد: ١٣١ ، المناقب لابن شهراشوب ٣: ٢٥٣ ، بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٨ - ٢٩٩ ، عوالم الإمام الحسين: ٦٠٧ - ٦٠٨ ، تاريخ الطبري ٥: ٢٣٠.
(٢) ثمّة أوجه شبه بين شهادة الإمام الحسينعليهالسلام وشهادة بعض الأنبياء ، ومن جملة ذلك الشبه بين مقتله ومقتل النبي يحيى بن زكرياعليهماالسلام ، فرأس يحيى قد وضع في طشت من الذهب واُرسل إلى امرأة بغي وكذلك رأس الإمام الحسينعليهالسلام ارسل بعد مقتله إلى ابن زياد وإلى يزيد بطشت من ذهب.
وقد انتقم الله لدم يحيى ان سلّط على اولئك القوم «نبوخذ نصّر» فقتل منهم سبعين ألفاً ، وأوحى الله تعالى إلى النبي محمدصلىاللهعليهوآله : انني قتلت في مقابل قتل يحيى سبعين ألفاً ، وسأقتل لقاء قتل ابن بنتك ضعف هذا العدد. ومثلما وضعوا رأس يحيى في الطشت ، ذبحوا الحسين بن علي أيضاً في كربلاء ، ولعلّ هذا التشابه هو الذي جعل الامام الحسين يذكر يحيى بن زكريا في كلّ موضع يحلّ فيه أو يرحل عنه ، وقال في أحد الأيّام، انّ من هوان الدنيا أن يهدى رأس النبي يحيى إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
انظر: المناقب لابن شهراشوب ٣: ٣٥٣ ، بحار الأنوار ٤٥: ٢٩٨ - ٢٩٩ ، عوالم الإمام الحسين: ٦٠٧ - ٦٠٨.
وهناك قصّة طريفة يرويها صاحب تفسير البرهان في شرحه للحروف القرآنيّة المقطّعة في أول سورة مريم «كهيعص» فيقول: انّ هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع عليها عبده زكريا ثم قصّها على محمد عليه وآله السلام. وذلك ان زكريا سأل ربّه ان يعلّمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرائيل فعلّمه إيّاها ، فكان زكريا إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسنعليهمالسلام سري عنه همّه وانجلى كربه ، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة ،
فهل تراه أراد بهذا غير الإشارة إلى أنّ سبيله في هذا الوجه إنما هو سبيل يحيىعليهالسلام ؟
وأخبره الأسديّان(١) وهو نازل في الثعلبية(٢) - كما في تاريخ الطبري وغيره - بقتل مسلم بن عقيل(٣) ، وهاني بن عروة(٤) ، وانّهما يجرّان بأرجلهما في الأسواق
فسأل الله عن سبب ذلك فأخبره القصّة فقال: كهيعص ؛ فالكاف اسم كربلاء ، والهاء هلاك العترة الطاهرة ، والياء يزيد وهو ظالم الحسين ، والعين عطشه والصاد صبره ، فلمّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام وأقبل على البكاء والنحيب. وكان يدعو ربّه أن يرزقه ولد تقرّ به عينه على الكبر ، وأن يفتنه بحبّه ، ثمّ يفجعه به كما فجع محمداً بولده ، فرزقه الله يحيى وفجعه به ، وكان حمله مثل الحسين ستّة أشهر. انظر: تفسير البرهان ٣: ٣.
____________________
(١) وهما: عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل ، وقد قالا له: انّه ليس لك بالكوفة ناصر ، بل هم عليك. انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير ٤: ١٦.
(٢) الثعلبية - بفتح أوله -: من منازل طريق مكّة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيميّة ، وهي ثلثا الطريق ، وأسفل منها ماء يقال له الضويحة على ميل منها مشرف ، وإنّما سمّيت بالثعلبية لإقامة ثعلبة بن عمرو بهأ ؛ وقيل: سمّيت بثعلبة بن دودان بن أسد وهو أوّل من حفرها ونزلها. انظر: معجم البلدان ٢: ٧٨.
وفي هذا الموضع لقي الامام الحسينعليهالسلام الطرمّاح ودعاه إلى الانضمام إليه ، فذهب الرجل ليوصل بضاعته إلى عائلته لكنّه لمـّا عاد كان الحسينعليهالسلام قد قُتِل ، وفيه أيضاً أتاه رجل نصراني مع اُمّه واسلما على يده ، وفيه كذلك بلغه خبر شهادة مسلم بن عقيلعليهالسلام . انظر: مقتل الحيسن للمقرّم: ٢١١.
(٣) مسلم بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، تابعي من ذوي الرأي والعلم والشجاعة ، اُمّه اُمّ ولد اشتراها عقيل من الشام ، وجّه به الإمام الحسينعليهالسلام إلى الكوفة ليأخذ له البيعة على أهلها ، فخرج من مكة في منتصف شهر رمضان سنة ٦٠ ه ، ودخل الكوفة في اليوم السادس من شهر شوال ، وهو أوّل من استشهد من أصحاب الحسينعليهالسلام . انظر: مقاتل الطالبيين: ٨٠ ، الطبقات الكبرى ٤: ٢٩، تسمية مَن قتل مع الحسين: ٥١ ، الأخبار الطوال: ٢٣٣ ، تاريخ الكوفة: ٥٩.
(٤) هاني بن عروة المذحجي المرادي الغطيفي: كان صحابياً كأبيه عروة ، وكان معمراً ، وهو
بلا نكير ، فهل يمكن بعد هذا أن يبقى له أمل بنصرة أهل الكوفة ، أو طمع في شيء من خيرهم !
والله ما جاءهم الايائساً منهم ، عالماً بكلّ ما كان منهم عليه.(١)
وقد كتب وهو نازل بزبالة(٢) كتاباً قرئ بأمره على الناس ، وفيه:
بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا بعد ؛ فانّه قد أتانا خبر فضيع: قُتل مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر(٣) ، وقد خذلتنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم
وأبوه من وجوه الشيعة ، وحضر مع أمير المؤمنينعليهالسلام حروبه الثلاث وهو القائل يوم الجمل:
يا لك حرباً حثها جمالها |
يقودها لنقصها ضلالها |
هذا عليٌّ حوله أقبالها
كان من أركان حركة حجر بن عدي الكندي ضدّ زياد بن أبيه ، قتله عبيد الله بن زياد في اليوم الثامن من ذي الحجّة سنة ٦٠ ه وبعث برأسه مع رأس مسلم إلى يزيد.
____________________
(١) المهلوف: ١٣٤ ، الكامل لابن الأثير ٤: ١٧.
(٢) زبالة - بضمّ أولّه -: منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة ، نزل فيه الحسينعليهالسلام . وزبالة معناه الموضع الذي يجتمع فيه الماء ، والموضع المليء بالماء ؛ وقيل: اشتهر الموضع باسم زبالة بنت مسعر ، وكانت زبالة قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية ، تسكنها بطون من بني أسد ، وقد بنوا فيه مسجد وقلعة.
وقال أبو عبيدة السكوني: زبالة بعد القاع من الكوفة وقبل الشقوق فيها حصن وجامع لنبي غاضرة من بني أسد. انظر: معجم البلدان ٣: ١٢٩.
وفي هذا الموضع سمع الإمام الحسين بخبر شهادة عبد الله بن يقطر مبعوثة إلى أهل الكوفة وإلى مسلم بن عقيل ، وقد استشهد بالتزامن مع شهادة مسلم وهانئ. انظر: مقتل الحسين للمقرّم: ٢١٣ ، الحسين في طريقه إلى الشهادة: ٨٧.
(٣) وقيل: عبد الله بن يقطر ، كانت اُمّه حاضنة للحسين وكان قد ولد قبل الحسين بثلاثة أيّام ، كان أبوه يقطر خادماً للرسولصلىاللهعليهوآله ، وامّه ميمونة أرضعته سوية هو والحسين
الانصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام.(١)
قال محمد بن جرير الطبري - في تاريخ الامم والملوك -: فتفرّق الناس عنه تفرّقاً ، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة.
قال: وانّما فعل ذلك لأنّه ظنّ إنّما اتّبعه الأعراب لأنّهم ظنّوا انّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه الاوهم يعلمون على ما يقدمون ، قال: وقد علم انّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه الامن يريد مواساته والموت معه.(٢)
وذكر أهل الاخبار: إنّ الطرمّاح بن عدي(٣) لمـّا اجتمع به في عذيب
في دار عليعليهالسلام ، وهو من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
قبض عليه وهو يحمل رسالة من الحسين بعد خروجه من مكّة إلى مسلم بن عقيل ، فأمر به عبيد الله ابن زياد فاُلقي من فوق القصر فتكسّرت عظامه وبقي فيه رمق فاجهز عليه عبد الملك بن عمير اللخمي. انظر: أنصار الحسين: ١٠٦ ، تاريخ الطبري ٣: ٣٥٩ ، الاصابة ٣: ٥٨ ، وفيه عبد الله بن يقظة.
____________________
(١) الحسين في طريقه إلى الشهادة: ٨٧.
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢٤٧.
(٣) التحق الطرمّاح بن عدي بالامام في اثناء الطريق ، وصحبه بعض الوقت ، و لمـّا سأل الحسين أصحابه ان كان أحد فيهم يخبر الطريق على غير الجادة ، انبرى له الطرماح بن عدي ، فقال له: أنااخبر الطريق ، وسار بين أيديهم الى كربلاء ، وأخذ يحدو الابل بقصيدة مطلعها:
يا ناقتي لا تذعري من زجري |
وشمّري بنا قبل طلوع الفجر |
|
بخير ركبان وخير سفر |
حتى تجلّى كريم النجر |
|
أتى به الله بخير أمر |
ثمّت أبقاه بقاء الدهر |
واستأذن الطرمّاح من الامام أن يمضي لأهله ليوصل إليهم الميرة ويعود إلى نصرته ، فأذن له ، فانصرف ، وعندما رجع ووصل إلى عذيب الهجانات بلغه مقتل الامام ، فأخذ يبكي على
الهجانات(١) دنا منه فقال له - كما في تاريخ الطبري وغيره -: والله انّي لأنظر فما أرى معك أحداً ، ولو لم يقاتلك الاهؤلاء الذين أراهم ملازميك - يعني الحرّ(٢) وأصحابه - لكان كفى بهم ، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة ، وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه ، فسألت عنهم فقيل: اجتمعوا ليعرضوا ثمّ يسرحوا إلى حرب الحسين ، فانشدك الله إن قدرت أن لا تقدم عليهم شبراً الافعلت ، فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع ، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي
ما فاته من شرف الشهادة مع الحسين. انظر: أنساب الأشراف (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ١٧٨.
____________________
(١) اسم لأحد المنازل قرب الكوفة مرّ به سيد الشهداء ، وسمّي بالعذيب لما كان فيه من الماء العذب ، وهو لبني تميم وهو قريب من عذيب القوادس ، وعذيب القوادس ماء بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال ، وكان فيه ماء وبئر وبركة ودور وقصر ومسجد ، وكانت فيه مسلحة للفرس. (معجم البلدان ٤: ٩٢).
في هذا المنزل لقى أبو عبد اللهعليهالسلام أربعة رجال قادمين من الكوفة وفيهم نافع بن هلال وبعد ان كلّمهم الإمام انضمّوا إليه وقاتلوا معه ، وعند حركة قافلة الإمام تحرك الحرّ بجيشه أيضاً ، وفي الاثناء أتى كتاب ابن زياد إلى الحرّ يدعوه فيه للتضييق على الحسين فعمل الحر على منع القافلة من المسير.
(٢) الحر بن يزيد بن ناجية بن سعيد من بني رياح بن يربوع ، من الشخصيات البارزة في الكوفة ، قائد من أشراف تميم ، أحد اُمراء الجيش الأموي في كربلاء ، وكان يقود ربع تميم وهمدان ، التقى مع الحسينعليهالسلام عند جبل ذي حسم ، تاب قبل نشوب المعركة لمـّا أقبلت خيل الكوفة تريد قتل الحسين وأصحابه وأبى أن يكون منهم ، فانصرف إلى الحسين ، فقاتل بين يديه قتالاً عجيباً حتى استشهد.
انظر: تارخي الطبري ٥: ٤٢٢ ، رجال الشيخ: ٧٣ ، البداية والنهاية ٨: ١٧٢ ، الأعلام ٢: ١٧٢ ، أنصار الحسين: ٨٤ - ٨٥.
يدعى (أجأ)(١) امتنعا والله به من ملوك غسان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ، ومن الأسود والأحمر ، والله ما دخل علينا فيه ذلّ قط ، فاسير معك حتى أنزلك القرية ، ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بـ (أجأ) و(سَلمى) من طيء ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيّام حتى تأتيك طيء رجالاً وركباناً ، ثمّ أقم فينا ما بدا لك ، فان هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك أبداً ومنهم عين تطرف.
فقال له: جزاك الله وقومك خيراً ، وأبى أن ينصرف عن مقصده.
وأنت تعلم انّه لو كان له رغبة في غلبة ، أو ميل إلى سلطان ، لكان لكلام الطرمّاح وقع في نفسهعليهالسلام ، ولظهر منه الميل إلى ما عرضه عليه ، لكنّه - بأبي وامّي - أبى الاالفوز بالشهادة ، والموت في احياء دين الاسلام ، وقد صرّح بذلك فيها تمثّل به ، إذ قال له الحر: اذكرك الله في نفسك ، فانّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ.
فقالعليهالسلام - كما في تاريخ الطبري وغيره(٢) -:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
اذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلماً |
|
وواسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وخالف مُجرماً |
وحسبك في إثبات علمه من أوّل الأمر بما انتهت إليه حال ما سمعته من إخبار النبيصلىاللهعليهوآله بقتله في شاطئ الفرات بموضع يقال له كربلاء ، وبكائه عليه ، ونداء أمير المؤمنينعليهالسلام لمـّا حاذى نينوى وهو منصرف إلى
____________________
(١) قال الزمخشري: أجأ وسَلمى جبلان... و«أجأ» سمّي باسم رجل وسمّي «سَلمى» باسم امرأة ، وقد تغنّى الشعراء بقصّة حبّهما. (معجم البلدان ١: ٩٤ - ٩٩).
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢٣٨ ، تاريخ ابن الأثير ٦: ٢١٣.
صفّين: صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشاطئ الفرات.(١)
وقوله إذ مرّ بكربلاء: هاهنا مناخ ركابهم ، وهاهنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم.
وقول الحسينعليهالسلام لأخيه عمر: حدّثني أبي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبره بقتله وقتلي ، وإنّ تربتي تكون بقرب تربته.
وقول الحسن للحسينعليهماالسلام - كما في أمالي الصدوق وغيرهما - من جملة كلام كان بينهما: ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل ، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك ، وسبي ذراريك ونسائك ، وانتهاب ثقلك ، فعندها يحلذ الله ببني اميّة اللعنة.(٢)
إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على انّ قتل الحسينعليهالسلام كان معروفاً عند أهل البيت منذ أخبر الله به نبيّهصلىاللهعليهوآله ، بل صريح أخبارنا انّ ذلك ممّا أوحى إلى الأنبياء السابقين ، وقد سمعت ما أشرنا إليه من بكائهمعليهمالسلام ، ويظهر من بعض الأخبار انّ قتل الحسينعليهالسلام كان معروفاً عند جملة من الصحابة والتابعين حتى انّهم ليعلمون انّ قاتله عمر بن سعد.
وحسبك ما نقله ابن الأثير حيث ذكر مقتل عمر بن سعد في كامله عن عبد الله بن شريك قال: ادرك أصحاب الأردية المعلمة ، وأصحاب البرانس السود من أصحاب السواري إذا مرّ بهم عمر بن سعد ، قالوا: هذا قاتل الحسينعليهالسلام ، وذلك قبل أن يقتله.
قال: وقال ابن سيرين: قال علي لعمر بن سعد: كيف أنت إذا قمت مقاماً
____________________
(١) الصواعق المحرقة: ١٩٣.
(٢) أمالي الطوسي ١: ٣٢٣.
تخيّر فيه بين الجنة والنار ، فتختار النار.(١)
أترى الحسينعليهالسلام كان جاهلاً بما عليه أصحاب السواري ؟
كلا ، والله ما علم أصحاب البرانس السود ذلك الامنه ، أو من أخيه ، أو من جدّه ، أو من أبيه.
وقد أطلنا الكلام في هذا المقام ، إذ لم نجد من وفّاه حقّه ، وخرج من عهده التكليف بإيضاحه ، والحمد لله على التوفيق لتحرير هذه المسألة ، وتقرير شواهدها وأدلّتها على وجه تركن النفس إليه ، ولا يجد المنصف بدّاً من البناء عليه ، بل لا أظنّ أحداً يقف على ما تلوناه ، ثمّ يرتاب فيما قرّرناه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
____________________
(١) تاريخ ابن الأثير ٦: ٣١٦ ، الطبقات ٥: ١٢٥ ، الأعلام ٥: ٤٧.
المجالس الفاخرة
في
مآتم العترة الطاهرة
التعريف الكتاب
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على خاتم رسله ، وأهدى سُبله ، محمد سيد الأنبياء ، وأفضل من أقلّته الأرض ومن عرج به إلى السماء ، وعلى آله المعصومين المظلومين ، الذين افترض الله تعالى مودّتهم وولايتهم وسلّم تسليماً كثيراً.
وبعد: فيقول العبد الجاني علي بن إسماعيل بن جواد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن إبراهيم - الملقّب بشرف الدين - الموسوي العاملي غفر الله ذنوبه ، وستر عيوبه ، انّ سيّدنا ومولانا سماحة الامام وآية الله الملك العلام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي رفع الله درجته كان قد ألّف سنة ١٣٣٠ ه كتاب «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة» ، فجعله عبارة عن مقدّمة وأربعة أجزاء في مجلّدات أربعة ، وفي سنة ١٣٣٢ ه شرع في طبعه ، فما تمّ طبع المقدّمة حتى طرقت العالمين طوارق الحرب العامّة(١) فمنعت من إكمال الطبع. وفي سنة ١٣٣٨ ه مُني قدّس الله سرّه في سبيل الله بما مُني به أجداده الطاهرون ، فشرّد في الله عز وجل ، ونُهبت داره ، وتمزّقت - بعين الله تعالى - كتبه كلّ ممزّق ، فكان هذا الكتاب ممّا اُصيبت الامّة بفقده يومئذ.
وكان الملجد الأول منه: في هدي النبي وسيرتهصلىاللهعليهوآله منذ نشأ
____________________
(١) أي الحرب العالمية الاولى والتي اندلعت سنة ١٩١٧ م.
حتى اختار الله له دار كرامته ، وقد تتبّع خصائصه المقدّسة قبل البعثة وبعدها ، فمثّلها أعلاماً لنبوّته ، وآيات بيّنات على صدق دعوته ، فكانت شؤونه بمجرّدها أدلّ على رسالته من سائر معجزاته الباهرة ، وآياته الظاهرة ، وقد أقام قدّس سرّه من أفعال النبي وأقوالهصلىاللهعليهوآله أدلّة محسوسة ، وبراهين ملموسة ، على طرز حديث ، واسلوب جديد ، يألفه فلاسفة العصر ولا يسعهم أن يقفوا أمامه الاموقف التسليم طوعاً أو كرهاً.
المجلد الثاني: في أحوال أمير المؤمنين ، وسيّدة نساء العالمين ، ومجتباهما أبي محمد السبط الأكبر سيّد شباب أهل الجنّة ، وقد اشتمل على سيرتهم ومناقبهم وفضائلهم ، وقد أوردها - أعلى الله مقامه - على وجه الاستدلال على عصمتهم وإمامتهمعليهمالسلام .
المجلد الثالث: خاصّ بسيّد الشهداء أرواحنا له الفداء.
المجلد الرابع: في التسعة من أبنائه المعصومينعليهمالسلام ، وقد اشتمل على ما لم يأت به أحد من الاستدلال على إمامة التسعة بمجرّد هديهم وسمتهم ، وأفعالهم وأقوالهم ، وقد أبرز أسراراً مكنونة ، وحكماً في افعالهم بالغة.
وتخلص في كلّ مجلس منن مجالس الأجزاء الأربعة إلى مصائب أهل البيتعليهمالسلام الدالّة على جلالة قدرهم ، وعظيم صبرهم ، فأسفاً على فقد هذا الكتاب الذي لم يبق منه الامقدّمته المطبوعة كرسالة على حده ، وهي في بابها ممّا لا نظير له ، وقد أثبت فيها بالأدلّة الشرعية ، والفلسفة العقلية ، حسن المآتم الإمامية ، والمظاهرات الحسينية ، بما لم يسبق إليه ، ولا يلحق فيه.
وقد اُلتقطت من أفواه قرّاء المآتم بعض المجالس المحفوظة ، وهي غير مرتّبة ، ولا واقعة في مواقعها التي أوقعها فيها المؤلّف أعلى الله مقامه.
وجمعتها في حياته قدّس الله نفسه الزكية ، وقرأتها عليه من أوّلها حتى انتهائها ، فأقرّها ، وحبّذ عملي هذا وباركه.
وإنّا خسرنا - كما خسرت الامّة الاسلامية - قائداً حكيماً ، ومصلحاً عظيماً ، وبطلاً معلماً من أبطال الفكر والقلم ، والعلم والعمل ، والإصلاح والبناء ، تغمّده الله برحمته ورضوانه ، وأسكنه الفسيح من جنانه ، ولا حول ولا قوة الابالله العلي العظيم.
وكان أعلى الله مقامه قد ألقى نظرة على المقدّمة ، ورتّبها بعض الترتيب وحوّرها مجالس نثبتها كما هي بلا نقيصة ولا زيادة.
مقدّمة الكتاب(١)
الأصل العملي يقتضي إباحة البكاء على مطلق الموتى من المؤمنين ، ورثائهم بالقريض ، وتلاوة مناقبهم ومصائبهم ، والجلوس حزناً عليهم ، والانفاق عنهم في وجوه البر ، ولا دليل على خلاف هذا الأصل ، بل السيرة القطعية ، والأدلّة اللفظية حاكمان بمقتضاه ، بل يستفاد من بعضها استحباب هذه الامور إذا كان الميّت من أهل المزايا والآثار النافعة ، وفقاً لقواعد المدينة ، وعملاً باُصول العمران ، لأنّ تمييز المصلحين يكون سبباً في تنشيط أمثالهم ، واداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم ، وتلاوة أخبارهم ترشد العالمين إلى اقتفاء آثارهم، وذكرى ما أصاب الأئمة في سبيل مصالح الامّة ، تبعث فيها إلى روح الايمان والهدى، وتأخذ بأعناقها وقلوبها إليهم ، وإن طال العهد وبعد المدى.... وهنا مطالب خمسة:
الأول: في البكاء.
الثاني: في الرثاء.
الثالث: في تلاوة مناقب الميّت ومصائبه.
الرابع: في الجلوس حزناً عليه.
الخامس: في الانفاق عنه في وجوه البر.
____________________
(١) ذُكرت هذه المقدّمة بالتفصيل في «المقدّمة الزاهرة» التي تجدها في أوّل كتابنا هذا ، وقمنا هناك بذكر مصادر جميع الروايات التي وردت فيها، ولذا سوف لا نعيد تخريج الروايات هنا الا تلك التي لم تذكر في «المقدّمة الزاهرة». المحقّق.
وهذه المطالب الخمسة هي كلّ ما تقوم به الشيعة في مجالسها الحسينية.
ونحن في هذه المقدّمة نثبت استحبابها شرعاً ، وإنّا مقتدون فيها باهل البيت العصمة ، ومعدن الهدى والرحمة ، وانّ الحكم فيها بين الرجال والنساء سوآء ، وانّ الفلسفة الصحيحة تقتضي رجحان هذه المآتم عقلاً ، وتفصيل ذلك كلّه في مجالس.
المجلس الأول: في البكاء
لا ريب في جواز البكاء على موتى المؤمنين ، بدليل فعل النبيصلىاللهعليهوآله .
أمّا فعله فمتواتر في موارد عديدة:
أحدها: يوم مات عمّه وكافله أبو طالب.(١)
ثانيها: يوم استشهد عمّه الحمزة في اُحد.(٢)
____________________
(١) قالرحمهالله :... روي عن عليّعليهالسلام قال: لمـّا مات أبو طالب أخبرت النبيصلىاللهعليهوآله بموته ، فبكى وقال: اذهب فاغسله وكفّنه وواره ، غفر الله له ورحمه.
(٢) قالرحمهالله : فعن ابن مسعود: ما رأينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله باكياً أشدّ من بكائه على حمزة ، وضعه في القبلة ، ثمّ وقف على جنازته وانتحب حتى نشق - أي شهق حتى بلغ الغشى - يقول: يا عمّ رسول الله ، يا حمزة ، يا أسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة ، يا فاعل الخيرات ، يا حمزة ، يا كاشف الكربات ، يا ذابّ عن وجه رسول الله... إلى آخر نياحته وندبته... (انظر: السيرة الحلبية ١: ٤٦١ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٣٨٧). وسائر من أرّخ مقتل حمزة في غزوة اُحد ، وترى ندبة النبي ونياحته هذه قد عدّد فيها
ثالثها: يوم استشهد ابن عمّه جعفر ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة في مؤتة.(١)
رابعها: يوم مات ولده ابراهيم إذ بكى عليه. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله !
قال: يا بن عوف ، انّها رحمة(٢) ثم اتبعها - يعني عبرة - باُخرى فقالصلىاللهعليهوآله : انّ العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول الاما يرضي ربّنا ، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.
خامسها: يوم زارصلىاللهعليهوآله قبر اُمّه آمنة ، فبكى وأبكى من
محاسن عمّه بما يهيج الحزن واللوعة عليه.
وقال ابن عبد البر في ترجمة حمزة من الاستيعاب: لمـّا رأى النبيصلىاللهعليهوآله حمزة قتيلاً بكى ، فلما رأى ما مثّل به شهق.
وذكر المؤرّخون: انّ النبيصلىاللهعليهوآله كان يومئذ إذا بكت صفيّة يبكي ، وإذا نشجت ينشج ، قالوا: وجعلت فاطمة تبكي ، فلمّا بكت بكى رسول الله.
وهذا الحديث حجّة من جهة جواز البكاء من جهة أنّه بكىصلىاللهعليهوآله ، ومن جهة أنّه أقرّ صفيّة والزهراء على بكائهما ، على انّ مجرّد بكاء سيّدة النساء حجّة قاطعة.
____________________
(١) قالرحمهالله : ذكر ابن عبد البر في أحوال جعفر من استيعابه: أنّ النبيصلىاللهعليهوآله بكى على جعفر وزيد وقال - يندبهما:-: أخواي ومؤنساي ومحدّثاي.
وأخرج البخاري في أبواب الجنائز من صحيحه: أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم نعى جعفراً وزيداً وابن رواحة وانّ عينيه لتذرفان.
(٢) قالرحمهالله : أخرجه البخاري في باب قول النبيصلىاللهعليهوآله : إنّا بك لمحزونون ، من أبواب الجنائز... ولا يخفى ما في تسميتها رحمة من الدلالة على حسن البكاء ، وأراد بقوله: انّ العين تدمع... إلى آخره: أن لا إثم بدمع العين وحزن القلب ، وانّما الاثم بقول ما يسخط الربّ ، كالاعتراض عليه عزّ وجل.
حوله.(١)
سادسها: يوم ماتت احدى بناتهصلىاللهعليهوآله : إذ جلس على قبرها وعيناه تدمعان.
سابعها: يوم مات صبي لأحدى بناته إذ فاضت عيناه يومئذ ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله ؟
قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، « وانّما يرحم الله من عباده الرحماء».(٢)
ثامنها: يوم اشتكى سعد بن عبادة فأتاه النبيصلىاللهعليهوآله يعوده ومعه بعض أصحابه ، فوجده في غاشية أهله ، فقالصلىاللهعليهوآله : قد قضى ؟
قالوا: لا يا رسول الله ، فبكى النبيصلىاللهعليهوآله ، فلمّا رأى القوم
____________________
(١) قالرحمهالله : وهذا الحديث يشتمل على فعله وتقريرهصلىاللهعليهوآله ، فهو حجّة من جهتين.
أقول: روى الشيخ الطبرسي في اعلام الورى بأعلام الهدى بإسناده عن بريدة قال: انتهى النبيصلىاللهعليهوآله إلى رسم قبر ، فجلس وجلس الناس حوله، فجعل يحرّك رأسه كالمخاطب ، ثمّ بكى ، فقيل: ما يبكيك يا رسول الله ؟
قال: هذا قبر آمنة بنت وهب ، استأذنت ربّي في أن أزور قبرها فأذن لي فأدركتني رقّتها فكبيت ، فما رأيت ساعة أكثر باكياً من تلك الساعة.
فانظر - عزيزي القارئ - بكاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله على اُمّه وإقامته المأتم عليها بعد عشرات من السنين ، حتى بكى وأبكى أصحابه ، وهي باعتقاد أهل السنّة كافرة ، لهذا روى مسلم هذا الحديث: استاذنت ربّي في أن استغفر لها ، فلم يأذن لي ؟!
انظر: اعلام الورى: ٣١٦ ، ارشاد الساري - الهامش - ٤: ٣٢٥ ، كتاب الجنائز.
(٢) قالرحمهالله : تأمّل في قولهصلىاللهعليهوآله : هذه رحمة ، وقولهصلىاللهعليهوآله : وانّما يرحم الله من عباده الرحماء ، يتّضح لك استحباب البكاء.
بكاءه بكوا ، فقالصلىاللهعليهوآله : ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب... الحديث.(١)
والصحاح الدالة على بكائه على الموتى ممّا لا يكاد يحصى.
وأما قولهصلىاللهعليهوآله وتقريره الدالان على جواز البكاء فمستفيضان ومواردهما كثيرة.
احدها: يوم استشهد جعفر الطيّار ، إذ جاءت النبيصلىاللهعليهوآله امرأته أسماء بنت عميس فعزّاها ، ودخلت فاطمةعليهاالسلام وهي تبكي وتقول: واعماه.
فقال النبيصلىاللهعليهوآله : على مثل جعفر فلتبك البواكي.(٢)
ثانيها: يوم رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من اُحد ، وجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من رجالهن.
فقال - بعد أن أقرّهنّ على البكاء -: ولكن حمزة لا بواكي له ، ثمّ نام فانتبه وهن يبكين حمزة فهن إلى اليوم إذا بكين يندبن حمزة.(٣)
____________________
(١) قالرحمهالله : وهذا الحديث حجّة من ثلاث جهات ؛ فعل النبيصلىاللهعليهوآله وقوله وتقريره.
(٢) قالرحمهالله : هذا الحديث مستفيض وطرقه صحيحة ، وقد ذكره ابن عبد البر في ترجمة جعفر من الاستيعاب ، وهو مشتمل على تقرير النبيصلىاللهعليهوآله على البكاء وأمره به ، على أنّ مجرد بكاء الزهراء حجّة بالغة.
(٣) قالرحمهالله : ولا تنس كلمة النبيصلىاللهعليهوآله في طلب البكاء على حمزة وما فيها من الدلالة على الاستحباب ، وحسبك بها ، وبقوله: على مثل جعفر فلتبك البواكي دليلاً على ذلك...
وأمّا ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من انّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه. وفي
ثالثها: ثوم مات رقية بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيث بكت عليها النساء فجعل عمر يضربهنّ بسوطه - مع انّ النبيصلىاللهعليهوآله أقرّهنّ على البكاء - ، فقالصلىاللهعليهوآله : دعهن يبكين.
ثم قالصلىاللهعليهوآله : مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة... وقعدصلىاللهعليهوآله على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ،
رواية: ببعض بكاء أهله عليه. وفي رواية: ببكاء الحيّ. وفي رواية: يعذب في قبره بما ينح عليه. وفي رواية: من يبك عليه يعذّب. فانّه خطأ من الرواي بحكم العقل والنقل.
قال الفاضل النووي - عند ذكر هذه الروايات في باب الميّت - ما هذا لفظه: هذه الروايات كلّها من رواية عمر بن الخطّاب وابنه عبد الله.
[قال:] وأنكرت عائشة عليهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ، واحتجّت بقوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر اُخرى» إلى آخر كلامه.
وأنكر هذه الروايات أيضاً ابن عباس واحتجّ على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى أخرج الطبري في حوادث سنة ١٣ من تاريخه عند ذكر وفاة أبي بكر في الجزء الرابع من تاريخه بالإسناد إلى سعيد بن المسيب قال: لمـّا توفّي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهنّ على البكاء على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، وقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: انّي أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام: ادخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام وأخرج اُمّ فروة اُخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة ، فضربها ضربات ، فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك.
قلت: كأنّه لم يعلم تقرير النبيصلىاللهعليهوآله نساء الأنصار على البكاء على موتاهنّ ، ولم يبلغه قولهصلىاللهعليهوآله : «لكن حمزة لا بواكي له» ، وقولهصلىاللهعليهوآله : «على مثل جعفر فلتبك البواكي» ، وقولهصلىاللهعليهوآله : «إنّما يرحم الله من عباده الرحماء».
ولعله نسي نهي النبيصلىاللهعليهوآله ايّاه عن ضرب البواكي يوم ماتت رقيّة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ونسي نهيه إيّاه عن انتهارهن في مقام آخر.
فجعلصلىاللهعليهوآله يمسح دمعها بثوبه رحمة لها.
رابعها: يوم مرّت جنازة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومعها بواكي فنهرهنّ عمر ، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : دعهنّ يا عمر ، فانّ النفس مصابة والعين دامعة.
إلى غير ذلك ممّا لا يسعنا استيفاؤه....
وقد بكي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيمعليهمالسلام ، إذ غيّب الله ولده. وقال:( وَ قَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ کَظِيمٌ ) (١) حتى قيل: ما جفت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً، وما على وجه الأرض أكرم على الله تعالى منه.....
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنه سأله جبرائيلعليهالسلام : ما بلغ وجدُ يعقوب على يوسف.
قال: وجد سبعين ثكلى.
قال: فما كان له من الأجر ؟
قال: أجر مائة شهيد.
أقول: أي عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء: بعد ثبوته عن الأنبياء:( وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (٢) ، وقد استمرّت سيرة الائمة على الندب والعويل ، وأمروا أولياءهم بإقامة مآتم الحزن على الحسين جيلاً بعد جيل.
قال الصادقعليهالسلام : إنّ علي بن الحسينعليهماالسلام بكى على أبيه
____________________
(١) سورة يوسف: ٨٤.
(٢) سورة البقرة: ١٣٠.
مدّة حياته ، وما وضع بين يديه طعام الابكى ولا اوتي بشراب الابكى ، حتى قال له بعض مواليه: جعلت فداك يابن رسول الله ، إنّي أخاف أن تكون من الهالكين.
قالعليهالسلام :( إِنَّمَا أَشْکُو بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (١) .(٢)
وفي رواية اخرى قال: ويحك انّ يعقوبعليهالسلام كان له اثنا عشر ولداً فغيّب الله واحداً منهم فايبضّت عيناه من كثرة بكائه عليه ، واحدودب ظهره من الغمّ وابنه حيّ في الدنيا ، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمومتي وسبعة عشر(٣) من أهل بيتي مقتولين حولي.
وكان إذا أخذنا إناء ليشرب بكى حتى يملأها دماً ؛ فقيل له في ذلك ، فقال: كيف لا أبكي وقد منع أبي الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش...
وعن الصادقعليهالسلام : البكّاؤون خمسة: آدم بكى على الجنّة ، ويعقوب بكى على يوسف ، ويوسف بكى على يعقوب ، وفاطمة بكت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى قيل لها: آذيتنا بكثرة بكائك ، وعلي بن الحسين بكى على أبيه حتى لحق بربّه ، وما وضع بين يديه طعام الابكى ، وكان يقول: انّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك العبرة....(٤)
وقال الصادقعليهالسلام : وكان جدّي علي بن الحسينعليهماالسلام إذا ذكره - يعني الحسين بأبي واُمّي - بكى حتى يبكى لبكائه رحمة له من رآه [قال]: وانّ الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كلّ من في الهواء والسماء،
____________________
(١) سورة يوسف: ٨٦.
(٢ و٤) كامل الزيارات: ١٠٧ ح ١.
(٣) انظر تعليقتنا حول عدد الشهداء من أهل البيتعليهمالسلام في المقدّمة الزاهرة ص: ٦١.
وما من باك يبكيه الا وقد وصل فاطمة وأسعدها ، ووصل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأدّى حقّنا.
وقال الرضاعليهالسلام : إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه الظلم والقتال فاستحلّت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبيت فيه ذرارينا ونساؤنا ، واُضرمت النار في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثقلنا ، ولم ترع لرسول اللهصلىاللهعليهوآله حرمة في أمرنا.
إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فانّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام.
ثمّ قالعليهالسلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى فيه ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه...
وقالعليهالسلام : من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون ، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
وعن الريّان بن شبيب قال: دخلت على الرضاعليهالسلام في أوّل يوم من المحرّم فقال لي: يا بن شبيب ، انّ المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الامّة حرمة شهرها ، ولا حرمة نبيّهاصلىاللهعليهوآله ، إذ قتلوا في هذا الشهر ذرّيّته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله.
يا بن شبيب ، إن كنت باكياً لشيء فابك للحسينعليهالسلام ، فانّه ذُبح كما يُذبح الكبش ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض من
شبيه ، ولقد بكت السماوات السبع لقتله - إلى أن قال: -
يا بن شبيب ، انّ سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى ، فاحزن لحزننا ، وافرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا....
وقالعليهالسلام : من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه...
وعن الباقرعليهالسلام قال: كان أبي يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسينعليهالسلام دمعة حتى تسيل على خدّه ، صرف الله عن وجهه الأذى ، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار...
وقال الصادقعليهالسلام لفضيل بن يسار: أتجلسون وتتحدّثون ؟ قال: نعم ، جعلت فداك.
قالعليهالسلام : إن تلك المجالس أحبّها ، فأحيوا أمرنا ، فرحم الله من أحيا أمرنا.
يا فضيل ، من ذَكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه....
وعن أبي عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسينعليهالسلام عند أبي عبد الله الصادقعليهالسلام في يوم قط فرؤى فيه مبتسماً إلى الليل.
قال: وكان أبو عبد اللهعليهالسلام يقول: الحسين عبرة كل مؤمن....
وعن الصادقعليهالسلام قال: قال الحسينعليهالسلام : أنا قتيل العبرة ،
لا يذكرني مؤمن الااستعبر(١) .... جعلت فداك.
يا بن النبيّ المصطفى ووصيّه |
وأخا الزكي ابن البتول الزاكية |
|
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة |
لكنما عيني لأجلك باكية |
|
تبتلّ منكم كربلا بدم ولا |
تبتلّ منّي بالدموع الجارية |
|
أنست رزيّتكم رزايانا التي |
سلفت وهوّنت الرزايا الآتية |
|
ولقد يعزّ على رسول الله أن |
تسبى نساءه إلى يزيد الطاغية |
|
ويرى حسيناً وهو قرّة عينه |
ورجاله لم تبق منهم باقية |
|
وجسومهم تحت السنابك بالعرى |
ورؤوسهم فوق الرماح العالية |
|
ويزيد يقرع ثغره بقضيبه |
مترنّماً منه الشماتة بادية(٢) |
____________________
(١) قالرحمهالله : إلى غير ذلك من صحاح الأخبار المتواترة بمعناها عن الائمّة الأبرار ، وناهيك بها حجّة على رجحان المآتم الحسينيّة ، واستحبابها شرعاً ، فإنّ أقوال أئمّة الثقلين وأفعالم وتقريرهم ، حجّة لوجوب عصمتهم بحكم العقل والنقل ، كما هو مقرّر في مظانه من كتب المتكلّمين من أصحابنا.
وكنّا فصّلنا القول فيه في كتابنا الكبير «سبيل المؤمنين» ، على انّ الاقتداء بهم لا يتوقّف - عند الخصم - على عصمتهم ، بل كيفينا فيه ما اتّفقت عليه الكلمة من إمامتهم في الفتوى ، وانّهم في أنفسم لا يقصرون عن الفقهاء الأربعة وأضرابهم كالثوري ، والأوزاعي علماً ولا عملاً.
وأنت تعلم انّ هذه المآتم لو ثبتت عن أبي حنيفة ، أو صاحبيه أبي يوسف والشيباني ، لاستبق الخصم إليها ، وعكف أيّام حياته عليها ، فلِمَ ينكرها علينا ، ويندّد بها بعد ثبوتها عن أئمّة أهل البيت يا منصفون ؟!
(٢) وهي للشيخ عبد الحسين الأعسم ، وهو ابن الشيخ محمد علي بن الحسين بن محمد الأعسم الزبيدي النجفي ، وفد في حدود ١١٧٧ وتوفي سنة ١٢٤٧ ه بالطاعون العام في النجف ، كان فقيهاً عالماً محقّقاً أديباً وشاعراً. انظر أدب الطف للسيد المجاهد جواد شبر ٦: ٢٨٩.
المجلس الثاني: في الرثاء
لا ريب في جواز رثاء موتى المؤمنين ، لأصالة الإباحة ، وعدم الدليل على خلافها(١) وقد رثي آدم ولده هابيل ، واستمرت على ذلك ذرّيّته إلى يومنا هذا بلا
قد أوهنت جلدي الديار الخالية |
من أهلها ما للديار ومالية |
|
ومتى سألت الدار عن أربابها |
يعد الصدى منها سؤالي ثانية |
|
ومعالم أضحت مآتم لا ترى |
فيها سوى ناع يجاوب ناعية |
|
كانت غياثاً للمنوب فأصبحت |
فلجميع أنواع النوائب حاوية |
|
ورد الحسين إلى العراق وظنهم |
تركوا النفاق اذ العراق كما هية |
|
قست القلوب فلم تمل لهداية |
تباً لها تيك القلوب القاسية |
|
ما ذاق طعم فراتهم حتى قضى |
عطشاً فغسّل بالدماء القانية |
|
لابن النبي المصطفى ووصيه |
وأخي الزكي ابن البتول الزاكية |
|
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة |
لكنّما عيني لأجلك باكية |
|
تبتل منكم كربلا بدم ولا |
تبتل مني بالدموع الجارية |
|
أنست رزيتكم رزايانا التي |
سلفت وهونت الرزايا الاتية |
|
وفجائع الأيام تبقى مدةً |
وتزول وهي الى القيامة باقية |
|
لهفي لركب صرّعوا في كربلا |
كانت بها آجالهم متدانين |
|
نصروا ابن نبيّهم طوبى لهم |
نالوا بنصرته مراتب سامية |
____________________
(١) قالرحمهالله : لكن الذي يظهر من القسطلاني - في باب رثي النبي سعد بن خولي ص ٣١٨ من الجزء ٣٠ من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري - انّ جماعة يفصلون القول في الرثاء فيحرّمون منه ما اشتمل على مدح الميّت وذكر محاسنه الباعث على تحريك الحزن وتهييج اللوعة ، ويبيحون منه ما عدا ذلك ، والحقّ إباحته مطلقاً الا إذا اشتمل على الباطل ، إذ لا دليل على الحرمة ، والنهي الذي يزعمون انّما يستفاد منه الكراهة في موارد اُخر ليست موضوع بحثنا ، على انّ النهي غير صحيح عندنا.
نكير.
وأقرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليه اصحابه مع اكثارهم من تهيج الحزن به ، وتفنّنهم في ذلك بذكر مدائح الموتى في أخلاقهم وأفعالهم(١) .
ولمـّا توفّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله تنافست فضلاء الصحابة في رثائه.
فرثته بضعته الزهراء سيدة نساء العالمينعليهاالسلام بأبيات تهيج الأحزان ، ذكر القسطلاني منها هذين البيتين:
ماذا على من شمّ تربة أحمد |
أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا |
|
صبّت عليَّ مصائب لو أنّها |
صبّت على الأيّام صرن لياليا |
____________________
(١) قالرحمهالله : تلك مراثيهم في كتب الأخبار ، فراجع «الاستيعاب» ان أردت بعضها أحوال سيد الشهداء حمزة ، وعثمان بن مظعون ، وسعد بن معاذ ، وشمّاس بن عثمان بن الشريد ، والوليد بن الوليد بن المغيرة ، وأبي خرّاش الهذلي ، واياس بن بكير الليثي ، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وغيرهم.
ولاحظ من «الاصابة» أحوال ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب ، وأبي زيد الطائي ، وأبي سنان بن حريث المخزومي ، والأشهب بن رميلة الدارمي ، وزينب بنت العوّام ، وعبد الله بن عبد المدان الحارثي ، وجماعة آخرين لا يحضرني أسمائهم ، ودونك كتاب (الدرّة في التعازي والمراثي) وهو في أوّل الجزء الثاني من العقد الفريد تجد فيه مراثي الصحابة ومن بعده شيئاً كثيراً.
وإذا تتبّعت كتاب «اُسد الغابة» تجد الكثير من مراثي الصحابة ، وليس شيء ممّا أشرنا إليه الا وقد اشتمل على ما يهيج الحزن ، ويجدّد اللوعة بمدح الميّت بالحقّ ، وذكر محاسنه بالصدق.
أقول: وقد فصّلنا الكلام في كلّ ما ذكره المصنّفرحمهالله في مقدّمة الكتاب ، فيمكنك مراجعة ذلك للاطّلاع على تلك المراثي وغيرها.
ورثته أيضا بأبيات تثير الأشجان ، ذكر ابن عبد ربّه منها هذين البيتين:
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها |
وغاب مذ غبت عنّا الوحي والكتب |
|
فليت قبلك كان الموت صادفنا |
لمـّا نعيت وحالت دونك الكتب |
ورثاه كلّ من عمّته صفيّة ، وابن عمّه أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ، وأبي ذؤيب الهذلي ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وامّ رعلة القشيرية ، وعامر بن الطفيل وغيرهم.
ومن استوعب الاستيعاب ، وتتبّع طبقات ابن سعد واُسد الغابة والاصابة يجد من مراثي الصحابة شيئاً كثيراً.(١)
وقد أكثرت الخنساء - وهي صحابية ذات شأن - من رثاء أخويها صخر ومعاوية - وهما كافران - وابدعت في مدائح صخر ، وأهاجت عليه لواعج الأحزان ، على انّها كانت من الصالحات ، وقد بذلت أولادها الأربعة في نشر الدعوة الإسلامية ، وسرّها قتلهم في هذا السبيل ، وما برحت ترثي أخويها حتى ماتت ، فما أنكر عليها في ذلك أحد.
وأكثر أيضاً متمّم بن نويرة من تهيج الحزن على أخيه مالك في مراثيه السائرة حتى وقف مرّة في المسجد وهو غاص بالصحابة ، واتكأ على سيّة قوسه أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح فأنشد:
نعم القتيل إذ الرياح تناوحت |
خلف البيوت قتلت يا بن الأزور |
ثم أومأ إلى أبي بكر فقال مخاطباً له:
أدعوته بالله ثم غدرته |
هو لو دعاك بذمة لم يغدر |
____________________
(١) وللاطّلاع أكثر على هذه المراثي ، انظر: المقدّمة الزاهرة لهذا الكتاب.
فقال أبو بكر: والله ما دعوته ، ولا غدرته ، ثمّ قال متمّم:
لنعم حشو الدرع كان وحاسراً |
ولنعم مأوى الطارق المتنوّر |
|
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه |
حلو شمائله عفيف المأزر |
وبكي حتى انحط عن سية قوسه.
قالوا: فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء ، فما أنكر عليه في بكائه ، ولا في رثائه منكر ، مع ما في بكائه ورثائه من المغازي السياسية ، بل قال له عمر: لوددت انّك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك ، فرثي متمّم بعدها زيداً فما أجاد.
فعاتبه عمر بقوله: لِمَ لَم ترث أخي كما رثيت اخاك ؟
فقال: إنّه والله ليحرّكني لأخي ما لا يحرّكني لأخيك.
واستحسن الصحابة والتابعين ومن بعدهم مراثيه في مالك ، فكانوا يتمثّلون بها إذا اقتضى الأمر ذلك ، كما فعلته عائشة إذ وقفت على قبر أخيها عبد الرحمن فبكت عليه وتمثّلت بقول متمّم:
وكنا كندماني جذيمة حقبة |
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا |
|
فلمـّا تفرّقنا كأنّي ومالكاً |
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا |
وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين في كل عصر ومصر لا يتناكرونه.
وحسبنا دليلاً على استحبابه في مآتمنا ما رواه أصحابنا عن زيد الشحّام قال: كنّا عند أبي عبد الله الصادقعليهالسلام نحن وجماعة من الكوفيين ، فدخل جعفر بن عفّان فقرّبه الإمام وأدناه ، ثم قال: يا جعفر بلغني انّك تقول الشعر في الحسين وتجيد.
قال: نعم جعلت فداك.
قال: قل ، فأنشدته:
ليبك على الإسلام من كان باكياً |
فقد ضيعت أحكامه واستحلّت |
|
غداة حسين للرماح دريئة |
وقد نهلت منه السيوف وعلّت |
|
وغودر في الصحراء شلواً مبدداً |
عليه عتاق الطير باتت وظلّت |
|
فما نصرته اُمّة السوء إذ دعا |
لقد طاشت الأحلام منهم وظلّت |
|
وما حفظت قرب النبي ولا رعت |
وزلّت بها أقدامها واستزلّت |
|
أذاقته حرّ القتل امّة جدّه |
فتبّت أكف الظالمين وشلّت |
|
فلا قدّس الرحمن امّة جده |
وإن هي صامت للإله وصلّت |
|
كما فجعت بنت الرسول بنسلها |
وكانوا كماة(١) الحرب حين استقلّت |
فبكي الصادقعليهالسلام ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ثمّ قال: يا جعفر والله لقد شهدك الملائكة المقرّبون ، وأنّهم لهاهنا يسمعون قولك في الحسين ، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر ، وقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعتك الجنّة وغفر لك.
ثم قالعليهالسلام : ألا ازيدك ؟
قال: نعم يا سيّدي.
قالعليهالسلام : ما من أحد قال في الحسين شعراً ، فبكى وأبكى الا أوجب الله له الجنّة وغفر له.
وقد نسج جعفر بن عفّان في هذا الرثاء على روي سليمان بن قتّة
____________________
(١) كذا في الأصل ، وفي المصدر: حماة.
العدوي(١) ، إذ مرّ بكربلاء لثلاث بعد قتل الحسين وأصحابه ، فنظر إلى مصارعهم ومضاربهم ، فأنشأ يقول ويبكي:
مررت على أبيات آل محمد |
فلم أرها أمثالها(٢) حين حلّت |
|
فلا يبعد الله الديار وأهلها |
وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت |
|
وانّ قتيل الطفّ من آل هاشم |
أذلّ رقاب المسلمين فذلّت |
|
وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية |
ألا عظمت تلك الرزايا وجلّت |
|
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة |
لقتل حسين والبلاد اقشعرّت |
|
وقد أعولت تبكي السماء لفقده |
وأنجمها ناحت عليه وصلّت(٣) |
____________________
(١) في القاموس: قتّة: كضبّة ، اسم (امُ سليمان) بن حبيب المحاربي (التابعي) المشهور يعرف بابن قتّة ، وهو القائل في رثاء الحسينعليهالسلام : وانّ قتيل الطف من آل هاشم أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وهو مولى بني تيم بن مرّة ، توفّي بدمشق سنة ١٢٦ ه ، وينبغي أن يكون أوّل من رثى الحسينعليهالسلام ، لأنّه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسينعليهالسلام بثلاث ليال ، فنظر إلى مضاربهم ، واتّكأ على قوس له عربية وأنشأ يقول: مررت....
وقيل: إن هذه المرثيّة لأبي الرميح (الزميج) الخزاعي.
انظر: سير أعلام النبلاء ٤: ٥٩٦ (وذكر انّ قتّة اسم امّه) ، الجرح والتعديل ٤: ١٣٦ ، المعجم الأوسط ٢: ٤٥٧ ، طبقات القرّاء ١: ٣١٤ ، تهذيب الكمال ٦: ٤٧٧.
(٢) في بعض المصادر: كعهدها ، وقد صحّفت في مصادر اخرى ، فقد وردت في تهذيب الكمال وأنساب الأشراف: «فألفيتها أمثالها...» وهذا التصحيف متعمّد من أشياع آل أبي سفيان لعنهم الله.
(٣) قالرحمهالله : أنشد هذه الأبيات أبو تمام في الحماسة ، والمبرد في الكامل لسليمان بن قتّة ، ونسبها ابن الأثير في آخر وقعة الطف من كامله الى التيمي تيم مرّة قال: وكان منقطعاً إلى بني هاشم ، والظاهر أنّه أراد سليمان بن قتّة لأنّه تيمي بالولاء.
وقال الخطيب التبريزي في شرح الحماسة: رواها البرقي لأبي زميج الخزاعي ، وأوردها ابن عبد البر في ترجمة الحسين من الاستيعاب ، فنسبها إلى سليمان بن قتّة
ورحم الله الحسين بن الضحاك(١) إذ نسج على هذا الروي والقافية ، فقال:
مررت على أبيات آل محمد |
فلم أرها أمثالها(٢) حين حلّت |
|
فلا يبعد الله الديار وأهلها |
وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت |
|
وانّ قتيل الطفّ من آل هاشم |
أذلّ رقاب المسلمين فذلّت |
|
وكانوا غياثاً ثم أضحوا رزية |
ألا عظمت تلك الرزايا وجلّت |
|
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة |
لقتل حسين والبلاد اقشعرّت |
|
وقد أعولت تبكي السماء لفقده |
وأنجمها ناحت عليه وصلّت(٣) |
ولله درّ عواطف الامام محمد بن إدريس الشافعي(٥) حيث يقول من أبيات له في رثاء الحسينعليهالسلام :(٦)
تزلزلت الدنيا لآل محمد |
وكادت لهم صمّ الجبال تذوب |
|
فمن مبلغ عنّي الحسين رسالة |
وان كرهتها أنفس وقلوب |
|
قتيل بلا جرم كأن قميصه |
صبيغ بماء الأرجوان خضيب(٧) |
الخزاعي ، وقيل: انّها لأبي الزميج الخزاعي.
____________________
(١) هو أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الباهلي المعروف بالخليع أو الخالع ، ولد سنة ١٦٢ ومات سنة ٢٥٠ فيكون عمره ٨٨ سنة ؛ وقيل: بل عمّر أكثر من مائة سنة ، وكانت ولادته بالبصرة. انظر: أدب الطف ١: ٣١٠.
(٢) في أدب الطف: وأوكف.
(٣) في أدب الطف: بغبطة.
(٤) الدرّ النضيد: ١٢٦.
(٥) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ، ولد سنة ١٥٠ ه وتوفي سنة ٢٠٤ بمصر ، وهو أحد أئمة المذاهب الأربعة السنّية.
(٦) انظر: ينابيع المودّة ٢ ك ٣٥٦ ، بحار الانوار ٤٥: ٢٧٤ ، فرائد السمطين ٢: ٢٦٦.
(٧) قالرحمهالله : هذا الرثاء نقله عن الإمام الشافعي جمال الدين الحافظ الزرندي المدني كما في كتاب معارج الأصول ، ونقله الفاضل البلخي في ينابيعه.
وروى الصدوق في أماليه وفي ثواب الأعمال ؛ وابن قولويه في كامله بالإسناد إلى أبي عمارة قال: دخلت على أبي عبد الله الصادقعليهالسلام فقال: أنشد في الحسين ، فأنشدته فبكى ، ثمّ أنشدته فبكى ، قال: فوالله ما زلت أنشده وهو يبكي حتى سمعت البكاء من الدار.
فقال: يا أبا عمارة من أنشد في الحسين فأبكى فله الجنّة ، ومن أنشد في الحسين فتباكى فله الجنّة....
وروى الصدوق في ثواب الأعمال ، وابن قولويه في كامله بالإسناد إلى أبي هارون المكفوف قال: دخلت على أبي عبد الله الصادقعليهالسلام ، فقال: يا
أقول: وأورد هذه الأبيات ابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب:
تأوّب غمّي والفؤاد كئيب |
وأرّق نومي فالرقاد غريب |
|
وممّا نفي نومي وشيّب لـمّتي |
تصاريف ايّام لهنّ خطوب |
|
فمن مبلّغ عنّي الحسين رسالة |
وإن كرهتها أنفس وقلوب |
|
قتيل بلا جرم كأنّ قميصه |
صبيغ بماء الأرجوان خضيب |
|
وللسيف أعوال وللرمح رنّة |
وللخيل من بعد الصهيل نحيب |
|
تزلزلت الدنيا لآل محمّد |
وكادت لهم صمّ الجبال تذوب |
|
وغارت نجوم واقشعرت كواكب |
وهتك أستار وشقّ جيوب |
|
يصلّى على المبعوث من آل هاشم |
ويغزى بنوه إنّ ذا لعجيب |
|
لئن كان ذنبي حبّ آل محمد |
فذلك ذنب لست عنه أتوب |
|
هم شفعائي يوم حشري وموقفي |
إذا ما بدت للناظرين خطوب |
وقال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة: قال الحافظ جمال الدين المدني في كتابه (معراج الاصول) انّ الامام الشافعي أنشد:
تأوّه قلبي والفؤاد كئيب |
وأرّق نومي فالسهاد عجيب |
|
فمن مبلّغ عني الحسين رسالة |
وإن كرهتها أنفس وقلوب |
|
ذبيح ، بلا جرم كأنّ قميصه |
صيبغ بماء الارجوان خضيب |
الأبيات....
أبا هارون ، انشدني في الحسين ، فأنشدته - فلم يعجبه الانشاد لخلوّه من الرقّة المشجية وكأنّه تركها حياء من الإمامعليهالسلام -.
فقال: لا ، - يعني لا تنشد بهذه الطريقة - ، بل كما تنشدون ، وكما ترثيه عند قبره.
قال: فأنشدته(١) حينئذ:
أمرر على جدث الحسين |
فقل لاعظمه الزكيّة |
|
يا أعظماً لا زلت من |
وطفاء ساكبة رويّة(٢) |
|
وإذا مررت بقبره |
فأطل به وقف المطيّة |
|
وابك المطهّر للمطهّـ |
ـر والمطهّرة التقيّة |
|
كبكاء معولة أتت |
يوماً لواحدها المنيّة |
قال: فبكى ، ثم قال: زدني ، فأنشدته القصيدة الاخرى:
يا مريم قومي واندبي مولاك |
وعلى الحسين اسعدي ببكاك |
قال: فبكى الصادق وتهايج النساء من خلف الستر ، فلمّا أن سكتن قال: يا أبا هارون ، مَن أنشد في الحسين فبكى وأبكى عشرة كتبت لهم الجنّة - إلى أن قال: - ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنّة.
ودخل عبد الله بن غالب على الإمام الصادقعليهالسلام فأنشده مرثيّته في الحسينعليهالسلام ، فلمّا انتهى إلى قوله: لبلية... البيت ، صاحت باكية من وراء
____________________
(١) قالرحمهالله : أنشد أبو هارون هذه الأبيات وهي للسيد إسماعيل الحميري.
(٢) وطفاء - كحمراء -: منهمرة ، من قولهم: وطف المطر: انهمر ؛ ويقال: سحابة وطفآء ، أي: مسترخية لكثرة مائها.
الستر: يا أبتاه.(١)
وللإمام الثامن الضامنعليهالسلام مع دعبل الخزاعي قضية مشهورة(٢) ؛
____________________
(١) انظر: كامل الزيارات: ١٠٥ ح ٣.
(٢) قالرحمهالله : أشار إليها الفاضل العباسي في أحوال دعبل من معاهد التنصيص في شرح شواهد التلخيص في اوّل ص ٣٧٣ ، وذكرها الصدوق في عيون أخبار الرضا ، والعلامة الأربلي في كشف الغمّة ، والمجلسي في بحار الأنوار ، وأبو الفرج الأصفهاني في أغانيه ، وغير واحد من المحدّثين والمؤرخين. أقول: وقد ذكرنا القصّة مفصّلة في الهامش أثناء تعليقناعلى ذكرها في المقدّمة الزاهرة.
أما أبيات القصيدة التي أنشدها دعبل فمنها:
مدارس آيات خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات |
|
لآل رسول الله من خيف من منى |
وبالبيت والتعريف والجمرات |
|
ديار علي والحسين وجعفر |
وحمزة والسجاد ذي الثفنات |
|
منازل كانت للصلاة وللتقى |
وللصوم والتطهير والحسنات |
|
إذا لم نناج الله في صلواتنا |
بأسمائهم لم يقبل الصلوات |
|
فيا ربّ زدني في هواي بصيرة |
وزد حبهم يا ربّ في حسناتي |
|
سأبكيهم ما حجّ لله راكب |
وما ناخ قمريّ على الشجرات |
|
سقى الله قبراً بالمدينة غيثه |
فقد حلّ فيه الأمن والبركات |
|
قبور ببطن النهر من جنب كربلا |
معرسهم منها بشط فرات |
|
توفّوا عطاشا بالفرات فليتني |
توفّيت فيهم قبل حين وفاتي |
|
الى الله أشكو لوعةً عند ذكرهم |
سقتني بكأس الثكل والفظعات |
|
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً |
وقد مات عطشاناً بشطّ فرات |
|
اذاً للطمت الخدّ فاطم عنده |
وأجريت دمع العين في الوجنات |
|
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي |
نجوم سماوات بأرض فلاة |
|
ديار رسول الله أصبحن بلقعاً |
وآل زياد تسكن الحجرات |
|
وآل زياد في القصور مصونة |
وآل رسول الله في الفلوات |
وذلك لما وفد عليه بعبقريته التائية تلك القصيدة التاريخية الرنّانة ، التي تجاذبت بها أندية الأدب ، وانتشرت في أقطار العرب ، وقامت بتلاوتها في دار الرضا قيامة الأحزان ، وقرعت ساحته الشريفة بنوح دعبل بها الأشجان ، فبكى الإمام أحرّ بكاء ، وعلا من وراء الستر صراخ النساء ، وكان لأطفاله رنين ومأق ورغاء(١) حتى استولي عليه الاغماء ، واشترك في البكاء معه جنّة الأرض وملائكة السماء.
وقد علم الناس أنّ الإمام زين العابدينعليهالسلام قد أمر بشراً(٢) برثاء سيد الشهداء حيث قال:
يا بشر ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟
قال: نعم يا بن رسول الله.
قالعليهالسلام : ادخل المدينة وأنع أبا عبد الله.
قال بشر بن حذلم: فركبت فرسي ، وركضت حتى دخلت المدينة ، فلمّا بلغت مسجد النبيصلىاللهعليهوآله رفعت صوتي بالبكاء ، وأنشأت: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ
الجسم منه بكربلاء مضرّجُ والرأس منه على القناء يدار(٣)
____________________
(١) قالرحمهالله : المأق: ما يأخذ الصبي بعد البكاء من الشهيق الشبيه بالفواق ، ورغاء الصبي: هو أشد ما يكون من بكائه.
(٢) وهو بشر بن حذلم ؛ وقيل أيضاً: ان اسمه بشير بن جذلم ، وهو من أصحاب الإمام السجادعليهالسلام ، رافق عيال الإمام الحسينعليهالسلام عند عودتهم من الشام إلى المدينة.
انظر: الملهوف: ٢٢٦.
(٣) حياة الإمام الحسين ٢: ٤٢٣ ، الملهوف: ٢٢٧.
المجلس الثالث: في تلاوة الأحاديث
لا ريب في رجحان تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الموتى من المؤمنين ومصائبهم ، إذ تكون كذكرى لحياتهم ، تنتفع الامّة بها على قدر مكانتهم في محامد الصفات ، ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال.
وانّ امّته تهتم بتاريخ عظمائها الممتازين في دينهم ودنياهم ، لتعد حافظة مجدها ، ناصحة لمن بعدها ، وقد جرت سيرة الخلف والسلف على ذكر مناقب الموتى ومصائبهم ، كتابة وخطابة ، نظماً ونثراً. والعقل والنقل يحكمان بحسن ذلك ، وقواعد المدنية تقتضيه ، واصول الترقّي في المعارف والفضائل توجبه ، إذ به تحفظ الآثار النافعة ، وتخلّد الأرواح الشريفة ، وبالتنافس فيه تعرج أبطال المنابر إلى أوج البلاغة ، وتستوي رجال المحابر ببراعتها على عرش البراعة.
وما أحوج الامّة إلى ذكرى ما أصاب سلفها من النوائب أيّام بؤسهم ، وما اكتسبوه من المآثر والمناقب أيّام عزّهم( إِنَّ فِي ذٰلِکَ لَذِکْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) (١) .
وهذا كتاب الله عز وجل وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآله يمثّلان مناقب الأنبياء ومصائبهم بأجلى مظاهر التمثيل ، ويصوّران مثالب أعداء الله وأعداء أنبيائه بأوضح التصوير ، ولولا الكتاب والسنّة ، ما عرفنا فضائل أنبياء الله ، ولا رذائل أعدائه ، وأنّى لنا - لولا الكتاب والسنّة - بالوقوف على نصح الأنبياء لله تعالى ولعباده ، والصبر على الأذى الذي نالهم في سبيل الحق من النماردة
____________________
(١) سورة الزمر: ٢١.
والفراعنة والعمالقة ، وأصحاب الرسّ والأخدود وغيرهم.
فالقول بتحريم تلاوة مناقب أهل المناقب من الموتى ومصائبهم يستلزم تحريم تلاوة الكتاب والسنّة ، وقراءة التاريخ وعلم الرجال ، ومن يرضى لنفسه هذا الحمق ! ويختار لبصيرته هذا العمي ! نعوذ بالله من سفه الجاهلين.
وقف أمير المؤمنينعليهالسلام على قبر خباب بن الأرت في ظهر الكوفة ، وهو أوّل من دفن هناك فقالعليهالسلام - في تأبينه -:
رحم الله خباباً ، لقد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلي في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.
ووقف الإمام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنينعليهماالسلام فقال:
أشهد انّك جاهدت في الله حقّ جهاده ، وعملت بكتابه ، واتّبعت سنن نبيّهصلىاللهعليهوآله ، حتى دعاك الله إلى جواره، فقبضك إليه باختياره ، لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجّة في ظلمهم ايّاك مع ما لك من الحجج البالغة.
ووقف الإمام الصادقعليهالسلام على قبر جدّه الإمام الحسينعليهالسلام فقال:
أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، وأطعت الله ورسوله ، وعبدته مخلصاً ، وجاهدت في سبيله صابراً محتسباً حتى أتاك اليقين ، فلعن الله امّة قتلتك ، ولعن الله امّة ظلمتك ، ولعن الله امّة سمعت بذلك فرضيت به.(١)
____________________
(١) العقد الفريد ٢: ١٤٧.
ووقف الحسين على قبر أخيه الحسنعليهماالسلام فقال:
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي |
وخدّك معفور وأنت تريب |
|
وليس حريباً من اُصيب بماله |
ولكن من وارى أخاه حريب |
|
غريب وأطراف البيوت تحوطه |
ألا كلّ من تحت التراب غريب |
|
بكائي طويل والدموع غزيرة |
وأنت بعيد والمزار قريب(١) |
ووقف محمد بن أمير المؤمنين - المعروف بابن الحنفيّة - على قبر اخيه ، وخليفة أبيه أبي محمد الحسن الزكي المجتبىعليهالسلام فخنقته العبرة فقال:
يرحمك الله أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح روح ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذّتك أكفّ الحقّ ، وربّيت في حجر الإسلام ، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً ، وإن كانت أنفسنا غير طيّبة
____________________
(١) قال محمد بن أبي طالب في تسلية المُجالس وزينة المَجالس ، ولـمّا وضع الحسنعليهالسلام في قبره أنشأ سيّدنا ومولانا أبا عبد الله الحسينعليهالسلام : أأدهنُ رأسي أم اُطيب مجالسي ورأسك معفور وأنت سليب
أأدهنُ رأسي أم اُطيّب مجالسي |
ورأسك معفور وأنت سليب |
|
أو استمتع الدنيا بشيء اُحبّه |
ألا كلّ ما أدنى إليك حبيب |
|
فلا زلت أبكي ما تغنّت حمامة |
عليك وما هبّت صبا وجنوب |
|
وما هملت عيني من الدمع قطرة |
وما اخضرّ في دوح الحجاز قضيب |
|
بكائي طويل والدموع غزيرة |
وأنت بعيد والمزار قريب |
|
غريب وأطراف البيوت تحوطه |
ألا كلّ من تحت التراب غريب |
|
فلا يفرح الباقي خلاف الذي مضى |
فكل فتى للموت فيه نصيب |
|
وليس حريباً من اُصيب بماله |
ولكنّ من وارى أخاه حريب |
|
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه |
وليس لمن تحت التراب نسيب |
انظر: مناقب ابن شهراشوب ٤: ٤٥ ، تسلية المُجالس وزينة المَجالس ٢: ٦٥ ، بحار الأنوار ٤٤: ١٦٠ ذ ح ٢٩.
بفراقك ، ولا شاكّة في الخيار لك.
ثمّ بكى بكاءاً شديداً وبكى الحاضرون حتى علا نشيجهم وفيهم الحسين واخوته وابن عبّاس وسائر الهاشميين.(١)
ولـمّا توفّي أمير المؤمنينعليهالسلام قام الخلف من بعده أبو محمد الحسن الزكيعليهماالسلام فقال:
لقد قتلتم الليلة رجلاً والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد يكون بعده ، [والله] إن كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليبعثه في السرية ، وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، [والله] ما ترك بيضاء ولا صفراء... إلى آخر كلامه.(٢)
ووقف أمير المؤمنينعليهالسلام على الضريح الأقدس ، ضريح النبيصلىاللهعليهوآله ساعة دفنه فقال:
إن الصبر لجميل الاعنك ، وان الجزع لقبيح الاعليك ، وانّ المصاب بك لجليل ، وانّه بعدك لقليل.(٣)
وعن أنس بن مالك قال: لمـّا فرغنا من دفن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقبلت فاطمةعليهاالسلام فقالت:
[يا أنس ،] كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم التراب ؟
____________________
(١) تاريخ الاُمم والملوك (حوادث سنة ٤٠) ، العقد الفريد ٢: ٧٨.
(٢) تاريخ الاُمم والملوك ٥: ١٥٧.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٩٤ ، العقد الفريد ٢: ١٠٢.
ثم بكت ونادت: يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه مِن ربّه ما أدناه ، يا أبتاه من ربّه ناداه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه ، يا أبتاه لست بعد اليوم أراه.(١)
وكأنّي بها وقد أصلى ضلعها الخطب ، ولاع قلبها الكرب ، ولجّ فؤادها الحزن ، واستوقد صدرها الغبن ، حين ذهبت كاظمة ، ورجعت راغمة ، ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها باكية شاكية قائلة:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة |
لو كان شاهدها لم تكثر الخطب |
|
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها |
فاختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا(٢) |
|
فليت بعدك كان الموت صادفنا |
لـمّا قضيت وحالت دونك الكثب(٣) |
ولم تزل -: بأبي هي واُمّي - بعد أبيهاصلىاللهعليهوآله ذات غصّة لا تساغ ، ودموع تترى من مقلة عبرى ، قد استسلمت للوجد ، واخلدت في بيت أحزانها إلى الشجون ، حتى لحقت بأبيهاصلىاللهعليهوآله معصّبة الرأس ، قد ضاقت عليها الأرض برحبها.
فلمّا فرغ أمير المؤمنينعليهالسلام من دفنها في ظلام الليل ، ورهقه من الحزن عليها ما عيل به صبره ، وضاق به صدره ، استقبل بوجهه ضريح رسول اللهصلىاللهعليهوآله يشكو إليه بثّه وحزنه ، وقد جاشت في صدره غصص الهموم ،
____________________
(١) المصنف لعبد الرزاق ٣: ٥٥٣ ح ٦٦٧٣ ، الطبقات الكبرى ٢: ٣١١ ، صحيح البخاري ٦: ١٨ ، سنن ابن ماجة ١: ٥٢٢ ح ١٦٣٠ ، سنن النسائي ٤: ١٣ ، العقد الفريد ٣: ٢٣٠ ، المستدرك على الصحيحين ١: ٣٨٢.
(٢) قالرحمهالله : الموجود في شرح النهج ، واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب ، لكنّ الصحيح ما أثبتناه ، وهو المأثور عندنا ، ومعنى نكبوا: عدلوا.
(٣) العقد الفريد ٣: ١٩٤ ، النهاية لابن الأثير ٣: ١٥٦.
واعتلجت فيه حزازات الغموم ، فقال وهو يجرض بريقه ، ويميد به شجوه ، وقد انحلّت عقود دموعه ، وتناثرت لآلئ جفونه:
السلام عليك يا رسول الله ، وعلى ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك ، قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، ألا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك موضع تعزٍ ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة ، وأمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد ، أو يحتار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبؤك ابنتك بتظافر اُمّتك على هضمها ، فأحفّها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخلق منك الذكر.(١)
فلأي الأمور تدفن سرّاً |
بضعة المصطفى ويعفى ثراها |
|
فمضت وهي أعظم الناس شجواً |
في فم الدهر غصّة من جواها |
وكأنّي بأمير المؤمنينعليهالسلام واقفاً على قبرها وهو شجي بغصصه ، لا يملك دمعه ولا قلبه ، وكأنّي به ينشد:
لكل اجتماع من خليلين فُرقة |
وكلّ الذي دون الممات قليل |
|
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ |
دليل على أن لا يدوم خليل(٢) |
____________________
(١) قالرحمهالله : هذا الكلام من الثابت عنهعليهالسلام المأثور في كتاب نهج البلاغة.
(٢) العقد الفريد ٣: ١٩٨.
المجلس الرابع: في الجلوس حزناً على الموتى
لا ريب في أنّ النبيصلىاللهعليهوآله حزن حزناً شديداً على شيخ الأباطح وبيضة البلد ، عمّه وكافله أبي طالب ، وعلى صدّيقته الكبرى امّ المؤمنين ، وقد ماتا في عام واحد ، فسماه النبيصلىاللهعليهوآله «عام الحزن» ، ولزم بيته(١) وأقلّ من الخروج حزناً عليهما ، وكان إذا تهجّمت عليه قريش يندب عمّه فيقول: «يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك»(٢) .
وصحّ جلوسه في المسجد حزناً على ابن عمّه جعفر وصاحبيه زيد وابن رواحة.(٣)
وصحّ أيضاً أنه حزن حزناً شديداً ، لم ير أشدّ منه حين قتل القرّاء من أصحابه وقنت شهراً يستغفر لهم ، ويدعو على قاتليهم في قنوته.
والعقل يحكم برجحان الجلوس حزناً على فقد المصلحين من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة ، لأنّ تمييزهم بذلك يكون سبباً في تنشيط أمثالهم ، وأداء حقّهم بعد موتهم ، ويكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم.
____________________
(١) انظر: السيرة النبويّة ١: ١٠٨ ، الكامل في التاريخ ١: ٤٦٢ ، السيرة الحلبية ١: ٤٦٢ باب وفاة أبي طالب وخديجة.
(٢) السيرة النبويّة ١: ١٠٨.
(٣) قالرحمهالله : والحديث هذا ثابت في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن ص ١٥٤ من الجزء الأوّل من صحيح البخاري ، وفي باب التشديد في النياحة ص ٣٤٥ من الجزء الأوّل من صحيح مسلم ، وثابت في صحيح أبي داود أيضاً.
أمّا الجلوس لذكرى ما أصاب الأئمّة في سبيل مصالح الاُمّة ، فيبعث فيها روح الايمان والهدى ، ويأخذ بقلوبها إليهم ، وان بعُد العهد وطال المدى.
وقول اللائمين: بأنّه لا يحسن الجلوس حزناً على الميّت إذا تقادم العهد بموته(١) لا يتمّ في فجائعنا بأهل البيت ، حيث لا يتلاشى الحزن عليهم مهما تقادم العهد بهم ، بل لا تخبو زفرة تلك الفجائع ، ولا تخمد لوعة هاتيك القوارع، ما بقي الزمان ، وكر الجديدان ، فقربُ العهد بها وبعده عنها سيان ، وما أولى هذا اللائم ، بقول بعض الأعاظم:
خلي اُميمة عن ملا |
مك ما المعزّي كالثكول |
|
ما الراقد الوسنان مث |
ل معذب القلب العليل |
|
سهران من ألم وه |
ذا نائم الليل الطويل |
|
ذوقي اُميمة ما أذو |
ق وبعده ما شئت قولي |
ورحم الله القائل:
ويل قلبي الشجي ممّا يعاني |
من ملام الخلي طعناً ووخزا |
ولو علم اللائم الأحمق بما في حزننا على أهل البيت من النصرة لهم ، والحرب الطاحنة لأعدائهم ، لخشع أمام حزننا الطويل ، ولأكبر الحكمة المقصودة من هذا النوح والعويل ، ولأذعن للأسرار في استمرارنا على ذلك في كل جيل ،
____________________
(١) قالرحمهالله : أخرج الإمام أحمد في ص ٢٠١ من الجزء الأول من مسنده من حديث الحسينعليهالسلام عن جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وان طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعاً الاجدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم اُصيب بها.
وروى ابن ماجة وأبو يعلى عنه هذا الحديث أيضاً كما في ترجمتهعليهالسلام من الاصابة.
وما أولاه وإيّانا بقول القائل:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني |
أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا |
|
لكن جهلت مقالتي فعذلتني |
وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا |
على أنّ الأوامر المتواترة عن أئمّة العترة الطاهرة تستوجب التعبّد بترتيب آثار الحزن على الدوام ، ولو ثبتت هذه الأوامر عن أئمّة المذاهب الأربعة لعمل اللائمون بها ، فلماذا إذن يلوموننا بعد ثبوتها عن أئمّة العترة ، وسفينة نجاة الامّة ، وباب حطّة ، وأمان أهل الأرض ، وأعدل كتاب الله ، وعيبة رسوله ، لو كانوا ينصفون ؟؟
ولِمَ يلومنا اللائمون في حزننا ، مع تقادم العهد بمصيبتنا ، ويحبّذون استمرار أهل المدينة على ندب حمزة كلّما ناحوا على ميّت منهم ؟
فإن كان بكاؤهم على حمزة مواساة لرسول اللهصلىاللهعليهوآله بمصيبته في عمّه ، وأداء لواجب قولهصلىاللهعليهوآله : «لكن حمزة لا بواكي له» ، فانّ بكاؤنا انّما هو مواساة له في مصيبته بريحانته من الدنيا ، وقرّة عينه ، واداء لواجب بكائه عليه.
أيبكي رسول اللهصلىاللهعليهوآله على الحسين - بأبي هو واُمّي - قبل الفاجعة ونحن لا نبكيه بعدها ؟؟
ما هذا شأن المتأسّي بنبيه ، والمواسي له !؟
ألم يرو الإمام أحمد: انّ عليّاً لما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى: صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشطّ الفرات ، فسئل عن ذلك فقال:
دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذات يوم وهو يبكي ، فسألته
فقال: قام من عندي جبرئيل فحدّثني إنّ الحسين يقتل بشط الفرات.
قال: فقال: هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟
قال: قلت: نعم ، فمدّ يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها.
وأخرج ابن سعد ، عن الشعبي قال: مرّ عليّرضياللهعنه بكربلاء عند مسيره إلى صفّين ، فوقف وسأل عن اسم الأرض ؛ فقيل: كربلاء ، فبكى حتى بلّ الأرض من دموعه.
ثم قال: دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يبكي فقلت: ما يبكيك ؟
قال: كان عندي جبرئيل آنفاً ، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات ، بموضع يقال له: كربلاء....
وأخرج الملأ: انّ علياً مرّ بموضع قبر الحسينعليهالسلام فقال: ها هنا مناخ ركابهم ، وهاهنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم ، فتية من آل محمد ، يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليه السماء والأرض....
ومن حديث امّ سلمة قالت: كان عندي النبيصلىاللهعليهوآله ومعي الحسين ، فدنا من النبيصلىاللهعليهوآله فأخذته ، فبكى فتركته ، فدنا منه ، فأخذته ، فبكى فتركته ، فقال له جبرئيل: أتحبّه يا محمد ؟!
قال: نعم.
قال: أما إنّ اُمّتك ستقتله ، وان شئت أريتك الأرض التي يقتل بها ، فبكى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وروى الماوردي الشافعي ، عن عائشة ، قالت: دخل الحسين بن علي
على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يوحى إليه ، فقال جبرئيل: انّ اُمّتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك ، ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء ، وقال: في هذه يقتل ابنك اسمها الطف.
فلمّا عرج جبرئيلعليهالسلام ، خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أصحابه والتربة بيده ، وفيهم: أبو بكر ، وعمر ، وعليّ ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو ذر ، وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟!
فقال: أخبرني جبرئيل: إنّ بني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاء بهذه التربة(١) ، فأخبرني إنّ فيها مضجعه.
فإذن أوّل من بكى في هذه الامّة على الحسين ، وأوّل من اُهدي إليه تربته ، وأوّل من شمّها ، وأوّل من تلا على الناس مقتل الحسين بأرض الطف لهو رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأوّل من سمّع حديث مقتله لأصحابه الكرام ، ولا احتمل الاأنّهم واسوا يومئذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في حزنه وبكائه و( لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ کَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ ) (٢) ،( وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (٣) .
وأخرج الترمذي: إنّ امّ سلمة رأت النبيصلىاللهعليهوآله - فيما يراه النائم - باكياً ، وبرأسه ولحيته التراب فسألته ، فقال: قتل الحسين آنفاً.
قال في الصواعق: وكذلك رآه ابن عباس نصف النهار ، أشعث أغبر ، وفي
____________________
(١) قالرحمهالله : انّ تربة يحملها الروح الأمين إلى سيد النبيّين والمرسلين لحقيقة بالاحترام وجديرة بأن تدّخر وتحمل وتُهدى بكلّ إجلال وإعظام.
(٢) سورة الأحزاب: ٢١.
(٣) سورة الحديد: ٢٤ ، سورة الممتحنة: ٦.
يده قارورة فيها دم يلتقطه فسأله ، فقال: دم الحسين وأصحابه ، لم أزل أتتبّعه منذ اليوم.
قال: فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم.
وأمّا صحاحنا فانّها متواترة في بكائهصلىاللهعليهوآله ، على سبطه وريحانته في مقامات عديدة ، يوم ولادته وقبلها ، ويوم السابع من مولده ، وبعده في بيت الزهراء ، وفي حجرته ، وعلى منبره ، وفي بعض أسفاره ، تارة يبكيه وحده ، ومرّة هو والملائكة ، وأحياناً هو وعلي وفاطمة ، وربّما بكاه هو وبعض أصحابه ، وربمّا قبّله في نحره وبكى ، وربّما قبّله في شفتيه فبكى ، وربّما بكى إذا رآه فرحاً أو رآه حزناً.
ولله در السيد الرضي حيث يقول:
لو رسول الله يحيا بعده |
قعد اليوم عليه للعزا |
|
جزروا جرز الأضاحي نسله |
ثم ساقوا أهله سَوق الإما |
|
ليس هذا لرسول الله يا |
امّة الطغيان والبغي جزا |
|
يا رسول الله لو أبصرتهم(١) |
وهم ما بين قتلى وسِبا |
|
مِن رميض يُمنع الظلّ ومِن |
عاطش يسقى أنابيب القنا |
|
ومسوق عاثر يُسعى به |
خلف محمول على غير وطا |
|
لرأت عيناك منهم منظراً |
للحشى شجواً وللعين قذا |
|
لا أرى حزنكم يُنسى ولا |
رزءكم يُسلى وإن طال المدى(٢) |
____________________
(١) كذا في الأصل ، وفي ديوان الرضي: عاينتهم.
(٢) هذه الأبيات من قصيدة رائعة للشريف الرضي ألقاها وهو بالحائر الحسيني وهي بعنوان «كربلا كرب وبلا». انظر: ديوان الرضي ١: ٤٤، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٣٨٦.
المجلس الخامس: في الانفاق صدقة عن الميّت
لا ريب في استحباب الانفاق صدقة عن موتى المؤمنين ، وقد فعل النبيصلىاللهعليهوآله ذلك وأمر به.
ففي الصحيحين بطرق متعدّدة عن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي [مثل] ما غرت على خديجة وما رأيتها ، لكن كان النبيصلىاللهعليهوآله يكثر ذكرها ، وربّما ذبح الشاة ثمّ يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربّما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا الاخديجة ، فيقول لي: انّها كانت وكانت وكان لي منها ولد.(١)
وأخرج مسلم: أنّ رجلاً أتى النبيصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله إن امّي افتلت نفسها ولم توص ، أفلها أجر إن تصدّقت عنها ؟
قالصلىاللهعليهوآله : نعم.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده: انّ سعد بن عبادة قال: إنّ ابن بكر أخا بني ساعدة توفّيت امّه وهو غائب عنها ، فقال: يا رسول الله إنّ امّي توفّيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدّقت بشيء عنها ؟
قال: نعم.
قال: فاني أشهدك أن حائط المخرف صدقة عليها.(٢)
____________________
(١) قالرحمهالله : هذا الحديث يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميّت وأوليائه صدقة عنه.
(٢) قالرحمهالله : ربّما كان المنكرون علينا فيما نفعله في مجالسنا من الصدقة عن الحسينعليهالسلام لا يقنعون بأقوال النبي ولا بأفعالهصلىاللهعليهوآله الاأن يكون ذلك مأثوراً عن سلفهم ، وحينئذ نحتجّ عليهم بما فعله الوليد بن أبي معيط الأموي ، إذ مات لبيد بن ربيعة
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إذا مات الانسان انقطع عمله الامن ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له.
وفي خصال الصدوق بالإسناد إلى أمير المؤمنينعليهالسلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا ، واختار لنا شيعة ينصروننا ، ويفرحون لفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا ، اولئك منّا وإلينا.
بأبي أنتم وامّي أهل بيت الرحمة ، أسبغتم على العالمين آلاءكم ، وأفضتم على أهل الارض سجال نعمائكم ، فاياديكم تسترقّ الأعناق ، ومننكم تستعبد قلوب الأحرار ، وما رأى الراؤون أعطى لجزيل عن ظهر يد منكم(١) ، أنشأتم الهدى ، وكافحتم الكفر والضلال ، والبغي والفساد والعمى ، وسنّيتم في الأرض صراطاً مستقيماً ، وقاسيتم من الناس في سبيل هدايتهم بلاء عظيماً. سلبوكم بشبا الصوارم أنفساً قام الوجود بسرّها المكنون
فما خطر أموالنا وأنفسنا في جنب أموالكم وأنفكسم التي بذلتموها فينا ، وكيف نستكثر أموالاً وأنفساً نقابل بها تلك الأموال والأنفس ، وانّ الجرأة عليكم بسلب عقال من أموالكم المقدّسة ، او مسيل قطرة من دمائكم الزكيّة لأفظع من اجتياح أموال العالمين وأنفسهم كافة ، فالويل لمن قتلكم وسلبكم ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، تبّت أيديهم ولُعنوا بما ارتكبوا ، إذ قتلوا عترة رسول الله وبقيّته فيهم. امّة قاتلت امام هداها يا ترى أين زال عنها حياها
ويحهم أخزاهم الله ، كيف سلبوه حتى ثيابه ، فأخذ قميصه - بأبي وامّي -
العامري الشاعر ، فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً فجزرت عنه. نقل ذلك ابن عبد البر في ترجمة لبيد من الاستيعاب.
____________________
(١) قالرحمهالله : أي تفضّلاً من غير مكافأة ولا قرض.
إسحاق بن حوية(١) ، وأخذ سراويله أبجر بن كعب(٢) ، وأخذ عمامته أخنس بن
____________________
(١) وهو: إسحاق بن حويّة (حيوة) الحضرمي ، أحد المجرمين في جيش الكوفة ممّن شارك في واقعة كربلاء ، حيث قام بعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام بسلبه قميصه ، وهو من جملة من تطوّع - بأمر عمر بن سعد - لرضّ جسد الإمام الحسينعليهالسلام بالخيل ، حيث تعتبر هذه الجريمة من الجرائم المفجعة التي ارتكبها جيش ابن زياد بحقّ الإمام الحسين ، وكانت هذه الجريمة قد تمّت بتحريض من شمر بن ذي الجوشن لابن زياد ، فالكتاب الذي بعثه عمر بن سعد إلى ابن زياد كان كتاباً عاديّاً ، لكن ابن زياد ردّ عليه بكتاب يعنّفه فيه ، وكتب إليه: إنّي لم ابعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ، ولا لتمنّيه ، ولا لتطاوله ، ولا لتقعد له عندي شافعاً ، انظر فان نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم اليَّ سلماً ، وإن أَبَو فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقون ، فان قتل الحسين فاوطئ الخيل صدره وظهره ، فانّه عاقّ شاقّ قاطع ظلوم ، فان أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وان أنت أبيت فاعتزل جندنا ، وخلّ بين شمر وبين العسكر ، فأتى شمر بالكتاب وسلّمه لعمر بن سعد.
وبعد استشهاد الإمام الحسينعليهالسلام عصر يوم عاشوراء نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب إلى الحسين فيوطئه بفرسه ؟ فانتدب منهم عشرة ، حيث داسوا الحسين بخيولهم حتّى رضّوا صدره وظهره ، وهم: إسحاق بن حويّة الحضرمي الذي سلب الحسينعليهالسلام قميصه ، وأخنس بن مرثد ، وحكيم بن طفيل السبيعي ، وعمر بن صبيح الصيداوي ، ورجاء بن منقذ العبدي ، وسالم بن خيثمة الجعفي ، وواحظ بن ناعم ، وصالح بن وهب الجعفي ، وهانئ بن ثبيت الحضرمي ، واُسيد بن مالك لعنهم الله.
وجاء هؤلاء العشرة حتّى وقفوا على ابن زياد ، فقال أحدهم وهو اُسيد بن مالك: نحن رضضنا الصدر بعد الظهر بكلّ يعسوب شديد الأمر
فقال ابن زياد لعنه الله: مَن أنتم ؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنّا حناجر صدره. قال: فأمر لهم بجائزة يسيرة.
قال أبو عمرو الزاهد: فنظرنا في هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زنا.
وهؤلاء أخذهم المختاررحمهالله فشدّ أيديهم وأرجلهم بسلاسل الحديد ، وأوطأ الخيل ظهورهم حتّى هلكوا. انظر: الملهوف: ١٨٣ ، زينة المجالس: ٤٥٩.
(٢) وقيل اسمه: أبحر بن كعب ، حيث قام بتجريد الإمام من ثيابه بعد قتله ، وترك جسد
مرثد ، وأخذ سيفه رجل من بني دارم ، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله ، وسلبوا نساءه وهنّ عقائل النبوّة ، وخفرات بني الوحي والتنزيل.
قال حميد بن مسلم(١) : فوالله لقد كنت أرى المرأة من نساء الحسين وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها.
قال: ثمّ انتهينا إلى علي بن الحسينعليهماالسلام وهو منبسط على فراش ، وهو شديد المرض ، ومع شمر(٢) جماعة من الرجّالة فقالوا له: ألا نقتل هذا
الحسين عارياً على رمضاء كربلاء ، وقد يبست يدا هذا الشخص فيما بعد حتّى اصبحتا كالخشبتين ، وجاء في خبر آخر إنّه اُصيب بعد ارتداء السروال بشلل في رجليه أقعده عن الحركة تماماً.
انظر: اثبات الهداة ٥: ٢٠١ ، عوالم الإمام الحسين: ٢٩٧ ، بحار الانوار ٤٥: ٥٧.
____________________
(١) في تنقيح المقال ١: ٣٨٠: حميد بن مسلم الكوفي ، لم أقف فيه الاعلى عدّ الشيخرحمهالله إيّاه في رجاله من أصحاب السجادعليهالسلام ، وظاهره كونه إمامياً ، الا أنّ حاله مجهول.
وفي مستدركات علم الرجال ٣: ٢٨٩: حميد بن مسلم الكوفي ، وعدّ من مجاهيل أصحاب السجادعليهالسلام وهو ناقل جملة من قضايا كربلاء على نحو يظهر منه أنّه كان في وقعة الطف... وكان من جند سليمان بن صرد الخزاعي من طرف المختار في مقتل عين الوردة في حرب الشام لطلب ثأر الحسينعليهالسلام .
أقول: يحتمل أن يكون أكثر من شخص بهذا الاسم ، فأحدهما كان في وقعة الطف ونقل بعض الوقائع وأرسل عمر بن سعد رأس الحسين معه ومع جماعة إلى عبيدالله بن زياد ، ممّا يدلّ على انّه كان من أعوان عمر بن سعد ، والثاني إمامي من أصحاب الإمام السجاد ومن جند سليمان بن صرد.
(٢) شمر بن ذي الجوشن - واسمه شرحبيل - بن قرط الضبابي الكلابي ، أبو السابغة ، من كبار قتلة ومبغضي الحسينعليهالسلام ، كان في أوّل أمره من ذوي الرئاسة في هوازن موصوفاً بالشجاعة ، وشهد يوم صفين مع عليّعليهالسلام ، سمعه أبو إسحاق السبيعي يقول بعد الصلاة: اللهم إنّك تعلم أني شريف فاغفر لي !! فقال له: كيف يغفر الله لك وقد أعنت على قتل
العليل ؟! [قال حميد:] فقلت: سبحان الله أيقتل الصبيان ! إنّما هذا صبي وانّه لما به ، فلم أزل حتى دفعتهم عنه.
قال: وجاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه وبكين ، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النسوة ، ولا تتعرّضوا لهذا الغلام المريض ، وسألته النسوة ليسترجعن ما أخذ منهنّ ليسترن به ، فقال: من أخذ من متاعهنّ شيء فليرده عليهنّ.
[قال:] فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً.
وروى حميد بن مسلم أيضاً قال: رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد ، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسينعليهالسلام فسطاطهنّ ، وهم يسلبونهنّ أخذت سيفاً وأقبلت نحو الفسطاط، وقالت: يا آل بكر بن وائل أتُسلب بنات رسول الله ؟ لا حكم الالله ، يا لثارات رسول الله.
قال: فأخذها زوجها وردّها إلى رحله. أأنسى هجوم الخيل ضابحة(١) على خيام نساكم بالعواسل والقضب
ابن رسول الله ؟! فقال: ويحك كيف نصنع ، إنّ اُمراءنا هؤلاء أمرونا بأمرٍ فلم نخالفهم ! ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر ؟ ثمّ أنّه لمـّا قام المختار طلب الشمر ، فخرج من الكوفة وسار إلى الكلتانية - قرية من قرى خوزستان - ففجأة جمع من رجال المختار ، فبرز لهم الشمر قبل أن يتمكّن من لبس ثيابه فطاعنهم قليلاً وتمكّن منه أبو عمرة فقتله واُلقيت جثته للكلاب. انظر: الكامل في التاريخ ٤: ٩٢ ، ميزان الاعتدال ١: ٤٤ ، لسان الميزان ٣: ١٥٢.
____________________
(١) ضبحت الخيل في عدوها: أسمعت من أفواهها صوتاً ليس بصهيل ولا حمحمة.
عشية حنّت جزعاً خفراتكم |
بأوجهها ندباً لحامي الحمى الندب |
|
صرخن بلا لبّ وما زال صوتها |
يغضّ ولكن صحن من دهشة اللب |
|
فأبرزن من حجب الخدور تودّ لو |
قضت نحبها قبل الخروج من الحجب |
|
وسيقت سبايا فوق أحلاس هزل |
إلى الشام تطوي البيد سهباً على سهب |
|
يسار بها عنفاً بلا رفق محرم |
بها غير مغلول يحن على صعب |
|
ويحضرها الطاغي يناديه شامتاً |
بما نال أهل البيت من فادح الخطب |
|
ويوضع رأس السبط بين يديه كي |
تدار عليه الراح في مجلس الشرب |
|
ويسمع آل الله شتم خطيبه |
أبا الحسن الممدوح في محكم الكتب |
|
يصلّي عليه الله جلّ وتجتري |
على سبّه من خصّها الله بالسبّ |
الفصل الاول
فيما يُتلى بتمامه صبيحة العاشر من المحرم ، ويتلى مجالس متعدّدة في سائر أيّام العشر ،أو في باقي أيّام السنّة ، فهو ليوم العاشر مجلس واحد ، ولغيره اثنا عشر مجلساً
فلينتبه القارئ - في غير يوم عاشوراء - بوقوفه عليها ،وليذكرني بأدعيته فانّي مضطر إليها ، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل
[المجلس الأوّل]
كان مولد الحسينعليهالسلام لخمس [ليالٍ] خلون من شعبان سنة أربع للهجرة ، وروي غير ذلك(١) .
ولمّا ولد هبط جبرئيلعليهالسلام في ألف مَلك يهنّئون النبيصلىاللهعليهوآله ، وقد سرّ به وسمّاه حسيناً.
وعن امّ الفضل(٢) قالت: رأيت في منامي قبل مولد الحسينعليهالسلام (٣) كأنّ قطعة من لحم رسول اللهصلىاللهعليهوآله قُطعت فوضعت في حجري ، فقصصت ذلك على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال: «رأيتِ خيراً ، إن
____________________
(١) وقيل: اليوم الثالث منه ؛ وقيل: في أواخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة.
(٢) لبابة بنت الحارث الهلالية ، الشهيرة بامّ الفضل ، زوجة العباس بن عبد المطلب ، ولدت من العباس سبعة أسلمت بمكة بعد إسلام خديجة، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يزورها ويقيل في بيتها ، توفيت نحو ٣٠ ه. انظر: الاصابة: ترجمة رقم ٩٤٢ و١٤٤٨ ، الجمع بين الصحيحين: ٦١٢ ، الاعلام ٥: ٢٣٩.
(٣) قالرحمهالله : وأخرج أحمد بن حنبل من حديث امّ الفضل زوجة العبّاس ، قالت: كأنّ في بيتي عضواً من أعضاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فجزعت من ذلك فأتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فذكرت له ذلك ، فقال: خيراً تلد فاطمة غلاماً فتكفلينه بلبن ابنك قثم ، قالت: فولدت حسيناً فأعطيته حتى تحرك أو فطمته ثمّ جئت به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأجلسته في حجره ، فبال ، فضربت بين كتفيه ، فقال: ارفقي بابني رحمك الله أو أصلحك الله أوجعت ابني... الحديث في ص ٣٣٩ من الجزء السادس.
صدقت رؤياك فإنّ فاطمة تلد غلاماً ، وأدفعه إليك لترضعينه».
قالت: فجرى الأمر على ذلك.
فجئت به يوماً إليه فوضعته في حجره ، فبينما هو يقبّله بال ، فقطرت من بوله قطرة على ثوب النبيصلىاللهعليهوآله ، فقرصته ، فبكى ، فقال النبي كالمغضب: «مهلاً يا اُمّ الفضل ، فهذا ثوبي يُغسل ، وقد أوجعتِ ابني».
قالت: فتركته في حجره وقمت لآتيه بماء ، فجئت إليه فوجدته يبكي ، فقلت: ممّ بكاؤك يا رسول الله ؟
فقال: «انّ جبرئيل أتاني فأخبرني أنّ اُمّتي ستقتل ولدي [هذا] ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة».(١)
ولـمّا أتت على الحسين من مولده سنة كاملة هبط على رسول اللهصلىاللهعليهوآله اثنا عشر ملكاً محمرّة وجوههم ، باكية عيونهم ، وهم يقولون: إنّه سينزل بولدك الحسين ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل.
[قال:] ولم يبق في السماوات ملك مقرّب الا ونزل إلى النبيصلىاللهعليهوآله يقرؤه السلام ، ويعزّيه عن الحسين ، ويخبره في ثواب ما يُعطى ، ويَعرض
____________________
(١) المستدرك ٣: ١٧٦ ، دلائل النبوة ١: ٢١٣ ، الصواعق المحرقة: ١١٥ ، الخصائص الكبرى ٢: ١٢٥ ، الفصول المهمّة ١٥٤ ، كنز العمّال ٦: ٢٢٣ (باختلاف يسير في الألفاظ).
عليه تربته(١) والنبي يقول: «اللهم اخذل مَن خذله ، واقتل مَن قتله ، ولا تمتعه بما طلبه».
[قال:] فلمّا أتى على مولده سنتان خرج النبيصلىاللهعليهوآله في سفر له ، فوقف في بعض الطريق ، واسترجع ودمعت عيناه.
فسئل عن ذلك ، فقال: «[هذا] جبرئيل يخبرني عن أرضٍ بشطّ الفرات يقال لها كربلاء ، يقتل فيها ولدي الحسين [بن فاطمة».
فقيل له: مَن يقتله يا رسول الله ؟
فقال: «رجل اسمه يزيد ،] وكأنّي أنظر غلى مصرعه ومدفنه».
ثم رجعصلىاللهعليهوآله من سفره مهموماً مغموماً ، فصعد المنبر فخطب ، والحسن والحسين بين يديه ، ثمّ نزل فوضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين ، وقد رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم إنّ محمّداً عبدك ونبيّك ، وهذان أطائب عترتي وخيار ذرّيّتي [وارومتي(٢) ] ومن اُخلفهما في اُمّتي ، وقد أخبرني جبرئيلعليهالسلام أنّ ولدي
____________________
(١) قالرحمهالله : وقد أخرج أحمد بن حنبل من حديث عليعليهالسلام في ص ٨٥ من الجزء الأوّل من مسنده حديثاً في هذا الموضوع طويلاً جاء في آخره: انّ جبرائيلعليهالسلام حدّث النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الحسين بشط الفرات وانّه قال له: هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟
قال: قلت: نعم.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : فمدّ يده فقبض من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيّ ان فاضتا.
(٢) الاُرومة: الأصل.
هذا مخذول مقتول.
اللهم بارك له في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله».
[قال:] فضجّ الناس في المسجد بالبكاء.
[فقال النبي: «أتبكون ولا تنصرونه ؟! اللهم فكن له أنت ولياً وناصراً»].(١)
ثم رجعصلىاللهعليهوآله فخطب خطبة أخرى موجزة وهو متغيّر اللون وعيناه تهملان دموعاً فقال:
«أيها الناس ، إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل ، وعترتي أهل بيتي ، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، ألا وإنّي أنتظرهما ، وإنّي لا أسألكم في ذلك الاما أمرني ربّي المودة في القربى.
ألا وإنّه سترد عليَّ [يوم القيامة] ثلاث رايات من هذه الامّة:
الاولى: سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة ، فتقف عليَّ ، فاقول: مَن أنتم ؟
فينسون ذكري ، فيقولون: نحن أهل التوحيد من العرب.
فأقول [لهم]: أنا أحمد نبيّ العرب والعجم.
____________________
(١) مقتل الخوارزمي ١: ١٦٣ ، ذخائر العقبى: ١٤٩ ، الصراط السوي للشيخاني المدني: ٩٣ ، الملهوف: ٩٤.
فيقولون: نحن من اُمّتك.
فأقول لهم: كيف خلّفتموني في عترتي وكتاب ربّي ؟
فيقولون(١) : أمّا الكتاب فضيّعناه ، وأمّا عترتك فحرصنا على أن نبيدهم عن آخرهم.
فأُولّي عنهم وجهي ، فيصدرون عطاشاً مسودّة وجوههم.
ثمّ ترد عليَّ راية اُخرى أشدّ سواداً من الاولى ، فأقول لهم: كيف خلّفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر: كتاب ربّي وعترتي ؟
فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه ، وأمّا الأصغر فخذلناهم ومزّقناهم(٢) كلّ ممزّق.
فأقول: إليكم عنّي ! فيصدرون ظماءً عطاشاً مسودّة وجوههم.
ثم ترد عليَ راية اُخرى تلمع وجوههم نوراً ، فأقول [لهم]: مَن أنتم ؟
فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى ، نحن اُمّة المصطفى ، ونحن بقية أهل الحقّ ، حملنا كتاب ربّنا فأحللنا حلاله وحرّمنا حرامه ، وأحببنا
____________________
(١) قالرحمهالله :( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمَا کَانُوا يَعْمَلُونَ ) [النور: ٢٤] ،( وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصَارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمَا کَانُوا يَعْمَلُونَ وَ قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ کُلَّ شَيْءٍ ) [فصلت: ١٩ - ٢١]
(٢) في الأصل: فخذلناه ومزقناه.
ذرّيّة نبيّنا فنصرناهم وقاتلنا معهم.
فأقول لهم: أبشروا فانّي نبيّكم محمد ، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ، ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويين مستبشرين ، ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبداً الآبدين».(١)
ورو الشيخ في الأمالي بأسانيده إلى الرضا ، عن آبائهعليهمالسلام ، عن أسماء بنت عميس قالت: لـمّا ولدت فاطمة الحسينعليهماالسلام كنت أخدمها في نفاسها به ، فجاء النبيصلىاللهعليهوآله فقال: هلمي ابني يا أسماء ، فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، فأخذه وجعله في حجره ، وأذّن في اُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى.
قالت: وبكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثم قال: إنّه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله ، لا تعلمي فاطمة بذلك.
قالت أسماء: فلمّا كان يوم السابع من مولده جاء النبيصلىاللهعليهوآله فعقّ عنه كبشاً أملح ، وأعطى القابلة الورك ورجلاً، وحلق رأس الحسين وتصدّق بوزن الشعر ورقاً ، وخلق رأسه بالخلوق.
قالت: ثمّ وضعته في حجره ، فقال: يا أبا عبد الله ، عزيز عليَّ ، ثم بكى.
[قالت أسماء:] فقلت: بأبي أنت واُمّي ممّا بكاؤك في هذا اليوم وفي اليوم
____________________
(١) الملهوف: ٩٥ - ٩٦.
الأوّل ؟!
قالصلىاللهعليهوآله : أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني اميّة لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة.
ثم قال: اللهم انّي أسألك فيهما ما سألك إبراهيمعليهالسلام في ذرّيّته: اللهم أحبّهما وأحبّ من يحبّهما ، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض.(١)
اشدد يداً بحبّ آل أحمد |
فانّها عقدة فوز لا تحلّ |
|
وابعث لهم مراثياً ومدحاً |
صفوة ما راض الضمير ونخل |
|
وما الخبيثان ابن هند وابنه |
وان طغى أمرهما بعدُ وجل |
|
بمبدعين للّذي جاءا به |
وانّما تقفيا تلك السبل |
____________________
(١) أمالي الشيخ الصدوق: ٣٦٢ ، وانظر: ذخائر العقبى: ١١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ٨٧ ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ١٥٤ ، الخصائص الكبرى للسيوطي ٢: ١٢٥.
[المجلس الثاني]
كانت إمامة الحسين بعد أخيه الحسنعليهماالسلام ثابتة ، وطاعته على جميع الخلق فريضة ، بنصّ أبيه وجدّهعليهماالسلام ، وعهد أخيه الحسن ووصيّه إليه ، وكانا سيدي شباب أهل الجنة(١) بشهادة جدّهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهما سبطاه بالاتّفاق الذي لا مرية فيه ، وريحانتاه من الدنيا(٢) وحبيباه من جميع أهله ، وهما حجّتا الله لنبيّهصلىاللهعليهوآله في المباهلة(٣) ، وحجّتا
____________________
(١) راجع: المعجم الكبير للطبراني: ج ٣ ص ٢٥ - ٣٠ ح ٨ - ٢٦١٨ ، مجمع الزوائد: ج ٩ ص ١٨٢ - ١٨٤ ، حلية الأولياء للأصبهاني: ج ٥ ص ٧١ ، مقتل الحسين للخوارزمي: ج ١ ص ٩٢ ، ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ص ٧٢ ح ١٢٩ وص ٧٤ ح ١٣٢ وص ٧٦ ح ١٣٣ وص ٧٧ ح ١٣٤ وص ٧٩ ح ١٣٨ وص ٨٠ - ٨٣ ح ١٣٩ - ١٤٣ ، فرائد السمطين للجويني: ج ٢ ص ٤١ ح ٣٧٤ ، وص ٩٨ - ٩٩ ح ٤٠٩ و٤١٠ وص ١٢٩ ح ٤٢٨ ، بحار الأنوار: ج ١١ ص ١٦٤ ح ٩ وج ١٦ ص ٣٦٢ ح ٦٢ وج ٢٢ ص ٢٨٠ ح ٣٣ وج ٢٥ ص ٣٦٠ ح ١٨.
(٢) كنز العمال: ج ١٣ ص ٦٦٧ ح ٣٧٦٩٩ ، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: ج ٤ ص ٢٠٧.
(٣) إشارة إلى آية المباهلة وهي قوله تعالى:( فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَکُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَکُمْ وَ أَنْفُسَنَا وَ أَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْکَاذِبِينَ ) [آل عمران: ٦١].
فقد أجمع الجمهور على أن هذه الآية الشريفة نزلت في النبيصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام وذلك لما أراد المباهلة مع نصارى نجران. راجع: شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي ١: ١٥٥ - ١٦٦ ح ١٦٨ - ١٧٦ ، المستدرك للحاكم ٣: ١٥٠ ، أسباب النزول للواحدي: ٥٨ - ٥٩ ، صحيح مسلم ٤: ١٨٧١ ح ٣٢ ، سنن الترمذي ٥: ٢١٠ ح ٢٩٩٩ إحقاق الحقّ للتستري ٣: ٤٦ - ٦٢ ، مجمع الزوائد ٧: ١١٠ ، فضائل الصحابة لابن حنبل ٢: ٥٧١ ح ٩٦٦ وص ٥٩٣ ح ١٠٠٨ ، الكتاب المصنف لابن أبي شيبة ١٢: ٨٥ ح ١٢١٨٦ ، المطالب العلية لابن حجر ٤: ٥٦ ح ٣٩٤٩.
الله بعد على الّامة في الدين والملّة.
وإنّ من برهان كمالهما ، وحجّة اختصاص الله لهما بفضله: بيعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله لهما ، ولم يبايع صبياً غيرهما ، وكان من عناية الله الخاصّة بهما الدالة على تفضيلهما نزول القرآن بإيجاب الجنّة ثواباً على عملهما أيّام طفوليتهما حيث كانوا:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخَافُونَ يَوْماً کَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْکِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْکُمْ جَزَاءً وَ لاَ شُکُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذٰلِکَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً ) (١) ولم ينزل قرآن بذلك في طفلين سواهما.
وقد نصّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله على إمامتهما بقوله: ابناي هذين إمامان قاما أو قعدا(٢) .
ودلّت وصيّة الحسن إلى الحسين على إمامته ، كما دلّت وصيّة أمير المؤمنين إلى الحسن على إمامته ، ووصيّة رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أمير المؤمنينعليهالسلام على إمامته من بعده. وتفصيل هذا في مظانه من كتب الأعلام من علمائنا رضي الله عنهم ورضوا عنه.(٣)
فالحسين إمام بعد صنوه المجتبى ، وإن لم يدع إلى نفسه أيّام معاوية(٤)
____________________
(١) الانسان: ٧ - ١٢.
(٢) بحار الأنوار: ج ٤٣ ص ٢٩١ ح ٥ وج ٤٤ ص ١ ح ٢.
(٣) للاطلاع على هذه الوصايا ، انظر الارشاد للمفيد.
(٤) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف ، مؤسّس الدولة الاموية في الشام ، ولد بمكة وأسلم يوم فتحها، ولي قيادة جيش تحت إمرة أخيه في خلافة أبي بكر ، وصار والياً على الاردن في خلافة عثمان ، ثمّ ولاه دمشق ، وجاء عثمان فجمع له الديار الشاميّة كلّها وجعل ولاة
للتقية التي كانوا عليها ، والحال التي آل أمرهم بعد النبيصلىاللهعليهوآله إليها ، فهو في ذلك كأبيه أمير المؤمنين حيث يقول: وصفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء - إلى أن قال: - فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شذى ، أرى تراثي نهباً.(١)
أمصارها تابعين له ، وبعد قتل عثمان وولاية عليعليهالسلام وجّه له لفوره بعزله ، وعلم معاوية قبل وصول البريد ، فنادى بثأر عثمان واتهم علياً بدمه ونشبت الحروب الطاحنة واستعمل معاوية الخديعة والمكر ، مات معاوية في دمشق سنة ٦٠ ه وعهد بالخلافة إلى ابنه يزيد.
انظر: تاريخ الطبري ٦: ١٨٠ ، تاريخ ابن الأثير ٤: ٢ ، البدء والتاريخ ٦: ٥.
____________________
(١) فلقد صبر أمير المؤمنينعليهالسلام على اغتصاب الخلافة وظلم الزهراءعليهاالسلام وتحريف دين الله وسنّة نبيّه ، ولذا جاءت خطبته الشقشقية تعبيراً عن حالة الظلم التي تعرض لها البيت النبوي بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله ، ونظراً لأهمية الخطبة نحن نوردها كاملة.
يقول الإمام عليعليهالسلام : « اما والله لقد تقمصها فلان (وفي نسخة ابن أبي قحافة) وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا. ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً. وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ! فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجاً ، أرى تراثي نهباً ، حتّى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان (وفي نسخة ابن الخطاب) بعده. ثم تمثل بقول الاعشى:
شتّان ما يومي على كورها |
ويوم حيّان أخي جابر |
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ! - فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس. وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدّة وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم. فيالله وللشورى! متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! لكنّى أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هنٍ وهنٍ ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته !
وعلى هذا المنوال نسج الحسن - بأبي واُمي - أيّام الهدنة ، إذ تغلب عليه ابن آكلة الأكباد ، وهم جميعاً على سنن النبي في أوّل أمره حيث لم يتمكّنصلىاللهعليهوآله من دعوة أحد إلى الله حينئذ أصلاً ، وحال أوصيائه من بعده كحاله حين كان في الشعب محصوراً ، وفي الغار مستوراً ، ولئن كانت هذه الحال منافية للنبوّة فهي غير منافية للإمامة بطريق أولى كما يعلمه أولوا الألباب.
ولـمّا هلك معاوية وانقضت الهدنة التي كانت تمنع الحسينعليهالسلام من الدعوة إلى نفسه ووجد في ظاهر الحال من الأنصار ما يتسنّى له القيام بالدعوة إلى الله تعالى ، نهض بأعبائها ، وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم الله تعالى وحرم رسوله إلى العراق للإستنصار على الظالمين ، بمن دعاه إلى ذلك من أهل الكوفة ، وقدّم أمامه ابن عمّه مسلماً للدعوة إلى الله عز وجل ، والبيعة له على الجهاد في اعلاء كلمته تعالى ، وانقاذ الدين والمسلمين من اولئك المنافقين ، فبايعه أهل الكوفة على ذلك وعاهدوه ، وضمنوا له النصرة والنصيحة وواثقوه ، ثمّ لم تطل المدّة حتى نكثوا البيعة ، وأسلموا مسلماً قتيل بينهم غريباً مظلوماً ، وحيداً شهيداً ، وخرجوا إلى حرب الحسينعليهالسلام ففعلوا به ما لم يفعلوه
فما راعني الا والناس كعرف الضبع إلي ، ينثالون علي من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ، وشقّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم. فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون: كأنّهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فساداً ، والعاقبة للمتقين » بلى ! والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها !
أما والذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء الايقاروا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لا لقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ! انظر: شرح نهج البلاغة لمحمد عبدة ١: ٣٤ (الخطبة الشقشقية).
بالخوارج ، وقابلوه بما لم يقابلوا به أهل الخنا والريب.
جعجعوا(١) به ومنعوه المسير إلى بلاد الله ، وحالوا بينه وبين ماء الفرات ، حتى قضى شهيداً ظمآناً ، مظلوماً مهموماً ، مجاهداً مكابداً ، صابراً محتسباً ، قد نُكثت بيعته ، واستحلّت حرمته ، ولم يوف له بعهد ، ولا رعيت فيه ذمّة وعقد ، وانتهبوا أمواله ، وسبوا عياله ، فلهفي لآل الرسول ، وللخفرات من عقائل البتول ، وقد ضاقت بهم المذاهب ، وارتجت عليهم المسالك ، مولهين مدلهين ، خائفين مترقّبين.
كانت بحيث عليها قومها ضرب |
سرادقاً أرضه من عزّهم حرم |
|
يكاد من هيبة أن لا يطوف به |
حتى الملائك لولا انّهم خدم |
|
فغودرت بين أدي القوم حاسرة |
تسبى وليس لها من فيه تعتصم |
|
نعم لوت جيدها للعتب هاتفة |
بقومها وحشاها ملؤه ضرم |
|
عجت بهم مذ على أبرادها اختلفت |
أيدي العدو ولكن من لها بهم |
|
قومي الأولى عقدوا قِدماً مآزرهم |
على الحمية ما ضيموا ولا اهتضموا |
|
ما بالهم لا عفت منهم رسومهم |
قرّوا وقد حملتنا الأنين الرسم |
____________________
(١) كتب ابن زياد إلى عمر: أن جعجع بالحسين ؛ أي أنزله بجعجاع وهو المكان الخشن الغليظ ، وهذا تمثيل لالجائه إلى خطب شاق وإرهاق، وقيل المراد إزعاجه ، لأن الجعجاع مناخ سوء لا يقر فيه صاحبه ، ومنه جعجع الجل: قعد على غير طمأنينة. انظر: الفائق: ٣٦٤.
[المجلس الثالث]
لما اختار الله تعالى للإمام أبي محمد الحسن السبطعليهالسلام دار كرامته ومأوى أصفيائه ، كتب الشيعة في العراق إلى الحسينعليهالسلام يعرضون عليه البيعة(١) ويبذلون له النصرة فأبى عليهم ، وذكر أن بينهمعليهالسلام وبين معاوية هدنة لا يجوز لهم نقضها ، فلما هلك معاوية وذلك للنصف من رجب سن ستين(٢) قام من بعده ولي عهده يزيد المتهتّك ، وسكيره المفضوح ، وهو صبي يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، ولا يعرف من الدين موطئ قدمه ، ولا يرقب الاولا ذمّة.
فكتب إلى ابن عمّه الوليد بن عتبة(٣) - وكان والياً على المدينة - يأمره بأخذ البيعة له من الناس عامّة ، ومن الحسين خاصة ، ويقول له: «إن أبى عليك الحسين فاضرب عنقه ، وابعث إليّ برأسه(٤) .
____________________
(١) ارشاد المفيد: ٢٠٠ ، المهلوف: ٩٦.
(٢) انظر: تاريخ الطبري ٦: ١٨٠ ، تاريخ ابن الاثير ٤: ٢ ، البدء والتاريخ ٦: ٥ ، الأعلام ٧: ٢٦١ - ٢٦٢.
(٣) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ابن حرب الاموي ، أمير من رجالات بني اميّة ، ولي المدينة سنة ٥٧ ه أيام معاوية ، ومات معاوية فكتب إليه يزيد أن يأخذ له البيعة ، عزله يزيد سنة ٦٠ ه واستقدمه إليه ، فكان من رجال مشورته بدمشق ، ثمّ أعاده سنة ٦١ ه وثورة عبد الله بن الزبير في أبانها بمكّة ، وظلّ في المدينة إلى أن توفي بالطاعون سنة ٦٤ ه.
انظر: مرآة الجنان ١: ١٤٠ ، نسب قريش: ١٣٣ و٤٣٣ ، الأعلام ٨: ١٢.
(٤) الملهوف: ٩٧.
فاستشار الوليد مروان(١) في ذلك ، فقال له: إنّه لا يبايع ، ولو كنت مكانك لضربت عنقه.
ثم بعث إلى الحسينعليهالسلام ، فجاءه - بأبي وامّي - في ثلاثين رجلا من أهل بيته ومواليه ، فنعى [الوليد] إليه معاوية ، وكلّفه بالبيعة(٢) .
فقال لهعليهالسلام : إنّ البيعة لا تكون سرّاً ، فإذا دعوتَ الناس غداً فادعنا معهم.
فقال مروان: لا تقبل أيّها الأمير عذره ، فان بايع الآن والا فاضرب عنقه.
فغضب الحسينعليهالسلام ثم قال: ويل بك يا بن الزرقاء ، أنت تقتلني أم هو ؟ كذبتَ والله وأثمت.
ثم أقبل على الوليد فقال: «إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل [فاسق] شارب الخمور ، قاتل النفس المحرّمة ، معلنٌ بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله» ، ثمّ خرجعليهالسلام ، فقال مروان للوليد: عصيتني.
فقال: ويحك أنّك أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي ، والله ما اُحبّ أنّ الدنيا بأسرها تكون لي وأنّني قتلتُ حسيناً أن قال: لا ابايع ، والله ما أظنّ أن
____________________
(١) مروان بن الحكم بن أبي العاص ، ولد بمكّة وسكن المدينة ، جعله عثمان من خاصّته واتّخذه كاتباً له ، وبعد قتل عثمان خرج مروان مع عائشة إلى البصرة ، وشهد صفين مع معاوية ، ولي المدينة سنة في ولاية معاوية ، وهو أوّل مَن ملك من بني الحكم بن أبي العاص (طريد رسول الله) ، ماتسنة ٦٥ بالطاعون ؛ وقيل: قتلته زوجته اُمّ خالد.
انظر: أسد الغابة ٤: ٣٤٨ ، تاريخ ابن الأثير ٤: ٧٤ ، تاريخ الطبري ٧: ٣٤.
(٢) أي البيعة ليزيد.
أحداً يلقي الله بدم الحسينعليهالسلام الا وهو خفيف الميزان يوم القيامة ، لا ينظر الله إليه ولا يزكّيه وله عذاب أليم.
فأقام الحسينعليهالسلام في منزله تلك الليلة ، وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستّين.
فما أصبح - بأبي واُمّي - خرج يستمع الأخبار فلقيه مروان فقال: يا أبا عبد الله إنّي لك ناصح ، فاطعني ترشد.
فقال الحسينعليهالسلام : وما ذاك ؟ قل حتى أسمع.
فقال: إنّي آمرك ببيعة يزيد فانّه خير لك في دينك ودنياك !
فقالعليهالسلام : إنّا لله وإنّا إليه راجعون على الاسلام السلام إذا قد بليت الّامّة براع مثل يزيد.. وطال الحديث بينهما حتى ولّى مروان وهو غضبان.
فلمّا كان آخر يوم السبت بعث الوليد برجاله إلى الحسين ليحضر فيبايع.
فقال له الحسينعليهالسلام : أصبحوا ثمّ ترون ونرى.
فكفّوا عنه ولم يلحّوا عليه.
فخرج - بأبي واُمّي - من تحت ليلته وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكّة ومعه بنوه وبنو أخيه واخوته وجلّ أهل بيته ، سار من المدينة وهو يقرأ:( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (١) .
ولزم الطريق الأعظم ، فسئل أن يتنكّب الطريق كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقه الطلب فأبى وقال: لا اُفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض ، وكان دخوله
____________________
(١) سورة القصص: ٢١.
مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان دخلها وهو يقرأ:( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ ) (١) .
فأقام فيها باقي شعبان وشهر رمضان وشوال وذي القعدة وثمان ليال من ذي الحجّة ، ثم لم يأمن على نفسه ، ولم يتمكّن من تمام حجّة مخافة أن يقبض عليه بمكّة فينفذ به إلى يزيد بن معاوية فأحل من احرامه وجعلها عمرة مفردة وخرج من مكّة وهي حرم الله الذي يأمن فيه الوحش والطير ، كما خرج من المدينة وهي حرم جدّه رسول الله خائفاً يترقّب...
فوالهفتاه وواجزعاه عليك يا وديعة المصطفى ، وريحانته من الدنيا.
وواحرّ قلباه لك يا خامس أصحاب الكساء ، وقرّة عين سيّدة النساء.
يا بن مكّة ومنى ، وابن زمزم والصفا ، خفت على نفسك في الحرم ، وأنت أمن الخائفين ، وفررت منهم لما خفتهم بأطفالك وعيالك ، وأنت ملجأ الهاربين.
فيا لله من هذه الفادحة التي أثكلت جبرائيل ، ووامصيبتاه من هذه النازلة إذ عظمت على الربّ الجليل.
مثل ابن فاطمة يبيت مشرّداً |
ويزيد في لذّاته متنعّم |
|
ويضيق الدنيا على ابن محمد |
حتى تقاذفه الفضاء الأعظم |
|
خرج الحسين من المدينة خائفاً |
كخروج موسى خائفاً يتكتّم |
|
وقد انجلى عن مكّة وهو ابنها |
وبه تشرّفت الحطيم وزمزم |
|
لم يدر أين يريح بدون ركابه |
فكأنّما المأوى عليه محرّم |
|
فمشت تؤم به العراق نجائب |
مثل النعم به تخب وترسم |
____________________
(١) سورة القصص: ٢٢.
[المجلس الرابع]
ولما نزل الحسينعليهالسلام مكّة أقبل أهلها ومن كان فيها من المعتمرين وأهل الآفاق يختلفون إليه ، وجاءه ابن عبّاس وابن الزبير فأشارا عليه بالامساك فقال: « ان رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمرني بأمر وأنا ماض فيه».
فخرج ابن عباس وهو يقول: «واحسيناه»(١) .
وجاءه ابن عمر فأشار عليه بالصلح.
فقالعليهالسلام : «يا أبا عبد الرحمن أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا اُهدي الى بغي من بغايا بني إسرائيل ، أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوعي الفجر والشمس سبعين نبيّاً ، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنّهم لم يصنعوا شيئاً فلم يعجّل الله عليهم ثم أخذهم أخذ عزيز ذي انتقام ، اتّق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتي»(٢) .
وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد ، وعرفوا بامتناع الحسين من بيعته ، ومجيئه إلى مكّة(٣) .
____________________
(١) الملهوف: ١٠١ ، أنساب الأشراف للبلاذري ، ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام : ١٦٦.
(٢) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ): ١٦٦ - ١٦٧.
(٣) الإرشاد للمفيد: ٢٠٦.
فاجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي(١) ، فلمّا تكاملوا قام سليمان فقال: إن معاوية قد هلك ، وان حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته ، وخرج إلى مكّة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فان كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدوا عدوّه ، ونقتل انفسنا دونه فاكتبوا إليه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل.
قالوا: لا ، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه.
قال: فاكتبوا إذاً إليه. فكتبوا إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن عليعليهماالسلام .
____________________
(١) أبو مطرّف سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون عبد العزّى بن منقذ السلولي الخزاعي ، صحابي ، كان اسمه في الجاهلية «يسار» وسمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله باسم «سليمان» ، شهد الجمل وصفّين مع أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهو من أوائل من سكن الكوفة من المسلمين ، كان من وجهاء الشيعة فيها ، وله مكانة جليلة عندهم ، قاد ثورة التوابين التي انطلقت من الكوفة للمطالبة بدم الحسينعليهالسلام .
بعد موت معاوية كان من جملة من كتب إلى الحسين يدعوه للقدوم إلى الكوفة ، وقف إلى جانب مسلم بن عقيل عند وثوبه فيها ، لكن ابن زياد ألقاه في السجن ؛ ولهذا لم يحظ بالمشاركة في معركة الطف.
وبعد واقعة كربلاء ، حين استشعر أهل الكوفة الندم لنكولهم عن نصرة الحسين ، اضطلع هو بقيادة ثورة التوابين الذين أعلنوا ثورتهم عام ٦٥ للهجرة ، وكان شعارهم «يا لثارات الحسين» ، حيث اشتبكوا مع جيش ابن زياد في موضع يُقال له «عين الوردة» واستشهد في هذه المعركة هو وعدّة من أصحابه ، قتله الحصين بن نمير ؛ وقيل: انّه استشهد اثناء الاشتباك مع القوات التي كانت موفدة من الشام إلى الحجاز. كان عمر سليمان بن صرد عند استشهاده ٩٣ سنة ، وبعد استشهاده أرسلوا رأسه إلى مروان بن الحكم في الشام ، انظر: الإصابة ترجمة رقم ٣٤٥٠ ، أسد الغابة ٢: ٤٤٩ ، تاريخ الاسلام ٣: ١٧ ، الأعلام ٣: ١٢٧.
من سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة(١) ورفاعة بن شداد(٢) وحبيب بن مظاهر(٣) وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.
____________________
(١) هو: المسيّب بن نجبة (نجية) بن ربيعة بن رياح الفزاري ، تابعي ، كان من وجوه أصحاب عليعليهالسلام واشرك معه في مشاهده كلّها ، شهد القادسية وفتوح العراق ، شارك في ثورة التوابين الذين خرجوا للمطالبة بدم الحسين وشهداء كربلاء ، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ولمّا قتل سليمان ، أخذ الراية وقاتل بشجاعة حتّى قتل.
كان المسيّب من أشد الناس حسرة على عدم شهادته بين يدي ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وقد أعلن ندمه في خطابه الذي ألقاه على جموع التوابين ، وقد أسف كثيراً على عدم نصرته له بعدما وصله كتاب الإمام ومبعوثه. انظر: الإصابة ترجمة رقم ٨٤٢٤ ، مروج الذهب ٣: ٩٤ ، تاريخ الاسلام للذهبي ٥: ٢٤٨ ، الأعلام ٧: ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٢) رفاعة بن شدّاد البجلي ، قارئ من الشجعان المقدّمين ، من أهل الكوفة ، من شيعة عليعليهالسلام ، قتل سنة ٦٦ ه. انظر: الأعلام ٣: ٢٩.
(٣) حبيب بن مظاهر - أو مظهّر أو مطهّر - بن رئاب بن الأشتر بن حجون الأسدي الكندي ثمّ الفقعسي ، تابعي ، من القوّاد الشجعان ، نزل الكوفة ، صحب عليّعليهالسلام في حروبه كلّها.
قال أصحاب السير: انّ حبيباً نزل الكوفة وصحب علياًعليهالسلام وكان من خاصّته وحملة علومه ، وكان من «شرطة الخميس» التي أوجدها الإمام عليعليهالسلام في الكوفة ، وكان ممّن سعى لأخذ البيعة لمسلم بن عقيل عند دخوله الكوفة ، وهو أحد الزعماء الكوفيين الذين كتبوا إلى الحسينعليهالسلام ، وكان معظّماً عند الحسينعليهالسلام .
وعند التعبئة للقتال جعله الحسين على ميسرة أصحابه ، وكان قد بذل محاولة لاستقدام أنصاراً من بني أسد ، وحال الجيش الأموي دون وصولهم معسكر الحسينعليهالسلام .
أمّا قصّة حواره مع ميثم التمّار فهي مشهورة ، وذلك انّهما مرّا في مجلس لبني أسد قبل عاشوراء بسنوات ، وتحدّث كلّ منهما عن الكيفية التي سيستشهد بها الآخر ، وكان ذلك مدعاة لتعجّب الحاضرين. كان يرتجز يوم الطفّ ويقول:
أنا حبيب وأبي مُظهّر |
فارس هيجاء وحربٍ تَسعر |
في كربلاء كان حبيب بن مظاهر مستبشراً بقرب استشهاده ورواحه الجنّة ، فكان يمزح مع برير بن خضير ، ولمّا قتل حبيب هدّ ذلك حسيناً فقالعليهالسلام : أحتسب نفسي وحماة أصحابي. قتله بديل بن صريم الغفقاني ، وكان عمره آنذاك ٧٥ سنة ، وطافوا برأسه أيضاً بالكوفة مع سائر رؤوس الشهداء.
سلام عليك ، فانّا نحمد إليك الله الذي لا إله الاهو.
أما بعد: فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد ، الذي انتزى على هذه الامّة فابتزّها أمرها ، وغصبها فيئها، وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها ، واستبقي شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبعداً له كما بعدت ثمود ، وإنه ليس علينا إمام ، فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ: والنعمان بن بشير(١) في قصر الامارة ، ولسنا نجتمع معه في جمعة [ولا جماعة] ، ولانهرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى ، والسلام عليك يا بن رسول الله وعلى أبيك من قبلك ولا حول ولا قوّة الابالله العلي العظيم.
ثمّ سرّحوا الكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني ، وعبد الله بن وال ، وأمروهما بالنجاء(٢) ، فخرجا مسرعين حتى قدما على الإمامعليهالسلام بمكّة لعشر مضين من شهر رمضان.
وبعد يومين من تسريحهم بالكتاب(٣) أنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله وعبد الرحمن ابني شداد الأرحبي ، وعمارة بن عبد الله السلولي ، ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة.
انظر: تاريخ الطبري ٥: ٣٥٢ - ٤٤٠ ، لسان الميزان ٢: ١٧٣ ، الأعلام ٢: ١٦٦.
____________________
(١) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري أبو عبد الله أمير شاعر ، من أهل المدينة ، وجّهته نائلة - زوجة عثمان - بقميص عثمان إلى معاوية ، فنزل الشام وشهد صفين مع معاوية ، وولي القضاء بدمشق ، وولي بعده اليمن لمعاوية ، ثمّ استعمله على الكوفة ، وعزل عنها وصارت له ولاية حمص ، واستمر فيها إلى أن مات يزيد ، فبايع النعمان لابن الزبير ، وتمرّد أهل حمص فخرج هارباً ، فأتبعه خالد بن خليّ الكلاعي فقتله سنة ٦٥ ه.
انظر: جمهرة الأنساب: ٣٤٥ ، أسد الغابة ٥: ٢٢ ، الأعلام ٨: ٣٦.
(٢) النجاء: الاسراع والسبق.
(٣) الارشاد: ٢٠٣ ، الملهوف: ٦٥.
ثمّ لبثوا يومين آخرين وسرّحوا اليهعليهالسلام هاني بن هاني السبيعي(١) وسعيد بن عبد الله الحنفي(٢) وكتبوا إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن عليعليهماالسلام :
من شيعته من المؤمنين والمسلمين.
أما بعد: فحيّ هلا فانّ الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل ثم العجل العجل.
ثمّ كتب شبث بن ربعي(٣) ، وحجّار بن أبجر(٤) ، ويزيد بن الحارث(٥) ،
____________________
(١) هانئ بن هانئ الهمداني الكوفي ، روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهنه أبو إسحاق السبيعي. انظر: تهذيب التهذيب ١١: ٢٢ - ٢٣.
ولم ينعته كلّ من ترجمه بالسبيعي ، والسبيعي بطن من بطون همدان.
(٢) وروي كذلك باسم سعد ، وهو من بني حنيفة بن لجيم من بكر بن وائل ، وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيّين إلى الحسينعليهالسلام ، من أعظم الثوار تحمّساً.
انظر: تاريخ الطبري ٥: ٤١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٩٥.
(٣) شبث بن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدّوس ، شيخ مصر وأهل الكوفة في أيامه ، أدرك عصر النبوّة ، ولحق بسجاح المتنبّئة ، ثم عاد إلى الاسلام ، ثار على عثمان ، قاتل الحسينعليهالسلام بعد أن كتب إليه يدعوه إلى المجيء ، مات بالكوفة نحو سنة ٧٠ ه.
وقيل: إنّه لمـّا قبض على شبث قال له إبراهيم: أصدقني ما عملت يوم الطف ؟ قال: ضربت وجهه الشريف بالسيف !! فقال له: ويلك يا ملعون ، ما خفت من الله تعالى ولا من جدّه رسول الله ، ثمّ جعل يشرح أفخاذه حتى مات.
انظر: الاصابة ترجمة رقم ٣٩٥٠ ، تهذيب التهذيب ٤: ٣٠٣ ، ميزان الاعتدال ١: ٤٤٠.
(٤) حجّار - ككتان وككتاب - بن أبجر الكوفي ، يقال فيه م يروي عن أمير المؤمنين ، روى عن السمّاك بن حرب. انظر: الرجال في تاج العروس ٢: ٢٥.
(٥) يزيد بن حارث بن رويم الشيباني ، أدرك عصر النبوّة ، وأسلم على يد أمير المؤمين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وشهد اليمامة ، ونزل بالبصرة ، قتل في الري سنة ٦٨ ه.
وعروة بن قيس(١) ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي ، ومحمد بن عمرو التميمي(٢) :
أما بعد: فقد اخضرّ الجناب(٣) ، وأينعت الثمار ، [وأعشبت الأرض ، وأورقت الأشجار ،] فإذا شئت فاقبل على جند لك مجنّدة والسلام.
وتواترت عليه الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرّقة اثنا عشر الف كتاب ، وهو مع ذلك يتأنّي ولا يجبهم.
فورد عليه في يوم واحد ست مائة كتاب ، وتلاقت الرسل كلّها عنده فسألهم عن الناس ، وقال لهاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي: خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب ؟
فذكرا له وجوه أهل الكوفة ، واولي الرأي منهم.
فقام - بأبي وامّي - عند ذلك فصلّى ركعتين بين الركن والمقام ، ثمّ كتب مع هاني وسعيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي.
إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين:
أمّا بعد: فان هانياً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم عليَّ من
الإصابة ترجمة رقم ٩٣٩٨ ، تهذيب التهذيب ٨: ١٦٣ ، جمهرة الانساب: ٣٠٥.
____________________
(١) ظاهراً الصحيح: عزرة بن قيس. راجع: تاريخ الطبري ٥: ٣٥٣ ، أنساب الأشراف ٣: ١٥٨.
(٢) محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الدارمي ، من أهل الكوفة ، له مع الحجاج وغيره من اُمرائها أخبار ، كان أحد اُمراء الجند في صفّين مع عليّعليهالسلام ، توفي نحو ٨٥ ه. أنظر: المحبر: ١٥٤ و٣٣٨ و٣٣٩ ، لسان الميزان ٥: ٣٣٠.
(٣) في بعض المصادر: اخضرت الجنّات ، والجَناب: الفناء ، وما قرب من محلّة القوم.
رسلكم ، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جلّكم: «إنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ والهدى».
وإني باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل.
فان كتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأى ملئكم ، وذوي الحجي والفضل منكم على ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، فانّي أقدم إليكم وشيكاً ان شاء الله تعالى فلعمري ما الإمام الاالحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحقّ ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام.
ودعا سلام الله عليه مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله السلولي وعبد الله وعبد الرحمن الأرحبيّين ، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف ، فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك.
فأقبل مسلم رضوان الله عليه حتى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وودع أهله ومن يحب.
وسار حتى وصل الكوفة فنزل في دار المختار بن [أبي] عبيدة الثقفي(١) ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، وكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسينعليهالسلام وهم يبكون.
____________________
(١) المختار بن أبي عبيدة ابن مسعود الثقفي أبو إسحاق ، من زعماء الثائرين على بني اُميّة ، من أهل الطائف ، انتقل إلى المدينة مع أبيه ، وبقي المختار في المدينة منقطعاً إلى بني هاشم ، تزوج عبد الله بن عمر بن الخطاب أخت المختار صفية ، وكان المختار مع عليعليهالسلام بالعراق ، وسكن البصرة بعد عليعليهالسلام ، قبض عليه عبيد الله بن زياد في البصرة وحبسه ونفاه بشفاعة ابن عمر إلى الطائف ، ذهب إلى الكوفة بعد موت يزيد لأخذ الثأر من قتلة الحسين ، واستولى على الكوفة والموصل وتتبع قتلة الحسينعليهالسلام ، قتله مصعب بن الزبير بعد حرب بينهما سنة ٦٧ ه.
انظر: الاصابة ترجمة رقم ٨٥٤٥ ، الفرق بين الفرق: ٣١ - ٣٧ ، الكامل في التاريخ ٤: ٨٢ - ١٠٨ ، تاريخ الطبري ٧: ١٤٦.
وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر الفاً.
فكتب مسلم إلى الحسين بذلك ، وطلب منه القدوم عليهم.
وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل ، حتى علم النعمان بن بشير بذلك - وكان والياً على الكوفة من قبل معاوية فأقرّه يزيد عليها - وعلم بمكان مسلم فلم يتعرّض له بسوء.
فقام إليه عبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني امية فقال له: إنّه ما يصلح ما ترى أيّها الأمير الاالغشم - أيّ الظلم - وانّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك لرأي المستضعفين.
وكتب إلى يزيد كتاباً فيه: أنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة وبايعت الشيعة للحسين ، فان يكن لك فيها حاجة فابعث إليها قويّاً ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فانّ النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعّف.
ثم كتب كل من عمارة بن عقبة وعمر بن سعد ينحو من ذلك.
وبعد وصول كتبهم إلى يزيد كتب إلى عبيد الله بن زياد - وكان والياً على البصرة(١) - بأنّه قد ولاه الكوفة وضمّها إليه ، وعرّفه أمر مسلم بن عقيل وشدّد عليه في تحصيله وقتله.
فأسرع اللعين إلى الكوفة ، واستخلف أخاه عثمان على البصرة ، وكان دخوله إلى الكوفة ليلاً ، فظنّ أهلها أنّه الحسينعليهالسلام فتباشروا بقدومه ودنوا منه ، فلمّا عرفوا أنّه ابن مرجانة تفرّقوا عنه. فدخل قصر الامارة وبات فيه إلى الغداة ، ثم خرج فأبرق وأرعد ، ووعد وتوعّد.
فلمّا سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه ، فقصد هاني بن عروة
____________________
(١) البصرة بلدة اسلامية بنيت في خالفة عمر في السنة ١٨ من الهجرة ، سمّيت بذلك لأنّ البصرة الحجارة الرخوة ، وهي كذلك ، فسمّيت بها، والبصرتان: البصرة والكوفة. مجمع البحرين ٣: ٢٢٥ - ٢٢٦.
فآواه وأكرم مثواهه ، وكثر اختلاف أصحابه إليه يبايعونه على السمع والطاعة.
لكنّهم نقضوا بعد ذلك بيعته ، واخفروا ذمّته ، ولم يثبتوا معه على عهد ، ولا وفوا له بعقد ، وكان - بأبي هو وأمّي - من اُسود الوقائع ، وسقاة الحتوف ، واُباة الذلّ ، واولي الحفائظ ، وله - حين أسلمه أصحابه ، واشتد البأس بينه وبين عدوّه - مقام كريم ، وموقف عظيم ، إذ جاء العدو من فوقه ومن تحته ، وأحاط به من جميع نواحيه، وهو وحيد فريد ، لا ناصر له ولا معين ، فأبلى بلاءً حسناً ، وصبر صبر الأحرار على ضرب سيوفهم ، ورضخ أحجارهم(١) وما ناله من ضياتهم الشحيذة ، وأطنان قصبهم الملتهبة ، التي كانوا يرمونه من فوق البيت عليه ، حتى وقع في أيديهم أسيراً ، بعد أن فتك بهم ، وأذاقهم وبال أمرهم ، ثم قتلوه ظمئاناً ، وهو يكبّر الله ويستغفره ، ويصلّي على رسولهصلىاللهعليهوآله ، وصلبوا جثته بالكناسة ، وبعثوا برأسه إلى الشام.
رعي الله جسماً بالكنائس مُصلباً |
ورأساً له فوق السنان مركبا |
|
لقد سامه الأعداء خفضاً فما ارتضي |
سوى الرفع فوق السمهرية منصبا |
|
وقفت بمستنّ النزال فلم تجد |
سوى الموت في الهيجا من الضيم مهربا |
|
إلى أن وردت الموت والموت سنّة |
لكم عرفت تحت الأسنّة والضبا |
|
ولا عيب في الحرّ الكريم إذا قضى |
بحدّ الضبا حرّاً كريماً مهذّبا |
____________________
(١) رضخ رأسه بالحجر: رضّه.
[المجلس الخامس]
لما جاء عبيد الله بن زياد(١) الى الكوفة(٢) ، وضع المراصد ، وبثّ الجواسيس فيها على مسلم ، حتى علم أنّه في دار هاني ، فدعا محمد بن الأشعث(٣) وأسماء بن خارجة(٤) وعمرو بن الحجاج ، فقال:
ما يمنع هانياً من إتياننا ؟
فقالوا: ما ندري ، وقد قيل: إنّه يشتكي.
فقال: بلغني ذلك ، ثمّ علمت أنّه قد برئ وأنّه يجلس على باب داره ، ولو أعلم أنّه شاكٍ لعُدته ، فألقوه ومروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقّنا ، فإنّي لا أحبّ أن يفسد عندي مثله ، [لأنّه] من أشراف العرب.
____________________
(١) عبيد الله بن زياد بن أبيه ، ولد بالبصرة ، وكان مع والده لـمّا مات بالعراق ، قصد الشام فولاه عمّه معاوية خراسان سنة ٥٣ ه وبقي فيها سنتين ، ونقله إلى معاوية إلى البصرة أميراً عليها سنة ٥٥ ، وأقرّه يزيد على امارته سنة ٦٠ ه ، وكانت فاجعة الطف في أيامه وعلى يده ، وبعد هلاك يزيد بايع أهل البصرة لعبيد الله ، ثمّ لم يلبثوا أن وثبوا عليه ، فهرب متخبّئاً إلى الشام ، ثم عاد يريد العراق ، فلحق به إبراهيم الأشتر فاقتتلا وتفرّق أصحاب عبيد الله فقتله ابن الأشتر في خازر من ارض الموصل ، ويدعى عبيد الله بابن مرجانة ، وهي اُمّه كانت معروفة بالفسق والفجور: انظر: تاريخ الطبري ٦: ١٦٦ و٧: ١٨ و١٤٤ ، الأعلام ٤: ١٩٣.
(٢) الارشاد: ٢٠٨ ، الملهوف: ١١٤.
(٣) محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، أبو القاسم ، من أصحاب مصعب بن الزبير ، قتل سنة ٦٧ ه انظر ترجمته في الاصابة رقم ٨٥٠٤، الأعلام ٦: ٣٩.
(٤) أسماء بن خارجة بن حصين الفزاري ، تابعي ، من رجال الطبقة الاولى من أهل الكوفة ، توفي سنة ٦٦ ه انظر ترجمته في تاريخ الاسلام ٢: ٣٧٢ ، الأعلام ١: ٣٠٥.
فأتوه ووقفوا عشيةً على باب داره ، فقالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير ، فإنّه ذكرك وقال: لو أعلم أنّه شاكٍ لعُدته ؟
فقال: الشكوى تمنعني.
فقالوا: [إنّه] قد بلغه جلوسك كلّ عشيّة على باب دارك ، وقد استبطأك ، والإبطاء والجفاء لا يتحمّله السلطان من مثلك ، لانّك سيّد قومك ، ونحن نقسم عليك الاركبت معنا.
وما زالوا به حتى غلبوه على رأيه ، فدعا بثيابه فلبسها ، ثم دعا ببغلته فركبها ، فلمّا دنا من القصر أحسّ ببغض الذي كان ، فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة:
يا بن أخي إنّي والله لخائف من هذا الرجل فما ترى ؟
فقال: والله يا عم ما أتخوّف عليك شيئاً ، فلا تجعل على نفسك سبيلاً ، ولم يكن حسّان يعلم الذي أضمر ابن مرجانة لهاني.
فجاءه رحمه الله تعالى والقوم معه حتى دخلوا جميعاً على ابن زياد ، فلمّا رأى هانياً قال: أتتك بخائن(١) رجلاه. ثمّ تمثّل فقال: اُريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد(٢)
____________________
(١) كذا في الأصل والمصادر ، والظاهر أنّ الصحيح: حائن ، وهو الذي حان حينه وهلاكه ، راجع مجمع الأمثال للميداني.
(٢) هذا البيت لـ «عمرو بن معدي كرب الزبيدي» وهو فارس اليمن وصاحب الغارات المذكورة ، وفد على المدينة سنة ٩ ه في عشرة من بني زبيد فأسلم وأسلموا ، يكنى أبا ثور ، توفي على مقربة من الري سنة ٢١ ه ؛ وقيل: قتل عطشاً يوم القادسية. انظر: الاصابة رقم (٥٩٧٢) ، خزانة الأدب ١: ٤٢٥ - ٢٤٦ ، الأعلام ٥: ٨٦.
فقال له هاني: وما ذاك يا أمير ؟
فقال: إيهاً يا هاني ما هذه الامور التي تُربصُ في دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين ؟ جئتَ بابن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعتَ له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أن ذلك يخفى عليّ.
فقال: ما فعلتُ.
قال: بلى قد فعلتَ.
فلمّا كثر ذلك بينهما وأبى هاني الا الانكار ، دعا ابن زياد بمعقل(١) مولاه حتى وقف بين يديه - وكان عيناً له على أخبارهم من حيث لا يدرون ، وقد عرف كثيراً من أسرارهم ، إذ كان يظهر لهم الاخلاص لأهل البيت والتفاني في حبّهم - فلما رآه هاني علم أنّه كان عيناً عليهم ، وأنّه قد أتاه بأخبارهم ، فأسقط في يده ، ثمّ راجعته نفسه فقال:
أصلح الله الأمير والله ما بعثت إلى مسلم بن عقيل ، ولا دعوته ، ولكن جاءني مستجيراً فأجرته ، واستحييت من ردّه ، ودخلني من ذلك ذمام فضيفته وآويته ، والآن فخلّ سبيلي حتى أرجع إليه وآمره بالخروج من داري إلى حيث شاء من الأرض لأخرج بذلك من ذمامه وجواره ، ثم ارجع إليك حتى أضع يدي في يدك.
فقال له ابن زياد: والله لا تفارقني حتى تأتيني به.
فقال: والله لا آتيك به أبداً ، آتيك بضيفي تقتله !
فقال: والله لتأتيني به.
____________________
(١) لم يذكروه ، وهو ملعون خبيث.
فقال: والله لا آتيك به ، فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي(١) فقال: أصلح الله الأمير خلني وإيّاه حتى اُكلّمه.
فقام فخلى به ناحية وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما فبينما هما يتناجيان إذ رفعا أصواتهما. فقال الباهلي:
يا هاني أنشدك بالله لا تقتل نفسك ، ولا تدخل البلاء على عشيرتك فوالله انّي لأنفس بك عن القتل ، ان هذا الرجل ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليهم فانّه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة وانّما تدفعه إلى السلطان.
فقال هاني: والله ان عليّ في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي ورسول ابن رسول الله وأنا صحيح الساعدين كثير الأعوان ، والله لو لم أكن الا واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه ، فأخذ يناشده وهو يقول:
والله لا أدفعه أبداً.
فسمع ابن زياد ذلك فقال: ادنوه منّي فاُدني منه ، فقال: والله لتأتيني به أو لأضربنّ عنقك.
فقال هاني: إذاً تكثر البارقة حول دارك.
فقال ابن زياد: والهفاه عليك أبا البارقة تخوّفني ؟ وهاني يظن أنّ عشيرته يمنعونه ، ثم قال: ادنوه مني فاُدني منه ، فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبهته وخدّه حتى كسر أنفه وسال الدماء على ثيابه ونثر لحم خده وجبينه على لحيته الشريفة فانكسر القضيب.
وضرب هاني يده على قائم سيف شرطي فجاذبه ذلك الرجل ، فصاح
____________________
(١) في بعض المصادر مسلم بن عمرو ، وفي اُخرى مسلم بن عمير الباهلي. لم يذكروه.
اللعين ابن مرجانة: خذوه ، فجروه حتى ألقوه في بيت من بيوت الدار ، وأغلقوا عليه بابه وجعلوا عليه حرساً.
فقام حسّان بن أسماء بن خارجة إلى ابن زياد فقال: أرسل غدر - نحن - سائر اليوم أيّها الأمير ، أرسلتنا الى الرجل ، وأمرتنا أن نجيئك به ، حتى إذا جئناك به هشّمت وجهه ، وأسلت دماءه وزعمت انّك تقتله ؟
فغضب ابن مرجانة وقال: وانك لها هنا ، ثم أمر به فضرب وقيّد وحبس.
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون إلى نفسي انعاك يا هاني.
وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانياً قد قتل ، وكان هاني صهره على بنته رويحة(١) ، فأقبل عمرو في مذحج كافة حتى أحاط بالقصر ، ونادى:
أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ، ولم تفارق جماعة ، وقد بلغنا أنّ صاحبنا قد قتل.
فأتاهم القاضي شريح(٢) - وكان مع ابن زياد في القصر حين دخل عليه هاني وفعل معه ما فعل - فأخبرهم بسلامته فرضوا بقوله وانصرفوا.
تبّاً لهم وترحاً ، لقد خطمهم(٣) ابن مرجانة بالذل ، وقادهم ببرة(٤) الهوان ، وعفّر وجوههم إذ هشّم وجه سيّدهم ، وأرغم آنافهم إذ كسر أنفهم ، وألقاهم في
____________________
(١) رويحة ابنة عمرو ، كانت اُمّ ولد للأشعث بن قيس الكندي ، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد ، أعتقها الأسيد الحضرمي. انظر: الكامل في التاريخ ٤: ٣١ ، اعلام النساء المؤمنات: ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي ، أبو اُميّة ، توفي سنة ٧٨ ه ، أصله من اليمن ، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية ، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه سنة ٧٧ ه. انظر: الطبقات ٦: ٩٠ - ١٠٠ ، وفيات الأعيان ١: ٢٢٤.
(٣) من خطم البعير: وهو أن يشدّ على أنفه حبل يقاد به.
(٤) البرّة: حلقة تجعل في لحم أنف البعير ويشدّ إليها الزمام.
مراغة(١) الذل إذ ألقاه في الحبس ، ومرّغهم في حمأة(٢) الهوان إذ جرّوه قتيلاً برجله في الأسواق.
أمّا هاني فقد فاز بالشهادة ، وختمت أيّامه بالسعادة.
وواسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وخالف مجرما |
وقد ثارت به الحمية لله عز وجل ، وعصفت في رأسه لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخذته حفائظ الولاية لآله الطيّبين الطاهرين ، فبذل نفسه ، ووقاهم بمهجته.
فوا لهفاه ما أعزّ جانبه.
وأسفاً عليه ما أمنع حوزته.
وحزناً لوجهه الميمون المشرق وقد شوّهه اللعين ضرباً بعصاه.
ونفسي الفداء لذلك الأنف الحمي وقد كسر في سبيل الله.
ولله تناثر اللحم من جبينه الوضّاح ، وخدّه الزاهر ، وجبهته المباركة على كريمته الشريفة.
وفي عين الله خضّبت تلك الشيبة العزيزة بدماء ذلك الأغر ، دون أن يهتضم جاره أو يستباح ذماره.
كريم أبى شمّ الدنية أنفه |
فأشممه شوك الوشيج المسدّد |
|
وقال: قفي يا نفس وقفة واردٍ |
حياض الردى لا وقفة المتردّ |
____________________
(١) المراغة: الموضع تتمرّغ فيه الدواب.
(٢) الحمأة: الطير الأسود المنتن.
[المجلس السادس]
لـمّا بلغ مسلم بن عقيل ما فعل ابن زياد بهاني بن عروة ، خرج بمن بايعه لانقاذ هاني ، وحرب ابن زياد(١) فتحصّن اللعين عنه بقصر الامارة ، واقتتل أصحابه وأصحاب مسلم ، وجعل أصحابه الذين معه في القصر يشرفون منه ويحذّرون أصحاب مسلم ويتوعّدونهم بأجناد الشام.
فلم يزالوا كذلك حتى جاء الليل ، فجعل أصحاب مسلم يتفرّقون عنه ، ويقول بعضهم لبعض: ماذا نصنع بتعجيل الفتنة ، وينبغي أن نقعد في منازلنا وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم.
وما زالوا يتفرّقون حتى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه الا ثلاثون نفساً في المسجد.
فلمّا رأى ذلك خرج متوجهاً نحو أبواب كندة ، فما بلغها الا ومعه منهم عشرة.
ثم خرج من الباب فإذا ليس معه انسان يدلّه ، فالتفت فإذا لا يحس بأحد ، فمضى على وجهه متلدّداً في أزقّة الكوفة لا يدري كيف يصنع ولا أين يذهب.
ومشى حتى انتهى إلى باب امراة يقال لها: (طوعة) أم ولد - كانت للأشعث ابن قيس فأعتقها ، فتزوّجت أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً ، وكان بلال قد خرج مع الناس واُمّه قائمة تنتظره - فسلّم عليها مسلم فردّت عليه ، ثمّ طلب منها
____________________
(١) الارشاد: ٢١٠ ، الملهوف: ٨٢.
ماء فسقته ، وأدخلت الاناء ، ثم خرجت فوجدته جالساً ، فقالت له: ألم تشرب الماء ؟
قال: بلى.
قالت: فاذهب إلى أهلك فسكت.
ثم أعادت عليه القول. فسكت.
فقالت له في الثالثة: سبحان الله يا عبد الله ، قم عافاك الله إلى أهلك فانّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحلّه لك.
فقام وقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك من أجر ومعروف ولعلي مكافيك بعد اليوم.
قالت: يا عبد الله وما ذاك ؟
قال: أنا مسلم بن عقيل كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني وأخرجوني.
قالت: أنت مسلم ؟
قال: نعم ؟
قالت: ادخل ، فدخل بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ.
وجاء ابنها وعرف بمكان مسلم فوشى به إلى ابن زياد.
فأحضر محمد بن الأشعث ، وضمّ إليه قومه ، وبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلاً من قيس ، حتى أتوا الدار التي فيها مسلم ، فلمّا سمع وقع حوافر الخيل ، وأصوات الرجال علم أنّه قد اتي فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم فضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم
عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمدي(١) فضرب بكر لعنة الله فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى ، وفصلت ثنيتاه ، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة ، وثنى باُخرى على حبل عاتقه كادت تطلع من جوفه ، وجعل يحارب أصحاب ابن زياد حتى قتل منهم جماعة ، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت فأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النار في أطناب القصب ، ثمّ يلقونه عليه من فوق السطح ، فخرج عليهم مصلّتاً بسيفه فناداه محمد بن الأشعث: لك الأمان لا تقتل نفسك ، وهو يقاتلهم ويقول:
أقسمت لا أُقتل الاحرّاً |
وإن رأيت الموت شيئاً نُكرا |
|
أكره أن اُخدع أو اُغرّاً |
أو أخلط البارد سخناً مُرّا |
|
كلّ امرئٍ يوماً يلاقي شرّاً |
أضربكم ولا أخاف ضرّا |
فناداه ابن الأشعث: انك لا تكذب ولاة.
وكان قد اُثخن بالحجارة ، وعجز عن القتال ، فأسند ظهره إلى الحائط.
فأعاد ابن الأشعث عليه القول: لك الأمان.
فقال: أنا آمن ؟
قال: نعم.
ثم قال للقوم: ألي الأمان ؟
قالوا: نعم.
فقال: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم ، واوتي ببغلة فحمل عليها ، فاجتمعوا حوله ، وانتزعوا سيفه ، فكأنّه عند ذلك يأس من نفسه فدمعت
____________________
(١) بكر بن حمران الأحمدي ، خبيث ملعون ، قاتل مسلم بن عقيل. انظر: مستدركات علم الرجال ٢: ٥٠.
عيناه ، ثم قال:
هذا أوّل الغدر أين أمانكم ؟ إنّا لله وإنا إليه راجعون ، وبكى.
فقال له عبيد الله السلمي: إن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك.
قال: انّي والله ما لنفسي بكيت ، ولا لها من القتل أرثي ، وإن كنت لا أحب لها طرفة عين تلفاً ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي ، أبكي للحسين وآل الحسينعليهالسلام .
ثمّ أقبل على ابن الأشعث فقال: انك ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير ؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلّغ الحسين - فانّي لا أراه الا قد خرج اليوم ، أو هو خارج غداً بأهل بيته - فيقول له: إنّ ابن عقيل بعثني إليك ، وهو أسير في أيدي القوم لا يرى أنّه يمسي حتى يقتل ، وهو يقول: إرجع فداك أبي واُمّي بأهل بيتك ، ولا يغرك أهل الكوفة فانّهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ، إن أهل الكوفة كذّبوك ، وليس لمكذوب رأي.
وأقبل ابن الأشعث بمسلم إلى باب القصر ، فدخل على ابن زياد فأخبره الخبر ، وقد اشتدّ العطش بمسلم وعلى باب القصر جماعة ينتظرون الإذن ، وإذا قلّة باردة على الباب. فقال:
اسقوني من هذا الماء.
فقال مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها ، والله لا تذوق منها قطرة أبداً حتى تذوق الحميم في نار جهنم.
فقال له ابن عقيل: لاُمّك الثكل ما أجفاك وأفضّك وأقسى قلبك ، أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم.
ثمّ تساند إلى حائط وجاء عمرو بن حريث(١) بقلّة عليها منديل وقدح فصبّ فيه ماء وقال له: اشرب.
فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دماً من فيه ، ففعل ذلك مرّتين ، فلمّا ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثنيتاه في القدح.
فقال: الحمد لله لو كان لي من الرزق المقسوم شربته.
ثم اُدخل على ابن مرجانة فلم يسلّم عليه.
فقال له الحرس: سلّم على الأمير.
فقال له: اسكت ويحك والله ما هو لي بأمير.
فقال له ابن زياد: إيهاً يا بن عقيل ! أتيت الناس وهم جميع ، فشتّت بينهم ، وفرّقت كلمتهم ، وحملت بعضهم على بعض.
قال: كلّا لست لذلك أتيت ، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم ، وسفك دماءهم ، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل ، وندعوا إلى حكم الكتاب.
فقال ابن زياد: وما أنت وذاك ، ثم قال عليه اللعنة: يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك له أهلاً.
فقال مسلم: من أهله إذا لم نكن نحن أهله ؟
فقال ابن زياد: أهله أمير المؤمنين يزيد.
____________________
(١) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله المخزومي ، روى عن أبي بكر وابن مسعود ، وروى عنه ابنه جعفر والحسن العرني والمغيرة بن سبيع وغيرهم ، كانت داره مأوى لأعداء أهل البيت ، ولي الكوفة لزياد بن أبيه ولابنه عبيد الله ، مات سنة ٨٥ ه.
انظر: سير اعلام النبلاء ٣: ٤١٧ - ٤١٩ ، الأعلام ٥: ٧٦.
فقال مسلم: الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم.
فقال له ابن زياد: قتلني الله إن لم اقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام.
فقال مسلم: أما أنّك أحقّ من أحدث في الاسلام ما لم يكن ، وانك لا تدع سوء القتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السريرة ، ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك.
فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعلياً وعقيلاًعليهمالسلام .
فأخذ مسلم لا يكلّمه ، ونظر إلى جلساء ابن زياد وفيهم عمر بن سعد فقال: يا عمر انّ بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة ، وقد يجب عليك نجح حاجتي ، وهي سرّ بيننا ، فامتنع اللعين أن يسمع منه ، فأمره ابن مرجانة بذلك ، فقاما إلى ناحية في المجلس وابن مرجانة يراهما ، فقال:
انّ عليّ سبعمائة درهم لبعض أهل الكوفة فبع سيفي ودرعي واقضها عنّي ، وإذا قتلت فاستوهب جثتي فوارها ، وابعث إلى الحسينعليهالسلام من يردّه ، فانّي كتبت إليه أنّ الناس معه ، ولا أراه الا مقبلاً.
فقال ابن سعد: أتدري أيها الأمير ما قال ؟ إنّه ذكر كذا وكذا وكذا.
فقال ابن زياد: إنّه لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن.
وأمر لعنة الله أن يصعدوا به فوق القصر ويضربوا عنقه ، ثمّ يتبعوه جسده ودعا بكر بن حمران فقال له:
إصعد وكن أنت الذي تضرب عنقه ، فصعد به وهو يكبّر الله ويستغفره ، ويصلّي على رسوله ويقول:
اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا ، فأشرف على موضع الحذاتين فضرب عنقه وأتبع جسده رأسه.
ثم أمر ابن زياد بهاني في الحال فقال:
اخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه ، فأُخرج وهو مكتوف فجعل يقول: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم ، يا مذحجاه يا مذحجاه ، وأين مذحج ؟
فلما رأى أن أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف وهو يقول: أما من عصا أو سكين أو حجر يحاجز بها رجل عن نفسه ؟
فوثبوا إليه فشدّوه وثاقاً ثم قيل له: مد عنقك.
فقال: ما أنا بها سخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي.
فضربه مولى لابن مرجانة - تركي - بالسيف فلم يصنع شيئاً ، فقال هاني: إلى الله المعاد ، اللهم إلى رحمتك ورضوانك ثمّ ضربه اُخرى فقتله شهيداً محتسباً.
وفي مسلم وهاني يقول عبد الله بن زبير الأسدي(١) :
فإن كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري |
إلى هانيء في السوق وابن عقيل |
|
إلى بطل قد هشّم السيف وجهه |
وآخر يهوى من طمار(٢) قتيل |
|
أصابهما أمر اللعين فأصبحا |
أحاديث من يسري بكلّ سبيل |
|
ترى جسداً قد غيّر الموت لونه |
ونضح دم قد سال كلّ مسيل |
|
فتىً كان أحيى من فتاة حَيِيّة |
وأقطع من ذي شفرتين صقيل(٣) |
____________________
(١) زبير - بفتح الزاي المعجمة كحبيب - ، وعبد الله بن زبير الأسدي بن الأعشى ، واسمه قيس بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين الأسدي ، من بني أسد بن خزيمة ، وكان يتشيع. انظر أدب الطف ١: ١٤٣.
(٢) في بعض المصادر: جدار.
(٣) ويقال انّ هذه القصيدة للفرزدق ، وقال بعضهم إنّها لسليمان الحنفي. انظر: تاريخ الطبري ٣: ٣٢ ، مقتل الخوارزمي ١: ٢١٤ ، أدب الطف ١: ١٤٣.
[المجلس السابع]
لـمّا عزم الحسينعليهالسلام على الخروج إلى العراق قام خطيباً ، فكان ممّا قال:
وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بني النواويس وكربلاء ، فيملأن مني أكراشاً جوفاً ، وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجر الصابرين ، لن تشذّ عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقرّبهم عينه ، وينجز بهم وعده ، ألا ومن كان باذلاً فينا مهجته ، وموطئاً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا ، فانّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى.(١)
وجاء تلك الليلة أخوه محمد بن الحنفية فقال له:
يا أخي إنّ أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فان رأيت أن تقيم فانّك أعزّ من في الحرم وأمنعه.
فقالعليهالسلام : يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت.
فقال له ابن الحنفية: فان خفت ذلك فسر إلى اليمن ، أو بعض نواحي البر ، فانّك أمنع الناس به ، ولا يُقدر عليك.
____________________
(١) مقتل الخوارزمي ١: ١٨٦.
فقالعليهالسلام : أنظر فيما قلت.
فلما كان في السحر ارتحلعليهالسلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها.
فقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟
قال: بلى.
قال: فما حداك على الخروج عاجلاً ؟
قال: أتاني رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد ما فارقتك ، فقال ، يا حسين اخرج ، فان الله قد شاء أن يراك قتيلاً.
فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك على مثل هذه الحالة.
فقال له: قد قال لي: إن الله شاء أن يراهن سبايا.
ولقيه أبو محمد الراقدي وزرارة بن خلج قبل أن يخرجعليهالسلام إلى العراق فأخبراه ضعف الناس بالكوفة ، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبوابها ، ونزلت الملائكة عدد لا يحصيهم الاالله عز وجل فقال: لولا تقارب الأشياء ، وهبوط الأجل لقاتلتهم بهؤلاء ، ولكن أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ، ومصرع أصحابي لا ينجو منهم إلا ولدي.(١)
وخرج - بأبي واُمّي - يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجة سنة ستّين(٢) .
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥: ١٩١ ، الكامل في التاريخ ٤: ٧ ، دلائل الإمامة: ٧٤ ، اللهوف: ٦١.
(٢) وقيل لثلاث مضين من ذي الحجّة ، وقيل يوم الأربعاء لثمان مضين من ذي الحجّة. انظر: الملهوف:
قال معمر بن المثنى - في كتاب مقتل الحسين -: فلمّا كان يوم التروية قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى مكّة في جند كثيف ، قد أمره يزيد أن يناجز الحسين القتال إن هو ناجزه ، أو يقتله إن قدر عليه.
فخرج الحسينعليهالسلام يوم التروية ، حين يُخرج إلى عرفة إذ لم يتمكّن من تمام حجّة ، مخالفة أن تستباح حرمات بيت الله الحرام ، ومشاعره العظام ، فأحلّ - بأبي واُمّي - من إحرامه ، وجعلها عمرة مفردة.
وقد انجلى عن مكّة وهو ابنها |
وبه تشرّفت الحطيم وزمزم |
|
ولم يدر أين يريح بدن ركابه |
فكأنّما المأوى عليه محرّم |
وعن الصادقعليهالسلام - فيما رواه المفيد(١) باسناده إليه - قال: لـمّا سار الحسين صلوات الله عليه من مكّة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمين والمردّفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة ، فسلّموا عليه وقالوا:
يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه ، إن الله عز وجل أمدّ جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآله بنا في مواطن كثيرة ، وانّ الله أمدّك بنا.
فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيه وهي كربلاء ، فإذا وردتها فأتوني.
فقالوا: يا حجّة الله إن الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع ، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك.
فقال: لا سبيل لهم عليّ ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.
وأتته أفواج من مؤمني الجن فقالوا له:
١٢٤.
____________________
(١) الارشاد: ١٧٢ ، الملهوف: ١١٦.
يا مولانا نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بما تشاء ، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك. فجزاهم خيراً.
وقال لهم: أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله في قوله:( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (١) .
فإذا أقمت في مكاني فبماذا يمتحن هذا الخلق المتعوس ، وبماذا يختبرون ، ومن ذا يكون ساكن حفرتي ، وقد اختارها الله تعالى لي يوم دحى الأرض ، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومحبّينا ، تقبل فيها أعمالهم وصلواتهم ، ويجاب دعاؤهم ، وتسكن إليها شيعتنا ، فنكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة ، ولكن تحضرون يوم عاشوراء الذي في آخره اُقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي واخوتي وأهل بيتي ، ويسار برأسي إلى يزيد بن معاوية.
ساروا(٢) برأسك يا بن بنت محمد |
متزمّلاً بدمائه تزميلا(٣) |
|
[وكأنّما بك يا بن بنت محمد |
قتلوا جهاراً عامدين رسولا] |
|
قتلوك عطشاناً ولـمّا يرقبوا |
في قتلك التأويل والتنزيلا |
|
ويكبّرون بأن قُتلت وإنّما |
قتلوا بك التكبير والتهليلا(٤) |
* * *
____________________
(١) سورة آل عمران: ١٥٤.
(٢) في بعض المصادر: جاؤا.
(٣) في بعض المصادر: مترمّلاً بدمائه ترميلا.
(٤) القصيدة من مراثي أبو محمد عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي المعروف ب- «ديك الجن» ، المولود بسلّمية سنة ١٦١ ه والمتوفّى سنة ٢٣٥. انظر: زينة المجالس: ٤٨٧ ، سير أعلام النبلاء ١١: ١٦٣ ، أعيان الشيعة ٣٨: ٤٠.
رأس ابن بنت محمد ووصيّه |
للناظرين على قناة يرفعُ |
|
والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ |
لا منكر منهم ولا متفجّع |
|
كحلت بمنظرك العيون عماية |
وأصمّ رزؤك كلّ اُذن تسمعُ(١) |
____________________
(١) هذه الأبيات لشاعر أهل البيت دعبل الخزاعي صاحب القصيدة التائية المشهورة. انظر: معجم الأدباء ١٠: ١١٠.
قال ابن طاووس في الملهوف: ٢٠٣: ويحقّ لي أن أتمثّل هنا أبياتاً لبعض ذوي العقول ، يرثي بها قتيلاً من آل الرسولصلىاللهعليهوآله فقال: رأس ابن بنت....
أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى |
وأنمت عيناً لم تكن بك تهجعُ |
|
ما روضة الاتمنت أنّها |
لك حفرة ولخط قبرك مضجع |
[المجلس الثامن]
كان توجّه الحسينعليهالسلام من مكّة إلى العراق يوم خروج مسلم للقتال بالكوفة(١) ، وهو يوم التروية ، واستشهد مسلم في الثامن من خروجه وهو يوم عرفة ، وكان قد اجتمع إلى الحسين نفر من أصحابه من أهل الحجاز والبصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه.
ولما أراد التوجّه إلى العراق طاف وسعى وحلّ من احرام جعلها عمرة مفردة وخرج مبادراً بأهله وولده ، ومن انضمّ إليه من شيعته.
وروي عن الفرزدق الشاعر انّه قال:
حججت باُمّي سنة ستّين فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم ، إذ لقيت الحسينعليهالسلام خارجاً من مكّة في أسيافه وأتراسه ، فقلت: لمن هذا القطار ؟
فقيل: للحسين بن عليعليهماالسلام .
فأتيته فسلّمت عليه وقلت: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت واُمّي يا بن رسول الله ما أعجلك عن الحج ؟
فقال: لو لم أعجل لأخذت ، من أنت ؟
فقلت: امرؤ من العرب ، فوالله ما فتّشني عن أكثر من ذلك.
____________________
(١) الارشاد: ٢١٨.
ثم قال: أخبرني عن الناس خلفك ؟
فقلت: الخبير سألت ، قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك ، والقضاء ينزل من السماء.
فقال: صدقت لله الأمر وكلّ يوم هو في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على اداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحق نيّته والتقوى سريرته.
فقلت: أجل بلّغك الله ما تحب ، وكفاك ما تحذر ، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها ، وحرّك راحلته وقال: السلام عليك ، ثم افترقنا.
وكان سلام الله عليه لما خرج اعترضه يحيى بن سعيد وجماعة أرسلهم عمرو بن سعيد بن العاص - والي يزيد يومئذ على مكّة - فأبى عليهم الحسينعليهالسلام وامتنع منهم هو وأصحابه امتناعاً قوياً ، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط.
وسار - بأبي واُمّي - حتى أتى التنعيم(١) فلقي عيراً قد أقبلت من اليمن
____________________
(١) بالفتح ثم السكون وكسر العين وياء ساكنة وميم ، موضع بمكة في الحل ، وهو بين مكّة وسرٍف على فرسخين من مكّة ؛ وقيل: على أربعة ، وهو احد المواقيت التي يحرم فيها الحجّاج للعمرة. كان فيه عين ماء ومسجد. وعرف بهذا الاسم لوجود جبل الى يمينه يقال له نعيم وآخر عن شماله يقال له ناعم والوادي نعمان ، وبالتنعيم مساجد حول مسجد عائشة وسقايا على طريق المدينة منه يحرم المكّيون بالعمرة. انظر: معجم البلدان ٢: ٤٩.
قال الطبري (٤: ٢٨٩): ولـمّا نزل فيه الإمام الحسينعليهالسلام في مسيره الكوفة لقي قافلة قادمة من اليمن تحمل بضائع ليزيد ، فاستولى عليها ، ويبدو انّ هدفه كان الاضرار الاقتصادي بالعدو. أمّا رجال القافلة فقد خيّرهم الإمام بين المسير معه إلى كربلاء أو ان يدفع لهم اُجرة الطريق ليسيروا حيث ما شاءوا ، وقد سار معه جماعة منهم.
فاستأجر من أهلها جمالاً لرحله وأصحابه.
وألحقه عبد الله بن جعفر(١) بابنيه عون ومحمد وكتب معهما إليه كتاباً يقول فيه:
أمّا بعد: فانّي أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فانّي مشفق عليك من الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فانّك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل في المسير فانّي في أثر كتابي والسلام.
وذهب عبد الله إلى عمرو بن سعيد فسأله أن يكتب للحسين أماناً ليرجع عن وجهه ، فكتب إليه عمرو في ذلك، وأنفذ كتابه مع أخيه يحيى وعبد الله بن جعفر ، ودفعا إليه الكتاب ، وجهدا به في الرجوع.
فقال: إنّي رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المنام ، وأمرني بما أنا ماضٍ فيه.
ولـمّا يأس عبد الله بن جعفر أمر ابنيه عوناً ومحمداً بلزومه والمسير معه ، والجهاد دونه ، ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكّة.(٢)
وتوجّه الحسينعليهالسلام نحو العراق مغذاً لا يلوي على شيء ، حتى
____________________
(١) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بحر الجود ، وأخباره في الجود والكرم والحلم لا تحصى ، وفيه يقول عبد الله بن قيس الرقيات:
وما كنت كالأغر بن جعفر |
رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا |
انظر: الاصابة ٢: ٢٨٩ - ٢٩٠ ، أسد الغابة ٣: ١٩٩.
(٢) تاريخ الطبري ٥: ٢١٨.
نزل ذات عرق(١) فلقي بشر بن غالب(٢) وارداً من العراق ، فسأله عن أهلها.
فقال: خلفت القلوب معك ، والسيوف مع بني اميّة.
فقال: صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.(٣)
ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسينعليهالسلام من مكّة ، بعث صاحب شرطته الحصين بن نمير(٤) حتى نزل القادسية ، ونظم الخيل ما بين
____________________
(١) ذات عرق مُهَلّ أهل العراق ، وهو الحدّ بن نجد وتهامة. اسم لمنزل بين مكّة والعراق ، يبعد عن مكّة مسافة منزلين ، وهو ميقات إحرام القادمين من شرقي مكّة ؛ وقيل: عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق.
وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق ، وعرق هو الجبل المشرف على ذات عرق. انظر: معجم البلدان ٤: ١٠٧ - ١٠٨.
وهو من المنازل التي مرّ بها سيّد الشهداء بعد وادي العقيق ، وتوقف فيه يوماً أو يومين ، ثم شدّ رحاله وواصل المسير ، وفي هذا المنزل لقي الإمام بشر بن غالب وكان قادماً من العراق ، وسأله عن وضع العراق ، فقال له: القلوب معك والسيوف عليك. وسار الإمام إلى المنزل التالي هو «غمرة». ومن هذا المنزل بعث كتاباً إلى أهل الكوفة يخبرهم فيه بنبأ قدومه إليهم ، وأنفذوه بواسطة قيس بن مسهر الصيداوي. انظر: مقتل الحسين للمقرّم: ٢٠٤.
(٢) في مستدركات علم الرجال (٢: ٣٣): بشر بن غالب الأسدي الكوفي ، من أصحاب الحسين والسجاد ، قاله الشيخ في رجاله ، والبرقي عدّه من أصحاب أمير المؤمنين والحسنين والسجادعليهمالسلام ، وأخوه بشير ، رويا عن الحسين دعاءه المعروف يوم عرفة بعرفات... وله روايات عن الحسين ذكرت في عدّة الداعي ، ويروي عنه عبد الله بن شريك.
(٣) مثير الأحزان: ٢١.
(٤) الحصين بن نمير بن نائل أبو عبد الرحمن الكندي ثم السكوني ، وهو من قادة الأمويين القساة ، من أهل حمص ، كان مبغضاً لآل علي ؛ ففي معركة صفّين كان إلى جانب معاوية ، وفي عهد يزيد كان قائداً على قسم من الجيش ، وفي واقعة مسلم بن عقيل سلّطه ابن زياد على دور أهل الكوفة ، ليأخذ مسلم ويأتيه به ، وهو الذي أخذ قيس بن مسهّر رسول الحسينعليهالسلام فبعث به إلى ابن زياد فأمر به فقتل ، وهو الذي نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس ورمى به الكعبة لمـّا تحصّن ابن الزبير في
القادسية(١) إلى خفان ، وما بين القادسية إلى القطقطانية(٢) .
ولـمّا بلغ الحسينعليهالسلام الحاجز(٣) من بطن الرمّة بعث قيس بن مسهر الصيداوي - وقيل بل بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر - إلى الكوفة ، ولم
المسجد الحرام ، وهو قاتل سليمان بن صرد أثناء ثورة التوّابين ، وهو الذي سأل أمير المؤمنينعليهالسلام عن شعر رأسه بعد قولهعليهالسلام : «سلوني قبل أن تفقدوني» ، وفي عهد يزيد شارك في الهجوم الذي امر يزيد بشنّه على المدينة المنوّرة، مات في عام ٦٨ ه متأثّراً بجراح أصابه بها إبراهيم بن الأشتر في الوقعة التي جرت على ضفاف نهر الخازر ، وجاء في بعض الأخيار انّه أخذ رأس حبيب بن مظاهر بعد مقتله وعلّقه في رقبة فرسه ودار به في الكوفة مفتخراً ، فكمن له فيما بعد القاسم بن حبيب وقتله ثاراً لدم أبيه ، وجاء في مصادر أخرى انّه قتل على يد أصحاب المختار الثقفي عام ٦٦ ه قرب الموصل في وقت حركة المختار. انظر: مروج الذهب ٣: ٧١ ، التهذيب لابن عساكر ٤: ٣٧١ ، الأعلام ٢: ٢٦٢.
____________________
(١) اسم موضع قبل الكوفة ويبعد عنها خمسة عشر فرسخاً (وعن بغداد ٦١ فرسخاً). وفي هذا المكان وقعت المعركة المعروفة باسم القادسية بين الجيش الاسلامي والفرس في زمن الخليفة الثاني ، وانتصر فيها المسلمون ، وفي هذا المكان قبض الحصين بن نمير (رئيس شرطة ابن زياد في تلك المنطقة) على مبعوث الحسين ، قيس بن مسهر الصيداوي ، وأرسله إلى ابن زياد وكان قيس يحمل كتاباً من الحسين إلى أهل الكوفة ، ولما قبض عليه مزق الكتاب باسنانه لكي لا تقع أسماء المخاطبين بيد العدو. انظر: الحسين في طريقه إلى الشهادة: ٤٩.
(٢) موضع قرب الكوفة في جهة البرية بالطف ، وهو أحد المنازل من القادسية إلى الشام ، كان به سجن النعمان ، وقد كانت المنطقة بين القادسية والقطقطانية قد نظم فيها ابن زياد قوات الاستطلاع لمنع الناس من الالتحاق بالحسينعليهالسلام . انظر: الحسين في طريقه إلى الشهادة: ٥٠.
(٣) وقيل: الحاجر ، اسم ارض ومنزل على الطريق من مكة إلى العراق ، وملتقى طريقي الكوفة والبصرة عند المسير إلى المدينة ، ومعناه: الموضع الذي يحجز فيه الماء.
وفي معجم البلدان: بطن الرمة واد معروف بعالية نجد ، وقال ابن دريد: الرمة قاع عظيم بنجد تنصبّ إليه أودية.
وفي هذا المنزل تسلّم الإمام الحسين كتاب مسلم بن عقيل من الكوفة ، وكتب الجواب إلى أهل الكوفة وأرسله مع مبعوثه قيس بن مسهّر. انظر: معجم البلدان ١: ٦٦٦ ، مراصد الاطلاع ٢: ٦٣٤.
يكنعليهالسلام علم بخبر ابن عقيل وكتب معه إليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي.
إلى اخوانه من المؤمنين والمسلمين:
سلام عليكم فانّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.
أمّا بعد: فانّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ملأكم على نصرنا ، والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لكم الصنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا فانّي قادم عليكم في أيامي هذه والسلام.
وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة ، وكتب إليه أهل الكوفة: أن لك هنا مائة الف سيف فلا تتأخّر.
وأقبل قيس بن مسهر إلى الكوفة بكتاب الحسينعليهالسلام حتى انتهى إلى القادسية ، أخذه الحصين بن نمير فبعث به الى ابن زياد فأمره اللعين أن يسبّ الحسين وأباه وأخاه على المنبر ، فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال:
أيها الناس إنّ هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، وابن فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنا رسوله إليكم فأجيبوه ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعلي بن أبي طالب وصلّى عليه.
فأمر ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر ، فرموا به فتقطّع.
وروي: أنّه وقع إلى الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه وبقي به رمق ،
فجاءه عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه.
وأقبل الحسينعليهالسلام من الحاجز يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي ، فلمّا رأى الحسينعليهالسلام قام إليه فقال:
بأبي أنت واُمّي يا بن رسول الله ما أقدمك ؟ واحتمله فأنزله.
فقال له الحسينعليهالسلام : كان من موت معاوية ما قد بلغك ، فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.
فقال ابن مطيع: اذكرك الله يا بن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنهتك ، أنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحداً ، والله انّها لحرمة الاسلام تنهتك ، وحرمة قريش ، وحرمة العرب ، فلا تفعل ، ولا تأت الكوفة ، ولا تعرض نفسك لبني اُميّة.
فأبى الحسينعليهالسلام إلا أن يمضي انجازاً لمقاصده السامية.
وكان ابن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة(١) إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يدعون أحداً يلج ، ولا أحداً يخرج.
وأقبل الحسينعليهالسلام فلقي الأعراب فسألهم فقالوا: ما ندري ، غير أنّا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج ، فسار - بأبي واُمّي - تلقاء وجهه.
____________________
(١) اسم أحد المنازل بين مكّة والكوفة ويبعد عن الكوفة مسير ثلاثة أيّام ، وقد مرّ به الحسين بن عليعليهالسلام في مسيره إلى كربلاء ، وهنالك مواضع اُخرى بهذا الاسم في طريق مكّة وفي اليمامة ، وفي واقصة منارة مبنية من قرون وأضلاف صيد الصحراء بناها ملك شاه السلجوقي. انظر: آثار البلاد: ٣٣٦.
وحدّث جماعة من فزارة وبجيلة ، قالوا: كنا مع زهير بن القين البجلي(١) حين أقبلنا من مكّة فكنّا نساير الحسينعليهالسلام ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن ننازله في منزل فإذا نزل منزلاً لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه ، كنّا ننزل في جانب غير الجانب الذي ينزل فيه الحسينعليهالسلام .
فبينا نحن جلوس نتغذّى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسينعليهالسلام حتى سلّم ، ثمّ قال:
____________________
(١) زهير بن القين البجلي ، وبجيلة هم بنو أنمار بن أراش بن كهلان من القحطانيّة ، شخصية بارزة في المجتمع الكوفي ، وكان له يوم عاشوراء شرف القتال إلى جانب الحسين بن عليعليهالسلام ، وقد أبدى شجاعة منقطعة النظير في سوح الوغى ، كان في بداية أمره مؤيّداً لأنصار عثمان. إلا انّ حسن حظّه جعل له حسن العاقبة ليكون من شهداء كربلاء الأجلاء.
ولـمّا اغلق جيش الحر الطريق على الإمام ، استأذن زهير الإمام الحسين وتكلّم معهم ، ثم عرض على الامام مقاتلتهم إلا انّه لم يوافق على رأيه.
وتحدث في يوم عاشوراء معلناً عن موقفه القاطع في مناصرة الحسين ، واستعداد للبذل في سبيله وقال: لو اقتل ألف مرّة ما تركت نصرة ابن رسول الله.
وفي يوم العاشر من محرّم جعله الحسين عند تعبئة عسكره على الميمنة ، وزهير أول من خطب بالقوم بعد الحسين ، وهو يحمل سلاحه ، وابلغ لهم في النصح ، فرماه الشمر بسهم ، وجرى حوار بينه وبين الشمر.
وفي ظهيرة يوم العاشر وقف هو وسعيد بن عبد الله يقيان الإمام من السهام حتى ينهي صلاته. وبرز بعدها إلى القتال ، وقاتل قتال الأبطال وكان حينها يرتجز قائلاً:
انا زهير وانا ابن القين |
اذودكم بالسيف عن حسينِ |
|
انّ حسيناً أحد السبطين |
من عترة البرّ التقي الزينِ |
|
ذاك رسول الله غير المين |
اضربكم ولا ارى من شينِ |
يا ليت نفسي قسمت قسمين
انظر: تاريخ الطبري ٥: ٣٩٦ - ٣٩٧ و٦: ٤٢ و٤٢٢ ، رجال الشيخ: ٧٣ ، أنصار الحسين: ٨٨ ، أعيان الشيعة ٧: ٧٢.
يا زهير إن أبا عبد الله الحسينعليهالسلام بعثني إليك لتأتيه.
فطرح كلّ انسان منّا ما في يده حتى كأنّ على رؤوسنا الطير ، فقالت له امرأته - وهي ديلم بنت عمر(١) -: سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه ؟! فلو أتيته فسمعت من كلامه.
فمضى إليه زهير فما لبث ان جاء مستبشراً قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فحوّل إلى الحسينعليهالسلام . ثم قال لامرأته:
أنت طالق ، إلحقي بأهلك ، فانّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلا خيراً ، وقد عزمت على صحبة الحسينعليهالسلام لأفديه بروحي ، وأقيه بنفسي ، ثم أعطاها ما لها وسلّمها إلى بعض بني عمّها ليوصلها إلى أهلها.
فقامت إليه وبكت وودّعته وقالت: خسار الله لك ، اسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسينعليهالسلام .
ثم قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني ، وإلا فهو آخر العهد بي.
انّي سأحدّثكم حديثاً: إنّا غزونا البحر ففتح الله علينا ، وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الفارسي(٢) :
____________________
(١) أو ديلم بنت عمرو ، وهي التي قامت لغلام لزهير بعد شهادته: انطلق فكفّن مولاك ، قال: فجئت فرأيت حسيناً ملقى ، فقلت: أكفن مولاي وأدع حسيناً ! فكفنت حسيناً ، ثم رجعت فقلت ذلك لها ، فقالت: أحسنت ، وأعطتني كفناً آخر ، وقالت: انطلق فكفن مولاك ففعلت.
انظر: أعلام النساء المؤمنات: ٣٤١ ، ترجمة الإمام الحسين من كتاب الطبقات ، المطبوع في مجلة تراثنا ، العدد ١٠ ص ١٩٠.
(٢) سلمان الفارسي: صحابي أشهر من أن يعرّف ، ومن الأربعة الذين أمر الله تعالى نبيّه الكريمصلىاللهعليهوآله بحبّهم ، وقال فيهصلىاللهعليهوآله : «سلمان منّا أهل البيت» ، وحاله في الولاء لأمير المؤمنينعليهالسلام مشهور. انظر: أسد الغابة ٢: ٤١٧.
أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ؟
قلنا: نعم.
فقال: إذا أدركتم سيّد شباب آل محمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه ممّا اصبتم اليوم ، فأمّا أنا استودعكم الله، ثمّ لحق بالحسينعليهالسلام ففاز بنصرته.
وروى عبد الله بن سليمان ، والمنذر بن مشعل الأسديان ، قالا: لما قضينا حجّنا لم تكن لنا همّة إلا اللحاق بالحسينعليهالسلام في الطريق لننظر ما يكون من أمره ، فأبلنا ترفل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود(١) ، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسينعليهالسلام فوقف سلام الله عليه كأنّه يريده ، ثمّ تركه ومضى.
ومضينا نحوه حتى انتهينا إليه ، فقلنا: السلام عليك.
فقال: وعليكم السلام.
قلنا: من الرجل ؟
____________________
(١) اسم منزل على طريق الكوفة نزل فيه سيد الشهداء ، وهو رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة ، ولما كانت ارضها رملية فهي تبتلع مياه الأمطار التي تهطل عليها ، ولهذا السبب سمّيت ب- «زرود» أي البالوعة ، وهو موضع مشهور تنزل فيه القوافل القادمة من بغداد ، وهو ملك لبني نهشل وبني أسد.
ولـمّا نزل الحسين في زرود نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي ، فدعاه الإمام إلى نصرته والمسير معه ، فلبّى الدعوة ، والتحق بقافلة الحسين ، وقدّم معهم إلى كربلاء. وقتل فيها.
وفي زرود اخبر بقتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، اخبر بذلك رجلان قادمان من الكوفة يريدان الحج ، فبكى وترحّم عليهما ، وبكى بنو هاشم ، وباتوا ليلتهم هناك ، وفي الصباح حملوا الماء وساروا إلى الثعلبية.
قال: أسدي.
قلنا له: ونحن أسديان. فمن أنت ؟
قال: أنا بكر بن فلان وانتسبنا له ، ثم قلنا له:
أخبرنا عن الناس وراءك ؟
قال: نعم لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ورأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حتى لحقنا الحسينعليهالسلام فسايرناه حتى نزل الثعلبية(١) ممسياً فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام.
فقلنا له: رحمك الله إن عندنا خبراً إن شئت حدّثناك به علانية ، وإن شئت سراً.
فنظر إلينا وإلى أصحابه ، ثم قال: ما دون هؤلاء سر.
فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلته مساء أمس ؟
قال: نعم. وقد أردت مسألته.
فقلنا: قد والله استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منّا ذو رأي وصدق وعقل ، وأنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهاني ،
____________________
(١) اسم منزل قرب الكوفة مرّ به الإمام الحسين في مسيره إلى كربلاء ، والثعلبية على اسم رجل من بني أسد اسمه ثعلبة ، سكنها وحفر فيها عيناً.
اناخ الإمام الحسين في هذا الموضع ومكث فيه ليلة واحدة ، وفيه لقي الطرماح ودعاه إلى الانضمام إليه ، فذهب الرجل ليوصل بضاعته إلى عائلته لكنّه لـمـّا عاد كان الحسين قد قُتِل ، وفي هذا المنزل أيضا أتاه رجل نصراني مع امّه واسلما على يده ، وفيه أيضاً بلغه خبر شهادة مسلم بن عقيل.
ورآهما يُجران في السوق بأرجلهما:
فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون رحمة الله عليهما يردّد ذلك مراراً.
ثم انتظر حتى إذا كان السحر ، قال لفتيانه وغلمانه: اكثروا من الماء ، فاستقوا وأكثروا ، ثم ارتحلوا.(١) فسار حتى انتهى إلى زبالة ، فأتاه خبر عبد الله بن يقطر ، فأخرج إلى الناس كتاباً قرأ عليهم وفيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد: فانّه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذمام.
فتفرّق الناس عنه ، وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وانّما فعل ذلك لأنّهعليهالسلام علم أنّ الأعراب الذين اتّبعوه إنّما اتّبعوه لأنّهم ظنّوا أنّه يأتي بلداً استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون.
ثم صار حتى مرّ ببطن العقبة(٢) فنزل عليها ، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له عمر بن لوذان ، فسأله: أين تريد ؟
فقالعليهالسلام : الكوفة.
____________________
(١) الكامل لابن الأثير ٤: ١٦.
(٢) اسم منزل على الطريق بين مكة والكوفة ، ويقع قريباً من الكوفة وهو لفرع من قبيلة بني أسد ، مرّ به الإمام الحسينعليهالسلام عند مسيره إلى الكوفة ، وفيه قصر ومسجد وماء وعمران تنزل فيه القوافل للاستراحة. انظر: الحسين في طريقه إلى الشهادة: ٨٠.
فقال الشيخ: أنشدك لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحدّ السيوف ، وانّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ، ووطّؤا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً ، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فانّي لا أرى لك أن تفعل.
فقال له: يا عبد الله لا يخفى عليَّ الرأي ، لكن الله تعالى لا يغلب على أمره.
ثم قالعليهالسلام : والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ فرق الامم.(١)
إن يقتلوك فلا عن فقد معرفة |
الشمس معروفة بالعين والأثر |
|
قد كنت في مشرق الدنيا ومغربها |
كالحمد لم تغن عنها سائر السور |
____________________
(١) أنصار الحسين: ١٠٦ ، الحسين في طريقه إلى الشهادة: ٨٧.
[المجلس التاسع]
سار الحسينعليهالسلام حتى صار على مرحلتين من الكوفة ، فإذا بالحر ابن يزيد في ألف فارس ، فقال له الحسينعليهالسلام : ألنا أم علينا ؟
فقال: بل عليك يا أبا عبد الله.
فقالعليهالسلام : لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.
ثمّ تردّد الكلام بينهما حتى قال الحسينعليهالسلام : فان كنتم على خلاف ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم، فانّي راجع الى الموضع الذي أتيت منه ، فمنعه الحر وأصحابه ، وقال: بل خذ يابن رسول الله طريقاً لا يدخلك الكوفة ، ولا يصلك إلى المدينة لأعتذر إلى ابن زياد بانّك خالفتني في الطريق.
فتياسر الحسينعليهالسلام حتى إذا وصل إلى عذيب الهجانات(١) ، فورد كتاب عبيد الله بن زياد لعنه الله إلى الحر يلومه في أمر الحسين ، ويأمره بالتضييق عليه ، فعرض له الحر وأصحابه ومنعوه من السير.
فقال له الحسينعليهالسلام : ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق ؟
____________________
(١) اسم لأحد المنازل قرب الكوفة مرّ به سيّد الشهداء ، وسمّي بالعذيب لما كان فيه من الماء العذب ، وهو لبني تميم ويقع بين القادسية والمغيثة، وكان فيه ماء وبئر وبركة ودور وقصر ومسجد ، وكانت فيه مسلحة للفرس.
في هذا المنزل لقى أبو عبد اللهعليهالسلام أربعة رجال قادمين من الكوفة وفيهم نافع بن هلال وبعد ان كلّمهم الإمام انضمّوا إليه وقاتلوا معه ، وعند حركة قافلة الإمام تحرّك الحرّ بجيشه معه أيضاً ، وفي الاثناء أتى كتاب ابن زياد إلى الحرّ يدعوه فيه للتضييق على الحسين فعمل الحر على منع القافلة من المسير.
فقال له الحر: بلى ، ولكن كتاب الأمير قد وصل يأمرني فيه بالتضييق عليك ، وقد جعل عليَّ عيناً يطالبني بذلك.
فقام الحسينعليهالسلام خطيباً في أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر جدّه فصلّى عليه ، ثم قال:
إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون ، وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرت هذّاء ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، فليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً ، فانّي لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير بن القين فقال: سمعنا يا بن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلّدين ، لآثرنا النهوض معك على الاقامة.
وقام هلال بن نافع البجلي(١) فقال: والله ما كرهنا لقاء ربّنا ، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي مَن والاك ونعادي من عاداك.
وقام برير بن خضير(٢) فقال: والله يا بن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن
____________________
(١) ظاهراً هو نفسه نافع بن هلال بن نافع بن جمل بن سعد العشيرة بن مذحج المذحجي الجملي ، ويخطئ من يعبّر عنه: البجلي ، كان سيّداً شريفاً شجاعاً قارءاً من حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين ، وحضر معه حروبه الثلاثة في العراق ، وخرج إلى الحسين فلقيه في الطريق ، وأخباره في واقعة الطف كثيرة ، ذكرت في المقاتل.
انظر: إبصار العين: ٨٦ - ٨٩ ، تاريخ الطبري ٦: ٢٥٣ ، البداية والنهاية ٨: ١٨٤.
(٢) وفي بعض المصادر: بدير بن حفير ، وفي الملهوف: برير بن حصين ، والظاهر أنّ خضير هو الأولى.
هو سيد القرّاء ، كان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القراءة في جامع الكوفة ، وهو من أصحاب الحسين الأوفياء. من قبيلة «همدان» ، وله منزلة مرموقة بينهم ، سافر عام ٦٠ للهجرة من الكوفة إلى مكة والتحق بالإمام الحسين وسار معه إلى الكوفة ، وفي يوم التاسع من محرّما كان يمازح
نقاتل بين يديك ، وتقطع فيك أعضاؤنا ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة.
ثم ان الحسينعليهالسلام ركب وسار - وكلّما أراد المسير يمنعونه تارة ، ويسايرونه اُخرى - وقد عظم رعب النساء ووجل الأطفال حينئذ بما لا مزيد عليه - حتى بلغوا كربلاء في اليوم الثاني من المحرم فسأل الحسينعليهالسلام عن اسم الأرض.
فقيل: كربلاء.
فقال: اللهم انّي أعوذ بك من الكرب والبلاء ، ثم قال: هذا موضع كرب وبلاء ، انزلوا ، ها هنا محط ركابنا ، وسفك دمائنا ، وهنا محل قبورنا بهذا حدّثني جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فنزلوا جميعاً ، ونزل الحر وأصحابه ناحية.(١)
وجلس الحسينعليهالسلام يصلح سيفه ويقول:
يا دهر أُفٍّ لك من خليلِ |
كم لك بالإشراق والأصيلِ |
|
من طالبٍ وصاحب قتيل |
والدهر لا يقنع بالبديل |
|
وكلّ حيّ سالك سبيل |
ما أقرب الوعد من الرحيل |
انّما الأمر إلى الجليل
عبد الرحمن بن عبد ربّه من شدّة بهجته بقرب استشهاده ، وكان ممّن نهض وتحدّث في ليلة العاشر معلناً عن استعداده للبذل والتضحية في نصرة الحسينعليهالسلام .
وفي كربلاء تحدّث عدّة مرّات مخاطباً جيش العدو ، وكلماته في نصرة سيد الشهداء معروفة ، وبرز إلى القتال في يوم الطف وتكلّم في ذمّ جيش عمر بن سعد. برز إلى الميدان من بعد استشهاد الحرّ وقاتل حتى نال الشهادة ، وكان يرتجز ساعة القتال ويقول:
أنا برير وأبي خضيرٌ |
وكل خير فله بُريرٌ |
انظر: تاريخ الطبري ٥: ٤٢١ و٤٢٣ ، معجم رجال الحديث ٣: ٢٨٩ ، المناقب ٤: ١٠٠ ، بحار الأنوار ٤٥: ١٥.
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٦٩ ، تاريخ ابن الأثير ٤: ٢٨٧ ، زفرات الثقلين ١: ١٠٥.
فسمعت اُخته زينب فقالت: يا أخي هذا كلام من أيقن بالقتل.
فقال: نعم يا اُختاه.
فقالت زينب: واثكلاه ينعى الحسين إليَّ نفسه ، وبكى النسوة ولطمن الخدود ، وشققن الجيوب ، وجعلت اُمّ كلثوم(١) تنادي:
وا محمداه وا عليّاه وا اُمّاه وا أخاه واحسناه واضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله.
فعزّاها الحسينعليهالسلام وقال لها: يا اُختاه تعزي بعزاء الله فانّ سكان السماوات يفنون ، وأهل الأرض كلّهم يموتون ، وجميع البرية يهلكون.(٢)
وروي من طريق آخر انّهاعليهاالسلام لمـّا سمعت مضمون الأبيات ، وكانت في موضع منفردة مع النساء والبنات خرجت حاسرة تجرّ ثوبها حتى وقفت عليه فقالت:
وا ثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت اُمّي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن ، يا خليفة الماضين وثمال الباقين.
فنظر إليها الحسينعليهالسلام وقال: يا اُختاه ، لا يُذهِبَنّ بحلمك الشيطان.
فقالت: بأبي أنت واُمّي أتستقتل(٣) نفسي لك الفداء.
____________________
(١) اُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنينعليهالسلام ، واُمّها فاطمةعليهاالسلام ، وهي أخت الحسن والحسين وزينب عقيلة بني هاشم ، ومسألة زواجها من عمر من أشدّ المسائل اختلافاً بن المسلمين ، وكثيراً ما يقع الخلط عند المؤرخين بينها وبين أختها زيبن الكبرى لاتحادهما في الكنية.
راجع مصادر ترجمتها: أجوبة المسائل السروية: ٢٢٦ ، الاستغاثة: ٩٠ ، الاستيعاب ٤: ٤٩٠ ، أسد الغابة ٥: ٦١٤ ، اعلام النساء المؤمنات: ١٨١ - ٢٢٠.
(٢) أنساب الأشراف (ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ) ١: ١٩١.
(٣) في بعض المصادر: أتغتصب نفسك اغتصاباً.
فردّدت عليه غصته ، وتغرغرت عيناه بالدموع ، ثم قال: ولو ترك القطا ليلا لنام(١) .
فقالت: يا ويلتاه ، أفتغتصب نفسك اغتصابا ، فذلك أقرح لقلبي ، وأشدّ على نفسي ، ثمّ أهوت إلى جيبها فشقّته ، وخرّت مغشيّاً عليها.
فقامعليهالسلام فصبّ عليها الماء حتى أفاقت.(٢)
نادت فقطعت القلوب بشجوها |
لكنما انتظم البيان فريدا |
|
انسان عيني يا حسين اخيَّ يا |
أملي وعقد جماني المنضودا |
|
إن تنع أعطت كلّ قلب حسرة |
أو تدعُ صدّعت الجبال الميدا |
|
عبراتها تحيي الثرى لو لم تكن |
زفراتها تدع الرياض همودا |
____________________
(١) من الأمثال العربية ، يقال في الأمر الخفي قد ظهر ما يدلّ عليه.
والقطا نوع من الطير يأوي عادة إلى عشّه في الليل ، فإذا وجد ليلاً طائراً عُرف أن أمراً قد أفزعه.
قالوا: إنّ رجلاً من العرب يسمّى غاطس بن خلاج سار إلى رجل يسمّي الريّان في قبائل حمير وخثعم وهمدان وغيرهم ، ولقيهم الريّان في أربعة عشر حيّاً من أحياء اليمن فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ثمّ تحاجزوا ، ولكن الريّان هرب في الليل مع أصحابه ، وساروا يومهم وليلتهم حتى ظنّوا أنّهم بعدوا ، فعسكروا حيث وصلوا ، وأصبح الصبح فغدا غاطس إلى قتلاهم فلم يجدهم في مكانهم ، فجد في طلبهم ، ولم يزل حتى اقترب من المكان الذي عسكر فيه الريّان ، ونظر الريّان وأصحابه فوجدوا القطا يمر بهم طائراً فزعاً ، فصاحت ابنة الريّان:
ألا يا قومنا ارتَحِلوا وسيروا |
فلو ترك القَطا ليلاً لناما |
انظر: مجمع الأمثال العربية للميداني: ٣٢٢.
(٢) الملهوف: ١٤٠ ، الأمالي الخميسية ١: ١٧٧.
[المجلس العاشر]
لم ـّ ا نزل الحسينعليهالسلام بأرض كربلاء ، كان نافع بن هلال البجلي من أخص أصحابه به وأكثرهم ملازمة له ، ولا سيّما في مظان الاغتيال ، لأنّه كان حازماً بصيراً بالسياسة.
فخرج الحسينعليهالسلام ذات ليلة خارج الخيام حتى أبعد ، فتقلّد نافع سيفه وأسرع في أثره ، فرآه يختبر الثنايا والعقبات والأكمات المشرفة على المنزل فالتفت الحسينعليهالسلام فرآه فقال:
من الرجل ؟ نافع ؟
قال: نعم ، جعلت فداك يا بن رسول الله.
فقال: يا نافع ما أخرجك في هذا الليل ؟
فقال: سيّدي أزعجني خروجك ليلاً إلى جهة هذا الباغي.
فقال: يا نافع خرجت أتفقد هذه التلعات مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل على مخيمنا يوم يحملون وتحملون.
قال: ثم رجع وهو قابض على يساري وهو يقول: هي هي والله وعد لا خلف فيه.
ثم قال: يا نافع ، ألا تسلك بين هذين الجبلين وانج بنفسك فوقع نافع بن هلال على قدميه يقبّلهما ويبكي وهو يقول:
إذن ثكلت نافعاً اُمّه ، سيّدي إنّ سيفي بألف وفرسي بمثله ، فوالله الذي مَنَّ عليَّ بك في هذا المكان لن اُفارقك أبا عبد الله حتى يكلأ عن فري وجري.
قال نافع: ثمّ فارقني ودخل خيمة اُخته زينبعليهاالسلام ووقفت انتظره ، فاستقبلته زينب ووضعت له متّكأ وجلس يحدّثها سراً فما لبثت أن اختنقت بعبرتها ونادت: وا أخاه وا حسيناه ، اُشاهد مصرعك وابتلي برعايتي هذه المذاعير من النساء ، والقوم يا بن اُمّي كما تعلم ما هم عليه من الحقد القديم ذلك خطب جسيم يعزّ عليَّ مصرع هذه الفتية وأقمار بني هاشم.
ثم قالت: يا بن اُمّي هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم فانّي أخاف أن يسلّموك عند الوثية واصطكاك الأسنّة ، فبكى الحسينعليهالسلام وقال: أما والله لقد بلوتهم فما رأيت فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن اُمّه.
قال نافع: فبكيت رقّةً لها ، ثم أتيت حبيب بن مظاهر فرأيته جالساً في خيمته وبيده سيفه مصلّت وهو يقول كأنّه يخاطبه:
أيّها الصارم استعد جواباً |
لسؤال إذا العجاج اثيرا |
|
والمواضي برق وقد تخذ البا |
سل المطهّمات سريرا |
قال نافع: فسلّمت عليه فرد السلام ، ثم قال: يا أخي ما الذي أخرجك في هذا الليل ؟
فحكيت له القصة من أوّلها إلى ما كان من قولهعليهالسلام : «يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطفل بلبن اُمّه».
فقام حبيب قائماً على قدميه وقال: أي والله ، لولا انتظار أمره لعاجلتهم
وعالجتهم الليلة بسيفي هذا ما ثبت قائمه بيدي.
ثم قال نافع: يا أخي فارقت الحسينعليهالسلام مع اُخته زينب في حال وجل ورعب ، واظنّ انّ النساء قد شاركنها في الزفرة والحسرة فهل لك أن تجمع أصحابك وتمضي إليهم بكلام يسكن قلوبهنّ ويذهب رعبهنّ ، فلقد شاهدت ما لا قرار لي على بقائه.
فقال: أنا طوع إرادتك ، فبرز حبيب ناحية ونافع إلى جنبه وانتدب أصحابه فنادى:
أين أنصار الله ؟ أين أنصار رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أين أنصار أمير المؤمنين ؟ أين أنصار فاطمة ؟ أين أنصار الحسين ؟ أين أنصار الإسلام ؟
فتطالعوا من منازلهم كالليوث الضارية يقدمهم أبو الفضل العبّاس(١) عليهالسلام فلمّا اجتمعوا قال لبني هاشم: «ارجعوا إلى منازلكم لا سهرت عيونكم ، ثمّ خطب أصحابه فقال:
يا أصحاب الحمية ، وليوث الكريهة ، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا فاخبروني عن نيّاتكم ، فجرّدوا صوارمهم ، ورموا عمائمهم وقالوا:
أما والله يا بن مظاهر لئن زحف القوم إلينا لنحصدنّ رؤوسهم ولنلحقهم
____________________
(١) العبّاس بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، اُمّه اُمّ البنين حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد العامري ، وهو أكبر ولدها ، ويكنّى أبا الفضل ، كان وسيماً جميلاً يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطّان في الأرض ، يقال له قمر بني هاشم وهو السقّاء ، كان لواء الحسينعليهالسلام معه يوم قتل ، هو آخر من قتل من اخوته لاُمّه وأبيه ، قتله زيد بن رقاد الجنبي وحكيم بن الطفيل الطائي النبسي ، وكلاهما ابتلى في بدنه.
انظر: مقاتل الطالبيين: ٨٤ - ٨٥ ، رجال الشيخ: ٧٦.
بأشياخهم ، ولنحفظنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عترته وذرّيّته.
فقال لهم حبيب: معي معي ، فقام يخبط الأرض بهم وهم يعدون خلفه حتى وقف بين أطناب الخيم ونادى:
السلام عليكم يا ساداتنا.
السلام عليكم يا معشر حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
هذه صوارم فتيانكم آلوا أن لا يغمدوها إلا في رقاب من يبتغي السوء فيكم.
وهذه أسنّة غلمانكم آلوا أن لا يركزوها إلا في صدور من يفرّق بين ناديكم.
فخرج إليهم الحسينعليهالسلام وقال: أصحابي جزاكم الله عن أهل بيت نبيّكم خيراً.
رجال تواصوا حيث طابت اُصولهم |
وأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبرا |
|
حماة حموا خدراً أبى الله هتكه |
فعظّمه شأناً وشرّفه |
|
فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم |
ومنه بنات المصطفى أبرزت حسرا(١) |
____________________
(١) الدمعة الساكبة: ٣٤٥.
[المجلس الحادي عشر]
عن مولانا الصادقعليهالسلام أنّه قال: سمعت أبي يقول: لمـّا التقى الحسينعليهالسلام وعمر بن سعد وقامت الحرب أنزل الله النصر حتى رفرف على رأس الحسين ثمّ خيّر بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله فاختار لقاء الله.(١)
ثم صاح الحسينعليهالسلام :
أما من مغيث يغيثنا لوجه الله ؟ أما من ذابٍ يذبّ عن حرم رسول الله ؟
قال: فإذا الحر بن يزيد الرياحي قد أقبل إلى ابن سعد فقال:
أمقاتل أنت هذا الرجل ؟
فقال: أي والله ، قتال أيسره أن تطير الرؤوس وتطيح الأيدي.
قال: فمضى الحرّ ووقف موقفاً من أصحابه وأخذه مثل الأفكل(٢) .
فقال له المهاجر بن أوس(٣) : والله إنّ أمرك لمريب ، ولو قيل لي: مَن أشجع
____________________
(١) الملهوف: ٧٤.
(٢) الأفكل - بفتح الهمزة والكاف -: الرعدة.
(٣) لم يرد في كتب التراجم.
وفي كتاب تسمية مَن قتل مع الإمام الحسين: ١٥٥ ، ذكر من جملة شهداء الأصحاب المهاجر بن أوس من بجيلة.
فهل المهاجر بن أوس اثنان ؟ أم واحد كان في عسكر ابن سعد ثمّ التحق بمعسكر الإمام الحسينعليهالسلام واستشهد معه ؟ الله أعلم.
أهل الكوفة لما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك ؟
فقال: والله إنّي اُخيّر بين الجنّة والنار ، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت.
ثمّ ضرب فرسه قاصداً إلى الحسينعليهالسلام ويده على رأسه وهو يقول:
اللهم إليك أنبت فتب عليَّ ، فقد أرعبت قلوب أولياؤك أولاد بنت نبيّك.
وقال للحسينعليهالسلام : جعلت فداك أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع وجعجع بك ، وما ظنننت أنّ القوم يبلغون بك ما أرى ، وأنا تائب إلى الله تعالى فهل ترى لي من توبة.
فقال له الحسينعليهالسلام : نعم ، يتوب الله عليك فانزل.
فقال: أنا لك فارساً خير مني لك راجلاً وإلى النزول يصير آخر أمري.
ثم قال: كنت أوّل من خرج عليك فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك لعلّي أكون ممّن يصافح جدّك محمّداًصلىاللهعليهوآله غداً في القيامة.
فأذن له فجعل يقاتل أحسن قتال حتى قتل جماعة من الشجعان والأبطال ثمّ استشهد فحمل إلى الحسينعليهالسلام فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول:
أنت الحر كما سمّتك اُمّك حرّاً في الدنيا والآخرة.(١)
[قال]: وخرج برير بن خضير وكان زاهداً عابداً فخرج إليه يزيد بن
____________________
(١) تاريخ الطبري ٥: ٤٦٩ ، تاريخ ابن الأثير ٦: ٢٨٧.
المغفل(١) فاتّفقا على المباهلة إلى الله تعالى: في أن يقتل المحقّ منهما المبطل ، وتلاقيا ، فقتله برير ، ولم يزل يقاتل حتى قُتلرحمهالله تعالى.
[قال]: وخرج وهب بن حباب الكلبي(٢) ، فأحسن في الجلاد ، وبالغ في الجهاد ، وكانت معه امرأته ووالدته فرجع إليهما وقال: يا اُمّاه أرضيتِ أم لا ؟
فقالت الاُمّ: ما رضيت الا تقتل بين يدي الحسينعليهالسلام .
وقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني بنفسك.
فقالت له امه: يا بني أعزب عن قول زوجتك وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيّك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.
فرجع ولم يزل يقاتل حتى قُطعت يداه ، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي واُمّي قاتل دون الطيبين حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فأقبل كي يردّها إلى النساء ، فأخذت بجانب ثوبه وقالت: لن أعود دون أن أموت معك.
فقال الحسينعليهالسلام : «جُزيتم من أهل بيتٍ خيراً ، ارجعي إلى النساء رحمك الله» فانصرفت إليهنّ.
ولم يزل الكلبي يقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه.
[قال]: ثم خرج مسلم بن عوسجة(٣) رحمهالله فبالغ في قتال الأعداء ،
____________________
(١) وقيل: يزيد بن معقل ، وهو خبيث ملعون. انظر: ألملهوف: ١٦٠.
(٢) في ضياء العينين: ٣٥: وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي ، اُمّه قمرى ، وذكر الكثير من أخباره في واقعة الطف ، أخذها من كتاب الملهوف: ١٦١.
(٣) مسلم بن عوسجة الأسدي ، من أبطال العرب في صدر الإسلام ، أول شهيد من أنصار الحسين بعد قتلى الحملة الأولى ، كان شيخاً كبير السن ، وشخصية أسدية كبرى ، وإحدى الشخصيات البارزة في
وصبر على أهوال البلاء حتى سقط إلى الأرض وبه رمق ، فمشى إليه الحسينعليهالسلام ومعه حبيب بن مظاهر.
فقال له الحسينعليهالسلام : «رحمك الله يا مسلم ،« فمنهم مَن قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً».
ودنا منه حبيبرضياللهعنه وقال: عزّ عليَّ مصرعك يا أخي يا مسلم أبشر بالجنّة.
فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشّرك الله بخيرٍ.
ثم قال له حبيب: لولا أعلم أنّني في الأثر لأحببتُ أن توصي إليّ بكلّ ما
الكوفة ، وكان صحابياً ممّن رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وروى عنه ، كان رجلاً شجاعاً وجريئاً شارك في الكثير من حروب المسلمين ، وشهد مع عليعليهالسلام كلّ غزواته.
كان في الكوفة يأخذ البيعة من الناس للحسين بن عليعليهالسلام ، وقد جعله مسلم بن عقيل حين ثار بالكوفة على رأس طائفة من مذحج وأسد ، وكان ينهض بجمع المال والسلاح والأنصار.
وفي ليلة عاشوراء لمـّا أوعز الإمام الحسين ان يتخذوا ظلام الليل جملاً وينصرفوا وقف مسلم بن عوسجة موقفاً جريئاً وقام متكلّماً وقال: «والله لو علمت انّي اُقتل ثمّ اُحيى ثمّ اُحرق ثمّ أذرى ، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما تركتك فكيف وانّما هي قتلة واحدة ثم الكرامة إلى الأبد».
وكان ساعة البراز يرتجز:
ان تسألوا عني فانّي ذو لبد |
من فرع قوم في ذُرى بني أسد |
|
فمن بغانا حايد عن الرشد |
وكافرٌ بدين جبّار صمد |
وعند القتال لم يتجرّأ أحد من الأعداء على مبارزته ، فرضخوه بالحجارة ولمّا سقط على الأرض وكان به رمق مشى إليه الحسينعليهالسلام وحبيب بن مظاهر ، فدعا له الحسين وبشّره بالجنّة ، ولما اقترب منه حبيب بن مظاهر قال له مسلم: اوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - فقاتل دونه حتّى تموت. انظر: رجال الشيخ: ٨٠ ، تاريخ الطبري ٥: ٤٣٥ ، بحار الأنوار ٤٥: ٦٩ ، الأخبار الطوال: ٢٤٩ ، أنصار الحسين: ١٠٨ ، تسمية مَن قتل مع الحسين: ٥٢ وفيه: مسلم بن عوسجة السعدي من بني سعد بن ثعلبة ، قتله مسلم بن عبد الله وعبيد الله بن أبي خشكارة.
أهمّك.
فقال له مسلم: فإنّي اوصيك بهذا - وأشار بيده إلى الحسينعليهالسلام - قاتل دونه حتى تموت.
فقال له حبيب: لأنعُمنّك عيناً.
ثم مات رضوان الله عليه.
إلى أن [قال:] وحضرت صلاة الظهر فأمر الحسينعليهالسلام زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي أن يتقدّما أمامه بنصف من تخلّف معه ثمّ صلى بهم صلاة الخوف فوصل إلى الحسينعليهالسلام سهم فتقدّم سعيد بن عبد الله الحنفي يقيه بنفسه ما زال ولا تخطّى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول:
اللهم العنهم لعن عاد وثمود. اللهم ابلغ نبيّك عنّي السلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح فانّي أردت ثوابك في نصر ذرّيّة نبيّك ، ثمّ قضى نحبه فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح...
[قال:] وتقدّم سويد بن عمرو بن أبي المطاع(١) وكان شريفاً كثير الصلاة فقاتل قتال الأسد الباسل ، وبالغ في الصبر على الخطب النازل حتى سقط بين القتلى وقد اُثن بالجراح ، فلم يزل كذلك وليس به حراك حتى سمعهم يقولون:
قتل الحسينعليهالسلام ، فتحامل واخرج من خفّه سكيناً وجعل يقاتلهم
____________________
(١) ويعرف أيضاً ب- «سويد بن عمر الخثعمي». والخثعمي: خثعم بن أنمار بن أرش من القحطانية ، وهو آخر من قتل في ساحة كربلاء ، قتل بعد الحسينعليهالسلام ، كان أحد رجلين كانا برفقة الحسينعليهالسلام . سقط إلى الأرض جريحاً وكان به رمق ، ولما سمع جيش الكوفة ينادي مستبشراً بقتل الحسين إستفاق وبدأ يقاتل بمديته وسيفه حتى استشهد ، قتله هاني بن ثبيت الحضرمي. انظر: رجال الشيخ: ٧٤ ، المناقب ٤: ١٠٢ وفيه: عمرو بن أبي المطاع الجعفي ، تنقيح المقال ٢: ٧٦.
به حتى قتل...
وجعل أصحاب الحسين يسارعون إلى القتل بين يديه فكانوا كما قيل:
قوم إذا نودوا لدفع ملمّة |
والخيل بين مدعّس ومكردس |
|
لبسوا القلوب على الدروع كأنّهم |
يتهافتون على ذهاب الأنفس(١) |
____________________
(١) الملهوف: ١٦٦ ، زينة المجالس: ٤٤٤.
[المجلس الثاني عشر]
لمـّا زحف القوم نحو الحسينعليهالسلام وطلب العبّاس منهم تأجيل القتال إلى غدٍ ، أمر الحسينعليهالسلام أصحابه أن يقرّبوا بيوتهم ، ويدخلوا الأطناب بعضها ببعض ، ويكونوا أمام البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم.
وقام الحسينعليهالسلام وأصحابه الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون ، وباتوا ولهم دوي كدوي النحل ، ما بين قائم وقاعد ، وراكع وساجد ، فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر ابن زياد اثنان وثلاثون رجلاً.
و لمـّا ضيّقوا على الحسينعليهالسلام ونال منه ومن أصحابه العطش قام واتّكأ على قائم سيفه ، ونادى بأعلى صوته فقال:
أنشدكم الله هل تعرفوني ؟ قالوا: نعم أنت ابن رسول الله وسبطه. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدّي رسول الله ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن اُمّي فاطمة بنت محمدصلىاللهعليهوآله ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب ؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدّتي بنت خويلد أوّل نساء هذه الامّة إسلاماً ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيّار في الجنّة عمّي ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون انّ هذا سيف رسول الله أنا متقلّدة ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا لابسها ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ عليّاًعليهالسلام كان أول القوم إسلاماً ، وأعلمهم علماً ، وأعظمهم حلماً ، وانّه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء ، ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة. قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً.
فلمّا خطب هذه الخطبة وسمع بناته واُخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن الخدود وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهن أخاه العباسعليهالسلام وعليّاً ابنه وقال لهما: سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن.
فلمّا لم يبق معه سوى أهل بيته خرج علي بن الحسين(١) عليهالسلام وكان
____________________
(١) علي بن الحسين الأكبر ، يكنّى أبا الحسن ، من سادات الطالبيين وشجعانهم ، امّه ليلى بنت أبي مرّة
من أصبح الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقاً ، فاستأذن أباه في القتال فأذن له ، ثم نظر إليه نظرة آيس منه ، وأرخى عينيه بالدموع وبكى ، ثم قال: اللهم اشهد فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه فصاح وقال: يا بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، فتقدّم نحو القوم وقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً ، ثم رجع إلى أبيه وقال: يا أبه العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل اتقوّى بها على الأعداء.
فبكى الحسينعليهالسلام وقال: واغوثاه ، يا بني من أين آتي لك بالماء ؟ قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمداصلىاللهعليهوآله فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً.
فرجع إلى موقف النزال وقاتل أعظم قتال ، فرماه منقذ بن مرّة العبدي(١) بسهم فصرعه فنادى:
يا أبتاه عليك منّي السلام ، هذا جدّي يقرؤك السلام ويقول لك: عجّل
(قرّة) بن عروة (عمرو) بن مسعود بن مغيث (معبد) الثقفي ، واُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب ، كان له من العمر سبع وعشرون سنة ، وردت رواية أنّه كان متزوجاً من اُمّ ولد ، هو أوّل من قتل من بني هاشم ، طعنه مرّة بن منقذ النعمان العبدي وهو يحوم حول أبيه ويدافع عنه ويقيه ، وانهال أصحاب الحسين على مرّة فقطّعوه بأسيافهم ؛ قيل: مولده في خلافة عثمان ، وسمّاه المؤرخون الأكبر تمييزاً له عن أخيه زين العابدين علي الأصغر.
انظر: مقاتل الطالبيين: ٨٠ - ٨١ ، الطبقات الكبرى ١٥:١٥٦ ، ورجال الشيخ: ٧٦ ، البداية والنهاية ٨: ١٨٥ ، الأعلام ٤: ٢٢٧.
____________________
(١) كذا في الأصل وبعض المصادر ، ولكن في تاريخ الطبري ٦: ٦٢٥ ، والكامل ٤: ٣٠ ، والأخبار الطوال ٢٥٤ ورد اسمه هكذا: مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي ثمّ الليثي.
القدوم إلينا ، ثمّ شهق شهقة فمات.
فجاء الحسينعليهالسلام حتى وقف عليه ووضع خدّه على خدّه وقال:
قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا.
قال: وخرجت زينب بنت عليعليهالسلام تنادي: يا حبيباه يا بن أخاه ، وجاءت فانكبت عليه ، فجاء الحسينعليهالسلام فأخذها وردّها إلى النساء.
ثمّ جعل أهل بيته يخرج منهم الرجل بعد الرجل حتى قتل القوم منهم جماعة.
فصاح الحسينعليهالسلام في تلك الحال: صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، فوالله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.
قال: وخرج غلام كأنّ وجهه شقة قمر ، فجعل يقاتل فضربه ابن فضيل الأزدي(١) على رأسه ، ففلقه ، فوقع الغلام لوجهه وصاح: يا عمّاه !
فجلس الحسينعليهالسلام كما يجلس الصقر(٢) ، ثم شدّ شدّة ليثٍ أغضب ، فضرب ابن فضيل بالسيف ، فاتّقاها بالساعد ، فأطنّه من لدن المرفق ، فصاح صيحة سمعه أهل العسكر ، وحمل أهل الكوفة ليستنقذوه ، فوطأته الخيل حتى هلك.
[قال:] ثم قام الحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول: «بُعداً لقومٍ قتلوك ، ومَن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك».
____________________
(١) في مقاتل الطالبيين: ٨٨ ذكر اسمه: عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي.
(٢) كذا في الأصل ، وفي المصادر: فجلى الحسينعليهالسلام كما يجلي الصقر.
ثم قال: «عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوت ، والله كثر واتره وقلّ ناصره».
ثمّ حملعليهالسلام الغلام على صدره حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
[قال:] و لمـّا رأى الحسينعليهالسلام مصارع فتيانه وأحبّته ، عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى:
هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
هل من موحّدٍ يخاف الله فينا ؟
هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا ؟
هل من معينٍ يرجو الله في إعانتنا ؟
فارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينبعليهاالسلام : «ناوليني ولدي الصغير(١) حتى اودّعه ، فأخذه وأومأ إليه ليقبّله فرماه حرملة ابن كاهل(٢) بسهم فوقع في نحره فذبحه.
____________________
(١) هو عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، واُمّه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس ، وفي اسم قاتله اختلاف ؛ فقيل: حرملة ؛ وقيل: عقبة بن بشر.
(٢) وهو خبيث ملعون ، لمـّا قُبض على حرملة ورآه المختار ، بكى المختار وقال: يا ويلك أما كفاك ما فعلت حتى قتلت طفلاً صغيراً وذبحته ، يا عدوّ الله ، أما علمت أنّه ولد النبي ، فأمر به فجعلوه مرمى ، فرمي بالنشاب حتى مات.
وقيل: إنّه لمـّا نظر المختار إلى حرملة قال: الحمد لله الذي مكّنني منك يا عدوّ الله ، ثم أحضر الجزّار فقال له: اقطع يديه ورجليه ، فقطعهما ، ثم قال: عليّ بالنار ، فاحضرت بين يديه ، فأخذ قضيباً من حديد وجعله في النار حتى احمرّ ثم ابيضّ ، فوضعه على رقبته ، فصارت رقبته تجوش من النار وهو يستغيث حتى قطعت رقبته. انظر: حكاية المختار: ٥٥ و٥٩.
فقال لزينب: خذيه ، ثم تلقّى الدم بكفّيه ، فلمّا امتلأت رمى بالدم نحو السماء ثم قال:
هون عليّ ما نزل بي ، انّه بعين الله تعالى.
قال الباقرعليهالسلام : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.(١)
قال الراوي: واشتدّ العطش بالحسينعليهالسلام فركب المسنّاة يريد الفرات والعبّاس أخوه بين يديه فاعترضته خيل ابن سعد ، فرمى رجل من بني دارم الحسينعليهالسلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف ، فانتزع السهم وبسط يديه تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم ثم رمى به وقال:
اللهم انّي أشكوا إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك ، ثم انهم اقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه قدس الله روحه ، فبكى الحسين لقتله بكاءً شديداً ، وفي ذلك يقول الشاعر(٢) :
أحقّ الناس أن يُبكى عليه |
فتىً أبكى الحسين بكربلاء |
|
أخوه وابن والده عليّ |
أبو الفضل المضرّج بالدماء |
|
ومن واساه لا يثنيه شيء |
وجاد له على عطش بماء(٣) |
ولما دخل بشير بن حذلم المدينة المنورة لينعى الحسينعليهالسلام التقى باُم البنين(٤) «وهي ام العباس» فقال لها:
____________________
(١) الملهوف: ١٦٩ ، كفاية الطالب: ٢٨٤ ، إحقاق الحقّ: ٤٥٤.
(٢) وهو: الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن أمير المؤمنينعليهالسلام من أعلام القرن الثاني.
(٣) الملهوف: ١٧٠ ، مقاتل الطالبيين: ٨٤ ، الغدير ٣: ٣.
(٤) هي فاطمة بنت حَزام بن خالد بن ربيعة بن عامر ، واُمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر ، وتكنّى: «امّ البنين» قبل تزويجها الإمام عليعليهالسلام لأنها من بيت (ام البنين العامريّة) التي قيل فيها:
عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله.
قالت له: أسألك عن سيدي ومولاي الحسين.
قال لها: عظّم الله الأجر بولدك جعفر.
قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين.
قال لها: عظم الله لك الأجر بولدك عثمان.
قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين.
قال لها: عظّم الله لك الأجر بولدك العباس.
قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين. فقال:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها |
قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ |
|
الجسم منه بكربلاء مضرّج |
والرأس منه على القناة يدارُ |
فصاحت ولطمت خدّها ، وشقّت جيبها ونادت: وا حسيناه وا سيّداه ، ثمّ أنشدت:
لا تدعوني ويك امّ البنين |
تذكريني بليوث العرين |
|
كانت بنون لي اُدعى بهم |
واليوم أصبحت ولا من بنين |
|
أربعة مثل نسور الربى |
قد واصلوا الموت بقطع الوتين |
|
تنازع الخرصان أشلاءهم |
فكلّهم أمسى صريعاً طعين |
وكانت من بيت كرم وشجاعة وفصاحة ومعرفة.
وقال الإمام عليعليهالسلام - بعد وفاة الصديقة الزهراءعليهاالسلام - لأخيه عقيل - وكان نسّابة العرب وعرّافة بأحسابها وعاداتها -: «أبغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلدني غلاماً فارساً».
فقال له عقيل: أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّة ؟
انظر: تاريخ بغداد ١٢: ١٣٦ ، عمدة الطالب: ٣٢٤.
يا ليت شعري أكما أخبروا |
بأن عبّاساً قطيع اليمين(١) |
ثم انّ الحسينعليهالسلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كلّ من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو في ذلك يقول:
القتل أولى من ركوب العار |
والعار أولى من ركوب النار |
قال بعض الرواة: فو الله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الراوي: ولم يزل يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله فصاح:
ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون.
قال: فناداه شمر: ما تقول يا بن فاطمة ؟
فقال: أقول: انّي اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً.
فقال شمر: لك ذلك يا بن فاطمة.
فقصدوه بالحرب فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد ، حتى أصابه اثنتان وسبعون جراحة فوقف يستريح ساعة
____________________
(١) انظر: مقاتل الطالبيين: ٨٥ ، ابصار العين: ٣٦.
وقد ضعف عن القتال ، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته ، فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه فقال:
بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله.
ثم رفع رأسه وقال:
إلهي أنت تعلم انّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ، ثم أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كأنّه ميزاب فضعف عن القتال ووقف.
فكلّما أتاه رجل انصرف عنه كراهة أن يلقى الله بدمه ، حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسينعليهالسلام وضربه على رأسه الشريف بالسيف ، فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه فامتلأ البرنس دماً.
قال الراوي: فاستدعى الحسين بخرقة فشدّ بها رأسه ، واستدعى بقلنسوة فلبسها واعتمّ عليها ، فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به.
فخرج عبد الله بن الحسن بن علي(١) وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتدّ حتى وقف إلى جنب الحسينعليهالسلام فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فأبى وامتنع امتناعاً شديداً فقال: لا والله لا اُفارق عمّي.
فأهوى بحر بن كعب(٢) ؛ وقيل: حرملة بن كاهل إلى الحسينعليهالسلام بالسيف ، فقال له الغلام: ويلك يا بن الخبيثة ، أتقتل عمّي ؟ فضربه بالسيف
____________________
(١) عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، واُمّه بنت السليل بن عبد الله أخي عبد الله بن جرير البجلي ؛ وقيل: اُمّه اُمّ ولد ؛ وقيل: الرباب بنت امرئ القيس ، كان عمره حين قتل إحدى عشرة سنة. انظر: الارشاد: ٢٤١ ، مقاتل الطالبيين: ٨٩ ، رجال الشيخ: ٧٦.
(٢) وقيل اسمه: أبجر بن كعب.
فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة.
فنادى الغلام: يا عماه !
فأخذه الحسينعليهالسلام وضمّه إليه وقال: يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله يلحقك بآبائك الصالحين.
قال الراوي: فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه الحسينعليهالسلام .
قال الراوي: ولمّا اُثخن الحسينعليهالسلام بالجراح وبقي كالقنفذ ، طعنه صالح بن وهب المري على خاصرته فسقط الحسينعليهالسلام عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن وهو يقول: بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله.
وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي: وا أخاه وا سيّداه وا أهل بيتاه ، ليت السماء اُطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل.
وكان ما كان ممّا لست أذكره.
يا رسول الله لو عاينتهم |
وهم ما بين قتل وسبا |
|
من رميض يمنع الظل ومن |
عاطش يسقى أنابيب القنا |
|
جزروا جزر الأضاحي نسله |
ثم ساقوا أهله سوق الاما |
|
قتلوه بعد علم منهم |
انّه خامس أصحاب الكسا |
|
ليس هذا لرسول الله يا |
اُمة الطغيان والكفر جزا(١) |
____________________
(١) ديوان الرضي ١: ٤٤ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٣٨٦.
الفصل الثاني
في هدي النبيصلىاللهعليهوآله وسيرته وذكر خصائصه المقدّسة
[المجلس الثالث عشر]
إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، قد اتسعت أعلام نبوّته ، وتواترت دلائل رسالته ، ونطقت له السماوات قبل بعثته.
نوّهت باسمه السماوات والأر |
ض كما نوّهت بصبح ذكاها |
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وهو أحمد الذي بشر به عيسىعليهالسلام ، وهو المصطفى والمختار والمحمود ، والماحي الذي يمحو الله به الذنوب ، والعاقب والحاشر والمهيمن ، وكنيته: أبو القاسم ، وفي ذلك يقول الشاعر:
لله ممّن قد برا صفوة |
وصفوة الخلق بنو هاشم |
|
وصفوة الصفوة من هاشم |
محمد النور أبو القاسم |
كان مولده المبارك عام الفيل وطير الأبابيل لسبع عشرة خلون من ربيع الأول ، وقيل: يوم الثاني عشر منه ، وقيل: لثمان خلون منه قبل الهجرة المباركة بثلاث وخمسين سنة.(١)
ولدصلىاللهعليهوآله بمكّة المعظمة بدار ابن يوسف التي بنتها بعد ذلك
____________________
(١) قالرحمهالله : القول الأول هو المشهور وعليه أكثر علماء الإمامية ، والثاني رواه الكليني في الكافي وعليه أكثر علماء السنّة ، والثالث قال به بعض من شذّ من المخالفين.
الخيزران امّ الهادي والرشيد مسجداً ، وكان أبوه عبد الله غائباً بأرض الشام ، فانصرف مريضاً فقضى نحبه بالمدينة الطيّبة والنبيصلىاللهعليهوآله حمل.
أمّا اُمّهصلىاللهعليهوآله : فانّها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب... وفي السنة الاولى من مولده رفع إلى حليمة بنت عبد الله ابن الحارث ترضعه فكانت تقول وهي تلاعبه:
الحمد لله الذي أعطاني |
هذا الغلام الطيّب الأردان |
|
قد ساد في المهد على الغلمان |
أعيذه بالبيت ذي الأركان |
فبقى في بني سعد إلى السنة الرابعة من مولده ، وفي تلك السنة أرجعته مرضعته حليمة إلى اُمّه آمنة في مستهل السادسة من عمره الشريف ، وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيّام.
وفي السنة السابعة من مولده خرجت به اُمّه إلى أخواله تزورهم فت-وفّيت بالأبواء(١) ، وقدمت به اُمّ أيمن إلى مكّة بعد خمسة أيّام من موت اُمّه.
وفي السنة الثامنة من مولده توفّي جدّه شيبة الحمد - أعني عبد المطلب - وضمّه عمّه أبو طالب إليه ، وكان في حجره يؤثره على ولده ونفسه.
وخرج مع عمّه إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة ، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد ومعه غلامها ميسرة وكانصلىاللهعليهوآله ابن خمس وعشرين سنة ، فنظر تشطور الراهب وهو في صومعته إليه وقد ظلّلته الغمامة
____________________
(١) الأبواء - بالفتح ثمّ السكون وواو وألف ممدودة -:... قال ثابت: سمّيت بذلك لتبوّء السيول بها ، وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة ، بينها وبين الجُحفة كما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً ؛ وقيل: هي جبل بين مكة والمدينة. انظر معجم البلدان ١: ٧٩.
فقال: هذا نبي وهو آخر الأنبياء وخاتم الرسل.(١)
وكان منه ما قد تواترت به الأخبار ، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار.
و لمـّا هدمت الكعبة بالسيل بنتها قريش فرفعت سمكها ، وتأتي لها ما أرادت في بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحر إلى ساحلهم ، وكان قد بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة لتبنى هنالك له كنيسة ، وانتهت قريش إلى موضع الحجر الأسود وتنازعوا أيّهم يضعه ، فاتّفقوا على تحكيم الصادق الأمين محمدصلىاللهعليهوآله وكان يعرف عندهم جميعاً بالأمين ، وكانوا على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم وضغائنهم ، واعجاب كلّ قبيلة من قبائلهم بنفسها مجمعين على حبّه وأمانته وعدالته في كلّ شؤونه ، فحكموه فيما تنازعوا فيه ، وانقادوا إلى قضائه.
فبسط رداءه وأخذ الحجر فوضعه في وسطه ، ثم قال لأربعة من زعماء قريش ، وأهل الرياسة فيها - وهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم ، وقيس بن عدى السهم ليأخذ كلّ واحد منكم بجنب من جنبات هذا الرداء ، فشالوه حتى ارتفع ودنا من موضعه فأخذهصلىاللهعليهوآله ووضعه في مكانه وقريش كلّها حضور.
فقال قائل لمن حضر من قريش متعجّباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سنّاً: «واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة كهولاً وشيوخاً عمدوا إلى أصغرهم سنّاً
____________________
(١) انظر قصّة ولادة الرسولصلىاللهعليهوآله في: الفضائل لابن شاذان ٢٠ ، تاريخ بغداد ٣: ٣ - ٢١ ، بحار الأنوار ١٥: ١٤٦ ح ٨ ، وص ٢٨١ ح ١٧ ، وص ٣٤١ ح ١٣.
فجعلوه عليهم رئيساً وحكماً ؟ أما واللات والعزّى ليقسمنّ بينهم حظوظاً وجدوداً ، وليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم».
وكان أبو طالب حاضراً ، فلمّا سمع هذا الكلام انشأ يقول:
إنّ لنا أوّله وآخره |
في الحكم العدل لن ينكره |
قاتل الله أهل العناد( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا کَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْکَافِرِينَ ) (١) ، كذّبوه وانّهم ليعلمونه الصادق الأمين ، وأنكروا نبوّته ، وهم منها على يقين( وَ جَحَدُوا بِهَا وَ اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) (٢) ، ثم لم يألوا جهداً ، ولم يدخروا وسعاً في اطفاء نور الله من مشكاته( وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ... وَ لَوْ کَرِهَ الْمُشْرِکُونَ ) (٣) .
ظلموه وشتموه وأجلوه عن حرم الله عز وجل مسقط رأسه ، ومحل اُنسه ، ثم لم يكتفوا بما كان منهم في مكة المعظمة من فضائع وفجائع ، واُمور تستك منها المسامع ، حتى غزوه وهو في دار هجرته ، ومحل غربته ، فكانت حروب تشيب الأطفال ، وتميد بها الجبال ، لكنّها والحمد لله طحنتهم بكلكلها ، وقرّت الكلاب أشلاءهم ،( وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ کَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَ کَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَ کَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) (٤) .
بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ، بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، كم أسديت لهذه الاُمّة من نعمة ، وكم لك عليها من يد بيضاء تستوجب الشكر والثناء.
____________________
(١) سورة البقرة: ٨٩.
(٢) سورة النمل: ١٤.
(٣) سورة التوبة: ٣٢ - ٣٣.
(٤) سورة الأحزاب: ٢٥.
وحين فتحت مكّة بعد أن أجلوك عنها ، وكان من أبي سفيان ما كان من التحريض على قتلك ومحاربتك ، فأمرت مناديك ينادي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
ثم لم يتم على ولدك وسبطك وريحانتك ما تمّ.
ملكنا فكان العفو منّا سجية |
فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح |
|
وحللتم قتل الاسارى وطالما |
نمرّ على الأسرى نعفو ونصفح |
|
وحسبكم هذا التفاوت بيننا |
وكلّ اناءٍ بالذي فيه ينضح |
قال عبد الله بن العبّاسرحمهالله : انّه لمـّا اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآله مرضه الذي مات فيه وقد ضمّ الحسين إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ويقول:
مالي وليزيد لا بارك الله فيه ، اللهم العن يزيد ، ثمّ غشي عليه طويلاً وأفاق وجعل يقبّل الحسينعليهالسلام وعيناه تذرفان ويقول: أما أنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجل.
وقال ابن عبّاس أيضاً: كنت عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالساً ، إذ أقبل الحسنعليهالسلام ، فلمّا رآه يبكي وقال له: إليّ إليّ ، فأجلسه على فخذه اليمنى.
ثم أقبل الحسينعليهالسلام ، فلمّا رآه بكى وقال له: إليّ إليّ ، فأجلسه على فخذه اليسرى.
ثم أقبلت فاطمةعليهاالسلام ، فلمّا رآها بكى فقال لها: إليّ إليّ ، فأجلسها بين يديه.
ثم أقبل عليعليهالسلام فرآه وقال له: إليّ إليّ ، وأجلسه إلى جانبه الأيمن.
فقال له أصحابه: يا رسول الله ، ما ترى واحداً من هؤلاء الا وبكيت أوَ ما فيهم من تسرّ برؤيته ؟
فقال: والذي بعثني بالنبوّة على جميع البرية ما على وجه الأرض نسمة أحب إليَّ منهم ، وانّما بكيت لما يحل بهم بعدي وما يصنع بهذا ولدي الحسين كأنّي به ، وقد استجار بحرمي وقبري فلا يجار ثمّ يرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه أرض كرب وبلاء تنصره عصابة من المسلمين ، اولئك سادة شهداء اُمّتي يوم القيامة ، فكأنّي انظر إليه وقد رمي بسهم فخرّ عن فرسه صريعاً ثمّ يذبح كما يذبح الكبش مظلوماً.
ثم انتحبصلىاللهعليهوآلهوسلم وبكى من حوله وارتفعت أصواتهم بالضجيج ثم قام وهو يقول:
اللهم انّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي.
والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ |
لا منكر منهم ولا متفجّع |
|
كحلت بمنظرك العيون عماية |
وأصم رزؤك كلّ اذن تسمع |
|
أيقظت أجفاناً وكنت لها كرى |
وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع(١) |
____________________
(١) معجم الأدباء ١٠: ١١٠.
[المجلس الرابع عشر]
ولد رسول اللهصلىاللهعليهوآله - أعلى الأنبياء قدراً ، وأرفع الرسل في الملأ الأعلى ذكراً الذي بشّرت الرسل بظهوره ، وخلقت الأنوار بعد نوره - يوم السابع عشر من ربيع الأوّل ؛ وقيل: يوم الثاني عشر منه ، بمكّة المشرّفة في شعب أبي طالب يوم الجمعة بعد الزوال أو عند الفجر عام الفيل وطير الأبابيل.
وهو أبو القاسم محمد المصطفى بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان....
واُمّه آمنة بنت وهب.
وأزواجه خمسة عشر ، وفي المبسوط: ثمانية عشر ، سبع من قريش ، وواحدة من حلفائهم ، وتسع من سائر القبائل ، وواحدة من بني إسرائيل من هارون بن عمران.
واتّخذ من الاماء ثلاثة عجميتين وعربية.
وله من الأولاد من خديجة: القاسم ، ورقيّة ، وزينب ، واُمّ كلثوم - وفي رقيّة وزينب خلاف - وبعد المبعث ولد من خديجة: الطيّب ، والطاهر ، وسيّدة نساء العالمين ، وله ولد أيضاً من مارية القبطيّة اسمه إبراهيم.
ونزل عليه الوحيصلىاللهعليهوآله ، وتحمل أعباء الرسالة يوم السابع
والعشرون من رجب وهو ابن أربعين سنة..... واصطفاه ربّه بالمدينة مسموماً يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشر من الهجرة المباركة وله ثلاث وستّون سنة ، ودفن في حجرته المنورة.
ومات أبوه هو ابن شهرين ؛ وقيل: سنتان وأربع أشهر ؛ وقيل: مات وهو حمل ، وماتت اُمّه في الأبواء.
وكانصلىاللهعليهوآله كما وصفه ولده باقر علوم الأوّلين والآخرينعليهالسلام : أبيض اللون مشرّباً بحمرة ، أدعج العينين ، مقرون الحاجبين ، عظيم المنكين ، إذا التفت التفت جميعاً ، سائل الأطراف ، كأنّ عنقه ابريق فضّة ، وإذا تكفاً كأنّه إلى منحدر ، لم ير الراؤون مثل نبي الله قبله ولا بعده.
وأمّا معاجزه الباهرة ، وآياته الظاهرة ، فقد قصرت عن حصرها الحسّاب ، وكلّت عن سطرها الكتّاب ، كانشقاق القمر ، وتظليل الغمام ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وتكليم الموتى ، ومخاطبة البهائم ، واثمار يابس الشجر ، وغرس الأشجار وأثمارها على الفور ، وقصة الغزالة مع خشفيها ، وخروج الماء من بين أصابعه ، وانتقال النخلة بأمره ، واخبار الذراع له بالسم ، والنصر بالرعب ، ونوم عينيه دون قلبه ، وعدم طول قامة أحد على قامته ، واكثار اللبن من شاة اُمّ معبد ، ورؤيته من خلفه كما يرى من أمامه ، واطعامه من القليل الجم الغفير ، وطيّ البعيد له ، وشفاء الأرمد إن تفل في عينيه ، وقصة الأسد ، ونزول المطر بدعائه ، ودعائه على سراقة فساخت به الأرض ، وأخباره بالمغيبات ، كأنبائه عن العترة الطاهرة واحداً بعد واحد ، وما يجري عليهم من الأعداء في أرض كربلاء.
ففي البحار وغيره: لمـّا ولدت فاطمة الحسينعليهالسلام جاء النبيصلىاللهعليهوآله فقال:
هلمّي إليَّ بابني يا أسماء.
قالت: فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، ففعل به كما فعل بالحسن يوم ولادته وبكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثم قال:
إنّه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله ، لا تعلمي فاطمة بذلك.
قالت أسماء: فلمّا كان يوم سابعه جاء النبيصلىاللهعليهوآله فقال: هلمي بابني فأتيته به ، ففعل به كما فعل بالحسنعليهالسلام وعقّ عنه كبشاً أملحاً ، وحلق رأسه ، وتصدّق بوزن الشعر ورقاً ، ثمّ وضعه في حجره ، وخلق رأسه بالخلوق ، ثم قال: يا أبا عبد الله عزّ عليَّ ثمّ بكى.(١)
أقول: كأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ذكر حين خلق رأس الحسينعليهالسلام بالخلوق أنّ هذا الرأس يهدى إلى يزيد لحّاه الله على رمح طويل من العراق إلى الشام مع سبعة عشر رأساً من العترة الطاهرة ، تشرق أنوارها على أطراف الرماح كأنّها الأقمار الزاهرة ، وجسومهم منبوذة بالعراء ، لا مغسّلين ولا مكفّنين ، ولا مدفونين ، تصهرهم الشمس ، وبالعزيز عليك يا رسول الله أن يبقى سبطك وريحانتك عاري اللباس.
قطيع الرأس منخمد الأنفا |
س في جندل كالجمر مضطرم |
|
ثوى ثلاث ليال بالعراء بلا |
غسل ولا كفن لله من حكم |
وكريمتك يا رسول الله تناديك بصوت حزين ، وقلب كئيب:
يا رسول الله ، يا جدّاه ، صلى الله عليك مليك السماء ، هذا حسينك بالعراء ،
____________________
(١) انظر: ذخائر العقبى: ١١٩ ، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ٨٧ ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ١٥٤ ، الخصائص الكبرى للسيوطي ٢: ١٢٥.
تسفى عليه الصبا ، قتيل أولاد البغايا ، يا حزناه ، يا كرباه ، اليوم مات جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، يا أصحاب محمداه ، هذه ذرّية المصطفى ، يساقون سوق السبايا ، يا محمداه بناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتّلة ، وهذا حسينك مقطوع الرأس من القفا.
نادت فقطعت القلوب بشجوها |
لكنما انتظم البيان فريدا |
|
انسان عيني يا حسين اخيّ يا |
أملي وعقد جماني المنضودا |
[المجلس الخامس عشر]
روي عن الحسن سلام الله عليه ، قال: سألت خالي هند بن هالة وكان وصّافاً عن حُلية النبيصلىاللهعليهوآله فقال:
كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله فخماً مفخماً ، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذّب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب ، بينهما عرق يدرّه الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من يتأمّله أشم ، كثّ اللحية ، سهل الخدّين ، أدعج العينين ، ظليع الفم أشنب ، مفلج الأسنان ، دقبق المسربة ، كنّ عنقه جيدُ دمية في صفاء الفضّة ، معتدل الخلق ، بادناً متماسكاً ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس أنور ، موصول ما بين الصدر والسرّة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن ممّا سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شئن الكفين القدمين(١) ، سائل الأطراف ، مسبح القدمين ، يخطو تكفئاً ، ويمشي هوينا ، سريع المشي إذا مشى كأنّما ينحط عن صبب ، وإذا التفت التفت جميعاً ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض ، يبدر من لقيه بالسلام ، وكان متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، لا يتكلّم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يتكلّم بجوامع الكلم ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وأن دقتّ ، ولا يذمّ منها شيئاً ، ولا يذمّ ذواقاً ولا يمدحه ، ولا
____________________
(١) قالرحمهالله : شئن وشئل بمعنى يقال: شئلت أصابعه أي: خشنت وغلظت. وقدم شئلة: غليظة اللحم.
تغضبه الدنيا ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفّه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، وإذا حدّث أشار بها فضرب براحته اليمنى باطن ابهامه السيرى ، وإذا غضب أعرض ، وإذا فرح غضّ من طرفه ، جلّ ضحكه التبسّم ، ويفتر عن مثل حب الغمام.
صلى الله عليك يا رسول الله ، وعلى فرخك وشبل سبطك علي بن الحسين الأكبر الشهيد بن الشهيد ، والمظلوم بن المظلوم ، أشبه الناس بك خلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، ولقد يعزّ عليك حين برز إلى ثلاثين ألفاً وهو ابن تسع عشر سنة فرفع الحسين سبابته إلى السماء وقال:
اللهم أشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه.
اللهم امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترض الولاة عنهم أبداً ، فانّهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلوننا.
ثم صاحعليهالسلام : يا بن سعد ، ما لك ؟ قطع الله رحمك ، ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك من يذبحك على فراشك ، كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ثم رفع صوته وتلى:( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عليم ) (١) .
ثم حمل علي بن الحسين على القوم وهو يقول:
____________________
(١) سورة آل عمران: ٣٣.
أنا علي بن الحسين بن علي |
من عصبة جدّ أبيهم النبي |
|
والله لا يحكم فينا ابن الدعي |
أطعنكم بالرمح حتى ينثني |
|
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي |
ضرب غلام هاشمي علوي |
ولم يزل يقاتل حتى ضجّ الناس من كثرة من قتل منهم ، ثم رجع إلى ابيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، فقال:
يا أباه العطش قتلني ، وثقل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟
وبكى الحسينعليهالسلام وقال: يا بني ، يعزّ على محمد وعلي وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبوك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك ، يا بني هات لسانك فأخذه فمصّه ، ودفع إليه خاتمه وقال: امسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك ، فانّي أرجو أنك لا ترجع حتى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً.
فرجع علي بن الحسينعليهالسلام إلى موضع النزال ، وقاتل أعظم القتال وهو يقول:
الحرب قد بانت لها الحقائق |
وظهرت من بعدها مصادق |
|
والله ربّ العرش لا تفارق |
جموعكم أو تغمد البوارق |
فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته ، وضربه الناس بأسيافهم ، ثمّ اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء ، فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً ، فلمّا بلغت روحه التراقي قال رافعاً صوته:
يا أبتاه هذا جدّي قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول لك: العجل العجل فان لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة.
فصاح الحسينعليهالسلام : قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسولهصلىاللهعليهوآله ، على الدنيا بعدك العفا.
كنت السواد لناظري |
فعليك يبكي الناظر |
|
من شاء بعدك فليمت |
فعليك كنت اُحاذر |
قال حميد بن مسلم: فكأنّي انظر إلى امرأة خرجت مسرعة تنادي بالويل والثبور وتقول:
يا حبيباه ، ويا ثمرة فؤاداه ، يا نور عيناه.
فسألت عنها فقيل لي: هي زينب بنت علي عليها وعلى أبيها السلام ، وجاءت وانكبّت عليه ، فجاء الحسينعليهالسلام وأخذها بيدها فردّها إلى الفسطاط وأقبل بفتيانه وقال: احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه ، فجاءوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.
يا كوكباً ما كان أقصر عمره |
وكذاك عمر كواكب الأسحار |
|
جاورت أعدائي وجاور ربّه |
شتّان بين جواره وجواري(١) |
____________________
(١) من قصيدة لابن الفارض ينعى فيها ولده.
[المجلس السادس عشر]
لمـّا قدم النبيصلىاللهعليهوآله إلى المدينة تعلّق الناس بزمام الناقة فقال: دعوها فانّها مأمورة فعلى باب من بركت فأنا عنده.
فأطلقوا زمامها وهي تهفّ في السير ، فبركت على باب أبي أيّوب خالد بن زيد الأنصاري(١) رضى الله تعالى عنه ، ولم يكن في المدينة أفقر منه ، فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبيصلىاللهعليهوآله ، ونادى أبو أيوب:
يا اُمّاه افتحي الباب ، فقد قدم سيّد البشر ، وأكرم ربيعة ومضر ، ففتحت الباب وقالت:
واحسرتاه ، ليت لي عيناً أبصر بها وجه سيّدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكانت عمياء ، فكان أوّل معجزة للنبيصلىاللهعليهوآله أنّهصلىاللهعليهوآله وضع كفّه الشريفة على وجه اُمّ أيّوب فانفتحت عيناها.(٢)
____________________
(١) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عَوف النجار ، أبو أيوب الأنصاري ، معروف باسمه وكنيته ، من السابقين ، شهد العقبة وبدراً وما بعدها ، ونزل عليه النبيصلىاللهعليهوآله لمـّا قدم المدينة ، استخلفه الإمام عليعليهالسلام على المدينة لمـّا خرج إلى العراق ، ثمّ لحق به وشهد معه قتال الخوارج.
وروي عن سعيد بن المسيب أنّ أبا أيوب أخذ من لحية رسول اللهصلىاللهعليهوآله شيئاً ، فقال له: «لا يُصيبك السوء يا أبا أيّوب».
انظر: الإصابة ٢: ١٩٩ - ٢٠١ ترجمة رقم «٢١٦٨» ، تجريد أسماء الصحابة ١: ١٥٠ ، تقريب التهذيب ١: ٢١٣.
(٢) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣٣ ، بحار الأنوار ١٩: ١٢١ ح ٧.
وروي بسند معتبر أنّ أبا أيّوب أتى بشاة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عرس فاطمةعليهاالسلام فنهاه جبرئيل عن ذبحها ، فشقّ ذلك على أبي أيّوب ، ثمّ أمر بذبحها ، فذبحها ابن جبير الأنصاري بعد يومين ، فلمّا طبخت أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن لا تأكلوا الابسم الله ، ثم قالصلىاللهعليهوآله انّ أبا أيّوب رجل فقير ، إلهي أنت خلقتها وأنت أمتّها ، وانّك قادر على إعادتها فاحيها يا حي لا إله إلا أنت ، فأحياها الله تعالى ، وجعل فيها بركة لأبي أيّوب ، وشفاء المرضى في لبنها ، وسمّاها أهل المدينة: المبعوثة.(١)
وفيها قال عبد الرحمن بن عوف:
ألم يبصروا شاة ابن زيد وحالها |
وفي أمرها للطالبين مزيد |
|
وقد ذبحت ثم استحر أهابها |
وفصلها فيما هناك يزيد |
|
فأرجعها ذو العرش والله قادر |
فعادت بحال ما يشاء يعود(٢) |
وفي خبر عن سلمانرضياللهعنه : أنّهصلىاللهعليهوآله لمـّا نزل دار أبى أيّوب لم يكن له سوى جدي وصاع من شعير ، فذبح له الجدي وشواه ، وطحن الشعير وعجنه وخبزه وقدّمه بين يدي النبيصلىاللهعليهوآله ، فأمرصلىاللهعليهوآله بأن ينادي: من أراد الزاد فليأت إلى دار أبي أيّوب ، فجعل أبو أيّوب ينادي والناس يهرعون إلى داره حتى امتلأت الدار ، فأكل الناس بأجمعهم والطعام باقٍ ، فضجّ الناس بالشهادتين.(٣)
وعن علي بن إبراهيم: ما زال أبو كرز الخزاعي يقفو أثر النبي صلى الله
____________________
(١) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣١.
(٢) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣١.
(٣) مناقب آل أبي طالب ١: ١٣١ - ١٣٢.
عليه وآله يوم خروجه إلى الغار حتى وقف على بابه وقال:
هذه قدم محمد ، وهذه قدم ابن أبي قحافة ما جاوزا هذا المكان.
وجاء فارس من الملائكة في صورة الانس فوقف على باب الغار وهو يقول: اطلبوه في هذه الشعاب فليس ها هنا.
وتبعه القوم وكانوا دهاة العرب ، وأمر الله شجرة فنبتت في وجه الغار ، وأمر العنكبوت فنسجت ، وأمر حمامتين بفم الغار.
ولما قربوا منه تقدم بعضهم لينظر ، ثمّ رجع فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أنّه ليس فيه أحد.(١)
[وفي نهج البلاغة(٢) من كلام أمير المؤمنينعليهالسلام في الخطبة القاصعة أنّ النبيصلىاللهعليهوآله قال:
أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي ، فوالذي بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها ، وجاءت ولها دويّ شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله مرفرفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وببعض أغصانها على منكبه ، وكنت على يمينه ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّاً واستكباراً: فمرها فليأتك نصفها.
فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشدّه دويّاً ، وكادت تلتف برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقالوا كفراً وعلواً:
____________________
(١) مناقب آل أبي طالب ١: ١٢٧ - ١٢٨.
(٢) نهج البلاغة ، الخطبة ١٩٢ (القاصعة): ٢٨٥ ، مناقب آل أبي طالب ١: ١٢٩.
فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه ، فأمره فرجع.
لحا الله أهل العناد ، كم رأوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمثال ذلك ، فلم يقلعوا عن عنادهم ، وكم له عليهم من نعمة جعلوا جزاءها قتل ذرّيّته ،- وسبي عترته ، ولقد وقف الحسينعليهالسلام متّكئاً على سيفه ، ووعظهم فلم يتّعظوا ، وذكّرهم فضل جدّه وأبيهعليهماالسلام فلم يذّكّروا ، فكان من جملة كلامه يومئذ:
أنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جدّي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالبعليهالسلام ؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى ؟
قالوا: اللهم نعم.
الى أن قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا متقلّده ؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: انشدكم الله هل تعلمون انّ هذه عمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا لابسها ؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: فبم تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض ، ولواء الحمد بين يديّ يوم القيامة ؟
قالوا: قد علمنا ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً.
فلمّا سمع بناته وأخواته ذلك بكين وندبن ولطمن وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً وقال: سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن.
و لمـّا رأى الحسينعليهالسلام حرص القوم على القتال قال لأخيه العباس: إن استطعت يا أخي أن تصرفهم عنّا هذه الليلة فلعلّنا نصلّي لربّنا فانّه يعلم أنّي أحبّ الصلاة له ، وتلاوة كتابه.
فسألهم العباس ذلك فتوقّف ابن سعد.
فقال له ابن الحجاج: والله لو أنهم من الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمدصلىاللهعليهوآله ، فأجابوهم إلى ذلك.
وجلس الحسينعليهالسلام فخفق برأسه ثم استيقظ ، فقال: يا اُختاه انّي رأيت الساعة جدّي وأبي وأخي وهم يقولون:
يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب ، فلطمت زينب وجهها وبكت وصاحت:
واثكلاه يا جداه يا رسول الله ، وا أخاه وا حسيناه ، أشاهد مصرعك وأبتلي برعاية هذه المذاعير واُغمي عليها.
فقال لها الحسينعليهالسلام : مهلا لا تشمت القوم.
وبات الحسينعليهالسلام في تلك الليلة وأصحابه ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد.
سمة العبيد من الخشوع عليهم |
لله إن ضمّتهم الأسحار |
|
وإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم |
بيض القواضب أنّهم أحرار |
[المجلس السابع عشر]
عن أنس بن مالك قال: كان إذا فقد رسول اللهصلىاللهعليهوآله الرجل سأل عنه ، فإن كان غائباً دعا له ، وإن كان شاهداً زاره ، وإن كان مريضاً عاده.(١)
وعن جابر بن عبد الله الانصاري(٢) ، قال: بينا أنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بعض غزواته إذ أعيا ناضحي تحت الليل ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله في اخريات الناس يلاحظ الضعيف فانتهى إليَّ وأنا أقول:
يا لهف اُمّاه ما زال الناضح بسوء.
فقال: من هذا ؟
فقلت: أنا جابر بأبي واُمّي يا رسول الله.
قال: ما شانك ؟
قلت: أعيا ناضحي.
فقال: أمعك عصا ؟
قلت: نعم.
فضربهصلىاللهعليهوآله ثمّ بعثه ، ثمّ أناخه ، ووطئ على ذراعه ، وقال: اركب ، فركبت وسايرته فجعل جملي يسبق جمله ، فاستغفر لي تلك الليلة
____________________
(١) مكارم الأخلاق ١: ٥٥ ح ٣٤ ، بحار الأنوار ١٦: ٣٣٣.
(٢) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الخزرجي الأنصاري السلمي ، المتوفّى سنة ٧٨ ه ، صحابي ، روى عن النبيصلىاللهعليهوآله الكثير ، وروى عنه جماعة من الصحابة ، غزا تسع عشرة غزوة ، كانت له في أواخر أيّامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم.
انظر: رجال الشيخ: ٧٢ ، الأعلام ١: ٢١٣ ، تهذيب الأسماء ١: ١٤٢.
خمساً وعشرين مرّة.
فقال لي: ما ترك عبد الله من الولد - يعني أباه - ؟
قلت: سبع نسوة.
قال: أبوك عليه دين ؟
قلت: نعم.
قال: فإذا قدمت المدينة وحضر جذاذ النخل فآذني ، هل تزوّجت ؟
قلت: نعم.
قال: بمَن ؟
قلت: بفلانة ابنة فلان بأيم(١) كانت بالمدينة.
فقال: يا جابر ، هلا فتاة تلاعبها وتلاعبك ؟
قلت: يا رسول الله كن عندي نسوة خرق - يعني أخواته - فكرهت آتيهن بامرأة خرقاء ، فقلت: هذه أجمع لأمري.
قالصلىاللهعليهوآله : أصبت ورشدت.
بكم اشتريت جملك ؟
قلت: بكذا وكذا - بخمس أواق من ذهب -.
قال: بعينه ولك ظهره إلى المدينة.
فلمّا قدم المدينة أتيته بالجمل ، فقال: يا بلال اعطه خمس أواق ثمنه وزده ثلاثاً وردّ عليه جمله.
قال جابر: فلمّا حضر جذاذ النخل أعلمت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فجاء فدعا لنا فجذذنا ، فاستوفى كلّ غريم ما كان يطلب تمراً ، وبقي لنا مثل ما كنا نجذ وأكثر.
____________________
(١) أيم وزان كيس ، المرأة التي لا زوج لها ، وهي مع ذلك لا يرغب أحد في تزويجها.
فقالصلىاللهعليهوآله : ارفعوا ولا تكيلوا ، فرفعناه وأكلنا منه زماناً.(١)
وفي الصواعق المحرقة لابن حجر(٢) : أنّ جابراً عبد الله الأنصاري قال للإمام الباقرعليهالسلام وهو صغير: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يسلم عليك.
فقيل له: وكيف ذلك ؟
قال: كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يقبّله فقال:
يا جابر يولد للحسين مولود اسمه علي ، وإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم زين العابدين ، فيقوم علي بن الحسينعليهماالسلام ، ثمّ يولد لعلي ولد اسمه محمّدعليهالسلام فإذا أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام.
وكان جابر هذا من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله وأمير المؤمين والحسن والحسين ، وأدرك الامام محمد الباقرعليهمالسلام ولم يشهد وقعة الطف لكونه إذ ذاك مكفوفاً ، لكنّه أوّل من زار الحسينعليهالسلام .
قال السيد: و لمـّا رجع نساء الحسينعليهالسلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل: مرّ بنا على طريق كربلاء ، فوجدوا جابراً بن عبد الله الأنصاريرحمهالله وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد.(٣)
قال ابن جناب الكلبي(٤) : حدّثنا الجصّاصون ، قالوا: كنّا نسمع الجن
____________________
(١) الأنوار في شمائل النبي المختار ١: ٣١٣ ح ٤١٠ ، مكارم الأخلاق ١: ٥٥ ح ٣٥.
(٢) الصواعق المحرقة: ٢٠١.
(٣) مقتل الحسين لأبي مخنف: ٢٢١.
(٤) في الأصل: أبي حباب الكلبي ، وما أثبتناه هو الصحيح ، وهو يحيى بن أبي حيّة الكلبي الكوفي ، حدّث عن أبيه والشعبي وغيرهم ، انظر «الإكمال ٢: ١٣٤».
ينوحون عليه فيقولون:
مسح النبيّ جبينه |
فله بريق في الخدودِ |
|
أبواه من عَليا قريـ |
ـش وجدّه خير الجدودِ(١) |
ثم انفصلوا من كربلاء ، فلمّا قربوا من المدينة ، قال الإمام زين العابدين:
يا بشر رحم الله أباك ، لقد كان شاعراً فهل تقدر على شيء منه ؟
فقال: بلى يا بن رسول الله.
فقال: ادخل المدينة وانع أبا عبد اللهعليهالسلام .
قال بشر: فركبت فرسي ، فلمّا بلغت المسجد رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها |
قتل الحسين فأدمعي مدرارُ |
|
الجسم منه بكربلاء مضرّج |
والرأس منه على القناة يدارُ |
ثمّ قلت: هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم ، ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم [اُعرفكم مكانه].
قال: فما بقيت بالمدينة مخدّرة ولا محجّبة الابرزن من خدورهنّ ، مخمّشات وجوههنّ ، ضاربات خدودهنّ ، يدعونّ بالويل والثبور ، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم ، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه ، وسمعت جارية تنوح على الحسين وتقول:
____________________
(١) وقد نسب البيهقي في (المحاسن والمساوئ ١: ٤٩) هذه الأبيات الى الشاعر كعب بن زهير ، والظاهر انّه كعب بن زهير الصحابي ، ولم أجد الأبيات المنسوبة إليه في غير هذا الكتاب ، فإن صحّت هذه النسبة ، فهي ممّا كتمت في أيّام الأمويّين والعباسيّين.
نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا |
وأمرضني ناع نعاه فأوجعا |
|
فعينيّ جودا بالدموع واسكبا |
وجودا بدم بعد دمعكما معا |
|
على من وهي عرش الجليل فزعزعا |
فأصبح هذا المجد والدين أجدعا |
|
على ابن نبيّ الله وابن صفيه |
وإن كان عنّا شاحط الدار أشسعا(١) |
قال بشر: فضربت فرسي ورجعت ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فقربت من باب الفسطاط ، وكان زين العابدينعليهالسلام داخلاً فخرج ومعه خرقة يمسح فيها دموعه ، وخلفه خادم ومعه كرسي فوضعها له فجلس عليها وهو لا يتمالك من البكاء ، وارتفعت أصوات الناس ، وضجّت النساء بالحنين والصراخ ، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة.
ثم خطب الناس خطبة لم يسمع أبلغ منها ، ثم رحل إلى المدينة ، فنظر إلى تلك المنازل تنوح بلسان حالها ، وتبكي لفقد حماتها ورجالها ، وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه ، وتنادي لأجلهم: وا ثكلاه ، وا ذلّاه.
مدارس آيات خلت من تلاوةٍ |
ومنزل وحي مقفر العرصاتِ |
|
ما ذنب أهل البيت حتى |
منهم أخلوا ربوعه |
|
تركوهم شتّى مصا |
رعهم وأجمعا فظيعة |
____________________
(١) زينة المجالس: ٥٣٤.
[المجلس الثامن عشر]
كانت وقعة بدر التي أظهر الله بها الدين ، وكسر فيها سورة المشركين ، صبيحة الجمعة لسبعة عشر ليلة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة ، وكان خروج النبيصلىاللهعليهوآله من المدينة المنوّرة ثالث الشهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، منهم سبعة وسبعون من المهاجرين ، والباقون من الأنصار ، ولم يكن معهم إلا فرسان ؛ أحدهما للمقداد ، وكانت الأبل سبعة عشر يتعاقبون عليها.
وأقبلت قريش بخيلائها وحيلها ، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً ؛ وقيل: كانوا ألفاً ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير.
وعبّأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أصحابه ، وكانت رايته بيد أمير المؤمنينعليهالسلام ، وتقارب الفيلقان ، فبرز من المشركين عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وابنه الوليد ، وكانوا عظماء قريش ، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاً بالبروز إليهم ، وأرسل معه عمّه الحمزة ، وعبيدة بن الحرث.
فشدّ أمير المؤمنينعليهالسلام على الوليد فقتله ، وشد الحمزة على عتبة فقتله ، وبارز عبيدة شيبة فاختلف بينهما ضربتان قطعت ضربة شيبة فخذ عبيدةرحمهالله تعالى ، فكرّ أمير المؤمنين وحمزة على شيبة فقتلاه ، فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل وهن لحق المشركين وذلّ دخل عليهم.
ثمّ بارز أمير المؤمنينعليهالسلام العاص بن سعيد بن العاص - بعد أن
أحجم عنه سواه - فقتله ، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، وبرز إليه طعيمة ابن عدي - وكان من رؤوس الضلال - فقتله ، وقتل بعده نوفل بن خويلد ، وكان من شياطين قريش ، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه ، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة وعذّبهما يوماً إلى الليل ، وبرز زمعة بن الأسود والحارث بن زمعة كانا من أشدّ المشركين وطأة على المسلمين فقتلهما ، وقتل بعدهما عمير بن عثمان ابن كعب بن تيم ، وهو عمّ طلحة بن عبيد الله ، وبرز بعد عمير أخيه ، وهما عثمان ومالك ابنا عبيد الله وكانا أخوي طلحة فقتلهما أمير المؤمنينعليهالسلام .
وصمد إلى صناديد قريش يقتل كلّ من برز إليه ، حتى أتى على نصف المقتولين من المشركين ، وكانوا سبعين رجلاً ، تولّى جميع من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاث آلاف من الملائكة المسوّمين قتل النصف منهم ، وتولّى أمير المؤمنين قتل النصف الآخر وحده بمعونة الله عزّ وجل وكان الفتح على يده.
وختم الأمر بكفّ من تراب تناوله النبيصلىاللهعليهوآله فرمى به وجوه المشركين قائلاً: شاهت الوجوه.
فلم يبق أحد منهم الا ولّى منهزماً ، ونصر الله عبده ، وأنجز وعده ، فغنم المسلمون أموال المشركون ، وأسروا سبعين من رجالهم ، فكان العبّاس ممّن اُسر يومئذ وجيء به مكتوفاً ، فبات رسول اللهصلىاللهعليهوآله تلك الليلة ساهراً ، فقال له أصحابه:
يا رسول الله ، ما لك لا تنام ؟
فقال: سمعت تضوّر العباس في وثاقه فمنعني من النوم.
فقاموا إليه فأطلقوه ، فنام رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، أخذك الأرق ، واعتراك القلق ، بوثاق عمّك وقد كان مع المحاربين لك ، على أنّه لم يكن عليلاً ولا ظمآناً ، ولا أضرّه الوثاق ، ولا كان مفجوعاً بأبيه ، ولا مرزوءاً بجمع أهليه ، ولا كان رأس أبيه في أعلى السنان ، ولا طافوا به وبنسائه سبايا في البلدان ، فكيف بك يا رسول الله لو رأيت مريضك العليل والجامعة في عنقه ، والغل في يديه ، والقيد في ساقيه ، وليتك تراهم وقد اجتمعوا عليه يريدون قتله ، فقلبوه عن نطع مسجّى عليه ، وتركوه على الرمضاء ، وحرارة الشمس ، وحرّ المصيبة ، وألم السقم ، يرى خياماً منهوبة ، ونساءً مسلوبة ، ورؤوساً على الرماح مرفوعة ، وجثثاً تحت سنابك الخيل مرضوضة ، يعزّ عليك يا نبي الله إذ ساقوا ثقلك وحرائرك حتى أدخلوهم على يزيد بن معاوية لعنهما الله وهم مقرونون بالحبال ، فلمّا وقفوا بين يديه قال له سبطك علي بن الحسينعليهماالسلام :
أنشدك الله يا يزيد ، ما ظنّك برسول اللهصلىاللهعليهوآله لو رآنا على هذه الصفة ؟
فأمر اللعين بالحبال فقطعت ، ثم وضع رأس ريحانتك بين يديه ، وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرون إليه ، فرأته اُمّ المصائبعليهاالسلام فأهوت إلى جيبها فشقّته ، ثمّ نادت بصوت حزين يقرح القلوب:
يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله ، يا بن مكّة ومنى ، يا بن فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين ، يا بنت المصطفى ، فأبكت والله كلّ من كان حاضراً.
يا ليت عين المصطفى نظرت إلى |
اُمّ المصائب حولها أيتامها |
|
ما بين نائحة وصارخة غدت |
ترثي كما يرثي الفراخ حمامها |
|
لهفي لهاتيك الحرائر أصبحت |
يقتاد قسراً للئيم زمامها |
[المجلس التاسع عشر]
خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى اُحد يوم الجمعة في شوال سنة ثلاث من الهجرة في ألف مقاتل ، فرجع منهم قبل الوصول إلى اُحد ثلاثمائة من المنافقين ، وبقي سبعمائة ، فيهم مائة دارع ، ولم يكن معهم إلا فرسان ، وكان المشركون ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ، ومعهم مائة فرس ، وثلاثة آلاف جمل وخمسة عشر امرأة ، وقائدهم أبو سفيان ، خرج لحرب الله ومعه ولده معاوية وزوجته هند ، وخرج عمرو بن العاص بزوجته ريطة بنت منبّه ، والتقوا يوم السبت ، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل.
ونزل رسول اللهصلىاللهعليهوآله الشعب من اُحد وتركه خلفه ، وجعل الرماة وهم خمسون وراءه ، ليحموا ظهور المسلمين ، وأمرهم أن لا يفارقوا مراكزهم على كلّ حال.
وأعطى رايته عليّاًعليهالسلام ، وسأل عن لواء المشركين فقيل: مع بني عبد الدار ، فأعطى لواءه مصعب بن عمير لأنّه منهم.
فلمّا استشهد أخذ علي بن أبي طالبعليهالسلام في يده الراية واللواء جميعاً ، وحمى الوطيس ، فشدّ أمير المؤمنين على صاحب اللواء وهو طلحة بن أبي طلحة وكان أشجع القوم ، ويعرف بكبش الكتيبة ، فضربه على رأسه ضربة بدرت بهاعيناه ، فصاح صيحة منكرة واسقط اللواء ، فكبّر رسول اللهصلىاللهعليهوآله تكبيراً عالياً ، وكبّر المسلمون بأجمعهم ، وتضعضع عسكر الشرك
بمقتله ، ولم يزل يقتل كلّ من حمل اللواء من بني عبد الدار حتى تفانوا عليه ، فحمله عبدٍ لهم يقال له: صواب ، وكان من أشدّ الناس ، فقطع أمير المؤمنينعليهالسلام يديه ، ثمّ ضربه على اُمّ رأسه فسقط صريعاً ، وانهزم المشركون ، وأكبّ المسلمون على الغنائم فطمعت الرماة في الغنيمة ، وفارقوا الشعب الذي أمرهم النبيصلىاللهعليهوآله بملازمته.
فأتى خالد بن الوليد في خيل المشركين من ورائهم وهم غافلون ، فكان البلاء ، وقُتل حمزة في سبعين رجلاً ، وفرّ الباقون ، وثبت علي وأبو دجانة(١) وسهل بن حنيف(٢) .
وقاتل رسول اللهصلىاللهعليهوآله قتالاً شديداً ، وكسرت يومئذ رباعيته ، وشقّت شفته ، وكلم في وجهه الشريف ، ودخل من حلق المغفر في جبهته الشريفة ، وعلاه ابن قمأة لعنه الله بالسيف ، فسقط - بأبي واُمّي - إلى الأرض ، وصاح المشركون: قتل محمد ، فأوغل المسلمون للهرب ، وكسر علي غمد سيفه ، وشدّ على جموع المشركين شدّة ما سمع السامعون بمثلها ، فكشفهم عن النبيصلىاللهعليهوآله فوجده على الأرض ، والدماء تسيل على وجهه الشريف ، وأبصر النبيصلىاللهعليهوآله جماعة من المشركين فقال: اكفنيهم يا
____________________
(١) هو سماك بن خرشة ، من الصحابة الأوائل الذين صمدوا مع الرسولصلىاللهعليهوآله في غزوة أحد ، عاش حتى شهد مع علي بن أبي طالبعليهالسلام صفين ؛ وقيل غير ذلك.
انظر: الاصابة ٢: ٧٧ ، أسد الغابة ٢: ٤٥٢ ، الاستيعاب ٢: ٨٣ - ٨٤.
(٢) سهل بن حنيف بن واهب بن العُكيم الأوسي الأنصاري ، من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين ، شهد بدراً والمشاهد كلّها مع الرسولصلىاللهعليهوآله وثبت يوم احد حين انهزم الناس ، وبايع يومئذ على الموت ، استخلفه علي على البصرة بعد الجمل ، وشهد معه صفين وتوفي في الكوفة سنة ثمان وثلاثين وصلّى عليه أمير المؤمنينعليهالسلام .
انظر: الاصابة ٢: ٨٧ ، أسد الغابة ٢: ٤٧٠.
علي ، فحمل عليهم ، وقتل عميدهم ، وتفرّقوا ، ثم جاءت كتيبة اخرى ، فقالصلىاللهعليهوآله : احمل عليهم يا علي ، فشدّ على عميدهم ، فتقله وفرّقهم.
فقال جبرائيلعليهالسلام : هذه المواساة ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : إنّه منّي وأنا منه ، فقال جبرائيلعليهالسلام : وأنا منكما ، ونادى في تلك الحال:
لاسيف إلا ذو الفقار |
ولا فتى إلا عليّ |
وجعل عليعليهالسلام ينقل الماء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله في درقته من المهراس ليغسل الدم عن وجهه ، ومنع الله نبيّهصلىاللهعليهوآله يومئذ بأخيه ، وبجماعة من المنهزمين ثابوا إليه ، فذهبوا به إلى الجبل فحاصروا وارتفع القتال.
بأبي أنت واُمّي: يا غريب أين كان أخوك المواسي ، ليمنعك من الأعداء حين سقطت شلواً مبضّعاً ، كما منع المشركين عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخوه المواسي له ؟
أم أين كان قمر بني هاشم وأنت مطروح على الرمضاء تخور بدمك ، وتلوك لسانك من العطش لينقل الماء إليك من الفرات ، كما نقله إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخوه المواسي له من المهراس ، لكنّه سقط رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان أخوه سالم المهجة ، سالم الهامة ، سالم الساعدين ، وكان أخوك إذ سقطت يا قرّة عين الزهراء مرضوخ الهامة ، محسوم الزندين ، مشحوطاً بالدماء ، مبدّد الاعضاء.
وأين عنك يا سيدي صحبك الذين ما فرّوا ، ولا تخطّوا حتى تفانوا دونك ليمنعوك كما منع رسول الله أصحابه ؟ ومن أين لهم أن يمنعوك وهم صرعى في هجير الشمس ، قد وزعت أشلاءهم ظباة السيوف ، وطحنتهم سنابك الخيل ، وابتلت بدمائهم أرض الطفوف ، ولقد يعزّ عليهم والله وقوفك بين الأعداء وحيداً
فريداً وأنت تنادي:
هل من مغيث يغيثنا ؟
هل من موحّد يخاف الله فينا ؟
هل من معين يرجو الله في إعانتنا ؟
فأجابك يا داعي الله مالك بن النسر لعنه الله بالسيف على رأسك الشريف ، وطارح بن وهب(١) بالرمح في خاصرتك ، ولبّاك ابن شريك(٢) بالسيف على كتفك اليسرى ، وأجابك آخر بضربة على عاتقك المقدّس فكبيت بها لوجهك.
وجاء سنان(٣) طاعن بسنانه |
يرى أنّه كان الهزير المشجعا |
|
وأقبل شمر يعلن العجب إذ سطا |
على الليث مذ أمسى له الحتف مضجعا |
|
وراح بأعلى الرمح يزهو كريمه |
كبدر دجى قد تمّ عشراً وأربعا |
____________________
(١) وقيل: صالح بن وهب المزني ، وهو خبيث ملعون. انظر: مستدركات علم الرجال ٤: ٢٤٨.
(٢) وهو زرعة بن شريك التميمي ، ملعون خبيث ، ورد ذكره في مستدركات علم الرجال ٣: ٤٢٦.
(٣) في مستدركات علم الرجال ٤: ١٦١: سنان بن أنس النخعي ، وهو قاتل مولانا الحسين صلوات الله عليه ؛ قيل: قتله ابن زياد حين قال: قتلت خير الناس اُمّاً وأباً ، والمشهور أنه قتله المختار.
وفي كتاب حكاية المختار: ٤٥: أن إبراهيم قال لسنان عندما قبض عليه: يا ويلك أصدقني ما فعلت يوم الطف ؟ قال: ما فعلت شيئاً غير أنّي أخذت تكة الحسين من سرواله !! فبكى إبراهيم عند ذلك ، فجعل يشرح لحم أفخاذه ويشويها على نصف نضاجها ويطعمه إياه ،
وكلما امتنع من الأكل ينخزه بالخنجر ، فلمّا أشرف على الموت ذبحه وأحرق جثته.
[المجلس العشرون]
نقل ابن أبي الحديد - في أواخر الجزء الرابع عشر من شرح النهج - عن جماعة من المحدّثين والمؤرّخين: انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لمـّا فرّ أصحابه عنه يوم اُحد كثرت عليه كتائب المشركين ، وقصدته كتيبة من بني عبد مناف بن كنانة ، وفيها بنو سفيان بن عويف ، وهم: خالد ، وأبو الشعثاء ، وغراب وأبو الحمراء ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا علي اكفني هذه الكتيبة.
فحمل عليها وانّها لتقارب خمسين فارساً وهو راجل ، فما زال يضربها حتى تفرّقت عنه ، ثمّ تجتمع عليه هكذا مراراً حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة ، فقال جبرائيلعليهالسلام :
يا محمد إن هذه لهي المواساة ، وقد تعجّبت ملائكة السماء من هذا الفتى.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : وما يمنعه ؟ وهو منّي وأنا منه.
فقال جبرائيلعليهالسلام : وأنا منكما.
قال: وسمع في ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يُرى شخص الصارخ به ينادي مراراً:
لاسيف إلا ذو الفقار |
ولا فتى إلا عليّ |
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : هذا جبرائيل... وكان بأبي هو واُمّي قد جرح فجعل عليعليهالسلام ينقل الماء في درقته من المهراس ويغسل جرح النبي فلم ينقطع دمه ، فأتت فاطمةعليهاالسلام فجعلت تعانقه وتبكي ، وأحرقت
حصيراً وجعلت من رماده على الجرح فانقطع الدم.
ذكرت من بكاء سيّدة النساء حين عانقت أباهاصلىاللهعليهوآله وهو مجروح ، ما حال سكينة(١) لمـّا استوقفت أباها وقد اُثخن بالجراح ، وبقي من كثرة رشق النبال كالقنفذ ، فقالت:
يا أبتاه ، قف لي هنيئة لأتزوّد منك ، فهذا وداع لا تلاقي بعده ، وانكبّت على يديه ورجليه تقبّلهما وتبكي ، فبكى الحسينعليهالسلام رحمة لها ، ثم مسح دموعها بكمّه ، وأخذها فتركها في حجره ، ومسح دموعها بكفّه وأنشأ مخاطباً لها:
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي |
منك البكاء إذا الحمام دهاني |
|
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة |
ما دام منّي الروح في جثماني |
|
فإذا قتلت فأنت أولى بالذي |
تأتينه يا خيرة النسوان |
واعتنقت أباها يوم الحادي عشر من المحرم كما اعتنقت جدّتها الزهراء أباها يوم اُحد ، لكن شتّان بين من اعتنقت أباها وهو حيّ جالس ، وبين من اعتنقته وهو مطروح على الرمضاء بحرارة الشمس ، عاري اللباس ، قطيع الرأس ، منخمد الأنفاس ، في جندل كالجمر مضطرم.
ثوى ثلاث ليالٍ بالعراء |
بلا غسلٍ ولا كفن لله من حكم |
ورجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من اُحد يوم الوقعة فمرّ بامرأة من الأنصار اُصيب أبوها وزوجها ، فلمّا نُعيا إليها قالت: ما فعل برسول الله صلى الله
____________________
(١) سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، كريمة نبيلة ، كانت سيّدة نساء عصرها ، توفيت سنة ١١٧ ه ، نسب إليها بعض المؤرّخين اُمور نقطع بكذبها وافترائهاعليها.
انظر: الطبقات الكبرى ٨: ٣٤٨ ، الدر المنثور: ٢٤٤ ، الأعلام ٣: ١٠٦.
عليه وآله ؟ قالوا: هو بحمد الله كما تحبّين.
قالت: أرونيه ، فلمّا نظرت إليه قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل.
ولقته حمنة بنت جحش فنعى إليها أخاها عبد الله فاسترجعت ، ثم نعى إليها أخاها حمزة فاستغفرت له ، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فولولت وصاحت.
ولكن لا كالرباب(١) زوجة أبي عبد الله فانّها بقيت بعده لا تستظل تحت سقف بيت حتى ماتت كمداً ، وكانت تجلس في هجير الشمس من أوّل النهار إلى آخره ، وتقابلها ابنتها سكينة بالنوح واللطم ، وكانت زينب مع حزنها ترقّ لها وهي تندب الحسين أشجى ندبة ، فتقول لها: اُخيّة يا رباب قومي إلى الظل.
فتقول لها: يا سيدتي لا تلوميني فانّي تركت سيّدي ومولاي عارياً بالعراء مطروحاً على الرمضاء بحرارة الشمس ، وكانت تقول في ندبتها:
وا حبيب المصطفى ، وا ذبيحاً من قفا ، وا قتيلا بالظما.
ثم لا تزال تنادي: وا سيّداه وا حسيناه ، حتى تتفطّر لها القلوب ، ويتصدّع لها الصخر الأصم.
نادت فقطعت القلوب بشجوها |
لكنّما انتظم البيان فريدا |
|
إن تنع أعطت كلّ قلب حسرة |
أو تدع صدّعت الجبال الميدا |
|
تدعو بلهفة ثاكلٍ لعب الأسى |
بفؤاده حتى انطوى مفؤودا |
____________________
(١) الرباب بنت امرئ القيس بن عدي ، زوجة الحسينعليهالسلام ، كانت معه في وقعة كربلاء ، وبعد استشهاده جيء بها مع السبايا إلى الشام ، ثمّ عادت إلى المدينة ، فخطبها الأشراف ، فأبت ، وبقيت بعد الحسين لم يظلّها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً ، وكانت شاعرة لها رثاء في الحسينعليهالسلام . انظر: المحبر ٣: ١٣ ، أعلام النساء ١: ٣٧٨.
[المجلس الحادي والعشرون]
ذكر المؤرّخون: أنّ وحشي بن حرب كان عبداً حبشياً لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ؛ وقيل: كان لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل فقالت له ابنة الحارث: إنّ أبي قتل يوم بدر ، فان أنت قتلت أحد الثلاثة محمّداً أو عليّاً أو حمزة فأنت حرّ ، فانّي لا أدري في القوم كفواً لأبي غيرهم.
فقال: أما محمد فانّ أصحابه لن يسلّموه ، وأمّا حمزة فوالله لو وجدّته نائماً ما أيقظته ، وأما علي فألتمسه.
قال وحشي: فكنت يوم اُحد ألتمسه فبينا أنا في طلبه ، إذ طلع عليّ فطلع رجل حذر مرس ، كثير الالتفات فقلت: ما هذا بصاحبي ، فبينا أنا كذلك إذ رأيت حمزة يفري الناس فرياً ، فكمنت إلى صخرة وهو مكبس له كيت ، فاعترض له سباع بن اُمّ اينار ، فقال له حمزة:
وأنت يا بن مقطّعة البذور ممّن يكثر علينا فاحتمله حتى إذا برقت قدماه رمى به فبرك عليه فشحط شحط الشاة ، ثمّ أقبل عليَّ مكبّاً حين رآني ، فلمّا بلغ المسيل وطأ على جرف فزلّت قدمه فهززت حربتي حتى رضيت منها ثمّ ضربت بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته ، وكرّت عليه طائفة من أصحابه فأسمعهم ينادونه: أبا عمارة فلا يجيب ، فقلت: والله مات الرجل ، وذكرت هنداً وعداوتها لبني هاشم فأتيتها فقلت: ماذا لي إذ قتلت قاتل أبيك.
قالت: سلبي.
فأخبرتها الخبر فنزعت ثيابها وحليها فأعطتنيه وقالت: إذا جئت مكّة فلك عشرة دنانير ، ثم قالت: أرني مصرعه فدللتها عليه ، فبقرت بطنه ، وأخرجت كبده فمضغتها ثمّ لفظتها ، وقطّعت مذاكيره ، وجدعت أنفه ، وقصّت اُذنيه ، ثمّ جعلت ذلك خلخالين ودملجين حتى قدمت بذلك مكّة وقدمت بكبده معها.
قال محمد بن إسحاق: ومن الشعر الذي ارتجزت به هند يوم اُحد:
شفيت من حمزة نفسي باُحد |
حين بقرت بطنه عن الكبد |
|
أذهب عنّي ذاك ما كنت أجد |
من لوعة الحزن الشديد المعتمد |
|
والحرب تعلوكم بشأ بوب برد |
تقدم اقداماً عليكم كالأسد |
وجاءت صفيّة فجلست عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله فجعلت إذا بكت يبكي رسول الله ، وإذا نشجت ينشج ، وجعلت فاطمة تبكي على عمّها ، فلمّا بكت بكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
جعلت فداك يا رسول الله ، يا نبي الرحمة ، كيف بك لو رأيت عقائلك يوم عاشوراء وقد ذبح نصب أعينهن ثمانية عشر من حماتهن ، وسبعون من أنصارهن ، وليتك ترى كريمتكم زينب إذ وقفت على أخيها الحسينعليهالسلام حافية حاسرة ، ووجدته وهو ريحانتك مزمّلاً بالدماء ، موزّع الأعضاء ، عاري اللباس ، مقطوع الرأس ، مذبوحاً من القفا ، مفطور القلب من الظما ، فنادتك بصوت وقلب كئيب:
يا جدّاه يا رسول الله ، صلّى عليك مليك السما ، هذا حسينك بالعرا ، مزمّلاً بالدما ، مسلوب العمامة والردا ، ثم قالت:
بأبي من لا غائب فيرتجى ، ولا جريح فيداوى ، بأبي من نفسي له الفدا ،
بأبي المهموم حتى قضى ، بأبي العطشان حتى مضى ، بأبي من شيبه يقطر بالدما ، بأبي من جدّه رسول إله السما ، فأبكت والله كلّ عدوّ وصديق.
وشتّان ما بين صفيّة إذ قتل أخوها حمزة ، وزينب إذ قتل أهلوها ، أمّا صفية فبقي لها رسول الله وأمير المؤمنين ، وأبطال بني عبد المطّلب ، وليوث بني هاشم ، وبقي عزّها ، وسرداق مجدها ، والمهاجرون والأنصار يتفانون دون خباها.. ويا لهف نفسي لزينب ، وبقية العقائل من آل الرسولصلىاللهعليهوآله ، إذ أصبحنّ بعد حماتهن غنيمة للقوم الظالمين ، يضربونهن تارة ويسلبونهن اخرى ولقد كانت المرأة منهن تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه ، ولم يبق لهنّ من يرتجينه لدفع الأعداء ، الاعمر بن سعد لعنه الله ، ولذا صحن في وجهه لما رأينه ، وبكين شاكيات إليه ، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هذه النسوة ، ولا تتعرّضوا لهذا الغلام المريض ، فسألته النسوة أن يسترجع ما اُخذ منهنّ من الملاحف ليستترن به ، فقال: من أخذ منهن شيئاً فليردّه ، فو الله ما ردّ أحد شيئاً.
عجباً لمال الله أصبح مقسّما |
في رائح للظالمين وغاد |
|
عجباً لآل الله صاروا مغنما |
لبني الطليق هدية وزياد |
|
عجباً لذي الأفلاك لِم لا عطلت |
والشهب لم تبرز بثوب حداد |
[المجلس الثاني والعشرون]
سار رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى خيبر في المحرم الحرام سنة سبع للهجرة في ألف واربعمائة مقاتل ، ومعهم مائتا فرس ، وكانت الوقعة في صفر ، والفتح فيها لأمير المؤمنينعليهالسلام بلا ارتياب ، وظهر من فضله في هذه الغزوة ما أجمع على نقله المسلمون ، واختصّ فيها من المناقب بما لم يشاركه فيه أحد من العالمين ، وذلك أنّه قد اتفقت كلمة أهل الأخبار: على أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أعطى الراية فيها أبا بكر أولاً فرجع ، ثم أعطاها عمر ثانياً فرجع ولم يكن فتح.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله - كما في غزوة خيبر من صحيح البخاري -:
لأعطينّ هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله.
قال: فبات الناس يدركون ليلتهم أيّهم يعطاها ، فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلّهم يرجو أن يعطاها.
فقال: أين علي بن أبي طالب ؟
فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه.
قال: فارسلوا إليه ، فأتي به فبصق رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية... إلى آخر الحديث.(١)
____________________
(١) المناقب للخوارزمي: ١٧٠ فصل «١٦» ح ٢٠٣ ، كنز العمّال ١٣: ١٢٣ ح ٣٦٣٩٣ أخرجه عن
وفي تاريخ ابن الأثير: أنّ عليّاً نهض بالراية وعليه حلّة حمراء فأتى خيبر فأشرف عليه رجل من اليهود فقال: من أنت ؟
قال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال اليهودي: غُلبتم يا معشر اليهود.
قال: وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني قد ثقبها مثل البيضة وهو يقول:
قد علمت خيبر انّي مرحب |
شاكي السلاح بطل مجرّب |
فقال عليعليهالسلام :
أنا الذي سمّتني اُمّي حيدرة |
كليث غابات كريه المنظره |
أكيلهم بالسيف كيل السندرة
فاختلفا بضربتين ، فبدره عليعليهالسلام فقدّ الجحفة والمغفر ورأسه
الدار قطنيّ والخطيب البغدادي وابن عساكر وفي ص ١١٦ ح ٣٦٣٧٧ خرّجه مختصراً عن تاريخ أصبهان لابن مندة ، بريقة المحمودية لأبي سعيد الخادميّ ١: ٣١١.
أقول: وقد ورد حديث الراية في خيبر ودور الامام عليعليهالسلام في قتل مرحب زعيم اليهود وفتح قلاع خيبر في كثير من المصادر الحديثيّة والتاريخيّة المعتبرة عند الفريقين السنّة والشيعة بأسانيد مختلفة ومتون متواترة.
وقد خصّ العلامة مير حامد حسين أحد أجزاء كتابه عبقات الأنوار - الجزء التاسع - للبحث والتحقيق في هذا الحديث واثبت أسانيده ودلالته على خلافة الإمام عليعليهالسلام للنبيصلىاللهعليهوآله وجمع في كتابه ما بلغه من الحديث المستخرج في مجاميع أهل السنّة فيما يمتّ بهذه الواقعة التاريخيّة.
وكذلك جمع العلّامة المحقّق القاضي التستري في موسوعته إحقاق الحق وملحقاته طرق هذا الحديث فعدّدها فكانت العشرات من الصحابة وأكثر من مائة مصدر حديثيّ وتارخي. فليراجعها من أراد الإيقان.
حتى وقع في الأرض ، وأخذ المدينة.
ونقل ابن الأثير(١) ، عن أبي رافع(٢) مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال:
خرجت مع عليعليهالسلام حين بعثه رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى خيبر فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه يهودي فوقع ترسه من يده ، فتناول علي باباً كان عند الحصن فتترّس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله على يديه ، ثم ألقاه من يده فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجتهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه.
قال ابن الأثير: فلمّا فتحت خيبر جاء بلال بصفيّة واُخرى معها على قتلى اليهود ، فلمّا رأتهم التي مع صفية صرخت وصكّت وجهها ، وحثّت التراب على رأسها ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله لبلال: أنزعت منك الرحمة جئت بهما على قتلاهما ؟!
بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، لم ترض من بلال حين مرّ بيهوديتين على قتلاهما الكفرة والفجرة المحاربين لله ولرسوله ، فكيف بك لو ترى العقائل من خفراتك ، والكريمات من بناتك ، وهنّ على أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء ، مكشّفات الوجوه بين الأعداء ، يسوقوهنّ كما تساق الزنوج والديلم ، فمرّوا بهنّ على مصارع قتلاهن ، وفيهم حجّة الله ، ونجوم الأرض من آلك الطاهرين ،
____________________
(١) الكامل في التاريخ ٣: ١٦٠.
(٢) أبو رافع القبطي مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، واسمه أسلم ، كان للعبّاس بن عبد المطلب ، فوهبه للنبيصلىاللهعليهوآله ، فلمّا بشر النبي باسلام العباس أعتقه ، وشهد أبو رافع مشاهد النبي كلّها ، ولزم أمير المؤمنينعليهالسلام من بعده وكان صاحب بيت ماله بالكوفة.
انظر الاستيعاب بهامش الاصابة ١: ٨٦ ، اسد الغابة ١: ٩٣.
فوجدتهم على الرمضاء ، وقد اُسري برؤوسهم إلى الكوفة ، فنادت حينئذ عزيزتك بضعة الزهراء عقيلتكم زينب: وامحمّداه ، بناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتّلة ، تسفى عليهم ريح الصبا ، وهذا حسينك بالعرا ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والردا.
وفي بعض المجموعات: أرادت أن ترمي بنفسها عليه ، فناداها الإمام زين العابدينعليهالسلام بصوت أضعفته العلّة:
عمّتاه ، ارحمي ضعف بدني ، ارحمي الجامعة في عنقي ، ودّعي أخاك وأنت على ظهر الناقة.
فجعلت تقول: ودّعتك السميع العليم يا بن اُمّي ، والله لو خيّرت المقام عندك والرحيل لاخترت المقام عندك ، ولو انّ السباع أكلت لحمي.
واعتنقت سكينة جسد أبيها فاجتمعت عليها عدّة من الأعراب حتى جرّوهاعنه ، فوا حرّ قلباه ، كيف عانقته ونحره منحور ، وصدره مكسور ، ورأسه على القنا مشهور ، ويا لهف نفسي كيف رأته عاري الثياب ، معفّراً بالتراب ، أم كيف فارقته مطروحاً بالعراء ، لوحوش الأرض وطير السماء ، لا مغسّلاً ولا مكفّناً ولا مدفوناً.
بلى يا رسول الله ، كان دمه غسله ، والتراب كافوره ، والقنا الخطي نعشه ، وفي قلب من والاه قبره.
لهفي له وحريمه |
من حول مصرعه نوادب |
|
يندبنه بمدامع |
من حر أجفان سواكب |
|
أحسين بعدك لا هنا |
عيش ولا لذّت مشارب |
|
والجسم منك مجدّل |
في الترب منعفر الترائب |
|
ها نحن بعدك يا غريـ |
ـ ب الدار أمسينا غرائب |
[المجلس الثالث والعشرون]
لمـّا جهّز رسول اللهصلىاللهعليهوآله جيش مؤتة جعل الأمير يومئذ ابن عمّه جعفر بن أبي طالب ، وقالصلىاللهعليهوآله : إن اُصيب جعفر فزيد بن حارثة ، فإن اُصيب زيد ، فعبد الله بن رواحة.
وقيل: أنّه قدّم زيداً ، فقال جعفر: ما كنت أرهب أن تستعمل عليَّ زيداً. فقالصلىاللهعليهوآله : امض فانّك لا تدري أي ذلك خير.
قال ابن الأثير: ثمّ ساروا فالتقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها (مشارف) ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها (مؤتة) فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فقاتل زيد براية رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتى شاط في رماح القوم ، ثم أخذها جعفر فقاتل وهو يقول:
يا حبذا الجنّة واقترابها |
طيّبة وبارد شرابها |
|
والروم روم قد دنى عذابها |
كافرة بعيدة أنسابها |
علي إذ لاقيتها ضرابها
فلمّا اشتدّ القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل - وكان أول من عقر فرسه في الاسلام - فوجد به بضع وثمانون جرحاً ، ما بين ضربة ورمية وطعنة.
بأبي أنت واُمّي يا أبا عبد الله.
بأبي أنت واُمّي يا بن رسول الله.
لئن وجدوا في جسد عمّك بضعاً وثمانين جرحاً ، فلقد اصبت يوم الطف
بألف وتسعمائة ، ما بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورضخة بحجر.
رماك الدارمي يا ريحانة المصطفى بسهم فأثبته في حنكك الشريف.
وضربك ابن النسر الكندي على رأسك بالسيف يا حشاشة الزهراء حتى امتلأ برنسك دماً ، فاستدعيت بخرقة شددت بها رأسك تحت العمامة.
ووقفت يا سيّدي لتستريح ساعة ، وقد ضعفت عن القتال ، فأتاك الحجر في جبهتك المباركة ، فأخذت الثوب لتمسح الدم عن وجهك فأتاك سهم مسدّد مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبك الطاهر ، فأخرجته من ظهرك ، فانبعث الدم كأنّه ميزاب.
سهم رمى أحشاك يا بن المصطفى |
سهم به كبد الهداية قد رمي |
|
يا أرض ميدي ، يا سماء تفطّري |
يا شمس غيبي ، يا جبال تقسي |
قال ابن الأثير: فلمّا قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ، فتردّد بعض التردّد ، ثم قال يخاطب نفسه:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه |
طائعة أو لا لتكرهنّه |
|
إن أجلب الناس وشدّوا الرنّة |
ما لي أراك تكرهين الجنّة |
|
قد طال ما قد كنت مطمئنّة |
هل كنت الانطفة في شنّة |
وقال أيضاً:
يا نفس إن لم تقتلي تموتي |
هذا حمام الموت قد صليتي |
|
وما تمنّيت فقد اعطيت |
إن تفعلي فعلهما هديتِ |
وتقدّم فقاتل حتى قتل.
ثمّ ان الخبر جاء من السماء في ساعته إلى النبيصلىاللهعليهوآله فصعد المنبر وأمر فنودي الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فقال:
ثار خبر - ثلاثاً - عن جيشكم هذا الغازي ، إنّهم لقوا العدو ، ثمّ نعى لهم زيداً وجعفراً وعبد الله ، وقالصلىاللهعليهوآله - بعدها بليلة - مرّ بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة ، له جناحان مخضّب القوادم بالدم.(١)
وفي ترجمة جعفر من كتاب الاستيعاب(٢) : بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعثه إلى مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان من الهجرة ، فقاتل فيها جعفر حتى قطعت يداه جميعاً ، ثمّ قتل ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : انّ الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث يشاء.
وقد لحقه في هذه الفضيلة شبل أخيه قمر بني هاشم فانّه قطعت يداه في سبيل الله تعالى وضرب على هامته بعمود من حديد.
ولئن أصيب ذو الجناحين ببضع وثمانين جراحة ، فلقد روي في حديث بني أسد: أنّه لمـّا دفنوا العبّاسعليهالسلام كانوا كلّما رفعوا منه جانباً سقط الآخر لكثرة ضرب السيوف ، وطعن الرماح ، وامتاز العبّاس بعظيم المواساة ، فانّه لمـّا اقتحم المشرعة قال: لا أشرب وأبو عبد الله عطشان.
وهل سمعت بأحد من الأوّلين والآخرين فدى قربة من الماء رجاء أن يشربها أخوه وعياله وأطفاله بنفسه ؟ ووقاها حرصاً على إيصالها إليهم بمهجته ؟
وليتك يا ساقي عطاشى كربلاء أرويت كبدك الحرّى بجرعة منها قبل مقتلك ؟ وليتهم إذ قتلوك أبقوا دماءها لغسلك ، وبالعزيز على سكينة عزيزة أخيك أن تراك ذبيحاً دون يسير من الماء توصله إليها ، ويعزّ على عقيلتكم زينب أن
____________________
(١) الإصابة ١: ٢٣٧ ، البداية والنهاية ٤: ٢٥٥ ، تهذيب التهذيب ٢: ٩٨ ، أسد الغابة ١: ٢٨٦ ، الطبقات الكبرى ٤: ٢٢ ، حلية الأولياء ١: ١١٤.
(٢) الاستيعاب ١: ٣١٢.
تراك مقطّعاً نصب عينيها ، وليتك ترى أخاك الوحيد واقفاً عليك وهو ينادي: الآن انكسر ظهري ، الآن تبدّد عسكري وقلّت حيلتي ، ثمّ بكى بكاء شديداً.
أحقّ الناس أن يبكى عليه |
فتى أبكى الحسين بكربلاء |
|
أخوه وابن والده عليّ |
أبو الفضل المضرّج بالدماء |
|
ومن واساه لا يثنيه شيء |
وجاد له عطش بماء |
ونقل ابن الأثير عن أسماء زوجة جعفر ذي الجناحي ن رضي الله عنها قال ت:
أتاني النبيصلىاللهعليهوآله وقد غسلت أولاد جعفر ودهنتهم ، فأخذهم وشمّهم ودمعت عيناه ، فقلت: يا رسول الله أبلغك عن جعفر شيء ؟
قال: نعم ، اُصيب هذا اليوم ، ثمّ أمر أهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاماً فهو أول طعام عمل في الإسلام.
بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، دمعت عيناك إذ رأيت يتامى ابن عمّك جعفر ، مع أنّهم كانوا في هيئة حسنة ، وزي بهيج ، وأمرت لهم بطعام ، مع انّهم لم يكونوا جياعاً ، رأفة منك ورحمة.
فكيف بك لو رأيت يتاماكم يوم عاشوراء جياعاً عطاشى ، حفاة عراة ، مدهوشين والهين ، مربقين بالحبال ، يخافون أن يتخطّفهم الناس من حولهم ، هذا يضربهم ، وهذا يسلبهم ، وذاك يضرم النار في خيامهم ، وآخر ينتزع الملاحف عن ظهورهم ، وظهور اُمّهاتهم وعمّاتهم.
وليتك يا نبي الرحمة تراهم ليلة الحادي عشر من المحرم وقد أحاطت بهم الأعداء ، وهم يرون ثمانية عشر من حماتهم ، واثنين وسبعين من شيعتهم جثثاً
على الرمضاء ، ورؤوسهم على أطراف الرماح.
يا رسول الله لو عاينتهم |
وهم ما بين قتل وسبا |
|
من رميض يمنع الظل ومن |
عاطش يسقى أنابيب القنا |
|
ومسوق عاثر يسعى به |
خلف محمول على غير وطا |
|
لرأت عيناك منهم منظراً |
للحشا شجواً وللعين قذى |
[المجلس الرابع والعشرون]
ذكر الزبير بن بكّار ، عن محمد بن الحسن المخزومي ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن أبيه ، عن أبي وجرة قال:
لمـّا حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حرب القادسية ، ومعها بنوها أربعة رجال ، فقالت لهم من الليل:
يا بني إنّكم اسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، ووالله الذي لا إله إلا هو انّكم لبنو رجل واحد ، كما انّكم بنوا امرأة واحدة ، ما خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ، ولا غيّرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل ، في حرب الكافرين ، واعلموا أنّ الدار الباقية ، خير من الدار الفانية ، يقول الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) ، فإذا أصبحتم غداً سالمين ان شاء الله تعالى ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ، وبالله على أعدائه مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها ، وأضرمت لظى عن سياقها ، وجلّلت على أرواقها ، فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة ، في دار الخلد والمقامة.
فخرج بنوها قابلين لنصحها ، عازمين على قولها ، فلمّا أضاء لهم الصبح ، باكروا مراكزهم وأنشأ أوّلهم يقول:
____________________
(١) سورة آل عمران: ٢٠٠.
يا اُخوتي انّ العجوز الناصحة |
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة |
|
مقالة ذات بيان واضحة |
فباكروا الحرب الضروس الكالحة |
|
وانّما تلقون عند الصائحة |
من آل ساسان الكلاب النائحة |
|
قد أيقفوا منكم بوقع الجائحة |
وأنتم بين حياة صالحة |
أو ميتة تورث غنماً رايحة
وتقدّم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ثمّ برز الثاني وهو يقول:
إنّ العجوز ذات حزم وجلد |
والنظر الأوفق والرأي السدد |
|
قد أمرتنا بالسداد والرشد |
نصيحة منها وبرّاً بالولد |
|
فباكروا الحرب حماة في العدد |
إما لفوز بارد على الكبد |
|
أو ميتة تورثكم عزّ الأبد |
في جنّة الفردوس والعيش الرغد |
فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ثم حمل الثالث وهو يقول:
والله لا نعصي العجوز حرفاً |
قد أمرتنا حزناً وعطفاً |
|
نصحاً وبرّاً صادقاً ولطفا |
فبادروا الحرب الضروس زحفاً |
|
حتى تلاقوا آل كسرى لفّا |
أو يكشفوكم عن حماكم كشفا |
|
إنّا نرى التقصير منكم ضعفا |
والقتل فيكم نجدة وزلفى |
فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ثم برز الرابع وهو يقول:
لست للخنساء ولا للأخرم |
ولا لعمرو ذي الثناء الأقدم |
|
ان لم أرد في الجيش جيش الأعجم |
ماضٍ على الحول خضم خضرم |
|
إمّا لفوز عاجل أو مغنم |
أو لوفاد في السبيل الأكرم |
ثمّ قاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي
شرّفني بقتلهم ، وأرجو من ربّي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.(١)
ذكرت من حال هذه المرأة ، الصالحة ، حال اُمّ وهب بن حباب(٢) الكلبي يوم عاشوراء حين برز إلى ثلاثين ألفاً فأحسن في الجلاد ، وبالغ في الجهاد ، وكانت معه امرأته ووالدته فرجع إليهما وقال:
يا اُمّاه أرضيت أم لا ؟
فقالت: يا بني ما رضيت حتى تقتل بين يدي الحسينعليهالسلام .
وقالت امرأته: بالله عليك لا تفجعني بنفسك.
فقالت له اُمّه: يا بني أعزب عن قولها ، وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيّك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة.
فرجع ولم يزل يقاتل حتى قطعت يداه في سبيل الله تعالى ، فأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: قاتل فداك أبي واُمّي يا وهب دون الطيّبين من حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقال لها: كيف كنت تنهيني عن القتال ، والآن تأمرينني به ؟
____________________
(١) الاصابة ٤: ٢٨٦.
(٢) هي بنت عبد ، وزوجة عبد الله بن عمير الكلبي من قبيلة بني عليم ، لمـّا عزم زوجها على الخروج من الكوفة لنصرة الحسين ، تعلقت به ليصطحبها معه ، والتحقوا ليلاً بأنصار الحسين في كربلاء ، وفي يوم الطف حينما برز زوجها للقتال ، تناولت هي عموداً وبرزت إلى القتال ، إلا أن الإمام الحسين ردّها وقال: ليس على النساء جهاد ، وبعد مقتل زوجها سارت إليه حتى جلست عند رأسه تمسح التراب عنه وتقول: هنيئاً لك الجنّة ، أسأل الله الذي رزقك الجنّة أن يصحبني معك ، فقال شمر لغلامه رُستم: إضرب رأسها بالعمود ، فضرب رأسها فشدخه ، فماتت مكانها. انظر: تاريخ الطبري ٣: ٣٢٣ - ٣٢٦ ، الارشاد ٢: ١٠١.
قالت: لا تلمني يا وهب ، فانّي سمعت من سيّدي ومولاي الحسين كلمة كسرت قلبي ، سمعته يقول: أما من ناصر فينصرنا ؟ أما من موحّد يخاف الله فينا ؟ أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله ؟
فأقبل كي يردّها إلى النساء ، فأخذت بجانب ثوبه ، وقالت: لن أعود حتى أموت معك.
فقال الحسينعليهالسلام : جزيتم عن أهل بيتي خيراً ، ارجعي إلى النساء رحمك الله ، فانصرفت إليهنّ ، ولم يزل يقاتل حتى ق تل رحمه الله ت عالى.
رجال تواصوا حيث طابت اُصولهم |
وأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبرا |
|
حماة حموا خدراً أبى الله هتكه |
فعظّمه شأناً وشرّفه قدرا |
الفصل الثالث
في سيرة أمير المؤمنينعليهالسلام ومواعظه وارشاداته
[المجلس الخامس والعشرون]
ومن كلام لأمير المؤمنين وسيد الوصيين صلوات الله وسلامه عليه:
ألا وانّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ، ويستضيء بنور علمه ، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دُنياه بطمريه(١) ، ومن طُعمه(٢) بقُرصيه(٣) ، ألا وإنكم لا تقَدِرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، [وعِفّة وسَداد ؛] والله ما كنزت من دنياكم تبراً(٤) ، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً(٥) ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ، ولا حُزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منه إلا كقوت أتانٍ دبرةٍ(٦) ، ولَهي في عيني أوهى [وأهونُ] من عفصة مَقرةٍ(٧) ، بلى ! كانت في أيدينا فدك(٨) مِن كلّ ما أظلّته
____________________
(١) الطِمر - بالكسر -: الثوب الخلق البالي.
(٢) طُعمه - بضم الطاء -: ما يطعمه ويفطر عليه.
(٣) قُرصيه: تثنية قرص ، وهو الرغيف.
(٤) التبر - بكسر فسكون -: فُتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ.
(٥) الوفر: المال.
(٦) أتان دبرة: هي التي عُقر ظهرها فقلّ أكلها.
(٧) مقرة: مرّة.
(٨) فدك: هي قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، أفاءها الله تعالى على رسولهصلىاللهعليهوآله صلحاً ، فيها عين فوّارة ونخل ، وقد كانت ملكاً لرسول اللهصلىاللهعليهوآله خالصة ، لأنها لم يوجب عليها بخيل ولا ركاب ، وقد أعطاها ابنته الزهراءعليهاالسلام فكانت بيدها في عهدهصلىاللهعليهوآله ، وروي إنّهصلىاللهعليهوآله قال لفاطمةعليهاالسلام : قد كان لأمّك خديجة على أبيك محمدصلىاللهعليهوآله مهراً ، وأنّ أباك قد جعلها لك بذلك ، وانحلتكها تكون لك ولولدك بعدك ، وكتب كتاب النحلة عليعليهالسلام في أديم ، وشهدعليهالسلام على ذلك وأمّ أيمن ومولى لرسول
اللهصلىاللهعليهوآله .
وجاء في الأخبار كما في رواية الشيخ عبد الله بن حمّاد الأنصاري - أن واردها - أربعة وعشرون ألف دينار في كلّ سنة ، وفي رواية غيره سبعون ألف دينار.
راجع: معجم البلدان للحموي: ج ٤ ص ٢٣٨ ، بحار الأنوار: ج ١٧ ص ٣٧٨ وج ٢١ ص ٢٣ وج٣٣ ص ٤٧٤ ، سفينة البحار للقمّي: ج ٢ ص ٣٥١.
وروي عن حمّاد بن عثمان ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لما بويع أبو بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمةعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله منها.
فجاءت فاطمة الزهراءعليهاالسلام إلى أبي بكر ثم قالت: لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأخرجت وكيلي من فدك ، وقد جعلها لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأمر الله تعالى ؟
فقال: هاني على ذلك بشهود ، فجاءت بأمّ أيمن ، فقالت له اُمّ أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتى احتج عليك بما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أنشدك بالله ألست تعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: «اُمّ أيمن امرأة من أهل الجنة».
فقال: بلى.
قالت: «فاشهد: أنّ الله عز وجل أوحى إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى ) «الروم: ٣٨» فجعل فدكاً لها طعمة بأمر الله.
فجاء عليعليهالسلام فشهد بمثل ذلك ، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها ، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب ؟ فقال: إنّ فاطمةعليهاالسلام ادعت في فدك ، وشهدت لها أم أيمن وعليعليهالسلام ، فكتبته لها ، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزّقه ، فخرجت فاطمةعليهاالسلام تبكي.
فلما كان بعد ذلك جاء عليعليهالسلام إلى أبو بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار فقال: يا أبا بكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين ، فإن أقامت شهوداً أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله جعله لها وإلا فلا حقّ لها فيه.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين.
قال: لا.
قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البينة ؟
قال: إياك أسأل البينة.
قال: فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها ؟ وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعده ، ولم تسأل المسلمين بينة على ما ادعوها شهوداً ، كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟
فسكت أبو بكر فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك ، فإنا لا نقوى على حجتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلا فهو فيء للمسلمين ، لا حق لك ولا لفاطمةعليهاالسلام فيه.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله ؟
قال: نعم.
قال: أخبرني عن قول الله عز وجل:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَکُمْ تَطْهِيراً ) «الأحزاب: ٣٣» فيمن نزلت ؟ فينا أم في غيرنا ؟
قال: بل فيكم.
قال: فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمةعليهاالسلام بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله بفاحشة ما كنت صانعاً ؟
قال: كنت أُقيم عليها الحد ، كما أُقيمه على نساء العالمين.
قال: إذن كنت عند الله من الكافرين.
قال: ولِمَ ؟
قال: لأنّك كنت رددت شهادة الله به الطهارة. وقبلت شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم الله وحكم رسوله ، أن جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته ، ثم قبلت شهادة إعرابي بائل على عقبيه ، عليها ، وأخذت منها فدكاً ، وزعمت أنّه فيء للمسلمين ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «البينة على المدّعي ، واليمين على المدّعي عليه» فرددت قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : البينة على من ادعى ، واليمين على من ادعى عليه !
قال: فدمدم الناس وأنكروا ، ونظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا: صدق والله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ! ورجع إلى منزله.
قال: ثمّ دخلت فاطمة المسجد وطافت بقبر أبيها وهي تقول:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
السماء ، فشحّت عليها نفوس قومٍ ، [وسَخت عنها نفوس قوم آخرين] ، ونِعم الحَكمُ الله ، وما أصنع بفدكٍ وغير فدك ، والنفس مظانّها(١) في غدٍ جَدث(٢) ، تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها ، [وحفرة لو زيدَ في فُسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لاضغطها الحجر والمدر(٣) ، وسدّ فُرَجَها(٤) التراب المتراكم ، وإنّما هي نفسي اُروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلقِ(٥) ،] ولو شئت لاهتديت الطريق ، إلى مُصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، و[لكن] هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة - ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع - أو أبيت مِبطاناً وحولي بُطون غرثى(٦) ، وأكباد حرّى(٧) ، أو أكون كما قال القائل:
إنّا قد فقدناك فقد الأرض وابلها |
واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب |
|
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا |
فغاب عنا فكلّ الخير محتجب |
|
وكنت بدراً ونوراً يُستضاء به |
عليك ينزل من ذي العزّة الكتب |
|
تجهّمتنا رجال واستخف بنا |
إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب |
|
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت |
منا العيون بتهمال لها سكب |
انظر: الاحتجاج للطبرسي: ج ١ ص ٩٠ - ٩٣ ، علل الشرائع للصدوق: ج ١ ص ١٩٢ ، ب ١٥١ ح ١ ، تفسير القمّي: ج ٢ ص ١٥٥ - ١٥٧.
____________________
(١) المظان: جمع مظنة ، وهو المكان الذي يظنّ فيه وجود الشيء.
(٢) جدث - بالتحريك -: قبر.
(٣) المدر: جمع مدرة ، مثل قصب وقصبة وهو التراب المتلبد ، أو قطع الطين.
(٤) فُرجَها: جمع فُرجة ، مثال غُرف وغُرفة: كل منفرج بين شيئين.
(٥) المزلق: موضع الزلل ، وهو المكان الذي يخشى فيه أن تزل القدمان ، والمراد هنا الصراط.
(٦) غرثى: جائعة.
(٧) حرّى - مؤنث حرّان -: أي عطشان.
وحسبك عاراً(١) أن تبيت ببطنةٍ(٢) |
وحولك أكباد تحنّ إلى القِدّ(٣) |
أأطمع(٤) أن يقال أمير المؤمنين ، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، وأكون أسوةً لهم في خشونة(٥) العيش ! فما خُلقت ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، همُّها علفها ، أو المرسلة شُغُلُها تَقمُّمها(٦) ، تكترش(٧) من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ! وكأنّي بقائلكم يقول: «إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ، ومنازلة الشجعان» ، ألا وإنّ الشجرة البرّية(٨) أصلب عوداً ، والرواتع الخضرة(٩) أرقّ جلوداً ، والنابتات العِذية(١٠) أقوى وقوداً ، [وأبطأ خُموداً ،] وأنا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله كالصنو من الصنو(١١) ، والذراع من العَضُد ، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها.(١٢)
بأبي أنت وامي كم تظاهرت العرب على قتالك ، فظهرت عليها( وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ
____________________
(١) كذا في الأصل ، وفي المصدر: داء.
(٢) البطنة - بكسر الباء -: البطر والأشر.
(٣) القِد - بالكسر -: سير من جلد غير مدبوغ.
(٤) كذا في الأصل ، وفي المصدر: أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا.
(٥) كذا في الأصل ، وفي المصدر: جشوبة.
(٦) تقمّمها: التقاطها للقمامة ، أي الكناسة.
(٧) تكترش: تملأ كرشها.
(٨) الشجرة البرّية: التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه.
(٩) الرواتع الخضرة: الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة التي تنبت في الأرض الندية.
(١٠) النابتات العذبة: التي تنبت عذباً ، والعذي - بسكون الذال - الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
(١١) كذا في الأصل ، وفي المصدر: كالضوء من الضوء.
(١٢) نهج البلاغة (شرح الدكتور صبحي الصالح): ٤١٦ - ٤٢٠ ، كتاب رقم (٤٥) ، كتاب أمير المؤمنينعليهالسلام إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة.
كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) (١) بعلي أمير المؤمنين وسيد المجاهدين.
وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له ؟ وهل قامت دعائم الدين ، أو رست قواعد الشرع ، أو علت كلمة التوحيد إلا بجهاده ؟
وهل شهد التنزيل لغيره بأنّه شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ؟
وهل باهى الله عز وجل ملائكة السماء ليلة المبيت على فراش النبيصلىاللهعليهوآله بغيره ؟
وهل تولى خدمة النبي وجميع بني هاشم أيّام حصرهم في الشعب غيره ؟ وهل قاسى الخطر ولاقى الأهوال في إيصال القوت إليهم يومئذ سواه ؟
وهل نصر الله نبيّه في جميع المواطن إلا به ؟ وهل قتل عمراً ومرحباً ، وجندل عتبة وشيبة والوليد وغيره ؟
وهل أفنى بني عبد الدار وقتل بني سفيان بن عوف الأربعة يوم اُحد سواه ؟
وهل أذلّ عتاة الشرك وجبابرة الكفرة إلا صارم سطوته ؟
وهل فتح حصون خيبر ودحا بابها ، وقلع الصخرة عن فم القليب ، وسلب العزّة من جبابرة اليمن ومهّد أمرها إلا ماضي عزمه ؟
وهل قاتل الناكثين والمارقين والقاسطين غيره ؟
وهل باهل باسم غيره جبرائيل:
لا سيف إلا ذو الفقار |
ولافتى إلا علي |
ولقد ورث منه هذه الشجاعة شبله أبو الأئمّة ، وشفيع الامّة أبو عبد الله
____________________
(١) الأحزاب: ٢٥.
الحسينعليهالسلام حتى قال بعض الرواة:
والله ما رأيت مكثوراً قط قتل ولده ، وأهل بيته وأنصاره أربط جأشاً من الحسينعليهالسلام ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكمّلوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ، حتى قتل منها الفاً وتسعمائة عدا المجروحين ، فناداهم ابن سعد لعنه الله:
الويل لكم يا أهل الكوفة أتدرون لمن تقاتلون ؟ هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، فاحملوا عليه من كلّ جانب ، وكانت الرماة أربعة آلاف فرموه بالسهام ، حتى حالوا بينه وبين رحله ، فصاح بهم:
ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون.
فناداه شمر لعنه الله: ما تقول يا بن فاطمة ؟
قالعليهالسلام : أنا اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهنّ جناح ، فامنعوا عتاتكم وجهّالكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حياً.
فقال الشمر لعنه الله: لك ذلك يا بن فاطمة ، ثم صاح: إليكم عن حرم الرجل واقصدوه بنفسه فلعمري انّه كفؤ كريم.
فقصد القوم بالقتال وهو مع ذلك يطلب شربة من الماء ، وكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه حتى أجلوه عنه فنادى:
هل من مغيث فيغيثنا ؟
هل من ناصر فينصرنا ؟
ووقف على جثث أهل بيته وأصحابه فناداهم بأسمائهم ، فاضطربت أجسامهم اضطراب السمكة في الماء: فناداهم:
قوموا عجالاً فما العرى |
بدار ولا هذا المقام مقام |
|
فماجت على وجه الصعيد جسومهم |
ولو أذن الله القيام لقاموا |
[المجلس السادس والعشرون]
ومن كلام لهعليهالسلام :
والله لَأَن أبيتَ على حَسَك السعدان(١) مُسهّداً(٢) ، أو اُجَرّ في الأغلال مُصفّداً ، أحبّ إليَّ مِن أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، وغاصِباً لشيء من الحُطام ، وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يُسرع إلى البِلى قفولها(٣) ، ويطول في الثرى حلولها.
والله لقد رأيت عقيلاً(٤) وقد أملق حتى أستماحني(٥) مِن بُرّكم هذا صاعاً. ورأيت صبيانه شُعث الشعور(٦) ، غُبر الألوان من فقرهم(٧) كأنّما سُوّدَت وجوههم بالعِظلِم(٨) ، وعاودني مؤكداً ، وكرّر عليَّ القول مردّداً ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أنّي أبيعه ديني ، وأتّبع قياده مُفارقاً طريقتي ، فأحميتُ له حديدة ثم أدنيتها من
____________________
(١) كأنّه يريد من «الحسك» الشوك. والسعدان: نبت ترعاه الابل له شوك تشبه به حلمة الثدي.
(٢) المسهّد - من سهّد -: إذا أسهره ، والمصفّد: المقيد.
(٣) قفولها: رجوعها.
(٤) عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، أبو يزيد ، أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها ، صحابي فصيح اللسان شديد الجواب ، وهو أخو علي وجعفر لأبيهما ، وكان أسنّ منهما ، هاجر إلى المدينة سنة ٨ ه ، عمي في أواخر أيّامه ، توفي أوّل أيام يزيد ؛ وقيل: في خلافة معاوية.
انظر: الاصابة ترجمة رقم ٥٦٣٠ ، البيان والتبيين ١: ١٧٤ ، الطبقات الكبرى ٤: ٢٨.
(٥) قالرحمهالله : أملق: افتقر اشدّ الفقر ، واستماحني: استعطاني.
(٦) قالرحمهالله : الشعث: جمع أشعث ، وهو من الشعر المتلبّد بالوسخ.
(٧) قالرحمهالله : الغبر: جمع أغبر ، وهو متغيّر اللون شاحبة.
(٨) قالرحمهالله : العظلم - كزبرج - سواد يصيغ به ؛ قيل: وهو النيلج.
جسمه ليعبتر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف(١) مِن ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها(٢) ، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل ! أتئنّ من حديدة أحماها انسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ؟ أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لُظى ؟! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة(٣) في وعائها ، ومعجونة شَنِئتها(٤) كأنّما عجنت بريق حيّةٍ أو قيئها ، فقلت: أصلةٌ ، أم زكاةٌ ، أم صدقة ؟ فكلّ ذلك(٥) محرّم علينا أهل البيت !(٦)
بأبي أنت وامي يا أمير المؤمنين كيف بك لو رأيت أطفالك وأيتام ولدك أبي عبد الله وهم في أشر الذلّة ووثاق السبي ، يساقون عطاشى جياعاً مربطين بالحبال ، وأهل الكوفة يتصدّقون عليهم وهم في المحامل مقرّنين بالأصفاد ، فجعلت صبيتكم لشدّة جوعهم يتناولون بعض الخبز والتمر والجوز ، فصاحت خفرتك وعقيلتك امّ كلثوم:
ويلكم يا أهل الكوفة ، إنّ الصدقة علينا حرام ، وجعلت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وترمي به إلى الأرض ، والناس يبكون على ما أصابهم ، فأطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم:
مه يا أهل الكوفة ، تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم ؟ فالحكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء.
____________________
(١) الدنف - بالتحريك - المرض.
(٢) الميسم - بكسر الميم وفتح السين -: المكواة.
(٣) الملفوفة: نوع من الحلواء أهداها الأشعث بن قيس إلى عليعليهالسلام .
(٤) شنئتها: كرهتها.
(٥) كذا في الأصل ، وفي المصدر: فذلك.
(٦) نهج البلاغة (شرح الدكتور صبحي الصالح): ٣٤٦ رقم (٢٢٤).
فبينا هي تخاطبهم إذا بضجّة قد ارتفعت ، وإذا هم بالرؤوس قد جاؤوا بها على الرماح ، يقدمهم رأس الحسينعليهالسلام ، وهو رأس زهري قمري ، أشبه الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولحيته كسواد السبج ، قد نصل منها الخضاب ، ووجهه دائرة قمر طالع ، والريح تلعب بكريمته الشريفة يميناً وشمالاً ، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى سال الدم من تحت قناعها ، وأومأت إليه بحرقة.
يا هلالاً لمـّا استتمّ كمالاً |
غاله خسفه فأبدى غروبا |
|
ما توهّمت يا شقيق فؤادي |
كان هذا مقدّراً مكتوبا |
[المجلس السابع والعشرون]
روي المنذر بن الجارودي(١) فيما حدّث به أبو حنيفة الفضل بن الحباب الجمحي ، عن ابن عائشة ، عن معن بن عيسى ، عن المنذر بن الجارود قال:
لمـّا قدم علي رضي الله عن البصرة دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية فخرجت انظر إليه ، فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب ، عليه قلنسوة وثياب بيض ، متقلّداً سيفاً ، معه راية وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة ، مدجّجين في الحديد والسلاح ، فقلت: من هذا ؟
فقيل: أبو أيّوب الأنصاري صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهؤلاء الأنصار وغيرهم ، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلّداً سيفاً ، متنكّب قوساً معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس ، فقلت: من هذا ؟
فقيل: هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري(٢) ذو الشهادتين.
____________________
(١) المنذر بن الجارود بن عمرو بن خنيس العبدي ، ولد في عهد النبي وشهد الجمل مع عليعليهالسلام ، وولاه علي إمرة اصطخَر ، ثمّ بلغه عنه ما ساءه فكتب إليه كتاباً وعزله ، ولاه عبيد الله بن زياد ثغر الهند سنة ٦١ ه ، فمات فيها آخر سنة ٦١ ه.
انظر: الإصابة ترجمة رقم ٨٣٣٦ ، جمهرة الأنساب: ٢٧٩ ، الأغاني ١١: ١١٧.
(٢) خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ، وشهد بدراً وما بعدها ، جعل رسول اللهصلىاللهعليهوآله شهادته شهادة رجلين ، شهد الجمل وصفين واستشهد فيها وهو القائل يومئذ:
ثمّ مرّ بنا فارس آخر على فرس كميت معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء ، وعليه قباء أبيض مصقول متقلّد سيفاً ، متنكّب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية فقلت: من هذا ؟
فقيل لي: أبو قتادة بن ربعي(١) .
ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء وقد سدلها بين يديه ومن خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينة ووقار ، رافع صوته بقراءة القرآن متقلّد سيفاً ، متنكّب قوساً معه راية بيضاء في ألف فارس من الناس مختلفي التيجان ، وحوله مشيخة وكهول وشباب ، كأنّ قد اوقفوا للحساب أثر السجود قد أثّر في جباههم ، فقلت: من هذا ؟
فقيل: عمّار بن ياسر(٢) في عدّة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم.
ثم مر فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء ، متنكّب قوساً متقلّد سيفاً ، تخطّ رجلاه في الأرض في ألف فارس من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه رايات صفراء قلت: من هذا ؟
إذا نحن بايعنا علياً فحسبنا |
أبو حسن ممّا نخاف من الفتن |
|
وفيه الذي فيه من الخير كلّه |
وما فيهم بعض الذي فيه من حسن |
انظر ترجمته في أسد الغابة ٢: ١٣٣ ، الاصابة ١: ٤٢٥ - ٤٢٦.
____________________
(١) أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدة (بلدمة) الخزرجي الأنصاري ، من الموالين لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وشهد معه مشاهده كلّها توفي سنة أربعين وكان بدرياً.
انظر: أسد الغابة ٦: ٢٥٠ ، الاصابة ٤: ١٥٨.
(٢) أبو اليقظان عمار بن ياسر ، أحد الأركان ، وهو جلدة ما بين عين وأنف رسول الله كما ورد في الحديث
انظر ترجمته في: الاصابة ٢: ٥١٢ ، أسد الغابة ٤: ١٣٠ - ١٣٥.
قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة(١) في الأنصار وأبناؤهم وغيرهم من قحطان.
ثم مر بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء ، قلت: من هذا ؟
قيل: هو عبد الله بن العباس في عدّة من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ثم تلا موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأوّلين ، قلت: من هذا ؟
قيل: قثم بن العباس(٢) ، أو سعيد بن العاص(٣) .
ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً واشتبكت الرماح.
ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفوا الرايات ، في أوّله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنّما كسر وجبر.
____________________
(١) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي: عظيم من العظماء من كرام أصحاب رسول الله ، ومن كرماء العرب وأحد الدهاة ، من الموالين لعليعليهالسلام ، واستمر بعد استشهاد أمير المؤمنين في ولائه للامام الحسن ولم يبايع معاوية إلى أن قال له الحسنعليهالسلام : أنت في حلّ من بيعتي.
انظر: أسد الغابة ٤: ٤٢٥ ، الاصابة ٣: ٢٤٩ ، الاستيعاب ٣: ٢٢٤ - ٢٣١.
(٢) قثم بن العباس بن عبد المطلب: استعمله أمير المؤمنينعليهالسلام على مكة.
أخرج الحاكم في المستدرك (٢: ١٣٦ ح ٤٦٣٣) بسنده الصحيح عن أبي إسحاق قال: سألت قثم ابن العباس: كيف ورث عليَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله دونكم ؟ قال: لأنّه كان أولنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً. انظر: أسد الغابة ٤: ٣٩٢.
(٣) هو سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي.
انظر: الاصابة ٣: ٩٣ ترجمة رقم «٣٢٧٩».
- قال ابن عائشة: وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق كذلك تخبر العرب في وصفها إذا اخبرت عن الرجل: أنّه كسر وجبر - كأنّما على رؤوسهم الطير ، وعن ميسرتهم شاب حسن الوجه قلت: من هؤلاء ؟
قيل: هذا علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله ، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى ، وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم ، وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية ، فصلّى أربع ركعات ، وعفّر خدّيه على التربة وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعو: اللهم رب السماوات وما أظلّت ، والأرضين وما أقلّت ، وربّ العرش العظيم.
هذه البصرة اسألك خيرها ، وأعوذ بك من شرّها. اللهم انزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين.
اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا عليَّ ، ونكثوا بيعتي. اللهم احقن دماء المسلمين.
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء ، وقال: على مَ تقاتلونني ؟
فأبوا إلا الحرب.
فبعث رجلاً من أصحابه يقال له: مسلم ، معه مصحف يدعو إلى الله فرموه بسهم فقتلوه فحمل إلى علي ، وقالت اُمّه:
يا ربّ إنّ مسلمـّا أتاهم |
يتلو كتاب الله لا يخشاهم |
|
فخضبوا من دمه لحاهم |
واُمّه قائمة تراهم |
وأمر عليعليهالسلام أن يصافّوهم ولا يبدءوهم بقتال ، ولا يرموهم بسهم ، ولا يضربوهم ، ولا يطعنوهم برمح ، حتى جاء عبد الله بن بديل بن ورقاء من الميمنة بأخ له مقتول ، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل.
فقال عليعليهالسلام : اللهم اشهد.
تواتر عليه الرمي فقام عمّار بن ياسر فقال: ماذا تنظر يا أمير المؤمنين ؟
فقام عليعليهالسلام فقال:
أيها الناس ، إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيراً ، ولا تتّبعوا مولّياً ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تمثّلوا بقتيل ، ولا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع.(١)
ولقد يعزّ عليك يا أمير المؤمنين بما فعل القوم الظالمون يوم عاشوراء من تسابقهم على نهب بيوت آل الرسول ، وقرّة عين الزهراء البتول ، يسلبونهنّ وينتزعون الملاحف عن ظهورهنّ ثم يضرمون النار في خيامهنّ ، فخرجن حواسر معوّلات ، حافيات باكيات ، ينادين: وا محمداه وا علياه ، بناتك سبايا ، وذرّيتك مقتّلة ، تسفى عليهم ريح الصبا، هذا حسينك محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والردا ، بأبي العطشان حتى مضى ، بأبي من جدّه المصطفى ، بأبي من أبوه علي المرتضى.
اعزيك فيهم انّهم وردوا الردى |
بأفئدة ما بلّ غلّتها قطر |
|
وثاوين في حرّ الهجيرة بالعرى |
عليهم سوافي الريح بالترب تنجر |
____________________
(١) مروج الذهب ٢: ٢٤٢.
[المجلس الثامن والعشرون]
ومن خطبة لهعليهالسلام :
وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان في الدنيا غذيّ ترف ، وربيب سرف ، يتعلّل في السرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السلوة انّ مصيبة نزلت به ، ضنّاً بغضارة عيشه ، وشحّاً بلهوه ولعبه ، فبينا هو يضحك إلى الدنيا ، وتضحك الدنيا إليه ، في ظلّ عيش غفول ، إذ وطأ الدهر به حسكه ، ونقضت الأيّام قواه ، ونظرت إليه في الحتوف من كثب ، فخالطه بثّ لا يعرفه ، ونجيّ هم ما كان يجده ، وتولّدت فيه فقرات علل ، آنس ما كان بصحّته، ففزع إلى ما كان عوّده الأطباء ، من تسكين الحرّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلا ثورة حرارة ، ولا حرّك بحار إلا هيّج برودة ، حتى فنر معلله ، وذهل ممرضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه ، فقائل: هو لما به ، وممّن لهم ايّاب عافيته ، ومصبّر لهم على فقده ، يذكرهم أسى الماضين من قبله ، فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا ، وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه ، فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه.
إلى أن قالعليهالسلام : وإنّ للموت لغمرات ، هي أفضع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا.(١)
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ١٥٢.
وتالله لا يهوّن سكرات الموت إلا ولاء آل رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فانّ مواليهم ليبشّره ملك الموت ثمّ منكر ونكير بالجنّة ، وإنّ الملائكة لتزفّ أرواح مواليهم إكراماً لهم حتى تدخلها عليهم كما تزفّ العروس الى زوجها ، وأيم الله إنّ من تمام موالاتهم الحزن لحزنهم ، والبكاء على ما أصابهم ، فحدّثوا أنفسكم بمصارع هاتيك العترة ، وتأسّفوا على ما فاتكم من الفوز بتلك النصرة ، واذكروا واعية الحسين ، وحاله وهو بين ثلاثين ألفاً وحيداً فريداً ، قد حال العطش بينه وبين السماء كالدخان ، وقد نزف دمه ، والحجارة والسهام تأتيه من كلّ جانب ، وأهل بيته وأصحابه كالأضاحي حوله ، ونساؤه نوائح ونوادب من خلفه ، وهو تارة يصبّرهم ويعزّيهم ، وتارة يعظ القوم وينذرهم ، ومرّة ينعى أصحابه ويرثيهم ، واُخرى يقف على جثثهم ويمسح الدماء عن وجوههم...
و لمـّا وقف على ولده علي الأكبر وهو ابن تسع عشرة سنة ، وكان أشبه الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، فوجده مقطّعاً إرباً إرباً ، نادى بأعلى صوته: قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا...
و لمـّا وقف على ابن أخيه القاسم(١) وهو ابن ثلاث عشرة سنة ووجده يفحص برجليه الأرض ، قال: عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا يغني عنك.
ثمّ وضع خدّه على خدّ الغلام واحتمله ورجلاه يخطّان الأرض ، ففتح الغلام عينيه ، وتبسّم في وجه عمّه ثمّ فاضت نفسه الزكية ، فوضعه بين القتلى من
____________________
(١) هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، أخو أبي بكر بن الحسن لأبيه واُمّه المقتول قبله. انظر: مقاتل الطالبيين: ٥٠.
أهل بيته...
و لمـّا وقف على أخيه العباس ، وهو كبش كتيبته ، وحامل لوائه ، وموضع سرّه ، ووجده مرضوخ الهامة بعمود من حديد ، مقطوع الساعدين ، وضع يده على خاصرته ونادى:
الآن انكسر ظهري ، الآن قلّت حيلتي وشمت بي عدوي.
هوى عليه ما هنالك قائلاً |
الآن بان عن اليمين حسامها |
|
الآن آل إلى التفرّق جمعنا |
الآن حلّ من البنود نظامها |
|
الآن نامت أعين بك لم تنم |
وتسهّدت اُخرى فعزّ منامها |
|
أشقيق روحي هل تراك علمت إذ |
غودرت وانثالت عليك لئامها |
|
من مبلّغٌ أشياخ مكّة أنّه |
قد قلّ ناصرها وغاب همامها |
[المجلس التاسع والعشرون]
ومن خطبة لهعليهالسلام :
أمّا بعد: فانّي احذركم الدنيا ، فانّها حلوة خضرة ، حُفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لا تدوم حبرتها(١) ، ولاتؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكّالة غوّالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى اُمنية أهل الرغبة والرضا بها ، أن تكون كما قال الله تعالى:( كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّيَاحُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) (٢) لم يكن امرؤ منها في حبرة ، إلا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرائها بطناً ، إلا منحته من ضرّائها ضهراً ، ولم تطله فيها ديمة رخاء ، إلا هتنت عليه مزنة بلاء ، وحريّ إذا أصبحت له منتصرة ، أن تمسي له متنكّرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى(٣) ، لا ينال امريء من غضارتها رغباً ، إلا أرهقته من نوائبه تعباً ، ولا يمسي منها في جناح أمن، إلا أصبح منها على قوادم خوف ، غرّارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ، لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى ، من استقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ، وزال عمّا قليل عنه ، كم واثق منها فجعته ، وذوي طمأنينة لها قد صرعته ، وذي ابهة قد جعلته حقيراً ،
____________________
(١) قالرحمهالله : حبرتها: يعني بهجتها وسرورها.
(٢) سورة الكهف: ٤٥.
(٣) قالرحمهالله : أي كثر فيه الوباء.
وذي نخوة قد ردّته ذليلاً ، سلطانها دول ، وعيشها رنق(١) ، وعذبها اجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب.(٢)
هذه أنبياء الله وأصفياؤه تغلّبت عليهم الجبابرة ، وتحكّمت فيهم أعداء الله حتى كان بنو اسرائيل ربّما يقتلون بين طلوعي الفجر والشمس سبعين نبيّاً ، ثم يجلسون في أنديتهم كأنّهم لم يفعلوا شيئاً.
ولما بعث الله إسماعيل بن حزقيل الى قومه سلخوا جلده ووجهه وفروة رأسه ، فأتاه ملك من ربّه عزّ وجل يقرؤه السلام ويقول له: قد أمرني الله بطاعتك ، فمرني بما شئت ، فقالعليهالسلام : لي بالحسين اُسوة.
بأبي أنت واُمّي يا أبا عبد الله.
بأبي أنت وامي يا من تأسّت به أنبياء الله ، لئن سلخت جلدة وجه إسماعيل وفروة رأسه في سبيل الله ، فلقد أصابك في إعلاء كلمة الله من ضرب السيوف ووخز الأسنّة ، ورمي الأحجار ، ورشق النبال ، ووطيء الخيل ، وعسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ما هو أعظم من ذلك.
تأسّت بك أنبياء الله لكن لم يبلغوا شأوك ، ولا اُصيبوا بما اصبت ، وهل مُني أحد من العالمين بما منيت به ؟ فررت بدمك من حرم جدّكصلىاللهعليهوآله إلى حرم الله عز وجل حيث يأمن الوحش والطير ، فلم تأمن فيه على نفسك ،
____________________
(١) قالرحمهالله : الرنق: الكدر.
أقول: يقال: عيش رنق - بكسر النون -: أي كدر ، وماء رنق - بالتسكين -: أي كدر ، والرنق - بفتح النون -: مصدر قولك: رنق الماء - بالكسر - ورنقته أنا ترنيقاً أي كدرته.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٧: ٢٢٦.
ففرت منهم لما خفتهم بعيالك وأطفالك وأهل بيتك ، فلاقيت من أعداء الله ما رفع الله به قدرك ، وعظم به أمرك ، ولقد يعزّ على جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يراك بين ثلاثين ألفاً لا ناصر لك ولا معين ، وأبناؤك واخوتك وأهل بيتك والخيرة من شيعتك مجزّرين كالاُضاحي نصب عينيك ، ورضيعك يذبح وهو على يديك ، وحرمك نوائح ونوادب من خلفك ينادين: واغربتاه ، واضيعتاه.
وبالعزيز على فاطمة الزهراء أن تراك يا عزيزها بين جموعهم وقد ضعفت عن القتال ، ونزف دمك من كثرة الجراح، وحال العطش بينك وبين السماء كالدخان ، وأنت تنادي:
أما من ناصر فينصرنا ؟
أما من مغيث فيغيثنا ؟
وليت رسول الله رآهم وقد افترقوا عليك أربعة فرق: فرقة بالسيوف ، وفرقة بالرماح ، وفرقة بالسهام ، وفرقة بالحجارة ، حتى ذبحوك عطشاناً من القفا ، وأنت تستغيث فلا تغاث.
ثمّ هجموا على ودائع النبوّة فسلبوهنّ ونهبوا خيامهن ، وأشعلوا فيها النار ، فخرجن حافيات حاسرات ، معوّلات مسلبات ينادين:
وامحمداه واعليّاه ، وما اكتفوا بذلك حتى أجالوا الخيل على جسدك الطاهر ، ورفعوا رأسك على رمح طويل ، وساقوا نساءك وهن عقائل الوحي سبايا ، كأنهنّ من كوافر الديلم ، حتى أدخلوهن تارة على ابن مرجانة ، واُخرى على ابن آكلة الأكباد.
وأعظم ما يشجي الغيور دخولها |
على مجلس ما بارح اللهو والخمرا |
|
يعارضها فيه الدعي مسبّة |
ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا |
[المجلس الثلاثون]
ومن كلام لهعليهالسلام :
الدنيا دار مني لها الفناء ، ولأهلها منها الجلاء ، وهي حلوة خضراء ، قد عجلت للطالب ، والتبست فارتحلوا منها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد ، ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ، ولا تطلبوا فيها أكثر من البلاغ.(١)
هذا الكلام كان من عليعليهالسلام وفق فعله ، فانّه ما شبع من طعام قط ، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً.
قال عبيد الله بن أبي رافع: دخلت عليه يوم عيد فقدّم إليه جراب مختوم ، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً فأكل منه ، فقلت: يا أمير المؤمنين كيف تختمه ؟
قال: خفت هذين الولدين أن يليناه بسمن أو زيت.
وكان ثوبه مرقوعاً بجلدة تارة ، وبليف اُخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرابيس(٢) ، فإذا وجد كمه طويلاً قطعه ، وكان يأتدم بخلّ أو ملح ، فان ترقّى فببعض نبات الأرض ، فان ارتفع فبقليل من ألبان الإبل ، ولا يأكل اللحم إلا قليلاً ، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً ، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام ، فيفرّقها ثم يقول:
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ١٥٢.
(٢) الكرباس - بالكسر -: ثوب من القطن الأبيض.
هذا جناي وخياره فيه |
إذ كلّ جانٍ يده إلى فيه(١) |
ورآه عدي بن حاتم(٢) وبين يديه ماء قراح ، وكسيرات من خبز الشعير فقال: لا أرى لك يا أمير المؤمنين أن تظل نهارك صائماً مجاهداً ، وبالليل ساهراً مكابداً ثم يكون هذا فطورك ؟ فقالعليهالسلام :
علّل النفس بالقليل وإلا |
طلبت منك فوق ما يكفيها(٣) |
ولم يزل هذا دأبه ، وهذه سجيّته ، حتى ضربه أشقى الآخرين على رأسه في مسجد الكوفة صبيحة ليلة الأربعاء لتسعة عشر مضين من شهر رمضان المبارك وهو ساجد لله في محرابه ، فبلغ السيف موضع السجود من رأسه ، فقال: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، فزت وربّ الكعبة لا يفوتنكم ابن ملجم ، واصطفقت أبواب الجامع ، وهبت ريح سوداء مظلمة ، ونادى جبرائيل بين السماء والأرض:
تهدمت والله أركان الهدى ، وانطمست والله أعلام التقى ، وانفصمت والله العروة الوثقى ، قتل ابن عم المصطفى، قتل الإمام المجتبى ، قتل علي المرتضى ، وجعل الدم يجري على وجهه ، فيخضب به لحيته الشريفة.
واقتدى به ولده أبو عبد اللهعليهالسلام حيث رماه سنان لعنه الله بسهم
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٦.
(٢) عدي بن حاتم الطائي: أبو طريف ، كان من المنقطعين إلى أمير المؤمنينعليهالسلام والعارفين بحقّه ، صاحب المواقف المشهودة في الجمل وصفين وغيرهما ، فقئت عينه يوم الجمل ، واستشهد ابنه محمد فيها ، والآخر يوم النهروان ، قال له معاوية يوماً: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بنيك وأخر بنيه ! فقال عدي: بل أنا ما أنصفت علياً إذ قتل وبقيت.
انظر: الاستيعاب ٣: ١٤١ ، الاصابة ٢: ٤٦٨.
(٣) مناقب ابن شهر اشوب ٢: ٩٨ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٢٤٦.
فوقع في نحره فسقط عن جواده ، وقرن كفّيه جميعاً فكلّما امتلأتا خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول: هكذا ألقى الله وأنا مخضّب بدمي ، مغصوب حقّي.
وخرجت زينبعليهاالسلام حينئذ من فسطاطها تنادي: وا أخاه وا سيّداه وا أهل بيتاه ، ليت السماء اُطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل.
وقال هلال بن نافع: وقفت على الحسينعليهالسلام وانّه ليجود بنفسه ، فو الله ما رأيت قتيلاً مضمّخاً بدمائه أحسن منه وجهاً ، ولا أنور منه ، ولقد شغلني نور وجهه ، وجمال هيئته عن الفكرة في قتله.
ومجرّح ما غيرت منه القنا |
حسناً ولا غيّرن منه جديدا |
|
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى |
مذ ألبسته يد الدماء لبودا |
[المجلس الحادي والثلاثون]
ومن كلام لهعليهالسلام بعد تلاوته( أَلْهَاکُمُ التَّکَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) (١) .
يا له مراماً ما أبعده ! وزوراً ما أغفله ! وخطراً ما أفظعه ! لقد استخلّوا منهم أي مدّكر ، وتناوشوهم من مكان بعيد.
أفبمصارع آبائهم يفخرون ! أم بعديد الهلكى يتكاثرون ! يرتجعون منهم أجساداً خوت ، وحركات سكنت ، ولأن يكونوا عِبراً ، أحقّ من أن يكونوا مفتخراً ، ولأن يهبطوا بهم جناب ذلّةٍ ، أحجى من أن يقوموا بهم مكان عزّة ، لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ، وضربوا منهم في غمرة جهالة ، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية والربوع الخالية ، لقالت: ذهبوا في الأرض ضلالاً ، وذهبتم في أعقابهم جهّالاً ، تطؤون في هامهم ، وتستنبتون في أجسامهم ، وترتعون فيما لفظوا ، وتسكنون فيما خربوا ، وانّما الأيّام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم.
أولاؤكم سلف غايتكم وفرّاط مناهلكم ، الذين كانت لهم مقاوم العزّ ، وحلبات الفخر ، ملوكاً وسوقاً ، سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً ، سلّطت الأرض عليهم ، فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات قبورهم ، جماداً لا ينمون ، وضماراً لا يوجدون..... لئن بليت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلّموا من
____________________
(١) التكاثر: ١ - ٢.
غير جهات النطق ، فقالوا: كلحت الوجوه والنواضر ، وخوت الأجسام النواعم ، ولبسنا أهدام البلى ، وتكّأدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة ، وتكهّمت الربوع الصموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكّرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجاً ، ولا من ضيق مخرجاً.(١)
وتالله لا يفرج الكرب ، ولا يؤنس الوحشة إلا شفاعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأوصيائهعليهمالسلام ، وبالله لترونّ أمير المؤمنينعليهالسلام واقفاً على شفير قبوركم يعلمكم جواب منكر ونكير ، وليبدلنّ الله وحشتكم بواسطته انساً ، وخوفكم برؤيته أمناً ، وليدخلنّ عليكم السرور في أجداثكم ، ولتقومنّ يوم القيامة سيدة نساء العالمينعليهاالسلام مقاماً تغبطون عليه وتدخلون به الجنّة.
فحقيق علينا أن نشاركها في مصيبتها التي أرزأت جبرائيل ، ونواسيها في رزيتها التي عظمت على الرب الجليل.
فيا ليت لفاطمة وأبيها عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها ، وهم ما بين مسلوبٍ وجريح ، ومأسور وذبيح ، وبنات الوحي والنبوة يطاف بهن من بلد إلى بلد حتى وردوا بهن الشام ، فلمّا قربوا من دمشق دنت اُمّ كلثوم من شمر لعنه الله فقالت له: لي إليك حاجة.
قال: ما حاجتك ؟
قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل نظاره.(٢)
وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها ،
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ١٤٥.
(٢) الملهوف: ١٧٤ ، مثير الأحزان: ٩٧.
ونحن في هذه الحال ، فأمر اللعين في جواب سؤالها: أن تحمل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً ، ثم سلك بهم الطرق العامّة على تلك الصفة حتى أتى بهم باب دمشق ، فأوقفوهم على درج باب المسجد ، حيث يقام السبي ، وطافوا برأس الحسينعليهالسلام سكك دمشق وشوارعها.
جاءوا برأسك يا بن بنت محمد |
متزمّلاً بدمائه تزميلا |
|
قتلوك عطشاناً و لمـّا يرقبوا |
في قتلك التأويل والتنزيلا |
|
ويكبّرون بأن قتلت وانّما |
قتلوا بك التكبير والتهليلا |
[المجلس الثاني والثلاثون]
ومن خطبة لهعليهالسلام :
ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً ، وأبقى آثاراً ، وأبعد آمالاً ، وأعدّ عديداً ، وأكثف جنوداً ، تعبّدوا للدنيا أي تعبّد ، وآثروها أي إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ، ولا ظهر قاطع ، فهل بلغكم أنّ الدنيا قد سخت لهم نفساً بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صبحة ، بل أرهقتهم بالفوادح ، وأزهقتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ، ووطأتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون ، أفهذه تؤثرون ؟ أم عليها تحصرون ؟ فبئست الدار لمن لم يتّهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها ، فاعلموا وانتم تعلمون بأنكم تاركوها ، وظاعنون عنها ، واتّعظوا فيها بالذين قالوا من أشدّ منّا قوّة ، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً ، وانزلوا فيها فلا يدعون ضيفاناً ، وجعل لهم من الصفيح أجنان ، ومن التراب أكفان ، ومن الرفاة جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعياً ، ولا يمنعون ضيماً ، إن جيدوا لم يفرحوا ، وان قحطوا لم يقنطوا ، قد استبدلوا يظهر الأرض بطناً ، وبالسعة ضيقاً ، وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة ، فجاءوها كما فارقوها حفاةً عراة ، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة ، والدار الباقية ، حيث لا ينفع الإنسان إلا ما قدّمه من أعماله الصالحة ، وما يرجوه من شفاعة الشافعين.(١)
وانّ أفضل عمل صالح. وأقوى سبب لنيل الشفاعة ، لزوم سنّته ، واتباع
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٧: ٢٢٦ وج ١١: ٢٥٧.
عترتهصلىاللهعليهوآله ، فانّهم أحد الثقلين الذين لا يضل من تمسّك بهما ، ولا يهتدي إلى الله من صدف عنهما.
وقد قالصلىاللهعليهوآله من خطبة خطبها يوم غدير خم(١) :
____________________
(١) أقول: قد كثر الحديث حول هذا الحديث والف في جمع اسانيده الكتب قديماً وحديثاً ولعل اوّل من الف فيه كما في موسوعة الغدير للعلامة الامينيرحمهالله هو ابو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٢١٠ هجرية صاحب التفسير والتاريخ المعروفين وهو من اكابر علماء العامة الف كتاب «الولاية في طرق حديث الغدير».
قال الذهبي في طبقاته ٢: ٢٥٤: «لما بلغ محمد بن جرير ان ابن ابي داود تكلم في حديث غير خم عمل كتاب الفضائل وتكلم في تصحيح الحديث».
ثم قال: قلت: رأيت مجلداً من طرق الحديث لابن جرير فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق».
وقال ابن كثير في تاريخه ١١: ١٤٦ في ترجمة الطبري: «اني رأيت له كتاباً جمع فيه احاديث غدير خم في مجلدين ضخمين» ونسبه إليه ابن حجر في تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٧ (راجع الغدير ١: ١٥٢).
وقد اغنانا العلامة الامينيرحمهالله وكفانا البحث عن طرق هذا الحديث ومصادره فقد الف في ذلك موسوعته الضخمة - التي لم تتم - في احد عشر مجلداً جمع فيها طرقه وأسانيده ومن احتج به أو كلّم فيه أو قال فيه شعراً. ولكثرة النصوص المنقولة في هذا الحديث يحتار الانسان فيما يختاره من نص فآثرنا أن ننقل النص الذي صدره الامينيرحمهالله به كتابه وهو نص جامع بين مختلف النصوص الا أنا اكملنا أبيات حسان بن ثابت في الأخير.
واليك النص:
«أجمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله الخروج إلى الحج في سنة عشرة من مهاجره ، وأذّن في الناس بذلك ، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجّته تلك يُقال عليها حجّة الوداع وحجّة الإسلام وحجة البلاغ وحجة الكمال وحجة التمام ، ولم يحجّ غيرها منذ هاجر إلى أن توفاه الله فخرجصلىاللهعليهوآله من المدينة مغتسلاً متدهّناً مُترجّلاً متجرداً في ثوبين صحاريين إزار ورداء ، وذلك يوم السبت لخمس ليال أو ست بقين من ذي القعدة ، وأخرج معه نساءه كلهم في الهوادج ، وسار معه أهل بيته ، وعامّة المهاجرين والأنصار ، ومن شاء الله من قبائل العرب وأفناء الناس.
وعند خروجهصلىاللهعليهوآله أصاب الناس بالمدينة جدري (بضم الجيم وفتح الدال
وبفتحهما) أو حصبة منعت كثيرا من الناس من الحج معهصلىاللهعليهوآله ، ومع ذلك كان معه جموع لا يعلمها إلا الله تعالى ، وقد يقال: خرج معه تسعون ألف ، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً ، وقيل: مائة ألف وعشرون ألفاً ، وقيل: مائة ألف واربعة وعشرون ألفاً ، ويقال أكثر من ذلك ، وهذه عدّة من خرج معه ، وأمّا الذين حجّوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة والذين أتوا من اليمن مع عليّ (أمير المؤمنين) وأبي موسى.
أصبحصلىاللهعليهوآله يوم الأحد بيلملم ، ثم راح فتعشّى بشرف السيالة ، وصلّى هناك المغرب والعشاء ، ثم صلّى الصبح بعرق الظبية ، ثم نزل الروحاء ، ثم سار من الروحاء فصلّى العصر بالمنصرف ، وصلّى المغرب والعشاء بالمتعشّى وتعشّى به ، وصلّى الصبح بالأثابة ، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج واحتجم بلحى جمل «وهو عقبة الجحفة» ونزل السقياء يوم الأربعاء ، وأصبح بالأبواء ، وصلّى هناك ثم راح من الأبواء ونزل يوم الجمعة الجحفة ، ومنها إلى قديد وسبت فيه ، وكان يوم الأحد بعسفان ، ثم سار فلمّا كان بالغميم إعترض المشاة فصفّوا فشكوا إليه المشي ، فقال: استعينوا بالسلان «مشي سريع دون العدو» ففعلوا فوجدوا لذلك راحة ، وكان يوم الاثنين بمرّ الظهران فلم يبرح حتى أمسى وغربت له الشمس بسرف فلم يصلّ المغرب حتى دخل مكّة ، و لمـّا انتهى إلى الثنيّتين بات بينهما فدخل مكة نهار الثلاثاء».
فلما قضى مناسكه وانصرف راجعاً إلى المدينة ومعه من كان من الجموع المذكورات ووصل إلى غدير خمّ من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين ، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة نزل إليه جبرائيل الأمين عن الله بقوله: «يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك» الآية ، وأمره أن يقيم علياً علماً للناس ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كلّ أحد ، وكان أوائل القوم قريباً من الجحفة فأمر رسول الله أن يردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخّر عنهم في ذلك المكان ونهى عن سمرات خمس متقاربات دوحات عظام أن لا ينزل تحتهن أحد حتى إذا أخذ القوم منازلهم فقمّ ما تحتهنّ حتى إذا نودي بالصلاة صلاة الظهر عمد إليهنّ فصلّى بالناس تحتهنّ ، وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض رداءه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الرمضاء ، وظلّل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس ، فلمّا انصرفصلىاللهعليهوآله من صلاته قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الابل وأسمع الجميع ، رافعاً عقيرته فقال:
الحمد لله نستعينه ونؤمن به ، ونتوكل عليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيّئات أعمالنا الذي لا هادي لمن ضلّ ولا مضلّ لمن هدى وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله - أمّا بعد - ايها
الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله ، واني اوشك أن اُدعى فأجيب ، وإني مسؤول وأنتم مسؤولون ، فما أنتم قائلون ، قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً ، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّ جنته حقّ وناره حقّ وأنّ الموت حقّ وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور ، قالوا: بلى نشهد بذلك ، قال: اللهم اشهد ثم قال: ايها الناس ألا تسمعون ؟ قالوا: نعم ، قال: فاني فرَط على الحوض ، وأنتم واردون عليَّ الحوض ، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة فانظرا كيف تخلّفوني في الثقلين.
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال: الثقل الأكبر كتاب الله طرفٌ بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تضلّوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإن اللطيف الخبير نبّأني انهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض فسألت ذلك لهما ربي ، فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون ، فقال: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال: إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، يقولها ثلاث مرّات ، وفي لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرّات ثم قال: اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب ، ثم لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» الآية ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الله أكبر على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، والولاية لعليّ من بعدي» ثمّ طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات الله عليه وممن هنّأه في مقدّم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر كل يقول: «بخ بخ لك ، يا ابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة» ، وقال ابن عبّاس: وجبت والله في أعناق القوم ، فقال حسّان: إئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليّ أبياتاً تسمعهن ، فقال: قل على بركة الله ، فقام حسان فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادةٍ من رسول الله في الولاية ماضية ، ثم قال:
يناديهم يوم الغدير نبيّهم |
بخمّ واسمع بالرسول مناديا |
|
وقال فمن مولاكم ووليّكم |
فقالوا ولم يبدوا هناك تعاديا |
|
إلهك مولانا وأنت وليّنا |
ولن تجدن منّا لك اليوم عاصيا |
|
فقال له قم يا عليّ فإنّني |
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا |
ألا أيها الناس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي فاُجيب ، وأنا تارك فيكم الثقلين ، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... وثانيهما أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي.
- وزاد الطغرائي -: فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانّهم أعلم منكم.
وكان آخر ما تكلم به - فيما رواه الطبراني عن ابن عمر -: اخلفوني في أهل بيتي.
وفي رواية: فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ، ولا تقصروا عنهم.
بأبي أنت واُمي يا رسول الله أين موضع القبول منهم بعهدك إلى أخيك ، ووصاياك ببضعتك الزهراء وبنيك ؟ وقد هدم القوم ما بنيت ، وأضلّوا جانباً ممّن هديت ، وفعلوا بعترتك ما لا يفعلون بالخوارج ، وقابلوهم بما لا يقابلون به أهل الخنا والريب.
أمّا البتول فقد قضت وبقلبها |
من فعلهم قبسات وجد مكمن |
|
والمرتضى أردوه في محرابه |
بيمين أشقى العالمين وألعن |
|
فخصّ بها دون البريّة كلّها |
عليّاً وسمّاه الغدير أخائيا |
|
فمن كنت مولاه فهذا وليّه |
فكونوا له أتباع صدق مواليا |
|
هناك دعا اللهم وال وليّه |
وكن للّذي عادى معاديا |
انظر: مسند أحمد: ٤ / ٢٨١ ، فضائل أحمد: ١١١ ، ١٦٤ ، مصنّف ابن أبي شيبة: ١٢ / ٧٨ / ١٢٦٧ ، تاريخ بغداد: ٨ / ٢٩٠ ، البداية والنهاية: ٥ / ٢١٠ ، مناقب الخوارزمي: ٩٤ ، كفاية الطالب: ٦٢ ، فرائد السمطين: ١ / ٣٨ ، ٧١ ، السيرة الحلبية ٣: ٢٨٣ ، سيرة أحمد زيني دحلان ٣: ٣ ، تذكرة الخواص: ١٨ ، دائرة المعارف لفريد وجدي ٣: ٥٤٢.
وبشربة السمّ النقيع عداوةٌ |
من كفّ جعدة قد قضى الحسن السني |
|
وإليك عنّي لا تقل حدّث بما |
لاقى الحسين فرزؤه قد شفني |
|
حيث المصائب جمّة لا أدر ما |
منها أقصّ عليك لو كلّفتني |
نعم ، أقصُ عليك مصيبته بأطفاله ، فعن أبي الفرج الاصفهاني: أنّه كان في مخيم الحسينعليهالسلام ستّة أطفال وقفوا في باب الخيمة وقد أضرّ بهم العطش ، فاتلعوا برقابهم إلى الفرات ، يتموّج كأنّه بطون الحيّات ، فجاءتهم السهام فذبحتهم عن آخرهم ، وكان الحسين قد تناول ولده الرضيع ليودعه أومأ إليه ليقبّله رماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه ، فتلقّى الحسينعليهالسلام دم الطفل بكلتا يديه ، لمـّا امتلأتا من الدم رمى به نحو السماء ثم قال: هوّن عليَّ ما نزل بك أنّه بعين الله.
وقيل: أنّ الطفل كان مغمى عليه من شدّة العطش ، فلمّا أحسّ بحرارة السهم رفع يديه من القماط واحتضن أباه..
و لمـّا سقط الحسينعليهالسلام عن ظهر جواده خرج عبد الله بن الحسنعليهالسلام وهو غلام لم يراهق ، واشتدّ حتى وقف إلى جنب عمه ، فلحقته عمّته زينب لتحبسه فأبى وامتنع شديداً وقال: والله لا أفارق عمي.
فأهوى بحر بن كعب ، وقيل: حرملة بن كاهل إلى الحسين بالسيف فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلقة ، فنادى الغلام:
يا اُماه ، فأخذه الحسين عليه الس لام فضمّه إلى صدره وقال:
يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير ، فانّ الله يلحقك بآبائك الصالحين ، فرماه حرملة لعنه الله بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه.(١)
هبوا انّكم قاتلتموا فقتلتم |
فما بال أطفال تقاسي نبالها |
____________________
(١) مقاتل الطالبيين: ٨٩.
[المجلس الثالث والعشرون]
ومن خطبة لهعليهالسلام :
أما بعد: فانّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وانّ الآخرة قد أقبلت وأشرقت باطلاع ، ألا وانّ اليوم المضمار ، وغداً السباق ، والسبقة الجنّة ، والغاية النار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته.
ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ، ألا وانّكم في أيّام أمل ، من ورائه أجل فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله ، فقد نفعه عمله ، ولم يضرّه أجله.
ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة.
ألا وانّي لا أرى كالجنّة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها.
ألا وانّكم قد اُمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد ، وانّي أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى ، وطول الأمل ، فتزوّدوا في الدنيا ما تجهّزوا به أنفسكم غداً ، وتزوّدوا فانّ خير الزاد التقوى.(١)
وسمعه أبو الدرداء يقول في مناجاته في جوف الليل ، وهو مستتر ببعيلات بني النجار:
إلهي اُفكر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي ، ثم اذكر العظيم من أخذك فتعظم على بليّتي.
آه آه ، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها ، وأنت محصيها ، فتقول: خذوه ، فيا له من مأخذو لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته.
____________________
(١) الارشاد للشيخ المفيد: ٢٣٥ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٩١.
آه آه ، من نار تنضج الأكباد والكلى.
آه آه ، من نار نزّاعة للشوى.
آه آه ، من غمرة من لهبات لظى.
قال أبو الدرداء: ثمّ انغمس في البكاء فلم أسمع له حسّاً ولا حركة ، فأتيته فإذا هو كالخشبة اليابسة ، فحرّكته فلم يتحرّك ، وزويته فلم ينزو ، فقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، مات والله علي بن أبي طالب ، فأتيت أهله أنعاه إليهم.
فقالت فاطمة سلام الله عليها: هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله تعالى ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، فرآني أبكي فقال: ممّ بكاؤك يا أبا الدرداء ؟
فقلت: ممّا تنزله بنفسك.
قال: كيف بك لو رأيتني وقد دعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ملائكة غلاظ شداد ، ووقفت بين يدي من لا تخفى عليه خافية.(١)
وكان صلوات الله وسلامه عليه: أعبد الناس ، وأكثرهم صلاة وصوماً ، منه تعلم الناس صلاة الليل. وملازمة الأوراد ، وقيام النافلة.
وكانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ، وما ظنّك بمن يبلغ من محافظته على ورده ، أن يبسط له قطع بين الصفين ليلة الهرير ، فيصلّيعليهالسلام ورده ، والسهام تقع بين يديه ، وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع ، ولا يقوم حتى يفرغ من ورده وصلاته.(٢)
____________________
(١) تنبيه الخواطر (مجموعة ورام) ٢: ١٥٦.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٧.
وقد نسج على منواله في ذلك شبله باب الرحمة ، وأبو الأئمة يوم عاشوراء وقد اجتمع عليه ثلاثون ألفاً ، وافترقوا عليه أربع فرق: فرقة بالسيوف ، وفرقة بالرماح ، وفرقة بالسهام ، وفرقة بالحجارة ، فبينا هو في هذه الحالة ، إذ حضرت صلاة الظهر ، فأمر صلوات الله عليه زهير بن القين ، وسعيد بن عبد الله الحنفي أن يتقدّما أمامه مع نصف من تخلّف معه ، ثمّ صلّى بهم صلاة الخوف ، وتقدّم سعيد بن عبد الله فوقف يقيه السهام بنفسه ، ما زال وما تخطى حتى سقط إلى الأرض وهو يقول:
اللهم العنهم لعن عاد وثمود.
اللهم ابلغ نبيّك عنّي السلام ، وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فانّي أردت ثوابك في نصرة ابن بنت نبيّك ، ثمّ قضى نحبه رضوان الله عليه.
وفي رواية أنّه لما سقط قال: يا سيدي يا بن رسول الله هل وفيت ؟
فاستعبر الحسين باكياً وقال: نعم رحمك الله ، وأنت أمامي في الجنّة.
رجال تواصوا حيث طابت اُصولهم |
وأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبرا |
|
حماة حموا خدراً أبى الله هتكه |
فعظّمه شأناً وشرّفه قدرا |
|
فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم |
ومنه بنات المصطفى ابرزت حسرى |
[المجلس الرابع والثلاثون]
ومن خطبة لهعليهالسلام :
فلو أنّ أحداً يجد إلى البقاء سلّماً ، أو لدفع الموت سبيلاً ، لكان ذلك سليمان بن داود عليه وعلى نبيّنا وآله السلام ، الذي سخر له ملك الجن والانس مع النبوّة ، وعظيم الزلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدّته ، رمته قسي الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطّلة ، وورثها قوم آخرون.(١)
وان لكم في القرون السالفة لعبرة.
أين العمالقة وأبناء العمالقة ؟
أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ؟
أين أصحاب مدائن الرسّ الذين قتلوا النبيّين ، وأطفأوا سنن المرسلين ، واحيوا سنن الجبّارين ؟
أين الذين ساروا بالجيوش ، وهزموا الألوف ، وعسكروا العساكر ، ومدّنوا المدائن ؟
أين بنو اُميّة الذين فعلوا الأفاعيل ، ونهضوا بالأباطيل ، وشيّدوا قواعد الظلم والعدوان ، وعلوا على أساس أهل الكفر والطغيان ، فعاثوا في البلاد ، واكثروا فيها الفساد ، فساموا عباد الله سوء العذاب ، يذبّحون أبناءهم ، ويستحيون
____________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٠: ٩٢.
نساءهم ، حتى هتكوا المدينة المنورة ، وفضحوا نساءها ، وقتلوا رجالها ، ونصبوا على مكّة العرادات والمجانيق ، وفرضوا على عسكرهم عشرة آلاف صخرة يرمونها كلّ يوم ، حتى هدموا الكعبة المشرفة تارة ، وأحرقوها اُخرى ، ولما بناها المسلمون بعد ذلك كان بنو اُميّة يشربون الخمر على سطحها ، وقد مزّقوا ثقل رسول اللهصلىاللهعليهوآله كلّ ممزّق ، أمّا الكتاب فرموه بالنبل حتى مزّقوه ، وقال قائلهم يخاطبه:
تهددني بجبار عنيد |
فها أنا ذاك جبّار عنيد |
|
إذا ما جئت ربك يوم حشر |
فقل: يا ربّ مزّقني الوليد |
وأمّا العترة الطاهرة فقد شتّتوهم في كلّ نادٍ ، وطافوا برؤوسهم ونسائهم على رؤوس الأشهاد ، حتى أوقفوهم بين يدي عبيد الله بن زياد لعنه الله ، فجلست حوراء النساء زينبعليهاالسلام متنكّرة ، وحفّ بها أملاؤها ، فسأل عنها فقيل:
هذه زينب بنت عليعليهالسلام .
فأقبل عليها وقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم.
فقالت زينب: انّما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر وهو غيرنا.
فقال: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟
فقالت: ما رأيت إلا جميلاً ، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ هبلتك اُمّك يا بن مرجانة.
فغضب اللعين وهمّ أن يضربها.
فقال له عمرو بن حريث ، إنّها إمرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.
فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة
من أهل بيتك.
فرقّت عند ذكرها لأخيها وأهل بيتها ، وقالت:
لقد قتلت كهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فان كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت.
فقال لعنه الله: هذه سجاعة ، ولعمري لقد كان أبوها شاعراً سجّاعاً.
فقالت: يا بن زياد ما للمرأة وللسجع.
وأعظم ما يشجي الغيور دخولها |
إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا |
|
يقارضها فيه الدعي مسبّة |
ويصرف عنها وجهه معرضاً كبرا |
***
تمّ بحمد الله وحسن توفيقه ما عثر عليه من كتاب
(المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة)
للإمام المجاهد السيد عبد الحسين
شرف الدين الموسوي قدس سره
في ١٥ شوال ١٣٨٦ ه
وقد تم الانتهاء من مراجعة وتحقيق هذا السفر الخالد
مع مقدّمة الزاهرة بتاريخ ٤ / رجب / ١٤٢١ ه
بقلم العبد المحتاج إلى رحمة الله الغني المغني ،
محمود البدري المكنّى بـ «أبي ذر البصري» بعيداً
عن الأهل والوطن في دار الغربة والهجرة
قم المقدّسة ، والحمد لله على حسن توفيقه
الفهارس العامة
١ - فهرس الآيات القرآنية
٢ - فهرس الأحاديث
٣ - فهرس الأعلام
٤ - فهرس مصادر التحقيق
المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة ٣٤٦
الفهرس
مقدمة الناشر ٥
ترجمة المؤلّف ٧
عملنا في الكتاب ١٣
المقدمة الزاهرة الكتاب المجالس الفاخرة ١٧
مقدمة المؤلف ١٩
المطلب الأول في البكاء ٢١
المطلب الثاني في رثاء الميّت بالقريض ٣٣
المطلب الثالث في تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الميّت ومصائبه ٤٥
المطلب الرابع في الجلوس حزناً على الموتى من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة ٤٨
المطلب الخامس في الانفاق عن الميّت في وجوه البر والاحسان ٥١
المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة ١٢١
التعريف الكتاب ١٢٣
مقدّمة الكتاب(١) ١٢٧
المجلس الأول: في البكاء ١٢٨
المجلس الثاني: في الرثاء ١٣٨
المجلس الثالث: في تلاوة الأحاديث ١٤٩
المجلس الرابع: في الجلوس حزناً على الموتى ١٥٥
المجلس الخامس: في الانفاق صدقة عن الميّت ١٦١
الفصل الاول ١٦٧
[المجلس الأوّل] ١٦٩
[المجلس الثاني] ١٧٦
[المجلس الثالث] ١٨١
[المجلس الرابع] ١٨٥
[المجلس الخامس] ١٩٤
[المجلس السادس] ٢٠٠
[المجلس السابع] ٢٠٧
[المجلس الثامن] ٢١٢
[المجلس التاسع] ٢٢٥
[المجلس العاشر] ٢٣٠
[المجلس الحادي عشر] ٢٣٤
[المجلس الثاني عشر] ٢٤٠
الفصل الثاني في هدي النبي صلىاللهعليهوآله وسيرته وذكر خصائصه المقدّسة ٢٥١
[المجلس الثالث عشر] ٢٥٣
[المجلس الرابع عشر] ٢٥٩
[المجلس الخامس عشر] ٢٦٣
[المجلس السادس عشر] ٢٦٧
[المجلس السابع عشر] ٢٧٢
[المجلس الثامن عشر] ٢٧٧
[المجلس التاسع عشر] ٢٨٠
[المجلس العشرون] ٢٨٤
[المجلس الحادي والعشرون] ٢٨٧
[المجلس الثاني والعشرون] ٢٩٠
[المجلس الثالث والعشرون] ٢٩٤
[المجلس الرابع والعشرون] ٢٩٩
الفصل الثالث في سيرة أمير المؤمنين عليهالسلام ومواعظه وارشاداته ٣٠٣
[المجلس الخامس والعشرون] ٣٠٥
[المجلس السادس والعشرون] ٣١٣
[المجلس السابع والعشرون] ٣١٦
[المجلس الثامن والعشرون] ٣٢١
[المجلس التاسع والعشرون] ٣٢٤
[المجلس الثلاثون] ٣٢٧
[المجلس الحادي والثلاثون] ٣٣٠
[المجلس الثاني والثلاثون] ٣٣٣
[المجلس الثالث والعشرون] ٣٣٩
[المجلس الرابع والثلاثون] ٣٤٢
الفهرس ٣٤٦